 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (162): فلسفة الخلق واستفهامات الحقيقة

majed algharbawi9احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثانية والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي

 

استفهامات الحقيقة

ماجد الغرباوي: الأصل في قصص القرآن واقعيتها، ما لم تدل الشواهد على رمزيتها، التي تعني توظيف الخيال لتشييد نص أدبي يحاكي القصص الواقعية في حبكتها، وثيمتها، لتمرير حزمة معانٍ ومفاهيم، يكون السرد القصص الرمزي أقدر على تمثّلها، وردم الهوّة بين النص والمتلقي، بعيدا عن حقيقتها كوقائع وأحداث، مادامت تؤدي مقاصد النص وغاياته الفلسفية والأخلاقية والدينية، بشكل يكون الرمز دالا عليها. وقصة الخلق في القرآن مكتملة العناصر، توحي بواقعيتها من خلال حبكتها وحركة شخوصها، لولا علامات استفهام وتوالي أسئلة، تكاد تجزم برمزيتها. فنحن أمام نص يصعب تحييده، يتناوب عليه مسار تفسيري يلاحق وقائعه وأحداثه، ومسار تأويلي، مغرم بتقصي مداراته، يتطلب أدوات معرفية وتأويليه للوقوف على مضمراته، والكشف عن مقاصده وغاياته. فالتأويل يتحرى ثيمة القصة، لتحديد معالمها، وكيفية توظيفها، عبر الفضاء المعرفي للمتلقي، سيما الأفق الخلّاق، والخيال المبدع، الذي يواصل تشكيل دلالات النص مع كل قراءة. وبالتالي لا حقيقة للقضايا التجريدية والغيبة خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي، فتختلف دلالاتها، وتجدد مع كل قراءة، وثراء ثقافي على مستوى وعي الذات، وحدودها ومعالمها.

وقبل استنطاق النص بحثا عن شواهد تعزز رمزيته، نذكّر بأن القرآن جاء مصدّقا لما بين يديه من التوراة والأنجيل، وقصة الخلق جزء من أسطورة الخلق التوراتية، حيث تخصص يوما لخلق آدم وحواء وإسكانهما الجنة. مجرد حدث تاريخي لا يشي بمعان رمزية أو قيم إنسانية وأخلاقية. والأسطورة تاريخيا سابقة عليها، تحكي سؤال الوجود الملازم لشغف الإنسان بالخلود، لمعرفة أصل وجوده ومصيره. يبحث دائما عن إجابات لظواهر الحياة والموت وما بعد الموت، وهي أسئلة وجودية، تعبّر عن قلق عميق يستبد بالإنسان لا شعوريا. فقصة خلق آدم جزء من قصة الخلق. وهي قصة أسطورية في جذرها التاريخي، وردت في الألواح السومرية والبابلية. قصة خاوية، تؤرخ لبداية حياة الإنسان، وغاية وجوده. خلاصتها أن الآلهة قد طلبت من كبيرها أن يخلق من يقوم مقامها في الأرض بعد أن تعبت، وأرهقها السعي وراء تحصيل أرزاقها، فخُلق الإنسان من دمها وعلى شاكلتها. وهو أقصى ما بلغته المخيلة البشرية آنذاك. وفي التوراة حصلت قفزة نوعية في قصة خلق الإنسان، ابتداء من توحيد الآلهة، وانتهاء بدوره في الأرض، مرورا بالجنة وكيف أغرته الحية، فارتكب خطيئته، عندما أكل من الشجرة المحرّمة. فثمة تشابه، بين التوراة وأساطير الأولين. فهل القصة وحي إلهي أم فكرة بشرية، ضمن جهود الإنسان لفهم حقيقته، وفك أسرار وجوده؟. وليس هذا مهما مادامت ثيمة القصة واحدة، تؤكد خلق آدم. الآلهة في الحضارات القديمة، والله في الأديان التوحيدية.

وقصة الخلق بنسختها الأسطورية لا تتعارض مع الفهم الرابع للوحي، لأنه من الأدنى إلى الأعلى، فيكون قد تمثّلها أثناء عروجه في مراتب الكمال الإنساني، وتكون المرحلة التالية ترشيدا للوعي. بل أيضا لا تتعارض مع الفهم الثاني للوحي، الذي يقول باقتصاره على المعنى دون اللفظ. إذ يتعذر حينئذٍ على النبي إدراكه، الذي يتطلب – أي الإدراك – وجود قبليات تمهّد له على مستوى الفرد، ووسطا ثقافيا على مستوى المجتمع. فالمفاهيم السابقة، بما فيها القضايا الميثولوجية حاضرة في عملية إدراك المعنى، وفي ضوئها يمكنه مقاربة المعنى، وما يطرأ عليه من دلالات، تفرضها قبليات المتلقي / النبي. ولعل عدم وجود ممهدات ثقافية كانت وراء غموض جملة مفاهيم وآيات تناولت قضايا غيبية. وليس سببها عدم وضوح الصورة التي يراها النبي في أحلامه، كما يذهب لذلك عبد الكريم سروش. بل السبب عدم وجود قبليات أولية تساعد على تمثلها فتبقى غامضة أو ملتبسة، كاللوح والذكر والعرش والكرسي. وبالتالي فالاطلاع على الموروث واللاهوت الديني يمهّد لفهم المعاني الدينية، ولو بشكل مقارب، فيصح أنه رهان وضوحها وبيانها، عندما يساهم في تشكيل وعيها وإدراك دلالاتها الأولية. فالملائكة والجن مفاهيم شائعة، يمكن من خلالها إدراك الفوارق الدلالية بين المفهومين المتوارث والجديد. عكسا للمفاهيم الغريبة، تبقىى غامضة، ملتبسة، لعدم وجود قبليات تمهّد لفهمها وإداركها.

مشاهد الخلق

لقد واصل القرآن حديثه عن قصة آدم باعتباره مصدّقا للتوراة والإنجيل. يؤكد ما كان حقا، ويزهق الباطل، والآيات متعددة، منها:

(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ).

(وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ).

(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ).

والآية الأخيرة تؤسس لهيمنة القرآن، ليبقى حقيقة دينية مطلقة ومرجعية نهائية، لا تعلو عليه كتب السابقين. وقصة آدم وردت في التوراة وهو يصدّقها إجمالا، ويقدمها بشكل مختلف، عندما يمنحها أبعادا أخلاقة وإنسانية، وفق نظريته حول الإنسان باعتباره محور الحياة، ورهان الله مع ملائكته. وهذا هو المغري الذي يدعو لتأملها واستنطاق نصوصها وآياتها، فهي تحكي غرائبيات رغم أنها تبدو قصة من حيث حبكتها وتقنية سردها، وتسلسل أحداثها وحركة شخوصها.

وردت قصة الخلق في سور: البقرة، الأعراف، الكهف، وطه. كل سورة استعرضت بعدا من أبعادها، مع وحدة ثيمتها ورموزها، وموضوعها الذي هو خلق آدم. وما علينا سوى طرح الأسئلة واستنطاق الآيات لمعرفة مدى واقعية القصة، ومن ثم  تقصي ثيمتها، وكيف يمكن توظيفها لخدمة الإنسان ومبادئه في إطار قيم الدين والإنسانية. سيما العقل كقيمة عليا. وقد تقدم استعراض الآيات، وسنكتفي بالإشارة لبعضه.

أما عناصر القصة، فهي:

- الرموز الأساسية: الخالق، الملائكة، آدم، إبليس، الشيطان.

- الأمكنة مجهولة باستثناء: الجنة، الأرض.

- الرموز الاعتبارية: خليفة، الأسماء كلها، السجود، شجرة الخُلد، الخطيئة.

عندما نستعيد فصول القصة ستبرز أسئلة تصلح شاهدا على رمزيتها، وتكرّس لفهم دلالات أعمق (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ). والأسئلة تبدأ من بداية الإعلان عن خلافة الإنسان:

- بدءا، نحن لا نعرف عن الخالق سوى ما حدّثنا به القرآن. هو غيب مطلق، حارت العقول في كنهه وتحديد ماهيته ومعرفة حقيقته. غاية ما يصل إليه التأمل الفلسفي: ثمة قوة خالقة لهذا الكون والنظام. وأما مشخصاته فقد ذكر الكتاب الكريم: (ليس كمثله شيء)، لا يقارن بمخلوقاته، ولا يقاس بها: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ). فلا يمكننا تصور حديث الله مع ملائكة أو مع أي من مخلوقاته، مهما حاولنا ذلك، لأنه ممتنع في ذاته. وهذا يكفي شاهدا على رمزية القصة.

- من هذا المنطلق نتوقف عند قوله: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً). لا شك أن المتبادر من المخاطبة المباشرة في القصة واقعيتها، ما لم تدل الشواهد على ضدها، لكن هل يمكن للخالق أن يخاطب الملائكة مباشرة؟، وكيف كان يخاطبهم؟ بأي لسان وأية لغة؟ وهل الملائكة مؤهلة لمخاطبة الخالق بعظمته؟.

- لا نعرف شيئا عن الملائكة، هل هي كائنات محايثة أم نورانية أم كائنات رمزية؟ كل هذا غير واضح، سوى أنها وسائط بين الخالق وخلقه: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ).وأيضا (جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)، فهم رُسل بهيئة مختلفة، عبر عن قدراتهم الخارقة في التنقل بأنهم ذو أجنحة، تتفاوت سرعتهم تبعا لعدد الأجنحة، فهو تعبير رمزي، عن معنى أعمق. وهم ليسوا أناثا: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ). لقد كان مفهوم الملائكة متداولا في الثقافة العربية، وكانت الآيات تصحح تصوراتهم عنها. فكيف كان يخاطبهم، وكيف كانوا يردون؟، كل هذا وغيره يدفع باتجاه رمزية القصة.

- ما هو الدافع وراء إخبار الملائكة، وهو يعلم أنهم لا يسبقونه بالقول؟ كما أن القرآن يؤكد: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)؟. لماذا يستطلع رأي الملائكة وهو يعلم مسبقا ماذا سيقولون؟. (وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا). ألا يدل هذا على وجود غايات أخرى وراء القصة بعيدا عن واقعيتها؟.

- وهل يعترض الملائكة على أوامره، وهم مطبوعون على الطاعة والانقياد: (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)؟.

- ما معنى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ). يعود الإشكال، لماذا يسألهم عن الأسماء وهو يعلم أنهم لا يعرفونها؟ أم أن دلالات الآية بعيدا عن ظاهرها، وما تتداوله كتب التراث والتفسيرات؟  

- ثم (قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ). أن الملائكة تعلم أنه يعلم غيب السماوت، فلماذا يؤكده هنا؟.

- سبق أن ذكرت ما معنى السجود في الآية، غير أننا الآن أمام استدعاء شواهد تؤكد الانتقال من واقعية قصة الخلق إلى رمزيتها: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ). فهل سجود الملائكة كسجود الإنسان أم شيء آخر. فكيف سجدت جميع الملائكة، وفي أي مكان؟ وهل تعلم كم عدد الملائكة كي يحدهم مكان بعينه؟. يصف القرآن في إحدى آياته عدد الملائكة لمشهد واحد فيقول: (وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا). فالسجود بمعناه الشرعي وليس اللغوي يتعذر تعقله بهذا العدد المهول. ثم تشتد الغرابة في الآية مع موقف إبليس: (فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ). كيف نتصور سجود جميع الملائكة إلا إبليس؟ في أي مكان سجد هذا العدد الهائل من الكائنات السماوية، ومتى وأين؟. أم الآية تشير لمعنى آخر للسجود والتمرّد.

نكتفي بهذا القدر من الشواهد والإثارات فهي تكفي لتأكيد رمزية قصة الخلق في القرآن، وانها تهدف على بيان حقيقة الإنسان وبيان مكانته وخصائصه، وكيفية تعقله للأشياء، وما هي قدراته.

تأملات في قصة الخلق

تقوم فلسفة خلق الإنسان في الأساطير القديمة، السومرية والبابلية، على اختزال الإنسان، وتكريس عبوديته للآلهة، التي خلقته مطبوعا على الطاعة والانقياد، تستعين به لتأمين قوتها وغذائها، بعد متاعب الأرض التي أنهكتها، فتكون العبودية جوهره وحقيقته، وليست عارضة أو طارئة عليه. فهو كائن مستلب الإرادة والحرية، متقوّم بغيره. وهو ذات المنطق العبودي الذي ينفي استقلالية الإنسان، ويكرّس تبعيته الوجودية، حداُ يبيح هدر إنسانيته. والأمر لا يختلف مع الأسطورة التوراتية، فالإنسان سيكون حارسا على الأرض ومسيطرا على الأسماك والبحار. أو ليُذهب وحشة الأرض كما في بعض نسخ التوراة. فلم يكن مخلوقا لذاته، مستقلا بإرادته. بينما يعطي القرآن الإنسان قيمة مغايرة حينما جعله خليفة، على الأرض، ومنحه العقل والإرداة والحرية. ليتحمّل مسؤولياته ويؤدي وظيفته الوجودية، وليس عبدا وخادما للآلهة، ولا متسلطا على الأسماك والطيور. بهذا نفهم أن الله أراد أن يخلق إنسانا تتجلى إنسانيته من خلال مشاعره وأحاسيسه وسلوكه. فالقرآن صدّق فكرة الخلق وأعاد تشكيلها وفقا لمفاهيم إنسانية، ليضع فاصلا بين مرحلتي الأساطير والوحي الإلهي، في ضوء الإطار العام للكتاب القائم على وحدانية الخالق. فيتفق مع التوارة في الوحدانية، ويختلف معها حول هدف الإنسان في الحياة، كما استعاد إنسانية الناس، التي سلبتها أساطير الأولين، باعتبارها نتاج مجتمع، يكرّس عبودية الفرد دينيا، ويسلب إرادته وحريته.

ولو نظرنا لفلسفة خلق الإنسان بعيدا عن قدسية الكتاب. فثمة تطور في وعي الإنسان لذاته والآخر، عبرت عنه الأساطير من خلال قصة الخلق، وما تضمنته من حكايات حول كيفية خلقه، وتحديد مهامه، تعكس مستوى الوعي الثقافي لبيئة الأساطير. وأقصد بالثقافة الأعم من الدين والفن والرموز. فالأساطير واكبت حركة الوعي المجتمعي، فهي دالة عليه. لذا كان من الطبيعي أن تؤصل أساطير الأولين لسلطة الآلهة وعبودية الفرد، في الحضارتين السومرية والبابلية. ثم بعد توحّد الآلهة بالإله مردوخ، بدأت ثقافة المجتمع تتأثر بالمنحى الجديد، كما هو واضح في التوراة، التي تحدثت عن الإله الذي خلق آدم على صورته، ليكون حارسا للأرض أو ليبدد وحشتها، وقد خوّله بعضا من سلطاته على الماء. فاختلفت عن أساطير الأولين حول الإلوهية، وحقيقة الفرد من خلال مسؤولياته، فلم يعد عبدا للآلهة، بل مخلوقا لإله واحد، هو الذي خلقه على شكله. ثم جاء القرآن ليسجل نقلة نوعية، لم تكن مسبوقة، حينما راحت قصة الخلق تستعرض حقيقة الإنسان عبر مشاهد القصة، التي اختلفت في تفصيلاتها.

وهنا يأتي السؤال، هل ثمة ما يؤكد تطور وعي المجتمع المكي، وتخليه عن قيمه القَبلية، التي هي قيم عبودية بامتياز؟. وهل الوعي القرآني هو نتاج بيئة ثقافية قائمة على التوحيد وإدراك الأبعاد الإنسانية؟

لا اعتقد ذلك، مما يقوّي فكرة الوحي، حتى مع القول بعبقرية محمد، فإنها عبقرية استثنائية، استمدت وعيها من أفاق نفسية وأخرى غيبية. وبالتالي حتى لو نسبنا تطور الوعي إلى الصراع الطبقي، فإنه لا يصدق على زمن الرسالة، لا أقل من جانب النبي محمد، لعدم وجود شواهد وأدلة كافية، فلم ينفاسهم أحدٌ إقتصاديا وكان الصراع بينهما صراعا بين الإيمان والشرك. لا أنفي أرتباط الديني بالاقتصادي بالنسبة لقريش، إذ كان توظّف سدنتها لمكة المقدسة عند العرب لتكريس مصالحها التجارية والاقتصادية، ولا ريب في ذلك، غير أن هذا القدر لم يحقق تطورا في وعي المجتمع، وبقي الشرك والقيم القبلية حاكمة.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

هذه الحلقة قفزة في تفكير و تحليل الاستاذ الغرباوي، فهو يعرف كيف يقرأ النص انطلاقا من هدف و سياق محددين.
و اضيف: قصص القرآن بنية تكرر بنية الحكايات الشعبية و التي فصلها الشكلاني بروب، و طورها تودوروف في وقت لاحق بكتاب اصدرته دار شرقيات بمصر كما اذكر ( ومنه ترجمات متعددة). بينما كتاب بروب جاء الينا عن طريق تلخيص و مراجعة للدكتورة نبيلة ابراهيم.
اما كتاب إلفة الادلبي الذي صدر عن اتحاد الكتاب بدمشق فهو بقفز من فوق التحليل الغربي و يأخذ شكل قراءة في خلفيات السير و الملاحم و معنى الخير و الشر و علاقة الخيال بالبيئة.
من كل ما سلف تستطيع ان تفهم ان القرآن لم يخترع القصص و لكن اعاد صياغتها و احتفظ بأسلوب المحاججة و المنطق الذي يفهمه الانسان العادي و ابن مجتمع مبني على الخرافة و التصور المادي و الصراع مع جبروت الطبيعة و قوانين الندرة.
فالقرآن احتفظ بمعظم وحدات بنية هذا العقل الصراعي.. و منه سوء تقدير العاقبة و دور ادوات الخير و ادوات الشر و الجائزة المتوقعة و هي النهاية السعيدة. و ايضا عقاب المجرم و الشرير.
و عليه لا يسعنا الا ان نفكر بقصص القرآن بمنطق رمزي.
كما تفضل الاستاذ الغرباوي.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

القران يؤكد انه مصدق لما بن يديه، ومن يقارن بين الكتب السماوي يعرف حقائق الامور، وما هوالفارق الدلالي في قصة الخلق بينها. شكرا لاضافتك ورمضان كرم الاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

رمضان كريم استاذ ماجد
وجهود مباركة حيث رحاب الكلمة وهي تحلق في فضاءات المعاني لتزيح الضبابية عن صور التأويل وما تنطوي فيه من مضامين للمعرفة.

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

دعائي لك بدوام العافية وشكرالمواصلتك قراءة الحوارات. احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

كلام رائع ونقاش مفيد لأسئلة تحاك دوما في النفس الإنسانية عن بداية الخليقة والخالق وغيرها من أمور ( فلسفة الخلق ).
مما شدني في الموضوع ما وضحته حول ما ورد في التوراة أن الله خلق آدم على صورته !
للأسف تناقلها تراثنا الديني عبر ( المحدثين والرواة ) فاختلط بهذه القصص الإسرائيلية وذلك عن طريق روايات كعب الأحبار ووهب بن منبه .
المصادر المعتمدة عند طائفة كبيرة من أهل السنة كصحيح البخاري ومسلم يذكر هذه الرواية اقصد ( تشبيه الله بصورة آدم ) وهي رواية مقززة للنفس فيها تشبيه ! وكثير من الروايات أساءت للخالق من التي فيها تكييف وتشبيه وتحول وانتقال للإله ...جل الله وعلا علوا كبيرا عن ذلك .
المفكر الكبير ماجد الغرباوي شكرا لك حين أشرت إلى آية فاصلة حول خلق الله مختصرة بقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ..

دمت بخير وعافية ودام فكرك المستنير .

نجيب القرن
This comment was minimized by the moderator on the site

احترامي وتقديري لحضور الشاعر نجيب القرن. نعم كثير من الاسرائيليات تسربت لتراث المسلمين وقد ينسبونها للرسول. مما يؤكد قوة حضورها آنذاك، لذا ينبغي اخذها بنظر الاعتبار. شكرا لك ثانية مع خالص الامنيات

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4982 المصادف: 2020-04-26 05:29:54