 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (173): فلسفة الخلق والإنسان الكامل

majed algharbawi4احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والسبعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

الإنسان الكامل

ماجد الغرباوي: خلاصة ما تقدم: أن الإنسان بما هو إنسان كان محور فلسفة الخلق في الكتاب الكريم. وأن سؤال الوجود سؤال عن وجوده: أصله، مصيره، وخَلاصه. وأن هدف الخلق وجود كائن بشري، يتصف بالعقل والحرية والإرادة، يتكامل به الخلق، ويضفي معنى على الوجود، بقدرته على تمثّل الحقيقة وعالم الغيب. وكان الإنسان محور قصة الخلق في القرآن. وكانت رمزية القصص تتحدث عن الحقيقة الإنسانية، وبيان خصائصها وصفاتها من خلال شخصية آدم. ومعنى خلافة الإنسان للأرض، تدبيرها وإعمارها، اعترافا بمنزلته واستقلاليته. وهو سيدها، لم يُخلق لخدمة الآلهة وعبء العمل. بل كان بعقله رهان الخالق مع ملائكته، فلا يجوز اضطهاده واستعباده، مادامت فلسفة الخلق ترفض منطق العبودية، وتؤكد منطق الخلافة، ودوران التشريع مدار مصالحه. وله بما هو إنسان حقوق مشروعة. وبالتالي لا يمكن إدراك فلسفة الخلق بدقة ما لم ندرك طبيعة العلاقة بين الله والعقل والإنسان، ونحدد وظيفة الدين في الحياة، لتفادي اضطهاد الإنسان، وإهدار كرامته، والتفريط بحقوقه.

هذه هي وجهة نظري عن خلافة الإنسان، إذ كان السؤال في بداية هذا البحث: (ماهي وجهة نظركم لخلافة الإنسان للأرض؟ حيث أن المعنى اللغوي للخليفة، هو أن يخلف شخص شخصا آخر في حال غيابه، مع العلم أنّ الله سبحانهُ وتعالى موجود وحاضر!؟). وقد مرّت تفصيلات شاملة عن فلسفة الخلق، ومشاهد الخلق، وبينت حقيقة الخلافة. وقلت أنها ليست تنصيبا، أو وكالة مطلقة عن الله في الأرض بل المقصود بـ(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، تحديد صفته الوجودية،  فهو موجود ليستقل بقراره بموجب خصائصه الوجودية: العقل، الحرية والإرادة. وبهذا اختص الإنسان بكرامة الخالق، عندما منحه عقلا هو تجلٍ للعقل الكلي، وجعله خليفة يستقل بقراره، ويكون مسؤولا عن سلوكه ومواقفه. وبالتالي لا يأتي الإشكال حول علاقة الخليفة بمن يخلفه، ويتوقف صدق المفهوم على غياب مَن يخلفه. بل كلاهما موجود، ويقوم الإنسان بمهامه سيدا على الأرض. الخالق علّة وجود الإنسان، وقد فوضه بفعل قابلياته بإعمار الأرض، ضمن القوانين الكونية. كل هذا وفقا للرؤية القرآنية، باعتبار مرجعيته لمعرفة فلسفة  الخلق، وتحديد دور الإنسان في الحياة. فهي رؤية تقوم على مركزية الإنسان.

 

س 138: أحمد مانع الركابي: هل الخليفة هو الإنسان الكامل الذي تتجلى فيه صفات من يخلفهُ (آدم التكوين بمصطلح الفلاسفة والعرفانيين). وحينئذٍ أليس هذا الاستخلاف بوجود الخليفة والمستخلف مصداق لنظرية وساطة الفيض الإلهي التي لم تؤمنوا بها (حسب قراءتي لكتابكم مدارات عقائدية...)

ج138: ماجد الغرباوي: هناك من يعتقد أن المراد بالخليفة في آية: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، الإنسان الكامل، الذي تتجلى فيه صفات الخالق. الآية لم تقل إني خالق في الأرض خليفة، وقالت إني جاعل. فثمة مساران، الأول  خلق الإنسان من طين ومراحل تطوره. والثاني مسار الخلافة الربانية التي تتجلى بالخليفة / الإنسان الكامل. وهي بهذا المعنى مقام ومنصب إلهي رفيع. والمستخلف فيه هو خليفة الله في أرضه، له صلاحيات مطلقة. والآية قد تحدثت عن جعل خليفة في الأرض. فالخلافة بهذا المعنى منزلة لا تتحقق إلا باصطفاء إلهي، ولازمه جعل الولايتين التشريعية والتكوينية للمستخلف، فيدخل ضمن علل الوجود، ومصداقا للفيض الإلهي، كما هو مقرر عندهم. فيأتي إشكال السؤال: (أليس هذا الاستخلاف بوجود الخليفة والمستخلف مصداق لنظرية وساطة الفيض الإلهي التي لم تؤمنوا بها، حسب قراءتي لكتابكم مدارات عقائدية ساخنة؟). ولكننا لا نقول بهذا. وكانت وجهة نظرنا خلال البحث مغايرة.

يقصد بالإنسان الكامل عندهم من بلغ مرتبة المكاشفة التامة، ونال أعلى درجات القرب من الله تعالى، بالاصطفاء. وقد اتفقوا على اختصاص هذه المرحلة بالرسول محمد، فهو نور من قبس الرحمن، وما عداه يهتدي بنوره، ويكتسب من معارفه. وبالتالي فإن الاصطفاء شهادة على بلوغ المصطفى منزلة الإنسان الكامل. غير أن مراتب الكمال متفاوتة، ينالها المرء عبر مسالك العرفان والعلاقة الروحية مع الله، بعد نقاء النفس من الذنوب والرذائل، والتحلي بالأخلاق الرفيعة والتقوى والرهبة والخوف من الله. ولا شك  أن مسالك العروج مفتوحة للسالكين، والطريق معبّد للمخلصين، لذا تفاوتت درجات النعيم يوم القيامة. فالإنسان الكامل عندهم لا يعني كمال الصفات الإنسانية مهما بلغت، ومعايره تختلف عن المتداول والمتفق عليه من المعايير البشرية، فصفات الإنسان الكامل من تتجلت فيه صفات الخالقية، لكنه مخلوق لله، هكذا يلتفون على الشرك.

ولا يخفى تأكيد الذات في هذا التنظير لمفهوم الإنسان الكامل، خاصة أنه تنظير بعدي، يقوم على تأويل الآيات، ويتخذ من المكاشفات والذوق دليلا قاطعا، يستدل به على مراده. فيؤكد ذاته ويضفي عليها قداسة مطلقة حينما يتحدث عن منازل السالكين والعارفين. لأنه حديث عن النفس، وعن تجربة روحية شخصية، لا يمكننا التأكد من صحتها، مادامت مسألة ذوقية خاصة جدا، ولا طريق سواه للحكم عليها. إن تبجيل الذات يستدرج كل من يقصد تجربته الشخصية في حديثه عن مسالك العارفين، حتى وهو ينتقدها ويوبخها، ويكشف عوراتها ويعالج نواقصها.

ومن طرف خفي فإن هذا الفهم للإنسان الكامل، ينظّر للسلطة وإقصاء المعارضة، تحدثت عنه في كتاب النص وسؤال الحقيقة. إذ لازم ثبوت الولايتين الشرعية والتكوينية ثبوت الولاية السياسية، بل هي من باب أولى. وبالتالي، من لم تثبت ولايته فهو مغتصب للسلطة، ليس له حق التصرّف بالأنفس والأموال. وعلى هذا الأساس سلب الشيعة شرعية سلطة الخلفاء، لعدم ثبوت ولايتهم في المرتبة السابقة. وحكموا بغصبيتها من صاحب الحق الولي الشرعي، الإمام علي الذي ثبتت ولايته. وبالتالي فنحن أمام مفهوم جديد للخلافة، يكرّس الاستبداد ويقمع المعارضة ويصادر الحريات وحقوق الإنسان، ويحصر الحق والحقيقة بشخص واحد. لكن ينبغي التأكيد أن حصر الولاية الشرعية بالإنسان الكامل، هو في حقيقته موقف من الوضع السائد، فهو من جهة يسحب بساط الشرعية من الخلفاء، ويضع معيارا للولي الشرعي المفوض بالسلطة. فكان التصوف والاعتزال موقفا احتجاجيا من السلطة وسلوكها، وكان التنظير للإنسان الكامل تنظير لمؤهلات الحاكم الشرعي. ومن جهة ثالث، وهي الأهم، ارتهان شرعية السلطة بتفويض إلهي، من خلال جعل الولاية السياسية، وهذا يستدعي إنسانا مثاليا، وهو الإنسان الكامل. فمن ثبتت ولايته شرعا كالرسول، والأئمة على الرأي الشيعي، فهي ثابتة له. أو تثبت عن طريق اصطفاء خاص لأهل العرفان والفضل والتقوى.

وبشكل أوضح:  تارة يقصد بـ "الخليفة" المفهوم والصورة الذهنية التي تحدثت عنه قصة الخلق. وأخرى يراد به الخليفة المتحقق خارجا. فأيهما يصدق مع مفهوم الإنسان الكامل الذي تتجلى فيه صفات من يخلفه، كما جاء في السؤال؟.

كانت قصة الخلق، وفقا لرمزية القصص، تتحدث عن الحقيقة الإنسانية ابتداء من الإعلان عن جعل خليفة في الأرض. وكان الكلام يدور حول الإنسان بما هو إنسان، وبما هو كائن يتصف بالعقل والحرية والإرادة، يستفيد من تجاربه، ويطور حياته، يُخطئ ويتدارك خطأه. يعثر ويتعلم. فموضوع الخلق هو النوع الإنساني. والنوع منطقيا: "الحقيقة المشتركة بين جميع أفراده". أي ذات الصفات المشتركة بالقوة لا بالفعل. فليس هناك مساران، مسار خلق الإنسان ومسار الخلافة، بل الحديث رمزيا كان عن مواصفات الخليفة. لذا اعتبر المفسرون كالسيد الطباطبائي في الميزان، وغيره، أن المقصود بالخليفة هو الإنسان، مطلق الإنسان، وآدم أحد مصاديقها. ومشاهد القصص كانت تروم بيان خصائصه من خلال سرد قصصي تمثيلي. وأما الكمال فصفة مكتسبة، يتصف بها الإنسان بعد تدرّجه في مراتب الكمال الإنساني. وهو ثمرة جهد روحي وانضباط سلوكي، ومراقبة صارمة للنفس، وانقياد واعٍ ومطلق لخالقه، يتجلى في مشاعره ومواقفه وسمو أخلاقه. وهناك من يتوسع في مفهوم الكمال ليشمل كمال العلم، والعلم "اللدني" والمعرفة وعلم الغيب والعصمة والانكشاف، أو من يرى الله، كما في كتاب الإنسان الكامل للجيلي. وغير ذلك. وهذا يأتي بعد اختبارات متتالية في مقاومة المغريات والفتن والامتحانات الصعبة في تفصيلات حياته اليومية. فالكلام عن الحقيقة الإنسانية كلام في مرحلة التصوّر، بينما ميدان الكمال الحياة الدنيا والواقع المتحرك وما يوجهه الإنسان من افتتان على صعيد النفس والشهوات.  

وأما مفهوم الخليفة على صعيد التعيّن والتحقق الخارجي، فالخطابات القرآنية كانت مطلقة، تخلو من أية إشارة صريحة للتفاوت البشري على صعيد الكمال الإنساني. ويبقى الإنسان استعدادا بالقوة لا بالفعل للرقي والكمال من خلال سلوكه وعمله. وهذا لا ينفي التسديد الإلهي، بمعنى الهداية واللطف، ويبقى الإنسان مختارا، مسؤولا عن سلوكه ومواقفه، لا فرق بين شخص وآخر. لكن من أين أتى مفهوم الإنسان الكامل؟ وهل هدف الخلق هو الإنسان الكامل، فتكون البشرية مجرد مقدمة لتحققه خارجا؟.

أول مرة سمعت بمصطلح الإنسان الكامل قبل نصف قرن تقريبا، عندما تعرفت في شارع المتنبي ببغداد على شخص (وكان للتعارف قصة)، كان أول لقاء في مكتبته، وكان حديثا ودياً متشعبا. لفت انتباهي  كتاب التوحيد للمفضل بن عمر الجعفي مفتوحا بين يديه. ومن يدمن روايات المفضل بن عمر يسري الغلو في عروقه، يوجه وعيه وتفكيره. سألني في معرض حديثه عن مفهوم "الإنسان الكامل" وعلاقته الوجودية، ومن هو مصداقه.. ولم ينتظر ردي، راح يرسم على ورقة المراحل التي تمر بها صناعة كرسي خشبي. فسألني كيف يصنع النجار كرسيا خشبيا؟ واصل حديثه: تبدأ العملية من فكرة الكرسي في ذهن النجار، فيخطط لصناعته وفقا لتلك الفكرة، وبذات المواصفات الفنية. ثم يرسم مخططا يحدد أبعاده وتفاصيله الهندسية، ثم يهيئ مستلزمات العمل، خشبا ومسامير، وأخيرا يباشر بصناعته ليصبح جاهزا للاستعمال. فنحن لا نرى سوى الخطوات العملية، بينما هناك خطوات سابقة عليها... وأنا أنتظر ماذا يريد بهذا مثلا؟. ثم راح يقارن خلق الإنسان بصناعة الكرسي!!!. فالصورة الأولى لدى الخالق هي صورة للإنسان الكامل، المثالي، العارف بالله حق معرفته، وهي غاية الخلق وهدفه. واستشهد بحديث: (كنت كنزا مخفيا فأردت أن أُعرف فخلقت الخلق). وكانت الصورة الأولى في مخطط الخلق، هي صورة محمد بن عبد الله. الإنسان الكامل، المثالي، العارف بالله حق معرفته، ومن بعده يأتي أئمة أهل البيت!!!!. وما سبقه مقدمات لبلوغه!!. ويقصد بالمقدمات جميع الخلق، التي هي كالمواد الأولية لصناعة الكرسي. ولا يخفى منحى الغلو في كلامه رغم إيمانه وتدينه. وهو اتجاه معروف في عقيدة الغلو، تعززه روايات، منها: (ما خلقت الخلق إلا لأجل هؤلاء). وأن أهل البيت خُلقوا قبل خلق السماوات والأرض، وكانوا أنوارا يدورون من حول العرش، ومن غرائب الروايات: (لما خلق الله تعالى آدم أبا البشر ونفخ فيه من روحه التفت آدم يمنة العرش فإذا في النور خمسة أشباح سجداً وركعاً قال آدم: هل خلقت أحداً من طين قبلي؟ قال لا يا آدم. قال فمن هؤلاء الخمسة الأشباح الذين أراهم في هيأتي وصورتي قال هؤلاء خمسة من ولدك لولاهم ما خلقتك، هؤلاء خمسة شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي لولاهم ما خلقت الجنّة والنار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ولا الملائكة ولا الإنس ولا الجنّ فأنا المحمود وهذا محمّد وأنا العالي وهذا علي وأنا الفاطر وهذه فاطمة وأنا الاحسان وهذا الحسن وأنا المحسن وهذا الحسين آليت بعزّتي ان لا يأتينّ أحد بمثقال ذرّة من خردل من بغض أحدهم إلاّ أدخله ناري ولا اُبالي يا آدم هؤلاء صفوتي بهم أنجيهم ولهم أهلكهم فإذا كان لك إليّ حاجة فبهؤلاء توسّل فقال النبي صلّى الله عليه وآله: نحن سفينة النجاة من تعلق بها نجا ومن حاد عنها هلك فمن كان له إلى الله حاجة فليسأل بنا أهل البيت). (الغدير ج ۲ ج ۳)...). وفي رواية مشهورة عندهم: (لولاك ما خلقت الأفلاك ولولا علي ما خلقتك ولولا فاطمة لما خلقتكما). وهذا اختزال للخلافة الربانية، لا دليل عليه في كتاب الله بل أن الآيات على خلافه، ويكفي أن آيات الخلق مطلقة، ولم تشر لفرد بعينه: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ). وكان حواره مع الملائكة عن الخليفة، كمفهوم كلي، يصدق على كل إنسان . وجميع الآيات كانت تتحدث عن الحقيقة الإنسانية، بناء على رمزية القصص. وثمة آيات تشير إلى مصاديق الخلافة كممارسة حياتية، كقوله:

- (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ). فالخلافة مجمل النشاط البشري، وقد يفضي للظلم والخصام، ويستدعي العدل وإقرار الحق. والإنسان الكامل أو المثالي من ينجح في تربية نفسه ويسمو في مراتب الكمال. فهو ثمرة جهد إيماني، مكتسب، متاح لكل إنسان. فأحد مهام الخليفة إقامة العدل والقسط بين الناس.

- (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)

- (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ). فالخلافة  استخلاف واستثمار للأرض.

- (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ). فإقامة الدين إحدى مهام الإنسان الخليفة.

- (ُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا). والاستعمار هو استثمار الأرض، بما يسهم في تعزيز القيم الإنسانية.

لا شك في علو مراتب الأنبياء والرسل، ولا ريب في مكانتهم وقربهم من الله. وقد جعل الله الرسول أسوة حسنة، في إيمانه وسلوكه وأخلاقه وصبره ومرابطته، وقد جاءت آية: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، في سياق الآيات النازلة في معركة الأحزاب. لكن لا دليل في كتاب الله أنه خلق السماوات والارض لأجله!!!. هذا تقوّل على الله بلا دليل: (َتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ). بل ثمة آيات ترصد حركة الأنبياء وتسائلهم، وتحصي خطواتهم، فكيف يكون إنسانا كاملا وتقول الآية: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ). والآية تتحدث عن إمكانية التقوّل لا وقوعه خارجا، وهذا يتناقض مع الكمال الإنساني، الذي يعني عندهم: عصمة مطلقة، ووساطة الفيض والوقوع ضمن سلسلة علل الخلق والولاية التكوينية، وغيرها من مختصات الخالق التي يخلعونها عليه بلا دليل في كتاب الله!!.

 إن إدمان التراث يسد منافذ الوعي، ويكرّس التبعية والانقياد، واستمراء الخرافات والأباطيل، والتنازل الطوعي عن العقل.

لقد نظّر المتصوّفة والعرفاء، لمفهوم الإنسان الكامل، بناء على مبدأ: "الواحد لا يصدر منه إلا واحد"، ونظرية العقول العشرة التي تنسب لأفلاطون، ومفادها: بما أن العقل الأول / الله، المطلق بسيط من جميع الجهات، فلا يصدر منه إلا واحد، لأن (الواحد لا يصدر منه إلا واحد)، فصدر عنه العقل الثاني مع حيثية إضافية. وعن العقل الثاني صدر العقل الثالث مع حيثيتين، وهكذا حتى يصلون إلى العقل العاشر، العقل الفعّال الذي فيه جميع صور الأشياء. فكل عقل يكون واسطة في الفيض. وخطأ هذه النظرية أنها قاست وحدانية الله بالواحد العدد. إن الله الواحد يختلف مفهوما عن مفهوم الواحد في الفلسفة اليونانية. الله شديد المَحال، ليس كمثله شيء، لا تدركه الأبصار، فكيف ندرك حقيقته ونحكم عليه بأنه واحد، والواحد لا يصدر منه إلا واحد؟. ثم جاء المسلمون واستبدلوا العقول بشخصيات، فكانت الحقيقة المحمدية تقابل العقل الأول. وبهذا يكون الرسول / الإنسان الكامل واسطة في الفيض، ثم اختلفوا بالتالي، بين الأبدال عند المتصوفة، والأئمة عند عرفاء الشيعة. وهذا توجيه ثانٍ لمفهوم الإنسان الكامل. وكلاهما لا قيمة له علميا، ولا دليل عليه قرآنيا.

العقل لا يدرك ماهية الخالق فكيف يُسقط عليه رغباته؟. كانت فكرة صناعة الكرسي سليمة، لا غبار عليها، لا يختلف حولها إثنان. فكل من يبغي عملا ينطلق من فكرة وصورة ذهنيه، وبعد نضوجها يخطط لها، ومن ثم يوفر مستلزمات تطبيقها. ولو صح قياس فعل الخالق بفعل الإنسان، فهل ثمة طريق لمعرفة الحقيقة سوى الكتب السماوية، ولم تصرّح. وجاء في الكتاب: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ). والتفضيل دليل على بلوغ الكمال الذي أهّلهم للتفضيل، ولو بينهم كرسل وأنبياء. وعدم ذكر الآية للرسول محمد لا ينفي فضله. وهناك آيات فضلتهم بالاصطفاء، لكنها لم تقل أنهم غاية الخلق، ومقصده: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، (يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ). بل أشار القرآن لمنازل القرب يوم القيامة كالمتقين والأولين وأصحاب اليمين والصديقين، كما أشار إلى الخصائص المكانية التي تتناسب مع تلك الدرجسات دون الإشارة لمفهوم الكمال، بل هو جزاء عملهم في الدنيا. ثم من قال أن مفهوم الكمال عند الله هو نفس المفهوم الذي يتحدث عنه المتصوفة والعرفاء؟. فربما معاييره الكمال مختلفة، ولم يصرّح بها؟.

وعليه: هل الخليفة هو الإنسان الكامل الذي تتجلى فيه صفات من يخلفهُ (آدم التكوين بمصطلح الفلاسفة والعرفانيين)، كما جاء في السؤال؟: اتضح أن مفهوم الخليفة مفهوم محايد في انتسابه لهذا الفرد أو ذاك، وكل إنسان يصدق عليه مفهوم الخليفة. وبالتالي لا يأتي إشكال السؤال: أليس هذا الاستخلاف بوجود الخليفة والمستخلف مصداق لنظرية وساطة الفيض الإلهي التي لم تؤمنوا بها (حسب قراءتي لكتابكم مدارات عقائدية...)

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com


المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (10)

This comment was minimized by the moderator on the site

يبدو ان مشاهدات الأستاذ الغرباوي في شارع المتنبي هي من اصداء الفكر المثالي الاغريقي. فالمفهومات تبدأ لديهم من صورة مثالية ثم معنى عملي ثم مادة. او من صورة و شكل و مادة. و هذا يقابل في كلامنا اليوم: التصور ثم الصورة و اخيرا المادة الخام اللازمة للتنفيذ.
و اعتقد ان معنى الطين يفيد نفس الدلالة. فهو مادة خام يمكن ان يتشكل بها الانسان حسب قوانين مرحلته. و لا يعني ذلك حرفيا انه تراب و ماء. انه مادة لدنة قابلة للتشكل حسب اختيارات عامة و حسب ظروف التربية ثم حسب او وفق المزاج الشخصي.
لا يوجد في الاسلام تذويب و إلغاء لإحساس المرء بنفسه. بل هو يحض على حرية التعبير و الصراحة. و كل ما عدا ذلك من معايب الأخلاق لأنه رياء.
و بالمثل الانسان الكامل مفهوم متدرج و يدل على النضج النفسي و الروحي و ليس النضج البيولوجي للعقل. و هو مفهوم ينطبق على الحضارة كما ينطبق على الانسان. و اعتقد ان هذه الانزياحات بالمعاني تشير للاختلاف الفطري عند البشر. حتى ان ابن حزم في الألفة و الألاف اشار لأكثر من تسع اطوار للحب حسب الشدة و التعلق. و كل طور له اسمه.
و شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لتعليقات ومداخلاتك دائما الاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق. بالفعل هذا ما كان يفكر به، من اجل الوصول لغاية في نفسه، بينما الايات مطلقة لا تشير الى اي مصداق. تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

أحسنت استاذنا ابا حيدر في تحليل فلسفة الخلق في مقالتك
وهو ما يتفق والمفهوم القراني ، الا انني لا اتفق مع صاحب
المكتبة الذي وضع مراحلًا لارادة الخالق كمراحل يمر بها في
ترتيب ذهني بشري ، الله جل وعلى خلق الخلق دون روية ولا تفكر
وانما قوله للشيْ كُن فيكون وما قاله صاحب المكتبة تصور انسان
محدود الذهنية .

احترامي وتقديري لك استاذنا الجليل مع الدعاء بالصحة وتمام العافية والسلامة .

الحاج عطا

الحاج عطا الحاج يوسف منصور
This comment was minimized by the moderator on the site

أحسن الله اليك اخي الشاعر الجليل، وتحياتي لحضورك وتفاعلك. نعم هو قاسم الغائب على الحاضر، غم أن الله غيب مطلق، وشديد المحال، لكن للرجل غاية، ويعتقد بصحة دليله، رحمه الله برحمته الواسعة. اجدد شكري

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة أستاذ ماجد
وهنا أريد أن أطرح سؤالا يلامس منحنيات الموضوع ومحاوره، فمثلا من المؤشرات المعروفة أن الأنبياء يتم إختيارهم من قبل الله وفق إمتلاكهم خصائص وملكات خاصة وكذلك إمتلاكهم بناء روحي يعد المؤهل لحمل الرسالة ويكون النبي محاط بالرعاية الإلهية والتسديد الإلهي وخصوصا في محور تبليغ الرسالة وتعاليمها ...فهل هناك مانع عقلي يمنع أن يكون للأنبياء خلفاء تميزوا بخصائص مقاربة لخصائص الانبياء ومحاطين بالتسديد الإلهي لا عن طريق الوحي وإنما عن طريق الإلهام والعرفان والمكاشفة التي هي نتاج الحركة الجوهرية للارواح التي قطعت شوطا في مسالك القرب الإلهي ، كما أن هناك واقع عقلي يفرضه العقل في أن مسار الرسالة لا يمكن أن يكتمل ما لم يترسخ وفق برنامج يثبت أوتاده من هم يسيرون على ذلك النهج .
فهل مثلا يصح أن يقال أن الله ترك الأمه هملا للضياع والفرقة بمجرد وفاة الرسول ؟
أليست التجربة الإنسانية في هذا الزمان والتي تستند على العقل تضع برنامج لادارة الدولة ومن هو الذي يقود مسيرة البلد بعد انتهاء مدة حكم الرئيس أو موته
فهل البشر توصلوا لمفاهيم لم يتوصل لها الله عز وجل؟
وشكرا

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك استاذ احمد مانع الركابي، وشكرا لطرحك الاسئلة. هذا هو نفس مضمون سؤالك الذي ساجيب عنه في الحلقة القادمة، وهنا أكثر تفصيلا، سأضيف له ما ذكرته هنا ليكتمل الجواب. رغم أني قد اجبت عنه مفصلا في حلقات متقدمه يمكنك مراجعتها، وايضا في كتاب مدارات عقائدية، وستأتي مناقشة الموضوع من زاوية فلسفة الخلق، بهذا سنستوعب جميع ابعاد الموضوع. اجدد شكري بانتظار الحلقة القادمة
http://www.almothaqaf.com/c/c1d-2/917618

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

بداية شكرا للجهد الكبير في التنوير والذي تقوم به أخي الاستاذ والمفكر القدير ماجد الغرباوي .
فقط استوقفتني كثيرا خلال حلقتكم مسأله ( الخلافة في الأرض ) وموضوع (الاصطفاء) الذي يؤمن به الشيعة .
صحيح أن القرآن أورد مسألة الاستخلاف كخطاب مطلق للجميع ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم )
لكن موضوع الاصطفاء والحديث المتواتر للثقلين ( كتاب الله وعترتي ) اعتقد باختصار أنه لا يعني أن الخلافة السياسية والحكم والكرسي من حق العترة وحدها بقدر ما هي لغرض وحدة المسلمين وحفظهم من الفرقة والاختلاف والضعف وهذا ما هو حاصل اليوم إذا ما استغنينا عن نظرية العترة فبالتأكيد ستظهر مثيلاتها حيث ظهرت جماعات اسلامية عدة وكل له قيادة ومنهج اليس من الأولى إذن التوحد حول العترة من البداية كي لا نصل إلى هذا الحال ؟!
ثانيا هل معنى حين نجمع على العترة أننا سنقصي الآخرين من عملية الاستخلاف والعمل والنهوض أم ان الهدف هو تكوين مرجعية فقط وموضوع الاستخلاف من حق الجميع المشاركة والنهوض به ؟! والدليل العملي على ذلك ما نشاهده اليوم واقعا متجسدا في جمهورية ايران الاسلامية ..وجود المرشد الأعلى للثورة ( كقيادة ومرجعية ) لكن لا يعني الاستبداد الفردي فهناك الجميع يشاركون في بناء الدولة عبر مؤسسات ونظام واختصاصات يقوم بها الكل وليس فقط الخامنئي أو اصحاب العمامة السوداء ..بل محمود نجاد كان بلا عمامة وتملك حب الجميع حتى خارج ايران ...وهناك ايضا الديمقراطية للشعب وبشهادة اكبر منظمات عالمية محايدة .

اعتقد فكرتي وضحت وانا اكتبها الآن على عجل في هذا التوقيت المتأخر قبل الفجر ..وربما أكون مجانبا للصواب حول مسألة (الخليفة) .
ودمت بخير وعافية

نجيب القرن
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي لحضور الشاعر نجيب القرن. كتبت كثيرا حول موضوع الولاية ودلالاتها في الحلقات السابقة بامكانك الاطلاع على تفصيلاتها
http://www.almothaqaf.com/c/c1d-2/917618
وايضا بامكانك الاطلاع على كتاب مدارات عقائدية ساخنة. ربما مهم تقرأه تجده على الرابط ادناه
http://www.almothaqaf.com/k/majed-al-gharbawi-s-books
أما الاصطفاء فمفهوم قرآني يؤمن به جميع المسلمين، والكلام حول شروطه وفعليته. فهل الاصطفاء من مختصات الخالق ام أوسع؟ الكلام كما تعلم عن الدليل اما الاجتهادات او القراءات التأويلية فمتعددة، تتحكم بها التوجهات الطائفية والسياسية. شكرا لحضورك ثانية

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذي النبيل
كيف نوفيك حقك...انا على يقين انك في غنى عن ان يوفيك مثلي / مثلنا
اتابع و اغرف و استفيد واستنير ولكن اخجل ان اثني كل يوم خوفاً
ورد التالي:( وأن هدف الخلق وجود كائن بشري)...نعم وجود كائن بشري لكن لا على التعيين...كائن بشري بقوى و حدود لا يعرف عواقب تجاوزها
...جائجة كورونا بعض دليل...ايهما اقوى و اكثر رعباً هذا المتعنتر الطاغي الباغي ام ذلك غير المرئي غير المعروف غير الملموس
صار الكائن البشري او اٌجد او خُلق...كيف متى اين لا احد يعرف...انها اكبر من ادراكي لكن لي سؤال قد يخرج عن الايمان او الواقع او العام هو
لماذا تقاتل هابيل و قابيل على لا شيء و بشكل شاذ...فلا منافس لهما
الشيطان اغوى ادم...عُقب ادم و استمر الشيطان هناك
لكم احترامي
لكم السلامة وتمام العافية

عبد الرضا حمد جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الجليل الاستاذ عبد الرضا حمد جاسم، شكرا لحضورك ومشاعرك النبيلة، لا اجد ما يفي شكرك. يسعدني متابعتك وقراءتك الحوارات، وهذا اهم عندي من الثناء والاطراء فانا لست بحاجه له، بل بحاجة للنقد الموضوعي الذي يثري المقال. اكرر احترامي. اما بالنسبة للشر فهو مغروس فيها. لقد خلقنا ضمن قوانين كونية تحكمنا، ونحن لا نريد التصديق بهذه الحقيقة نعتقد أنها ستؤثر على إيماننا بالله ، وليس كذلك ساتحدث عن الموضوع في محله. الانسان يجب ان يشعر بانسانيته وخضوصياته كي نتمكن من تجاوز عقبة التخلف. محبة خالصة

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5059 المصادف: 2020-07-12 05:04:07