 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (161): فلسفة الخلق ومفهوم الحق

majed algharbawi8احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي

 

مفهوم الحق

ماجد الغرباوي: الحق لغة: نقيض الباطل، وفي معاجم اللغة: (الحَقُّ: من أسماء اللهِ تعالى، أو من صِفاتِهِ، والقُرْآنُ، وضِدُّ الباطِلِ، والأمر المَقْضِيُّ، والعَدْلُ، والإِسْلامُ، والمالُ، والمِلْكُ، والمَوجود الثابِتُ، والصِدْقُ، والموتُ، والحَزْمُ، وواحدُ الحُقوقِ). ويأتي بمعنى (المطابقة والموافقة والصواب والصحيح، والحقيقة). وكل معنى ورد في كتاب الله منسجما مع سياقه. ويمكن تعريفه مكثفاً: "ما طابق الواقع عند الشك وارتياب". فالله هو الحق باعتباره "حقيقة مطلقة"، وإخباراته حق لأنها مطابقة للواقع، حينما تقصده بالذات. ومطابقة لمقاصده وغاياته عندما يقصدها. والقرآن حق لأنه وحي من الله. لكن الأهم أن القرآن وظّف مفهوم الحق مرجعية نهائية لمعرفة الحقيقة وتحديد الموقف الديني من القضايا العقدية، ومنطلقا لانتزاع سلطة المقدّس، فجاء مرادفا: لـ(الخالق، القرآن، الحقيقة، الواقع، الخلاص، الإسلام). يتضح جليا من خلال الآيات، وكيفية توظيف المفهوم عبر سياق النص. والمتبادر من لفظ الحق بعده الحقوقي، وينصرف للمرافعات القضائية، وحسم الخلافات القانونية، لكنه مفهوم زاخر بدلالته.

و(الحق) كان وما يزال منذ نزول الوحي نقطة خلاف بين المسلمين وغيرهم، سيما في زمن الرسالة، ومجاورة أهل الكتاب، حتى استدعى كثافة حضوره، لتفادي مراوغاته، وبيان دلالاته، عبر (283) مورد، شملت جلّ مواطن الشك والتردد والخوف والريبة، حداً يصدق أن الحق كان رهان القرآن في تحديه لأهل الكتاب ومناوئيه. وقد سادت ثنائية (حق / باطل) جميع مشاهد القرآن وهو يستعرض صور الصراع المحتدم حول "الحقيقة"، ومعنى الخلاص. فالحق قرآنيا يحتكر الحقيقة، وليست الحقيقة سوى الحق. والخلاص بالحق ولا خلاص بدونه. فالحق مفهوم خطير، لا يمكن تجاوزه، خاصة وأنت تقرأ قوة إيحائه من خلال سياق الآيات، وكيف يبعث الهمم في نفوس المؤمنين، لمقارعة الباطل وفق المفهوم القرآني. وبهذا الشكل راح مفهوم الحق يضفي معنى الحقيقة المطلقة على القضايا الدينية والمصيرية، في مقابل الباطل، وهو ما خلا الحق.

هذه المقدمة تمهّد لفهم إشكالية القصص القرآني، عندما يُحمل على الرمزية، التي يفهم منها القارئ أسطوريتها وعدم مطابقتها للواقع، فكيف تكون القصة حقا وفي نفس الوقت غير واقعية، فترمى بالباطل والأسطورية؟: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ)، (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ). والأسطورية ذريعة أهل مكة لعدم إيمانهم بنبوة محمد: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا). وتمثّل خلاصة الجدل الدائر حول جملة قضايا، اتسمت بغرائبيتها أو عدم تطابقها مع موروثهم الثقافي. فالأسطورية ليست مجرد تهمة بل موقف من الدعوة الجديدة، سببها كما أشارت الآيات:

أولاً: أن الأسطورة في مفهوم قريش سمة كل نص تاريخي وقصصي ديني، لا يتطابق مع موروثهم الثقافي، الذي يتغذى على حكايات القصّاصين وقصص أهل الكتاب. وجميعها يركّز على وقائع القصة وما تضمنت من أحداث وتفصيلات، مهما كانت خرافية، بعيدا عن مقاصدها وغاياتها وحكمتها. فتكون الأسطورة، التي تعني الافتراء والكذب، مبررا لعدم إيمانهم. بينما يركز القصص القرآني على العبرة والموعظة، لا على وقائع النص وأحداثه التاريخية. وعليه فالموروث وليس العقل كان مرجعية قريش لتحديد الموقف من قصص وأخبار الكتاب، والمائز بين الحق والباطل. الأول ما وافق موروثهم، وما عداه باطل وأسطورة. (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ). وهي نتيجة طبيعية للانغلاق المعرفي والثقافي، الذي يكرّس الجهل والأمية الثقافية والتخلف الحضاري والتشبث بالتراث والخرافات، وكان يفترض التأني والاستفهام وعدم إطلاق الأحكام جزافا، فتتحول إلى قضية مزاجية، وهروب مقصود من المسؤولية: (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ).

ثانياً: عدم إدراك قصدية الآيات وما وراء النص. وعدم إداركهم للعظة والعبرة، فيسارعون لتكذيبها ورميها بالأسطورية. وكان ينبغي لهم التأني، وتأويل النص، أو ينتظرون تأويله لاحقا: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ). مما يؤكد أهمية التأويل كمنهج لفهم النص الديني، بل لا يمكن إدراك العظة والعبرة بعيدا عنه، فهو منهج قرآني، ومنهج العلوم الإنسانية الحديثة، وهو مقوّم أساس لفهم لغة الدين، وتفكيك ألغازها وشفراتها ورمزيتها. وهذا ما أكدته الآية أعلاه. فالقصص الرمزية أو الأسطورية ليست باطلا عندما تحقق غاياتها: العظة والعبرة. (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ). وعلى المتلقي تدبّر القصص القرآني دون التسرّع في رفضها  ورميها بالأسطورية التي تعني الخرافة والكَذب وعدم مطابقة الواقع.

القصص الحق

لا ريب، أن ثراء النص وراء مرونته وخلوده، التي تعني قابليته للتأويل باعتباره حقلا دلاليا، تتعدد مدارته وطبقاته. ومع توغل النقد تنفتح فضاءات معرفية، لا تدرك بالتفسير وحمل اللفظ على معناه المعجمي، دون التأويل. وهذا سرّ التأكيد عليه كإمكانية لتقصي ما وراء اللفظ. النص القرآني نص أدبي بليغ، يوظف تقنيات لغوية تضمن تحدي الآخر بنبرة عالية. وليس كالنقد الثقافي منهجا قادرا على تحري مضمراته وأنساقه المعرفية، وما يخفي ويظهر. وما يقوله ويستبعده ضمن هدفه الكلي. فهو لا يكتفي بكشف الصور البلاغية، بل يتوغل تصاعديا مع ثراء النص واستجابته للتأويل. ويمكن الحد من التفكيك من خلال ذات المنطق القرآني الذي جعل العبرة والموعظة هدفا لقصصه. وهذا لا يعني الحد من قدرة الناقد أو قمعه. والكلام حول التأويل المنتج، الذي نطمح له ضمن سياقات الهدف الكلي للكتاب. وهدف القصة هو الذي يبرر صدقها ومطابقتها للحق، وليس الواقع وأحداثه ووقائعه فقط.

وبالتالي، فالأسطورة لا تقابل الواقع. أسطورة / واقع. بل تقع في مقابل الحق، وما عداه باطل وإن طابق الواقع. حق / باطل / أسطورة بمعنى الخراقة والكذب. وهي ذات الثنائية التي تحكم آيات الكتاب والموقف من المشركين والكفار (حق / باطل).

فالقرآن طرح مفهوما جديدا للعلاقة بين الأسطورة والواقع، استهدفت وعي المتلقي، وأعادت تشكيله وفق رؤية جديدة، لم يألفها ضمن بيئته الثقافية والاجتماعية، فهي بالنسبة له افتراء وأسطورة. إذ ثمة علاقة غير مرئية بين النص والمتلقي، يرتهن لها ثأثيره عليه، هي خلاصة تراكم لا شعوري راسخ، من الصعب زعزعته. وبهذا نخلص أن العبرة والعظة هي الحق بالنسبة للقصص القرآني، وليس الواقع ووقائعه وأحداثه، فما حقق أهداف القرآن فهو حق، سواء كانت القصة واقعية، أم كانت رمزية أو أسطورية بالمعنى لأدبي للأسطورة. هذا ما أكدته الآيتان المتقدمتان، فليس التأويل الوارد فيهما سوى دلالات لا يصرّح بها، تستدعي تأويله. أو بالتعبير القرآني أن ما بيدكم من علم لا يكفي لإدراك دلالات القصة: (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ)، وكان ينبغي لكم التأني: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ). بهذه المقدمات يمكننا مقاربة القصص القرآني عامة، وقصة الخلق خاصة.

لا يخفى أن العبرة والعظة لا تختص بالقصص القرآني، بل هي غاية القصص الوعظية والإرشادية. وكثير من القصص على لسان الطير والحيوان (كليلة ودمنة مثالاً)، يقصد بها العبرة والموعظة. أو الترغيب والترهيب. وأيضا يختلفون حولها، فهناك من يلاحق وقائع القصة ويغفل غاياتها ومقاصدها، فيتلاشى تأثيرها باكتشاف حقيقتها، بينما تبقى القصة خالدة بخلود مقاصدها. ولعل مثلا معروفا يكفي لتوضيح الفكرة: كثيرا ما يلجأ الأب أو المعلم والمربى إلى اختراع حكاية لزجر أبنه أو تلامذته. فيحكي لهم عن حيوان غرائبي يفترس كل طفل يقترب من النهر. ويختار أسلوبا حكائيا يصدّقه الأطفال، وتتحقق غايته بالردع. ولو اكتشفوا أسطورية الحكاية تفقد تأثيرها، ويرمون المعلم بالافتراء والكَذب. فمن ينظر لواقع الحكاية يصفها باطلا، ومن ينظر لهدفها فهي حق، يراد بها إجراء استباقيا لتفادي غرق الأطفال.

شاهد قرآني

إذاً المتبادر من مفهوم الحق في القصص القرآني المطابقة التامة بين المضمون والواقع. وعلى هذا الأساس انشغل الخطاب التراثي بقصص الكتاب، يتأمل وقائعها وأحداثها ويتأولها وفقا لرغباته، ويسقط عليها قبلياته، حتى تضخمت تحت ركام تراث روائي راح يحكي تفصيلات لا دليل عليها من الكتاب، ويرفضها العقل، وهي تتحدث عن خرافات وافتراءات، بناء على روايات تاريخية لا تصمد أمام النقد العلمي  وفق ضوابط علوم الدراية والرجال والحديث. لكنها تستهوي السامع في غرائبياتها حول جسم الإنسان ومواصفاته وقدراته الخارقة. وتفسير ظواهر القصص القرآني بعيدا عن العقل، أكثرها تسربت عن طريق أساطير التوراة وحكايات التلمود. 

ولا ريب، أن الحق بمعنى مطابقة الواقع،  يستمد صدقيته من آيات تنفي عن القرآن الافتراء والكذب والباطل، الذي يصدق على التأويل لدى العقل التراثي أو بعضه: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)، (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى). ثم: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا)، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا)، فكيف يقنع برمزية بعض القصص؟ وهو إشكال  بات بسيطا مع تأكيد القرآن على التأويل في فهم مقاصد القصة، خاصة ما كان رمزيا منها، غير أن المشكلة أن اكتشاف العبرة غير متاح إلا لأولي الألباب (لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَابِ). وأولي الألباب مفهوم يستبطن الوعي والإدراك والتأمل والعقل والتدّبر، فمن كان  من أولي الألباب فهو بالضرورة يتصف بهذا المواصفات مهما تفاوتت نسبتها، فتنحسر مصاديقه في دائرة النخب العلمية والطبقة الواعية من علماء ومفكرين.

ينبغي التأكيد أن القول برمزية القصص القرآني لا ينفي واقعيتها مطلقا، فهناك قصص تتحدث عن واقع معين، يتحدى معرفة أهل الكتاب، ودليل على صدقية محمد ونبوته.

(وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ).

(تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ).

(ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ).

(وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ).

هذه المصفوفة من الآيات تتحدث عن تفصيلات حياة الرسل والأنبياء. وتوجه خطابا غير مباشر لأهل الكتاب مفاده: أن ما لدى محمد من تفصيلات تاريخية حول الرسل ومسيرتهم الرسالية هي وحي من عند الله، لم يسبق له معرفتها، ولم يشهد أحداثها، وحي يوحى له، مما يؤكد نبوته.

أجد من المناسب ونحن نتحرى مفهوم الحق في القصص القرآني التأمل في مقاطع من قصة أصحاب الكهف، وهو مشهد يستدعي التأمل في معنى الحق، بعد التدقيق والمقارنة لنمسك بدلالاتها:

- تقدم، ينبغي مقاربة قصة الخلق في سياق ما ورد في التوراة، وهنا أضيف جميع القصص القرآني التي تأتي: تارة تصديقا لما بين يديه، أي كتب أهل الكتاب، وأخرى تكذيبا وثالثا لتصديق نبوة النبي محمد، وتصديق ما جاء في الكتاب الكريم: (لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَبِ مَا كاَنَ حَدِيثًا يُفْترَى‏ وَلَاكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَينْ‏َ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلّ‏ِ شىَ‏ْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون)، فهناك أربعة أهداف وراء سرد القصة القرآنية. وليست هناك قصة لأجل القصة، أو الأدب لأجل الأدب، وإنما أدب ملتزم، وغايات ومقاصد رسالية، تعزز موقع القرآن، وهو يخوض جدلا محموما مع التوراة والإنجيل على مستويات عدة، منها انتزع سلطة المقدس واحتكار الحق، وما يترتب عليه من نتائج يتوخاها النص القرآني. فالحق يعادل احتكار الحقيقة المطلقة، وسُبل الخلاص. فلا ريب بقوة حضوره، وتأكيد الآيات المتواصل عليه.

- تصدّرت قصة أصحاب الكهف آية: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ)، فنحن إذا أمام أنباء، بقرينة الحق، أنها أنباء مختلف حولها، بعضها حق، وهو النبأ القرآني، وبعضها باطل، نبأ أهل الكتاب.

- إذا حملنا مفهوم الحق على مطابقة الواقع فقط، كما هو منطق التراث والخطاب الديني السائد، فستواجهنا آيات تسترعي التأمل في هذه الحقيقة. كيف يمكن تسويتها؟.

- لكي نقارب القصة بشكل صحيح، ينبغي استدعاء ما ذكر حول أسباب النزول، والذي تؤكده ذات الآيات، ومفاصل السرد القصصي. بمعنى آخر، لا نعتمد أسباب النزول ما لم نجد شاهدا يؤكده. وفي أسباب النزول أن قريشا بعثت من يسأل أهل الكتاب، عن كيفية اختبار نبوة محمد باعتبارهم أهل كتاب، ولديهم أخبارهم الخاصة عن الماضين. فكان من جملة ما أخبروهم: هناك فتية في غابر الزمان، إن عرف قصتهم فهو نبي وإلا فمفترٍ. وقصوا عليهم قصتهم. ولما عادوا عرّجوا على المدينة، وسألوا النبي عنهم. فكيف يجيبهم وقد عرف أنهم اختبار صعب؟. هل يخبرهم بواقع أصحاب الكهف الذي لا يعرفه إلا الله، وهو شيء مختلف عما في التوراة؟ وحينئذٍ لا محال سيكذّبونه: (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ)، ويخسر جولته معهم، ويسجل موقفا ضده. أم يجيبهم وفقا لما قاله أهل الكتاب، وهو باطل، كما يفهمه العقل التراثي؟. وبالتالي فإن جواب النبي سيكون حاسما لفهم معنى الحق، فهو لا يقتصر على مطابقة الواقع فقط، بل يختلف الحكم باختلاف موضوعه ومناسباته، ويبقى الهدف الأساس هو مقياس الحق. فكان جواب القرآن، أنه ذكر جميع الاحتمالات التي قال بها أهل الكتاب وجاءت بها قريش تختبر النبي، فكسب الجولة، وأرغمهم على تصديق نبوته، سواء أعلنوا إيمانهم أم استكبروا: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا). فحققت الآية جميع أهدافها، أكدت ما جاءوا به من أخبار، ونفت صدقيتها. وبقي الحق مختصا بالله. فالحق ليس مطابقة الواقع دائما، كما في رد النبي. كي نحتج على رمزية القصص القرآني. ثم تكمل الآيات: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). فالنص ينقل المتداول عند أهل الكتاب، ولا يمضي الواقع، ورغم ذلك يصف إخباره هو الحق. فالحق ليس في تفاصيل قصة أهل الكهف كما ترويها أسطورة التوراة، بل بما حققه السرد القرآني على لسان النبي. ونخلص أن رمزية القصة القرآنية لا تتنافى مع الحق، بل يتأكد مع غاياتها ومقاصدها. وإلا لا معنى للتردد في بيان عددهم وعدد السنين التي لبثوا في كهفهم، وهو محيط بكل كل شيء، وعالم بكل شيء. التردد يتنافي مع وصف الحق الذي يعني الجزم واليقين، غير أنه لا يقصد الواقع عندما وصف نبأهم بالحق، بل يقصد معنى غيره. لذا تختتم القصة في القرآن: (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا). لأن الوقائع غير مقصودة بالذات.

لكن يبقى السؤال: ما هو الدليل على رمزية القصة؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

اعتقد ان هذه الحلقة تختصر و توضح عدة دورات حوار سابقة.
الاسطورة هي مجال الحجاج او صراع المنطق بين الطرفين.
اساطير الأولين التي هاجمها القرآن تحولت لهدف تتحداه السنة النبوية بأساطيرها المعدلة و المحدثة.
و معنى اسطورة و لا شك يدل على حكاية اساسية تفسر احد مظاهر الخلق و التكوين.
و الدين اساسا له علاقة بهذه التفسيرات.
و ما ان تدخل في جماعة يصبح من السهل اشتقاق التعليمات الجرائية او التنظيم.
فالايمان سابق على ادارة جماعة المؤمنين و تنظيمهم.
شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك وتعليق الاخ الاستاذ د. صالح الرزوق.دلالة الاسطورة لدى قريش كما يوضحها القران تعني الافتراء والكذب. لذا نبهث لهذا واشرت للاسطورة بمعناها الدلالي المتداول في اللسانيات. فالاسطورة عندهم انكار لحقيقة القصص. وأما قولك: (اساطير الأولين التي هاجمها القرآن تحولت لهدف تتحداه السنة النبوية بأساطيرها المعدلة و المحدثة.). فهو كلام دقيق, وهذا ما تعمل عليه الفرق والمذاهب .

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

بوركت الجهود استاذ ماجد
ودام العطاء ...متمنيا لكم دوام الصحة مع التقدير...

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

وبارك الله فيك ورعاك. الاديب القدير احمد مانع الركابي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

قرأت النص وهو خارج المامي مجاراة فهم وتفسير المفكر الغرباوي
ما اود الاشارة له هو قدرة الغرباوي تفكيك الاشتباك الحاصل داخل النص الديني المتداخل في سرد القصص ومعنى الاسطورة في الاديان التوحيدية الثلاث
وعلى اية مرجعية نحتكم لها في اجتناب الزيغ عن الحقيقة الدينية والتوهان في مجال التشكيك بين مرويات تلك الاديان المتناقضة كل حسب ادعائه امتلاك كامل الحقيقة الدينية وحده.
فلسفة المفكر الغرباوي تكاد تكون صارمة في مركزيتها ترضية عصمة النص القراني من جهة وبيان الشك والريبة الملازمين لاساطير دينية لاهل الكتاب في تعمدهم امتحان النص القرآني في صدقيته القائمة على الايات بحسب مرجعية اسبقية التوراة والتلمود عليها
جهد مشكور في فلسفة تاويل النص الديني الاسلامي امتلاكه الحقيقة التي هي عند الغرباوي (الحق) لا غيره..

علي محمد اليوسف
This comment was minimized by the moderator on the site

الباحث الفلسفي القدير الاستاذ علي محمد اليوسف. طالما تغدق علي من محبتك، حدا لا اعجز عن شكرك. دمت جديرا نفتخر به وتعتز بما يقدمه من منجز فلسفي. اسعدتني مداخلتك حلى الحوار، مداخلة واثقة. اما قولك: (ترضية عصمة النص القراني)، فليست بالضرورة رؤية عقدية بقدر ما هي نقطة منهجية. تقتضيها طبيعة النص الدين.اكرر شكري واحترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

المفكر والكاتب الكبير ماجد الغرباوي ..حروف ( مفتوحة ) في قمة الروعة تصب في بحر الثقافة الاسلامية وعمق تراثنا المتجدد من ينبوع الحق ....دمت ودام يراعك الجميل .

نجيب القرن
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك وتعليقك الاستاذ الشاعر نجيب القرن. اهلا وسهلا بك في صحيفة المثقف. وشكرا لحسن ظنك وثقتك

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4975 المصادف: 2020-04-19 02:55:36