حوار مفتوح

majed algharbawi4خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق23- س73) الحديث عن مفهوم النص 

 

الحقيقة الدينية

ماجد الغرباوي:

اتضح مما تقدم أن إطلاق الحقيقة يتوقف على مدى مطابقتها للواقع بدليل حسي أو برهاني، دون الدليل الحدسي والظني كالقياس المنطقي ما لم تكن مقدماته يقينية، جزمية. ولا الاستقراء القائم على الاحتمال مهما كانت قيمته، ما لم نكتشف سبب الظاهرة المشتركة، وننسبها لعلتها. فإطلاق الحقيقة رهن الدليل وحجيته الذاتية. وأما الحقائق الدينية فتستمد وجودها من النص ومن إيمان الفرد ومستوى وعيه وثقافته، فهي نسبية دائما. ولا إطلاق لأية حقيقة باستثناء ما دل الدليل الفلسفي على "وجود خالق"، واجب الوجود بذاته، لبطلان الصدفة، والتسلسل، وفقا لقانون العلية. فتشمل عوالم الغيب والمقولات العقائدية التي تترتب عليها مواقف وأحكام تنعكس على سلوك الفرد ووعيه للذات والآخر. وتؤثر في زاوية نظره، وتفسيره للظواهر الدينية والاجتماعية والسياسية.

وهذا لا ينفي وجود حقائق ميتافيزيقية، فقد تكون ثابتة في الواقع ونفس الأمر. لكن الكلام عن المتلقي وكيفية تصوره لها والإيمان بها. فالحقائق الدينية يتعذر الاستدلال عليها خارج النص وتقنيات الفهم البشري التي قوامها الإيمان والتصديق والتسليم وليس الدليل والبرهان. ولا يُعد الإيمان بعوالم ما ورائية ضرورة عقلية وفلسفية لولا الكتب السماوية. بل حتى النص المقدّس غير قادر بمفرده على فرض صدقيتها، لولا ثقافة المؤمن وعقله المؤثث بمفاهيم تذعن للنص الديني، كحقيقة مطلقة. فوجود أرضية معرفية، وحاضنة ثقافية ملائمة شرط لتأثير الخطاب الديني في هذا الخصوص، وشرط لتصور الحقيقة الدينية. فيكون الإيمان بها إيمانا نفسيا، قائما على مفاهيم ومقولات نسبية، تختلف من شخص إلى آخر. فالقضايا الميتافيزيقية تتشكل حقيقتها داخل الفضاء المعرفي وليس خارجه كما هي الحقائق المطلقة. لا فرق في ذلك بين الحقيقة البسيطة والمركبة. بل ما من حقيقة إلا وتنطوي على حقائق، وما من نص إلا ويخفي تراكما نصوصيا، يتولى العقل تفكيكها وتحليل مفاهيمها ومقولاتها الأساسية. ويعيد تشكيلها وفهمها. فالفارق الجوهري بين الحقيقتين، أن الحقائق المطلقة لا يختلف أحد حول وجودها، ما دامت شاخصة يمكن الاستدلال عليها، ويذعن العقل لدليلها، كالحقائق الرياضية. أما الحقائق المجردة والحقائق الدينية فتخضع لتأثيرات ثقافية ونفسية، فلا تكون إلا نسبية. وهذا سر تفاوت الإيمان بها. والاختلاف حول أصل وجودها، وخصائصها، ومصاديقها.

ويمكن توضيح فكرة نسبية الحقيقة أكثر بناء على التقسيم الفلسفي للوجود. حيث ينقسم وجود الشيء إلى وجود خارجي، ووجود ذهني. وهما وجودان مختلفان:

- الوجود الخارجي للشيء: وجود مصداقي مستقل، يمكن الاستدلال عليه مباشرة أو من خلال دليل حسي. فينتزع منه الذهن مفهوما حقيقيا، وتكون حقيقته مطلقة، مطابقة للواقع.

- الوجود الذهني للشيء: وجود مفهومي، تصوري، قد يكون له مصداق خارجي، يُنتزع منه المفهوم. أو لا يكون له مصداق خارجي، فيتكفل الذهن برسم صورته، وفقا لقبلياته وثقافته، وفي ضوء النص وتقنياته ومحدداته. كالمفاهيم المجردة والحقائق الدينية التي لا تتمتع بوجود مستقل خارج الوجود الذهني. فتكون حقائقها نسبية لنسبية ثقافة الفرد وقبلياته. ولا يمكن الاستدلال عليها خارج النص، فيعيها العقل داخل فضائه المعرفي، وتترشح عن رؤيته الثقافية وقبلياته، فتكون نسبية بالضرورة لنسبية وتفاوت المعرفة ومرجعياتها. وهذا هو المراد بنسبية الحقائق الدينية. أي لا يمكن الاستدلال على مطابقتها للواقع ونفس الأمر خارج النص. وهي حقيقة موضوعية، تارة يتعذر على الفرد إدراكها، وينطلق من قضايا يحسبها يقينيات، بغض النظر عن كيفية تشكلها وتأسيسها. فإيمان الفرد يرتكز لبنية معرفية لا شعورية، تأسست وفق مبادئ ينقصها الدليل والبرهان. والكلام هنا فلسفي، تأملي داخل المنظومة المعرفية، لنزع فتيل شعور التعالي العقيدي، القائم على يقينيات لا يعرف عن حقيقتها شيئاً، خاصة المقولات الدينية التي لا نملك طريقا للاستدلال عليها سوى النص. وهنا تارة يكون النص مقدسا كالكتاب الكريم فيذعن المؤمن لحقائقه إيمانيا، وأخرى يكون مصدر الحقيقة روايات محتملة، فتنهار بانهيار النص، وتتلاشى بالاستدلال على عدم معقوليتها. فلا تبقى لها أية حقيقة إلا في أذهان أدمنت النصوص والإصغاء لرجل الدين، دون التفكير النقدي الجاد، الذي يميّز الحقائق وفق مبادئ عقلية وقرآنية.

 

نماذج روائية

إن ما نطمح له من خلال البحث تدارك ما يترتب على القول بوجود حقائق دينية مطلقة من تداعيات، قد لا تكون واضحة في القضايا الغيبية التي تكفّل الكتاب الكريم ببيانها. لكنها تتجلى في قضايا دينية أخرى، يشكل القول بإطلاقها خطرا على الدين ومفاهيمه القويمه. ويمكن الاستشهاد بالحديث المشهور: (أصحابي كالنجـــوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) ، و(إنما أصحابي مثل النجوم فبأيهم أخذتم بقوله اهتديتم). الذي يؤسس لمرجعية مطلق الصحابة في الهداية، فيلتبس الحق بالباطل، وتضيع حقوق الناس في ظل قدسية أسست لها هذه الروايات فأصبحت حقائق نهائية، يؤمن بها العقل التراثي، ويلتزم بمؤداها عملا وسلوكا.

لا يوجد ما يؤكد صدور صحة صدور هذا الحديث بشكل قاطع، ويبقى محتمل الصدور إن لم يكن موضوعا . أي لا يوجد دليل يؤكد صدوره الفعلي عن النبي، لكنه لعب دورا مؤثرا في حينه، وما يزال ضمن أسيجة قداسة الصحابة. ومنطوق الحديث يؤسس لتزكية مطلق الصحابة، وضمان هداية من يتابعهم أو يقتدي بهم في معارفه وسلوكه. وهذا الحديث لا يستثني أحدا. ويشكّل مرجعية لفهم معنى الصحبة، كقيمة دينية وأخلاقية مستقلة. فيُصنف ضمن الأحاديث السياسية التي انتجتها ماكنة الوضع في زمن بني أمية. لإضفاء شرعية دينية لمن تبقى من الصحابة ومنهم معاوية، المتهم بخروجه على سلطة الخلافة الشرعية. فهو مدان لهذا السبب وفقا لأحاديث الخروج والتمرد على جماعة المؤمنين: (من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) .

ما يهمنا في حديث أصحابي كالنجوم مقدار ما تستر عليه النص، حينما ألغى باطلاقه خصوصية الصحابي وبشريته، لتكون الصحبة حصانة ذاتية، لا تضر معها أية تهمة، بل ويجب عدم إدانة سلوكهم مهما كان مخالفا للكتاب الكريم. وهو منطق غريب على الدين: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) ، غير أن النص الروائي حجب الضابطة القرآنية، عندما وظف تقنياته في بيان حقيقته.

وهذه الرواية من النصوص التأسيسية، التي رسخت قدسية الصحابة وعصمتهم في ذهن المتلقي. وغدت نهائية ومرجعية يحتكم لها المسلمون. لا يساورهم شك في قدسيتها، فيتغاضون عن الإشكالات، ويتجاوزونها بمزيد من التقديس، حتى يصبح التبرير أدة وحيدة للتخلص من ضغط الحقائق التاريخية، وتشظيات الخصوصية، الملازمة للفرد وهويته، فلا يمكن تجريده من تاريخيته ومن خصوصياته. غير أن النص فرض سلطته ومرجعياته ومحدداته. فأصبحت الرواية أداة لفهم الحقائق التاريخية، تضطره للبحث عن أي مبرر، مهما كانت ضألة احتماله لتبرير سلوك جميع الصحابة. وتجاهل الأحداث الكبيرة وما تركته من تداعيات خطيرة. كما سيحكم بصحة كل حديث ينتهي إلى صحابي بطريق صحيح، دون البحث عن صحة صدوره عن النبي، فكان هذا إيذاناً بتفاقم الوضع ونسبته لرسول الله كذبا وزورا. فهذه الرواية مهّدت لقبول الأحاديث الموضوعة، حيث حل الصحابي محل المقدس (الله ورسوله). وتحقق هدف السلطة من توظيف النص الديني، والشطب على أخطائها أو تبريرها أخلاقيا. فالحديث تمكن من فرض مرجعيات جديدة للنص المقدس، وتجاهل شرط صدوره عن الله أو رسوله. أي أنه قام باستبدال مرجعيات شرعية النص. وبات ليس ضروريا التمييز بين ما يرويه الرعيل الأول الملاصق للرسول، والبدوي الذي التقى النبي ساعة واحدة في حياته. وهذه أخطر تداعيات هذا الحديث حينما يراد تصحيحه واعتماده.

والأمر الثاني، أسدل الحديث الستار على ما اقترفه الصحابة، ومنحهم حصانة تحول دون إدانتهم أو تجريدهم من نجوميتهم، كهداة ربانيين. فخلاف السقيفة وما ترتب عليها لا يؤثر!، وقتال ما وصفوا بالمرتدين والدماء التي سفكت مع إمكانية التسوية السلمية، لا تضر بعدالتهم!!. والفتوحات التي عبثت بمصداقية الإسلام، فتوحات مباركة، مسددة!!. ودماء الصحابة والتابعين التي سالت على مذبح السلطة في عهد الإمام علي، طهرتها توبتهم بعد معارك دامية!!. وكل ما صدر من معاوية يُرجأ أمره لله، ولا يجوز مساءلته!. بهذا الشكل فرض الحديث نفسه حقيقة، مررت كل ما يراد تمريره. وهذه هي خطورة الاعتقاد بوجود حقائق دينية مطلقة، لا فرق في ذلك بين الحقائق القرآنية وغيرها.

وقد استمد هذا الخبر وجوده من الآيات التي أثنت على الصحابة. ولا إطلاق لهذه الآيات، مع عدم تشخيص قوله تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ) . ولو ثبت الإطلاق فستدور تزكية الصحابي مدار استقامته. وتنتفي فضيلته بانتفائها. فمن مات مستقيما في سلوكه، شملته الآية كقوله تعالى (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) . ومن انحرف عنها بعد وفاة النبي لا تشمله. ولا يوجد ما يدعو لتبرير سلوك الصحابة مطلقا، والاستماتة في تزكيتهم، ويبقى مصيرهم، كأي إنسان مرهونا بعملهم واستقامتهم. فالاستقامة هي ملاك الثناء والتزكية القرآنية، وليست الصحبة وشخص الصحابي. والأهم أن الثناء لا يعني كفاءة الصحابة سياسيا، ولا يعني أولويتهم في السلطة والحكم، لكن خداع السياسة، مرر هذا الفهم من أجل إمضاء سلوك بعض الخلفاء والحكام.

 

نسبية الهداية

الهداية لغة تعني الإرشاد و(الدلالة بلطف) . هديته أي أرشدته. دون تحديد غايتها وقصديتها. فيحتاج المفهوم لقرينة شارحة، توضح غايتها. (إهدنا الصراط المستقيم). غير أنها جاءت في الرواية مطلقة، توحي بدلالات خطيرة: (أصحابي كالنجـــوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، (إنما أصحابي مثل النجوم فبأيهم أخذتم بقوله اهتديتم). فالصيغة الأولى ارتقت بسلوكهم إلى مستوى المرجعية النهائية. فهي حجة، ملزمة، اتفقت أو لم تتفق مع الهداية القرآنية. وهذا غير ممكن فالإنسان هو الإنسان ولا عاصم لأحد إلا الله، ولم يصرح تعالى بعصمة أحد مطلقا، نصا صريحا واضحة لا لبس فيه. فالهداية لا تقاس بسلوك الأفراد وتحتاج إلى ضابطة مفهومية. ولا يمكن أن تكون سلوكا بشريا إلا ما نصت الآيات عليه. وهذا لا يتقاطع مع الحسن والقبح العقليين ، بل سيكونان حاكمين على سلوك الفرد. والصيغة الثانية للحديث مريبة أكثر، عندما جعلت من أقوالهم حجة مطلقة، وقد اختلفوا وتراشقوا بالتهم، فكيف نحتكم لسلوكهم وقولهم وفقا لهذه الرواية بالذات؟ والأخطر أن الرواية جعلت من النسبي مطلقا. فلا حقيقة للهداية دونهم. وبإمكانك التخلي عن مبدئيتك في مواقفك وتكون حرا في الانحياز مع أي من المتنازعين على السلطة!!!. لأنك ستكون مهتديا على كل حال. وسيدخل الجنة كل من قُتل من الصحابة في الحروب الداخلية!!!.

إن السبب وراء انتشار الروايات المكذوبة والموضوعة، ما بذله الفقهاء من جهود جبارة لتحصين السنة النبوية، لحاجتهم الماسة لها، حتى ارتفعوا بحجيتها (جميع الفقهاءما عدا القرآنيين)، إلى مستوى حجية القرآن الكريم. بل قالوا بحاكمية الرواية على الآية، وهو منهج تلمودي قدم الروايات على آيات التوراة. ثم راحوا ينسبون للسيرة ما لم يصدر عن النبي، وما يتقاطع مع الكتاب الكريم. وهكذا حلت كارثة معرفية وأخلاقية وسلوكية.

لا شك بحجية سنة النبي في تفصيلات الكتاب الكريم، وما زاد يحتاج لأدلة أخرى. لكن يكفي تسجيل ملاحظة سريعة. لماذا أهمل الكتاب ما شرّعه الرسول ولم يشمله بحصانة القرآن المجيد، علما أن روايات النبي زامنت الوحي؟. لا شك إذاً بوجود اختلاف جوهري. وهذا يكفي في تباين الحجية، ويكون القرآن مقدما على كل حال.

 

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi7

خاص بالمثقف: السابعة والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق22- س73) الحديث عن مفهوم النص

  

النص والحقيقة والمتلقي

ماجد الغرباوي: يُعتبر النص في نظر الباحث الديني طريقا للحقيقة، وكاشفا عنها. فلا يترتب عليها ما يترتب عليه، وتستقل بوجودها وقيمتها وكينونتها، كما بالنسبة للحقائق الدينية الكبرى. بينما تتوقف صدقية النص على دليله، ومدى كاشفيته. فيكون مصيبا للحكم الواقعي (الحقيقة) عندما تكون كاشفيته تامة، تورث الجزم واليقين، كما في الخبر المتواتر (كما يعتقد الأصوليون) . أو تتراوح بين الظن والاحتمال مرورا بالشك، فتكون كاشفيته ناقصة، ويكون الحكم ظاهريا لا يكشف عن تمام الحقيقة، ولا تكون له حجية ذاتية، لكنهم يعملون بمؤداه تعبدا . وقد يمكن تعقل هذه الصيغة في الأحكام الشرعية على بعض المباني، لكن لا يمكن قبولها في العقائد والقضايا الدينية الكبرى. وأما القراءات النقدية فإنها تمنح النص دورا في أصل وجود الحقيقة. وقد تنفي وجودها في الواقع ونفس الأمر، سوى ما يقوله النص، وما يدركه المتلقي وفقا لثقافته وقبلياته. فتكون الحقيقة نسبية، ما لم يمكن البرهنة عليها علميا.

المنهج الديني في تقصي الحقيقة لا ينتج معرفة علمية، مادامت النتيجة مقررة سلفا في ذات النص، فهو منهج قائم على الإيمان والتسليم، لا على الدليل والبرهان. بل أن القضايا الدينية تندرج تحت اللامعقول الديني، فثمة مانع ذاتي وراء عدم إدراكها والاستدلال عليها، كما بالنسبة للجنة والنار والجن والشياطين. أو المفاهيم الأخرى التي ترتفع بالرموز الدينية، وتسلبها بشريتها، وتنسب لها صفحة خارقة. فيبقى النقد يدور مدار النص لتكريسه، وتكريس سلطته. ويبقى الفرد مرتهنا له في عقيدته ومعارفه، فتتضاءل احتمالات النهضة، ويبقى المجتمع في دوامة التخلف الذي يعتبر النص أحد أسبابه. فنحتاج إلى منهج نقدي لا يقف عند حدود النص بل يلاحق قبليات الفرد، باعتباره شريكا للنص في وجود الحقيقة. خاصة القضايا العقيدية العصية على البرهان ولا يدل عليها دليل صريح من كتاب الله. فتفكيك ثقافة الفرد وقبلياته، يساعد على فهم الحقيقة وكيفية اشتغالها داخل الفضاء المعرفي له. ولا يكفي النقد الفوقي ما لم يتوغل الحفر في أعماقه، حيث تنتمي مقولات البنية المعرفية لبدايات تشكل الوعي، فتكون راسخة، برسوخ اللاوعي. فنحتاج للكشف عنها وملاحقة تأثيراتها إلى تأمل فلسفي عميق، لأنها مقولات مكتسبة من بيئة الفرد ومحيطه الثقافي، وقد ترسبت لا شعوريا ضمن أنساق مضمرة، يصعب اكتشافها وتقويضها. وهي تشمل العادات والتقاليد والعقائد والأعراف وما يختزنه العقل الجمعي والوعي المجتمعي، وكيفية فهم الذات وهويتها، والآخر وحقيقته. وكل واحدة منها تنتمي لنسق معرفي وثقافي قائم على مقولات أساسية ونصوص تأسيسية، يتطلب نقدها عدة معرفية، ومناهج علمية تتولى تفكيكها، ونقد مفاهيمها وبديهياتها. فالتصورات والمفاهيم التي تتحكم بنظرة الفرد والمجتمع تستمد وجودها من أعماق البنية المعرفية للفرد، وما تختزنه قبلياته من ثقافات ومعارف وتصورات وتصديقات. فنحتاج لنقد مرجعيات العقل الجمعي، وتفكيك المهيمن الثقافي، ثم إعادة تشكيل العقل وفق أسس معرفية، استدلالية، من أجل التخلص من حمولة اللامعقول الديني وزخمه الدلالي.

لذا عندما ندرس علاقة النص بالحقيقة ينبغي التركيز على دور المتلقي في وجودها. فهل للحقيقة وجود مستقل خارج فضائه المعرفي، أم أنها تتجلى من خلال ثقافته وقبلياته ويقينياته وأحكامه المسبقة؟. ومبرر السؤال أن الحقائق التراثية (مضامين النصوص) تختلف عن الحقائق الموضوعية التي من السهل الاحتكام لها في حالات الشك. لكن كيف نحتكم لحقيقة لا يوجد طريق لها سوى النص؟. فنقد النص يفضح دوره في وجود حقيقته، وما يريد قوله والتستر عليه، إلا أنه نقد قاصر، ما لم يتوغل أيضا في نقد الخلفية الثقافية للمتلقي. لأنها رهان النص في وجود حقيقته. بل لا وجود للحقيقة إلا في الذهن، سواء طابقت الواقع ونفس الأمر، أم لا. بل لا يمكن للعقل الحكم على شيء إلا من خلال وجوده الذهني. فكما للشيء وجود خارجي، له وجود ذهني. والعقل يحكم على الواقع من خلال الصورة الذهني، بما فيها الحقائق الكبرى. فالشيء في ذاته يختلف عن الشيء في وجوده الذهني. لأن الثاني فهم له وفقا لقبليات المتلقي. لذا تجد ذات النص ينفعل معه المسلم، ولا يتأثر به غيره. بل وحتى بين المسلمين ثمة فوارق في فهم النصوص الدينية هي السبب الرئيس وراء تعدد المذاهب والاختلاف في فهم النص وما يترتب عليه من نتائج معرفية، كالفتوى، والتفسير، والتأويل. فخلفية المتلقي وقناعاته تتحكم في فهم النص ودلالاته، ولا وجود لحقيقة النص خارج الفضاء المعرفي للفرد. فدراسة ثقافة الفرد والمجتمع بات ضروريا ونحن بصدد الكشف عن سلطة الأحاديث المحتملة، حينما تكون مؤثرة (وهي كل رواية لا يمكن الجزم بصحة أو عدم صحة صدورها) لزعزعة يقينات المتلقي حول صدقية ذات الحقيقة المرتهنة في وجودها للنص وقبلياته. فالمتلقي شريك النص في الحقيقة. ودوره أخطر من النص وأهم. فينبغي عدم تجاهل ثقافة الفرد ودورها في وجود الحقيقة. وتكثيف نقدها ومراجعتها أسوة بالنص والخطابات الدينية واللاهوتية. خاصة الروايات المحتملة التي لا يمكن الجزم بصحة أو نفي صدورها، وسلامة دلالاتها، ولا تجدي محاكمتها للقرآن والعقل، رغم خطورة مضامينها، وخطورة ما تروم تأسيسه معرفيا، كالروايات الغرائبية التي تسعى لتحصين الرموز الدينية، ومنحهم سلطات رمزية ومادية وسياسية واسعة، وتنسب لهم ما لا يمكن إثباته إلا بالنص، فتكون هي حقيقته والمصدر الوحيد له. وتكمن خطورة هذا النوع من الروايات أنها تخاطب العاطفة، وتنأى بالمتلقي عن العقل، وتنفرد في ترشيد وعيه، وتوجيه عقله معرفيا. كالروايات التي ترتفع بالرموز الدينية إلى مستوى الولاية الربانية أو التكوينية، أو الظل الإلهي، وما لا يمكن إثباتها والاستدلال عليه برهانيا. فلا يمكن لها أن تمر لولا القبليات الميثيولوجية للمتلقي وخواء وعيه، وعدم قدرته على تشخيص حقائق الأمور، لإدمانه التسليم والانقياد.

فمثلا حينما يوصف كبير رجل الدين بأوصاف متعالية: (ولي الله، خليفة الله، ظل الله، آية الله، حجة الإسلام، الشيخ الأكبر، شيخ الإسلام، الحبر الأعظم، حبر الأمة، قداسة..). فإن ذات الوصف يلعب دورا في وجود حقيقة اللقب وصدقيته في ذهن المتلقي. وهذا ما يتستر عليه عندما يلوذ بقبليات المتلقي وما يختزنه من تصورات عن تلك المفاهيم بالذات. فاللقب يعزف على وتر عاطفي بعيدا عن العقل وأحكامه الصارمة. بشكل يتمكن النص من حجب واقع الملاكات الحقيقة لرجل الدين أو الرمز الديني، فيبدو في نظر المتلقي هالة قدسية، تتلاشى معها الشكوك. أي ذات اللقلب له سطوة على وعي المتلقي. فلقب شيخ الإسلام، وآية الله يوحي للسامع أنه رجل ينطق على لسان الله، ويستمد سلطته من سلطة الله. وهذا لا يقوله النص صراحة، بل أن خلفية المتلقي تحتفظ بصورة مثالية لتلك المفاهيم فتتفاعل معها. فالآية تعني المعجزة، والتحدي المصداقي. وآيات الله براهينه للمنكرين والجاحدين، فتختزن دلالات قدسية، يتصاغر معها عقل المتلقي (خاصة مفهومي "الآية" و"الله"). ويبقى اللاشعور سيد الموقف. فحينما يلقب رمز ديني بآية الله، تتشكل في وعي المتلقي كل تلك الدلالات المقدسة من مفهومي "الله" و"الآية" والعلاقة القائمة بينهما، فيُسقط تلك الصورة ذات الزخم الدلالي والقدسي الكبير على الرمز الديني بلا أي دليل علمي وعقلي سوى هواجس الوهم، وتأثير الحس العاطفي. فيتوارى العقل، بل تتلاشى قيمة العقل أمام النص وبريق الألقاب. فالمتلقي العادي تؤثر فيه الصيغ السحرية والخرافية، حينما تعزف على مخيلته، وتناغم مشاعره.

الوهم وفضاءاته المتنوعة هو مصدر المعرفة الوحيد بالنسبة للمتلقي العادي. وهو أقوى لغة وتأثيرا على العقل البسيط. منه يستمد الحقائق، وإليه يحتكم. فالواعظ البارع هو الواعظ القادر على تحريك مشاعر الناس، بعيدا عن البراهين والأدلة العقلية. فالوهم بما فيه من أساطير وخرافات وغرائبيات هو مرجعية العقل التراثي في الاستدلال على حقائق الأشياء. والرمز الديني الذي ارتقى لمرتبة القداسة بفعل الألقاب المحيطة باسمه، قد تكون حقيقته العلمية والأخلاقية والروحانية شيئا آخر. ولا تعدو أراؤه وفتاواه سوى وجهات نظر شخصية، اجتهادية، تفرضها قبلياته وتوجهاته الطائفية والمذهبية، وليس لها علاقة بالله وتوفيقاته وتسديداته. لكن المتلقي يرفض الحقيقة وينفر من البراهين العقلية، ويأنس بالتفسيرات الغيبية والسحرية، لأنها أقصر الطرق للحقيقة حسب فهمه، لا حسب الواقع ونفس الأمر. فمقياسه دائما عاطفي لا عقلي، تؤثر به العاطفة والنخوة والقيم البدوية. وعندما يقترن اسم الفقيه ورجل الدين بخالق الكون يكون صاعقا، يقمع جميع الشكوك، حول صدقيته. وهذا لا يختص بدين دون آخر، بل يشمل جميع رجال الدين في الديانات الأخرى. فجميع الألقاب الدينية لها ذات الوقع السحري في أعين الناس. فالتهافت على تقبيل رجل الدين تهافت على تقبيل يد آية من آيات الله. وتقبيل ما يعرف في الثقافة العراقية بـ"السيد" أي من ينتسب لرسول الله، تقبيل ليد النبي. فلقب "السيد" يمارس غوايته في سحر المتلقي، لكن الأخير لا يدركه، وهذه هي براعة النص وقدرة الخطاب على تمرير المسلّمات رغم أنها ليست مسلّمات حقيقية. لكن رهانه دائما على خلفية المتلقي وثقافته ويقينياته، وما يحتفظ به من صورة غرائبية للنبي في هذا المثال.

 

الحقيقة والإيمان

لا ريب أن فهم النص يرتهن لثقافة الفرد وجهازه المفاهيمي، بما يشمل قبلياته وثقافته، ويقينياته وأحكامه المسبقة التي تمهّد لفهمه، وإدراك حقيقته، فتبقى الحقيقة نسبية مرتهنة لتلك القبليات. بل لا حقيقة للنص خارج فضائه المعرفي. فيمكن من خلال تلك الحقائق الكشف عن بنية الإيمان المشترك بين الجماعات البشرية. وليس العكس. فلا تشكل وحدة الإيمان دليلا على صدق حقيقته ومطابقته للواقع بما في ذلك سنة المتشرعة ، بل تكشف عن بنية العقل ومشتركاته. فالآية حينما تقول: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) ، فإن الجواب فيها لا يدل على مطابقته للواقع من ذات الآية. بل أن الآية توقعت الجواب تعويلا على ثقافتهم وقبلياتهم التي تعترف لا شعوريا بنسبة الخلق إلى الله تعالى. فهذه القبليات يجب أن تعترف لله وخالقيته. وهذا ما ألمحت له الآية التي قبلها: (وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ)، فالضلال والهداية ليست سوى قبليات، تؤسس للإيمان والكفر تلقائيا. أو ما يعرف في المنطق الأرسطي بمقدمات القياس. فهي قبليات مكتسبة، تلعب دور التأسيس داخل بنيته. وحينما نعود لتلك القبليات المشتركة نجدها ضمن أنساق المهيمن الفكري والثقافي، وتنضبط ضمن آليات الفهم البشري. فلا معرفة خارج الفضاء المفاهيمي للبنية المعرفية للإنسان، لذا تختلف المعارف من فرد إلى آخر. فالإيمان المشترك لا يدل على مطابقته للواقع، بل تحتاج صدقيته إلى أدلة موضوعية، وهذا هو المنهج القرآني عندما يؤكد على الأدلة العقلية والكونية، وينهى عن الإيمان التقليدي (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) . فالقرآن يطمح لإيمان برهاني، عقلي، استدلالي، لا يتأثر بالانقلابات الثقافية، ويمكنه تدارك نفسه عندما تعصف الشكوك. فهو منهج يرفض كل عقيدة لا تقوم على الدليل والبرهان. بينما المنهج الديني الرسمي الآن قائم على الخرافة ومنطق المعاجز والكرامات، ورهان على عقول تاريخية مطلقة، تخطط وترسم حاضر الناس ومستقبلهم. وهذا منهج بالٍ، لا يؤسس لنهضة حضارية مطلقا، بل إنكفاء مرير للماضي، وثقافاته. وبالتالي، لا يكفي مجرد اليقين دليلا على صدقية الإيمان، بل يجب أن يكون منشأه برهانيا، ليكتسب حجية ذاتية. وأما المناشئ النفسية لليقين والإيمان فلا تكون معذرة ومنجز، وهو حال الأغلبية المطلقة للناس. فالمنهج العقلي لا يكتفي بحسن نية وطوية الفرد، بل يطالب بأدلة يمكن الاستدلال عليها، لخطورة الإيمان، وما يترتب عليه من تداعيات خطيرة حينما يقع في الشرك وهو يحسبه إيمانا.

ما نخلص له إذاً أن الفرد شريك النص في وجود حقيقته، ورهان النص دائما على خلفيته وثقافته وقبلياته. فلا معنى لنقد النص بعيدا عن نقد ثقافة الفرد والمجتمع ودورهما في جود حقيقة النص ضمن البنية المعرفية لهما. فنجاح النقد المعرفي يتوقف على قدرة النقد في تقويض البنية المعرفية للمتلقي، كي تنهار النصوص تلقائيا، وتصبح تراثا نكتشف من خلالها مسار العقل الإسلامي عبر التاريخ، وكيفية تطوره. وأما الدوران في حلقة نقد النص، مضمونا وسندا، لا يفضى إلى تحوّل حقيقي في تفكير المتلقي، ونحن نطمح أن يغادر الفرد قبلياته القائمة على أسس غير عقلية، ليمارس العقل دوره في نقد النص، وتحري الحقائق، فيكون دليله البرهان والاكتشافات العلمية والمعرفية. وهذا ما يريده القرآن... يريد تأصيل المبدأ الأول عقليا من خلال الدليل والبرهان، حينما دعاهم للتفكير في خلق السماوات والأرض، كأسلوب تمهيدي لاكتشاف علله وغاياته، فيترتب الإيمان باللامعقول الديني على الإيمان المطلق بالمبدأ الأول: وجود الله، وحدانيته، قدرته. وليس مستقلا، فهو إيمان مترشح عن إيمان مسبق، أي الإيمان بالعلة الأولى وكمالها، وإيمانه بتعدد العوالم، وسعة الكون وحقائقه.

وبالتالي فحينما يدرك المتلقي دوره في صدقية الحقيقة، سوف تتغير نظرته للذات والآخر، وهو ما نراهن عليه في بناء مجتمع مدني، يقوم على أساس المواطنة، والتسامح، والاعتراف بالآخر كشريك في الحقيقة، وليس اعترافا قائما على المنّة والتفضل والتكرم، وهو التسامح الشكلي الذي نوهت به. فهناك ثقافة وبيئة معرفية وراء اختلاف الناس حول جميع الحقائق، وليس هناك حق مطلق، وباطل مطلق. فالحقيقة نسبية ترتهن لثقافة الفرد وقبلياته وما يرتسم في ذهنه من تصورات ميثيولوجية للرموز الدينية. سمعت شخصا يبالغ في تنزيه الذات ورمي الآخر بالكفر والردة والانحراف، ويوعز ذلك لغضب الله وسخطه عليه. فسألته: ماذا لو أنك مولود في إحدى ضواحي مدينة سيدني الأسترالية، ألا تتقرب لله تعالى بفنجان ويسكي في ليلة الكريسمس؟.

نحتاج أن نعي الحقيقة جيدا، وسلطتها، ودور قبلياتنا في صدقيتها، كي نكف عن منطق التكفير، ونتعامل مع الآخر بمنطق إنساني، يترفع عن الخصوصية وتداعياتها الخطيرة على السلم الأهلي. الفرد إبن بيئته، ونتاج ثقافته، وهي تختلف من شخص إلى أخر.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة السادسة والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق21- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص والتاريخ

ماجد الغرباوي: التاريخ: هو حركة الإنسان في الواقع، وصراع الأضداد حول الشرعية والحقيقة والمصالح الاستراتيجية، التي وظِّفت لها مختلف القدرات، بضمنها النص المقدس، الذي كان الأساس في صناعة التاريخ السياسي للمسلمين. فالنص، مطلق النص أداة لدراسة التطورات التاريخية والفكرية. ولقد بات للروايات الموضوعة قيمة توثيقية لدراسة مسارات الفكر السياسي والعقيدي للمسلمين، وتطورهما تاريخيا. ومقياس لوعيهم دينيا وفكريا وسياسيا. جدير بالذكر أن الموقف السياسي بعد وفاة الرسول لم يتأسس على أية وثيقة دينية، آية أو رواية صحيحة، بل أن الفكر السياسي والعقيدي المنبثق عنه، تأسسا على موقف سياسي. وكان أحد أسباب التطور الفكري. بل أن الفكر الإسلامي انشغل بالموقف السياسي لعدة قرون، فكان المنجز الفكري والعقائدي تأصيلا للموقف السياسي وشرعنته، وليس العكس. من هنا تفهم القيمة العلمية والمعرفية للروايات التي يتبارى بها المسلمون، شيعة وسنة. فجميع ما صدر منها هي نصوص ما بعد الوقوع. 

وقد لعبت مدونات التأسيس، أو النصوص المؤسسة دور البطل في صناعة التاريخ الإسلامي. وكانت المرجعية الفكرية الأساس للنشاط الحضاري عبر القرون الأولى. وأيضا كان لها دور في تراجعه، عندما أُسيء فهم الدين ومقاصده وغاياته، وعدم مراعاة تاريخية النص، وشروط فعليته. وفي مجال السياسة كان النص الأخطر بين العوامل المؤثرة فيها. ومن يروم قراءة التطور الفكري والعقيدي والسياسي للمسلمين عبر القرون الأولى، يمكنه ذلك من خلال متابعة النصوص وتاريخ ظهورها. فالروايات كانت تلبّي مختلف الضرورات، وفقا لمصالح شخصية وسياسية وعقيدية. وكانت بوصلة الوعي السياسي. وقد واكب النص جميع التطورات وعلى أكثر من صعيد، فدراسة الرواية بشكل عام يكشف عن مراحل التطور الفكري والعقائدي والسياسي لتاريخ المسلمين. خاصة أن الفكر السياسي، فكر اجتهادي، فرضته ضرورات السياسة. وقد استأثرت الروايات الموضوعة بالدور الأهم، تأسيساً واستمراراً، ولا علاقة لها بالدين، سوى المبادئ العامة، والقيم التي لا دليل على وجود الإلتزام بها من قبل خلفاء المسلمين. أي أن القضايا التي شرعتها وفرضتها الروايات لا دليل على صحتها وصدورها، وليس لها جذر قرآني صريح، سوى تأويلات لبعض الآيات. فيمكن من خلال خارطة صدور النصوص التعرّف على الخط البياني للتطور الفكري والعقيدي، والكشف عن جميع الضرورات السياسية والعقيدية التي دفعت لوضع الروايات والكذب على رسول الله بطريقة لبقة أخفت كذبها وتدليسها. فعلاقة النص بالتاريخ علاقة جدلية، فكما أثر النص بالتاريخ، كذلك حفز التاريخ وضروراته على صدور النص وانتشاره لمختلف الدواعي، خاصة في خضم الصراع حول شرعية السلطة، والتنافس الحاد على احتكار الحقيقة. حيث قوة تأثير الروايات في وجدان المسلمين باعتبارها أقصر طرق النجاة، مما يفرض تقديسها والإذعان لها.

مما تقدم يتضح أهمية دراسة النص باعتباره محركا للتاريخ والأحداث الكبرى، وكان وراء مختلف التطورات، فينبغي لنا كشف الحقائق كي لا نتهاون في نقد النصوص التي ما زال المسلمون يتشبثون بها رغم كل تداعياتها التاريخية. وهنا نلقي نظرة على مفاصل النصوص وتأثيراتها عبر تاريخ المسلمين، وسأصطلح على ما عدا الصحيح منها بالروايات المحتملة. وهي كل رواية لا يمكن الجزم بصحة صدورها أو نفيها، كي لا نتهم أية رواية بالكذب والوضع، خاصة عندما يكون الراوي ثقة، سواء كان صحابيا أم غيره. فاحتمال الصدور يشمل بإطلاقه الروايات الموضوعة، وكل نص لا يمكن الجزم بكذبه وعدم صدوره. فيبقى محتمل الصدور. إضافة إلى الروايات المظنونة، والمشكوكة، والمحتملة، وفقا للتصنيف المنطقي:

لقد دشنت الدعوة المحمدية بعد وفاة الرسول مرحلة الإسلام السياسي. فانتهت بذلك حقبة التنزيل لتبدأ مرحلة التأويل. الإسلام ولد دينيا، وانتهى سياسيا. يظهر هذا جليا من خلال التوظيف الدلالي للآيات لصالح الموقف السياسي، وترسيخ السلطة، ومرجعياتها الفكرية والعقائدية. فتعددت دلالاته تبعا لزاوية النظر، حتى بات من السهل متابعة حركة أهل البيت وشرعيتهم ومراحل حياتهم السياسية، حينما تنظر للقرآن من زاوية عقائدية شيعية، خاصة الرؤية المغالية التي لا تسمح بأي شريك للكتاب ما عداهم. والتراث الشيعي زاخر بالتفسير الأثري للقرآن، الذي يخص أهل البيت بمصداقية جميع الآيات. كما ستقرأ تأويلا حركيا، ثوريا، لا يفهم سوى العنف والإرهاب طريقا، عندما تتدبر آيات الكتاب بمنظار الحركات الإسلامية، خاصة التكفيرية، المتطرفة. وأيضا تضعك الرؤية السنية في مدار معتقداتها السياسية، وشروطها التي أسست لها منذ بداية سلطة المسلمين، ووجوب طاعة أولي الأمر طاعة عمياء، وإقصاء مختلف المعارضة. وهكذا الاتجاهات الأخرى. فالتجرد في فهم وتفسير القرآن بات بعرف المذاهب الإسلامية تجاوزا على حرمته، ومخالفة صريحة لنبي الإسلام. فكل التفاسير متحيزة، وقد أسقطت قناعتها السياسية والعقيدية بلا تريث وخشية من الله تعالى. وبات الدين مورد استقطاب، كل يسعى لاحتكار الحقيقة والشرعية دون خصومة. ومزقوا الأمة الإسلامية شيعاً، فصدق عليهم قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ). الكل انغمس في لعبة تقطيع أوصال المسلمين، ولا يمكن لأي منهم تبرئة ساحته، مهما بالغ في احتكاره الحقيقة دون غيره.

وبالتالي انتهت بوفاة الرسول مرحلة الإسلام الديني لتحل محلها مرحلة الإسلام السياسي، ولا يمكن اعادة الاعتبار للدين إلا برؤية نقدية، تتوغل في أعماق المقدس، بحثا عن تاريخيته، كي نتمكن كحد أدنى تعطيل مرجعيات الزيف الديني والمذهبي الذي استباح دماء الناس، ونهب ثرواتهم، وعمق فيهم روح الإتكال والتبعية والانقياد، والتخلف المرير. وقد مر الإسلام السياسي بمراحل، بدأت سلمية لتنتهي مرحلة الخلافة الأولى بدموية قادها صحابة رسول الله، فكان جميع القتلى من الصحابة والتابعين. ثم مرحلة الاستبداد السياسي، المؤطر دينيا. وهي مراحل عدة، يهمنا المقطع التاريخي الأول منها. وفي جميع المراحل تجد النص / الروايات دليلهم، وقد تطورت بعض النصوص تاريخيا تبعا لتطور الحالة السياسية، فصار النص الأول يواكب حركة التطور السياسي – الديني عبر نصوص جديدة تنتمي له في مضامنها، وتتفرع على أحكامه وقراراته. ونظرب بعض الأمثلة تؤكد تطور النص تاريخيا:

 

رواية: الخلافة في قريش

لقد دشن الإسلام السياسي مرحلته بصراع لم يحسم إلا بنص / رواية لصالح المهاجرين وقريش ضد الأنصار، حينما قلب حديث "الخلافة في قريش" موازين القوى. فقد روى أبو بكر رواية عن النبي، لا نعرف ماهي مناسبة الحديث عنها، وما هي القرائن الحالية والمقامية التي رافقتها. وقد أكدت في أكثر من مناسبة، عدم إمكانية صدور هذه الرواية التي تحمل الرسول مسؤولية استناد السلطة لقريش دون باقي الصحابة، بما فيهم طاقات كفوءة، طالما اعتمد عليها في انجاز مشاريعه الدعوية والقتالية. لكن رغم ذلك تبقى الرواية ضمن الروايات المحتملة، وفقا للتصنيف الذي ذكرته.

ليس المهم صدور الرواية، لكن ما يهمنا معرفة آثارها وتداعياتها، وكيف طورت الرؤية السياسية، وهنا نكتفي ببعضها، مثالا لبيان علاقة النص بالتاريخ، وكيفية مواكبته للأحداث والضرورات السياسي والعقيدية.

- تعتبر رواية " الخلافة في قريش"، بجميع صيغها، أول تأسيس للفكر السياسي الإسلامي بعد وفاة الرسول، سواء صدرت فعلا عنه أم لا، فهي رواية محتملة الصدور لكن وقعها كان كبيرا. وهذا ما نريد بيانه، لمعرفة حجم تداعيات الروايات الموضوعة، سياسيا وفكريا وعقيديا. فهذه الرواية هي التي حسمت موضوع الخلافة، باعتبارها رواية نبوية مقدسة، ولها سلطة التشريع والبت في القضايا الخلافية. فالرواية كانت انعطافة حقيقية، أخرجت الإسلام من طوره الديني إلى طوره السياسي، ورسخت الوعي السياسي للدين . ولم يعارضها أي نص (آية أو رواية). فصدى الرواية وهي تحسم الموقف يكشف عن وجود فراغ تشريعي، فضح جميع ما صدر من نصوص لاحقا تريد شرعنة الخلافة أو الإمامة لطرف دون آخر، رغم حاجة جميع الأطراف آنذاك لوثيقة ترجح أحدهما.

- تعتبر هذه الرواية الأساس الشرعي لشرط القريشية في الخلافة، وفقا للفقه السياسي السني، الذي أدرجها ضمن الأحكام السلطانية. فكرست الرواية نخبوية السلطة في دائرة ضيقة، وضاعت في ظلها قيم الكفاءة. فالشرط القبلي تقدم على كل شرط عقلائي يفترض توفره في المتصدي للحكم. وهكذا عندما حصر الشيعة الخلافة بأهل البيت وفقا لهذه الرواية بالذات، فلم يتغير شيء وبقي شرط القريشية هو المبدأ الأول في الفكر السياسي للمسلمين، فأهل البيت جزء من قريش. فيصدق أن النظام السياسي للمسلمين نظام ثيوقراطي، عنصري، مهما حاولت الأدلة تبرير نخبوية الخلافة أو الإمامة، ومهما سعت لتقديسها وأسطرتها. ولم يتغير أي شيء بظهور روايات فيما بعد راحت تشرعن الخلافة والإمامة. فنظام المسلمين نظام قبلي، يؤمن بقريش عنصرا بشريا متعاليا مؤهلا للسلطة دون غيره. لذا لم يناقش أحد مبدأ السلطة خلال الخلافة، وكانت المفاوضات أحيانا حول شروط الحكم وأولوياته.

- إن النخبوية التي أسست لها هذه الرواية تبرر استبداد الحاكم وإطلاق صلاحيته، لأنه استمد سلطته من طريقين، شموله بهذه الرواية، والبيعة أو التعيين. وهذا نظام يواكب التطور الحضاري، ونظرة العالم لحقوق الإنسان. فالدم والقومية ليست من قيم التفاضل قرآنيا، بل إن أكرمكم عند الله أتقاكم. وأضيف: وأفضلكم في السلطة أكفأكم، والثاني مبدأ عقلي وأخلاقي. فلماذا لا تشمل السلطة الأكفاء من صحابته، من غير القريشيين؟.

- كرّست هذه الرواية الحس القبلي، بل وفضحت أصالته في الشخصية العربية رغم إسلامها، فالرواية لا يمكن لها المرور لو لا وجود أرضية تتقبل زعامة قريش، وهو حس شائع آنذاك، وكان الخلاف حول إمكانية تزعم الأنصار لقيادة جماعة المسلمين، غير أن سطوة قريش هيأت الأجواء لاحتكار السلطة. وهذا يؤكد تجذر الحس القبلي، خاصة حينما لا يتقاطع مع الدين. ويبقى السؤال عن مدى نجاح الدين في تحرير الإنسان من قيمه القبلية الموروثة؟.

- جسّدت هذه الرواية سلطة النص المقدس، وقدرته على حسم الأمور، وهذا مكمن خطر الروايات التي تتطلب مزيدا من النقد والتدقيق في كل رواية ينصاع لها المسلمون، بدوافع دينية أو عقيدية أو سياسية. فالمتلقي يفهم من الرواية قول الرسول الواجب طاعته، ولا يهتم كثيرا للسند، ومدى صحة الرواية. لذا تؤكد الروايات الموضوعة نسبتها للنبي لتتجاوز محنة السند والتوثيق. بمعنى آخر أنها تلوذ باسم النبي لتمرير مضمون الخبر. فمصدر الخبر هو الذي لعب دور التأسيس والحسم. لذا ينبغي دراسة المتن بعيدا عن خدعة المصدر، فالكذّاب لا يهمه على مَن يكذب.

وبالتالي فهذه الرواية أسست المبدأ الأول في النظام السياسي للمسلمين، وفق قيم قبلية بعيدا عن الدين وقيمه الإنسانية، ثم راح يتطور تاريخيا وفقا لحاجات سياسية وطائفية.

 

التطور التاريخي للنص

لم يتوقف الأمر على رواية (الخلافة في قريش)، لترسيخ الملازمة بين قريش والسلطة، بحيث تبدو نظرية السلطة في فكر المسلمين نظرية ثيوقراطية من صميم الدين، فلا فرق في ذلك بين السنة والشيعة، سوى التخصيص في الدائرة الأصغر، لكنهما لا يختلفان حول قريشية السلطة. فشجعت هذه الرواية على صدور روايات أخرى لصالح قريش وسلطتها، كرواية (الأئمة أو الخلفاء أو الأمراء 12 كلهم من قريش)، وقد مر تفصيل الحديث حول عدم صحة صدورها، وهي رواية موضوعة لكنها تبقى محتملة. فإذا كان دور الرواية الأولى تأسيسيا فإن دور هذه الرواية شرعنة سلطة قريش على امتداد 12 خليفة. اي ستة أجيال وهو أقصى مدى للحياة كان العرب يتصورونه. فمضمون النص الأول (سلطة قريش) طور نفسه ليواكب تطورات التاريخ، فكانت الرواية الثانية. فهذه الرواية متولده من الرواية الأولى لتعكس تطور الفكر السياسي تاريخيا.

ثم جاء دور تحصين سلطة قريش من خلال نصوص هي الأخرى لا يوجد دليل على صحة صدورها، سوى روايات آحاد، ظهرت بعد الخلافة الراشدة. والدليل على وضعها عدم الاستشهاد بها رغم حاجة الخلفاء لها في جميع مفاصل السلطة، ففي كل مرحلة من مراحل الخلافة ثمة أزمة شرعية تمر بها الخلافة الإسلامية، سببها عدم وجود نص يحسم النزاع، فهذه الروايات لو كانت صحيحة الصدور عن النبي، وكانت مشهورة بين الصحابة لاستشهدوا بها، وهي روايات ظل للروايات التأسيس، فيصدق عليها التطور التاريخي للنص. كحديث العشرة المبشرة بالجنة. الذي يمضي بشكل غير مباشر جميع سلوك هذه المجموعة، ويعتبره مقياسا للحق، الذي هو أساس ممارسة السلطة في الفكر السياسي الإسلامي في مراحله الأولى. وحاله كسابقه بالوضع، وكلا الحديثين بصدد منح قريش حصانة، تحرّم منافستهم سياسيا، وتمنع محاسبتهم سلوكيا. فهم فوق النقد والمحاسبة. ورواية: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة). وأيضا: (إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر).

ثم جاءت رواية الحصانة الذاتية للخلافة والسلطة، وهي أيضا من روايات الظل للنصوص التأسيسية: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة).. (اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك). وهناك روايات أخرى كثيرة راحت تكرس سلطة قريش بل حتى سلطة بني أمية، وجميعها ظهر في عهد الدولة الأموية، وانتقال الخلافة ليزيد وراثة، في عدول خطير عن مبدأ الشورى، رغم شكليته، فلم تشهد الشورى حضورا حقيقيا في قرارات تنصيب الخلفاء. فأبو بكر نصبته قريش، والثاني عينه الأول، والثالث تمخض عن شورى قريشية بامتياز، واستولى عليها معاوية بالقوة والسيف، بعد صراع مع السلطة الشرعية المتمثلة بالإمام علي. فأين الشورى الحقيقية؟. فتلاحظ من مسار الخلافة والنصوص التي رافقتها أن سلطة قريش هي بحد ذاتها كانت هدفا للخلفاء، فكل الملاك بالنسبة لهم أن تكون قريش في أعلى السلطة. فالأولويات الدينية تأتي بعدها، والكفاءة تأتي ثالثة.

وأما على الصعيد الشيعي فقد لعبت ذات الرواية (الخلافة في قريش)، دورا أساسا في بلورة مفهوم السلطة، وراح النص يواكب التطور التاريخي، وحاجة المشروع الشيعي لنصوص تؤصل للإمامة بدلا من الخلافة، فكانت أكثر التصاقا بالنص، خاصة حينما انطلق المخيال الشيعي يرسم صورة غرائبية لرموزه الدينية وأئمته. وكانت نقطة الخلاف في الرواية بين قريش وأهل البيت أن الرواية السنية لم تشترط سوى القريشية، بينما الرواية الشيعية جعلت السلطة حكرا على جزء من قريش، وهم أهل البيت. وهذا هو مدار الخلاف على طول التاريخ. وبالتالي فرواية الخلافة في قريش يعد نصا تأسيسا للسلطة بامتياز، لا فرق في ذلك بين السنة والشيعة، وكان نواة تطور النص وتشعبه. فجميع الروايات الشيعية والسنية ركيزتها الأساس هذا النص. فالنص لم يكن ساكنا يوما، بل راح يمد أزمة شرعية السلطة بحلول عملية رغم انحيازه، من خلال تطوره، وتطور أدائه. وهذه الرواية هي التي أوجدت حقيقتها، من خلال أدائها، وإرتكازا لخلفية المتلقي القائمة على قَبَلية السلطة ومركزية قريش، ولولا هذه الخلفية لأخفق أبو بكر في روايته. وقد بينت مرارا أن الكتاب الكريم قد أهمل موضوعي السلطة والإقتصاد، ووضع مبادئا لضبط أداء السلطة، ترتبط بالعدل، والتقوى والإخلاق. وقد حذا الرسول حذو الكتاب الكريم، فلم يصدر منه ما يؤكد اهتمامه بالسلطة الزمنية، وكان جهده وهمه منصباً على الرسالة والدين. السلطة موضوع خطير وكان ينبغي للرسول التأكيد عليه بجميع تفصيلاته، ولا يكتفي بحديثه عن فضائل الصحابة، والاشارات المبهمة، وهو يعلم تداعيات الوضع. فعدم اهتمامه له دلالات بليغة.

 

رواية: من ارتد عن دينه فاقتلوه

تمثل هذه الرواية موقف السلطة من المعارضة، وتعلن الحرب ضدها، مهما كانت مبرراتها، وهي من الروايات التأسيسية أيضا. وبهذا يتبين أن النظام السياسي للمسلمين يقوم على ركيزتي: شرط القريشية، وحرمة المعارضة. فهو نظام شمولي، استبدادي، يتدخل في جميع مناحي الحياة، وخصوصيات الأفراد، فيحرّم المعارضة باسم الدين والتشريع، ويسلب الناس حقهم في تقرير مصيرهم. وقد اضطروا لهذه الرواية لقمع الردة في زمن أبي بكر، الذين امتنعوا عن دفع الزكاة لسبب ما. فكان بحاجة ماسة لمبرر شرعي، لترسيخ السلطة وقمع المعارضة، فكان هذا الحديث. وقد اقتدى به كل من جاء بعده من الخلفاء. فأصبح قتل المرتد، وهو المعارض السياسي مبدأ في النظام السياسي للمسلمين.

أول ما يسجل على رواية "من ارتد عن دينه فاقتلوه" مخالفتها للكتاب الكريم، و"ما خالف كتاب الله فهو زخرف"، "وما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدال". (إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه فإنه حديث باطل لا أصل له) وهي ضوابط نبوية. والمسألة لا تحتاج لحديث رادع، فالقرآن أصل التشريع، ومخالفة أحكامه مخالفة لله تعالى. وعقوبة المرتد في الكتاب الكريم عقوبة أخروية وليست دنيوية، لأنها تتعلق بعقيدة الفرد. (..مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ..). (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِي)، والآية الثانية واضحة في نفي العقوبة الدنيوية، حيث لم ترتب أي عقوبة على الارتداد الأول. لأن الآية تتحدث عن إيمان ثم كفر ثم إيمان وكفر، ولو كانت هناك عقوبة دنيوية يجب أن تنفذ به بالردة الأولى. لكنه لم يحصل لتدل الآية صراحة على نفي أية عقوبة دنيوية.

كما توأخذ الرواية حينما جعلت ناكر الضرورة (الصلاة، الزكاة، الصوم ..)، من مصاديق الردة، وحكمت بقتله مع عدم وجود دليل قرآني على ذلك. والمعروف أن موضوع الارتداد هو الإيمان والكفر وليس نكران الضرورة. وعدم اتيان الزكاة لا ينفي إيمان المرء. فمن لا يصلي لا يقال أنه مرتد يجب قتله، بل يشمله مفهوم مقترف الكبيرة بتركه للصلاة. لكن السبل ضاقت بهم لقمع المعارضة، وليس سوى الوضع سبيلا لتدارك نقص التشريع لتبرير القتل.

ومضمون هذه الرواية راح يتطور هذه المرة عبر التنظيرات الفقهية، وبمساعدة الفقهاء، الذين راحوا يبررون قتل المرتد عبر أدلة لا علاقة لها بالقرآن، أدلة تعتمد مقدمات، هي بالأساس صناعة بشرية، جعلوا منها سلطة مقدسة، تفرض عليهم محدداتها. وعمدة الدليل في قتل المرتد هو الاجماع، لكنه اجماعي على رواية معلومة لابن عباس، مختلف حولها، وكل أجماع ناظر لضرورات السلطة وحاجتها لبسط الأمن وقمع المعارضة، فهو اجماع مشبوه، متحيز، لا يمكن الوثوق به. الإجماع الحجة هو الإجماع الذي يكشف عن رأي الشارع المقدس أي الرسول مع عدم وجود رواية في مورده، أما مع وجودها فالحكم وحجيته يدور مدارها، ولا معنى للإجماع حينئذٍ. ولو صح قتل المرتد في زمن النبي فله ضروراته التي ترتبط بحداثة الدين، وتهديد أمن المجتمع المسلم وأسباب نجهلها. ولا يمكن للنبي أن يخالف كتاب الله.وبشكل عام لا يمكن للاجماع أن يكون دليلا شرعيا، رغم اتفاق الغالبية على حجيته، لأن الاجماع المدركي، أي القائم على وجود رواية، يكون مرهونا بحجيتها، ولا قيمة له مستقلا عنها، وإذا لم يكن مدركيا لا نعرف شيئا عن مناشئه، وليس بالضرورة أن تكون شرعية ومن خلال دليل غاب عنا، فدوافع التشريع متعددة، والفقهاء يتأثرون بقبلياتهم وثقافتهم ويقينياتهم، ومع وجود هذا الاحتمال كيف تبقى للاجماع حجية مطلقة؟

فالرواية التي نقلت الخبر لم تنقل تفصيلاته وقرائنه وخلفياته، فيجمد الفقيه على ظاهر النص دون البحث عن أسباب صدوره وفلسفته مما يعمق الشك بالحكم. لذا يبقى القرآن هو الأصل في حالات الشك كما بالنسبة لحكم المرتد، والقرآن واضح جدا في موقفه من المرتد. لكنهم قالوا أن آية السيف قد نسخت الحكم. ونعود ثانية لنقول لا يوجد نسخ في القرآن، ومن الصعب تحديد مصاديقه بذات الدليل القرآني لو قلنا بصحته. فلا توجد آية صريحة تقول أن آية السيف قد نسخت جميع آيات الرحمة والتسامح والآيات القرآنية، بل هو مجرد اجتهاد، وضروروات السلطة لتبرير الفتوحات الإسلامية.

 

تاريخ النص

إن دراسة تطور النص تاريخيا يساعدنا على فهم حقيقة الأمور، وكيفية تطور السلطة عبر التاريخ من خلال النص / الرواية / الحديث / الخبر. غير أن مشكلة المسلمين في دراستهم للتاريخ ينطلقون من قبليات مثيولوجية، ترسم صورة مثالية للسلطة ورموزها، فيتم تفسير الأحداث تفسيرا بعيدا عن الواقع، حينما يربطونه بمشيئة الله وإرادته، ويعتبرون الإمامة نصا وتعيينا كما بالنسبة للشيعة. لقد بدأ تاريخ المسلمين موقفا سياسيا، راح يتطور، والنص يواكب تطوره، يشرعن السلطة ويقمع المعارضة، ويؤسطر الرموز التاريخية. وبالتالي فثمة فارق في فهم الأحداث بين من يتابع حركتها ويتقصى أسبابها، بعيدا عن تحيزاته وقبلياته، وبين من يقرأها من خلال خلفيته وتصوره ومثيولوجيته. وهذا هو سبب الصراعات الطائفية بين المسلمين، ولن تنتهي ما لم يتغير منهج قراءة التاريخ والأحداث الكبرى. فالنقد مفتاح الحقيقة، وهو ما نسعى له دائما. القراءة الموضوعية للأحداث تلاحق الحدث عبر مفاصله المختلفة، وفهم نتائجه عبر التعرف على أسبابه وظرفه ومختلف دوعي حدوثه. بينما القراءة المتحيزة، تقرأ الحدث عبر قبليات القارئ، فتهمل جميع الأسباب الموضوعية أو تفسرها بشكل يلائم متبنياتها.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.............

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbaw10خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق20- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص ومثيولوجيا التراث

ماجد الغرباوي: التراث فهم بشري، يمكن تفكيكه وتحليل مقولاته، غير أن الضرورات المرجعية للمذاهب المتصارعة نأت به عن النقد والمراجعة والتشكيك، عندما فرضت حوله أسيجة ميثولوجية، رسخته في وجدان الناس، رغم غرائبية مصادره، وأسطورية قدراته المعرفية. فكرّست الأيديولوجية منطق الاستعلاء والوصايا، بعد أن جردت التراث من تاريخيته وبشريته، وأبقت على تعاليه وقدسيته، رغم أنه ليس مصدرا للمعرفة القائمة على الدليل والبرهان دائماً، بل فهم بشري يصدر عن بنية قائمة على أسطرة الرموز الدينية، تتداخل فيها الخرافة بالوهم. فهي طبيعة سحرية، تموه الحقيقة، عبر وعي مختلف لمعناها ومعنى الحياة والموت والنجاة والسعادة. فالثقافة التراثية تخلق حالة من التناقض اللاشعوري تجاه الحداثة ومعطياتها، وتنحاز للماضي على حساب الحاضر. فلا يمكن للتراث أن يكون مصدرا للمعرفة، وهو يرتكز لمرجعيات قوامها الإيمان والتسليم. عكسا للمعرفة الحقيقية، التي يمكن الاستدلال عليها من خلال التجربة أو البرهان الرياضي، والدليل الفلسفي القائم على الاستنباط والتأمل العقلاني، بعيدا عن المتخيل الميثيولوجي. وبالتالي لا معنى للحديث عن نهضة حضارية، وثمة من يكتفي بالتراث مصدرا مطلقا للمعرفة، إرتكازا لهيمنته السحرية التي تتجلى في ديمومة حضوره، وقدرته على توجيه وعي الناس بعيدا عن العقل. بل لا معنى للعقل مع وجود نص ينتمي لعقل أسطوري، كامل، معصوم. فالنص فوق العقل وفقا للوعي التراثي، سببه الإيمان بقدسية مصادره، وعدم تاريخيته. التراث في الوعي الديني مرجعية لمطلق المعارف، لا يغادره الفرد بفعل ما اسميته سابقا بـ"اليقين السلبي". فهو يلجأ للطبيب بعد يأسه من جدوى الدعاء والتوسل، لكنه لا يعترف بدوره وقيمة معرفته بشكل مستقل. فالدواء والطبيب مجرد وسائل للشفاء، الذي تم بواسطة قوى خارقة للطبيعة البشرية. هذا التناقض المروع لدى العقل المسلم مبعث قلق حضاري، يثبّط عزيمة البحث والتقصي العلمي، ويحد من آفاق التنمية. خاصة ونحن نعيش عصر العلم، وتطور مصادر المعرفة. فيجب تحطيم الأسيجة القدسية وأنسنة الرموز الدينية والتاريخية، من خلال نقد ذات اللامفكر فيه، والتعرف على مصادره وطرق تأثيرها. فاللامعقول وعي متأخر للذات، يترعرع داخل بيئة ثقافية، وخطاب يعمق الإيمان به. فتحرير الخطاب تحرير للوعي. ونقد النصوص نقد للمهيمن الثقافي. ولا يخفى أن قوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) لا يلغي القوانين بل يؤكدها، لذا كلا من المؤمن والكافر يغرق ما لم يجيد السباحة أو يتوفر له سبب لنجاته.

فالرهان على التراث مصدر لمطلق المعرفة رهان خاسر، وهذا ما حصل لجهود أسلمة العلوم الإنسانية (المعهد العالمي للفكر الإسلامي وجهود باقي المفكرين المسلمين). لأن ما أرادوا أسلمتها هي علوم تنتسب لحضارة أخرى، وثقافة مختلفة، وفلسفة مغايره في مرتكزاتها وفهمها لدور الدين والإنسان في الحياة. فكيف يمكن أسلمتها وفقا لمبادئ فلسفية تقوم على مركزية الله في الوجود، ولا سلطة للإنسان فوق سلطته، وتنحصر مصادر التشريع بالكتاب والسنة؟. بينما يقوم الفكر الغربي على مركزية الإنسان، ومسؤوليته عن حاضره ومستقبله، فالسلطة تستمد شرعيتها من الشعب، ولا رصيد للدين ضمن مصادر المعرفة، وتنحصر بالعقل والبرهان والتجربة والدليل الرياضي والاستدلال الفلسفي. فالفهم الخاطئ للدين أحد أسباب الأزمات الحضارية المستعصية. فهو محترم ومقدس في حدود دائرته واهتمامه. فلا يكون بديلا للعلم، ولا يمكن للنص المقدس أن يعطل القدرات البشرية، وهو يراهن على الإنسان في خلافة واستخلاف الأرض. للدين وظائفه في بناء الروح الإنسانية الفاعلة، من خلال ثقافة تكتسب فيها التضحيات معانٍ جليلة، وتعمل التقوى على تقويم سلوك الإنسان، والحد من جشعه. فالقانون غير قادر دائما على مراقبة الإنسان، لكن الدين يخلق وازعا داخليا، ما لم يلتف الفرد على قيمه بفتاوى فقهية. كما أن الدين احتضن الإنسان قديما وما يزال، حتى يكتشف قدراته، ويعي دوره ومسوؤلياته في الحياة.

إن الهاجس الذي يدفع باتجاه دراسة الخطاب تاريخيا، هو كشف حقيقته ومصداقيته، وفضح ألاعيبه وخداعه وأدواته، وطبيعة النصوص التي يرتكز لها. فالخطاب التراثي خطاب مؤثر، يستمد صدقيته من وعي الفرد وعقله الجمعي المتأثر بطقوسه ومخياله الميثيولوجي. فهو يخشى النقد والمراجعة ويلوذ باللامعقول والأوهام العقيدية والمعرفية. فاقتحام أسوار العقل التراثي، ومرجعياته، وتفكيك خطابه، وتحليل مقولاته ضرورة للحد من توسع سلطة التراث على حساب العقل والمعرفة الحقيقية. فالتراث، بما فيه التراث الديني، بكل نصوصه ورواياته وفتاواه لا تشكل مصدرا معرفيا حقيقيا، لأنها نصوص تاريخية، وفهم بشري، بل حتى النص المقدس ليس مطلقا دائما في أحكامه، وما يقدمه من معارف علمية وغيرها، ففي سياق هدفه التوحيدي، غير أن العقل المسلم، يوظفها بعيدا عن موضوعها، ويبقى في دوامة الدفاع والتبرير، والبحث عن مؤيدات علمية. وهذا نوع من الاحباط سببه رثاثة الوعي، وعدم قدرته على فهم النص المقدس ضمن سياقاته التاريخية. فالاطاحة بأسيجة القداسة ستنقذ الدين من براثن الفهم المبتسر. وعودة العقل لأحضان المعرفة، كل ضمن اختصاصه. فموضوع القرآن والمعرفة الدينية، خصوص العقيدة والشريعة، وعقيدته بسيطة واضحة، لولا الفهم التراثي. وأحكامه مرهونة لفعلية موضوعاتها. من هنا أجد الاهتمام بتاريخ الحكم الشرعي ودراسة فلسفته ضرورة ماسة، لمعرفة مدى فعليته. لكنها جناية الفقهاء حينما هيمنت فتاواهم على حياة الإنسان فأطفأت روح الإبداع والتطور.

 

حضور النص

إن الفهم التراثي فهم مؤسس على نصوص وروايات، بغض النظر عن صحة صدورها، فتلعب دورا خطيرا في تشكيل العقل وتوجيه الوعي، بما فيها الروايات الموضوعة والمختلقة. وهذا ما يهمنا. فصدقية الرواية وفق المنطق التراثي بقوة حضورها وتأثيرها لا بصحة صدورها. وقد لا يجازف الباحث عندما يعتقد أن تاريخ المسلمين نسق روائي، أكثره مختلق، لا يتوفر على شروط صحته. لذا قمت بتصنيف الروايات تصنيفا مغايرا، خلافا لما هو متعارف، الذي يستبعد كل نص يتقاطع مع توجهاته الدينية والسياسية، ويقبل الموضوع والمختلق حينما ينسجم معها، وهو منهج متحيز، خطير في تداعياته وآثاره. فالتصنيف الذي أعمل عليه خلال نقد النص والحفر في أعماقه إركيولوجيا، هو قسمة الروايات قسمة ثنائية: إما صحيحة، يمكن الجزم بصحة صدورها. اي الرواية التي تورث العلم واليقين، ولها كاشفية تامة على مضمونها. أو محتملة الصدور، بعد استبعاد ما نجزم بعدم صدورها يقيناً. فالرواية الضعيفة وفقا لهذا التصنيف محتملة الصدور، ما دامت مؤثرة. فندرسها من حيث تأثيرها وتداعياتها. فتارة يكون تهميش بعض الروايات الضعيفة رغم قوة تأثيرها تسترا على ما هو أخطر، خاصة في مجال العقيدة. فاستحضارها لنقدها ودراستها يعد أمرا أساساً لمعرفة آليات الخطاب الديني والتراثي. ومن هذا المنطلق صرت لا أنفي أية رواية ساهمت في بناء المنظومة الفكرية لعقائد وأفكار المذاهب والفِرق الإسلامية. فربما تكون قد صدرت فعلا. فثمة منهج يقصي صحة صدور بعض الروايات تنزيها للرموز الدينية الكبرى، بحجة أنها تتنافى مع مبانيهم وقيمهم. وهذا منهج خاطئ، حيث تنعدم السبل اليوم للتأكد من صحة أو عدم صحة الروايات، بل حتى مناهج التوثيق تشكو إشكاليات تطيح بمصداقيتها، في أول تحدٍ علمي. فمرد تضعيف بعض الروايات لمرجعية مؤثثة ميثيولوجيا، تعتمد تنزيه الذات حدَ العصمة وإقصاء الآخر، حدَ التكفير والردة. فحينما نحتمل صدور الرواية الضعيفة، بعيدا عن منطق التنزيه الميثيولجي، سنكتشف صدقية المقولات التي ترتكز لها بنية الخطاب. وليس في هذا إدانة لأحد، فربما نكتشف من خلال الروايات رأي قائلها، فلماذا نكرّس منطق التبرير والتفسير ولا نقول الأشياء صراحة. نحن بصدد نهضة حضارية، والدين يشكل مقوما ذاتيا لثقافتنا، ويفرض علينا النص الديني، الأوسع من الآية والرواية بما يشمل فتاوى الفقهاء وتفاسير القرآن، يفرض علينا محدداته. تارة يقمعنا، وأخرى يضطهدنا. فيبغي تكشيف التراث، والتنقيب في داخله، لفضح أنساقه المضمرة، والمقولات التي ترتكز إليها بنيته، والتعرف على نقاط ضعفه ومخاتلاته، وطريقته في تزوير الوعي. يجب الخروج من دوامة التراث، واجترار الماضي، فلا مستقبل لأمة لا تبني تاريخها بنفسها. وهذا مرتهن لتلاشي روح العبودية القابعة في أعماقنا، وقدرتنا على استعادة ثقتنا بأنفسنا. الغريب أن الناس يهربون من الشكوك وتحديات الأسئلة إلى المبالغة في تقديس رموزهم وتاريخهم. ويقدّمون الخرافة واللامعقول على منطق العقل وآفاق المعرفة. ويحاربون الحقيقة من وحي أوهامهم وأساطيرهم. إنها محنة الوعي التي تلازمنا، وما زالت تطاردنا. المسلم يخشى عقله وحريته، ويتشبث بعقول تاريخية ليتحلل من مسؤولياته، ويقبل منطق الوصايا دون إرادته. فمنهجه قائم على تقديس تلك العقول، وتعميق روح التبعية والانقياد في أعماقه، فيكتفي بالتأويل والتبرير دون النقد والمراجعة. بهذا الشكل فقط تستقر النفوس المهزومة التي أدمنت التي أدمنت جميع أنواع العبوديات. أنها محنة العقل التراثي، ورثاثة الوعي.

إن المنهج العلمي يتطلب تجردا كاملا للوصول إلى نتائج مطابقة للواقع، نحن بصدد معرفة الحقائق والبحث عن حلول تنهض بواقعنا، والتراث ما زال يؤثّر، بل هو النموذج التي تطمح المذاهب الإسلامية لاستعادته. لذا لا استبعد أي رواية تحت ضغط أية مرجعية، خاصة حينما تكون ميثولوجية، يتباهى بها المخيال الشعبي. فتيارات الغلو التي تغزو مجتمعاتنا: الوهابية / السنة .. الغلاة / الشيعة، ينطلق فهمها من نصوص وروايات تاريخية – تراثية، غير أن منطق الاعتدال يسعى لتبرئة المصادر التي تنتمي لها النصوص التراثية التفسيرية، للحفاظ على قدسيتها. وهذه حلول قاصرة لم تُجدِ نفعا منذ مئات السنين. وينبغي التنقيب في عقل المصدر، بعد استبعاد قدسيته، والكشف عن متبنياته، خاصة ما يتستر عليها، أو يسعى الخطاب التراثي لتمريره سرا. لتأتي المقاربات متوافقة مع الحقيقة. القداسة تفرض علينا أحكامها المسبقة فلا ننجو من فخ التقليد والحلول القاصرة، بينما التحرر من قيودها يفتح لنا أفق التحري الموضوعي في مرجعياته، لنكشف عن بشريتها، وتاريخيتها، ومدى تأثرها برغباتها، السياسية والطائفية. هكذا يجب أن نؤسس لنهضة حقيقية، وليس بمناهج ارتدادية تنكفئ بنا للماضي، وتقطعنا عن حاضرنا ومسقبلنا. مطلق التراث هو نتاج ظرفه الزماني والمكاني، ومحكوم لمختلف المؤثرات الدينية والسياسية والطائفية، فكيف يمكنه معالجة واقع لا يعرف عنه شيئا؟. ولماذا لا نفكر نحن بضروراتنا، ونستفيد من فهمنا ومعطيات العلوم على جميع المستويات؟. الاحتكام المطلق للتراث بات تحدٍ خطير. فتجد بعضهم يعالج تخلفه بتخلف أكبر حينما يفرض لرجل الدين والسياسة ولاية وقيمومة عليه، وعلى إرادته وحريته. فهذه ليست معالجة بل تخلفا مروعا. فينبغي وضع معيار للتطور، فتكريس قيمومة رجل الدين مصادرة لحرية الفرد، وقمع إبداعاته، فبموجب أي مبدأ يصدق أنه منهج متطور حضاريا؟. سلب إرادة الإنسان ومصادرة حقه في القرارات المصيرية انتكاسة وليس تطورا. للأسف باتت المجتمعات محكومة لمنطق آخر، وتراثنا قائم على التنابذ والكراهية والحقد وروح الثأر. ويكفي ما نقرأ ونسمع من تراشق واتهامات بين أتباع المذاهب. ثقافة قائمة على تكريس روح العبودية والتسليم لأوهام صنعها الخطاب التراثي، فباتت مقدسة، يحرم مقاربتها نقديا.

ثمة حادثة تاريخية تبدو بسيطة، لكنها تضفي وعيا كبيرا على مرجعيتنا العقائدية والفكرية. لقد ذكرت معاجم الرجال وكتب التاريخ الشيعية، أن "عبد الله بن يعفور" وهو شخصية فكرية كبيرة، من أصحاب الإمام جعفر بن محمد الصادق (وفاته 149هـ). يُعد رمز الاعتدال العقائدي الشيعي، وهو الملهم لفرقة اليعفورية التي ظهرت بعد وفاته، لكنها أُجهضت من قبل بعض الشيعة. فيوما كان هذا الرجل عند الإمام الصادق، وكان معهم "المعلى بن خنيس" رجل الغلو بامتياز، وهو أيضا من مقربي الإمام الصادق. فنشب جدل بين الرجلين حول مكانة الإمام، حيث يذهب الأخير إلى أسطرة الإمام وتجريده من بشريته، وعبد الله بن يعفور ينفي عنه ذلك، ويتعامل معه وفقا لمنطق السمو البشري، من خلال علمه وتقواه وأخلاقه. والصادق يصغي لحديثهما، غير أنه مال في نهاية المطاف لابن يعفور ضد المعلى بن خنيس بعد ارتفاع سخونة الجدل بين الرجلين!!. وهذا بحد ذاته موقف إيجابي ظاهرا، يمكن من خلاله معرفة موقف الصادق من الغلاة وأفكارهم. لكن هل هذا الموقف يكفي لإقصاء جميع روايات الغلو الشيعي؟؟. سؤال على قدر كبير من الحرج حينما نسأل: كيف يتخذ الصادق المعلى بن خنيس وغيره من الغلاة كمحمد بن عمير ومحمد بن سنان وآخرين، أصحابا له؟ وكيف يتناهى لسمعه روايات الغلو ويسكت عليها؟ وكيف نفسر هذا الموقف؟ يكفي علامة الاستفهام مبررا لعدم استبعاد رواياتهم، للتعرف على الطريقة التي يفكر بها الصادق إمام المذهب الجعفري. ثم لماذا سكت حتى نشب بينهما جدل شرس؟ وبماذا كان يفكر وهو يصغي لهما؟. ربما الإمام الصادق يرفض التفكير المغالي، لكن للسكوت دلالاته. فتارة إشارة تصدر عن الرمز الديني أو الاجتماعي تفسر مثيولوجيا، وتربط المتلقي بعالم الغيب، ومقام الإلوهية.

واكبت نشوء بعض العقائد الشيعية المغالية، المبتدعة، منذ أكثر من ثلاثين عاما، ورأيت منهم عجبا. وعرفت عن قرب عقائدهم. فكانوا غلاة بامتياز، يقدسون شيوخهم، وينسبون لهم الكرامات، وعلم الغيب، والاتصال المباشر بالمهدي المنتظر. فكان أحدهم يجزم أن شيخه يعلم الغيب من خلال تجربة شخصية. وكان دليله بسيطا ساذجا جدا مستوحى من لغة الجسد وقوة تأثيرها في الأجواء الروحانية العالية. كان الشيخ دجالا، يحفظ روايات بغزارة، ويجيد لغة الجسد وقوة تأثيرها، فيترك أصحابه يجتمعون مطرقين من حوله، يرقبون حركاته وسكناته، فيسود المكان جو روحاني، ترق فيه المشاعر، وتحلق في مديات قصية، فيبدو الوهم حقيقة، والإشارة لغة، وكل شي يفسر تفسيرا غيبيا. يقول هذا الشخص كنت مأخوذا ببهاء طلعته، ووقاره وهيبة قدسيته، ففاجأني بنظرة خاصة حينما علم ما في قلبي!!!. فيبدو كان الشيخ يفاجئ بعض أصحابه بنظرة ذات مغزى، تصحبها ابتسامة معبرة، ثم يعود ليطرق، ليتركه يعيش لحظة الوهم اللذيذ. وهذه حادثه بسيطة لكنها درس عميق، وهذا ما أخشاه وأنا بصدد قراءة نقدية للتراث. كان هذا الرجل يختلي بين فترة وأخرى بأحد أصحابه، ويسره: "الإمام المهدي المنتظر يخصك بالسلام من خلال رسالة خاصة"، فتأخذ المتلقي نوبة بكاء وفرح، ثم ينكب يقبّل شيخه، ويتفانى في خدمته، دون أن يسأل نفسه لماذا لم يُرسل له المهدي بعض المال وهو يعيش وضعا ماديا مزريا، والمهدي يملك خزائن الأرض وفقا للميثيولوجية الشيعية؟ ولماذا شيخه مرفّه، منعّم في حياته؟. لكنها رثاثة الوعي، وسحر التراث بنصوصه الغرائبية، تقمع الأسئلة والشكوك.

يجب كشف المستور وفضح كل شي، والكف عن قداسات مثيولوجية يكتظ بها الخيال الشعبي، التي لم نجن منها سوى التخلف والتراجع. فتدفق روايات الغلو، عبر مقربي أئمة الشيعة يفرض علينا التأني في نفيها، فثمة قرائن حالية مفقودة. فما حدث في مناظرة ابن يعفور مع المعلى بن خنيس بحضور الإمام، ربما يوجد مثله كثير، وبحساب الاحتمالات، قد نصل إلى نتائج مغايرة. فإذا ثبت موافقة الأئمة لما يقال عنهم من غلو، فهذا يعني أن تأسيس البنى الخرافية والغرائبية في الفكر العقائدي الشيعي، كانت مقصودة، ينبغي البحث عن دوافعها، وإطفاء فاعليتها. لا شك أن زاوية النظر تتحكم بنتائج البحث، غير أن التجرد والموضوعية ومحاكمة التراث بمنطق العقل، يفضي إلى مقاربات واقعية. وهذا ما نحتاجه لنتجاوز محنة التراث في مسيرتنا الحضارية

ليس المقصود هنا بالإمام الصادق سوى مثال يتكرر مع باقي الرموز الدينية، وإلا فلا أحد يشك بجلالته وورعه وتقواه وعلمه ومكانته، وهذا ما اتفقت عليه المذاهب وتراجم الرجال، وليس الأمر يخص الشيعة دون غيرهم، بل أن السنة أدهى حينما يقمعون الناس بفقه سلطاني يكرس الاستبداد والتبعية، ويفرضون على الشعوب قداسات مزيفه، رغم إدانتها بالفسق والفجور، ويحرمون الخروج عليها. فالمعضلة معضلة التراث وسلطته، يجب الخروج من التقليد إلى الاجتهاد، من التبعية إلى المعرفة، من الاستسلام إلى الاستدلال، من التلقين إلى النقد.

وبالتالي، تحري خطاب التراث وتجريده من مثيولوجيته، هو تحرٍ للنص ومدى حقيقته. خاصة الروايات المحتملة، وهذا ما يهمنا، فثمة حقائق تراثية لا صدقية لها خارج النص، والخطاب التراثي المؤدلج، فكيف استطاع النص فرض حقيقته ومحدداته، وكيف راح يتحكم بوعي الناس ويعيد تشكيل عقولهم وفقا لمرجعياته العقيدية والفكرية؟. فدراسة التراث من هذه الناحية دراسة للنص واكتشاف حقيقته، والحد من سلطته وتداعياته. فالنص التراثي ليس نصا عاديا، بل أسطوريا، يحمل شحنة قدسية ورمزية عالية، هي خليط من الحنين للماضي (النوستالجيا)، وقدسية الرموز التاريخية، وإيحاءات السرد، وقوة تأثيرها، وطبيعة الإخبارات الغرائبية أو التي تنتمي للمقدس فتقمع النقد والسؤال.

إن العقل التراثي لا يفهم الواقع إلا من خلال التراث رغم تاريخيته واختلاف ظروفه، فيكون فهما مبتسرا دائما. وحينما يستعيد الماضي يبحث له عن شروط موضوعية تستوعبه، قد تضطره لتكفير الناس ورميهم بالردة والانحراف. فمَن يتمثل دور صحابة الرسول، ويعيش تجربتهم بكامل مشاعره وأحاسيسه، ويطمح في ممارسة ذات الدور، عندما يستشهد في سبيل الله، ويحظى بذات المقام في الدار الآخرة، لا يجد سوى التكفير والردة تسمح له بالجهاد والقتال بفهمه القاصر. وهذا ما حصل لداعش، فبعضهم وربما أغلبهم يتمنى دور الصحابة، فألقى بنفسه في لهوات الموت، وينسى اختلاف الظروف، ومناسبات الحكم والموضوع. فأراق دماء بريئة بسبب رثاثة الوعي، وعدم قدرة العقل التراثي على تشخيص الواقع، وشروط فعلية الحكم الشرعي.

التراث تراكم بشري، ينفع في دراسة العقل ومراحل تطوره تاريخيا، وهو نتاج محترم، لا يتعالى على النقد والمراجعة، وليس له أي سلطة معرفية، ولا يصلح أن يكون مصدرا معرفيا إلا بحدود.

        

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi6

خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق19- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص وفتاوى الفقهاء

ماجد الغرباوي: إن علاقة النص بالفتوى علاقة مرجعية، وما الفتوى سوى فهم للنص، وتطبيق لكلياته، ورفع ما يبدو متعارضا بين نصوصه، وتحديد ما هو عام وخاص ومطلق ومقيد، وما أُخذ من أحكامه على نحو القضية الحقيقية أو الخارجية، وتحديد شروط فعلية الحكم وموضوعه. والتمييز بين الأوامر والنواهي المولوية والإرشادية. هذا من حيث علاقتها بالنص. وأما اصطلاحا فيراد بالفتوى: رأي الفقيه المستند إلى دليل. حيث يعمل جهده في استنباط وبيان الحكم الشرعي إستنادا لمصادر التشريع المتعارفة عندهم: الكتاب، السنة، الإجماع والعقل أو القياس حسب متبنيات المذاهب الإسلامية، وهناك مصادر أخرى مختلف حولها لدى أهل السنة. إضافة إلى مجموعة القواعد الفقهية وقواعد أصول الفقه، التي هي أدوات في استباط الأحكام. فالفقيه يختلف عن راوي الحديث الذي تقتصر مهمته على نقل الرواية فقط، بما في ذلك الفقيه الإخباري الذي يكتفي بالقرآن والسنة دليلا على الحكم الشرعي، فأيضا ينحاز لقبلياته، ومبانيه في التوثيق، وفهم النص، وإظهار مداليله، وفي ترجيحه للروايات المتعارضة. فلا حيادية مطلقة في الاجتهاد، مادام يعني بذل الجهد لتحصيل الحكم الشرعي، فمضطر عن وعي أو غير وعي لإسقاط قبلياته على فهم النص، فيتأثر بعقائده ويقينياته، ومختلف ميولاته، خاصة حينما يتعلق الأمر بقضية سياسية، فينحاز لما يخدم مصالحه ومصالح مذهبه وطائفته. كما يرتكز في تحديد الموقف العملي في حالات الشك بالحكم الشرعي، إلى أصول عملية، ليس عليها دليل صريح، سوى اجتهادات شخصية واستحسانات واستظهارات. وما الاختلاف بين الفقهاء حول قضية واحدة إلا دليل على ذلك. كما بالنسبة لمسألة غسل القدمين في الوضوء، فالسنة يذهبون لوجوب غسلهما، والشيعة يكتفون بمسحهما، وبطلان الغسل. فالتحيز ملازم للاجتهاد. خاصة على القاعدة الشيعية المعروفة: (الرشد في خلافهم)، التي هي مصداق للتحيز بأجلى صوره. وبالتالي، وهذا ما يهمنا: أن النص هو المرجعية الأساسية للتشريع، ولا شرعية لأي حكم أو فتوى بعيدا عنه، ما لم يًقم دليل لفظي على صحته. والتشريع ليس من شؤون العقل، رغم أن ما حكم به العقل حكم به الشرع كملازم بينهما، إلا أن الحكم الشرعي جعل مَن له حق التشريع وهو الله تعالى، فهو العالم بملاكات الأحكام، ومصالح العباد، وعلاقة الحكم المنظومة الدينية، وهدف الرسالة والإنسان في الحياة. وقد ذكرت ما به الكفاية حول تشريعات الأحكام. لكن الفقيه يبحث عن دور يمنحه قدسية المقام والسلطة الدينية، أي أنه يقاتل على الرأسمال الرمزي للدين والسلطة المعنوية.

كان الصحابة يسألون النبي مباشرة، فتارة يجيبهم بآية قرآنية، حينما لا يكون موضوع الحكم الشرعي مطروقا من قبل. وأخرى يفتي تفصيلا وبيانا للحكم الشرعي القرآني. وهناك مجموعة آيات تبدأ بـ(يسألونك، ويسألونك، يستفتونك) . فالتشريع منحصر بالله تعالى، وله الولاية عليه أصالة. وهذا ما اتفق عليه جميع الفقهاء المسلمين.وأما الرسول فقد اتفقوا على ولايته التشريعية المجعولة من قبل الله تعالى، فتكون أقواله وأحاديثه حجة مطلقا كحجية آيات الكتاب الكريم. لكن أدلتهم اجتهادية وتأويلية، لا يعضدها أي شاهد قرآني صريح ينص على جعل الولاية التشريعية للنبي. بل أن الرسول كان يتوقف بالرد على أسئلة الصحابة المستحدثة بانتظار نزول الوحي. ولو كانت له ولاية تشريعية فلماذا يتوقف ولا يبادر للجواب؟ هذا هو المسكوت عنه بل والمحرّم التصريح به!!. وأما وظيفته قرآنيا، فهي: التبليغ والشرح والبيان والتفصيل والإنذار والتبشير، كما جاء ذلك في عدد من الآيات التي تصدت لبيان وظيفته. فالمتيقن أن تشريع الأحكام مختص بالله تعالى، لعلمه وإحاطته بكل شيء. (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ ... يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). فالفتوى جزء من المنظومة الدينية، المتضمنة لفلسفة الدين والحياة والإنسان، فينبغي أن يأتي الحكم الشرعي منسجما معها، كي يؤدي الدين دوره ورسالته في الحياة بشكل صحيح. فالقرآن هو المصدر الوحيد لبيان الشريعة والأحكام الشرعية، ويتبعه الحديث النبوي الشارح والمبين والمفصل لهذه الأحكام، فتكون رواياته وأحاديثه حجة بلحاظ علاقتها بالأصل القرآني. وما عدا ذلك يقع تحت عناوين أخرى يأتي بيانها في محله.

وأما بعد وفاة الرسول فكان المسلمون يسألون الصحابة والتابعين، حتى عصر الفقهاء حيث راح يتوسع الفقه اجتهادا وتعددت مسائله. وكان الشيعة يأخذون أحكامهم عن أئمتهم، مباشرة أو بواسطة أصحابهم. وكانت كتب الأحكام عبارة عن مجموعة روايات مروية، تسمى عند الشيعة بالأصول الأربعمئة، ثم صدرت كتب جامعة، جمع فيها مؤلفوها روايات الأحكام الواردة في الكتب والأصول في كتاب واحد. فكانت الفتاوى قبل عصر الفقهاء، ناظرة للنص، آية أو رواية، عنهما يستنبطون الحكم. أو كما يقرر الشافعي، استنباط على مثال سابق، ويقصد بالمثال آية أو رواية.ثم بالتدريج اقتحمت الفلسفة والمنطق الأرسطي المباحث الفقهية، وما زالت فاعلة في الدراسات الدينية والحوزوية، وكلاهما أثّر سلبا في استنباط الحكم الشرعي، حينما سلبه روحه المعنوية وبعده الأخلاقي، وصار مجرد معادلات ومفاهيم ومصاديق تتحقق بمجرد التلبس بالمبدأ، فتسببت في وجود ما يسمى بالحيل الشرعية، التي هي تهرب حقيقي عن الواجب الدين والإلتزام الأخلاقي، وسرقة للمال، والتحلل من الإلتزامات. رغم الأثار الإيجابية للمباحث المنطقية والفلسفية في يقظة العقل، وشحذ الذهن، وفتح باب التشكيك وتعدد الإحتمالات. وبالتدريج تضخمت الفتوى حتى طغت حداً صادرت حرية الإنسان، وقمعت فيه روح الإبداع. وتصور أن فتاوى إبن تيمية في جميع الشؤون، قد طبعت بـ(20) مجلدا، فأي تعسف يمارسه الفقيه ضد الناس؟ وأيضا من فقهاء الشيعة من بلغت رسالته في الأحكام الشرعية فقط أربعة أجزاء كبيرة، أكثر من الفي صفحة. بينما عدد آيات الأحكام في الكتاب الكريم بحدود 500 آية. فكيف تفاقمت الفتاوى، والله نهى عن كثرة السؤال والاستفتاء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ).

لا شك أن أحكام الشريعة محدودة قرآنيا، وفيها قدر من المرونة، كي تواكب حاجة الإنسان للحرية والتحرر، وتراعي ضروراته الحياتية: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)، فلكل عصر شريعته. ومرونة التشريعات الإسلامية كفيلة بذلك. (أقرأ دراسة الكاتب: دعوة لإنقاذ الدين من سطوة الفقهاء). فالدين يرفض تكبيل الناس بفتاوى وتشريعات تعسفية تحد من حريتهم واستقلاليتهم، بل الدين جاء ليحرر الإنسان من الدين، ومن سطوة رجاله، وتعسف مؤسساته، وكل ما أثقل ظهره من أحكام وتشريعات سابقة: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ). ويستبدله بـ(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، وَ(مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). لكن ما يعيشه المسلمون في ظل فتاوى الفقهاء (كل الفقهاء ومن جميع المذاهب الإسلامية)، وتفريعاتها وقساوة أحكامها، جحيم ديني. فيجب تخطي الممنوع، وكسر أسوار القداسة، لمعرفة حقيقة الفتوى، وما هو مصدر شرعيتها وسلطتها، خارج حدود ما شرعه الله من أحكام في كتابه المجيد. ومن أين جاءت للفقيه هذه السلطة المزلزلة؟ فثمة تجاوز للنصوص المقدسة، وغايات الدين وتشريعاته.

فالسؤال، من أين اكتسبت فتوى الفقيه شرعيتها وسلطتها؟ وما هو علاقتها بالنص المقدس تحديدا؟ هذا هو السؤال المحرّم، المسكوت عنه في جميع المذاهب الإسلامية، بل في جميع الأديان. فالناس تنقاد لفتاوى لا تعرف من أين تستمد شرعيتها. وترتعد أمامها كالخراف، خوفا من عذاب يوم الحساب. وحينما تعود لأدلة حجية تقليد الفقيه، ووجوب التمسك بفتاواه والانقياد له، تكتشف حجم التزوير الفقهي. فلا يوجد دليل لفظي صريح ينص على وجوب التقليد، وأدلة الفقهاء قاصرة في دلالتها على وجوبه، سواء الآيات التي يستشهدون بها، أو الروايات أو سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة، بل وحتى دليل العقل قاصر. العقل لا يقول أكثر من وجوب رجوع الجاهل الى العالم في القضايا التي يشكل إهمالها خطرا على حياته ومستقبله. كالمريض الذي يجب عليه مراجعة الطبيب لإنقاذ حياته من الخطر. بل لا يوجد دليل صريح على كل ما زاد على التشريعات القرآنية، سوى قول مشهور لا نعرف مصدره، مفاده، ما من واقعة إلا ولله فيها حكم. وهذا يتنافى مع صريح القرآن: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، التي جاءت مباشرة بعد مجموعة تشريعات، ولم تأت إعتباطا بل جاءت لتعلن خاتمة التشريع واكتمال الدين، بشكل صريح واضح لا لبس فيه. فأغلقت الباب بوجه أية إضافة حينما وصفت الكتاب بأنه تبيان لكل شيء، ويقول ما فرطنا في الكتاب من شيء. لكنهم التفوا على الكتاب لإشباع هوس الإفتاء من جهة، وشرعنة سياسات ما كان لها أن تحكم لولا الأحاديث المختلقة والمكذوبة. فما يهمنا تحري مصداقية سلطة الفقيه في فتاواه، ومدى إلزامها وحدودها. وهل يكفي كونه خبيرا فقهيا التوسع في الافتاء مع قصور النصوص التشريعة؟. إذ المعلوم أن الأحكام الشرعية خمسة: وجوب وحرمة واستحباب وكراهة، والخامسة وهي الأهم الإباحة، وهي المساحة الأوسع التي تركها الخالق للإنسان يتصرف بها بحكمته وقدراته العقلية. فالإباحة كل ما عدا آيات الأحكام التي هي بحدود 500 آية. فمن أين يستمد الفقيه شرعية فتاواه فيما زاد على الكتاب؟ وكيف راحت تتدفق وما زالت تشرعن للقتل والموت والاستبداد والكراهية والحقد؟. ألم يحن الوقت لمراجعة صدقية مقولة "ما من واقعة إلا ولله فيها حكم"؟ ألا يكفي عدم وجود ما يدل عليها صراحة في الكتاب الحكيم؟ ألا يعتقد الفقيه أنه سيحرج يوما ما بسببها؟.

لست ضد رجوع الناس للفقيه باعتباره خبيرا فقهيا، لكني ضد أن يتحول الفقيه إلى سلطة باسم الدين، فيفرض ولايته وقيمومته على الناس، وأموالهم، وأعراضهم، ويكفر الآخر، ويبذر بذور الفرقة على أسس طائفية، ويفتي بجواز سفك الدماء. وهذا لا يمنع وجود مواقف مشرفه للفقهاء عبر التاريخ، حيث قاوموا الظلم والعدوان والتسلط، والاستعمار ونالهم الأذى واستشهدوا في طريق الحق، كما يعود لهم الفضل في بناء وتطوير علم الفقه، الذي هو علم إسلامي بامتياز، لم يسبق المسلمين أحدٌ في تأسيسه، وهو أحد معالم حضارتهم الفكرية والفقهية. وكل هذا لا ريب فيه، لكن الحديث حول الركائز الشرعية للفتوى، وعلاقتها بالنص باعتباره المرجعية الوحيدة لشرعية أي حكم شرعي، كي نحد من فوضى الفتاوى، خاصة السياسية، التي تربك الوضع الأمني والاجتماعي. والأخطر تقديم ولاء الفتوى على ولاء الدستور والقانون، بل وتقديم ولائها على ولاء الوطن. الفقيه إنسان مهما كان علمه. إنسان له تطلعاته وأهدافه وطموحاته، فهو ليس معصوما، والتقوى لا تغير شيئا من قناعاته الطائفية والمذهبية بل حتى السياسية حينما يفلسفها وفقا لقبلياته ويقينياته وأحكامه المسبقة.

تارة يجد الفقيه نصا دالا على الحكم الشرعي، آية أو رواية صحيحة. فإما أن يكون النص صريحا في مؤداه، فلا يحتاج لفتوى، كقوله تعالى: كتب عليكم الصيام، وأقيموا الصلاة، وأتوا الزكاة. فالوجوب واضح، صريح، لا يحتاج لفتوى الفقيه. وإما أن لا يكون صريحا، فيستظهر الفقيه المعنى الأقرب، وهنا تتدخل ثقافته وقبلياته، وأحكامه المسبقة، وحذاقته، وذكاؤه، ووعيه للنص وبلاغته، ولغته، وطريقة تعبيره، وأمور أخرى. فيفتى وفقا لاجتهاده، ويرجح ما يتلاءم مع متبنياته. فيبقى اجتهادا شخصيا غير ملزم إلا بقدر تعلقه بذات الآية وبيان مداليلها، وفقا لخبرته العلمية. وفي حالة انعدام الدليل اللفظي الصريح، ينتقل لأدلة أخرى كالأدلة العقلية، والأصول العملية لبيان وظيفة الشاك في الحكم، كما في مصطلح الأصوليين، وغيرها من أدوات وقواعد فقهية وأصولية، وهي قواعد وضعها الأصوليون، ثم تحولت سلطة فوقية تتحكم باجتهاداتهم وآرائهم. فلا أحد يسأل عن بشرية هذه الأصول التي ترتكز لها أغلب فتاوى الفقهاء، في كل مورد لم يرد فيه نص شرعي لفظي صريح. فكيف أصبح للفقيه شرعية من خلال أصول هو نظّر لها، فهي تمثل وجهة نظره، حتى وإن ارتكزت لبعض النصوص، لكن ارتكازه استظهاري، استحساني، وليس صريحا يفرض سلطته مطلقا علينا. لذا على الفقهاء أن يثبتوا لنا أولا حجية مطلق الأحكام التي لم يرد فيها نص قرآني صريح. ثم حجية فتواهم، وهل يكفي تخصصه في جعل حجيتها؟ ولماذا يحتكر بعض الفقهاء الإفتاء دون غيرهم؟ ولماذا الفتوى مع عدم وجود نص قرآني صريح في موردها، فربما ملاك الإباحة أن يبقى الإنسان حرا بلا فتوى، فلماذا تقمع حريته؟. وأسئلة كثيرة. وكمثال توضيحي لهذا الكلام، أقرأ قوله تعالى حول محرمات الأطعمة، وقارنه بفتاوى الفقهاء: (قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، ثم قارن مضمون الآية بكتب الفقه في جميع المذاهب، لتعرف حجم جناية الفتوى، في خلق دين بعيد عن القرآن وسماحته. الفقيه المسؤول الأول عن كل الخراب الديني في التاريخ، والفقيه المسؤول الأول عن أغلب الدماء التي سفكت باسم الدين وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية. لكن رغم كل هذا تجد انقيادا أعمى للفتاوى، بل أحيانا يجردون الفتاوى من تاريخيتها، من أجل غرض سياسي، كما فعلت الحركات الإسلامية المتطرفة، التي استدعت جميع فتاوى القتل عبر التاريخ لتبرير سلوكها الإرهابي. فهي حركات متشددة في التزامها، وكل ما ارتكبته ارتكزت فيه التفاوى الفقهاء. لكن ماذا نفعل لروح العبودية والانقياد، التي لا تطمئن ما لم تجد فوقها دكتاتورا يسوقها، وفتوى تضبط سلوكها!!

 

اسباب تفاقم الفتوى

ثمة أسباب وراء تفاقم الفتوى، نذكر أهمها، كي يمكن من خلالها الحد من الحاجة للفتاوى المستحدثة بما يعيق التطور الحضاري للفرد والمجتمع:

1- إن الخطاب الديني الأعم من الخطاب القرآني، وما فيه من نذير وبشير، وحديث مفصل عن الخالق وقدراته، وما أثار في أنفسهم عن عظمة الكون والخلق، قد ترك لديهم إنطباعين:

الأول يستند إلى شمولية علم الله تعالى، وإحاطته. الذي لازمه أن يكون له رأي وحكم في كل موضوع من موضوعات الحياة. فكانوا يلحّون بالسؤال، حتى نهاهم القرآن عن ذلك. فكان خطأهم في افتراض الملازمة، فليس ثمة دليل عليها، سوى تصوراتهم وأوهامهم.

والإنطباع الثاني سببه مشاعر الخوف من هول العقاب واليوم الآخر، الذي زلزلهم وخلق فيهم حالة من الرعب، والترقب والرجاء، فأسئلتهم تعبير لا مباشر عن القلق المصيري الذي يستبد بالإنسان وجوديا، ثم راح يتفاقم بعد الخطاب الديني والقرآني. فكانوا يخشون من أي تصرف لا يعرفون حكمه الشرعي فيبادرون للسؤال. وهذا أحد الأسباب، وراء تزايد الأسئلة، ومراجعة الرسول ومن بعدهم الصحابة حول كل صغيرة وكبيرة. فأصبحت الفتوى المحرك الأساس لعقولهم، وجزءا من بنيتهم المعرفية، حتى فقدوا حريتهم من حيث لا يشعرون.

2- ثم تأتي طبيعة العقل العربي المسكون بالسؤال بدلا من البحث والتقصي، سببها روح العبودية، المطبوعة على تلقي الأجوبة الجاهزة. فهي عقلية كسولة، لا تحب الجد والاجتهاد. فكثير من الأحكام رد على سؤال أو ستفتاء، وبقيت هذه العادة معهم بعد وفاة الرسول، يتلقون من الصحابة أجوبة مسائلهم الشرعية. فالعقل العربي يرفض حريته، ويطمئن للفتوى، خاصة حينما تصدر عن جهة شرعية.

3- لعبت السياسة دورا خطيرا في تفاقم الفتوى، فكان السلطان يحتاج الفقيه لشرعنة سلوكه وتصرفاته، رغم مخالفتها لمبادئ وقيم الدين الحنيف، كما يحتاجه لقمع المعارضة. ويحتاجه لجميع ما يواجه خلال فتوحاته من إشكالات، كي لا تخرج تحركاته العسكرية عن لباسها الديني المخادع، ويفقد الاندفاع الطوعي للجنود المسلمين. فالفتوى بالنسبة للسياسي ذخيرة يقاتل بها معارضيه، ويطيح بجميع من يتحدى إرادته أو ينوي مصادرة سلطانه.

4- تطور الحياة وتشعبها، دفع الناس للاستفتاء على أساس ما من حادثة إلا ولله فيها حكم. فالناس تهرع لرجل الدين تسأله شتى الأسئلة، بشكل مقرف.

5- تطور الدرس الفقهي والأصولي الذي راكم بحوثا هائلة، نتجت عنها إمكانيات كبيرة للاستفتاء.

6- دخول علوم جديدة كالفلسفة والمنطق في تطوير علم الفقه، ومن ثم علم أصول الفقه، فكان لهما أثر كبير في تطور البحوث الفقهية، وإمكانية الاستفتاء. بل وكان للمنطق دور سلبي أيضا، عندما يبيح سرقة الأموال من خلال تعدد العناوين وصدقها على فرد واحد، فيحرم بذلك غيره من المستحقين. فمثلا عندما يؤتمن رجل دين على توزيع أموال على عناوين عدة، فيمنح ولده المدلل على عدد العناوين التي تنطبق عليه. والفقيه يوافقه ذلك بلا أدنى تردد، لصدق المفهوم عليه منطقيا. لكن أين الأخلاق والتقوى؟ الفقيه لا علاقة له بهذا، المهم بالنسبة له، مقياسه المنطقي، فمادام المفهوم يصدق عليه فيحق له ذلك، حتى مع حرمان 3 أشخاص مستحقين للمساعدة. وهذه أحد السبل القذرة التي يثري بسببها رجال الدين.

7- خوف الفقيه وتقواه، تسبب في مزيد من الاحتياطات الفتوائية، فتسبب في تراكم الفتوى بشكل وآخر.

 

أسيجة القداسة

لا يخفى على الفقيه هشاشة شرعيته الفتوائية، وضعف أدلته، لذا تدارك نفسه بأسيجة حديدية مقدسة، من خلال أحاديث وروايات تكرّس سلطته، مثل: (من اجتهد فله أجران، ومن أخطأ فله أجر)، لتعفي الفقيه عن كل مسؤولية، مهما كانت الدواعي الحقيقية لفتواه، ومهما كان حجم التداعيات المترتبة عليها، من تفرقة وتمزيق للمسلمين، وربما استباحة دماء وإقصاء وتنابذ باسم الإسلام. أو خبر شيعي: (الراد عليهم كالراد علينا، والراد علينا كحد الشرك بالله). وهو خبر ضعيف السند يختص بالقضاء، وقد استدرجه الفقهاء لحمايتهم دينيا. وهذا الحديث بالذات يمنع مساءلة الفقيه، ويكرس روح التبعية والانقياد، ويعفيه عن أي مسؤولية سواء أخطأ أم أصاب في حكمه. بينما علي بن أبي طالب يقول: (فلا تكفوا عني مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ).

كما راهن الفقيه على سذاجة الناس لتحصين موقعه الديني، فيوحي للآخرين بأن الاجتهاد هبة ولطف إلهي، والمرجعية منصب إلهي، لا تتأتى لكل شخص رغم تعدد المجتهدين. كما يراهن دائما على إيمان الناس بالتقليد كضرورة دينية لضمان صحة عمل الفرد، ومطابقة سلوكه للشريعة الإسلامية. بينما لا حقيقة تاريخية للتقليد، وهي مسألة مستحدثة، والقول بوجوب تقليد الفقيه، لم يمض عليه أكثر من مئتي عاما. وكان المفهوم الذي ينطبق على رجوع الناس للرواة والفقهاء طوال الفترة المنصرمة هو مفهوم الإتّباع أو المتابعة أو الإلتزام برأي الفقيه في مقام العمل. يسأل الراوي وتنتهي علاقته به، وبإمكانه أن يسأل غيره بنفس المسألة أو بمسألة أخرى بدون قيد أو شرط. وهذا لا يصدق عليه مفهوم التقليد الذي بات متعددا في معانيه. فكان الشخص إما أن يلتزم بمفاد الرواية، كما بالنسبة للفترة الأولى، أو يلتزم ويتابع الفقيه في رأيه. كالتزام المريض برأي الطبيب، باعتباره مختصا. أو كإلتزام صاحب الدعوى بتوصيات المحامي المتخصص في المسائل القانونية. حيث تنتهي علاقة الطبيب والمحامي بانتهاء الاستشارة. اما التقليد المعاصر فيفرض تبعية مطلقة للفقيه في سلوك الفرد، فضلا عن عباداته، مرورا بحدود حريته، يؤكد ذلك المسائل أو الفتاوى الأولى في كتب رسائل الفقهاء. خاصة عندما يفرض الفقيه وجوب تقليد الأعمي، الذي ينحصر مصداقه فيه، ويرفض التبعيض في الاجتهاد والتقليد.

بسبب التقليد راح الفقيه يعتبر الناس "عواما"، رغم خشونة الكلمة، وفيهم علماء ومفكرون ومثقفون ومبدعون وأخصائيون، فيقول: يجب على العوام تقليد الفقيه في الأحكام الشرعية. فالفقيه لا يتعامل مع الناس من منطق الاختصاص، ولا يسمح للمقلد أن يتعامل معه كالطبيب أو المحامي. خاصة الفقيه الشيعي الذي يعتبر نفسه نائبا للإمام المعصوم وله ما للإمام من صلاحيات تضاهي صلاحيات الرسول المنصوص عليها من السماء!!. مع أن استنباط الأحكام الشرعية صنعة ممكنة لكل من توفر على شروطها، فهي تخصص وليس هبة أو لطف وتوفيق من الله تعالى. لكنه أخضع الناس لولايته وسلطته وهيمنته. فأنا ضد التقليد الذي يستبطن قيمومة رجل الدين على الآخرين. نحن بحاجة الى متخصص في الفقه الإسلامي ولسنا بحاجة لقيّم يصادر عقولنا، ويحدد مواقفنا، ويتحكم بإرادتنا ويفرض علينا وصاياه في جميع المجالات، سواء كانت اختصاصه أم لا.

لا شك بوجود جهود فقهية تجديدية، غير أن الخوف من الخطاب الرسمي للفقهاء الذي يقمع كل إبداع، ويطيح بمستقبل كل فقيه تسول له نفسه تصحيح مسارات إستنباط الأحكام الشرعية وتصحيح مرجعياتها العقائدية. والتاريخ ليس بظنين، والأمثلة كثيرة، حتى في وقتنا الحاضر. فالخطاب الرسمي ليس عملية فقهية فقط، بل منظومة دينية، أخلاقية، عقائدية، طائفية، سياسية، وهناك مصالح ولوبيات تتحكم بها. ومن يرفع راية الإصلاح فمصيره القمع والتسقيط، وسلب شرعيته الرسمية. المؤسسات الدينية أبشع المؤسسات الاجتماعية في كل مكان.

وخلاصة ما تقدم: لا توجد سلطة وولاية شرعية للفقيه، ولا يحق له التشريع ولو بعنوان الفتوى خارج فهم النص المقدس. مهما كانت مراوغاته والتفافه على وعي الناس. فلا حقيقة وراء ذات الفتوى، سوى ما يوحي به مقامه وتصديه للإفتاء، والصورة المثالية له في عقول الناس، وقدسية رجل الدين عند العوام، ووهم اللطف الإلهي لخصوص الفقيه. خاصة الفتاوى السياسية المتهمة في دوافعها أساسا، فإنها رأي شخصي للفقيه، ولا أدري كيف يفرض على الناس وجوب الإلتزام بها. صحيح أن الفقيه يصرح أن هذا رأيي واجتهادي، لكن الكلام حول مصدر شرعية الإلزام الذي أنهك المسلمين وشتت وحدتهم. فينبغي أعادة النظر في أولويات الشعوب حينما تتصادم فتوى الفقيه مع دستور البلاد وقوانينه. فالفقيه ليس رسولا معصوما في سلوكه وقراراته، وله حساباته الخاصة ومصالحه الشخصية والحزبية والطائفية.

إن أخطر ما قام به الفقيه تجريد الأحكام الشرعية من بعدها الروحي والأخلاقي، فركز على الشكل دون المضمون، وشغل الناس بالشكليات، فما عادت العبادات تؤثر في سلوك الناس. (يرجى الاطلاع على كتاب تحديات العنف)

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق18- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

أدلجة الخطاب

ماجد الغرباوي: ليس المقصود بالأدلجة مفهومها الإيجابي، أي علم الأفكار ودراستها، وإنما مفهوم سلبي، يعني أن الأيديولوجيا منظومة أفكار ومفاهيم منحازة يراد بها تفسير جميع الظواهر، وإعادة صياغة الواقع وفق قناعاتها وتصوراتها كحقائق نهائية وجزميات لا يمكن التراجع عنها. فالخطاب الأيديولوجي يصادر ما عداه، ويحصر الحق به. وقد عانت المجتمعات والشعوب من تداعيات الأدلجة السياسية والدينية. خاصة الحكومات الشمولية. وهو خطاب قمعي، متحيز، يمثل رؤية خاصة، ويراهن في تمرير رسالته على العقل الجمعي ومدى تأثره واستجابته للخطاب الوجداني والتعبوي. فالأيديولوجيا هوس عاطفي، تكرّس روح الانقياد والتبعية، وتُبقى العقل في دوامة الإنغلاق والدوران حول نفسه. وهي خطاب نفي، لا يفهم سوى منطق الثنائيات، "إما معي أو ضدي". "من لم يكن معي فهو عدوي". وهذا منطق متعالٍ يستمد حقيقته من قبلياته، فينبغي للناقد التحقق من صدقيتها ومدى مطابقتها للواقع ونفس الأمر، لتفكيكه وفضح تحيزه، ومقاصده وأهدافه البعيدة. فمثلا سيكشف النقد أن طموح السلطة، (مطلق السلطة) بالنسبة للإسلاميين، هو المتواري الذي يرفض الخطاب الأيديولوجي التصريح به. فيبدو خطابا دينيا، دعويا، نزيها، يريد تطبيق الإسلام. بينما هو لهاث محموم وراء السلطة والحكم، فينبغي نقده وتفكيكه، لتفادي تداعياته، بعد أن جر علينا ويلات كلفت شعوبنا حاضرها ومستقبلها، وما زالت تئن من جراحاته ونكباته، خاصة ما فعلته الحركات الإسلامية المتطرفة في السنوات الأخيرة، وفشل تجارب الإسلاميين في السلطة.

 

مرونة النص المقدس

ما كان للخطاب الأيديولوجي أن يستغل النص الديني المقدس، لولا مرونته العالية. فمرونته قد فتحت آفاق التأويل والتفسير تبعا لتعدد المقاربات الفكرية والعقيدية، لتأثر قراءة أي نص بقبليات المقاربة، وقدرة القارئ على استنطاقه وتأويله. لذا يتوقف تفكيك أي خطاب على نقد تلك القبليات والتحقق من مدى مطابقتها للواقع ونفس الأمر، وهي مسألة معقدة، تتطلب تنقيبا وحفرا معرفيا داخل بنية الخطاب، لتحري أنساقه، وتحليل مقولاته. لكنه أمر ضروري تتوقف عليه نهضتنا الحضارية، فقد عبثت الحركات الإسلامية بوعي الشعوب، واستدرجتهم لسفك الدماء، وقتل الناس الأبرياء، وتسببت في هدر الثروات، وتمزيق وحدة الشعوب العربية والإسلامية. فنقد مرجعيات خطابها خطوة ضرورية لتفكيكه، والحيلولة دون تعرّض دلالات قداسة النص لسطو أيديولوجي، كما فعلت الحركات التكفيرية المتطرفة، حينما جردت النص المقدس من تاريخيته، لتوظيفه خدمة لأهدافها السياسية، فارتكبت بذلك خطأ فادحا، اضطرها لاعادة وعي المفهوم ودلالاته بما يحقق أهدافها. وبالفعل راح يشمل بإطلاقه مصاديق يقصدها الخطاب. وشملت آيات الحرب واقعا لم يكن مقصودا حين نزولها، بل كانت ناظرة لقضية خارجية محددة، وهم مجموعة المشركين الذين حاربوا الرسالة وشخص النبي بعناد مرير، وغدروا ونكثوا العهود والمواثيق، ورفضوا التفاوض السلمي. فهي حالة خاصة جدا، لا يمكن تطبيق أحكامها على غيرها. ولا فعلية لها بعد انتفاء شرط الحرابة (راجع كتاب تحديات العنف). فعندما جرد الخطاب الأيديولوجي الحكم من تاريخيته، وجعله حكما شرعيا مطلقا، توفرت الحركات الإسلامية، على دليل شرعي فعلي يبيح لها استخدام القوة باسم الدين ضد مناوئيها، وتحقيق أهدافها في السلطة والحكم. فالحركات الإسلامية لديها مشروع ديني – سياسي، وتتطلع لإقامة دولة، تتولى فيها السلطة، من خلال سلطات دينية مطلقة. وأحكام شرعية فعلية، تستبد من خلالها بالحكم، وتتفرد بالقرار السياسي، والتحكم بتقرير مصير شعوبها. فالعنف أداتها في كلا بعدي مشروعها، لأنها لا تؤمن بالسلم وتستهزئ بالتسامح والاعتراف بالآخر.

وهذا يؤكده إدمان العنف مع إمكانية السلم، خاصة في مشروعها الدعوي، حيث يتطلب نهجها الديني وأسلمة الحياة، المبادرة إلى إحياء العمل الدعوي بروح سلمية، من خلال فتح مشاريع ثقافية وتعليمية، لمعالجة انحراف المجتمع بالحكمة والموعظة الحسنة بعيدا عن القمع والإرهاب، مهما طال الزمان، لصعوبة التغيير، ما لم يتمثل المجتمع قيم الدين ومبادئه، وهذا يحتاج لدراسات مستفيضة ومراجعة مستمرة للمناهج والآليات. لكنهم استبدلوا الأسلوب السلمي بأسلوب تعسفي، وفرضوا أسلمة المجتمع بذريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بدلا من معالجة مناهجهم التعليمية وأساليبهم التربوية. فالمشروع الديني للحركات الإسلامية مشروع خوف ورعب، وليس مشروع هداية ورحمة. فخالفوا المنهج القرآني القائم على آيات صريحة، لا يمكن العدول عنها إلا بالنسخ، الذي يؤمن به بعض الفقهاء، وقد تشبثوا به بقوة، مع عدم وجود دليل جزمي عليه. بل وحتى مع ثبوت النسخ لا يوجد دليل على تحديد مصاديقه. إن أسلوب هداية الناس وفقا للمنطق القرآني أسلوب سلمي: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). وهي آية صريحة، واضحة، محكمة، فتكون حاكمة على غيرها من الآيات المتشابهات، وفقا لذات المنهج القرآني. فالتشبث بالعنف لهداية الناس، فعل العاجز، وهذا ما يتستر عليه الخطاب الأيديولوجي للحركات الإسلامية، خاصة المتطرفة والتكفيرية، حينما يعتبر العنف وسيلة لهداية الناس مطلقا. والحقيقة أن شروط استخدام القوة والعنف صعبة. وبهذا وجدت الحركات الإسلامية مبررا لاستخدام العنف لقمع المسلمين داخليا، تحت ذريعة الهداية وتطبيق فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فصادرت حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفق رؤيتها الدينية والفقهية خاصة.

إن استخدام العنف والتسرع في تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع عدم اكتمال شروطهما، تصرف يبعث على الريبة والشك في صدقية نواياهم، فربما هاجس الحركات الإسلامية هاجس أمني، تحسبا لأي تمرد محتمل، فيتخذون من أسلمة المجتمع ذريعة لتبرير العنف ضد الجميع. فالمقصود بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليس مفهومهما التربوي، بل ما يترتب عليهما من ضبط الأمن الداخلي وقمع المعارضة. فنحتاج لوعي يفضح السلوك السياسي حينما يرفع لافتات دينية، ويعتبر نفسه الممثل الوحيد لشريعة السماء.

وأما على الصعيد السياسي، فالأولوية بالنسبة لها هو العنف لتنفيذ خططها، فتبدأ خطواتها بخطاب أيديولوجي تعبوي، محرض تحرك به الجماهير من خلال شعارات دينية مؤثرة، كشعار لا حاكمية إلا لله، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. فتسقط بهذه الشعارات شرعية جميع الحكومات التي لا تحكم بما أنزل الله. ومفهوم "الحكم بما أنزل الله" مفهوم فضفاض، فهل هو خصوص الأحكام الشرعية المنصوص عليها قرآنيا، أم ما يشمل فتاوى الفقهاء؟ وأي من الفقهاء يجب الإلتزام بفتاواه، هل هو الفقيه السني أم الشيعي، وأسئلة أخرى كثيرة. المهم أن الحركات الإسلامية استغلت هذه المرونة، ووظفت المفاهيم لتبرير العنف ضد الحكومات القائمة، فهي وفقا لهذا التفكير كافرة، مشركة، يجب قتالها والإطاحة بها "قاتلوا المشركين". ولو خارج شروطها. نحن لا ننكر هذا الحكم فهو نص قرآني (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ)، لكنه حكم مشروط بظرفه وفعلية موضوعه، غير أن الخطاب الأيديولوجي للحركات الإسلامية يتستر على شروط هذه الأحكام، وفعليتها، ويلغي خصائصها التاريخية. فيصدقها العقل الجمعي، المسكون بالمقدس، حينما يتلاقها عبر خطاب حماسي يلهب مشاعره، ويفجر فيه مكامن الغيرة على الدين، وحب تطبيقه على السلطة والمجتمع. فنجح الخطاب في تمرير رسالته، والتستر على هدفه السياسي بلباقة التزوير المتقن. وبالتالي فيكفي في تكفير الحكومات القائمة ووجوب اسقاطها عدم تطبيقها لأحكام الشريعة. بل ويمكن اعتبارها محاربة لله في قوانينها الوضعية لحرمة تشريع أي قانون خارج سلطة الفقه الإسلامي. فالخطاب الأيديولوجي بإمكانه توظيف عدة عناوين لتبرير العنف من أجل الوصول للسلطة.

كما إلتفوا على مفهوم الإسلام وضماناته للسلم والأمن، وهدروا دماء مصونة، قد شملها الشرك بمفهومه الجديد. إذ لم يعد مقصورا على من أشرك مع الله إلهاً آخر، بل صار تشريع القوانين شرك، وطاعة السلطان شرك إلى آخره. وقد فتحت فتاوى التكفير خاصة فتاوى ابن تيمية لاستباحة دماء الأبرياء تحت ذريعة وجوب قتل المرتد والمشرك والكافر. وينسى هؤلاء أن الشرك أصبح حقيقة شرعية يقصد بها خصوص من اتخذ إلها آخر مع الله عزوجل. وهو مصر على شركه، يؤمن به ويقدسه. فتعميم المفهوم لغير مصاديقه الحقيقية يعد جريمة تشريعية. تكشف عن نفوس شاذة، مولعة بالعنف والقتل وسفك الدماء.

ثم راح هذا الخطاب يوظف عناوين فضافضة تماديا بالعنف، كمفهوم الفساد في الأرض، ومحاربة الله ورسوله: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). وبالفعل فقد وظفت هذه العناوين لحماية الخطاب السياسي الرسمي، وقمع كل من يتمرد على سلطة وولاية أولي الأمر، كما هو الحال في السعودية وإيران، وداعش في دولتها الإسلامية قبل انهيارها. فمن السهولة أن يحكم القضاء الديني على المعارضة بالقتل وفقا لهذه العناوين، غير المنضبطة بتعريف. فكل تمرد أو مطالبة بالحقوق يصدق أنه فساد في الأرض وفق منطقه الأيديولوجي. وهذا ينطبق أيضا على مفهوم الجاهلية الجديدة التي قال بها سيد قطب، المنظّر الفكري للإخوان المسلمين، فهي مفهوم فضفاض، مرن، يحدده الفهم الأيديولوجي وفقا لمصالحه وفهمه لمعنى: الرسالة والحاكمية والشرك والكفر. فمصاديق هذه المفاهيم ليست حقائق خارجية بل يفترضها الخطاب الأيديولوجي افتراضا وفقا لقبلياته ومصالحه وأهدافه، ثم يصدر أحكاما تعسفية ضدها. وهذا ينفي وجود حقيقة غير الحقيقة التي يفرضها الخطاب. فهو يتستر على دوره في وجودها. ويتستر على دور قبلياته في فهم النص، وتشخيصها. فينبغي للنقد أن يتوجه لقبلياته، فإنه خطاب سياسي، يتستر بالدين من أجل الوصول للسلطة.. فاستدعاء المضمر في أنساقه يعيد تشكيل الوعي به، ويكشف عن مراوغاته، وتزويره وكذبه. بل سيكشف حجم مخالفته للكتاب الكريم حينما يستبعد أكثر من ستين آية من آيات الرحمة والتسامح والمودة من أجل التشبث بآيات الحرب والجهاد. وفي هذا تجاوز للقيم الدينية، وهتك للمبادئ الإنسانية، التي ضمنت حرية العقيدة، وحرمة من يؤمن بالله ورسوله.

 

الموقف من الآخر

الخطاب الأيديولوجي خطاب نفي، يُقصي الآخر، بمنطق الردة والكفر والشرك والجاهلية، ويتعامل مع المختلف دينيا بمنطق أهل الذمة، فتشملهم أحكام تهتك كرامتهم وحيثياتهم، حينما يصر على تطبيق أحكام الجزية، والتعامل مع نسائهم بمنطق العبودية والإماء وملك اليمين. ومصادرة حرياتهم في العقيدة والرأي. فهذا الخطاب يفرض قبلياته على التفسير والتأويل، فهو متحيز لغير الحقيقة، بل الحقيقة ما تفرضه قبلياته، فتكون حاكمة على النص. وهذا سر تأكيده على نسخ آيات القرآن، ونفي فعلية آيات الرحمة والمودة والتسامح، من أجل الحفاظ على فعلية آيات القتال والجهاد التي هي آيات مرتهنة لظرفها الزماني والمكاني، ولا يمكنه تفعيلها ما لم يقصِ جميع الآيات الإنسانية، ليبدو الإسلام مشهد حرب قائمة لقمع المعارضة مهما كانت سلمية. لذا تصرح الحركات الإسلامية في أدبياتها بأنها مسؤولة عن تغيير شعوب العالم الذين يسودهم الكفر والإلحاد والإرتداد بالسيف. فتجدهم معبأين ضد الناس مهما كانوا بسطاء، لمجرد أنهم لا يؤمنون بما تؤمن ثقافتهم الحركية. فالخطاب الحركي لا يؤمن بقيم الدين: (الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)، (وكرمنا بني آدام)، (لا إكراه في الدين)، وقرابة 60 آية أخرى، بل المنطق السائد هو القسمة الثنائية، إما مؤمن وفقا لرؤيتهم أو ضال، منحرف، مرتد، مشرك، كافر. وبالتالي فزاوية النظر تختلف حينما تنظر للآخر بأنه أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، وبين أن تتعامل معه على أساس أنه مرتد، منحرف، مشرك، كافر. في الحالة الأولى تتعامل معه بمنطق إنساني، ودود، مفعم بالمودة والرحمة. وفي الثانية، ترى فيه عدوا لله تعالى، يتحدى أوامره ونواهيه. فيمتلىء قلبك غيظا، وهذا ما أشاهده على وجوه السلفيين وأتباع الحركات الإسلامية المتطرفة هنا في مدينة سيدني الأسترالية، عندما يتعاملون مع الناس. قلت لأحدهم إذا تعتقد أنك على حق مطلق والآخر باطل مطلق، إذهب واهدِ الناس بدلا من الحقد عليهم وبغضهم. فكم هو كريه المنطق الأيدلوجي!!، يعتقد أن ما يؤمن به حقيقة ساطعة، يقرها العقل والمنطق، لكنهم يجحدونها ويكفرون بها فيستحقون القمع والعنف، وينسى الأسباب الحقيقة وراء اعتقاده، فهو لا يعدو كونه اجتهادا ورؤية متحيزة لقبلياتها.

 

التأسيس الأيديولوجي

لا يمكن لخطاب الحركات الإسلامية التنصل من طموحاته السياسية، مهما كانت شعاراته الدينية، فهو خطاب تأسس سياسيا، وطرح الإسلام بديلا حضاريا وسياسيا، وكان رهانه الأول والأخير على استلام السلطة، كمنطلق للتغيير. فالبديل الإسلامي كان أحد الاتجاهات الثلاثة التي أفرزها سؤال النهضة، بعد الصدمة الحضارية، فثمة من دعا إلى قطيعة مع الماضي بكل حمولته الثقافية والمعرفية، بما فيها القيم والمعارف الدينية. وتبني قيم ومبادئ الحضارة الغربية. وهو اتجاه متطرف، لم يدرك إشكالية التخلف بشكل صحيح، ولم يدرك واقع العرب والمسلمين، حيث يعد الدين عمقهم التاريخي والثقافي والحضاري، وهناك تماهٍ تام مع قيمه ومبادئه. فالقطيعة معه محال عندهم، لذا كان وما يزال هذا التيار منحصرا في طيف من نخبة المجتمع، وهم المتغربون فكريا وثقافيا. وهناك من ارتد سلفيا، يراهن على التراث ويصر على استدعاء نموذجه التاريخي، الخلافة الراشدة، بكل حمولتها، مهما كانت تاريخيتها. بينما ذهب رواد الإصلاح بقيادة جمال الدين الحسيني الأفغاني إلى ضرورة العودة للتراث وتنقيته، والاستفادة من معطيات العلوم لتطوير واقع العرب والمسلمين. فهذا التيار أبقى الباب مفتوحا لاستقبال أي مصدر معرفي يساعد على انتشال الواقع من تخلفه، ما لم يتقاطع مع الدين وضروراته. ولم يحقق أي من هذه الاتجاهات نهضة حضارية رغم مرور 200عام، وهذا يعني وجود إشكاليات أعمق، إشكاليات مرتطبة بالثقافة والعقل والمناهج الفكرية وأدوات البحث العلمي، وكيفية فهمها للدين ودور الإنسان في الحياة. فلكي نحقق نهضة حضارية حقيقية علينا مراجعة مرجعياتنا الفكرية والعقيدية أولا، ومعالجة العطب الحضاري فيها. ووضع الدين في سياقه التاريخي، مع التركيز على قيمه ومبادئه. والاعتراف بمرجعية العقل وقدراته الخلاقة.

لا شك أن التيار الثالث هو الأكثر حضورا في الوسط الثقافي، حيث راح يتحدث عن إسلام معاصر، يستجيب لمتطلبات العصر، على جميع المستويات التي منها السياسة. فدعا للاستفادة من التجربة الغربية والتطور العلمي والتكنلوجي. فكانت حركة الإخوان المسلمين بزعامة حسن البنا وليدا شرعيا له، حيث ترى أن الإصلاح يبدأ من السلطة، والنظام السياسي، فراحت الحركة تمهد لقيام دولة إسلامية عندما رفعت شعار: "الخلل في التطبيق" "الإسلام هو الحل" أو "القرآن هو الحل"، على أمل العودة له واستنطاقه في ظل مستجدات العصر وحاجاته، أي أنها طرحت برنامجا سياسيا، بعد أن حصرت الأصلاح بالسلطة. وهذا يعني أن استراتيجية الحركة تقوم على استدعاء النموذج الإسلامي للسلطة، والإكتفاء بالقرآن مصدرا للتشريع، فلم تأخذ من الغرب سوى تطورهم التكنلوجي، وربما تقصد الحركة في أدبياتها، تكتيكا مؤقتا إلى حين استلام السلطة وتقديم نموذج تكنلوجي إسلامي!!!. فالإسلام وفقا لهذه النظرية شامل كامل، وما علينا سوى استنباط الأحكام من نصوصه لإرساء مختلف الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فهو اتجاه سلفي، مع تلميع صورته بدعوى الانفتاح الحضاري، وهذا الاتجاه لا يعترف بالآخر، ويراهن على مصادره المعرفية خاصة. ورغم إيمان الإخوان المسلمين بالعلم ومعطياته، لكنهم عملا يقتصرون على النص، في تشييد نظريتهم في السياسة والحكم، وكافة العلوم الإنسانية. لذا قاموا بأسلمة هذه العلوم. وقد صدرت بالفعل كتب تولت التنظير لهذه الجوانب. لكنها أخفقت بتشييد علوم إنسانية مستقلة، وبقيت تدور حول ذات النظريات الغربية وأسلمت مضامينها. فجاءت مشوهة، بسبب اختلاف المرجعيات التي ترتكز لها تلك العلوم. وبالتالي عاد المفكر الإسلامي للنص يستنطقه ويستنبط منه نظرياته، بعض يعتقد أن ما في النظريات الغربية موجود في نصوصنا المقدسة وتراثنا، وما علينا سوى بلورتها نظريا. وآخر لا يعتقد ذلك، لكنه يرى إمكانية استنباطها من المصادر الإسلامية. فكلاهما يعتقد بإمكانية أسلمة العلوم الإنسانية الغربية جميعا. حتى أن بعض تلك المنجزات غدت بمرور الأيام مرجعيات مقدسة. وراح الخطاب الديني الحركي يفرضها على الآخر كحقائق نهائية، مما يبيح له تكفيره، في حالة رفضها أو طرح ما يختلف معها. فقاموا بأدلجة الخطاب الديني بعد أن اكتملت نظرياتهم في السلطة والحكم (الحاكمية الإلهية لأبي الأعلى المودودي، وجاهلية القرن العشرين للسيد قطب). وكان الأخير، المنظّر الفكري لحركة الإخوان المسلمين وراء ترسيخهما وتسويقهما. فجاءت تنظيراته عنيفة، مغموسة بالعنف ونبذ الآخر، وتصنيف الناس وفق ميزانٍ يجافي بديهات الفكر الديني. ثم تبنت الحركات الإسلامية الواعية بشكل عام (سنية وشيعية) هذا الفكر، وهي حركات تربّت في أحضان فكر وثقافة الإخوان المسلمين، ذلك الفكر الظلامي الذي نظّر له سيد قطب في ضوء نظريته جاهلية القرن العشرين والحاكمية الإلهية. فالحركات الإسلامية جميعا تبنّت ثقافة نبذ الآخر وتكفيره (صرحوا أو لم يصرحوا)، ثقافة تؤمن باحتكار الحقيقة مطلقا. ولا استبعد تأثير الظروف التي مر بها سيد قطب داخل المعتقل وما تعرض له من تعذيب جسدي ونفسي، انتهى بإعدامه. فالفرد لا يشعر بتأثيرات النفس، وما تختزنه من مشاعر.

وبعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران اختطف بريق الخميني عقول الإسلاميين فمارس الجميع العنف بشكل وآخر. بل أكاد أجزم أن جميع أفراد الحركات الإسلامية قد استعد للموت بعد قناعة ترسخت بضرورة استخدام العنف لإسقاط الحكومات الكافرة، واستنساخ ثورة الإمام الخميني في بلدانهم. فساد الخطاب الأيديولوجي ثقافة الحركات الإسلامية في جميع أنحاء العالم، وكانت تبعات الوعي الأيديولوجي المتطرف مزيدا من سفك الدماء البريئة، وتشويه سمعة الدين إلى الأبد بحجة إقامة دولة دينية.

لكن سرعان ما أفاق قادة الحركات، بعد اقتراف أعمال العنف وسقوط عدد كبير من الضحايا، خاصة قادة الإخوان في مصر، في ثمانينات القرن الماضي، فحدثت قطيعة مع فكر سيد قطب وأبي الأعلى المودودي (باستثناء الحركات التكفيرية)، بعد مراجعات نقدية صارمة قام بها قيادات حزب الإخوان، فكان السؤال عن شرعية الدماء التي استُبيحت من قبل الإسلاميين ومدى جدواها، وما هو مصدر اندفاع الشباب نحو الموت حاضرا في نقاشاتهم الفكرية – العقائدية.

 

جاهلية المجتمع

يعتبر سيد قطب المجتمع الاسلامي الراهن، مجتمعا جاهليا تجري عليه احكام الجاهلية ابان الدعوة الاسلامية!!! أي يجب التعامل معه على أساس أنه مجتمع كافر معادٍ للاسلام والرسالة، سلوكا وعقيدة. فهو يرى: (إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها. جاهلية لا تخفف منها شيئا هذه التيسيرات المادية الهائلة، وهذا الإبداع المادي الفائق!. هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية. إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أربابا، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى ، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع ، بمعزل عن منهج الله للحياة ، وفيما لم يأذن به الله .. فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتداء على عباده وما مهانة الإنسان عامة في الأنظمة الجماعية، وما ظلم الأفراد والشعوب بسيطرة رأس المال والاستعمار في النظم الرأسمالية إلا أثر من آثار الاعتداء على سلطان الله، وإنكار الكراهة التي قررها الله للإنسان) (كتاب معالم في الطريق).

فالإرهاب الديني قد نظّر له سيد قطب في مفهومي جاهلية القرن العشرين، والحاكمية الإلهية التي أخذها عن أبي الأعلى المودودي وطوّرها. وهذان المفهومان يكفّران الشعوب المسلمة فضلاً عن تكفير الحكومات التي يجب مقاومتها حسب عقيدة سيد قطب، الذي اتسمت كتاباته بروح ثورية يعشقها الشباب حد التضحية بإيمان صارم. وسيد قطب أديب، يمتلك لغة أخاذة ألهبت مشاعر الشباب ودفعتهم للعنف وارتكاب جرائم القتل من أجل إقامة دولة إسلامية، فكان السبب في كل إراقة دماء المسلمين، ومن يراجع أدبيات الحركات الإسلامية، خاصة كتب سيد قطب تحديدا، ويقرأ لغته المتدفقه، وهو يصف كفر المجتمعات المسلمة، وكفر حكوماتها، ونهاية من يتقاعس عن محاربتها، يستطيع أن يفهم ظاهرة الانتحار، واقتحام الموت باشراقة واثقة. (أنظر كتاب تحديات العنف)

اتضح أن خطاب الحركات الدينية لا يختلف عن الخطاب الطقوسي في تقنيات الخطاب، فكلاهما خطاب أيديولوجي يقصد العاطفة والوجدان، واستغفال العقل، وغلق منافذ الوعي في تمرير رسالته، والتستر على مضمراته، وما استبعده أو سكت عنه. فينبغي التخلص من الخطاب الأيديولجي المضلل، وهو يفرض علينا رؤيته كنهائيات يرفض التفاوض حولها، ويتستر على هدفه السياسي، بمهارة ثورية، ولباقة أدمنها في مواعظه وحكمه. الحركات الإسلامية حركات سياسية وهدفها هدف سياسي بامتياز، وحينما تضطرها أولويات السياسة التنازل عن مبادئها وقيمها تتنازل بذريعة المصلحة العليا، ومصلحة الإسلام، والحفاظ على الدولة الإسلامية، وحقيقتها مكاسب سياسية ومادية يريد الخطاب الأيديولوجي التستر عليها، كي لا يفقد شعبيته وقواعده.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق17- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

الخطاب الطقوسي

ماجد الغرباوي: الطقوس، تأسيسا على ما تقدم، ظاهرة اجتماعية - ثقافية معقدة، لجأ لها الإنسان للتعبير رمزيا عن مشاعر تضيق بها اللغة. ثم أكتسبت قيمة أكبر عندما شرعت الأديان بعض الشعائر الجماعية، لتعميق الإيمان، والتشجيع على الإلتزام بقيمها ومبادئها. حيث يلعب العقل الجمعي دورا تعبويا كبيرا، في ترسيخ العقائد واللامعقول الديني. والشعائر طقوس مشرعة ديناً، لها ذات الدور مع اختلاف المضمون، وما يرتكز إليه كل منهما، رمزيا وعقائديا.

وتتصف الطقوس بقدرتها على ترسيخ الإيمان وتوهجه لا شعوريا. وهو، أي الإيمان، رهان كل عقيدة، به تؤكد صدقيتها وحضورها وفعليتها. فكم من عقيدة اندثرت لعدم وجود من يؤمن بها ويتعدها. وكم من عقيدة بسيطة وربما ساذجة تتحدى القرون بفعل إيمان أتباعها. فلجوء العقائد للطقوس ليس لذاتها بل لقدرتها على ترسيخ الإيمان بها. حيث يفجّر الطقس مكامنه، من خلال رمزيته ودلالاته وإيحاءاته حينما يعزف على وتر الروح، ويخاطبها سراً، فتنقاد له النفس لا إراديا. فالخطاب الطقوسي خطاب وجداني، عاطفي، لا شعوري مهيمن، يستبعد عقل الإنسان، ويتحكم بمشاعره، من خلال لغة الخطاب، وإيقاع كلماته ومدى تأثيرها على النفس البشرية. فالخطاب الطقوسي يعيد تشكيل العقل، وطريقة تفكيره، بعيدا عن الاستدلال والبرهان، فيستسلم لمنطقه العقل البسيط وهو يخاطب وجدانه، ويداعب آماله وأحلامه، ويقص عليه حكايات تمرر رسالته بسهولة، فتترسخ عقيدته، ويتعبأ العقل الجمعي للدفاع عنها. خاصة مع مأسسة الخطاب، وتبنيه من قبل المؤسسات الإعلامية المؤثرة، كوسائل الإتصال المختلفة، ومنبر الوعظ والخطابة في مساجد وأماكن العبادة، التي يحفها جو روحي، ومشاعر روحانية عالية، بفعل المكان، والعقل الجمعي، والذاكرة، والهوية، ومستوى الوعي، ويقظة العقل، والانتماء المشترك، حيث تتضاعف قدرة الخطاب على التأثير، فيجد المتلقي نفسه منقادا لا شعوريا مع جموع الحاضرين، وهم يؤدون طقوسه، بما فيها من حقائق وخرافات وحمولات ثقافية. ولربما ينسى العقل ويتماهى مع اللامعقول أكثر، وهو في سكرة الوَجد والهيام.

وبالتالي فكل عقيدة تستمد وجودها وقوة حضورها من صدقية معتنقيها، ومدى تفاعلهم مع رمزيتها وإيحاءاتها. ولا يكفي الإيمان النظري، ما لم يتوهج في أجواء الطقوس، ويحتضنه العقل الجمعي. خاصة العقائد التي تفتقر للدليل العلمي والبرهاني، وتتقوم بالخرافة واللامعقول، فهي تلوذ بالخطاب الطقوسي لتسويقها وترسيخها. أي تستظل به لتسريب حقيقتها بعيدا عن العقل ووعي المتلقي. فيتفاعل معها طقوسيا حد التماهي، دون السؤال عن مدى صدقيتها. وهذا ما تريده العقائد الخرافية، التي تعلقت بها مختلف المصالح الطائفية والسياسية والشخصية. وعليه لا يكفي في نقد العقيدة نقد نصوصها ما لم يتم تحليل خطابها الطقوسي، وتفكيك أنساقه، مع نقد مكثف للبنية المعرفية للمتلقي، التي تتجلى فيها حقيقته. وفرز اليقين الإيجابي عن اليقين السلبي الذي تحدثت عنه في كتاب إشكاليات التجديد في طبعته الثالثة. فما لم يترتب على الطقوس إيمان إيجابي، سيكون الإيمان السلبي سلاحا فتاكا للجهل والأمية والتخلف. فنقد تلك النصوص والبحث عن صحة صدورها، ومدى مطابقة مضامينها للقرآن، والعقل والمنطق كفيل بزعزعتها.

الناس تكره النقد والخطاب العقلي، وتلوذ باللامعقول لحماية عقيدتها، وتعميق أملها بالنجاة يوم المعاد. ولا خصوصية لأحد، فجميع الفِرق والمذاهب الدينية، تشترك بقاسم الطقوس، كأداة لترسيخ عقائدها. فالديانات المنتشرة غنية بطقوسها، وليس بنصوصها كما عند المسلمين. والطقوس أداة اللامعقول العقيدي في إقناع المخاطب. وبالأحرى ليست هناك حقيقة وراء الخطاب الطقوسي. فيشتد ويضعف الإيمان بها تبعا لطبيعته وقدرته على إقناع المتلقي. والدليل حينما تجرد الخطاب الطقوسي (كالخطاب الطقوسي العاشورائي) من بعض خصائصه تتبخر حرارة العاطفة، وتختفي من قلبك جمرة الفقد، بعد أن كانت تتقد في أعماقك. وتمر على واقعة كربلاء، دون التوقف طويلا عند تفاصيلها، فضلا عن التعطاف معها. فالخطاب الطقوسي وراء كل ما تشاهده من ممارسات ومظاهر عاشورائية.

 

الطقس والمعبد

في هذا السياق يأتي الاهتمام المبالغ بالمعابد ومختلف دور العبادة والأضرحة، واتخاذها مكانا لأداء الطقوس الدينية والروحية، حيث يستمد الطقس من المكان قدسيته، ورمزيته، ويخلق أجواء روحية يفقد معها الفرد قدرته على التركيز ومحاكمة الأفكار والعقائد، ويستسلم للعقل الجمعي. يؤمن بما يؤمنون ويقلد ما يقولون، لا فرق في ذلك بين المعقول واللامعقول، حيث تشتغل الطقوس على العقل الباطن، وتخطاب المشاعر، بعيدا عن العقل. فيعش الفرد أجواء اللامعقول الديني والعقيدي كحقائق مسلمة، تؤثر فيه مباشرة. فللمكان دوره الطقسي الساحر، فهو ليس مجرد عمارة وزخارف وأناشيد وموسيقى وترنيمات، بل علامات وأشارات مفعمة بقدسيتها وحمولتها الدلالية. فعمارة المعبد تعيد تشكيل وعي الفرد عندما تربط ظواهره بالمقدس. فتنتاب الفرد حالة روحية يبقى معها مذهولا، مأخوذا بما يرى من هالة قدسية تترآى له في كل زوايا المعبد. فالطقوس داخل الأضرحة والمعابد تكتسب قدسيتها، وهذا سر تلازمها منذ القدم، ثم غدت الأمكنة المقدسة جزءا لا يتجزأ من منظومة الأديان والمذاهب، رغم تفاوتها من حيث المظهر والتفاصيل، والتماثيل التي تحتويها. فالإسلام أيضا يؤكد على المسجد، كمكان مكرس للعبادة، لكنه معبد مجرد من أية مظاهر توحي ولو من بعيد بالشرك مع الله تعالى. (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا). بينما تختلف مهمة باقي دور العبادة، حيث تكرس ما يخدم عقيدتها. وبالتالي فالمعبد ملهم للإيمان من خلال رمزيته وأجوائه الروحية، لكنه أيضا قد ينقلب إلى فخ لتزوير الوعي، وخلق أجواء مثيولوجية يتوارى فيها العقل، فيُستغل من قبل رجال الدين والقائمين عليه، ويوظفه السياسي لخدمة مصالحه، فيتحول إلى وبال ومصدر لتناسل الخرافة واللامعقول، وتكريس روح التبعية والإنقياد، وبيت للأوثان والآلهة المزيفة، حينئذ يجب تحطيم أسطورة المعبد لنكتشف وجه الله. ونستعيد الوعي لنهتدي به إلى طريق الصواب.

 وكلما بالغوا بتزيين المعابد وطلائها بالذهب والمجوهرات، ودهانها بالعطور، وتأثيثها بالأناشيد والترانيم والحكايات والموسيقا، صارت أكثر رهبة وخشوع. فليست القداسة سوى صورة ذهنية، يرسمها الذهن متأثرا بما حوله، وبأوهامه وحقائقه. لذا يتفاوت شعور القداسة تبعا لوعي الفرد بها، وطريقة إدراكها. وبالتالي فالنفس تشعر داخل المعبد بحنين لشيء تجهله، ثم ينشرح قلب الإنسان وتعلوه فرحة وغبطة لذيذة تعمق قيمة المعبد وقدسيته. وعندما تتصاعد رائحة البخور في باحة المعابد تتسامى روح المتلقي وهو يطوف في أرجائه، فيشعر أنه في روضة من رياض الجنة، وما هي سوى أوهام الحقيقة وفخاخ المكان. فالطقوس تنتعش وتتوهج داخل المعبد وأجوائه الروحية. واذا كان المعبد ضريحا فيستمد الطقس قدسيته لا من المكان فقط ، بل من قدسية صاحب الضريح، وصورته المثالية، الناصعة التي تخلق تعاطفا عاطفيا لا شعوريا، خاصة الرموز الأسطورية، في تعاليها ورمزيتها.

إن وعي الإنسان داخل المعبد يخضع لتأثيرات مثيولوجية، في ضوئها، يفهم الأشياء ويفسر الظواهر والأحداث. والسبب بالنسبة له غيبي، مرتبط بالمكان والراقد في ضريحه وسط المعبد. فما يشاهده تجليات لكرامته، ومكانته عند الله تعالى. كانت جدتي تعتقد أن الإضاءة الملونة حول الضريح وفوقه نور رباني يسطع من الأرض إلى عنان السماء، صدى لقدسية صاحبه وقربه من الله تعالى، وليس مصباحا كهربائيا ملونا (بروجكتور) عالي التردد. فكانت تقمع أي تفسير مادي بنظرة شرسة، تتلاشى معها علامات الاستفهام، والأسئلة الملحة. هي لا تريد مغادرة إيمانها وحضورها القلبي، وتعيش حالة من الوجد وكأنها في قداس يحج فيه قلبها المتيم حول أرواحهم الساكنة في الجنان. فتطوف معهم حول العرش، وتستضيء بنورهم كلما داهمتها كآبة الدنيا. اللامعقول الديني عصي على التعقل وهو جوهر الإيمان، فحقيقة الأديان (المطلق / الله) غيب مطلق. وحديث الكتب المقدسة عن الآخرة غيب مطلق. وكل هذا يحتاج إلى إيمان راسخ، لا يتزعزع، كي تتحقق الهداية، يقول تعالى: (الم، ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)، فلا تتحق الهداية بالكتاب إلا بالإيمان بالغيب، لأنه يساهم في خلق أجواء روحية تساعد على الهداية، والإيمان بالغيب يتوقف على جملة أشياء، أحدها ممارسة الشعائر والطقوس الدينية المنبثقة عن ذات الدين كالصلاة والصوم والحج، وهي مشتركات الأديان.

 

طقوس عاشوراء

تعتبر طقوس عاشوراء، التي تمارس من قبل الشيعة، في ذكرى واقعة كربلاء الأليمة، أوضح مثال على قوة الخطاب الطقوسي وقدرته في التأثير على العقل الجمعي. وهوخطاب يختلف في طقوسه، مضمونا وأداء. وهي تتوزع بين المجالس الحسينية، والمسيرات الراجلة، وزيارات الأضرحة المقدسة، وممارسة جلد الذات من خلال لطم الصدور، وضرب السلاسل على الظهور، وأحيانا شق الرؤوس، وأصوات الناعيين والنادبين الشجية الحزينة. فالدم هو ذات الدم الذي أريق في كربلاء، والدموع هي دموع عيال رسول الله، عندما أحاط بهم الخوف، ورعب الحرب، وحيرة الوحدة بلا ناصر ولا معين، وهم يرون رجالهم مجندلين فوق أرض كربلاء. وأشهر مظاهرها المجالس الحسينية المعروفة بطريقة خطاباتها، وطقوسها، حيث يبدأ الخطيب حديثه بموعظة أو يتناول قضية فكرية، ثم يختتم بسرد شطر من مأساة كربلاء وما حدث فيها من قتل وترويع للإمام الحسين وأهل بيته الكرام، بصوت شجي يخشع له القلب، وتتدفق دموع المستمعين لا إراديا. إنه مشهد إنساني، عاطفي مذهل، فتعيش الحدث وأنت تصغي لخطيبك، وتتفاعل معه لا شعوريا، فيجهش المستمع بالبكاء رغم عدم واقعية بعض الأوصاف وخرافيتها، التي يرفضها المنطق. فكيف يتعطل عقل الفرد لولا قوة تأثير العقل الجمعي وأسلوب الخطاب. والدليل أن العواطف ستبقى جامدة حينما  تقرأ قصة مقتل الإمام الحسين منفردا، خارج أجواء طقوسها المعهودة، فالتأثر بالحدث بسبب الخطاب وقدرته على التأثير اللاشعوري، وما يستخدمه من أدوات تؤثر على مشاعر مستمعيه.  لذا يعد الخطاب الأيديولوجي والديني والعاطفي أخطر أنواع الخطابات، لقدرته على تمرير رسالته بسهولة، عندما يستولي على مشاعر جمهوره. وهذا ما يراهن عليه رجل الدين والمؤسسات الدينية في ترسيخ عقائدهم، وحماية أتباعهم. لكن ينبغي عدم تجاهل خطورة هذه الخطابات، فهي وراء المظاهر الطقوسية وانتشارها، بأساليب ابتعدت كثيرا عن العقل والمنطق العقلائي. وهي ذاتها التي دفعت الحركات الإسلامية والمتطرفة إلى إرتكاب أبشع الجرائم باسم الدين وتطبيق الشريعة، بقدر كبير من اللامبالاة.

لا شك أن الخطاب الحسيني، خطاب عاطفي، أيديولوجي قد حقق أهدافه عندما كرّس صفة الضحية على الإمام الحسين، وسلخ الثورة مبدئيتها، واستراتجيتها في التحرك لإحياء تلك المبادئ. لكن الخطاب الطقوسي لا تهمه المبدئية، بقدر اهتمامه بطقوسيته وهويته الطائفية ورسالته التي يريد اقناع المتلقي به. خاصة بعد أن تعلقت بهذه الطقوس أهداف سياسية، ومالية، وشخصية. والملاحظ على هذا الخطاب غزارة نصوصه التراثية الخرافية التي تلبي كل متطلبات حضوره ودعم رسالته. فكان وما يزال ملازما لعقيدة الغلو، وهي تنوء بثقلها الخرافي، الغرائبي. وهو رهانها في تكوين قناعة راسخة، حيث استطاع هذا الخطاب بقوة تأثيره تكريس صفة الضحية، وقد استخدم جميع التقنيات لاستثارة العاطفة، من خلال ربط الحسين بعنصره النقي، بأمه وقربها من الله ورسوله، وبجده المصطفى، وأبيه البطل الشجاع المهضوم حقه علي، وأخيه المظلوم الحسن. فهي عائلة نالها الظلم لا بسبب مبادئها، بل بسبب انتسابها لرسول الله، وقربها من الخالق تعالى!!!. أي أنهم يستمدون قيمتهم من نقاء عنصرهم ونورانيته التي خالطت أنفاس الإله، فهم قبس من نوره، ولا تستمد قيمتهم من إيمانهم ويقينهم ومواقفهم وسلوكهم. وقد تم تحصين كل هذه المفاهيم بروايات موضوعة، غرائبية، لكنها أسطرت أهل البيت، وخسرنا بشريتهم، كقدوة يستفاد من نجاحاتها وأخطائها. وصار همّ الموالي الشيعي البكاء على الحسين لكسب الأجر والثواب وضمان الشفاعة يوم المعاد. فتخلى عن الحسين القدوة والمبدأ والرسالة. فالحسين استشهد فداء لأمة جده، لينالوا شفاعته يوم القيامة، التي ستنال كل من أحسن الظن به، وتفاعل مع شعائره، وتستبعد كل من عاداهم وسلبهم حقهم في السلطة والحكم. فهو في حقيقته خطاب منكسر، يريد تعويض خيباته بخطاب ميثيولوجي يقلب مفاهيم النصر والخسارة، فالحسين هو المنتصر دائما وإن لم ينتصر في الحرب ويتولى السلطة، ويزيد هو الخاسر الأكبر وإن كان خليفة المسلمين في وقته. وفوز الشيعي ليس في وجود دولة سياسية تمثله، بل بشفاعة الحسين التي يمكنه نيلها من خلال ممارسة طقوسه. وبهذا انقلبت موازين الثواب والعقاب يوم المعاد، فليس العمل الصالح رهانك في كسب رضا الله ودخول الجنة، بل شفاعة الحسين، حينما تمارس شعائره وطقوسه، وتدمن على زيارته. أو أن العمل الصالح هو تبني الشعائر بجميع تفصيلاتها. فانقلب مفهوم العمل الصالح، من عمل يترتب عليه أثر اجتماعي وأخلاقي، إلى طقوس يمارسها الفرد، فيدخل الجنة من أوسع أبوابها بغير حساب. كما أن هذا الخطاب برع في زرع اليأس في نفوس الناس صورة قاسية عن الإله، فالله هو مثال الجبروت والانتقام، لا يرضى ولا يغفر إلا من خلال شفاعة أحبابه، وأحبهم إليه هو الحسين. كل ذلك من أجل خلق تمايز بين الشيعة وغيرهم.

أما المتواري في خطاب المنبر الحسيني، بل في جميع الخطابات الأيديولوجية والعاطفية، ضعف أدلة رسالته، وخواء عقائده، فيلجأ إلى تقنيات الخطاب العاطفي، كي يقمع وثبة الوعي، حينما يستبعد سؤال الحقيقة. فيجب عدم الاستهانة بالخطاب الطقوسي، وقدرته على اقناع المتلقي برسالته لا شعوريا، حتى وهو يقلب الحقائق ويستبعد الواقع. فالثورة وفقا للخطاب الطقوسي ليست مخططا بشريا، بل سيناريو سماويا بطله الحسين وأهل بيته. فكان ينبغي له الاستشهاد شاء أم أبى كي يشفع لشيعته!! تشبيها بنظرية الفداء الكنسي، حيث يفتدي عيسى النبي ذنوب جميع المسيحيين. أي كان الحسين يتحرك بإرادة أخرى، ويقوم بأدوار مرسومة سلفا، من أجل هدف أسمى، يرتبط بالشفاعة وبدوره السماوي. كما نجح هذا الخطاب في استبعاد جميع الشكوك التي دارت حول شرعية الثورة تاريخيا، فلا يريد تكشيفها أمام العقل والنقد، فصرف المتلقي بخطاب عاطفي لبق عنها، تلك الشرعية الحسينية التي جرحتها خيانة أهل الكوفة، ولم يفهما أهل بيت النبي، كإبن عباس، وعبد الله بن جعفر، ومحمد بن الحنفية وأودلاه، ومن بقي من الصحابة الأحياء، ممن نصح الحسين بعدم التوجه للعراق، وهم من غدروا بأبيه وأخيه. فلم يفهم هؤلاء مسار المبادئ في إطار حركة الحسين، وتعاملوا مع حركته بمنطق براغماتي، حتى اعتبروا تحركه من باب إلقاء النفس بالتهلكة. بينما كان له نظرة أخرى، فذهب بكل ثقة، وتحرك وفق منطق سياسي محسوب بدقة، وكان النصر حليفه لولا خيانة أنصاره. كما راح خطاب آخر يحاكم الحسين وفق منطق، (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، ليس حبا بالحسين بل دفاعا عن جريمة يزيد بحق أهل بيت النبوة. فللخطاب رسالة ظاهرية يريد إقناع المتلقي بها، وهناك مضمر يهدف لحقيقة أخرى.

 

 خطاب الكراهية

تارة يراد من إقامة الشعائر الحسينية إحياء ذكرى عاشوراء، ومبادئ الثورة الحسينية في ردع الظالمين والتضحية بالنفس من أجل تصحيح مسار السلطة، وردع الظلم والاستبداد. فيكون خطابا تصحيحيا مقبولا من جميع دعاة الحرية والتحرر من قيود الاستبداد. وتترتب على الخطاب آثار إيجابية تصب في صالح المسلمين، لا فرق في ذلك بين الشيعي وغيره. وأخرى تكون الطقوس هي الهدف من وراء إقامتها. فذات الطقس يجب إقامته مهما كانت دوافعه. من أجل صورة مغايرة عن الحسين وأهداف ثورته. صورة تكرس الحس الطائفي، والخرافي والأسطوري. يكون فيها الحسين كالإبن المدلل عند الله مثله مثل عيسى، ينزل بمهمة ميثيولوجية، ويُقتل كي يكون شفيعا لشيعته. فدمه كان فداء لذنوب شيعته. وهو تصور خطير، يجافي منظومة القيم والمبادئ الإسلامية، ويكرس روح الكراهية والتنابذ، وتصبح في ظله مهمة الإنسان الطواف حول ضريح الحسين وإقامة عزائه، لكسب شفاعته، والتبرئة واللعن من أعدائه، ومن والاهم، وهم أتباع المذاهب الأخرى، الى يوم القيامة.  فالصراع طبقي، عنصري، قومي، وليس دينيا مبدئيا. فينقلب مفهوم العمل الصالح، من عمل يترك آثارا إيجابية تنعكس على الفرد والمجتمع، إلى فعل طقوسي، تبذّر فيه الأموال، وتبدد الطاقات، من أجل أوهام لا دليل عليها. والأخطر خطاب الكراهية الذي يقوض روح الأخوة، ويضع الفواصل بين أبناء الشعب الواحد، ويرفع حمى الصراعات الطائفية والمذهبية، وإثارة النعرات، وروح التنابذ والخصام. فهذا الخطاب يستغل من قبل رجل الدين الطائفي والسياسي الذي يقدم مصالحه على مصالح شعبه ووطنه ودينه.

عندما ندقق في فهم دوافع هذا التصور بعيدا عن تمظهراته المختلفة، نجد أن القلق المصيري الذي تحدثت عنه هو السبب وراء التشبث به، وتعهده، فالنتيجة هو بحاجة ماسة للشفاعة كي يضمن طريق النجاة. خاصة وهو سهل المنال من خلال (التولي والتبرئة). تولي آل البيت والتبرئة من أعدائهم الوهميين. والمشاركة بالطقوس. ثم تأتيك الروايات فتسخّف أعمالك الحقيقية الصالحة، وتزرع في نفسك روح اليأس من الخالق الغفور الرحيم، وترفع من قيمة الطقوس الحسينية، وقدرتها على انتشالك من عذابه وسطوته. فهذا الخطاب شوّه معالم الدين أكثر مما قدم له. وشجع على البطالة واليأس ولم يدفع باتجاه العمل الصالح.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق16- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

فلسفة الطقوس

ماجد الغرباوي: الطقوس ممارسة رمزية  تجري في أجواء خاصة، تعبيرا عن مشاعر تضيق بها اللغة، فتلجأ إلى حركات وإيقاعات، ترافقها انفعالات نفسية، تعطي للحدث قيمة قدسية. وهي إحدى تجليات الروح الاجتماعية عند الإنسان، بدأت عفوية، ثم اكتسبت بمرور الأيام دلالات ثقافية ودينية واجتماعية، وراحت تؤدي وظيفتها من خلال رمزيتها وإيحاءاتها. ثم ترسخت بقوة حضورها، وحجم التفاعل الشعبي والرسمي معها. فهي في بعض أبعادها كالدين ملاذ للخلاصٍ والمعنى الذي يضفي الطمأنينة والاستقرار النفسي ويعمق شعور الإنتماء.

 شاهدت فديو لحُجاج أفارقة اجتمعوا بعد انتهاء اليوم الأول من أعمال الحج تحت خيمة في منى، أخذوا يرقصون بطقس غريب وهم يرتدون ملابس الحج، تعبيرا عن فرحهم وسعادتهم باتمام الفريضة بسلام دون أخطاء. علما أن الرقص ليس طقسا عباديا عند المسلمين، بل ويتنافى مع تعاليم دينهم. لكنها حركات لا شعورية، إنطلقت تعبيرا عن مشاعر عجزت اللغة عن ترجمتها، فاستعانوا بالجسد وقدرته على ذلك رمزيا. فالطقوس تعبر عن مختلف المشاعر الإنسانية: الفرح، الحزن، الألم، المأساة، الشقاء، الافتخار، التباهي، التبجيل، التشفي الثأر والشماتة والخوف والقلق، التهجد والتعبّد. فلازمت الجماعة طوال التاريخ، وقد يختص بها شخص بمفرده، كالطقوس الدينية والروحية، والأغلب تقام بشكل جماعي. وهناك طقوس مدهشة في تفصيلاتها، وبعضها رغم قسوته يبعث الراحة والسعادة بعد أدائها، كطقوس التطهير الجسدي، وجلد الذات، والتكفير. ولم تقتصر الطقوس على حقل خاص، وقد استثمرتها المشاعر الروحية والتجارب الدينية للتعبير عن عمقها وهلاميتها التي تضيق بها لغة الكلام، فتجد في الطقوس متنفساً، ومعبّرا حقيقيا عن مضامينها. بل وتجد فيها مُلهماً، يستغرق فيه الفرد حد الثمالة والتوحّد، ويفارق شعوره ليدخل غيبوبة الهيام وسكرة الوجد، ومذاق التجلي، فيتفجر قلبه تألقا وسموا في عالم الروح والمشاهدة. فالنظرة السلبية للطقوس دليل الجهل بمداليلها، ومدى ارتباط الإنسان والجماعة بها، رغم خلفيتها الخرافية غالبا. وتبدو ضرورة الطقوس أوضح حينما تعجز الشعائر الدينية عن تلبية حاجات الفرد الروحية، فيلجأ لابتكار طقوس يعبّر فيها عن مشاعره ومكنوناته. وقد يرى الفرد في طقوسه قدسية تضاهي قدسية شعائره وعباداته. لكن للأديان أحكامها، خاصة حينما يتولى الفقيه خطابها الرسمي، فيتحكم بالفرد وفقا لمقاساته، ويحرمه لذة الإنصات لهدير الروح حينما تعانق الغيب وتبحث عن المجهول لتستقر وتهدأ. خاصة عندما يجفو القلب وهو يمارس شعائره العبادية. لذا تجد القرآن يتحدث عن الصلاة باعتبارها شعيرة وطقسا روحيا، بأساليب مختلفة. القرآن له رؤيته التي تتمرد على الفقيه وقسوة فتاواه. فتارة يذكرها كفعل / إقامة، وأخرى مطلقة كطقس روحي يحلق من خلالها الإنسان في فضاء الرحمن، فيمتلئ قلبه حبا وشوقا لخالقه، ويحث الخطى في عمل الخير والصلاح كي يمهد للقائه. ليس ألذ للروح المعذبة من طقس الهيام، وهو يعانق عوالم الغيب، ويرى في قلبه ما تعجز العيون عن رؤيته. إنه الإنسان المتيم بمعرفة ذاته، فوجد في الطقوس ما يساعد على طمأنة نفسه حتى وهو يعجز عن اكتشاف حقيقته. فالدين يمنح الإنسان معنى لحياته ووجوده، لكنه سرعان ما يُستغل فينقلب وبالاً على الوعي.

ولكل شعب طقوسه التي تعبر عن ثقافته ومعتقداته وإيمانه ورؤيته. بعضها ينتمي لمجتمعات وديانات ضاربة بالقدم، وربما بعضها متوارث عن أساطير الحضارات والديانات القديمة. وكما هناك طقوس تعبر عن ذاتها وهويتها وانتمائها، هناك طقوس تقام لأجل غيرها، كالأفراح والمراسم، أو الاحتفالات الدينية الكبرى، كالنحر المقدس عند الفراعنة احتفالا بالنيل، والاحتفالات الدينية قرب الأنهار المقدسة، كنهر الغانغ في الهند، والنهر الأصفر في الصين، ونهر الأمزون، والمسسبي. والتعميد في الماء عند الصابئة المندائيين، طقس ديني مقدس، وأنواع أخرى مدهشة، حيث لا ينقضي شغف الإنسان بالغموض ومحاولة اكتشاف أسراره، فيمارس طقوسه، بقدسية تستمد قوتها من الحكايات التي تنسج حول الأماكن والأشخاص، وقوة إنسياقه اللاشعوري مع العقل الجمعي المرتهن لطقوسه وعاداته وتقاليده. ولكل طقس رقصاته وأناشيده وترنيماته وأزياؤه وحركاته ومكانه وزمانه، وثمة طقوس غرائبية، تجدها في المجتمعات البدائية، مثل سكان أستراليا الاصليين "الآبروجينز"، والهنود الحمر، وشعوب الهند. وتبقى الطقوس السرية تثير فضول المتابع للكشف عن أسرارها ومناسباتها، خاصة ما تمارسه المنظمات السرية، كما يشاع عن الماسونية، وعبدة الشيطان. وطقوس الجنس الجماعية، والعبادية لدى بعض التجمعات السكانية البعيدة، حينما تمارس بخشوع وقدسية عالية.

وقد كشفت القراءات الأنثربولوجية للطقوس عن عمق دلالالتها، وقوة حضورها وتأثيرها. فهي تؤثر في ثقافة الفرد والمجتمع وتتأثر بهما. بل وتؤثر في حياتهم ومستقبلهم، يتفاءلون أو يتشاءمون. فثمة علاقة جدلية تسمح بتطورها، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي بها، وهذا سر تناسل بعض الطقوس، خاصة الدينية، وانتشارها، حيث تعتبر محفزا إيمانيا لا شعوريا. فهي تواكب حاجة متوارية في أعمق الفرد، فينشرح لها، ويتمسك بها، أو يذهب في نوبة بكاء أو رقص هستيري. فلا غرابة في انسياق العقل الجمعي مع الطقوس وتعهدها بكل سخاء وكرم. ولعل في شغف الإنسان وانتظاره للطقوس الموسمية خاصة ما يؤكد دورها وأهميتها. وبالتالي فلكل طقس جذره الثقافي، قد نراه خرافة في نظرنا وفي نظر العقل النقدي، لكنه ليس كذلك في نظر من يمارسه، فهو يعتقد بثيمته، ويتفاعل مع إيحاءاته ودلالاته. فلا يجوز نقدها مهما كانت خرافية ما لم تشكل خطرا على وعي الإنسان والمجتمع، بحيث تصبح تلك الخرافة مصدرا للمعرفة على حساب العقل والتجربة العلمية، أو تشوّه معالم الدين وتخضعه للاستغلال. فالنقد يتوجه عادة لا لذات الطقس بل لثيمته ومضمونه، حينما يوجه وعي الناس ويتحكم بعقولهم. كطقوس النحر المقدس للأنهار، كي لا تطغى وتقتل الحرث والنسل، فهذا خطأ، ضحيته نفس محترمة في كل عام. الفيضانات تجري وفقا لقوانينها الطبيعية، ومعالجتها ليس بنحر إنسان بريء، بل بإقامة السدود، والنواظم. فالنقد يريد نقل المعرفة من حقلها الخرافي – الطقوسي إلى حقلها العقلاني. فيكون نقدا إيجابيا، تفرضه القيم الإنسانية والحضارية. وإما الطقوس المسالمة التي لا تشكل خطرا على وعي الإنسان فتبقى محترمة، لأنها مبادرة تلقائية، ليست خاضعة للتعقل بل حالة روحية نشأ عليها الإنسان، وعاشها بكل مشاعره ضمن بيئته وتربيته، فترسخ في أعماقه. ويكون التخلي عنها أشبه بالمستحيل ما لم يمارس الفرد نقدا ذاتيا. فلا غرابة أن يمارس كبار الشخصيات طقوسا تارة تكون بالية. لكنه يجد نفسه منشدا لها بجميع مشاعره، من خلال استجابة تلقائية قد لا يعي سرها وسببها، لكنه ينقاد لها لا إراديا.

إن تأثير الإيمان بغض النظر عن موضوعه، قضية محيرة، فالمؤمن يفكر بعقل باطني، يهيمن على وعيه وإرادته، فتجده مدفوعا بثقة ويقين مدهش. ولا يهمه التخلي عن عقله لصالح إيمانه وعقيدته. والإيمان حالة نفسية، تستمد حضورها من مقولات ومفاهيم راسخة في عمق البنية المعرفية، وهي مفاهيم ومقولات المرحلة الأولى في حياة الإنسان، لا تتزعزع، وتبقى تؤثر مدى الحياة لا شعوريا. كما أن الإيمان يتوهج بالطقس، ويستعيد نشاطه وقوته. فالمؤمن يبحث عن طقس يجدد فيه إيمانه. وبالتالي فممارسة الطقس ممارسة إيمانية، يتجلى فيها خشوع المؤمن، فلا يستهان بها كظاهرة إنسانية وروحانية واجتماعية. بل حتى الشعائر الدينية هي نوع من أنواع الطقوس العبادية المفروضة أو المسنونة؟

 

فلسفة الإيمان بالطقوس

أجد في حرص الناس على ممارسة الطقوس بعدا أعمق، يتجاوز مسألة الإيمان وضمأ الروح وحاجتها لما يروي عطشها، ويفتت حيرتها، ويعيد لها استقرارها، وطمأنينتها، فثمة قلق مصيري يستبد بالإنسان يدفعه للتشبث بها، منشأه سؤال الحقيقة عن مآل المصير البشري، وكيفية النجاة. فالإنسان مفجوع بكوارث الطبيعة، ومفاجآت الحياة منذ القدم، ومصدوم بالموت، تلك الظاهرة التي حار العقل البشري في تفسيرها، والأكثر ما بعد الموت، حينما راحت أرواح الرموز العائلية والأبوية تطوف حول أبنائها، فاضطروا لعبادتها، وتقديم القرابين ضمن طقوس خاصة، لدفع شرورها، وكسب مرضاته، ورعايتها، وعطفها. والتمهيد لما بعد الموت، بما يكفل نجاته. وبهذه الطريقة تشكل الإيمان. فقلق المصير البشري، وهاجس النجاة، وراء ممارسة الطقس، وهو سبب دفين في أعماق النفس البشرية. وقد غذى الخطاب الديني روح الخوف من الآخرة وعواقبها، ضمن منهجه التربوي القائم على الترغيب والترهيب. فالشعائر الدينية  في نظره تعبير آخر عن حاجة الإنسان لدفع غضب الله تعالى عليه، وضمان نجاته في دار المعاد. وهي نظرة تراثية، شوّهت الرؤية القرآنية القائمة على مجازاة المفسد، والظالم لحقوق الناس. ومن يسعى في الأرض الفساد. كما أن بعض العقائد رسمت صورة قاتمة لله تعالى وعقاب الآخرة، وأضافت لها عذاب القبر وما قبل الموت، وحصرت النجاة بها دون غيرها. وقد أثّر هذا المنطق على فهم العلاقة بين الإنسان وربه، ودفعه للتشبث بكل ما هو خرافي لضمان نجاته. فالخوف أحد الأسباب، وربما أقواها، يتجلى ذلك بالقرابين البشرية التي تقدم للآلهة عبر طقوس دينية، رغم عنف المنظر الدموي.

وهناك من يمارسها لتأكيد الذات والهوية والإنتماء، أو ينساق مع العقل الجمعي في إحيائها، ضمن شروطها. وبالتالي فتحت مشاعر التبجيل والفرح والحزن خلال ممارسة الطقوس ثمة بنية أعمق تدفع إلى أدائها بإيمان منقطع النظير. بنية قائمة على سؤال الحقيقة، وقلق المصير البشري ومآلته. غير أنه متوارٍ، ضمن اللامفكر فيه، يتجلى بمواصلة التنقيب في أخاديد البنية المعرفية. فطالما يتستر بعناوين أخرى، وينطلق من  منصات مختلفة كالفرح والحزن، وجلب الخير، ودفع الضرر. لكن تبقى الحقيقة أنه ينتظر ما يبدد خوفه بفيض روحي، يبعث فيه الطمأنينة والإرتياح النفسي. لذا يشعر بعد أدائه الطقس أنه أنجز عملا لا يخضع للمقاييس المادية، فتجده مليئاً بالغبطة والسعادة والارتياح بما في ذلك طقوس الحزن. كأنه يقوم بمراجعة عميقة مع النفس، ليواجه خوفه الدفين بما يطمئنه. خاصة الشعوب التي لازمها القهر والظلم والحرمان، ويلاحقها الخطاب الوعظي باستمرار، يترصد كل حركاتها، ويحصي عليها أنفاسها، ويتوعدها بالويل والثبور على قضايا لم يرتكبها الإنسان، فهو مسكون بالخوف، مهدد بمفاجآت الحياة. بل حتى المجتمعات المستقرة يعاني فيها الفرد خوف المصير، وقلق سؤال الحقيقة، فيعالجه بمعاقرة الخمر وتعاطي المخدرات، والإسراف في ملذاتها، وكلما استفزه سؤال الحقيقة، عاودته هستريا تتلبسه لا شعوريا. من هنا تجد مجاميع كبيرة من الشعوب الأوربية تلجأ للمعابد ورياضة التأمل (اليوغا)، وتسافر هروبا من المادة وأجوائها إلى الهند والصين. فثمة فراغ، ولا جدوى طاغية على الحياة، وليس كالدين والطقوس الروحية، يمنح الإنسان المعنى ويضفي الجدوى على حياته. لكن للأسف عطلوا وظيفة الدين الحقيقية، ووظفوه لمصالحهم الشخصية والسياسية والطائفية.

 

الآثار المختلفة للطقوس

يمكن الاشارة إلى أهم الآثار الاجتماعية والسكلوجية والثقافية والدينية للطقوس.

1- تساهم الطقوس في تعميق روح الإنتماء، ذلك الهاجس النابع من عمق المشاعر الاجتماعية لدى الفرد، فقديما اعتبروا الإنسان اجتماعيا بطبعه. يبحث عن كل ما يعمق روح الإنتماء ويعطي معنى له. ويلوذ بكل ما يساعده على وعي العلاقة اجتماعيا، كي يألف حضوره، ويكف عن عزلته، التي تعني موته اجتماعيا. وليس كالمناسبات والطقوس والشعائر الدينية أداة أمضى في قدرتها على تعميق روح الإنتماء للجماعة. والسبب أن الشعائر والطقوس والمناسبات الشعبية الكبرى، لها عمق روحي وثقافي وفكري وعقيدي، فهي لا تمثل جهة، بل تمثل العقل الجمعي، والذاكرة المشتركة، وأحد مقومات الهوية، فالتفاعل معها يكون تلقائيا، وقد لا يكتفي الفرد بممارسة الطقوس بل يستعد لها، ويساهم في نشاطاتها. فبعض الناس يقطع مسافات طويلة للمشاركة في بعض الطقوس الشعبية التي يجد فيها ذاته، ويحقق من خلالها حضوره. والمدهش أن بعض الطقوس تتجاوز قناعات الفرد الأيديولوجية، فيتخلى عنها ويمارس طقسه مع الجماعة رغم شدة تقاطعها مع متبنياته الفكرية والعقيدية. شاهدت هذا مرارا خلال طقوس عاشوراء، حيث تجد شخصاً طاعنا بإلحاده، ورفضه لكل مظهر ديني، ولا يتردد برمي الدين بالتخلف والرجعية، لكنه يمارس طقس عاشوراء بكل تفاعل، فأترصده من بعيد، أبحث عن سرّ إندفاعه ومدى صدقه، فأجده يتفاعل بكل جوارحه حد التماهي التام، اعتبارا من اللباس، ثم اللطم على الصدور، وتناول وجبة الغداء، والغريب حينما يتكلم مع الناس يتحدث بنفس لغتهم ومصطلحاتهم. فيؤدي التحية والرد عليها بطريقة دينية، ودعواته المستمرة لمخاطبيه بالشفاعة وقبول الأعمال من قبل الله تعالى وشفاعة الحسين بن علي!!!!. والأمر واضح بالنسبة لي، أن الطقوس أعمق جذرا، حتى من العقل الجمعي. لذا تجد الأديان تؤكد على الشعائر التي هي طقوس مشرّعة، لها فلسفتها الدينية، ورهانها إلايماني حينما ينقاد الفرد للعقل الجمعي في توجهه للخالق، كالصلوات الجماعية والمناسبات الدينية الكبرى المشرعة وفقاً لشريعة ذلك الدين. فيتعمق إيمان الفرد ويألف العبادة وأداء الشعائر.

2- تعمل الطقوس على حماية وتحصين الذاكرة المشتركة للشعوب والجماعات البشرية، التي تقوم بدورها في تعميق روح الإنتماء. فحماية الذاكرة المشتركة من الإنقراض ضرورة اجتماعية، نحن نعيش تجلياتها، حينما نشعر بانتمائنا المشترك للتاريخ والأحداث الكبرى. فهي جزء الهوية، وأحد معالمها. لهذا تسعى الشعوب لترميم ذاكرتها المشتركة، وتحفيز التلاحم معها.

المجتمعات تتقوم بعناصر عدة، تقع الذاكرة المشتركة في مقدمتها، إضافة للغة ورابطة الدم والجغرافية والعادات والتقاليد. من هنا أجد اهتماما كبيرا رسميا وشعبيا في أستراليا وغيرها من الدول حديثة التأسيس التي تعاني فقر التاريخ والذاكرة المشتركة بين شعوبها المهاجرة، فتهتم اهتماما بالغا لإحياء مناسباتها الوطنية التي ظهرت بعد اكتشافها ومن ثم تأسيس دولتها، لأهميتها اجتماعيا، وبناء ذاكرتها المشتركة، فتجد الجميع يشارك فيها برغبة عارمة. وهذا يعني أن الجميع بحاجة لتلك الذاكرة المشتركة، والتاريخ الموحد.

3 - الطقس منظومة ثقافية اجتماعية، وليس مجرد حركات ومشاعر نفسية، يمكن من خلالها دراسة البيئة الفكرية والثقافية للمجتمع، ورؤيته للكون والحياة، وفلسفته للموت وما بعده، وموقفه من مختلف المظاهر الاجتماعية والسياسية والدينية. فعندما يخضع الأنثربولوجي الطقوس للدراسة، يريد اكتشاف المضمر من أنساقها المعرفية، والمهيمن الثقافي حينما يستبد بوعي الفرد والمجتمع، حيث يخبو العقل عند ممارسة الطقس لتحل الذاكرة المشتركة محله. لذا تؤكد الأديان على بعض الشعائر، لقدرتها على تطويع الإيمان من خلال العقل الجمعي. فالإيمان بالمطلق واليوم الآخر لا يتأتى من حسابات رياضية، بل من خلال الروح وقدرتها على اكتشاف الحقائق والتفاعل معها. فكم من مؤمن لا تجد عنده حرارة الإيمان. والعكس صحيح.

وللطقوس أيضا وجه آخر

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi5

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (60): النص ومراوغات المفهوم

خاص بالمثقف: الحلقة الستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق15- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

مراوغات المفهوم

ماجد الغرباوي: خلاصة ما تقدم أن الخلافة منصب سياسي، ولقب اتفق عليه الصحابة، لا يَلزم من إضافته للرسول (خليفة رسول الله) حرمة النقد والمساءلة. ولا يمنح الخليفة سلطة مماثلة في إطلاقها وشرعيتها ومثاليتها. وتبقى خلافتهم تجربة بشرية، يمكن نقدها ومساءلتها ومحاكمة مواقفها. والحق لم يدع أحد منهم النص على خلافته من قبل النبي، لكن روايات موضوعة صدرت فيما بعد راحت تؤكد ذلك، كرواية: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة). وقوله (إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر)، والهدف السياسي واضح في هذه الروايات، وقد صدرت في خضم التنازع حول شرعية السطة. فالاقتداء بسنتهم لا يعني النص على خلافتهم. ولو أنها قد صدرت عنه فعلا، فلا يمكن للأنصار منازعة المهاجرين عليها، لأن في ذلك مخالفة صريحة لقول النبي، وهذا لا يفعله الأنصار، وهم على مستوى عالٍ من الإيمان وطاعة الرسول، وقد أوصى بهم خاصة: عليكم بالأنصار. بل وكان الأولى أن يحتج بهذه الروايات أبو بكر وعمر في سقيفة بني ساعدة وغيرها من المواقف. أو يستشهد بها الأول حينما أوصى بالخلافة لعمر بن الخطاب. لكنها روايات متأخرة. ثم جاء الخطاب التنزيهي، فارتفع بهم فوق النقد والمساءلة. للتوفر على مرجعية سياسية تبرر ممارسة السلطة من قبل خلفاء الدولة الأموية وما تلاها، وقد نجحوا في ذلك، وقد اتخذتها الحركات السياسية الإسلامية السنية مرجعية لضبط أدائها السياسي راهنا، لتبرير ممارساتها الإرهابية. فغدت سيرتهم بسبب الخطاب التنزيهي، حجة في حالات الفراغ التشريعي. وقد استدل بها الفقهاء حداً صار نقدهم كفراً وتجاوزا. فشرعنوا بموقفهم الفقهي هذا جميع ممارساتهم السلطوية، بما فيها الدماء التي أريقت في عهدهم. وما كان للخطاب التنزيهي ذلك لولا الروايات الموضوعة، والمصطلح الذي قام بشرعنة الاستبداد والقيم السياسية التي إرتكز لها الخطاب السياسي آنذاك. من هنا بات نقد مفهوم الخلافة، ومصطلح "خليفة رسول الله"، ضرورة لتجريدهم من عصمتهم وحصانتهم، لتبقى تجاربهم في السلطة تجارب بشرية، يتحمل كل خليفة مسؤولية سلوكه السياسي. لنحول دون إتخاذهم مثلاً أعلى يبرر سفك الدماء، ويقطع وتين المعارضة السياسية، ويسلب الفرد والمجتمع حقهم في تقرير مصيرهم. وهذا لا ينقص شيئا من احترامهم. ولا ينفي أنهم ولاة أمر بحكم تصديهم للسلطة. إلا أن آية ولاية المؤمنين لا تمنحهم حصانة سلوكية، ما لم تكن بإشراف مباشر من الرسول، فيمضي الصحيح ويقوم الخطأ. وقد مر الكلام مفصلاً. فلا معنى لاستدعاء هذا النموذج التاريخي، والاصرار على تطبيقه راهناً. نحن بحاجة إلى مبادئ جديدة في السلطة تحفظ لنا حق الفرد والجماعة، وتحمي مصالحهم، وحقهم في تقرير مصيرهم، وفقا لمبدأ المواطنة والتسامح والتداول السلمي للسلطة وديموقراطية انتخاب الحاكم الأعلى. فلا تنفعنا النماذج التاريخية لأنها سلطوية، استبدادية، تصادر الفرد حريته وحقه في اتخاذ القرارات المصيرية، وكل هذا ينافي القيم الإنسانية والدينية أساس التطور الحضاري.

ثمة حقيقة، أن حرص الدولة الأموية على تقديس عصر الصحابة، والإصرار على وصفهم بالرشد لم يأت من فراغ، بل لأنه أثرى المرجعيات في قدرته على تبرير السلوك السلطوي المستبد، وممارساته الظالمة، وأثراها تأويلا ومرونة. يمكن من خلالها التلاعب بكل القيم الدينية والأخلاقية باعتبار شرعية الخلفاء في مواقفهم وسلوكهم. كما أنه منصة لإرسال الأحاديث عن النبي. فليست ثمة واسطة سوى الصحابة الذين رحلوا، يسند لهم رواة السلطة الأموية رواياتهم الموضوعة. فهو حينئذٍ حرص مبرر، وقد نجحوا في ذلك وتسببوا في تزوير الوعي، وما زالت تلك الروايات تلعب دورا سلبيا في فهم الواقع.

 

مفهوم الرشد

إلى جانب مفهوم الخلافة هناك مفهوم الرشد (الخلفاء الراشدون) الذي هو أخطر وأقوى في إيحاءاته، حيث أسدل الستار على جميع أخطائهم، وحال دون مساءلتهم، وارتفع بهم إلى مستوى العصمة في سلوكهم وقراراتهم. فبات مفهوم الرشد كمفهوم عدالة الصحابة، معادل موضوعي لمفهوم العصمة. وقد صار وصفاً للخلفاء متأخرا، لصد موجات الشكوك المزلزلة، بعد حروب الإمام علي وما سبقها من مواقف وسلوكيات صدرت عنهم جميعا. ولا ننسى الماكنة الإعلامية للدولة الأموية في ترسيخه وترسيخ غيره من المفاهيم، من خلال روايات فضائل راحت تظهر وتتدفق فجأة، لتنزيههم، وحجب الواقع، مع حرمة محاكمة المواقف التاريخية حفاظا على قدسيتهم. هذا هو الظاهر من التلازم تارخيا، لكن هناك من يعتقد أن الوصف سابق على خلافتهم: (وقد سمّي الخلفاء الرّاشدون بهذا الاسم بسبب ما روي عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم في ذلك من إطلاق صفة الرّشد عليهم وعلى فترة حكمهم، كما أنّ سبب تسميتهم بهذا الاسم حكمهم بكتاب الله سبحانه و اتباعهم سنّة النّبي الكريم عليه الصّلاة والسّلام بحذافيرها بدون اتباع هوى أو حبّ للمنصب، و قد اختارتهم جموع الأمّة آنذاك اختياراً حراً وعن قناعةٍ و رضى كامل لأنّهم خير النّاس بعد رسول الله). وهذه الروايات لا يمكن الوثوق بها. ولا يمكن للرسول أن يتبنى أحدا في السلطة، لأن تبنيه تزكية مطلقة، تصادر حقوق الناس وقد تفرض عليهم قرارات تعسفية، وهذا لا يفعله نبي ورسول مرسل، وسبق أن تحدثت عن هذا الموضوع مفصلا. إضافة لوجود روايات معارضة لها، فلا يمكن الأخذ بها وفقا للمنهج المختار في توثيق الروايات. ثم أن الحكم بكتاب الله لا يجعل من الحاكم رشيدا في جميع قراراته وسلوكه. أي أن مصاديق الرشد لا تثبت بالمفهوم بل بأدلة خارجية. وهم  بشر قد يصيبون وقد يخطئون، وأحكامهم وجهات نظر، واجتهادات شخصية. وأيضا فإن مبايعة الأمة لا تدل على رشدهم، بل كانت بيعة شكلية بفعل العقل الجمعي. ولم تتدخل الأمة في اختيار أي منهم، ما عدا الإمام علي حينما أصر جمع كبير من الصحابة على ترشيحه للخلافة علناً. فنبقى نحن ومشاغبات المفهوم وأسلوبه وأدائه. ننقب في أعماقه، والمضمر من أنساقه، لاكتشاف ما تستر عليه، وما لم يقله، وتعمد استبعاده. حينئذٍ، ستشكل لنا وعيا جديدا به، وبدوره في وجود حقيقته.

 

الدلالات السلبية

إن دفاع الدولتين الأموية والعباسية عن الخلفاء الراشدين وخلافتهم ليس حباً، بل اتخذوا من الدفاع عنهم ذريعة للدفاع عن سلطتهم بوجه المعارضة العلوية التي راحت تسلبهم شرعية خلافتهم، واعتبارها غصبا لحق إلهي محصور بعلي بن أبي طالب ومن جاء بعده من ولده. وهذا ما يشي به خطاب التنزيه الذي التزمت به السلطة، فهي عندما وصفت الخلفاء بالراشدين، طعنت بهم من حيث لا تدري. لأن الإصرار على وصف الرشد حد التلازم والإلزام الأخلاقي، يبعث على الريبة والشك والسؤال عن دواعيه. فيهمنا معرفة تلك الحقائق التي حجبها الوصف. وتحري أسباب الشك في صدقيته. فربما ثمة أخطاء تاريخية اضطروا لتبريرها من خلال وصف الخلفاء بالراشدين، للتمويه على المتلقي، ونقله من النقد إلى التبرير. وبالفعل هناك أخطاء لا يمكن تبريرها بسهولة وفقا للمنطق الديني والأخلاقي، لولا مفهوم الرشد الذي قام بشطبها واستبعادها. من هنا بات الشك في صدقيته أمرا عقلائيا. فمن حق الجميع السؤال عن مدى رشد من يرتابون بسلوكه وقدرته على التصرف السوي. وهو أمر متعارف اجتماعيا، وتلتزم به المحاكم القضائية عادة عندما تواجه سلوكا مريبا، يبعث الشك في رشد فاعله. فيحتاج القاضي إلى دليل يؤكد رشده قبل إصدار الحكم، له أو ضده. خاصة حينما يترتب عليه تسوية خلافات مالية وحقوق شرعية. فالخطاب التنزيهي، أراد حجب الأخطاء، وقمع الشكوك التي حامت حول بعض ممارساتهم وقراراتهم ومواقفهم، وقد اضطر لوصفهم بالراشدين، عندما عجز عن تبريرها، بشكل شرعي ومعقول. فهو تعبير غير مباشر عن قلقه وخوفه ورهبته من مقاربة سيرتهم، مع حاجته لهم كمرجعية شرعية. بل أن بعض السلفيين اضطر لإنكار حوادث تاريخية مثل السقيفه للتخلص من جميع هذه الإشكالات. وبالتالي، فوصف الخلفاء بالراشدين وصف إدانة وليس تجليلا كما يحلو للبعض. حيث اعتبر بعضهم صفة الرشد اشتقاقا من صفة ملازمة لقراراتهم وسلوكهم، إذا لم تكن صفة مروية عن النبي. فيكون مثله مثل العصمة السلوكية عند الشيعة. أي صفة منتزعة من سلوكهم. وهذا فهم قاصر، يعجز عن تفسير بعض الأحداث التاريخية المتفق عليها من قبل الجميع، التي تضطرك للشك في صديقة رشدهم وحكمتهم والتزامهم. فلنأخذ بعض الأمثلة لنحكم بأنفسنا على صدقية هذا المفهوم:

- المعروف تاريخيا أن عمر بن الخطاب كان مهندس البيعة بعد وفاة الرسول، من أولها إلى يائها، وخاض لعبة السياسة بمنطق براغماتي في يوم السقيفة حتى حقق ما يريد، وتمت بيعة أبي بكر، وكان أول من بادر لها. فهل كان تصرفه سويا، راشدا؟ .. هذا السؤال لا أحد يمكنه الإجابة عليه بدقة وموضوعية سواه، حيث قال: "لقد كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله شرها، فلا تعودوا لمثلها"؟". فمن هو المسؤول عن فتنة الخلافة المستعجلة التي مزقت الأمة، وما زالت تئن من جراحها؟. لست مع أو ضد أحد، وليس هذا ضمن منهجي الفكري والنقدي، بل أتحرى مصداقية الرشاد الذي نقضه قول عمر. فهذا المفهوم تسبب في ضياع الحقائق، وأسس لوعي ملتبس. فينبغي فضح مصاديقه. لنتعامل مع الأحداث بموضوعية ونبحث عن أسبابها الحقيقية كي لا تتكرر المأساة. خاصة وأنا أقرأ استدلال الإرهابيين وهم يتشبثون بسيرة الخلفاء لقتل الناس الأبرياء، بعد رميهم بالردة والشرك.

- حروب الردة: هي الأخرى تبعث على الريبة والشك في رشد القرار وصاحبه، حينما اعتبر منكر الضرورة مرتدا، وطبق عليه حد الارتداد، مع عدم وجود عقوبة دنيوية على المرتد قرآنيا، ولو حصلت مرة في زمن الرسول فلضرورات ترتبط بأمن الجماعة المسلمة، فليس من المعقول أن يخالف النبي كتاب الله، أو يجتهد ضده. والقوم لم يرتدوا عن الإسلام، بل امتنعوا عن دفع الزكاة للخليفة، لأي سبب كان. فمن هدر دماءهم، ولم يسلم من القتل حتى من كان قائما  يصلي بين يدي الله؟. القوم لم ينكروا فريضة الزكاة، بل جمعوها ووزعوها على فقرائهم. والتفصيل خارج اهتمامنا حاليا. فغدت الردة منذ ذلك اليوم سلاحا فتاكا بيد السلطة والفقيه، يطارد كل الأصوات الحرة، ويقمع المعارضة والتمرد. ويكفي فتوى بالردة في استباحة دم محرم، وهدر كرامة إنسان محترم، وقد عاصرنا مجموعة من هذه الفتاوى، والتاريخ مليئ بالأمثلة.

- سلوك عثمان في السلطة، وعمله بمبدأ الولاء دون الكفاءة، ففرط بمصالح المسلمين، وسلط عليهم أمراء، يفتقرون لمواصفات الولي المؤمن. ومهد لحكم بني أمية. وقمع المعارضة، وتشبث بالسلطة بمنطق غريب لم يعهده المسلمون من قبل، حيث اعتبر خلافته أمرا إلهيا، مفترضا، لا يحق له خلع نفسه منه. وهو كلام غير مسؤول،  لا يدل عليه أي دليل شرعي. قال: (لا أخلعُ قميصا ألبسنيه الله). وهذا تزوير صارخ للحقيقة، فالباري عزوجل لم يتدخل في تنصيب أي شخص، لا عثمان ولا غيره، بل وحتى الرسول لم يصرح لأحد بذلك، ولم يرو أحد نصا صريحا عنه. عثمان بن عفان جاء بالشورى ثم بايعه المسلمون، وأجهزوا عليه وقتلوه حينما رفض الاستجابة لمطالبهم الاصلاحية.

- كما شهد عهد الخلافة الراشدة، قرارات خطيرة، تسببت في سفك دماء غزيرة.  فهل نسكت عنها امتثالا لمفهوم الرشد "الخلفاء الراشدون". وتبقى سيرتهم حجة لسفك مزيد من الدماء؟ أم يجب تقويض مختلف المرجعيات التي أثثتها مقولات استبدادية وسلطوية بدافع التقديس؟.

 

مفهوم العصمة

تأسيسا على ما تقدم، فإن كل مفهوم قادر بنفسه على ترسيخ حقيقته، سواء طابقت الواقع أم لا. ولكي تتأكد من صدقية أية عقيدة ظهرت بعد وفاة الرسول، تحتاج لمعرفة ظروف نشأتها، وتاريخها، وفلسفتها والأجواء الثقافية والسياسية والدينية والفكرية المحيطة بها. فالعقائد والمفاهيم لم تأت من فراغ، بل مهدت لها ضرورات مذهبية وسياسية. وقد بينت شطرا من الدوافع وراء ظهور مصطلح (خليفة رسول الله) و(الخلفاء الراشدين). لكن الأمر لا يقتصر عليهما. فمن المفاهيم التي لها ذات الصفات هو مفهوم العصمة عند الشيعة، وهو كما تقدم: المعادل الموضوعي لمفهومي عدالة الصحابة ورشد الخلفاء، في تقديسه للرموز الدينية والارتفاع بهم فوق النقد والمساءلة. فعندما تسمع بمفهوم العصمة تسأل فورا عن مبرراتها، ودوافع الإيمان بها. فهي أقدر مفهوم على التقديس، ونفي مطلق الخطأ بشكل غرائبي، لا ينتمي للطبيعة البشرية. فينتابك قلق حينما تشك بموقف ما، وليس أمامك سوى التبرير بسب عصمته. فعندما يؤمن المسلم بعصمة النبي في التبليغ، يجد مبرراتها في خطورة الرسالة وأهمية الحفاظ عليها، كي تصل مباشرة للناس بأمان. فعصمة التبليغ تريد إلقاء مسؤولية فهم القرآن على المسلمين أنفسهم. لكن حينما تسمع بعصمة أئمة أهل البيت وفقا للمذهب الشيعي، ينتابك الشك مع انقطاع الوحي، فيكون السؤال عنها مبررا جدا. كما أن الخلل السندي المعروف في رواياتهم لا يعالج بالعصمة، بمعنى حق التشريع أو استمراره. ومن يصر على عصمتهم لهذا السبب بالذات يعترف بضعف أسانيد روايتهم حدا لا يمكن معالجته إلا بالعصمة، وهذه سلبية خطيرة، تضع المذهب الشيعي في دائرة الشك والارتياب حول مصادره التشريعية. فتنقلب أسانيد الروايات إلى إشكالية معقدة. لذا ثمة طريق أسهل لمعالجتها، أعرضه في محله. إذاً ينبغي معرفة تاريخ العقيدة، وظروف نشأة مفهوم العصمة. أما تاريخياً فالمعروف أن المتكلم الشهير هشام بن الحكم من مقربي أصحاب الإمام جعفر الصادق، هو أول من نظّر لهذا المفهوم، كضرورة لتسديد مواقف الإمام، وذلك بعد سنة 150 هـ. حيث انصرف عنه جمعٌ من أصحابه والتحقوا بزيد بن علي وثورته، عندما رفض التحرك السياسي. فالتشكيك بحكمة موقفه ومصداقيته في مشروعه السياسي، وراء ظهور المفهوم. فالعصمة أرادت دفع الشكوك والحكم بصحة مواقف الإمام مطلقا. أي ارادت قمع المعارضة، وحق المساءلة والنقد ومحاسبة الرمز الديني. ثم راح يتطور هذا المفهوم، حتى اكتسب دلالات فضفاضة، ومعقدة، منحت الإمام سلطات واسعة. فالإصرار على عصمة الأئمة مع عدم وجود مبررات موضوعية ودينية كما بالنسبة للرسول، يثير السؤال والشك، خاصة أن الأئمة اعتزلوا السياسة بعد مقتل الإمام الحسين في كربلاء. وعندما لا تجد أدلة شرعية وعقلية صريحة تدل عليها، يتعمق الإشكال والشك. وبهذا يتضح قدرة هذه المفاهيم على خلق حقيقتها، رغم عدم وجود ما يدل على مطابقتها للواقع ونفس الأمر.

العصمة ليست مفهوما عاديا، بل تؤثر في فهم الواقع، وفقاً لزاوية النظر، ومستوى الإيمان وعدم الإيمان بها. فموقف من يؤمن بالعصمة، لا يتعدى التفسير والتأويل والطاعة المطلقة والتبرير، دون النقد والاعتراض والتمرد، ويتلقى نصوص المعصومين أوامر نهائية. بينما يختلف موقف من لا يؤمن بها، فهو لا يكف مثلا عن الاستفهام عن سبب لجوء الإمام علي للحرب مع إمكانية السلام، وعدم وجود دليل على وجوب وحدة الدولة الإسلامية. بل ربما في تعددها فائدة أعظم حينما تلبي خصوصيات الشعوب التي لا تتقاطع مع أحكام الشريعي المصرح بها قرآنيا. فالعصمة وغيرها من المفاهيم المراوغة لا تصد الأسئلة والاستفهامات، ويبقى الباحث يلاحق الحقيقة أينما كانت.

 

الألقاب

ثمة ما ينبغي التوقف عنده لخطورته وقدرته على تسويق حقيقته، بعيدا عن الواقع، حيث تلعب الألقاب التبرعية والمصطنعة دورا خطيرا في تزوير الوعي، وفرض شخصيات غير مؤهلة. أو تكون سببا لاحتكار المناصب والأموال باسم الدين والفقاهة، أو للتستر على الحقائق وشرعنة سلوك السلطة. وهي أنواع، منها:

- تقليد بعض خلفاء وسلاطين المسلمين ألقابا تقيهم الريبة والشك، وتخلق حولهم هالة قدسية، تشرعن سلوكهم، كسيف الله، أمير المؤمنين، المتوكل بالله، هبة الله. وهو أسلوب غير مباشر، يسرب لوعي المتلقي قدسية مزيفة، توحي بتسديد الله لسلوك الحاكم الأعلى، وشرعية ظلمه واستبداده وفساده. وهي بالحقيقة ألقاب بشرية لا علاقة لها بالله تعالى، لكنها تؤثر في العقل الجمعي، وتخلق قدسية مزيفة، تقمع السؤال والشك.

- وتارة تفرض قيم الولاء السياسي والطائفي، تقديم العالِم على الأعلم، من الفقهاء والمرجعيات الدينية، حينما يرفض الآخير التعاون مع الحاكم الأعلى. أو يرفض الاعتراف بشرعية سلطته، مع حاجة الحاكم لها. فيضطر لترقية العالم الموالي، فوق الأعلم المعارض. والفقيه المطيع فوق الأفقه المتمرد على طاته، من خلال ألقاب تبرعية، كشاهد على فضله، وعلمه وفقاهته، كلقب: مشيخة الإسلام، قاضي القضاة. أو يحمي منصبه الديني من خلال قرارات شرعية، حينما يخصه بالإفتاء دون غيره.

- وأخرى ثمة تضخم في ذات العالم والفقيه يلجأ معها لرصف ألقاب رنانة فوق مؤلفاته وكتبه، للتمويه على المستوى الحقيقي لعلمه ومعرفته، وقد توحي بأنه يحظى بلطف الله وعنايته دون الآخرين، وتمنحه قيمة علمية مزيفة، تؤهله مرجعا دينيا أعلى مستقبلا. منها: أية الله في العالمين، الحجة الأكبر، آية الله، آية الله العظمى، حجة الله على الأنام، الإمام الأكبر. وحينما يستبد به تضخم الذات والغرور والنرجسية، يعتقد أنه منتهى العلم والمعرفة، وأن ما أتى به لم يأت به أحد من قبل، فهو فيض إلهي، وإلهام رباني، فيتعالى على كل ما عداه. ولو دققت في كتبه تجد أغلبها مسروقا عن كتب أخرى دون الإشارة لمصادرها ومؤلفيها. ولي تجربة شخصية في هذا المجال. وهؤلاء يختارون لكتبهم عناوين رنانة، مثل: نهاية الأصول، نهاية الدراية، نهاية الفقه، نهاية العلم، كفاية الأصول، نهاية الحكمة، تتهيب معها النقد والارتياب والشك، وتكرس التأويل والتفسير والتبرير. أي تضطر معها للتنازل عن عقلك ووعيك، فهي ألقاب خطيرة على العقل الجمعي، تستدرج الوعي وتزجه في متاهة أوهام الحقيقة.

وحينما يرقى أحد الفقهاء لمنصب مرجعي ضمن مؤسسته الدينية، ينسب ذلك لله وبركاته وعنايته. ويقول: (الله أعلم حيث يجعل رسالته)، ليوحي أن منصبه كان قدرا مقدرا من قبل الله تعالى، فيتستر على دور السلطة والمصالح الطائفية والوجاهات الاجتماعية، وغيرها من أسباب تلعب عادة دور اللوبي والعراب في تنصيب المرجعيات الدينية في جميع المذاهب والطوائف الدينية بالعالم. وقد عاصرت تنصيب مرجعيات دينية والوسائل التي ساعدت عليها.

 

مراوغات المفهوم

يبقى الرهان في كشف مراوغات المفاهيم على الوعي، وثقافة النقد والمراجعة، ومدى تقبل العقل لمصادر معرفية أخرى. وحينما يدرك الإنسان دورها في خلق الحقائق وتشويه الواقع، والتستر على الأخطاء، سيعيد النظر بمواقفه وسلوكه من الذات والآخر، فعلينا نقد الصور الوهمية والعقائد المختلقة من أجل إعادة التوازن للمجتمع. المفاهيم فخاخ تُسقطك في وهم الحقيقة، فتصدّق زيفها ومراوغاتها، ما لم يتداركك الوعي. فتارة ينفي المفهوم ما يريد إثباته، ويستبعد ما يريد تأكيده. ويراهن على سحر اللفظ وبلاغته ودلالاته، بعيدا عن الواقع.  فلا يتقصى حقيقته سوى النقد، والوعي المفتوح، لكنه يبقى عصياً على الوعي المغلق، فيحسب أنه على حق وهو موغل في غيه وضلاله.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

 

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق14- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص ومراوغات المفهوم

ماجد الغرباوي: مر الحديث حول دور النص في تأسيس شرعية الخلافة في يومها الأول، وتطرقت لرواية: "الخلفاء من قريش".  التي استشهد بها أبو بكر في سقيفة بني ساعدة، ولم يروها غيره. وكيف قلبت موازين القوى، وحسمت الموقف لصالح قريش دون الأنصار، فكان النص سبباً أساساً في شرعية خلافته ومطلق قريش، وأسست لشرعية من تلاه، حتى غدت مبدأ في الحكم. وقد سجلت ملاحظات على الرواية ومدلولها، ودور ثقافة المجتمع وقبليات الأنصار في قبولها. العقل المسلم مرتهن للنص، لا يغادره، ولا يفكر خارجه، ولا يتقاطع معه، ويستسلم لإرادته، ويضعه فوق العقل، بل ويتخلى عنه منهكا بالتبرير والتأويل. لهذا قبل الرواية دون البحث عن صدقيتها وصحة صدورها، وما هي الظروف التي أحاطت بها. فالنص أولاً ثم العقل حينما يجد مبررا لحضوره. وما لم يتحرر عقل المسلم من سطوة النص سيبقى أسيره، يتهاون في ضعف سنده، ويقبل مكره ومراوغاته. ثقافة المسلمين ثقافة نصوص / روايات / أقوال / أحاديث. وبنية تفكيرهم، سحرية، خرافية، لا تنتمي للعقل والمنطق العقلي، واستدلالهم على الحقيقة بالنص قبل العقل. فنقد النص ضرورة ملحة لكشف أدائه وزيف سلطته. وهو أمر أساس في مشروع النهضة، والتحرر من سطوة التراث. يعيد تشكيل العقل، ويضع الوعي في لحظته التاريخية.

إن شرعية الخلافة لم تعان طويلا بعد مبايعة الإمام علي وأهل بيته وأصحابه للخليفة الأول. سواء كانت بيعتهم عن قناعة أو لضرورة ومصلحة أقتضتها. المهم أن الجميع سكت عن سؤال الحقيقة. ثم خبا الجدل حولها، حتى ثورة المدينة التي أربكت الوضع السياسي برمته. وكان سببه اهتزاز شرعية الخليفة حينما ارتكز للولاء القبلي في المناصب والعطاء، وأهمل الطاقات الحقيقية ونخبة صحابة الرسول، وسلط على المسلمين شخصيات غير كفوءة سياسيا ودينيا وأخلاقيا، فحصل ما حصل. وأما عهد الإمام علي فكان الأكثر دموية بين المسلمين، حيث تمردوا على بيعته، وهو الوحيد المنتخب انتخابا حراً من قبل الصحابة وبإصرارهم علناً. لكن شرعية السلطة غدت إشكالية بدءا من حكم معاوية، ثم تطورت بعد مقتل الإمام الحسين، وظهور الفِرق والمذاهب، وتطور المناظرات الكلامية. فلا نعيد ما تقدم، لنركز على عهد الخلفاء الراشدين. فهل يمكن في ضوئه بلورة نظرية في السياسة والحكم واتخاذه نموذجا للسلطة الشرعية يتيح لنا استعادته وتطبيقه راهنا بدلا من الصيغ الحضارية؟ خاصة أن عهد ما يسمى بالخلفاء الراشدين، قد اكتسب بمرور الأيام قدسية هائلة، هي التي بررت لنا طرح السؤال المتقدم. فاليوم أغلب من يكتب في الفكر السياسي للمسلمين، يتخذ من عهد الخلفاء نموذجا للسلطة الشرعية، ومقياسا لشرعيتها. فصار معيارا دينيا وشرعيا وأخلاقيا وسياسيا تقاس عليه سلطة الآخرين. وبات المثل الأعلى في السلطة والحكم، يتمناه كل مسلم شغوف بالسلطة.

وهنا سؤال استفزازي يجب طرحه:

 من الذي جعل عهد الخلفاء الراشدين مثلاً أعلى في السياسة والحكم والحكمة العملية؟ هل ذات النموذج العملي لسلوكهم وأخلاقهم وسياستهم ومواقفهم وعلاقاتهم؟ أم الخطاب التنزيهي الذي تلى حقبة الخلفاء الراشدين؟.

 فنحن إذاً أمام احتمالين، سيفرض الثاني نفسه، بفعل ما نعرفه من حقائق عن عهدهم، وقد مر الحديث حوله، وعن الدماء التي أريقت آنذاك. وهي حقائق خطيرة، يجهلها الناس، ويتستر عليها الخطاب الرسمي، فينبغي لنا فضح ألاعيبه، من خلال تفكيكه ونقده، للتعرف على مصادره، وحقيقة النصوص التي رافقت ظهوره. وهي روايات مجهولة المصدر، لم تكن معروفة في زمن الخلفاء، ولم يحتج بها أحد في سقيفة بني ساعدة، وما تلاها من خلاف مع علي وبني هاشم، رغم حاجتهم الماسة لها. وأيضا لم يحتج بها الخليفة عثمان في أزمته السياسية. وهذا يؤكد أنها نصوص ظهرت ما بعد وقوع الأحداث، وجاءت في خضم الجدل المحتدم بين الخلافة والإمامة، لتدارك أزمة شرعية سلطة الخلافة، بعد أن زعزعتها المناظرات والمحاججات الكلامية، وتدفق النصوص. فلا شيء شغل المسلمين كالإمامة والخلافة، كما يقول الشهرستاني في كتاب الملل والنحل. وهذا يبرر الشك بهذه النصوص، ويلح على نقدها ومراجعتها وفق مناهج نقدية صارمة، حيث زورت هذه النصوص الحقائق، وزورت وعي المسلمين في التاريخ، وتسترت على جوانب وحقائق مهمة، ينبغي لنا استعادتها. فنقد عصر الراشدين وكسر الأسيجة القدسية المضروبة حوله، بات ضرورة على طريق الانعتاق من التراث وسلطته، والانفتاح على الحاضر ومستقبله. وهذا يتطلب وقفتين، الأولى من داخل العهد الراشدي، بما يقتضيه البحث. وأخرى من خارجه، حيث أفرزت السلطة الأموية خطابا تبجيليا حجب الواقع وملابساته، ورسم صورة مثالية للخلفاء الراشدين، ارتفعت بهم فوق النقد والمراجعة، واسدلت الستار على أخطائهم. فالتركيز سيكون على ذات الخطاب التبجيلي، وأدواته، وطريقة أدائه، وهو ما يهمني هنا أكثر من التعرف على العهد الراشدي الذي تطرقت له مرارا. وبينت نقاط ضعفه، وحجم الاستبداد الديني والسياسي، وكيفية استغلال السلطة، وفصّلت الكلام حول شرعيتها. وهنا ينبغي التنبيه أن نقد الخلافة لا يعني الانحياز للإمامة، فهي الأخرى بحاجة ماسة لنقد أسسها والنصوص التي إرتكزت عليها. فهي أيضا حكم ثيوقراطي، يحصر السلطة بعدد من الأشخاص، تم أسطرتهم، وتنزيههم وعصمتهم. وكل هذه المفاهيم تحتاج لتوغل معرفي يقوض بنيتها ومقولاتها. وبالتالي فنقد الخطاب التبجيلي سيكشف لنا صدقية قدسية الصحابة والخلفاء. وسيفضح ألاعيبه وهو يزور الحقائق والتاريخ. بل وسنكتشف حقيقة مرة ومروعة أن الخطاب التنزيهي هو مصدر مثالية الخلفاء، والارتقاء بهم لمستوى المثل الأعلى وصيرورتهم مرجعية مطلقة لشرعية السلطة. وأما الواقع فشيء آخر.

ثمة مسافة تكتظ بتزوير الحقائق بين الخطاب الرسمي والواقع. والبون بينهما شاسع، ينبغي استعادته ونقده. فرغم مبايعة المسلمين للخلفاء الراشدين، غير أنها بيعة مخادعة حينما فرضت مرشحا واحدا، شأنها شأن الأنظمة الشمولية حينما تستبد بالسلطة فتقصي خصومها وهي تمارس العملية الديمقراطية أو البيعة عند المسلمين. فالبيعة مع الإقصاء لا تستوفي شرعية الخليفة. والأنصار قد رشحوا للخلافة وأقصتهم رواية الخلفاء من قريش، ولباقة عمر بن الخطاب حينما أدار لعبة السياسة وفق منطق براغماتي، حيث وصف أبا بكر بخليفة رسول الله، وقال لا أخالف خليفة رسول الله في اليوم مرتين، فأوحى للسامع، أن خلافته أمر مفروغ عنه مسبقا، سواء قصد ذلك، أم اقتضاها منطق الصراع حول السلطة. فالحقيقة لم ينافس أبا بكر أحدٌ، رغم وجود منافس معترف به هو سعد بن عبادة، إضافة لعلي بن أبي طالب حينما سمع بالبيعة. كما لم يحضر من المهاجرين عند مبايعة الأول سوى عمر وأبو عبيدة. والثاني فرض الأول خلافته على المسلمين بعد موته بقرار شخصي، فهو كالأول لم ينافسه أحد خوفا من بطشه. والثالث كان إفرازا لشورى قد أُحبكت خطتها لاختياره، حيث فرضوا على علي شروطا لا يطيقها. وهو الوحيد الذي تم اختياره بإلحاح من المهاجرين والأنصار، وكانت بيعته عامة، وعلى رؤوس الأشهاد. فالجميع جاءوا بالتزكية، والبيعة شكلية لذر الرماد في العيون. وهذا لا يهمنا فعلا، بقدر اهتمامنا بالمرحلة التالية ودور النصوص والروايات في الارتقاء بالخلفاء الراشدين فوق النقد والمراجعة ومساءلة مواقفهم. ونقتصر الكلام حول آلية الخطاب التنزيهي، ودوره في ترسيخ مفاهيمه ورسالته. فالسؤال هنا حول حقيقة الخطاب التنزيهي، ومدى مطابقة مضمونه مع الواقع. وحينما لا يكون مطابقا للواقع ونفس الأمر، فكيف أسس لصورة مثالية، استبدت بوعي الغالبية العظمى من المسلمين؟. هنا ينبغي لنا فهم ألاعيب الخطاب، ومشاغبات المفاهيم، في هذه القضية وغيرها، وأينما اكتشفنا خطابا تبجيليا، وشككنا بمصداقيته. ولا شك أنها مهمة تحتاج لقدر كبير من الوعي، وقدرة على توظيف مناهج نقدية تغور في بنية العقل المسلم، وكيفية وعيه للتاريخ، والرموز الدينية، رغم وجود ممارسات سلبية متفق عليها، سفكت بسببها دماء غزيرة، فكيف شرعنها الخطاب التنزيهي وأسدل الستار عليها؟. إذاً ينبغي استدعاء ما استبعده الخطاب التنزيهي من حقائق، وما تستر عليه من أحداث وسلوكيات. لنكف عن الولع بالماضي، والانشغال بمشكلاته، وتمني عودته. الماضي لم يكن يوما من الأيام مثاليا في سلوكه وسلطته ومعارضته، فعلينا الاهتمام بحاضرنا ومستقبلنا، (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ). ويبقى الأهم تفكيك ذات الخطاب التنزيهي، ومفاهيمه وأدواته. لذا أستعرض هنا أولاً مصطلحين لعبا دورا خطيرا في ترسيخ قدسية عهد الراشدين: "خليفة" و"راشد"، من خلال إيحاءاتهما ودلالاتهما.

 

مفهوم الخلافة

المعروف تاريخيا أن الصحابة اختلفوا بادئ الأمر حول صفة الخليفة، فهل هو خليفة الله أم خليفة رسول الله؟، فاتفقوا على الثاني، ولقبوا الخلفاء بلقب "خليفة رسول الله"، وعضدوه بآية وجوب طاعة أولي الأمر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ)، فراح يتبادر من المصطلح وحدة الصلاحيات، وأنهم كرسول الله في ولايته المنصوص عليها قرآنيا، والملزمة شرعا، فتكون مطلقة. فمصطلح "خليفة رسول الله" مرر حزمة مفاهيم كرست قداستهم وعصمتهم، وإن لم يصرحوا بذلك. لكن مواقف المسلمين ومشاعرهم تؤكد هذا المعنى. وهو تزوير واضح مع عدم وجود دليل صريح، بل الآيات فصلت بين سلطة وولاية الرسول، التي هي مطلقة، ملزمة، شاملة، وبين سلطة وولاية أولي الأمر، التي هي محدودة، ومقيدة. فليس هناك إطلاق بطاعة ولي الأمر في كل ما يفعل ويقول ويقرر، بل هو ملزم بتعاليم الإسلام، ورأيه رأي اجتهادي، تفرضه قبلياته، وظرفه، وتنتهي سلطته وولايته عند أول نزاع حول الصلاحيات التنفيذية. كما ليس هناك دليل على إطلاق هذه الولاية والسلطة بعد وفاة الرسول. رغم وجوب طاعة أولي الأمر، ما دامت وفقا للقانون ولمصلحة البلاد والشعب. لكن الكلام حول وجود دليل شرعي وعدمه، لنكتشف حجم التزوير، سواء كان مقصودا أم لا، غير أنه أثّر، وما زال يؤثر في الوعي السياسي للمسلمين، ويحرّم أية مقاربة نقدية لعهد الراشدين رغم إكتظاظ الأسئلة والاستفهامات والشكوك التي تنتظر إجابات صريحة، حتى وإن انهارت قداسة تلك الفترة التاريخية. بل بقيت بعض القضايا مهمة تئن تحت وطأة الأسئلة والاستفهامات، لا يمكن مقاربتها، خوفا من الطعن بقدسية الصحابة.

والدليل أن الآية الكريمة تقصدت استخدام كلمة "تنازعتم"، في تحديد موضوع سلطة وولاية أولي الأمر، كي لا يتبادر لذهن القارئ إطلاق ولايتهم وسلطتهم خارج موضوعها، الذي هو مجموعة صلاحيات إجرائية، يكون النزاع فيها متوقعا عادة. فالآية بصدد ضابطة لحسم النزاعات مع احتمال وقوعها. فطالبتهم بالعودة للنبي الذي منحهم تلك الصلاحيات، فهو أعرف بتسويتها. وأما لفظ الجلالة في الآية فقد جاء لتأكيد سلطة الرسول ووجوب طاعته في هذا الخصوص. ولو كان موضوع الطاعة والسلطة والولاية غير ذلك لأحالت الآية على الكتاب الكريم، باعتباره تبيانا لكل شيء. لذا قلت لا يوجد إطلاق للآية لما بعد وفاة الرسول، أي الجهة المخولة بحسم النزاع. ولا يوجد في الآية ما يستدل به على شرعية أية سلطة أخرى. فنص الآية استخدم تقنيات تعبيرية، حدت من التكهنات حول سلطة وولاية أولي الأمر خارج صلاحياتهم التنفيذية، بل وخارج سلطة الرسول. أي أنهم أولو أمر بإشرافه وتوجيهه، فتنتهي بوفاته. وتبقى لهم ولاية بمعنى الإدارة  وتدبير الأمور بتخويل دستوري محدود،  لايمنحه حق مصادرة حرية الفرد والجماعة. فالآية رغم سكوتها، قالت كل شيء، وعندما نفكك النص، نكتشف موقف القرآن من أولي الأمر، فليست هناك ثقة مطلقة في الحكم والصلاحيات لأي شخص، مهما كان عدد روايات الفضائل وصحة صدورها. القرآن هو الأصل والأساس، والكل يخضع لمنطق الآية وما تضمره من دلالات وأنساق معرفية وتشريعية. الآية في أعماقها تتحفظ على السلطة والولاية، لا أنها تشرع، كما هو المتبادر والمتعارف في تفسيرها. بل تتوجس من تخويل الناس سلطة باسم الدين والتشريع. فلاحظ دقة تعبير الآية في نهايتها: (إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، أي أن الآية وضعت في حساباتها إحتمال تمردهم!! والاستبداد بسلطتهم، فحثتهم على الرجوع للرسول لحسم الأمور وعدم التمادي بالسلطة واستغلالها، فـ (ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). ولو كانت الآية بصدد تخويل أولي الأمر سلطة ذاتية مطلقة، فلا داعٍ لخاتمتها. فنهاية الآية قرينة على تشخيص المعنى.

وإذا قيل أن المقصود بالتنازع، خصوص النزاع بين الناس وأولي الأمر، وليس بين أولي الأمر أنفسهم. فولايتهم وسلطتهم لا تنخرم بالنزاع، بل تسوّى من خلال الكتاب الكريم وروايات النبي. وهذا الاستدلال ليس ظاهرا، لأن القضايا التي يمكن تسويتها من خلال الآيات والروايات هي القضايا التي يختلف في مفهومها وجعلها، فلا يعبر عنها بالنزاع بل بالاختلاف، وسوء الفهم والتشابه وغيرها من ألفاظ. لكن الآية عبرت بدقة عندما استخدمت مفردة "نزاع". أي نزاع حول شيء يملك أو يخضع لإرادتك، وهي الصلاحيات، سواء وقع النزاع بين أولي الأمر أنفسهم أو بينهم وبين الناس. كما أن طاعة الرسول في الآيات الكريمة طاعة تنفيذية وفي القرارات القيادية، حيث فرضت عليه الظروف وضعا يتطلب طاعة مطلقة، فجعل طاعته امتدادا لطاعته. وفرضت الآية طاعة مشروطة لأولي الأمر الذين يتلقون أوامرهم من النبي القائد، لذات السبب. فالآية ناظرة للقضايا التنفيذية والإجرائية، ولا يمكن الاستدلال بها على حجية سنته، بل ولا يوجد ما يدل على ذلك بآية صريحة، والتفصيل في محله. وبالتالي، فسلطة أولي الأمر محدودة وتختص بعهد النبي. فالقراءة النقدية للنص ستضعنا أمام اكتشافات معرفية مهمة، تجلعنا نتوقف في كل رواية تخص السلطة والولاية. فلا ولاية بموجب هذه الآية الكريمة. ويبقى كل حاكم مسؤولا عن سلوكه ومواقفه وقراراته والدماء التي سفكت في عهده، والثروات التي تبددت، وما لحق الدين من تصدع في مفاهيمه وقدسيته. فالآية حتى وإن كانت صريحة لا تعفي الخلفاء عن مسؤولياتهم، فكيف وهي لا تثبت لهم سلطة ولا ولاية. وهذا لا ينفي كما قلت وجوب طاعة أولي الأمر في السلطة باعتبارها ضرورة لضبط الأمن، وسيادة النظام والاستقرار. وكشاهد على ما تقدم، اقرأ الآيات الخاصة بها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). فطاعة الله ذاتية، وقد جعلها لرسوله في عدد من الآيات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)، وهي طاعة مطلقة، بينما طاعة أولي الأمر مقيدة رغم صرامة النصوص المفترضة بالولي: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

من هنا بات واضحا أن مفهوم الخليفة، كرس الاستبدادين الديني والسياسي من خلال مكره ورمزية مراوغاته، عندما وحّد السلطتين الدينية والسياسية في شخص الخليفة، ومنحه سلطات واسعة، هي ذات سلطات الرسول باعتباره خليفته. فيجب طاعته وعدم الخروج عليه. فالنظام الديني للمسلمين مهما اختلفت صيغه هو حكم ثيوقراطي، يكرس سلطة الحاكم الأعلى ويحرّم الخروج عليه، ويمنحه سلطات واسعة. وهو نظام ينسجم مع القيم القبلية، ويتناغم مع وعي الفرد في نظرته وتقديسه لشيخ العشيرة. بل، كما تقدم، تم قراءة النصوص بوعي قبلي، منحاز، كرس سلطة الاستبداد. وأخضع الشورى التي أكدت عليها الآيات لذات الفهم القبلي، فهي غير ملزمة للخليفة، ويبقى الخيار له في اتخاذ القرار النهائي. بينما آيات الشورى واضحة، تلزم النبي بالعزم واتخاذ القرار بعد التشاور، فيكون قرار الشورى ملزما ولو بشكل غير مباشر. لكن جوهر القرار يمثل رأي الشورى، الذي في ضوئه اتخذ النبي قراره. والشورى محصورة في القضايا الإجرائية والتنفيذية التي تتطلب تنوع الخبرات، فتكون ملزمة لحيثية الخبرة والاختصاص وتراكم التجربة، لا مجاملة أو اعتبارا لذات الأشخاص. والفرق كبير وواضح. فتارة نشاور بعض الشخصيات مجاملة لتمرير القرار وعدم الاعتراض عليه من قبل الشخصيات المؤثرة في المجتمع. وتارة نشاور أهل الخبرة ونستفيد من خبراتهم وتجاربهم في اتخاذ القرار. والثاني هو المراد من الآية. غير أن قرارات الخلفاء كانت تطاع باعتبارها تمثل الشرعية، وسلطة الرسول، وما الخليفة سوى خليفة رسول الله في صلاحياته. والحقيقة أن النبي لم يخلف أحدا، ولم يخوّل شخصا بأية سلطة وصلاحيات دينية وغير دينية، بل كان التكليف مقتصرا كما تبين من الآية على حياته حينما يكون مرجعية لفض النزاعات، الملازمة للأعمال التنفيذية وصلاحياتها المحدودة.

 

مصداقية القداسة

وبالتالي فمصطلح "خليفة" هو الذي فرض قدسية وإطلاق السلطة عند سماعه، رغم عدم وجود دليل شرعي صريح ينص عليها. فعندما تسمع أن فلانا خليفة لفلان، يتبادر لذهنك أن للخليفة ما للأصيل من صلاحيات. فتنسى السؤال عن الحقيقة. أي حقيقة كون الخليفة خليفة شرعيا له ذات الصلاحيات المطلقة من قبل الأصيل. فلا تسأل عن صدقية التخليف ودليله الشرعي. فالمفهوم كان وراء سلطتهم المطلقة، وليس النص، خاصة بعد مناقشة مدلول آية أولي الأمر، لكن المفهوم تستر على دوره في خلق حقيقته. فلم يكن آنذاك نصوص مؤهلة لتزكيتهم مطلقا سوى روايات الفضائل، التي يبدو كانت محدودة ثم شملها التضخم الروائي عبر توالي القرون. لذا لم يحتج أحد منهم بأية أو رواية وهم يتنازعون السلطة، سوى روايات تشيد بالأنصار وقد أقصاهم أبو بكر بروايته التي لم يسمعها غيره عن النبي، ولم نعلم ما هي ظروفها، ولماذا قال النبي: "الخلافة في قريش"، ولماذا خص بها أبا بكر دون باقي الصحابة. غير أن مفهوم الخلافة منح الخلفاء قداسة وسلطة، وهو لم يقرر خلافتهم سلفا، بل كان قرارا سياسيا خضع للعبة السياسة ومنطلقها. ثم راح المفهوم يستفيد من قابلياته ليتطور بشكل جعل من سلطة الصحابة سلطة مثالية رغم أنها سلطة ثيوقراطية، استبدادية، مطلقة.

خلاصة ما تقدم أن المفهوم بذاته كان وراء حقيقته، وفرض سلطته، ومحدداته، ولا يوجد خارج المفهوم ما يؤكد حقيقته. بل وحفّز على تأويل النصوص لصالحه. فالمفهوم يكرّس السلطة، ويتحكم بدائرتها. فيكفي أنك تشير أن هذا الرجل خليفة، لتتعامل معه بذات صلاحيات الأصل. فالمفهوم هو الذي خلق حقيقته عندما أُطلق على الخليفة الأول. لكنه سكت عن شرعيته!!!. فراح يمرر سلطات الأصيل بكامل شرعيتها. فنحن نسعى إلى اكتشاف ذات المسكوت عنه في مفهوم "خليفة" ومصطلح "خليفة رسول الله"، وطريقة أدائه ومكره ومراوغاته، لنعيد من خلال اللامفكر فيه وعينا للتاريخ والأحداث. عبر السؤال عن شرعية الخلافة بنص صريح واضح كي يصدق أنهم خلفاء لرسول الله. وبكلمة أوضح لو أُطلق على أبي بكر مصطلح سياسي آخر، لتبادرت إلى ذهن السامع دلالات الوضع اللغوي، أي الزعامة القبلية والسياسية. كما لو قيل: الزعيم أبو بكر بن قحافة. فحينئذٍ لا يتبادر من مفهوم الزعيم سوى دلالات قبلية، مجردة عن عن أية دلالة دينية. غير أن مفهوم خليفة لعب لعبته التاريخية، فهو غني بدلالاته، ورمزيته، وإحالاته، على صاحب الحق والسلطات الذي هو خليفته، أي النبي. وهو المتبادر عند السامع حداً لا يسأل عن مدى شرعيته. وبالتالي فالمفهوم كان وراء شرعية سلطة الخليفة.

المفهوم بحد ذاته صورة ذهنية مجردة غير مشخصة، يتبادر منه المعنى اللغوي، أي  فلان خليفة لفلان بكامل صلاحيته. فيختلف بهذا عن مفهوم الوكيل والنائب والممثل والمسؤول. فنقول فلان أخلف فلانا في منصبه. أي أنتقلت جميع صلاحيات الأول للثاني، لأن الخلافة ليس خلافة شخص لأخر، وإنما خلافة مقام وصلاحيات شخص لشخص آخر. ثم تطور مفهوم الخلافة لدى المسلمين ليكون مصطلحا يلقب به الخلفاء الأوائل. فكلما ذكرت كلمة خليفة يتبادر إلى ذهن السامع الخلفاء الأربعة أولا وبالذات، وحينما يقصد المتكلم غيرهم، يحتاج إلى قرينة صارفة، فصار المتبادر لغويا واصطلاحا من لفظ خليفة خصوص الخلفاء الأربعة الأوائل. أي أصبح يمثل حقيقة لغوية فيحتاج المعنى المجازي لقرينة تدل عليه. فمفهوم خليفة صار يتحكم بتبادر اللفظ في الذهن، ويصرفه لخصوص الأربعة، ويمنحهم، صلاحيات من أخلفوه في السلطة وهو النبي الكريم. وأخطر ما قام به هذا المهفوم استبعاد سؤال الحقيقة، أي السؤال عن مدى صحة خلافتهم له شرعا، فهي جعل شرعي لو كانت هناك خلافه له، وليست رغبة شخصية في التعيين. فكان ينبغي وفرة النصوص التي تدل على تعيينهم خلفاء من بعده، وهذا منتفٍ بالضرورة. الخلافة صلاحيات، فتحتاج لتخويل شرعي، ونص قرآني واضح لا لبس فيه، ودليل ذلك أن موسى قد حاسب أخاه على خطأ قوم بني إسرائيل عندما عبدوا العجل، وأغرهم السامري. حاسبه باعتباره خليفته وله ذات صلاحيته، لذا شاط غضبا: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). فهارون مخول قرآنيا بالخلافة التنفيذية: (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) فجاءت الموافقة على هذه الصلاحيات: (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ).

والأخطر من الصلاحيات التي أوحى بها مفهوم "خليفة"، حجم القداسة والتنزيه، الذي صادر سؤال الحقيقة، وحال دون نقدهم ومساءلتهم. رغم أن المفهوم بحد ذاته محايد، لا يتحيز لأحد. وكل ما يريد قوله، انتقال صلاحيات الأصيل  لخليفته. غير أنه سمح بتمرير قدسية الرسول، حيث أنتقلت الصوة المثالية منه لهم، لا شعوريا. فحينما تعامل المسلم مع خليفة رسول الله منحه كل ما للرسول من صلاحيات السلطة والحكم ومثاليته، ونزاهته، وحكمته. وهذه النظرة قد لا تكون بهذه الصفة في بداية الأمر حيث كان الصحابة يتشاورون ويختلفون لكن مصطلح خليفة رسول الله قد تطور تطورا كبيرا بفعل الخطاب التنزيهي.

محمد نبي وليس ملكاً فيخلف أحدا في ملكه. وصلاحياته صلاحيات ربانية ونبوية. وسلطاته سلطات سماوية محصورة به، لا يجعلها لغيره إلا بنص صريح واضح، كما بالنسبة لموسى وهارون، وهذا غير موجود إطلاقا. فمصدر هذه السلطة هو الله وقد جعلها للأنبياء خاصة. فعن أي خليفة رسول الله وصلاحياته يتحدثون؟ وكيف أسدلوا بهذا المصطلح الستار على حجم الدماء التي سفكت بسببهم وبقدسية مفهوم الخليفة ومراوغاته. نحن بحاجة لوعي يمزق شرانق القداسة ويفضح سلطوية الخلفاء، واستبدادهم السياسي، فلم يكن تاريخ المسلمين تاريخا مثاليا أبدا، ولم تكن السلطة دينية مطلقا، إنما هي لعبة السياسة، تنافس عليها الفرقاء. فلهم تاريخهم ولنا تاريخنا. فكيف يكون عصر الخلفاء راشدا ومقياسا لمثالية السلطة وشرعيتها مع كل هذه المؤاخذات؟

إن حرص الخطاب السياسي الإسلامي على تنزيه عصر الخلافة الراشدة، مع علمهم بتفصيلاته وسلبياته ومؤاخذاته، يؤكد فقرهم لوجود أدلة شرعية كافية، تبرر لهم ممارسة السلطة باسم الدين. فلم يجدوا سوى تؤيلات غير مضمونة لآيات الكتاب الكريم، والتشبث بسيرة الخلفاء. 

 

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق13- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص وشرعية السلطة

ماجد الغرباوي: ثمة أسباب ودوافع وراء تدفق النصوص والروايات، خلال القرون الأربعة الأولى، تقع على رأسها إشكالية شرعية السلطة. فالدولة رغم سيادتها كانت تعاني أزمة شرعية، تفاقمت في ظل سياسة الظلم والاستعباد واضطهاد المعارضة التي مارستها الدولتان الأموية والعباسية. وكان العنف أداتهما في استتباب الأمن وفرض سلطة الخليفة، وشرعية حكومته. فهذا عبد الملك بن مروان يعرض سياسته عند تولي الأمر فيقول: (أما بعد، فلست بالخليفة المستضعف، ولا الخليفة المداهن، ولا الخليفة المأمون، ألّا إني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلّا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم،... ألا أن الجامعة (القيد) التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي، والله لا يفعل أحد فعله إلّا جعلتها في عنقه، والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلّا ضربت عنقه). وهكذا مارس الاستبداد سطوته، بمباركة فقهاء السلطان، حتى سوّغ بعضهم ولاية الفاسق، وقالوا بوجوب الصبر على آوامر السلطان الظالم والفاسق، وعدم جواز الخروج عليه، لقمع المعارضة وتبرير سلطة الخليفة. فابن كثير، مثلاً، أكد أن يزيد بن معاوية (إمام فاسق) لكنه يقول مع ذلك: إن (الإمام إذا فسق لا يُعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقوع الهرج، وسفك الدماء الحرام، ونهب الأموال، وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن، وغير ذلك مما كل واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا...) . فأصّل فقهاء السلطة للاستبداد وقمع المعارضة وحرمة الخروج على الخليفة مهما كان فاسقا، ظالما، منحرفا، من خلال مجموعة نصوص واجتهادات متحيزة مهما تقاطعت مع قيم الدين ومبادئه. بل مهما تقاطعت مع القيم الإنسانية. من هنا انبثقت إشكالية شرعية السلطة. فمن أين اكتسب الخليفة شرعيته؟ وما هو دور النص فيها؟. وهذا ما يهمنا، حيث ترتفع احتمالات وضع النصوص طرديا مع اشتداد الحاجة لشرعية السلطة. فالشك وفقا لهذه المعادلة سيمهّد لنقدها، وتفكيك أنساقها. والعكس حينما تنتفي الحاجة لها، تهبط احتمالات الوضع. فشرعية السلطة ظلت هاجسا وإشكالية شبه مستعصية في ظل سباق محموم حول احتكار الحقيقة. وعليه، فثمة ما يدعو لتحديد ونقد وتفكيك مصادر شرعية سلطة الحاكم الأعلى / الخليفة / السلطان، ودور النص في تأسيسها، حيث يرتكز الفقه السلطاني، لعدد كبير من النصوص الدينية، التي ترسخت كبديهيات ضمن مرجعيات الفكر السياسي الإسلامي. فنقد هذه النصوص على درجة كبيرة من الأهمية، لتحجيمها، بعد الكشف عن دورها في بناء حقيقتها وفرض سلطتها ومحدداتها، واستعادة ما تسترت عليه لترشيد الوعي السياسي الديني، والتعرّف على حقائق الأمور بعد مقاربة اللامفكر فيه.

ولم تسلم سلطة الخلفاء الراشدين من ملاحقة علامات الاستفهام حول شرعية سلطتهم، وثمة شكوك لا يمكن لمنطق التنزيه استبعادها، فيجب اقتحام أسيجة قداستها، وحصانتها، التي ارتفعت بهم فوق النقد والمراجعة للتأكد من شرعية سلطتهم أولاً، ومدى صلاحيتها لتكون مقياسا لمثالية السلطة في شرعيتها وسلوكها. إن سيرة الخلفاء الراشدين تعد مصدرا تشريعيا وفقا للنظرية الإسلامية السنية.  بل أن سيرة الشيخين، أبي بكر وعمر، ملزمة للحاكم، كما هو شرط الشورى التي رفضها الإمام علي عندما دار الأمر بين ترشيحه وترشيح عثمان للخلافة، فقبول الأخير لشرط عبد الرحمن بن عوف، عرّاب الخلافة خلال الشورى، مهّد لخلافته. بينما أصر علي على اتباع اجتهاده. إذ لا يمكن أن تكون سيرتهم ملزمة مع اختلاف الظروف والأحوال وتباين وجهات النظر. فسيرتهم اجتهاد شخصي وفقا لقبلياتهم وظرفهم، فهي خاصة بهم، فلماذا تفرض على الآخرين؟. وطاعتهم كأولي الأمر مشروطة، حيث فرضت عليهم الآية الرجوع لله ولرسوله كمرجعية نهائية لحسم التنازع، وليس لذات أولي الأمر كي تشمل سيرة الشيخين، (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ). فالسلطة دفعت الخليفة الثالث لقبول شرط الخلافة والإلتزم بسيرة الشيخين فأسس بسلوكه لمرجعية راسخة في الفقه السياسي، تسببت في شرعنة سلوكيات سلطوية ودموية.

لسنا بصدد إطلاق أحكام معيارية بقدر اهتمامنا بنقد النص وآلية أدائه، لتفكيك منظومة الوعي السياسي الديني وزعزعة يقينياته، المرتكزة لها، من خلال ما يحققه النقد من كشوفات معرفية، فهي منظومة رسخت الاستبداد ومصادرة الحريات. فيهمنا معرفة مصدر شرعية السلطة تاريخياً، للحد من شرعنة الاستبداد تحت أي عنوان.

ينبغي التنبيه لمسألة دقيقة جدا أن رفع الشعارات الدينية، وتبني أحكام الشريعة الإسلامية، والاهتمام بشعائر المسلمين، كل هذا لا يغير من حقيقة الاستبداد شيئاً، ولا يمنح الحاكم حصانة ذاتية ترتفع به فوق النقد والمحاسبة، ولا تسمح باحتكار السلطة. نحن نعيش مرحلة حضارية تستوجب شرعية السلطة كاملة وفق مبادئ حقوق الإنسان، عندما تستمد شرعيتها من الشعب، باعتباره الوحيد صاحب الحق في تخويل السلطة حق التصرف بمقدراته، والقيمومة على قرارته. فينبغي تحرير الوعي السياسي من قبلياته القائمة على شرعية الاستبداد من منطلقات قَبَليَة ودينية. ويجب تثقيف الشعوب على حقها في تقرير مصيرها سياسيا، وفقاً لمبدأ المواطنة، بشكل يتحول إلى عقد اجتماعي راسخ. وهذا لا يعني سلب المسلمين حقهم في الارتكاز لقيم الدين ومبادئه في الحكم. بل العكس الدين المجرد عن القيمومة والولاية يؤسس لقاعدة أخلاقية تساعد على احترام حقوق الإنسان واستتباب الأمن، والإلتزام بالقوانين.

إن إشكالية شرعية السلطة قديمة بقدم السلطة، وطالما تحايل الحاكم الأعلى على شعبه حينما تحوم الشكوك حول شرعية سلطته، وترشقه علامات الاستفهام. فعندما حاصر موسى النبي الكريم سلطة فرعون تشبث بربوبيته مصدرا أساسا لشرعية سلطته، فقال (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ). ثم أردف: (لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ). لكن استدلاله باطل، يلزم منه دورا منطقيا، عندما استدل على شرعية سلطته بسلطته. لذا تهاود في خطابه وراح يكلمهم بنبرة ودودة، أقل تعالياً: (إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ)!!. فأسقط سلوكه السلبي على موسى في محاولة لتفادي شرعية سلطته التي زلزلتها دعوة موسى، بعد أن كسب رهان المعجزة، وآمن له السحرة (نخبة السلطة)، وقالوا: آمنا بإله موسى. وحالة فرعون تتكرر مع كل مستبد حينما يفيق شعبه، ويتمرد على سلطته.

 

نظريات السلطة

هناك رأيان ونظريتان حول شرعية السلطة، ومن له حق ممارستها:

الأولى: النظرية الثيوقراطية: وهي على ثلاثة اتجاهات:

1- الطبيعة الإلهية للحكّام: حيث تستمد السلطة شرعيتها وفقا لهذه النظرية من طبيعتهم الإلهية، التي تفرض عليهم أيضا عبادتهم وحرمة التمرد عليهم. فشرعية السلطة ذاتية بالنسبة للملك / الإله. وله حق التصرف برعيته وعبيده، كيفما يشاء.

2- الحق الالهي المباشر: التي ترى أن الله قد فوّض وخص هؤلاء الحكام بالسلطة، بشكل تقتصر فيه مسؤولية الشعب على طاعتهم وعدم التمرد على سلطتهم. وليس لأحد محاسبتهم سواه.

3- الحق الالهي غير المباشر: التي تقول: إن هداية الله وراء اختيار الشعب لحاكمه. فيكون مسيرا لا مخيرا في سلوكه وتصرفاته، ولا يجوز محاسبته على فعل خارج إرادته مهما جانب الحق، وتمادى في ظلمه وطغيانه وجبروته.

وهذه النظريات ضاربة بالقدم، وتجد لها أصداء في النظريات السياسية للمسلمين، كبعض الآراء السنية التي تحرّم الخروج على السلطان مهما تمادى. ويجب طاعة أولياء الأمر مطلقا، فتمنحه حكما ثيوقراطيا. وأيضا السلطة بالنسبة للشيعة نص وتعيين من قبل الله تعالى، وتعني القيمومة والولاية الكاملة، قياسا على: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، التي تنتقل كافة صلاحياتها بحسب ذات النظرية إلى الإمام، ولهم أدلتهم. ثم تأتي ولاية الفقيه بصلاحيات كاملة من الإمام، وتكتسب نفس قيمومته وولايته المطلقة. فيصدق أن نظرية الإمامة والولاية المطلقة نظرية ثيوقراطية مفهوماً ومصداقاً. وهذا هو فهم فقهاء الشيعة، أما الإمام علي فله رأي آخر، حيث كان يرفع صوته عالياً، لقد "بايعني الذي بايع الأوَلين". ويخطب بالناس: (من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما عليه اثقل، فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فاني لست في نفسي بفوق أن اخطأ، ولا آمن من فعلي، إلّا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني، فانما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره...). ولم يدع الإمام الحسين الولاية، وطالب أهل الكوفة بالبيعة قبل أن يقدم عليهم. والأمثلة كثيرة، سردها يكفي في نقض نظريات فقهاء ومتكلمي الشيعة في مسألتي الإمامة والولاية بمعنى القيمومة وحق التصرف المطلق.

 

 الثانية: النظريات الديموقراطية: التي تحصر شرعية السلطة بالشعب أو الأمة. فتنبثق شرعية الحاكم من إرادة الشعب، أو بتخويل منه. حيث لا ولاية لأحد عليه، وهو قيّم على نفسه، فيخوّل من يرتضي ليمارس السلطة باسمه. ويكون مسؤولا أمامه. ويكون الشعب قادرا على محاسبته وفقا للقانون. فسلطة الحاكم في النظام الديموقراطي سلطة مقيدة بالدستور.

أما عن علاقة الدين بالسلطة، فقد تراوحت عبر التاريخ بين التبعية والاستقلال .. تبعية الدولة لرجل الدين، كعلاقة الدولة بالكنيسة في أوربا القرون الوسطى وما قبلها. او خضوع الدين (الكنيسة) لسلطة الملك لترسيخ أركان مملكته. وقد تكون العلاقة بينهما متكافئة تحكمها المصالح وموازين القوى. ثم بعد ظهور الإسلام بدأ فصل جديد من العلاقة بين الدين والسياسة، تجلى بوضوح بعد وفاة الرسول، حينما توحّدت السلطتان الدينية والزمنية في شخص الخليفة، ثم انفصلت مع بداية الحكم الأموي فاستبد الخليفة بالسلطة السياسية، وظل الفقيه مستقلا بسلطته الدينية، ضمن طور جديد من العلاقة، يعيّن بموجبها الخليفة او السلطان الفقيه، وبدوره يشرعن الفقيه السلطة وممارسات الخليفة. واستمر هذا النحو من العلاقة بين الخليفة والفقيه في زمن الدولة الأموية والعباسية والعثمانية. لكن كيف يمنح الفقيه الشرعية للسلطة؟ وما هو دور النص فيها؟. فنحن بصدد ضابطة عامة تحدد دور النص في شرعية السلطة، كي لا تستغل الشعوب، وتخدع باسم الدين، وحرمة الخروج على النص والروايات. وهذا يتطلب مزيدا من النقد والمراجعة والتفكيك، للكشف عن آلية عمل النص، وقدرته على تشييد حقيقته، ومد سلطته، وفرض محدداته. ثقافة المسلمين ثقافة نصوص، والوعي الديني، وعي روايات وأحاديث وأقوال. العقل معطل والنص يوجه وعي الناس، ويرسم لهم خارطة علاقاتهم ومصيرهم ومستقبلهم. فنحن مطالبون باسترداد إرادة الفرد، وتحريره من قيود المقدس والوهم والخرافة، ووضع الشعوب أمام مسؤوليتها. الفارق الزمني بيننا وبين زمن النص 1400عام، وللزمن أحكامه، فتسليط عقل ما قبل 14 قرناً علينا خطأ حضاري، ومصادرة للعقل وحرية الإنسان. بلا أي دليل عقلي أو قرآني. وهذا لا يمنع أن تستأنس بالتراث، وتستفيد من التجارب التاريخية، لكن لكل زمن أحكامه، ولا يجوز سلب التجارب السياسية تاريخيتها، وليس في هذا تعدٍ على المقدس، فالأحكام مرتبطة بفعلية موضوعاتها. والقيم والبمادئ، هي قيم إنسانية قبل أن تكون دينية فهي محترمة. ومن يود مقاربة المقدس فيمكنه وفقاً لمتطلبات عصره وحاجاته، لا أن يفكر بعقل لا يعرف عن ضروراتنا شيئاً. نحترم السلف الصالح لكن لكل عقل قبلياته فكيف ينظّر لواقع غير واقعه؟

إن مصادر شرعية السلطة في الفقه والفكر السياسيين هي: (آيات قرآنية، روايات وأحاديث، سيرة النبي وتجربة دولة المدينة، مقولات كلامية، آراء إجتهادية). وأما شرعية سلطة الخليفة، فترتكز لذات المصادر في إجمالها لا في تفصيلاتها، إضافة للبيعة بأشكالها المختلفة. وهناك من أضاف صحة التوريث والتعيين في شرعية الخلافة. وأما الغلبة والقوة والعنف فلا تعتبر مصدرا شرعيا لسلطة الخليفة إلا وفقا لبعض آراء فقهاء السلطة. وهذا الكلام يصدق عندما تكون الدولة ضرورة دينية، فنلجأ لمصادر التشريع لتأصيلها، لكن سبق القول: إن الدولة ضرورة اجتماعية، لذا أهمل القرآن عصبي الحياة: الاقتصاد والسياسة رغم خطورتهما وأهميتهما، كي يتكيفا مع متطلبات العصر والزمان. وأقصد بدينية السلطة تحديدا: فرض ولاية أو قيمومة الحاكم الأعلى بشكل يصادر حرية الأمة، ويفرض سلطانه وسلطويته، مهما كان عادلا. إذ لا يمكن مصادرة حق الأمة في تقرير مصيرها. من هنا لم تجد في الكتاب الحكيم سوى مبادئ وقيم يمكن الإرتكاز لها في بناء منظومة فكرية، سياسية أو اقتصادية. لكنها لا تؤسس لأية شرعية، وتبقى مجرد وجهات نظر اجتهادية قابلة للنقض والتطوير. وأيضا لا تجد اهتماما صريحا في روايات الرسول بوجوب التصدي لقيام دولة دينية، ولم تعثر على حديث مفصل عن موضوعاتها، خاصة الخلافة وشروط الخليفة، فضلا عن التصريح بأي اسم. ولو كان ثمة ما يشي بتصريح واضح أو نص صريح بشخصية محددة لتأجج النزاع حول السلطة بعد وفاته، لكنه خبا، لعدم وجود مرجعية شرعية، آية أو رواية تحسم النزاع لصالح أحد الطرفين. أو لا أقل تثير الشكوك حولها، بل أن عدم كتابة كتاب من قبل النبي أيام مرضه، وضع حدا لجميع التكهنات، فقد اتفق الجميع على عدم كتابته الكتاب، لأي سبب كان، كما لا يوجد دليل يحدد موضوعه، هل كان يروم تدوين ضوابط السلطة أم شيئا آخر. بل تصديه لكتابة الكتاب يؤكد عدم وجود نص صريح مسبق ما عدا روايات الفضائل، وإلا لاكتفى به.

هذا بالنسبة لشرعية الدولة الإسلامية، كتكليف شرعي، له شروطه، التي منها صلاحيات خاصة بخليفة المسلمين. وليس من حق أحد التنظير لهذه الصفة ونسبتها لله تعالى، لانحصار التشريع به ولم يجعله لأحد قط. وهذا لا يمنع أن يتصدى المسلمون لإقامة دولتهم، فتكون دولة المسلمين بإيجابياتها وسلبياتها، يلتزمون بقيم الدين وأخلاقه، ويحكمون بالعدل والانصاف، ويراعون حرمات الله، ويطبقون أحكامه، لكن لا قيمومة للحاكم على الناس، وتبقى الولاية منحصرة به تعالى، ومن يحكم يحكم وفقا لضوابط الدين والشريعة والأخلاق وما اتفق عليه الشعب، ويكون الحاكم مسؤولا عن تصرفاته وتعهداته. يستجيب للقضاء، وتنتهي ولايته التي اكتسبها بالبيعة والانتخاب إذا تخلى الناس عن بيعته. أما وجوب التصدي للسلطة كمقدمة لإقامة الشريعة فأيضا لا دليل عليه، وسيأتي  الكلام عنه.

لقد بالغ الطرفان المتنازعان في مراكمة الشواهد لاثبات أفضلية الخلفاء وترجيح أحدهم على الآخر، في سياق التنظير لشرعية سلطتهم، التي تهاوت في ظل جدل مرير حولها. فما من فضيلة إلا وللطرف المقابل مثلها، حتى تصاعدت وتيرة الفضائل والكرامات حدا خرج عن المعقول، وتدفق سيل الروايات والمناظرات الكلامية، والأصول والكتب التي صدرت عبر القرون الأربعة الأولى. فكانت ثمة مبررات ودوافع لوضع الحديث، وهذا ما يهمنا ونبحث عنه، كمبرر لنقد النص والبحث عن سلطته وهيمنته. فينبغي التوقف عند هذه الفترة وما صدر خلالها ملياً ودراسة رواياتها، بمنهج نقدي صارم، ومقارن من خلال عرض الروايات على القرآن، الذي فيه بيان كل ما يخص العقيدة والشريعة. يهمنا جدا الكشف عن كل تأسيس نظري، فكري وعقيدي، لفضح أساسه الروائي. فالتراث قائم على النص ولا دليل يورث العلم واليقين والجزم بصدورها. لتسقط بسقوط النص بنية الخطاب التراثي، وتنطفئ قدرته على التأثير. إن مراكمة التراث مستمرة رغم مرور 11 قرنا على فترة التأسيس الأولى. غير أن الدراسات النقدية ما زالت خجولة، خائفة، تتهيب اقتحام أسوار المقدس، وفضح مخاتلاته ومكره، وصدقية نصوصه ورواياته المنسوبة للنبي الكريم.

أما السلطة فقد وظفت أجهزتها الإعلامية، من رواة، وفقهاء، ووعاظ، للدفاع عن شرعيتها، وصد المعارضة، وتأكيد شرعية سلطة الخلفاء الراشدين، والطعن بالإمام علي، على مستويات:

- تأسيس مقولات كلامية تصب في صالح السلطة وشرعيتها، وتبرئة ساحتها، عن جميع الأخطاء. فكان من جملة المقولات الكلامية التي تبنتها السلطة: الجبر، الإرجاء، وحكم فاعل الكبيرة، الحسن والقبح، وهل هما عقليان أم شرعيان، وغير ذلك من مقولات تستغفل الناس، وترسخ فيهم روح الطاعة والانقياد.

- تدفق النصوص المنسوبة للنبي، في بيان فضائل الصحاب، وقريش. إلى جانب نصوص تكرس سلطتهم، وتزكي سلوكهم. كآية أولي الأمر، وروايات نسبت للنبي، مثل "الخلافة في قريش" "الخلفاء من قريش"، "الخلفاء من بعدي 12 خليفة كلهم من قريش"، وحديث: "لا تجتمع أمتي على خطأ". و"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة". و"إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر". حيث اشتد النزاع حول من أشار لهم. فهل أشار لعلي كما تقول الرواية الشيعية، أم لأبي بكر كما ذهبت الرواية السنية؟.

ثم جاء فقهاء السلطان رسّخوا قدسية الحاكم وسلطته في أذهان الناس فأصبح الخليفة خليفة الله في أرضه، والسلطان حاكم باسم الله. واستماتوا في الذب عن شرعية سلطته، عندما حرّموا الخروج عليه، وفرضوا وجوب طاعته مطلقا عند بعضهم. فأصبح سيف الشرع مسلطاً على كل معارض يتهمهم بالفساد أو الجهل، وقد استخدموا (وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم) على نحو يتضارب مع أبعادها المنهجية. وقد ساعد على ذلك فساد رجل الدين ورخص بعض الرواة، فرجل السلطة متهم في تقواه، وورعه، يمكن للحاكم شراء مواقفه.

ومن جهة ثانية، ألّبت السلطات الناس ضد المعارضة، ونعتتهم بالخارجين على الشرعية، والروافض، والخارجين على إجماع الأمة، والمتمردين على سلطة الولي الشرعي، وغيرها من ألفاظ. فكان خطابهم ضد المعارضة خطابا قمعيا، إقصائيا، سلطويا، إرهابيا، ثأريا، حيث مصير زعماء المعارضة السياسية دائما. فعندما تراجع كتب تراجم الرجال لدى مدرسة أهل السنة تعرف حقيقة خطاب السلطة في تشويه صورة المعارضة، فتجد الأقصاء يتجلى بأعلى صوره، عندما تقرأ في ترجمته: رافضي، خبيث، زنديق، شيعي، كذاب، شتام،. بل يكفي انتسابه للتشيع أو أي جهة معارضة لإدانته. فمنطق الاقصاء، منطق متجذر، ساعدت على ترسيخه ثقافة الكراهية والتنابذ، والعنف، والتسلط والاستبداد. ويكفي أن معاوية بن أبي سفيان فرض سب الإمام علي على منابر المسلمين لستين عاما، حتى رفعه عمر بن عبد العزيز. فالإقصاء منطق تتبناه الدولة رسميا. بمعنى آخر أن الإقصاء سيكون ركيزة خطاب السلطة ضد المعارضة. وهذا المنطق ما زال يؤطر ثقافة المجتمعات المسلمة. فالقطيعة مع التراث السياسي للمسلمين أول خطوة باتجاه الرقي الحضاري، إنه تراث موبوء، متخلف لا يؤسس لأية قيمة حضارية – إنسانية. تراث مسكون بتنزيه الحاكم، وإدانة المعارضة مهما كانت شرعيتها. لكن المعارضة لم تستسلم، وواصلت طريقها لسلب السلطة شرعيتها، وتأكيد شرعية الإمامة في مقابل الخلافة.

وهنا لا بد من الحديث عن دور بعض المفاهيم في خلق حقائق كرست قدسية الخلفاء.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi4خاص بالمثقف: الحلقة السابعة والخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق12- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص ومشاغبات الغلو

ماجد الغرباوي: لا شك أن الروايات الدينية كان لها دور التأسيس في ثقافة الغلو، وقد فرضت مرجعيتها، وحقيقتها، ومحدداتها، رغم تقاطعها مع منطقي العقل والكتاب الحكيم، وعدم وجود أدلة على صحة صدورها، فهي تنتمي لنفسها وتتحرك داخل أروقتها الميثيولوجية المغلقة. وقد اعتلت توجّه وعي المتلقي، وتؤثث خلفيته وقبلياته. والأكثر خطرا أنها تمركزت في مخابئ بنيته المعرفية، وشاركت في تشكيل أنساقه المضمرة، بشكل يتعذر اكتشافها بغير منهج النقد والتنقيب في حقولها المعرفية. وقد نجح خطاب الغلو في أداء رسالته، وترسيخ حقيقته حداً، بات يزدهر في أعماق المتلقي. فالغلو كأية حقيقة أخرى لا وجود له خارج الفضاء المعرفي للمتلقي وقبلياته ويقينياته، التي هي بدورها قد أشرف خطاب الغلو على تأثيثها وهندستها. فالغلو يتوارى مع النقد وترشيد الوعي، ويخبو توقده مع يقظة العقل. فالمهيمن العقيدي للغلاة مهيمن عقيم لا ينتج ثقافة وتنويرا، بل يسقط العقل والقيمة المعرفية لآيات الكتاب الكريم، ويرتكز للخرافة والوهم واللامعقول مصدرا لمعارفه وتصوراته.

وهذه الروايات إما أن تكون موضوعة، أو محتملة الصدور. والفرق أن الأولى يمكن نفي صدورها، بأدلة عقلية أو روائية وفقاً لعلوم الدراية والحديث، فتسقط قيمتها، المتوقفة أساساً على صحة صدورها. ومع عدم ثبوتها تبقى مجرد وثيقة تاريخية لدراسة البيئة الفكرية والثقافية، والتعرّف على واقع الوعي العقيدي، ومستوى تطور العقل ضمن إطاره التاريخي. فلا قيمة لأية رواية دينية ينفي الدليل صحة صدورها، مهما كان مضمونها. بل لا معنى لجعلها شاهدا ومؤيدا، لأن العقيدة مرتبطة بالعقل أولا، وفي إطار القرآن ثانية، فهي مسؤولية شخصية محددة بشروط مصادرها. وأما الرواية المحتملة الصدور، فلا يوجد دليل صريح على نفيها، ولا يمكن تصنيفها ضمن الروايات الصحيحة بل ولا حتى الموثوقة. غير أن احتمال صدورها يسمح بتناولها نقديا، سيما مع انتشارها وتسالمها.

وفي كلتا الحالتين لا حقيقة وراء الحقيقة التي يتولى النص خلقها وإنشاءها. إلا أنه يتستر على دوره في وجودها، من خلال أدائه وأسلوبه ومضمونه وطريقة تعبيره، وصفته المتبادرة في ذهن المتلقي المسلم، فيكفي كونها رواية في ثبوت صحتها وانتسابها، لينقلب الموقف من النقد إلى التبرير والاستسلام، خاصة العقل الميثيولوجي، حيث كان يطغى الخطاب الخرافي والأسطوري، وتداول الروايات التاريخية الغرائبية، وهو مستوى الناس آنذاك. فالمتلقي لا يعي دور النص في وجودها بفعل خلفيته وقبلياته ومستوى وعيه وانتمائه، فيعتقد أنها تخبر عن حقائق خارجية أو مُستدل عليها عقلياً وقرآنيا بآيات صريحة لا لبس فيها. فلا تستفزه غرائبيتها، بل يخشع لها، ويؤمن بها ويستسلم لمنطقها، حينما تنسجم مع أمنياته، وتعزز قناعاته. كما أن خوف الآخرة، وفقدان الأمل بالنجاة، يدفع المتلقي للتشبث بروايات الغلو. فيأتي الإيمان بها مَركًب نجاة، سيما وهي تهبط بشروط الجنة إلى مستوى الموالاة ومشاعر الحب لأهل البيت وبغض من عاداهم دون العمل الصالح الحقيقي. فبعض الروايات تؤكد عدم دخول الشيعي النار، لا لعمله الصالح بل فقط لانتمائه المذهبي!!!. ويكفي في عدم صحة صدور هذه الروايات أنها تخالف المنطق القرآني: إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ولا توجد أية قيمة أخرى في التفاضل الديني. أو روايات الشفاعة المهولة عند الجميع، سنة وشيعة. حيث تسقط قيمة العمل الصالح، حينما يتساوى فاعل الخير بمقترف الشر. وأيضا الديانات الأخرى فاليهود شعب الله المختار مهما عملوا لا يدخلون النار، والمسيح لا يدخلونها ببركة التعميد الكنسي. وجميع الديانات تعتقد ذات الاعتقاد.

وكما أن الرواية هي وراء حقيقتها، فأيضا هي التي تصنع رموزها، حتى مع احتمال صدورها. فيتوقف عليها وجود الصورة المثالية للإمام أو الصحابي، وتتوقف هي على وجوده الأسطوري. وهذا دور واضح لتوقف كل منهما على الآخر، والدور باطل منطقياً، لا ينتج علماً ومعرفة. والأمر ذاته حينما تكون الرواية صادرة حقيقة، فأيضا لا يمكن الاحتجاج بها، لعدم ثبوت وثاقة ومنزلة أحد عند الله ورسوله، يكون هو الراوي الوحيد لها، بما في ذلك الإمام والصحابة المقربين ما لم يوجد دليل خارجي يؤكد دعواه. فمن روى بأن النبي ضمن له الجنة، ولم يشهد له أحد، فلا يلزم من كلامه وثاقته وعدله، وحجية مضمون خبره، لأنه الراوي الوحيد لها. ولا شك في بطلان رواية الشخص عن نفسه، لقوة احتمال الكذب والاشتباه والمبالغة وروح التفاخر والتنزيه. فالحكم ببطلان هذا النمط من الروايات، مشروع دينيا وعقلائيا. مثلها مثل من ينازع شخصا على ملكية شيء فإن القضاء يطالبه ببينة تؤكد صحة دعواه. بل أن بعض علماء الرجال يحكم بتضعيف وعدم وثاقة من يروي عن نفسه. فالإمام أو الصحابي حينما يتحدث عن نفسه وعن منزلته عند الله وعن كراماته وخوارقه ومعاجزه، نحتاج في المرتبة السابقة إلى دليل خارجي محايد يؤكد صحة كل ما يقول. أو دليل قرآني صريح به وبمعجزاته، كما بالنسبة لمعاجز الأنبياء. ولا تكفي الرواية عنه في إثبات مضمونها. فروايات الغلو لا تنتج معرفة إطلاقا. وبالتالي، لا وجود لأية معرفة خارج النص، فهو الذي يخلق حقيقته ورموزها، وهو الذي يمهد لقبولها ورسوخها. وهو في كل ذلك يراهن على رثاثة الوعي والخلفية الميثيولوجية للمتلقي، فيمدها باستمرار، للحفاظ على خصوبتها، وقدرتها على مقاومة التحديات من خلال خطاب يغادر العقل، ويرابط داخل اللامعقول، والخرافة.

الغلو ونقد النص

جدير بالذكر أن خطاب الغلو نجح في ترسيخ بديهيات عقيدية، من خلال منهج مراوغ، يعتمد الاستدلالات الساذجة، ويستغل رثاثة الوعي، وانحطاط الثقافة، والبيئة المثيولوجية، فيشاغل وعي المتلقي بمضامين غرائبية خرافية عن الرموز الدينية، يغفلون معها سؤال الحقيقة. أي السؤال عن ذات الرمز وحقيقته قبل الحديث عن خصائصه ومعجزاته وكرامته. فعندما يشاغل النص الوعي الرث بأحاديث خارقة، مذهله، غرائبية لا يلتفت لسؤال الحقيقة، بل تصبح لديه منظومة بديهيات، ومبادئ عقيدية مسلّمة، تندرج ضمن اللامفكر فيه، والمقدس، الذي يحرم مقاربته، فضلا عن نقده. هذه البديهيات هي التي تمرر روايات الغلو، لتراكم مزيدا من المعرفة المشوهة، العقيمة. فلا دليل على أسطرة الرمز الديني سوى النص ومنطقه ومراوغاته وأدائه، وقدرته في التشويش، وتوجيه العقل الجمعي، المفجوع بوعية. خطاب الغلو لا ينتج معرفة، بل يؤسس للخرافة واستبعاد العقل والمنطق. فهو خطاب مغلق، دائري، يتحرك داخل مداراته، بين الرمز ومضامين النص.

يجب الإشارة إلى مراوغات خطاب التقديس والخطاب التنزيهي الذي يلعب دورا هو الآخر في ترسيخ جملة بديهيات عقيدية، كانت قد انبثقت في بيئة خرافية، ثم ترسخت تحت فعل التلقين والتربية والتثقيف. وخطاب التقديس يتخفى بظل الأوصاف الأسطورية، والمبالغات التقديسية، ويحقق ما يريد، من خلال سلطته حينما يتمركز في اللاوعي. فقيمة النقد ليس في تناول ما يقوله النص ظاهرا، بل باستدعاء ما لا يبوح به، ويسعى لتمريره دون التصريح به، من خلال قوة أدائه وبلاغته. وقمة وعي الفرد في قدرته على إعادة تشكيل العقل وفقا لسؤال الحقيقة عن ذات البديهيات العقيدية، وصفاتها، وخصائصها، وبشريتها، وليس النقد انشغالا بظاهر النص، وما يبوح ويتجاهر به، فهذا ليس نقدا عقليا وفلسفيا، ولا يمثل منهج النقد التفكيكي والتحليلي. ولا يصدق أنه حرث وتنقيب في أعمق النص. فالنقد مهمة شاقة، تتطلب أدوات ماضية، ومنهجا عقليا صارما، مع ذكاء وفطنة، وقدرة على ملاحقة مراوغات النص، والإمساك بهلاميته، والوقوف على آليته. لذا تندر القراءة النقدية الفاعلة، ولذا أيضا يتهستر العقل التقليدي من نتائج النقد وقوة محاججاته. إن مهمة النقد مهمة فكرية وفلسفية، تتوغل عميقا في المضمر من الأنساق، وتواصل تفكيك مرجعياتها، وتحليل مقولاتها، كي نتعرف من خلالها على حقائق الأمور، وخيبة الوعي، عندما تكتشف حجم التزوير، ومساحة اللامعقول في العقيدة، التي هي مركز توجيه الوعي، وتشكيل العقل. وتقف بنفسك على خيبات التخلف الحضاري والفكري، حينما نحتسب أن كل ما بيدنا حقائق نهائية، وما هي سوى تزويرات، تخشى المقاربات النقدية.

النسخة الرسمية للخطاب الديني

الناس يدافعون عن عقائد يجهلونها، فتبدو في أعينهم، مقدسة، نقية ناصعة، مطابقة للواقع. يتقبلونها بعيدا عن الشك والمواربة، بينما هي نسخة منتقاة، تمت صياغتها بعناية فائقة، كتبها خطاب أيديولوجي، تنزيهي، متحيز، بالغ في تنزيه الذات وقدسيتها، ونبذ الآخر وتشويه معالمه، فحجب عنهم تاريخها ومراحل تطورها وسلبياتها وأخطاءها وبشريتها. النسخة الرسمية لكل عقيدة، نسخة مشذبة، خالية من المؤاخذات. تم تحصينها وإقامة رقابة صارمة عليها. وخطابها خطاب رسمي لا يمثل تمام الحقيقة، بل يمثل أجندة طائفية ومذهبية وسياسية وعقائدية، يسعى لكسب ثقة الناس وتعاطفهم معه، وتبرير سلوكه ومواقفه. فلا يصدق إيمان المرء ما لم يؤمن عن بيّنة ودليل عقلي.

فالشيعة كغيرهم من المذاهب، يتعاملون مع النسخة الرسمية للتشيع باعتبارها حقائق نهائية، نشأت بهذا التسلسل والتفصيل. لكن الحقيقة أن الرواية الرسمية خطاب بشري، تبجيلي، يتستر على تفصيلاته وحقائقه، خاصة أنه خطاب متأخر على القرون الهجرية الأربعة الأولى، وهي فترة تأسيس التشيع، وصياغة مقولاته ومفاهيمه. فقدم الخطاب الرسمي تفسيرات للأحداث والمواقف المختلفة بما ينسجم مع رسالته. فتجاهل قضايا وقرائن لو اطلعنا عليها، ربما احتفظنا بصورة أخرى للعقيدة الشيعية ورموزها. فمثلا تاريخ الأئمة تاريخ مليء بالمفاجأت والأحداث، وكثرة الانشقاقات، والاختلافات حول العقيدة الشيعية ومفهوم الإمامة وعدد الأئمة والطبيعة اللاهوتية للإمام. ويكفي أن الشيخ المفيد يروى أن الشيعة بعد وفاة الإمام الحسن العسكري قد انقسموا إلى (13) فِرقة، وذكر النوبختي في كتاب الفِرق الشيعية أنها (14) فِرقة. إضافة إلى مواقف الفِرق الشيعية المتعددة عبر التاريخ كالجارودية، والفطحية والواقفية وغيرها وقبلها كثير جدا. فكانت بعد كل وفاة إمام تحصل إنشقاقات، يعتبرها الخطاب الرسمي مواقف ضلال، متهمة في دينها ورؤيتها وإيمانها. وهذا القدر يؤكد على وجود آراء أخرى غير الرواية الرسمية، فلماذا اكتسبت النسخة الرسمية صفة القداسة، بينما اندثرت الآراء الأخرى؟. ولو أن الظروف والتحديات ساعدت تلك الفِرق على البقاء، لبقيت حية كالزيدية، والإسماعيلية، والعلوية، فكل واحدة من هذه المذاهب أو الفٍرق لها خطابها الرسمي، ومدوناتها وأتباعها.

التشيع مر بمراحل عدة، عانى خلالها طويلا، واُمتحن في عقائده ورموزه، وكان الخطاب الرسمي في مرحلته الأولى يسوده الفكر المغالي في زمن بني نوبخت وعصر الغيبة الصغرى، حيث ظهرت كثير من الروايات التي عملت على إعادة تشكيل العقل الشيعي، وبناء منظومته ونظريته، التي تنسجم مع الغيبة وأسطرة الرموز الشيعية، وعددهم وتسلسلهم ومقاماتهم، ولعل أفضل كتاب للشيخ المفيد يمثل اعتدال العقيدة الشيعية هو كتابه: تصحيح الاعتقاد، الذي كتبه ردا على كتاب الاعتقاد للشيخ الصدوق (توفي 329 هـ) الذي كان أكثر اعتدالا وبشرية في صياغته للعقيدة الشيعية، حيث كان على خط شيخه محمد بن الوليد، من كبار علماء الشيعة، ممن يقول بسهو النبي، وهو رأي المدرسة الشيعية القمّية آنذاك، وعلى رأسها أحمد بن محمد بن عيسى، الذي كان يطرد من قم كل من لا يقول بسهو النبي!!!!. ويلعن من يضيف الشهادة الثالثة في الأذان (يمكن مراجعة رواياته في كتابه: من لا يحضره الفقيه). فلما جاء الشيخ المفيد (توفي 413هـ) ليتولى بنفسه إصدار أول نسخة رسمية عن التشيع المعتدل، بعد أن أتلف تراث الغلو، ونظّر كلاميا للعقيدة الشيعية، وكتب مدوناته المعروفة في التاريخ والعقائد والفقه، فأعاد صياغة التشيع من خلال نسخة رسمية، بقيت معتمدة إلى يومنا هذا. ثم في العصر الصفوي قام الشيخ محمد باقر المجلسي (توفي 111هـ) بإعادة صياغة التشيع، من خلال كتابه بحار الأنوار، الذي جمع فيه كل ما أتلفه الشيخ المفيد من تراث الغلاة، فصدرت نسخته الحديثة بـ(110) أجزاء. وقد احتل بحار الأنوار المكتبة الشيعية وتحول إلى مصدر أساس من مصادر العقيدة، رغم عدم وجود ما يدل على صحة رواياته، وهي كتب وجدها الشيخ المجلسي وجادة، بينه وبين أقرب مصادرها (الشيخ المفيد) 500 عام. وليس له طريق معتبر مباشر لروايتها، وقد جمعها في كتاب البحار، فتأثر به الجميع بما في ذلك الاعتدال الشيعي. وقد شكلت إيران قبل فترة لجنة لتقييم هذا الكتاب العبء، بعد أن شعرت بثقله، وتداعياته على مستقبل التشيع، وقد ترأس اللجنة المرجع المعتدل المعروف آية الله مكارم شيرازي، وسمعت أنه لم يبقِ من الروايات بعد دراستها متناً وسنداُ سوى أربعة أجزاء، صدرت أو ستصدر قريبا. وهذا ما قام به سابقا الشيخ أصف محسني الأفغاني في كتابه النقدي لبحار الأنوار بعنوان: مشرعة بحار الأنوار، حيث حكم بصحة بعض روايته. لكنهم نقموا عليه ورموه بالردة والتسنن. ثم بعد النسخ الرسمية لبني نوبخت والشيخ المفيد والمجلسي، تمت بعد الثورة الإسلامية في إيران صياغة التشيع عرفانيا في مدينة قم، مركز الحوزة العلمية والدراسات الدينية، تولى التنظير لها خط الغلو والعرفان بزعامة الشيخ جوادي آملي، وتلميذه السيد كمال الحيدري، قبل صحوته المتأخرة، فنظّروا للولاية التكوينية، واعتبروها ضرورة وجودية، لدفع تهمة الشرك عنها. لكن هل يمكن دفعه بهذه السهولة، وقد أصدر كمال الحيدري كماَ كبيرا جدا من الكتب والرسائل الصوتية تتحدث عن منظومة الغلو الجديد والولاية التكوينية التي سلبت بشرية الأئمة، وارتقت بهم لمصاف الخالقية؟.

وإلى جانبهما كان الفقهاء ينظّرون لولاية الفقيه وقيمومته التشريعية والسياسية، التي هي امتداد لقيمومة وولاية الإمام المعصوم. فنظّروا لثيوقراطية الدولة، ومن مجموع الخطين العقيدي والفقهي، ولدت النسخة الرسمية الأخيرة للتشيع، المعروفة بالتشيع الولائي - العرفاني. ورغم بُعد النجف مدينة العلم الشيعية ومركز مرجعية الشيعة في العالم إلا أن التشيع الولائي قد تسرب لها. بسبب مساحات الاشتراك في العقيدة. والتشيع الولائي إضافة عقيدية لا يرفضها الحس الشيعي، لأنه فعلا يؤمن بها لا شعوريا حينما يردد نصوص زيارات الأضرحة ويقرأ أدعيتهم، وهي نصوص صريحة في غلوها.

مما تقدم نفهم أن الجدل سيكون عقيما وفقا للصيغة الرسمية للتشيع، ولا يمكن للنقد أن يؤدي غرضه، ما لم يعود بالقارئ لتاريخ التشيع، والتعرف على منزلة الرموز الدينية. أي نحتاج بالمرتبة الأول إلى أنسنة الرموز، حينما نعيد للأئمة بشريتهم، فنقرأهم ضمن مختلف ظروفهم، ورؤية أصحابهم غير المغالين لهم في عصرهم. فعندما تراجع التاريخ لا تجد أي أثر للتقديس المبالغ فيه لدى النخبة الشيعية الملتصقة بالإمام والمعروفين بفقاهتهم وعلمهم وورعهم، كزرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم، وعبد الله بن يعفور، ويونس بن عبد الرحمن وغيرهم. فكانوا يجالسون الأئمة، مجالسة الطالب والاستاذ مع إجلال كبير لهم. وينادونهم بأسمائهم، ويجادلونهم علميا. والناس كانت تفهم من الأئمة، زعامة البيت الهاشمي، والزعامة الدينية، وليس أكثر، خاصة أن الأئمة حذروا من الغلاة ولعنوهم.

العقيدة بين العقل والرواية

إن عقائد المسلمين عامة وعقائد الشيعة خاصة عقائد روايات ونصوص، ليس لها جذر قرآني، حيث حصر العقيدة بقوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). إضافة للقضايا الكبرى كالإيمان باليوم الآخر. فعقائد الغلو ليس لها جذر قرآني، بل تتنافى مع منطقه، خاصة الروايات التي ارتفعت بالأئمة حد الغلو والشرك مع الله تعالى، وروايات الغلو السني التي منحت الصحابة قداسة هي ذات مفهوم العصمة عند الشيعة، وتقديس الرموز السياسية وسلطة الخليفة. ومشكلة بعض هذه الروايات الجهل التام بظرف صدورها، وكيفية انتشارها، خاصة الروايات الشيعية، فهل صدرت في عصر الإمام أم بعد وفاته؟ هل يعلم بوجودها وتفصيلاتها أم لا؟ علما أنهم أنكروا ما سمعوا من روايات الغلو، وأكدوا بشريتهم وعبوديتهم لله تعالى، وكانوا يتألمون لِما يُشيعهُ خطاب الغلو. فجزما هناك عدد هائل من الروايات صدرت خلال القرون الأربعة، قبل غيبة المهدي وبعدها لتدارك الموقف المتداعي عقائديا آنذاك، ولم يتوقف ضخ الروايات إلا بعد تدوين الكتب والأصول الأربعمئة. لكن ثمة حقيقة أيضا أن رموز الغلو الشيعي هم من حواريي الأئمة ومن مقربيهم، وطالما أكدوا تلقي مضمون أخبارهم ورواياتهم عن الأئمة مباشرة، فهم من خلّص أصحابهم، كمحمد بن عمير، والمعلى بن خنيس، ومحمد بن سنان وغيرهم كثيرون!!!.

الغلو بين الآية والرواية

تجدر الإشارة إلى وجود فارق بين الآية والرواية، لذا لا تجد أي جنوح للغلو حول شخصية النبي محمد مفاده آية. بل الآيات أكدت على بشريته، وذكرت ما يشي بتوبيخه أو تحذيره: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ،) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ)، (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ). كانت الآيات تتنزل في حياته، ويتلقاها أصحابه، وهم معه ليل نهار، وأي دعوة غلو تحتاج لدليل ملموس كي يصدقوه . فعندما يدعي الرسول مثلا أنه يعلم الغيب سيختبره مئات الصحابة، فماذا سيكون موقفه إذا أخفق؟. ولو حقا كان يعلم الغيب لوصلنا عدد كبير من الشواهد والأخبار المؤيده.

والأمر يختلف بالنسبة لغير الرسول، فإن مصادر الغلو السني والشيعي تنحصر بالروايات. فلا تستغرب استماتة المسلمين في الدفاع عن سيرة النبي والصحابة والأئمة، فليس في الكتاب الكريم سوى تأويلات لا تخدم توجهاتهم الطائفية والسياسية ورؤاهم المغالية!!!. بينما الروايات معين لا ينضب، يحقق لهم جميع طموحاتهم العقيدة التي تستمد ضرورتها من الصراع السياسي التاريخي، ومن حديث الفرقة الناجية.

نتائج وحقائق

وعود على بدء، حول نظرية الغلو ودورها في سلب شرعية السلطة، فهذه النظرية قائمة على مركزية الإمام وولايته التكوينية في سلب شرعية السلطة، وهي محاولة أخرى ضمن جهود المعارضة الشيعية. رغم أنها مازالت أفكارا ومفاهيم في بداية نشأتها، فهو حينما يؤمن بقدرة الإمام على فعل كل شيء، بما فيه الرزق، والشفاء، وإنزال المطر وغير ذلك، يعني أنه صاحب الشرعية المطلقة، فتسقط شرعية أي دولة وحكومة خارج شرعيته. وقد انتظمت هذه العقائد فيما بعد لتشكل نظرية في الإمامة. فهي لم تكن مقصوده بهذا الشكل لكنها نتاج طبيعي للتنظير المتواصل لها. والآن هي نظرية مؤثرة، رغم اندثار القرائن والظروف التاريخية التي كانت محيطة بها، واليوم هناك وعي جديد، بفعل الجهود التنظيرية لمدرسة الغلو الشيعي المعاصرة. إلا أنه وعي تراجعي، راح يطور عقائده، فبين فترة وأخرى تفاجئنا طقوس مغالية جديدة. بحيث أصبح عدد المقدسات الشيعية يفوق عدد عقائدهم.

لا يمكن للولاية وهي تسلب الشعب حقه واختياره أن تكون صالحة للحكم في مجتمع يطمح أن يكون مدنيا يستوعب التنوع الأثني والديني والثقافي. مجتمع يقوم على المواطنة واحترام الآخر وحقوق الإنسانية المشروعة. نحن نتطلع لحضارة تقوم على العلم والمعرفة، بعيدا عن الخرافة والوهم. وسلب الإنسان إرادته وحريته. وهذه النظريات تسحق الإنسان وتخلق منه كائنا يستمرئ العبودية والانقياد، بعد أن تقتل فيه روح الابداع والعطاء، ويبقى يعيش أحلاما خيالية لا تمت للواقع بصلة

وبالتالي فالنص هو المحرك الأساس للفكر العقيدي، وهو الركيزة الأساسية لشرعية السلطة. فيتوقف على صحة صدوره، وصدق دلالاته، شرعية السلطة، وصدق الفكر العقيدي بجميع اتجاهاته. فالنقد والتنقيب في بقعة نصوص القرون الأولى يساعد على فهم النظريات الإسلامية في السلطة والحكم. فهي تستمد من النص شرعية استبدادها، وتهميشها للشعب، ومصادرة حرياته. وهي وراء روح الاستكانة والاستسلام والتبعية. وحينما نكتشف زيف حقيقة تلك النصوص، سنستعيد وعينا، ونلتفت لحاضرنا ونخطط لمستقبلنا، بعيدا عن الاستغلال والتبعية المريرة لأفكار وعقائد تفتقر لمقومات شرعيتها. كما نؤكد ثانية لا يمكن التعويل على الغلو مصدرا للمعرفة، وهو يرتكز للخرافة واللامعقول، ويرفض العقل ويطيح بالمنطق، ويصادر حرية النقد والمراجعة. إن أساس صحة المعرفة هو الدليل البرهاني والرياضي والفلسفي. ولا قيمة لأية معرفة، ما لم تتأسس على مبدأ عقلي – فلسفي، فالاعتماد على المعرفة القرآنية بما يخص الغيب بسبب عجز الإنسان، وتخصص الكتاب، إضافة إلى الإيمان المبرهن حسب الفرض، فالإيمان بالغيب يعود لذات الدليل العقلي والفلسفي الذي يدل على الإيمان بوجود الخالق وصحة نبوة الأنبياء وما جاءوا به من كتب ورسالات سماوية.

وأما عن خطاب السلطة المتمثلة بالخلافة ومدى قدرته على مواكبة الحاضر، وما هي قيمته الحقيقة... يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الحلقة السادسة والخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق11- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

الغلو والسلطة والولاية

ماجد الغرباوي: ما يهمنا أن الغلو أحد اتجاهات المعارضة السياسية، بغطاء ديني، فكري، عقيدي، كما هو الاتجاه الثاني، فهو معارضة من خلال التنظير العقيدي. له رؤيته المستقلة حول شرعية السلطة، تجاوز بها الإمامة الدينية، وولاية الإمام على التشريع، وأدلتهما على شرعية سلطة الإمام. فهما بالنسبة له من لوازم ولاية أخرى، أعظم وأخطر، يتمثل فيها الإمام دور الخالق حينما يتصرف بالكون والحياة. فالغلو الشيعي ليس مجرد "تجاوز الحد"، كما هو التعريف اللغوي له، بل هو نظرية دينية كاملة، قدمت فهما مغايرا للخلق والكون والحياة والدين، يكون محورها الإمام. وقد بدأت أفكارا بسيطة مأخوذة بشخصية الأئمة الأوائل. ثم راح يرقى بهم هذا الفكر لمصاف الآلهة. ولم ينقطع التنظير للغلو، وما زالت جهود الغلاة تراكم شواهد نفسية وخرافية ومغالطات كلامية لتأكيد الدور الوجودي للإمام. ويقوده اليوم تيار الولاية التكوينية، تنظيرا وسلوكا، بمختلف اتجاهاته ورموزه. ويعتمد هذا الاتجاه في انتشاره على بعد نفسي غير مرئي يعزف عليه، وخلفية ثقافية ترعرع في أحضانها الوعي الديني والطائفي. فمهما قوضت أدلتهم الكلامية والروائية، فإنك لا تستطيع تفكيك مشاعرهم، التي هي أساس أدلتهم. فالمتلقي لا يؤمن بالولاية التكوينية للإمام من خلال أدلة عقلية وكلامية وروائية رغم توفرها، بل يعيش حالة روحية يتلبس فيها الإمام، فيتجلى له في كل مكان، ويتحقق من وجوده وقدراته كل يوم، ويستأنس به وبمناجاته حينما ينتدبه ويتوسل إليه. فالمغالي شخص يعاني ازدواج الشخصية، ويعيش شخصيته الباطنية من خلال أوهامه، واللامعقول الديني. العقل لديه مغيب، والوعي مستباح من قبل الخرافات وقدرتها على تدجين عقله. وعندما تتحدث مع أحدهم تجده في غيبوبة يعيش وهم اللقاء بالمهدي، أو تجليات الولاية التكوينية في أفعاله وسلوكه، ويحسب أن كل خير يصيبه ببركتهم، فيدأب على زيارة أضرحتهم والتوسل بهم لقضاء حوائجه، وشفاء مرضاه، وزيادة رزقه. ويبقى يتطلع لفيضهم وكرمهم. مولع بالتراث ورواياته، ينتقص من العقل وأحكامه. يتبرأ من المخالف حد اللعن والانتقام، ولا معنى عنده للتسامح، لأن "التولي والتبري" من فروع الدين، يجب الإلتزام بهما كفعل عبادي، أسوة بغيرهما من فروع الدين. موالاة من والى أهل البيت، والتبرئة من أعدائهم  ومن أحبهم وناصرهم، والثاني مفهوم فضفاض، يتسع وما يزال يستوعب كل من ينتمي لهم، إلا ما ثبت بالدليل، واستبصر الحق. والمقصود به المذهب الإمامي.

لا شك أن خطاب الغلو هو جزء من الخطاب الشيعي، وقد تحدثنا عن بعده التنظيري، الذي نجح بنقل الصراع حول السلطة إلى نزاع حول شرعيتها. فكان تنظير الشيعة للإمامة الدينية نقلة نوعية، حيث اعتبروا الإمامة السياسية امتدادا للإمامة الدينية التي هي إمامة إلهية منصوص عليها، تختص بأئمة أهل البيت، بدءا من الإمام علي حتى المهدي المنتظر. وبهذا سلبوا السلطة السياسية شرعيتها. وحكموا عليها بالغصب والتجاوز على حدود الله تعالى. والحقيقة أنهم لم يسلبوا السلطة السياسية شرعيتها فقط، بل صادروا حق الأمة في الولاية على نفسها. فهي نظرية ثيوقراطية، تعتبر الإمام ظلاً لله، والحاكم بأمره. وهو منصوص عليه، لا يجوز الخروج والتمرد على سلطته. ولما نظّروا لعصمة الإمام ارتفعوا به فوق النقد والمراجعة، فهو لا يصدر منه خطأ، ولا تجوز محاسبته، فما يدركه من حكمة لا يدركها غيره!!!. (الراد علينا راد على رسول الله، والراد عليه راد على الله، والراد على الله حد الشرك أو الكفر به). وبالتالي فمركزية الإمام في النظرية الشيعية عموما، وعقيدة الغلاة خصوصا، إنكفاء مرير داخل أروقة الاستبدادين الديني والسياسي، وإطار دوغمائي، يفضي إلى تهميش الأمة، وسلب إرادتها، واستبدال العقل بعقل مطلق يدبره ويرشده، رغم اختلاف الظروف الزمانية والمكانية، واختلاف حاجات الإنسان وضرورات المجتمع. ومع غيبة الإمام / العقل المطلق، يكون للفقيه ولاية مطلقة على الشعب، كما هي نظرية ولاية الفقيه، فهي ترجمة حرفية للنظرية السياسية الشيعية، رغم عدم وجود إجماع حول ولاية الفقيه من قبل الفقهاء. بل هناك من يرفضها جملة وتفصيلا ويحصر السلطة بالإمام. فلازم الولايتين التشريعية والتكوينية، استبعاد العقل، وسلب شرعية الأمة، وتكريس الاستبداد والحكم المطلق. فهي قيم متخلفة، لا تصلح أن تكون نظاما سياسياً لشعب يطمح بمجتمع مدني حضاري، يضمن فيه حريته وكرامته. ويتحكم بمصيره ومستقبله. إنه نظام استعبادي بغطاء ديني، لا دليل عليه قرآنيا. والطاعة في آية أولي الأمر لا تعني التنازل عن حق الشعب في تقرير مصيره. فهي ليست عبودية بقدر ما هي إلتزام يمكن القائد من إنجاز واجباته بسلسلة وأمان.

لا شك أن بعض أسباب الغلو  ردود فعل سياسية محبطة، فأراد تدارك إنكساراته حينما خاض جدل شرعية السلطة، ونظّر للإمامة والولاية الدينية، لكنه تجاوزها من خلال ثقافته وقبلياته وجهازه المفاهيمي القائم على الغلو، فأنتج خصوصيته ومقولاته. فجاءت معالجته لمسألة شرعية السلطة بشكل مختلف، استمرأ فيه الانقياد والتبعية. وبالتالي، فالغلو لم يكتف بالإمامة والولاية التشريعية لتبرير شرعية سلطة الإمام، بل نظر لدور وجودي له، من خلال ولايته التكوينية فضلا عن ولايته التشريعية وإمامته السياسية. والفرق كبير بين الإمامتين: الإمامة الدينية تفترض أن للإمام ولاية على التشريع فقط، فامتد عند الشيعة عصر النص حتى نهاية الغيبة الصغرى. وأما الإمامة السياسية فهي امتداد للولاية الدينية وإحدى وظائفها، وليس مستقلة، كي يتصدى لها من يشاء، بل هي نص وتعيين من قبل الله تعالى، إرتكازا لنصوص روائية، ومقولات كلامية تبلورت في ظل جدل سياسي وفكري وعقيدي وفقهي محتدم بين المذاهب والفِرق الكلامية ابتداء من نهاية القرن الأول. وكان ثقلها في القرن الثاني، حيث تأسست المدارس الفقهية الكبرى، وظهرت التيارات الكلامية كالأشعرية والمعتزلة والشيعية. كما بلورت الفِرق والمذاهب رؤيتها العقيدية في هذا القرن بالذات، في ظل جدل حول مجموعة مقولات كلامية، كالجبر والاختيار والقدر والإرجاء وفاعل الكبيرة. فتطور تيار الغلو الشيعي في ظل هذا الجدل. وبالتالي فجميع التيارات الفكرية والفقهية والعقيدية تأثرت بالواقع وأثرت به. فهي مراكمة بشرية، تتقوم بفهمها للنصوص، وأسلوبها في تأويلاتها، وفقا لقبلياتها، وما تملي عليهم مصالحهم الشخصية والسياسية والدينية، خاصة أن علم الكلام لم يكن علما بالمعنى الحرفي، بل كان خطابا أيديولوجيا مهمته الدفاع عن أفكاره، وتقويض أدلة خصومه. وكما تقدم، لا وجود حقيقي للمذاهب والفٍرق إلا بنفي الآخر. ونفيه يمثل تمام حقيقتها. فالآخر هوالكافر، المرتد، المنحرف، يجوز إقصاؤه بل وحتى قتله.

الولاية التكوينية للأئمة ليست من مختصات غلاة الشيعة تماما، بل هناك من يؤمن بها من فقهاء وعلماء الشيعي من غير الغلاة. وهناك حد أدنى متفق عليه من قبل الجميع، والاختلاف بينهم في الاجمال والتفصيل. لكن أيضا هناك في الخط المعتدل من يرفضها، وكل شائبة غلو في العقيدة رفضا قاطعا. بما في ذلك العصمة، حيث يؤمن بالعصمة السلوكية، وحكمة الإمام في قراراته، إضافة إلى تقواه وعلمه، دون أن يسلب بشريته، أو يفترض له مقاماً لا دليل له عليه قرآنيا.

 

الولاية التكوينية

تعني الولاية التكوينية قدرة الإمام على التصرف بالكون، لوقوعه ضمن سلسلة علل الوجود!!. فيكون للإمام جميع ما للخالق من صفات ما عدا الخَلق!!. أو أن فيض الوجود على الموجود يتوقف على وسائط، منها محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، والتسعة الأئمة من ولده. وليست الوسائط قوانين كونية، كما يعتقد العلم والعلماء، وتؤيده التجارب الكونية!!!. وحتى مع ثبوتها، يبقى للإمام دور يتوقف ثبوته على الإيمان والتسليم المطلق. أو بعد خوض تجربة دينية عرفانية روحية عميقة فتنكشف لك الحقائق!!. وبالتالي فهو كلام لا يمكن الاستدلال عليه علميا أو تجريبيا. وغير خاضع لقوانين العقل، بل ويتقاطع مع حقائق الكتاب الكريم. ثم لا معنى للخالقية سوى قدرة الخالق على التصرف بالكون، ومن يأتي بذات الافعال فهل هو خالق مثله؟ شخصيا هذا ما أفهمه عن الخالقية، لكنهم قالوا: إنه لا يتصرف بمعزل عن الخالق، بل بإذنه!!. وهذا كلام غير مقنع أبدا، ويحتاج إلى دليل قرآني واضح لا لبس فيه، فيكون آية محكمة لا تطالها الشبهات، وهذا منتفٍ بالضرورة. فتبقى الولاية التكوينية تفتقر للدليل العلمي، وجميع ما يذكر من تأويلات قرآنية وغيرها، مجرد وجهات نظر، تنهار حينما تصطدم بنقد علمي صارم.

إذاً فمصدر شرعية السلطة وفقا لخطاب الغلو، ليست هي البيعة أو الإمامة الدينية والولاية التشريعية بل مصدرها الولاية التكوينية التي خص الله بها الأئمة بعد الأنبياء والرسل. وهي سلطة واسعة، تتضمن الإمامتين الدينية والتشريعية بالضرورة. فلا نحتاج لدليل لإثباتهما. ومفهوم هذا الكلام عدم  شرعية السلطتين الدينية والمدنية، ما لم تكن بإشراف الإمام أو بإذنه، كما بالنسبة لولاية الفقيه التي يعتقد منظّروها بوجود إذن عام للفقيه يمارس بموجبه الحكم والولاية السياسية نيابة عن الإمام المهدي، وهذا كما ترى يتوقف على الإيمان بوجود إمام غائب منذ 1250 عاما وما زال حيا، له ولاية سارية على الناس!، فتسقط ولاية الفقيه لدى من لا يؤمن بالإمام الغائب. بل لا يجوز عند الشيعة الترافع للقضاء ما لم يكن بإشراف الإمام، وهذا واضح في رواية معروفة بـ(مقبولة عمر ابن حنظة) عن الإمام الصادق. وقد قبلها الفقهاء واستدلوا بها رغم ضعف سندها، لأنها تكرّس سلطتهم، وتشرعن تصديقهم للقضاء دون غيرهم. لكن هل مصلحة الفقيه أحد مصادر توثيق الروايات؟ وهل هذا يجعلنا نشك في كل فتوى فقهية تكرس مختلف مصالحهم ولو بشكل غير مباشر؟ مجرد سؤال. تقول الرواية: (سألت الإمام جعفر الصادق: عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل لهم ذلك؟

قال: من تحاكما إليه في حق أو باطل فإنما تحاكما إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سُحتاً وإن كان حقاً ثابتاً له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وما أمر الله أن يكفر به قال الله تعالى: "يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به".

قلت: فكيف يصنعان؟

قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا ردَّ، والراد علينا، الراد على الله وهو على حد الشرّك بالله). والرواية واضحة في مضمونها، حيث تسلب السلطة القضائية شرعيتها، علما أن الإمام الصادق عاش في نهاية الدولة الأموية، والمتصدى للقضاء يومذاك، فقهاء من أهل السنة. لكن ما يهوّن الخطب ضعف سند الرواية، فلا يمكن الإطمئنان لصدورها وفقا لضوابط الجرح والتعديل. غير أن الفقهاء دأبوا على تسميتها بالمقبولة لأنها تكرس سلطتهم. وهذه الرواية الموضوعة تعد اليوم عمدة أدلة ولاية الفقيه. لذا أكاد أجزم بفضل معرفتي الشخصية برؤساء وزراء العراق الثلاثة ما بعد 2003م: (ابراهيم الجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي)، ومعرفة مدى إلتزامهم الديني، أكاد أجزم أنهم استأذنوا مراجعهم الفقهية في التصرف بالسلطة، لأنها لا تحل لغير الإمام أو نائبه وهو الفقيه. بل ربما احتاط بعضهم فأخذ إذن المرجع الأعلى في العراق والولي الفقيه في إيران، باعتباره المتصدي الوحيد الفعلي للسلطة الشرعية، وله ولاية تمتد خارج بلاده. وليس هناك مؤاخذة، فهم إسلاميون، يلتزمون بأحكام وفتاوى الفقهاء، ولا شرعية لأي سلطة زمنية. لذا عندما أدعو إلى فصل الدين عن السياسة، وأرى عدم قدرة الإسلامي على المشاركة الحقيقية في نظام ديمقراطي تعددي، فليس لي موقف من الدين معاذ الله، بل احتراما للدين والمحافظة على قيمه ومبادئه. سنة وشيعة وكل المذاهب الإسلامية بل والدينية لا يؤمنون بشرعية السلطة الزمنية. فلا يمكنهم المشاركة الصادقة والإلتزام بالدستور والقوانين بعيدا عن فتاوى وآراء الفقهاء، إلا بعد استئذانهم، فيأذنون لهم من باب حفظ الأمن والنظام. ومعنى هذا الكلام أن الفقيه قادر على تحريك مقلديه ضد الحكومة أنى شاء!!. فالشيعة يعتقدون بغصبية أي حكومة لا تكون بإشراف الإمام المعصوم أو بإذنه. والشخص الشيعي الملتزم دينيا لا يتصرف براتبه إذا كان موظفا حكوميا، ما لم يستئذن الفقيه أو وكيله. الشيخ محمد حسين النائيني عندما ينظّر للحركة الدستورية والديمقراطية يكتب في السطر الأول من كتابه: تنبيه الأمة وتنزيه الملة: "رغم أن الحكومة مغتصبة ... "!!!، ثم يستأنف كلامه. فالأصل هو غصب السلطة، لأنها من مختصات الإمام. وهو وفقاً للنظرية الشيعية مفترض الطاعة، بايعه الناس أم لم يبايعوه، في السلطة وخارجها. وما البيعة التي تحدث عنها القرآن للرسول، والبيعة التي تحدث عنها الإمام علي سوى تأكيد طاعة الناس لهما. والفرق أن شرعيته ستكون سابقة على البيعة، لا أنها تتحقق بالبيعة كما هو النظام السياسي البشري. لأن الإمامة والإمام نص وتعيين من قبل الله تعالى، يفترض أن الرسول قد بلغ المسلمين به يوم الغدير بعد عودته من حجة الوداع.  لكنهم عصوا آوامره، واغتصبوا الخلافة. فالشعب ليس مصدر السلطة، بل مصدرها ديني، نص وتعين. لذا لا قيمة للانتخابات الرسمية دستوريا في إيران، سوى التعبير عن قناعة شخصية للشعب. ونتائجها لا تمنح رئيس الجمهورية شرعية السلطة، كما في الأنظمة الديمقراطية، بل الولي الفقيه هو الذي يمنحه السلطة، وينتدبه لرئاسة الجمهورية، ومعنى هذا يمكن للولي الفقيه مخالفة نتائج الانتخابات إذا انتخب الشعب غير الأصلح في نظره خاصة!!!.

المشكلة أن الفكر الديني عموما يجترح أفكارا ومفاهيم وعقائد، تتحول بمرور الأيام إلى مرجعيات نهائية، وسلطة فوقيه توجه وعيهم وتفكيرهم وسلوكهم. ثم تندرج ضمن اللامفكر فيه، والممنوع، والمحرم، عندما يضربون حولها أسيجة قدسية، ويتولى حمايتها حرّاس العقيدة وجندرمة الخطاب الرسمي. فما نسعى لها هو استعادة بشريتها لنقدها، ومعرفة ظروفها، وكيفية اشتغالها، وفرض حقيقتها، وما هي علاقتها بالنصوص والروايات. فهي قضايا بشرية واجتهادات شخصية، فكيف تحولت إلى جزميات دوغمائية تتحكم بمسيرتنا وبمستقبلنا؟.

فهاجس السلطة لم يفارق الشيعة، كما السنة أبدا، لكن وفقا لرؤيتهم ونظريتهم حول مركزية الإمام وانحصار السلطة وشرعيتها به. وفي محاولة لتدارك الوضع النفسي المنهار، وعدم قدرتهم على الوصول للسلطة، صورت الروايات دولة الإمام المهدي بمثالية غرائبية، في مقابل دولة الخلافة اللاشرعية، واعتبرتها دولة الحق المنتظرة التي سيتولى الشيعة إدارتها. بل حتى الأئمة سيعودون ويحكمون فيها. بمعنى آخر أن الخطاب الشيعي والمغالي بشكل خاص، سلب الدولة القائمة شرعيتها، ومثاليتها، واستعاضها بمستقبل، جعل الفرد يتوق له ليل نهار، وهي دولة العدل الإلهي المعهودة. التي ستكون دولة شيعية يحرم منها عدوهم ومبغضهم. ويعوضون كل مافات. والذي فات هو السلطة، ذلك السحر الذي يسيل له لعاب الجميع، وسفكت لأجلها دماء غزيرة. ودولة المهدي المنتظر حتمية تاريخية يتوقف شروعها على إرادة الله، (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ). فيعيش الشيعي المنكوب لذة الحلم والخيال حينما يترنح في دولة المهدي الموعود ويرى أعداءه تحت قدميه. وقد استعدت العقيدة المغالية لكل شيء، من خلال إجراءات نصية احترازية أقرت بصعوبة تقبل الفكر المغالي عن الإمام وقدراته التكوينية المهولة، واعتبرت الأمر طبيعيا، فهو اختبار لقوة الإيمان ومدى قدرة انفتاح الانسان على الغيب وعلى الأئمة. فمثلا نسبوا للأئمة (إن أمرنا صعب مستعصب، لا يقبله إلا ملك مقرب أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان). ولا تخفى تناقضات الرواية، فالنص ليس هو الفيصل في قبول القضايا الخارقة، والإيمان بالغيب بل هو العقل أولا والكتاب الكريم حينما يؤيد القضايا الغيبية باعتبارها غيبا مطلقا لا يمكن ادراكه من قبل الإنسان. فلا قيمة لأية رواية تتحدث عن أمر خارق، أو تنسب للأئمة وغيرهم من الخوارق والغرائبيات المرفوضة عقلا ولم تؤيدها آية قرآنية صراحة. وقد بينت هذا مفصلا في كتاب: مدارات عقائدية. حيث نقحت قاعدة فلسفية مفادها: (الممتنع عقلا، لا يُحتمل وقوعه خارجا، سواء كان الامتناع ذاتيا، كشريك الباري، أو لعدم تحقق شرطه كاقتراب النار من الورقة شرط لاحتراقها، او لطبيعة الشيء وتكوينه، كامتناع صدور المعجزات والخوارق الكونية على يد الإنسان حسب طبعه وتكوينه. وما أكد القرآن وقوعه، يُقتصر فيه على مورده). كما أشرت فيه أن آية (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ). لا علاقة لها بالمهدي الموعد، وموضوعها شيء آخر. ويكفي أنها تأويلات فرضت حقيقتها، وننسى أنها تأويلا وليس نصاً. هكذا يفرض التأويل حقيقته، دون أن يلتفت المتلقي لحقيقته، ودوره في فرضها.

لست بصدد مناقشة أسانيد الروايات المتقدمة، ولا نفي صدورها، ما دامت تؤثث قبليات العقل الجمعي، وهناك من يعتقد ويدين بها. فتبقى محتملة الصدور. فربما صدرت فعلا من قبل الإمام ولو بصيغ أخرى، خاصة مع كثافة الشكوك التي تشهد لها الإنقسامات العقيدية داخل الدائرة الشيعية. وهو احتمال وارد لمن يدرس التاريخ الشيعي، فلماذا اللجوء لخطاب تنزيهي تضيع معه الحقيقة تحت وطأة مفاهيم كالعصمة والإنسان الكامل؟. أجد من صالحنا مكاشفة الناس بكل الحقائق للتخلص من عناصر التخلف والرؤية الدينية المنحرفة التي تجافي قيم الكتاب الكريم. والعودة للعقل في بناء حضارتنا ومستقبلنا. كما أن النقد الرجالي لم يجد نفعا، مع رسوخ التصور المثالي، والممارسة اليومية لطقوس الولاية. خاصة ثمة مجموعة مفاهيم يؤمن بها جميع الشيعة، تتجلى من خلال مختلف طقوسهم كالنصوص التي تتلى إبان زيارات الأضرحة المقدسة، حيث يعلن الزائر جهارا ولاءه للإمام من خلال تأكيد إيمانه بمفاهيم ترتفع به فوق البشر، بينما يؤكد القرآن أن النبي بشر، يوحى له وليس أكثر من ذلك. فلا طريق أمامنا سوى النقد لمعرفة آلية عمل هذه النصوص وكيف استطاعت بناء حقيقتها، وفرض سلطتها، ومحدداتها. فهي ليست مجرد اعتقادات بل يترتب عليها إلتزامات كثيرة ترتبط بمصير الإنسان وسلوكه ومواقفه ورؤيته للذات والآخر. بل تسببت ثقافة الغلو وعقائده بتغيير مفهوم العمل الصالح، فتحول من أعمال تعود بالفائدة على الفرد والمجتمع، وتساهم في معالجة مشاكل الناس تحول إلى مجرد ممارسة طقوسية، وولاء قلبي، وهتك الآخر، وبكاء وعويل وغير ذلك. فالنقد يجب أن يتوغل في أعماق البنية المعرفية لهذا الخطاب، بعد تفكيك أنساقه التي ترتكز لنهائيات وبديهيات مذهبية ينبغي التعرف على منهج تأصيلها، من خلال مجاميع النصوص التي نظّرت لها.

 يأتي في الحلقة القادمة

 

7 - 2 - 2018م

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق10- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

الغلو الشيعي

ماجد الغرباوي: الغلو الشيعي، هو الاتجاه المتطرف في العقيدة الشيعية. ساعدت على ظهوره أسباب ذاتية تتعلق بالوعي، وخواء النقد، والمستوى الثقافي، وهيمنة البنية الأسطورية في الخطاب الديني، واستكانة العقل العربي للغيب والمتواري والمجهول، وروح الاندهاش بالحكايات والخرافات والسحر والهرطقات والجن.

وموضوعية، ترتبط بالتحديات السياسية والسلطوية والجدل الكلامي المحتدم حول الإمامة وما ارتبط بها من مقولات ومفاهيم، كشرط العدالة في السلطة، وحكم فاعل الكبيرة، والإرجاء والجبر والتفويض وغيرها.

 فالغلو ليس منقطعا عن بيئته وظرفه. وتبقى العقيدة الشيعية تمثل حقيقته وبنيته وقوامه. فيقتصر الخلاف على تصور المفاهيم ولوازمها ومدلولاتها. غير أن الغلاة لم يكتفوا بالتنظير للإمامة الدينية والولاية التشريعة، بل ذهبوا إلى وجوب الولاية التكوينية للإمام، وهي ولاية واسعة وتفصيلية. فالفارق بين الاتجاهين في الإجمال والتفصيل. وأما باقي المفاهيم فمتفق عليها بشكل عام. والجميع يؤمن بالمهدي المنتظر. ويؤمنون بعصمة الأئمة، وشفاعتهم، والنص على إمامتهم الدينية والسياسية، وقربهم من الله تعالى، ومنزلتهم يوم القيامة، وعلمهم بالغيب، ومعرفتهم بجميع اللغات، وعلمهم اللدّني، غير الكسبي. ويؤمنون بحياة البرزخ، والرجعة. كما يتفقون على جميع التفاصيل التاريخية. فينحصر الاختلاف بالتطرف العقيدي كالتفويض، والشطط المفهومي الذي يتمسك به الغلاة حول بشرية الإمام وقدراته التكوينية، بشكل ينعدم فيه الفارق النوعي بين الخالق والإمام سوى الخلق. وهو واضح وصريح في نصوصهم، خاصة الأدعية والزيارات. فلا يبقى فرق بينهم وبين من يعتبر عيسى رباً يسند له كل شيء، إلا في شجاعة المسيحيين، وتستر الغلاة خلف القول بوحدانية الله تعالى. إذ لا معنى للخالقية التي هي حقيقة الربوبية سوى أفعاله التي يتفرد بها دون مخلوقاته. فأي دعوى تعني المماثلة، وهذا شرك واضح. ثم لماذا يمنحها لغيره، هل تعباً أم تشريفاً؟. لكنهم قالوا لا هذا ولا ذاك، إنما هي ضرورة وجودية، فلا يمكن للخالق إفاضة وجوده على الوجود إلا بوسائط، وهم الرسول والأئمة!!. لكن أين يضعون الآيات التي تؤكد تفرده ومباشرته بالخلق؟؟.

ما يهمنا في دراسة تيار الغلو، ليست تفصيلات عقائده، بل دور النص وطريقة اشتغاله في تأسيس مفاهيم الغلو، كتيار معارض للسلطة، حيث أن منهج الغلاة قائم على استبعاد العقل تماما والتسليم للنص في تشكيل العقيدة.

قد يكون غريبا تصنيف الغلاة ضمن تيار المعارضة، فهم من حيث العدد قلة منعزلة، أو ذائبة داخل التيار الشيعي الكبير، وليس لهم موقف منفصل أو حضور سياسي واجتماعي مؤثر، بمعزل عن الشيعة وفِرقها المختلفة. لكن الحقيقة شيء آخر. وحجم التيار لا يقاس بعدده، بل بقوة تأثيره، وفاعليته ونشاطه وصموده واستمراره. أي يقاس بقدرته على البقاء ومقاومة التحديات، فالقرآن الكريم عبر عن إبراهيم النبي بأنه أمة رغم أنه فرد (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) لقوة حضوره وتأثيره. وقد أثبتت عقيدة الغلو جدارة فائقة، حينما شكلت المساحة الأكبر من العقل الشيعي العقيدي بعد انقضاء القرن الرابع الهجري، وكان التجلي الفكري واضحاً في الكتب التي تلت تلك الفترة كموسوعة كتاب بحار الأنوار، بؤرة العقيدة المغالية، الذي جمع فيه مؤلفه الشيخ محمد باقر المجلسي (توفي 1111هـ) تراث الغلاة في (110 أجزاء) بالطبعة الحديثة. وكذلك استيلاء الإخباريين على المؤسسة الدينية الشيعية (الحوزة العلمية) لمئتي عام، وما زالت عقائد الغلاة تواصل حضورها بمختلف التجليات الثقافية والدينية والاجتماعية والاعلامية والطقوسية. فليس هناك رفض تام لها من قبل التيار الشيعي المعتدل، بل إعادة فهم وتأويل. أو قراءة غنوصية باطنية لتلك المفاهيم قوامها الوهم والخيال واللامعقول. أو الاستشهاد بروايات تنتمي لذات التراث، وضعت عنوة لتحصينه وحمايته، كإجراءات إحترازية، لدفع أي شك محتمل. كقول الإمام: "نزهونا عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم".

كما أن الغلاة جزء من المعارضة السياسية، ضمن التيار الشيعي الكبير، وليسوا طارئين عليها. ولهم منهجهم في التنظير للفكر العقيدي المعارض، من خلال ذات المفاهيم الشيعية، التي تضمر سلب شرعية السلطة والثأر منها. فالغلاة عندما ينظّرون للولاية التكوينية ولدولة المهدي، يقصدون سلب شرعية الدولة القائمة. وعندما يَعِدون بـ"الرجعة" بعد ظهور المهدي يريدون الانتقام من كل الساسة الذين غصبوا الأئمة حقهم في السلطة ابتداء من الخلفاء الأوائل. وهذا لون من ألوان المعارضة، يهمنا دراسته ودراسة نصوصه ومدوناته التأسيسية. وهي نصوص خطيرة تتحدث عن قضايا مصيرية، فكيف استطاع النص تكوين حقيقته، وبناء سلطته؟ وما هي ظروف صدوره؟. فينبغي تفكيك هذه النصوص ونقدها جذريا، لتحري حقيقتها، ومديات سلطتها، وقد امتد تأثيرها أكثر من الف عام، وما زالت تفرض نفسها كحقائق ترسم علاقة الـ"أنا" بـ"الآخر"، وتفرز فرزا حادا بين المؤمن وغيره. فتأثيرها ليس عقيديا فقط بل اجتماعيا وسياسيا.

لا شك أن عقائد الغلاة هي نتاج جدل داخل الدائرة الشيعية التي كانت تتعثر بكثرة فِرقها وانشقاقاتها خلال أربعة قرون، خاصة بعد وفاة كل إمام وامتداد غيبة الإمام المهدي. كما تأثرت بالجدل الكلامي الذي راح يفرض حضوره في الساحتين الفكرية والسياسية. وإذا كانت بعض عقائد الغلاة أصيلة فإن تطورها وتفاقمها كانت صدىً لردود أفعال الوضع الاستثنائي للشيعة، في ظل سياسة تسلطية إقصائية. فالشيعة بشكل عام أصيبوا بإحباط عميق بعد خسارة جميع الجولات السياسية. وكان التفاؤل يداعب مشاعرهم في استرداد كرامتهم وحيثياتهم وإظهار عقيدتهم بأهل البيت من خلال السلطة، غير أن آمالهم تبخرت عندما تخلى الأئمة بعد استشهاد الحسين عن العمل السياسي علانية. ثم إزدادت المسألة تعقيدا مع تأخر ظهور الإمام المهدي، الذي من المفترض أن يملأ الأرض قسطا وعدلا بعد أن مُلئت ظلما وجورا، فهو خلاصة الأمل، وآخر ما تبقى لهم من أوراق سياسية، فكان الموالون لأهل البيت ينقسمون بعد وفاة كل إمام. منهم من يعتقد بغيبة من مات، وأنه سيعود ليملأ الأرض قسطا وعدلا. وآخر يتوقع أن يكون التالي هو المهدي المنتظر الموعود، فيعيش صدمة اليأس من جديد، عندما تتجلى الحقيقة. وانتكاسة بعد أخرى، وشك تتلوه شكوك، والأسئلة تترى، لكنهم لم يتنازلوا عن حبهم وتعلقهم بأهل البيت رغم سقوط بعض الشيعة في تلاحق المحن والإنكسارات السياسية. فيتداركون خيباتهم بتأويلات بريئة، أو من خلال نصوص تُداري مشاعرهم، وتشد عزمهم، وتقوي إيمانهم، وتثبت أقدامهم. غير أن النص الذي زامن أزمات الإمامة، راح يتطور، ويغالي في أهل البيت، ومنزلتهم، فقدم تصورا غرائبيا عنهم، وأسند لهم مقامات ربانية لا دليل عليها قرآنيا. فأسندت الروايات لله ما لم يقله في كتابه. رغم ذلك تجد أصداء هذا الخطاب حاضرة في ثقافة الشيعة عامة، وراسخة في عقيدة الغلاة. وتفصيلاتها تجدها في كتبهم ومصادرهم الروائية، والعقيدية. أما عن نقد مفاهيم الغلو فيمكن مراجعة كتاب: (مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني)، حيث فصلت الكلام حولها.

 

مركزية الإمام

لقد عمد خط الغلو بشكل تدريجي إلى بناء منظومة معرفية متكاملة، تقوم على مركزية الإمام، باعتباره المثل الأعلى في الأرض. فلا يتحقق العدل إلا به، ولا دولة إلا دولته التي سيقيمها المهدي المنتظر، حيث يجسد جميع قيم الدين. ويقيم العدالة المفقودة. وربطوا بين رضا الله ورضا الإمام. وهو نوع من التعويض النفسي عن الإحباط. خاصة وهم في حرب مستعرة حول شرعية الإمامة أو الخلافة، وكيفية مراكمة شواهد تدل على شرعية علي بن أبي طالب فيها، واغتصاب الخلافة منه. فهذا الاتجاه لم يقتنع بالخطابين الثوري والتنظيري. بل أسس خطابا تقوم بنيته على تزوير الوعي، واستلهام الخرافات، واختراع نصوص مكذوبة، راحوا ينسبونها للرسول والأئمة باعتبارهم الامتداد التشريعي له. فهو خطاب دوغمائي، محبط راح يُداري إنكساره بأوهام خارج منطق العقل والاستدلال المنطقي، فقدم تصورا غرائبيا للأئمة، حتى ارتفع بهم إلى مصاف الخالقية. وقد أعاد خطاب الغلو تشكيل المخيال الشيعي مثيولوجيا، من خلال مصفوفة غرائبيات، بعيدا عن النص القرآني والتراث النبوي. تنحصر مصادره بروايات موضوعة، وكرامات متناقلة، ومنامات، ودعوات لا يمكن الجزم بها. تعبيرا عن معاناتهم النفسية اللاشعورية. وهذا يحصل في أجواء الجدل، وإفحام الخصم كلاميا، من خلال أدلة، لا يمكنه إثباتها ولا رفضها، ويكفي أنك تشعر بالارتياح عند اندحاره. فخطاب الغلو استعاض الواقع بخيال أثرى منظومته. وبنيته بنية خرافية، سحرية، لتعميق إيمان الشيعة بخط الإمامة، وفتح أُفقٍ أوسع للأمل الشيعي. وضمان مستقبل أخروي، رهانه ولاء الفرد ومشاعره، من خلال مجموعة طقوس دينية، كزيارة الأضرحة، ولعن الخصوم السياسيين، والأدعية الخاصة، وتسبيحات وأورده وصلوات وغير ذلك. والأكثر حينما تتدارك الإنكسارات السياسية برؤية نظرية، مفادها أن الأئمة لهم أدوار مرسومة في هذه الحياة، فهم خُلقوا قبل خلق السماوات والأرض، وكانوا نورا يطوفون من حول العرش، كما تقول رواياتهم "كنا كنزا من نور قبل أن يخلق الله السماوات والأرض". ولما هبطوا للحياة الدنيا عليهم أداء دورهم المرسوم لهم من قبل السماء. فعلي بن أبي طالب كان بإمكانه استرداد السلطة بسيفه، وهو البطل المغوار، الذي خلع باب خيبر بيد واحدة، وهي الباب التي لا يحرك مفاصلها أقل من أربعين شخصا!!. لكن دوره اقتضى السكوت. ولما أعابت عليه زوجته الزهراء بنت رسول الله جلوسه، وعدم المطالبة بحقه، وبفدك الأرض التي حرمها الخليفة الأول منها، قال لها علي: "لو شئت لأطبقت ذا على ذي" في إشارة منه للسماوات والأرض، لكنه مأمور بالسكوت، ويعلم ما لم تعلم عن دوره السماوي!!. لكن لا أدري كيف يفسرون مناوراته السياسية داخل الشورى قبل تولي عثمان السلطة؟ وما هو تفسيرموقفه من قبل بعد السقيفة ومبايعة أبي بكر؟.

وأيضا يجب على الحسن الصلح مع معاوية، وشاء الله أن يىرى الحسين قتيلا، ويرى عياله سبايا. لذا أنشد بيت الشعر المشهور، عندما تعذر على سيوف الأعداء حز رقبته:

    إن كان دين محمد لم يستقم *** إلا بقتلي فيا سيوف خذيني

طبعا لا أدري كيف أنشد هذا البيت وهو في الرمق الآخير، مضمخ بدمائه، بعد ضربات قاتلة في الرأس والعين والقلب، حتى سال الدم كالميزاب كما تذكر رواياتهم. وهل كان فيه عرق ينبض فضلا عن الكلام؟. وهذا لا يهمنا، فتراجيديا الخطاب الطقوسي له أحكامه في نسج الخرافات. المهم أن شهادة الحسين مخطط لها في السماء، وكان بإمكانه كسب المعركة عسكريا لكنه استسلم للقدر المرسوم، لتوقف أكثر من قضية مصيرية على شهادته، منها الشفاعة الكبرى للشيعة، والتمهيد للأئمة من بعده. فدمه كان فداء لخطاياهم. فهل يا ترى استعاروا عقيدة الفداء الكنسي وأدرجوها ضمن تراثهم ورواياتهم مادامت تخدم هدفهم؟؟!!. أيضا لا يهمنا هذا حاليا. فالحسين كان يعلم بكل تفصيلات مسيره، ومقتله هو وأصحابه. (شاء الله أن يراك قتيلا) نقلا عن جده المصطفى. وقوله المشهور: "كأني بأوصالي هذي تقطعها عسلان الفلوات ما بين النواويس وكربلاء فيملأن منّي أكراشاً جوفاً، وأجربة سغباً". ولديه خارطة جغرافية للمعركة، يعلم أين سيكون منزله، وأين سيكون ميدان المبارزة. فيجب عليه أداء دوره المرسوم بكل مأساته، وأن يقتل وقت الظهيرة في جوء قائظ، صائما، لم يذق طعم الماء أياماً عدة!!. وأن تسبى عياله. لا شك في الوقائع التاريخية، فهي ثابتة، لكن الكلام حول تفسيرها، فالحسين ومسيره مضى وفقا للمنطق السياسي في جميع خطواته. وقد اضطر لمنازلتهم بعد محاصرته وعدم السماح له بالعودة. وكان ذهابه إلى أهل الكوفة وفقا للبيعة، بل ومزيدا في الاحتياط بعث سفيره مسلم بن عقيل ليتأكد من وفاء القوم، وبعث له من هناك رسولاً معه كتاب يشدد على مجيئه، وحرص الناس على بيعته. وهكذا الأمر بالنسبة لظهور المهدي، فهو مرتبط بمشيئة الله، وفقا لما هو مخطط له. فلا معنى للشكوك والأسئلة. فهو حيّ يرزق، وينتظر أمر السماء كي يباشر في مهمته.

فالحياة  في ضوء التفسير المغالي للتاريخ، سيناريو معد مسبقاً من قبل الخالق، أبطاله أئمة أهل البيت. بهذا التصوير الميثيولوجي أسكتوا جميع الشكوك حول مصداقية الأئمة، وتفسير سبب عدم تمكنهم من الوصول للسلطة. لا شك أن هذه المواقف بنظر الإنسان العادي إنكسارات سياسية، وهي فعلا كذلك، وفقا للمنطق البراغماتي، وحسابات النصر والانكسار في المعارك العسكرية والسياسية. غير أن عقيدة الغلو، والخطاب العرفاني اليوم لهما رأي آخر، فقد قام الأئمة بأداء أدوارهم أحسن قيام، وعادوا من حيث نزلوا أنوارا محيطة بالعرش. فلا يوجد انكسار سياسي، كي تحبط المعنويات الشيعية. وبالفعل نجحت هذه التفسيرات. وليس هناك دولة شرعية تقيم دولة العدل الإلهي وتعيد للشيعة مجدهم قبل ظهور المهدي، لكنها أدوار مرسوم يجب أداؤها من قبل الأئمة، تكون حجة على الخصم، ليعذب أكثر في النار. لذا بعض الاتجاهات الفقهية الشيعية تحرّم الخروج من أجل السلطة قبل ظهور المهدي، وتعتبر، كما في الرواية: "كل راية قبل ظهور الحجة فهي راية ضلال". فالحياة تسير وفق مخطط جبري، بعيدا عن إرادة الإنسان. والشيعي شيعي قبل ولادته. "شيعتنا خُلق من خالص طينتنا، يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا". ولا يخفى تناقض هذا الكلام مع الآية الكريمة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَ). غير أن الكتاب الكريم لا يُربك الفهم المغالي، فهم لا يسمحون بمقاربته، بمعزل عن قول الأئمة، كي يصح الاحتجاج بآياته!!. وأقوال الأئمة هي تراثهم، الذي يفسر كل آية بأهل البيت، خاصة الخمسة المباركة (محمد وعلي والزهراء والحسن والحسين). فلا يعتنون بتفسيرات المفسرين. فالباري تعالى قد أودع في فاطمة الزهراء سرا، فتراهم يرددون في أدعيتهم حينما يقسمون على الله تعالى بالزهراء يضيفون عبارة "والسر المستودع فيها". وعندما يتحدث الخطيب عن سر الزهراء، يبقى يلف ويدور في كلامه نصف ساعة لا تفهم منه شيئا!!. لكن يبقى سرا، منفتحاً على جميع الاحتمالات والتأويلات، وهذه هي قوة الخطاب، حينما يزخر بتأويلاته، ويفرض سلطته، وينجح في تعميق روح الانتماء، وشدّ صفوف الموالين لأهل البيت.

وبالتالي فإن خطاب الغلو الشيعي خطاب إقصائي، يقوم على مركزية الإمام وإقصاء ما عداه. ولا يخفى الفارق الجوهري بين مركزيته ومركزية الإنسان، حيث ينقلب وفقا لمركزية الإمام إلى هامش يدور حول مركزه، يستمد منه وجوده وحقيقته. ويأخذ عنه معارفه وعلومه. ويتماهى مع توجهاته ومواقفه: "إني سلم لمن سالمتم، وعدو لمن عاداكم". فهذا الخطاب أحق بالتفكيك ونقد أنساقه وبنيته، لتحرير الإنسان من هيمنة الفكر الدوغمائي، الذي يسلب الفرد حريته وإنسانيته، ويكف عن الاعتراف بعبوديته حينما يخاطب الإمام في ضريحه: "عبدك وابن عبدك وابن أمتك"، في مخالفة صريحة لآيات الكتاب الكريم، لا تقبل التأويل: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)، (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدو إلا إياه). بل حتى مع إرادة الخدمة من مفهوم العبودية فأيضا يسلب المرء كرامته وحيثيته عندما يتحوّل إلى مجرد عبد وخادم مطيع بإرادته. فهذا الخطاب يعمق روح العبودية، ونخسر الإنسان الحر الواثق من نفسه ومن مواقفه. فخطاب الغلو يعمق روح الاستسلام والانقياد لأوهام عقيدية. ويقتل روح النقد والإبداع، فيصبح اللامعقول مصدرا للمعرفة، وهو إنكفاء مرير للماضي. ويكفي في خطأ هذا الفكر المغالي أنه لا يرتكز إلى مبدأ علمي في تفسيره للأحداث والظواهر التي دأب على ربطها بالإمام، بما في ذلك تفسيره لجملة من المحرمات والمكروهات. فتفكيك خطاب اللاعقل خطوة أولى على طريق المعرفة الصحيحة، فالكون قد انتظم بقوانين صارمة في نظامها، ولا يمكن لأي أحد، إمام أو غيره التحكم بها، أو التصرف بظواهرها، بل حتى الخالق تعالى يحترم قوانينه وسننه، ولا يتدخل في مسارها الحركي والتنظيمي. لكن المشكلة في رثاثة الوعي حينما يستكين العقل، ويصغي الإنسان لهرطقات اللامعقول فيهجر التفسير العلمي ويثق بها، كنهائيات وجزميات غير قابل للنقد والمراجعة.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi3خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق9- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

اتجاهات الغلو

ماجد الغرباوي: إذاً، إذا كان معنى الغلو لغة هو التطرف والمبالغة والخروج عن الحد، فإن معناه قرآنا، الانحراف عن الحق أو مجافاته: (لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ..). والحق هو الاعتدال القائم على الدليل القرآني عقيدة، والوسطية والارتكاز لقيم الدين ومبادئه وتشريعاته المنصوصة فيه تشريعياً. فالآية لم تقصد العقيدة فقط رغم أنها بدأت باستعراضها. فجميع الشأن الديني عقيدة وشريعة وقضاء مشمول بها. فيكون القرآن مرجعا للعقيدة والشريعة، وليس الاجتهاد الشخصي، والتطرف الطائفي: (الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ). والحق واضح قرآنيا، يضبط الاجتهاد الشخصي، حينما يجترح مفاهيم عقيدية جديدة، سكت عنها الكتاب الكريم، أو أجمل في بيانها لأي سبب، موضوعي أو ذاتي، كطبيعة الذات الإلهية التي هي ممتنعة ذاتاً. ومثلها التفصيلات الغيبية. فأي مجافاة أو تجاوز أو إنحراف عن الحق القرآني يعد غلوا صارخا، كالتفصيلات التي نقرأها عن حياة القبر والبرزخ والآخرة بتفصيلات مذهلة، لا يدركها إلا من عاشها بكامل جوارحه!!. فعندما تخاطب الآية النبي بأنك بشر: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِد) فهي تقصد كامل خصائصه البشرية: الجسدية، الشعورية، النفسية، إدراكه، وعيه إلى آخر القائمة، فالنفس البشرية واحدة. فأي ارتفاع أو تجريد لبشرية أي رمز ديني، يتنافى مع المنطق القرآني. (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ). بهذا المقياس يمكنك محاكمة جميع العقائد المتوارثة. وبالتالي فمفاد آية: (لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ..) إدانة التطرف الديني، عقيدة وشريعة. ويبقى الحق فيصلا بين الغلو وعدمه، فما لم يرد فيه دليل قرآني صريح، يُعد غلوا في العقيدة حينما يتطرف فيه الإنسان. وما لم يرتكز له تشريعيا يُعد مجافياً للحق. وبالتالي فالغلو فخ ديني - سياسي، لا ينجو منه أحد، ما لم يراع الحق، مهما كانت نسبة الغلو ونوعه. وهذا يبيح لنا دراسته في اتجاهين ضمن البحث عن دور النص في الغلو مطلقا. اتجاه السلطة واتجاه المعارضة. والأول قد يكون غريبا على البحث، خلافا لما هو متعارف عن مصطلح الغلو، المحصور بالعقيدة والشرك بالله تعالى. وتقدم لا يوجد دليل على الحصر، فالمعنى اللغوي عام، والمعنى القرآني مطلق، فالحصر إجراء سياسي لاضطهاد المعارضة. فلا بد من التوقف مع الاتجاه الأول وفاء للحقيقة التي نبحث عنها، رغم أننا بصدد دراسة الغلو ضمن التيار المعارض للسلطة، فيختص بالغلو الشيعي الذي قدم نظرية عن الكون والحياة ومركزية الإمام. واستطاع هو الآخر سلب السلطة شرعيتها، وفقا لآرائه ومتبنياته. وما يهمنا في كلا البحثين دراسة دور النصوص في الغلو، التي يشكل فيها الحديث الموضوع والمختلق نسبتها العظمى. الناس ما زالت أسيرة عقائد وأفكار وثقافات لا تعرف عن حقيقتها شيئا، فينبغي لنا كشف الحقائق والمسكوت عنه، والمتستر عليه. وتعرية الزيف والخداع الديني، لنضع الجميع أمام النقد والمراجعة بغية التوفر على رؤية جديدة، وفهم جديد للدين ودور الإنسان في الحياة، للحد من سلطة النص وقدسيته وتعاليه، وفرز المقدس عن المدنس، والإلهي عن البشري. فثمة ما يحجب بشرية النصوص والفتاوى والمفاهيم والمصطلحات، حينما تنسب للدين وللشريعة جميعا. فالكشف عن الغلو السياسي والغلو السني، يأتي في سياق بيان الحقائق، ومدى علاقة هذا الغلو بالنصوص الدينية.

 

الغلو السني

أجد من المناسب بيان مصاديق الغلو السني، بمفهومه العام، باعتباره خطابا أيديولوجيا، يريد فرض هيمنته وحقيقته ومحدداته بالعنف والقوة، فهو خطاب استعلائي، أحادي، يحتكر الحقيقة وينفي الآخر، يصادر حريته، ويضعه أمام خيارين متضادين. فيستميت دفاعا عن السلطة، ويستخدم أدواتها لفرض حقيقته، ويوظف خطابه الديني لتكفير المعارضة واضطهادها، فينأى عن الحق حينما ينظّر لشرعنة سلوكه. وهذا من مصاديق الغلو بمفهومه القرآني. فعندما يلغي المتطرف السني مساحات الاشتراك والتلاقي الديني والمذهبي والثقافي، يخالف بذلك قيم السماء، التي أكدت على عدم الإكراه في العقيدة والإيمان. ومهما نظّر المتطرفون للنسخ لا يجدي نفعا، وقد مر الكلام مفصلاً عن النسخ حيث بينت بما فيه الكفاية من أدلة حقيقته ومدى فاعليته. فجميع آيات الرحمة والعفو والتسامح تبقى فاعلة تؤسس لمجتمع مدني يسوده الأمن والسلام والاستقرار.

 

من مصاديق الغلو السني وفقاً لمفهوميه، اللغوي والقرآني، الأمثلة التالية، لا على سبيل الحصر:

- لقد غالى السنة بمفهوم الصحبة حداً وازى مفهوم العصمة عند الشيعة. وارتفعوا بالخلفاء فوق النقد والمراجعة، كأسلوب للتخلص من إشكالية شرعية السلطة. وقد وجدوا في روايات الفضائل ما يساعدهم على تنزيه الصحابة ومنحهم حصانة ذاتية تضعهم فوق النقد، وجعل منهم مرجعية فكرية وعقيدية، فتدفقت روايات الفضائل تمدهم بما يريدون خدمة لأهدافهم. فالعدالة التي هي صفة تنزيهية عارضة على الإنسان وليست من ذاتياته، أصبحت لازما ذاتيا للصحابي، حتى صارت الصحبة تعني العدالة، لا بمفهومها اللغوي والاصطلاحي المتعارف بل اكتسبت مفهوما تنزيهيا مطلقا، وهو معنى العصمة دون التصريح بها، وهذا هو المتبادر اليوم من مصطلح الصحابة. فمثلا، يكفي أن ينتهي سند الرواية للصحابي بطريق صحيح، وفقا لضوابط الصحة عندهم، تكون حجة في مؤداها ومضامينها، دون الاستطراد في التحري عن صحة صدورها فعلا عن النبي. فأصبح حكم الصحابة واحدا من حيث العدالة والوثاقة والأمانة والصدق. أي أصبحت الصحبة إكسيراً يجرد الإنسان بشريته، ويرتفع به فوق النقد والتحري عن مدى صدقيته!!. وهذا مخالف للواقع بالضرورة، وقد مرت رواية عن الرسول يشهد فيها بكذب بعض الصحابة عليه وهو حيا. كما أن القرآن اتهم بعضهم بالنفاق الخفي. (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ)، فالآية تمنع الإطلاق، والإستثناء إلا بدليل قرآني صريح بخصوصه. من هنا عمدت الجهات الدينية والسياسية إلى توسعة مفهوم الصحبة، لتشمل كل من التقى رسول الله وسمع حديثه، ثم اتسعت أكثر في زمن الدولة الأموية لتشمل كل من التقى النبي ولو لفترة قصيرة جدا، وإن لم يسمع حديثه. فدخل عدد من المجاهيل ضمن صحابة رسول الله، ليكونوا منصة للكذب عليه. فيكفي الحديث وثاقة، بل وصحة حينما ينتهي للصحابي أي كان. وبهذا صححوا جملة أحاديث ضعيفة. ويمكنك الإطلاع على كتاب السيد مرتضى العسكري بعنوان: "خمسون ومائة صحابي مختلق"، كمصداق لهذا الكلام. وكم روى هؤلاء من الأحاديث الموضوعة؟؟.

لو سلّمنا جدلا بصحة قاعدة الصحبة، كمصدر لتوثيق الرواة، تماشيا مع بعض الرجاليين من المدرسة السنية، لكن لا نسلّم لهم بسعة دائرة مفهوم الصحبة. فالشبهة ليست مصداقية فقط بل شبهة مفهومية أيضا، اختلف حولها جملة من علماء السنة. وبما أن المسألة مرتبطة بالتوثيق، فإن منهجي في توثيق الرواة لا يكتفي بوثاقة الراوي وعدالته، بل يشترط أيضا خبرته بالرواية وطرق نقلها، إضافة لتجرده وعدم انحيازه، وهي شروط صعبة، أراها ضرورية جدا لضبط حركة النص وقدسيته، خاصة حينما نضيف لها دراسة تاريخ النص وظرف صدوره، ومناسباته، وقرائنه، ومدى توافقه مع العقل والمنطق والقرآن، وإلا ستصبح فوضى عارمة كما هو حال المذاهب والفِرق الكلامية أسيرة النصوص التاريخية. لذا حتى الصحابي المقرب قد لا يُعتمد على رواياته حينما لا يكون ضابطا عارفا بالروايات، أو يتأثر بميولاته الطائفية والسياسية والاجتماعية. فمجرد الصحبة إذاً لا تعني شيئا في ميزان التوثيق. وهذا ما يهمنا بالنسبة للنص ونحن نمارس النقد لمعرفة آلياته وخطابه وسلطته. فالصحبة وفقا لتنظيراتهم لم تكتف بشرعنة سلطنتهم، بل قامت بتنزيه سلوكهم وإسدال الستار على أخطائهم، وتصحيح تصرفاتهم، مهما كان حجم الدماء التي أريقت بسبب السلطة وقمع المعارضة!!.

أقدر الظرف السياسي الذي دفع السنة للغلو بالصحابة، حيث لا يوجد طريق آخر لتصحيح شرعية السلطة. لكن القراءات النقدية لا تتوقف عند هذا الحد بل تتوغل في العمق، وتلاحق المقولات والمفاهيم التي أسست لحجية الصحبة ولوزامها من ضرورة العدالة والصدق وعدم الكذب، خاصة النصوص وقيمتها المعرفية ومدى تعارضها مع القرآن، وثوابت الدين. فأساس حجية الصحبة مجموعة روايات الفضائل، ثم تم تطوير مفهومها كمرجعية تعضّد شرعية السلطة السياسية. فنحتاج لنقد تلك الروايات، والتوغل في أعماقها، ودراسة أسلوبها في بناء حقيقتها، وفرض سلطتها. فهي روايات ما زالت مؤثرة، ويصدق وفقا لتقسيمها على أساس قوة تأثيرها أن تكون روايات محتملة الصدور. وهذا ما يهمنا، معرفة قوة النص وحضوره، لنقده وتفكيكه. وليس سوى النقد نكتشف به حقيقة النص وسلطته المعرفية. أما دراسة أسانيد الأحاديث، فما عادت مؤثرة حتى مع يقينهم بضعف سندها. العقل الجمعي يتأثر بالشائع والمتداول بغض النظر عن صحة سند الروايات. وقناعته مرهونة دائما لقناعة رجل الدين والوعظ والارشاد فيصدق كل ما يرويه من روايات دون الإرتياب بها. وسيأتي الكلام عن مجموعة روايات أسست لقدسية الصحابة وارتفعت بهم فوق النقد والمراجعة، حتى أصبحت سيرتهم السياسية والدينية حجة شرعية مع انعدام الدليل القرآني والنبوي.

فثنائية السلطة والمعارضة كانت وراء الغلو بهذا النوع من المفاهيم، فاندفعوا بضغط من المعارضة والشكوك التي حامت حول شرعية سلطة الخلفاء للتنظير للصحبة بمفهوم جديد. وقد تحقق لهم ما يريدون لدى قطاع كبير من المسلمين، وهم أهل السنة قاطبة.

وبالتالي فعدالة الصحابة تعني عصمتهم عن الخطأ عندما تكون سُننهُم حجة شرعية وملزمة مع فقدان الدليل، وهذا الإلزام ليس سوى اعتراف غير مباشر بعصمتهم، وإن لم يصرحوا، وما العصمة سوى امتناع الخطأ، وهذا متحقق بمفهوم الصحبة بالضرورة. فلماذا يدان الآخر بقوله بالعصمة ولا يدان من يقول بعدالة الصحابة وهما على درجة واحدة من التقديس؟. فلازم عصمة أئمة أهل البيت هو الإلتزام بأوامرهم ونواهيهم. وهذا هو المهم في فهم العصمة عند تأسيسه من قبل أصحاب الأئمة. وما زاد عليه الغلو لا ينفي القدر المتيقن من حقيقتها. من هنا يتضح مكر المفهوم عندما يتستر على دوره في فرض حقيقته، عندما يوحي باختلاف دلالتيهما. بينما كل من المتلقي السني والشيعي يفهم من المصطلحين ذات الدلالة. ويتمسك بذات الإلزام. فكلاهما معصوم بمفهومين وتنظيرين مختلفين، حتى وإن كان الإلزام بينهما مشككا وليس متواطئا، كما يعبر المناطقة. فلا شك في صدق القدر المتيقن. فالحقيقة لا تتغير، ويبقى مفهوم العصمة واحدا، بأي لفظ جاءت. وهذا غلو صريح، لا يمكن للسني التنصل عنه، أو تختل لديه قاعدة الإلزام بسيرة وسنة الشيخين، مع فقدان الدليل. ليس النقاش حول المثال والمصداق، بل الكلام حول المفهوم ودلالاته الخارجية، وفهم تزويراته وخداعه ومكره ومراوغاته عندما يفرض حقيقته، ويتستر على دوره في وجودها، وكيفية تكوّن سلطتها. فما زال التراشق بين المذهبين قائما حول العصمة ودلالاتها، ومتى انطباق مفهوم الغلو عليها. وكلاهما يسكت عن مفهوم عدالة الصحابة التي تعني تماما عصمتهم بالفهم المتقدم. فأهل السنة وإن لم يصرحوا بعصمة الصحابة لكنهم عملا يعصمونهم من كل خطأ وزلل. ويبررون سلوكهم مهما كان دمويا، ويَحملون إرتكابهم للخطأ واقترافهم للذنب مهما كان كبيرا، على ترك الأولى والأفضل، وعدم التعمد في المعصية ومخالفة الخالق، وغير ذلك من مبررات لا تمت للحقيقة بصلة. ويتمسكون بسيرتهم ويستشهدون بأحاديثهم في كل مناسبة، ويشيدون بفضائلهم بخطاب تنزيهي لا يختلف كثيرا عن الخطاب التنزيهي الشيعي. فهم في أعلى درجات القداسة عملا، مثلهم مثل الأئمة، لكنهم يخدعون المتلقي بالألفاظ. خاصة حينما يتشبثون بأقوال متطرفة حول مفهوم العصمة، لإبعاد الشبهات حول مصداقية مفهوم عدالة الصداقة، بما يشبه الإسقاط. بينما المفهوم الأولي للعصمة عند التأسيس لا يعدو كونها عصمة سلوكية إرادية، تعني التسديد والمنعة التي هي لطف إلهي حينما يلتزم المؤمن ويستقيم في سلوكه، وهو ما يتبناه الخط الشيعي المعتدل. فالعصمة السلوكية سنة إلهية – قرآنية، لكل من يستقيم، ولا تختص بشخص دون آخر. (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ). والجهاد لا يعني القتال هنا، بل مطلق المجاهدة، بقرينة لنهدينهم سبلنا، وهي الآية التي تنطوي على فلسفة عميقة سنتوقف عندها في مناسبة قادمة. (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا). فهي سنن إلهية. وبهذا نفهم أن جميع روايات الفضائل، المختلقة والموضوعة، تقصد عصمة الصحابة، والحيلولة دون نقدهم، ومحاسبتهم. وكل هذا غلو لا يمكن تبريره بأي شكل كان. وإلا هل يمكن لأي سني اليوم أن ينتقد الصحابة ويحاكمهم على سلوكهم ولا يدان من قبل سلطات القضاء والمراجع الدينية السنية؟. فلماذا لا يسمح لأحد بالنقد لولا الإرتكاز المفهومي لمعنى عدالة الصحابة، فهي تعني عندهم العصمة السلوكية. وهذا هو القدر المتيقن.

- كما تطرف أهل السنة في موقفهم السلبي من الآخر. الخارجي المتمثل بالديانات والعقائد. والداخلي المتمثل بالمذاهب والفِرق المسلمة. فكانت أحكامهم وفتاواهم تصل حد استباحة الدماء مع الخصم، رغم أن الخلاف فتوائي، يمثل وجهات نظر أصحابها. فعانى أهل الذمة، وهم أهل الكتاب، معاناة قاسية، وراحت سهام التكفير تلاحقهم لأدنى خطأ، وفرضوا عليهم ضرائب باهظة، مع حرمانهم من كل امتياز اجتماعي وسياسي ووظيفي. وقد أسس الفقه السني متطرفا في تشريعاته لدار الكفر والإسلام، وفرض لكل دار أحكامها، وحدودها. وما زالت فتاوى الفقه السلطاني والفقه التكفيري تشرعن سلوك الحركات الدينية السنية المتطرفة، وتبيح لها قتل الآخر بصفته كافرا، تستباح حرماته، وتهتك أعراضه باعتبارهن إماء مملوكات، فطبقوا عليهن كل أحكام الحرب التي نزلت استثناء، لكن الفقه السلطاني وظف إطلاقاتها خارج بيئتها وشروطها، فكانت داعش وغيرها من الحركات الإسلامية انتكاسة في سلوكها العدواني، لا يمكن للمسلمين تجاوز تبعاتها قريبا، خاصة حينما اتخذوا من النساء غير المسلمات إماء لشهواتهم، وفتحوا لهن سوقا للنخاسة، تباع فيه المرأة، مثلها مثل أي سلعة يتصفحها المارة.

يكفي أن كتب ابن تيمية قد اشتملت على 428 مرة عبارة: "يستتاب وإلا يقتل". فثمة طريق واحد للنجاة. ليس القرآن والصحيح من سيرة النبي بل فتاوى ابن تيمية، مصدر الكراهية الدينية، ومصدر شرعية الإرهاب الديني في العالم، أما الإلتزام بها أو القتل. فجميع الحركات المتطرفة التي ارتكبت العنف والقتل من الحركات السنية، تستمد شرعية سلوكها من فتاواه، وفهم خاطئ لآيات الجهاد والقتال، بعد تجريدها من تاريخيتها. فلماذا لا تدان هذه الحركات سوى بيانات خجولة، وتوسلات تشي بعمق العلاقة الروحية، والرضا على سلوكهم؟. بينما تنهال خطابات التكفير لمجرد شطط في فهم مفهوم ديني؟.

الحقيقة التي يخشى الجميع التصريح بها، أن الفقه السني بل والإسلامي عموما يؤمن بما تؤمن به داعش من مباني فكرية وفقهية حول مفهوم الجهاد، ومدى صدقية مفاهيم: الكفر والحرابة والشرك والردة، على الآخر بما يبرر نبذه وحرمانه وهتك حرمته واستباحة دمه. ويبقى الاختلاف بينهم في الشروط والتوقيتات. المشكلة ليس في السلوك الآني، بل بفهم الدين، وفهم النصوص المقدسة، وتاريخيتها، وفلسفتها.

وأما موقف السنة من الآخر الداخلي، الشيعة خاصة، ففيه من التطرف ما يسمح بقتلهم واستباحة دمائهم، وتحريم التعامل معهم، وحرمة التعبد بفتاواهم والصلاة خلفهم. فالغلو بالمفهوم السني ينحصر بالشيعة وعقائده وسلوكهم. فهم الخصم السياسي التقليدي. وبهذا يتضح ثمة غلو مشرعن قام الخطاب الديني السني بالتستر عليه. فجميع الروايات السنية التي تذم الشيعة وتتهم رموزهم، تأتي في سياق سرمدية الخصومة السياسية والعقيدية.

- غالى السنة في مصادرهم الروائية، حدا منحوها حصانة دائمة، كالصحاح الستة. وأما صحيح البخاري فمنزلته بالتقديس لا يدانيها كتاب. ويكفي الرواية وجودها فيه، كي ينقلب دور الفقيه من ناقد إلى مبرر، مهما كان حجم التناقض بينها وبين القرآن الكريم، وقيم الدين الحنيف، فترى مثلا صورة الرسول في وعي البخاري صورة مضطربة، تارة يهبط به رغم منزلته دون مستوى الأخلاق العرفية، والقرآن يصفه: (وإنّك لعلى خُلِقٍ عظيم)، لا أنه خَلوق فقط، بل يلتزم حتى بالقضايا العرفية إلتزاما أخلاقيا. خاصة في علاقته مع زوجته عائشة، حيث ينقل أخبارا وروايات تتحدث عن خصوصيات لا يمكن للمجتمع العربي تقبلها من الإنسان العادي فكيف تتحدث بها زوجة الرسول علناً وينقلها الرواة عنها؟. إضافة لتناقضات رواياته مع منطق العقل والحكمة. ومشكلة كثرة مروياته وبعده عن مصادرها. وروايته عن الضعفاء والمجهولين، وهذا لا يهمنا حاليا. لكننا نفهم من كل هذا وجود مغالاة حقيقية بالبخاري وصحيحه، هي بدورها عمقت مشاعر الغلو. بل بعض الاتجاهات الفقهية تقدم الروايات على القرآن، ولا تسمح بمقاربته مباشرة، وتحصر فهمه وتأويله وتفسيره بالصحابة عند السنة، والأئمة عند الشيعة. بينما يصدح الكتاب بأنه بيان للناس. وأنه بلسان عربي مبين. فما معنى الحصر سوى الغلو؟

- الغلو بالشفاعة، رغم أنها صفة مشتركة عند الجميع، مع اختلاف مصاديقها بين الصحابة والأئمة. وكلاهما يتناقض مع الكتاب وأحكامه عن الثواب والعقاب، ويلغي العدالة التي ينتظرها المعذبون والمحرومون، تلك العدالة الأمل الوحيد للناس في هذه الدنيا البائسة. غير أن الشفاعة تسقط كل ظلم وعدوان. ومن يقرأ روايات الشفاعة لدى الفريقين، يستهين حتى بجريمة القتل، فالشفاعة جاهزة لخلاصه من العقاب، بثمن بخس.

- غالى السنة برموزهم السياسية حد العصمة، ونظروا لحرمة الخروج على السلطان بكل إمكانياتهم الاستدلالية، وهم يعلمون حجم مخالفاتهم لقيم الدين ومبادئ الإنسانية، ونظروا لشرعية سلوكهم في الفتوحات، وشرعية الدماء التي سفكت، وأسدلوا الستار على أخطائهم، عندما أرجأوا حسابهم لله، وليس للإنسان. فكان المتكلمون السنة أساس التنظير مقولتي الجبر والإرجاء، لتبرئة ساحة الخليفة والسلطان من كل شوائب الحكم وسلبياته، وكل إجرامه وسلوكه العدواني. وكمثال على الغلو بمعنى الانحراف عن الحق يروي السنة حديثا عن النبي: (دخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب). بينما تؤكد عدد من الآيات شمول الحساب، بلا استثناء لأي شخص مهما كان مقامه. فكيف يتم استثناء هؤلاء، بل وفي بعض نسخ الحديث أن كل واحد منهم يشفع لسبعين ألف، فتكون متوالية تشمل كل أهل السنة والجماعة. لكن الغريب كيف يروى هذا الحديث مع وجود آية: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا).

- أما غلو السنة بخلفائهم وسلاطينهم، فأمر محير، سحقوا لأجلهم قيم الدين والإنسانية، ونظّروا لشرعنة سلوكهم، وتبرير أخطائهم، وحمياتهم، حتى قمعوا إرادة الناس، وجعلوا من طاعتهم وجوبا شرعيا، وفي هذه النقطة بالذات مغالطة كبيرة، فآية طاعة أولي الأمر، لا تسمح بشرعنة الباطل كما سأبين لاحقا، بل تضمر شرط الإيمان والاستقامة، الذي تنتفي ولايتهم بانتفائه، بل ولا يكفي معه الإسلام والإلتزام الظاهري، لأن صفة الإيمان في هذه الآية أعمق . وهذا أخطر أنواع الغلو حيث سفكت بسببه الدماء، وضاعت الحقول، وأبيحت الحرمات. كل هذا باسم الدين.

وخلاصة ما تقدم أن الغلو ظاهرة عامة، مهما اختلفت تجلياتها. وبعض الغلو أخطر عندما يتعلق بالحقوق. ولم تسفك الدماء إلا بسبب الغلو الفقهي والسياسي، وليس بسبب الغلو العقيدي والفكري. فتبرئة أهل السنة من الغلو كان مقصودا سياسيا لاضطهاد المعارضة، وتنزيه الذات، وحرمة نقدها، ومحاكمة سلوكها. 

فالفقه السلطاني القائم على الغلو لا يمكن أن يكون بديلا حضاريا، ولا يؤسس لمجتمع مدني، بل يكرس الاستبداد، ويعمق روح التبعية والانقياد، وحرمة التمرد على السلطان الظالم، باعتباره قدرا مقدرا من السماء. فهو فقه ثيوقراطي، مهمته تدجين المواطن، وتزوير وعيه. خاصة أن العلاقة بين الفقيه والسلطان قائمة على مقايضة شرعنة سلوك الأخير بسلطة الفقيه. فالسلطان يمنح الفقيه السلطة، والفقيه يشرعن سلوكه ويحمي مقامه. وبالتالي لا يمكن الارتكاز له في إقامة دولة المواطنة القائمة على الولاء للقانون، وولاية الشعب على نفسه. الدولة الحديثة تستمد شرعيتها من الشعب وليس من الفقه السلطاني.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق8- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

اتجاه لغلو

ماجد الغرباوي: في مقابل الاتجاه الثوري، والاتجاه الفكري – الفقهي أو التنظيري الذي تقدم الحديث عنهما، ثمة خطاب ثالث ضمن تيارات المعارضة السياسية الثلاثة، يحمل خصائص مختلفة. يلتقي مع الاتجاه الثاني في بعض الرؤى والمعتقدات، ويشق طريقه بعيدا عن الواقع والمنطق والعقل. والدوافع التي بلورت الاتجاه  الثاني هي ذات الدوافع وراء منطق الغلو لكنها أكثر تطرفا، أي الاشتراك معه في بلورة رؤية فكرية – عقيدية لتأكيد الذات ونفي الآخر. والمقصود هنا نفي شرعية السلطة، الذي قام التيار الثاني المعارض بجدارة بنقل الصراع حول السلطة إلى صراع حول شرعيتها، عندما عمد التنظير الشيعي للإمامة الدينية، واعتبر الإمامة السياسية امتدادها لها، فالأولى لا تسقط بسقوط الثانية، ولا شرعية للثانية بعيدا عن الأولى، بل هي امتدادها، وإحدى وظائفها. ثم جعل الدليل على الإمامة الدينية دليلا نصياً – عقلياً. وجعل الولاية مقوم ذاتي للإمامة الدينية، لذا امتد عصر التشريع لدى الشيعة حتى نهاية الغيبة الصغرى. أما تيار الغلو الشيعي فقد نظر للإمامة بمنهج أخر، عندما طوّر مفهوم الولاية، من ولاية سياسية، ثم دينية وأخيرا تكوينية كما سيأتي الحديث عنها.

واتجاه الغلو بجميع أقسامه، هو بؤرة الروايات الموضوعة، ونصوصه أحق بالنقد والمراجعة لكشف المتواري والمستبعد من أنساقه المضمرة. والتعرف على طريقة النص في أدائه، وخلق حقيقته، خاصة الروايات المحتملة والموضوعة التي تختلف عن الرواية الصحيحة في قدرتها على الاستجابة والرفض لشروط الواقع. النص الصحيح يفرض شروطه على المتلقي بفعل سلطته وتعاليه، حينما يتنزّل من الأعلى إلى الأدنى. أي أن مفاد النص لا يقرره الواقع، رغم أخذه بنظر الاعتبار. فيأتي ليقرر ويحكم ويفرض محدداته. ومثاله الآيات التي تبدأ بـ"ويسألونك .."، فإنها تأتي لبيان حكم في ضوء الواقع، دون الخضوع له. فتارة تفرض الضرورة نصاً لا ينسجم مع إرادة المتلقي، كما في آية: " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ". فحكم الآية جاء على خلاف إرادة الناس ورغباتهم. بينما الرواية الموضوعة تنبثق من الواقع، لتلبي حاجاته، وضروراته السياسية أو الدينية أو المذهبية والطائفية. فالواقع هو الذي يفرض مؤدى النص ومضمونه. مثال ذلك روايات الغلو حينما تؤسطر الرموز الدينية. فتبادر الروايات الموضوعة للتنظير لها وفقا لتلك الحاجات، وبنفس آليات الرواية الصحيحة. لذا يحتاج التمييز بين الصحيح والموضوع من الروايات إلى خبرة تراثية كافية.

لا شك أن السياسة وصراع المذاهب والأديان حول احتكار الحقيقة أسباب رئيسية وراء الغلو، فلا يقتصر على المعارضة السياسية والخصم المذهبي. بل قد تكون المغالاة دفاعا عن السلطة أقوى، فضلا عن الدافع المذهبي والطائفي والديني. فثمة عوامل وراء تطور ظاهرة الغلو. خاصة عندما يتعلق به هدف مستقبلي، ويرتبط به الناس ارتباطا مصيريا. فليس سهلا نقد عقائد الغلاة مهما امتد الزمان، بعد أن رسخت في وجدانهم، وتعلقت بها آمالهم، ومصيرهم الأخروي بل وحتى الديني، والاجتماعي عندما ينجح الغلو في تعميق الانتماء. فينبغي نقد بنيته، وتفكيك أنساقه، وتحليل مقولاته، للتعرف على جذوره وامتدادته وتاثيراته على جميع المستويات. الغلو ليس مجرد نصوص بل رؤية مغايرة للكون والحياة والدين والمجتمع، وجهاز مفاهيمي، يتصف بقوة حضوره، وقدرته على تشكيل العقل وتزوير الوعي رغم بنيته الخرافية والسحرية، ومخالفة مفاهيمه للمنطق والعقل، ومبادئ وقيم الدين الحنيف.

وقد ابتلى أتباع الديانات السابقة بالغلو في دينهم وعقائدهم ورموزهم. (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ). فالغلو كما هو واضح من الآية ملازم للأديان، بل وأحيانا حاجة نفسية للإنسان حينما يصارع محن الحياة بخيباته، وبؤس طالعه، فيبحث عن أمل ولو كان وهماً، يضع حدا لاحباطاته، وتوالى إخفاقاته، وفشله في بلوغ سعادته. وليس كالدين شيء قادر على بعث الإطمئنان، ويكفل للمتعبين والمنبوذين والمحرومين استرداد حقوقهم، ومقايضة معاناتهم في حياة مثالية خالدة، ثمنها إيمان قلبي، وتوازن سلوكي يحفظ للمجتمع سلامته. فيأتي في هذا السياق تطوّر العقائد وأسطرة الرموز الدينية لتكون مشجبا لكل تلك الآمال. وهنا يكمن الخطر حينما يستمرئ الفرد الظلم والعدوان والفقر والاستكانة والاستبداد، ويحسبها فتنة إلهية، فيعاني صابرا، محتسبا، دون أن يعي أسباب محنته، بفعل الفهم الخاطئ لمفهوم الثواب والعقاب والصبر والتسليم، ولا يسعى للتخلص من واقعه. فيتحول الدين إلى أفيون كما قال الخالد ماركس. فالمجمتع في مهب الغلو حينما يخونه الوعي. أو حينما تفرضه مصالح دينية وسياسية تعمق حضوره عبر روايات مختلفة، وممارسات طقوسية ساذجة.

الغلو الديني في مجتمعاتنا متوارث، من خلال طقوسه وشعائره، لا يمكن الخلاص منه إلا بالنقد والوعي، وعدم الاستسلام لإغواءات النصوص، وغرائبيتها، وأسطوريتها، وما تتضمنه من خرافات  وأوهام. (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ). فالآية تحذر من توارث الغلو، وتقليد الآباء. خاصة أن خطاب الغلو خطاب أيديولوجي قمعي، يتحصن وراء نصوصه وقدسية مرجعياته، التي تربك العقل ما لم يتداركه الوعي. كما أنه خطاب مؤثر في العقل الجمعي لقدرته على تعميق الانتماء، من خلال طقوسه، وبنيته الخرافيه، واستدلالاته القائمة على الوهم والخيال واللامعقول الديني. فخطورة الغلو لا تكمن فقط في تزوير الوعي، بل في تأسيسه لمرجعيات بديلة عن العقل، فيحل اللامعقول والأوهام والخرافة محل العقل والبرهان والاستدلال، حدا أن خطاب اللاعقل يدجن العقل ويفرض عليه التماهي معه، فتراه متخصصا في العلوم العقلية لكنه يتفاعل مع طقوس خرافية تفاعلا لا شعوريا ونفسيا يصل حد الغلو، وينشدّ لسماع الخرافات كجزء متمم لحاجة نفسية وروحية. هل أقول: إن اللامعقول حاجة نفسية أحيانا؟

لقد جنح المسلمون للغلو تحت ضغط الصراع السياسي على السلطة، وعدم وجود مرجعية صريحة تحسم النزاع الأول عليها. فالغلو يأتي في سياق تنزيه الذات، ومراكمة الفضائل لترجيح كفة أحد الطرفين المتنازعين. وتأكيد احتكار الحقيقة، وسبيل النجاة في الآخرة، حيث بقيت الفِرق والمذاهب عالقة في لحظة النزاع التاريخي حتى نهاية القرن الرابع، بل وما زالت تفرض نفسها على العلاقات الاجتماعية والدينية والسياسية. فالغلو بخطابه ونصوصه، جزء لا يتجزأ من البنية الفكرية والعقيدية والأصولية لتراث المسلمين، يتطلب مزيدا من النقد والتوغل في أعماقه للتعرف على آليته في توظيف اللامعقول، وحجم التزوير والخداع والأوهام التي يسوقها كبديهيات. وتفكيك نهائياته وبنيته، وتحليل مقولاته ومفاهيمه. الغلو آفة الفكر والعقيدة، يتوقف على تفكيك خطابه إعادة تشكيل العقل والوعي الديني والاجتماعي والسياسي. فنقد خطابه يعني أنسنة الرموز الدينية والتاريخية، واكتشاف حقيقتها بعد نسف أسيجتها القدسية والأيديولويجية، لتحرير الوعي من سطوة مرجعياته الغرائبية، وإعادة تشكيله وفق مبادئ عقلية، وتأملات فلسفية – نقدية.

 

الغلو مفهوما

يراد بالغلو لغة المبالغة والخروج عن الحد. ويأتي أيضا بمعنى التعصب والتطرف والارتفاع. وقد لازم تاريخ الفِرق والمذاهب الدينية، فغالوا بأنبيائهم ورموزهم، حد التأليه، مباشرة أو بصورة غير مباشرة.

وهو في بعض معانيه: سلب بشرية الإنسان، ومنحه قدرات خارقة. ويمكن الاستعانة بآية (لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ) لفهم دلالات الغلو الديني. فالمفهوم هنا مطلق، يصدق على كل تطرف يجافي الحق، في تفاصيل الدين، عقيدة وشريعة. فأي تطرف عقيدي يعد غلوا، وكذا التطرف في التشريع الذي يأخذ بأشد الحالات احتياطا، خلافا لمفهوم السعة والرحمة التي هي أسس قرآنية متينة، ومن الآيات المحكمات: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ).

 وأيضا يشمل الغلو في الدين فتاوى الفقهاء وأحكامهم الشرعية التي تذهب بعيدا عن الحق، الذي يعني الاعتدال في فهم النص، وعدم الجمود على حرفيته مداراة لمصالح شخصية وسياسية ومذهبية. كالفتاوى التي دعمت السلطات الظالمة، ومنحتها حصانة شرعية، عندما حرّمت الخروج عليها، ووجوب طاعتها.

لا حصانة لتفاوى الفقهاء فهي وجهات نظر، واجتهادات شخصية، تجنح للمغالاة بحكم التفاوت الثقافي واختلاف الفهم الديني، ومقاصد وعقائد المجتهد، ومختلف الضرورات التي تتحكم باجتهاده. وهذا هو سر تحذير الآية من الغلو في الدين، الشامل لجميع تفصيلاته وسلوكيات المتدينين. فليس الغلو منحصرا بالعقائد دون التشريعات والإلزامات المتطرفة. لكن ثمة جهود سعت لحصره بها في سياق الصراع على السلطة، فيأتي رمي الآخر بالغلو لسلب شرعيته، كما هو سلوك السلطة مع الفِرق والمذاهب الشيعية، حتى غدا مصطلح الغلو منحصرا بهم. وهذا خطأ تاريخ ومفهومي انطلى على الجميع وتبناه متكلمو الشيعة أيضا كالشيخ المفيد.

الغلو هو مطلق التطرف، والغلو الديني شامل بإطلاقه لتفصيلات العقيدة والشريعة بما يشمل فتاوى الفقهاء وتطرفهم وتعصبهم الطائفي والمذهبي بل وحتى تطرفهم في الإفتاء وفقا لوجهات نظرهم. فهذا النوع من الفقهاء يبالغ في شخصيته ويغالي عندما يحتكر الحقيقة والفهم الخالص للدين وأحكامه التشريعية. فليست العقيدة السنية في تفصيلاتها بريئة من الغلو كما يعتقد بعض، بل للغلو تجلياته، بعضها مشترك بين الجميع، والآخر خاص بكل مذهب وعقيدة. الغلو السني، مهما اختلفت تجلياته، فهي ظاهرة لها أسبابها ودوافعها وغاياتها، وتبقى السياسة جذرها البعيد. كما أن لموقف المعارضة من السلطة، وجدلية شرعيتها دور مؤثر في خلق ظاهرة الغلو السني في مختلف اتجاهاتها، أي أن بعض التطرف السني ردود أفعال معاكسة. وبالتالي فثمة أسباب ودوافع مشتركة وراء ظاهرة الغلو بشكل عام، وهناك خصوصيات. ولا يوجد استثناء لدين أو مذهب أو فِرقة دون غيرها، فخطاب الغلو واحد، ببنيته وتطرفه، رغم اختلاف اتجاهاته ودوافعه. وعندما يلصق الغلو بمذهب دون آخر، فينبغي البحث عن أسباب حصره وتكريسه في جهة دون غيرها، مع عدم وجود مبررات مفهومية ولغوية.

قد تكون العقيدة السنية أكثر التصاقا بالتوحيد، ولم تنسب لأحد من الخلق أي صفة من صفات الخالقية، لكنها أيضا سقطت في التجسيم، وغالت به حد التكفير، وصورت الخالق وفقا للمتشابه من آيات الكتاب الكريم، خلافا لمنهجه في عرض المتشابه على المحكم، ومن المحكمات: أن الله "ليس كمثله شيء"، وأنه "شديد المحال"، و"لا تدركه الأبصار". كما تطرفت في حماية السلطان الجائر، ومنحته حصانة على حساب قيم الدين ومبادئه، وتطرفت في إقصاء المعارضة، وأباحت الدماء لقمعها. بل وتطرف السنة في المسائل الخلافية، وجعلوا القتل وسيلة شرعية لتأديب كل من خرج على سلطان الفتوى. فقننوا الحياة، وضبطوا حركات الإنسان، وقمعوا حرية الرأي والنقد والاعتراض. وكل هذا يصدق عليه مفهوم الغلو، فلماذا يحصر المصطلح بمذهب خاص دون غيره؟ حتى في حالات الإطلاق تجد البوصلة تؤشر على العقيدة الشيعية. ولا نريد تبرئة أحد وسيأتي الحديث عن حجم الغلو فيها، لكن السؤال عن سبب تنزيه الذات، رغم غلوها في قضايا لا تقل أهمية عن العقيدة، لصلتها بالدين وسلوك الإنسان؟. كما أن الفقيه شريك السياسي، كرس سلطاته الدينية لخدمته وشرعنة سلوكه وتصرفاته. كما أباح الفقيه دماء الناس من أجل السلطة وحماية السلطان. كل هذا خروج عن الحق الذي جعلته الآية المتقدمة مقياسا للغلو. فأي حق في سحق قيم الدين، وإقصاء مبادئه وأخلاقه عندما يصل الأمر للسلطة والتحكم بأمور المسلمين؟ وعليه، إذا كان الغلو يعني لغة التطرف والارتفاع، فإن معناه قرآنيا العدول عن الحق، الذي هو مطلق الاعتدال الديني. والاعتدال الديني واضح في مفهومه، في ضوء المحكم من الآيات، ومبادئ وقيم الدين. فظلم السلطة مثلا واضح مفهوما ومصداقا للناس جميعا، فلا يمكن للفقيه التوسل بالنص القرآني لتزكيته وتبريره شرعا، ولو بعناوين ثانوية، كالحفاظ على الأمن والسلم. بل أن الظلم ِأحد الأسباب الرئيسية وراء زعزعتهما. فحينما يسارع الفقيه لحماية السلطان الظالم ففتاواه غلو في الدين تشريعا. فالدين كما تقدم لا ينحصر بالعقيدة دون الشريعة، ومفهوم الغلو مطلق في الآية رغم وجود قرينة قد تبدوصارفة إلا أنها متقدمة، وآية الغلو كلام مستأنف، بل حتى مع اختصاص الغلو بالعقيدة، فإن تقمص السلطان لدور الإله في صلاحياته وسلطته هو شرك بمعنى من المعاني. فالفكر السني لا ينجو من الغلو، بمعناه الأوسع من الشرك، إذ أجد في حصره بالشرك الظاهر والخفي، تنزيه لغلو آخر. أو أن حصر مفهوم الغلو بالشرك، تبرئة لغيره من أنواع الغلو. أو دفع تهمة، فيكون إجراء احترازيا، للتخلص من تبعات المفهوم بمختلف معانيه.

إن المفاهيم والمصطلحات تلعب دورا خطيرا في تزوير الوعي، خاصة عندما يقوم المفهوم بخلق حقيقته، وفرض سلطته، فيتستر على شرعيته. الغلو هو التطرف في كل شيء، وبعض التطرف خارج حدود الشرك أخطر من الشرك، فربما مشرك مسالم، لا يستغل عقيدته، ولا يفرضها على غيره، ويحترم الآخرين، فلا يشكل أي خطر بشركه، فهو ألصق بقيم الدين والإنسانية من بعض الفِرق والمذاهب الدينية المتطرفة، التي تصّر على تنزيه الذات واحتكار الحقيقة، فترمي الآخر بالارتداد والكفر وتستبيح دمه ومقدراته وكرامته. من هنا أجد في حصر الغلو بالشرك، ومن ثم رمي معارضيهم بالشرك والتكفير، أسلوبا مداناَ، فحصر المفهوم إجراء متهم لا يمكن تبرئته، ما دامت هناك تجليات ومظاهر أخرى تترتب عليها تداعيات خطيرة. ومثال ذلك رمي التشيع بالغلو بسبب بعض الممارسات الطقوسية، وتبرئة غيرهم رغم حجم العنف في فتاواهم ومواقفهم من الآخر. فالمسألة جديرة بوقفه نقدية. بدءا من المفهوم. وهذا ما تبين أن صياغة المفهوم قد حققت شيئين في آنٍ واحد، فمن جهة رمت معارضي السنة وهم الشيعة غالبا بالغلو، والشرك والانحراف العقيدة، مما عكس صورة نمطية عنهم تجدها متداولة داخل الثقافية الدينية السنية على نطاق واسع. ومن جهة ثانية قام المفهوم بتبرئة مظاهر الغلو السني، وحماية مواقفهم وسلوكياتهم. فينبغي عودة المفهوم لسعته المفهومية الشاملة لما هو أبعد من الشرك، وهذا ما يساعد عليه المعنى اللغوي، ولا دليل على تخصيصه بالشرك، بل يكون أحد مصاديقه. أما حصره فهو مخطط لتنزيه الـ"أنا"، ورمي الآخر بالانحراف والظلال. وهنا تلعب السياسة والفقه السلطاني دورا خطيرا في اضطهاد المعارضة، وقمعها.

 

الغلو والنص

يمثل النص قوام الغلو وخطابه. وهو الأعم من الآية والرواية، فيشمل: أقوال العلماء، وأدلة إجماع الفقهاء أو إجماع الأمة. فالغلو بجميع أطيافه يرتكز للنص في نظريته، واحتكاره للحقيقة، وحرمان الآخر من سبل النجاة يوم المعاد. وجميع اتجاهات الغلو منخرطة في السلطة وإشكالياتها، بشكل وآخر. فالغلو الشيعي خلص إلى نظرية كاملة حول الإمامة والولاية، سلب بموجبها شرعية السلطة، كما سيأتي. فهو المقصود تحديدا في هذا البحث، ما دمنا بصدد دراسة تأثيرات النص على المعارضة السياسية عبر التاريخ الإسلامي، وتحديد حجم النصوص المزورة والموضوعة. وقد مر الحديث عن التيارين الأول والثاني، وسأتكلم عن بنية خطاب الغلو ومنهجه في التأسيس لنظرية مغايرة في الإمامة، يكون لازمها بالضرورة سلب  شرعية السلطة. ورغم وحدة هدف هذا التيار مع سابقه إلا أنه يفترق عنه بمنهجيته ومصادره ومبانيه العقيدية.

وأيضا بالنسبة للغلو السني، فإن ركيزته الأساس هي نصوص، أغلبها روايات لا دليل على صحة صدورها، فتبقى محتملة، وفتاوى وأحكام تنتمي للفقه السلطاني، والتطرف الفقهي المتمثل بالحنابلة والتيمية والوهابية. حيث غالوا في مفهوم التوحيد بشكل خرجوا به عن الحق الذي تحدثت به الآية. وهو غلو مقيت، وضع المسلمين على مسطرة الفتوى وأحكام الفقيه. فهو دائما بين خيارين، القتل أو الإلتزام بفتاواهم مهما كانت مخالفة لقيم الدين والأخلاق. حتى بات جواز القتل على قضايا تافهة صفحة لازمة لفتاوهام، فلا تسمع وأنت تقرأها حول سلوك الفرد سوى: "يستتاب وإلا يقتل". هذا الإنسان الذي كرمه الله تعالى، وهذه النفس التي حرم الله قتلها، تزهق بسبب وجهة نظر اجتهادية، لا يدل عليها أي دليل من كتاب الله وسنة نبيه. وبالتالي فإن تناول الغلو يقع ضمن اهتمامنا في نقد النص، خاصة مع تميزه بوضع الروايات وصياغتها بشكل يخدم الهدف وبنيته الغرائبية - الخرافية، المتطرفه في غلوها.

لكن من أين أتت شرعية وسلطة الفتاوى؟ وهل هناك أدلة شرعية صريحة دلت على حجيتها، ووجوب الالتزام بها؟

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbaw10خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق7- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص والمقولات الكلامية

ماجد الغرباوي: لا شك أن المعارضة قد نالت بسبب مواقفها السلبية من السلطة، المتمثلة آنذاك بالدولتين الأموية والعباسية، قسطا كبيرا من الاقصاء والتهميش والاضطهاد والقمع والسجن والقتل. لكنها قاومت وأدت رسالتها بمختلف الوسائل. وتلخصت رسالتها بسلب شرعية السلطة، وتعرية المباني الفكرية والعقدية والفقهية والكلامية التي قامت عليها. إضافة إلى هدف كان يتستر داخل أنسقة اللغة، يروم الانتقام من العدو اللدود، ولو رمزيا أو من خلال الطعن بشرعيته. فالمعارضة طورت أداءها وواكبت خطاب السلطة، وكلاهما ما زال مؤثرا في جغرافيته، من خلال التاريخ والمتخيل الميثيولوجي لاتباعهما. يتجلى هذا واضحا في وعي الذات، حينما يطال الآخر نقد تفصيلي، وتحظى الـ"أنا" بالتنزيه والتعالي والتقديس. فكلاً من السلطة والمعارضة أسس خطابه على الكراهية والتنابذ والثأر، ونفي الآخر، خاصة موقف السلطة من المعارضة، الذي أباح إقصائها والتنكيل بها، تحت عناوين: الردة والخروج على إجماع الأمة والتمرد على ولي المسلمين. فثمة ظلم عظيم تستر عليه خطاب السلطة، وفضحته دماء الأبرياء والمظلومين. وهناك تبادل أدوار حينما تتسلم المعارضة السلطة. فالظلم وسفك الدماء صفة لازمة للسلطة، وتاريخها تاريخ دموي وصراع مرير. فينبغي التخلي عن تراث العنف والكراهية، والقطيعه الأبستمولوجية معه، فنحن بحاجة لعقل متدفق، يقاوم تحديات نموذج الوافد الحضاري. إن مفهوم الهوية لا يعني التشبث بمطلق التراث. والأصالة لا تعني المكوث في كهوف الماضي، بل هويتنا رهن حضورنا، وقدرتنا على تأكيد وجودنا. وهذا ما يدعونا لتفكيك التراث للحد من توهجه، وهيمنته على العقل المسلم. وهو خليط من نصوص دينية وآراء اجتهادية وقصص تاريخية. أي أنه منجز بشري، لا يتعالى على النقد والمراجعة، وليس له إطلاق خارج شرطه التاريخي والثقافي، سوى مبادئه حينما تكون إنسانية.

ثمة من يعتقد بقدرة التراث على وضع حلول مثالية لأزمتنا الحضارية، وهي مغالطة معرفية، فالتراث رهن شرطه التاريخي، وبيئته الثقافية، ومرجعياته وقبلياته القائمة على نهائيات ارتكزت لأسطرة الرموز، والخرافة واللامعقول، وغيبت العقل حد الاستسلام لمنطقها، وعدم الاعتراف بمعطيات العلوم والحداثة، ركائز التطور الحضاري، الذي أربك موقفنا وتحدى هويتنا، فبات هو النموذج الذي نطمح له، وهو العدو الذي نخشى تحدياته. وليس أمامنا لتدارك تخلفنا سوى التخلي عن العقل التراثي، المتخم بخرافاته ويقينياته التي لا تستند لأي دليل علمي، سوى أوهام نفسية، وإيمان مرعوب، ترتعد فرائصه، حينما يقارب عقائده. والتمسك بالنقد ومعطيات العلوم والتجربة، والارتكاز للفلسفة والاستدلال المنطقي والعلوم الإنسانية الحديثة في بناء حضارة معاصرة تحترم الإنسان، وتستعيد مركزيته. بهذا الشكل يمكن للشخص الموازنة بين جانبيه الروحي والمادي. وبالتالي فنقد التراث في أحد أبعاده، نقد لخطاب السلطة والمعارضة لتجاوزهما كمرجعيات نهائية، حتى إذا تأسس خطابهما فكريا على مبادئ التسامح وحقول الإنسان والاعتراف الحقيقي بالآخر والتبادل السلمي للسلطة، نكون قد خطونا أول خطوة على طريق الحضارة. أو يبقى الطرفان في خصام مستمر، قائم على النفي، والإقصاء، الذي سببه ثقافة تراثية تشرعن قيم التخلف الحضاري. وسبق أن قلت أن الفرق بين العقل النقدي والعقل التراثي أن الأول برهاني استدلالي، والثاني تقليدي، استسلامي. والتقليد يفشل دائما في صياغة أسئلته، ويستعيد أسئلة الماضي خارج شرطها التاريخي. وهذا يشترط فصل السياسة عن الدين كموجه أيديولوجي، يفرض هيمنة اجتهادات شخصية، وفتاوى مؤدلجة، تربك القرار السياسي، وتخضعه لإرادات فوقية تتقاطع مع القانون، وتتجاهل إرادة الشعب. 

تأسيسا على ما تقدم، تعد المعارضة العلوية، الأشمل من الشيعة الإمامية والزيدية وغيرهما، أوسع وأقوى وأرسخ معارضة واجهت الدولتين العباسية والأموية تاريخيا. ويعد الاتجاه الشيعي الإثنا عشري الأقدر على الثبات، حيث شق طريقه عبر منظومة معرفية متكاملة، في أبعادها العقيدية، والفكرية، والفقهية، والأصولية والكلامية. وقد تميز بعقيدته في الإمامة والمهدي المنتظر، وتنوع طقوسه التي تلهب المخيال المثيولوجي. فالعقيدة أعادت تشكيل وعي الفرد ورسمت حدود الآخر. كما أنها راهنت على النجاة من خلال مصفوفة نصوص وآراء كلامية، منحت طقوسها خصوصية التفوق يوم المعاد. كما كرس التشيع رمزية الإمام الحسين، لتماسك نسيجه الداخلي، وشحن الحس الثوري. وقوة هذه العقيدة في قدرتها على ربط الفرد بخالقه عبر مسار التشيع عقيدة ورموزا. فكانت لجهود أئمة أهل البيت وأصحابهم في القرون الأربعة الأولى دور التأسيس، وبناء الهيكل العام للتشيع، وباقي التفاصيل راحت تتطور وفقا لحاجات آنية، ثم تأخذ مسار النظرية الشيعية حينما تندمج بها من خلال تبني الشيعة لها. فالتشيع صار هوية لأنصاره ومعتنقيه، له قدرة الإلهام، ورسم معالم العلاقة مع الآخر. والأهم بات يضفي معنى للإنتماء الاجتماعي، المذهبي والعقيدي. فتميّز بخاصيته الأنثربولوجية ومعالم هويته. يتضح هذا بشكل جلي في المناسبات، والتحيز للخصوصية، عندما يلتبس السياسي بالدين، أو خلال الأزمات والتخندقات الطائفية. وهذا لم يأت عن فراغ، بل تراكم هائل، معرفي وسياسي. فقد خاض الشيعة، مثلا – معارك ومناظرات كلامية شرسة، دفاعا عن متبنياتهم العقيدية، وانتصارا للإمامة بشقيها السياسي والديني. وذلك بقيادة متكلميهم، كهشام بن الحكم ومؤمن الطاق من أصحاب الإمام الصادق، حتى الشيخ المفيد، الذي يعود له فضل التدوين وبناء النظرية، وقد انصبت جهودهم، على تأصيل المقولات الكلامية الشيعية في الإمامة، وخصائصها، والذب عن شرعية خلافة الإمام علي، باعتبارها نصا بخصوصه، وتنقيح كافة الروايات التاريخية التي دلت عليها، كحديث الغدير، مثالا لا حصرا. وأيضا كان هذا  الخط يسارع مع كل  انهيار وتصدع، سيما بعد وفاة كل إمام، لترميم العقيدة، وتقديم تفسيرات ومبررات حول تأخر ظهور المهدي. واستمرار الإمامة الدينية، بجملة أدلة نقلية وعقلية. فدافع عن الإمامة وشرعيتها، واستدل على عدم شرعية جميع المواقف السلبية من الأئمة، كخروج عائشة وطلحة والزبير على الإمام علي. إضافة لمشاركاتهم الفعّالة في الجدل الذي كان محتدما حول مفاهيم العقيدة الإسلامية: صفات الخالق، فاعل الكبيرة، وخلود الكافر بالنار، والإرجاء، والقدر، خلق القرآن. فهذه الجهود الكلامية تندرج ضمن مشاغل المعارضة الفكرية والعقيدية، لأنها تتقاطع مع متبنيات الدولة الحاكمة. والمعارضة تحدٍ للسلطة بأي شكل كان، ما دام  إجراؤها مؤثرا. خاصة أن المناظرات الكلامية كانت قائمة على الاستفزاز والتهم والتشكيك، في ظرف عصيب. فمن  جهة هناك انتفاضات مسلحة تحرج الأئمة أمام  السلطات، ومن جهة ثانية حجم الاقصاء  والتهميش الذي كان يعيشه الشيعة. فكانت أكثر مواقفهم ردود أفعال، وتحديات، وشعورا عميقا بالحرمان السياسي.

فترجع للاتجاه الثاني جميع الجهود الفكرية والعقيدة التي تولت بناء منظومة معرفية، وأرست أسس النظرية الشيعية، وتأصيل مفاهيمها. فجذور المرجعية الفكرية والعقيدية للتشيع تعود لتلك  الفترة بالذات، حيث أوج الصراع الفكري والعقيدي، واكتظاظه بالآراء والاتجاهات، والانشقاقات الشيعية، بسبب الإمامة ومصاديقها، وبسبب المهدي وتأخر ظهوره.

 

علم الكلام القديم

إن نشوء علم الكلام كان إيذاناً بتأسيس الفرق وتعميق الخلاف بين المذاهب الإسلامية عامة والشيعة خاصة، فعندما تخندقت الفرق حول نفسها وظّفت عدتها وعتادها لتحصين مواقعها الدفاعية وشن حملات قاسية على الفرقة الثانية. واستبدلت لغة الحوار بتراشق عنيف يستهدف القضاء على خصمه الذي صنعه بيده. وبهذا صار الكيان الآخر هو المقصود بالذات دون الأفكار. فليست هناك مراجعة للآراء أو اعادة نظر بالعقائد والأفكار، لأنها حق مطلق لا يدانيه أي شك أو نقص، ومهمة المتكلم هي حشد الأدلة والبراهين والحجج، وإن لم تكن علمية، لاثبات صحة مدعاه وخطأ خصمه المذهبي.

فعلم الكلام الإسلامي لم يتأسس تاريخيا لنقد الذات والمعتقدات الشخصية، ولم يهتم بمراجعة الأفكار والآراء المذهبية، بل كان هدفه الأساس الإطاحة بالآخر، فهو خطاب معارضة، أو يندرج ضمنه. وهذا السبب وراء تأكيدي أن المذاهب الإسلامية قامت على التنافي، ولا حقيقية لها إلا من خلال إقصاء الآخر، ونبذه. فلا توجد مساحات للإلتقاء، بمعنى الإعتراف بالآخر كشريك بالحقيقة وطرق النجاة. بل كل مذهب وفٍرقة تحتكر الحقيقة لنفسها، وتقصر النجاة عليها. فالآخر وفقا لرواية المسلمين الكلامية هو المرتد، المنحرف، الضال، الكافر، المتمرد على الشرعية الإلهية. لذا لا تجد في ثقافة الفِرق والمذاهب الكلامية عبارات تشي باحترام الرأي الآخر. بل غالبا ما تقرأ عبارات الضلال والنفي والاقصاء. فالحقيقة في ثقافة المسلمين واحدة، والطريق إليها واحد، وبما أنها غير مشخصة، فينبغي البرهنة على احتكارها وإقصاء الآخر عنها. فالتكفير والتنابذ يمثلان حقيقة الثقافة الطائفية لدى المسلمين. لذا أفضى علم الكلام الإسلامي إلى نتائج سلبية، منها: أنه أسقط الإنسان من معادلة المتكلمين، وأهمل حاجاته وتطلعاته، فهجرته العقيدة وأخذ يشق طريقه بمعزل عنها، خلافا للمنهج القرآني الذي أراد أن تكون العقيدة موجها للإنسان في سلوكه وممارساته، ويعيش التوحيد بكل كيانه ومشاعره وأحاسيسه، ويتسق مع الوجود في حركته إلى الله تعالى . فلجأ الإنسان إلى نزعات باطنية، غنوصية، صوفية لملء الفراغ الروحي الذي خلّفته العقيدة بعد أن هجرت الحياة واستقرت في عقول المتكلمين، تهددها الشكوك والأوهام. وأخذ الإنسان يمارس لونا آخر من العقيدة، اقتصر فيها على طقوس وشعائر مجردة، فصيرته إنسانا مزدوجا، شخصيته موزعة على مساحتين لا علاقة بينهما ولم يلتقيا إلّا في نقاط التقاطع: العقيدة والحياة الاجتماعية.

إن المتبادر من علم الكلام والمناظرات الكلامية أنه علم قائم على منهج علمي، يرتكز للعقل في مقدماته ومقولاته الأساسية. غير أن الحقيقة شيء آخر. فهو يختلف في طريقة البحث، ويرتكز للمنطق الأرسطي في الإستدلال على آرائه. فهموم علم الكلام القديم هموم أيديولوجية مهمتها الدفاع عن مقولات الفِرق والمذاهب، وتقويض آراء الخصم. وليس مهمته الاستدلال على مقولاته الأساسية وفق منهج علمي، عقلي، فلسفي. أي ثمة مقولات جاهزة تم الاستدلال عليها بروايات ونصوص مسبقا، تشكل مقدمات القياس الأرسطي، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، باعتبارها نهائيات وجزميات. فالمقولات الكلامية مؤسسة تراثيا وليست بديهيات أو مبادئ عقلية، ثم يأتي علم الكلام ليدافع عنها، ويستميت في الاستدلال على صحتها. فالنتيجة سابقة على الاستدلال، وليست هي نتيجة استدلال عقلي – فلسفي. فالكلام القديم لم يتحرر من النص والروايات، ويبقى قابعا تحت سلطة مقولاته المذهبية، فهو جزء من بنية الخطاب التراثي، ويخضع لآلياته. كان يفترض بعلم الكلام القديم أن يرتكز للعقل في بيان عقيدته ومقولاته. وأن يتجرد من قبلياته، عندما يقارب المقولات الكلامية، كما هو الحال بالنسبة للاستدلال الفلسفي. لا أن يتبنى مقولة جاهزة ثم يستدل عليها. فهذا العلم لا يولد معرفة، بل هو منطق آيديولوجي قائم على المغالطات، والاستفادة من إمكانية مقدمات القياس المنطقي في الأشكال الأربعة، حيث تقبل المشهور، والمتسالم عليه، وكلاهما نسبي، لا يصلح أن يكون مقدمة استدلالية. فمقدمات القياس ليست علمية دائما. وما نحتاجه راهنا أن تكون مقدمات القياس عقلية، يمكن الاستدلال عليها معرفيا. لذا ترى عالم الكلام مشغول في البحث عن ثغرات في عقيدة الآخر، للإنقضاض عليه.

من هنا يتضح أن دراسة علم الكلام القديم، ونقد مقولاته تقع في إطار نقد التراث. فهو ليس سوى جزء من التراث، ويؤسس للخطأ المعرفي، والنفي الوجودي للآخر. وليس علما قائما على البرهان الفلسفي والدليل العقلي. فلا يوجد تجرد وموضوعية في علم الكلام. وتكمن مهمته في الدفاع عن أحكام ومقولات مسبقة هي وليدة روايات ونصوص تراثية، يتطلب نقدها منهجا علميا صارما. لتبديد سلطة المقولات الكلامية. فعلم الكلام حينما ساهم في بناء النظرية، لم يغادره منطق النفي الوجودي للآخر، بل برر إقصاءه وسلب شرعيته.

كما ثمة ثغراث علمية في الاستدلالات الكلامية، حينما يسوق بعض المقولات كأنها بديهيات، أو قضايا متفق عليه. بينما هي مقولات وجزميات ونهائيات مذهبية خاصة. فعندما يقول المتكلم: لا يمكن لخالق السماوات والأرض بهذا النظام والدقة أن يترك البشرية بدون إمام يقودهم للحق!!. فهذه المقدمة تبدو منطقية قياسا على النظام الكوني، فتصغي لها النفس. لكنها مقدمة بلا دليل سوى استحسان. أو أنها ضرورة قياسية وفقا للقياس الأرسطي، ابتدعها المتكلم كي يبني عليها نظريته في الإمامة. ثم يرتب عليها: بما أن عدم تنصيب إمام يلزم منه الضلال، فيجب أن يكون هناك إمام منصوب أو معيّن من قبله. وهذه المقدمة تتطلب قناعة نفسية ليس أكثر، تجعل من الشبهة شبهة مصداقية، لتحديد من هو الإمام المنصوب، وهنا يأتي دور التراث والنص. وهذا لون من ألوان الاستدلال الكلامي المفعم بمغالطاته، لأن أول الكلام أن تثبت بدليل قرآني على وجوب الإمامة والقيمومة في كل زمان ومكان. ولماذا لا نقول ربما مشيئة الله تعالى أن يتولى الإنسان بعقله مسيرته، خاصة وهو منذور لمهمة بشرية أن يقيم الخلافة ويستخلف الأرض ويعمرها ويحييها ويحكم بها بالمنطق والعقل والمبادئ الإنسانية؟؟ أي أن المغالطة عندما تجاوز الجدل الشبهة المفهومية، واعتبرها مسلمة، وهي ليست كذلك بل هي محط الجدل الكلامي، وبحاجة لدليل شرعي لحسمها، ثم الانتقال للبحث عن المصاديق.

 إن تفكيك المقولات الكلامية ينزله من علياء التعالي والفوقية. وهنا تأتي مهمة النقد لكشف خداع الاستدلالات الكلامية، وصدقية المفاهيم التي قامت عليها مقولاته. وحينئذٍ سنكتشف أن الفكر الديني فكر تراثي، لا يمت للعقل بصلة، بل هو مقولات نهائية، يتداولها علماء الملسمين، فيعيدون انتاجها بمختلف القوالب اللغوية والاستدلالية. فاللامعقول الديني هو الأساس في علم الكلام القديم، وليس العقل والفلسفة. وأحد مهامنا في نقد النص بيان مساحة اللامعقول، ورصد جذوره، وطريقته في الاستدلال، وما يستخدمه من أدوات للتلاعب في مقدمات القياس. فعلم الكلام القديم، الذي يفترض أنه علم عقلي في استدلالاته ومناظراته، يتبنى اللامعقول، ويتستر على تبنيه، بل ويناقض المنطق العقلي – الفلسفي حينما ينطلق من مقولات ومفاهيم جاهزة. فعلم الكلام القديم خطاب آيدولوجي، مهمته تنزيه الذات والدفاع عن متبنياتها، ونقض الآخر ومبرراته في احتكار الحقيقة، وسبيل النجاة في اليوم الآخر. فهو ليس علما بالمعنى الاصطلاحي، لكنه يتستر على حقيقته بمفهوم العلم.  

يتجلى مكر الكلام القديم بتستره على دوره في نتائج القياس، من خلال مقدمات تنتمي للتراث واللامعقول الديني. كما في المثال المتقدم، فهو يستغفل المتلقي عندما يعتبر مقدماته نهائيات، فتكون كالبديهيات ضمن القياس المنطق. كما أنه يتستر على أيديولوجيته واستهدافه للخصم حينما يتلبس بصفة العلم، بعيدا عن شروطه. الكلام القديم يعتمد مقدمات كل واحدة بحاجة إلى أدلة عقلية لاثباتها، غير انه يوظفها كبديهيات ونهائيات تامة دلالية. مثال ذلك قياس الخالق على المخلوق، بينما يؤكد القرآن أنه غيب محض، وليس كمثله شيء، ولا تدركه الأبصار. فالبديهيات العقلية والفلسفية لا وجود لها في القياس الأرسطي، وهو يستدل على مقولاته المذهبية والعقيدية. بل الحضور الحقيقي في تلك المقدمات للتراث والروايات والمتسالم عليه ضمن خصوصيته، مباشرة أو بشكل غير مباشرة، فالنتيجة في القياس معروفة مسبقة. فهناك علاقة صميمية بين علم الكلام، كعلم استدلالي حسب الفرض، والنص. فهو يخضع لنقد النص في مقدماته. ولا يمكنه الهروب من هذه الحقيقة. نتائج علم الكلام القديم نتائج نصية، روائية. فتخضع للنقد والمراجعة ضمن حقل النصوص والروايات. فعلم الكلام هو الذي يبني حقيقته، ويدافع عنها، ويتستر عن دوره فيها، وعن جذرها الروائي، حينما ينسبها للعقل والدليل العقلي. علم الكلام القديم وظف العقل للإيمان، ولم يسمح له بممارسة دوره في النقد والمراجعة وبناء المعرفة وفق مقدمات علمية، يمكن الاستدلال عليها بالتجربة أو العقل أو الدليل الرياضي.

المعرفة لا تبنى بالأوهام، والخرافات. ولا تستمد حقيقتها من التراث والروايات، وتحتاج دائما لأدلة عقلية وفلسفية، فإقصاء علم الكلام القديم إقصاء لخطابه الأيديولوجي، والجهل المعرفي، وخداع القياس الأرسطي. وكانت أول خطوة على طريق الحضارة الحديثة القطيعة مع التراث والهرطقات الكلامية، واعتماد العقل والدليل العلمي في بناء المعرفة والتراكم العلمي.

ثمة ملاحظة جديرة، أن علم الكلام القديم بنى مقدماته على أساس روائي بعيدا عن القرآن، فطالما تبنى حقائق عقيدية لا تجد لها جذرا قرآنيا صريحا سوى تأويلات، أو تفسير روائي للآيات. علما أن الكتاب الكريم قد فصّل الكلام حول العقيدة وأسسها، وليس مضطرا للتستر على متبنيات الفكر الطائفي والتراثي. فينبغي التركيز على نقد النص للكشف عن حقائق المقولات الكلامية. فليس ثمة استدلال عقلي أو فلسفي كما يوحي به مفهوم العلم، بل هو خطاب أيديولوجي للدفاع عن مقولات وأحكام أسست لها نصوص لا يمكن الجزم بصحة صدورها، مع منافاة بعضها للقرآن المجيد. والأخطر أن علم الكلام القديم ينظّر للاستبداد، وتكريس التبعية والانقياد، والخضوع. وهو ما ترفضه قيم المجتمع المدني الذي نحن بأمس الحاجة له. وترفضه مبادئ حقوق الإنسان، التي تمثل جوهر الحضارة الحديثة. فالقطيعة مع الكلام القديم قطيعة مع التنظّير للعنف والإرهاب. كما أنه ينّظر لمركزية المذاهب والفِرق، فيجعل من الآخر هامشا، يحق له إقصاءه واضطهاده. فيشرعن التنابذ الديني، بدلا من الاعتراف بالآخر واحترام حقوقه المشروعة. وبالتالي ما دام علم الكلام القديم يرتكز في مقدماته أحيانا للتراث والنصوص فلا ينجو من الأوهام والخرافات واللامعقول. فيؤسس على خلاف منطق العقل والتعقل المطلوب في مجال المعرفة. فلا يمكن أن يكون مصدرا من مصادرها.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi5خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق6- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص وفتنة الشعار

ماجد الغرباوي: تتصف الشعارات بزخمها العاطفي، وقدرتها على تعبئة الناس، وتحريض الرأي العام. وهي من أخطر اللعب السياسية والدينية. يتطلب نجاحها مهارة وخبرة بثقافة المجتمع وتاريخه ورموزه وأولوياته، وطبيعة علاقته بتراثه وقيمه ومبادئه ودينه. تتأثر فاعليتها بظرف إطلاقها وتوقيتها. ويخبو توهجها خارج بيئتها وحاضنتها الثقافية – الاجتماعية. فيخسر من يرفع شعارات حسينية في مناطق الشام آنذاك، بينما ترتعد لها فرائص المجتمع الشيعي في العراق، بسبب ارتباطه الوجداني والعاطفي والتاريخي والديني بالحسين وقضية كربلاء. الشعار وتر حساس يعزف عليه السياسي، ويكرسه لمصالحه الشخصية والحزبية. والكشف عن حقيقته يمنح الشعب فرصة لاستعادة الوعي، والتأني في الاندفاع العاطفي. أي أن نقد الشعارات يحرم السياسي المتربص من تحقيق غايته، وهذه مسألة مهمة على مسار خلخلة اللامفكر فيه، من أجل نهضة حضارية متماسكة. فالشعار تارة يستبطن بنى فكرية وعقيدية، وأنساقا ثقافية ومعرفية، قد تكرس الطائفية، وتعيد تشكيل العقل على أسس لا أخلاقية، تصنف الآخر وفقا لتنوعه الثقافي والديني، الذي هو جزء من خصوصيته وحريته، فالشعار يأتي ليصادر حريته، ويقمع حقه في التنوع، خاصة حينما ترتفع نبرة التنابذ وروح الكراهية بسبب الشعارات المرفوعة. وبالتالي فنقد الشعار يقع ضمن سياقات البحث، في نقد النص.

اتضح مما تقدم أن الاتجاه الثوري ضمن المعارضة التاريخية، كان خطابا سياسيا، مارس العنف متسترا بشعاراته، فأوغل (التوابون) بالقتل ثأرا للحسين، بعد واقعة كربلاء مباشرة، وكان يقودهم سليمان بن صرد الخزاعي. ثم المختار الذي سيطر على الكوفة ورفع شعار "يالثارات الحسين". حيث قتل كل من اصطف مع السلطة الحاكمة. ثم طور التيار الثوري نفسه إلى حركات مسلحة استهدفت السلطة بمختلف العناوين، كثورة عبد الله بن الزبير، الذي أعلن نفسه خليفة للمسلمين في مكة بعد وفاة يزيد بن معاوية، وكان واليه على الكوفة أخوه مصعب بن الزبير الذي استولى على السلطة بعد أن قتل المختار الثقفي. وأيضا زيد بن علي، الذي قُتل بعد خروجه في الكوفة ضد حكم هشام بن الحكم. وفيما بعد ثورة "محمد ذو النفس الزكية" وأخوه إبراهيم. كما كانت هناك حركات مسلحة للخوارج وغيرهم، وقد رفعت كل حركة ما يخدم مصالحها السياسية من شعارات ولافتات ثورية. وبالتالي رغم حرص الحركات الثورية التاريخية الطامحة بالسلطة على رفع شعارات تبدو دينية وإصلاحية، أو تدعو للثأر من قتلة الإمام الحسين أو تطالب بالرضا لآل محمد، إلا أنها حركات سياسية، تخادع في شعاراتها ولافتاتها، رغم اختلافها المرجعي، وتباين فهمها للسلطة وشروط الحكم. فلا صدقية حقيقية لتلك الشعارات. خطاب التيار الثوري خطاب سلطة، وما يؤكد زيف شعاراته، أن زعماء التيار الثوري قد إنقلبوا عليها، ومارسوا ضد مناوئيهم عنفا مضافا، كالعباسيين الذين رفعوا في بداية تحركهم شعارا مواربا (الرضا لآل محمد)، ثم اختزله منطق السلطة ببني العباس، واستبعاد بني هاشم. من هنا ينبغي الحذر من أي شعار ثوري باسم الدين أو الحسين يرفع من قبل أية جهة، فهي شعارات ماكرة تستغل عواطف الناس، لتعزيز قواعدها السياسية، وتراهن على استغفالهم، عندما تختزل الاصلاح بممارسات طقوسية، إرضاء لمشاعر جمهورها، بينما تكرّس وجودها السياسي لمصالحها الشخصية والحزبية.

إن فتنة الشعارات مازالت تحرض ضد السلطة، وتطمح لتوسعة دائرتها عندما تكون فيها، كشعار: "كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء". وشعار: "أبد والله لا ننسى حسينا". وهي شعارات ماكرة، تبحث عمن تحمّلهم مسؤولية ما حصل في كربلاء قبل 1400 عام!!. كمبرر مشروع لسلوكهم الإقصائي من أجل الوصول للسلطة أو توسعة نطاقها. شعارات تزلزل مشاعر الحس الثوري، رغم مخالفتها الصريحة للكتاب الكريم: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). فالشعار يخلق أعداء وردود أفعال معاكسة تخدم هدف السياسي. وهذا هو الخطر الجسيم، الذي يقوض السلم الأهلي، ويعمق روح الإقصاء والتنابذ والكراهية، فيندفع الناس بخدمة مشاعر دينية – حسينية، وهي لا تعدو سوى تحركات سياسية غايتها الوصول للسلطة.

لا توجد شريعة سماوية أو أرضية تبيح الثأر مدى الحياة لأجل مقتل شخص، مهما كانت منزلته. وقد قُتل قبل الحسين أنبياء كثيرون (قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين)، كما صرح القرآن بذلك. لكن للثأر حدود، النفس بالنفس. وتجاوزه جريمة واعتداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَى ... فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ).  فربط شعارات العنف والسياسة بالدين والقرآن الكريم يعد جريمة بحق الناس الطيبين، فيجب فضح هذه الشعارات وكشف زيفها، وخداعها، لتحرير الوعي من ربقة العواطف والاندفاعات اللامسؤولة. فرفع الشعارات باسم الحسين تناقض هدفه الإصلاحي، وقبل ذلك تتستر بالدين وتقوض مبادئه وقيمه.

تبقى السياسة هدفا مشتركا لهذه الحركات. وما الشعارات المرفوعة سوى محفزات آيديولوجية لشد صفوف قواعدها الشعبية. فالتوابون الذين مثّلوا أول تحرك مسلح ضمن التيار الثوري، كانوا ممن كاتب الحسين وبايعه على السلطة، لكنهم تخلوا عنه بعد انقلاب موازين القوى لصالح جيش السلطة الحاكمة. ثم عادوا لحمل السلام للانتقام واستعادة السلطة. فكلا الموقفين كان منطلقه سياسيا براغماتيا. بايعوا الإمام الحسين على أمل الاشتراك في حكومته، وحملوا السلاح تائبين بعد مقتله أملاً في السلطة. بل انسحب جميع من رافقه في الطريق عندما علموا بمقتل سفيره إلى كربلاء، مسلم بن عقيل، ولم يواصل المسير معه إلا خُلّص أصحابه وأهل بيته!!. فلا معنى للمبدئية كما يراهن بعض الباحثين. المبدئيون رابطوا معه حتى اختلط دمهم بدمه على أرض كربلاء. فالتباس السياسي بالديني أحد أسباب تخلفنا، فينبغي تفكيك الخطاب الثوري، وتحليل مقولاته ومفاهيمه، لمعرفة ثقافته، وأهدافه، للحد من توهجه بعيون الشباب الثوري، وقود الحركات السياسية، المندفع في حب الإسلام وحب الحسين. فليس "كل يوم عاشوراء" و"كل أرض كربلاء"، وخطاب الحسين خطاب سياسي، هدفه إقامة دولة، فالحدث يقرأ ضمن ظرفه التاريخي والسياسي، واستدعاؤه خارج شرطه ينقلب إلى عنف مؤسلم، هدفه السلطة بلباس ديني - حسيني. التوابون تيار متربص، التصق بالحسين قبل وبعد استشهاده طلبا للسلطة، وهدفه هدف سياسي، يتستر بالدين وطلب الثأر للحسين. وقد استباح دماء غزيرة لتحقيق أهدافه بعيدا عن قيم الدين (النفس بالنفس). قتلى كربلاء سبعون شهيدا، فكيف استباح هذا التيار سفك الدماء لولا دوافع سياسية تستهين بجميع القيم من أجل إضعاف السلطة؟ فالتيارات السياسية أحق بالنقد والتفكيك للتعرف على حقيقتها، حينما ترفع شعارات دينية. فتارة تكرّس هذه التيارات الاستبداد والعنف والقمع والاستغلال باسم الدين والضرورات الثورية.

كما ثمة ما يدعو لتفكيك المرجعية الفكرية والعقيدية لهذا التيار لاكتشاف مساحة اللامفكر فيه والمسكوت عنه، ومدى علاقتها بالنص، رغم عدم حاجته الماسة له كما تقدم. فطلب السلطة بآليات ثورية لا تخفى على الوعي، لكن ما يريد التستر عليه الخطاب الثوري، شرعية تحركه المسلح دينيا. فاكتشاف المسكوت عنه واللامفكر في الخطاب الثوري يعيد تشكيل الوعي بهذه الحركات، ومدى شرعيتها. فإذا كانت السلطة ضرورة اجتماعية فلماذا توظف الشعارات الدينية من أجل مطالب سياسية؟

إن البنية الأساسية لهذا التيار بنية ثورية، متحررة من قيود الشريعة رغم شعاراتها الدينية. بنية تقوم على مقولات براغماتية، أعادت بها تشكيل وعي ديني استنزف عقل المسلم، من أجل الوصول للسلطة. فهو فهم سياسي للدين يرتكز للعنف والإقصاء وعدم الاعتراف بشرعية الآخر. وبالتالي فهو وعي تاريخي، لا يمكن اعتماده لبناء مجتمع مدني حضاري، يقوم على التسامح والتداول السلمي للسلطة، وتقديم الكفاءة على الولاء. وحق الفرد في التنافس على السلطة بغض النظر عن خصوصياته الثقافية والدينية.

 

التنظير والمعارضة

وأما الاتجاه الثاني، الفكري – الفقهي أو الاتجاه "التنظيري"، فقد مارس المعارضة بأساليب سلمية محكمة، يصدق أنها معارضة سياسية صامتة تستبطن السلطة. وقد مرّ الحديث عن أبعاد هذا الاتجاه، وثمة جوانب أكثر خطورة ينبغي التوقف عندها، للتعرف على بنيته، ومساحة اللامفكر فيه واللامعقول. ومدى ارتكازه للعقل والشرع حقيقة. وفضح بشريته، ومكره وأهدافه ورؤيته للذات والآخر. فهذا التيار أحق بالنقد لقوة حضوره، وتأثيره في العقل المسلم منذ نشأته، وأكثر استهلاكا وتوليدا للروايات. وهو لا يختص بمذهب أو فِرقة، بل كان عصر التنظير ونشوء المذاهب والاتجاهات الكلامية والفٍرق الإسلامية بامتياز. وعصر تكريس النص لمصالح سياسية ومذهبية، فكانت الأحاديث تتدفق لنصرة هذا الطرف وذاك، خاصة بعد امتداد عصر النص لدى الشيعة، واستمراره حتى نهاية الغيبة الصغرى، وبداية الغيبة الكبرى للإمام الثاني عشر المهدي وفقا للعقيدة الشيعية (329 هـ). فالمعارضة والسلطة كلاهما أسس شرعيته على نبذ الآخر، وتسقيطه والانتقام منه. أي أن منطق الثأر كان محركا أساسا في البناء النظري، الفكري والعقائدي والفقهي، وهو واضح في كتب التراث. وقد مر أن المذاهب والفرق الإسلامية ليس لها وجود حقيقي خارج منطق التنافي، فلا معنى للتسامح الحقيقي بينها. لأن الاعتراف بالآخر يساوي نفي الذات، ومصادرة شرعيتها. فليست هناك سلطة ومعارضة بالمعنى الحقيقي، بل تربّص مستمر بالآخر لتسقيطه وإنهائه.

إن ثنائية السلطة والمعارضة، كانت تتحكم بالخطاب السياسي في حقبة الدولتين الأموية والعباسية رغم تنافرهما، فلا يمكن دراسة أحدهما بمعزل عن الآخر، سواء كانت المعارضة مسلحة أو سلمية. فكان الصراع حول شرعيتهما على أشده، وإذا تشبثت السلطة بالقوة، فالمعارضة تحصنت بنصوصها، وسلبت السلطة شرعيتها. فالعلاقة بينهما علاقة ثأرية، عدوانية، انتقامية، وليس اعترافا وتكاملا كما هو الحال في الأنظمة الحديثة. بل المعارضة وفقا للفقه السلطاني كافرة، مرتدة، خارجة على سلطة أولي الأمر، يجب قتلها، لذا لا يصلح هذا النموذج التاريخي مثالا للحكم والسلطة راهنا، وينبغي القطيعة معه، والتخلص من روح الثأر والانتقام والاقصاء، وأوهام السلطة الإلهية. فهي سلطة بشرية جاءت بالسيف والعنف وتزييف الوعي، واستبدت بالحكم، واستأثرت بخيارات المسلمين، واضطهدت المسلمين قبل غيرهم.

تمثلت المعارضة آنذاك بالعلويين والخوارج وبعض الأقطاب والرموز، وجهات أخرى. لكن تبقى للمعارضة الشيعية ميزتها، وخصائصها التي استطاعت فرض نفسها على الواقع والتاريخ، وبناء منظومة عقيدية وفكرية متكاملة، شاملة لجميع المسائل، وتكاملت شعاراتها بعد رسم أهدافها. فعندما اعتزلت الرموز الشيعية الكبرى السياسة ظاهرا، ورفضت الانخراط بأية حركة ثورية، ولو على مستوى التأييد الرسمي، فلم يكن هذا نهاية المطاف بالنسبة لها، بل واصلت طريقها، وقامت بعمل جبار على مستويات:

الأول: تشييد معالم المذهب الشيعي، فكريا وعقيديا وفقهيا. أي بناء الذات وتحصينها، وهذا بحد ذاته تحدٍ للسلطة. وبالفعل اكتسب التشيع بمرور السنين مصداقية عالية، وقدرة هائلة على رسوخه، ومقاومته للتحديات. فالتطور الفقهي مثلا بقي حليف المذهب الشيعي، من خلال ممارسة الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية لمواكبة ما استجد من قضايا دينية. كما كان التماسك وما يزال فريدا من خلال مرجعيته الدينية، أولاً من خلال ارتباطهم بالإمام المعصوم، ومن ثم المرجع الأعلى للطائفة الشيعية، التي يرى فيها الفرد قيادة دينية شرعية، يمنحها كامل ولائه. ولعل في فتاوى التعبئة الجماهيرية على مدى التاريخ ما يكفي شاهدا على هذا الكلام.

الثاني: استعاد (أئمة أهل البيت) ثقتهم بأنفسهم سياسيا، رغم جراح كربلاء التي كادت تطفئ نسب آل محمد. وعملوا بصمت، من خلال الأجواء العلمية والجدل الكلامي الذي طغى في تلك الفترة بالذات فانشغلوا أولاً، كغيرهم من أتباع المذاهب والفِرق الكلامية، بمقولات تمس شرعية السلطة، ومفاهيم عقائدية يراد لها خدمة الاستبداد الديني، فحققوا حضورا كبيرا، خاصة في زمن الإمام جعفر الصادق. وبلوروا منظومة مفاهيم في ظل الجدل الكلامي المحتدم. وتجاوزوها لتحقيق ما يريدون، فكانت نظريتهم في الإمامة الدينية نقطة تحول أعادوا بها قراءة العقيدة، وقدموا فهما مغايرا للسلطة، أعادوا به تشكيل وعي أتباعهم، حولها وحول مجموعة مفاهيم ترتبط بالإمامة والإمام.

لقد خسر الشيعة الإمامة السياسة في جميع جولاتهم، بدءا من الصراع على السلطة بعد وفاة النبي، وانتهاء بمقتل الحسين، مرورا بحروب الإمام علي الثلاثة، وخذلان الإمام الحسن من قبل أصحابه، واضطراره للصلح مع معاوية. فالخسائر السياسية كانت فادحة، قتلت الأمل بعودة السلطة، وأطاحت بآمال الشيعة في وجود دولة ترعاهم، وتعيد لهم كرامتهم، وتحقق أهدافهم في وجود دولة الإمام. غير أن مفهوم الإمامة الدينية استعاد ثقتهم بأنفسهم، وتفادى حجم الخسائر النفسية، بسبب الإمامة السياسية، وتبعات السلطة والحكم. فانتقم الأئمة بهذا التطور المفهومي من الأمويين، حينما وضعوهم في موقف الضعف والدفاع عن شرعية سلطتهم. حيث أفرغوا الإمامة السياسية من شرعيتها ما لم تكن امتدادا للإمامة الدينية، التي هي أمر إلهي!!. فأصبح للإمامة مفهوم ديني، يستمد شرعيته من النص الديني. وما الإمامة السياسية سوى وظيفة من وظائف الإمامة الدينية، لا يؤثر سقوطها وخسرانها في استمرار الإمامة الدينية بكامل شرعيتها!!. فعمل الشيعة على بناء منظومة معرفية كاملة تم بموجبها بناء نظرية في الإمامتين الدينية والسياسية. فاشترطوا أن تكون نصا، ولهم براهينهم. واشترطوا أن يكون الإمام منصوصا عليه، ولهم أدلتهم، فأبقوا الطرف الآخر في حرج عقيدي، جعله يتمادى في ملاحقة الشيعة، وفرض رقابة صارمة على تحركاتهم. فتطور مفهوم الإمامة نقل الصراع من صراع حول السلطة إلى صراع حول شرعيتها. وقد تمسكوا بشرعية الإمامة مقابل الخلافة بعد أن نظّروا  للإمامة الدينية. فالإمامة الدينية باتت أساس شرعية الإمامة السياسية، لا تتأثر كثيرا بسقوط الثانية، بل يبقى دور الإمام فاعلا دينيا. وهو عمل جبار قد لا يكون مخططا له، لكن هذا ما حصل فعلا. فكانت الخطوة الأولى استعادة أول صراع على السلطة بين صحابة الرسول، لتثبت غصبية السلطة وفقا لمفهوم الإمامة الدينية المتمثلة بالإمام علي حصرا. فلا يمكن لإرادة الصحابة، شرعنة خلافة الأول، بل كانت غصبا للإمامة بمفهومها الديني - السياسي. وهذه المرة بفلسفة جديدة. سابقا كانت نظرية المؤامرة حاضرة لتفسير ما حدث بعد الرسول، أما وفقا لنظرية الإمام الدينية فإن السلطة السياسية متفرعة عليها. فلا أساس شرعا لخلافة الخلفاء الثلاثة. لا أنها مشروعة وتم تقديم المفضول على الأفضل كما يذهب لذلك المعتزلة. فلسفة الإمامة اختلفت جذريا وفلسفيا، والسلطة السياسية لم تعد مباحة كي تخضع للقوانين الديمقراطية، ولو بصيغتها البدائية / الشورى. الإمامة الدينية وفقا للفهم الشيعي نظرية ثيوقراطية، لا يحق لأحد بموجبها التصدي للسلطة السياسية، بل هي سلطة إلهية، خص بها النبي، ومن بعده للأئمة من ولد علي وفاطمة. وبالتالي فقد نسفت الإمامة الدينية شرعية الخلافة، ولازمها إدانة الخلفاء ممن سبقوا علياً، ومن جاء بعده. فبقيت الخلافة الإسلامية وفقا لنظرية الإمامة الدينية بلا غطاء شرعي، لذا تعامل معها الفقه الشيعي بأحكام الغصب، والخروج على سلطة الولي الشرعية، واعتبروا جميع تصرفات السلطة غير شرعية، فلا يجوز العمل معها، لأنها سلطة غاصبة. واستمر الفقه الشيعي في رؤيته للسلطة الوضعية. فالشيخ محمد حسين النائيني (1860 -1930م)، منظّر الحركة الدستورية، يكتب في بداية كتابه: تنبيه الأمة وتنزيه الملة: "رغم أن السلطة مغتصبة ..". فالسلطة هي سلطة الإمام المعصوم أو من ينوب عنه نيابة خاصة أوعامة. والقيد الأخير اجتهادي.

وبما أن الصراع تاريخيا كان صراعا سياسيا على السلطة، لذا خضع لمنطقها. وحينما استعادوا الصراع التاريخي بحثا عن شرعيته، لجأوا لمراكمة شواهد ترجيحية، لعدم وجود مرجعية شرعية، آية أو رواية، تحسم النزاع حولها. فنشب صراع حول تأويل جملة من الآيات. ثم استدعوا روايات الفضائل ومواقف وتصريحات النبي من الصحابة عامة، ومن علي بن أبي طالب حصرا، ثم بدأت مرحلة التنظير الكلامي، فتوفر الشيعة على ترسانة أدلة، تتحدى شرعية السلطة منذ يومها الأول. وبشكل طبيعي يكون رد الفعل مماثلا، على جميع المستويات، فكانت الروايات تتدفق لدعم هذا الطرف أو ذاك. ويبقى أقوى إجراء شيعي عندما أسندوا للإمام مهمة التشريع أسوة بكتاب الله وأحاديث نبيه، وجعلوا له ولاية تشريعية أسوة بكتاب الله ونبيه، وأصبحت الآراء الفقهية للأئمة وأقوالهم وأحاديثهم نصوصا شرعية مقدسة، مثلها مثل روايات النبي، في بيان الأحكام بل وتخصيص وتقييد القرآن!!. فأخذت الإمامة شكلا جديدا من خلال الولاية التشريعة، المختصة بالله تعالى ولا يوجد دليل على جعلها لغيره. ولم تعد الإمامة مجرد منصب سياسي، تنتهي شرعيته بموت الإمام أو عزله، بل أصبحت الإمامة منصبا إلهياً، وأحد مقامات الرسالة على جميع المستويات. وأصبحت السلطة السياسية من مختصات الإمام بعد اختصاصها بالنبي. وصار الإمام مصدرا تشريعيا، أسوة بالرسول وسلطته  الدينية. والأهم أن الإمامة الدينية نص إلهي، والإمام منصوص عليه باسمه وصفاته.

وبهذا تمكن الشيعة من بناء نظرية في شرعية السلطة، ترتكز للنص والعقل. فالنص هو مدار مختلف المنهاج والقراءات النقدية للتعرف على بنيته وآليته في تشييد حقيقته، خاصة مع الشك في صحة صدور تلك الروايات، فترتفع إحتمالات مراوغات النص. فلم يبق سوى نقد النص لمقاربة الحقيقة، بعد أن بات النقد الرجالي غير مجدٍ رغم قدمه. والعبرة في النص حضوره وقوة تأثيره. فالنقد يتوغل في أعماقه واكتشاف حقيقته للحد من فاعليته وتوهجه. العقيدة اليوم قائمة على النص، وما لم نمارس النقد على نصوصها كمرجعيات نهائية لا يمكن الحد من تأثيرها وتمددها، رغم أنها وجهات نظر تاريخية. إن خطر العقيدة لا بحضورها بل بمرجعياتها الميثيولوجية، التي ترتكز للامعقول، وترفض العقل والعقلانية. فتعيش أوهام الحقيقة، والنجاة المطلق يوم المعاد.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الحلقة الخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق5- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص وخطاب المعارضة

ماجد الغرباوي: ما إن انتهت مرحلة نزول الوحي بوفاة النبي، بدأت مرحلة تأويل النص المقدس، وتزوير الوعي الديني، بدوافع شتى، أخطرها السياسة حينما تفرض نفسها على التأويل، فيغدو نصا جديدا، وتفسيرا رسميا يصادر النص الأول، ويعيد تشكيل الوعي. وتارة تدفع ضروراتها باتجاه وضع الأحاديث، ونسبتها للرسول الكريم. وثمة نصوص لا يمكن الجزم بصحة صدورها لعبت دورا خطيرا في عالم السياسة، سواء في عهد الخلفاء، أو في عصر الدولة الأموية. وكما أن ثنائية السلطة والمعارضة كانت وراء التمادي في تأويل الآيات وتزوير الوعي ووضع الروايات، فأيضا كانت السياسة سببا أساسا في نشوء المذاهب والفِرق، وتأسيس مرجعيات فكرية وعقيدية جديدة. فعندما دشن الخلفاء بنزاعهم على السلطة مرحلة الإسلام السياسي، وتسيس الدين. أبقوا على قدسية النص، لشرعنة التأويل، فهو طاقة، يستمد قوته من مرونة النص المقدس وثرائه ورمزيته، ويبقى القارئ ومهارته في توظيفه. فلا غرابة أن يكون التأويل أول مصدر لمراكمة شواهد على شرعية أحد طرفي النزاع على مشيخة المسلمين وخلافة الرسول في بعض القضايا الإجرائية التي تتطلبها ضرورات المجتمع الجديد. فالسلطة عانت في شرعيتها رغم البيعة، وعدم قدرة الطرفين على حسمها وترجيح أحدهما على الآخر، لعدم وجود نصوص حاسمة في قراراتها وشرعيتها، فلم يجد أنصارهما عند استدعاء وقائع الخلافة في نهاية القرن الأول، سوى الشواهد لترجيح شرعية أحدهما. فالدافع للتأويل كان سياسيا بامتياز، وهذا لا ينفي وجود أهداف أخرى. غير أن استشهاد الحسين بن علي عام 60 هـ، كان إنعطافة حقيقية، دخلت معها السياسة مرحلة جديدة، وأصبحت المعارضة ظاهرة، فرضت نفسها على الساحة السياسية، بعد أن كانت متوارية، بلا ملامح، ينقصها الرؤية الحقيقية، واستراتيجية التحرك السياسي المدروس. ثم أخذت تطور أدائها. فدشنت عملها بانتفاضات عسكرية، رفعت شعار: "يا لثارات الحسين". فالمعارضة في زمن الخليفتين الأول والثاني، وشطرا من حياة الثالث كانت مجرد ملاحظات، وتباين في المواقف السياسية دون التشكيك بشرعية السلطة، خاصة مع سطوة عمر بن الخطاب، وشدته وقمعه. غير أن ظاهرة الفساد التي نخرت جسد الخلافة أجج مشاعر السخط، فانفجرت ثورة شعبية أطاحت بعثمان. وأما في عهد الإمام علي فقد تسبب الخروج على شرعية الخلافة، وشخص الخليفة في سقوط عدد كبير من المسلمين، فكان أول صراع دموي على السلطة.

ويسجل على هذه الحقبة بالذات غياب التسويات السلمية، حيث ركن الجميع للعنف والقتال، الذي كشف عن أصالة الروح القبلية رغم إسلام الجميع. فثمة شعور فوقي لدى قريش طفح في لحظة التفاضل القبلي. فعلي مهما كانت مبدئيته وتقواه وسابقته في الإسلام وقربه من رسول الله، وشرعيته عبر بيعة عامة لم يحظ بها أي من الخلفاء السابقين، لكنه وفقا للمنطق القبلي، لا يرقى للسلطة رغم قريشيته، وهناك من يقدم نفسه، ويرى أفضليته دونه. بل ويعتبر السلطة استحقاقا طبيعا وفقا لمنطق الكبرياء القبلي. وبالتالي لم تكن ثمة معارضة حقيقية في زمن علي بن أبي طالب بل صراع دموي مفاجئ على السلطة. حيث أن طلحة والزبير والخوارج قد بايعوا الخليفة ثم انقلبوا عليه. ومعاوية، كان ممثلا للخلافة، وانشق على شرعيتها. وقد تسبب الصراع في استلاب الوعي، والتباس المفاهيم، فجميع الأطراف المحاربة كانوا من صحابة الرسول أو من تابعيهم.

ويبقى السؤال يؤرق الباحث عن سبب الركون للقتال، فليست ثمة ملازمة بين وحدة الدين ووحدة السلطة السياسية. ولماذا يجب أن تكون الدولة الدينية واحدة، وليست متعددة خاصة مع تباعد الولايات وانعدام المواصلات آنذاك، واختلاف الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم وضروراتهم؟؟. فهل هو التشكيك في مصداقية الحاكم كما بالنسبة لمعاوية؟ أم سببه خيانة البيعة كما بالنسبة لطلحة والزبير وعائشة؟ أم هو منطق السلطة تاريخيا. فالدماء التي سفكت في المعارك الثلاثة غزيرة، وتداعياتها كانت خطيرة. ويبقى كل شيء مواربا وليس ثمة ما يُطفئ الشك والاستفهام.

اتجاهات المعارضة

إذاً فالنقلة الحقيقية للمعارضة في تاريخ المسلمين، تمثلت بموقف الإمام الحسين من بيعة يزيد، حيث رفض البيعة لعدم توفر الشروط اللازمة به، كما صرّح بذلك علانية (...ويزيد فاسق، فاجر شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق والفجور، مثلي لا يبايع مثله). فحينما وقعت معركة كربلاء لم تكن للخليفة بيعة في عنقه، فلا يصدق أنه شق عصا الطاعة، لأنه لم يكن جزءا من السلطة أساسا كمعاوية، ولم يتحرك صوب الكوفة لولا رسائل بيعة أهلها، ومبايعتهم لسفيره مسلم بن عقيل. فالحسين بثورته أرسى معالم شرعية السلطة، وضوابط الخليفة الشرعي. فيصح أن الحسين بن علي كان أول زعيم سياسي مسلم معارض، وأول من أرسى شرعية المعارضة رغم إسلامية السلطة. غير أن استشهاده، ترك تداعيات خطيرة بقدر ما دفع باتجاه الثورة والعمل المسلح ضد الدولتين الأموية والعباسية، وما زال الثوار يستمدون من الحسين معنويات التضحية والفداء.

ويمكن هنا رصد ثلاثة اتجاهات للمعارضة بعد مقتل الحسين، لكل اتجاه معالمه وخصائصه، وطريقته في فهم الحدث وشخصية الإمام الحسين، وربطه بالإسلام، والعقيدة الشيعية خصوصاً، للوقوف على أسباب الوضع، في مجال العقيدة والفكر، والأهم كيف مارس خطاب المعارضة سلطته في ترشيد أو تزوير الوعي، وما هو دور الخطاب في نجاح أو إنكسار المعارضة:

الاتجاه الثوري

هذا الاتجاه لم يعرف الانكسار والإنكفاء والتراجع، بعد مقتل الإمام الحسين. وتعامل مع السلطة بمنطق سياسي براغماتي، يحتمل جميع الممكنات. وثمة لعبة يجب على المعارضة إجادتها، واتخاذ الموقف الصحيح تجاهها. والعمل المسلح جزء منها. خاصة أن المنطق السائد آنذاك هو القوة والعمل المسلح، غير أن خطاب المعارضة ارتكز لديهم إلى قاعدة فكرية وعقيدية، ورؤية سياسية واضحة. وقد استمد قوته من رمز مقدس عظيم، لا تنفد طاقته. فالحسين ابن بنت الرسول، وقتل شهيدا من أجل إصلاح السلطة والمجتمع، وهي قضية متجددة، لا تحدها حدود، وفي كل زمان يوجد ما يبرر تقويم الأمت والعوج، وثمة مبرر مرن يدفع باتجاه الثورة باستمرار. فاكتملت لديهم شروط المعارضة السياسية الناجحة، والقادرة على مواصلة طريق الكفاح، ومواجهة التحديات، رغم استثناء من رفع شعار الثأر والعنف من أجل العنف. فكانت تداعياته صادمة.

وعناصر المعارضة الناجحة هي:

- وجود قضية وهدف يسعىى لتحقيقه المعارضون، وهو هنا مواصلة درب الحسين الذي ثار من أجل الإصلاح، السياسي والاجتماعي. (إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً انما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي). فيكون هدف المعارضة وخطابها هو تحرير السلطة من استبداد الفاسدين ولو عنوة، أسوة برمزهم التاريخي. وقد تتسع أهداف هذا الاتجاه فتتراوح بين المطالب السياسية العامة، وخصوص استرداد حقوق أهل البيت. وعلى جميع الاحتمالات تكون السلطة وسيلة لتحقيق الهدف، والعمل المسلح أداة لاستلامها. فخطاب هذا الاتجاه خطاب سياسي بامتياز، مارس كافة تقنياته التي قد تضطره لتزوير الوعي، أو استدعاء نصوص وروايات لا دليل له على صحة صدورها، لكنها متطلبات الخطاب وضروراته. والحقيقة أن هذا الاتجاه يمتلك مقومات شرعيته ذاتية، وليس بحاجة إلى مزيد من النصوص والتأويلات. ومصدر شرعيته الحسين وشعاراته وسلوكه الثوري.

- قاعدة فكرية وأخلاقية تتحرك في ضوئها المعارضة، لتكون على بينة من أمرها، لايسودها غبش التخبط المعرفي. ولو بحدود قضيتهم. والقاعدة الفكرية هي ذات القاعدة التي ارتكز لها الحسين، من وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو وجوب حماية أهداف الرسالة السماوية، وفضح العابثين بمقدرات المسلمين. فالسلطة مقدمة لأداء واجب شرعي. فالمعارضة من هذه الناحية على ثقة تامة بمرجعياتها الفكرية العقيدية.

- رمز تاريخي، مُلهِم، في تقواه وورعه وعلمه ووعيه. والأهم في شجاعته وتضحيته، فهو الفرد الذي وقف بوجه جيش يزيد، فانتصر عليه معنويا، ويمكن للخط الثوري استثمار هذا النصر في مواصلة العمل المسلح، للوصول إلى السلطة ومن ثم تحقيق أهداف الحسين.

- قاعدة شعبية، ضمت جميع المحرومين والمضطهدين، من الشيعة بشكل عام، وليس خصوص الشيعة الإمامية. فالحسين كان وما يزال مركز استقطاب يعبّئ الناس تلقائيا، لاقتفاء أثره في التضحية والفداء. بل أنه صار بحد ذاته قضية، تستحق التضحيات.

فخطاب هذا الاتجاه كان ثوريا بامتياز، يرفض الخنوع والتكاسل، ولا يرى أي مبرر للقعود عن الثورة حينما يتوفر شرطها. فليس غريبا أن يتمردوا على بعض الرموز الدينية الكبيرة التي رفضت الحراك المسلح، كتمرد جملة من أصحاب الإمام الصادق ضده والتحقوا بزيد بن علي الثائر الهاشمي. حيث كانت الظروف مؤاتية للثورة لكن جعفر بن محمد الصادق، سادس أئمة أهل البيت رفض القيام بثورة متذرعا بأسباب تخصه.

فالحراك المسلح أكتملت شروطه ومارس دوره بثقة عالية، ولم يضطر لمزيد من التأويل أو وضع الأحاديث (وهذا هو المهم بالنسبة لنا). ولم يحتج لمرجعية فكرية معقدة، فالإمامة الشرعية تقتصر على من يقوم بالسيف لاسترداد حقوقه المهضومة. فطريقهم كان واضحا. وخطابهم كان خطابا ثوريا - سياسيا، ارتبط برموز أهل البيت دينياً. لكن ما تقدم من كلام عن شروط المعارضة السياسية الناجحة، لا يشمل كل من تحرك من الانتفاضات والثورات الشيعية. ويبقى كثير منها مداناً مهما بالغ في شعاراته وثورية خطابه.

ومهما كانت مواصفات هذا الاتجاه لكنه ليس مثاليا كما ينبغي، وليس بريئا في سفك الدماء، ولا صادقا دائما في شعاراته وموالاته لأهل البيت، حتى وإن كان مخلصا في بداياته، بل كان هذا الاتجاه يتستر على هدفه السياسي، بشعارات الثأر والرضا لآل محمد، بعد فاصلة طويلة عن واقعة كربلاء. ولم يختلف عن غيره في استغلال السلطة واحتكارها. وقد ساعدهم على هذا أن شرعية السلطة لدى شطر من الشيعة وعلمائهم تتوقف على صدقية موالاة الدولة لأهل البيت حينما تتبنى شعاراتهم ولو شكليا، وتسمح لهم بممارسة طقوسهم وشعائرهم. فالقضية بالنسبة لهم رمزية، وهذا يكفي بغض النظر عن جرائم السلطة، كما بالنسبة لموقف علماء الشيعة من الدولة البويهية والدولة الصفوية التي كانت في حرب مع الدولة العثمانية، وكانت بحاجة ماسة لغطاء شعبي وديني ومذهبي يقاوم الخطاب السياسي – الديني للأتراك. فاضطر السلاطين الصفويون لتبني المذهب الإمامي وفسح المجال للغلو الشيعي، من أجل شرعنة الحرب وتعبئتهم ضد الدولة العثمانية ومشيخة الإسلام، وفق معادلة: (نصرة الدولة الصفوية = نصرة للمذهب الشيعي). في مقابل: (نصرة الدولة العثمانية = نصرة لمشيخة الإسلام والمذهب السني). فكلتا الدولتين كانت تمنح الشرعية لفقهاء الإسلام من كلا المذهبين، وجميع الفقهاء كانوا يشرعنون ممارسات السلطان وطغيانه واستبداده وفساده.

وأخيرا، يسجل ضد الخط الثوري، تماديه بالثأر، عندما رفع شعار "يا لثارات الحسين"، حتى سفكت دماء غزيرة، بعضها ظلم وعدوان، وهذا يؤكد الطموح السلطوي لدى الثوار، مهما كانت مواربات الخطاب السياسي، وأن الهدف الأساس في حراكهم المسلح هو السلطة، فالعباسيون عندما رفعوا شعار: "الرضا لآل محمد" اضطهدوا أئمة أهل البيت وشيعتهم بعد تسلّم السلطة.

الاتجاه الفكري – الفقهي

هذا الاتجاه قاده أئمة أهل البيت وأصحابهم من الفقهاء والعلماء والمتكلمين. ابتداء من الإمام علي بن الحسين، حيث ظهرت معالم المدرسة الفقهية الشيعية، التي تجلت بكامل معالمها وألقها وإبداعها في زمن الإمام جعفر بن محمد الصادق. وهذا الاتجاه اعتزل السياسة والعمل المسلح، وركن للعلم، لترسيخ وجوده، فيصدق أنه معارضة سلمية، صامتة، خطّت لها طريقا مختلفا. ساعد على ظهور فهم آخر للأحداث التاريخية. فترك مسافة بينه وبين الاتجاه الأول ولم يتبنَ أي خطاب ثوري علناً، لكنه يشارك الاتجاه الثالث في بعض مجالات العقيدة. فتولى، إضافة لجهوده الفقهية والفكرية، بناء منظومةعقيدة محكمة، تمت هندستها بشكل دقيق ومفصّل. يمكن تلخيص معالمها، بما يلي:

- ظهور مفهوم الإمامة الدينية، كنوع من التعويض بعد نكبات الشيعة واضطهادهم وإقصائهم. فهي في بعض أبعادها محاولة للتستر على الهزائم العسكرية المتلاحقة للإمامة السياسية، وعدم قدرة اتباع أهل البيت إثبات النص على خصوص خلافة الإمام علي بنص صريح يصلح أن يكون مرجعية لحسم النزاع بين الأطراف المتنازعة على السلطة تاريخيا. فالإمامة وفقا للرؤية الجديدة ما زالت تمارس دورها الديني رغم فداحة خسائرها السياسية. وهي إمامة تم التنظير لها كلاميا عبر تأويلات قرآنية، إضافة لروايات بدأت تتدفق بعد وفاة كل إمام تتحدث عن الإمامة ومقامها وضرورتها. وهو تدفق متهم لا يمكن الاستدلال على براءته، فالعقيدة محددة قرآنيا، وأية أضافة تفتقرلدليل صريح يدل عليها، فلا قيمة لها، خارج دائرة أتباعها ومعتقديها. فخطاب هذا الاتجاه خطاب فكري – عقيدي، ارتكز لمقولات كلامية، ونجح في تأسيس مفاهيم جديدة، منها الإمامة الدينية. التي أحيت مفهوم الإمامة ومنحت من تبقى من الأئمة شرعية كاملة. فتأييد الإمام أو سكوته عن الاستدلال الكلامي حول الإمامة الدينية، يكرس مصالحه الدينية والسياسية. حيث تطور هذا المفهوم ومارس أدوارا مختلفة. رغم حاجته الماسة في بعض أبعاده لأدلة قرآنية صريحة، وهي مفقودة بالضرورة. علماً أن مفهوم الإمامة تاريخيا مفهوم سياسي، وكان أصحاب الأئمة قبل التنظير لعصمتهم، يتعاملون معهم كزعماء سياسيين، أو كبار آل محمد، أو فقهاء التشيع، فصراع الصحابة كان صراعا سياسيا، وطُرحت الإمامة في مقابل الخلافة طرحا سياسيا. وأما الإمامة الدينية فجأت لتدارك الفشل السياسي.

- تم صياغة فهمٍ معنوي للنصر، بعيدا عن مقاسات الربح والخسائرالمادية. فالنصر الحقيقي هو أداء الإمام لدوره المرسوم من قبل السماء. ولكل إمام دوره، وما يحسب خسارة عسكرية هو ليس كذلك في نظرها. وهذا الفهم ساهم في شد صفوف الشيعة، ولملم جراحهم، وتدارك انكسارهم النفسي والمعنوي.

- تم التنظير لمفهوم العصمة، حيث نظّر لها عالم الكلام المعروف هشام بن الحكم بحدود سنة 150 هـ، في أواخر حياة الإمام الصادق، ليتدارك بها انهيار قواعده، بعد تمرد الخط الثوري والتحاقه بزيد بن علي وثورته. فمنحت العصمة الأئمة حصانة ذاتية، ثم تطور المفهوم، وصارت العصمة مفهوما مختلفة، على صعيد الموقفين السياسي والديني. فالإمام بموجب عصمته يبقى إماما ثار أم لم يثر. خلافا للفهم الزيدي لمفهوم الإمام الذي ارتبط عندهم بالقيام بالسيف. وبالتالي فعدم استجابة الصادق لأصحابه، وعدم نهوضه عسكريا رغم توفر الشروط اللازمة للثورة، يعتبر موقفا شرعيا صحيحا، فهو معصوم لا يصدر عنه الخطأ.

- نجح هذا الاتجاه باعتبار الأئمة امتدادا للنبوة، بموجب مقولات كلامية، لا دليل عليها من الكتاب والسنة. حيث عالجت العصمة مشكلة الروايات الشيعية التي تعاني انقطاع السند بين الإمام والرسول الكريم. وأصبح الإمام كالنبي له حق التشريع، وأكتفى الشيعة بصدور الرواية عن الإمام لأثبات صحتها، وهنا لعب الوضّاعون دورا تاريخياً، من خلال حجم الروايات الكاذبة والموضوعة التي أسندت زورا وبهتانا للأئمة. ولا أعني الإطلاق أبدا، فربما صدر عنهم بعضها. لكن سلوكهم العام ينفي ذلك.

- نجح مفهوم العصمة في تطويع مفهوم المقدس ليشمل بإطلاقه الإمام، فخرج من دائرة النقد إلى دائرة التعالي والقداسة. بينما كان أصحاب الأئمة، قبل التنظير لعصمتهم سنة 150 هـ، يتعاملون معهم كبشر وفقهاء وزعماء دينيين، يصدر عنهم الخطأ والاشتباه والنسيان. ورغم تفاخر الشيعة بعصمة الأئمة إلا أنها لعبت دورا سلبيا. وكان بإمكان الأئمة أن يلعبوا دورا تاريخيا مستقبلياً بعيدا عن القداسة والعصمة، فخسر الإسلام نماذج دينية راقية، يمكن أن تؤسس لفهم آخر للدين، وأسلوبه في تجديد خطاباته. لكن أبت العصمة إلا أن تسلبهم هذا الدور العظيم.

- عوّل هذا الاتجاه على الإمام المهدي المنتظر في قيام دولة العدل الإلهي، كوعد قرآني – نبوي، عليه يتوقف الهدف من الخلق والحياة، وفقا للرؤية الشيعية المتعارفة. فباقي الأئمة لهم أدوارمختلفة، ويبقى التعويل في إقامة دولة العدل الإلهي على المهدي المنتظر. وهو خطاب متقن، علق عليه الشيعة آمالا واسعة وما يزالون. ووضع الأئمة خارج دائرة المساءلة والنقد، فلكل إمام دور رباني محدد. وهذا خطاب بارع من حق الأئمة التشبث به للتخلص من مسؤولية التحرك السياسي والعسكري.

فالاتجاه الثاني أسس لجهاز مفاهيمي جديد، أعاد تشكيل وعي الفرد الشيعي، وطريقة تفكيره. وكرّس إنغلاق العقل، بدلا من انفتاحه على الحياة وضروراتها، عندما وفّر رؤية جاهزة لمستقبل متغير لها ضروراته، مما تسبب في انتكاستهم حضاريا، أسوة بغيرهم من المسلمين، الذين جعلوا من السنة وما ينسب للنبي مصدرا وحيدا للمعرفة. فالعقل الذي كان يتحرك داخل هذا الاتجاه عقل مرتبك، خائف يبحث عن أية حلول لتدارك انكساراته السياسية، وردود فعلها التي انعكست على أتباع مدرسة أهل البيت الذين وضعوا آمالهم في غد مشرق بقيادة الأئمة. فأصابهم اليأس والقنوط في الحصول على واقع سياسي يعيد لهم كرامتهم وحيثيتهم، ويخرجهم من دائرة الاقصاء والتهميش. فكان للمفاهيم الجديدة دور إيجابي في تماسكهم. فخطاب هذا الاتجاه أيضا خطاب سياسي في بعض أبعاده لكن بمرجعيات فكرية وعقيدية جديد. بل وصدق أنه خطاب ديني مبطّن سياسياً. فالروايات الشيعية عندما اهتمت بقضية الحسين بعد مقتله، فهذا الاهتمام خطاب معارضة، وتحريض غير مباشر ضد السلطة. وأيضا عندما يحرّم الفقه الشيعي عطايا وهدايا السلطان، فإنه ينشء قطيعة معه، وهو أسلوب آخر في المعارضة السياسية – الفقهية. ومثلها حرمة قبول منصب القضاء وولاية الأقاليم وأي منصب رفيع. وهناك استثناءات تفرضها الضرورات.

المهم بالنسبة للبحث أن المفاهيم الجديدة شجعت على وضع الأحاديث ونسبتها للرسول الكريم بعد أن عجز تأويل الآيات القرآنية عن الاستجابة لضروراتهم العقيدية. وليس في ذلك إدانه للأئمة بل لبعض أصحابهم ومريديهم.

إن الاتجاه الأول ارتكز للثورة ولم يحتج لروايات تشرعن تحركاته بعد أن استمد شرعيته من حركة الحسين، فبنى قاعدته الفكرية بعيدا عن الروايات الموضوعة نسبيا، فحينما يتهم هذا الخطاب بالوضع فثمة مبرر للتأني وعدم التسرّع بالحكم، لعدم وجود ما يكفي من ضرورات لوضع الحديث. عكس الاتجاه الثاني، خاصة وهو ينظّر لمفاهيم جديدة، طارئة على الفكر والعقيدة الإسلامية. فهناك حاجة ماسة للوضع، لا بالنسبة للأئمة، باعتبارهم مصدرا للرواية والتشريع، ولكن لأصحابهم.

جدير بالذكر أن هذا الاتجاه يمثل خط الاعتدال رغم مسؤوليته عن تأسيس مفاهيم عقيدية جديدة تفتقر للدليل القرآني الصريح، باعتبارها قضايا خارقة، لا يمكن الوثوق بها ما لم يدل الدليل القرآني عليها خاصة. ويمثل هذا الخط أصحاب أئمة أهل البيت من الفقهاء والعلماء، ابتداء من أبان بن تغلب إلى يونس بن عبد الرحمن مرورا بزرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم، وعبد الله بن يعفور وغيرهم.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق4-س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص وخطاب النفي

ماجد الغرباوي: تقدم أن الخطاب يتنوع في مراميه، وتقنياته وأساليبه وبنيته وأهدافه ورسالته. وثمة فرق بين الخطاب العلمي والفكري والثقافي والديني والآيديولوجي والعاطفي. وتباين في تأثيره، حسب شروطه وضروراته. لكن مأسسة الخطاب، مطلق الخطاب، تمنحه قدرة أكبر على التأثير، عبر استقلاليته، وسلطته، ومحدداته وقوانينه. ويحقق أوج نجاحه عندما تتبناه مؤسسات إعلامية وتربوية ودينية، حكومية وغير حكومية، تسعى لانتشاره، والدفاع عنه. كالخطابات السياسية والثورية والدينية والتجارية والاستعمارية والطقوسية، خاصة بعد ثورة التقنيات الحديثة، وتطور مختلف وسائل الإعلام، المرئي والمسموع والمكتوب، وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي. كما طوّر الإعلام أداءه بتوظيفه معطيات العلوم الإنسانية، والاستفادة منها في دراسة أنجح أساليب التأثير. فاتسعت فرص انتشاره. غير أن انتشار الخطاب لا يتوقف دائما على وجود مؤسسات إعلامية تتبناه، بل يحقق الخطاب الديني والطقوسي حضورا مميزا من على منابر الوعظ والإرشاد. مستغلا روحية الأجواء، وطقسنة الشعائر، واندماج المتلقي بالعقل الجمعي. فيأتي الخطاب مؤثرا، وتصبح للكلمة سحرها، وللرواية الدينية مفعولها، وتأثيرها المباشر. فللمكان قدسيته ودوره في تأثير الخطاب، حداً يتعذر على المتلقي فرز الضعيف من النصوص، بفعل روحانية الأجواء والعقل الجمعي. فالواعظ يختار لرواياته أجواء مناسبة، خاصة الرواية التي يتعذر عليه الاستدلال على صحتها علمياً، فيكتفي بأية إشارة توثيقية، مستغلا جهل الجمهور بمناهج توثيقها. فمنبر الوعظ والإرشاد في أماكن العبادة والصلوات والمناسبات أخطر في تأثيره، وأقدر على تشكيل العقل وصياغة الخطاب. بل أن عقل المسلمين هو نتاج منبر الوعظ والخطابة، وهذا أحد أسباب تخلفه، عندما يتلقى الفرد خطابا دوغمائيا، متزمتا، متطرفا، مغلقا، والذي بات صفة ملازمة، رغم وجود خطاب معتدل، متوازن. وثالث، رحب منفتح على جميع الآفاق المعرفية. فالتفاوت يعود إضافة للوعي والمصالح الدينية والشخصية والسياسية، إلى طبيعة النصوص، وإمكانيات التأويل التي تستفيد من مرونة النص وثراء دلالاته. وللسبب ذاته تجد بعض الخطابات تفرض نفسها حقائق مطلقة، ونهائيات، في مقابل خطابات مرنة، تستوعب وجهات النظر، قادرة على تجديد نفسها.

ثمة حقيقة تاريخية، أن صدور النصوص والروايات المنسوبة للرسول لم تتوقف بعد وفاته، واستمرت تلبّي حاجة المرجعيات الفكرية والعقيدية والسياسية. بل واشتملت هذه الروايات أخبارا غرائبية عن الخلق والموت وحياة القبر والآخرة. وراحت تفرض محددات وشروطا للنجاة يوم المعاد تكرسها لهذا الطرف أو ذاك، من خلال ما تقدمه من تفسيرات وتأويلات للكتاب الكريم. أو تستقل عنه بتفصيلاتها، وتؤسس لعقائد ورؤى جديدة. وتفرض رقابتها على الحقيقة. فالمذاهب والفِرق لم تعد مجرد اختلافات اجتهادية حول المسائل الفقهية، بل أصبحت تمثل قراءة وفهماً للدين، له خصائصه ومعالمه، وقدرته على التنافس، لاحتكار الحقيقة وسبيل النجاة في الآخرة. فحطّم خطاب الفرقة الناجية أواصر المحبة والأخاء الديني والإنساني. وزرع روح الكراهية والحقد. وهي صفة ملازمة للفِرق والمذاهب، لا تختص بدين دون آخر. غير أن خطاب المذاهب والفِرق الإسلامية مشبّع بالسياسة، أعاد قراءة الدين وفقا لرؤيته. ومن يتابع تطور الفكر العقائدي عبر القرون الأربعة، ويدرس ظروف نشأتها، يصاب بالذهول، حينما يكتشف خداعها وأوهامها وبشريتها، وتارة تكون أبعد شيء عن المقدس في حقيقتها. ومن يعتقد أنه على حق وغيره على باطل، ما عليه سوى العودة لتاريخ الفِرق والمذاهب الإسلامية بموضوعية وتجرد تام، ليرصد بنفسه بشريتها، وتاريخيتها، وأوهامها، وخداعها، تأسيسا ووجودا واستمرارا. فالعقيدة شأنها شأن أي كائن تبدأ صغيرة، بسيطة، وربما ساذجة ثم تتطور. بعضها يموت، وبعضها يقاوم التحديات عندما تجدد العقيدة خطابها. أو تتبناها سلطة دينية أو سياسية.

لقد أمعنت المذاهب الإسلامية في تشويه معالم الدين وهي ترفع شعاراته. وقامت بتحطيم بنيته، بعد أن أعادت قراءته بما يخدم متبنياتها العقيدية وفق مقاساتها ومصالحها. وأختزلته بها وبرموزها. فالمذاهب اليوم دين في مقابل دين، وليست وجهة نظر إجتهادية في مقابل أخرى كما هي حقيقتها. حتى بات التفكيك بين الخطاب الديني والمذهبي، بنظر عامة الناس، مستحيلا لولا الجهد النقدي الذي يعري حقيقتها. فهم لا يعرفون شيئا عن تاريخيها ومسارات تطورها. لقد تأسست المذاهب الإسلامية تكريسا لموقف الصحابة من السلطة، وهو موقف سياسي، لم ينشأ على قاعدة فكرية أو عقيدية. بل نزاع تمت إدارته بجدارة وفق اللعبة السياسية، ولم تكن ثمة مرجعيات فكرية وعقيدية (آية أو رواية صريحة) آنذاك تحسمه. لذا خمد بعد مبايعة طرفي المعارضة، الأنصار وأهل البيت بزعامة الإمام علي للخليفة الأول أبي بكر بن قحافة. ولو كانت هناك نصوص كافية، وإن لم تكن واضحة وصريحة لاستمر فتيل النزاع، لكن عدم استمراره دليل على عدم وجوده. لأن السياسة من المواضيع التي سكت عنها الخطاب الديني، ولم يتطرق لها الكتاب الحكيم وأهمل تفصيلاتها النبي الكريم ولم يصدر عنه أي شيء، كي تواكب حاجات المسلمين، ارتكازا لمبادئ الدين وأحكام القرآن.

لكن النزاع عاد بعد استشهاد الإمام علي، وهذه المرة حول شرعية أصل خلافة الخلفاء. فكان السؤال: إيهما أحق بالخلافة شرعاً: أبو بكر أم علي؟. وهو سؤال عن الدليل الشرعي. وعن وجود آية أو رواية صريحة، أو أية مرجعية شرعية تحسم النزاع. وهو مفقود بالضرورة. فلجأوا لمراكمة شواهد لترجيح أحد الطرفين، فبدأوا بتأويل الآيات، وتنازعوا حول مصاديق آيات الفضائل، لكنها محدودة، لا تنفع على المدى البعيد، فلجأوا لروايات الفضائل، وهي أيضا قليلة وشاملة، فجميع الصحابة من الأولين السابقين، وثمة ما يؤكد شمولهم بروايات الفضائل، فبدأت مرحلة وضع الروايات، ونسبتها لرسول الله، فكانت تتدفق. ثم جاءت مرحلة التنظير الكلامي، وراحت مقولاته تستميت في الدفاع عن عقائد الطائفة، والهجوم على خصومها. فالمذاهب تأسست على موقف سياسي، واضطرت إلى إعادة فهم الدين، وتشكيل منظومة دينية بخصائص مذهبية. أي أنها قامت في تشييد هيكلها الديني على فتات البنية الحقيقية للدين. فالدين أصبح نسخة مذهبية طائفية، بمعنى أن الطائفية (ليس بمعناها السلبي بالضرورة)، صارت مقومّا أساسا للدين بنسخته الجديدة، فيعود الدين نسخه أخرى عند انتزاعها. أي أن كل مذهب يختزل الدين به، ويحتكر الحقيقية وسبل النجاة، ويحرم الآخر منهما.

الدين بحد ذاته لا يقبل التشظي والاختزال والاحتكار. له حقيقة واحدة، تتعدد طرقها بتعدد أنفاس الخلائق. فالحقيقة الكبرى/ مبدأ الوجود / العلة الأولى / الخالق / الله / منفتح على جميع خلقه، قريب منهم، يتعهدهم برحمته وعطفه، وهذا شعور كل من يعيش ومضة الإيمان الخالص، بعيدا عن تشظيات الخطاب الطائفي، الذي يسلبهم كل أمل بعيدا عن رؤيته. وقد لا تجد قلباً يخلو من إله، يعبده بخشوع، يلجأ له في شدائده، ويأمل في عفوه لحظة الضَعف. وهذا مرفوض مذهبيا، فالحقيقة بالنسبة لهم واحدة، لا يدل عليها سوى طريق واحد. ولا نجاة لأحد سواهم. لقد قام علم الكلام الإسلامي باعادة تشكل العقل المسلم وفقا لمقولاته التي هي تجليات طائفية بامتياز. فتأسس الدين تأسيسا طائفيا - سياسيا، شعر المسلم بهذا أم لم يشعر. لكنها الحقيقة، فكل المنجزات المعرفية للمسلمين هي تجلٍ للصراع السياسي. ففكر المذاهب والفرق احتضن الصراع الأول وأسس عليه معارفه، فجاءت منجزاتهم دعما ودفاعا عن شرعية أحد طرفيه. وأمامكم كتب العقائد، والمدونات الفقهيه، وتفسيرات المذاهب لمعنى المؤمن، وشروط الإيمان، وشروط قبول العمل الصالح ودخول الجنة، والمذاهب التي تنفي إيمان المذاهب الآخرى صراحة .

خطاب التنافي

إن منطق الفرقة الناجية لا يسمح بأية تسويات عقيدية مذهبية، بل ذات الشعار يكرسها، وما تسمعه عن التسامح الديني، والتعددية الدينية، ما هي سوى شعارات مخادعة تخفي حقيقتها، وتتستر عما يريده الخطاب الطائفي حقيقة، باعتباره رسالة يريد إقناع المتلقي بها، وأداة لاقتحام خصمه الديني أو الطائفي. إن كل ما كتبته عن التسامح الديني، وتقسيمه إلى تسامح حقيقي وشكلي، وما كتبته عن التعددية الدينية ومشروعيتها، هنا وفي مختلف كتبي ، كنت بصدد خطاب جديد، ينتمي لذات الدين، بعيدا عن تمذهب الخطاب وطائفيته، كي يكون فهما للدين وفق حاجاتنا الزمانية والمكانية، لا وفق ضرورات المذاهب والفِرق الإسلامية. فلا معنى للحديث عن تسامح ديني وتعددية دينية من داخل الفضاء الطائفي، بل ويتنافى معه، فكيف نطلب من المذهب الديني القائم على شخصنة الدين، أن يحمل بذور فنائه؟. الخطاب الطائفي يرفض التسامح الحقيقي، ويطمح في تسامح شكلي لا يغامر معه بأية واحدة من امتيازاته الدينية في احتكار الحقيقة، وحصر النجاة به.

إن خطابات الوحدة والتسامح التي ترددها المذاهب، لا تمت للحقيقة بصلة، سوى شعارات ماكره، مخادعة، تحمل طابعها السياسي، وتضمر ما ينفي التسامح. بل أن خطاب التسامح والوحدة الإسلامية يكرّس التفوق، والخصوصية، ويرفض بطبيعته التسويات المذهبية والدينية. إن التسامح وفق المنطق الديني قبل تمذهبه ممكن، لوجود خياارت تساعد عليه، عندما لا تنتفي حقيقته بانتزاع بعض خصوصياته. فيكون خطاب التسامح والتعدد صادقا، ليس فيه مواربة. فعندما يدعو القرآن خصومه للتسامح في دائرة عبادة الله دون غيره، سوف لن يخسر حقيقته بتجريده من باقي خصوصياته، لأن التوحيد هدف حقيقي للدين: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) ، فيكون التسامح بموجب الآية تسامحا حقيقيا وليس شكليا، لأنه اعتراف حقيقي بالآخر / الخصم / أهل الكتاب. بل أن نفس الآية هي اعتراف به. فعندما تخاطب شخصا، وتعلن كامل استعدادك للتنازل عن بعض خصوصياتك، من أجل هدف مشترك أكبر، يصدق أنه اعتراف حقيقي. وهذا مستحيل في الخطاب الطائفي، لأنه قائم على نفي الآخر، ونبذه، وحرمانه من النجاة والفوز يوم المعاد. فكيف يعترف به، ووجوده قائم على نفيه. كل المذاهب الإسلامية فرضت وجودها من خلال نبذ الآخر، ولم تتضح معالمها الحقيقية إلا بإقصائه وتكفيره. العلاقات المذهبية قائمة على تأكيد وتقديس الذات ونفي الآخر. فليس هناك معنى للتسامح الحقيقي سوى نفي الذات. فتكون الخيارات أنطلوجية، تضعك بين الوجود والعدم. وهذا يستثنى المذاهب العلمية التي تأسست على فهم آخر وقراءات مغايره للنص الديني. والمقصود به خصوص المذاهب التي تأسست على موقف سياسي مسبق، فصار قوامها التحيز في فهم النص، وتفسيره وتأويله. فجميع التفاسير تاريخية منحازة بشكل مباشر أو غير مباشر لرؤية سياسية ما. بل وحتى كتب اللغة تمنح بعض الكلمات والمفاهيم معانٍ مذهبية وطائفية، كتفسير معنى الخمس، أهل البيت، وكغيرهما من المفردات القرآنية. 

الخطاب والآخر

الخطاب الطائفي خطاب معبأ ضد الآخر، وحقوقه الدينية، فيشكّل خطرا حقيقيا على مبادئ الدين، وقيم الإنسانية. لكن للأسف أن الاتجاهات الطائفية الدوغمائية صارت أكثر عنت وخطورة على المجتمع، خاصة مع تسلق دعاة التكفير والتطرف لوسائل الاتصال الحديث، وتربعهم على منبر الوعظ والإرشاد الديني، وحجم الدعم المادي.

الخطاب الطائفي قائم على نفي الآخر، بل ونفي الدين، حينما يحتكر الحقيقة، ويمارس العنف والإرهاب ضده، ويعتبر نفسه، شاخصا على الحق والحقيقة، متناسيا دور النص والخطاب في وجودها. فيلغي أكثر من أربعة عشر قرناً من التنظير العقائدي، ويتصور أن ما يؤمن به يعكس تمام الحقيقة. لقد استغل الخطاب الطائفي إمكانيات الإعلام الحديث لتكريس التعصب والغلو والكراهية والحقد وروح التشظي.

لا فرق بين الخطاب الديني والخطاب الطائفي والمذهبي من بعض الجهات. كلاهما خطاب نفي، قائم على رفض الآخر وحرمانه، مهما كانت ضآلة النفي وتجلياته. بل النفي هو مقتضي التفاوت الدلالي بين خطابين. ويُقصد بالنفي الأعم من الإلغاء. غير أن الفارق بين الخطاب الديني الحقيقي، والخطاب الطائفي، أن النفي يمثل تمام حقيقة الثاني، ويمثل معالم وجوده، فهو لا يُعرف إلا به، وهذا سر رفضه للتسامح الحقيقي، لأن في تبنيه نفي للذات واعتراف بالآخر، لأنها قائمة على نفي، والاعتراف به نفي لها بالضرورة. فخطاب التسامح الذي تتبناه الفٍرق والمذاهب الدينية هو تسامح شكلي، يؤكد الذات وينفي الآخر. لكنه يتسامح معه منّة وتكرما، من أجل عيش مشترك، وحياة يسودها السلم والأمان. بينما يستطيع الخطاب الديني تبني التسامح الحقيقي بجدارة. لأن الخصوصية لا تمثل تمام حقيقة الدين، بل له حقيقة أخرى يمكنه التفاوض حولها، وقبول الآخر في ضوئها. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) . وهذا تسامح ديني حقيقي، وليس تسامحا شكليا، فثمة قواسم تسمح للدين الحقيقي بالتسامح الحقيقي.

اتضح مما تقدم لا معنى للتسامح الحقيقي بين الفِرق والمذاهب الدينية، فعندما يقرر الشيعي التسامح حقيقة مع السني، هل سيتنازل عن مبدأ الإمامة التي هي تمام حقيقة التشيع؟ وعندما يقرر السني التسامح مع الشيعي هل ينفي شرعية الخلفاء، ومنطق السلطة الذي يمثل تمام حقيقته؟ فالتسامح الحقيقي غير متصور بين مختلف المذاهب الدينية. فإذا كان النفي أساس قيام الذات، فإن الخصوصية تمثل تمام حقيقتها. والخصوصية هنا ليست مطابقة الواقع ونفس الأمر، بل ما يتصوره المذهب عن نفسه. ولا يخفى الفرق بين حقيقة الشيء خارجا، وتصوره في الذهن. فالمذاهب الدينية قاطبة تعيش أوهام الحقيقة، وما الحقيقة سوى ما يتصوره الإنسان عن نفسه وعن الآخر في ذهنه، وفقا لخلفيته وقبلياته.

الخطاب الطائفي لا يؤمن بالتسويات، ويرفض التسامح مع الآخر حقيقة. وخطابات الوحدة والتسامح، من أشد الخطابات تمسكا بالطائفية والاختلاف. فهي خطابات سياسية، تريد انتزاع اعتراف حقيقي بها، وتأكيد خصوصيتها ونديتها، وعدم اعترافها بالآخر علناً.

دأبت إيران منذ سنة 1982م على إقامة إسبوع الوحدة، من 12 ربيع الأول، تاريخ ولادة الرسول وفقا لتقويم المذهب الرسمي، إلى يوم 17 من نفس الشهر، تاريخ ميلاد النبي وفقا لتقويم المذهب الشيعي، تتخلله لقاءات ونشطات وحدوية، أهمها مؤتمر الوحدة الإسلامية، حيث يتناوب فيها رجال السياسة والدين من مختلف المذاهب المؤيدين للثورة الإيرانية على منصة الخطابة، يشيدون بالوحدة الإسلامية ويؤكدون ضرورتها والتزامهم بها. وأسبوع الوحدة مقترح آية الله الشيخ حسين علي منتظري، وكانت كلمته مسموعة، واسمه يتردد في أروقة السياسة وشعارات المتظاهرين وصلوات الجمعة، حينها كان نائبا للخميني قبل أن يتمرد عليه ويعلن براءته من سلوك قوى الأمن والقضاء، حيث اكتظت السجون بالخصوم السياسيين، فبات الخصم مفهوما فضفاضا ينطبق على جميع مظاهر التمرد السياسي ولو بكلمة انزعاج من الوضع. وكان رد فعل السلطة السياسية والدينية المتمثلة بالخميني جردت المنتظري من كل امتيازاته، وفرضت عليه إقامة جبرية، لم تنجح في زعزعة مواقفة، وبقي يلاحق سلوك رجال الدولة وتصرفاتهم، وهو المنظّر الأول لولاية الفقيه المطلقة. وقد تراجع عنها خلال فترة الحصار. وقال قولته: ولاية الفقيه المطلقة نحن صنعناها، والآن نتراجع عنها.

ومؤتمر الوحدة نموذج حي لخطاب الوحدة والتسامح الديني، يمكن دراسته نقديا للتعرف على حقيقته، ومدى وفائه لمبادئه: إن الإعلان عن المؤتمر، يعتبر بحد ذاته اعترافا صريحا بالانقسام. وإقامته تكريس للخصوصية والمذهبية. فتوقيت المؤتمر ينبغي دراسته ضمن ظروفه، حيث تعرضت إيران لحصار سياسي، اقتصادي، إعلامي خلال حربها مع العراق، فحققت من خلال المؤتمر أهدافا سياسية ودينية، حيث استطاعت فك الحصار الشعبي عنها، بعد أن يئست من فك الحصار السياسي والإعلامي والدبلوماسي. فكل من حضر المؤتمر عاد بانطباع إيجابي، وتحول بشكل وآخر منبرا إعلاميا للدفاع عن الثورة الإيرانية.

كذلك استطاعت إيران أن تنتزع اعترافا بالمذهب الشيعي، عندما وافق بعض علماء المذاهب الأخرى المشاركة بالمؤتمر. فانقلب موقفهم من التشيع، من خصم مذهبي - سياسي، إلى ند مذهبي وديني حقيقي، فرض نفسه من خلال المؤتمر.

ما يهمنا أن خطاب التسامح، ينفي التسامح الحقيقي ويرفض الاعتراف بالآخر، وخطاب الوحدة ضد الوحدة، حينما يتشبث بالانقسام والتشظي. الوحدة الحقيقية شعور عملي واعتراف صادق بالآخر كشريك بالحقيقة. وهذا لا يحتاج إلى مؤتمرات، ولا شعارات وحدوية، ولا تبني إعلامي للتسامح وقيمه ومبادئه، بل يحتاج إلى مشاعر مخلصة. وهذا منتفٍ، لأن شرعية كل مذهب قائمة على خصوصيته، التي تقتضي نفي الآخر، واحتكار الحقيقية. ولا وحدة بين المذاهب الإسلامية ما لم يعد كل مذهب تشكيل مرجعيته الفكرية بعيدا عن الخصوصية وخطاب النفي، ويعيد تشكيل وعيه وفق أسس دينية وقيم إنسانية. ومهما تباعدت المذاهب، لكن الإنتماء للدين يوحدها. ويمكن لها أن تتوحد داخل إطار ديني شريطة التنازل عن خصوصياتها أو بعضها، وما الخصوصية كما تقدم سوى أوهام الحقيقة. وهذا يتوقف على مدى مبدئيتها، وصدقيتها في التعامل مع الخالق وتبني مبادئ وقيم الدين. والمدهش أن المذاهب تعي هذه الحقيقة، ولا تخفى عليها، فقدمت فهما للدين، يكرّس خصوصيتها.

إن الثقافة الفارسية كغيرها من الثقافات الطائفية قائمة على رفض الآخر، ونبذه وتكفيره، فكيف تدعو لوحدة حقيقية قبل أن تقوم بمراجعة حقيقية لتراثها، وثقافتها. ففي نفس أسبوع الوحدة تقام احتفالات دينية - شعبية واسعة تدين الآخر، بدءا من الخلفاء. ولا يتخلى الإيراني عن منطق اللعن، وهو يؤدي طقوس ما يعرف بزيارة عاشوراء، التي يمثل اللعن مئة مرة للخلفاء، لأول والثاني والثالث ومعاوية الرابع ثم يزيد خامسا، جزءا مقوما لها. ورغم تعدد المذاهب الإسلامية إلا أن الدستور الإيراني نص على المذهب الشيعي الجعفري الأثني عشري مذهبا رسميا للبلاد؟ وهذا شاهد دستوري يدين إيران في دعواتها الوحدوية باسم الدين الإسلامي، ويمكنها أن تدعو لوحده سياسية. والمكتبة الفارسية كغيرها تكرّس الكتاب الطائفي بكثافة عالية.

وبالتالي: الخطاب الطائفي، خطاب إقصائي، ماكر، مخادع، ينبذ الآخر ويتستر بشعار التسامح. يضطهده ويدعوه للوحدة والتقارب. فلم يشهد التاريخ انحلال دين أو مذهب بآخر. مما يؤكد أن الخلافات الدينية خلافات وجودية. أي يتوقف عليها وجود الدين والمذهب، فالتنازل والتسويات تعني نفي الذات. وهو مرفوض أساسا من قبل الجميع.

نعود للروايات الموضوعة: لا يكتب للدين والمذاهب الدينية البقاء ما لم تمتلك مقومات فكرية وعقيدية، عابرة للزمان والمكان، إما ذاتيا، أو من خلال قابليتها لتجديد أصولها وخطابها. فممارسة السياسة تساعد على انتشار الدين والمذاهب الدينية. والقاعدة الفكرية والعقيدية، تضمن لها مقاومة التحديات. ولما كان النص والروايات الدينية والتاريخية تمثل الرافد الرئيس للفكر الديني عموما، لذا تلعب الروايات الموضوعة دورا كبيرا في تلبية ضرورات عقائد الفرق والمذاهب، أما تأسيسا، أو تأويلا وشرحا وتأويلا. ولعل أسس الفكر العقيدي الطائفي قائم على نصوص موضوعة تمت صياغتها بشكل يخدم التوجهات المذهبية والطائفية. الخطاب الطائفي يستظل بالنص، ويتبنى رسالته. وهنا يكمن خطر الوضع الذي يفرض علينا تأسيس منهج نقدي لدراسات النصوص الدينية والتاريخية.

ثمة حقيقة، لا يمكن التوفر على فهم صحيح للدين ونصوص الكتاب الكريم، من زاوية نظر طائفية، تحد من مرونته، وقدرته على الاستجابة لمتطلبات الحياة.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com