حوار مفتوح

majed algharbawi13احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثانية والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

سؤال الوجود

ماجد الغرباوي: كان سؤال الوجود وراء استعراض قصة الخلق في الكتب المقدسة. ذلك السؤال الذي لازم الإنسان، يستفزه بدهشة، ويطرح عليه أسئلة مصيرية، تارة تكرّس التشاؤم والعدمية واللاجدوى حد اليأس والإنكفاء. وأخرى تدفع باتجاه التأمل والبحث والتنقيب، لمعرفة حقائق الأشياء، فكان ينبغي للخطاب الديني تقديم رؤية وافية تبدد شكوكه، وتجيب على أسئلته، حول حقيقة الوجود والإنسان والموت وحياة ما بعد الموت والخلود، مبدأ الخلق ونهايته وغاياته، وغيرها. فهو قلق يعبّر عن نفسه بأسئلة واستفسارات فلسفية. وقد وصفت الآية قلق الإنسان بالهلع: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً). اختزال مكثف لمعنى القلق المصيري، وهواجس النفس البشرية، التي هي صفة عامة تتفاوت من شخص لآخر. والأنبياء أشد قلقا حول حقيقة الوجود والخلق ومصير الإنسان، وكان كل نبي قد قطع مراحل من الشك والحيرة والاندهاش قبل بلوغه مرحلة النبوة والانفتاح على آفاق الغيب، وطالما اعتكف يبحث ويتأمل، يقلب وجهه في السماء والأرض، وكانت تجاربهم تجارب إنسانية عميقة، تكابد من أجل معرفة الحقيقة وبلوغ مرحلة اليقين والاطمئنان الذي يوازن قلقه المصيري عبر معارج الروح. هذا إضافة إلى همومه الاجتماعية والسياسية، وما يحيط بالناس من ظلم وجور. فالأنبياء لهم تجاربهم، لكن رغم دوام المجاهدة والرقابة الأخلاقية الصارمة وقوة الإرادة والصبر على العبادة، يعصف بهم الشك أحيانا، غير أنه شك في عين المعرفة، وقد استعرض القرآن مشاهد من شكوك دفينة للرسل كإبراهيم وموسى، كي نتمعن بتجاربهم ونفهم أن الشك ظاهرة بشرية تعكس يقظة الوعي، وقدرة فائقة على التأمل والتركيز. يشترك فيها الأنبياء والفلاسفة، غير أن النبوة ترقى بالروح الإنسانية، وتسمو بها في عالم مختلف، فيكون دليلها روحيا وجدانيا راسخا ومشاعر يقينية بفعل مشاهداتها وما تحققه النفس من فتوحات على صعيد الحقيقة والاقتراب من العقل الكلي. ورغم منزلة إبراهيم إلا أنه طرح سؤال الشك: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، وشكه يمثل أعلى درجات اليقين، فهو مؤمن يتوق لتجلي قدرته في الخلق. وأيضا موسى الرسول الكريم: (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ). ولعل أوضح الأمثلة حياة محمد قبل البعثة حيث كان التأمل والتعبد والتحنث يستغرقه، تارة بمعزل عن الناس وهو معهم، وأخرى في خلواته مع نفسه وخالقه، وقد مر بحيرة عاصفة، ذكّره بها القرآن: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ). ولا يعني الضلال الزيغ بالضروة، بل يقصد به خصوص الحيرة، بدليل "فهدى". والحيرة يصدق عليها مفهوم الضلال بمعنى عدم الهداية وقد يفهم منها ذلك بقرائن.

ولما كانت الكتب السماوية رسائل السماء إلى الأرض، ورسائل الخالق لمخلوقه لهدايته وترشيد وعيه، فهي معنية بتساؤلات الإنسان، خاصة سؤال الوجود. فتجد القرآن صريحا لا يقفز على الحقائق، حيث شغلت مسألة وجود الله ووحدانيته والإيمان باليوم الآخر مساحة كبيرة منه في 4000 تقريبا. وكل آية تعالج إشكالا ما. ولم يصدر عن الكتاب توبيخا لغير المعاندين، ممن لخصتهم الآية: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ). واعتبر القرآن جميع الأسئلة والشكوك مشروعة، ينبغي التصدي للإجابة إليها.

فسؤال الخلق عميق في وجدان النبي، وهو سؤال مركزي في جميع الأديان، والشغل الشاغل لجميع التجارب الدينية والروحية. سؤال الحقيقة سؤال إنساني، ينبغي مقاربته برؤية مستنيرة، (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ). فثمة حقيقة متوارية، من الصعب الإمساك بها بعيدا عن الروح واشراقاتها الوجدانية، أو يبقى الإيمان بها نظريا باهتا، لا يتجلى في سلوك وأخلاق الفرد، وهنا يأتي دور الشعائر والطقوس الدينية. وبالتالي فقصة الخلق جاءت صدى لتساؤلات تطفو وتغور. تعصف بالنفس البشرية، وقودها دوامة الشك، وحُجُب الحقيقة. فالكتب المقدسة إذاً معنية بها، باعتبارها مصدر المعرفة الدينية، رغم التفاوت بين التوراة والقرآن، غير أنها جاءت في الثانية مكتنزة بدلالاتها الرمزية، ولم تقف عند مبدأ الخلق ومنتهاه (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى). ولم تكتف بإضفاء معنى لحياة الإنسان ومماته ودوره في الحياة، وتناولت موضوع المعرفة الإنسانية، وكيفية تراكم المعلومة.

وقد اختار القرآن لعرض قصة الوجود أسلوب القصص الرمزي، لضمان أداء دلالي حيوي، يثري تأويل النص، ويحرره من سجن اللغة والتاريخ. والأسلوب القصصي أسلوب قرآني فريد في قدرته على توصيل الأفكار كقوله: (ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)، فهو حوار رمزي، يؤكده افتقارهما لمَلَكَة الكلام. غير أن التأويل قادر على استنطاقهما، وهكذا هو العرض القصصي الحواري لقصة الخلق. لأن الغرض الأساس هو بيان  فلسفة الخلق، فيكون الرمز أوفى وأقدر على كشف أبعاده.

إن سؤال الوجود ليس عبثا بل هو طاقة فكرية - تأملية هائلة عندما يجيد الفرد توظيفه لملاحقة الحقيقة. وهو سؤال النبوة، عندما يستغرق النبي قبل بلوغها في التأمل والتفكير، ويشغله سؤال الوجود، ويستفزه قلق المصير. فسؤال الوجود يحفّز لمواصلة التأمل والاستغراق بحثا عن أجوبة تعمّق روح الإيمان، وتكرّس الشك طاقة روحية تتطلع للمزيد من السمو والابحار ماوراء ظواهر الأشياء. وهذا يفرض فهم قصة الخلق في سياقها القرآني، وعدم ارتهانها لتفسيرات أيديولوجية، فهي تأبى سجون اللغة والتاريخ استجابة لحيويتها.

الخطيئة

جاءت خطيئة آدم في سياق قصة الخلق كدالة على تطور العقل، من التلقي المطلق لدى الملائكة (لَا يَسْبِقُونَهُۥ بِٱلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِۦ يَعْمَلُونَ)، ثم بوادر العقل المريد مع آدم ومعرفة الأسماء كلها، وهي مرحلة وعي الذات وأبعادها الوجودية حينما أنبأهم بالأسماء. وكان قبل ذلك قد تعلمها من الله. وأخيرا مرحلة التجلي الإنساني قبل هبوطه إلى الأرض، وهي مرحلتا الإدراك والإرادة الفعلية. حيث أدرك جوهر التمايز بين الأشياء، الشجرة المحرمة، التي تعني الضد النوعي للإباحة، لسبب ما أثار فضوله، وقد خمّن أنها شجرة مباركة، تفيض عليه وجودا ملائكيا وخلودا دائما، من وحي معارفه المحدودة، مهما كانت درجة احتماله بسبب نقص الخزين المعرفي. ثم قرر بإرادته وتحمل مسؤولية قراراه، وبهذا تجلت بشريته. فكانت الجنة مكانا لاختبار حريته وإرادته كشرط أساس لتحقق إنسانيته ووجوده. وقد عبرتا عن نفسهما بالخطيئة. فالخطيئة ترجمة عملية لحرية الفرد وإرادته المسؤولة. كما أنها تعكس قلق النفس البشرية حينما تواجه مسؤولية قراراتها الشخصية حدَ معصية الخالق.

لقد مثّل آدم دور الطفولة البشرية، وكان استعدادا خالصا، تنقصه المعلومة التي يتمكن من خلالها تشخيص الحقيقة. وكان في مرحلة تأسيس المعرفة من خلال ما يتلقاه من معلومات ليبدأ في ضوئها العقل بممارسة دوره. فكانت أول تجربة حياتية هي تجربة اختبار لإرادته وحريته ومسؤوليته. فهو لم يعرف شيئا عن الشجرة، ولم يعرف لماذا حذّره الخالق من الاقتراب منها: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ). فليس لآدم تصور عن الموضوع سوى ما أخبره به الخطاب الإلهي. بما في ذلك الإيمان، الذي كان هشا بسيطا، لم يصل حد الجزم واليقين الذي يحول دون معصيتهما للآوامر الإلهية. ولو لم يخرجا من الجنة لم يعرفا شيئا عن معنى العقوبة، فقد هبطا للأرض بتجربة غنية جدا رغم بساطتها، حدها الأدنى هناك حسن وقبح، وخير وشر، ثواب وعقاب. فكانت تجربة ضرورية، عاشها آدم مع هواجسه، التي وصفت بالشيطانية لسلبيتها في مقابل هواجس الخير: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى). فآدم لم يعرف شيئا عن حقيقة الشجرة سوى أنها منهي عن أكلها، وقد لا يعرف شيئا واضحا عن مفهوم النهي وعواقبه الوخيمة عندما يكون نهيا إلهيا. والآن قدم لهما الشيطان أو التصورات النفسية معرفة جديدة عنها، معرفة مغرية: "خلد، وملك لا يبلى". فكانت التجربة السبيل الوحيد أمام آدم للوقوف على حقيقة الأمر: (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ). فالتجربة كانت مصدرا لمعرفته حينما عجز العقل عن إدراك الحقيقة سوى تخمينات أولية، وبعد أن ذاق ثمرها عرف ثمة آثار تكوينية تترتب على أكلها، فكان النهي إرشادا لهذه الآثار، حيث أخرجته من الجنة، عندما تفجرت مشاعره وأحاسيسه وغرائزه الجنسية، وصيرورته إنسانا ببعديه العقلي والعاطفي. فهو لم يرتكب عملا يستحق عقوبة جزائية كما في كثير من الآيات التي ترتّب عقوبة أخروية على إرتكاب المعاصي، وكان النهي تحذيرا من عواقب ما يطرأ عليه من تحولات فسيولوجية. لذا فإن القائلين بعصمة الأنبياء ذهبوا إلى أن آدم ترك الأولى ولم يرتكب معصية حقيقية. ومن يرد ظاهر اللفظ يمكنه ذلك، لأن القرآن يصفه بـ"غوى"، "عصى". وللتأويل دلالاته، فالخطاب السماوي لم يقل إذا اقتربت فجزاؤك كذا، بل كان خطابا تحذيريا مما سيترتب عليه من آثار تكوينية، تنتقل به من فضاء اللجنة، التي تتطلب وجودا ملائكيا، إلى الأرض التي تستدعي إنسانا يواكب الحياة ويتطور، وسيكون مقامه مختلفا ند الله وفقا لما جاء في الخطابات القرآنية.

فالخطيئة جاءت في سياق تطور العقل البشري، وكان يجب أن تقع، لتعبر عن حقيقة الإنسان، غير أنها غدت ركيزة الفهم التراثي لمفهوم الدين. وصار مفهوم الخلافة رغم ثرائه ورمزيته وقوة دلالاته، اختبارا بسيطا لآدم، لكنه غوى، وكان جزاؤه الخروج من الجنة. هذا الفهم لا يريد التدبر في آيات الكتب السماوية، فقد جاء في القرآن الكريم: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ). فالتوبة قد تحققت قبل الهبوط وتولي مقام الخلافة، بل في آية ثانية الأمر أوضح:

(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا، وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى، فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى، إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى، فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى، فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى، قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى). فرغم خطيئته تاب الله عليه واصطفاه ليكون خليفة فعليا للأرض، وهي المهمة الكبرى له. وهذا لا يتنافى مع قوله: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى). لأنك سترتكب المعصية باختيارك، فتتحمل وزرها، وهي الخروج من الجنة، وهذا لا يعني بالضرورة أن هبوطه للأرض جزاء معصيته، مهما كانت رمزيته، فقد تاب الله عليه واصطفاه. لتبدأ مرحلة جديدة في حياته، ويتعلم من أخطائه كيف يتصرّف مستقبلا.

وبالتالي فالتوقف عند حدود الخطيئة لا ينسجم مع مفهوم الخلافة. إذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة. والخليفة هو آدم الإنسان، بكل ما تعنيه كلمة إنسان، واستعداده الفطري لعمل الخير والشر (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). فالخليفة لا يتعالى على شرطه الإنساني، ولا تضر بصدقيته الخطيئة، ولن تكون هي المقصودة في الآية، لأنها بصدد بيان كيفية ممارسة حريته وإرادته كشرط أساس لصدقية مفهوم الخلافة الأرضية. فهو لم يستبعد من الجنة لخطيئته بل هبط إلى الأرض ليمارس دوره الخلافي، بعد خوضه تجربته الإنسانية. وبالفعل أن لازم الخروج من الجنة الهبوط إلى الأرض، ومهمة شاقة، وسيشقى فيها الإنسان: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). فالهبوط للأرض شرط خلافة الإنسان. بل ليس المقصود بالجنة جنة الخلد أو جنة أرضية، كما شغل الخطاب التراثي نفسه بها، وألف ووضع قصصا عجيبة حولها. فهي هنا تعني كمال البقعة التي استوطنها آدم وزوجه، كما هو دارج لدى الناس حينما يصفون بيتا يقولون: بيت كأنه جنة، وصف لمثاليته في خدماته وإمكانياته: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى، إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى، فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى). أي أن كل هذا مشروط بعدم المعصية، التي تعني استخدام العقل وهامش الحرية والإرادة التي هي لوازم وجودة للإنسان، فيخطئ عندما يستجيب لرغباته ونزواته.

المعرفة البشرية

ثمة بعد آخر في قصة الخلق متعلق بالمعرفة يمكن رصدها من خلال سياق حركة آدم، فتعّلم آدم للأسماء كلها، تعبير آخر عن استعداده التكويني للتعلم واكتساب المعرفة، التي هي عملية مركبة، ليست بسيطة تقف عند حدود التلقي والطاعة المطلقة. فهي تلقٍ وإدراك لمعاني الأسماء، وطريقة استخدامها، مما يتطلب تشخيص الواقع وتحديد اللفظ المناسب. أو تحديد المفهوم كصورة ذهنية وتخصيص لفظ منتزع من ذات الصورة، قياسا بغيرها من الصور الذهنية الأخرى. وهي عمليات تلقائية لا شعورية، تقف وراء معرفة الإنسان وكيفية توظيفها. وهذه هي مرحلة وعي الذات، حينما يعي الإنسان ذاته.

ليس هناك خصوصية للأسماء وما هي حقيقتها كما هو دأب العقل التراثي الذي يهتم بجزئيات لا علاقة لها بجوهر الأشياء. وكل الأسماء لا تعني بالضرورة كل مفردة من أسماء الوجود أو أسماء ما يحيطه من أشياء وصور ذهنية، بل تعني القابلية والقدرة على التحليل والتشخيص وانتزاع الصفات وتسمية الأسماء. نفهم هذا من كلمة "علّم"، ولم يقل أخبره بالأسماء كلها، فيكون دوره دورا مرآتي، يردد ما سمعه. بل كان ينبئهم بها من خلال ما أودع الله فيه من قابليات المعرفة، وتعدد الطرق لاكتسابها. والعمليات الإدراكية تعمل لا شعوريا بشكل معقد جدا، حيث تترابط المعرفة، وتنتقل من المجهول إلى المعلوم، لتبدأ مرحلة الشعور.

وأما في الجنة، فكان آدم بكامل استعداداتها الفطرية والإدراكية فعلا. إضافة إلى استعدادات كامنة بانتظار شرطها لتنتقل من القوة إلى الفعل. وهذا ما حصل بعد أن مارس آدم حريته واختار بإرادته.  فالجنة كانت مثالية في شروطها المادية، وله أن يعيش رغدا بلا عناء ومسؤولية وشقاء، كما تصف الآية. لكنها لم توفر له المعرفة التي تشبع فضوله، وتجيب على أسئلته، فالإنسان مجبول على التفكير، توّاق لمعرفة حقائق الأشياء، واكتشاف المجهول، وهي نزعة إنسانية، ساعدت على تطور الإنسان في الحياة الدنيا.

لا شك أن الجنة أدهشت آدم بتنوعها وغناها، لكنه عاش نوعا من الاغتراب بفعل النهي عن أكل الشجرة، فأراد التحرر من أسره واكتشاف الحقيقة بنفسه، فبدأ تلقائيا يدرس أطراف القضية، ويضع احتمالات ممكنة لمبررات النهي، فانتهت هواجسه / الشيطان إلى أن النهي ليس نهيا تحريميا، بل هو حرمان من تكامل بشري، قياسا على الملائكة ومكانتهم: (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى). فسقط في فخ الحيرة والامتحان. هل يلتزم بالنهي أم يأكل الثمرة ويحقق آماله في الخلد وملك لا يبلى؟. أما بالنسبة للنهي، فتقول الآية: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا). سواء كان النسيان بمعنى عدم التذكّر، أو نسى ما ينطوي عليه التحذير من تداعيات. وبما أنه في بداية المعرفة فربما كان يعرف أنها منهي عنها، لكن لا يدرك مآلات النهي حداً تنقطع معها هواجسه وشكوكه ودهشته. فلجأ للتجربة سبيلا لمعرفة الحقيقة، بعد أن أخبره الشيطان أو هواجسه النفسية إنه أمام شجرة الخلد. فالتجربة كانت ثاني مصادر معرفته بعد الحس. فاتخد من التجربة دليلا لمحاكمة معارفه الحسية. وبهذا يتضح دور التراكم المعرفي في تطور المعرفة لدى الإنسان، وهو درس مهم جدا في قصة الخلق. وهنا آدم لم يكتف بالمعرفة الدينية ودشن التجربة دليلا لمعرفة الحقيقة!!. والكلام حول المعرفة، لا حول الخطيئة.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com


 

 

majed algharbawi11احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

مفهوم الخلافة

ماجد الغرباوي: يقصد بالخلافة لغة: (الخلافة: النيابة عن الغير، إما لغيبة المنوب عنه، وإما لموته، وإما لعجزه، وإما لتشريف المستَخلَف، وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه في الأرض). أنظر (المفردات  في غريب القرآن). ولا يختلف معناها الاصطلاحي عن المعنى اللغوي كثيرا. الخلافة: هي أن يخلف شخصٌ شخصاً آخر. يقوم مقامه ويمارس صلاحياته عند غيابه. فيكون غياب المنوب عنه شرطا عرفيا في المعنىى الاصطلاحي، لذا لا يرجع الناس للخليفة مع وجود المنوب عنه وعدم وجود مانع. أو هكذا تعارفوا عليه. بينما الغياب ليس شرطا في المعنى اللغوي، مادام يصدق على التشريف، كما بالنسبة للأنبياء.

وأما الخلافة الربانية التي تحدثت عنها الآيات، فإنها أعمق دلالة من المعنيين اللغوي والاصطلاحي. لا تفويض ولا نيابة ولا حاكمية عن الله. فلا يرد كيف يكون الإنسان خليفة مع وجود الخالق أو المنوب عنه. الإنسان في الخلافة الربانية قائم بذاته، لديه استعداد فطري لعمل الخير والشر. الهداية والضلال. الحب والكره. وفي جميع الأحوال يتحمل مسؤولية قراراتها وتداعيات سلوكه. لذا حتى حتى من يبلغ درجات رفيعة في إيمانه، قد يتمرّد على الله، كما في قوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).

إن مفهوم الخلافة اصطلاحا يتطلب وجود: منوب عنه، خليفة، ووسط اجتماعي يمارس فيه خلافته. وعندما ينوب نائب المدير عنه، يمارس صلاحيته داخل دائرته، بعد تفويضه بذلك. أما بالنسبة للخلافة الربانية، فلم تصرّح الآيات بخلافة آدم عن الله، كي يخلفه في صلاحياته. تقول الآية (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، فهو ليس تنصيب لمقام الخلافة بل جعل بمعنى الخلق والإنشاء، فيكون كيانا مستقلا. يمارس خلافته بمفهوم التدبير والإدارة والاستثمار والاستخلاف باستقلالية محكومة بالسنن الإلهية والكونية، ويكون مسؤولا عن سلوكه وأفعاله. فيُخلف خالقه بما وهبه من حرية وإرادة وقدرة على الخلق والإبداع، ولم يفوض له سوى الأرض وما فيها ورسم له طريق الهداية وكيفية الخلاص، ولم يخلفه بحاكميته، وهذا القدر من الصلاحيات يحتاج لجعل شرعي صريح. فالخلافة الربانية فعل متحرك وجهد مضنٍ، خلاصته أن يتولى الإنسان بنفسه مهمته الحياتية، وقد جسدت الآية التالية خطورة المسؤولية وعظمة تداعياتها ببلاغة مدهشة، حينما صورت حالة الخوف من مسؤولياتها عندما عرضت على السماوات والأرض، بينما تصدى لها الإنسان ارتكازا لمقوماته الفعلية: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)، (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ). فهي اختبار عسير متواصل، أشفقت من مسؤوليتها الكائنات. وهو تعبير رمزي. لكن الإنسان كان الأجدر بها، وتحمّل مسؤوليتها، لسر كامن فيه، هو عقله وقدرته علة مقاومة تحديات الخلافة. وهو الأقدر على استتباب الأمن والاستقرار وقيام العدل حينما يلتزم بقيمه الدينية التي هي قيم إنسانية أساسا، ويتخلى عن نوازعه الشريرة: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)، ولا يخفى رمزية الآية وهي تؤكد على العدل قيمة أساسية مقومة للحياة السوية، مبدأ في الحكم لتفادي ظلم الناس. وبهذا يتضح معنى آية: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، وقد سبق بيانها تفصيلا. ينبغي أن تفهم في إطار فلسفة الخلق ودور الإنسان في الحياة. فالعبادة هنا لا تعني حرفية المفهوم، ولا تعني فقط المعرفة كما جاء في بعض التفاسير، بل تعني ما هو أعمق، أن ينتظم الإنسان ضمن قوانين الكون وسنن الخلق، والتي منها استثمار قدراته العقلية لفعل الخير (فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ) شرطا لخلافته واستمراره. فالخلافة التي تعني في بعض أبعادها الحضارة، هي تفاعل مستمر بين الإنسان والطبيعة. فيراكم من خلال تجاربه ما يقوم بناءه الفكري وأسسه الفلسفية، ويوظف معطيات العلوم لخدمة مجتمعه.

فالخلافة الربانية خلافة متقومة بالعقل، وهو تجلٍ للعقل الكلي / الله.وما برر صدقية مفهوم الخلافة عليه وجود مشابهة بين المخلوق وخالقه في العقل والتعقل والحرية والإرادة والقدرة على اتخاذ القرار والخلق والإبداع. وهذا لا علاقة له بمفهومها اصطلاحا، والذي لازمه أن يقوم الخليفة / آدم / الإنسان مقام الله تشريفا أو عند غيبته، كما هي آراء بعض المفسرين، وجعلوا الحاكمية أحد مهمامه، لكنهم خصوها بنفر من الاصفياء. أما الآيات فكان تعبيرها دقيقا، ولم تنسب الخلافة لله، وإن كانت بإرادته وجعله، فجاءت بمعنى الخلق: إني جاعل في الارض خليفة. ولم يقل خليفة عني، ولم يقل لقد خولتك صلاحياتي وحاكميتي، لكني خلقتك تشابهني بصفات تقوم بها خلافتك (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). وآية ثانية: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً). فالخلافة تشبيه، باعتبار نفحة الحق، ومن روح الله، ولديه مهمة وجودية، لذا شاءت القدرة الإلهية تهيئة الحياة الدنيا بكل ما يحتاجه الإنسان: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). وترك للإنسان حرية الحركة واتخاذ القرار، وهديا من الدين والفطرة والعقل، كما تؤمن النظرية الدينية. أو بهدى من العقل كما تذهب لذلك النظريات الوضعية. فالنظرية الدينية تؤسس بعدا ميتافيزيقيا لخلافة الإنسان، يرتهن له مصيره وخلاصه.

وعليه فالخلافة في بعدها الآخر، تعني الكائن البشري المؤهل لاستخلاف الأرض واعمارها، من خلال ما استودع الله فيه من قابليات وعقل جبار، مجبول على الإبداع والعطاء. فمفهوم الخليفة في الآيات يساوق مفهوم الإنسان، وكأن الآية تقول "إني جاعل في الأرض إنسانا"، وإنما اكتسب صفة الخلافة في قدرته على التصرّف: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ). وبالفعل عاشت البشرية أمة واحدة قبل إرسال الأنبياء، كانوا يتصرفون من وحي فطرتهم وعقلهم، حتى راكموا خبرة حياتية كبيرة، بلغوا بها مرحلة الاختلاف فيما بينهم. فالاختلاف من زاوية يعتبر نضوجا عقليا، دالا على حيوية العقل وقدرته على التطور والتشخيص ومن ثم الاختلاف: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ). فالاختلاف وتعدد الآراء، يضع الإنسان في معرض الاستغلال بسبب تفاوت الوعي، وحينئذٍ لا بد من الإرشاد والتوجيه للحيلولة دون استغلاله وظلمه. فالإنسان ليس كالملائكة، التي يقتصر دورها على تنفيذ الأوامر الإلهية، باعتبارها مجبولة على الطاعة (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)، لذا كان اعتراضهم المقدر: (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ). فالحياة الدنيا تحتاج إلى عقل أولاً وبالذات، والإيمان صفة شخصية، يكتسبها الإنسان بعقله، ثم تكرّس بالتقوى والعمل الصالح. العقل دليل الإيمان. فكانت المشيئة الإلهية بصدد مخلوق يتناسب مع مهمته الأرضية، مهمة الخلافة، مخلوق يختلف عن مخلوقاته الأخرى كالملائكة. والإنسان هو المؤهل الوحيد لها، وقد تحمّل أعباء الخلافة بعقله وحريته وإرادته. وزاوية النظر هنا تتجه للنوع الإنساني، الذي جسده آدم، فكما كان هناك إنسان ضال، هناك من تأهل للاصطفاء، كالرسل والأنبياء. لكن المهم ترى من خلال عقل الإنسان وفتوحاته المذهلة قدرة العقل الكلي / الله. فالعلم يفضي للإيمان بوجود قوة وراء الكون وعظمته، فيأتي الالتزام بأوامره ونواهيه قارب نجاة للفرد في خضم الحياة وتناقضاتها. لذا يعتبر الخطاب الديني الخلافة خلافة عن الله لتطبيق أحكامه والالتزام بقضائه وتنفيذ أوامره. وهذا ليس تمام ملاك الخلافة كما تقدم، فثمة فترة زمنية عاش الإنسان لوحده، وكان الناس أمة واحدة، لم يصفها بشيء، حتى وقع الاختلاف وبعث الأنبياء.

الإنسان الوارث

في موازاة آيات الخلافة الربانية تحدد آيات أخرى مصير الخلافة الربانية، بمعنى الاستخلاف وورثة الأرض، وتقرر حتمية تاريخية، أو بالتعبير القرآني "سنة إلهية"، وهي مجموعة قوانين وصفها القرآن بأنها: (سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً)، كقوله: (َوأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا). فثمة شرط، يغدو المشروط فعليا بفعليته. فالاستقام وفقا لهذه السنة الإلهية شرط لوفرة الماء. وإنما نقول إلهية لأنها تتقوم بالإيمان الذي يربط كل شيء بالله. وفي موازاة السنن الإلهية هناك القضاء والقدر، وقد قدر الله أن يرث الصالحون الأرض: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ). فثمة سنة إلهية يستبطنها النص القرآني تربط مصير وراثة الأرض بوجود عباد صالحين، وليس خصوص المؤمنين. وفي هذا المورد خصوصا يراد بالصلاح، إعمار الأرض وتسخيرها لخدمة البشرية. وهذا لا يمنع وجود مصاديق أخرى للمفهوم فهو مشترك لفظي: كإصلاح النفس، وإصلاح المجتمع إلى غير ذلك. فالآية ناظرة إلى خلافة الإنسان بما هو إنسان، وهو مقتضى سياقها. إذ لم تشترط سوى "الصلاح" في وراثة الأرض. وصلاحها اعمارها وفق سنن الكون والعقل، بما يخدم البشرية، بالعدل والإحسان، بعيدا عن الظم والجور. وهي المهمة التي خُلق لأجلها الإنسان.

في مقابل آية: (وَعَدَ اللّه الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ). الناظرة إلى خلافة خصوص المؤمنين، وشرطها الإيمان والعمل الصالح، لا فقط الصلاح. فقد يصلح الإنسان الأرض لكنه لا يعمل صالحا بالمعنى الأخص، وهو إتيان الطاعة بداعي "القربة لله" أو "التقرب لله تعالى". فثمة خصوصية في الآية الثانية، تشي بمهمة تتعلق بالرسل والأنبياء، وهي مهمة الهداية والقيام بالعدل والقسط. فالآية الأولى قضاء إلهي، هبط بموجبه الإنسان إلى الأرض ومارس خلافته فعلا، شريطة الاصلاح لديمومتها واستمرارها. أما الآية الثانية فمصاديقها استخلاف الأنبياء والرسل: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض. وقد تحققت مع كل مع الرسل والأنبياء، وتتحقق عندما تتوفر شروطها، ومهمة هذا النوع من الاستخلاف ليس الحاكمية الإلهية التي هي ولاية حصرا له، بل وضحتها آية: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بالعدل.

لقد تناولت الآية الأولى في كتاب مدارات عقائدية ساخنة، أجد من المناسب إعادة بعض فقراتها بما يناسب المقام، وكان الحديث حول حصر مصداق الآية بالمهدي المنتظر وفقا للنظرية الشيعية، غير أن البحث بعد النقد والتحقيق انتهى لأمر آخر:

ليس لآية (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)، علاقة بموضوع المهدي وظهوره، لتعدد مفهوم الإصلاح وتعدد أبعاده ودلالاته من خلال سياق الآيات. فالإصلاح هنا ناظر للأرض بجميع أبعادها بقرينة: (يرثها، والأرض، وعبادي الصالحون). فشرط وراثتها إصلاحها، والاصلاح مساوق للاعمار، واستثمار خيراتها وطاقاتها. ولا مانع من وجود شرط الاستقامة في الوراثة الخاصة. فالآية الكريمة تفترض وجود مصلح يرث الأرض ويستعمرها. والإنسان الصالح من دأب على فعل الأعمال الصالحة، وهي غير محصورة بالعبادات، بل تشمل كل عمل فيه صلاح للنفس والناس والمجتمع، فتجد مفهوم العمل الصالح في القرآن مطلقا في أغلب موارده. ومعنى وراثة الأرض وفقا لهذا الفهم، القدرة على استثمارها من خلال اكتشاف قوانين الكون وتسخيرها، والاستفادة من خيراتها، فإنها ستكون دالا على وجود خالق حكيم هو الله.

إن معنى ورثتُ الشيء، أي انتقلت ملكيته لي، أو صار في ملكي وتحت تصرفي.  وهنا لا يصدق حرفيا مفهوم انتقال الملكية، لأن الأرض لا تملّك لأحد سوى الله عزوجل خالقها، فالمراد بورثة الأرض القدرة على التحكّم بها والاستفادة من خيراتها، ولا تعني خصوص السلطة والحكم كما يرى بعض المفسرين، رغم أن السلطة مشمولة بها، لكن لا دليل على الاقتصار عليها. فيرثها من كان صالحا، أي قادرا على إعمارها وإصلاحها بعد اكتشاف قوانين الطبيعة، من أجل إصلاح الحياة والإنسان والمجتمع، وهذا أحد أهداف خلق الإنسان: (أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا). وقد ورث الغرب الأرض منذ مئتي عام بعد اكتشاف قوانينها، فاستثمر خيراتها وطوّر حياته، وحققت الآية بعض مصاديقها. فالآية الكريمة لم تشترط في وراثة الأرض أن يكون الوارث مؤمنا أو مسلما أو أي صفة دينية أو روحية إنما اشترطت الصلاح. غير أن المسلمين ركزوا على السلطة، بينما الغرب راح يتفوق من خلال تجاربه وعلومه واكتشافاته وصناعاته، بعد أن أدرك أن الكون ينتظم بقوانين، واكتشافها سيساهم في استثمار الأرض وتسخيرها.

الحضارات بنيت بتراكم جهود جبارة هائلة أثبتت قدرة الإنسان بما استودع الله تعالى فيه وفي الكون من قوانين وقدرات هائلة. فكان رهانه تعالى مع الملائكة على قدرة الإنسان في خلافة الأرض وإعمارها، الذي سيفضي إلى الإيمان المطلق بخالق هذا الكون، من خلال العقل والتجربة، وهو المطلوب. وسيثبت الزمن مستقبلا مفاد الآية المباركة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً  قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). فكان سبب استغراب الملائكة زاوية النظر عندما قالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)؟. ثم احتجوا عليه: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ). فكأنهم قالوا: كيف تجعل من يسفك الدماء خليفة ونحن نسبح بحمدك؟

 وهي نظرة محدودة عندما جعلت الإيمان والتقوى ميزانا وملاكا لخلافة الأرض، من وحي وعيهم وعلمهم. فأجابهم الخالق جوابا يؤكد وجود ما لا يعلمونه: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). وهو ما تجهله الملائكة حول فلسفة الخلق ومتطلبات مهام وجود الإنسان على الأرض. فالاقتصار على البعد الإيماني كان أمرا طبيعيا يتناسب مع وعيها، فهي لا تتعقل وجود من يشارك الخالق ببعض صفاته، ولو كانت مشاركة نسبية، فهي صفات خاصة. بينما تتطلب خلافة الإنسان وجود عقل فعّال، هو مقتضى ملاكاتها، وقد أشار له تعالى في بداية محاورته حينما عبر بلفظ الخليفة، فقال: "إني جاعل في الأرض خليفة"، لكن الملائكة لم تدرك مراده. لأنها لم تعاصره، فلا تعي حقيقته وجوهره، لذا لم يتبادر لذهنهم سوى سفك الدماء. مما يؤكد بساطة وعيهم لمفهوم الإنسان. فهو وعي إجمالي لا تفصيلي، قياسا على ما هم عليه من خصائص وصفات وإمكانيات مطبوعة على الطاعة، وعندما تتمرد على إرادة الله تفسد وتسفك الدماء.  بينما أثبتت الإنسانية قدرتها على مواجهة تحديات البيئة والحياة، واستطاعت استخلاف الأرض بجدارة، وما زال الطريق أمامها للإيمان بخالق الكون عن طريق العلم وذات العقل المتمرد. ففي كل اكتشاف تزداد نسبة الإذعان لوجود خالق لهذا الكون، وهو المطلوب.

ليس بالضرورة وجود مخلوقات سابقة  قاست الملائكة فساد الخليفة / الإنسان، عليها، لكنه تعبير عن وعيها لذاتها والآخر ضمن قبليات مفاهيمية تحصر الفعل الإرادي بين الطاعة المطلقة / الملائكة (المقربون من الله). أو الفساد وسفك الدماء / غيرهم (المبعدون من الله). ولا توجد حالة ثالثة، فجوابها ثمرة وعي محدود، لا يعرف شيئا عن العقل وعن قيم ومبادئ إلهية لم تطلع عليها من قبل، فقد شاء الله بعد أن وهب الإنسان العقل أن يكون مسؤولا عن سلوكه وأفعاله، وشاءت رحمته أن يغفر له خطاياه عندما يتوب لبارئه، ويعفو عنه ليتقوم سلوكه ويواصل حياته ومسيرته الكونية.

ربما لم يقل بهذا الرأي أحد، لكنه اجتهاد شخصي واستنطاق للآيات الكريمة، فليست الأمور كما تشتهي الفرق والمذاهب الكلامية بل هناك قرآن وعقل، هما المحددان الأساسيان في صياغة أية عقيدة دينية، وأي خروج عليهما لا قيمة له مهما كان عدد الروايات والأخبار، بعد تعمد المسلمين الكذب على الله ورسوله. وقد كذبوا على النبي الكريم في كل شيء، وما من فكرة أو عقيدة أو فضيلة، إلاّ وادعوا وجود روايات وأخبار عن الرسول الكريم كذبا وافتراء. محمد بن عبد الله هو الصادق الأمين، وهو المؤتمن على القرآن والرسالة والوحي، وهو الأعرف بكتاب الله وآياته، فكيف يقول ما يعارض الكتاب الكريم والعقل؟ هذا مستحيل، بعد أن وصفه القرآن بالأمانة والصدق وحسن العقل، وقد أدى رسالته بنجاح كبير. (ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين ...).

رؤية مفهومية

خلاصة ما تقدم، ليس في مفهوم الخلافة الربانية سلب لإرادة الإنسان. ولم يكن مجبرا، سوى ما تفرضه القوانين الكونية باعتباره بشرا محكوما بها، فيخضع للجبر التكويني بفعل قوانين الكون، وهذا خارج عن إرادته. ولا يصدق السلب على التفويض، حيث فوض الله للإنسان حريته وإرادته وجعلهما لوازم لوجوده من وحي عقله وقدرته على التحكم بسلوكه، فيكون مسؤولا أمام اختياراته. وعلى هذا الأساس يمارس الفرد حريته. وحينما يلتزم بشريعة السماء أو يتمرد عليها يفعل ذلك بكامل إرادته. والكلام حول حقيقة الفعل وليس التمظهر الخارجي، فقد يجبر الإنسان على سلوك لا يؤمن به خوفا من سلطة الدول أو المجتمع. (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). وعلى العكس فإن مفهوم الخلافة الاصطلاحية خلافة مقيّدة بحدود التفويض والصلاحيات الممنوحه له من قبل المنوب عنه. فيتضمن المفهوم السلب. وهذا لا تجده في الخلافة الربانية لأنها تعني تفويضا للإنسان بوراثة الأرض وتشييد حضارته بفعل قدراته العقلية، المقوم الذاتي للإنسان، وهو الفصل المميز في الحد التام منطقيا. فالتفويض يتمثل بالعقل. وكان العقل شرطا لوراثة الأرض، ومن يتخلى عن عقله، يتحمل وزر عمله، فكانت آخر وصية للخالق قبل هبوط آدم للأرض: (ُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). فالقيود والسلب شرط الإيمان. فمن يؤمن بشريعة السماء يتقيد بتعاليمها، وهذا شرط في العقد. ويكون بإرادة الإنسان. وجميع هذه التصورات أطرحها ضمن نظرية الخلافة أو نظرية الإنسان التي أسعى دائما لتأصيلها، وقد كتبت عنها كثيرا. في مقابل نظرية العبودية التي أنهكت الإنسان فقهيا وعباديا. الأولى تحرير للوعي، والثانية تكريس الوعي السلبي.

يأتي الحديث في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 


 

majed algharbaw10

احمد مانع الركابيالمثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (150):  فلسفة الخلق

خاص بالمثقف: الحلقة الخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: احمد مانع الركابي. 

احمد مانع الركابي: مدرس وشاعر / العراق: الأستاذ الفاضل ماجد الغرباوي، حين قرأت الحلقة (79) الفقيه ومنطق العبودية، وجدت فكرا قيمته الوعي والإخلاص لكسر قيود الجمود الفكري وتحفيز العقل للحركة بخطى التجديد الفكري. فدارت في مخيلتي عدة أسئلة أود أن أبدأها بسؤال حول العبودية وفلسفة خلق الإنسان، وهذه الأسئلة تشكل هاجسا وجوديا طالما تناوله العقل الجمعي، وأوجد لها فلسفات عدّة، وهنا أحببت أن أطرحها على جنابكم الكريم لبيان وجهة نظركم:

فلسفة الخلق

س137: احمد مانع الركابي: ماهي وجهة نظركم لخلافة الإنسان للأرض؟ حيث أن المعنى اللغوي للخليفة، هو أن يخلف شخص شخصا آخر في حال غيابه، مع العلم أنّ الله سبحانهُ وتعالى موجود وحاضر!؟.

ج137: ماجد الغرباوي: أرحب بالأخ الأستاذ الشاعر القدير احمد مانع الركابي، وأشكره على تفاعله وأسئلته المهمة.

الحديث عن الإنسان تارة يكون عن أصله ومنشأ وجوده. وأخرى يُقتصر الكلام على فلسفة خلقه، وبيان هدفه في الحياة الدنيا، باعتباره كائنا بشريا تميّز بعقله وقدرته على تطوير حياته. أو بامتيازه بعقل خلاق مبدع. فتكون الحرية والإرادة والمساواة لوزم وجودية في ضوئها يواصل مسيرته، ويرسم هدفه.

أما بالنسبة للأول، فثمة اختلاف بين النظريتين الدينية والوضعية حول أصل الإنسان. الثانية "نظرية التطور" تعتقد أن أصل الإنسان من القرد (دارون). وثمة من يعتقد بانحدارهما من أسلاف سابقة.

 في مقابل النظرية الدينية التي تؤكد استقلالية البشر في أصله الترابي (الكتب المقدسة): وجاء في القرآن: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ)، فكان آدم وكانت حواء، ثم تناسلت البشرية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً). وتحري هذا البعد خارج عن موضوع السؤال.

النظرية الوضعية

وأما البعد الثاني: "فلسفة الخلق وهدف الإنسان في الحياة"، فإن النظرية الوضعية لا تؤمن بما وراء الطبيعة. أو تؤمن لكن ترى أن أصل الإنسان حيوان، وثمة ثالث يعتقد بوجود خالق يختلف عن إله الأديان، فيكون الإنسان مسؤولا عن مصيره (سبينوزا). لا يرهن وجوده لوصايا فوقيه أو ميتافيزيقية. ولا أولوية سوى أولوية مصالحه، وليست هناك فلسفة محددة وراء خلقه، وهناك عوامل عدة تتحكم بمصيره، ليس الدين أحدها، حتى وإن كان مؤمنا بوجود خالق. وكان قدر الإنسان أن يجد نفسه محاطا بالحياة وتحدياتها، فانطلق بدوافع حب الذات لتأمين أمنه وسلامته ومواصلة حياته، عبر مراحل تاريخية معروفة، بدأت بالمرحلة البدائية والآن يخوض الإنسان فتوحات علمية وتكنلوجية مهولة. وقد سنَّ أنظمة سياسية واقتصادية وتعليمية تكفل سعادته، حينما تستوفي شروطها. وتصدى بنفسه أيضا لتشريع قوانين يعتقد أنها تضمن آمنه واستقراره، من وحي تجاربه، ومحاولاته الجادة لفهم ما يدور حوله، بعد أن جرّب الأنظمة الدينية ردحاً طويلا من الزمن. فانتهى إلى فصل الدين عن السياسة، واعتباره أمرا شخصيا، لا علاقة له بالحياة.

وبالتالي فهذه النظرية لا تؤمن بالخلاص الأخروي، ولا ترهن مصير الفرد لعالم ميتافيزيقي. ترفض سلطة المؤسسات الدينية، وتؤمن بمركزية الإنسان وقدرته على اتخاذ القرارات الصائبة كي يواصل المجتمع مسيرته، ثم تنتهي حياته بالموت، كقدر محتوم على البشرية جمعاء. وبهذا أوصدت الثقافة العلمانية الباب أمام وصايا رجل الدين، وأية وساطة يدعيها بين الإنسان وربه، وتركت الفرد يواجه مصيره بنفسه، اعتمادا على عقله وتجاربه العلمية، لا تثنيه المقولات الدينية عن مواصلة اكتشافاته وفتوحاته المعرفية. ومن ثم طوّر مناهجه ونظرياته، وغدا الغرب الذي يتبنى النظريات الوضعية نموذجا للرقي الحضاري، من خلال تكريس ثقافة التسامح، والاعتراف الحقيقي بالآخر وحقه في الحياة وممارسة حرياته بما فيه الحريات الدينية.

وهناك من فسّر التاريخ تفسيرا ماديا بعد اكتشافه لقوانينه (ماركس)، الذي يعتقد ثمة صراع طبقي يقود الإنسان، ووسائل انتاج تتحكم بمستقبله، وعليه المكابدة لإلغاء الملكية الشخصية التي هي سبب الصراع، وسبب تعاسته وشقائه في ظل نظام رأسمالي يتبناها ويوفر لها الحماية اللازمة. ليعيش الناس مساواة حقيقية وحياة مثالية بعد إضمحلال حب الذات!!. والنظرية مفرطة بمثاليتها. كيف يتخلى الإنسان عن نوازعه الفطرية، كحب الذات؟. ولماذا ينظر إلى بعده المادي دون بعده الروحي؟. وهناك آراء ترتهن التطور التاريخي لعوامل أخرى.

النظرية الدينية

تُقدم الأديان تفسيرا دينيا لفلسفة الخلق، وهدف الإنسان في الحياة، في إطار نظرة كونية، تؤمن بوجود خالق حكيم لهذا الكون، وتؤكد وحدته وقصديته وخضوعه لإرادة وعناية إلهية. (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا)، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ). والآية تؤكد ترابط أجزاء الكون، ترابطا عضويا، فيكون وجود الإنسان شرطا ضمن حركيته وقصديته، (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ). وهذا لا يسلب الفرد حريته واستقلاليته، ولكن يؤكد وجود دور وجودي للإنسان، ينتظم في حركة الكون، ضمن شرطه الوجودي.

وتعتقد النظرية الدينية أيضا بوجود حياة ثانية بعد الموت، يحاسب فيها الفرد عن جميع أعماله وسلوكه في الدنيا، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ). فهي فلسفة  تربط الحياة الدنيا بالآخرة، وترهن مصير الفرد أخرويا بعمله، لامتصاص تداعيات النظرة المادية للحياة، بدلا من مكافحة الملكية الشخصية وتفتيت حب الذات، الذي هو قضية مستحيلة، لأنها قضية فطرية. وبهذا الشكل يضفي الدين معنى على حياة الإنسان حينما يعده بيوم الجزاء جزاء لاستقامته ومشاركته في استباب العدالة الاجتماعية، من خلال تضحياته بجهده وماله ورغباته. فالإيمان بخلود الفرد بعد الموت، وارتهان مصير الإنسان لعمله في الدنيا، يدفعان باتجاه العمل، وتحرير النفس من اليأس والقنوط والكآبة. تضمحل في أعماقه مشاعر اللاجدوى واللامبالاة. ودائما ثمة آمل يرتهن له مصيره، فثمة حياة خالدة، هناك توفى كل نفس بما كسبت: (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). ففكرة الحياة الأخرة (إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا)، تخلق مشاعر إنسانية تحد من جشع المال والسلطة والظلم والاستبداد، ولا حاجة حينئذٍ لإلغاء حب الذات، الذي هو نازع فطري لدى الإنسان. فالنظرية الدينية تراهن على التقوى والإيمان في مقابل النظرية الماركسية التي تراهن على إلغاء حب الذات، وهو مستحيل. لذا فالأولى تؤمن بأن الصراع تاريخيا كان وما يزال صراعا فكريا – عقديا. صراع بين الحق والباطل. بين الله والطاغوت. فتجد الكتب المقدسة تتحدث عن تاريخ الرسالات، ومكابدات الأنبياء مع أقوامهم، ومشاهد انتصار الحق على الباطل، وفق ثنائية مؤمن / كافر. فالخلاص ينحصر بالإيمان بالله ورسوله وملائكته وكتبه، وتبني قيم السماء وتشريعاتها وفق نظرة كونية توحيدية. فثمة فكرة تحرك التاريخ وليس الصراع الطبقي كما تذهب لذلك النظرية المادية.

وترى النظرية الدينية ثمة فلسفة وراء خلق الإنسان: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)، (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ)، (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ). ويراد للإنسان أن يحقق غاية الخلق، كما تبيّنها مصفوفة آيات زاخرة برمزيتها ودلالاتها التي لا تقف عند حدود الماديات، بل قد يؤثر التفسير الحرفي سلبا عليها: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ). ثم راح يستعرض قدرات وإمكانيات خليفته / آدم / الإنسان (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ). ثم طلب من الملائكة السجود لآدم (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، في إشارة بليغة جدا، إذ معنى السجود الخضوع لمبرر رمزي أو مادي، وآدم بعد أن تعلم الكلمات، التي هي تجلٍ للعقل، استحق التبجيل لا تشريفا واعتبارا فقط، بل بمعنى الإذعان للعقل وقدراته الخارقة. وقد جاء في الخبر: (لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك، بك آخذ، وبك أعطي، وعليك أثيب). وفي خبر آخر: (بك أثيب وبك أعاقب). فالإذعان للعقل ليس تشريفا بل هو حقيقة الإنسان / آدام، فسجود الملائكة يرمز للتفاعل الإيجابي مع العقل ومعطياته، في مقابل إبليس الذي تنكر للعقل: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ). فالاستكبار مكابرة من وحي غطرسته وتشبثه بأولويات لا تمت للحقيقة، لذا عبرت الآية: وكان من الكافرين. والكفر هو الإنكار والستر. هو يعرف حقيقة العقل، لكنه استعلى. فهو يرمز هنا للمغالطة، حينما رفض الإذعان للعقل. كل هذا يدل عليه، مجيء طلب السجود بعد أن أنبأهم آدم بالأسماء، فالإنباء تجلٍ للعقل الذي فرض عليهم الإذعان، بعد الاعتراف بحقيقة جديدة اسمها الإنسان العاقل، الذي يشبه العقل الكلي / الله.

وكان الحوار في جزئه الأول متقدما على الخلق الفعلي. حوار على مستوى التصور، تناول اعتراضات وإشكالات محتملة، لتعذر الحوار المباشر بين الله والملائكة، باستثناء من جوّزوا رؤية الخالق. أو أنه حوار بلسان الحال، وعلى لسان الملائكة، وكأنه حوار مباشر: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ). فكان سرّ عظمة آدم / الإنسان في عقله، وهي قدرة خارقة،  لم تألفها باقي المخلوقات باستثناء الإنسان، الذي بعقله المطلق يمكنه استخلاف الأرض وإعمارها. بل ويصدق أنه تجلٍ للعقل الكلي / الله، (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). فهو نفحة الله، لذا لم يستعرض من أبعاد شخصيته أمام الملائكة حتى أذعنوا وسجدوا له سوى بعده العقلي. لم يشر لإيمانه، ولا لتقواه، ولا لعبادته، بل تباهى بعقله، القدرة التي تستوفي شرط الخلافة. فالإنسان نال شرفها بعقله أولا وقبل كل شيء. ويبقى العقل رهان نجاح الإنسان، حينما يرتكز له الإنسان ويتخلى عن الخرافة واللامعقول.

لقد كان قوله: (فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) مفاجئا للملائكة، فهو يعلم عجزهم عن ذلك، وقالوا: لا علم لنا إلا ما علمتنا. فلما(أَنبَأَهُمْ [آدم] بِأَسْمَآئِهِمْ)، أذعنوا لحقيقة مفادها أنهم أمام مخلوق يتمتع بعقل هو تجل للعقل الكلي / الله. فسجدوا جميعا، بمعنى الإذعان والإقرار. وبسجودهم للعقل، الذي هو تجلٍ للعقل الكلي فقد سجدوا لخالقه. ولم يسجدوا لآدم الشخص، إذ لا يجوز السجود لغير الله. وبالعقل كرّم الله الإنسان: وكرّمنا بني آدم. وعلى أساسه يثيب ويعاقب.

ثم بعد ذلك حرص الكتاب على استعراض مراحل خلقه، ليبين لنا رمزياً قيمة الحرية في صدقية فعلية إنسانية الإنسان، وإرادته التي تعبر عنها، كي لا ننسى ذلك: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ). وهي مرحلة حضانة، عبّر عنها بالجنة، في إشارة إلى مثاليتها، ليغلق الباب أمام أي مبرر مادي لارتكاب المعصية، سوى نفسه. فالجنة أو الحياة المثالية كانت أرضا خصبة لاختبار العقل، وإرادة الإنسان، وهما شرطا الخلافة، التي كانت الهدف الأساس وراء خلق الإنسان. لذا بعد (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا)، تجلت عظمة الله في خلقه، واستخدم المخلوق البشري عقله بحريته وإرادته، وتحمل مسؤولية عمله واختياره، وغدا مؤهلا للنزول للأرض، لمواجهة تحديات الواقع، والقيام بدوره المنشود: (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) لكنه  ليس هبوطا آمنا، فالعقل لا يؤدي دوره الحيوي بمعزل عن عقلانية توازن الحياة وفق مصالح مشتركة، وإرشاد رباني ينبع من فطرته أو من خلال كتبه ورسله، لذا استبقت الآية نزولهما بتوضيح: (وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ). ولم تكن الخطيئة هي التي أخرجت آدم من الجنة كما يصرّ على ذلك العقل التراثي، بل نضوجه العقلي وقدرته على مواجهة الحياة واتخاذ قراره بحرية تامة وراء ذلك، وقد تحمّل وزر عمله، فقد عصا بارادته، لذا سرعان ما تاب عليه الله: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ). بل كيف تنسجم العقوبة مع الخلافة. إذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة. والخليفة هو آدم الإنسان، بكل ما تعنيه كلمة إنسان، واستعداده الفطري لعمل الخير والشر (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). فالخليفة لا يتعالى على شرطه الإنساني، ولا تضر بصدقيته الخطيئة، ولن تكن هي المقصودة في الآية. المقصود بيان كيفية ممارسة حريته وإرادته كشرط أساس لصدقية مفهوم الخلافة الأرضية. فهو لم يستبعد من الجنة لخطيئته بل هبط إلى الأرض ليمارس دوره الخلافي.

إن آدم وزوجه قد نالا جزاءهما، حينما أخرجهما الشيطان مما "كانا فيه"، حيث كانا في بحبوبحة العصمة عن الخطأ قبل استخدامهما للعقل وممارسة حريتهما: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ)، والإخراج هنا باختيارهما، الذي تمثل بعصيان تحذير الخالق: ولا تقربا هذه الشجرة. ومهما قلنا فهي تحسب معصية، وقد تاب الله عليه بعد أن تلقى منه الكلمات وانتهى الأمر. فالخروج مما كانا فيه، ليس بالضرورة أن يكون المقصود بها الخروج من الجنة. وحتى مع هذا الاحتمال فإن المقصود بالجنة هو الحالة الملائكية والقدسية قبل اقتراف المعصية.

فالمعصية تجلٍ للحرية والإرادة شرطا الخلافة  الأرضية. وعلى أساسهما يجزى المرء على عمله وسلوكه في الحياة الدنيا. أما مسألة الهبوط في الآية فمستأنفة، لها علاقة بمسألة الخلافة، لأن الإنسان / آدم مخلوق للأرض، ويجب أن يهبط لها، وكان بانتظار نضوجه العقلي، وبالتالي فهنا مسألتان، منفصلتان. ثم بدأت حياة الإنسان الفعلية، بعد اختبار العقل والمعصية: (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.). فمصفوفة الآيات تبين بوضوح هدف خلق الإنسان، ومراحل خلقه، ومهمته في الحياة الدنيا وما هي رهاناته التي يتحدد وفقها مصيره في الدار الآخرة. وقد عبّرت الآية عن هذه المهمة بالخلافة. إني جاعل في الأرض خليفة. فالإنسان هو رهان الخالق مع ملائكته عندما احتجوا على خلافته خوفا من فساده وسفكه للدماء (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ). واحتجوا أيضا أنهم أولى بها يسبحون بحمده ويقدسونه (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ)، لكنه: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). وهو ما تجهله الملائكة حول فلسفة وجود الإنسان على الأرض ومدى قدراته وقابلياته، فاقتصر نظرها على البعد الإيماني. بينما خلافة الإنسان أبعد، وقد أشار لها تعالى في بداية محاورته حينما عبر بلفظ الخليفة، فقال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، لكنها لم تدرك مراده. فهم لم يعاصروا الإنسان ولا يعرفون عن قدراته الخلاقة سوى سفك الدماء قياسا على تجربة سابقة أو تصور له مبرراته، بينما أثبتت الإنسانية قدرتها على مواجهة كثير من تحديات البيئة والحياة، واستطاعت استخلاف الأرض بجدارة، وقد حققت تطورا حضاريا كبيرا. وكان المؤهل الوحيد بين مخلوقاته لمهمة الخلافة، وتحمّل أعباء الرسالة الربانية: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). فالإنسان للأسف يجهل حقائق الخلق، ويظلم نفسه حينما يتخلى عن رسالته. تلك الرسالة التي عبر عنها في قوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ). فالربوبية تشير هنا إلى منظومة القيم والمبادئ الدينية والأخلاقية النابعة من الرؤية الكونية التوحيدية. فالاشهاد إشهاد بفطرة الإنسان باعتبارها جزءا من الكون، تدور في مدارات قصديته، والدوران ضمن مساراتها التكوينية. فالآية تشير إلى لحظة الخلق ووحدة الأصل التكويني، حيث كل شيء يدل فيها على وجود قدرته المتمثل بنظام الخلق. فالإشهاد داخلي، ضمني،  نابع من صميم النفس البشرية في دورانها التكويني، لا يمكن تكذيبه، لكن قد يغفل الإنسان وينسى. والأمر دقيق ولطيف يحتاج إلى تدبر وتأمل عميق.

وبالتالي، فمفهوم الخلافة الربانية

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على ما تبقى من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

وجوب معرفة الإمام

س136: جابر علي مرهون: ما مدى صحة الحديث القائل: (من مات ولَم يعرف إمام زمانه مات ميته جاهلية). وكيف ينسجم هذا القول مع الإمامه السياسية ووضعنا الراهن؟!

ج136: ماجد الغرباوي: ورد في المصادر الشيعية مرسلا عن الرسول: (من مات ولَم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). كما في كتاب الكافي، للشيخ الكليني، والبحار والمحاسن وغيرها. بينما ذكرت المصادر السنية أحاديث مغايرة، كحديث مسلم أن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية). وحديث: (من مات مفارقا للجماعة، مات ميتة جاهلية). والاختلاف واضح بين الحديثين، رغم تأكيد بعض الكتب الشيعية على وحدة مضمونهما وشهرتهما. مفهوم الإمامة لدى الشيعة، مفهوم عقدي، له دلالات أوسع من البيعة وشؤون الحكم، وقد انبثقت عنه منظومة مفاهيم كالعصمة، وعلم الغيب، والولاية التشريعية، وبعضهم أضاف الولاية التكوينية أيضا. بينما الروايات السنية تتحدث عن وجوب بيعة الخليفة، والتحذير من خلعها، لأسباب تتعلق بالسلطة، وضرورة حفظ النظام، وعدم وقوع الفوضى، مما يشكل قرينة لفهم حديث آخر ورد في المصادر السنية أيضا: (في كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 489: "من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية"..). فثمة اشتراك بين موضوعي الحديثين، عندما يكون الإمام في السلطة، ويفترق الحديث الشيعي، ليؤسس لنفسه منظومة مفاهيم عقدية في ضوء مجموعة أحاديث هذا أحدها. ولا يخفى أن الحديث يستبطن موقفا دينيا وسياسيا، يؤكد شرعية الإمام المعصوم، وعدم شرعية خلافة غيره في السلطة، وهو الفهم الذي تأسس عليه المفهوم كما مرَّ الكلام. وهناك رواية في كتاب الكافي: (عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، قال: قلت: ميتة كفر؟ قال: ميتة ضلال، قلت: فمن مات اليوم وليس له أمام، فميتته ميتة جاهلية؟ فقال: نعم.). ولا يخفى دلالة الحديث على الإمامة بمفهومها الشيعي من خلال قرائنه الداخلية. الإمامة السياسية لا تقتضي كفر وضلال من خلع بيعة الخليفة. كل ما في الأمر سيكون معارضا سياسيا. أو غير مهتم بالسياسة أساسا كأغلب الناس. (أصول الكافي، ج1،ح2، ص282، طبعة: دار المرتضى)

فقه النص

لا تخفى دلالات النصوص. كلاهما تفوح منه رائحة السياسة، وتوظيف الديني لصالح السياسي. أما الرواية التي تتحدث عن البيعة، وتحذّر من خلعها، فإنها تجرّد البيعة من مضمونها الذي يعني فسخها في حالة الإخلال بشروطها. فبيعة الخليفة تعاقد على شروط ملخصها "أن يلتزم المبايع ببيعته متى ما التزم الخليفة بها، وهي أن يحكم بالحق والعدل، ولا يستأثر بالسلطة، ولا يقدّم الولاء على الكفاءة، وعدم الظلم والجور ومراعاة مصالح الناس". ولازمها فسخ العقد إن أخلَّ بالشرط. وقد ذكر الرسول شروطه عند بيعة العقبة وبيعة الرضوان، وقد بايعه الصحابة عليها. بينما الرواية تريد تمضي البيعة الشكلية التي جرت للخليفتين الأول والثاني، حيث حسمت السقيفة بيعة أبي بكر، وعيّن أبو بكر عمر خليفة من بعده. فكانت بيعة الصحابة للأول والثاني بيعة إمضاء. وهي بيعة شكلية، أَلزم الصحابي نفسه بشروط فرضت عليه، دون استشارته وأخذ رأيه، فلم تطرح خلافة للأوَلَين للتصويت المباشر، ولم يشارك الصحابة بانتخابات حرة، نزيهة، وفق شروط محددة. وكانت العملية السياسية برمتها جديدة عليهم، غير أن ثقافة المجتمع سهّلت الأمر، إذ جرت العادة، مبايعة اللاحق بعد وفاة السابق، بدون أي استشارة قبلية. فالروايات جاءت لتدارك تداعيات هشاشة البيعة، خاصة بيعة الثاني، التي كانت مرشّحة للانفجار لولا صرامة شخصية عمر وسطوته وخشونته. فجاءت الرواية لتجعل من البيعة مصدرا لشرعية الخلافة، بشكل ينتهي دور الفرد بالبيعة، وتتحول إلى عقد بين الفرد وخالقه، حتى إذا خلع بيعته "لقي الله يوم القيامة ولا حجة له"!!!، كما تقول الرواية. لكن ماذا لو خلع بيعته نتيجة لإخلال الخليفة بشروط بيعته، فهل ينتقض العقد، ويصبح من حق المتعاقد / الناخب فسخه؟. هنا الرواية لا تسمح بذلك، وتحذّر مَن "خلع يدا بايعتها"، وتعتبر ميتة من فارق الجماعة ميتة جاهلية. وهذا واضح جدا في ثنايا الروايتين: (من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية)، (من مات مفارقا للجماعة، مات ميتة جاهلية). فالرواية تقمع المعارضة وتضمن استمرار سلطة الخليفة. والإنصاف أن عمر بن الخطاب كان أعدل من الرواية، وألصق بروح العدل، فقد قام خطيبا، وطالب تقويمه بالسيف إذا انحرف عن شروط البيعة، وهي القيام بالحق وعدم استغلال المنصب. (أيها الناس من رأى فيَّ اعوجاجا فليقومه..). وعندما اعترض عليه سلمان الفارسي: (من أين لك هذا البُرد الذي ائتزرت به، وقد نالك بُرد واحد كبقية المسلمين، وأنت رجل طوال لا يكفيك بُرد واحد)، لم يغضب عمر بل نادى على  ولده ليشهد بعائدية القطعة الثانية له. وهذا هو الفهم الحقيقي للبيعة الفعلية والإيجابية. والغريب أن راوي الحديث عن الرسول هو ابن عمر!. وبالتالي الرواية تتدارك إشكالية السلطة، وعدم شرعيتها، وتريد فرضها أمرا واقعا. فعمر الذي اعتبر بيعة أبي بكر "فلتة". وأوصى: "لا تعودوا لمثلها"، يقصي شرعية خلافته عن المساءلة، فكان سكوته إمضاء لهذا اللون من البيعة بنظر التابعين ومن جاء بعدهم. ويكون الأمر أكثر وضوحا في عصر الدولتين الأموية والعباسية، حيث تجاوز الخلفاء قيم الدين، واستغلوا السلطة وثروات المسلمين، واستباحوا الدماء وهتكوا الأعراض، والتاريخ شاهد بأرقامه المرعبة. فمقتضى الروايات حرمة خلع البيعة، ومن باب أولى عدم جواز محاسبته، ووجوب طاعته مطلقا.

ولو صح صدور الرواية عن النبي فهي ناظرة لبيعة: "العقبة الاولى والثانية والرضوان"، وفق مفهومها العرفي: التزام الطرفين بمضمون العقد، وفسخه عند الإخلال بشروطه. ولا يقصد شرعنة السلطة من خلال البيعة مطلقا، حتى مع عدم وفاء الخليفة بشروطها. لان العقود عرفية، متفق عليها، وقد حث القرآن على الوفاء بها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ). وليست البيعة السياسية أول عقد كي يختلف حول مفهومه الناس. بل أن الحياة قائمة على العقود والمواثيق، خاصة آنذاك. والمسلمون أيضا يفهمون هذا المعنى من البيعة، فتخلوا عن بيعتهم وخلعوا عثمان عن الخلافة، بعد عدم وفائه بشروطها، وطالبوه بالتنازل عن الخلافة فرفض، وسعى لشرعنة خلافته خارج حدود البيعة، عندما قال: (لا أخلع قميصا سربلنيه الله)، وأيضا فشلت محاولاته، وانتهى الأمر بخلعه قتلا. السلطة بعد الرسول مثلت إشكالية، فراحت الروايات تتدارك هذه المشكلة، بروايات منسوبة للرسول، وبالتالي فالرواية تصنّف ضمن الروايات الكثيرة التي ظهرت فيما بعد لتعضيد السلطة، ونزع مشروعية المعارضة، ابتداء من السلطة الأموية، مستفيدة من سلطة النص، وهيمنة الرواية على الوعي، فما أن ينسب الحديث للرسول يمتثل المسلم تلقائياً. أو لا أقل يتوقف عن رفضه، ويخشى رده، ثم يأتي العقل الجمعي، ليسوّقه ثابتاً دينياً، فيغدو حقيقة دينية، تترتب عليها أحكام تصل حد القتل. لقد لعب النص دورا هائلا في توطيد السلطة، منذ وفاة الرسول، ومازال يلعب دورا مستقلا أو بضميمة مقدمات تمهّد لشرعيته وهيمنته.

وأما الإمامة بالمفهوم الشيعي وفق رواية: (من مات ولَم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). فلها دلالتها، التي تشترك مع الأولى عندما يكون الإمام في السلطة، وتفترق عندما يكون خارجها، بمقتضى إطلاقها، سواء كان في السلطة أم خارجها، فالحكم واحد لمن لا يعرف إمام زمانه، أن ميتته ستكون ميتة جاهلية. فالرواية تؤسس للإمامة في موازاة الخلافة، فتكون معرفة الإمام فرضا لتفادي ميتة الجاهلية، التي تسلب المرء إسلامه فضلا عن إيمانه، وتحبط أعماله، مهما كانت صالحة، بحيث تكون معرفة إمام الزمان شرطا في قبول الأعمال، وهذا أحد لوازم الرواية. بل أن ظاهر الرواية باستخدامها كلمة "معرفة"، تذهب إلى ما هو أبعد من معرفة اسم الإمام، أو الإكتفاء بكونه إماماً، وتطالب بمعرفة يعي من خلالها الفرد مدى شرعية سلطة غيره، على الصعيد السياسي. ودلالات أكبر على الصعيد العقدي، نقاربها في ضوء محددات دينية وعقلية، هي:

- إن مفهوم الإمام الوارد في الرواية مفهوم مبهم، غير معروف في زمن صدور النص (عصر الرسالة)، باستثناء دلالاته اللغوية في سياق الآيات التي ذُكر فيها لفظ الإمام. ولم تحدد الرواية معالمه وخصائصه وصفاته وآلية معرفته.

- تشتمل الرواية على بعد تشريعي، فهي تؤسس لمفهوم الإمامة، وتشرعن سلطات الإمام. والتشريع وفقا لمنهجنا مقتصر على الله تعالى، وليس لأحد أية ولاية تشريعية، كما ذكرت ذلك بأدلة مفصلة.

- إذا كان مفهوم الإمام مبهما في الرواية، فهي إما أن تحيل على الإمامة السياسية التي تعني إمامة أمور المسلمين، أو أنها تحيل على مفهوم الإمامة ضمن نسق عقدي خاص، فتكون حجة على من يؤمن به، وهم خصوص الشيعة، فلماذا نعممها لغيرهم؟. وأما إذا كانت تحيل على المعنى العرفي، فلا يعدو معناه السياسي في أحسن الأحوال. وأما دلالاته اللغوية المتداولة عندهم: الإمام من أمَّ الناس، قادهم، وتزعمهم. بينما مفهوم الإمام في الفكر الشيعي شيء مختلف وإن تضمن دلالته اللغوية.

- الإمامة اصطفاء، كما مرَّ الكلام مفصلا، ولم يتحدث القرآن عنها، سوى إشارة مجملة لإمامة إبراهيم. ولا معنى أن تحيل الرواية عليها، لأنها تتحدث عن إمامة يعيشها المسلم فعلا.

- لم يعتبر القرآن الإمامة جزءا من العقيدة، ولم يشترطها النبي على من بايعه، سوى أن يشهد المسلم بالشهادتين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. فكيف يموت المرء ميتة جاهلية إذا لم يعرف إمام زمانه؟. (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). وكتبه لم تتحدث حولها، كما هي مفهوم ومتداول الآن.

- لم يعتبر القرآن الإمامة شرطا في قبول الأعمال، بينما تحبط أعمال العباد إذا جهلوا الإمام، ويموتون ميتة جاهلية وفقا لهذه الرواية وغيرها. "وما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار"، كما جاء في بعض الروايات.

- لو صح صدور الرواية جدلا، فهل الرواية شاملة لعصر النبي؟ فلماذا لم يشترطها الخلفاء من بعده بما فيهم علي بن أبي طالب، عندما انهال عليه الناس يبايعوه؟. ولماذا لم يتذكرها الصحابة خلال بيعة الخلفاء من بعده؟.

- تحيل الرواية الثانية، رواية عبد الله بن أبي يعفور عن الإمام الصادق، على قول للنبي لم يذكر مصدره. لكن قد تكون مسلّمة عند الإمام الصادق فتفاعل معها، وأبدى رأيه فيها: (عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، قال: قلت: ميتة كفر؟ قال: ميتة ضلال، قلت: فمن مات اليوم وليس له أمام، فميتته ميتة جاهلية؟ فقال: نعم.). وهي تختلف مضمونا عن الروايات الشيعية التي تفتتح بعنوان "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية". رواية بن أبي يعفور تتحدث عن ارتباط فعلي بالإمام فضلا عن معرفته، فـ"من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية". وهو ارتباط أعم من الحضور والبيعة المباشرة. وقد يشمل انعقاد القلب على إمامته ولو بمعرفة اجمالية، وإلا سيهلك الشيعي قبل غيره.

الملاحظة الأساس على هذه الرواية أن عبد الله بن أبي يعفور ليس شخصية عادية ليسكت على مضمون الرواية. بل هو من كبار أصحاب الإمام الصادق، وقد انتسبت له فرقة اليعفورية، المعتدلة والعقلانية، التي تم قمعها فور ظهورها، بسب رؤيتها للإمامة والإمام. إذ الثابت تاريخيا أن عبد الله بن أبي يعفور، معروف باعتداله، ورفضه للغلو بكل تفصيلاته، ولا يزيد على بشرية الإمام وعلمه كفقيه، ومن العلماء الأبرار لآل محمد. وقد ذكرت في مناسبة، مناظرته مع المعلى بن خنيس شيخ الغلاة، بحضور الإمام الصادق وقد تعالت الأصوات والإمام يتبسّم!!، ولو لم ينحز في نهاية الأمر لعبد الله بن أبي يعفور، لكان شرخا كبيرا في صفوف أصحابه، حيث كان المعلى بن خنيس يضع الإمام موضع الرسول، ويمنحه جميع خصائصه، وكان بن أبي يعفور يرفض ذلك بقوة، ويبرهن على بشرية الإمام. (كان بن أبي يعفور يقول: "الأوصياء علماء أبرار أتقياء". وكان المعلى بن خنيس يقول: "الأوصياء أنبياء"... أنظر الكشي، ترجمة بن أبي يعفور: 125).

وفي حينها سجلت ملاحظة: كيف يجالس الإمام المعلى بن خنيس وكبار الغلاة، ويعتبرهم من كبار أصحابه، وعلى ماذا يدل هذا؟؟. وغيرها من أسئلة استفزازية. والسؤال هل يعقل عدم اعتراض عبد الله بن أبي يعفور على الرواية التي تصادر أعمال الناس مهما كانت صالحة، بسبب الإمامة التي يعلم هو والصادق أنها ليست شرطا في قبول الأعمال؟. يبدو لي أن نسبة الرواية لعبد الله بن أبي يعفور، كانت محسوبة جدا من قبل الغلاة، حيث كان أحد أساليبهم لتسويق الروايات الضعيفة، استبدال السند الضعيف بسند صحيح. كل هذا اضافة على ما يسجل على سند الروايات في باب: من مات ولم يعرف إمام زمانه. فقد ورد في سند رواية عبد الله بن أبي يعفور، "معلى بن محمد". قال عنه النجاشي: "مضطرب الحديث والمذهب"!!!. وقال الغضائري، "يُعرف حديثه ويُنكر". ولا يلتفت لتوثيق الخوئي في كتاب رجال الحديث، لانه اجتهاد عبد 1400سنة لا رواية. والنجاشي حجة في توثيق الرواة لدى الشيعة، وكتابه مدار التوثيق، بل ويقدم على غيره في حالات التعارض. ووجود راوٍ مضطرب الحديث والمذهب في قضية عقدية، يجعل منه متهماً.

دلالات ضمنية

ثمة دلالات ضمنية في رواية عبد الله بن أبي يعفور، تكشف دقة صياغتها، لتعكس اتجاها عقديا، يرتهن كل شيء للإمام. ولا ريب فالتشيع موقف سياسي، ثم غدت الإمامة محوره التي شغلت جميع المناظرات السياسية والكلامية فيما بعد. بل أن الإمامة أحد أهم إشكاليات السلطة السياسية في موازاة الخلافة. وقد اضطر الجدل المحموم حول شرعية السلطة / الخلافة / الإمامة إلى تأويل الآيات، ومن ثم التشبث بروايات الفضائل، ونسبة روايات للرسول، وعندما بدأ التأسيس للمقولات الكلامية، كانت الإمامة في صلب موضوعاتها، ابتداء من خلافة معاوية. يقول الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل: (وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُل على الإمامة في كل زمان).

لقد واكب مفهوم الإمامة كل التطورات التاريخية، وفي كل مرة يعيد تشكيل العقل الشيعي، وراحت الإمامة تفرز فِرقاً ومذاهب، اختلفت حول: شخص الإمام، قدسيته، مكانته، عصمته، علمه، شرعيته، إلوهيته، غيبته، ولايته السياسية ومن ثم الدينية، دوره السياسي والديني، وكيفية انتقال الإمامة، وماهي شروطها، وهل هي نص وتعيين أم انتخاب؟. والأكثر تعقيدا الاختلاف حول: صفات الإمام، ومدى علمه وقدراته وخوارقه، ودوره التشريعي والوجودي. فشكلت الفِرق الشيعية غالبية الفرق الإسلامية، رغم اندثار أغلبها. وبالتالي فجميع هذه الاجتهادات أثرت وتأثرت بمفهوم الإمام والإمامة. فخط الاعتدال الذي لم يرتفع بالإمام فوق بشريته، ولم يمنحه عصمة أكثر من العصمة السلوكية، ولم يشهد له بعلم الغيب والخوارق والخرافات، كان في موازاته خط الغلو الذي راح يرتفع بالإمام إلى مصاف الخالقية ويرتهن له الوجود فضلا عن التشريع، وكانت الولاية التكوينية بالنسبة لهم تحصيل حاصل. ورغم قوة رموز خط الاعتدال، وهم الفقهاء وكبار أصحاب الأئمة كـ(زارة بن أعين، محمد بن مسلم، عبد الله بن أبي يعفور ويونس بن عبد الرحمن، وغيرهم)، لكن تاريخ التشيع سار بعد الغيبة الصغرى مغاليا بشكل وآخر، وبات الخط المعتدل من الفقهاء يتكلم همسا، رغم أنهم لا يتنازلون عن عصمة الإمام وعلمه، كخط فاصل بين قدسية الإمام والإنسان العادي، وهو فارق رمزي أكثر منه حقيقيا، وقد تناولت مفهوم العصمة وبينت حقيقته، وعدم إمكانيته بذاته. غير أن الفقه الشيعي بات مرتهنا لها فلا يمكنهم التخلي عنها. فضلا عن الجانب العقدي الذي جعل من الإمامة مشروع خلاص، فيتطلب مثالية الإمام التي تتقوم بالكمال والعصمة.

وبالتالي، عندما يطالب الحديث بمعرفة الإمام لا يقصد معرفة اسمه فقط. أو معرفة مشخصاته كونه إماما ابن إمام، بل يريد خط الغلو من خلال هذا النمط من الأحاديث ارتهان كل شيء للإمامة، بما فيها، وهو الأخطر، مصيره الأخروي، الذي يخشى عليه الشخص المؤمن دائما، فيضعه في حرج، ويضطر للتنقيب عنه، حتى يتلبّس قداسته، وتغدو المفاهيم حقائق في مخياله. فرمزية الحديث أقوى من ظاهر ألفاظه. لذا بدأت الإمامة سياسية، وعندما يئس الشيعة من السلطة، بعد توالى الثورات والانتفاضات، ظهر مفهوم دولة العدل الإلهي، ودولة المهدي المنتظر، وهي دولة مثالية، محرّمة على غير الشيعة، حيث تلبي جميع رغباته وأمنياته، والتي منها الاقتصاص من خصوم أهل البيت، وبالفعل يعادون ويحاسبون ويقتلون مرات عديدة، وفق مفهوم "الرجعة"!!. وكإجراء احترازي لتدارك مفهوم الإمامة التي راحت تفقد بريقها، بل ومضمونها، بدأ التأسيس لمفهوم الولاية الدينية، ولم يعد مفهوم الإمامة مرتهنا بالسلطة، بعد ترحيل مشروعها لما بعد ظهور المهدي، وأصبح مدار الإمام ولايته الدينية، سواء كان في السلطة أو خارجها. حاضرا أم غائبا. ثم تطرف الغلاة ليقولوا بولايته التكوينية. (أنظر كتاب النص وسؤال الحقيقة).

أرى أن خط الاعتدال، خط الفقهاء من أصحاب الأئمة، هو الأقرب للواقع، وأكثر التصاقا بالدين، بعيدا عن الغلو، فينبغي إحياؤه، وتقديم فهم جديد للتشيع، واقصاء كل مفهوم يتقاطع مع الدين والعقل، رغم صعوبة المهمة، لسببين:

الأول: أن الارتفاع بقدسية الإمام إلى درجة المثل الأعلى والإنسان الكامل رسم صورة مثيولوجية ارتهن لها العقل الشيعي. فالإمام اليوم مشروع خلاص، لا يحتاج إلى أدلة وبراهين بقدر حاجته إلى إيمان نفسي، فكانت الطقوس والشعائر الخاصة وهيمنة العقل التراثي على منابر الخطابة، كفيلة بترسيخه. وهذا أحد الأسباب وراء نقد عقيدة الغلاة، فيحتاج إلى ثقافة نقدية متواصلة، تجرأ على اقتحام الأبواب الموصدة، للكشف عن حقيقة تفصيلات العقيدة، ومدى صدق ما يشاع من خوراق وقدرات فوق بشرية عنهم.

الثاني: مثّل الإمام منذ بداية الانتفضات الشيعية رمزا للعدل في مقابل ظلم السلطات، وملاذا للمحرومين في مقابل المسرفين، وأملا مستقبليا في مقابل مستبد يضطهدهم. فكان الإمام رمزا يستلهمون منه روح الثورة والفداء والاصرار على المبادئ. ويستلهمون من الحسين شهادته في سبيل الحلق، وصبره ومواصلته للثورة والفداء.

أما عن: كيف ينسجم هذا القول مع الإمامة السياسية ووضعنا الراهن، كما جاء في السؤال؟!.

بلا شك أن الإمامة السياسية راهنا، والتي تتمثل بولاية الفقيه، تتشبث بكل دليل لتعضيد متبنياتها العقدية والفقهية، لأن الولاية نيابة عامة عن المعصوم، وللولي الفقيه ذات صلاحيات الرسول كما مرَّ بنا، وأي تعزيز لمقام الإمام مهما كان مثيولوجيا يصب في صالح الولاية. لكنك عرفت قيمة الحديث متناً وسنداً، ولا يمكن الاستدلال به في المقام، غير أن لخطاب الغلو والعقل التراثي ضروراته، فيتنازل عن ضوابط صحة الحديث لغرض هدف أكبر، وهذا ما يحصل حاليا بالنسبة لأدلة ولاية الفقيه، التي "دونها خرط القتاد" كما يصف استحالتها الشيخ مرتضى الأنصاري، كبير فقهاء الشيعة وما يزال.

مرجعية الإمام

اتضح مما تقدم، كما تصدق الإمامة السياسية، تصدق الإمامة الدينية بمعناها البسيط (بيان الأحكام، وتطبيق كلياتها على مصاديقها، والدعوة إلى الله)، بعيدا عما تطرحه نظرية الإمامة الشيعية، التي تقدم تصورا للإمام يتداخل فيه اللاهوت بالناسوت، وتمتد ولايته على السياسة والتشريع والتكوين. لكن هذا لم يثبت بعد مناقشة مستفيضة لحديث الغدير. ولم نجزم بوجود نص على إمامة علي بن أبي طالب، الذي لازمه سلب شرعية خلافة الخلفاء. فعلي ترشّح للخلافة وفقا لمبدأ القرشية وكفاءته الشخصية، وهو أهل لذلك. وأما الأئمة من بعد علي فعلماء أبرار وفقا لرؤية خط الاعتدال، يتعاملون مع الأئمة بإجلال واحترام وتقدير. لا يقولون بعصمتهم ولا بولايتهم التشريعية فضلا عن التكوينية. وكانوا يجادلونهم في بعض المسائل الفقهية، ويعارضونه بوجهات نظرهم، والأدلة متعددة، ذكرت بعضها سابقا. فجميع الشواهد الموثقة تؤكد عقيدة الاعتدال الشيعي. وبالتالي فدور الإمام ينحصر بالهداية، التي يتطلبها المجتمع في كل وقت وزمان (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، وهي تارة هداية سلوكية من خلال أفعاله وتعامله مع الناس (سلوكية أخلاقية)، وأخرى من خلال علمه ومعرفته، فهم علماء أبرار، وقد اعترف لهم جميع من ذكر سيرتهم، بما فيهم مخالفيهم، خاصة الإمام الصادق، يقول: (قُلْ لِشِيعَتِنَا كُونُوا دُعَاةً إِلَيْنَا بِالْكَفِّ عَنْ مَحَارِمِ اَللَّهِ، وَ اِجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ وَاِتِّبَاعِ رِضْوَانِهِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا كَذَلِكَ كَانَ اَلنَّاسُ إِلَيْنَا مُسَارِعِينَ). (كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ لِيَرَوْا مِنْكُمُ اَلْوَرَعَ وَاَلاِجْتِهَادَ وَاَلصَّلاَةَ وَاَلْخَيْرَ فَإِنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ). ولا يوجد دليل قرآني صريح يجعل ولاية على فهمه وتفسيره، بعد أن وضع مبادئ وضوابط لهما، كرد المتشابه للمحكم من  الآيات. فهو بلاغ للناس.       

لكن السؤال الإشكالي: هل يلزم من حاجة المجتمع للهداية حصرها بمجموعة أفراد هم الأئمة؟ أم هي مطلقة؟. وهل يلزم من الهداية أن تكون للهادي صفات خارقة، كالعصمة وعلم الغيب وغير ذلك؟

لا شك أن الآية مطلقة فلا يمكن حصر الهداية بالإمام. بل وتفترض تعدد الهداة استجابة لظروف الناس وحاجاتهم: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، فمهمة الرسول الكريم هي الإنذار والتبليغ، أما الهداية فلا تنحصر بشخص، ولا تختص بمصداق واحد، ولا تتوقف على وجود إمام. بل يتعدد الهداة بتعدد الأقوام، ولكل قوم هادٍ، مراعاة لظروفهم، وثقافتهم، وعاداتهم وتقاليدهم، ومستوى وعيهم. ويستحيل أن يحيط شخص واحد بظروف جميع الأقوام والمجتمعات، فالهداية متجددة بتجدد المجتمعات ووعي شعوبها، ويتجدد الهداة مع تجددها. فالآية لم تقل لكل أمة هادٍ، كي يقتصر مصداقها على واحد بعينه كما في قوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)، بل لكل قوم هاد. فالأئمة مصاديق للهداة، لكن لا يلزم منه عصمتهم، وتفرّدهم بالهداية. (أنظر كتاب: مدارات عقائدية ساخنة)

غير أن بعضا أراد الاستدلال بآية: "إنما أنت منذر ولكل قوم هادٍ"، على ضرورة وجود إمام معصوم هادٍ، حاضر أم غائب. وبهذا الشكل يكون الإمام مرجعية لفهم النص، وتحديد دلالاته، لا يمكن تجاوزه أو معارضته. وقد ذكرت أن الآية مطلقة، كما ذكرت في الحلقة السابقة، لا يمكن ربط  فهم وتفسير وبيان القرآن الذي هو نص مقدس متحرك، يواكب الحياة والرسالة بعقل زمني محدود، "السُنة أو العترة"، والقضية مرتبطة بنظام اللغة وقبليات المتلقي. الهداية تختلف عن التبليغ. وفي كل مرحلة هناك فهم للقرآن وفقا لقبليات المتلقي وظرفه وثقافته والمهيمنات الفكرية والعقدية، ولا استثناء لأحد في هذه القاعدة، بل هي طبيعة التلقي المعرفي، وارتباطه باللغة وكيفية تكوّن المعلومة.  وبهذا نفهم أن مرجعيات فهم النص تختلف عن مرجعيات العلوم الطبيعية، كما أن الحقيقة بالنسبة للعلوم الطبيعية حقيقة ثابتة، بينما الحقيقة في فهم النص حقيقة نسبية، تتأثر بقبليات المتلقي وأيديولوجيته وزاوية نظره. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة).

وبالتالي فتعدد وجهات النظر في فهم وتفسير النص مرتهنة لقبليات المتلقي وزاوية نظره، وهي تتجدد باستمرار، والمعصوم مهما قيل في قداسته، يبقى بشرا محكوما بقوانين فهم النص، فينظر للواقع، ويفهم النص وفقه. يتضح هذا  من وجود أكثر من 800 تفسير للقرآن، تتباين في بعض الآراء، ووجهات النظر رغم وحدة الروايات التي يرتكزون لها. ويكفي الاختلاف في الوضوء دليلا، وغيره من الآيات. كما يكفي وجهات النظر والاجتهادات المختلفة في فهم الآيات، فهناك تفسير ثوري للقرآن، بلاغي، لغوي، صوفي، علمي، وغير ذلك. وهنا ملاحظات:

- لا معنى للاجتهاد في مجال العلوم الطبيعية، مادامت مجموعة قوانين وقواعد علمية مرتهنة للدليل العلمي، فيكون المتخصص دالة عليها. آراؤه ملزمة ولا يمكن الاستغناء عنه. بينما الاجتهاد هو الأساس في فهم النص، فتتعدد وجهات النظر، فلا معنى لاقتصار فهم النص على مجتهد دون آخر، بما في ذلك الأئمة والصحابة والتابعين. فالحاجة للمتخصص في مجال فهم النص حاجة محدودة ومؤقتة.

- الحقائق في القضايا العلمية مطلقة، بينما الحقيقة في القضايا الميتافيزيقية نسبية، ليس لها وجود خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي، فتتأثر بقبليات الفرد وتحديات الواقع، وضرورات الزمان والمكان، فهي بحاجة إلى مرجعية متحركة تواكب العصر ومتطلبات الواقع، وهذا يؤكد الحاجة إلى تجدد مرجعيات فهم النص، عكسا للعلوم الطبيعية. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة).  

- لو كان القرآن بحاجة إلى تفسير آياته كلها، لكان النبي أولى بتفسيره، والجميع يعلم أنه لم يترك تفسيرا للكتاب، سوى بيانات بسيطة.

- لوكان النص القرآني بحاجة لتفسيرات محددة، لكان القرآن أولى  بذلك، لكنه لم يتنزل منه سوى ما موجود بين دفتيه. بل عدم ضمّ السيرة النبوية إليه يدل على وجود مغايرة جوهرية بين  آيات الكتاب وأحاديث النبي، فضلا عن غيره. مغايرة تقتضي استقلالهما. نص قرآني ثابت. وفقه متحرك تمليه حاجات الواقع وضروراته وتحدياته، وتطور مفاهيم اجتماعية وثقافية بمرور الوقت.

- القائلون بضرورة وجود مرجعية ثابتة محصورة بأئمة أهل البيت، عليهم الكف عن مقولة الإسلام صالح لكل زمان ومكان. لأن مقتضى تحديد مرجعيات فهم النص المكوث في القرون الأربعة الأولى. وللزمان والمكان أحكامهما التي تفرض على المتلقي فهما يتناسب معهما.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق14من س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الغدير والعترة

ماجد الغرباوي: تقدم أن حديث الغدير قد اشتمل على فقرتين، الأولى قول النبي: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، والتي استدل بها الشيعة على أحقية علي بن أبي طالب بالخلافة، واعتبروا الإمامة السياسية نصا وتعيينا من قبل الله تعالى على لسان النبي، وعلى هذا الأساس قامت نظريتهم في السلطة والحكم، بعد أن حكموا بغصبية سلطة الخلفاء، غير أن سيرة علي مع الخلفاء، لا تدل على تشكيكه بشرعيتها، وكان يتعامل مع الخلافة كأي نظام شرعي ديني، يجب الدفاع عنه ومساندته، يمارس حياته اليومية كغيره من المسلمين. وقد تزوج من جواري حروبهم، وله كما لغيره حقوق من بيت المال هو وأبناؤه وعياله، فكيف يتصرف بأموال مغتصبه؟ وكيف يمارس حياة طبيعية في ظلها؟ ما يهوّن الخطب أن التراث الشيعي تراث متأخر، ونتاج فترة صراع مرير مع الأمويين والعباسيين. وقد مرَّ الحديث مفصلا عن موضوع فقرة الولاية، "من كنت مولاه فعلي مولاه". ولم يعد هناك مزيد من البحث بعد التطرق لجميع أبعادها وتفصيلاتها ومحتملاتها، وسنغادرها إلى الأبد، دون الالتفات إلى الوراء ثانية، (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ). فما لم نتخلص من سلطة التراث، سنبقي ندور في حلقة مفرغة، يتحكم بنا عقل تراثي دائري مغلق على نفسه، يجافي العقل والعقلانية، التي هي سر تقدم الأمم. ليس هناك ما يتوقف على التراث، ولم يرتهن القرآن العقل المسلم له إلا بحدود القيم الإنسانية والأخلاقية. إضافة إلى بعض تفصيلات الأحكام، ليست السلطة وشؤون الحكم من ضمنها، سوى مبادئ وقيم تضبط أداءها. وهذا لا يعني التنكر للظواهر الإيجابية، والجهود الفكرية، والمنجز العقلي لعلماء المسلمين، بل يعني الوقوف مع التراث موقفا ناقدا، يتحرى ما يعزز نهضتنا والتخلي عن مطلقاته التي ترتهن إرادتنا ووعينا.

ثانيا: العترة

الفقرة الثانية في رواية الغدير تتحدث عن العترة ودورها إلى جانب الكتاب الكريم، وهي قضية مهمة، تتوقف عليها جملة آثار تشريعية، وليس عقدية فقط. قال النبي، بعد قوله "من كنت مولاه فهذا علي مولاه": (إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله و"عترتي" أو "وسنتي"). وقد اختلفت الروايات حول هذه الفقرة بالذات،  هل المراد بعِدل الكتاب عموم سُنة النبي أم سُنة أهل البيت خاصة؟. وهل قال النبي: (إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وسنتي) أم قال: (إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي)؟. ولا يخفى الفارق وحجم الآثار المترتبة عليه. وبالتالي فكلا الفريقين  قد أهمل رواية ثالثة لم يرد فيها سوى القرآن: "إني تارك فيكم كتاب الله ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا"، كما تقدم بيانه. وهذا يدفعنا للسؤال عن إمكانية أن يكون للقرآن عِدل، تتوقف عليه حجيته، ومعرفة مقاصده. وهو سؤال يتفرع على سؤال يسبقه: هل القرآن مكتفٍ بذاته أم لا؟ وما معنى اكتمال الدين حينئذٍ في ضوء حديث العترة؟ وما هو دور السُنة النبوية في ضوئها؟.

الحديث أحد الأدلة على حجية السُنة أو حجية سُنة أهل البيت، بل وولايتهم التشريعية، كما هي النظرية الشيعية، التي تعتقد بامتداد عصر التشريع حتى نهاية الغيبة الصغرى (329 هـ)، وتتعاطى مع روايات أئمة أهل البيت بمستوى روايات النبي. وبالتالي فتتوقف على هذه الفقرة من حديث الغدير قضايا عقدية مهمة، تدعو للتمسك به والدفاع عن صحته وحجيته، مما يتطلب رؤية تأملية، لتحري دلالته، بناء كما أكدت مرارا على صحة صدور الحديث عن النبي، وأنه فعلا، صرّح بهذه المضامين. وحتى لو لم نقطع بصحة صدورها فنتناولها لقوة حضورها، وهذا يكفي وفقا للمنهج المعتمد. وينبغي التنبيه إلى وجود ثلاثة نسخ من الحديث، بعضها جعل السُنة عِدلاً للكتاب، والآخر جعل العترة عِدله. وثالث اكتفى بالقرآن!!!. ويمكن الاستعانة بقرائن الروايتين لحسم الجدل الدائر حول الصيغتين (العترة / السُنة): فهناك روايات سنية بصياغة أخرى تدعم الصيغة التي تروي خصوص العترة عِدلاً للكتاب. وهو ما تصرّ عليه الرواية الشيعية، التي اكتفت بجملة "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا". وفي رواية "فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض". وجاء في رواية الشيخ المفيد المتقدمة: فقال عليه وآله السلام: (إني قد دعيت ويوشك أن أجيب، وقد حان مني خفوف من بين أظهركم، وإني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). وصيغتها مغلقة، تحد من تأويل النص. بينما الروايات السنية أوردت الخبر بشكل آخر، وقد ذكرتها سابقا، نأخذ منها محل الشاهد:

-  (عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فينا خطيباَ، بماء يدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به». فحَثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي"..). (رواه مسلم في صحيحه (2408)، وأحمد في مسنده (19285)...). ولا يخفى اختلاف الدلالة بين قوله "إني تارك فيكم  كتاب الله وأهل بيتي"، التي تضع أهل البيت في موازاة الكتاب، ومرجعية لا يمكن تجاهلها لمن يعتقد بصحة صدور الرواية، ويعتقد بحجية قول النبي. وأما قوله "أذكركم الله في أهل بيتي"، فهي رجاء والتماس، تكشف عن هواجس تراود النبي حول مستقبل أهل بيته، وكأنه يخشى الثأر والانتقام منهم. أو استضعافهم، وهدرهم حقوقهم، فهو يوصيهم بهم بعد وفاته، فيكون مدلول الرواية احترازيا، ومن باب ذكّر إن نفعت الذكرى.

من جهة أخرى، فإن قول النبي في كما في الرواية الأخيرة: (وأهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي)، أتت منسجمة مع أسباب صدور الحديث، الواردة في الروايات السنية، والتي ربطت قول النبي "من كنت مولاه فعلي مولاه"، برواية بُريده، وموقفه التشكيكي بمصداقية علي بن أبي طالب، الذي وصل اليمن لاستيفاء خمس غنام غزوة خالد بن الوليد، فكان بُريدة حانقا عليه، يعتقد أنه أخذ أكثر من استحقاقه، وتصرف بطريقة إستعلائية بسبب قربه من الرسول. ولم يَخفِ انزعاج النبي من كلام بُريده، حينما سأله النبي: "أتكره علياً يا بُريده؟". قال نعم. قال الرسول: "لا تكرهه". وبقى ممتعضاً، حتى اعتلى المنبر وخطب بالناس، معرّفاً بمكانة علي التي مرَّ الحديث حولها. وهذه الرواية إذاً لا تتحدث عن عترة النبي باعتبارهم عِدلاً للكتاب، بل أن قوله: "الله الله في أهل بيتي"، يكشف عن قلق عميق يراوده أزاء مستقبل أهل بيته من بعده، ويخشى الانتقام منهم حقدا أو ثأرا أو حسدا، وهو يعلم أن أهل بيته الحلقة الأضعف بين بيوتات قريش. مما يؤكد أن كلام بُريدة شكل صدمة للنبي، رغم رحابة صدره، وتعامله بهدوء معه. يعلم النبي أن السلطة ستكون محورا لتقاطع الإرادات، وسببا لتحالفات قَبلية، ويعلم جيدا أن القوم  يرفضون اجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم، كما صرح بذلك فيما بعد عمر بن الخطاب للعباس بن عبد المطلب حينما عاتبه، فقال عمر: "تكره العرب اجتماع النبوة والخلافة فيكم". وهو كلام دقيق، عبر عن وجهة نظره، ولو باسم العرب. وقد أكد النبي لعمه العباس حين سأله عن مستقبلهما السياسي، هو وعلي، فكان جوابه واضحاً في حديث الرزية الرزية: حيث أجابه بصراحة: (أنتما المستضعفان بعدي). النبي يتوقع كل هذا، فهو خبير بالعرب وتوجهاتهم وتحالفاتهم، لكن يخشى الانتقام والثأر والاقصاء التام لأهل بيتهم، خاصة علي الذي تربى في مدرسته، وربما كان  يعوّل عليه فعلا للخلافة من بعده، فضلا عن أهليته للإمامة الدينية. وكل هذا يبرر للنبي قلقه، ويبرر قوله: الله الله بعترتي. وهذا يذكّرنا بقول النبي: "الله الله في الأنصار". فهو يعلم جيدا، ماذا يعني وجود قريش إلى جانب الأنصار، ويعلم أنهم سيلتفون على السلطة، ويستبعدون الأنصار، عمق النبي في المدينة، ورهانه المستقبلي. وسبق أن نزل قوله تعالى على لسان النبي: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَ). بل أكتشف من أجواء بعض الروايات حساسية قريش من النبي وآله، حتى في حياته.

من هنا نستنتج أن النبي بحكم القرائن، وفي ضوء ما تقدم من تفصيلات حول آية التبليغ ودلالات كلمة مولى، كان بصدد بيان منزلة أهل بيته، ويطالب بحمايتهم من عداء يتستر تحت غطاء الصحبة. ولم يقصد بكلامه تأسيس مرجعية موازية للكتاب الكريم، لأنه مكتف بذاته، يهدي للتي أقوم، وتبيان لكل شيء.

ولو سلّمنا أنه كان بصدد الإعلان أو  التشريع لعدِلٍ مع القرآن، أو أنه كان بصدد تأسيس مرجعية ثانية مع القرآن، سواء سُنته أو عترته، بشكل تكون صنواً للكتاب الكريم في حجيتها، وربما تتقدم عليه في حالات التعارض، ماداما على مستوى واحد من الحجية، فهنا تبرز علامات استفهام، وفقا لآرائي، التي أختلف في بعضها مع علماء الكلام والفقهاء، ولا ريب في ذلك لا ختلاف المرجعيات، وزاوية النظر ومقدمات الاستدلال.

1- يلزم من اعتبار السُنة أو العترة عِدلاً للكتاب ثبوت جعل الولاية التشريعية للنبي، فضلا عن أهل بيته، ممن يعتقدون باستمرار عصر النص إلى نهاية الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر عندهم، ولازمه حجية جميع روايات أئمة أهل البيت، متى ما استوفت شروط الحجية. وقد عرضت الأدلة القرآنية في أكثر من مناسبة، وبينت بما لا يقبل الشك، أن الولايتين التكوينية والتشريعية لله أصالة، ولم يجعلهما لأحد بنص صريح واضح لا ريب ولا شك فيه إطلاقا. وما أدلة القائلين بحجية السُنة سوى تأويلات، لا تقوى على مقاومة النقد المعرفي، خاصة أن آيات الكتاب بشأن وظيفة النبي صريحة، محكمة، يُرجع لها في فهم الآيات الملتبسة أو المتشابهة كما في المصطلح القرآني، وليس العكس كما يفعل الفقهاء!!. وبالتالي لا حجة للروايات النبوية إلا ما كان له جذر قرآني، فيكون من باب البيان، أو من باب تطبيق الكلي على مصاديقه. ومع انتفاء الولاية التشريعية للنبي فضلا عن أهل بيته وصحابته، فلا دليل على إرادة تأسيس مرجعية تشريعية ثانية مع الكتاب. وعلينا تقصي دلالات أخرى من كلام النبي في حديث الغدير.

وخلاصة ما تقدم لا يمكن الاستدلال بحديث العترة على إرادة تأسيس مرجعية ثانية مع الكتاب، سواء كانت العترة أو السُنة. ولا يمكن الاستدلال بها على حجية أي منهما. ولا يمكن رفع اليد عن أصالة الولاية التشريعية لله وحده، ولا يمكن دعوى جعلها لغيره بدون آية صريحة واضحة بينة وبالاسم، وإلا يبقى الأصل عدمها.

2- إذا كان المقصود من كلامه جعل الحجية لسيرته أو سيرته وسيرة أهل البيت، فهنا نسأل عن حدود المفاهيم؟

- ما المراد بكتاب الله في قوله: إني تارك فيكما كتب الله؟، هل قصد عموم القرآن، أم بعضه، فتكون السيرة حجة للثاني دون الأول؟ إذ أن مفهوم الكتاب في القرآن يختلف وفقا لسياق الآيات، والقرآن بعدُ لم يُجمع بين دفتين في حينه، كي يشير له بدلاً عن الكتاب!!. ولماذا عبّر بالكتاب ولم يذكر القرآن؟ ثم إن اختلاف دلالة الكتاب وفقا لسياق الآيات لا يدل على ترادفه مع لفظ القرآن.

- ما المراد بالسُنة، هل مطلق سُنة النبي أم خصوص السنن التشريعية؟. ورغم أنهم حكموا بحجية مطلق السُنة، وقد تطرف السلفيون حينما قالوا بحجيتها حتى فيما يخصه. علما أن سُنة النبي تنقسم إلى خمسة أقسام، فيها أحكام تشريعية، لبيان أحكام الشريعة وفقا لمتطلبات الزمان والمكان، فتكون حجة في موردها. وبعضها أحكام ولائية، تنتهي بموته، وهناك أحكام أخلاقية، باعتباره مثالا للأخلاق، وإنك لعلى خلق عظيم. وهناك سلوكه كبشر، يحب هذا اللون من الغذاء واللباس ويكره ذاك، وهناك أحكام قرآنية خاصة به كوجوب صلاة الليلة. فالقسم الأول هو الحجة متى كان له جذر قرآني، وفقا لرأينا في المقام. فأي أقسام السُنة هو عِدل للكتاب؟.

- عندما جعل العترة عدلاً للكتاب وفقا للرواية الشيعية، فمن هي العترة؟ هل أطلق اللفظ وأراد خصوص علي، كما هي مناسبة الحدث، وبقرينة قوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه".؟ وهذا ممكن إذ لا معنى لإقحام غيره، ولا مناسبة لشمولها للزهراء، مهما كانت منزلتها، لأن العِدل القرآني لا يتعالى على شروطه، والزهراء غير معروفة بروايتها عن النبي. على عكس علي الذي رافقه قبل وبعد البعثة، يستمع الوحي، ويتلقى من النبي مباشرة. ولا معنى لإقحام الحسن والحسين، فكلاهما كان صغيرا، غير مكلّفٍ. والنبي لا يقحم نفسه بالقضايا المستقبلية، ويحكم بموجب ظواهر الناس، كما في حديث القضاء، وتصريحه: أنه لا يعلم الغيب، ويحكم بين المتخاصمين وفقا للبينة والشهود، وحذّر من أكل مال الناس بالباطل لهذه الأسباب لعدم علمه بالغيب. وأما غير الدائرة الخاصة من أهل بيت النبي، فلا دليل على ذلك، ولم تتطرق الروايات لهم. وغاية ما جمعته الكتب الحديثية السنية عن علي 500 رواية في القضاء، إضافة لعدد آخر. وأما الكتب الشيعية، فحديث علي قليل فيها. فكيف سرت الولاية التشريعية إلى باقي أئمة الشيعة؟ وهذا إشكال مهم، لأن حديث العترة هو عمدة الأدلة في المقام. ومع انتفائه ينتفي الدليل.

- إذا استبعدنا إرادة الولاية التشريعية من حديث العترة، واستبعدنا رواية بُريدة، تبقى أن الرواية بصدد جعل الولاية والقيمومة لعترته، الأعم من علي، على شؤون الدين والكتاب الكريم، بل راح بعضهم يستدل بهذا الحديث على عصمتهم، رغم أن مفهوم العصمة ظهر متأخرا مع هشام بن الحكم بعد سُنة 150 هـ. وهنا نسأل ما المراد بولاية وقيمومة علي. أو ما المراد بهيمنة علي على الكتاب، ومن ثم هيمنة باقي الأئمة؟ أما الشيعة فقد اعتبروا أئمة أهل البيت بما فيهم علي بن أبي طالب مرجعية نهائية لمعرفة الأحكام الشرعية وتفسير آيات الكتاب واختصاصهم بالإمامتين الدينية والسياسية. أو كما يعبرون: علي شريك القرآن. وهي دعاوى، لا تدعمها آية صريحة، سوى رغبات وتأويلات كلامية وظفت الحديث لتعزيز قبلياتهم. فهم لم يستدلوا به على آرائهم ومعتقداتهم، إذ لا دلالة له على ذلك بمفرده. غير أنهم استدلوا على ما يبغون بضميمة مقدمات كلامية أو روايات ضعيفة. ثم في مرحلة لاحقا غدا وكأنه دليل على عقيدتهم بالأئمة، والصحيح أنهم أسقطوا رغبتاهم عليه، وتم توظيفه. ولو سلّمنا جدلا بدلالة حديث العترة، فتختص بعلي أو به ومن عاصر النبي من الدائرة الخاصة لأهل بيته، لكن كيف تم تعميم هذه الأحكام لباقي الأئمة؟. الأسئلة تلاحق الباحث الموضوعي، ولا مجال للمجاملة والتحيّز هنا، فالرواية واضحة لا تتحمل أكثر من دلالتها، إلا بدليل جديد وهو مفقود بالضرورة. الروايات الضعيفة لا تعني لنا شيئا، فهي تلبي كل ما تحتاجه الفِرق والمذاهب الكلامية آنذاك، بلا وازع وخوف من الله تعالى. حيث كان الكذب على الله ورسوله أقصر الطرق لبناء العقائد، وإفحام الخصم. وهذا الاستدلال لا ينقص من شأن ومكانة وعلمية وورع علي بن أبي طالب، والكلام حول دليلية الدليل، وما يترتب عليها من نتائج ملزمة للفرد المؤمن.

- لو كان النبي بصدد تأسيس مرجعية يرتهن لها فهم الكتاب من خلال حديث العترة، فكيف يكتف برواية واحدة غير صريحة؟. أليس مقتضى خطورتها وأهميتها، أن يواصل التبليغ حولها؟. ومن باب أولى أن نقول لماذا لم يبين الكتاب الكريم ذلك، ويرتهن فهمه لهم؟. ولماذا لم يلتزم علي قبل غيره بذلك ويعلن عدم جواز الرجوع لغيره في تفسير القرآن وبيان الأحكام؟ وكيف تصدى "العبادلة" الثلاثة المعاصرون له لتفسير الكتاب وبيان الأحكام ورواية سنن النبي، وهم عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، وآثارهم تملأ التراث؟. هناك أسئلة لا يمكن القفز عليها لمجرد وجود رواية، مهما كانت صحيحة. ولا قيمة لتراث يعجز عن رد الأسئلة المطروحة.

العترة والرسالة

لا أحد يلتفت لنقطة خطيرة جدا، تنخرم معها حجية حديث العترة لو ثبت صحة صدوره تواترا كما يقولون، لأن هذا الحديث يربط القرآن الذي هو نص مقدس متحرك، يواكب الحياة والرسالة، يربط فهمه نهائيا بعقل زمني، محدود، فليس من الممكن ربط القرآن بسُنة النبي مطلقا، ولا يمكن ربطه بعقول بشرية محدودة كأهل البيت رغم جلالتهم وعلمهم وتقواهم وورعهم، لكن المسألة أعمق بكثير مما يتصورون، مادامت ترتبط بنظام اللغة والمعرفة البشرية. ففي كل مرحلة هناك فهم للقرآن وفقا لقبليات المتلقي وظرفه وثقافته والمهيمنات الفكرية والعقدية، ولا استثناء لأحد في هذه القاعدة، بل هي طبيعة التلقي المعرفي، وارتباطه باللغة وكيفية تكوّن المعلومة. فينبعي تأويل الحديث وفهمه ضمن ظرفه، وضروراته. وهذا رأي خاص يعتمد، على فهم فلسفة الدين، وعلاقته بالعقل والمعرفة البشرية، وليس بالضرورة أن يقتنع به العقل التراثي، بل يتوقف قبوله على اختراق جملة يقينيات. من هذا المنطلق تبدو مقارنة نسخ الحديث ضرورية، للتعرف على خصوصيات كل منها، ومدى توافقها مع الشرط المتقدم، فكما هناك نسخه تربط القرآن بالسُنة، وأخرى تربطه بعترتي أو أهل بيتي، هناك نسخه ثالثة، لا تخدم أحدا، تستبعد دائما. نسخه مجردة، تكتفي بالقرآن: (تركت فيكم كتاب الله ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا)، وهي النسخة التي تربط القرآن بظرفه الزماني، وبمتغيرات ضرورات الإنسان ومواكبة العصر. وهذه النسخة التي يجب التركيز عليها ودراستها. بل حتى نفس الروايات تجد الاهتمام بالقرآن مميزا، وكأن الجملة التالية، مقحمة أو منفصلة عن فقرة القرآن.

إشكالات دلالية

تقدم أن الفهم المتداول للحديث يدفعنا للسؤال عن إمكانية أن يكون للقرآن عِدل، تتوقف عليه حجيته، ومعرفة مقاصده. وهو سؤال يتفرع على سؤال يسبقه: هل القرآن مكتفٍ بذاته أم لا؟ وما معنى اكتمال الدين حينئذٍ في ضوء حديث العترة؟ وما هو دور السُنة النبوية في ضوئها؟. وقد تقدم مرارا أن آية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، تؤكد كمال الدين، وهو شامل للعقيدة والشريعة، فهو مكتفٍ بذاته، (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)، (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ). وليس في الآية إطلاق خارج حدود الدين بمعنى العقيدة والشريعة، وهو بيان لهما. ويقتصر دور النبي على ما حدده الكتاب الكريم: بشير، نذير، مبلغ، هاد، مفصل، شارح، مبين. وترك له هامشا لفهم النص وفقا لظرفه الزماني والمكاني، وما يفرضه الواقع عليه، كما في تفصيلات الصلاة. وإذا كان هناك دور بعد النبي فهو في حدود بيان الأحكام وهداية الناس لله وللدين، فينحصر بالهداية: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ). فنخلص إلى نتيجة نهائية أن وجود عِدل للقرآن غير متصور في حد ذاته، لاكتمال الدين، واكتفاء الكتاب بنفسه. فيكون الحديث مع صحة صدوره بيان أهمية الكتاب كمرجع حجة على الناس، مكتفٍ بذاته، فأغلق النبي بذلك أية ولاية تشريعية قد تُدعى من بعده، فهو حبل الله الممدود بين السماء والأرض كما جاء في النص، فيتفرّد بمرجعيته.

وعندما أوصى النبي بأهل بيته في ذات الحديث فلسببين: الأول التشكيك بمصداقية علي بن أبي طالب، وصيه ومعتمده، خضع لتربيته الخاصة، واعتنى به. كما أن الطعن بمصداقيته، مؤشر خطير حول الموقف من أهل بيته مستقبلا، مما اضطره للقول: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". فهو وصيه من بعده، وحافظ سره، وقدوة للناس في سلوكه وأخلاقه. ومن يطعن بعلي يطعن به، ومن لا يحترم علي لا يحترمه.

والسبب الثاني: دفع شبهة محتملة، لمن يعتقد بشراكة أهل البيت للنبي بنبوته، التي هي أمر ألهي، فطالبهم بموقف إيجابي منهم، وحفظ مكانتهم من بعده. ولم يفصّل القول حول دورهم. فالكتاب الكريم واضح دوره لدى المسلمين وأما دور أهل البيت فغير واضح، كي يقول تركت فيكم كتاب الله وأهل بيتي ويسكت. وكان ينبغي له أن يفصّل للناس ما هو دورهم بالضبط بالنسبة للقرآن، فالمسألة ليست مسألة عواطف، كي يتحدث بهذه اللغة، وهو أجلى مصاديق قوله: (ولا يخافون لومة لائم). لكن الرواية لم تتحدث سوى عن إشارة عابرة، وكأنها تحيل على على قضية ناجزة، مثلها مثل القرآن، وهذا منتفٍ بالضرورة، فلم يتحدث الرسول عن أي دور ديني لأهل بيته في هذا الشأن خلال حياته. ولازم الحديث نفي أي دور مرجعي لهم بموازاة الكتاب باستثناء الهداية والإمامة الدينية بمعناه البسيط، وليس بمعناها وفقا للعقيدة الشيعية. وبالتالي يكون علي وأهل بيت النبي قدوة في السلوك، ومرجعا فكريا، لكن لا بمعنى القيمومة وارتهان تفسير وفهم القرآن بهم. بل باعتبارهم علماء والأقرب لفهمه، بحكم صلتهم الرسالية بالرسول.

فالحديث بعد تحليل دلالاته، يفضي إلى عكس دعواهم. وبهذا ينتهي البحث حول حديث الغدير. وللمرة الأخيرة أؤكد أن حجية الحديث مرتهنة لصحة صدوره، وعلى هذا الأساس تمت مناقشته، إضافة إلى قوة حضوره التي تستدعي وفقا لمنهجنا دراسته وتحليل دلالته أيضا.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة السابعة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق13من س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الصحابة والشورى

ماجد الغرباوي: كما حصل في أحداث السقيفة سنة 11 هـ نزاع حول السلطة، تكرر في وقائع الشورى، مع اختلاف أطراف اللعبة السياسية باستنثاء علي بن أبي طالب، الذي أقحمه عمر بن الخطاب في الشورى إسوة بالآخرين دون استشارتهم. كما لم يكن طرفا مباشرا في أحداث السقيفة عندما حُسمت الخلافة لأبي بكر، واقتصر الأمر على الأنصار والمهاجرين.

وأيضا كما في السقيفة حدث تراشق بالألفاط بين صحابة الرسول، وتجلّت القَبلية على لسان المتحدثين بشكل واضح وصريح، حتى نسوا القيم والمبادئ الإسلامية، كما في خطاب رجل من مخزوم مع عمار بن ياسر، الصحابي الجليل الذي قال فيه رسول الله: "عمار تقتله الفئة الباغية"، حيث خاطب المخزومي عمارا: (لقد عدوت طورك يابن سمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها)، باعتباره أدنى نسباً، لا يحق له التدخل بشأن قريش!!. والمنطق القَبلي الذي ضبط مسار السقيفة عاد ليفرض سلطته على الشورى بشكل فاضح لا مواربة فيه.

 والأخطر من كل ذلك ضابطة عمر مع الشورى، حيث أوصى بقطع رأس من يعترض، إذا اتفق خمسة على شخص، وكذلك يقتل الإثنين إذا اتفق أربعة منهم. وهي ضابطة دموية، تفتقر لأبسط مبررات الشرعية والأخلاق. فمتى حَرَمَ الإسلام الناس حق المعارضة السياسية؟. لم يكن عمر شخصا عاديا، وكان ثاني خلفاء المسلمين، والسؤال عن شرعية قراراته سؤال عن مرجعياته التي أباحت له قرار قتل المعارض السياسي، الذي قد يُدرك أبعاد لا يدركها غيره.

 ثم أن عبد الرحمن بن عوف لعب دورا أساسا في مبايعة عثمان، أشبه بدور عمر مع أبي بكر، وقد نبّه لذلك علي حينما قال له: (والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر اليك، والله كل يوم هو في شأن). والسبب عندما تقصّى عبد الرحمن آراء الشورى بدأ بالزبير فقال له: خل ابني عبد مُناف وهذا الأمر، قال: نصيبي لعلي، وقال لسعد: أنا وأنت كلالة، فاجعل نصيبك لي فاخاتر. قال أن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعلي أحب إلي. فلما ضمن علي ثلاثة أصوات "الزبير وسعد وهو"، غيّر عبد الرحمن خطته، وعدل عن عدد الأصوات للمرشح، كآلية في الانتخاب لتحقيق العدالة التي هو مؤتمن عليها، وفرض مبدأ الالتزام بسيرة الشيخين أبي بكر وعمر كشرط للانتخاب. وهو مكر وخداع، خالف حتى شروط سيده عمر بن الخطاب. وهو يعلم جيدا أن عليا يرفض ذلك، فعلي أساسا تحفّظ على بيعة أبي بكرلأنه يحمل وجهة نظر أخرى، ويؤمن بمبادئ دينية وأخلاقية تحقق قدرا كبيرا من العدالة، ليس فيها محاباة قَبلية، ولا تقديم للولاء على الكفاءة. لهذا استطاع عبد الرحمن أن يضمن البيعة لعثمان الذي يمثل امتدادا لأبي بكر وعمر، وأقصى عليا، دون أن يعترض على ألية الترشيح أحد من الصحابة، سوى عمار والمقداد، مخالفا بذلك وصية عمر في إحصاء عدد الأصوات كشرط للفوز بالخلافة. ويبقى سؤال: هل شرط الالتزام بسيرة الشيخين متفق حوله مسبقا لتدارك أي موقف طارئ. أم وليد عبقرية اللعبة السياسية؟ تبقى طي الكتمان حينما استبعدتها المداولات السرية للسلطة. ولم يشترط أحد من قبل سيرة الشيخين شرطا في الخلافة، فبعد قريشية السقيفة التي أضحت شرطا في صحة الخلافة، جاء شرط سيرة الشيخين، مما يؤكد عدم وجود مرجعيات كافية لتبني نظام سياسي موحّد للمسلمين، لاكتفاء القرآن بمبادئ وقيم كفيلة بضبط الأداء السياسي على أساس قيم الحق والعدالة والعقلانية والرحمة وكرامة الإنسان، ومنع الظلم والجور والعدوان. والسبب الثاني عدم تصدي النبي لمسألة الخلافة، بما فيه حديث الغدير، وهو ما نود تحريه منذ بداية البحث. كانت السقيفة ومن ثم الشورى فرصتين كبيرتين لاختيار خليفة يتمثل قيم الدين والإنسانية، لولا المنطق القَبلي، الأبوي الذكوري الاستبدادي، الذي تعامل مع السلطة بمنطق الغنيمة التي تبرر الوسيلة والمكر والاحتيال لاحتكارها .

لكن لماذا الموقف من علي، وهو ابن عم النبي القرشي، ومن وجهاء قريش وبطونها؟. هذا ما أجاب عنه علي حينما قال: (إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها، فتقول: أن ولّي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم). (المصدر نفسه، ص81). فالمسألة واضحة، صراع عنيف حول السلطة، والملأ يدرك تماما مكانة أهل البيت، ويدرك مبدئيتهم في السلطة والحكم، وهذا يفضي إلى حرمانهم، وهم ما كادوا يصدقون عودتها إليهم بعد أن حرمهم الدين الجديد سلطانهم. وهنا نخلص إلى نتائج مهمة:

نتائج الموقف الثاني

جاء الموقف الثاني لعلي بن أبي طالب من الشورى، معزِزا لموقفه الأول، الذي يرى أولويته في الخلافة. وكشف في موقفه اللاحق عن بعد فكري وإصرار مبدئي، تعبيرا عن نضوج رسالي، بعد معاصرته لخلافتي الأول والثاني، وكان في قلب الأحداث، قريبا من دوائر القرار، وتنتهي له أخبار الطموحات السياسية والتحالفات الأسرية، لذا كان قلقا على مستقبل السلطة، تؤكده شروطه التي اشترطها على عبد الرحمن بن عوف حيث كشفت عن هاجس استغلال السلطة، وتقديم الولاء على الكفاءة بما يعرفه عن عثمان وشبكة علاقاته مع بني أمية. وبهذا استطاع علي أن يبلور اتجاها آخر في السياسة والحكم، ويرسّخ التشيّع من خلال موقفه من الشورى، وبهذا يتضح لماذا يصر عليٌ على دخول المعترك السياسي إذا كانت مهمته أن يكون قدوة في السلوك ومرجعا في الفكر. فعلي بات يحمل رسالة، كما هو واضح من شروطه، ويرى في نفسه الكفاءة. وأعني أن سلوك الإمام يقوم على مبادئ دينية وأخلاقية، ترتكز للعدالة وإنصاف الناس وعدم المحاباة، وهذا لا يكون دليلا على نقض المبدأ القَبلي، كآلية في الخلافة، والذي ارتكز له الجميع كما تقدم. ونكتفي هنا بتلخيص نتائج الشورى:

1- أسس علي بن أبي طالب عبر مواقفه لمبدأ عدم الخلاف لتفادي أي انشقاق في صفوف المسلمين، وتمزق الموقف الموحّد، خاصة الموقف من القضايا المصيرية. وهو  ما قاله صراحة في رده على عمه العباس، حينما اعترض على موافقته دخول الشورى:

 (فقال العباس لعلي: لا تدخل معهم، قال: أكره الخلاف. قال: إذا ترى ما تكره). والفارق أن منطق العباس كان منطقا سياسيا براغماتيا. وكان منطق علي منطقا مبدئيا. الأول لا يفهم المنطق المبدئي، ويحسب السياسة حساب براغماتيا. "آل البيت مقابل قريش"، وفق منطق الغنيمة. هذا ما يفهمه في ضوء قبلياته القَبلية. ولا يمكنه إدراك ما هو أبعد من الخلافة وفق منطق الغنيمة، ولا يهمه مستقبل الدين، كما يفهمه علي.

2- أفصح الإمام علي من خلال خطبه أيام الشورى عن مبادئة والخطوط العريضة للتشيّع، ولم تكن قبل ذلك معروفة وواضحة. وقد أطّرت طروحاته التشيع بإطار عقدي – فكري – سياسي، وغدت معالمه واضحة، وهذا أحد أسباب وصف التشيع بـ"الرافضة"، مادامت مبائ علي تستبطن رفض ما يتقاطع مع قيم الدين:

ا- في رواية أنه قال: (الحمد لله الذي بعث محمدا منا نبيا، وبعثه إلينا رسولا، فنحن بيت النبوة، ومعدن الحكمة، وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب، لنا حق أن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السُرى. لو عهد إلينا رسول الله عهدا لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتى نموت. لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق وصلة رحم .. ). (المصدر نفسه، ص83). وهنا يتحدث عما هو أبعد من العلاقات الأسرية. وقد بيّن بوضوح أنهم إضافة إلى قربهم من الرسول يتمتعون بخصائص الإيمان، وتصديق الرسالة، حدَ التضحية في سبيل الله، ولازم كلامه أن الخلافة تستدعي وجود المؤمن، المضحّي، المخلص الذي يعي معنى الدين وأهدافه المقدسة.

ب- عندما سأل عبد الرحمن بن عوف أعضاء الشورى: أيكم يخرج نفسه .. فقال القوم: قد رضينا، وعلي ساكت. فقال عبد الرحمن: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني موثقا:

- لتؤثرن الحق،

- ولا تتبع الهوى،

- ولا تخص ذا رحم،

- ولا تألوا الأمة ..

ج- عندما سأل عبد الرحمن بن عوف الإمام علي في المسجد: (هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفِعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي ...). وهنا يتجلى منهج علي الذي يختلف فيه مع غيره من الصحابة، رغم اتفاق الجميع على العمل بكتاب الله وسنة نبيه، لكنه يختلف معهم في تقليد الشيخين أبي بكر وعمر. فعبد الرحمن بن عوف أراد إحراج علي (على خلفية تحفظاته القديمة حولهما)، لكنها جاءت لصالحه حيث أعلن عليٌ أمام الملأ صراحة عن مبادئه في السياسة والحكم. وأكّد أن التمسك بسيرة الشيخين لا تقع ضمن أولوياته، بل يعمل وفق اجتهاده، وفقا لمتطلبات الموقف السياسي المحكوم بظرفه، وهذا يتنافى مع تقليد سيرة الشيخين، التي هي اجتهادات محكومة بظرفها. ليس بالضرورة أن تكون لعلي تحفظات على سياسة الشيخين، لكن تقليد سيرتهما لا معنى له مع تقلبات الظرف السياسي، كما أنه يؤسس لسابقة خطيرة، تفرض السابق على اللاحق في السياسة والحكم. ثم إنه يرى صواب رأيه الذي ينطلق عن رؤية سياسية متكاملة. وقد عبّر عنها في إحدى خطبه: (اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شئ من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك. فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك. اللهم إني أول من أناب وسمع. (نهج البلاغة: 131)...). وأيضا ما جاء فيما بعد من خطب ورسائل، مازالت محفوظة في كتاب نهج البلاغة.

هذه هي مبادئ علي بن أبي طالب في السياسية والحكم عندما يقال بأفضليته. فهو يملك رؤية ونظرية تقوم على مبادئ دينية وإنسانية، قوامها العدل والانصاف وعدم تقديم الولاء على الكفاءة، بها افترق عن غيره من الصحابة، وربما لأجلها تحفّظ على بيعة أبي بكر، وقبل بالشورى، مادام يعتقد أنه الأصلح والأفضل والأقدر. وهذا لا يعني عصمته في ممارسة السلطة، وقد تصدر منه مواقف خطأ، والسياسة تعتمد على المتغيرات والمفاجآت، بعيدا عن الأخلاق والقيم عادة، وهذا ما يرفضه علي ويتمسّك بمبدئيته، مهما كانت تقلبات السياسة ومفاجآتها. وقد كلفته مبدئيته ثلاثة حروب داخلية، قوامها الصحابة والتابعين لهم، وهو أمر يؤرق الباحث عن جدوى هذا اللون من الحلول، ولماذا غابت الحلول السلمية، واختفى منطق التسامح، ليحل العنف محل المعارضة السلمية؟!!.

3- وقف إلى جانب علي كل من عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وكلاهما صحابي جليل، دافع عن حق علي كأفضل خليفة للمسلمين، وقد طرحا مبررات الترشيح والدفاع عنه بكل وضوح. فأكدا على قربه من النبي، انسجاما مع المنطق القبلي الذي ارتكز له الجميع. وأيضا بيّنا خصائصه، كشخصية إسلامية مميزة، وكصحابي له ما يميزه من الصفات. (فقال المقداد: يا عبد الرحمن، أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون).

وبهذا استطاع علي وأصحابه أن يفصحوا عن معالم تشيّع فكري – عقائدي، عبر مواقفهم من الشورى وما أفضت له من نتائج تعمدت إقصاء علي. وهي كما ترى نتاج تربية نبوية، وممارسة سياسية وفهم حقيقي للدين في آنه. وليس للموضوع علاقة بالوصية، وأن الإمامة منصوص عليها كما يصرّ على ذلك التراث الشيعي، مما يدل على عجزه على استخدام المنطق السياسي العقلاني في الدفاع عن علي كمشروع سياسي - ديني. واصرارهم على قضايا لم يتفق عليها المسلمون. والتالي، وهذا ما يهمنا، لم ترد أية إشارة لحديث الغدير والوصية والنص على إمامته، وكان يؤكد على استقلاليته حينما رد على عبد الرحمن: (قال: اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي). فهو مؤهل لها وفق المنطق السياسي، ولم يتوسل بأي نص ضدهم. ولم يؤكد التاريخ أنه حاجج القوم بوصية عن النبي. أو بحديث الغدير، ولم يدع ترشيحه من قبل النبي، وكان يظهر لهم دائما بقوة شخصيته وحضوره وسابقته.

4- ظل علي مرابطا في خندق المعارضة السلمية كمبدأ أساس في العمل السياسي، الذي أسس له في أحداث السقيفة، فالمعروف أن عليا لم يتحرك ضد بيعة أبي بكر رغم وجود ثلة من الأنصار المميزين بمكانتهم الدينية والاجتماعية، وأكتفى بالمعارضة السلمية.

5- اتضح من خلال مواقف الإمام وصحبه في الشورى حجم التطور الفكري في رسالة التشيّع، فخلال 11 عاما من أحداث السقيفة مر عليٌ بتجربة اجتماعية وقضائية أكسبته خبرة مضاعفة، ومنحته عمقا سياسيا. فهو لم يخرج تماما عن المنطق القبلي الذي تشبّث به المهاجرون في أحداث السقيفة، لكنه تريّث وتراخى رغم وجود الأنصار والدعم الكبير من قبل أهل بيته وبعض الصحابة.  وتريثه يكشف عن وجود رؤية وهدف يمضي لتحقيقه. وكان ينتظر دورا أوسع لأداء رسالته. أما خلال وقائع الشورى فقد اكتفى ببيان معالم خطه الرسالي، والمبادئ التي يؤمن بها، بعد أن يئس من الخلافة. وقد بينت خطبته الرقم (3) في كتاب نهج البلاغة المعروفة بالخطبة "الشقشقية". ولا يمكن الجزم بصحتها.

6- رغم قساوة رد العباس بن عبد المطلب حينما قال لعلي: (لم أرفعك في شيء إلا رجعت إلي مستأخرا بما أكره، أشرت عليك بعد وفاة رسول الله "ص" أن تسأله فيمن هذا الأمر، فأبيت. وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت. وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى ألا تدخل معهم فأبيت. احفظ عني واحدة: كلما عرض عليك القوم، فقل لا، إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط، فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا، وايم الله لا يناله إلا بشر لا ينفع معه خير). وعلي لم يرد عليه، لأنه عمه وأكبر منه سنا، وله مبادئه وقناعاته في قراءة المشهد السياسي، وفهمه للأحداث، فلم يجادله. وإنما رفض البيعة لحفظ وحدة المسلمين، وعدم شق عصاهم، خاصة ومآرب أبي سفيان لا تخفى عليه. كما أن عليا كان ينتظر فرصة أكبر ودورا أوسع فلماذا يفرّط بها. وأما لماذا دخل في الشورى فقد ذكرنا أن عليا لا يحب الخلاف والفِرقة. وإنما خسر الشورى لأنها أديرت بحذاقة وتخطيط عمري يفضي إلى إقصائه، فقد أكد علي حينما قال قُرِن بي عثمان، وقال كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلا، ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف. فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان، لا يختلفون، فيوليها عبد الرحمن عثمان، أو يوليها عثمان عبد الرحمن. فلو كان الآخران معي لم ينفعاني، بله إني لا أرجو إلا أحدهما. فالقضية محسومة سلفا، ومخطط لها بدقة وفق حسابات قَبلية.

الإمامة وولاية الفقيه

بهذا نخلص إلى عدم وجود ما يؤكد أن الإمامة السياسية نص وتعيين من قبل الله تعالى، ولم تنص الروايات الواردة عن النبي صراحة بذلك، والروايات ليست بحجة، ما لم نقطع بصحة صدورها. وأن تكون الرواية متفرعة على حكم قرآني، كي تكون شارحة ومبينة، وفقا لذات المنطق القرآني، الذي حدد مهام الرسول. وقد اتضح من خلال السرد التاريخي، أن منطق الغنيمة والمبدأ القَبلي قد سادا مفاوضات السلطة بين الصحابة، وتحكّما بمفاصل النزاع حولها، باستثناء الأنصار، ممن رأوا أنفسهم خارج السلطة، تحت ضغط التوجهات القبلية المدعومة بثقافة راسخة، تقدم الولاء على الكفاءة.

وتبقى الدولة ضرورة اجتماعية، وليست دينية، بمعنى التكليف الشرعي. ولا جزءا من أصول الدين وفروعه، ولم تتطرق لها أحكام الشريعة في المدونة القرآنية. وهذا لا يمنع أن يقيم المسلمون دولتهم وفق تعاليم الدين الحنيف، لكنها ستكون دولة المسلمين أنفسهم، لا دولة دينية، ولا دولة إلهية مقدسة، ولا ولاية وقيمومة للخليفة أو الإمام، إلا ما يقتضيه منطق السلطة، وهي ولاية قانونية محدودة وليس ولاية دينية مطلقة، الراد عليهم كالراد على الله تعالى. إنما دولة بشرية تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية، فتقع تبعاتها وأخطاؤها عليهم، وهم يتحملون مسؤوليات تداعياتها. وليس للخليفة أو الإمام فيها أية ولاية، بمعنى القيمومة والسلطنة، سوى عقد البيعة وشروطها. وفي هذه الحالة تستمد السلطة شرعيتها من بيعة المسلمين. بينما على أساس الإمامة المنصوص عليها، ستكون للخليفة ولاية وقيمومة وقدسية، منها تستمد الدولة مشروعيتها، ويمثل فيها الإمام أو الخليفة سلطة الله، لا يجوز الرد عليه أو محاسبته إلى غير ذلك. والسلطة بمعنى الولاية والقيمومة هي الركيزة الأساس لنظرية ولاية الفقيه، المتفرعة عن ولاية الأئمة. وهو مبدأ ظهر حديثا، وتمسك به روح الله الموسوي الخميني، وأقام دولته، بتصور غير مألوف لدى فقهاء المذهب الشيعي. ونظرية ولاية الفقيه لا تمثل جميع فقهائهم، وبعضهم يرى "دونها خرط القَتاد" مثالا على استحالتها دينيا، رغم أنها فكّت الحصار حول السلطة التي يرى الشيعة أنها من مختصات الإمام المعصوم، وهم ينتظرون إقامة دولة العدل الإلهي على يد الإمام المهدي، ويرون: (كل راية قبل المهدي راية ضلال)، فجاء الفقيه ليمنح نفسه صلاحيات الإمام المعصوم، ويمارس السلطة بنيابة عامة وليست خاصة كما بالنسبة للسفراء الأربعة. وقد أصّلها فقهيا من خلال أدلة لا تصمد أمام النقد الفقهي، يطاردها ضعف وندرة الروايات، واختلاف موضوعاتها، كـ"مقبولة" عمر بن حنظة، عمدة الأدلة. ولو سلمنا جدا بالدليل العقلي، فلا يلزم منه نيابة الفقيه عن الإمام المعصوم، والبحث في محله. وتقدم بيان أبعادها.  يقول الخميني في جانب من كلامه حول صلاحيات الولي الفقيه: (الحكومة فرع من ولاية رسول الله المطلقة، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام، وهي مقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج. ويمكن للحكومة أن تفسخ من جانب واحد كل عقد تعاقدته مع أفراد الأمة إذا رأت في ذلك مصلحة للدولة والإسلام). وكون ولاية الفقيه فرع من ولاية رسول الله أول الكلام. وحتى لو سلمنا بولاية النبي المطلقة، فإن انتقالها إلى الفقيه يحتاج إلى نص صريح، وهو مفقود بالضرورة، كما أن مفادة ولاية المؤمنين لا تنفع وتم الحديث عنها سابقا. غير أن التصريح الأخير للسيد علي السيستاني، وهو المرجع الشيعي الكبير حاليا، مثّل قفزة كبيرة في الوعي السياسي الشيعي حينما أكد من خلال خطيب الجمعة في  مدينة كربلاء - العراق: (إن الحكومة إنما تستمد شرعيتها ـ في غير النظم الاستبدادية وما ماثلها - من الشعب، وليس هناك من يمنحها الشرعية غيره، وتتمثل إرادة الشعب في نتيجة الاقتراع السري العام إذا أُجري بصورة عادلة ونزيهة). وأكد في يوم 20 – 12- 2019م، (وقد أشرنا في خطبة سابقة أن الشعب هو مصدر السلطات ومنه تستمد شرعيتها كما ينص عليه الدستور).

حان الوقت للتخلص من الاستبداد الديني، الذي عمد الفقه السلطاني والعقيدة الشيعية، إلى شرعنته وتقديسه، وفك الارتباط بماضٍ لا يعرف شيئا عن مشكلاتنا وإشكالياتها، ولا يصلح حلا لواقعنا، مادام نتاجا لظروف مختلفة، وثقافة ترتبط بواقع مغاير. ويمكن للمسلمين الارتكاز لقيم الدين ومنظومة القيم الأخلاقية، وإقامة دولة الإنسان، بعيدا عن الاستبداد ومنطق الولاية الذي يكرّس التبعية والانقياد والعبودية ويألف لا شعوريا عبادة الأوثان.

يكفي ولاية الفقيه خطرا أنها ترتهن إرادة الفرد، وتصادر موقفه، ولو على حساب شعبه ومصالح وطنه... تحتكر الشرعية السياسية والدينة، ولازمه إدانة جميع الحكومات. وتعتبر طاعة الولي الفقيه طاعة لله ورسوله، والولاء له ولدولته واستراتيجيته واجب ومقدم على ولاء النفس والوطن. ولا يخفى حجم التزوير في هذا الفهم، فولايته مهما كان دليلها، لو سلّمنا بصحتها، لا ترقى لولاية الله ورسوله. لأن الولاء لهما ولاء للحقيقة المطلقة، وولاية الفقيه نظريه اجتهادية آمن به بعض الفقهاء، وبعض آمن بها على مضض، وألغالبية المطلقة من فقهاء الشيعة لا يؤمنون بها، فضلا عن صلاحياتها المطلقة. وهذا النوع من الولاء يشبه ولاء الحركات الإسلامية المتطرّفة التي ترى نفسها حقا مطلقا، وتفرض على الناس طاعتها والانقياد لها، مهما أسرفت بالقتل والظلم والجور!!!. إن ولع السياسة وحب السلطة، يبيحان تؤيل النصوص لصالح شرعنة سلطة الفقيه ومن يقوم مقامه بالنسبة للحركات الإسلامية. وهذا ما يحصل فعلا. قد لا تظهر تداعياته الآن، غير أن الوعي والمستقبل كفيلان بالكشف عنها مستقبلا.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawiخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق12من س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الموقف من الشورى

ماجد الغرباوي: لمّا اقتربت وفاته، انتدب عمر بن الخطاب ستة من الصحابة أناط بهم مسؤولية اختيار الخليفة الثالث، وقد اختارهم بشكل يفضي إلى إقصاء علي بن أبي طالب عن الخلافة، مما يؤكد أن عليا ظل يمثّل قلقا وهاجسا كبيرا لعمر بن الخطاب، ربما تراكمات عداء غير مرئي يعود لأيام الجاهلية. وربما صراع قَبلي وموقف عدائي من بني هاشم عامة. أو ديني، حيث كان عمر من أشد المعارضين لدعوة النبي، بينما كان علي متطرفا في نصرة الدين الجديد، فلا شك تحدث حساسية وتوجّس. ولا أعتقد أن الإسلام قد شفى نهائيا صدور من أسلموا بعد حقبة عداء مرير للإسلام (سواء عمر أو غيره)، فضلت بعض أحقاد جاهلية كامنة تتحين. وهي طبيعة بشرية، لا تندثر بسهولة إلا بترصّدها وملاحقتها نقديا، بما يفضي إلى إعادة تشكيل وعي يجافي القيم القَبلية والنوايا الشريرة. وإذا أضفنا حمى التنافس على السلطة بعد ظهور الإسلام، تتضح المواقف الحقيقية من علي بن أبي طالب. فقول عمر بن الخطاب بأن "فيه دعابة"!!!. (تاريخ الطبري، ج5، ص78)، يمثل موقفا من علي، خاصة أنه معروف بمبدئيته وجديته حينما يقتضي الأمر، يشهد لذلك سلوكه في السلطة، وصرامته في العدل. وعندما طالبوا الخليفة الثاني باستخلاف من يراه مناسبا للخلافة، قال: (قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأوّلي رجلا أمركم، هو أحراكم أن يحملكم على الحق – وأشار إلى علي)، (المصدر نفسه، ص77). وأكّد أن في عثمان ليناً. واللين ضعف مضر بالسلطة، التي تقتضي قائدا حازما وشخصية قوية. فكانت نتيجة خلافته ثورة عارمة مزقت أحشاء الدولة الإسلامية وأطاحت بمقوماتها، ومهدت لحكم بني أمية، الذين ابتعدوا عن المنحى الديني في السلطة.

وقال عمر: (وما أظن أن يلي إلا أحد هذين الرجلين: علي أو عثمان، فإن ولي عثمان، فرجل فيه لين، وإن ولي علي ففيه دعابة، وأحر به أن يحملهم على طريق الحق). (المصدر نفسه، ص78.).

وبشكل عام هناك انطباع أعلن عنه الإمام علي قائلا: (إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها، فتقول: إن ولّي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم). (المصدر نفسه، ص81). وهذا نص تاريخي، يؤكد قوة حضور مبدأي: القريشية والولاء. وليس للدين أي علاقة بالسلطة، مما يؤكد عدم صدور أي نص عن النبي يمثل  بوصلة الحق عند النزاع حول السلطة، سوى روايات الفضائل. وبهذا يتضح مضمون حديث الغديرجليا.

وقائع الشورى

نعود إلى الشورى وتفصيلاتها، لتحري دور المقدّس في اللعبة السياسية. ورصد حركة علي بن أبي طالب فيها، وهل كان حقا يتحرك من وحي عهد معهود له من قبل النبي؟ أما كان يناور سياسيا كغيره من الأشخاص. وهذا لا يمنع أن تكون له مبادئه وشعاراته التي يمتاز بها على غيره. لأن مهمتنا الكشف عن أصداء الغدير في اللعبة السياسية، وأحداث الشورى في هذه المرحلة، بعد أن لم نعثر على أثر واضح له خلال أحداث البيعة، عندما آلت الخلافة إلى قريش، المناوئ اللدود للبيت الهاشمي، وامتداده في العصر الأموي. تقول الرواية:

( ... عليكم هؤلاء الرهط الذين قال عنهم رسول الله "ص": إنهم من أهل الجنة: سعيد بن زيد بن عَمرو ابن نُفيل منهم، ولست مُدخله، ولكن الستة: علي وعثمان إبنا عبد مناف. وعبد الرحمن وسعد خالا رسول الله "ص". والزبير بن العوام حواري رسول الله "ص" وابن عمته. وطلحة الخير بن عبيد الله. فليختاروا منهم رجلا، فإذا ولّوا واليا فأَحسِنوا مؤازرته وأعينوه، إن إئتمن أحدا منكم فليؤد إليه أمانته.

وخرجوا، فقال العباس لعلي: لا تدخل معهم، قال: أكره الخلاف. قال: إذا ترى ما تكره.).(المصدر نفس، ص77). ومازالت السلطة تسير وفق منطق قبلي براغماتي، لا علاقة لها بالدين، ولا تنتمي لأي نص مقدس، سوى إرادة شخصية لعمر بن الخطاب، وسطوة قريش، وسجال بين الطرفين، وفق ذات الموازين السياسية، القريشية والولاء.

ثم يعود عمر ليضع ضابطة لهؤلاء الشورى وكيفية اختيارهم للخليفة، وهي ضابطة تعسّفية لا تنتمي للدين الحنيف، ضابطة مفعمة بالعنف، تبيح قتل المعارض، وصاحب الرأي الآخر، ولا تسمح بالتحفّظ، وتطالب بالانصياع، بحكم القوة والسيف. يقول عمر في ضابطته: (وقال – أي عمر- للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم. وقال لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليا وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة أن قَدِم، وأحضر عبد الله بن عمر ولا شي له من الأمر، وقم على رؤسهم، فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدج رأسه – أو اضرب رأسه بالسيف – وإن اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى إثنان، فاضرب رؤوسهما، فإن رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم، فحكّموا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس). (المصدر نفسه، ص78)، وهو خطاب رعب، عنيف، يجرى وفق قيم العبودية، وقيم المجتمع الأبوي. والرجل معروف بغلظته وخشونته. لكن كيف يحكم على أصحاب رسول الله وفق هذا المنطق و(الإيمان قيد الفتك)؟.

ربما عدم وجود مرجعيات دينية لحسم الخلافة حول السلطة، وخشية عمر من انفراط السلطة، وتشتت الصحابة، وراء قسوته وشدته، فكان في مقام التهديد لردعهم وتقويم سلوكهم. وقد يقال بصواب هذا التبرير، لكن هل يبيح له هذا السبب سفك دماء الصحابة لمجرد اختلافهم بالرأي؟. وسأبقى أتساءل بأي مبرر شرعي يشرّع عمر قتل المخالفين له بالرأي؟ حتى لو أن أحد السياسيين خالف إجماع الأمة فهل سيكون مصيره القتل؟ ما هو الدليل والمبرر الشرعي على ذلك؟. ثم متى كان الاختلاف مدعاة لقتل المعارض في آية: "وشاورهم في الأمر". وآية: و"أمرهم شورى بينهم"؟.  فهل الشورى فخ لاستدراج المعارض ومن ثم استباحة دمه؟ أم أن مقتضى الشورى احترام رأي المستشارين، اتفقوا أم اختلفوا؟. بل أن معنى الشورى والتشاور اختلاف الآراء، والجلوس للتقريب بين وجهات النظر. سبق أن كتبت عن القيم القَبلية، واستمرارها بعد الرسالة، بغطاء شرعي، وهنا أؤكد أن موقف عمر بن الخطاب في هذه الحادثة بالذات، يعد مصداقا واضحا لما قررته في محله، بأن المسلمين لم يغادروا خلفياتهم القَبلية تماما، وإن اختيار الخليفة جرى وفقا للمنطق السائد آنداك، وهي مبادئ قبلية، استطاع الخليفتان الأول والثاني ترسيخها (القريشية) شرطا في خليفة المسلمين.

تضيف الرواية: فخرجوا – أي رجال الشورى- (فقال علي لقوم كانوا معه من بني هاشم: إن أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا أبدا.

 وتلقاه العباس، فقال: عدلت عنا، قال وما علمك؟

قال، أي علي بن أبي طالب: قُرِن بي عثمان، وقال كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلا، ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف. فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان، لا يختلفون، فيوليها عبد الرحمن عثمان، أو يوليها عثمان عبد الرحمن. فلو كان الآخران معي لم ينفعاني، بله إني لا أرجو الا أحدهما. وعلي هنا يقرأ الحدث وفق المنطق السياسي. يدرس جميع الاحتمالات، ثم يخطط ويتخذ الموقف المناسب.

فقال العباس (مخاطبا علي): لم أرفعك في شي إلا رجعت إلي مستأخرا بما أكره، أشرت عليك بعد وفاة رسول الله "ص" أن تسأله فيمن هذا الأمر، فأبيت. وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت. وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى ألا تدخل معهم فأبيت. أحفظ عني واحدة: كلما عرض عليك القوم، فقل لا، إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط، فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا، وأيم الله لا يناله إلا بشر لا ينفع معه خير.

 فقال علي: أما لئن بقي عثمان لأذكرنه ما أتى، ولئن مات ليتداولنها بينهم، ولئن فعل ليجدني حيث يكرهون ..)، (المصدر نفسه).

ثم بدأت مداولات الشورى برئاسة عبد الرحمن بن عوف على مدى ثلاثة أيام، إلا أن الجميع كان يريدها لنفسه، فخاطبهم عبد الرحمن: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم؟ فلم يجبه أحد. فقال أنا أنخلع منها. فقال عثمان: أنا أول من رضي فإني سمعت رسول الله "ص" يقول "أمين في الأرض أمين في السماء". فقال القوم: قد رضينا، وعلي ساكت. فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني موثقا: لتؤثرن الحق، ولا تتبع الهوى، ولا تخص ذا رحم، ولا تألوا الأمة ..). (المصدر نفسه، ص79.). وفي لباقة عالية حكيمة استطاع علي أن يحرج محاوره، ويفرض شروطا، تعارض تكريس الولاء والتوجهات القَبلية، (ولا تخص ذا رحم)!!. فحدد بشروطه متبنياته السياسية، وأعلن عن معالم مشروعه، مما يؤكد ثمة مشروع سياسي قد نضج واكتمل، يجلّي معالم التشيّع في مرحلة التأسيس. ويصدق كما مر أن عليا، كما أفهم من روايات الفضائل واهتمام الرسول به ومواقفه ومبدئيته، أفهم أنه قدوة في السوك، ومرجعا فكريا وسياسيا، ومؤهلا بامتياز للسياسة والحكم. وهذا هو مسار التشيّع قبل أن تطرأ عليه الخرافات والأسطرة المرّة، التي شوهّت معالمه، وصفق لها أعداؤهم، لتكون حجة ضدهم. وربما والله العالم، هذا ما كان يطمح له محمد بن عبد الله صاحب الرسالة.

ثم جاءت مرحلة اختيار الخليفة الثالثة فحضر وجوه المسلمين في المسجد، جاء في الخبر: ( فدعاهما – عبد الرحمن – فبدأ بالزبير في مؤخر المسجد في الصفة التي تلي دار مروان، فقال له: خل ابني عبد مُناف وهذا الأمر، قال: نصيبي لعلي، وقال لسعد: أنا وأنت كلالة، فاجعل نصيبك لي فأختار، قال أن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعلي أحب إلي. (المصدر نفسه، ص80.). فمازالت المشاورات تدار بذات المنطق السياسي السائد، بعيدا عن مرجعية أي نص ديني مقدس. تستمد شرعيتها من الصحبة ومن ضرورة وجود خليفة للمسلمين، ومن ورائهم وصية عمر بن الخطاب، مما يؤكد أن المراد بأحاديث الفضائل وحديث الغدير  خاصة، أفضلية علي، وليس النص على خلافته، كي يحكم بغصبية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان فيما بعد، كما يذهب لذلك فقهاء الشيعة. وهذه نقطة مهمة جدا، تترتب عليها أحكام شرعية.

فلما صلوا الصبح جمع الرهط، وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار وإلى أمراء الأجناد، فاجتمعوا حتى التج المسجد بأهله، كما تقول الرواية.

فقال سعيد بن زيد: إنا نراك لها أهلا، فقال: أشيروا علي بغير هذا.

فقال عمار – ابن ياسر- إن أردت ألا يختلف المسلمون فبايع عليا.

فقال المقداد بن الأسود: صدق عمار، إن بايعت عليا قلنا: سمعنا وأطعنا.

قال ابن أبي سريج: إن أردت ألا تختلف قريش فبايع عثمان.

فقال عبد الله بن أبي ربيعة: صدق، إن بايعت عثمان قلنا: سمعنا وأطعنا

فشتم عمار ابن أبي سريج، وقال متى كنت تنصح المسلمين؟. فتكلم بنو هاشم وبنو أمية.

فقال عمار: أيها الناس، إن الله عزوجل أكرمنا بنبيه، وأعزنا بدينه، فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم؟.

فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يابن سمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها.

فقال سعد بن أبي وقص: يا عبد الرحمن، أفرغ قبل أن يفتتن الناس، فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت، فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا. ودعا عليا فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده؟ قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي. ودعا عثمان، فقال له مثل ما قال لعلي، قال نعم، فبايعه.

وهو أسلوب ماكر، لاستبعاد علي الرقم الصعب في المعادلة السياسية، فكان يستبدل خططه خلال مداولاته مع الشورى، حتى فرض شرطا، خمن بدهائه، رفض علي له، وقد صدق ظنه، ورفض علي، واكتشف خطته.

فقال علي: حبوته حبو دهر، ليس هذا أول يوم تظاهرون فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر اليك، والله كل يوم هو في شأن.

فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله.

فقال المقداد: يا عبد الرحمن، أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون.. ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم. إني لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول أن أحدا أعلم ولا أقضى منه بالعدل. أما والله لو أجد عليه أعوانا .. فقال عبد الرحمن: يا مقداد، اتق الله، فإني خائف عليك الفتنة، فقال رجل للمقداد: رحمك الله من أهل هذا البيت، ومن هذا الرجل؟ فقال: أهل البيت بنو عبد المطلب، والرجل علي بن أبي طالب.

فقال علي: إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها، فتقول: أن ولّي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم). (المصدر نفسه، ص81)

وفي رواية أخرى: (ثم تكلم، أي عبد الرحمن بن عوف: .. فقم إلي يا علي، فقام إليه، فوقف تحت المنبر، فأخذ عبد الرحمن بيده، فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي ...). (المصدر نفسه، ص84).

كان ذلك سنة 23 هـ، عندما توفي عمر بن الخطاب، وعقدت الشورى جلساتها التداولية، فانتهى الأمر بإقصاء علي وتتويج عثمان بن عفان خليفة ثالث للمسلمين. وقد اتضح جليا أن القريشية والولاء القَبلي كانا المبدأ في الخلافة، وليس ثمة وصية ونص عليها. وأنظر إلى دقة تعبير الإمام علي: (إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها). وهذا ما أكدت عليه طوال البحث، إذ لا يمكن لخلافة أبي بكر أن تتم مع وجود الأنصار لولا وجود أرضية وقبليات قَبلية مهدت للقريشية مبدأ للحكم، يؤكده كل من كتب في النظام السياسي الإسلامية، ولا يتجاوزه الفقه السلطاني. فعن أي شريعة يتحدثون، وأمامنا أحداث ممسرحة، جسدت مرجعيات القوم في السلطة والحكم. إنها مبادئ قَبلية وولاء قبلي، تنتمي إلى قيم العبودية. كما أن عليا بقوله: (ليس هذا أول يوم تظاهرون فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)، أكد عمق الصراع على السلطة، واحتدامه بين بيوتات قريش وفق مبدأ الولاء، في عهد عثمان خاصة، وهذا ما كان يخشاه علي، ويعلم أن الأمر سيخرج من بني هاشم، إضافة إلى خوفه أن تؤول السلطة لمن هو ليس أهل لها، لذا هدد في كلامه: إنك ستجدني حيث تكره. فلم يكن صراعا بين الحق والباطل، بل صراعا أي رموز قريش أحق بها، إذ لا أحد شكك بتقواهم ورمزيتهم وعدم تمسكهم بالحق. ولا أخذهم أحد بعمل سيء أو تهمهم بجريمة. كل ما في الأمر مجموعة رموز قريشية يتصارعون حول السلطة بحكم قربهم من رسول الله. فالقرابة / القريشية هي المبدأ ثم فرض الولاء القبلي نفسه بقوة، لذا خاطب علي عبد الرحمن بن عوف: (والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر اليك). وفي كلامه إضافة إلى التشكيك بمصداقية عبد الرحمن وصدقه، تأكيد على خطورة مبدأ الولاء، فقد وضع عبد الرحمن خطته محكمة لتؤول إليه بعد عثمان لا محال!!!!!. فهم عصبة تتحكم بهم مصالحهم الشخصية، وولع قريش بالسلطة. وإلا لو كان هدفهم إقامة خلافة دينية مثالية، فيكيفهم ما يعرفونه عن علي وما شهد به عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود، حيث تألم إذ لم يجد معه من يناصره (... أما والله لو أجد عليه أعوانا)، فحذره عبد الرحمن من الفتنة. فالمقداد وهو صحابي جليل معروف، كان مستعدا للحرب من أجل انتزاع السلطة، وتقليد الخلافة، والسبب كما ذكره في خطبته المتقدمة: (أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون.. ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم). فكان التوجس من مستقبل السلطة وانحراف مبدئية الخلافة واضحا في كلام علي وعمار والمقداد، رموز المبدئية الدينية العقدية الإسلامية، والطامحين بدول العدل الإلهي وضمان عدم عودة سلطة الملأ من قريش على حساب المعدمين والمستضعفين. 

وأخلص أن مبدأ القريشية والولاء القبلي ومنطق الغنيمة وإرث الأباء، قد طغى على تصريحات الصحابة. وهو منطق براغماتي بشكل أساس، لا يمنع من وجود أجندة مبدئية كما بالنسبة للإمام علي، الذي كان يحذر كما تقدم من تقديم الولاء على الكفاءة، وهذا ما حصل مع عثمان. وتحققت نبؤته، لأنه خبير بقريش وولعها بالسلطة، واعتزازها بنفسها وكبريائها ونرجسيتها. فعلي يريد سلطة وفقا للمبادئ الدينية، فخسر معاركه السياسية، وقريش فهمت السلطة فهما براغماتيا، ومِلكا عضوضا، فكانت على رأس السلطة دائما. ومازالت خطاب الخلافة يندب قريشا لخلافة المسلمين!!!!!.

المنطق القبلي الحاكم

أنظر للمنطق القَبلي، والزعامة المقدسة لقريش في كلام (رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يابن سمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها.)، فهل ساهم الخطاب الدينيفي تكريسها؟ هناك عدد من الروايات تنسب للرسول إشادته بقريش وكفاءته وقيادتها: خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام. غير أني ناقشت رواية أبي بكر: "الخلافة أو الإمامة في قريش" وبيّنت نقاط ضعفها وتعارضها مع الكتاب الكريم.

وأنظر لكلام علي "ليس هذا أول يوم تظاهرون فيه علينا"، إنه يعكس بوضوح صراع السلطة بين بيوتات قريش. مع الاتفاق على مبدأ القريشية في السلطة. فعلي هنا لم يتكلم باسم المسلمين كما فعل عمار بن ياسر والمقداد حينما قالا: "إن أردت ألا يختلف المسلمون فبايع عليا"، بل تكلم وفق الواقع الموضوعي، أن السلطة للبيت الهاشمي، وسرقتها قريش. وهذا يؤكد ما أكدت عليه مرارا بأن صراع السلطة كان صراعا بين بيوتات قريش. وليس صراعا بين نص مقدس بتنصيب علي، وتمرّد قريش، ليتحول كما في الخطاب الشيعي المغالي، إلىى صراع بين الإسلام والكفر. بين الحق والباطل. إنه صراع بين قريش. قال الرجل المخزومي مخاطبا عمار، كما تقدم:" وما أنت وتأمير قريش لأنفسها". عمار لا ينتمي لقبيلة تتنافس على السلطة فيفكر بالمسلمين، ويرى عليا المؤهل الوحيد لها، لأنه يعرف أنه رجل مبدئي، والقريشية ليس عيبا، يتقبلها الذوق القَبلي السائد. وهو ذات الذوق الذي تقبّل رواية أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، وحسم الخلافة لقريش مدى الحياة، حينما روى عن النبي: "أن الخلافة أو الإمامة في قريش"، رغم لم يروها أحد غيره، غيرأن ثقافة الصحابة والذوق القَبلي السائد أمضاها، وعمل بها. فعمار يجهل لعبة السلطة القَبلية، وكيفية إدارتها، لكنه لا ينكر ثوابت الوعي القبلي السائد، لذا قال المقداد: " إني لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول أن أحدا أعلم ولا أقضى منه بالعدل". فالرجل لم يتمرد على القريشية لأنها خط أحمر، وهو يدرك ذلك، فقال إني لأعجب من قريش، ولم يقل إني لأعجب من المسلمين، ولا إني لأعجب من الأمة الوسط!!!. المسلمون هم الهامش وسيبقون ما لم يتداركهم الوعي، يطوفون حول قريش / المركز،/ العائلة المقدسة!!). وقداسة قريش تابو، والاختلاف حول سعتها، فهل القداسة شاملة لكل بيوتات قريش، أم خصوص أهل البيت؟. وهكذا توزعت العقائد  وسفكت الدماء واختلفت الآراء الكلامية تبعا لصراع السلطة بين بيوتات قديسة لا يطالها النقد، ولا تقاربها المراجعة النقدية. وهكذا كانت قريش وراء دكتاتورية القبيلة، والسبب الأساس وراء ترسيخ قيم الاستبداد والتبعية والانقياد داخل المنظومة القيمية للفقه الإسلامي.فاكتسب الاستبداد قدسية استمدها من قدسية قريش أولا ومن ثم من الشريعة وفقها السلطة الثانية بعد كتاب الله وسنة نبيه.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed al gharbawiخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق11من س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الموقف من البيعة

ماجد الغرباوي: لا شك أن تحفّظ الإمام علي على بيعة أبي بكر مثّل اتجاها آخر، في رؤيته للخلافة ومصداقها، لكن الاتجاه المعارض لم يتحوّل إلى حزب أو تيار سياسي معارض، رغم وجود مجموعة من الأنصار المؤيدين، كعشيرته وكبار الصحابة، مثل: العباس بن عبد المطلب، والزبير بن العوام، والمقداد، سلمان الفارسي، ابو ذر الغفاري، عمار بن ياسر. بل كما سيأتي في رواية أن الأنصار أو بعضهم هتفوا لعلي في سقيفة بني ساعدة، إما باعتباره الأقرب لرسول الله، أو لأنه الأفضل. وأيضا في رواية، كان في بيت علي مجموعة من الصحابة عندما جاء عمر مهددا عليا بحرق بيته إذا لم يبايع. وكأن موقف علي من أحداث السقيفة موقف عابر، لم يردفه بأي موقف أو فعل طوال خلافة أبي بكر وعمر، سوى موقفه من الشورى التي نصّبها الثاني لاختيار الخليفة الثالث. ولم يحدّثنا التاريخ عن أي مواجهة أو خلاف إلا بحدود الاجتهادات الشخصية بشأن القضايا المطروحة سواء كانت سياسية أو فقهية أو قضايا عامة. وقد أُستدل الستار على هذه الأزمة بعد بيعته لأبي بكر وعاد علي مستشارا ووجيها ضمن كبار الصحابة. يحضر اجتماعاتهم، ويشاركهم في مناسباتهم، ويصلّي جماعتهم وجمعتهم، ويؤيد غزواتهم، وتصاهروا فيما بينهم. وهذا لا ينفي احتمال مراعاته المصلحة العامة في مواقفه (لأسلمَنَ ما سلمت أمور المسلمين)، لكن لا دليل قاطع عليه. وعلي مبدئي، لا يداهن، ولا يؤمن ببراغماتية رجل السياسة. وشخصيا لا أرتاب بمواقفه، ولا يوجد ما يبرر تقيته. لكن لا أنفي احتمال أنه كان يخطط لما هو أبعد من الخلافة. وقد أبالغ إذا قلت أن مواقفه مع الخلفاء كان تكتيكا ضمن استراتيجية  شاملة.

الغريب عدم تفاعل المسلمين مع كلا الحدثين (السقيفة والشورى) بقوة، تكشف عن وجود قاعدة شعبية تنحاز لعلي. ولم يرصد التاريخ أي تحرك سري أو علني له بهذا الاتجاه. فلماذا لم يتحوّل موقفه إلى حزب أو تيار سياسي، رغم مكانته في الإسلام وقربه من رسول الله وثقله القَبلي؟. ولماذا لم يتحرك بهذا الاتجاه، إذا كان يرى أحقيته باعتباره منصوصا على إمامته؟. والنص يعني حكما شرعيا تم تبليغه من قبل الرسول، وضمن سماعه من قبل عدد من الصحابة يتناسب مع أهميته. بل ويجب أن تنزل فيه آية صريحة، تكون حجة عليهم. لكن لنتخلى عن موضوع الآية. وتقدم الحديث عنها.

 وإذا أضفنا أن الرسول قد أوصى لعلي بالخلافة على مرأى ومسمع من الصحابة في يوم الغدير، كما يؤكد ذلك الشيعة عموما، ويعتقدون أن خلافته أمر إلهي (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك)، فستكون علامات الاستفهام أكبر. إنه أمر يثير جملة أسئلة، تتوقف عليها معرفة حقيقة التشيّع. وتقتضي تسليط الضوء على مرحلة التأسيس، لنتحرى:

- هل كان موقف الإمام من البيعة، وتحفظه على بيعة أبي بكر، موقفا سياسيا أم انطلاقا من رؤية عقائدية؟

- هل أن موقفه كان تكليفا شرعيا من قبل الرسول الأكرم، أم موقفا شخصيا؟

- هل احتج الإمام علي لأحقيته بالخلافة بأي نص قرآني أو نبوي (سواء كان حديث الغدير أو غيره)؟.

- هل سكوته عن حقه بالخلافة (وفقا للنظرية الشيعية) مراعاة لمصلحة المسلمين، أم لسبب آخر، وما هو؟.

- كيف نفسّر اهتمام الرسول الاستثنائي بعلي بن أبي طالب من خلال أحاديث الفضائل المروية عن طريق الفريقين؟

- هل كان دوره مقتصرا على استلام السلطة أم كانت له مهام رسالية أخرى، كأن يكون قدوة في سلوكه ومرجعا فكريا، إضافة إلى أهليته للسياسة والحكم؟. ولازمه نفي الإمامتين السياسية والدينية المنصوصتين عليه، كما تذهب لذلك النظرية الشيعية، التي بدأت تترسخ معالمها في القرن الثالث الهجري. والمقصود بالإمامة كوصية عن الرسول الكريم لا كتكليف شرعي لمن يتصدى لها، أو لمن تتعيّن فيه، ولا باعتباره الأصلح والأكفأ. لأن الإمامة قد تكون وصية عن النبي بخصوص علي. وكلا الإمامتين لم تثبت بدليل صريح واضح لا لبس ولا شك فيه. أو تكون الإمامة تنصيبا حينما ينتخبه المسلمون، ويكون الشعب مصدر شرعيته، كما بالنسبة للإمامة السياسية. وقد انتُخب بالفعل خليفة رابعا للمسلمين. أو قد تكون الإمامة متعينة فيه باعتباره مرجعا دينيا "فقها وفكرا وقضاءً"، وهذا واضح في سيرته منذ وفاة الرسول حتى استشهاده.

غير أن ثبوت ما تقدم يتطلب تفكيك المنظومة العقائدية للشيعة، واعادة بنائها لوضع أسس جديدة للتشيّع، "كاتجاه مبدئي، فكري وعقدي وثوري، ينتصر للحق، ويدافع عن المحرومين"، بعيدا عن الإمامتين الدينية والسياسية، وبعيدا عن أسطرة الإمام، من خلال مفاهيم أسطورية لا تمت للحقيقة بصلة سوى التطرف والتقديس وشعور التفوق، وهلوسة الأفكار الغنوصية والميتافيزيقية. وتفكيكها يتوقف على ملاحقة الأحداث التاريخية، ورصد مواقف الإمام بالنقد والتحليل، بعد نزع قدسيتها، وقراءتها وفق منطقها، باعتبارها فعلا بشريا، يتأثر بقبلياته ومصالحه وتحيزاته الأيديولوجية، ويطمح بالسلطة، ويدافع عنها.

جدير بالذكر أن ما تقدم بناء على صحة الروايات التاريخية، وشروط الصحة عندي صعبة، لا تثبت إلا للحديث المتواتر، وهو أشبه بالمستحيل بعد تمادي القرون، وكثرة الوضع والكذب والتزوير، وضياع الأسانيد، وصراعات السلطة، وثقافة الغلو. لكن نتعامل معها وفق شرطنا الثاني القاضي أن كل رواية غير صحيحة فهي محتملة الصدور ما لم يثبت وضعها بدليل. وحينئذٍ، تكون لقوة حضورها دلالة، تتطلب تحري مدلولاتها، وأبعادها، وما يتستر خلفها من مناسبات وضرورات، خاصة ضرورات السلطة، وصراع المذاهب الدينية.

الصحابة والبيعة

لنفترض أن خلافة أبي بكر أصبحت أمرا واقعا، بدهاء عمر بن الخطاب، وانشغال الإمام علي بتجهيز رسول الله، وتسرّع الأنصار في حسم الخلافة لصالحهم، مما أثار حفيظة المهاجرين، فسارعوا أيضا لانتزاعها، لكن رغم كل هذا نسأل لماذا لم يجد موقف الإمام أصداء واسعة، ولم يتحوّل إلى تيار معارض، خاصة مع القول بالوصية والتعيين وفقا للنظرية الشيعية؟ ولماذا لم يحصل تمرّد في صفوف الصحابة، انتصارا لعلي وحديث الغدير، الذي ينص كما هو المفترض وفقا للعقيدة الشيعية، على إمامة علي حصرا؟.

المؤكد من خلال الأحداث التاريخية أن الصحابة تعاملوا مع موضوع الخلافة بآليات سياسية براغماتية، بعيدا عن أي مبدأ ديني، وأدار عمر بن الخطاب دفة الصراع على السلطة بطريقة لبقة مهّدت لمستقبله السياسي بعد أن حسمها لأبي بكر. فاستخدم الخصوم السياسيون (مهاجرون وأنصار) كل الأدوات المتاحة آنذاك، من خداع وتهديد وعنف ومراوغة، وركن المهاجرون في احتجاجهم على الأنصار للمنطق القبلي، وهو منطق ينتمي للنظام الاستبدادي الأبوي، لسحب البساط من تحت أقدام الأنصار الذين نادوا بالخلافة لعميدهم سعد بن عُبادة، وفي رواية أنهم أو بعضهم نادى بالخلافة لعلي بن أبي طالب، كما نقل ذلك الطبري في تاريخه، حيث قال: (فقال عمر "في السقيفة": أيكم تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي "ص"، فبايعه عمر، "أي بايع أبا بكر" وبايعه الناس. فقالت الأنصار، أو بعض الأنصار: لا نبايع الا علياً!!!). (تاريخ الطبري، ج3، ص254)

هناك مجموعة أدلة تؤكد أن المنطق السياسي كان يسود مفاصل الصراع على السلطة بين الصحابة، بدءا بالمنطق القَبلي وتشبث المهاجرين به لانتزاع البيعة من الأنصار. أو طبيعة العبارات التي كان يستخدمها عمر بن الخطاب خلال الجدل المحتدم في سقيفة بني ساعدة، لتزوير الوعي، واستفزاز الصحابة البسطاء من الأنصار، فمثلا، كان يقول: "أيكم تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي"!! ويقصد أبا بكر. أو يقول: "لا أعصي أمر خليفة رسول الله في يوم واحد مرتين"!!!. وأبو بكر بعدُ لم يُنتخب للخلافة!!، لكن أراد أن يوحي للمستمع أن الأمر محسوم، أو أن الرسول قد جعله خليفة. وبالفعل أثّر هذا المنطق، وشجع الحاضرين على اختيار أبي بكر خليفة لهم.

كما استخدم عمر بن الخطاب أيضا العنف مع أهل بيت النبي لانتزاع البيعة لأبي بكر. يقول الطبري: (أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير، ورجال من المهاجرين، فقال: والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة!!. فخرج عليه الزبير مُصلتا بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه). (المصدر نفسه، ص254).

وكانت آليات الصراع على السلطة تختلف وفقا لبراغماتيتهم، فالمعروف تاريخيا أن أبا بكر أوصى لعمر بن الخطاب من بعده دون استشارة أحد من الصحابة، رغم أنه مأموربها بموجب قوله تعالى: وأمرهم شورى بينهم. وقد قبلها الأخير رغم أنه حذّر من تكرار بيعة أبي بكر، وقال: "لا تعودوا لمثلها"، ووصفها بأنها "فلتة وقى الله المسلمين شرها". وكانت مؤآخذته الأساسية على بيعة أبي بكر أنها بيعة متسرّعة، استغلت الأحداث فسارع عمر لمبايعة أبي بكر ومن ثم بايعه الناس. وكان الأمر يتطلب استشارات مستفيضة لتنصيب الأفضل بين الصحابة، والأكفأ منهم، لتفادي أي انشقاق بينهم. أو لا أقل انتظار كبار الصحابة ومنهم علي وأهل بيت النبي. فما جرى بين عمر والأنصار في سقيفة بني ساعدة لا يتناسب مع مقام الصحبة، ويندى له جبين التأريخ، والرسول ما زال مسجّى، لم يُدفن، وأهل بيته منشغلون بتجهيزه. وكادت أن تقع مذبحة عظيمة في سقيفة بني ساعدة. يقول الخبر كما في الطبري: (قال عبد الله بن عبد الرحمن: فأقبل الناس من كل جانب يُبايعون أبا بكر، وكادوا يطؤون سعد بن عُبادة، فقال ناس من أصحاب سعد: اتقوا سعدا لا تطؤوه، فقال عمر: اقتلوه قتله الله. ثم قام على رأسه، فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تند عضدك، فأخذ سعد بلحية عمر، فقال: والله لو حصصت منه شعره ما رجعت وفي فيك واضحة .. أما والله لو أن بي قوة ما، أقوى على النهوض، لسمعت مني في أقطارها وسككها زئيرا يجحرك وأصحابك، أما والله إذاً لألحقتك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع ...). (تاريخ الطبري، ج3، ص266). والغريب في تشبث عمر بن الخطاب بالعنف، فتارة يطالب بقتل سعد بن عُبادة، وأخرى يهدد بحرق بيت علي إن لم يبايع أبا بكر. وفي الشورى التي عيّنها لاختيار الخليفة الثالث أوصى بقتل من يعترض!!. ولا أفهم بأي مبرر ديني يشرّع عمر بن الخطاب لقتل معارضيه، وهم رموز الصحابة؟. الاعتراض حق مكفول للجميع، وليس من المعقول أن يجتمع الناس جميعا على شخص واحد، فلماذا يُقتل المعارض وفق منطق الخليفة الثاني؟. إن قيم الدين الحنيف لا تسمح ولا تبيح قتل أي إنسان لمجرد معارضته لهذا الشخص أو ذاك. وهذه هي فائدة المناهج النقدية حينما تنتزع القداسة، وتقرأ الواقع قراءة موضوعية بعيدا عن التبرير والتقديس، كي نشّخص الأخطاء ولا نفتتن بهالة القداسة. من حق عمر بن الخطاب أن ينافس على السلطة، ومن حقه التشبث بكل الوسائل السلمية والأخلاقية، لكن ليس من حقه استخدام منطق العنف والقتل، حتى صار سلوكه سيرة يتشبث بها الإرهابيون من الإسلاميين المتطرفين، فجلبت للمسلمين ويلات عظيمة في هذا الزمان.

وعندما تقرأ الأحداث بروية ستلاحظ بوضوح هاجس عمر بن الخطاب وحساسيته المفرطة من علي بن أبي طالب وموقفه من الخلافة، وهذا الموقف السلبي يبعث على التأمل في الأسباب الكامنة وراءه. فعمر تمكن من انتزاع الخلافة من أيدي الأنصار، لكن فشل في تطويع أهل بيت النبي، حتى كاد يحرق عليهم بيوتهم. وظل طوال خلافة أبي بكر وخلافته حذراً من علي، حتى اختار الشورى بطريقة تفضي لغيره.لأنه يعتقد متى ما استلم آل بيت النبي السلطة فلن تخرج من أيديهم أبدا، لأنهم أحق بها وفقا لمنطقه القبلي، أو لأن عليا الأفضل، يعرف ذلك من سيرته ومدى اهتمام الرسول به، ويعرف مدى قدرته على تأليب الناس حينما يرفع شعار مظلومية أهل البيت إذا تراخى معه. فيريد لجمه بالبيعه، لذا لم تهدأ الأمور إلا بمبايعته بعد ستة أشهر. لا أريد الاستغراق في مثاليات لا دليل عليها، ويبقى علي إنسانا، غير أنه إنسان مبدئي، خسر بسبب مبدئيته السلطة، لكنه نجح في تأسيس رؤية تقوم على الحق، ونصرة المستضعفين، وتقديم الكفاءة على الولاء، وترسيخ قيم العدل والإنصاف. وبالتالي أخلص: رغم طموح علي بالسلطة، وهو حق مشروع، وهو أهل لها، غير أن طموحاته كانت طموحات مبدئية، لا سياسية فقط، لذا بايع الخليفة، رغم قدرته على تعبئة المسلمين ضده، حينما يرفع شعار مظلومية أهل البيت، خاصة وقد تعهد له أبو سفيان بتعبئة مئة ألف مقاتل، شريطة ان يبسط يده للبيعة، غير أنه رفض العرض، ولم يفرّط بوحدة ومستقبل المسلمين، وهذا يكفي للتأمل في طموحاته السياسية، فهي طموحات سياسية لغايات مبدئية. وهذا ما أفهم من سرد الأحداث، بعيدا عن أي تحيز نفسي. خاصة لا يمكننا الاحتكام للواقع، وقد مضى عليه قرابة 15 قرنا. فنبقى نحن وفهمنا للنصوص التاريخية، بعد دراستها بمناهج نقدية منتجة.

نتائج الموقف الأول

ما تقدم هو الموقف الأول لعلي بن أبي طالب من السلطة، ويُعد لحظة انطلاق التشيّع، من خلال تحفّظه على بيعة أبي بكر، وقد درسنا الموقف في ضوء الأحداث التاريخية، فتبين جليا أن موقفه لم يصدر عن نص صريح بخصوصه، بآية أو رواية عن الرسول الكريم، بل كان موقفا سياسيا، إلا أنه عبّر عن رؤيته، ووجهة نظر مختلفة رغم استنادها لذات الأسس القبلية التي ارتكز لها الأنصار والصحابة في سقيفة بني ساعدة، أي منطق القبيلة، والقرابة من النبي محمد بن عبد الله القريشي.

واتضح أيضا أن موقف علي  من بيعة أبي بكر، لم يخلق أجواء سياسية مناهضة لبيعة الخليفة الأول، واقتصر تأثيره في حدود أهل بيته وأصحابه المقربين، وهم المستضعفون من الصحابة، رغم أن أحداث السقيفة وما تلاها، غدت فيما بعد أحداثا مدوية، ظلت تتردد على مدى التاريخ، مزّقت المسلمين وحرّضت ضدهم، منها استمد بعضهم شرعيته في السلطة والحكم لاحقا. بل حتى اليوم، مازال الحاضر يستمد شرعيته من الغائب. وهنا تبرز علامة استفهام كبيرة، لماذا لم يجد موقفه الأول من الخلافة أي صدى بين الصحابة طوال ستة أشهر؟ ولماذا لم يمده بمواقف جديدة؟ ولم يغذّه بأفكار تبلور أهدافه وغاياته؟. وأما تصريحاته خلال اجتماعات الشورى، وإبان حكمه، فقد جاء بعد نضوج أفكاره، ومعاصرته لخليفتين، وتعمقه في فهم نفوس الصحابة، وتطلعاتهم السياسية، وولاءاتهم وتحالفاتهم ومواقفهم وهواجسهم من أهل البيت.

واخيرا، عندما نرصد سلوك علي نلاحظ التريث والتراخي سمة واضحة في موقفه من الخلافة، رغم اصراره على طرح نفسه مرشحا لها، والدليل قوة الدعم التي حظي به من قبل بني هاشم وأبي سفيان وبعض الصحابة المقربين، إلا أنه لم يتخذ أكثر من موقف المعارضة السلمية، مما يعني إما أنه كان يفكّر أبعد من الخلافة السياسية. أو أنه أقتنع بدور الإمامة الدينية، لأنها تلبّي حاجة اجتماعية وتشريعية. وعليه لم تكن وصية الرسول لعلي وصية سياسية، ولا وصية دينية بمعنى الإمامة الدينية بمفهومها الشيعي المنحاز للأسطرة، والقداسة. وإنما وصية شخصية، كفعل ديني ملزم لجميع المؤمنين، قبل وفاتهم. ولا يمنع أن تتضمن تعاليم ووصايا دينية، فمحمد بن عبد الله نبي مرسل، ويخشى على رسالته الانحراف، كما حصل بالنسبة للأقوام السابقة، وعلي وصيه وثقته. لكن رغم جنوح الإمام علي للسلم ومبايعة أبي بكر إلا أنه حقق بموقفه من خلافة الأخير مكاسب كبيرة جدا، وهي:

1- فضح المبدأ القبلي في تنصيب الإمام أو الخليفة، وكشف أنه مجرد خدعة لكسب السلطة، وليس وفاء حقيقيا لهذا المبدأ. فقد احتجوا على الأنصار بقرابتهم من الرسول وبأنهم من قريش، فأحرجهم علي حينما طرح نفسه الأقرب لرسول الله، فهو ابن عمه، وزوج فاطمة الزهراء، وأبو الحسن والحسين، وهو الصحابي الجليل والمقرب جدا من النبي الكريم، وصاحب المواقف التاريخية في الإسلام بشجاعته وكرمه، وهو وصي رسول الله بعد وفاته.

قال علي مخاطبا أبا بكر: (الله الله ، يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ولا تدافعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الأمر منكم)، المنطق القَبلي يقتضى تنصيبه وتقديمه عليهم أجمعين. وبهذا فضح علي هذا المبدأ، من خلال تبنيه بمدأ القرابة من الرسول. رغم أن المبدأ القبلي لا ينسجم مع قيم الدين الحنيف، لكنه كان مرجعيتهم في السلطة والحكم قبل وبعد الإسلام. فليست المسألة مسألة قرابة من النبي وإنما كفاءة وقدرة وأفضلية في السياسة والحكم، خاصة والكل يعرف أن "أقضاكم علي"، والقضاء يستبطن العدل والإنصاف، والقدرة على تشخيص الموضوعات، وهذا أهم ما يحتاجه الحاكم السياسي. إضافة إلى مبدئيته، وتقواه وسلوكه المتوازن، وتربيته في أحضان النبي الكريم، بل هو خريج مدرسة الرسول، وتلميذه الوفي. وإذا كانت الضرورة قد فرضت عليه التماشي مع القوم في شعارهم القبلي فطرح نفسه باعتباره الأقرب لرسول الله، أو كان حقا يفكر بنفس طريقتهم القبلية، فإن موقفه اختلف مع أحداث الشورى، حيث تألق في طرحه الرسالي والإنساني بعد نضوج تجربته الاجتماعية والسياسية والفكرية، حيث المعروف عن علي حكمته، يشهد لها الجميع. فبيّن أهدافه ومبادئه بكل وضوح، ليؤكد أفضليته لقيادة المجتمع الإسلامي. وهنا ينبغي التذكير، ثمة من يسجل على علي ملاحظات، تبرر موقف عمر منه. وعدم تنصيبه للخلافة، وهذا لا يقدح بجلالة قدره، والحكم منزلق، يقع الجميع في أخطائه.

2- التأسيس للمعارضة السلمية، ليؤكد دوره كأسوة في السلوك، ومرجعا في الشريعة والفكر، وأفضليته في السياسة والحكم. وهذا موقف تاريخي يسجل للإمام علي، خرج فيه عن أعراف العرب بالركون للعنف والسيف، بل المتعارف لدى جميع الشعوب آنذاك هو التمسك بالقوة في حالة المعارضة والاختلاف، لكن عليا تمسّك بمبدأ المعارضة السلمية. وبهذا استطاع تحقيق مكاسب كبيرة، أسس من خلالها لمبادئ جديدة في السياسية والحكم. وهذا هو معنى أفضليته.

لا شك بوجود نظرة مثالية تبجيلية، غير أنها مبررة بالاتفاق بين المذاهب الإسلامية حول جلالة علي بن أبي طالب وقربه للرسول وفهم الرسالة. بشكل عام أشجب منطق التبجيل، غير أني بصدد إعادة تشكيل الوعي الشيعي خارج النص والتعيين، وخارج الإمامة الربانية. وهذا لا ينفي وجود ملاحظات حول سياسته وخلافته، وكيفية تعامله مع أنداده السياسيين، لكن اشترط مناقشتها وفقا لظروها، وعدم قياس الغائب على الحاضر، أو محاكمته وفقا لمبادئ وقيم تبلورت بعد أكثر من ألف عمام.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق10من س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

بدايات التأسيس

ماجد الغرباوي: لا شك أن الإيمان الأيديولوجي إيمان نفسي موروث، لا يتأثر بالنقد والمراجعة ونفي الواقع، مهما كانت قوة أدلة النقض، إلا مَن له استعداد للنقد والمراجعة. الأدلة العقلية والكلامية تتطلب جهدا عقليا لفهمها ومراجعتها. قد تؤثر وقد لا تؤثر، بينما الطقوس والمناسبات ومنابر الخطابة ترفد الإيمان النفسي وترسخه، من خلال خطابات عاطفية، تقصي العقل، وتحاصر الوعي بخرافات وأساطير، تكرّس اليقين السلبي، وتعبّئه ضد أية استنارة عقلية، من هنا أجد الأسئلة المستفزة أكثر قدرة على زعزعة اليقينيات والثوابت، كما أنها تمنح المتلقي قدرة على النقد والمراجعة، عندما تفرض نفسها عليه، فيضطر للتفكير بها، وربما قبولها بعد حلحلة قناعاته ويقينياته الموروثة. وهذا أحد أسباب عدم الارتكاز للمنهج المتداول في الدراسات الدينية، لأنه منهج دائري، غير منتج، يرتكز للمقدس في قمع الأسئلة العقلية والفلسفية، فيبقى الفرد في دوامة وهم الحقيقة، يرتبط بها مصيريا، ويبني عليها مستقبله، ويفني حياته وجهده لخدمة أوهامه وموروثاته. بهذا خسر المسلمون أكثر من ألف سنة، ومازال سؤال النهضة لم يحسم بعد. ومازال التراث والنص المقدس يستأثر بالمعرفة. يحرّم النظر العقلي، ويكفّر الدليل الفلسفي، ويدعو للتمسك بالعقود الأربعة الأولى، وما صدر عنها من روايات وآراء كلامية.

من  خلال هذا الاستعراض نروم تقصي آليات الخلافة تاريخيا، وكيف تم توظيف الدين والنص الديني لشرعنتها وحمايتها، للكشف عن بشريتها، وعدم قدسيتها، وتعريتها من الأوهام التي لحقت بها أو نُسجت حولها. أو نسبت لها بدوافع أيديولوجية. إذ كان الخلفاء بما فيهم علي يمارسون لعبة السلطة بمنطق سياسي براغماتي، وبذات الآليات المتاحة آنذاك. فكانت القريشية مبدأ تسالموا عليه لتكريس مصالحهم، وحصر صراع السلطة بين بيوتات قريش!!. وقد أقصت القريشية كل كفوء، مهما كان مستواه ومنزلته، وبذلك خسر المسلمون حكماء الصحابة، وبقي الصراع بين قريش، غير أن الشيعة، يكابرون حينما يضفون قدسية خاصة على أئمة أهل البيت، يحسبون أن هذا يكفي للخروج من دوامة  الصراع القريشي، وليس الأمر كذلك، فلم ينازعهم أحد السلطة من خارج قريش سوى الأنصار الذين فشلت محاولاتهم، وخمدت تطلعاتهم السياسية، واستمر الصراع بين بيوتاتها، وكان الضحية أبناء المسلمين، الذين تحزّبوا حول بيوتات قريش، وانقسموا على أنفسهم، وراحوا يتصارعون من أجل قريش حتى يومنا هذا. يدفعون لهم أموالهم ويقدسونهم ويبررون أخطاءهم. يستميتون من أجلهم ويخضعون لهم عبودية ورقة. مازالت قريش تحكمنا، تفرض علينا قيمها ونظامها الأبوي، والمنطق الذكوري، ونبقى نبرر ونسدد ونؤول لتبقى قريش فقط وفقط. قريش التي نزلت من السماء، وستعود لتمسك بزمام اليوم الآخر، تقصي وتدني ما تشاء، تحيطها ملائكة الرحمن. وفي ظل غياب الوعي، نبقى محاصرين بالتاريخ والتراث ورثاثة الوعي، وتبقى قريش رمزا يتحدى إرادتنا. فقريش التي تحكمّت بمصيرنا السياسي في الدنيا، ستتحكم بمصيرنا في الآخرة. إنها روح الرق التي تبرر العبودية والانقياد. العقل التراثي يهيم بالتقديس وأوهام الحقيقة، عندما يخلق رموزا تتأرجح بين الاهوت والناسوت. لكن القداسة كالغيم ما إن ينقشع تظهر الحقيقة، وهنا تظهر جدوى النقد، وأهمية الأسئلة الإشكالية، إنها تهدف يقظة العقل، واستعاد الوعي المغيب في رثاثته.

لم يكن الإيمان والتقوى والكفاءة معيارا للخلافة، ولم تكن موضوعا للخلاف، وقد تعاملوا مع جميع المرشحين على مستوى واحد من الإيمان والقرب من رسول الله، وكان جوهر الصراع هل النبوة كانعطافة تاريخية، تكرّس سلطة أهل بيته، أم محمد نبي لا علاقة له بالسلطة وميراثها، فتعود لقريش بعد وفاته؟ فكان الصحابة مع الثاني، وكان أهل البيت ومن شايعهم مع الأول. وبالتالي لم يكن الصراع صراع إيمان وكفر، ولا صراعا بين السماء والأرض، ولا بين المقدس والمدنس. كان الصراع صراعا على الخلافة بين بيوتات قريش. وبهذا سيتاح لنا عندما نجرد الخلافة من قدسيتها، التعرّف على الواقع ورصد أخطائه دون حاجه للتأويل والتبرير، كي نستفيد منها، لكن الأمر مضى!!!. وحصل ما حصل، وسفكت دماء بريئة، ومازال عبيد قريش حطب أحقاد تاريخية، كل يدعي احتكار الخلاص والنجاة في الآخرة.

ثمة حقيقة، رغم كل ما أنجزته القرون الأربعة الأولى من تاريخ المسلمين من تنظيرات عقدية وكلامية لشرعنة الصراع السياسي، لكن يبقى السؤال عن جدوى التحزب بعد مرور أكثر من ألف عام، ولو تحت عناوين أخرى كالمذاهب والفِرق؟ ولماذا يستمر المسلمون بالتراشق والتنابذ والإقصاء والتكفير، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ). ولماذا التمسك بفكر قام على موقف سياسي؟... الموقف السياسي للخلفاء لم يقم على قاعدة فكرية أو عقدية، والعكس هو الذي حصل، طول القرون الأولى. لماذا المسلم قابع في أوهام الحقيقة، وهي صناعة بشرية، ليس عليها دليل سوى رغباته ودوافعه الأيديولوجية والتحديات المذهبية؟

كل ما تقدم يدعونا لاستدعاء فترة الخلافة الراشدة كما يصطلح عليها، لتتبع حركة التشيع من خلال علي بن أبي طالب، للوقوف على خلفياتها السياسية والديينة، تمشيا مع من يجعل من موقف علي بداية للتشيع. خاصة مواقفه من الخلافة، مادام الحديث عن الإمامة السياسية، ونقف بأنفسنا على حدود المقدس، ومدى صدقية من يدعي ذلك. وهل كان علي يطالب بحق شرعي، أم كان يتصدى بكفاءته وأهليته للسلطة؟. وهذا لا يعني عدم التأكيد على علاقته النَسَبية بالرسول. غير أن الفارق واضح بين النص وعدمه، ومدى تأثيره على مسار الأحداث. فثمة آثار كبيرة جدا نتوخاها بعد مناقشة فكرة الخلافة المقدسة. إذ المعروف أن الفكر السياسي الشيعي، يعتبر السلطة حكرا على الأئمة، ويحكم بغصبية كل سلطة خارج سلطتهم. ثم يأتي صاحب ولاية الفقيه ليرتب على هذا الكلام شرعية سلطته. فلسنا بصدد استعراض أحداث، وإنما تفكيك شرعية السلطة، وتحديد مصدرها. وهل الشعب مصدر السلطة أم الله / النبي / الإمام / الفقيه؟. فثمة نتائج وأحكام تترتب على كلا الرأيين. ولا ننسى أن التشيع يمثل هوية الشيعة، أو مكونا أساسا لها، وصار يرمز لمظلومية أهل البيت، بدءا من إقصاء علي واستبعاد الحسن ومقتل الحسين. والاقصاء في الذاكرة الشيعية ثأر قريش من أهل البيت، الذين لا ذنب لهم سوى انتمائهم لمحمد بن عبد الله. فالذاكرة الشيعية، ليست حيادية، لذا سيكون أول عمل للمهدي بعد ظهوره هو الانتقام من الخلفاء، بعد إحيائهم!!، وكل من شارك بقتل أهل البيت!!!. والقصة معروفة.

الإمامة السياسية

المعروف تاريخيا أن الإمامة السياسية كانت محور الخلاف بين الصحابة. والمعروف أيضا أن الإمام علي قد تحفّظ على بيعة أبي بكر، فشكّل موقفه في الذاكرة الشيعية نواة أولى لنشأة التشيّع تاريخياً، وكاد أن يكون موقفه عاديا لولا مصادرة أرض فدك من قبل الخليفة الأول، حيث ألقت بظلالها على المشهد السياسي، وأسست لاتجاه معارض استقطب رموز الصحابة، كسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، وأبي ذر الغفاري وأخرين. وعضّده موقف الزهراء الصارم من أبي بكر وعمر، حتى جاء في الروايات أن الزهراء ماتت وهي غاضبة عليهما، ولم تغفر لهما. فتحوّل الموقفان إلى قضية، استقطبت أنظار الصحابة، وألقت بظلالها على الوسط السياسي، حتى جاء أبو بكر إلى بيت الإمام علي في محاولة لرأب الصدع.

إلا أن موقف علي تغير بعد ستة أشهر لصالح وحدة المسلمين. واستمر في موقفه الإيجابي وتعاونه مع الخليفة الأول والثاني، حتى بدأت مرحلة جديدة من الصراع السياسي، عندما أناط الخليفة الثاني مسؤولية انتخاب الخليفة من بعده بستة أشخاص، فخسر علي بن أبي طالب الجولة، بتدبير مسبق، قادته حنكة عمر بن الخطاب، كي تفضي الخلافة لعثمان بن عفان دونه. ثم بايعه الناس بعد وفاة عثمان، فمارس في خلافته السياسة والحكم. وبوفاته انتهت حقبة التأسيس، وكان تأسيسا سياسيا، يهدف إلى استلام الحكم، وترأّس السلطة، وقد لخّص الإمام علي معالمه يوم انتخاب الخليفة الثالث: (التزام بكتاب الله وسيرة نبيه واجتهاده)، بعد أن رفض ما اشترطه عبد الرحمن بن عوف في اختيار الخليفة الثالث: (التمسك بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر بن الخطاب). وجميع الأحداث كما ترى سارت وفقا للمنطق السياسي البشري، لا علاقة لها بالنص المقدس، وكانت ممارسات سياسية، وتخطيط مسبق، وكان التحيّز لقريش دون أهل البيت واضحا. وقد تم انتخاب الخليفة الرابع من قبل الناس، وكانت بيعة مشهودة، لم يدع التنصيب أو الوصية. رغم أن هذا لا ينفيها، فهي واجبة على الرسول كبشر وإنسان مؤمن، وقد مرَّ بيان غاياتها ومقاصدها بعيدا عن السلطة.

ليس هناك إعلان رسمي عن تأسيس اتجاه بعنوان التشيّع، لكن مواقف الإمام علي أسفرت عن تأسيس اتجاه جديد له ملامحه ووجهات نظره، ثم راح يتطور مع كل إمام من الأئمة فيما بعد. فهي بذرة أولى يمكن من خلالها فهم ما حدث، وفي ضوئها نقرر مصدر شرعية السلطة، من خلال موقف علي بن أبي طالب خاصة، باعتباره محور الخلاف بين المذهبين الشيعي والسني. وهكذا يؤرخ الشيعة للتشيع. وبعضهم يرجعه إلى زمن الرسول. لكن المتيقن أن التشيع موقف سياسي، إذا سلّمنا أن بدايته كانت مع علي بن أبي طالب، ولا ريب في ذلك، وخارطة الأحداث تؤكده. والتنظير للعقائد جاء لاحقا على مدى ثلاثة قرون، شارك فيها أصحاب الأئمة، وساعد عليها الجدل الكلامي بين الفِرق والمذاهب الإسلامية. وكان التحدي محفزا أيضا.

ولم يذكر التاريخ ثمة خلاف بين الصحابة حول الإمامة الدينية بمعناها البسيط، حيث كان النظر يتجه في تلك المرحلة صوب مجموعة من الرواة، ممن حفظوا القرآن، وفقهوا الأحكام في ضوء الكتاب والسنة. وكان الإمام علي أحدهم، ومن فضلائهم، باعترافهم، بأن "أقضاكم علي"، وهو ما أكده عمر، كما جاء في صحيح البخاري. إضافة إلى قول الرسول بحق علي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وغيرها من أحاديث الفضائل التي ينقلها كلا الفريقين في كتبهم. وبالتالي لم يتأثر وضعه الديني بوضعه السياسي، بل بقي رمزا كبيرا محترما من قبل الجميع، وهذه حقيقة تاريخية، تشهد لها سيرته مع الخلفاء الراشدين. لهذا يصدق أن الإمام مارس دوره الديني (الإمامة الدينية بمفهومها البسيط) طوال حياته، ومارس كلا الإمامتين خلال حكمه. وينبغي الانتباه، ليس المقصود بالإمامة الدينية كما هو مفهومها في العقيدة الشيعية، والتي تعني الاصطفاء والولاية التكوينية وعلم الغيب وقدرات خارقة ترتفع به فوق البشر، وقد مرّ تفصيل الكلام. وأكدنا عدم وجود دليل قرآني على الاصطفاء الإلهي، بل تعني بمفهومها المتداول آنذاك، الاستحفاظ، والتصدي لبيان الكتاب وآياته، وسيرة النبي وتفصيلاتها والوعظ والارشاد، وكونه قدوة صالحة للمؤمنين. وهذا النوع من الإمامة الدينية البسيطة لا تتوقف على وجود نص أو وصية، وحتى مع ثبوتها فتفيد الأفضلية، وليس التعيين.

لكن ثمة أسئلة انبثقت لاحقا حول الإمامة وإمامة الإمام علي لها علاقة  بالجانب النظري: فهل الإمامة نص وتعيين ام شورى؟ ثم هل إمامة علي بن أبي طالب، لو ثبت وجود نص عليها، سياسية أم دينية أم سياسية دينية؟ ومنشأ الأسئلة، ثمة من يعتقد أن الإمامة نص وتعيين وأن الرسول قد نص على إمامة علي، بنصوص خاصة، أو بنص حديث الغدير، وبالتالي فهو إمام منصوص عليه، فهل ستنتهي إمامته بانتخاب أبي بكر خليفة للمسلمين؟ أم تستمر باعتباره امتداداً لرسالة الرسول؟ وبالتالي فهي أسئلة متأخرة، لم تستطع الاستدلال بسيرة علي وموقفه من السلطة، وهذا يضع جميع ما جاء من ردود في دائرة النقد، لفهم مصدرها وحقيقتها.

هناك جوابان، الأول ما تمسّك به علي بن أبي طالب عندما تحفّظ على بيعة أبي بكر. والثاني ما بلورته المدرسة الشيعية أو التشيّع التراثي فيما بعد خلال وبعد حياة الأئمة. وهذا يتوقف على معرفة أصحابهم، والتعرّف على أفكارهم وعقائدهم ومصادر معرفتهم، سواء كانت معتدلة أم مغالية، والظروف التي أحاطت بهم، وخلفياتهم الفكرية والعقدية، ودراسة بيئتهم الثقافية.

وقد برر علي ترشيحه للخلافة، وفق المنطق القَبلي الذي ساد الخلاف على السلطة في سقيفة بني ساعدة وخارجها، فاحتج بنفس ما احتج به المهاجرون على الأنصار. أي القرابة من رسول الله، ما يؤكد أن الموقف كان سياسيا، كما أشرنا سابقا، وهذا لا يمنع أن تكون لدى الإمام أهداف دينية من خلال تصدّيه للخلافة في موازاة أبي بكر، لأن المهمة الدينية وظيفة أساسية، باعتباره أحد رموز الصحابة، ومعني بالدعوة الإسلامية والحفاظ على أحكامها وتشريعاتها. الإمامة الدينية وظيفة الصحابة وعلي رمزهم، وقد تربى في مدرسة الرسول على الشعور بالمسؤولية الدينية، فليس هناك حاجة لوصية بالإمامة الدينية بمفهومه البسيط، بل هي واجبة على المسلمين وجوبا كفائيا، وتتعين بمن تصدى لها، وعلي كان متصديا وهي وظيفته الأساس، بحكم منزلته وقربه من مصدر التشريع. ولم يذكر التاريخ أنه تخلى عنها، وكانوا يلجأون له في القضاء وبيان الأحكام وتفسير القرآن. وهذا يكشف أن الخلافة والإمامة التي تعني عندي: "ديمومة الرسالة في بعدها التطبيقي"، هي غير السياسة والحكم، وأنها مهمة دينية رسالية، يصدق أنها إمامة دينية. سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار حداثة الرسالة، وحداثة المجتمع بالإسلام وقيمه، فكان دور علي دور الإمام الهادي سواء تصدى للإمامة السياسية أم لا (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ). ولعل اختلاف المسلمين بعد الرسول في بعض الأحكام الشرعية يؤكد الحاجة إلى مؤتمن ومحافظ على الرسالة، يكون مرجعا في حالة الاختلاف. صحيح أن باقي الصحابة يشارك عليا بهذه الصفات إلا أنه أقضاهم كما شهد عمر، وربما سمع ذلك عن الرسول. كما لعلي ميزة القرب من الرسول منذ نعومة أظفاره، وقد تربّى في مدرسته  ونهل من أخلاقه وعلمه، واعتماده عليه في مهام عسكرية واجتماعية، لشجاعته، وإيمانه وتقواه، حتى قال الرسول الكريم يوم خيبر: غدا أعطي الراية لشخص يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله، ثم سلّمها في اليوم التالي لعلي، وهذا ما روته كتب الفريقين، خاصة صحيح البخاري. كما أن سيرة علي فيما بعد قد أثبتت جدارته، وحكمته، وعلمه، ومبدئيته. فأصبح ملاذا فقهيا وقضائيا (إمامة دينية) ومستشارا سياسيا كبيرا، لا يستغني عنه صحابة الرسول والخلفاء. وهذه الصفات تمنحه صفة الأفضلية، وهذا يؤكد  كفاءته الشخصية، وصواب ترشّحه للخلافة بهذا الاعتبار، لا لأنه منصوص عليه، كما تذهب لذلك النظرية الشيعية.

ثم أن الإمامة الدينية لا تمنع من التحرك سياسيا، إذا كان المجتمع صالحا، بل ربما يكون متعيّنا لمن يجد في نفسه الكفاءة والأهلية لذلك. فرأى علي نفسه الأقدر على تحمّل أعباء السياسة والحكم، بل والأقدر بينهم، فرشّح نفسه خليفة للمسلمين، وهو حق طبيعي لكل من يجد في نفسه الكفاءة مع عدم وجود وصية خاصة من الرسول بهذا الشأن. وبالتالي فالتحرّك السياسي لا يكشف (وهذا هو المهم) أن إمامته إمامة سياسية، بل وظيفته الأساس هي مهمة دينية، دعوية وفقهية وتبليغية. فالإمام تصدى للإمامة الدينية بهذا المفهوم، داخل السلطة وخارجها. فكان يمارس دوره إماما دينيا للمسلمين، مبلغا للرسالة السماوية، راويا لحديث رسول الله، حافظا لسيرته، متمسكا بسننه، لكنه ليس مشرّعا كما يعتقد التشيّع التراثي، لأن التشريع منحصر بالله تعالى، غير أن عليا كان يمثّل العقل الاجتهادي في قدرته على فقه الأحكام وتطبيقاته في ضوء القرآن الكريم وما يحتفظ به من أحاديث الرسول الكريم. وبهذا الشكل تكون للإمامة وظيفة مستمرة، لا تتوقف على السلطة إطلاقا. وبهذا ينتفي حصر الإمامة بالإمامة السياسية، لأن الإمامة بشكل عام لا تتوقف على المنصب السياسي، فعلي لم يمارس السلطة سوى بضع سنين، وباقي الأئمة لم يمارسوا السلطة. قد يقول ثالث أن إمامة علي دينية وسياسية، ونحن أيضا نقول ذلك، لأن كلاهما ممكن بل ومتعيّن على من يتصدى، لذا استمر بإمامته الدينية عندما خسر الإمامة السياسية.

لا يقصد بالإمامة الدينية معنى الاصطفاء، إذ تقدم نفي الولاية الدينية بمعانيها الثلاثة، وإنما يقصد الاستحفاظ والهداية العامة. وما يؤكد هذا الأمر هو عدم تحرك الأئمة من عهد الإمام زين العابدين حتى الإمام العسكري، مع إمكان ذلك سيما في الفترة الانتقالية بين الدولتين الأموية والعباسية.

يبقى سؤال: هل تحدّث الإمام علي عن دور وجودي للإمامة؟ أو منح نفسه خصائص فوق بشرية، أو قال أنه معصوم لا يخطئ أو لديه علم "لدني أو حضوري" دون غيره من المسلمين أو يعلم الغيب؟ أو قال أن الإمامة الدينية أسرار وألغاز، لا يدركها الناس؟. أم كل ذلك تم التنظير له فيما بعد على يد التشيّع التراثي ثم تطور في نسخته الحالية، وهي تراكم اجتهادات وقراءات لعلماء الشيعة خاصة. وهذا السؤال ينسحب على باقي الإئمة. وأما ما يرويه التراث من روايات حول خوارفهم فلا قيمة علمية لها، لضعفها وتعارضها مع العقل ومنطق الكتاب الكريم.

وقبل مغادرة مسيرة الإمام علي السياسية نؤكد أن ما أسفرت عنه السقيفة، كانت بداية الصراع، الذي استمر أكثر من ألف وأربعمئة سنة، وكان السبب وراء الصراع والجدل والكلامي بين الفرق الإسلامية. والآن نعود لمرحلة التأسيس، لنتابع من خلال تفصيلاتها التاريخية، ما يؤسس لرؤية شيعية فاعلة، بعيدا عن الغلو والارتفاع بالإمامة إلى مستوى الخالقية كما تفعل الاتجاهات الشيعية المغالية استمرارا لجهود الغلاة عبر التاريخ.

مرحلة التأسيس

نقصد بمرحلة التأسيس: "اللحظة الزمنية لانبثاق التشيّع كاتجاه له معالم مغايرة، من خلال سلوك ومواقف الإمام علي ثم امتداده مع مواقف وسلوك الإمامين الحسن والحسين". فمرحلة التأسيس الأولى تقتصر على موقفي علي من بيعة أبي بكر والشورى التي اختارها عمر بن الخطاب لاختيار الخليفة الثالث. ثم مرحلة الحكم التي أَثرَتْ التشيّع بزخم مفاهيمي كبير، إذ كان علي حاكماً وقائداً وإماماً وخليفة. وفي جميع مراحل التأسيس سنلاحظ أن الإمام كان وفيا لدوره الرسالي الذي ساهمت تربية النبي الأكرم، ومقوماته الذاتية، في رسمه وتقويمه، وكما يشهد لذلك نهج البلاغة أيضا. فدوره الرسالي انبثق كما تبين عن تربية نبوية مميزة، ومقومات ذاتية اتسمت بآفاقها المعرفية. يتلخّص هذا الدور، كونه: "قدوة في السلوك، ومرجعا في الفكر، وأهليته للسياسة والحكم". وهذا ما سندرسه تباعا، ونسلّط الضوء على مفاصله لنؤكد الدور الرسالي للإمام علي، على الضد من المنظومة التراثية للتشيّع، التي ارتفعت بالإمام إلى مستوى الخالقية في دوره الوجودي، وطرحته شخصية أسطورية خارقة، وأصرّت على فرضه إماماً منصوصاً عليه للإمامتين السياسية والدينية.

وسنسلّط الضوء قبل ذلك على المفصل الزمني الممتد من وفاة الرسول حتى انتخاب علي خليفة للمسلمين مرورا بأحداث السقيفة في ضوء موقفه من بيعة أبي بكر، ومن ثم عمر وثالثا عثمان. وسنتابع المنعطفات التي ساهمت في إرساء معالم نظريتنا في الإمامة، وهما موقفان تاريخيان كشف من خلالهما علي عن وجود اتجاه آخر، له رؤيته وثوابته في الحكم والسلطة: "موقفه من بيعة أبي بكر، وموقفه من الشورى". وخلال هذين الموقفين استطاع الإمام على أن يكشف عن معالم اتجاه رسالي بعيدا عن السلطة والسياسة. ويرسم صورة أولية عن أهدافه ومهامه الرسالية. من هنا تأتي أهمية استعراض هذين الموقفين التاريخيين بشكل يساعد على فهم التشيع من زوايا مختلفة بحثا عن المغيّب والمهمش، وتحديد مصادر قدسيته أو بشريته. لأنهما يمثلان لحظة تأسيسية، ولنفس السبب تمت مناقشة مجموعة أحداث ومواقف من خلال طرح تساؤلات وعلامات استفهام تقوّض الفهم السائد عن التشيّع، أو ما أصطلح عليه بـ "التشيّع التراثي" الأعم من تشيّع الغلو. لأننا نسعى لكشف الحقيقة مهما كانت تبعاتها، لتحرير الوعي من عقدة التفوق المذهبي والطائفي، وعودة الإمام قدوة في الأخلاق والسلوك، ومرجعا في العقيدة والفكر، والمبدئية في السياسة والحكم، في بعده التنظيري والمبادئ السامية التي ارتكز لها، مهما كان مستوى الأداء، ومهما سجل عليه مناوئوه من ملاحظات.

يأتي في الحلقة القادمة

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق9- س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

أدلة النقض (2)

ماجد الغرباوي:

تاسعاً: خطب النبي في عرفات خطبة الوداع، ولم يشر فيها لموضوع الخلافة، ومن ينوب عنه بعد وفاته، فلماذا أجّل الإعلان عن الموضوع حتى افترقت القبائل، ولم يبق معه إلا أهل المدينة ومن حولها لو كان حديث الغدير نصا على الإمامة السياسية؟. أليست الخلافة شأنا عاما، يُعنى بها الجميع؟. مما يرجح وجود مقتضي طارئ برر كلامه، وربما موقف بُريدة كان سبباً رئيساً أو أحد الأسباب المحفزة له.

عاشراً: كان التخبط واضحا في سقيفة بني ساعدة، ومن خلال الجدل بين المهاجرين والأنصار، لعدم وجود مرجعية واضحة لحسم النزاع حول الخلافة، وهذا يؤكد عدم وجود نص أو تعليمات بخصوص الإمامة، مع قرب عهدهم بيوم الغدير، فاضطر القوم للتعامل معها وفقا لقيمهم في تفاضل القبائل العربية، وهي قيمة أصيلة بالنسبة لهم، وثمة أرضية قبَلية لتقبلها، شرعنها أبو بكر بروايته التي انفرد بها عن النبي!!!: الخلافة في قريش. فراحوا يتبارون أيهم أقرب وأولى برسول الله؟ فجميع الفرقاء ارتكز لقيم العشيرة والقرابة من رسول الله، لاسكات الأنصار وانتزاع الخلافة من فئة لها ثقلها الإيماني وقوة حضورها واعتزاز النبي بها. إذاً هي فلتة كما عبّر عمر بن الخطاب، استغلت الفراغ السياسي وعدم وجود تعليمات تخصها، فكانت خطأ جسيما والتفافا لاستباق الأحداث. قال خطيب الأنصار في سقيفة بني ساعدة: (يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب.. فشدوا أيديكم بهذا الأمر فإنكم أحق الناس وأولاهم به)، (الإمامة والسياسية، ج1، ص5). وقال المهاجرون على لسان أبي بكر: (نحن عشيرة رسول الله "ص"، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة)، (الطبري، ج3، ص256). مما يؤكد طغيان المنطق القَبلي.

بل أن تحرك أبي بكر وعمر دليل واضح على وجود فراغ سياسي، لعدم وجود وصية واضحة، لهذا سارعا لحسم الموقف لصالحهما: (قال عمر بن الخطاب: فقلت لأبي بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فأنطلقنا نؤمهم فلقينا رجلان صالحان قد شهدا بدرا فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلت: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. قالا: فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم فقلنا: والله لنأتينهم فأتيناهم وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة. قال: وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت من هذا؟ قالوا سعد بن عُبادة. فقلت: ماشأنه؟ فقالوا وجع. فقام رجل منهم، فحمد الله وقال: أما بعد، فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر قريش رهط نبينا، وقد دفت إلينا من قومكم دافة - بادرة – قال: فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا، ويغصبونا الأمر..)، ( تاريخ الطبري، ج3، ص256.).

فالحديث أعلاه يؤكد أن موضوع الخلافة كان موضوعا خاضعا للمساومات السياسية، ولم يستشهد أي منهم بآية أو رواية، ولم يسند أحدهم منصب الخلافة لله تعالى، حتى ثار المسلمون على الخليفة الثالث فقال: (والله لا أنزع ثوبا سربلنيه الله)، في محاولة لإضفاء شرعية إلهية على حكمه، غير أن الصحابة والتابعين لم يعبأوا به، وقتلوه. غير أن أدلجة الخلافة وتأصيلها شرعا بدأ فيما بعد، عندم اشتد الصراع الكلامي بين الفِرق والمذاهب الإسلامية.

ويؤكد عدم وجود نص على الخلافة والإمامة أيضا طرق تنصيب الخلفاء، وبيعة الصحابة لهم، فقد عهدها أبو بكر لعمر، دون استشارة أحد من الصحابة، لسطوة الثاني وهيمنته على القرار السياسي والموقف العام للمسلمين. كما عهدها هو لعثمان بشورى تفضي له، بخطة محكمة. وانتخب الناس عليا مباشرة، فكان الناس مصدر سلطته. وهذا يؤكد عدم وجود اهتمام بالموضوع لا من قبل الله ولا من قبل رسوله.

حادي عشر: عندما نتابع مفاصل الحدث، لا نجد ما يؤكد احتجاج الإمام علي بأي نص عن النبي، رغم أن حديث الغدير يرقى لحد التواتر وفقا لكثير من المصادر التاريخية، بل احتج الإمام عليهم بنفس المنطق القَبلي الذي احتج به المهاجرون على الأنصار في سقيفة بني ساعدة. فكان يؤكد قرابته من الرسول، وأحقيته وفقا لهذه القرابة، ولم يحتج بآية أو رواية. فلو كان لحديث الغدير دلالة صريحة كان يفترض الاحتجاج به، لهيمنة النص المقدّس، ولقوة تمسك الصحابة بسنة وأقوال الرسول الكريم.

تقول الرواية: (أُتي به "أي علي بن أبي طالب" إلى أبي بكر وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله، وقيل له بايع أبا بكر. فقال أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي. أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي "ص" وتأخذونه منا أهل البيت غصبا، ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لمّا كان محمد منكم فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج عليكم بمثلما احتججتم به على الأنصار: نحن أولى برسول الله، حيا وميتا، فانصفونا إن كنتم تؤمنون، وإلا فبوؤوا بالظلم وأنتم تعلمون. فقال له عمر إنك لست متروكا حتى تبايع ... وقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أكرهك. فقال أبو عبيدة بن الجراح: يا ابن عم، أنت حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك وأشد احتمالا واضطلاعا به، فسلّم لأبي بكر هذا الأمر .. فقال علي: الله الله ، يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته الى دوركم وقعور بيوتكم ولا تدافعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الأمر منكم).(الإمامة والسياسة، ج1، ص12)

فالإمام علي وفقا لهذه الرواية لم يحتج بأي نص، سوى قرابته برسول الله، فكان منطقه منطق القوم في سقيفة بني ساعدة عندما احتجوا على الأنصار بقرابتهم من الرسول. وكان يفترض به الاحتجاج بنص عن النبي. أو لا أقل يحتج على أفضليته بغير قرابته من الرسول. سيما أن سلطة النص سلطة مؤثرة، يذعن لها المسلمون فورا، دون أي اعتراض أو تردد، فكان بإمكانه إسكات جميع معارضيه لو كان لحديث الغدير ما يؤيد أحقيته بالخلافة، أو كانت بيده روايات تؤكد تعيّنه للخلافة دون غيره. فلماذا لم يحتج على الصحابة بحديث الغدير أو أي نص آخر، رغم كثرة من شهد الغدير من الصحابة، وكثرة من سمع قول الرسول "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"؟. والجواب مع فرضية صحة الصدور وتعدد رواة هذا الحديث من الفريقين، أن الصحابة بل حتى الإمام علي لم يفهم من الحديث النص والتعيين على إمامته خليفة لرسول الله، كما تقول النظرية الشيعية منذ القرن الرابع الهجري. وإنما فهموا شيئا آخر، فينضم الحديث لجملة الأحاديث التي قالها رسول الله بحق الإمام علي. وهي أحاديث لها مقاصدها التي مرَّ بيانها. علي تلقى تربية نبوية خاصة منذ نعومة أظافره، وإذا كانت له مهام محددة، فلا شك أن الخلافة أحدها، لكنه لم ينص عليها.

ثاني عشر: ينبغي عدم التشكيك بطاعة الصحابة للرسول محمد، فطاعته فرض من الله (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)، (خذوا ما آتاكم)، فكيف يعصي النبي هذا العدد الكبير من الصحابة ممن حضر الغدير؟ ومع فرض عصيان بعضهم لوصية النبي، فأين باقي الصحابة؟ أين الأرواح التواقة للقاء الله بوجوه بيضاء؟، اين الذين امتدحهم كتاب الله؟ كيف يسكت الجميع عن أمر الهي – نبوي؟ ولماذا لم ينحز عدد كبير ممن سمع حديث الغدير إلى خلافة علي، ضد التوجه السلطوي لقريش؟ لذا نؤكد ثانية أن الصحابة بما فيهم علي لم يفهموا النص والتعيين على خلافته، ربما فهموا أفضليته، أو فهموا شيئا مختلفا. وبالتالي فالصحابة يؤاخذون لتركهم الأفضل. كان ينبغي التأني حتى يفرغ علي وأهل بيت النبي من تجهيز جنازة الرسول ثم يُطرح موضوع الخلافة على جميع الصحابة ليختاروا من هو أفضل وأجدر، لذا وصف عمر بيعة أبي بكر بأنها "فلتة وقى الله شرها" ثم حذر منها. (الطبري، ج3، ص256).

وهناك من يدعي أن جميع الصحابة ارتدوا بعد رسول الله إلا سلمان الفارسي وأبا ذر الغفاري وعمار بن ياسر وهم الحلقة الخاصة من أصحاب علي بن أبي طالب. وهذا بهتان لا دليل عليه، ويتقاطع مع آيات الفضائل التي خص بها الصحابة. التعميم خطأ فادح، يتعارض مع روايات يؤمن بها الشيعة، كحديث الرزية، ولماذا طلب الرسول قرطاسا، كما مرِّ؟ وهذا لا يمنع وجود من كان يتربّص بالخلافة، ويخط ويسعى لها، وهذا أيضا دليل على عدم وجود نص صريح يؤكد أن الخلافة نص وتعيين، كما تذهب لذلك النظرية الشيعية.

ثالث عشر: إن العهد بالخلافة، بموجب حديث الغدير وغيره، تكليف إلهي شرعي، فكيف نتصور عليا، وهو المعروف بالتزامه وصرامته في أحكام الله، يتخلى عن تكليفه الشرعي، ولا يعلن العصيان عليهم؟ فهل من مصلحة المسلمين، وهم في اليوم الأول من بيعتهم لأبي بكر أن يتخلى علي عن مهمته الشرعية؟ لا يمكن تصور ذلك في علي، بل لا يمكن تصوره إطلاقا خاصة وقد توفرت له إمكانية الانتفاض شرعا من خلال نص واضح وصريح (كما يعتقد الشيعة)، ومعه بنو هاشم ومجموعة من الصحابة، بل أن أبا سفيان قال له: (أبسط يدك حتى أُبايعك، والله لأن شئتم لأملأنها خيلا ورجالا) (الطبري، ج3، 258ص). لكن الإمام رفض ذلك!!. وفي رواية أخرى: (قال له العباس بن عبد المطلب: أبسط يدك أبايعك فيقال: عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله (ص) ويبايعك أهل بيتك.. فأجابه علي: ومن يطلب هذا الأمر غيرنا). وتضيف الرواية: أن العباس سأل أبا بكر وعمر إن كان الرسول قد أوصى بشيء، فأجابا بالنفي. (الإمامة والسياسية، ج1، ص4). وفي كتاب الكافي عن علي: (أتاني رهط يعرضون علي النصر وهم ابنا سعيد والمقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والزبير بن العوام، والبراء بن عازب فقلت لهم إن عندي من النبي صلى الله عليه وآله وصية لست أخالفه عما أمرني به، فوالله لو خزموني بأنفي لأقررت لله سمعا وطاعة)!. فأين الرهط من العدد الكبير ممن حضر يوم الغدير؟

رابع عشر: لنفترض أن الوضع السياسي لم يسمح للإمام علي الاحتجاج على خلافته بحديث الغدير أو أي حديث آخر عن النبي، فلماذا لم يتمسك بتلك الأحاديث عند مبايعته بل صرّح لاثبات شرعيته، إنه انتخبه الذين انتخبوا الخلفاء من قبله، أهل الحل والعقد من الصحابة. جاء في نهج البلاغة من كتابه عليه السلام إلى معاوية: (إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار. فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضا، وإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن قاتلوه على إتباعه غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى)!. قد يقال لا يلزم منه عدم وجود نص وعهد من رسول الله، وأنا أيضا أقول ذلك، لكن لماذا لم يحتج به علنا ويسكت الجميع بما فيهم معاوية وغيره؟.

خامس عشر: لماذا لم تنتصر فاطمة الزهراء لعلي وتحتج على القوم بحديث الغدير أو أي حديث آخر على خلافة الإمام علي، فتكون شاهد صدق، بينما تمسكت فقط بقضية فدك؟ جاء في رواية الطبري عن عائشة: (إن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يطلبان ميراثهما من رسول الله "ص"، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: أما إني سمعت رسول الله يقول: "لا نورث، ما تركنا فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال". وإني والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله يصنعه إلا صنتعه. قال: فهجرته فاطمة فلم تُكلمه في ذلك حتى ماتت، فدفنها علي ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر).(الطبري، ج3، ص57). ولم يرد أي ذكر لحديث الغدير وغيره، ولم تتطرق لموضوع الخلافة أو الإمامة ولم تذكّرهم بحق علي فيها. ولو كانت تملك أي مستمسك نبوي لأشهرته على رؤوس الأشهاد.

سادس عشر: لماذا لم يوصِ الإمام علي لابنه الحسن بالخلافة من بعده كحق شرعي منصوص عليه من قبل النبي؟ علما أن وصية الإمام علي لابنه الحسن تخص شؤونه الشخصية لا غير. (إنظر كتاب الإرشاد للشيخ المفيد).

سابع عشر: لماذا لم يذكّر الإمام الحسين الناس يوم عاشوراء بحديث الغدير وغيره كنص نبوي على وجوب خلافته؟ ولماذا رفع شعارا آخر لثورته، وكان الأَولى أن يحتج عليهم بحديث الغدير، بل ويحتج عليهم بحديث الأئمة الاثني عشر لو كان هناك حديث صحيح ويعلم به الحسين؟ لكن رفع شعار: (ما خرجت أشرا ولا بطرا .. إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله لأمر بالمعروف وأنهى عن المنكر). كما هو الشائع في التراث الشيعي. (أنظر الإرشاد)

ثامن عشر: كل ما تقدم لا يعني أن ما جرى في سقيفة بني ساعدة كان نزيها، غير متهم وغير مدان، بل استغل بعض الصحابة الفراغ السياسي، وسارع لاعلان البيعة لأبي بكر بن أبي قحافة، ليضيّعوا الفرصة على الأنصار وبني هاشم. وهذا ما لخصه عمر بقوله: (كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها). (الطبري، ج3، ص256). فيبدو أن الصحابة تقصدوا إهمال علي وتعمّدوا عدم استشارته بأمر الخلافة، فاستغلوا انشغاله بتجهيز جنازة رسول الله وعقدوا البيعة لأبي بكر ثم بايع الناس، ساقهم العقل الجمعي، أو القبلي وربما لا مبالاتهم بموضوع الخلافة، أو أسباب أخرى خافية علينا، فثمة حلقات تاريخية مفقودة، كان لها أن تسلط الضوء أكثر على هذا الموضوع.

تاسع عشر: الإمامة السياسية جاءت في أعقاب تطور المجتمع المدني وحاجته الى من يدير ويدبر شؤونه، فجاءت الخلافة كحاجة وضرورة اجتماعية، لكنها خلافة قائمة على شريعة الإسلام، وأحكامه في القضاء. وهذا ما فهمه الصحابة فوقع الصراع حولها، وإلا لو كانت أمرا دينيا، لا يمكنهم مخالفته، خاصة أن القضايا الدينية تفصيلية، إما قرآنيا أو قرآنيا ونبويا. أما موضوع الإمامة فلا تجد له أثرا في كلاهما.

عشرون: عندما يفرض الرسول شخصا على صحابته وأمته سيتحمل كل تداعيات ذلك، فليس هناك إنسان معصوم، وستحسب كل سلبيات وأخطاء الخليفة عليه، لهذا قرر إهمال الموضوع، معولا على ما في الكتاب الحكيم من مبادئ، مثل المؤمنون بعضهم أولياء بعض، أو ما جعل الله للكافرين على المؤمنين، وأمرهم شورى بينهم، وغيرها من الآيات. وربما لهذا السبب لم يخلّف الرسول ولدا يتشبث بالسلطة من بعده بحجة انتسابه له!!.

لا يمكن للرسول أن يتبنى أحدا في السلطة، لأن تبنيه تزكية مطلقة، تصادر حقوق الناس وقد تفرض عليهم قرارات تعسفية، وهذا لا يفعله نبي ورسول مرسل. السلطة منزلق خطير، وموقف تتحكم به المصالح والأيديولوجيات، وتختلف حوله الأهواء والاتجاهات. وهذا موقف عام لا يخص صحابيا دون آخر: (ولو ثبت الإطلاق فستدور تزكية الصحابي مدار استقامته، نفيا وإثباتا. فمن مات مستقيما في سلوكه، شملته الآية كقوله تعالى (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ). ومن انحرف عنها بعد وفاة النبي لا تشمله. ولا يوجد ما يدعو لتبرير سلوك الصحابة مطلقا، والاستماتة في تزكيتهم، ويبقى مصيرهم، كأي إنسان مرهونا بعملهم واستقامتهم. فالاستقامة هي ملاك الثناء والتزكية القرآنية، وليست الصحبة وشخص الصحابي. والأهم أن الثناء لا يعني كفاءة الصحابة سياسيا، ولا يعني أولويتهم في السلطة والحكم، لكن خداع السياسة، مرر هذا الفهم من أجل إمضاء سلوك بعض الخلفاء والحكام)،(كتاب النص وسؤال الحقيقة).

***

كل الاسئلة المتقدمة مشروعة، ويبقى ما ذكرته الكتب الشيعية (أو التشيّع التراثي) تأويلات، ودفاعا كلاميا، ولو كانت المسألة واضحة كما يقولون لما احتجنا مئات الاطنان من الكتب حول هذا الموضوع الذي استنزف جهودنا وطاقاتنا وعرضنا للامتهان وسفكنا من أجله الدماء، كل ما نحتاجه أن نكتشف دور علي المناط به حقيقة من قبل النبي وعدم الانجرار لاحتدام طائفي أمتد لأكثر من ألف عام بلا جدوى.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi5خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق8- س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

أصداء الغدير لدى الصحابة

ماجد الغرباوي: تذهب الأخبار التاريخية إلى كثرة من حضر خطبة النبي يوم الغدير من الصحابة، ومرّت إشارة لذلك في رواية الشيخ المفيد. وهؤلاء جميعا أو أغلبهم قد تابع أحداث الخلافة، وبايع الخليفة الأول أبا بكر، دون علي المنصوص على إمامته السياسية حسب الفرض. إذاً فكيف فَهم هؤلاء قول النبي: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، وهم بهذا العدد الكبير؟. إن فَهم الصحابة هنا سيكون حجة في تحديد معنى كلمة مولى، لأنهم المقصودون بالخطاب أولاً وبالذات. كما أنه قصد إفهامهم بمراده، واختار من الكلمات ما يتناسب مع مقاصده. وهذا هو مقتضى مقدمات الحكمة كما يعبرون. فهل فهموا من كلام النبي النص على الإمامة السياسية أم لا؟ وكيف حينئذٍ يخالفه الصحابة، وهم الذين بذلوا مهجهم من أجل نصرته ونصرة دينه؟. ما عاد المنهج القديم يكفي لشرعنة أقوال الرسول، ولا تكفي صحة الروايات لاكتشاف الحقيقة. ويجب دراسته في سياق تاريخيته دراسة مستفيضة. ومقاربة أسباب صدوره، وما هي خلفياتها، وتحديد مقاصده، وفق منهج هرمنيوطيقا، يقترب من واقع المتكلم والسامع، وما يحيطهما. يتحرى كل شيء، ويتقصى مدارات الحدث، بما فيها الدوافع النفسية والأيديولوجية والمؤثرات الذاتية والموضوعية. يحلل ويفكك ويقارن وينقد ويراجع. وهذه الأسئلة وغيرها تستحق التأمل، لحسم هذه القضية ولن نعود لها ثانية، كي نلتفت لحياتنا ومستقبلنا بعيدا عن سطوة التراث والسلف، (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ). من هنا سيتناول البحث نقطتين أساسيتين، الأولى أصداء حديث الغدير في وسط الصحابة، والأسئلة التي تدور حول صدقيته. والثاني، دراسة بدايات تأسيس التشيع. فما حصل في السقيفة، لم يقف عند حدود مبايعة علي للخليفة الأول، وعدم خروجه على إجماع الصحابة، بل راح يتبلور تدريجيا اتجاه يعلن ولاءه لعلي، ويرفع شعارات المعارضة السياسية، محتاجا ولو بعد حين بحديث الغدير وغيره من روايات الفضائل، اسمه التشيع له خصوصياته العقدية والفكرية والفقهية والكلامية. وقد ترك آثارا كبيرة عبر مسيرته التاريخية. فلا يمكن تجاهله ما لم نسلّط الضوء على بدايات التأسيس. لنخرج بنتيجة نهائية، تبرر تخلينا عن حقبة الخلفاء وما تلاها. والعودة لقيم الدين والقيم الإنسانية العادلة، لمواصلة حياتنا بعيدا عن تجاذبات منطق الفِرقة الناجية، التي كلفّت المسلمين دماء غزيرة جدا، وخزينا من الكراهية والتنابذ، يتشظى مع كل احتكاك بين الفِرق والمذاهب الإسلامية. وتجدر الإشارة أن مناقشة البيعة وولاية علي بن أبي طالب عبر ما نطرحه من أسئلة، لا ينقص من شخص علي شيئا، ولا يختزل ثقة الناس وحبهم له. المسألة وما بها مقاربة الحقيقة، ورفع القداسة عن الروايات التاريخية، التي تسببت بكل هذه التداعيات. وعلي يبقى رمزا كبيرا، وأحد المرشحين الأوائل للخلافة، وهناك من كان يثق به، ويلتف حوله، ويؤمن بأولويته وأفضليته وكفاءته على الآخرين. فثمة فرق بين علي المرشح للخلافة لكفاءته، وبين علي المنصوص عليه. ويعني التنصيص التوريث، وقداسة الفعل السياسي، وعصمة السلوك الشخصي، وشرعنة الاستبداد، وقمع المعارضة، وكفر من يتمرد عليه، وغير ذلك من آثار جسام. وهذا لا يوافق عليه المنطق الديني فضلا عن المنطق الإنساني. هذه الملاحظة ضرورية لمن يود معرفة ماذا نريد من خلال هذه الإجابات. فهي بحوث علمية، غير متحيزة، تبغي مقاربة الحقيقة، والكشف عن ملابساتها، للتخلص من آثارها السلبية، وعبئها الفكري والعقدي. وعندما أحتج بروايات وأخبار تاريخية، لا يعني القطع بصحة صدورها، أو الجزم بوثاقة مصادرها، خاصة وفق منهجي الصارم في تصحيحها، إنما استشهد بها لأهميتها عندهم. بعضها لترتيب نسق الأحداث أو الاستفادة من مضامينها. أو من باب إلزموهم بما ألزموا به أنفسهم.

أسئلة الحدث التاريخي

من أجل التوفّر على نتيجة مقنعة سنثير جملة أسئلة حول الحدث التأريخي، لأننا أمام قضية مر عليها أكثر من 1400 سنة، تخللتها أحداث جسيمة تركت بصمتها، ولوّنت التاريخ بلون الظلم والقهر والدماء الزكية، فبات من الصعب اقناع الشيعي برؤية أخرى، مهما كانت حقيقية ومعززة بالأرقام، لذا نحن أمام مهمة شاقة، نتوخى فيها مرضاة الله تعالى أولا، وتقديم قراءة للتشيع في ضوء أحاديث المصطفى محمد وسلوك أهل بيته الكرام. لذا سنكثّف من علامات الاستفهام والأسئلة من أجل زعزعة القناعات الراسخة، واستبدالها بمفاهيم جديدة تنسجم مع المهمة التاريخية، وعليه سنتابع ما حدث تاريخيا ونطرح الأسئلة التالية:

نعود لحديث الغدير وما يحيط به من استفهامات، ظلت محيّرة، لا نجد لها أي جواب ينهي حالة الشك والريبة بشأنه. فعندما نفترض صحة صدور حديث الغدير وصراحته بالنص على الإمام علي خليفة للمسلمين بعد رسول الله، نسأل: 

أولاً: مهما كان معنى كلمة "مولى" في حديث الغدير، وعلى فرض صحة صدوره، وصحة واقعة الغدير تاريخيا، إلا أن الحديث لم يترك أثرا في نفوس الحاضرين يمكن الاستشهاد به. ولم يطرأ على الصحابة ما يؤكد وجود حدث هام، شغل بالهم أو أثار أسئلة واستفهامات حوله. فكما رافقوا النبي للحج، عادوا معه، ولم يرو التاريخ أحداثا مهمة ترتبط به، مما يرجح رواية بُريدة، وكرهه لعلي، مما أبغض النبي، كما حدّث هو، فارتقى المنبر، يؤكد على شخص علي المؤمن والأمين والصادق ووصي النبي على ماله وعياله وممتلكاته، الذي شكك بصدقيته بريدة، واتهمه بالتصرف بالخمس، وتقاضيه كثيرا على حساب الآخرين. كان ينبغي لحدث بحجم تنصيب خليفة رسول الله أن يعيد تشكيل وعي المسلمين بمعنى الخلافة والخليفة، مباشرة بعد خطبة الرسول، وهذا هو سلوكهم معه عندما يهبط عليه الوحي أو يحدثهم بحديثه. ولَكَثُرَتْ أسئلة الصحابة، عن شروط الخليفة، صلاحياته، حدود سلطته، كيفية تنصيب نائب عنه، وأسئلة كثيرة تتعلق بالسلطة وإدارة شؤون المسلمين ومدنهم وتوزيع مسؤولياتهم. وكل هذا لم يحصل، وأمامكم الفقه السلطاني شاهدا. وهذا سؤال مهم لمن يعرف مكانة السلطة لدى القبائل العربية وقريش خاصة، ومدى ولعها بها، حيث تفرّدت بالزعامة والسلطة، فكيف يسكت القريشيون وهم صحابة رسول الله والمهاجرين في سبيل الله وقبيلة النبي؟. لكن كل هذا لم يحصل، وهو أمر يثير الاستغراب، وأدل دليل عليه اختلاف الصحابة حول الخلافة وما حدث في السقيفة وبعدها. فالتصدي مع كثرة من حضروا من الأنصار، يصدق دليل نقضٍ على إرادة الإمامة من حديث الغدير. بل أن رواية أبي بكر عن النبي: الخلافة أو الإمامة في قريش هي التي حسمت موضوع الإمامة وغدت شرطا في الخليفة وفقا للفقه السلطاني.

ثانياً: إذا كان الإمام علي منصوصا على خلافته من قبل الله تعالى، بحديث الغدير أو بغيره، فلماذا لم يُذكر ذلك صريحا في القرآن؟. إذ ينبغي أن تحظى الإمامة المنصوص عليها بنص قرآني صريح واضح لا شك ولا ريب فيه، يشرعنها ويؤكد إلهيتها؟. أو لا أقل ينص على أصل الخلافة، كموضوع ديني، ينبغي تفقّه المسلم به أسوة بغيره من  مفردات العقيدة. وهل الإمامة أقل شأنا من الذبابة والكلب ودم الحيض والنفاس، وكلها ذكرت في القرآن؟. فلماذا لم يتعرّض للإمامة رغم خطرها وأهميتها؟. ولماذا لم ينص على خصوص علي، كما نص على خلافة هارون؟ سيما أن عليا في العقيدة الشيعية، شخصية غرائبية، معصومة، ومقدسة، ومقدمة على الأنبياء والرسل جميعا إلا رسول الله، ألا يستدعي كل هذا وجود آية، تحسم النزاع حوله؟

ثالثاً: لماذا استخدم النبي مشتركا لفظيا يبعث على الريبة والشك، ولم يصرّح علانية بشكل لا مواربة فيه بخلافة علي، لأهمية الإمامة وتبعاتها الكبيرة؟ هي ليست قضية عادية يكفي معها حديث أو حديثين، أو موقف عابر من هنا وهناك، فلماذا لم ينص النبي على خلافة علي بجموعة أحاديث تقطع الشك وترسّخ فكرة الخلافة لدى المسلمين؟ أليست هذه مسألة مهمة وخطيرة؟ فهل يعقل أن يقصّر النبي في تبليغ أمر إلهي، أو يخجل أو يتوانى فيه؟ وهل يعقل لنبي حكيم مرسل من قبل الله تعالى، أن يكتفي بكلام موارب لتأصيل قضية بحجم الإمامة والخلافة؟ إنها أسئلة موضوعية، يقتضيها البحث العلمي، ولا يحل الإشكال وجود رواية ضعيفه هنا وهنا، لأنها ستكون متهمة بالوضع مع هذه الحيثيات. القضية خطيرة جدا، وتسببت في سفك دماء غزيرة، ومازالت تفرض نفسها على العقل التراثي، وترتبت عليها آثارا دينية، كالقول بولاية الفقيه، وولاية الفقيه المطلقة، التي تمنحه ذات صلاحيات الرسول!!!.

رابعاً- بين خطبة يوم الغدير ووفاة النبي مدة كافية لأن يرسّخ النبي أمر الخلافة في أذهان المسلمين من خلال خطبه وأقواله، ومن خلال ممارسة الإمام علي لمنصبه الجديد تحت إشرافه ورعايته، كما يفعل شيوخ القبائل، ورؤساء الدول. غير أن المدونات التاريخية لم تذكر أن الإمام علي مارس دوره كخليفة في ظل الرسول، ولم يسند له النبي أي مهمة تؤكد خلافته. فلماذا لم يتخذ النبي أي إجراء خلال هذه الفترة؟ أليس سؤالا مشروعا؟. قد يستشهد بعضهم بواقعة من هنا أو هناك، وهذا لا يكفي، لأن أمر الخلافة خطير، مثار للفتنة والانقسام ويحتاج الى تثبيت وترسيخ في نفوس المسلمين، من خلال إنابته في الصلوات مثلا، أو قيامه بمهام قيادية، بصفته خليفة لرسول الله شرعا. وكل هذا لم يحصل. خاصة وأن الإمام علي ابن عمه وزوج ابنته فاطمة، فيثير حساسية القبائل ويُتهم بالمحاباة ما لم يصدر عن النبي ما يحول دون أي احتجاج أو اعتراض بعد وفاته، وهذا لم يحصل. بل أجاب الإمام علي والعباس عندما سألها عن الخلافة بعده، قال: "أنتم المستضعفون بعدي". علما أن المدة بين يوم الغدير 18 – ذو الحجة، سنة 10 هـ إلى وفاته 28 – صفر، سنة 11 هـ، تكفي لأن يبيّن النبي كل شيء، ولن يترك ثغرة، تكون منشأ للخلافات حولها. بل ويجب أن ينسب صراحة كل ذلك لله تعالى، كي يقطع الشك باليقين.

خامساً- إذا كان مؤدى حديث الغدير الاعلان عن خلافة الإمام علي وتعينه نصا، فيفترض أن الأمر قد انتهى وقد شهد الغدير مئة الف أو يزيد كما تذكر بعض الروايات. فما الداعي لان يطلب الرسول دواة وقرطاسا ليوصي بالخلافة ثانية (هذا إذا قلنا أن النبي أراد فعلا أن يكتب نصا صريحا لعلي، ولا قرينة واضحة على ذلك، فربما كان يبغي كتابة ضابطة للخلافة أو شيء يخص مستقبل الرسالة)؟. وهذا يؤكد كحد أدنى أن حديث الغدير لم ينص على إمامة علي، أو أن الصحابة لم يفهموا ذلك صراحة، بما فيهم علي والعباس، لهذا احتاج النبي لتوضيحه بكتاب (إذا كان يقصد ذلك بكتابه).

سادساً- المفروض أن حديث الغدير كان واضحا وصريحا لدى المسلمين، فما حاجة علي  بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب للسؤال عن الخلافة ومستقبلها؟ ولماذا دخلا عليه وهو في آخر يوم من حياته ليسألوا عن دورهما بعد وفاته؟ (وفقا للروايات الشيعية). أو طلب العباس من علي أن يدخل عليه ويسأله، فرفض (وفقا للرواية السنية)؟. الأهم والأخطر أن جواب الرسول لم يؤكد خلافة علي. تقول الرواية، كما في كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (مج11، ج1، ص184-185.)، وهو زعيم الطائفة الشيعية في حينه: (ثم أُغمي عليه –أي على الرسول الكريم- من التعب الذي لحقه والأسف، فمكث هنيهة مغميً عليه، وبكى المسلمون وارتفع النحيب من أزواجه وولده والنساء المسلمات ومن حضر من المسلمين.

فأفاق عليه وآله السلام فنظر إليهم، ثم قال: "اِتوني بدواة وكتف، أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا"، ثم أغمي عليه، فقام بعض من حضر يلتمس دواة وكتفا فقال له عمر: ارجع، فإنه يهجر، فرجع. وندم من حضره على ما كان منهم من التضجيع، في احضار الدواة والكتف، فتلاوموا بينهم، فقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد أشفقنا من خلاف رسول الله.

فلما أفاق عليه وآله قال بعضهم: ألا نأتيك بكتف يا رسول الله ودواة؟ فقال: "أبعد الذي قلتم!!. لا، ولكنني أوصيكم بأهل بيتي خيرا". ثم أعرض بوجهه عن القوم فنهضوا، وبقي عنده العباس والفضل وعلي بن أبي طالب وأهل بيته خاصة.

فقال له العباس: يارسول الله، إن يكن هذا الأمر فينا مستقرا بعدك فبشّرنا، وإن كنت تعلم أنا نُغلب عليه فأوصي بنا، فقال: "أنتم المستضعفون من بعدي". وأَصمت، فنهض القوم وهم يبكون قد أيسوا من النبي صلى الله عليه وآله). والرواية واضحة في مقطعها الآخير، فإنها تفيد النفي بما يتقاطع مع حديث الغدير إذا قلنا بصراحته نصا على ولاية امير المؤمنين علي، كما يذهب لذلك التشيّع التراثي.

سابعاً- على فرض صحة أن عمر بن الخطاب أو أحد الصحابة تصرّف بطريقة غير لائقة في محضر الرسول الكريم، فحال دون كتابة الكتاب، فلماذا لم يكتب الرسول الكتاب ويسلّمه لآخرين من الصحابة، ما دام الأمر يهم المسلمين،؟ أو يضع عليه ختمه وتوقيعه ويسلّمه لأهل بيته؟ هل الرسول طفل يزعل من الصحابة فيتخلى عن مسؤوليته الشرعية، أم هو نبي ورسول من قبل الباري عزوجل ووظيفته الأولى هي التبليغ مهما كان تبعات ذلك؟.

إن حديث الرزية الرزية عن ابن عباس أو حديث الكتف والدواة فيه إدانة كبيرة وتجنٍ على النبي الكريم، حيث يظهر الرسول بمظهر لا يتناسب مع مقامه. هو لم يخش الكفار والمنافقين والمشركين فكيف يخاف من شخص أو شخصين فيمتنع عن أداء وظيفته؟ كما أن صحة هذا الحديث يثير الشك في مؤدى حديث الغدير على فرض صحته. فما دام حديث الغدير صريحا واضحا، فما الداعي لكتابة الكتاب ثانية؟؟ ثمة أسئلة يراد إقصاؤها، ينبغي للباحث إثارتها، وتسليط الضوء عليها، لمقاربة الحقيقة، والتعرّف على الأجواء المحيطة بالنبي من يوم الغدير حتى وفاته، وما تلاها.

ثامناً: إن نظرية المؤامرة التي يتمسك بها الشيعة، ويتهمون رموز المهاجرين بالتخطيط للاستيلاء على السلطة، وإقصاء علي، خصوا بذلك قريشا وشيوخهم، ممن حضر السقيفة، أبو بكر وعمر، واعتبار الثاني المخطط والمنفذ، وهذا سبب التقابل بينهما في كتب التراث والخطابات الطائفية والكلامية "عمر / علي". "علي / عمر"، كرمزين للخلافة  والصراعات السياسية. لكن كيف نفهم موقف الأنصار، الذين سبقوا المهاجرين إلى سقيفة بني ساعدة، واتفقوا على مبايعة شيخهم سعد بن عُباده . هل في الصحابة كالأنصار في تضحياتهم ونصرتهم للنبي ورسالته؟ هل كالأنصار ممن اهتم بهم الرسول، وأوصى بهم خيرا؟ وخاطبهم الرسول بعد أن وجد في نفوسهم شيئا بسبب حجب غنائم معركة حُنين الكثيرة عنهم، بقوله: (ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم، فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا، وسلكت الأنصار شعبًا؛ لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار”. فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: “رضينا برسول الله قسمًا وحظًا“).

بدأ الصراع حول السلطة داخل سقيفة بني ساعدة، حينما تصدى لها الأنصار، كاستحقاق طبيعي لجهادهم وتضحياتهم، وكان خطاب الصحابة في بداية الأمر وديا، إسلاميا، بين طرفيه المهاجرين والأنصار، مما يؤكد وحدة الموقف من الغدير والخلافة: "يا معشر الأنصار"، "يا معشر المهاجرين". ثم انقلب إلى منطق قَبلي: قريش وغيرها، عندما طرح الأنصار ضمن مفاوضات السلطة شعار: "منا أمير ومنكم أمير". حيث رفض أبو بكر بن قحافه وعمر بن الخطاب وأبو عبيده مشاركة الأنصار في السلطة.

وهنا يبدو السؤال شرعيا جدا عن موقف الأنصار، ممن حضروا يوم الغدير واستمعوا لخطبة الرسول كاملة. كيف يخالفون قول الرسول في التنصيص على خلافة علي، ويتصدون لها؟. الأنصار لهم وزنهم الإيماني والجهادي، وقربهم من رسول الله، ومنزلتهم في الإسلام: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).

لا يمكن لمثل الأنصار التصدي للخلافة لو كان حقا قد فهموا من حديث الغدير النص على خلافة علي. فيكون تصديهم دليلا على عدم إرادة الإمام السياسية. وثمة حادث وقع اقتضى أن يخطب الرسول، فيبقى مرتبطا بظرفه، ولا علاقة له بالخلافة إلا على نحو الفضيلة العامة التي تجعل من علي الأفضل، وليس نصا وفرضا، لأن الحديث عن الخلافة فرع ثبوتها دينيا، ومحمد نبي وليس زعيما سياسيا، وقد مرَّ الكلام مفصَلا.

تاسعاً:

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi4خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف.. حيث يواصل إجابته في (ق7) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الإمامة السياسية

ماجد الغرباوي: اتضح مما تقدم لا يوجد ما يدل على إرادة الإمامة الدينية في قول الرسول: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". سواء كان المراد بها خصوص الإمامة الإلهية أو التشريعية أو الوزارة. وغاية ما يدل عليه كلام النبي تأكيده وصاية علي بن أبي طالب من بعده في خاصة شؤونه، والإشادة بمنزلته، وأنه يهدي للحق، وقدوة في سلوكه وأخلاقه، ومرجعا فكريا لفهم الدين، وأن مواقفه السياسية تنبثق عن رؤية ترتكز إلى مبادئ الدين والقيم الإنسانية. وكل هذا باستثناء الوصية، ليس مصرحا به، لكن يمكن استفادته من أحاديث الفضائل، والمواقف الرسالية لعلي، وحكمته التي تجلت من خلال خطبه ورسائله. فهو من الهداة والمستحفظين على الدين (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ). وهذه شهادة ومنزلة عظيمة. لكن الشيعة أو الغالبية المطلقة يؤكدون أن حديث الغدير نص على استخلاف علي بن أبي طالب من بعد الرسول. والإمامة والإمام نص وتعين من قبل الله تعالى، وكل ما جاء من تنظيرات كلامية فيما بعد يرتكز لحديث الغدير أولاً. وهنا نسأل: هل الدولة شأن ديني، كي يتولى الرسول النص على الإمام أم شأن اجتماعي متروك للأمة وتقديراتها؟

 الدولة بين ضرورتين

إن استفادة إرادة الإمامة السياسية من قول النبي: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، يتوقف على دلالة كلمة مولى أولاً. وقد اتضح عدم دلالتها على إرادة الإمامة. وثانيا أن تتفرع الإمامة على أصل ديني، وهو مفقود بالضرورة، إذ لم يتناول الكتاب الكريم إلا إمامة إبراهيم، وقد مرّ الكلام، أنها اصطفاء إلهي، يتوقف على وجود آية صريحة. بل وقد أهملت آيات الكتاب السياسة والاقتصاد سوى مبادئ يمكن توظيفها في تأسيس نظام سياسي. الإمامة ليست أصلا من أصول الدين متفق عليه بين المذاهب الإسلامية، وليس لها أصل قرآني عقدي: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ). واعتبرها الشيعة امتدادا للنبوة وليست أصلا مستقلا، رغم وجود روايات دلت عليها. كما في (أصول الكافي، ج2) قال الإمام الصادق: "بني الإسلام على خمس على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية ولم ينادى بشيء كما نودي بالولاية". والمراد ولاية علي بن أبي طالب وإمامته. وأيضا: "بني الإسلام على خمسة أشياء على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية قال زرارة فقلت: وأي شيء من ذلك أفضل فقال: الولاية"، وهي كما ترى عند مقارنتها بالآية المتقدمة.

منهجي لا يسمح بالخوض في الروايات التاريخية لسبب علمي، هو عدم الإطمئنان لأية رواية بعد قرون متمادية. كما أن الشواهد والقرائن لا تكفي لترجيح الأخبار، مهما كان عددها. وكل رواية تجد ما يعارضها. بل حتى حديث الغدير وأهميته وخطورته، هناك ثلاث صيغ للخبر، مما يجعل الباحث يتوقف ويبحث عن مرجحات من خارج الروايات. لذا لا أخوض كثيرا في التاريخ، وأركز على دراسة القضية من حيث إمكانياتها أولاً، فإذا لم تكن ممكنة، فلا طائل من البحث التاريخي والروائي. فما هي علاقة الدين بالسياسة؟ وهل كان النبي بصدد تأسيس دولة ونظام حكم يتطلب وجود من يخلفه في ممارسة السلطة؟ أقصد هل تأسيس دولة دينية تكليف شرعي، يتطلب الإتيان بمقدماته؟ هذا هو السؤال المهم الذي تتفرع عليه جميع القضايا. أو يبقى الأمر لو صح مجرد إرشاد ووجهة نظر غير ملزمة.

أكدت مرارا أن الدولة ضرورة اجتماعية وليست ضرورة دينية. أي ليست من ضمن التكليفات الشرعية المنصوص عليها قرآنيا، ولا مانع أن يتصدى المسلمون لقيام دولتهم، ويمدهم الكتاب الكريم بقيم ومبادئ وتشريعات يلتزمون بها. والفرق واضح. في الحالة الأولى يجب التحرك سياسيا، بل وحتى عسكريا من أجلها، وأسقاط كل سلطة يقع ضدها. وهذا ما تؤمن به داعش وقد أراقت دماء غزيرة، وهو مبنى الحركات الإسلامية السياسية قاطبة. وما دولة المدينة سوى استجابة لتطور المجتمع إداريا. ولو كانت الدولة ضرورة دينية ينبغي أن ينظّر لها الكتاب الحكيم من خلال منظومة مفاهيمية وتشريعية. بينما أهمل القرآن عصَبي الحياة، السياسة والاقتصاد، سوى مبادئ لضبط الأداء السياسي. وما تقرأه من تنظيرات المسلمين، خاصة التنظيرات الحركية، فهي وجهات نظر اجتهادية محترمة، لكن لا يمكن أن تكون تكليفا شرعيا. القرآن قد حدد مهام الرسول بالتبليغ والبيان والشرح والتفصيل والتبشير والإنذار وتعليم الناس الكتاب والحكمة، وأن يكون أسوة له. فكان بصدد بناء مجتمع يدين بدين التوحيد، ويلتزم بقيم الإسلام وأخلاقه. وعندما يبلغ هذا المستوى سيختار شكل الدولة التي تنسجم مع مبادئه، وتحقق أهدافه في الاستقرار والأمن السلمي. إن الخلافة قضية مهمة ومصيرية، وإهمالها من قبل الكتاب والنبي دليل على ترك موضوع السياسة للتطور التاريخي، لتتكيف مع متطلبات العصر والزمان..

ونخلص، أن لازم القول بوجوب النص على الإمامة والإمام، انتقال صلاحيات أو أغلب صلاحيات الرسول إلى الإمام، ومنها قيمومته وولايته، وهذا ما تقول به الشيعة، فللإمام حق التصرف في كل شيء، وله تعود ملكية الأرض وثرواتها، والحاكمية المطلقة، أسوة برسول الله. أي نقل جميع صلاحيات الرسول في الحاكمية الإلهية للإمام، بل ذهب القائلون بولاية الفقيه انتقالها للولي الفقيه. يذهب لذلك الخميني، المنظّر الأول لحكومة ولاية الفقيه، حيث جاء في معرض حديثه الذي نقله التلفزيون الإيراني في حينه: (أوضح أن الحكومة شعبة من ولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم، المطلقة، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج). فهي صلاحيات مطلقة. ولا يخفى أن هذا النوع من الولاية كما تقدم بيانه يحتاج إلى نص قرآني صريح، نرفع به اليد عن الأصل. كما أن الصلاحيات المطلقة تأسيس ديني للاستبداد السياسي. أو الديني والسياسي. يقمع المعارضة، ويشرعن أخطاء الدولة والإمام أو الخليفة. وهذا لا يقول به أحد، ويتطلب تسديدا وترشيدا إلهيا مستمرا، تحاشيا لأي ظلم واضطهاد باسم الدين، كما بالنسبة للرسول ونزول الوحي عند كل واقعة. وبوفاته خُتمت النبوة. وقد فصّلت موضوع الولاية والسلطة، عند مناقشة آياتها، كقوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)، (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ). وقلت بعد نفي الولاية بمعنى القيمومة والسلطنة المطلقة، لو ثبت جدلا وجود ولاية بهذا المعنى فهي من مختصات الرسول، تنتهي بوفاته. ولا ولاية مطلقة للمؤمنين، وتختلف جوهرا عن ولاية الله ورسوله. حدودها التنازع، مما يؤيد اختصاصها في القضايا الإدارية والتنفيذية.

والإمامة التي يقول بها الشيعة لا يدّعون أنها أصل من أصول الدين إلا من شذ من غلاتهم، بل هي أصل من أصول المذهب، ينفون كونها ضرورة دينية، كالسيد محمد باقر الصدر والإمام الخميني في كتبهم الفقهية، في باب (كتاب الطهارة). الأول يقول: (فمن الجلي أن هذه القضية "أي الإمامة" لم تبلغ في وضوحها إلى درجة الضرورة ولو سلّم بلوغها حدوثا تلك الدرجة، فلا شك في عدم استمرار وضوحها بتلك المثابة لما اكتنفها من عوامل الغموض). وقال الثاني: (إن أصل الإمامة كانت في الصدر الأول من الضروريات الإسلام والطبقة الأولى المنكرين لإمامة أمير المؤمنين "ع"... ثم وقعت الشبهة للطبقات المتأخرة). وهذه مجرد أمثلة. نفهم منها عدم الاتفاق على إرادة الإمامة السياسية من قول الرسول "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". لكنهم يستدلون عليها بالعقل وبروايات الفضائل، التي تضمّنت النص على علي وإمامته وخلافته. والمراد بالعقل هنا خصوص العقل المذهبي، وليس المبادئ الكلية للعقل البرهاني. وعندما يعبّر المسلمون بأن الإمامة ضرورة، يقصدون بمقتضى الضرورة الاجتماعية، وضرورة الحكم والسلطة كي لا تقع الأمة بالفوضى، ولكي تستمر تطبيق الأحكام الشرعية، وتبليغ الرسالة. فبما أن السياسة والدولة وشؤون الحكم ضرورة اجتماعية في كل زمان ومكان، فيكون نصب الإمام وفق شروط متفق عليها، ضرورة أيضا. لكن هذا النوع من الإمامة لا يمنحه الولاية وحق التصرّف بموجب اجتهاده، إلا وفقا للنظرية الشيعية، لذا قالوا أن حجية روايات الأئمة كحجية روايات الرسول. تخصص وتقيّد آيات الكتاب. ويتعامل معها المجتهد بذات القدسية. مما يعني امتداد عصر التشريع حتى نهاية الغيبة الصغرى للمهدي (329 هـ).

وأما من يقول بنظرية اللطف، وأن من اللطف على الله أن ينصب إماما يواصل وظائف الرسول، وليس الرسالة، فكلام ينقصه الدليل اللفظي، وهو مفقود بالضرورة، سوى رغبات مذهبية وسياسية. وأساسا نظرية اللطف في تعيين الإمام تتفرع على ثبوت أصل الإمامة قرآنيا في المرتبة السابقة، وقد عرفت بما لا مزيد عليه، أن الكتاب الكريم لم يتطرق لموضوع الإمامة والسياسة وخلافة الرسول، وصرّح بكمال الدين وتمام نعمة الإيمان والهداية، وختم النبوة إيذاناً بممارسة الإنسان دوره الخلافي المرسوم له قرآنيا. ونظرية الخلافة هي ما نسعى لتأصيلها، لتحرير العقل المسلم من التبعية والانقياد، وتحمل المسؤولية التاريخية، على هدى من مبائ حقوق الإنسان العادلة، والعقل والعقلانية، وإلهام من الدين، كتجربة روحية هدفها رفد الحياة بقيم ومفاهيم تعزز الروح الإنسانية، حتى في فهمها للخالق والخلق والحياة وما بعدها. فثمة هدف للدين أهم من السياسة والحكم، وهذا لا يعني إهمالهما، بل تركهما للتطورات الحياتية، المهم قيام الدولة على العدل وعدم الظلم.

وأما الآيات التي يستدل بها على ضرورة الدولة دينية، فلا تدل على المطلوب، وموردها خصوص القضاء، كقوله تعالى في سورة المائدة: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50).

هذه هي المصفوفة التي يسشهدون بها في المقام، وإنما أتيت بجميع الآيات المحيطة بالآيات المقصودة لبيان مورد نزولها، والسياق دال على اختصاصها بالقضاء.

لكن توجد آيات تصلح مبادئ للسياسة والحكم، كقوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)، (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ)، (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلً)، (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، والآيتان الأخيرتان، تصلحا شرطا للحاكم الأعلى: (أن لا يكون كافرا، وان يكون مؤمنا). وأما ما تلى عصر الخلافة من تنظيرات الأحكام السلطانية فأغلبها اجتهادات ووجهات نظر، لتبرير شرعية السلطة، وشرعنة قراراتها. ولا مانع أن يكون لبعضها جذر ديني، بل وحتى قرآني عام. ولا شك أنهم استفادوا من أحكام الشريعة في مجال الجهاد والقتال. كما أن السيرة النبوية حاضرة، والتي راحت تتفاقم باضإفة سيرة الصحابة التي هي سيرة بشرية تم شرعنتها لضرورات سياسية. ولا يخفى دور الفقه السلطاني، كما مرَّ بيانه، في شرعنة الاستبداد، والدفاع على الظلم والجوار، وهذا يتعارض مع آيات الكتاب، وهدف الرسالة السماوية. وإلى جانب الفقه السلطاني، هناك علم الكلام الذي كرّس جهوده لتأصيل السلوك السياسي للخلفاء المسلمين. سواء السلطة أم المعارضة، وكان وراء المقولات السياسية كالإمامة والجبر والاختيار والقدر وحرمة الخروج على الحاكم المسلم، إلى غير ذلك. فكانت مهمة علم الكلام القديم الدفاع عن معتقداته، لا مراجعتها ونقدها، وإفحام الخصم، مهما كان على حق. وهذا من تداعيات النزاع على السلطة، الذي حطم البنية العقدية للمسلمين، حتى التبس الإلهي بالبشري، والسماوي بالأرضي، والمقدس بالمدنس، وراحت تتناسل العقائد والفِرق الكلامية. ويكفي للاطلاع عليها مراجعة كتاب الملل والنحل للشهرساتاني.

إن هذه المذاهب والفرق لم تعد مجرد اختلافات إجتهادية حول المسائل الفقهية بل مثّلت قراءة وفهما للدين له خصائصه ومعالمه وقدرته على التنافس لاحتكار الحقيقة وسبل النجاة في الآخرة. وقد أعادت قراءة الدين وفقا لرؤيتها، ومن يتابع تطور الفكر العقائدي عبر القرون الأربعة، و يدرس ظروف نشأتها، يصاب بالذهول حينما يكشف خداعها وأوهامها وبشريتها، ويكفي العودة لتاريخ الفرق والمذاهب الإسلامية بموضوعية وتجرد تام، ليرصد كل ذلك، تأسيسا ووجودا واستمرارا.

تجربة المدينة

مثلت تجربة المدينة دليلا أساسا لكل من نظّر للنظام السياسي الإسلامي، فهل وجود النبي على رأس السلطة يدل على أن الدولة تكليف شرعي وضرورة دينية أم تبقى الدولة ضرورة اجتماعية؟ وإذا نفينا الأولى فكيف كان النبي يسيّر أمور دولته؟ ما هي مرجعياته؟

إن وجود الرسول على رأس السلطة في المدينة لا يجعل من الدولة ضرورة دينية. محمد بن عبد الله نبي. نبي مرسل لقومه لغايات دينية وإنسانية، ودعوته قد خلت من أي صيغ وتشريعات سياسية، والكتاب شاهد على أهدافها التي كرسها النص القرآني لتأكيد وحدانية الله تعالى، ولم يتطرق للحكم وشوؤن السلطة، ولم تخاطبه بألقاب السياسة والحكم كرئيس أو ملك أو سلطان. وأما تصريح بعض الآيات بإتيان طالوت وداود الملك، فلا يدل على أن الدولة ضرورة دينية (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ).

تعني كلمة ملك في اللغة: (مُلْك: مصدر ملَكَ. واِلمُلْكُ: ما يُمَلك ويُتصرّف فيه.. أَرْضٌ فِي مُلْكِهِ: مَمْلُوكَةٌ لَهُ، يَمْلِكُهَا، يَتَصَرَّفُ فِيهَا عَقَارٌ فِي مُلْكِهِ)، فلا ملازمة بين الملك والسلطة. ولما اعترضوا على ملك طالوت احتجوا بالمال: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ)، فالمتبادر لغة من كلمة الملك هو المال والثروة والأملاك الثابتة والمتحركة. وذات الأمر بالنسبة لداود: (وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء)، وأيضا: (فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا)، دون الإشارة إلى ما يدل على إرادة السلطة. بينما في قصة يوسف تصرّح الآيات بإرادة السلطة: (قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ)، حيث عبر هنا بالملك  وليس الملك. ويوسف عندما حمد الله حمده لاعطائه الملك وليس الملوكية: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ). وهذا لا يمنع الجمع بينهما. لكن لا ملازمة بين الاثنين. ولو صح إرادة السلطة من مفهوم الملك، فأيضا يحتاج إلى اصطفاء وتصريح قرآني بخصوصه، كما في قصة طالوت، حيث صرّحت الآية بالاصطفاء: (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ). لأن الملك أصالة لله، ويمن على من يريد، هذا هو المفهوم الديني، بموجب الكتب السماوية عامة،  والإسلام خاصة: (وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، (لَهُ الْمُلْكُ)، (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

 فكان النبي يدير المدينة وفقا للسياقات المعروفة آنذاك. أولا أنه لم  يعلن عن تأسيس دولة إطلاقا، ولما أخذت الدعوة بالتوسع، ودخل المسلمون في حروب، واتسعت جغرافية الرسالة، استلزم الأمر تطور وسائل إدارة المجتمع، فالضرورات الاجتماعية هي وراء تطور الجهاز الإداري، وتوزيع المسؤوليات. وهذا يتطلبه أي مجتمع، وليس حكرا على مجتمع المدينة. وكانت تجاور الجزيرة العربية دول عامرة، لكن الرسول لم يتخذ منها قدوة لتأسيس دولة.

إن هدف النبوات هو إقامة مجتمع الفضيلة، مجتمع إنساني، تسوده العدالة والقيم الإنسانية العادلة. وقد قارع الأنبياء والرسل عبادة الأوثان والأصنام، فكيف يشرعن النبي الاستبداد الديني والقيمومة على الناس من خلال تشريع الولاية والإمامة؟ إن في ذلك نقضا لغرض الرسالة، لتحرير الإنسان من كل سلطة فوقية، عدا الله والعقل القادر على حماية نفسه، بإلهام من الدين وقيمه ومبادئه الإنسانية.

وبهذا نفهم عدم وجود أصل قرآني للإمامة والولاية بمعناها السياسي، فضلا عن المعنى الديني. ولو ثبتت جدلا فلا تستلزم القيمومة، ووجوب الطاعة والانقياد على كل حال، ويبقى الإنسان مسؤولا عن مصيره، وليس لأحد حقق تقرير المصير نيابة عنه.

لكن كيف يمكن تفسير تصدي علي بن أبي طالب للخلافة، وموقفه من خلافة أبي بكر، الخليفة الأول؟ وكيف نفهم قضايا سبقت ورافقت أحداث السقيفة؟ كل هذا وغيره

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi3خاص بالمثقف: الحلقة الأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق6) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الإمامة والوزراة

ماجد الغرباوي: إضافة إلى ما تقدم من دلالتين للإمامة الدينية، وهي الإمامة الدينية بمعنى الإمامة الربانية، والإمامة الدينية بمعنى التشريع: نضيف:

ثالثاً- الإمامة الدينية بمعنى الوزراة:

هذا احتمال ثالث لمفهوم الإمامة الدينية، وهي أن يراد بالإمامة الدينية الوزارة، كوزارة هارون لموسى النبي الكريم. ويكون قول الرسول: "من كنت مولاه فعلي مولاه"، تنصيبا لعلي بن أبي طالب وزيرا، بصلاحيات قد تشابه صلاحيات هارون وزير موسى النبي. وعليه فبقاؤه في المدينة خلفا للرسول، عندما قرر الخروج إلى تبوك، سوف يأخذ صفة الخلافة بمعنى الوزارة، قياسا على  استخلاف موسى لهارون خليفتة له عند غيابه: (وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ). ولا دليل على هذا الاستنتاج، إذ أن سلطة وصلاحيات هارون إلهية، منصوص عليها، إضافة إلى كونه نبيا ورسولا، فلا يمكن قياس أحد عليه، إلا بجعل قرآني صريح، وهو مفقود بالضرورة.

ولا ملازمة بين الإمامة والوزارة، إلا إذا اقتضت الضرورة كما بالنسبة لموسى، حيث استجاب الله لدعوته واصطفى هارون ليشد به عضده، فوصفته الآية بالرسول: (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وصرّحت آية أخرى بنبوته: (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا). ولا يمكن القياس عليها لأن موسى قد ذهب إلى ربه يلتمسه الاصطفاء لهارون، بعد أن بيّن الأسباب والضرورات: (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي.. قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ)، فنفهم أن الوزارة والإمامة والاصطفاء كلتاهما مناصب مرتبطة بالمشيئة الإلهية، ولم يفوض جعلهما لغيره، وهما شأن إلهي لا شأن نبوي. وبما أنها كذلك فيتوقف جعلهما وشرعيتهما على وجود نص قرآني صريح. ولو كانتا شأنا نبويا لاتخذ موسى قرارا شخصيا دون الرجوع إلى ربه. لكنه يعلم أن الله لا يشرك بقرارته وأحكامه أحدا: (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). وله يعود الاصطفاء يهبه لمن يشاء، وفق ضوابط محددة: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ). 

لا يخفى دلالة وسلطة الوزارة، ولو أنها ثبتت لأحد غير هارون، ستنتقل جميع صلاحيتها له. وهذا ما يريده الشيعة من حديث المنزلة. يبغون المماثلة بين علي بن أبي طالب وهارون في المنزلة والمنصب والمقام والصلاحيات، وأهمها نيابته عن الرسول بعد وفاته، بكامل صلاحياته الرسالية. بل وفهموا منه أو هكذا أرادوا أن يفهموا: أن منزلة علي كمنزلة الرسول والنبي قياسا على هارون ولو بالقوة لا بالفعل. بل فضّلت بعض الروايات علي بن أبي طالب على جميع الأنبياء باستثناء رسول الله!!. دون الالتفات إلى مفهوم الاصطفاء وصلاحية جعلها، أو مشاركة الرسول لله في هذا الخصوص، اعتمادا على روايات متهالكة سندا ومتنا، كحديث: (علي خير البشر فمن أبى فقد كفر). ورواية صعصة التي يسأل فيها عليا: أنت أفضل أم آدم؟. ويأتي بجميع الأنبياء وعلي يقول أنا أفضل منه. ومن يقرأ حياة علي وسيرته سيحكم على هذه الروايات بالافتراء والكذب عليه. ثم هل يعقل أن يكون علي أفضل من إبراهيم وهو خليل الله؟ وأفضل من موسى، وهو الوحيد الذي كلمه الله؟ وأفضل من عيسى ومعاجزه التي لا مثيل لها؟. إضافة إلى أدلة استحسانية تعبر عن رغبات أيديولوجية وطائفية مغالية، لا تقاوم النقد، فضلا عن تعارضها مع الكتاب الكريم، ومنطق العقل: (ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ ٱلنَّاسِ). فهارون نبي ورسول، وهما منزلتان عظيمتان، بختص بهما الله من يشاء (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، ولا يمكن أن يتقوّل الرسول على الله: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ). وقد حفظ الكتاب جميع ما أوحي له. لكنهم يؤكدون أن ما صدر عن الرسول يعتبر توزيرا رسميا، حتى وإن لم يذكر في كتاب الله. وتقدم أن صلاحيات الرسول محدودة قرآنيا، وليس بينها الولاية التشريعية، ولا صلاحيات الاصطفاء.

حديث المنزلة

يعتبر حديث المنزلة من الأحاديث المشهورة، وقدر رواه الفريقان، وصنفته كتب الأحاديث صحيحا. وسبب قول النبي لعلي أنت مني بمنزلة هارون من موسى: (عندما أراد الخروج إلى غزوة تبوك، وكان قد استخلفه على المدينة بعد أن استنفر الناس للخروج معه، فلم يبق بالمدينة إلا النساء والصبيان وأصحاب الأعذار، فشق ذلك على علي، فجاء للنبي وقال له: أتخلفني في النساء والصبيان. فقال له النبي: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى"..). وتضيف النسخة الشيعية: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي).

أجد في الزيادة الموجودة في نسخة الرواية الموجودة في المصادر الشيعية، ما يساعد على إزالة اللبس حول هذا الموضوع، وبظني لا أحد قد انتبه لهذه النكتة بالذات. فالرواية في جزئها الأول تؤكد منزلة علي بن أبي طالب من النبي، وقد شبهها بمنزلة هارون من موسى عند غيابه عن المدينة المنورة. وهارون أخ لموسى: (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا)، وقد استخلفه في قومه عند غيابه. فضَمِن علي بهذا التصريح منزلة الإخاء بكل دلالاتها النفسية والروحية والمقامية، وجميعها يبقى في حدود العلاقات الأخلاقية، وأصدائها ضمن بيئتها الاجتماعية. لكن هل ستنتقل جميع مقامات النبوة وصلاحيات الرسالة بموجب هذه الرواية لعلي؟. كلا، لأن النبوة اصطفاء، يستدعي أدلة نصية، ومعجزات تثبت صدقية دعواه. إضافة إلى أن نبوة محمد هي خاتم النبوات، بصريح الكتاب: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). وتنتفي جميع صلاحياتها الربانية، بانتفاء النبوة.

ثم لماذا قال النبي: "إلّا أنه لا نبي بعدي؟". إنها جملة بليغة تكشف عن دلالات حاسمة. فالنبي يفهم أن الوزارة منصب إلهي، واصطفاء رباني له شروط، أهمها ما ذكره موسى عندما دعا ربه، وطلب منه تنصيب هارون وزيرا، حيث بيّن قصده من تنصيبه: (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي). فمهمة هارون مهمة رسالية، متفرعة على النبوة، لذا اصطفاه تعالى نبيا: (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا). فنفهم من ذلك أن الوزارة معادل موضوعي للنبوة، وهذا سبب ترقية هارون نبيا، بل ورسولا: (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وبالتالي، قوة ثراء هذه الزيادة يعوّل عليها دليلا كاشفا عن دلالات حديثي المنزلة والغدير وكل أحاديث الفضائل. فليس وزراة علي اصطفاء إلهي كي تأخذ ذات الصلاحيات، لأنها مهمة نبوية، ومحمد بن عبد الله خاتم النبيين، والوزارة متفرعة على النبوة. فلا إمامة دينية كما يقول بها متكلمو الشيعة. كما نفهم من الزيادة أن حركة الاصطفاء والصلاحيات الربانية تسير في إطار واحد، هو وحدة الخالق، وتفرّده بالحكم والاصطفاء.

وكل هذا لا ينقص من شخصية علي شيئا، ويبقى مصداقا لجميع آيات الفضائل في كتاب الله، وربما يختص ببعضها. ويبقى علي يتمتع بشخصية إيمانية وروحانية وعلمية ناصعة. ولكن الكلام حول الاصطفاء الرباني المصرّح ويكون ملزما وحجة على جميع المسلمين. ولازمه بطلان خلافة الخلفاء الثلاثة. ولا دليل على كل هذا، سوى تأويلات، ورغبات نفسية وأيديولوجية.

رابعاً- الإمامة الدينية بمعنى الهداية والقدوة

رغم أن الاقتداء والهداية ليستا من معاني "المولى"، غير أنهما تستبطنان المفهوم. أو لازمتان بالنسبة للخالق والرسول. وهي في صميم عمل الرسول: (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا)، والسراج هو الهدى. وفي قول النبي: من كنت مولاه فعلي مولاه، يمكن استفادة مفاهيم أخرى أكثر من كونه ثقته ووصيه من بعده، خاصة بمعية حديث المنزلة، وأحاديث أخرى، فأراد الرسول بتشبيهه أو مماثلته به، أن يقول: وكما أنا قدوتكم فعلي قدوتكم، وكما أنا هادٍ، فعلي مثلي. ويستمد الأخير صدقيته من قوله تعالى: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، وعلي سيكون مصداقا للهداة، من بعده. وما يؤكد هذا المعنى حاجة المسلمين للقدوة والهادي، المستحفظ للرسالة وقيمها ومبادئها، كي تواصل فاعليتها. ولا يخفي دور القدوة في الرسالات والحياة الاجتماعية. كما سيكون مرجعا فكريا للمسلمين لنضوجه وفهمه الرسالة حيث تربى في أحضانها. ولبيان أوضح:

- إن المراد بعلي القدوة، أن يمثّل علي بسلوكه وأخلاقه الإنسان المؤمن، التقي، الورع، لا تأخذه في الله لومة لائم، والشخص المتوازن بعيداً عن المغالاة والتطرّف في عبادته وأخلاقة. فهو إسلام يمشي على الأرض، وقرآن يتجسّد في سلوكه وعمله. فعلي سيكون بوصلة الالتزام الديني، من خلال اعتداله وتوازنه، وسيكون المنقذ من الضلال، والتطرف في العبادة، وضد من يهجر الدنيا ويتخلى عن مسؤولياته تجاه عائلته ومجتمعه بحجة التفرغ للآخرة، فيعتكف يصلي ويصوم، ويحرّم على نفسه الطيبات التي أحلها الله. إن القدوة حاجة بشرية، يشاهد الإنسان من خلالها معالم شخصيته، تبعث فيه روح الأمل، وتمنحه قوة واندفاعاً باتجاه العمل الصالح، وتحطّم أغلال الخوف والتراخي القابعة في النفس البشرية. فالقدوة أشد تأثيراً في حياة الإنسان من الأقوال والتصريحات، لأنها تجسيد عملي للقول، وهي الفعل النموذجي للعمل الصالح، فالشخصية القوية المتوهجة أو الكارزمية تؤثر في سلوك الناس لا ارادياً، وتتحول الى قدوة في السلوك والأخلاق والمواقف، وقد تصل حدا يقلد الناس حركات وسكنات الإنسان القدوة. بل أن ارتداد الناس عن الدين، أو الانحراف عنه يعود لغياب القدوة الصالحة، فتبقى المفاهيم مجردة، معلقة بالهواء. لكن مع وجود القدوة تتحول المفاهيم الى سلوك عملي تنعكس على أخلاق الفرد، وطبيعة تعامله مع الآخرين. إن أشد ما تعانيه المجتمعات الإسلامية اليوم غياب القدوة الصالحة، غياب الشخصية الإسلامية المتوازنة، غياب الإسوة في الأخلاق والسلوك، بل للأسف الشديد نجد مخالفات سلوكية صارخة لكل قيم الدين والإنسانية، خاصة رجال الدين، الذين يمثلون القيمة العليا للتدين، غير أن سلوك كثير منهم يفتقر لأدنى مستوى من الالتزام الديني، تجد ذلك واضحا في مجالي السياسة والقضايا المالية. فالإنسان بطبيعته يحتاج للقدوة الصالحة، خاصة مع تعدد القراءات وتعدد المذاهب والفرق، وتناسل البدع والطقوس.

- والمراد بعلي المرجع الفكري، هو الفهم الحقيقي للدين، الفهم الواضح له، خاصة ان الدين بعد وفاة الرسول سيخضع لتعدد القراءات والتأويلات، ويصبح الانحراف الفكري محتملا، فعلي سيكون مرجعا في فهمه للدين، وفقيها في أحكام شريعته، ومفكّرا في جانبه الفكري. أو أنه سيكون بوصلة الفكر المستقيم، والتأويل المتوازن، والقضاء العادل، والفقه الموضوعي.

- والمقصود بأفضليته في السياسة والحكم، أن مواقفه السياسية تنبثق عن رؤية ترتكز إلى مبادئ الدين والقيم الإنسانية. ورغبته في الحكم لا تنطلق عن حاجة نفسية بقدر انطلاقها عن مبادئ وقيم قد آمن بها. فهناك فرق بين شخص يحكم بهواه، فيتسلط، ويستبد، ويشط عن العدل والانصاف، وآخر يحكم وفق مبادئ عادلة، دينية وإنسانية، وينطلق في رؤيته عن نظرية متكاملة في السياسة والحكم. وهذا لا يعني أن يكون مثاليا في الجانب التطبيقي، فهو ليس معصوما، والسياسة تحكمها الظروف والمواقف المفاجئة، والتقلبات السياسية، والمطامع الشخصية. فقد يُصيب أو يخطئ، لكنه بلا شك ينطلق عن رؤية سياسية متكاملة، ونظرية واضحة في السياسة والحكم، وهذا هو المهم. أما الجانب التطبيقي فكل إنسان معرّض فيه للخطأ. وهذا رسول الله يخاطبه الباري عزوجل: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ)، وهو نبي مسدد، وترعاه الإرادة الإلهية مباشرة. من هذا المنطلق نجد لا ضروة للتشبث بالعصمة لاثبات صحة كل مواقف الإمام علي السياسية، لأنها تتقاطع مع موضوعية البحث التاريخي.

الإمامة الدينية تاريخيا

سبق أن تناولت موضوع الإمامة الدينية تاريخيا، وأجد من المناسب استدعاء ملخصه، للوقوف على تاريخية هذه الإمامة، ودواعي تبنيها عقديا من قبل الشيعة، حيث جاء في سياق الحديث المفصّل عنها:

كان ظهور مفهوم الإمامة الدينية نوعا من التعويض لإثراء الرأسمال الرمزي للتشيع، وتعزيز الرصيد الروحي والعقدي، بعد نكبات الشيعة واضطهادهم وإقصائهم. فهي في بعض أبعادها محاولة للتستر على الهزائم العسكرية المتلاحقة للإمامة السياسية، وعدم قدرة اتباع أهل البيت إثبات النص على خصوص خلافة علي بن أبي طالب، بنص صريح يصلح أن يكون مرجعية لحسم النزاع بين الأطراف المتنازعة على السلطة تاريخيا. فالإمامة وفقا للرؤية الجديدة ما زالت تمارس دورها الديني رغم فداحة خسائرها السياسية. وهي إمامة تم تأصيلها كلاميا عبر تأويلات قرآنية، إضافة لروايات بدأت تتدفق بعد وفاة كل إمام تتحدث عن الإمامة ومقامها وضرورتها. وهو تدفق متهم لا يمكن ضمان براءته، فالعقيدة محددة قرآنيا، ولا قيمة لأية عقيدة لا يدل عليها دليل صريح من الكتاب الكريم. فخطاب هذا الاتجاه خطاب فكري – عقدي، ارتكز لمقولات كلامية، ونجح في تأسيس مفاهيم جديدة، منها الإمامة الدينية. التي أحيت مفهوم الإمامة ومنحت مَن تبقى من الأئمة شرعية كاملة، رغم اختلاف مواقفهم. فعدم اعتراض الإمام على الاستدلال الكلامي أو موافقته الضمنية يُعد إمضاء يكرّس مصالحه الدينية والسياسية. حيث تطور هذا المفهوم ومارس أدوارا مختلفة خلال مسيرته. رغم حاجته الماسة في بعض أبعاده لأدلة قرآنية صريحة، وهي مفقودة بالضرورة. علماً أن مفهوم الإمامة تاريخيا مفهوم سياسي، وكان أصحاب الأئمة قبل التنظير لعصمتهم، يتعاملون معهم كزعماء سياسيين، أو كبار آل محمد، أو علماء أبرار أو فقهاء الشيعة. صراع الصحابة كان صراعا سياسيا، وقد طُرحت الإمامة في مقابل الخلافة طرحاً سياسياً. وأما الإمامة الدينية فجاءت لتدارك الفشل السياسي. ينظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة.

لكن ماذا عن الإمامة السياسية؟

يأتي في الحلقة القادمة

  

..........................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباويخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق5) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الإمامة ومنطق الوصايا

ماجد الغرباوي: قبل التطرّق لدلالات الإمامة بموجب حديث الغدير، أنبّه إلى أن مفهوم الإمامة كما تطرحه البحوث الكلامية الشيعية ويتعهده اتجاه الغلو، يكرّس منطق الوصايا والاستبدادين، الديني والسياسي، ويشرعن التبعية والانقياد، ويقمع الرأي الآخر (الراد علينا كالراد على الله)، على حساب العقل والإبداع وحرية الإنسان. لقد كان ختم النبوة اعترافا صريحا بقدرة الإنسان على مواصلة حياته على المدى البعيد، وعدم حاجته مستقبلا للوحي أو أي ولاية دينية. وهذا سرّ توقف هبوطه، وانقطاع بعثة الأنبياء. إن حاجة الإنسان للعقل باتت أكثر من حاجته لأية وصايا دينية، بعد ختم النبوة، واكتمال الدين، وصار  مسؤولا عن حياته ومصيره، وقد قطع شوطا كبيرا جدا على سلم الحضارة البشرية. إن النظريات التراثية وليدة حاجات تاريخية، وضرورات سياسية، والتمسك بها وإعادة انتاجها بصيغ جديدة كولاية الفقيه، لا تفسير له سوى روح العبودية الثاوية في أعماق الفرد، وقيمها التي حرص التراث على رفدها، وتعزيزها بمختلف الدواعي، الدينية وغيرها. من هنا بات تفكيك الولاية أمرا ضروريا لمعرفة مدى شرعيتها وحدود صلاحياتها، للتخلص من هيمنة الخطاب الديني، حينما يتقاطع مع العقل ومبادئ حقوق الإنسان العادلة. الإنسان رهان الخلق بقدراته العقلية الفائقة، وعليه المعوّل في إعمار الأرض، والتعرف على خالق الكون بذات العقل.

دلالات الإمامة

المتتبع للمنهج القرآني يلاحظ اهتمامه بالقضايا العقائدية، التي تتوقف عليها صدقية إيمان الناس، كوجود الخالق ووحدانيته واليوم الآخر، وتأكيده على النبوة وتاريخها، لكنه لا يولي اهتماما كبيرا بقضايا قد تبدو عقائدية، كقوله: (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا). فيكفي في هذه الحالة أنك عرفت أن الإمامة اصطفاء وجعل إلهي، وأنه جعلها لإبراهيم خاصة، دون التفصيل في جوهرها وخصائصها وصلاحياتها (قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، فالأولوية في المنهج القرآني تعكس أهمية القضايا وأولويتها عقديا. ويفترض أن تأخذ الإمامة، إذا كانت شرط الخلاص، اهتماما قرآنيا يعمّق الإيمان بها. وما تقرأه في تراث المسلمين عنها، مجرد رؤى تأويلية وتفسيرات تنتمي لمقدمات كلامية، يراد لها الدفاع عن متبنيات عقدية. وهكذا منهج القرآن بالنسبة للغيب، فلم يتوغل في تقصيلاته، لأنه عصي على الفهم. سواء قلنا بإلاهية الوحي أو قلنا ببشريته في حدود التلقي والفهم. وقد إستأثر موضوع الخالق ووحدانيته مساحة كبيرة من الكتاب، وجميعها آيات محكمات لا تقبل التأويل كثيرا. بيّنت وتساءلت واستفزت فضول القارئ بمختلف الأساليب، كي يصل درجة اليقين الموجب للتقوى، واكتمال الحجة عليه. وأيضا بالنسبة للنبوة والأنبياء، باعتبارها قضية يمكن التحقق منها، بالنسبة لمن عاصرهم، لذا تطلبت معجزة. وبذات المنهج تناول موضع المعاد، حيث ربط حقيقته بأفعال الفرد، فجاء الخطاب القرآني ترغيبا وترهيبا، ليحقق أهدافه بخلق وازع من التقوى، تتوقف عليه مصداقية الإيمان في جانبيه الشعوري والسلوكي. وارتهن صدقية الجنة والنار لإيمان الفرد، وهذا سرّ نسبية هذ النوع من القضايا الدينية.

اللافت رغم قوة حضور الإمامة في الواقع والتراث، حتى عدها الفكر العقدي الشيعي أصلا من أصول الدين، لكن لم تجد لها أية إشارة صريحة في  كتاب الله، لا هي ولا مصاديقها، باستثناء آية مجملة، خص بموجبها الإمامة لابراهيم، دون تفصيلات تذكر، وأما موارد استعمال لفظ الإمامة الأخرى، فليست دالة على الإمامة المعهودة صراحة، ولو ثبتت فهي مختصة بالأنبياء حصرا: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)، عطفا على آيات تتحدث عن قصص الأنبياء. ولا يمكن شمولها لغيرهم، إلا بدليل قرآني صريح، لأنها جعل، تتطلب آية صريحة، نرفع بها اليد عن الأصل. يقول الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل: (وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُل على الإمامة في كل زمان). فكيف تدرج الإمامة ضمن قائمة العقيدة، ولم يشر لها القرآن؟. وهذه ملاحظة مهمة يجب الأخذ بها  في نظر الاعتبار ونحن نتحرى دلالات قول الرسول: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه".

الغدير والإمامة

المتفق عليه شيعيا أن قول النبي: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" نص على استخلاف علي من بعده، وحكموا في ضوء حديث الغدير بوجوب النص والتعيين في الإمامة. وكان ذات الحديث دليلا على غصبيتها من قبل الخلفاء، مادام كلام الرسول كان صريحا وحجة تامة على كل من سمعه، ولا استثناء للخلفاء ممن حضروا معه.

إذاً، فالشيعة ينفون ظهور معنى آخر لكلمة "مولى" سوى النص على خلافة علي، وعززوا قولهم بآية التبليغ، واستشهدوا بآية "الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم". ورووا مشاهد تفصيلية، توحي بصحة الحديث من خلال مشاهد ما حصل بعد الخطبة. وقد مرَّ تفصيل الكلام، حول كلمة "مولى" ودلالتها ضمن سياق الحديث، وفي ضوء ما ذكره بُريدة أمام الرسول. ولم تشكّل القرائن المذكورة في المقام قناعة دلالية كافية، فضلا عن تبادر الكلمة في هذا المعنى. وسقطت عن الاعتبار بعد مناقشتها. وهنا سنأتي على أدلة، تساعد أكثر على فهم مبررات نفي النص على الإمامة في الحديث بالذات، حتى مع ثبوتها بأدلة غيره. وهذه المرة نتناول مفهوم "الولاية" ضمن الإطار العام للدين والإسلام، لنتحرى إمكانية الإمامتين الدينية والسياسية، حيث استدل بعضهم بحديث الغدير على الإمامة السياسية، في مقابل من اقتصره على الإمامة الدينية، وثالث قال بكلتيهما. فهل الإمامة ضرورة دينية أم اجتماعية؟، وهذا يتفرع على ضرورة الدولة. فهل الدولة ضرورة دينية أم اجتماعية. وبالتالي نحن والأدلة.

مرات عدة تناولت موضوع الدولة في الإسلام، وأكدت من خلال ما طرحته، أن الدولة ضرورة اجتماعية، فرضتها الحاجات الآنية لتنظيم شؤون مجتمع المدينة، الذي تطوّر بحكم وجود النبي وانتشار الإسلام في المناطق المحيطة بها. والقرآن شاهد على ما نقول فليس ثمة آية صريحة واضحة تناولت موضوع السياسة والدولة، أو خلافة النبي، سوى مبادئ يمكن اعتمادها، كقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا). والآية وإن كانت واردة في القضاء بشهادة بدايتها، لكن العدالة كمبدأ أساس في الحكم على مستوى الدولة لا غبار عليه. أو آية: (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلً)، التي قد يستفاد  منها شرط الإيمان في الحاكم الأعلى. وغيرها من مبادئ قرآنية وإنسانية. ولا يوجد أكثر من هذا، بل وحتى النبي الكريم لم يتحدث عن موضوع الدولة والسلطة والخلافة، كما سيأتي الكلام. وبالتالي هل أن إهمال القرآن لعصبي الحياة، السياسة والاقتصاد، دليل على عدم اهتمامه بهما، بينما أولى اهتمامه بقضايا أقل أهمية منهما؟. أبداً... أما الاقتصاد فكان موقف الكتاب إمضائيا، مع تنقيح بعض القواعد كالتجارة بالتراضي. وحرمة بيع الربا. وأما السياسة، فهنا شيئان: المادة الدستورية والقانونية، وقد شرّع مجموعة أحكام، تخص الفرد والمجتمع، وبإمكان المجتمع تبنيها مادة قانونية لدولتهم. وأما نظام الحكم ونظريته، فتركها لهم، ليتحملوا مسؤوليتها وفقا لمتطلبات الزمان والمكان، كي لا تجمد على صيغ تفقدها قيمتها. ولو كانت الإمامة نصا وتعيينا، ماذا يفعل المجتمع مع فقدان النص، الذي كان مقتصرا على علي بن أبي طالب، ثم تمت زحزحته ليشمل 11 إماما، بعد ترميم النسق العقدي للتشيع؟.

وبالتالي لم تكن الإمامة موضع اهتمام القرآن والنبي الكريم. ولا يوجد ما يكفي للتعاطي معهما وفق أدلة شرعية. سوى اجتهادات فقيه تلت مرحلة الخلفاء، بعد اشتداد الصراع حول السلطة ومشروعية الخلافة. ويبقى الاصطفاء والولاية الجعلية من خصائص الباري تعالى، ولم يجعلهما لأحد بآية صريحة. بما في ذلك النبي، حيث حددت آيات الكتاب وظيفته، وليس من بينها التشريع، وخلصنا إلى حجية قول النبي فيما له جذر قرآني، وليس للإمامة جذر قرآني، ولا يكفي إجمال المفهوم في إمامة إبراهيم، دليلا على ثبوتها لغيره.

الإمامة الدينية

هناك أكثر من نحو يمكن تصور الإمامة الدينية من خلاله، هي:

أولاً- الإمامة الدينية بمعنى الإمامة الربانية:

ومثالها إمامة إبراهيم النبي الكريم. كي تستمد إمامة علي بن أبي طالب من شرعيتها، وتكون دليلا عليها. ولا دليل على الملازمة، لأنها إمامة قائمة على شروط لم تتوفر لعلي كالنبوة. ويشملها مفهوم الاصطفاء، الذي هو خاص بالله تعالى، ولم يفوضه لأحد، بل حصره بمشيئته: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). فالقرآن طرح مفهوما جديدا، وقطع الطريق أمام دعاوى الاصطفاء، القائمة على أسس عنصرية وتوريثية، بل ونفهم أنه منصب إلهي، يتوقف على مشيئة الله والتصريح به قرآنيا، فيبقى الأصل الأولي عدم ثبوته لأي شخص.  فيشترط في صدقيتها وثبوتها – كما تقدم بيانه وهذا ملخصه - وجود آية صريحة بيّنة لا لبس فيها، تدل عليها كإمامة إبراهيم، التي لم يرفدها الكتاب العزيز بتفصيلات كافية سوى قوله: (إِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). فالإمامة تأتي بعد مرحلة من الاختبار الرباني المباشر، "إذا ابتلى الله ابراهيم بكلمات". لا نعرف ما هي الكلمات التي أتمها، لكنها تبدو على درجة رفيعة من الأهمية اقتضت تنصيبه إماما. ورغم أن ذرية إبراهيم أنبياء، لكن الآية أجابت بشكل عائم: "قال لا ينال عهدي الظالمين". وبالتالي هذا النوع من الإمامة يحتاج لتصريح رباني. ثم لا يمكن تزكية أحد، مهما كان ظاهره الصلاح، ولا يدرك أسرار النفس البشرية إلا الله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا). وقد يجهل حتى النبي أن من حوله ظالم لنفسه: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)، فظاهر هؤلاء الصلاح، وربما تعلوهم سيماء الإيمان، لكنهم في علم الله "منافقون". من هنا أشترط نصا قرآنيا لثبوت الاصطفاء، لانه يورث الجزم  واليقين، مادام حتى النبي لا يمكنه الجزم بتزكية أي شخص مطلقا إلا حسب ظاهر سلوكه وتقواه.

ثمة ملاحظة لو كانت الإمامة شأنا نبويا أو رسوليا، فلماذا يسأل إبراهيم عن إمامة ذريته وهل هناك بمنزلته خليل لله؟ لكنه (إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ)؟ ويعلم أنها مناصب إلهية، تتوقف على الاصطفاء الصريح، كإمامته ووزارة هارون.

ثانياً- الإمامة الدينية بمعنى التشريع:

المتتبع لكلماتهم حول الولاية الدينية، يجد أنهم تارة يقصدون بها ذات الإمامة القرآنية. وهي أعلى مقاما. تنطوي على أسرار إلهية، وحكمة ربانية، تتوقف عليها تمامية الدين، واستمراره من خلال أئمة أهل البيت الذين نصبهم الله أئمة لدينه وعباده. وبهذا المعنى يكون للإمام ولاية تشريعية، استمرارا لولاية الرسول التشريعية، وستكون سيرة الإمام (قوله، وفعله، وتقريره) حجة كحجية سيرة النبي، يمكن أن تخصص أو تقيد إطلاقات وتعميمات الكتاب، لذا قال الشيعة باستمرار عصر النص حتى نهاية غيبة الإمام المهدي الصغرى (329 هـ)، وتعاملوا مع روايات أهل البيت باعتبارها نصوصا تشريعية حجة، مقدسة، تتعالى على النقد والمراجعة، يقتصر دور الفقيه على فهمها وتفسيرها أو تأويلها، وإذا تعذر عليه (يعيدها لأهلها فَهُم أدرى بها!!)، كما يردد ذلك أساتذة بحوث الخارج في مادة الفقه، للدلالة على قدسية مصدرها وحكمته وعلمه.

وجواب هذا واضح، أن التشريع مختص بالله تعالى، وتمت مناقشة هذا الكلام مرات عدة. وما يهمنا تشريع الأحكام. تقول الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا..)، وتقصد تمامية الدين بشقيه العقدي والتشريعي، وما يدل على الثاني أن الآية مسبوقة ومتبوعة بآيات الأحكام، ومع وجود هذه القرينة لا يمكن صرفها لأية دلالة أخرى. إذ يرى المفسرون الشيعة أنها نزلت بعد حديث الغدير، لتصرّح بتمامية الدين بعد إعلان ولاية علي بن أبي طالب. وهذا غير ظاهر في الآية إطلاقا، وحملها على تمامية الدين بمعنى التشريع يساعد عليه سياق الآيات، حيث سبقها مجموعة أحكام تشريعية: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ). كما تلتها مجموعة أحكام تشريعية: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، ويستمر السياق يستعرض أحكاما أخرى. وبهذا نفهم بمعية آيات ذكرتها في بحث حجية السنة النبوية، أن التشريع مقتصرا على الله تعالى، ولا دلالة لحديث الغدير وجملة: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" على إرادة الإمامة الدينية بهذا المعنى. ومن هنا أيضا تعرف مدى صدقية استمرار عصر النص حتى نهاية غيبة الإمام المهدي، ليعاد بموجب الفهم القرآني تشكيل وعي جديد بالأئمة ووظيفتهم الدينية، فهم كغيرهم من الفقهاء المعاصرين لهم رأي اجتهادي. وميزتهم شهد لعلمهم وتقواهم وفقههم كثيرون، وكانت الإشادة العلمية بمدرسة الإمام الصادق لا يدانيها إشادة بعالم وفقيه في عصره. فنظرية "الأئمة علماء أبرار"، كما ذهب لذلك جملة من علماء الشيعة، يجنّب العقيدة الشيعية كثيرا من المشاكل والتقولات، التي تفتح باب تكفيرهم ورميهم بالضلال من قبل خصومهم التاريخيين. كل ما جاء بعد النبي تراكم فقهي، ووجهات نظر اجتهادية، لا فرق في ذلك بين المذاهب الإسلامية، رغم الجذر القرآني والنبوي للنصوص التي يشتغل عليها الفقيه، لكنه رأيه، ووجهة نظر شخصية، مرتهنة لقبلياته ونسقه العقدي ومنهجه وأدواته.

وأما ثالثا: الولاية الدينية بمعنى الوزارة وهي موضوع مهم وحاسم في تحديد دلالات الولاية...

يأتي في الحلقة القادمة

 

..........................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباوي15

خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق4) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الدلالات (2)

ماجد الغرباوي: إن دلالة حديث الغدير فرضت الاهتمام به من قبل المتكلمين والمؤرخين وأصحاب السنن والحديث والفقهاء. وكما ارتكز الشيعة له دليلا على استخلاف علي بن أبي طالب، ينفي السنة ذلك، ويؤكدون صدور روايات تؤكد على الخليفتين الأول والثاني، وأن ما رامه الرسول في الحديث الاشادة بعلي دون النص على إمامته. فالصراع على السلطة وشرعيتها، والتنافس المحتدم لمراكمة شواهد على أحقية أحد الطرفين، مع فقدان الدليل الصريح على الخلافة والإمامة، كان السبب الرئيس وراء أهمية الحديث. فتجد السنة بالمرصاد للجهود الكلامية الشيعية، لخطورة ما يترتب على الحديث من آثار تمس شرعية الخلافة الإسلامية، ما إذا صحة دلالته على استخلاف علي لخلافة النبي دون غيره. لكن الشيعة لم يمنعهم ذلك، وقد واصلوا الدفاع عن الحديث ودلالته، منذ أكثر من عشرة قرون، وجمع الشيخ الأميني كل ما يخص الغدير في موسوعته بـ(11) جزءا، التي عنوانها الغدير. من هنا يعتبر التجرد التام شرطا لتحري دلالات الحديث بعيدا عن تجاذبات الفِرق الكلامية، وصراع السلطة الذي يتفاقم بلا هوادة. وشرط التجرد هو التخلي عن سطوة الآراء الكلامية مادامت قناعات أيديولوجية راسخة، هدفها الانتصار على الخصم ودحر أدلته، وليس تقديم أدلة عقلية برهانية لاثبات المطلوب. فينبغي التوجه إلى ذات النص لقراءة دلالاته من خلال ظرفه وقرائنه، الحالية والمقالية، وفي إطار مبادئ الدين، باعتباره نصا شرعيا، كما يؤكد الفريقان على ذلك.

يبقى البحث الموضوعي مرتهنا لمعنى كلمة مولى التي هي مشترك لفظي بين أكثر من عشرة معانٍ. وليس أمامنا سوى القرآن واللغة والقرائن الحالية والمقالية، لتحري دلالاتها. وكما أكدت أعلاه أن الصحابة الذين واكبوا الحديث قد فهموا دلالة كلام النبي. لكن ماذا فهموا؟ وكيف تلقوا كلامه؟ ومدى تأثر الموقف السياسي بعد وفاته بهذا الحديث؟

نسعى لتحري جميع الاحتمالات، وإسقاط الضعيف منها بعد اختباره نقديا، ومن ثم تعضيد الاحتمال الأقوى لنخلص إلى نتيحة عقلانية تستمد شرعيتها من النص أيضا. وقد خرجت آية التبليغ كقرينة على إرادة تبليغ ولاية علي بن أبي طالب، لأنها لم تصرّح بذلك. ومادام الموضوع مجهولا، فسيكون الاستدلال بها من باب التعريف بالأخفى والأجهل منطقيا. وهذه هي تداعيات قطع الآية عن سياقها لأغراض أيديولوجية كما فعل الشيعة. وإلا فموضوع الآية محدد عند قراءتها ضمن سياقها القرآني، كما تقدم بيانه. وبهذا الشكل سقطت القيمة الاعتبارية لهذه القرينة، وانقطعت علاقة قول النبي "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" بها.

القرينة الثانية: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)

(النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، هي القرينة الثانية التي يمكن أن يُستدل بها على تنصيب علي بن أبي طالب للخلافة في قول النبي: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". وهذا يتوقف على معنى كلمة "مولى"، التي هي مشترك لفظي بين أكثر من عشرة معانٍ. حيث جاء في حديث الغدير قول النبي: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا "أي الصحابة": بلى يارسول الله، فقال: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". وقوله: "ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟" إشارة إلى الآية أعلاه. ورواية الشيخ المفيد أكثر تفصيلا: (ثم نادى بأعلى صوته: "ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟" فقالوا: اللهم بلى، فقال لهم على النسق، وقد أخذ بضبعي أمير المؤمنين عليه السلام فرفعهما حتى رئي بياض إبطيهما وقال: "فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله).

فيصدق من وجهة نظر خاصة أن تكون دلالة قول النبي "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" مرتهنة لدلالة كلمة "أولى" في الآية أعلاه. فما المراد بقوله تعالى: "أولى بالمؤمنين من أنفسهم"؟ وما هي حدودها وسلطتها وصلاحياتها؟. وقد مرَّ الكلام مفصلا حول دلالة هذه الآية ضمن بحث الولاية، وملخصه:

(اختلفوا حول معنى الولاية في الآية الكريمة: "النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ"، هل المراد بها خصوص الولاية التشريعية؟ أم أن المراد بها القيمومة والسلطة وحق التصرّف "بشكل يملك منهم ما لا يملكون من أنفسهم". فيكون من حق الولي التصرّف بمعزل عن رضاهم وإرادتهم، وكأنه يتصرّف في ملكه؟). بمعنى آخر هل أن الآية تدل على الولاية والقيمومة وحق التصرف؟. فإذا ثبت هذا المعنى فلا شك أنه سيؤثر في دلالة قول النبي يوم الغدير: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". لكن هناك من ينفي دلالتها على الولاية مباشرة، ويرى:

أولاً: أن كلمة "أَوْلى" ضمن سياق الآية تعطى معنى الأولوية والتقدّم والرجحان، لا معنى التصرّف والتحكّم. وتعني (أن المؤمن يفتدي النبي بنفسه، ويقدّمه عليها في كل شيء، فهو نبي الله وخاتم المرسلين... "فمعنى كون النبي أولى بهم من أنفسهم أنه أولى بهم منهم: ومعنى الأولوية هو رجحان الجانب إذا دار الأمر بينه وبين ما هو أولى منه. فالمحصل أن ما يراه المؤمن لنفسه من الحفظ والكلاءة والمحبة والكرامة واستجابة الدعوة وإنفاذ الإرادة فالنبي أولى بذلك من نفسه. ولو دار الأمر بين النبي وبين نفسه في شئ من ذلك كان جانب النبي أرجح من جانب نفسه"، كما ذهب لذلك العلامة الطباطبائي صاحب الميزان، مثالا لا حصرا)... ثم إن تخصيص المؤمنين في الآية يؤكد إرادة معنى التقدّم والأولوية، التي تستدعي شخصا مطيعا، مُضحيّا، يتقبل أوامر النبي برحابة صدر وإيمان صادق، وهي صفات المؤمنين: "يُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ". فالتضحية والتنازل عن الحقوق لصالح النبي تعبير عن الحب والإخلاص. "مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ". وبالتالي فيستفاد من الآية: أن الرسول أولى بمؤازرة المؤمنين وتحمل المسؤولية عنهم، والأجدار في تفادي ما يقع عليهم من حقوق وواجبات. يشهد لذلك نهاية الآية: "وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ في كتاب اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنينَ والمُهاجِرِينَ" حيث قدمت الآية الأنساب على الهجرة في توارث المؤمنين، خصوصا المهاجرين كما في الروايات. فالآية وسياقها يدور حول مستويات الولاية بمعنى المسؤولية تجاه الآخرين، وما يتفرع عليها من استحقاقات عينية وغير عينية للورثة. فيكون النبي أولى من المؤمنين بميراث من لاوارث له، ثم الأنساب. ففي رواية عن قتادة، مشهورة في كتب الحديث لدى الجميع، قال في بعض القراءة "النَّبِيُّ أوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ وَهُوَ أبٌ لَهُمْ"، فالأولوية هي مقتضى الأبوة، ثم رووا ما يؤكد هذا أكثر: وذُكر لنا أنه قال: "أيُّمَا رَجُلٍ تَرَكَ ضياعا فَأنا أوْلَى بِهِ، وَإنْ تَرَكَ مالا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ". وهذه دلالة بليغة على إرادة معنى المسؤولية الأبوية، ولا علاقة لها بالولاية بمعنى حق التصرّف. وهنا ينبغي التنبيه لا نقصد من الرواية تأييد التحريف بل أن جملة "وَهُوَ أبٌ لَهُمْ" تكون تفسيرا وبيانا لمعنى الأولوية في الآية. فيبقى الأصل عدم ولاية أحد من الناس على غيره). وبهذا نفهم أن للآية الكريمة دلالة مغايرة لمعنى السلطة ضمن سياقها القرآني. وسيكون علي بن أبي طالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وفقا لقول الرسول "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". ويعني، أنه أولى بحبهم وتقدمه عليهم، بل وسيكون مولى لكل من كان النبي مولاه، فهناك تركة شخصية للنبي سيتولاها علي من بعده، باعتباره وصيه، وأمين سره، "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" وكفى بهذه المنزلة دليلا على عظمته وتقدمه بين الصحابة. وكان ينبغي الأخذ بها عندما تداول الصحابة شأن السلطة، فيصدق أنهم اختاروا المفضول على الفاضل.

ثانياً: إن إرادة الإمامة، واستخلاف علي بن أبي طالب للسلطة في قول النبي: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، يلزم منها وحدة الولاية بين الرسول وخليفته، وقد مرَّ بنا في تفسير آية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، إذ قلنا: مادامت الآية وضعت ولاية الله ورسوله والمؤمنين على مستوى واحد، دون تفصيل، فلازمه عدم اختلاف المفهوم، وعدم تفاوت الصلاحيات. ولازمه وجوب الولايتين التكوينية والتشريعية للجميع، وهذا لا أحد يقول به، خاصة بالنسبة للمؤمنين، ماعدا الشيعة وفقا لمبانيهم العقدية، حيث جعلوا مصداق المؤمنين واحدا، رغم أنه جاء بصيغة الجمع، وهو الإمام علي، ومنحوه حق الولاية بموجب هذه الآية. وهذا خلاف المنطق القرآني الذي اعتبر الولاية أصالة وبالذات لله تعالى، لا شريك له، باعتبار خالقيته وربوبيته. وولاية غيره تكون مجعولة وليست أصيلة فتحتاج إلى جعل صريح واضح بيّن لا لبس فيه ولا تشابه، نرفع به اليد عن الأصل، كي يكون حجة على الجميع.. كما أن آية التنازع لا تسمح بوضع ولاية المؤمنين بمستوى ولاية الله ورسوله، بل يجب مراجعة الله ورسوله في حالات النزاع، وهذا أدل دليل على محدوديتها وعدم إطلاقها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ).

ثالثا: الظاهر من سياق الآيات أن المراد بالولاية هو خصوص النصرة، وهو واضح من موضوع وأسباب نزولها وما تهدف إليه من تشريعات ومفاهيم دينية جديدة. وهي دعوة صريحة لعدم الوثوق باليهود والنصارى، وعدم اتخاذهم أولياء. أي حلفاء وفقا للعهود والمواثيق المبرمة بين الطرفين، بعد خيانتهم ونقضهم لها. ودعت للتلاحم على أساس إيماني، يكون الله ورسوله والمؤمنون هم الناصر والحليف والظهير والولي والقوة الحقيقية. وبهذا أقصت استراتيجية المعركة، معاهدات أهل الكتاب من حساباتها. ووضعت خطة جديدة تعتمد خصوص المؤمنين لتولي شؤون وإدارة المعركة والمجتمع المدني. والسبب أن صفات المؤمن التي ذكرتها الآية كفيلة بعدم خيانته وتخليه عن المسؤولية، لأن العبادة تعزز التقوى والخشوع والخوف من الله، وهذا ما تحتاجه المسؤولية، لضمان عدم فساد القيادة. ولو كانت الآية بصدد جعل ولاية لهم بمعنى السلطة وحق التصرّف كان ينبغي توظيف ألفاظ دالة على موضوعها، كأن تقول الآية: القوي الأمين من المؤمنين، كما في آية شعيب وموسى، حينما خاطبت أباها بألفاظ دالة على المطلوب، وقالت: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ). ولم تقل يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. فهنا أيضا مناسبات الحكم الموضوع تكون حاكمة.

معنى المولى

خلاصة ما تقدم ظهور معنى "المولى" في النصرة، دون غيرها من معانيه، التي هي كثيرة، كما جاء في المعاجم اللغوية وسياقات استعمالها في خاصة في القرآن: (الرب والسيد والعبد والمالك والمعتق والمنعم والمعتق والمنعم عليه والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصهر). وأقرب المعاني التي تخص الإنسان دون خالقه أو التي تشترك معه، هي: السيد، المالك، الناصر، المحب، والحليف. والرسول يصدق أنه سيد على ما يملكه من العبيد والإماء. وتقدمه على المؤمن. هو حليفهم، وهم حلفاؤه. وله عليهم حق النصرة والمحبة، وحينما يقول من كنت مولاه فهذا علي مولاه، يصدق لعلي ما صدق له. ويشمله قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا)، (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير).

ويتضح كلام الرسول أكثر إذا عرفنا معنى: "ولي، ولاء، تولي". جاء في المفردات: (أن يحصل  شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ومن حيث النسبة ومن حيث الدين ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد). بهذا يتضح أن المراد هو الإشادة بعلي ومكانته وقربه منه، باعتباره وصيه من بعده على شؤونه الشخصية، بل ويؤكد كلام الرسول أن منزلة علي منه لا مجرد ابن عمه أو زوج ابنته، بل هو "بمنزلة هارون من موسى"، كما في الحديث المشهور. وهناك وشائج إيمانية ومقامات روحانية، تقتضي أن يكون مولى للمؤمنين، كرسول الله لكن لا بمعنى الولاية والقيمومة، لأنها قضية توقيفية، تتوقف فعليتها على وجود إذن صريح واضح بين لا لبس فيه من قبل الله تعالى، أي آية صريحة فيه، وهي منتفية بالضرورة. وأما لماذا كل هذا، فهنا احتمالان:

الأول، ما ورد في قصة "بريدة"، حيث استفز كلامه النبي، واعتبره تشكيكا في ولي من أولياء الله الصالحين، وينوب عنه عند غيابه، حيث وصف بريدة ردة فعل الرسول كما جاء في الروايات السنية: (فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغيَّر، فقال: «يا بريدة ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قلت: بلى يا رسول الله. قال: "من كنت مولاه فعَليٌّ مولاه"..). وسياق القصة وتفصيلاتها يحسم الخلاف حول سبب صدورها، عندما ربطت قوله النبي بحادثة بريدة وجفوته من علي وإساءة الظن به، خاصة عندما استشهد رسول الله هنا بقوله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، ولم يستشهد بآية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)، التي تتحدث عن الولاية وصلاحياتها. وهذا شاهد دقيق ودليل يحسم معنى المولى في نص حديث الغدير، وفقا لما قررناه حول معنى آية (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، لذا يصر كثيرون على إرادة الولاية بمعنى القيمومة والسلطة في هذه الآية كي تستقيم دلالة حديث الغدير. وعليه فأسباب صدور قول النبي "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، وما سبقته من أحداث وفقا للرواية السنية، تساعد على فهم دلالته، بسهولة.

المسكوت عنه

أولاً: افتتحت خطبة الرسول يوم الغدير كما جاء في الروايات بجملة: "إني قد دعيت ويوشك أن أجيب". أجد في هذه الجملة مؤشرا، ربما لم يلتفت له أحد من قبل. من خلاله يمكن أن نفهم دواعي الخطبة وقوله: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، وفق منهج هرمنيوطيقي، يرتكز لفهم النص ودواعيه عبر الاقتراب من أجوائه النفسية والاجتماعية والسياسية. فالرسول هنا يقول: "إني قد دعيت ويوشك أن أجيب". فما هو شعور من يدنو أجله؟ وماهي هواجسه وهمومه وأولوياته؟ لا شك يبدأ بكتابة وصيته أو وصاياه حول تركته وماله وأهله، ويوصي لمن يأتمنه ويثق بحكمته وأمانته، فثمة حقوق شرعية لورثته، وأموال تعود لبيت المال وأخرى أمانات. فبماذا يهتم النبي قبل وفاته؟. لا شك أنه سيهتم بشيئين: الرسالة وديمومتها، ووصاياه الشخصية، دون السياسة شؤون الحكم، لأنها خارج اختصاصه، كما أكدت هذا مرارا.

أما الأول، أقصد الشأن الديني، فقد صرّح الكتاب الكريم بتمام الدين، الذي هو عقيدة وشريعة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، وهي آية صريحة ومحكمة. وبالتالي لا يحتمل أن يخالف الرسول كتاب الله ويدعي حاجة الدين إلى من يتممه، لا عقيدة ولا تشريعا. فهذه المناسبة تحول دون تبادر الشأن الديني. أو قيمومة علي على الدين. لكن تبقى ديمومة الرسالة، التي تتطلب قدوة ونموذجا صالحا يقتدى به، إضافة إلى التمسك بالدين وتعاليمه وشرائعه. وهذا ما يفسر قوله في ذات الحديث: إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله و(عترتي أوسنتي). وسيأتي الحديث

وأما الثاني، الشأن الدنيوي، فله مبرراته، فعلي وصيه على ماله وعياله. ولديه أمانات وثروات وعبيد وإماء، تستدعي من يدير شؤونها. وعلي وصيه وسيد البيت الهاشمي من بعده، وقد طعن بمصداقيته بريدة وشك بأمانته، حتى غضب النبي كما جاء في الرواية. فوجد من الحكمة أن يؤكد للجميع ماهي مكانة علي منه، وما هي مسؤولياته من بعده؟. فاختزل الكلام بجملة مكثفة، غنية بدلالاتها، لتعدد معاني المولى. لذا فكثير من معانيها اللغوية تنطبق على علي بن أبي طالب. وهذا مبرر معقول، يقطع الشك، ويمنح عليا ما يستحقه من فضيلة.

وبهذا يتضح أن قول النبي "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، ليس نصا على الإمامة، بأية معنى كانت، دينية أم سياسية. وأنها ناظرة إلى تزكية علي، وتأكيد وصايته من بعده. وهو وصي لمحمد بن عبد الله.

وإذا قيل أن معنى المولى تعني الولاية في بعض معانيها، وهذا يؤكد ولاية علي. ونحن أيضا نقول هذا، وللمؤمنين ولاية بنص الآية الكريم (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا). إلا أنها ولاية مقيدة، ليست كولاية الله ورسوله، فلا قيمومة وسلطة. بل كما مرَّ تفصيله في محله، أنها ولاية إدارية.

ثانياً: ان صرامة آية التبليغ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) تؤكد خطورة موضوعها، وأنها جاءت تعقيبا على قضية مهمة متنازع حولها، لذا قالت الآية: (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، وهذا أمر متعارف عندما يشتد الخصام بين طرفين، فإن أحدهما يلحق كلامه بخطاب تهديدي، وعليه نفهم أن الآية تحيل على موضوع لم يحسم نهائيا، والآية تطالب أهل الكتاب (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ). تريد موقفا عمليا يؤكد صدق إيمانها، ولا تكتفي بالكلام والعهود، لأن الطقوس العبادية شعائر تعكس مضامين الدين. ولو حمل موضوع الآية على تبليغ ولاية علي بن أبي طالب، ستكون قضية طارئة، غير مطروقة سابقا، ولازمها خطاب مختلف، يتناسب معها. كأن تنص آية من آيات الكتاب على ولايته، وينتهي الأمر، فلماذا يجعل موضوع التبليغ في الآية مجهولا وهي قضية عقائدية، تترتب عليها أحكم والتزامات دينة، هل من صالح الدين ومصير المسلمين افتتانهم بهذه الطريقة المفجعة التي أودت إلى إقتتال المسلمين؟. العقيدة قرآنيا واضحة، ليس بينها موضوع الولاية والخلافة إطلاقا: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).

لكن هل ينتهي الأمر إلى هنا أم ثمة ما هو أهم وأخطر؟

يـأتي في الحلقة القادمة

 

..........................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباوي14خاص بالمثقف: الحلقة السابعة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق3) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الدلالات

ماجد الغرباوي: لا بد من الإشارة أولا لبعض الملاحظات المنهجية كي نضع القارئ في سياق القراءة النقدية التي نروم اجراءها حول دلالات حديث الغدير وخصوص قول النبي: "من كنت مولاه فعلي مولاه":

ملاحظات منهجية

- سبق القول أننا نعتمد منهجا مختلفا في دراسة الروايات، يبدأ من المتن لا من السند، كما هو السائد في الدراسات الفقهية، التي تعتبر صحة صدور الرواية شرطا لحجيتها بناء على الوثاقة. وهي إحدى طرق الحجية بناء على الوثوق، كما تقدم. ثم بعد ذلك يُدرس المتن أو نص الرواية. بينما المنهج هنا يبدأ من المتن، من النص، لمعرفة مدى إمكانية موضوعه، قرآنا وعقلا، مهما كان الصدور صحيحا، خاصة روايات العقائد التي تترتب عليها آثار كبيرة، حدا تغدو مائزا بين الكفر والإيمان. فما خالف القرآن أو العقل فاضربوا به عرض الجدار، كما هو المشهور. وبما أن موضوع حديث الغدير هو ولاية علي بن أبي طالب، وهو موضوع عقائدي بامتياز، لأنها ركيزة من ركائز العقيدة الشيعية. فهل الولاية سواء الولاية السياسية أو الولاية الدينية بحد ذاتها ممكنة أم لا؟ وسيأتي لماذا قرآنا. فإذا كانت ممكنة فسنعود لمناقشة المتن / النص ودلالاته، بعد التأكد من صحة صدوره. وإذا كانت الولاية غير ممكنة أساسا فلا معنى لحملها عليها، وينبغي تحري دلالات أخرى للرواية، وستدرج ضمن جهود الفِرق الكلامية لإثراء الرصيد الرمزي لأحد الطرفين المتنازعين حول شرعية الخلافة، بعد فقدان الدليل الصريح عليها.

- يقوم منهجنا على تصنيف الأحاديث والروايات الدينية والتاريخية إلى قسمين. إما أن تكون الرواية مقطوعة الصدور أو تكون محتملة الصدور. والأولى تختص بالمتواتر من الأخبار، وتكاد تكون شروطها تعجيزية، حتى بناء على نظرية الاحتمال، مع اختلاف مرجعيات القيمة الاحتمالية للوسائط / رواة السند. فكيف إذا كان شرط التواتر (أن يروي الخبر في كل طبقة عدد من الرواة، يمتنع تواطؤهم على الكذب)؟ فالمسألة صعبة جدا، ومع تحققه خارجا،  فإنه يورث القطع والعلم واليقين، فتكون حجيته ذاتية، لحجية القطع عقلا. لكن ليس بالضرورة أن يكون كاشفا عن الواقع تماما، كما يرى بعض الأصوليين، ويأتي الكلام في محله. الخبر المتواتر مجرد طريق للواقع، وهناك شروط أخرى تتوقف حجية الرواية عليها. وأما أخبار الآحاد، فلا  تغادر الظن، الذي لا يغني من  الحق شيئا (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا). وما المحاولات الدؤوبة لجعل الحجية للخبر الواحد شرعا، وفق أدلة عقلية ونقلية، تطرح عادة في مباحث حجية الخبر الواحد أو أخبار الآحاد في كتب أصول الفقه، فهي مرتهنة لأدلتها، وتمامية استدلالاتها. غير أنها مجرد اجتهادات ووجهات نظر. الظن ليس كالعلم، وجعل الحجية الشرعية له، يحتاج لدليل برهاني، يسمح بترقيته إلى مستوى الحجية، وهو مفقود بالضرورة. ولو سلمّنا لهم، فنقتصر على القدر المتيقن، وهي روايات الأحكام الشرعية، كي لا ينسد باب العلم والعلمي كما يعبرون. وهذا لا ينطبق على روايات العقائد، لأن الأصل في العقيدة اجتهاد المتلقي، وقد صرّحوا بحرمة التقليد في العقائد. وبالتالي فالخبر إما أن يكون متواترا، فهو حجة لحجية القطع، أو يكون محتمل الصدور، وهو كل خبر لم يصل حد التواتر. غير أننا لا نهمله، رغم عدم حجيته، ويبقى مرتهنا لقوة حضوره وتأثيره. ولا مانع من حجية الروايات النبوية ذات الجذر القرآني، بشروط تعزز قيمتها المعرفية. وقد ناقشت سابقا عددا من الروايات الضعيفة، لقوة حضورها كخبر: "الخلافة أو الإمامة في قريش". وحديث العشرة المبشرة بالجنة. (كتاب النص وسؤال الحقيقة). ولا تخفى الآثار الكبيرة المترتبة على حديث الغدير مهما كانت درجة الوثوق به. فيستحق النقد لهذا السبب بالذات، بغض النظر عن مدى صحة صدوره.

دلالات الغدير

رغم استحالة التجرد المطلق أو عدم التحيّز، لكنه ممكن، عندما يتحرر الباحث من سطوة قبلياته. ومقاربة قول الرسول في حديث الغدير: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". بموضوعية تمكنه من الكشف عما يؤكده أو يستبعده، وتقصي دلالاته، التي يرتهن بعضها لقرائن يصعب الإمساك بها دونها.

واضح أن النص بنفسه لم يصرّح بخلافة علي ابن أبي طالب، كأن يقول النبي مثلا: (جعلت عليا إماما أوخليفة عليكم من بعدي)، إلا إذا كانت كلمة (مولى) دالة آنذاك على الإمامة والخلافة عرفا، حدا لا يتبادر معنى آخر غيرها إلا بقرينة صارفة. وهذا يتطلب أدلة وشواهد على إرادة خصوص معنى الخلافة والإمامة من لفظ مولى، الذي هو مشترك لفظي بين أكثر من عشرة معانٍ. وبالتالي لا حجية للنص، وفقا لدلالاته الظاهرية، على إرادة تنصيب علي بن أبي طالب خليفة أو إماما للمسلمين، إلا تأويلا، فيتوقف على شواهده. ولا يمكن لأي باحث أن  يدعي أن الرواية نص صريح في تنصيب علي، ما لم يحسم بالمرتبة السابقة دلالة المولى.

لا شك أن جميع من استمعوا لخطبة الغدير من فم النبي مباشرة، قد فهموا دلالاتها، وفقا للحدث ومناسباته، رغم تعدد معنى "المولى"، مما يؤكد وجود قرائن حالية ومقالية، أو جو عام ومقدمات استدعت أحد المعاني دون غيره. وهذا ما نبحث عنه، فماذا فهم المتلقي لكلام الرسول يوم الغدير 18 ذو الحجة سنة 10 هجرية، من كلمة "مولى"؟. أما الرواية السنية فقد ربطت كلام الرسول بحادثة اليمن، فأراد الرسول التعريف بعلي، فقال من كنت مولاه فهذا علي مولاه، لتنصرف كلمة مولى لغير الخلافة والإمامة وتنصيب علي للخلافة والإمامة. غير أن الدلالة تختلف وفقا للرواية الشيعية التي اعتبرت خطبة الرسول وقوله من كنت مولاه فعلي مولاه، استجابة لآية التبليغ، سواء وقعت حادثة اليمن أو لم تقع. والرسول مكلف بالتبليغ، ولا مناص حينئذ بانصراف كلمة مولى لخصوص الخلافة والإمامة، وتنصيب علي. ولعل الإضافة في رواية الشيخ المفيد كانت لتدارك سؤال مقدر، هو ماذا فهم المتلقي من كلام النبي؟ فجاءت الزيادة قرينة على إرادة الولاية الدينية أو السياسية أو كليهما. فأراد الشيخ المفيد للزيادة في روايته أن تكون شاهدا لصرف المعنى بخصوص استخلاف علي، وأن هذا ما فهمه الحاضرون. فانظر بدقة لإسلوب السرد، كيف يمسرح الحدث، ليوحي بواقعيته. جاء في نهاية الرواية:

(ثم نزل صلى الله عليه وآله - وكان وقت الظهيرة - فصلى ركعتين، ثم زالت الشمس فأذن مؤذنه لصلاة الفرض فصلى بهم الظهر، وجلس صلى الله عليه وآله في خيمته، وأمر عليا أن يجلس في خيمة له بإزائه، ثم أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجا فوجا فيهنؤوه بالمقام، ويسلموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل الناس ذلك كلهم، ثم أمر أزواجه وجميع نساء المؤمنين معه أن يدخلن عليه، ويسلمن عليه بإمرة المؤمنين ففعلن).

وأضاف في نص منفصل: (أيها الناس، لا ألفينكم بعدي ترجعون كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فتلقوني في كتيبة كمجر السيل الجرار "ألا وإن علي بن أبي طالب أخي" ووصيي، يقاتل بعدي على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله... فكان عليه وآله السلام يقوم مجلسا بعد مجلس بمثل هذا الكلام ونحوه). وقبول هذه الزيادة يتطلب مقارنة بين النصوص، بعد الجزم بصحة صدورها، ومدى قدرة النص على مقاومة علامات الاستفهام.

آية التبليغ

يؤكد الاتجاه الشيعي أن سبب نزول آية التبليغ هو التبليغ باستخلاف علي بن أبي طالب بعد رسول الله، كما هو واضح في الرواية أعلاه. وهي دعوة  خطيرة جدا، لا تقف عند حد الاستخلاف، بل تؤسس للإمامة السياسية أو الدينية أو كلتيهما. وهذا يستدعي مقدمات كثيرة يخلو منها كتاب الله. ثم لما كانت آية التبليغ، كقول الرسول من كنت مولاه فهذا علي مولاه، غير صريحة في موردها، فتحتاج هي الأخرى إلى قرائن دالة على المطلوب، وليس سوى التأويل طريقا للتفسير!!. فينبغي لنا تحري دلالات الآية، للتأكد من دلالاتها على إرادة تنصيب علي، في جملة يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك، قبل حسم دلالات خطبة الغدير. وأول ما يسجل عليها، أنها أشبه بالتعريف بالأخفى، إذ نحن نعاني من تحديد معنى المولى في قول الرسول من كنت مولاه فعلي مولاه، فكيف نحيل القارئ على آية التبليغ التي لم تصرح بموضوعه لولا السياق، الذي لا علاقة له بالولاية؟. قضية الولاية قضية جوهرية، ويفترض أن الرسول يعلم بتداعياتها إذا لم يكن وحيا فتخمينا، وهذا يتطلب نصوصا صريحة جدا، باعتبارها قضايا عقائدية، تتوقف حجيتها على تمامية دلالة نصوصها، مثل "لا إله إلا الله"، ومثل "محمد رسول الله". وما لم تكن صريحة في موردها تخرج عن الحجية، وتلبث في دائرة الظن الذي لا يغني عن الحق شيئا. وقول الرسول في حديث الغدير من كنت مولاه فهذا علي مولاه، ليس بمستوى دلالة قوله تعالى: (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا، قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ). كما أن العقائد منصبوطة قرآنيا: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاغُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، بعيدا عن أية عقيدة غيرها.

قالوا أن آية: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) ، قد نزلت في ولاية علي في غدير خم، وبالفعل قام الرسول خطيبا في الناس وقال: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه)، كما هو في السرديات الشيعية. وهي كما ترى ليست بصدد بيان شأن الخلافة والوصاية، رغم أنها تشير الى أمر خطير، بل أن سياق الآية يختص بأهل الكتاب. والآية التالية فيصل في هذا الخلاف، لأنها تجيب بماذا يبلّغ: فقالت الآية التالية: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) . فوجود "قل" يصرف مصداق التبليغ عن أي موضوع آخر ما عدا موضوع هذه الآية. ولو كانت الآية التالية ساكتة ولم تحدد قولا معينا، فيمكن تأويل الآية، أما عندما قطعت الشك باليقين من خلال فعل الأمر "قل"، فحينئذٍ لا مجال للتأويل. كما في آيات "يسألونك"، حيث تذكر الآية التالية جواب السؤال، فهنا ايضا تقول الآية "بلغ"، فماذا يبلغ؟ أجابت الآية التالية بماذا يبلغ: قل يا أهل الكتاب.. ولا حاجة للجدل. الآية واضحة ضمن سياقها، وعندما نشك في وجود قرائن خارجية كروايات أخرى تفسّر المعنى، فنرجّح السياق قرينة للقطع بصدوره. اضافة لوجود إشكال آخر: من قال إن الآية نزلت قُبيل يوم الغدير لتكون أمرا بتنصيب الإمام علي وصيا بموجبها؟ هذا لا دليل عليه سوى روايات، لا ترث إلا الظن، والظن لا يغني عن الحق شيئا كما تقول الآية الكريمة. وخبر الثقة جعله الشارع حجة في روايات الاحكام  دون غيرها، إن سلمّنا بذلك.

ثمة مسألة مهمة، لو كان موضوع التبليغ هو ولاية علي بن أبي طالب وليس شيئا غيره، لكان المقصود بالخطاب خصوص المسلمين، وليس أهل الكتاب، والآية بدأت بأهل الكتاب.

كما أن الآية تتحدث عن أمر خطير، وتقول بلغ ما أنزل إليك من ربك وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ. ومقتضى الأمر الخطير الذي يعادل تبليغ الإسلام يتطلب تحديدا صريحا، ويسبقه أهتمام قرآني كبير. والقرآن لم يتطرق لموضوع السلطة والخلافة، فضلا عن النص على إمامة علي بن أبي طالب. فكيف تكون عدلا لتبلغ الإسلام والرسالة وهي أساسا مجهولة للناس؟. غير أن الكتاب حدد موضوع التبليغ حينما قال: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ). وإقامة التوراة والأنجيل وإقامة الصلاة ينسجم مع اهتمام القرآن الأول، وهو وجود الله وتوحيده، وقد حكم الكتاب على التوراة والأنجيل بالتحريف وهو يطالبهم الآن بإقامة التوراة والأنجيل اللذين نزلا على موسى وعيسى. فموضوع التبليغ ليس مجهولا كما يذهب بعضهم لذلك، والآية أجنبية عن موضوع الإمام علي. ثم أن قوله: والله يعصمك من الناس، أي الناس الذين يشكلون خطرا عليك وعلى الرسالة، وهم أهل الكتاب الذين شنوا مختلف الحروب كالمواجهة المسلحة والتواطؤ مع العدو والترجيف في المدينة والمكر وغير ذلك. (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا). ثمة حقيقة أخيرة، كل من استدل بالآية على أن المراد من التبليغ ولاية علي بن أبي طالب، لم يستطع الاستدلال بنفس الآية، أو بآيات أخرى من الكتاب، والجميع يلجأ للتراث والروايات، كقرينة على المطلوب، وهي كما ترى، أخبار آحاد، لا ترقى لدرجة العلم واليقين، وبالتالي فهي ليست حجة في موردها، خاصة بناء على المنهج المعتمد لمعرفة القيمة العلمية للروايات. ولو قلنا بحجية خبر الواحد، فنقتصر على القدر المتيقن. وموضوع الولاية عقائدي، حتى وإن ترتبت عليه أحكام شرعية فيما بعد.

إن منهج قطع الآية من سياقها وربطها بآية أخرى، رغم قوة دلالات السياق على كلتيهما، منهج متحيز، يربك دلالات النص. كما بالنسبة لآية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، التي قطعها الاتجاه الكلامي الشيعي من سياقها وربطها بآية: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)، ليستدلوا أن الآية الأولى جعلت الولاية للإمام علي حصرا، والآية التالية تحذير للرسول إنْ لم يبلغ هذا الأمر. والقضية برمتها تأويلية اعتمادا على روايات عن النبي، لا يمكن الجزم بصدورها. كما أن مناسبات نزول الآية لا تسمح بهذا التأويل الذي يضعف السياق القرآني. فما هو المبرر أن يضع آية في سياق، ثم يضع تكملتها في سياق آخر؟

أليس مقتضى وحدة الموضوع يتطلب إندراج كلا الآيتين في سياق واحد؟ خاصة وقضية عقدية مهمة وخطيرة، فتحتاج لبيانات قرآنية صريحة واضحة كالنبوة لتكون حجة على الجميع، وقد مر أن الاصطفاء شأن إلهي، يحتاج لدليل قرآني صريح، وهو مفقود هنا بالضرورة. فلا يمكن الارتكاز لآية التبلغ دليلا على إرادة تنصيب علي بن أبي طالب للخلافة في قول الرسول: من كنت مولاه فهذا علي مولاه.

وهذا يستدعي العودة إلى ذات النص للبحث عن قرائن جديدة، قد تعيننا على فهم دلالاته.

يأتي في الحلقة القادمة

 

..........................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

ماجد الغرباوي3خاص بالمثقف: الحلقة السادسة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق2) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

ما وراء النصوص

ماجد الغرباوي: بدءا أقول: إن حساسية قضية الإمامة، وخصوص حديث الغدير، لا يمنع نقده ومراجعته من خلال مناهج علمية حديثة وقراءة مختلفة للنص التاريخي. ومهما كانت نتائج البحث يبقى علي ابن أبي طالب بمؤهلاته الذاتية، رمزا دينيا كبيرا، وصحابيا جليلا، وإماما للهدى والمتقين، يشهد لذلك سيرته ومكانته لدى رسول الله والصحابة. وهذا يعني عدم توقف مؤهلاته وشرعيته للسلطة، سواء الدينية أو السياسية على دليل بعينه، بل أن مجموع أحاديث الفضائل، وشموله ببعض الآيات، وتكليفه بالمهمات الصعبة، يكفي دليلا على كفاءته، وعلو منزلته (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). ونحن هنا أمام بحث علمي، لتحري صدقية المفاهيم، وعدم تداخل البشري بالديني، لتفادي تزوير الوعي، ووضع حد لشرعنة قضايا تتوقف شرعيتها على مدى شرعية الإمامة والخلافة، دينيا لا بشريا، في المرتبة السابقة، كولاية الفقيه، والسلطة الشرعية بشكل عام، وما يترتب عليهما من صلاحيات واسعة، تصل حد الاستبداد والتفرد بالقرار، على حساب الفرد وحريته في تقرير مصيره.

كما أن مقاربة حديث الغدير سيجيب على أسئلة انبثقت لاحقا حول الإمامة بشكل عام، وإمامة علي خاصة: هل الإمامة شورى أم نص وتعيين؟ وهل إمامته سياسية أم دينية أم سياسية دينية؟ ومنشأ الأسئلة ملابسات هذا الحديث بالذات، ظرفا ودلالة. فثمة من يعتقد أن الإمامة نص وتعيين. وأن الرسول قد نص على إمامة علي بن أبي طالب، بنصوص خاصة، أو بنص حديث الغدير، وبالتالي فهو إمام منصوص عليه. في مقابل من ينكر ذلك، ويرى الخلافة شورى بين المسلمين، وينفي وجود نص صريح عليه. فهل ستنتهي إمامته بتنصيب أبي بكر خليفة للمسلمين؟ أم تستمر باعتبارها امتداداً لرسالة الرسول؟ وماذا عن شرعية خلافة الخلفاء؟

هدف البحث

تقدم، ثمة تعارض وتنافٍ بين شرعية الخلافة بمفهومها التاريخي، باعتبارها شأنا بشريا، وبين حديث الغدير الذي يؤسس لخلافة علي بن أبي طالب نصا وتعيينا. حيث أكدتُ خلال نقد مفهوم الخلافة ومدى صدقيتها أن (محمدا نبيا وليس ملكاً فيَخلف أحدا في ملكه. وصلاحياته صلاحيات ربانية ونبوية. وسلطاته سلطات سماوية محصورة به، لا يجعلها لغيره إلا بنص صريح واضح، كما بالنسبة لموسى وهارون، وهذا غير موجود إطلاقا. فعن أي خليفة رسول الله وصلاحياته يتحدثون؟). فالفهم  الجديد يسلب الخلافة مصدرها الإلهي. وبالتالي يسلبها قدسيتها، لتبقى مفهوما بشريا، تاريخيا، يُدرس ضمن سياقات صراع السلطة، التي دفعت إشكالية شرعيتها إلى التشبث بمفهوم "خليفة رسول الله" لقوة دلالاته وإيحاءاته، بانتسابه للإلهي والنبوي. وهو ليس كذلك (انظر كتاب النص وسؤال الحقيقة). ولما كان حديث الغدير وفقا للقراءة الشيعية يؤسس لخلافة الإمام علي، لذا وقع التعارض في نظر السائل الكريم. وعليه سيكون هدف البحث بيان الحد الفاصل بين المقدس والمدنّس. بين الإلهي والبشري، والكشف عن المتواري والمتستر عليه، ودور المفهوم في خلق حقيقته، وأثر الظروف السياسية في وجوده، لمنع تداخل المفاهيم، والحد من شرعنة الاستبداد، وبيان ما هو شأن إلهي يتطلب نصا قرآنيا صريحا، وما هو بشري يمارس تزوير الوعي. وذلك من خلال دراسة حديث الغدير، وبيان دلالته السياسية والدينية، للتأكد من صدقية أو عدم صدقية الشأن البشري للخلافة، ومدى تعارضه معه.

منهج البحث

سوف لا نكتفي بصحة صدور الحديث لاثبات حجيته وثبوت دلالاته، ولا نقف عند حدود القرائن البعيدة أو الحافة به، بل نتخطاهما بحثا وتنقيبا في إطار نظرة كلية لمفهوم الدين ودور الإنسان في الحياة، إضافة إلى تاريخية المصطلح، ومدى علاقته بجملة مفاهيم قرآنية وصلاحيات إلهية أو إلهية - نبوية، وفق منهجية علمية. ولا نستبعد صراع السلطة في فهم دلالات النص على مدى القرون الهجرية الأربعة الأولى. وبالتالي فالمنهج التاريخي يفرض نفسه في دراسة نصوص تعود إلى أكثر من 1400 عام، لتحري ملابسات النشأة والتأسيس. كما ينبغي دراسة ما وراء الحدث، وفق منهج تحليلي، مع تفكيك جميع يقينيات المنظومة العقدية التي يؤسس لها حديث الغدير ويرتكز عليها. ودراسة الدلالات اللغوية وفك الالتباس بين تعدد معاني كلمة (مولى)، التي هي مشترك لفظي بين أكثر من عشرة معانٍ، وتقصّي دلالتها في سياق النص واستعمالات مفردة مولى. وهذا يتطلب دراسة القرآئن الحافة بالنص، واستدعاء ما يساعد على تحديد المعنى المناسب لسياقه ضمن أسباب صدوره، على كلا الروايتين الشيعية والسنية اللتين اختلفتا في أسباب صدور الحديث، ودلالات الرواية. والاختلاف حول دلالة النص هو ذات الاختلاف بين الإلهي والبشري، والمقدس والمدنس الذي نروم الكشف عنه، ووضع حد لتوظيفه.

لقد دأبت الدراسات الدينية على تبنى أحد منهجين، إما الوثاقة أو الوثوق. الأول يعتبر صحة صدور الرواية إيذاناً بحجيتها، متى اكتملت شروطه، ثم تأتي مناقشة المتن لتحديد دلالالتها. أو كما يعبرون أصوليا أنّ وثاقة الراوي أُخذت بنحو الموضوعيّة، فمتى ما تحقق الموضوع ترتبت عليه الحجيّة. وهنا تارة يكون النص صريحا لا لبس فيه، أو يكون ظاهرا في إحدى معانيه أو مجملا. وبما أن أخبار الآحاد لا تفيد العلم والجزم كما هو الحال بالنسبة للخبر المتواتر، فقالوا بجعل الحجية له. فيكون الجعل هنا بمنزلة "متمم الكشف". وهي عملية التفاف لتدارك انسداد باب العلم والعلمي كما يصطلحون. بينما يقوم المنهج الثاني، منهج الوثوق بدراسة جميع ظروف النص بما في ذلك القرائن الحافة به أو البعيدة عنه. فقد يعتبرون رواية ما حجة رغم ضعف سندها. وبالعكس، قد تسقط الرواية عن الحجية رغم سلامة سندها وصحة صدورها، فثمة اعتبارات أخرى يرتكز لها هذا المنهج أو المبنى كما يعبرون، تتطلب جهودا وخبرة بالروايات والأسانيد وتاريخ الرجال، وأساليب الجرح والتعديل. فالنص وفقا له لا يخضع لسلطة السند وإكراهاته. فتارة يحاصر السند المجتهد عندما يكون صحيحا، فيضطر لاعتماد الرواية والبحث عن مبررات لمعالجة ما يطوف حولها من إشكالات. وهذا يعني أصوليا أنَّ وثاقة الراوي أُخذت بنحو الطريقيّة، وونها مجد وسلكن يبقى موضوع حجية الرواية هو الوثوق.

وهذا القدر بالنسبة لمنهجنا لا يكفي، ما لم نتوغل في عمق يقينيات النسق العقدي الذي انتج المعنى. وتحري ما وراء الفهم، بحثا عن يقينياته ومبادئه. وبالتالي نحتاج لمجموعة مناهج لقراءة وفهم حديث الغدير المثير للجدل منذ عشرة قرون، حيث تم استعادته والذب عن دلالالته، في سياق صراع الخلافة – الإمامة وتحشيد التأويل وروايات الفضائل والشواهد التاريخية لتأكيد أحقية إحداها. وسأطرح لاحقا مجموعة ملاحظات في ضوئها يمكن تحديد دلالته. وسوف لن تمس نتيجة البحث منزلة الإمام علي، الذي يتصف بمواصفات شخصية تفرض احترامه وجلالته، سواء كانت هناك روايات فضائل بحقه أم لا. وهذا خلاف المتعارف عندهم بأن مصدر قدسية الإمام علي مصدر رباني من خلال روايات الفضائل وأسباب نزول بعض الآيات، التي يحصرون مصداقها به. أو بعبارة أدق وفقا للبحوث السابقة، أن عليا مصطفى من قبل الله تعالى، فتشمله قدسية الاصطفاء.

من جانب آخر، توحي الدراسات والبحوث تاريخيا أن حديث الغدير هو حديث حول مصاديق مفاهيم مفروغ عنها، كموضوع السلطة في الإسلام، والخلافة، وليس الأمر كذلك كما سيأتي، فإن مسألة السلطة غير محسومة تماما، ومازالوا مختلفين، هل الدولة ضرورة دينية أم ضرورة اجتماعية؟ ولماذا لم يتحدث الكتاب الكريم عنها، وعن تفصيلاتها رغم خطورتها؟ ولماذا أحجم عن موضوع خلافة النبي؟ وأسئلة مرَّ ذكرها، وسنستعيد ما يقتضي البحث.

قضايا البحث

اتضح ثمة فقرتان في حديث الغدير يتعين تحري دلالتهما لحسم نسق من القضايا العقدية والسياسية، والعودة لفهم مختلف للدين ودور الإنسان في الحياة. ولا يخفى حجم ما يترتب على حديث الغدير من آثار عقدية وشرعية، على صعيد السلطة والفقه، وقبلهما ثوابت العقيدة. والفقرتان هما:

- حديث الموالاة: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه). التي استدل به الشيعة على خلافة الإمام علي بعد وفاة الرسول نصا وتعيينا.

- حديث الثقلين: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي / سنتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا). وهل أن توأم الكتاب سنة الرسول أم أهل بيته وعترته؟.

أولاً: حديث الغدير / الموالاة

وقع الخلاف بين الفِرق الإسلامية حول أسباب صدور حديث الغدير، ومعنى كلمة "مولى" الواردة فيه، وما هو قصد النبي في قوله: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"؟. هل المراد به السلطة والولاية أم أعم من ذلك؟ وهل كلامه نص على ولاية علي بن أبي طالب أم قصد أمرا أملته ظروف تاريخية؟ وغير ذلك. وسنبدأ بتسليط الضوء على الخلفية التاريخية للحديث، وفق روايتي السنة والشيعة، حيث اتفقتا على قول الرسول: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، واختلفتا في أسباب صدورها، ودلالتها. لا شك أن الخلفية التاريخ وأسباب صدور الحديث يمهدان لفهم الحديث، لكن لا يلزمان الباحث بها. وتبقىى حجيته مرتهنة لمجموعة قضايا، يتعين فهمها في إطار كلي، يأخذ بنظر الاعتبار فهم الدين ودور الإنسان في الحياة، وتحديد هدف الدعوة المحمدية وغاياتها. وهل أن الدولة ضرورة دينية أم ضروة اجتماعية؟. وهل اختيار المفضول على الفاضل يبطل شرعيته؟

قرائن الرواية السنية

صرّحت الرواية السنية أن قول الرسول: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، جاء إثر شكوى الصحابي "بُريدة"، الذي كان ضمن جيش طارق بن زياد في اليمن، ثم لما قام علي بن أبي طالب بفرز خُمس الغنائم (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ)، وساقها إلى مكة امتثالا لأوامر النبي، غضب "بُريدة" واشتكاه لرسول الله. وكان يعتقد أن تصرف علي تصرفا كيفيا، لا يمثل الإرادة النبوية، وقد أخذ أكثر من خمس الغنائم، وأخذ ما لا يستحقه. وبالتالي، فإساءة الظن بعلي كانت السبب أو السبب الرئيس وراء قول الرسول: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". بعيدا عن آية التبليغ وأسباب نزوله.

ويؤكد صلة الحديث بغنائم اليمن، رواية ثانية لبريدة، جاء فيها: (عن بريدة رضي الله عنهم، قال: «غزوت مع عليٍّ اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عليًّا فتنقَّصته، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغيَّر، فقال: «يا بريدة ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قلت: بلى يا رسول الله. قال: «من كنت مولاه فعَليٌّ مولاه»..).  رواه أحمد في المسند (22995)، والنسائي في خصائص علي رضي الله عنه (81)، والحاكم في المستدرك (4578).

وبالتالي، من السهل فهم دلالات الحديث في ضوء الرواية السنية، إذ كان النبي بصدد بيان مصداقية علي ومنزلته، وأنه كان يمثّل رسول الله في جباية الخمس، وأن ما أخذه من غنائم حرب اليمن حق الله ورسوله وأهل بيته، لذا جاء في معرض رد النبي على "بُريدة": (.. «يا بريدة أتبغض عليًّا؟ قال: نعم يا رسول الله، فقال: «لا تفعل فإن له في الخُمس أكثر من ذلك»...). ثم إرتآى الرسول بيان منزلة علي وعترته، فكانت خطبته في منطقة غديرخم. وكان دافعها تعميم خطابه.

ولهذا لم ير فقهاء السنة أية دلالة صريحة في "من كنت مولاه فعَليٌّ مولاه" على خلافة علي بعده. وهم يقصدون الخلافة السياسية في مقابل خلافة أبي بكر ومن جاء من بعده. لكن هذا لا ينفي دلالات أخرى في كلام الرسول، خاصة مع تعدد معاني كلمة (مولى)، مما يستدعي تحريه والكشف عن دلالته، وفقا لقرائن النص وظرف صدوره، وسيأتي تفصيل الكلام حول هذه النقطة، التي عليها تتوقف شرعية الخلفاء أو عدم شرعيتهم، ومن ثم مخالفتهم ومعصيتهم لقول الرسول. فالمسألة خطرة جدا دينيا، وتفجر صراعات مذهبية. وما علينا سوى قراءة النص بتجرد كامل، بعيدا عن أي إملاءات طائفية من أجل الحقيقة، وطي صفحة الماضي التي أثقلت صدورنا، ومازالت تؤجج فينا روح العصبية والكراهية، حتى ساد منطق العنف والتنابذ والتكفير.

قرائن الرواية الشيعية

أما الرواية الشيعية فقد أوعزت سبب صدور حديث الغدير، وسبب قول الرسول "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" إلى نزول آية التبليغ: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)، وأردف: (... وكان سبب نزوله في هذا المكان نزول القرآن عليه بنصبه أمير المؤمنين عليه السلام خليفة في الأمة من بعده). فالآية بصدد تنصيب علي خليفة على المسلمين. ورغم اعترافه، أنها نزلت في وقت سابق، لكن تأخر تبليغها ليس بدون سبب،  وإنما: (وقد كان تقدم الوحي إليه في ذلك من غير توقيت له فأخره لحضور وقت يأمن فيه الاختلاف منهم عليه، وعلم الله سبحانه أنه إن تجاوز غدير خم انفصل عنه كثير من الناس إلى بلادهم وأماكنهم وبواديهم، فأراد الله تعالى أن يجمعهم لسماع النص على أمير المؤمنين عليه السلام تأكيدا للحجة عليهم فيه. فأنزل جلت عظمته عليه: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك" يعني في استخلاف علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام والنص بالإمامة عليه "وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس") فأكد به الفرض عليه بذلك، وخوفه من تأخير الأمر فيه، وضمن له العصمة ومنع الناس منه).

لقد كرّس الشيخ المفيد كلامه لتأسيس مبدأ النص في مقابل الشورى. دون الإشارة إلى تفصيلات غزوة اليمن وإساءة "بُريدة"، الظن بعلي بن أبي طالب. وأكد أن سبب تنصيب علي للخلافة، امتثالا لآية التبليغ. فتكون الآية علة لقوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه"، وليست حادث اليمن كما تذهب لذلك الرواية السنية.

كما ثمة اختلاف دلالي بين الفريقين حول قول الرسول لعلي يوم غدير خم، بعد أن رفع يده: "من كنت مولاه فعلي مولاه". فهي عند الشيعة نص على ولاية علي، ولازمه بطلان وغصبية خلافة الخلفاء الثلاثة.

كانت هذه المقدمة ضرورية لفهم خلفيات الحديث وما رافقه من أحداث، تكشف عن أسباب صدوره، ومن ثم تساعد على تقصي دلالات كلام النبي. وقد اتضح أن كلا الرأيين قد قارب النص من وحي خلفياته العقدية والمذهبية، مما يكرّس التباسه، وتوظيفه لشرعنة بعض السياسات. وعليه سنتناول الحديث بمنهج مختلف، وتجرد كامل، فنحن بصدد بحث علمي، وإجابة تساعد على فتح آفاق جديدة للحوار بعيدا عن الماضي وتبعاته الثقيلة.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباوي2خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق1) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

بيئة صدور الحديث

س135: جابر علي مرهون: ملبورن – أستراليا: الأخ الأستاذ ماجد الغرباوي.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: لقد ورد في الحلقة (٥٩) من الحوار المفتوح، فهماً جديدا لمفهوم الخلافه السائد في أوساطنا. والمفاهيم الواردة فيه تهد كل ما توارثناه من عقائد تم التسليم بها من غير تمحيص. واليوم نُفاجأ بفكر الأستاذ ماجد الغرباوي وهو يهدم تلك الأصرحه التي كنّا نتصور أنها بنيت على قواعد رصينه..! ورغم رصانة ما تم طرحه في المقال، إلا أنه تبادر إلى ذهني كيف نفهم، في ظل هذا المفهوم الجديد، حديث الغدير الذي ينص صريحا، أو بشكل ضمني على خلافة علي بن أبي طالب؟. علما أن حديث الغدير ورد بأكثر من خمسة وعشرين طريقا، وبعشرات الأحاديث. أي لا سبيل لإنكاره..! هذا بالاضافة الى الآيه القرآنيه التي يستدل بها الشيعه على الإمامه السياسية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) حيث يجعلون ثقل الرساله قبال تبليغ الخلافه وقد تجد دلائل من نفس الآيه على هذا الادعاء من حيث إن الآية نزلت في آواخر التبليغ وإن هذا الأمر كان على جانب من الأهمية ليكون عدلا للرساله..!

والسؤال ثانية: كيف نفهم حديث الغدير في ظل ما طرحته من فهم عن الخلافة؟

ج135: ماجد الغرباوي: الأخ الأساذ الكريم جابر علي مرهون، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته شكرا لأسئلتك المحرّضة على النقد والمراجعة في قضايا طالما أرّقت الوعي، من أجل رؤية مغايرة لفهم مفردات بعض العقائد السائدة، وهو فهم تراثي، أملته رؤى أيديولوجية وسياسية. كما أشكر ثناءك وتنويهك، اتمنى مواصلة الحوار، وتحري الأسئلة الإشكالية بالفكر الديني، وهذا أحدها، الذي أثار علامات استفهام حول مدى شرعية خلافة الخلفاء، ومن ثم دلالات حديث الغدير، والإمامة، بشقيها السياسي والديني. وبما أن السؤال متشعب نسعى التدرج في الإجابة. وبما أنه مستوحى من موضوع الخلافة، ودور المفهوم في خلق حقيقتها وشرعيتها، فلا بد من الإشارة إلى فقرتين من الحلقة (59) التي أشار لها السؤال، والتي كانت بعنوان: (النص ومراوغات مفهوم الخليفة)، لنضع القارئ الكريم في سياقها، ليمكنه متابعة البحث:

- (ثمة مسافة تكتظ بتزوير الحقائق بين الخطاب الرسمي والواقع. والبون بينهما شاسع، ينبغي استعادته ونقده. فرغم مبايعة المسلمين للخلفاء الراشدين، غير أنها بيعة مخادعة حينما فرضت مرشحا واحدا، شأنها شأن الأنظمة الشمولية المستبدة بالسلطة فتقصي خصومها وهي تمارس العملية الديمقراطية أو البيعة عند المسلمين. فالبيعة مع الإقصاء لا تستوفي شرعية الخليفة. والأنصار قد رشحوا للخلافة وأقصتهم رواية الخلفاء من قريش، ولباقة عمر بن الخطاب حينما أدار لعبة السياسة وفق منطق براغماتي، حيث وصف أبا بكر بخليفة رسول الله، وقال لا أخالف خليفة رسول الله في اليوم مرتين، فأوحى للسامع، أن خلافته أمر مفروغ عنه مسبقا، سواء قصد ذلك، أم اقتضاها منطق الصراع حول السلطة. فالحقيقة لم ينافس أبا بكر أحدٌ، رغم وجود منافس معترف به هو سعد بن عبادة، إضافة لعلي بن أبي طالب حينما سمع بالبيعة).

- (خلاصة ما تقدم أن المفهوم بذاته كان وراء حقيقته، وفرض سلطته، ومحدداته، ولا يوجد خارج المفهوم ما يؤكد حقيقته. بل وحفّز على تأويل النصوص لصالحه. فالمفهوم يكرّس السلطة، ويتحكم بدائرتها. فيكفي أنك تشير أن هذا الرجل خليفة، لتتعامل معه بذات صلاحيات الأصل. فالمفهوم هو الذي خلق حقيقته عندما أُطلق على الخليفة الأول. لكنه سكت عن شرعيته!!!. فراح يمرر سلطات الأصيل بكامل شرعيتها. فنحن نسعى إلى اكتشاف ذات المسكوت عنه في مفهوم "خليفة" ومصطلح "خليفة رسول الله"، وطريقة أدائه ومكره ومراوغاته، لنعيد من خلال اللامفكر فيه وعينا للتاريخ والأحداث. عبر السؤال عن شرعية الخلافة بنص صريح واضح كي يصدق أنهم خلفاء لرسول الله. وبكلمة أوضح لو أُطلق على أبي بكر مصطلح سياسي آخر، لتبادرت إلى ذهن السامع دلالات الوضع اللغوي، أي الزعامة القبلية والسياسية. كما لو قيل: الزعيم أبو بكر بن قحافة. فحينئذٍ لا يتبادر من مفهوم الزعيم سوى دلالات قبَلية، مجردة عن عن أية دلالة دينية. غير أن مفهوم "خليفة" لعب لعبته التاريخية، فهو غني بدلالاته، ورمزيته، وإحالاته، على صاحب الحق والسلطات الذي هو خليفته، أي النبي. وهو المتبادر عند السامع حداً لا يسأل عن مدى شرعيته. وبالتالي فالمفهوم كان وراء شرعية سلطة الخليفة).

وأما الفقرة التي حرّضت على السؤال في ضوء حديث الغدير وموضوع الخلافة وفقا للنظرية الشيعية، فهي:

- (محمد نبي وليس ملكاً فيخلف أحدا في ملكه. وصلاحياته صلاحيات ربانية ونبوية. وسلطاته سلطات سماوية محصورة به، لا يجعلها لغيره إلا بنص صريح واضح، كما بالنسبة لموسى وهارون، وهذا غير موجود إطلاقا. فمصدر هذه السلطة هو الله وقد جعلها للأنبياء خاصة. فعن أي خليفة رسول الله وصلاحياته يتحدثون؟ وكيف أسدلوا بهذا المصطلح الستار على حجم الدماء التي سفكت بسببهم وبقدسية مفهوم الخليفة ومراوغاته. نحن بحاجة لوعي يمزق شرانق القداسة ويفضح سلطوية الخلفاء، واستبدادهم السياسي، فلم يكن تاريخ المسلمين تاريخا مثاليا أبدا، ولم تكن السلطة دينية مطلقا، إنما هي لعبة السياسة، تنافس عليها الفرقاء. فلهم تاريخهم ولنا تاريخنا. فكيف يكون عصر الخلفاء راشدا ومقياسا لمثالية السلطة وشرعيتها مع كل هذه المؤاخذات؟).

إن التعميم الوارد في الفقرة الأخيرة، هو الذي فرض السؤال الاحتجاجي، باعتبار أن حديث الغدير نصا تأسيسا للإمامة، بأية مفهوم كان. ومصدرا لشرعيتها. فإذا كانت الشورى مصدرا لخلافة الخلفاء وفقا للنظرية السنية فإن النص هو مصدر شرعية الإمامة وفقا للنظرية الشيعية. فكيف يمكن المواءمة بين الحديث وما جاء في الفقرة أعلاه؟ وهو سؤال مشروع. يستدعي تحري أبعاده وتاريخيته، لنقف على مدى انسجامها أو عدم انسجامه مع مفهوم الخلافة الذي تبنينا طرحه في حلقة سابقة، كي نتجاوزه إلى الأبد من خلال منهج نقدي مغاير، لا يكتفي بصحة الصدور، وإنما ندرسه وفق رؤية كلية لدور الدين في الحياة ومركزية الإنسان وفقا لمنطق الخلافة، لأن الاكتفاء بصحة صدور الحديث ينتمي لنظرية العبودية التي تمت مناقشتها ورفضها، واعتماد نظرية الخلافة أي خلافة الإنسان في الحياة، وقد مرَّ تفصيل كل هذا. وبهذا الصدد ينبغي أولا استعراض نماذج من نصوص حديث الغدير:

حديث الغدير

جاء في خطبة الرسول، يوم 18 ذي الحجة سنة 10 هجرية، في منطقة الغدير، بعد عودته من حج بيت الله الحرام: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه).

وقد وقع الخلاف بين الفِرق الإسلامية حول معنى "المولى" ودلالة كلام النبي؟ هل المراد به السلطة والولاية أم أعم من ذلك؟ وهل كلامه نص على ولاية علي بن أبي طالب أم قصد الرسول أمرا آخر أملته ظروف تاريخية في حينه؟ وأسئلة كثيرة سيأتي بيانها.

وقال أيضا: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي / سنتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا). عترتي كما في المصادر الشيعية، وسنتي، وردت في بعض المصادر السنية. والفقرة تشرّع لحجية إما مطلق سنة الرسول وفقا للرأي السني أو خصوص سنة أهل البيت وفقا للرأي الشيعي. فما هو توأم الكتاب الكريم، هل مطلق السنة النبوية أم خصوص ما يرد عن أهل البيت؟. ولا يخفي حجم  الآثار المترتبة على كلا الفقرتين، أما الأولى لو ثبتت، ودلت على خلافة علي حصرا، فإنها تسلب مشروعية خلافة من سبقه من الخلفاء، بل ويحكم بغصبيتها وعدم شرعيتها. وأما الثانية، فإن دائرة حجة السنة ستختلف، بل وتضر بصدقية الثانية. وحينئذٍ كيف تصحح عبادات الناس وأحكام القضاء في حالات الاختلاف؟.

ولكي نحيط بالحديث وظروف صدوره، وما يعضده من أدلة ومواقف، نستدعي الصيغة التفصيلية له من المصادر الشيعية والسنية، لتسليط الضوء على خلفياته التاريخية، وما الذي دعا الرسول لذلك، هل وجود أمر إلهي ونزول آية قرآنية في المقام، كما يؤكد الشيعة، أم سببه حادث تاريخي، كما جاء في الرواية السنية؟

أولا: جاء في كتاب الإرشاد للشيخ المفيد، زعيم الطائفة الشيعية، المتوفي سنة (413 هـ) ج1، ص174:

[.. ولما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله نسكه أشرك عليا عليه السلام في هديه، وقفل إلى المدينة وهو معه والمسلمون، حتى انتهى إلى الموضع المعروف بغدير خم، وليس بموضع إذ ذاك للنزول لعدم الماء فيه والمرعى، فنزل صلى الله عليه وآله في الموضع ونزل المسلمون معه. وكان سبب نزوله في هذا المكان نزول القرآن عليه بنصبه أمير المؤمنين عليه السلام خليفة في الأمة من بعده، وقد كان تقدم الوحي إليه في ذلك من غير توقيت له فأخره لحضور وقت يأمن فيه الاختلاف منهم عليه، وعلم الله سبحانه أنه إن تجاوز غدير خم انفصل عنه كثير من الناس إلى بلادهم وأماكنهم وبواديهم، فأراد الله تعالى أن يجمعهم لسماع النص على أمير المؤمنين عليه السلام تأكيدا للحجة عليهم فيه. فأنزل جلت عظمته عليه: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) يعني في استخلاف علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام والنص بالإمامة عليه (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) فأكد به الفرض عليه بذلك، وخوفه من تأخير الأمر فيه، وضمن له العصمة ومنع الناس منه.

فنزل رسول الله صلى عليه وآله المكان الذي ذكرناه، لما وصفناه من الأمر له بذلك وشرحناه، ونزل المسلمون حوله، وكان يوما قائظا شديد الحر، فأمر عليه السلام بدوحات هناك فقم ما تحتها، وأمر بجمع الرحال في ذلك المكان، ووضع بعضها على بعض، ثم أمر مناديه فنادى في الناس بالصلاة. فاجتمعوا من رحالهم إليه، وإن أكثرهم ليلف رداءه على قدميه من شدة الرمضاء. فلما اجتمعوا صعد عليه وآله السلام على تلك الرحال حتى صار في ذروتها، ودعا أمير المؤمنين عليه السلام فرقى معه حتى قام عن يمينه،

ثم خطب للناس فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ فأبلغ في الموعظة، ونعى إلى الأمة نفسه، فقال عليه وآله السلام: (إني قد دعيت ويوشك أن أجيب، وقد حان مني خفوف من بين أظهركم، وإني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).

ثم نادى بأعلى صوته: (ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟) فقالوا:

اللهم بلى، فقال لهم على النسق، وقد أخذ بضبعي أمير المؤمنين عليه السلام فرفعهما حتى رئي بياض إبطيهما وقال: (فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله).

ثم نزل صلى الله عليه وآله - وكان وقت الظهيرة - فصلى ركعتين، ثم زالت الشمس فأذن مؤذنه لصلاة الفرض فصلى بهم الظهر، وجلس صلى الله عليه وآله في خيمته، وأمر عليا أن يجلس في خيمة له بإزائه، ثم أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجا فوجا فيهنؤوه بالمقام، ويسلموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل الناس ذلك كلهم، ثم أمر أزواجه وجميع نساء المؤمنين معه أن يدخلن عليه، ويسلمن عليه بإمرة المؤمنين ففعلن.

فصل: ثم كان مما أكد له الفضل وتخصصه منه بجليل رتبته، ما تلا حجة الوداع من الأمور المتجددة لرسول الله صلى الله عليه وآله والأحداث التي اتفقت (بقضاء الله وقدره).

وذلك أنه عليه وآله السلام تحقق من دنو أجله ما كان (قدم الذكر) به لأمته، فجعل عليه السلام يقوم مقاما بعد مقام في المسلمين يحذرهم من الفتنة بعده والخلاف عليه، ويؤكد وصاتهم بالتمسك بسنته والاجتماع عليها والوفاق، ويحثهم على الاقتداء بعترته والطاعة لهم والنصرة والحراسة، والاعتصام بهم في الدين، ويزجرهم عن الخلاف والارتداد. فكان فيما ذكره من ذلك عليه وآله السلام ما جاءت به الرواة على اتفاق واجتماع من قوله عليه السلام:

(أيها الناس، إني فرطكم وأنتم واردون علي الحوض، ألا وإني سائلكم عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يلقياني، وسألت ربي ذلك فأعطانيه، ألا وإني قد تركتهما فيكم: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فلا تسبقوهم فتفرقوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم.

أيها الناس، لا ألفينكم بعدي ترجعون كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فتلقوني في كتيبة كمجر السيل الجرار (ألا وإن علي بن أبي طالب أخي) ووصيي، يقاتل بعدي على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله).

فكان عليه وآله السلام يقوم مجلسا بعد مجلس بمثل هذا الكلام ونحوه.] انتهى

ثانيا: ورد في بعض المصادر السنية:

(أن النبي صلى الله عليه وسلم قبْل حجة الوداع أرسل خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمن في قتال انتصر خالد في جهاده، وغنم غنائم، فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك، ويطلب إرسال من يُخمِّس تلك الغنائم، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه لتلك المهمة، ثم أمره أن يدركه في الحج، وقسّم رضي الله عنه تلك الغنائم كما أمر الله: أربعةَ أخماس للمجاهدين، وخُمسًا لله والرسول وذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. فأخذ عليٌّ خُمس ذوي القربى -وهو سيد ذوي القربى- للنبي صلى الله عليه وسلم، فغضب بعض الصحابة كبُريدة بن الحصيب رضي الله عنه، فاشتكى بُريدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقصَّ عليه ما فعل عليٌّ، فلم يَردّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وكرَّر بريدة الشكوى وما حصل من عليٍّ، فلما كانت الثالثة قال: يا رسول الله، عليٌّ فعل كذا وكذا، فقال النبي: «يا بريدة أتبغض عليًّا؟ قال: نعم يا رسول الله، فقال: «لا تفعل فإن له في الخُمس أكثر من ذلك». يقول بريدة رضي الله عنه: فأحببته بعد ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تبغضه). والمهم في هذه القصة الخلفية التاريخية لحديث الغدير، وسبب قول النبي فيه "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، فقد روي:

-  (عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فينا خطيبًا، بماء يدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به». فحَثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي»..). (رواه مسلم في صحيحه (2408)، وأحمد في مسنده (19285)...).

- وعنه أيضًا رضي الله عنه قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خُمٍّ، أمر بدوحات([5]) فقُمِمْن، فقال: «كأني قد دُعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى، وعِتْرتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يَرِدا عليَّ الحوض». ثم قال: «إن الله عز وجل مولاي، وأنا مولى كل مؤمن». ثم أخذ بيد عليٍّ رضي الله عنه فقال: «من كنت مولاه فهذا وليّه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه»..) (ورد في عدد من المصادر كالنسائي والحاكم غيرهما).

 - (إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ). (رواه: مالك في "الموطأ" (3338)...)، إضافة الى عدد من المصادر الاخرى.

ثالثا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا مَا عَاشَ نِصْفَ مَا عَاشَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ). (أخرجه الحاكم في "المستدرك" (6272)..).

صحة الصدور وحجية الخبر

إذاً هناك عدة صيغ ورد فيها حديث الغدير، اتفقت حول الفقرة الأولى في الحديث، وهي التمسك بكتاب الله، وهو القدر المشترك بينها. واختلفوا في الفقرة الثانية. كما ثمة اختلاف حول خلفية الرواية، وأسباب صدور الحديث. أرجعها السنة لواقعة تاريخية، إضطر معها الرسول إلى بيان فضيلة علي ومنزلته. والشيعة يوعزون السبب إلى نزول آية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). فخطبة الرسول حينئذٍ تبليغ لأمر إلهي بولاية علي بن أبي طالب بعد وفاة النبي.

أما بالنسبة لصدور الحديث، فسنبني على صحته، مع كثرة الطرق وتعددها. كما ليس السند حاسما دائما وفقا لما أتبناه حول حجية الخبر: الحديث عندي إما أن يكون قطعي الصدور أو يكون محتملا، مهما كانت نسبة الاحتمال. والثاني مرتهن لقوة حضوره، فيدرس من هذه الزاوية، ومدى تأثيره على الواقع. وليس كحديث الغدير اختلف حول دلالته المسلمون، ولعب دورا خطيرا في انقسامهم. وبالتالي سوف نهمل مناقشة الأسانيد ونبني على صحة صدوره، لوجود توافق عليه رغم اختلافهم حول مضامينه وسبب صدوره.

وأما بالنسبة لدلالته وحجيته، وهي القضية الأساس في هذا البحث؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباوي1خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق4) من أسئلة الأستاذ الباحث فاضل الشمري:

 

جدوى الطقوس

س110: فاضل الشمري: كنا نذهب لزيارة الحسين مشيا حبا، وتجديدا للعهد بمبادئه. واليوم يقصده أغلب الناس لقضاء حوائجهم بدلا من الله تعالى!!.. وبعض يشارك في مسيرة زيارة الأربعين في العشرين من شهر صفر في كل عام لتكون شوكة في عيون الأعداء!!!. وهذا خطأ يشيع ثقافة الدم والسيف، فنادرا من يقصد الزيارة لتعريف الناس بعظمة الحسين. فهذه المسيرة الجماهيرية العارمة - التي استغلها تجار الدين - سطّحت الثورة وافرغتها من محتواها وشجعت الآخرين على استغلالها، وحولت قضية الحسين إلى مجرد دمعة تسقط من عين الزائر من أجل غفران الذنوب. وحتى السياسي الشيعي راح يتستر على سرقاته من خلال زيارته للإمام الحسين. إن المشي لزيارة الحسين في رأيي أشاع ثقافة السيف والدم دون الثقافات الأخرى التي كان يلتزم بها الأئمة الآخرون، وأصبح  الإسراف والتبذير قيمة اجتماعية وليست دينية، لذا يتنافس عليه أصحاب الموكب. شخصيا، لا أرى داعيا لهذا التهويل والاهتمام المبالغ فيه كثيرا في قضية السير مشيا الى حرم سيد الشهداء في موسم زيارة الأربعين السنوية.

والسؤال: ما معنى هذه الزيارة في نظرك؟ وهل تشجعون عليها؟ وما هي أسباب نشوئها، وكيف تطورت؟

ج110: ماجد الغرباوي: ترتبط ظاهرة المسيرات الراجلة لزيارة الأضرحة المقدسة في العراق بشكل عام ومدينة كربلاء بشكل خاص، بعوامل تاريخية وأخرى سياسية ودينية أو مذهبية ونفسية تخص الطائفة الشيعية والظروف التي أحاطت بها طوال مسيرتها السياسية. فالمسير مشيا لم يأت من فراغ تماما، بل له بدايات راحت تكتسب شرعية دينية بشكل تدريجي من خلال وجود روايات عن بعض الأئمة، وتشجيعهم على زيارة الإمام الحسين، غالبا ما يكون الهدف منها تحديا سياسيا وتأكيدا للهوية الشيعية. لكن فيما بعد أصبحت ذات الزيارة هدفا بحد ذاته. أو بالتعبير الفقيه أن تمام الملاك في أداء الزيارة، ترتب أم لم يترتب عليها أثر فعلي.

التشيع بشكل عام بدأ كما هو معروف تاريخيا موقفا سياسيا من الخلافة، ثم تم تسوية الخلافات بين طرفي النزاع، وتصالح الطرفان أبو بكر وعلي، وسارت الأمور بشكل سلس بدون أي معارضة سياسية، باستثناء ما حصل في زمن الخليفة الثالث، وثورة أهل المدينة التي أودت بحياته. لكن الحروب الداخلية في زمان الإمام علي استعادت الخلاف الأول، والتنظير له في ظل اضطهاد أموي مقيت للشيعة وأتباع علي وأهل بيته بشكل خاص كقضية محورية، ثم جاء استشهاد الإمام الحسين بن علي على يدي الجيش الأموي ليتحول إلى قضية كبرى، ثم تحول الى رمز كبير راح يلوذ به الثوار والمضطهدون الشيعة. وبالفعل حصلت انتفاضات وثورات شيعية متعددة بعد استشهاده هو وأهل بيته وأصحابه في عاشوراء، ثأرا للإمام الحسين، رفع جميعها شعار يا لثارات الحسين. فغدا الحسين رمزا ملهما للمعارضة الشيعية، منه يستمد الثوار روح الثورة والتضحية لاستعادة مكانتهم التي تعاقب الخلفاء على إقصائهم. فزيارة قبره في مناسبات محددة يعد تجديدا للعهد والبيعة لمواصلة طريق الحسين. وبما أن المشي على الأقدام كان أحد وسائل تنقل الناس، لهذا صار محببا للزائر باعتباره أشق أنواع المواصلات. وإذا أضيف لها أستحباب زيارة الحسين على رأي الفقه الشيعي، فإن المشي يحقق أكبر عدد من الحسنات. ثم راحت تتطور أساليب الزيارة تبعا لتطور طقوس عاشوراء، ومنها المسيرات الراجلة، التي اختلط فيها الديني بالسياسي بالطائفي. فتعددت أهداف الزائرين بين من يريد تأكيد الهوية الشيعية، وآخر طلبا للثواب، وثالثا تحديا للسلطة، ورابعا غيظا لخصومه من المذاهب الأخرى.

كانت المسيرات محدودة في العراق قبل سقوط نظام صدام حسين، ثم انحسرت وتلاشت تحت مطرقة قوى الأمن التي حرمت الشيعة من أبسط حقوقهم في التعبير عن هويتهم من خلال طقوس عاشوراء، حتى تصدى النظام للمشاة عام 1977م في منطقة خان النص في الطريق بين مدينتي النجف وكربلاء، وطوق المسيرة الراجلة بالدبابات. وأحداثها معروفة لمن عاصر تلك الفترة. وبعد سقوط النظام عاش الشيعة تحديات من نوع آخر كانت وراء تطور المسيرات الشعبية خلال المناسبات الدينية بقصد زيارة أئمة أهل البيت:

 - داعش الذي يفتي بتكفير الشيعة، حتى استباح دمهم خاصة، فشكل خطرا حقيقيا عليهم عندما احتل الأراضي العراقية.

- اضطراب الوضع الأمني والسياسي.

- شعور عميق بالذنب لدى فئات واسعة من الشعب، عندما انخرطوا في حروب صدام وناصروه، فيبغون أقصر الطرق للتكفير عن ذنوبهم. وليس كالطقوس التي تصفها الروايات بمواصفات تسمو على غيرها من الأعمال الصالحة.

- فقدان الأمن والخدمات، وضياع مستقبل البلد.

- الجهل والأمية بسبب حروب الطاغية السفاح التي أهلكت الحرث والنسل.

- رجال الدين وأهدافهم الطائفية والآيدولوجية.

- سذاجة الوعي.

- العقل الجمعي الذي يغذيه الخطاب الديني وحشد الروايات التراثية، والمصالح الشخصية والطائفية.

كل هذه العوامل وغيرها دعت الشيعة للتشبث أكثر بهويتهم المذهبية والطائفية، فوجدوا في المسيرات الراجلة أسلوبا متجددا لتأكيدهما، واستعراض للقوة، يستبطن التحدي الطائفي، ويتعالى على الآخر، الخصم السياسي والمذهبي العتيد.

نعود للسؤال: بلا شك خرجت المسيرات عن حدودها الطبيعية للتحول إلى عبء سياسي وأمني واقتصادي، تسبب في شل حركة الدولة والمجتمع عددا من الأيام في كل موسم ومناسبة، وربما ستتطور أكثر وتستغرق أسابيع إذا تمادى العقل الطائفي في تطوير طقوسها، مع هشاشة الوعي الجمعي وتصاعد الأزمات السياسية. ودخول الإيرانيين على الخط، الذين راحوا يتدفقون بأعداد بلغت مليونين أو يزيد.

لكن كيف يمكن معالجة هذه الحالة مع وجود رجل دين يجد فيها مصالحه الشخصية والطائفية؟ وكيف يمكن معالجتها ورجل السياسة يضع ثقله فيها من أجل كسب ود الجماهير لصالح انتخابه وانتخاب حزبه. بالتالي هناك من يستغل جموع الشيعة ويسوقهم باتجاه أهدافه ومصالحه.

لا يمكن التخلص من كثير من الطقوس الدينية ما لم يتم تفكيكها من خلال نقدها، ونقد الأسس التي قامت عليها، وبيان مدى شرعيتها، وعدم تقاطعها مع مبادئ الدين الحنيف. بالتزامن مع حملات توعية نوعية تعيد للعقل الجمعي وعيه، كي يكف عن الانسياق اللامعقول وراء طقوس لا يعي حقيقتها ومدى شرعيتها. ودليلي على هذا تناسل الطقوس الحسينية بشكل غريب، حتى أصبحت دينا لا يمكن نقدها أو التحرش بها.

ليس هناك ما يبرر هذا السلوك شرعا، ولا تدخل ممارسة الطقوس بما فيها المسيرات الراجلة تحت أي عنوان عام يشمله العمل الصالح.  

أي عمل صالح في أن تترك عملك وتؤثر سلبا على حركة الحياة العامة، بما فيها الدوائر الحكومية من أجل زيارة الحسين؟

ومن المسؤول عن الإسراف الهائل في أموال المسلمين لتهيئة ولائم وموائد على طول الطرقات الممتدة إلى كربلاء؟

ولماذا لا تستغل تلك الأموال لتحقيق أهداف الإمام الحسين الذي أعلن صريحا خلال ثورته أنه خرج لطلب الإصلاح.

 فأيهما أنفع ويحقق الهدف الحسيني في الإصلاح الاسراف اللامعقول بل والتبذير المحرم أم بناء مدارس ومستشفيات ودور سكنية وملاجئ للمسلمين عامة والشيعة خاصة؟ هل يرضى الحسين أن يشاهد فقراء الناس وقد سلخ الحر والبرد جلودهم بينما تهدر الأموال على طقوس وممارسات تفتقر للشرعية الدينية.

وأما عن التجارة مع الإمام الحسين من أجل قضاء حوائج الزائرين فهي ثقافة دأب رجال الدين على تعميقها حتى تحولت الى عقدية راسخة. فلا تلم الناس البسطاء في هذا المجال، فهم لا يدركون حقائق الأمور ولم يقرأ قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ). وقد ثقفهم خطاب المنبر الحسين على استلهام الروايات بعيدا عن الكتاب ما لم تنسج تأويلات الآيات مع اتجاهاتهم الطائفية. أما عن حقيقة هذا الأمر ومدى صدقيته فقد فصلت الكلام فيه في كتاب مدارات عقائدية ساخنة.

 

س111: فاضل الشمري: ألا تعتقد ان المشي لزيارة الحسين يساهم في تعميق ثقافة العنف والسيف والدم والكراهية والحقد على الآخرين؟

ج111: ماجد الغرباوي: لا شك أن هذه المسيرات تتغذى على مشاعر الناس، فتؤلب ضد الآخر، ذلك العدو المفترض الذي لا يكف الطائفيون عن افتراضه لتبرير أحقادهم وحنقهم، كي تعيش حالة من التوثب يستغلها رجل الدين لتحقيق أهدافه ومصالحه. وتمنحه ثقة ولو كاذبة بأنه على حق والآخر على باطل، فيستوحي من هذا الحق مختلف الحقوق، كحق السلطة دون غيره، صحة مذهبه وعباداته، دون المذاهب الأخرى، وهكذا الى جميع مفاصل الحياة والنشاطات الدينية وغير الدينية، فتتسع الهوة بدلا من الأخوة الدينية، وتترسخ بفتاوى الفقهاء، ممن لا يخشون الله تعالى واليوم الآخر.

لا أفهم ما هو الداعي لكل هذه الطقوس والمسيرات، هل لإحياء أهداف الثورة؟ فلماذا لا يصلحون دينهم ودنياهم ويطورون حياتهم أسوة بالشعوب المتحضرة بدلا من هذا الهيجان اللامعقول؟

أم يريديون الثأر والانتقام من قتلة الحسين؟ وأين هم قتلة الحسين؟ ألم يُقتلوا وقد انتهى الأمر. وتلك أمة خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، فلماذا يفترضون عدوا وهميا لتبرير سلوكهم؟

هنا مكمن الخطر النفسي والسياسي الذي يقوض الأمن والسلم المجتمعي، من خلال منطق لا ديني ولا أخلاقي محرض.

ثم المسيرات بهذه الطريق تستغل من قبل أعداء البلد، فتحرض ضد الحكومة، وعمق شكوك الناس بها. كما أن التحركات العشوائية تقوض النظام والقانون، سواء على صعيد الأمن أم على صعيد النقل، وحركة الناس في الطرقات العامة.

 

س112: فاضل الشمري: إن هذه المسيرة الجماهيرية العارمة التي استغلها تجار الدين أدت الى تسطيح الثورة وافراغها من محتواها، فهل يمكن أن تلعب دورا إيجابيا بعد كل ما تعرضت له من تشويه وتحريف؟

ج112: ماجد الغرباوي: لعبت ثورة الإمام الحسينية دورا إيجابيا في القرون الثلاثة الأولى، فكان الحسين كما تقدم رمزا للثوار في ثوراتهم وانتفاضاتهم ضد الخلفاء الأمويين. وكان الولاء للحسين مسؤولية دينية وأخلاقية، وكان الشيعة يتحركون على هذا الأساس.

لا أنفي الهدف السياسي آنذاك، لكنه اندك بالهدف الديني، أو أن الهدف الديني اكتسب طابعا سياسيا. وبالتالي أصبح الموقف السياسي موقفا دينيا، وأصبح منطلق الثوار منطلقا دينيا – سياسيا. فلم تكن هناك طقوس ومسيرات، بل حركة ثورية دؤوبة ضد الظلمة وضد تسلط الحكام الطغاة، انتقاضات من أجل تصحيح مسارات السياسة وعودة الحكم للقيادة الصالحة المخلصة لله ولمبادئ الدين الحنيف.

 غير أن وقود الثورة راح يتراجع بعد القرن الثالث لتأخذ ثورة الإمام الحسين طابعا طقوسيا، وتحولت بفضل العلاقة والوضّاعين من رواة الحديث الى ممارسة عبادية، يرجو من ورائها الشيعي حصول الثواب والشفاعة، فانسلخت الثورة الحسينية بالتدريج عن طابعها الثورى إلا في فترات محدودة. وصارت الزيارة تكسب الزائر حشدا من الحسنات، وصار البكاء والتباكي على الحسين يسقط الذنوب مهما بلغت، وإلى آخر القائمة، حتى توارى البعد الثوري على مرور الأيام، ولم يبق من الحسين سوى طقوس استعار لها رجل الدين طابعا شرعيا يغري الشيعة ويدفعها باتجاه ممارستها طمعا بالثواب. فالمسيرات الراجلة حسب الفرض هي إعلان البيعة لمبادئ الإمام الحسين والاستعداد لنصرتها والدفاع عنها، غير أنها أنتهت إلى مسيرات طقوسية، هدفها زيارة الإمام الحسين لأجل الثواب وضمان شفاعته.

المسيرات التي كانت تحدٍ لنظام الطاغية السفاح صدام حسين وحزبه، ما عاد لها مبرر اليوم في ظل حكم يتربع الشيعة على عرشه بنسبة عالية. بل لم تخلق المسيرات الطقوس الحسينية روح التضحية والمبادرة من أجل الدفاع عن البلد لولا فتوى المرجعية. والملاحظ جليا لا توجد أي مشاركة لأرباب الطقوس أو ما يعرف بـ"الشيرازية" ممن يصير على ممارسة الطقوس بكل سلبياتها. بل الأنكى أن يتحول الحسين الى مجرد دموع تسكب في لحظة حزن فتتساقط ذنوب الباكي بالمجان، بلا أي عمل صالح. فمن أين يأتي الصلاح ونفقات المسيرات الحسينية هائلة، يرفض رجال الدين توجيه وعي الناس الى البناء والاصلاح بدلا من هدر الطاقات مشيا من أجل زيارة الإمام الحسين.

ثم لماذا لا تؤثر زيارة الإمام الحسين بالزائرين، ولم تكسبهم تقوى ومنعة ضد الباطل؟ فقد بلغ عدد الزائرين يوم الأربعين، كما قالوا: 16 مليون زائر أو يزيد، فلماذا لا تختفي أعمال القتل والسرقات، والفساد المالي والإداري في المدن الشيعية وهي الغالبية في العراق؟

المشكلة أن رجل الدين يكرّس هذه الظاهرة بدلا من توعية الناس بماهية الأعمال الصالحة التي يحث عليها الدين الحنيف.

وأخيرا أقول: لقد ضمن الحسين مشاعركم بالبكاء والعويل واللطم والتطبير، والآن يرجو اختبار صدق موالاتكم ومبدئيتكم فلا تخيبوا ظنه إن كنتم صادقين.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi14خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق3) من أسئلة الأستاذ الباحث فاضل الشمري: 

 

العصمة وتأسيس المفهوم

س108: فاضل الشمري: استوقفني قولك أن أول من نظّر لعصمة أئمة أهل البيت هو هشام بن الحكم من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم. هل تعني أن مفهوم العصمة لم يكن شائعا ومعروفا في الوسط الشيعي؟ أو بعبارة أخرى: هل أن صحابة الأئمة ما كانوا يعتقدون بعصمة الأئمة؟ وما هو دليلك على ما تقول والعصمة الآن تعتبر أهم ركيزة في الفكر الشيعي؟

ج108: ماجد الغرباوي: بداية أقول: إن الاعتقاد بشيء لا يدل على حقيقته ومطابقته للواقع ونفس الأمر. العقائد تبدأ بسيطة، ثم تنمو وتتطور شأنها شأن اي كائن، وقد تموت وتندثر. كما أن الاعتقاد لا ينفي دور الوهم ومختلف الدوافع في تكوين العقيدة، فكم من عقيدة لا رصيد لها من الحقيقة سوى أوهام ورغبات تختلف في دوافعها. وعليه مهما كان عدد من يعتقدون بعصمة الأئمة لا يدل على عصمتهم حقيقة وبالضرورة، ما لم يدل على ذلك دليل قرآني صريح، يمكن من خلاله رفع اليد عن الامتناع العقلي، باعتبارها أمرا خارقا، لا يحتمل وقوعه خارجا، وحينئذٍ سنعزو الأمر لإرادة إلهية وفق قانون خاص لا نعرفه. خاصة أن هذا المفهوم تطور تدريجيا حتى راحت العصمة ترقى بالمعصوم إلى مصاف الخالقية. وهذا مكمن الخطر، فصار للعصمة لوازم خارقة. والمعصوم بات يعلم الغيب، يفهم لغة الطير، له ولاية تكوينية، بيده حساب الخلق، يستجيب الدعاء، يسمع الكلام، علمه حضوري، وقدرات أخرى هائلة، تضعه بمصاف الخالق. فليست الخالقية سوى إرادة مطلقة، هي ذات إرادة المهدي وفقا لمفهوم العصمة الأسطورية. وقد تداركوا الأمر بربط إرادته بإرادة الله. وقالوا أنه يفعل كل ذلك بإذن من الله تعالى. وهذا لا دليل عليه قرآنيا، بل حصر الكتاب الكريم المعجزات بالله حينما قالت الآية: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ). ولا يوجد إذن قرآني صريح بالمعجزات إلا لعيسى، حيث يقول: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ). وقد بينت دلالات الآية كما مرَّ في محله، وبينت أن الفعل النهائي لله وليس لعيسى. وبالتالي يمكننا وفقا للآيتين المتقدمتين تكذيب كل دعوى خارقة تنسب لأي إنسان باسثناء ما ورد صريحا في القرآن، شريطة أن لا تكون دلالات الآية مجازية.

 بمعنى مكثف أن العصمة تفضي الى أسطرة الإمام، أو ما اسميه بـ"العصمة الأسطورية". ولا دليل قرآني صريحا لهم سوى روايات وتأويلات، تتهاوى بسهولة تحت مطرقة النقد لولا سجون الأيديولوجيا والعوامل النفسية. فليست عصمته مجرد عصمة سلوكية تتقوم بالتقوى والإرادة البشرية، بل عصمة مصممة سماويا على مقاساتهم، وفق لوعي مغالٍ، متطرف بفعل رثاثة الوعي وردود فعل أخفاقات المشروع السياسي الشيعي. تلك العقدة التي استدرجت الشيعة إلى متاهات الغلو والأسطرة واللامعقول. وبدلا من الاعتراف بالخطأ راحت الأقلام تضخ ثقافة، تمهّد لترويض الوعي، وتكبيل العقل النقدي.

الشيعة بشكل عام يتفقون على الحد الأدنى من العصمة، رغم تفاوت إيمانهم بلوازمها الأخرى. فالعصمة تعني عندهم: أن الإمام منزّه عن الخطأ والنسيان، فضلا عن أرتكاب المعاصي وترك الواجبات، ولا يصدر منه سوى الصحيح من الأفعال والأقوال، وعلمه علم حضوري لا مكتسب كغيره من البشر، ومتى شاء يعلم.. عَلِمَ. وحديثه حديث رسول الله في حجيته وتخصيصه وتقييده لآيات الكتاب!!. وهو معنى متأخر لمفهوم العصمة، تبلور فيما بعد. ولا أثر لهذا المفهوم، في عصرالرسول وما بعده، بل هناك أدلة قرآنية صريحة تنفي عصمة الأنبياء فكيف بغيرهم. إضافة إلى سلوك النبي والإمام علي الدال على عدم وجود عصمة مطلقة، فالنبي الكريم اتخذ دليلا عندما غادر مكة متوجها للمدينة، فكيف ينسجم قراره مع عصمته الأسطورية وكونه يعلم الغيب؟. وترك الأمر لأهل الخبرة في تحديد موقع معركة بدر، وغير ذلك مما يؤكد بشريته خلال سيرة حياته: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِد). ومقتضى المثلية التماثل في كل شيء. وعند الشك فالأصل عدم عصمة أحد. فكيف بدعوى العصمة الأسطورية؟. وهذا الإمام علي يرفع صوته دائما: (فلا تكفوا عني مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ). بل عدم انحياز الناس له عندما تصدى للخلافة سوى عدد قليل من الصحابة أدل دليل على ما نقول. بل نقرأ في الروايات كيف يجادله أبنه الحسن وابن عباس، وهم أقرب الناس له. وهكذا كان المعترضون على الحسن بن علي هم أقرب أصحابه، ومن نهى الحسين عن المسير إلى كربلاء هم أقرب الناس له. ولا أطيل ويكفي أن العصمة كأمر خارق للعادة ممتنع عقلا حسب طبيعة الإنسان وتكوينه، ولا يمكننا رفع اليد عن هذا القانون العقلي إلا بدليل قرآني صريح، وهو مفقود بالضرورة.

العصمة نظّر لها هشام بن الحكم، كما مرَّ تفصيله، ثم راحت تتطور وتأخذ أبعادا مختلفة، حتى غدت عقيدة ثابتة، لا يمكن التخلي عنها بعدما ارتبطت بها مسألة توثيق روايات المذهب الفقهي الشيعي، وباث من المتعذر تصحيح رواياتهم إلا بعقيدة العصمة، أو يغدو جميعها مرسلا أو منقطعا، لا قيمة له علميا. وأما قبل هذا التاريخ فكان الأئمة في نظر أصحابهم علماء أبرار، وعلماء آل محمد، وشيوخ آل محمد. ترجع الناس لهم في العلم والفتوى باعتبارهم الأعلم والأتقى، وأيضا باعتبارهم معارض سياسية، يلجأ لهم المضطهدون والساخطون على الأنظمة الحاكمة، والطامحون بنظام سياسي عادل. وكانوا يبينون أدلتهم وقواعدهم الأصولية في استنباط الأحكام الشرعية، كما في روايات الاستصحاب، وروايات الوضوء، ومجادلات أصحاب الأئمة كزرارة بن أعين، كلها تدل الطبيعة البشرية، مجردة من أي خوارق سوى العلم والتقوى. وقد مرّ الحديث عن الموضوع مفصلا.

ويمكن مراجعة بعض المصادر المهمة في تفصيلاتها وأدلتها لمعرفة حقائق الأمور فليس من المعقول استمرار الخطأ، منها:

- رسالة بعنوان: "حقائق الإيمان"، للشهيد الثاني، زين الدين بن علي (911 – 965 هـ)، وهو عالم شيعي شهير، يقول: (حيث يظهر من شيعتهم "الأئمة" في أحاديثهم عليهم السلام، فإن كثيرا منهم ما كانوا يعتقدون عصمتهم لخفائها عليهم، بل كانوا يعتقدون أنهم علماء أبرار، يعرف ذلك من تتبع سيرهم وأحاديثهم).

- كتاب: "تطور المباني الفكرية للتشيع في القرون الثلاثة الأولى"، للدكتور حسين المدرسي الطباطبائي.

- كتاب: "القراءة المنسية، إعادة قراءة نظرية الأئمة الاثنا عشر علماء أبرار"، للدكتور محسن كديور.

- كتاب" "مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني" حوار طارق الكناني مع ماجد الغرباوي.

المهدي وكتب الحديث

س109: فاضل الشمري: لماذا لم يُنقّح الإمام المهدي كتاب الكافي للشيخ الكليني خلال غيبته الصغرى؟. ولماذا لم ينقّح الكتب الأربعة في غيبته الكبرى ولم نسمع عنه ما يؤكد صحة مضامينها؟.  

ج109: ماجد الغرباوي: السؤال يثير إشكالا مهما ويرسم علامات استفهام متتالية. بلا شك أن الشيخ محمد بن يعقوب الكليني صاحب كتاب الكافي (الأصول والفروع والروضة بـ 8 أجزاء)، كان حيا طوال فترة الغيبة الصغرى، التي امتدت من 260 هـ - 329 هـ، وتوفي في نهايتها، سنة 329 هـ. فعاصر السفراء الأربعة وعددا من رواة حديث الشيعة من أصحاب الإمامين العسكري والهادي، وبالتالي فهو عاصر الإمام المهدي في غيبته الأولى. والكافي أهم كتاب شيعي على مستوى العقيدة وأحد الكتب المعتمدة في استنباط الأحكام الشرعية. حيث جمع الشيخ الكليني أحاديث أئمة أهل البيت التي كانت موزّعة على الأصول الأربعمئة، بعد تنقيحها وضبطها، فاستغرق عمله على الكتاب 20 عاما، كما ذكر في مقدمته.

الإمام المهدي حسب الفرض كان يتصل بنوابه أو سفرائه الأربعة، يُجيب على أسئلتهم واستفساراتهم، ويتقاضى حقوقهم المالية الشرعية. فالمفروض بحكم وظيفته كإمام متابعة الشأن الديني، خاصة في المجالين الفقهي والحديثي، فكيف يتجاهل كتاب الكافي، سيما أن  المؤلف شخصية علمية معروفة؟.

هناك من ادعي أن الإمام قد اطلع على الكتاب وأمضاه، وهو قول المجلسي صاحب كتاب موسوعة البحار. حتى نسبت بعض الأوساط العلمية الشيعية قولا للإمام: (الكافي كافي شيعتنا). لكن لا يمكن تصديق ما نسب للإمام، لأنه يتنافي مع كونه معصوما (وفقا للنظرية الشيعية)، ويتنافى مع كونه خبيرا بالروايات، ومطلّعا على الأحكام الواقعية، فكيف يمضي جميع ما في الكافي ويقول "الكافي كافي شيعتنا"؟.

كتاب الكافي كغيره من كتب الروايات يشتمل على روايات ضعيفة وأخرى متناقضة، بل أن بعضها غلو صريح، يخالف كتاب الله، و(ما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار)، كما جاء في الخبر. وما يؤكد ضعف جملة من رواياته أن الشيخ محمد باقر البهبودي قد ألف كتابا بعنوان: "الصحيح من الكافي"، تجاهل عددا كبيرا من الروايات المذكورة لضعفها، ولم يصح عنده وفقا لمبانيه في الجرح والتعديل، وهو الخبير المشهود له في علم الحديث والرجال، إلا (4428) رواية وردت في كتاب الكافي من أصل (16194) هي مجموع روايات الكتاب!!. وقد أرعب بكتابه الحوزة العلمية في قم، وزعزع مصداقيتها، حيث حاولوا تغيير عنوان كتابه من: "صحيح الكافي"، إلى "زبدة الكافي"، لتفادي صدمة القارئ، ويعطي معنى الانتقاء، وليس الطعن بالكتاب، كما يفهم ذلك من عنوانه. بل طلب منه آية الله الشيخ حسين علي منتظري، وكان في حينه نائبا للإمام الخميني قبل أن ينقلب ضده، بسحب جميع نسخ الكتاب من الأسواق!! (انظر: ويكيبيديا) كما هو مثبت في بعض المصادر نقلا عن الشيخ جعفر السبحاني في حوار مع صحيفة كيهان. فكتاب الكافي يشكو ضعف مجموعة كبيرة من رواياته متنا وسندا، إضافة لفجيعة الغلو في مجال العقيدة، وصفات الأئمة.

وبالتالي أليس المفروض بالإمام أن يرفع التناقض الموجود في كتاب الكافي؟ أليس المفروض أن يختار الصحيح منها والموافق لمذهبه؟ أليس من واجبه بيان الأحكام الشرعية بشكل صحيح وواضح؟. ثم كيف يترك الشيعة يتخبطون ومهمة الإمام حسب الفرض هداية الناس وبيان الأحكام.

كان بإمكانه التواصل مع الشيخ محمد بن يعقوب الكليني مباشرة أو بالواسطة إذا كان يخشى السلطة كما يقولون، فلماذا لا يفعل؟ وإذا قيل أنه اطلع وأمضى كل رواياته، فهذا يتنافى مع مهمته الدينية. كيف يكرّس الخرافات والأكاذيب وينسب لأبائه ما لم يقولوا؟ أم أنهم قالوا والناس تعتقد أنهم لم يقولوا؟؟!!. وكيف يمضي الروايات الضعيفة والمتناقضة؟ أم أنه يعتقد بصحتها رغم ضعفها؟؟!!. هو إمام على درجة رفيعة من العقل والتقوى والشعور بالمسؤولية حسب الفرض وفقا لنظرية الإمامة، فكيف يتصرّف بهذه الطريقة، ويضع الشيعة في حرج؟. بل هناك ما هو أدهى أن الكافي يروي روايات صحيحة أن الأئمة (13) إماما، وليس (12) إماما!!!، وهذا يمس العقيدة الشيعية بالصميم، فتجاهل علماء الشيعة ذلك واصروا على روايات (12) إماما توافقا مع حديث الرسول: الأمراء أو الخلفاء من بعدي (12)، كلهم من قريش، كما يذهب السنة، وكلهم من أهل البيت كما يرى الشيعة.

ثم أن الغالبية العظمى من فقهاء الشيعة لا يقولون بصحة كل ما جاء في كتاب الكافي، بل ويتعاملون مع رواياته وفقا لقواعد الجرح والتعديل، أسوة بأية رواية مروية في كتاب آخر، فكيف يخالفون إمامهم المهدي المنتظر، إذا صح أنه قد اطلع على الكتاب وأمضى رواياته؟ أليس هو إمام معصوم لا يصدر عنه الخطأ؟.

إن هذا السؤال يزعزع الثقة بأصل وجود الإمام. أو لا أقل يشكك في مصداقيته. فكيف يتخلى عن مسؤوليته الشرعية. بل ولا يعقل أن يهبط، وهو على مستوى رفيع من العقل، لمستوى ما في الكافي من روايات تتناقض مع الصحيح من روايات الإئمة، خاصة في باب الأصول بل تناقض آيات الكتاب الحكيم والعقل السليم.

إذا كان هذا هو موقفه من كتاب الكافي وهو معاصر له فما بالك بباقي الكتب الحديثية المعتمدة لدى الشيعة: (كتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق، وكتابا التهذيب والاستبصار للشيخ الطوسي)، وهي الأصول الحديثية المعروفة لدى الشيعة وعليها مدار الأحكام الشرعية بالنسبة للمجتهد والفقيه الى يومنا هذا؟.

بعض الروايات تفضي لضلال الناس، فكيف يسكت عنها وهو إمام معصوم كما يعتقد الشيعة بذلك؟.

ثم إذا أخذنا بنظر الاعتبار فترات الاسترخاء والأمن التي تلت عصر الغيبة الصغرى سيكون سؤالك أكثر شرعية. وبالتالي فسؤالك وجيه واستفزازي يثير مكامن الوعي، لمن كان له عقل وهو رشيد. ونحن بحاجة ماسة لكل سؤال استفزازي يقوم مسار العقائد التي تمادت كثيرا، وخرجت عن حدود العقل والشرع.

بل أضيف: إن اختلافهم في أية قضية دينية (فقهية أو عقيدية)، يؤكد شرعية سؤالك ويعمّق الإشكال.

لهذا عندما تحير علماء الشيعة بسبب طول غيبته وعدم تأثيره بالواقع راح بعضهم ينسب له دورا وجوديا للتخلص من هذا مرارة الإشكال!!!، باعتبار أن الإمام – كما قالوا- يقع ضمن علل الوجود، أو واسطة في الفيض. وهذا الرأي تتبناه حاليا مدرسة قم الإيرانية. وقد امتدت متبنياتها العقيدية للعراق ولبنان ومناطق أخرى. وهي أفكار ضاربة في تراث الغلو الشيعي بل ولها جذر في الفلسفة اليونانية (نظرية العقول العشرة)، لكنها تطورت على يد الشيخ جوادي آملي، وسوّق أفكارها السيد كمال الحيدري في كتبه ومحاضراته المرئية والمكتوبة، قبل صحوته. ففي رواية إذا مات الإمام ساخت الأرض بأهلها!!!!. ولك أن تتصور ماذا فعلت فكرة المهدي بهذا المذهب!!. يتكلمون بأشياء بمعزل عن منطق القرآن والعقل، وإلا كيف يقولون على الله ما لا يعلمون؟. متى خوّل الله الكون لأحد؟ ومتى صرّح بذلك؟ إنما هي رغباتهم الأيديولوجية تفرض عليهم ما يعزز بنيتها. يقول تعالى: (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون).

(أتمنى الاطلاع على كتاب: مدارات عقائدية ساخنة) آنف الذكر، ستقرأ بحوثا تفصيلا حول مسألة المهدي، ومدى صمودها أمام النقد.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com