حوار مفتوح

majed algharbawi5خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق8- س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

أصداء الغدير لدى الصحابة

ماجد الغرباوي: تذهب الأخبار التاريخية إلى كثرة من حضر خطبة النبي يوم الغدير من الصحابة، ومرّت إشارة لذلك في رواية الشيخ المفيد. وهؤلاء جميعا أو أغلبهم قد تابع أحداث الخلافة، وبايع الخليفة الأول أبا بكر، دون علي المنصوص على إمامته السياسية حسب الفرض. إذاً فكيف فَهم هؤلاء قول النبي: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، وهم بهذا العدد الكبير؟. إن فَهم الصحابة هنا سيكون حجة في تحديد معنى كلمة مولى، لأنهم المقصودون بالخطاب أولاً وبالذات. كما أنه قصد إفهامهم بمراده، واختار من الكلمات ما يتناسب مع مقاصده. وهذا هو مقتضى مقدمات الحكمة كما يعبرون. فهل فهموا من كلام النبي النص على الإمامة السياسية أم لا؟ وكيف حينئذٍ يخالفه الصحابة، وهم الذين بذلوا مهجهم من أجل نصرته ونصرة دينه؟. ما عاد المنهج القديم يكفي لشرعنة أقوال الرسول، ولا تكفي صحة الروايات لاكتشاف الحقيقة. ويجب دراسته في سياق تاريخيته دراسة مستفيضة. ومقاربة أسباب صدوره، وما هي خلفياتها، وتحديد مقاصده، وفق منهج هرمنيوطيقا، يقترب من واقع المتكلم والسامع، وما يحيطهما. يتحرى كل شيء، ويتقصى مدارات الحدث، بما فيها الدوافع النفسية والأيديولوجية والمؤثرات الذاتية والموضوعية. يحلل ويفكك ويقارن وينقد ويراجع. وهذه الأسئلة وغيرها تستحق التأمل، لحسم هذه القضية ولن نعود لها ثانية، كي نلتفت لحياتنا ومستقبلنا بعيدا عن سطوة التراث والسلف، (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ). من هنا سيتناول البحث نقطتين أساسيتين، الأولى أصداء حديث الغدير في وسط الصحابة، والأسئلة التي تدور حول صدقيته. والثاني، دراسة بدايات تأسيس التشيع. فما حصل في السقيفة، لم يقف عند حدود مبايعة علي للخليفة الأول، وعدم خروجه على إجماع الصحابة، بل راح يتبلور تدريجيا اتجاه يعلن ولاءه لعلي، ويرفع شعارات المعارضة السياسية، محتاجا ولو بعد حين بحديث الغدير وغيره من روايات الفضائل، اسمه التشيع له خصوصياته العقدية والفكرية والفقهية والكلامية. وقد ترك آثارا كبيرة عبر مسيرته التاريخية. فلا يمكن تجاهله ما لم نسلّط الضوء على بدايات التأسيس. لنخرج بنتيجة نهائية، تبرر تخلينا عن حقبة الخلفاء وما تلاها. والعودة لقيم الدين والقيم الإنسانية العادلة، لمواصلة حياتنا بعيدا عن تجاذبات منطق الفِرقة الناجية، التي كلفّت المسلمين دماء غزيرة جدا، وخزينا من الكراهية والتنابذ، يتشظى مع كل احتكاك بين الفِرق والمذاهب الإسلامية. وتجدر الإشارة أن مناقشة البيعة وولاية علي بن أبي طالب عبر ما نطرحه من أسئلة، لا ينقص من شخص علي شيئا، ولا يختزل ثقة الناس وحبهم له. المسألة وما بها مقاربة الحقيقة، ورفع القداسة عن الروايات التاريخية، التي تسببت بكل هذه التداعيات. وعلي يبقى رمزا كبيرا، وأحد المرشحين الأوائل للخلافة، وهناك من كان يثق به، ويلتف حوله، ويؤمن بأولويته وأفضليته وكفاءته على الآخرين. فثمة فرق بين علي المرشح للخلافة لكفاءته، وبين علي المنصوص عليه. ويعني التنصيص التوريث، وقداسة الفعل السياسي، وعصمة السلوك الشخصي، وشرعنة الاستبداد، وقمع المعارضة، وكفر من يتمرد عليه، وغير ذلك من آثار جسام. وهذا لا يوافق عليه المنطق الديني فضلا عن المنطق الإنساني. هذه الملاحظة ضرورية لمن يود معرفة ماذا نريد من خلال هذه الإجابات. فهي بحوث علمية، غير متحيزة، تبغي مقاربة الحقيقة، والكشف عن ملابساتها، للتخلص من آثارها السلبية، وعبئها الفكري والعقدي. وعندما أحتج بروايات وأخبار تاريخية، لا يعني القطع بصحة صدورها، أو الجزم بوثاقة مصادرها، خاصة وفق منهجي الصارم في تصحيحها، إنما استشهد بها لأهميتها عندهم. بعضها لترتيب نسق الأحداث أو الاستفادة من مضامينها. أو من باب إلزموهم بما ألزموا به أنفسهم.

أسئلة الحدث التاريخي

من أجل التوفّر على نتيجة مقنعة سنثير جملة أسئلة حول الحدث التأريخي، لأننا أمام قضية مر عليها أكثر من 1400 سنة، تخللتها أحداث جسيمة تركت بصمتها، ولوّنت التاريخ بلون الظلم والقهر والدماء الزكية، فبات من الصعب اقناع الشيعي برؤية أخرى، مهما كانت حقيقية ومعززة بالأرقام، لذا نحن أمام مهمة شاقة، نتوخى فيها مرضاة الله تعالى أولا، وتقديم قراءة للتشيع في ضوء أحاديث المصطفى محمد وسلوك أهل بيته الكرام. لذا سنكثّف من علامات الاستفهام والأسئلة من أجل زعزعة القناعات الراسخة، واستبدالها بمفاهيم جديدة تنسجم مع المهمة التاريخية، وعليه سنتابع ما حدث تاريخيا ونطرح الأسئلة التالية:

نعود لحديث الغدير وما يحيط به من استفهامات، ظلت محيّرة، لا نجد لها أي جواب ينهي حالة الشك والريبة بشأنه. فعندما نفترض صحة صدور حديث الغدير وصراحته بالنص على الإمام علي خليفة للمسلمين بعد رسول الله، نسأل: 

أولاً: مهما كان معنى كلمة "مولى" في حديث الغدير، وعلى فرض صحة صدوره، وصحة واقعة الغدير تاريخيا، إلا أن الحديث لم يترك أثرا في نفوس الحاضرين يمكن الاستشهاد به. ولم يطرأ على الصحابة ما يؤكد وجود حدث هام، شغل بالهم أو أثار أسئلة واستفهامات حوله. فكما رافقوا النبي للحج، عادوا معه، ولم يرو التاريخ أحداثا مهمة ترتبط به، مما يرجح رواية بُريدة، وكرهه لعلي، مما أبغض النبي، كما حدّث هو، فارتقى المنبر، يؤكد على شخص علي المؤمن والأمين والصادق ووصي النبي على ماله وعياله وممتلكاته، الذي شكك بصدقيته بريدة، واتهمه بالتصرف بالخمس، وتقاضيه كثيرا على حساب الآخرين. كان ينبغي لحدث بحجم تنصيب خليفة رسول الله أن يعيد تشكيل وعي المسلمين بمعنى الخلافة والخليفة، مباشرة بعد خطبة الرسول، وهذا هو سلوكهم معه عندما يهبط عليه الوحي أو يحدثهم بحديثه. ولَكَثُرَتْ أسئلة الصحابة، عن شروط الخليفة، صلاحياته، حدود سلطته، كيفية تنصيب نائب عنه، وأسئلة كثيرة تتعلق بالسلطة وإدارة شؤون المسلمين ومدنهم وتوزيع مسؤولياتهم. وكل هذا لم يحصل، وأمامكم الفقه السلطاني شاهدا. وهذا سؤال مهم لمن يعرف مكانة السلطة لدى القبائل العربية وقريش خاصة، ومدى ولعها بها، حيث تفرّدت بالزعامة والسلطة، فكيف يسكت القريشيون وهم صحابة رسول الله والمهاجرين في سبيل الله وقبيلة النبي؟. لكن كل هذا لم يحصل، وهو أمر يثير الاستغراب، وأدل دليل عليه اختلاف الصحابة حول الخلافة وما حدث في السقيفة وبعدها. فالتصدي مع كثرة من حضروا من الأنصار، يصدق دليل نقضٍ على إرادة الإمامة من حديث الغدير. بل أن رواية أبي بكر عن النبي: الخلافة أو الإمامة في قريش هي التي حسمت موضوع الإمامة وغدت شرطا في الخليفة وفقا للفقه السلطاني.

ثانياً: إذا كان الإمام علي منصوصا على خلافته من قبل الله تعالى، بحديث الغدير أو بغيره، فلماذا لم يُذكر ذلك صريحا في القرآن؟. إذ ينبغي أن تحظى الإمامة المنصوص عليها بنص قرآني صريح واضح لا شك ولا ريب فيه، يشرعنها ويؤكد إلهيتها؟. أو لا أقل ينص على أصل الخلافة، كموضوع ديني، ينبغي تفقّه المسلم به أسوة بغيره من  مفردات العقيدة. وهل الإمامة أقل شأنا من الذبابة والكلب ودم الحيض والنفاس، وكلها ذكرت في القرآن؟. فلماذا لم يتعرّض للإمامة رغم خطرها وأهميتها؟. ولماذا لم ينص على خصوص علي، كما نص على خلافة هارون؟ سيما أن عليا في العقيدة الشيعية، شخصية غرائبية، معصومة، ومقدسة، ومقدمة على الأنبياء والرسل جميعا إلا رسول الله، ألا يستدعي كل هذا وجود آية، تحسم النزاع حوله؟

ثالثاً: لماذا استخدم النبي مشتركا لفظيا يبعث على الريبة والشك، ولم يصرّح علانية بشكل لا مواربة فيه بخلافة علي، لأهمية الإمامة وتبعاتها الكبيرة؟ هي ليست قضية عادية يكفي معها حديث أو حديثين، أو موقف عابر من هنا وهناك، فلماذا لم ينص النبي على خلافة علي بجموعة أحاديث تقطع الشك وترسّخ فكرة الخلافة لدى المسلمين؟ أليست هذه مسألة مهمة وخطيرة؟ فهل يعقل أن يقصّر النبي في تبليغ أمر إلهي، أو يخجل أو يتوانى فيه؟ وهل يعقل لنبي حكيم مرسل من قبل الله تعالى، أن يكتفي بكلام موارب لتأصيل قضية بحجم الإمامة والخلافة؟ إنها أسئلة موضوعية، يقتضيها البحث العلمي، ولا يحل الإشكال وجود رواية ضعيفه هنا وهنا، لأنها ستكون متهمة بالوضع مع هذه الحيثيات. القضية خطيرة جدا، وتسببت في سفك دماء غزيرة، ومازالت تفرض نفسها على العقل التراثي، وترتبت عليها آثارا دينية، كالقول بولاية الفقيه، وولاية الفقيه المطلقة، التي تمنحه ذات صلاحيات الرسول!!!.

رابعاً- بين خطبة يوم الغدير ووفاة النبي مدة كافية لأن يرسّخ النبي أمر الخلافة في أذهان المسلمين من خلال خطبه وأقواله، ومن خلال ممارسة الإمام علي لمنصبه الجديد تحت إشرافه ورعايته، كما يفعل شيوخ القبائل، ورؤساء الدول. غير أن المدونات التاريخية لم تذكر أن الإمام علي مارس دوره كخليفة في ظل الرسول، ولم يسند له النبي أي مهمة تؤكد خلافته. فلماذا لم يتخذ النبي أي إجراء خلال هذه الفترة؟ أليس سؤالا مشروعا؟. قد يستشهد بعضهم بواقعة من هنا أو هناك، وهذا لا يكفي، لأن أمر الخلافة خطير، مثار للفتنة والانقسام ويحتاج الى تثبيت وترسيخ في نفوس المسلمين، من خلال إنابته في الصلوات مثلا، أو قيامه بمهام قيادية، بصفته خليفة لرسول الله شرعا. وكل هذا لم يحصل. خاصة وأن الإمام علي ابن عمه وزوج ابنته فاطمة، فيثير حساسية القبائل ويُتهم بالمحاباة ما لم يصدر عن النبي ما يحول دون أي احتجاج أو اعتراض بعد وفاته، وهذا لم يحصل. بل أجاب الإمام علي والعباس عندما سألها عن الخلافة بعده، قال: "أنتم المستضعفون بعدي". علما أن المدة بين يوم الغدير 18 – ذو الحجة، سنة 10 هـ إلى وفاته 28 – صفر، سنة 11 هـ، تكفي لأن يبيّن النبي كل شيء، ولن يترك ثغرة، تكون منشأ للخلافات حولها. بل ويجب أن ينسب صراحة كل ذلك لله تعالى، كي يقطع الشك باليقين.

خامساً- إذا كان مؤدى حديث الغدير الاعلان عن خلافة الإمام علي وتعينه نصا، فيفترض أن الأمر قد انتهى وقد شهد الغدير مئة الف أو يزيد كما تذكر بعض الروايات. فما الداعي لان يطلب الرسول دواة وقرطاسا ليوصي بالخلافة ثانية (هذا إذا قلنا أن النبي أراد فعلا أن يكتب نصا صريحا لعلي، ولا قرينة واضحة على ذلك، فربما كان يبغي كتابة ضابطة للخلافة أو شيء يخص مستقبل الرسالة)؟. وهذا يؤكد كحد أدنى أن حديث الغدير لم ينص على إمامة علي، أو أن الصحابة لم يفهموا ذلك صراحة، بما فيهم علي والعباس، لهذا احتاج النبي لتوضيحه بكتاب (إذا كان يقصد ذلك بكتابه).

سادساً- المفروض أن حديث الغدير كان واضحا وصريحا لدى المسلمين، فما حاجة علي  بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب للسؤال عن الخلافة ومستقبلها؟ ولماذا دخلا عليه وهو في آخر يوم من حياته ليسألوا عن دورهما بعد وفاته؟ (وفقا للروايات الشيعية). أو طلب العباس من علي أن يدخل عليه ويسأله، فرفض (وفقا للرواية السنية)؟. الأهم والأخطر أن جواب الرسول لم يؤكد خلافة علي. تقول الرواية، كما في كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (مج11، ج1، ص184-185.)، وهو زعيم الطائفة الشيعية في حينه: (ثم أُغمي عليه –أي على الرسول الكريم- من التعب الذي لحقه والأسف، فمكث هنيهة مغميً عليه، وبكى المسلمون وارتفع النحيب من أزواجه وولده والنساء المسلمات ومن حضر من المسلمين.

فأفاق عليه وآله السلام فنظر إليهم، ثم قال: "اِتوني بدواة وكتف، أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا"، ثم أغمي عليه، فقام بعض من حضر يلتمس دواة وكتفا فقال له عمر: ارجع، فإنه يهجر، فرجع. وندم من حضره على ما كان منهم من التضجيع، في احضار الدواة والكتف، فتلاوموا بينهم، فقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد أشفقنا من خلاف رسول الله.

فلما أفاق عليه وآله قال بعضهم: ألا نأتيك بكتف يا رسول الله ودواة؟ فقال: "أبعد الذي قلتم!!. لا، ولكنني أوصيكم بأهل بيتي خيرا". ثم أعرض بوجهه عن القوم فنهضوا، وبقي عنده العباس والفضل وعلي بن أبي طالب وأهل بيته خاصة.

فقال له العباس: يارسول الله، إن يكن هذا الأمر فينا مستقرا بعدك فبشّرنا، وإن كنت تعلم أنا نُغلب عليه فأوصي بنا، فقال: "أنتم المستضعفون من بعدي". وأَصمت، فنهض القوم وهم يبكون قد أيسوا من النبي صلى الله عليه وآله). والرواية واضحة في مقطعها الآخير، فإنها تفيد النفي بما يتقاطع مع حديث الغدير إذا قلنا بصراحته نصا على ولاية امير المؤمنين علي، كما يذهب لذلك التشيّع التراثي.

سابعاً- على فرض صحة أن عمر بن الخطاب أو أحد الصحابة تصرّف بطريقة غير لائقة في محضر الرسول الكريم، فحال دون كتابة الكتاب، فلماذا لم يكتب الرسول الكتاب ويسلّمه لآخرين من الصحابة، ما دام الأمر يهم المسلمين،؟ أو يضع عليه ختمه وتوقيعه ويسلّمه لأهل بيته؟ هل الرسول طفل يزعل من الصحابة فيتخلى عن مسؤوليته الشرعية، أم هو نبي ورسول من قبل الباري عزوجل ووظيفته الأولى هي التبليغ مهما كان تبعات ذلك؟.

إن حديث الرزية الرزية عن ابن عباس أو حديث الكتف والدواة فيه إدانة كبيرة وتجنٍ على النبي الكريم، حيث يظهر الرسول بمظهر لا يتناسب مع مقامه. هو لم يخش الكفار والمنافقين والمشركين فكيف يخاف من شخص أو شخصين فيمتنع عن أداء وظيفته؟ كما أن صحة هذا الحديث يثير الشك في مؤدى حديث الغدير على فرض صحته. فما دام حديث الغدير صريحا واضحا، فما الداعي لكتابة الكتاب ثانية؟؟ ثمة أسئلة يراد إقصاؤها، ينبغي للباحث إثارتها، وتسليط الضوء عليها، لمقاربة الحقيقة، والتعرّف على الأجواء المحيطة بالنبي من يوم الغدير حتى وفاته، وما تلاها.

ثامناً: إن نظرية المؤامرة التي يتمسك بها الشيعة، ويتهمون رموز المهاجرين بالتخطيط للاستيلاء على السلطة، وإقصاء علي، خصوا بذلك قريشا وشيوخهم، ممن حضر السقيفة، أبو بكر وعمر، واعتبار الثاني المخطط والمنفذ، وهذا سبب التقابل بينهما في كتب التراث والخطابات الطائفية والكلامية "عمر / علي". "علي / عمر"، كرمزين للخلافة  والصراعات السياسية. لكن كيف نفهم موقف الأنصار، الذين سبقوا المهاجرين إلى سقيفة بني ساعدة، واتفقوا على مبايعة شيخهم سعد بن عُباده . هل في الصحابة كالأنصار في تضحياتهم ونصرتهم للنبي ورسالته؟ هل كالأنصار ممن اهتم بهم الرسول، وأوصى بهم خيرا؟ وخاطبهم الرسول بعد أن وجد في نفوسهم شيئا بسبب حجب غنائم معركة حُنين الكثيرة عنهم، بقوله: (ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم، فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا، وسلكت الأنصار شعبًا؛ لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار”. فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: “رضينا برسول الله قسمًا وحظًا“).

بدأ الصراع حول السلطة داخل سقيفة بني ساعدة، حينما تصدى لها الأنصار، كاستحقاق طبيعي لجهادهم وتضحياتهم، وكان خطاب الصحابة في بداية الأمر وديا، إسلاميا، بين طرفيه المهاجرين والأنصار، مما يؤكد وحدة الموقف من الغدير والخلافة: "يا معشر الأنصار"، "يا معشر المهاجرين". ثم انقلب إلى منطق قَبلي: قريش وغيرها، عندما طرح الأنصار ضمن مفاوضات السلطة شعار: "منا أمير ومنكم أمير". حيث رفض أبو بكر بن قحافه وعمر بن الخطاب وأبو عبيده مشاركة الأنصار في السلطة.

وهنا يبدو السؤال شرعيا جدا عن موقف الأنصار، ممن حضروا يوم الغدير واستمعوا لخطبة الرسول كاملة. كيف يخالفون قول الرسول في التنصيص على خلافة علي، ويتصدون لها؟. الأنصار لهم وزنهم الإيماني والجهادي، وقربهم من رسول الله، ومنزلتهم في الإسلام: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).

لا يمكن لمثل الأنصار التصدي للخلافة لو كان حقا قد فهموا من حديث الغدير النص على خلافة علي. فيكون تصديهم دليلا على عدم إرادة الإمام السياسية. وثمة حادث وقع اقتضى أن يخطب الرسول، فيبقى مرتبطا بظرفه، ولا علاقة له بالخلافة إلا على نحو الفضيلة العامة التي تجعل من علي الأفضل، وليس نصا وفرضا، لأن الحديث عن الخلافة فرع ثبوتها دينيا، ومحمد نبي وليس زعيما سياسيا، وقد مرَّ الكلام مفصَلا.

تاسعاً:

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi4خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف.. حيث يواصل إجابته في (ق7) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الإمامة السياسية

ماجد الغرباوي: اتضح مما تقدم لا يوجد ما يدل على إرادة الإمامة الدينية في قول الرسول: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". سواء كان المراد بها خصوص الإمامة الإلهية أو التشريعية أو الوزارة. وغاية ما يدل عليه كلام النبي تأكيده وصاية علي بن أبي طالب من بعده في خاصة شؤونه، والإشادة بمنزلته، وأنه يهدي للحق، وقدوة في سلوكه وأخلاقه، ومرجعا فكريا لفهم الدين، وأن مواقفه السياسية تنبثق عن رؤية ترتكز إلى مبادئ الدين والقيم الإنسانية. وكل هذا باستثناء الوصية، ليس مصرحا به، لكن يمكن استفادته من أحاديث الفضائل، والمواقف الرسالية لعلي، وحكمته التي تجلت من خلال خطبه ورسائله. فهو من الهداة والمستحفظين على الدين (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ). وهذه شهادة ومنزلة عظيمة. لكن الشيعة أو الغالبية المطلقة يؤكدون أن حديث الغدير نص على استخلاف علي بن أبي طالب من بعد الرسول. والإمامة والإمام نص وتعين من قبل الله تعالى، وكل ما جاء من تنظيرات كلامية فيما بعد يرتكز لحديث الغدير أولاً. وهنا نسأل: هل الدولة شأن ديني، كي يتولى الرسول النص على الإمام أم شأن اجتماعي متروك للأمة وتقديراتها؟

 الدولة بين ضرورتين

إن استفادة إرادة الإمامة السياسية من قول النبي: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، يتوقف على دلالة كلمة مولى أولاً. وقد اتضح عدم دلالتها على إرادة الإمامة. وثانيا أن تتفرع الإمامة على أصل ديني، وهو مفقود بالضرورة، إذ لم يتناول الكتاب الكريم إلا إمامة إبراهيم، وقد مرّ الكلام، أنها اصطفاء إلهي، يتوقف على وجود آية صريحة. بل وقد أهملت آيات الكتاب السياسة والاقتصاد سوى مبادئ يمكن توظيفها في تأسيس نظام سياسي. الإمامة ليست أصلا من أصول الدين متفق عليه بين المذاهب الإسلامية، وليس لها أصل قرآني عقدي: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ). واعتبرها الشيعة امتدادا للنبوة وليست أصلا مستقلا، رغم وجود روايات دلت عليها. كما في (أصول الكافي، ج2) قال الإمام الصادق: "بني الإسلام على خمس على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية ولم ينادى بشيء كما نودي بالولاية". والمراد ولاية علي بن أبي طالب وإمامته. وأيضا: "بني الإسلام على خمسة أشياء على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية قال زرارة فقلت: وأي شيء من ذلك أفضل فقال: الولاية"، وهي كما ترى عند مقارنتها بالآية المتقدمة.

منهجي لا يسمح بالخوض في الروايات التاريخية لسبب علمي، هو عدم الإطمئنان لأية رواية بعد قرون متمادية. كما أن الشواهد والقرائن لا تكفي لترجيح الأخبار، مهما كان عددها. وكل رواية تجد ما يعارضها. بل حتى حديث الغدير وأهميته وخطورته، هناك ثلاث صيغ للخبر، مما يجعل الباحث يتوقف ويبحث عن مرجحات من خارج الروايات. لذا لا أخوض كثيرا في التاريخ، وأركز على دراسة القضية من حيث إمكانياتها أولاً، فإذا لم تكن ممكنة، فلا طائل من البحث التاريخي والروائي. فما هي علاقة الدين بالسياسة؟ وهل كان النبي بصدد تأسيس دولة ونظام حكم يتطلب وجود من يخلفه في ممارسة السلطة؟ أقصد هل تأسيس دولة دينية تكليف شرعي، يتطلب الإتيان بمقدماته؟ هذا هو السؤال المهم الذي تتفرع عليه جميع القضايا. أو يبقى الأمر لو صح مجرد إرشاد ووجهة نظر غير ملزمة.

أكدت مرارا أن الدولة ضرورة اجتماعية وليست ضرورة دينية. أي ليست من ضمن التكليفات الشرعية المنصوص عليها قرآنيا، ولا مانع أن يتصدى المسلمون لقيام دولتهم، ويمدهم الكتاب الكريم بقيم ومبادئ وتشريعات يلتزمون بها. والفرق واضح. في الحالة الأولى يجب التحرك سياسيا، بل وحتى عسكريا من أجلها، وأسقاط كل سلطة يقع ضدها. وهذا ما تؤمن به داعش وقد أراقت دماء غزيرة، وهو مبنى الحركات الإسلامية السياسية قاطبة. وما دولة المدينة سوى استجابة لتطور المجتمع إداريا. ولو كانت الدولة ضرورة دينية ينبغي أن ينظّر لها الكتاب الحكيم من خلال منظومة مفاهيمية وتشريعية. بينما أهمل القرآن عصَبي الحياة، السياسة والاقتصاد، سوى مبادئ لضبط الأداء السياسي. وما تقرأه من تنظيرات المسلمين، خاصة التنظيرات الحركية، فهي وجهات نظر اجتهادية محترمة، لكن لا يمكن أن تكون تكليفا شرعيا. القرآن قد حدد مهام الرسول بالتبليغ والبيان والشرح والتفصيل والتبشير والإنذار وتعليم الناس الكتاب والحكمة، وأن يكون أسوة له. فكان بصدد بناء مجتمع يدين بدين التوحيد، ويلتزم بقيم الإسلام وأخلاقه. وعندما يبلغ هذا المستوى سيختار شكل الدولة التي تنسجم مع مبادئه، وتحقق أهدافه في الاستقرار والأمن السلمي. إن الخلافة قضية مهمة ومصيرية، وإهمالها من قبل الكتاب والنبي دليل على ترك موضوع السياسة للتطور التاريخي، لتتكيف مع متطلبات العصر والزمان..

ونخلص، أن لازم القول بوجوب النص على الإمامة والإمام، انتقال صلاحيات أو أغلب صلاحيات الرسول إلى الإمام، ومنها قيمومته وولايته، وهذا ما تقول به الشيعة، فللإمام حق التصرف في كل شيء، وله تعود ملكية الأرض وثرواتها، والحاكمية المطلقة، أسوة برسول الله. أي نقل جميع صلاحيات الرسول في الحاكمية الإلهية للإمام، بل ذهب القائلون بولاية الفقيه انتقالها للولي الفقيه. يذهب لذلك الخميني، المنظّر الأول لحكومة ولاية الفقيه، حيث جاء في معرض حديثه الذي نقله التلفزيون الإيراني في حينه: (أوضح أن الحكومة شعبة من ولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم، المطلقة، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج). فهي صلاحيات مطلقة. ولا يخفى أن هذا النوع من الولاية كما تقدم بيانه يحتاج إلى نص قرآني صريح، نرفع به اليد عن الأصل. كما أن الصلاحيات المطلقة تأسيس ديني للاستبداد السياسي. أو الديني والسياسي. يقمع المعارضة، ويشرعن أخطاء الدولة والإمام أو الخليفة. وهذا لا يقول به أحد، ويتطلب تسديدا وترشيدا إلهيا مستمرا، تحاشيا لأي ظلم واضطهاد باسم الدين، كما بالنسبة للرسول ونزول الوحي عند كل واقعة. وبوفاته خُتمت النبوة. وقد فصّلت موضوع الولاية والسلطة، عند مناقشة آياتها، كقوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)، (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ). وقلت بعد نفي الولاية بمعنى القيمومة والسلطنة المطلقة، لو ثبت جدلا وجود ولاية بهذا المعنى فهي من مختصات الرسول، تنتهي بوفاته. ولا ولاية مطلقة للمؤمنين، وتختلف جوهرا عن ولاية الله ورسوله. حدودها التنازع، مما يؤيد اختصاصها في القضايا الإدارية والتنفيذية.

والإمامة التي يقول بها الشيعة لا يدّعون أنها أصل من أصول الدين إلا من شذ من غلاتهم، بل هي أصل من أصول المذهب، ينفون كونها ضرورة دينية، كالسيد محمد باقر الصدر والإمام الخميني في كتبهم الفقهية، في باب (كتاب الطهارة). الأول يقول: (فمن الجلي أن هذه القضية "أي الإمامة" لم تبلغ في وضوحها إلى درجة الضرورة ولو سلّم بلوغها حدوثا تلك الدرجة، فلا شك في عدم استمرار وضوحها بتلك المثابة لما اكتنفها من عوامل الغموض). وقال الثاني: (إن أصل الإمامة كانت في الصدر الأول من الضروريات الإسلام والطبقة الأولى المنكرين لإمامة أمير المؤمنين "ع"... ثم وقعت الشبهة للطبقات المتأخرة). وهذه مجرد أمثلة. نفهم منها عدم الاتفاق على إرادة الإمامة السياسية من قول الرسول "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". لكنهم يستدلون عليها بالعقل وبروايات الفضائل، التي تضمّنت النص على علي وإمامته وخلافته. والمراد بالعقل هنا خصوص العقل المذهبي، وليس المبادئ الكلية للعقل البرهاني. وعندما يعبّر المسلمون بأن الإمامة ضرورة، يقصدون بمقتضى الضرورة الاجتماعية، وضرورة الحكم والسلطة كي لا تقع الأمة بالفوضى، ولكي تستمر تطبيق الأحكام الشرعية، وتبليغ الرسالة. فبما أن السياسة والدولة وشؤون الحكم ضرورة اجتماعية في كل زمان ومكان، فيكون نصب الإمام وفق شروط متفق عليها، ضرورة أيضا. لكن هذا النوع من الإمامة لا يمنحه الولاية وحق التصرّف بموجب اجتهاده، إلا وفقا للنظرية الشيعية، لذا قالوا أن حجية روايات الأئمة كحجية روايات الرسول. تخصص وتقيّد آيات الكتاب. ويتعامل معها المجتهد بذات القدسية. مما يعني امتداد عصر التشريع حتى نهاية الغيبة الصغرى للمهدي (329 هـ).

وأما من يقول بنظرية اللطف، وأن من اللطف على الله أن ينصب إماما يواصل وظائف الرسول، وليس الرسالة، فكلام ينقصه الدليل اللفظي، وهو مفقود بالضرورة، سوى رغبات مذهبية وسياسية. وأساسا نظرية اللطف في تعيين الإمام تتفرع على ثبوت أصل الإمامة قرآنيا في المرتبة السابقة، وقد عرفت بما لا مزيد عليه، أن الكتاب الكريم لم يتطرق لموضوع الإمامة والسياسة وخلافة الرسول، وصرّح بكمال الدين وتمام نعمة الإيمان والهداية، وختم النبوة إيذاناً بممارسة الإنسان دوره الخلافي المرسوم له قرآنيا. ونظرية الخلافة هي ما نسعى لتأصيلها، لتحرير العقل المسلم من التبعية والانقياد، وتحمل المسؤولية التاريخية، على هدى من مبائ حقوق الإنسان العادلة، والعقل والعقلانية، وإلهام من الدين، كتجربة روحية هدفها رفد الحياة بقيم ومفاهيم تعزز الروح الإنسانية، حتى في فهمها للخالق والخلق والحياة وما بعدها. فثمة هدف للدين أهم من السياسة والحكم، وهذا لا يعني إهمالهما، بل تركهما للتطورات الحياتية، المهم قيام الدولة على العدل وعدم الظلم.

وأما الآيات التي يستدل بها على ضرورة الدولة دينية، فلا تدل على المطلوب، وموردها خصوص القضاء، كقوله تعالى في سورة المائدة: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50).

هذه هي المصفوفة التي يسشهدون بها في المقام، وإنما أتيت بجميع الآيات المحيطة بالآيات المقصودة لبيان مورد نزولها، والسياق دال على اختصاصها بالقضاء.

لكن توجد آيات تصلح مبادئ للسياسة والحكم، كقوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)، (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ)، (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلً)، (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، والآيتان الأخيرتان، تصلحا شرطا للحاكم الأعلى: (أن لا يكون كافرا، وان يكون مؤمنا). وأما ما تلى عصر الخلافة من تنظيرات الأحكام السلطانية فأغلبها اجتهادات ووجهات نظر، لتبرير شرعية السلطة، وشرعنة قراراتها. ولا مانع أن يكون لبعضها جذر ديني، بل وحتى قرآني عام. ولا شك أنهم استفادوا من أحكام الشريعة في مجال الجهاد والقتال. كما أن السيرة النبوية حاضرة، والتي راحت تتفاقم باضإفة سيرة الصحابة التي هي سيرة بشرية تم شرعنتها لضرورات سياسية. ولا يخفى دور الفقه السلطاني، كما مرَّ بيانه، في شرعنة الاستبداد، والدفاع على الظلم والجوار، وهذا يتعارض مع آيات الكتاب، وهدف الرسالة السماوية. وإلى جانب الفقه السلطاني، هناك علم الكلام الذي كرّس جهوده لتأصيل السلوك السياسي للخلفاء المسلمين. سواء السلطة أم المعارضة، وكان وراء المقولات السياسية كالإمامة والجبر والاختيار والقدر وحرمة الخروج على الحاكم المسلم، إلى غير ذلك. فكانت مهمة علم الكلام القديم الدفاع عن معتقداته، لا مراجعتها ونقدها، وإفحام الخصم، مهما كان على حق. وهذا من تداعيات النزاع على السلطة، الذي حطم البنية العقدية للمسلمين، حتى التبس الإلهي بالبشري، والسماوي بالأرضي، والمقدس بالمدنس، وراحت تتناسل العقائد والفِرق الكلامية. ويكفي للاطلاع عليها مراجعة كتاب الملل والنحل للشهرساتاني.

إن هذه المذاهب والفرق لم تعد مجرد اختلافات إجتهادية حول المسائل الفقهية بل مثّلت قراءة وفهما للدين له خصائصه ومعالمه وقدرته على التنافس لاحتكار الحقيقة وسبل النجاة في الآخرة. وقد أعادت قراءة الدين وفقا لرؤيتها، ومن يتابع تطور الفكر العقائدي عبر القرون الأربعة، و يدرس ظروف نشأتها، يصاب بالذهول حينما يكشف خداعها وأوهامها وبشريتها، ويكفي العودة لتاريخ الفرق والمذاهب الإسلامية بموضوعية وتجرد تام، ليرصد كل ذلك، تأسيسا ووجودا واستمرارا.

تجربة المدينة

مثلت تجربة المدينة دليلا أساسا لكل من نظّر للنظام السياسي الإسلامي، فهل وجود النبي على رأس السلطة يدل على أن الدولة تكليف شرعي وضرورة دينية أم تبقى الدولة ضرورة اجتماعية؟ وإذا نفينا الأولى فكيف كان النبي يسيّر أمور دولته؟ ما هي مرجعياته؟

إن وجود الرسول على رأس السلطة في المدينة لا يجعل من الدولة ضرورة دينية. محمد بن عبد الله نبي. نبي مرسل لقومه لغايات دينية وإنسانية، ودعوته قد خلت من أي صيغ وتشريعات سياسية، والكتاب شاهد على أهدافها التي كرسها النص القرآني لتأكيد وحدانية الله تعالى، ولم يتطرق للحكم وشوؤن السلطة، ولم تخاطبه بألقاب السياسة والحكم كرئيس أو ملك أو سلطان. وأما تصريح بعض الآيات بإتيان طالوت وداود الملك، فلا يدل على أن الدولة ضرورة دينية (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ).

تعني كلمة ملك في اللغة: (مُلْك: مصدر ملَكَ. واِلمُلْكُ: ما يُمَلك ويُتصرّف فيه.. أَرْضٌ فِي مُلْكِهِ: مَمْلُوكَةٌ لَهُ، يَمْلِكُهَا، يَتَصَرَّفُ فِيهَا عَقَارٌ فِي مُلْكِهِ)، فلا ملازمة بين الملك والسلطة. ولما اعترضوا على ملك طالوت احتجوا بالمال: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ)، فالمتبادر لغة من كلمة الملك هو المال والثروة والأملاك الثابتة والمتحركة. وذات الأمر بالنسبة لداود: (وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء)، وأيضا: (فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا)، دون الإشارة إلى ما يدل على إرادة السلطة. بينما في قصة يوسف تصرّح الآيات بإرادة السلطة: (قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ)، حيث عبر هنا بالملك  وليس الملك. ويوسف عندما حمد الله حمده لاعطائه الملك وليس الملوكية: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ). وهذا لا يمنع الجمع بينهما. لكن لا ملازمة بين الاثنين. ولو صح إرادة السلطة من مفهوم الملك، فأيضا يحتاج إلى اصطفاء وتصريح قرآني بخصوصه، كما في قصة طالوت، حيث صرّحت الآية بالاصطفاء: (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ). لأن الملك أصالة لله، ويمن على من يريد، هذا هو المفهوم الديني، بموجب الكتب السماوية عامة،  والإسلام خاصة: (وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، (لَهُ الْمُلْكُ)، (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

 فكان النبي يدير المدينة وفقا للسياقات المعروفة آنذاك. أولا أنه لم  يعلن عن تأسيس دولة إطلاقا، ولما أخذت الدعوة بالتوسع، ودخل المسلمون في حروب، واتسعت جغرافية الرسالة، استلزم الأمر تطور وسائل إدارة المجتمع، فالضرورات الاجتماعية هي وراء تطور الجهاز الإداري، وتوزيع المسؤوليات. وهذا يتطلبه أي مجتمع، وليس حكرا على مجتمع المدينة. وكانت تجاور الجزيرة العربية دول عامرة، لكن الرسول لم يتخذ منها قدوة لتأسيس دولة.

إن هدف النبوات هو إقامة مجتمع الفضيلة، مجتمع إنساني، تسوده العدالة والقيم الإنسانية العادلة. وقد قارع الأنبياء والرسل عبادة الأوثان والأصنام، فكيف يشرعن النبي الاستبداد الديني والقيمومة على الناس من خلال تشريع الولاية والإمامة؟ إن في ذلك نقضا لغرض الرسالة، لتحرير الإنسان من كل سلطة فوقية، عدا الله والعقل القادر على حماية نفسه، بإلهام من الدين وقيمه ومبادئه الإنسانية.

وبهذا نفهم عدم وجود أصل قرآني للإمامة والولاية بمعناها السياسي، فضلا عن المعنى الديني. ولو ثبتت جدلا فلا تستلزم القيمومة، ووجوب الطاعة والانقياد على كل حال، ويبقى الإنسان مسؤولا عن مصيره، وليس لأحد حقق تقرير المصير نيابة عنه.

لكن كيف يمكن تفسير تصدي علي بن أبي طالب للخلافة، وموقفه من خلافة أبي بكر، الخليفة الأول؟ وكيف نفهم قضايا سبقت ورافقت أحداث السقيفة؟ كل هذا وغيره

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi3خاص بالمثقف: الحلقة الأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق6) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الإمامة والوزراة

ماجد الغرباوي: إضافة إلى ما تقدم من دلالتين للإمامة الدينية، وهي الإمامة الدينية بمعنى الإمامة الربانية، والإمامة الدينية بمعنى التشريع: نضيف:

ثالثاً- الإمامة الدينية بمعنى الوزراة:

هذا احتمال ثالث لمفهوم الإمامة الدينية، وهي أن يراد بالإمامة الدينية الوزارة، كوزارة هارون لموسى النبي الكريم. ويكون قول الرسول: "من كنت مولاه فعلي مولاه"، تنصيبا لعلي بن أبي طالب وزيرا، بصلاحيات قد تشابه صلاحيات هارون وزير موسى النبي. وعليه فبقاؤه في المدينة خلفا للرسول، عندما قرر الخروج إلى تبوك، سوف يأخذ صفة الخلافة بمعنى الوزارة، قياسا على  استخلاف موسى لهارون خليفتة له عند غيابه: (وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ). ولا دليل على هذا الاستنتاج، إذ أن سلطة وصلاحيات هارون إلهية، منصوص عليها، إضافة إلى كونه نبيا ورسولا، فلا يمكن قياس أحد عليه، إلا بجعل قرآني صريح، وهو مفقود بالضرورة.

ولا ملازمة بين الإمامة والوزارة، إلا إذا اقتضت الضرورة كما بالنسبة لموسى، حيث استجاب الله لدعوته واصطفى هارون ليشد به عضده، فوصفته الآية بالرسول: (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وصرّحت آية أخرى بنبوته: (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا). ولا يمكن القياس عليها لأن موسى قد ذهب إلى ربه يلتمسه الاصطفاء لهارون، بعد أن بيّن الأسباب والضرورات: (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي.. قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ)، فنفهم أن الوزارة والإمامة والاصطفاء كلتاهما مناصب مرتبطة بالمشيئة الإلهية، ولم يفوض جعلهما لغيره، وهما شأن إلهي لا شأن نبوي. وبما أنها كذلك فيتوقف جعلهما وشرعيتهما على وجود نص قرآني صريح. ولو كانتا شأنا نبويا لاتخذ موسى قرارا شخصيا دون الرجوع إلى ربه. لكنه يعلم أن الله لا يشرك بقرارته وأحكامه أحدا: (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). وله يعود الاصطفاء يهبه لمن يشاء، وفق ضوابط محددة: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ). 

لا يخفى دلالة وسلطة الوزارة، ولو أنها ثبتت لأحد غير هارون، ستنتقل جميع صلاحيتها له. وهذا ما يريده الشيعة من حديث المنزلة. يبغون المماثلة بين علي بن أبي طالب وهارون في المنزلة والمنصب والمقام والصلاحيات، وأهمها نيابته عن الرسول بعد وفاته، بكامل صلاحياته الرسالية. بل وفهموا منه أو هكذا أرادوا أن يفهموا: أن منزلة علي كمنزلة الرسول والنبي قياسا على هارون ولو بالقوة لا بالفعل. بل فضّلت بعض الروايات علي بن أبي طالب على جميع الأنبياء باستثناء رسول الله!!. دون الالتفات إلى مفهوم الاصطفاء وصلاحية جعلها، أو مشاركة الرسول لله في هذا الخصوص، اعتمادا على روايات متهالكة سندا ومتنا، كحديث: (علي خير البشر فمن أبى فقد كفر). ورواية صعصة التي يسأل فيها عليا: أنت أفضل أم آدم؟. ويأتي بجميع الأنبياء وعلي يقول أنا أفضل منه. ومن يقرأ حياة علي وسيرته سيحكم على هذه الروايات بالافتراء والكذب عليه. ثم هل يعقل أن يكون علي أفضل من إبراهيم وهو خليل الله؟ وأفضل من موسى، وهو الوحيد الذي كلمه الله؟ وأفضل من عيسى ومعاجزه التي لا مثيل لها؟. إضافة إلى أدلة استحسانية تعبر عن رغبات أيديولوجية وطائفية مغالية، لا تقاوم النقد، فضلا عن تعارضها مع الكتاب الكريم، ومنطق العقل: (ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ ٱلنَّاسِ). فهارون نبي ورسول، وهما منزلتان عظيمتان، بختص بهما الله من يشاء (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، ولا يمكن أن يتقوّل الرسول على الله: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ). وقد حفظ الكتاب جميع ما أوحي له. لكنهم يؤكدون أن ما صدر عن الرسول يعتبر توزيرا رسميا، حتى وإن لم يذكر في كتاب الله. وتقدم أن صلاحيات الرسول محدودة قرآنيا، وليس بينها الولاية التشريعية، ولا صلاحيات الاصطفاء.

حديث المنزلة

يعتبر حديث المنزلة من الأحاديث المشهورة، وقدر رواه الفريقان، وصنفته كتب الأحاديث صحيحا. وسبب قول النبي لعلي أنت مني بمنزلة هارون من موسى: (عندما أراد الخروج إلى غزوة تبوك، وكان قد استخلفه على المدينة بعد أن استنفر الناس للخروج معه، فلم يبق بالمدينة إلا النساء والصبيان وأصحاب الأعذار، فشق ذلك على علي، فجاء للنبي وقال له: أتخلفني في النساء والصبيان. فقال له النبي: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى"..). وتضيف النسخة الشيعية: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي).

أجد في الزيادة الموجودة في نسخة الرواية الموجودة في المصادر الشيعية، ما يساعد على إزالة اللبس حول هذا الموضوع، وبظني لا أحد قد انتبه لهذه النكتة بالذات. فالرواية في جزئها الأول تؤكد منزلة علي بن أبي طالب من النبي، وقد شبهها بمنزلة هارون من موسى عند غيابه عن المدينة المنورة. وهارون أخ لموسى: (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا)، وقد استخلفه في قومه عند غيابه. فضَمِن علي بهذا التصريح منزلة الإخاء بكل دلالاتها النفسية والروحية والمقامية، وجميعها يبقى في حدود العلاقات الأخلاقية، وأصدائها ضمن بيئتها الاجتماعية. لكن هل ستنتقل جميع مقامات النبوة وصلاحيات الرسالة بموجب هذه الرواية لعلي؟. كلا، لأن النبوة اصطفاء، يستدعي أدلة نصية، ومعجزات تثبت صدقية دعواه. إضافة إلى أن نبوة محمد هي خاتم النبوات، بصريح الكتاب: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). وتنتفي جميع صلاحياتها الربانية، بانتفاء النبوة.

ثم لماذا قال النبي: "إلّا أنه لا نبي بعدي؟". إنها جملة بليغة تكشف عن دلالات حاسمة. فالنبي يفهم أن الوزارة منصب إلهي، واصطفاء رباني له شروط، أهمها ما ذكره موسى عندما دعا ربه، وطلب منه تنصيب هارون وزيرا، حيث بيّن قصده من تنصيبه: (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي). فمهمة هارون مهمة رسالية، متفرعة على النبوة، لذا اصطفاه تعالى نبيا: (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا). فنفهم من ذلك أن الوزارة معادل موضوعي للنبوة، وهذا سبب ترقية هارون نبيا، بل ورسولا: (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وبالتالي، قوة ثراء هذه الزيادة يعوّل عليها دليلا كاشفا عن دلالات حديثي المنزلة والغدير وكل أحاديث الفضائل. فليس وزراة علي اصطفاء إلهي كي تأخذ ذات الصلاحيات، لأنها مهمة نبوية، ومحمد بن عبد الله خاتم النبيين، والوزارة متفرعة على النبوة. فلا إمامة دينية كما يقول بها متكلمو الشيعة. كما نفهم من الزيادة أن حركة الاصطفاء والصلاحيات الربانية تسير في إطار واحد، هو وحدة الخالق، وتفرّده بالحكم والاصطفاء.

وكل هذا لا ينقص من شخصية علي شيئا، ويبقى مصداقا لجميع آيات الفضائل في كتاب الله، وربما يختص ببعضها. ويبقى علي يتمتع بشخصية إيمانية وروحانية وعلمية ناصعة. ولكن الكلام حول الاصطفاء الرباني المصرّح ويكون ملزما وحجة على جميع المسلمين. ولازمه بطلان خلافة الخلفاء الثلاثة. ولا دليل على كل هذا، سوى تأويلات، ورغبات نفسية وأيديولوجية.

رابعاً- الإمامة الدينية بمعنى الهداية والقدوة

رغم أن الاقتداء والهداية ليستا من معاني "المولى"، غير أنهما تستبطنان المفهوم. أو لازمتان بالنسبة للخالق والرسول. وهي في صميم عمل الرسول: (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا)، والسراج هو الهدى. وفي قول النبي: من كنت مولاه فعلي مولاه، يمكن استفادة مفاهيم أخرى أكثر من كونه ثقته ووصيه من بعده، خاصة بمعية حديث المنزلة، وأحاديث أخرى، فأراد الرسول بتشبيهه أو مماثلته به، أن يقول: وكما أنا قدوتكم فعلي قدوتكم، وكما أنا هادٍ، فعلي مثلي. ويستمد الأخير صدقيته من قوله تعالى: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، وعلي سيكون مصداقا للهداة، من بعده. وما يؤكد هذا المعنى حاجة المسلمين للقدوة والهادي، المستحفظ للرسالة وقيمها ومبادئها، كي تواصل فاعليتها. ولا يخفي دور القدوة في الرسالات والحياة الاجتماعية. كما سيكون مرجعا فكريا للمسلمين لنضوجه وفهمه الرسالة حيث تربى في أحضانها. ولبيان أوضح:

- إن المراد بعلي القدوة، أن يمثّل علي بسلوكه وأخلاقه الإنسان المؤمن، التقي، الورع، لا تأخذه في الله لومة لائم، والشخص المتوازن بعيداً عن المغالاة والتطرّف في عبادته وأخلاقة. فهو إسلام يمشي على الأرض، وقرآن يتجسّد في سلوكه وعمله. فعلي سيكون بوصلة الالتزام الديني، من خلال اعتداله وتوازنه، وسيكون المنقذ من الضلال، والتطرف في العبادة، وضد من يهجر الدنيا ويتخلى عن مسؤولياته تجاه عائلته ومجتمعه بحجة التفرغ للآخرة، فيعتكف يصلي ويصوم، ويحرّم على نفسه الطيبات التي أحلها الله. إن القدوة حاجة بشرية، يشاهد الإنسان من خلالها معالم شخصيته، تبعث فيه روح الأمل، وتمنحه قوة واندفاعاً باتجاه العمل الصالح، وتحطّم أغلال الخوف والتراخي القابعة في النفس البشرية. فالقدوة أشد تأثيراً في حياة الإنسان من الأقوال والتصريحات، لأنها تجسيد عملي للقول، وهي الفعل النموذجي للعمل الصالح، فالشخصية القوية المتوهجة أو الكارزمية تؤثر في سلوك الناس لا ارادياً، وتتحول الى قدوة في السلوك والأخلاق والمواقف، وقد تصل حدا يقلد الناس حركات وسكنات الإنسان القدوة. بل أن ارتداد الناس عن الدين، أو الانحراف عنه يعود لغياب القدوة الصالحة، فتبقى المفاهيم مجردة، معلقة بالهواء. لكن مع وجود القدوة تتحول المفاهيم الى سلوك عملي تنعكس على أخلاق الفرد، وطبيعة تعامله مع الآخرين. إن أشد ما تعانيه المجتمعات الإسلامية اليوم غياب القدوة الصالحة، غياب الشخصية الإسلامية المتوازنة، غياب الإسوة في الأخلاق والسلوك، بل للأسف الشديد نجد مخالفات سلوكية صارخة لكل قيم الدين والإنسانية، خاصة رجال الدين، الذين يمثلون القيمة العليا للتدين، غير أن سلوك كثير منهم يفتقر لأدنى مستوى من الالتزام الديني، تجد ذلك واضحا في مجالي السياسة والقضايا المالية. فالإنسان بطبيعته يحتاج للقدوة الصالحة، خاصة مع تعدد القراءات وتعدد المذاهب والفرق، وتناسل البدع والطقوس.

- والمراد بعلي المرجع الفكري، هو الفهم الحقيقي للدين، الفهم الواضح له، خاصة ان الدين بعد وفاة الرسول سيخضع لتعدد القراءات والتأويلات، ويصبح الانحراف الفكري محتملا، فعلي سيكون مرجعا في فهمه للدين، وفقيها في أحكام شريعته، ومفكّرا في جانبه الفكري. أو أنه سيكون بوصلة الفكر المستقيم، والتأويل المتوازن، والقضاء العادل، والفقه الموضوعي.

- والمقصود بأفضليته في السياسة والحكم، أن مواقفه السياسية تنبثق عن رؤية ترتكز إلى مبادئ الدين والقيم الإنسانية. ورغبته في الحكم لا تنطلق عن حاجة نفسية بقدر انطلاقها عن مبادئ وقيم قد آمن بها. فهناك فرق بين شخص يحكم بهواه، فيتسلط، ويستبد، ويشط عن العدل والانصاف، وآخر يحكم وفق مبادئ عادلة، دينية وإنسانية، وينطلق في رؤيته عن نظرية متكاملة في السياسة والحكم. وهذا لا يعني أن يكون مثاليا في الجانب التطبيقي، فهو ليس معصوما، والسياسة تحكمها الظروف والمواقف المفاجئة، والتقلبات السياسية، والمطامع الشخصية. فقد يُصيب أو يخطئ، لكنه بلا شك ينطلق عن رؤية سياسية متكاملة، ونظرية واضحة في السياسة والحكم، وهذا هو المهم. أما الجانب التطبيقي فكل إنسان معرّض فيه للخطأ. وهذا رسول الله يخاطبه الباري عزوجل: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ)، وهو نبي مسدد، وترعاه الإرادة الإلهية مباشرة. من هذا المنطلق نجد لا ضروة للتشبث بالعصمة لاثبات صحة كل مواقف الإمام علي السياسية، لأنها تتقاطع مع موضوعية البحث التاريخي.

الإمامة الدينية تاريخيا

سبق أن تناولت موضوع الإمامة الدينية تاريخيا، وأجد من المناسب استدعاء ملخصه، للوقوف على تاريخية هذه الإمامة، ودواعي تبنيها عقديا من قبل الشيعة، حيث جاء في سياق الحديث المفصّل عنها:

كان ظهور مفهوم الإمامة الدينية نوعا من التعويض لإثراء الرأسمال الرمزي للتشيع، وتعزيز الرصيد الروحي والعقدي، بعد نكبات الشيعة واضطهادهم وإقصائهم. فهي في بعض أبعادها محاولة للتستر على الهزائم العسكرية المتلاحقة للإمامة السياسية، وعدم قدرة اتباع أهل البيت إثبات النص على خصوص خلافة علي بن أبي طالب، بنص صريح يصلح أن يكون مرجعية لحسم النزاع بين الأطراف المتنازعة على السلطة تاريخيا. فالإمامة وفقا للرؤية الجديدة ما زالت تمارس دورها الديني رغم فداحة خسائرها السياسية. وهي إمامة تم تأصيلها كلاميا عبر تأويلات قرآنية، إضافة لروايات بدأت تتدفق بعد وفاة كل إمام تتحدث عن الإمامة ومقامها وضرورتها. وهو تدفق متهم لا يمكن ضمان براءته، فالعقيدة محددة قرآنيا، ولا قيمة لأية عقيدة لا يدل عليها دليل صريح من الكتاب الكريم. فخطاب هذا الاتجاه خطاب فكري – عقدي، ارتكز لمقولات كلامية، ونجح في تأسيس مفاهيم جديدة، منها الإمامة الدينية. التي أحيت مفهوم الإمامة ومنحت مَن تبقى من الأئمة شرعية كاملة، رغم اختلاف مواقفهم. فعدم اعتراض الإمام على الاستدلال الكلامي أو موافقته الضمنية يُعد إمضاء يكرّس مصالحه الدينية والسياسية. حيث تطور هذا المفهوم ومارس أدوارا مختلفة خلال مسيرته. رغم حاجته الماسة في بعض أبعاده لأدلة قرآنية صريحة، وهي مفقودة بالضرورة. علماً أن مفهوم الإمامة تاريخيا مفهوم سياسي، وكان أصحاب الأئمة قبل التنظير لعصمتهم، يتعاملون معهم كزعماء سياسيين، أو كبار آل محمد، أو علماء أبرار أو فقهاء الشيعة. صراع الصحابة كان صراعا سياسيا، وقد طُرحت الإمامة في مقابل الخلافة طرحاً سياسياً. وأما الإمامة الدينية فجاءت لتدارك الفشل السياسي. ينظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة.

لكن ماذا عن الإمامة السياسية؟

يأتي في الحلقة القادمة

  

..........................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباويخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق5) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الإمامة ومنطق الوصايا

ماجد الغرباوي: قبل التطرّق لدلالات الإمامة بموجب حديث الغدير، أنبّه إلى أن مفهوم الإمامة كما تطرحه البحوث الكلامية الشيعية ويتعهده اتجاه الغلو، يكرّس منطق الوصايا والاستبدادين، الديني والسياسي، ويشرعن التبعية والانقياد، ويقمع الرأي الآخر (الراد علينا كالراد على الله)، على حساب العقل والإبداع وحرية الإنسان. لقد كان ختم النبوة اعترافا صريحا بقدرة الإنسان على مواصلة حياته على المدى البعيد، وعدم حاجته مستقبلا للوحي أو أي ولاية دينية. وهذا سرّ توقف هبوطه، وانقطاع بعثة الأنبياء. إن حاجة الإنسان للعقل باتت أكثر من حاجته لأية وصايا دينية، بعد ختم النبوة، واكتمال الدين، وصار  مسؤولا عن حياته ومصيره، وقد قطع شوطا كبيرا جدا على سلم الحضارة البشرية. إن النظريات التراثية وليدة حاجات تاريخية، وضرورات سياسية، والتمسك بها وإعادة انتاجها بصيغ جديدة كولاية الفقيه، لا تفسير له سوى روح العبودية الثاوية في أعماق الفرد، وقيمها التي حرص التراث على رفدها، وتعزيزها بمختلف الدواعي، الدينية وغيرها. من هنا بات تفكيك الولاية أمرا ضروريا لمعرفة مدى شرعيتها وحدود صلاحياتها، للتخلص من هيمنة الخطاب الديني، حينما يتقاطع مع العقل ومبادئ حقوق الإنسان العادلة. الإنسان رهان الخلق بقدراته العقلية الفائقة، وعليه المعوّل في إعمار الأرض، والتعرف على خالق الكون بذات العقل.

دلالات الإمامة

المتتبع للمنهج القرآني يلاحظ اهتمامه بالقضايا العقائدية، التي تتوقف عليها صدقية إيمان الناس، كوجود الخالق ووحدانيته واليوم الآخر، وتأكيده على النبوة وتاريخها، لكنه لا يولي اهتماما كبيرا بقضايا قد تبدو عقائدية، كقوله: (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا). فيكفي في هذه الحالة أنك عرفت أن الإمامة اصطفاء وجعل إلهي، وأنه جعلها لإبراهيم خاصة، دون التفصيل في جوهرها وخصائصها وصلاحياتها (قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، فالأولوية في المنهج القرآني تعكس أهمية القضايا وأولويتها عقديا. ويفترض أن تأخذ الإمامة، إذا كانت شرط الخلاص، اهتماما قرآنيا يعمّق الإيمان بها. وما تقرأه في تراث المسلمين عنها، مجرد رؤى تأويلية وتفسيرات تنتمي لمقدمات كلامية، يراد لها الدفاع عن متبنيات عقدية. وهكذا منهج القرآن بالنسبة للغيب، فلم يتوغل في تقصيلاته، لأنه عصي على الفهم. سواء قلنا بإلاهية الوحي أو قلنا ببشريته في حدود التلقي والفهم. وقد إستأثر موضوع الخالق ووحدانيته مساحة كبيرة من الكتاب، وجميعها آيات محكمات لا تقبل التأويل كثيرا. بيّنت وتساءلت واستفزت فضول القارئ بمختلف الأساليب، كي يصل درجة اليقين الموجب للتقوى، واكتمال الحجة عليه. وأيضا بالنسبة للنبوة والأنبياء، باعتبارها قضية يمكن التحقق منها، بالنسبة لمن عاصرهم، لذا تطلبت معجزة. وبذات المنهج تناول موضع المعاد، حيث ربط حقيقته بأفعال الفرد، فجاء الخطاب القرآني ترغيبا وترهيبا، ليحقق أهدافه بخلق وازع من التقوى، تتوقف عليه مصداقية الإيمان في جانبيه الشعوري والسلوكي. وارتهن صدقية الجنة والنار لإيمان الفرد، وهذا سرّ نسبية هذ النوع من القضايا الدينية.

اللافت رغم قوة حضور الإمامة في الواقع والتراث، حتى عدها الفكر العقدي الشيعي أصلا من أصول الدين، لكن لم تجد لها أية إشارة صريحة في  كتاب الله، لا هي ولا مصاديقها، باستثناء آية مجملة، خص بموجبها الإمامة لابراهيم، دون تفصيلات تذكر، وأما موارد استعمال لفظ الإمامة الأخرى، فليست دالة على الإمامة المعهودة صراحة، ولو ثبتت فهي مختصة بالأنبياء حصرا: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)، عطفا على آيات تتحدث عن قصص الأنبياء. ولا يمكن شمولها لغيرهم، إلا بدليل قرآني صريح، لأنها جعل، تتطلب آية صريحة، نرفع بها اليد عن الأصل. يقول الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل: (وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُل على الإمامة في كل زمان). فكيف تدرج الإمامة ضمن قائمة العقيدة، ولم يشر لها القرآن؟. وهذه ملاحظة مهمة يجب الأخذ بها  في نظر الاعتبار ونحن نتحرى دلالات قول الرسول: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه".

الغدير والإمامة

المتفق عليه شيعيا أن قول النبي: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" نص على استخلاف علي من بعده، وحكموا في ضوء حديث الغدير بوجوب النص والتعيين في الإمامة. وكان ذات الحديث دليلا على غصبيتها من قبل الخلفاء، مادام كلام الرسول كان صريحا وحجة تامة على كل من سمعه، ولا استثناء للخلفاء ممن حضروا معه.

إذاً، فالشيعة ينفون ظهور معنى آخر لكلمة "مولى" سوى النص على خلافة علي، وعززوا قولهم بآية التبليغ، واستشهدوا بآية "الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم". ورووا مشاهد تفصيلية، توحي بصحة الحديث من خلال مشاهد ما حصل بعد الخطبة. وقد مرَّ تفصيل الكلام، حول كلمة "مولى" ودلالتها ضمن سياق الحديث، وفي ضوء ما ذكره بُريدة أمام الرسول. ولم تشكّل القرائن المذكورة في المقام قناعة دلالية كافية، فضلا عن تبادر الكلمة في هذا المعنى. وسقطت عن الاعتبار بعد مناقشتها. وهنا سنأتي على أدلة، تساعد أكثر على فهم مبررات نفي النص على الإمامة في الحديث بالذات، حتى مع ثبوتها بأدلة غيره. وهذه المرة نتناول مفهوم "الولاية" ضمن الإطار العام للدين والإسلام، لنتحرى إمكانية الإمامتين الدينية والسياسية، حيث استدل بعضهم بحديث الغدير على الإمامة السياسية، في مقابل من اقتصره على الإمامة الدينية، وثالث قال بكلتيهما. فهل الإمامة ضرورة دينية أم اجتماعية؟، وهذا يتفرع على ضرورة الدولة. فهل الدولة ضرورة دينية أم اجتماعية. وبالتالي نحن والأدلة.

مرات عدة تناولت موضوع الدولة في الإسلام، وأكدت من خلال ما طرحته، أن الدولة ضرورة اجتماعية، فرضتها الحاجات الآنية لتنظيم شؤون مجتمع المدينة، الذي تطوّر بحكم وجود النبي وانتشار الإسلام في المناطق المحيطة بها. والقرآن شاهد على ما نقول فليس ثمة آية صريحة واضحة تناولت موضوع السياسة والدولة، أو خلافة النبي، سوى مبادئ يمكن اعتمادها، كقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا). والآية وإن كانت واردة في القضاء بشهادة بدايتها، لكن العدالة كمبدأ أساس في الحكم على مستوى الدولة لا غبار عليه. أو آية: (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلً)، التي قد يستفاد  منها شرط الإيمان في الحاكم الأعلى. وغيرها من مبادئ قرآنية وإنسانية. ولا يوجد أكثر من هذا، بل وحتى النبي الكريم لم يتحدث عن موضوع الدولة والسلطة والخلافة، كما سيأتي الكلام. وبالتالي هل أن إهمال القرآن لعصبي الحياة، السياسة والاقتصاد، دليل على عدم اهتمامه بهما، بينما أولى اهتمامه بقضايا أقل أهمية منهما؟. أبداً... أما الاقتصاد فكان موقف الكتاب إمضائيا، مع تنقيح بعض القواعد كالتجارة بالتراضي. وحرمة بيع الربا. وأما السياسة، فهنا شيئان: المادة الدستورية والقانونية، وقد شرّع مجموعة أحكام، تخص الفرد والمجتمع، وبإمكان المجتمع تبنيها مادة قانونية لدولتهم. وأما نظام الحكم ونظريته، فتركها لهم، ليتحملوا مسؤوليتها وفقا لمتطلبات الزمان والمكان، كي لا تجمد على صيغ تفقدها قيمتها. ولو كانت الإمامة نصا وتعيينا، ماذا يفعل المجتمع مع فقدان النص، الذي كان مقتصرا على علي بن أبي طالب، ثم تمت زحزحته ليشمل 11 إماما، بعد ترميم النسق العقدي للتشيع؟.

وبالتالي لم تكن الإمامة موضع اهتمام القرآن والنبي الكريم. ولا يوجد ما يكفي للتعاطي معهما وفق أدلة شرعية. سوى اجتهادات فقيه تلت مرحلة الخلفاء، بعد اشتداد الصراع حول السلطة ومشروعية الخلافة. ويبقى الاصطفاء والولاية الجعلية من خصائص الباري تعالى، ولم يجعلهما لأحد بآية صريحة. بما في ذلك النبي، حيث حددت آيات الكتاب وظيفته، وليس من بينها التشريع، وخلصنا إلى حجية قول النبي فيما له جذر قرآني، وليس للإمامة جذر قرآني، ولا يكفي إجمال المفهوم في إمامة إبراهيم، دليلا على ثبوتها لغيره.

الإمامة الدينية

هناك أكثر من نحو يمكن تصور الإمامة الدينية من خلاله، هي:

أولاً- الإمامة الدينية بمعنى الإمامة الربانية:

ومثالها إمامة إبراهيم النبي الكريم. كي تستمد إمامة علي بن أبي طالب من شرعيتها، وتكون دليلا عليها. ولا دليل على الملازمة، لأنها إمامة قائمة على شروط لم تتوفر لعلي كالنبوة. ويشملها مفهوم الاصطفاء، الذي هو خاص بالله تعالى، ولم يفوضه لأحد، بل حصره بمشيئته: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). فالقرآن طرح مفهوما جديدا، وقطع الطريق أمام دعاوى الاصطفاء، القائمة على أسس عنصرية وتوريثية، بل ونفهم أنه منصب إلهي، يتوقف على مشيئة الله والتصريح به قرآنيا، فيبقى الأصل الأولي عدم ثبوته لأي شخص.  فيشترط في صدقيتها وثبوتها – كما تقدم بيانه وهذا ملخصه - وجود آية صريحة بيّنة لا لبس فيها، تدل عليها كإمامة إبراهيم، التي لم يرفدها الكتاب العزيز بتفصيلات كافية سوى قوله: (إِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). فالإمامة تأتي بعد مرحلة من الاختبار الرباني المباشر، "إذا ابتلى الله ابراهيم بكلمات". لا نعرف ما هي الكلمات التي أتمها، لكنها تبدو على درجة رفيعة من الأهمية اقتضت تنصيبه إماما. ورغم أن ذرية إبراهيم أنبياء، لكن الآية أجابت بشكل عائم: "قال لا ينال عهدي الظالمين". وبالتالي هذا النوع من الإمامة يحتاج لتصريح رباني. ثم لا يمكن تزكية أحد، مهما كان ظاهره الصلاح، ولا يدرك أسرار النفس البشرية إلا الله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا). وقد يجهل حتى النبي أن من حوله ظالم لنفسه: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)، فظاهر هؤلاء الصلاح، وربما تعلوهم سيماء الإيمان، لكنهم في علم الله "منافقون". من هنا أشترط نصا قرآنيا لثبوت الاصطفاء، لانه يورث الجزم  واليقين، مادام حتى النبي لا يمكنه الجزم بتزكية أي شخص مطلقا إلا حسب ظاهر سلوكه وتقواه.

ثمة ملاحظة لو كانت الإمامة شأنا نبويا أو رسوليا، فلماذا يسأل إبراهيم عن إمامة ذريته وهل هناك بمنزلته خليل لله؟ لكنه (إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ)؟ ويعلم أنها مناصب إلهية، تتوقف على الاصطفاء الصريح، كإمامته ووزارة هارون.

ثانياً- الإمامة الدينية بمعنى التشريع:

المتتبع لكلماتهم حول الولاية الدينية، يجد أنهم تارة يقصدون بها ذات الإمامة القرآنية. وهي أعلى مقاما. تنطوي على أسرار إلهية، وحكمة ربانية، تتوقف عليها تمامية الدين، واستمراره من خلال أئمة أهل البيت الذين نصبهم الله أئمة لدينه وعباده. وبهذا المعنى يكون للإمام ولاية تشريعية، استمرارا لولاية الرسول التشريعية، وستكون سيرة الإمام (قوله، وفعله، وتقريره) حجة كحجية سيرة النبي، يمكن أن تخصص أو تقيد إطلاقات وتعميمات الكتاب، لذا قال الشيعة باستمرار عصر النص حتى نهاية غيبة الإمام المهدي الصغرى (329 هـ)، وتعاملوا مع روايات أهل البيت باعتبارها نصوصا تشريعية حجة، مقدسة، تتعالى على النقد والمراجعة، يقتصر دور الفقيه على فهمها وتفسيرها أو تأويلها، وإذا تعذر عليه (يعيدها لأهلها فَهُم أدرى بها!!)، كما يردد ذلك أساتذة بحوث الخارج في مادة الفقه، للدلالة على قدسية مصدرها وحكمته وعلمه.

وجواب هذا واضح، أن التشريع مختص بالله تعالى، وتمت مناقشة هذا الكلام مرات عدة. وما يهمنا تشريع الأحكام. تقول الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا..)، وتقصد تمامية الدين بشقيه العقدي والتشريعي، وما يدل على الثاني أن الآية مسبوقة ومتبوعة بآيات الأحكام، ومع وجود هذه القرينة لا يمكن صرفها لأية دلالة أخرى. إذ يرى المفسرون الشيعة أنها نزلت بعد حديث الغدير، لتصرّح بتمامية الدين بعد إعلان ولاية علي بن أبي طالب. وهذا غير ظاهر في الآية إطلاقا، وحملها على تمامية الدين بمعنى التشريع يساعد عليه سياق الآيات، حيث سبقها مجموعة أحكام تشريعية: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ). كما تلتها مجموعة أحكام تشريعية: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، ويستمر السياق يستعرض أحكاما أخرى. وبهذا نفهم بمعية آيات ذكرتها في بحث حجية السنة النبوية، أن التشريع مقتصرا على الله تعالى، ولا دلالة لحديث الغدير وجملة: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" على إرادة الإمامة الدينية بهذا المعنى. ومن هنا أيضا تعرف مدى صدقية استمرار عصر النص حتى نهاية غيبة الإمام المهدي، ليعاد بموجب الفهم القرآني تشكيل وعي جديد بالأئمة ووظيفتهم الدينية، فهم كغيرهم من الفقهاء المعاصرين لهم رأي اجتهادي. وميزتهم شهد لعلمهم وتقواهم وفقههم كثيرون، وكانت الإشادة العلمية بمدرسة الإمام الصادق لا يدانيها إشادة بعالم وفقيه في عصره. فنظرية "الأئمة علماء أبرار"، كما ذهب لذلك جملة من علماء الشيعة، يجنّب العقيدة الشيعية كثيرا من المشاكل والتقولات، التي تفتح باب تكفيرهم ورميهم بالضلال من قبل خصومهم التاريخيين. كل ما جاء بعد النبي تراكم فقهي، ووجهات نظر اجتهادية، لا فرق في ذلك بين المذاهب الإسلامية، رغم الجذر القرآني والنبوي للنصوص التي يشتغل عليها الفقيه، لكنه رأيه، ووجهة نظر شخصية، مرتهنة لقبلياته ونسقه العقدي ومنهجه وأدواته.

وأما ثالثا: الولاية الدينية بمعنى الوزارة وهي موضوع مهم وحاسم في تحديد دلالات الولاية...

يأتي في الحلقة القادمة

 

..........................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباوي15

خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق4) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الدلالات (2)

ماجد الغرباوي: إن دلالة حديث الغدير فرضت الاهتمام به من قبل المتكلمين والمؤرخين وأصحاب السنن والحديث والفقهاء. وكما ارتكز الشيعة له دليلا على استخلاف علي بن أبي طالب، ينفي السنة ذلك، ويؤكدون صدور روايات تؤكد على الخليفتين الأول والثاني، وأن ما رامه الرسول في الحديث الاشادة بعلي دون النص على إمامته. فالصراع على السلطة وشرعيتها، والتنافس المحتدم لمراكمة شواهد على أحقية أحد الطرفين، مع فقدان الدليل الصريح على الخلافة والإمامة، كان السبب الرئيس وراء أهمية الحديث. فتجد السنة بالمرصاد للجهود الكلامية الشيعية، لخطورة ما يترتب على الحديث من آثار تمس شرعية الخلافة الإسلامية، ما إذا صحة دلالته على استخلاف علي لخلافة النبي دون غيره. لكن الشيعة لم يمنعهم ذلك، وقد واصلوا الدفاع عن الحديث ودلالته، منذ أكثر من عشرة قرون، وجمع الشيخ الأميني كل ما يخص الغدير في موسوعته بـ(11) جزءا، التي عنوانها الغدير. من هنا يعتبر التجرد التام شرطا لتحري دلالات الحديث بعيدا عن تجاذبات الفِرق الكلامية، وصراع السلطة الذي يتفاقم بلا هوادة. وشرط التجرد هو التخلي عن سطوة الآراء الكلامية مادامت قناعات أيديولوجية راسخة، هدفها الانتصار على الخصم ودحر أدلته، وليس تقديم أدلة عقلية برهانية لاثبات المطلوب. فينبغي التوجه إلى ذات النص لقراءة دلالاته من خلال ظرفه وقرائنه، الحالية والمقالية، وفي إطار مبادئ الدين، باعتباره نصا شرعيا، كما يؤكد الفريقان على ذلك.

يبقى البحث الموضوعي مرتهنا لمعنى كلمة مولى التي هي مشترك لفظي بين أكثر من عشرة معانٍ. وليس أمامنا سوى القرآن واللغة والقرائن الحالية والمقالية، لتحري دلالاتها. وكما أكدت أعلاه أن الصحابة الذين واكبوا الحديث قد فهموا دلالة كلام النبي. لكن ماذا فهموا؟ وكيف تلقوا كلامه؟ ومدى تأثر الموقف السياسي بعد وفاته بهذا الحديث؟

نسعى لتحري جميع الاحتمالات، وإسقاط الضعيف منها بعد اختباره نقديا، ومن ثم تعضيد الاحتمال الأقوى لنخلص إلى نتيحة عقلانية تستمد شرعيتها من النص أيضا. وقد خرجت آية التبليغ كقرينة على إرادة تبليغ ولاية علي بن أبي طالب، لأنها لم تصرّح بذلك. ومادام الموضوع مجهولا، فسيكون الاستدلال بها من باب التعريف بالأخفى والأجهل منطقيا. وهذه هي تداعيات قطع الآية عن سياقها لأغراض أيديولوجية كما فعل الشيعة. وإلا فموضوع الآية محدد عند قراءتها ضمن سياقها القرآني، كما تقدم بيانه. وبهذا الشكل سقطت القيمة الاعتبارية لهذه القرينة، وانقطعت علاقة قول النبي "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" بها.

القرينة الثانية: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)

(النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، هي القرينة الثانية التي يمكن أن يُستدل بها على تنصيب علي بن أبي طالب للخلافة في قول النبي: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". وهذا يتوقف على معنى كلمة "مولى"، التي هي مشترك لفظي بين أكثر من عشرة معانٍ. حيث جاء في حديث الغدير قول النبي: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا "أي الصحابة": بلى يارسول الله، فقال: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". وقوله: "ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟" إشارة إلى الآية أعلاه. ورواية الشيخ المفيد أكثر تفصيلا: (ثم نادى بأعلى صوته: "ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟" فقالوا: اللهم بلى، فقال لهم على النسق، وقد أخذ بضبعي أمير المؤمنين عليه السلام فرفعهما حتى رئي بياض إبطيهما وقال: "فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله).

فيصدق من وجهة نظر خاصة أن تكون دلالة قول النبي "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" مرتهنة لدلالة كلمة "أولى" في الآية أعلاه. فما المراد بقوله تعالى: "أولى بالمؤمنين من أنفسهم"؟ وما هي حدودها وسلطتها وصلاحياتها؟. وقد مرَّ الكلام مفصلا حول دلالة هذه الآية ضمن بحث الولاية، وملخصه:

(اختلفوا حول معنى الولاية في الآية الكريمة: "النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ"، هل المراد بها خصوص الولاية التشريعية؟ أم أن المراد بها القيمومة والسلطة وحق التصرّف "بشكل يملك منهم ما لا يملكون من أنفسهم". فيكون من حق الولي التصرّف بمعزل عن رضاهم وإرادتهم، وكأنه يتصرّف في ملكه؟). بمعنى آخر هل أن الآية تدل على الولاية والقيمومة وحق التصرف؟. فإذا ثبت هذا المعنى فلا شك أنه سيؤثر في دلالة قول النبي يوم الغدير: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". لكن هناك من ينفي دلالتها على الولاية مباشرة، ويرى:

أولاً: أن كلمة "أَوْلى" ضمن سياق الآية تعطى معنى الأولوية والتقدّم والرجحان، لا معنى التصرّف والتحكّم. وتعني (أن المؤمن يفتدي النبي بنفسه، ويقدّمه عليها في كل شيء، فهو نبي الله وخاتم المرسلين... "فمعنى كون النبي أولى بهم من أنفسهم أنه أولى بهم منهم: ومعنى الأولوية هو رجحان الجانب إذا دار الأمر بينه وبين ما هو أولى منه. فالمحصل أن ما يراه المؤمن لنفسه من الحفظ والكلاءة والمحبة والكرامة واستجابة الدعوة وإنفاذ الإرادة فالنبي أولى بذلك من نفسه. ولو دار الأمر بين النبي وبين نفسه في شئ من ذلك كان جانب النبي أرجح من جانب نفسه"، كما ذهب لذلك العلامة الطباطبائي صاحب الميزان، مثالا لا حصرا)... ثم إن تخصيص المؤمنين في الآية يؤكد إرادة معنى التقدّم والأولوية، التي تستدعي شخصا مطيعا، مُضحيّا، يتقبل أوامر النبي برحابة صدر وإيمان صادق، وهي صفات المؤمنين: "يُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ". فالتضحية والتنازل عن الحقوق لصالح النبي تعبير عن الحب والإخلاص. "مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ". وبالتالي فيستفاد من الآية: أن الرسول أولى بمؤازرة المؤمنين وتحمل المسؤولية عنهم، والأجدار في تفادي ما يقع عليهم من حقوق وواجبات. يشهد لذلك نهاية الآية: "وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ في كتاب اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنينَ والمُهاجِرِينَ" حيث قدمت الآية الأنساب على الهجرة في توارث المؤمنين، خصوصا المهاجرين كما في الروايات. فالآية وسياقها يدور حول مستويات الولاية بمعنى المسؤولية تجاه الآخرين، وما يتفرع عليها من استحقاقات عينية وغير عينية للورثة. فيكون النبي أولى من المؤمنين بميراث من لاوارث له، ثم الأنساب. ففي رواية عن قتادة، مشهورة في كتب الحديث لدى الجميع، قال في بعض القراءة "النَّبِيُّ أوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ وَهُوَ أبٌ لَهُمْ"، فالأولوية هي مقتضى الأبوة، ثم رووا ما يؤكد هذا أكثر: وذُكر لنا أنه قال: "أيُّمَا رَجُلٍ تَرَكَ ضياعا فَأنا أوْلَى بِهِ، وَإنْ تَرَكَ مالا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ". وهذه دلالة بليغة على إرادة معنى المسؤولية الأبوية، ولا علاقة لها بالولاية بمعنى حق التصرّف. وهنا ينبغي التنبيه لا نقصد من الرواية تأييد التحريف بل أن جملة "وَهُوَ أبٌ لَهُمْ" تكون تفسيرا وبيانا لمعنى الأولوية في الآية. فيبقى الأصل عدم ولاية أحد من الناس على غيره). وبهذا نفهم أن للآية الكريمة دلالة مغايرة لمعنى السلطة ضمن سياقها القرآني. وسيكون علي بن أبي طالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وفقا لقول الرسول "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". ويعني، أنه أولى بحبهم وتقدمه عليهم، بل وسيكون مولى لكل من كان النبي مولاه، فهناك تركة شخصية للنبي سيتولاها علي من بعده، باعتباره وصيه، وأمين سره، "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" وكفى بهذه المنزلة دليلا على عظمته وتقدمه بين الصحابة. وكان ينبغي الأخذ بها عندما تداول الصحابة شأن السلطة، فيصدق أنهم اختاروا المفضول على الفاضل.

ثانياً: إن إرادة الإمامة، واستخلاف علي بن أبي طالب للسلطة في قول النبي: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، يلزم منها وحدة الولاية بين الرسول وخليفته، وقد مرَّ بنا في تفسير آية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، إذ قلنا: مادامت الآية وضعت ولاية الله ورسوله والمؤمنين على مستوى واحد، دون تفصيل، فلازمه عدم اختلاف المفهوم، وعدم تفاوت الصلاحيات. ولازمه وجوب الولايتين التكوينية والتشريعية للجميع، وهذا لا أحد يقول به، خاصة بالنسبة للمؤمنين، ماعدا الشيعة وفقا لمبانيهم العقدية، حيث جعلوا مصداق المؤمنين واحدا، رغم أنه جاء بصيغة الجمع، وهو الإمام علي، ومنحوه حق الولاية بموجب هذه الآية. وهذا خلاف المنطق القرآني الذي اعتبر الولاية أصالة وبالذات لله تعالى، لا شريك له، باعتبار خالقيته وربوبيته. وولاية غيره تكون مجعولة وليست أصيلة فتحتاج إلى جعل صريح واضح بيّن لا لبس فيه ولا تشابه، نرفع به اليد عن الأصل، كي يكون حجة على الجميع.. كما أن آية التنازع لا تسمح بوضع ولاية المؤمنين بمستوى ولاية الله ورسوله، بل يجب مراجعة الله ورسوله في حالات النزاع، وهذا أدل دليل على محدوديتها وعدم إطلاقها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ).

ثالثا: الظاهر من سياق الآيات أن المراد بالولاية هو خصوص النصرة، وهو واضح من موضوع وأسباب نزولها وما تهدف إليه من تشريعات ومفاهيم دينية جديدة. وهي دعوة صريحة لعدم الوثوق باليهود والنصارى، وعدم اتخاذهم أولياء. أي حلفاء وفقا للعهود والمواثيق المبرمة بين الطرفين، بعد خيانتهم ونقضهم لها. ودعت للتلاحم على أساس إيماني، يكون الله ورسوله والمؤمنون هم الناصر والحليف والظهير والولي والقوة الحقيقية. وبهذا أقصت استراتيجية المعركة، معاهدات أهل الكتاب من حساباتها. ووضعت خطة جديدة تعتمد خصوص المؤمنين لتولي شؤون وإدارة المعركة والمجتمع المدني. والسبب أن صفات المؤمن التي ذكرتها الآية كفيلة بعدم خيانته وتخليه عن المسؤولية، لأن العبادة تعزز التقوى والخشوع والخوف من الله، وهذا ما تحتاجه المسؤولية، لضمان عدم فساد القيادة. ولو كانت الآية بصدد جعل ولاية لهم بمعنى السلطة وحق التصرّف كان ينبغي توظيف ألفاظ دالة على موضوعها، كأن تقول الآية: القوي الأمين من المؤمنين، كما في آية شعيب وموسى، حينما خاطبت أباها بألفاظ دالة على المطلوب، وقالت: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ). ولم تقل يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. فهنا أيضا مناسبات الحكم الموضوع تكون حاكمة.

معنى المولى

خلاصة ما تقدم ظهور معنى "المولى" في النصرة، دون غيرها من معانيه، التي هي كثيرة، كما جاء في المعاجم اللغوية وسياقات استعمالها في خاصة في القرآن: (الرب والسيد والعبد والمالك والمعتق والمنعم والمعتق والمنعم عليه والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصهر). وأقرب المعاني التي تخص الإنسان دون خالقه أو التي تشترك معه، هي: السيد، المالك، الناصر، المحب، والحليف. والرسول يصدق أنه سيد على ما يملكه من العبيد والإماء. وتقدمه على المؤمن. هو حليفهم، وهم حلفاؤه. وله عليهم حق النصرة والمحبة، وحينما يقول من كنت مولاه فهذا علي مولاه، يصدق لعلي ما صدق له. ويشمله قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا)، (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير).

ويتضح كلام الرسول أكثر إذا عرفنا معنى: "ولي، ولاء، تولي". جاء في المفردات: (أن يحصل  شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ومن حيث النسبة ومن حيث الدين ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد). بهذا يتضح أن المراد هو الإشادة بعلي ومكانته وقربه منه، باعتباره وصيه من بعده على شؤونه الشخصية، بل ويؤكد كلام الرسول أن منزلة علي منه لا مجرد ابن عمه أو زوج ابنته، بل هو "بمنزلة هارون من موسى"، كما في الحديث المشهور. وهناك وشائج إيمانية ومقامات روحانية، تقتضي أن يكون مولى للمؤمنين، كرسول الله لكن لا بمعنى الولاية والقيمومة، لأنها قضية توقيفية، تتوقف فعليتها على وجود إذن صريح واضح بين لا لبس فيه من قبل الله تعالى، أي آية صريحة فيه، وهي منتفية بالضرورة. وأما لماذا كل هذا، فهنا احتمالان:

الأول، ما ورد في قصة "بريدة"، حيث استفز كلامه النبي، واعتبره تشكيكا في ولي من أولياء الله الصالحين، وينوب عنه عند غيابه، حيث وصف بريدة ردة فعل الرسول كما جاء في الروايات السنية: (فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغيَّر، فقال: «يا بريدة ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قلت: بلى يا رسول الله. قال: "من كنت مولاه فعَليٌّ مولاه"..). وسياق القصة وتفصيلاتها يحسم الخلاف حول سبب صدورها، عندما ربطت قوله النبي بحادثة بريدة وجفوته من علي وإساءة الظن به، خاصة عندما استشهد رسول الله هنا بقوله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، ولم يستشهد بآية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)، التي تتحدث عن الولاية وصلاحياتها. وهذا شاهد دقيق ودليل يحسم معنى المولى في نص حديث الغدير، وفقا لما قررناه حول معنى آية (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، لذا يصر كثيرون على إرادة الولاية بمعنى القيمومة والسلطة في هذه الآية كي تستقيم دلالة حديث الغدير. وعليه فأسباب صدور قول النبي "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، وما سبقته من أحداث وفقا للرواية السنية، تساعد على فهم دلالته، بسهولة.

المسكوت عنه

أولاً: افتتحت خطبة الرسول يوم الغدير كما جاء في الروايات بجملة: "إني قد دعيت ويوشك أن أجيب". أجد في هذه الجملة مؤشرا، ربما لم يلتفت له أحد من قبل. من خلاله يمكن أن نفهم دواعي الخطبة وقوله: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، وفق منهج هرمنيوطيقي، يرتكز لفهم النص ودواعيه عبر الاقتراب من أجوائه النفسية والاجتماعية والسياسية. فالرسول هنا يقول: "إني قد دعيت ويوشك أن أجيب". فما هو شعور من يدنو أجله؟ وماهي هواجسه وهمومه وأولوياته؟ لا شك يبدأ بكتابة وصيته أو وصاياه حول تركته وماله وأهله، ويوصي لمن يأتمنه ويثق بحكمته وأمانته، فثمة حقوق شرعية لورثته، وأموال تعود لبيت المال وأخرى أمانات. فبماذا يهتم النبي قبل وفاته؟. لا شك أنه سيهتم بشيئين: الرسالة وديمومتها، ووصاياه الشخصية، دون السياسة شؤون الحكم، لأنها خارج اختصاصه، كما أكدت هذا مرارا.

أما الأول، أقصد الشأن الديني، فقد صرّح الكتاب الكريم بتمام الدين، الذي هو عقيدة وشريعة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، وهي آية صريحة ومحكمة. وبالتالي لا يحتمل أن يخالف الرسول كتاب الله ويدعي حاجة الدين إلى من يتممه، لا عقيدة ولا تشريعا. فهذه المناسبة تحول دون تبادر الشأن الديني. أو قيمومة علي على الدين. لكن تبقى ديمومة الرسالة، التي تتطلب قدوة ونموذجا صالحا يقتدى به، إضافة إلى التمسك بالدين وتعاليمه وشرائعه. وهذا ما يفسر قوله في ذات الحديث: إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله و(عترتي أوسنتي). وسيأتي الحديث

وأما الثاني، الشأن الدنيوي، فله مبرراته، فعلي وصيه على ماله وعياله. ولديه أمانات وثروات وعبيد وإماء، تستدعي من يدير شؤونها. وعلي وصيه وسيد البيت الهاشمي من بعده، وقد طعن بمصداقيته بريدة وشك بأمانته، حتى غضب النبي كما جاء في الرواية. فوجد من الحكمة أن يؤكد للجميع ماهي مكانة علي منه، وما هي مسؤولياته من بعده؟. فاختزل الكلام بجملة مكثفة، غنية بدلالاتها، لتعدد معاني المولى. لذا فكثير من معانيها اللغوية تنطبق على علي بن أبي طالب. وهذا مبرر معقول، يقطع الشك، ويمنح عليا ما يستحقه من فضيلة.

وبهذا يتضح أن قول النبي "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، ليس نصا على الإمامة، بأية معنى كانت، دينية أم سياسية. وأنها ناظرة إلى تزكية علي، وتأكيد وصايته من بعده. وهو وصي لمحمد بن عبد الله.

وإذا قيل أن معنى المولى تعني الولاية في بعض معانيها، وهذا يؤكد ولاية علي. ونحن أيضا نقول هذا، وللمؤمنين ولاية بنص الآية الكريم (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا). إلا أنها ولاية مقيدة، ليست كولاية الله ورسوله، فلا قيمومة وسلطة. بل كما مرَّ تفصيله في محله، أنها ولاية إدارية.

ثانياً: ان صرامة آية التبليغ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) تؤكد خطورة موضوعها، وأنها جاءت تعقيبا على قضية مهمة متنازع حولها، لذا قالت الآية: (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، وهذا أمر متعارف عندما يشتد الخصام بين طرفين، فإن أحدهما يلحق كلامه بخطاب تهديدي، وعليه نفهم أن الآية تحيل على موضوع لم يحسم نهائيا، والآية تطالب أهل الكتاب (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ). تريد موقفا عمليا يؤكد صدق إيمانها، ولا تكتفي بالكلام والعهود، لأن الطقوس العبادية شعائر تعكس مضامين الدين. ولو حمل موضوع الآية على تبليغ ولاية علي بن أبي طالب، ستكون قضية طارئة، غير مطروقة سابقا، ولازمها خطاب مختلف، يتناسب معها. كأن تنص آية من آيات الكتاب على ولايته، وينتهي الأمر، فلماذا يجعل موضوع التبليغ في الآية مجهولا وهي قضية عقائدية، تترتب عليها أحكم والتزامات دينة، هل من صالح الدين ومصير المسلمين افتتانهم بهذه الطريقة المفجعة التي أودت إلى إقتتال المسلمين؟. العقيدة قرآنيا واضحة، ليس بينها موضوع الولاية والخلافة إطلاقا: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).

لكن هل ينتهي الأمر إلى هنا أم ثمة ما هو أهم وأخطر؟

يـأتي في الحلقة القادمة

 

..........................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباوي14خاص بالمثقف: الحلقة السابعة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق3) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الدلالات

ماجد الغرباوي: لا بد من الإشارة أولا لبعض الملاحظات المنهجية كي نضع القارئ في سياق القراءة النقدية التي نروم اجراءها حول دلالات حديث الغدير وخصوص قول النبي: "من كنت مولاه فعلي مولاه":

ملاحظات منهجية

- سبق القول أننا نعتمد منهجا مختلفا في دراسة الروايات، يبدأ من المتن لا من السند، كما هو السائد في الدراسات الفقهية، التي تعتبر صحة صدور الرواية شرطا لحجيتها بناء على الوثاقة. وهي إحدى طرق الحجية بناء على الوثوق، كما تقدم. ثم بعد ذلك يُدرس المتن أو نص الرواية. بينما المنهج هنا يبدأ من المتن، من النص، لمعرفة مدى إمكانية موضوعه، قرآنا وعقلا، مهما كان الصدور صحيحا، خاصة روايات العقائد التي تترتب عليها آثار كبيرة، حدا تغدو مائزا بين الكفر والإيمان. فما خالف القرآن أو العقل فاضربوا به عرض الجدار، كما هو المشهور. وبما أن موضوع حديث الغدير هو ولاية علي بن أبي طالب، وهو موضوع عقائدي بامتياز، لأنها ركيزة من ركائز العقيدة الشيعية. فهل الولاية سواء الولاية السياسية أو الولاية الدينية بحد ذاتها ممكنة أم لا؟ وسيأتي لماذا قرآنا. فإذا كانت ممكنة فسنعود لمناقشة المتن / النص ودلالاته، بعد التأكد من صحة صدوره. وإذا كانت الولاية غير ممكنة أساسا فلا معنى لحملها عليها، وينبغي تحري دلالات أخرى للرواية، وستدرج ضمن جهود الفِرق الكلامية لإثراء الرصيد الرمزي لأحد الطرفين المتنازعين حول شرعية الخلافة، بعد فقدان الدليل الصريح عليها.

- يقوم منهجنا على تصنيف الأحاديث والروايات الدينية والتاريخية إلى قسمين. إما أن تكون الرواية مقطوعة الصدور أو تكون محتملة الصدور. والأولى تختص بالمتواتر من الأخبار، وتكاد تكون شروطها تعجيزية، حتى بناء على نظرية الاحتمال، مع اختلاف مرجعيات القيمة الاحتمالية للوسائط / رواة السند. فكيف إذا كان شرط التواتر (أن يروي الخبر في كل طبقة عدد من الرواة، يمتنع تواطؤهم على الكذب)؟ فالمسألة صعبة جدا، ومع تحققه خارجا،  فإنه يورث القطع والعلم واليقين، فتكون حجيته ذاتية، لحجية القطع عقلا. لكن ليس بالضرورة أن يكون كاشفا عن الواقع تماما، كما يرى بعض الأصوليين، ويأتي الكلام في محله. الخبر المتواتر مجرد طريق للواقع، وهناك شروط أخرى تتوقف حجية الرواية عليها. وأما أخبار الآحاد، فلا  تغادر الظن، الذي لا يغني من  الحق شيئا (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا). وما المحاولات الدؤوبة لجعل الحجية للخبر الواحد شرعا، وفق أدلة عقلية ونقلية، تطرح عادة في مباحث حجية الخبر الواحد أو أخبار الآحاد في كتب أصول الفقه، فهي مرتهنة لأدلتها، وتمامية استدلالاتها. غير أنها مجرد اجتهادات ووجهات نظر. الظن ليس كالعلم، وجعل الحجية الشرعية له، يحتاج لدليل برهاني، يسمح بترقيته إلى مستوى الحجية، وهو مفقود بالضرورة. ولو سلمّنا لهم، فنقتصر على القدر المتيقن، وهي روايات الأحكام الشرعية، كي لا ينسد باب العلم والعلمي كما يعبرون. وهذا لا ينطبق على روايات العقائد، لأن الأصل في العقيدة اجتهاد المتلقي، وقد صرّحوا بحرمة التقليد في العقائد. وبالتالي فالخبر إما أن يكون متواترا، فهو حجة لحجية القطع، أو يكون محتمل الصدور، وهو كل خبر لم يصل حد التواتر. غير أننا لا نهمله، رغم عدم حجيته، ويبقى مرتهنا لقوة حضوره وتأثيره. ولا مانع من حجية الروايات النبوية ذات الجذر القرآني، بشروط تعزز قيمتها المعرفية. وقد ناقشت سابقا عددا من الروايات الضعيفة، لقوة حضورها كخبر: "الخلافة أو الإمامة في قريش". وحديث العشرة المبشرة بالجنة. (كتاب النص وسؤال الحقيقة). ولا تخفى الآثار الكبيرة المترتبة على حديث الغدير مهما كانت درجة الوثوق به. فيستحق النقد لهذا السبب بالذات، بغض النظر عن مدى صحة صدوره.

دلالات الغدير

رغم استحالة التجرد المطلق أو عدم التحيّز، لكنه ممكن، عندما يتحرر الباحث من سطوة قبلياته. ومقاربة قول الرسول في حديث الغدير: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". بموضوعية تمكنه من الكشف عما يؤكده أو يستبعده، وتقصي دلالاته، التي يرتهن بعضها لقرائن يصعب الإمساك بها دونها.

واضح أن النص بنفسه لم يصرّح بخلافة علي ابن أبي طالب، كأن يقول النبي مثلا: (جعلت عليا إماما أوخليفة عليكم من بعدي)، إلا إذا كانت كلمة (مولى) دالة آنذاك على الإمامة والخلافة عرفا، حدا لا يتبادر معنى آخر غيرها إلا بقرينة صارفة. وهذا يتطلب أدلة وشواهد على إرادة خصوص معنى الخلافة والإمامة من لفظ مولى، الذي هو مشترك لفظي بين أكثر من عشرة معانٍ. وبالتالي لا حجية للنص، وفقا لدلالاته الظاهرية، على إرادة تنصيب علي بن أبي طالب خليفة أو إماما للمسلمين، إلا تأويلا، فيتوقف على شواهده. ولا يمكن لأي باحث أن  يدعي أن الرواية نص صريح في تنصيب علي، ما لم يحسم بالمرتبة السابقة دلالة المولى.

لا شك أن جميع من استمعوا لخطبة الغدير من فم النبي مباشرة، قد فهموا دلالاتها، وفقا للحدث ومناسباته، رغم تعدد معنى "المولى"، مما يؤكد وجود قرائن حالية ومقالية، أو جو عام ومقدمات استدعت أحد المعاني دون غيره. وهذا ما نبحث عنه، فماذا فهم المتلقي لكلام الرسول يوم الغدير 18 ذو الحجة سنة 10 هجرية، من كلمة "مولى"؟. أما الرواية السنية فقد ربطت كلام الرسول بحادثة اليمن، فأراد الرسول التعريف بعلي، فقال من كنت مولاه فهذا علي مولاه، لتنصرف كلمة مولى لغير الخلافة والإمامة وتنصيب علي للخلافة والإمامة. غير أن الدلالة تختلف وفقا للرواية الشيعية التي اعتبرت خطبة الرسول وقوله من كنت مولاه فعلي مولاه، استجابة لآية التبليغ، سواء وقعت حادثة اليمن أو لم تقع. والرسول مكلف بالتبليغ، ولا مناص حينئذ بانصراف كلمة مولى لخصوص الخلافة والإمامة، وتنصيب علي. ولعل الإضافة في رواية الشيخ المفيد كانت لتدارك سؤال مقدر، هو ماذا فهم المتلقي من كلام النبي؟ فجاءت الزيادة قرينة على إرادة الولاية الدينية أو السياسية أو كليهما. فأراد الشيخ المفيد للزيادة في روايته أن تكون شاهدا لصرف المعنى بخصوص استخلاف علي، وأن هذا ما فهمه الحاضرون. فانظر بدقة لإسلوب السرد، كيف يمسرح الحدث، ليوحي بواقعيته. جاء في نهاية الرواية:

(ثم نزل صلى الله عليه وآله - وكان وقت الظهيرة - فصلى ركعتين، ثم زالت الشمس فأذن مؤذنه لصلاة الفرض فصلى بهم الظهر، وجلس صلى الله عليه وآله في خيمته، وأمر عليا أن يجلس في خيمة له بإزائه، ثم أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجا فوجا فيهنؤوه بالمقام، ويسلموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل الناس ذلك كلهم، ثم أمر أزواجه وجميع نساء المؤمنين معه أن يدخلن عليه، ويسلمن عليه بإمرة المؤمنين ففعلن).

وأضاف في نص منفصل: (أيها الناس، لا ألفينكم بعدي ترجعون كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فتلقوني في كتيبة كمجر السيل الجرار "ألا وإن علي بن أبي طالب أخي" ووصيي، يقاتل بعدي على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله... فكان عليه وآله السلام يقوم مجلسا بعد مجلس بمثل هذا الكلام ونحوه). وقبول هذه الزيادة يتطلب مقارنة بين النصوص، بعد الجزم بصحة صدورها، ومدى قدرة النص على مقاومة علامات الاستفهام.

آية التبليغ

يؤكد الاتجاه الشيعي أن سبب نزول آية التبليغ هو التبليغ باستخلاف علي بن أبي طالب بعد رسول الله، كما هو واضح في الرواية أعلاه. وهي دعوة  خطيرة جدا، لا تقف عند حد الاستخلاف، بل تؤسس للإمامة السياسية أو الدينية أو كلتيهما. وهذا يستدعي مقدمات كثيرة يخلو منها كتاب الله. ثم لما كانت آية التبليغ، كقول الرسول من كنت مولاه فهذا علي مولاه، غير صريحة في موردها، فتحتاج هي الأخرى إلى قرائن دالة على المطلوب، وليس سوى التأويل طريقا للتفسير!!. فينبغي لنا تحري دلالات الآية، للتأكد من دلالاتها على إرادة تنصيب علي، في جملة يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك، قبل حسم دلالات خطبة الغدير. وأول ما يسجل عليها، أنها أشبه بالتعريف بالأخفى، إذ نحن نعاني من تحديد معنى المولى في قول الرسول من كنت مولاه فعلي مولاه، فكيف نحيل القارئ على آية التبليغ التي لم تصرح بموضوعه لولا السياق، الذي لا علاقة له بالولاية؟. قضية الولاية قضية جوهرية، ويفترض أن الرسول يعلم بتداعياتها إذا لم يكن وحيا فتخمينا، وهذا يتطلب نصوصا صريحة جدا، باعتبارها قضايا عقائدية، تتوقف حجيتها على تمامية دلالة نصوصها، مثل "لا إله إلا الله"، ومثل "محمد رسول الله". وما لم تكن صريحة في موردها تخرج عن الحجية، وتلبث في دائرة الظن الذي لا يغني عن الحق شيئا. وقول الرسول في حديث الغدير من كنت مولاه فهذا علي مولاه، ليس بمستوى دلالة قوله تعالى: (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا، قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ). كما أن العقائد منصبوطة قرآنيا: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاغُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، بعيدا عن أية عقيدة غيرها.

قالوا أن آية: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) ، قد نزلت في ولاية علي في غدير خم، وبالفعل قام الرسول خطيبا في الناس وقال: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه)، كما هو في السرديات الشيعية. وهي كما ترى ليست بصدد بيان شأن الخلافة والوصاية، رغم أنها تشير الى أمر خطير، بل أن سياق الآية يختص بأهل الكتاب. والآية التالية فيصل في هذا الخلاف، لأنها تجيب بماذا يبلّغ: فقالت الآية التالية: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) . فوجود "قل" يصرف مصداق التبليغ عن أي موضوع آخر ما عدا موضوع هذه الآية. ولو كانت الآية التالية ساكتة ولم تحدد قولا معينا، فيمكن تأويل الآية، أما عندما قطعت الشك باليقين من خلال فعل الأمر "قل"، فحينئذٍ لا مجال للتأويل. كما في آيات "يسألونك"، حيث تذكر الآية التالية جواب السؤال، فهنا ايضا تقول الآية "بلغ"، فماذا يبلغ؟ أجابت الآية التالية بماذا يبلغ: قل يا أهل الكتاب.. ولا حاجة للجدل. الآية واضحة ضمن سياقها، وعندما نشك في وجود قرائن خارجية كروايات أخرى تفسّر المعنى، فنرجّح السياق قرينة للقطع بصدوره. اضافة لوجود إشكال آخر: من قال إن الآية نزلت قُبيل يوم الغدير لتكون أمرا بتنصيب الإمام علي وصيا بموجبها؟ هذا لا دليل عليه سوى روايات، لا ترث إلا الظن، والظن لا يغني عن الحق شيئا كما تقول الآية الكريمة. وخبر الثقة جعله الشارع حجة في روايات الاحكام  دون غيرها، إن سلمّنا بذلك.

ثمة مسألة مهمة، لو كان موضوع التبليغ هو ولاية علي بن أبي طالب وليس شيئا غيره، لكان المقصود بالخطاب خصوص المسلمين، وليس أهل الكتاب، والآية بدأت بأهل الكتاب.

كما أن الآية تتحدث عن أمر خطير، وتقول بلغ ما أنزل إليك من ربك وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ. ومقتضى الأمر الخطير الذي يعادل تبليغ الإسلام يتطلب تحديدا صريحا، ويسبقه أهتمام قرآني كبير. والقرآن لم يتطرق لموضوع السلطة والخلافة، فضلا عن النص على إمامة علي بن أبي طالب. فكيف تكون عدلا لتبلغ الإسلام والرسالة وهي أساسا مجهولة للناس؟. غير أن الكتاب حدد موضوع التبليغ حينما قال: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ). وإقامة التوراة والأنجيل وإقامة الصلاة ينسجم مع اهتمام القرآن الأول، وهو وجود الله وتوحيده، وقد حكم الكتاب على التوراة والأنجيل بالتحريف وهو يطالبهم الآن بإقامة التوراة والأنجيل اللذين نزلا على موسى وعيسى. فموضوع التبليغ ليس مجهولا كما يذهب بعضهم لذلك، والآية أجنبية عن موضوع الإمام علي. ثم أن قوله: والله يعصمك من الناس، أي الناس الذين يشكلون خطرا عليك وعلى الرسالة، وهم أهل الكتاب الذين شنوا مختلف الحروب كالمواجهة المسلحة والتواطؤ مع العدو والترجيف في المدينة والمكر وغير ذلك. (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا). ثمة حقيقة أخيرة، كل من استدل بالآية على أن المراد من التبليغ ولاية علي بن أبي طالب، لم يستطع الاستدلال بنفس الآية، أو بآيات أخرى من الكتاب، والجميع يلجأ للتراث والروايات، كقرينة على المطلوب، وهي كما ترى، أخبار آحاد، لا ترقى لدرجة العلم واليقين، وبالتالي فهي ليست حجة في موردها، خاصة بناء على المنهج المعتمد لمعرفة القيمة العلمية للروايات. ولو قلنا بحجية خبر الواحد، فنقتصر على القدر المتيقن. وموضوع الولاية عقائدي، حتى وإن ترتبت عليه أحكام شرعية فيما بعد.

إن منهج قطع الآية من سياقها وربطها بآية أخرى، رغم قوة دلالات السياق على كلتيهما، منهج متحيز، يربك دلالات النص. كما بالنسبة لآية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، التي قطعها الاتجاه الكلامي الشيعي من سياقها وربطها بآية: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)، ليستدلوا أن الآية الأولى جعلت الولاية للإمام علي حصرا، والآية التالية تحذير للرسول إنْ لم يبلغ هذا الأمر. والقضية برمتها تأويلية اعتمادا على روايات عن النبي، لا يمكن الجزم بصدورها. كما أن مناسبات نزول الآية لا تسمح بهذا التأويل الذي يضعف السياق القرآني. فما هو المبرر أن يضع آية في سياق، ثم يضع تكملتها في سياق آخر؟

أليس مقتضى وحدة الموضوع يتطلب إندراج كلا الآيتين في سياق واحد؟ خاصة وقضية عقدية مهمة وخطيرة، فتحتاج لبيانات قرآنية صريحة واضحة كالنبوة لتكون حجة على الجميع، وقد مر أن الاصطفاء شأن إلهي، يحتاج لدليل قرآني صريح، وهو مفقود هنا بالضرورة. فلا يمكن الارتكاز لآية التبلغ دليلا على إرادة تنصيب علي بن أبي طالب للخلافة في قول الرسول: من كنت مولاه فهذا علي مولاه.

وهذا يستدعي العودة إلى ذات النص للبحث عن قرائن جديدة، قد تعيننا على فهم دلالاته.

يأتي في الحلقة القادمة

 

..........................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

ماجد الغرباوي3خاص بالمثقف: الحلقة السادسة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق2) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

ما وراء النصوص

ماجد الغرباوي: بدءا أقول: إن حساسية قضية الإمامة، وخصوص حديث الغدير، لا يمنع نقده ومراجعته من خلال مناهج علمية حديثة وقراءة مختلفة للنص التاريخي. ومهما كانت نتائج البحث يبقى علي ابن أبي طالب بمؤهلاته الذاتية، رمزا دينيا كبيرا، وصحابيا جليلا، وإماما للهدى والمتقين، يشهد لذلك سيرته ومكانته لدى رسول الله والصحابة. وهذا يعني عدم توقف مؤهلاته وشرعيته للسلطة، سواء الدينية أو السياسية على دليل بعينه، بل أن مجموع أحاديث الفضائل، وشموله ببعض الآيات، وتكليفه بالمهمات الصعبة، يكفي دليلا على كفاءته، وعلو منزلته (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). ونحن هنا أمام بحث علمي، لتحري صدقية المفاهيم، وعدم تداخل البشري بالديني، لتفادي تزوير الوعي، ووضع حد لشرعنة قضايا تتوقف شرعيتها على مدى شرعية الإمامة والخلافة، دينيا لا بشريا، في المرتبة السابقة، كولاية الفقيه، والسلطة الشرعية بشكل عام، وما يترتب عليهما من صلاحيات واسعة، تصل حد الاستبداد والتفرد بالقرار، على حساب الفرد وحريته في تقرير مصيره.

كما أن مقاربة حديث الغدير سيجيب على أسئلة انبثقت لاحقا حول الإمامة بشكل عام، وإمامة علي خاصة: هل الإمامة شورى أم نص وتعيين؟ وهل إمامته سياسية أم دينية أم سياسية دينية؟ ومنشأ الأسئلة ملابسات هذا الحديث بالذات، ظرفا ودلالة. فثمة من يعتقد أن الإمامة نص وتعيين. وأن الرسول قد نص على إمامة علي بن أبي طالب، بنصوص خاصة، أو بنص حديث الغدير، وبالتالي فهو إمام منصوص عليه. في مقابل من ينكر ذلك، ويرى الخلافة شورى بين المسلمين، وينفي وجود نص صريح عليه. فهل ستنتهي إمامته بتنصيب أبي بكر خليفة للمسلمين؟ أم تستمر باعتبارها امتداداً لرسالة الرسول؟ وماذا عن شرعية خلافة الخلفاء؟

هدف البحث

تقدم، ثمة تعارض وتنافٍ بين شرعية الخلافة بمفهومها التاريخي، باعتبارها شأنا بشريا، وبين حديث الغدير الذي يؤسس لخلافة علي بن أبي طالب نصا وتعيينا. حيث أكدتُ خلال نقد مفهوم الخلافة ومدى صدقيتها أن (محمدا نبيا وليس ملكاً فيَخلف أحدا في ملكه. وصلاحياته صلاحيات ربانية ونبوية. وسلطاته سلطات سماوية محصورة به، لا يجعلها لغيره إلا بنص صريح واضح، كما بالنسبة لموسى وهارون، وهذا غير موجود إطلاقا. فعن أي خليفة رسول الله وصلاحياته يتحدثون؟). فالفهم  الجديد يسلب الخلافة مصدرها الإلهي. وبالتالي يسلبها قدسيتها، لتبقى مفهوما بشريا، تاريخيا، يُدرس ضمن سياقات صراع السلطة، التي دفعت إشكالية شرعيتها إلى التشبث بمفهوم "خليفة رسول الله" لقوة دلالاته وإيحاءاته، بانتسابه للإلهي والنبوي. وهو ليس كذلك (انظر كتاب النص وسؤال الحقيقة). ولما كان حديث الغدير وفقا للقراءة الشيعية يؤسس لخلافة الإمام علي، لذا وقع التعارض في نظر السائل الكريم. وعليه سيكون هدف البحث بيان الحد الفاصل بين المقدس والمدنّس. بين الإلهي والبشري، والكشف عن المتواري والمتستر عليه، ودور المفهوم في خلق حقيقته، وأثر الظروف السياسية في وجوده، لمنع تداخل المفاهيم، والحد من شرعنة الاستبداد، وبيان ما هو شأن إلهي يتطلب نصا قرآنيا صريحا، وما هو بشري يمارس تزوير الوعي. وذلك من خلال دراسة حديث الغدير، وبيان دلالته السياسية والدينية، للتأكد من صدقية أو عدم صدقية الشأن البشري للخلافة، ومدى تعارضه معه.

منهج البحث

سوف لا نكتفي بصحة صدور الحديث لاثبات حجيته وثبوت دلالاته، ولا نقف عند حدود القرائن البعيدة أو الحافة به، بل نتخطاهما بحثا وتنقيبا في إطار نظرة كلية لمفهوم الدين ودور الإنسان في الحياة، إضافة إلى تاريخية المصطلح، ومدى علاقته بجملة مفاهيم قرآنية وصلاحيات إلهية أو إلهية - نبوية، وفق منهجية علمية. ولا نستبعد صراع السلطة في فهم دلالات النص على مدى القرون الهجرية الأربعة الأولى. وبالتالي فالمنهج التاريخي يفرض نفسه في دراسة نصوص تعود إلى أكثر من 1400 عام، لتحري ملابسات النشأة والتأسيس. كما ينبغي دراسة ما وراء الحدث، وفق منهج تحليلي، مع تفكيك جميع يقينيات المنظومة العقدية التي يؤسس لها حديث الغدير ويرتكز عليها. ودراسة الدلالات اللغوية وفك الالتباس بين تعدد معاني كلمة (مولى)، التي هي مشترك لفظي بين أكثر من عشرة معانٍ، وتقصّي دلالتها في سياق النص واستعمالات مفردة مولى. وهذا يتطلب دراسة القرآئن الحافة بالنص، واستدعاء ما يساعد على تحديد المعنى المناسب لسياقه ضمن أسباب صدوره، على كلا الروايتين الشيعية والسنية اللتين اختلفتا في أسباب صدور الحديث، ودلالات الرواية. والاختلاف حول دلالة النص هو ذات الاختلاف بين الإلهي والبشري، والمقدس والمدنس الذي نروم الكشف عنه، ووضع حد لتوظيفه.

لقد دأبت الدراسات الدينية على تبنى أحد منهجين، إما الوثاقة أو الوثوق. الأول يعتبر صحة صدور الرواية إيذاناً بحجيتها، متى اكتملت شروطه، ثم تأتي مناقشة المتن لتحديد دلالالتها. أو كما يعبرون أصوليا أنّ وثاقة الراوي أُخذت بنحو الموضوعيّة، فمتى ما تحقق الموضوع ترتبت عليه الحجيّة. وهنا تارة يكون النص صريحا لا لبس فيه، أو يكون ظاهرا في إحدى معانيه أو مجملا. وبما أن أخبار الآحاد لا تفيد العلم والجزم كما هو الحال بالنسبة للخبر المتواتر، فقالوا بجعل الحجية له. فيكون الجعل هنا بمنزلة "متمم الكشف". وهي عملية التفاف لتدارك انسداد باب العلم والعلمي كما يصطلحون. بينما يقوم المنهج الثاني، منهج الوثوق بدراسة جميع ظروف النص بما في ذلك القرائن الحافة به أو البعيدة عنه. فقد يعتبرون رواية ما حجة رغم ضعف سندها. وبالعكس، قد تسقط الرواية عن الحجية رغم سلامة سندها وصحة صدورها، فثمة اعتبارات أخرى يرتكز لها هذا المنهج أو المبنى كما يعبرون، تتطلب جهودا وخبرة بالروايات والأسانيد وتاريخ الرجال، وأساليب الجرح والتعديل. فالنص وفقا له لا يخضع لسلطة السند وإكراهاته. فتارة يحاصر السند المجتهد عندما يكون صحيحا، فيضطر لاعتماد الرواية والبحث عن مبررات لمعالجة ما يطوف حولها من إشكالات. وهذا يعني أصوليا أنَّ وثاقة الراوي أُخذت بنحو الطريقيّة، وونها مجد وسلكن يبقى موضوع حجية الرواية هو الوثوق.

وهذا القدر بالنسبة لمنهجنا لا يكفي، ما لم نتوغل في عمق يقينيات النسق العقدي الذي انتج المعنى. وتحري ما وراء الفهم، بحثا عن يقينياته ومبادئه. وبالتالي نحتاج لمجموعة مناهج لقراءة وفهم حديث الغدير المثير للجدل منذ عشرة قرون، حيث تم استعادته والذب عن دلالالته، في سياق صراع الخلافة – الإمامة وتحشيد التأويل وروايات الفضائل والشواهد التاريخية لتأكيد أحقية إحداها. وسأطرح لاحقا مجموعة ملاحظات في ضوئها يمكن تحديد دلالته. وسوف لن تمس نتيجة البحث منزلة الإمام علي، الذي يتصف بمواصفات شخصية تفرض احترامه وجلالته، سواء كانت هناك روايات فضائل بحقه أم لا. وهذا خلاف المتعارف عندهم بأن مصدر قدسية الإمام علي مصدر رباني من خلال روايات الفضائل وأسباب نزول بعض الآيات، التي يحصرون مصداقها به. أو بعبارة أدق وفقا للبحوث السابقة، أن عليا مصطفى من قبل الله تعالى، فتشمله قدسية الاصطفاء.

من جانب آخر، توحي الدراسات والبحوث تاريخيا أن حديث الغدير هو حديث حول مصاديق مفاهيم مفروغ عنها، كموضوع السلطة في الإسلام، والخلافة، وليس الأمر كذلك كما سيأتي، فإن مسألة السلطة غير محسومة تماما، ومازالوا مختلفين، هل الدولة ضرورة دينية أم ضرورة اجتماعية؟ ولماذا لم يتحدث الكتاب الكريم عنها، وعن تفصيلاتها رغم خطورتها؟ ولماذا أحجم عن موضوع خلافة النبي؟ وأسئلة مرَّ ذكرها، وسنستعيد ما يقتضي البحث.

قضايا البحث

اتضح ثمة فقرتان في حديث الغدير يتعين تحري دلالتهما لحسم نسق من القضايا العقدية والسياسية، والعودة لفهم مختلف للدين ودور الإنسان في الحياة. ولا يخفى حجم ما يترتب على حديث الغدير من آثار عقدية وشرعية، على صعيد السلطة والفقه، وقبلهما ثوابت العقيدة. والفقرتان هما:

- حديث الموالاة: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه). التي استدل به الشيعة على خلافة الإمام علي بعد وفاة الرسول نصا وتعيينا.

- حديث الثقلين: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي / سنتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا). وهل أن توأم الكتاب سنة الرسول أم أهل بيته وعترته؟.

أولاً: حديث الغدير / الموالاة

وقع الخلاف بين الفِرق الإسلامية حول أسباب صدور حديث الغدير، ومعنى كلمة "مولى" الواردة فيه، وما هو قصد النبي في قوله: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"؟. هل المراد به السلطة والولاية أم أعم من ذلك؟ وهل كلامه نص على ولاية علي بن أبي طالب أم قصد أمرا أملته ظروف تاريخية؟ وغير ذلك. وسنبدأ بتسليط الضوء على الخلفية التاريخية للحديث، وفق روايتي السنة والشيعة، حيث اتفقتا على قول الرسول: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، واختلفتا في أسباب صدورها، ودلالتها. لا شك أن الخلفية التاريخ وأسباب صدور الحديث يمهدان لفهم الحديث، لكن لا يلزمان الباحث بها. وتبقىى حجيته مرتهنة لمجموعة قضايا، يتعين فهمها في إطار كلي، يأخذ بنظر الاعتبار فهم الدين ودور الإنسان في الحياة، وتحديد هدف الدعوة المحمدية وغاياتها. وهل أن الدولة ضرورة دينية أم ضروة اجتماعية؟. وهل اختيار المفضول على الفاضل يبطل شرعيته؟

قرائن الرواية السنية

صرّحت الرواية السنية أن قول الرسول: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، جاء إثر شكوى الصحابي "بُريدة"، الذي كان ضمن جيش طارق بن زياد في اليمن، ثم لما قام علي بن أبي طالب بفرز خُمس الغنائم (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ)، وساقها إلى مكة امتثالا لأوامر النبي، غضب "بُريدة" واشتكاه لرسول الله. وكان يعتقد أن تصرف علي تصرفا كيفيا، لا يمثل الإرادة النبوية، وقد أخذ أكثر من خمس الغنائم، وأخذ ما لا يستحقه. وبالتالي، فإساءة الظن بعلي كانت السبب أو السبب الرئيس وراء قول الرسول: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". بعيدا عن آية التبليغ وأسباب نزوله.

ويؤكد صلة الحديث بغنائم اليمن، رواية ثانية لبريدة، جاء فيها: (عن بريدة رضي الله عنهم، قال: «غزوت مع عليٍّ اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عليًّا فتنقَّصته، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغيَّر، فقال: «يا بريدة ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قلت: بلى يا رسول الله. قال: «من كنت مولاه فعَليٌّ مولاه»..).  رواه أحمد في المسند (22995)، والنسائي في خصائص علي رضي الله عنه (81)، والحاكم في المستدرك (4578).

وبالتالي، من السهل فهم دلالات الحديث في ضوء الرواية السنية، إذ كان النبي بصدد بيان مصداقية علي ومنزلته، وأنه كان يمثّل رسول الله في جباية الخمس، وأن ما أخذه من غنائم حرب اليمن حق الله ورسوله وأهل بيته، لذا جاء في معرض رد النبي على "بُريدة": (.. «يا بريدة أتبغض عليًّا؟ قال: نعم يا رسول الله، فقال: «لا تفعل فإن له في الخُمس أكثر من ذلك»...). ثم إرتآى الرسول بيان منزلة علي وعترته، فكانت خطبته في منطقة غديرخم. وكان دافعها تعميم خطابه.

ولهذا لم ير فقهاء السنة أية دلالة صريحة في "من كنت مولاه فعَليٌّ مولاه" على خلافة علي بعده. وهم يقصدون الخلافة السياسية في مقابل خلافة أبي بكر ومن جاء من بعده. لكن هذا لا ينفي دلالات أخرى في كلام الرسول، خاصة مع تعدد معاني كلمة (مولى)، مما يستدعي تحريه والكشف عن دلالته، وفقا لقرائن النص وظرف صدوره، وسيأتي تفصيل الكلام حول هذه النقطة، التي عليها تتوقف شرعية الخلفاء أو عدم شرعيتهم، ومن ثم مخالفتهم ومعصيتهم لقول الرسول. فالمسألة خطرة جدا دينيا، وتفجر صراعات مذهبية. وما علينا سوى قراءة النص بتجرد كامل، بعيدا عن أي إملاءات طائفية من أجل الحقيقة، وطي صفحة الماضي التي أثقلت صدورنا، ومازالت تؤجج فينا روح العصبية والكراهية، حتى ساد منطق العنف والتنابذ والتكفير.

قرائن الرواية الشيعية

أما الرواية الشيعية فقد أوعزت سبب صدور حديث الغدير، وسبب قول الرسول "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" إلى نزول آية التبليغ: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)، وأردف: (... وكان سبب نزوله في هذا المكان نزول القرآن عليه بنصبه أمير المؤمنين عليه السلام خليفة في الأمة من بعده). فالآية بصدد تنصيب علي خليفة على المسلمين. ورغم اعترافه، أنها نزلت في وقت سابق، لكن تأخر تبليغها ليس بدون سبب،  وإنما: (وقد كان تقدم الوحي إليه في ذلك من غير توقيت له فأخره لحضور وقت يأمن فيه الاختلاف منهم عليه، وعلم الله سبحانه أنه إن تجاوز غدير خم انفصل عنه كثير من الناس إلى بلادهم وأماكنهم وبواديهم، فأراد الله تعالى أن يجمعهم لسماع النص على أمير المؤمنين عليه السلام تأكيدا للحجة عليهم فيه. فأنزل جلت عظمته عليه: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك" يعني في استخلاف علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام والنص بالإمامة عليه "وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس") فأكد به الفرض عليه بذلك، وخوفه من تأخير الأمر فيه، وضمن له العصمة ومنع الناس منه).

لقد كرّس الشيخ المفيد كلامه لتأسيس مبدأ النص في مقابل الشورى. دون الإشارة إلى تفصيلات غزوة اليمن وإساءة "بُريدة"، الظن بعلي بن أبي طالب. وأكد أن سبب تنصيب علي للخلافة، امتثالا لآية التبليغ. فتكون الآية علة لقوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه"، وليست حادث اليمن كما تذهب لذلك الرواية السنية.

كما ثمة اختلاف دلالي بين الفريقين حول قول الرسول لعلي يوم غدير خم، بعد أن رفع يده: "من كنت مولاه فعلي مولاه". فهي عند الشيعة نص على ولاية علي، ولازمه بطلان وغصبية خلافة الخلفاء الثلاثة.

كانت هذه المقدمة ضرورية لفهم خلفيات الحديث وما رافقه من أحداث، تكشف عن أسباب صدوره، ومن ثم تساعد على تقصي دلالات كلام النبي. وقد اتضح أن كلا الرأيين قد قارب النص من وحي خلفياته العقدية والمذهبية، مما يكرّس التباسه، وتوظيفه لشرعنة بعض السياسات. وعليه سنتناول الحديث بمنهج مختلف، وتجرد كامل، فنحن بصدد بحث علمي، وإجابة تساعد على فتح آفاق جديدة للحوار بعيدا عن الماضي وتبعاته الثقيلة.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباوي2خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق1) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

بيئة صدور الحديث

س135: جابر علي مرهون: ملبورن – أستراليا: الأخ الأستاذ ماجد الغرباوي.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: لقد ورد في الحلقة (٥٩) من الحوار المفتوح، فهماً جديدا لمفهوم الخلافه السائد في أوساطنا. والمفاهيم الواردة فيه تهد كل ما توارثناه من عقائد تم التسليم بها من غير تمحيص. واليوم نُفاجأ بفكر الأستاذ ماجد الغرباوي وهو يهدم تلك الأصرحه التي كنّا نتصور أنها بنيت على قواعد رصينه..! ورغم رصانة ما تم طرحه في المقال، إلا أنه تبادر إلى ذهني كيف نفهم، في ظل هذا المفهوم الجديد، حديث الغدير الذي ينص صريحا، أو بشكل ضمني على خلافة علي بن أبي طالب؟. علما أن حديث الغدير ورد بأكثر من خمسة وعشرين طريقا، وبعشرات الأحاديث. أي لا سبيل لإنكاره..! هذا بالاضافة الى الآيه القرآنيه التي يستدل بها الشيعه على الإمامه السياسية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) حيث يجعلون ثقل الرساله قبال تبليغ الخلافه وقد تجد دلائل من نفس الآيه على هذا الادعاء من حيث إن الآية نزلت في آواخر التبليغ وإن هذا الأمر كان على جانب من الأهمية ليكون عدلا للرساله..!

والسؤال ثانية: كيف نفهم حديث الغدير في ظل ما طرحته من فهم عن الخلافة؟

ج135: ماجد الغرباوي: الأخ الأساذ الكريم جابر علي مرهون، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته شكرا لأسئلتك المحرّضة على النقد والمراجعة في قضايا طالما أرّقت الوعي، من أجل رؤية مغايرة لفهم مفردات بعض العقائد السائدة، وهو فهم تراثي، أملته رؤى أيديولوجية وسياسية. كما أشكر ثناءك وتنويهك، اتمنى مواصلة الحوار، وتحري الأسئلة الإشكالية بالفكر الديني، وهذا أحدها، الذي أثار علامات استفهام حول مدى شرعية خلافة الخلفاء، ومن ثم دلالات حديث الغدير، والإمامة، بشقيها السياسي والديني. وبما أن السؤال متشعب نسعى التدرج في الإجابة. وبما أنه مستوحى من موضوع الخلافة، ودور المفهوم في خلق حقيقتها وشرعيتها، فلا بد من الإشارة إلى فقرتين من الحلقة (59) التي أشار لها السؤال، والتي كانت بعنوان: (النص ومراوغات مفهوم الخليفة)، لنضع القارئ الكريم في سياقها، ليمكنه متابعة البحث:

- (ثمة مسافة تكتظ بتزوير الحقائق بين الخطاب الرسمي والواقع. والبون بينهما شاسع، ينبغي استعادته ونقده. فرغم مبايعة المسلمين للخلفاء الراشدين، غير أنها بيعة مخادعة حينما فرضت مرشحا واحدا، شأنها شأن الأنظمة الشمولية المستبدة بالسلطة فتقصي خصومها وهي تمارس العملية الديمقراطية أو البيعة عند المسلمين. فالبيعة مع الإقصاء لا تستوفي شرعية الخليفة. والأنصار قد رشحوا للخلافة وأقصتهم رواية الخلفاء من قريش، ولباقة عمر بن الخطاب حينما أدار لعبة السياسة وفق منطق براغماتي، حيث وصف أبا بكر بخليفة رسول الله، وقال لا أخالف خليفة رسول الله في اليوم مرتين، فأوحى للسامع، أن خلافته أمر مفروغ عنه مسبقا، سواء قصد ذلك، أم اقتضاها منطق الصراع حول السلطة. فالحقيقة لم ينافس أبا بكر أحدٌ، رغم وجود منافس معترف به هو سعد بن عبادة، إضافة لعلي بن أبي طالب حينما سمع بالبيعة).

- (خلاصة ما تقدم أن المفهوم بذاته كان وراء حقيقته، وفرض سلطته، ومحدداته، ولا يوجد خارج المفهوم ما يؤكد حقيقته. بل وحفّز على تأويل النصوص لصالحه. فالمفهوم يكرّس السلطة، ويتحكم بدائرتها. فيكفي أنك تشير أن هذا الرجل خليفة، لتتعامل معه بذات صلاحيات الأصل. فالمفهوم هو الذي خلق حقيقته عندما أُطلق على الخليفة الأول. لكنه سكت عن شرعيته!!!. فراح يمرر سلطات الأصيل بكامل شرعيتها. فنحن نسعى إلى اكتشاف ذات المسكوت عنه في مفهوم "خليفة" ومصطلح "خليفة رسول الله"، وطريقة أدائه ومكره ومراوغاته، لنعيد من خلال اللامفكر فيه وعينا للتاريخ والأحداث. عبر السؤال عن شرعية الخلافة بنص صريح واضح كي يصدق أنهم خلفاء لرسول الله. وبكلمة أوضح لو أُطلق على أبي بكر مصطلح سياسي آخر، لتبادرت إلى ذهن السامع دلالات الوضع اللغوي، أي الزعامة القبلية والسياسية. كما لو قيل: الزعيم أبو بكر بن قحافة. فحينئذٍ لا يتبادر من مفهوم الزعيم سوى دلالات قبَلية، مجردة عن عن أية دلالة دينية. غير أن مفهوم "خليفة" لعب لعبته التاريخية، فهو غني بدلالاته، ورمزيته، وإحالاته، على صاحب الحق والسلطات الذي هو خليفته، أي النبي. وهو المتبادر عند السامع حداً لا يسأل عن مدى شرعيته. وبالتالي فالمفهوم كان وراء شرعية سلطة الخليفة).

وأما الفقرة التي حرّضت على السؤال في ضوء حديث الغدير وموضوع الخلافة وفقا للنظرية الشيعية، فهي:

- (محمد نبي وليس ملكاً فيخلف أحدا في ملكه. وصلاحياته صلاحيات ربانية ونبوية. وسلطاته سلطات سماوية محصورة به، لا يجعلها لغيره إلا بنص صريح واضح، كما بالنسبة لموسى وهارون، وهذا غير موجود إطلاقا. فمصدر هذه السلطة هو الله وقد جعلها للأنبياء خاصة. فعن أي خليفة رسول الله وصلاحياته يتحدثون؟ وكيف أسدلوا بهذا المصطلح الستار على حجم الدماء التي سفكت بسببهم وبقدسية مفهوم الخليفة ومراوغاته. نحن بحاجة لوعي يمزق شرانق القداسة ويفضح سلطوية الخلفاء، واستبدادهم السياسي، فلم يكن تاريخ المسلمين تاريخا مثاليا أبدا، ولم تكن السلطة دينية مطلقا، إنما هي لعبة السياسة، تنافس عليها الفرقاء. فلهم تاريخهم ولنا تاريخنا. فكيف يكون عصر الخلفاء راشدا ومقياسا لمثالية السلطة وشرعيتها مع كل هذه المؤاخذات؟).

إن التعميم الوارد في الفقرة الأخيرة، هو الذي فرض السؤال الاحتجاجي، باعتبار أن حديث الغدير نصا تأسيسا للإمامة، بأية مفهوم كان. ومصدرا لشرعيتها. فإذا كانت الشورى مصدرا لخلافة الخلفاء وفقا للنظرية السنية فإن النص هو مصدر شرعية الإمامة وفقا للنظرية الشيعية. فكيف يمكن المواءمة بين الحديث وما جاء في الفقرة أعلاه؟ وهو سؤال مشروع. يستدعي تحري أبعاده وتاريخيته، لنقف على مدى انسجامها أو عدم انسجامه مع مفهوم الخلافة الذي تبنينا طرحه في حلقة سابقة، كي نتجاوزه إلى الأبد من خلال منهج نقدي مغاير، لا يكتفي بصحة الصدور، وإنما ندرسه وفق رؤية كلية لدور الدين في الحياة ومركزية الإنسان وفقا لمنطق الخلافة، لأن الاكتفاء بصحة صدور الحديث ينتمي لنظرية العبودية التي تمت مناقشتها ورفضها، واعتماد نظرية الخلافة أي خلافة الإنسان في الحياة، وقد مرَّ تفصيل كل هذا. وبهذا الصدد ينبغي أولا استعراض نماذج من نصوص حديث الغدير:

حديث الغدير

جاء في خطبة الرسول، يوم 18 ذي الحجة سنة 10 هجرية، في منطقة الغدير، بعد عودته من حج بيت الله الحرام: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه).

وقد وقع الخلاف بين الفِرق الإسلامية حول معنى "المولى" ودلالة كلام النبي؟ هل المراد به السلطة والولاية أم أعم من ذلك؟ وهل كلامه نص على ولاية علي بن أبي طالب أم قصد الرسول أمرا آخر أملته ظروف تاريخية في حينه؟ وأسئلة كثيرة سيأتي بيانها.

وقال أيضا: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي / سنتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا). عترتي كما في المصادر الشيعية، وسنتي، وردت في بعض المصادر السنية. والفقرة تشرّع لحجية إما مطلق سنة الرسول وفقا للرأي السني أو خصوص سنة أهل البيت وفقا للرأي الشيعي. فما هو توأم الكتاب الكريم، هل مطلق السنة النبوية أم خصوص ما يرد عن أهل البيت؟. ولا يخفي حجم  الآثار المترتبة على كلا الفقرتين، أما الأولى لو ثبتت، ودلت على خلافة علي حصرا، فإنها تسلب مشروعية خلافة من سبقه من الخلفاء، بل ويحكم بغصبيتها وعدم شرعيتها. وأما الثانية، فإن دائرة حجة السنة ستختلف، بل وتضر بصدقية الثانية. وحينئذٍ كيف تصحح عبادات الناس وأحكام القضاء في حالات الاختلاف؟.

ولكي نحيط بالحديث وظروف صدوره، وما يعضده من أدلة ومواقف، نستدعي الصيغة التفصيلية له من المصادر الشيعية والسنية، لتسليط الضوء على خلفياته التاريخية، وما الذي دعا الرسول لذلك، هل وجود أمر إلهي ونزول آية قرآنية في المقام، كما يؤكد الشيعة، أم سببه حادث تاريخي، كما جاء في الرواية السنية؟

أولا: جاء في كتاب الإرشاد للشيخ المفيد، زعيم الطائفة الشيعية، المتوفي سنة (413 هـ) ج1، ص174:

[.. ولما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله نسكه أشرك عليا عليه السلام في هديه، وقفل إلى المدينة وهو معه والمسلمون، حتى انتهى إلى الموضع المعروف بغدير خم، وليس بموضع إذ ذاك للنزول لعدم الماء فيه والمرعى، فنزل صلى الله عليه وآله في الموضع ونزل المسلمون معه. وكان سبب نزوله في هذا المكان نزول القرآن عليه بنصبه أمير المؤمنين عليه السلام خليفة في الأمة من بعده، وقد كان تقدم الوحي إليه في ذلك من غير توقيت له فأخره لحضور وقت يأمن فيه الاختلاف منهم عليه، وعلم الله سبحانه أنه إن تجاوز غدير خم انفصل عنه كثير من الناس إلى بلادهم وأماكنهم وبواديهم، فأراد الله تعالى أن يجمعهم لسماع النص على أمير المؤمنين عليه السلام تأكيدا للحجة عليهم فيه. فأنزل جلت عظمته عليه: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) يعني في استخلاف علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام والنص بالإمامة عليه (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) فأكد به الفرض عليه بذلك، وخوفه من تأخير الأمر فيه، وضمن له العصمة ومنع الناس منه.

فنزل رسول الله صلى عليه وآله المكان الذي ذكرناه، لما وصفناه من الأمر له بذلك وشرحناه، ونزل المسلمون حوله، وكان يوما قائظا شديد الحر، فأمر عليه السلام بدوحات هناك فقم ما تحتها، وأمر بجمع الرحال في ذلك المكان، ووضع بعضها على بعض، ثم أمر مناديه فنادى في الناس بالصلاة. فاجتمعوا من رحالهم إليه، وإن أكثرهم ليلف رداءه على قدميه من شدة الرمضاء. فلما اجتمعوا صعد عليه وآله السلام على تلك الرحال حتى صار في ذروتها، ودعا أمير المؤمنين عليه السلام فرقى معه حتى قام عن يمينه،

ثم خطب للناس فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ فأبلغ في الموعظة، ونعى إلى الأمة نفسه، فقال عليه وآله السلام: (إني قد دعيت ويوشك أن أجيب، وقد حان مني خفوف من بين أظهركم، وإني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).

ثم نادى بأعلى صوته: (ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟) فقالوا:

اللهم بلى، فقال لهم على النسق، وقد أخذ بضبعي أمير المؤمنين عليه السلام فرفعهما حتى رئي بياض إبطيهما وقال: (فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله).

ثم نزل صلى الله عليه وآله - وكان وقت الظهيرة - فصلى ركعتين، ثم زالت الشمس فأذن مؤذنه لصلاة الفرض فصلى بهم الظهر، وجلس صلى الله عليه وآله في خيمته، وأمر عليا أن يجلس في خيمة له بإزائه، ثم أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجا فوجا فيهنؤوه بالمقام، ويسلموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل الناس ذلك كلهم، ثم أمر أزواجه وجميع نساء المؤمنين معه أن يدخلن عليه، ويسلمن عليه بإمرة المؤمنين ففعلن.

فصل: ثم كان مما أكد له الفضل وتخصصه منه بجليل رتبته، ما تلا حجة الوداع من الأمور المتجددة لرسول الله صلى الله عليه وآله والأحداث التي اتفقت (بقضاء الله وقدره).

وذلك أنه عليه وآله السلام تحقق من دنو أجله ما كان (قدم الذكر) به لأمته، فجعل عليه السلام يقوم مقاما بعد مقام في المسلمين يحذرهم من الفتنة بعده والخلاف عليه، ويؤكد وصاتهم بالتمسك بسنته والاجتماع عليها والوفاق، ويحثهم على الاقتداء بعترته والطاعة لهم والنصرة والحراسة، والاعتصام بهم في الدين، ويزجرهم عن الخلاف والارتداد. فكان فيما ذكره من ذلك عليه وآله السلام ما جاءت به الرواة على اتفاق واجتماع من قوله عليه السلام:

(أيها الناس، إني فرطكم وأنتم واردون علي الحوض، ألا وإني سائلكم عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يلقياني، وسألت ربي ذلك فأعطانيه، ألا وإني قد تركتهما فيكم: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فلا تسبقوهم فتفرقوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم.

أيها الناس، لا ألفينكم بعدي ترجعون كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فتلقوني في كتيبة كمجر السيل الجرار (ألا وإن علي بن أبي طالب أخي) ووصيي، يقاتل بعدي على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله).

فكان عليه وآله السلام يقوم مجلسا بعد مجلس بمثل هذا الكلام ونحوه.] انتهى

ثانيا: ورد في بعض المصادر السنية:

(أن النبي صلى الله عليه وسلم قبْل حجة الوداع أرسل خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمن في قتال انتصر خالد في جهاده، وغنم غنائم، فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك، ويطلب إرسال من يُخمِّس تلك الغنائم، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه لتلك المهمة، ثم أمره أن يدركه في الحج، وقسّم رضي الله عنه تلك الغنائم كما أمر الله: أربعةَ أخماس للمجاهدين، وخُمسًا لله والرسول وذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. فأخذ عليٌّ خُمس ذوي القربى -وهو سيد ذوي القربى- للنبي صلى الله عليه وسلم، فغضب بعض الصحابة كبُريدة بن الحصيب رضي الله عنه، فاشتكى بُريدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقصَّ عليه ما فعل عليٌّ، فلم يَردّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وكرَّر بريدة الشكوى وما حصل من عليٍّ، فلما كانت الثالثة قال: يا رسول الله، عليٌّ فعل كذا وكذا، فقال النبي: «يا بريدة أتبغض عليًّا؟ قال: نعم يا رسول الله، فقال: «لا تفعل فإن له في الخُمس أكثر من ذلك». يقول بريدة رضي الله عنه: فأحببته بعد ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تبغضه). والمهم في هذه القصة الخلفية التاريخية لحديث الغدير، وسبب قول النبي فيه "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، فقد روي:

-  (عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فينا خطيبًا، بماء يدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به». فحَثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي»..). (رواه مسلم في صحيحه (2408)، وأحمد في مسنده (19285)...).

- وعنه أيضًا رضي الله عنه قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خُمٍّ، أمر بدوحات([5]) فقُمِمْن، فقال: «كأني قد دُعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى، وعِتْرتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يَرِدا عليَّ الحوض». ثم قال: «إن الله عز وجل مولاي، وأنا مولى كل مؤمن». ثم أخذ بيد عليٍّ رضي الله عنه فقال: «من كنت مولاه فهذا وليّه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه»..) (ورد في عدد من المصادر كالنسائي والحاكم غيرهما).

 - (إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ). (رواه: مالك في "الموطأ" (3338)...)، إضافة الى عدد من المصادر الاخرى.

ثالثا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا مَا عَاشَ نِصْفَ مَا عَاشَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ). (أخرجه الحاكم في "المستدرك" (6272)..).

صحة الصدور وحجية الخبر

إذاً هناك عدة صيغ ورد فيها حديث الغدير، اتفقت حول الفقرة الأولى في الحديث، وهي التمسك بكتاب الله، وهو القدر المشترك بينها. واختلفوا في الفقرة الثانية. كما ثمة اختلاف حول خلفية الرواية، وأسباب صدور الحديث. أرجعها السنة لواقعة تاريخية، إضطر معها الرسول إلى بيان فضيلة علي ومنزلته. والشيعة يوعزون السبب إلى نزول آية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). فخطبة الرسول حينئذٍ تبليغ لأمر إلهي بولاية علي بن أبي طالب بعد وفاة النبي.

أما بالنسبة لصدور الحديث، فسنبني على صحته، مع كثرة الطرق وتعددها. كما ليس السند حاسما دائما وفقا لما أتبناه حول حجية الخبر: الحديث عندي إما أن يكون قطعي الصدور أو يكون محتملا، مهما كانت نسبة الاحتمال. والثاني مرتهن لقوة حضوره، فيدرس من هذه الزاوية، ومدى تأثيره على الواقع. وليس كحديث الغدير اختلف حول دلالته المسلمون، ولعب دورا خطيرا في انقسامهم. وبالتالي سوف نهمل مناقشة الأسانيد ونبني على صحة صدوره، لوجود توافق عليه رغم اختلافهم حول مضامينه وسبب صدوره.

وأما بالنسبة لدلالته وحجيته، وهي القضية الأساس في هذا البحث؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباوي1خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق4) من أسئلة الأستاذ الباحث فاضل الشمري:

 

جدوى الطقوس

س110: فاضل الشمري: كنا نذهب لزيارة الحسين مشيا حبا، وتجديدا للعهد بمبادئه. واليوم يقصده أغلب الناس لقضاء حوائجهم بدلا من الله تعالى!!.. وبعض يشارك في مسيرة زيارة الأربعين في العشرين من شهر صفر في كل عام لتكون شوكة في عيون الأعداء!!!. وهذا خطأ يشيع ثقافة الدم والسيف، فنادرا من يقصد الزيارة لتعريف الناس بعظمة الحسين. فهذه المسيرة الجماهيرية العارمة - التي استغلها تجار الدين - سطّحت الثورة وافرغتها من محتواها وشجعت الآخرين على استغلالها، وحولت قضية الحسين إلى مجرد دمعة تسقط من عين الزائر من أجل غفران الذنوب. وحتى السياسي الشيعي راح يتستر على سرقاته من خلال زيارته للإمام الحسين. إن المشي لزيارة الحسين في رأيي أشاع ثقافة السيف والدم دون الثقافات الأخرى التي كان يلتزم بها الأئمة الآخرون، وأصبح  الإسراف والتبذير قيمة اجتماعية وليست دينية، لذا يتنافس عليه أصحاب الموكب. شخصيا، لا أرى داعيا لهذا التهويل والاهتمام المبالغ فيه كثيرا في قضية السير مشيا الى حرم سيد الشهداء في موسم زيارة الأربعين السنوية.

والسؤال: ما معنى هذه الزيارة في نظرك؟ وهل تشجعون عليها؟ وما هي أسباب نشوئها، وكيف تطورت؟

ج110: ماجد الغرباوي: ترتبط ظاهرة المسيرات الراجلة لزيارة الأضرحة المقدسة في العراق بشكل عام ومدينة كربلاء بشكل خاص، بعوامل تاريخية وأخرى سياسية ودينية أو مذهبية ونفسية تخص الطائفة الشيعية والظروف التي أحاطت بها طوال مسيرتها السياسية. فالمسير مشيا لم يأت من فراغ تماما، بل له بدايات راحت تكتسب شرعية دينية بشكل تدريجي من خلال وجود روايات عن بعض الأئمة، وتشجيعهم على زيارة الإمام الحسين، غالبا ما يكون الهدف منها تحديا سياسيا وتأكيدا للهوية الشيعية. لكن فيما بعد أصبحت ذات الزيارة هدفا بحد ذاته. أو بالتعبير الفقيه أن تمام الملاك في أداء الزيارة، ترتب أم لم يترتب عليها أثر فعلي.

التشيع بشكل عام بدأ كما هو معروف تاريخيا موقفا سياسيا من الخلافة، ثم تم تسوية الخلافات بين طرفي النزاع، وتصالح الطرفان أبو بكر وعلي، وسارت الأمور بشكل سلس بدون أي معارضة سياسية، باستثناء ما حصل في زمن الخليفة الثالث، وثورة أهل المدينة التي أودت بحياته. لكن الحروب الداخلية في زمان الإمام علي استعادت الخلاف الأول، والتنظير له في ظل اضطهاد أموي مقيت للشيعة وأتباع علي وأهل بيته بشكل خاص كقضية محورية، ثم جاء استشهاد الإمام الحسين بن علي على يدي الجيش الأموي ليتحول إلى قضية كبرى، ثم تحول الى رمز كبير راح يلوذ به الثوار والمضطهدون الشيعة. وبالفعل حصلت انتفاضات وثورات شيعية متعددة بعد استشهاده هو وأهل بيته وأصحابه في عاشوراء، ثأرا للإمام الحسين، رفع جميعها شعار يا لثارات الحسين. فغدا الحسين رمزا ملهما للمعارضة الشيعية، منه يستمد الثوار روح الثورة والتضحية لاستعادة مكانتهم التي تعاقب الخلفاء على إقصائهم. فزيارة قبره في مناسبات محددة يعد تجديدا للعهد والبيعة لمواصلة طريق الحسين. وبما أن المشي على الأقدام كان أحد وسائل تنقل الناس، لهذا صار محببا للزائر باعتباره أشق أنواع المواصلات. وإذا أضيف لها أستحباب زيارة الحسين على رأي الفقه الشيعي، فإن المشي يحقق أكبر عدد من الحسنات. ثم راحت تتطور أساليب الزيارة تبعا لتطور طقوس عاشوراء، ومنها المسيرات الراجلة، التي اختلط فيها الديني بالسياسي بالطائفي. فتعددت أهداف الزائرين بين من يريد تأكيد الهوية الشيعية، وآخر طلبا للثواب، وثالثا تحديا للسلطة، ورابعا غيظا لخصومه من المذاهب الأخرى.

كانت المسيرات محدودة في العراق قبل سقوط نظام صدام حسين، ثم انحسرت وتلاشت تحت مطرقة قوى الأمن التي حرمت الشيعة من أبسط حقوقهم في التعبير عن هويتهم من خلال طقوس عاشوراء، حتى تصدى النظام للمشاة عام 1977م في منطقة خان النص في الطريق بين مدينتي النجف وكربلاء، وطوق المسيرة الراجلة بالدبابات. وأحداثها معروفة لمن عاصر تلك الفترة. وبعد سقوط النظام عاش الشيعة تحديات من نوع آخر كانت وراء تطور المسيرات الشعبية خلال المناسبات الدينية بقصد زيارة أئمة أهل البيت:

 - داعش الذي يفتي بتكفير الشيعة، حتى استباح دمهم خاصة، فشكل خطرا حقيقيا عليهم عندما احتل الأراضي العراقية.

- اضطراب الوضع الأمني والسياسي.

- شعور عميق بالذنب لدى فئات واسعة من الشعب، عندما انخرطوا في حروب صدام وناصروه، فيبغون أقصر الطرق للتكفير عن ذنوبهم. وليس كالطقوس التي تصفها الروايات بمواصفات تسمو على غيرها من الأعمال الصالحة.

- فقدان الأمن والخدمات، وضياع مستقبل البلد.

- الجهل والأمية بسبب حروب الطاغية السفاح التي أهلكت الحرث والنسل.

- رجال الدين وأهدافهم الطائفية والآيدولوجية.

- سذاجة الوعي.

- العقل الجمعي الذي يغذيه الخطاب الديني وحشد الروايات التراثية، والمصالح الشخصية والطائفية.

كل هذه العوامل وغيرها دعت الشيعة للتشبث أكثر بهويتهم المذهبية والطائفية، فوجدوا في المسيرات الراجلة أسلوبا متجددا لتأكيدهما، واستعراض للقوة، يستبطن التحدي الطائفي، ويتعالى على الآخر، الخصم السياسي والمذهبي العتيد.

نعود للسؤال: بلا شك خرجت المسيرات عن حدودها الطبيعية للتحول إلى عبء سياسي وأمني واقتصادي، تسبب في شل حركة الدولة والمجتمع عددا من الأيام في كل موسم ومناسبة، وربما ستتطور أكثر وتستغرق أسابيع إذا تمادى العقل الطائفي في تطوير طقوسها، مع هشاشة الوعي الجمعي وتصاعد الأزمات السياسية. ودخول الإيرانيين على الخط، الذين راحوا يتدفقون بأعداد بلغت مليونين أو يزيد.

لكن كيف يمكن معالجة هذه الحالة مع وجود رجل دين يجد فيها مصالحه الشخصية والطائفية؟ وكيف يمكن معالجتها ورجل السياسة يضع ثقله فيها من أجل كسب ود الجماهير لصالح انتخابه وانتخاب حزبه. بالتالي هناك من يستغل جموع الشيعة ويسوقهم باتجاه أهدافه ومصالحه.

لا يمكن التخلص من كثير من الطقوس الدينية ما لم يتم تفكيكها من خلال نقدها، ونقد الأسس التي قامت عليها، وبيان مدى شرعيتها، وعدم تقاطعها مع مبادئ الدين الحنيف. بالتزامن مع حملات توعية نوعية تعيد للعقل الجمعي وعيه، كي يكف عن الانسياق اللامعقول وراء طقوس لا يعي حقيقتها ومدى شرعيتها. ودليلي على هذا تناسل الطقوس الحسينية بشكل غريب، حتى أصبحت دينا لا يمكن نقدها أو التحرش بها.

ليس هناك ما يبرر هذا السلوك شرعا، ولا تدخل ممارسة الطقوس بما فيها المسيرات الراجلة تحت أي عنوان عام يشمله العمل الصالح.  

أي عمل صالح في أن تترك عملك وتؤثر سلبا على حركة الحياة العامة، بما فيها الدوائر الحكومية من أجل زيارة الحسين؟

ومن المسؤول عن الإسراف الهائل في أموال المسلمين لتهيئة ولائم وموائد على طول الطرقات الممتدة إلى كربلاء؟

ولماذا لا تستغل تلك الأموال لتحقيق أهداف الإمام الحسين الذي أعلن صريحا خلال ثورته أنه خرج لطلب الإصلاح.

 فأيهما أنفع ويحقق الهدف الحسيني في الإصلاح الاسراف اللامعقول بل والتبذير المحرم أم بناء مدارس ومستشفيات ودور سكنية وملاجئ للمسلمين عامة والشيعة خاصة؟ هل يرضى الحسين أن يشاهد فقراء الناس وقد سلخ الحر والبرد جلودهم بينما تهدر الأموال على طقوس وممارسات تفتقر للشرعية الدينية.

وأما عن التجارة مع الإمام الحسين من أجل قضاء حوائج الزائرين فهي ثقافة دأب رجال الدين على تعميقها حتى تحولت الى عقدية راسخة. فلا تلم الناس البسطاء في هذا المجال، فهم لا يدركون حقائق الأمور ولم يقرأ قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ). وقد ثقفهم خطاب المنبر الحسين على استلهام الروايات بعيدا عن الكتاب ما لم تنسج تأويلات الآيات مع اتجاهاتهم الطائفية. أما عن حقيقة هذا الأمر ومدى صدقيته فقد فصلت الكلام فيه في كتاب مدارات عقائدية ساخنة.

 

س111: فاضل الشمري: ألا تعتقد ان المشي لزيارة الحسين يساهم في تعميق ثقافة العنف والسيف والدم والكراهية والحقد على الآخرين؟

ج111: ماجد الغرباوي: لا شك أن هذه المسيرات تتغذى على مشاعر الناس، فتؤلب ضد الآخر، ذلك العدو المفترض الذي لا يكف الطائفيون عن افتراضه لتبرير أحقادهم وحنقهم، كي تعيش حالة من التوثب يستغلها رجل الدين لتحقيق أهدافه ومصالحه. وتمنحه ثقة ولو كاذبة بأنه على حق والآخر على باطل، فيستوحي من هذا الحق مختلف الحقوق، كحق السلطة دون غيره، صحة مذهبه وعباداته، دون المذاهب الأخرى، وهكذا الى جميع مفاصل الحياة والنشاطات الدينية وغير الدينية، فتتسع الهوة بدلا من الأخوة الدينية، وتترسخ بفتاوى الفقهاء، ممن لا يخشون الله تعالى واليوم الآخر.

لا أفهم ما هو الداعي لكل هذه الطقوس والمسيرات، هل لإحياء أهداف الثورة؟ فلماذا لا يصلحون دينهم ودنياهم ويطورون حياتهم أسوة بالشعوب المتحضرة بدلا من هذا الهيجان اللامعقول؟

أم يريديون الثأر والانتقام من قتلة الحسين؟ وأين هم قتلة الحسين؟ ألم يُقتلوا وقد انتهى الأمر. وتلك أمة خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، فلماذا يفترضون عدوا وهميا لتبرير سلوكهم؟

هنا مكمن الخطر النفسي والسياسي الذي يقوض الأمن والسلم المجتمعي، من خلال منطق لا ديني ولا أخلاقي محرض.

ثم المسيرات بهذه الطريق تستغل من قبل أعداء البلد، فتحرض ضد الحكومة، وعمق شكوك الناس بها. كما أن التحركات العشوائية تقوض النظام والقانون، سواء على صعيد الأمن أم على صعيد النقل، وحركة الناس في الطرقات العامة.

 

س112: فاضل الشمري: إن هذه المسيرة الجماهيرية العارمة التي استغلها تجار الدين أدت الى تسطيح الثورة وافراغها من محتواها، فهل يمكن أن تلعب دورا إيجابيا بعد كل ما تعرضت له من تشويه وتحريف؟

ج112: ماجد الغرباوي: لعبت ثورة الإمام الحسينية دورا إيجابيا في القرون الثلاثة الأولى، فكان الحسين كما تقدم رمزا للثوار في ثوراتهم وانتفاضاتهم ضد الخلفاء الأمويين. وكان الولاء للحسين مسؤولية دينية وأخلاقية، وكان الشيعة يتحركون على هذا الأساس.

لا أنفي الهدف السياسي آنذاك، لكنه اندك بالهدف الديني، أو أن الهدف الديني اكتسب طابعا سياسيا. وبالتالي أصبح الموقف السياسي موقفا دينيا، وأصبح منطلق الثوار منطلقا دينيا – سياسيا. فلم تكن هناك طقوس ومسيرات، بل حركة ثورية دؤوبة ضد الظلمة وضد تسلط الحكام الطغاة، انتقاضات من أجل تصحيح مسارات السياسة وعودة الحكم للقيادة الصالحة المخلصة لله ولمبادئ الدين الحنيف.

 غير أن وقود الثورة راح يتراجع بعد القرن الثالث لتأخذ ثورة الإمام الحسين طابعا طقوسيا، وتحولت بفضل العلاقة والوضّاعين من رواة الحديث الى ممارسة عبادية، يرجو من ورائها الشيعي حصول الثواب والشفاعة، فانسلخت الثورة الحسينية بالتدريج عن طابعها الثورى إلا في فترات محدودة. وصارت الزيارة تكسب الزائر حشدا من الحسنات، وصار البكاء والتباكي على الحسين يسقط الذنوب مهما بلغت، وإلى آخر القائمة، حتى توارى البعد الثوري على مرور الأيام، ولم يبق من الحسين سوى طقوس استعار لها رجل الدين طابعا شرعيا يغري الشيعة ويدفعها باتجاه ممارستها طمعا بالثواب. فالمسيرات الراجلة حسب الفرض هي إعلان البيعة لمبادئ الإمام الحسين والاستعداد لنصرتها والدفاع عنها، غير أنها أنتهت إلى مسيرات طقوسية، هدفها زيارة الإمام الحسين لأجل الثواب وضمان شفاعته.

المسيرات التي كانت تحدٍ لنظام الطاغية السفاح صدام حسين وحزبه، ما عاد لها مبرر اليوم في ظل حكم يتربع الشيعة على عرشه بنسبة عالية. بل لم تخلق المسيرات الطقوس الحسينية روح التضحية والمبادرة من أجل الدفاع عن البلد لولا فتوى المرجعية. والملاحظ جليا لا توجد أي مشاركة لأرباب الطقوس أو ما يعرف بـ"الشيرازية" ممن يصير على ممارسة الطقوس بكل سلبياتها. بل الأنكى أن يتحول الحسين الى مجرد دموع تسكب في لحظة حزن فتتساقط ذنوب الباكي بالمجان، بلا أي عمل صالح. فمن أين يأتي الصلاح ونفقات المسيرات الحسينية هائلة، يرفض رجال الدين توجيه وعي الناس الى البناء والاصلاح بدلا من هدر الطاقات مشيا من أجل زيارة الإمام الحسين.

ثم لماذا لا تؤثر زيارة الإمام الحسين بالزائرين، ولم تكسبهم تقوى ومنعة ضد الباطل؟ فقد بلغ عدد الزائرين يوم الأربعين، كما قالوا: 16 مليون زائر أو يزيد، فلماذا لا تختفي أعمال القتل والسرقات، والفساد المالي والإداري في المدن الشيعية وهي الغالبية في العراق؟

المشكلة أن رجل الدين يكرّس هذه الظاهرة بدلا من توعية الناس بماهية الأعمال الصالحة التي يحث عليها الدين الحنيف.

وأخيرا أقول: لقد ضمن الحسين مشاعركم بالبكاء والعويل واللطم والتطبير، والآن يرجو اختبار صدق موالاتكم ومبدئيتكم فلا تخيبوا ظنه إن كنتم صادقين.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi14خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق3) من أسئلة الأستاذ الباحث فاضل الشمري: 

 

العصمة وتأسيس المفهوم

س108: فاضل الشمري: استوقفني قولك أن أول من نظّر لعصمة أئمة أهل البيت هو هشام بن الحكم من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم. هل تعني أن مفهوم العصمة لم يكن شائعا ومعروفا في الوسط الشيعي؟ أو بعبارة أخرى: هل أن صحابة الأئمة ما كانوا يعتقدون بعصمة الأئمة؟ وما هو دليلك على ما تقول والعصمة الآن تعتبر أهم ركيزة في الفكر الشيعي؟

ج108: ماجد الغرباوي: بداية أقول: إن الاعتقاد بشيء لا يدل على حقيقته ومطابقته للواقع ونفس الأمر. العقائد تبدأ بسيطة، ثم تنمو وتتطور شأنها شأن اي كائن، وقد تموت وتندثر. كما أن الاعتقاد لا ينفي دور الوهم ومختلف الدوافع في تكوين العقيدة، فكم من عقيدة لا رصيد لها من الحقيقة سوى أوهام ورغبات تختلف في دوافعها. وعليه مهما كان عدد من يعتقدون بعصمة الأئمة لا يدل على عصمتهم حقيقة وبالضرورة، ما لم يدل على ذلك دليل قرآني صريح، يمكن من خلاله رفع اليد عن الامتناع العقلي، باعتبارها أمرا خارقا، لا يحتمل وقوعه خارجا، وحينئذٍ سنعزو الأمر لإرادة إلهية وفق قانون خاص لا نعرفه. خاصة أن هذا المفهوم تطور تدريجيا حتى راحت العصمة ترقى بالمعصوم إلى مصاف الخالقية. وهذا مكمن الخطر، فصار للعصمة لوازم خارقة. والمعصوم بات يعلم الغيب، يفهم لغة الطير، له ولاية تكوينية، بيده حساب الخلق، يستجيب الدعاء، يسمع الكلام، علمه حضوري، وقدرات أخرى هائلة، تضعه بمصاف الخالق. فليست الخالقية سوى إرادة مطلقة، هي ذات إرادة المهدي وفقا لمفهوم العصمة الأسطورية. وقد تداركوا الأمر بربط إرادته بإرادة الله. وقالوا أنه يفعل كل ذلك بإذن من الله تعالى. وهذا لا دليل عليه قرآنيا، بل حصر الكتاب الكريم المعجزات بالله حينما قالت الآية: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ). ولا يوجد إذن قرآني صريح بالمعجزات إلا لعيسى، حيث يقول: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ). وقد بينت دلالات الآية كما مرَّ في محله، وبينت أن الفعل النهائي لله وليس لعيسى. وبالتالي يمكننا وفقا للآيتين المتقدمتين تكذيب كل دعوى خارقة تنسب لأي إنسان باسثناء ما ورد صريحا في القرآن، شريطة أن لا تكون دلالات الآية مجازية.

 بمعنى مكثف أن العصمة تفضي الى أسطرة الإمام، أو ما اسميه بـ"العصمة الأسطورية". ولا دليل قرآني صريحا لهم سوى روايات وتأويلات، تتهاوى بسهولة تحت مطرقة النقد لولا سجون الأيديولوجيا والعوامل النفسية. فليست عصمته مجرد عصمة سلوكية تتقوم بالتقوى والإرادة البشرية، بل عصمة مصممة سماويا على مقاساتهم، وفق لوعي مغالٍ، متطرف بفعل رثاثة الوعي وردود فعل أخفاقات المشروع السياسي الشيعي. تلك العقدة التي استدرجت الشيعة إلى متاهات الغلو والأسطرة واللامعقول. وبدلا من الاعتراف بالخطأ راحت الأقلام تضخ ثقافة، تمهّد لترويض الوعي، وتكبيل العقل النقدي.

الشيعة بشكل عام يتفقون على الحد الأدنى من العصمة، رغم تفاوت إيمانهم بلوازمها الأخرى. فالعصمة تعني عندهم: أن الإمام منزّه عن الخطأ والنسيان، فضلا عن أرتكاب المعاصي وترك الواجبات، ولا يصدر منه سوى الصحيح من الأفعال والأقوال، وعلمه علم حضوري لا مكتسب كغيره من البشر، ومتى شاء يعلم.. عَلِمَ. وحديثه حديث رسول الله في حجيته وتخصيصه وتقييده لآيات الكتاب!!. وهو معنى متأخر لمفهوم العصمة، تبلور فيما بعد. ولا أثر لهذا المفهوم، في عصرالرسول وما بعده، بل هناك أدلة قرآنية صريحة تنفي عصمة الأنبياء فكيف بغيرهم. إضافة إلى سلوك النبي والإمام علي الدال على عدم وجود عصمة مطلقة، فالنبي الكريم اتخذ دليلا عندما غادر مكة متوجها للمدينة، فكيف ينسجم قراره مع عصمته الأسطورية وكونه يعلم الغيب؟. وترك الأمر لأهل الخبرة في تحديد موقع معركة بدر، وغير ذلك مما يؤكد بشريته خلال سيرة حياته: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِد). ومقتضى المثلية التماثل في كل شيء. وعند الشك فالأصل عدم عصمة أحد. فكيف بدعوى العصمة الأسطورية؟. وهذا الإمام علي يرفع صوته دائما: (فلا تكفوا عني مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ). بل عدم انحياز الناس له عندما تصدى للخلافة سوى عدد قليل من الصحابة أدل دليل على ما نقول. بل نقرأ في الروايات كيف يجادله أبنه الحسن وابن عباس، وهم أقرب الناس له. وهكذا كان المعترضون على الحسن بن علي هم أقرب أصحابه، ومن نهى الحسين عن المسير إلى كربلاء هم أقرب الناس له. ولا أطيل ويكفي أن العصمة كأمر خارق للعادة ممتنع عقلا حسب طبيعة الإنسان وتكوينه، ولا يمكننا رفع اليد عن هذا القانون العقلي إلا بدليل قرآني صريح، وهو مفقود بالضرورة.

العصمة نظّر لها هشام بن الحكم، كما مرَّ تفصيله، ثم راحت تتطور وتأخذ أبعادا مختلفة، حتى غدت عقيدة ثابتة، لا يمكن التخلي عنها بعدما ارتبطت بها مسألة توثيق روايات المذهب الفقهي الشيعي، وباث من المتعذر تصحيح رواياتهم إلا بعقيدة العصمة، أو يغدو جميعها مرسلا أو منقطعا، لا قيمة له علميا. وأما قبل هذا التاريخ فكان الأئمة في نظر أصحابهم علماء أبرار، وعلماء آل محمد، وشيوخ آل محمد. ترجع الناس لهم في العلم والفتوى باعتبارهم الأعلم والأتقى، وأيضا باعتبارهم معارض سياسية، يلجأ لهم المضطهدون والساخطون على الأنظمة الحاكمة، والطامحون بنظام سياسي عادل. وكانوا يبينون أدلتهم وقواعدهم الأصولية في استنباط الأحكام الشرعية، كما في روايات الاستصحاب، وروايات الوضوء، ومجادلات أصحاب الأئمة كزرارة بن أعين، كلها تدل الطبيعة البشرية، مجردة من أي خوارق سوى العلم والتقوى. وقد مرّ الحديث عن الموضوع مفصلا.

ويمكن مراجعة بعض المصادر المهمة في تفصيلاتها وأدلتها لمعرفة حقائق الأمور فليس من المعقول استمرار الخطأ، منها:

- رسالة بعنوان: "حقائق الإيمان"، للشهيد الثاني، زين الدين بن علي (911 – 965 هـ)، وهو عالم شيعي شهير، يقول: (حيث يظهر من شيعتهم "الأئمة" في أحاديثهم عليهم السلام، فإن كثيرا منهم ما كانوا يعتقدون عصمتهم لخفائها عليهم، بل كانوا يعتقدون أنهم علماء أبرار، يعرف ذلك من تتبع سيرهم وأحاديثهم).

- كتاب: "تطور المباني الفكرية للتشيع في القرون الثلاثة الأولى"، للدكتور حسين المدرسي الطباطبائي.

- كتاب: "القراءة المنسية، إعادة قراءة نظرية الأئمة الاثنا عشر علماء أبرار"، للدكتور محسن كديور.

- كتاب" "مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني" حوار طارق الكناني مع ماجد الغرباوي.

المهدي وكتب الحديث

س109: فاضل الشمري: لماذا لم يُنقّح الإمام المهدي كتاب الكافي للشيخ الكليني خلال غيبته الصغرى؟. ولماذا لم ينقّح الكتب الأربعة في غيبته الكبرى ولم نسمع عنه ما يؤكد صحة مضامينها؟.  

ج109: ماجد الغرباوي: السؤال يثير إشكالا مهما ويرسم علامات استفهام متتالية. بلا شك أن الشيخ محمد بن يعقوب الكليني صاحب كتاب الكافي (الأصول والفروع والروضة بـ 8 أجزاء)، كان حيا طوال فترة الغيبة الصغرى، التي امتدت من 260 هـ - 329 هـ، وتوفي في نهايتها، سنة 329 هـ. فعاصر السفراء الأربعة وعددا من رواة حديث الشيعة من أصحاب الإمامين العسكري والهادي، وبالتالي فهو عاصر الإمام المهدي في غيبته الأولى. والكافي أهم كتاب شيعي على مستوى العقيدة وأحد الكتب المعتمدة في استنباط الأحكام الشرعية. حيث جمع الشيخ الكليني أحاديث أئمة أهل البيت التي كانت موزّعة على الأصول الأربعمئة، بعد تنقيحها وضبطها، فاستغرق عمله على الكتاب 20 عاما، كما ذكر في مقدمته.

الإمام المهدي حسب الفرض كان يتصل بنوابه أو سفرائه الأربعة، يُجيب على أسئلتهم واستفساراتهم، ويتقاضى حقوقهم المالية الشرعية. فالمفروض بحكم وظيفته كإمام متابعة الشأن الديني، خاصة في المجالين الفقهي والحديثي، فكيف يتجاهل كتاب الكافي، سيما أن  المؤلف شخصية علمية معروفة؟.

هناك من ادعي أن الإمام قد اطلع على الكتاب وأمضاه، وهو قول المجلسي صاحب كتاب موسوعة البحار. حتى نسبت بعض الأوساط العلمية الشيعية قولا للإمام: (الكافي كافي شيعتنا). لكن لا يمكن تصديق ما نسب للإمام، لأنه يتنافي مع كونه معصوما (وفقا للنظرية الشيعية)، ويتنافى مع كونه خبيرا بالروايات، ومطلّعا على الأحكام الواقعية، فكيف يمضي جميع ما في الكافي ويقول "الكافي كافي شيعتنا"؟.

كتاب الكافي كغيره من كتب الروايات يشتمل على روايات ضعيفة وأخرى متناقضة، بل أن بعضها غلو صريح، يخالف كتاب الله، و(ما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار)، كما جاء في الخبر. وما يؤكد ضعف جملة من رواياته أن الشيخ محمد باقر البهبودي قد ألف كتابا بعنوان: "الصحيح من الكافي"، تجاهل عددا كبيرا من الروايات المذكورة لضعفها، ولم يصح عنده وفقا لمبانيه في الجرح والتعديل، وهو الخبير المشهود له في علم الحديث والرجال، إلا (4428) رواية وردت في كتاب الكافي من أصل (16194) هي مجموع روايات الكتاب!!. وقد أرعب بكتابه الحوزة العلمية في قم، وزعزع مصداقيتها، حيث حاولوا تغيير عنوان كتابه من: "صحيح الكافي"، إلى "زبدة الكافي"، لتفادي صدمة القارئ، ويعطي معنى الانتقاء، وليس الطعن بالكتاب، كما يفهم ذلك من عنوانه. بل طلب منه آية الله الشيخ حسين علي منتظري، وكان في حينه نائبا للإمام الخميني قبل أن ينقلب ضده، بسحب جميع نسخ الكتاب من الأسواق!! (انظر: ويكيبيديا) كما هو مثبت في بعض المصادر نقلا عن الشيخ جعفر السبحاني في حوار مع صحيفة كيهان. فكتاب الكافي يشكو ضعف مجموعة كبيرة من رواياته متنا وسندا، إضافة لفجيعة الغلو في مجال العقيدة، وصفات الأئمة.

وبالتالي أليس المفروض بالإمام أن يرفع التناقض الموجود في كتاب الكافي؟ أليس المفروض أن يختار الصحيح منها والموافق لمذهبه؟ أليس من واجبه بيان الأحكام الشرعية بشكل صحيح وواضح؟. ثم كيف يترك الشيعة يتخبطون ومهمة الإمام حسب الفرض هداية الناس وبيان الأحكام.

كان بإمكانه التواصل مع الشيخ محمد بن يعقوب الكليني مباشرة أو بالواسطة إذا كان يخشى السلطة كما يقولون، فلماذا لا يفعل؟ وإذا قيل أنه اطلع وأمضى كل رواياته، فهذا يتنافى مع مهمته الدينية. كيف يكرّس الخرافات والأكاذيب وينسب لأبائه ما لم يقولوا؟ أم أنهم قالوا والناس تعتقد أنهم لم يقولوا؟؟!!. وكيف يمضي الروايات الضعيفة والمتناقضة؟ أم أنه يعتقد بصحتها رغم ضعفها؟؟!!. هو إمام على درجة رفيعة من العقل والتقوى والشعور بالمسؤولية حسب الفرض وفقا لنظرية الإمامة، فكيف يتصرّف بهذه الطريقة، ويضع الشيعة في حرج؟. بل هناك ما هو أدهى أن الكافي يروي روايات صحيحة أن الأئمة (13) إماما، وليس (12) إماما!!!، وهذا يمس العقيدة الشيعية بالصميم، فتجاهل علماء الشيعة ذلك واصروا على روايات (12) إماما توافقا مع حديث الرسول: الأمراء أو الخلفاء من بعدي (12)، كلهم من قريش، كما يذهب السنة، وكلهم من أهل البيت كما يرى الشيعة.

ثم أن الغالبية العظمى من فقهاء الشيعة لا يقولون بصحة كل ما جاء في كتاب الكافي، بل ويتعاملون مع رواياته وفقا لقواعد الجرح والتعديل، أسوة بأية رواية مروية في كتاب آخر، فكيف يخالفون إمامهم المهدي المنتظر، إذا صح أنه قد اطلع على الكتاب وأمضى رواياته؟ أليس هو إمام معصوم لا يصدر عنه الخطأ؟.

إن هذا السؤال يزعزع الثقة بأصل وجود الإمام. أو لا أقل يشكك في مصداقيته. فكيف يتخلى عن مسؤوليته الشرعية. بل ولا يعقل أن يهبط، وهو على مستوى رفيع من العقل، لمستوى ما في الكافي من روايات تتناقض مع الصحيح من روايات الإئمة، خاصة في باب الأصول بل تناقض آيات الكتاب الحكيم والعقل السليم.

إذا كان هذا هو موقفه من كتاب الكافي وهو معاصر له فما بالك بباقي الكتب الحديثية المعتمدة لدى الشيعة: (كتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق، وكتابا التهذيب والاستبصار للشيخ الطوسي)، وهي الأصول الحديثية المعروفة لدى الشيعة وعليها مدار الأحكام الشرعية بالنسبة للمجتهد والفقيه الى يومنا هذا؟.

بعض الروايات تفضي لضلال الناس، فكيف يسكت عنها وهو إمام معصوم كما يعتقد الشيعة بذلك؟.

ثم إذا أخذنا بنظر الاعتبار فترات الاسترخاء والأمن التي تلت عصر الغيبة الصغرى سيكون سؤالك أكثر شرعية. وبالتالي فسؤالك وجيه واستفزازي يثير مكامن الوعي، لمن كان له عقل وهو رشيد. ونحن بحاجة ماسة لكل سؤال استفزازي يقوم مسار العقائد التي تمادت كثيرا، وخرجت عن حدود العقل والشرع.

بل أضيف: إن اختلافهم في أية قضية دينية (فقهية أو عقيدية)، يؤكد شرعية سؤالك ويعمّق الإشكال.

لهذا عندما تحير علماء الشيعة بسبب طول غيبته وعدم تأثيره بالواقع راح بعضهم ينسب له دورا وجوديا للتخلص من هذا مرارة الإشكال!!!، باعتبار أن الإمام – كما قالوا- يقع ضمن علل الوجود، أو واسطة في الفيض. وهذا الرأي تتبناه حاليا مدرسة قم الإيرانية. وقد امتدت متبنياتها العقيدية للعراق ولبنان ومناطق أخرى. وهي أفكار ضاربة في تراث الغلو الشيعي بل ولها جذر في الفلسفة اليونانية (نظرية العقول العشرة)، لكنها تطورت على يد الشيخ جوادي آملي، وسوّق أفكارها السيد كمال الحيدري في كتبه ومحاضراته المرئية والمكتوبة، قبل صحوته. ففي رواية إذا مات الإمام ساخت الأرض بأهلها!!!!. ولك أن تتصور ماذا فعلت فكرة المهدي بهذا المذهب!!. يتكلمون بأشياء بمعزل عن منطق القرآن والعقل، وإلا كيف يقولون على الله ما لا يعلمون؟. متى خوّل الله الكون لأحد؟ ومتى صرّح بذلك؟ إنما هي رغباتهم الأيديولوجية تفرض عليهم ما يعزز بنيتها. يقول تعالى: (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون).

(أتمنى الاطلاع على كتاب: مدارات عقائدية ساخنة) آنف الذكر، ستقرأ بحوثا تفصيلا حول مسألة المهدي، ومدى صمودها أمام النقد.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi13خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق2) من أسئلة الأستاذ الباحث فاضل الشمري: 

 

رِدة الفكر الحركي

س106: فاضل الشمري: كيف تفسّر التحول الفكري لدى كبار المفكرين الإسلاميين السياسيين كراشد الغنوشي وغيره، من الأيديولوجية الإسلامية إلى الاعتراف بالعلمانية وفصل الدين عن السياسة:

- هل بسبب فشل الحركات الإسلامية في قيادة المجتمع؟.

- أو لأنهم اكتشفوا مؤخرا عدم وجود نظام حكم في الإسلام. والأمر متروك للناس، ليختاروا ما يوافقهم سواء شورى أو ديمقراطية أو أي نظام يحقق مصالحهم؟

- أم شيء آخر لاهذا ولا ذاك؟.

ج106: ماجد الغرباوي: المراجعة المستمرة من قبل بعض قيادات ومثقفي الحركات الإسلامية انتهى بهم إلى قبول العلمانية بصيغتها الإيجابية. وفصل الدين عن السياسية، مع احترام الأديان جميعا. كما ينبغي التنبيه هناك بين الإسلاميين من لا يؤمن بأهداف الحركات الإسلامية من الأساس رغم انخراطه بالعمل التنظيمي، ويعتبر الحزب الإسلامي أسلوبا متطورا لتنظيم عمل الدعوة الى الله، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

كان الدافع وراء المراجعة والنقد أمرين:

 الأول: قصور الأدلة الشرعية التي اعتمدتها الحركات الإسلامية لشرعنة أهدافها السياسية، وقصور الأسس التي قامت عليها. كأدلة الحاكمية الإلهية لأبي الأعلى المودودي، التي أعاد بناءها سيد قطب.

وثانيا، السلوك المتطرف لبعض الحركات الإسلامية عندما أقدمت على تكفير الناس. استباحت دماءهم، وارتكبت بحقهم مجازر بشعة، والاعتداء على مؤسسات الدولة، كما حصل في بداية ثمانينات القرن المنصرم في مصر وسوريا وتونس بل وحتى العراق. بل والأخطر تكفير المسلمين وفقا لرأي سيد قطب الذي اعتبر الناس جميعا جاهلية جديدة اسماها اخوه محمد قطب جاهلية القرن العشرين، فالناس جميعا محكوم عليهم بالكفر وفقا لهذه النظرية. يقول يوسف القرضاوي، كما ذكرت مفصلا كلامه في كتاب تحديات العنف: (لكن الاخطر ما تحتويه التوجهات الجديدة في هذه المرحلة لسيد قطب، هو ركونه إلى فكرة "التكفير" والتوسع فيه، بحيث يفهم قارئه من ظاهر كلامه في مواضع كثيرة ومتفرقة من "الظلال" ومما أفرغه في كتابه "معالم في الطريق" أن المجتمعات كلها قد أصبحت "جاهلية"...).

 إضافة الى إخفاقات الحركات الإسلامية التي لم تحقق سوى مزيدا من القتلى والسجناء والمشردين بين صفوفها، فخلت الساحة للأحزاب العلمانية.

فهؤلاء يرون أن العمل السلمي كان أكثر جدوى ونفعا، يحفظ كرامة الإسلاميين ويصون دماءهم. لذا بعضهم اقتنع أن الدين علاقة بين العبد وربه، والقرآن لم ينظّر لأي نظام سياسي أو إقتصادي. والبعض الآخر، ذهب ينظّر للعلمانية وفصل الدين عن الدولة عن قناعة تامة، ويؤمن بالتداول السلمي للسلطة والديموقراطية، بل ويمارس السياسة بإطار أخلاقي ديني، فيتسلح بقيم الفضيلة ويمار السياسة بأدواته بعيدا عن الدين. فيستطيع تحقيق أهداف الدين من خلال السلطة دون إقحامه فيها.

أما بالنسبة للإحتمال الثاني في السؤال: نعم رأيي الذي انتهيت له مبكرا جدا قبل أكثر من ربع قرن، بعد دراسة وبحث مستفيض لجميع أدلتهم وغيرها، ومراجعة مستمرة للدين وتفصيلاته وتشريعاته بحكم تخصصي كباحث في الفكر الديني: لا علاقة للدين بالسياسة بل اؤمن بضرورة فصلهما حفاظا على الدين وقيمه الرفيعة. وأبرز الأدلة إهمال القرآن وهو المصدر التشريعي الأول لعصبي الحياة السياسة والإقتصاد، فلم تجد أي ملامح لنظام سياسي أو إقتصادي، بل الإسلام أمضى التبادلات التجارية المعمول بها آنذاك باستثناء المعاملات الربوية. ولم يتعرض القرآن لموضوع السلطة وخلافة النبي. ولم يخاطب الرسول بأية صفة يستدل بها على إرادة المعنى السياسي.

 والدليل الثاني: إهمال الرسول لهذا الموضوع. فالمصادر التاريخية تؤكد أن الرسول مات ولم يتطرق لهذا الموضوع، بل وحتى المتنازعين على السلطة أيام السقيفة لم يحتج أي منهم بما فيهم الإمام علي برواية أو حديث عن الرسول الكريم. بل الإمام علي احتج عليهم بنفس المبدأ الذي احتجوا به على الأنصار، وهو القرب من رسول الله. فقال إذا كان هذا مبدأكم فنحن أهل بيته. طبعا الإمام علي تصدى بكفاءته وثقته العالية بنفسه، إضافة لكونه الأقرب للرسول. فكلا السببين دفعاه باتجاه التصدي للسلطة. والكلام مرَّ مفصلا.

مشروعية التقديس

س107: فاضل الشمري: لا شك أن الإمام علي معروف بمواقفه الرسالية وبطولاته وفكره وأدبه وحكمته. وقد ضرب مثلا أعلى في سلوكه، حتى قيل أنه فشل سياسيا، لأنه رفض الكذب والخداع، وتمسك بمبدئيته وعقيدته. فعلي ابن عم الرسول قد لعب دورا في الإسلام لا ينكر.

والسؤال ما هو دور بقية الأئمة تاريخيا؟ فما عدا ثورة الإمام الحسين فإن دورهم لا يختلف عن دور غيرهم من علماء الفقه. فلماذا هذا التهويل والتقديس والمغالاة في الحب؟ لا أنكر أنهم من أهل بيت النبوة، وقد جسّدوا بسلوكهم أخلاق الإسلام، ولكن ما هي دواعي تقديسهم والقول بعصمتهم؟ هل هي حقيقة دينية أم مفتعلة؟. واضرب لذلك مثالا فقبل عشرين سنة لم يكن مقام الشيخ عبد القادر الكيلاني في بغداد كما هو الآن من عمارة وزوار ولا نعلم ما سيكون بعد مئة سنة ولعل أئمة الشيعة بمرور الزمن اصبحوا كما هو مرقد عبد القادر الكيلاني وأبو حنيفة. فما هو تعليقك؟.

ج107: ماجد الغرباوي: السؤال يتضمن عدة فروع:

 الأول: من المقارنة بين المجموعتين الأولى والثانية يبدو أنك تفهم التشيع فهما ثوريا، لهذا نفيت أي دور للأئمة الآخرين، سوى تبليغ الإسلام وتثقيف الناس والتصدي للقضايا الفقهية. كما اعترفت للمجموعة الأولى بإحياء الدين عكس الثانية. بمعنى آخر أن إحياء الدين كما تعتقد يتوقف على فعل ثوري وموقف معارض كما فعل الإمامان الحسن والحسين، أما الثقافة والفكر فلا تساهم في إحياء الدين. وبهذا سمحت بتبجيل المجموعة الأولى حد القول بعصمتهم، وتساءلت عن جدوى تقديس المجموعة الثانية التي اقتصر دورها على الفقه والحديث، ولم يصدر عنها أي موقف ثوري، بل أنهم لا يختلفون عن أي عالم دين آخر في زماننا.

أولا: أنت تعلم أن التشيع في بدايته كان موقفا سياسيا معارضا حول الخلافة، وهكذا استمر موقفا سياسيا حتى مقتل الإمام الحسين ليتصدى للشأن الفقهي والفكري والعقيدي، بل والبدء بتأسيس المذهب الشيعي فقهيا وكلاميا. مما يعني أن الظروف الموضوعية لعبت دورا أساسا في تحديد الموقف السياسي لأئمة أهل البيت. وفهمك لا يختلف عن فهم أتباع المذهب الشيعي تاريخيا، فكان فهمهم فهما ثوريا معارضا، حيث استمرت الانتفاضات الشيعية مطالبة بالثأر من قتلة الإمام الحسين، ثم صبروا حتى حانت الفرصة في نهاية الدولة الأموية وطالبوا الإمام الصادق بالنهوض والثورة لكنه رفض، فتمرد عليه بعض أصحابه، والتحقوا بالثوار. فالفهم الثوري للتشيع ليس غريبا على الشيعة بل هو قديم بقدم أتباعهم. لكن هذا لا ينفي أن يكون للأئمة دور إيجابي آخر على مستوى العلم والمعرفة وتبليغ الرسالة، بل هو دورهم الأساس لولا الظروف السياسية الاستثنائية. كما لا تنسى مضايقات الدولتين الأموية والعباسية.

ثانيا: إحياء الدين لا يتوقف على التحرك الثوري المسلح دائما. العمل بالحكمة والموعظة الحسنة أجدى وأنفع في الظروف الاعتيادية. تضحيات العمل الثورى باهظة الثمن عندما لا تكون مدروسة، كما هو الحال بالنسبة للحركات السياسية الإسلامية راهنا. العمل المسلح استثناء في الإسلام وليس أساسا إطلاقا. فكما ساهمت ثورة الإمام الحسين في إحياء الدين، كما يعتقدون، ساهمت جهود الأئمة الآخرين في إحيائه وفقا لفهم الشيعة له. ثم لو قرأنا الحدث الكربلائي من زاوية أخرى فإن ثورة الحسين كادت تجتث أهل البيت ولم يبق لهم باقية، فليس من المعقول أن يواجه 70 شخصا جيشا كبيرا، رغم اضطراره للمواجهة.

 أخلص الى نتيجة أن إحياء الدين يتنوع بتنوع الظروف الموضوعية، وطبيعة الفهم الديني.

ثالثا: ينبغي التبجيل (تبجيل أي شخص) وفق ضابطة محددة، ولا أعتقد أنك تقتصر التبجيل على العمل الثوري، فليست هي المناط الوحيد له، بل أن العلم والتقوى والاستقامة، خاصة الأخيرة هي مناطات حقيقية لتبجيل الأشخاص في الثقافة الدينية، إن أكرمكم عند الله اتقاكم، لكن من حقك تثير علامة استفهام حول حدودها ومستواها.

رابعا: وأيضا العصمة ينبغي أن تكون وفق ضابطة، اتفقنا أو أختلفنا حولها، اعترفنا أو لم نعترف بشرعيتها وضرورتها. فإذا كانت العصمة حسب ما ترى تفرضها حركة الإمام، فهي لازمة له عندما يمارس العمل الثوري. لكن هذا يحتاج إلى دليل، وماذا في حالة السلم هل هو معصوم أم لا؟. (هذا الكلام بغض النظر عن حقيقة العصمة ومصاديقها وحدودها).

خامسا: بالنسبة للتهويل والتقديس سؤال مشروع جدا، فالشيعة للأسف الشديد كرّسوا مفاهيم لا تنسجم مع الاعتدال الشيعي، فضلا عن الإسلام، بل لقد عانى بعض الأئمة من الغلاة معاناة لا مثيل لها، الإمام الصادق يقول: لعن الله ابن أبي الخطاب كان يدس في روايات أبي. أو رواية أخرى: (سُئل يونس بن عبد الرحمن يوماً [وهو من كبار فقهاء ورواة الشيعة]: "يا أبا محمد ما أشدّك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا، فما الذي يحملك على ردّ الأحاديث؟! فأجاب يونس: لقد حدّثني هشام بن الحكم إنّه سمع أبا عبد الله (ع) يقول: كان المغيرة بن سعيد يتعمّد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي، فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدسّ فيها الكفر والزندقة، ويسندها إلى أبي ثمّ يدفعها إلى أصحابه، فيأمرهم أن يبثّوها في الشيعة، فكلما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذاك ممّا دسّه المغيرة بن سعيد في كتبهم".)

كان لخط الغلو دور سلبي جدا، تمثل بتقديس أهل البيت وأسطرتهم حد التأليه والقول بالتفويض، وأن الله قد فوّض لهم الخلق والتصرف بالكون، وما علم الغيب وشفاء المرضى ومعرفة لغة الطير ومحاربة الجن، وحساب الخلق بيدهم يوم القيامة، وتوقف قبول الأعمال على الإيمان بهم ومعرفتهم، إلا ضرورة من ضرورات وجودهم، بل هناك من قال بالدور الوجودي لهم كما تقدم. وقد نجح خط الغلو باختراق التشيع بل استطاع تصدير نسخة أخرى وفق رغباته الأيديولوجية والسياسية، وما زال هذا الخط فاعلا، نشطا، لا تحده حدود، تضخ له الأموال، ويوظف منذ نشوئه موقف السلطات المتعاقبة من التشيع، مستغلا رثاثة الوعي والتخلف لدى شريحة واسعة من الشيعة. فهناك عقليات خرافية مصممة ثقافيا لتقبل الخرافة والتماهي معها. وأداة خط الغلو بارع في اقناع اتباعه من خلال روايات قصصية تتحدث عن أمور خارقة للأئمة سرعان ما تتفاعل معها سذاجة العقل. وروايات تكفيرية ضد الخط الآخر من الصحابة تؤلب بسطاء الناس وتوغر قلوبهم فيتحاملون على شخصيات تاريخية لا يعرفون عنها سوى ما تضخه آلة الغلو الإعلامية.

سادسا: أما بالنسبة للعصمة فقد تم التنظير لها مؤخرا على يد المتكلم التاريخي الشهير هشام بن الحكم من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم. فقال هشام بن الحكم بعصمة الأئمة لتسديد موقف الإمام ورفعه فوق النقد والمساءلة، فيكون أشبه بإجراء احترازي، لقمع المعارضة وردع التمرد. وبهذا استطاع تحصينه ببراعة كلامية، حيث قال إذا كان النبي معصوما ومسددا بالوحي، فإن العقل يحكم بوجوب عصمة الإمام لضرورة وجوده وتوقف معرفة الأحكام عليه!!. وربما كان يقصد بمفهوم العصمة التسديد في اتخاذ المواقف وفهم الأحكام الشرعية، إضافة للعصمة السلوكية، لذا لم يعترض عليه الإمام. أما مفهوم العصمة اليوم بات لها لوازم كثيرة تصل بالمعصوم مصاف الخالقية معاذ الله. إذاً هي مفهوم مستحدث لم تطرح قبل هشام بن الحكم بهذا الشكل رغم وجود أفكار أولية حولها. وقد مرّ تفصيل الكلام حول تاريخ العصمة، وظروف نشأتها.

 ثم جاء المتكلمون الشيعة وبدأوا التنظير لهذا المفهوم بأثر رجعي ليشمل الأئمة جميعا. بل جاء مفوم العصمة ليعطي زخما كلاميا كبيرا للشيعة في صراعهم مع الآخر حول الأحقية. حيث استمر الصراع حول من هو الأحق علي أم خصومه؟ فراح كل طرف يحشد أدلته لتعضيد أرائه وتصحيح مواقف رموزه. فخلص الفكر الشيعي: أن لازم عصمة الإمام علي صحة مواقفه مطلقا. وهكذا موقف الإمامين الحسن والحسين.

فبالعصمة استطاعوا:

- ترسيخ مفهوم الإمامة.

- اعادة صياغة العقل الشيعي.

- تبرير مواقف الأئمة جميعا.

- تماسك البنية الداخلية لأتباع أهل البيت.

- تحديد مفهوم القرب والبعد من الله عزوجل.

- تبرير التفويض الإلهي لهم.

- حماية رواياتهم وأحاديثهم التي يطعن بها أهل السنة لأنها مرسلة، ينتهي سندها بأحد الأئمة، ولم يصل للرسول، وهذه نقطة ضعف عانى منها الشيعة على مدى التاريخ لولا عصمة الأئمة.

أما أدلتهم على العصمة فأغلبها نفسية أو روايات أو أدلة سهلة النقض لكي تتهاوى.

دور متأخري الأئمة

نعود لملاحظتك في السؤال حول دور أئمة الشيعة المتأخرين، فما جاء في سؤالك صحيح، حيث بدأت أضواء الإمامة بالإفول حتى إذا وصلنا للإمامين الهادي والعسكري، نقرأ سيرة مختلفة، حتى في مجال تخصصهم الديني، حيث راح الإمام العسكري يحيل الناس على العلماء لمعرفة أحكامهم الشرعية. أما مواقفهم السياسية فربما كان للوضع السياسي ورقابة السلطة دور في تحجيم حضورهم السياسي. لكن الحقيقة أن الأئمة المتأخرين من الجواد حتى العسكري كانوا صغار السن، وكانت هناك فرق ومذاهب وآراء كلامية متضاربة، حول الإمامة ومصاديقها، فتجربتهم الحياتية لا تسمح بقيادة التشيع بكل تفصيلاته، وليس لهم وزن علمي كالإمام الصادق بل أقل من  ذلك كالإمام الكاظم والرضا يؤهلهم للعب دور أكبر، لهذا كانت تواجههم تحديات ركزت على مصداقيتهم كأئمة ينبغي أن يلعبوا دورا بمستوى الأئمة الأوائل. ثم ما أضعف موقفهم أكثر أن الفصائل الشيعية تبحث عن قائد ميداني يلبي طموحاتها السياسية، فلم يجدوا فيهم ما يشبع طموحهم القيادي. لهذه الأسباب وغيرها لم يكن لهم حضور واسع، حتى أنك شبهتهم في سؤالك بالعلماء والفقهاء، وليس أكثر.

المشكلة في فهم الرموز التاريخية الهالة القدسية الطاغية التي تحول دون معرفة الحقيقة. هالة تجرّدهم من بشريتهم، وتضعهم فوق التاريخ. بينما الرموز التاريخية والدينية كأي إنسان يمر بأدوار حياته، له نجاحاته وانكساراته، يصيب ويخطئ.

إشكالك إشكال موضوعي قديم، ولو بصيغ مختلفة، يؤكده التركيز على ذات الإمام بدلا من فقه وعلمه، لتدارك تداعيات الإشكال العصي، فراحت ماكنة الأحاديث تغذي الوعي الشيعي، بأحاديث تتعارض مع الكتاب الكريم، غير أنها تغلبت عليه بسبب رثاثة الوعي، حتى غدت مسلّمات عقدية لدى الناس، يرددونها كلحن تفتتن به عواطفهم، ويطرب لها سمعهم، وتحلق به أحلامهم. ففي الوقت الذي يؤكد فيه القرآن وحدة العنصر البشري، دون استثناء: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ)، تذهب الروايات الشيعية إلى أن الأئمة خلقوا من طينة أخرى، وأنهم خُلقوا قبل خلق السماوات والأرض. وأن الله خلق الكون لأجلهم، والروايات كثيرة، مرَّ ذكرها. فالتركيز على قدسية ذات الأئمة لتعزيز عصمتهم، التي لا دليل عليها سوى رغبات نفسية، لاستحالة وقوع القضايا الخارقة خارجا، ببيان تقدم.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi11خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق1) من أسئلة الأستاذ الباحث فاضل الشمري:

 

 

س105: فاضل الشمري، كاتب وباحث / العراق: لا أعتقد هناك جيل قد فهم الإسلام ومفاهيمه وتاريخه وفقهه كالجيل الذي عاصرناه، خاصة من تسلّم مناصب حساسة في الحكومة العراقية بعد 2003م. غير أن ثقافتهم وتضحياتهم وتاريخهم لم ينعكس على سلوكهم وأدائهم السياسي؟ فما الفرق بينهم وبين غيرهم؟ ولو استبدلنا شخصا عاديا بهم سيؤدي نفس دورهم الاداري والقانوني بلا أدنى فرق وربما أفضل بكثير. فلماذا يعتبر الإسلامي نفسه قيّما على الدين، ولماذا يعتبر نفسه أفهم من الآخرين حتى في مجالات بعيدة عن تخصصه؟. هل  لأنه أمضى عمره في دراسة النظرية الإسلامية وناضل من أجلها؟. وما الذي نفع بها الإسلام والمسلمين حين تسنم منصبه في الحكومة؟. ولربما الإنسان العادي أفضل منه في إدارة البلد.. فلماذا يمنّ على الناس بنضاله وتاريخه؟.

 لا أحد ينكر أنهم مؤمنون، مخلصون، ولا أحد يتهمهم في شعورهم بالمسؤولية، لكن المشكلة شيء آخر. وحين سألت أحدهم عن السبب وراء كل ما حصل بسبب فلان أو فلان، قال دعني استلم منصبه وانظر ماذا سأفعل. فقلت له لن تفعل أفضل مما فعل.

اعتقد أن هدف جهادنا كان من أجل استلام مناصب ليس إلا. ولذلك صار صاحب المنصب أو من جاءت به المحسوبية والمنسوبية، هو القيادي في الحركة الإسلامية، وإن لم يفهم شيئا.

والسؤال: ما فائدة الحراك السياسي الإسلامي إذا كان الإسلاميون كما وصفناهم أعلاه؟.

ج105: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأخ الأستاذ فاضل الشمري، وشكرا لمقدمة السؤال التي هي مداخلة تمثل خلاصة تجربة حية. أنت شاهد عليهم قبل وبعد استلام السلطة في العراق عام 2003م، فجاءت مقارنتك دقيقة.

هذا السؤال يحيلنا على نشأة الوعي أو الحراك السياسي الإسلامي، ما هي دوافعه؟ وما هي مصادر ثقافته؟. كي نفهم بدقة سبب التداعيات، والفارق السلوكي بين النظرية والتطبيق، ولماذا أخفق الإسلاميون في تحقيق نهضة حقيقية. خاصة وأن الإسلامي ينطلق في فهمه للسلطة والمجتمع من نظرية، يعتقد بمثاليتها، تحكم سلوكه وتصرفاته، وتضع ضوابط تحركاته، بعد أن تفرض نفسها سلطة ومحددات لفهم طبيعة الأشياء، وترسم له أولوياته. فالداعية الإسلامي يقدّم في ضوء نظريته فهما مختلفا للسلطة والحكم والأولويات بالنسبة للمناصب الحكومية والحساسة. وعليه، إن فهم نشأة الوعي والحراك الإسلامي السياسي ضروري لتقديم تفسير صحيح لهذه الظاهرة التي تحدثت عنها في سؤالك.

النهضة والوعي

كان لسؤال النهضة دور كبير في تحريض الوعي، والبحث عن إجابات تفسّر ظاهرة التخلّف الإسلامي في مقابل التطور الحضاري الغربي الذي فاجأهم في عقر دارهم، بعد وصول حملة نابليون إلى مصر (1798م) مجهّزة بأحدث الأسلحة والمعدات. فتوزعت الأجوبة بين من أدان الدين واعتبره المسؤول الأول عن تخلّف المسلمين، فدعا الى قطيعة تامة مع التراث والدين واللحاق بالغرب وحضارته لانتشال واقعنا الحضاري المتخلّف. وآخر ارتد سلفيا طالب بتكريس التراث والسيرة لتدارك الوضع، متهما المسلمين بخطأ التطبيق. وثالث قاده رواد النهضة كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وآخرين، الذين عادوا للتراث بحثا عن مصادر قوته الملائمة للعصر، ثم جاء التيار الإسلامي المنظّم (الإخوان المسلمون) امتدادا لخط الوعي الإسلامي الأول. وبالتالي فجميع التيارات الحديثة جاءت ردة فعل بعد الصدمة الحضارية الهائلة. وطبيعة ردود الفعل تكون متسرّعة مرتبكة، تنقصها الدراسة والتخطيط وجهل بالواقع واشراطاته رغم أنها جزء منه. بينما تجد النهضة الغربية جاءت على خطوات، تراكمت عبر مئتي عام بل أكثر بكثير، فأنتجت نهضة حقيقية. بينما لم تحقق اليقظة الإسلامية أي شيء سوى إراقة الدماء، استبداد ديني، فساد مالي وإداري، تخلف الوعي، تشبث أشد بالتراث والرموز التاريخية وغيرها.

النهضة الغربية بدأت بنقد كل المقولات، حتى سرى الشك لكل الثوابت الدينية وغير الدينية، ثم راحت تبنى أسسها المعرفية في ضوء مناهج علمية حديثة انتجت معرفة مثمرة قادت إلى نهضة حقيقية شملت جميع مناحي الحياة. فبدأت من الصفر بعد رفض كل تراكمات الماضي، إلا ما كان صالحا للبقاء. فالنهضة الأوربية لم تفترض أي مسلّمة ما لم تخضع للنقد والمراجعة، وفق مناهج علمية. فقبلت ما أكدته التجارب العلمية. وتفاعلت مع المناهج النقدية، في مجال العلوم الإنسانية، لا كنهائيات ويقينيات بل كمحتملات قابلة للمراجعة والنقد باستمرار، لذا تشبعت ثقافة الغرب بحيوية تستمد روحها من النقد والدراسة والتجربة. لهذا تجد علم المستقبليات علما أساسيا، ثم جاءت علوم التنمية البشرية. كل هذا لتطوير ثقافة الفرد في ضوء تجربة الإنسان والمجتمع وما تفرضه تطورات العلوم والتكنلوجية الحديثة.

على العكس من هذا كانت النهضة العربية والإسلامية، حيث افترضت مسلّمات إضافة الى مسلّماتها ومقولاتها التاريخية والتراثية فراحت تبنى فوقها، بلا مراجعة ونقد للأسس التي قامت عليها. بل صارت تلك الأسس والمقولات الأولية مناطق محرمة لا يمكن نقدها أو مراجعتها. من هذا المنطلق راح التيار الإسلامي الذي كانت بدايته المنظمة مع حسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين، راح ينظّر من وجهة نظر إسلامية لكل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كتحدٍ وردة فعل ضد الآخر، باعتبار أن الإسلام دين شامل، وفيه إجابات على جميع الأسئلة المطروحة، وما علينا إلا أن نجتهد ونستنبط النظرية العلمية. فالنظرية ليست معطى مباشرا بل قراءة وفهم في ضوء مقولات ثابتة وراسخة. فتأتي النظرية تفسيرا وفهما واجتهادا في  نفس مدار تلك المقولات والبديهيات أو المسلّمات. فلم تنتج حضارة حقيقية. كان يفترض أن يستمدوا من تلك المقولات روحها وقيمها ومبادئها لينطلقوا في الحياة وفق مناهج نقدية، ودراسات علمية.

ومن هذا المنطلق أيضا راح الإخوان المسلمون يتحركون سياسيا باتجاه السلطة باعتبارها شرطا لتطبيق النظام الاسلامي، الذي هو وجهات نظر اجتهادية، صاغتها عقول المفكرين الإسلاميين لسد النقص. فرفعوا شعار: (الإسلام هو الحل) أو (القرآن هو الحل). بعد أن وجدوا في مصادر التشريع الإسلامي ما يؤهل المجتمع لنهضة حضارية توازي النهضة الحضارية الغربية بل تفوق عليها!!! (حسب تصور جميع الإسلاميين). إذاً نحن أمام تراث حركي إسلامي، يتصف:

- إنه ردة فعل لتفوق الغرب حضاريا.

- دفاعا عن الدين المتهم بتخلف المسلمين.

- تراث قوامه وجهات نظر فكرية لبيئة مفترضة، لكنه أخفق عمليا عند تطبيقه. وأمامك الأنظمة الإسلامية.

- تراث قوامه الشعارات والتعبئة النفسية. وهذا ما فعله سيد قطب في مؤلفاته التي ألهبت مشاعر الشباب وألقت بهم في إتون تكفير الآخر وقتله واضطهاده باعتباره كافرا يستحق الموت، فتسببوا في تشويه سمعة الدين، واستباحوا دماء المسلمين خاصة الحركات التكفيرية التي تستمد حركيتها من تراث سيد قطب، وفقهها من ابن تيمية والوهابية.

- تراث يضع حلولا لكل شيء، رغم أن غالب القضايا تخصصات مختلفة نتاج تراكمات خبرة وجهود بشرية هائلة.

- والشيء الأخطر في هذا التراث أنه يرتكز الى الفقه المعروف بحيله الشرعية وتلاعباته اللفظية لتبرير سرقة الأموال والتصرّف بها.

- ثم تأتي مسألة العقيدة وما لها من دور خطير، كما بالنسبة للشيعة ممن يحصرون حق التصرف بالأرض بما رحبت بالإمام المهدي وبالفقيه خلال غيبته!!، فيكفي السياسي الفاسد حصوله على إذن من الفقيه بالتصرّف فيفعل ما يشاء وفق تبريرات وحيل شرعية ممضاة من قبل الفقيه.

- الأولوية في هذا التراث دائما للمؤمن بقطع النظر عن كفاءته وتخصصه، لذا اسندوا أغلب المناصب في العراق الى شخصيات غير متخصصة وفقا لميزان التفاضل عندهم.

 - أوهام الحركيين الإسلاميين كثيرة، منها: مثلا، يعتقدون أنهم مسددون من قبل الله دائما، وقراراتهم صائبة مطلقا، لا يحتاجون سوى (استخارة إما بالقرآن أو بالتسبيح)!!!. كنت أسمع أيام الحرب العراقية الإيرانية عن دور الاستخارة في اتخاذ القرارات المصيرية، وأيضا سمعت عن نواب مجلس النواب في العراق!!! بعد سقوط النظام السابق.

- تراث يكرّس النرجسية وروح التعالي على الآخر، بل التعالى على المسلمين أنفسهم لأنهم أقل وعيا، ويطالبهم بالاصغاء واستجابة مطلقة تصل حد التخلي عن القناعات الشخصية والعقيدية – الفكرية.

- تراث أحادي لا يعترف بالآخر وفكره وعقيدته بل يتهمها بالمروق والكفر فضلا عن الضحالة والبؤس

إذاً، من يعرف هذه الخلفية لا يستغرب ما حصل على يد الإسلاميين شيعة وسنة هم غالبية مجلس النواب العراقي. أو ما حصل في تجارب سياسية في دول أخرى.

أما عن سؤالك فأقول: الحراك الإسلامي يطمح لتغيير العالم كله، كي يخضع الجميع لأحكام الكتاب والسنة وينصاعوا لله ورسوله (المقصود طاعتهم باعتبارهم الممثل الشرعي الوحيد للدين!!)، وهذا ما يستدلون عليه بآيات وروايات كثيرة. لهذا يصر الإسلامي بلغة تبريرية فاقعة أحيانا، أن الخطأ في التطبيق وراء جميع الإخفاقات، ولو أتيح لغير هذا المسؤول شخص أكثر إيمانا وتقوى ستأتي النتائج مختلفةّ!!.

لقد أدمن الإسلاميون الوهم، يدورون في حلقة مفرغة، تحكم تصوراتهم مغالطة مفادها: بما أن النظام الإسلامي نظام رباني فينبغي أن يكون الأفضل والأصح. وهنا المغالطة، كيف تنسب نظرياتك وأفكارك لله تعالى ولم يصرّح بها في كتابه؟ وكيف تجعلها مقياسا للحقيقة تحاكم الناس في ضوئها، تزكي من تشاء وتكفّر من تشاء؟. أليست هي وجهة نظرك واجتهادك؟ فلماذا تنسبها لله وتقول على الله ما لم يقله؟ ثم  لماذا يخلو القرآن من معالم أي نظام سياسي أو إقتصادي سوى منظومة قيم ومبادئ لضبط أداء الفرد والمجتمع؟ بل أهمل عنصري الحياة، السياسية والإقتصاد، ولم يتطرق لموضوع السلطة ومن يخلف النبي بعد وفاته. وعليه كما تفضلت ما فائدة الحراك الإسلامي مع كل هذه الأخطاء القاتلة بل أثبت بعض الإسلاميين في السلطة أنه سارق دجال، مستبد، يستبيح الدماء، وسرقاته باسم الدين للأسف الشديد، فكانوا وبالا على الإسلام وقيمه ومبادئه. فرؤيتهم من حيث المبدأ صحيحة، لكن أين هو النظام المنسوب لله تعالى؟. كل ما موجود اجتهادات شخصية.

وخلاصة هذا الكلام أن ردود الأفعال إنفعالية، لا تبني نظرية صحيحة، بسب أخطاء التشخيص التي تفضي إلى خطأ المعالجات، فكيف إذا كانت مصفوفة تحديات يروم الإسلامي مقاومتها وطرح بدائل نظرية لا علاقة لها بالواقع؟ والمشكلة الأساس أن الإسلامي في السلطة وفي علاقاته الاجتماعية، يرفض الواقع، ويرسم له صورة أخرى في ذهنه يطالب الناس بالانصياع لها. فحلوله ليس للواقع بما هو مجموعة علاقات اجتماعية وسياسية واقتصادية، بل الواقع بما هو صورة في ذهنه، وعندما يعجز لا يجد سوى العنف أسلوبا لتقويم المجتمع كي ينصاع له، ويخضع لأوامره.

وأما بالنسبة للسلطة فإن الإسلاميين يتعاملون معها وفقا لنظريات عقيدية وفقهية تقدم فهما آخر للحكم ومبادئه، تسمح باستباحة المال العام، او استغلال السلطات والقانون لتكريس الوضع الديني والمذهبي.

أجد سؤالك مشروعا، خاصة أن الصورة التي يحملها الناس عن الإسلاميين صورة مشرقة تستمد مثاليتها من الكتاب الكريم وطبيعة الدين وقيمه الإنسانية.

ليس من شأن الدين أن يعلمك السياسة والحكم، بل إحدى مهام الدين تنمية وازع التقوى والورع عن أي فعل حرام، يعلمك الأخلاق، وينمي عندك الروح الإنسانية، هذا متى كان فهم الدين فهما صحيحا. لكن للأسف يأتي الفقيه من حيث يشعر أو لا يشعر فيبرر سلوكيات لا دينية بذرائع فقهية، وأخرى طائفية.

الدين لا يجعل منك كفءا في السياسة والحكم والإدارة، بل لكل واحدة منها شروطها وآلياتها وأدواتها، متى امتلكتها تنجح في أدائك. وعلى العكس حينما تفقد هذه المهارات. فكونك إسلاميا لا يشفع لك أن تتأهل لأي مسؤولية ما لم تكن مؤهلا لها ضمن اختصاصك.

للأسف بعض الإسلاميين يشعر بتعالٍ يستمد شرعيته من انتسابه للوعي الحركي، فيتعامل مع الناس بفوقية تصل حد الاستهانة بكفاءتهم. ويتصور أنه الأفهم والأقدر، لدرجة يرفض الاعتراف بكل ما حصل بسبب الإسلاميين على اختلاف اتجاهاتهم.

ثم الإسلامي بشر، يطمح للسلطة والحكم والمغانم أسوة بغيره، ويغريه المنصب والمال، ويتحايل على الدين والتشريع مراعاة لمكاسبه السياسية والحزبية والطائفية. وأنا مثلك، لا استبعد أن بعضهم كان يفكر في المنصب والسلطة خلال تحركاته إبان المعارضة السياسية، غير أن القواعد، كانت تضن بهم خيرا، لطيبتهم وصدق نواياهم.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbaw10فاطمة الزهراء بولعراسخاص بالمثقف: الحلقة الثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق2) من أسئلة الأستاذة الأديبة فاطمة الزهراء بولعراس:

 

س99: فاطمة الزهراء بولعراس: يؤمن معظم الرجال العرب بحرية المرأة، فلماذا يرتضيها للمرأة الأجنبية ويحرم المرأة العربية منها؟

ج99: ماجد الغرباوي: لا اتفق أن معظم الرجال العرب يؤمنون بحرية المرأة، بل يؤمنون بتهميشها كقدر تكويني، والحد من حريتها وسلطتها، وفقا للمعايير القَبلية التي كانت سائدة في جميع المجتمعات آنذاك، والقائمة على مركزية الذكر وتهميش الأنثى. ويعني التهميش مطلق التبعية وسلب الإرادة، التي هي شرط صدقية الحرية. ولا معنى لها بدونها. فالتهميش وفقا لهذه الرؤية ليس طارئا، كي يمكن استعادة حرية المرأة، بل هو قدرها وفقا للنظام الأبوي السائد، ولا معنى لحريتها مع سلب إرادتها. والفارق بين المفهومين كبير جدا. فالمرأة في وعي الرجل كائن ينقصه العقل والحكمة والقدرة على التدبير. يستوجب القيمومة والتدبير، وأي تصرّف خارج إرادة الرجل يعتبر تمردا يستحق العقاب.مهما كانت منزلة المرأة أُسريا. فالنظرة الدونية ترتكز لرؤية سابقة على العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وعندما يعترف الذكر بحريتها يعترف تفضّلا ومنّة، وليس اعترافا حقيقيا. فتكون حرية مقيّدة بإرادته حتى في الجانب الفكري، وحدود الوعي، وهو أقسى أنواع الاضطهاد.

ثم أن حرية المرأة في المجتمعات العربية عبء، يتفاقم طرديا مع حريتها، خاصة عندما يتقاطع سلوكها مع تقاليد المجتمع، التي هي قوام حيثيته الاجتماعية، وأساس انتمائه وحضوره. وهذا سبب آخر مفاده "أن حرية المرأة عبء ينبغي تفاديه". ولا شك بصدق القضية في المجتمعات التي تجعل من الشرف مقياسا لحيثية الرجل. فالحد من حرية المرأة آنئذٍ أسلم عاقبة. ومن يفسح لها هامشا من الحرية، يتوجس من تبعات قراره، ويبقى الفرد وجرأته ومكانته الاجتماعية. إضافة إلى ما تقدم أن المرأة في أعماق الرجل تمثل جرحا لنرجسيته، يتأكد أكثر من خلال حريتها واستقلاليتها، فيجنح للحد من حريتها وقمعها للتخلص من تبعات الحرية. المشكلة أن الرجل العربي يحمل مفهوما خاطئا عن الحرية، فهي عنده مرادفة للتهوّر والانفلات، ولا تعني الاستقلالية في التفكير واتخاذ القرار، والشعور المباشر بالمسؤولية تجاه الـ"أنا" والآخر. من هنا على المرأة أن تعكس فهما ايجابيا لمعنى الحرية من خلال توازن سلوكها، وتأكيد ذاتها عبر قوة حضورها العلمي والفكري والثقافي والأدبي، بعيدا عن الانحرافات السلوكية. فثمة صعاب تواجه المرأة على طريق الحرية، وعليها تذليلها، واقناع الرجل بجدوى حريتها. فكم من امرأة متحررة ظاهرا وهي في أعماقها تعيش روح العبودية والانكسار والتبعية والانقياد وتؤلب الرجل ضدها، وعاجزة عن اتخاذ أي قرار بمفردها، وعلى العكس قد تبدو بعض النساء مقموعة، غير أنها تتمتع بشخصية قوية، وإرادة حديدية، وقادرة على فرض شخصيتها، واقناع الرجل بقراراتها.

الغريب أن هذا الرجل العربي يهوى المرأة الأجنبية المتحررة، ويشعر بقوة شخصيتها، وفرض احترامها، فيخشع لها قلبه وعقله لا شعوريا، خاصة حينما تكون جميلة وفاتنة. لأنه يعلم جيدا أنها تنتمي لبيئة ثقافية واجتماعية مغايرة، ولا تشكل له أي عبء اجتماعي. أو لأنه مزدوج الشخصية، يرتضي الحرية للمرأة الأجنبية، ويحرم نساءه منها. ولا شك لدي أن حرمان المرأة حريتها، كما يعكس قيم العبودية القَبلية، يعكس أيضا عبء تلك القيم اجتماعيا، فقد يؤمن الرجل في أعماقها، وهذا ليس بعيدا بالنسبة للواعين والمثقفين من الرجال، غير أنه يخشى محيطه الاجتماعي، ويخشى انعكاس حرية المرأة على حضوره وانتمائه الاجتماعي، وهذه قضية مقلقة له.

وبالتالي هو يعجز عن فرض إرادته وسلطته على المرأة الأجنبية كما تسميها أنت، لأنها لا تخضع لسلطته أساسا، وتنتمي لبيئة ثقافية مغايرة.

 

س100: فاطمة الزهراء بولعراس: أنت تدعو لتحرير العقل، وتمارس النقد مستدلا بحجج وبراهين عقلية. هل تعتقد أن رسالتك ستصل للمرأة في ظل أجواء القمع والتجهيل، تحت مختلف المببررات بما فيها الدينية؟

ج100: ماجد الغرباوي: لا يتفاعل العقل، مع الوافد التنويري ما لم يتحرر أولاً من أغلاله وقيوده التي فرضها على نفسه، أو التي فُرضت عليه بفعل البيئتين الثقافية والاجتماعية. فليست المرأة ضحية الجهل دائما، بل قد تكون ضحية لرثاثة الوعي، والتشبث بعادات وتقاليد تعيق استنارة العقل، وتسكن للخرافة والسحر والشعوذة. فالرهان إذا على وعي المرأة ومدى قدرتها على إدراك الحقيقة، بعد إزاحة تراكمات اللامعقول والخرافة وثقافة الخوف.

لا شك أن المرأة العربية ضحية ثقافة قَبلية، ساعد الفقيه على ترسيخها، وشرعنتها، من خلال حزمة مرويات تراثية، تناصب المرأة العداء، وتضمر لها الكراهية والحقد، بعضها سياسي، من مخلفات حرب الجمل وما رافقتها من أحداث، والآخر موروث اجتماعي لم يستطع تجاوزه رغم إيمانه بالدين الجديد. وبشكل أوضح أن الفقيه فسّر النص القرآني وفقا لمعاييره الذكورية، فكرّس مركزية الرجل عندما منحه حق القيمومة، وخصه بعقدة النكاح، ومضاعفة الإرث، بينما جميع هذه القضايا مشروطة، مرتهنة لظرفها. والأنكى عندما أسبغ قدسية مطلقة على مصادر رواياته، فحال دون تقديم فهمٍ مغاير لهمه.

لا أخفيك أن الرهان على وسائل الاتصال الحديثة بات رابحا، حيث وجدت المرأة في مواقع التواصل الاجتماعي متنافسا تبوح من خلاله بمعاناتها وطموحاتها، وراحت تتفاعل مع ما ينشر من مقالات ومنشورات، ولها رأي وموقف، وهذا لم يكن موجودا سابقا. إضافة إلى أروقة المعاهد والجامعات التي باتت تستقبل أعدادا أكبر من الطالبات، والتعليم، خاصة العلوم الإنسانية، يفتح آفاقا واسعة للمعرفة، ويشجع على النقد والمراجعة. فثمة نضوج ملحوظ يمكن التعويل عليه في ظل تطور الأوضاع السياسية في البلدان المسلمة عامة والعربية خاصة، حيث الانفتاح على التجارب السياسية للدول المتطورة حضاريا. وطموح استبد بشعوب المنطقة للتحرر من ربقة الديكتاتورية والتسلط والتقاليد الموروثة، والتطور التقني الهائل الذي يعزز قدرة العقل. لكن تبقى مشكلة الولاء الديني، الذي هو حقيقته ولاء للفقيه وفتاواه. أي ولاء لفَهم الفقيه المرتهن لقبلياته وعقائده ومدى قدرته على فَهم النص. فالغالبية العظمى مازالت أسيرة فتاوى الفقهاء بالنسبة لفقه المرأة والأحكام المرتبطة بها. وقد دافعت بعض الكاتبات عن عبوديتها واستغلالها. وكانت توبخ كل من يرفض منطق الوصايا، وحق الزوج في ضربها وتأديبها. وتؤكد وجوب الإلتزام بكل ما جاء في كتب الفقهاء من أحكام تختزل إنسانيتها!!، بل وتؤكد أن النساء ناقصات العقول وبحاجة مستمرة للقيمومة والتبعية، كما جاء في الروايات الدينية والتاريخية. وهنا يبقى الرهان على القراءات الحديثة لفهم النص ودور الدين والإنسان في الحياة. فرغم كل مواقف المؤسسات الدينية التقليدية من الفقهاء التجديديين، لاقت فتاواهم قبولا واسعا، خاصة لدى فئة الشباب، والجاليات المسلمة المغتربة، حيث لمست روح التسامح الديني، وقدرته على التكيف مع الوافد الحضاري، دون المساس بمبادئه وقيمه.

وبالتالي فثمة فرص كبيرة أمام الفكر النقدي التنويري في ظل الانفتاح الحضاري، مادام يرتكز للعقل والمنطق، ويراهن على أدلته وبراهينه، ويستفيد من مناهج العلوم الإنسانية الحديثة، وكل ما يعزز القراءات الجديدة للنص الديني.

 

س101: فاطمة الزهراء بولعراس: إن قمع المرأة فكريا، ومعاملته لها بأنانية ليس غريبا على الرجل،. لكن أليست المرأة هي المسؤولة عن ذلك. أم العكس هو الصحيح؟.

ج101: ماجد الغرباوي: لا شك أن الذكورية تستبطن الاستعلاء، وتفرض لنفسها حقوقا وواجبات، ضحيتها المرأة. غير أن الغريب هو قمعها فكريا، بمعنى مصادرة حقها في التفكير، والاستخفاف بآرائها. ومن باب أولى عدم الاصغاء لها، واحتقارها، وهذا أحد مخلفات النظرة الذكورية التي استبدت بأغلب الرجال، بفعل البيئة الاجتماعية التي تمجّد الذكر على حساب المرأة. غير أن السبب الأعمق يكمن، كما تقدم، في وعي الذكر للأنثى، ومدى تجلي البعد الإنساني في علاقتهما. لذا الثقافة والوعي كفيلان بتفتيت النظرة الذكورية، واستبدالها بنظرة إنسانية، خاصة مع قوة حضور المرأة في العصر الحديث، وحجم المسؤوليات التي أنيطت بها، وكانت أكثر من الرجل كفاءة. وبمعنى أدق أن مركزية الرجل، وفقا للأعراف والتقاليد، قد انسحبت على مركزيته في مناحي الحياة، فلا يثق العربي بعقل المرأة، فضلا عن الوثوق بآرائها الفكرية. فالتهكم وليد ثقافة ذكورية مستحكمة.

أما عن السؤال: بما أنه يتحدث عن الاضطهاد الفكري، فهذا يعني أن السائلة تفترض امرأة صاحبة فكر أمام رجل يضطهدها فكريا. وسبب الاضطهاد إما نوازع ذكورية مستفحلة، وإما غيرة وحسدا. فبعضهم لا يطيق من هي أكثر منه ثقافة ووعيا وعلما. وهذه إحدى معاناة المرأة المثقفة، لذا تنتهي علاقتها الزوجية بالانفصال، ولي شواهد بهذا الخصوص. في مقابل هؤلاء ثمة من يفتخر بزوجته المثقفة والأديبة والواعية، فتكسبها هذه المواقف ثقة بالنفس أكبر.

لكن متى تكون المرأة مسؤولة عن اضطهادها؟ تكون مسؤولة عن اضطهادها حينما تخطئ في اتخاذ الموقف الصائب. وتتعامل مع زوجها بندية، حداً تؤلبه ضدها، رغم قدرتها على استيعابه، واستيعاب نرجسيته عندما تتحلى بالآناة والرحابة، ثم تبدأ من خلال سياستها الحكيمة بانتزاع اعترافه بها، كي تستقيم حياتها. وبالتالي فالقضية نسبية تختلف من واحدة إلى أخرى، ومن رجل إلى غيره. كل حسب ظروفه وثقافته ووعيه. ولا شك عندي أن المرأة مدانة كما الرجل، حينما تهمل نفسها، وتستكين بدافع الخوف، وتكرّس الانقياد مهما كان مستوى الاضطهاد.

 

س102: فاطمة الزهراء بولعراس: تمثّل الأمومة في الموروث الشعبي صورة نموذجية للمرأة، دون خصائصها ومميزاتها الأخرى. وكأن المرأة لا وجود لها دونها:

- من المسؤولة عن هذه النظرة؟ هل المرأة نفسها أم هناك سبب آخر؟.

- وهل المرأة الغربية ليست صالحة للأمومة بسبب انشغالاتها كما يعتقد بعضهم؟.

- بماذا تنصح الأم المتذمرة، وهي تعلم أن الأمومة تضحية وإيثار وتنازل عن الحقوق؟

ج102: ماجد الغرباوي: إن قدسية الأمومة قاسم مشترك بين الشعوب، نابع عن تعاطف إنساني مع قلقها، وحجم تضحياتها، وقد عززته الشرائع والأديان والأعراف (فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا). فالأمومة زينة المرأة وسرّ قدسيتها. وهذا لا يلغي خصالها الأخرى، ولا يجعل من الأمومة مقياسا وحيدا لشخصيتها. المرأة بما تتمتع به من خصائص وإيجابيات وقوة حضور داخل المجتمع. فالمقياس المتوارث لقيمة الأمومة، كما جاء في السؤال، يستمد شرعيته من  تعاطف الأبناء مع الأمهات، ومن تعهد المجتمع بحفظ قدسية الأمومة. وهي مشاعر متوارثة بفعل العاملين الثقافي والنفسي. فالأبناء يشعرون بمعاناة الأم وحجم ما تقدمه، ويقدرون قلقها وأرقها، فيتأثرون لا شعوريا بمواقفها، خاصة "قلق الأمومة". ولا فرق في  ذلك بين الأم الشرقية والأم الغربية من حيث المشاعر، فكلاهما أم، غير أن نظرة المجتمع لا تقتصر على موضوع الأمومة في تقييم المرأة، وتنظر إلى حجم حضورها. فزاوية النظر تختلف بين الثقافتين.

الأم لا تفكر بمنطق الربح والخسارة تجاه أبنائها، مهما كان حجم التضحيات، لذا عقوق الأبناء جرح في أعماق الأم. هكذا هي طبيعة العلاقة، خاصة في مجتمعاتنا الشرقية. والأمومة قضية فطرية ونزعة إنسانية، لا تتجرد عنها المرأة، حتى وهي تنفتح على حياة الدراسة والعمل. قد تحد من رعايتها لهم لسبب وآخر، لكن هذا لا يؤثر سلبا على مشاعرها، بل يزيد من قلقها. الأم لا تستقر ما لم تجد أبناءها تحت ناظريها. وبالتالي فالمنطق المادي هنا غير وارد.

أما بالنسبة لتذمر الأم أحيانا، كما جاء في السؤال، فله أسباب بعيدة عن الأمومة كمشاعر إنسانية فطرية وغريزية. فتارة قساوة الحياة لا تطاق، بسبب العوز المادي أو رداءة الظروف الاجتماعية والصحية. وأخرى يلعب العامل النفسي ورثاثة الوعي والتمرد دورا سلبيا، يخلق حالة من التذمّر، حد التخلي عن مسؤوليات الأمومة. فقد تعتقد المرأة أن الأبناء عبء، يجب التخلص منهم، لتواصل حياتها. كما في المجتمعات الغربية، لكنها ليست ظاهرة. وفي هذه الحالة المسؤولية تقع على الدولة والمؤسسات النسوية التي ينبغي لها توجيه وعي المرأة، وتقدم ما يساعدها على تخطى محنتها. وهذا بالفعل ما تقوم به الحكومات الغربية، حيث دور رعاية الأطفال، ورياض الأطفال، وتوفير حواضن للمرأة التي تحتاجها. فهذا النوع من النساء لا تنفع معهم النصائح، بل الإجراءات العملية التي تساعدهم على تسوية مشكلاتهم الحياتية. وهذا ما نعيشه في ظل الأنظمة الغربية، حيث تجد المرأة في مؤسسات الدولة خير معين، يمكنها حتى الاستغناء عن الرجل وعجرفته. فثمة قوانين لحماية المرأة والأمومة والطفل، وهناك ضمان صحي واجتماعي يبدد قلقها، ويفتح آفاقا واسعة نحو مستقبل مضمون. بينما تعاني المرأة في المجتمعات المتخلفة سياسيا.

 

س103: فاطمة الزهراء بولعراس: يقال أن المفكر يؤثر في الجميع إلا من حوله. هل تجد لأفكارك صدى بين أهلك ومحبيك، أم يقتصر على قرّاءك ومحبيك؟.

ج103: ماجد الغرباوي: ما ذكرته في الجواب 100 ينطبق هنا. هذا بشكل عام. أما كتجربة شخصية، أجد أصداء تحرر الوعي واضحة بين أفراد عائلتي. حيث تركت لهم حرية التفكير، واكتشاف الزيف الديني والاجتماعي بأنفسهم. وهذا لا يعني الكمال، بل سعي حثيث لاكتشاف الحقيقة. بل أجد أن مواقفهم من الظواهر الاجتماعية مواقف واعية، وفهمهم بشكل عام يكشف عن وجود رؤية ووضوح، وهذا القدر جيد، وهو ما نطمح له. رغم أن البعض يعتبره تمردا، واقتداء بأبٍ متمرد، لكن لا يهمني.

 

س104: فاطمة الزهراء بولعراس: قاعدة ذهبية تقولها للرجل العربي.

ج104: ماجد الغرباوي:

"المرأة سرّ سعادتك حينما تحسن معاملتها، فلا تكابر"

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi11فاطمة الزهراء بولعراسخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق1) من أسئلة الأستاذة الأديبة فاطمة الزهراء بولعراس:

 

فاطمة الزهراء بولعراس، أديبة وكاتبة / الجزائر: يسعدني أن أشارك بهذه الأسئلة في الحوار المفتوح الذي بدأته المثقف مشكورة مع الأستاذ ماجد الغرباوي، وأتمنى أن تكون في مستوى عقلك المفكر وإيمانك الراسخ بقدرة العقل على التجلي والرقاء. وقد وضعت لأسئلتي هذا العنوان وجعلتها تدور حول المرأة العربية: (المرأة العربية بين مطرقة الموروث الثقافي "الديني" وسندان العصرنة المرتبطة بالغرب).

المرأة والتعليم

س97: فاطمة الزهراء بولعراس: لا شك أن التعليم هو أول حق حصلت عليه المرأة العربية ابتداء من القرن الماضي، ورغم أننا في القرن الواحد والعشرين إلا أنه مازال ذلك أهم ما حصلت عليه، وما عداه هي عينات لنساء ربما حققن نوعا من النجاح الاجتماعي لكنهن فقدن أشياء كثيرة من ضمنها نظرة الاحترام التي تليق بهن. إذا كنا نتحدث عن مثقفات مثلا. فماذا ترون كمثقف من حلول لمشكلة المرأة المثقفة؟ ومتى ستحظى بنظرة تستحقها ليس فيها استهجان من أي طرف في المجتمع؟.

ج97: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأديبة الجزائرية الأستاذة القديرة فاطمة الزهراء بولعراس، وشكرا لمشاركتها في الحوار من خلال أسئلتها التي تمثّل نموذجا لمعاناة المرأة. كما أشكر حسن ظنها وثقتها.

رغم التقدم الحضاري، وسرعة التواصل بين مختلف شعوب العالم، غير أن المرأة العربية والشرق أوسطية مازالت تعاني التهميش والاقصاء، حتى وهي تمارس حقوقها الطبيعية. مما يؤكد وجود ثقافة سائدة، تحتقر المرأة، وتضعها مرتبة أدنى من الرجل، حدَ احتكار الإنسانية دونها. فمثلا عندنا في العراق، يستنكف بعض الرجال من ذكر المرأة، وعند الضرورة، يقول لمخاطبه فلانه (تكرم عن طاريها)، أي تكرم عن ذكر اسمها، باعتبارها أدنى من الرجل إنسانية، أو أنها قذارة يتعفف الشخص عن ذكرها أمام جلسائه، إلا مصحوبة بالاعتذار. فالدونية مفهوم سلبي يختزن معاناة المرأة المثقفة، الطموحة التي تسعى لتأكيد ذاتها، من خلال حضورها، فتواجهها تحديات ثقافة الازدراء بمختلف تمظهراتها.

 إن بنية العقل العربي نشأت على فهم إقصائي للمرأة، وهي في وعيه التاريخي جزء من متاعه وأشيائه قبل الإسلام، بل وحتى بعده، ولو بصورة مخففة. لذا ينبغي تقييم ما حصلت عليه من خلال الشريعة الإسلامية ومفاهيم الدين الحنيف، قياسا بما قبل الإسلام، لا قياسا على شِرعة حقوق الإنسان في العصر الحديث، لأن الأخيرة وليدة مخاضات طويلة، ولم تنل المرأة حقوقها في الغرب إلا قبل قرنين. وكانت معاناتها آنذاك أشد. حداً صَعب عليهم تصنيفها، هل هي بشر أم من الجن؟ بعد اتفاقهم على أنها خُلقت لأجل الرجل، وبمرور الأيام، وعبر رحلة شاقة مضمخة بالتضحيات انتزعت اعتراف الرجل بها، ونالت حقوقها وحريتها.

إن رسوخ النظرة الذكورية لدى الرجل، تستدعي تحري أسبابها بعيدا عن عادات وتقاليد وثقافة المجتمع، وبعيدا عن الشرائع والأديان، رغم دورها في شرعنتها وحمايتها. والعودة لوعي الذات في مدياتها القصية، بعد تجريدها من تراكمات الرؤية التبجيلية عبر التاريخ، لنجد أن الأنثى التي تمثل شرطا وجوديا للكمال الإنساني، تشكّل هاجسا لوجود الرجل، فتسلبه استقلاليته، وتجرح نرجسيته، حينما يرفض مكابرة الاعتراف بالحقيقة، فيتعالى كرد فعل، ويفرض لذكوريته حقوقا وامتيازات، على حساب حريتها واستقلاليتها، مهما كانت تداعياتها. فالذكورية تستبطن جُرحا لنرجسيته، وتحديا لاستقلاليته، مهما بالغ في "تشيئها"، ومهما بلغ مستوى افتتانه بجسده وتعاليه. لأنها شرط تجلي فحولته، فتكون شرطا وجوديا لتحققها. لذا يبالغ في غطرسته واضطهاده لها، بفعل الفارق الجسدي، وما يتمتع به من قوة عضلية، تفرض له حضورا مميزا، مقارنة بها.

في المقابل فإن الرجل يعتبر شرطا لوجودها، بمعنى التحقق الخارجي، وكلاهما شرط للكمال الإنساني. فالرجل في وعي المرأة يمثل امتدادها الحقيقي، ومصدر قوتها الروحية والنفسية حينما تلمُّ بها النوائب.

نعود للسؤال: (ماذا ترون كمثقف من حلول لمشكلة المرأة المثقفة ومتى ستحظى بنظرة تستحقها ليس فيها استهجان من أي طرف في المجتمع؟).

تكمن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه بتحقيق توزان إنساني من خلال فهم مغاير يجرد الفوارق النوعية من بعدها العنصري. ففائض القوة الجسدية لا يعني اضطهاد المرأة، بل هو مسؤولية، في مقابل مسؤولياتها التي يعجز الرجل عن الإتيان بها. وهنا لا يكفي الاعتراف الشكلي ما لم ينعكس على وعي الذات، وعلاقتها بالآخر، فيكون اعترافا حقيقيا. أو يبقى مجرد اعتراف شكلي، ينهار عند خطوط التماس. وهذا يتطلب ثقافة قادرة على اعادة تشكيل الوعي بما يؤكد إنسانية العلاقة واستقرارها. لكن للأسف مازال التسامح بين الذكرى والأنثى تسامحا شكليا، قائما على المنّة والشفقة.

إن ما ينسب للمرأة من نقاط ضعف باستثناء فارق القوة الجسدية، منشأه العادات والتقاليد وثقافة المجتمع التي تسلب المرأة ثقتها بنفسها، وتقمع قابلياتها وابداعاتها، والدليل أن المرأة في المجتمعات المتطورة تمارس حياتها بثقة كاملة، وتفرض نفسها من خلال قوة حضورها. لا فرق بينها وبين الرجل من هذه الناحية بالذات. مما يؤكد دور الدولة في تحرر المرأة من سطوة الرجل والمجتمع. فثمة قوانين تحميها وتمنحها حقوقها كاملة، فتغدو العلاقة بينهما علاقة إنسانية لا سلطوية، يمكنها الاستغناء عنه، والتمرّد على فوقيته، دون التأثر بتبعات الانفصال. فقوانين المجتمع المدني تؤهل المرأة وعيا وسلوكا ومسؤولية، بعيدا عن سلطة الرجل، حداً يمكنها وعي الذات مستقلة تماما، وهي تمارس حياتها وفقا لهذه الرؤية. وهذا المستوى من الوعي ساعدت عليه إضافة للقوانين البيئة الثقافية المترشحة عن مبادئ حقوق الإنسان. تلك المبادئ التي حيّدت سلطة الكنيسة وموقفها من المرأة. وقدمت فهما مغايرا للدين، يستبعد سلطة الكاهن، ويمكن للفرد أن يعيش تجربته الدينية، كممارسة عبادية، بينه وبين خالقه. لكن الأمر مختلف في المجتمعات العربية والإسلامية، حيث يسود فقه المرأة، الذي كرّس قيمومة الرجل، وفرض عليها طاعته، وعدم التمرّد على أوامره. والروايات كثيرة في هذا المجال. بل تمادت تلك الأحاديث في محاصرة المرأة نفسيا واجتماعيا، باعتبارها ناقصة عقل، وشيطانا خلقت لإغراء الرجل. ومازالت حواء تنوء بخطيئة الرجل، في الخطاب الثقافي السائد. فكيف يمكن للمرأة التحرر من عبء الموروث الثقافي والديني؟

لكن الأمر ليس مستحيلا، فأما بالنسبة للمرأة المثقفة، فإن أهم إشكالية تواجه المثقفة العربية تحرير العقل الجمعي من ذكوريته وسلطويته واستخفافه، ليرقى إلى مستوى إنسانيته في تعامله معها. مع تعميق ثقتها بذاتها وبمنجزها، بعيدا عن تاء التأنيث، تحاشيا لاعادة انتاج الذكورة من خلال تكريس الأنوثة. وهذه اشكالية مركبة، تتطلب من المرأة عملا مزدوجا. تنقية العقل الجمعي من قيم التمايز الجنسي، وتأكيد إنسانيتها، من خلال مواقفها ومنجزاتها بعيدا عن التكريس اللا شعوري للأنوثة. فتارة تكرّس المرأة الذكورة وهي تقاوم تحدياتها، فتعيد انتاجها بصيغ مختلفة. وهذا ما يحصل حينما تصرّ المرأة على تأنيث منجزها تفاخرا أو تحديا، أو تكريسا لخصوصيتها، ليبقى المجتمع العربي في دوامة ثنائية المرأة / الرجل. الذكر / الأنثى. وتبقى نبرة الرجل تعلو صوت المرأة، رغم حضورها الكبير على المستوى العلمي والأكاديمي والاجتماعي والثقافي والأدبي والفني. بل ونافست الرجل في أعلى مناصب القيادة عندما مارست السلطة والحكم، "رئيسة دولة أو رئيسة وزراء"، أو كوزيرة ومستشارة، ومديرة، ورائدة فضاء، وبرلمانية.

 وخلاصة التسوية، أنها تتوقف على وعي الجذر الفلسفي للإشكالية، وكيفية تفكيكها، وإعادة بناء الوعي عبر ثقافة قادرة على زعزعة اليقينيات، وتفتيت رواسب النظرة الذكورية بالنسبة للرجل، ونظرة الاختزال بالنسبة للمرأة. وهذا يتطلب جهودا متواصلة، وتوظيف كافة الإمكانيات المتاحة لاستعادة الوعي، بعد طمر مخلفات ثقافة الاقصاء والترهيب والاضطهاد.

لا توجد حلول سحرية، والامر يتوقف على المرأة أولا، ومن ثم المجتمع.

 

س98: فاطمة الزهراء بولعراس: في المجتمع العربي ثلاثة انواع من النساء:

- امرأة تسبح ضد التيار شكلا ومضمونا. وهذه يهابها المجتمع لكنه يحتقرها ويكرهها.

- امرأة يحبها الجميع لكنها مستغلة ومهمشة.

- امرأة تناضل من أجل التوسط بين الحالتين، لم تجد نفسها لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء.

من أين نبدأ كعربيات لكي ننشئ أرضا صلبة نقف عليها ونمارس خصوصيتنا ونطبق افكارنا ولا نعاتب أو نلام؟

ج98: ماجد الغرباوي: أجد أن القضية نسبية بالنسبة للصنف الأول، فإذا كانت القضية صادقة في بعض المجتمعات، فإن البعض الآخر يقصي هذا النوع من النساء حدَ القتل، حينما يشكل تمردها عبئا على الأعراف والتقاليد لكن رغم حساسية الرجل من المرأة القوية غير أنه يهابها ويتمناها وقد يعشقها في أعماقه، فالرجل لا يستغني عنها، ويأنس بآرائها مهما تظاهر عكس ذلك. والمرأة التي تطمح للتغيير عليها أن تفهم جيدا آلياته، وتحقق أكبر قدر من المكاسب بأقل الخسائر، لأنها معركة ضارية، يختلط فيها الشرف والعفة والمسؤولية وغير ذلك.

وأما القسم الثاني، فهي المرأة التي تضع نفسها تحت تصرف الرجل، تستجيب لجميع طلباته، لتتفادى ذكوريته، وتحتفظ بكرامتها. فيصدق أن استغلالها ثمن لحيثيتها. غير أن لطاعة المرأة حدودا، يحتقرها الرجل عندما تصل حدَ الاستهانة بكرامتها. الرجل يحب المرأة القوية لكنه يكابر. وتخطأ المرأة عندما تضع حريتها تحت تصرفه مطلقا، وهو ما يرجوه المجتمع، وتحث عليه الروايات التاريخية والدينية.

وأما عن السؤال، فإن الأمر  يرتبط بنظرة المرأة لنفسها، وكيفية تعاملها مع القيم والعادات والتقاليد ونمط الترهيب الذكوري. فتارة تخطأ المرأة المثقفة في تشخيص أولوياتها، فتنحاز مثلا لقيم المساواة أو التحرر المطلق، كخيار لفرض نفسها، فتنسى تكوينها البايولوجي، وقدراتها الجسدية، التي تفرض أحكامها، فليست المساواة دائما هي الحل، بل في العدالة ضمان لحقوق الطرفين. فلا مصادرة لحريتها وإرادتها، في عدم إناطتها بأعمال شاقة تفوق قدراتها، بل مقتضى العدالة مراعاة تكوينها البايلوجي، وقدراتها الجسدية.

قاعدة الانطلاق: وعي حدود الذات، وتعزيز الثقة بالنفس، والتسلح بثقافة تبين حقوقها وواجباتها، وتقدم فهما مستنيرا لمعنى الحرية وكيفية ممارستها. لأن مشكلة المرأة في الصورة النمطية التي يحملها المجتمع عنها، أنها كائن معاق، يحتاج إلى الرعاية والقيمومة لتدارك نقص العقل، وضعف التدبير، وانعدام الحكمة. وهذا يتطلب جهدا ثقافيا لتغيير نظرة المجتمع، وتكوين نظرة إيجابية عن المرأة، خاصة أنها أحرزت تقدما كبير على صعيد المراحل الدراسية، واثبتت قدرتها على تحمل مسؤولياتها الوظيفية بنجاح واقتدار. فالبداية مع النفس وتعميق الثقة بالنفس. (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ). وفي الحديث: "ميدانكم الأول أنفسكم". فبعض النساء تشرعن سلطوية الرجل بدواع دينية أو استجابة لعادات وتقاليد المجتمع. والحقيقة أنها تضطر لذلك لتفادي سخطه وسخط المجتمع كما هي المرأة الثانية في الأمثلة المتقدمة. وعليه ينبغي للمرأة تقويض الوعي، والانفتاح على المرأة الإنسان، القادرة على تأكيد ذاتها من خلال حضورها الواعي داخل المجتمع، وضمن مسؤولياتها، التي توازن فيها بين مسؤوليات الوظيفة الإدارية والوظيفة المنزلية.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi10طارق الكنانيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الكاتب والأديب طارق الكناني.

 

شعار: الإسلام هو الحل

س96: طارق الكناني: مع كل معضلة تواجه الباحثين في العالم المعاصر يحاولون اكتشاف حلول لها وتخطيها بوسائل شتى. قد يفشل بعضها، لكن لا شك أنهم يجدون حلولا ناجحة فيما بعد. ولكن هناك عبارة يتم ترديدها من قبل الباحثين الإسلاميين عند مناقشة بعض المعضلات المعاصرة التي تواجه مجتمعاتهم حيث يقولون (الإسلام هو الحل).

96-1: ألا تعتقد معي أن هذا يعتبر تراجعا وعودة إلى الماضي الذي يصعب تكييفه مع الوضع الراهن؟

ج96: ماجد الغرباوي: "الإسلام هو الحل" شعار رفعه حزب "الأخوان المسلمين"، خلال تحالفهم الانتخابي مع حزب العمل والأحرار، في حقبة ثمانينات القرن المنصرم، لاستقطاب الشارع المصري، وضمان صوته الانتخابي، على خلفية دلالاته التي تحيل على المقدّس والدين في مقابل ما تطرحه المشاريع السياسية الوضعية، التي تركت انطباعا سلبيا بعد توالي إخفاقاتها وعجزها عن الوفاء بتعهداتها. ولم يعترض القضاء المصري آنذاك على رفع الشعائر، ولم يجد فيه مخالفة قانونية، لعدم تعارضه مع الدستور، الذي يؤكد في أحد مواده الرئيسية: "أن الإسلام دين الدولة الرسمي، والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع". فيأتي منسجما معه.

وكان للثورة الإسلامية في إيران دور محفّز، حيث أثار انتصارها دهشة الحركات الإسلامية، وكسر حاجز الخوف وشجع على الثورة ضد حكوماتهم. وهكذا تبنت جميعها بشكل مباشر أو غير مباشر، شعار "الإسلام هو الحل"، وسعت إلى تطبيقه، ولو بالقوة. فالثورة أوحت بإمكانية استنساخها، وإقامة دولة مماثلة تتبنى تطبيق الشريعة. وهنا ظهرت رثاثة الوعي عندما جُردت الثورة الإيرانية من شروطها، ولم تدرس ضمن سياقها التاريخي. وكانت نتيجته دوامة العنف وسفك الدماء، الذي انعكس سلبا على سمعة الدين، وعكس صورة قاتمة عن الإسلام، حتى بات مفهوم المسلم يعني الإرهابي.. معادلة تبناها الخطاب الغربي، والتطرف العنصري، أفضت إلى مقتل أعداد كبيرة، من مسلمين وغيرهم. وأما في العالم العربي والإسلامي، فيكفي حجم الخراب، وبشاعة المجازر، وما فعله المتطرفون في أكثر من بلد.

والإسلام هو الحل، شعار برّاق، مغرٍ، تتفاعل معه الروح الثورية وتفتتن به، في إطار رؤية عامة لعلاقة الدين بالحياة والسياسة. شعار قادر على تحريك مشاعر المسلمين، وحملهم على تبنيه.

وبشكل عام دخلت الحركات الإسلامية منعطفا كبيرا بعد انتصار الثورة في ايران سنة (1979م)، حيث تنامى الأمل في استنساخ التجربة في بلدان أخرى، فهبّت من سباتها تعد العدة لخوض معارك ومواجهات مع الأنظمة الحاكمة باعتبارها أنظمة لا دينية يجب استبدالها. فحدثت تحركات واسعة في مصر وتونس والمغرب والجزائر والعراق وسوريا. لكن السلطات الحاكمة استطاعت إخمادها وزج الدعاة في السجون والمعتقلات. ومنذ ذلك الحين دخلت الحركات الإسلامية في مرحلة جديدة، مرحلة المعارضة  المسلحة، وتكبّدت خسائر كبيرة على صعيد التنظيم والأفراد. مما دعا بعض قيادات التنظيم إلى مراجعة شاملة انطلقت من سجون مصر، لتنتشر وتؤثر في فرز حاد لأتباع الحركات الإسلامية بين مؤيد للعنف والقوة لتحقيق أهدافه، وبين منحاز للسلم والعمل السلمي (معارضة سلمية)، فصار ثمة فارق نوعي بين سلوك الطرفين، رغم وحدة الهدف في الوصول إلى السلطة وإقامة دولة إسلامية. فهناك القاعدة والتشكيلات التابعة لها ومن بعدها داعش والفصائل المماثلة لها، التي نحت منحى إرهابيا بعيدا عن الإسلام وقيم السماء. وهناك حركات تشبثت بالعمل السلمي من أجل الوصول للسلطة، وبالفعل مارس بعضها السياسة علنا من خلال أحزاب منظّمة، وصار قوة لها استراتيجيتها، ورقما فرض نفسه على المعادلة السياسية. (كتاب: الحركات الاسلامية).

الجذر التاريخي للشعار

ليس الشعار غريبا على الوعي الديني، بل أن من صميم العقيدة تطبيق الشريعة، والكفاح من أجل اعتبارها مصدرا وحيدا للتشريع في دساتير الدول الإسلامية. وإذا كان تنظيم "الأخوان المسلمين" أول من طرحه بهذه الصيغة (الإسلام هو الحل)، فهذا لا ينفي جذره التاريخي. بل يؤكد ما تبناه الفقه الإسلامي، أن "الإسلام دين شامل كامل للحياة"، و"ما من واقعة إلا ولله فيها حكم". ومعناهما أن الإسلام حلٌ لكل معضلة حياتية ودستورية، من هنا أفتوا بحرمة التشريعات الوضعية كما مرَّ بيانه مفصلا.

وعندما رفعت الحركات الإسلامية هذا الشعار، فثمة ما يعزز ثقتهم بإمكانية تطبيقه تاريخيا إضافة لما حصل في إيران، كتجربة الخلفاء، التي تعتبر نموذجا للدولة الدينية العادلة التي أقامت شريعة السماء. بل وتعتبر امتدادا لدولة النبي في المدينة المنورة، ومن ثم دولة الخلافة الراشدة. فلم ينطلقوا من فراغ حينما رفعوا الشعار. بل أن نجاح تلك التجارب يؤكد إمكانية استنساخ دولة الخلافة. وأما الإخفاقات فمردها خطأ في التطبيق، وليس خللا في النظرية، أو نقصا في الدين والتشريع، هكذا استقر في وعيهم، وتشهد لهم أدبياتهم.

الحركات الإسلامية هي جزء من مسار حركات سياسية تاريخية طالما رفعت شعارات سياسية من أجل الوصول للسلطة، كشعارات "يا لثارات الحسين"، وشعار العباسيين، "الرضا لآل محمد"، وغيرهما. وجميعها تحركات سياسية تتخفى وراء شعارات دينية، لكسب الرأي العام، وتأليبه ضد السلطات الحاكمة، باسم الدين والإسلام. وشعار "الإسلام هو الحل" يأتي في هذا السياق رغم إيحاءاته الدينية والإسلامية إلا أنه شعار سياسي بلا مواربة، يطمح للسلطة، وقد يتنازل عن مبادئه وشرط تطبيق الشريعة عندما تحاصره الظروف السياسية.

دلالات الشعار

يمكن رصد ثلاث دلالات منطقية لهذا الشعار:

1 – إن تبني شعار "الإسلام هو الحل"، يؤكد كمال الشريعة، وشمولها لجميع مناحي الحياة، قياسا على كمال الدين. غير أنه يخفي على المتلقي حدودها وهامشها، وحجم المساحات المتروكة، أو ما يعرف عندهم اصطلاحا بـ"الإباحة". فهو يمارس خداعنا، حينما يقيس كمال الشريعة، بمعنى شمولها لمطلق وقائع الحياة، بكمال الدين. بينما أحكام الشريعة محدودة، وما تبقى اجتهادات فقهية، تفتقر لمشروعيتها، سوى قواعد وأصول تم تأسيسها بعناية فائقة. فكمال الدين الذي تشير له آية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) يقصد به كماله، ضمن العدد المحدود من الأحكام الشرعية، ولم يشترط كماله بأحكام فقهية مستأنفة، لذا تفتقر لدليل يؤكد حجيتها.

2- يستبطن شعار (الإسلام هو الحل) إدانة غير مباشرة لمناوئيه، لعدم تطبيقهم الشريعة، ويعتبر عدم تبني الشعار سببا لجميع إخفاقاتهم وفشلهم، ونحن نعلم ثمة أسباب كثيرة وراء الفشل السياسي، وليست مقتصرة على عدم تطبيق الشريعة، بل لم يؤخذ تطبيقها شرطا في تقدم الدول، وتبقى قضية تخص بعض الشعوب المسلمة. وبالتالي، قد تبدو رسالة الشعار مشروعا سياسيا بديلا، يراهن في نجاحه على الإسلام، غير أن المتستر عليه أنه رسالة إدانة للأحزاب والحكومات الوضعية، وإدانة للشعوب التي منحتها ثقتها بعيدا عن الدين، ويحمّلها جميع الإخفاقات بسبب بعدها عن الإسلام. فالشعار يوحي بلازمه / الإدانة. ويكفي دليلا استجابة الناس له، مصحوبة - أي الاستجابة - بإدانة الأحزاب والحكومات الوضعية، ويسلبها مشروعيتها. وهذا ما يؤكد إيحاءاته.

3- يستجير الشعار بالمقدس الديني، حينما يستمد مشروعه من كمال الدين، ويتجاهل جهده البشري. أو يرتفع به فوق النقد والمراجعة، فيلغي الآخر، ويفرض الاعتراف بقدسيته، مهما كانت بشريته، شرطا لتفعيل ممكنات التشارك في السلطة. ثم أن الاعترا ف بقدسيته، شرعنة صريحة للاستبداد والتسلط، وهذا مكمن خطر الحركات الإسلامية في السلطة، حيث تغدو جميع تصرفات الحاكم مشروعة ومقدسة.

براءة الشعار

إن شعار "الإسلام هو الحل" كغيره من الشعارات، يتمتع بزخم عاطفي، وقدرة على تعبئة الناس، وتحريض الرأي العام. ويمارس مكره حينما يتستر على هدفه السياسي، ويحقق رسالته، عبر توظيف اللغة، وإيحاءات الخطاب. فلم  يكن شعارا بريئا، يروم تطبيق الشريعة لأجل الدين، بل يكمن خلفه مشروع سياسي، يطمح لإقامة دولة دينية، تخضع لفكر الإخوان المسلمين وإيديولوجياتهم واستراتيجيتهم. مشروع يختزل الدين بإقامة الدولة، بهذا يتضح الفارق النوعي بينه وبين التجارب التاريخية، التي كانت تسعى لتطبيق الشريعة، امتدادا لتطبيقها في زمن النبي. فهي لم ترفع الشعار لاقامة دولة، ولم تبرر وجود الدولة بتطبيق الشريعة. بينما تتخذ الحركات الإسلامية من الشعار مبررا لاقامة الدولة، التي هي بذاتها هدف أساس لها. فليس الهدف من وراء الدولة الدينية تطبيق الشريعة فقط، بل يتمادى منظّرهم سيد قطب حينما يقول: (نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية. تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم، وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم، حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجعة إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرا إسلاميا، هو كذلك من صنع هذه الجاهلية).  

بهذا يتضح أن الحركات الاسلامية لا تتعامل مع أفراد المجتمع على أساس إنسانيتهم، أو وفقا لاختصاصاتهم ومهاراتهم. ولا تضمن احترام وجهات نظرهم. ولا معنى لحرية الرأي والعقيدة عندهم. المقياس الوحيد مدى إيمان الشخص والتزامه بالشريعة الإسلامية المتضمنة لآراء فقهائهم، وما يصدر عن السلطة (أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من أوامر وقرارات. لذا فالفرد بنظرهم: إما مسلم أو كافر، وإما ملتزم دينيا (متدين أو خيّر) أو فاسق. والبلد إما دار إيمان أو دار كفر. وأما الإسلام وشهادة الشهادتين، فهي ليست مقياسا لكل شيء، ولا تعصم الإنسان إلا في حدود. وبالتالي لا معنى لوجود مجتمع مدني، وشِرعة حقوق الإنسان، والاعتراف بالآخر المغاير، وفقا لما يتبناه سيد قطب منظّر الأخوان المسلمين.

رهانات الشعار

يراهن شعار (الإسلام هو الحل) على خلفية تختزن صورة مشرقة، مبالغ فيها، عن دولة الخلافة. وهي صورة ساذجة، كتبت بأقلام السلطة، دون نقدها وفضح بشريتها وعدم مثاليتها، بل وعدم شرعية سلوكها، وتصرفات حكّامها في أحيان كثيرة، غير أن خطاب التبرير استطاع بحكم سذاجة الوعي، ترميم الأخطاء، وتبرير مطبات السلوك السياسي، وتقديم صورة نقية، مقدسة، تلهب مشاعر الناس، وتتمنى عودتها. إن دولة الخلافة تجربة بشرية مرتهنة لظروفها. لها نجاحاتها وأخطاؤها. وتقيمها بموضوعية يتطلب تبريرا معقولا لصراع السلطة، وحجم الدماء التي سفكت بسببها، ودواعي استحواذ قريش عليها. إضافة إلى بيان حدود الحرية الشخصية كمصداق لمثاليتها، ومدى الاعتراف بالآخر، وقدرة الفرد آنذاك على التجاهر بآرائه ومعتقداته، ولماذا شهداء الكلمة والمنبوذين والمهمشين وغيرها من قضايا، مازال الشك يعصف بشرعيتها.

كما أن خلفية المتلقي تحمل صورة عن الدين تستمد قدسيتها من قدسيته، ولا بأس، غير أن مسألة كمال الشريعة، وصلاحية الدين لكل زمان ومكان مطلقا، بحاجة إلى تأنٍ لاستعادة الحقائق ومحاكمتها وفقا للنصوص التأسيسية / آيات الكتاب، ومدى شمول التشريع لجميع مناحي الحياة. وهل حقا يقصدون خصوص آيات الأحكام، أم الأعم مما أضاف المسلمون من مصادر تشريعية؟. وحينئذٍ يفتحون الباب لجواز التشريع وملء الفراغ. فثمة تزوير للحقائق مازال يراهن على رثاثة الوعي، وبساطة المتلقي وطيبته.

أحسب أن هذه المقدمة أضاءت الأبعاد التاريخية والسياسية للشعار، والأهم بيان ما يضمر من أهداف سياسية. فهو شعار سياسي بامتياز يتخفى وراء الديني، ويسعى لتوظيفه، ليبرر مشروعية مواقفه وسلوكه، وشرعنة أفعاله وقراراته.

 

96-1: ألا تعتقد معي أن هذا يعتبر تراجعا وعودة إلى الماضي الذي يصعب تكييفه مع الوضع الراهن؟

ج: إن منطوق "الإسلام هو الحل"، يؤكد شمول الشريعة وقدرتها على الاستجابة لجميع متطلبات الحياة، في كل زمان ومكان. ويوحي بوجود حلول جاهزة، ما على الحكومات سوى الالتزام بها وتطبيقها. ولو سلّمنا جدلا بهذا الكلام، فإن الشريعة ناظرة للواقع، وعندما نزلت الأحكام الشرعية، كانت تقصد ذلك الواقع، وأما إطلاقها لكل زمان ومكان فيحتاج إلى دليل، خاصة وفق ما قررناه مرارا أن فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه. فنحتاج إلى دليل يؤكد ثبات موضوعات الأحكام. وهذه قضية مفصّلة يرجى مراجعة البحوث السابقة، ومعرفة المائز بين أحكام العبادات، وغيرها من الأحكام التي تخص شؤون الفرد والمجتمع.

فإذا كنت تقصد بكلامك قياس الحاضر على الماضي، كما يفعل الفقهاء والسلفيون وكثير من الحركات الإسلامية، فيصدق أنه عودة للماضي الذي يصعب تكييفه مع الحاضر، بعد تجريد الماضي من تاريخيته، والتمسك بإطلاقات الأحكام، بغض النظر عن فعلية موضوعاتها. خاصة التمسك بعمل السلف التي هي اجتهادات شخصية، تتأثر بقبليات الصحابي والإمام والفقيه. إذ هنا ثمة فارق جوهري بين أحكام الشريعة، المنصوص عليها قرآنية، وما تلاها من أحكام تمثل وجهات نظر فقهية، مهما كانت نسبتها للشريعة، باستثناء تطبيق كلياتها على مصاديقها.

 

96-2: ألا يعتبر هذا سببا رئيسيا لتخلف الأمة الإسلامية بشكل عام عن الركب الحضاري لأنها مازالت ترزح تحت أفكار السلف وتستحضرهم بكل مافعلوا وقرروا ليطبقوها في العصر الحالي.. الأحزاب والحركات الإسلامية إنموذجا؟

ج: فهم الدين ودور الإنسان في الحياة، يؤثر سلبا وإيجابا على تقدم أو تخلف الأمة. فهناك ما هو أعمق من تطبيق الشريعة، وأعمق من الشعارات التي ترفع باسمها. فثمة اختلاف جذري في فهم الدين ودور الإنسان في الحياة تكلمت عنهما خلال الحديث عن الفرق بين منطق العبودية ومنطق الخلافة. فعندما يريد الشعار فرض قيمه ومفاهيمه التي هي اجتهادات شخصية من وحي قبليات الجماعة الإسلامية، وهي قبليات سياسية، وطموحات سلطة، فلا شك بما تقول.

 

96-3: ألا يعتبر هذا نكوصا فكريا لدى هؤلاء الباحثين وعدم استجابتهم لمتطلبات التغيير والحداثة؟

ج: هؤلاء ليسوا مجرد باحثين، بل أصحاب مشاريع سياسية، والسياسي لا يفكر بالنكوص الفكري. همه الوحيد مصالحه ومصالح حزبه، وكسب الناخب، ضمن الممارسة الديمقراطية. وإقناعه بمشروعه خارجها. والثانية أخطر، حيث يفرض إرادته وسلطته باسم الدين والتشريع.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi9طارق الكنانيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الكاتب والأديب طارق الكناني.

 

عبء العقائد

ماجد الغرباوي: عندما ننتقل للعقائد الدينية، ونعيد السؤال وفقا لما تقدم: "هل تؤثر هذه العقائد على مستوى الإيمان الروحي بالخالق"؟ ومدى هذا التأثير؟.

لا مراء، ثمة تأثير متبادل. الإيمان يستدر العقيدة مشروعيته رغم تعدد مناشئه، ليضفي عليها معنى من خلال تجلياته. وبينما تقدّم العقيدة تصورات نظرية للكون والحياة وما بعد الموت، يمنح الإيمانُ العقيدةَ صدقية من خلال تجربته الروحية ومختلف تمظهراته، عبر ممارساته الطقوسية. أو تبقى معلقة ما لم يجسّدها الإيمان سلوكا ومشاعر تنتمي لها. ولا ريب في كل هذا، لكنَّ الكلام عن مستويات التأثير، ومدى توقف وجود أحدهما على وجود الآخر. وهل كلاهما مرتهن للثاني؟.

العقيدة لغة كما مرَّ، مأخوذة من الفعل "عَقَدَ"، وما عقد عليه القلب، وأذعن له وصدقه. ويقصد بها الاعتقاد دون العَمل، كعقيدة وجود اللهِ وبَعْثة الأنبياء. فهي تشير للبعد النظري، كمنظومة مفاهيم وتصورات، ينتسب لها الإيمان. وأما الإيمان فيأتي من الأمن والاطمئنان والانسجام النفسي. وهو تراكم لا شعوري لا تشكل الحقيقة (التي هي جوهر العقيدة حسب الفرض) سوى جزء موضوعه، ويستمد صدقيته من مناشئ وأبعاد أيديولوجية أخرى. لذا تعددت مناشئه، ولم تقتصر على وجود أدلة وبراهين. وقد لا تورث الأدلة العقلية والفلسفية الإيمان بسهولة ما لم يصاحبه طقوس وشعائر ومناسبات ومشاعر وتحديات وردود أفعال وعادات وتقاليد وعبادات، تحقق الحالة الروحية والنفسية المعبرة.

الإيمان يترسخ بالممارسات العبادية والتسليم، وتقوضه الشكوك المجردة من العاطفة. من هنا لعبت الطقوس والشعائر دورا كبيرا في ترسيخ ونشر العقائد الدينية رغم لا معقولية بعضها. ومن هنا أيضا أكد القرآن على العمل الصالح دليلا على صدق الانتماء العقدي، خاصة العقائد الغيبية، التي لا يمكن للفرد الإمساك بها، إلا من خلال ممارسات شعورية تُلهِم الإيمان والتصديق، بعيدا عن الأدلة والبراهين. ليغدو نفس العمل الصالح دليلا على صدقية العقيدة، وهذا دافع لا شعوري، يتأتى بديمومته وتبني طقوسه وشعائره: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). بهذا نفهم أن الإيمان بالغيب كعقيدة دينية راسخة لدى جميع الديانات، تستدعي إذعان النفس من خلال جميع الممارسات العبادية، كالعمل الصالح، والإتيان بالحسنات، والتسبيح، والذكر وإقامة الصلاة، والصوم والحج. وهي مشتركات إيمانية. فالإيمان شرط لرسوخ العقيدة، حينما يكرّس قدسيتها، ويضفي لها معنى، ويعيد تشكيلها لتفادي نوازع الشك والتمرد. أو أنه يعيد إنتاجها لتواكب ضروراتها، وما يملي عليها الخطاب الأيديولوجي. فالإيمان لا ينتقل من مرحلة التصور إلى مرحلة التصديق إلا من خلال تجربته الروحية، التي تغذيها مختلف الطقوس والشعائر والإيحاءات الرمزية.

وبالتالي، إن إيمان الناس بشيء أو بعقيدة مهما كانت، لا يعني مطابقتها للواقع، بل نكتشف من خلال الإيمان بنية العقل ومضمراته التي تفضي له. وأما صدقية العقيدة فتحتاج لأدلة. أي أن الانتقال من المرحلة التصورية إلى المرحلة التصديقية التي يذعن فيها القلب ويؤمن، يحتاج لأدلة عقلية ونقلية. فلا يمكن الاستدلال بإيمان الناس على صدق عقيدتهم، لتعدد مناشئه. رغم أن الإيمان بشكل عام تجرية روحية شخصية يعيشها الفرد بمشاعره وأحاسيسه، لا تحتاج إلى ما يؤكدها، بل يدرك الإنسان نور الإيمان بقلبه، ويعيش فيوضات التجربة بمشاعره.

خلاصة ما تقدم، تشكل العقيدة أحد روافد الإيمان، وقد تبقى مجرد تصورات، لا يذعن لها القلب ولا تحرّك مشاعر الفرد. كمن يزاول تدريس العقائد، ويقتنع بأدلتها وبراهينها، دون أن تستفز مشاعره أو تخلق لديه وازعا، يتجلى من خلال مشاعره وسلوكه. وقد يعمل الخير لا يقصد به التقرب إلى الله رغم إيمانه. بينما يحرص المؤمن على إتيان عمله بدواعي التقرّب لله تعالى، وهذا من وحي عقيدته، وتصوراته الإيمانية. فالعقيدة جوهر الإيمان، تتولى تقديم رؤية كونية تؤطر العمل الإيماني، وتمنحه مشروعية كاملة، من خلال ضوابطها ومقاييسها. رغم رهانها المستمر عليه، خاصة الغيبيات والحقائق الدينية التي لا يمكن الاستدلال عليها خارج النص، وتقنيات الإيمان. فهي جوهره، ومصدر مشروعيته. لا يستغني الخيال البشري المرتهن للغيب والدين، مهما كانت بساطة الإنسان، فهو يمتلك رؤية ولو ضبابية، لكنها موحية، تدفع باتجاه العمل، سلبا أو إيجابا، وهذا سرَّ خطورتها، وسّر تكريس الكتب السماوية مساحات واسعة لرسم ملامحها، وبيان أطرها، ومحدداتها، خوفا من الإنزلاق العقدي. ونؤكد هنا أن الايمان وضمان روافد سليمة لتغذيته مهمة دينية، تشهد لها جميع الكتب السماوية.

انضباط العقيدة

تشكل العقيدة خطرا حقيقيا على الدين وأهدافه، عندما تنحرف عن غاياته ومقاصده، كأن تبرر الشرك بدواعٍ مختلفة، بينما التوحيد جوهر الدين: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ). فالجزء الأول من الآية يفضح أساليب تسويف عقيدة التوحيد والدين الخالص لله. وعندما أقول أن العقيدة تمنح الإيمان مشروعيته، أقصد أنها تحدد اتجاهه، فتغدو بوصلته في حركة الواقع ضمن تجربته الروحية، بمختلف تمظهراتها شعوريا وسلوكيا. وبما أن الكلام عن العقيدة الدينية، فهي محددة قرآنيا، ولا قيمة لأية أضافة تفتقرلدليل صريح يدل عليها، خارج دائرة أتباعها ومعتنقيها ممن يتلقونها في إطار بيئتهم الثقافية والاجتماعية. وهي واضحة قرآنيا، تلخصها آية: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).

لذا أفضى علم الكلام الإسلامي القديم إلى نتائج سلبية، عندما وظّف نفسه لأهداف أيديولوجية ومذهبية وطائفية وسياسية، رضخ لضروراتها، وصارت مهمته الدفاع عن عقائد شابها الشرك، وشرعنة الظلم والجور، فشكلت تداعياته خطرا على فهم الدين، إذ أنه أسقط الإنسان من معادلة المتكلمين، وأهمل حاجاته وتطلعاته، فهجرته العقيدة وأخذ يشق طريقه بمعزل عنها، خلافا للمنهج القرآني الذي أراد أن تكون العقيدة موجها للإنسان في سلوكه وممارساته، ويعيش التوحيد بكل كيانه ومشاعره وأحاسيسه، ويتسق مع الوجود في حركته إلى الله تعالى . فلجأ الإنسان إلى نزعات باطنية، غنوصية، صوفية لملء الفراغ الروحي الذي خلّفته العقيدة بعد أن هجرت الحياة واستقرت في عقول المتكلمين، تهددها الشكوك والأوهام. وأخذ الإنسان يمارس لونا آخر من العقيدة، اقتصر فيها على طقوس وشعائر مجردة، فصيرته إنسانا مزدوجا، موزعا، فهو في ممارساته الدينية غيره في علاقاته الاجتماعية.

المشكلة أن الفكر الديني عموما يجترح أفكارا ومفاهيم وعقائد، تتحول بمرور الأيام إلى مرجعيات نهائية، وسلطة فوقيه توجه وعيهم وتفكيرهم وسلوكهم. ثم تندرج ضمن اللامفكر فيه، والممنوع، والمحرم، عندما تُضرب حولها أسيجة قدسية، ويتولى حمايتها حرّاس العقيدة وجندرمة الخطاب الرسمي. فما نسعى لها هو استعادة بشريتها لنقدها، ومعرفة ظروفها، وكيفية اشتغالها، وفرض حقيقتها، وما هي علاقتها بالنصوص والروايات. فهي قضايا بشرية واجتهادات شخصية، فكيف تحولت إلى جزميات دوغمائية تتحكم بمسيرتنا وبمستقبلنا؟. فالعقيدة اليوم قائمة على النص، وما لم نمارس النقد على نصوصها كمرجعيات نهائية لا يمكن الحد من تأثيرها وتمددها، رغم أنها وجهات نظر تاريخية. إن خطر العقيدة لا بحضورها بل بمرجعياتها الميثيولوجية، التي ترتكز للامعقول، وترفض العقل والعقلانية. فتعيش أوهام الحقيقة، والنجاة المطلق يوم المعاد.

التنوّع العقدي

ثم يأتي الشق الثاني من السؤال المتقدم: (وهل هذا التأثير سلبي أم إيجابي؟ أي بمعنى هل يساهم في ترسيخ العقيدة أم يكون عامل نفور منها؟).

لا شك إذاً أن كل عقيدة تؤثر في إيمان الفرد، مهما كان مستواه، ويكفي ارتهان مشروعيته بها. ومعنى هذا أن العقيدة بوصلة الإيمان، وربان شراعه، وفق ما تؤصله من مقولات تنتظم ضمن بنيتها. فعندما تؤصّل لوحدانية الله مثلا، يصبح التوحيد قبلة الإيمان، على نحو جامع مانع، يكرّس وحدانيته تعالى، ويمنع جميع الأغيار، مهما كانت شائبة الشرك. وعليه بما أن العقائد الموازية، تستظل بالعقيدة الأم، فإن إيجابيتها وسلبيتها مرتهن لأدائها التصوري، ومدى قربه وبُعده من جوهرها. وهنا سنكون أمام تنوّع عقدي، لكل واحد أحكامه، ويمكن في هذا الخصوص تحديد مصاديقها والموقف منه:

1- الدليل العقلي:

تارة يكون العقل دليلا على صدقية العقيدة، كما بالنسبة  لوجود الخالق (أصل وجوده)، الذي يمكن للعقل الاستدلال عليه من خلال بعض البديهيات كامتناع التسلسل، وقانون العلة والمعلول، وبطلان الدور، وهناك محاولات رياضية جادة، والاستعانة بالاستقراء. وهذا القدر من الاستدلال يطمئن له العقل حدَ اليقين والإذعان، ويكون إيمانه في بعده النظري إيمانا برهانيا. غير أنه يقتصر على من لهم قدرة على إعمال العقل، وإقامة الدليل. وعليه فالإيمان هنا مرتهن لمؤدى الدليل ومدى صموده أمام الإشكالات النقدية ليتناسب معه طرديا. ويبقى تأثيره في حدود الجانب النظري، ضمن رؤية فلسفية ونظرة كونية شاملة. فالعقيدة هنا قادرة على ربط الفرد بخالقه، وقادرةعلى إثراء التجارب الروحية، وتطويرها من خلال تأمل واعٍ لصفات الخالق التي تتجلى له عبر مخلوقاته، بل وتفتح له آفاقا أرحب ضمن تجربته الروحية. لكن أعود وأؤكد موضوعها وجود خالق لهذا الكون، وما عداه، يستدعي مصادر أخرى.

2- الدليل النقلي:

وتارة أخرى يكون النقل دليلا على العقيدة، وهو مصدر جميع تفصيلاتها، عدا إثبات أصل وجود الخالق، الذي يمكن للدليل العقلي إدراكه. وهنا ستكون العقيدة مرتهنة للنص وشروطه وارتهاناته، وهو بالذات سيكون مقياسا لإيجابية وسلبية التأثير، فيُقتصر على النصوص التأسيسية، التي هي موضوع للفهم والتفسير. وما يتلو النص التأسيسي، نصوص ثانية، شارحة ومبينة، تعكس قبليات مؤلفها، وتخضع لإملاءاتها، وضروراتها. النص الثاني يعيد انتاج النص الأول، حداً يحجبه ويحلّ محله، تحت ذريعة الصُحبة والقرب من عصر الوحي، وقد وصل الحال الإفتاء بحرمة مقاربة النصوص التأسيسية إلا من خلال نصوص الصحابة والتابعين، كما هي التفاسير التراثية (التفسير بالأثر) التي تهتدي بهدي من سبقهم، وهم الطبقة الأولى (من الصحابة والتابعين، كابن عباس وابن مسعود وابن عمر. أو كمجاهد وقتادة). فيرتهن فهم النص التأسيسي لقبلياتهم ومتبنياتهم الأيديولوجية، المرتهنة أساسا لأولوياتهم القَبلية، واتجهاتهم السياسية. وهنا قد تتضخم العقيدة أو تختزل وفقا لمتطلبات النصوص الثانية. لذا اشترط بالنص، كمصدر للعقيدة، أن يكون نصا تأسيسيا. وهو شرط عقلي، تم التنظير له والحديث عنه مرات عدة، مفاده لا يمكن رفع اليد عن الامتناع العقلي، كما في العقائد الممتنعة عقلا، إلا بدليل قرآني، باعتباره كاشفا تاما عن الحقيقة، فنرفع اليد عن الامتناع، لا بمعنى تخصصيه لأن أحكام العقل لا تخصص، بل بمعنى وجود أسباب خافية علينا. وخلاصة ما تقدم أن الإيجاب والسلب صفتان مرتهنتان بصدق العقيدة، وحدود تأثيرها، وليست ثمة عقيدة مفتوحة، لمخالفتها الأصل العقلي. فصدقها وقصور أدلتها، كلاهما يؤثر في الإيمان سلبا وإيجابا.

تجدر الإشارة، أن اشتراط القرآن مصدرا للعقيدة، يضمن انضباطها، وعدم السماح باستغلالها، وتوظيفها لأغراض سياسية ومذهبية وطائفية، وهنا أقصد أمرين: الأول: جميع ما وراء الطبيعة، من مقولات عقدية غيبية، كالجنة والنار والجن والشيطان، فإنها قضايا نسبية، ليس لها حقيقة خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي، فيلعب النص ومصدره دورا أساسا وراء حقيقته. فنقتصر على النصوص التأسيسية دليلا على ثبوتها أو نفيها، وماعدا ذلك يُعد تقوّلا على الله، ويكون تاثيره سلبا على الإيمان، كما بالنسبة لعذاب القبر، وما تسرده الروايات من أوصاف مهولة، لا تجد لها جذرا قرآنيا. والكلام هنا عن العقل الجمعي، والوعي الجماهيري المرتهن للغيب والتراث.

والثاني: الاصطفاء الذي تتحدث عنه النصوص الثانية، ولم تجد لها مصداقا في النص التأسيسي / القرآن، فأيضا تداعياته على الإيمان خطيرة جدا، وهو مصدر معاناة الوعي مع العقائد التي ظهرت بعد وفاة الرسول، وبذلت جهود تنظيرية هائلة لربطها بالدين، وبالنصوص التأسيسية الأولى. يمكن الاطلاع على كتاب: (مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني).

فتأثر الإيمان بالعقيدة مرتهن لصدقيتها، ومصدرها، ومدى قدرتها على مقاومة التحديات والإشكالات. إضافة لقوة رمزيتها، وما تكتنزه من دلالات، وتوحي به آفاق معرفية متجددة. وتبقى التجارب الروحية، والضبط السلوكي مقياسا للإيمان العملي، الذي يستفز الفرد، ويدفع باتجاه العمل الصالح، كتجل له.

 

س95: طارق الكناني: إذا لم يكن لها تأثير سلبي ولم تخلق فجوة بين الخالق والمخلوق، فما الضير في تبني هكذا أفكار، والإبقاء عليها كتراث شعبي. حتى لو أضيفت لها بعض القدسية حيث ستبقى علاقة المخلوق بالخالق وثيقة ويمارس الطقوس العبادية الأصيلة وفق ضوابط شرعية عالية الموثوقية؟.

ج95: ماجد الغرباوي: اتضحت آنفا مصادر العقيدة، أما تكون عقلية، ارتكازا لمبادئ عقلية وفلسفية. أو يكون مصدرها النص، فنقتصر عليه. وعندما نعود لهذه المصادر، نجد أن حدود الدليل العقلي والفلسفي إثبات خالق لهذا الكون، وما تبقى من مقولات عقدية مصدرها النص. وقد ذكر الكتاب ما يكفي لبيان عقائد الدين الإسلامي، وبيّن رأيه في جميع ما عداه من عقائد، كان الناس يدينون بها. فأسس لمائز عقدي، محوره التوحيد، واقتصار القداسة، بمعنى الارتفاع بالمقدس فوق النقد والمراجعة، على الخالق تعالى، باعتبار صفاته الذاتية التي تفرض قداسته.

الأهم من كل هذا أن العقيدة جزء مقوّم للدين، وتلعب دورا أساسا في تأسيس مقولاته، وربطها بهدفه الأساس، وليس ثمة فوضى، يُفتح بموجبها الباب للاستزادة من عقائد تستدعيها ضرورات أيديولوجية أو سياسية. خاصة العقائد التي تترتب عليها آثار دينية وعقدية، ولها إنعكاسات على الفرد وعلاقته الاجتماعية، إضافة إلى تأثيرها على مستقبل الجماعة ومعتنقي ذلك الدين، على جميع الأصعدة. فالعقائد التي تنظّر لقدسية شخصيات ورموز دينية أو تاريخية، وتفرض لهم صلاحيات وسلطات واسعة، ولم ينص الكتاب الكريم عليها، فإن تداعياتها لا تقف عند حدود العقيدة، وضوابطها القرآنية، بل تتعداها للشريعة، وأصول الدين وفروعه. ولكل استحقاقه والتزاماته، التي قد تكون باهظة جدا، وتعرّض جوهر الدين للتشويه والاحتكار، وتؤسس لقيم تجافي التسامح الديني، عندما ترفض الآخر، لمجرد عدم قناعته بمنطق الوصايا الجديد. فنحن أمام دين إلهي، له ضوابطه، وعندما تحدد الآية أصول العقيدة، وبيان مصاديق الاصطفاء، فإنها تؤسس لضابطة كلية، ينبغي الإلتزام بها دليلا على صدقية الإيمان، وأي تلاعب سيكون متهما قرآنيا، والاتهام يسلب العقيدة الموازية شرعيتها، فكيف يحتفظ بها تراثا، يرمز للدين والقيم الدينية؟.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi8طارق الكنانيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الكاتب والأديب طارق الكناني.

 

س94: طارق الكناني: في كل الديانات القديمة وبمرور الوقت تنشأ عقائد جديدة، نابعة من الأساطير التي يتخم بها الموروث الشعبي لهذه المجتمعات القديمة، وبحكم الفلسفات التي يتداولها معتنقو هذه الديانات.. وقد تكون هذه الأفكار والعقائد باعثا على التجديد وعدم الركون لفكر ثابت، وهذه الأفكار نابعة بالتأكيد من الأساطير التاريخية التي تتراكم بفعل الزمن لتصبح عقائد راسخة لدى معتنقي هذه الديانات وهناك الكثير من هذه العقائد إذا أحببت أن أورد لك نماذج على سبيل المثال لا الحصر.

السؤال هو: هل تؤثر هذه العقائد على مستوى الإيمان الروحي بالخالق؟ ومدى هذا التأثير؟ وهل هذا التأثير سلبي أم إيجابي؟ أي بمعنى هل يساهم في ترسيخ العقيدة أم يكون عامل نفور منها؟

ماجد الغرباوي: شكرا للأخ الأستاذ الكاتب والأديب القدير طارق الكناني، وشكرا لأسئلتك القيمة. جدير بالذكر أن الأخ الكناني، قد أجرى معي، قبل الشروع في هذا الحوار المفتوح، حوارين مفصّلين وطويلين، تمخضا عن صدور كتابين، الأول بعنوان: (رهانات السلطة في العراق.. حوار في أيديولوجيا التوظيف السياسي). الذي صدر سنة 2017م، عن مؤسسة المثقف في سدني – أستراليا، ودار أمل الجديدة في دمشق – سوريا. والثاني بعنوان: (مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني)، صدر مرتين عن مؤسسة المثقف ودار أمل الجديدة. الأولى سنة 2017م، والثانية عام 2018م. وقد سجل الأخير حضورا لافتا في معارض الكتاب التي شاركت فيها دار أمل الجديدة. وكلا الحوارين لم يُنشر على حلقات في صحيفة المثقف. فأهلا وسهلا به وهو يستأنف طرح أسئلته حول موضوع جديد.

تاريخية العقائد

إن تطور العقيدة بشكل عام، والعقيدة الدينية بشكل خاص، حقيقة تاريخية. وكذلك انشطارها وأفولها، بعد انهيار إرادة التحدي، وضعف مقوّمات الصمود أمام الإشكاليات المطروحة. ويكفي مراجعة كتب المِلل والنِحل وكتب العقائد والفِرق للتعرّف على تاريخ نشوء وتطور العقائد الحية، فضلا عن العقائد التي اندثرت أو بادت، لأسباب بعضها ذاتي يرتبط بذات العقيدة، وقدرتها على تقديم إجابات كافية للأسئلة الوجودية المتجددة. ومدى تدفقها الروحي بما يُطفئ ظمأ الروح، وربط معتنقيها بها. والسبب الآخر خارجي، كالعنف والقمع والتهميش ومنطق التكفير. أو أنها تندحر أمام زخم الوعي، وظهور مناهج عقلية وفلسفية مناوئة للميتافيزيقيا واللامعقول، خاصة اللامعقول الديني.

وأما العقائد الموازية، فتارة تترشح عن العقيدة الأم، حينما تتبنى أصولها، وتضيف ما يخدم هدفها وتطلعاتها، وهو دَيدَن ما ظهر بعد وفاة النبي من عقائد، تشمل أغلب الفِرق والمذاهب. أو أنها تستقل بجذر عقدي مغاير لا ينتمي للعقيدة الأم، كأن تنهل من عقائد ما قبل أو بعد ظهور الأديان، أو تعود لأساطير قديمة، فتقع خارج حدود العقيدة الأم، مهما كانت مساحات الإلتقاء، كما بين الإسلام وأهل الكتاب، فثمة أفق للتوافق العقدي، كالأصل الإلهي للأديان. وفي جميع الحالات ثمة أسباب ودوافع، تكشف عن أهدافها، ودوافع ظهورها أو تطورها. إذ لعبت عوامل شتى، خاصة السياسة وصراع السلطة دورا خطيرا في ظهور عقائد موازية. تبدأ بتأسيس أصول، تكتسب شرعيتها من العقيدة الأم، عبر مجموعة تأويلات ومقولات كلامية ونصوص منحولة، من أجل تحقيق أهدافها بعيدا عن الريبة والشك.

بشكل عام، العقيدة شأنها شأن أي كائن تبدأ صغيرة، بسيطة، وربما ساذجة ثم تتطور. بعضها يموت، وبعضها يقاوم، عندما تجدد العقيدة خطابها، وتصد تحدياتها. أو تتبناها سلطة دينية أو سياسية، تساهم في انتشارها، وتأصيلها، والذب عنها. ويمكن في هذا الصدد مراجعة عَملين مهمين، للاطلاع على تاريخ العقائد والأفكار، الأول: "تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية"، تأليف: "ميرسيا الياد"، (3) أجزاء، وهو كتاب مرجعي مهم ضمن اختصاصه. والثاني خاص بالعقيدة الشيعية، وهو كتاب: "د. مدرسي طباطبائي"، بعنوان: "تطور المباني الفكرية للتشيع في القرون الثلاثة الأولى". وكلا الكتابين مترجم إلى اللغة العربية، ومتوفر في المكتبات.

القلق المصيري

لكي تكتمل الصورة حول أسباب تطور وتفاقم العقائد، خاصة الموازية، استدعي نصاً من كتاب "النص وسؤال الحقيقة"، يقدم تفسيرا لبعض المظاهر والممارسات، خاصة الطقوس، باعتبارها تمظهرات للعقيدة، سواء كانت دينية أو غيرها:

(أجد في حرص الناس على ممارسة الطقوس بعدا أعمق، يتجاوز مسألة الإيمان وظمأ الروح وحاجتها لما يروي عطشها، ويفتت حيرتها، ويعيد لها استقرارها، وطمأنينتها، فثمة قلق مصيري يستبد بالإنسان يدفعه للتشبث بها، منشأه سؤال الحقيقة عن مآل المصير البشري، وكيفية النجاة. فالإنسان مفجوع بكوارث الطبيعة، ومفاجآت الحياة منذ القدم، ومصدوم بالموت، تلك الظاهرة التي حار العقل البشري في تفسيرها، والأكثر ما بعد الموت، حينما راحت أرواح الرموز العائلية والأبوية تطوف حول أبنائها، فاضطروا لعبادتها، وتقديم القرابين ضمن طقوس خاصة، لدفع شرورها، وكسب مرضاتها، ورعايتها، وعطفها. والتمهيد لما بعد الموت، بما يكفل نجاته. وبهذه الطريقة تشكل الإيمان. فقلق المصير البشري، والخوف من مآلات الآخرة، وهاجس النجاة، وراء ممارسة الطقس، وهو سبب دفين في أعماق النفس البشرية. وقد غذّى الخطاب الديني روح الخوف من الآخرة وعواقبها، ضمن منهجه التربوي القائم على الترغيب والترهيب. فالشعائر الدينية في نظره تعبير آخر عن حاجة الإنسان لدفع غضب الله تعالى عليه، وضمان نجاته في دار المعاد. وهي نظرة تراثية، شوّهت الرؤية القرآنية القائمة أساسا على العدل ومجازاة الإنسان على عمله وسلوكه. ومعاقبة المفسد، والظالم لحقوق الناس، ومن يسعى في الأرض فسادا هدفه إحقاق الحق بالعدل، وليس انتقاما. فالله غني عن العالمين، ولا يضره شيء، وحينما تعبّر الآية بالانتقام فتقصد الانتقام للعدل وليس انتقاما شخصيا، وهكذا بالنسبة لمضاعفة العقاب، وأحباط الأعمال، جميعها قائم وفق ميزان العدل وإحقاق الحق. كما أن بعض العقائد رسمت صورة قاتمة لله تعالى وعقاب الآخرة، وأضافت لها عذاب القبر وما قبل الموت، وحصرت النجاة بها دون غيرها. وقد أثّر هذا المنطق على فهم العلاقة بين الإنسان وربه، ودفعه للتشبث بكل ما هو خرافي لضمان نجاته. فالخوف أحد الأسباب، وربما أقواها، يتجلى ذلك بالقرابين البشرية التي تقدم للآلهة عبر طقوس دينية دفعا لغضبها وانتقامها، رغم عنف المنظر الدموي.

وهناك من يمارسها لتأكيد الذات والهوية والإنتماء، أو ينساق مع العقل الجمعي في إحيائها، ضمن شروطها. وبالتالي فتحت مشاعر التبجيل والفرح والحزن خلال ممارسة الطقوس ثمة بنية أعمق تدفع إلى أدائها بإيمان منقطع النظير. بنية قائمة على سؤال الحقيقة، وقلق المصير البشري ومآله. غير أنه متوارٍ، ضمن اللامفكر فيه، يتجلى بمواصلة التنقيب في أخاديد مضمراته. فطالما يتستر بعناوين أخرى، وينطلق من منصات مختلفة كالفرح والحزن، وجلب الخير، ودفع الضرر. لكن تبقى الحقيقة أنه ينتظر ما يبدد خوفه بفيض روحي، يبعث فيه الطمأنينة والإرتياح النفسي. لذا يشعر بعد أدائه الطقس أنه أنجز عملا لا يخضع للمقاييس المادية، فتجده مليئاً بالغبطة والسعادة والارتياح بما في ذلك طقوس الحزن. كأنه يقوم بمراجعة عميقة مع النفس، ليواجه خوفه الدفين بما يطمئنه. خاصة الشعوب التي لازمها القهر والظلم والحرمان، ويلاحقها الخطاب الوعظي باستمرار، يترصد كل حركاتها، ويحصي عليها أنفاسها، ويتوعدها بالويل والثبور على قضايا لم يرتكبها الإنسان، فهو مسكون بالخوف، مهدد بمفاجآت الحياة. بل حتى المجتمعات المستقرة يعاني فيها الفرد خوف المصير، وقلق سؤال الحقيقة، فيعالجه بمعاقرة الخمر وتعاطي المخدرات، والإسراف في ملذاتها، وكلما استفزه سؤال الحقيقة، عاودته هستريا تتلبسه لا شعوريا. من هنا تجد مجاميع كبيرة من الشعوب الأوربية تلجأ للمعابد ورياضة التأمل (اليوغا)، وتسافر هروبا من المادة وأجوائها إلى الهند والصين. فثمة فراغ، ولا جدوى طاغية على الحياة، وليس كالدين والطقوس الروحية، يمنح الإنسان المعنى ويضفي الجدوى على حياته. لكن للأسف عطلوا وظيفة الدين الحقيقية، ووظفوه لمصالحهم الشخصية والسياسية والطائفية)(كتاب: النص وسؤال الحقيقة.. نقد مرجعيات التفكير الديني).

أطر العلاقة

نعود للسؤال: (السؤال هو: هل تؤثر هذه العقائد على مستوى الإيمان الروحي بالخالق؟ ومدى هذا التأثير؟ وهل هذا التأثير سلبي أم إيجابي؟ أي بمعنى هل يساهم في ترسيخ العقيدة أم يكون عامل نفور منها؟).        

لا شك أن العقيدة إطار نظري للإيمان، بينهما تأثير متبادل، وفق علاقة جدلية. يساهم كلاهما بمقومات وجودهما. فتطور التجربة الإيمانية يتطلب استجابة عقدية، ترسم ملامح إطار نظري يبرر تجلياتها، مادامت ضربا من الهيام الروحي، بفعل خصوبة الخيال، وقدرة النفس على التحليق، في أجواء غيبية ومثيولوجية. وأيضا عندما تتطور العقيدة نظريا تستدعي تطور التجربة الإيمانية. والتطور المقصود في كليهما نسبي، مهما كانت تمظهراته وحدوده، فتارة تكون التجربة الروحية بسيطة جدا، ليس لها تجليات واضحة، غير أنها تؤكد ذاتها عند الصدمات النفسية.

ولا تقف تأثيرات العقيدة عند حدود التجربة الإيمانية والروحية، بل أن (العقيدة منظومة فكرية توجّه وعي الفرد. يتأتى الإيمان بها عبر تراكمات لا شعورية، نفسية – ثقافية، هي سر تفاوته من شخص إلى آخر. فتؤثر في تكوينه جميع المؤثرات النفسية والسلوكية والاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية والتربوية، ومنها ذات العقيدة وقوة رمزيتها وإيحاءاتها وحجم تأثّر العقل الجمعي بها. كما تساهم ممارسة الطقوس، والشعارات وإحياء المناسبات في ترسيخ الإيمان بها، فيلعب دورا فعّالا في تأسيس بنية معرفية يترشّح عنها منظومة أفكار وتصورات ومعتقدات تغذّي الخيال حداً يمكنه مقاومة الانهيارات المفاجئة لصدقية حقيقته، من خلال إعادة تشكيل وبناء العقيدة في ضوء قبليات الإنسان وحاجاته وضروراته وتطلعاته، خاصة في مجال العقائد الدينية والمواقف الأيديولوجية. فالعقيدة تنمو في أحضان الإيمان ودفئه، وقد تلتف على معطيات العلوم والاكتشافات المعرفية وتوظفها لترسيخ أسس الإيمان بها، وتحصين ذاتها بأسيجة تضمن بقاءها حية فاعلة، كقداسة وعصمة الرموز التاريخية. فثمة جدل متواصل بين الإيمان وبيئته لتجديد فاعليته على مستوى السلوك والأخلاق والوعي، بدوافع أيديولوجية، لتبقى العقيدة سلطة توجه وعي الفرد وتؤثر في فهم الواقع. فالصورة الذهنية للعقيدة وليدة إيمان الفرد وضروراته ومصادر معرفته. يتجسد ذلك في التقاطعات الحادة حول مفردات العقيدة. وعدم تأثر الإيمان بالكشوفات المعرفية. وطالما مارس الناس طقوسا رغم مخالفتها للعقل والذوق العام).(مدارات عقائدية ساخنة)

ما أريد قوله، أن جملة آثار موضوعية وروحية تلازم كل تطور عقدي، يشهد لذلك تطور الطقوس والشعارات تبعا لتطورها، حدَ التشوّه والانحراف أحيانا. لأنها شرط لقوام التجربة الدينية، ومن ثم تؤكدها الطقوس والممارسات الروحية. كما أن مفهوم الدين شامل للعقيدة والشريعة، وكل تشريع يترشح عن مفهوم عقدي جزئي، ينتظم ضمن النسق العقدي العام. فالإتيان بالصلاة مثلا، يترشح عن مفهوم الصلاة، وما يترتب عليها من آثار. وهذا هو المفهوم العقدي الجزئي، وعندما ترتبط الصلاة بالله، تنتظم ضمن وجوب طاعة الخالق، ومن ثم تندرج ضمن النسق العقدي العام، المتضمن لمفهوم الخالق، وقدرته وعظمته إلى غير ذلك من صفاته، إضافة إلى مفهوم الإنسان والحياة والآخرة والخير والشر.

إن مركزية الدين في حياة الناس، وقدرته على توجيه الوعي ضمن استراتيجيته، دفع باتجاه توظيفه سياسيا وطائفيا، باعتباره  سلطة مقدسة، تستحوذ على مشاعر الفرد، وتحول دون تمرّده، فكان هذا أحد أسباب تطور العقائد أو نشوء عقائد موازية. وأيضا اضطرت الأطراف المتصارعة على السلطة إلى توظيف الديني لصالح أهدافها السياسية، فقامت بتأصيل عقائد، تعتمد التأويل والروايات المنحولة والمقولات الكلامية، لتثبيت أسس المذهب السياسي – الديني. وطبيعة العقيدة، فيها مفاهيم عصية على التطويع، كالمفاهيم المطلقة التي يمكن الاستدلال عليها برهانيا، ويستحيل نفيها. وأخرى مفاهيم نسبية، لا وجود لها خارج النص والفضاء المعرفي للفرد، فيمكن تأويلها، وإعادة انتاجها بما يخدم الهدف الأساس من تأصيلها كلاميا. بل أن العقائد المبتدعة جاءت استجابة للوسط الثقافي والبيئة الاجتماعية، فهي إعادة انتاج وفق مصالح محددة. وبالتالي فإن الِنحل والمذاهب والفرق، وتعدد العقائد والأفكار، سمة ملازمة لتاريخ الأديان، الذي هو سلسلة تقلبات عقائدية، وانحرافات دينية، يشهد لذلك تعدد الأنبياء والرسل، وتأكيد اللاحق على انحراف الأمم السابقة، واستغلال الدين لصالح الملأ وأرباب السلطات القبلية، وهكذا فعلت الملوك في العصور الأولى. 

وحينئذٍ عندما ننتقل للعقائد الدينية، ونعيد السؤال:

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi7مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق33) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

ماجد الغرباوي: ثمة أسباب وراء تراكم الأحكام الشرعية واتساع سلطة الفقيه. منها سياسي، كالأحكام السلطانية، التي هي اجتهادات فقهية، ومسائل مستحدثة في شؤون السلطة والحكم، بعد قيام دولة الخلافة، واتساع رقعتها. والآخر يرتبط بفهم الدين ودور الإنسان في الحياة، في إطار مرجعيات عقدية، تضاعفت بفعل صراع السلطة واستلاب الوعي والفهم المبتسر للدين والإنسان، وفقا لنظرية العبودية. حتى غدت فتاوى الفقيه، بعد تنقيح قاعدة "ما من واقعة إلا ولله فيها حكم"، كالشريعة وضرورات الدين، مقياسا لشرعية سلوك الفرد والمجتمع، وأساسا لصدق مفهوم الانحراف والردة وربما الكفر. والقاعدة لم يصرّح بها الكتاب الكريم، غير أنها تملي قناعاتها من وحي الحاكمية الإلهية التي تقتضي شمول الدين لجميع مناحي الحياة، لذا رفعت الحركات الإسلامية الثورية شعار "الحل في الإسلام"، أو "الحل في القرآن". وهي شعارات مواربة ناقشتها تفصيلا في كتاب تحديات العنف. إذ تجلت الإرادة التشريعة في أحكام الشريعة، وتفصيلاتها النبوية، لاختصاص التشريع بالله، وعدم جعل ولاية تشريعية صراحة لغيره مطلقا، ليؤكد حرية الإنسان في منطقة الفراغ التشريعي، ارتكازا لأصل البراءة عند الشك بأي تكليف. والحرية هنا لا تعني فوضى التشريع، بل ترتهن لمصالح الفرد والمجتمع وفق ضوابط ومحددات. وهذه رؤية إسلامية – قرآنية متزنة، غير أن مبدأ الحاكمية الذي استغلته الحركات الإسلامية، وقبلها قاعدة ما من واقعة إلا ولله فيها حكم التي تأسست على ذات الفهم للحاكمية الإلهية وشمول التشريع، حصرت التشريع بالشريعة، وأفتت بعدم شرعية أي تشريع وضعي، مهما كان موضوعيا، ما لم يكن في إطار الشريعة. ولما كانت أحكامها محدودة، إرتهن التشريع لرأي الفقيه، باعتباره المجتهد القادر على استنباط الحكم الشرعي من مصادره.

ثم أن ضمان عدم انحراف الفرد دينيا وأخلاقيا، وإكراهات الحكم، التي تستدعي قمع المعارضة، وضبط سلوك الفرد، وضمان عدم تمرّده، كانت هي الأخرى وراء تراكم الأحكام، إذ ليس كالفتوى أداة قادرة على ضبط السلوك العام. وهذا أحد مبررات تأسيس قواعد أصولية، وقواعد عقلية كلية، تساهم في ملء الفراغ التشريعي، والإجابة على المسائل المستحدثة، فارتفع الفقه إلى مستوى الشريعة في قدسيتها، وصار الفقيه في الوعي الجمعي يماثل المشرّع / الله في صلاحياته وقدسيته وسلطته، يقتصر الموقف منه على الطاعة والانقياد وحرمة التمرّد والمعارضة. نفهم من هذا أن مبرر هيمنة الفقيه هو ارتفاع الفقه إلى مستوى الشريعة، لا فقط حراسة الدين وحمايته، رغم تفاوتهما، مما يسمح نسبته إلى الله، وبالتالي يحلّ الفقيه محل الله. فسلطة الفقيه إذاً مرتهنة لمقوماتها، علما أن الاجتهاد بمعنى الملكة والقدرة على استنباط الحكم الشرعي، تختلف عن سلطة الفقيه، التي تعني الولاية والقيمومة المباشرة، حينما يدعي ولايته، كما بالنسبة لنظرية ولاية الفقيه. أو غير مباشرة باعتباره مصدرا للإفتاء، والمسؤول عن تحديد الموقف الشرعي من القضايا المطروحة. وهنا تكمن سلطته وهيمنته، التي نطمح لتفكيكها، وإعادة تشكيل الوعي، بما يتناسب مع الاجتهاد، كعملية عقلية متاحة لكل من يملك شروطها، تهدف إلى استنباط الحكم الشرعي، بعيدا عن الهيمنة والقداسة. فهدفنا نقد الهيمنة باسم الدين والتشريع، وإتاحة الفرصة للوعي ليعيد اكتشاف نفسه، ويحدد مسؤولياته تجاه حياته ومستقبله. أما تلك المقومات فهي:

1- قدسية الاجتهاد:

الاجتهاد ملكة طارئة، يتوقف عليها صدق مفهومه. وهو صنعة ومنهج عقلي متاح، ضمن شروطه وأدواته. غير أن أسطرة المفهوم، وارتباطه بالفقه، وحاجة الناس للفقيه، سيما السلطة، أحاطت بالمجتهد هالة قدسية، سلبت عملية الاجتهاد بشريتها، ونَسَبَتها إلى الله وتوفيقاته، مما يشي باستحالة الاجتهاد بعيدا عن الإرادة أو الرعاية الإلهية. ليس قصدهم من "توفيق الله" ما يترتب عليه من إمكانية إستنباط الحكم، بل خصوصية الاصطفاء. فكأن المجتهد يؤكد اصطفاءه عندما يبرهن على اجتهاده. وهو مرادف للقداسة والتبجيل، الذي ترفعه فوق النقد والمراجعة، وتحرّم الرد عليه والتمرّد على فتاواه، بغض النظر عما تضمر من أهداف سياسية وأيديولوجية.

إن الاجتهاد، عملية ممكنة بحد ذاتها لمن يملك أدواته، ويتقن فهم النص، سواء ارتدى أو لم يرتدِ زي العلم الديني والكهنوتي. وهو صِنعة، وحِرفة ومِهنة، وقدرة على ممارسة الاستنباط، وفق شروطه، بأن يكون عارفا باللغة، والبلاغة، والإعجاز، وخبرة كافية بالتراث الحديثي ورجاله، وتاريخ الرواة، والمقارنة بين الآراء، وإمكانية فهم النص الديني. إضافة الى تمكنه أصوليا، شريطة أن يكون له رأي مستقل يمكّنه من توظيفه في عملية استنباط الحكم الشرعي. كأن يكون ذا رأي في خبر الآحاد، ومدى حجيته؟ وكيف يثبت حجية الظهور. وما هو الفرق بين الأدلة. وهل للشرط مفهوم أم لا؟ وما الأصل الأولي في حالات الشك: البراءة العقلية أم أصالة الاشتغال؟ وما هو المنهج في رفع التعارض بين الروايات. وهكذا في كل مفردة من مفردات الأصول. مما يؤكد حاجته للبحث والدراسة والتحصيل، كشرط لملكة الاجتهاد والقدرة على استنباط الأحكام، بعيدا عن أي سبب مثيولوجي. فالاجتهاد مَلكة كأية مَلكة مهنية يتوقف إكتسابها على وجود مهارة وتخصص في موضوعها. لا أنفي توفيق الله ورعايته فهما يحيطان بالمؤمنين، لكن الاجتهاد منهج علمي، يتوقف على ضبط أدواته. لكنه اكتسب قدسية موضوعه، أي فقه الشريعة، الذي يصفه جميع الفقهاء عبر التاريخ بأنه أشرف العلوم، وأقدسها!!. ولا يخفى إن الدفاع عن قدسية الفقه، دفاع عن مكانة الفقيه. فالفصل بيهنما يساعد على نقد الفقيه، وما عاد الفقه بعد تطور العلوم أشرف العلوم. الإنسان غاية الخلق، والشريعة جاءت لخدمته، لا لاستعباده. فلا قدسية للفقيه من هذه الجهة بالذات. كما لا معنى لقداسة الفقه، مادام وجهات نظر اجتهادية – شخصية، يشهد لذلك اختلاف الفقهاء في المسألة الواحدة. قداسة الفقيه صناعة أيديولوجية، ولعبة سياسية، تدفع باتجاه تضليل الوعي عبر مفاهيم دينية مرنة.

2- فهم النص الديني:

يوحي المجتهد باحتكاره الحقيقة التي تستلزم قداسته في الوعي الجمعي، عندما يدعي احتكار فهم النص بدعوى قدسية أدواته، أو تقمص الاصطفاء والانتساب للإلهام الإلهي والغيبي، ليقطع الطريق على من سواه: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). وهذا مقوّم ثانٍ قد يفوق الأول، حينما يرمي الآخر بالانحراف أو الردة وربما الكفر. ويتجلى بوضوح في تفسير الآيات المتصارع حول مصاديقها مذهبيا وطائفيا. وهو أوضح مصاديق احتكار فهم النص، وتوظيفه أيديولوجيا. وبالتالي أي محاولة لتقديم فهم مختلف بعيدا عن المذاهب والنظرة الضيقة للنص، يخلخل سلطة الفقيه وقدسيته.

لا يمكن للفقيه أو لغيره احتكار فهم النص، ويبقى متاحا للقراءة، والفهم، متأثرة - أي القراءة - بقبليات القارئ وثقافته. بل أجد أن قراءة الفقيه محكومة بخلفيته العقائدية، حدا يتعذر عليه التجرّد والموضوعية، إلا في إطارها. بمعنى أدق أن قراءته وفهمه للنص مرتهنان لسلطة قبلياته، مهما إدعى الموضوعية والتجرّد. فقراءته قراءة منغلقة على رؤية واحدة. وسواء احتكر فهم النص أو لم يحتكره، فإنها عقيمة غير منتجة، سوى ما تمليه قبلياته المذهبية والعقدية عليه. وربما قراءة غيره أكثر موضوعية وانفتاحا، خاصة عندما يوظّف مناهج العلوم الإنسانية في فهم النص، خلافا للفقيه الذي يتمسك بأدواته، ويستميت في تقديسها، كي تحق ما يصبو له طائفيا.

3- الثقافة:

إضافة للسببين السابقين، نضيف "الثقافة" سببا ثالثا وراء الخطاب المثيولوجي الملازم لمفهوم الفقه  والفقيه. إذ تتولى الثقافة دائما إعادة  تشكيل الوعي بالفقيه وسلطته، بفعل وعي، يختلط فيه الوهم بالحقيقة، والواقع بالخيال. ويلتبس المقدّس بغيره. فالعقل الجمعي، تحت دواعٍ شتى يدفع باتجاه أسطرة الفقيه، وربط مقامه وقدراته بالإرادة الإلهية: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)، من خلال مماثلة مقصودة بين رسالة الأنبياء ورسالة الفقهاء. وإسقاط الفارق النوعي بين الرسول والفقيه، بين الإلهي والبشري. كنوع من تزوير الوعي، يساعد على إعادة تشكيل مفهوم الفقيه وحدود سلطته. وعليه تفكيك الأنساق الثقافية للمجتمع ضرورة تزامنا مع نقد العقل الفقهي. فلا يكفي خلخلة قداسته، ما لم تتول الثقافة استبدال زاوية النظر، ويكتشف الفرد حدوده، بمعزل عن ولايته وهيمنته. وهذا يعني أولا نقد قدسية عقائده ومرجعياته ومنهجه وما يرتكز له من أدوات ومبانٍ. وهي أهم وأخطر مهمة على صعيد تحرير العقل، واستعادة وعيه وحريته كمقدمة لفهم مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة.

نقد العقل الفقهي

 من هنا ندرك  أن نقد العقل الفقيه، ونقد المباني التي يقوم عليها منهج استنباط الأحكام الشرعية يساعد في إعادة تشكيل العقل الديني المرتهن في حريته لا للفقيه فقط، بل لقداسته، ومنزلته التي يضفيها المخيال الديني. فنقد مثالية الفقيه، تحرير للوعي من سلطته، واستعادة الفرد لإرادته، ليكون بمستوى الخلافة الربانية، يتحمل مسؤوليته بنفسه. خاصة أن المنطق القرآني ضد تراكم الأحكام الشرعية، عندما أكتفى ببيان ما يراه مناسبا، وأناط بعضها بالواقع وضروراته، ولم يتجاهل إكراهات الزمان والمكان. وحذّر من التمادي بالسؤال، كي لا ترتهن إرادة الشخص لغيره، حتى وإن كانت أحكاما شرعية، وهي نقطة مهمة يغفل عنها كثيرون بفعل التراث وسطوته: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ). وفي رواية عن الرسول يقول: (دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم [كثرة] سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).

وبالتالي باستثناء الثابت من الأحكام الشرعية الواردة في كتاب الله، وما صدر عن الرسول من شرح وبيان وتفصيل لبعضها، يحتاج الباقي إلى دليل قطعي السند والدلالة، يبرر شرعية إلتزام الناس بفتاوى الفقيه. إذ الفرد لا يميز بين الحكم الوارد في القرآن وفتوى المجتهد، كلاهما بالنسبة له منجّز ومعذّر، تترتب عليهما ذات النتائج، إلتزاما وعصيانا. وهذه إحدى خيبات الوعي، عندما تولى الخطاب الديني تسويق صورة متعالية للفقه الإسلامي، استدعت تجريده من تاريخيته، وتقديمه امتدادا للشريعة، أو توسيعا لدائرتها، دون الإشارة للجهد البشري المبذول من قبل المجتهد، في عملية استنباط الأحكام الشرعية القائمة، في حالة عدم وجود دليل لفظي قطعي السند والدلالة، على قواعد وأصول عقلية واجتهادية ترتهن شرعيتها لدليلها، ومدى قدرته على مقاومة النقد العلمي، للتوفر على قواعد كلية شرطا لمنهج استنباط الأحكام الشرعية، القائم على وجود كبرى القياس المنطقي. من هنا يجب فرز الإلهي عن البشري، لتفادي التباس الشريعة بالفقه، والحد من تداخل المقدّس بالمدّنس، فثمة تزوير للحقائق، واستبعاد الوعي عن معاينة الواقع، عبر انتسابه للشريعة أو توحيدهما، فتجد مألوفا جدا وضع عنوان الشريعة على كتب الفقه، وفتاوى الفقهاء، مثل: مصباح الشريعة، فقه الشريعة. بشكل يوحي أنه يتلو أحكام الشريعة بواسطة الفقيه، وليس رؤيته الاجتهادية، وكأنه وسيط في نقل وبيان الحكم الشرعي وليس استنباطه والاستدلال عليه، الذي يمثل وجهة نظره. خاصة المسائل المستحدثة، التي لم تتطرق لها الشريعة، وليست من مصاديق أحكامها.

مقدمات الاجتهاد

قد يوحي مفهوم الاجتهاد بموضوعيته وحياديته، باعتباره منهجا عقليا، غير أن مقدماته ومرجعياته بل حتى منهجه، يتأثر لا شعوريا بجميع الظروف المحيطة بالفقيه، إضافة إلى قبلياته وعقيدته، وتوجّهاته السياسية وانتمائه. وهي قضية مرتبطة بنظام اللغة وطريقة التفكير. وقبليات الفرد سلطة موجهة، تجد هذا واضحا في الاستدلال على المسائل الخلافية بين المذاهب الإسلامية، خاصة السُنة والشيعة. إذ كلاهما يستدل من وحي قبلياته العقدية والمذهبية، ويسعى لتفنيد الرأي الآخر. أو أن يفنّد الرأي المقابل ليؤكد صحة رأيه، فيهدران موضوعية البحث، ويعتقدان أنهما على صواب، وغيرهما على خطأ، خاصة مع تقديسهما لمرجعياتهما العلمية. وربَّ ما يلي يغني الفكرة:

لما كان عمل الفقيه محصورا في دائرة النص، فإن سياق تطوره وتاريخيته هو النص وليس خارجه. ومقاربة النص بعيدا عنه ومعه يكشف فارق القراءة، ومدى شرعيتها. وهذا يتطلب الاقتراب نفسيا من الفقيه والواقع التاريخي الذي تشكلت فيه قبلياته. لتحديد دورها في استنطاق النصوص. فعندما نقارن بين النصوص الأولى والنصوص الثانوية، نجد أن النصوص الأولية لا تنطق بما ينطق به الفقيه، باستثناء الآيات المحكمة والروايات النبوية ذات الجذر القرآني: "الشارحة والمفصلة والمبيّنة". فكيف تسنى للفقيه استنطاقها؟ ما هي أدواته؟ كيف تمكن من توظيف اللغة والقواعد الأصولية؟ وقبل ذلك ما هي شرعية أدواته في عملية استباط الأحكام الشرعية؟ وكيف اختلفت الآراء حول بعض الآيات، كآية التطهير مثالا لا حصرا. أو آية الخمس، وخصوص أرباح المكاسب، وبعض آيات الإرث، إذا كانت أدواته عقلية، يقرها العقل النظري؟.

لا شك أن القارئ يشارك النص في فهمه، فتختلف مداليله من شخص إلى آخر تبعاً لقبلياته وثقافته ويقينياته ونهائياته. وهكذا عندما يستنبط الفقيه حكما شرعيا أو يفتى في قضية مستحدثة، يتأثر لا شعوريا بقبلياته، بدأ من فهمه لحيثيات الموضوع، وتاريخ المسألة حتى تداعيات أو تأثيرات الحكم أو الفتوى، مرورا بفهمه واستنطاقه للأدلة الشرعية التي ارتكز لها، إضافة لكيفية توظيف أدواته واختيار منهجه، مما يفقد البحث الفقهي موضوعيته، بل لا يمكن تصورها في بعض التشريعات الفقهية، في ظل اختلاف جذر في جملة قضايا عقدية ومذهبية مفصلية. فنقد العقل الفقهي، وتفكيك مكوناته يتيح تشخيص حقيقته. إذ أن آراء الفقيه الذي يؤمن أن الإمامة شورى تختلف عمن يؤمن آنها نص وتنصيب من قبل الخالق. وكل منهما يقدم فهما  للآيات والأحاديث المرتبطة بها وفقا ليقينياته. وبما أن مسألة الإمامة والخلافة مسألة تاريخية، تبلورت من خلال سياق أحداث السقيفة وما تلاها، فلايمكنها اكتساب شرعية تضاهي شرعية النص القرآني، فكيف تكون يقينية يرتّب عليها الفقيه أحكاما وفتاوى؟ هذا مجرد مثال بسيط، لمعرفة زيف التنظير الفقهي في بعض الموارد.

أو بالنسبة للأحكام الشرعية، فيما إذا استدل الفقيه على حرمة الغناء بآية (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) بمعزل عن الروايات، فإنه يعمم مفهوم اللغو على الغناء، فينطلق من قضية نفسية يعتبرها يقينية يفتى وفقها، فثمة من لا يعتبر الغناء لهوا بل غذاء للروح وترفيها عن متاعبها. ولا يوجد اتفاق نهائي حول مصاديق اللغو، وشمول الغناء به. كما أن اللغو قد يصدق على غير الغناء فهل يُحكم بحرمته؟. إن القبليات النفسية للفقيه هي التي أسست ليقينيات راحت تتحكم بوعيه وفهمه للنص. فالآية الكريمة لم تصرّح بالغناء مستقلا أو كمصداق للغو، ولا يمكن للغة وحدها أن تفعل ذلك، لكن تم استنطاق الآية وتقويلها ما لم تقل، وفقا لقبليات الفقيه ومرامي تحريماته.

ربما فتوى التحريم جاءت موقفا رافضا لسلوك الفسق والمجون وهتك الحرمات، وما فيها من إسراف ولهو وتبذير، فتكون رادعا دينيا لسلوكهم المشين، ومقوّما للإنحراف من منطلق أخلاقي، وهذا يجعل منها فتوى مشروعة. لولا إقحام الفقه في مازق فقدان الدليل الشرعي الصريح. وكان بإمكان الفقيه أن يتخذ موقفا أخلاقيا، ويكون ملزما أخلاقيا، من باب الشعور بالمسؤولية، دون الوقوع في مأزق شرعنة الأخلاق. والتمادي في الفتاوى. فالأخلاق أساس المجتمع حتى قبل بعثتة الأنبياء، وأحد مهام النبي (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، غير أن الحكم الشرعي شيء آخر. وربما كانت فتوى تحريم الغناء في حينها مؤقفا سياسيا، لفضح سلوك السلطة وهتك حرمتها، فتكون مرتهنة لظرفها، فلماذا تعمم رغم اختلاف الظروف الزمانية والمكانية؟.

وأخيرا، إن قدسية الفقيه تأتي من رمزيته وانتسابه، فارتفع به الخطاب الديني الموغل بالخرافة والتقديس، فوق النقد والمراجعة، واعتبرت سلطة نهائية، تستمد شرعيتها من العناية الإلهية، لا من مؤهلاته العلمية.  من هنا تتضح أهمية النقد، ومن هنا نفهم أيضا أن قدسية الفقيه وسلطته مرتهنة لمقوماتها،  ولا يخفى هشاشتها، وعدم قدرتها على الصمود أمام النقد الموضوعي. فهي قداسة مصطنعة، ساعدت على تركيزها، أسوار القداسة، ومساحة المحرمات والغموض التي يتولى خطاب سلطة الفقه تسويقها. 

جدير بالذكر أن المرجعيات الدينية العليا موضوع مختلف، في أسباب نشوئها، وعوامل تكوينها. إضافة إلى حدود قدسيتها وضروراتها الدينية والاجتماعية والسياسية، وقد تناولتها تفصيلا في كتاب: مدارات عقائدية ساخنة.

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi6مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق32) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

الحاجة إلى الفقيه

س93: مهدي الصافي: هل يمكن للمجتمعات الإسلامية الاستغناء عن الفقيه رسميا، ويبقى ضرورة روحية ومعنوية؟. لا أقصد بكلمة (رسميا) أن تكون  له صلة بالدولة، رغم أن بعضهم يحمل هذه الصفة. أقصد أن يحتفظ بقدرته على الافتاء والتأثير في المجتمع، وقد تقتضي الحاجة العودة إليه. لأن الفتوى أحيانا أقوى من سلطة الدولة.

والسبب أن العديد من الفتاوى التي يقال عنها بالمستجدات عندنا والتي هي أحد أهم الحجج المطروحة على أنها توجب وجود الفقيه والإمام في كل زمان ومكان أصبحت جزءا من منظومة القيم الغربية التي دخلت في عمل السلطات التنظيمية والتنفيذية مع أنهم ليسوا مسلمين،  كالعدالة الاجتماعية، الحقوق العامة، الالتزام بالقوانين الاجتماعية، حقوق النساء والايتام، والتشدد قضائيا مع جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي والاعتداءات والايذاء الخ.

وهذه القيم جاءت بعد تجارب فكرية وفلسفية عميقة لم يكن للفقيه أو رجل الكنيسة دور فيه.. السؤال مرة أخرى هل يمكن أن يستغنى المجتمع الإسلامي عن المفتي أو الفقيه في ظل دولة مدنية؟.

ج: ماجد الغرباوي: ثمة فارق بين الديني والوضعي على صعيد التشريع، سواء تطابقت النتائج خارجا أم اختلفت. سببه اختلاف جوهري بين: المرجعيات، الملاكات، ومصادر الشرعية.

الثاني لا يعترف بوجود مرجعيات مقدّسة، سوى القوانين الأساسية والدستور. ويستمد شرعيته من ذات المرجعيات ومن شعبه، مباشرة أو بشكل غير مباشر عبر المجالس النيابية، باستثناء الأنظمة الشمولية والاستبدادية التي تشرّع وفقا لمصالحها الأيديولوجية والسلطوية. وتبقى المصلحة العليا تمام ملاك تشريعاته وقراراته مهما بَعُدت عن الدين، والأخلاق، كشرعنة زواج المثليين.

 بينما يرتكز الفقيه لمرجعيات دينية، يعتقد أنها مستوفية لملاكاتها، باعتبار قدسية مصادرها. منها يستمد أحكامه وشرعيته: (القرآن، السنة، العقل، الاجماع إضافة لمجموعة قواعد أصولية). لذا تبقى آية (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) بنظر الفقه التقليدي مطلقة، لا تتأثر بالواقع وضروراته.

 فالفارق إذاً بين الاتجاهين جوهري، هو ذات الفارق بين الإلهي والبشري، بين المقدس والمدنس، بين السماوي والأرضي. فلا شرعية بنظر الديني لأي معالجة وضعية كالمعاملات البنكية.وتسوية حقوق المرأة والإرث، وحقوق الإنسان وغيرها. إذ ليس المطلوب حلولا كيفما كانت، بل حلولا منبثقة عن الشريعة الإسلامية. وبالتالي، ما دامت هناك مسائل مستحدثة فهناك حاجة للفقيه. ومادام "الإسلام شامل كامل لجميع مناحي الحياة"، و"ما من واقعة إلا ولله فيها حكم" كما يقولون، لا تنقطع الحاجة للفقيه.

هذه هي النظرة السائدة، نظرة إجلال وتقديس مبالغ فيها. لذا حتى المذاهب السُنية التي أغلقت باب الاجتهاد تمارسه في القضايا المستحدثة. الفقيه بالنسبة للمجتمع المسلم ضرورة دينية، لا يقتصر وجوده على الإفتاء. خاصة الشيعة التي يمارس فيها الفقيه / المرجع دور القيادة والنيابة عن الإمام المعصوم. فهناك مهمة قيادية إضافة إلى مهمته الفقهية. بغض النظر عن المسار التاريخي لتكوين الفقيه.

وهذا النوع من الوعي ينتمي لنظرية العبودية، حيث تصبح الفتوى ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها في مجتمع مستلب، كما مرَّ تفصيله. والتحرر من هذه الرؤية يتطلب مراجعة نقدية صارمة، ثم تبني نظرية الخلافة التي طالما نوهّنا بها، وتم تبنيها في هذه البحوث، التي هي نظرية قرآنية وإنسانية، تضع الفرد دائما أمام مسؤولياته مباشرة، بعيدا عن أية ولاية لفقيه أو سياسي. بل وتحريره من كل سلطة فوقية، كي يتاح له ممارسة حريته. والارتكاز إلى ملاكات الأحكام في فهم فعلية وعدم فعليتها، ليعرف حدود الشريعة، وما هو مناط بالفرد ومصلحته العليا فعلا، بشكل يدور الحكم مدارها. وقد لا يكون الحكم فعليا ما لم يكن موضوعه فعليا، وقد مرَّ تفصيلها.

ونخلص لا يمكن الاستغناء عن الفقيه وفقا لنظرية العبودية، لكن وجوده وفقا لنظرية الخلافة مرتهن لوظيفته، التي هي مرتهنة بدورها لوجود فراغ تشريعي يناط به ملؤه. من هنا نجد من المناسب العودة إلى الوراء لفحص الأدلة، ومدى سعة الشريعة، وحدودها، كي نحدد بالضبط ما هي وظيفة الفقيه، ومتى يكون ضرورة، ومتى يمكن الاستغناء عنه؟.

الفقيه والفتوى

بوفاة الرسول انتهى عصر التشريع، إلا على مبنى العقيدة الشيعية التي امتد عندهم عصره حتى نهاية الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر، ولهم أدلتهم. لكن التشريع قرآنيا قد انتهى واكتمل الدين بموجب قوله تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). ثم غدا كتاب الله وسيرة نبيه مرجعية لمعرفة الأحكام الشرعية، تخللتها بشكل تدريجي بعض الآراء الاجتهادية. ومع تجدد الحاجة للفتوى بناء على مرونة الشريعة وقدرتها على تلبية الحاجات الفعلية للفرد والمجتمع، وفق "ما من واقعة إلا ولله فيها حكم"، بدأت مرحلة الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية. ففتاوى الفقهاء وجهات نظر اجتهادية، ليست ملزمة باستثناء مَن ألزم نفسه بها (المقلّد). وهي تعبير آخر عن فهمه للدليل اللفظي وفقا لقبلياته وأدواته ومهاراته الاجتهادية. أو إرتكازا لقواعد اجتهادية،  تتعرف إصطلاحا بالأصول العملية، يوظّفها الفقيه لتحديد الموقف العملي من الأحكام المشكوكة.

إن مقتضى مقدمات الحكمة أن ما شرّعه الله تعالى من أحكام قد تضمّنها الكتاب الكريم، وهو القدر المتيقن من الأحكام الشرعية الملزمة. ولا يمكنه من باب العدل الإلهي أن يحاسب الناس على أحكام لم يشرّعها (قبح العقاب بلا بيان). ولم يجعل لأحد صراحة ولاية تشريعية، بل وأكد كمال الدين الشامل للعقيدة والشريعة. فمن أين جاءت ما من واقعة إلا لله فيها حكم؟ قد يكون واقعا في علمه تعالى هكذا، لكنه لم يشرّع سوى ما تضمّنه الكتاب الكريم. وهذا القدر حجة، لشموله بقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). فنبقى بانتظار فقيه يقدّم لنا قراءة جديدة للدين وآيات الأحكام، تَفقَه ُالكتاب والسيرة النبوية ضمن شرطهما التاريخي. قراءة شجاعة تأخذ بنظر الاعتبار فلسفة التشريع وتاريخ الأحكام، كي نلحق بركب الحضارة وننفض عنا غبار التخلف، كل ذلك في إطار مقاصد الشريعة وغاياتها، بعد تأسيس منهج جديد لتوثيق الروايات، ووضع قواعد أصولية تحقق أكبر قدر من اليسر والانفتاح.

الفقيه وفقا لما تقدم، سوف لن يبقى بلا دور، فعمله الأساس هو تبليغ رسالات السماء، وبيان الأحكام للناس، وتعليمهم من الحكمة ما لا يعلمون. وأما في مجال التشريع، فالواقع متجدد، ومتغيّر، وملاكات الأحكام واضحة بينة، ومقاصد الشريعة يمكن إدراكها. فلا تنقطع مهمته الفقهية تماما وثمة ما يمكنه فعله، كمايلي:

- تطبيق الأحكام الكلية على مصاديقها مراعاة للزمان والمكان.

- تطبيق القواعد الفقهية التي تم الاستدلال عليها قرآنيا أو بموجب ملاكات الأحكام الشرعية والعقلية. كقاعدتي: "لا ضرر"، :ونفي الحرج".

- تشخيص موضوعات الأحكام. لا يلزم من خبرته اختصاصه فيها، مع وجود الأكثر خبرة وتشخيصا، كالموضوعات التي تحتاج لخبرات علمية واختصاصات فنية. وأيضا لا موجب لاحتكاره حق التصرّف في الحقوق المالية الشرعية، بناء على خبرته، مع وجود من هو أكفأ منه.

- الافتاء بما دل الدليل عليه وفقا للأصول العملية كالبراءة العقلية والشرعية الموافقة للأصل، والاستصحاب باعتباره يقينا سابقا وشكا لاحقا. وأما باقي الأصول العملية فلا يمكن الركون لها باطمئنان كاف، كحجية خبر الآحاد وحجية الظهور وغيرهما. وهكذا الحال بالنسبة للقياس والاستحسان والمصالح المرسلة. لكن نؤكد: لا يشترط أن يكون للفقيه رأي في كل مسألة حياتية، ويمكن الاستغناء عنه بأحكام الشريعة الثابتة قرآنيا، وتفصيلاته في السنة النبوية، كي لا تُصادر حرية الإنسان لصالح تشريعاته وفتاواه. بعبارة أدق، إن أحكام الشريعة هي القدر المتيقن في التشريع، ومازاد عليها كما هو الحال الآن، فإما أن يكون بيانا وتفصيلا من النبي، أو فتاوى فقهية مرتهنة لدليلها، لذا تختلف من فقيه إلى آخر، ولو جزئيا. فمثلا، يختلف الإفتاء وفقا لمبدأ أو مسلك (حق الطاعة) عن مبدأ (قبح العقاب بلا بيان)، كأصل عقلي أولي. الأول يرى وجوب مراعاة حق الطاعة للمولى الحقيقي حتى في التكاليف المحتملة، فضلا عن التكاليف المشكوكة والمظنونة. فيجب عليك إتيانها أو اجتنابها، ما لم تُرفع عنه اليد بدليل شرعي أو عقلي حجة، كالبراءتين العقلية والشرعية. بينما لا يرى المبدأ الثاني ذلك ما لم يتم البيان عليه بدليل شرعي، فالأصل عنده هو البراءة، وليس الاشتغال. وأيضا باقي الأصول الأخرى ومساحة اشتغالها، كالاستصحاب بأنواعه. وكل هذا يؤثر في نتيجة الاستنباط.

المسلك الأول يجعل من الفقيه ضرورة، يحتكر التشريع في منطقة الفراغ التشريعي، ومرجعية شرعية لضبط سلوك الفرد، وضمان تطابقه مع مراد الشريعة، التي تخضع لفهمه واجتهاده. فيغدو سلطة قاهرة، ربما تتعالى على الوقع، وتتأثر بعقيدته وأيديولوجيته واتجاهه السياسي. وهذا التفكير ينسجم مع البنية البطركية للمجتمعات المسلمة، فتسّلم له وتنقاد لإرادته، حداً تكون الجماهير رصيدا حقيقا له، وهو  خلاصة فهم أيديولوجي تراكمي.

إن أزمة الوعي في عجزه عن اكتشاف الدوافع الطائفية والمذهبية والأيديولوجية والسياسية المتخفّية وراء الديني والشرعي. أي خلف الإلهي، فيكتسب رأي الفقيه قدسية، تلغي تاريخيته وبشريته، وتسقط خصائصه الشخصية والنفسية وانتمائه العقائدي والاجتماعي والسياسي والطائفي. رغم أن الاختلاف بين المذاهب الإسلامية واضح، وهو أدل دليل على نفي قدسية الفتوى، خاصة بين المذهبين الشيعي والمذاهب الإسلامية. وتكفي مقولة (الرشد في خلافهم) التي تنسب للإمام الصادق، وهي مقولة متحيّزة، رغم تاريخيتها، غير أنها غدت مطلقة، مما يفقد الفقهاء مصداقيتهم.

لا شك أن الاجتهاد منهج في استنباط الأحكام الشرعية، فيوحي بالموضوعية والتجرّد، غير أن نقد أدواته ومرجعياته تفضح انحيازه لعقيدة الفقيه. فالرشد في خلافهم مبدأ عندما تتعارض الروايات: (فخذ ما خالف العامة، فإن الرشد في خلافهم). وهذا شاهد على الانحياز الأيديولوجي، فهو لم ينظر للرواية بما هي رواية، بل يسقطها عن المعارضة مادامت واردة عن العامة / السُنة. والغريب أن الرأي الشيعي يوافق إلا ما ندر من خصوصياته أحد المذاهب الأخرى، مما يؤكد أن مراد الصادق خصوص المذهب الحاكم. وإلا فالتطابق بين المذاهب الإسلامية أكثر من تسعين بالمئة، فكيف يكون الرشد في خلافهم. فهو إذاً لا يريد الإطلاق كما فهم ذلك جملة من فقهاء الشيعة. وأيضا على الضفة الأخرى، تسقط رواية الشيعي / الرافضي، بغض النظر عن مضمونها، ومدى انسجامها مع الكتاب والسنة. فالفقيه مطلق الفقيه، مرتهن لانتمائه الطائفي والعقدي، ويتأثر بتوجهاته السياسية، وهذا أحد أسباب تعارض الروايات.  

تداعيات تفاقم الفتوى

لقد دفعت مقولة: (ما من واقعة إلا ولله فيها حكم)، وعدم كفاية الأحكام المنصوصة لوقائع الحياة، دفعت الفقيه للبحث عن مصادر جديدة لتشريع الأحكام. وكانت البداية مع توسعة دائرة الشريعة لتشمل مطلق سُنة النبي، ثم سُنة الصحابة (السنة) والأئمة (الشيعة)، من أجل التوفّر على (مثال) يفتي الفقيه على طبقه. كما أن مدرسة الرأي اعتمدت الاجتهاد أو رأي الفقيه دليلا على الحكم، في حالة فقدانه. ثم قالوا بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة.

وقد أنكرت المدرسة الشيعية تلك الأدلة، واكتفت بالكتاب والسنة، الشاملة لسنة الأئمة، دليلا على الحكم الشرعي. وأسست لقواعد أصولية لتحديد الموقف العملي من الحكم المشكوك. وبالتالي فإما أن يتوفر الفقيه على بيان شرعي، آية أو رواية، فيفتي طبقه، أو يحدد الوظيفة العملية من خلال الأصول العملية.

وبهذا الشكل تفاقمت الفتوى، وصار الفقيه يلاحق الفرد، يرسم خطواته وفق رؤيته الفقهية، من وجوب أو حرمة أو إباحة، وما بينهما من استحباب وكراهة، وراح الفرد ينتظر الفقيه يسأله عن كل شؤون حياته.

ويمكن الإشارة لبعض تلك التداعيات التي مرّ ذكرها:

- تطويع العقيدة الإسلامية، من أجل تأصيل حجية مطلق سيرة النبي، والأئمة على الرأي الشيعي، أو باضافة عدالة الصحابة، التي هي معادل موضوعي لمفهوم العصمة عملا على الرأي السني. فالعصمة ليست سوى حجية مطلق سيرة أئمة أهل البيت، وهكذا ينظر السُنة للصحابة من خلال مفهوم عدالتهم. فسلب تطويع العقيدة بشريتهم، ورفعهم فوق الخطأ، وخلق منهم كائنات يتداخل فيها اللاهوت بالناسوت، والمقدّس بالمدنس، وراحت روايات الغلو تتفاقم، حتى ارتفعت بهم لمصاف الخالقية. خاصة بالنسبة لغلاة الشيعة، ممن تمادوا في تقديس الأئمة. وبالتالي فالفقيه حريص جدا على حماية خصوص مرجعياته غير الكتاب الكريم وما له جذر قرآني من السنة النبوية.

- تأصيل الفقه السلطاني، بناء على شمول الشريعة لجميع مناحي الحياة، بما فيها الشأن السياسي، وحماية سلطة الخليفة، من خلال فتاوى راحت تنظّر لوجوب طاعة السلطان مطلقا، وحرمة الخروج عليه ولو كان فاسقا، والروايات في هذا الخصوص ليست بعزيزة، وقد مرت الإشارة إلى جملة منها. فكانت فتاوى الفقهاء سيفا يقطع وتين المعارضة السياسية، وكانت سببا في إراقة دماء غزيرة.

- تقييد العقل بالفتوى، باعتبارها سلطة فوقية، لا يجوز مخالفتها، رغم أنها رأي للفقيه وليست رأيا للشريعة، لذا يختلفون أحيانا حول قضية واحدة، تصل حد التقاطع بين الوجوب والحرمة. كمسألة الخروج على السلطان الظالم مثالا. وبالتالي فالفتوى تقيّد حرية العقل، وتقمع الابداع، خارج حدودها، ويبقى الباحث يراوح بين التأويل والتبرير، فيكون شأنها شأن أي ثابت ديني، لا يمكن تجاوزه. خاصة أن التنظير الفقهي طال جميع شؤون الحياة، ولم يسمح الفقيه باتخاذ أي موقف خارج دائرة الأحكام الشرعية الخمسة. بشكل لا يمكن للفرد حينئذٍ اتخاذ موقف مستقل عن الفقيه، فتنمو في داخله روح التبعية والانقياد اللاشعوري، بشكل لا يمكنه وعي الذات خارج دائرة الفقيه، وطاعة الفقيه.

- التنظير الفقهي لولاية الفقيه، التي حدت من حركة الفرد حينما نصّبت له وليا يتولى تدبير شؤونه، بشكل يقتصر فيه موقفه على الطاعة والانقياد، وهي استبداد ديني، لا دليل عليه شرعا، ولم يدعه أحد من قبل، ولم يجعله الله تعالى صريحا للفقيه. وهذا أخطر تداعيات الاجتهاد، ومن يراجع أدلة القائلين بولاية الفقيه المطلقة سيتأكد بنفسه من قصورها. وعدم قدرتها على النهوض إلا بتأويلات ومؤيدات لا ترقى لجبر تلك الأدلة. ولاية الفقيه مبدأ استبدادي صارم، يؤصل للتفرد بالسلطة وقمع المعارضة، وتفرض قرارات لا تخضع للشورى والتراجع.

- إن جمود الفقيه على حرفية النص، وعدم مراعاة الظروف الزمانية والمكانية ومناسبات الحكم والموضوع، اضطرته إلى فتاوى يتحايل بها على بعض المحرمات، تسمى بالحيل الشرعية، مما عكس نظرة سلبية عن التشريع، حتى أفتى بعض الفقهاء بحرمتها.

- أفضت بعض المباني العقدية، كمبنى اختصاص السلطة بالإمام، على الرأي الشيعي، إلى استباحة ممتلكات الدولة خارج ولاية الإمام / الفقيه، رغم أن الدولة شخصية اعتبارية، تمثل حق الشعب في هذه الثروات، فهي ليست مجهولة المالك أساسا، بل أن مالكها هو الشعب على شكل مشاع، وما الدولة سوى جهاز إداري لتنظيمها وإدارة شؤونها باسم الشعب. وعنوان مجهول المالك يبيح تملك المال، شريطة دفع خمسه للفقيه، وبهذا الشكل تمادى الإسلاميون في استنزاف ثروات البلد، تحت هذا العنوان، وأثروا ثراء فاحشا. بل أن بعض الفقهاء استباح المال العام وثروات النفط المسروقة باعتباره نائبا عن الإمام فهو حق بالتصرف به دون الدولة. (راجع أيضا كتاب: النص وسؤال الحقيقة)

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi5مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق31) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

ماجد الغرباوي: ليست العبودية مجرد ثقافة أو جهاز مفاهيمي ومنظومة أخلاقية، بل تستبطن رؤية لفهم الواقع والكون والحياة. وفلسفة تقوم على ثنائية السيد / العبد .. الشيخ / الفرد .. الأب / الولد، هي جوهر النظام العبودي، وركيزة وجوده. بشكل ينقلب الظلم والجور والاستبداد في إطار التفاوت الطبقي إلى شرط لوجود الكيان وديمومته الاجتماعية. فالمركز يبقى مركزا، وتبقى الأطراف تستمد منه وجودها وانتماءها وتحققها. وقد أدمنت البيئة القَبلية العبودية، حداً لا يمكنها تصوّر أي بديل يردم الهوّة الطبقية، بين المركز والأطراف. ومَن يطمح لسيادة قبيلته، لا يفكر بانقلاب  مفاهيمي، أو تغيير جذري للنظام الاجتماعي القائم على الاستبداد والجور، بل يقتصر طموحه على تبادل المناصب والصلاحيات، دون المساس بجوهر النظام وعاداته وتقاليده، باعتبارها سلطة عليا، ومرجعية نهائية، يضمن بها ولاء العشيرة، وضمان سلطته، وحقوقه الواسعة. وبالتالي انعكست ثنائية العبودية على فهمه للعلاقة بينه وبين ربه. والناس وفقا لقبلياته، عبيد لله وليسوا عبادا له. فالعلاقة علاقة رب بعبده، لا علاقة خالق بمخلوقه. رب بكل ما تعنى الكلمة من جبروت وتسلط. وهذا يستدعي القيمومة والوصايا المستمرة في إطار العلاقات الدينية، قياسا على ذات العلاقة في النظام العبودي والقَبلي التي تسلب الفرد إرادته، من خلال تبعيته الوجودية، كما في النظام العبودي. أو ضرورة الانتماء، كما في النظام القَبلي. والحديث هنا ليس عن الاستنكاف، كما قد يتبادر لبعضهم، لأن العبودية الواعية والخالصة لله تنسجم مع روح الإيمان والأديان. فهي عبودية طوعية عن فهم وتدّبر: (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا). والكلام في هذا المفصل عن تداعيات الفهم العبودي الموروث المجرّد من الوعي والفهم السليم لطبيعة العلاقة بين الرب وعبده. حينما يستمرئ الفرد عبوديته واستلابه وتبعيته وانقياده باعتبارها قدرا مقدّرا، في مقابل السيد / الشيخ / الأب، الذي قدره السلطة والقوة والاستئثار بالمال والثروات. فالعبد لا يحاسب مولاه على صلاحياته وسلطاته، لأنها حق طبيعي، مشروع لسيده، بفعل الاصطفاء العنصري أو الإلهي. وتقتصر وظيفته على الطاعة والاستجابة والقناعة، فيغدو الرفض بنظره جريمة لا حقا، يستدعي التضحيات. وأما حالات التمرّد فمحدودة، وتقمع فورا، حينما يضيق العبد ذرعا بظروفه القاهرة وطغيان سيده. وأما ما حصل من ثورات خلال التاريخ، فهي وليدة ظروف ووعي مختلف، يطمح للسلطة دون الإنقلاب على قيم المجتمع.

لقد انعكس الفهم العبودي للعلاقة بين الإنسان وربه على التفكير الفقهي، يتضح هذا من خلال فتاوى الفقهاء وما شرّعوه من أحكام سمحت بضبط سلوك الفرد وترويض وعيه لتكريس سلطة الاستبداد. كما انعكست على جملة تشريعات، فتجد النزعة الذكورية، التي هي سمة بارزة في النظام القبلي، تتجلى في أحكام الأسرة والعلاقات الزوجية، حيث كرّس الفقه التقليدي سلطة الرجل وقيمومته، وفرض عليها الطاعة والخنوع والجور المجتمعي. وهذا لم يقتصر على السلطة، بل المعارضة كانت أدهى في توظيفه، وتأصيله دينيا. وكان الدافع لكليهما أيديولوجيا، سياسيا، يرقى بهرم السلطة إلى القداسة، فوق النقد والمراجعة والمحاسبة.

رهانات الاستبداد

كان خمول الوعي صفة مائزة للشعوب تاريخيا، بفعل خطاب سلطوي أو أيديولوجي، يرتكز لمفاهيم مرنة يمكن توظيفها بعيدا عن مقاصدها، تفضي إلى خموله، وانتكاسته عند الأزمات. أو ذاتية ترتبط بمختلف الظروف النفسية والتربوية والثقافية والاجتماعية والسياسية، فتكون العبودية حينئذٍ شعورا داخليا، نفسيا، متأصلا، يشترط وجود الآخر في وعي الذات. حدَ "التشيؤ" وفقدان الذات بعيدا عنه. فهي عبودية استملاكية تخاصم الحرية، تعادي التحرر، وتراوح بين التمرّد النسبي والانسحاق. مرتبكة، خائفة. ثم بعد الانتقال للمجتمع القبلي، لم تحصل قطيعة تامة مع الماضي وثقافته، وواصلت قيم العبودة حضورها بذات القوة. وواصل الاستبداد ومنطق الوصايا يسود القيم القَبليىة. وحل الانتماء بمعنى التحقق الخارجي، شرطا لوجود الفرد، بدلا من وجود الآخر. ولم يتحرر حدَ الاستقلال في مواقفه وانتمائه.

إن قيم الاستبداد، قيم أصيلة، راسخة، لازمت الوعي لا شعوريا، رغم الانقلاب النوعي في منظومة القيم، ورغم ما أضفى الدين الجديد على الشخصية العربية من صفات الإيمان والتضحية والإخلاص والإيثار، غير أن صراع السلطة كشف أصالتها، وفضح هشاشة الوعي، لا بسبب رواية أبي بكر عن النبي فقط، بل لوجود أرضية شجعت على ذلك، مما يؤكد أن الفرد لم ينتفض على ماضيه تماما، وبقت قيم معياريه حاكمة، تمثل مرجعية نهائية، تفرضها روابط القربى والدم والثقافة. وهذا واضح تم الحديث عنه في بحوث سابقة، ونضيف هنا: أن القيم القَبلية تسللت ضمن القيم الدينية، بعد أن تخلت عن الشرك وعبادة الأصنام والأوثان، واستبدلت مجموعة عادات وتقاليد همجية، كوأد البنات، والاستنكاف من الأنثى، واحتقار المرأة والعبد. وبعد أن قوّمت منظومتها الأخلاقية في ضوء كتاب الله وسَنة نبيه. ولم تختبر غيرها من القيم، كـ"الاستبداد ومنطق الوصايا والشعور بالفوقية والتفوق العنصري"، إلا بحدود التفاضل، وفي حالات نادرة، حيث كان بعض القريشيين يترفع عن الجلوس بقرب العبد المسلم، حتى قال رسول الله عن الصاحبي سلمان الفارسي، الذي كان يُغمز بنسبه، "سلمان منا أهل البيت". في إجراء أخلاقي لحمايته، ضد التعصب القَبلي، الذي  يصادر إنسانيته، ويتعامل معه وفق معايير عنصرية ظالمة. وقد تصدى القرآن بالفعل لهذه الظاهرة، مصححا بعض المفاهيم، كقوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، (وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ). وقد مرَّت الآيات التي تحدثت عن الموقف العقائدي من العشيرة حينما تنصب العداء لله ولرسوله.

اختبار القيم

كان الصراع حول السلطة أول اختبار للقيم القَبلية، وقد اتضح أنها رهان رابح، كسبت المعركة، خاصة بعد اكتسابها غطاء شرعيا من خلال بعض الروايات، كقول الرسول: "الخلافة أو الإمامة في قريش". وقوله: يأتي من بعدي إثنا عشر خليفة كلهم من قريش أو من أهل البيت على اختلاف نسخ الحديث المتصارع حوله. وهذه الأحاديث تشرعن الاستبداد لا فقط تدافع عن القيم القَبلية. وقد ناقشت هذه الروايات وبينت نقاط ضعفها، ودحرت صحة صدورها، لتبقى محتملة الصدور وفقا لمنهجي في تصنيف الروايات. لكن الثابت أن الاستبداد استمد منها شرعيته، وتقبلها المجتمع العربي المسلم، وتفاعل معها. وهي قيم خطيرة، تتحايل على المفاهيم الدينية والإنسانية لاشباع رغباتها وفرض سلطتها، وهذا ما تجلى بوضوح من خلال فتوحات المسلمين، التي اتسمت بالعنف واستباحة الأراضي المفتوحة، وفرض الإسلام بالقوة.

إن منطق الاستبداد لا يفهم: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا)، ولا يتمسك بأكثر من ستين آية من آيات التسامح، بل يتشبث بالنسخ، وبآية السيف (اقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) لتبرير سفك الدماء. وقد ذكرت في كتاب تحديات العنف، أن دوافع فتوحات المسلمين لم تكن دينية خالصة، وكانت لدى الخلفاء، خاصة الأمويين والعباسيين ومن جاء بعدهم من السلاطين، طموحات سياسية وتوسّعية واضحة، باسم الهداية، والتبشير الديني والجهاد في سبيل الله ونشر الدعوة المحمدية. والحقيقة أنها شهوة السلطة، والبحث عن موارد مالية جديدة، والأهم إشغال الجند بحروب بعيدا عن مركز الخلافة، وضمان أمن الخليفة وسلطته. وكانت شعار الفتح "أسلم تسلم"، لا خيار آخر أمامه سوى الاستسلام أو مقاومة المحتل، دفاعا عن وطنه أو مقدساته، فليس من السهل أن يتنازل الفرد عن عقائده وديانته لمجرد أن يدعوه آخر لذلك. فمجرد الدعوة لا تخلق قناعة، تستدعي التخلي عن موروثاته الدينية والثقافية. هذا أشبه بالمستحيل، لذا قالت الآية "ادع إلى سبيل ربك  بالحكمة والموعظة"، كي تتيح لهم فرصة للتفكير والمراجعة، غير أن سياسة الفاتحين اضطرتهم لإشهار السيف دفاعا عن عقائدهم وثرواتهم، فصدق عليهم أنهم محاربون، يجب قتلهم، وسبي نسائهم، ونهب ثرواتهم. وهذا ما حصل عبر تاريخ الفتوحات، التي يندى لها جبين الإيمان والإنسانية أحيانا كثيرة.

لماذا تلغى جميع هذه الآيات لتبقى آيات السيف والقتال ومطاردة الآخر المختلف دينيا مطلقة وفعلية على مر السنين والأيام؟ أليس النسخ بهذه الكثافة كان أسلوبا استبداديا أريد به تبرير حروب الخلفاء والملوك والسلاطين؟ أو شرعنة قتال الشعوب غير المسلمة وإن كانت مسالمة؟ أو كمبرر لحث المسلمين على القتال وتوسيع رقعة الحرب من أجل ملء الفراغ، واشغال الجند، وتحصيل الثروات، وتكريس المكاسب والفتوحات لمصالح شخصية، ثم تحول الى حقيقة معرفية وأحكاما شرعية يتناقلها الرواة والفقهاء؟

تراجع الوعي

كان المتوقع حصول انقلاب في منظومة القيم القبلية بعد اعتناق الدين الجديد، والانتقال من العبودية بكافة أشكالها وقيمها، ومن الاستبداد وطبائعه، كما يعبّر الكواكبي، إلى رحاب التحرر الكامل، وإعادة تشكيل منظومة القيم على أساس حرية الفرد ومسؤوليته المباشرة عن أعماله وسلوكه ومواقفه، أسوة بمسؤوليته الشخصية عن أعماله يوم المعاد. والتحوّل من الولاء القَبلي إلى الولاء الديني أو الإيماني، حيث قول الرسول: " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، "لا فضل لعربي عن أعجمي إلا بالتقوى". وقبلهما قوله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم". لكن الأحداث كشفت عجز القيم الجديدة عن ملامسة أعماق البنية الأخلاقية، إلا النفر القليل من المؤمنين. أو لم تستطع زعزعتها بالكامل، وبقيت تحت تأثير سلطة القيم القَبلية، مادامت بعيدة عن الشرك ومحاربة الله ورسوله والمؤمنين. وقد مر الاستشهاد بمجموعة آيات تحذّر من الردة والإنكفاء والعودة لقيم الجاهلية، حسب التعبير القرآني. بل وهناك آيات تحذّر الرسول من التعاطف الخفي، استجابة لأعراف وتقاليد المجتمع المكي: (وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا). كما استشهدنا برواية ترصد سلوك القريشين داخل المجتمع المدني، وفي أوساط المؤمنين، وكيف كانوا يخططون لحماية سلطتهم، حتى اتهموا بتحريف كلام الرسول. فقريش، لا سيما طبقة السادة في زمن الملأ، لم يتخلوا عن اطماعهم في السلطة والسيادة، وكانوا يتحينون الفرص، للعودة إلى واجهة الحكم. ولا ننسى أن من تصدى للخلافة، وأحداث السقيفة كبار الصحابة من قريش ممن تبنوا القريشية مبدأ في السلطة، فكيف بحال غيره. يكاد الباحث يجزم أن رهانهم على الوعي الجمعي، كان محسوبا بدقة، لذا ضربوا على الوتر القبلي وبالفعل كسبوا الجولة، مهما كان حجم الأحداث التي رافقت البيعة، بل وبقيت القريشية تتحكم بشرعية السلطة، ولم يخرج الخلاف حولها عن بيوتات قريش، بين من يرى شرط مطلق القريشي / السنة، ومن يعتقد جازما بأنها نص وتعيين من قبل الله تعالى بواسطة النبي الكريم / الشيعة.

إن نجاح الرهان على الوعي القبلي، جعل من تزويره استراتيجية يتوقف عليها ضمان شرعية أي تحرك سياسي أو أيديولوجي، سواء السلطة أو المعارضة بمختلف توجهاتهما. حتى في حالات التمرد والثورة، تحرص القيادة على مستوى من الوعي تضمن به انقياد الثوّار والمتمرّدين، فتبالغ بالشعارات والخطب العاطفية، والنأي عن الخطابات الفكرية والعقيدية، التي تستدعي يقظة الوعي والإدراك. ويمكن أن نرصد بهذا الاتجاه تعهّد القيم القبلية من قبل الجميع، بعد شرعنتها شكليا، كالمحافظة على مسافة كافية بين "السيد أو الشيخ"، وقواعدهما الشعبية، الذي ينطبق فيما بعد على الخليفة والسلطان، مع منحهم امتيازات خاصة، ضمن الأعراف القبلية. بل أن الركون للمبدأ القَبلي في حسم أول نزاع على السلطة، هو تجلٍ واضح للثقافة القبلية وديمومتها في اللاشعور، والعقل الجمعي.

ثم تطوّرت قيم الاستبداد، بفعل التنظيرات الكلامية، وتعضيد الروايات التاريخية والدينية المنحولة، فغدا خلافة شرعية، وسلطة إلهية، ومنّة ربانية، وراحت روايات الفضائل والكرامات تترى، حد الإفراط بالقداسة، وتبرير السلوكات الخاطئة، وتأويل كل ما من شأنه المساس بحيثية الخلفاء. فأنتج لنا هذا السلوك ثقافة بائسة، تمجّد الاستبداد والتبعية والانقياد، وتنهر الوعي واليقظة، وتحارب التمرد والثورة، وتقصي الآخر، وتفتي بكفره واستباحة دمه. إنها رثاثة الوعي، التي ورثها الفرد من نظامه القبلي، ثم قام بشرعنتها عندما منحها مفاهيم جديدة، كالطاعة الشرعية، والتسليم لله من خلال التسليم لخليفته.

اتضح مما تقدم: لم يكن الاستبداد يوما طارئا على الوسط العربي، وبقي الوعي مرتهنا لجملة من القيم القَبلية رغم اعتناق الدين الجديد، ثم استدعى التنافس المحموم على السلطة، لتأكيده وشرعنته.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com