حوار مفتوح

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق8- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

اتجاه لغلو

ماجد الغرباوي: في مقابل الاتجاه الثوري، والاتجاه الفكري – الفقهي أو التنظيري الذي تقدم الحديث عنهما، ثمة خطاب ثالث ضمن تيارات المعارضة السياسية الثلاثة، يحمل خصائص مختلفة. يلتقي مع الاتجاه الثاني في بعض الرؤى والمعتقدات، ويشق طريقه بعيدا عن الواقع والمنطق والعقل. والدوافع التي بلورت الاتجاه  الثاني هي ذات الدوافع وراء منطق الغلو لكنها أكثر تطرفا، أي الاشتراك معه في بلورة رؤية فكرية – عقيدية لتأكيد الذات ونفي الآخر. والمقصود هنا نفي شرعية السلطة، الذي قام التيار الثاني المعارض بجدارة بنقل الصراع حول السلطة إلى صراع حول شرعيتها، عندما عمد التنظير الشيعي للإمامة الدينية، واعتبر الإمامة السياسية امتدادها لها، فالأولى لا تسقط بسقوط الثانية، ولا شرعية للثانية بعيدا عن الأولى، بل هي امتدادها، وإحدى وظائفها. ثم جعل الدليل على الإمامة الدينية دليلا نصياً – عقلياً. وجعل الولاية مقوم ذاتي للإمامة الدينية، لذا امتد عصر التشريع لدى الشيعة حتى نهاية الغيبة الصغرى. أما تيار الغلو الشيعي فقد نظر للإمامة بمنهج أخر، عندما طوّر مفهوم الولاية، من ولاية سياسية، ثم دينية وأخيرا تكوينية كما سيأتي الحديث عنها.

واتجاه الغلو بجميع أقسامه، هو بؤرة الروايات الموضوعة، ونصوصه أحق بالنقد والمراجعة لكشف المتواري والمستبعد من أنساقه المضمرة. والتعرف على طريقة النص في أدائه، وخلق حقيقته، خاصة الروايات المحتملة والموضوعة التي تختلف عن الرواية الصحيحة في قدرتها على الاستجابة والرفض لشروط الواقع. النص الصحيح يفرض شروطه على المتلقي بفعل سلطته وتعاليه، حينما يتنزّل من الأعلى إلى الأدنى. أي أن مفاد النص لا يقرره الواقع، رغم أخذه بنظر الاعتبار. فيأتي ليقرر ويحكم ويفرض محدداته. ومثاله الآيات التي تبدأ بـ"ويسألونك .."، فإنها تأتي لبيان حكم في ضوء الواقع، دون الخضوع له. فتارة تفرض الضرورة نصاً لا ينسجم مع إرادة المتلقي، كما في آية: " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ". فحكم الآية جاء على خلاف إرادة الناس ورغباتهم. بينما الرواية الموضوعة تنبثق من الواقع، لتلبي حاجاته، وضروراته السياسية أو الدينية أو المذهبية والطائفية. فالواقع هو الذي يفرض مؤدى النص ومضمونه. مثال ذلك روايات الغلو حينما تؤسطر الرموز الدينية. فتبادر الروايات الموضوعة للتنظير لها وفقا لتلك الحاجات، وبنفس آليات الرواية الصحيحة. لذا يحتاج التمييز بين الصحيح والموضوع من الروايات إلى خبرة تراثية كافية.

لا شك أن السياسة وصراع المذاهب والأديان حول احتكار الحقيقة أسباب رئيسية وراء الغلو، فلا يقتصر على المعارضة السياسية والخصم المذهبي. بل قد تكون المغالاة دفاعا عن السلطة أقوى، فضلا عن الدافع المذهبي والطائفي والديني. فثمة عوامل وراء تطور ظاهرة الغلو. خاصة عندما يتعلق به هدف مستقبلي، ويرتبط به الناس ارتباطا مصيريا. فليس سهلا نقد عقائد الغلاة مهما امتد الزمان، بعد أن رسخت في وجدانهم، وتعلقت بها آمالهم، ومصيرهم الأخروي بل وحتى الديني، والاجتماعي عندما ينجح الغلو في تعميق الانتماء. فينبغي نقد بنيته، وتفكيك أنساقه، وتحليل مقولاته، للتعرف على جذوره وامتدادته وتاثيراته على جميع المستويات. الغلو ليس مجرد نصوص بل رؤية مغايرة للكون والحياة والدين والمجتمع، وجهاز مفاهيمي، يتصف بقوة حضوره، وقدرته على تشكيل العقل وتزوير الوعي رغم بنيته الخرافية والسحرية، ومخالفة مفاهيمه للمنطق والعقل، ومبادئ وقيم الدين الحنيف.

وقد ابتلى أتباع الديانات السابقة بالغلو في دينهم وعقائدهم ورموزهم. (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ). فالغلو كما هو واضح من الآية ملازم للأديان، بل وأحيانا حاجة نفسية للإنسان حينما يصارع محن الحياة بخيباته، وبؤس طالعه، فيبحث عن أمل ولو كان وهماً، يضع حدا لاحباطاته، وتوالى إخفاقاته، وفشله في بلوغ سعادته. وليس كالدين شيء قادر على بعث الإطمئنان، ويكفل للمتعبين والمنبوذين والمحرومين استرداد حقوقهم، ومقايضة معاناتهم في حياة مثالية خالدة، ثمنها إيمان قلبي، وتوازن سلوكي يحفظ للمجتمع سلامته. فيأتي في هذا السياق تطوّر العقائد وأسطرة الرموز الدينية لتكون مشجبا لكل تلك الآمال. وهنا يكمن الخطر حينما يستمرئ الفرد الظلم والعدوان والفقر والاستكانة والاستبداد، ويحسبها فتنة إلهية، فيعاني صابرا، محتسبا، دون أن يعي أسباب محنته، بفعل الفهم الخاطئ لمفهوم الثواب والعقاب والصبر والتسليم، ولا يسعى للتخلص من واقعه. فيتحول الدين إلى أفيون كما قال الخالد ماركس. فالمجمتع في مهب الغلو حينما يخونه الوعي. أو حينما تفرضه مصالح دينية وسياسية تعمق حضوره عبر روايات مختلفة، وممارسات طقوسية ساذجة.

الغلو الديني في مجتمعاتنا متوارث، من خلال طقوسه وشعائره، لا يمكن الخلاص منه إلا بالنقد والوعي، وعدم الاستسلام لإغواءات النصوص، وغرائبيتها، وأسطوريتها، وما تتضمنه من خرافات  وأوهام. (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ). فالآية تحذر من توارث الغلو، وتقليد الآباء. خاصة أن خطاب الغلو خطاب أيديولوجي قمعي، يتحصن وراء نصوصه وقدسية مرجعياته، التي تربك العقل ما لم يتداركه الوعي. كما أنه خطاب مؤثر في العقل الجمعي لقدرته على تعميق الانتماء، من خلال طقوسه، وبنيته الخرافيه، واستدلالاته القائمة على الوهم والخيال واللامعقول الديني. فخطورة الغلو لا تكمن فقط في تزوير الوعي، بل في تأسيسه لمرجعيات بديلة عن العقل، فيحل اللامعقول والأوهام والخرافة محل العقل والبرهان والاستدلال، حدا أن خطاب اللاعقل يدجن العقل ويفرض عليه التماهي معه، فتراه متخصصا في العلوم العقلية لكنه يتفاعل مع طقوس خرافية تفاعلا لا شعوريا ونفسيا يصل حد الغلو، وينشدّ لسماع الخرافات كجزء متمم لحاجة نفسية وروحية. هل أقول: إن اللامعقول حاجة نفسية أحيانا؟

لقد جنح المسلمون للغلو تحت ضغط الصراع السياسي على السلطة، وعدم وجود مرجعية صريحة تحسم النزاع الأول عليها. فالغلو يأتي في سياق تنزيه الذات، ومراكمة الفضائل لترجيح كفة أحد الطرفين المتنازعين. وتأكيد احتكار الحقيقة، وسبيل النجاة في الآخرة، حيث بقيت الفِرق والمذاهب عالقة في لحظة النزاع التاريخي حتى نهاية القرن الرابع، بل وما زالت تفرض نفسها على العلاقات الاجتماعية والدينية والسياسية. فالغلو بخطابه ونصوصه، جزء لا يتجزأ من البنية الفكرية والعقيدية والأصولية لتراث المسلمين، يتطلب مزيدا من النقد والتوغل في أعماقه للتعرف على آليته في توظيف اللامعقول، وحجم التزوير والخداع والأوهام التي يسوقها كبديهيات. وتفكيك نهائياته وبنيته، وتحليل مقولاته ومفاهيمه. الغلو آفة الفكر والعقيدة، يتوقف على تفكيك خطابه إعادة تشكيل العقل والوعي الديني والاجتماعي والسياسي. فنقد خطابه يعني أنسنة الرموز الدينية والتاريخية، واكتشاف حقيقتها بعد نسف أسيجتها القدسية والأيديولويجية، لتحرير الوعي من سطوة مرجعياته الغرائبية، وإعادة تشكيله وفق مبادئ عقلية، وتأملات فلسفية – نقدية.

 

الغلو مفهوما

يراد بالغلو لغة المبالغة والخروج عن الحد. ويأتي أيضا بمعنى التعصب والتطرف والارتفاع. وقد لازم تاريخ الفِرق والمذاهب الدينية، فغالوا بأنبيائهم ورموزهم، حد التأليه، مباشرة أو بصورة غير مباشرة.

وهو في بعض معانيه: سلب بشرية الإنسان، ومنحه قدرات خارقة. ويمكن الاستعانة بآية (لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ) لفهم دلالات الغلو الديني. فالمفهوم هنا مطلق، يصدق على كل تطرف يجافي الحق، في تفاصيل الدين، عقيدة وشريعة. فأي تطرف عقيدي يعد غلوا، وكذا التطرف في التشريع الذي يأخذ بأشد الحالات احتياطا، خلافا لمفهوم السعة والرحمة التي هي أسس قرآنية متينة، ومن الآيات المحكمات: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ).

 وأيضا يشمل الغلو في الدين فتاوى الفقهاء وأحكامهم الشرعية التي تذهب بعيدا عن الحق، الذي يعني الاعتدال في فهم النص، وعدم الجمود على حرفيته مداراة لمصالح شخصية وسياسية ومذهبية. كالفتاوى التي دعمت السلطات الظالمة، ومنحتها حصانة شرعية، عندما حرّمت الخروج عليها، ووجوب طاعتها.

لا حصانة لتفاوى الفقهاء فهي وجهات نظر، واجتهادات شخصية، تجنح للمغالاة بحكم التفاوت الثقافي واختلاف الفهم الديني، ومقاصد وعقائد المجتهد، ومختلف الضرورات التي تتحكم باجتهاده. وهذا هو سر تحذير الآية من الغلو في الدين، الشامل لجميع تفصيلاته وسلوكيات المتدينين. فليس الغلو منحصرا بالعقائد دون التشريعات والإلزامات المتطرفة. لكن ثمة جهود سعت لحصره بها في سياق الصراع على السلطة، فيأتي رمي الآخر بالغلو لسلب شرعيته، كما هو سلوك السلطة مع الفِرق والمذاهب الشيعية، حتى غدا مصطلح الغلو منحصرا بهم. وهذا خطأ تاريخ ومفهومي انطلى على الجميع وتبناه متكلمو الشيعة أيضا كالشيخ المفيد.

الغلو هو مطلق التطرف، والغلو الديني شامل بإطلاقه لتفصيلات العقيدة والشريعة بما يشمل فتاوى الفقهاء وتطرفهم وتعصبهم الطائفي والمذهبي بل وحتى تطرفهم في الإفتاء وفقا لوجهات نظرهم. فهذا النوع من الفقهاء يبالغ في شخصيته ويغالي عندما يحتكر الحقيقة والفهم الخالص للدين وأحكامه التشريعية. فليست العقيدة السنية في تفصيلاتها بريئة من الغلو كما يعتقد بعض، بل للغلو تجلياته، بعضها مشترك بين الجميع، والآخر خاص بكل مذهب وعقيدة. الغلو السني، مهما اختلفت تجلياته، فهي ظاهرة لها أسبابها ودوافعها وغاياتها، وتبقى السياسة جذرها البعيد. كما أن لموقف المعارضة من السلطة، وجدلية شرعيتها دور مؤثر في خلق ظاهرة الغلو السني في مختلف اتجاهاتها، أي أن بعض التطرف السني ردود أفعال معاكسة. وبالتالي فثمة أسباب ودوافع مشتركة وراء ظاهرة الغلو بشكل عام، وهناك خصوصيات. ولا يوجد استثناء لدين أو مذهب أو فِرقة دون غيرها، فخطاب الغلو واحد، ببنيته وتطرفه، رغم اختلاف اتجاهاته ودوافعه. وعندما يلصق الغلو بمذهب دون آخر، فينبغي البحث عن أسباب حصره وتكريسه في جهة دون غيرها، مع عدم وجود مبررات مفهومية ولغوية.

قد تكون العقيدة السنية أكثر التصاقا بالتوحيد، ولم تنسب لأحد من الخلق أي صفة من صفات الخالقية، لكنها أيضا سقطت في التجسيم، وغالت به حد التكفير، وصورت الخالق وفقا للمتشابه من آيات الكتاب الكريم، خلافا لمنهجه في عرض المتشابه على المحكم، ومن المحكمات: أن الله "ليس كمثله شيء"، وأنه "شديد المحال"، و"لا تدركه الأبصار". كما تطرفت في حماية السلطان الجائر، ومنحته حصانة على حساب قيم الدين ومبادئه، وتطرفت في إقصاء المعارضة، وأباحت الدماء لقمعها. بل وتطرف السنة في المسائل الخلافية، وجعلوا القتل وسيلة شرعية لتأديب كل من خرج على سلطان الفتوى. فقننوا الحياة، وضبطوا حركات الإنسان، وقمعوا حرية الرأي والنقد والاعتراض. وكل هذا يصدق عليه مفهوم الغلو، فلماذا يحصر المصطلح بمذهب خاص دون غيره؟ حتى في حالات الإطلاق تجد البوصلة تؤشر على العقيدة الشيعية. ولا نريد تبرئة أحد وسيأتي الحديث عن حجم الغلو فيها، لكن السؤال عن سبب تنزيه الذات، رغم غلوها في قضايا لا تقل أهمية عن العقيدة، لصلتها بالدين وسلوك الإنسان؟. كما أن الفقيه شريك السياسي، كرس سلطاته الدينية لخدمته وشرعنة سلوكه وتصرفاته. كما أباح الفقيه دماء الناس من أجل السلطة وحماية السلطان. كل هذا خروج عن الحق الذي جعلته الآية المتقدمة مقياسا للغلو. فأي حق في سحق قيم الدين، وإقصاء مبادئه وأخلاقه عندما يصل الأمر للسلطة والتحكم بأمور المسلمين؟ وعليه، إذا كان الغلو يعني لغة التطرف والارتفاع، فإن معناه قرآنيا العدول عن الحق، الذي هو مطلق الاعتدال الديني. والاعتدال الديني واضح في مفهومه، في ضوء المحكم من الآيات، ومبادئ وقيم الدين. فظلم السلطة مثلا واضح مفهوما ومصداقا للناس جميعا، فلا يمكن للفقيه التوسل بالنص القرآني لتزكيته وتبريره شرعا، ولو بعناوين ثانوية، كالحفاظ على الأمن والسلم. بل أن الظلم ِأحد الأسباب الرئيسية وراء زعزعتهما. فحينما يسارع الفقيه لحماية السلطان الظالم ففتاواه غلو في الدين تشريعا. فالدين كما تقدم لا ينحصر بالعقيدة دون الشريعة، ومفهوم الغلو مطلق في الآية رغم وجود قرينة قد تبدوصارفة إلا أنها متقدمة، وآية الغلو كلام مستأنف، بل حتى مع اختصاص الغلو بالعقيدة، فإن تقمص السلطان لدور الإله في صلاحياته وسلطته هو شرك بمعنى من المعاني. فالفكر السني لا ينجو من الغلو، بمعناه الأوسع من الشرك، إذ أجد في حصره بالشرك الظاهر والخفي، تنزيه لغلو آخر. أو أن حصر مفهوم الغلو بالشرك، تبرئة لغيره من أنواع الغلو. أو دفع تهمة، فيكون إجراء احترازيا، للتخلص من تبعات المفهوم بمختلف معانيه.

إن المفاهيم والمصطلحات تلعب دورا خطيرا في تزوير الوعي، خاصة عندما يقوم المفهوم بخلق حقيقته، وفرض سلطته، فيتستر على شرعيته. الغلو هو التطرف في كل شيء، وبعض التطرف خارج حدود الشرك أخطر من الشرك، فربما مشرك مسالم، لا يستغل عقيدته، ولا يفرضها على غيره، ويحترم الآخرين، فلا يشكل أي خطر بشركه، فهو ألصق بقيم الدين والإنسانية من بعض الفِرق والمذاهب الدينية المتطرفة، التي تصّر على تنزيه الذات واحتكار الحقيقة، فترمي الآخر بالارتداد والكفر وتستبيح دمه ومقدراته وكرامته. من هنا أجد في حصر الغلو بالشرك، ومن ثم رمي معارضيهم بالشرك والتكفير، أسلوبا مداناَ، فحصر المفهوم إجراء متهم لا يمكن تبرئته، ما دامت هناك تجليات ومظاهر أخرى تترتب عليها تداعيات خطيرة. ومثال ذلك رمي التشيع بالغلو بسبب بعض الممارسات الطقوسية، وتبرئة غيرهم رغم حجم العنف في فتاواهم ومواقفهم من الآخر. فالمسألة جديرة بوقفه نقدية. بدءا من المفهوم. وهذا ما تبين أن صياغة المفهوم قد حققت شيئين في آنٍ واحد، فمن جهة رمت معارضي السنة وهم الشيعة غالبا بالغلو، والشرك والانحراف العقيدة، مما عكس صورة نمطية عنهم تجدها متداولة داخل الثقافية الدينية السنية على نطاق واسع. ومن جهة ثانية قام المفهوم بتبرئة مظاهر الغلو السني، وحماية مواقفهم وسلوكياتهم. فينبغي عودة المفهوم لسعته المفهومية الشاملة لما هو أبعد من الشرك، وهذا ما يساعد عليه المعنى اللغوي، ولا دليل على تخصيصه بالشرك، بل يكون أحد مصاديقه. أما حصره فهو مخطط لتنزيه الـ"أنا"، ورمي الآخر بالانحراف والظلال. وهنا تلعب السياسة والفقه السلطاني دورا خطيرا في اضطهاد المعارضة، وقمعها.

 

الغلو والنص

يمثل النص قوام الغلو وخطابه. وهو الأعم من الآية والرواية، فيشمل: أقوال العلماء، وأدلة إجماع الفقهاء أو إجماع الأمة. فالغلو بجميع أطيافه يرتكز للنص في نظريته، واحتكاره للحقيقة، وحرمان الآخر من سبل النجاة يوم المعاد. وجميع اتجاهات الغلو منخرطة في السلطة وإشكالياتها، بشكل وآخر. فالغلو الشيعي خلص إلى نظرية كاملة حول الإمامة والولاية، سلب بموجبها شرعية السلطة، كما سيأتي. فهو المقصود تحديدا في هذا البحث، ما دمنا بصدد دراسة تأثيرات النص على المعارضة السياسية عبر التاريخ الإسلامي، وتحديد حجم النصوص المزورة والموضوعة. وقد مر الحديث عن التيارين الأول والثاني، وسأتكلم عن بنية خطاب الغلو ومنهجه في التأسيس لنظرية مغايرة في الإمامة، يكون لازمها بالضرورة سلب  شرعية السلطة. ورغم وحدة هدف هذا التيار مع سابقه إلا أنه يفترق عنه بمنهجيته ومصادره ومبانيه العقيدية.

وأيضا بالنسبة للغلو السني، فإن ركيزته الأساس هي نصوص، أغلبها روايات لا دليل على صحة صدورها، فتبقى محتملة، وفتاوى وأحكام تنتمي للفقه السلطاني، والتطرف الفقهي المتمثل بالحنابلة والتيمية والوهابية. حيث غالوا في مفهوم التوحيد بشكل خرجوا به عن الحق الذي تحدثت به الآية. وهو غلو مقيت، وضع المسلمين على مسطرة الفتوى وأحكام الفقيه. فهو دائما بين خيارين، القتل أو الإلتزام بفتاواهم مهما كانت مخالفة لقيم الدين والأخلاق. حتى بات جواز القتل على قضايا تافهة صفحة لازمة لفتاوهام، فلا تسمع وأنت تقرأها حول سلوك الفرد سوى: "يستتاب وإلا يقتل". هذا الإنسان الذي كرمه الله تعالى، وهذه النفس التي حرم الله قتلها، تزهق بسبب وجهة نظر اجتهادية، لا يدل عليها أي دليل من كتاب الله وسنة نبيه. وبالتالي فإن تناول الغلو يقع ضمن اهتمامنا في نقد النص، خاصة مع تميزه بوضع الروايات وصياغتها بشكل يخدم الهدف وبنيته الغرائبية - الخرافية، المتطرفه في غلوها.

لكن من أين أتت شرعية وسلطة الفتاوى؟ وهل هناك أدلة شرعية صريحة دلت على حجيتها، ووجوب الالتزام بها؟

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbaw10خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق7- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص والمقولات الكلامية

ماجد الغرباوي: لا شك أن المعارضة قد نالت بسبب مواقفها السلبية من السلطة، المتمثلة آنذاك بالدولتين الأموية والعباسية، قسطا كبيرا من الاقصاء والتهميش والاضطهاد والقمع والسجن والقتل. لكنها قاومت وأدت رسالتها بمختلف الوسائل. وتلخصت رسالتها بسلب شرعية السلطة، وتعرية المباني الفكرية والعقدية والفقهية والكلامية التي قامت عليها. إضافة إلى هدف كان يتستر داخل أنسقة اللغة، يروم الانتقام من العدو اللدود، ولو رمزيا أو من خلال الطعن بشرعيته. فالمعارضة طورت أداءها وواكبت خطاب السلطة، وكلاهما ما زال مؤثرا في جغرافيته، من خلال التاريخ والمتخيل الميثيولوجي لاتباعهما. يتجلى هذا واضحا في وعي الذات، حينما يطال الآخر نقد تفصيلي، وتحظى الـ"أنا" بالتنزيه والتعالي والتقديس. فكلاً من السلطة والمعارضة أسس خطابه على الكراهية والتنابذ والثأر، ونفي الآخر، خاصة موقف السلطة من المعارضة، الذي أباح إقصائها والتنكيل بها، تحت عناوين: الردة والخروج على إجماع الأمة والتمرد على ولي المسلمين. فثمة ظلم عظيم تستر عليه خطاب السلطة، وفضحته دماء الأبرياء والمظلومين. وهناك تبادل أدوار حينما تتسلم المعارضة السلطة. فالظلم وسفك الدماء صفة لازمة للسلطة، وتاريخها تاريخ دموي وصراع مرير. فينبغي التخلي عن تراث العنف والكراهية، والقطيعه الأبستمولوجية معه، فنحن بحاجة لعقل متدفق، يقاوم تحديات نموذج الوافد الحضاري. إن مفهوم الهوية لا يعني التشبث بمطلق التراث. والأصالة لا تعني المكوث في كهوف الماضي، بل هويتنا رهن حضورنا، وقدرتنا على تأكيد وجودنا. وهذا ما يدعونا لتفكيك التراث للحد من توهجه، وهيمنته على العقل المسلم. وهو خليط من نصوص دينية وآراء اجتهادية وقصص تاريخية. أي أنه منجز بشري، لا يتعالى على النقد والمراجعة، وليس له إطلاق خارج شرطه التاريخي والثقافي، سوى مبادئه حينما تكون إنسانية.

ثمة من يعتقد بقدرة التراث على وضع حلول مثالية لأزمتنا الحضارية، وهي مغالطة معرفية، فالتراث رهن شرطه التاريخي، وبيئته الثقافية، ومرجعياته وقبلياته القائمة على نهائيات ارتكزت لأسطرة الرموز، والخرافة واللامعقول، وغيبت العقل حد الاستسلام لمنطقها، وعدم الاعتراف بمعطيات العلوم والحداثة، ركائز التطور الحضاري، الذي أربك موقفنا وتحدى هويتنا، فبات هو النموذج الذي نطمح له، وهو العدو الذي نخشى تحدياته. وليس أمامنا لتدارك تخلفنا سوى التخلي عن العقل التراثي، المتخم بخرافاته ويقينياته التي لا تستند لأي دليل علمي، سوى أوهام نفسية، وإيمان مرعوب، ترتعد فرائصه، حينما يقارب عقائده. والتمسك بالنقد ومعطيات العلوم والتجربة، والارتكاز للفلسفة والاستدلال المنطقي والعلوم الإنسانية الحديثة في بناء حضارة معاصرة تحترم الإنسان، وتستعيد مركزيته. بهذا الشكل يمكن للشخص الموازنة بين جانبيه الروحي والمادي. وبالتالي فنقد التراث في أحد أبعاده، نقد لخطاب السلطة والمعارضة لتجاوزهما كمرجعيات نهائية، حتى إذا تأسس خطابهما فكريا على مبادئ التسامح وحقول الإنسان والاعتراف الحقيقي بالآخر والتبادل السلمي للسلطة، نكون قد خطونا أول خطوة على طريق الحضارة. أو يبقى الطرفان في خصام مستمر، قائم على النفي، والإقصاء، الذي سببه ثقافة تراثية تشرعن قيم التخلف الحضاري. وسبق أن قلت أن الفرق بين العقل النقدي والعقل التراثي أن الأول برهاني استدلالي، والثاني تقليدي، استسلامي. والتقليد يفشل دائما في صياغة أسئلته، ويستعيد أسئلة الماضي خارج شرطها التاريخي. وهذا يشترط فصل السياسة عن الدين كموجه أيديولوجي، يفرض هيمنة اجتهادات شخصية، وفتاوى مؤدلجة، تربك القرار السياسي، وتخضعه لإرادات فوقية تتقاطع مع القانون، وتتجاهل إرادة الشعب. 

تأسيسا على ما تقدم، تعد المعارضة العلوية، الأشمل من الشيعة الإمامية والزيدية وغيرهما، أوسع وأقوى وأرسخ معارضة واجهت الدولتين العباسية والأموية تاريخيا. ويعد الاتجاه الشيعي الإثنا عشري الأقدر على الثبات، حيث شق طريقه عبر منظومة معرفية متكاملة، في أبعادها العقيدية، والفكرية، والفقهية، والأصولية والكلامية. وقد تميز بعقيدته في الإمامة والمهدي المنتظر، وتنوع طقوسه التي تلهب المخيال المثيولوجي. فالعقيدة أعادت تشكيل وعي الفرد ورسمت حدود الآخر. كما أنها راهنت على النجاة من خلال مصفوفة نصوص وآراء كلامية، منحت طقوسها خصوصية التفوق يوم المعاد. كما كرس التشيع رمزية الإمام الحسين، لتماسك نسيجه الداخلي، وشحن الحس الثوري. وقوة هذه العقيدة في قدرتها على ربط الفرد بخالقه عبر مسار التشيع عقيدة ورموزا. فكانت لجهود أئمة أهل البيت وأصحابهم في القرون الأربعة الأولى دور التأسيس، وبناء الهيكل العام للتشيع، وباقي التفاصيل راحت تتطور وفقا لحاجات آنية، ثم تأخذ مسار النظرية الشيعية حينما تندمج بها من خلال تبني الشيعة لها. فالتشيع صار هوية لأنصاره ومعتنقيه، له قدرة الإلهام، ورسم معالم العلاقة مع الآخر. والأهم بات يضفي معنى للإنتماء الاجتماعي، المذهبي والعقيدي. فتميّز بخاصيته الأنثربولوجية ومعالم هويته. يتضح هذا بشكل جلي في المناسبات، والتحيز للخصوصية، عندما يلتبس السياسي بالدين، أو خلال الأزمات والتخندقات الطائفية. وهذا لم يأت عن فراغ، بل تراكم هائل، معرفي وسياسي. فقد خاض الشيعة، مثلا – معارك ومناظرات كلامية شرسة، دفاعا عن متبنياتهم العقيدية، وانتصارا للإمامة بشقيها السياسي والديني. وذلك بقيادة متكلميهم، كهشام بن الحكم ومؤمن الطاق من أصحاب الإمام الصادق، حتى الشيخ المفيد، الذي يعود له فضل التدوين وبناء النظرية، وقد انصبت جهودهم، على تأصيل المقولات الكلامية الشيعية في الإمامة، وخصائصها، والذب عن شرعية خلافة الإمام علي، باعتبارها نصا بخصوصه، وتنقيح كافة الروايات التاريخية التي دلت عليها، كحديث الغدير، مثالا لا حصرا. وأيضا كان هذا  الخط يسارع مع كل  انهيار وتصدع، سيما بعد وفاة كل إمام، لترميم العقيدة، وتقديم تفسيرات ومبررات حول تأخر ظهور المهدي. واستمرار الإمامة الدينية، بجملة أدلة نقلية وعقلية. فدافع عن الإمامة وشرعيتها، واستدل على عدم شرعية جميع المواقف السلبية من الأئمة، كخروج عائشة وطلحة والزبير على الإمام علي. إضافة لمشاركاتهم الفعّالة في الجدل الذي كان محتدما حول مفاهيم العقيدة الإسلامية: صفات الخالق، فاعل الكبيرة، وخلود الكافر بالنار، والإرجاء، والقدر، خلق القرآن. فهذه الجهود الكلامية تندرج ضمن مشاغل المعارضة الفكرية والعقيدية، لأنها تتقاطع مع متبنيات الدولة الحاكمة. والمعارضة تحدٍ للسلطة بأي شكل كان، ما دام  إجراؤها مؤثرا. خاصة أن المناظرات الكلامية كانت قائمة على الاستفزاز والتهم والتشكيك، في ظرف عصيب. فمن  جهة هناك انتفاضات مسلحة تحرج الأئمة أمام  السلطات، ومن جهة ثانية حجم الاقصاء  والتهميش الذي كان يعيشه الشيعة. فكانت أكثر مواقفهم ردود أفعال، وتحديات، وشعورا عميقا بالحرمان السياسي.

فترجع للاتجاه الثاني جميع الجهود الفكرية والعقيدة التي تولت بناء منظومة معرفية، وأرست أسس النظرية الشيعية، وتأصيل مفاهيمها. فجذور المرجعية الفكرية والعقيدية للتشيع تعود لتلك  الفترة بالذات، حيث أوج الصراع الفكري والعقيدي، واكتظاظه بالآراء والاتجاهات، والانشقاقات الشيعية، بسبب الإمامة ومصاديقها، وبسبب المهدي وتأخر ظهوره.

 

علم الكلام القديم

إن نشوء علم الكلام كان إيذاناً بتأسيس الفرق وتعميق الخلاف بين المذاهب الإسلامية عامة والشيعة خاصة، فعندما تخندقت الفرق حول نفسها وظّفت عدتها وعتادها لتحصين مواقعها الدفاعية وشن حملات قاسية على الفرقة الثانية. واستبدلت لغة الحوار بتراشق عنيف يستهدف القضاء على خصمه الذي صنعه بيده. وبهذا صار الكيان الآخر هو المقصود بالذات دون الأفكار. فليست هناك مراجعة للآراء أو اعادة نظر بالعقائد والأفكار، لأنها حق مطلق لا يدانيه أي شك أو نقص، ومهمة المتكلم هي حشد الأدلة والبراهين والحجج، وإن لم تكن علمية، لاثبات صحة مدعاه وخطأ خصمه المذهبي.

فعلم الكلام الإسلامي لم يتأسس تاريخيا لنقد الذات والمعتقدات الشخصية، ولم يهتم بمراجعة الأفكار والآراء المذهبية، بل كان هدفه الأساس الإطاحة بالآخر، فهو خطاب معارضة، أو يندرج ضمنه. وهذا السبب وراء تأكيدي أن المذاهب الإسلامية قامت على التنافي، ولا حقيقية لها إلا من خلال إقصاء الآخر، ونبذه. فلا توجد مساحات للإلتقاء، بمعنى الإعتراف بالآخر كشريك بالحقيقة وطرق النجاة. بل كل مذهب وفٍرقة تحتكر الحقيقة لنفسها، وتقصر النجاة عليها. فالآخر وفقا لرواية المسلمين الكلامية هو المرتد، المنحرف، الضال، الكافر، المتمرد على الشرعية الإلهية. لذا لا تجد في ثقافة الفِرق والمذاهب الكلامية عبارات تشي باحترام الرأي الآخر. بل غالبا ما تقرأ عبارات الضلال والنفي والاقصاء. فالحقيقة في ثقافة المسلمين واحدة، والطريق إليها واحد، وبما أنها غير مشخصة، فينبغي البرهنة على احتكارها وإقصاء الآخر عنها. فالتكفير والتنابذ يمثلان حقيقة الثقافة الطائفية لدى المسلمين. لذا أفضى علم الكلام الإسلامي إلى نتائج سلبية، منها: أنه أسقط الإنسان من معادلة المتكلمين، وأهمل حاجاته وتطلعاته، فهجرته العقيدة وأخذ يشق طريقه بمعزل عنها، خلافا للمنهج القرآني الذي أراد أن تكون العقيدة موجها للإنسان في سلوكه وممارساته، ويعيش التوحيد بكل كيانه ومشاعره وأحاسيسه، ويتسق مع الوجود في حركته إلى الله تعالى . فلجأ الإنسان إلى نزعات باطنية، غنوصية، صوفية لملء الفراغ الروحي الذي خلّفته العقيدة بعد أن هجرت الحياة واستقرت في عقول المتكلمين، تهددها الشكوك والأوهام. وأخذ الإنسان يمارس لونا آخر من العقيدة، اقتصر فيها على طقوس وشعائر مجردة، فصيرته إنسانا مزدوجا، شخصيته موزعة على مساحتين لا علاقة بينهما ولم يلتقيا إلّا في نقاط التقاطع: العقيدة والحياة الاجتماعية.

إن المتبادر من علم الكلام والمناظرات الكلامية أنه علم قائم على منهج علمي، يرتكز للعقل في مقدماته ومقولاته الأساسية. غير أن الحقيقة شيء آخر. فهو يختلف في طريقة البحث، ويرتكز للمنطق الأرسطي في الإستدلال على آرائه. فهموم علم الكلام القديم هموم أيديولوجية مهمتها الدفاع عن مقولات الفِرق والمذاهب، وتقويض آراء الخصم. وليس مهمته الاستدلال على مقولاته الأساسية وفق منهج علمي، عقلي، فلسفي. أي ثمة مقولات جاهزة تم الاستدلال عليها بروايات ونصوص مسبقا، تشكل مقدمات القياس الأرسطي، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، باعتبارها نهائيات وجزميات. فالمقولات الكلامية مؤسسة تراثيا وليست بديهيات أو مبادئ عقلية، ثم يأتي علم الكلام ليدافع عنها، ويستميت في الاستدلال على صحتها. فالنتيجة سابقة على الاستدلال، وليست هي نتيجة استدلال عقلي – فلسفي. فالكلام القديم لم يتحرر من النص والروايات، ويبقى قابعا تحت سلطة مقولاته المذهبية، فهو جزء من بنية الخطاب التراثي، ويخضع لآلياته. كان يفترض بعلم الكلام القديم أن يرتكز للعقل في بيان عقيدته ومقولاته. وأن يتجرد من قبلياته، عندما يقارب المقولات الكلامية، كما هو الحال بالنسبة للاستدلال الفلسفي. لا أن يتبنى مقولة جاهزة ثم يستدل عليها. فهذا العلم لا يولد معرفة، بل هو منطق آيديولوجي قائم على المغالطات، والاستفادة من إمكانية مقدمات القياس المنطقي في الأشكال الأربعة، حيث تقبل المشهور، والمتسالم عليه، وكلاهما نسبي، لا يصلح أن يكون مقدمة استدلالية. فمقدمات القياس ليست علمية دائما. وما نحتاجه راهنا أن تكون مقدمات القياس عقلية، يمكن الاستدلال عليها معرفيا. لذا ترى عالم الكلام مشغول في البحث عن ثغرات في عقيدة الآخر، للإنقضاض عليه.

من هنا يتضح أن دراسة علم الكلام القديم، ونقد مقولاته تقع في إطار نقد التراث. فهو ليس سوى جزء من التراث، ويؤسس للخطأ المعرفي، والنفي الوجودي للآخر. وليس علما قائما على البرهان الفلسفي والدليل العقلي. فلا يوجد تجرد وموضوعية في علم الكلام. وتكمن مهمته في الدفاع عن أحكام ومقولات مسبقة هي وليدة روايات ونصوص تراثية، يتطلب نقدها منهجا علميا صارما. لتبديد سلطة المقولات الكلامية. فعلم الكلام حينما ساهم في بناء النظرية، لم يغادره منطق النفي الوجودي للآخر، بل برر إقصاءه وسلب شرعيته.

كما ثمة ثغراث علمية في الاستدلالات الكلامية، حينما يسوق بعض المقولات كأنها بديهيات، أو قضايا متفق عليه. بينما هي مقولات وجزميات ونهائيات مذهبية خاصة. فعندما يقول المتكلم: لا يمكن لخالق السماوات والأرض بهذا النظام والدقة أن يترك البشرية بدون إمام يقودهم للحق!!. فهذه المقدمة تبدو منطقية قياسا على النظام الكوني، فتصغي لها النفس. لكنها مقدمة بلا دليل سوى استحسان. أو أنها ضرورة قياسية وفقا للقياس الأرسطي، ابتدعها المتكلم كي يبني عليها نظريته في الإمامة. ثم يرتب عليها: بما أن عدم تنصيب إمام يلزم منه الضلال، فيجب أن يكون هناك إمام منصوب أو معيّن من قبله. وهذه المقدمة تتطلب قناعة نفسية ليس أكثر، تجعل من الشبهة شبهة مصداقية، لتحديد من هو الإمام المنصوب، وهنا يأتي دور التراث والنص. وهذا لون من ألوان الاستدلال الكلامي المفعم بمغالطاته، لأن أول الكلام أن تثبت بدليل قرآني على وجوب الإمامة والقيمومة في كل زمان ومكان. ولماذا لا نقول ربما مشيئة الله تعالى أن يتولى الإنسان بعقله مسيرته، خاصة وهو منذور لمهمة بشرية أن يقيم الخلافة ويستخلف الأرض ويعمرها ويحييها ويحكم بها بالمنطق والعقل والمبادئ الإنسانية؟؟ أي أن المغالطة عندما تجاوز الجدل الشبهة المفهومية، واعتبرها مسلمة، وهي ليست كذلك بل هي محط الجدل الكلامي، وبحاجة لدليل شرعي لحسمها، ثم الانتقال للبحث عن المصاديق.

 إن تفكيك المقولات الكلامية ينزله من علياء التعالي والفوقية. وهنا تأتي مهمة النقد لكشف خداع الاستدلالات الكلامية، وصدقية المفاهيم التي قامت عليها مقولاته. وحينئذٍ سنكتشف أن الفكر الديني فكر تراثي، لا يمت للعقل بصلة، بل هو مقولات نهائية، يتداولها علماء الملسمين، فيعيدون انتاجها بمختلف القوالب اللغوية والاستدلالية. فاللامعقول الديني هو الأساس في علم الكلام القديم، وليس العقل والفلسفة. وأحد مهامنا في نقد النص بيان مساحة اللامعقول، ورصد جذوره، وطريقته في الاستدلال، وما يستخدمه من أدوات للتلاعب في مقدمات القياس. فعلم الكلام القديم، الذي يفترض أنه علم عقلي في استدلالاته ومناظراته، يتبنى اللامعقول، ويتستر على تبنيه، بل ويناقض المنطق العقلي – الفلسفي حينما ينطلق من مقولات ومفاهيم جاهزة. فعلم الكلام القديم خطاب آيدولوجي، مهمته تنزيه الذات والدفاع عن متبنياتها، ونقض الآخر ومبرراته في احتكار الحقيقة، وسبيل النجاة في اليوم الآخر. فهو ليس علما بالمعنى الاصطلاحي، لكنه يتستر على حقيقته بمفهوم العلم.  

يتجلى مكر الكلام القديم بتستره على دوره في نتائج القياس، من خلال مقدمات تنتمي للتراث واللامعقول الديني. كما في المثال المتقدم، فهو يستغفل المتلقي عندما يعتبر مقدماته نهائيات، فتكون كالبديهيات ضمن القياس المنطق. كما أنه يتستر على أيديولوجيته واستهدافه للخصم حينما يتلبس بصفة العلم، بعيدا عن شروطه. الكلام القديم يعتمد مقدمات كل واحدة بحاجة إلى أدلة عقلية لاثباتها، غير انه يوظفها كبديهيات ونهائيات تامة دلالية. مثال ذلك قياس الخالق على المخلوق، بينما يؤكد القرآن أنه غيب محض، وليس كمثله شيء، ولا تدركه الأبصار. فالبديهيات العقلية والفلسفية لا وجود لها في القياس الأرسطي، وهو يستدل على مقولاته المذهبية والعقيدية. بل الحضور الحقيقي في تلك المقدمات للتراث والروايات والمتسالم عليه ضمن خصوصيته، مباشرة أو بشكل غير مباشرة، فالنتيجة في القياس معروفة مسبقة. فهناك علاقة صميمية بين علم الكلام، كعلم استدلالي حسب الفرض، والنص. فهو يخضع لنقد النص في مقدماته. ولا يمكنه الهروب من هذه الحقيقة. نتائج علم الكلام القديم نتائج نصية، روائية. فتخضع للنقد والمراجعة ضمن حقل النصوص والروايات. فعلم الكلام هو الذي يبني حقيقته، ويدافع عنها، ويتستر عن دوره فيها، وعن جذرها الروائي، حينما ينسبها للعقل والدليل العقلي. علم الكلام القديم وظف العقل للإيمان، ولم يسمح له بممارسة دوره في النقد والمراجعة وبناء المعرفة وفق مقدمات علمية، يمكن الاستدلال عليها بالتجربة أو العقل أو الدليل الرياضي.

المعرفة لا تبنى بالأوهام، والخرافات. ولا تستمد حقيقتها من التراث والروايات، وتحتاج دائما لأدلة عقلية وفلسفية، فإقصاء علم الكلام القديم إقصاء لخطابه الأيديولوجي، والجهل المعرفي، وخداع القياس الأرسطي. وكانت أول خطوة على طريق الحضارة الحديثة القطيعة مع التراث والهرطقات الكلامية، واعتماد العقل والدليل العلمي في بناء المعرفة والتراكم العلمي.

ثمة ملاحظة جديرة، أن علم الكلام القديم بنى مقدماته على أساس روائي بعيدا عن القرآن، فطالما تبنى حقائق عقيدية لا تجد لها جذرا قرآنيا صريحا سوى تأويلات، أو تفسير روائي للآيات. علما أن الكتاب الكريم قد فصّل الكلام حول العقيدة وأسسها، وليس مضطرا للتستر على متبنيات الفكر الطائفي والتراثي. فينبغي التركيز على نقد النص للكشف عن حقائق المقولات الكلامية. فليس ثمة استدلال عقلي أو فلسفي كما يوحي به مفهوم العلم، بل هو خطاب أيديولوجي للدفاع عن مقولات وأحكام أسست لها نصوص لا يمكن الجزم بصحة صدورها، مع منافاة بعضها للقرآن المجيد. والأخطر أن علم الكلام القديم ينظّر للاستبداد، وتكريس التبعية والانقياد، والخضوع. وهو ما ترفضه قيم المجتمع المدني الذي نحن بأمس الحاجة له. وترفضه مبادئ حقوق الإنسان، التي تمثل جوهر الحضارة الحديثة. فالقطيعة مع الكلام القديم قطيعة مع التنظّير للعنف والإرهاب. كما أنه ينّظر لمركزية المذاهب والفِرق، فيجعل من الآخر هامشا، يحق له إقصاءه واضطهاده. فيشرعن التنابذ الديني، بدلا من الاعتراف بالآخر واحترام حقوقه المشروعة. وبالتالي ما دام علم الكلام القديم يرتكز في مقدماته أحيانا للتراث والنصوص فلا ينجو من الأوهام والخرافات واللامعقول. فيؤسس على خلاف منطق العقل والتعقل المطلوب في مجال المعرفة. فلا يمكن أن يكون مصدرا من مصادرها.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi5خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق6- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص وفتنة الشعار

ماجد الغرباوي: تتصف الشعارات بزخمها العاطفي، وقدرتها على تعبئة الناس، وتحريض الرأي العام. وهي من أخطر اللعب السياسية والدينية. يتطلب نجاحها مهارة وخبرة بثقافة المجتمع وتاريخه ورموزه وأولوياته، وطبيعة علاقته بتراثه وقيمه ومبادئه ودينه. تتأثر فاعليتها بظرف إطلاقها وتوقيتها. ويخبو توهجها خارج بيئتها وحاضنتها الثقافية – الاجتماعية. فيخسر من يرفع شعارات حسينية في مناطق الشام آنذاك، بينما ترتعد لها فرائص المجتمع الشيعي في العراق، بسبب ارتباطه الوجداني والعاطفي والتاريخي والديني بالحسين وقضية كربلاء. الشعار وتر حساس يعزف عليه السياسي، ويكرسه لمصالحه الشخصية والحزبية. والكشف عن حقيقته يمنح الشعب فرصة لاستعادة الوعي، والتأني في الاندفاع العاطفي. أي أن نقد الشعارات يحرم السياسي المتربص من تحقيق غايته، وهذه مسألة مهمة على مسار خلخلة اللامفكر فيه، من أجل نهضة حضارية متماسكة. فالشعار تارة يستبطن بنى فكرية وعقيدية، وأنساقا ثقافية ومعرفية، قد تكرس الطائفية، وتعيد تشكيل العقل على أسس لا أخلاقية، تصنف الآخر وفقا لتنوعه الثقافي والديني، الذي هو جزء من خصوصيته وحريته، فالشعار يأتي ليصادر حريته، ويقمع حقه في التنوع، خاصة حينما ترتفع نبرة التنابذ وروح الكراهية بسبب الشعارات المرفوعة. وبالتالي فنقد الشعار يقع ضمن سياقات البحث، في نقد النص.

اتضح مما تقدم أن الاتجاه الثوري ضمن المعارضة التاريخية، كان خطابا سياسيا، مارس العنف متسترا بشعاراته، فأوغل (التوابون) بالقتل ثأرا للحسين، بعد واقعة كربلاء مباشرة، وكان يقودهم سليمان بن صرد الخزاعي. ثم المختار الذي سيطر على الكوفة ورفع شعار "يالثارات الحسين". حيث قتل كل من اصطف مع السلطة الحاكمة. ثم طور التيار الثوري نفسه إلى حركات مسلحة استهدفت السلطة بمختلف العناوين، كثورة عبد الله بن الزبير، الذي أعلن نفسه خليفة للمسلمين في مكة بعد وفاة يزيد بن معاوية، وكان واليه على الكوفة أخوه مصعب بن الزبير الذي استولى على السلطة بعد أن قتل المختار الثقفي. وأيضا زيد بن علي، الذي قُتل بعد خروجه في الكوفة ضد حكم هشام بن الحكم. وفيما بعد ثورة "محمد ذو النفس الزكية" وأخوه إبراهيم. كما كانت هناك حركات مسلحة للخوارج وغيرهم، وقد رفعت كل حركة ما يخدم مصالحها السياسية من شعارات ولافتات ثورية. وبالتالي رغم حرص الحركات الثورية التاريخية الطامحة بالسلطة على رفع شعارات تبدو دينية وإصلاحية، أو تدعو للثأر من قتلة الإمام الحسين أو تطالب بالرضا لآل محمد، إلا أنها حركات سياسية، تخادع في شعاراتها ولافتاتها، رغم اختلافها المرجعي، وتباين فهمها للسلطة وشروط الحكم. فلا صدقية حقيقية لتلك الشعارات. خطاب التيار الثوري خطاب سلطة، وما يؤكد زيف شعاراته، أن زعماء التيار الثوري قد إنقلبوا عليها، ومارسوا ضد مناوئيهم عنفا مضافا، كالعباسيين الذين رفعوا في بداية تحركهم شعارا مواربا (الرضا لآل محمد)، ثم اختزله منطق السلطة ببني العباس، واستبعاد بني هاشم. من هنا ينبغي الحذر من أي شعار ثوري باسم الدين أو الحسين يرفع من قبل أية جهة، فهي شعارات ماكرة تستغل عواطف الناس، لتعزيز قواعدها السياسية، وتراهن على استغفالهم، عندما تختزل الاصلاح بممارسات طقوسية، إرضاء لمشاعر جمهورها، بينما تكرّس وجودها السياسي لمصالحها الشخصية والحزبية.

إن فتنة الشعارات مازالت تحرض ضد السلطة، وتطمح لتوسعة دائرتها عندما تكون فيها، كشعار: "كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء". وشعار: "أبد والله لا ننسى حسينا". وهي شعارات ماكرة، تبحث عمن تحمّلهم مسؤولية ما حصل في كربلاء قبل 1400 عام!!. كمبرر مشروع لسلوكهم الإقصائي من أجل الوصول للسلطة أو توسعة نطاقها. شعارات تزلزل مشاعر الحس الثوري، رغم مخالفتها الصريحة للكتاب الكريم: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). فالشعار يخلق أعداء وردود أفعال معاكسة تخدم هدف السياسي. وهذا هو الخطر الجسيم، الذي يقوض السلم الأهلي، ويعمق روح الإقصاء والتنابذ والكراهية، فيندفع الناس بخدمة مشاعر دينية – حسينية، وهي لا تعدو سوى تحركات سياسية غايتها الوصول للسلطة.

لا توجد شريعة سماوية أو أرضية تبيح الثأر مدى الحياة لأجل مقتل شخص، مهما كانت منزلته. وقد قُتل قبل الحسين أنبياء كثيرون (قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين)، كما صرح القرآن بذلك. لكن للثأر حدود، النفس بالنفس. وتجاوزه جريمة واعتداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَى ... فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ).  فربط شعارات العنف والسياسة بالدين والقرآن الكريم يعد جريمة بحق الناس الطيبين، فيجب فضح هذه الشعارات وكشف زيفها، وخداعها، لتحرير الوعي من ربقة العواطف والاندفاعات اللامسؤولة. فرفع الشعارات باسم الحسين تناقض هدفه الإصلاحي، وقبل ذلك تتستر بالدين وتقوض مبادئه وقيمه.

تبقى السياسة هدفا مشتركا لهذه الحركات. وما الشعارات المرفوعة سوى محفزات آيديولوجية لشد صفوف قواعدها الشعبية. فالتوابون الذين مثّلوا أول تحرك مسلح ضمن التيار الثوري، كانوا ممن كاتب الحسين وبايعه على السلطة، لكنهم تخلوا عنه بعد انقلاب موازين القوى لصالح جيش السلطة الحاكمة. ثم عادوا لحمل السلام للانتقام واستعادة السلطة. فكلا الموقفين كان منطلقه سياسيا براغماتيا. بايعوا الإمام الحسين على أمل الاشتراك في حكومته، وحملوا السلاح تائبين بعد مقتله أملاً في السلطة. بل انسحب جميع من رافقه في الطريق عندما علموا بمقتل سفيره إلى كربلاء، مسلم بن عقيل، ولم يواصل المسير معه إلا خُلّص أصحابه وأهل بيته!!. فلا معنى للمبدئية كما يراهن بعض الباحثين. المبدئيون رابطوا معه حتى اختلط دمهم بدمه على أرض كربلاء. فالتباس السياسي بالديني أحد أسباب تخلفنا، فينبغي تفكيك الخطاب الثوري، وتحليل مقولاته ومفاهيمه، لمعرفة ثقافته، وأهدافه، للحد من توهجه بعيون الشباب الثوري، وقود الحركات السياسية، المندفع في حب الإسلام وحب الحسين. فليس "كل يوم عاشوراء" و"كل أرض كربلاء"، وخطاب الحسين خطاب سياسي، هدفه إقامة دولة، فالحدث يقرأ ضمن ظرفه التاريخي والسياسي، واستدعاؤه خارج شرطه ينقلب إلى عنف مؤسلم، هدفه السلطة بلباس ديني - حسيني. التوابون تيار متربص، التصق بالحسين قبل وبعد استشهاده طلبا للسلطة، وهدفه هدف سياسي، يتستر بالدين وطلب الثأر للحسين. وقد استباح دماء غزيرة لتحقيق أهدافه بعيدا عن قيم الدين (النفس بالنفس). قتلى كربلاء سبعون شهيدا، فكيف استباح هذا التيار سفك الدماء لولا دوافع سياسية تستهين بجميع القيم من أجل إضعاف السلطة؟ فالتيارات السياسية أحق بالنقد والتفكيك للتعرف على حقيقتها، حينما ترفع شعارات دينية. فتارة تكرّس هذه التيارات الاستبداد والعنف والقمع والاستغلال باسم الدين والضرورات الثورية.

كما ثمة ما يدعو لتفكيك المرجعية الفكرية والعقيدية لهذا التيار لاكتشاف مساحة اللامفكر فيه والمسكوت عنه، ومدى علاقتها بالنص، رغم عدم حاجته الماسة له كما تقدم. فطلب السلطة بآليات ثورية لا تخفى على الوعي، لكن ما يريد التستر عليه الخطاب الثوري، شرعية تحركه المسلح دينيا. فاكتشاف المسكوت عنه واللامفكر في الخطاب الثوري يعيد تشكيل الوعي بهذه الحركات، ومدى شرعيتها. فإذا كانت السلطة ضرورة اجتماعية فلماذا توظف الشعارات الدينية من أجل مطالب سياسية؟

إن البنية الأساسية لهذا التيار بنية ثورية، متحررة من قيود الشريعة رغم شعاراتها الدينية. بنية تقوم على مقولات براغماتية، أعادت بها تشكيل وعي ديني استنزف عقل المسلم، من أجل الوصول للسلطة. فهو فهم سياسي للدين يرتكز للعنف والإقصاء وعدم الاعتراف بشرعية الآخر. وبالتالي فهو وعي تاريخي، لا يمكن اعتماده لبناء مجتمع مدني حضاري، يقوم على التسامح والتداول السلمي للسلطة، وتقديم الكفاءة على الولاء. وحق الفرد في التنافس على السلطة بغض النظر عن خصوصياته الثقافية والدينية.

 

التنظير والمعارضة

وأما الاتجاه الثاني، الفكري – الفقهي أو الاتجاه "التنظيري"، فقد مارس المعارضة بأساليب سلمية محكمة، يصدق أنها معارضة سياسية صامتة تستبطن السلطة. وقد مرّ الحديث عن أبعاد هذا الاتجاه، وثمة جوانب أكثر خطورة ينبغي التوقف عندها، للتعرف على بنيته، ومساحة اللامفكر فيه واللامعقول. ومدى ارتكازه للعقل والشرع حقيقة. وفضح بشريته، ومكره وأهدافه ورؤيته للذات والآخر. فهذا التيار أحق بالنقد لقوة حضوره، وتأثيره في العقل المسلم منذ نشأته، وأكثر استهلاكا وتوليدا للروايات. وهو لا يختص بمذهب أو فِرقة، بل كان عصر التنظير ونشوء المذاهب والاتجاهات الكلامية والفٍرق الإسلامية بامتياز. وعصر تكريس النص لمصالح سياسية ومذهبية، فكانت الأحاديث تتدفق لنصرة هذا الطرف وذاك، خاصة بعد امتداد عصر النص لدى الشيعة، واستمراره حتى نهاية الغيبة الصغرى، وبداية الغيبة الكبرى للإمام الثاني عشر المهدي وفقا للعقيدة الشيعية (329 هـ). فالمعارضة والسلطة كلاهما أسس شرعيته على نبذ الآخر، وتسقيطه والانتقام منه. أي أن منطق الثأر كان محركا أساسا في البناء النظري، الفكري والعقائدي والفقهي، وهو واضح في كتب التراث. وقد مر أن المذاهب والفرق الإسلامية ليس لها وجود حقيقي خارج منطق التنافي، فلا معنى للتسامح الحقيقي بينها. لأن الاعتراف بالآخر يساوي نفي الذات، ومصادرة شرعيتها. فليست هناك سلطة ومعارضة بالمعنى الحقيقي، بل تربّص مستمر بالآخر لتسقيطه وإنهائه.

إن ثنائية السلطة والمعارضة، كانت تتحكم بالخطاب السياسي في حقبة الدولتين الأموية والعباسية رغم تنافرهما، فلا يمكن دراسة أحدهما بمعزل عن الآخر، سواء كانت المعارضة مسلحة أو سلمية. فكان الصراع حول شرعيتهما على أشده، وإذا تشبثت السلطة بالقوة، فالمعارضة تحصنت بنصوصها، وسلبت السلطة شرعيتها. فالعلاقة بينهما علاقة ثأرية، عدوانية، انتقامية، وليس اعترافا وتكاملا كما هو الحال في الأنظمة الحديثة. بل المعارضة وفقا للفقه السلطاني كافرة، مرتدة، خارجة على سلطة أولي الأمر، يجب قتلها، لذا لا يصلح هذا النموذج التاريخي مثالا للحكم والسلطة راهنا، وينبغي القطيعة معه، والتخلص من روح الثأر والانتقام والاقصاء، وأوهام السلطة الإلهية. فهي سلطة بشرية جاءت بالسيف والعنف وتزييف الوعي، واستبدت بالحكم، واستأثرت بخيارات المسلمين، واضطهدت المسلمين قبل غيرهم.

تمثلت المعارضة آنذاك بالعلويين والخوارج وبعض الأقطاب والرموز، وجهات أخرى. لكن تبقى للمعارضة الشيعية ميزتها، وخصائصها التي استطاعت فرض نفسها على الواقع والتاريخ، وبناء منظومة عقيدية وفكرية متكاملة، شاملة لجميع المسائل، وتكاملت شعاراتها بعد رسم أهدافها. فعندما اعتزلت الرموز الشيعية الكبرى السياسة ظاهرا، ورفضت الانخراط بأية حركة ثورية، ولو على مستوى التأييد الرسمي، فلم يكن هذا نهاية المطاف بالنسبة لها، بل واصلت طريقها، وقامت بعمل جبار على مستويات:

الأول: تشييد معالم المذهب الشيعي، فكريا وعقيديا وفقهيا. أي بناء الذات وتحصينها، وهذا بحد ذاته تحدٍ للسلطة. وبالفعل اكتسب التشيع بمرور السنين مصداقية عالية، وقدرة هائلة على رسوخه، ومقاومته للتحديات. فالتطور الفقهي مثلا بقي حليف المذهب الشيعي، من خلال ممارسة الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية لمواكبة ما استجد من قضايا دينية. كما كان التماسك وما يزال فريدا من خلال مرجعيته الدينية، أولاً من خلال ارتباطهم بالإمام المعصوم، ومن ثم المرجع الأعلى للطائفة الشيعية، التي يرى فيها الفرد قيادة دينية شرعية، يمنحها كامل ولائه. ولعل في فتاوى التعبئة الجماهيرية على مدى التاريخ ما يكفي شاهدا على هذا الكلام.

الثاني: استعاد (أئمة أهل البيت) ثقتهم بأنفسهم سياسيا، رغم جراح كربلاء التي كادت تطفئ نسب آل محمد. وعملوا بصمت، من خلال الأجواء العلمية والجدل الكلامي الذي طغى في تلك الفترة بالذات فانشغلوا أولاً، كغيرهم من أتباع المذاهب والفِرق الكلامية، بمقولات تمس شرعية السلطة، ومفاهيم عقائدية يراد لها خدمة الاستبداد الديني، فحققوا حضورا كبيرا، خاصة في زمن الإمام جعفر الصادق. وبلوروا منظومة مفاهيم في ظل الجدل الكلامي المحتدم. وتجاوزوها لتحقيق ما يريدون، فكانت نظريتهم في الإمامة الدينية نقطة تحول أعادوا بها قراءة العقيدة، وقدموا فهما مغايرا للسلطة، أعادوا به تشكيل وعي أتباعهم، حولها وحول مجموعة مفاهيم ترتبط بالإمامة والإمام.

لقد خسر الشيعة الإمامة السياسة في جميع جولاتهم، بدءا من الصراع على السلطة بعد وفاة النبي، وانتهاء بمقتل الحسين، مرورا بحروب الإمام علي الثلاثة، وخذلان الإمام الحسن من قبل أصحابه، واضطراره للصلح مع معاوية. فالخسائر السياسية كانت فادحة، قتلت الأمل بعودة السلطة، وأطاحت بآمال الشيعة في وجود دولة ترعاهم، وتعيد لهم كرامتهم، وتحقق أهدافهم في وجود دولة الإمام. غير أن مفهوم الإمامة الدينية استعاد ثقتهم بأنفسهم، وتفادى حجم الخسائر النفسية، بسبب الإمامة السياسية، وتبعات السلطة والحكم. فانتقم الأئمة بهذا التطور المفهومي من الأمويين، حينما وضعوهم في موقف الضعف والدفاع عن شرعية سلطتهم. حيث أفرغوا الإمامة السياسية من شرعيتها ما لم تكن امتدادا للإمامة الدينية، التي هي أمر إلهي!!. فأصبح للإمامة مفهوم ديني، يستمد شرعيته من النص الديني. وما الإمامة السياسية سوى وظيفة من وظائف الإمامة الدينية، لا يؤثر سقوطها وخسرانها في استمرار الإمامة الدينية بكامل شرعيتها!!. فعمل الشيعة على بناء منظومة معرفية كاملة تم بموجبها بناء نظرية في الإمامتين الدينية والسياسية. فاشترطوا أن تكون نصا، ولهم براهينهم. واشترطوا أن يكون الإمام منصوصا عليه، ولهم أدلتهم، فأبقوا الطرف الآخر في حرج عقيدي، جعله يتمادى في ملاحقة الشيعة، وفرض رقابة صارمة على تحركاتهم. فتطور مفهوم الإمامة نقل الصراع من صراع حول السلطة إلى صراع حول شرعيتها. وقد تمسكوا بشرعية الإمامة مقابل الخلافة بعد أن نظّروا  للإمامة الدينية. فالإمامة الدينية باتت أساس شرعية الإمامة السياسية، لا تتأثر كثيرا بسقوط الثانية، بل يبقى دور الإمام فاعلا دينيا. وهو عمل جبار قد لا يكون مخططا له، لكن هذا ما حصل فعلا. فكانت الخطوة الأولى استعادة أول صراع على السلطة بين صحابة الرسول، لتثبت غصبية السلطة وفقا لمفهوم الإمامة الدينية المتمثلة بالإمام علي حصرا. فلا يمكن لإرادة الصحابة، شرعنة خلافة الأول، بل كانت غصبا للإمامة بمفهومها الديني - السياسي. وهذه المرة بفلسفة جديدة. سابقا كانت نظرية المؤامرة حاضرة لتفسير ما حدث بعد الرسول، أما وفقا لنظرية الإمام الدينية فإن السلطة السياسية متفرعة عليها. فلا أساس شرعا لخلافة الخلفاء الثلاثة. لا أنها مشروعة وتم تقديم المفضول على الأفضل كما يذهب لذلك المعتزلة. فلسفة الإمامة اختلفت جذريا وفلسفيا، والسلطة السياسية لم تعد مباحة كي تخضع للقوانين الديمقراطية، ولو بصيغتها البدائية / الشورى. الإمامة الدينية وفقا للفهم الشيعي نظرية ثيوقراطية، لا يحق لأحد بموجبها التصدي للسلطة السياسية، بل هي سلطة إلهية، خص بها النبي، ومن بعده للأئمة من ولد علي وفاطمة. وبالتالي فقد نسفت الإمامة الدينية شرعية الخلافة، ولازمها إدانة الخلفاء ممن سبقوا علياً، ومن جاء بعده. فبقيت الخلافة الإسلامية وفقا لنظرية الإمامة الدينية بلا غطاء شرعي، لذا تعامل معها الفقه الشيعي بأحكام الغصب، والخروج على سلطة الولي الشرعية، واعتبروا جميع تصرفات السلطة غير شرعية، فلا يجوز العمل معها، لأنها سلطة غاصبة. واستمر الفقه الشيعي في رؤيته للسلطة الوضعية. فالشيخ محمد حسين النائيني (1860 -1930م)، منظّر الحركة الدستورية، يكتب في بداية كتابه: تنبيه الأمة وتنزيه الملة: "رغم أن السلطة مغتصبة ..". فالسلطة هي سلطة الإمام المعصوم أو من ينوب عنه نيابة خاصة أوعامة. والقيد الأخير اجتهادي.

وبما أن الصراع تاريخيا كان صراعا سياسيا على السلطة، لذا خضع لمنطقها. وحينما استعادوا الصراع التاريخي بحثا عن شرعيته، لجأوا لمراكمة شواهد ترجيحية، لعدم وجود مرجعية شرعية، آية أو رواية، تحسم النزاع حولها. فنشب صراع حول تأويل جملة من الآيات. ثم استدعوا روايات الفضائل ومواقف وتصريحات النبي من الصحابة عامة، ومن علي بن أبي طالب حصرا، ثم بدأت مرحلة التنظير الكلامي، فتوفر الشيعة على ترسانة أدلة، تتحدى شرعية السلطة منذ يومها الأول. وبشكل طبيعي يكون رد الفعل مماثلا، على جميع المستويات، فكانت الروايات تتدفق لدعم هذا الطرف أو ذاك. ويبقى أقوى إجراء شيعي عندما أسندوا للإمام مهمة التشريع أسوة بكتاب الله وأحاديث نبيه، وجعلوا له ولاية تشريعية أسوة بكتاب الله ونبيه، وأصبحت الآراء الفقهية للأئمة وأقوالهم وأحاديثهم نصوصا شرعية مقدسة، مثلها مثل روايات النبي، في بيان الأحكام بل وتخصيص وتقييد القرآن!!. فأخذت الإمامة شكلا جديدا من خلال الولاية التشريعة، المختصة بالله تعالى ولا يوجد دليل على جعلها لغيره. ولم تعد الإمامة مجرد منصب سياسي، تنتهي شرعيته بموت الإمام أو عزله، بل أصبحت الإمامة منصبا إلهياً، وأحد مقامات الرسالة على جميع المستويات. وأصبحت السلطة السياسية من مختصات الإمام بعد اختصاصها بالنبي. وصار الإمام مصدرا تشريعيا، أسوة بالرسول وسلطته  الدينية. والأهم أن الإمامة الدينية نص إلهي، والإمام منصوص عليه باسمه وصفاته.

وبهذا تمكن الشيعة من بناء نظرية في شرعية السلطة، ترتكز للنص والعقل. فالنص هو مدار مختلف المنهاج والقراءات النقدية للتعرف على بنيته وآليته في تشييد حقيقته، خاصة مع الشك في صحة صدور تلك الروايات، فترتفع إحتمالات مراوغات النص. فلم يبق سوى نقد النص لمقاربة الحقيقة، بعد أن بات النقد الرجالي غير مجدٍ رغم قدمه. والعبرة في النص حضوره وقوة تأثيره. فالنقد يتوغل في أعماقه واكتشاف حقيقته للحد من فاعليته وتوهجه. العقيدة اليوم قائمة على النص، وما لم نمارس النقد على نصوصها كمرجعيات نهائية لا يمكن الحد من تأثيرها وتمددها، رغم أنها وجهات نظر تاريخية. إن خطر العقيدة لا بحضورها بل بمرجعياتها الميثيولوجية، التي ترتكز للامعقول، وترفض العقل والعقلانية. فتعيش أوهام الحقيقة، والنجاة المطلق يوم المعاد.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الحلقة الخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق5- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص وخطاب المعارضة

ماجد الغرباوي: ما إن انتهت مرحلة نزول الوحي بوفاة النبي، بدأت مرحلة تأويل النص المقدس، وتزوير الوعي الديني، بدوافع شتى، أخطرها السياسة حينما تفرض نفسها على التأويل، فيغدو نصا جديدا، وتفسيرا رسميا يصادر النص الأول، ويعيد تشكيل الوعي. وتارة تدفع ضروراتها باتجاه وضع الأحاديث، ونسبتها للرسول الكريم. وثمة نصوص لا يمكن الجزم بصحة صدورها لعبت دورا خطيرا في عالم السياسة، سواء في عهد الخلفاء، أو في عصر الدولة الأموية. وكما أن ثنائية السلطة والمعارضة كانت وراء التمادي في تأويل الآيات وتزوير الوعي ووضع الروايات، فأيضا كانت السياسة سببا أساسا في نشوء المذاهب والفِرق، وتأسيس مرجعيات فكرية وعقيدية جديدة. فعندما دشن الخلفاء بنزاعهم على السلطة مرحلة الإسلام السياسي، وتسيس الدين. أبقوا على قدسية النص، لشرعنة التأويل، فهو طاقة، يستمد قوته من مرونة النص المقدس وثرائه ورمزيته، ويبقى القارئ ومهارته في توظيفه. فلا غرابة أن يكون التأويل أول مصدر لمراكمة شواهد على شرعية أحد طرفي النزاع على مشيخة المسلمين وخلافة الرسول في بعض القضايا الإجرائية التي تتطلبها ضرورات المجتمع الجديد. فالسلطة عانت في شرعيتها رغم البيعة، وعدم قدرة الطرفين على حسمها وترجيح أحدهما على الآخر، لعدم وجود نصوص حاسمة في قراراتها وشرعيتها، فلم يجد أنصارهما عند استدعاء وقائع الخلافة في نهاية القرن الأول، سوى الشواهد لترجيح شرعية أحدهما. فالدافع للتأويل كان سياسيا بامتياز، وهذا لا ينفي وجود أهداف أخرى. غير أن استشهاد الحسين بن علي عام 60 هـ، كان إنعطافة حقيقية، دخلت معها السياسة مرحلة جديدة، وأصبحت المعارضة ظاهرة، فرضت نفسها على الساحة السياسية، بعد أن كانت متوارية، بلا ملامح، ينقصها الرؤية الحقيقية، واستراتيجية التحرك السياسي المدروس. ثم أخذت تطور أدائها. فدشنت عملها بانتفاضات عسكرية، رفعت شعار: "يا لثارات الحسين". فالمعارضة في زمن الخليفتين الأول والثاني، وشطرا من حياة الثالث كانت مجرد ملاحظات، وتباين في المواقف السياسية دون التشكيك بشرعية السلطة، خاصة مع سطوة عمر بن الخطاب، وشدته وقمعه. غير أن ظاهرة الفساد التي نخرت جسد الخلافة أجج مشاعر السخط، فانفجرت ثورة شعبية أطاحت بعثمان. وأما في عهد الإمام علي فقد تسبب الخروج على شرعية الخلافة، وشخص الخليفة في سقوط عدد كبير من المسلمين، فكان أول صراع دموي على السلطة.

ويسجل على هذه الحقبة بالذات غياب التسويات السلمية، حيث ركن الجميع للعنف والقتال، الذي كشف عن أصالة الروح القبلية رغم إسلام الجميع. فثمة شعور فوقي لدى قريش طفح في لحظة التفاضل القبلي. فعلي مهما كانت مبدئيته وتقواه وسابقته في الإسلام وقربه من رسول الله، وشرعيته عبر بيعة عامة لم يحظ بها أي من الخلفاء السابقين، لكنه وفقا للمنطق القبلي، لا يرقى للسلطة رغم قريشيته، وهناك من يقدم نفسه، ويرى أفضليته دونه. بل ويعتبر السلطة استحقاقا طبيعا وفقا لمنطق الكبرياء القبلي. وبالتالي لم تكن ثمة معارضة حقيقية في زمن علي بن أبي طالب بل صراع دموي مفاجئ على السلطة. حيث أن طلحة والزبير والخوارج قد بايعوا الخليفة ثم انقلبوا عليه. ومعاوية، كان ممثلا للخلافة، وانشق على شرعيتها. وقد تسبب الصراع في استلاب الوعي، والتباس المفاهيم، فجميع الأطراف المحاربة كانوا من صحابة الرسول أو من تابعيهم.

ويبقى السؤال يؤرق الباحث عن سبب الركون للقتال، فليست ثمة ملازمة بين وحدة الدين ووحدة السلطة السياسية. ولماذا يجب أن تكون الدولة الدينية واحدة، وليست متعددة خاصة مع تباعد الولايات وانعدام المواصلات آنذاك، واختلاف الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم وضروراتهم؟؟. فهل هو التشكيك في مصداقية الحاكم كما بالنسبة لمعاوية؟ أم سببه خيانة البيعة كما بالنسبة لطلحة والزبير وعائشة؟ أم هو منطق السلطة تاريخيا. فالدماء التي سفكت في المعارك الثلاثة غزيرة، وتداعياتها كانت خطيرة. ويبقى كل شيء مواربا وليس ثمة ما يُطفئ الشك والاستفهام.

اتجاهات المعارضة

إذاً فالنقلة الحقيقية للمعارضة في تاريخ المسلمين، تمثلت بموقف الإمام الحسين من بيعة يزيد، حيث رفض البيعة لعدم توفر الشروط اللازمة به، كما صرّح بذلك علانية (...ويزيد فاسق، فاجر شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق والفجور، مثلي لا يبايع مثله). فحينما وقعت معركة كربلاء لم تكن للخليفة بيعة في عنقه، فلا يصدق أنه شق عصا الطاعة، لأنه لم يكن جزءا من السلطة أساسا كمعاوية، ولم يتحرك صوب الكوفة لولا رسائل بيعة أهلها، ومبايعتهم لسفيره مسلم بن عقيل. فالحسين بثورته أرسى معالم شرعية السلطة، وضوابط الخليفة الشرعي. فيصح أن الحسين بن علي كان أول زعيم سياسي مسلم معارض، وأول من أرسى شرعية المعارضة رغم إسلامية السلطة. غير أن استشهاده، ترك تداعيات خطيرة بقدر ما دفع باتجاه الثورة والعمل المسلح ضد الدولتين الأموية والعباسية، وما زال الثوار يستمدون من الحسين معنويات التضحية والفداء.

ويمكن هنا رصد ثلاثة اتجاهات للمعارضة بعد مقتل الحسين، لكل اتجاه معالمه وخصائصه، وطريقته في فهم الحدث وشخصية الإمام الحسين، وربطه بالإسلام، والعقيدة الشيعية خصوصاً، للوقوف على أسباب الوضع، في مجال العقيدة والفكر، والأهم كيف مارس خطاب المعارضة سلطته في ترشيد أو تزوير الوعي، وما هو دور الخطاب في نجاح أو إنكسار المعارضة:

الاتجاه الثوري

هذا الاتجاه لم يعرف الانكسار والإنكفاء والتراجع، بعد مقتل الإمام الحسين. وتعامل مع السلطة بمنطق سياسي براغماتي، يحتمل جميع الممكنات. وثمة لعبة يجب على المعارضة إجادتها، واتخاذ الموقف الصحيح تجاهها. والعمل المسلح جزء منها. خاصة أن المنطق السائد آنذاك هو القوة والعمل المسلح، غير أن خطاب المعارضة ارتكز لديهم إلى قاعدة فكرية وعقيدية، ورؤية سياسية واضحة. وقد استمد قوته من رمز مقدس عظيم، لا تنفد طاقته. فالحسين ابن بنت الرسول، وقتل شهيدا من أجل إصلاح السلطة والمجتمع، وهي قضية متجددة، لا تحدها حدود، وفي كل زمان يوجد ما يبرر تقويم الأمت والعوج، وثمة مبرر مرن يدفع باتجاه الثورة باستمرار. فاكتملت لديهم شروط المعارضة السياسية الناجحة، والقادرة على مواصلة طريق الكفاح، ومواجهة التحديات، رغم استثناء من رفع شعار الثأر والعنف من أجل العنف. فكانت تداعياته صادمة.

وعناصر المعارضة الناجحة هي:

- وجود قضية وهدف يسعىى لتحقيقه المعارضون، وهو هنا مواصلة درب الحسين الذي ثار من أجل الإصلاح، السياسي والاجتماعي. (إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً انما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي). فيكون هدف المعارضة وخطابها هو تحرير السلطة من استبداد الفاسدين ولو عنوة، أسوة برمزهم التاريخي. وقد تتسع أهداف هذا الاتجاه فتتراوح بين المطالب السياسية العامة، وخصوص استرداد حقوق أهل البيت. وعلى جميع الاحتمالات تكون السلطة وسيلة لتحقيق الهدف، والعمل المسلح أداة لاستلامها. فخطاب هذا الاتجاه خطاب سياسي بامتياز، مارس كافة تقنياته التي قد تضطره لتزوير الوعي، أو استدعاء نصوص وروايات لا دليل له على صحة صدورها، لكنها متطلبات الخطاب وضروراته. والحقيقة أن هذا الاتجاه يمتلك مقومات شرعيته ذاتية، وليس بحاجة إلى مزيد من النصوص والتأويلات. ومصدر شرعيته الحسين وشعاراته وسلوكه الثوري.

- قاعدة فكرية وأخلاقية تتحرك في ضوئها المعارضة، لتكون على بينة من أمرها، لايسودها غبش التخبط المعرفي. ولو بحدود قضيتهم. والقاعدة الفكرية هي ذات القاعدة التي ارتكز لها الحسين، من وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو وجوب حماية أهداف الرسالة السماوية، وفضح العابثين بمقدرات المسلمين. فالسلطة مقدمة لأداء واجب شرعي. فالمعارضة من هذه الناحية على ثقة تامة بمرجعياتها الفكرية العقيدية.

- رمز تاريخي، مُلهِم، في تقواه وورعه وعلمه ووعيه. والأهم في شجاعته وتضحيته، فهو الفرد الذي وقف بوجه جيش يزيد، فانتصر عليه معنويا، ويمكن للخط الثوري استثمار هذا النصر في مواصلة العمل المسلح، للوصول إلى السلطة ومن ثم تحقيق أهداف الحسين.

- قاعدة شعبية، ضمت جميع المحرومين والمضطهدين، من الشيعة بشكل عام، وليس خصوص الشيعة الإمامية. فالحسين كان وما يزال مركز استقطاب يعبّئ الناس تلقائيا، لاقتفاء أثره في التضحية والفداء. بل أنه صار بحد ذاته قضية، تستحق التضحيات.

فخطاب هذا الاتجاه كان ثوريا بامتياز، يرفض الخنوع والتكاسل، ولا يرى أي مبرر للقعود عن الثورة حينما يتوفر شرطها. فليس غريبا أن يتمردوا على بعض الرموز الدينية الكبيرة التي رفضت الحراك المسلح، كتمرد جملة من أصحاب الإمام الصادق ضده والتحقوا بزيد بن علي الثائر الهاشمي. حيث كانت الظروف مؤاتية للثورة لكن جعفر بن محمد الصادق، سادس أئمة أهل البيت رفض القيام بثورة متذرعا بأسباب تخصه.

فالحراك المسلح أكتملت شروطه ومارس دوره بثقة عالية، ولم يضطر لمزيد من التأويل أو وضع الأحاديث (وهذا هو المهم بالنسبة لنا). ولم يحتج لمرجعية فكرية معقدة، فالإمامة الشرعية تقتصر على من يقوم بالسيف لاسترداد حقوقه المهضومة. فطريقهم كان واضحا. وخطابهم كان خطابا ثوريا - سياسيا، ارتبط برموز أهل البيت دينياً. لكن ما تقدم من كلام عن شروط المعارضة السياسية الناجحة، لا يشمل كل من تحرك من الانتفاضات والثورات الشيعية. ويبقى كثير منها مداناً مهما بالغ في شعاراته وثورية خطابه.

ومهما كانت مواصفات هذا الاتجاه لكنه ليس مثاليا كما ينبغي، وليس بريئا في سفك الدماء، ولا صادقا دائما في شعاراته وموالاته لأهل البيت، حتى وإن كان مخلصا في بداياته، بل كان هذا الاتجاه يتستر على هدفه السياسي، بشعارات الثأر والرضا لآل محمد، بعد فاصلة طويلة عن واقعة كربلاء. ولم يختلف عن غيره في استغلال السلطة واحتكارها. وقد ساعدهم على هذا أن شرعية السلطة لدى شطر من الشيعة وعلمائهم تتوقف على صدقية موالاة الدولة لأهل البيت حينما تتبنى شعاراتهم ولو شكليا، وتسمح لهم بممارسة طقوسهم وشعائرهم. فالقضية بالنسبة لهم رمزية، وهذا يكفي بغض النظر عن جرائم السلطة، كما بالنسبة لموقف علماء الشيعة من الدولة البويهية والدولة الصفوية التي كانت في حرب مع الدولة العثمانية، وكانت بحاجة ماسة لغطاء شعبي وديني ومذهبي يقاوم الخطاب السياسي – الديني للأتراك. فاضطر السلاطين الصفويون لتبني المذهب الإمامي وفسح المجال للغلو الشيعي، من أجل شرعنة الحرب وتعبئتهم ضد الدولة العثمانية ومشيخة الإسلام، وفق معادلة: (نصرة الدولة الصفوية = نصرة للمذهب الشيعي). في مقابل: (نصرة الدولة العثمانية = نصرة لمشيخة الإسلام والمذهب السني). فكلتا الدولتين كانت تمنح الشرعية لفقهاء الإسلام من كلا المذهبين، وجميع الفقهاء كانوا يشرعنون ممارسات السلطان وطغيانه واستبداده وفساده.

وأخيرا، يسجل ضد الخط الثوري، تماديه بالثأر، عندما رفع شعار "يا لثارات الحسين"، حتى سفكت دماء غزيرة، بعضها ظلم وعدوان، وهذا يؤكد الطموح السلطوي لدى الثوار، مهما كانت مواربات الخطاب السياسي، وأن الهدف الأساس في حراكهم المسلح هو السلطة، فالعباسيون عندما رفعوا شعار: "الرضا لآل محمد" اضطهدوا أئمة أهل البيت وشيعتهم بعد تسلّم السلطة.

الاتجاه الفكري – الفقهي

هذا الاتجاه قاده أئمة أهل البيت وأصحابهم من الفقهاء والعلماء والمتكلمين. ابتداء من الإمام علي بن الحسين، حيث ظهرت معالم المدرسة الفقهية الشيعية، التي تجلت بكامل معالمها وألقها وإبداعها في زمن الإمام جعفر بن محمد الصادق. وهذا الاتجاه اعتزل السياسة والعمل المسلح، وركن للعلم، لترسيخ وجوده، فيصدق أنه معارضة سلمية، صامتة، خطّت لها طريقا مختلفا. ساعد على ظهور فهم آخر للأحداث التاريخية. فترك مسافة بينه وبين الاتجاه الأول ولم يتبنَ أي خطاب ثوري علناً، لكنه يشارك الاتجاه الثالث في بعض مجالات العقيدة. فتولى، إضافة لجهوده الفقهية والفكرية، بناء منظومةعقيدة محكمة، تمت هندستها بشكل دقيق ومفصّل. يمكن تلخيص معالمها، بما يلي:

- ظهور مفهوم الإمامة الدينية، كنوع من التعويض بعد نكبات الشيعة واضطهادهم وإقصائهم. فهي في بعض أبعادها محاولة للتستر على الهزائم العسكرية المتلاحقة للإمامة السياسية، وعدم قدرة اتباع أهل البيت إثبات النص على خصوص خلافة الإمام علي بنص صريح يصلح أن يكون مرجعية لحسم النزاع بين الأطراف المتنازعة على السلطة تاريخيا. فالإمامة وفقا للرؤية الجديدة ما زالت تمارس دورها الديني رغم فداحة خسائرها السياسية. وهي إمامة تم التنظير لها كلاميا عبر تأويلات قرآنية، إضافة لروايات بدأت تتدفق بعد وفاة كل إمام تتحدث عن الإمامة ومقامها وضرورتها. وهو تدفق متهم لا يمكن الاستدلال على براءته، فالعقيدة محددة قرآنيا، وأية أضافة تفتقرلدليل صريح يدل عليها، فلا قيمة لها، خارج دائرة أتباعها ومعتقديها. فخطاب هذا الاتجاه خطاب فكري – عقيدي، ارتكز لمقولات كلامية، ونجح في تأسيس مفاهيم جديدة، منها الإمامة الدينية. التي أحيت مفهوم الإمامة ومنحت من تبقى من الأئمة شرعية كاملة. فتأييد الإمام أو سكوته عن الاستدلال الكلامي حول الإمامة الدينية، يكرس مصالحه الدينية والسياسية. حيث تطور هذا المفهوم ومارس أدوارا مختلفة. رغم حاجته الماسة في بعض أبعاده لأدلة قرآنية صريحة، وهي مفقودة بالضرورة. علماً أن مفهوم الإمامة تاريخيا مفهوم سياسي، وكان أصحاب الأئمة قبل التنظير لعصمتهم، يتعاملون معهم كزعماء سياسيين، أو كبار آل محمد، أو فقهاء التشيع، فصراع الصحابة كان صراعا سياسيا، وطُرحت الإمامة في مقابل الخلافة طرحا سياسيا. وأما الإمامة الدينية فجأت لتدارك الفشل السياسي.

- تم صياغة فهمٍ معنوي للنصر، بعيدا عن مقاسات الربح والخسائرالمادية. فالنصر الحقيقي هو أداء الإمام لدوره المرسوم من قبل السماء. ولكل إمام دوره، وما يحسب خسارة عسكرية هو ليس كذلك في نظرها. وهذا الفهم ساهم في شد صفوف الشيعة، ولملم جراحهم، وتدارك انكسارهم النفسي والمعنوي.

- تم التنظير لمفهوم العصمة، حيث نظّر لها عالم الكلام المعروف هشام بن الحكم بحدود سنة 150 هـ، في أواخر حياة الإمام الصادق، ليتدارك بها انهيار قواعده، بعد تمرد الخط الثوري والتحاقه بزيد بن علي وثورته. فمنحت العصمة الأئمة حصانة ذاتية، ثم تطور المفهوم، وصارت العصمة مفهوما مختلفة، على صعيد الموقفين السياسي والديني. فالإمام بموجب عصمته يبقى إماما ثار أم لم يثر. خلافا للفهم الزيدي لمفهوم الإمام الذي ارتبط عندهم بالقيام بالسيف. وبالتالي فعدم استجابة الصادق لأصحابه، وعدم نهوضه عسكريا رغم توفر الشروط اللازمة للثورة، يعتبر موقفا شرعيا صحيحا، فهو معصوم لا يصدر عنه الخطأ.

- نجح هذا الاتجاه باعتبار الأئمة امتدادا للنبوة، بموجب مقولات كلامية، لا دليل عليها من الكتاب والسنة. حيث عالجت العصمة مشكلة الروايات الشيعية التي تعاني انقطاع السند بين الإمام والرسول الكريم. وأصبح الإمام كالنبي له حق التشريع، وأكتفى الشيعة بصدور الرواية عن الإمام لأثبات صحتها، وهنا لعب الوضّاعون دورا تاريخياً، من خلال حجم الروايات الكاذبة والموضوعة التي أسندت زورا وبهتانا للأئمة. ولا أعني الإطلاق أبدا، فربما صدر عنهم بعضها. لكن سلوكهم العام ينفي ذلك.

- نجح مفهوم العصمة في تطويع مفهوم المقدس ليشمل بإطلاقه الإمام، فخرج من دائرة النقد إلى دائرة التعالي والقداسة. بينما كان أصحاب الأئمة، قبل التنظير لعصمتهم سنة 150 هـ، يتعاملون معهم كبشر وفقهاء وزعماء دينيين، يصدر عنهم الخطأ والاشتباه والنسيان. ورغم تفاخر الشيعة بعصمة الأئمة إلا أنها لعبت دورا سلبيا. وكان بإمكان الأئمة أن يلعبوا دورا تاريخيا مستقبلياً بعيدا عن القداسة والعصمة، فخسر الإسلام نماذج دينية راقية، يمكن أن تؤسس لفهم آخر للدين، وأسلوبه في تجديد خطاباته. لكن أبت العصمة إلا أن تسلبهم هذا الدور العظيم.

- عوّل هذا الاتجاه على الإمام المهدي المنتظر في قيام دولة العدل الإلهي، كوعد قرآني – نبوي، عليه يتوقف الهدف من الخلق والحياة، وفقا للرؤية الشيعية المتعارفة. فباقي الأئمة لهم أدوارمختلفة، ويبقى التعويل في إقامة دولة العدل الإلهي على المهدي المنتظر. وهو خطاب متقن، علق عليه الشيعة آمالا واسعة وما يزالون. ووضع الأئمة خارج دائرة المساءلة والنقد، فلكل إمام دور رباني محدد. وهذا خطاب بارع من حق الأئمة التشبث به للتخلص من مسؤولية التحرك السياسي والعسكري.

فالاتجاه الثاني أسس لجهاز مفاهيمي جديد، أعاد تشكيل وعي الفرد الشيعي، وطريقة تفكيره. وكرّس إنغلاق العقل، بدلا من انفتاحه على الحياة وضروراتها، عندما وفّر رؤية جاهزة لمستقبل متغير لها ضروراته، مما تسبب في انتكاستهم حضاريا، أسوة بغيرهم من المسلمين، الذين جعلوا من السنة وما ينسب للنبي مصدرا وحيدا للمعرفة. فالعقل الذي كان يتحرك داخل هذا الاتجاه عقل مرتبك، خائف يبحث عن أية حلول لتدارك انكساراته السياسية، وردود فعلها التي انعكست على أتباع مدرسة أهل البيت الذين وضعوا آمالهم في غد مشرق بقيادة الأئمة. فأصابهم اليأس والقنوط في الحصول على واقع سياسي يعيد لهم كرامتهم وحيثيتهم، ويخرجهم من دائرة الاقصاء والتهميش. فكان للمفاهيم الجديدة دور إيجابي في تماسكهم. فخطاب هذا الاتجاه أيضا خطاب سياسي في بعض أبعاده لكن بمرجعيات فكرية وعقيدية جديد. بل وصدق أنه خطاب ديني مبطّن سياسياً. فالروايات الشيعية عندما اهتمت بقضية الحسين بعد مقتله، فهذا الاهتمام خطاب معارضة، وتحريض غير مباشر ضد السلطة. وأيضا عندما يحرّم الفقه الشيعي عطايا وهدايا السلطان، فإنه ينشء قطيعة معه، وهو أسلوب آخر في المعارضة السياسية – الفقهية. ومثلها حرمة قبول منصب القضاء وولاية الأقاليم وأي منصب رفيع. وهناك استثناءات تفرضها الضرورات.

المهم بالنسبة للبحث أن المفاهيم الجديدة شجعت على وضع الأحاديث ونسبتها للرسول الكريم بعد أن عجز تأويل الآيات القرآنية عن الاستجابة لضروراتهم العقيدية. وليس في ذلك إدانه للأئمة بل لبعض أصحابهم ومريديهم.

إن الاتجاه الأول ارتكز للثورة ولم يحتج لروايات تشرعن تحركاته بعد أن استمد شرعيته من حركة الحسين، فبنى قاعدته الفكرية بعيدا عن الروايات الموضوعة نسبيا، فحينما يتهم هذا الخطاب بالوضع فثمة مبرر للتأني وعدم التسرّع بالحكم، لعدم وجود ما يكفي من ضرورات لوضع الحديث. عكس الاتجاه الثاني، خاصة وهو ينظّر لمفاهيم جديدة، طارئة على الفكر والعقيدة الإسلامية. فهناك حاجة ماسة للوضع، لا بالنسبة للأئمة، باعتبارهم مصدرا للرواية والتشريع، ولكن لأصحابهم.

جدير بالذكر أن هذا الاتجاه يمثل خط الاعتدال رغم مسؤوليته عن تأسيس مفاهيم عقيدية جديدة تفتقر للدليل القرآني الصريح، باعتبارها قضايا خارقة، لا يمكن الوثوق بها ما لم يدل الدليل القرآني عليها خاصة. ويمثل هذا الخط أصحاب أئمة أهل البيت من الفقهاء والعلماء، ابتداء من أبان بن تغلب إلى يونس بن عبد الرحمن مرورا بزرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم، وعبد الله بن يعفور وغيرهم.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق4-س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص وخطاب النفي

ماجد الغرباوي: تقدم أن الخطاب يتنوع في مراميه، وتقنياته وأساليبه وبنيته وأهدافه ورسالته. وثمة فرق بين الخطاب العلمي والفكري والثقافي والديني والآيديولوجي والعاطفي. وتباين في تأثيره، حسب شروطه وضروراته. لكن مأسسة الخطاب، مطلق الخطاب، تمنحه قدرة أكبر على التأثير، عبر استقلاليته، وسلطته، ومحدداته وقوانينه. ويحقق أوج نجاحه عندما تتبناه مؤسسات إعلامية وتربوية ودينية، حكومية وغير حكومية، تسعى لانتشاره، والدفاع عنه. كالخطابات السياسية والثورية والدينية والتجارية والاستعمارية والطقوسية، خاصة بعد ثورة التقنيات الحديثة، وتطور مختلف وسائل الإعلام، المرئي والمسموع والمكتوب، وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي. كما طوّر الإعلام أداءه بتوظيفه معطيات العلوم الإنسانية، والاستفادة منها في دراسة أنجح أساليب التأثير. فاتسعت فرص انتشاره. غير أن انتشار الخطاب لا يتوقف دائما على وجود مؤسسات إعلامية تتبناه، بل يحقق الخطاب الديني والطقوسي حضورا مميزا من على منابر الوعظ والإرشاد. مستغلا روحية الأجواء، وطقسنة الشعائر، واندماج المتلقي بالعقل الجمعي. فيأتي الخطاب مؤثرا، وتصبح للكلمة سحرها، وللرواية الدينية مفعولها، وتأثيرها المباشر. فللمكان قدسيته ودوره في تأثير الخطاب، حداً يتعذر على المتلقي فرز الضعيف من النصوص، بفعل روحانية الأجواء والعقل الجمعي. فالواعظ يختار لرواياته أجواء مناسبة، خاصة الرواية التي يتعذر عليه الاستدلال على صحتها علمياً، فيكتفي بأية إشارة توثيقية، مستغلا جهل الجمهور بمناهج توثيقها. فمنبر الوعظ والإرشاد في أماكن العبادة والصلوات والمناسبات أخطر في تأثيره، وأقدر على تشكيل العقل وصياغة الخطاب. بل أن عقل المسلمين هو نتاج منبر الوعظ والخطابة، وهذا أحد أسباب تخلفه، عندما يتلقى الفرد خطابا دوغمائيا، متزمتا، متطرفا، مغلقا، والذي بات صفة ملازمة، رغم وجود خطاب معتدل، متوازن. وثالث، رحب منفتح على جميع الآفاق المعرفية. فالتفاوت يعود إضافة للوعي والمصالح الدينية والشخصية والسياسية، إلى طبيعة النصوص، وإمكانيات التأويل التي تستفيد من مرونة النص وثراء دلالاته. وللسبب ذاته تجد بعض الخطابات تفرض نفسها حقائق مطلقة، ونهائيات، في مقابل خطابات مرنة، تستوعب وجهات النظر، قادرة على تجديد نفسها.

ثمة حقيقة تاريخية، أن صدور النصوص والروايات المنسوبة للرسول لم تتوقف بعد وفاته، واستمرت تلبّي حاجة المرجعيات الفكرية والعقيدية والسياسية. بل واشتملت هذه الروايات أخبارا غرائبية عن الخلق والموت وحياة القبر والآخرة. وراحت تفرض محددات وشروطا للنجاة يوم المعاد تكرسها لهذا الطرف أو ذاك، من خلال ما تقدمه من تفسيرات وتأويلات للكتاب الكريم. أو تستقل عنه بتفصيلاتها، وتؤسس لعقائد ورؤى جديدة. وتفرض رقابتها على الحقيقة. فالمذاهب والفِرق لم تعد مجرد اختلافات اجتهادية حول المسائل الفقهية، بل أصبحت تمثل قراءة وفهماً للدين، له خصائصه ومعالمه، وقدرته على التنافس، لاحتكار الحقيقة وسبيل النجاة في الآخرة. فحطّم خطاب الفرقة الناجية أواصر المحبة والأخاء الديني والإنساني. وزرع روح الكراهية والحقد. وهي صفة ملازمة للفِرق والمذاهب، لا تختص بدين دون آخر. غير أن خطاب المذاهب والفِرق الإسلامية مشبّع بالسياسة، أعاد قراءة الدين وفقا لرؤيته. ومن يتابع تطور الفكر العقائدي عبر القرون الأربعة، ويدرس ظروف نشأتها، يصاب بالذهول، حينما يكتشف خداعها وأوهامها وبشريتها، وتارة تكون أبعد شيء عن المقدس في حقيقتها. ومن يعتقد أنه على حق وغيره على باطل، ما عليه سوى العودة لتاريخ الفِرق والمذاهب الإسلامية بموضوعية وتجرد تام، ليرصد بنفسه بشريتها، وتاريخيتها، وأوهامها، وخداعها، تأسيسا ووجودا واستمرارا. فالعقيدة شأنها شأن أي كائن تبدأ صغيرة، بسيطة، وربما ساذجة ثم تتطور. بعضها يموت، وبعضها يقاوم التحديات عندما تجدد العقيدة خطابها. أو تتبناها سلطة دينية أو سياسية.

لقد أمعنت المذاهب الإسلامية في تشويه معالم الدين وهي ترفع شعاراته. وقامت بتحطيم بنيته، بعد أن أعادت قراءته بما يخدم متبنياتها العقيدية وفق مقاساتها ومصالحها. وأختزلته بها وبرموزها. فالمذاهب اليوم دين في مقابل دين، وليست وجهة نظر إجتهادية في مقابل أخرى كما هي حقيقتها. حتى بات التفكيك بين الخطاب الديني والمذهبي، بنظر عامة الناس، مستحيلا لولا الجهد النقدي الذي يعري حقيقتها. فهم لا يعرفون شيئا عن تاريخيها ومسارات تطورها. لقد تأسست المذاهب الإسلامية تكريسا لموقف الصحابة من السلطة، وهو موقف سياسي، لم ينشأ على قاعدة فكرية أو عقيدية. بل نزاع تمت إدارته بجدارة وفق اللعبة السياسية، ولم تكن ثمة مرجعيات فكرية وعقيدية (آية أو رواية صريحة) آنذاك تحسمه. لذا خمد بعد مبايعة طرفي المعارضة، الأنصار وأهل البيت بزعامة الإمام علي للخليفة الأول أبي بكر بن قحافة. ولو كانت هناك نصوص كافية، وإن لم تكن واضحة وصريحة لاستمر فتيل النزاع، لكن عدم استمراره دليل على عدم وجوده. لأن السياسة من المواضيع التي سكت عنها الخطاب الديني، ولم يتطرق لها الكتاب الحكيم وأهمل تفصيلاتها النبي الكريم ولم يصدر عنه أي شيء، كي تواكب حاجات المسلمين، ارتكازا لمبادئ الدين وأحكام القرآن.

لكن النزاع عاد بعد استشهاد الإمام علي، وهذه المرة حول شرعية أصل خلافة الخلفاء. فكان السؤال: إيهما أحق بالخلافة شرعاً: أبو بكر أم علي؟. وهو سؤال عن الدليل الشرعي. وعن وجود آية أو رواية صريحة، أو أية مرجعية شرعية تحسم النزاع. وهو مفقود بالضرورة. فلجأوا لمراكمة شواهد لترجيح أحد الطرفين، فبدأوا بتأويل الآيات، وتنازعوا حول مصاديق آيات الفضائل، لكنها محدودة، لا تنفع على المدى البعيد، فلجأوا لروايات الفضائل، وهي أيضا قليلة وشاملة، فجميع الصحابة من الأولين السابقين، وثمة ما يؤكد شمولهم بروايات الفضائل، فبدأت مرحلة وضع الروايات، ونسبتها لرسول الله، فكانت تتدفق. ثم جاءت مرحلة التنظير الكلامي، وراحت مقولاته تستميت في الدفاع عن عقائد الطائفة، والهجوم على خصومها. فالمذاهب تأسست على موقف سياسي، واضطرت إلى إعادة فهم الدين، وتشكيل منظومة دينية بخصائص مذهبية. أي أنها قامت في تشييد هيكلها الديني على فتات البنية الحقيقية للدين. فالدين أصبح نسخة مذهبية طائفية، بمعنى أن الطائفية (ليس بمعناها السلبي بالضرورة)، صارت مقومّا أساسا للدين بنسخته الجديدة، فيعود الدين نسخه أخرى عند انتزاعها. أي أن كل مذهب يختزل الدين به، ويحتكر الحقيقية وسبل النجاة، ويحرم الآخر منهما.

الدين بحد ذاته لا يقبل التشظي والاختزال والاحتكار. له حقيقة واحدة، تتعدد طرقها بتعدد أنفاس الخلائق. فالحقيقة الكبرى/ مبدأ الوجود / العلة الأولى / الخالق / الله / منفتح على جميع خلقه، قريب منهم، يتعهدهم برحمته وعطفه، وهذا شعور كل من يعيش ومضة الإيمان الخالص، بعيدا عن تشظيات الخطاب الطائفي، الذي يسلبهم كل أمل بعيدا عن رؤيته. وقد لا تجد قلباً يخلو من إله، يعبده بخشوع، يلجأ له في شدائده، ويأمل في عفوه لحظة الضَعف. وهذا مرفوض مذهبيا، فالحقيقة بالنسبة لهم واحدة، لا يدل عليها سوى طريق واحد. ولا نجاة لأحد سواهم. لقد قام علم الكلام الإسلامي باعادة تشكل العقل المسلم وفقا لمقولاته التي هي تجليات طائفية بامتياز. فتأسس الدين تأسيسا طائفيا - سياسيا، شعر المسلم بهذا أم لم يشعر. لكنها الحقيقة، فكل المنجزات المعرفية للمسلمين هي تجلٍ للصراع السياسي. ففكر المذاهب والفرق احتضن الصراع الأول وأسس عليه معارفه، فجاءت منجزاتهم دعما ودفاعا عن شرعية أحد طرفيه. وأمامكم كتب العقائد، والمدونات الفقهيه، وتفسيرات المذاهب لمعنى المؤمن، وشروط الإيمان، وشروط قبول العمل الصالح ودخول الجنة، والمذاهب التي تنفي إيمان المذاهب الآخرى صراحة .

خطاب التنافي

إن منطق الفرقة الناجية لا يسمح بأية تسويات عقيدية مذهبية، بل ذات الشعار يكرسها، وما تسمعه عن التسامح الديني، والتعددية الدينية، ما هي سوى شعارات مخادعة تخفي حقيقتها، وتتستر عما يريده الخطاب الطائفي حقيقة، باعتباره رسالة يريد إقناع المتلقي بها، وأداة لاقتحام خصمه الديني أو الطائفي. إن كل ما كتبته عن التسامح الديني، وتقسيمه إلى تسامح حقيقي وشكلي، وما كتبته عن التعددية الدينية ومشروعيتها، هنا وفي مختلف كتبي ، كنت بصدد خطاب جديد، ينتمي لذات الدين، بعيدا عن تمذهب الخطاب وطائفيته، كي يكون فهما للدين وفق حاجاتنا الزمانية والمكانية، لا وفق ضرورات المذاهب والفِرق الإسلامية. فلا معنى للحديث عن تسامح ديني وتعددية دينية من داخل الفضاء الطائفي، بل ويتنافى معه، فكيف نطلب من المذهب الديني القائم على شخصنة الدين، أن يحمل بذور فنائه؟. الخطاب الطائفي يرفض التسامح الحقيقي، ويطمح في تسامح شكلي لا يغامر معه بأية واحدة من امتيازاته الدينية في احتكار الحقيقة، وحصر النجاة به.

إن خطابات الوحدة والتسامح التي ترددها المذاهب، لا تمت للحقيقة بصلة، سوى شعارات ماكره، مخادعة، تحمل طابعها السياسي، وتضمر ما ينفي التسامح. بل أن خطاب التسامح والوحدة الإسلامية يكرّس التفوق، والخصوصية، ويرفض بطبيعته التسويات المذهبية والدينية. إن التسامح وفق المنطق الديني قبل تمذهبه ممكن، لوجود خياارت تساعد عليه، عندما لا تنتفي حقيقته بانتزاع بعض خصوصياته. فيكون خطاب التسامح والتعدد صادقا، ليس فيه مواربة. فعندما يدعو القرآن خصومه للتسامح في دائرة عبادة الله دون غيره، سوف لن يخسر حقيقته بتجريده من باقي خصوصياته، لأن التوحيد هدف حقيقي للدين: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) ، فيكون التسامح بموجب الآية تسامحا حقيقيا وليس شكليا، لأنه اعتراف حقيقي بالآخر / الخصم / أهل الكتاب. بل أن نفس الآية هي اعتراف به. فعندما تخاطب شخصا، وتعلن كامل استعدادك للتنازل عن بعض خصوصياتك، من أجل هدف مشترك أكبر، يصدق أنه اعتراف حقيقي. وهذا مستحيل في الخطاب الطائفي، لأنه قائم على نفي الآخر، ونبذه، وحرمانه من النجاة والفوز يوم المعاد. فكيف يعترف به، ووجوده قائم على نفيه. كل المذاهب الإسلامية فرضت وجودها من خلال نبذ الآخر، ولم تتضح معالمها الحقيقية إلا بإقصائه وتكفيره. العلاقات المذهبية قائمة على تأكيد وتقديس الذات ونفي الآخر. فليس هناك معنى للتسامح الحقيقي سوى نفي الذات. فتكون الخيارات أنطلوجية، تضعك بين الوجود والعدم. وهذا يستثنى المذاهب العلمية التي تأسست على فهم آخر وقراءات مغايره للنص الديني. والمقصود به خصوص المذاهب التي تأسست على موقف سياسي مسبق، فصار قوامها التحيز في فهم النص، وتفسيره وتأويله. فجميع التفاسير تاريخية منحازة بشكل مباشر أو غير مباشر لرؤية سياسية ما. بل وحتى كتب اللغة تمنح بعض الكلمات والمفاهيم معانٍ مذهبية وطائفية، كتفسير معنى الخمس، أهل البيت، وكغيرهما من المفردات القرآنية. 

الخطاب والآخر

الخطاب الطائفي خطاب معبأ ضد الآخر، وحقوقه الدينية، فيشكّل خطرا حقيقيا على مبادئ الدين، وقيم الإنسانية. لكن للأسف أن الاتجاهات الطائفية الدوغمائية صارت أكثر عنت وخطورة على المجتمع، خاصة مع تسلق دعاة التكفير والتطرف لوسائل الاتصال الحديث، وتربعهم على منبر الوعظ والإرشاد الديني، وحجم الدعم المادي.

الخطاب الطائفي قائم على نفي الآخر، بل ونفي الدين، حينما يحتكر الحقيقة، ويمارس العنف والإرهاب ضده، ويعتبر نفسه، شاخصا على الحق والحقيقة، متناسيا دور النص والخطاب في وجودها. فيلغي أكثر من أربعة عشر قرناً من التنظير العقائدي، ويتصور أن ما يؤمن به يعكس تمام الحقيقة. لقد استغل الخطاب الطائفي إمكانيات الإعلام الحديث لتكريس التعصب والغلو والكراهية والحقد وروح التشظي.

لا فرق بين الخطاب الديني والخطاب الطائفي والمذهبي من بعض الجهات. كلاهما خطاب نفي، قائم على رفض الآخر وحرمانه، مهما كانت ضآلة النفي وتجلياته. بل النفي هو مقتضي التفاوت الدلالي بين خطابين. ويُقصد بالنفي الأعم من الإلغاء. غير أن الفارق بين الخطاب الديني الحقيقي، والخطاب الطائفي، أن النفي يمثل تمام حقيقة الثاني، ويمثل معالم وجوده، فهو لا يُعرف إلا به، وهذا سر رفضه للتسامح الحقيقي، لأن في تبنيه نفي للذات واعتراف بالآخر، لأنها قائمة على نفي، والاعتراف به نفي لها بالضرورة. فخطاب التسامح الذي تتبناه الفٍرق والمذاهب الدينية هو تسامح شكلي، يؤكد الذات وينفي الآخر. لكنه يتسامح معه منّة وتكرما، من أجل عيش مشترك، وحياة يسودها السلم والأمان. بينما يستطيع الخطاب الديني تبني التسامح الحقيقي بجدارة. لأن الخصوصية لا تمثل تمام حقيقة الدين، بل له حقيقة أخرى يمكنه التفاوض حولها، وقبول الآخر في ضوئها. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) . وهذا تسامح ديني حقيقي، وليس تسامحا شكليا، فثمة قواسم تسمح للدين الحقيقي بالتسامح الحقيقي.

اتضح مما تقدم لا معنى للتسامح الحقيقي بين الفِرق والمذاهب الدينية، فعندما يقرر الشيعي التسامح حقيقة مع السني، هل سيتنازل عن مبدأ الإمامة التي هي تمام حقيقة التشيع؟ وعندما يقرر السني التسامح مع الشيعي هل ينفي شرعية الخلفاء، ومنطق السلطة الذي يمثل تمام حقيقته؟ فالتسامح الحقيقي غير متصور بين مختلف المذاهب الدينية. فإذا كان النفي أساس قيام الذات، فإن الخصوصية تمثل تمام حقيقتها. والخصوصية هنا ليست مطابقة الواقع ونفس الأمر، بل ما يتصوره المذهب عن نفسه. ولا يخفى الفرق بين حقيقة الشيء خارجا، وتصوره في الذهن. فالمذاهب الدينية قاطبة تعيش أوهام الحقيقة، وما الحقيقة سوى ما يتصوره الإنسان عن نفسه وعن الآخر في ذهنه، وفقا لخلفيته وقبلياته.

الخطاب الطائفي لا يؤمن بالتسويات، ويرفض التسامح مع الآخر حقيقة. وخطابات الوحدة والتسامح، من أشد الخطابات تمسكا بالطائفية والاختلاف. فهي خطابات سياسية، تريد انتزاع اعتراف حقيقي بها، وتأكيد خصوصيتها ونديتها، وعدم اعترافها بالآخر علناً.

دأبت إيران منذ سنة 1982م على إقامة إسبوع الوحدة، من 12 ربيع الأول، تاريخ ولادة الرسول وفقا لتقويم المذهب الرسمي، إلى يوم 17 من نفس الشهر، تاريخ ميلاد النبي وفقا لتقويم المذهب الشيعي، تتخلله لقاءات ونشطات وحدوية، أهمها مؤتمر الوحدة الإسلامية، حيث يتناوب فيها رجال السياسة والدين من مختلف المذاهب المؤيدين للثورة الإيرانية على منصة الخطابة، يشيدون بالوحدة الإسلامية ويؤكدون ضرورتها والتزامهم بها. وأسبوع الوحدة مقترح آية الله الشيخ حسين علي منتظري، وكانت كلمته مسموعة، واسمه يتردد في أروقة السياسة وشعارات المتظاهرين وصلوات الجمعة، حينها كان نائبا للخميني قبل أن يتمرد عليه ويعلن براءته من سلوك قوى الأمن والقضاء، حيث اكتظت السجون بالخصوم السياسيين، فبات الخصم مفهوما فضفاضا ينطبق على جميع مظاهر التمرد السياسي ولو بكلمة انزعاج من الوضع. وكان رد فعل السلطة السياسية والدينية المتمثلة بالخميني جردت المنتظري من كل امتيازاته، وفرضت عليه إقامة جبرية، لم تنجح في زعزعة مواقفة، وبقي يلاحق سلوك رجال الدولة وتصرفاتهم، وهو المنظّر الأول لولاية الفقيه المطلقة. وقد تراجع عنها خلال فترة الحصار. وقال قولته: ولاية الفقيه المطلقة نحن صنعناها، والآن نتراجع عنها.

ومؤتمر الوحدة نموذج حي لخطاب الوحدة والتسامح الديني، يمكن دراسته نقديا للتعرف على حقيقته، ومدى وفائه لمبادئه: إن الإعلان عن المؤتمر، يعتبر بحد ذاته اعترافا صريحا بالانقسام. وإقامته تكريس للخصوصية والمذهبية. فتوقيت المؤتمر ينبغي دراسته ضمن ظروفه، حيث تعرضت إيران لحصار سياسي، اقتصادي، إعلامي خلال حربها مع العراق، فحققت من خلال المؤتمر أهدافا سياسية ودينية، حيث استطاعت فك الحصار الشعبي عنها، بعد أن يئست من فك الحصار السياسي والإعلامي والدبلوماسي. فكل من حضر المؤتمر عاد بانطباع إيجابي، وتحول بشكل وآخر منبرا إعلاميا للدفاع عن الثورة الإيرانية.

كذلك استطاعت إيران أن تنتزع اعترافا بالمذهب الشيعي، عندما وافق بعض علماء المذاهب الأخرى المشاركة بالمؤتمر. فانقلب موقفهم من التشيع، من خصم مذهبي - سياسي، إلى ند مذهبي وديني حقيقي، فرض نفسه من خلال المؤتمر.

ما يهمنا أن خطاب التسامح، ينفي التسامح الحقيقي ويرفض الاعتراف بالآخر، وخطاب الوحدة ضد الوحدة، حينما يتشبث بالانقسام والتشظي. الوحدة الحقيقية شعور عملي واعتراف صادق بالآخر كشريك بالحقيقة. وهذا لا يحتاج إلى مؤتمرات، ولا شعارات وحدوية، ولا تبني إعلامي للتسامح وقيمه ومبادئه، بل يحتاج إلى مشاعر مخلصة. وهذا منتفٍ، لأن شرعية كل مذهب قائمة على خصوصيته، التي تقتضي نفي الآخر، واحتكار الحقيقية. ولا وحدة بين المذاهب الإسلامية ما لم يعد كل مذهب تشكيل مرجعيته الفكرية بعيدا عن الخصوصية وخطاب النفي، ويعيد تشكيل وعيه وفق أسس دينية وقيم إنسانية. ومهما تباعدت المذاهب، لكن الإنتماء للدين يوحدها. ويمكن لها أن تتوحد داخل إطار ديني شريطة التنازل عن خصوصياتها أو بعضها، وما الخصوصية كما تقدم سوى أوهام الحقيقة. وهذا يتوقف على مدى مبدئيتها، وصدقيتها في التعامل مع الخالق وتبني مبادئ وقيم الدين. والمدهش أن المذاهب تعي هذه الحقيقة، ولا تخفى عليها، فقدمت فهما للدين، يكرّس خصوصيتها.

إن الثقافة الفارسية كغيرها من الثقافات الطائفية قائمة على رفض الآخر، ونبذه وتكفيره، فكيف تدعو لوحدة حقيقية قبل أن تقوم بمراجعة حقيقية لتراثها، وثقافتها. ففي نفس أسبوع الوحدة تقام احتفالات دينية - شعبية واسعة تدين الآخر، بدءا من الخلفاء. ولا يتخلى الإيراني عن منطق اللعن، وهو يؤدي طقوس ما يعرف بزيارة عاشوراء، التي يمثل اللعن مئة مرة للخلفاء، لأول والثاني والثالث ومعاوية الرابع ثم يزيد خامسا، جزءا مقوما لها. ورغم تعدد المذاهب الإسلامية إلا أن الدستور الإيراني نص على المذهب الشيعي الجعفري الأثني عشري مذهبا رسميا للبلاد؟ وهذا شاهد دستوري يدين إيران في دعواتها الوحدوية باسم الدين الإسلامي، ويمكنها أن تدعو لوحده سياسية. والمكتبة الفارسية كغيرها تكرّس الكتاب الطائفي بكثافة عالية.

وبالتالي: الخطاب الطائفي، خطاب إقصائي، ماكر، مخادع، ينبذ الآخر ويتستر بشعار التسامح. يضطهده ويدعوه للوحدة والتقارب. فلم يشهد التاريخ انحلال دين أو مذهب بآخر. مما يؤكد أن الخلافات الدينية خلافات وجودية. أي يتوقف عليها وجود الدين والمذهب، فالتنازل والتسويات تعني نفي الذات. وهو مرفوض أساسا من قبل الجميع.

نعود للروايات الموضوعة: لا يكتب للدين والمذاهب الدينية البقاء ما لم تمتلك مقومات فكرية وعقيدية، عابرة للزمان والمكان، إما ذاتيا، أو من خلال قابليتها لتجديد أصولها وخطابها. فممارسة السياسة تساعد على انتشار الدين والمذاهب الدينية. والقاعدة الفكرية والعقيدية، تضمن لها مقاومة التحديات. ولما كان النص والروايات الدينية والتاريخية تمثل الرافد الرئيس للفكر الديني عموما، لذا تلعب الروايات الموضوعة دورا كبيرا في تلبية ضرورات عقائد الفرق والمذاهب، أما تأسيسا، أو تأويلا وشرحا وتأويلا. ولعل أسس الفكر العقيدي الطائفي قائم على نصوص موضوعة تمت صياغتها بشكل يخدم التوجهات المذهبية والطائفية. الخطاب الطائفي يستظل بالنص، ويتبنى رسالته. وهنا يكمن خطر الوضع الذي يفرض علينا تأسيس منهج نقدي لدراسات النصوص الدينية والتاريخية.

ثمة حقيقة، لا يمكن التوفر على فهم صحيح للدين ونصوص الكتاب الكريم، من زاوية نظر طائفية، تحد من مرونته، وقدرته على الاستجابة لمتطلبات الحياة.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق3-س73) عن النص وملازماته.

 

النص والخطاب

ماجد الغرباوي: تقدم أن سلطة النص تعني هيمنته معرفيا، وفرض إرادته، ومحدداته، حينما يحتكر الحقيقة أو جزأها، ضمن آلية انتاج المعرفة، ومرجعيات التفكير. سواء كان مضمون النص مطابقا للواقع ونفس الأمر أم لا. فيشمل جميع النصوص المؤسِسة والمدونات الأولى، بما فيها النصوص الدينية، وينفي وجود أية حقيقة مفارقة خارجها. فهي وفقا لهذا الفهم، وليدة خطاب محكوم لشرطه، حينما يوظّف النص أدواته وتقنياته، ويتستر على دوره في أصل وجودها. فالمتلقي يغفل دور النص عندما يتعامل مع الحقيقة، بفعل غواية الخطاب وقدرته على تمرير رسالته بعيدا عن دور النص. فنقد النص وتعرية حقيقته يزعزع صدقيته كمرجعية مطلقة، متعالية. ويخضع دلالاته للنقد والمراجعة لهتك قدسيته وحرمته ومعرفة حقيقته. خاصة الحقائق الدينية والتاريخية التي يتنازع حول مضامينها ودلالاتها وتأويلاتها المسلمون. وهذا ما نحتاجه بالفعل، هو الكشف عن ألاعيب النص وتقنياته في خلق الحقيقة، وتستره على مراميه وغاياته. فثمة أوهام حول جملة قضايا، مصدرها النصوص والروايات، يتعامل معها الناس كحقائق نهائية، ومطلقات، توجه وعي الفرد، والعقل الجمعي. أوهام تستنزف طاقاتهم، وثرواتهم، وتعطل جهدهم الحضاري. تعمق شعور التفوق، وكراهية الآخر، وحرمانه، وتجاهله. فالنقد يعرّي الحقيقة من أوهامها، ويفضح الدور الحقيقي للنص في وجودها، ودور الخطاب في ترسيخ إيمان المتلقي بها. نحن نعيش أوهام الحقيقة حول الذات والآخر، والنجاة، والمستقبل. وأخطرها أوهام التفوق. أوهام كاذبة، سوّقها خطاب مؤدلج، قادر على إقناع المتلقي برسالته. فالخطاب ليس أقل خطر من النص وتقنياته في إقناع المتلقي، بل تارة تتوقف قناعة القارئ على قدرة الخطاب، وأسلوبه في الإقناع، وتمرير رسالته، رغم عدم قناعته التامة بمضمونه. الخطاب قادر على تزييف الوعي، والتستر على بعض الحقائق، حينما ينجح في تمريرها كبديهيات أو مسلّمات لا تثير شكوك المتلقي، بفعل تأثيرة، وقوة هيمنته على وعيه.

الخطاب: مخاطبة بين طرفين. وحديث موجه، يحمل رسالة يقصد اقناع المتلقي بها، مباشرة أو عبر تقنيات لغته وأساليب تعبيره. فيسعى لفرض سلطته وهيمنته على مشاعر المتلقي. فالخطاب أداة للوصول للسلطة، بمعنى الهيمنة والإقناع. فيرتهن تأثيره لتقنياته وأساليبه، وانتقائيته للمفردات اللغوية، والتوقيت الصحيح، وطبيعة المتلقي وثقافته، ومستوى وعيه. فليس بالضرورة أن يؤثر الخطاب دائما، فهو شبكة مترابطة من العلاقات المفاهيمية، والمعارف والتقنيات اللغوية. تمتد جذورها في أعماق الثقافة والدين والتقاليد والوعي والعادات والمناسبات. فنجاح الخطاب يعبر عن جدارة أدواته وآليته واستراتيجيته في التأثير، وقدرة على اختيار المفردة الملائمة، وظرف التخاطب، وموضوعيته من خلال فهمه للواقع، وملابساته، وأولوياته، ومختلف علاقاته بالأدب والفن والعلم والدين والأخلاق والرموز. وهذا سبب تفاوته وفقا لرسالته وطبيعة الوسط الذي يقصده الخطاب. فتجد خطاب الفن والأدب والأديان، في بعض أبعادها، زاخرا برمزيته وثرائه، لا تنضب قراءته. موارب، لا يعطي نفسه بسهولة. يخفي أكثر ممن يظهر. فهو خطاب أسطوري، تجريدي، عابر للزمان والمكان. كالأساطير القديمة التي ما زالت تحتفظ بقيمتها، رغم توالي القراءات في كل عصر وزمان، مثل مختلف الملاحم التي تحكي قصة الآلهة والخلق والإنسان، إضافة إلى مختلف الطقوس الدينية والاجتماعية والعبادية، وتراث الحضارات القديمة.

لكن الأمر يختلف بالنسبة للخطاب الأيديولوجي، التعبوي، فهو يرتكز لإثارة مشاعر المتلقي، والتغلّب على وعيه من أجل نجاحه وتحقيق رسالته. وهكذا الخطاب العلمي فإنه يلجأ لاستخدام الأدلة والبراهين والاستدلال المنطقي لاقناع المتلقي. فكل خطاب يتطلب ثقافة خاصة، وبيئة حاضنة، ووعيا مناسبا. فالخطاب العاطفي لا يؤثّر في الوسط العلمي. والعكس صحيح. ولكل واحد منهما أسلوبه وتقنياته في أداء رسالته. وخصوصيات الأديان والمذاهب لا تؤثر خارج بيئتها، خلافا لمفاهيمها العامة، التي قد تؤثّر من خلال تجرّدها.

السؤال المهم ماهي العلاقة بين الخطاب والعقل؟. وهو ما نحتاجه، لمعرفة حجم السلبيات المترتبة على النصوص الموضوعة والمختلقة، وخطاباتها الأيديلوجية.

والجواب: كما أن الخطاب يتحرى وعيا ملائما لدى المتلقي، كذلك العقل يطمح في خطاب ينسجم مع ثقافته وقبلياته. فتنشأ علاقة جدلية بين الخطاب والعقل. وكما أن العقل يفرض ضروراته على الخطاب، فكذلك يرقى في وعيه وإدراكه لمستوى الخطاب. فالخطاب ليس مجرد ألفاظ وجمل، بل يترك خلال أدائه آثارا عميقة، قد لا يُدركها الوعي في حينها، لكنها تؤثر لا شعوريا، وقد تُعيد تشكيل العقل، وترشيد وعي المتلقي. خاصة الخطابات الدينية، حيث يستولى الخطاب على مشاعر وأحاسيس الفرد، ويمرر ما يريد مروره بسهولة، حسب قدرته وكفاءة أدواته. الخطاب الديني، خطاب أيديولوجي بامتياز، يتماسك أكثر في الأجواء الروحية، التي يركن فيها العقل للسبات، ويترك للخطاب حرية التلاعب بمشاعره.

المائز بين النص والخطاب

ليس النص مصفوفة كلمات أو نسيج لغوي، بل نصوص متداخلة في علاقة معقدة، يرتهن تأثيره لثراء مداليله المضمرة وليس المفتوحة. فالنص حزمة أنساق متواريه، تستمد وجودها من أعماق الفضاء المعرفي للفرد، وقبلياته، وثقافته، ووعيه، ومستوى إدراكه.

وهكذا الخطاب، فهو ليس مجرد كلام وتخاطب، بل يكتسب وجوده من قبلياته، وتشابك أنساقه. فالرواية الموضوعة أقدر على التأثير من الروايات الصحيحة أحيانا. لأن مسار الرواية الصحيحة من الأعلى إلى الأدنى، بينما الرواية الموضوعة تنبثق من حاجات فكرية وعقيدية وسياقات آيديولوجية، فتأتي لتسد فراغا معرفيا.

ويمكن الإشارة إلى نقاط التمايز بينهما:

النص مغلق على منطوقه، مهما بلغ ثراء مداليله المضمرة. لا يتجاوزه ويبقى محاصرا بدواله، فيختلف منطوقه باختلافها. لكن تبقى مداليله مفتوحة على جميع القراءات والتأويلات والاحتمالات.

وأما الخطاب، فمتحرر نسبيا بما تقتضيه تقنيته، لكنه مغلق على رسالته، لا يمكنه التلاعب بها، بل تقتصر مهمته على إقناع المتلقي وترسيخ إيمانه. الخطاب يشغلك بمنطوقه، والنص يغريك بدلالاته. الخطاب منظومة معرفية، كما النص، يفترق عنه بأساليبه وتقنياته ومهامه، وبنيته وأنساقه. فالمائز بينهما في مجال الاشتغال، عموم وخصوص من وجه، وفقا للمصطلح المنطقي. يلتقيان في بعض النقاط، ويفترقان في أخرى. رغم أن كل نص هو خطاب بالضرورة. فالمائز في كيفية الاشتغال، وهذه نقطة دقيقة جدا. للنص ضروراته التي لا يمكن للخطاب التخلي عنها في رسالته. النص منظومة معرفية، والخطاب أداته للوصول للسلطة بمعنى هيمنته.

وثمة فارق أساس بين خطاب النص، ومطلق الخطاب، بمعناه اللغوي. فيرتبط مع النص وخطابه حينما يتبنى رسالته، ويسعى لاقناع المتلقي بها، بإمكانيات واسعة، ومؤثرة. فمادة مطلق الخطاب نصوص، يعيد تشكيل أنساقها، ويستثمر خطاباتها، ويستشهد بها.

مطلق الخطاب يتطلب تفصيلا واسعا لأهميته وخطورة دوره. وتارة يختلط الأمر أو يتداخل بين خطاب النص ومطلق الخطاب اللغوي، الذي هو بمعنى الخطابة.

وعَود للروايات الموضوعة، فإن صدقية المفاهيم الدينية الغيبية، مرتهنة في حقيقتها لوجود نص يدل عليها. وخطاب يسعى لإقناع المتلقي بها. فتفتقر الحقيقة في وجودها وصدقيتها لوجود نص مؤسس. لذا يصدق أن الحقيقة الدينية وليدة النص، ولا وجود لها خارجها، لأنها قضايا غيبية، لا تخضع للتجربة والدليل الحسي. وبما أن سلطة النص هي الأخرى لا وجود لها خارج ذهن المتلقي، فالحقيقة أيضا تستمد حضورها من الفضاء المعرفي للمتلقي.

وثمة فارق بين النصوص المؤسسة وما يتلوها من نصوص تكون متفرعة عنها، شرحا وتفصيلا واستدلالا، ودفاعا، كالآية والرواية المفسّرة لها، مثالا لا حصراً. فالنص الثاني لا يؤسس لأصل المفهوم ابتداء، لكنه يستغل سكوت النص، وإطلاقه، وتشابهه. أو يسعى لتوظيف تلميحاته، وموارباته، وإشاراته، ورمزيته، ومجازاته. فيتحرك في أفق الإمكان، ويبدأ بتشييد حقائقه، التي تحل تدريجيا محل النص التأسيسي، وتغدو حقيقة مطلقة، عندما تتستر على دورها في وجود الحقيقة، وينسب المتلقي مضامينها للنص المؤسس، بلا أدنى شك أو إرتياب. وهذا هو مكمن خطر الروايات الموضوعة وسحر خطابها، عندما تنجح في فرض سلطتها وهمينتها على الوعي، فتحقق كامل أهدافها. بعد أن تتوارى الآيات تحت ركام الروايات الشارحة. ويحجب النص الثاني النص الأول ويحل محله.

فمفهوم الصُحبة الذي استمد وجوده من بعض الآيات مثلا، كان مفهوما بسيطا في بدايته. ليس فيه تجريد لخصائص الصحابة، ولا ضمان بعصمتهم ومطلق عدالتهم كما تقول النصوص اللاحقة. ثم جاءت نصوص من خارج الكتاب لتخلق من الصُحبة حقيقة متعالية، وتصبح بحد ذاتها قيمة حقيقية، ومرجعية فكرية وسلوكية وأخلاقية، وصارت لها استحقاقات سياسية ومالية واجتماعي وتوثيقية. أي أن مفهوم الصُحبة تطور من مفهوم بسيط إلى كيان، ومؤسسة لها سلطتها وخطابها وقوانينها وشروطها. لقد استمد النص اللاحق شرعيته من سكوت النص الأول. وهذه هي آلية اشتغال النص، في المسكوت عنه، فيأتي النقد ليعرّي حقيته، وما يريد قوله.

وكما أن للنص منطوقه وظهوره الذي يمارس فيه غوايته، فأيضا له باطن، وداخل، متشابك، زاخر برمزيته ودلالاته، فهو عبارة عن تراكم نصوص، متشعبة في جذورها، يتستر عليها منطوق النص. فالمفهوم الجديد للصُحبة، الزاخر بدلالاته، استمد شرعيته من النص الأول. لكنه تفوق عليه، واحتل مكانته، بعد أن شيّد فوقه حقيقته وسلطته. فأصبح للصُحبة بسب لعبة النصوص مفهوم رمزي، جرّد الصحابة من خصوصياتهم. وبات المتلقي يتعامل مع مفهوم الصُحبة بنسخة جديدة منقحة، ترسم مساراتها وفقا لهدفها، لكن المتلقي يتبناها بقناعة، ويرفض ما يثار حولها بفعل قوة الخطاب وتأثيره.

إن عملية استبدال النصوص لا تجري اعتباطا، لكن القارئ بعد أن أخفى النص الثاني دوره في وجود الحقيقة، بات لا يميّز بين النص التأسيسي والنص الشارح أو المفسّر، خاصة مع رمزية النص الأول. وهذا خطر التراث على العقل، ما لم يتداركه النقد ويفضح ألاعيبه. فقناعة المتلقي لم تأت من فراغ، بل هي قدرة الخطاب على تزوير الحقيقة، حينما يتستر على وجهها الآخر، وينجح في إيصال رسالته.

الخطاب لا يترك المتلقي يتدبر الكلام، ويدرك مداليله ومخاتلاته، بل يملي عليه، حتى يترسخ إيمانه، واعتقاده حداً تصبح يقينيات راسخة، تقوم وتتحدى جميع الإشكالات ما لم يفق الوعي. لهذا تجد الخطابات الأيديولوجية تتوجس من الوعي، فتسارع إلى شلّ حيويتيه، عبر حزمة خطابات في خطاب واحد. وبالتالي الخطاب الأيديولوجي والديني خطاب متدفق، بفعل تعدده.

إن تأثير الخطاب وتفاوته، أمر لا مراء فيه، يرصده كل مراقب. فهناك خطاب مؤثر، وآخر فاشل رغم قوة رسالته. لذا نجحت الروايات الموضوعة في رهانها على الخطاب، ومأسسته، وأثّرت بواقع المسلمين تأثيرا بالغا. فالخطاب الناجح أيديولوجيا هو الخطاب القادر على ترسيخ حقيقته لا شعوريا في أعماق المتلقي، حداً يتعذر على العقل رصد ثغراته، فينساق مع العقل الجمعي وكأنه أمام واقع ملموس، يرفض الجدل والمغالطة. لذا عندما تهدأ الحالة النفسية للمتلقي ويراجع نفسه، يضحك على مشاعره وهي تنساق مع أوهام الخطاب. وعندما يعجز الخطاب عن إقناع المتلقي بالحقائق الغيبية والمفارقة، يلجأ، لإقناعه عاطفيا، وربط تلك المفاهيم بنجاته، وسعادته وشقائه في الآخرة. بل حتى سعادته وشقائه في الدنيا. وأحيانا يربط الخطاب تلك الحقائق العصية على الإدراك، بهوية المتلقي ووجوده الاجتماعي، حينما يحاصره نفسيا، ويضعه في عزلة اجتماعية. ويمكن أكثر من هذا حينما تصبح مسألة الإيمان بالمنظومة العقائدية والفكرية مسألة وجود. أي تغدو حقائق وجودية يتوقف عليها وجود الإنسان في الدنيا، إذا كان محكوما لصراع الهويات، حد القتل علىيها، وهو ديدن الصراعات الطائفية. فلا تستغرب خطاب الفٍرَق والمذاهب المتنازعة حول الحقيقة. فهي مضطرة لخطاب اللاوعي والخرافة والعاطفة، بسبب ذات الحقيقة التي يتبناها الخطاب، فهي لا تعدو كونها تأويلات قرآنية، وروايات لا يمكن الجزم بصحة صدورها ومطابقة مضمونها. وقد تصنف ضمن اللامعقول الديني. لكن للخطابات الأيديولوجية سحرها ضمن شروط الواقع، ثقافيا ونفسيا واجتماعيا.

نموذج تطبيقي

وكمثال على قدرة الخطاب في التأثير، أنقل هنا شاهداً من الواقع الديني، ما دام الحديث عن الروايات الموضوعة، وإلا فشواهد الخطابات الأيدولوجية متنوعة، خاصة السياسية. حيث حقق هذا الشاهد نجاحا فائقا، على مرأى ومسمع الجميع وأنا أحدهم:

شاهدت على إحدى القنوات الفضائية، في آب، عام 2001م، أستاذا يحدّث طلابه عن أبي هريرة، الصحابي المعروف بكثرة حديثه عن رسول الله، رغم أنه لم يلتقه سوى سنتين. كان الطلاب باقة بريئة تتراوح أعمارهم بين 10-12 عاما، مشدودين بذهول وتفاعل طفولي لكلام أستاذهم بشكل فرض نفسه حتى على المشاهد. فكانت الدموع تتقافز من أعينهم، وانفعالاتهم ترسم خريطة مموجة، امتزج فيها الفرح بالحزن بالتعجب. كان يتكلم بلغة دافئة، متدفقة، ساحرة، وكان يستخدم سيمياء الإشارة ولغة الجسد، فترتفع وتهبط أنفاس الأطفال الجالسين أمامه بكل اهتمام، مع نبرات صورته ونشيج حنجرته. فاستخدم خطابا، كان ينساب إلى أسماعهم برقة وعفويا، يستهدف مشاعرهم وعواطفهم، دون عقولهم ووعيهم، حيث صوّر الصحابي أبا هريرة ملاكا أرضيا، في رحاب طاعته، وعبادته، وفقره، وبساطته، وتميّز حافظته، واهتمام النبي المبالغ به. فأقصى خطاب التبجيل كل ما يثار حول رواياته الـ(5374) عن الرسول خلال سنتين. فأبو هريرة رغم توثيق بعضهم له، بموجب توثيقات خاصة أو عامة باعتباره أحد صحابة الرسول، لكن مازالت تلاحقه تُهم واستفهامات، حول كثرة رواياته، مقارنة بما رواه المقربون من صاحبة الرسول، الذين تراوح معدل رواياتهم، بين (500-600) حديث. خاصة ما رواه الإمام علي، الملتصق بالنبي منذ هبوط الوحي، وعاصر كل صغيرة وكبيرة في حياته، فلم يرو سوى (536) حديثا!!. بل أن أبا هريرة متهم بالوضع عندما روى أحاديث انحاز بها لمعاوية ضد خصومه ومناوئيه. فكيف تسنى له روايات كل هذه الأحاديث؟ والمعروف عن النبي صمته، وقلة حديثه. لكن المعلم استطاع بلباقة خطابه أن يرسم صورة مثالية للصحابي أبي هريرة، عبر رواية تاريخية، لا يمكن أن تكون شاهدا على كلامه. لكن الأطفال حملوا بعد سماع قصته انطباعا إيجابيا راسخا، سيؤثر لا شعوريا في مواقفهم وتقييمهم للرجل فيما بعد، وسيدافعون ببراءة عن قوة حافظته باعتبارها استثناء بسبب دعاء النبي له، وأصبحت هذه القضية بالنسبة لهم حقيقة مطلقة، استطاع الخطاب التربوي والنفسي تمريرها وترسيخها، دون الالتفات لدور النص في أصل وجودها وصدقيتها. فنحن قبل رواية أبي هريرة ما كنا نعلم أن النبي قد خصه بمعجزة قوة الحافظة، وسلامة الذاكرة، مهما أمتد به العمر. فالنص هو مصدر هذه الحقيقة، غير أنه تستر على دوره في وجودها.

روى المعلم بأسلوب تمثيلي رواية يتحدث فيها أبو هريرة، كيف استطاع حفظ كل هذا العدد من الأحاديث، فقال: دعا النبي أبا هريرة، فدعا له بالحفظ!! يقول أبو هريرة: فصرت أسمع كلام النبي وأحفظه ولا أنساه!!!. وعندما نقرأ هذا النص التاريخي، يمكننا بسهولة كشف آليته في تمرير ما يريده، والتستر على ما يبغي التستر عليه:

أولاً، لا قيمة لأي توثيق يرويه صاحبه، بل ويتهم كل من يروي توثيقا لنفسه. فمن يدعي أن النبي خصه بدخول الجنة، أو بالحفظ وعدم النسيان، أو أي ثناء، أو امتياز أو حقوق اعتبارية، استثنائية، ولم يروه غيره فلا قيمة له إلا بشروط صعبة، وبعض الفقهاء يتوقف في رواياته، وقد يسقط اعتباره لدى بعضهم. والراوي هنا هو أبو هريرة ذاته، وهو الذي يقول دعا لي رسول الله بالحفظ وعدم النسيان، ولا طريق لنا آخر للتأكد من صحة عمل الرسول ودعائه له. فلا قيمة معرفية لروايته، ولا يترتب عليها أي أثر توثيقي. ويمكن اسقاطها بسهولة. ولا يقال أن الرجل كان ثقة في المرحلة السابقة فما يرويه فيما بعد صحيح. لتوقف وثاقته التي جرحتها كثرتها، على النص ذاته. لأن كثرة الرواية بحد ذاته علامة تضعيف للراوي.

ثانيا: أعطت الرواية مفهوم الصُحبة صفة قدسية، جرّدت الصحابي من خصوصياته، وزكّت جميع أعماله وسلوكه وتصرفاته، مهما كانت. ومنحته استثناء، لا لشيء سوى صحبته للرسول!!، وهذا مرفوض وإن قال به بعضهم. فكل شخص بما فيهم الصحابي مرهون بعمله واستقامته.

ثالثا: جعلت الرواية من حافظة الراوي استثناء للطبيعة البشرية. وهذا لا يمكننا الاستدلال عليه موضوعيا. خاصة أن حافظة الإنسان تتآكل مع تقادم عمره. ولا يمكن الاستدلال عليها بكثرة روايته، لأنها مصادرة على المطلوب.

رابعا: أوحت الرواية بخصوصية أبي هريرة عند النبي، حتى فضّله على جميع الصحابة حينما خصه بهذا العدد الكبير من الروايات التي لم يروها أحد غيره. بل وعاقبه وضربه عمر بن الخطاب بمطرقته في عهده، ومنعه من التحديث. والأهم أنه ليس من السابقين الأولين، ولم يلتق الرسول سوى سنتين ثم غادر المدينة، وتحوم حول رواياته شبهات كثيرة، إلا أن شرعية سياسة الخلفاء الأمويين متوقفة في بعض مقاطعها على رواياته. وهذه هي أهميتها. وبعضها الآخر فيها طعن وتشكيك بمناوئيهم، فهي سلاح ماضٍ ضد خصومهم. فمن يدافع عن رواياته إما متواضعا في وعيه أو يقصد ذلك بدوافع طائفية ومذهبية.

إن خطاب المعلم حصّن طلابه ضد أي شكوك تواجههم مستقبلا، وسوف يكون منطق التبرير سلاحهم وهم يواجهون كثرة الشكوك حوله. بل سوف لن تستفزهم رواياته مهما كانت غريبة أو مضطربة أو متحيّزة. فاستطاعت الرواية، توثيق مطلق روايات أبي هريرة. بما فيها الروايات الموضوعة من قبله. أو التي نسبت له. حيث أصبح مصدرا روائيا. فالخطاب هو الذي مهّد لتزكيته، واقصاء جميع الأسئلة والاستفسارات حول وثاقته ورواياته رغم قِصر المدة التي التقى بها النبي.

إن خطاب المعلم كان نموذجا للخطاب الاستراتيجي، المؤثر، عندما نجح في إيصال رسالته، حداً امتلك عقول الأطفال، وترك لديهم انطباعا مثاليا عن صحابي طالما أثيرت حوله الشبهات.

وأما الرواية التاريخية المروية عن أبي هريرة فقدت حققت ما يصبو لها منطوقها، عندما صرفت الأنظار عن كل ما يسيء لسمعته. فاكتسب أبو هريرة مصداقية خاصة لدى الرسول، رغم عدم وجود دليل على صحتها سوى روايته. لكنها غدت حقيقة مطلقة، في ظل رثاثة الوعي، وقوة حضور المنطق الطائفي، حينما تسترت على دورها في وجودها.

إن ما يهم في هذه الرواية ما توارى خلف النص. فقوة النص لا تقاس بمنطوقه وما يبوح به، بل بما يضمره النسيج اللغوي للنص، ودلالاته التي يتستر عليها ظاهر الكلام. الرواية كانت اعترافا صريحا بالشكوك التي تحوم حول أبي هريرة، ومدى قلقه وهي تزعزع من مصداقيته كصحابي معروف. وهذا لم تفصح عنه الرواية علانية، لولا النقد والتنقيب. ولولا قوة الخطاب التي استولى على عقول الطلاب قبل أن يفيقوا لوعيهم. كما تؤكد هذه الرواية تشبث أبي هريرة برواياته، وعدم تنصّله عنها، لكنه بحاجة لغطاء شرعي يمرر به أجندته، فوضع هذه الرواية حسبة. أي أن حركة الرجل ورواياته كانت تسير ضمن توجه سياسي – ديني هو بطله ومصدر شرعيته، في مقابل مزيد من الامتيازات.

وخلاصة الشاهد، أن النص التاريخي تستر على دوره في خلق حقيقة أسطورة ذاكرة أبي هريرة، ومكانته الخاصة عند الرسول، وراح المعلم عن قصد أو غير قصد يتكلم لا بلسان أبي هريرة بل على لسان النبي، وكأن روايته غير موجودة، والنبي يخاطب الطلاب مباشرة. وهنا نقطة قوة النص حينما ينجح في إخفاء دوره في وجود الحقيقة.

كما استطاع الخطاب بما أوتي المعلم من قدرات فائقة، على فرض أبي هريرة قدوة، ومثالا، يتمناه كل شخص لنفسه. إذ لعبت تعليقاته العاطفية دورا كبيرا في ترسيخ هذه الحقائق. حيث كان يقطع الرواية بين فترة وأخرى، ويتلو كلمات التمنى، والتعجب والانبهار، مثل: ا"لله، الله، مَن مثل أبي هريرة في قربه من رسول الله". "يالك من صحابي جليل ضمنت مكانتك بالجنة وقربك من رسول الله"، "من مثلك يدعو له الرسول بهذا الدعاء"، وكان ينفعل مع كلامه، وكأنه قد عاشر الرجل عن قرب. فكان ممثلا بارعا، وأسلوبا فريدا في قوة تأثيره.

الخطابات المزوّرة إحدى أسباب تخلفنا، لقوة حضورها، وتشبث الناس بها. بل أن حركة المجتمع كما التاريخ عندنا تقوده نصوص، دينية أو تاريخية، صحيحة أم ضعيفة، ويبقى النهوض رهان الوعي، الذي بات يتأرجح بين مصالح سياسية، وأخرى طائفية، وثالثة شخصية ويبقى الشعب الخاسر الوحيد وهو يعيش أوهام النجاة والتفوق في ظل انحطاط حضاري مرير.

وما رواية أبي هريرة سوى مثال لطوفان من الروايات التاريخية، على مختلف المستويات، وعلى جميع المقاسات الطائفية، والمذهبية، والعنصرية.

 

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi9goma abdulahخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من سؤال الأستاذ جمعة عبد الله

 

سلطة النص

ماجد الغرباوي: النص لغة: (ما لا يَحتَملُ إِلاَّ معنّىً واحداً. أَو لا يَحتَمل التأويل) ، ويقصد به في علم أصول الفقه: ما كان "نصا" في معناه. في مقابل ما كان "ظاهرا: في معناه. وكلاهما يقابل "المجمل"، الذي يتعذر ترجيح أحد معانيه. وله في العلوم الإنسانية ومناهج النقد أكثر من تعريف، ملخصها: "ما يمكن تأويله". لكنه ليس جامعا مانعا، كما هي ضابطة التعريف منطقيا. فاقترح تعريفا أحسب أنه جامع مانع.

النص اصطلاحا: "ما تعددت دلالاته بتعدد قراءاته وتأويلاته المحتملة".

فيتناسب ثراء النص طرديا مع حجم إيحاءاته. ويتوقف الكشف عن المضمر من أنساقه المعرفية والثقافية، على مرونته، وأسلوبه في التعامل معه. فالنص حقل للحرث والتنقيب في أعماقه معرفيا، بحثا عن ممكناته التأويليه والمتوارية التي يتستر عليها مكر النص لغويا.

وبهذا سيَخرج هذا التعريف الدلالات الثلاث للدال والمدلول: الدلالة التطابقية، والدلالة التضمنية، والدلالة الإلتزامية . باعتبارها معانٍ ظاهرة وواضحة، لا تقبل التأويل، أو محدودة التأويل، ولو بشكل غير مباشر، كالدلالة الإلتزامية. كما سيخرج بهذا التعريف مفهوم الوصف وغيره، لأنه لا يحتمل سوى معنى واحدا. إضافة إلى عدم وجود اتفاق على أصل دلالة المفهوم . وبالتالي ثمة فرق بين النص واللانص، رغم أن كليهما نسيج لغوي، يتكون من كلمات وجمل، ومعاني وألفاظ، وتراكيب لغوية، ودوال ومداليل. إلا أن النص يتصف بثراء تأويله، وقابليته للكشف عن المضمر من أنساقه.

وأما السلطة، فتأتي لغة من التسلّط، والسيادة، والحكم. ويراد بها اصطلاحا "الهيمنة المعرفية".

سلطة النص: تعني هيمنته المعرفية، وفرض إرادته، ومحدداته، حينما يحتكر الحقيقة أو جزأها، ضمن آلية التفكير وانتاج المعرفة. سواء كان مضمون النص مطابقا للواقع ونفس الأمر أم لا. المهم قيمة النص لدى المتلقي، وقوة حضوره وتأثيره معرفيا. فكثير من الأوهام يتعامل معها الناس كحقائق مطلقة، تمارس سلطتها أسوة بغيرها من الحقائق. لذا فالقراءة هي التي تستفز النص، وتراكم مدلولاته.

إن لكل نص سلطته، مهما كان مستواها، وقدرتها على التأثير، فثمة نصوص تندحر أمام القراءات النقدية، وأخرى تصمد، وتثري بمقاومتها فعل القراءة، وفقا لشروطها وفعلية العوامل المؤثرة فيها. وسنركز على النص الديني، وخصوص الروايات الموضوعة، ومدى تأثير الوضع على سلطتها. وبعبارة أوضح هل الوضع يحد من سلطة الروايات المختلقة؟ ومتى؟. وكيف استطاعت بعض الروايات ترسيخ سلطتها رغم تاريخيتها، وتقادم الزمن؟. بل أن الفكر السياسي للمسلمين رسمته روايات موضوعة كما سأبين لاحقا.

بشكل عام تتأثر سلطة النص، وقوة هيمنته، بعدة عناصر، رغم نسبية تأثيرها، وتفاوتها من قارئ إلى آخر، منها:

أولاً - مصدر (مؤلف) النص:

يمكن تناول النص بمعزل عن مؤلفه، للكشف عن أنساقه المضمرة، وما يبدي ويخفي من دلالات، وإحالات مرجعية، مهما تعالى مصدره. لكن ليس مطلقا عندما يتعلق الأمر بالكشف عن سلطته التي تتوقف فعليتها على معرفة مصدر النص. وهذا يختلف تبعا لزاوية النظر، ومضمون النص، وما يريد أن يقوله ويؤسس له. فالمؤلف يلعب دورا أساسا في تكوين سلطة النص. وبالتالي:

- لا يمكن تجاهل مصدر النص، حينما تترتب علىيه حقوق وواجبات، بل النص في هذه الحالة يستمد سلطته من مصدره، إضافة إلى طريقة بنائه وتركيبه وأدائه اللغوي. أي أنه يستمد سلطته ومركزيته وتأثيره من مؤلف النص، وأسلوب الخطاب في التعبير عن مضامينه. فعندما يصدر أمر من السلطات العليا بإمكانك قراءة النص بمعزل عنها، للكشف عن كواليسه، وما يخفيه من تحفظات، ومخاوف، وتطلعات. لكن لا يمكن تحديد درجة إلزامه بمعزل عن مصدره، فهو يستمدها منه، ومن قدرته على تنفيذ وعوده. وبالتالي فهو المقوم الذاتي لسلطة النص.

- يمكن إهمال مصدر النص، عندما يؤسس لقيم أخلاقية، مادامت قيم إنسانية. فالحكمة من أي شخص صدرت فهي حكمة، لا تتوقف على مصدرها، لذا جاء في المثل "خذ الحكمة ولو من لسان مجنون". إلا في حالات التنافس القيمي، حيث تكون القيم الأخلاقية نسبية، غير محسومة نهائيا. فهنا يتدخل المصدر لحسم النزاع، لكنه في الغالب، يكرسه. فعندما يختلف مسلم وغيره حول أية قيمة دينية، فكل يتشبث بمصدره، وعلوه، وحكمته، وربانيته، فينتهي الأمر بتكريس نسبيتها. فعندما تقرأ حكمة تقول: في "النجاة في الصدق". فهي قيمة إنسانية مطلقة، لا يختلف حولها إثنان. أما لو تعلق الأمر بقيم نابعة من صميم المجتمعات المختلفة دينيا وثقافيا، فالأمر يبقى نسبيا. وفي هذا الحالة يمثل مصدرها حقيقة سلطتها.

- لا يمكن إهمال مصدر النص، عندما يؤسس لأية سلطة: سياسية أو دينية أو اجتماعية أو معرفية. لأنه المعني حقيقة بتحديد مستواها، فيكون جزءا من النص، وليس خارجا عنه. أي يجب قراءة النص بما أنه كلام الله أو قول النبي ليستمد منهما حقيقته وسلطته. فعندما روى أبو بكر يوم السقيفة عن النبي أنه سمعه يقول: "الخلافة في قريش"، فالنص هنا لا يؤسس لأية سلطة بمعزل عن مصدرها، بل يستمد قيمتها منه، لذا قلبت الرواية موازين القوى، باعتبار قدسية النبي ووجوب طاعته قرآنيا. فسلطة النصوص المؤسسة تتوقف على معرفة مصدرها، ومدى صلاحيته وقدسيته ووجوب طاعته. بل لم يستطع هذا النص بالذات أن يؤثر في معادلة السلطة لولم يكن مصدره النبي. رغم أن هذا النص بالذات مارس أعلى درجات المكر عندما مرر ما تبدو مسلمة تشريعية، حيث اعتبر مسألة السلطة وشرعية الخلافة شأنا نبوياً، وهي ليست كذلك. بل أن السلطة ضرورة اجتماعية وليست دينية. وتحدثت عنها مفصلا في أكثر من مناسبة . هذه هي قوة النص وسلطته حينما يمارس مكره، ويمرر ما يريد مروره على شكل مسلّمات، لا تستوقف السامع. فلو لم تكن السلطة نبوية فسيكون قول الرسول مجرد وجهة نظر، لكن ذكاء عمر بن الخطاب، الذي كان موجودا بمعية أبي بكر في سقيفة بن ساعدة، استطاع أن يحقق مراميه عبر خطاب ثري في دلالاته، وأوحى بإلهية السلطة وأنها وقف على النبي وتصريحه، وقد خص بها قريش، بل وخصوص أبي بكر. وقد صدقوه، وانحسم موقف الخلافة لصالح قريش.

وبالتالي فسلطة النص، تتأثر بمصدرها تارة، وتارة يمكن تناول النص بمعزل عن مصدره، ومؤلفه، وقائله. وقد شاع في النقد الأدبي في ثمانينات القرن المنصرم مفهوم موت المؤلف، وجواز تناول النص بالنقد والمراجعة، بمعزل عن كاتبه. أي تحرير النص من سلطة مؤلفه، ليكشف عن مكنوناته وأنساقه المضمرة بنفسه . ويكون الناقد أقدر على فضح مراوغاته. النص يكشف بالنقد حقائقه ومقولاته ومفاهيمه الأساسية عبر المهيمن الثقافي، مهما تستر عليه كاتبه. وهذا ما يريده الناقد الثقافي خاصة. فالتنويه باسم الكاتب يفرض على المتلقي سلطته، فيلجأ للتفسير والبيان بدلا من النقد والتنقيب. الناقد الثقافي يلاحق ما يتوارى من أنساق وقيم ومقولات تؤثر في كتابة النص. كما سيكشف الناقد الأدبي عن القيمة الجمالية للنص بمفردها، فهو لا يستمد قيمته من مصدره بل من ذات النص، فيكون تقييمه ونقده أقرب للموضوعية، بعيدا عن التحيز، ولو نسبيا لاستحالة عدم التحيز مطلقا. لتوقف كل قراءة على قبليات القارئ، فيتحيز لها لا شعوريا .

تظهر قيمة مصدر النص أكبر في النصوص الدينية والميتافيزيقية، ويكفي أنك تعرف أن النص آية قرآنية للتراجع عن فهمك وبعض قبلياتك، وتصوراتك، لتدور في أروقة المقدس، ومداراته ومرجعياته. بل تكون أكثر استعدادا لشطب قناعاتك أو بعضها. فمصدر النص سلطة تجبر المتلقي على التماهي معها. وبهذا تتضح قوة تأثير الروايات النبوية، رغم أن بعضها موضوع، لكنها مؤثرة، تستمد سلطتها من سلطة مصدرها، الذي يستمد بدوره السلطة من نبوته، واصطفائه من قبل الله تعالى.

وربما النصوص التي تخاطب المشاعر، وتستغفل العقل مثالا لتجلي سلطة النص وقدراته المعرفية، فالمتلقي لا يتوقف مع كثير من المقولات التي تمر وكأنها مسلّمات، فيقع تحت سلطة الخطاب العاطفي. وهذا أسلوب الخطابات التعبوية والثورية والطقوسية التي تلهب حماس السامع، وتعطّل قدراته العقلية النقدية. وهي خطابات العقل الجمعي التي تراهن عليها الخطابات الأيديولوجية، سياسة أو دينية.

الثاني: النص

النص بطبيعته مستغرق في صمته، يخفي دلالاته، وأسراره ورمزيته، لا تستنطقه سوى القراءة الموغلة في نقدها، وتفكيكها لتراكم طبقاته المتوارية، بحثا عن ركائز سلطته وطريقة أدائها ضمن نسيجه اللغوي. فالنص، خاصة النص الميتافيزيقي، يخشى الفضيحة المعرفية، حفاظا على سلطته، وهيمنة مفاهيمه، فيرتكز في أدائه وسلطته إلى بنيتين، ظاهرية، تستمد وجودها من نسق دواله، وترابط كلماته وجمله، وأسلوبه التعبيري، وطبيعة المرجعيات التي تحيل عليها، والمراوغات التقنية التي توظفها في تمرير مداليلها. وبنية مضمرة يرتكز لها عادة في تمرير ما يريده دون أن يبوح بها. لذا سلطة النص سلطة معقدة، من خلالها تتجلى قوة النص وقدرته على فرض حقيقته. فالنص ليس مجرد نسيج لغوي بل يتمتع بسلطة يستمد بعضها من قوة بيانه، وقدراته البلاغية التعبيرية، وأسلوبه في توظيف المجازات داخل النسق اللغوي. وحجم الإحالات المرجعية في إيحاءاته ورمزيته وقدرته على استغفال القارئ. لذا تجد النصوص الدينية أثرى وأقدر على مقاومة النقد والتفكيك، حينما تستجيب لكل قراءة، وتتجدد مفاهيمها مع كل مقاربة نقدية. فثراء النص لا ينفد بنقده، بل تتطور دلالالته. والجزء الثاني من سلطته يستمدها من طبيعة النص وتقنياته.

يمكن أن نضرب مثلا توضيحيا بكلام عمر بن الخطاب يوم السقيفة، قبل مبايعة أبي بكر للخلافة، ما دمنا بصدد دراسة الروايات الموضوعة والنصوص التي تنتمي لها بشكل غير مباشر، وقدرتها على حسم الأمور، عندما يراد توظيفها لغايات محددة. حيث قال كلاما مهّد لا شعوريا لحسم الخلافة، قبل أن يروي أبو بكر حديث الخلافة في قريش. قال عمر: "معاذ الله أن أخالف خليفة رسول الله في اليوم مرتين"!!! . فوصف أبي بكر بخليفة رسول الله، رغم أن الخلافة لم تحسم بعد، وما زال الجدل محتدما حولها في سقيفة بني ساعدة. قد يقصد عمر بكلامه الخلافة العامة، فأبو بكر صاحب رسول الله ولا يستبعد أنه أخلفه في أمر من الأمور المهمة كصلاة الجماعة مثلا، والتبليغ نيابة عنه، فهو أمر طبيعي، تفرضه الصحبة، وسابقة أبي بكر في الإسلام، وتقدمه على الصحابة، ورفيقه في الغار، عند هجرته من مكة إلى المدينة. فربما قصد خلافته للرسول في هذه الأمور تحديدا، فلا تشمل الخلافة السياسية ولا يصدق التعميم، حتى للخلافة الدينية، إلا بنص صريح واضح، وهو مفقود بالضرورة. غير أن عبارة "خليفة رسول الله" في كلامه، قد أحالت المتلقي لا شعوريا لموضوع الخلافة السياسية التي انعقدت من أجلها السقيفة وإن لم يقصدها ذاتا. فارتكز في أذهان الحاضرين كأن خلافة أبي بكر تحصيل حاصل، أو قضية محسومة مسبقا من قبل النبي. فرجل مثل عمر لا يقول جزافا في نظرهم. دون الالتفات لمراوغات كلامه، حينما تعاملوا مع ظاهره، لذا كانت خطوة مهمة باتجاه حسم الخلافة. وهكذا لعبت سلطة النص من خلال مكره ومراوغات أسلوبه، فغيرت مواقفهم.

الثالث: قراءة النص

لا توجد سلطة للنص ومصدره خارج فعل القراءة. والمتلقي هو الذي يخرجها من القوة إلى الفعل، من خلال منظومته المعرفية القابعة خلف قبلياته ويقينياته. لذا يختلف فهم النص من شخص إلى آخر حسب ثقافته ووعيه وإدراكه وقدرته على النقد والتحليل والمحددات الفكرية والعقيدية. فقداسة القرآن مثلا تستولي على المؤمن بما يملك من تصورات ويقينيات حول الخالق وقدراته اللامتناهية، فيقبع تحت سلطة القداسة وهو يتدبر آياته، ويركز جهده على فهم النص، دون نقده أو محاكمة مصدره. بينما يختلف الأمر بالنسبة لغير المؤمن، فينقد النص المقدس أسوة بنقده لأي نص غيره، بل ويتوغل فيه، لا لفهمه فقط بل للتعرّف على مصدر سلطته، وتعرية تقنياته، للكشف عن ملابساته، ومراوغته، فيصف إله المسلمين بالجبار، المتسلط، العنيف، بينما يصف إله عيسى بالمودة والرحمة، رغم وحدة المصدر حسب الفرض. ويقول عن إله موسى قنوط، غاضب.

فالنظام المعرفي للمتلقي وراء تجلي فعلية سلطة النص. به يفهمه، وبمقولاته يفرض حدود قراءته. فالنص ليس له حقيقة خارج الفضاء المفاهيمي للمتلقي. وهنا يأتي دور العقل ويقظته، في تفكيك النص، وتحليل ثوابته، وركائزه. أو قبوله رغم حمولته الغيبية، حينما يمارس سلطته على وعي المتلقي. فيتفاوت تصديق المتلقي بمضامين النصوص التي تتحدث عن الغيب بتفاوت الإيمان. فالعقل التراثي يخشع أمام النصوص الغيبية، بينما يتوقف العقل النقدي في قبولها، ما لم يرتكز يقينه لمبادئ عقلية، منطقية أو فلسفية.

ولعل أوضح مثال تفاوت الخطاب العاطفي في تأثيره على المتلقي، كل حسب استعداده وأرضيته الثقافية والعاطفية، وشدة مأساوية المشهد. صحيح أن هذا الأمر يرتبط بمشاعر فطرية، إلا أن سبب التفاوت هو ثقافة الفرد الراسية في لا وعيه، والتي تتحكم بأسلوب التعامل، وفهم الخطاب، وهي سر التفاوت من شخص إلى غيره. وبالتالي فهناك ثقافة مسؤولة عن فهم النص ومحدداتها وراء ما يطرحه من حقائق. فالحقيقة لا تكون حقيقة إلا في ذهن المتلقي، حينما تغدو سلطة مؤثرة. ومعنى أن تكون الحقيقة سلطة مؤثرة، أي تصبح مرجعية تفرض محدداته على تفكير الفرد، في قراءاته المختلفة للنصوص التي لها علاقة ما بتلك الحقيقة. فمثلاً، يعتبر المعاد حقيقة مطلقة بالنسبة للمؤمن رغم ميتافيزيقيته، فتنتابه رهبة عندما يقرأ مشاهد يوم القيامة عبر آيات الكتاب الكريم والروايات التي تتحدث عنه. فانقلب الغيب حقيقة راسخة بفعل ثقافة رابضة أعماقه، تكوّنت عبر تراكمات تاريخية، شاركت في تكوينها عوامل شتى، كالبيئة والتعليم والعادات والتقاليد والشعائر والطقوس والخطاب الديني والتراثي والظروف النفسية والاجتماعية والتربوية المحيطة بالمتلقي.

القراءة البريئة مطلقا للنص ضرب من الخيال. والتحيز قدر القارئ، مهما بالغ في موضوعيته واستقلاليته، لأنها حتمية النظام المعرفي التي يتوقف عليها فعل القراءة. فالجميع محكوم لقبلياته وثقافته وأحكامه. والكل يرفس في أغلاله، تطوقه أوهام الحقيقة، ومغالطات التفوق، ونرجسية الأنا. ولا خلاص للفرد من سجونه إلا بمواصلة النقد والتفكيك، وتجاوز رهاب الحقيقة. كما لو انتقل العقل في قراءته للنصوص من منهج مطلق التسليم للغيب والخرافة، وعدم مساءلة التراث، إلى منهج عقلي نقدي، يفكك ويحلل كل معلومة ومفوم ومقولة داخل النص، فيتجهز بمفاهيم ومنظومة معرفية مغايرة، تعيد تشكيل العقل، بعد تحديث بنيته وأنساقه المسؤولة عن أحكامه ومفاهيمه ومقولاته المسبقة، التي بها يقرأ النص، ويكتشف مختلف مداليله. وفي هذه الحالة أيضا سيكون محكوما لقبلياته، لكن الفرق في تصوره ليقينياته. في الحالة الأولى يعتبرها نهائيات مقدسة، تفرض سلطته وأحكامه، وفي الحالة الثانية لا توجد نهائيات بل حالة نقد مستمرة لتلك اليقينيات والقبليات، فيتمتع بمرونة عالية تسمح له باستنطاق النص، وكشف مداليله والمتواري من أنساقه. فثمة وجه آخر للنص تحجبه نهائيات القراءة.

وبالتالي فقراءة النص، وطبيعة ثقافة الفرد، وما يؤمن به من حقائق ويقينيات تلعب دورا كبير في فرض سلطة النص. وهذا سر المواقف المتباينة من ذات النص. فمن يؤمن بقدسية النص ينتهي إلى نتائج تختلف عمن يرفضه.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi22goma abdulah

خاص بالمثقف: الحلقة السادسة والأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من سؤال الأستاذ جمعة عبد الله

 

س73: جمعة عبد الله، كاتب وناقد: طالما أن كثيرا من أحاديث الرسول الكريم خرجت بعد وفاته، عن سياقها وزوّرت وحرّفت، لاغراض شخصية وسياسية وسلطوية، أدت إلى انشقاق الدين الإسلامي الى مذاهب متعددة. وكل مذهب صار يستند على مصادر ومراجع خاصة تدعم مذهبه، بأنه الأرجح من المذاهب الأخرى، وهنا نتلمس الحيرة والارتباك، بأننا كيف نميز الحديث النبوي الشريف، بأنه أصيل صادق وصحيح، عن الآخر المريب والمشكوك فيه. أو الموضوع والمكذوب؟

ج73: ماجد الغرباوي: الأحاديث الموضوعة، والتقوّل على الرسول، مشكلة حقيقية، ابتلت بها العقيدة الإسلامية، وتأثر بها الفكر، وأثرّت في ثقافة المجتمع وسلوكه. وقد تفاقم الوضع طرديا كلما ابتعدنا عن عصر الوحي، حيث اتسعت الحاجة لنصوص مقدّسة تعضّد مصالح شخصية وأخرى سياسية أو دينية. وبالفعل كان لها دور خطير في قمع المعارضة وترسيخ حكم النخب القبلية على حساب الكفاءات. والسبب أن النص المقدّس سلطة عليا مؤثرة، سواء كان آية أو روايةً. وسواء كان الحديث النبوي معتبرا أو لا. فما يقوله النبي وحي سماوي لاريب فيه: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) . وطاعته مفترضة على المؤمنين (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) . فالرواية تستمد منه قدسيتها وتعاليها، ولها ما للآية من إلزام، أمرا ونهيا. فالقداسة سلطة معرفية موجّهة، تحد من حرية الباحث الديني، وتسلبه خيار القراءة المفتوحة للنص، عندما يفرض محدداته، ومديات الانفتاح والتنقيب. فقد يعتقد الباحث الديني أنه حيادي ويمارس كامل حريته في نقد وتفكيك النصوص المقدّسة، لكن الحقيقة أن صفته الدينية، تفرض عليه التحييز، بشكل تقتصر قراءته على التأويل والشرح والبيان، دون النقد، فيخضع لا شعوريا لسلطة النص وقدسيته، باعتباره مطلقا. فمهمة الفقيه مثلا استنباط الأحكام من ذات النص كمرجعية معرفية نهائية لا يطالها النقد، ويُرجع الخطأ إذا وقع للتطبيق أو قصور الفهم، لأن النص الديني لا يتنازل عن عليائه، عصي على النقد والمراجعة، ينتظر من يستنطقه ويكشف مدلولاته دون المساس بقداسته. فتكون قراءة الباحث الإسلامي منحازة بالضرورة، يقتصر فيها على اقتناص مداليل تجدد رؤيته وفهمه. والبحث عن مبررات كافية لمواجهة التحديات. من هنا يصدق أن وعي الباحث الديني / الفقيه / المفكر وعي مغلق، دائري، يستفزه نقد المقدس. ويرابط داخل مدارات النص، مهما كانت قصية، إلا أنه لا يخرج عليه، ولا يشك بصدقيته. فالمعرفة الدينية محدودة الخيارات، لا تخضع للتجربة ومحاكمات العقل.

تارة رهاب القداسة يحول دون التعرف على تاريخ النص وفلسفته وشروط فعليته، مخافة المساس بقدسيته، فَيُؤثر الباحث التمادي بالتبرير على خدش حصانة النص. ويغفل أن النصوص جاءت لمعالجة الواقع، وفعليتها ترتبط بفعلية ظروفه، وليست أحكاما مطلقة تتعالى على شروطها التاريخية وفلسفة تشريعها. لكنه يؤمن بمثاليتها، وصلاحيتها وشمولها لكل مناحي الحياة. وباستطاعته في ضوئها التشريع داخل منطقة ما يعرف عندهم بـ"منطقة الفراغ التشريعي"، وهي كل موضوع لم يرد فيه حكم شرعي، فيتصدى الفقيه لتشريعه في ضوء النصوص والقواعد الفقهية والأصولية. فالاعتقاد السائد أن الشريعة الإسلامية شاملة لجميع مناحي الحياة، وما على الفقهاء سوى استنباط الإحكام وتعميمها، وأوضح مثال الحديث عن نظام سياسي أو إقتصادي في الإسلام، رغم تجاهل النصوص المقدسة لهما، سوى مبادئ وقيم تصلح أن تكون أطراً أخلاقية وضوابط دينية. فيبقى الفكر الإسلامي الذي عمد إلى تأسيس نظرية في السياسة والحكم والاقتصاد، وما شيّده من نُظم فكرية ومعرفية، مجرد اجتهاد شخصي وقراءة مشروعة للنص، وحق محفوظ للفقيه والمفكر لكنها لا تكون مطلقة. غير أن دعاة الدين تعاملوا معها كحقائق نهائية يتباهون بها دليلا على قوة النظام الإسلامي وقدرته على مواكبة الحياة. وهذا نمط من الأدلجة أضرّ بمصداقية الدين، حينما تعامل معها المتشددون كمطلقات، أباحوا لأجل تحقيقها سفك دماء المسلمين قبل غيرهم. الدعاة لا يميزون بين النص وقراءة النص، ويردمون الحدود الفاصلة بين الدين وفهمه، وبين الآية وتفسيرها. فإذا كان النص مقدسا، فإن فهمه وتفسيره جهد بشري اجتهادي، قد يُصيب وقد يُخطئ. وأدل دليل اختلاف الفتوى والتفاسير حول نفس النصوص.

القراءة وسلطة النص

إن الباحث الديني / الفقيه / المفكر / المفسّر، يقرأ من داخل النص، فيخضع لسلطته ومحدداته لا إراديا، ولا يمكنه التمرد عليه. لا لأنه لا يريد الحرية أو لا يفهم معناها، بل لأن قداسة النص هي التي تتولى هندسة قبلياته وبنيته الفكرية والمعرفية فتفرض محدداتها ومدياتها، وآلية تفسيره أو تأويله للنص، وهي التي تحدد هامش الحرية وفضاء التفكير داخلها، وهي التي تسمح أو لا تسمح له بتجاوز النص. فالحرية لا تعني بالنسبة له التحرر المطلق من قيود النص، وتجريده من سلطته، بل حركة مغلقة داخل فضائه. فهي اجتهاد في دائرة النص ومدياته، فتكون محدودة، غير منتجية، تطاردها إكراهات النص. ومثالها جميع القراءات التراثية بل وأغلب الفكر الديني الخالي من النقد والإبداع. وهذه القراءة تختلف عن القراءة المقاصدية للنص، التي تحاول تقديم فهم جديد للدين، والبحث عن مقاصد أحكامه وشرائعة في إطار ظروفها الزمانية والمكانية. فهي لا تفرّط بقداسة النص، لكنها تقدم فهما جديدا له.

أما القارئ المتحرر من سلطة القداسة، فيختلف في طريقة فهمه للنص، حيث يتعامل معه بما هو نص، كأي نص، بمعزل عن قائله، أو وفق نظرية "موت المؤلف". فيخضعه لكافة مناهج النقد، الفلسفية والعقلية: "التحليلية والتفكيكة والوصفية والتأويلية". فلا محددات ولا سلطة فوقية للنص، سوى بنيته، وهي سلطة لغوية بنائية، يمكنه تفكيكها، وإعادة تركيبها. على خلاف الباحث في الفكر الديني، فهو مقموع تحت سلطة المقدس ومحدداته. لا يتجرأ على نقد مؤلفه أو قائله، بحرية كافية، خلافا لمناهج أخرى، تتمادى في نقدها الثقافي والمعرفي، وتبالغ في دراسة خلفية الخطاب وقائله، وتنقّب عن مضمراته المعرفية.

إن التجرّد المطلق ضرب من الخيال، فيجب عدم المبالغة في تجرّد الباحث المتحرر، لاستحالته، وكل باحث منحاز لا إراديا لقبلياته وخلفيته، رغم نقده المتواصل لها، لتوقف فهمه للنص عليها. فيقصدون بالتجرد، التعامل المباشر مع النص بعيدا عن كاتبه أو قائله. أو بعبارة أوضح تجريد النص من سلطته خارج نظام القراءة النقدية، سواء كان مقدسّا بذاته، أو بحكم الأنساق الثقافية والاجتماعية والسياسية والدينية. من هنا تكون نتائج بحثه أقرب للواقع وأكثر ثباتا. النص المقدس أمام الباحث المتحرر نص مفتوح على مختلف المناهج والتأويلات، فتأتي القراءة زاخرة بالتأويل، حينما تتقّب في أعماقه، وتكتشف طبقاته المتوارية في طياته. فما من نص إلا ويخفي عددا كبيرا من النصوص والأنساق المضمرة. وبالتالي فإن حقيقة الاختلاف بين الباحثَيَن، الديني والمتحرر في هامش الحرية، حينما يتقصى كل منهما مديات النص، ليكشف عن مضمراته، وما يروم تمريره من مسلّمات بعيدا عن سلطة النقد. فخيارات القراءة والتأويل بالنسبة للباحث المتحرر مفتوحة، بينما يحدّ المقدّس من خيارات الباحث الديني، فيضطر للتبرير، كنوع من الاعتراف بعجزه وحدود حريته. وتبريره ليس مصطنعا، لكنها سلطة يقينياته، وإملاءاتها، وإكراهاتها، التي باتت هي الأخرى مقدسة، لا يطالها النقد، وأصبحت ضمن اللامفكر فيه، والمتواري، خاصة مقولات ومفاهيم البنية المعرفية التي ترسو لا شعوريا في مراحل التلقين الأولى.

إن قدسية النص تجعل منه فضاء معرفيا مغلقا، يحد من خيارات قراءته وتأويله. ومهما تمادى الباحث في نقده، لا يجافي منطق النص ودلالالته ولوازمه، فيعود لتلك الثوابت والمحددات، يتحرك في مداراتها، في تماهٍ مستمر مع النص، وفي دوامة المراجعة والنقد لقبلياته حينما تصدم مسلّماته بمنطق النص أو تأويلاته. ولعل في النصوص الغرائبية مثالا واضحا للفرق بين القراءتين، حيث يبالغ الباحث الديني في قداسة النص ومصدره، هروبا من جحيم أسئلة العقل واستفهاماته. بينما ينتزع الباحث المتحرر قدسية النص، ويرفض غرائبيته المستهجنة عقلا ومنطقا، ويتعذر اختبارها تجريبيا. فعقله لا يتخلى عن دوره أمام المقدس، ولا يكف عن أسئلته واستفهاماته. ويطالب بأدلة مقنعة يستدل بها على غرائبية النص. وبالتالي فالنص المقدّس يفرض حقيقته على الباحث الإسلامي، ويرغمه على الإيمان بها. بينما يرتهن الإيمان بقبول النص بالنسبة للباحث المتحرر على أدلته ومدى صدقيته ومطابقته للواقع ونفس الأمر.

من هنا أجد أن الدعوة إلى قراءة النص الديني من داخله ووفقا لمنطقه كلاما دقيقا وصائبا، من أجل فهم يتماهى مع محدداته، ولا يكون شاذا في نتائجه. فثمة مبادئ كلية حاكمة، ينتسب لها النص بشكل وآخر. وإلا ستخرج القراءة عن فضائها الديني، وتنحى باتجاه آخر، يبدو مشوّها، ينهار أمامه الإطار الكلي الذي يحكم النصوص الدينية. وهذا ما يحصل عادة مع القراءات التلفيقة والترقيعية، التي تطمح لمواءمة النص الديني مع الواقع، مهما كان حجم المسافة بينهما، كتحدٍ حضاري أمام الكشوفات العلمية ومعطيات العلوم الإنسانية. وأوضح مثال جهود أسلمة العلوم، التي هي جهود ترقيعية لم تنتج لنا أي علم من العلوم الإنسانية التي نشأت وتطورت في بيئة مغايرة في ثقافتها وطريقة تفكيرها، ومبادئها الفلسفية، ونظرتها للكون والإنسان والحياة. العلوم تراكمية، تعتمد مناهج وأدوات مجردة لقراءة الواقع وفهمه، لا علاقة لها بالدين. وهذا لا يمنع أن تكون للدين قيم وأطر أخلاقية تغذي الرؤية التربوية والاجتماعية والنفسية. الدين له تخصصه وحقله، وعندما يقحم في مجالات غريبة عن منطقه، يرتبك أداء الفهم الديني، ويعود بالضرر على الدين ذاته. لكن المنطق الأيديولوجي يرفض الاعتراف بالحقائق والكشوفات العلمية، ويصر على كمال الدين وشموله لجميع مناحي الحياة، وقدرته على الاستجابة لكل متطلبات الواقع خارج حدوده. أو ما يعبر عنه شعار الحركات الإسلامية: "الإسلام هو الحل". "القرآن هو الحل". وهذه إحدى عوائق النهضة الحضارية للمسلمين.

أتضح مما تقدم أن قداسة النص سلطة موجهة لوعي الناس، ومرجعية معرفية نهائية. والنص المقدّس هو الموجّه لحركة الفكر الإسلامي ومدياته عبر التاريخ. كما تبيّن أن النص المقدّس لا يتحرك فقط بقيمته المرجعية، ولا بقداسته فقط، وإنما يتحرك ضمن منظومة معرفية، وجهاز مفاهيمي، يرتبطان جدليا بالبيئة الثقافية والاجتماعية للمتلقي، الفرد والمجتمع. وكل واحدة من هذه المفردات هي سلطة بحد ذاتها، تعزز من قيمة المقدّس. فالفيلسوف واللاهوتي "المتدين" عندما يستغرق في تأمله النقدي، سرعان ما يعود لأحضان النص الديني تفاديا لأي فهم، يستفز يقينياته، وقد ينقلب على تفكيره حينما يتمرد، ويسعى لنقضه تماهيا مع عقيدته. فالرواية الدينية ليست مجرد نص عادي أو نسيج لغوي، بل لها سطوة تحرك الفرد فور سماعها، وتفرض عليه سلوكا يعزز قيمتها وقدسيتها، بفعل قبلياته ويقينياته. لذا تختلف ردود أفعال المتلقي للرواية عندما تتحدث مثلا عن الآخرة أو عذاب القبر، أو حينما تحفز فيه روح النقد والندم وجلد الذات، وتطالبه بالعفو والمغفرة وتأنيب الضمير. فيتأثر بها مباشرة، ويأبى رفضها والتمرد عليها. وهكذا بالنسبة للآيات والروايات، وجميع الأوامر والنواهي الشرعية.

من هنا تتضح أهمية الروايات والنصوص، لهذا تجرأوا على وضعها ونسبتها كذبا وزورا لله ورسوله خدمة لمصالح سياسية ومذهبية وطائفية، فالتبس الوعي، وتم تزوير الواقع لذات السبب. وقد بُذلت جهود كبيرة لتمييز الحديث الصحيح عن الموضوع، وقد تم بالفعل اكتشاف طيف واسع من الأحاديث الموضوعة، لكن بقي ما هو خطير منها، عصيا على الكشف إلا وفق مناهج نقدية صارمة، قد تنفع نتائجها طبقة الواعين من الناس، لكنها لا تقنع البسطاء، ومن يتعاملون مع النص بقدسية فائقة. سيما حينما تكون الرواية معتبرة صدورا، واضحة دلالة، وفقا لمناهجهم في نقد الحديث، بل حتى مع عدم وجود دليل على اعتبارها وصحة صدورها، يخشون رفضها، ويتعاملون معها برفق، فتجد ديدنهم الاحتياط. لذا ما زالت سُنّة النبي توجه وعي الناس، رغم ما فيها من ضعف وتناقض مع آيات الكتاب الحكيم. ورغم تاريخيتها إلا ما ندر، وفقا لمسؤولياته كنبي ومبلغ وبشير ونذير. وبالتالي فالنص ليس مجرد مفردات وجمل، بل هو نسق ثقافي، ونظام معرفي، وسلطة تستمد قوتها من أسلوب بنائه، وطريقة تركيب الكلام، وتشكيل دلالاته. ففهم النص يتطلب عدة معرفية، تتنوع في أدواتها ومناهجها، تغور في أعماقه، لتكتشف طريقة إشتغاله وأدائه، ومطلقاته، حتى لو كانت نصوص مكذوبة. فتارة لا يكفي التفكيك، بعيدا عن منهج التحليل، تبعا لقوة رمزيته وإيحائه. فالنصوص مخاتلة، مراوغة، تخفي أكثر مما تظهر، وتستدرج المتلقي بدلالاتها، لتخفي مدلولات لا تريد خضوعها لمنهج النقد، خاصة النصوص المقدسة التي اتصفت ببلاغتها، وقوة تعبيرها ورمزيتها. ففهم كل نص ينتج نصا جديدا، له معالمه، وأسلوب اشتغاله، في توظيف سلطته على المتلقي. ويتضح هذا جليا في فتاوى الفقهاء، واستنباطاتهم الفقهية. فالنص الجديد يتصل وينفصل عن النص الأول وفقا لخلفية القارئ / الفقيه مثلا، ومنهجه في فهم النص. وأكثر وضوحا في روايات تفسير القرآن، فإنها تحجب النص الأول وتحل محله، في سطوتها وسلطتها. سيما المنهج الأثري، الذي لا يجيز مقاربة النص القرآني مباشرة، بمعزل عن رواية تراثية تفتح مغالقه وأسراره (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) . والراسخون بالعلم هم النبي وأصحابه. فيجب اعتماد الرواية في فهم آياته. وهذا الاتجاه لا يدرك أن النص الثاني يحجب النص الأول، ويغلق منافذ العلم والتأويل بسبب تاريخيته، وقبليات قائله. وهكذا بالنسبة للنص الثالث الفقيه / المفسّر.

إن كتب التفاسير، والتفسير الأثري للقرآن، آراء شخصية، وفهم بشري للنص، يحجب النص الأول، فينبغي عدم التركيز عليها، والتعامل معها بحذر، لعدم وجود قراءة بريئة، ولا تطابق تام بينهما، رغم وجود ما يدل عليه تضمّنا أو التزاما. لتأثر النص الثاني بخلفية المفسرّ، ثقافيا وعقيديا وفكريا، فمن يؤمن بالإمامة وخصوصية أئمة أهل البيت مثلا، ينحاز شعوريا أو لا شعوريا مع كل مصداق يحتمل انطباقه عليهم. كما يقدم فهما وتفسيرا للآيات يتماهى مع العقيدة الشيعية. وهكذا بالنسبة للمذاهب الأخرى. وهذه هي مشكلة النص أساسا، فلا عجب في تحذير الرسول من الكذب عليه في حياته . فاسناد الكلام له لا يختلف في قدسيته وسطوته عن قدسية وسطوة الآيات. وحينما يكذب عليه، فستؤسس الأحاديث الموضوعة لعقيدة جديدة، أو رؤية مغايره، وربما حتى مختلفة مع مضامين الكتاب الحكيم، إضافة للأهداف السياسية والقبلية التي تكون على حساب المضطهدين والمحرومين والمنبوذين، ممن لا ينتمون لغير قريش، مهما كانت كفاءتهم، بل قد تتقاطع مع مبادئ الدين ومقاصده وغاياته. جاء في رواية عن الإمام علي: (.. وقد كذب على رسول الله "ص" على عهده حتى قام خطيبا فقال: "أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار". ثم كذب عليه من بعده)؟ . فالكذب والوضع ليست مشكلة جديدة بل كذبوا على النبي وهو في حياته وبعد وفاته، حتى بات عدد الروايات الموضوعة يفوق التصور. وبالفعل لعبت الأحاديث دورا خطيرا في تطوير العقائد، خاصة لدى الشيعة، حيث امتد لديهم عصر النص حتى نهاية الغيبة الصغرى 329 هـ، فللإمام ما للرسول في العقيدة الشيعية، وأحاديثه ذات القيمة القدسية والمرجعية، فهي حجة عليهم كحجة آيات الكتاب وروايات النبي.

وعلى الضفة الأخرى كرست الروايات المنسوبة للنبي سلطة قريش على مدى قرون، وثبتت القريشية شرطا في تولي السلطة ، والخلافة. فالفقه السلطاني يشترط القرشية في شرعية الخلافة. لذا كل الدول التي قامت في ظل الدولة العباسية كالبويهيين والسلاجقة راعت هذا الشرط، وأبقت على منصب الخليفة شكليا ضمن شرط القرشية، لطمأنة المسلمين وعدم استفزازهم بحاكم من خارج ثقافتهم وعقيدتهم في السلطة والحكم.

يتبع في الحلقة التالية

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق7) من أسئلة د. ثائر عبد الكريم.

        

س72: د. ثائر عبد الكريم: تطرقت في حلقة سابقة في هذا الحوار الى حديث العشرة المبشرة بالجنة. وسؤالي: كيف عرف الرسول أن هناك عشرة أشخاص سوف يدخلون الجنة، علماً لا يوجد ذكر لأي اسم محدد في القرآن يؤكد دخولهم فيها؟.

ج: ماجد الغرباوي: السؤال عن حديث العشرة المبشرة بالجنة، سؤال عن أحاديث الفضائل بشكل عام، وفضائل الصحابة بشكل خاص. وهي نصوص نبوية، ذكر فيها النبي فضل بعض الأعمال، كقراءة القرآن. أو فضل قراءة هذه السورة أو تلك، وفضائل عدد من الأمكنة. كما أشاد ببعض صحابته، وأثنى عليهم بما يظهر فضلهم بالتقوى والإخلاص والتضحيات والعلم. وقد اتفقوا على جملة منها، ودب الاختلاف في عدد آخر. وروايات الفضائل ممكنة من حيث صدورها، فالنبي قائد، يهمه تماسك جماعة المسلمين، وتشجيعهم، ومكافأتهم بالمديح والثناء. وهو أب وقدوة وأسوة، في أعلى درجات القرب من الله تعالى، فثناؤه يعد جائزة كبرى، بل وتزكية، مهما كانت سعتها. غير أن هذا الباب من الروايات صار مرتعا للوضع والكذب على الله ورسوله، من أجل تزكية المتصدين للسلطة وشخصيات الخط الأول، من المتنفذين اجتماعيا وقبليا. وقد وظفت روايات الفضائل، ومنها حديث العشرة المبشرة بالجنة، لشرعنة أطراف النزاع على السلطة، في ظل عدم وجود أدلة صريحة تدعم أياً منهما، ولها يرجع الفضل في تزكية المتصدين للحكم. كما لعبت روايات المثالب ذات الدور بالاتجاه المعاكس، حينما وظفت لطعن الخصوم السياسيين، وسلب شرعيتهم. وشواهد هاتين المجموعتين من الروايات كثيرة ومنتشرة، في الثناء على هذا الطرف وذم ذاك أو بالعكس، وما زال الطائفيون من كلا الطرفين يتخاصمون حولها، ويلهجون بها ليل نهار.

وكأمثلة واضحة في تلك الحقبة، أن روايات فضائل قريش، وبني أمية راحت تغزو الثقافة الشعبية بفضل رواة باعوا دينهم بدنياهم، فنسبوا للرسول ما لم يقله، فكانت روايات الفضائل تزكي حتى الفاسق وتطعن بأتقى الناس. وقد أفرد علماء دراية الحديث بابا للوضع، أدرجوا فيه أسماء المتهمين بوضع الحديث، وهؤلاء، يمكن تشخصيهم وتحديد رواياتهم بسهولة، بعد تضعيفهم من قبل علماء الرجل والطعن برواياتهم، فهم مشخّصون ضمن الكذابين، لكن المشكلة عندما يتستر حديث موضوع بسند صحيح، وعن طريق رواة موثّقين، فكيف يمكن تكذيب أحاديثه، إذا كان سند الرواية صحيحا؟. خاصة أن جملة من الرجاليين يعتبرون كل صحابي ثقة بل وعدلا. وهذا تقييم خطأ، فلا يزكي الأنفس إلا الله، وكون الشخص صحابيا لا يمنع انحرافه، ونكوصه، وشهوته للحكم والسلطة، وحب المال والثروات، وبالفعل خلّف بعض الصحابة ثروات كبيرة. بل كيف للرسول أن يصدر حكما عاما والقرآن يحدثنا عن مجموعة منافقين لا يعلمهم حتى هو: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍۢ).

صحبة الرسول لا تمنح حصانة لأحد، ولا تحول دون اقترافه الذنب والخطأ، فضابطة "كل صحابي عدل، وثقة"، غير صحيحة، وقد أساء بعض الصحابة للصحبة بسلوكهم وتصرفاتهم، واستغلها آخرون لمصالح شخصية وسياسية. وما نقلته المصادر التاريخية عن تراشق الصحابة في سقيفة بني ساعدة لا تصدق أن هؤلاء كانوا يصاحبون نبياً يصفه القرآن: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ). وماذا عن صراع السلطة؟ وسلوكهم العنيف مع معارضيهم. فسلوك الصحابة بعد وفاة النبي لا يساعد على تعميم القاعدة، فليس كل صاحبي ثقة، عدل، كما يرى بعض الرجاليين. ويبقى سلوك الفرد شاهدا على عدالته ووثاقته.

وأما تزكية القرآن لبعض صحابة الرسول، فليست تزكية مطلقة، بل كل آية تقرأ ضمن سياقها التاريخي والنصي، وتحري دلالالتها بدقة، كي لا تستغل النصوص لتزكية من لا يستحقها. فمثلا قوله تعالى: (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا). ناظرة إلى مجموعة الأنصار الذين بايعوا النبي تحت الشجرة. وهي بقرينة "فعلم ما في قلوبهم"، بصدد تزكية نواياهم وموقفهم، لانتزاع الشك من قلب النبي وطمأنته حول مستقبلهم بعد أن أنزل السكينة عليهم واطمأنت قلوبهم. فالآية بصدد بيان الموقف الإلهي من هذه البيعة بالذات، ولم تقصدهم فردا فردا، وإن كانوا مشمولين بها فعلا. وبالتالي فالآية لم تمنحهم تزكية مطلقة وإلى الأبد، لأن مدار التزكية ورضا الله ورسوله على الاستقامة، فما دام الفرد مستقيما يضمن رضا الخالق. (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). ومن ينحرف سلوكيا، يتحمل وزر عمله، فالتزكية في هذه الآية لم تمنحهم حصانة ولا عصمة. ويبقى الإنسان هو واستقامته. لكن في حالات الشك بنوايا وسلوك أيا منهم فالأصل استقامته، وشموله بالآية الكريمة.

وأيضا بالنسبة لآية: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم)، فأيضا ليس فيها تزكية مطلقة، بل هناك شرط ضمني بموجب آيات أخرى، تضع عهدة كل عمل برقبة صاحبه: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ). فالآية شاملة لؤلاء الصحابة شريطة ثباتهم على الاستقامة. (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ). إضافة إلى نقطة مهمة، أن الآية لم تحدد مصاديقها، وتركتها عائمة، خاصة مع وجود ثلة ممن مردوا على النفاق، لا يعلمهم إلا الله كما في الآية المتقدمة. فالآية حتى مع صدقها وانطباقها على هذا الصحابي أو ذاك، فهي لا تمنح حصانة ذاتية له، ويبقى هو وسلوكه واستقامته. ولو ضبط أحدهم بجرم أو معصية لا يبرر خطأه بحجة شموله بالآية أعلاه، وإلا كيف تجرأ الصحابة على قتل عثمان وهو منهم؟. وماذا عن الحروب الداخلية بين المسلمين في عهد الإمام علي؟ وبأي ضابطة تحسم شرعيتها؟. وماذا سيكون دور الآية فيها؟.

ثم لا ملازمة بين الصحبة والعدالة، فليس كل صحابي عادل بالضرورة، ويبقى الإنسان رهن عمله واستقامته، لأن العدالة تعني الاستقامة. غير أن بعضهم حكم بعدالة جميع الصحابة، رغم اختلافهم في تحديد مفهومها، بين خصوصهم، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. وبين مطلق من لقي النبي. وفي الثاني اسراف يهدد مفهوم الصحبة، حينما يشمل من لقيه بعض الوقت، وهو بعدُ لم يفهم شيئا عن الدين وحقيقة النبوة. لكن رجال السلطة وسذاجة بعض رجال الدين وراء الاستسهال الذي أفضى قبول كل رواية تنتمي للصحابة بمفهومها الواسع. فحينما تنتهي الرواية الى صاحبي، مهما كان حتى ولو كان مجهول الحال، يحكمون بصحتها إذا انتهى طريقها وسندها إليه. وهذه كارثة تسببت بقبول كم هائل من الروايات. وربما كانت مقصودة لنسبة الروايات الموضوعة لهم، كي يكتفى بهم لاثبات صحة صدورها. وهذا خطر وتدليس وتزوير، فالمطلوب صحة صدورها من الرسول، بوسائط موثوقة، ولا يكفي كون الراوي الأخير صحابي بالمعنى الأعم، بل يتطلب الأمر، لخطورة الروايات، أن يكون بنفسه عدل أو موثوق، كي نطمأن لصدور الروايات الواردة عن طريقه.

ولو سلّمنا بوجود ملازمة بين الصحبة والعدلة، فليس كل عادل يعي ويضبط كل ما يسمع، خاصة حينما يكون النقل بالمعنى، فإنه سينقل لنا ما فهمه، وليس كلام النبي، كي نتدبر به مباشرة ونفهم قصده. العدالة هي الاستقامة وعدم الكذب، لكن شروط قبول الرواية أكثر من الاستقامة وعدم الكذب، كأن يكون حافظا، ضابطا، يعي ما ينقل ويقول، يميّز بين الأخبار والروايات.

إن تقديس الصحابة حد العصمة، ترك تداعيات خطيرة، جعلت منهم مرجعية فكرية وعقيدية وسلوكية، بل جعلت منهم سلطة، تحدد سلوك المسلمين. خاصة الحديث الذي يقول: "خير القرون قرني"، أو "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". الذي قتل روح النهضة، والمبادرة الحضارية. وقتل روح التنافس حينما اعتبر جيل الصحابة مثله الأعلى، والغاية القصوى التي يطمح لها الإنسان، ثم تأخذ الأجيال بالهبوط حضاريا. فانقلبت مهمة الفرد بسبب هذا الحديث من التطور حضاريا إلى تدارك الانحطاط الديني قياسا بجيل الصحابة. وهذا هو الوعي الارتدادي، العاجز عن مواجهة الواقع، والتأثير فيه. مشكلة الحضارة مشكلة فكرية – ثقافية قبل كل شيء، وما لم نَعد النظر بمرجعياتنا ووعينا، فلا نغادر بقعة التخلف، ونبقى نتفاخر بماضٍ جميل، لا يمكن استدعاؤه، أو تقليده، ونعيش حاضرا بائساً محطّماً.

وبالفعل تجد توثيقات الرجاليين تنظر بقدسية كبيرة للصحابي، حداً تجد معنى عدالة الصحابي عصمته، لذا جاء توثيق بعض الرواة بشكل مبالغ فيه لتمرير جملة نصوص موضوعة، وظّفت لخدمة السياسة. كما رويت مجموعة أخرى من الأحاديث الموضوعة بواسطة أسانيد صحيحة لا يمكن الشك فيها، لتمريرها والتمويه عليها. وهنا تظهر قدرة النقد الرجال والحديثي على تمييز الحديث الصحيح عن الموضوع، والكشف عن ملابسات السند والمضون بمنهج مقارن. لقد طمست الروايات الموضوعة حقائق تاريخية مهمة، كان ينبغي لها أن تلعب دورا إيجابيا في مسيرة المسلمين. بل وشوّهت الواقع، وزوّرت الوعي، وشرعنت سلوك الظالمين. فيبنبغي الحذر في التعامل مع روايات الفضائل والمثالب، فثمة ظلم عظيم استبطنته هذه الروايات، فبخست شخصيات مهمة، ورفعت أخرى وضيعة، وهذه هي خطورة النص الديني، وخطورة روايات الرسول التي ظهرت فجأة بعد وفاته، التي راحت تتضخم بمرور الزمان حتى ضجت الموسوعات الحديثة بها.

إن حديث العشرة المبشرة بالجنة، الذي هو مدار السؤال، لم يُذكر في صحيحي البخاري ومسلم، وهما عمدة كتب الحديث في المدرسة السنية. لكن رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة. وعدم روايته عند البخاري ومسلم، يعد مؤشرا سلبيا، يبرر التشكيك في صحة صدوره عن النبي. فالحديث غير متفق عليه عندهم، ولا يكفي للجزم بصحة صدوره مجرد روايته في مصادر ثانوية. كما أن الشيعة يرفضون الحديث ويطعنون بصحته. وعندما ندرس هذا الحديث، نجد فيه تزكية مطلقة لشخصيات مارست السلطة، أو كانت في الخط الأول منها، وفيه تكريس لقريش دون غيرهم، حيث 9 منهم ينتمون لها قبليا. فلماذا لم يشمل غيرهم من كفاءات الصاحبة؟. فالحديث متهم من هاتين الناحيتين كحد أدنى. فلا خصوصية لقريش (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ولا يمكن للنبي تزكية شخص يمارس السلطة المليئة بالأخطاء والمطبات، وتلاحقها شبهة الظلم والجور، مهما كان الحاكم عادلا. فالحديث يراد به عدم مساءلتهم، ومحاسبتهم على مواقفهم وسلوكهم. النص الديني سلطة وصياغة الحديث بهذا الشكل يقمع كل معارض ومعترض، ويضع حدا لكل من يلاحق سلوكهم وتصرفاتهم. لكنها قريش التي لعبت دورا سلبيا بعد وفاة الرسول، بشكل غير مباشر في زمن الخلفاء، ومباشر من خلال الدولة الأموية. فهذا الحديث من الأحاديث التي مارست سلطتها المقدسة لإعادة فهم الخلافة، وقيمها ومبادئها، وأسس لطبقية تقع على الضد من روح القرآن. وقد تجلت قوته في خصوص العصر الأموي، التي كانت شرعيتها رهنا في بعض أبعادها لهذا النمط من الأحاديث الموضوعة.

وما يؤيد ضعف هذا الحديث، أنك لا تجد له أصداء واضحة في عصر الخلفاء رغم قوته وسلطويته. فحديث بهذا العيار ينبغي التشبث به من قبل الأسماء المذكورة لتأكيد شرعيته وشرعية سلطته في الحكم، لكن أي واحد لم يحتج به خلال حكمه، فلم يذكره أحد يوم السقيفة، ولا بعدها، رغم وجود حاجة ملحة آنذاك لحسم الموقف السياسي. ولم يحتج به عثمان بن عفان عندما ثار المسلمون ضده. بل كيف يثورون ضد رجل من أهل الجنة ويُردونه قتيلا لو كان الحديث مشهورا بينهم؟ وبالتالي لا دليل على صدور هذا اللون من الأحاديث، التي تفوح منها رائحة السياسة، لردع الناس عن محاسبة السلطان، خاصة عندما استعاد المسلمون الأحداث التاريخية في ظل صراع مرير على السلطة، فغدا كل مذهب يتشبث بنصوص يؤكد فيها شرعيته وعدم شرعية خصمه، فمادام هؤلاء من أهل الجنة فلا يجوز محاسبتهم ومؤاخذتهم على مواقفهم. فكان يراد بها سلب الخصم السياسي والديني حجته، من خلال تزكيته، وشموله بحديث العشرة المبشرة بالجنة.

أما سؤالك، كيف عرف النبي أن هؤلاء من أهل الجنة، فتكون الإجابة على فرض صحة صدور رواية العشرة المبشرين بالجنة، أن للنبي موازينه في تقييم صحابته، لا يخرج فيها عن قيم الفضيلة التي أسس لها الكتاب الكريم، كقوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ)، (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ). وذكرت سابقا أن رهان النبي في روايات الفضائل على الاستقامة. وهي مصداق الفضيلة وانتفائها. فمن مات من الصحابة في حياة النبي وقد خصه بفضيلة تثبت له. ومن مات بعده يبقى رهن استقامته. والنفس أمارة بالسوء، خاصة مع مغريات السلطة، والثروات. فالنبي يتعامل في تقييمه مع ظواهر الأفراد. والشاهد على هذا الكلام الحديث الوارد في باب القضاء والمرافعات، حيث أكد أنه يعمل بالبينات ولا يعلم الغيب (لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء)، يتعامل ويقضي حسب الشواهد والأدلة: (إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة).

وذات الأمر بالنسبة للآيات الكريمة، فإن الله عزوجل لا يزكي أحدا تزكية مطلقة ما لم يستوف الفرد شروطها، كائن من كان. (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ). والآية تخاطب محمد بن عبد الله، آخر الأنبياء، وقد أثنت عليه عدة آيات، فكيف بغيره. والقرآن لم يذكر أحدا من الصحابة، ولم يزكي أحدا منهم بنص صريح يخصه، إلا من نزلت فيه آية، فيكون أحد مصاديقها وليست خاصة به. وأما الأحياء من الصحابة وغيرهم، فيبقى كل شخص مرهونا بعمله واستقامته، ولا يحق حتى للنبي التدخل في مصيره، فالجزاء بيد الله، والآية صريحة: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ).

وهنا أعيد ما ذكرته مسبقا حول سلطة قريش، وتزكيات النبي الكريم، نصها: إن تبني النبي لأي فرد تزكية مطلقة لمجمل سلوكه ومواقفه وآرائه. فتغدو جميع ممارساته وقراراته وأقواله مستقبلا وإلى الأبد، حجة على الآخرين، سواء كانت حقا أم باطلا، وهذا ظلم لا يفعله رسول الله ولا يتورط به، خاصة في مجال السياسة والقيادة الملأى بالأخطاء والأخطار. بل الرسول أخطأ في اتخاذ قرار عاتبته عليه الآية صراحة: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ)؟. محمد نبي مرسل من الله وأسوة وقدوة ومثالا، فكيف يتورط بتزكية قريش؟ وماذا عن تصرفاتهم وسلوكهم، حينما تكون انحرافا عن الدين؟ وكيف نبرر إنحرافات الأمويين؟ ومن يتحمل أخطاءهم السياسية؟. لهذا أشكك بصدور هذه الأحاديث عن النبي. وهو أرفع وأجل أن يتورط بتزكية قريش للخلافة مطلقا.

إن حديث العشرة المبشرة بالجنة، يكرّس سلطة قريش لا فقط يزكيهم، فمن المستحيل أن ينافسهم أي شخص على السلطة مهما كانت كفاءته وسابقته في الإسلام. لأن معنى "أن هذا الشخص من أهل الجنة"، صحة جميع تصرفاته وسلوكه ومواقفه. ومستحيل أن تصدر من الرسول تزكية لأي شخص يمارس السلطة. بل أن الرسول يحتمل في نفسه خطأ التقييم بعد نزول قوله تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍۢ). فالقرآن صريح يقول له لا تستطيع تقييمهم بدقة، فأنت لا تعلم منهم سوى الظاهر، ونحن نعلم بواطن الأمور وحقيقة الناس. وبالتالي فتقييم النبي لصحابته يدور مدار استقامتهم، وليس لروايات الفضائل إطلاق حينما تتعارض مع آيات أخرى صريحة وواضحه حول مسؤولية الإنسان عن عمله ومواقفه. والنبي ملزم بالاستقامة في مواقفه وسلوكه: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا). وأية محاباة بلا مبرر ديني أو أخلاقي يصدق أنه طغيان، قبيح.

لقد بات مستقبل نهضتنا يتوقف على تحطيم قدسية التراث الذي أسس لقيم الاستبداد والعبودية والتخلف والرضوخ للنص. وعمّق فينا روح الكراهية والحقد، وجعلنا أكثر التصاقا بالخرافة والطقوس ومختلف الأوهام العقائدية. وعشنا في ظله حياة البؤس والحرمان الحضاري، وما زلنا في جدل مرير حول شرعية سلطة الخلفاء منذ 14 قرناً. فنقد التراث بات واجباُ، لا خيارا نتهاون فيه. النهضة تبدأ حينما ينتهي التخلف، ويمارس العقل دوره في البحث والتحقيق.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق6) من أسئلة د. ثائر عبد الكريم.

 

تسويف واستغلال العمل الصالح

ماجد الغرباوي: تواصلا مع الحلقة السابقة (43)، حول: ضوابط العمل الصالح، كخطوة احترازية دون تسويفه، واستغلاله، والتخلص من خداع رجل الدين والقائمين على بعض المشاريع الدينية والإنسانية، نضيف:

- عدّ القرآن إقامة العدل والشهادة الصادقة عملا صالحا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ). وهي التفاتة جديرة، فالقسط والعدل قوام المجتمع الفاضل، بهما يستبد السلم الأهلي، وتستقر البلاد سياسيا. وهما مرآة الضمير، وميزان التقوى، وأول اختبار لها. "اعدلوا هو أقرب للتقوى". وحينما يكون الإنسان عادلا في أحكامه، صادقا في شهادته، يُكتب له عمل صالح، يترتب عليه ثواب مضاعف: مغفرة ورضوان. مما يؤكد أهمية العدل ودوره في تحقيق العدالة، ورفع الظلم. بالعدل تحيا الشعوب وتنمو قيم الفضيلة، والمودة والتراحم. و"العدل أساس الملك" والاستقرار والطمأنينة، فلا تستغرب التأكيد المبالغ عليه قرآنيا.

 العدل مثله مثل الصدق ليس صفة ذاتية للإنسان، فقد يكون الفرد عادلا أو لا يكون، لذا حذّرت الآية من استغلال المواقف، وعدم العدل في مواطن الضعف كالثأر، والمحاباة وغيرهما. فالترغيب في العدل ليس فقط لأهميته بل لتدارك ضعف الإنسان عندما يتصدى للقضاء أو الشهادة. فأي انحياز، قد يفضي إلى إباحة دم أحد الخصوم ظلما في موارد القصاص. أو يتسبب في عقوبته ماديا أو جسديا. فإقامة العدل والشهادة الصادقة ينطبق عليهما مفهوم العمل الصالح، لخطورة ما يترتب عليهما من حقوق ورفع الظلم. وهما تجلٍ حقيقي للتقوى، عندما تُزعزعُ النفسَ الأهواءُ وبواعثُ الشر والثأر والمحاباة والمغريات المادية والدنيوية، التي تبذل سرا بسخاء في موارد القضاء والشهادة. فلا ضمان لتحقق العدالة، ما لم تترسخ، وتصبح ملكة لا تغادر ضمير المتصدي للقضاء والشهادة. وهي حالة بشرية لا يتوقف وجودها على إيمان الشخص، بل هي نابعة من أعماق ضميره وفطرته وإنسانيته. ولا مانع أن يساهم الخوف من الله في تعميقها وترسيخها. بل ستكون العدالة أرسخ، حينما يشعر القاضي والشاهد ثمة من يراقب أداءه ويحصي عليه أنفاسه، ويحاسبه على تصرفاته، وأفعاله. فالحالة النفسية التي تبعث على العدالة، متعددة في جذورها الدينية والنفسية والإنسانية. وتبقى الإغراءات المادية، والمحاباة، والثأر أشد التحديات في القضاء العادل، وهنا يظهر دور التقوى والخوف الحقيقي من عاقبة الأمور في اليوم الآخر. فالضمير قد ينهار، والخوف من الله قد يتلاشى في حالة الضعف، فيحل التبرير محل الخشية منه. غير أن التقوى الحقيقية، لا تتزعزع أمام التحديات والإغراءات، لأنها خشية من الله بتدبر ومعرفة ويقين، وليست مجرد حالة طارئة، فيتزعزع خوفه من خالقه عند الشدائد والمغريات.فإقامة العدل مصداق واضح للعمل الصالح، ما دام يترتب عليه صلاح عظيم للفرد والمجتمع.

لقد عرّف سقراط العدالة، بأنها: "اعطاء كل ذي حق حقه". فيكون موضوعها أعم من الحقوق المادية والاعتبارية. غير أن الآية بقرينة صدق الشهادة، ناظرة لخصوص النزاعات القضائية، لحفظ حقوق الناس، وعدم ضياعها ظلما وعدوانا، والعدالة في غير القضاء مشمولة بآيات أخرى. ففي العدالة انتصار للحق والمظلوم فيترتب عليها صلاح اجتماعي ونفسي وأخلاقي، ويعم الأمن والسلام في المجتمع، فإقامة العدل عمل صالح بموجب الآية الكريمة، يستحق فاعله، وهو يقاوم جميع إغراءات الانحياز، ثوابا كبيرا.

قد يتبادر سؤال: إن إقامة العدالة تفترض وجود حقوق متنازع عليها. فمن يحدد تلك الحقوق عندما تلتبس المفاهيم، أو تكون موضع اختلاف عند الناس والقضاء؟. وهو سؤال مشروع، فتارة لا نجد مبدأ واضحا لتحديد ما هو حق وما هو باطل في القضايا المختلف عليها.

وهنا تارة يكون متعلق الدعوى حقوق شخصية، فتثبت بأدلة وبيّنات، ضمنها الشهادة الصادقة، لذا أكدت الآية على إقامتها باعتبارها بيّنة، تحسم النزاعات، ويتوقف عليها أحيانا استرداد الحقوق. وتارة تكون الحقوق مجعولة، كما بالنسبة للإرث وتقسيماته بين الورثة، وهي أحكام منصوص عليها قرآنيا، كما بالنسبة لآية: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)، وهي من الآيات التي أثارت جدلا واسعا، وما يزال. فهل العدالة في المساواة بين الذكر والأنثى، أم العدالة خصوص ما ذكرته الآية؟. وهنا يأتي دور الزمان والمكان في فهم الأحكام الشرعية. فالفقيه الذي لا يؤمن بأي دور للزمان والمكان في فهم الأحكام وحيثية تشريعها، ويجمد على حرفية النصوص، فالعدالة بالنسبة له، ما نصت عليه الآية الكريمة. وأما الآخر فيفهم التشريع وفقا لظرفه الزماني والمكاني. فوضع المرأة آنذاك قياسا لما قبل التشريع، يعد قفزة نوعية، عندما انتشلها الإسلام من كائن جسدي مسلوب الإرادة والحقوق، وشيء ضمن أشياء الرجل في ملكيتها وحقوقها، إلى إنسانة أناط بها مسؤوليات وواجبات، فهي قفزة حقيقية، لكنها أيضا تطورت وعيا وثقافة وفكرا وشعورا واستقلالا في مسؤولياتها وقراراتها بعد 15 قرنا. فالتشريع كان ناظرا لوضعها آنذاك، والإرث حقوق شخصية، وقد منعت منه قبل الإسلام، فتأخذ ما تستحق وفقا لحاجتها الفعلية وضروراتها الاجتماعية. فالمرأة مثلا غير ملزمة بنفقة العائلة، عكسا للرجل الذي يتحمل جميع نفقات العائلة والأولاد، فحاجتهما للمال واستحقاقهما للإرث يتناسب مع مسؤولياتهما. فيكون موضوع الحكم المرأة بوعيها، وقدراتها، ووضعها الاجتماعي والاقتصادية آنذاك. وهي اليوم، أي المرأة بوعي جديد، ودور اجتماعي مختلف، وتطور نفسي وأخلاقي آخر. فموضوع حكم الآية تغيّر كليا، فبقي الحكم بلا موضوع، باعتبار أن فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه. فهذا الفقيه لا يلغي الآية الكريمة، لكن يرى عدم فعلية موضوعها، فيتعامل مع المرأة باعتبارها موضوعا لحكم مختلف، فيرى العدالة في تساويهما في المورد خاصة، باعتبار وحدة مناط الحكم الشرعي.

من هنا نستنتج أن العدالة مفهوم نسبي، لا بلحاظ ذات مفهومها، فهو ثابت وواضح، ولكن بلحاظ موضوعها الذي تختلف حدوده باختلاف سلطة الجعل والتشريع، سواء كانت دينية أم اجتماعية. فالقصاص عدل بمنطق الشريعة الإسلامية، لكن بعض الدول والمجتمعات لا تراه عدلا، فالإنسان يخطئ، مهما كان حجم الخطأ، فلا يعاقب المجرم بخطأ مثله، ويكفي السجن المؤبد. بل حتى الشريعة تركت مجالا للعفو واستعاضة القصاص بالمال ودفع الدية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ). فالعدالة ليست في خصوص القصاص، وإقامة الحدود، بل في إحقاق الحق واستعادة الحقوق. والقصاص حق لولي الدم، يقتص به من الجاني، لكن يبقى للعفو مجال واسع في الحقوق، عندما يتقاضى وليّ الدم دية المقتول، بدلا عنه.  

والقصاص وفقا لآيات أخرى مطلق: (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا)، غير أن بعضهم فهم من الآية تمايز القصاص، فقال بعدم أخذ الحر بالعبد، ولا الرجل بالمرأة. فإذا قتل الحر عبدا أو امرأة فلا يقتص منه بهما، بناء على آية (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ). وهذا فهم مبتسر وخاطئ، فثمة آية أخرى محكمة وصريحة نفسّر بها هذه الآية،  تقول: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚفَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). فالنفس بالنفس، بعيدا عن أية خصوية يفترضها المنطق الطبقي والقبلي، وبعيدا عن تجاوز واسراف بالقتل. الآية كانت بصدد تثبيت أسس العدالة في الأحكام الجنائية. فهي ترفض منطق ما قبل القرآن، حيث لا يؤخذ الحر بالعبد. وإذا قتل عبدٌ حرا، يقتادون سيده، ويرفضون اقتياد العبد بالحر، ويصرون على اقتياد الحر بحر، فيقتصون بحر مثله، وهو اعتداء وتجاوز واسراف بالقتل محرم. وكذلك الحال بالنسبة للمرأة والرجل، فالرجل يقتاد بها (النفس بالنفس). وبالتالي لو قتل الحر عبدا، يُقتاد به، ويقتص منه (النفس بالنفس).

وبهذا يتضح سر شمول العمل الصالح لإقامة العدالة، والتأكيد عليها في القضاء وحسم المنازعات. فعلى العدالة يتوقف إحقاق الحق، وإنصاف المظلوم، وتأديب الظالم، وردع المعتدي، وكل هذا يؤثر في بناء مجتمع الفضيلة، ويمنع الظلم والعدوان، ويعالج مشاكل نفسية واجتماعية، قد تتفاقم، ويسود منطق الانتقام، فأكد عليه: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب). فإقامة العدالة وأداء الشهادة الصادقة عمل صالح، والظلم مهما كان مستواه، فهو ظلم وعدوان، يستحق العقاب، ولا تنفع معه كل الترقيعات والتبريرات.

المصاديق والتحذيرات

ينبغي التنبيه والحذر الشديد حول مصاديق العمل الصالح، التي ينفق عليها المحسنون عادة، وبعض الحقوق المالية الشرعية، فهي أمانة بأيدي المتصدين، تتعلق بها حقوق عامة، لا يمكن إسقاطها والتغاضي عنها، لأنها حق عام، ويتوقف عليها مشروع يصب في صالح المجموع، فينبغي الحذر من عدة أمور:

الأول: ثمة من استغل رحابة العمل الصالح، وسعة مفهومه، فقام بتكريس الأموال المخصصة للفقراء والمساكين وأعمال الخير لصالح مشاريعه الشخصية والمذهبية والطائفية، باعتبارها أحد مصاديق العمل الصالح، يجوز الإنفاق عليها، بل وربما الوجوب في نظره. وهي تارة تكون تبرعات عامة، ينفقها المحسنون. وأخرى حقوق شرعية، كالخمس عند من يقول بشموله لفائض مؤونة السنة، أي ما زاد على نفقات سنته. فالتلاعب يكون في سهم الله ورسوله، لأنها مطلقة: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ). إن إغراءات الحقوق الشرعية والأموال المخصصة للأعمال الصالحة تؤثّر سلبا على ميزانية التكافل الاجتماعي، حينما يستغلها القائمون عليها، وتُفشِلُ أعمال الخير، حينما يكرّسها رجل الدين لصالح مشاريعه. لا خشية على أموال الخير والحقوق الشرعية إلا من رجل دين يتعامل معها بمنطق الغنيمة وملكا شخصيا، فيستوفي منها جميع عناوينه، رغم أنه فرد واحد، كل ذلك على حساب الفقراء والمساكين وأعمال الخير.

الثاني: تسببت الثقافات الخاطئة في ارباك موازين العمل الصالح، فراحوا يقدمون أعمالا لا قيمة لها اجتماعيا، على حساب أعمال تقع في صميم العمل الصالح، حينما تساهم في حل مشكلة اجتماعية، أو تساعد على تطور الإنسان والمجتمع. العمل الصالح يستهدف المشاكل الحقيقية في المجتمع فيسعى لمعالجتها، ولا تصرف أموال الخير للترفيه والسعادة الفردية كي نختلف في مصاديقها، ومبادئ تصنيفها. فكثير من الأموال تصرف في نشاطات وطقوس تفتقر لغطاء شرعي، وليس لها مردود اجتماعي. غير أن الخطاب الديني، يمنحها قيمة دينية عبر روايات ونصوص موضوعة، فترقى بأعمال ساذجة مستوى يستهين الإنسان لأجلها بماله ووقته وطاقته. خاصة الطقوس التي يعنى بها رجال الدين لأهداف غالبا ما تكون طائفية. القرآن الكريم تصدى مبكرا لهذه الظاهرة الخطأ، حينما قالت الآية: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). وسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كناية في بعض أبعادها عن الطقوس، فتخصص لها الأموال على حساب الأعمال والمشاريع الحقيقية. فالآية تحذر من تزوير الوعي، وخداع القائمين على هذه المشاريع، خاصة رجال الدين عندما يوظفون النص الديني، وخداع الناس الأبرياء. فالعمل الصالح له موازينه، ولا يمكن أن يهبط لمستوى شعارات ومشاريع تمزق مشاعر الإنسان، وتصرف اهتمامه عن المشاريع الحقيقية، والمسؤوليات الكبرى تجاه نفسه ومجتمعه. فالله عزوجل لا يأمر بها، بل: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ). فالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، مثال للأعمال الصالحة التي ينبغي للإنسان الاهتمام بها والانفاق عليها، وعلى رأسها معالجة مشاكل الفرد والأسرة، ماديا وصحيا وتربويا وعلميا ونفسيا. خاصة الحاجة المادية حينما يعيش الشخص العوز والفقر، ويضج كل كيانه إلى الله، لذا لا تستغرب حينما يعتبر الله مد يد العون للمحتاجين، دينا عليه: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً). بل في الآية الكريمة تبني حقيقي لحاجات الناس، باعتبارها حقوق إنسانية، لا تخضع لأي مؤثرات أخرى.

العوز والفقر تهتز له أركان السماء، فالويل لمن يسرق أموال المحرومين لصالح مشاريعه الشخصية والفئوية. ما قيمة الدين والطقوس والشعارات مع خراب الفرد والمجتمع؟.  إن خراب النفس بسبب الفقر والحرمان يفضي للكفر والإلحاد وكراهية الناس والحقد عليهم، فيخسر المشروع الإلهي مصداقيته في بناء مجتمع الفضيلة ولو على المدى البعيد. فالدين جاء ليحتضن الإنسان، كي يعتمد على عقله في آخر المطاف، ويمارس دوره في بناء حضارته بنفسه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ). غير أن الفهم الخاطئ راح يؤسس مشاريع، قد لا تنتمي للدين أساسا، على حساب مشاريع لها علاقة بصميم الإنسان وحاجاته الأساسية. فمثلا تنشغل عدة مؤسسات على تحقيق كتب التراث، وينفق عليها من أموال المسلمين بسخاء. وهي كتب بائدة لا قيمة لها علميا، ولا يوجد من يهتم بها اهتماما حقيقيا، بل بعض الكتب التراثية وبال على المجتمع، لا همّ لها سوى الاطاحة بقيم التسامح بين أبناء الأمة الواحدة، وتكريس الحس الطائفي ومنطق الفرقة الناجية، وترسيخ روح العبودية والانقياد، فخلقت ثقافة ظلامية، تركت وما تزال تداعيات خطيرة على روح المودة والحب والتسامح، وصار الفرد يمشي ويتلفت للماضي والتاريخ والتراث، ولا مستقبل لأمة تمشي وتتلفت خلفها. والغريب لا أحد يعتني بهذه الكتب المكدّسة سوى ثلة ما زالت مرهونة في وعيها للتراث والتاريخ وكتب القدماء. ثلة تعتبر التراث مجدها، وعمقها التاريخي، ورصيدها الشرعية.

وأيضا تجد المشاريع الدينية، تنشغل ببناء المساجد والمآذن، بدلا من بناء الإنسان، والمجتمع. وتنفق على تذهيب قبب الرموز التاريخية أكثر مما تنفق على مؤسسات التعليم والبحث العلمي. في تذهيب القباب تشييد مجد وفي بناء الفرد تشييد حضارة. نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة تضع الإنسان في قمة أولوياتها، ثقافة تنبذ الفهم الخاطئ للدين، ومفهوم النجاة. هذا المفهوم الذي كبل حركة الإنسان وصار يتخبط لا هم له سوى الخلاص يوم الحساب، فراح يبحث عن أبسط الطرق وأسهلها لتعزيز رصيده من الحسنات، حتى استدرجه الخطاب الديني، لطقوس وممارسات ساذجة، فاستجاب لها تحت وطأة رهاب النجاة يوم الحساب، وهو لا يدري لا نجاة للإنسان إلا من خلال عمله في هذه الدنيا، وما النجاة سوى انعكاس لنجاة الإنسان من براثن الخرافة والجهل والأمية، من خلال سلوكه ومشاريعه الإنسانية. لا أحد يشفع له يوم القيامة سوى عمله، ونشاطه وإبداعه. هذا هو الرصيد الحقيقي للمرء، وقد أكدت جميع آيات العمل الصالح المقرون بالإيمان هذا، لتضع الإنسان أمام مسؤوليته وتكون حجة عليه يوم القيامة، بعد أن تُغلق عليه منافذ العذر، وهو ينتظر شفاعة من هنا، وتوسلا من هناك. الطقوس ليس عملا، والشفاعة والتقرب للصالحين ليس عملا، والطواف حول المراقد المقدسة ليس عملا. ولم يأمر الله بها سوى الطواف حول الكعبة كجزء من عبادة الحج.

الثالث، الحذر من تزوير الوعي الديني، وصرف الأموال المخصصة لمشاريع لخير لخدمة مشاريع سياسية، ترفع شعارات دينية وإسلامية، بدعوى أنها مقدمة لقيام دولة إسلامية، فيذهب بعض الفقهاء إلى جواز الانفاق عليها من أموال المسلمين، بعنوان مقدمة لقيام دولة الحق أو باعتبارها مقدمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهو انفاق باهض، فوضوي، فيه قدر كبير من الاسراف، لاكتساب المؤيدين، وارباك المعارض. وما هي سوى مشاريع حزبية، فئوية، يستغل قادتها السلطة لصالحهم، وصالح مشاريعهم الشخصية والحزبية والطائفية. ولا شك في حرمة هذا الانفاق مع تشخيص النتيجة، بل وحتى احتمالها احتمالا معقولا، في ظل الواقع والتجارب التاريخية.

الرابع: الأخطر، حصر الانفاق في سبيل الله بالجهاد في سبيله، وحصر الجهاد في سبيله بالحركات الاسلامية التكفيرية، المتطرّفة. كداعش والقاعدة وأخواتهما. حيث هدرت أموال طائلة لدعم ما يسمى بالمجاهدين، وإسقاط الحكومات الكافرة بزعمهم، والتمهيد لدولة الخلافة. غير أنهم سفكوا بهذه الأموال دماء بريئة، وأهلكوا الحرث والنسل، وشوهوا سمعة الدين، وعمقوا روح الكراهية والتنابذ، فجاءت نتائج أعمالهم على الضد من الأهداف المتواخاة من الإنفاق لصالح مشاريع الخير والصلاح. لكن للاسف تجد التبرعات تترى، وقد شاهدنا بعضها علنا وسرا. ولو أنهم أنفقوا جزءا منها لنشر الدعوة الإسلامية سلميا، واقاموا بهذه الثروات مشاريع إنسانية، لكسبوا ود الجميع، وأشاعوا روح المحبة والسلام، وعكسوا نظرة إيجابية عن الإسلام والمسلمين. ويكفيهم خزيا أن الله خذلهم، وبدد شملهم.

ينبغي إعادة النظر في مفهوم العمل الصالح، بعيدا عن تسويفات التراث ورجل الدين، ذلك الإنسان المتهم في أمانته قرآنيا، إلا المخلصين منهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ). ولا خصوصية للدين، ففي كل الأديان هناك متربصون بأموال الآخرين، يعيشون على أتعابهم وجهودهم. الفارق المذهل بين طبقات رجال الدين يكفي شاهدا على صدق الآية المباركة. فبعض رجال الدين يتقاضى من المال العام أضعافا مضاعفة حسب تعدد عناوينه، بينما الآخرون يتقاضون منه كأفراد، رغم حاجتهم الماسة له.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi4خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق5) من أسئلة د. ثائر عبد الكريم.        

س71: د. ثائر عبد الكريم: ماهو مقياس الأعمال الصالحة، المشمولة بآيات الثواب، كقوله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ البقرة)؟.

ج: ماجد الغرباوي: أولى القرآن العمل الصالح اهتماما خاصا، وعوّل عليه في نجاح مشروعه الإنساني والاجتماعي. واعتبره تجليا لصدق إيمان المرء، عندما أقرنه به: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات). وهو مقطع يتكرر في أكثر من خمسين آية. وأيضا يعد مصداقا لتوبة من تاب عن اقتراف المعاصي والسيئات: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا). وقد بالغ القرآن بوصف ثواب العمل الصالح، دليلا على أهميته ودوره في بناء مجتمع فاضل، تطمح له جميع الأديان، التي هي مشاريع إلهية بشرية، غير أن التوجهات الطائفية، ومنطق الفِرقَة الناجية اختزلتها، وبددت رحابتها. حتى صرف رجل الدين اهتمام الفرد عن مشاريع الخير، المكرّسة لخدمة الإنسان وحل مشكلاته، إلى مشاريع طقوسية، وممارسات طائفية. لقد سلخوا العمل الصالح من قيمته الاجتماعية، حينما غدت بعض الأعمال البسيطة والساذجة أكثر أهمية في نظر رجل الدين والتراث. وغدت الجنة بكامل نعيمها تتلهف لاستقبال من يقرأ مثلا سورة من الكتاب الحكيم، أو يصلي ركعتين في وقت ما ومكان ما. وحينما يطوف حول أضرحة الصالحين، فيعجز القلم عن وصف ثوابها. فلماذا يتعب الإنسان نفسه وينفق على الفقراء والمساكين، وأعمال الخير؟ وما قيمة ما يَعدُ به القرآن (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)، في مقابل ما تَعدُ به الروايات الموضوعة من نعيم عصي على الوصف؟. إنها كارثة الوعي حينما ينصاع العقل لخطاب تراثي، يستغل جهل الناس وطيبتهم. سُئل أحد الرواة: من أين لك مَن قرأ سورة ياسين فكأنما ختم القرآن وله من الثواب كذا وكذا؟ فقال: "رأيت الناس قد أعرضوا عن قراءة القرآن ... فوضعت ذلك حسبة"!!!. وكم راوٍ غيره وضع أحاديث وروايات حسبة لتقديس رموزه ونشر معتقداته. أو من أجل الطعن والتشكيك بغيره، أو تلميعا لصورة حاكم جائر، وظالم؟.

أغلب الناس اليوم يحركهم (الكذب المقدّس) والخرافات، وليست الحقيقة، والعقل!. من هنا بات ضروريا تحديد مفهوم العمل الصالح، كي لا يُستغل فاعل الخير والمعروف، ولا يستنزف وقته وماله في غير محله. ولا تذهب ثرواته عبثا أو في جيوب الدجالين والمشعوذين، وقد يجلب له عمله الويل في آخرته. فثمة تداعيات لبعض الأعمال التي تحسب عملا صالحا، وهي ليست كذلك، حينما تؤثر سلبا على وعي الناس، وتعمق فيهم روح الكراهية والطائفية، والانسلاخ عن قيم الدين الحقيقية لصالح ممارسات طقوسية، لا تستند لأي دليل معتبر سوى الهوس الطائفي، وسذاجة الوعي.

- يقصد بالعمل الصالح كل فعل إيجابي، يساهم في صلاح الفرد والمجتمع، بشكل مباشر أو غير مباشر. مادي أو معنوي. فيشمل مطلق أعمال البِر والإحسان التي تعالج مشاكل الإنسان وتعود عليه بالخير والسعادة، أو تساهم في تطوّر المجتمع، ورقي قيمه ومبادئه ومشاعره الإنسانية. وهو مجال واسع، لا حدود له. بما في ذلك دعم الجمعيات الخيرية والخدمية. وبناء المدارس والمستشفيات، ورعاية الأيتام، وإطعام الفقراء، وكفالة المعوزين والمعاقين، وتعضيد المؤسسات، التي تساهم في نشر قيم الفضيلة، وترسيخ الأخلاق الحميدة، وتكافح الجهل والأمية. بل حتى البحوث العلمية والمختبرية، ينطبق عليهامفهوم العمل الصالح، ما دامت تصب في خدمة البشرية. والقضية نسبية، فالتفاضل محكوم بظرفه، وضروراته. وإنما عددت بعض المصاديق تحاشيا لنسبية الصلاح، وهروبا من إشكاله الفلسفي. فقد يكون للصلاح معنى آخر ينتمي لثقافات أخرى. لكن الجميع يتفق حول ما ذكر من مصاديق.

- لا يستثني العمل الصالح المشاعر الإنسانية ومواساة الآخرين، والتعاطف مع محنهم من منطلق إنساني. فآيات الكتاب الآمرة بالبر والإحسان لم تشترط إسلام من يستحق التواصل معه إنسانيا لأي سبب كان. فيكفي مثلا انطباق صفة اليتيم والمسكين والفقير عليه، ليكون مشمولا بالعطاء (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ). (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ). على عكس ما تقرأه في فتاوى الفقهاء، الذين يشترطون إيمان الفرد في استحقاق الزكاة والصدقات. وتارة يقصدون بالإيمان خصوص أبناء طائفته ومذهبه، فيحرم الآخر من حق المقرر من قبل الله تعالى. الفقهاء أول من حطّم أواصر الأخوة الإنسانية والإيمانية بين المسلمين، تارة بدوافع طائفية وأخرى دينية، حينما يُفتون بعيداً عن القرآن وروحه الإنسانية. ويكفي الفقيه أن يؤمن بحديث الفرقة الناجية، ليفتي بحرمان الفقراء والمساكين من غير ملته ومذهبه من عطاء الخير وما فرضه الله على المسلمين لهم في أموالهم (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)، (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ). هكذا بسهولة مزقوا المسلمين وجعلوهم مذاهب وطرائق قددا. إن قوة المنهج القرآني في العطاء والعمل الصالح في إنسانيته، حينما جرد آيات البر من خصائص التمييز الديني والعنصري، وارتقى بفاعل الخير إلى مستوى التضحية الإيمانية المجردة عن المنّة والشعور الفوقي، فهو لا ينتظر حينما يتصدق أو يعطي، بل: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا).

- لا يقتصر العمل الصالح على الجانب المادي، والشعوري – النفسي، بل يشمل العبادات المنصوصة قرآنيا (باعتبارها قدرا متيقنا في وجوبها ورجحانها)، حينما تترك أثرا اجتماعيا، يتجلى في سلوك الفرد ومشاعره ومواقفه. أي يشملها مفهوم العمل الصالح عندما تخرج من حالة الأنانية والطقوسية الفردانية إلى مشاعر إنسانية عامة، تشارك الناس همومهم، وأزماتهم. وإلا تبقى مجرد حركات جسدية بلا جدوى، طقوسا خاوية، تختزل الدين في بعده الروحي، بعيدا عن الإنسان وحاجات المجتمع. فمثلا إقامة الصلاة واجبة، فيشملها العمل الصالح، ويثاب عليه المرء، عندما تعمّق فيه روح التقوى، حداً تحول دون إرتكاب الموبقات وإشاعة الفساد. (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ). فمصداقية الصلاة ليس في حركات المصلي، بل بأثرها السلوكي حينما تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتردع الإنسان عن فعل المنكرات والرذائل والفواحش، وكل ذنب. والردع شرط مضمر لقبول الصلاة. فالعبرة لا بكثرة الركوع والسجود، بل بالأثر المترتب عليهما اجتماعيا. حركات الصلاة لا تعد عملا صالحا، ما لم يترتب عليها أثر سلوكي أو نفسي. ويراد بالأثر النفسي، مستوى التقوى الناتج عن الصلاة، ومستوى التعلّق بالله، وتحمل المسؤولية بين يديه. وذات الأمر بالنسبة للصوم كعبادة، فما لم يزداد المرء تقوى بصومه، لا معنى لتحمّل مشقة الجوع والعطش، تقول الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). وللتقوى دور كبير في إصلاح سلوك الإنسان اجتماعيا، بل وحتى نفسيا. فيشمله العمل الصالح بهذا اللحاظ.

إن فلسفة العبادات تكمن في قدرتها على خلق روح التقوى، والرقابة الذاتية، وتحفيز الضمير. التقوى رهان الدين في بناء الفرد والمجتمع الصالح، عندما تلاحق الإنسان في خلواته، وهو يهمّ في ارتكاب المعاصي والموبقات والظلم، سيما ما يقع خارج سلطة الرقابة القانونية والاجتماعية. عندما يخطط لاغتيال أخيه الإنسان أو تسقيطه أو المكيدة له. أو الاطاحة بحيثيته، فليس كالتقوى والخوف من الله رادعا، خاصة حينما يمر الإنسان بأزمة نفسية، يخفق معها الضمير ولا يبقى سوى الخوف من الله والتقوى رداعا. فالعبادات يشملها العمل الصالح لأنها تبني الفرد أخلاقيا وإنسانيا، وترسّخ روح التقوى والعطاء. وبناء الفرد عمل عظيم، قد أخفقت الوسائل المعهودة في تحقيقه، لكن الدين قادر على خلق روح التقوى، فهو أكثر فاعلية من القيم الاجتماعية، وسلطة القانون بل وحتى الضمير. فليس كل إنسان يسعفه ضميره، أوقات الاختبار عندما يرتفع مستوى الإغراء المادي والمعنوي. وبهذا يمكنك معرفة حقيقة تقوى المتدين وصدق التزامه عباديا عند الاختبار، حينما يتولى مسؤوليات سياسية أو يؤتَمن على  أموال الناس والمواطنين. فالتقوى الحقيقية تردع الإنسان، وتمنعه من التحايل والكذب عندما يهمّ بسرقة أموال الآخرين.

- العمل الصالح ما يساهم في صلاح الإنسان، وينتشله من محنه، وهو جزء من استراتيجية الدين على المستوى الاجتماعي. وبه يحقق الإسلام غاياته الكبرى اجتماعيا، من خلال مبدأ التكافل الاجتماعي، الذي يتوقف أساسا على مدى اهتمام الناس به. ويتجلى التكافل الاجتماعي بالمؤسسات والجمعيات الخيرية. وبمبادرة أفراد المجتمع. ولا يخفى قيمة التكافل الاجتماعي حينما تخفق الدولة في تحقيق الضمان الاجتماعي والصحي لشعبها. فالاستقرار الاجتماعي للمجتمعات الراقية قائم على ضمان الدولة وتكافل أبناء الشعب. وكلاهما مفقود في الدول المتخلفة. أغرب ما في الأمر الموقف اللامسؤول للمجتمعات المسلمة من التكافل الاجتماعي، حينما تخفق حكوماتها عن القيام بواجبها تجاه الشعب، إلا أنها لا تفعل إلا نادرا، وتنفق على طقوسها وأوهامها الدينية أموالا طائلة، بل تارة يستنزف الإنفاق مدخراتهم على حساب وضعهم الشخصي.

- العمل الصالح، ما كان صالحا بذاته، حينما يحقق أثره خارجا، من أي إنسان صدر. أو العمل الذي يندفع له الفرد بفطرته السليمة. فصلاحه لا يتوقف على خطاب ديني أو أخلاقي أو اجتماعي، رغم أن لكل واحدة من هذه الخطابات قادرة على منح العمل أي عمل قيمة جديدة، سلبا أو إيجابا. فعندما تكسو عريانا، أو تسد رمق جائع، أو تنفّس عن مكروب، ستحل مشكلة إنسانية عميقة، وتعالج وضعا نفسيا وجسديا واجتماعيا معقدا، له تداعيات مستقبلية خطيرة. فالعمل الصالح صالح، ما دام يساهم في تسوية مشاكل الآخرين أو يساهم في بناء وتطوير المجتمع: (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا). فيصدق أنه عمل صالح حينما يصدر عن غير المسلم، ويستحق الثواب اللازم: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). فعملهم الصالح استحق الثواب والأجر كاملا، بعيدا عن تشظيات الفرز الديني والطائفي. هذا هو المبدأ القرآني في تعامله مع العمل الصالح، فهو مطلوب في ذاته ما دام صالحا. ولا خصوصية لأحد. غير أن بعض الفرق والمذاهب افترضت شروطا لقبول العمل الصالح، لا تنتمي لروح التسامح الديني، والمفهوم القرآني للعمل الصالح. تبغي بذلك احتكار النجاة يوم القيامة، واحتكار الحقيقة. القرآن يدفع باتجاه العمل الصالح، وهؤلاء يحرمون الناس من رحمة الله، حتى في عبادته، فلا رحمة لأحد ما لم تمر من خلال مذاهبهم ورموزهم. تلك الخطابات الطائفية المقيتة التي ارتكبت وما زالت أبشع صور التمزّق، لا رصيد لها سوى أهواء، وخرافات تختزل الدين في مذهب أو شخص دون الآخرين.

- العمل الصالح قيمة إنسانية، نابعة من فطرة الإنسان، وما الخطابات الدينية والأخلاقية سوى محفزات لدوافع الخير في أعماقه، وتنشيط روح المبادرة. فتتدارك تلك الخطابات كل نكوص، بالترغيب، والثواب، من هنا تلازم الإيمان بالعمل الصالح، كي يكون قاعدة تدفع باتجاه الخير، وتمتص براغماتية الروح المثبطة، من خلال طرح بديل أقوى. بالإيمان يمنح العمل الصالح معنى يفسر به فاعل الخير تضحياته، فهو ليس مبادرة عامة مطلقا، ويحتاج إلى قدر من التضحية، فالإنسان لا يفهم معنى لتضحياته، بالمنطق البراغماتي. يريد أن يعطي ليأخذ، ويدفع ليجني ويربح. بل أن بعضهم يستبعد كل أسباب التعاطف الإنساني. فيأتي الدين ليضفي معنى لتضحيات الفرد، مهما كان مستواها وقيمتها، يشجعه، يحثه، يفكك روح البخل والجفاء الإنساني. فيكون عمله على مستويين، الأول تفعيل الدافع الذاتي لعمل الخير من خلال تنشيط المشاعر الإنسانية. والثاني، التعهد بالأجر والثواب والفوز في الآخرة. فأنت تعطي في دار الدنيا، لتأخذ في الدار الآخرة. وهو منطق ديني، يتطلب إيمانا راسخا بالله وباليوم الآخر. فالإيمان يبعث الطمأنية في روح الفرد المؤمن. وهذا أحد أبعاد فلسفة اقتران الإيمان بالعمل الصالح. فعدم الإيمان لا يخرج العمل الإنساني الصالح عن كونه صالحا. لأن الصلاح ذاتي له. وليس مكتسبا، لا أقل في غير العبادات. وأما بها فلأنها أساسا ممارسة عبادية لله تعالى، فيجب أن تستوفي شروطها.

- دليل إنسانية العمل الصالح، شعور فاعله، بعد كل مبادرة وعمل خير، بالغبطة، والارتياح، وراحة الضمير، واشتباك مشاعر الفرح والأسى  تجاه أخيه الإنسان. (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وهذا ما يعبر عنه القرآن بالحياة الطيبة، ذلك الشعور الإنساني، بعيدا عن تأنيب الضمير وقلق البخل والتقتير. وهو وصف دقيق لمشاعر الضمير الإنساني بعد فعل الخير. وما الضمير سوى صوت الله في أعماق الإنسان، ونقاء فطرته وهي تعيش لحظة الصفاء. فمن خصائص العمل الصالح أثره التكويني، ينعكس مباشرة على فاعل الخير. وقد يخلق عنده شعورا إيجابيا يواصل به أعمال الخير مستقبلا. بالعمل الصالح يكتشف الإنسان حدود إنسانيته، فيجدها تتجلى لدى أخيه الإنسان، فيعيش حالة من الحبور.

- الروايات التي تحث على بعض أعمال الخير، لا تسلب العمل الصالح إطلاقه، ولا ينحصر العمل الصالح بها، فهي تذكر مصاديق خاضعة لظرفها الزماني والمكاني، كالحث على بناء المساجد. غير أن منهج الجمود على حرفية النصوص، كرّس العمل الصالح فيها دون غيرها من أعمال البر، التي اتسعت باتساع الحياة. فمثلا، تجد أغلب أهل الخير يطمح لبناء مسجد بناء على روايات تحث المؤمنين على بنائه. وهي روايات ليست مطلقة بل ناظرة لذلك الزمان، حينما كان المسجد مؤسسة كاملة، ومركزا حضاريا، تنطلق منه جميع نشاطات المؤمنين. فكان المسجد مكانا للعبادة، وإقامة الجمعة، والمناسبات الدينية. في داخله يجتمعون، يتعلمون، يتقاضون. هو منتداهم الاجتماعي والثقافي، وهو وجهتهم جميعا. لكن الأمر بات مختلفا، وما عاد المسجد سوى مكان للعبادة. فلا معنى تخصيص كل أموال الخير لبناء المساجد، وهي تكتظ في بعض الأماكن، بينما لا توجد في جواره مؤسسات تعليمية أو خدمية. مهمة العمل الصالح إصلاح شؤون الناس والمجتمع، وهذه المؤسسات باتت ضرورية، وحاجة ماسة في ظل تخلف مرير. من السهل على المؤمن أداء صلاته في بيته، لكن من الصعب أن تعلّم جيلا داخل مسجد. خاصة في بلاد الغرب حيث الجاليات المسلمة بأمس الحاجة لمؤسسات تعليمية وخدمية. وهكذا يجب على الناس تقدير حجم المنفعة المترتبة على عمل الخير. فبعض الممارسات الطقوسية تستهلك أموالا وثروات طائلة، بينما مردودها الإيماني والثقافي والنفسي من الضآلة لا يمكن مقارنته بأبسط نسب الإنفاق السنوي. فأيهما أكثر ثوابا، تبديد الثروات بممارسات طقسية يراد له تثبيت الهوية الطائفية على حساب رقي المجتمع ونهوضه الحضاري أم رفع مستوى الإنسان معيشيا وصحيا وتعليميا؟.

إن روايات فضائل الأعمال وزيارات الأضرحة وممارسات الطقوس، روايات موضوعة، لا يمكن التعويل عليها في ضمان ثواب العمل الصالح. فتبقى هي وإطلاقه ومدى صدقه عليها مفهوما، أو تبقى هدرا لجهود الناس وثرواتهم بلا طائل. إن واجب  كل رجل دين غيور، فضح الروايات الموضوعة، التي تمنح ثوابا بلا حدود على أعمال، فارغة. وترشيد وعي الناس. وتحذيرهم من مغالطات رجال الدين وخدعهم، فهم أبعد الناس عن عمل الخير، وقوتهم سحت حرام يقتات على جهود الطيبين، ويقولون ما لا يفعلون: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّـهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ). إن عمل الخير لا يحتاج من يدلك عليه، إنه واضح، بيّن، لكن يحجبه عنك تزوير الوعي، وروايات موضوعة، تخدعك بخطابها وأكاذيبها. وكم من مؤسسة خيرية ليست سوى فخ لاصطياد الطيبين والخيّرين، فينبغي الحذر في الأنفاق.

تأتي تكملة الحديث في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق4) من أسئلة د. ثائر عبد الكريم.

 

س70: د. ثائر عبد الكريم: المعروف أن الصحابة اجتمعوا وبايعوا الخليفة أبا بكر الصديق (رض) لأنه أكبرهم سناً وتركوا أو (عزلوا) الإمام عليا (ع) وبعض الصحابة مع جنازة الرسول (ص) قبل أن يُدفن. فلماذا لا نحتمل أن ما جرى بهذه السرعة كان بتفاهم بين الصحابة للحد من ارتداد العرب والمسلمين وخروجهم من الإسلام بعد أن سمعوا بوفاة الرسول، وأنه بشر يموت كغيره من البشر، ولا يستثنى من الموت باعباره رسولا؟. وهنالك آيات قرآنية تشير الى ارتداد المسلمين عن الإسلام في وقت الرسول وبعد مماته؟. ولدعم هذا الرأي أن أبا بكر الصديق خطب قال في أول خطبة له بالمسلمين: "أيها الناس من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمداً فإن محمد قد مات"؟. والشيء الآخر لم تقع معارك بين الخلفاء الراشدين، وكانت العلاقات بينهم جيدة جداً، ولبعضهم علاقات مصاهرة؟.

فلماذا تُفسّر الأحداث خارج هذا النطاق؟.

ج70: ماجد الغرباوي: ليت الأحداث مرت بهذا الوصف، وليتها لم تترك ندوبا مريرة في روح الأمة المسلمة. أغلب الصراعات الطائفية والمذهبية هي وليدة ذلك الخلاف التاريخي، الذي ترفض الشعوب المسلمة نسيانه، رغم تداعياته، وخطورة استيطانه في ذاكرة العقل الجمعي. إن تجاهل تلك الأحداث خطوة كبيرة على طريق النهضة، لقوة حضورها وتأثيرها السلبي على الأمن المجتمعي والتسامح الديني والثقافي والسياسي. وقد أشرت من قبل، إن إشكالية النهضة إشكالية ثقافية – فكرية، فيجب تفكيك مرجعياتها، ونقدها نقدا صارما من أجل معرفة الحقيقة، وتبديد سلطتها. أو يبقى التاريخ بكل حمولته سلطة توجه وعينا، وتعمق روح الكراهية والإنكفاء والتخلف. وهذا ما نعيشه فعلا. وينبغي مراجعة المناهج الدراسية بغية تنقيتها من ثقافة الكراهية والعنف، ومنطق التبرير، وتزوير الوعي، ومصارحة طلاب المدارس بالحقائق التاريخية لتنهار الخطوط الحمراء، ويمارس الطالب النقد بجرأة، يجتاز بها الجزر المغلقة ويشق طريقه نحو المستقبل بثقة كبيرة.

لا أحب التطرق لأحداث مؤلمة، شوهت معالم الدين. وعند الضرورة أقاربها نقديا لتتهاوى أسوار القداسة، ونتخلى عن سلطة التراث والسلف الصالح، فـ(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ). أمة خلت، أمة مضت، لها ظرفها وضروراتها وأسئلتها. ولنا حاجاتنا وأسئلتنا، فاستدعاء السلف الصالح، إنكفاء للماضي، ودوران في حطام التخلف. ينبغي لنا معالجة الواقع بحلول حقيقية، تساهم في تطورنا، وانتشالنا من ثقل الماضي وملابساته. لا يمكننا النهوض حضاريا ونحن نفرض أسيجة قدسية حول رموزنا التاريخية، ونخشى نقد سلوكهم وممارساتهم في السياسة والحكم.

لا يوجد تاريخيا ما يؤكد وجود تنسيق مسبق بين الصحابة، ولا يوجد توزيع أدوار، بل جرت أحداث السقيفة، ومبايعة أبي بكر دون علم الهاشميين وبعض الصحابة كعلي والزبير وعمار وسلمان. وكان الخبر مفاجئا لبني هاشم ومن لم يحضر اجتماع السقيفة من صحابة الرسول، فاستفز الجميع لحساسيته وخطورته، فما زال النبي مسجى، لم يدفن جثمانه. وما زال أهل البيت والمسلمون يعيشون أجواء الفقد والحزن والعزاء. بل لم يتوقع أحد أن تتم البيعة بسرعة وكأنها تستبق الأحداث، مستغلة انشغال الهاشميين وبعض الصحابة بجنازة النبي. لذا حصلت قطيعة بين علي وأصحابه من جهة، وأبي بكر وعمر من جهة ثانية، وهي ثابتة تاريخيا، فلم يبايع الإمام علي الخليفة الأول إلا بعد ستة أشهر، وبعد وفاة زوجته فاطمة بنت محمد، التي أكدت المصادر التاريخية أنها كانت غاضبة على بعض رجالات الصف الأول. فالقطيعة أدل دليل على عدم وجود تنسيق وتفاهم مسبق بين كبار الصحابة. بل حتى الأنصار تخلفوا عن أحداث البيعة، فجرت في أجواء خاصة، كما جاء عن عمر بن الخطاب، في الجزء (3) من تاريخ الطبري، إذ قال يصف أحداث ما قبل السقيفة: (إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقد كانت كذلك، غير أن الله وقى شرها ... أن عليا والزبير ومن معهم تخلفوا عنا في بيت فاطمة، وتخلفت عنا الأنصار بأسرها، قال: فأتيناهم، أي الأنصار، وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة).

المؤكد من خلال الأحداث التاريخية أن الصحابة تعاملوا مع موضوع الخلافة بآليات سياسية براغماتية، بعيدا عن أي مبدأ ديني، وأداروا دفة الصراع بطريقة لبقة مهّدت لمستقبلهم السياسي. واستخدم الخصوم السياسيون (مهاجرون وأنصار) كل الأدوات المتاحة آنذاك، من خداع وتهديد وعنف ومراوغة. وركن المهاجرون في احتجاجهم للمنطق القبلي، وهو منطق دنيوي، لا علاقة له بالدين، لسحب البساط من تحت أقدام الأنصار، الذين نادوا بالخلافة لعميدهم سعد بن عُبادة. وفي رواية انهم نادوا – أو بعضهم- بالخلافة لعلي بن أبي طالب، كما نقل ذلك الطبري في تاريخه، حيث قال: (فقال عمر "في السقيفة": أيكم تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي "ص"، فبايعه عمر، "أي بايع أبا بكر" وبايعه الناس. فقالت الأنصار، أو بعض الأنصار: لا نبايع إلا علياً!!!) .

هناك مجموعة أدلة تؤكد أن المنطق السياسي كان يسود مفاصل الصراع على السلطة بين الصحابة، بدءا بالمنطق القبلي وتشبث المهاجرين به لانتزاع البيعة من الأنصار. أو طبيعة العبارات التي كان يستخدمها بعض الصحابة خلال الجدل المحتدم في سقيفة بني ساعدة، لتزوير الوعي، واستفزاز الصحابة البسطاء من الأنصار، فمثلا، كان عمر بن الخطاب يقول: "أيكم تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي"!! ويقصد أبا بكر. أو يقول: "لا أعصي أمر خليفة رسول الله في يوم واحد مرتين"!!!. وأبو بكر بعدُ لم يُنتخب كي يوصف بأنه خليفة رسول الله. لكنه أسلوب نفسي غير مباشر، يوحي بحسمها له. وبالفعل أثّر كلامه، وبايع الحاضرون أبا بكر. فكانت أحداث السقيفة لعبة سياسية لانتزاع السلطة.

كما استخدم عمر بن الخطاب أيضا العنف مع أهل بيت النبي لانتزاع البيعة لأبي بكر. يقول الطبري: (أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير، ورجال من المهاجرين، فقال: والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن الى البيعة!!. فخرج عليه الزبير مُصلتا بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه). فأين التفاهم والتنسيق؟ بل ساد الأجواء توتر كبير، ومشاحنات، وبغضاء.

لا يمكن التأكد من صحة الروايات التاريخية، ولا يوجد ما ينفيها، وقد شغلت المسلمين 14 قرنا، كلفتهم جهودا باهظة، سفكت دماءهم، وهتكت أعراضهم، واستباحت حرماتهم. فمن حقنا دراسة الأحداث، وقراءتها نقديا، لمعرفة حقيقتها، ونزع فتيل الحقد والكراهية وروح الثأر، وفك الارتباط مع الماضي، كي يفيق المسلم لحاضره، ويفكر بمستقبله.

كانت آليات الصراع على السلطة تختلف وفقا لمصالحهم البراغماتية، فالمعروف تاريخيا أن أبا بكر أوصى لعمر بن الخطاب من بعده دون استشارة أحد من الصحابة. وقد قبلها الأخير رغم تحذيره من تكرار بيعة أبي بكر، حينما قال: "لا تعودوا لمثلها". ووصفها بأنها "فلتة وقى الله المسلمين شرها". وكانت مؤاخذته الأساسية على بيعة أبي بكر أنها بيعة متسرّعة، استغل فيها أبو بكر وعمر الأحداث فسارع الأخير لمبايعة أبي بكر ومن ثم بايعه الناس. وكان الأمر يتطلب استشارات مستفيضة لاختيار الأفضل بين الصحابة، والأكفأ منهم، لتفادي أي انشقاق بين أصحاب النبي الكريم، فما جرى بين عمر والأنصار في سقيفة بني ساعدة لا يليق بمقام الصحبة، ويندى له جبين التأريخ، والرسول ما زال مسجّى، لم يُدفن، وأهل بيته منشغلون بتجهيزه. وكادت أن تقع مذبحة عظيمة في سقيفة بني ساعدة. يقول الخبر كما في الطبري: (قال عبد الله بن عبد الرحمن: فأقبل الناس من كل جانب يُبايعون أبا بكر، وكادوا يطؤون سعد بن عُبادة، فقال ناس من أصحاب سعد: اتقوا سعدا لا تطؤوه، فقال عمر: "اقتلوه قتله الله". ثم قام على رأسه، فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تند عضدك، فأخذ سعد بلحية عمر، فقال: والله لو حصصت منه شعره ما رجعت وفي فيك واضحة .. أما والله لو أن بي قوة ما، أقوى على النهوض، لسمعت مني في أقطارها وسككها زئيرا يجحرك وأصحابك، أما والله إذاً لألحقتك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع ...).

والغريب في تشبث عمر بن الخطاب بالعنف، فتارة يطالب بقتل سعد بن عُبادة، وأخرى يهدد بحرق بيت علي إن لم يبايع أبا بكر. وفي الشورى التي عينها لاختيار الخليفة الثالث أوصى بقتل من يعترض!!. ولا أفهم بأي مبرر ديني يشرّع لقتل معارضيه؟. الاعتراض حق مكفول للجميع، وليس معقولا أن يجتمع الناس جميعا على شخص واحد، فلماذا يُقتل المعارض مهما كانت صفته؟. إن قيم الدين الحنيف لا تسمح ولا تبيح قتل أي إنسان لمجرد معارضته لهذا الشخص أو ذاك.

عندما نجرد تاريخ الحقبة الأولى من قدسيتها، سنكتشف جذور العنف، أسبابه وشرعيته. فالصحابة أول من أسس له، وفق مصالح سياسية، تلبّست بأهداف دينية. وأول من وظّف الدين لصالح السياسة. وأول من أقصى المعارضة، وأول من خاض حروبا داخلية على السلطة.

من حق عمر بن الخطاب التنافس على السلطة، ومن حقه التشبث بكل الوسائل السلمية والأخلاقية، لكن ليس من حقه الركون لمنطق العنف والقتل، حتى صار سلوكه سيرة يتشبث بها الإرهابيون من الإسلاميين المتطرفين، فجلبت للمسلمين ويلات عظيمة في هذا الزمان.

وعندما تقرأ الأحداث بروية ستلاحظ بوضوح هاجس عمر بن الخطاب وحساسيته المفرطة من علي بن أبي طالب وموقفه من الخلافة، وهذا الموقف السلبي يبعث على التأمل في الأسباب الكامنة وراءه. فعمر تمكن من انتزاع الخلافة من أيدي الأنصار، لكنه فشل في تطويع أهل بيت النبي، حتى كاد يحرق عليهم بيوتهم.

وبالتالي، لا تنسيق ولا تفاهم بين الصحابة، قبل مبايعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، بل كانت بيعة متسرعة، وصفها عمر بأنها فلتة وقى الله شرها. فعلي وأهل بيته ثقل اجتماعي وديني كبير، وتجاوزهما يعني الكثير، حتى أن أبا سفيان كان يحرّض ضد البيعة، وتعهد لعلي أكثر من مرة: "أنه سيملؤها خيلا ورجالا". لكن علياً رفض منطقه القبلي. فاحتمال التنسيق والتفاهم المسبق لا يوجد ما يؤكده، بل كشفت الأحداث عن تنافس محموم لحسم السلطة لهذا الطرف أو ذاك.

وأما الاحتمال الثاني، بأن الهدف وراء حسم النزاع على السلطة بهذه السرعة، ومبايعة أبي بكر خوفا من ارتداد الناس، خاصة من كان يعتقد أن النبي حي لا يموت، فأيضا مستبعد، فالمدينة ومن حولها استقرت بعد فتح مكة، واستتب الأمن والاطمئنان بأهلها، وهذا ما يؤكد موقف الرسول قبيل وفاته، حينما أمر بتجهيز جيش أسامة، ولم يتخذ أي إجراء يؤكد قلقه على المدينة وما حولها. وحروب ما يسمى بالردة حدثت بعد بيعة أبي بكر، عندما امتنعت بعض القبائل عن دفع الزكاة، وقررت جمعها وتوزيعها على فقرائها. لكن الخليفة الأول اعتبر موقفهم خروجا على الشرعية، وحربا على الله ورسوله وخليفته، فجهز الجيوش واجتاح مسلمين، كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويقيمون الصلاة، لكنهم رفضوا دفع الزكاة، ربما اعتراضا على خلافة الأول، وليس تمردا على الإسلام وشريعته، لذا عاقب عمر بن الخطاب خالد بن وليد في خلافته، وحاسبه على مواقفه وتصرفاته معهم. بل وقيل إن عليا أشاح بوجهه عنها. فلم تتوفر قناعة تامة لدى بعض الصحابة عندما شن أبو بكر حربا شعواء ضدهم. فكان بإمكانه التفاهم معهم حول موضوع الزكاة، وجبايتها بطريقة سلمية. ثم بأي دليل اعتبروا عدم دفع الزكاة إنكارا لضرورة من ضرورات الدين؟ ومن أين جاءوا بأن ناكر الضرورة مرتد يجب قتله؟ المتخلف عن دفع الزكاة يجبر عليها، بالتأديب أو الحبس أو الغرامة، أو أخذها بالقوة أو أي عقوبة دون القتل. ثم أن عقوبة المرتد في القرآن أخروية وليست دنيوية بصريح الآيات الكريمة. والمسلم من شهد الشهادتين، فيصان بهما دمه وعرضه وماله، فبأي دليل تستباح الدماء الزكية لمجرد عدم دفع الزكاة؟ يكفي في إدانة حروب الردة عدم وجود دليل قرآني على وجوب قتل المرتد. بل وعدم وجود سنّة معتبرة في المقام.

فهذا الاحتمال كالأول في عدم ثبوته كمبرر للتعجيل بأمر الخلافة، وكان بإمكان الجميع التأني، حتى يجتمع الصحابة، وتبدأ المفاوضات والتسويات، بشكل سلمي. لكن ما حدث ترك تداعيات خطيرة مزقت الأمة المسلمة، وعمقت روح الكراهية. وما زال الحدث يفرض نفسه بقوة. ولو كان ثمة تنسيق بينهم لما حصل كل هذا.

وأما ما قاله أبو بكر خطيبا بعد وفاة رسول الله: "أيها الناس من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمداً فإن محمد قد مات"؟. أيضا لا يكشف عن تخوفه من الارتداد، بل جاء الخطاب احترازيا فربما هناك من يعتقد أن محمدا لا يموت، أو في أعماقه كان يعبده ولا يعبد الله، وهذا مستبعد في حق الصحابة، غير أن موقف عمر بن الخطاب عندما سمع بخبر وفاة الرسول ربما أثار حفيظته فتكلم بهذا الكلام محذرا إياه. حيث قال عمر عندما بلغه وفاة الرسول: أنه مستحيل، وأن الرسول لا يموت، وأنه سيغيب ويعود ثانية. وعندما دخل هو وأبو بكر لوداع الرسول، قال:

(... "إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله تُوُفِّي، إن رسول الله ما مات، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات".

ثم لما غطى أبو بكر وجه رسول الله وخرج للناس، فوجد عمر بن الخطاب رضي الله عنهما لا يصدق ما يحدث. ثم قال ابو بكر لعمر بن الخطاب انصت يا عمر واجلس. ثم حمد الله واثنى عليه وقال يا معشر المسلمين من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت). فالقضية برمتها لا علاقة لها بهاجس الردة. ومجرد قضية نفسية، أو تعلقا بالنبي أو أي سبب آخر ما عدا قضية الارتداد.

التقديس تنازل طوعي عن العقل، فينبغي الكف عن أسطرة الرموز التاريخية، وقراءة الأحداث بتجرد وموضوعية، بعيدا عن أوهام السذاجة الدينية، فالصحابة كغيرهم من البشر، يطمحون بالحكم ويتعاملون مع الحياة بمنطق براغماتي. وفي نقدهم تفكيك لمنظومة قيم ظلت تفرض علينا سلطتها، وتوجه وعينا، بشكل عمّقت روح التخلف، والاستبداد، والجهل.

السلطة مغرية، وقريش مسكونة بها، ومن يطمح لها يجد ما يبرر سعيه، تحت أية ذريعة، دينية وغير دينية. فيعتبر مثلا سعيه للسلطة والحكم واجبا شرعيا. أو أن الخلافة متعينة به، ويجب عليه التصدى لها. ومثاله الإسلاميون الذين تصدوا للحكم بهذه النوايا فكانت بئس التجربة، ومازالوا أبطال الفساد قبل غيرهم. فشرط السلطة الكفاءة والشعور بالمسؤولية والتحلي بالصدق والإخلاص والأمانة، وسواء كان المسؤول متدينا أم لا.

تبقى نقطة أخيرة في السؤال، حول علاقة الخلفاء والصحابة فيما  بينهم، حيث لم يحدث ما يعرقل الود والاحترام ومسار الخلافة الإسلامية. وهذا صحيح فلم تقع أحداث في زمن الخليفة الثاني، وكان لسياسته وأسلوبه دور في ذلك. فعمر هو الذي أدار لعبة السقيفة، وقد نصّبه أبو بكر للخلافة دون الرجوع للصاحبة، وكأن الأمر مخطط له مسبقا، وهو الأقدر على التحكم بالواقع السياسي وضبطه ولو بالقوة والعنف. وهو الذي وضع سيناريو اختيار الخليفة الثالث، وفق حسابات دقيقة. ثم بدأت مرحلة جديدة في عهد عثمان بن عفان، لتنتهي الخلافة الراشدة باقتتال المسلمين على السلطة  في عصر الإمام علي. ففترة السلم المجتمعي قصيرة انتهت بأحداث المدينة، وعمدته عصر الخليفة الثاني.

ثمة تيار راح بعد أحداث السقيفة ينمو ويطوّر نفسه في الظل .. تيار له سابقته في الإسلام، ونصرة الدين الحنيف، وهم أصحاب الإمام علي ممن تحفّظواعلى خلافة أبي بكر، ولهم رؤيتهم في السياسة والحكم، ويرون شرعية الخلافة في علي دون غيره، فهو الأكفأ، والأقرب لرسول الله، والأكثر فضيلة بين الصحابة، مع كثرة ما ورد من روايات فضائله. فعلي في نظرهم هو العدل، ولا عدالة إلا مع علي، وعلي النموذج الرسالي، الذي أعده الرسول لقيادة الأمة. وجل هؤلاء من الطبقات المستضعفه، ولها موقف من الملأ ومن قريش التي ناصبت رسول الله العداء. فعلي في نظرهم إمام الفقراء والمحرومين، والكفء المعوّل عليه في تطبيق الإسلام.

وقد ظهر هذا التيار علنا عند انعقاد الشورى المخولة بتعيين الخليفة الثالث، فكان عمار والمقداد يصدحان في المسجد باسم علي، يعددان فضائله، ويذكران كفاءته. ويحثان على انتخابه، لصالح الإسلام والمسلمين، وقد حدثت مواجهات بينهم وبين رجال من ملأ قريش، لا يعرفون سوى العنصرية ميزانا للتفاضل، فيعيبون عليهما نسبهما. وكانت مواقفهم أكثر صلابة في عصر عثمان عندما تصدوا لسياسته، بدءا من أبي ذر الغفاري، الذي رفع عقيرته بوجه الاسراف والفساد، فكان مصيره الربذة حتى مات، ثم توالت الأحدث التي قادها ساخطون على سياسة عثمان. إلا أن بعض الكتاب اتهم عليا بالتحريض على الثورة. وكيف يكون محرضا، وقد بعث ولديه للدفاع عن عثمان، وكادا أن يقتلا. لكن تمرّد الثوّار ضد قيم القبيلة كان قويا. وكانوا يطالبون بعودة العدالة، حيث لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

وبالتالي لم يكن هناك صفاء مثالي، كما يعتقد البعض، بل كان هناك نقد، وترصد لسلوك الخلفاء، ومتابعة لسياستهم. وهناك تمرد خفي. 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة د. ثائر عبد الكريم.

 

س69: د. ثائر عبد الكريم: هل كان الرسول (ص) يخطب في المسلمين؟ فأين خطبه؟ ولماذا لا أجد من يتكلم حولها؟. ولماذا لم تدّون في حينها؟. ولماذا هذا الصمت من الإسلاميين؟. أليس أمرا مهما أن تكون خطب الرسول مرجعا للمسلمين جميعاً؟.

ج69: ماجد الغرباوي: لا شك أن الرسول كان يخطب بالمسلمين حول مختلف الشؤون الدينية والاجتماعية والسياسية. فهو قائد ميداني واجتماعي إضافة لكونه نبيا مرسلا بشيرا ونذيرا للعالمين، والخطابة إحدى أدوات القيادة في البيان والتبليغ والحث والتحذير والتعبئة ورص الصفوف والتحريض على القتال. فالخطابة ملازمة للقيادة دائما، وما من قائد إلا وحفظ لنا التاريخ خطبه أو بعضها. غير أن المدونات الحديثية والكتب التاريخية لم تحفظ لنا من خطب النبي إلا القليل، كخطبته قبل شهر رمضان، وخطبته في حجة الوداع، وخطب متفرقة، لا تتناسب مع حجم نشاطه، وهي مبثوثة في المصادر الحديثية والتاريخية.

والأكثر غرابة إختفاء خطب الجمعة، والمعروف أن الخطبتين إحدى شروط صلاة الجمعة، وقد صلى النبي في المدينة عشر سنوات، فينبغي أن يحفظ لنا التاريخ بما لا يقل عن 500 خطبة. لكن للأسف لم تضبط لنا المدونات الحديثية والتاريخية خطب يوم الجمعة إلا عددا محدودا جدا، أحدها الخطبة الأولى بعد وصوله إلى المدينة المنورة. فتحولت خطب الرسول يوم الجمعة إلى مشكلة تراثية. ولم تستطع الكتب المخصصة تقديم أجوبة مقنعة. فظل السؤال محيرا. فأين اختفى العدد الكبير من خطب صلاة الجمعة؟ وأين ذهبت خطب المناسبات، كالأعياد والحروب، واللقاءات العامة؟. وهل ما روي منها هو كل ما خطبه الرسول على أصحابه لعشر سنوات؟ أم ليست له خطب أساسا سوى ما روي من أحاديثه وأقواله القصيرة؟.

إن القيمة التوثيقية والمعرفية للخطب النبوية تبرر قلق الباحثين حولها. فهي أكبر وأقوى من القيمة التوثيقية لباقي أحاديثه، رغم كثرتها. وقد تصل درجة اليقين حينما تتوفر على شرط تواترها. فتكون حجة لحجية التواتر ذاتيا، على العكس من أخبار الآحاد التي تحتاج إلى جعل وقرائن دالة على حجيتها.

 ويقصد بالتواتر أن يروي الحديث في كل طبقة عدد كبير من الرواة يتعذر تواطؤهم على الكذب. كتواتر نبوة الرسول، ونزول القرآن. فشرط الكثرة الموجبة للتواتر متوفرة في خطب الجمعة، سواء كان التواتر لفظيا أو معنويا. فقد يتعذر حفظ تمام الخطبة لطولها فيتعذر التواتر اللفظي، لكن من السهل جدا نقل مضامين الخطبة فيكون التواتر معنويا، تقوى قيمته طرديا مع عدد المستمعين ونوعية الحضور من حيث قدرتهم على الحفظ، ووعيهم لمضامين الخطبة. والتواتر قليل في الأحاديث النبوية، ولم يثبت بكامل شروطه إلا نادرا جدا. وهو أعلى درجات الإسناد، لا يشوبه شك وريبة من جهة إسناده بل وحتى مضامينه، بل يفيد العلم واليقين بصدور الكلام. فلو احتفظ لنا التاريخ بها لكانت ثروة حديثية ومعرفية، تبدد كثيرا من الشكوك التي تدور حول طيف كبير من الروايات والأحاديث النبوية الشريفة.

لا يمكن الجزم بصدور أية رواية أو حديث عن النبي ما لم نضمن سلامة وصحة واتصال السند أو الطريق المؤدي إليهما. فاشترط علماء الدراية والحديث شروطا صعبة للجزم بصحة صدورهما. فهناك من يشترط عدالة جميع رواة سند الحديث. وبعض اكتفى بالتوثيق. ويقصد بالتوثيق صدق الراوي ومعرفته بالأحاديث، فيتجنب رواية الأحاديث الموضوعة. ولأجل ذلك ألّفوا كتبا وموسوعات خاصة بدراسة تاريخ الرواة، وعقائدهم، واتجاهاتهم، ومستوى عدالتهم أو وثاقتهم. وهذه هي قيمة الأحاديث المتواترة، فكثرة رواتها في كل طبقة من طبقات رجال الحديث يمنحها وثوقا وقوة، تتضاءل معها احتمالات الكذب. فالأحاديث المتواترة لا تعاني ما تعانيه أحاديث الآحاد في أسانيدها. من هنا احتفظ المتواتر بقيمة توثيقية أعلى.

فروايات خطب صلاة الجمعة لو ثبتت تاريخيا، تُعد روايات متواترة، خاصة الطبقة الأولى، وهم الصحابة الذين حضروها، وعددهم كبير عادة، فالغالبية العظمى تقطن المدينة المنورة، ولا شك في حضورهم إلا من عُذر، لصراحة الآية في وجوب صلاة الجمعة، وحضور الخطبتين جزء منها كما هو المفروض (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ). ثم يتصاعد عدد رواة خطب الجمعة، في الطبقة التالية، عندما يروي كل صحابي لغيره من التابعين أو من يلتقيهم خارج المدينة. فشروط التواتر تامة في أغلبها. من هنا يعد فقدانها خسارة توثيقية. بل ويسري الشك في أصل وجود خطبة الجمعة، وإلا كيف خلت المدونات الحديثية والتاريخية من هذا العدد الكبير من خطب الرسول في صلوات يوم الجمعة؟. ولا يمكن تفسير اختفائها بالمؤامرة، لأن عددها كبير، ورواتها أكبر مع تكررها في كل أسبوع، وليس جميعها يشكل خطرا على أصحاب المشاريع السياسية. من هنا استبعد وجود مؤامرة لاقصاء تدوينها. ويبقى احتمال أخير، هو اعراض أصحاب المدونات عن تدوينها. وهذا تبرير ضعيف حيث دونت الكتب التاريخية جميع حركاته وسكناته وأقواله. فلماذا يتوقفون في تدوين خطب يوم الجمعة؟ فلا بد من وجود سبب آخر.

هذا بالنسبة للقيمة التوثيقية لخطب الرسول الكريم أيام الجمعات، فهي أحاديث متواترة، حجتها ذاتية، تفيد العلم واليقين، فكان فقدها خسارة كبيرة قياسا بعدد روايات الآحاد التي لا تفيد العلم واليقين، ولا تكون حجة بذاتها، وتحتاج إلى جعل شرعي ودليل خارجي وقرائن دالة عليها، وحتى مع توفر القرائن الدالة على صحتها، لكن غالبا ما يكون الراوي واحدا، فنحتمل فيه الخطأ والنسيان، بل وحتى الكذب والتحريف، فكيف نعالج هذا الخلل؟.  بينما خطب يوم الجمعة عامة، يسمعها الجميع، ويشهد لها كافة المصلين، ومن يخطئ في نقل مضمونها فثمة عدد كبير يصحح خطأه. فالتشكيك بالخبر المتواتر نادر، عكس خبر الآحاد، خاصة عندما يكون موضوعه خطيرا، يهم مستقبل المسلمين أو شأنا من شؤونهم. ولعل أبرز حادث تاريخي يجسد هذا المعنى، رواية أبي بكر يوم السقيفة عن الرسول قال: "الخلافة في قريش"، ولم يرو الحديث أحد سواه، فقلب موازين القوى لصالح قريش، وحصر الخلافة بهم، مهما كانت كفاءة وجدارة غيرهم. ولم يرده أو يكذبه أحد، بينما هو خبر آحاد، يكفي لرفضه، أنه يكرّس سلطة قريش، وهو منهم، ومتصدٍ للخلافة. فتسقط حجية روايته. ثم أن الحديث يؤسس لشرط خطير يتوقف عليه مستقبل المسلمين، فكان ينبغي للرسول قوله على رؤوس الاشهاد لخطورة تداعياته، فلماذا أسرّه لأبي بكر ولم يسمعه غيره؟.

وأما القيمة المعرفية فهي خسارة أكبر، فما يُطرح في خطب صلاة الجمعة قضايا عامة، حساسة، تهم الدين والسياسة والاجتماع، وليست قضايا جزئية، ومسائل شخصية. فكم يعاني الفقيه في إثبات مضمون خبر الآحاد، بينما لا يحتاج الخبر المتواتر أية معاناة، لتوافق الرواة على موضوعه. فاحتمال الكذب منتفٍ في الأخبار المتواترة، واحتماله في أخبار الآحاد معتد به . بل أن الخطب العامة تكشف عن أبعاد معرفية لا تهتم بها أخبار الآحاد. وتكشف عن مدى اهتمام الرسول ببعض القضايا المصيرية والخطيرة، كما بالنسبة لشرط القرشية في الخلافة، فهذه ليست قضية خاصة وعادية يسر بها النبي لأبي بكر خاصة. بل المفروض كإجراء احترازي لتبديد الشكوك أن يتحدث بها على رؤوس الأشهاد وفي اجتماعات عامة، بل ويكررها أكثر من مرة حسب أهميتها، وحينما لا يفعل وليس لها جذر قرآني فهذا يكشف عن عدم اهتمامه بها، فيكون النزاع حول هكذا قضايا شخصيا وسياسيا لا علاقة له بالدين،  فسبب نزاع المذاهب هو عدم وجود أدلة كافية لهذا لطرف دون ذاك.

صلاة الجمعة منصة إعلامية وفكرية، وخطب الجمعة وثائق تاريخية موثوقة، وفقدانها يبعث على الشك والريبة، من هنا راح بعضهم يبحث عن مبررات لاختفائها، منها:

- إن خطب الرسول كانت قصيرة جدا، مراعاة للمصلين والأجواء الساخنة، وهي جزء من الأحاديث المروية عنه. لكن هذا لا يمنع أن يحتفظ التاريخ ببعضها، بل ولماذا لم يذكر الرواة مناسباتها، ولماذا لم تصن ضمن خطبه في المناسبات أو يوم الجمعة؟.

- وهناك من برر عدم وجودها: بأن خطب الرسول هي ذات الآيات القرآنية، وهي مادته الخطابية، فكان يتلو في الخطبة بعض ما أوحي له. وهذا ممكن لكن تلاوة الآيات ليست خطبة بل تتضمنها الخطبة عادة. ثم لماذا لم يستشهد أحد ويؤكد تلاوة الرسول لهذه الآيات أو تلك في خطبة صلاة الجمعة؟ ولماذا لم يتأس به أحد، ويكتفي بتلاوة الآيات القرآنية في خطبتي الصلاة؟.

- وثالث قال إنها مبثوثة ضمن أحاديثه في الكتب الحديثية. لكن لماذا لم يُفرد باب مستقل لخطب الرسول، كما هو منهجها في تبويب الموضوعات على أبواب، حيث دأبت مصادر وكتب الأحاديث على تبويبها. باب رئيسي وأبواب فرعية.

وهنا توجد احتمالات أخرى:

الأول: عدم اشتراط الخطبتين شرطا لازما في صحة صلاة الجمعة، فيكون الرسول بالخيار بين أدائهما أم لا، حسب المناسبة وظروف إقامة الصلاة، خاصة مع شدة حرارة الجو صيفا. ولا يطيل لنفس السبب عندما تقتضي الضرورة خطبته قبل صلاة الجمعة. لذا روي ما دلت عليه الأدلة فعلا. وما يؤكد خيارها، وعدم إلزامها قلة روايات خطب الجمعة للخلفاء من بعده.

الثاني: عدم اشتراطهما إطلاقا، لذا لم ينقل لنا الرواة خطب الجمعة، وما نقل منها كان استثناء، وخارج الصلاة. فلم يأت بالخطبة كواجب وشرط يتوقف عليها صحة الصلاة بل دعت الضرورة، كما في خطبته الأولى بالمدينة التي روتها الكتب الحديثية. وما يؤكد هذا الاحتمال، سورة الجمعة، التي كرّست حضور الصلاة لذكر الله تعالى. وعابت على المسلمين تخلفهم عنها لدواعٍ تجارية ومالية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ). فالآية لا تتحدث عن شيء آخر سوى الصلاة وذكر الله، فيكون شرطها اجتماع المسلمين لأداء الصلاة بشكل جماعي، فهي مناسبة عبادية خالصة. لذا قالت الآية التالية: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، فلم تذكر شيئا آخر غير الصلاة والذكر، فهي شعيرة أسبوعية جماعية مكرّسة لذكر الرحمن وأداء الصلاة، وعندما أدانت الآية التالية من يتهرب عن أداء الصلاة جماعة، لم تتطرق للخطبة كشرط في الصلاة، أو كجزء مكمل لشعيرة صلاة يوم الجمعة: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚقُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ  وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).

الثالث: ما كان يتطرق له النبي في الخطبتين، يقتصر فيه على الوعظ والإرشاد، ولا يتعدى بعض الآيات والكلمات، فلا تدعو للاهتمام كثيرة، لتكرارها. وهذا يفعله الان بعض خطباء الجمعة ممن يشترط اللغة العربية فيها، فيقتصر في خطبته على المواعظ والآيات، بحدود دقائق معدودة. وهذا ممكن لكن يرد عليها ما ورد على سابقه، ولا اقل يحتفظ لنا التاريخ بجملة منها.

قد تكون خطب الجمعة مبثوثة بين أحاديثة، وقد يصدق أنه كان يتلو فيها القرآن وليس شيئا آخر، لكن لا يوجد ما يؤكد كلا الاحتمالين. وما يرجح الاحتمال الأخير أننا لا نعثر على خطب الجمعة للإمام علي الذي ضبط كتاب نهج البلاغة خطبه وأقواله.  

غير أن منبر الجمعة نشط في عصر الدولة الأموية وما بعدها، فكان منبرا إعلاميا موجها لتكريس سياسة الاستبداد وقمع المعارضة، واستباحة دماء الخصوم السياسيين، وتعطيل الشروط الأخلاقية والدينية لمنصب الخليفة، حتى تولى الأمر خلفاء، في الدولتين الأموية والعباسية، متهمون في دينهم وانضباطهم. بل بعضهم متهم بالفسق والفجور، وقد تمادى بعض الفقهاء في تبرير الاستبداد حتى قبلوا بولاية الفاسق، وقالوا بوجوب الصبر على أوامر السلطان الظالم والفاسق، وعدم جواز الخروج عليه. فهذا ابن كثير – مثلاً- أكد أن يزيد بن معاوية (إمام فاسق) لكنه يقول مع ذلك إن (الإمام إذا فسق لا يعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقوع الهرج، وسفك الدماء الحرام، ونهب الأموال، وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن، وغير ذلك مما كل واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا...) .

وظل الاستبداد سياسة متبعة لدى الخلفاء الأمويين والعباسيين وغيرهم، فقد مارسوا سياسة استعبادية ظالمة لم تستنشق معها الأمة نسيم الحرية. وكانت آلية حكمهم القوة وإخماد المعارضة، فهذا عبد الملك بن مروان يعرض سياسته عند تولي الأمر فقال: (أما بعد، فلست بالخليفة المستضعف، ولا الخليفة المداهن، ولا الخليفة المأمون، إلّا أني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلّا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم،...

ألا أن الجامعة (القيد) التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي، والله لا يفعل أحد فعله إلّا جعلتها في عنقه، والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلّا ضربت عنقه) .

وبالتالي نعود للسؤال، لا يوجد ما يؤكد خطابات الرسول يوم الجمعة، وأما خطبه الأخرى فمذكورة في المصادر الحديثية، لكنها ليست كثيرة. وأما عدم ضبطها وجمعها من قبل النبي، فهو ذات الإشكال في السؤال المتقدم. فالنبي لم يجمع ولم يأمر بجمع أقواله وأحاديثه، وكان جل اهتمامه منصبا على ضبط وتدوين الوحي. وقد بينت بعض الاحتمالات وراء عدم اهتمام النبي الكريم بجمع أحاديثه وسننه.

ومهما كان السبب فإن تداعيات النقل الشفاهي، وعدم تدوين السنة باهظة:

- حيث كذب على رسول الله، بوتيرة تصاعدية كلما ابتعدنا عن تاريخ وفاته، فراحت الأحاديث الموضوعة تلعب دورا خطيرا في تكريس الاستبداد السياسي، والظلم باسم الدين، وتبرير سلوك السلطان.

- خاصة روايات الفضائل التي عمقت شقة الخلاف والتنافس بين الطوائف والمذاهب الإسلامية التي راحت تكرّسها، كدليل على شرعية أو عدم شرعية الخلافة.

- تضارب الأحاديث تسبب في خلق مشاكل فقهية، بل وتسربت مضامين خطيرة، بأسانيد منحولة. كما أن تسبب التعارض بين جملة من الأحاديث إلى اختلاف فتاوى الفقهاء، كلٌ حسب مبانيه الأصولية والرجالية والحديثية.

تبقى مشكلة التاريخ مشكلة عصية على الحل، بعد مرور أكثر من ألف وأربعمئة سنة. واندثار كل شيء، وإشكالية التداول الشفاهي للروايات والأحاديث والتاريخ. ودور السياسة في الدس والزيادة والنقصان والوضع والتحريف.

ملخص الكلام، إن صلاة الجمعة بصيغتها الحالية، هي صيغة رسمية فرضتها ظروف السياسة والحكم، خاصة إبان الدولتين الأموية والعباسية. وقد لعبت خطب الجمعة في عهدهما دورا خطيرا في تزييف الوعي، وتعميق هوّة الخلافات الطائفية، والتحريض على العنف والكراهية والتنابذ. إنه تاريخ ملوّث، يثير الإشمئزاز، ينبغي البراءة منه، والتخلي عن سلطته، وسطوته، وهو يحرك مشاعر الناس ويتلاعب بمقدراتهم. التاريخ والتراث آفة الثقافة والوعي، والتخلي عنهما يفسح المجال في انطلاقة حضارية جديدة، بعد نفض الماضي وحمولته الثقيلة.

اتضح مما تقدم أن الرسول لم يتصد لجمع القرآن بنفسه، ولم يجمع أحاديثه وخطبه، ولم ينص صريحا على خلافة أحد من بعده. وهذا يجعلنا نشك بكل ما جاء في التراث، ويفتح آفاقا واسعة للتفكير بجدوى الانقياد لماضٍ لم نعاصره، ولم نستطع التحقق من صدقه. فمن أين جاءوا بهذا العدد الكبير من الأحاديث، وكيف تراكمت الموسوعات الحديثية عبر السنين؟ وما هي حقيقة فتاوى وأحكام رجال الدين؟

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbaw10خاص بالمثقف: الحلقة الأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة د. ثائر عبد الكريم.

 

السنة النبوية والتدوين

ماجد الغرباوي: جاء في سؤال (68) للدكتور ثائر عبد الكريم، كما مر في الحلقة السابقة: لماذا لم تُجمع (آيات القرآن والسنة النبوية) في عهد الرسول ليتأكد من كل شيء بنفسه؟  أليس (23) عاما كانت كافية جداً ليدوّن كل شيء بتفاصيله سنة بعد أخرى؟.

جرى الحديث في الحلقة السابقة عن تفاصيل رحلة جمع القرآن، منذ زمن الرسول حتى صدور النسخة الرسمية من الكتاب الكريم، بعد (25) عاما، على يد الخليفة الثالث عثمان بن عفان. وهنا سنتقصى سبب عدم جمع السنة النبوية بين دفتي مصاحف أو كتب خاصة بها في عهد النبي وباشرافه. وقبل ذلك سنتعرّف على موقفه من كتابة غير القرآن بشكل عام، وكتابة أحاديثه وأقواله بشكل خاص. وهل حقا كان يمنع صحابته من تدوين سنته؟. والمراد بالسنّة: قول النبي، وفعله، وتقريره. لكن المهم خصوص أقواله وأحاديثه التي هي توأم الكتاب المجيد.

لا شك في حرص النبي على تدوين القرآن وضبط آياته وسوره، حفاظا على قدسيته وتعاليه، ليبقى مرجعية ثابتة للعقيدة والفكر. ومعرفة الأحكام والتشريعات. ومصدر إلهام للمؤمنين في مشاعرهم وسلوكهم ومواقفهم. فالعناية بالقرآن وقداسته يساهم في تعزيز سلطته، وهي مسؤولية أساسية بالنسبة للنبي الكريم. بل أن الأسيجة القدسية، وتنزيهه من مخالطة المدنس البشري (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)، يعد بذاته هدفا أساس للدين، الذي يتقوّم بمقدساته، وفرض هيبتها وسطوتها،(وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا). المقدس رأس مال رمزي، يستمد وجوده من وجود الخالق وعظمته في خلقه. ويتقوم بنسق الخطاب وإيقاعاته، وما يَعد به من نعيم وعذاب. فتعزيز قدسية الكتاب في مخيال المؤمنين، استراتيجية لتعزيز رصيد الرأسمال الرمزي للدين: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله). لذا فرضت الآية آدابا تكرس قدسيته المقدس يتكفل بتعبئة المؤمنين نفسيا وشعوريا، فالاهتمام به وتعزيز مكانته، إحدى مهام الخطابات الدينية. فلا يسمح للعقل بمقاربة المقدس، الحقيقة المطلقة، الوجود الكلي، والعلة الأولى، لسبب ذاتي (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ). (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ)، وخشية على تفتت روح التسليم، وانهيار التقوى المتقومة بالإيمان بالغيب، الذي هو الآخر جزء من بقعة القداسة، العصي على الفهم والتفكيك. بل حتى رمزية الخطاب في بعض جوانبها تعزز قيمة المقدس بشكل لا مباشر. ويكفي في قداسة القرآن نسبته للوحي، فهو وحي إلهي منزل، يجب أن يكون بمنآى عن التحريف. فإذا كان النبي قد نهى حقا عن تدوين سنته، فقراره احترازي من أجل عدم تداخلها مع آيات الكتاب الكريم، وربما تكون سببا لتحريف بعض نصوصه، فتربك أداء القرآن. وأنت تلاحظ دوامة التفسير والتأويل لفهم مقاصده وغاياته مع سلامته من أي تحريف، فكيف مع احتمال التحريف، مهما كانت نسبته؟. فالتداخل بين نصوص الكتاب ونصوصه كارثة مرجعية لو حصل فعلا. غير أن النبي اتخذ ما يلزم لحماية القرآن ولو على حساب تدوين سنته. بل لم يقم بتفسيره، سوى اشارات وتوضيحات. وترك المسلمين يتفاعلون مع كتاب الله مباشرة. فهو خطاب وبيان لهم: (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ). فربما يتداخل تفسيره مع نصوص الكتاب الحكيم، فتحاشاه، حفاظا عليه.

فنهي النبي عن كتابة سنته محتمل مع هذه الحيثيات، وقد أكدت بعض الروايات التاريخية نهيه عن كتابة أحاديثه وأقواله، كإجراء احترازي، للحيلولة دون تداخلها مع آيات الكتاب الحكيم (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه). ومن باب أولى عدم جمعها. فوضع حدا بين القرآني والنبوي. وبين السماوي والبشري. لذا تأخر تدوين الحديث 150 عاما، بعد أن أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بجمعها. فكانت فترة كافية، لدس آلاف الأحاديث الموضوعة. فامتلأت فيما بعد الموسوعات الحديثية بمخلتف الأحاديث، اختلط فيها الصحيح بالموضوع. وهو أحد أسباب ظهور علوم الحديث في الجرح والتعديل، للتمييز بين الصحيح والموضوع من الروايات، من خلال تشخيص عدالة أو وثاقة الرواة وعدم انقطاع سند الحديث، ومن ثم دراسة متون الأحاديث للتمييز بينها وفقا لمصطلحات دراية الحديث. لكن رغم جدية الاجراءات، بقيت الأحاديث الموضوعة تنافس الأحاديث الصحيحة في حجتها والاستدلال بها، بعد أن حكموا بصحة جميع روايات ما يُعرف بكتب الصحاح الستة عند السنة. وأيضا قال بصحة جميع روايات كتبهم الإخباريون من الشيعة. وآفة الأحاديث الموضوعة هي إحدى تداعيات عدم تدوين سنة الرسول إلا متأخرا.

لا يوجد إجماع بين المسلمين على نهي النبي عن كتابة سيرته أو نهيه عن مطلق الكتابة ما عدا كتاب الله، والمسألة خلافية، فثمة من ذهب إلى نهي الرسول عن كتابة أحاديثه وأقواله كما تقدم. وهناك من قال عكس ذلك، ونسب النهي عن كتابة سنة الرسول إلى الخليفة الأول والأكثر تشددا كما هو معروف تاريخيا عمر بن الخطاب. فمقابل روايات النهي عن كتابة الأحاديث ثمة مجموعة أخرى من الروايات تبيح الكتابة مطلقا: (.. روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكْتُ عن الكتابة حتى ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه "أي فمه" فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق"..).

وهذه الرواية مدهشة وخطيرة في مضمونها، فهي تبيح كتابة كل شيء يصدر عن الرسول، القرآن وغيره. فتُعارض روايات النهي عن كتابة أحاديثه وأقواله كما في الرواية السابقة. وقد حاول بعض العلماء رفع التعارض من خلال جمعهما. فقال: النهي عن الكتابة صدر في بداية الدعوة عندما كان الإسلام ضعيفا، فكانت خطوة احترازية لحماية القرآن الكريم. ثم أباح كتابة أقواله وأحاديثه، بعد أن قويت شوكة الدين، فلا تعارض بينهما.

 وهو توجيه مقبول، لولا عبارة خطيرة في متن الرواية تقول: فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ !!!. وهذا ينفي صدور نهي من النبي عن كتابة أحاديثه وأقواله، ويشكك في صحة روايات النهي. وحينما نشك فيه، فالأصل عدمه. إذاً لا يوجد ما يؤكد صدور نهي رسمي عن الكتاب، فهي مباحة أساسا، سواء اهتم الرسول بذلك أم لا. فهل كانت قريش وراء روايات النهي؟ ولماذا؟.

والمقصود بقريش في زمن الرسالة خصوص القريشيين من أصحاب النبي. أي الخط الأول من الصحابة، وهذا مكمن الخطر. فهؤلاء يحظون بمكانة خاصة، ومواقفهم مؤثرة، بل ومدروسة، ومخطط لها مسبقا. فهم يعلمون أنه رسول الله، وأنه لا ينطق عن الهوى. فهل كان النبي يصرح بأشياء تقلق مستقبلهم السياسي، فيخشون تدوين أحاديثه لسلب حجيتها ومشروعيتها؟. ربما. فلا يمكننا تقصي حقائق اندثرت، وبادت بفعل طول الفترة الزمنية، وتمت كتابة التاريخ لصالح السلطة. فالتدوين مخيف، لأنه شاهد على صحة مضمون الروايات،  بينما يمكن التشكيك بالنقل الشفاهي. بل بطبيعته يتعرض للتحريف والتآكل والنسيان، والقول بالمضمون. وهذه هي نقطة ضعف النقل الشفاهي. فنبقى نحن وما تبقى من روايات تاريخية. فالرواية المتقدمة أكدت تحفظ قريش على كتابة أقوال وأحاديث الرسول، باعتباره بشرا. لكن الأحداث التالية تؤكد هدفا آخر وراء تحفظهم. فما يؤكد اصرار قريش على عدم تدوين أحاديث النبي، ثلاثة مواقف أخرى:

الأول: طلب الرسول عند مرضه: (هلم اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا). فاختلف الحضور، وكان بينهم عمر، فقال: إن النبي غلبه الوجع، فحال دون كتابة الكتاب، والحديث موثق من ثلاثة طرق.

الثاني: موقف الخليفة الأول، حيث تقول الرواية: قالت عائشة: (جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله فكانت خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقلب كثيرا، فغمني فقلت: تتقلب لشكوى أو لشئ بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك. فجئته بها، فدعا بنار فأحرقها).

الثالث: قول الخليفة الثاني: (إني كنت أريد أن أكتب السنن وأني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، واني والله لا أشوب كتاب الله بشئ أبدا). وقوله: (جردوا القرآن، واقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله). وكان يضرب بالدرة كل من دون رواية عن الرسول، يقول أبو هريرة: (لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته).

لا نستبعد أن يكون موقف قريش المتحفظ من كتابة أحاديث وأقوال الرسول حرصا على كتاب الله، وعدم الخلط بينهما. لكنهم برروا موقفهم بأن الرسول: "بشر يتكلم في الغضب والرضا"، وهذا التبرير ربما يكون مقنعا لنا بعد قرابة قرن ونصف عن بعثة النبي، لكن كيف يكون مبررا وهم يتلون قوله تعالى: "وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى"؟ بل كيف يكون مبررا وهم يعتبرون سنته حجة، قولا وفعلا وتقريرا. ويستدلون بها في استنباط الأحكام الشرعية: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا". "من يطع الرسول فقد أطاع الله". وكيف يكون مبررا في ظل تلك الأجواء القدسية؟.

إن صورة النبي في وعي الصحابة، صورة مثالية مقدسة، رسمها خُلقه، وسلوكه، وآيات الكتاب المجيد، فكان هو النبي والقائد والأسوة والمثل والنموذج. وكانوا يقتدون به في كل شيء، فكيف يقتدون بشخص يفقد توازنه في الغضب والرضا؟. أما هي ذريعة لوقف كتابة الأحاديث؟ علامات استفهام مشروعة.

إن قول الراوي: (فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا؟)، يؤكد وجود موقف آخر غير معلن من الرسول ومواقفه وقراراته، كان يتحرك خلسة، وفي الخفاء، عبّر عن نفسه بتحفظه على كتابة أحاديثه. وهي خطوة تسمح بتحريفها أو إنكارها ما دامت شفاهية ليست مدوّنة. وتسهّل عملية وضع الأحاديث ونسبتها له، وهذا ما حصل فعلا بعد وفاته، فكانت الأحاديث الموضوعة كارثة حلت بالمسلمين وما تزال تلعب دورا سلبيا في تمزيقهم.

والأغرب في الرواية موقف الرسول المتهاون معهم. فسكت مكتفيا بتشجيع الراوي على الكتاب، يقول: (فأمسكْتُ عن الكتابة حتى ذكرت ذلك لرسول الله). فالرسول تحاشى قريشا وغطرستها، وفوقيتها القبلية. فقريش هي قريش، كما كانت في مكة لا ترضى بأقل من قيادة المجتمع، فتخشى أي تصريح لا يخدم هدفها. وكل اجراءاتها احترازية، رغم عدم اهتمام النبي بموضوع القيادة السياسية. وهنا يحق لنا السؤال: هل كان القرار السياسي بيد قريش، ولو بصورة غير مباشرة؟ وهل كان النبي يخشى مواقفهم رغم إسلامهم بسبب ثقلهم القبلي؟ وأسئلة أخرى كثيرة.

في مقابل المدرسة السنية شككت المدرسة الشيعية بروايات النهي عن كتابة أحاديث الرسول، في إطار نظرية المؤامرة التي تعتمدها في تفسير موقف الصحابة من تولي الإمام علي بن أبي طالب الخلافة. حيث يعتقد الشيعة أن الإمامة نص وتعين من قبل الله تعالى على لسان النبي الكريم، الذي نص على إمامة علي ومن جاء من بعده، في أكثر من تصريح وموقف. ولهم مصادرهم التاريخية الخاصة، وما نقلته كتب أهل السنة حول الموضوع. فالنهي عن كتابة أحاديث الرسول كان يقصد به، في نظر الشيعة، الحيلولة دون انتشار فضائل علي، وما تحدث به النبي عن الإمامة بشكل عام، وإمامة علي بشكل خاص،. فالشيعة يعترفون بوجود نهي عن كتابة أحاديث الرسول، لكنهم يعتبرونها روايات موضوعة استهدفت طمس ما ذكره الرسول الكريم عن فضائل علي وأهل بيته.

بهذا يتضح أن النبي لم يحرص على كتابة سنته فضلا عن جمعها بين دفتي المصاحف والكتب، كما فعل بالنسبة للقرآن الكريم واهتمامه بتدوينه. وثانيا أن مواقف قريش قد عرقلت كتابة أحاديثه، رغم احتجاجهم بها في عملية استنباط الأحكام. والتأسي به في مجال السنن والأخلاق. وهذا يكشف عن انتقائية في اختيار الأحاديث، وثمة إقصاء لبعضها، أو إقصاء ما يعرقل مشاريعهم السياسية.

هذه كانت مواقف المذاهب الإسلامية ورواياتهم عن كتابة الحديث الشريف، لكن لماذا تهاون النبي في ضبط وتدوين أحاديثه وسننه؟ ولماذا لم يجمعها بين دفتي كتاب يكون وثيقة رسمية ممضاة من قبله؟. بل كيف يتهاون وهو القائل كما في رواية عن الإمام علي: (.. وقد كذب على رسول الله "ص" على عهده حتى قام خطيبا فقال: "أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار". ثم كذب عليه من بعده).؟

محمد نبي، وهو يعلم جيدا تداعيات اهمال التدوين، فهل ثمة احتمال آخر ما عدا الاجراء الإحترازي وتحصين الكتاب الكريم من تداخل نصوصه؟

اعتقد ثمة هدف لا يمكنه التصريح به في وقته، هدف يتعلق بدور الإنسان في الحياة، وطبيعة التشريعات قياسا بظروفها الزمانية والمكانية. فالحديث النبوي هو أحد وسائل فهم الدين وكيفية ارتباط الإنسان به، لكنه ارتباط تقليدي، يقتصر فيه دور الفرد على التلقي والانقياد، رغم أن قسما منه وليد ظروفه، وضروراته التاريخية. فالجمود على حرفية الروايات يعيق تطور فهم الدين، رغم تطور الحياة ومفاهيمها. خلافا للنص القرآني الزاخر بدلالاته وتأويلاته القادرة على التكيّف مع الحياة. فعدم الاهتمام المبالغ فيه بكتابة الأحاديث يفسح المجال أمام المسلمين لتدبر القرآن وفقا لظروفهم الزمانية والمكانية، ليكون الدين أكثر مرونة وعطاء. وهذا يعني وحدة الرأي الاجتهادي في ظرفين مختلفين. فالرسول أراد فسح المجال للرؤى الاجتهادية المستقبلية، حينما تفرض الضرورات ذلك.

وهذا لا يخلّ بعصمته في تبليغ الوحي: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى). ولا يقدح بقوله: (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)، لأن المقصود بالإتيان آيات الكتاب الحكيم. وأيضا لا يخل هذا الفهم بآيات وجوب طاعة الرسول. لأنها ناظرة للجانب العملي والسلوكي، حيث خاض النبي الكريم معارك دامية مع أعداء الدين الجديد، وتخلف بعض المسلمين عنها، بل وتآمر آخرون، كما مارس بعضهم الترجيف وتثبيط العزائم، فأمرهم الله تعالى بطاعة النبي لحماية موقفه، كي يواصل عمله، ويبلّغ رسالته. وحذر القرآن من فئة المنافقين، رغم قربهم من النبي: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ).

إن اهتمام النبي الكريم بتدوين القرآن دون غيره، يدل على تفاوت نوعي في الإلزام والحجية بين آيات الكتاب الكريم وأحاديثه الشريفة. فمقتضى حجية السنة أن تحظى بنفس الاهتمام، تدوينا وحفظا، بل كان الأجدر أن تلحق بالكتاب المجيد إذا كانت مكملة له تشريعا، وتساويه في حجتها وإطلاقاتها الزمانية والمكانية. فعدم اهتمام النبي بكتابة سنته، يشي بتاريخيتها، والاستفادة منها لتطوير الفهم الديني، وتقديم قراءات متجددة لآيات الكتاب وفقا لظروفنا وحاجاتنا في كل زمان ومكان.

من هنا يتضح ثمة فلسفة عميقة وراء تراخي الرسول عن تدوين وضبط أحاديثه، رغم علمه بخطورة خطوته، وما يترتب عليها من تداعيات تنعكس سلبا على  الدين. فينبغي وعي تلك الفلسفة، وإدراك مقاصدها، من خلال تجدد الفهم الديني وإدراك الهدف الأساس من وراء خلق الإنسان. فتبرير عدم اهتمام النبي بسيرته اهتماما كافيا من أجل الحفاظ على الكتاب الكريم وإن كان سببا معقولا، لكن عدم ضبط سنته هو الآخر له تداعياته، فحجية وقداسة أقواله لدى الصحابة ليست أقل من قداسة الكتاب، بل تشبثوا بسيرته أكثر. لذا أجد في إدراك البعد الفلسفي سببا جديرا لفهم حيثيات عدم تدوين وجمع سيرته. والسبب وراء عدم ضبط أقواله وأحاديثه وعدم جمعها في كتاب، له سبب آخر إضافة إلى كونها خطوة احترازية لحياة القرآن باعتباره مصدرا أساسا للدين. فالاقتصار على تدوينه حماية للدين ومصدره السماوي، لكنه ليس تمام العلة والسبب. لذا وفقا للفهم المتقدم، تبقى أحاديثه الملزمة قليلة مقارنة بتفصيلات الأحكام الشرعية قرآنيا، وما تبقى يمثل وجهة نظره الاجتهادية في إطار ظروفه الزمانية والمكانية. لكن الذي حصل أنهم كرسوا مطلق السنة النبوية ليكذبوا على الله ورسوله، فقد أضرت فوضى الروايات الموضوعة بأسس الدين، ومزقت وحدته، وأصبحت الروايات مصدرا لشرعنة كثير من الممارسات الخاطئة، بل وسلبت إرادة الإنسان عندما عمّقت روح التلقي والانقياد باسم الدين وشرعيته، وطاعة أولي أمره، فكانت الأحاديث الموضوعة أحد أسباب تخلف المسلمين حضاريا. ومن يروم النهضة ينبغي له تفكيك المنظومة القيمية للسنة النبوية، وفرز الصحيح عن الموضوع من أحاديثه ورواياته. وتحديد ما هو زمني فيها، وما هو مطلق. فالسنة هي أحد مرجعيتي المسلمين عقيديا وفكريا ومعرفيا، فهي ثان مصدر معرفي بعد الكتاب، بل تتقدم عليه لتوقف فهمه عليها. فالخطوة الأولى على طريق النهضة نقد مصادر المعرفة، وتحديد قيمتها المعرفية، والارتكاز للعقل في تفكيكها، وإعادة تشكيلها. بل ينبغي لها البقاء داخل حدودها، ولا تطال العقل وقدراته الخارقة في تطوير الذات والمجتمع. وليس في هذا تجاوز على الدين وقيمه ومبادئه. بل القرآن أكد على دور العقل في الإيمان ومعرفة الخالق.

 

............................  

للاطلاع على حلقات: 

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi3خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة د. ثائر عبد الكريم.

 

س68: د. ثائر عبد الكريم: استمر نزول القرآن الكريم 23 سنة، لكنه لم يجمع الاّ في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفّان (رض). فلماذا لم تُجمع (آيات القرآن والسنة النبوية) في عهد الرسول ليتأكد من كل شيء بنفسه؟  أليس (23) عاما كانت كافية جداً ليدوّن كل شيء بتفاصيله سنة بعد أخرى؟.

ج68: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأخ د. ثائر عبد الكريم، وشكرا لمشاركته في الحوار من خلال أسئلته الجديرة.

نبدأ بالكتاب الكريم أولا:

لا شك أن النبي أولى كتاب الله اهتماما استثنائيا. فكان يبلّغ ما يوحى إليه. ويأمر أصحابه بتدبّر ما يتلو عليهم، وطالبهم بتدوين نصوصه، ومراجعتها من قبله، لضبط مواضع آياته. فساهمت تلك المدونات (الرقاع، الحجارة الرقيقة، وجريد النخيل، والعظام) في حفظ نصوص الكتاب الكريم من الضياع في تلك الفترة بالذات. وهذا لا ريب فيه، فهو من صميم عمل النبي ومهامه الرسالية. لكن هل جُمع الكتاب الكريم بين دفتي المصحف في عهده وبإشرافه؟

هناك أخبار تؤكد تدوين بعض الصحابة لجميع ما أوحي للنبي، كالإمام علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود وآخرين. ممن تابعوا نزول الوحي وحرصوا على كتابة ما تلاه النبي الكريم. وهذا ليس مستبعدا مع ثبوت التدوين تاريخيا، خاصة بالنسبة للإمام علي بن أبي طالب الملازم للنبي، بحكم قربه وقرابته. لكن تدوين كل ما نزل من الوحي لا يدل على جمعه بين دفتي المصحف كنسخة رسمية معتمدة من قبل الرسول. ولا يوجد مايدل عليها تاريخيا. بل أن قرار جمعه من قبل الخلفاء دليل على عدم وجودها فضلا عن انتشارها. كما أن تدوينه من قبل بعض الصحابة، لم يغنِ عن تداوله شفاهية. بل كانت الحافظة هي الأصل في تلاوته وانتشاره، واقتصار القراءة على خصوص المتعلمين وهم قلة قليلة.

غير أن الغريب تجاهل الخلفاء للنسخ الكاملة، رغم ندرتها، وعمدوا إلى جمع القرآن، من الحفّاظ وما لدى الصحابة من نسخ متفرقة لمجموعة من آياته. وهذا موقف مثير، فليس الحفظ كالتدوين في حفظ آيات الكتاب!!، فكيف يعتمدون الحفظ ويهجرون التدوين؟. بل ونقلت الأخبار استبعاد نسخة الإمام علي التي جمعها بعد وفاة الرسول مباشرة، من قبل عمر بن الخطاب، إبان خلافة الأول، واستُبعدت نسخة عبد الله بن مسعود في عملية الجمع الرسمي للمصحف الشريف. واختلفت اللجنة المكلفة بجمع القرآن معه ولم تأخذ برأيه. والمعروف عن ابن مسعود أنه لا يقول بقرآنية المعوذتين. كما يتحفظ على صيغ بعض الآيات، وهوالصحابي الجليل الذي أمر الرسول أن يؤخذ القرآن منه. فهل أساسا لا توجد نسخة كاملة مدونة للقرآن الكريم أم هناك حلقات مفقودة في عملية جمع القرآن؟.

بعض برر عدم جمع القرآن في عهد النبي حاجته الدائمة للمراجعة والضبط مع كل نزول آيات جديدة. لكن هذا لا يبرر عدم جمعه مع خطورة بقاء القرآن بلا تدوين. ثم ألم تكن النسخ جاهزة، على فرض وجود مدونات، وبإمكانه جمعها بمصحف واحد بفترة قصيرة جدا بعد توقف الوحي عن الهبوط؟. لكنه لم يفعل. واستمر الصحابة يتداولونه شفاهية، وهي ثغرة، نفذت منها تهمة التحريف والنقص في بعض سوره. فليس الحفظ كالكتابة، مهما كانت درجة اتقانه. التدوين يضبط النص ويمنع تزويره، ويسمح بمطابقة النسخ مع الأصول متى شاء الباحثون والمحققون. فلماذا التساهل في الأمر، ولماذا لم يجمع في عهد النبي ويشرف على استنساخه وحفظه؟

لا يكفي لنفي الشبهة قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). لان القدر المتيقن من الآية حفظ جوهر الكتاب ومضمونه الكلي، لا تفصيلاته وكلماته، وتحدثت عن هذه النقطة مفصلا كما مر. ويقصد بالحفظ، حفظ حقيقة الكتاب في اللوح المحفوظ: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ). (إنَّه لقرآن كريم. فِي كِتَابٍ مَكْنُون). وأيضا مثلهما قوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ). حيث تحقق مصداقها بعد ضبط موقع الآيات داخل السور على يد النبي الكريم. فحفظ الحقيقة الكلية للقرآن ثابت في اللوح المحفوظ، ولا يضرعل أي تصحيف أو زيادة ونقصان، لأي سبب كان، سواء النسخ أو التنقيط أو غير ذلك، وليس في هذا خرق لمعنى الحفظ المشار له في الآية الكريمة، لأنها لم تتطرق لحفظ تفصيلاته.

يبقى السؤال مؤرقا، لماذا لم يبادر النبي لجمع القرآن في مصحف واحد بنفسه، وهو أدرى بخطورة تداوله شفاهية على المدى البعيد؟. وكيف يصدق إهماله مع أمانته وحرصه، وهو القائل: (أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا، كتاب الله، فاعملوا به)؟. وأين نسخته لو كان قد جمعه بنفسه؟ أسئلة حائرة تجعلنا نشك في كل شيء، ولا نستبعد عدمها أو وجودها مع ما يشي بالالتفاف عليها.   

من هنا ذهب الشيعة إلى قولين: أحدهما أن القرآن جُمع على عهد النبي فعلا، واحتفظ بعض الصحابة بنسخ منه. وأخر قال: أنه أوصى لعلي بن أبي طالب بجمعه، فامتثل لأوامره، وجمعه بعد وفاته، وقد احتفظ الأئمة من ولده بالنسخة الأصلية واحدا بعد الآخر.

لكن الرواية السنية الرسمية، تنفي جمعه على يد النبي، وتعتبر أبا بكر أول من تصدى لجمع القرآن، عندما عهد إلى زيد بن ثابت الأنصاري بذلك. فاحتفظ به الخليفة الأول ثم انتقلت النسخة إلى الخليفة الثاني، وبقيت عند زوجته حفصة، فاستعارها الخليفة الثالث عثمان بن عفان، عندما قام بجمع القرآن، في نسخة رسمية، مثلت الخلافة الإسلامية.

وهذه الروايات تؤكد جمعه في عهد أبي بكر، لكن لماذا لم تنتشر هذه النسخة بين المسلمين، ولماذا اكتفى أبو بكر وعمر وحفصة بالاحتفاظ بها، ولم تستنسخ وتوزع كما فعل عثمان مع النسخة الرسمية للقرآن؟ ولماذا يكتفي أبو بكر بالشاب زيد بن ثابت في مهمة جمع القرآن، ويستغني عن كبار الصحابة المشهود لهم بكتابة الوحي والصدق والأمانة؟ بل وهناك رواية تقول إن عليا جاءهم بنسخة من القرآن ضبطت على يد النبي، فقال له عمر: لا حاجة لنا بها!!!. ولماذا يكتفي الخليفة باشراف عمر بن الخطاب دون الصحابة، ولم يشكل لجنة تشرف على هذا العمل الكبير والخطير؟. ولماذا لم يتحفز، ويستشر باقي الصحابة حول هذا الموضوع الخطير؟.

ثم لماذا راح زيد بن ثابت كما تقول رواية البخاري يتتبع أجزاء القرآن من الرقاع وصدور الرجال؟: (فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع و الأكتاف والعسب وصدور الرجال). والمفروض أن المدونات الأولى متوفرة جميعها، فلم يمض على وفاة الرسول سوى أشهر؟. ثم ماذا نفهم من تكملة كلام زيد بن ثابت سوى أن القرآن كان يتعرض فعلا لخطر الضياع وربما التحريف، تقول الرواية: ("حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم  إلى آخرهما".). كل هذه الأسئلة وغيرها تبعث على الشك والحيرة، فهناك حلقات تاريخية مفقودة أوجدت مناطق معتمة حول قضية جمع القرآن على يد أبي بكر. فهل هي روايات موضوعة يراد بها جعل كرامة لأبي بكر على حساب الحقيقة، وأنه لم يقم بجمع القرآن أساسا؟.كل شي محتمل، ومفاصل التاريخ غابت وإلى الأبد أو تم تغيبها!!.

وأما عثمان فقد شكّل لجنة من ثلاثة أشخاص لجمع القرآن، هم: زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص. وأمرهم اعتماد لغة قريش عند اختلاف القراءات. لكن لماذا فقط لغة قريش؟ هل تماهيا مع الرواية المنسوبة لرسول الله، والتي حسمت الخلافة لقريش مدى الحياة؟ يبدو لي أن قريشا كانت سلطة، تتحرك من وراء الكواليس على أكثر من صعيد. والمجتمع بقي مجتمعا قبليا رغم إسلامه.

إذاً، فالرواية التاريخية الرسمية تقول: لم يُجمع القرآن كاملا إلا في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، رغم وجود نسخة متوارثة لم تخرج عن دائرة الشيخين. وبقى المسلمون يتناقلونه شفاهية لخمسة وعشرين عاما، فأتعب التداول الشفاهي ضبط النسخ عند جمعه، بعد موت عدد من الصحابة وتفرّق آخرين في الأمصار المفتوحة ومعهم نسخ من أجزاء القرآن، إضافة إلى مشكلة النسيان وتفاوت اللغات، مع اختلاف بعض النسخ مهما كان قدره. فالنسخة التي جمعها عثمان نسخة رسمية انتقائية، اتفقوا على كتابتها وضبطها بلغة قريش. سواء كان قرارا رسميا منه شخصيا أم باتفاق جميع الصحابة. وبالتالي، لا أحد يضمن تطابقها تماما مع الأصل، بعد أن أحرق الخليفة جميع النسخ الأخرى فتعذر على المحققين مطابقتها مع المدونات الأولى. واستعانتهم بحفظ الصحابة. والحفظ لا يعد مصدرا في التحقيقات العلمية، خاصة بعد ربع قرن من وفاة الرسول الكريم، لأن الذاكرة تتآكل مع طول العمر، وتنقلب إلى نسيان، لا سيما بعد 25 عاما. فكانت ضابطة عثمان في التدوين الاكتفاء بلغة قريش، أي ما يراه زيد بن ثابت، وبذلك حسم موضوع حفظ القرآن في نسخة رسمية نهائيا.

وتعود الأسئلة: لماذا أحرق عثمان جميع النسخ الأخرى، هل لحماية النسخة الأصلية أم هناك سبب آخر؟ ولماذا ثمة من كان يتهم عثمان بتحريف القرآن من قبل بعض الثوار الذين اقتحموا داره؟. لماذا استبعد كبار الصحابة من عملية جمع المصحف، أو لا أقل مراجعتهمم عند الاختلاف، كعلي بن أبي طالب وابن مسعود وكلاهما يحتفظ بنسخته منذ زمن النبي الكريم وحيوية ذاكرته؟.

إنها أسئلة واستفهامات كانت وما تزال وراء شبهة تحريف القرآن، ودعوى سقوط بعض آياته، فبعض الشيعة مثلا يؤكد سقوط آية الولاية، وتصحيف بعض الكلمات الدالة على فضل أهل البيت. كما أن المستشرقين راحوا يعزفون على وتر التحريف والتصحيف لزرع الشك في نفوس المسلمين.

نقل لي صديق، كان يعمل محققا علميا في مؤسسة مختصة بتحقيق التراث الشيعي، أن أحد رجال الدين المشرفين، طلب منه تغيير كلمة "أمة" إلى "أئمة" في آية: "كنتم خير أمة أخرجت للناس". لكنه رفض وهدد بترك العمل؟ وما زال الإخباريون وغلاة الشيعة يصرون على سقوط بعض آيات الكتاب رغم اعترافهم بصحة النسخة المتداولة من الكتاب الكريم. على الضد من فقهائهم وعلمائهم ممن يؤكدون سلامة النسخة المتداولة من الكتاب الكريم، وينفون أي زيادة أو نقص فيها.

لا شك أن الخطاب الشفاهي ليس كالخطاب المدون في ضبطه ودقته، فاحتمال التحريف في الثاني نادر، خاصة مع تعدد النسخ، فكلما زاد عدد النسخ المتزامنة قل احتمال التحريف، وقد تم في زمن الخليفة الثالث نسخ عدد كبير من القرآن الكريم، وزعت على الأمصار كافة، باعتبارها نسخة رسمية ممضاة من قبل خليفة المسلمين. فسكوت الصحابة على النسخة الرسمية إما دليل على صحتها فعلا، أو تحت ضغط وترهيب السلطة التي كان يديرها بنو أمية من خلف الستار. وهذا محتمل، لكن لماذا لم يثر الإمام على إبان حكمه مسألة تحريف الكتاب أو سقوط بعض أجزائه، وقد عرف بحرصه واهتمامه وتعظيمه لكتاب الله؟ فعدم إثارة الموضوع يقلل من قيمة هذا الاحتمال. فيستبعد تحريف الكتاب مع وجود عدد كبير من الصحابة. غير أن التصحيف محتمل في بعض كلماته بسبب اختلاف القراءات أو بسبب النسخ والنقل وقدم النسخ أو لردائة الخط. وهذا أيضا يختلف حسب الكلمة وموقعها، فبعض التصحيف وتغيير الكلمة يرفضه السياق العام للآيات، وهناك عكس ذلك. فللسياق دور في ضبط الكلمة عند الشك في تصحيفها.

مثلا: قد نحتمل حصول تصحيف كلمة "فاقتلوا" في قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم). ومبرر احتمال التصحيف في الكلمة هو ذات القتل. فكيف ينهى الباري عزوجل عن القتل ويأمرهم بقتل أنفسهم؟. ثم أي إله يأمر بقتل عباده لمجرد زلة عبادية؟ هل من المعقول من يصف نفسه بالرحمة الواسعة، ينظر متفرجا لعباده كيف يقتلون أنفسهم؟ ومن يجرأ على قتل نفسه بيده؟ حتى أن بعض الروايات حارت في تصوير مشهد قتل النفس. لهذا لا يمكن تعقله وفق آيات الكتاب الحكيم وما نعرفه عن الخالق وسعة رحمته. فقتل النفس يتنافى مع رحمة الله، وكيف يعاقب قوما في بداية إيمانهم بعقوبة مرعبة، وهم جزء من بني إسرائيل ممن حذرهم في آية أخرى: (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). فكيف يأمرهم بقتل أنفسهم وينهاههم عن قتل النفس؟ فكيف ينهى عن شيء ويأمر به؟ هذا من حيث المعنى.

وأما من حيث السياق، فكيف ينسجم القتل مع تكملة الآية: (فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم)؟. فما معنى التوبة مع القتل الذي هو عدم مطلق؟ فنهاية الآية تؤكد توبة الله عليهم، أي أنهم أحياء ولم يقتلوا أنفسهم، فما معنى القتل حينئذٍ؟. لذا اضطر بعض المفسرين إلى تشبيه الأمر بذبح اسماعيل، الذي فداه الخالق بكبش عندما هم إبراهيم بذبحة، فكانت عملية اختبار للتقوى، وهنا أيضا، فبعد أن باشروا بقتل أنفسهم حقيقة، تاب الله تعالى عنهم، فلم يقع القتل حقيقة. وهذا التوجيه لا دليل عليه، ولا تشابه بين القصتين حيث أن القرآن قد صرّح بالفداء عن إبراهيم. وهنا لا توجد إشارة تدل على الفداء.

وعليه أتساءل، ماذا لو  قرأنا كلمة: "فاقتلوا أنفسكم"، بـ "فأقيلوا أنفسكم"، من الإقالة، أي تدارك العثرة والخطأ؟ فتكون (.. فأقيلوا أنفسكم عند بارئكم)!!. فتأتي منسجمة مع التوبة، ومع نهاية الآية: فتاب عليكم. فلم يقتلوا أنفسهم بل بالغوا بالتوبة والإنابة، وقد تاب الله عليهم. و"أقيلوا" تأتي لغة من الإقالة (أقال اللهُ عثْرَتَهُ: صفح عنه وترك ذنْبَه، أنهضه من سقوطه). خاصة أن رسم الكلمتين واحد قبل تنقيط الحروف. فيحتمل التصحيف بوضع النقطتين فوق الركزة بدلا من تحتها.

هذا إذا استبعدنا المعنى المجازي للقتل، وهو المبالغة، وهذا شائع في اللهجة عندما يقال: فلان قتل نفسه من أجل الحصول على مراده. فالقتل هنا لا يعني الانتحار، بل المبالغة في طلب الشيء. فاستخدمت كلمة القتل مجازا للمبالغة في التوبة لتدارك خطأهم. فيكون التأويل من داخل معنى الكلمة، ولا نحتاج حينئذٍ لاحتمال التصحيف. فسياق الآية والإطار العام للكتاب الكريم يؤيد كلا الاحتمالين.

لكن تبقى الآية كما هي، تقرأ وتفسر. واحتمال التصحيف أحد تداعيات عدم جمع الكتاب في عهد الرسول وباشرافه. وإذا قيل قد جمع فعلا على يده، فهذا يعمق الإشكال، ويثير جملة تكهنات تطيح كحد أدنى بمصداقية بعض الصحابة، خاصة الخط الأول المتصدي للسلطة.

هذه مجرد ملاحظة لبيان كيفية انقلاب المعنى بسبب استبدال كلمة بأخرى، مع تأييد السياق، إذا احتملنا التصحيف. ولا أريد التلاعب بآيات الكتاب الحكيم معاذ الله، فالسؤال ليس كفرا، ولا محرما، ومن حقنا نسأل عن أي تناقض مع قيم ومبادئ الكتاب الحكيم، وهناك روح واحدة تحكم الكتاب الحكيم. فقتل النفس غير متعارف قرآنيا كوسيلة للتوبة. ولماذا لم تتكرر مع غير قوم موسى ممن أشركوا بالله تعالى؟ وهذا هو فارق الضبط بين التدوين والشفاهية.

ونعود للسؤال: لا دليل قطعي على جمع القرآن في عهد النبي الكريم، والنسخة المتداولة اليوم هي المصحف العثماني، بعد تنقيط مصحف عثمان وتشكيل كلماته. فتبقى علامات الاستفهام مشروعة، وتفتح باب التكهنات عن حلقات ضائعة عن تاريخ الخلفاء بل وتاريخ المسلمين بشكل عام. فثمة غموض يكتنف حياة الصحابة، والجو العام في عهد الخلفاء الثلاثة. ولا يبقى أمامنا لتسوية هذه الشبهات إلا تكذيب روايات جمع القرآن، وما قام به عثمان هو استنساخ للقرآن الذي جمعه رسول الله قبل مماته. غير أن المشكلة أن تلك الروايات وردت في صحيح البخاري. وهو عماد المسلمين السنة في تاريخ الإسلام وأحكام الشريعة.

الثابت عندهم أن الكتاب الحكيم ظل يتناقله المسلمون شفاهية، باستثناء بعض المدونات القرآنية المحدودة، فلا يمكن التخلّص من شبهات النقل الشفاهي وتداعياتها، خاصة أحكام الإعراب، وتشكيل بعض كلمات الآيات التي تأتي خلافا لقواعد اللغة العربية، فتضع المفسرين في دوامة التأويل. فإذا احتملنا التصحيف فلا داعي لكل هذا التأويل وتقرأ الآيات حسب قواعد اللغة العربية، في إطار المعنى العام للكتاب وسياقات الآيات. وليس في هذا عيب، فالتنقيط في اللغة العربية تأخر زمانه، واحتمال التصحيف في الاستنساخ ممكن قبل الطباعة.

بشكل عام لا يوجد ما يدل على تحريف الكتاب، أو سقوط بعض أجزائه، وهذا مهم جدا. فالكتاب الكريم واضح في معالمه الرئيسية، وفي أهدافه وغاياته وانسجامه وترابطه. كما يمكن تقديم تفسير أقرب لروح القرآن من خلال مناهج حديثة. فلا داعي للقلق من هذا الجانب. لكن المشكلة في تشبث بعض علماء ومفسرين وفقهاء المسلمين بفهم حرفي لآيات الكتاب، فيعمّق بأسلوبه الشبهات.

هذا بالنسبة للقرآن الكريم.

 أما بالنسبة لتدوين السنة في زمن الرسول فيأتي بيانه في الحلقة القادمة

 

............................  

للاطلاع على حلقات:  

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi5خاص بالمثقف: الحلقة  الثامنة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وما زال الحديث عن مصداقية أدلة كتاب: الشخصية المحمدية التي دارت حولها الحلقات الأخيرة.

 

قريش والسلطة

ماجد الغرباوي: ذكرت مرارا، أن مؤلف كتاب الشخصية المحمدية يعتقد أن دعوة محمد ليست دعوة دينية محضة، وراح يستدل على صحة رأيه بأدلة وشواهد قرآنية وتاريخية. لم يصمد أي منها أمام النقد الموضوعي. ثم أضاف في نفس السياق: (إن محمدا اكتفى بالذكر المقدس الخالد لنفسه، ولكنه أراد الملك والسلطان لقومه قريش، خصوصا لذوي قرابته الأدنين ... فلذلك جعل الملك عاما في قريش كلهم ...). وسبق الحديث عن فلسفة الشهادة الثانية. وبينت بشكل واضح، إنه لم يقصد الخلود من خلالها وثمة فلسفة عميقة، في التأكيد على عبوديته ترتبط بالغلو. ويرتبط بتأكيد رسالته هدف له علاقة بختم النبوة، ودور العقل، في إطار خلافة الإنسان على الأرض. وذكرت أن الفقه المتداول يرفض حرية العقل، على خلاف مبدأ خلافة الإنسان في الأرض. فهي مركبة من جزأين، لكل له فلسفته ودوره. وهذا الفهم للشهادة الثانية، لا ينفي تحقق خلود النبي بسببها، لكن ذات الخلود لم يكن مقصودا ابتداء، بل هو نتيجة طبيعية بفعل التشهّد في الصلاة مرارا كل يوم.

ثم سرد مؤلف الكتاب أدلته على حصر السلطة بقريش، فقال: (أما الأدلة على جعله الملك لقريش لنذكر لك ما تيسر منها: فمن ذلك قول محمد: الأئمة من قريش، وقوله: قريش ولاة هذا الأمر، وقوله: قريش أهل إمامة).

هذا الكلام يضعنا أمام سؤال جاد: ما هي علاقة الدين بالسياسة؟ وهل هناك حكم شرعي بوجوب إقامة دولة دينية أو إسلامية كي يخص الرسول أحدا بها خوفا من ضياعها؟. وهل بالفعل خصّ شخصا أو عشيرة؟. إن الجواب على هذه الأسئلة يسلط الضوء على حقيقة ما نسب له من روايات، كحديث: الأئمة من قريش. فلم يعرف عن النبي دور غير النبوة، ولم يخاطبه القرآن بصفة الزعامة والملك. وجل خطاباته: يا أيها النبي، يا أيها الرسول. بل وبعض الآيات حددت وظيفته: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا). وهذا لا يمنع إدارته لشؤون المدينة وتنظيماتها، عندما اقتضتها ضرورات تطور المجتمع المدني.

طالما أكدت بأدلة كافية أن الدولة ضرورة اجتماعية وليست دينية. فالحديث عن خصائص الدولة وشروط الإمامة أو الخلافة فرع ثبوت ضرورة الدولة دينيا، وهذا منتف، وليست ثمة أدلة قرآنية صريحة به. وكل ما كُتب عن النظرية الإسلامية ونظام الحكم الإسلامي، والإمامة والخلافة هي وجهات نظر حاولت الاستعانة بمبادئ قرآنية والتشبث بتأويلات وأحاديث موضوعة، وضرورات انتجتها عقول سياسية – طائفية. بل هي تراكمات ما بعد ممارسة السلطة. والفقه السياسي عبر التاريخ شاهد على ذلك.

 ويكفي دليلا أن القرآن أهمل عَصَبَي الحياة والمجتمع (الإقتصاد والسياسة). والفقه السياسي الإسلامي المتداول، فقه سلطاني بامتياز، تم ضبطه وفقا لمقاسات السلطان وحاجات الدولة السلطانية، التي ركزت على فقه الأقليات وأهل الذمة، ودار الإسلام والكفر بشكل خاص، فكانت قراراتها تعسفية، عانى غير المسلمين في ظلها أشد أنواع الاضطهاد، ويكفي إذلالا، أحكام الجزية وأسلوب دفعها. ولا يختلف الفقه السياسي المعاصر، عن الفقه السلطاني كثيرا، رغم تطوره، وقبوله بصيغ حديثة، لكن تبقى آراؤه وليدة رؤى اجتهادية دينية، تتهاوى مع أول صدمات النقد العلمي الموضوعي. كولاية الفقيه أو غيرها من الصيغ المطروحة.

المهم أن النبي مات ولم يكتب كتابا ينص فيه على خلافة أحد باعتراف الجميع. لا قريش ولا غيرهم. وحديث الرزية الرزية، وأحداث السقيفة شاهدة على ذلك. وهذا متفق عليه إجمالا بين المذاهب الإسلامية. فيكفي دليلا على عدم اهتمام الإسلام بموضوع الدولة، أو تركها تواكب تطور المجتمعات وحاجاتها. واكتفى ببيان مبادئ وقيم صالحة لبناء مجتمع فاضل ودولة عادلة، تقوم على موازين العدل والإنصاف واحترام الحريات. وعدم ممارسة الظلم والاضطهاد ضد الآخرين. والسبب أن الدولة كيان متطور تضر به الصيغ الثابتة، فاكتفى بمبادئ وقيم تضبط الأداء السياسي، وعمل السلطة.

هذه المقدمة تؤسس لأصل موضوعي يمكن الإرتكاز له عند الشك بحجية أي دليل يواجهنا، لفظي أم عقلي. فيكون الأصل عدم ضرورة الدولة دينيا، وعدم وجود حكم يفرض على المسلمين القيام بها كتكليف شرعي صريح من قبل الله تعالى. وهذا لا يمنع أن يقيم المسلمون دولتهم وفق مبادئ الدين وأحكام شريعته. والفرق بين الضرورتين، جواز سفك الدماء، وربما وجوبها كمقدمة لقيام الدولة، بناء على ضرورتها دينيا. كما تفعل داعش التي أهلكت الحرث والنسل. ويحرم سفك الدماء كمقدمة لقيامها، إلا بعنوان ثانوي، إذا لم تكن الدولة ضرورة دينية. وهكذا الأمر بالنسبة لبذل الأموال، والمغامرة بالأرواح، ودخول السجون. وكل هذه القضايا غير محسومة فقهيا، وثمة اختلاف حولها بين الفقهاء. وبالتالي من حقنا نقد ودراسة أي حديث منسوب للرسول حول السلطة وتفصيلاتها، بناء على عدم ضرورتها دينيا. وتفشي سياسة وضع الحديث ونشره في ظل صراع مرير حولها. وعدم وجود نصوص قرآنية صريحة بشأنها. فالشك هو الأساس في التعامل مع كل رواية يُشم منها رائحة السياسة، من أجل معرفة الحقيقة. فالرسول كما الكتاب الكريم لم يتحدث عن تفصيلاتها، فمن أين جاءوا بكل هذه الروايات التي شرعنوا بها سلطتهم وقمعوا أصوات المعارضة؟.

إن أول من روى قول الرسول الكريم: (الخلافة في قريش) هو أبو بكر بن أبي قحافة، في سقيفة بني ساعدة، عندما أشتد الخلاف بين المهاجرين والأنصار على السلطة. أو بالأحرى النزاع على مشيخة المسلمين قياسا على مشيخة القبيلة. حيث اقترح الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر سمعت رسول الله يقول: (الخلافة في قريش)، وهو الراوي الوحيد لهذا الحديث، الذي قلب موازين القوى لصالح المهاجرين. وبه حُسمت معركة الخلافة بفضل سلطة النص وقدرتها على توجيه وعي المسلم وتغيير قناعاتهم. فلما سمع الصحابة الحديث تراخوا ثم بايعوا، بفعل لباقة من بادر لبيعته في خطوة سريعة لإحراج الآخرين، فتكللت بالنجاح، وحققت كامل أهدافها، بتنصيب أبي بكر أول خليفة للمسلمين!!.

إن رائحة السياسة تفوح من هذه الأحاديث التي تشبث بها الخلفاء لتكريس خلافة قريش، وهي نزعة جاهلية لا تمت للدين بصلة، فليس هناك تفاضل على أساس عرقي أو قومي، و"إن أكرمكم عند الله أتقاكم". هذا هو المنطق القرآني. فالتفاضل دائما على أساس التقوى، بينما يحتكر الحديث الخلافة لقريش لمجرد أنهم قريش مما يتعارض مع منطق القرآن ويدفعنا للشك في صدوره عن النبي الكريم. وأنا أتحدث عن القيم بشكل عام. والعنصرية لا تدخل طرفا في تفضيل أي شخص وفقا لمنطق القرآن، بل التفاضل دائما على أساس التقوى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). وقول النبي الكريم: "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى".

والرواية لم تذكر سبب اختصاص السلطة بقريش دون غيرهم؟ ولماذا يخالف النبي الكتاب الكريم في هذه المسألة بالذات، ويتخلى عن قيم السماء؟. وهذا لا ينفي وجود أكفاء من قريش لكن الرواية مطلقة، وقد وظفها من جاء بعد الخلفاء لترسيخ سلطته وقمع المعارضة السياسية. وهذا مكمن الخطر.

وأما القيادة والخلافة فالتفاضل فيها على أساس الكفاءة، وليس النسب، كما تريد قريش، وإلا فعلي بن أبي طالب أقرب لرسول الله، لازمه طول حياته، وحامل رايته في أغلب المعارك. وهو ابن عمه، وزوج ابنته فاطمة، وأول الناس إسلاما، والجميع يشهد بكفاءته وتميزه خاصة في مجال القضاء. وهذا هو احتجاج الشيعة حول أحقيته بالخلافه.

ثم الحديث تمت صياغته بطريقة مواربة فهو يحصر المتلقي بين نتيجتين، كلاهما يصب في صالح قريش، فإما أن تفهم الوجوب من الحديث، وحينئذٍ يحرم مخالفة الرسول وأوامره. أو أنه أمر إرشادي باعتبار أهليتهم للقيادة، فأيضا إرشادات الرسول حجة لمنزلته ومكانته وصدقه وإخلاصه. أو لا هذا ولا ذاك، بل تحصيل حاصل لأكثر من مبرر يعرفه الرسول الكريم. والاحتمالان الأوليان لا دليل عليهما. والثالث وجهة نظر غير ملزمة.

المشكلة لا توجد قرائن حالية ومقالية تشرح لنا حيثيات وخلفية هذا الحديث، وما هي مناسبته؟ وكيف جرى الكلام معه حتى قال الخلافة في قريش؟ ولماذا قضية بهذا الحجم والخطورة لم يحدّث بها الرسول المسلمين علنا، ليكون كلامه حجة عليهم؟ ولماذا خص أبي بكر دون غيره من المقربين من صحابته؟. وأسئلة أخرى تنتظر أجوبة مقنعة لكنها مفقودة تاريخيا.  لكن لو سلمنا بصحة صدور الحديث عن النبي، فإما أن يكون مجرد نبوءة واستشراف للمستقبل في ضوء خبرته بقريش وولعها بالزعامة، ولا محال ستنافس الآخرين وتنتزعها ولو بالقوة والدهاء والمكر. وهذا توقع معقول وفقا لخبرة النبي ومعرفته بخلفياتهم التاريخية. أو أن يكون الحديث ناظرا لكفاءة قريش القيادية وخبرتهم في إدارة القبائل العربية، قياسا على زعامتهم لمجتمع مكة. وهذا رأي شخصي لا يفيد تزكيتهم أو تبنيهم مطلقا. بمعنى آخر، الحديث لا يُلزم أحدا، ولا يفرض قريشا دون غيرهم.

لا يمكن أن يكون الحديث آنف الذكر أمرا نبويا بتولي قريش الخلافة، لأنه سيحول دون وصول الأكفأ والأنزه من غير قريش، وبالفعل نزى على عرش الخلافة خلفاء يفتقرون للحد الأدنى من العدالة والإنصاف والتقوى والأخلاق الحميدة. بل كانوا يمارسون الرذائل والظلم والاضطهاد. كما أن الدوافع القبلية في احتكار السلطة لقريش تعصب لا يليق بنبي مرسل. كل هذا يجعلنا نشك بصحة صدور الحديث رغم شهرته الواسعة.

إن تبني النبي لأي فرد تزكية مطلقة لمجمل سلوكه ومواقفه وآرائه. فتغدو جميع ممارساته وقراراته وأقواله مستقبلا بل وإلى الأبد، حجة على الآخرين، سواء كانت حقا أم باطلا، وهذا ظلم لا يفعله رسول الله ولا يتورط به، خاصة في مجال السياسة والقيادة الملأى بالأخطاء والأخطار. بل الرسول أخطأ في اتخاذ قرار عاتبته عليه الآية صراحة: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ)؟. محمد نبي مرسل من الله وأسوة وقدوة ومثالا، فكيف يتورط بتزكية قريش؟ وماذا عن تصرفاتهم وسلوكهم، حينما تكون انحرافا عن الدين؟ وكيف نبرر إنحرافات الأمويين؟ ومن يتحمل أخطاءهم السياسية؟. لهذا أشكك بصدور هذه الأحاديث عن النبي. والرسول الكريم أرفع وأجل أن يتورط بتزكية قريش للخلافة مطلقا. وأغلب الظن لو صح الحديث فهو مجرد نبوءة، وربما كان يتألم حينما قالها. من هنا يتضح أن ثناء الرسول على الصحابة ثناء مشروط باستمرار استقامة الصحابي بعد وفاة النبي. خاصة الروايات المبشرة بالجنة. فإنها تستبطن شرطا، كان هو الأساس في تزكية الفرد من قبله، وهو استقامة الصحابي، التي هي رهان دخوله الجنة. هذا على فرض صحة صدور روايات الفضائل عن الرسول. فبعضها تفوح منه رائحة الوضع والسياسة والقبلية، كحديث: العشرة المبشرين في الجنة، الذي يكرّس سلطة قريش، حيث أن الغالبية المطلقة من العشرة ينتمون لقريش. لكن للأسف انطلت هذه الأحاديث ولعبت أدوارا خطيرة عبر التاريخ. وكل معارك المسلمين التي استهدفت الملأ من قريش، وسطوتهم وخيلاءهم، حققت انتصارا آنيا، وعادت قريش تتحكم برقاب المسلمينبباسم الدين والإسلام بسلطوية فاقعة، حتى ترسّخت القرشية شرطا في الحكم الإسلامي إلى يومنا هذا.

ومن الروايات الأخرى التي تكرّس سلطة قريش، هي الروايات التي تحدد عدد الأئمة أو الخلفاء أو الأمراء، بـ(12)، كلهم من قريش. وهي روايات موضوعة، وليس العدد (12) المذكورة في صيغ هذه الأحاديث، سوى لاحقة اضطروا لها فيما بعد لتكريس سلطة قريش. الأصل ما رواه  أبو بكر في سقيفة بني ساعدة، لكنهم أرادوا توظيف النص، لتكريس مجموعة من قريش، فأضيف للرواية الرقم (12) لتشمل مجموعة خاصة من الأمويين، وشرعنة خلافتهم، لذا لا يتورع المؤيدون للدولة الأموية من إدراج الخلفاء الأمويين ضمن العدد (12)، بما فيهم يزيد قاتل الصحابة وأهل البيت، ورغم جرائم الأمويين التي يندى لها جبين الدين. بينما يقتصر آخرون منهم على الخلفاء الأربعة وإضافة عمر بن عبد العزيز، وأما ما تبقى من العدد (12) فموكول للمستقبل، كما يقولون. وهذا مؤشر آخر على عدم صحة صدور هذه الرواية، فالعدد لم يكتمل ولن يكتمل، وفقا للمذهب السني.

وكدليل على ضعف هذه الروايات، وعدم وجود دليل على إرادة خصوص قريش منها، أقرأ صيغة الرواية المتقدمة:

(قال الراوي: وقال: "أي الرسول" كلمة لم أسمعها!!. وأضاف: قال أبي "أي أبو الراوي": قال "أي النبي" :جميعهم من قريش).

فنسبة جميع الخلفاء الـ (12) إلى قريش لم يسمعها راوي الحديث من الرسول مباشرة لسبب نجهله. ونسب سماعها إلى أبيه. وأمامك مجموعة الأحاديث كلها تروي نفس الصيغة: ففي كتاب البخاري: (حدثني محمد بن المثنى حدثنا غندر حدثنا شعبة عن عبد الملك سمعت جابر بن سمرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يكون اثنا عشر أميرا". فقال كلمة لم أسمعها. فقال أبي إنه قال كلهم من قريش) ... انظر: صحيح البخاري رقم ( 6796 ) 6 / 2640.). لهذا مع فرض صحة الحديث فليس لدينا ما يؤكد نسبتهم لقريش حصرا. ثم لا تنسَ الأهداف السياسية ودورها الخطير في توجيه وعي الناس عبر تزوير الأحاديث ونسبتها للرسول.

الشيعة أيضا يستدلون بهذا الحديث لكن بصيغة أخرى، من خلال الثغرة الموجودة فيه للإحتجاج على أهل السنة، إذ يقولون: إن راوي الحديث اعترف صراحة بعدم سماع كلمة قريش من فم النبي، من أجل إخفاء الحقيقة، إذ الرسول قال: (إنهم من أهل البيت). فبدلا من التصريح بالحقيقة أنكر سماعها. ولهم إضافة إلى هذا الحديث رواياتهم وأدلتهم الخاصة التي أكدت أن الأئمة (12) إماما، وقد ذكرهم الرسول كما يقولون بأسمائهم واحدا واحدا. فالصيغة الرسمية للمذهب الشيعي تقوم على وجود (12) إماما، وكلهم من قريش، طبقا لهذا الحديث.

الرواية مكرّسة لسلطة قريش، فلا أحد ينكرها، رغم مخالفتها لقيم القرآن. واقتصر الخلاف حول مصاديقها بين المذهبين السني والشيعي!!!. لكن كما تقدم، إن عدم اهتمام القرآن والنبي بالسلطة وشؤونها، يكفي لنفي تلك الأحاديث المتهمة بالوضع، لشرعنة سلطة خلفاء المسلمين. خاصة أن بني أمية تساهلوا في وضع الحديث خدمة لمصالحهم، وسلطتهم، وفي عهدهم انتشرت الأحاديث المنسوبة للنبي. فكانت تترى في تزكيتهم والثناء عليهم، وذم معارضيهم. فهم بحاجة لأمثال حديث الأئمة من قريش، أو الخلافة في قريش. حيث لعبت هذه الأحاديث دورا خطيرا في تكريس السلطة وحرمان كل كفوء منها. بل وباتت القرشية شرطا في الخلافة لدى الفقه السلطاني. هكذا كانت سلطة النصوص والروايات وما زالت تلعب دورا في تزوير الوعي، عندما يوظفها رجل الدين لمصالحه الطائفية.

وبهذا يتضح أن استشهاد مؤلف كتاب الشخصية المحمدية بهذه الروايات لا يخدم هدفه. فدعوة محمد دعوة دينية، وليست نهضة سياسية اجتماعية أساسا بل هي دعوة دينية تحققت في ظلها نهضة حضارية. وليس هدفها خصوص الملك والسلطة. وإلا كان ينبغي للقرآن تشريع أحكام بحجم خطورة دورها وأهميتها. بل يكفي أحداث السقيفة وما بعدها دليلا على عدم وجود اهتمام بالسلطة والخلافة. فهل يعقل أن حديثا واحدا يكفي لتغطية حاجات السلطة من تشريعات ويرسي شرعية الخلافة والخليفة؟

لكي ينهض المجتمع من كبوته بحاجة إلى وعي جديد بالتراث والماضي، لتحرير العقل من سطوة النص، وسلطته القاهرة، رغم أن التاريخ كُتب بأيدي السلطة، فاندثر الواقع، وغابت الحقيقة، وغدت الروايات مرتعا للوضع وتزييف الوعي.

نكتفي بهذا القدر في محاكمة أراء صاحب كتاب الشخصية المحمدية ردا على السؤال (67) الذي طرحه ا. د. نور الدين صموّد من تونس، لننتقل إلى أسئلة أخرى. ولا يمكن مواصلة الحديث، رغم وجود قضايا مهمة، كإشكالية الوحي، وهي الأخطر دائما في الفكر الديني. على أمل التطرق لها ضمن أسئلة بخصوصها.

 

............................   

للاطلاع على حلقات:    

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الحلقة  السابعة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وما زال الحديث عن مصداقية أدلة كتاب: الشخصية المحمدية التي دارت حولها الحلقات الأخيرة.

 

ماجد الغرباوي: تقدم ثمة حكمة وفلسفة وراء وجوب التشهّد بالشهادة الثانية "أشهد أن محمدا رسول الله" في الصلاة، إضافة للشهادة الأولى "أشهد أن لا إله إلا الله". بعد نفي التعارض المدعى من قبل مؤلف كتاب الشخصية المحمدية، بينها وبين آية: "وأقم الصلاة لذكري"، التي تقتضي عدم ذكر أحد مع الله في الصلاة. وقد ذكرت، أن الأذان والإقامة ليستا جزءا من الصلاة، كما أن للشهادة جذرا قرآنيا، بل هي نص روحا ومعنى، وقد أكدها الخالق تعالى، وفرض على المؤمنين الصلاة بمعنى الدعاء لذكره. فمحمد لم يقصد خلود اسمه، رغم خلوده واقعا. ولو كان يبغي الخلود ثمة أساليب أخرى بعيدا على الصلاة. لكن ثمة فلسفة عميقة وراءها، أبعد من التكريم، فالجزاء الديني جزاء أخروي: (عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا)، (لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا).  ولست بصدد تبرير الشهادة الثانية، بل مقاربة أدلة الرصافي نقديا، وتقديم رؤية مغايرة، كي لا تلتبس المفاهيم.

الشهادة الثانية تتكون من جزأين، أو شهادتين بصيغة واحدة: الشهادة بعبوديته لله، والشهادة بكونه رسولا لله. ولكل واحدة مداليلها، على مستوى العقيدة وفلسفة الدين ودور الإنسان في الحياة.

أما القسم الأول: فيراد منه تكريس عبودية النبي وعدم المغالاة فيه، في إجراء احترازي وقائي، خوفا من الارتفاع به فوق بشريته. أو يشطح الغلو بالمسلمين فيؤلهونه، كما فعل أتباع الديانات الأخرى، فسقطت بالشرك، قصدت ذلك أم لم تقصد: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ). فإدمان التلازم بين اسم النبي وعبوديته لله، يحول لاشعوريا دون تأليهه، ما لم يقصد المغالي ذلك عنوة. وبالفعل كذّب عمر بن الخطاب وفاة النبي وقال لم يمت محمد، وسيعود. وهي أول ظاهرة غلو في الإسلام، لكنها قمعت في مهدها بعد خطاب الخليفة الأول: (من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت). ثم عادت فيما بعد في إطار الصراع السياسي – الطائفي بين المسلمين، وما زالت ماكنة الغلو تقدم تفسيرات وتجترح طقوسا وعقائد تتقاطع مع عقيدة التوحيد، أساس الديانة الإسلامية.

الغلو وبال عانت منه جميع الديانات، بل راح بعضهم يغالي بأشخاص دون الأنبياء، ويرتفع بهم إلى مصاف الخالقية، بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال منحه جميع صفات الخالق. تصف الآية هؤلاء: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).

فالغلو لم يقف عند حد الأنبياء بل تمادى لغيرهم. وشواهده اليوم كثيرة لدى بعض الطوائف الإسلامية. من هنا تكتسب الشهادة الثانية أهميتها، عندما تضع مائزا عقائديا بين الخالق ونبيه المرسل، الذي هو أقرب شخص لله تعالى حسب الفرض: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا). فالخالق يتفّرد بوحدانيته، ويحول دون تأليه عباده. لكن رغم صرامة الإجراء وفاعليته، تحايل بعض الغلاة وجعلوا للنبي ولاية تكوينية، بمعنى القدرة على التصرف بالكون، وهي صفة خالقية (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين). ودعوى أنه جعلها لأحد من عباده محض افتراء عليه وعلى كتابه. لكنهم راحوا يسوقون تأويلات وروايات واهية لاثبات صدقيتها. وهو القائل: (قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).

الشهادة الثانية تبقى ضرورة ما دامت هناك ذهنية مولعة بالغلو، وتأليه البشر، لدواع نفسية وطائفية. خاصة أنها قرآنية المعنى. بل هناك نصوص مقاربة في صياغتها. فهي ليست أجنبية عن ألفاظ القرآن والصلاة، ولا تكون سببا لبطلانها. فالشهادة بعبودية محمد لله مترشحة عن الشهادة الأولى، ولازمة منطقية لها، لتتضح الحدود وتتخلص البشرية من ظاهرة التقديس والتأليه. بل أن القصد من الإيمان بوحدانية الله، هو تحرير وعي الإنسان من أي عبودية عداه، ولازمه التحرر من هيمنة أي سلطة فوقية، عقيدية أو دينية. فيكون مآل الإيمان بالله حرية العقل، وتحرير إرادة الفرد. فالدين لا يصادر عقل الإنسان لولا تزويره واستغلاله طائفيا وآيدلوجيا وسياسيا. وما تشاهده من ممارسات وطقوس مصدرها تراث يضج بالوضع والأكاذيب والتفسيرات القاصرة. من هنا تفهم لماذا تصر بعض الاتجاهات السلفية على إبعاد الإنسان عن القرآن واقتصار تفسير آياته على روايات تنتمي لما قبل 1000عام. إنها تبغي التلاعب بوعي الفرد والتحكم بإرادته وفقا لمصالح طائفية، ومذهبية. إنها تخشى الفضيحه عندما يقارب الناس القرآن تفسيرا واستنطاقا. فيؤكدون على تلاوة الكتاب دون تفسيره، ويفترضون لكل تلاوة ما تعجز عن وصفه من الثواب بالآخرة. كل ذلك من أجل إبعاد الناس عن الحقائق القرآنية، والاستفراد بهم لغايات معروفة.

وأما القسم الثاني من الشهادة الثانية (أشهد أن محمدا رسول الله): فأهميته تكمن، لا في الشهادة للنبي في النبوة لأنه أمر مفروغ عنه، بل في خاتمية رسالته للأديان، التي تعني نقطة تحول عظمى في مسار علاقة الإنسان بالدين، ودور الأخير في الحياة. فثمة ضرورة تقتضي الانتقال من الديانات السابقة إلى الديانة الخاتمة، لا بسبب شركها وانحرافها عقائديا عن حقيقة التوحيد، بل لأن الدين يواكب تطور عقل الإنسان وقدرته على إدراك الحقائق لذا يقول تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا). ويصف مهمة النبي محمد مقارنة بالديانات الأخرى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ). في إشارة بيلغة، تلخّص أختزال دور الدين مقابل العقل. فالدين لا يريد استغراق حياة الناس، كما يعتقد الفقهاء، بل يريد احتضانهم إلى حين نضوجهم عقليا، كي يواصلوا طريقهم في الحياة ويحققوا رهان الخلق في خلافة الأرض. فدور الدين في بعده التشريعي رعاية الإنسان تشريعيا ضمن الهدف الكلي لخلقه. أي أن دوره مرحليا يواكب عقل الإنسان وقدرته على النضوج والتطور الحضاري، إرتكازا لمبادئ العدل وقيم الإنسانية. وقد فصّلت الكلام في دراسة بعنوان: "دعوة لإنقاذ الدين من سطوة الفقهاء"، حيث بينت هناك دور الزمان والمكان في فعلية الأحكام الشرعية. وقلت: إن فعلية كل حكم شرعي تتوقف على فعلية موضوعه الذي تتوقف على فعلية جميع شروطه وقيوده. فينتفي الحكم بانتفاء موضوعه. والأحكام محدودة في كتاب الله، ولا يحق لأحد تشريع حكم جديد لأي موضوع، لاتفاق جميع المسلمين على حصر التشريع بالله تعالى. وتبقى مهمة النبي كما هو واضح من الآيات القرآنية، هي: التبليغ، والبيان، والتفصيل، والإنذار والتبشير. وعندما نشك في جعل ولاية تشريعية لأحد أم لا، فالأصل عدم جعلها. والتفصيل في محله.

لقد عاشت البشرية ردحا طويلا من الزمن على الفطرة، بلا أديان وشرائع، سوى منظومة قيم أخلاقية واجتماعية متواضعة، فرضتها طبيعة الحياة وضرورات العيش المشترك. وجملة طقوس ساذجة، تجسد حاجتهم للغيب والقوى الخفية. فامتدح القرآن قدرتهم على بناء أمة واحدة: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً). فالرابطة الإنسانية أهم عندما تختفي الصراعات، وتكون قادرة على توحيد شعوبها. فكانوا في غنى عن الدين، فلما اختلفوا: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ). فالدين جاء ليرعى ويحتضن الإنسان ويضعه على الطريق المستقيم، من خلال تشريعات تسوّي خلافاته وتحل مشاكله، مع منظومة قيم دينية وأخلاقية وعبادية تعمّق فيه روح التقوى والورع عن ارتكاب المعاصي والموبقات، وتشجعه على العمل الصالح. ومع كل رسالة تبدأ مرحلة جديدة،  يتعامل فيها الدين مع الإنسان تشريعيا، وفقا لمستوى وعيه ونضوجه العقلي. ويمكن من خلال تاريخ الرسالات الوقوف على مفاصل تطور البشرية عقليا. فمع ابراهيم كان الناس يعبدون الكواكب والأصنام، ومع موسى دانوا بالسحر وعبادة الفراعنة، فانتقلوا من عبادة الجمادات إلى عبادة كائن عاقل، يفكر، ويمارس سلطة عليا. ومع عيسى بدأت بوادر العلم وخوارقه، وأما مع محمد فقد انتقل الإنسان إلى مرحلة النضوج العقلي. فكانت رسالته إلى شعوب اتسمت بتطور مداركها العقلية. وإنسان قادر على الاستدلال، واكتشاف علل الظواهر الكونية. لذا كانت آيات الكتاب تستفز عقولهم من خلال مختلف الظواهر المحيطة بالإنسان: ألا ينظرون؟ ألا يتفكرون؟. فالقرآن واثق من قدرة الفرد على إدراك الحقيقة في هذه المرحلة، لأن التطور العقلي تراكمي، وقد عاش الإنسان تجربة طويلة، من خلالها ارتقى وعيه وإدراكه. فإحدى خصائص المرحلة الجديدة هي التركيز على العقل في إدراك الحقيقة قرآنيا. فمحمد لم يأت بمعجزة خارقة سوى القرآن، رغم إلحاح خصومه، واكتفى بإثارة العقول، وطالبهم بمحاكمة عقائدهم عقليا، ودعاهم للإيمان من خلال آيات الله. وطالما عقد مقارنات في جميع المستويات. فتطور العقل فرض أحكامه على المرحلة الجديدة، وأمامك القرآن لتكتشف حجم الجدل بين الرسول وقومه، وهو علامة على نضوج العقل وقدرته على إدراك الحقائق.

فالشهادة الثانية لا تريد نفي الأديان السابقة، ولا تريد تصحيح مسار عقائدها، لأن الشهادة الأولى حسمت الأمر في مسألة وحدانية الله، ولازمها رفض جميع أنواع الشرك، رغم إيمان الجميع بوجود خالق. وهو مدار التسامح بين الأديان. غير أن الإيمان بوجود خالق لا يكفي، ما لم يؤمن الإنسان بوحدانيته، وعدم الشرك به. فأهل الكتاب مؤمنون لكن إيمانهم غير مكتمل وفقا للشهادة الأولى. فتطالبهم بتصحيح عقائدهم، وفقا لوحدانية الخالق.

الشهادة الثانية مرحلة جديدة في علاقة الدين بالإنسان، تختلف عما سبقها من شرائع وأديان. مرحلة يتولى فيها المُهيمن الديني تمهيد الإنسان لدور الخلافة الربانية في الأرض إرتكازا لعقله. فخُتمت النبوة وإلى الأبد، (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). 

إن ختم النبوة اعتراف صريح بقدرة الإنسان على مواصلة حياته على المدى البعيد، وعدم حاجته مستقبلا للوحي أو أي ولاية دينية. وهذا سرّ توقف هبوط الوحي وبعثة الأنبياء. يؤكده عدم وجود نص قرآني صريح يجعل الولاية الدينية لأحد أو ينيط مسؤوليتها به. والصحابة لم يتنازعوا على إرث ديني، بل كان صراعا سياسيا على السلطة. وربما امتناع النبي عن كتابة كتاب للمسلمين في أيام مرضه، ليس سببه لغط الصحابة واختلافهم، كما تقول الرواية، فمحمد نبي لا يخشى أحدا، بعد أن ضمن القرآن حمايته من الناس (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ). بل كان إجراء احترازيا، كي لا تلتبس الأمور ويختلط الديني بالسياسي. ويحسب المسلمون المنصب السياسي منصبا دينيا أيضا. ولو كانت ثمة ضرورة لاستمرار الوصاية الدينية لتواصل نزول الوحي، واستمرت بعثة الأنبياء. كي لا يبقى الناس في صراع مرير منذ أمد بعيد، يتخبطون في روايات تاريخية لم تُحسم منذ 1400عام.. لكن في ختم النبوة دلالات عميقة، يُدركها أولي الألباب.

إن حاجة الإنسان للعقل باتت أكثر من حاجته لأية وصايا دينية، بعد ختم النبوة، واكتمال الدين بهذا القدر المحدود من الأحكام الشرعية المذكورة في الكتاب الكريم، ولو كانت هناك حاجة لأحكام شرعية أخرى لحدد لنا القرآن مصدرها، ولم يقل للنبي: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)، ولم يحدد مسؤوليته: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا): ولم يصف كتابه بأنه تبيان لكل شيء، رغم محدودية أحكامه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ). (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا). ولَما قالت الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). خاصة وقد سبقتها وتلتها أحكام شرعية، وهذا هو اختصاصها بدقة. فتأويلها خارج سياقها، يحتاج إلى أدلة قرآنية صريحة وهي منتفية. بهذا يمكنك معرفة مدى شرعية فتاوى الفقهاء التي غدت بالآلاف، ممن راحوا يلاحقون الإنسان حتى في طريقة تغوّطه، بحجة أن النبي كان يفعل هكذا، فينبغي التأسي به. أو يفسّرون الآيات تفسيرا غريزيا عندما يبيحون زواج القاصرات، ويُفتون بجواز تفخيذ الرضيعة. إنها مأساة التدين البسيط حينما يرتهن وعيه لغيره، ويهجر القرآن ووضوح بيانه.

غير أن منطق العبودية تغلّب على منطق الخلافة، فالإنسان يبقى في نظر الاتجاه الأول قاصرا، يجب رعايته تشريعيا، فراحت الأحكام الفقهية تتناسل، تلاحق سلوك الإنسان ومشاعره. وراح الفقيه يتوسل بقواعد وأصول، تؤسس لأسيجة مقدسة تطوّق وعي الإنسان، وتطيح بتمرده. بل اتخذ المسلمون عقولا، تفكر بالنيابة عنهم منذ 1400 عاما، وما زالت حاضرة بقوة، ترعاها طقوس، وموروثات، أغلبها موضوعة، تجدد فيه قابلية التفكير نيابة عنهم مستقبلا!!..

ثمة اختلاف جوهري بين اتجاه العبودية واتجاه الخلافة. الأول يعتقد أن الإنسان مخلوق للفتنة، والإختبار، يقتصر واجبه على تطبيق الشريعية وعدم مخالفتها والتمرّد عليها. وهو رق، قاصر، بحاجة مستمرة للقيمومة من قبل الأولياء، بما فيهم الفقهاء. لا يحق له التصرف منفردا بشؤونه المختلفة. وعليه متابعة الفقيه في جميع تصرفاته. وليس من حق أي شخص الاجتهاد مقابل النص، والنص أوسع من القرآن. لذا ما صدر في العصور الأول من أحكام وآراء تبقى مطلقة، لا يجوز ردها. وخلافة الإنسان في نظر هذا الاتجاه مقتصرة على بضع أفراد بأمر مباشر من الله. وذهنية العبيد ذهنية خطيرة على مستقبل المسلمين، تنعكس على مشاعرهم وتفكيرهم. وهؤلاء يعانون فوبيا الحرية، والتحرر العقلي. ويشعرون بسعادة عارمة حينما يقلّدون فقيها أو رواية دينية. بل انعكست العبودية العقلية على القضايا العقلية في أصول الفقه، فظهر اتجاه (حق الطاعة)، الذي يفترض لله حقا في كل المحتمل البسيط فضلا عن الشك واليقين. فتكون وظيفتك الاحتياط في كل شي، كي تحرز رضا الجبار المنتقم الذي يتربص بك (حاشا لله). لذا لا قيمة للإنسان بما هو إنسان لدى هذا الاتجاه، بل قيمته بقدر التزامه بفتاوى الفقيه. وتنعدم قيمة الآخر المختلف دينيا. والأولوية دائما للتشريع وليس للإنسان. بينما قرآنيا الدين جاء لتعهد الإنسان كي يرقى ويتطور ويمارس دور الخلافة الربانية. إن ثقافة الرق تخلق إنسانا مرهقا، لا همّ له سوى النجاة من عذاب الآخرة، مهما كان إيمانه وتقواه. ويخشى كل مسؤولية خوف من سخط الله، فكيف يتحمل مسؤولية الخلافة الربانية؟

وأما اتجاه الخلافة، فيعتقد أن الله عزوجل كرّم بني آدم، وجعلهم خلفاء بقدراتهم العقلية. ويفهمون عبودية الله بالتحرر من لوثة مطلق العبودية لغيره. فعبودية الله هي حرية العقل، بعد التحرر من كل سلطة فوقية، تفرض نفسها. والإنسان وفقا لهذا الاتجاه هو رهان الخلق، وعليه المعوّل في إعمار الأرض، والتعرف على خالق الكون بذات العقل. ومصداقية هذا الاتجاه ما حققته الحضارة من تطور وتقدم مذهل. فالدين في نظرهم جاء لخدمة الإنسان، وللأخير الأولوية على التشريع. ولا قيمة للتشريع حينما يحل بالمجتمع خطر فادح بسبه.

الإنسان مخلوق لغاية فشل المسلمون في إدراكها، بناء على تفسيرات خاطئة لبعض الآيات. فقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، لا تعني أن الهدف الأساس تكبيل الإنسان بتشريعات، تعيق إرادته، وانطلاقته الفكرية في الحياة. فهي إما أن تكون استفهاما استنكاريا على خلفية وجود مهمة أكبر من العبادة للإنسان على الأرض. لذا اقصت قصة الخلق إبليس رغم عبادته لصالح العقل، أي أدم، لأنه رهان الخلافة على الأرض. أو يراد بها مفهوم مطلق العبادة، فيكون جهد الإنسان في وراثة الأرض واستخلافها والاستفادة منها ومن قوانينها عبادة لله بالمعنى العام.

ما تقدم لا يعني انسلاخ الفرد عن إيمانه وتدينه، بل تعني بدء مرحلة خلافة الإنسان، بعد نضوج عقله وقدراته الإدراكية. فقد مضى على بعثة الرسول الكريم 1450 عاما تقريبا. فالعقل هو رهان الخلق عندما تتحقق خلافة الإنسان في إعمار الأرض، وبناء حضارة. فتجد القرآن دقيقا في تعبيره في الآية التالية:  (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ). ولم يقل: المؤمنون أو المتدينون، إنما حصر الخلافة بالصالحين. والإصلاح مفهوم متعدد الأبعاد، تُعرف دلالاته من خلال سياق الآيات. فالآية هنا ناظرة لإصلاح الأرض بجميع أبعادها بقرينة: (يرثها، والأرض، وعبادي الصالحون). فشرط وراثتها إصلاحها، وإصلاحها يعني إعمارها والاستفادة من خيراتها، ولا مانع من وجود شرط الاستقامة في الوراثة النهائية. والآية الكريمة تفترض وجود مصلح ليرث الأرض ويستعمرها. ومعنى وراثة الأرض القدرة على التحكم بها من خلال اكتشاف قوانين الكون وتسخيرها، والاستفادة من خيراتها. ومعنى ورثتُ الشيء، أي انتقلت ملكيته لي، أو صار ملكي وتحت تصرفي.  وهنا لا يصدق حرفيا مفهوم انتقال الملكية، لأن الأرض لا تملّك لأحد سوى الله عزوجل خالقها، فالمراد بورثة الأرض القدرة على التحكّم بها والاستفادة من خيراتها، ولا تعني خصوص السلطة والحكم كما يرى بعض المفسرين، رغم أن السلطة مشمولة بها، لكن لا دليل على الاقتصار عليها. فيرثها من كان صالحا، أي قادرا على إعمارها وإصلاحها بعد اكتشاف قوانين الطبيعة، من أجل إصلاح الحياة والإنسان والمجتمع، وهذا أحد أهداف خلق الإنسان: (أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا). وقد ورث الغرب الأرض منذ مئتي عام بعد اكتشاف قوانينها، فاستثمر خيراتها وطوّر حياته، وحققت الآية بعض مصاديقها. فالآية الكريمة لم تشترط في وراثة الأرض أن يكون الوارث مؤمنا أو مسلما أو أي صفة دينية أو روحية إنما اشترطت الصلاح، والبشر جميعا عباد الله.

الحضارات بنيت بتراكم جهود جبارة هائلة أثبتت قدرة الإنسان بما استودع الله تعالى فيه وفي الكون من قوانين وقدرات هائلة. فكان رهانه تعالى مع الملائكة على قدرة الإنسان في خلافة الأرض وإعمارها، الذي سيفضي إلى الإيمان المطلق بخالق هذا الكون، من خلال العقل والتجربة، وهو المطلوب. وسيثبت الزمن مستقبلا مفاد الآية المباركة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً  قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). فكان سبب استغراب الملائكة زاوية النظر عندما قالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)؟. ثم احتجوا عليه: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ). فكأنهم قالوا: كيف تجعل من يسفك الدماء خليفة ونحن نسبح بحمدك؟ فكانت زاوية نظر الملائكة منصبة هنا على البعد الإيماني في احتجاهها. فجعلت الإيمان والتقوى ميزانا وملاكا لخلافة الأرض. ولو كان خصوص الإيمان والعبادة مناطا للخلافة، لكان إبليس أحق بها، لأنه أكثر عبادة وطاعة لله، وأشرف نسلا، خلقه من نار كما قال في رده: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ، قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُخَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ).

لذا استبطن جوابه تعالى للملائكة أمرا آخر عبر عنه: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). وهو ما تجهله الملائكة حول فلسفة وجود الإنسان على الأرض ومدى قدراتها وقابلياته، فاقتصر نظرها على البعد الإيماني. بينما خلافة الإنسان أبعد، وقد أشار لها تعالى في بداية محاورته حينما عبر بلفظ الخليفة، فقال: إني جاعل في الأرض خليفة، لكنها لم تدرك مراده. فهم لم يعاصروا الإنسان ولم يعرفوا من  قدراته الخلاقة سوى سفك الدماء، بينما أثبتت الإنسانية قدرتها على مواجهة كل تحديات البيئة والحياة، واستطاعت استخلاف الأرض بجدارة، وما زال الطريق أمامها للإيمان بخالق الكون عن طريق العلم وذات العقل المتمرد.

لا يمكن للمسلمين النهوض ما لم تتحرر عقولهم من سلطة النصوص والتراث، ويفهمون الدين ومقاصده وأهدافه وغاياته، بعيدا عن الروايات التي تعكس فهماً آخر، يمثل زمن الرواية بأبعادها المختلفة. فهي روايات محترمة إلا أنها تعبّر عن ظروف وبيئة وثقافة مختلفة. فللرواية ظروفها ولنا ظروفنا، وبإمكاننا العودة للكتاب الكريم وفهم رسالته فهماً صحيحا. للأسف لم أجد من يهتم بآيات الخلق التي ترسم معالم هدف الرسالات والأديان، وهذا خطأ كبير في فهم الدين. بل وأحد أسباب جميع الانحرافات العقائدية والسلوكية، خاصة ما تمارسه الحركات الإرهابية باسم الدين والقرآن. وما تبثه حركات الغلو من ثقافات تكرس الجهل والأمية والتكاسل في الحياة الدنيا.

وبالتالي ففلسفة الشهادة الثانية متعلقة بختم النبوة، وتوقف الوحي عن الهبوط، وانتهاء بعثة الأنبياء، ليواصل الإنسان طريقه بعقله. وهذا اعتراف صريح بالعقل وقدرته على مواجهة التحديات. خاصة، مع تطور الحياة، وحاجة الإنسان إلى تشريعات تواكب ضروراته الحياتيه، فماذا يعمل مع ختم النبوة؟ فالأديان لا تصادر العقول، بل رعتها حتى أكتمل نضوجها. وهذه هي فلسفة الشهادة، كما أعتقد. والعقل لا ينفي الإيمان، الذي هو شرط قبول الأعمال في اليوم الآخر لمن يؤمن به في أكثر من 54 آية. بل يرشّده.

ولكي تدرك حكمة الله في خَتم النبوة وتوقف هبوط الوحي، قارن حال المسلمين بالتطور الحضاري الهائل. فما أنجزته البشرية كان بعيدا عن التراث وفتاوى الفقهاء. إنه العقل، رهان الخلق، وقدرة الله الخارقة، حينما يتحرر من لوثة الوعي. (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).

يأتي في حلقة قادمة

 

 ............................

       للاطلاع على حلقات:

     حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة  السادسة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وما زال الحديث عن مصداقية أدلة كتاب: الشخصية المحمدية التي دارت حولها الحلقات الأخيرة.

 

 استهداف المفاهيم القرآنية

ماجد الغرباوي: تقدم قول مؤلف كتاب الشخصية المحمدية أن (الغاية التي يرمي إليها محمد هي إحداث نهضة عربية دينية اجتماعية سياسية..). وبما أن النهضة تستبطن السلطة والحكم لذا أضاف موضحا رأيه: (إن محمدا اكتفى بالذكر المقدس الخالد لنفسه، ولكنه أراد الملك والسلطان لقومه قريش...). أي رغم أن محمدا هو صاحب مشروع النهضة الدينية الحضارية السياسية الاجتماعية، وهو أحق بالسلطة، إلا أنه تخلى عنها لقومه قريش. واكتفى بالذكر المقدس الخالد. عندما ألزم المسلمين بتلازم الشهادتين "لا إله إلا الله .. محمد رسول الله" في شعائرهم الدينية، كالأذان والإقامة والصلاة. فحقق كلا الأمرين، تكريس السلطة لقريش وخاصة أقربائه، والاحتفاظ بالذكر المقدّس ما دامت هناك شعائر دينية. وهذا توجّه دنيوي، وسلوك بشري لا نبوي، يؤكد صحة رأيه في حقيقة الدعوة المحمدية وبشرية القرآن. فكانت خطوات النبي تسير باتجاه نهضة عالمية (لذلك قرن اسمه باسم الله، ولم يجعل الإيمان شهادة واحدة بل شهادتين "لا إله إلا الله محمد رسول الله").. ولو كانت دعوته دينية محضة لاكتفى بالشهادة الأولى امتثالا لآية: "وأقم الصلاة لذكري". باعتبار (أن الدعوة التي قام بها كانت إلى عبادة الله، فكلمة التوحيد "لا إله إلا الله" وحدها كافية لذلك، غير انه جعل اسمه رديفا لاسم الله، ليكون مقدسا مطاعا عند القوم الذين يريد أن يقودهم إلى خيري الدنيا القصوى). والمقطع الأخير سلط الضوء على هدف النبي من وراء إضافة الشهادة الثانية، فهي ضرورة اقتضاها مشروعه النهضوي، رغم تعارضها مع دعوته لوحدانية الله، بل ومعارضتها لآية من آيات القرآن: وأقم الصلاة لذكري.

ينبغي التوقف أولا عند قول مؤلف كتاب الشخصية المحمدية: (إن محمدا اكتفى بالذكر المقدس الخالد لنفسه)، ثم نستأنف الحديث عن شرعية سلطة قريش. فهل كان إجراء محمد، عندما أضاف الشهادة الثانية، دينيا محضا أم قصد الخلود بخلود الشعائر الدينية والصلاة؟. ثم كيف نفهم قراره مع وجود آية تكرّس العبادة والصلاة لذكر الله، والتي لازمها عدم جواز ذكر أي شخص معه.

لا غرابة أن يكتب المؤلف بأسلوب موحٍ، وبات منهجه واضحا للقارئ. فالقرآن في نظره كتاب محمد العربي العبقري، وقد خطه بشكل يخدم مشروعه النهضوي الحضاري، فراح يبحث عن كل شاهد يمكن توظيفه لترسيخ فكرة بشرية القرآن في ذهن المتلقي، فكانت الشهادة الثانية إحدها.

هذه هي النقطة التي يروم غرسها في أعماق القارئ: أن دعوة محمد ليست دعوة دينية. وهذا هو المخفي والمتستر عليه في كلامه. فتكون مهمتنا نقد الأدلة نقدا علميا، تحاشيا لأي انزياح أيديولوجي يزوّر الحقيقة. فهدف الكتاب التشكيك في شرعية ودينية الدعوة المحمدية، وقد سقت بعض الأدلة شاهدا على هذا الاحتمال، وما زالت هناك أدلة كثيرة. وأجد في اثارة موضوع تلازم الشهادتين شاهدا أقوى. فيجب التأني في قراءة نصوص الكتاب وتوخي الحذر من الانزلاق مع تمويهات بيانه، فثمة حقائق راح يقفز عليها، وكأنها بديهيات متفق عليها. فعندما قدّم تفسيرا آيديولوجيا لاضافة الشهادة الثانية، قدمه في سياق هدف التشكيك بدينية الدعوة.

سبق التأكيد أن القرآن يشهد لنفسه في تعاليه ومغايرته وغرائبيته، وما ساقه الرصافي من أدلة لا ينفي تعاليه، سواء كان وحياً كما يؤمن بذلك المسلمون، أو إلهاما فريدٍا، فيبقى مرجعية دينية مقدسة. ثم أن الإسلام أثبت جدارته كغيره من الأديان، في ربط الإنسان بالغيب، وتعبئة معتنقيه روحيا وأخلاقيا، فليس مجديا نفي قدسيته والتعامل معه كظاهرة حضارية مجردة عن جذرها الديني. إن دراسة الإسلام نقديا كظاهرة دينية أجدى، حتى لمناوئيه. لأن القفز على الحقائق مغالطة في صميم مقدمات القياس والاستدلال. فماذا يعني صاحب الكتاب عندما يرتفع بنهضة محمد إلى درجة الفرادة حينما يقول جاء بنهضة عالمية لا مثيل لها. وبنفس الوقت يحط من قيمته الشخصية بشكل موارب حينما يصف محمدا بالعبقرية والنبوغ والعصامية، ويذيّل كلامه بأنه عبقري بحدود بيئته وزمانه؟ فكيف لشخص محدود في عبقريته يحدث نهضة عالمية لا مثيل لها؟ هل يقصد الرصافي أن ديمومة الحضارة الإسلامية كانت بفعل العرب وقيادتهم، مسلمين وغير مسلمين، وليس بفعل الدين ولو كان سببا أساسا في نشأتها، لا في استمرارها وديمومتها؟ هذا ما يكشف عنه النقد والحفر في نصوص الكتاب. فهناك هدف محوري لا يبتعد عنه. وهذا أيضا يعزز احتمال أن يكون الكتاب ضمن جهود التبشير في خصومته اللدودة مع الإسلام. فعندما يجرد الحضارة الإسلامية من بعدها الديني، وينسبها للعرب، فسوف تشمل جهود غير المسلمين. وهي بلا شك ليست قليلة، ولم ينفها أحد. الحضارة الإسلامية عنوان عام يشمل العرب وغيرهم، والمسلمين وما عداهم، فهي تراكم جهود جميع العلماء والمفكرين. بما فيها اسهامات غير المسلمين، ما داموا يعيشون في ظل دولة واحدة. ومن ينسب الحضارة لخصوص العرب للاعتراف بجهود غير المسلمين، فإنه سيخسر جهودا علمية وحضارية مهمة، تتمثل بمعطيات علوم مسلمي فارس الكبرى والأندلس، وما لحقها في مساحات واسعة من العالم.

مر بنا أن المؤلف نسب القرآن لمحمد بأسلوب لبق كما في قوله: (وقد أشار محمد إلى هذه الحالة بآية من آياته القرآنية). واتهمه باختلاق مفهوم التوحيد (ما جاء به محمد من كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" وهي من مخترعاته، التي لم يُسبق إليها على ما آرى)!!. ومن هذا المنطلق يؤكد أن محمدا يتناقض مع آياته من يحث لا يشعر، كما بالنسبة للتلازم بين الشهادتين في الصلاة. بما ينافي الإخلاص في العبادة لله تعالى، حيث قال: "وأقم الصلاة لذكري". فكيف يناقض قرآنه ويشرك نفسه مع ذكر الله؟. يقول في كتاب الشخصية المحمدية ص28-29: (ولم يكتف بذلك بل جعل على المسلمين أن يذكروه عند كل تشهد في صلاتهم التي يصلونها كل يوم خمس مرات. مع أن الصلاة إنما هي عبادة لله ينبغي أن تختص بذكر الله كما قال في القرآن "وأقم الصلاة لذكري" أي لأجلي. وكذلك جعل المؤذنين يذكرون اسمه مع اسم الله عند دعوتهم الناس إلى الصلاة في آذانهم، وكل ذلك خارج عن أصل الدعوة التي جاء يدعو بها الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له).

يأتي الاستدلال بالتلازم بين الشهادتين في سياق سلب الدعوة المحمدية دينيتها. وهذا مطلب أساس طالما أكدّ عليه، فتشعر وأنت تقرأ الكتاب أن المؤلف يقصد الوصول لهذه النتيجة في كل شاهد من شواهده التاريخية والقرآنية. وهذا أحدها، بدليل قوله: (وكل ذلك خارج عن أصل الدعوة التي جاء يدعو بها الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له). فإلزام المسلمين بالشهادتين يتنافى مع كون الدعوة خالصة لله، ويؤكد: (أن دعوة محمد ليست دعوة دينية محضة، بل هي نهضة حضارية، اجتماعية، سياسية). أو بعبارة أوضح أن الإسلام ليس دينا بقدر ما هو نهضة حضارية، كانت دعوة محمد إحدى مقوماتها. وهذا تفسير خاطئ، فالإسلام بقي دينا رغم إفول الحضارة الإسلامية بعد القرن الرابع بل ودخولها عصر الانحطاط. كما بقي الدين نافذة يطل من خلالها الإنسان على الغيب، رغم فشل كل المشاريع السياسية التي رفعت شعاراته. وماذا عن انتشار المسلمين في جميع أنحاء العالم، وهم يمارسون شعائرهم الدينية، هل يمارسونها جزءا من سلوكهم الحضاري أم يقصدون بها الامتثال لخالقهم ضمن تعاليم دينهم؟. فالدين يبقى دينا رغم كل التحولات الحضارية والتاريخية، ولنا في الديانات القديمة، التي ما زالت حية كالصابئة، شاهدا على ما نقول. فهل توارثوا ديانتهم حضاريا أم دينيا؟.

إن مرونة الاحتمالات تفضي إلى نتائج موضوعية، وتضفي على البحث صفة علمية. أما مؤلف الكتاب فيرفض المرونة، ويكتفي بقناعاته المسبقة. فينطلق من نهائيات، تضطره  للانتقائية، والتمويه، وتزييف بعض الحقائق من أجل الوصول إلى هدفه. فالكاتب رفض التعامل مع الدعوة المحمدية كظاهرة دينية، واتخذ منها موقفا حد الرهبة. فراح يبحث عن كل ما يمكن الاستشهاد به من نصوص تاريخية أو قرآنية، ولو خارج سياقها، كنفيه قدسية الدعوة، ونسبة القرآن للوحي، واتهم محمدا باختلاق فكرة التوحيد. وقد بينت سابقا أن السبب وراء اصراره السلبي، أن كل واحدة من هذه القضايا تشكل خطرا على الديانات الأخرى، خاصة المسيحية، لذا احتملت أن يكون الكتاب في سياق الجهد التبشيري المناهض للإسلام. فثبوت نسبة القرآن للوحي يعري عقائد الشرك كاليهودية والمسيحية، ويسلب شرعيتها. كما أن اتهامه لمحمد باختلاق التوحيد هي محاولة لانتشال شرعية الديانات الأخرى رغم شركها، فالتوحيد عائق عقائدي يشكل خطرا جسيما عليها. فالإيمان المجرد من التوحيد فيه مرونة الشرك، خاصة بالنسبة لعيسى في الديانة المسيحية الرسمية، فهو رب بشكل من أشكال الاعتقاد. فالتوحيد يسلبه الربوبية، ويعيد له حقيقته البشرية بعد أن سلخ الشرك نصفها: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ  فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). وهذا ترفضه الكنيسة، الراعي الرسمي للعقيدة المسيحية. فيجب الاطاحة بمفهوم التوحيد، والاكتفاء بالايمان بخالق مجرد من التوحيد. وقد ذكرت أن التوحيد ينتمي لما قبل الديانتين، بشهادة الالواح الطينية. لكن اتضح أن الكتاب يسعى للإطاحة بكل ركيزة دينية، كنسبة القرآن  للوحي، ومفهوم الوحدانية. ويبحث عن كل شاهد يعضد رأيه ببشرية الدعوة المحمدية، كالإلتزام بالشهادتين.

إن كلام الرصافي يثير علامة استفهام جادة، فمن حقنا السؤال عن شرعية الشهادة الثانية في ضوء قوله تعالى: "وأقم الصلاة لذكري". التي تكرّس الصلاة لله تعالى، فهل الشهادة لمحمد بالنبوة تتعارض مع خصوص الصلاة لله تعالى، أم ثمة تفسير آخر لها؟ وهذا يتطلب العودة لسياق الآية، بحثا عن مناسبتها، وتاريخها. وعندما نعود للكتاب الكريم نجد الآية جاءت في سياق آيات تتحدث عن لحظة اختيار موسى للنبوة وهو في الوادي المقدس عندما سمع النداء وكلمه الله من وراء حجاب. فالآية كانت ترسم له خارطة العلاقة بالخالق وفقا للنبوة، فتقول: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي). فأمره بتكريس عبادته وصلاته لله. فالآية لم تخاطب محمدا مباشرة، ولا يصدق أنه ناقض نفسه عندما ألزم المؤمنين بالشهادتين، حتى مع نسبة الكتاب له. الآية في سياقها التاريخي، ولم تشِ بملازمات واضحة، من هنا وقع الاختلاف في فهم دلالتها والتبس الأمر على المفسرين.

وبالتالي لا دليل على حصر الصلاة بذكر الله من نفس جملة (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)، رغم اتفاقهم على ذلك بأدلة أخرى، بل هي حقيقة العبودية بمطلق العبادات ومنها الصلاة. لكن كلامنا مع أدلة صاحب الكتاب، حيث احتج بها لاثبات حصرية الذكر في الصلاة لله تعالى، وهذا ليس صريحا بل وليس ظاهرا مع تعدد الآراء والتفسيرات والاستظهارات اللغوية. غير أن كلمة فاعبدني التي سبقتها تساعد على فهمها. "فَاعْبُدْنِي"، جاءت مطلقة فتكون من باب العام، ثم جاءت (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)، بعدها مباشرة فتكون من باب الخاص، ومجيء الخاص بعد العام يؤكد أهميته. "فاعبدني" تكفي للاستدلال على حصر العبادة بالله، لأنها واضحة وصريحة، فتكون آية محكمة نفسّر بها المتشابه من الآيات. وجملة (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)، جاءت منفصلة وليست متفرعة على الجملة الأولى. فلم يقل فأقم الصلاة لذكري، لكي يقال بحصر الصلاة به. بل هي جملة ثانية، مستقلة، تحتفظ بمعنى مغاير. فبعد أن أمر موسى بحصر العبادة به، أمره ثانية بإقامة الصلاة لذكره. فيقيمها من باب ذكره، تأكيدا لعبوديته. فلم تأت لحصر الصلاة به، وإن كان واقعا ينبغي أن تكون كذلك. لكن هذه الآية بالذات لا تصلح دليلا على مراده. الآية تأمر موسى بعبادة الله، وتطالبه تأكيد امتثاله باقامة الصلاة. فهي ليست بصدد بيان تفصيلات الصلاة، ولا بيان حقيقتها، لأن حقيتها معروفه لموسى، وربما كان يقيمها بشكل آخر فطالبته الآية بترشيد صلاته للتماهى مع عبادة الله. فصلاتك يا موسى من الآن فصاعدا، يجب أن تكون لذكر الله، تتوجه بها لله، تذكر فيها الله. وهذا يشي بأنها لم تكن كذلك قبل النبوة، أو كانت غير واضحة في معالمها. فكان موسى يتجه للمطلق بدون محددات.

ثم الآية مجملة، ولم تتحدث عن تفصيلات الصلاة. ومفهومها مطلق رغم ارتكاز هيئتها وتفصيلاتها بالذهن بحكم المعايشة اليومية. فهناك اختلاف في تفصيلات الصلوات بين الأديان رغم وحدة جوهرها العبادي .. تفصيلات ليست في أركانها وحقيقتها. بل في تشريعاتها وأحكامها الجزئية. ولا دليل على تطابق هيئة الصلاة في جميع الأديان، لأنها جزء من الأحكام الشرعية، وليس جزءا من العقيدة، فيشملها قوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا). وبالفعل تغيّرت بعض الأحكام الشرعية في الشريعة الإسلامية يشهد لذلك قوله تعالى، في خطابه لأهل الكتاب وهو يشجعهم ويرغّبهم بالإيمان بنبوة محمد: (.. وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ). فحجم التغيير ونوعيته يشكلان فارقا بين الشريعتين، وهي ضروة تقتضيها التحولات الحياتية وتطور وعي الإنسان. على العكس من العقيدة التي هي قاسم مشترك بين الأديان: ( .. وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ).

فالقرآن أشار للصلاة وترك تفصيلاتها للنبي وفقا للمتعارف من أركانها، التي استعرضتها الآيات أيضا كالاقامة والركوع والسجود والقنوت. فهي ضمن صلاحياته في التفصيل والبيان، خاصة مع وجود جذر قرآني للشهادة به نبيا ورسولا من الله، كالآيات التي ذكرت (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ)، على اختلاف سياقاتها، خاصة في آية: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ). فلم يأت بشيء من خارج الكتاب كي يتناقض معه، خاصة وأن الله يشهد لمحمد بأنه رسوله، فلماذا لا يصحح المؤمنين التشهد بها؟. كما أن آية: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، تأمر بالصلاة على النبي، بمعنى الدعاء. وهذا مؤيد آخر على عدم تنافي الشهادة الثانية مع روح الكتاب. بل ونابعة من روح القرآن وثقافته، خاصة إذا أضفنا لها حزمة الآيات التي تشيد به، وتفرض على المؤمنين طاعته.

إضافة الى جذرها القرآني، فالشهادة بنبوة محمد لا تخرج الصلاة عن حقيقتها كشعيرة عبادية خالصة لله تعالى، لأنها قرآنية المعنى والألفاظ وإن لم ترد بذات الصيغة تماما، لأن الله شهد بها قبل المؤمنين، وأكد على نبوته ورسالته. أما الأذان فهو مستحب وليس واجبا باتفاق الجميع، وقد اشتمل على فصول، أحدها الشهادة بنبوة النبي. ويراد به الاشعار والتذكير بحلول أوقات الصلاة. ورغم توقيفية مطلق العبادات (إذا قلنا بوجوب الأذان فيكون جزءا من العبادة) أضاف له السنة جملة "الصلاة خير من النوم"، وأضاف له الشيعة الشهادة الثالثة بولاية الإمام علي. وهذا يدل على وجود اتفاق على استحبابه. فهو ليس جزءا من الصلاة، ولا تتوقف عليه صحتها، فلا تبطل صلاة من لا يرفع الأذان. وأيضا ثمة اتفاق أغلب الفقهاء على عدم جزئية الإقامة في الصلاة، فتقع خارج الصلاة، ولا تبطل صلاة من لا يقيم لها. وما تبقى هو التشهّد الوسط والأخير في الثلاثية والرباعيات، حيث يردد المسلمون في صلاتهم: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد ورسوله). وفيها تركيز على عبودية الرسول لله، وثمة فلسفة وغاية وراءها.

لا شك أن الشهادة لنبوة محمد تخلّده بخلود الصلاة وتعددها وتكرارها. وهذا لازم لها، وليس الخلود مقصود بذاته. فلم يهدف النبي الخلود من الملازمة بين الشهادة بنبوته والشهادة بوحدانية الله. ولم يكن هو المقصود بذاته، بل كان لازما لخلود الصلاة. فقد كان في غاية الزهد كما ذكر مؤلف كتاب الشخصية المحمدية، وبعيدا عن كل مظاهر الدنيا، رغم سعة قيادته وزعامته. ومن يقرأ القرآن يتأكد له ذلك. غير أنه يقصد ما هو أبعد من تخليد اسمه.

محمد صاحب رسالة عالمية، تهدف إلى تصحيح مسار الأديان السماوية السابقة، وتدارك أخطائها العبادية، وإعادة النظر في تشريعاتها. ولو كان يقصد الخلود والقرآن كتابه وليس وحيا إلهيا كما يقول معروف الرصافي، فما الذي منعه من إدراج الشهادة في قرآنه؟ لماذا لم يتحدث بلغة الزعامة والسلطة؟ لماذا لم يصرح بخصوصيته التي تخلده؟ لماذا يدرج الآيات التي توبخه وتوبخ باقي الأنبياء؟

من يطمح للشهرة يسعى لها بكل الطرق، ولم نشاهد في سلوك محمد سعيه للسلطة والشهرة أو استئثاره بالمال العام، وأنا أتحدث عن وجود شهادات نصية تؤيد هذا. بل تقرأ على امتداد الآيات تأكيدا على نبوته وعبوديته لله تعالى. وأنه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا: (قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). وهذه الآية لخصت مهمة محمد وسلوكه العام.

يبقى الشك يراود الباحث حينما يتناول كتاب الشخصية المحمدية، فيستغرب من حجم الملاحقة لشخص محمد ودعوته، واستهداف مشروعه الديني.

أما ما هي فلسفة الإلتزام بالشهادتين معا؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................ 

للاطلاع على حلقات: 

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة  الخامسة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وما زال الحديث عن مصداقية المشروع السياسي للرسول وفقا لأدلة كتاب: الشخصية المحمدية التي دارت حولها الحلقات الأخيرة.

 

مواربات المنهج

ماجد الغرباوي: ثمة عوامل وراء رسوخ الأديان، يقع على رأسها الإيمان التقليدي، المتوارث، الذي عليه غالبية أتباع الديانات في العالم. ويتراوح مستوى إيمان غيرهم بين الإيمان الواعي، ومطلق الإنكار، تبعا لزاوية النظر. وبشكل عام قوام الأديان بالإيمان والتسليم، واشتراكها في اللامعقول العصي على التعقّل: كالوحي، والملائكة والشيطان والجن والجنة والنار.

الدين أحد مصادر المعرفة بالنسبة لمطلق المؤمنين، رغم تفاوتهم في حجمها وسعتها وشمولها. وهناك من يقدّم المعرفة الدينية على المعرفة العقلية، وهذه إحدى المناطق الهشة التي يخترقها رجل الدين بسهولة، ليتحكم بوعي الناس، ويملي عليهم تصوراته. ومن يقتصر مصادر المعرفة على العقل، يرفض أية قضية تقع خارج العلم ومعطياته. وهذا ليس موضوعنا، ولست مع تفتيش العقائد، والناس أحرار فيما يعتقدون. بما فيهم صاحب كتاب الشخصية المحمدية، ولست أيديولوجيا يروم الدفاع عن عقيدته وإن كان حقا محفوظا للجميع. غير أن سؤال الحوار كان حول القيمة العلمية للكتاب. فالبحث معه حول المنهج والأدلة التي استدل بها على صحة أقواله، فيما يخص بشرية القرآن وسلب البعد الإلهي عن الدعوة المحمدية.

قلت سابقا قد يكون الرجل باحثا علميا، وهذا حقه الطبيعي، غير أن ثغرات منهجه وأسلوبه وتحيّزه وانتقائيته، يؤكد وجود هدف وراء تأليفه الكتاب، يتلخّص في تجريد الدعوة المحمدية من بعدها الغيبي، ونفي نسبة القرآن للوحي. ليلتقي بذلك مع جهود آخرين لهم ذات الهدف. بعضهم ينكر البعد الميتافيزيقي، ويتعامل مع القرآن باعتباره منجزا بشريا، يمارس على نصوصه مختلف المناهج النقدية بموضوعية وتجرد تام.

والقسم الثاني، يتصف بموقف مسبق من الإسلام ونبيه وكتابه، مثله مثل من يستهدف التوراة والأنجيل، فهو هادف، يبحث في القرآن والسيرة والتاريخ عن مؤيدات وأدلة تدعم أقواله وموقفه السلبي وربما العدائي. فهدفه زعزعة الثقة بالدين وقدسية الكتاب، وليس دراسة القرآن دراسة علمية وفق مناهج العلوم الأكاديمية، بما فيها تحليل الخطاب، والهيرمونطيقة، والسيمياء ومختلف العلوم اللغوية وغيرها. فهو قد يوظف هذه المناهج لكن بطريقة تخدم هدفه، بعيدا عن الموضوعية والتجرد المطلوب في الأبحاث العلمية.

فكلاهما يتعامل مع القرآن باعتباره منجزا بشريا، غير أن الأول يعمل على ذات النصوص القرآنية، يقارن بينها، ويدرس خلفياتها، ويتابع أصولها في الديانات الأخرى، فيكون عمله علميا. أما الثاني فيحشّد من أجل تعضيد مهمته أدلة وشواهد من خارج النص (السيرة النبوية والتاريخ) بمنهج انتقائي يخدم هدفه، ويقدم تفسيرات سسيولوجية وأنثربولوجية وسايكيولوجية بذات الاتجاه. ومؤلف الكتاب ينتمي للقسم الثاني، من خلال ما تقدم من أمثلة واستدلالات وما سيأتي.

منذ الصفحة الأولى يعلن المؤلف حكما مسبقا يسلب من خلاله الدعوة بعدها الديني والغيبي، فيقول: (إنما الغاية التي يرمي إليها محمد هي إحداث نهضة عربية دينية اجتماعية سياسية، تكون عربية المبتدأ عالمية المنتهى، أي يقوم بها العرب بدء الأمر ثم تعم وتشمل الناس جميعا في النهاية). فمهمة محمد ليست دينية (بشيرا ونذيرا)، لمحاربة الشرك، والدعوة لوحدانية الله، واشاعة العدل والقسط بين الناس، بل هي نهضة عربية دينية اجتماعية سياسية. نهضة قد تمتاز بخصوصيتها، لكنها تبقى نهضة قادها رجل اسمه محمد بن عبد الله بحدود سنة ٦١٠م.

واضح أن الكلام حول النهضة هو استقراء لواقع ما بعد البعثة على مدى أكثر من 1400عام، وليس ثمة أدلة نصية دلت عليها.  فالنهضة لم تكن مقصودة بالذات بالنسبة للرسول. ولم يتطرق لها الكتاب، سوى نصوص دينية، يمكن أن تكون أساساً متيناً لنهضة عالمية إذا أحسن المسلمون توظيفها. وأما من حيث المبدأ فلا توجد مفاهيم نهضوية ضمن آيات الكتاب. ولم يرفع الرسول شعار (نهضة عربية سياسية اجتماعية) إطلاقا، وقد اكتفى بشعار (لا إله إلا الله .. محمد رسول الله) دون غيره. وكان لنشوء الحضارة الإسلامية في القرون الأربعة الأولى أسبابها وظروفها، رغم أن الإسلام كان قاعدتها الأخلاقية، والفكرية. لكنها ليست الهدف الأساس للدين. والأمر ذاته بالنسبة لاستمرار قريش في السلطة، فإنها استمرارية سياسية، لا يوجد دليل على شرعيتها وارتكازها على مبدأ ديني، بل كانت ثمة أسباب ساعدت على استمرارهم بالحكم. فشرط القريشية ليس مبدأ قرآنيا. بل أفرزه صراع السلطة والحكم في سقيفة بني ساعدة. فهو مبدأ سياسي – قَبَلي، يتنافى مع عالمية القرآن: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). وقول الرسول: (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى). فلا تجد أي خصوصية لقريش أو للعرب، بل هي دعوة دينية عامة. لكن مؤلف الكتاب استعان بروايات لدعم رآيه رغم تحفظه الكبير عليها، دون الرجوع لآيات الكتاب الكريم، وهذا خطأ منهجي. القرآن هو المرجع الأساس للعقيدة الإسلامية، وتطرح كل رواية تتعارض معه. وهذا متفق عليهم لدى الجميع. فالتشريع منحصر بالله تعالى، والآية تخاطب الرسول: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ). كما أن القرآن قطعي الصدور على العكس من الروايات، فلا تتقدم عليه مطلقا إلا بيانا وتوضيحا وشرحا. وسبق أن بينت القيمة المعرفية للروايات التاريخية، فأغلبها إن لم يكن جميعها مرسلة، أي سقط راوٍ أو أكثر من آخر إسناده. أو مقطوعة من أولها أو وسطها. فلا يمكن الجزم بصدورها، خاصة مع تداولها شفاهية لمدة 180 عاما. وتأخر تدوين المصادر التاريخية مئات السنين. فكيف يمكن الاستدلال بهذه الروايات؟

الغريب أن بعضهم يشيد بمنهج معروف الرصافي ويصفه أول من حاكم النقل بالعقل، واعتمد منهجا مقارنا بين كتب السيرة والتاريخ. وهذا يكشف عن عدم خبرة بعلوم الحديث والرجال والدراية. فلا تصح المقارنة ما لم نجزم أولا بصحة صدور الروايات، ومطابقتها للواقع ونفس الأمر. فكيف لا نشك بها مع وجود دواعٍ كثيرة للدس والتزوير والاضافة والاسقاط، كالجهل، وعدم خبرة الراوي بالأحاديث والروايات. والعداء المرير للرسالة، والسلطة، التي راحت توظف النصوص لدعم هذا الطرف أو ذاك. فالوضع آفة الروايات الدينية والتاريخية، ومن الصعب اثبات صحة صدورها، خاصة بعد مئات السنين من التداول الشفاهي لها. لذا مقتضى المنهج العلمي الموضوعي تكريس النقد على ذات النصوص القرآنية. وإلا ستفقد الاستدلالات المستندة للسيرة والتاريخ قيمتها العلمية. فمثلا لا يمكن الجزم بما توصل له المستشرق الألماني "تيودور نولدكه" في كتابه "تاريخ القرآن"، رغم جهوده الكبيرة، لأنه استند إلى ذات المصادر التاريخية والروائية التي لا يمكن الجزم بصحة صدورها، ومطابقتها للواقع ونفس الأمر، مع تعدد دواعي الوضع والدس في التراث. فلا يكون كلامه حجة، حتى وهو يرجّح رواية على أخرى، فلا ترجيح مع غياب القرائن الحالية والمقامية، وبالتالي نعود للقرآن شاخصا لمحاكمتها. فما خالف كتاب الله فهو زخرف كما في روايات النبي. وما لم تؤيده آيات الكتاب نتوقف بالأخذ به. وأما رواية: "الأئمة من قريش"، التي رواها أبو بكر في سقيفة بني ساعدة، فسأتطرق لقيمتها ودلالالتها ومدى صحتها.

لقد كان المؤلف وفيّاً لهدفه من تأليف الكتاب، فكان البحث يتحرك باتجاه الاستدلال على صحة رأيه، وحاول سدّ جميع الثغرات قد المستطاع. فمثلا عندما سعى لنفى دينية الدعوة المحمدية، قدّم تفسيرا حضاريا معقول لها، مستعينا بالسيرة والروايات التاريخية، وما شهده المسار التاريخي للسلطة والمجتمعات الإسلامية. وقد ذكرت فيما سبق نموذجا لها، وسنستعرض مجموعة روايات أخرى تكرّس السلطة لقريش. لنتأكد مدى صحة هذا الإدعاء. فهو لا يمكنه إنكار دينية الظاهرة، مع انتشار الإسلام. فطرح تفسيرا، صاغه أو تمت صياغته بدقة، كخطوة أولى في مشروعه. يقول: (إن الغاية التي يرمى لها محمد من الدعوة إلى الله أو من النبوة ليست بدينية محضة). فكان مجبرا على الاعتراف ولو جزئيا، وبشكل مؤقت، بدينية الدعوة. لكن الدين لا يمثل تمام الحقيقة بل ثمة هدف آخر، هو: (إحداث نهضة عربية دينية اجتماعية سياسية). وهذا لا يمكن إنكاره. وبالفعل شيّد المسلمون حضارة، خلال القرون الأربعة الأولى. وبالتالي كانت الصيغة مدروسة بعناية فائقة. الشطر الأول لا يمكنه إنكاره فاعترف به جزئيا، والشطر الثاني لا يمكن للمتلقي إنكاره مع وجود شاهد تاريخي. وهذا النص كان خطوة تمهيدية ليواصل تجريد الدعوة المحمدية من بعدها الديني والإلهي. لكن ثمة سؤال قبل مغادرة هذه النقطة: لماذا واصل الدين دوره في الحياة بعد انطفاء الحضارة الإسلامية؟ ألا يدل على وجود مغايرة بين الديني والحضاري؟ ألا يؤكد أن دعوة  محمد دعوة دينية، سواء كانت هناك حضارة أم لم تكن؟.

لقد واصل المؤلف خطواته لسلب الدعوة المحمدية بعدها الغيبي، على مستويين: الأول من خلال الشواهد والأدلة مهما كان مستوى تناقضها وضعفها. والثاني، إيحائي، نفسي، من خلال سياق كلامه. وهو الأقوى تأثيرا رغم افتقاره للدليل، عندما ينجح بترويض صدمة المتلقي وانفعاله، ويقبل من حيث المبدأ مناقشة بشرية القرآن، بعد أن كان يرفض الفكرة رفضا نفسيا قاطعا. وهذا بحد ذاته هدف مهم للكتابات التبشيرية الهادفة. وقد يتبنى القارئ الفكرة ولو على نحو الاحتمال، ويتحدث بها أو ينقدها. لذا هو ينسب الكتاب لمحمد بأسلوب أدبي لا يشعر به القارئ، وكأنها بديهة متفق عليها، فيقول كما في ص17 مثلا: (وقد أشار محمد إلى هذه الحالة بآية من آياته القرآنية). فالجملة ليس فيها ما يخالف الواقع سوى النسبة في ضمير كلمة "آياته"، فتكون محدودة في وقعها المباشر على المتلقي. لكنها تترسب في لا وعيه، وهذا هو المطلوب، بل ويعد أنجازا كبيرا على المدى البعيد.

لكن لماذا يصّر على سلب الدعوة المحمدية قدسيتها؟ لماذا لا يتعامل معها كظاهرة دينية كما هو منهج الباحثين الأكاديميين، حيث يتعاملون مع الإسلام كدين، يمتلك مقوماته أسوة بغيره من الأديان، وأهمها قدرته على ربط أتباعه بالغيب واللامعقول، وتعبئتهم روحيا ونفسيا، واستجابتهم لأوامره وتشريعاته ولو نسبيا. وهي صفة جميع الأديان.

الكتاب يتحرك بأسلوب مدروس يهدف تفكيك البعد السماوي والإلهي في الدعوة المحمدية. ويتدارك كل مؤاخذة محتملة بأدلة احترازية، فمثلا، قدم مفهوما جديدا لمعنى الصدق والكذب، مخالفا بذلك القيم والاعراف الأخلاقية. فالصدق عنده ما وافق المصلحة، والكذب ما خالفها. وهذا قد يصدق جزئيا عندما يدور الأمر بين الموت والحياة، ولكن لا يصدق في النبوات والمرافعات القضائية والعلاقات القائمة على قيم أخلاقية. بل أن هذا التعريف يعمّق روح الشك، ويحطّم أواصر العلاقات الاجتماعية حتى بين أقرب الناس، فيتسرب الشك مهما كان صادقا قائله. وقد اضطر لهذا المفهوم لتفسير ما ينسبه محمد للخالق تعالى، وهو المعروف عند العرب بالصادق الأمين. فقال: هو لم يكذب لأنه يريد الخير لأمته. بمعنى أنه ليس نبيا ويتلقى الوحي، وأنما نسب ما يقول للخالق كذبا وزورا، لكنه كذب حميد!، فيه مصلحة الناس. وهذا التفسير قد يجد أصداءه في وعي بسطاء الناس، وهذا مكمن الخطر لولا إيمانهم التقليدي الراسخ، الذي لا تؤثر فيه هذه الاستدلالات.

وحينما يشيد في أول صفحات الكتاب بالدعوة ويصف صاحبها بالعظمة، ويتحدث عن خصائص شخصيته الفريدة، (أعظم رجل عرفه التاريخ. أحدث في البشرية أعظم انقلاب عام في الدين والسياسة والاجتماع...) يختتم كلامه بأن عظمته في حدود زمانه. فهو عظيم في وقته وليس دائما. (إلا أنه في هذه الناحية لا يفوق إلا المحيط الذي نشأ فيه .. أي إن عقليته لا تتجاوز في تفوقها إلا العقلية العربية في زمانه وبيئته). وهذا الكلام رغم تناقضه يقع في سياق تفكيك البعد الإلهي للدعوة. فهو بحاجة إلى تحجيمها، وتحجيم صاحبها، فهو عبقري في حدود زمانه وبيئته. ولازم كلامه نفاد القيمة الدينية لكتابه وأقواله. فهي نصوص محكومة بظرفها، وليس لها إطلاق خارج بيئتها.

يبدو أن الدعوة ببعدها الإلهي تشكل خطرا ما على صاحب الكتاب ومشروعه، فيسعى لنقده وتحطيمه. تتضح معالمه بشكل جلي، حينما يعتبر التوحيد مجرد فكرة مختلقة، جاء بها محمد لصالح مشروعه النهضوي يقول: (ما جاء به محمد من كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" وهي من مخترعاته، التي لم يُسبق إليها على ما آرى)!!. والسؤال ما هو الخطر الذي يشكله التوحيد على صاحب المشروع، فيسعى إلى تفنيده، علما أن التوحيد يعود في بعض الدراسات إلى عهود قديمة كما دلت على ذلك الألواح الطينية؟. وكانت هناك اتجاهات توحيدية في زمن البعثة تمثلت بالأحناف، والموحدين من النصارى. وكان الرسول يصرّ عليها باعتبارها ميزة الديانات الإبراهمية، وطالما اتهم أهل الكتاب بالانحراف عنها.  لكن الرصافي ينفي تبني اليهودية والمسيحية لفكرة التوحيد، رغم إيمانهما النظري بها. وكلاهما برأيه مشرك من الناحية العملية. فلا يصدق أنهما موحّدان.

ويعود السؤال ما هو الخطر الذي تشكله فكرة التوحيد على صاحب الكتاب؟. هل يخشى الإسلام كدين إلهي على دين أخر كالمسيحية مثلا؟ اعتقد أن الاعتراف بالتوحيد سيفضح العقائد المشركة؟. وهذا بحد ذاته يشكل خطرا كبيرا عليها. فنفي التوحيد يوفّر قدرا كبيرا من الشرعية لتلك الأديان، رغم شركها. لأنها أساسا تؤمن بوجود خالق، لكنه إله مرن، لا يحتكر الربوبية لنفسه، ويقبل بنوع محدود من الشراكة. فعيسى رب في العقيدة المسيحية الرسمية، اجتمع فيه اللاهوت والناسوت. ولهم تفسيراتهم اللاهوتية. فصاحب الكتاب عندما ينفي التوحيد وهي صفة الأديان الإبراهيمية يروم تأمين شرعية الديانات الأخرى. فالتوحيد عقبة، وعقيدة خطرة تصادر الأديان والمعتقدات التي لا تؤمن بوحدانية الله تعالى. وليس في هذا الكلام طعن في مصداقيته بل هي أدلة كتابه وأقواله، التي لا تقبل الشك لصراحتها.

لا شك أن الدعوة المحمدية شكلت خطرا جسيما على الديانات الأخرى، خاصة المسيحية التبشيرية، حينما تحدت عقائدها ونافستها في مساحات واسعة من الوجود الديني الذي كان حكرا عليها. ثم تفاقم الخطر مع كل انتصار عسكري في أرجاء الجزيرة العربية وغيرها. فتفكيك البعد السماوي والإلهي يعد استراتيجية لا يمكن التراجع عنها لدرء خطر التنافس الديني. لكنها جهود محدودة التأثير فالإيمان التقليدي، ليس وليد تفكير عقلي أو فلسفي، وأنما وليد بيئة وتربية، فيكون راسخا، لا يؤثر به الخطاب التبشيري، خاصة وهو يمارس الطقوس العبادية، اليومية والموسمية.

فالكتاب يتنافس على احتكار الحقيقة الدينية من خلال سلب الآخر شرعيته، وهذا حقه عندما يكون موضوعيا، لكن تحدثت طويلا عن القرآن كونه كتابا مختلفا، لم يأت أحد بمثله إطلاقا، مما يدل على تعاليه، وعدم نسبته للبشر. فثمة مرجعية ما فوق ينتمي لها، يعبر عنها القرآن بالوحي، ويعبر عنها الوضعيون بالإلهام، الشعر، الجنون. بهذا راحت زاوية النظر تؤثر في فهم الدين وتفصيلاته. أما بالنسبة لمؤلف الكتاب فالدين، دين محمد جاء به لخدمة مشروعة النهضوي المكرّس للعرب. والمشاريع النهضوية الكبيرة الطموحة تحتاج إلى وحدة حقيقية، وتماسك أبناء الأمة بشكل لا يتزعزع بنيانها عند الأزمات. فتحتاج لرابطة قوية تؤسس لهذا اللون من الوحدة. وليس كالدين كما يقول قادر على توحيد قلوبهم: (كان من الضروري لمحمد أن يجمع كلمتهم قبل كل شي، فيكون فيهم وحدة دينية ويربطهم برابطة الإخطاء الديني ... وإذا علمت ماذا يريد محمد من وراء دعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ...). وبهذا الشكل سلب الدين قدسيته ونسبته لله تعالى، وكرّسه لخدمة هدف محمد في إحداث نهضة. فهو رجل نهضة وليس نبيا. والكتاب قرآنه، وهو منتج للنص وليس قارئا له من مصدر علوي. لأنه ليس وحيا سماويا. و"لا إله إلا الله" أو التوحيد من مخترعات محمد، ليس لها جذر ديني أو تاريخي. ثم راح يستمر لتعزيز آرائه، وتوقف طويلا حول بعثته، متحدثا عن حقيقة الوحي، وهي ذات التفسيرات التبشرية والاستشراقية، وجميعهم اعتمد التراث مصدرا لآرائه وتفسيراته. وقد بينا ما فيه الكفاية حول القيمة المعرفية للتراث والروايات التاريخية. وهذا لا يخص معروف الرصافي أو غيره من الباحثين بل يشمل حتى علماء الإسلام وفقهائهم ومفسريهم. فلا حجية لأية رواية ما لم نجزم بصحة صدورها ومطابقتها للواقع ونفس الأمر وهذا هو المستحيل بعينه بعد أكثر من 14 قرنا. لذا تدارك الأمر فقهاء المسلمين فقالوا بحجية خبر الواحد، وفق أدلة عقلية ونقلية، ومن ثم حجية أخبار الآحاد مع ضمان وثاقة رواة سند الحديث. رغم أن كاشفية خبر الآحاد عن الواقع كاشفية ناقصة وليس تامة كالخبر المتواتر، لكن الشارع جعلها كما يقولون حجة في روايات الأحكام ولا تشمل الروايات التاريخية والعقائدية. وهو منهج رخو لا يصمد أمام النقد العلمي، خاصة مع كثرة تعارض الروايات، وعدم وجود مرجحات. بل حتى مع إمكانية رفع التعارض بينها قد يكون على حساب مقاصد الشريعة، عندما يخصص العام ويقيّد المطلق. فربما المصلحة في الإطلاق والعام وليس التقييد والخاص.

لا يمكن لمعروف الرصافي وغيره سلب البعد الديني للدعوة المحمدية مهما كانت حجم الأدلة والاستشهادات التاريخية والشخصية، لأنها نجحت في إثبات صدقيتها وانتشرت أنتشارا واسعا. لكن من حق الجميع مناقشة التفصيلات. ومن الكل نسبة القرآن لمصادر بعيدا عن الوحي، شريطة قدرة أدلتها على الصمود أمام النقد العلمي. وتقديم تفسير مقنع لتعالي الكتاب. والنقطة الآخيرة هي الهاجس الذي أرّق صاحب كتاب الشخصية المحمدية فعقد فصلا لمناقشة النص القرآني بلاغيا ولغويا، وقد نسى الكاتب ثمة فارق ذوقي بين المجتمعات قدرة 1400 عام. وكان الرهان في التحدي اللغوي والبلاغي على تلك الفترة بالذات. ومهما كان عدد الروايات التاريخية لا يمكننا تصور البيئة العربية آنذاك بجميع أبعادها. إضافة إلى ما تقدم حول حقيقة الإعجاز، فليس المقصود بإعجاز القرآن جانبه اللغوي والبلاغي، بل ثمة ملاحظات عليهما. وقدمت تصورا واضحا عن مفهومي الإعجاز، وحفظ القرآن. وقلت أن القرآن تحدى بحقيقته وتعاليه ومغايرته، والدليل عدم وجود كتاب ديني منافس منذ نزول الوحي. والمقصود بالحفظ حفظ الحقيقة الكبرى في اللوح المحفوظ، وليس حفظ جميع تفصيلات الكتاب، مع احتمال الزيادة والنقصان بسب النسخ، والتصحيف.

يتبع في حلقة قادمة

 

............................  

للاطلاع على حلقات: 

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يتحدث عن قيمة الأدلة القرآنية، وفقا لما جاء في كتاب: الشخصية المحمدية التي دارت حولها الحلقات الأخيرة.

 

اشتغالات النص القرآني

ماجد الغرباوي: تقدّم أن الجميع اعترف بمغايرة وتعالي وغرائبية القرآن، وقدرته على التحدي في حقيقته، وبراعته في ربط الإنسان باللامعقول، وانشداده للغيب، وتعبئته روحيا ونفسيا. وقد تفرّد بخصائصه منذ عصر الوحي، مما يؤكد تفوقه وصدق نسبته للوحي. وهذه نتيجة مهمة، تساعد على نقد أفكار الكتاب الذي نحن بصدده، مهما كان حجم الملاحظات التي تسجل ضده. فقد نتفق أو نختلف حولها، وفقا لمنهجنا في قراءة النص، وأدواتنا المعرفية في فهم مقاصده وغاياته. المؤلف لا ينكر عظمة ما جاء به محمد، ومنذ الصفحة الأولى راح يشيد به بقوة، لكنه يرمى بنقده سلب قدسيته وتكذيب نسبته للوحي. وهذا لا يتحقق له مع اعترافه ولو ضمنيا بأنه كتاب مختلف. وقد مر الحديث عن طبيعة تحدي القرآن، وقلنا إنه يتحدى بحقيقته ومغايرته وغرائبيته، وليس في تفصيلاته. وبينا حقيقة حفظه في آية: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).

واتضح أيضا ضعف أدلته التي استدل بها على صحة رأيه، حيث يرى أن مشروع محمد ليس دينيا محضا بل ديني سياسي اجتماعي يروم من خلاله احداث نهضة. وبالتالي تحقق البعد الديني أم لم يتحقق ليس مهما، ما برح الدين وسيلة وغاية لتحقيق تلك النهضة. بذلك نفى نسبة القرآن للوحي، واعتبره منجزا بشريا، كتبه محمد لهذه الغاية. بل وأنكر جوهر العقيدة الإسلامية كما سيأتي. لكن اتضح لم يتمكن نفي نسبة الكتاب للوحي، ولم يستطع إثبات صحة فهمه للدعوة المحمدية. فقد تلاشت حضارة المسلمين بعد القرن الرابع الهجري وبقي الإسلام يمثل هوية المسلمين، يتفاعلون معه، ويدافعون عنه. ويلتزمون بأحكامه وعباداته ولو نسبيا. فلماذا لم ينطفئ مع انهيارها؟

غير أن المؤلف لم يكتف بشواهد تأريخية كأدلة على صحة رأيه، بل راح يستعين بتفسير الآيات، وتقديم فلسفة جديدة لبعض الأحكام الشرعية تخدم فرضيته. إلا أنها مجرد وجهة نظر خاصة به لم ترقَ لمستوى الدليل المعارض، يمكن نقضها في ضوء سياق الآيات القرآنية الأخرى. فمثلا: استشهد بـ"الجزية" دليلا على صحة فرضيته التي يلخّصها قوله: (إن الغاية التي يرمى لها محمد من الدعوة إلى الله أو من النبوة ليست بدينية محضة، بدليل أنه قبل الجزية من غير العرب من أهل الكتاب والمجوس، إذ لا ريب أن أخذ الجزية منهم وتركهم على ما هم عليه من الكفر والضلال ينافي أنه لم يرسل إلا لدعوة الناس كافة إلى التوحيد. أي عبادة الله وحده لا شريك له).

من حق الجميع نقد القرآن، خاصة من يعتقد أنه منجز بشري، ولست بصدد مصادرة رأي المؤلف، بل ينبغي التحلي بالموضوعية في تحري صدقية استدلالاته. وقد بينت في حلقة سابقة بعض ثغرات منهجه النقدي، التي منها سطوة قبلياته على البحث. وما زالت تلك الأحكام الجاهزة تفرض نفسها وهو يحاكم نصوص الكتاب الكريم. فضلا عن انتقائيته في اعتماد الروايات التاريخية. المؤلف انطلق من فرضية مسبقة راح يعيد بها قراءة وفهم النصوص القرآنية، ويحشد لها شواهد تاريخية، وهذا خلاف التجرد والموضوعية. فنتيجة البحث مقررة مسبقا، بها يعيد قراءة الكتاب الكريم، ولم تأت نتيجة بحث ودراسة واستقصاء، كما هو مقتضى المناهج العلمية. بمعنى آخر، الرجل يتبني فكرة، لأي سبب كان، يبحث لها عن أدلة، فتارة يستعين بالسيرة والتاريخ بمنهج انتقائي، وأخرى يلوذ بالتأويل والابتعاد عن المقاصد الحقيقية للنص القرآني. وهذا أسلوب خاطئ، ينأى به عن الموضوعية، ويفقد البحث قيمته العلمية. ويصبح كتابه كتابا أيديولوجيا، بقصد الطعن بالدين بغطاء جميل اسمه النهضة العربية الكبري، كما يعبر. لذا لا يتردد بتبنى الفكر الاستشراقي وآرائه عن الإسلام ومحمد النبي.

إن استشهاده بمثال الجزية لم يكن موفقا لأنها غير منقطعة عن سياقها التاريخي. وليست حكما ابتدائيا خص به أهل الكتاب. بل ثمة أسباب فرضت الجزية، تنتفي بانتفائها. الجزية ضريبة مالية فرضها القرآن على خصوص من أصرّ على محاربة الرسالة والرسول من أهل الكتاب، وليست ضريبة مطلقة في كل زمان ومكان فلا تشمل غيرهم. بل أكثر من ذلك، لم تفرض الجزية بدلا عن حمايتهم وعدم تجنيدهم ضمن جيوش المسلمين، كما ذهب إلى ذلك كل من عجز عن فهم مقاصدها، وجميع فقهاء السلطة لشرعنة استيفائها.

الجزية ضريبة تأديبية مؤقتة، فرضتها ظروف الحرب آنذاك، فينبغي فهم ملابساتها التاريخية في ضوء سياق الأحداث وثوابت القرآن، الذي يفسّر بعضه بعضا، وفقا لنسق آياته ومنطقه الداخلي القائم برد المتشابهات إلى المحكم من آياته. بل يجب قراءة كل قضية قرآنية في سياقها التاريخي، وإلا ستصبح الأحكام الشرعية فوضى كما هي الآن. الفقهاء قاطبة إلا ما ندر لا يعتنون بتاريخ الحكم، ولا يتحرون فلسفته، لذا تضخمت الأحكام الشرعية، وغدت سياطا لجلد الناس وقمعهم في إطلاقاتها وتعميماتها وسعتها. وبات المتدين يتعثّر بين العنف والخرافة، لا يعرف كيف يسترد ذاته وحيثيته. مغمور في مستنقع العبودية ويحسب أنه تحرر من ربقة الأوثان.

ما تقدم عن الجزية ليس دفاعا ولا تبريرا للقرآن والإسلام، بل هي منهجية فهم النص، أي نص كان، والنص القرآني منها. فأحد مشاكل الفهم الديني هي تجريد النص القرآني من تاريخيته، والتعامل مباشرة مع ظاهره دون الرجوع لسياق الآية والظروف والقرائن المحيطة بها. وهذا يفقد النصوص مرونتها، وقابليتها على التجديد وفقا لضرورات الإنسان والمجتمع.

كل نص قرآني يشتغل في دلالته ضمن سياقه التاريخي وفي إطار ركائز الكتاب ومقاصده وغاياته. والجزية ليست حكما مطلقا ليستدل به الرصافي لتعزيز فرضيته حول الهدف الأساس من الدعوة المحمدية. بل هي حكم استثنائي، مقيد بموقف الإسلام من الآخر. وهو موقف واضح صريح في عدد كبير من آيات التسامح والرحمة والعفو التي تبقى ثوابت قرآنية تفرض نفسها مهما حاول الالتفاف على فعليتها القائلون بالنسخ، المولعون بسفك الدماء، ومنهم التكفيريون الذين أهلكوا الحرث والنسل بسبب اصرارهم على نسخ كل ما سبق آية السيف التي مر تفصيل الحديث عنها في الحلقة (28) من هذا الحوار.

إن أول خطأ وقع فيه المؤلف خلال استدلاله، أو كان يقصده، حينما فسّر مراد القرآن من "دعوة الناس كافة إلى التوحيد" بإرغام الناس على الإسلام عنوة. فساوق بين الدعوة والإرغام، وهذا يتعارض مع صريح الآية الكريمة التي قيّدت النبي في دعوته للناس كافة بأن يكون بشيرا ونذيرا: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). فكيف استفاد الإرغام والجبر على الإسلام من هذه الآية؟. فهل يفهم من الإنذار الإرغام، وهو الخبير باللغة العربية؟ أم أراد التمويه على القارئ ليصل إلى مراده؟. كان ينبغي له أولا أن يستدل أن المراد بالدعوة خصوص الإرغام الذي يلازم استخدام القوة والعنف، ثم بعد ذلك يرتّب على كلامه ما يريد. والآية كما تقدم واضحة في مفادها لا تحتاج لأي عناء، أن محمدا مرسل للناس كافة، بشيرا ونذيرا، وليس أكثر من هنا.

ثم إن الموقف من الآخر المختلف دينيا قائم على عدم الإكراه فصلا عن الإجبار والإكراه: (لا إكراه في الدين). و(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا). وهذا محدد أساس في الدعوة لا يمكنه الحياد عنه، لأنها آيات صريحة واضحة فهي من الآيات المحكمة التي بها نفهم ونفسّر الآيات المتشابهات التي يلتبس فهمها أو تتعارض مع آيات أخرى. كما أن أسلوب الدعوة القائم على الحكمة والموعظة، وليس الإرغام، محدد آخر لها، يتنافى صراحة مع فهم الكاتب: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). بعيدا عن العنف والقوة والإرغام. فينبغي عدم الخلط بين سلمية الدعوة، التي هي أساس وثابت قرآني، والدفاع عن النفس الذي اضطر المسلمين لحمل السلاح.

وبهذا يتضح حجم التناقض بين الآيات وقوله: (لا ريب أن أخذ الجزية منهم وتركهم على ما هم عليه من الكفر والضلال ينافي أنه لم يرسل إلا لدعوة الناس كافة إلى التوحيد. أي عبادة الله وحده لا شريك له). فالجزية لا تقايض بقاءهم على دينهم، لأنهم أساسا أحرار، ولم يجبرهم أحد على دخول الإسلام، لذا آية الجزية لم تتطرق لهذا الموضوع ولم تطالبهم بالتخلي عن دينهم. كما إن عقوبة الاصرار على الكفر عقوبة أخروية وليست دنيوية، ما لم يكن الكافر محاربا، فيجب الدفاع عن النفس بل وملاحقته مع اصراره على حمل السلام. كما هو الموقف مع مشركي قريش.

وأما الاشتباك العسكري مع أهل الكتاب في حينه أسبابه معروفة تاريخيا، ملخصها: (خيانة، تواطؤ مع العدو، حرابة وعدوانية). فالجزية كانت إجراء تأديبيا، لخيانتهم شروط معاهدة المدينة، التي ضمنت لهم حقهم في البقاء على دينهم، لكنهم نكثوا العهود والمواثيق وتواطؤوا مع قريش ضدهم. وبهذا التواطؤ والإصراردخلوا الحرب فعلا.  فمواصلة الخيانة تكشف عن وجود نوايا عدوانية، واصرار على محاربة المسلمين والدعوة المحمدية. فيصدق أنهم محاربون فعلا وبالقوة، فيستحقون الملاحقة العسكرية، لتكرر خيانتهم وعدوانهم، حتى بات من الصعب الوثوق بكلامهم ومواثيقهم.  فالجزية قصدت هؤلاء بالذات، لذا حددت أوصافهم في إجراء احترازي، كي لا تطال العقوبة غير المحاربين من أهل الكتاب. (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ).

الآية واضحة لم تقايض كفرهم وضلالتهم بالجزية كما يعتقد صاحب الكتاب أو أراد أن يلقي شبهة في سمع المتلقي. بل كانت الجزية مقابل الكف عن قتلهم وملاحقتهم حينما استجاروا بالنبي في كل خيانة ومواجهة مع المسلمين. فالجزية تأتي ضمانا لصدق تعهدهم. وبالضرورة سيكون عدم دفعها تمردا وإعلان حرب. بمعنى آخر: فرض الجزية يدل على عدم وثوق المسلمين بمواثيق أهل الكتاب ممن تكررت خيانتهم، ودفعها يدل على حسن نواياهم وصدق تعهدهم. وهي مرحلة تاريخية لم تشمل سوى الفئة المحاربة من أهل الكتاب (وهم اليهود).

إن تطبيق حكم الجزية فيما بعد من قبل خلفاء المسلمين على غير هؤلاء المحاربين يعد تعسفا لا دليل عليه سوى تشبث غير علمي بظاهر إطلاق الآية. بل هي إرادة سياسية، لا فرق بينها وبين إعلان الجهاد، الذي انتفت فعليته بانتصار الدعوة ووفاة الرسول لكنهم أصروا على تفعيله لبسط نفوذهم وسلطانهم. وإنما أقول غير علمي لأن الآية أدرجت أوصافهم ضمن تشريع الحكم، فهي جزء من موضوع الحكم. فتختص بهم دون غيرهم. فالحكم ليس مطلقا في جميع الأحوال والأزمان، بل هو مأخوذ على نحو القضية الخارجية كما يعبّر الأصوليون، أي أن الحكم ناظر لخصوص من خان المواثيق وحارب الرسول فعلا من أهل الكتاب. فلا إطلاق للحكم في غير هذه الحالات. فهو حكم مؤقت، مرهون بظرفه، يندثر بمرور الأيام. لكن للأسف استغل الحكّام المسلمون بعد عصر البعثة الجزية في اضطهاد أهل الكتاب، وأجبروهم على دفعها بشكل مذل لكرامتهم الإنسانية على الضد من قيم القرآن التي تؤكد على كرامة بني آدم بغض النظر عن أي توجه آخر. وصارت الجزية بالفعل موردا ماليا لخزينة الخلافة، على حساب أصحابه.

إن كلمة "صاغرين" المذكورة في آية (حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)، لا تعني إذلال أهل الكتاب مطلقا وإرغامهم على دفع الجزية على كل حال، وبطريقة مذلة تهين كرامتهم. بل هي وصف لهؤلاء المحاربين التي ذكرت الآية صفاتهم، فإنهم سيشعرون بالذل جزاء خيانتهم لعهودهم ومواثيقهم، فهي عقوبة نفسية أكثر منها مادية، ترافقهم مدى الحياة. فـ"صاغرين" جاءت لوصف حالتهم النفسية وهم يدفعون الجزية مجبرين، بما جنت أيديهم، حيث يشعرون بالذلة والمهانة. وليست هي أمرا وواجبا في موازة حكم دفع الجزية، كي يجبر على أن يدفعها بشكل مذل. هذا تفسير خاطئ، لكن للأسف أن بعض الفقهاء اللانسانيين، يفسرون قوله: "وهم صاغرين" بضرب أهل الكتاب بعد دفع الجزية، وتوبيخهم، وإهانتهم. فهل ينتمي هؤلاء لقيم الدين الحنيف، أم أدوات مأجورة في أروقة السلطة؟.

كم شوّه فقهاء الإسلام دين محمد بن عبد الله؟. فطالما قدموا الروايات وسيرة الصحابة بل والخلفاء على الآيات من أجل مكاسب سياسية وعدوانية. إنها الروح القبلية الدموية تجري في عروقهم. مخجل عندما تقرأ التاريخ في تعاملهم مع أهل الكتاب خاصة ما جرى عليهم في ظل الدولة العثمانية من تمييز وأحكام جارحة لكرامتهم وإنسانيتهم، فكانوا يستبعدون من وظائف الدولة والخدمة العسكرية إرتكازا لهذه الآية. لقد كان اضطهادا حقيقيا أعان عليه رجال الدين ومشيخة الإسلام بحجة تطبيق الشريعة فشوهوا معالم الدين وسماحته. لقد كان الجزية في زمن الدولة العثمانية ابتزازا مقصودا، تسبب في تأليبهم ضد سلطنة الخلافة وضد كل ما ينتمي للإسلام من أحكام وشرائع. فاضطروا لتشكيل جمعيات سرية سعيا للتحرر من قبضة الشريعة والسلطة العثمانية. فكانوا وراء أغلب حركات التحرر العربي، والدعوات التي ارتفعت ضد العثمانيين. وهذا رد فعل طبيعي يفعله كل مضطهد في العالم، لا يلامون عليه، ما لم يصل حد الخيانة والتواطؤ ضد الاستعمار.

كان ينبغي لرجل الدين اتخاذ موقف صارم ضد اضطهاد غير المسلم، وكان عليهم أيضا الاصطفاف معهم ليبينوا لهم حقيقة الموقف الإسلامي، وحجم تباينه مع السياسة العثمانية. إنه حديث مؤلم يجرح القلب. كان ينبغي اللجوء إلى القرآن لفهم مقاصده وأحكامهم، لكنهم يلوذون بالتاريخ والسيرة بما في ذلك سيرة الصحابة بل وسيرة خلفاء المسلمين من أجل شرعنة السلطة، ولو على حساب الدين وقيمه. "صاغرين" وصف لحالتهم خلال الدفع. ولو كان أمرا شرعيا لجاءت الكلمة بصيغة الأمر أو ما يدل عليه. وهذا منتفٍ، وهم يعلمون ذلك جيدا، لكنهم يتوسلون بروايات لا يمكن الجزم بصحة صدورها. وعمدة أدلتهم ما ينقل من سيرة الصحابة والخلفاء المسلمين.

ثم يقول صاحب الكتاب: (فقبول الجزية من هؤلاء دون مشركي العرب يدل دلالة واضحة على أن الغاية ليست بدينية محضة، إنما الغاية التي يرمي إليها محمد هي إحداث نهضة عربية دينية اجتماعية سياسية، تكون عربية المبتدأ عالمية المنتهى، أي يقوم بها العرب بدء الأمر ثم تعم وتشمل الناس جميعا في النهاية). وهذا فهم ينسجم مع قبلياته، وهو وجهة نظر خاصة به، أصرّ عليها لتأكيد صحة آرائه.

لكن لماذا لا نفهم الأمر بشكل مغاير؟. فالثابت تاريخيا أن النبي واصل حربه ضد قريش حتى فتح مكة. بينما اكتفى بالجزية دون ملاحقة أهل الكتاب، مراعاة لدينهم، وارتكازا للآيات التي حددت طبيعة العلاقة بهم. ولا شك أن دفع الجزية أهون من القتل رغم عدوانية العدو. وقد خفف على أهل الكتاب وشدد على مشركي الجزيرة العربية. كما له موقف مسبق حينما أجلى بعضهم دون حرب وقتال (بني قينقاع وبني النضير)، وهذا موقف مسالم، غير عدواني، مع قدرته على قتلهم. بل في وثيقة المدينة التي كتبها من أجل عيش مشترك دليل واضح على حسن نواياه، واحترام عقائدهم ودياناتهم. لكنهم خانوا العقد والانحياز للحرب مع قريش، فكانت الجزية إجراء لا بد منه تفاديا لسفك دمائهم.

فالكاتب جانب الحقيقة عندما رادف بين الدعوة إلى الناس كافة والإرغام، من أجل الظهور بنتيجة تخدم هدفه، ومفادها: أن الدعوة للناس كافة تقتضي إرغامهم عليها، لكنها تنازل عن هذا المبدأ وأخذ الجزية من أهل الكتاب لتأمين ميزانية النهضة العربية. لأنها بحاجة إلى مال، يقول: (ولا شك أن مثل هذه النهضة تحتاج في سيرها وتكاملها إلى المال، ففتح لهم هذه الموارد المالية).

ثم ما قيمة عوائد الجزية (آنذاك) قياسا بما غنمه المسلمون من حروبهم؟ وكم هو عدد الملزَمين بدفعها كي تصبح الجزية رافدا أساسيا لخزينة الدولة الإسلامية في زمن النبي؟. لقد ذكرت ضمن تحفظي على فتوحات الخلفاء المسلمين في كتاب: تحديات العنف، أن هدف الغزوات بعد النبي لم يكن دينيا، بل هي حروب توسعية، تهدف أيضا إلى إشغال المسلمين بالحروب، بعيدا عن مركز الخلافة، وملاحقة الخليفة بالنقد والمتابعة. والحصول على أكبر كمية من الغنائم، التي تعد مصدرا أساسا لميزانية الخلافة. ولماذا لم يكتف النبي بتشريع الزكاة رافدا للنهضة العربية، وهي ضريبة شاملة، تشمل حزمة واسعة من الأموال، ولا تستثنى أحدا. صاحب الكتاب عمم عائدات الجزية بأثر رجعي لتشمل ما تقاضاه النبي والصحابة من أهل الكتاب. والأمر ليس كذلك حيث توسعت الفتوحت وشملت الجزية أعدادا كبيرة فيما بعد.

وبالتالي لم يكن الرصافي موفقا في فهمه لتشريع الجزية، الذي هو تشريع مؤقت، مرحلي، فرضته ضرورات توتر العلاقة، ودخولها نفق المعارك العسكرية، مع اصرار الآخر على الحرب. ولا يمكنه الاستدلال به مع وجود تفسير موازٍ. وما ذكره لحد الآن من أدلة لا يدعم فرضيته: بأن غاية محمد إحداث نهضة شاملة يقودها العرب، بل احتمال أن دعوته دعوة دينية محضة ما زال هو الأرجح. ولا مانع أن يدفع الدين باتجاه نهضة شاملة، لكنه من حيث المبتدأ دعوته دعوة دينية لنبذ الشرك وتوحيد الخالق.

يتبع في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com