1080مخلد الشمري- ستبقى البلدان العربية مستهلكة ومستوردة لما ينتجه الغرب لعدم وجود البديل عن النفط..!!

أهلا و مرحبا بك معنا دكتور مخلد الشمري .

- أهلا ومرحبا بك سيدتي الكريمة لي عظيم الشرف إجراء هذا الحوار معكم.

- بداية: كيف يقدم لنا الخبير الاقتصادي مخلد حمزة جدوع الشمري نفسه؟ وخلاصة ما عاشه من تجارب للقراء والمتابعين؟.

اسمي مخلد حمزة جدوع الشمري، تولد 1982، حاصل على بكالوريوس علوم ادارة الاعمال فرع ادارة المصارف من جامعة بغداد عام 2005، وحاصل على شهادة ماجستير في المصارف من جامعة بغداد عام 2012، وحاصل على شهادة الدكتوراه المهنية بادارة الاعمال من جامعة كوماندوز الامريكية للتدريب2019، اعمل حاليا تدريسي في كلية الادارة والاقتصاد بجامعة بغداد وتم تعييني في الجامعة على قناة الطلبة الخريجين الاوائل في عام 2007، وايضا وعضو في البورد الامريكي الكندي للتدريب الاحترافي، وعضو في المركز العراقي الاوربي للتنمية والتطوير، وعضو في المجموعة العربية من اجل السلام والتعايش السلمي، شاركت في العديد من المؤتمرات المحلية والدولية كذلك لي العديد من المؤلفات كتب ودراسات، وساهمت بنشر دراسات بحثية في مجلات محلية وعالمية في (العراق، وتركيا، وباكستان، وبرطانيا، وفنزويلا، وكندا) .

- برأيك ما الذي يميز البنوك الإسلامية ويجعلها تنمو عالميا رغم الأزمات الاقتصادية التي تضرب كبرى الشركات العالمية كل فترة وأخرى؟.

- ان أستبـعاد الفائـدة مـن معامـلاته مدعـاة لتسميته بمصرف لا ربوي (Interest free Bank) ويمكن تعريفه بالمصرف الأسلامي هو المؤسسة التي تمارس الاعمال المصرفية مع ألتزامها بتجنب التعامل بالفوائد أخذاً او عطاءً وبالابتعاد عن أي عمل آخر مخالف لاحكام الشريعة الاسلامية، وهنا نجد ركناً جديداً مضافاً لعمل المصرف الاسلامي الى جانب ركن عدم التعامل بالربا الا وهو الابتعاد عن أي عمل مخالف لأحكام الشريعة الاسلامية من خلال عدم التمويل والأستثمار بالمشاريع المحرمة شرعاً كالملاهي والنوادي الليليه وشركات صناعة وتسويق المشروبات الروحية ومع ذلك فأن هذا التعريف لا يعكس الصورة الكاملة الحية لحقيقة المصرف الاسلامي من خلال تجاهله سمة اساسية في عمل المصارف الاسلامية ألا وهي المسؤولية الاجتماعية، لذا جاء التعريف الاخر الاتي ليعطي دلالة اكبر على ماهية هذه المؤسسة ويتجاوز المأخذ التي وردت على التعريف السابق بان (المصارف الاسلامية) هي مؤسسات مالية مصرفية لتجميع الاموال وتوظيفها على وفق احكام الشريعة الاسلامية بما يخدم مجتمع التكافل الاسلامي وتحقيق العدالة بالتوزيع، مع الالتزام بعدم التعامل بالفائدة الربوية آخذا او إعطاءً وباجتناب أي عمل مخالف لاحكام الاسلام، وتتجسد المسؤولية الاجتماعية للمصرف الاسلامي من خلال أخراج الزكاة عن أمواله وأموال مودعيه طالما بلغت النصاب وحال عليها الحول وبالنسب التي يقرها الشرع الأسلامي، وتمنح للمحتاجين كذلك لتطبيق اهداف غير أقتصادية منها عقائدية واخلاقية تفتقدها المصارف التقليدية التي تحكمها معايير أقتصادية بحتة هدفها تعظيم الربح فقط ولعل القرض الحسن الذي يعطى لاشخاص محتاجين بلا فائدة ولا حتى مشاركة للمصرف معه بالربح يعكس مدى مراعاة المصارف الاسلامية للمسؤولية الاجتماعية، لانه يعطى لحاجات أجتماعية وأنسانية كحالات المرض والزواج والدراسة وكذلك مساعدة صغار الحرفيين والمنتجين في مشاريعهم، كذلك ان اهتمام المجتمع الدولي وحتى الغرب بالمصارف الاسلامية هي عدم تاثرها بلازمات المالية التي حدثت في فترات متفاوتة.

- انتشرت ثقافة التسوق الإلكتروني بسرعة كبيرة خاصة لدى الشباب العربي الذي أصبح يتوجه لهذا النوع من العمل بشكل كبير..

- يعد التسويق الالكتروني احد أهم المفاهيم الأساسية المعاصرة الذي استطاع وخلال بداية الألفية الثالثة من أن يقفز بمجمل الجهود والأعمال التسويقية وبمختلف الأنشطة الى اتجاهات معاصرة تتماشى مع العصر الحالي ومتغيراته، وذلك من خلال الاستعانة بمختلف الأدوات والوسائل المتطورة وتكنولوجيا الحديثة في تنفيذ العمليات والأنشطة التسويقية خاصة فيما يتعلق بالاتصالات التسويقية وتكنولوجيا المعلومات وتقديم المنتجات وإتمام العمليات التسويقية عبر وسائل متعددة، يأتي في مقدمتها تسويق الخدمات الى مختلف الأطراف عبر تلك الوسائل، وان الشباب العربي شباب واعي ومثقف متمكن من التعامل مع معطيات العصر التكنولجية ساعد ذلك على انتشار ثقافة التسويق عبر الانترنت لكونة اكثر فاعلية ومصداقية من حيث الحصول على المنتجات والخدمات من المصدر مباشرة بدون المرور بسلسة وسطاء .

- ما أبرز الأسباب برأيك وما الذي تقدمه لهم من نصائح من أجل النجاح بهذا المجال؟

- يمكن اجمل الاسباب التي ادت الى اتساع قاعدة التعامل بالتسويق الالكتروني بالاتي:

1- اختصار العقبات الجغرافية بين مناطق العالم المختلفة اذ لا وجود للحدود في التسويق الالكتروني.

2- اقامة علاقات تعاقدية مباشرة بين البائع والمشتري، ومن شأن ذلك وغيره تخفيض الكلف قياساً بالعمليات التسويقية التقليدية .

3- أنها تتيح الفرص أمام الطرفين من خلال الكم الهائل من المعلومات المتعلقة بذات الموضوع المطروح بينهما للتعاقد على وفق احدث الأسعار والشروط.

انصح الشباب العربي بصناعة فرص العمل من خلال توظيف التكنلوجيا من خلال فتح قنوات تسويقية الاكترونية وعمل دور الوسيط بين المستهلكين والمنتجين والحصول على قوتهم اليومي.

- مع عصر العولمة وانتشار هذه العوالم المفتوحة وعدم ارتباط المتاجر الإلكترونية بوطن معين كخبير اقتصادي ما التأثيرات الاقتصادية لذلك وما مدى إيجابية هذا الأمر ؟

- انا ارى ان العولمة هيه مضرة لاقتصادياتنا كعرب لان جعل المنافسة مفتوحة والسوق سوق مفتوح يحدث خلل في التوازن وتكافؤ التنافسي وبموجبه ستبقى الدول المنتجة هي المصدرة والمستهلكة هي المستوردة ولا وجود فرصة للبلدان النامية من التقدم وحماية اقتصادها، الايجابية الوحيدة هي يمكنك ان تحصل على ما تريد كفرد.

- المفكر صمويل هنغتون يحذر الغرب من تبعات اتحاد بلاد العم كنفوشيوس مع بلدان العالم الإسلامي كخبير اقتصادي وباحث أكاديمي عما ينم هذا الخوف الغربي من هذا الاتحاد وما قراءتكم الاقتصادية لنو الاقتصاد العربي نتيجة هذا الاتحاد؟

- كونفوشيوس: هو أول فيلسوف صيني يفلح في إقامة مذهب يتضمن كل التقاليد الصينية عن السلوك الاجتماعي والأخلاقي ففلسفته قائمة على القيم الأخلاقية الشخصية وعلى أن تكون هناك حكومة تخدم الشعب تطبيقاً لمثل أخلاقي أعلى ولقد كانت تعاليمه وفلسفته ذات تاثير عميق في الفكر والحياة الصينية والكورية واليابانية والتايوانية والفيتنامية.

اما البلدان الاسلامية لديها ايضا تقاليد وعادات واخلاقيات محددة في معالم الدين الاسلامي والاخلاق الحميدة التي اوصى بها نبينا محمد عليه افضل الصلاة والسلام فالاسلام قوة اقتصادية وعقائدية .

لذا نرى من الطبيعي ان يحذر المفكر صمويل هنغتون الغرب من تبعات اتحاد بلاد العم كنفوشيوس مع بلدان العالم الإسلامي لانهم يشكلون قوة خارقة وعلى جميع الاصعدة السياسية والاقتصادية وستفرض سيطرتها على العالم اجمع لان الموارد متاحة والفكر موجود.

- التعاملات الاقتصادية بين الدول الغربية والعالم الإسلامي مشحونة بالعديد من الرسائل الثقافية التي تعبر عن المركزية الغربية برأيكم كيف يمكن تجنب تأثيرات تلك المخلفات الثقافية على الذهن العربي؟

- قبل الدخول بتفاصيل ينبغي إيضاح مفهوم المركزية الغربية في جانبيها اللّغوي والاصطلاحي، والمركزيّة هي مصدر الفعل ركز والمركز هو المقر الثابت الذي تتشعّب منه الفروع، والمركزية نظام يقضي بتبعية البلاد لمركز رئيسي واحد، ونقيضها "اللامركزية" وهو النّظام الذي يمنح للأقسام المختلفة نوعاً من الاستقلال المحلي. والمركزيّة تعني فرض لرؤى المركز واهتماماته وتوظيفها لخدمة مصالحه، والمركزيّة ليست فقط التّمركز على مجالات الثّقافة والقيم، إنما تشمل كل جوانب الحياة من اقتصاد وسياسة وعقائد وغيرها.

إذاً، يمكن تعريف المركزيّة الغربيّة بأنها "الممارسات التي تركّز على فرض الحضارة والمصالح الغربيّة عموماً في جميع مجالات الحياة على حساب باقي الثّقافات والحضارات والشّعوب، بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة"، والتّمركز الغربي يعتمد على نظامين هما: الغزو العسكري، والغزو المدني. والغزو العسكري المراد به استخدام القوة الحربية لفرض المركز وما يحملة من اجندة، أما الغزو المدني فهو توظيف التقنيات المدنية الاقتصادية والمالية والسياسية والثقافية والفكرية في التغيير الحضاري، الذي يريد المركز أن يحدثه، وقبل أن تُفرض المصالح الغربية على باقي الحضارات والشعوب وتحديداً الشعوب الإسلامية، كان عليهم المعرفة التامة بتلك الشعوب، وهي المعرفة التي جعلت حكمهم سهلاً ومجدياً، فالمعرفة تمنح القوة، ومزيداً من القوة يتطلب مزيداً من المعرفة، فهناك باستمرار حركة جدلية بين المعلومات والسيطرة المتنامية. وهم في مشروعهم يعتمدون على أمرين: المعرفة، والقوة. وكما قال إدوارد سعيد: "التبرير الاستشراقي للسّيادة الاستعمارية قد تم قبل حدوث السّيطرة الاستعمارية على الشرق، وليس بعد حدوثها، فقد كان التراث الاستشراقي بمثابة دليل للاستعمار في شعاب الشرق وأوديته من أجل فرض السيطرة على الشرق وإخضاع شعوبه وإذلالها". وهكذا اتجه الاستشراق المتعاون مع الاستعمار إلى إضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوس المسلمين وتشكيك المسلمين في معتقداتهم وتراثهم، حتى يتم للاستعمار في النهاية إخضاع المسلمين إخضاعاً تامّاً للثقافة الغربية فهنا يمكن ان يتسم كل مسلم بما يحملة من صفات واخلاق لعدم ترك أي اثر لمركزية الغرب على البلدان الاسلامية فالحياة الاقتصادية غير الحياة الدينية والاجتماعية .      

- انتشار الشركات المتعددة الجنسيات أحدث جدلا واسعا بين الاقتصاديين نظرا لما تسببه من مشاكل خاصة للدول النامية برأيكم ما الذي تقترحه لخلق التنافس لدى الشركات الصغيرة بهذه الدول للحفاظ على اقتصادها من بطش هذه الشركات؟.

- المواجهة بالمثل من الممكن ان انشاء شركات عربية متعدد الاقطار وتالتزم المنافسة وباستراتيجيات تنافسية مماثلة لما تنتهجها الشركات متعددة الجنسيات وبامكانات مادية كبيرة ولا باس بالاستعانة بخبراء الغرب ولكن تحت امرة الشركة العربية المتعددة هنا ستكون الشركات العربية قوة ضاربة للشركات متعددة الجنسيات وستاخذ حصة سوقية كاملة وعلى اقل تقدير في اسواق البلدان العربية للحفاظ على اقتصاداتها من سطوة شركات المتعددة الجنسيات .

- الدول العربية تعيش العديد من الأزمات سواء الاقتصادية أو السياسية فيما بينها ما قراءتكم للأسباب الحقيقية وراء هذا وهل يمكن القول أن الخلل الأول كامن بالنظام الاقتصادي فقط أم أن الخلل أبعد من ذلك؟.

- الخلل بالنظم السياسية فلكل بلد نظام سياسي حاكم وكعرب يحبون السلطة ويتمسكون بها على العكس من الغرب الذي يعتبر السلطة هي خدمة المجتمع كما يتمسك العرب بنظرية (اصحاب المصالح) فالبحث عن مصالح كل بلد متفردا الامر الذي ادى تفرد كل دولة بارائها بناء على مصالحها بعيدا عن العربية والنظام الاقتصادي يدار من قبل افرد تبحث عن المصالح مفردة ولا تبحث في مصالح عامة ومشتركة الامر الذي يزيد من الازمات والانقسامات بين الدول العربية متى ما اجتمعت الدول العربية واتفقت على حل الازمات ومن زوايا متعددة ومن منطلق المصلحة المشتركة وبكل شفافية لن تكون هناك ازمة تمر مرور الكرام ستكون هناك منهجية لمواجهة هذه الازمات وبكل قوة ودافعية.

- ما السبل والوسائل الكفيلة التي تراها مناسبة لحل هذه الأزمات التي يتخبط فيها العالم العربي، خاصة بعد ما سمي بثورات الربيع العربي..؟.

- أي ربيع عربي هذا وماذا قدم الربيع العربي لم نرى من الربيع العربي غير الدماء والايتام والقتل والتهجير انا ارى وحسب تصوري الشخصي ان نتعب على الاجيال القادمة ونعدها اعداد جيد وننتج جيل متعلم فوق كل الاعتبارات السياسية والعرقية والمناطقية متى ما انتج هذا الجيل سيكون للمجتمعات العربية وقفة مع التاريخ وقفزة الى القمة والعمل بمهنية واحترافية .

- دكتور في نهاية حوارنا هذا، ماه و تصوركم لواقع الدول العربية بعد 50 سنة بالتقريب سواء من الناحية المعرفية أو الاقتصادية أوالسياسية ؟

- نحن كعرب وللاسف مستهلكين وليس منتجين وان واقع المجتمعات العربية يشوبه الكثير من القلق والفوبيا من المجهول نتيجة لما هو موجود في ارض الواقع الآن من خراب للبنى التحتية ودمار للفكر وتدمير الاخر وزرع التفرقة وكثرت المسميات وعلى العكس ما كان عليه العرب فان تاريخ الامة العربية زاخر بالامجاد وسطر التاريخ ملاحم العرب اما الان ماذا سيكتب التاريخ خراب البلدان العربية خراب الفكر والعقيدة .

اما من الناحية المعرفية فهناك فجوة كبيرة واتوقع ان هذه الفجوة تزداد مستقبلا سيبقى المجتمعات العربية مقلدة للغرب بكل ما يحتوي من اخلاقيات وثقافات غريبة لا تتناسب مع اعراف وقيم مجتمعاتنا وندعوا من الله عز وجل ان لا يحدث ذلك وان ياتي للمجتمعات العربية جيل يقفز بكل ما لديه من معرفة وقيم والله على كل شي قدير.

اما من الناحية السياسية والاقتصادية : ستبقى البلدان العربية مستهلكة ومستوردة لما ينتجه الغرب لعدم وجود البديل ولن تتشكل أي قوى سياسية او تكتل اقتصادي عربي قوي مثل الاتحاد الاوربي وستكون الخريطة السياسية بايدي القوى العالمية تبعا لمصالحها في المنطقة.

- أخيرا كلمة أخيرة تقدمها للمتتبعين من الأكاديميين والشباب ومختلف أصناف المجتمع بالوطن العربي؟

- كلمتي الاخيرة اوجهها لكل افراد المجتمع العربي بجميع اطيافه، لكي يكون لمجتمعنا قوة وقدرة على اخذ قرارات مصيرية باستقلالية تامة وهذا لا ياتي الا بعمل دؤوب من كل افراد المجتمع وكلا حسب موقعة والاستناد الى التخطيط العلمي المنهجي وان نعطي للبحث والتطوير اهمية قصوى لكي يزدهر المجتمع ببراءات اختراع ودراسات مستقبلية لمواجهة التحديات والمشاكل التي تواجهها بلداننا العربية

 

حاورته الصحفية الجزائرية خولة خمري

 

1076 حسينالنزعات العرقية والجهوية التي ظهرت بالحراك هي امتداد للدولة العميقة لاسيما بعد الإطاحة برؤوس النظام!!

أهلا ومرحبا بك معنا دكتور حسين.

- بداية: كيف يقدم لنا الناقد الجزائري حسين مبارك نفسه؟ وخلاصة ما عاشه من تجارب للقراء والمتابعين؟.

- بدأت حياتي العلمية ومشواري الدراسي بمسقط رأسي بعين الخضراء ولاية المسيلة، سنة1976، وتدرجت في التعليم إلى غاية حصولي على شهادة البكالوريا، شعبة آداب، عام 1989 . التحقت بقسم اللغة العربية وآدابها، بجامعة قسنطينة، وتخرجت فيها عام 1993، بعد نيلي لشهادة الليسانس، ثم انخرطت في سلك التعليم الثانوي والمتوسط . شاركتُ في مسابقة توظيف أساتذة التعليم الثانوي ببجاية عام 1998، وكنت على رأس قائمة الناجحين حسب الاستحقاق، حيثُ عُينتُ بثانوية ذراع القائد، دائرة خراطة، وأمضيتُ أربع سنوات في تدريس مادة الأدب العربي، بعد أن تمً تثبيتي في ماي 1999، وفي عام 2003، تحوًلتُ إلى المسيلة، ودرًست الأدب العربي في ثانوية " قسوم العيد" بعين الخضراء، وثانوية "خيري الخير" بمقرة، لسنوات، وفي عام 2006، التحقت بالمدرسة العليا للأساتذة ببوزريعة، بعد نجاحي في مسابقة الماجستير، وتخرجت فيها عام 2008، بعد حصولي على شهادة الماجستير، تخصص: دراسات الأدب العربي وفنونه، وفي عام 2011، التحقت بجامعة " تاسوست" بجيجل، بعد نجاحي في مسابقة توظيف الأساتذة المساعدين، قسم "ب " وبعد عام من التدريس بها، تمًت ترقيتي إلى رتبة أستاذ مساعد "أ"، لأنتقل بعدها إلى التدريس بجامعة " محمد بوضياف" بالمسيلة، في نوفمبر2014، وفي ديسمبر 2016، ناقشتُ أطروحة الدكتوراه بجامعة باتنة، وارتقيت إلى رتبة أستاذ محاضر "ب"، وفي جوان 2018، تأهلت إلى رتبة أستاذ محاضر"أ"

شاركت في العديد من الملتقيات والندوات والأيام الدراسية في عدة جامعات وطنية، كما أشرفت على العديد من رسائل الماستر والليسانس في جامعة المسيلة، كما قمت بنشر سلسلة من المقالات في مجلات وطنية محكمة، وأنتسب إلى مخبر السيميولوجيا والمسرح.

وخلاصة القول: إن كثرة المراس والمران، مع توافر الرغبة في الشيء، ومضاء العزيمة واتقاد الحزم، يولد في المرء روح التفوق والسبق، ويلهمه الثقة في النفس، ويورثه الرصانة في التفكير، والاتًزان في التعامل مع الأشياء، والنًظام في العمل.. متمثلا قول المتنبي: وإذا كانت النفوس كبارا ...تعبت في مرادها الأجسام.

- تعيش الجزائر هذه الأيام حراكا شعبيا ونخبويا كبيرا ما قراءتك الثقافية والفلسفية لهذا التحول الكبير الذي يشهده وعي المجتمع الجزائري؟.

- ما من شك أن الحراك الشعبي الذي شهدته الجزائر قد حرك رواكد النفوس، وحرر كثيرا من الطاقات والأصوات التي كانت مكبوتة لسنوات، بفعل كثير من التراكمات والترسبات، وحالات الاحتقان والانسداد، الناتجة عن الممارسات السلبية لأصحاب القرار الذين كمموا الأفواه، وصادروا الحريات وكبتوا الأنفاس، وانتهكوا الحقوق، الأمر الذي أدى إلى تردي الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وتهميش الكفاءات، وإقصاء بعض النخب المثقفة الفاعلة في المجتمع، واحتواء نخب أخرى وتدجينها، وتهجينها واتًخاذها أدوات لتمرير طروحات، وتزكية سياسات، لم تنتج في نهاية المطاف غير التسيب والتحلل والوصولية والمحسوبية، والفساد الإداري، والانتهازية. وظلت هذه النخب بصفة عامة قابعة في عزلتها، تجتر آلامها وأحزانها وخيباتها، منغلقة على ذاتها، عاجزة عن التغيير والتحرير، منفعلة لا فاعلة، ومتأثرة بما يجري حولها من تحولات، غير مؤثرة في مجرى الأحداث، قاصرة عن صناعة الوعي، وإنتاج المعرفة، ومن ثم فإن هذا الحراك الشعبي ليس صناعة نخبوية، بقدر ماه وهبة شعبية، وحالة يقظة، ولحظة صحوة، غذتها تداعيات سياسية، ومطالب اجتماعية.

- أبانت الحركة الطلابية بالجزائر في ظل الحراك على وعي وطني كبير هل يمكن مقارنة ثورة الطلاب بالجزائر هذه الأيام بثورة طلاب فرنسا سنة 1968م التي غيرت مجرى أوروبا كاملة؟.

- نعم لقد كان للحركة الطلابية حضور في هذا الحراك، من خلال انخراط مجموعات من الطلبة في عدة جامعات جزائرية في الاحتجاجات والمسيرات المطالبة بالتغيير، غير أن هذه المجموعات لم تكن طلائعية تتصدر مشهد الحراك، وتقوده أ وتؤطره وتعمل على تعبئة المشاركين، بقدر ما كان تحركها استجابة لضغط الشارع الذي كان سباقا ومحركا أساسيا لهذه الهبة الشعبية، ومن ثم فإن الجامعة من خلال الحركة الطلابية، كانت منفعلة لا فاعلة، ومتأثرة لا مؤثرة، ولست مبالغا إن قلت: إن الجامعة قد شهدت اضطرابا وانقطاعا عن العمل والدراسة، تحت ضغط التنظيمات الطلابية التي تسعى لتحقيق امتيازات ومكاسب ومواقع، ورسم خارطة جديدة تتيح لها ممارسة دورها في استعراض عضلاتها، وإثبات وجودها، حتى وإن وجدت داخلها أصوات تنادي بالتغيير، إلا أنها محاولة لركوب موجة الحراك، إذ لا يخفى على عاقل أن هذه التنظيمات والنقابات، هي امتداد لحركات وأحزاب سياسية، ومن ثم فإن مابقي من الحراك الطلابي ه ونشاط سياسي حزبي محتوى ومدجن وموجه، لايعبر عن حالة وعي، ولا يحمل مشروعا تجديديا، وإنما ه ورجع صدى ..

ومن ثم فلا مجال للمقارنة بين ثورة الطلاب بفرنسا عام1968، وبين حراك طلبة اليوم، لأن ثورة الأمس كانت واضحة في أسبابها ودوافعها وأهدافها، متسقة مع مشروع المجتمع القائم على السيادة والتحرر والاستقلال، في حين أن الثانية، وخاصة في جولاتها الأخيرة، ليست إلا محاولة من بعض المعادين للتغيير الإيجابي لفرض الأمر الواقع، التي تدفع باتجاهه ما يسمى بالدولة العميقة الموازية.

- تنامي وبروز النعرات العرقية والقبلية ومصطلح الهوية داخل الحراك في هذا الوقت بالذات اليس مؤشرا خطيرا لاختراق الحراك وهل يمكن لاطراف تصطاد في المياه العكرة ان تتسبب في الانفلات الأمني بالبلاد؟

- كان متوقعا أن تطف وبعض النزعات العرقية والجهوية، من خلال تجمعات حزبية يسارية، هي في الأصل امتداد لما يسمى الدولة العميقة الموازية، في ضوء ما طرأ على المشهد السياسي، لاسيما بعد الإطاحة برؤوس الفساد ورموز الاستئصال الذين ظلوا لسنوات جاثمين على صدر الوطن، ينهبون ويسلبون، ويستغنون، ويستنزفون خيراته وطاقاته، ويستأثرون بالسلطة، ويمسكون بمقاليد الحكم، الأمر الذي أدخل البلاد في دوامة العنف والقتل والجريمة، وبإسقاط هذه الرؤوس، انقطعت تلك القنوات التي كانت تضخ المال الفاسد، وتسخره في خدمة مشاريعها الاستعمارية المعادية لمشروع المجتمع، كما نص عليه بيان نوفمبر، وتحررت بعض أجهزة الدولة ومؤسساتها الحيوية من قبضة هؤلاء، وبدأ القضاء يستعيد زمام المبادرة، في متابعة الفاسدين والمفسدين، وتعطيل مخططاتهم في الاستحواذ على مركز القرار والقوة، ومن ثمً فإنً بروز مثل هذه النعرات والنزعات، إنما ه ورد فعل طبيعي من قبل أزلام وأتباع هذه القوى المتنفذة، لقطع الطريق أمام الإصلاحات، وتعطيل عجلة التغيير، والإبقاء على الأوضاع متعفنة، التي توفر لهم سلطة المال والإعلام والنفوذ، ومن حسن الطالع، أن الأمور لم تنفلت، وانبرت مؤسسة الجيش التي التزمت بمرافقة الحراك وتأمينه من الاختراقات، والثورة المضادة، وظلت حريصة على الحل السياسي والدستوري، واعتماد الحوار كأداة حضارية للخروج من الانسداد السياسي، وتهيئة الظروف المناسبة لإجراء انتخابات نزيهة وحرة، بعيدا عن مخاطر المرحلة الانتقالية، والمجلس التأسيسي، وتنحية الكل، التي يسوقها أدعياء الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة، كورقة ضغط، وخيار بديل، تلوح به أقلية تستقوي بالخارج، لفرض مشروعها التغريبي .

- قديما خاصة بعد نكسة حزيران كان للمفكر العربي دور كبير في تفعيل الحراك السياسي والشعبي، بماذا تفسر التراجع الرهيب لدور المثقف العربي في الحراك السياسي العربي بعد الربيع العربي؟.

هذا الأمر يتوقف على المفكر ذاته، وما يحمله بين جنباته من وعي، ونوع الثقافة التي تشرًبها، والمنهج الذي يتبناه، كوسيلة لتغيير واقعه، والتعاطي مع بيئته، وإصلاح مجتمعه، ولا يخفى على أحد أن مثقف الأمس، كان متشبعا بروح التحرر والتجدد، وعدم القابلية للاستعمار، يعتز بثقافته وانتمائه الوطني والقومي، موصولا بتراثه وتاريخه، منسجما مع ماضيه وذاته، الأمر الذي هيًأ له أسباب الحصانة الثقافية والفكرية، دون شعور بالنقص والدونية، وأتاح له مجالا للانبعاث والنهوض والتوثب، في حين أن هذا الجيل، يفتقد إلى مثل هذه القيم التي من شأنها أن توفر له أسباب الحصانة والمناعة والانطلاق والتأثير، ينضاف إلى ذلك أن انفتاح مثقف اليوم، على الثقافة الغربية، وتبنيه لمناهجها النقدية ومذاهبها الاجتماعية واتجاهاتها الفكرية والأدبية والفلسفية، بانبهار وذهول، ودون وعي وتبصر، أ وغربلة وتمييز، قد أسهم في تكريس تبعية المثقف العربي للثقافة الغربية، وترسيخ مقولة " المغلوب مولع بتقليد الغالب"، الأمر الذي أدًى إلى فقدان ذواتنا، وذوبان خصوصياتنا.

- الحركة النقدية العربية تشهد تهافتا كبيرا على منجزات النقد الغربي لكن يشوب تلك العملية حركة انبهار بل وتلقي دون غربلة أ ومراعات للخصوصيات الحضارية والثقافية التي أوجدت تلك النظريات ما قراءتكم لذلك؟.

- إن الحركة النقدية العربية المعاصرة، قد أصيبت بالعقم والشلل، فلم تعد حركة واعية فاعلة، تشق طريقها نح والتجدد والإبداع، وتتلمس خصائص الفنً الجمالية والفنية، ومرد ذلك، إلى تهافت النقاد والمثقفين العرب على منجزات النقد الغربي، بأصوله ونظرياته ومفاهيمه ومصطلحاته، من غير تمحيص ولا تمييز وغربلة لهذه المناهج الوافدة، فتبنوا مفاهيمها وخلفياتها ومضامينها ومحمولاتها، وأسقطوها على الأدب العربي، واكتفوا بالنقل والترجمة، فشاعت كثير من المصطلحات النقدية الغربية، وباتت المدونة النقدية العربية تتلقف كل ماينتجه النقد الغربي من معارف وأفكار، ومايبتكره من نظريات، ويصوغه من مقولات وطروحات وفلسفات، ويقدمه من خلاصات في سياق البحث والدرس للظاهرة الأدبية

وقد انعكس ذلك سلبا على الحركة النقدية العربية، التي باتت رهينة لتجاذبات مدارس نقدية، ومذاهب فكرية وفلسفية، مرتبطة بسياقات تاريخية وسياسية وثقافية مختلفة، وكأن القريحة العربية قد جمدت، ولم تعد قادرة على الإبداع والتجديد، على مستوى الإجراء والطرح والرؤية، ومن ثم صارت ثقافة الناقد العربي المعاصر، ثقافة نقل وتبن ورجع صدى، لا ثقافة تجديد وإضافة، واكتفى أغلبهم باستيعاب وهضم النظريات التي أفرزتها المناهج النقدية الغربية، ووقفوا منها موقف المنبهر الذي يحسن التقليد والترديد، تحت شعار حوار الحضارات والثقافات .

- كيف يمكن إيجاد الحلول المناسبة والناجعة للتخلص من الخلط المنهجي لعمليات الترجمة، ناهيك عن كثرة المصطلحات التي لا طائل منها، وكذا محاولة الكثير من نقادنا إن لم يكن كلهم على التطويع القصري للمصطلحات النقدية الغربية في البيئة العربية؟.

- ترتبط عملية الترجمة بمدى قدرة المترجم على معرفته بخصائص اللغة الأم، وهي اللغة العربية، وتفقهه في معجميتها، وحقولها الدلالية، وإدراكه لعبقريتها على مستوى بنياتها وصيغها ونظمها، ثم لابد للمترجم أن يكون متمكنا من اللغة التي يترجم نصوصها ومدوناتها، حتى تكون عملية الترجمة دقيقة ومضبوطة، غير أن كثيرا من المترجمين ينظرون إلى اللغة على أنها مفردات ومقاطع حروف، وليس تركيبا وسياقا، وه وخطأ فادح، ول وأخذنا مثالا لذلك، لقلنا إن كلمة" قنطار" هي بمعنى مئوي، نسبة إلى مائة، وأن معنى " الدينار" عشري"، نسبة إلى عشرة، وهما كلمتان معربتان، لم تترجما، لأن الترجمة لا تدل عليهما كما يدل التعريب

وهكذا كان يصنع العربي في عصور اللغة الأولى لثقته بلغته وخل وذهنه من الخوف عليها من مزاحمة اللغات الأخرى، ومن ثم كانت نسبة التعريب أكبر من نسبة الترجمة في عصور اللغة الأولى، وحين اختلط العرب بغيرهم من الأمم، بعد انتشار الإسلام، وتحدث إليهم الأعاجم بلسان عربي تشوبه اللكنة الأعجمية والأخطاء الدخيلة على تراكيب اللغة وأبنيتها وقواعدها المصطلح عليها، راودهم الخوف على سلامة اللغة في حاضرها ومستقبلها، أخذوا يضبطون قواعدها، وتحفظوا في النقل إليها، فرجحوا الترجمة على التعريب، لذلك لابد في الترجمة من مراعاة التخصص في مصطلحات العلم والفنون، لأن المصطلح يفقد معناه إذا وقع اللبس بين مدلوله ومدلول الكلمات الشائعة، ومنثم لابد من ترجمة المعاني، أما الأعلام وما ه ومن قبيلها فيعرب.

- هل بالإمكان إيجاد نوع من المقاربات التّثاقفية الجديدة الجامعة بين الثّقافتين العربية والغربية لحل الجدل الدائر بين بنية العقل الشرقي والغربي من خلال تشاكل ثقافي كوني جديد بعيدًا عن سلطة المركزية الغربية؟.

- إن الحل لهذه الإشكالية يكمن في إيجاد صيغ جديدة، تؤطر الظاهرة الثقافية والأدبية، وتقنن أساليب الحوار والتفاعل الإيجابي، وتحدد إجراءاته وآلياته وأدواته، وتؤسس للخطاب العقلاني الموضوعي، بعيدا عن الصدام والتعصب والإقصاء، وفق منهج حضاري، قابل للتعدد والتجدد، مع مراعاة الخصوصية الثقافية والحضارية لكل أمة، وما تقتضيه من اختلاف في الرؤى والمرجعيات، والتصورات، ووضع حدً لعلاقة التبعية للغرب في الفكر والثقافة، والتعامل مع ما يصلنا من زخم ثقافي بوعي وتبصر وروية وأناة، دون شعور بالنقص، وانبهار وذوبان في الآخر، وممن غير انكفاء على الذات، والانغلاق عليها، وأعتقد أن ذلك، لا يتحقق إلا بتقوية الفكر النظري والنقدي في حياتنا، وفي ممارساتنا وعلاقاتنا، ومعاملاتنا السياسية والاجتماعية والتعليمية والديمقراطية والأخلاقية والثقافية، وتصير هذه القيم منهجا لنا في الحياة، لتتيح لنا النظر إلى الظاهرة الثقافية نظرة استشرافية، وإدراك خصائصها المتجددة المتغيرة، التي ترتبط بمقاييس عصرها، وخصوصيات البيئة التي أنبتتها .

- ما مدى قدرة النقاد العرب على إيجاد نظرية نقدية عربية أصيلة تمتاح من النظريات النقدية الغربية ومصطلحاتها وكذا التراث العربي الأصيل من خلال كتابات رواد النقد العربي القديم أمثال عبد القاهر الجرجاني وغيره؟.

- أعتقد أن الحل يكمن في ضرورة الاهتمام بالثقافة الذاتية للأمة، لأن ذلك ه والمحك الذي يحدد هويتها، ويحفظ توازنها وكيانها من الذوبان والتلاشي، ومن ثم لابد من تمثل هذه الثقافة، بوصفها حصانة لكل أمة من الزيغ والتيه والتآكل والذهول، غير أن ذلك لايعني أبدا رفض ثقافة الآخر والنظر إليها بريبة وتوجس، بل لابد من إيجاد أطر وصيغ مرنة للتعاطي مع هذه القضية بإيجابية وفعالية، من خلال رسم خارطة طريق تسمح لكل دارس أ وباحث أن يتعمق تراثه وثقافته، ويستزيد من روافدها ومشاربها، ثم يمضي في طريق البحث والدرس، لينهل من هذه المنابع الثرة، لتعزيز معارفه، وإثراء ثقافته، وتجديد رؤيته، فتحصل لديه سعة الأفق، وبعد النظر، وخصوبة الفكر، ونفاذ الرؤية، والجمع بين الأصالة والمعاصرة، فلا إفراط ولا تفريط، ومن ثم ينبغي فهم المعادلة فهما صحيحا، من غير مزايدة ولا تطرف، حتى نتحرر من ضغوط التاريخ والماضي، ونكون في مستوى تحديات الحاضر، ونستشرف المستقبل.

- ما السبل والأدوات الكفيلة لتحقيق انوجاد نظرية نقدية عربية عالمية، تعبر بشكل خاص عن خصوصيات وهوية النقد العربي الأصيل ببعديه الجامع بين الثقافتين العربية والغربية؟.

- إن التأسيس لنظرية في الأدب والنقد، ه ومشروع حضاري عظيم، لا ينهض به، إلا أهل العلم والأدب والثقافة، وعليهم تقع مسؤولية كبرى في بناء هذا الصرح، الذي يستوجب النهوض بدورهم المنوط بهم، في إشاعة الوعي، وبث ثقافة البحث والحوار، وترسيخ روح النقد والتقويم، والمطالعة، وتكريس مبدأ الإقناع والحجاج والقراءة، والتخلي عن ثقافة المهرجانات، والملتقيات الاحتفالية التي تطغى عليها المجاملات والشكليات والبروتوكولات الرسمية، وما يواكبها من جلسات للتعارف، وتبادل التوصيات والوساطات، وما إلى ذلك من التقاليد الفاسدة التي كانت من أسباب نشر الرداءة والتقليد، والسرقات والتكرار والترديد، وتسويق الابتذال والإسفاف، لذلك لابد من مراجعة ذواتنا، وتصحيح أخطائنا، وتفعيل مراكز البحث، ودور الثقافة والمجامع اللغوية، وتحرير الجامعة من العصب ومجموعات الضغط والانتهازيين الذين يديرون الأمور حسب درجة الولاء والانتماء، وترقية البحث العلمي، وتسليم مقاليد قطاع التربية والتعليم العالي إلى أصحاب الكفاءات، والنخب المثقفة، القادرة على العطاء، ساعتها يمكن أن نتحدث عن مشروع تأسيس نظرية في النقد، لاسيما أن في تراثنا النقدي كتبا ومراجع، ترقى أن تكون أرضية خصبة، يمكن أن ننطلق منها، دون أن ننسى جهود كثير من نقادنا المعاصرين، الذين لهم إسهامات ونتاجات قيمة، في باب التجديد والإبداع.

- دكتور حسين في نهاية حوارنا الشيق هذا، نطرح عليكم سؤالا أخيرا. ما هو تصوركم للجزائر بعد خمسين سنة كيف ستكون؟.

- في ظل الحراك الذي تشهده الجزائر، فإن كل المؤشرات توحي بأن الجزائر مقبلة على عصر الازدهار والاستقرار والرقي والاستقلال الحقيقي، على جميع المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية، وقد أشرت إلى ذلك بقولي: مادام منسوب الوعي في ازدياد، والرجال في غاية الاستعداد والاجتهاد، فسينبلج صبح السداد، وتسطع شمس الرشاد، وينجرف غثاء الانسداد، وتزول سنوات الحداد، ولا خوف على البلاد والعباد، طالما بقينا أوفياء لعهد الآباء والأجداد، صادقين مع خالق العباد.

- كلمة أخيرة تعبر فيها عما يجول بخاطرك وما تود قوله للجمهور والمتتبعين؟

- في الأخير، أشكركم على هذه المحاورة الهادفة، وأقول: ليس كل متعلم مثقفا، ولا كل من نال شهادة بقادر على حملها، نحن – للأسف- في زمن ابتذلت فيه الشهادة كثيرا، حتى كادت تفقد قيمتها / بسبب طغيان الرداءة، فبعد أن كانت الشهادة كالحرية تؤخذ ولا تعطى، صارت تعطى ولا تؤخذ.. وشعاري: كن ذاتك، واستفد من هناتك، وتدارك ما فاتك، ولا تبح بآهاتك، كن ذا عزم ورأي وشجاعة، ومن اصطحب الكتب علت به الرتب...

 

حاورته الإعلامية الجزائرية خولة خمري

 

1052 نداالنظام التربوي العربي يعيش العديد من الأزمات لعدم وجود استراتيجية تعليمية عربية موحدة !!.

أهلا ومرحبا بك معنا دكتور عبد الرحمن.

-  بداية: كيف يقدم لنا الباحث المصري د. عبد الرحمن ندا نفسه؟ وخلاصة ما عاشه من تجارب للقراء والمتابعين؟.

- اسمي عبد الرحمن أحمد ندا، حاصل على دكتوراه أصول التربية جامعة المنصورة عام 2008م بتقدير ممتاز. أعمل حالياً خبير تدريس رياضيات بوزارة التعليم بمصر، عملت أستاذًا مساعداًومستشار تدريب بعمادة السنة الأولى المشتركة بجامعة الملك سعود من عام 2009 حتى عام 2017م، شاركت في العديد من المؤتمرات التربوية والثقافية على المستوى المحلي والعربي، كذلك لي العديد من المؤلفات التربوية كأبحاث علمية أو كتب تم نشرها في مجلات ومؤتمرات أكاديمية بمصر والسعودية وألمانيا.

 

-  ما هي نظرتكم لمستوى التعليم العالي في الجامعات العربية وماهي الأسباب الحقيقية وراء تراجع تصنيف الجامعات العربية على المستوى العالمي؟

- لا يخفى على كل ذي بصر تراجع مستوى التعليم العالي في مجتمعاتنا العربية مقارنة بالمجتمعات الغربية واستمرار ذلك التراجع مما أثر على دور التعليم العالي في إحداث التنمية المجتمعية الشاملة.

- بالنسبة لتصنيف الجامعات العربية على المستوى العالمي أود أن أبين أن المعايير التي يتم على أساسها ترتيب الجامعاتتختلف من تصنيف إلى آخر، إلا أن هناك معايير أساسية تتفق عليها كل التصنيفاتوهي: مدى توافر الإمكانات المادية، ومدى المشاركة في إنتاج المعرفة عن طريق النشر العلمي في الدوريات المعترف بها دوليًا. وعلى سبيل المثال : تصنيف TIMES لعام 2019 لأفضل 1000جامعة من 86 دولة كان نصيب الدول العربية 52 جامعة، منهم 7 جامعات من أفضل 500 جامعة. وأرى أن من أهم الأسباب التى أدت إلى حدوث هذا التراجع "تدني مخصصات التعليم والبحث العلمي، وربط التعيين والترقية بدرجة الولاء للنظم الحاكمة، استمرار نزيف هجرة العقول العربية للخارج، وسيطرة الأجواء الطاردة للكفاءات والقدرات، مع انخفاض دخول الأساتذة، وعدم تقدير صناع القرار والسياسيون للعلم والعلماء".

 

-  النظام الأكاديمي العالمي أصبح يعتمد على ما يسمى بالتخصصات العابرة للثقافات هل يمكن الحديث عن شيء من هذا القبيل في الجامعات العربية والمصرية خاصة؟.

-  التخصصات العابرة للثقافات وتسمى في بعض الأحيان بالدراسات الثقافية الشاملة أو المقارنة، والتي تهتم بفحص مجال السلوك البشري والثقافة البشرية. عند الحديث عن الاهتمام بتلك التخصصات في جامعاتنا العربية نلاحظ بروز مشكلة أن معظم الجامعات العربية- المصرية بصفة خاصة - لا تعتمد إحدى اللغات الأوروبية للتدريس بها، مما أثر علىالمستوى العلمي لطلاب الجامعة، ومناخ البحث العلمي فيالجامعة، وكفاءة أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، وبالتالي لا زال الاهتمام بالتخصصات العابرة للثقافات ضئيلاً للغاية في جامعاتنا العربية بصفة عامة والمصرية بصفة خاصة.

 

-  يواجه المعلم فى ظل عصر الثورة الرقمية العديد من التحديات كالتربية المستدامة، وقيادة التغيير، وإدارة التكنولوجيا، وثورة المعلومات، والتحدي الثقافي الذي يهدد السلوكيات والقيم ما تعليقكم؟.

- فعلاً يواجه المعلم فى ظل عصر الثورة الرقمية العديد من التحديات، والتي فرضت نفسها على نظم التربية والتعليم في المجتمعات العربية، والتي أصبح من أهم آثارها ضرورة تغيير المعلم لأدواره المتوقعة منه في ظل تلك التحديات، ومن أهم تلك الادوار على سبيل المثال لا الحصر:

- الاستفادة من فرص التعلم مدى الحياة، بما يمكنه ذلك من اكتساب الكفايات التي تؤهله لمواجهة المواقف الحياتية المختلفة والتعايش مع الآخرين.

- إتباع أسلوب التفكير العلميالمنظم بما يساعده على استشراف آفاق المستقبل، وبالتالي إدخال تغييرات مخطط لها لضمان نجاح العملية التعليمية.

-  إكتساب المعلمين لمهارات التعامل مع المستحدثات العلمية بما يؤكد اكتسابهملمهارات حياتية جديدة تجعلهم يوظفون المعلومات، ويساعدون طلابهم على توظفيها والاستفادة منها

- العمل على توظيف تقنيات المعلومات بما يتيح له وقتاً أطول لتوجيه طلابه واكتشاف مواهبهم، والتعرف على نقاط ضعفهم.

- في ظل الصراع الثقافي والذي يهدد سلوكيات وقيم المجتمعات، أصبح المعلم مطالباً بتعميق شعور الطالب بمجتمعه من خلال دعم الهوية الثقافية للمجتمع العربي والإسلامي، وتعزيز الأفكار والقيم الإيجابية السائدة في المجتمع.

 

-  تشير التوجهات المستقبلية إلى أن التعليم الإلكتروني سوف يفرض نفسه على الأنظمة التعليمية بحيث ستصبح المدرسة هي مصدرالتعلم وليست مكانا له وهو ما بدأ يطبق في كثير من الدول الغربية ما تعليقكم على ذلك؟.

- فعلاً سوف يختلف شكلالتعليم المدرسي في ظل عصر الثورة الرقمية، حيث ستتحول المدرسة بأكملها إلى بيئة حاضنة للتقنية فيما يسمى بالمدرسة المحوسبة، ويتطلب التحول إلى المدرسة المحوسبة :

- تحقيق الربط الشبكي بين أجزاء وفصول المدرسة ومرافقها المختلفة مما يتطلب تحويل المدرسة إلى بيئة تقنية تجيد التعامل مع تقنيات الحاسب الآلي.

- حوسبة المناهج والكتب الدراسية واعتماد التعليم على التعامل مع التقنية ومصادر التعليم الإلكتروني.

- تحفيز المعلمين على تطوير قدراتهم في مجال التعامل مع المعلومات، بما يعني تحول المعلمين من مجرد ناقلين للمعرفة إلى مستخدمين للتقنية وباحثين من تجين للمعرفة.

 

-  ماهي المهارات التعلمية التي تحث المعلم العربي على ضرورة امتلاكها فى ظل عصر الثورة الرقمية وما هي طرق تنميتها باعتبارك خبير بهذا المجال؟

- من أهم المهارات التي ينبغي أن يمتلكها المعلم في عصر الثورة الرقمية: القدرة على تنمية مهارات التفكير الناقد، تعليم الطلاب المهارات الحياتية سواء شخصية أو اجتماعية، تنمية المهارات العليا للتفكير، مهارة استخدام وإدارة تكنولوجيا التعليم، مهارة دعم الاقتصاد المعرفي.  ويمكن تنمية تلك المهارات لدى المعلم من خلال: التنمية المهنية الإلكترونية للمعلمين، التدريب الإلكتروني للمعلم، تقليل العبء التدريسي للمعلم، التحفيز.

 

-  كيف يمكن إكساب المعلمين اتجاهات إيجابية نحوالتدريب الإلكتروني، وهل يمكن القول أن تقديم الحوافز المادية فقط للمعلمين كافية لتحفيزهم على المشاركة في برامج التدريب الإلكتروني؟.

- يمكن إكساب المعلمين اتجاهات إيجابية نحو التدريب الإلكتروني، من خلال:

- التعرف على حاجات المعلمين المستهدفين للتدريب وتحديد نوعيات برامج التدريب المطلوبة من جانبهم.

- توعية المعلمين وإكسابهم اتجاهات إيجابية نحو استخدام الوسائل الحديثة في التدريب.

-  تقديم الحوافزالمادية والمعنوية الممكنة للمعلمين لتحفيزهم على المشاركة في برامج التدريب الإلكتروني.

 

- الدول العربية تعيش العديد من الأزمات سواء الإقتصادية أو السياسية فيما بينها ما قراءتكم للأسباب الحقيقية وراء هذاوهل يمكن القول أن الخلل الأول كامن بالنظام التربوي؟

- في رأيي أن السبب الرئيس لكل تلك الأزمات هو الاحتكام "نظرية المصالح" والتي جعلت كل دولة تنظر إلى مدى الفائدة العائدة عليها من علاقاتها مع دول الجوار أو دول المنطقة انطلاقاً إلى العالم الخارجي بعيداً عن قيود العروبة والدين واللغة إلى غير ذلك من الشعارات التي انهارت وتبدلتنتيجة لظاهرة "الفراغ الاستراتيجي"، حيث انهارت دول وتبدلت كيانات وصعدت حكومات .

 الأمر الذي أدى إلى انفراد كل دولة برأيها بناء على قياسها لمصالحها بعيداً عن شقيقاتها مما أدى إلى عدم وجود "استراتيجية عربية موحدة" وواضحة للتعامل مع التهديدات، تشترك فيها الدول العربية جميعاً، تتسم بالشفافية والمكاشفة بين الدول العربية لوضع أجندة مُتفق عليها لأولويات الأمن القومي العربي.

 دعونا نؤكد أن هناك خللاً في نظمنا التربوية والتي رسخت بداخلنا إشكاليات كثيرة خاصة بالهُوية والأنا والتعامل مع الآخر، وجعلتنا نؤمن في تعاملنا مع الأزماتأن غاية الممكن هو إدارة الأزمات وليس حلها، وأن المطلوب هو التكيف معها بدلاً من اقتلاع جذورها ومُواجهة أسبابها.

 

- ما السبل والوسائل الكفيلة التي تراها مناسبة لحل هذه الأزمات التي يتخبط فيها العالم العربي، خاصة بعد ما سمي بثورات الربيع العربي..؟.

 في رأيي إن الاستراتيجية الأكثر فاعلية فيالتعامل مع الأزمات من خلال النظام التربوي هو :

 التحول من "إدارة الأزمة" إلى حل "أزمة الإرادة" التي يمر بها العالم العربي، وتكون من خلال توفر الإرادة لدى الكثير من القيادات والنخب والشعوب على الخروج من «المأزق الحضاري» الذي نعيشه، ونكابد تبعاته المُرّة.

 دور النظم التربوية في تحقيق أهداف  المجتمعات العربية لم يعُد مجرد رؤى آيديولوجية أو أفكار نظرية، وإنما حقائق وتحديات مطروحة على أجندة العمل التربوي العربي، من خلال تعزيز تكافؤ الفرص واحترام الهويات المختلفة في إطار الدولة الوطنية الحديثة.

 

- دكتور عبد الرحمن في نهاية حوارنا الشيق هذا، نطرح عليكم سؤالا أخيرا وهو ماهو تصوركم لواقع المجتمعات العربية بعد 50 سنة بالتقريب سواء من الناحية المعرفية أو الاقتصادية أوالسياسية ؟

- في البداية أود أن أشير إلى مفارقة هامة بين المجتمعات الغربية والمجتمعات العربية، فالمجتمعات الغربية تعيش حاضرها وتحاول أخذ العبرة من ماضيها حتى لا تكرر ما حدث فيه من مآسي وإشكاليات ويصبح نقطة إنطلاق نحو تحسين الواقع والتفكير في بناء وتخطيط مستقبلها، بينما المجتمعات العربيةبالكاد تعيش حاضرها وتظل تتغنى بأمجاد ماضيها ولا تأخذ منه العبرة دون سعي منها لتحسين واقعها أو التفكير بمستقبلها.

استناداً لما سبق يمكن القول: بأنه نظراً إلى موقعنا في المعادلة الكونية من حيث وجودنا "كمفعول بنا" ولسنا "فاعلين" فإن تصوري لواقع المجتمعات العربية بعد 50 سنة يشوبه الكثير من التوجس والقلق نتيجة لما هو موجود على أرض الواقع من التفكير التخلفي القائم على التحزب والتفكير في التخريب وتدمير الآخر المخالف، من الناحية المعرفية: ستظل الهوة المعرفية قائمة بل ستزداد بين المجتمعات العربية والعالم الخارجي وسنظل مستوردين للنماذج المعرفية الغربية بما تحتويه من ثقافة استهلاكية وقيم غربية لا تناسب مجتمعاتنا. أما من الناحية السياسية والاقتصادية: ستظل مجتمعاتنا العربية بعيدة كل البعد عن التكتلات الاقتصادية الفاعلة وستظل سوقاً لما تنتجه المصانع الغربية والآسيوية نظراً لعدم وجود البديل الكفء، كذلك قد تتغير الخريطة السياسية للمنطقة فتتبدل وتتشكل بطريقة أو بأخرى بأيدي القوى العالمية تبعاً لمصالحها في المنطقة.

 

- هل من كلمة أخيرة تقدمها للمتتبعين من الأكاديميين والشباب ومختلف أصناف المجتمع بالوطن العربي؟

- كلمتي الأخيرة أوجهها لكل أفراد المجتمع العربي بجميع طوائفه، وأستهلها بمقولة للشيخ محمد متولي الشعراوي "الذي لا يملك ضربة فأسه لا يملك قرار رأسه "، بمعنى أنه لكي يكون لمجتمعاتنا ثقل وشأن في المجتمع الدولي فيجب أن يكون لدينا قوة وقدرة على أخذ قراراتنا المصيرية باستقلالية تامةوهذا لن يتأتى إلا بالعمل المخلص والدؤوب من كل فرد فينا على حسب موقعه، والاستناد إلى التخطيط العلمي والمستقبلي للعمل على وضع مجتمعاتنا في مصاف الدول المتقدمة، والعمل على التقدم بمقترحات وبحوث تطبيقية وحلول قابلة للتطبيق بهدف مجابهة التحديات والمشاكل الملحة التي تواجه مجتمعاتنا العربية.

 

حاورته الإعلامية الجزائرية خولة خمري

 

979 vargas2قوة الأدب والقومية الجديدة والحُب في عمر الــ ٨٣.

أجرى المقابلة: الصحفية يودت ليره*

ترجمها عن الألمانية: بشار الزبيدي

***

مقدمة:

يعيش ماريو فارغاس يوسا خلف أسوار عالية في أحدى الأحياء الغنية في شمال مدينة مدريد. جيرانه هم سفراء دول الكويت والجزائر وفنزويلا. عندما ذهابنا لمنزله انفتحت بوابة ضخمة قبل أن يفتح الخادم الذي يرتدي  زي رسمي وقفازات بيضاء باب الفيلا الكبيرة المؤدي إلى مكتبة الكاتب ماريو فارغاس. أرض المكتبة مفروشة بسجادة فارسية، والنوافذ محجوبة بستائر خضراء مخملية. على الطاولة صندوق خشبي كبير مليء بالسجائر. وفوق الموقد لوحة زيتية لشريكة حياته الحالية (إيزابيل بريسلر)، المُكناة بلؤلؤة مانيلا. يجلس الحائز على جائزة نوبل للأدب ماريو فارغاس اوسا أمام مكتبه الضخم على كرسي ذو ذراعين جلديين وهو يرتدي بنطال بيج وقميص كتان أخضر غامق وقدميه الحافيتين موضوعتين في خُفان جلدية. يُعتبر الكاتب البيروفي واحد من أهم الكتاب المعاصرين، وقدم مؤخراً سيرته الذاتية الفكرية في كتابه الجديد "نداء القبيلة".

الحوار:

الصحفية: كيف ينبغي لنا مُخاطبتك؟ كونت ماريو فارغاس يوسا؟

ماريو: لا ..ماذا تقصدين، يكفي أن تُناديني ماريو.

الصحفية: لكنك تحمل هذا اللقب: يا سيد ماريو فارغاس يوسا.

ماريو: أوه، لا، هذا هو لقب النبلاء الذي منحني إياه ملك إسبانيا بعد حصولي على جائزة نوبل. وأنا لا أستخدمه

الصحفية: هل تكتب هنا في هذه القاعة الفخمة؟ هل كتبت في هذا اليوم؟

ماريو: نعم. أكتب كل يوم. أنا دائماً أعمل. ساعات الصباح هي المفضلة بالنسبة لي. ابدأ مُبكرًا، في الساعةِ الخامسةِ. وعند الساعة السادسة، أمارس الرياضة  البدنية لمدة ساعة لأني أبقى جالساً طوال اليوم. بعد ذلك أستحم، أتناول الإفطار، وأقرأ الصُحف، ثم أباشر العمل. أنا أكتب حتى الساعة الثالثة. هناك كُتاب الليل وكُتاب النهار. أنا أنتمي  لكُتاب النهار.

الصحفية: أتكتب كل يوم؟

ماريو: نعم كل يوم، حتى يوم الأحد. لأني أكتب مقالات صحفية.

الصحفية: لقد كتبت 59 كتابًا في 55 عامًا. ما الذي تعمل عليه حاليًا؟

ماريو: أنا أكتب في رواية تدور أحداثها في غواتيمالا في عهد الرئيس جاكوبو أربينز. والذي نُظم ضده عام 1954 انقلاب من قبل وكالة المخابرات المركزية. كان الأمريكيون متوترين بشكل رهيب لأنهم اعتقدوا أنها كانت ثورة شيوعية. لكنها كانت حكومة ديموقراطية اجتماعية. قُتلَ خلف أربنز، كاستيلو أرماس، في ظروف غامضة بعد ثلاث سنوات، وهي عملية اغتيال لم يتم توضيح ملابساتها ابداً.

الصحفية: أنت تسافر كثيرًا، وتكتب أيضاً في نفس الوقت؟

ماريو: أكتب في كل مكان، حتى في غرف الفنادق، سأقوم بهذا الأمر أيضاً في يوليو في بيرو وألاسكا. على الأقل بضع ساعات في اليوم. حتى عند السفر، أحافظ على حيوية مشاريعي: سيما مقالاتي ورواياتي. يُمكن أن تكون اوقات الاستراحة والانقطاعات قاتلة. أنا بحاجة لهذا النشاط، وإلا سأقتل نفسي.

الصحفية: لقد قلت ذات مرة: إذا لم أتمكن من الكتابة، فسأطلق الرصاص على نفسي.

ماريو: هذه هي الحقيقة الخالصة. إذا لم أكتب، كنت سأقتل نفسي بالفعل. (يضحك بصوتٍ عالٍ)

الصحفية: هل ما زلت تكتب بنفس هذا الشغف؟

ماريو: دائماً. هذه هي حياتي، وجودي. الكتابة هي طريقة للحياة. حياتي تدور حول عملي ككاتب. ابحث كثيرًا ودائمًا، وليس بالضرورة أبحث عن الحقيقة التاريخية، أو لأني امنح نفسي الكثير من الحريات، وإنما لأكون قادرًا على التماهي مع الحقبة والشخصيات.

الصحفية: قال فيليب روث إنه لم يبق له شيء للكتابة في سن الشيخوخة.

ماريو: الأمر مختلف معي. سوف أموت إذا لم أتمكن من كتابة ما لا يقل عن عُشر المشاريع التي ما زالت في ذهني. ما زالت هناك عشرة كتب على الأقل لأكتبها.

الصحفية: ما الذي يُلهمك؟

ماريو: الحياة. لم أكتب شيئا، لم يكن مُتعلقًا بحياتي. هذه هي الموضوعات التي تحفزني، الأشياء تحدث لي. تجارب معينة تلامسني بعمق في عقلي الباطني.

الصحفية: أنت آخر الناجين من هذا الجيل من كتاب أمريكا اللاتينية العظماء.

ماريو: نعم، جيل الازدهار.

الصحفية: غارسيا ماركيز من كولومبيا، وخوسيه دونوسو من شيلي، وخوليو كورتاثر من الأرجنتين، وكارلوس فوينتيس من المكسيك.

ماريو: إنه امتياز مُحزن، لكن هكذا هي الحياة. الكثير من الأصدقاء ماتوا.

الصحفية: هل تفتقدهم؟

ماريو: فلنقل، كان وقتًا رائعًا، حقبة اكتشفت فيها أوروبا والولايات المتحدة واكتشف فيها العالم أدب أمريكا اللاتينية، الذي كان موجوداً منذ فترة طويلة ولكنه كان حبيساً. لم يغادر أمريكا اللاتينية. وفي وقتٍ واحد، في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، تم اكتشاف أدب أمريكا اللاتينية. وحتى أمريكا اللاتينية نفسها بدأت في قراءة وإعادة اكتشاف مؤلفيها، مثل خورخي بورخيس.

الصحفية: حقبة مؤثرة.

ماريو: نعم، خاصة لأننا اكتشفنا أن لدينا هوية أمريكية لاتينية مُشتركة. عندما كنت في بيرو، لم أكن أعرف ماذا يكتب المرء في كولومبيا والإكوادور وشيلي، باستثناء ربما بابلو نيرودا. لم يكن لدينا أي فكرة ماذا يعني أن تكون أمريكي لاتيني. كانت المرة الأولى التي شعرت فيها بهذا الشيء، عندما كنت أعيش في باريس. وذلك عندما بدأت في قراءة أدب أمريكا اللاتينية. كان من المُلهم أن نشعر بأننا، من المكسيك والأرجنتين وبيرو، ولدينا نفس الجذور.

الصحفية: لكنك لا تفتقد غابو، غابرييل غارسيا ماركيز؟

ماريو: صداقتنا وأخوتنا تحطمت بفعل الخلافات السياسية. كما هو الحال دائماً. حيث بدأت الانقسامات، المشاجرات. ولكن الحقيقة: كانت هناك دائما صداقة نجت من هذه الخلافات السياسية.

الصحفية: هل هناك أصوات جديدة في أدب أمريكا اللاتينية؟

ماريو: بالتأكيد.

الصحفية: من هم؟

ماريو: على سبيل المثال، البيروفي ألونسو كويتو. عمره يزيد عن 50 عامًا، لكنه يبدو مثيراً للاهتمام بالنسبة لي، فهو بارع للغاية، لأن كتاب أمريكا اللاتينية لم يعودوا اليوم ضيقي الأفق. ولا يقفوا عند حدود بلدانهم. وقد أعطى هذا الأمر أدب أمريكا اللاتينية رؤية دولية أكثر حداثة. على النقيض من الحياة السياسية، التي ظلت محدودة، وضيقة الأفق كثيراً.

الصحفية: ماذا تقرأ حالياً؟

ماريو: اقرأ الكلاسيكيات، وقراءتها مراراً وتكراراً. في سن مبكرة، قرأت أولئك الذين اناروا طريقي مثل: فلوبير، فوكنر، وحتى سارتر، الذي نأت نفسي منه كثيرًا، ولكن كان هناك وقت، أثر فيه سارتر تأثيرًا كبيرًا عليَ. ما أجده مثيراً للاهتمام اليوم هو أن هناك الكثير من الكتاب، في جميع البلدان، وهناك حياة ثقافية غنية، لم تكن موجودة معنا. وقد تضاعف عدد الكُتاب الشباب، مما يُصعب علينا متابعتهم.

الصحفية: اعتَقَدَ سارتر أن الكاتب يُمكن أن يؤثر على القصة. هل انجزت ذلك؟

ماريو: هذا الأمر صعب القياس. فهو شيء غير مرئي، لكنني أعتقد أن الأدب يؤثر على الناس وله آثار اجتماعية وسياسية. بدون شك.

الصحفية: حتى اليوم؟

ماريو: أنا مقتنع بذلك. لكن في الحياة العصرية، يبدوا هذا الأمر أكثر صعوبة. أصبح الأدب ثانويًا بالنسبة للأنشطة الأخرى مثل الموسيقى والأفلام والتلفزيون - والتي لها تأثير أكبر. تم دفع الأدب إلى الحافة. لكن الأدب ما يزال أقوى وسيلة لنشر الأفكار. لسوء الحظ، في حياتنا اليوم، الأفكار أقل أهمية من الصور. فنحن في زمن ثقافة الشاشة.

الصحفية: هل هذا جيد أم سيء؟

ماريو: المجتمع الذي يضم العديد من القراء أكثر حرية وأكثر نقداً. أحد  تأثيرات الأدب هو إنتاج الناقدين لذوي السلطة. أن الشعب الذي لا يقرأ ،يَسهُل التلاعب فيه. القُراء الجيدون هم المتمردون، بالمعنى السياسي والديني والجنسي. الأدب ليس مجرد ترفيه. بالتأكيد، قراءة شكسبير مُسلية أو سيرفانتيس وجوته وتوماس مان، هذا رائع. ولكن بعد بعد تجاوز هذه المتعة نحصل على المزيد. والفكرة هي أنه إلى جانب حياتنا، هناك حياة أخرى أكثر كثافة وأكثر غنى. هذا يخلق فينا نوعاً من التمردِ ضد الواقع. وهذا بدوره محرك التقدم.

الصحفية: هل انت مُتمرد؟

ماريو: أعتقد نعم. أعتقد أنني مُتمرد. فقط لأنني قارئ نهم. أعتقد أن الأدب الجيد يجعل القُراء نُقاد جيدين في العالم.

الصحفية: ماريو، يا لها من مكتبة فاخرة. هل قمت بتصميمها؟

ماريو: لا. هذا صعب التفسير. إنها مكتبتي الآن، ولكنها كانت تخص زوج زوجتي السابق. كان وزيراً للشؤون الاقتصادية في عهد الرئيس الاشتراكي فيليب غونزاليس.

الصحفية: هل هذه كُتُبك؟

ماريو: كلا، هذه كلها كُتبهِ. لقد كان مُثقفاً. هنا خانة كاملة لكُتُب علم الفلك، هناك رياضيات، هناك للأمام كُتُب عن السفر، وجدار كامل من الكُتُب حول مصر القديمة.

الصحفية: وأين هي كُتُبك؟

ماريو: كُتُبي موجودة في منزل مُنفصل ، يقع في مكان قريب.

الصحفية: عمرك اليوم 83. هل تفكر في الماضي؟

ماريو: اتذكر بعض المراحل والأحداث بحنين، لكنني لا أعيش في الماضي على الإطلاق. أنا أحب الحاضر كثيراً، وغالبا ما أفكر في المستقبل. العمر يجعل الناس أكثر حكمة، يتعلم المرء التمييز بين ما هو مهم وغير مهم، ما هو عميق وما هو عابر، وهذه هي ثروتنا نحن كبار السن.

الصحفية: ما هو أكبر نجاح تمتلكه؟ جائزة نوبل للآداب؟

ماريو: لا. نجاحي بأنني أكتب عموماً. اخترت هذا العمل عندما كان الأمر صعبًا جدًا. إذا كان لديك مهنة أدبية في ذلك الوقت، ستبتعد عن المجتمع. كان من اليأس تمامًا أن يعيش المرء من الكتابة. هذا الأمر لا يمكن تصوره. شعر والدي بالقلق عندما اكتشف أني كتبت الشعر.

الصحفية: لقد صفعك والدك. وأرسلك إلى أكاديمية عسكرية لإبعادك عن الكتابة. كان هذا موضوع أول روايتك.

ماريو: كان يعتقد بأن ما أقوم به هو تذكرة مجانية للفشل. وأنني لن اكسب المال عن طريقه. وبأنني كنت شخص بوهيمي. هكذا كانت فكرته عن الكاتب. إما اليوم فقد أصبح الأمر أسهل بالنسبة لشاب يريد الكتابة. بالنسبة لي بدا ذلك ميئوسا منه. كانت الكتابة شيئًا يخص المحامين والمدرسين والأساتذة في أيام الأحد. لم يكرس أحد حياته للكتابة.

الصحفية: إذًا هذا أكثر أهمية لك من جائزة نوبل؟

ماريو: جائزة نوبل هي يانصيب. بعض الذين فازوا بها يستحقونها. والبعض الآخر استحقها، لكن لم يتحصل عليها. كان الفائز بجائزة نوبل الأولى شاعراً لم يعد يقرأ له أحد. كان اسمه برودوم، لا أحد يعرفه، حتى في فرنسا.

الصحفية: هل كانت هناك هزائم في حياتك؟

ماريو: بالطبع، هزائم، فشل، أخطاء،هذا أمر مؤكد.

الصحفية: هلا ذكرت لنا منها؟

ماريو: يجب على المرء أن لا يتذكر الفشل، إذ من الأفضل وصحياً، أن لا نسبح في الجروح. لكنني ارتكبت الكثير من الأخطاء. حاولت تصحيح بعضها وحاولت نسيان أخرى.

الصحفية: ألا تريد الافصاح عن أي خطأ؟

ماريو: كنت شيوعياً. كان ذلك خطأ فادح. كنت عضواً لمدة عام فقط في الحزب، لأن الستالينية كانت مُغلقة جدًا، وطائفية، ومُتعصبة، لدرجة أنني تحملتها لمدة عام فقط. لكن لفترة طويلة اعتقدت بأن الماركسية، الشيوعية الراديكالية ،كانت هي المخرج للبشرية  من الظلم.

الصحفية: لكن ماهو أكبر أخطائك؟

ماريو: الخطأ كبيرا، ما يراه المرء من فشل تام في المجتمعات الشيوعية. كتابي الجديد - نداء القبيلة - هو سيرة ذاتية تتعلق باكتشاف الديموقراطية والليبرالية على أساس خبرات ملموسة ومؤلفين مهمين، من آدم سميث إلى كارل بوبر إلى فريدريش أوغست. لقد كانت قضية شخصية بالنسبة لي: من الجماعية إلى مجتمع حُر وديموقراطي، إلى دولة قانون. لقد أثبت لنا الزمن أننا على صواب: انهيار الاتحاد السوفيتي، وتطور الصين إلى دولة رأسمالية، وإن كانت دكتاتورية. وانظر ماذا يحدث في فنزويلا الاشتراكية. إنه أمر مأساوي للغاية، فظيع للغاية، أي ينساق كل شيء في مثل هذه الأرض الغنية، إلى الخراب.

979 vargas1

الصحفية: ماذا تتذكر عن وقتك مع فيدل كاسترو؟

ماريو: كان لدي حديث واحد مطول مع فيدل كاسترو. في ذلك الوقت، كان لدي حماس كبير للشيوعية الكوبية، وكان جيلي بأكمله يشعر بهذا الحماس، بدا لي ذلك وكأنه تجربة خارقة بالنسبة لي. كنت مُعجبًا كبيرًا بالثورة الكوبية حتى اندلاعها.

الصحفية: كيف حدث ذلك؟

ماريو: كان سببها حادثة باديلا. كان هيبيرتو باديلا شاعراً ترك الشعر من أجل الانضمام إلى الثورة. أصبح وزيراً، كان نزيهاً تماماً. لقد سقط في السخط لمجرد أنه انتقد السياسة الثقافية، وليس الثورة نفسها. وضعه كاسترو في السجن وأتهمه بأنه يعمل لدى وكالة الاستخبارات المركزية. يا لها من بلاهة. لقد اعترضنا في وقتها على ذلك.

الصحفية: احتج العديد من المثقفين اليساريين. كانت سوزان سونتاج من بينهم وخوليو كورتاثار وكارلوس فوينتس وهانس ماغنوس إنتزنسبيرغر.

ماريو: لقد كان انكسار كبير. وحتى ذلك الحين، كان مثقفو العالم يدعمون كوبا. فقد رأوا في كوبا حداثة وشيوعية ديموقراطية. أقر الكثير منا بأن ذلك لم يكن صحيحاً.

الصحفية: هل كانت تلك هي اللحظة الحاسمة - في حياتك أيضًا؟

ماريو: كانت واحدة من اللحظات. ولكن قبل ذلك، كان لدي دلائل. عندما أنشأوا معسكر UMAP). الوحدات العسكرية لمساعدة الإنتاج). في الحقيقة كانت هذه معسكرات اعتقال، تضمنت مجرمين معاديين للثورة ومثليي الجنس. كنت أعرف الكثير من المثليين، وثوريين حقيقيين، وشعراء، وراقصين، ورسامين، ومجموعة El Puente. لقد عانوا كثيراً  وتم إرسالهم إلى معسكرات الاعتقال، وقُتل بعضهم. منذ ذلك الحين بدأت الشكوك في داخلي وبدأت مسيرتي النقدية.

الصحفية: هل وجدت فلسفتك، والليبرالية، في وقت متأخر جداً.

ماريو: بالطبع، متأخر جداً. ذهبت إلى إنجلترا في سن السادسة والثلاثين، متأخرة جدًا. ولكن أن تكون متأخراً أفضل من ألا تأتي أبداً.

الصحفية: ما هي حالة عالمنا في عام 2019؟

ماريو: أود هنا أن أقتبس لــ بوبر. قبل أشهر قليلة من وفاته، جاء إلى إسبانيا. قال الصحفيون في المؤتمر صحفي: "العالم في حالة سيئة. فقال لهم: نعم، العالم سيء، يوجد الكثير من العنف، الكثير من الفقر، الآلاف من المشاكل. لكن إذا كنتم دائماً تعتقدون أن العالم سيء، تذكروا إن حالنا لم يكن أفضل أبدًا في تاريخ البشرية. أبداً. هذه الإجابة ينبغي أن تمنحنا الجرأة. جوابه كان صائب تماماً.

الصحفية: ولكن هناك الكثير من الفقر والظلم الدائم، لا سيما في أمريكا اللاتينية.

ماريو: لكن الظروف المعيشية تحسنت حتى بالنسبة لأولئك الذين هم في حالة سيئة للغاية. قبل ذلك كان شعورهم أسوأ. خاصة بالنسبة للشباب، من المهم ألا يقعوا في هذا التشاؤم الكسيح، وهذا هو أسوأ شيء بالنسبة للمجتمع.

الصحفية: كيف ترى الموجة الشعبوية الجديدة، والقومية في العالم؟

ماريو: هذه مشكلة كبيرة. الشعبوية لا تنفصل عن القومية. والقومية هي واحدة من أكبر الكوارث في تاريخ البشرية. فيما إذا كان هناك شخص يعرف بأن أوروبا هي التي خاضت حربين عالميتين بملايين من القتلى بسبب القومية. الدين وحده فقط من يسبب الكثير من الضحايا، وسفك الدماء، والظلم بالقدر الذي تسببه الشعبوية، التي تتمثل مقوماتها الرئيسية في القومية. على المرء محاربة الشعبوية والقومية بكل الوسائل، باسم الديمقراطية والحرية.

الصحفية: أوروبا يتم الاستيلاء عليها حالياً من قبل الشعبويين وأمثلة على ذلك: أوربان، فيلدرز، انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وحزب البديل من أجل ألمانيا.

ماريو: ما تفعله الشعبوية حاليًا أمر فظيع. وهذا يعني أن الذاكرة غير موجودة. بالأمس عشنا ما أفسدته القومية والآن منتشرة في كل مكان، حتى في إسبانيا.

الصحفية: من أين أتت الشعبوية بالذات في الوقت الحاضر؟

ماريو: أنه تفكير قبلي. الحنين إلى شيء لم يكن موجوداً. الحنين إلى مجتمع متجانس تمامًا ،يتحدث بنفس اللغة وله نفس العرق وذات الإله ونفس التقاليد. لم يكن هذا الأمر موجودة أبداً، أبداً، فقط في عهد رجال الكهوف، والهمجية. ولكنه هذا الحنين إلى الماضي يمنح الناس بطريقة ما الهدوء.

الصحفية: لكن لماذا ظهرت الان؟

ماريو: هذا مرتبط بالتطور السريع لهذا العالم. نحن نعيش في واقع لا علاقة له بالماضي. هذا يخيف الكثير من الناس، يخيفهم. ومن هنا يأتي التوق إلى الماضي، وهو أمر غير واقعي. هنا في إسبانيا نشهد ثورة في العادات. يشعر الكثيرون بالإرهاق من نهضة النساء والتغيير الاجتماعي. فأين إذن يفرون؟ في الخيال، في هذه الفكرة عن مجتمع موحد تمامًا، متجانس، صحي، حيث يتعرف الجميع على بعضهم البعض. هذا لم يكن موجودًا ولن يوجد أبدًا. خاصة اليوم، لأن الحدود قد رُفعت، لأننا جميعًا مواطنون في العالم، سواء أردنا ذلك أم لا. ولكن الحنين إلى القومية عاد للظهور مجدداً، خاصة في أوروبا، وهذا أمر مخيف.

الصحفية: ليس فقط في أوروبا. أيضا في الولايات المتحدة الأمريكية.

ماريو: نعم هناك ايضاً. كيف يمكن للمرء أن يشرح أن هذا البلد، الذي يمتلك الطليعة في الحداثة، اختار شخصًا مثل ترامب؟ هكذا شخص جاهل ديماغوجي،غير مؤهل إطلاقاً لهذا المنصب وهذه المسؤولية. هذا صعب الفهم. المفاجأة الكبرى بالنسبة لي هي أن هناك جزء يشعر بأنه يمثله. يعتقد المرء أن الولايات المتحدة هي سرة العالم الحر. هذا الأمر مرعب جداً جداً.

الصحفية: ماذا يُمكن ان نفعل؟

ماريو: من المهم أن ينجح الاتحاد الأوروبي ويأخذ دور البطولة. المشروع الأوروبي ليس مهمًا لأوروبا فحسب، بل للبشرية جمعاء. ليس من الجيد أن ينقسم العالم إلى كتلتين. إن وجود أوروبا أمر أساسي وبالتالي أمر مهم لوحدة أوروبا. أوروبا هي مهد الديمقراطية. مهد الحرية. أعطت أوروبا العالم حقوق الإنسان، وهيأت الفرد.

الصحفية: لقد تنحيت عن الاحتجاج على القومية بل حتى عن نادي القلم  الدولي.

ماريو: نعم، اعتكفت لأن نادي القلم وقع في أيادي بعض ممن يريدون استقلال كاتالونيا. لقد استدرجوا رئيسة النادي القلمي، وهي فتاة أمريكية تعيش في المكسيك. لذا فقد وضعت القلم في خدمة حركة الاستقلال، التي اناهضها بقوة.

الصحفية: لماذا؟

ماريو: ببساطة. لم تتمتع حركة الاستقلال بالأغلبية في كاتالونيا. انهم بعيدون عن 50 في المائة. وهو اختراع من القرن التاسع عشر للقومية. لم تكن كاتالونيا مستقلة أبدًا ولا يومًا واحداً. أولاً كانت جزءًا من فرنسا، ثم إسبانيا. في إسبانيا كانت هناك مناطق مستقلة مثل: بلنسية، أراغون، ولكن ليس كاتالونيا، إنها اختراع للبرجوازية في القرن التاسع عشر. الاستقلال سيكون مأساة لإسبانيا وأوروبا. إذا وصلت كاتالونيا إلى ذلك مع أقلية، فماذا يجب أن يقول الباسك، الغاليسيون، بلنسية؟ ستكون هذه سابقة لبقية أوروبا. أوروبا تزيل الحواجز والحدود كما ينبغي أن يكون والآن يأتي هذا الزحف القومي؟ لهذا السبب من المهم للغاية محاربته - باسم الحرية والديمقراطية.

الصحفية: أنت تمدح الليبرالية والرأسمالية في كتابك. ولكن هناك الكثير ممن يلقون اللوم على الزيادة في الفوارق بين الفقراء والأغنياء، والأزمة المالية وإزالة الغابات المطيرة وكارثة المناخ. لقد دفعتنا الرأسمالية التوربينية إلى هذا المنعطف.

ماريو: هذا ليس صحيحاً. رغم أن هناك أيضًا بين الليبراليين طائفيين يعتقدون أنه يمكن حل كل شيء بالسوق. لكن الليبرالية كانت دائمًا تمثل الطليعة في كل الإصلاحات الكبرى التي دفعت الإنسانية إلى الأمام. لم يكن المفكرون العظماء في الليبرالية طائفيين، ولم يكونوا متعصبين. لقد كان آدم سميث دائمًا مهتمًا جدًا بالقضايا الاجتماعية، فقد دعا لليبرالية الاقتصادية لجعلها في مصلحة جميع الناس، وخاصة الفقراء، ثم المزارعين، حتى يتمكنوا من الافلات من الظروف المعيشية الحيوانية.

الصحفية: الانتقاد هو أن العولمة تساعد الأثرياء، قبل كل شيء، على أن يصبحوا أكثر ثراء.

ماريو: هذا ليس صحيحاً. العولمة هي واحدة من أفضل الأشياء التي حدثت للعالم. إنها تسمح لدولة فقيرة أن تصبح دولة مُزدهرة لديها سياسات جيدة. أفضل مثال هو جنوب شرق آسيا. كانت هذه البلدان فقيرة للغاية مع عدد قليل من الناس الأثرياء. اليوم هم أثرياء للغاية - بفضل العولمة. هل زرتِ سنغافورة من قبل؟

الصحفية: كلا لم أزرها.

ماريو: دُعيت إلى سنغافورة. كان لدي أصدقاء هناك وترجيتهم: بأن يروني الفقراء، ويأخذوني إلى الأحياء الفقيرة. أخذوني إلى منطقة الطبقة الوسطى وقالوا: هؤلاء فقراء. لم يكن ذلك ممكناً لولا العولمة - على الأقل من الناحية الاقتصادية. من الناحية السياسية، حسنًا، سنغافورة ليست نموذجًا للديموقراطية. والدول في أوروبا التي لم تعد تعاني من الفقر على الإطلاق، هي دول ديموقراطية – مثل السويد وسويسرا، لقد قضت على الفقر. الدول التي انجزت هذه المهمة هي دول ذات ديموقراطيات ليبرالية.

الصحفية: هل هناك سياسيون يعجبونك كما كنت معجب بـ رونالد ريجان ومارغريت تاتشر سابقاً؟

ماريو: كنت معجب بهما كثيراً، لقد عشت في إنجلترا آنذاك. لقد كانت ثورة حقيقية. عندما وصلت، كانت إنجلترا بلدًا حافلًا  بالحريات نعم، ولكن في حالة انحدار، فقد فشل فيها الاشتراكيون مثل المحافظين. كانت السيدة تاتشر ثورة حقيقية. أعطت بريطانيا الطاقة، والديناميكية من جديد. هذا جدير بالملاحظة.

الصحفية: هل تعرف السيدة تاتشر؟

ماريو: نعم، تعرفت عليها. دُعيت لتناول العشاء. كنت محظوظا. قرأت تاتشر لبوبر وهايك، اللذين كتبت عنهما في كتابي. لم تكن خائفة من قول أن أكبر مفكر بالنسبة لها كارل بوبر وأن هايك قدم لها الإرشاد حتى في الاستشارات الاقتصادية.

الصحفية: هل تحدثت مع رونالد ريغان؟

ماريو: مرة واحدة. قلت له: أنا معجب بك كثيرًا، لكن كيف يمكنك أن تدعي إن لويس لامور هو أفضل أديب؟ لديكم عظماء مثل والت ويتمان، إدغار ألن بوي وويليام فوكنر. فقال إن لامور كتب العديد من الروايات عن الغرب المتوحش، ورعاة البقر التي هي ثقافة أمريكية عظيمة. (يضحك).

الصحفية: لكن  هل برأيك ما زال اليوم هناك ليبراليون كبار؟

ماريو: نعم ما زال هناك، لكن لا يوجد أحد يصل إلى مستوى تاتشر أو ريغان.

الصحفية: من هم؟

ماريو: أنجيلا ميركل تبدو رائعة بالنسبة لي، فهي تقوم بعمل ممتاز. إنها أقل أيديولوجية من تاتشر أو ريغان، لكن يمكن تسميتها امرأة دولة عظيمة. تنبع قلة شعبيتها الحالية من حقيقة أنها استقبلت المهاجرين. تخيل هذا، إنها مبادرة إيثار مُثيرة للإعجاب، ولكن الألمان ليسوا على قدم مساواتهم. لقد ساهمت بشكل كبير في التقدم والازدهار وتحقيق الديموقراطية في ألمانيا. سوف يعطي التاريخ أنجيلا ميركل كل الحق.

الصحفية: أنت نفسك اكتشفت السياسة في وقت مبكر جدًا، في سن الثانية عشرة.

ماريو: كانت عائلتي قريبة من أحد أعظم رؤساء بيرو، خوسيه لويس بوستامانتي إي ريفيرو، كان محام نزيه جدًا. أسوأ ما قيل عنه ،بأنه كان كما لو أنه رئيسًا لسويسرا. ثم انقلب رجال العسكر ضده. كان للانقلاب عواقب وخيمة على عائلتنا. كنت صغيراً وأنا في وسط السياسة.

الصحفية: هل لديك احفاد؟

ماريو: ستة.

الصحفية: ما هي اهتماماتهم الكبيرة؟

ماريو: اثنان فقط من أحفادي مهتمين بالسياسة. واحدة تدرس السياسة في جامعة كولومبيا في نيويورك. إنها ليبرالية للغاية، مما يجعلني سعيدًا جدًا.

الصحفية: ألا يهتمون بتغيرات المناخ؟

ماريو: قبل كل شيء، يواجه الشباب مشكلة لم تكن موجودة بالنسبة لنا: قلة الوظائف. التي تضغط عليهم بشدة. شبابك مختلف تمامًا عن شبابي. اليوم، الوظيفة هي امتياز، خاصة في البلدان المتقدمة. الشباب يعيش في حالة تخوف كبيرة. لقد جرنا هذا إلى حالة من الخمول، ومحاولة النسيان من خلال العيش على الهوامش مع الموسيقى والمخدرات. لكنهم أكثر حرية منا. لديهم الكثير من الحريات في حياتهم الجنسية، من خلال الحركة النسوية. الحركة النسائية قوية جداً. التي فرضت إرادتها أخيراً، من خلال رفع المظالم الواقعة على النساء. وأخيرا سيربحون معاركهم.

الصحفية: هل تساعدنا على فهم قارتكم. يا لها من قارة مجنونة. لنبدأ مع فنزويلا.

ماريو: مأساة. مهزلة. أن يتفكك مثل هذا البلد الغني بشكلٍ كامل. اللاجئون موجودون في كل مكان، سبعمائة ألف منهم في بلدي بيرو، أكثر من مليون في كولومبيا. في بيرو، يُسمح لهم بالعيش والعمل لمدة عام، وهذا تضامن. كنت هناك آخر مرة في عهد الرئيس شافيز، كنت مُحتجزًا على الحدود، وتم استجوابي، وكان هذه الحادثة سيئة.

الصحفية: ثم على الجانب الأيمن البرازيل، التي يحكمها بولسونارو.

ماريو: أنه ديماغوجي للأسف، لن ينجح في البرازيل. إنه محرض عظيم، وغير مؤهل. الأمر المخيف في البرازيل هو أن لولا، وهو ديماغوجي فاسد، خلفه ديماغوجي، الذي يأمل المرء منه فقط بأن لا يكون فاسد. انه لأمر محزن أن يبقى ما يُسمى بلد المستقبل دائمًا بلد المستقبل.

الصحفية: في المكسيك، من ناحية أخرى، يحكم الشعبوي اليساري لوبيز أوبرادور.

ماريو: أنه تراجع آخر نحو الشعبوية.

الصحفية: هل ترى إطلاقاً شيئًا مثل الليبرالية في أمريكا اللاتينية؟

ماريو: هناك بعض المحاولات، لكنها لا تجلب سوى القليل من الثمار، على سبيل المثال في الأرجنتين في عهد الرئيس ماكري. ماكري لديه أفكار جيدة. لكنه لم يجرؤ على القيام بعلاج الصدمة في هذه البلاد التي انهارت في سنوات حكم الرئيس كيرشنر، سنوات الديماغوجية، والفساد والشعبوية. لقد حاول ماكري تبني سياسة التدرج، وهي محاولة لإصلاح البلاد بشكل تدريجي. كان ذلك خطيراً. لذا يلومه الناس على أشياء التي كان على كيرشنر الإجابة عليها.

الصحفية: في أكتوبر هناك انتخابات.

ماريو: آمل أن ينجح مساره الإصلاحي إذا فاز في الانتخابات. إذا لم يفز، فستكون هذه كارثة بالنسبة للأرجنتين، كارثة حقيقية.

الصحفية: فقط الأخبار السيئة من أمريكا اللاتينية.

ماريو: لكن هناك أيضا حالة التشيلي، التي لا يذكرها أحد. تشيلي كانت دولة فقيرة وهي الآن مُزدهرة للغاية. لم تعد تنتمي إلى أمريكا اللاتينية، فهي قريبة من العالم الأول. وقد نجح التشيليون في تحقيق هذا الازدهار عن طريق الديموقراطية. لديهم يسار غير متعصب وقَبِل السياسة الاقتصادية الليبرالية التي أخرجت التشيلي من الديكتاتورية. كانت للتشيلي سياسة جيدة من اليسار واليمين، لذلك فهي نموذج يحتذى به.

الصحفية: في بلدك بيرو هناك .....

ماريو: ... خمسة رؤساء إما في السجن أو هاربين أو قتلوا أنفسهم - بسبب الفساد. مع العلم أنهم مُرتشين من قبل شركة Odebrecht البرازيلية. وتم إنشاء هذا  الارتباط عن طريق رئيس البرازيل لولا. الفساد مُتجذر بعمق في حياة أمريكا اللاتينية. هذه حقيقة. لحسن الحظ، هناك بعض القُضاة في بيرو وكذلك في البرازيل يقفقون ضد مثل هذه الأمور بشجاعة وكفاءة كبيرة.

الصحفية: لقد نافست في عام 1990 لتُصبح رئيس بيرو. لماذا لا تعود الآن، في هذه الساعة التاريخية؟

ماريو: مهنتي ليست في السياسة. في ذلك الوقت، انخرطت في السياسة لقيادة الحملة ضد تأميم البنوك. كما حققت حركتنا نجاحًا كبيرًا، ازداد الضغط عليَ يومها كي أصبح مُرشحًا للرئاسة.

الصحفية: كنت على وشك الفوز مع حزبك (حركة الحرية) ضد فوجيموري، الذي انتهى به المطاف في السجن.

ماريو: نعم، لكن السياسة لا تهمني. لم اقبل ابدا بمنصب ومع ذلك، بقي شيء من حركتي. وأعقب ذلك سياسة مفتوحة اجتذبت الاستثمار والازدهار. لا أريد أن أكون مُتكبراً، لكن هناك أفكار ليبرالية من حملتنا ما زالت باقية- على الرغم من الأزمات.

الصحفية: كيف ينظرون لك أبناء بلدك اليوم؟

ماريو: ينظر لي جزء منهم بكثير من المحبة، ولكن ليس الكل ينظر لي بعين العطف. يعتقدون أن أفكاري يجب أن تُحارب بقوة.

الصحفية: يُطلق عليك الليبرالي الجديد.

ماريو: سيكون هذا الأمر أقل حده. كانت هذه مجرد شتيمة لمحاربة الليبرالية. ولكن مع كل زيارة للبيرو، ألاحظ تراجه هذا الأمر.

الصحفية: هل تشعر اليوم بأنك بيروفي أم إسباني؟

ماريو: أنا مواطن من العالم. أنا بيروفي ولدي جواز سفر إسباني، لكنني كنت دائماً أرغب في أن أكون مواطنًا في العالم. ولقد حققت ذلك. هذا يجعلني أكثر سعادة.

الصحفية: فعلياً مواطن في العالم؟

ماريو: يمكنني العيش في العديد من الأماكن في العالم دون أي مشكلة. لقد عشت في العديد من الأماكن - في باريس ولندن وحتى ألمانيا وشعرت دائمًا بأنني في وطني.

الصحفية: في المانيا؟

ماريو: نعم في برلين. شعرت هناك بأني في وطني، رغم أنني لم أتحدث لغة البلد.

الصحفية: اين كنت تسكن؟

 ماريو: في أكاديمية العلوم في غرونن فالد. كان الشيء العظيم في هذا المكان هو: السماح للمرء بالعيش هناك مجانًا لمدة عام. الموسيقيين والشعراء وعلماء الأحياء والأنثروبولوجيا والكُتُاب. يتم توفير شقة ومساعدة من قبل سكرتيرة وتعمل على ما تعمل عليه أنت بكل الأحوال. كان هناك شرط واحد فقط: تناول الغداء في أكاديمية العلوم ثلاث مرات في الأسبوع. كنت سعيدًا جدًا في برلين في ذلك العام.

الصحفية: يبدو أنك شخص سعيد على الإطلاق.

ماريو: يجب أن لا تكون سعيدًا طوال الوقت. فقط في لحظات قصيرة. وإلا سيكون الأمر روتينياً. لكن عندما أنظر إلى كل شيء، فأنا أكثر سعادة من التعيس.

الصحفية: لا بد لنا من الحديث عن الحب. ما مدى أهمية الحب في حياتك؟

(ينظر فيرغاس لوسا مرة أخرى إلى اللوحة الزيتية الكبيرة لإيزابيل بريسلر على الحائط. وكانت ترتدي فستان سهرة أحمر).

ماريو: الحب يلعب دوراً محورياً. الحُب يثري الحياة، ويعطي الكثير من الزخم، ويجعل حياة المرء أكثر تفاؤلاً، وأكثر إبداعًا. غياب الحب يجعل الحياة حزينة.

الصحفية: هل ما يزال هذا الحال في الشيخوخة؟ هل يوجد فرق بين الحب في عمر 18 و83؟

ماريو: بعمر الــ 80 يُعتبر المرء من ذوي الخبرة، ولكن عندما يعصف الحب، فإن التجربة برمتها غير مجدية. التجربة تنفق، تنطفئ. الحب في سن 80 ليس هو نفسه في سن 18. إنه حُب أقل عصفاً. ولكن إن وجد، فإن الحياة تُصبح أفضل بكثير.

الصحفية: هل ما زلت تعيش الحب بشغف؟

ماريو: نعم، أعتقد ذلك. أنا بالتأكيد أحاول ذلك.

الصحفية: يُمكن للمرء أن يلحظ ذلك أيضاً. أنت مُلاحق باستمرار من قبل المصورين.

ماريو: إنهم في كل مكان، ولا يوجد مكانًا غير متواجدين فيه، إنه شيء فظيع للغاية. يلاحقون زوجتي. الليلة نذهب إلى مباراة تنس كبيرة. صهر زوجتي هو رقم 34 في العالم في لعبة التنس، ولديه مباراة في رابطة محترفي التنس ATP Masters. سيكون أيضاً هناك المصورون.

الصحفية: السؤال الأخير: كم عدد الكتب التي ما زلت تريد كتابتها؟

ماريو: لدي ما يكفي من المشاريع. لن أنتهي بهم جميعًا أبدًا. عندما أنتهي من كتاب ما، فإن مشكلتي الأكبر هي: ما الذي أختاره الآن؟ لدي الكثير. حلمي الكبير أن أموت أثناء الكتابة وقلم الحبر في يدي. ما زلت أكتب باليد وبالحبر.

الصحفية: ماريو، شكرا لك على المقابلة.

ماريو: كانت محادثة طويلة. لقد ثرثرت فيها كطائر القمري.

 

.....................

* صحيفة شتيرن الألمانية بتاريخ ٦ حزيران  ١٩ ٠ ٢   

 

965 كاظم المقداديقرأت له كثيرا، قبل ان احاوره، وهذا الاسلوب اتخذته مسارا في حياتي المهنية، فمن حق القارئ ان يعرف عن الذي احاوره معلومات خافية عنه، وهي من خصال الصحفي المحاور الذي يحترم القارئ..

لقد وجدتً في ضيفي الصحفي المعروف د. كاظم المقدادي، قلباً منشرحا لمن يخالفه في الرأي، مرنا معه إلى أقصى حد، وقلمه نقي، ناصع البياض، في قولة الحق، شهرته الصحفية، معروفة، لكنه بقي على تواضع ملموس بين طلابه في الجامعة وعند اصدقائه، فلن يدخل قلبه الغرور والتعالي، فالغرور يؤدي إلى تدمير الذات، وكلما صغر العقل زاد الفخر بالنفس، وهنا يكمن سقوط المرء، عُرف بمهنئته العالية وحبه وانتماءه لبلده بكل المحن، وخلال حوارنا معه استذكر لنا الماضي المشرق بكل متاعبه والحاضر المزدهر بكل عطاءه..

ولادته ونشأته

ولد كاظم شنون محمد المقدادي عام 1949 في بغداد، متزوج من المهندسة فاطمة يوسف ولديه ثلاث أولاد أنهي صفه الابتدائي بمدرسة المسعودي بالجعيفر وصفه المتوسط في متوسطة العطيفية وبعدها الاعدادي في الثانوية المركزية بجانب رصافة بغداد متفوقا بين زملائه ليدخل كلية الآداب قسم الصحافة وتخرج عام 1973 1974

 في العام 1977حصل على الماجستير من جامعة السوربون عن رسالته الموسومة (سيكولوجيا الاعلان السياحي) التي عززها بالدكتوراه في العام 1979 من نفس الجامعة عن رسالته الموسومة (التيارات الفكرية في الصحافة العربية المهاجرة الى باريس/ القرن التاسع عشر)

وكان المقدادي قد شغل سكرتير تحرير صحيفة (الصحافة) في العام ١٩٧١.. ثم رئيس تحرير لها في العام ٢٠٠٦والتي كانت تصدر عن قسم الاعلام.. جامعة بغداد.. حاليا رئيس تحرير مجلة (معين) وهي مجلة عراقية فصلية تختص بنشر البحوث للمجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية مع نخبة من الاساتذة المختصين منهم الاستاذ واثق الهاشمي والدكتور عزيز شيال، الاستاذ حازم الشمري، والاستاذ ياسين البكري

مؤلفاته

الفّ الدكتور كاظم المقدادي مجموعة قيمة من الكتب اذكر منها: (البحث عن حرية التعبير/ طبع في باريس ١٩٨٤ ـ تصدع السلطة الرابعة / في طبعتين / بغداد وعمان ٢٠١١ ـ ديمقراطية الفرجة / مقالات في الصحافة الساخرة) فيما انجز (نظرية "الملوية" في العام 2008 كأسلوب جديد في تحرير الاخبار بدلا من نظرية "الهرم" المتبعة في المدرسة المصرية)

 إصداراته

 أصدر صحيفة (الكاروك) الساخرة في العام 2007.. قدم الكثير من الاعمال لحساب عدد من القنوات التلفازية والاذاعية اذكر منها: (برنامج صاحب الامتياز 2009) لحساب قناة البغدادية وبرنامج (الرازونة) لحساب اذاعة دي موزي.. فيما أنتج نشيد التحرير (دعوني امشي) من كلماته والحان الفنان المبدع ابراهيم السيد.. وهو يعمل الآن على انجاز كتاب (جدل الاتصال) الذي يبحث في التطور المذهل في عالم الاتصال (حدوده وإمكانياته)

وبعد نقاش عن الصحافة وايام زمان أحببت ان يكون سؤالي الأول له * هل الصحافة المستقلة في عالمنا الحالي لها وجود؟    

- لا يمكن التحدث عن صحافة مستقلة بالوقت الحاضر. لا سيما مع وجود سطوة مال وانعدام وجود جدوى اقتصادية، لذلك علينا التحدث والاهتمام بالموضوعية في الصحافة وهي التي تسرق القارئ بين هذا الموضوع وذاك

* الحركة الاعلامية اليوم كيف تراها؟

- الاعلام هو نتاج يومي مستمر وليس حركة وكل يوم يجب ان يكون أفضل من الاخر بإضافة جديد للصحافة ككل... كما في الحديث الشريف (من استوى يوماه فهو مغبون) وهذا طبقته في صحيفة الكاروك، يجب الابتكار وترك التكرار

* حدثنا عن الكاروك؟

 - الكاروك هي صحيفة اسبوعية ساخرة اصدرتها من حسابي الخاص وكانت جريئة في طرح للموضوعات

* هل مازالت تصدر؟

- لا فقط استمرت سنة واحدة

* لماذا الكاروك؟

- فيه حركة النقاء والولادة الجديدة

* كيف جاءت فكرة اصدار جريدة بوضع متقلب في العراق؟

- بعد سنة 2003 ظهرت صحف تحاكي الصحافة الساخرة.. مثل جريدة حبزبوز، كان لطالبة عندنا اسمها عشتار وهي طالبة ممتازة لكن الشكل والمضمون للصحيفة كان اشبه بتقليد لصحيفة حبزبوز التي اسسها العملاق نوري ثابت...وانصح بعدم التقليد بل الاضافة على النتاجات السابقة، هذا ما اتبعته في صحيفة الكاروك. والتي عنوانه وحده كلفني من التفكير مدة 3 أشهر

رنا خالد* ثقافة في الصحف السابقة والحاضرة ترى فيها تجدد مستمر؟

- ثقافتنا مع الأسف اعتمد على التكرار. استذكر لكم موقف لأول مرة اقوله

بعد انتهاء الحرب الإيرانية العراقية سنة 1988 .... كان هناك اجتماع من اجل تطوير الصحافة في العراق بحضور وزير الاعلام لطيف نصيف جاسم وبدعوة من حميد المطبعي وعلماء كبار مثل على الوردي وكنت جالس بجانبه حينها. تحدثت فيه وكنت على ما اعتقد خامس متحدث، قلت لا توجد صحافة حتى نطورها لم نبني صحافة حتى نطورها ...قال وزير الاعلام يومها كيف؟!

قلت.. الصحافة تكون مع التقرير مع الخبر أو العمود ونحن نفتقر لرؤساء تحرير مختصين ومع احترامي للموجودين سامي مهدي شاعرا وحميد سعيد واخونا هاني وهيب كاتب سياسي أذا الصحافة يجب ان تتطور مع اشخاص صحفيين عاشوا مع الخبر او يكون كمراسل حربي وهذا أفضل ما يكون. ولكن في وقتها نزعج مني وحولها الى قضية وقال هؤلاء رموز البلد، لكن استاذي على الوردي طبطب على كتفي وقال (عفرم) احسنت وهذا أسعدني يومها

* هل تميل للكتابة الساخرة؟

- منذ الصغر وانا ايميل للنكتة بالبيت والشارع وانا اخر اخوتي الستة كنت دائما صاحب نكته اصدقائي ينتظروني حتى اقول لهم شيء لطيف.. وعلى فكرة هذا النوع من أصعب انواع الكتابة وذلك يعود لسبب رئيسي هو وجود قضية مهمه نخفف من وطأتها بشكل هزلي ساخر وتبقى في الذهن

واتذكر بعض منها الان.. قلت في احدى الفضائيات نحن كنا ننتظر دولة مؤسسات وإذا بها دولة مسدسات. وأخرى ان بغداد بناها المنصور وفلشها العيساوي، دائما ابحث على الكلمة المؤثرة التي لا تنسى ...كما في العنوان الذي يلخص زمن وجهد طويل كعنوان (علوه المرشحين) وهو عرض المرشح لنفسه وتقديم الهدايا وقبل سنة او أكثر كنا بانتظار وزير التعليم العالي السيد علي الاديب في جامعة بغداد كلية الاعلام لحضور المؤتمر الاعلامي.. وانتظرناه ولم يحظر والمؤتمر يبدا ساعة عشرة وحتى صارت ساعة 12 ظهرا حضر الكلب من اجل تفتيش القاعة وفرحنا قلنا جاء الوزير وبقينا في الانتظار حتى الساعة الواحدة والطلاب شعروا باستياء.. الطلبة لديهم صحيفة يصدرونها أحبوا كتابة موضوع عن هذا اليوم وقلت لهم انا اعطيكم عنوانا مميزا (حضر الكلب وغاب الوزير) ودائما اضع العنوان واكتب العمود في كل كتاباتي

* كيف ترى الشباب الصحفي اليوم وحضرتك استاذ في جامعة بغداد كلية الاعلام؟

- مع الاسف هناك من يتصور الاعلام بأنه شهرة ومال، والشهرة أكثر شيء يتصوره انه سوف يلتقي بنجوم العالم .... الصحافة هي نقل رسالة والدفاع عن حقوق الناس والدفاع بشرف وأمانة وجرأة.. وذلك يتطلب وجود ثقافة ولكن لا ارى هذا في طلبة اليوم يجب على الطالب ان يكتب عشرات المرات في جميع انواع الصحف وايضا العمل في الإذاعة والتلفزيون والظهور فيها حتى يكتسب لقب اعلامي بجدارة، اي ان يتقن جميع المهارات

* لكن اليوم نشاهد الاعلامي متنقل بين الفضائيات؟

- لا يوجد انتماء مع الاسف البعض يتنقل من قناة الى اخرى من اجل كسب المال الأكثر او الشهرة دون الاهتمام بصناعة اسم له.. ومثلما يوجد حديثي النعمة اليوم هناك حديثي الاعلام ونظرية كونفيشيوس في اساس فكرة الانتماء للعمل في جميع المؤسسات والخوف عليها مثل الخوف على بيوتنا وسابقا اتذكر انا واستاذ زيد الحلي والاستاذ احمد عبد المجيد والاستاذ طه الجزاع كنا نعمل في الصحف وكل ما يهمنا الاخلاص للعمل فقط

* لكن لا يمكن تعميم الحالة ليس كذلك؟

- لا يمكن ان ننفي وجود طلبة جيدين.. كـ نبيل جاسم.. احمد العذارى.. رحيم مزيد كثر في الحقيقة ويظهرون في الفضائيات.. نحن قد ننجح مهنيا ولكن عدم الالتزام يرجع لأمور اخرى ربما مادية ... ولكن اي مرفق اعلامي تذهب اليه عليك معرفة من هم الممولين له حتى تحمي نفسك على سبيل المثال انت صحفي جيد وصاحب العمل غير ذلك وكثير من الفضائيات يحركها المال السياسي وليس المهني.. دائما نحن بحاجة للموضوعية .... وانا كنت أظهر على الحرة بالعراق واول من ظهر فيها وهي قناة امريكية ولكن استخدم منبرهم لصالح بلدي وهذه القناعات التي اكتسبتها من خلال عملي

بعد هذا الحديث المفعم بالمعلومات سألت د. كاظم المقدادي عن البدايات

* كيف كانت؟

- منذ ايام المدرسة وانا في الاول المتوسط كانت هوايتي التصوير وما زالت أتذكر نوع الكاميرا التي كنت استخدمها (كيف) بعدها اكتشفت ان كيف عاصمة اوكرانيا.. واتذكر العطيفية وجسر الحديد (الصرافية) ونهر دجلة والبساتين الجميلة، كنت استغل الوقت كل الوقت في التصوير أو السباحة في النهر، احتفظ ببعض الصور لشروق الشمس ولغروبها على جسر الصرافية

وذات مرة كنت في بستان للحاج طعمه ووجدت نخلة لها رأسين وكان صديقي يدعى سيروأن فتاح وكان كردي الأصل وأنا احبه كثير لذلك ذهبت اليه واخذت معي الصورة وقلت له (هذه الخوة العربية الكردية) وكتبت الموضوع بهذا المعنى مرفق مع الصورة واخذته بنفسي الى جريدة التأخي ..كنت اترقب يوم نشر الموضوع واتابعه, فعلا نشر في الجريدة ويومها كان فرح كبير  الصورة والتعليق واسمي اسعدني الموقف جدا ,, بالمدرسة كنت اعمل نشرة مدرسية أسمها ( الأنوار) وكنت اهتم بها كثيرا ..في الإعدادية كنت اتقن هذا العمل بشكل جيد جدا وفي الكلية كنت اعملها كصحيفة وكانت الاساتذة حميدة سميسم تشجعني دوما على عملي واستاذي زكي الجابر واحمد عبد الستار الجواري واستاذي علي الوردي

* تربطك علاقة بالأستاذ علي الوردي كالصداقة؟

- انا من اشد المعجبين به.. رغم أنى كنت ادرس اعلام لكن اذهب لحضور محاضراته في علم الاجتماع.. ومن رجعت من فرنسا من الاشياء الجميلة التي اتذكرها ذهبت كي ارى امر تعيني الذي تأخر أكثر من سنة لأني ذهبت للدراسة على نفقتي الخاصة.. يومها رأيت الاستاذ على الوردي وكان منزعج جدا سلمت عليه وعرفني وقال جاءت لمقابلة وكيل الوزير بعد اخذ موعد طبعا.. وإذا بهم يقولون لا وجود لموعد معك.. واخذته معي واوصلته الى بيته ومن يومها اصبحت اخذ طلبتي الى الوردي واشيد به لأني رأيت الدولة تحاربه وايضا المؤرخ الكبير عبد الرزاق الحسني بيته قريب من بيتي في الكرادة بعد أن انتقلت لسكن هناك كنت اخذ الطلبة على طول اليه منهم عبد الهادي مهودر وجدت انهم بحاجة لمثل علم الوردي وعلم الحسني

* كيف كان سفرك لفرنسا؟

- كنت دائما اتواجد في المركز الثقافي الفرنسي وانا طالب في الكلية وايضا لي صديقة تعلمت منها بعض الكلمات كانت في قسم الفرنسي وانا في قسم الاعلام.. سنة التخرج فتح بدل الدراسة وكان المبلغ (100) دينار وكنت من عائلة ميسورة والحمد الله.. لكن خشيت من ابي الذي كان يريد ان أكون ضابطا في الجيش ولم اخذ منه المبلغ واستدنته من صديق عمري وجاري في العطيفية وسام جرجيس دفعته كبدل نقدي لأعقائي من الخدمة العسكرية... وسافرت بنفس السنة التي تخرجت فيها 1974 وكانت فرصة وقتها ... من خلال معلوماتي من المركز الثقافي الفرنسي عرفت الكثير من امور الدراسة واللغة والحياة في فرنسا ودرست الماجستير والدكتوراه لمدة 6 سنوات

* دراستك في فرنسا منحتك التحدث باللغة الفرنسية بطلاقة ليس كذلك؟

- نعم.. والى يومنا هذا لا اخرج من البيت دون ان اسمع نشرة الاخبار الفرنسية .... وكما ذكرت كنت اذهب للمعهد الفرنسي قبل السفر ودراستي كلها باللغة الفرنسية وحتى مناقشة رسالة الدكتوراه بالفرنسية حيث كان رئيس الجنة فرنسي من أصل جزائري يدعى (محمد أركون) ومن العراق كان جليل العطية في وقتها كان طالب في السوربون ايضا.. سامي مهدي كان من مصر ايضا غالي شكري وأمير اسكندر احببت ان اذكرهم للتاريخ

* هل كل بقاؤك في فرنسا كان للدراسة؟

- لا.. انا ذهبت على نفقتي الخاصة كما ذكرت ولم أكن مضطر للعودة السريعة.. لذلك عملت لقاءات منها مع (جالك شيراك) وعلاقته بالرئيس العراقي (صدام حسين) خدمتني وكانت لي علاقة طيبة بالسفارة العراقية هناك وكنت اذهب للسفارة بالمناسبات الوطنية والتقي بالشخصيات الكبيرة والمهمة واطلب مواعيد ومنها حوار مميز مع المرحوم عدنان خير الله ونشر في مجلة (كل العرب) ومن الشخصيات الفرنسية الكبيرة.. روجيه جارودي او (رجاء جارودي) بالعربية لأنه كان قد أسلم في عام 1982, جاك بيرك، كاترين دينوف الممثلة الفرنسية المشهورة اركون شاعر فرنسا ومحمد أركون، وشاهرنز نابور الذي توفي قبل مدة قصيرة وكان يتحدث العربية قليلا.. وكنت لا أفضل اللقاءات مع الفنانين رغم الشهرة أكبر بل أحب المفكرين واصحاب قضايا

* تميل للسياسيين أكثر؟

- لا انا اميل للثقافة بشكل عام ومن واجب الصحفي الجيد ان ينتقل بين العام والخاص وهنا اقول خاص اي التحدث بلغة المثقفين وتحاور معهم تحمل رسالة أعمق

* متى رجعت للبلد؟

- في أواخر عام 1987 رجعت وكان من أجل اثبات موقف ولا اريد ان ارجع الى بلدي بعد انتهاء الحرب الايرانية العراقية.. لكن زرت العراق قبلها في سنة 1982 وتركت فرنسا وجمالها وذهبت للمعايشة مدة اسبوعيا حتى لا يقولون (تكتب بالوطنية وانت بعيد عنها) ... والكثير من الزملاء استغربوا لعودتي بعد 14عام.. لكن انا انسان حذر ولا اريد ان اكون ضعيف امام موقف او امام شخص معين

* بعد عودتك من باريس الى يومنا هذا لم تذهب؟

- الحمد لله توفرت لي فرصة قبل خمس سنوات ..وفرها لي سفير فرنسي حضر ودعانا نحن الخريجين واخذته في جولة الى شارع المتنبي ومقهى الشهبندر وارسل بعدها لي دعوة ...مكثت اسبوعين ومن فرحتي لم ارتاح في الفندق فقط وضعت حقيبتي وخرجت مسرع الى جامعة السوربون والى الاماكن الجميلة اسال فيها على من اعرفهم ووجدتهم تقلصوا بسبب العنصرية واتذكر حتى جورج بهجوري الرسام المصري الكبير الذي قال لي قبل عودتي لا يمكن ان اترك فرنسا ,هو الاخر قد رحل منها هو ايضا وكان صديق مقرب من بين هاني شكري وامير حجازي ولكن ارقى واحد من المصريين امين محمود العالم وهذا امين سجنه عبد الناصر سبعة سنوات ولم يتكلم يوما بسوء عن عبد الناصر ولدية كتاب مميز الانسان موقف وانا تعلمت منه وكان كاتب يساري واكتشفت بعدها ان 14 سنة كنها 14 يوم سبحان الله .

* رأيك في المستشرق الجزائري الفرنسي جاك بيرك؟

- فيما بعد وفي اكاديمية (كولج دفرنس) التي تكون في حي كبير قرب جامعة السوربون , تعرفت على (جاك بيرك) لكن كنت ما ازلت لا اتحدث الفرنسية بطلاقة حيث لم يمضي على تواجدي سوى ستة شهور ولكن تعادل اربع سنوات دراسة في قسم اللغة الفرنسية وذلك يعود بتواجدك بنفس البلد ...المهم سألني عن لغتي وانا كنت امدح باللغة الفرنسية جدا ...بعدها قال لي (لا) لغتكم اجمل بكثير انا اندهشت من كلامه لغتنا صعبة ...سالته كيف؟ قال (انا اجلس الان على مكتب باللغة العربية تقولون مكتب وهذا يشتق منه كتاب ,كاتب ,مكتبة, كتب بينما نحن غير ذلك لا نمتلك اشتقاقات للغة وعبقرية اللغة ان فيها اشتقاقات) من يومها اصبحت احببتها واصبحت انتبه للغة العربية كثيرا

ومن خلال تجربتي ان اللغة العظيمة ننتج أدب عظيم وهذا ما نراه في لغتنا العربية كونها عظيمة انتجت المتنبي وكذلك اللغة الفرنسية انتجت فولتير وجان جاك روسو والانكليزية شكسبير وعلى سبيل المثال اللغة التركية لم ننتج أدب عظيم كونها لغة خليط

جاء سؤال في خاطري بعد هذا الحديث الطويل والشيق (وجهة نظر)

* كيف ترى نفسك د. كاظم المقدادي؟

- رجل يحب بلده جدا.. ارى نفسي صاحب رسالة يجب ان وصلها ومتمسك بها ولا يهمني شيء مادي مطلقا.. واتذكر قول لـ مانديلا.. يقول (عندما يريد المناضل ثمن مقابل نضاله سيتحول الى مرتزق) لذلك لا اريد العمل في قناة واكون منفذ لأوامرها... مؤمن بأفكاري ومسؤول عنها. وأفتخر ان طلبتي يتعلمون مني

* بيتك أيام الطفولة والشباب كان يطل على نهر دجلة.. فماذا علمتك؟

- السباحة والجراءة

* المرأة بعيدة عن كتاباتك لكن ماذا تعني للمقدادي؟

- أوكسجين الحياة ...وكمياء الحياة بالوقت ذاته.. انها في تفاعل مستمر

* عرفنا أنك اخترت زوجة عراقية كيف وكنت تعيش في حينها في باريس؟

- أميل للمرأة العراقية وعندما قررت الزواج اخترت زوجتي من بغداد وتزوجنا سنة 1985 سافرنا الى فرنسا وكانت تتحدث الفرنسية وهذا ما شدني اليها أكثر. في اول لقاء بيننا تحدثنا باللغة الفرنسية واتذكر بعد زواجي كتبت الصحفية والزميلة انعام كجه جي عمود قالت فيه الشاب الذي أحب العزوبية اخيرا وقع في قفص الزوجية..

* السعادة كيف تدخل لعالم المقدادي؟

- ان اعمل كل يوم شيء جديد.. ان أقدم كل يوم عمل ويضاف لي

* هل الحرية تسبب مشاكل للصحفي؟

- السلطة ضد مبدا الحرية ودائما غاشمة وفي كل العالم ... على الصحفي ان ينتزعها انتزاعا بل هو الذي يرسمها لنفسه وكم عانيت ما عانيت من هذه الحرية ...واخر مشكلة لي كانت ستنهي على مستقبلي وحياتي ....الاعلام الغربي اعلام سياسي ,ونحن الان نشاهد ما يحدث في فرنسا وكيف الرئيس الفرنسي ( ماكرون) بدأ يحافظ على كرسيه ويقول على اصحاب الستر الصفراء انهم مندسين ..وعندما تقرا موضوعا ما منشور ترى انه يحمل الموضوعية والحيادية ولكن الاعلامي الذكي لا يمكن ان يغفل لما بين السطور لو تبحر بالمضمون يكتشف انه لا يوجد اخلاقيات العمل الاعلامي بل هناك ابتزاز وانتقاص من حرية الصحافة ولهذا كتب كتابي (تصدع السلطة الرابعة) واليوم وكما قال (راموني) خبر الاعلام الفرنسي نحن بصدد ان تكون لنا سلطة خامسة انتجتها التكنولوجيا الحديثة وهي صحافة المواطن والتي سوف تتطور وتتجدد باستمرار وتكون سلطة بلا قيود وتمويلها ذاتي لا تخضع لبنود المالك

التفاؤل والشتائم ماذا يعني للدكتور كاظم المقدادي؟

- لا اميل لهذا التصنيف مطلقا.. أمن باللحظة في حينها والتي تخلق تفاءل او عكس ذلك

* هل وصلت الى قمة النجاح في مجال الصحافة؟

- لا يوجد قمة للصحافة لكن اشعر بقمة السعادة، وانا اقوم بنقل رسالة اعلامية بشكل متميز

* د. كاظم المقدادي لمن يسمع من الاصوات الغنائية اليوم؟

- نزاريات لكاظم الساهر ...وبعض الاغاني الفرنسية

* الصحفي بحاجة الى طاقة يومية حتى يواصل عمله بجد من اين يكتسب المقدادي طاقته؟

- الثقافة البصرية تمنحنا الطاقة. وانا والحمد الله منذ ان فتحت عيوني على الدنيا وامامي فضاء بصري جميل نهر دجلة والبساتين ..وهناك فرق بين ان تستيقظ كل صباح وتذهب لعملك وترى امامك زهور ونحل يتنقل بينها لتمنحك طاقة ايجابية ,,, وان ترى نفايات امانة بغداد والذباب عليها لتمنحك طاقة سلبية ... بغداد اصبحت تمنح طاقة سلبية بسبب الزحام والواجز الكونكريتية وووو..عندما تسافر تكتسب طاقة معاكسة حتى لو سافرت لـ عمان , تركيا , باريس التي تمنح الجمال ... لذلك اي موظف عندما يذهب لعمله يحمل طاقة سلبية وحتى نحن الاساتذة ننظر للطلبة ونحن محملين بتلك الطاقة وهذه مسألة خطيرة يجب النظر اليها

* الكتب التي دائما تقرأها؟

- أحب كل كتب الاعلام وهذا اختصاصي.. حتى لو تنظرين الى مكتبتي الخاصة بالبيت اغلبها كتب اعلام

* كم مؤلف لديكم؟

- عشرة مؤلفات.. لكن اهمها ... البحث عن حرية الاعلام ... هو مختزل لرسالة الدكتوراه... كتاب يتحدث عن المصريين الذين هاجروا الى باريس في ظل حكم الخديوي اسماعيل الذي كان يضطهد هم ومن القرن التاسع عشر وأصدروا صحف في باريس ومنها (ابو نظارة) (أبو صفارة) ليعقوب صنوع.. الأديب الساخر الذي تأثرت به وهو مصري يهودي وكان يمثل التيار الوطني ضد الخديوي اسماعيل والعروة الوثقى لجمال عبد من الصحف التي درستها ...الكتاب الاخر تصدع السلطة الرابعة ... الذي كان في مجال الاعلام بشكل خاص

* متى يستخدم الصحفي المثل خير الكلام ما قل ودل؟

- في العناوين.. نحتاج له على سبيل المثال

علوه المرشحين

الحبل الدبلوماسي

اخضرار الوجوه

* نسمع عن الزمن الجميل وجيل الطيبين واليوم ماذا؟

- في الحقيقة الحياة ثنائيات لو لم يكن هناك مرض لما شعرنا بالصحة، ولو لم تكن هناك دول قمعية لما شعرنا بالدول الجيدة ولم تكن هناك عمالة لم نشعر بقيمة الوطنية.. ومن الذين تأثرت بهم جعفر ابو التمن شخصية وطنية عراقية لا يوجد مثله لا نوري السعيد مثله ولا ياسين الهاشمي ولا جعفر العسكري وطني وطني خالص

السؤال الأخير الذي نختتم به حوارنا الممتع مع ضيفنا الراقي د. كاظم المقدادي نقول له

* ماذا تعلمت من الحياة ومن الاعلام بشكل خاص؟

- الحياة تعلمت منها النظر الى الطبيعة الموجودة فيها والتي تكون مرتبطة مع الانسان حيث حبة الجوز تشبه دماغ الانسان، حبة الفاصوليا تشبه الكلية الانسان وقطعة من الجزر تشبه حدقة العين نحن منها واليها

- والاعلام بطاقة مرور الى عوالم شتى وممكن في يوم واحد ان التقي شحاذا في أطراف الليل ا في النهار واحاور مسؤولا كبيرا او أراني في تجمع شعبي كبير.. من هذه الزاوية يقدم لي الاعلام هذه المساحة الكبيرة التي يمكن ان اتحرك فيها مهنيا وإنسانيا.. وبالتالي فانا يوميا اكتسب ثقافة ومعرفة متباينة بأشكالها الواقعية والعملية.. اضافة الى تحسين المهارات من خلال القراءة الواعية والاختلاط والاطلاع والسفر، لكن هذا الزاد المعرفي يعتمد على شخصية الاعلامي.. فهناك من يسعى الى تطوير نفسه واجتهاداته. وهناك من يتعامل مع الاعلام وكأنه وظيفة يومية.. وهذا الاخير لا يقدم الاعلام له سوى الاجترار المهني دون الابتكار المعرفي.

 

حاورته.. رنا خالد

 

951 كاظم الوحيدهو طائرٌ فراتي عاش على ضفاف مدينة السماوة وعشق طينتها، وتنفس هواء بساتينها فعاشت معه في رحلته وترحاله وكأي عراقي مغترب يداعب حنين الشوق في قصائده للوطن والأرض والحبيبة بغداد .. فكتب الحرف بإحساس نقي وحمل اوجاع وطنه ومعاناة ناسه ليعبر في قصائده عن صدق إنتمائه ..

كاتب وشاعر وإعلامي استطاع ان يصنع إسماً  له في الأوساط المحلية والعربية والعالمية فحقق نجاحات كثيرة وحصد العديد من  الجوائز العالمية وترجمت له نصوص لأغلب لغات العالم

يكتب الشعر الفصيح والنثر والشعبي والنبطي الخليجي

انه الشاعر كاظم الوحيد العنزي – عراقي مغترب في مملكة السويد

كان لنا معه هذا الحوار

س - باعتبارك سفيرا للسلام الدولي ماذا تعني لك المشاركات التي تمت دعوتك للمشاركة بها سواء على الصعيد المحلي او الدولي، وماهي رسالتك في هذه المشاركات؟

ج - لاشك إن الشاعر هو سفير لبلده من خلال ما يحمله من إبداع فكيف إذا كان شاعراً وسفيراً معتمداً للسلام الدولي، فكل مشاركاتي تعني لي الكثير أولها أسعى ان أسجل لي بصمة إبداعية متميزة من خلال مشاركتي الشعرية والأدبية والثانية ان تكون لي بصمة إنسانية أيضاً، فتراني أقوم بمبادرات تكريم لإدارات المهرجانات بقلادات إبداعية او دروع او شهادات تقديرية تحمل شعارات وأسماء المنظمات الدولية التي احمل سفارتها والمخول منها رسمياً، اضافة الى مبادرات اخرى كزيارة ملاجيء إيتام او مستشفيات اطفال المصابين بالأمراض او مؤسسات إنسانية إغاثية وغيرها وهذه اراها من أنبل الرسالات السامية التي أحملها  وادعو الله تعالى ان يوفقنا في إدامتها وتعزيزها .

س - بالرغم من وجود مفاخر من الشعراء الشعبيين العراقيين شاركوا في المحافل المحلية والدولية منها، كيف ترون وضع الشعر الشعبي العراقي في هذه المهرجانات، وهل استطاع الشعراء ايصال رسالة واضحة عن مفهوم الشعر الشعبي العراقي من خلال القاء مشاركاتهم في تلك المحافل؟

ج - وصل الشعر الشعبي العراقي الأن الى أقاصي المعمورة وتجد انه مرغوباً لدى شعوب أغلب البلدان التي زرتها وشاركت في مهرجاناتها والفضل يعود للشعراء المشاركين الّذين ساهموا بشكل جاد لإيصال الحرف الشعبي العراقي اضافة الى  ان الأغنية العراقية قد إجتاحت مساحات واسعة من الذائقة العربية والنص الغنائي وكما هو معروف لون من ألوان الشعر الشعبي العراقي ولي في ذلك تجارب كثيرة ومن خلال الأماسي التي أحييها يطلب مني ان اقرأ لهم لون الأبوذية او الدارمي أو الموال وحدث ذلك في بلدان عربية كثيرة يمكن ان اذكرها لك منها .. الأردن .. لبنان .. مصر .. تونس ... المغرب .. الجزائر .. وغيرها . وهذا دليل لا يقبل الشك ان الشعر الشعبي العراقي قد وصل الى ابعد من محيطه المحلي .

س - ان اكثر الشعراء الشعبيين العراقيين لايسعون لتطوير قابلياتهم الشعرية واكتساب الخبرة من الاخرين وسد الثغرات الموجودة لديهم، برأيك هل السبب في عدم الاحتكاك المباشر مع الاخرين من الشعراء، او قلة الفعاليات الشعرية وبهذا تبقى القابليات راكدة وغير فعالة، ام هناك اسباب اخرى في رايك؟

ج - تطوير إمكانية الشاعر تعتمد بحد ذاتها على الشاعر نفسه، فالشاعر عليه ان يطّلع ويقرأ بإستمرار لأن في المطالعة والبحث والتقصي يستطيع ان ينمي موهبته ويطورها ولابد من كلمة فإن الإحتكاك والإطلاع على تجارب الأخرين وسماع شعرهم سواء كان شعبياً او محكياً عامياً كان او غيره يساعد المبدع ايجاد قنوات اخرى من شأنها ان تخلق حالات إبداعية اخرى لنصّه لا سيما عندما يلاقح مفردات البلدان الأخرى في نصه الشعبي ويسعى الى توظيفها بصورةٍ شعريةٍ جميلةٍ..  وقد استخدمتها في أكثر من لغة او لهجة فإدخلت مفردات سويدية مثلاً لحوارية جميلة إستطاعت ان تدخل قلوب الناس وهاهي تطلب مني في اغلب اماسي مملكة السويد برغم مرور سنين على ولادتها .. اضافة الى استخدام مفردات للهجات مصرية وتونسية وجزائرية لاكثر من نص شعبي مما ساعدني في امتاع جمهور البلدان وادخالها الى قلوبهم بدون إستئذان .

س -  لمن تستطيع ان توجه اللوم في عدم تبنيها النشاطات والقابليات الشعرية لاجل تطوير وتوحيد الارتباط بين الساحات والميادين الشعرية المختلفة؟

ج - نتمنى ان تكون هناك مؤسسات داعمة للفن و الثقافة والشعر تستطيع ان تحيي وتنظم مهرجانات عربية ودولية وطباعة منجزات الشعراء والمبدعيين، اضافة الى الدعم المالي وهذه مسؤولية الدول .. كأن تخصص منح مالية للشعراء والأدباء او مساعدتهم في عوزهم المادي او معالجة المرضى منهم مجاناً واظنها ليس بالمهمة الصعبة اوالعسيرة .

س - برأيك كشاعر شعبي ماهي العناصر والضوابط الشعرية في تقديم الصورة الحية والمؤثرة في نفس المتلقي والمساعدة على ادراك المعنى؟

ج - هناك عناصر يجب ان تتوفر في الشاعر سواء كان شاعراً فصيحاً او شعبياً ومنها المعرفة التامة بأدواته الشعرية وإتقان ضوابط النص الشعري ومعرفة الميزان وتفعليلات القصيدة وتواجد الصورة الشعرية اضافة الى الإلقاء الذي له التأثير الأكبر في إيصال المفردة الى قلوب المستمعين والكاريزما واعني شخصية الشــاعر وسيطرته على المنصة كل هذه الأمور تساعد الشاعر على إيصال حرفه للمتلقِ بلا حواجز أو قيود .

س - بعض الشعراء الشعبيين في كثير من قصائده الشعرية يحاول ان يجعل صورا تفصيلية اي انه لايكتفي بذكر صفة واحدة للمعنى الذي يطرحه، هل هذا يعد شرطا ضروريا لجمال الطرح في القصيدة الشعرية الناجحة، ام ماذا؟

ج - كلا .. جمال الطرح ليس بالتكرار بل بإختزال الصورة الشعرية وإيصالها بطريقة جميلة الى إحساس المتلقى، فقد يكون بيتاً دارمياً متكوناً من شطر وعجز له اثره البالغ على المتلق او بيت أبوذية بدلاً من قصيدة تحتوي على عشرين بيتاً لكنها خالية من الصور الشعرية .. وهنا اعتقد الفرق واضح ..

س - اغلب الاحيان يلجأ الشاعر الى اساليب مثل التشبيه والكناية للتعبير عن فكرته الشعرية في القصيدة، هل هناك اساليب اخرى مفضلة للاستعانة بها واضافتها دون التأثير على القيمة الادبية والفنية الشعرية للتعبير في طرحه للفكرة من خلالها؟

ج - التشبيه في الشعر استخدمه الشعراء عبر العصور سوى في عصر ماقبل الإسلام او العصر الإسلامي او الأموي اوالعباسي او العصر الحديث فشبه الشعراء بتشبيهات الطبيعة مثلا كالشمس والقمر والكواكب والمطر او تشبيه النساء بالثريا او بالظباء  وطولهن بالرماح او تشبيهات السيف اوالطيور او الزهور وغيرها ويمكن ان يضيف جمالية الإيحاء للجملة الشعرية وهاهي معلقة عنترة بن شداد  في أبيات منها وهو في ساحة الوغى ..

ولقد ذكرْتُكِ والرِّماحُ نواهلٌ

وبيضُ الهِنْدِ تقْطرُ من دمي

فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنها

لمعت كبارقِ ثغركِ المتبسِّمِ

ولم ينس حبيبته عبلة فأنشد فيها تلك الأبيات .

وفي بيت أخر له في نفس القصيدة

وكأنَّما التفتَتْ بجيدِ جدايةٍ

رَشأ من الغزلانِ حرٍّ أرثَمِ

والجداية ولد الظبية .. الرشا هو الغزال

فقد أجاد فيها الشاعر وابدع في هذا اللون

او المتنبي الكبير وخروجه عن الطرق المألوفة التي سار عليها الشعراء

اشغل الناس بروائعه الجميلة ومنها قوله فقد

خَريدةٌ لو رَأتها الشّمسُ ما طَلَعتْ

ولو رأها  قَضيبُ  البَانِ لم يَمسِ

وفي بيت اخر من نفس القصيدة

لو كانَ فيضُ يديهِ ماءَ غاديةٍ

عزّ القطا في الفيافي موضعُ اليبسِ

وكثير من الشعراء صاغ التشبيه في قصائده وابدع فيها

اما الكناية فهي لفظ غير صريح فيه إبهام او تلميح لشعر معين وهذا ايضاً استخدمه الشعراء سابقاً .. لكن يبقى السهل الممتنع هو اقرب الطرق الى إيصال المفردة بسهولة الى الملتقِ .

س -  نرى في الوقت الحاضر، اختلاف الشعراء الشعبيين عن من سبقهم في نتاجاتهم الشعرية، هل ترى ان الشعر فيما سبق اصبح لا يصلح لهذا الوقت واصبح من الضروري تغييره او ما يسمى بالتجديد، ام هو تغيير في سلوكية الشاعر من وقت لاخر، وهل استطاع مجاراة ماانتجه الشعراء الماضين، ام لا؟

ج - لا يختلف اثنان على وجود نصوص ركيكة في زماننا هذا وبالأخص في النص الغنائي، فتجد أغاني للأسف هابطة والأغرب ان لها رواج وقبول ومستمعين ومتابعين ويبدو ان الخلل في الذائقة السمعية وتواجد القنوات الفضائية التجارية لكن ومن وجهة نظري ان مثل هكذا اغاني لا يمكن لها ان تعيش لفترة طويلة فتراها كهبة الريح لها زمن ووقت معين وبعدها ستخفت وتموت ولابد من القول ان هناك قصائد يكتبها الشباب الان لها بعد عميق وتحتوي على صور شعرية أخاذه ربما لم يكتبها الشعراء الرواد وبالتالي علينا ان نتعلم من الرواد دروس أولها رصانة القصيدة وعمق بنائها ومضمونها وحبكة مفاهميها

س - هل استطعت ان توظف شعرك لتبليغ رسالة السلام التي ينشدها العالم  وكيف؟

ج - نعم فأنا أحمل هموم الإنسان واوجاع الشعوب وعذاباتها ولي أكثر من قصيدة تحمل في أبياتها تلك المضامين ولي الفخر ان أحمل هذه الرسالة وحمل هموم الإنسان شرف كبير ما بعده شرف، داعياً الله تعالى ان يجعلني عند حسن ظن وطني وأهلي وناسي وجمهوري.

س - كتبت الشعر الفصيح والشعبي والنثر، في ايهم تجد نفسك، ولماذا؟

ج - كل لون من الشعر له محبيه ومتابعيه، لكن وبحكم إنتمائي السومري ارى اني اجد نفسي في الشعر الشعبي العراقي من خلال لهجتي الجنوبية وجمال الإلقاء الذي منّ الله تعالى علينا في حسن صياغته .

س – هل حصلت على لقب معين سواء على الصعيد المحلي او الدولي، وماهو الاقرب اليك؟

ج - كثيرة هي الألقاب التي حصدتها والحمد لله سواء كانت من الصحافة او المؤسسات او الجمهور وأقربها الى قلبي سفير القصيدة وأمير السلام

س – من خلال مسيرتك الحافلة بالنجاحات هل لك إصدارات وماهي؟

ج - لي اكثر من إصدار والحمد لله سواء كان في الشعر الشعبي او الفصيح

ويمكن لي ان اذكرها ..

أبوذيات من الغربة .. تراتيل الدمع .. العشق الصامت

س - انت شاعر غنائي ايضا، فهل كتبت نصوص غنائية، ولمن من المطربين، واي مطرب تتمنى ان تكتب له؟

ج - كتبت النص الغنائي ولي اغان مغناة لمطربين عراقيين وعرب. ومنهم .. أيهاب هادي .. بشار الأصيل .. فراس الأمير ..  اوبريت الكنائس لمجموعة شباب من ألحان الفنان بسام بولص .. المطرب الفلسطيني هايل دياب وغيرها .. ولي تعاون مع اكثر من ملحن عراقي وعربي ومنهم الفنان الكبير لطفي ابو شناق ومن المؤمل ان ترى النور قريباً احد اعمالي معه .

س - هل لنا بقصيدة مغناة تعتز بها؟

ج - نص غنائي يتحدث عن الهوان العربي وقام بغنائه وتلحينه الفنان هايل دياب

المهم تبقى الكراسي

البعض عدها التخاذل شرف صار بهالزمن

المهم تبقى الكراسي حتى لو نخسر وطن

كم مشرد على الرصيف

يصرخ القدس الشـريف

والضمائر كلها ماتت ..نشتكي إلمن .. ومن !؟

*

أمس بغــداد العروبه إنجرحت بسهم الغزاة

والشعور الچان عايش بالبشر هاليوم مات

بلا امان الوضع صـار

فوضى وإرهاب ودمار

دجله يبچي بدمع من دم والنوارس يشتكن ..!

*

سوريا تنادي بإسمكم وين صرتوا ياعرب ..؟

شافت اشكال المآسي والوضع كلش صعب

ليبيا تصيح وتعــاني

وصرنه نحلم بالأماني

كافي من هذا السكوت وشوفوا أحوال اليمن !

المهم تبقى الكراسي حتى لو نخسر وطن

س - هل من شئ يراود ذهنك تحب اخراجه عبر هذا الحوار؟

ج - لي اكثر من مشروع قادم ان شاء الله تعالى وبإنتظار ولادة تؤام لي من المطبوعات يضاف الى منجزي الشعري والأدبي .

كما اقدم شكري وإمتناني للصديق المتألق سلام البهية السماوي على هذا الحوار متمنياً له النجاح وسروري ان أكون ضيفاً خفيفاً على كل من يقرأ حوارنا هذا ومن الله العون والتوفيق .

 

حاوره: سلام البهية السماوي - ملبورن

 

939 سونياالمكان مكتب الفنان المسرحي رؤوف بن يغلان

من يكون الممثل رؤوف من يغلان؟

أولا: رؤوف بن يغلان مواطن تونسي تتجذر فيه روح المواطنة إلى حد النخاع..

ثانيا: أنا لست ممثلا.. لا مصلحا اجتماعيا.. لا مدربا.. لا.. ولا.. أنا فنان مسرحي.. والفنان عقل وروح.. فكر ووعي.. الفنان مبدع.. والمبدع هو الشخص الذي يخلق الشيء من اللاشيء.. الذي يجعل قيمة لما ليس له قيمة.. يعطي معنى للافكار التي لا معنى لها.. المبدع هو الذي يخلق الصور وينفخ في السواكن فيحركها ويحييها ويعطيها روحا.. هو الذي يزرع في أذهان التائهين والمضطربين واليائسين حيرة وأملا.. حيرة لطرح الأسئلة والبحث عن مكامن العيوب والاخلالات العويصة المعقدة داخل نفوسهم لاكتشاف ذواتهم وتثبيتها لكسب الثقة ولبناء شخصية قوية لا تتزعزع ولا تهزها تيارات للتّمكن من فكّ الغموض والإبهام عن استفسارات لا أجوبة لها من قبل الغير.. بل يجب أن تصدر الأجوبة والحلول المنطقية والجذرية منهم وعنهم وإليهم لخدمة ذواتهم وللحدّ من شدة الأزمات ووقعها على مستقبلهم وبذلك يتم العلاج بالمبادرة في الإصلاح والسعي في العمل وبالإنجاز الفعلي وعدم الاختصار على الأقوال والشعارات الكاذبة والبيانات التافهة..

هذا هو المنطق الذي يتحدث به الفنان المسرحي رؤوف بن يغلان الذي وضع لنفسه استراتيجية عمل وخطوطا ممنهجة ليكون مخالفا لما يقوم به غيره من الممثلين المسرحيين ويبدو ذلك جليا على جميع المستويات الفنية والتقنية والركحية والأضواء والديكور والعرض.. الى نص السيناريو الذي يعدّه ويشتغل عليه والفكرة التي يطرحها..

رؤوف بن يغلان قبل أي عرض مسرحي له يقوم بجولة في ربوع المدينة المعنية التي سيعرض فيها مسرحيته فتراه يتجول في الأسواق والمقاهي والدكاكين والشوارع ليحتكّ بعامّة الناس فيها قبل العرض ولا يريد أن يقف عمله عند ما يطلق عليه الرجل الواحد للمشهد One Man Show بتقديم سكاتشات مع قطع موسيقية.. ولذلك تجده يلتقي بمتساكني المدينة من جميع الفئات العمرية والثقافية لمجادلتهم واستفزازهم للحديث عن مشاغلهم وهمومهم ومعرفة احتياجاتهم وأسباب غضبهم واستيائهم من فساد تفشى في صفوفهم وبين ذويهم وتغلغل في نفوسهم..

وعلى ضوء تلك الشهادات وتلك اللقاءات الخاطفة والمعطيات التي يحصل عليها ويسجلها في ذهنه يعمل بن يغلان على تبليغ أصواتهم للعامة والخاصة بطريقته الفذّة والذكية وحنكته وخبرته في الأداء على ركح المسرح..

كما يعمد رؤوف بن يغلان الى تكوين جلسات أو ورشات تواصلية حوارية قبل وبعد العرض فوق الركح لمناقشة القضية المشكل بحضور جمهور متنوع وبتشريك مسؤولي الجهة وحتى رجال الدين والأيمّة ويجعل المواجهة وجها الى وجه بين المواطن والمسؤول فيكون النقاش حادّا وحيا ونارا تتقد، وكانت مسرحيته الأخيرة : ارهابي غير ربع " برعاية وإشراف وزارة الشؤون الدينية والتي واكبت وحضرت عدة عروض له وأبدت عن إعجابها بالفكرة وأشادت بهذا العمل الجريء المبدع ووعدت صديقنا بالتعاون مع الجميع من المشهد العام من أجل بعث مسرح تفاعلي..

المسرح لدى رؤوف بن يغلان ليس عرضا فرجويا وكفى بل مشروعا يشتغل عليه ويسعى إلى تحقيقه من خلا ل نظرته الاستشرافية الهادفة إلى الإصلاح والتغيير ولا يحصل ذلك دون توعية وإثارة وعمل ونضال وثقافة حقيقية..

ماذا يمثل المسرح لدى رؤوف بن يغلان؟

رؤوف بن يغلان لم يجئ الى المسرح من أجل التسلية والترفيه.. لا للبحث عن النجومية في الساحة الثقافية والأوساط الاجتماعية كي يتحدث عنه المجتمع ووسائل الإعلام والإعلان.. ولا للظفر على الربح وطائل الأموال..

رؤوف بن يغلان جاء الى المسرح هربا من محنة..هربا من ضياع وتشرد.. هربا من انتحار كاد يكون.. لجوءا لحماية في فترة عصيبة عاشها في طفولته إثر وفاة والده وهو في سنّ الثّامنة وكان عليه أن يحلّ محلّ الوالد ويكون اامسؤول على عائلة تتكون من تسعة أنفار ووالدة.. وهذا الثقل من العبء على شخص راشد وبالغ مآله الاضطراب النفسي والذهني قد يصل الى حدّ التّأزّم والانزواء فما بالك بطفل يافع.. وهذا الخوف والكبت ولد فيه الإنفجار.. والانفجار بداية الإبتكار والانتصار على الأوضاع.. ورؤوف بن يغلان وجد في المسرح ضالته ودواءه..

ومن هذه المأساة قرر رؤوف بن يغلان جعل المسرح قضية ورسالة.. واختار القيام بهذه المهمة التي لا يسميها وظيفة فهو يريد أن يدخل البهجة التي افتقدها في طفولته إلى كلّ القلوب وليثير في الأذهان حيرة ورغبة في السؤال.. بحثّهم على التفكير بعمق في طرق الخلاص والنجاة من المشاكل وكيفية تجاوزها (الفقر والبطالة والجهل..) بالبحث عن بديل إيجابي لها..

رؤوف بن يغلان على حد تعبيره جاء ليتكلم على لسان الآخر من مختلف الأعمار من أبناء المجتمع التي قع تهميشها واحتقانها فاختارت أن تعيش في عزلة وخوف ويأس وبؤس بعد أن تعطل الحوار فيما بينهم وبين المسؤولين المعنيين في جهتهم.. ولذلك هو يسعى إلى تشجيع هؤلاء الناس على التخلص من عقدهم التي جعلتهم يفقدون الثقة بالنفس أولا وبكل من حولهم ثانيا.. وهذه العقد هي موروث التربية الغالطة والعادات السيئة التي تمنعهم من التعبير عن حاجياتهم واحتياجاتهم وأبسط أمورهم الطبيعية وما يداخلهم من اضطرابات نفسية ومخاوف مفزعة من المجهول الذي ينتظرهم والعالم المبهم الذي يكتنفهم.. وهذه العقد قد ورثوها من المجتمع والعائلة والأقارب والسلطة فظلّوا في سجن الصّمت.. سجن الخوف.. سجن الغربة.. وغرقوا في العتمة وأصيبوا بالخرس بسبب الكبت والمقت وبما عبر عنه بثقافة العقد التي يجب الاشتغال عليها لعلاجها ومن ثمّ جاءت مسرحيته الشهيرة " نعبر ولاّ ما نعبّرش " ثم " آش يقولولو " التي كانت بطلب من مسؤولة في التنظيم العائلي غايتها ترشيد الناس وتوعيتهم الى مخاطر مرض السيدا الناتج عن العلاقات الجنسية الغير شرعية والخجل من خوض الحديث في مثل هذه المواضيع..

وظيفة هذه الأعمال المسرحية توعوية وتحفيزية أكثر من أي شيء آخر.. فهي تجعل الناس يعبرون عن ذواتهم ويطرحون مشاكلهم وهمومهم أمام الجميع المعنيين وغير المعنيين لتحليلها ومناقشتها..

كما أشار الفنان المسرحي رؤوف بن يغلان أن المشهد الثقافي في السنوات الأخيرة يسير نحو الانحدار والانحطاط بسبب تغييب لكل ما هو طرح ثقافي وإقصاء للمثقفين وعدم تشريكهم في الحراك الثقافي لمحاولة الاصلاح ووضع حدّ للأوضاع المتدنية بالبلاد التونسية واجتثاث جذور الفقر والحد من البطالة والجهل..

ويرى أن الفترة الانتقالية ما بعد الثورة لم تأت في الثقافة إنما جاءت في السياسة وقد كانت له استضافة من الرئيس المنصف المرزوقي إثر ترشحه في الانتخابات بصفته مواطنا تونسيا وناشطا ثقافيا وفنانا مسرحيا ويطرح في هذا اللقاء هواجس المرحلة الانتقالية وتجليات أزمة الحكم بإطلاق صيحة فزع للنهوض بواقع الثقافة والاعلام وأسباب تفاقم المشاكل وتواجد الإرهاب والفساد في تونس بعد الثورة المزعومة والسؤال عن كيفية حلّ الأزمة وما هي الاستراتيجية المثلى لذلك ( الحوار متواجد على اليو تيوب سبتمبر 2013 ) ويقول بن يغلان أن الشخص الوحيد الذي تكلم في مسألة الفكر والطرح الثقافي هو الشهيد شكري بلعيد.. وبسبب هذا التهميش والإقصاء للمثقفين والمبدعين كانت النتيجة وخيمة على المجتمع التونسي فما نشاهده اليوم من عجز وخور وفساد على مسرح الواقع أكبر برهان ودليل على ذلك وهذا ما أحدث خيبة كبيرة في نفوس التونسيين وكسر خاطرهم..

كيف إذن يتمّ علاج وإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

- بعد تفشي الفساد والإرهاب والخوف والهلع في صفوف العباد وتردّي الأوضاع الإجتماعية والفلاحية والصناعية والإقتصادية والتجارية والسياسية في البلاد أعدّ وأخرج رؤوف بن يغلان عمله المسرحي " إرهابي.. غير الربع ".. عنوان هذه المسرحية وحده كفيل لإثارة الجدل والجدال.. التحليل والنقاش..

فمن هو الإرهابي..؟ كيف يصير الإرهابي إرهابيا..؟ ولماذا قسم رؤوف بن يغلان الإرهابي إلى أربعة أجزاء وكأن الإرهابي جسم مادي ملموس أو خبزة او أي شي علما وأن الإرهاب صناعة..؟ ومما تتألف الثلاثة أرباع للإرهابي..؟وأين الربع الأخير منه وماهي مكوناته؟ في إجابة سريعة الثلاثة أرباع من الإرهابي هو التونسي والربع الأخير هو المواطن الذي يحب وطنه ويغير عليه.. ولمعرفة المزيد لابد من حضور عرض مسرحية "إرهابي غير ربع" لاكتشاف الحقيقة وللإجابة عن جزء هام من هذه الأسئلة..

متى بدأ رؤوف بن يغلان المسرح وماهي أعماله المسرحية؟

- أول مسرحيات رؤوف بن يغلان هي " شي يهبل" وجاءت إثر ترجمة لنص وقع اقتباسه من الكاتب المسرحي الروسي نيكولا قوقول Nicolas Gogool والتي قام بعرضها على دار الثقافة بابن رشيق ومعهد كارنو فوقع رفضها في تونس سنة 1968 بالتالي تم عرضها بمدينة وهران الجزائرية عملا مشتركا مع الفنان المسرحي الجزائري فرحات يمون..

وقد كانت تسمية مسرحية " شيء يهبل " الأصلية "حمق سليم" والتي جاءت على إثر تأثر رؤوف بن يغلان بمسرحية "  Le général  Dunford" وبمناسبة عودته من فرنسا التي أقام فيها فترة ما بين أواخر سنة 1968 بداية 1969 الى أواخر 1973 وأوائل 1974.. لكنه تفاجأ عند عودته من الجزائر بعد العرض لمسرحيته بإيقافه في تونس من قبل وزارة الداخلية لمدة عشرين يوما وبقي على ذمة التحقيق وعمره وقتها 22 سنة.. ولاستنطاقه واستجوابه وقع ممارسة شيء من العنف والضغط والقوة لمعرفة إذا كان وراء عمله المسرحي ذلك دوافع سياسية أو حركة معارضة معينة تدفعه وتدعمه خصوصا أن خال رؤوف بن يغلان الاستاذ مصطفى بن ترجم كان أستاذا مختصا في علم الاجتماع وكان ايضا من المعارضة Perspective من جماعة آفاق وبعد ذلك انتمى إلى أحمد بن صالح..

كما كان لرؤوف بن يغلان فرصة اللقاء في فرنسا بعدة نجوم وشخصيات من كبار الفن والمسرح والسينما والتمثيل والثقافة على سبيل الذكر المفكر والعالم والفيلسوف ميشال فوكو Michel Foucault والذي درس في تونس وإقامته بباريس جعلته يعاشر هذه النخبة من المثقفين ويختلط بهم ويأخذ منهم وقد أضافت له هذه العلاقات شساعة ثفافته ونضجها سريعا.. هذا التميز جعله يحظى بالمشاركة بالتمثيل غي السينما وآداء عدة أدوار بطولية وأول مشاركة له في فيلم إيطالي باللغة الإنجليزية وكان عمره 24 سنة 1972 عنوانه العتبات الممنوعة وآخر عنوانه المسيح سنة 1974 فالابن الضال le mauvais fils الفرنسي سنة 1979 وفيلم la balance سنة 1982 وأيضا Tou feu Tout flammes سنة 1985 وسلسلة تلفزية لمدة شهر بعنوان القنطرة مع قناة تلفزية سنة 1987 وغيرها من الأعمال السينمائية والتلفزية والمسرحية..

ومن حكايا رؤوف بن يغلان أنه التقى بوزير الثقافة الشاذلي القليبي في تلك الفترة في مهرجان قرطاج المسرحي بتونس فعبر له عن شجونه وآلامه وخيبته في المشهد الثقافي وما لقيه من معارضة حادة وصارمة لحرية التعبير ولعدم الموافقة على عرض مسرحيته " شي يهبل " وكانت نتيجة إصراره في التشبث بمواقفه الصارمة الرمي به في المنأى بتعيينه للعمل أستاذ مسرح في المناطق الداخلية بعيدا عن الأضواء منفيا في الظلمات حتى لا يكون قريبا من أجواء العاصمة ومن الحقيقة وحتى يقتلوا فيه الموهبة والطموح.. وجاءت إجابة الوزير ردّا على مكاشفته بما حدث له هازئة وأن يحمد ربه على أنها جاءته" جلدية."

وقرر رؤوف بن يغلان العودة الى فرنسا سنة 1975 لمواصلة دراسته ومباشرة النشاط الثقافي والعمل المسرحي هناك..

فدرس رؤوف بن يغلان في جامعة باريس 8 علم الاجتماع لمدة أربعة أو خمسة سنوات إلى موفى 1979 كما قام في ذات الوقت بالتدريس والتنشيط الثقافي في جامعة باريسية في فرنسا سنة 1982\1983 كما كلف بمهمة فريدة من نوعها تتمثل في القيام بدراسة لثمانية أحياء باريسية فقيرة ومهمشة وخطيرة بتأطير متساكنيها وخاصة شبابها المدمن.. تأطيرا ثقافيا توعويا تحسيسيا بصفته مؤطر ثقافي فرؤوف بن يغلان يرى أن" الفنان المبدع هو الذي يمتلك المشروع وينفذه" وصادقت على مشروعه الجبار والفريد من نوعه وقتئذ والذي راهن عليه بن يغلان وزارة الشباب والتنمية الثقافية بفرنسا ونال شهادات الشكر والتقدير في ذلك العمل وحقّق فيه نجاحا باهرا..

أعمال رؤوف بن يغلان المسرحية عبارة عن حلقات مترابطة لعمل هادف وهي على التوالي:

شي يهبل 1973\1974

ضمير مستتر 1994

مثلا 1995\1998

آش يقولولو 1998

نعبر ولا ما نعبرش

الحرقة 2009

حارق يتمنى 2011\2013

مازال يتمنى

ارهابي الا ربع

(قد كانت للفنان المسرحي رؤوف بن يغلان فرصة اللقاء بالشباب الذين حرقوا من تونس وليبيا الى إيطاليا ووقع إيقافهم والتحقيق معهم في الحكومة الإيطالية إذ ذهب لزيارتهم والتواصل معهم وتأطيرهم ليغالبوا يأسهم والتشاور مع المعنيين في الأمر لإيجاد الحلول وللنهوض بهؤلاء الشبان وإنقاذهم من التشرد والوقوع في الانتقام والإرهاب)

ماهو دور الفنان المسرحي في إصلاح المجتمع وتوعيته للنهوض به؟

- يرى رؤوف بن يغلان أن الفنان المسرحي يجب عليه قبل أن يفكر ليكون نجما ناجحا.. أن يفكر كيف يُمتع الجمهور وكيف يجعلهم يتبنون قضية من خلال الرسالة التي يبثها لهم بين السطور وأثناء العرض المسرحي ومن خلال أجواء الفكاهة والضحك التي يثيرها بغاية التحفيز وإنارة النفوس والعقول إذ الفنان المبدع هو الذي يأخذ بزمام الأمور ويمسك بطرف من كل الفنون ويتعلم من كل المدارس والمذاهب والنزعات الفنية لتكون له ثقافة شاملة واسعة فالفنان يُقدّم عملا إنسانيا قيّما ومقدسا قبل أن يقدّم عملا مسرحيا أو فنيا لكي يتسلح بما ينفعه ويفيده وليؤثث لذاته قاعدة عمل فنان ناجح يليق به طرحه وتوجّهه الفكري التوعوي ويناسب وضعه بصفته فنانا مبدعا وعليه أيضا خلق شروط النجاح لنفسه ولعمله الأدبي المسرحي الدرامي ويضمن النجاح له بدراسة كل الأبعاد الفكرية والنفسية والإجتماعية والثقافية وذلك لا يتمّ إلاّ بخلق التناغم والتناسق في رؤيته الفلسفية الابداعية وبتقديم قراءة جديدة للمسرح وأفكار مترابطة، متكافئة وواضحة..

فعمل الفنان المسرحي رؤوف بن يغلان لا يقف عند دور "الوان مان شو the one Man Show" بل في المونودراما بطرحه للقضايا الفكرية والاجتماعية وبفرض وخلق علاقة مرنة وذكية بين الممثل والمتلقي.. فالعمل الدرامي يستلزم كتابة ركحية دقيقة والمونودرامي يشرك جمهوره في عمله..

المسرح عند رؤوف بن يغلان رسالة يخطط لها ويعدّها مسبقا اعدادا طيبا وحسنا يتمّ من خلالها معالجة اليأس ومصالحة الذات مع الطبيعة ومع الواقع ومع الآخر بكيفيّة تجعل الجمهور يُقبل على العمل المسرحي فيضحك ليس للضحك بل للضحك على ما يضحك عليه وعلى ما يُؤسفنا ويبكينا ويسلينا وكما يقول المثل الشعبي " كثر الهمّ يضحك " وهذا الضحك هو الآخر يعتبر فنّا من الفنون وعلما يجب أن يُدرس ويقرأ للتمكن من فهمه..

دور الفنان المسرحي إذن ليس هيّنا لا سهلا ولا كلاما.. دور الفنان المسرحي يستجوب مقاومة ونضالا وصمودا لمقاومة السخافة والاستخفاف بالآخرين.. والمبدع الحقيقي لا يخشى الإرهاب بقدر ما يخشى الاستخفاف بالارهاب وبمن يرمي إلى زرعه وترسيخه وبعثه وتنشئته ويخشى موت العقل والفكر ومَن يجب أن نخشاهم هم أولئك الطّغاة الذين يعملون على بناء الجهل ونشره وبثّ سمومه في المجتمعات بقتل الطموح فيهم وشلّ الوعي لديهم باستعمال الدين والتطرف وباستغلال البسطاء والضعفاء للإطاحة بهم في جحيم الانحطاط الاخلاقي والديني والثقافي..

ماهو العمل الثقافي؟ c.est quoi le travail culturel

- العمل الثقافي هو تحليل مواضيع وإعطاؤها بعدا فلسفيا وواقعيا جديدا ورؤية مغايرة بمقاربات توعوية تثقيفية تحييسية توجيهية وتعليمية أخرى.. وعمل المبدع الثقافي يجب أن ينطلق من المجتمع المدني _ من الواقع _ من الفقر _ من البطالة _ من كل الأشياء البائسة المهمشة التي يجب بلوغها واقتحامها بدقّ أبوابها ومشاركة المنكوبين معاناتهم وتجربتهم الحياتية وإخراج الغصّة من الحلق وفكّ الأسير من القمقم وعليه أن يعرف ويكتشف أسباب الدّاء قبل علاج الدّاء وإعطاء الدّواء وهذا الشيء لا يتحقّق إلاّ بتكتّل جميع الجهود وتضافرها من مبدعين ومثقفين وفنانين و.. وبتواجدهم جميعهم في ساحة المعركة وعلى أرض الميدان لسحق الفقر وصلب الجهل واغتيال التشرّد.. ومن الخطإ الفادح أن ينزوي الأدباء والشعراء وينغلقون على أنفسهم بحجّة الالهام في الكتابة.. فالكتابة إذا لم تنبع من الوجع والألم لن تحقّق الإبداع فالأدب مأساة أو لا يكون..

العمل الفنّي يستلزم كسر الحواجز وتجاوز الحدود وعبور المناطق الفقيرة _ السّاخنة _ الغاضبة _ النّاقمة _ اليائسة _ البائسة.. والمغامرة تتطلّب التّحدّي والصّمود وحلّ المشكل لا يكون إلاّ من منبته _ من لبّ القضيّة باختراق وجه الغضب المؤدّي إلى الشلل الفكري والذهني والتعبير والإفصاح عن خوالجنا وأوجاعنا ومآسينا وكلّ ما يؤلمنا.. والفنان المبدع إذآ لم يحتكّ بعامّة النّاس وإذا لم يختلط بفقرائهم وجياعهم ومنحرفيهم.. إذا لم يذهب إليهم وإلى ديارهم ومدارسهم ومقاهيهم كيف له أن يفهم مشاعرهم ويدخل عالمهم.. كيف له أن يحلّ مشاكلهم وهو لم يخلق لوحة مسرحية من هذه القضايا والحكايا؟ فهل ينجح المبدع في آدائه إذا لم يكن صادقا مع نفسه _ متصالحا مع ذاته _ متشبعا بأناه..؟ هل يقدر على تقديم الحلول؟ هل يقدّم رسالة؟ هل.. وهل..؟ تساؤلات عديدة تبقى الإجابة عنها موقوفة على تفهم ووعي الجميع.. فمتى يحدث ذلك؟

ورؤية رؤوف بن يغلان للمسرح ودوره في الإصلاح المجتمع يكون بخرق العادي والمتاد ووجوب تواجد جبهة ثقافية وبجعل المسرح مشروعا متكاملا لا يقف عند الرسالة..

فهل سيجد هذا النّداء صداه..؟

 

إنجاز الاستاذة سونيا عبد اللطيف - تونس

 

896 فاضل العزاويهذا العنق الممنوح إلى الجلاد؟

 تهب الريح من المنفى كأمير يقبل من سفر، كشهاب، وتضيء على عاصفة الصمت: لماذا ينتحب اللي رمادا ينثره فوق جذوع يابسة في أمطار؟

وأنا شعب، امدح هذا الطالع في البرية مثل نبي يبعث بين خطاة، مثل مليك يعدم في الساحه.

تتمتع مدينة كركوك بخاصية نادرة الا وهي تكوين مجتمعها الثقافي والقومي التعددي كنتيجة لحوار حضاري بين اقوام وعقائد. المدينة لم تعرف عبر التاريخ صراعا عسكريا او حرب بين مكوناتها السكانية ولكنها كانت مطمعا للغزاة والمحتلين. هذه الخاصية جعلت من بيئة هذه المدينة الواقعة على طريق الحرير مركزا تجاريا وثقافيا ونقطة وصل. من هنا مر جحافل جيوش إسكندر المقدوني ودون احد ضباطه النار الأليمة الملتهبة في أطراف المدينة في كتاباته. في احد أطراف نهر خاصة صويو (نهر ادهم) نجد قلعتها على تل تحيط بها الدور السكنية والاسواق. القلعة كانت المدينة اَي لم تبنى كحامية عسكرية منذ بنائها من قبل أبناء حضارات العراق القديم وكانت فيها احياء لابناء المدينة بمختلف طوائفهم. تغيرت الأمور مع الحرب العالمية الاولى وبداية انهيار الدولة العثمانية وانتشار المد القومي في المنطقة باسرها. وجاء تأسيس الاتحاد السوفياتي بأفكار تقدمية غيرت الجو السياسي في المنطقة والعالم. كان تحول الدولة العراقية من النظام الملكي الى الجمهوري تغيرا جذريا في المجتمع العراقي. في هذه البيئة التقى مجموعة طيبة من شباب المدينة ليتحاوروا حول هموم المجتمع والأدب والسياسة. سمي تجمعهم ب "جماعة كركوك الأدبية " وكان ولا يزال احد أعمدتها الأديب والشاعر فاضل العزاوي. الاديب العزاوي غني عن التعريف فهو احد الرواد في مجال الشعر والرواية في العراق ومعروف على المستوى العالمي. بعد انهاء دراسته الأكاديمية في بغداد عام 1966 ينتقل الى الخارج لاستمرار في الدراسة في المانيا حيث يحصل على الدكتوراه من جامعة لا يبزغ. التقيته ورغم المشاكل الصحية جاد بنا بهذا اللقاء التوثيقي.

سالته عن عملية التوثيق للفترة زمنية تاريخية في حياة مدينة كركوك في "اخر الملائكة " وهل فاته شيئا او احد من أصدقائك من جماعة كركوك؟ حدثنا عن تلك الأيام الخوالي وما كان محور نقاشاتكم في مدينة تعددية الثقافة وملتقى للإقامة كمتحف ثقافي. اجابني مصححا ما ذهبت اليه قائلا:

ـ لم يكن هدفي في رواية "آخر الملائكة" التوثيق وانما كتابة رواية تعكس روح العراق، بل الشرق كله والطريقة التي يفكر بها الناس في مواجهة مصائرهم وأقدارهم. والسؤال الأهم في الرواية فلسفي يتعلق بالأمل في الفردوس الذي ينتهي الى الجحيم. لا علاقة للرواية بجماعة كركوك ولا بأحد من أصدقائي او نقاشاتنا. وهي قبل كل شيء ملحمة تنبؤية تربط الماضي بالحاضر وتمتد الى المستقبل، لذلك اعتبرها العديد من النقاد الألمان رواية تنبأت بظهور داعش قبل ربع قرن من صعودها، مثلما تنبأت بما يسمى بـ"الربيع العربي" الذي انتهى الى جحيم، كما في الرواية.

لقد تحدثت عن كركوك وعن جماعة كركوك وحياتنا وعلاقاتنا ونقاشاتنا في كتاب آخر هو "الروح الحية" وبالذات في فصل بعنوان "أصدقاء السوء" عن جماعة كركوك.

 نعم انتم على حق طبعا وكنت اقصد كتابك "الروح الحية " وعذرا لكن تلك الجماعة أخذت صدى في المحافل الأدبية خاصة بعد رحيل العديد من المجموعة هل لك اي اتصال بمن عاصركم في تلك الفترة؟

ـ لقد ظلت العلاقة قائمة بين معظم أصدقاء جماعة كركوك حتى النهاية. في كركوك كانت العلاقة وثيقة بيننا ونلتقي باستمرار، وظلت العلاقة قائمة بيننا عندما انتقلنا الى بغداد، حيث عشنا أنا وأنور الغساني ومؤيد الراوي في شقة واحدة، ولكن لم تعد اللقاءات اليومية ممكنة مع الجميع كما كان عليه الأمر في كركوك. وحينما انتقل معظمنا الى الخارج تشتتنا في دول مختلفة ومع ذلك لم تنقطع الصلة بيننا. فقد كنت على صلة أيضا بجليل القيسي ومحي الدين زنكنة وعبداللطيف بندر اوغلو الذين لم يغادروا العراق. كنا نتصل ببعضنا عن طريق الهاتف او الرسائل او في زياراتهم للخارج. أما في المانيا فكنت على علاقة وثيقة مع أنور الغساني ومؤيد الراوي وزهدي الداودي. وكان سركون بولص يزور ألمانيا ويمكث فيها فترات طويلة. ولكن لا بد من القول إن الأمر اختلف بعد الخروج من كركوك، حيث أصبح لكل منا عالمه الخاص به.

896 فاضل العزاوي 2

الرواد الأوائل العزاوي، الداوودي، بولص والراوي

هناك العديد من الاسماء لأعضاء المجموعة هل تتمكنون من تعداد الاسماء لتوثيقها تاريخيا ؟

ـ لم تكن جماعة كركوك رابطة او منظمة تضم أسماء معينة. وقد جاءت تسمية جماعة كركوك من النقاد والشعراء والكتاب الآخرين الذين انتبهوا الى أعمالهم الإبداعية المتميزة المختلفة عن أعمال غيرهم من الكتاب العراقيين. لقد كنا في الحقيقة مجموعة من الأصدقاء المبدعين الذين يمتلكون رؤى مختلفة عن غيرهم ويطرحون مفاهيم جديدة للحداثة لم يكن يعرفها الوسط الأدبي العراقي ويتقنون العديد من اللغات الأخرى، فضلا عن مجيئهم من مدينة مثل كركوك التي لم تكن معروفة بحيويتها الأدبية حتى ذلك الحين. ولذلك ليس صعبا كثيرا التعرف على من يقصدهم النقاد والشعراء والكتاب بتسمية "جماعة كركوك". إنهم يقصدون بذلك الإشارة الى الأعمال الطليعية المتميزة التي قدمها العديد من هؤلاء الشعراء والكتاب في فترة زمنية محددة.

ظهرت في الآونة الأخيرة تسميات ك جماعة كركوك الثانية وربما الثالثة كذلك أنا اعتقد جازما بان هناك جماعة واحده وهناك أصدقاء للجماعة وصدى للمجموعة الأولى او نوع من الاستمرارية هل تحبذ كل هذه التسميات؟

ـ هذه تسميات تطلق جزافا وخالية من المعنى. فلكي تكون هناك أي جماعة ينبغي أن تمتلك ما يؤهلها للفت الأنظار اليها، أن تقدم ما يؤثر في مجرى الحركة الأدبية العراقية والعربية. أما الإنتساب الى مدينة ما فلا يعني شيئا. ربما كان الذين يتحدثون عن جماعة كركوك الثانية او الثالثة يطمحون في أن يؤدوا دورا شبيها بالدور الإبداعي الذي قام به من يطلق عليهم جماعة كركوك، ولكن هذا الأمر يتعلق بهم وحدهم، أي بالمنجز الذي يقدمونه.

اثر حوادث عام ١٩٥٩ في كركوك ترك بعض الأعضاء الخط السياسي للمجموعة تحت تاثير ما يسمى بالوعي القومي ما تعليقكم حول الموضوع؟

ـ كنا جميعا ضد الأفكار القومية والدينية المتطرفة التي تقسم البشر على أسس عرقية او لاهوتية، تمتد الى الولادة بالصدفة، ننحدر من قوميات وأديان مختلفة (عربية، كردية، تركمانية، إسلامية، مسيحية)، ولكننا لم نكن نشعر بأي فارق بيننا، فما يهم قبل كل شيء هو أن تكون مبدعا وتمتلك شفافية وروحا إنسانية تسمو على مثل هذه التقسيمات البدائية. كان أحد أفراد مجموعتنا مثلا قسا هو الأب يوسف سعيد الذي نشر العديد من الدواوين السوريالية بتأثير منا. وكان كثيرا ما يلتقي بنا في مقاهينا وهو في ردائه الكهنوتي. شخص واحد فقط من المجموعة أثر عليه الصراع القومي الدائر في المدينة فانفصل عنا، مما جعله يفقد أي دور إبداعي له في كل الفترة التالية.

حدثنا عن انتاجك الادبي المرتبط ببيئة المدينة أي كركوك وكيف تمكنتم من عكس الحياة الاجتماعية في هذه المدينة والصراعات السياسية والاجتماعية التي كانت تدور رحاها بين أبناء المجتمع؟

ـ لم أكن معنيا بعكس الحياة الاجتماعية والصراعات السياسية في مدينة كركوك بصورة خاصة، فثمة خشية دائما من أن يسيء أحد ما فهم ما يقال في مدينة مثل كركوك، فضلا عن أن منظوري الفكري في الكتابة يمتد ليشمل العالم كله. لقد صورت في رواية آخر الملائكة الكثير من بانوراما المدينة بطريقة قد لا تجدها في أي عمل آخر، ومع ذلك كان ثمة من عاتبني أنني قد أسأت الى هذا الطرف او ذاك، بل كان ثمة من قال لي إنني قد شتمت الجميع في الرواية وهددني مجنون ما ذات مرة بالقتل بدعوى انني أسأت الى المدينة. أطرف ما في الأمر هو أن كركوك امتلكت سمعة كبيرة بعد ترجمة آخر الملائكة الى العديد من اللغات العالمية وظهورها في طبعات شعبية واسعة في أميركا وألمانيا خاصة وكتابة العديد من كبار نقاد العالم عنها، حتى أن مستشرقا المانيا كان مدعوا الى أربيل قبل ثلاثة او أربعة أعوام طلب زيارة مدينة كركوك رغم الظروف الأمنية الصعبة حينذاك لمشاهدة الأماكن التي تتحدث عنها الرواية، فلبي طلبه بعد تردد.

كتب الكثير عن الجماعة ولكن القليل من التحليل والنقد للإنتاج الإبداعي لهم هل يدخل هذا ضمن ضعف الحركة النقدية بصورة عامة؟ ام ماذا؟

ـ لا أعرف مدى صحة هذا الرأي، على الأقل في ما يتعلق بي. إنني لا أشكو من قلة اهتمام النقاد بأعمالي ولا أفكر في مثل هذا الأمر الذي يخص النقاد وحدهم، فقد كتبت عني وعن أعمالي عشرات وربما مئات المقالات والدراسات في العراق وخارجه. كما قدمت عن أعمالي أعداد كبيرة من أطروحات الماجستير والدكتوراه في العراق والعالم العربي وأوروبا، بل وحتى في في بلدان مثل ايران والهند. وكتب عن أعمالي كتاب ونقاد أميركيون وإنكليز وألمان كبار. في الحقيقة لا أعير كثيرا من الإهتمام الى ما يكتب عني الا حين يصدر عن كاتب يهمني رأيه. هناك كتب عدة صدرت عني وعن أعمالي. كان بعضها جيدا وبعضها الآخر عابرا، ومع ذلك يظل الأمر خاصا بكاتبه ولا يعنيني من الأمر سوى عمقه وقدرته على الإمساك بروح العمل الذي يتناوله. وهنا يصعب علي الحديث عن مدى اهتمام النقاد بالكتابة عن أعمال بقية أصدقاء جماعة كركوك، إذ أن الأمر يتطلب مراجعة عقود من الزمن، وهو ما لا أقدر عليه هنا. أكيد أن الحركة النقدية العراقية والعربية ضعيفة، ولكن الكاتب الحقيقي لا ينتظر جائزته من النقاد وانما من العمل الذي ينجزه قبل كل شيء.

في ختام هذا اللقاء نتمنى لأديبنا دوام الصحة والعافية وراحت البال وطبعا المزيد من الابداع لرفد الأدب الإنساني بالكلمة الطيبة والفكر النير الحكيم.

أجرى اللقاء: توفيق آلتونچي

 

اديب كمال الدينأربعون عاماً من كتابة الشعر و19 "مجموعة حروفية"

ينتمي الشاعر العراقي أديب كمال الدين إلى جيل السبعينات من القرن الماضي. بدأ مشروعه الشعري بكتابة قصيدة التفعيلة ثم تحوّل إلى قصيدة النثر. نشر على مدى أربعة عقود ونيّف 19 مجموعة شعرية. تُرجمت قصائده إلى عدة لغات عالمية من بينها الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، ونال جائزة الإبداع عام 1999 في العراق. ولمناسبة صدور المجلّد الخامس لأعماله الشعرية الكاملة، كان لنا معه هذا الحوار.

* كيف انبثقت في ذهنك فكرة النص الحروفي، وهل تعتقد أنها ماركة مسجّلة باسمك أم أنّ هناك آخرين كتبوا هذا النمط الشعري من دون أن يتعمقوا فيه؟

- هناك بالطبع مَن كتب النصّ الحروفي مِن الشعراء لكن إقامتهم كانت عابرة أو مؤقتة فيه. أما أنا فقد كانت إقامتي فيه أبدية! هكذا كتبت أكثر من 23 مجموعة حروفية، نشرت منها 19 مجموعة والباقي يصدر قريباً. وتمّ النشر خلال أكثر من أربعين عاماً في كتابة الشعر، أذكر منها على سبيل المثال: «نون»، و«النقطة»، و«حاء»، و«مواقف الألف»، و«شجرة الحروف»، و«الحرف والغراب»، و«أربعون قصيدة عن الحرف»، و«رقصة الحرف الأخيرة»، و«حرف من ماء».

إنّ حروفيتي في أصلها قرآنية. فالحرف العربي حامل معجزة القرآن الكريم ولا بد لحامل المعجزة أن يكون له سره أيضاً، كما أن الرحمن أقسم في مطالع العديد من سور القرآن الكريم به، لكنني حين تأمّلت في الحرف العربي خلال رحلتي الشعرية الطويلة، وجدت أنّ له ما يمكن تسميته بـ«المستويات». فهناك المستوى التشكيلي، القناعي، الدلالي، الترميزي، التراثي، الأسطوري، الروحي، الخارقي، السحري، الطلسمي، الإيقاعي، الطفولي. هكذا وعبر كتابة المئات من القصائد الحروفية التي اتخذت الحرف قناعاً وكاشفاً للقناع، وأداة وكاشفة للأداة، ولغة خاصة ذات رموز ودلالات وإشارات تبزغ بنفسها وتبزغ باللغة ذاتها، عبر هذا كلّه أخلصتُ للحرف حتى أصبح بصْمَتي الشعرية والفنية والروحية التي بسببها اهتم النقد بي ودرسني وأعطاني ألقاباً مثل «الحروفي» و«ملك الحروف» و«شاعر الحرف» و«شاعر الحرف والنقطة».

* أربعة عقود ونيّف من السنوات تفصلك عن ديوانك الشعري الأول «تفاصيل» 1976. ما حجم التبدّل الذي تلمسه أنتَ في القصيدة التي تكتبها الآن؟

- مرت قصيدتي بمراحل عديدة منذ صدور مجموعتي الأولى (تفاصيل) عام 1976 لعل أهمها، أولاً، هو تحوّلي من كتابة قصيدة التفعيلة إلى كتابة قصيدة النثر. إذ كانت مجاميعي «تفاصيل» و«ديوان عربي» و«جيم» و«أخبار المعنى» قصائد تفعيلة. وبصدور مجموعتي «نون» بدأت رحلتي مع قصيدة النثر وتواصلت حتى الآن. ثانياً، صدور أكثر من مجموعة ذات ثيمة محددة كما في مجاميعي: «أخبار المعنى» و«مواقف الألف» و«إشارات الألف» و«حرف من ماء». وفي كل تفاصيل رحلتي الشعرية، فإنني حين أكتب نصّاً جديداً أخضعه بصرامة إلى مسألة القاموس الخاص، والاقتصاد في اللغة، والنمو العضوي للقصيدة.

إن أي شاعر مبدع ومتميز وخلّاق ينبغي أن يمتلك قاموساً شعرياً خاصاً به. ومن دون هذا القاموس يكون الشاعر عبارة عن درهم ممسوح لا تعرف ملامحه حقاً. امتلاك القاموس الخاص لا يتمّ بالتمنّي والترجّي بل بالمكابدة الروحية والإبداعية، والتبحّر في قراءة الشعر قديماً وحديثاً، غرباً وشرقاً ودراسته وتأمّله. ويأتي عبر تراكم كمّي ونوعي عند الشاعر بحيث إن قصائده تلد قاموسها اللغوي بنفسها وتبدعه وتشير إليه بفرح حقيقي وزهو مبارك.

ثمّ تأتي مسألة الاقتصاد باللغة. الشاعر الذي يجيد استخدام المفردة بطريقة مبدعة دون تعسف ولا تحجّر هو شاعر حقيقي وليس مفبركاً. وهذا يتطلّب منه معرفة حقيقية بأسرار الصورة الشعرية وتفاصيلها. فيعرف متى يحذف الصورة المهلهلة أو الضعيفة أو المقحمة دون مسوّغ فني أو يعيد كتابتها إلى أن يكون وجودها ضرورياً لجمالية القصيدة.

وأخيراً هناك مسألة النمو العضوي، حيث ينبغي للشاعر أن يراقب بوعي دقيق وصارم مطلع القصيدة ونهايتها التي ينبغي أن تحتوي ضربتها الشعرية معالجاً الاستطرادات داخل النص بالحذف أو إعادة الكتابة لتكون القصيدة في نهاية الأمر كتلة متماسكة متراصّة من المطلع إلى الخاتمة، كتلة متماسكة متراصّة بحيث إذا حذفتَ منها مقطعاً اختلّت وارتبكت وإذا أضفتَ إليها مقطعاً اختلّت وارتبكت أيضاً.

* تتكئ بعض قصائدك على الآي القرآني الكريم، ويعتمد بعضها الآخر على قصص الأنبياء ومروياتهم، ناهيك عن هيمنة الجانب الصوفي. لِمَ كل هذا التركيز على الجوانب الدينية والصوفية والروحية في كتابة النص الشعري؟

- كما ذكرتُ لك فإن حروفيتي قرآنية. القرآن الكريم نبع روحي وإنساني وثقافي عظيم. ومن هذا النبع شربت روحي ماءَ الطمأنينة وارتوت قصائدي من ماء السؤال في رحلتي الحياتية المغتربة منذ يومها الأول إلى يوم يُبعثون. وفي التصوف وجدت الروح ملاذها في عالم مُسِخ الإنسان فيه أو كاد. الرحلة صعبة جداً والطريق طويلة كأنها لا تنتهي لمن عرف أسرار عالمنا هذا الذي تحكمه الكراهية لا الحب، والتطرف لا الوسطية، والعنصرية لا الإنسانية، والحرب لا السلام.

*تحضر الكثير من الحوادث التاريخية في نصوصك الشعرية وكأنك تسعى لكتابة قصائد ميتا سردية. هل تؤكد لنا هذا الهاجس أم تنفيه جملة وتفصيلاً؟

- بالطبع هذا أمر أنفيه تماماً. لست مؤرخاً أو مؤرخاً شعرياً ولا أحاول أن أكون ذلك.

* بعد نحو خمسة عقود من كتابة الشعر كيف تكتب القصيدة، هل تأتي إليك سلسة مطواعة أم تذهب إليها لتفكّ أسرها بعد جهد جهيد؟

- تأتي غالباَ سلسلة مطواعة كما ذكرتَ في سؤالك الجميل. وهذا متأتٍ من عمق الخبرة الكتابية التي تحققت لدي مع اتساع التجربة الروحية، ومعرفة أسرار الشعرية وتفاصيلها الكثيرة. لكن يحدث أن تولد إحدى قصائدي من النوع الذي يحتاج إلى نحت متواصل فيها. وهذه الولادات قليلة جداً.

* من شطرِ أغنية لنجاة الصغيرة أو جملة مشرقة لماركيز تبدع نصاً شعرياً، هل ما تحتاجه هو الصعقة التي يسري تيارها في الكلمات والصور الشعرية لتنتظم في نص شعري لا يفارق الذاكرة بسهولة؟

- الشعر شرارة تومض في العقل، في أشدّ مناطقه عمقاً وظلمة، هكذا تبدأ استجابة لأغنية عذبة أو لدمعة حرّى أو لموقف مخيف أو لكلمة جارحة أو لمشهد مثير أو لذكرى مؤلمة. ويستطيع الشاعر المبدع أن يتلقّف هذه الشرارة المباركة أو الملعونة أو الجريحة أو المعذَّبة في أي وقت ليشعل بها ذاكرته التي تشبه حطباً جاهزاً للاشتعال فتنثال عنده الصور والكلمات انثيالا.

* كيف تفسر هذا الاهتمام النقدي الواسع بتجربتك الشعرية التي كتب عنها كثير من النقاد العراقيين والعرب والأجانب؟ ما حجم الإضاءات النقدية التي قدّمها الباحثون والدارسون والنقاد؟

- وجد النقاد في تجربتي تجربة شعرية جديدة مختلفة فاهتموا بها في زمن قلّت فيه التجارب الشعرية الحقيقية. فصدر 11 كتاباً نقدياً عنها كتبتها أسماء نقدية لامعة مع مئات الدراسات والمقالات التي كتبها كتاب عراقيون وعرب وأستراليون وباكستانيون وإيرانيون وإيطاليون. وناقشت 13 جامعة عراقية وجزائرية وإيرانية وتونسية رسائل دكتوراه وماجستير تناولت تفاصيل هذه التجربة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

......................

* الصورة للشاعر اديب كمال الدين

 

 

علاء الخطيبجاء من وطن الياسمين يحمل عبق الشام وارثها وحضارتها متسلحاً بإيمان راسخ ان لاشيء مستحيل امام الصدق والحب .

يحاول بجدٍ ان يخلق لغة مشتركة بين الشرق والغرب، يمد جسوره الإبداعية عبر التزاوج بين كوبنهاگن ودمشق. لن تكن مهمته سهلة لكنها ليست مستحيلة فأمام الإرادة والعزيمة ينثني المستحيل ليصبح ممكناً.

مازن حاج قاسم اسم يعرفه الدنماركيون عن قرب كما يعرفه العرب تماماً . فهو سوري الهوى دنماركي النشأة والتعليم، شارك في العديد من الاعمال الدرامية السورية الى جانب فنانين كبار عمل في مسلسل (تحت سماء الوطن بشخصية سالم) ومسلسل روزنامة وغيرها،جاء الى الدنمارك مع والده وعمره 4 سنوات، أحب الدراما وعشق الفن، وتعرف على الحياة في هذا البلد الاسكندنافي الجميل، وتشرب من ثقافته كما تعرف على النخب الفنية الدنماركية، لكنه في الوقت نفسه حمل هم وطنه الأم سوريا، وسعى بشكل حثيث على تغيير الصورة النمطية عن العرب وإنتاج ثقافة ثالثة تكون حلقة الوصل بين الثقافتين. التقته مجلة لندن لايف ستايل ليحدثنا عن رحلته ومنجزه الفني وعن مهرجان السينما السورية للافلام القصيرة .

استاذ مازن حدثنا عن مازن الحاج قاسم الفنان والأنسان؟

مازن: ولدت في سوريا بمدينة اللاذقية، وأتيت الى الدنمارك وانا في الرابعة من عمري، كان والدي اول سوري تطأ قدماه هذا البلد منذ ٤٠ سنة وعشت طفولتي وشبابي بالدنمارك تعلمت ودرست وتعرفت على الحياة وعلى الفنانين والوسط الفني، لكني عدت الى سوريا وعشت ردحاً من السنين بدمشق وعملت بالدراما السورية وشاركت في دور بطولة عام ٢٠١٣ في مسلسل تحت سماء الوطن بشخصية سالم، ورجعت للدنمارك بنفس العام وأعملت افلام ومسلسلات وعروض مسرحية باللغات الدنمركية والانكليزية وكنت اول سوري يقدم عمل من انتاج Netflix بعمل The rain

864 مازن

س: ليس من السهولة بمكان ان يقوم فنان شاب بإقامة مهرجان بهذا المستوى وان يخلق بيئة متشوقة لمعرفة ما يحدث في بقعة جغرافية بعيدة عن اهتمامات البيئة التي يعيش فيها،كيف ولدت فكرة المهرجان وماهي المشاكل التي اعترضتك ومن ساعدك في ذلك؟

مازن: كنت قد عدت للتو من سوريا في زيارتي الثانية اثناء الحرب المجنونة وكان أصدقائي الدنمركيين يسألوني اسئلة غريبة عن ثقافتي وبلدي ولم يكونوا يعرفوا غير عن سوريا سوى (داعش - حرب - لاجئين - اسلام). ‫ففكرت ان اجيب على أسئلتهم ضمن أدواتي الإبداعية فنشأت فكرة مهرجان السينما السورية، لهذا كان همي ان  أرسل صورة حقيقية عن حياة السوريين وثقافتنا بعيد عن اي طرف سياسي بالحرب السورية.

‫عرضت الفكرة على وزارة الثقافة الدنمركية وبلديات الدنمارك فرحبوا بها ودعموني كثيراً هذه المؤسسات الدنماركيةً لها الفضل ببناء هذا المهرجان، اقدم شكري وثنائي الكبيرين لهم بكل بصدق ومحبة، لقد ساعدتني مهنتي وموهبتي على تنفيذ المشروع. المهرجان بنسخته الثانية سيكون من 3-24 شهر مايو القادم يأتي هذا المهرجان بعد نجاح ضخم حققناه في العام الماضي في خمسة مدن دنمركية و٣ مدن نرويجية و٣ مدن سويدية وبمعنى أصح اصبح بكل بقعة بالمدن الإسكندنافية وحديث الشوارع لانها فكرة جديدة

س: حبذا لو تحدثنا عن مهرجان السينما السورية لهذا العام وعدد المشاركات وقيمة الجوائز؟

مازن: هذا العام سيكون المهرجان بطعم خاص وبمشاركات متميزة وستجوب الأفلام دول عديدة كالسويد والنروج بالإضافة الى ثمانية مدن دنماركية رئيسية لاطلاع الجمهور الدنماركي والغربي بشكل عام على الصورة الحقيقة لانسان منطقتنا، وهذا سيساهم. لتغيير الصورة النمطية عن العرب والمسلمين . و‫سيكون عدد الأفلام المشاركة 10 افلام قصيرة وطويلة وثائقية وروائية.

س: هذا المهرجان بنسخته الثانية الذي سيقام في الشهر الخامس حدثنا عن النسخة السابقة وماهي الافلام المشاركة من خارج اوربا؟.

مازن: مهرجان السينما السورية في العام الماضي كان حدث جديد في الدول الاسكندنافية، لذا واجهنا صعوبات كبيرة في إقامته من حيث دور العرض والأفلام السورية المختارة سواء من داخل سوريا او خارجها. لكن لجنة التحكيم من الفنانين الدنماركيين ساهموا بشكل فعال في المهرجان من ناحية اختيار الأفلام والضيوف والاجابة على اسئلة الجمهور .

علاوة على ذاك كان هناك اهتمام إعلامي دنماركي بالمهرجان، لكنني وللاسف واجهة صعوبة كبيرة من السوريين في الدنمارك، اذا قاطعوا المهرجان واعتقدوا انه يلمع صورة النظام، اما السوريون في سوريا اعتقدوا انه مهرجان للمعارضة، ولم يمنحوا انفسهم فرصة لتبديد شكوكهم من خلال التعرف عليه عن قرب .

س: ما هي الرسائل التي تريد ايصالها من خلال السينما؟

مازن: السينما فن عظيم قادر على صناعة وعي انساني راقي، وخلق نمط حياة جديدة قادرة على الاستمرار بالحب، ولغة السينما لغة عظيمة يمكنك ان تصلح افكار شعوب كثيرة من خلالها، وكما يقال:

‫ان كنت تريد ان تعلم مافي الصين يجب ان تعلم مافي الهند

‫سوريا بلد الحضارة واقدم عاصمة في التاريخ بل اقدم مدينة بالعالم، والشعب السوري شعب خلاق وعظيم . نحن السوريون لدينا الكثير مما تمتلكه الدنمارك لكن اكيد باختلاف ثقافات.

س: هل ان الصورة النمطية السائدة للانسان العربي في اوربا او في الاعلام العالمي تحتاج الى مزيد من العمل لتغييرها او تصحيحها، وما هو دور الفنان في ذلك؟

مازن: سأكون صريحاً معك  وليسامحني القارئ لصراحتي. الكثير من العرب عكسوا صورة سيئة عن مجتمعنا، وبالتالي اختزن العقل الأوربي صورة مشوشة وغير واضحة للإنسان العربي، ساعد في ذلك الاعلام الغربي، لكن هناك نوافذ مهمة علينا ان نفتحها لتدخل الحقيقة ويدخل الضوء ليكشف السوء، وهذا هو دور الفنان الذي يحمل رسالة إنسانية يتمكن من خلالها التغيير وايصال الحقيقة كما هي وهذا ما نفعله هنا .

س: هل باعتقادك ان مثل هذه المهرجانات تساهم وتساعد على مد الجسور والتعريف بالاخر؟

مازن: لقد دأبت الدول الأوربية على اقامة مثل هذه المهرجانات فهناك‫ مهرجان السينما الالمانية ومهرجان السينما الفرنسية، وهناك مهرجان الفلم العربي في هولندا . ‫لكن المختلف في مهرجان الافلام السورية انه يقام في بلد لم تكن تعرف المثير عن العرب والشرق وهو مهرجان لبلد شرقي يسعى للوصول الى اروح الناس في الدول الاسكندنافيةً .

‫مهرجان السينما السورية له مذاق خاص في الدنمارك اذ ستعرض الافلام باكبر دور العرض السينمائية. ‫فهناك إقبال جماهيري رائع على استقبال المهرجان وشراء التذاكر فهو حديث الدنماركيين كما هو حديث الوسط الفني . وستفتح المدن الدنماركية أذرعها لاستقباله بشغف .

س: كيف يتم ترشيح الأفلام وما هي القواعد المتبعة في تقييم ومنح الحائزة؟

مازن:  هناك لجنة خاصة هي من تختار الافلام بما يناسب رسالة المهرجان وهي لجنة التحكيم ايضاً التي ستختار الفلم الفائز وجائزة الإخراج والتمثيل.... والخ. ‫

س: هل هناك مشاركات عربية واجنبية في المهرجان؟

مازن: ‫طبعا سيكون هناك مشاركات اجنبية كثيرة من حيث الاعلام والسياسيين والمخرجين والممثلين الدنمركيين المشاهير الذين سيحضرون في الافتتاح مع فنانين ومخرجين سوريين مشاركين بالافلام المعروضة.

س: مهرجانات كهذه تحتاج الى تمويل كبير كيف تحصل على التمويل؟

مازن: ‫تمويل مثل هذه المهرجانات كبير ومهرجان السينما السورية هو الاخر لا يختلف عن بقية المهرجانات فهو ذو ميزانية. كبيرة وضخمة وهذا شيء صعب الحصول عليه ولكن مكاتب وشركات الثقافة وبلديات الدنمارك هي سند حقيقي لمشروع ثقافي بفكرة جديدة، يقدم رسالة إنسانية عبر الفن والإبداع .

س: هل تطمح ان يكون المهرجان عالمياً؟

مازن:‫ مهرجان السينما السورية الذي وصل لـ ٢٢ مدينة و٣ دول إسكندنافية اعتقد يكفي ان يكون على طريق العالمية بعد هذه العروض، وسنسعى بشكل حثيث ام يكون له صدى في كل العواصم. ‫ انا مدير لمهرجان ارغوس للفيلم العربي الذي سيكون في مدينة ارغوس الدنمركية بشهر أكتوبر وهو حدث ضخم واستثنائي ايضا والمهرجان العالمي للأفلام السورية قادم بفكرة لم تخطر ببال احد.

كلمة اخيرة استاذ مازن

مازن: انا فخور بكل شخص لديه موهبة يستخدمها خارج بلده ولا ييسأس ويحارب من اجل تحقيقها

‫انا اتطلع لرؤية شعوبنا تصبح مثل ما نشأت عليها من قبل من شعوب وحضارة وتاريخ ومواهب وعلماء يتكلمون عنهم جامعات الغرب

‫نحن نستطيع نستطيع نستطيع

 

حاوره علاء الخطيب

 

سونيا عبداللطيفعضو مجموعة الحمائم البيض، حول مسيرتهم الفنية الإبداعية  

س1: كيف جاءتكم أستاذ زكريا القبي فكرة مجموعة الحمائم البيض؟

 ج1: الفكرة جاءت .. عندما كنا طلاّبا في الجامعة وكانت القضيّة الوطنيّة والعربيّة هاجس كلّ الشّعوب .. وعلى ضوء حركة إقليميّة شملت عدّة بلدان عربيّة في الشرق خاصة انطلقت أيضا في تونس مثل هذه الحركة الطلابيّة أولا على مستوى جهوي فوطني وعالمي وذلك من خلال بروز هذا النمط الجديد للاغنية الملتزمة.. بداية من سنة 1968.

يمكن اعتبارها انتفاضة ثوريّة ..توعويّة القصد منها مواجهة الأوضاع المتردّية الرّاهنة في ذلك الزّمن وقصد معالجة بعض القضايا الإنسانية من خلال الأغنية الملتزمة وهي في الواقع موقف سياسي ضدّ الإمبريالية.. وبداية الحمائم البيض كانت مع شباب بن عروس وكان عدد المنضمّين الى المجموعة وقتئذ يفوق العشرة وقد بلغ في بعض الحالات الثلاثين.. من بينهم على سبيل ولا استحضر الأسماء حاليا: الزين الصافي .. حمادي العجيمي وهو مؤسس المجموعة قبل انتقاله الى المهدية .. حميدة الإمام الذي استقبل المجموعة في بيته بالعاصمة للتدريب طيلة عشرة أشهر لعدم توفر الفضاء لاحتضاننا..هناك ايضا حياة قريبع ومحمد ميلاد وحسناء البجاوي. وغيرهم.

س 2: أين كانت مجموعة الحمائم البيض تقدم عروضها في بداية ظهورها وتأسيسها؟

 ج 2: بدايتها كانت الفضاءات الجامعية خاصة جامعة الحقوق والعلوم الإنسانية بالمنار و جامعة 9 افريل وجامعة منوبة وضمن الاوساط الطلابية.

س 3: من أين جاءت التّسمية: الحمائم البيض؟

 ج 3: التسمية جاءت على ضوء قصيد اقسمت على انتصار الشمس للشاعر الراحل المختار اللغماني والتي لحنها اخي حشاد القبي ويعتبر هذا أول عمل غنائي بهذا العنوان اي الحمائم البيض وهي تحكي مسار المجموعة ورمزها واهدافها ..وكذلك اردنا هذا الاسم ليكون تذكارا وتخليدا لاسم صديقنا اللغماني ومواساة لعائلته ووفاء له... وإثر ذلك توسّعت الحلقة ثم أُحدثت عدّة فرق أخرى للأغاني الملتزمة منها فرقة العبور .. الجماهيرالكادحة .. البحث الموسيقي. عشاق الوطن . ..

س 4: كيف يتمّ اختيار النّصوص والاغاني قبل الاشتغال عليها؟

ج 4: في الحقيقة اختيار النص قبل تلحينه وآدائه أهمّ مرحلة وليس أمرا هيّنا كما يذهب في ذهن المتلقّي بل يأتي نتيجة بحث واجتهاد جبّار من قبل جميع أفراد المجموعة فنحن واحد في لغة الجمع..انا زكريا القبي عازف الكمان.. اخي حشاد القبي عازف العود.. وأخي الثاني إلياس القبي عازف الكلمبري وصديقنا العظيم عامر القاسمي عازف الناي وجميعنا رجال تعليم في الجامعة والمعهد والمدرسة.. بعد البحث عن النصوص يقع الفرز والاتفاق عليها بالإجماع فكلنا رؤساء المجموعة وكلنا موسيقيين فيها.. وبعد ذلك يقع الربط بين جميع الفقرات واختيار مواضيعها والتنسيق بينها ..فنحن نعتمد التسلسل في النصوص والاشتراك في الفكرة. حتى يوجد الانسجام فيما بينها والاندماج بيننا ..

837 سونيا

س 5: متى بدأ نشاطكم الفعلي كمجموعة الحمائم البيض؟

ج 5: كان اول عرض لنا في منزل بورقيبة سنة 1980 .. وبنجاح هذا العمل فتحت في طريقنا الأبواب والفضاءات الثقافية سواء للتدريب او للعروض..وانطلقنا الى عدة ولايات.. وحتى الخارج.. وكان لنا ايضا انفتاح على المسرح والسينما.. دخولنا الى المسرح كان سنة 1985 ودخولنا الى السينما كان سنة 1990 ومن بينها موسيقى فيلم " السيدة " الشهير كانت من آداء وتلحين الحمائم البيض..

س 6: هل تعرضت مجموعة الحمائم البيض الى مضايقات في فترة طلوعها و في فترات مسارها..؟

ج 6: بلا شكّ .. اوووووه... العديد من المرات وقع إيقاف عروضنا أو إلغاؤها.. إذ نجد قاعات او فضاءات العرض مغلقة في وجوههنا أو عدم توفير التقنيات اللازمة أو انقطاع الكهرباء. وخاصة في صفاقس.. ويتم منعنا كذلك من دخول أماكن العرض.. أضف الى ذلك مفاجآت الطريق.. المغلقة.. المعطلة..تعطب السيارة التي تنقلنا.. ايييه...

س 7: ما هي غايتكم واهدافكم في اختياركم للأغنية الملتزمة وآدائها..؟

ج 7: التعريف بالقضايا الانسانية المختلفة ومنها السياسبة .. معاناة الكادحين.. المظلومين.. التثقيف.. التوعية. باسلوب ذكي لبق واراقي وبطريقة حضرية دون شتم أو سبّ وذلك من خلال الأغنية الملتزمة وبموسيقة مهذبة وفن مبتكر وكلمات حساسة تلامس الوجدان .. تحرك السواكن وتثير الجمهور وتحمله على التساؤل والنظر فيما حوله..

س 8: ما هي شروط مجموعة الحمائم البيض لقبول العرض الموجّه إليها خصوصا وانه بلغني أنكم تبالغون ..؟

ماذا....اوووه.. أبدا.. مستحيل.. ما نطلبه عادي جدا جدا.. كما قدمنا العديد من العروض المجانية.. لكنّ شروطنا مرتبطة بمبادئنا. اولا نتثبت من الجهة التي أرسلت لنا الدعوة وانتماؤها السياسي يهمنا. فنحن مع الحق ومع الطبقة الكادحة.. ثانيا توفر الفضاء المناسب والملائم للعرض.. ثالثا توفر التقنيات اللازمة اثناء الغرض من اضواء و مصخمات الصوت والميكروفونات.. رابعا المبلغ الذي نطلبه يعتبر بسيطا جدا أمام ما تطلبه مجموعات موسيقية وفرق اخرى..

س 9: هل تعتبرون أنفسكم أنكم قدّمتم إضافة من خلال هذا اللون الذي اخترتموه من الموسيقى ومن خلال ادائكم للأغنية الملتزمة..؟

ج 9: اووووه... في كل الحالات نحن كافحنا وناضلنا وحاربنا الجهل وشقينا وتعبنا.. ومع ذلك صمدنا في وجه الظلم والطغيان ..وقمنا ببثّ رسائل توعوية للجمهور وغرس أفكار اصلاحية في اذهانهم الى جانب الإحساس بالسعادة والنشوة التي نشعر بها إثر كل نجاح لعرض لنا وذلك نشهده من خلال تفاعل الجمهور مع ما نقدمه ... وهذا نعتبره المكسب الأكبر لنضالاتنا

... ونحن بعروضنا نهذب الفكر الموسيقي ونعلم الآخر كيف يبدع وكيف يبتكر وكيف يتعمق ويبحر في وجدانه ... ثم لا ننسى ان نجاح مجموعتنا باتحادنا وانسجامنا وبالنقد اللاذع لاعمالنا اثر كل عرض وهذا نتداوله مباشرة عندما ننهي العرض واحيانا في طريق عودتنا.. ودننبه بعضنا بعض الى الاخطاء.

ونقوم بالتحليل والتشاور  ورسم طرق جديدة لغاية التحسين والتطوير ..

س 10: هل للعنصر النسائي حضور في مجموعتكم.. فأنا لا اراه متواجدا معكم... ما السبب؟

ج 10: نعم.. سؤال وجيه.. ومعك حق.. لقد اقحمنا في مجموعتنا وعدة مرات العنصر النسائي .. فكثيرات بدأن معنا طالبات. ثم انقطعن اما مباشرة بعد التخرج والعمل او بسبب الزواج او الأطفال  اي الانجاب.. ولكن عمر فترة تواجد العنصر النسوي لا يفوق السننتان ..وكما ذكرت ان ظروف العمل التي تعيشها المجموعة سواء في التدريب والبروفات الى ساعات متأخرة من الليل ويكاد يكون يوميا.. الانتقال والسفر. تحمل التعب والمضايقات. ونحن رحالة وجوالة باستمرار وفي عمل دروب متواصل وهذا يتطلب حرية مطلقة وجهد كبير ونفس طويلوصبر أيوب ومغامرات وتحدي جبار... وحرية المرأة جميعنا نعلم انها محدودة مهما فعلنا وقلنا.. ولذلك عمر مشاركة المراة مع فرقة الحمائم البيض قصير. ..

س 11: اختصرت مجموعة الحمائم البيض على اربعة عناصر ...ما السبب .. هل هو من اختياركم..؟

ج 11: ... آه.. إنها الظروف... فقد غاب عن المجموعة عنصر هام جدا اذ كان يعدّ عنصرا أساسيا بمثابة العمود الفقري والركيزة وحجر الأساس وغيابه عنا منء سنة أثر في مسار وعمل المجموعة ... .. وذلك بسبب السفر إلى الخارج.. وهذا ما جعل أعضاء المجموعة تتوقف لإعادة النظر في العروض بإعادة صياغتها من جديد ووضع برنامج وخطة لها تتناسب ووضع المجموعة الحالي.. فهي عبارة عن سلسلة من الحلقات اامترابطة فيما بينها وبغياب حلقة...  تكسرت السلسلة ومجموعة الحمائم البيض تعتمد على التضامن بين افرادها والاتحاد  والانسجام في الأفكار وحتى الروح.. وذلك هو سرّ نجاحنا.

س 12 ...كلمة ختام...؟

ج 12: أحيّيك على هذا الحوار الطريف معنا للتعريف بمسيرة الحمائم البيض او بإعادة التذكير بأعمالها لمن لا يعلم.. وأشكر استضافتك لنا في جلسة ادبية فنية بمجلسكم باتحاد الكتاب التونسيين يوم غد الثلاثاء 02\04\2019 .. اتمنى ان تتكر مثل هذه اللفتة والاستضافة.. ومن جهات اخرى.. فنحن نريد القرب من المواطن اكثر وخاصة الشعراء والمثقفين والمسرحيين... نريد عملا مشتركا ومتكاملا بيننا.. كما نتمنى ترغيب الشبيبة والشباب في هذا اللون من الموسيقى والاغنية الملتومة ولم لا الأطفال..  ونرجو ان تتم الشراك بيننا وبين عدة مؤسسات تربوية وثقافية للانتشار على مستوى اوسع ولاعداد جيل مثقف وواعي.. يحب بعضهم بعض.. حتى لا يقعوا في براثن الجهل والإرهاب.. ووجودنا هو الترشيد والوعي...

 

اجرت الحوار الأستاذة سونيا عبد اللطيف -  تونس

 

821 زكي سلام 1- الفنان حامل رسالة ولا ينظر إذا كانت رسالته تتقاطع مع السياسي والاجتماعي أم لا

- قال: أن الفن الحالي هو فن مستورد من الغرب ومقطوع من جذوره التاريخية

- (حلمي أن تصل الإنسانية إلى حالة من الرقي تنتفي فيها الحاجة إلى الحدود والدول والجنسيات)

الفنان التشكيلي زكي سلاّم  أداة تشكيل تنزف، ترسم معاناة شعب منزوع الحرية، هو  منحوتة هادية إلى المرتقى الصعب في تشكيل الحضور الفلسطيني، من واحات بسكرة يتكلم زكي سلاّم عن مخزون عنفوان شعب ، ليكشف الزّيف وهو يجد نفسه في مركز الصراع العربي الصهيوني، اختار زكي سلام النخلة، لأنها رمز للمقاومة،  تقاوم كل الفصول،هي بسكرة التي رسمت ثورة الزعاطشة فجعلته يحمل عن كاهله ثوب القضية  الفلسطينية ورسالتها، ويضيف إليها عمقا في الرؤية، يقول زكي سلاّم: تلك النخلات وإن غرست بحب سترونها من بعيد كما لو أنها سعيدة في موطنها الجديد، فهل هي حقاً كذلك؟ اقتربوا أكثر لتعرفوا فإذا كانت النخلة لا تستطيع تمور "دقلة" هنا في تلمسان حيث أراقبها أو العاصمة كما كانت في بسكرة فهذه ليست معارضة هي خارج تربتها فحسب، التقينا بالفنان التشكيلي زكي سلاّم وقد أبرهنا برقي ثقافته واتساع فكره،  كلامه فلسفة، في هذا الحوار يستشرف زكي سلام  المستقبل ويحزم الفكر بحجم الثورة في حضور يرسم أبعاد "المسيرة"، لأن الفن عنده مرتبط بالحرية، أما عن منحوتاته فقد رسمت تراجحيديا الشعوب ومأساة الأمم

س) تختلف رؤية الفنان التشكيلي للواقع عن رؤية الكاتب والروائي  والمسرحي، ماهي رؤيتكم  له؟

- أعتقد أن جوهر الفن واحد,يكمن الفرق بأختلاف حوامل الفن الذي من أهم سماته الأبداع, وفي حوامل كالكتابة الأدبية عامة ومنها الروائية تتجلى اللغة كقاسم مشترك معروف بين المبدع والمتلقي (الذي خبر اللغة وتفاعل مع محيطه بها منذبداية وعيه) وبذلك هنالك مدخل سهل للتواصل بين الأديب والقارئ (بين المنتج والمتلقي) هذا يعطي فكرة عن سبب شعبية الأدب قياساً بباقي الفنون، أما في الشعر فإن تقنيات أخرى تحتاجها اللغة لتعطي النص شاعريته المبدعة وهذا ما يتوجب على المتلقي معرفته لتمام فهم وتذوق الشعر. في المسرح تذهب الأمور إلى إضافات كبيرة على النص وهي إضافات بصرية مشهدية وتشكيلية كحرة الممثلين وصوتهم الذي يعطي بعداً إضافي للمعنى بحضور الإضاءة والموسيقا، الديكور، الأزياء، والسينوغرافيا التي تعطي للمسرح بعدا تشكيلياً.

 أما السينما (الفن السابع) التي وصفها أحد الفلاسفة بوريثة الفنون فإنها سوف تستخدم جميع الفنون لإنتاج ذات أكثر تمكّناً وأكثر قدرة على التعبير وخلق قواسم مشتركة بينها وبين المتلقين على إختلاف مستوياتهم الثقافية للوصول إلى تواصل (نسبي) مع جميع المتلقين كلٌ بحسب ثقافته، أما الفن التشكيلي الذي يعتمد على حوامل بصرية بعيدة عن اللغة أي أنها تحمل في جوهرها لغة بصرية بدل اللغة المحكية والمكتوبة، وبالتالي فإن  جمهور الفن التشكيلي قادر على التفاعل مع المنتوج الإبداعي إنطلاقا من فهمه ودرايته باللغة البصرية ورامزاتها عبر التاريخ والجغرافيا، وهذا يفسر لماذا يتوجه الفن التشكيلي للخاصة عادةً ومحدودية الجمهور المتذوق للفن التشكيلي وجنوح بعض الفنانين إلى الخط "كحامل للغة" وإدراجه في اللوحة لفتح علاقة مع جمهور أوسع خاصة إذا كان الحرف هنا ذو مدلول لغوي.

 والفن بمجمله هنا لا يهتم بتفصيلات الواقع إلّا بمقدار ما يعيد هذا الواقع الرؤية إلى جواهر الأمور كالخير والجمال وصيرورتهما وبالتالي فإن الإتجاهات الفكرية الأكثر التصاقا بالواقع كالمدارس الواقعية في الأدب والفن التي تبدو عليها سمات الواقع جلية هي في الحقيقة ليست الواقع إنما (تمثاله) وهنا مهما كان  الشبه كبيراً بين الشخص وتمثاله لا يمكن الخلط بينهما، ليأتي الرقص كتعبير غير محكي أدواته الجسد مدعوماً بإكسسواراته كلغة للتعبير مبتعداً عن الأدب ومقترباً من الموسيقى التي هي الفن الأكثر تجريداً والأكثر استقلالية عن لغة الأدب.

821 زكي سلام 3س) تريد القول أن الفنان التشكيلي يختار الإيقاع الموسيقي عاملا لإختيار ما يريد إبداعه؟

 - الحقيقة أن الفن التشكيلي يستعير من الموسيقى إيقاعها انسجامها وتضادها للوصول إلى قوة تعبير تجريدية مستقلة عن اللغة والمراجع الواقعية وفي الفنون التي تعتمد المشهدية لتصل بها إلى ذروة التعبير عبر تسلسل المشاهد يأخذ الفن التشكيلي على عاتقه تثبيت اللحظة ليكثف بها كل ما يحتاجه للتعبير  وبالمحصلة أعتقد أن الفن لا يصور الواقع إنما يعبر عنه انطلاقا من ذاتية الفنان وتجربته المعاشة بأدواته المعتادة.

س) هل الفنان التشكيلي مطالب بأن يكون محمّلا بخطاب سياسي ما، أم أنه يحافظ على طهرانيته

- يبدو من السؤال وكأن السياسة عكس الطهارة فهي فن الممكن تستطيع الإفتراء وقابلة للتنازل حسب الأوراق التي تمتلكها والأهداف التي ترسمها والمعطيات المتغيرة التي تصادفها أو تبنيها، الفن طريق آخر تماماً عنوانه الحب والجمال حتى حين يصور البشاعة "كما نكبة" فإنه ينشر الإنسانية والمحبة والجمال، وبالتالي الفنان هنا حامل رسالة ولا ينظر إذا كانت رسالته تتقاطع مع السياسي والاجتماعي أم لا.

س) كيف يعيش زكي سلام المشهد السياسي؟

- أنا أتابع مجريات الأمور وأحاول فهم ما يدور حولي بالخبرة التي أعطتني إياها السنين وأبني موقف ما على ذلك من دون أن تدخل حركة السياسة إلى عملي الفني لإعتقادي أن السياسة تفسد كل ما تطاله يدها من الثقافة عامة والفن خاصة لأن الآليات مختلفة والأهداف أيضاً. ربما يربط الفن نفسه بالثورة وهذا جوهري لكن بالسياسة مقتله. لا ننسى أن إشتقاقات من الفن التشكيلي أخذت على عاتقها تبني السياسة في بعض جوانبها كالملصق السياسي الذي جوهره الترويج للفكر السياسي والكاريكاتير الذي جوهره النقد الصحافي المصور.

س) يقال أن الفن التشكيلي هو فن التمرد، هل هذا يعني أنه فن كسر قواعد الجمال؟ وكيف يحافظ الفنان عن الفكرة الجمالية ؟

- أعتقد أنه فن الحرية أكثر من كونه تمرد وفي كسر القواعد ربما نحتاج إلى وقفة وتوضيح فالفن مرتبط بالإنسان وكل تطور معرفي تنتجه الإنسانية سوف ينعكس على الفن الذي هو نمط معرفي من نوع آخر، فاكتشاف الكاميرا أدى إلى ثورة في الفن التشكيلي كما الطباعة والنظرية النفسية وآليات الحلم "فرويد" أعطى للسريالية مفهومها الأساسي واكتشاف تحليل الضوء في الفيزياء أغنى الإنطباعيين بجزء كبير من البيان الإنطباعي وهذا لا يعني علاقة ميكانيكية بين هذه المفاهيم، إنما عدة عوامل اجتماعية وفكرية وفلسفية كلها مجتمعة سوف تعطي للفن التشطيلي ثورته والتغيير اللازم، وهذا التغيير "باعتقادي" لا يلغي ما سبق إنما يبني عليه وتبقى المدارس السابقة حاضرة مادامت الحاجة إليها حاضرة ومالفكرة الجمالية بهذا المعنى ليست قالبا ثابتا وإنما تتغير عبر الزمان والمكان متتبعة السياق المعرفي العام أو تسبقه بخطوه، إذا لا يجب الحفاظ على الفكرة الجمالية وهذه ليست ثابتة ولن تكون، التطور المعرفي الهائل والمتسارع في القرن العشرين خاصة والأحداث الكبيرة الناجمة عنها كالحروب أدت إلى تغير كبير في المعرفة وفي علوم الجمال والإستطيقيا مما أدى إلى مقولة كسر القواعد الجمالية وهذا يشبه ثورة مفاجئة قياساً بالتاريخ.

821 زكي سلام 2

س) هناك منحوتة لكم  تعبرعن الهجرة، يريد القارئ أن يعرف  كيف ينحت زكي سلام فلسطين؟ وكيف ينقل رسالة اللاجئين الفلسطينيين  ( حتى لا نقول معاناة) عن طريق للنحت؟

- الفن الحقيقي هو الفن الصادق، أنا وجدت نفسي هنا في مركز الصراع العربي الصهيوني أعطاني الفن ذاته كأدة للتعبير أردت لها أن تقول ما يدور حولي انطلاقا من رؤية وجدانية للأحداث، هذا العمل "نكبة" الذي أنجزته هنا في الجزائر بعد أن أرغمت الحرب سكان مخيم اليرموك من الخروج بقوة السلاح ومعظمهم من الفلسطينيين الذي هجروا عام 1948 بفعل المجازر الصهيونية واحتلال قراهم ومدنهم "ومن هنا كان مصطلح النكبة" بدأ هؤلاء الناس إعادة انتاج حياتهم في هذا المخيم إلى أن أصبح مدينة مهمة قرب دمشق لتأتي الحرب وتعيدهم إلى نقطة البداية، وقد أُعيد هنا انتاج النكبة كما قبلها في عدّة مدن في الوطن العربي وهذه القصة التي هي وطنية قصتي الشخصية أيضاً وقصة أبنائي وأهلي وجيراني وهي الموضوع الأكثر إلحاحا على وجداني، هكذا ولد هذا العمل الذي هو مجموعة أشخاص يحملون حقائب حزنهم وتعبهم وعجزهم ويهيمون، تركت هذا العمل تفاعلي "الجمهور يستطيع تحريك بعض قطع هذا التمثال فيغير في الشكل والمعنى" ويكون الجمهور هنا (متورط) في انتاج أشكال مختلفة للنكبة، الطريف في هذا السياق أن الفنانين الفلسطينيين وأنا منهم قد أخذوا من مشارب مختلفة بسبب أن جزء كبير منهم خارج وطنهم حيث عاشوا ودرسوا، وربما ولدوا، وهؤلاء تكونوا في المدارس المختلفة حول العالم فما هو القاسم المشترك الذي نستطيع من خلاله أن نقول "مجازا على الأقل" هذا فن فلسطيني، الموضوع هنا هو القاسم المشترك فجميع الفنانين تناولوا الموضوع الوطني فلسطين من جوانب مختلفة.

س) هل يحدد الفن التشكيلي والنحت بالخصوص حدودا ما، يمكن من خلالها التعبير عن قضايا المجتمع ومهاجمة السلطة بعيدا عن أي حراسة أو حصار؟ 

- الفن في بعض جوانبه اجتماعي (يمكن النظر إلى تنظيرات شارل لالو في الفن والمجتمع) ولكن هل يقتصر دور الفن على هذا؟ لا طبعاً، ولا حدود للفن طالما هو عملية إبداعية لا من حيث الموضوع ولا الشكل ولا المادة فالعملية الإبداعية في تطور مستمر وحواملها في جدل ديالكتيكي لانتاج إبداعي جديد، ولكن لماذا يهاجم الفن السلطة ؟ "وقد يلعب هذا الدور في لحظة تاريخية ما في مكان ما" ، للفن دور جمالي ومعرفي لرفع مستوى الحياة الإنسانية في الفضيلة والحق وقد يذهب إلى فضح البشاعة والوحشية والظلم، الحرية هنا هي الحد والفن هنا ليس مهاجماً أو مدافعاً بل معبرا وخالق أسئلة، إن بناء الأشكال بعلاقتها الجدلية مع ذاتها ومحيطها بظلالها وسطوحها وخطوطها تخلق متعة التلقي المحملة بالرسالة "الموضوع" الذي يفجر أسئلة من نوع ما، وبهذا المعنى لا يمكن وضع حد للفن.

س) ماذا تمثل لكم الغربة بعيدا عن الأوطان؟ وكيف نرسم المعارضة في الفن؟

- أنا ولدت في الأصل خارج الوطن وتغربت عن المكان الذي ولدت وعشت فيه، صدف أن رأيت سيارة كبيرة تنقل أشجار نخيل مقتلعة من صحراء بسكرة إلى مدن الشمال "ربما العاصمة" أذهلني هذا، نظرت إليها وسقطت دمعتي، أنا شجرة رفعت جذورها إلى اللاشيء ولم تجد أرضها في هذا الخواء بعد، تلك النخلات وإن غرست بحب سترونها من بعيد كما لو أنها سعيدة في موطنها الجديد فهل هي حقاً كذلك؟ اقتربوا أكثر لتعرفوا فإذا كانت النخلة لا تستطيع تمور "دقلة" هنا في تلمسان حيث أراقبها أو العاصمة كما كانت في بسكرة فهذه ليست معارضة هي خارج تربتها فحسب.

س) شاركتم في صالون الفن التشكيلي للشرق بمدينة قسنطينة ، ماهي النتيجة التي خرجتم بها؟

- كنت ضيف الشرف من فلسطين" ، هذه التجربة هي الأهم هنا في الجزائر حيث كانت على هامش قسنطينة عاصمة الثقافة العربية ورصد لها من الإمكانات والخبرات ما لم يتوفر لأي صالون من التي أسعدني حظي المشاركة بها في مختلف ولايات الجزائر، هذا المعرض كان بمقاييس عالمية من حيث الإخراج والعرض والتوثيق وزمن العرض وصالته..، أسعدني حقا أنني مشارك في هذا النشاط الذي خلق كل هذه المعطيات تاركاً لفن النحت هذه الفسحة للحوار بين منتجي الفن وأعمالهم  وبين الفن والجمهور، ولكن يجب أن لا يفوتنا أن فن النحت الذي كان فناً أصيلاً في أرضنا في فترات تاريخية طويلة تشهد عليها متاحفنا ومتاحف العالم غير أن الفن الحالي هو فن مستورد من الغرب ومقطوع من جذوره التاريخية في المنطقة ولم يستطع الفنانين توطينه رغم المساعي الكثيرة منهم، ولا يزال الطريق طويل أمامنا لخلق رابط بين الفن الوافد والمكان بإنسانه وتاريخه وثقافته وحاضره.

س) ماذا عن رصيدكم الفني وماهي مشاريعكم المستقبلية؟

- الرصيد قصة طويلة عمرها من قبل التخرج من كلية الفنون الجميلة في دمشق 1984 وما زالت مستمرة، (يمكن النظر هنا إلى السيرة الذاتية حتى لا نكرر) وما من مشاريع أن أعمل وأفكر واطلع بشكل يومي أملي أن تمكنني الحياة من الاستمرار ويعطيني الله الصحة والإرادة والظروف المواتية للاستمرار وتطوير عملي ورؤيتي وايصال الرسالة .

س) حلمكم الأخير ماهو؟

- لن تقف أحلامي وأمنياتي عند حدود الشخصي والعائلي ولن تقف عند تحرير وطني كاملاً وعودتي إليه ، حلمي الأخير أن تصل الإنسانية إلى حالة من الرقي تنتفي فيها الحاجة إلى الحدود والدول والجنسيات ويفتخر الإنسان بانسانيته ونكون أحرارا في حضن أمنا الأرض.

لا يوجد مطلق، الأمور دائما نسبية والفن عندي مرتبط بالحرية فهل الحرية مطلقة؟

 

حاورته علجية عيش

...........................

بورتري/

التشكيلي زكي سلام غني عن التعريف ، فهو  من مواليد دمشق 1958 من أسرة فلسطينية خريج كلية الفنون الجميلة في دمشق  قسم النحت، متحصل على دبلوم عالي ، عضو اتحاد الفنانين التشكيليين في دمشقن عضو اتحاد الفنانين الفلسطينيين فرع سورية  من عام 1984 حتى 2008 ، رئيس قسم الخزف في معهد الفنون التطبيقية في دمشق في الفترة بين 1984 إلى غاية 2008 ، شارك في العديد من المعارضو المهرجانات (سوريا، روما، الجزائر، البحرين، الأردن)، وحصل على جوائز كثيرة

 

 

761 حسن السالميحوار مع الرّوائي التّونسي حسن سالمي

الرّوائي والقاص والنّاقد التّونسي حسن سالمى أهلا ومرحبا بك.

- أهلا وسهلا. لا تسعني الكلمات للتّعبير عن مدى سعادتي وأنا أصافح رجلا نبيلا واسع الثّقافة مثلكم، دكتور نادر عبد الخالق.

من هو حسن سالمى؟

- حسن سالمي، أديب من بلاد الجريد، من توزر تحديدا، وهي مدينة تقع في الجنوب الغربي من البلاد التونسية، ولدت سنة 1971، وأشتغل موظّفا بوزارة الماليّة، أهتمّ بكتابة السّرد إبداعا ونقدا. وقد صدر لي "التّيه" (مجموعة قصصيّة). "البدايات" (رواية). " زغدة" (مجموعة قصصيّة). "الإشارات" (دراسات نقديّة). "الدّماء لا تنبت القمح" (قصص قصيرة جدّا). "مأدبة للغبار "(قصص قصيرة جدّا). ولي في انتظار الطبع: "المحاق" (رواية في ثلاثة أجزاء، حوالي1000صفحة). "الطّيف" (رواية). "أرض الزّعفران" (رواية للنّاشئين).

كتبت في فنون الأدب (الرّواية والقصّة والقصّة القصيرة جدّا والمقالة والنّقد) مالذي يروق لك منها؟ وهل يمكن للأديب أن يقدّم نفسه من خلال عدّة فنون وألوان مختلفة من الكتابة؟

- أعتبر السّرد بيتا واحدا وإن تعدّدت غرفه. جميعها تنفتح إلى بهوه الواسع، مثلما تنفتح على العالم الخارجي متمثّلا في تجاربه الفكريّة والإبداعيّة والفنيّة وما إلى ذلك. وإذا كان كلّ جنس ممّا تفضّلتم بذكره مستقلاّ بذاته، قائما بهويّة إبداعيّة تخصّه، فإنّ ذلك لا ينفي قيام علاقة ما بينها. من هنا يصبح الأمر يسيرا على الكاتب أن يخوض غمار التّجربة في رحاب تلك الأجناس السرديّة. والدّافع إلى ذلك ذاتيّ وموضوعيّ. أمّا الذّاتي فكلّ جنس من تلك الأجناس يمثّل خمرة يختلف طعمها ومذاقها ودرجة الانتشاء بها عن الأخرى. ولذّة الكتابة في نظري دافع أكبر للخوض فيها. أيضا الدّافع إليها هي غموض الذّات وما تثيره من فضول، خصوصا الذّات الكاتبة. من هنا تكون رحلة البحث عنها بطرق مختلفة بواسطة الكتابة. أمّا الدّافع الموضوعيّ فلأنّ كلّ جنس غير قادر بمفرده أن يقول كلّ شيء. أو على الأقلّ غير قادر أن يكون وفيّا كفاية لتلك الطّاقة الكامنة بين حنايا الكاتب. لهذا كان من الضّروريّ للمبدع أن يصنع رئات عدّة للتنفّس وأن يجعل له أكثر من جناح كي يحلّق ما وسعه التّحليق. أمّا سؤالكم ما الذي يروق لي منها، فأقولها بلا مواربة. الرّواية. ليس فقط لرحابة فضائها وما يعنيه من حريّة للكاتب كي يبحر في العالم أنّى شاء. بل لأنّها الوحيدة القادرة على اختزال الكون بكلّ ما يعنيه من تنوّع وتعدّد في الألوان، والظّلال، والأطياف، والأحجام والأبعاد...

ما رؤيتك للنّقد الأدبي؟ وكيف تنظر للنّص مجرّدا من التّأثيرات النّظريّة؟ هل يمكن أن يستطيع للكاتب والأديب أن يمتهن النّقد؟

 

- النّقد الأدبيّ لا يكون بنّاءً إلّا إذا كان صاحبه متجرّدا إلى أبعد حدّ. معتبرا قراءته للنّصوص عبارة عن شهادة يدلي بها أمام القضاء. فلا ينبغي له أن يشهد شهادة الزّور بقطع النّظر عن العواقب، مثلما لا ينبغي له أن يكتم بؤر الضّوء في النّص ولو اختلف جوهريّا مع صاحبه. نظرة النّاقد فاحصة ودقيقة قائمة على ميزان عادل لا تفرّق بين نقطة الظّل ونقطة النّور. تِبيانُهُما بكلّ موضوعيّة يخدم تجربة المبدع الكاتب، وتربحه كثيرا من الوقت، وتسهم في إثراء الثّقافة السرديّة للمتلقّي ككلٍّ.

أمّا بخصوص الجزء الثّاني من سؤالكم، فأعتقد أنّ الّنص السّرديّ الذي لا يتغذّى من الجانب النّظري لهذا الفن فلن يحلّق كثيرا، وحينئذ يكون الأقرب للنسيان والاندثار. النّص الذي لا ينطلق من رؤية واضحة محدّدة مسبقا، والذي لا يبالي بالإرث النّظري العظيم للسّرد، سيظلّ يراوح مكانه دون ان يتخطّى عتبة البدايات... لكن هذا لا يعني أنّ قدر المبدع أن يظلّ سجينا للنظريّة، وأن يفرّط في حريّته باعتبارها السّند الأعظم للإبداع. نعم يتغذّى من النظريّة ويهضمها جيّدا ثمّ يسبقها بخطوة أو بخطوات. ذلك ديدنه.

نعم يستطيع الأديب الكاتب أن يمارس النّقد في حالات ما. ثمّة أسرار وخفايا في ألاعيب السّرد لا يدركها من كان يتفرج عليها من الرّبوة. وقديما قال العرب ليس الحائك كالبزّار. وعموما فإنّ السّاحة العالميّة لا تخلو من أولائك الذين يمارسون الكتابة بشِقيّها، الأدب والنّقد. ولولا الإطالة لذكرت أمثلة على ذلك.

ماذا يعنى الفنّ لك وللمتلقّي الآن؟ وما هو حال الفنّ الأدبي الآن في تونس على ضوء مفاهيم الحداثة التي غزت الثقافة العربية؟

- سأبقى في مجال السّرد. ما الفرق بين قصّة وقصّة أو بين رواية ورواية؟ النّقطة الفارقة بين هذه وتلك هي الشّحنة الفنيّة التي تشبّعت بها. تظلّ النّصوص السرديّة مجرّد حكايا يقولها غير المبدعين كذلك. قد تتضمّن كلّ شيء وأيّ شيء، إلّا أن تتضمّن أشواق الفنّ وشطحات الإبداع. ومهما بدا موضوع السّرد ساخنا وملتصقا بالقضايا الحسّاسة وهموم النّاس فإنّ ذلك وحده لا يصنع نصّا متميّزا يقدر على البقاء.  إنّما ذلك رهين لعبة يلعبها الكاتب مع القارئ، يضمنها الفنّ أساسا بعيدا عن المباشرتيّة والوعظ والإرشاد.

أمّا بالنسبة إلى حال الأدب في تونس فإنّي لا أراه يختلف كثيرا عمّا قرأت له في الوطن العربي. واسمح لي أن أستثني الأدباء الكبار الذين تعلّمنا منهم ولا نزال. إنّما أتحدّث عن موجة جديدة من الكتابات، قامت أغلبها على العفويّة والتّداعي من دون احتفاء كبير بالجانب التّقني والفنّي في السّرد والمرحلة التي وصل اليها عالميًّا. مازال الاهتمام بالموضوع طاغيا على حساب طريقة تقديمه، فيكفي أن يكون صادما وجريئا وساخرا من القيم والعقائد. ربّما يعود هذا الى الافتتان ببعض المفاهيم الحداثيّة المعزولة عن سياقاتها ومناخاتها، ومحاولة استنباتها في غير تربتها.

وكيف تقيّم تجربتك في ضوء هذا الزّخم الأدبي المتصارع من حيث تداخل الأنواع والاتّجاهات؟

- من الصّعب جدّا أن يقيّم الكاتب نفسه. فهذا موكول الى النقّاد والتّاريخ ومدى تفاعل القُرّاء مع كتاباته. لكنّي أحاول أن أواكب مستجدّات الفنون السرديّة، معتبرا الرّواية باعتبارها سيّدة السّرد قد أضحت عالما مفتوحا على جميع طرائق التعبير. وهي قادرة على استيعاب كلّ الفنون وتحويلها إلى خيوط تنسج بها عوالمها. ولكي تثبت تناغمها مع هذا المبدإ فإنّها مدعوّة إلى التّحلّي بأكثر قدر ممكن من التّسامح حتى يمكنها هضم المتناقضات والاتّجاهات المتضاربة في داخلها، سواء على المستوى الفنّي والتّقني أو على المستوى الدّلالي والمعرفي.

هل يمكن قراءة الواقع الاجتماعي للكاتب من خلال نصوصه؟

بالتّأكيد، وإلّا فإنّ الكاتب يكون خائنا لرسالته. ما يكتبه لا ينبغي أن يعكس الجانب الاجتماعي فحسب، بل يمتدّ إلى جميع نواحي الحياة بكلّ ما تحبل به من ألوان ومشاعر. ما الادب، إن لم يكن ملتصقا بالهموم الحقيقيّة للناس؟ معبّرا عنهم في حالات الفرح والحزن، والقوّة والضعف، والإشراقة والظّلمة.... "نحن معشر الرّوائيين قضاة تحقيق في النّاس وأهوائهم" كما يقول إميل زولا.

للجريد بيئة خاصّة ومذاق خاصّ وطبيعة ساحرة في نخيله وشخوصه وصحرائه ومناخه. هل كان لذلك تأثير في تجربتك الكتابيّة؟

- لا شك أنّ البيئة التي نشأ فيها الكاتب تظلّ هي الضّرع الأوّل الذي يستمدّ منه نسغ كتاباته. الكتابة ذاكرة قبل كلّ شيء وامتلاء بتفاصيل الحياة. وبلاد الجريد هي التي أمّنت هذا المكسب لي. لهذا فهي تتسلّل إلى أعمالي على نحو أو آخر. فضلا عن أنّني أتعمّد أكثر الأحيان رسم هذه البيئية بتفاصيلها وأجعل منها مسرحا لأعمالي المتخّيلة، خذ مثلا القصص التّالية شعرات الكلب الأسود، الطّلاسم، زغدة، التّيه، التميمة، شوكة في حلقي، الدجّال.... أمّا الرّواية فخذ مثلا رواية الطّيف... لكن هذا لا يعني أنّى أقتصر على البيئة الجريديّة فحسب، بل أحاول التّنويع من الأمكنة قدر المستطاع. فرواية المحاق مثلا تجري أكثر أحداثها في إيطاليا. كذلك رواية البدايات تتّخذ من الشّمال الغربي للبلاد التونسيّة مسرحا لها.

أراك تهتمّ بالصّورة ورسم الشّخوص وبناء الأفكار. هل يمكن أن تكون الصّورة بتنوعاتها بديلا عن اتجاهات السرد الموضوعي؟

- أمام التّحديات الكبيرة التي باتت الأجناس السرديّة تواجهها في زمن هيمنت عليه الصورة ووسائل الاتّصال الحديثة، فإنّ هذا الفنّ يجده في دائرة جديدة من الأسئلة تتعلّق أساسا بطرق بقائه في أدنى درجة، وكيف يفتكُّ له مكان الصّدارة كي يبقى على عرشه. من هنا بات ضروريّا على الكاتب أن يغيّر من طرق كتاباته وأساليبها. من ذلك استثمار تقنية الصّورة وإعادة ترجمتها سرديّا. ومن هنا فإنّنا لا نتحدّث عن منطق البدائل، بقدر ما ندفع إلى تظافر جهود أنماط من السّرد ضمن تصوّر واعٍ، يحقّق أكبر جرعة من الجمال.

عناوين أعمالك خالية من التّفاؤل وتميل للمواجهة والصّدام أحيانا. ما تفسيرك لذلك؟

- أشكركم على ملاحظتكم هذه. وأنتم تنبّهونني إلى شيء مهمّ. من عادتي أن أتخيّر العنوان المخاتل المثير للتّأويل والاحتمال. وطبعا لن تكتمل هذه الدّائرة إلّا إذا اقترنت بالنّصوص وتمّت الموازنة بينهما. مأدبة للغبار أو التّيه باعتبارهما الأقرب الى ملاحظتكم لا يدلّ معناهما الظّاهر بالضّرورة على عدم التفاؤل، بقدر ما يشكّلان موقفًا ما من شيء ما، وتوصيفا دقيقا لمظهر ما. قد يصدمنا هذا التّوصيف ولكنّه الحقيقة من وجهة نظر النّص. ثم ما معنى التّيه؟ ألا يدلّ في معنى من معانيه على عدم الإرتكان الى أرض صلبة والاستمرار الدّائم في البحث عن شيء ما؟ ... وهنا اقتنص الفرصة لكي أبيّن أنّ العوالم التي أصنعها ليست كوابيسا دائما ولا عتمة مقيمة. الاعتدال يظلّ مطلبي وغايتي دائما. لأجل هذا أحاول أن أمثّل الحياة في كتاباتي. والحياة معناها تعدّدٌ في الألوان والظّلال والأصوات...

انتشرت مواقع التواصل الاجتماعي وجعلت العالم قرية صغيرة هل ترى أنّها يمكن أن تحلّ بديلا عن المجموعات الورقيّة؟

- عندما هجم طوفان المواقع الاجتماعيّة لم تكن الشّعوب العربية متهيّأة له تماما. لأجل هذا أثّرت بشكل كبير على الكتابات الورقيّة، وأصابت سوقها بالشّلل. ولكم أن تقارنوا بين عدد المجلّات والجرائد والصّحف وأعداد نسخها قبل الطّوفان وبعده. كثير منها كسد وأغلق أبوابه. كذلك عالم الكتاب. فمن سَحْبٍ بالآلاف وعشرات الآلاف إلى عدّة مئات فقط. ولكم أن تراجعوا الإحصاءات بخصوص القراءة والمطالعة عند العرب لتدركوا أنّ الأرقام جدّ مفزعة. والسّؤال كيف نعيد عالم الورق الى عادات النّاس؟  كيف نوازن ونجاور- على الأقلّ- بينه وبين تلك المواقع التي لم يعد بوسعنا الفكاك عنها. والاستفادة منها في إعادة ترميم علاقة العربي بالورق؟ أقول هذا لأنّي أعتبر نكهة الورق لا تعوّضها الأدوات الجامدة الخالية من الرّوح وأنّ المعرفة الحقيقيّة لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تؤمّنها الوجبات الفكريّة السّريعة، أو القراءات السّطحيّة المستعجلة.

هل ترى الانفتاح على التّجارب الغربيّة مفيدا للسّرد العربي؟

- طبعا... الانفتاح على الثّقافات الأخرى في العالم والاستفادة من تجارب الشّعوب هما البوّابة الأمثل لتطوّر التّجربة العربيّة في كلّ المجالات، بما في ذلك المجال السردي. والسّؤال، كيف يمكن غربلة تلك الرّوافد والاستفادة منها دون أن يؤدّي إلى ذوبان الهويّة العربية واضمحلال قضاياها في زمن العولمة؟ ماذا يمكن ان آخذ من تلك التّجارب وماذا أدع؟

ما رأيك في تأثير تجارب الكتاب السّابقين على الجدد وهل استطاعوا أن يستلهموا تاريخهم وموروثاتهم؟

- لكي تكون الإجابة دقيقة يجب الاستناد إلى استطلاعات رأي وإحصاءات إن لزم الأمر. ومثل هذه لا تتوفر لديّ الآن. غير أنّى ألاحظ في بعض الكتابات الجديدة ومن غير تعميم، فتور علاقتها بالأقدمين. فمِّما ابتلينا به هو ظهور طبقة من الكُتَّابِ لا تقرأ كثيرا. والنّتيجة هي نصوص متعثّرة مازالت تحمل وهن البدايات كأن لم يمر بها الزّمان.

يقولون "هذا زمن الرّواية" فهل سقطت دولة الفنون الأخرى؟

- أعتقد أنّ هذه الكلمة مبالغ فيها. قد تكون الرّواية ديوان العرب في عصرهم الحديث. إمّا أن تكون سيّدة الفنون. فالتّحديات أمامها كبيرة في زمن الصّورة وسرعة انتشارها في أبهى حلّة. فما تقوله الرّواية في عشرات الصّفحات قد تقوله الصورة في ثوب أكثر إغراءٍ في ثانية أو بعض الثّانية.

كرّمت من قبل عدّة جهات، فما التّكريم الذي تعتزّ به، وما رأيك في الذين يسعون للتكريم؟ وما أمنياتك على الصّعيدين الخاص والعام؟

- الحقيقة، لم أكرّم إلى اليوم. عدا بعض الجوائز زمن الشّباب وهي لا تدخل في هذا الإطار. التكريم الحقيقي للكاتب هو وصول كتابه الى أوسع طبقة من القرّاء ويجد صداه في تفاعلاتهم. التكريم بهذا المعنى لم أنل شرفه بما يكفي. لصعوبة انتشار الكتاب في بلدي ولانسداد الأبواب في وجهه.  أتمنّى أن يتوفّر لديّ الوقت أكثر كي أنجز مشاريع كبيرة في المخطّط مثلما أتمنّى وصول كتاباتي إلى النّاس، أمّا على المستوى العام فأتمنّى الأمن والأمان لكلّ الوطن العربي، وأن يخرج من محنته الرّاهنة في وقت قريب.

ما السّؤال الذي كنت تود أن يوجّه إليك؟

- كفيّتم ووفيّتم دكتور نادر. أشكركم على هذه المصافحة. وأتمنّى لكم مزيد التألّق والنّجاح.

 

حاوره: د. نادر عبد الخالق -  مصر

 

 

751 علي غازيرسالتي للكتاب الملتزمين نبذ التطرف والتسلط وتغييب الفكر

يرى الكاتب العراقي علي غازي أن مفهوم الثورية فيه نوع من الفخامة التي لا تناسب واقعنا المربوط بثقل موروثه التأريخي، باعتبارها أسلوب من أساليب التغيير الإجتماعي، قد تؤدي إلى غاية إسقاط النظام، غير ان الكاتب علي غازي قد زاوج بين الثورة والثورية واستعملها في مجالات غير سياسية أي أنه أعطاها طابعا فنيا وثقافيا طالما الثورة تعني التغيير، وقال أن الثورة تحتاج إلى دعم جماهيري يتخطى الطائفية والهويات الشخصية حتى يصح عليها الاسم، ووفق المفهوم الإشتراكي لا يمكن أن تكون ثورة بلا نظرية ثورية، في رسالة وجهها للمبدعين العرب قال الروائي علي غازي: رسالتي كرسالة بقية الكتاب الملتزمين، في نبذ التطرف والجهل والتسلط وتغييب الفكر، يتحدث علي غازي في هذه الدردشة القصيرة عن أزمة المقف العربي وعلاقته بالسلطة ودوره في رسم الواقع العربي

سؤال/ الحركة الثقافية الثورية في الساحة العربية لم يعد لها وجودا، هل السبب يعود إلى أن المثقف الثوري غاب عن الساحة ما رأيك؟

- مفهوم الثورية، حسبما أرى فيه نوع من الفخامة التي لا تناسب واقعنا المربوط بثقل موروثه التأريخي، إذا تتبعنا الموضوع بدقة، سنجد الكثيرين لا شك، مارتن لوثر، روسو، غيفارا، لكن تأريخنا العربي ليس كذلك، فالمثقف هنا، مجرد ضحية لمجتمع أحادي النظرة، ولك ان تتصوري الحلاج، صراعات ابن رشد وابن سينا، بل أننا لا نكاد نرى شاعرا أو فيلسوفا في أي عصر من العصور، قد انتهت حياته بسلام، في العراق هناك موروث ضخم من الأسماء اللامعة التي قارعت حتى آخر نفس ظلم السلطة والدين والمجتمع، لكن لا يمكن إطلاق تسمية ثورية عليهم، حسب وجهة نظري، لأن الدائرة جدا ضيقة، والتأثير بقى في الإطار المعروف لدينا جميعا، لذلك كنا دائما نقول أن مجتمعنا ضحل ثقافيا، ومتقوقع على نفسه لدرجة أن تكون أولوياته منحصرة في سلسلة مطالب حياتية كمالية وليست فكرية.

سؤال/ مفهوم الثورية مصطلح شائك ومعقد، فكيف نقيم إذن ما يحدث في العراق وسوريا واليمن، هل هذا يعني ان البلاد العربية تفتقر إلى ثوريين؟

- وجب هنا أن نفرق بين الثورية والإيديولوجية، وما يحدث الآن هو صراع الآيدلوجيات وليس ثورات وأظن الفارق كبير ولا يحتاج إلى تعليل، فما يحدث في هذه البلدان معروف، الدموية والغلو في استخدام العنف لدرجة التطرف، ليس له أي مبرر أخلاقي، وإذا أردنا وصفه بأنه ثورة ينبغي علينا أيضا أن نصف الطرف المقابل بذات الكيفي، لا يكفي أ نرفع الشعارات بخلفية اثنية أو ثانوية تخص أفرادا، لنحصل على لقب ثورة أو ثورية، لأن الثورة في جوهرها، تحتاج إلى دعم جماهيري يتخطى الطائفية والهويات الشخصية حتى يصح عليها الاسم، وشرعيتها تأتي من التفاف الجميع حولها، وفهمها بالطريقة التي فهمتها بها كل الشعوب الأخرى، وهذا ما يجعل التمييز سهلا بين صناع العبث والفرسان الحقيقيين،

سؤال/ إذن القضية تتعلق بالمثقف والسلطة؟

- نعم وهو المحور الذي جعل من المثقف مجرد أداة بيد السلطة، ومعروف أن الإستبداد السياسي احتكار الحكم ومنع أي مشاركة للشرائح الشعبية والقوى المختلفة من تقاسم السلطة، والحقيقة أن الثورات الشعبية والنظرية الثورية وغياب دور المثقفين وحتى المفكرين والفلاسفة غائي أو مغيب لا فرق، حتى وإن تغاضى البعض عنه في مرحلة الزخم الثوري والتعاطف مع تطلعات الشعوب وحركات الجماهير .

سؤال / لنعد إلى الجانب الإبداعي، كيف تكونت القصة القصيرة في الوطن العربي وماهي الرسالة التي تؤديها القصة القصيرة.؟

- لا توجد مقاربات نظرية مؤكدة حول أصول نشأة القصة القصيرة العربية وإن كان البعض يرى أنها قديمة وموجودة بصيغة من الصيغ في السير والمغازي أو حتى المقامات، ولربما سنكون غير منصفين، إذا لم نشر إلى جهود جبران وجرجي زيدان والمنفلوطي، ورغم أن تجربتهم لم تكن على نحو عميق، بحيث يسهل تجنيس كتاباتهم على أنها قصص قصيرة مكتملة من حيث الشكل، لكنها فتحت الطريق خصوصا بعد الثورات العربية وحركات التحرر، منتصف القرن العشرين، أمام طبقة متنورة ليبرالية التوجهات، تأثرت بالثقافات الغربية وكتابها الكبار، كتشيخوف وموباسان، وجويس، وفي العراق على وجه الخصوص هناك أسماء لها فضل الريادة في المشهد الثقافي وكانت كتاباتهم تتحدث عن الهموم اليومية والفقر والتعبير عن الصراع النفسي بصورة ناضجة جدا، كيوئيل رسام، أنور شاؤول، عبد الملك نوري.

سؤال/ هناك اسماء مرموقة في الساحة الإبداعية العربية؟ هل تاثرتم باسم من هذه الأسماء؟

- إذا أردنا الإنصاف أكثر، في الحديث عن الموضوع فلابد طبعا من ذكر ذلك الجيل الذي كان لهم التأثير الأكبر على الساحة الثقافية، كفؤاد التكرلي، عبد الرحمن مجيد الربيعي، عبد الستار ناصر، محمد خضير، عائد خصباك، وارد بدر السالم وغيرهم الكثيري.، ولدينا اليوم مئات الأسماء المرموقة التي تكتب القصة القصيرة في الوطن العربي أشهرهم من العراق وسوريا والمغرب، ولهم تأثير جدا واضح على بقية الكتاب العرب، وفي رأيي البسيط، أن القصة القصيرة، لها قابلية مرنة على إلفات نظر القارئ، ليس من ناحية الحجم فقط، بل ما تتميز به من إمكانية خلق مساحة للأفكار الملحة ومعالجتها بأسلوب سلس وخالي من التعقيد

 سؤال / ماهي اهم التطورات التي شهدتها الرواية العربية

 - أظن أن روايائيينا العرب متأخرون بمراحل عن أقرانهم في أوروبا وأمريكا اللاتينية وحتى اليابان، ففي الوقت الذي ظهرت روايات مثل الطاعون، الغثيان، مئة عام من العزلة، والصخب والعنف، ظل البعض من الكتاب العرب يكتب بصورة نمطية وبمسميات عدة، كالواقعية، التي عنت للبعض الهبوط في التفكير لمستوى أبناء الحارات والفتوات والبلطجية، صحيح أبدع البعض روايات خالدة كموسم الهجرة إلى الشمال، وشرق المتوسط وبعض كتابات حنا مينا، لكنها ظلت تجارب فردية، لم تحسم النقاش حول تأثيرها إلا في وقت متأخر من القرن العشرين، حيث بدأت الكتابات تتغير وتتلون وتتعدد أساليبها مستفيدة من المدارس النقدية التي تطورت باطراد ملحوظ وعلى يد منظرين كبار.

 سؤال/ أحيانا يستعمل الروائيون الأسلوب الرمزي في كتاباتهم، لماذا التخفي في رأيك؟

- حسب وجهة نظري، هناك سببان، الأول متعلق بالأسلوب فالرمزية أداة من أدواة الكاتب، ومن خلالها يمكن ان يحقق نقلة في وعي قراءه، وتجاوز النمطي والمعتاد، والثاني يتعلق بالظروف التي تحيط كتابنا العرب فهم إما محبطون، وإما خائفون، حيث السلطة وممارساتها التعسفية، أو المؤسسة الدينية وسلوكها المتأرجح بين التأريخي والتجديد المتحفظ أصلا حتى في أرقى أشكاله، وهذان الأمران باعتقادي كافيان لتستر الكاتب وراء الرمزية لإيصال أفكاره.

 

سؤال/ هل قدمت الرواية العربية شيئا ما للمواطن العربي، أم أنها حوصرت فقط في الجانب الأدبي لغاية المتعة؟

- الرواية ليست وسيلة نقل أحداث كالصحف والقنوات الإعلامية، بل هي وسيلة تخاطب وحوار، ومنظومة معقدة لطرح الحقائق وإعادة هيكلتها، والروائي عندما يؤسس وجهة نظر غير تقليدية، سيصطدم بأسوار عديدة، وتحطيمها يحتاج جهدا ليس من قبله فحسب، بل حتى من قبل القارئ. وما أعرفه أن الوعي الجمعي لشعوبنا العربية، لا يزال متأخرا بمراحل، ولوائحه السوداء عريضة. كما أن القارئ العربي تعود النمطية واستعداده لتجاوزها يبقى محدودا على كل حال، لأن القاعدة ضعيفة وضيقة الأبعاد، لذلك فالحديث عن ذاك التأثير يبدو لي، فارغا مالم تؤطر العلاقة بين الطرفين وفق جدلية التفاعل المبني على التفهم العميق.

سؤال/ ماذا كانت رسالتك للقارء العربي من خلال ما كتبته؟

- في كتاباتي تناولت الكثير، بدءا بهموم المرأة وصراعها مع مجتمع ينظر لها كأداة تفقد بريقها مع أول إنكسار، ومرورا بأجواء الحروب والفقد، وضياع الاوطان، وفي كل ذلك كنت أؤكد على جملة مفاهيم، كإحترام الآخر، والتعايش معه رغم إختلافاته، وأن ما تعودنا عليه ليس بالضرورة أن يكون الطريقة المثلى لمواصلة الحياة وفهمه، ورسالتي كرسالة بقية الكتاب الملتزمين، في نبذ التطرف، والجهل، والتسلط، وتغييب الفكر، أنا لا أدعي أني مثالي، أو كاتب بارع من الطراز المتقدم، لأني في الغالب، أكتب ما أراه ممكن التناول، بمعالجة صحيحة تضمن تكامل العمل، أما إن كان ما أكتب قابل للفهم وفق ما أردته أنا، فذلك لا يهمني، لأن عقيدتي ممنهجة وفق المبدأ القائل بموت الكاتب، والقارئ، في النهاية حر في الفهم حسب ما لديه من ثقافة.

 

حوار علجية عيش

.........................

بطاقة فنية:

 الروائي العراقي علي غازي من مواليد 1968 صدرت له عدة أعمال منها: الفصول الأربعة وهي عبارة عن مجموعة قصصية نشرت بالقاهرة سنة 2017، وقصص قصيرة جدا بعنوان : ذهبوا مع الريح طبعة العراق - 2018، إعدام شيوعي، تحت الرماد، أربع روايات قصيرة، منها روايته الأخيرة سيبورا صدرت في 2019، وكما هو ملروف يجمع علي غازي في كتاباته بين القصة والقصة القصيرة والرواية، قال عنه النقاد أن كتاباته تختلف عما يكتبه الآخرون، وأن نظرته للرواية تختلف كذلك عن التي يراها الروائيون أنفسهم بأنها فن أدبي يعتمد على الحبكة والأماكن، ولا تخرج عن كونها تقدم فائدة معلوماتية، إلا أن كتابانه تميزت بتفاصيل واقعية وإنسانية دقيقة، وتبين أنه يحمل مشروعا فكريا.

 

684 فلاح رحيمعُرف فلاح رحيم (بابل 1956م) مُترجماً عراقياً نقل للغة الضاد عن الإنجليزية دراسات متعددة في التأويل والسَّرد والأبستمولوجيا، حتى باتَ في مقدّمة المترجمين العرب. واصل همّه المعرفي الممتد على أكثر من خمسٍ وثلاثين عاماً جلّها قضاها مخفوراً بالترجمة، إلى أن أضاف لمشروعه ميدانين إبداعيين، الرواية (عبر روايتيه القنافذ في يومٍ ساخن 2012 وحبّات الرمل حبّات المطر 2017، وله رواية ثالثة صوت الطبول من بعيد تحت الطبع)، ثمَّ الاشتغال المعرفي الحافر في ثقافة بلد مشرقي كالعراق، من خلال كتابه الأحدث الموسوم "أزمة التنوير العراقي: دراسةٌ في الفجوة بين المثقفين والمجتمع" الصادر عام 2018 عن جامعة الكوفة في العراق.

للكتاب أهمية تنطلقُ من جدَّته في الفحص الابستمولوجي، عند زاوية لم ترصد بعناية، وهي الإنتلجينسيا العراقية، على تنوّع طروحاتها ويقينيّاتها، ونزوعها نحو التنوير والحداثة على شتى المجالات، وبموضوعية من لدن الكاتب فلاح رحيم، تثير الإعجاب، مهما بلغ الاختلاف مع رؤى المؤلف، وطروحاته، والسياقات التي وضع فيها المحاور التي تناولها نقداً وقراءة فاحصة في فصول الكتاب، لنزوع الكاتب نحو اللا مجاملة، وحيادية التحليل والنقد، وتداول الأفكار.

وللبحث في هذه الموضوعة، وضع المؤلف خطاطة للكتاب تمتدُّ على ستّة فصول، سبقها مهاد نظري عن التنوير العربي؛ بوصفه المظلة الكبيرة، والمهيمنة، التي تفرّع منها تنوير بلد مثل العراق، مضيفاً أسباب مأزق التنوير العربي لاسيما بعد ثورات الربيع العربي، وفشل مشروع التنوير الذي يطرحُ سؤالاً جوهرياً حول ماهية دور المثقف خصوصاً بعد فقدان "الجماهير" الثقة به لعدّه تابعاً للسلطة.

ليتوسّع في الفصل الأول متناولاً تاريخياً التنوير في أوربا، وتحوّلاته وأزماته، عبر مفاتيح نقدية كتبت في الموضوعة هذه، استفاد منها رحيم، للتوغل -لاحقا- في شريحته التنويرية العراقية المُنتقاة، فتناول في الفصل هذا موضوعات تنويرية أوربية كالماركسية والليبرالية وطروحات الإيطالي غرامشي والفلسطيني إدوارد سعيد.

أمّا الفصل الثاني من الكتاب فكان تناولاً للكيفية التي كُتب فيها تاريخ العراق الحديث، منذ دخول القوّات البريطانية وإنهاء الاحتلال العثماني آنذاك، متناولاً المؤرشفين العراقيين، كـ(عليّ الوردي، وحنّا بطاطو، وفالح عبد الجبّار، وعبّاس كاظم)، على تباين نوازعهم الابستمولوجية، ومنطلقاتهم البحثية.

وحتى تكتملُ الصورة، نحى فلاح رحيم، باتجاه من تناول تاريخ العراق من الكتّاب الغربيين دراسةً للبلد وأرشفةً لسرديته من منظور آخر مثل: ريفا سبكتر سيمون عبر كتابها (العراق بين الحربين العالميتين: الأصول العسكرية للطغيان) عبر دراسة أسباب هيمنة النزعة القومية في العقل الحاكم للعراق. وفيبي مار وكتابها (تاريخ العراق الحديث) متناولة سردية بداية الحكم في العراق وانتهاءً بخاتمة درامتيكية لحكم البعث في العام 2003، فيما عرض المؤلف لكتاب آخر لتشارلس تريب هو (تاريخ العراق) ماراً بالعرض على عوامل اخفاق الدولة الدستورية في العراق لعوامل عدّة كالاستبداد وشبكة العوائل والعشيرة المهيمنة على موارد البلد والتحكّم السياسي باقتصاده، فضلاً عن منظومة العنف الممنهج الذي مُورس على امتداد الأنظمة المتعاقبة في العراق.

وجاء الفصل الثالث لقراءة مشروع الناقد العراقي سعيد الغانمي، وكيف بدأ حداثوياً مرتمياً في حضن البنيوية فلسفةً ومنهجاً، وكيف صار الغانمي في كتبه الحديثة بعيداً عن فكره البنيوي، مؤثراً ميادين منهجية أخرى تقتربُ من الظاهراتية وملاذ الأسطورة، حسب وصف فلاح رحيم.

فيما خصّ الفصل الرابع لقراءة منجز حسن ناظم النقدي والترجمي، راصداً تحوّلات ذلك المنجز بوصفه مُقارباً نقدياً للشعر الحديث وفق المناهج الشكلية، إلى مقارب للشعر بالكيفية التأويلية، عبر المغامرة بالكشف العميق لرؤى النصوص في صيغتها الإنسانية، معتمداً على مقدرة الناقد الساكنة في ذاته أي "حسن ناظم" وعدّته الثقافية الكبيرة.

وكان الفصل الخامس خاص بالمترجم والمختص بالفلسفة عليّ حاكم صالح وقراءته لدراسة حاكم الخاصة بالروائي فؤاد التكرلي المعنونة بـ(المجتمع الا اجتماعي)، وكتابه الآخر (الايدولوجيا وتمثيلاتها الفلسفية في الفكر العراقي الحديث)، لينهي فلاح رحيم رأيه الخاص بخيبة عليّ حاكم صالح بخيبته من انسياق الفلسفة في العراق -بوصفها تنويراً- وراء الايدولوجيا، ومن ثمّ خيبة من المجتمع برمّته حيث تشي مظاهر المجتمع عكس ما يضمره من فواجع.

وجاء الفصل الختامي للكتاب، للحديث عن تجربة المفكّر عبد الجبّار الرفاعي وما حملته مدونته المعرفية من الوقوع بداية تحت سلطة الموروث الديني والعرفاني بوصف الرفاعي خرّيج حوزة النجف الدينية، وانتهاءً بحصول أزمة، وخيبة كبيرة لدى الرفاعي، في كتبه الأخيرة كـ(الدين والظمأ الأنطولوجي) من الايدولوجيا الدينية وفاعليتها السياسية التي حكمت العراق بعد زوال نظام البعث في نيسان 2003، وغرق تلك الفاعلية الدينية السياسية بفوضى حُكم، وبؤس إدارة، ومنظومة فساد عال، ومسؤولية عن تغيّرات اجتماعية فادحة ومشوّهة.

الكتاب جديد في فكرته، وتحليلاته، وطروحاته أثار لدي أكثر من تساؤل واستفهام بعد قراءته، وهو ما دعاني للطلب من المؤلف فلاح رحيم إجراء حوار عن "أزمة التنوير العراقي" وإيضاح ما قد يلتبس فهمهُ من الآخر، فاستجاب بكرمٍ وحفاوةٍ كبيرين، وعليه أصدقائي الكرام يكون هذا الحوار هو الأول الذي يجريه المترجم والكاتب فلاح رحيم طوال مشواره الثقافي الثري المار ذكره بعجالة.

 

س: كيف نشأت فكرة الكتابة عن موضوعة التنوير في بلد شرقي مثل العراق؟

ج: ذكرتُ في بداية كتاب "أزمة التنوير العراقي" أن موضوعة التنوير وأزمته عراقياً وعربياً وعالمياً ظلّت شاغلي الأول منذ عقود. وهو ما يتضح في محاولتي تدوين التاريخ العراقي الحديث في رواياتي "القنافذ في يوم ساخن" و"حبّات الرمل ... حبّات المطر" و"صوت الطبول من بعيد". أزمة التنوير موضوعة رئيسة في هذه الروايات، وبهذا المعنى يكون كتاب "أزمة التنوير العراقي" جزءاً من اهتمامي بالموضوع. ذكرت في أكثر من موضع أن للتجربة العراقية خلال نصف القرن الأخير خصوصيات كثيرة تجعلها غنية في قدرتها على تمثيل الجوانب المتعددة لأزمة التنوير في كل مكان، وهنالك اهتمام عالمي بدراسة التجربة العراقية على نطاق واسع لهذا السبب ضمن أسباب أخرى. نحن أولى بتأمل معضلاتها والتحاور بشأنها في نطاق عراقي.

 

س: كيف تقدّم للقارئ هنا فكرة التنوير بوصفها أفقاً أوربياً؟

ج: التنوير الأوربي موضوعة متشعبة ومعقدة دُرست باستفاضة وتعمق على نطاق واسع. وقد لا أستطيع الإحاطة بجوانب الموضوع في هذه العجالة. الواقع أنني تجنبت التوسع في التنوير الأوربي وأزمته في كتابي لأن الدراسات المتوفرة عن الموضوع، وقد تُرجم منها إلى العربية، توفِّر عليّ هذا الجهد وتجنبني التكرار. بدأ التنوير الأوربي حركة تعلي من شأن العقل والعلم وتؤمن بالتقدّم، وكان له دور كبير في ترسيخ النظرة الإيجابية إلى العلوم وتأسيس نظرية العقد الاجتماعي والدفاع عن حكم الأغلبية سياسياً. والتنوير الأوربي لم يقدم نفسه بصيغة واحدة بل تمثل في مدارس فلسفية كثيرة أبرزها الفلسفة النفعية وفلسفة العقد الاجتماعي والماركسية وكلها اعتمدت مبدأ اليقين ووقفت ضد كل أشكال الشك وآمنت بإمكانية تقدّم البشرية. بحسب التنوير، يتبوأ الإنسان الصدارة في هذا الكون لأنه يعرف ما يصنع (كوجيتو ديكارت) ويملك ما يصنع (نظرية الملكية الخاصة أو العامة) ويقدر على إقامة الدولة الخيّرة (العقد الاجتماعي). هذه الصورة المشرقة لإمكانات الإنسان وآفاق تطوره تعرضت إلى إخفاقات كبيرة خلال الربع الأخير من القرن العشرين تحديداً، وإن كان ظهور أعداء التنوير قد رافقه منذ بدايته. وأعتقد أن ميراث ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية والهرمنيوطيقا هو أبرز تمهيد فلسفي وفكري لتفاقم أزمة التنوير التي انطلقت على المستوى التاريخي والسياسي أصلاً. عندما تهز هذه التيارات المنشقة عن التنوير الثقة في قدرة الإنسان على التمكن من عالمه وعلى الكلام بيقين وعلى الاعتماد على أية مؤسسة عابرة للأفراد في إدارة شؤونه فإنها إنما تنقض ما سعى إليه التنوير. وما يحدث في عالمنا اليوم من نكوص الى الهويات القومية والدينية وصعود العنصرية والشعوبية في أوربا والجدالات الواسعة بصدد إعادة الدين الى المجال العام هي نتائج حرق الأرض الذي مارسته ما بعد الحداثة وضروبها من التيارات النقدية. إذا لم يكن العقل قادراً على توفير اليقين للإنسان فإنه سيتجه إلى القلب وإلى الجماعة والى الموروث ليحصل عليه، هكذا يجادل العالم اليوم. لن يقبل البشر المتاهة التي نجمت عن أزمة التنوير الأوربي طويلاً. والطريقة التي سوف يُسد بها فراغ التنوير تدعو للقلق.

 

س: للتنوير الأوربي فلاسفة أوجدوا مناخاً أبستمولوجياً لتحديث العقل في مجتمعاتهم، كروسو وكانط ومارتن لوثر. أقولُ هل يملك العربُ فلاسفة من طينة من ذكرتُ، حتّى من أسميتهم في استهلال الدراسة كالجابري وإدوارد سعيد وأدونيس، هم نقَّاد ومفكِّرون، وحضرتك - دون شكٍّ - تعي الفروق بين هذه المصطلحات. كيف تنظرُ إلى هذا الإشكال؟

ج: ثقافتنا العربية وصلت التنوير متأخرة. بينما حدثت النقلة من عصر النهضة الذي ختم القرون الوسطى في أوربا الى عصر التنوير في القرن الثامن عشر خلال مئات السنين وصلتنا قيم النهضة والتنوير في حقبة واحدة هي أواخر القرن التاسع عشر. تشبه هذه الحالة تعاقب البنيوية وما بعد البنيوية في فرنسا تاريخياً ثم وصولهما معاً في وقت واحد إلى بريطانيا والشرق الأوسط. مثل هذه المفارقات، كما أرى، تسبب لدينا خلطاً بين مفهومي النهضة والتنوير. بينما العلاقة بينهما تعاقبية في أوربا حيث هما مفهومان مستقل أحدهما عن الآخر، نجد أن المفهومين مترادفان في الثقافة العربية. وهذا لبس لابد من الانتباه إليه. لذلك أرى أن كل ما كتب عن النهضة العربية يقع ضمن بحث التنوير العربي ويقر بوجوده. فضلاً عن هذا، لا يعتمد التنوير لتأكيد وجوده على حضور فلاسفة من طراز روسو وكانط ولوثر في ثقافتنا العربية. يصح هذا إذا عزلنا بعض التواريخ المحلية المختلفة في عالمنا العولمي الذي نعرفه عن البعض الآخر، ويصح إذا قلبنا التاريخ على رأسه واعتمدنا في التحقيب التاريخي نظرة نخبوية تشترط الأسماء الكبيرة على مستوى الفكر للإقرار بحضور فكرة مثل التنوير في عالمنا العربي. التنوير اقتحم المجتمعات العربية بكل قيمه الغربية على شكل قوة استعمارية غازية وطرح نفسه نوراً وناراً في آن واحد. هنالك من يجادل أن العرب والمسلمين يعانون من صعوبات في هضم قيم التنوير لميلهم إلى المحافظة والتقليد. الواقع أن أزمة التنوير العربي تكمن في أن قيم التنوير الغربية كانت ولا تزال تقتحم حياتنا على شكل قوى طامعة في خيراتنا ومزلزلة لوجودنا الاجتماعي والسياسي. المفكرون الذين تفضلت بذكرهم اعتنقوا قيم التنوير الغربي بشكل صريح: زكي نجيب محمود اعتمد القيم الوضعية المنطقية، وعبد الله العروي والطيب تيزيني الماركسية، والجابري الهوية القومية وأدونيس العلمانية العدمية. وهؤلاء حققوا حضوراً كبيراً في الحياة الثقافية العربية حتى أواخر القرن العشرين عندما بدأ ينحسر الاهتمام بمقولاتهم ويصعد نجم التقليد ومعاداة التنوير. أما أن مستوى نتاج هؤلاء الفكري لا يرقى إلى ما صدر عن الثقافة الأوربية، وهو أمر لا أقبله دون تحفظ لأن بعض كتاباتهم لا يقل شأناً عما يصدر في الغرب، فإنه لا ينفي حتى لو قبلنا به حقيقة وجود حركة اجتماعية سياسية فكرية تستلهم التنوير الغربي. هنالك الفكر وهنالك تاريخ الفكر، والأخير مبحث مهم معروف يتناول الطريقة التي تتنقل بها الأفكار في الزمان والمكان بغض النظر عن عمقها وألمعيتها.

 

س: هل يصحّ لنا القول بوجود تنوير عربي، على غرار أوربا؟ هل له مستندات فكرية؟ ومن ثمَّ يمكن الإمساك "بحثياً" بتنوير عراقي، وقراءة أزمته؟.

ج: التنوير العربي يختلف في أوجه كثيرة عن التنوير الأوربي، وقد وضحت بعض جوانب الاختلاف في إجابتي السابقة. أما حقيقة أن قيم التنوير قد اعتُمدت لردح طويل من الزمان في البلدان الخارجة من الحقبة الاستعمارية فأمر يتفق عليه معظم المؤرخين والباحثين المتخصصين. هنالك اتفاق أيضاً على أن هذه الحركة التنويرية في العالم الإسلامي قد اعتورتها منذ البداية علل كثيرة أهمها الاستبداد (أي إسقاط ركني العقد الاجتماعي وحكم الأغلبية، وهما من أهم أركان التنوير) وعلل الميراث الاستعماري والتدخل الخارجي في شؤون هذه البلدان. نعلم أن الحياة السياسية والفكرية العراقية ظلت حتى عام 2003 مسكونة بهاجس التنوير تسعى إلى إقامة دولة التنوير العادلة، ومعظم النتاج الفكري العراقي الذي ساد المجال العام منذ بداية القرن العشرين استلهم قيم التنوير. الواقع أن من أسوأ الحقائق بصدد الوضع العراقي الراهن أن الإطاحة باستبداد البعث وتعسفه ترافق مع الإطاحة بقيم التنوير وبسيادة البلاد، ذلك أن البعث ادعى مُثل التنوير في أدبياته (القومية من أبرز تمثلات التنوير في أوربا) بينما كان يمارس القمع ويعتمد النعرات الطائفية والعشائرية في سياساته الفعلية. من معضلات التنوير العراقي هذا الالتباس في هوية البعث، ومن نتائجه في عراق اليوم أن كل من يدافع عن قيم التنوير يتهم بالحنين إلى حقبة البعث. الكتاب يحتوي توضيحات لهذه الأفكار.   

 

س: ما هي المقاييس المنهجية التي اعتمدتها في اختيار عينة الدراسة؟ بمعنى لماذا هذه الأسماء (سعيد الغانمي، حسن ناظم، علي حاكم صالح، عبد الجبار الرفاعي) وليس غيرهم؟

ج: شكراً على طرح هذا السؤال. وصلني الكثير من التعليقات على اختيار عينة الدراسة واتهمت بمحاباة هؤلاء الأعلام الذين تناولتهم. أود أن أنبه الى أن أمراض الحياة السياسية العراقية، وأبرزها المحاصصة، بدأت تنتقل على نطاق واسع الى الحياة الثقافية. هنالك ولع منقطع النظير بين المثقفين والمبدعين العراقيين بمفهوم الحصة، بالأوسمة والألقاب والأسبقية والنجومية وكأن الفوز بحصة منها هو الغاية من العمل الفكري والإبداعي. لا يوجد ميل الى طرح الأسئلة الإشكالية المحيرة في الخطاب الثقافي المعاصر وتبدو الأسئلة وكأن أجوبتها محسومة سلفاً. يهيمن على الفكر العراقي والعربي عموماً نموذجان فكريان أساسيان، الأول هو النموذج التوتاليتاري أو ما يعرف في العلوم السياسية بالنموذج ت، وهو يذهب إلى أنك إذا جعلت التوتاليتارية عدوك الأول والأخير تمكنت من حل كل الإشكالات وفهم أية ظاهرة سياسية. وهذا النموذج يعاني من مشاكل كثيرة وهو كما يعلم المتخصصون بعلم السياسة والتاريخ من نتائج الحرب الباردة، وقد وضع فيه وفي مشاكله المفكر العراقي الراحل فالح عبد الجبار كتاباً مهماً لم يحظ باهتمام كبير بعنوان "التوتاليتارية". النموذج الثاني هو نموذج التحديث، وهنا يبدو كأنك إذا ما ناصبت التقاليد والتديّن العداء تمكنت من حلّ معضلات البلد. من يتابع الدراسات الأكاديمية الرصينة الحديثة يعلمُ أن ثنائية التحديث: التقليد لم تعد كافية لفهم التاريخ. وقد ترجمت كتاب "قوة الدين في المجال العام" لكي أشير الى هذه الحقيقة. حياتنا الفكرية، وهي أسيرة هذين النموذجين القاصرين، تغفل عن تنوع التجربة العراقية وإشكالياتها المعقدة التي لا يكفي سجال متعجل في الصحافة أو وسائط التواصل للإحاطة بها. كتبت "أزمة التنوير العراقي" على مراحل ولكن الموضوعة وفرضياتي بشأنها ظلت تتطور على نحو عضوي دون قسر أو إكراه. وقد اخترت العينات لأنّها تمثل على نحو نموذجي ومنهجي المعضلة التي أتصدى لها. أما أن أغلب من تناولتهم قد مارسوا الترجمة فهذا لا يقلل من شأنهم بل يزيدهم شأناً. هنالك من يعترض على نعت حسن ناظم أو علي حاكم صالح بصفة المفكر، ولا أدري كيف أصف من يترجم كتاب جورج غادامير "الحقيقة والمنهج" إلى العربية لأول مرة بعد أن بقي نصف قرن بعد صدوره دون أن يقرب منه أحد من المترجمين؟

 

س: عطفاً على السؤال السابق أ. فلاح، يجدُ قارئ الكتاب تهميشاً لأسماء مهمَّة تستدعيها الذاكرة ضرورةً، لها وقع في الجدل الثقافي العراقي (هادي العلوي، حسام الآلوسي، فاطمة المحسن) مثالاً. كيف تجابه هكذا استفهام؟

ج: هنالك أسماء أخرى افتقدها معلقون آخرون على الكتاب منهم فالح عبد الجبار وناجح المعموري وعبد الله إبراهيم وغيرهم ممن أعتز كثيراً بنتاجهم ولا أشك في ضرورة التصدي له بتعمق واحترام. المشكلة أني لا أوزع حصص الدراسة والتقصي على المفكرين على أساس الأشخاص (أو المكونات إذا استخدمنا قاموس العراق الجديد)، بل أوزعها على أساس محتوى الكتاب الذي أضعه والفرضية التي أسعى الى كشف تعقيدها وأهميتها. هؤلاء الذين أتهم بتهميشهم يمثلون جميعاً الإيمان الكامل بقيم التنوير ومشروعه، وهم يندرجون في غالبيتهم ضمن منطلقات التيارات الماركسي والقومي والليبرالي الغربي، أي أنهم باقون على العهد التنويري. أما العينات الأربع التي اخترتها فقد تمكنوا من تلمس الأزمة وناصبوا التنوير العداء وقدموا بدائل لمنطلقات التنوير عبر مناهج تعلن الشك والبراءة من التنوير. أردت أن أقرأ ما يقولون بعناية لأنهم تلمسوا علّة غفل عنها كثيرون. قد لا نتفق معهم ولكنهم جادون في طرح المشكلة وقد كتبوا بتعمق ودراية ومنهجية أتاحت لي التحاور معهم باتساق دون أن يربكني في خطابهم ما نجد من تخبط واضطراب في كتابات أعداء التنوير الآخرين. وقد أضيف هنا في مزحة سوداء ما قلته لأحد المعلقين على هذه المسألة على الفيسبوك: أخترت هؤلاء لأنهم من أقرب أصدقائي وأنا واثق من أني مهما قسوت عليهم وجادلتهم لن يطلبوني عشائرياً كما قد يفعل من لا أعرفهم من أعداء التنوير في عراق اليوم.

 

س: برأيك هل مناهج الحداثة التي استندتْ إليها الشريحة التي اعتمدتها بالدراسة في بداياتهم هي قيم تنوير، ومن ثمَّ عندما انتهى الحال عند بعضهم إلى رفض تلك المناهج والارتماء في "تلقائية التلقي" للنصوص عموماً، انبثقت أزمة التنوير العراقي؟

ج: خرج ثلاثة منهم من رحم التنوير (هم سعيد الغانمي وحسن ناظم وعلى حاكم صالح) لكنهم انقلبوا عليه بسبب سقوط التنوير المدوي في العراق والوطن العربي. أما عبد الجبار الرفاعي فهو رجل حوزوي خرج من قلب التقليد ومارس العمل السياسي على أمل القدرة على التغيير ثم خاب أمله في السياسة فاتجه إلى محاولة ردم الفجوة بين خطابه والإيمان الفطري. والكتاب يحتوي تفصيلات هذه الإجابة.

 

س: ختاماً هل من حلول تقترحها الدراسة لهذا المنعرج (الأزمة)؟

ج: تبدأ الدراسة التي نحن بصددها من حقيقة أن تنظيم الفجوة بين المثقفين والمجتمع هي الأصل في مشروع التنوير. وهذا يعني أن المثقف التنويري بحاجة إذا ما شاء التشبث بأهداب الأمل والسعي إلى الفعل والمشاركة الإيجابية أن يتمسك بمشروعه التنويري الذي قد يدفعه بعيداً عن المسلمات الجاهزة والمصادرات المبسطة. لكنه يحتاج أيضاً إلى وعي أزمة التنوير كما طرحها المفكرون الذين تناولتهم والحرص على ضبط المسافة الفاصلة بينه وبين المهاد الذي ينشط فيه. وقد ذكرت من قبلُ نموذجي التوتاليتارية والتحديث وتحفظت على منحهما الحضور المطلق في حياتنا الثقافية. أحاول في كتابي أن أقترح نموذجاً آخر يسدّ النقص في حياتنا السياسية والفكرية يضم النموذجين السالفين ويتجاوز عيوبهما هو نموذج الشرعية، أي الحاجة الماسة إلى قياس كل شيء لا بمنظور القبول بالفوضى بديلاً عن استبداد الأمس (النموذج التوتاليتاري) ولا بمنظور أن كل حداثة خير وكل تقليد شر وهو منظور مبسط عفا عليه الزمن (نموذج التحديث) بل بمنظور الحرص على مؤسسات شرعية معافاة تضمن تنظيماً منتجاً للفجوة بين المثقفين وصانعي القرار والسلطات الحاكمة من جهة والمجتمع العراقي بكل فئاته وطبقاته من جهة أخرى. العيب الكبير الذي لا ينتبه إليه دعاة المغامرة العسكرية العلمانية بوصفها ضمانة التحديث أن أية عدالة لا تعتمد شرعية دستورية عابرة للأشخاص تمنح المجتمع حق الرفض والمطابة بالشفافية سيكون مآلها الظلم والتعسف بل الكارثة كما نرى بأم أعيننا في بلاد العرب والمسلمين.

 

حاورهُ محمّد فاضل المِشْلَب

..............................

الحوار تم نشره أيضا في مجلة ذوات العدد 52 / 2019م

 

613 خالد الكبيرمحافل الثقافة العربية بين قلق الرّسالة وشحّ الدعم

نادرة جدا هي المهرجانات الثقافية العربية التي استطاعت فرض الاحترام، وتخطي عتبة التقليد السنوي، ومضايق اجترار الأسئلة الثقافية والهوياتية والصور النمطية والأسماء المكرورة، لتعانق آفاق تقديم ما هو نوعي وجاذب، يشكلّ الإضافة ويثري الذاكرة الثقافية العربية والإنسانية على حد سواء.

على سبيل المثال، نستحضر مهرجان إيلاف للثقافات والذي يديره الشاعر خالد الكبير، هذا المحفل في استضافته للعديد من البلدان العربية والغربية، مثلما عشنا أجواءه المترعة بفصول اقتراح كل ما هو نموذجي، ينمّ عن حسّ إداري متقّد وإرادة مسؤولة، هاجسها تدويل القيم الإنسانية ونشر ثقافة الحب والتعايش والتسامح ما بين كل الأديان والأعراق والألسن، في غمرة انتصار جلي للهوية الإنسانية المشتركة، دونما المساس أو التفريط في الثوابت والمرتكزات والقضايا العربية الكبرى التي تحظى بطابع ورداء القداسة لدى كل مكونات الأمة.

طوى المهرجان في طبعته الخامسة، قبل أيام، آخر أوراقه، تاركا صدى طيبا داخل تونس وخارجها، واعدا بالمزيد من المواكبة وكشف اللثام عن أفكار ورؤى جديدة ومستحدثة تخدم قدر الإمكان، لغة الضاد والثقافة بمفهوم عالمي شامل.

مدير المهرجان قامة وازنة مشهود لها بالكفاءة والدربة والمراس والغيرة على الثقافة المسكونة بروح كل ما هو إنساني صرف، وكذا حسن تدبير وإنتاج وإخراج مثل هذه الدورات التي تمثل واجهة مشرقة لأوطان تنطلق نحو رحاب الديمقراطية وتحقيق العدالة وتوفير حيز أكبر للحريات وحقوق الإنسان.

كان لنا معه هذا الحوار.

بداية، نرحب بكم الشاعر خالد الكبير، ونبارك لكم جهودكم المضنية، في سبيل إنجاح مثل هذه التظاهرات المنتصفة للثقافة والإنسان.

هلاّ تقرّبنا أكثر، من خالد الإنسان والإداري المسؤول الذي يحمل هاجس الارتقاء بعناوين ومضامين مهرجان من طراز إيلاف للثقافات وقد بات أكثر حضورا وإشعاعا؟

- عبد ربه، خالد الكبير، إطار سام بالدولة وكاتب وشاعر تونسي، أتقلّد العديد من المناصب المسؤولة، مجملها ينتمي إلى حقل أو قطاع الثقافة: عضو اتحاد كتاب تونس، رئيس جمعية روافد للفنون والثقافات، مؤسس ومدير مهرجان إيلاف للثقافات.

صدري لي في الشعر: للكلام رائحته، ترانيم الروح، تجليات على شفاه امرأة.

وفي الرواية: زلة قلب.

وفي القصة: الصّرة.

نريد أن تضعنا في الصورة، مذ أول نسخة ل" إيلاف للثقافات" وحتّى آخر أجوائها، بشكل مقتضب لو تكرّمت؟

- أولى دورات المهرجان احتضنتها "سوسة" عام2014، بعدها تباعا كل من "المهدية" و"سوسة" مجددا و"المنستير" في طبعتين متتاليتين.

يمثل الدعم المادي على نحو خاص، عائقا كبيرا قد يشلّ مثل هذه الطموحات، ما مدى استفادة المهرجان من مؤسسات الدولة الحاضنة لمثل هذه المبادرات؟

- يظل مشكل الدعم عائقا بالنسبة إلينا كما الآخرين ممن تؤرقهم هواجس النهوض بالثقافة العربية، منذ أولى الدورات ولحد الساعة، مازلنا نعاني شحّ الدعم، بحيث يصلنا ضئيلا جدا من وزارة الثقافة وغير كاف، فيما بقية التكاليف نغطيها نحن كوادر الجمعيات التي ذكرت لكم آنفا، من مالنا الخاص.

كيف يقدّم "إيلاف للثقافة" النموذج في الجوانب المرتبطة بالتكريس لثقافة مشتركة ضدّ التطرف بشتى أشكاله؟

- من أبرز الأهداف التي سطّرها مهرجان إيلاف، نجد جوانب أو طقوسيات الاحتفاء الحياة، والتكريس لثقافة التعايش والمحبة والسلام، والتلاقح الثقافي بمعزل عن اعتبارات فوارق الألسن والألوان والأعراق والتمايزات الجغرافية، مما يعطى طابع العالمية لمثل هذه التظاهرات، كما اقتراح أفكار ورؤى جديدة في مقاربة آفة التطرف بشتى تمظهراتها التي تهدد الإنسان والعالم.

ما الرسالة التي تود توجيهها للجهات الرسمية سواء داخل أرض الوطن أو خارجه، فيما يتعلّق بما تكابدونه من مشاقّ وتحديات، لأجل ديمومة المهرجان وتقديمه أكثر ثراء ونوعية في القادم من الطبعات؟

- لقد حقق"إيلاف" في خامس طبعاته السنوية، تحت شعار "المنستير" مدينة الحب والسلام، جملة من الأهداف التي رسمها منذ زمن، عبر خلق توليفة أو مزيج ثقافي، لدول أورومتوسطية وعربية، إيطاليا، المغرب، الجزائر، العراق، لبنان، أمريكا، النويج.ولسوف نواصل المسيرة بذات الإصرار والحماس والحس الإنساني المسؤول، لحين لفت انتباه مؤسسات أخرى وطنية وقطرية، تهمّها الرّسالة الثقافية التي نناضل بلا كلل، لأجل نشرها في جل ربوع العالم وبقاعه.

سؤال فاتني أن أطرحه عليك؟

- كيف واجهت لوحدك عراقيل ومعيقات تنظيم مهرجان دولي في غياب الدعم الكافي لذلك..؟

أجيب: بالتحدي والعزيمة والإصرار وحبّ الثقافة.

كلمة ختامية

القادم أجمل.

حاوره: احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

 

 

617 طلال سالم(حتى تعود) و(خرير الضوء) و(برزخ الريح )... وتتواصل التجربة مع الكتابة في جولات أخرى مع الشعر وأدب الرحلة والسيرة..هو مسكون بالشعر في رحلته المفتوحة على الكلمات والمغامرة حيث القصيدة محال حيوي على الذات في تجلياتها وسؤالها الدائم تجاه الآخرين...طلال سالم شاعر لا غبار عليه يفتح لنا هذا الحيز للتنافذ معه وهو يواصل مسيرته الأدبية بخطى متأنية وواثقة...كان ذلك ضمن مشاركته في فعاليات الدورة 17 لمهرجان الشارقة للشعر العربي

1- كيف تتحدث عن تجربتك منذ البدايات وهذه الصلة الوثقى بالشعر؟

- الحديث عن التجربة هو حديث الذاكرة والطفولة والإرتباط بالحياة والفكرة وبداية الارتباط العاطفي باللحن والكملة المغناة وعزف العود والكثير من الأمور التي بدأت بصقل اللغة والإنسانية في روحي، وربما أعود إلى كتابة الخواطر في سن الرابعة عشر من العمر قبل حوالي ستة وعشرين عاماً من الآن والزمن الجميل خارج سيطرة التكنلوجيا حيث الألعاب البسيطة والانتماء للروح والعاطفة وهناك بدأت تتشكل جذوة الشعر والأشخاص الذين تأثرت بهم حتى قبل رحلة الكتابة الحقيقية التي بدأت في المرحلة الجامعية عام ١٩٩٧م والمشاركات الأولى في الجامعة مع الإصدقاء والتمكن من العروض والانطلاق في الفضاء الأرحب، التقلية كان بداية مررت بها إلا أن محاولة تشكل الصوت المنفرد مرحلة متقدمة تجمع بها تجارب الحياة والفلسفة والمعنى الحقيقي في أن تكون لك رسالة تنطلق منها وهي الحرف والوعي.

2- هذه المشاركة الشعرية مع الشعراء العرب بالشارقة ماذا تقول عنها؟.

- هذه المشاركة امتداد لرحلة العشرين سنة التي أعتز بها وأعتبر أنها أضافت لروحي الكثير... إنها التقاء الأحباء والاستماع لتجارب جديدة رغم أنني لا أرى وجوهاً جديدة من جيل جديد أضعناه ربما بنخبويتنا وانكفائنا على الشعر فإنني مازلت أتمنى أن أستمع لصوت العشرين في شعر معاصر.

3- (حتى تعود) و(خرير الضوء) و(برزخ الريح )...و ما جديدك الشعري وهل حظيت دواوينك بالنقد؟.

- جديدي بعد ذلك الكثير في أدب الرحلة طبعت إماراتي في نيجيريا ورشفة من بلاد اليابان وكتبت قصة أقرب لأدب السيرة وهي عندما تتنفس الريح ولي تحت الطبع كافة ما كتبت من شعر، أما رأيي عن النقاد فأعتقد أنهم في أبراجهم العاجية بين ممجد لما يريد وبين ناقد جارح، والأجمل أن يكون الناقد صديق الشاعر معه في تجربته لينقله في عالم الجمال لما هو أجمل، ما لم أجده في العالم العربي.

4- ماذا عن مستقبل الشعر في هذه التحولات وسطوة الصورة والتكنولوجيا؟.

- كما أسلفت ربما تحول الشعر إلى ومضات سريعة ودفقات تويتورية لا تتجاوز الأسطر لكن هذه الموجة لا تلغي الشعور وبالتالي فإن الشعر سيبقى لأن الحياة في عالم مكتظ تحتاج الكثير من الرجوع للذات والهدوء والإنسانية والطبيعة .

5- بادرة بعث بيوت الشعر العربية كيف تقبلتها كشاعر من بلد المبادرة؟.

- إنها امتداد أيضاً لرجل عظيم وهو صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي لا أنسى يده التي امتدت إلي في بداياتي وحتى الآن وأنه يؤمن بالإنسان والشعر رغم التصحر العملي والتكنلوجي الذي يزحف على البشرية أجمعها.

6- وبماذا نختم هذا الحوار المصافحة؟.

- كل الحب لمن يحمل في روحه شعراً ومن يستمتع ويؤمن بالكلمة وقبل ذلك لكل إنسان يؤمن أن يوازن حياته في كل شيء بين نماء فكري وعاطفي وروحي تنطلق طاقته للإنسانية والسلام بأسره.

 

كل الحب لمن يحمل في روحه شعراً ومن يستمتع ويؤمن بالكلمة...

الشارقة \ التقاه \ شمس الدين العوني

 

564 هجر المغلي 1- ما الإشكالات التي يطرحها التعليم الأولي اليوم؟ 

- يعد التعليم الأولي مرحلة تمهيدية أساسية من أجل استكمال مراحل التعليم الابتدائي كافة. وتتعلق مرحلة التعليم الأولي بإعداد متعلم السنتين: الرابعة والخامسة بغية الالتحاق بمرحلة التعليم الابتدائي الفعلية التي تبتدئ من السنة السادسة. ومن ثم، تتميز هذه المرحلة الأولية بأنها مرحلة تمهيدية على مستوى القراءة والكتابة والرياضيات؛ حيث تساعد المتعلم، بواسطة اللعب الحركي، على اكتشاف شخصيته، وإخراجه من التقوقع الذاتي نحو فضاء الاندماج الاجتماعي. لذا، كان من الأفضل للمربي أو المربية أن يتمثل مجموعة من الآليات العملية على مستوى التخطيط، والتدبير، والتنظيم، والتقويم، والتتبع والمراقبة... والاستفادة من مستجدات علم النفس النمائي والسيكولوجي، واستيعاب مبادئ علم النفس الاجتماعي، والاطلاع على مختلف قضايا التربية والتعليم المتعلقة بهذه المرحلة الأولية.

وعلى الرغم من الجهود الجبارة التي تبذل من أجل تطوير التعليم الأولي العمومي، فإن ثمة مشاكل عويصة ما يزال هذا التعليم يعاني منها كما وكيفا. وقد خلص المشاركون في اليوم الدراسي حول (التعليم الأولي المغربي: التجارب، والمعوقات، والآفاق) المنظم بالرباط في الثالث من شهر يونيو 2014م، بشراكة بين وزارة التربية الوطنية من جهة أولى، والتكوين المهني( المديرية المكلفة بالتعليم الخصوصي والأولي) من جهة ثانية، ومنظمة اليونيسيف من جهة ثالثة، إلى أن أي إصلاح للمنظومة التربوية ينبغي أن يستحضر بنية التعليم الأولي على مستوى الهيكلة والتنظيم والتدبير التربوي والبيداغوجي.وفي هذا السياق، دعت الندوة إلى اعتبار التعليم الأولي دعامة ذات أولوية أساسية في الارتقاء بمبدإ المناصفة وحقوق الطفل.كما أشارت هذه الندوة إلى أن وضعية المغرب لاتختلف كثيرا عن باقي الدول التي لايزال فيها التعليم الأولي يعاني من مشاكل عدة؛ حيث لاتزال نسبة ولوج أطفال العالم القروي وذوي الدخل المحدود متدنية؛ مما ينعكس هذا سلبا على تدني مستوى تمدرس هؤلاء الأطفال.ومن هنا، يؤدي ذلك إلى ارتفاع نسبة الهدر المدرسي بالمغرب.

ومن جهة أخرى، يلاحظ أن هناك تراجعا في نسبة الإقبال على التعليم الأولي العمومي مقارنة بالقطاع الخاص. ناهيك عن الفوارق الشاسعة الموجودة بين المناطق القروية التي يكاد يكون فيها التعليم الأولي منعدما، والمناطق الحضرية التي تعرف نوعا من الإقبال النسبي على هذا النوع من التعليم، وكذلك التفاوت الجلي بين نسب الفتيان والذكور، على الرغم من بعض التقدم الطفيف الذي أنجز في هذا الصدد.

علاوة على ذلك، فلقد أبانت الندوة أيضا أن التعليم الأولي التقليدي يهيمن بمعدل 80.4% من حيث بنيات الاستقبال. في حين، لا يسجل العصري منه سوى 10%؛ ويرجع ذلك إلى ارتفاع تكلفة هذا الأخير. وقد ترتب عن ذلك أن تعمقت الهوة بشكل كبير في هذا المجال.

ويلاحظ كذلك استمرار حذف أقسام التعليم الأولي بالمدارس العمومية سنة بعد أخرى بالوسط القروي، دون أن يتم تعويضها، ذلك أنه من أصل 18.826 قسم محدث برسم سنة 2005/2006 م، لم يتبق سوى 14.012 برسم السنة الدراسية 2012/2013م.

لذا، لابد من إيلاء التعليم الأولي أهمية كبرى ، باختيار الكفاءات من الموارد البشرية العاملة به للقيام بمهمة تكوين الأطفال في هذه السن بالذات؛ إذ يكون فيها المتعلم مؤهلا لتشرب القيم الدينية والأخلاقية والوطنية والكونية، واكتساب مختلف المعارف والقدرات والمهارات التي من شأنها أن تحدد مستقبله الدراسي في المراحل التعليمية اللاحقة.

وينبغي أيضا على كل الإستراتيجيات التربوية الهادفة إلى الإصلاح الأخذ بعين الاعتبار مقاربة مندمجة للطفولة، ترتكز على حاجيات الطفل قبل الولادة وبعدها، بإحداث مراكز عمومية وخصوصية لتكوين الموارد البشرية المؤهلة، وإشراك الجماعات الترابية في التعليم الأولي، وكذا عقلنة تدخل المنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية، والقيام بحملات التوعية في صفوف الأسر حول أهمية التعليم الأولي ، ولاسيما في المناطق القروية .

وبناء على ماسبق، يعرف التعليم الأولي مجموعة من المشاكل والعوائق التي تحول دون تطويره كما وكيفا. ويمكن حصرها فيما يلي:

1 - مازالت نسبة إقبال المتعلمين على التعليم الأولي ضعيفة جدا، وخاصة في القرى والبوادي. وفي هذا السياق، فإن نسبة تمدرس الأطفال المتراوحة أعمارهم بين أربع وخمس سنوات لم تتجاوز ستين في المائة برسم الموسم الدراسي2006 - 2007م، مسجلة بذلك تفاوتا بين الوسطين الحضري والقروي وبين الجنسين؛ حيث لم تتجاوز نسبة التسجيل45 في المائة بالوسط القروي، و30 في المائة بالنسبة للإناث. وتبقى المؤسسات التقليدية هي السائدة بنسبة 80 في المائة من مجموع المؤسسات الموجودة.

2 - هيمنة الكتاتيب القرآنية على 85 % من النسبة العامة من متعلمي فترة الطفولة المبكرة.

3 - ضعف إنجازات وزارة التربية الوطنية في مجال التعليم الأولي؛ حيث لايوجد سوى 1.140 فصل فقط لهذا التعليم في المدارس الابتدائية.

4 - غياب واضح للبنيات التحتية والتجهيزات الأساسية التي تتعلق بالتعليم الأولي ، سواء أكان ذلك في المدن أم في القرى والبوادي...

5 - الافتقار إلى البرنامج البيداغوجي الموحد، ونقص ملحوظ في تكوين المربين، وتأهيلهم تربويا وديدكتيكيا.

6 - فشل المخطط الاستعجالي (2009- 2012م) في إصلاح المنظومة التربوية المرتبطة بالتعليم الأولي تخطيطا، وتدبيرا، وتنظيما، وقيادة، وتتبعا.

7 - العجز المادي والمالي والبشري، ونقص في التجهيزات، وقلة المربين، وقلة أطر الإشراف التربوي.

8 - تفاقم ظاهرة البيروقراطية، وتأخر الإدارة في تنفيذ القرارات المتعلقة بالتعليم الأولي.

9 - اختلاف التعليم الأولي العمومي عن التعليم الأولي العصري على مستوى التجهيز، والتدريس، والتكوين، والجودة؛ بل حتى على مستوى تدريس اللغات. فالمدارس العمومية لاتدرس الفرنسية. في حين، يهتم القطاع الخاص بتدريس اللغات الأجنبية. ويعني هذا تباين على مستوى الجودة والمردودية التحصيلية الكمية والنوعية. 

2 - كيف يمكن تنزيل الإصلاح الذي تقترحه مؤسسات وطنية وحكومية بتوجيهات ملكية؟

 - يعد التعليم الأولي مسارا دراسيا مهما في المنظومة التربوية المغربية، حسب الميثاق الوطني للتربية والتكوين، منذ السنوات الأولى من الألفية الثالثة، باعتباره مرحلة أساسية للولوج إلى عالم الدراسة بالسلك الابتدائي. ومن ثم، فلقد أعطت وزارة التربية الوطنية أهمية كبرى لهذا النوع من التعليم، باعتباره مدخلا رئيسيا لتأهيل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين الرابعة والسادسة.

 ولم يقتصر التعليم الأولي على المؤسسات العامة فقط، بل اهتم به القطاع الخاص أيضا لمساعدة الدولة على الارتقاء بهذا التعليم كما وكيفا بغية تحقيق الجودة المطلوبة. بيد أن هذا التعليم مازال يتخبط في كثير من المشاكل الهيكلية، والتنظيمية، والقانونية ، والمادية، والمالية، والبشرية. وما زالت الطموحات أكثر من الواقع. بل إن التعليم الأولي العمومي - في الحقيقة - لم ينطلق بعد بشكل إيجابي مقارنة بالتعليم المدرسي الابتدائي الفعلي، أو مقارنة بالتعليم الأولي العصري والتعليم الأولي التقليدي. ويعني هذا أن ثمة مجموعة من العوائق والمشاكل التي يتخبط فيها كما وكيفا.

وإذا كانت الأسرة هي التي تتكلف برعاية الطفل في مرحلة المهد، أو في السنوات الأولى ، فإن مؤسسات التعليم الأولي هي التي تقوم برعاية الطفل في المرحلة الثانية، أو ما يسمى بالطفولة المبكرة ، مع تحمل مسؤولية تنشئته حركيا، ونفسيا ، واجتماعيا.

ولقد أدمجت وزارة التربية الوطنية التعليم الأولي ضمن التعليم الابتدائي، وأصبحت سنواته ثماني سنوات؛ إذ خصصت السنة الأولى والسنة الثانية للتعليم الأولي، ويسمى بالسلك الأساسي. وتشكل السنتان الثالثة والرابعة السلك الأول. في حين، تشكل السنوات الأربع الباقية السلك المتوسط من التعليم الابتدائي. ويعني هذا أن الوزارة قد اعتمدت على سياسة الدمج بين مجموعة من الأسلاك ضمن التنظيم الجديد للمنظومة التربوية الحالية، وفق المادة (60) من الميثاق الوطني للتربية والتكوين الصادر في بداية الألفية الثالثة.

لذا، جاءت المادة (65) من الميثاق الوطني لتقول:" السلك الأول من المدرسة الابتدائية يدوم سنتين. ويهدف بالأساس إلى تدعيم مكتسبات التعليم الأولي وتوسيعها، وذلك لجعل كل الأطفال المغاربة عند بلوغ سن الثامنة، يمتلكون قاعدة موحدة ومتناسقة من مكتسبات التعلم، تهيئهم جميعا لمتابعة الأطوار اللاحقة من التعليم.[1]"

وقد نظم الميثاق الوطني للتربية والتكوين التعليم الأولي في المادة (63) بقوله:" يلتحق بالتعليم الأولي الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين أربع سنوات كاملة وست سنوات. وتهدف هذه الدراسة خلال عامين إلى تيسير التفتح البدني والعقلي والوجداني للطفل، وتحقيق استقلاليته وتنشئته الاجتماعية، وذلك من خلال:

- تنمية مهاراته الحسية الحركية والمكانية والزمانية والرمزية والتخييلية والتعبيرية؛

- تعلم القيم الدينية والخلقية والوطنية الأساسية؛

- التمرين على الأنشطة العملية والفنية (كالرسم والتلوين والتشكيل، ولعب الأدوار والإنشاد والموسيقى)؛

- الأنشطة التحضيرية للقراءة والكتابة باللغة العربية خاصة من خلال إتقان التعبير الشفوي، مع الاستئناس باللغة الأم لتيسير الشروع في القراءة والكتابة باللغة العربية."[2]

ويعني هذا أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين قد ركز على مجموعة من الكفايات الأساسية في التعليم الأولي التي تتمثل في : كفاية القراءة، وكفاية الكتابة، وكفاية التعبير الشفوي والكتابي، والكفاية اللغوية والتواصلية التي تتمثل في التمكن من اللغة الأم . وبطبيعة الحال، فالمقصود بها اللغة العربية، على الرغم من أن اللغة الأم بالنسبة للأمازيغيين هي اللغة الأمازيغية. بيد أن التعليم الأولي العصري يلقن المتعلمين اللغة الفرنسية، واللغة الإنجليزية، ولغات أخرى، ويسهم هذا في تلويث البيئة اللغوية لدى المتعلم، ويؤثر سلبا في اكتساب اللغة العربية الفصحى.

وأكثر من هذا، يشير الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى الطابع الحسي الحركي لهذه المرحلة، وضرورة التركيز على الأنشطة العملية والفنية ، وخاصة ما يتعلق بالتشكيل، والموسيقا، والمسرح؛ وتنمية قدرات المتعلم الذهنية والوجدانية والحسية الحركية، بالمساهمة في ترقية التلميذ من جميع النواحي، وتنميته عقليا ونفسيا واجتماعيا من أجل الإحساس بالحرية والاستقلالية، وبناء الشخصية عن طريق اللعب، والاتجاه نحو التعلم الذاتي والفني، واكتساب القيم الوطنية، والدينية، والخلقية.

ولقد سمحت وزارة التربية الوطنية للسلطات العمومية والجماعات المحلية والجمعيات المدنية ذات الصفة القانونية بإحداث هذه المؤسسات. ومن ثم، لا يعطى الترخيص لهذه المؤسسات التعليمية الأولية- بناء، وتعديلا، وتغييرا، وإغلاقا- إلا من قبل الأكاديميات الجهوية التابعة لقطاع التربية والتعليم وفق الشروط التنظيمية والقانونية الملائمة في مدة أقصاها شهر، ولن يكون هناك رفض لأية مؤسسة ما إلا بقرار معلل .

و" تضع الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين مجانا ، ورهن إشارة مؤسسات التعليم الأولي، في حدود الإمكانات المتوافرة، محلات ملائمة لحاجات هذا النوع من التعليم، وذلك في المناطق القروية والمراكز الحضرية الأكثر احتياجا، وبصفة عامة في المناطق السكنية الأكثر احتياجا، والتي يتم تحديدها من لدن الأكاديمية.

كما يمكنها أن تضع رهن إشارة هذه المؤسسات، ولمدة معينة، وقابلة للتجديد، أطرا تربوية تتكفل بتأدية أجورهم.

وتستفيد كذلك مؤسسات التعليم الأولي ذات الاستحقاق من منح للدولة حسب أعداد الأطفال المتمدرسين بها، وعلى أساس احترام معايير وتحملات محددة.

ويتم تمتيع مؤسسات التعليم الأولي من الامتيازات المنصوص عليها في هذه المادة في إطار تعاقدي يحدد حقوق والتزامات الطرفين معا، وعلى الخصوص الحد الأعلى لواجبات التمدرس التي يجب أن تتلاءم مع الوضعية الاجتماعية للأطفال.[3]"

ولن ترخص الوزارة لمن هو عام أو خاص بفتح مؤسسة التعليم الأولي إلا بتنفيذ مجموعة من الشروط التنظيمية والقانونية والتربوية، كالاهتمام بالوقاية الصحية، والتأمين على التلاميذ، وتنفيذ العقود المبرمة التي تجمع المشغل (بكسر الغين) بالمشغل (فتح الغين) ، والالتزام بالكتب المدرسية التي تعينها الأكاديمية الجهوية، والاحتفاظ بتسمية (التعليم الأولي).

ومن جهة أخرى، " تخضع مؤسسات التعليم الأولي لمراقبة تربوية وإدارية تمارسها الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين.

وتشمل المراقبة التربوية السهر على تقيد مؤسسات التعليم الأولي بالأحكام المشار إليها في المادة السابعة أعلاه، خاصة فيما يتعلق بمراقبة استعمال الكتب والوسائل التربوية.

وتشمل المراقبة الإدارية فحص الوثائق الإدارية المتعلقة بالمؤسسة ومستخدميها التربويين والإداريين وبالأطفال، وكذا تفتيش المرافق الصحية للمؤسسة، ومراقبة حسن سير المطاعم والأقسام الداخلية في حالة وجودها.[4]"

ويستفيد مدرسو التعليم الأولي وإداريوه من دورات التدريب والتكوين والتأهيل والتأطير. و من يخالف دفتر التحملات، فسوف يتعرض لعقوبات قضائية، أو غرامات مالية، أو سحب الرخصة القانونية. وقد لا تطبق بعض القوانين التي نص عليها القانون رقم 05.00 على الكتاتيب القرآنية، باستثناء مادتي 5و15.

وتبلغ مؤسسات التعليم الأولي- حسب الموسم الدراسي 2012- 2013م- ما يناهز 23.485 مؤسسة، بما فيها 9.992 مؤسسة حضرية، و13.493 مؤسسة في العالم القروي.ويلاحظ أن هناك تراجعا على مستوى البناء والإعداد والتجهيز مقارنة بالسنوات السابقة. ويدرس بها حوالي 685.307 متعلم، بما فيها 476. 286 في المجال الحضري، و209 .021 في العالم القروي. ويشكل التعليم الأولي التقليدي نسبة كبيرة بــ81.9% مقارنة بالتعليم الأولي العصري الذي يمثل 9.8%، والتعليم الأولي العمومي الذي يشكل نسبة 8.3 %.

وتبلغ نسبة الحجرات الدراسية في التعليم الأولي العمومي نسبة أقل (2.319) مقارنة بالتعليم الأولي العصري(9.324)، والتعليم الأولي التقليدي (24.922). وبطبيعة الحال، تتعلق هذه الأرقام بالمستوى الحضري.أما في البوادي، فنسبة التعليم العمومي هي 1.470. أما التعليم التقليدي، فنسبته هي 12.303، ونسبة التعليم العصري هي 239.

ويعني هذا أن التعليم الأول بالعمومي مازال دون التطلعات مقارنة بالتعليمين الأولين: العصري والتقليدي. وينطبق هذا الحكم على مستوى المربين، فهناك فقط 2.131 مرب في التعليم الأولي العمومي، منه 2.063إناث. أما في التعليم الأولي التقليدي، فهناك 25.382 مرب. وفي التعليم العصري، يوجد 10.590 في الوسط الحضري.أما في الوسط القروي، فالتعليم العمومي يمثل 1.332. أما التعليم التقليدي، فيمثل نسبة 12.243. أما التعليم العصري، فيمثل نسبة 210.

ويعني هذا كله أن التعليم التقليدي مازال مهيمنا بنسبة 66.6 في المائة، وبعده التعليم العصري بنسبة 27.8 في المائة، ثم التعليم العمومي بنسبة 5.6 في المائة.

علاوة على ذلك، فلقد سطر المخطط الاستعجالي مجموعة من الحلول الإجرائية المستعجلة للحد من المشاكل والعوائق التي يعاني منها التعليم الأولي، كان الهدف منها هو تطوير مفهوم جديد للتعليم الأولي، و تأهيل العرض التربوي القائم وتوسيعه لتحقيق إلزامية التعليم إلى غاية خمس عشرة (15) سنة. ومن هنا، تقول جريدة (الصباح) ملخصة الخطوط العريضة للمخطط الاستعجالي في ما يتعلق بالتعليم الأولي:" شكل البرنامج الأول ضمن مخططات البرنامج الاستعجالي فرصة لبلورة نموذج لتعليم أولي عصري وملائم للخصوصيات المغربية، حيث يهدف البرنامج استقطاب حوالي مليون تلميذ في التعليم الأولي في أفق 2012م، منها 100 ألف طفل على عاتق الوزارة. وأعلنت وزارة التربية الوطنية التزامها بإحداث 3.608 حجرة دراسية للتعليم الأولي في المدارس العمومية. وفي الأوساط القروية والحضرية الهامشية، مع ضمان التكوين الأساسي لأكثر من 3.600 مربية ومرب، وكذا تنظيم 390 ألف يوم تكوين مستمر لتأهيل المربين العاملين بسلك التعليم الأساسي على الصعيد الوطني. ووعدت الوزارة بتعزيز جهاز التفتيش لصالح التعليم الأولي عبر تعبئة 250 مفتش تربوي."[5]

بيد أن هذه الآمال والطموحات بعيدة عن التحقيق الفعلي ؛ إذ لم يستكمل المخطط الاستعجالي مقرراته بعد، ولم ُيفعل كل تدابيره الإجرائية.

ومن جهة أخرى، فلقد قدم المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي رؤية إستراتيجية للإصلاح التربوي ما بين2015و2030م. والهدف منه هو تأسيس مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء. وإن كان هذا التقرير، في الحقيقة، تطويرا وامتدادا وتمطيطا للميثاق الوطني للتربية والتكوين ؛ ذلك الميثاق الذي كان يدعو إلى تأسيس مدرسة النجاح الوطنية، بانتهاج بيداغوجيا الكفايات والإدماج.

ويستند هذا التقرير إلى تحقيق أربعة أهداف إستراتيجية كبرى هي:      

الهدف الأول: خلق مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص

يعني هذا الهدف أن تكون المدرسة المغربية مدرسة مساواة وعدالة وإنصاف بالمفهوم الحقوقي، بسن سياسة الإلزام، والسهر على تعميم التمدرس وإجباره على الأطفال المغاربة حتى السن السادس عشرة. ثم، الاهتمام أيضا بالتعليم في المناطق القروية وشبه الحضرية والمناطق ذات الخصاص، والاعتناء بذوي الحاجيات الخاصة ، ولاسيما المعوقين منهم الذين لهم الحق الكامل في التعلم والتكوين ، والاستفادة كذلك من بعض امتيازات الدولة الخاصة في مجال التربية والتعليم.

 وتسهر الدولة كذلك على دعم المؤسسات التعليمية وتجهزيها وتوفير الأطر اللازمة للقيام بمهمتها في الظروف الحسنة، وتجهيز تلك المؤسسات بالمستلزمات المادية والمالية والبشرية والتقنية الكافية.والهدف من ذلك كله هو خلق مدرسة ذات جدوى وجاذبية وجودة.وتقوم المدرسة الخصوصية بدور مهم في تحقيق ذلك الإنصاف الوطني، مع المساهمة، إلى جانب مؤسسات الدولة، في التكوين والتأطير والتعليم وفق قانون العدالة والمساواة والإنصاف.

الهدف الثاني: العمل من أجل بلوغ مدرسة الجودة للجميع

يتحقق هذا الهدف الأسمى بتحقيق الجودة الكمية والكيفية، وتجديد المحتويات الدراسية آنيا وظرفيا، بتحديث طرائقها البيداغوجية والديدكتيكية، وعصرنة وسائلها التعليمية، وتجديد مهن التدريس والتدبير والتكوين، وخلق هيكلة جديدة لمؤسسات التكوين والتعليم والتدبير والتأطير، وخلق الجسور الممكنة بين مختلف الأسلاك التعليمية، والبحث عن نموذج بيداغوجي قوامه الانفتاح، والتنوع، والابتكار، والنجاعة، والإبداع. فضلا عن ضرورة التمكن من اللغات العالمية، وتجويد تدريسها، والنهوض بالبحث العلمي والتقني والابتكار، وتطبيق الحكامة الجيدة في مجال التربية والتعليم.

الهدف الثالث: بناء مدرسة الارتقاء بالفرد والمجتمع

يتحقق هذا الهدف بتكييف التعليم مع سوق الشغل، وملاءمة التعلمات والتكوينات مع حاجيات البلاد، ومهن المستقبل، وتحقيق الاندماج المهني. فضلا عن ترسيخ ثقافة المواطنة والديمقراطية والمساواة، والسعي الجاد نحو بناء مجتمع ديمقراطي يتفاعل فيه الجميع بحرية، ويتفانى لخدمة الوطن. علاوة على تقوية الاندماج السوسيوثقافي، وتأمين التعلم مدى الحياة، والاهتمام بالتكوين المستمر والمتواصل، والانخراط في الاقتصاد الوطني والدولي ومجتمع المعرفة والمعلومات، والسعي الجاد من أجل أن يكون المغرب من الدول النامية والصاعدة .

الهدف الرابع: تحقيق الريادة الناجعة عبر التدبير الجديد للتغيير

يتجسد هذا الهدف بتعبئة مجتمعية مستدامة على جميع المستويات والأصعدة، مع تدبير المدرسة والمؤسسات التعليمية وفق طرائق جديدة لسياسة التدبير، والتنفيذ، والقيادة، والإشراف، والتتبع، والمواكبة، وتوزيع العمل، وتقويم المنتج التربوي والإداري بغية تحقيق الريادة الناجعة في مجال التربية والتعليم وطنيا ودوليا.

وبناء على ما سبق، يتضح لنا أن الرؤية الإستراتيجية للمجلس الأعلى للتعليم (2015- 2030م) قد أعطت أهمية كبرى للتعليم الأولي في البوادي والحواضر من أجل تطويره والعناية به وفق مدرسة الجودة والمساواة والإنصاف.

علاوة على ذلك، يعد خطاب جلالة الملك في شهر يوليوز 2018 بداية الإعلان عن ضرورة الاهتمام بالتعليم الأولي على جميع الأصعدة والمستويات.ويتمثل مضمون تلك الخطة الإصلاحية في"إعطاء دفعة قوية لبرامج دعم التمدرس، ومحاربة الهدر المدرسي، ابتداء من الدخول الدراسي المقبل، بما في ذلك برنامج "تيسير" للدعم المالي للتمدرس، والتعليم الأولي، والنقل المدرسي، والمطاعم المدرسية والداخليات. وكل ذلك من أجل التخفيف، من التكاليف التي تتحملها الأسر، ودعمها في سبيل مواصلة أبنائها للدراسة والتكوين".

ومن جهة أخرى، فلقد وجه محمد السادس رسالة سامية إلى المشاركين في (اليوم الوطني حول التعليم الأولي) الذي نظم يوم الأربعاء 18 يوليوز 2018م، تحت الرعاية الملكية السامية بالصخيرات.ولقد شددت هذه الرسالة على ضرورة إيلاء التعليم الأولي أهمية كبرى؛ لما له من إيجابيات في تحقيق التنمية المجتمعية الشاملة، وبناء المستقبل الوطني الزاهر. وفي هذا، يقول:"لا تخفى عليكم أهمية التعليم الأولي في إصلاح المنظومة التربوية، باعتباره القاعدة الصلبة التي ينبغي أن ينطلق منها أي إصلاح، بالنظر لما يخوله للأطفال من اكتساب مهارات وملكات نفسية ومعرفية، تمكنهم من الولوج السلس للدراسة، والنجاح في مسارهم التعليمي، وبالتالي التقليص من التكرار والهدر المدرسي.

كما أن هذا التعليم لا يكرس فقط حق الطفل في الحصول على تعليم جيد من منطلق تفعيل مبدأ تكافؤ الفرص، وإنما يؤكد مبدأ الاستثمار الأمثل للموارد البشرية، باعتباره ضرورة ملحة للرفع من أداء المدرسة المغربية.

وفي هذا الصدد، نثمن الرأي الصادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الذي يعتبر "التعليم الأولي أساس بناء المدرسة المغربية الجديدة، باعتباره مرجعا أساسيا لتعميم تعليم أولي ذي جودة".

ولرفع تحدي إصلاح المنظومة التربوية، فإن التعليم الأولي يجب أن يتميز بطابع الإلزامية بقوة القانون بالنسبة للدولة والأسرة، وبدمجه التدريجي ضمن سلك التعليم الإلزامي، في إطار هندسة تربوية متكاملة.

كما يتعين إخراج النصوص القانونية والتنظيمية المتعلقة بتأطير هذا التعليم، وفق رؤية حديثة، وفي انسجام تام مع الإصلاح الشامل الذي نسعى إليه، واعتماد نموذج بيداغوجي متجدد وخلاق، يأخذ بعين الاعتبار المكاسب الرائدة في مجال علوم التربية، والتجارب الناجحة في هذا المجال.

وفي نفس السياق، نلح على ضرورة بلورة إطار مرجعي وطني للتعليم الأولي، يشمل كل مكوناته، لاسيما منها المناهج ومعايير الجودة وتكوين المربين؛ بالإضافة إلى تقوية وتطوير نماذج التعليم الحالية، لتحسين جودة العرض التربوي بمختلف وحدات التعليم الأولي، في كل جهات المملكة.

إن إصلاح قطاع التربية والتكوين، وفي مقدمته التعليم الأولي، يكتسي أهمية كبيرة بالنسبة للأجيال القادمة. لأن أطفال اليوم، هم رجال الغد.

ولا يفوتنا هنا أن نشيد بالجهود المبذولة من طرف مختلف الشركاء في العملية التربوية، ولاسيما منظمات المجتمع المدني، داعين إلى اعتماد شراكات بناءة بين مختلف الفاعلين المعنيين بقطاع التربية والتكوين، ولاسيما في ما يتعلق بالتعليم الأولي.

كما نؤكد على الدور الجوهري للجماعات الترابيـة، بمختلف مستوياتها، في المساهمة في رفع هذا التحدي، اعتبارا لما أصبحت تتوفر عليه هذه الجماعات من صلاحيات، بفضل الجهوية المتقدمة، وذلك من خلال إعطاء الأولوية لتوفير المؤسسات التعليمية وتجهيزها وصيانتهـا، خاصة في المناطق القروية والنائية، لتقريب المدرسة من الأطفال في كل مناطق البلاد."

وعليه، إذا كان التعليم الأولى، منذ استقلال المغرب إلى سنوات الألفية الثالثة، اختيارا تربويا ثانويا، تتكلف به المؤسسات الخاصة العتيقة والعصرية، فلقد أصبح، الآن، رهانا إستراتيجيا تتكلف به الدولة قانونيا ومؤسساتيا إلى جانب القطاع الخاص.لذا، أدمج هذا التعليم ضمن مراحل التعليم الابتدائي بشكل رسمي، وأصبح التعليم الابتدائي ثماني سنوات، وثلاثة أسلاك.

3 - ما السبيل إلى إنجاح هذا الورش ، وجعل التعليم الأولي بالفعل قاطرة التعليم، تعيد الجودة إلى منظومة التعليم ككل؟ 

- يمكن اقتراح مجموعة من الحلول والتوصيات من أجل النهوض بورش التعليم الأولي، وجعله قاطرة التنمية المجتمعية الشاملة ، ونجمل تلك الحلول الإصلاحية فيما يلي:

- نشر التعليم الأولي، وتعميمه في الحواضر والبوادي والقرى؛

- تحسين جودة خدماته في أقرب الآجال؛

- رسم إستراتيجية واضحة المعالم في هذا المجال تخطيطا، وتنظيما، وتدبيرا، وتتبعا؛

- المشاركة الجماعية لتجاوز الوضعية الراهنة للتعليم الأولي؛

- تمثل المقاربة التشاركية في حل مشاكل التعليم الأولي؛

- بناء مؤسسات خاصة بالتعليم الأولي؛

- توفير الإمكانيات المادية والمالية والبشرية لتدبير هذا التعليم كما وكيفا؛

- تجويد التعلمات البيداغوجية والديدكتيكية؛

- تطبيق نتائج علوم التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع فيما يتعلق بخصوصيات الطفولة المبكرة؛

- مساعدة المتعلم على بناء شخصيته المستقلة، وتشجيعه على التعلم الذاتي والاكتشاف؛

- تطبيق البيداغوجيات المعاصرة (بيداغوجيا الأهداف، والكفايات، وبيداغوجيا الذكاءات المتعددة، والبيداغوجيا الإبداعية، وبيداغوجيا الملكات، و مدرسة المستقبل...)؛

- تطبيق آليات التنشيط التربوي والدراما التعليمية من أجل خلق متعلم سليم ومبدع ومبتكر؛

- إيلاء أهمية قصوى للإعلاميات والصورة البصرية والأيقونية لكي يعبر الطفل عن ذاته الطفولية البريئة، وينفتح على جميع العوالم الممكنة؛

- خلق شراكات داخلية وخارجية من أجل تطوير التعليم الأولي، والارتقاء بخدماته التربوية والديدكتيكية؛

- الاهتمام بالتعليم الأولي العتيق بتشخيص واقعه الراهن، وتطوير آفاقه البيداغوجية والديدكتيكية.

 

حاورته: هجر المغلي

..........................

[1] - وزارة التربية الوطنية: الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1999م، ص:32.

[2] - وزارة التربية الوطنية: الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ص:32.

[3] - مجلس النواب: نفسه، المادة 5.

[4] - مجلس النواب: نفسه، المادة 16.

[5] - انظر: جريدة الصباح، الملحق التربوي، المغرب، عدد:2851، الأربعاء 10- 06- 2009م.

 

راضي المترفيوحماسة تطرأ على قراءة المذيع

 (عبد الامير) اسم ذو جرس مختلف وسر غامض وكل من حملوا هذا الاسم بزوا اقرانهم في اي مجال تواجدوا فيه فهذا الشاعر المتصعلك (عبد الامير الحصيري) الذي قال: انا امير الشعراء من القطب الى القطب وبدل من ان يحمل الخمرة سبب قتله حمل شاعرة اخرى وقال معترفا (قتلتني كما قتلت السياب من قبلي واقسم لجهنم متفاخرا:

قسم بنارك ماحييت فأنني

سابقى لخمور احقر حانة قسيس

وعبد الامير الاخر كان دبلوماسيا بز اقرانه وقاد مفاوضات العراق مع الامم المتحدة ابان فترة الحصار ونجح في ارساء قواعد برنامج (النفط مقابل الغذاء) من اجل الفقراء حتى تضرر منه تجار الحصار وضجوا بـ(يا انباري كافي بواري) ووو .. وهم كثر على كل حال ومتميزين حتما ونحن اليوم في محطة (عبد امير) لايختلف عن شركائه في الاسم فهو شاعر ومذيع واذاعي ولغوي ووسيم امتطى صهوة الشعر ومايكرفون الاذاعة وسنام اللغة . نحاوره بخشونة متعمدة ونسمعه بود .. نستفزه حينا ونهادنه اخر ونترك له المجال ليضع النقاط على الحروف في مسيرة طالت بين اروقة الاذاعة وقاعات الدرس ودروب الحياة .. انه الشاعر والمذيع عبد الامير البياتي ..

 

من اين اقص اثرك؟

- من اية حقبة تشاء من عملي محررا في تلفزيون البصرة ام من كوني شاعرا وكاتبا صحفيا ام من كوني مذيعا في اذاعة جمهورية العراق ام من انتمائي للحزب الشيوعي عام ١٩٧٤ ام من عملي في التدريس بالتزامن مع عملي الاذاعي

 

بعد ما قاربت الاربعين طرقت باب الاذاعة.. اهي صدفة ام ماذا؟

- طرقي لباب الاذاعة ليس مصادفة فلقد كنت من المتابعين لمذيعي الامس بشكل جنوني منذ الدراسة المتوسطة وعندما دخلت جامعة البصرة كلية الاداب قسم اللغة العربية بعد سنتين عملت محررا في تلفزيون البصرة الذي كان بثه محليا وبعد عودتي من البصرة الى بغداد عملت محررا للاخبار في تلفزيون العراق ثم تقدمت للاختبار مذيعا فقبلت ونسبت الى اذاعة جمهورية العراق حينها كان شغفي للعمل مذيعا هو ما دفعني لذلك لقد كنت اكتب الشعر مذ كنت طالبا في الاعدادية ومارست ذلك بكثرة في دراستي الجامعية وحصلت عام ٧٥ على الجائزة الاولى بمجال الشعر في مسابقة اقامتها كلية الاداب في جامعة البصرة حينها حيث كنت اجيد اللغة العربية التي كانت سببا ايضا بدخولي مجال الاعلام مذبعا تحديدا

 

ايهما امتطى من فيك الشاعر أم المذيع؟

- المذيع وليس الشاعر فاهتمامي بعملي الاذاعي كان اكبر من اهتمامي بالشعر عشقت الاذاعة من بدء سماعي لها وما زلت اهوى الميكرفون واعشقه وبعد ان مارست العمل الاذاعي كان يملؤني الزهو والفخر كوني حققت امنية كانت نراودني منذ صباي

 

هل تذكر ما قال لك المذيع غازي فيصل بعد الاختبار؟

- لقد اختبرني استاذي الكبير غازي فيصل بالثقافة العامة وسالني حينها عن الدولة العراقية والملك فيصل الاول وطلب ان اذكر له ثلاثة وزراء من العهد الملكي ثم طلب مني قراء بعض الاخبار ووجه لي اسئلة في قواعد اللغة العربية فانتقلت الى المرحلة الاخرى وبعد خمسة اختبارات قبلت مع ٥ من زملائي مذيعين في الاذاعة

 

هل نجحت كشاعر وماهو الدليل؟

- كشاعر لم انجح على المستوى العالي لقلة ما اكتب وقلة النشر لكنني شاركت في مهرجانات محلية كثيرة ولم يكن الشعر الا هواية ولم يمن هدفي الاول

 

لازلت وسيما لكن لماذا لم تأخذ الفرصة الكاملة على الشاشة الفضية مثل بعض المذيعين؟

- لم يكن العمل التلفزيوني يستهويني بقدر ما يستهويني العمل خلف المايكرفون الاذاعي ومع ذلك عملت مذيعا للاخبار في قناة العراقية عام ٢٠٠٤ بالمصادفة حينما لم يكن احد من المذيعين موجودا فطلب مني قبل عشرة دقائق من موعد موجز الاخبار حينها كنت مذيعا خافرا في الاذاعة واحدهم منحني قميصا والاخر رباطا والاخر جاكيتا فظهرت وقرات موجز اخبار السابعة صباحا وكان مدير عام شبكة الاعلام حينها الاستاذ جلال الماشطة اتصل بي وطلب مني الاستمرار بالعمل التلفزيوني وفعلا عملت معهم لفترة ثم عدت الى عملي الاذاعي بناء على طلب مني

 

ايهما كان تهمة تلازمك في العهد الماضي .. ميلك السياسي او انحدارك من العمارة؟

- لم اتعرض الى شئ في ذلك الوقت والحق يقال ان لا احد في دائرة الاذاعة والتلفزيون سالني عن انتمائي السياسي او عن انحداري من اية محافظة كنت انهي عملي واعود الى البيت واوصل عملي في اليوم التالي الذي كان متزامنا مع عملي مدرسا للغة العربية

 

 لماذا كانت وطأة اسمك ثقيلة عليك فبترته .. اهو التوق للحرية اهو الهروب من تبعة طائفية؟

- لم اكن اود ان اكون عبدا لامير او ملك او رئيس وهذا ما دفعني الى تقديم طلب رسمي لتغيير اسمي الى امير عام ١٩٩٣ ولكن حينها عرقلت العملية من قبل مركز شرطة الرشاد بل وتم توقيفي ولم اخرج الا بعد كفالة رسمية وثق انني لحد اللحظة لم اعرف سبب ذلك التوقيف اطلاقا

 

هل تؤمن بنظام التوريث؟ ومن اتى بسلا وعلا للاذاعة طموحهم وكفائتهم او انت؟

- لا طبعا لا اؤمن اطلاقا بنظام التوريث لكن الموهبة هي من قادت بناتي سلا وعلا للعمل في الاذاعة والتلفزيون ف سلا عملت مذيعة للاخبار الياضية في قناة البغدادية ومقدمة للبرامج في قناة هنا بغداد وسكرتير تحرير اخبار ومديرة اخبار في قناة الانبار وحاليا رئيس تحرير اخبار في قناة العراقية اما علا فهي مقدمة برامج اذاعية في راديو العراقية وابني الاكبر انس يعمل مصورا في قناة العراقية الرياصية

 

مالذي دفعك للعمل بالاكاديمية الامريكية وهي اشبه بمنظمة مجتمع مدني تديرها مغتربة عراقية .. الفراغ او رغبة بشهادة دكتوراه فخرية او وسيلة لجمع المال؟

- ما دفعني للعمل في الاكاديمية الاميريكية اون لاين كان بسبب دعوة من السيدة عشتار انو سومر رئيسة الاكاديمية وبعد اطلاعي وجدت اسماء عراقية وعربية كبيرة منضوية تحت لواء الاماديمية فوافقت ونصبت مديرا لقسم الاعلام والصحافة العراقية

 

مر في حياة الاذاعة مذيعون كبار مثل قاسم نعمان السعدي ومحمد علي كريم وحافظ القباني وسعاد الهرمزي وغيرهم .. هل لك ذكريات مع بعضهم وبمن تأثرت منهم؟

- انا تاثرت كثيرا بالمذيع المرحوم بهجت عبد الواحد الذي كان يطلق عليه المذيع الذي لا يخطئ لكنني عملت مع امل قباني سهام مصطفى وهدى رمضان ونضال سالم وهالة عبد القاجر وسميرة جياد وكريمة علي وغازي فيصل وجنان فتوحي وموفق السامرائي والمرحوم موفق العاني ونجم عبدالله وكمال جبر ووارد بركات وسلام زيدان وطالب سعد والمرحوم روحي احمد والمرحوم سامي مرتضى وغيرهم الكثير اضافة الى مجموعة من الشباب

 

 هل اللغة سلاح او قيد في عمل المذيع؟

- اللغة سلاح مهم جدا من اسلحة مذيعي الاخبار وبدونه لا يعد المذيع مذيعا اضافة الى الصوت والاداء، والشخصية والحضور والثقافة العامة

 

هل حلمت بقراءة البيان رقم واحد ولماذا؟

- لقراءة البيانات وخاصة ما يطلق عليه البيان رقم (١) لذة في الاداء الاخباري بسبب الحماسة التي تطرا على قراءة المذيع ومدى تاثير البيان غلى المتلقين. طبعا كنت احلم بقراءة بيانات كهذه

 

كيف تتعامل مع خبر تشك بصدقه ولاتظن باهميته؟

- المذيع يقرا ما يخرج من غرفة الاخبار و يحق له النقاش مع اسرة التحرير حول بعض الاخبار . لكن احيانا الاخبار التي نشك باهميتها او صدقها لا تتعامل معها قراءة بروحية عالية ربما الدافع النفسي هو ما يدفع الى ذلك

 

ماهي مساحة الحرية المسموحة للمذيع وهو يقرأ نشرة الاخبار؟

- مسالة الحرية تعتمد على السياسة المركزية للدولة او سياسة المؤسسة التي تعمل فيها حيث كان المذيع سابقا يحاسب على طريقة جلوسه او حركة يديه او ما يبديه من اجتهادات في القراءة اما اليوم فلا احترام للمشاهد من قبل المذيعين لا من حيث جلسة المذيع ولا من حيث الاهتمام بالوقت والزمن وكيفية قراءة الخبر بما يتناسب والجو العام او الوضع النفسي للمشاهدين بعنى على المذيع ان يتصور حال المشاهد ليحدد طريقة ادائه الخبر بين جو حار او بارد او وقت الصباح او الظهيرة صيفا او وقت المساء لكي يستطيع المذيع قراءة الخبر بالطريقة التي تلائم وضع المشاهد او المستمع كي يصل الخبر مفهوما اليه

 

خطأ لغوي اوقعك في مأزق؟

- ما من خطا لغوي اوقعني في مازق بسبب دراستي للغة العربية اكاديميا بل كنت اصحح الاخطاء وانا في الجو سواء في عملي الاذاعي او التلفزيوني

 

اعلى تقدير او تكريم حصلت عليه؟

- اعلى تكريم محلي حصلت عليه هو تكريمي ضمن افضل ١٠ اعلاميين في العراق من قبل الامانة العامة لمحلس الوزراء عام ٢٠١٧ اما اعلى تكريم عربي حصلت عليه فهو الحصول على جائزة التميز الاعلامي على مستوى الوطن العربي عن البرنامج الذي قمت باعداده وهو برنامج قلب العرب في مسابقة اقامتها الجامعة العربية في مصر عام ٢٠١٧ بمقرها بحضور وزراء الاعلام العرب

 

 ماذا يعني للمذيع صوته؟

- الصوت مهم جدا لعمل المذيع وخاصة المذيع الاذاعي فحلاوة الاذاعة بحلاوة اصوات مذيعيها والدليل تلك النخبة الرائعة الكبيرة من المذيعين الذين تميزوا باصواتهم وادائهم على مر عمر الاذاعة

 

يقال انك تزوجت امرأتين بعيدتين عن الشعر والاثير؟

- ههههه انا لم اتزوج الا واحدة كانت رفيقة دربي انجبت لي ارقى الابناء وهم انس واوس والبنات سلا وعلا

 

اخبرني هل كنت مذيعا ناجحا او محظوظا؟

- النجاح من عدمه يحدده الجمهور ولا احب ان اطلق على نفسي ما ليس لي حق فيه

اما عن كوني محظوظا فانا محظوظ لعملي مع ارقى المذيعين وافضلهم .

 

حاوره راضي المترفي

 

536 عزالدين عناية

- في كتابك "العقل الإسلامي: عوائق التحرر وتحديات الانبعاث" نبّهت إلى ضرورة فهم عميق للدين في المجتمعات العربية التي يتصارع عليها قطبان متضادان (الإسلام السلطوي والإسلام الأصولي).. ضمن هذا التجاذب.. هل يمكن التعويل على الاجتهاد الفردي والجماعي للوصول إلى فكر ديني حقيقي ينهض بالمجتمع وينأى بنفسه عن التوظيف السياسي؟

- الوصول إلى فكر ديني موضوعي يعني الوصول إلى تمثّل عقلي للدين، متخلّص من اللامعقول والأسطرة والأدلجة، وبلوغ رؤية متزنة في علاقة النص بالواقع. ولن يتأتى هذا سوى بوعي سوسيولوجي عميق بمسار تشكّل الفكر الديني لدينا. أما مسألة التوظيف السياسي للدين، فلا مراء أن الإسلام بطبعه هو دين سياسي، منذ إرساء دولة المدينة وإلى الراهن. ولا سبيل للخروج من إشكالية علاقة الديني بالسياسي في بلاد العرب إلا بتحرير السوق الدينية ونزع الاحتكار والمونوبولات في هذا الحقل أي كان مأتاها.

أما بشأن الاجتهاد فالعملية ليست ميكانيكية، بل هي نضجٌ معرفي داخل التاريخ، لم يتهيأ للعرب بلوغها بفعل الرهان التعليمي القائم على الشكلانية. فهل لدينا أنثروبولوجيا عربية أو علم اجتماع عربي أو فلسفة عربية، أو دراسات دينية علمية، أو ما شابه ذلك؟ كلاّ، لدينا مسخٌ من كل شيء. ينبغي أن نعيدَ الدين إلى الناس حتى نبني معرفة صائبة، لقد عشنا ونعيش معركة الاستحواذ على الدين من قِبل الحكام والأحزاب، مع ذلك فهو كالفرس الجموح من يمتطي ظهره سرعان ما تتكشّف عورته، أكان جهازا أو حزبا أو مؤسسة. ثمة توظيف للدين مفزع من عديد الأطراف المتصارعة في المجتمعات العربية، لا يتكلّم أي منها بلسان رشيد.

- ما ظلت تعانيه المجتمعات العربية هو تأويل النص الديني وفق ما يخدم السياسة. أي نظام الحكم، وتكريس فكرة الأصولية كنهج أكثر منه حالة. أصبح البخاري وابن تيمية يضاهيان القرآن لدى البعض من حيث القداسة واللامساس. كيف استفحلت هذه الكارثة لتصبح ما نراه اليوم؟

- الدين في المجتمعات العربية المعاصرة هو إيديولوجيا، ولا يقدر أي نظام أن يتغافل عن توظيفه، ومن ثَمّ ليس هناك أنظمة مدنية أو علمانية، هناك أنظمة متفاوتة في درجة التدين. ويبدو بناء علاقة صائبة ومتّزنة هو أمرٌ في حاجة إلى تفكيك مستجدّ لمعارفنا وتركيبها ثانية، وحريّ أن يطال ذلك قطاعات على صلة بالتراث، مثل الفقه وعلوم القرآن وعلوم الحديث والسيرة وعلم الكلام وغيره. نحن نعيش اغتراب العقل ومصادرته، في الجامعة وخارجها، ومن هذا الباب استفحلت الظاهرة، حتى بات الفارق بين خطاب الأكاديمي وخطاب الداعية ضئيلا.

- دعني أسألك صراحة: برأيك ما الذي يدفع سيدة متعلمة إلى تفجير نفسها في وسط حشد من الناس كما حدث في تونس مؤخرا! أين الخلل في الفكر المجتمعي وحتى الديني المقدم جاهزاً لتحويل كائن ما من إنسان إلى إرهابي؟

- إنّ إتيان العنف على هذا النحو هو ناجمٌ عن انفصام في الشخصية، وهو حالة مَرَضية متطورة ذات طابع ديني سيكولوجي مدفوعة بغواية عنف ثوري مغشوش يعيشه كثيرون نتيجة هزال التكوين الثقافي. حيث تتطلع المرأة في هذه الحالة بشكل مهووس للتساوي مع الذّكَر حتى في آثامه. وبالفعل ذلك ما عاشته إيطاليا سابقا مع تنظيمات "الألوية الحمراء" و"الصفّ الأول" و"النواتاة الثورية المسلحة"، فقد كان انخراط نساء في تلك التنظيمات لحاقًا بِوهْم، تطلعت فيه "الثوريات" إلى تشييد المجتمع الطوباوي لتعانق أفقا من التهويمات يجرّ إلى قعر الردى.

بخلاصة يبدو العنف النسوي هدرا لرأسمال اللاعنف الذي بحوزة المرأة، وكلما تآكلت تلك الثروة إلا ودخلت المرأة في حالة من اللاتوازن المريع يتطلب علاجا بنيويا مركّبا. فلا بد من فهم الأمور بعمق، أن الناس في المشرق العربي أو في مغربه يعانون خواء معرفيا بدينهم ودنياهم ولَّد عتمة في أذهانهم، فهناك جيلٌ تائهٌ أرهقته آثام الدكتاتوريات.

- الحرب مع الإرهاب هي حرب فكرية وثقافية بالدرجة الأولى.. هل ترى بأن توتر الرؤى بين الأديان الإبراهيمية ساهم بانتعاش هذه الظاهرة الخطيرة وتحولها إلى آفة كونية؟

- على مستوى واقعي الأديان الإبراهيمية في الراهن هي الأكثر تباعدا فيما بينها. إذ تعني كلمة يهودي بالنسبة إلى البعض الشيطان، وتعني كلمة مسلم المصيبة، وتعني كلمة مسيحي الخنزير، فهل ضمن هذا المنطق يمكن الحديث عن مِلّة إبراهيمية؟ كلاّ، نحن نعيش مرحلة تفجر الإرث الإبراهيمي. كنت قد أفضت في الحديث في كتاب "الأديان الإبراهيمية.. قضايا الراهن" عن هذه المسألة لما لخّصت الأمر بأن ما نشهده من إيلاف في الراهن داخل المجتمعات، يأتي بفعل الإطار التشريعي للدولة المدنية الحديثة لا بموجب تحريض تلك الأديان. رغم ما يلوح جليا من قواسم مشتركة، ومن تقارب عقائدي بينها. وبالتالي يبقى التحدي يواجه الجميع، وهو كيف تعيش تلك الأديان شراكة الأوطان؟ ومن المفارقات الكبرى في عصرنا، أن الدين المستضعَف المهاجر –نقصد الإسلام الأوروبي- بات يستجير بالعلمانية وبالدولة المدنية طلبا للمقام الآمن، ولا يجد ذلك المأمن وتلك النُّصرة عند رفيقه في رحلة الإيمان، فهو ليس في استضافة الكاثوليكية "التقليدية" ولا البروتستانتية "التقدمية"، ولكن هو في كنف العلمانية.

- التنظير لفلسفة التقارب بين الأديان لا تسير على نهج موحد في المنظور الإسلامي والمنظور الكاثوليكي.. في ظل هذا الواقع: ما الدور الذي يمكن أن يلعبه دُعاة الحوار للانفتاح على الآخر في إطار التحديات التي يواجهونها والتي تحدثت عنها بوضوح في كتابك الهام (الأديان الإبراهيمية)؟

- ثمة فروق جمّة بين الكاثوليكية والإسلام اليوم من حيث القدرات المعرفية. فلازال الآخر بالنسبة إلى جامعاتنا هو الضال والباغي والمنحرف، وهذه عقلية تمنعنا عن فهم العالم والتعايش معه. ولكن بشكل عام الحوار والتقارب بين الأديان، سيما في نسخته الغربية، هو استراتيجية هيمنة تبدو القدرات العربية فيه ضحلة، إسلامية كانت أم مسيحية. ولعل أكثر ما تُهدّد تلك الهيمنةُ المسيحيةَ العربيةَ، بموجب ما لحقها من فتور وتفسّخ، لتجد نفسها تجابه كنائس غربية عابرة للقارات، غدت بارعة في التحكم باقتصاد المقدّس على نطاق عالمي.

- ما نلاحظه أن العالم الغربي مازال يجهلنا ثقافياً بالرغم من وفرة مؤتمرات (الحوار بين الأديان) و(حوار الحضارات) .. فهل يمكن الرهان على سلطة المعرفة لتلافي هذه الفجوة الخطيرة؟ وما دور الترجمة لتحقيق التفاعل الإيجابي على هذا الصعيد؟

- سيظلّ الغرب يجهلنا ما دمنا لم نحقق مناعة وجودية لأنفسنا، فالغرب لا يبالي بالهامش، ونحن على هامش هذا العالم ثقافيا مهْما أوهَمونا بجوائز نوبل أو ما شابهها. الغرب يركّز نظره في الأقوياء، فلا تعنيه ثقافيا تونس ولا الجزائر ولا العراق ولا مصر فنحن في منظوره ننتِجُ هذيانًا معرفيا ولغوًا كلاميا غير جديرين بالإصغاء، ولذلك هو لا يترجم لنا إلا النزر القليل وأحيانا مدفوع الأجر مسبقا.

- (اعرف عدوك) مقولة تاريخية موضوعية تعكس أهمية الاطلاع على ثقافة العدو لتشخيص نقاط الضعف والقوة لديه ومن ثم التهيؤ له.. في هذا الإطار وربطاً بما قدمته في بحثك الهام (الاستهواد العربي في مقاربة التراث العبري) أود أن أعرف رأيك: إلى أي درجة استفاد العرب من هذه الرؤية منذ تأسيس (إسرائيل) وحتى اليوم؟!

- كتاب "الاستهواد العربي" هو تعرية جريئة للفكر العربي في موضوع اليهودية. فعلى مدى قرن أو يزيد نلهج باسم إسرائيل مع ذلك لم نعرف فحوى التلمود، ناهيك عن المدونات الأخرى التي تستلهم منها إسرائيل وجودها السياسي والمعرفي. تعلّمنا شيئا وحيدا أن هناك فرْقا بين الصهيونية واليهودية. وأنا أتساءل هل ثمة صهيونية بدون يهودية؟ وهل لمقولات آباء الصهيونية مثل تيودور هرتزل وصامويل موهلافر ويعقوب رانز وأبراهام إسحاق هاكوهين كوك وشاؤول يسرائيلي وموسى حرْلَب معنى بدون التراث العبري. ما أنصح به الدارسين العرب الجدد الذين يزمعون دراسة اليهودية المعاصرة أن ينسوا هذا التقسيم المضلّل وألاّ يضيعوا وقتا كثيرا في ما كتبه العرب المحدثون حول اليهودية. لدينا انحرافات كبرى في منهج دراسة اليهودية يضيق المجال عن ذكرها، كان قد أشار إليها الراحل نزار قباني بلباقة عالية:

أمارس التشخيص خلف حضرة الإمام

يقول: اللهم امحق دولة اليهود

أقول: اللهم امحق دولة اليهود

يقول: اللهم شتت شملهم

أقول: اللهم شتت شملهم

يقول: اللهم اقطع نسلهم

أقول: اللهم اقطع نسلهم

يقول: اغرق حرثهم وزرعهم

أقول: أغرق حرثهم وزرعهم

وهكذا يا سادتي الكرام

قضيت عشرين سنة..

أعيش في حضيرة الأغنام

أعلف كالأغنام

أنام كالأغنام

أبول كالأغنام

أدور كالحبة في مسبحة الإمام.

- 'كما تعلم' المنهج العلمي في دراسة الأديان غائب في بلادنا تقريباً.. قل لي كباحث عربي متخصص في الأديان ومقيم في المجتمع الإيطالي منذ فترة طويلة: ما الإفادة الثقافية والحضارية التي يمكن تحقيقها لشعوبنا من خلال ترسيخ هذا العلم إزاء ما آلت إليه الأوضاع في المنطقة العربية بعد صعود الإرهاب والتطرف والتكفير؟

- يهدف المنهج العلمي إلى دراسة الظواهر الدينية من زاوية خارجية. ونرجع تراجع هذا التمشي ضمن سياق الثقافة العربية إلى عدم توفر الشروط التاريخية المعرفية لذلك، وبقاء تفسير الأمور في حدود ما هو غيبي وباطني. إذ بافتقاد الشروط التاريخية المعرفية يتعذّر على الإنسان المتديّن إعادة قراءة تجربته، ومراجعة نسق مفاهيمه، ما أبقى العربي والمسلم عامة في مستوى استهلاك الاعتقاد وقصوره عن بلوغ مراتب تَبَيّن أصول الاعتقاد، وهو ما يتطلّب تجاوز حاجيات الغريزة إلى طرح تساؤلات الثقافة. ولا تزال المعالجة للدين والكائن المتديّن مطروحة على الوجه الأغلب ضمن رؤية إيمانية، مع إسهامات علمية خاطفة، ولا يمكن الحديث حتى الراهن الحالي عن خط منهجي تاريخي أو مقارني أو سوسيولوجي. فالمبادرات فردية ومحدودة ولا تَرِد ضمن تراكم علمي في دراسة الظواهر الدينية. وأبرز مظاهر هذا الوهن ما يطفو من خلط في المصطلحات المتعلقة بدراسات الأديان والدراسات اللاهوتية بين كثيرين، مثل عدم التفريق بين علم اللاهوت وعلم الأديان، وتاريخ الأديان ومقارنة الأديان وعلم اجتماع الأديان، ولعل خير مثال على هذه الضحالة المعرفية التي نعيشها في هذا المجال كتاب العراقي خزعل الماجدي المعنون بـ"علم الأديان" الصادر بالمغرب سنة 2016، وهو أقرب إلى "كشكول للأديان".

منهج علم الأديان باختصار هو منهج موضوعيّ يهدف إلى الوعي بظواهر المقدس وهو منهج يتميز عن المنهج اللاّهوتي من الناحية النوعية والكمية، فهذا الشكل الأخير (علم اللاهوت) يجيب عن سؤال: ما الواجب علينا الإيمان به؟ ولماذا ينبغي علينا الإيمان بذلك؟ في حين يهتمّ علم الأديان بكلّ ما هو معتقَد من قِبل البشر بقصد إرساء وعي موضوعي.

وبإيجاز مشاكل العالم العربي هي أكبر من قدرات أي علم من العلوم، ولكن الوعي العلمي بالظواهر الدينية يمكن أن يسهم في حلّها.

 

حاورته: باسمة حامد