 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (163): فلسفة الخلق والتداخل بين الأسطوري والديني

majed algharbawi10احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي

 

مقاربة الآيات

ماجد الغرباوي: إن حبكة القصص القرآني لا تسمح باختراق واقعيتها وإدراك ثيمتها بسهولة. والأصعب تحديد مرادها الذاتي، وهو غيب مطلق، لولا أنها جزء من كتاب يمكن تحري ركائزه، وفهم غاياته ومقاصده: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ). فثمة إطار عام، يؤسس لرؤية تضفي معنى لوجود الإنسان ودوره في الحياة، وهذا يكفي بوصلة لتفادي متاهات التأويل وتداعيات الاستغراق بالتكهّنات والاحتمالات، ويمهّد لمقاربة قصة الخلق، وعلاقتها بأسئلة الوجود، عبر منهج مقارن، بدءا من فلسفة الخلق، في وعي الإنسان (الأساطير) أو كما تُصورها الكتب السماوية، وصولا إلى ثيمتها، بعد تقصي جميع ممكنات التأويل، وما تدل عليه رمزية النصوص.

المنهج المقارن يضيء فضاء القصص معرفيا، ويسلّط الضوء على جذرها التاريخي، ومراحل تطورها فلسفيا، مادام الكتاب الذي هو موضوع البحث جاء مصدّقا لما بين يديه، وهو ثقافة المجتمع ذات الجذر الديني، الأشمل من الأساطير والكتب السماوية. فثمة آيات يتوقف فهمها على خلفيتها التاريخية وأسباب نزولها، ونحن نطمح لمعرفة دوافع استعراض قصة الخلق بمختلف مراحلها، دون الإشارة إلى النبي أو المؤمنين أو أهل الكتاب أو الناس، كما هو دأب الخطابات القرآنية، بل مثّلت مجالا معرفيا مستقلا، شغل حيزا من المدونة الأساسية للعقيدة الدينية. وأيضا لم يصفها بالقصص كما في قصة يوسف وأصحاب الكهف. فالبحث التاريخي يساعد على فهم دلالاتها الرمزية، لتدارك أي انزلاق تأويلي، يؤثر سلبا في فهم ثيمتها. وهذا لا يضر بقدسية الكتاب وتعاليه، التي يتشبث بها المؤمنون، مادام الوحي معني بالإنسان أساسا، وهو غير منقطع عن ثقافته التي تشكلت داخل بيئته، وكانت أساطير الأولين وكتب أهل الكتب إحدى روافدها، كما هو واضح من آيات كثيرة. وعندما نستعيد الجذر التاريخي لأي قضية دينية، نسعى للتعرّف على ظروف نشأتها، وقد عاشت البشرية ردحا طويلا بعيدا عن الأديان سوى فطرتها الإنسانية، وكانت تفكر وتكابد لتطوير رموزها وثقافتها، كمقومات شخصية لوجود الإنسان: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ). من هذا المنطلق اعتمدنا في مقاربة قصة الخلق مجموعة مناهج تساعد على إدراك ثيمتها، فانتهينا إلى مقدمات، هي:

أولاً - الأسطورة حكاية تتحدث عن الآلهة. تروي أحداثها وخوارقها وبطولاتها. وتتضمن وصفا لأفعالهم. وبعض يرى أنها تعبير رمزي ومجازي عن الحقيقة. فهي تقدّم تفسيرا يعكس وعي الذات للآخر / الآلهة، وما يحيطها من مظاهر الوجود، وفق رؤية فلسفية مهما كانت بسيطة أو ساذجة، فتكتسب مرونة التأويل عبر الأزمنة، بفعل جدلية العلاقة بينها وبين المتلقي، فكما تملي عليه محدداتها، يثري دلالتها من وحي ثقافته وقبلياته. كما في أسطورة الخلق وتطورها تاريخيا، وما تشي به من دلالات مضمرة. حيث اشتكت الآلهة كما جاء في الأساطير (أنظر كتاب: القصص القرآني ومتوازيات التوراة) من عبء الأعمال وندرة الطعام في الأرض، وخلقت إنسانا يكفيها مشقة الحياة ومتاعبها، فاكتسب قدسيتها بإنابته عنها. بهذا الشكل قدمت أساطير الأولين أسطورة الخلق، لتضفي معنى على وجود الإنسان. وتجيب على أسئلته المصيرية التي هي أسئلة وجودية. وتمنحه الأمان والاطمئنان.

القلق الوجودي ملازم للإنسان مهما اختلفت أساليب التعبير عنه. هو سؤال مباشر عن الحقيقة لدى الفلاسفة والمفكرين، المنهمكين في التأمل والبحث. أو غير مباشر، يدل عليه تمسك الناس بالدين، حينما يجد فيه المرء أمانه واستقراره. وحينما تقدم له الأسطورة تفسيرا عن الخلق يؤمن بدافع الحاجة للهروب من قلقه المصيري، الذي لا ينتفي بتفاوت الوعي، سوى استبدال الإجابات. فقصة الخلق في الأساطير جاءت للإجابة على أسئلة الوجود. وهذا ما يهمنا، كمقدمة لفهم القصة في الكتب السماوية، وهي تنتقل من الأسطوري إلى الوعي الديني، فهل تداخل الأسطوري بالديني في هذه القصة بالذات؟. هذا ما نريد اكتشافه أيضا، في سياق المنهج المقارن.

أما الأسطورة في التوراة فقد عبّرت عن ذات القلق المصيري، وسعت لإضفاء معنى على وجود الإنسان، عندما جعلت من طرد وحشة الأرض مبررا لخلقه، فلم يعد خلقه عبثا يبعث على القلق والحيرة، وبهذا الشكل استعرضت فلسفة الخلق في سياق أسئلة الوجود التي لازمت الإنسان لا شعوريا. فأسطورة الخلق في التوراة مثلت وعيا أكثر تطورا، حينما حررت الإنسان من عبودية الآلهة إلى عبادة إله واحد. من التشرذم العبودي إلى وحدة المعبود، ومنحته استقلالية التحكم بالأرض والسيطرة عليها، لكنها ليست استقلالية منقطعة عن الخالق، باعتباره واهب الحياة، وهو مبرر شرعية عبوديته لله، فتختلف عن عبوديته للملك / السيد / زعيم القبيلة. وهذا لا ينفي صدقية الاستبداد بالمفهوم الحديث على كليهما، غير أن مبرر عبودية الله حاكميته التي هي ذاتية له وفقا للفكر الديني، فليس فيها إذلال وتسلط. والدين يختلف عن شرعة الفقهاء، والفقه السلطاني. فالبحث عن معنى لوجود الإنسان في التوراة والكتب السماوية يقع ضمن أسئلة الوجود، حول الحياة والموت وما بعد الموت، ليستعيد توازنه عندما يتوفر على رؤية كونية، تجيب على أسئلته، وتمنحه الأمان والاستقرار النفسي، خاصة الرؤية الكونية الشمولية التي تجيب على الأسئلة وتقدّم تفسيرا لظواهر الوجود كالموت وما بعده، وهو من خصائص الأديان وقدرتها على شد الإنسان لعالم الغيب وتعلقه بالمطلق. وبالتالي فإن رواية التوراة احتفظت بأصل الحكاية الأسطورية حول خلق الإنسان، والفارق الدلالي في التفصيلات. بمعنى آخر لم تأت التوراة برواية جديدة، بل أعادت بناءها وفق مبدأ توحيدي: الآلهة = الإله. خدمة الآلهة = حراسة ممتلكات الله. وإذا كان التوراة يمثل وعيا للذات في إطارها التاريخي، فهو وعي متطور للأنا، وما ينبغي أن تكون عليه. فرواية التوراة لم تكرّس وجود الإنسان لخدمة الآلهة، ومنحته استقلالية أكبر، بل لا تقاس بسابقتها. ثم أن وجود أسطورة الخلق التوراتية ضمن أساطير السومريين والبابليين، ليس فيه تعميم على جميع نسخ التوراة، وهناك أكثر من نسخه. بعضها قريبة من القرآن، ككتاب: "الهاجدة"، وهي نسخه غير رسمية للتوراة، وقد اشتملت على تفصيلات أثرى. (أنظر: المصدر نفسه).

وأما قصة الخلق في القرآن فجاءت لتضفي معنى جديدا للإنسان، وتقدم تفسيرا وجوديا لعلاقته بالغيب وبالخالق تحديدا، لتبدد قلقه الوجودي، وترسم خارطة طريق لخلاصه، بعد أن حددت منذ البدء مهمته بالخلافة. التي هي مفهوم يكرّس إنسانيته. فالقصة جاءت في سياق أسئلة الوجود، التي هي أسئلة أصيلة، لازمته منذ أول ظاهرة استفزت قلقه، لعلها ظاهرة الموت وما بعده. فاستعراض قصة الخلق في القرآن يمثّل سؤالا دينيا جوهريا، يوجّه مسار التأويل، ليبقى في حدود الإنسان وأسئلته المرتبطة بخلاصه، وهي – أي سُبل خلاصه – لم تعد مرتهنة لخدمة الآلهة / الملوك / السادة، كما في أساطير الأولين. ومعنى وجوده لا يرتبط بعبوديته لها، بل يستمده من كونه خليفة في الأرض، يتمتع بالحرية والإرادة والاستقلالية، باعتبارها لوازم وجودية. وارتهان خلاصه لعمله لا لعبوديته، وهو ما أكدته الآيات، عندما حمّلت الفرد مسؤولية عمله، وارتهان مصيره له: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ). (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ). وهو فارق جوهري استطاع من خلاله الدين الجديد إعادة تشكيل وعي الفرد المسلم، ونقله من مشاعر العبودية إلى مستوى التحرر الذاتي والشعور باستقلالية الأنا، حينما أضفت معنى جديدا منح الإنسان الأمان إلى جانب مسؤوليته الفردية.

ويمكن رصد قلق الوجود على لسان الملائكة، التي اعترضت على خصائص الخليفة، دون الخلافة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَاوَيَسْفِكُ الدِّمَاء). فكأنها متوقعة، وتطمح لنيلها: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ). وقلق الوجود ليس صريحا، يستدل عليه تأويليا من خلال أجواء الحوار، إذ لا موجود غيرها قبل خلق الإنسان، فهي عنصر متحرك ذات أدوار متعددة، وهنا مثّلت رأيا آخر، عكست من خلاله أسئلة الوجود وقلق المصير، الذي هو قلق مشترك. ومن خلالها اكتشفنا أن التسبيح والحمد والتقديس ليس ملاكا للخلافة، ولا حاجة لوجود مخلوق والملائكة صفا صفا عاكفين في محراب التسبيح والتقديس. وثمة ما هو أهم وهو العقل كما سيتضح، لكن الملائكة لم تدرك مراده. لأنها لم تعاصره، ولا تعي حقيقته وجوهره، لذا لم يتبادر سوى سفك الدماء. مما يؤكد بساطة وعيهم لمفهوم الإنسان. فهو وعي إجمالي لا تفصيلي، قياسا على ما هم عليه من خصائص وصفات مطبوعة على الطاعة. ولا معنى للتمرد عندهم سوى الفساد وسفك الدماء. فالجذر التاريخي لقصة الخلق مهّد لفهم دلالاتها قرآنيا، فهي جاءت في سياق أسئلة الوجود والبحث عن معنى لحياة الإنسان. وتفسير يبعث الأمان ويبرر دوره الوجودي، فينبغي أن يأتي النص منسجما مع غاياته، فيكون التأويل أقدر على فهم ثيمة النص.

الخلافة لا تضفي معنى القداسة على وجود الإنسان فقط، كما فعلت أساطير الأولين التي منحته القداسة من خلال عبوديته للآلهة. بل أن مفهوم الخلافة يضفي قدسية، بفضل قدراته العقلية، وقدرته على اتخاذ الموقف المناسب بحريته وإرادته، حتى في علاقته مع خالقه، فهو مخير في أصل الإرادة والاختيار، وعليه تحمّل مسؤولية قراره.

ونخلص أن قصة الخلق في القرآن، ذاتها التي وردت في الأساطير والتوراة، لكن بمضامين مختلفة، وتفصيلات شاركت فيها عناصر جديدة، بدءا من الخالق إلى هبوط الإنسان للأرض، مرورا بالملائكة وآدم وإبليس والجنة والخطيئة. وهي تفصيلات تحيل على مفهوم الوحي، بين البشري والإلهي، عند مقارنتها بالأساطير. فهل قصة الخلق تنتمي للوحي الإلهي، أم تطوّر لحكاية الخلق في الأساطير، مرورا بالتوراة؟. وكيف حصلت قفزة معرفية بين التوراة والقرآن، فثمة تفاصيل قرآنية تسترعي اهتمام الباحث والمفسّر، لأنها لا تنتمي لعصرها. وكانت ثقافة قريش ومن حولها، مقتصرة على قصص أهل الكتاب وما بأيديهم من خرافات وحكايات شعبية. فإذا لم تكن وحيا فهل هي عبقرية لشخص اسمه محمد بن عبد الله؟ إذا كانت كذلك فأيضا تستحق الدراسة والتأمل الطويل، لفهم روافد وعيه وعبقريته ومصادر معرفته. لا ننفي دور الثقافة في تمثّل القضايا المجردة والمفارقة والغيبية، لكن لا يشترط وجودها التفصيلي، ويكفي إمكانية ربط طرفي القضية، تمهيدا لوعيها وتمثّلها وإدارك معاني مفرداتها، وهذا القدر كان موجودا، والجديد ما ذكره القرآن من تفصيلات وتوجيهات عقدية، ينبغي تقديم ما يبررها كظاهر لم تتكرر منذ 1450 عام تقريبا. على خلاف من يؤمن بـ"وحيانية" الكتاب، فهو لا يرتاب بحقيقته، ومطمئن لصدقيته.

ثمة إشكال آخر: إن احتفاظ التوراة ومن ثم القرآن بذات الحكاية الأسطورية ولو إجمالا، يثير استفهامات، تستدعي تفسيرا يتناسب مع "وحيانية" الكتاب. أي انتمائه القطعي للوحي كما تؤكد الآيات، وتجادل من يدعي بشريتها: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا). تقول الآية: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا، وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا). والأساطير ليست وحيا، ولا يمكن نسبتها للأنبياء، مادامت تؤمن بتعدد الآلهة خلافا للأديان التوحيدية. وهذا لا يعني مسؤولية الأسطورة عن تعدد الآلهة، لأنها تحكي عن واقع موجود أو متخيّل، ورؤية متداولة ولو إجمالا، ثم تأتي الأسطورة تلخّصه رمزيا لتفادي سجون التاريخ واللغة. فقصة  الخلق تعود تاريخيا لمثيولوجيا أساطير الأولين، وتنتمي لرؤية كونية تقوم على تعدد الآلهة، وهذا لا خلاف حوله. ووجودها في التوراة، يعني تسرّبها أو تبنيها، وإعادة بنائها على أسس توحيدية، وكلا الاحتمالين يثير إشكالا عاصفة حول صدقية التوراة. وقام القرآن بتصديقها وفقا لمنهجه في تصديق ما بين يدي الرسول أو ما بين يدي الكتاب من كتب سماوية، مع ترشيدها عقائديا، وتقويمها تشريعيا.فجاء القرآن ليؤسس قصة الخلق وفقا لرؤية كونية توحيدية ومضامين إنسانية، تستمد شرعيتها من حقائق وجودية، ترتبط بالإنسان باعتباره سيد الأرض، وهو أحد مداليل الآية الأولى في قصة الخلق: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً). وهذا القدر لا ينهي المشكلة، ويبقى الإشكال عن حقيقة العلاقة بين الأساطير والكتب السماوية. ونعود ثانية لمفهوم الوحي، أو نقدم تفسيرا مقنعا وفقا لمسار أحداث الكتاب وسياق آياته. أما المفهوم الأولي للوحي فهو غير معني بأي علامة استفهام، والكتاب عنده وحي مطلق في جميع تفصيلاته. والثالث ينفي وجود الوحي، وهو اتجاه يعود لعصر النزول: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا). فهما اتجاهان متوازيان. وأما المفهوم الثاني للوحي، فالثقافة القبلية شرط للتعبير عن المعنى الموحى به، لكن الاطلاع لا يعني تبني أساطير الأولين. ويبقى المفهوم الرابع للوحي يؤمن بتطور الخبرة البشرية بإزاء التجربة الروحية، وهي سلم صاعد من الأدنى إلى الأعلى، وهذا قد يفهم الأسطورة فهما مغايرا، والتفصيل في محله.

لكن ثمة رؤية جديدة لمقاربتها: في قصة أصحاب الكهف التي وصفها القرآن بالحق، كسب النبي الجولة مع قريش، وأثبت نبوته، عندما أخبرهم بجميع أقوال أهل الكتاب حول عدد أصحاب الكهف ومدة مكوثهم، فكانت الآيات تردد، يقولون.. ويقولون..، غير أن القرآن لم يصرّح بعددهم ولا مدة مكوثهم، وأحال علمهم لله، مما يؤكد رمزيتها وعدم واقعيتها، إذ لا يمكن لله المحيط بكل شيء حسب فرض القرآن، يخطئ في عددهم، ولا يعلم مدة مكوثهم. وبدلا من الانشغال بوقائع القصة، أكد على بعدها الإيماني: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا، هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا....). ورغم استقلالية قصة الخلق في موضوعها، وعدم إشارتها لأهل الكتاب، فإنها حاضرة في التراث العربي، من خلال حضور أهل الكتاب، ولم تكن غريبة عليهم. فالقرآن بين أمرين إما أن يكسب ثقتهم من خلال تصديق ما عندهم كما في قصة أهل الكهف، ومن  ثم يوظف أحداث القصة لثيمة الخلق، التي هي ثيمة الإنسان في الأرض. أو يأتي بجديد لا ينتمي إلى ثقافتهم فيحكمون بإسطوريته، ويخسرهم. خاصة أن غاية القصص هي العظة والعبرة: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ)، فهي تتحق بالقصص الرمزي كما تتحقق بالقصص الواقعي. وكان القرآن ملتفتا للإشكال لذا تضيف الآية: (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى). فلم تكن القصص أحاديث مفتريات أو مجرد أساطير، عندما صدّقت ما بين أيديهم، لكن الضرورة اقتضت استثمارها لتحقق أكثر من مكسب، مع مراعاة الهدف العام للكتاب والدعوة الجديدة: (وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ). ومن ثم، كي يتحقق الهدف: (وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ). لذا امتاز الكتاب بتفصيلاته الزاخرة بدلالات رمزية، تتوقف على إدراكها هداية المؤمن: (وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). وبالتالي فالتشابه في حكاية الخلق، إشكالية حقيقية، لا يمكن تجاهلها أو القفز عليها، بل تتطلب فهما يقارب تفصيلاتها. بهذا يتضح أن تصديق أهل الكتاب استراتيجية ضمن رسالة النبي محمد: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).

نخلص، أن المنهج المقارن قد ساعد على فهم قضية أساسية من خلالها يمكن تحري الفارق الدلالي بين الأسطورة والكتب السماوية، وهي أن قصة الخلق جاءت في سياق أسئلة الوجود، مما يؤكد تشابهها، الذي أثار الإشكال أعلاه. وبما أنها جاءت كذلك فيمكن فهم دلالاتها، في سياق فهم الإنسان ودوره في الحياة الدنيا.

ثانيا: الاشتراك في ......

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (10)

This comment was minimized by the moderator on the site

بعد تقديم آيات الشكر للأستاذ ماجد على هذه القراءة المتأنية لبنية الخيال القصصي الديني اود ان اقول مثله ان الاسلام هو خلاصة لتفكير البشرية. و لذلك لا يوجد شيء غير طبيعي حين يعيد تحميل و اطلاق افكار مسبوقة لكن بأفق معرفي و اجتماعي جديد.
وحدات السرد الاساسية تكرر نفسها في تاريخ البشر باستمرار. و القرآن جاء للبشر و ليس لسكان القمر او المريخ.
و لنأخذ حكاية داود الصيصاني في الملاحم الأرمنية. فقد تكررت في القصص الشعبي تحت عنوان الخياط الشجاع.
و تجد العديد من تفاصيل سيرة عنترة في ممو زين الملحمة الكردية.
و في بحث جديد للمستشرقة وين جين أويان: ان الأميرة ذات الهمة موجودة في حكايات المغامرات الصينية و التي عادت للوجود في فلم فانتازي بعنوان: نمر رابض و تنين مختبئ.
و هكذا..
حينما جاء الوحي كانت له مهمة محددة و هي اقناع اهل مكة بالدين الجديد. و استعمل لهذه الغاية ما لدى الخيال الإنساني من أدوات.
و ان اردتم رأيي الحكمة البشرية متناهية و لكن ادوات تحقيقها غير متناهية. و لذلك الحكمة تكرر نفسها و لكن الطرق و الأساليب تتغير.
حتى ان بنيوية ١٩٦٠ في فرنسا هي احياء لاستاطيقا الاغريق.
و اذا قارنت مصطلحات قانون الشعرية تجد انها ذاتها مهما تعددت المدارس: الالتواءات و الحبكة و السياق و الخاتمة و هكذا...

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

مداخلة ثرية اضاءت جوانب من الموضوع، من خلال امثلة جديدة، وتعيب نقدي مهم. تحياتي د. صالح الرزوق

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لهذا المجهود الكبير استاذ ماجد
الذي يتخطى أسوار المعرفه لدائره أوسع
تؤطر المفاهيم القرآنية وفق دلالات أهداف النص الرسالية التي تتخذ من مادة الوعي الانساني مسالك للوصول لتلك الأهداف مع مراعات المصداق التكويني للقصة في حال دلت الشواهد العقلية على رمزيتها.
مع التقدير

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

تمنياتي لك بدوام العافية وشكرا لمواصلتك قراءة حلقات الحوار التي هي في الاساس اثارة من اسئلتك القيمة. احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي الاستاذ ماجد الغرباوي انت ابطلت المنهج تماما في ذهابك لتصديق روايتك ومن كتابك المقدس"(كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ). وبهذا تكون قد اقفلت لغة الحوار ، وما محاولاتك في سرد فرضيات الخلق إلا تضيمنا نصيا لحكايات لا تقوى على اثبات مصداقية كتابك المقدس !!!

وديع شامخ
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة للشاعر القدير الاستاذ وديع شامخ. اعتقد قليلا من التأمل يتضح، سبب الشاهد. في حلقة سابقة ذكرت مجموعة ادلة من داخل النص تثبت ان قصة الخلق رمزية وليست واقعة، وعليه سينفتح باب التأويل حول ثيمتهت، لانها ستكون هي المقصودة بالذات وليس وقائع القصص. وانا شخصيا لست مع تماديه، ولا مع تمادي التفكيك لانه لا ينتهي ابدا، ولا بد من مبدأ ننطلق منه لتحديد دلالات التأويل. وهنا اشير لذلك، بان الكتاب قد احكمت اياته وفصلت بمعنى أنها حددت محور الكتاب، وهو الإنسان، وكل ما جاء فيه يخاطب الإنسان، وعليه اذا اردنا تقصي دلالات رمزية قصة الخلق ينبغي عدم الابتعاد عن الإنسان. ولو انك تابعت الحوار، لوجد المنهج المقارن كان يحكم البحث حتى نهايته. اسعى جهدي المرابطة في الموضوعية، وإذا كانت ثمة دلالات داخل الكتاب تنفع لفهم سياقاته، فلماذا اتخذ موقفا منه؟. ها انت تردد كلمة كتابك المقدس، في موقف مسبق لا يسمح لك بقراءة النص بما هو نص. اتعامل مع الايات نصوص بغض النظر عن جهة الصدور الا ما يخص سلطته القانونية اي ما يترتب عليه. دمت بسلام.

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

(وأما قصة الخلق في القرآن فجاءت لتضفي معنى جديدا للإنسان، وتقدم تفسيرا وجوديا لعلاقته بالغيب وبالخالق تحديدا، لتبدد قلقه الوجودي، وترسم خارطة طريق لخلاصه، بعد أن حددت منذ البدء مهمته بالخلافة ) .
موضوع الخلق في القرآن مقارنة بما هو عند أهل الكتاب في عصرنا الحاضر في التوراة والانجيل اعتقد انه متقارب إلى حد كبير ..اليس ذلك يدعو إلى التقارب في الأديان وتأكيد اكبر أن القرآن عظيم حيث شمل التوضيح أكثر لأمور الخلق والخالق ؟

خالص تحياتي لك على هذا الجهد الكبير والمفيد المتعلق بمسيرة الإنسان على هذه البسيطة .

نجيب القرن
This comment was minimized by the moderator on the site

كثير من المشتركات بين الاديان يمكن توظيفها لتكريس التسامح بينها. دمت مباركا مع خالص الاحترام الشاعر القدير

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

تفسير رائع وتحليل جميل جدا لقصة الخلق وتخليص الوحي من الأساطير
نسأل الله أن يمد في عمرك وعافيتك استاذ ماجد
قصة أهل الكهف بنسبة الله تعالى تفسيرها الأسطوري الى البشر وتخلي القرآن الكريم عما رافقها من قصص لا تزال تُتخذ حجة في أسطورة المهدي المنتظر الغائب في الكهف كغيبة أهل الكهف ، ثم استمرار حياة الخضر رفيق موسى عليه السلام ، تلك القراءة الرائعة تسقط الكثير من الأساطير التي لحقت التشريع الإسلامي والتي اتخذت من القصص أصلا للدين بدلا من العبرة الإيمانية.

د.تماضر آل جعفر
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي لحضورك د.تماضر آل جعفر، وشكرا لتعليقك. نعم نحن في مرحلة ينبغي لنا معرفة الحقائق والخروج من خطابات التضليل. شكرا لك مجددا ورمضان كريم

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4989 المصادف: 2020-05-03 04:03:46