 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (165): فلسفة الخلق ومداخل التأويل

majed algharbawi11احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

ترميز القصص

اكتفى القرآن بإشارة مجملة لذات عناصر أسطورة الخلق: (الطين "ماء وتراب"، وعلة الخلق / الله) تصديقا لما جاء في التوراة، بناء على استراتيجيته في تصديق ما بين يديه من الكتب السماوية، دون أن يذكر شيئا مما جاء في أسطورة الخلق، التي صوّرت عملية خلق الإنسان: "ذبح أحد الآلهة وعجنه بالطين". وكيف جمع جبرائيل التراب من الجهات الأربعة، كما في التوراة. ولا ريب في تفاوت الدلالة بين الإجمال والتصريح. الثاني عكس الأول، يصدق دليلا على إرادة المعنى الحقيقي، أو ما يصطلح عليه بالنص مقابل المجمل والظاهر، من دلالات الألفاظ. ليس للنص، في مباحث الألفاظ، سوى معنى واحد يكون دالاً عليه. ويشكّل تبادر أحد المعاني قرينة على إرادته في الظاهر. بينما لا توجد قرينة على إرادة معنى دون غيره في المجمل، فيُهمل عندهم. هذا على مستوى الألفاظ. والآمر يختلف بالنسبة للنصوص المجملة، حينما تتضمن إحالات غير ظاهرة، تدل عليها سياقات الكلام بالتدّبر والتأمل الطويل أو قرائن منتزعة. كما في آيات خلق الإنسان من طين، فهو نص مجمل، يطرح أسئلة عن طبيعة العلاقة بين الطين والإنسان، وما ضرورته إذا تعلق الأمر بقدرة الله وإرادته "كن فيكون"؟. كل ما يمكن خلقه من الطين تمثالا، قد يغدو صَلْصَالٍ "مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ".العقل لا يكف عن السؤال، والاستفهام قدر الوعي. ولا خيار لمعرفة الحقيقة سوى التأمل في ذات الآيات. ما مدخلية الطين في حقيقة الإنسان، و" مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً". بناء على رمزية قصة الخلق؟.

في أسطورة الخلق نقرأ مشهدا متحركا لعملية الخلق، يظهر فيه الطين (أو الماء والتراب) مكوّناً أساساً فيها. والمشهد في الأساطير والتوراة هو مشهد الطين نواة خلق الإنسان. بينما يختفي هذا المشهد في الكتاب، سوى إشارة مجملة للطين، الماء، التراب، العلق، المني أو الماء الدافق،.وبدلا من مشهد الطين يحل مشهد الإنسان في مكانته ورفعته خاصة حينما يكون رهانا للخالق أمام الملائكة. ومادامت الإشارة للطين مجملة فهذا يستدعي تحري أبعاد القصة في ضوء المنهج القرآني القائم على ردّ المتشابه للمحكم، سواء كان المحكم من ضمن مصفوفة الآيات التي تناولت موضوع خلق الإنسان أو من خارجها. المبدأ في فهم النص ضبط حركته في إطار الكتاب الذي يفسّر بعضه بعضا وهو مهيمن على غيره من الكتب، دون الوقوف عند حدود التفسير، واعتماد التأويل لإدراك ثيمة القصص الرمزية، ومنها قصة الخلق. أقصد ينبغي معرفة كيف يقدّم القرآن قصة الخلق، وكيف يوظف لفظ الطين والماء والتراب، وعلى هذا الأساس نفهم دلالات الآيات. وهنا مهمتان:

- ما علاقة قصة الخلق بالأساطير القديمة؟.

- وماذا نفهم من قصة خلق الإنسان بالقرآن؟.

الأول نتحرى به علاقة القصص بالأساطير. والثاني نفهم نسبة المعرفة الدينية إلى المعرفة العلمية. ومدى التعارض والتوافق بينهما. اعتمادا على التدبّر والتأويل والاستعانة باللغة لتحديد معاني الألفاط، وجميعها مناهج قرآنية. وبالتالي ننشد فهم القرآن لا تفسيره أو الجمود على ظاهر آلفاظه، لنخرج بنتيجة عبر مخاض تأويلي يحي القيم الإنسانية، ويحافظ على منطق العقل.

آيات الخلق

تناولت آيات الكتاب خلق الإنسان من زوايا عدة، تنصف كالآتي:

1- خلق الإنسان من طين: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ)

 (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ)

(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ).

(فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ)

2- خلق الإنسان من سلالة من طين: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). وسلالة من طين، أي مُستلة، ومُنتزعة من طين.

3- خلق الإنسان من مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). والصلصال: الطين اليابس يُسمع له صلصَلة. حمإ مسنون: تغير وأنتن. وفي هذه الآية انتقل من الإنسان إلى البشر.

(خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ)

4- خلق الإنسان من تراب: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا)

(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ).

(قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا)

(َمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ)

5- خلق الإنسان من ماء: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا)

6- (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ)

7- (خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ)

(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)

(وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)

(مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ)

8- (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى)

 (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ)

(أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ)

وهنا نسجل ملاحظات، تمهّد لفهمٍ ينتقل بنا إلى رؤية تنأى عن مرويات التراث وغرائبية قصصه حول خلق الإنسان.

مداخل التأويل

أولاً: خلصنا من خلال الأدلة المتقدمة إلى رمزية قصة الخلق، فتكون وجهتنا التأويلة، ثيمتها لا وقائعها وأحداثها. وتقدم أن رمزية القصص لا تتعارض مع صدقية الحق / القرآن، مادام هدفها العظة والعبرة، التي كما تتحقق بالقصص الواقعية تتحقق بالقصص الرمزية، خاصة القضايا التجريدية والمفارقة. فالحق ما يترتب عليها من آثار تتوخاها رمزية القصة، وقد مرّ تفصيل الكلام. يقول الرازي صاحب التفسير في قصة إبراهيم وذبح الطيور، أنها كانت مثالاً تقريبيا لتوضيح فكرة إحياء الموتى: (أجمع أهل التفسير أن المراد بالآية "قطعهن" وأن إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها، وريشها ودماءها، وخلط بعها على بعض، غير أبي مسلم فإنه أنكر ذلك، وقال: إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الميت من الله تعالى أراه الله تعالى "مثالاً" قرّب به الأمر عليه). (أنظر: الرازي ج7. روح المعاني ج3). وهكذا ذهب صاحب تفسير الميزان حول قصة الخلق وإسكان آدم وزوجه الجنة. يقول الطباطبائي: (والقصة وإن سيقت مساق القصص الاجتماعية المألوفة بيننا، وتضمنت أمراً وامتثالاً وتمرداً واحتجاجاً وطرداً ورجماً وغير ذلك من الأمور التشريعية والمولوية، غير أن البيان السابق على استفادته من الآيات يهدينا إلى كونها "تمثيلاً للتكوين"...). (أنظر تفسير الميزان، ج8، ص24، الأعلمي للمطبوعات). وهو معنى رمزية القصة في كلا المثالين، قصة إبراهيم وآدم. تقول الآية: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ). فالذين آمنوا يدركون رمزية المثل، ويعلمون أنه حق من ربهم رغم مجازيته. وهذا الفهم يمهّد لمقاربة قصة الخلق من زاوية مختلفة.

ثانيا: ليس القرآن كتابا علميا، كي يقدّم نظرية علمية عن أصل الإنسان، أو يقدّم استعراضا بايولوجيا لجسمه وكيفية خلقه. وجميع آياته الكونية جاءت ضمن الإطار التوحيدي للفكرة الدينية المتعالية، طابقت أو لم تطابق الواقع. وقصة الخلق جزء من الكتاب، فينبغي فهمها ومقاربتها في سياق قصديته القائمة على ثنائية حق / باطل. ورفد الإيمان بالله ووحدانيته وملائكته واليوم الآخر وأنبيائه ورسله بأدلة وبراهين تؤكد قدرته وقوة حضوره وعلمه وإحاطته بكل شيء، في بيئة يتقاسمها أهل الكتاب والمشركون والكفار، تستوطنها عقائد شتى. فتجد الغالبية المطلقة من الآيات تعالج قضايا عقدية، تؤكد أو تنفي أو تفنّد. تستعرض آراءهم، وترد عليها: (وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)، (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)، (وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ،أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ). أو تستفزهم بأسئلة تُظهر ضعفهم أو تشن هجوما نفسيا، أو تبشّر وتنذر، فهو كتاب مهمته الأساسية: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ). وعندما يشير الكتاب لموضوع خلق الإنسان يشير له من زاوية توحيدية، تربط الوجود والخلق بالله. وتجيب على أسئلة الوجود ضمن الإطار العام له، كما في قوله: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ). محاججة، جاءت بـ"خلق الإنسان" شاهدا على عظمة خلق الله، لا تخدمها بلاغيا إرادة ظاهر معنى الطين، مما يستدعي معنى مغايرا يخدم المقارنة، كما سيأتي.

ثالثاً: تختلف دلالات السرد القصصي بين الدراسة الوثائقية للأحداث والدراسة الأدبية لنص بليغ يريد التعبير عن ثيمته. الأولى تربك القارئ، وتفتح بابا لاختلاق أحداث يُسقط عليها رغباته، وما تجود به مخيلته المسكونة بالخرافة. لذا عمد القرآن إلى تجاهل أو إبهام الوقائع التاريخية والاهتمام بثيمة القصص وإبراز معانيها الإنسانية والدينية والأخلاقية، كما في قصة أصحاب الكهف حيث تجاهل عددهم وكم لبثوا في كهفهم، فراحت تحاك حولهم حكايات لا أساس لها من الصحة، سوى ما يقوله الحكواتي. ثم يستغلها الخطاب الأيديولوجي لتحقيق مآربه. فالمهم ثيمة القصص، وأبعادها الأخلاقية والدينية والاجتماعية والنفسية، فهو كتاب هداية تنشد قصصه العظة والعبرة، لذا يوظّف السرد تقنيات لغوية تخدم هدفه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ). تربط القارئ بالمطلق وتشهدّه روحيا ونفسيا وشعوريا لعالم الغيب، وهو هدف أساس بالنسبة لهدف الكتاب. وليس الأمر مقتصرا على القصص بل أسلوب القرآن أسلوب أدبي بليغ، يتميّز بلغته، وتقنيته اللغوية. يوظف ألفاظا تخدم هدفه، حداً تجد النص القرآني مشهدا متحركا، تعيش تفاصيله وتتفاعل معه، تبعا لمقاصده في الترغيب والترهيب والوصف والتسفيه. أو عندما يتحدث عن قضايا اجتماعية وأخلاقية وتربوية ونفسية. فحينما يصوّر الخوف يتناول تفاوت حالته من خلال توظيف صور أدبية بليغة، كصورة الحشر آنئذٍ يتلاشى الكلام، ليحلّ الهمس تعبيرا عن مشاعر الخوف والتوتر النفسي والرهبة المهيمنة على المشهد: (وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا). القرآن يستهدف إقناع الناس بمقولاته العقدية، لخلق وازع التقوى والخوف من الله. وهو أمر صعب، يستدعي التأثير على مشاعر الناس إضافة للأدلة العقلية. قد يقنع الإنسان بأدلة العقل دليلا على وجود الله، لكنها لا تولّد قناعة كافية بالمعاد ووجود الجنة والنار والملائكة. فتكون الأجواء النفسية رهانا ناجحا، وهذا سرّ مخاطبة المشاعر، وإثارة مكامن الفطرة. وعلى هذا الأساس ينبغي مقاربة قصة الخلق، باعتبارها نصا أدبيا، نتوخى ثيمته، والتأمل في سرديته، وما يريده ويستبعده النص القصصي.

رابعاً: للخلق معنيان، الإبداع، والإيجاد من العدم. يعرف ذلك من سياق النص. فالمتبادر من وصف الله بأحسن الخالقين هو الإبداع، إذ لا شريط له بالثاني. بينما الإبداع ميزة إنسانية تتجلى في أعمال الفنانين والرسامين والمهندسين والمصممين والأدباء الى غير ذلك. وهذا ما توحي به الآيات: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإنسان مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). فهي تشير لمراحل خلق الإنسان بمعنى الإبداع، وتبيّن لنا كيف يبدع الله في خلقه، كل مرحلة هي آية وابداع وخلق، وهو أحسن الخالقين. أي أحسن المبدعين حد الإدهاش. وهذا رأي معقول تؤيده آيات أخرى كما بالنسبة للنبي عيسى وخلق الطير، فإن المقصود بالخلق هنا هو الإبداع في تصميم الطير: (أنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أنّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ)، (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي). الخلق بالنسبة الى عيسى إبداع وليس إيجادا من عدم. أمعن النظر بالآية: "أنّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْر"، فالخلق هنا يعنى الإبداع حد الإدهاش. أو نحت ما يشبه الطير من الطين بشكل أدهش المشاهدين. أخلق لكم من الطين كهيئة الطير. فاقتصرت مهمة عيسى على إبداع أو نحت الطير من الطين، أي تصميمه كهيئة الطير، فعبّر القرآن عن الإبداع بالخلق، لأنها إحدى معانيه، كما نعبّر في لغتنا رجل خلاق أي كثير الإبداع والإدهاش في أعماله. فانتهت مهمة عيسى بإبداع الطير بعد نحته من الطين. ثم تأتي مرحلة نفخ الحياة فيه ليكون طيرا حقيقيا. تقول الآية: "فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ"، فيكون الطين طيرا باذن الله، أي بأمره عندما يقول له كن فيكون. عيسى نحت الطير من الطين ونفخ فيه، أما كيف يكون طيرا حقيقيا؟ فهذا بإذن الله وأمره. فلم يخلق الطير بمعنى إيجاده أو صيرورته، كما بالنسبة للخالق الحقيقي أي الله. (أنظر: مدارات عقائدية ساخنة) وهذا فارق مهم، يساعد على إدراك مفهوم الخلق في قصة خلق الإنسان.

خامسا:

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

لفت انتباهي الاستاذ الغرباوي لنقطة بغاية الأهمية.
ان الخلق لم يتم دفعة واحدة و لكن على مراحل.
التصميم ( فعل إلهي)
التكوين (فعل إلهي)
و اخيرا التكاثر ( فعل بشري).
بمعنى انه يوجد مستويان احدهما خاص بالخالق و الثاني يشترك به المخلوق.
و مثل هذه الاستراتيجية، ان يوجد حجاب يعزل خصوصية الإله عن الاحتمالات الانسانية يضعنا امام فكرة لا تزال تحرك العقل البشري على اكتشاف قوانينها.
و هي اين تنتهي البديهيات و مبدأ العلة الأولى و اين تبدأ النشاطات الزمانية او كل شيء يستطيع المنطق الانساني تفسيره و البحث بدواعيه و اسبابه.
ليس في مثل هذا الكلام شيء يصعب تفهمه.
دائما لدينا نقطة أولى عمياء يجب ان تقبلها بعلاتها، ثم يأتي بعدها ما يمكن للبشر ان يتحكموا به.
و من ذلك سلسلة الصانع و المصنوع. لكل شيء صانع الا العلة الاولى فهي من اوجدت نفسها.
و هو مبدأ اغريقي معروف. حتى الوثني يؤمن به.
و في الرياضيات لدينا أكسيومات لا تحتاج لبراهين و أدلة. و قس على ذلك.
نقطة اخيرة. لأسباب عملية ليس من مصلحة احد ان نتعب انفسنا بالتفكير بهذه الأمور ان لم نكن في مجال اختصاصي (كما هو حال هذا الحوار عن قصص القرآن و رموزها).ما اهمية ان تعرف ماذا قبل الإله و ماذا قبل الكون و ماذا سبق الإنسان الأول. ما يهمنا فعلا معالجة مشاكل واقعنا البشري بما هو عليه و بما سيؤول له. اما ما قبل ذلك سيفتح ابواب الاختلاف و الجدال و هدر الوقت بينما لدينا أطنان من الهموم التي تحتاج لنا و لكل قدراتنا لحلها.
شكرا للأستاذ الغرباوي الذي يشجعني على استعادة منسيات لم ألمسها منذ عقود.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

البحث التخصصي في كل العلوم يحتاج نوع خاص من القراء، فيختلف الناس حوله، وهو أمر طبيعي. وهناك طيف واسع يريد أن يفهم الحقائق الدينية، ويعتبرها معرفة مصيرية بالنسبة له. ويأتي البحث كما تعلم ضمن سلسلة الحوار، فينبغي الوقوف عنده، لاستفزاز الوعي ويقظة العقل، والتشيجع على طرح الأسئلة. دمت سالما مع اعتزازي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

طرح جميل يتسع لمعاني أخرى في مدارات التأويل
بوركت الجهود استاذ ماجد

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك ومتابعتك استاذ احمد مانع الركابي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الفاضل ماجد الغرباوي تحية طيبة .
من خلال سياق بحثك هذا تقول ومن خلال هذه الاية ، وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإنسان مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). فهي تشير لمراحل خلق الإنسان بمعنى الإبداع، وتبيّن لنا كيف يبدع الله في خلقه، كل مرحلة هي آية وابداع وخلق، وهو أحسن الخالقين. أي أحسن المبدعين حد الإدهاش .
هل تقصد ان الابداع في ذلك شكل وجمال الانسان او من خلال العقل والادراك . فأذا كان من جهة العقل والادراك فهذا ممكن لان الانسان الوحيد بين الموجودات هو الذي يدرك الكليات والمعاني ولايدركها غيره من المخلوقات
واذا كان المعنى الثاني فنحن نرى كثير من البشر غير جميل وقبيح المنظر والمشوه فأين جمالية الخلق في انسان يخلق برأسين ويبقى عشرات السنين يعاني من هذا التشوه او معاق او بمايسمى ( المنغولي) ، والاكثر ايلاما هو خلق الذكر بغريزة انثوية او انثى بغريزة ذكروية وقد شاهدنا كثيرا من هذه الحالات بأنفسنا من خلال بيئتنا وقد ادت الى معاناة نفسية شديدة على هؤلاء المتحولين من حيث معاملتهم من قبل العائلة اوالمجتمع فما ذنب هؤلاء واين الابداع والادهاش في ذلك الخلق وحتى العبد الاسود معاناته لاتقل عن معاناة هؤلاء ولي علاقات كثيرة من الاصدقاء السود الذين كانوا يعانون من هذا الشكل المشوه وخصوصا عندما يرتبط بفتاة حرة ويرفض من قبل اهلها كونه عبدا وهي حرة فما هو ذنبه واين اصبح في احسن تقويم .
بينما نرى الابداع البشري في مجال صناعة السيارات يطرحون ملايين السيارات دون ايجاد عطل واحد او اي جهاز اخر في مجال الصناعات الاخرى وهذا مانراه الان من خلال الابداعات العلمية التي تتنافس فيما بينها ايهما افضل واكثر ابداعا.
ملاحظة استاذ لو سمحت حاولت لمرات عديدة ارسل برسائل الى حضرتك من خلال عنوانك في الصحيفة ولكن يأتي الرد لم يتم العثور على العنوان حبذا لو كتبت الايميل لنواصل طرح الاسئلة والاستفسارات ونحن شاكرين .

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ ابا سجاد، شكرا لحضورك وتفاعلك. كنت اقصد بكلامي أن ذات المراحل تعتبر خلقا بمعنى الابداع، والمقصود بالابداع هنا هو الطور مراحل الخلق، تمشيا مع سياق الاية. ولا يصدق الخلق بمعنى الإيجاد من عدم، لان كل مرحلة مترتبة على ما سبقها.
ثانيا: كان القرآن ناظرا لخلق الانسان بما هو كائن بعيدا عن صفاته الوراثية وعيوبه الخلقية. فالانسان ككائن متكامل من حيث أعضائه وتوزان جسمه يعتبر منتهى الابداع والخلق، لاحد اعترض يوما جسد الانسان وموقع أعضائه. وهذا يؤكد قناعة مشتركة لدى البشر بأنه مخلوق سوي من حيث الخلقة. وما ذكرته انت يتعلق بالإنسان بالقوانين التي تحكم السلالة البشرية.
نحن بحاجة الى اعادة فهم الدين، فهم ترتفع معه هذه الاشكالات، وفهم الدين يبدأ من مبادئه، من تصورنا لمفهوم الخالق والوحي وغير ذلك كثير. كي نعرف حدود الدين وما هي وظيفتنا في الحياة الدنيا.
شكرا لتفهمك واسف اذا لم تصل رسالتك، علما لك مجموعة اسئلة تنتظر وقد تاخرت كثيرا بسبب تراكم الاسئلة.. الرابط ادناه فيه جميع اميلات المثقف، لاباس تبعث على المثقف وأدمن معا من بابا الاحتياط
http://www.almothaqaf.com/contact-us

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5003 المصادف: 2020-05-17 04:15:54