1192 أولغاملخص الحوار باللغة العربية

تكتب أولغا زلبيربورغ  Olga Zilberbourg القصة القصيرة والمقالة (الترافالوغ) وتعمل الآن على أولى رواياتها. وكما تقول ستضع فيها خبراتها عن تربية الأطفال والأمومة والعلاقة الشائكة بين البيئة والطفل. ويمكن أن تفهم أنها تحمل بصمات آن إينرايت في كتابها (إنجاب الأولاد)، وأليف شافاق في كتابها (حليب أسود). ولكن هذا لا يعني أنها دون ذاكرة وطنية. فقصص مجموعاتها تعكس القلق الوجودي الذي مر به جيلها، و لا سيما في مرحلة الانتقال من الاتحاد السوفياتي إلى روسيا الاتحادية. وألم البحث عن ملجأ أو منفى أو في عالم مشحون ضد التجربة الروسية. ولذلك إن قصصها لا تخلو من مشكلة الحرب الباردة وعيوب البيروسترويكا وقضية البحث عن هوية أدبية واجتماعية.  ولدت أولغا في سان بطرسبورغ (ليننغراد) في أيام الدولة السوفييتية. ثم غادرت إلى الولايات المتحدة للدراسة. واختارت أن تقيم فيها. وهي حاليا تعيش في سان فرانسيسكو مع زوجها وابنها بوريس وابنتها زينة. وتعمل  محررة مستشارة في مجلة (ناراتيف) الأمريكية، ومعاونة مدير لورشة أدباء سان فرانسيسكو. عن  كل هذه المسائل كان لنا معها الحوار السريع التالي.

 

* كيف هو حال المشهد الأدبي في روسيا الاتحادية الآن؟.

-   دخل الفضاء ناشرون جدد، وأصوات جديدة كثيرة. وهناك دور صغيرة تتابع دورها في اكتشاف كل شيء جديد، ولا سيما ما لم يكن موجودا في الاتحاد السوفييتي السابق.

 

* من هو أكثر معاصرة وتأثيرا بالمشهد المعاصر.. باختين أم برديائيف؟.. تولستوي أم دستويفسكي؟. وهل غوركي خارج التاريخ أم أنه موجود في روح الأجيال الجديدة؟.

- سؤال تحريضي. باختين طبعا. وتحليله للديالوج والكرنفالات لا ينضب. ولا أعتقد أن دستويفسكي أو تولستوي لهما نفس الرصيد في الحياة الراهنة. إنهما من الماضي ولهما دور في تربية الناشئة. لكن بوشكين هو الكاتب الخالد الذي لا يموت في ضمير الأجيال. وقصصه تعجبني وأعود لها دائما. أما غوركي فهو حي فعلا. ولا يزال له وزن. وأي تحليل معاصر لكتاباته يؤكد وجوده على المسرح السياسي أو سياسة الأدب.

 

* من هو أهم كاتب روسي في العصر الراهن برأيك؟.

- بلا تردد أقول سفيتلانا أليكسييفيتش، ليودميلا بيتروشيفكايا، لينور غوراليك، غوزيل ياخينا، أليشا غانييفا وآخرون.

 

* وماذا عن فلاديمير شاروف المترجم إلى الإنكليزية والعربية.  والذي حصد عدة جوائز؟..

- أتساءل كيف تأثرت به. طبعا  أنا أسمع عنه، ولكن تأملاته الدينية لا تصلني. فهو كاتب متدين. أترك مهمة الكلام عنه لك.

 

* كيف تنظرين لكتابات سولجنتسين ونابوكوف. هل تعتقدين أنهما قدما أبعادا جديدة للأدب الروسي. أم أن آخرين لعبوا هذا الدور ولكن عاشوا في منفى مزدوج، خارج المكان وفي الظل؟. هل لديك أسماء ومبررات؟..

-  نابوكوف، في عصره، وبرودسكي وسولجنتسين في فترتهما، لعبوا دورا كبيرا، لنقل: ضد النظام التوتاليتاري، وهو السبب الذي ألقى بهم في المنفى. ولكن أنا نشأت في عصر مختلف، وسافرت استجابة لنداء وضغط آخر. ولذلك لست مبتورة عن روسيا ولا توجد عندي أسباب للحقد. وفي هذه الآونة، أنا مهتمة بحكايات اليهود الروس الذين استقروا في أمريكا. على سبيل المثال، اكتشفت مؤخرا أعمال أنزيا يزيرسكا، والتي حققت شعبية واسعة بكتاباتها عن الغيتو اليهودي في مدينة نيويورك في فترة العشرينيات. وكتابها “سالومي في الوصايا” تحول إلى فلم صامت.

 

* كيف ينظر الأمريكيون للأدب الروسي. ومن هو الأهم برأيهم.. التقليديون أو المعاصرون؟. 

- لسوء الحظ، معظم الأمريكيين الذين لا يجيدون الروسية يعترفون بأسماء قليلة من جسم الأدب الناطق بالروسية. وأقول “لسوء الحظ” لأن هؤلاء الكتاب، رغم أهميتهم، يقدمون رؤية مختزلة عن الأدب الروسي. ولكن من حسن الحظ، أنه يوجد حلقة قوية من المترجمين الذين ينقلون من الروسية إلى الإنكليزية.

 

* ما هي الكتب التي نشرت لك بالروسية والإنكليزية. وأين تضعين نفسك: في المشهد الروسي أم الأمريكي. بكلمات أخرى لمن تنتمين، لماذا؟؟..

- للتو نشرت مجموعتي “مثل الماء وقصص أخرى” وصدرت عن دار “وتاو” في كاليفورنيا. وكتابي السابق “الأرض المستسلمة Khlop-strana "صدر في موسكو عام 2016 عن دار نشر فريميا. وسبقت ذلك مجموعتان من القصص ونشرتهما مطابع مستقلة في سانت بطرسبورغ. ولكنني أكتب غالبا بالإنكليزية وأتعاون مع مترجمين لنقلها إلى الروسية. وأحيانا، أكتب القصص بالروسية أيضا. وأنا مغرمة بالتفكير بسؤال أو مشكلة الانتماء والهوية -- الجواب ليس سهلا ولا مباشرا. إنما ككاتبة أجد نفسي في البيئة التي أعيش فيها في سان فرانسيسكو-- ولا زلت أكتشف أصواتا جديدة هنا.

 

* هل لديك تعليق حول الأدب الأمريكي ما دمت تختارين الحياة في سان فرانسيسكو والكتابة عنها؟.

- جوالكتابة في سان فرانسيسكو كوزموبوليتاني بمعنى أنه مختلف تماما عن نيويورك. وأقرأ حاليا كتابا قريبا من قلبي من تأليف ليليان هوين وعنوانه “مشترو السحر”، تدور الأحداث في تاهيتي وتروي قصة شاب من جماعة هاكا الصينية في تاهيتي والذي يغرم بابنة عمه. وفي سان فرانسيسكو دار للنشر هي “تو لاينز” وتركز في موادها على الترجمات الأدبية، وقد نشرت مؤخرا “مشرق” للكاتبة دوانوود بيموانا. وبترجمة موي بوبوكساكول، وهذه أول رواية لامرأة تاهيتية تمت ترجمتها إلى الإنكليزية. أما من بين كتابي المفضلين في سان فرانسيسكو أذكر:  تميم أنصاري، المولود في كابول، والذي تلقى علومه في جامعة ريد في أوريغون، وبيغ ألفورد بيورسيل، شارلي جين أنيرز، وغيرهم...

 

* هل تعرفين شيئا عن الأدب العربي. ماذا. وما رأيك به.  ومن له علاق وثيقة بالمشهد العربي، أمريكا أم روسيا؟..

- الجيل السوفييتي السابق من القراء كانوا على دراية أفضل بالأدب العربي بالمقارنة مع جيلي. والترجمة ليست مباشرة وغالبا تكون عن طريق الإنكليزية -- ومن فترة قريبة اطلعت بالروسية على عرض لكتاب: “تاريخ العرب” للمؤرخ البريطاني إيوجين روغان. ولكن أهم كاتبين حصدا شهرة مماثلة في الاتحاد السوفييتي وأمريكا هما المصريان نجيب محفوظ ويوسف إدريس.  وأنا لا أنسى ترجمة فادي جودة لشعر محمود درويش  -- وأذكر من قصيدة نشرتها مجلة ناراتيف، التي أشترك بتحريرها، قول درويش: "ماذا/ سنفعل/ من / دون/ منفى؟". وبالإشارة للمنفى، أنت رشحت لي مؤلفات هشام مطر. وأحببت على وجه الخصوص كتاب مذكراته “العودة”، ثم بحثت عن أعماله السابقة ورأيت أنها شديدة الأهمية ورائعة.

 

 * ماذا تقرأين الآن. وما رأيك به؟؟..

- مهتمة بقراءة قصص نسائية لأتعلم المزيد عن عالم المرأة. وذكرت لك سابقا عن إعجابي بكتاب “إنجاب الأطفال” للإيرلندية آن إينرايت. أسلوبها طريف و تتعلم منه أشياء كثيرة عن حكمة الأمومة وعبقرية الأطفال.  وبدأ هذا الاهتمام بعد إنجاب ابني الأول بوريس. و لكن الآن أطلقنا أنا ويلينا فورمان مدونة سميناها “سطور وعلامات تنقيط” بهدف جمع نتاجات الأصوات غير المعروفة من أدب ما بعد سقوط الاتحاد  السوفييتي. وهذا مشروع شيق وأتلقى منه زادا معرفيا هائلا.  فسقوط الدولة السوفييتية تجربة مخيفة وملهمة أيضا.

 

أجرى اللقاء بالإنكليزية وترجمه: صالح الرزوق

..........................

Russian Literature Between Past and Present: An Interview with the writer Olga Zilberbourg

Olga zilberbourg is a Russian writer belong to the fourth generation of story tellers. I mean the one that happened to appear after Russian renaissance, soviet Russia and writers in exile. She reflects in her stories much concerns about two points.. social upheaval and being uprooted.

Olga was raised in Sant Petersburg before she settled in San Fransisco. Most recently she serves as a consulting editor at Narrative Magazine and as a co-facilitator of the San Francisco Writers Workshop.

About Russian literature and her creative works we had this little chat.

*For a start what do you think about the contemporary scene of Russian literature?..

With the fall of the Soviet Union, contemporary Russian literature has become decentralized. On the one hand, the print runs are a lot smaller, but on the other hand, many new publishers have entered the space, and many new voices. In the past few years, the market pressures have led to some consolidation in the publishing industry -- but there remains a number of small presses that discover new voices -- none of that existed in the Soviet Union.

*Do you think recent writers retained some principals of soviet era.. in contents and in forms. Or went back completely to great traditions of russian poetry and novels.   And who is more influential. Soviet or russian writers. Inside and beyond borders?.

In 2018, Yuriy Saprikin, an influential Moscow-based journalist and editor, launched a project "Polka" -- "Bookshelf" -- where he asked a group of experts (teachers, writers, critics, etc) to nominate the most influential works of Russian literature. As a result, his team came out with a list of 108 books. At the top of this list is Lermontov's The Hero of Our Time, then Tostoy's Anna Karenina, then Gogol's The Dead Souls. Numbers six and seven are works written during the Soviet era, though anti-Soviet in effect: Andrei Platonov's The Foundation Pit and Venedikt Erofeev's Moscow-Petushki. So, the answer is: both, though I do believe that what we took most from the Soviet period is less the officially sanctioned literature (say, Gorky and Sholokhov -- though each of these is represented on "Polka"), but the underground and counter-cultural literature.

https://polka.academy/books?sort_direction=desc

*Of course there is some concern about who is more contemporary and influential.. Bakhtin or Berdyaev?.  Dostoevsky or Tolstoy?. Is Gorky out of date or is still alive within new emerging voices?..

Hah, great questions. To me, Bakhtin, is definitely more relevant. I definitely aspire to writing carnivalesque and dialogic literature. I haven't reread Dostoyevksy or Tolstoy since graduate school, but I do return to Pushkin with great joy. His short stories are so much fun!. Gorky could probably stand a contemporary reevaluation and rereading. He still matters, for sure -- one of the best contemporary online literary magazines is named after him:https://gorky.media/

Any analysis of his work today would still read very political, I think.

*Who is the best Russian writer in recent time in your opinion.

I would highly recommend Svetlana Aleksievich, Liudmilla Petrushevkaya, Linor Goralik, Guzel Yakhina, Alisa Ganieva and more.

*And what aboutVladimir Sarov who is available in English and Arabic translations?..

I'm curious what you'll make of him. I've heard of him, for sure, but I don't particularly find his religious speculation interesting. My personal perspective, of course. Would love to know your take!.

*Now to the exile.  How do you look at the writings of Solzhenitsyn and Nabokov. Do you think they had given new dimensions to russian literature. Or others more represented russian literature but lingered in the shadows. Who and why??.

In her recent essay "A Century of Russian Culture(s) Abroad" (published in a volume called "Global Russian Cultures," edited by Kevin M.F. Platt), Maria Rubens argues for moving away from the idea of "waves" of Russian emigration to the notion that loci of Russian culture exist in various places and time periods, and they are a permanent and evolving formation. "Each locus of Russian life that has emerged over the last century generated its own models of extraterrestrial identities, shaped by evolving relations with the metropolitan space and local geography." I find these ideas appealing.

Nabokov in his time, and Brodsky and Solzhenitsyn in their time had a lot to say against the totalitarian regime that sent them into exile. I grew up in a different era, and went abroad following different pressures. I'm not cut off from Russia--I could return there if I wanted to, and I don't hold a grudge. At the moment, I'm particularly drawn to stories of Russian Jews who found home in America. For instance, I've recently discovered the work of Anzia Yezierska, who achieved considerable popularity writing about the Jewish ghetto in New York City in the 1920s. Her book, Salome in the Tenements, was adapted into a silent movie. In the 1950s, she published her "fictionalized biography," that I haven't read yet but looking forward to.

*How do the Americans receive the russian literature. And what is more respectable. Old great writers or contemporaries?.

Unfortunately, most non-Russian speaking Americans still recognize only a few names from the body of Russian-language literature. I say "unfortunately" because these authors, though important, provide a reductive view of Russian literature. Fortunately, however, there's a very strong group of translators who work from Russian to English. And these translators are often willing to be champions for their authors. I loved seeing recent translations of the work of Guzel Yakhina, Ksenia Buksha, Linor Goralik, Olga Slavnikova, Akram Aylisli -- an author from Azerbaijan, who writes both in Azeri and Russian. Lisa Hayden runs a wonderful blog "Lizok's Bookshelf" where she catalogs the top translations from Russian. I highly recommend it: http://lizoksbooks.blogspot.com/2018/12/russian-to-english-translations-for-2018.html

 *What do books do you have published in russian and in english so far. And where you put your self. In russian or American scene. In other words to whom you do belong. Why?.

LIKE WATER AND OTHER STORIES was just published by WTAW Press in California. My previous book, The Clapping Land (Khlop-strana) came out in Moscow, in 2016, from Vremya Press. Two previous collections of stories were published by independent presses in St. Petersburg. I do most of my writing in English and work with translators who help me to adapt these stories to Russian. On occasion, I do write stories in Russian as well. I do love pondering the question of belonging and identification -- the answer to it has never been simple and straightforward one. As a writer, I strongly identify with my writing community in San Francisco--and I keep discovering new voices here.

*Do you have a say about American literature since you live in SF?.

My view of American literature is definitely impacted by living in San Francisco. The voices that I hear most strongly around me often reach the commercial publishing houses in New York, but often they don't. Writerly San Francisco is a very cosmopolitan space in a way that's very different from New York. My recent favorite was a book by Lillian Howan, THE CHARM BUYERS, set in Tahiti and telling a story of a young man from the Hakka Chinese community on Tahiti who falls in love with his cousin. Two Lines Press, a San Francisco-based publisher that focuses on literature in translation, recently published BRIGHT by Duanwad Pimwana and translated by Mui Poopoksakul, which is the first novel by a Thai woman to be translated to English. My other favorite local writers include Tamim Ansary, who was born in Kabul and went to college at Reed College, in Oregon, Peg Alford Pursell, Charlie Jane Anders, just to name a few.

*What is the difference between American and russian literatures in your view. Or both belong to one mind and two tongues?..

My sense is that barriers to entry into American literature are lower. You want to be a writer? Great -- get a degree in creative writing, and learn all about that profession. Obviously, this path depends on having money to get the education and to support yourself through this challenging and not very financially rewarding career -- and underprivileged groups have much smaller chances of accessing this path. In Russia, as far as I know, there's still only one university that teaches creative writing. Creative writing workshops have been popping up in various places in Russia, but they don't have the same clout as a university degree, and few publishers pay attention to them. So, a path to a writing career can be a lot more circuitous and depend on personal connections.

*Do you know some thing about Arabic literature. What. And what do you think about it. Who is better involved with Arabic scene, The states or Russia?.

The dissolution of the Soviet Union meant that traditional publishing connections vanished. The previous generations of Soviet readers were a lot better informed about Arabic literature than mine is. If literature from Arabic is getting translated in Russia (and I'm sure it is), I haven't seen it reach the mainstream booksellers and reviewers. Translation often happens through English--just the other day, I saw a review of a Russian translation of a book by a British writer, Eugene Rogan, The Arabs: A History.

Two writers who were equally present in the Soviet Union and in the United States are probably Egyptian writers Naguib Mahfouz and Yusuf Idris. Personally, I have very much enjoyed Idris's short fiction. But I'm not sure if he's read in Russia anymore. In the US today, I think Arab literature is best represented less through translation than through the work of the exilic authors. Translation does happen: I very much appreciate Fady Joudah's versions of Mahmoud Darwish's poems -- I still remember the line from his poem published in Narrative Magazine, where I used to work: "What / will we do / without / exile?"  And speaking about exiles, you've introduced me to the books by Hisham Matar. I particularly appreciated his memoir The Return, but I went back and read his novels that I found quite wonderful.

*Does 11/9 catastrophe affect russian literature? .

I don't think 9/11 affected Russian literature. Perhaps, it speaks more to the limitations of my perspective, but I haven't seen references to 9/11 of any significance in Russian literature.

*What kind of project you are working on now?..

I've been working on personal essays -- it's a new form for me, and I'm trying to see if it will be a productive for the stories I have to tell. I'd really like to explore more of my memories from growing up in the Soviet Union at the time of its dissolution. Being a teenager in a country that was suddenly left without history gave a very particular slant of my understanding of the world, and I want to explore that.

*What do you read now. What do you think about it?.

I'm interested in reading more of women's stories and learning more from women. Yelena Furman and I have recently started a blog called "Punctured Lines" with the goal of gathering underrepresented voices of the post-Soviet literature. It's been a thrilling project and I'm learning a ton through it. https://puncturedlines.wordpress.com/

Interviewed by: S. Razzouk

 

 

1191 زادي سمثكتابة: زادي سميث

ترجمة: أحمد فاضل

***

في أحدث مقابلة مع الروائية البريطانية المتحدرة من أصول جامايكية زادي سميث، الحاصلة على عدة جوائز مهمة منها على سبيل المثال جائزة أورانج الأدبية، صحيفة الغارديان البريطانية المعروفة توجهت لها أن تقول كلمتها بخصوص الكتب التي طالعتها وتطالعها بأسئلة تدور جميعها حول الكتب، وهو باب يتابعه قراء الصحيفة باهتمام في كل شهر، حيث تلتقي فيه بأسماء لامعة في الأدب والفن ما يعكس حجم ما تتمتع به هذه الأسماء من ثقافة في مجال القراءة، فكان أن كتبت تقول:

 

الكتاب الذي أقرأه حالياً:

"عصر رأسمالية المراقبة" للكاتبة شوشانا زوبوف تبلغ عدد صفحاته 700 صفحة، لقد قرأته لفترة من الوقت إذ تم قياس أهميته بمدى فعالية وصفه للعالم الذي نعيش فيه، ومدى إمكانيته لتغيير العالم المذكور، فأرى أنه من السهل أن يكون أهم كتاب ينشر هذا القرن " .

 

الكتاب الذي كان له أكبر تأثير على كتابتي:

" أعتقد أن الإجابة الأكثر صدقاً على ذلك هي دائماً كتب الأطفال، وأخص منها " الاصبع السحري " لرولد دال " .

 

الكتاب الذي أعتقد أنه بالغ الروعة:

" اثنان قرأتهما مؤخراً: الأول هو " منزل يمسها " للكاتب ويليم فريدريك هيرمانز، هو كاتب كلاسيكي معروف لدى معظم القراء الهولنديين، ولكنه جديد بالنسبة لي، أما الثاني "المرأة حافية القدمين " للكاتب الرواندي Scholastique Mukasonga هو كتاب جميل ومؤلم يجب قراءته على نطاق أوسع " .

 

الكتاب الذي غير رأيي:

"روح اللامساواة في الحياة الأمريكية" للكاتبتين كارين إي فيلدز وباربرا جي فيلدز، تحدتا وبشكل جذري بعضاً من أقدم الأفكار حول العرق وغيرتا الكثير من آراء إيمانويل كارير وآني إيرنو التي وردت في كتبهما الفرنسية " .

 

الكتاب الأخير الذي جعلني أبكي:

"الزيتون مرة أخرى" من قبل اليزابيث ستراوت، ما يلفت النظر في ذلك هو أنه في ذلك الوقت لم أكن قد قرأت لأوليف كيتريدج التي تحدثت عنها، حيث تمكنت ستراوت من أن تجعلني أحب هذه المرأة الغريبة التي لم أقابلها أبداً، ولم أعرف عنها شيئاً، يا لها من كاتبة رائعة ".

 

الكتاب الأخير الذي جعلني أضحك:

"أنا الجديد" لهالي بتلر، الذي سبق وأن قرأته عندما كنت طالبة، يروي حكايات جيل الألفية من الشابات وبصورة تدعو للسخرية " .

 

كتاب لم أستطع الانتهاء منه:

" كثيرة جدا هي الكتب التي لم أتمكن من الانتهاء من قرائتها، مثل مارسيل بروست و Robert Musil’s The Man، أو حتى " الأخوة كارامازوف "، وهو ما سوف أعطيه فرصة أخرى للقراءة في الوقت الحالي، وكذلك " قصة مدينتين " و " دون كيشوت " والقائمة تطول، إنها ليست مسألة عدم إعجابي بهم أبداً، إنها دائماً مسألة وقت والتزامات أخرى، فأنا أكره عدم الانتهاء من الكتب ودائما ألوم نفسي على ذلك " .

 

الكتاب الذي شعرت بالخجل منه ولم أقرأه:

"من الصعب أن أفرد واحداً من هذه الكتب، ولكن ربما أشعر بالخجل لعدم قراءة " مذكرات توماس ثيسلوود "، كنت أكتب عن العبودية وأستخدمها في الكثير من رواياتي، لكنني وجدت اليوميات تبتعد كثيراً عما أؤمن به، إنه لأمر مدهش بالنسبة لي أن مثل هذه الكتب تجد لها قرائها ويستطيعون تحمل ما يقوله كُتابها" .

 

راحة لي عند قراءة:

"أي شيء من قبل كريس وير، من المريح أن أعرف أنه ليس لدي سوى فرحة قرائتها أمامي لبضع ساعات ".

 

الكتاب الذي أقدمه كهدية:

"أعتقد أن الكتاب الذي يتم تقديمه كهدية يجب أن يكون بكل سرور ودون أي التزام لذلك غالباً ما أقدم روايات مصورة، لقد أعطيت مؤخراً مجلدات " عرب المستقبل " للكاتب رياض سطوف للكثير من صديقاتي وأصدقائي " .

 

الكتاب الذي أحب أن أتذكره أكثر شيئاً من غيره:

" الكتاب الذي يترك في نفسي مساحة كبيرة من الإعجاب " .

 

عن / صحيفة الغارديان البريطانية

 

1189 محمد شارفلذلك تم استغلاله لزعزعة تراثنا الإسلامي.

أهلا ومرحبا بك معنا.

- مرحبا أختي خولة.

 

بداية: كيف يقدم لنا الدكتور محمد شارف نفسه؟ وخلاصة ما عاشه من تجارب وتنقلات فكرية بين الحركات الفكرية للقراء والمتابعين؟

- رغم أنني لست مؤمنا بتزكية الإنسان لنفسه وأومن إيمانا عميقا بأن عمل الإنسان هو خير من يقدمه للناس .إلا أنني ـ واستجابة لدعوتك ـ أقدم نفسي بإيجاز ..محمد شارف من مواليد 7سبتمبر 1960ببوحنيفية ولاية معسكر .درست الابتدائي بمسقط رأسي ثم التحقت بالمعهد الأصلي ولاية سيدي بلعباس وبعد التخرج زاولت مهنة التعليم كأستاذ للغة العربية، مارست هواية الشعر منذ الصغر ثم تخليت عنها .ونظرا لبعدي عن الأضواء لم أشارك في الملتقيات إلا نادرا ..كتبت ثلاثة كتب هي على التوالي 1سيد قطب المفترى عليه 2عيسى بن مريم وليس بن الله3ضوابط الاعتدال في نقد الأفكار والرجال ..كما ألفت ثلاث روايات 1وغربت شمس الضلال2العائد من الجحيم 3الراقي والمسحورة. ولي كتب أخرى تحت الطبع منها 1نفحات الإنعام في شرح قطر ابن هشام الذي سيصدر قريبا .

أما عن التنقلات الفكرية فأنا من عائلة محافظة متدينة ونشأت على هذا وما زلت ملتزما به والحمد لله، لكنني عايشت اليساريين والعلمانيين وتحاورنا وتم التفاعل وأثر ذلك في أعمالي الكتابية والشفوية.

 

- تعيش الدولة الجزائرية هذه الأيام حراكا شعبيا ونخبويا كبيرا ما قراءتك الثقافية والفلسفية لهذا التحول الكبير الذي يشهده وعي المجتمع الجزائري؟.

- في البداية دعيني أقول لك :إن الحراك الذي عرفته الجزائر هو حراك شعبي جاء كنتيجة تراكمات سلبية عديدة ’فالسلطة قد وصلت إلى نوع من التردي لم يعرف له مثيل من قبل ..التعفن الإداري، والتسيب السياسي، والعفن المالي الذي أزكمت رائحته العفنة كل النفوس الشريفة، وباتت الجزائر وكأنها مزرعة تسيرها فئة أقل ما يقال عنها أنها عصابة لا تنتمي لهذا البلد ولا تحب له الخير، ومما زاد في الطين بلة أن كرسي الرئيس الذي هو رمز البلد أصبح يجلس عليه شخص عاجز والغريب أن هذا الشخص أصبح وكأنه صنم تقدم له القرابين من طرف أناس يخدمهم بقاؤه ..ونتيجة لكل هذا هب الشعب وثار سلميا مطالبا باسترجاع وطنه المسروق منه ..أما النخب فبعضها تريث كعادته والبعض الآخر ركب الموجة لعله ينال ولو قسطا من الكعكة والبعض الثالث ساند الحراك بدافع حب الوطن وتخليصه من براثن هذا المستنقع لأنه يؤمن بأن هذا البلد ضحى من أجله رجال ليعيش أهله سادة لا عبيدا

 

- أبانت الحركة الطلابية بالجزائر في ظل الحراك على وعي وطني كبير هل يمكن مقارنة ثورة الطلاب بالجزائر هذه الأيام بثورة طلاب فرنسا سنة 1968م التي غيرت مجرى أوروبا كاملة؟.

- في اعتقادي أننا لا نستطيع أن نقارن بين ثورة طلاب كانت فاعلة ومنسجمة مع المشروع التحرري الهادف إلى نبذ الهيمنة وتحرر البلاد وزرع أفكار خادمة للمجتمع والشعب الجزائري عموما أقصد ثورة 1968وبين مشاركة الطلاب في الحراك الذي لا يرقى إلى تسميته ثورة ..فالأولى كانت فاعلة والثانية كانت منفعلة، والأولى أثرت في الغير بينما الثانية تأثرت بالغير.والأولى كانت أسبابها وغاياتها واضحة بينما مشاركة الطلاب في الحراك لم تكن واضحة الأسباب والدوافع ..بالإضافة إلى أننا عندما نقرأ الحركة الطلابية في الجامعة نجدها محزبة وتعمل لأجندة حزبها ..فالولاء عندها للحزب أو الجماعة مقدم على الولاء للوطن والشعب ..وهذا لا يعني أنه لا يوجد من الحركة الطلابية من كان نزيها صادقا وأولى أولوياته هي حب الوطن والعمل له ..كما أن الجامعة هي المخبر الذي تتكون فيه الأفكار ومنذ تأسيس الأحياء الجامعة شاهدنا هذه التناقضات الفكرية والانتماءات الإديولوجية والحزبية

- تنامي وبروز النعرات العرقية والقبلية ومصطلح الهوية داخل الحراك في هذا الوقت بالذات أليس مؤشرا خطيرا لاختراق الحراك وهل يمكن لأطراف تصطاد في المياه العكرة أن تتسبب في الانفلات الأمني بالبلاد؟

- النعرات موجودة منذ القديم لكنها تختفي وتظهر حسب الخريطة السياسية وحسب طموحات أصحاب القرار ففرنسا المستعمرة استغلت هذه النعرات ثم جاء المسؤولون بعد الاستقلال واستغلوها لحفظ بعض التوازنات ..لكننا كمسلمين نؤمن بقوله تعالى(إن أكرمكم عند الله اتقاكم )كما نؤمن بأن الرسول محمدا جاء رحمة للعالمين ولو يأت لعرقية دون أخرى .والغريب أنه بعد أحداث سنة1991استغلت الطبقة الحاكمة والتي لها انتماء واضح ..هذه النعرات وغذتها فأوصلت سفينة البلاد إلى الارتطام بالصخور مما أدى إلى تحطيمها في النهاية ..ولا نستغرب أن يخترق دعاة الفكر العرقي كاليساريين واللائكين المتطرفين الحراك بغية توجيه إلى تحقيق أهدافهم ..وهذا ما حدث بالفعل حيث أصبحنا نسمع أصواتا هنا وهناك تدعو إلى بعض الأفكار المشبوهة التي لا تخدم البلد والوطن ..ولكن ما نحمد الله عليه أن الجيش الحالي لم يتورط فيما تورط فيه الجيش في التسعينات من الاستجابة لأقلية شاذة فكرا وانتماء تريد أن تتحكم في بلد عريق حضارة وثقافة ودينا .

 

- أصبحت المجتمعات العربية اليوم تلجأ للدراما التركية بشكل ملفت للانتباه فهل أصبحت الدراما التركية تلبي حاجاته العاطفية التي فشلت الدراما العربية في معالجتها ما تعليقكم؟ أم أن ذلك إحدى وسائل القوة الناعمة التركية التي تمكنت من خلالها السيطرة على ذهن المجتمعات العربية؟.

- لا يخفى على أي باحث دور الصورة وتأثيرها على المجتمعات سواء في تقديم المعلومة أو تقديم الدراما ..فالدراما العربية رغم تقدمها في مجال الصورة بشكل نسبي مقارنة بالماضي إلا أنها على الشكل الموضوعي نجد إما أنها تجتر الماضي أو تلجأ للبهلوانية وكأنها مازلت تستخف بعقول المشاهد العربي ..بالإضافة إلى الرقابة السياسة التي تئد كل فكر جميل يعلو ولا يهبط .أما الدراما التركية فأهدافها محددة وليست غوغائية فهي ذات هدف استقطابي تجاري.حالمة بماض مجيد عاشه أجدادها،  واستخدمت براعة التصوير وجدة المواضيع والجرأة في الطرح للوصول إلى هذه الأهداف ومما زاد انبهار العالم العربي بها هو ترجمتها للعربية وأحيانا إلى اللهجات المحلية .أما عنصر إشباع الغرائز والعواطف المكبوتة فهو واضح ولا يحتاج إلى تعليق .

- قديما خاصة بعد نكسة حزيران 1967 كان للمفكر العربي دور كبير في تفعيل الحراك السياسي والشعبي، بماذا تفسرين التراجع الرهيب لدور المثقف العربي في الحراك السياسي العربي بعد الربيع العربي؟.

أعتقد أن القضية هنا هي قضية نوع الثقافة والوعي لدى المفكر ..فبعد هزيمة 1967والتي تعتبر نكسة بكل المقاييس لأن إسرائيل هزمت كل الدول العربية مجتمعة ومرغت سمعتها في التراب ..فالمثقف العربي آنذاك رغم انهياره من الداخل لم تطل نومته بل صحا وشرع يبحث عن أسباب هزيمته فاقتنع بأن الزعامات الفارغة والخطب الرنانة والسياسة التي ليست لها أهداف واضحة قد تؤدي به إلى الهاوية ..فبدأ يكتب ويناضل ويدعو للتحرير وعدم الذوبان في الآخر وركز على القضية المركزية وهي استعادة كرامته وتحرير أرضه ومحاولة امتلاكه لوسائل القوى والتقدم مثل عدوه ..لكن المثقف العربي الحالي يعيش تشرذما وفقدا للحصانة الثقافية التي تحميه من الذوبان ..فتفتحه على الغرب مبالغ فيه، حيث يراه قدوة في كل شيء، كما أن المعيار النقدي عنده ضعيف فهو لا يقوم بدور الغربلة بل يريد أخذ كل شيء عن الغرب (دون تعميم طبعا).. بقي أن أشير إلى أن العالم العربي بعد نكسة 1967ظهر فيه تياران ثقافيان متناقضان 1المد اليساري 2المد الديني بالَإضافة إلى موجة اليأس والقنوط التي أدت إلى ظاهرة الإلحاد ..وهذا عكسته كل الكتب والروايات التي جاءت بعد تلك الفترة ..بل حتى بعض الأعمال الدرامية عالجت هذه الظاهرة ومنها على سبيل المثال (فيلم أين تخبئون الشمس) ليوسف شاهين .

 

- فكرة المهدي المنتظر ظاهرة منتشرة في الأديان السماوية ما قراءتكم لتحول هذه الفكرة إلى مطية للتكاسل عن فعل التغيير بالوطن العربي دون باقي الشعوب؟.

- فكرة المهدي المنتظر ليست منتشرة في كل الأديان السماوية، بل هي عقيدة عند المسلمين سنة وشيعة فهم متفقون على الفكرة ولكنهم يختلفون في الجزئيات ..فمهدي الشيعة حي وموجود في السرداب وسيخرج .أما مهدي السنة فميت وسيخرج في آخر الزمان عند ظهور الفتن وهو عندهم علامة من علامات الساعة ..أما الأديان الأخرى فتوجد عندهم فكرة المخلص وهي شبيهة إلى حد بعيد بفكرة المهدي عند المسلمين .

بغض النظر عن المهدي كعقيدة نجد أن المنهزم يهرب من الواقع باستمرار ويلجأ إلى عالم الغيب كعملية تبريرية لعجزه ..والأحق لو يدرس الإنسان مشكلته بمعطياتها الواقعية ويتعامل معها على هذا الأساس ..(هذا ليس إنكارا مني للغيب فهم من عقيدتي وجاء به قرآني)

 

- بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 تم الإعلان من أمريكا عن جعل تلك السنة سنة للتعايش و الحوار بين الأديان ..لكن الواقع أدى إلى عكس ذلك فشاهدنا ضرب العراق وغيرها ما تحليلكم لذلك؟.

- التعايش السلمي بين الأديان مبدئيا لا يكون بين دين صحيح وآخر محرف كما لا يكون بين قوي يفرض سيطرته وآخر ضعيف لا حول له ولا قوة ..فالأديان مصدرها واحد هو الله الذي بعث أنبياءه وقالها محمد بن عبد الله (نحن معشر الأنبياء أبناء علات أبونا واحد وامهاتنا شتى )والأديان جاءت لخدمة الإنسان كإنسان دون النظر إلى عرقه أو جنسه أو لسانه لكن الهيمنة المسيحية لا تؤمن بهذا .فأعتقد أن تنامي ظاهرة الإرهاب كانت من الدواعي إلى إعلان هذه الفكرة مؤقتا ..ثم جاءت قضية ضرب العراق ودون كلام كثير فهي ذات شقين:

1- إرجاع العرب إلى بيت الطاعة وقص جناح صدام حسين الذي رأوا فيه متمردا عن الطاعة وربما معرقلا لمشروع أمريكي في الشرط الأوسط بتمويل خليجي .وهذا ما ظهر الآن جليا ولا يحتاج لأي توضيح

2ـ ضرب مقومات الحضارة العربية الإسلامية التي تحول دون استغلال اليهود لتلك المنطقة .. ولا ننسى أن علاقة اليهود بالعراق قديمة فهي متواجدة منذ العهد البابلي ..

 

- انتشار دعوات تجديد الخطاب الديني تطالب به العديد من الدول الغربية ..إذا كنا فعلا بحاجة لذلك فلماذا الاقتصار على الخطاب الديني الإسلامي فقط دون المسيحي في منطقتنا العربية؟

- السؤال يحمل في طياته بذور الجواب ..أولا إن التجديد فكرة إسلامية،، ولقد عرف التاريخ الإسلامي مجددون عبر حقبه منهم على سبيل المثال الشافعي وأبو حامد الغزالي وغيرهما ..وحتى السنة النبوية تبين بأن هذا الدين فيه تجديد لكن هذا التجديد له شروطه وضوابطه وليس بابا مفتوحا على مصراعيه ..ثم إن هذا التجديد يأتي استجابة لدواعي دينية واجتماعية وثقافية نابعة من المجتمع المجدد وليس مفروضا عليه من عنصر خارجي ..فالغرب يريد تجديدا في الأصول العامة والقواعد الدينية وحذف آيات وأحاديث من الدين كما يجري في مصر الآن ..بحجة أنها لا تنسجم مع العصر والزمن ..وفي الواقع أنها لا تنسجم مع الغرب الذي يريد الهيمنة والاستحواذ الثقافي واستحمار الشعوب العربية والإسلامية ..ثم لماذا لا يمس هذا التجديد الخطاب المسيحي لأن هذا الخطاب بشري بأصله ويغيرونه متى يشاءون ..

 

- تاريخ العالم العربي والإسلامي يعج بالعديد من المغالطات التاريخية وحتى الدينية منها لكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا ارتبط ظهور هذه المغالطات بالفكر الاستشراقي بالذات ما قراءتكم لذلك؟.

- الكلام طويل ..لكن المغالطات التاريخية بدأت قديما على يد الحركات الهدامة وفي مقدمتها الحركة الشعوبية (في الأدب) والحركة الباطنية (في الدين) لكن في عصر الحديث كان المستشرقون أكثر دقة في الهجوم وأعظم تأثيرا لأنهم وجدوا تلاميذ مخلصين ينشرون هذا الفكر ومن بينهم 1طه حسين 2علي عبد الرازق 3محمد أركون وغيرهم ..وهذه المغالطات يجب أن نقرأها بتأن ونعالجها بموضوعية بعيدا عن التقديس والتبخيس ..كما أن المستشرقين نقبوا في بطون الكتب التي أهملناها نحن طويلا ..ومن هذه المغالطات: - 1الإساءة إلى الصحابة وفي مقدمتهم خالد بن الوليد وعثمان بن عفان.

- 2الإساءة الى التاريخ العباسي والإسلامي جملة وتفصيلا

- 3التفاسير الخاطئة للقرآن والسنة وإعطائها أبعادا عدائية

4- تشويه الأدب العربي في مقابلة تمجيد الأدب اليوناني وأساطيره

 

- الحركة الثقافية العربية تشهد تهافتا كبيرا على منجزات الثقافة الغربية لكن يشوب تلك العملية حركة انبهار بل وتلقي دون غربلة أو مراعاة للخصوصيات الحضارية والثقافية التي أوجدت تلك النظريات ما قراءتكم لذلك؟.

قديما قالها ابن خلدون (المغلوب مولع بتقليد الغالب) لكنني هنا أريد أن أميز بين نوعين من الثقافة

1- هناك ثقافة عالمية الجنسية فيها الأخذ والعطاء دون قيود كالعلوم الطيبة والتجريبية وغيرها فكما أخذ الغرب منا قديما نأخذ منه دون حرج،، فالغرب أخذ من الخوارزمي وابن رشد والرازي كما تعلم أبناؤه في جامعات الأندلس وهذه بضاعتنا ترد إلينا في شكل متطور مدروس

2- هناك ثقافة لها علاقة بدين الأمة وحضارتها وتاريخها هذه يجب أن نأخذ عنهم بترو وغربلة وتمحيص كالأدب والدين والتاريخ وعلم النفس وعلوم التربية وغيرهم ..

فالانبهار جاء من كوننا ضعفاء حضاريا أمام الغرب وقبولنا لتشويه مقوماتنا جاء من كوننا لم نفرق بين العلمين بالطريقة السالفة الذكر

 

- ما مدى قدرة علماء الاجتماع العرب على إيجاد نظرية عربية أصيلة في علم الاجتماع تمتاح من النظريات الغربية ومصطلحاتها وكذا التراث العربي الأصيل من خلال كتابات رواد النقد علم الاجتماع العرب أمثال عبد الرحمن ابن خلدون وغيره؟.

- هذا العمل يتطلب عملا جماعيا وتفرغا له، كما يتطلب تدعيما من الدول لأنه مجهود شاق وجاد ..وهو موجود على مستوى بعض الأفراد نذكر من بينهم على سبيل المثال الأديب والعالم المصري أنور الجندي الذي قدم عدة دراسات في هذا المجال .وهو دور يجب أن تتفطن له الجامعات عبر رسائلها وبحوثها ..وليس عيبا ان نأخذ من الغرب في هذا المجال لا سيما في المجال المنهجي .فليس عيبا ان نأخذ من دوركايم أو جون جاك روسو ولكن العيب في أن نصبح نسخة مشوهة منهم .

 

- هل بالإمكان إيجاد نوع من المقاربات التّثاقفية الجديدة الجامعة بين الثّقافتين العربية والغربية لحل الجدل الدائر بين بنية المجتمعات الشرقية والغربية من خلال تشاكل ثقافي كوني جديد بعيدًا عن سلطة المركزية الغربية؟.

- مكن، لكن في إطار الاعتراف بخصوصية الآخر وعدم تضخم الأنا عند أي طرف .فهناك قواسم مشتركة في النظرة للإنسان والكون كما أن هناك قواسم مشتركة في الإله المعبود مع بعض التفاصيل ..أما الأشياء المختلف فيها فيمكن أن يتم الاتفاق فيها على احترام الخصوصيات .

 

- انتشرت ظاهرة النشر السريع في أوساط الشباب العربي بشكل ملفت للانتباه باعتبارك مثقفا بماذا تنصح الشباب في هذا المجال؟.

- جميل جدا أن ينشر الشباب وأن يقول رأيه لكي يتم التواصل بين الأجيال، لكنني أنصحه بالقراءة الواعية والتعلم والموضوعية في الطرح والاستفادة من خبرة من سبقوه لأن كل بناء لا يبنى على أساس سينهار ..ومما لاحظته أن بعضهم نشر روايات فجاءت هشة من حيث التقنيات الروائية لعدم قراءته في هذا المجال ومن حيث المعالجة الموضوعية نظرا لقلة التجربة، ولو تريث حتى ينضج لكان خيرا فالابتسار (التسرع )يضيع الثمرة المرجوة .

 

- دكتور في نهاية حوارنا الشيق هذا، نطرح عليكم سؤالا أخيرا وهو ما هو تصوركم لواقع ثقافة العيش المشترك بالوطن العربي بعد خمسون سنة؟.

- ليس عندي أكثر من الأمل لأن هذا الوطن قد أصبح رقعة شطرنج بين الشرق والغرب فكل ما أرجوه أن يصحو يوما ويدرك كوامن مصلحته ويتعاون بناء على مصلحته المشتركة لا على العواطف .فالعواطف لا تبني الدول ..ورأينا ذلك في العلاقة بين الدول العربية في الستينيات كيف انهارت لأنها مبناها كان قوميا عاطفيا ولم ترتاع فيه مصالح البلدين (سوريا ومصر نموذجا)

 

- كلمة أخيرة تعبر فيها عما يجول بخاطرك وما تود قوله للجمهور والمتتبعين؟

أولا أشكرك على أسئلتك التي أبحرت فيها في مختلف الشواطئ، وأتمنى أن تتغير النظرة للمثقف فالمثقف ليس ذلك الذي يحمل شهادة عليا (مع احترامي لهم جميعا) وإنما هو ذلك الذي يملك رؤيا ورصيدا ثقافيا يجابه الواقع ..كما أنني أتمنى أن يكون المثقف مستقلا حرا في فكره ورؤيته وألا يكون عميلا للسياسي وأن يدرك بأن ما تخطه يمينه مسؤولية يعاقب عليها عند ربه وألا يغش أمته ولو بحرف .

 

حاورته الإعلامية والباحثة الأكاديمية: خولة خمري

 

1168 روز اليوسف شعبانكان لي الحوار التالي مع الشاعرة الأستاذة روز اليوسف شعبان، حول تجربتها الشعرية ومسائل ثقافية وفكرية وتربوية متنوعة.

 

بداية .. من هي روز اليوسف شعبان؟

- هي زوجة عبد المجيد شعبان ووالدة هشام وروان وحسام، مدرسّة للغة العربية ومديرة المدرسة الابتدائية د" في طرعان منذ سنة 2013، أدارت قبلها مدرسة الرينة "أ" لمدة ست سنوات، وقبل الإدارة عملت مُدرّسة للغة العربية في المدرسة الابتدائية "أ" في طرعان، ومرشدة لوائية في لواء الشمال لطرق التدريس في الوسط العربي، كما ركّزت الخطة الخماسية في لواء الشمال، حاصلة على اللقب الأول في اللغة العربية وتاريخ الشرق الأوسط من جامعة حيفا، واللقب الثاني في موضوع التربية من جامعة حيفا، وتُعد رسالة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها في جامعة تل أبيب بتوجيه الأستاذ بروفيسور غنايم، موضوع الرسالة:" المنفى والاغتراب في روايات غالب هلسا"، تنبذ العنف في جميع أشكاله، تؤمن بالمحبة والعطاء والسلام، وتساهم في ترسيخ هذه القيم في نفوس طلابها ومجتمعها، وهي ناشطة في جمعية سلام من أجل شعوب العالم والتي مقرّها في اليابان.

 

حدثينا عن تجربتك الشعرية، عن البدايات، هل لقيت تشجيعًا، وممّن؟

- خلال دراستي في المراحل الابتدائية والثانوية كنت أكتب النصوص النثرية، الخواطر، والقصص القصيرة، وبعض المحاولات في كتابة الشعر، وكان أساتذتي للغة العربية يشجعونني على الاستمرار في الكتابة، على أن اهتمامي في كتابة الشعر والنثر ظهر أكثر في السنوات الأخيرة، فحين أكتب نصا، أرسله أولا إلى صديقتي فاطمة بصول التي تتميز بذائقتها الأدبية، ثم أرسله إلى خالي أسيد عيساوي الذي يكتب الشعر، وكان يعقّب على نصوصي ويبدي ملاحظات بنّاءة ، ثم أرسله لزوجي عبد المجيد شعبان الذي يتمتع هو أيضا بذائقة أدبية. وحين بدأت أنشر نصوصي في صفحتي في الفيس بوك، انتبه لها الناقد والكاتب شاكر فريد حسن، الذي عقّب على عدّة نصوص لي وأظهر مواطن الجمال فيها، ولفت القراء إليها، وهو من أكثر المشجعين لي في الكتابة.

 

من يعجبك من الشعراء والمبدعين العرب والفلسطينيين، وهل تأثرت بأحدهم؟

- أحب جدا كتابات الشاعر الكبير محمود درويش وهو بلا شك أستاذنا جميعا، فهو مدرسة عظيمة، وبدون شك تأثرت من أشعاره، كما تأثرت بكتابات نزار قبّاني، وعزّ الدين المناصرة، وفدوى طوقان. على صعيد الروايات أحب روايات ابراهيم نصر الله، والكاتب الفلسطيني غسان كنفاني والكاتب المصري نجيب محفوظ والسوري حنا مينة وغيرهم..

 

ما هي الموضوعات والأغراض الشعرية التي تركزين عليها في كتابتك؟

- أركّز على المواضيع الإنسانية والقيم والأخلاق والوطن، والحب، وأصوّر حالات الاغتراب التي يعيشها إنسان هذا العصر.

 

ما رأيك بالأدب المحلّي؟

- أدبنا المحليّ زاخر بأنواع مختلفة من الإبداع: الشعر ، الرواية، القصص القصيرة، الخاطرة والمقالات الأدبية والنقدية وغيرها. وبما أنني لست ناقدة فأنا اترك للنقاد تقييم هذه الكتابات .

 

كيف تقيمين العملية النقدية لدينا في هذه الديار؟

- لا شك أن للنقد الأدبي دورا هاما في ازدهار وتطور الكتابة الأدبية والإبداعية، وما نلحظه في بلادنا خلّو غالبية الأعمال النقدية من منهجية واضحة، مثل المنهج الأسلوبي والبنيوي، ومعايير نقدية تستند إليها، والتي من شأنها أن تسهم في رقيّ وتقدم الأعمال الأدبية، كما تفتقر الحركة النقدية في بلادنا إلى مؤسسات نقدية ترعى الأعمال النقدية وتساهم في تطويرها.

 

كيف ترين اتحادات وروابط الأدباء، وهل لها دور في الحراك الثقافي والأدبي، وهل تخدم أصحاب الأقلام؟

- اتحادات وروابط الكتاب تلعب دورا فاعلا وهاما في تنشيط الحركة الأدبية والثقافية والإبداعية وتشجيع المواهب والمساهمة في نشر إبداعات الأدباء عن طريق إحياء أمسيات ثقافية أدبية وإشهار كتبهم وتعريف القرّاء بهم. ويسعدني جدا أن تمت الوحدة بين رابطة اتحاد كتّاب الكرمل واتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين.

 

ما رأيك بأدب الأطفال لدينا؟

- نرى قفزة نوعية في السنوات الأخيرة في الكتابة للأطفال، وازدياد عدد الكتاب الذين يكتبون القصص للأطفال وهذا أمر مفرح جدا وضروري، مع ذلك فإن أدب الأطفال يفتقر إلى المسرحيات والقصص الفكاهية والتربية الجنسية، كما يفتقر إلى القصة التعليليّة التي تطرح سؤالا حول نشوء ظاهرة حقيقية موجودة ومن خلال الأحداث يُعطى تعليلا(سببا) لوجود الظاهرة. مثلا: لماذا يوجد للحسّون ألوان كثيرة؟ لماذا تغيّر الحرباء لونها؟ هناك قصة تعليلية للأستاذ الكاتب مفيد صيداوي " لماذا تختلف ألوان البشر؟" وأطفالنا بحاجة إلى الكثير من أمثال هذه القصة التي تساهم في إثارة وتطوير مهارة التفكير لديهم إضافة إلى مهارة تكوين أسئلة وغيرها من المهارات الضرورية لتطوير تفكير الأطفال.

 

كونك مديرة مدرسة كيف ترين الوضع القرائي هذه الأيام، وما دور المدرسة في تشجيع القراءة؟

- نحن نعاني من تنافس شديد مع الوسائل التكنولوجية الحديثة والألعاب الالكترونية الموجودة في الهواتف النقالة والحاسوب، مع ذلك فإننا نسعى دوما لتشجيع القراءة والمطالعة لدى الطلاب عن طريق إشراكهم في مسابقات في قراءة القصص، والمشاركة في مشروع مسيرة الكتاب من قبل وزارة المعارف، إضافة إلى تخصيص حصة مطالعة أسبوعية في مكتبة المدرسة، وتشجيع الطلاب على استعارة الكتب من المكتبة العامة في القرية، كما نقدم للطلاب لقاءات داخل الصفوف مع أدباء وكتاب محلّيين وغيرها من البرامج والفعاليات المثرية.

 

أفضل كتاب أعجبك حتى الآن؟

- كتاب "زمن الخيول البيضاء" للكاتب ابراهيم نصر الله.

 

أجمل قصيدة كتبتيها وتعتزين بها، وتحبين تقديمها للقراء؟ وماذا تقولين فيها؟

- قصيدة انتظار وقصيدة لأجلك جفرا

في قصيدة انتظار أصور معاناة الإنسان واغترابه في عالم تحيطه الأسوار والجدران، منها جدران سياسية، فكرية، اجتماعية وغيرها، كما تصور معاناة الانسان في بحثه عن حريته وخلاصه من هذه الجدران، وفيها عودة الى التراث وإلى الماضي برونقه وصفائه وبراءته.

أما قصيدة إليك جفرا فقد استوحيتها من قصيدة جفرا للشاعر الفلسطيني الكبير عز الدين المناصرة وأهديتها له، وفي هذه القصيدة أصور الوطن بكل جماله وأحلامه ومكنوناته وآماله.. وأقول فيها:

جفرا ! أيُّ حلمٍ جميلٍ

يدغدغ عينيَّ

تتراقصُ فيهما قوافلُ النحلِ

تعانقُ الزهرَ

وتسكبُهُ شهدا على شفتيَّ

جفرا الكحيلةُ ترابُ الارض ملمسُها

سنابلٌ من القمح

تحزم الفراشَ

وسائدَ في راحتيّ

كيف جئتني جفرا بعد الغياب؟

كيف اخترقت أسوار الحديد

واجتزت أبراجَ الغمام؟

أيُّ حلمٍ شهيٍّ حطّكِ في ناظريَّ

حمامةً بيضاءَ

وواحةً من العنب

وباقاتِ حبقٍ خضراءَ خضراءَ

ترفلُ بين اناملِ يديَّ

تعانق الذكرى

تراقص احلامَ الجداول

وتلثمُ جناحَ قُبّرةٍ

عادت لتوها من سفرٍ

تهفو اليَّ

أيُّ وشمٍ جميلٍ

طبَعْتِهِ جفرا في ساعديَّ!!

وجعلتِهِ مبسما

وتاجا للزنابق

وأيقونةً بيضاءَ بيضاء

ترفرفُ في الحدائق!!

لأجلكِ يا حنطيّةَ الخدين

أعانقُ الخمائل

وأودعها مناديلَ أحلامي

وأكاليلَ غارٍ

تعانقُ الجدائل

لأجلك جفرا يؤوب اليمامُ

ويحُطُّ على أعناق السنابل

 

ما هو مفهومك للحريّة وكيف ترين وضع المرأة العربية والفلسطينيّة؟

- الحريّة هي أن أتمكن من التعبير عن نفسي وعن آرائي وأفكاري دون خوف أو وجل، وأتمكن من تحقيق طموحاتي وأحلامي، وأتّخذ القرارات التي تناسبني دون أن أسبب أذيّة لأحد ودون أن يتعرّض لي أحد.

المرأة العربية والفلسطينية تعاني من اضطهادين: اضطهاد المجتمع الأبوي الذكوري من ناحية، واضطهاد المؤسسة الرسمية لها، بصفتها جزء من المجتمع العربي الفلسطيني من ناحية أخرى، ورغم ذلك نرى أنها تخطو خطوات حثيثة نحو الحرية ويتجلّى ذلك في ارتفاع ملحوظ في عدد النساء الأكاديميات والناشطات في المجال السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأدبي والثقافي الخ...

 

ماذا تعني لك المفردات التالية:

الوطن: كرامة وعِزّة

الحب: تضحية ووفاء

البحر: إبحارٌ في النفس

السعادة: تكمن في العطاء

الطبيعة: جمال وانطلاق

من هو مثلك الأعلى؟

والدي يوسف عرسان صبّاح رحمه الله

هل لديك ميول كتابية غير الشعر؟

نعم، أكتب الخاطرة، والقصة القصيرة.

 

ما رأيك بالطفرة النسوية وهذا الكم ممن يتعاطين الكتابة؟ وكيف ترين مستواهن الإبداعي؟

- يسعدني أن أرى ازديادا ملحوظا في عدد النساء المبدعات، وهو أن دلّ على شيء فإنما يدلّ على ازدياد الوعي الثقافي والأدبي والفكري لديهن، أما من حيث المستوى فأترك أمر تقييم كتاباتهن للنقاد.

 

ماذا مع مشاريعك الأدبية المستقبليّة؟

- أفكر في إصدار ديوان شعر، وكذلك أفكر في إصدار كتاب "اتجاهات جديدة في أدب نجوى قعوار فرح" وهو خلاصة رسالة الماجستير، كما أطمح في نشر رسالة الدكتوراه التي أعدّها وموضوعها" المنفى والاغتراب في روايات غالب هلسا".

 

ما هي الكلمة التي ترغبين أن توجهيها لجمهور القرّاء؟

- أن يجعلوا القراءة نمط حياة وخاصة للأطفال فهم بناة المستقبل وعلينا أن نغرس فيهم القيم السامية والذائقة الأدبية الرفيعة.

 

أجراه : شاكر فريد حسن

 

1155 عبد الرضا علي2- حين اقتنيتُ (شرح لاميَّة الطغرائي) بثلاثة دراهم، وبدأتُ بقراءته، هزَّتني أبيات اللاميّة، وحين انتهيتُ منها وجدتُني أبكي، فعدتُ إليها ثانيةً.

- إنَّني بعضُ غرس شيخي، ومعلّمي، وسيّدي الطاهر جزاه الله أفضل الجزاء.

- لستُ نادماً على ما دوَّنته أبداً

- تناولتُ تجارب شابَّة مهمّة

- الزمن الراهن هو زمن الرواية (والسرد) بامتياز

- وإذا تحرينا الواقع وجدنا أنَّ [عليّ أحمد باكثير] هو أول من كتب على طريقة (الشعر الحر)

***

بين الراحل د. أحمد الوائلي، ود. عبد الرضا وشيجة تواضع جميلة اذ كان كلاهما شاعر فحل وكان الوائلي بتواضعه الجم يقول عندما يستشهد بشعر له: (قال شاعر معاصر) أما د. عبد الرضا فلا يقول شيئا على الإطلاق. والوشيجة الثانية اشتراكهما بحب الناس للجلوس تحت منبر يعتليانه لكن المختلف بينهما ان د. عبد الرضا علي اكثر حرية من د. الوائلي حيث ينشغل الوائلي في قضية واحدة ويتمدد د. عبد الرضا على عموم الساحة الأدبية لكن اختلافهم يكمن بين الحداثة والبدايات اذ يلزم الوائلي ان يكون منبره في باحة مسجد او قريبا من محرابه في حين تحرص الجامعات أن يزين وجود د عبد الرضا صدر قاعاتها الفخمة وان يكون جلاس منبره من النخبة وطلاب العلم في مراحل متقدمة وكان كلا الرجلين ظريفا لطيف المعشر متصالحا مع نفسه صادقا مع الناس عاشقا للجمال مع سرعة بداهة وقدرة على التعامل مع مجسات السرور ود عبد الرضا المولود عام 1941 سأقتطع شيئا من سيرته الذاتية للتعريف بعلم في رأسه أدب ..

- حصل على بكالوريوس آداب من قسم اللغة العربية في الجامعة المستنصرية سنة 70- 1971 م, بتقدير “جيد جدا” وكان الأول على قسمه.

- حصل على دبلوم عال في اللغة والأدب من معهد البحوث والدراسات العربية العالية التابع لجامعة الدول العربية في القاهرة سنة 1975م, بتقدير “ممتاز”.

- حصل على الماجستير في الأدب الحديث والنقد من كلية الآداب / جامعة القاهرة سنة 1976م, بتقدير “جيد جدا”

- حصل على الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها (الأدب والنقد) من كلية الآداب جامعة بغداد في 5/1/1987م, مع التوصية بطبع رسالته.

لست مدعيا وصلا بليلى فالرجل اكبر من ان يكون صديقي لكن حرفتي تبحث عن منجزه وشهرته وطرح اسئلتي عليه.

1155 عبد الرضا علي

أولاً: هل تفقد الأسرار سريتها بعد السبعين؟ إن كان الجواب بنعم فليكن حواراً مختلفاً، وإنْ كان بلا فـ (شلك على ابن الناس غير مروته)

1 ـ من رسم خطوتك الأولى على طريق الأدب؟.

ج1ـ المصادفة.. فحين اقتنيتُ (شرح لاميَّة الطغرائي) من أحدِ الباعة الذين يبيعون الكتبَ في عربةِ دفعٍ (حمل) بثلاثة دراهم، وبدأتُ بقراءته، هزَّتني أبيات اللاميّة، وحين انتهيتُ منها وجدتُني أبكي، فعدتُ إليها ثانيةً، وثالثة، وقد استغرقتْ تلك الإعادة أسبوعين، أو أكثر، ولعلَّ انشدادي إليها يعود لأمرينِ: الأول موضوعها، والثاني ضبط شكلها بالحركات بدقَّة، لذلك لم أعدْ أستسيغُ بعد قراءتي لشرح لاميَّة الطغرائي (تسمَّى عند بعضهم لاميّة العجم) أيَّ كتابٍ آخر غير مضبوطٍ بالشكلِ، وحين استويتُ كاتباً حرصتُ على ضبط نصوصِ الشعرِ التي أستشهدُ بها بالحركاتِ مثلما فعل أستاذي العلامةُ المرحومُ عليّ جواد الطاهر محقِّقُ اللاميَّة، وشارحُها.

 

2 ـ هل يختلف زمنك عن زمن علي جواد الطاهر فتختلفان أم ان النقد واحد رغم انف الازمنة؟

ج2 ـ نعم يختلف كثيراً، فقد كان زمن الطاهر هو زمن الكبار الذين تخرَّجوا في أرقى الجامعات العربيَّة، والأوربيّة، ودرَّسوا تلاميذهم المنهجَ العلميَّ القويمَ، وتركوا بصماتِهم الجليلة واضحةً على تلك الأجيال التي استقت منهم الموضوعيّة، والحيدة العلميّة، والرصانة.

أمّا موضوع النقد، فيمكنك قراءته في الكتب النقديَّة، ولكن أين تجدُ مثيلاً للعلاّمة الطاهر الآن لتتعلّمَ منه أدوات العمليّة النقديَّة، وشروطها، وفروق الفطرة، والاكتساب، والشك الذي يقود إلى اليقين، والوصول إلى الحقيقة، وإذاعتِها بين الناس.؟...

لهذا أشعرُ بالفخرِ يا صديقي راضي حين أقولُ: إنَّني بعضُ غرس شيخي، ومعلّمي، وسيّدي الطاهر جزاه الله أفضل الجزاء.

 

3ـ هل كانت لك (اخوانيات) نقدية ندمت عليها؟

ج 3 ـ لا يا صديقي لستُ نادماً على ما دوَّنته أبداً، لأنّني كنتُ فيه موضوعيَّاً، وأميناً، وسعيتُ إلى تأصيلِ القولِ في الأحكامِ، والنتائج.

 

4 ـ مالذي يجذبك للنص واجبك النقدي او الاستمتاع؟

ج 4 ـ كلاهما .

 

5 ـ هناك الكثير من الشعراء الجيدين لم تسلط عليهم الاضواء ولم تنصف تجربتهم هل مددت يدك لاحدهم وسحبته نحو الاضواء من خلال النقد؟.

ج 5 ـ لستُ قادراً على ملاحقةِ جميع الجيّدين من الشعراء الشباب، فطاقتي محدودة بحكم سنّي، فضلاً عن أنَّني لا أتوافر على جميع التجارب الجديدة بحكم كثرة أسقامي، ومكان إقامتي الذي اخترته بإرادتي في المهجر، ومع ذلك فقد تناولتُ تجارب شابَّة مهمّة، وشاركتُ في تقديم منجزها الإبداعي للناس، كما في تجارب: ضحى الحداد، وعليّ وجيه، وورود الموسوي، وضياء الأسدي، وعليّ الزاغيني، وبشرى الهلالي، وحياة الشمَّري، وغيرهم.

لكنّني أعترفُ أنَّ شاعرةً مهمّةً قصرتْ ذاتي النقديّة عن دراسةِ تجاربها المختلفة عن السائد، والمغايرة لما هو شائع في التحليل، والتفسير، والتقويم، هي: فليحة حسن، ولعلَّي سأكفّرُ عن ذنبي إذا شافاني ربيّ وعافاني، فهي تستحقُّ منّي كشفاً موضوعيّاً في ما لها، وما عليها.

 

6 ـ هل كان الجواهري بلا أخطاء أو خطل؟.

ج 6 ـ الكمال للهِ وحده، لذلكَ ما كان الجواهري في منأى عنها، ولا كان في منجى منها، وإن كانت قليلة.

 

7 ـ قسم الشعر تبعا للمراحل إلى جاهلي وإسلامي وأُموي وعباسي وحديث.. هل أنت مع التقسيم؟.

ج 7ـ هذا التقسيم ضروريٌّ، وسليم، وسيبقى مهمّاً من حيثُ التبويب المنهجي لكلِّ عصرٍ، فضلاً عن أنّه يُعين الدارسين الراغبين في دراسةِ ظواهر كلِّ عصرٍ، وموازنتها بالآخر، إلى جانب حصر التخصّصِ الدقيقِ لمن يتولّى تدريس المراحلِ في أقسام اللغة العربيّة.

وقد أشرتُ إلى اختلافِ التقسيم بين العرب والأوربيين في كتابي الموسوم بـ [الإيقاع في الشعر الشعبي] قائلاً: (قسَّمَ قدامى العرب الشعر العربيّ إمّا إلى أبوابٍ، وإمّا إلى موضوعاتٍ، كالحماسة، والرثاء، والوصف، والرحلة، وغيرها. وكانوا يُسمّونَ الكلّ باسمِ جزءٍ منها، كما في (حماسة أبي تمّام) وحماسات من تابعوه تصنيفاً، مع أنَّها تضمُّ موضوعاتٍ وأغراضاً عديدةً، لهذا فإنَّ الأغراض والموضوعات المتعدّدةَ على وفقِ تصنيفهم ذاك تشترط ضمَّ المتجانسات معاً ليس غير.

أمّا الأوربيّون فقد قسَّموه نوعيَّاً، فقالوا: الشعر الغنائي، والشعر الملحميّ، والشعرَ التمثيليّ، والشعر التعليميّ.

ومع أنّهم اختلفوا في تحديدِ أسبقيّةِ ظهورِ أيِّ نوعٍ منه قبلَ غيرهِ، فإنَّ بعضهم يرى أنَّ الملحميَّ أسبقُ من بقيّةِ الأنواع ظهوراً، وحجّتهم أنَّ الإنسانَ فطن إلى وجودِ الآخرينَ قبلَ أن يفطنَ إلى وجودِهِ، وهو تعليلٌ يصطدم بمن يرى أنَّ الشعرَ الغنائيَّ كانَ أسبقَ من الملحميِّ ظهوراً لأنه تعبيرٌ عن الذاتِ البسيطةِ، وما في وجدانِها من عواطفَ مختلفةٍ، في حين يقومُ الشعرُ الملحميُّ على الإطالةِ، والإحاطةِ بحركةِ الناسِ، وما يقعُ لها من حروبٍ مع أممٍ أخرى) ولعلَّ الدارس الجاد قادرٌ على الإفادة من التقسيمين على وفقِ المقاصد التي يروم الوصولَ إليها.

 

8 ـ لم يختلف الجميع على أن مظفر النواب هو عرَّاب الشعر الشعبي الحديث لكن إلى اليوم وبعد أكثر من 70 عاماً لم يتم الاتفاق على من بدء كتابة الشعر الحر.. نازك أم السياب.. أنت مع من؟

ج 8 ـ أخي راضي، هذه القضيّة لم تحسم تراتبيَّـتها حتى الآن، على الرغم من عشرات الدراسات القيّمة التي ناقشتها، لكنّني أميلُ إلى ما قاله السيّاب في مقالته [تعليقان] التي نُشرتْ في مجلّة الآداب البيروتيّة ع 6، في حزيران 1954م: (وإذا تحرينا الواقع وجدنا أنَّ [عليّ أحمد باكثير] هو أول من كتب على طريقة (الشعر الحر) في ترجمته لرواية شكسبير (روميو وجوليت) التي صدرت عام 1947، بعد أنْ ظلَّت تنتظرُ النشر عشر سنوات كما يقول المترجم (.....) ومهما يكن فإنَّ كوني أنا أو نازك أو باكثير أول من كتب الشعر أو آخر من كتبه ليس بالأمر المهم . وإنَّما الأمر المهم هو أن يكتبَ الشاعرُ فيجيدُ فيما كتبه، ولن يشفعَ له ـ إنْ لم يجودْ ـ أنه كان أول من كتبَ على هذا اللون، أو تلك القافية).

 

9 ـ لك ولع خاص بالشعر الشعبي خصوصاً المغنى لا يعرفه إلا من يتابعك.. من يشغلك.. الكلمات.. اللحن.. الصوت؟

ج 9 ـ كلها مجتمعة، لاسيّما حين تؤثّرُ في وجداني، ولا أكتمكَ سرّاً إن قلتُ لك: إنّني ذو عاطفةٍ رقيقةٍ جدّاً، وكثيراً ما أجدُ المآقي تبتلُّ بالندى تأثّراً، فأمسكُ القلمَ، وأترجم ما كان في وجداني من بوحٍ خفيٍّ.

 

10 ـ نعم الشعر هو الشعر كيف ما كان لكن هل هناك قاعدة لنقد الشعر الشعبي؟

ج 10 ـ المنهج النقدي (العلمي) لا يفرّق بين الأنماط حين يتعاطى مع الأساليب الشعريّة المختلفة إلا ما كان خافياً وراء منطلقاتٍ معيّنة قد ترد في بنية القصيدة الشعبيّة، لاسيّما في ليِّ بعضِ الحروف، ودمجٍ بعضها الآخر عند التقطيع.

 

ثانياً: (المعنى في قلب الشاعر) اعتذار بالعجز أو طريقة هروب لم يقبل بها الناقد .

11 ـ أين تكمن قدرة الناقد في معرفة مافي قلب الشاعر؟ وهل للمقولة من صحة؟

ج 11 ـ نعم سيّدي العزيز يمكن للناقد الحاذق أن يصل إلى المعنى الذي أخفاه الشاعر، وأومأ إليه على نحوٍ غامض ـ مع سبق الإصرارِ ـ في بنية النسيج الشعري، كما فعل عبد الرزاق عبد الواحد حين قال في(دمعة)، وهي ومضةٌ عن الشهيد:

سرقوا منه خوذتَهُ

سرقوا خاتمَ العرسِ من يدهِ

سرقوا جُرحَـهُ والنطاقْ

عندما أنشدوا، كانَ يبكي العراقْ

فهو هنا قد كال أعظم الشتائم للشعراءِ الذين استمع إليهم، وهم يُنشدونَ في يوم الشهيد، ورأى أنَّ العراق كان يبكي وهو يستمع إلى قصائدهم تلك، لأنَّها كانت فجّةً، فأساءت لمكانة الشهيد عند(أهله) الشعب، و(وطنه) العراق.

 

12 ـ كتبت عن السياب وتجربته الشعرية كتاباً نقدياً رصيناً.. هل صح لديك أنَّ السياب كان يسرق أو يقتبس من صاحب الأرض اليباب (ت س إليوت) بعضاً من قصائده؟

ج12ـ السيّاب كان قد تأثَّر بـ (ت. س. إليوت) تأثَّراً واضحاً، وهناك فصلٌ في كتابي عن ذلك التأثّر أسميته بـ (التجربة الإليوتيّة) لكنَّ بدراً هو الذي أرشد الناس إلى أهميَّة إليوت، ودوره في استخدام الأساطير، وتوظيفها فنيَّاً، ولم يثبت أنَّ السياب قد سرقَ من إليوت، أو من غيره، فتلك فرية أرادَ بعض الحاقدين أن يروِّجوها، فلم يتمكّنوا، لأنَّ ما كان السيّابُ قد ضمّنه من شعر غيره، قد أشارَ إليه في هوامش قصائده.

 

13 ـ لو اختير شاعر لكل عصر ثم انتخب شاعر لكل العصور .. ياترى من هو شاعر كل العصور؟ ومن هو شاعر عصرنا الحاضر؟

ج 13 ـ لستُ مقتنعاً بفرضيّة (شاعر كلِّ العصور) فضلاً عن أنَّني لستُ قادراً على تسميةِ شاعرٍ معيَّنٍ لهذا العصر منفرداً، ولكن يمكن لعددٍ من شعرائنا (مجتمعين) أن يكونوا مرآةً لعصرنا هذا... كان الجواهري رحمه الله متنبّي عصرنا، وسيبقى ثالث النهرين، وحين ارتحل كانت الأنظار تتجه إلى أنَّ عبد الرزاق عبد الواحد يمكن أن يكون امتداداً له، وحين ارتحلَ عبد الرزاق توجَّهت الأنظارُ إلى يحيى السماوي، ومحمّد حسين آل ياسين وغيرهما ليكونوا امتداداً لذلك النهر الدافق في هذه الحقبة الراهنة، وهنا لابدَّ أن ننبّه أننا في هذا التوصيف قد اقتصرنا على شُعراء شعر الشطرين، والتفعيلة، ولم نشرك معهم كتّاب النصوص المفتوحة، أو ماسُمّيَ بـ كتاب قصيدة النثر، فهذه النصوص منفلة من عقالِ الموسيقى التي قال عنها فيثاغورس: (الكون مبنيٌّ بناءً موسيقيَّاً.)

 

14ـ كان المتنبي بعلاقته مع الحاكم يبحث عن امارة.. ماهي بغية الجواهري؟

ج 14 ـ كانت بغية الجواهري الكون كلّه:

يا مزيجاً من ألفِ كونٍ ترفَّقْ  إنَّ كوناً على ذراعيكَ أغفى

 

15 ـ انت مع من؟ المقفى.. الحر.. النثر؟

ج 15 ـ مع القصيدة المدهشة المختلفة المغايرة، مع وجوب التنبُّهِ إلى أنَّ كتاب قصائد الأعالي قلَّةٌ، وسبق لي أن أشرتُ إلى أنَّ القابضين على جمرة قصيدة النثر المدهشة لا يتجاوزون عدد أصابعِ اليدين.

 

16ـ كيف ترى مستقبل الشعر؟

ج 16ـ مع أنَّ الناقد الكبير الدكتور جابر عصفور يؤكّد على أنَّ الزمن الراهن هو زمن الرواية (والسرد) بامتياز، إلاّ أنني لا أرى ذلك، فللشعرِ دورهُ الفاعل في الحياةِ الثقافيّة، والعامّة إذا تمكَّن صانعه من معرفة هدفه، لأنَّ الشعرَ لم يعُد كما كان قبلاً (الكلام الموزون المقفّى الذي يدلُّ على معنى)، لأنه أضحى نبوءةً، وخلقاً، ورؤيا على وفق رأي أدونيس. لكنَّ كثرة المدَّعين ممن هبَّ ودبَّ بحملِ صفةِ شاعرٍ (جزافاً) هذه الأيام ممَّن دبَّجوا عشرات المجاميع التي رصفت المفرداتِ رصفاً باعتبارها قصائد نثر، هي التي قد تسيءُ لمستقبلِ الشعرِ، بتقديمِ نصوصٍ فجَّةٍ ذاتِ ألوانٍ داكنة، أو باهتة، سواءٌ أكان ذلك في الأداء، أم في التوصيل.

 

حوار / راضي المترفي

 

1143 البروفسور فالتر سومرفيلدوحديث عن  الآثار العراقية وتدميرها وسرقتها وأمور أخرى...

نقلا عن مجلة جيو أيبوخه (GEO Epoche) الألمانية/ العدد 87

ترجمة: بشار الزبيدي

***

جيو أيبوخه: الأستاذ البروفسور سومرفيلد، ماذا عن وضع الآثار القديمة في بلاد الرافدين؟

فالتر سومرفيلد: سيء للغاية - على سبيل المثال في نمرود، في مدينة كالخو القديمة. تلك المدينة التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين، واحدة من الروائع الأثرية في الشرق الأدنى القديم: وواحدة من أبهى العواصم الآشورية، باحتوائها على مقبرة ملكية غير مستكشفة. في عام 2015، قام مقاتلو ما يُسمى بـ "تنظيم داعش" بتدمير الآثار بشكل مُمنهج، إذ تم نسفها وتحطيمها بواسطة البراميل المُتفجرة والجرافات.

 

جيو أيبوخه: لماذا هذه الكراهية؟

فالتر سومرفيلد: يدعي تنظيم داعش بأن: "سكان بلاد ما بين النهرين كانوا من أتباع الآلهة الوثنية، ونحن نستأصل كل أنواع الشرك، سواء في الحاضر أو في الماضي." عدا ذلك لا يفكر أي إنسان آخر في العالم الإسلامي بهذه الطريقة. يُشير القرآن مرارًا وتكرارًا إلى بقايا الإمبراطوريات والمدن المفقودة: كتحذير للأشخاص الذين لا يعيشون حياة إلهية. ولا يوجد نص يُوجب تدمير هذه الأماكن.

 

جيو أيبوخه: أي اضرار أخرى الحقها تنظيم داعش؟

فالتر سومرفيلد: لم يوثق الرأي العام على الأغلب الكثير من عمليات التدمير، بالأحرى المتجارة غير القانونية للسرقات الآثارية. نفذ تنظيم داعش هذه السرقات بشكل مُمنهج في جميع المناطق التي خضعت تحت سيطرته. لكن قدمت بالمقابل أحزاب الحرب الأهلية الأخرى في سوريا والقوات الحكومية الخدمة للتراث الثقافي.

 

جيو أيبوخه: كيف تتم عملية المتاجرة بالمسروقات؟

فالتر سومرفيلد: يتم تهريب التماثيل والأقراص الطينية والأختام الإسطوانية خارج البلاد إلى كردستان وتركيا والإمارات العربية المتحدة. هناك تجار قاموا لعقود من الزمن ببناء شبكات تهريب في جميع أنحاء العالم.

 

جيو أيبوخه: من هم المُشترين؟

 فالتر سومرفيلد: مجموعات من أوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل. والآن أيضا العرب الأغنياء وعلى نحو متزايد من دول الخليج. حيث وضعوا القطع الأثرية في خزائنهم كاستثمار مالي وينتظرون حتى تتوقف إمدادات آثار بلاد ما بين النهرين وترتفع قيمتها كثيراً. لكن المتاحف ساهمت أيضاً بهذه التجارة في الماضي، وبشكل خاص في الولايات المتحدة.

 

جيو أيبوخه: أليس بيع الآثار من المحظورات؟

فالتر سومرفيلد: حالياً نعم. ولكن في الغرب، كانت أسواق التحف المسروقة مسموح بها قانونيا لسنوات. وفي الوقت نفسه، هناك اتفاقيات دولية لليونسكو وقوانين الحماية. وبالتالي أصبحت المُتجارة تتم بالخفاء، وبهذا تكون العملية خارج حدود السيطرة. لكن الأمر كله يتعلق بالمبالغ الضخمة: فقد دفع مثلا قبل بضع سنوات مشتر خاص مجهول مبلغ قدره 57 مليون دولار من أجل شراء تمثال على هيئة أسد عُثر عليه أثر تنقيبات عام 1930 في بلاد الرافدين.

 

جيو أيبوخه: ما هو الدور الذي تلعبه ألمانيا؟

فالتر سومرفيلد: لسوء الحظ، كان دائماً بلدنا بمثابة إلـ دورادو فيما يخص التحف المسروقة. لم يتم بذل جهود جادة لوقفها حتى عام 2016. حتى ذلك الحين، كان يمكن بيع هذه المسروقات بشكل قانوني أو على الأقل بدون عوائق.

 

جيو أيبوخه: إن إرث بلاد الرافدين لم يعانِ إلا منذ ظهور "تنظيم داعش".

 فالتر سومرفيلد: كلا. فالغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق في عام 2003 وتهاون الأمريكيين، أوقع البلاد بيد اللصوص. الأضرار الناجمة عن ذلك هي واحدة من الأسوأ في تاريخ العالم. إنها أسوأ بكثير من أي شيء فعله تنظيم داعش، لأنها شملت جميع أراضي العراق،ومنطقة واسعة النطاق. قامت القوات الأمريكية أيضًا ببناء معسكر للجيش على أنقاض مدينة بابل وإنشاء مهبط للطائرات هناك. على الرغم من أن هذا الأمر كان يجب أن يحمي أيضًا المواقع الأثرية، إلا أنه أضر كثيرًا بالمواد الأثرية للموقع.

 

جيو أيبوخه: من المفترض،أن تكون هناك هناك طلبات ملموسة من جامعي القطع الأثرية القديمة قبل غزو القوى الغربية.

فالتر سومرفيلد: هذا ما أكده لي الزملاء العراقيون مراراً. ففي المتحف الوطني ببغداد، بعد غزو عام 2003، لم يحصل نهب عشوائي فحسب، بل أيضاً تم الاستحواذ على بعض القطع الأثرية عن عمد، وربما كانت هذه القطع غنيمة للصوص مأجورين متأهبين لهذه المهمة سلفاً.

 

 جيو أيبوخه:  لكن ماهو الفرق بالنسبة لك بين لصوص الآثار الحاليين وبين باحثي القرن التاسع عشر الأوروبيين الذين قاموا بنقل الكثير من الكنوز خارج مناطقها؟

فالتر سومرفيلد: في ذلك الوقت، كان معظم هؤلاء الباحثين قد حصلوا آنذاك على تراخيص رسمية من الحكومة العثمانية في إسطنبول: لذا فقد احترموا القانون الدولي، وتم بعد ذلك تقاسم الاكتشافات. بالطبع، سيتم تقييم مثل هذا التصرف بشكل مختلف تماماً عما يحصل اليوم.

 

جيو أيبوخه:  كان الألماني روبرت كولدوي في ذلك الوقت أحد علماء الآثار في بلاد ما بين النهرين. وبفضله، تقف اليوم بوابة عشتار البابلية شاخصة في متحف بيرغامون في برلين.

 فالتر سومرفيلد: من يرى البوابة، يفكر: بأن كولدوي قام بنقلها كاملة من بابل وأعيد بناؤها في برلين. إلا أن القليل من الزوار يعرفون أنه أحضر 500000 قطعة فردية في مئات الصناديق. وأن 30 عاملاً أعادوا بناء البوابة من هذا الحطام على مدار عدة سنوات. كانت تلك لعبة ألغاز عظيمة. بدون هذا الجهد الهائل، لما كانت بوابة عشتار موجودة اليوم.

 

جيو أيبوخه: لكن أليس البوابة مُلك للمتحف الوطني ببغداد؟

 فالتر سومرفيلد: اكتشافات بلاد الرافدين هي مُلك للدول المحلية ولكنها أيضًا تراث ثقافي عالمي. كان بإمكاني التعايش مع حقيقة أن المتاحف الغربية ستعيد كل القطع إلى بُلدانها الأصلية: في حال سهولة وصول العلماء الدوليين إليها في بغداد كما الآن في برلين أو باريس أو لندن. ولكن هذا ليس ممكنًا.

 

 جيو أيبوخه: ما حجم الخسارة التي طالت الأبحاث جراء المسروقات؟

 فالتر سومرفيلد: لا تُقاس ولا يُمكن تعويضها. عندما يتم هدم المدن القديمة التي تعود إلى آلاف السنين، فإن ثروة لا حصر لها من المعلومات والوثائق وفن العمارة تختفي بكل بساطة. ونحن لا نعرف ما إذا كان الآلاف أو مئات الآلاف من القطع التي تم استلابها من الأرض واختفت في مجاميع خاصة. في سوريا وحدها، لُحقت أضرار بنحو 1500 موقع قديم أو دُمرت تماما جراء الحفريات غير القانونية. وتُظهر صور الأقمار الصناعية أن العديد من الكيلومترات المربعة من سطح العراق أصبحت بفعل نابشو الآثار أرض صحراء صخرية.

 

جيو أيبوخه: ماذا تقول للأشخاص الذين يعتقدون أن في ظل الحرب والإرهاب، هناك أشياء أكثر أهمية من الحفاظ على بعض التماثيل القديمة وألواح الكتابة الطينية؟

فالتر سومرفيلد: أنا لا أحب هذا التناقض. بالطبع، حماية الناس أمر بالغ الأهمية. لكن الإنسانية تشمل أيضًا الثقافة والاهتمام بالماضي.

 

 

1135 خالدة المالكيوكل ما يشغل بالها ان تكون قريبة والجرح لازال طريا

امرأة امتلأت حنانا وفاض قلبها حبا وحفرت دموعها على خدها مسارات لها.. حنانها مجانا لكل عراقي نصر العراق ولايهم ان كان هذا النصر بالكلمة او البندقية او بالموقف وقلبها يرقص حبا لشفاء جريح او الوقوف بجانبه وليس مهما ان يكون الجريح في ميسان او الانبار او غيرها المهم ان تكون هي تلامس عيونها جرحه وتمسك يدها الضماد ويلهج لسانها بكلمات الدعاء ولاتهدأ حتى ينام الجرح ويهدأ صاحبه ثم تتطاير اخبارها شرقا وغربا باتجاه الوزارات والدوائر.. يعرفها اغلب المسؤولين من خلال تنقلها بين جرح وجرح ويرسلون لها الدعوات لكنها تقف امام هذه الدعوات موقفين لايشبه احدهما الاخر الاول انها تكون مسرورة جدا يوم تلتفت الوزارة او الدائرة التي ينتمي لها الجريح وتعتني به وتحاول تخفيف الالم وتقوم بالمواساة ويكون وجهها عبوسا يوم تكون الدعوة شخصية يريدون منها زيارتهم . تختفي وتنقطع عنا اخبارها وفجأة نجدها في محيط جريح سبقت الجميع وشدت رحالها وذهبت لزيارته احيانا تدعو من قريب عليها للذهاب معها واحيانا لايمهلها الوقت حتى حمل حقيبة يدها .. هذه هي زميلتي وصديقتي الصحفية خالدة المالكي التي دردشت معها بعد ان وجدها يوم امس ودعتني لفنجان قهوة في (كافيه) كان ملتقى لنا في الايام الخوالي وكان سؤالي الاول:

 

- اين تتجلى حقيقتك؟ في حبك للعراق؟ او مواساتك للجرحى؟

- لو تعرف انني سليلة من واسى ابا ذر وحظي بشرف ان يكون رداؤه هو كفن الصحابي الجليل رغم وجود اخرين والسبب ان جدي كان وقتها شابا اعتنق الاسلام مبكرا وكان عفيف اليد والقلب واللسان فأختار ابا ذر ان يكون رداء مالك الاشتر كفنا له . اما بخصوص حب العراق فلن احدثك لكن اخبرك فقط اني رغم كل الشرور والاذى لم اغادر مثل الاخرين مع وجود الفرصة وبعد سقوط نظام البعث لم احصل حتى على استحقاقاتي ودفعت ايضا ثمنا باهضا من الدم بسبب الارهاب .

 

- ماهي قصتك مع الجرحى؟

- وكيف يتسنى لك معرفة الجريح؟

- ومن يغطي نفقات سفرك المستمرة لزيارة الجرحى؟

سأجيب على هذه الاسئلة الثلاث دفعة واحدة واقول :

- قصتي مع الجرحى انني عند استشهاد ابنتي وحين كنت في المغتسل حيث نظرة الوداع وحيث لم أجد لها يدان او ارجل او وجهها الباسم وقبله الوداع قررت حينها أن يكون للجرحى نصيب كامل باهتمامي ووقتي اكراما للشهيدة ابنتي ولأنها في حياتها كانت عطوفه على المريض والفقير عطف ليس له مثيل اما سؤالك بخصوص كيف يتسنى لي . تأتيني يوميا مناشدات على الخاص او واتساب يشرحون فيها الجرحى لي حالتهم وانا بدوري اختار الحاله الاصعب لانها الاولى بالاهتمام وسواء وصلت للجهه المعنيه فهذا خير وان لم تصل أصطحب المواطن المتبرع معي في المحافظات وأكثرها الجنوبيه لأن المواطن المتبرع من حقه ان يريى الحاله ومن الامور الرائعه انني في كل جوله أجد هناك فريق تطوعي جاهز ليساعدني في حملتي لان الوقوف في الاسواق والمجمعات امر متعب فشكرا لهم والحمد لله انه في كل مكان اجد ناس طيبة ومتبرعين يساعدون في هذا الغرض .. ملاحظه اذا كان مبلغ علاج الجريح لايكفي بمحافظه واحده اكمل مسيرتي بمحافظه اخرى .. المهم علاجه , والحمد لله لحد الان ٢٣ جريح تم تسفيرهم للعلاج خارج العراق بنفس الطريقه .. وآخرهم الجريح البطل عباس تركي ضرير الحشد اما تكاليف سفر حملاتي انا اتكفل بها دائما لان الجريح جريح وليس من المعقول ان اجعل تكاليفي عليه

 

- هناك امراة في الهند في السبعينات يوم كان للهند حروبا وفقر اسمها (تيريزا) وبسبب مواساتها ومساعدتها الضحايا اطلق عليها اسم (الام تيريزا) هل هناك شبه بينك وبينها او هدف مشترك؟

- الام تيريزا تستحق احترام وتقدير لدورها الانساني وانا اعتبر كل ام شهيد عراقيه هي تيريزا.. وهناك الكثير من الامهات واطلق علي لقب (ام الحشد) وانا فخوره جدا بهذا اللقب

 

- ماذا تفعلين لو خلي العراق من الحروب والجرحى؟

- لن يخلى العراق من الجرحى لان الجرحى عددهم كثير ومهملين من قبل الجهات المعنيه

 

- هل طالبت يوما بحقوقك كمتضررة من النظام السابق ومتضررة من الارهاب؟

- لأكثر من ه١ عام لم اطالب بحقوقي كأم لشهيدة ضحايا ارهاب وعندما قررت المطالبه واكملت معاملتها دائرة ضحايا الارهاب ضيعت معاملة ابنتي رحمها الله على الرغم من اني كنت مصممه ان تكون كل مستحقاتها هديه مني للجرحى والايتام .

 

- هل لديك امنية؟

- أمنيتي هي أن أبني دار نموذجيه للايتام من عمر صغير الى عمر الجامعه وتكون الدار متكفلة بكل احتياجاتهم .

 

- ماهي الرسالة التي تودين توجيهها للنساء الصحفيات اولا ولكافة الزملاء؟

- رسالتي للصحفيات هي بما انكم صحفيات ولكم صوت وشأن في جميع مرافق الدوله وبما اننا لدينا كم هائل من الجرحى اتمنى ان تستغلن مناصبكن وقاعدتكن الجماهيريه بايصال صوت الجريح والمظلوم الى الجهات المختصه لان الجريح عاجز عن ايصال صوته ومظلوميته للمسؤل وبذلك تكونن قد مارستن دوركن المهني والانساني بأكمل صوره لان الانسانيه هي الفيصل وهذا أقل واجب نقدمه للذين ضحوا باجسادهم ودمهم للوطن

 

حاورها:  راضي المترفي

 

91 عبدالنبي الصروخ 1في مدينة السحر والجمال طنجة الندية تفتقت موهبة الفنان التشكيلي عبد النبي الصروخ، وتشكلت ملامح شخصيته الفنية مبكرا وهو ما يزال  طفلا بريئا حالما يشاغب بالبيت وبالمدرسة ويمنح لشغبه الحي مزيدا من الحياة. ومن جمال المدينة ومن تميزها الإنساني والطبيعي اكتسب رؤية نافذة عميقة للحياة ساعيا وراء اكتشاف كل الأسرار التي تحيط بالكون والإنسان. يستلذ المناورة في حمى كل ما هو سائد ومألوف، ويمنح لنفسه الحق في متابعة كل الجزئيات التي لا يلتفت إليها باقي الناس. يمتلك حساسية مفرطة إزاء المسخ الذي أصاب القيم في محيطه الاجتماعي، ويحمل في أعماقه نفسا بسيطة مسالمة لكنها تواقة إلى طرح الأسئلة الكبرى المستفزة،  كما أن  له نظرة مختلفة إلى الأشياء  تنطلق من أساس فلسفي خالص.  وقد ساعده على ذلك ثقافته العميقة التي تجمع بين عشق الفن التشكيلي وعشق الكتاب. فاستطاع بهذا الجمع اللطيف بين الرافدين التشكيلي والأدبي أن يصنع شخصية مبدعة تحول النصوص الأدبية والصور الذهنية إلى ألوان مرئية، وترسم الأفكار والأحلام والمواقف والنظريات الفلسفية في لوحات بهية.

كان اللقاء بهذا الفنان مفيدا مغريا بالسباحة في عوالم الجمال والأدب والفلسفة والتاريخ، بشكل يجعل الجليس عاجزا عن إيجاد الفرق بين المثقف والفنان في هذه الشخصية. فإذا تكلم عن الرسم وعالم التشكيل يعود بك إلى  محطات من التاريخ والحضارات الإنسانية، ثم ينقلك نقلا سريعا نحو الواقع المعيش و ما يعج به من صراع القيم واختلاف الإيديولوجيات والمنطلقات وهيمنة عقلية الربح وطغيان منطق الاستهلاك. فتجد أن اللوحة التي يتحدث عنها شيئا آخر غير الرسم، وتستطيع أن تقرأ في تفاصيلها ما لا يمكن أن يقرأه غيرك. فمن فجواتها وألوانها تطل عليك الأحداث والأخبار والصور والحكايات والأحلام والتطلعات بشكل يدفعك إلى المزيد من الفضول في التعرف على حقيقة الفن التشكيلي على روحه التي تحجبها الألوان والأشكال. ولذلك آثرت أن أعرض على القارئ هذا الحوار الهادئ المثمر الذي تحول إلى حديقة معرفية وفنية تمنح لكل قارئ نصيبه من المتعة واللذة والفائدة.

س: بداية، أودّ أن نؤسس لهذا الحوار من عتبة البدايات. وأجمل الأشياء وأصعبها هي البدايات. وأقصد هنا النشأة بكل ظلالها الحلوة والمرة، باعتبار أن المحطات الأولى حاسمة ومؤثرة في مسيرة كل إنسان.

ج: لا أدّعي أن طفولتي كانت استثنائية، ولكن الذي يمكنني أن أؤكد عليه هو ذلك الميل الفطري نحو الرسم وذلك الهوس الكبير بالخط منذ سنوات الدراسة الأولى. فقد وجدت نفسي وبدون وعي مني أداعب القلم وأخط على الورق ما كنت أعتبره آنذاك ترفا ولعبا وخربشات لا معنى لها إلى أن انتبه أحد معلمي إلى هذه الموهبة، وقد كان هو أيضا مغرما بالخط بارعا في الرسم. كلفنا يوما في إحدى الحصص الدراسية برسم الهيكل العظمي، فانبهر بما أنجزته، وشجعني على الاهتمام بالرسم. وكانت المفاجأة أكبر لما طلب مني زملائي مساعدتهم في إنجاز هذا الرسم. منذ ذلك الحين أحسست بالتميز على أترابي وبكوني أمتلك شيئا يفتقده الآخرون.والأمر الغريب الذي لا أجد له تفسيرا إلى يومنا هذا هو ارتباط بدايتي الأولى بالهيكل العظمي منذ ذلك الحين، فقد أصبح تيمة محورية في جل رسوماتي. كنت أرسم "السيد الهيكل العظمي" جالسا أو راقدا وتارة راكضا خلف الكرة وتارة أخرى راقصا أو سابحا أو غيرها من الوضعيات. ولا زلت أتأمل هذه البداية الغريبة وأبحث عن السر الذي جعل الجماجم والعظام تستهويني وتنصاع لموهبتي، لأفعل بها ما أشاء وأشكلها كما أريد بدون تكوين فني سابق. فما معنى أن ترتبط البداية بالنهاية، وما دلالة أن ترتبط الطفولة بالموت ؟؟؟

أما بخصوص علاقتي بباقي المواد فلا أنكر أنني كنت متهاونا متهورا مشاغبا كثير الغياب والمشاكسة.وبسبب ذلك ضيعت سنوات من عمري الدراسي، انقطعت عن الدراسة فترة، واشتغلت بالتجارة وببعض المهن البسيطة هروبا من بطش المعلمين، وفرارا من إنجاز الواجبات المنزلية. لكن إصرار والدتي عليّ للعودة إلى رحاب المدرسة كان أكبر من إرادتي. وقد نجحت في إقناعي، خصوصا أني جربت عذابات العمل مبكرا، وقاسيت ما فيه من تعب ونصب ونهْر وقهْر وتسلط المشغّل وغطرسته. فعدت إلى المدرسة لأجد نفسي أكبر التلاميذ سنا وأطولهم قامة، لكن نحافة الجسم كانت تشفع لي وتسهل عليّ الاندماج في ذلك الوسط الجديد. وبسرعة جاريت إيقاع الدراسة فصرت من المتفوقين. وظلت موهبة الرسم ترافقني، بل تزداد رسوخا وتعمقا في وجداني. وفي هذه المرحلة اتجهت نحو فن البورتريهات، فرسمت وجوها تقريبية لشخصيات سياسية وكروية وفنية شهيرة، حتى صرت بارعا في ذلك إلى درجة أنني أقمت أول معرض لي بالمدرسة، فكانت لوحاتي المتواضعة تزين جدران الفصل الذي كنت أدرس به. ثم بدأت علاقتي بعالم الرسم تتسع وتكبر بشكل أكثر نضجا حينما اتصلت بالفنان العالمي (خليل غريب) الأب الروحي الذي أدخلني إلى عالم التشكيل من بابه الواسع، وحفزني كثيرا على الاستمرار وعلى تحقيق التميز. ومنذ ذلك الحين صرت أرسم لوحاتي وأعرضها للبيع في إحدى المكتبات بمدينة طنجة، الشيء الذي جعلني أوجه بوصلة دراستي كليا نحو الفن وأخطط لمستقبلي بريشة الرسام. هكذا كانت البداية الثانية وأنا لم أتجاوز العشرين من العمر.

س: من خلال هذا السرد الطريف نخلص إلى أنك في بدايتك الأولى دخلت عالم الرسم بالصدفة وبرعت فيه بشكل عصامي بدون تكوين فني أو دراسة. لكن كيف طوّرت هذه الموهبة؟، وما الروافد الفنية التي ساهمت في ولادتك الثانية كفنان له بصمته ورؤيته وفلسفته في عالم التشكيل؟

91 عبدالنبي الصروخ 2

ج: ارتبطت هذه الولادة الجديدة بامتهان مهنة التدريس كأستاذ للفنون التشكيلية. فقد كان الجانب الوظيفي عاملا كبيرا وحاسما في دفعي نحو الإبحار في عالم الرسم ونحو الاطلاع على كل المدارس الفنية القديمة والحديثة، لأن وضعي الجديد أصبح يفرض علي أن أخوض غمار التجريب كفنان يجمع بين الدراسة النظرية للفن وبين ممارسة لعبة الإبداع. وبالفعل ازدادت مهاراتي تنوعا واتسعت مدركاتي الفنية عمقا، فصقلتُ موهبتي بما يكفي من زاد علمي غزير وبالانفتاح على تجارب عالمية رائدة في ميدان التشكيل.  ومع مرور الأيام أنشأت محترفا للرسم بالبيت الذي أسكن فيه، وجعلت منه مستودعا لحساسياتي الفنية ومعتكفا أمارس فيه طقوسي الإبداعية. أختلي فيه ساعات طوالا وأحاور فيه نفسي الأمارة باقتحام مضمار الاحتراف. وهكذا أنجزت لوحات عديدة من مختلف الأحجام وبكل المواد الخام المتوفرة، ثم اقتحمت عالم العرض فشاركت في معارض كثيرة فردية وجماعية داخل المغرب وخارجه بإسبانيا وفرنسا وبلجيكا. وقد أتاح لي ذلك الانفتاح اللقاء بكبار الفنانين العالميين وحضور منتديات حول المدارس الفنية الحديثة، الشيء الذي منحني مزيدا من الثقة للمضي قدما في هذا الدرب.

س: من المعروف عنك أنك قارئ جيد.. فما السر الذي جعلك مدمنا على الكتاب شغوفا به؟ وكيف أثر الكتاب على موهبتك الفنية؟

ج: من المؤسف جدا أن تجد بعض الفنانين لا يصاحبون الكتاب ولا يغذون موهبتهم بالمعرفة، ويكتفون بما لديهم دونما انفتاح على ثقافات الشعوب ومنجزاتها الفنية. والواقع أن الكتاب رفيق ضروري وجليس لا غنى للفنان عنه. منه يستمد الصور والأخيلة والأفكار والتجارب. وبالكتاب يغذي الفنان رؤاه ومواقفه وأساليبه. فالقراءة بالنسبة إلي هي نوع من التوعية المؤثرة التي تحدث زوبعة ذهنية تدفع الفنان إلى تجديد ذاته باستمرار وإلى مراجعة مكتسباته وقناعاته بشكل دائم.  ولذلك كنت حريصا على الجمع بين القراءة والممارسة الفنية. أجد متعتي في المطالعة بقدر ما أجدها وأنا أمام لوحاتي. وكل قراءة تزيدني قوة ورغبة في ترجمة تلك الأحاسيس والفوائد إلى أشكال وألوان وصور. وهنا أؤكد أن الرسم -على مر التاريخ- لم يكن قطُّ منفصلا عن العلوم والفلسفات والدين والتاريخ والمجتمع، بل كانت المعارف السائدة في كل عصر تحضر بظلالها في اللوحات الخالدة. بحيث تصبح كل لوحة كتابا تتقاطع فيه النظريات والتصورات والقيم مع الحمولة الفنية. ولذلك كانت علاقتي بالكتاب وطيدة خصوصا مع أمهات الكتب الأدبية والتاريخية والفلسفية والتربوية لكبار الكتاب العرب والأجانب، فعلى سبيل المثال قرأت كتب: أمين معلوف، عبد الرحمن منيف، باولو كويلو، غارسيا ماركيز، تولستوي،إدريس الشرايبي،عبد الكبير الخطيبي، محمد شكري، نجيب محفوظ، دوستوفسكي، برغسون، جاكطالي، وغيرهم كثير... وأشير هنا إلى أنني لم أكن أكتفي بمنجز واحد، بل أحرص على قراءة الأعمال الكاملة لكل مبدع حتى أشكل الصورة الكاملة لمشروعه الإبداعي وأفهم تفاصيل رسالته الفنية الكامنة في تجاربه المختلفة. وقد ساعدتني هذه القراءات المتنوعة في عملي الإبداعي وفي الانفتاح على الثقافات الإنسانية من بوابة الكتب واللوحات. فأنا أؤمن بالمثاقفة والانفتاح وبكون الرسام في حاجة ماسة إلى التحرر قليلا من قيد الثقافة الواحدة وإلى الاغتراف من معين المنجزات العالمية، لأن الفن إنجاز إنساني تتداخل فيه الهويات والانتماءات والجغرافيات واللغات والأديان والثقافات. وهذا التلاقح لا يمنع من أن يحتفظ كل رسام بخصوصيته الجمالية وبطابعه المحلي الذي يؤسس عليه تميزه وتجربته الخاصة.

91 عبدالنبي الصروخ 3س: كيف يستطيع الفنان أن يكون عالميا مع الحفاظ على المحلية أو الإقليمية.

ج: إذا تأملنا الواقع التشكيلي اليوم نلاحظ أن ثمة من الفنانين من يرتمي بسرعة قياسية في أحضان الثقافة الغربية ويعتبرها نموذجا للاقتداء، وبأن تقليد التجار الغربية سبب كاف للدخول إلى العالمية من بابها الواسع، فينسلخ بشكل كلي عن هويته ويتنكر لخصوصيته الثقافية، في حين أن المفروض هو أن ينفتح الفنان على كل التجارب والمدارس والحساسيات ويستفيد من الثقافات الإنسانية ويغذي بها تجاربه بدون التفريط في هويته وانتمائه، حتى يحافظ على طابعه الخاص وتكون له شخصيته الفنية المستقلة. وأعتبر أن الفنان مطالب بأن ينطلق من موقعه ومن محيطه وبأن يستمد منه طابعه الذي يميز منجزاته الفنية، وبعد ذلك يعمل على إشاعته وعولمته وتصديره ليصبح رافدا جديدا من الروافد المغذية للفن العالمي. فلو تأملنا الأسماء العالمية الخالدة نجدها لا تفرط في هويتها وإن كانت تبدع فنا عالميا. فالفنان (بيكاسو) رسام عالمي ولكنه حافظ على هويته الإسبانية. وكذلك (سلفادور دالي) فهو فنان إسباني وعالمي. وكذلك (فان غوغ) فنان هولندي وعالمي، والفنان غوغان رسام فرنسي وعالمي...فلكل فنان من هؤلاء الرموز مدرسته الخاصة في الرسم، وبفضل هذه الخصوصية المميزة لإبداعه اقتحم العالمية. والشيء الذي أود الإشارة إليه هنا هو أن معظم هؤلاء الفنانين يلتقون في (المدرسة الانطباعية) التي هي نتيجة التأثر بالثقافات الإنسانية، فمثلا الفنان (فان غوغ) تأثر بالمطبوعات اليابانية، بينما تأثر (غوغان) بألوان جزيرة تاهيتي. وتأثر بيكاسو بالفن الإفريقي. وهكذا هي أغلب التجارب العالمية. فكل فنان عالمي يستفيد من المؤثرات الخارجية مع محافظته على مراجعه ومصادره المحلية. وبذلك يستطيع التوفيق بين ما هو محلي وبين ما هو عالمي. وغير خفي ما كان للثقافة الإسلامية من تأثير ملموس على الفن العالمي وعلى مختلف العلوم. أما بالنسبة إلى تجربتي الخاصة فيمكن أن أدعي أنني بدأت محليا، أترجم واقعي ومحيطي وثقافتي المحلية بلغة الألوان. لذلك كان اهتمامي ينصب أساسا على الخط العربي وعلى الرموز الدينية وعلى الجداريات وعلى الأشكال العمرانية والفسيفساء وعلى كل ما له علاقة بالمحلية، أو إن صح القول بالثقافة الإسلامية.  اقتنعت بهذا التصور الهوياتي، فانطلقت من هذه الزاوية لتكون تجاربي التشكيلية مخلصة لانتمائها، تحيي أنفاس الموروث، وتساهم في ضمان الاستمرارية لجماله وتأثيره باعتباره تراثا إنسانيا ورصيدا حضاريا خالدا.

91 عبدالنبي الصروخ 4س: ما دمنا نتحدث عن المنطلق الهوياتي في الأعمال الإبداعية، أريد أن أسألك عن العمق المغربي بجميع أطيافه وظلاله وتلويناته. فما حظ الثقافة المحلية في مشروعك الإبداعي؟

ج: حينما نتحدث عن البعد الهويّاتي في أعمالي، يجب أن نميز بين ما هم عام وما هو خاص. فالثقافة الإسلامية والعربية حاضرة كمكون هوياتي عام، ولكن تحضر كذلك الثقافة المغربية كمكون خاص، وأقصد به كل ما يرتبط بالمجال المغربي وتنويعاته التعبيرية وطقوسه الاجتماعية ورموزه الفلكلورية والشعبية والتراثية. وأخص بالذكر المكون الأمازيغي والجبلي والصحراوي، باعتباري مواطنا مرتبطا بأصوله فخورا بانتمائه  وحاملا لجينات امتزج فيها ما هو عربي بما هو أمازيغي،  وبذلك تشكلت القناعات التي أحملها والذوق الذي أميل إليه وأدافع عنه. فلا أنكر أنني تأثرت كثيرا بالرموز والإيقونات والتعبيرات والأشكال التي تحيط بي. تأثرت بالأرض التي تقلني، وبالسماء التي تظلني، وبالهواء الذي يملأ رئتي، وبالماء الذي يرويني صباح مساء. كما أضيف أن اهتمامي بالمحلية ذهب إلى أضيق دائرة، وهي دائرة الحي الشعبي الذي تشرّبت منه القيم و الألوان والأشكال والأصوات والحركات. فمن جدران المدينة القديمة المتصدعة والمتآكلة كانت النزعة الفضولية تتنامي في داخلي وتتسرب إلى حساسيتي الفنية، لتجعل من تلك الجدران المتساقطة موضوعا مركزيا يؤثث لوحات كثيرة تختزل الزمان وتبوح بالتاريخ وتحكي حكايات تراها العين وتلمسها الأذواق. وكأنني أقرّب البعيد فأجعله مسطّحا بأبعاد مختلفة وبامتدادات جديدة. وعموما يمكن أن أقول بأنني متنوع في مواضيع رسوماتي إلا أن الطابع المحلي سكنني وهيمن على مشروعي الإبداعي. والذي لا بد من الإشارة إليه هو أنني لا أهتم بالموضوع كمعطى جاهز، ولا أهتم بالنقل المباشر للمرئيات بقدر ما يهمني التجريد داخل الموضوع: أي تجريد المادة الواقعية من لون وحركة وخطوط وغيرها وصبغها باللمسة الفنية المنزاحة عين الواقع الحرفي...

91 عبدالنبي الصروخ 5س: يغلب على لوحاتك الألوان الغامقة الداكنة، فهل هذا الاختيار عاكس لصورة الحياة كما تراها أنت؟ وهل لهذه النزعة التشاؤمية الناقمة والناقدة من تفسير؟

ج: قد يظن البعض أن أعمالي تغلب عليها السوداوية وبأنني أنظر إلى الحياة من زاوية مظلمة سلبية. والحقيقة أنني أرى أن تلك الألوان الغامقة تعكس الحياة التي نحياها كما هي في الواقع دونما تزييف للحقيقة. فهي مزيج من الألوان والسواد. فالحياة ليس بداية وليست نهاية في تقديري. هي محطة وجودية حاسمة بالنسبة للإنسان اعتمادا على التفسير الروحي للوجود الإنساني. ولذلك قد يعتبر البعض أن في أعمالي بعدا صوفيا. وأنا لا أنفي ذلك، لأن الحياة لها بعدها الواقعي كما أن لها بعدا روحيا صوفيا. وفي فضاء اللوحة أحاول أن يحضر البعدان معا لتجسيد الجمال الروحي الذي ينطلق من المرئي نحو اللامرئي، من المنظور إلى غير المنظور، من الواقعي إلى الميتافيزيقي. فهناك أسرار منتقبة وحقائق محتجبة وتفاصيل غائبة، والعقل عاجز عن إدراكها وحائر في تفسيرها. وهذا هو السر وراء تلك الألوان الغامقة.

س: وردت في كلامك إشارة إلى خاصية مهمة تطبع أعمالك التشكيلية، وهي مسألة التجريد. وأنا أرى أنه يصعب تصنيف أعمالك في تيار محدد. فهي- إن صح التعبير- في المنزلة بين المنزلتين. فكيف تصنف تجاربك الإبداعية؟

ج: فيما يخص مسألة التجريد في علاقتها بالتشخيص في أعمالي الإبداعية، يمكن أن أقول إنها علاقة جدلية. بحيث يكون التجريد في خدمة التشخيص، وبالمثل يكون التشخيص في خدمة التجريد. فأحيانا ألتجئ إلى التجريد هروبا من التشخيص أو بحثا عن فسحة للتأمل والراحة النفسية. وكذلك هناك رغبة في تربية الذوق لدى المتلقي ونقله من تذوق الجاهز إلى المشاركة في خلق المعني ومطاردة خيوط الموضوع وقراءة جمالية الغموض في اللوحة، خصوصا وأن الجمهور يميل في الغالب إلى تلقي التشخيص أكثر من التجريد، بل إن هناك قطيعة بينه وبين الفن التجريدي لغياب الثقافة الفنية ولعدم قدرة المتلقي على تفكيك شفرات اللوحات وقراءة ما تخفيه الأشكال والألوان من خطابات خفية. ولذلك ألجأ إلى التجريد لترقية الذوق وللمساهمة في خلق ثقافة فنية لدى الجمهور.

91 عبدالنبي الصروخ 6س: سؤال أخير، هو ما الجديد الذي أضفته إلى الساحة التشكيلية من خلال مشرعك الإبداعي؟

ج: الفن التشكيلي بحر لا ساحل له ولا قرار له. وفي كل يوم يتسع هذا البحر ويزداد عمقا. وكل تجربة فنية تساهم في هذا الاتساع. ولا أدعي أن منجزاتي إضافة نوعية، وإنما هي لبنة تنضاف إلى منجزات الفنانين المغاربة في أفق تأسيس مدرسة تشكيلية مغربية. والذي أفتخر به في هذه التجربة المتواضعة أنني حاولت نقد الفن الاستشراقي الذي سعى في كثير من الأعمال إلى تشويه التاريخ الإسلامي ونعته بالوحشية والعنصرية والنزعة الدموية، من خلال صور مشينة روجها الفنانون الغربيون والتي تركز على أسواق النخاسة والمعارك والجنس،  وتهمل بقصد المظاهر الحضارية والقيم الإنسانية التي اعتمد عليها الغرب كأساس لبناء حضارته الجديدة.

شكرا على هذا اللقاء الماتع الباذخ بالمعرفة والمفعم بالجمال. دام لك العطاء والبهاء.

 

حاوره: د.محمد شداد الحراق

 

1080مخلد الشمري- ستبقى البلدان العربية مستهلكة ومستوردة لما ينتجه الغرب لعدم وجود البديل عن النفط..!!

أهلا و مرحبا بك معنا دكتور مخلد الشمري .

- أهلا ومرحبا بك سيدتي الكريمة لي عظيم الشرف إجراء هذا الحوار معكم.

- بداية: كيف يقدم لنا الخبير الاقتصادي مخلد حمزة جدوع الشمري نفسه؟ وخلاصة ما عاشه من تجارب للقراء والمتابعين؟.

اسمي مخلد حمزة جدوع الشمري، تولد 1982، حاصل على بكالوريوس علوم ادارة الاعمال فرع ادارة المصارف من جامعة بغداد عام 2005، وحاصل على شهادة ماجستير في المصارف من جامعة بغداد عام 2012، وحاصل على شهادة الدكتوراه المهنية بادارة الاعمال من جامعة كوماندوز الامريكية للتدريب2019، اعمل حاليا تدريسي في كلية الادارة والاقتصاد بجامعة بغداد وتم تعييني في الجامعة على قناة الطلبة الخريجين الاوائل في عام 2007، وايضا وعضو في البورد الامريكي الكندي للتدريب الاحترافي، وعضو في المركز العراقي الاوربي للتنمية والتطوير، وعضو في المجموعة العربية من اجل السلام والتعايش السلمي، شاركت في العديد من المؤتمرات المحلية والدولية كذلك لي العديد من المؤلفات كتب ودراسات، وساهمت بنشر دراسات بحثية في مجلات محلية وعالمية في (العراق، وتركيا، وباكستان، وبرطانيا، وفنزويلا، وكندا) .

- برأيك ما الذي يميز البنوك الإسلامية ويجعلها تنمو عالميا رغم الأزمات الاقتصادية التي تضرب كبرى الشركات العالمية كل فترة وأخرى؟.

- ان أستبـعاد الفائـدة مـن معامـلاته مدعـاة لتسميته بمصرف لا ربوي (Interest free Bank) ويمكن تعريفه بالمصرف الأسلامي هو المؤسسة التي تمارس الاعمال المصرفية مع ألتزامها بتجنب التعامل بالفوائد أخذاً او عطاءً وبالابتعاد عن أي عمل آخر مخالف لاحكام الشريعة الاسلامية، وهنا نجد ركناً جديداً مضافاً لعمل المصرف الاسلامي الى جانب ركن عدم التعامل بالربا الا وهو الابتعاد عن أي عمل مخالف لأحكام الشريعة الاسلامية من خلال عدم التمويل والأستثمار بالمشاريع المحرمة شرعاً كالملاهي والنوادي الليليه وشركات صناعة وتسويق المشروبات الروحية ومع ذلك فأن هذا التعريف لا يعكس الصورة الكاملة الحية لحقيقة المصرف الاسلامي من خلال تجاهله سمة اساسية في عمل المصارف الاسلامية ألا وهي المسؤولية الاجتماعية، لذا جاء التعريف الاخر الاتي ليعطي دلالة اكبر على ماهية هذه المؤسسة ويتجاوز المأخذ التي وردت على التعريف السابق بان (المصارف الاسلامية) هي مؤسسات مالية مصرفية لتجميع الاموال وتوظيفها على وفق احكام الشريعة الاسلامية بما يخدم مجتمع التكافل الاسلامي وتحقيق العدالة بالتوزيع، مع الالتزام بعدم التعامل بالفائدة الربوية آخذا او إعطاءً وباجتناب أي عمل مخالف لاحكام الاسلام، وتتجسد المسؤولية الاجتماعية للمصرف الاسلامي من خلال أخراج الزكاة عن أمواله وأموال مودعيه طالما بلغت النصاب وحال عليها الحول وبالنسب التي يقرها الشرع الأسلامي، وتمنح للمحتاجين كذلك لتطبيق اهداف غير أقتصادية منها عقائدية واخلاقية تفتقدها المصارف التقليدية التي تحكمها معايير أقتصادية بحتة هدفها تعظيم الربح فقط ولعل القرض الحسن الذي يعطى لاشخاص محتاجين بلا فائدة ولا حتى مشاركة للمصرف معه بالربح يعكس مدى مراعاة المصارف الاسلامية للمسؤولية الاجتماعية، لانه يعطى لحاجات أجتماعية وأنسانية كحالات المرض والزواج والدراسة وكذلك مساعدة صغار الحرفيين والمنتجين في مشاريعهم، كذلك ان اهتمام المجتمع الدولي وحتى الغرب بالمصارف الاسلامية هي عدم تاثرها بلازمات المالية التي حدثت في فترات متفاوتة.

- انتشرت ثقافة التسوق الإلكتروني بسرعة كبيرة خاصة لدى الشباب العربي الذي أصبح يتوجه لهذا النوع من العمل بشكل كبير..

- يعد التسويق الالكتروني احد أهم المفاهيم الأساسية المعاصرة الذي استطاع وخلال بداية الألفية الثالثة من أن يقفز بمجمل الجهود والأعمال التسويقية وبمختلف الأنشطة الى اتجاهات معاصرة تتماشى مع العصر الحالي ومتغيراته، وذلك من خلال الاستعانة بمختلف الأدوات والوسائل المتطورة وتكنولوجيا الحديثة في تنفيذ العمليات والأنشطة التسويقية خاصة فيما يتعلق بالاتصالات التسويقية وتكنولوجيا المعلومات وتقديم المنتجات وإتمام العمليات التسويقية عبر وسائل متعددة، يأتي في مقدمتها تسويق الخدمات الى مختلف الأطراف عبر تلك الوسائل، وان الشباب العربي شباب واعي ومثقف متمكن من التعامل مع معطيات العصر التكنولجية ساعد ذلك على انتشار ثقافة التسويق عبر الانترنت لكونة اكثر فاعلية ومصداقية من حيث الحصول على المنتجات والخدمات من المصدر مباشرة بدون المرور بسلسة وسطاء .

- ما أبرز الأسباب برأيك وما الذي تقدمه لهم من نصائح من أجل النجاح بهذا المجال؟

- يمكن اجمل الاسباب التي ادت الى اتساع قاعدة التعامل بالتسويق الالكتروني بالاتي:

1- اختصار العقبات الجغرافية بين مناطق العالم المختلفة اذ لا وجود للحدود في التسويق الالكتروني.

2- اقامة علاقات تعاقدية مباشرة بين البائع والمشتري، ومن شأن ذلك وغيره تخفيض الكلف قياساً بالعمليات التسويقية التقليدية .

3- أنها تتيح الفرص أمام الطرفين من خلال الكم الهائل من المعلومات المتعلقة بذات الموضوع المطروح بينهما للتعاقد على وفق احدث الأسعار والشروط.

انصح الشباب العربي بصناعة فرص العمل من خلال توظيف التكنلوجيا من خلال فتح قنوات تسويقية الاكترونية وعمل دور الوسيط بين المستهلكين والمنتجين والحصول على قوتهم اليومي.

- مع عصر العولمة وانتشار هذه العوالم المفتوحة وعدم ارتباط المتاجر الإلكترونية بوطن معين كخبير اقتصادي ما التأثيرات الاقتصادية لذلك وما مدى إيجابية هذا الأمر ؟

- انا ارى ان العولمة هيه مضرة لاقتصادياتنا كعرب لان جعل المنافسة مفتوحة والسوق سوق مفتوح يحدث خلل في التوازن وتكافؤ التنافسي وبموجبه ستبقى الدول المنتجة هي المصدرة والمستهلكة هي المستوردة ولا وجود فرصة للبلدان النامية من التقدم وحماية اقتصادها، الايجابية الوحيدة هي يمكنك ان تحصل على ما تريد كفرد.

- المفكر صمويل هنغتون يحذر الغرب من تبعات اتحاد بلاد العم كنفوشيوس مع بلدان العالم الإسلامي كخبير اقتصادي وباحث أكاديمي عما ينم هذا الخوف الغربي من هذا الاتحاد وما قراءتكم الاقتصادية لنو الاقتصاد العربي نتيجة هذا الاتحاد؟

- كونفوشيوس: هو أول فيلسوف صيني يفلح في إقامة مذهب يتضمن كل التقاليد الصينية عن السلوك الاجتماعي والأخلاقي ففلسفته قائمة على القيم الأخلاقية الشخصية وعلى أن تكون هناك حكومة تخدم الشعب تطبيقاً لمثل أخلاقي أعلى ولقد كانت تعاليمه وفلسفته ذات تاثير عميق في الفكر والحياة الصينية والكورية واليابانية والتايوانية والفيتنامية.

اما البلدان الاسلامية لديها ايضا تقاليد وعادات واخلاقيات محددة في معالم الدين الاسلامي والاخلاق الحميدة التي اوصى بها نبينا محمد عليه افضل الصلاة والسلام فالاسلام قوة اقتصادية وعقائدية .

لذا نرى من الطبيعي ان يحذر المفكر صمويل هنغتون الغرب من تبعات اتحاد بلاد العم كنفوشيوس مع بلدان العالم الإسلامي لانهم يشكلون قوة خارقة وعلى جميع الاصعدة السياسية والاقتصادية وستفرض سيطرتها على العالم اجمع لان الموارد متاحة والفكر موجود.

- التعاملات الاقتصادية بين الدول الغربية والعالم الإسلامي مشحونة بالعديد من الرسائل الثقافية التي تعبر عن المركزية الغربية برأيكم كيف يمكن تجنب تأثيرات تلك المخلفات الثقافية على الذهن العربي؟

- قبل الدخول بتفاصيل ينبغي إيضاح مفهوم المركزية الغربية في جانبيها اللّغوي والاصطلاحي، والمركزيّة هي مصدر الفعل ركز والمركز هو المقر الثابت الذي تتشعّب منه الفروع، والمركزية نظام يقضي بتبعية البلاد لمركز رئيسي واحد، ونقيضها "اللامركزية" وهو النّظام الذي يمنح للأقسام المختلفة نوعاً من الاستقلال المحلي. والمركزيّة تعني فرض لرؤى المركز واهتماماته وتوظيفها لخدمة مصالحه، والمركزيّة ليست فقط التّمركز على مجالات الثّقافة والقيم، إنما تشمل كل جوانب الحياة من اقتصاد وسياسة وعقائد وغيرها.

إذاً، يمكن تعريف المركزيّة الغربيّة بأنها "الممارسات التي تركّز على فرض الحضارة والمصالح الغربيّة عموماً في جميع مجالات الحياة على حساب باقي الثّقافات والحضارات والشّعوب، بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة"، والتّمركز الغربي يعتمد على نظامين هما: الغزو العسكري، والغزو المدني. والغزو العسكري المراد به استخدام القوة الحربية لفرض المركز وما يحملة من اجندة، أما الغزو المدني فهو توظيف التقنيات المدنية الاقتصادية والمالية والسياسية والثقافية والفكرية في التغيير الحضاري، الذي يريد المركز أن يحدثه، وقبل أن تُفرض المصالح الغربية على باقي الحضارات والشعوب وتحديداً الشعوب الإسلامية، كان عليهم المعرفة التامة بتلك الشعوب، وهي المعرفة التي جعلت حكمهم سهلاً ومجدياً، فالمعرفة تمنح القوة، ومزيداً من القوة يتطلب مزيداً من المعرفة، فهناك باستمرار حركة جدلية بين المعلومات والسيطرة المتنامية. وهم في مشروعهم يعتمدون على أمرين: المعرفة، والقوة. وكما قال إدوارد سعيد: "التبرير الاستشراقي للسّيادة الاستعمارية قد تم قبل حدوث السّيطرة الاستعمارية على الشرق، وليس بعد حدوثها، فقد كان التراث الاستشراقي بمثابة دليل للاستعمار في شعاب الشرق وأوديته من أجل فرض السيطرة على الشرق وإخضاع شعوبه وإذلالها". وهكذا اتجه الاستشراق المتعاون مع الاستعمار إلى إضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوس المسلمين وتشكيك المسلمين في معتقداتهم وتراثهم، حتى يتم للاستعمار في النهاية إخضاع المسلمين إخضاعاً تامّاً للثقافة الغربية فهنا يمكن ان يتسم كل مسلم بما يحملة من صفات واخلاق لعدم ترك أي اثر لمركزية الغرب على البلدان الاسلامية فالحياة الاقتصادية غير الحياة الدينية والاجتماعية .      

- انتشار الشركات المتعددة الجنسيات أحدث جدلا واسعا بين الاقتصاديين نظرا لما تسببه من مشاكل خاصة للدول النامية برأيكم ما الذي تقترحه لخلق التنافس لدى الشركات الصغيرة بهذه الدول للحفاظ على اقتصادها من بطش هذه الشركات؟.

- المواجهة بالمثل من الممكن ان انشاء شركات عربية متعدد الاقطار وتالتزم المنافسة وباستراتيجيات تنافسية مماثلة لما تنتهجها الشركات متعددة الجنسيات وبامكانات مادية كبيرة ولا باس بالاستعانة بخبراء الغرب ولكن تحت امرة الشركة العربية المتعددة هنا ستكون الشركات العربية قوة ضاربة للشركات متعددة الجنسيات وستاخذ حصة سوقية كاملة وعلى اقل تقدير في اسواق البلدان العربية للحفاظ على اقتصاداتها من سطوة شركات المتعددة الجنسيات .

- الدول العربية تعيش العديد من الأزمات سواء الاقتصادية أو السياسية فيما بينها ما قراءتكم للأسباب الحقيقية وراء هذا وهل يمكن القول أن الخلل الأول كامن بالنظام الاقتصادي فقط أم أن الخلل أبعد من ذلك؟.

- الخلل بالنظم السياسية فلكل بلد نظام سياسي حاكم وكعرب يحبون السلطة ويتمسكون بها على العكس من الغرب الذي يعتبر السلطة هي خدمة المجتمع كما يتمسك العرب بنظرية (اصحاب المصالح) فالبحث عن مصالح كل بلد متفردا الامر الذي ادى تفرد كل دولة بارائها بناء على مصالحها بعيدا عن العربية والنظام الاقتصادي يدار من قبل افرد تبحث عن المصالح مفردة ولا تبحث في مصالح عامة ومشتركة الامر الذي يزيد من الازمات والانقسامات بين الدول العربية متى ما اجتمعت الدول العربية واتفقت على حل الازمات ومن زوايا متعددة ومن منطلق المصلحة المشتركة وبكل شفافية لن تكون هناك ازمة تمر مرور الكرام ستكون هناك منهجية لمواجهة هذه الازمات وبكل قوة ودافعية.

- ما السبل والوسائل الكفيلة التي تراها مناسبة لحل هذه الأزمات التي يتخبط فيها العالم العربي، خاصة بعد ما سمي بثورات الربيع العربي..؟.

- أي ربيع عربي هذا وماذا قدم الربيع العربي لم نرى من الربيع العربي غير الدماء والايتام والقتل والتهجير انا ارى وحسب تصوري الشخصي ان نتعب على الاجيال القادمة ونعدها اعداد جيد وننتج جيل متعلم فوق كل الاعتبارات السياسية والعرقية والمناطقية متى ما انتج هذا الجيل سيكون للمجتمعات العربية وقفة مع التاريخ وقفزة الى القمة والعمل بمهنية واحترافية .

- دكتور في نهاية حوارنا هذا، ماه و تصوركم لواقع الدول العربية بعد 50 سنة بالتقريب سواء من الناحية المعرفية أو الاقتصادية أوالسياسية ؟

- نحن كعرب وللاسف مستهلكين وليس منتجين وان واقع المجتمعات العربية يشوبه الكثير من القلق والفوبيا من المجهول نتيجة لما هو موجود في ارض الواقع الآن من خراب للبنى التحتية ودمار للفكر وتدمير الاخر وزرع التفرقة وكثرت المسميات وعلى العكس ما كان عليه العرب فان تاريخ الامة العربية زاخر بالامجاد وسطر التاريخ ملاحم العرب اما الان ماذا سيكتب التاريخ خراب البلدان العربية خراب الفكر والعقيدة .

اما من الناحية المعرفية فهناك فجوة كبيرة واتوقع ان هذه الفجوة تزداد مستقبلا سيبقى المجتمعات العربية مقلدة للغرب بكل ما يحتوي من اخلاقيات وثقافات غريبة لا تتناسب مع اعراف وقيم مجتمعاتنا وندعوا من الله عز وجل ان لا يحدث ذلك وان ياتي للمجتمعات العربية جيل يقفز بكل ما لديه من معرفة وقيم والله على كل شي قدير.

اما من الناحية السياسية والاقتصادية : ستبقى البلدان العربية مستهلكة ومستوردة لما ينتجه الغرب لعدم وجود البديل ولن تتشكل أي قوى سياسية او تكتل اقتصادي عربي قوي مثل الاتحاد الاوربي وستكون الخريطة السياسية بايدي القوى العالمية تبعا لمصالحها في المنطقة.

- أخيرا كلمة أخيرة تقدمها للمتتبعين من الأكاديميين والشباب ومختلف أصناف المجتمع بالوطن العربي؟

- كلمتي الاخيرة اوجهها لكل افراد المجتمع العربي بجميع اطيافه، لكي يكون لمجتمعنا قوة وقدرة على اخذ قرارات مصيرية باستقلالية تامة وهذا لا ياتي الا بعمل دؤوب من كل افراد المجتمع وكلا حسب موقعة والاستناد الى التخطيط العلمي المنهجي وان نعطي للبحث والتطوير اهمية قصوى لكي يزدهر المجتمع ببراءات اختراع ودراسات مستقبلية لمواجهة التحديات والمشاكل التي تواجهها بلداننا العربية

 

حاورته الصحفية الجزائرية خولة خمري

 

1076 حسينالنزعات العرقية والجهوية التي ظهرت بالحراك هي امتداد للدولة العميقة لاسيما بعد الإطاحة برؤوس النظام!!

أهلا ومرحبا بك معنا دكتور حسين.

- بداية: كيف يقدم لنا الناقد الجزائري حسين مبارك نفسه؟ وخلاصة ما عاشه من تجارب للقراء والمتابعين؟.

- بدأت حياتي العلمية ومشواري الدراسي بمسقط رأسي بعين الخضراء ولاية المسيلة، سنة1976، وتدرجت في التعليم إلى غاية حصولي على شهادة البكالوريا، شعبة آداب، عام 1989 . التحقت بقسم اللغة العربية وآدابها، بجامعة قسنطينة، وتخرجت فيها عام 1993، بعد نيلي لشهادة الليسانس، ثم انخرطت في سلك التعليم الثانوي والمتوسط . شاركتُ في مسابقة توظيف أساتذة التعليم الثانوي ببجاية عام 1998، وكنت على رأس قائمة الناجحين حسب الاستحقاق، حيثُ عُينتُ بثانوية ذراع القائد، دائرة خراطة، وأمضيتُ أربع سنوات في تدريس مادة الأدب العربي، بعد أن تمً تثبيتي في ماي 1999، وفي عام 2003، تحوًلتُ إلى المسيلة، ودرًست الأدب العربي في ثانوية " قسوم العيد" بعين الخضراء، وثانوية "خيري الخير" بمقرة، لسنوات، وفي عام 2006، التحقت بالمدرسة العليا للأساتذة ببوزريعة، بعد نجاحي في مسابقة الماجستير، وتخرجت فيها عام 2008، بعد حصولي على شهادة الماجستير، تخصص: دراسات الأدب العربي وفنونه، وفي عام 2011، التحقت بجامعة " تاسوست" بجيجل، بعد نجاحي في مسابقة توظيف الأساتذة المساعدين، قسم "ب " وبعد عام من التدريس بها، تمًت ترقيتي إلى رتبة أستاذ مساعد "أ"، لأنتقل بعدها إلى التدريس بجامعة " محمد بوضياف" بالمسيلة، في نوفمبر2014، وفي ديسمبر 2016، ناقشتُ أطروحة الدكتوراه بجامعة باتنة، وارتقيت إلى رتبة أستاذ محاضر "ب"، وفي جوان 2018، تأهلت إلى رتبة أستاذ محاضر"أ"

شاركت في العديد من الملتقيات والندوات والأيام الدراسية في عدة جامعات وطنية، كما أشرفت على العديد من رسائل الماستر والليسانس في جامعة المسيلة، كما قمت بنشر سلسلة من المقالات في مجلات وطنية محكمة، وأنتسب إلى مخبر السيميولوجيا والمسرح.

وخلاصة القول: إن كثرة المراس والمران، مع توافر الرغبة في الشيء، ومضاء العزيمة واتقاد الحزم، يولد في المرء روح التفوق والسبق، ويلهمه الثقة في النفس، ويورثه الرصانة في التفكير، والاتًزان في التعامل مع الأشياء، والنًظام في العمل.. متمثلا قول المتنبي: وإذا كانت النفوس كبارا ...تعبت في مرادها الأجسام.

- تعيش الجزائر هذه الأيام حراكا شعبيا ونخبويا كبيرا ما قراءتك الثقافية والفلسفية لهذا التحول الكبير الذي يشهده وعي المجتمع الجزائري؟.

- ما من شك أن الحراك الشعبي الذي شهدته الجزائر قد حرك رواكد النفوس، وحرر كثيرا من الطاقات والأصوات التي كانت مكبوتة لسنوات، بفعل كثير من التراكمات والترسبات، وحالات الاحتقان والانسداد، الناتجة عن الممارسات السلبية لأصحاب القرار الذين كمموا الأفواه، وصادروا الحريات وكبتوا الأنفاس، وانتهكوا الحقوق، الأمر الذي أدى إلى تردي الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وتهميش الكفاءات، وإقصاء بعض النخب المثقفة الفاعلة في المجتمع، واحتواء نخب أخرى وتدجينها، وتهجينها واتًخاذها أدوات لتمرير طروحات، وتزكية سياسات، لم تنتج في نهاية المطاف غير التسيب والتحلل والوصولية والمحسوبية، والفساد الإداري، والانتهازية. وظلت هذه النخب بصفة عامة قابعة في عزلتها، تجتر آلامها وأحزانها وخيباتها، منغلقة على ذاتها، عاجزة عن التغيير والتحرير، منفعلة لا فاعلة، ومتأثرة بما يجري حولها من تحولات، غير مؤثرة في مجرى الأحداث، قاصرة عن صناعة الوعي، وإنتاج المعرفة، ومن ثم فإن هذا الحراك الشعبي ليس صناعة نخبوية، بقدر ماه وهبة شعبية، وحالة يقظة، ولحظة صحوة، غذتها تداعيات سياسية، ومطالب اجتماعية.

- أبانت الحركة الطلابية بالجزائر في ظل الحراك على وعي وطني كبير هل يمكن مقارنة ثورة الطلاب بالجزائر هذه الأيام بثورة طلاب فرنسا سنة 1968م التي غيرت مجرى أوروبا كاملة؟.

- نعم لقد كان للحركة الطلابية حضور في هذا الحراك، من خلال انخراط مجموعات من الطلبة في عدة جامعات جزائرية في الاحتجاجات والمسيرات المطالبة بالتغيير، غير أن هذه المجموعات لم تكن طلائعية تتصدر مشهد الحراك، وتقوده أ وتؤطره وتعمل على تعبئة المشاركين، بقدر ما كان تحركها استجابة لضغط الشارع الذي كان سباقا ومحركا أساسيا لهذه الهبة الشعبية، ومن ثم فإن الجامعة من خلال الحركة الطلابية، كانت منفعلة لا فاعلة، ومتأثرة لا مؤثرة، ولست مبالغا إن قلت: إن الجامعة قد شهدت اضطرابا وانقطاعا عن العمل والدراسة، تحت ضغط التنظيمات الطلابية التي تسعى لتحقيق امتيازات ومكاسب ومواقع، ورسم خارطة جديدة تتيح لها ممارسة دورها في استعراض عضلاتها، وإثبات وجودها، حتى وإن وجدت داخلها أصوات تنادي بالتغيير، إلا أنها محاولة لركوب موجة الحراك، إذ لا يخفى على عاقل أن هذه التنظيمات والنقابات، هي امتداد لحركات وأحزاب سياسية، ومن ثم فإن مابقي من الحراك الطلابي ه ونشاط سياسي حزبي محتوى ومدجن وموجه، لايعبر عن حالة وعي، ولا يحمل مشروعا تجديديا، وإنما ه ورجع صدى ..

ومن ثم فلا مجال للمقارنة بين ثورة الطلاب بفرنسا عام1968، وبين حراك طلبة اليوم، لأن ثورة الأمس كانت واضحة في أسبابها ودوافعها وأهدافها، متسقة مع مشروع المجتمع القائم على السيادة والتحرر والاستقلال، في حين أن الثانية، وخاصة في جولاتها الأخيرة، ليست إلا محاولة من بعض المعادين للتغيير الإيجابي لفرض الأمر الواقع، التي تدفع باتجاهه ما يسمى بالدولة العميقة الموازية.

- تنامي وبروز النعرات العرقية والقبلية ومصطلح الهوية داخل الحراك في هذا الوقت بالذات اليس مؤشرا خطيرا لاختراق الحراك وهل يمكن لاطراف تصطاد في المياه العكرة ان تتسبب في الانفلات الأمني بالبلاد؟

- كان متوقعا أن تطف وبعض النزعات العرقية والجهوية، من خلال تجمعات حزبية يسارية، هي في الأصل امتداد لما يسمى الدولة العميقة الموازية، في ضوء ما طرأ على المشهد السياسي، لاسيما بعد الإطاحة برؤوس الفساد ورموز الاستئصال الذين ظلوا لسنوات جاثمين على صدر الوطن، ينهبون ويسلبون، ويستغنون، ويستنزفون خيراته وطاقاته، ويستأثرون بالسلطة، ويمسكون بمقاليد الحكم، الأمر الذي أدخل البلاد في دوامة العنف والقتل والجريمة، وبإسقاط هذه الرؤوس، انقطعت تلك القنوات التي كانت تضخ المال الفاسد، وتسخره في خدمة مشاريعها الاستعمارية المعادية لمشروع المجتمع، كما نص عليه بيان نوفمبر، وتحررت بعض أجهزة الدولة ومؤسساتها الحيوية من قبضة هؤلاء، وبدأ القضاء يستعيد زمام المبادرة، في متابعة الفاسدين والمفسدين، وتعطيل مخططاتهم في الاستحواذ على مركز القرار والقوة، ومن ثمً فإنً بروز مثل هذه النعرات والنزعات، إنما ه ورد فعل طبيعي من قبل أزلام وأتباع هذه القوى المتنفذة، لقطع الطريق أمام الإصلاحات، وتعطيل عجلة التغيير، والإبقاء على الأوضاع متعفنة، التي توفر لهم سلطة المال والإعلام والنفوذ، ومن حسن الطالع، أن الأمور لم تنفلت، وانبرت مؤسسة الجيش التي التزمت بمرافقة الحراك وتأمينه من الاختراقات، والثورة المضادة، وظلت حريصة على الحل السياسي والدستوري، واعتماد الحوار كأداة حضارية للخروج من الانسداد السياسي، وتهيئة الظروف المناسبة لإجراء انتخابات نزيهة وحرة، بعيدا عن مخاطر المرحلة الانتقالية، والمجلس التأسيسي، وتنحية الكل، التي يسوقها أدعياء الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة، كورقة ضغط، وخيار بديل، تلوح به أقلية تستقوي بالخارج، لفرض مشروعها التغريبي .

- قديما خاصة بعد نكسة حزيران كان للمفكر العربي دور كبير في تفعيل الحراك السياسي والشعبي، بماذا تفسر التراجع الرهيب لدور المثقف العربي في الحراك السياسي العربي بعد الربيع العربي؟.

هذا الأمر يتوقف على المفكر ذاته، وما يحمله بين جنباته من وعي، ونوع الثقافة التي تشرًبها، والمنهج الذي يتبناه، كوسيلة لتغيير واقعه، والتعاطي مع بيئته، وإصلاح مجتمعه، ولا يخفى على أحد أن مثقف الأمس، كان متشبعا بروح التحرر والتجدد، وعدم القابلية للاستعمار، يعتز بثقافته وانتمائه الوطني والقومي، موصولا بتراثه وتاريخه، منسجما مع ماضيه وذاته، الأمر الذي هيًأ له أسباب الحصانة الثقافية والفكرية، دون شعور بالنقص والدونية، وأتاح له مجالا للانبعاث والنهوض والتوثب، في حين أن هذا الجيل، يفتقد إلى مثل هذه القيم التي من شأنها أن توفر له أسباب الحصانة والمناعة والانطلاق والتأثير، ينضاف إلى ذلك أن انفتاح مثقف اليوم، على الثقافة الغربية، وتبنيه لمناهجها النقدية ومذاهبها الاجتماعية واتجاهاتها الفكرية والأدبية والفلسفية، بانبهار وذهول، ودون وعي وتبصر، أ وغربلة وتمييز، قد أسهم في تكريس تبعية المثقف العربي للثقافة الغربية، وترسيخ مقولة " المغلوب مولع بتقليد الغالب"، الأمر الذي أدًى إلى فقدان ذواتنا، وذوبان خصوصياتنا.

- الحركة النقدية العربية تشهد تهافتا كبيرا على منجزات النقد الغربي لكن يشوب تلك العملية حركة انبهار بل وتلقي دون غربلة أ ومراعات للخصوصيات الحضارية والثقافية التي أوجدت تلك النظريات ما قراءتكم لذلك؟.

- إن الحركة النقدية العربية المعاصرة، قد أصيبت بالعقم والشلل، فلم تعد حركة واعية فاعلة، تشق طريقها نح والتجدد والإبداع، وتتلمس خصائص الفنً الجمالية والفنية، ومرد ذلك، إلى تهافت النقاد والمثقفين العرب على منجزات النقد الغربي، بأصوله ونظرياته ومفاهيمه ومصطلحاته، من غير تمحيص ولا تمييز وغربلة لهذه المناهج الوافدة، فتبنوا مفاهيمها وخلفياتها ومضامينها ومحمولاتها، وأسقطوها على الأدب العربي، واكتفوا بالنقل والترجمة، فشاعت كثير من المصطلحات النقدية الغربية، وباتت المدونة النقدية العربية تتلقف كل ماينتجه النقد الغربي من معارف وأفكار، ومايبتكره من نظريات، ويصوغه من مقولات وطروحات وفلسفات، ويقدمه من خلاصات في سياق البحث والدرس للظاهرة الأدبية

وقد انعكس ذلك سلبا على الحركة النقدية العربية، التي باتت رهينة لتجاذبات مدارس نقدية، ومذاهب فكرية وفلسفية، مرتبطة بسياقات تاريخية وسياسية وثقافية مختلفة، وكأن القريحة العربية قد جمدت، ولم تعد قادرة على الإبداع والتجديد، على مستوى الإجراء والطرح والرؤية، ومن ثم صارت ثقافة الناقد العربي المعاصر، ثقافة نقل وتبن ورجع صدى، لا ثقافة تجديد وإضافة، واكتفى أغلبهم باستيعاب وهضم النظريات التي أفرزتها المناهج النقدية الغربية، ووقفوا منها موقف المنبهر الذي يحسن التقليد والترديد، تحت شعار حوار الحضارات والثقافات .

- كيف يمكن إيجاد الحلول المناسبة والناجعة للتخلص من الخلط المنهجي لعمليات الترجمة، ناهيك عن كثرة المصطلحات التي لا طائل منها، وكذا محاولة الكثير من نقادنا إن لم يكن كلهم على التطويع القصري للمصطلحات النقدية الغربية في البيئة العربية؟.

- ترتبط عملية الترجمة بمدى قدرة المترجم على معرفته بخصائص اللغة الأم، وهي اللغة العربية، وتفقهه في معجميتها، وحقولها الدلالية، وإدراكه لعبقريتها على مستوى بنياتها وصيغها ونظمها، ثم لابد للمترجم أن يكون متمكنا من اللغة التي يترجم نصوصها ومدوناتها، حتى تكون عملية الترجمة دقيقة ومضبوطة، غير أن كثيرا من المترجمين ينظرون إلى اللغة على أنها مفردات ومقاطع حروف، وليس تركيبا وسياقا، وه وخطأ فادح، ول وأخذنا مثالا لذلك، لقلنا إن كلمة" قنطار" هي بمعنى مئوي، نسبة إلى مائة، وأن معنى " الدينار" عشري"، نسبة إلى عشرة، وهما كلمتان معربتان، لم تترجما، لأن الترجمة لا تدل عليهما كما يدل التعريب

وهكذا كان يصنع العربي في عصور اللغة الأولى لثقته بلغته وخل وذهنه من الخوف عليها من مزاحمة اللغات الأخرى، ومن ثم كانت نسبة التعريب أكبر من نسبة الترجمة في عصور اللغة الأولى، وحين اختلط العرب بغيرهم من الأمم، بعد انتشار الإسلام، وتحدث إليهم الأعاجم بلسان عربي تشوبه اللكنة الأعجمية والأخطاء الدخيلة على تراكيب اللغة وأبنيتها وقواعدها المصطلح عليها، راودهم الخوف على سلامة اللغة في حاضرها ومستقبلها، أخذوا يضبطون قواعدها، وتحفظوا في النقل إليها، فرجحوا الترجمة على التعريب، لذلك لابد في الترجمة من مراعاة التخصص في مصطلحات العلم والفنون، لأن المصطلح يفقد معناه إذا وقع اللبس بين مدلوله ومدلول الكلمات الشائعة، ومنثم لابد من ترجمة المعاني، أما الأعلام وما ه ومن قبيلها فيعرب.

- هل بالإمكان إيجاد نوع من المقاربات التّثاقفية الجديدة الجامعة بين الثّقافتين العربية والغربية لحل الجدل الدائر بين بنية العقل الشرقي والغربي من خلال تشاكل ثقافي كوني جديد بعيدًا عن سلطة المركزية الغربية؟.

- إن الحل لهذه الإشكالية يكمن في إيجاد صيغ جديدة، تؤطر الظاهرة الثقافية والأدبية، وتقنن أساليب الحوار والتفاعل الإيجابي، وتحدد إجراءاته وآلياته وأدواته، وتؤسس للخطاب العقلاني الموضوعي، بعيدا عن الصدام والتعصب والإقصاء، وفق منهج حضاري، قابل للتعدد والتجدد، مع مراعاة الخصوصية الثقافية والحضارية لكل أمة، وما تقتضيه من اختلاف في الرؤى والمرجعيات، والتصورات، ووضع حدً لعلاقة التبعية للغرب في الفكر والثقافة، والتعامل مع ما يصلنا من زخم ثقافي بوعي وتبصر وروية وأناة، دون شعور بالنقص، وانبهار وذوبان في الآخر، وممن غير انكفاء على الذات، والانغلاق عليها، وأعتقد أن ذلك، لا يتحقق إلا بتقوية الفكر النظري والنقدي في حياتنا، وفي ممارساتنا وعلاقاتنا، ومعاملاتنا السياسية والاجتماعية والتعليمية والديمقراطية والأخلاقية والثقافية، وتصير هذه القيم منهجا لنا في الحياة، لتتيح لنا النظر إلى الظاهرة الثقافية نظرة استشرافية، وإدراك خصائصها المتجددة المتغيرة، التي ترتبط بمقاييس عصرها، وخصوصيات البيئة التي أنبتتها .

- ما مدى قدرة النقاد العرب على إيجاد نظرية نقدية عربية أصيلة تمتاح من النظريات النقدية الغربية ومصطلحاتها وكذا التراث العربي الأصيل من خلال كتابات رواد النقد العربي القديم أمثال عبد القاهر الجرجاني وغيره؟.

- أعتقد أن الحل يكمن في ضرورة الاهتمام بالثقافة الذاتية للأمة، لأن ذلك ه والمحك الذي يحدد هويتها، ويحفظ توازنها وكيانها من الذوبان والتلاشي، ومن ثم لابد من تمثل هذه الثقافة، بوصفها حصانة لكل أمة من الزيغ والتيه والتآكل والذهول، غير أن ذلك لايعني أبدا رفض ثقافة الآخر والنظر إليها بريبة وتوجس، بل لابد من إيجاد أطر وصيغ مرنة للتعاطي مع هذه القضية بإيجابية وفعالية، من خلال رسم خارطة طريق تسمح لكل دارس أ وباحث أن يتعمق تراثه وثقافته، ويستزيد من روافدها ومشاربها، ثم يمضي في طريق البحث والدرس، لينهل من هذه المنابع الثرة، لتعزيز معارفه، وإثراء ثقافته، وتجديد رؤيته، فتحصل لديه سعة الأفق، وبعد النظر، وخصوبة الفكر، ونفاذ الرؤية، والجمع بين الأصالة والمعاصرة، فلا إفراط ولا تفريط، ومن ثم ينبغي فهم المعادلة فهما صحيحا، من غير مزايدة ولا تطرف، حتى نتحرر من ضغوط التاريخ والماضي، ونكون في مستوى تحديات الحاضر، ونستشرف المستقبل.

- ما السبل والأدوات الكفيلة لتحقيق انوجاد نظرية نقدية عربية عالمية، تعبر بشكل خاص عن خصوصيات وهوية النقد العربي الأصيل ببعديه الجامع بين الثقافتين العربية والغربية؟.

- إن التأسيس لنظرية في الأدب والنقد، ه ومشروع حضاري عظيم، لا ينهض به، إلا أهل العلم والأدب والثقافة، وعليهم تقع مسؤولية كبرى في بناء هذا الصرح، الذي يستوجب النهوض بدورهم المنوط بهم، في إشاعة الوعي، وبث ثقافة البحث والحوار، وترسيخ روح النقد والتقويم، والمطالعة، وتكريس مبدأ الإقناع والحجاج والقراءة، والتخلي عن ثقافة المهرجانات، والملتقيات الاحتفالية التي تطغى عليها المجاملات والشكليات والبروتوكولات الرسمية، وما يواكبها من جلسات للتعارف، وتبادل التوصيات والوساطات، وما إلى ذلك من التقاليد الفاسدة التي كانت من أسباب نشر الرداءة والتقليد، والسرقات والتكرار والترديد، وتسويق الابتذال والإسفاف، لذلك لابد من مراجعة ذواتنا، وتصحيح أخطائنا، وتفعيل مراكز البحث، ودور الثقافة والمجامع اللغوية، وتحرير الجامعة من العصب ومجموعات الضغط والانتهازيين الذين يديرون الأمور حسب درجة الولاء والانتماء، وترقية البحث العلمي، وتسليم مقاليد قطاع التربية والتعليم العالي إلى أصحاب الكفاءات، والنخب المثقفة، القادرة على العطاء، ساعتها يمكن أن نتحدث عن مشروع تأسيس نظرية في النقد، لاسيما أن في تراثنا النقدي كتبا ومراجع، ترقى أن تكون أرضية خصبة، يمكن أن ننطلق منها، دون أن ننسى جهود كثير من نقادنا المعاصرين، الذين لهم إسهامات ونتاجات قيمة، في باب التجديد والإبداع.

- دكتور حسين في نهاية حوارنا الشيق هذا، نطرح عليكم سؤالا أخيرا. ما هو تصوركم للجزائر بعد خمسين سنة كيف ستكون؟.

- في ظل الحراك الذي تشهده الجزائر، فإن كل المؤشرات توحي بأن الجزائر مقبلة على عصر الازدهار والاستقرار والرقي والاستقلال الحقيقي، على جميع المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية، وقد أشرت إلى ذلك بقولي: مادام منسوب الوعي في ازدياد، والرجال في غاية الاستعداد والاجتهاد، فسينبلج صبح السداد، وتسطع شمس الرشاد، وينجرف غثاء الانسداد، وتزول سنوات الحداد، ولا خوف على البلاد والعباد، طالما بقينا أوفياء لعهد الآباء والأجداد، صادقين مع خالق العباد.

- كلمة أخيرة تعبر فيها عما يجول بخاطرك وما تود قوله للجمهور والمتتبعين؟

- في الأخير، أشكركم على هذه المحاورة الهادفة، وأقول: ليس كل متعلم مثقفا، ولا كل من نال شهادة بقادر على حملها، نحن – للأسف- في زمن ابتذلت فيه الشهادة كثيرا، حتى كادت تفقد قيمتها / بسبب طغيان الرداءة، فبعد أن كانت الشهادة كالحرية تؤخذ ولا تعطى، صارت تعطى ولا تؤخذ.. وشعاري: كن ذاتك، واستفد من هناتك، وتدارك ما فاتك، ولا تبح بآهاتك، كن ذا عزم ورأي وشجاعة، ومن اصطحب الكتب علت به الرتب...

 

حاورته الإعلامية الجزائرية خولة خمري

 

1052 نداالنظام التربوي العربي يعيش العديد من الأزمات لعدم وجود استراتيجية تعليمية عربية موحدة !!.

أهلا ومرحبا بك معنا دكتور عبد الرحمن.

-  بداية: كيف يقدم لنا الباحث المصري د. عبد الرحمن ندا نفسه؟ وخلاصة ما عاشه من تجارب للقراء والمتابعين؟.

- اسمي عبد الرحمن أحمد ندا، حاصل على دكتوراه أصول التربية جامعة المنصورة عام 2008م بتقدير ممتاز. أعمل حالياً خبير تدريس رياضيات بوزارة التعليم بمصر، عملت أستاذًا مساعداًومستشار تدريب بعمادة السنة الأولى المشتركة بجامعة الملك سعود من عام 2009 حتى عام 2017م، شاركت في العديد من المؤتمرات التربوية والثقافية على المستوى المحلي والعربي، كذلك لي العديد من المؤلفات التربوية كأبحاث علمية أو كتب تم نشرها في مجلات ومؤتمرات أكاديمية بمصر والسعودية وألمانيا.

 

-  ما هي نظرتكم لمستوى التعليم العالي في الجامعات العربية وماهي الأسباب الحقيقية وراء تراجع تصنيف الجامعات العربية على المستوى العالمي؟

- لا يخفى على كل ذي بصر تراجع مستوى التعليم العالي في مجتمعاتنا العربية مقارنة بالمجتمعات الغربية واستمرار ذلك التراجع مما أثر على دور التعليم العالي في إحداث التنمية المجتمعية الشاملة.

- بالنسبة لتصنيف الجامعات العربية على المستوى العالمي أود أن أبين أن المعايير التي يتم على أساسها ترتيب الجامعاتتختلف من تصنيف إلى آخر، إلا أن هناك معايير أساسية تتفق عليها كل التصنيفاتوهي: مدى توافر الإمكانات المادية، ومدى المشاركة في إنتاج المعرفة عن طريق النشر العلمي في الدوريات المعترف بها دوليًا. وعلى سبيل المثال : تصنيف TIMES لعام 2019 لأفضل 1000جامعة من 86 دولة كان نصيب الدول العربية 52 جامعة، منهم 7 جامعات من أفضل 500 جامعة. وأرى أن من أهم الأسباب التى أدت إلى حدوث هذا التراجع "تدني مخصصات التعليم والبحث العلمي، وربط التعيين والترقية بدرجة الولاء للنظم الحاكمة، استمرار نزيف هجرة العقول العربية للخارج، وسيطرة الأجواء الطاردة للكفاءات والقدرات، مع انخفاض دخول الأساتذة، وعدم تقدير صناع القرار والسياسيون للعلم والعلماء".

 

-  النظام الأكاديمي العالمي أصبح يعتمد على ما يسمى بالتخصصات العابرة للثقافات هل يمكن الحديث عن شيء من هذا القبيل في الجامعات العربية والمصرية خاصة؟.

-  التخصصات العابرة للثقافات وتسمى في بعض الأحيان بالدراسات الثقافية الشاملة أو المقارنة، والتي تهتم بفحص مجال السلوك البشري والثقافة البشرية. عند الحديث عن الاهتمام بتلك التخصصات في جامعاتنا العربية نلاحظ بروز مشكلة أن معظم الجامعات العربية- المصرية بصفة خاصة - لا تعتمد إحدى اللغات الأوروبية للتدريس بها، مما أثر علىالمستوى العلمي لطلاب الجامعة، ومناخ البحث العلمي فيالجامعة، وكفاءة أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، وبالتالي لا زال الاهتمام بالتخصصات العابرة للثقافات ضئيلاً للغاية في جامعاتنا العربية بصفة عامة والمصرية بصفة خاصة.

 

-  يواجه المعلم فى ظل عصر الثورة الرقمية العديد من التحديات كالتربية المستدامة، وقيادة التغيير، وإدارة التكنولوجيا، وثورة المعلومات، والتحدي الثقافي الذي يهدد السلوكيات والقيم ما تعليقكم؟.

- فعلاً يواجه المعلم فى ظل عصر الثورة الرقمية العديد من التحديات، والتي فرضت نفسها على نظم التربية والتعليم في المجتمعات العربية، والتي أصبح من أهم آثارها ضرورة تغيير المعلم لأدواره المتوقعة منه في ظل تلك التحديات، ومن أهم تلك الادوار على سبيل المثال لا الحصر:

- الاستفادة من فرص التعلم مدى الحياة، بما يمكنه ذلك من اكتساب الكفايات التي تؤهله لمواجهة المواقف الحياتية المختلفة والتعايش مع الآخرين.

- إتباع أسلوب التفكير العلميالمنظم بما يساعده على استشراف آفاق المستقبل، وبالتالي إدخال تغييرات مخطط لها لضمان نجاح العملية التعليمية.

-  إكتساب المعلمين لمهارات التعامل مع المستحدثات العلمية بما يؤكد اكتسابهملمهارات حياتية جديدة تجعلهم يوظفون المعلومات، ويساعدون طلابهم على توظفيها والاستفادة منها

- العمل على توظيف تقنيات المعلومات بما يتيح له وقتاً أطول لتوجيه طلابه واكتشاف مواهبهم، والتعرف على نقاط ضعفهم.

- في ظل الصراع الثقافي والذي يهدد سلوكيات وقيم المجتمعات، أصبح المعلم مطالباً بتعميق شعور الطالب بمجتمعه من خلال دعم الهوية الثقافية للمجتمع العربي والإسلامي، وتعزيز الأفكار والقيم الإيجابية السائدة في المجتمع.

 

-  تشير التوجهات المستقبلية إلى أن التعليم الإلكتروني سوف يفرض نفسه على الأنظمة التعليمية بحيث ستصبح المدرسة هي مصدرالتعلم وليست مكانا له وهو ما بدأ يطبق في كثير من الدول الغربية ما تعليقكم على ذلك؟.

- فعلاً سوف يختلف شكلالتعليم المدرسي في ظل عصر الثورة الرقمية، حيث ستتحول المدرسة بأكملها إلى بيئة حاضنة للتقنية فيما يسمى بالمدرسة المحوسبة، ويتطلب التحول إلى المدرسة المحوسبة :

- تحقيق الربط الشبكي بين أجزاء وفصول المدرسة ومرافقها المختلفة مما يتطلب تحويل المدرسة إلى بيئة تقنية تجيد التعامل مع تقنيات الحاسب الآلي.

- حوسبة المناهج والكتب الدراسية واعتماد التعليم على التعامل مع التقنية ومصادر التعليم الإلكتروني.

- تحفيز المعلمين على تطوير قدراتهم في مجال التعامل مع المعلومات، بما يعني تحول المعلمين من مجرد ناقلين للمعرفة إلى مستخدمين للتقنية وباحثين من تجين للمعرفة.

 

-  ماهي المهارات التعلمية التي تحث المعلم العربي على ضرورة امتلاكها فى ظل عصر الثورة الرقمية وما هي طرق تنميتها باعتبارك خبير بهذا المجال؟

- من أهم المهارات التي ينبغي أن يمتلكها المعلم في عصر الثورة الرقمية: القدرة على تنمية مهارات التفكير الناقد، تعليم الطلاب المهارات الحياتية سواء شخصية أو اجتماعية، تنمية المهارات العليا للتفكير، مهارة استخدام وإدارة تكنولوجيا التعليم، مهارة دعم الاقتصاد المعرفي.  ويمكن تنمية تلك المهارات لدى المعلم من خلال: التنمية المهنية الإلكترونية للمعلمين، التدريب الإلكتروني للمعلم، تقليل العبء التدريسي للمعلم، التحفيز.

 

-  كيف يمكن إكساب المعلمين اتجاهات إيجابية نحوالتدريب الإلكتروني، وهل يمكن القول أن تقديم الحوافز المادية فقط للمعلمين كافية لتحفيزهم على المشاركة في برامج التدريب الإلكتروني؟.

- يمكن إكساب المعلمين اتجاهات إيجابية نحو التدريب الإلكتروني، من خلال:

- التعرف على حاجات المعلمين المستهدفين للتدريب وتحديد نوعيات برامج التدريب المطلوبة من جانبهم.

- توعية المعلمين وإكسابهم اتجاهات إيجابية نحو استخدام الوسائل الحديثة في التدريب.

-  تقديم الحوافزالمادية والمعنوية الممكنة للمعلمين لتحفيزهم على المشاركة في برامج التدريب الإلكتروني.

 

- الدول العربية تعيش العديد من الأزمات سواء الإقتصادية أو السياسية فيما بينها ما قراءتكم للأسباب الحقيقية وراء هذاوهل يمكن القول أن الخلل الأول كامن بالنظام التربوي؟

- في رأيي أن السبب الرئيس لكل تلك الأزمات هو الاحتكام "نظرية المصالح" والتي جعلت كل دولة تنظر إلى مدى الفائدة العائدة عليها من علاقاتها مع دول الجوار أو دول المنطقة انطلاقاً إلى العالم الخارجي بعيداً عن قيود العروبة والدين واللغة إلى غير ذلك من الشعارات التي انهارت وتبدلتنتيجة لظاهرة "الفراغ الاستراتيجي"، حيث انهارت دول وتبدلت كيانات وصعدت حكومات .

 الأمر الذي أدى إلى انفراد كل دولة برأيها بناء على قياسها لمصالحها بعيداً عن شقيقاتها مما أدى إلى عدم وجود "استراتيجية عربية موحدة" وواضحة للتعامل مع التهديدات، تشترك فيها الدول العربية جميعاً، تتسم بالشفافية والمكاشفة بين الدول العربية لوضع أجندة مُتفق عليها لأولويات الأمن القومي العربي.

 دعونا نؤكد أن هناك خللاً في نظمنا التربوية والتي رسخت بداخلنا إشكاليات كثيرة خاصة بالهُوية والأنا والتعامل مع الآخر، وجعلتنا نؤمن في تعاملنا مع الأزماتأن غاية الممكن هو إدارة الأزمات وليس حلها، وأن المطلوب هو التكيف معها بدلاً من اقتلاع جذورها ومُواجهة أسبابها.

 

- ما السبل والوسائل الكفيلة التي تراها مناسبة لحل هذه الأزمات التي يتخبط فيها العالم العربي، خاصة بعد ما سمي بثورات الربيع العربي..؟.

 في رأيي إن الاستراتيجية الأكثر فاعلية فيالتعامل مع الأزمات من خلال النظام التربوي هو :

 التحول من "إدارة الأزمة" إلى حل "أزمة الإرادة" التي يمر بها العالم العربي، وتكون من خلال توفر الإرادة لدى الكثير من القيادات والنخب والشعوب على الخروج من «المأزق الحضاري» الذي نعيشه، ونكابد تبعاته المُرّة.

 دور النظم التربوية في تحقيق أهداف  المجتمعات العربية لم يعُد مجرد رؤى آيديولوجية أو أفكار نظرية، وإنما حقائق وتحديات مطروحة على أجندة العمل التربوي العربي، من خلال تعزيز تكافؤ الفرص واحترام الهويات المختلفة في إطار الدولة الوطنية الحديثة.

 

- دكتور عبد الرحمن في نهاية حوارنا الشيق هذا، نطرح عليكم سؤالا أخيرا وهو ماهو تصوركم لواقع المجتمعات العربية بعد 50 سنة بالتقريب سواء من الناحية المعرفية أو الاقتصادية أوالسياسية ؟

- في البداية أود أن أشير إلى مفارقة هامة بين المجتمعات الغربية والمجتمعات العربية، فالمجتمعات الغربية تعيش حاضرها وتحاول أخذ العبرة من ماضيها حتى لا تكرر ما حدث فيه من مآسي وإشكاليات ويصبح نقطة إنطلاق نحو تحسين الواقع والتفكير في بناء وتخطيط مستقبلها، بينما المجتمعات العربيةبالكاد تعيش حاضرها وتظل تتغنى بأمجاد ماضيها ولا تأخذ منه العبرة دون سعي منها لتحسين واقعها أو التفكير بمستقبلها.

استناداً لما سبق يمكن القول: بأنه نظراً إلى موقعنا في المعادلة الكونية من حيث وجودنا "كمفعول بنا" ولسنا "فاعلين" فإن تصوري لواقع المجتمعات العربية بعد 50 سنة يشوبه الكثير من التوجس والقلق نتيجة لما هو موجود على أرض الواقع من التفكير التخلفي القائم على التحزب والتفكير في التخريب وتدمير الآخر المخالف، من الناحية المعرفية: ستظل الهوة المعرفية قائمة بل ستزداد بين المجتمعات العربية والعالم الخارجي وسنظل مستوردين للنماذج المعرفية الغربية بما تحتويه من ثقافة استهلاكية وقيم غربية لا تناسب مجتمعاتنا. أما من الناحية السياسية والاقتصادية: ستظل مجتمعاتنا العربية بعيدة كل البعد عن التكتلات الاقتصادية الفاعلة وستظل سوقاً لما تنتجه المصانع الغربية والآسيوية نظراً لعدم وجود البديل الكفء، كذلك قد تتغير الخريطة السياسية للمنطقة فتتبدل وتتشكل بطريقة أو بأخرى بأيدي القوى العالمية تبعاً لمصالحها في المنطقة.

 

- هل من كلمة أخيرة تقدمها للمتتبعين من الأكاديميين والشباب ومختلف أصناف المجتمع بالوطن العربي؟

- كلمتي الأخيرة أوجهها لكل أفراد المجتمع العربي بجميع طوائفه، وأستهلها بمقولة للشيخ محمد متولي الشعراوي "الذي لا يملك ضربة فأسه لا يملك قرار رأسه "، بمعنى أنه لكي يكون لمجتمعاتنا ثقل وشأن في المجتمع الدولي فيجب أن يكون لدينا قوة وقدرة على أخذ قراراتنا المصيرية باستقلالية تامةوهذا لن يتأتى إلا بالعمل المخلص والدؤوب من كل فرد فينا على حسب موقعه، والاستناد إلى التخطيط العلمي والمستقبلي للعمل على وضع مجتمعاتنا في مصاف الدول المتقدمة، والعمل على التقدم بمقترحات وبحوث تطبيقية وحلول قابلة للتطبيق بهدف مجابهة التحديات والمشاكل الملحة التي تواجه مجتمعاتنا العربية.

 

حاورته الإعلامية الجزائرية خولة خمري

 

979 vargas2قوة الأدب والقومية الجديدة والحُب في عمر الــ ٨٣.

أجرى المقابلة: الصحفية يودت ليره*

ترجمها عن الألمانية: بشار الزبيدي

***

مقدمة:

يعيش ماريو فارغاس يوسا خلف أسوار عالية في أحدى الأحياء الغنية في شمال مدينة مدريد. جيرانه هم سفراء دول الكويت والجزائر وفنزويلا. عندما ذهابنا لمنزله انفتحت بوابة ضخمة قبل أن يفتح الخادم الذي يرتدي  زي رسمي وقفازات بيضاء باب الفيلا الكبيرة المؤدي إلى مكتبة الكاتب ماريو فارغاس. أرض المكتبة مفروشة بسجادة فارسية، والنوافذ محجوبة بستائر خضراء مخملية. على الطاولة صندوق خشبي كبير مليء بالسجائر. وفوق الموقد لوحة زيتية لشريكة حياته الحالية (إيزابيل بريسلر)، المُكناة بلؤلؤة مانيلا. يجلس الحائز على جائزة نوبل للأدب ماريو فارغاس اوسا أمام مكتبه الضخم على كرسي ذو ذراعين جلديين وهو يرتدي بنطال بيج وقميص كتان أخضر غامق وقدميه الحافيتين موضوعتين في خُفان جلدية. يُعتبر الكاتب البيروفي واحد من أهم الكتاب المعاصرين، وقدم مؤخراً سيرته الذاتية الفكرية في كتابه الجديد "نداء القبيلة".

الحوار:

الصحفية: كيف ينبغي لنا مُخاطبتك؟ كونت ماريو فارغاس يوسا؟

ماريو: لا ..ماذا تقصدين، يكفي أن تُناديني ماريو.

الصحفية: لكنك تحمل هذا اللقب: يا سيد ماريو فارغاس يوسا.

ماريو: أوه، لا، هذا هو لقب النبلاء الذي منحني إياه ملك إسبانيا بعد حصولي على جائزة نوبل. وأنا لا أستخدمه

الصحفية: هل تكتب هنا في هذه القاعة الفخمة؟ هل كتبت في هذا اليوم؟

ماريو: نعم. أكتب كل يوم. أنا دائماً أعمل. ساعات الصباح هي المفضلة بالنسبة لي. ابدأ مُبكرًا، في الساعةِ الخامسةِ. وعند الساعة السادسة، أمارس الرياضة  البدنية لمدة ساعة لأني أبقى جالساً طوال اليوم. بعد ذلك أستحم، أتناول الإفطار، وأقرأ الصُحف، ثم أباشر العمل. أنا أكتب حتى الساعة الثالثة. هناك كُتاب الليل وكُتاب النهار. أنا أنتمي  لكُتاب النهار.

الصحفية: أتكتب كل يوم؟

ماريو: نعم كل يوم، حتى يوم الأحد. لأني أكتب مقالات صحفية.

الصحفية: لقد كتبت 59 كتابًا في 55 عامًا. ما الذي تعمل عليه حاليًا؟

ماريو: أنا أكتب في رواية تدور أحداثها في غواتيمالا في عهد الرئيس جاكوبو أربينز. والذي نُظم ضده عام 1954 انقلاب من قبل وكالة المخابرات المركزية. كان الأمريكيون متوترين بشكل رهيب لأنهم اعتقدوا أنها كانت ثورة شيوعية. لكنها كانت حكومة ديموقراطية اجتماعية. قُتلَ خلف أربنز، كاستيلو أرماس، في ظروف غامضة بعد ثلاث سنوات، وهي عملية اغتيال لم يتم توضيح ملابساتها ابداً.

الصحفية: أنت تسافر كثيرًا، وتكتب أيضاً في نفس الوقت؟

ماريو: أكتب في كل مكان، حتى في غرف الفنادق، سأقوم بهذا الأمر أيضاً في يوليو في بيرو وألاسكا. على الأقل بضع ساعات في اليوم. حتى عند السفر، أحافظ على حيوية مشاريعي: سيما مقالاتي ورواياتي. يُمكن أن تكون اوقات الاستراحة والانقطاعات قاتلة. أنا بحاجة لهذا النشاط، وإلا سأقتل نفسي.

الصحفية: لقد قلت ذات مرة: إذا لم أتمكن من الكتابة، فسأطلق الرصاص على نفسي.

ماريو: هذه هي الحقيقة الخالصة. إذا لم أكتب، كنت سأقتل نفسي بالفعل. (يضحك بصوتٍ عالٍ)

الصحفية: هل ما زلت تكتب بنفس هذا الشغف؟

ماريو: دائماً. هذه هي حياتي، وجودي. الكتابة هي طريقة للحياة. حياتي تدور حول عملي ككاتب. ابحث كثيرًا ودائمًا، وليس بالضرورة أبحث عن الحقيقة التاريخية، أو لأني امنح نفسي الكثير من الحريات، وإنما لأكون قادرًا على التماهي مع الحقبة والشخصيات.

الصحفية: قال فيليب روث إنه لم يبق له شيء للكتابة في سن الشيخوخة.

ماريو: الأمر مختلف معي. سوف أموت إذا لم أتمكن من كتابة ما لا يقل عن عُشر المشاريع التي ما زالت في ذهني. ما زالت هناك عشرة كتب على الأقل لأكتبها.

الصحفية: ما الذي يُلهمك؟

ماريو: الحياة. لم أكتب شيئا، لم يكن مُتعلقًا بحياتي. هذه هي الموضوعات التي تحفزني، الأشياء تحدث لي. تجارب معينة تلامسني بعمق في عقلي الباطني.

الصحفية: أنت آخر الناجين من هذا الجيل من كتاب أمريكا اللاتينية العظماء.

ماريو: نعم، جيل الازدهار.

الصحفية: غارسيا ماركيز من كولومبيا، وخوسيه دونوسو من شيلي، وخوليو كورتاثر من الأرجنتين، وكارلوس فوينتيس من المكسيك.

ماريو: إنه امتياز مُحزن، لكن هكذا هي الحياة. الكثير من الأصدقاء ماتوا.

الصحفية: هل تفتقدهم؟

ماريو: فلنقل، كان وقتًا رائعًا، حقبة اكتشفت فيها أوروبا والولايات المتحدة واكتشف فيها العالم أدب أمريكا اللاتينية، الذي كان موجوداً منذ فترة طويلة ولكنه كان حبيساً. لم يغادر أمريكا اللاتينية. وفي وقتٍ واحد، في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، تم اكتشاف أدب أمريكا اللاتينية. وحتى أمريكا اللاتينية نفسها بدأت في قراءة وإعادة اكتشاف مؤلفيها، مثل خورخي بورخيس.

الصحفية: حقبة مؤثرة.

ماريو: نعم، خاصة لأننا اكتشفنا أن لدينا هوية أمريكية لاتينية مُشتركة. عندما كنت في بيرو، لم أكن أعرف ماذا يكتب المرء في كولومبيا والإكوادور وشيلي، باستثناء ربما بابلو نيرودا. لم يكن لدينا أي فكرة ماذا يعني أن تكون أمريكي لاتيني. كانت المرة الأولى التي شعرت فيها بهذا الشيء، عندما كنت أعيش في باريس. وذلك عندما بدأت في قراءة أدب أمريكا اللاتينية. كان من المُلهم أن نشعر بأننا، من المكسيك والأرجنتين وبيرو، ولدينا نفس الجذور.

الصحفية: لكنك لا تفتقد غابو، غابرييل غارسيا ماركيز؟

ماريو: صداقتنا وأخوتنا تحطمت بفعل الخلافات السياسية. كما هو الحال دائماً. حيث بدأت الانقسامات، المشاجرات. ولكن الحقيقة: كانت هناك دائما صداقة نجت من هذه الخلافات السياسية.

الصحفية: هل هناك أصوات جديدة في أدب أمريكا اللاتينية؟

ماريو: بالتأكيد.

الصحفية: من هم؟

ماريو: على سبيل المثال، البيروفي ألونسو كويتو. عمره يزيد عن 50 عامًا، لكنه يبدو مثيراً للاهتمام بالنسبة لي، فهو بارع للغاية، لأن كتاب أمريكا اللاتينية لم يعودوا اليوم ضيقي الأفق. ولا يقفوا عند حدود بلدانهم. وقد أعطى هذا الأمر أدب أمريكا اللاتينية رؤية دولية أكثر حداثة. على النقيض من الحياة السياسية، التي ظلت محدودة، وضيقة الأفق كثيراً.

الصحفية: ماذا تقرأ حالياً؟

ماريو: اقرأ الكلاسيكيات، وقراءتها مراراً وتكراراً. في سن مبكرة، قرأت أولئك الذين اناروا طريقي مثل: فلوبير، فوكنر، وحتى سارتر، الذي نأت نفسي منه كثيرًا، ولكن كان هناك وقت، أثر فيه سارتر تأثيرًا كبيرًا عليَ. ما أجده مثيراً للاهتمام اليوم هو أن هناك الكثير من الكتاب، في جميع البلدان، وهناك حياة ثقافية غنية، لم تكن موجودة معنا. وقد تضاعف عدد الكُتاب الشباب، مما يُصعب علينا متابعتهم.

الصحفية: اعتَقَدَ سارتر أن الكاتب يُمكن أن يؤثر على القصة. هل انجزت ذلك؟

ماريو: هذا الأمر صعب القياس. فهو شيء غير مرئي، لكنني أعتقد أن الأدب يؤثر على الناس وله آثار اجتماعية وسياسية. بدون شك.

الصحفية: حتى اليوم؟

ماريو: أنا مقتنع بذلك. لكن في الحياة العصرية، يبدوا هذا الأمر أكثر صعوبة. أصبح الأدب ثانويًا بالنسبة للأنشطة الأخرى مثل الموسيقى والأفلام والتلفزيون - والتي لها تأثير أكبر. تم دفع الأدب إلى الحافة. لكن الأدب ما يزال أقوى وسيلة لنشر الأفكار. لسوء الحظ، في حياتنا اليوم، الأفكار أقل أهمية من الصور. فنحن في زمن ثقافة الشاشة.

الصحفية: هل هذا جيد أم سيء؟

ماريو: المجتمع الذي يضم العديد من القراء أكثر حرية وأكثر نقداً. أحد  تأثيرات الأدب هو إنتاج الناقدين لذوي السلطة. أن الشعب الذي لا يقرأ ،يَسهُل التلاعب فيه. القُراء الجيدون هم المتمردون، بالمعنى السياسي والديني والجنسي. الأدب ليس مجرد ترفيه. بالتأكيد، قراءة شكسبير مُسلية أو سيرفانتيس وجوته وتوماس مان، هذا رائع. ولكن بعد بعد تجاوز هذه المتعة نحصل على المزيد. والفكرة هي أنه إلى جانب حياتنا، هناك حياة أخرى أكثر كثافة وأكثر غنى. هذا يخلق فينا نوعاً من التمردِ ضد الواقع. وهذا بدوره محرك التقدم.

الصحفية: هل انت مُتمرد؟

ماريو: أعتقد نعم. أعتقد أنني مُتمرد. فقط لأنني قارئ نهم. أعتقد أن الأدب الجيد يجعل القُراء نُقاد جيدين في العالم.

الصحفية: ماريو، يا لها من مكتبة فاخرة. هل قمت بتصميمها؟

ماريو: لا. هذا صعب التفسير. إنها مكتبتي الآن، ولكنها كانت تخص زوج زوجتي السابق. كان وزيراً للشؤون الاقتصادية في عهد الرئيس الاشتراكي فيليب غونزاليس.

الصحفية: هل هذه كُتُبك؟

ماريو: كلا، هذه كلها كُتبهِ. لقد كان مُثقفاً. هنا خانة كاملة لكُتُب علم الفلك، هناك رياضيات، هناك للأمام كُتُب عن السفر، وجدار كامل من الكُتُب حول مصر القديمة.

الصحفية: وأين هي كُتُبك؟

ماريو: كُتُبي موجودة في منزل مُنفصل ، يقع في مكان قريب.

الصحفية: عمرك اليوم 83. هل تفكر في الماضي؟

ماريو: اتذكر بعض المراحل والأحداث بحنين، لكنني لا أعيش في الماضي على الإطلاق. أنا أحب الحاضر كثيراً، وغالبا ما أفكر في المستقبل. العمر يجعل الناس أكثر حكمة، يتعلم المرء التمييز بين ما هو مهم وغير مهم، ما هو عميق وما هو عابر، وهذه هي ثروتنا نحن كبار السن.

الصحفية: ما هو أكبر نجاح تمتلكه؟ جائزة نوبل للآداب؟

ماريو: لا. نجاحي بأنني أكتب عموماً. اخترت هذا العمل عندما كان الأمر صعبًا جدًا. إذا كان لديك مهنة أدبية في ذلك الوقت، ستبتعد عن المجتمع. كان من اليأس تمامًا أن يعيش المرء من الكتابة. هذا الأمر لا يمكن تصوره. شعر والدي بالقلق عندما اكتشف أني كتبت الشعر.

الصحفية: لقد صفعك والدك. وأرسلك إلى أكاديمية عسكرية لإبعادك عن الكتابة. كان هذا موضوع أول روايتك.

ماريو: كان يعتقد بأن ما أقوم به هو تذكرة مجانية للفشل. وأنني لن اكسب المال عن طريقه. وبأنني كنت شخص بوهيمي. هكذا كانت فكرته عن الكاتب. إما اليوم فقد أصبح الأمر أسهل بالنسبة لشاب يريد الكتابة. بالنسبة لي بدا ذلك ميئوسا منه. كانت الكتابة شيئًا يخص المحامين والمدرسين والأساتذة في أيام الأحد. لم يكرس أحد حياته للكتابة.

الصحفية: إذًا هذا أكثر أهمية لك من جائزة نوبل؟

ماريو: جائزة نوبل هي يانصيب. بعض الذين فازوا بها يستحقونها. والبعض الآخر استحقها، لكن لم يتحصل عليها. كان الفائز بجائزة نوبل الأولى شاعراً لم يعد يقرأ له أحد. كان اسمه برودوم، لا أحد يعرفه، حتى في فرنسا.

الصحفية: هل كانت هناك هزائم في حياتك؟

ماريو: بالطبع، هزائم، فشل، أخطاء،هذا أمر مؤكد.

الصحفية: هلا ذكرت لنا منها؟

ماريو: يجب على المرء أن لا يتذكر الفشل، إذ من الأفضل وصحياً، أن لا نسبح في الجروح. لكنني ارتكبت الكثير من الأخطاء. حاولت تصحيح بعضها وحاولت نسيان أخرى.

الصحفية: ألا تريد الافصاح عن أي خطأ؟

ماريو: كنت شيوعياً. كان ذلك خطأ فادح. كنت عضواً لمدة عام فقط في الحزب، لأن الستالينية كانت مُغلقة جدًا، وطائفية، ومُتعصبة، لدرجة أنني تحملتها لمدة عام فقط. لكن لفترة طويلة اعتقدت بأن الماركسية، الشيوعية الراديكالية ،كانت هي المخرج للبشرية  من الظلم.

الصحفية: لكن ماهو أكبر أخطائك؟

ماريو: الخطأ كبيرا، ما يراه المرء من فشل تام في المجتمعات الشيوعية. كتابي الجديد - نداء القبيلة - هو سيرة ذاتية تتعلق باكتشاف الديموقراطية والليبرالية على أساس خبرات ملموسة ومؤلفين مهمين، من آدم سميث إلى كارل بوبر إلى فريدريش أوغست. لقد كانت قضية شخصية بالنسبة لي: من الجماعية إلى مجتمع حُر وديموقراطي، إلى دولة قانون. لقد أثبت لنا الزمن أننا على صواب: انهيار الاتحاد السوفيتي، وتطور الصين إلى دولة رأسمالية، وإن كانت دكتاتورية. وانظر ماذا يحدث في فنزويلا الاشتراكية. إنه أمر مأساوي للغاية، فظيع للغاية، أي ينساق كل شيء في مثل هذه الأرض الغنية، إلى الخراب.

979 vargas1

الصحفية: ماذا تتذكر عن وقتك مع فيدل كاسترو؟

ماريو: كان لدي حديث واحد مطول مع فيدل كاسترو. في ذلك الوقت، كان لدي حماس كبير للشيوعية الكوبية، وكان جيلي بأكمله يشعر بهذا الحماس، بدا لي ذلك وكأنه تجربة خارقة بالنسبة لي. كنت مُعجبًا كبيرًا بالثورة الكوبية حتى اندلاعها.

الصحفية: كيف حدث ذلك؟

ماريو: كان سببها حادثة باديلا. كان هيبيرتو باديلا شاعراً ترك الشعر من أجل الانضمام إلى الثورة. أصبح وزيراً، كان نزيهاً تماماً. لقد سقط في السخط لمجرد أنه انتقد السياسة الثقافية، وليس الثورة نفسها. وضعه كاسترو في السجن وأتهمه بأنه يعمل لدى وكالة الاستخبارات المركزية. يا لها من بلاهة. لقد اعترضنا في وقتها على ذلك.

الصحفية: احتج العديد من المثقفين اليساريين. كانت سوزان سونتاج من بينهم وخوليو كورتاثار وكارلوس فوينتس وهانس ماغنوس إنتزنسبيرغر.

ماريو: لقد كان انكسار كبير. وحتى ذلك الحين، كان مثقفو العالم يدعمون كوبا. فقد رأوا في كوبا حداثة وشيوعية ديموقراطية. أقر الكثير منا بأن ذلك لم يكن صحيحاً.

الصحفية: هل كانت تلك هي اللحظة الحاسمة - في حياتك أيضًا؟

ماريو: كانت واحدة من اللحظات. ولكن قبل ذلك، كان لدي دلائل. عندما أنشأوا معسكر UMAP). الوحدات العسكرية لمساعدة الإنتاج). في الحقيقة كانت هذه معسكرات اعتقال، تضمنت مجرمين معاديين للثورة ومثليي الجنس. كنت أعرف الكثير من المثليين، وثوريين حقيقيين، وشعراء، وراقصين، ورسامين، ومجموعة El Puente. لقد عانوا كثيراً  وتم إرسالهم إلى معسكرات الاعتقال، وقُتل بعضهم. منذ ذلك الحين بدأت الشكوك في داخلي وبدأت مسيرتي النقدية.

الصحفية: هل وجدت فلسفتك، والليبرالية، في وقت متأخر جداً.

ماريو: بالطبع، متأخر جداً. ذهبت إلى إنجلترا في سن السادسة والثلاثين، متأخرة جدًا. ولكن أن تكون متأخراً أفضل من ألا تأتي أبداً.

الصحفية: ما هي حالة عالمنا في عام 2019؟

ماريو: أود هنا أن أقتبس لــ بوبر. قبل أشهر قليلة من وفاته، جاء إلى إسبانيا. قال الصحفيون في المؤتمر صحفي: "العالم في حالة سيئة. فقال لهم: نعم، العالم سيء، يوجد الكثير من العنف، الكثير من الفقر، الآلاف من المشاكل. لكن إذا كنتم دائماً تعتقدون أن العالم سيء، تذكروا إن حالنا لم يكن أفضل أبدًا في تاريخ البشرية. أبداً. هذه الإجابة ينبغي أن تمنحنا الجرأة. جوابه كان صائب تماماً.

الصحفية: ولكن هناك الكثير من الفقر والظلم الدائم، لا سيما في أمريكا اللاتينية.

ماريو: لكن الظروف المعيشية تحسنت حتى بالنسبة لأولئك الذين هم في حالة سيئة للغاية. قبل ذلك كان شعورهم أسوأ. خاصة بالنسبة للشباب، من المهم ألا يقعوا في هذا التشاؤم الكسيح، وهذا هو أسوأ شيء بالنسبة للمجتمع.

الصحفية: كيف ترى الموجة الشعبوية الجديدة، والقومية في العالم؟

ماريو: هذه مشكلة كبيرة. الشعبوية لا تنفصل عن القومية. والقومية هي واحدة من أكبر الكوارث في تاريخ البشرية. فيما إذا كان هناك شخص يعرف بأن أوروبا هي التي خاضت حربين عالميتين بملايين من القتلى بسبب القومية. الدين وحده فقط من يسبب الكثير من الضحايا، وسفك الدماء، والظلم بالقدر الذي تسببه الشعبوية، التي تتمثل مقوماتها الرئيسية في القومية. على المرء محاربة الشعبوية والقومية بكل الوسائل، باسم الديمقراطية والحرية.

الصحفية: أوروبا يتم الاستيلاء عليها حالياً من قبل الشعبويين وأمثلة على ذلك: أوربان، فيلدرز، انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وحزب البديل من أجل ألمانيا.

ماريو: ما تفعله الشعبوية حاليًا أمر فظيع. وهذا يعني أن الذاكرة غير موجودة. بالأمس عشنا ما أفسدته القومية والآن منتشرة في كل مكان، حتى في إسبانيا.

الصحفية: من أين أتت الشعبوية بالذات في الوقت الحاضر؟

ماريو: أنه تفكير قبلي. الحنين إلى شيء لم يكن موجوداً. الحنين إلى مجتمع متجانس تمامًا ،يتحدث بنفس اللغة وله نفس العرق وذات الإله ونفس التقاليد. لم يكن هذا الأمر موجودة أبداً، أبداً، فقط في عهد رجال الكهوف، والهمجية. ولكنه هذا الحنين إلى الماضي يمنح الناس بطريقة ما الهدوء.

الصحفية: لكن لماذا ظهرت الان؟

ماريو: هذا مرتبط بالتطور السريع لهذا العالم. نحن نعيش في واقع لا علاقة له بالماضي. هذا يخيف الكثير من الناس، يخيفهم. ومن هنا يأتي التوق إلى الماضي، وهو أمر غير واقعي. هنا في إسبانيا نشهد ثورة في العادات. يشعر الكثيرون بالإرهاق من نهضة النساء والتغيير الاجتماعي. فأين إذن يفرون؟ في الخيال، في هذه الفكرة عن مجتمع موحد تمامًا، متجانس، صحي، حيث يتعرف الجميع على بعضهم البعض. هذا لم يكن موجودًا ولن يوجد أبدًا. خاصة اليوم، لأن الحدود قد رُفعت، لأننا جميعًا مواطنون في العالم، سواء أردنا ذلك أم لا. ولكن الحنين إلى القومية عاد للظهور مجدداً، خاصة في أوروبا، وهذا أمر مخيف.

الصحفية: ليس فقط في أوروبا. أيضا في الولايات المتحدة الأمريكية.

ماريو: نعم هناك ايضاً. كيف يمكن للمرء أن يشرح أن هذا البلد، الذي يمتلك الطليعة في الحداثة، اختار شخصًا مثل ترامب؟ هكذا شخص جاهل ديماغوجي،غير مؤهل إطلاقاً لهذا المنصب وهذه المسؤولية. هذا صعب الفهم. المفاجأة الكبرى بالنسبة لي هي أن هناك جزء يشعر بأنه يمثله. يعتقد المرء أن الولايات المتحدة هي سرة العالم الحر. هذا الأمر مرعب جداً جداً.

الصحفية: ماذا يُمكن ان نفعل؟

ماريو: من المهم أن ينجح الاتحاد الأوروبي ويأخذ دور البطولة. المشروع الأوروبي ليس مهمًا لأوروبا فحسب، بل للبشرية جمعاء. ليس من الجيد أن ينقسم العالم إلى كتلتين. إن وجود أوروبا أمر أساسي وبالتالي أمر مهم لوحدة أوروبا. أوروبا هي مهد الديمقراطية. مهد الحرية. أعطت أوروبا العالم حقوق الإنسان، وهيأت الفرد.

الصحفية: لقد تنحيت عن الاحتجاج على القومية بل حتى عن نادي القلم  الدولي.

ماريو: نعم، اعتكفت لأن نادي القلم وقع في أيادي بعض ممن يريدون استقلال كاتالونيا. لقد استدرجوا رئيسة النادي القلمي، وهي فتاة أمريكية تعيش في المكسيك. لذا فقد وضعت القلم في خدمة حركة الاستقلال، التي اناهضها بقوة.

الصحفية: لماذا؟

ماريو: ببساطة. لم تتمتع حركة الاستقلال بالأغلبية في كاتالونيا. انهم بعيدون عن 50 في المائة. وهو اختراع من القرن التاسع عشر للقومية. لم تكن كاتالونيا مستقلة أبدًا ولا يومًا واحداً. أولاً كانت جزءًا من فرنسا، ثم إسبانيا. في إسبانيا كانت هناك مناطق مستقلة مثل: بلنسية، أراغون، ولكن ليس كاتالونيا، إنها اختراع للبرجوازية في القرن التاسع عشر. الاستقلال سيكون مأساة لإسبانيا وأوروبا. إذا وصلت كاتالونيا إلى ذلك مع أقلية، فماذا يجب أن يقول الباسك، الغاليسيون، بلنسية؟ ستكون هذه سابقة لبقية أوروبا. أوروبا تزيل الحواجز والحدود كما ينبغي أن يكون والآن يأتي هذا الزحف القومي؟ لهذا السبب من المهم للغاية محاربته - باسم الحرية والديمقراطية.

الصحفية: أنت تمدح الليبرالية والرأسمالية في كتابك. ولكن هناك الكثير ممن يلقون اللوم على الزيادة في الفوارق بين الفقراء والأغنياء، والأزمة المالية وإزالة الغابات المطيرة وكارثة المناخ. لقد دفعتنا الرأسمالية التوربينية إلى هذا المنعطف.

ماريو: هذا ليس صحيحاً. رغم أن هناك أيضًا بين الليبراليين طائفيين يعتقدون أنه يمكن حل كل شيء بالسوق. لكن الليبرالية كانت دائمًا تمثل الطليعة في كل الإصلاحات الكبرى التي دفعت الإنسانية إلى الأمام. لم يكن المفكرون العظماء في الليبرالية طائفيين، ولم يكونوا متعصبين. لقد كان آدم سميث دائمًا مهتمًا جدًا بالقضايا الاجتماعية، فقد دعا لليبرالية الاقتصادية لجعلها في مصلحة جميع الناس، وخاصة الفقراء، ثم المزارعين، حتى يتمكنوا من الافلات من الظروف المعيشية الحيوانية.

الصحفية: الانتقاد هو أن العولمة تساعد الأثرياء، قبل كل شيء، على أن يصبحوا أكثر ثراء.

ماريو: هذا ليس صحيحاً. العولمة هي واحدة من أفضل الأشياء التي حدثت للعالم. إنها تسمح لدولة فقيرة أن تصبح دولة مُزدهرة لديها سياسات جيدة. أفضل مثال هو جنوب شرق آسيا. كانت هذه البلدان فقيرة للغاية مع عدد قليل من الناس الأثرياء. اليوم هم أثرياء للغاية - بفضل العولمة. هل زرتِ سنغافورة من قبل؟

الصحفية: كلا لم أزرها.

ماريو: دُعيت إلى سنغافورة. كان لدي أصدقاء هناك وترجيتهم: بأن يروني الفقراء، ويأخذوني إلى الأحياء الفقيرة. أخذوني إلى منطقة الطبقة الوسطى وقالوا: هؤلاء فقراء. لم يكن ذلك ممكناً لولا العولمة - على الأقل من الناحية الاقتصادية. من الناحية السياسية، حسنًا، سنغافورة ليست نموذجًا للديموقراطية. والدول في أوروبا التي لم تعد تعاني من الفقر على الإطلاق، هي دول ديموقراطية – مثل السويد وسويسرا، لقد قضت على الفقر. الدول التي انجزت هذه المهمة هي دول ذات ديموقراطيات ليبرالية.

الصحفية: هل هناك سياسيون يعجبونك كما كنت معجب بـ رونالد ريجان ومارغريت تاتشر سابقاً؟

ماريو: كنت معجب بهما كثيراً، لقد عشت في إنجلترا آنذاك. لقد كانت ثورة حقيقية. عندما وصلت، كانت إنجلترا بلدًا حافلًا  بالحريات نعم، ولكن في حالة انحدار، فقد فشل فيها الاشتراكيون مثل المحافظين. كانت السيدة تاتشر ثورة حقيقية. أعطت بريطانيا الطاقة، والديناميكية من جديد. هذا جدير بالملاحظة.

الصحفية: هل تعرف السيدة تاتشر؟

ماريو: نعم، تعرفت عليها. دُعيت لتناول العشاء. كنت محظوظا. قرأت تاتشر لبوبر وهايك، اللذين كتبت عنهما في كتابي. لم تكن خائفة من قول أن أكبر مفكر بالنسبة لها كارل بوبر وأن هايك قدم لها الإرشاد حتى في الاستشارات الاقتصادية.

الصحفية: هل تحدثت مع رونالد ريغان؟

ماريو: مرة واحدة. قلت له: أنا معجب بك كثيرًا، لكن كيف يمكنك أن تدعي إن لويس لامور هو أفضل أديب؟ لديكم عظماء مثل والت ويتمان، إدغار ألن بوي وويليام فوكنر. فقال إن لامور كتب العديد من الروايات عن الغرب المتوحش، ورعاة البقر التي هي ثقافة أمريكية عظيمة. (يضحك).

الصحفية: لكن  هل برأيك ما زال اليوم هناك ليبراليون كبار؟

ماريو: نعم ما زال هناك، لكن لا يوجد أحد يصل إلى مستوى تاتشر أو ريغان.

الصحفية: من هم؟

ماريو: أنجيلا ميركل تبدو رائعة بالنسبة لي، فهي تقوم بعمل ممتاز. إنها أقل أيديولوجية من تاتشر أو ريغان، لكن يمكن تسميتها امرأة دولة عظيمة. تنبع قلة شعبيتها الحالية من حقيقة أنها استقبلت المهاجرين. تخيل هذا، إنها مبادرة إيثار مُثيرة للإعجاب، ولكن الألمان ليسوا على قدم مساواتهم. لقد ساهمت بشكل كبير في التقدم والازدهار وتحقيق الديموقراطية في ألمانيا. سوف يعطي التاريخ أنجيلا ميركل كل الحق.

الصحفية: أنت نفسك اكتشفت السياسة في وقت مبكر جدًا، في سن الثانية عشرة.

ماريو: كانت عائلتي قريبة من أحد أعظم رؤساء بيرو، خوسيه لويس بوستامانتي إي ريفيرو، كان محام نزيه جدًا. أسوأ ما قيل عنه ،بأنه كان كما لو أنه رئيسًا لسويسرا. ثم انقلب رجال العسكر ضده. كان للانقلاب عواقب وخيمة على عائلتنا. كنت صغيراً وأنا في وسط السياسة.

الصحفية: هل لديك احفاد؟

ماريو: ستة.

الصحفية: ما هي اهتماماتهم الكبيرة؟

ماريو: اثنان فقط من أحفادي مهتمين بالسياسة. واحدة تدرس السياسة في جامعة كولومبيا في نيويورك. إنها ليبرالية للغاية، مما يجعلني سعيدًا جدًا.

الصحفية: ألا يهتمون بتغيرات المناخ؟

ماريو: قبل كل شيء، يواجه الشباب مشكلة لم تكن موجودة بالنسبة لنا: قلة الوظائف. التي تضغط عليهم بشدة. شبابك مختلف تمامًا عن شبابي. اليوم، الوظيفة هي امتياز، خاصة في البلدان المتقدمة. الشباب يعيش في حالة تخوف كبيرة. لقد جرنا هذا إلى حالة من الخمول، ومحاولة النسيان من خلال العيش على الهوامش مع الموسيقى والمخدرات. لكنهم أكثر حرية منا. لديهم الكثير من الحريات في حياتهم الجنسية، من خلال الحركة النسوية. الحركة النسائية قوية جداً. التي فرضت إرادتها أخيراً، من خلال رفع المظالم الواقعة على النساء. وأخيرا سيربحون معاركهم.

الصحفية: هل تساعدنا على فهم قارتكم. يا لها من قارة مجنونة. لنبدأ مع فنزويلا.

ماريو: مأساة. مهزلة. أن يتفكك مثل هذا البلد الغني بشكلٍ كامل. اللاجئون موجودون في كل مكان، سبعمائة ألف منهم في بلدي بيرو، أكثر من مليون في كولومبيا. في بيرو، يُسمح لهم بالعيش والعمل لمدة عام، وهذا تضامن. كنت هناك آخر مرة في عهد الرئيس شافيز، كنت مُحتجزًا على الحدود، وتم استجوابي، وكان هذه الحادثة سيئة.

الصحفية: ثم على الجانب الأيمن البرازيل، التي يحكمها بولسونارو.

ماريو: أنه ديماغوجي للأسف، لن ينجح في البرازيل. إنه محرض عظيم، وغير مؤهل. الأمر المخيف في البرازيل هو أن لولا، وهو ديماغوجي فاسد، خلفه ديماغوجي، الذي يأمل المرء منه فقط بأن لا يكون فاسد. انه لأمر محزن أن يبقى ما يُسمى بلد المستقبل دائمًا بلد المستقبل.

الصحفية: في المكسيك، من ناحية أخرى، يحكم الشعبوي اليساري لوبيز أوبرادور.

ماريو: أنه تراجع آخر نحو الشعبوية.

الصحفية: هل ترى إطلاقاً شيئًا مثل الليبرالية في أمريكا اللاتينية؟

ماريو: هناك بعض المحاولات، لكنها لا تجلب سوى القليل من الثمار، على سبيل المثال في الأرجنتين في عهد الرئيس ماكري. ماكري لديه أفكار جيدة. لكنه لم يجرؤ على القيام بعلاج الصدمة في هذه البلاد التي انهارت في سنوات حكم الرئيس كيرشنر، سنوات الديماغوجية، والفساد والشعبوية. لقد حاول ماكري تبني سياسة التدرج، وهي محاولة لإصلاح البلاد بشكل تدريجي. كان ذلك خطيراً. لذا يلومه الناس على أشياء التي كان على كيرشنر الإجابة عليها.

الصحفية: في أكتوبر هناك انتخابات.

ماريو: آمل أن ينجح مساره الإصلاحي إذا فاز في الانتخابات. إذا لم يفز، فستكون هذه كارثة بالنسبة للأرجنتين، كارثة حقيقية.

الصحفية: فقط الأخبار السيئة من أمريكا اللاتينية.

ماريو: لكن هناك أيضا حالة التشيلي، التي لا يذكرها أحد. تشيلي كانت دولة فقيرة وهي الآن مُزدهرة للغاية. لم تعد تنتمي إلى أمريكا اللاتينية، فهي قريبة من العالم الأول. وقد نجح التشيليون في تحقيق هذا الازدهار عن طريق الديموقراطية. لديهم يسار غير متعصب وقَبِل السياسة الاقتصادية الليبرالية التي أخرجت التشيلي من الديكتاتورية. كانت للتشيلي سياسة جيدة من اليسار واليمين، لذلك فهي نموذج يحتذى به.

الصحفية: في بلدك بيرو هناك .....

ماريو: ... خمسة رؤساء إما في السجن أو هاربين أو قتلوا أنفسهم - بسبب الفساد. مع العلم أنهم مُرتشين من قبل شركة Odebrecht البرازيلية. وتم إنشاء هذا  الارتباط عن طريق رئيس البرازيل لولا. الفساد مُتجذر بعمق في حياة أمريكا اللاتينية. هذه حقيقة. لحسن الحظ، هناك بعض القُضاة في بيرو وكذلك في البرازيل يقفقون ضد مثل هذه الأمور بشجاعة وكفاءة كبيرة.

الصحفية: لقد نافست في عام 1990 لتُصبح رئيس بيرو. لماذا لا تعود الآن، في هذه الساعة التاريخية؟

ماريو: مهنتي ليست في السياسة. في ذلك الوقت، انخرطت في السياسة لقيادة الحملة ضد تأميم البنوك. كما حققت حركتنا نجاحًا كبيرًا، ازداد الضغط عليَ يومها كي أصبح مُرشحًا للرئاسة.

الصحفية: كنت على وشك الفوز مع حزبك (حركة الحرية) ضد فوجيموري، الذي انتهى به المطاف في السجن.

ماريو: نعم، لكن السياسة لا تهمني. لم اقبل ابدا بمنصب ومع ذلك، بقي شيء من حركتي. وأعقب ذلك سياسة مفتوحة اجتذبت الاستثمار والازدهار. لا أريد أن أكون مُتكبراً، لكن هناك أفكار ليبرالية من حملتنا ما زالت باقية- على الرغم من الأزمات.

الصحفية: كيف ينظرون لك أبناء بلدك اليوم؟

ماريو: ينظر لي جزء منهم بكثير من المحبة، ولكن ليس الكل ينظر لي بعين العطف. يعتقدون أن أفكاري يجب أن تُحارب بقوة.

الصحفية: يُطلق عليك الليبرالي الجديد.

ماريو: سيكون هذا الأمر أقل حده. كانت هذه مجرد شتيمة لمحاربة الليبرالية. ولكن مع كل زيارة للبيرو، ألاحظ تراجه هذا الأمر.

الصحفية: هل تشعر اليوم بأنك بيروفي أم إسباني؟

ماريو: أنا مواطن من العالم. أنا بيروفي ولدي جواز سفر إسباني، لكنني كنت دائماً أرغب في أن أكون مواطنًا في العالم. ولقد حققت ذلك. هذا يجعلني أكثر سعادة.

الصحفية: فعلياً مواطن في العالم؟

ماريو: يمكنني العيش في العديد من الأماكن في العالم دون أي مشكلة. لقد عشت في العديد من الأماكن - في باريس ولندن وحتى ألمانيا وشعرت دائمًا بأنني في وطني.

الصحفية: في المانيا؟

ماريو: نعم في برلين. شعرت هناك بأني في وطني، رغم أنني لم أتحدث لغة البلد.

الصحفية: اين كنت تسكن؟

 ماريو: في أكاديمية العلوم في غرونن فالد. كان الشيء العظيم في هذا المكان هو: السماح للمرء بالعيش هناك مجانًا لمدة عام. الموسيقيين والشعراء وعلماء الأحياء والأنثروبولوجيا والكُتُاب. يتم توفير شقة ومساعدة من قبل سكرتيرة وتعمل على ما تعمل عليه أنت بكل الأحوال. كان هناك شرط واحد فقط: تناول الغداء في أكاديمية العلوم ثلاث مرات في الأسبوع. كنت سعيدًا جدًا في برلين في ذلك العام.

الصحفية: يبدو أنك شخص سعيد على الإطلاق.

ماريو: يجب أن لا تكون سعيدًا طوال الوقت. فقط في لحظات قصيرة. وإلا سيكون الأمر روتينياً. لكن عندما أنظر إلى كل شيء، فأنا أكثر سعادة من التعيس.

الصحفية: لا بد لنا من الحديث عن الحب. ما مدى أهمية الحب في حياتك؟

(ينظر فيرغاس لوسا مرة أخرى إلى اللوحة الزيتية الكبيرة لإيزابيل بريسلر على الحائط. وكانت ترتدي فستان سهرة أحمر).

ماريو: الحب يلعب دوراً محورياً. الحُب يثري الحياة، ويعطي الكثير من الزخم، ويجعل حياة المرء أكثر تفاؤلاً، وأكثر إبداعًا. غياب الحب يجعل الحياة حزينة.

الصحفية: هل ما يزال هذا الحال في الشيخوخة؟ هل يوجد فرق بين الحب في عمر 18 و83؟

ماريو: بعمر الــ 80 يُعتبر المرء من ذوي الخبرة، ولكن عندما يعصف الحب، فإن التجربة برمتها غير مجدية. التجربة تنفق، تنطفئ. الحب في سن 80 ليس هو نفسه في سن 18. إنه حُب أقل عصفاً. ولكن إن وجد، فإن الحياة تُصبح أفضل بكثير.

الصحفية: هل ما زلت تعيش الحب بشغف؟

ماريو: نعم، أعتقد ذلك. أنا بالتأكيد أحاول ذلك.

الصحفية: يُمكن للمرء أن يلحظ ذلك أيضاً. أنت مُلاحق باستمرار من قبل المصورين.

ماريو: إنهم في كل مكان، ولا يوجد مكانًا غير متواجدين فيه، إنه شيء فظيع للغاية. يلاحقون زوجتي. الليلة نذهب إلى مباراة تنس كبيرة. صهر زوجتي هو رقم 34 في العالم في لعبة التنس، ولديه مباراة في رابطة محترفي التنس ATP Masters. سيكون أيضاً هناك المصورون.

الصحفية: السؤال الأخير: كم عدد الكتب التي ما زلت تريد كتابتها؟

ماريو: لدي ما يكفي من المشاريع. لن أنتهي بهم جميعًا أبدًا. عندما أنتهي من كتاب ما، فإن مشكلتي الأكبر هي: ما الذي أختاره الآن؟ لدي الكثير. حلمي الكبير أن أموت أثناء الكتابة وقلم الحبر في يدي. ما زلت أكتب باليد وبالحبر.

الصحفية: ماريو، شكرا لك على المقابلة.

ماريو: كانت محادثة طويلة. لقد ثرثرت فيها كطائر القمري.

 

.....................

* صحيفة شتيرن الألمانية بتاريخ ٦ حزيران  ١٩ ٠ ٢   

 

965 كاظم المقداديقرأت له كثيرا، قبل ان احاوره، وهذا الاسلوب اتخذته مسارا في حياتي المهنية، فمن حق القارئ ان يعرف عن الذي احاوره معلومات خافية عنه، وهي من خصال الصحفي المحاور الذي يحترم القارئ..

لقد وجدتً في ضيفي الصحفي المعروف د. كاظم المقدادي، قلباً منشرحا لمن يخالفه في الرأي، مرنا معه إلى أقصى حد، وقلمه نقي، ناصع البياض، في قولة الحق، شهرته الصحفية، معروفة، لكنه بقي على تواضع ملموس بين طلابه في الجامعة وعند اصدقائه، فلن يدخل قلبه الغرور والتعالي، فالغرور يؤدي إلى تدمير الذات، وكلما صغر العقل زاد الفخر بالنفس، وهنا يكمن سقوط المرء، عُرف بمهنئته العالية وحبه وانتماءه لبلده بكل المحن، وخلال حوارنا معه استذكر لنا الماضي المشرق بكل متاعبه والحاضر المزدهر بكل عطاءه..

ولادته ونشأته

ولد كاظم شنون محمد المقدادي عام 1949 في بغداد، متزوج من المهندسة فاطمة يوسف ولديه ثلاث أولاد أنهي صفه الابتدائي بمدرسة المسعودي بالجعيفر وصفه المتوسط في متوسطة العطيفية وبعدها الاعدادي في الثانوية المركزية بجانب رصافة بغداد متفوقا بين زملائه ليدخل كلية الآداب قسم الصحافة وتخرج عام 1973 1974

 في العام 1977حصل على الماجستير من جامعة السوربون عن رسالته الموسومة (سيكولوجيا الاعلان السياحي) التي عززها بالدكتوراه في العام 1979 من نفس الجامعة عن رسالته الموسومة (التيارات الفكرية في الصحافة العربية المهاجرة الى باريس/ القرن التاسع عشر)

وكان المقدادي قد شغل سكرتير تحرير صحيفة (الصحافة) في العام ١٩٧١.. ثم رئيس تحرير لها في العام ٢٠٠٦والتي كانت تصدر عن قسم الاعلام.. جامعة بغداد.. حاليا رئيس تحرير مجلة (معين) وهي مجلة عراقية فصلية تختص بنشر البحوث للمجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية مع نخبة من الاساتذة المختصين منهم الاستاذ واثق الهاشمي والدكتور عزيز شيال، الاستاذ حازم الشمري، والاستاذ ياسين البكري

مؤلفاته

الفّ الدكتور كاظم المقدادي مجموعة قيمة من الكتب اذكر منها: (البحث عن حرية التعبير/ طبع في باريس ١٩٨٤ ـ تصدع السلطة الرابعة / في طبعتين / بغداد وعمان ٢٠١١ ـ ديمقراطية الفرجة / مقالات في الصحافة الساخرة) فيما انجز (نظرية "الملوية" في العام 2008 كأسلوب جديد في تحرير الاخبار بدلا من نظرية "الهرم" المتبعة في المدرسة المصرية)

 إصداراته

 أصدر صحيفة (الكاروك) الساخرة في العام 2007.. قدم الكثير من الاعمال لحساب عدد من القنوات التلفازية والاذاعية اذكر منها: (برنامج صاحب الامتياز 2009) لحساب قناة البغدادية وبرنامج (الرازونة) لحساب اذاعة دي موزي.. فيما أنتج نشيد التحرير (دعوني امشي) من كلماته والحان الفنان المبدع ابراهيم السيد.. وهو يعمل الآن على انجاز كتاب (جدل الاتصال) الذي يبحث في التطور المذهل في عالم الاتصال (حدوده وإمكانياته)

وبعد نقاش عن الصحافة وايام زمان أحببت ان يكون سؤالي الأول له * هل الصحافة المستقلة في عالمنا الحالي لها وجود؟    

- لا يمكن التحدث عن صحافة مستقلة بالوقت الحاضر. لا سيما مع وجود سطوة مال وانعدام وجود جدوى اقتصادية، لذلك علينا التحدث والاهتمام بالموضوعية في الصحافة وهي التي تسرق القارئ بين هذا الموضوع وذاك

* الحركة الاعلامية اليوم كيف تراها؟

- الاعلام هو نتاج يومي مستمر وليس حركة وكل يوم يجب ان يكون أفضل من الاخر بإضافة جديد للصحافة ككل... كما في الحديث الشريف (من استوى يوماه فهو مغبون) وهذا طبقته في صحيفة الكاروك، يجب الابتكار وترك التكرار

* حدثنا عن الكاروك؟

 - الكاروك هي صحيفة اسبوعية ساخرة اصدرتها من حسابي الخاص وكانت جريئة في طرح للموضوعات

* هل مازالت تصدر؟

- لا فقط استمرت سنة واحدة

* لماذا الكاروك؟

- فيه حركة النقاء والولادة الجديدة

* كيف جاءت فكرة اصدار جريدة بوضع متقلب في العراق؟

- بعد سنة 2003 ظهرت صحف تحاكي الصحافة الساخرة.. مثل جريدة حبزبوز، كان لطالبة عندنا اسمها عشتار وهي طالبة ممتازة لكن الشكل والمضمون للصحيفة كان اشبه بتقليد لصحيفة حبزبوز التي اسسها العملاق نوري ثابت...وانصح بعدم التقليد بل الاضافة على النتاجات السابقة، هذا ما اتبعته في صحيفة الكاروك. والتي عنوانه وحده كلفني من التفكير مدة 3 أشهر

رنا خالد* ثقافة في الصحف السابقة والحاضرة ترى فيها تجدد مستمر؟

- ثقافتنا مع الأسف اعتمد على التكرار. استذكر لكم موقف لأول مرة اقوله

بعد انتهاء الحرب الإيرانية العراقية سنة 1988 .... كان هناك اجتماع من اجل تطوير الصحافة في العراق بحضور وزير الاعلام لطيف نصيف جاسم وبدعوة من حميد المطبعي وعلماء كبار مثل على الوردي وكنت جالس بجانبه حينها. تحدثت فيه وكنت على ما اعتقد خامس متحدث، قلت لا توجد صحافة حتى نطورها لم نبني صحافة حتى نطورها ...قال وزير الاعلام يومها كيف؟!

قلت.. الصحافة تكون مع التقرير مع الخبر أو العمود ونحن نفتقر لرؤساء تحرير مختصين ومع احترامي للموجودين سامي مهدي شاعرا وحميد سعيد واخونا هاني وهيب كاتب سياسي أذا الصحافة يجب ان تتطور مع اشخاص صحفيين عاشوا مع الخبر او يكون كمراسل حربي وهذا أفضل ما يكون. ولكن في وقتها نزعج مني وحولها الى قضية وقال هؤلاء رموز البلد، لكن استاذي على الوردي طبطب على كتفي وقال (عفرم) احسنت وهذا أسعدني يومها

* هل تميل للكتابة الساخرة؟

- منذ الصغر وانا ايميل للنكتة بالبيت والشارع وانا اخر اخوتي الستة كنت دائما صاحب نكته اصدقائي ينتظروني حتى اقول لهم شيء لطيف.. وعلى فكرة هذا النوع من أصعب انواع الكتابة وذلك يعود لسبب رئيسي هو وجود قضية مهمه نخفف من وطأتها بشكل هزلي ساخر وتبقى في الذهن

واتذكر بعض منها الان.. قلت في احدى الفضائيات نحن كنا ننتظر دولة مؤسسات وإذا بها دولة مسدسات. وأخرى ان بغداد بناها المنصور وفلشها العيساوي، دائما ابحث على الكلمة المؤثرة التي لا تنسى ...كما في العنوان الذي يلخص زمن وجهد طويل كعنوان (علوه المرشحين) وهو عرض المرشح لنفسه وتقديم الهدايا وقبل سنة او أكثر كنا بانتظار وزير التعليم العالي السيد علي الاديب في جامعة بغداد كلية الاعلام لحضور المؤتمر الاعلامي.. وانتظرناه ولم يحظر والمؤتمر يبدا ساعة عشرة وحتى صارت ساعة 12 ظهرا حضر الكلب من اجل تفتيش القاعة وفرحنا قلنا جاء الوزير وبقينا في الانتظار حتى الساعة الواحدة والطلاب شعروا باستياء.. الطلبة لديهم صحيفة يصدرونها أحبوا كتابة موضوع عن هذا اليوم وقلت لهم انا اعطيكم عنوانا مميزا (حضر الكلب وغاب الوزير) ودائما اضع العنوان واكتب العمود في كل كتاباتي

* كيف ترى الشباب الصحفي اليوم وحضرتك استاذ في جامعة بغداد كلية الاعلام؟

- مع الاسف هناك من يتصور الاعلام بأنه شهرة ومال، والشهرة أكثر شيء يتصوره انه سوف يلتقي بنجوم العالم .... الصحافة هي نقل رسالة والدفاع عن حقوق الناس والدفاع بشرف وأمانة وجرأة.. وذلك يتطلب وجود ثقافة ولكن لا ارى هذا في طلبة اليوم يجب على الطالب ان يكتب عشرات المرات في جميع انواع الصحف وايضا العمل في الإذاعة والتلفزيون والظهور فيها حتى يكتسب لقب اعلامي بجدارة، اي ان يتقن جميع المهارات

* لكن اليوم نشاهد الاعلامي متنقل بين الفضائيات؟

- لا يوجد انتماء مع الاسف البعض يتنقل من قناة الى اخرى من اجل كسب المال الأكثر او الشهرة دون الاهتمام بصناعة اسم له.. ومثلما يوجد حديثي النعمة اليوم هناك حديثي الاعلام ونظرية كونفيشيوس في اساس فكرة الانتماء للعمل في جميع المؤسسات والخوف عليها مثل الخوف على بيوتنا وسابقا اتذكر انا واستاذ زيد الحلي والاستاذ احمد عبد المجيد والاستاذ طه الجزاع كنا نعمل في الصحف وكل ما يهمنا الاخلاص للعمل فقط

* لكن لا يمكن تعميم الحالة ليس كذلك؟

- لا يمكن ان ننفي وجود طلبة جيدين.. كـ نبيل جاسم.. احمد العذارى.. رحيم مزيد كثر في الحقيقة ويظهرون في الفضائيات.. نحن قد ننجح مهنيا ولكن عدم الالتزام يرجع لأمور اخرى ربما مادية ... ولكن اي مرفق اعلامي تذهب اليه عليك معرفة من هم الممولين له حتى تحمي نفسك على سبيل المثال انت صحفي جيد وصاحب العمل غير ذلك وكثير من الفضائيات يحركها المال السياسي وليس المهني.. دائما نحن بحاجة للموضوعية .... وانا كنت أظهر على الحرة بالعراق واول من ظهر فيها وهي قناة امريكية ولكن استخدم منبرهم لصالح بلدي وهذه القناعات التي اكتسبتها من خلال عملي

بعد هذا الحديث المفعم بالمعلومات سألت د. كاظم المقدادي عن البدايات

* كيف كانت؟

- منذ ايام المدرسة وانا في الاول المتوسط كانت هوايتي التصوير وما زالت أتذكر نوع الكاميرا التي كنت استخدمها (كيف) بعدها اكتشفت ان كيف عاصمة اوكرانيا.. واتذكر العطيفية وجسر الحديد (الصرافية) ونهر دجلة والبساتين الجميلة، كنت استغل الوقت كل الوقت في التصوير أو السباحة في النهر، احتفظ ببعض الصور لشروق الشمس ولغروبها على جسر الصرافية

وذات مرة كنت في بستان للحاج طعمه ووجدت نخلة لها رأسين وكان صديقي يدعى سيروأن فتاح وكان كردي الأصل وأنا احبه كثير لذلك ذهبت اليه واخذت معي الصورة وقلت له (هذه الخوة العربية الكردية) وكتبت الموضوع بهذا المعنى مرفق مع الصورة واخذته بنفسي الى جريدة التأخي ..كنت اترقب يوم نشر الموضوع واتابعه, فعلا نشر في الجريدة ويومها كان فرح كبير  الصورة والتعليق واسمي اسعدني الموقف جدا ,, بالمدرسة كنت اعمل نشرة مدرسية أسمها ( الأنوار) وكنت اهتم بها كثيرا ..في الإعدادية كنت اتقن هذا العمل بشكل جيد جدا وفي الكلية كنت اعملها كصحيفة وكانت الاساتذة حميدة سميسم تشجعني دوما على عملي واستاذي زكي الجابر واحمد عبد الستار الجواري واستاذي علي الوردي

* تربطك علاقة بالأستاذ علي الوردي كالصداقة؟

- انا من اشد المعجبين به.. رغم أنى كنت ادرس اعلام لكن اذهب لحضور محاضراته في علم الاجتماع.. ومن رجعت من فرنسا من الاشياء الجميلة التي اتذكرها ذهبت كي ارى امر تعيني الذي تأخر أكثر من سنة لأني ذهبت للدراسة على نفقتي الخاصة.. يومها رأيت الاستاذ على الوردي وكان منزعج جدا سلمت عليه وعرفني وقال جاءت لمقابلة وكيل الوزير بعد اخذ موعد طبعا.. وإذا بهم يقولون لا وجود لموعد معك.. واخذته معي واوصلته الى بيته ومن يومها اصبحت اخذ طلبتي الى الوردي واشيد به لأني رأيت الدولة تحاربه وايضا المؤرخ الكبير عبد الرزاق الحسني بيته قريب من بيتي في الكرادة بعد أن انتقلت لسكن هناك كنت اخذ الطلبة على طول اليه منهم عبد الهادي مهودر وجدت انهم بحاجة لمثل علم الوردي وعلم الحسني

* كيف كان سفرك لفرنسا؟

- كنت دائما اتواجد في المركز الثقافي الفرنسي وانا طالب في الكلية وايضا لي صديقة تعلمت منها بعض الكلمات كانت في قسم الفرنسي وانا في قسم الاعلام.. سنة التخرج فتح بدل الدراسة وكان المبلغ (100) دينار وكنت من عائلة ميسورة والحمد الله.. لكن خشيت من ابي الذي كان يريد ان أكون ضابطا في الجيش ولم اخذ منه المبلغ واستدنته من صديق عمري وجاري في العطيفية وسام جرجيس دفعته كبدل نقدي لأعقائي من الخدمة العسكرية... وسافرت بنفس السنة التي تخرجت فيها 1974 وكانت فرصة وقتها ... من خلال معلوماتي من المركز الثقافي الفرنسي عرفت الكثير من امور الدراسة واللغة والحياة في فرنسا ودرست الماجستير والدكتوراه لمدة 6 سنوات

* دراستك في فرنسا منحتك التحدث باللغة الفرنسية بطلاقة ليس كذلك؟

- نعم.. والى يومنا هذا لا اخرج من البيت دون ان اسمع نشرة الاخبار الفرنسية .... وكما ذكرت كنت اذهب للمعهد الفرنسي قبل السفر ودراستي كلها باللغة الفرنسية وحتى مناقشة رسالة الدكتوراه بالفرنسية حيث كان رئيس الجنة فرنسي من أصل جزائري يدعى (محمد أركون) ومن العراق كان جليل العطية في وقتها كان طالب في السوربون ايضا.. سامي مهدي كان من مصر ايضا غالي شكري وأمير اسكندر احببت ان اذكرهم للتاريخ

* هل كل بقاؤك في فرنسا كان للدراسة؟

- لا.. انا ذهبت على نفقتي الخاصة كما ذكرت ولم أكن مضطر للعودة السريعة.. لذلك عملت لقاءات منها مع (جالك شيراك) وعلاقته بالرئيس العراقي (صدام حسين) خدمتني وكانت لي علاقة طيبة بالسفارة العراقية هناك وكنت اذهب للسفارة بالمناسبات الوطنية والتقي بالشخصيات الكبيرة والمهمة واطلب مواعيد ومنها حوار مميز مع المرحوم عدنان خير الله ونشر في مجلة (كل العرب) ومن الشخصيات الفرنسية الكبيرة.. روجيه جارودي او (رجاء جارودي) بالعربية لأنه كان قد أسلم في عام 1982, جاك بيرك، كاترين دينوف الممثلة الفرنسية المشهورة اركون شاعر فرنسا ومحمد أركون، وشاهرنز نابور الذي توفي قبل مدة قصيرة وكان يتحدث العربية قليلا.. وكنت لا أفضل اللقاءات مع الفنانين رغم الشهرة أكبر بل أحب المفكرين واصحاب قضايا

* تميل للسياسيين أكثر؟

- لا انا اميل للثقافة بشكل عام ومن واجب الصحفي الجيد ان ينتقل بين العام والخاص وهنا اقول خاص اي التحدث بلغة المثقفين وتحاور معهم تحمل رسالة أعمق

* متى رجعت للبلد؟

- في أواخر عام 1987 رجعت وكان من أجل اثبات موقف ولا اريد ان ارجع الى بلدي بعد انتهاء الحرب الايرانية العراقية.. لكن زرت العراق قبلها في سنة 1982 وتركت فرنسا وجمالها وذهبت للمعايشة مدة اسبوعيا حتى لا يقولون (تكتب بالوطنية وانت بعيد عنها) ... والكثير من الزملاء استغربوا لعودتي بعد 14عام.. لكن انا انسان حذر ولا اريد ان اكون ضعيف امام موقف او امام شخص معين

* بعد عودتك من باريس الى يومنا هذا لم تذهب؟

- الحمد لله توفرت لي فرصة قبل خمس سنوات ..وفرها لي سفير فرنسي حضر ودعانا نحن الخريجين واخذته في جولة الى شارع المتنبي ومقهى الشهبندر وارسل بعدها لي دعوة ...مكثت اسبوعين ومن فرحتي لم ارتاح في الفندق فقط وضعت حقيبتي وخرجت مسرع الى جامعة السوربون والى الاماكن الجميلة اسال فيها على من اعرفهم ووجدتهم تقلصوا بسبب العنصرية واتذكر حتى جورج بهجوري الرسام المصري الكبير الذي قال لي قبل عودتي لا يمكن ان اترك فرنسا ,هو الاخر قد رحل منها هو ايضا وكان صديق مقرب من بين هاني شكري وامير حجازي ولكن ارقى واحد من المصريين امين محمود العالم وهذا امين سجنه عبد الناصر سبعة سنوات ولم يتكلم يوما بسوء عن عبد الناصر ولدية كتاب مميز الانسان موقف وانا تعلمت منه وكان كاتب يساري واكتشفت بعدها ان 14 سنة كنها 14 يوم سبحان الله .

* رأيك في المستشرق الجزائري الفرنسي جاك بيرك؟

- فيما بعد وفي اكاديمية (كولج دفرنس) التي تكون في حي كبير قرب جامعة السوربون , تعرفت على (جاك بيرك) لكن كنت ما ازلت لا اتحدث الفرنسية بطلاقة حيث لم يمضي على تواجدي سوى ستة شهور ولكن تعادل اربع سنوات دراسة في قسم اللغة الفرنسية وذلك يعود بتواجدك بنفس البلد ...المهم سألني عن لغتي وانا كنت امدح باللغة الفرنسية جدا ...بعدها قال لي (لا) لغتكم اجمل بكثير انا اندهشت من كلامه لغتنا صعبة ...سالته كيف؟ قال (انا اجلس الان على مكتب باللغة العربية تقولون مكتب وهذا يشتق منه كتاب ,كاتب ,مكتبة, كتب بينما نحن غير ذلك لا نمتلك اشتقاقات للغة وعبقرية اللغة ان فيها اشتقاقات) من يومها اصبحت احببتها واصبحت انتبه للغة العربية كثيرا

ومن خلال تجربتي ان اللغة العظيمة ننتج أدب عظيم وهذا ما نراه في لغتنا العربية كونها عظيمة انتجت المتنبي وكذلك اللغة الفرنسية انتجت فولتير وجان جاك روسو والانكليزية شكسبير وعلى سبيل المثال اللغة التركية لم ننتج أدب عظيم كونها لغة خليط

جاء سؤال في خاطري بعد هذا الحديث الطويل والشيق (وجهة نظر)

* كيف ترى نفسك د. كاظم المقدادي؟

- رجل يحب بلده جدا.. ارى نفسي صاحب رسالة يجب ان وصلها ومتمسك بها ولا يهمني شيء مادي مطلقا.. واتذكر قول لـ مانديلا.. يقول (عندما يريد المناضل ثمن مقابل نضاله سيتحول الى مرتزق) لذلك لا اريد العمل في قناة واكون منفذ لأوامرها... مؤمن بأفكاري ومسؤول عنها. وأفتخر ان طلبتي يتعلمون مني

* بيتك أيام الطفولة والشباب كان يطل على نهر دجلة.. فماذا علمتك؟

- السباحة والجراءة

* المرأة بعيدة عن كتاباتك لكن ماذا تعني للمقدادي؟

- أوكسجين الحياة ...وكمياء الحياة بالوقت ذاته.. انها في تفاعل مستمر

* عرفنا أنك اخترت زوجة عراقية كيف وكنت تعيش في حينها في باريس؟

- أميل للمرأة العراقية وعندما قررت الزواج اخترت زوجتي من بغداد وتزوجنا سنة 1985 سافرنا الى فرنسا وكانت تتحدث الفرنسية وهذا ما شدني اليها أكثر. في اول لقاء بيننا تحدثنا باللغة الفرنسية واتذكر بعد زواجي كتبت الصحفية والزميلة انعام كجه جي عمود قالت فيه الشاب الذي أحب العزوبية اخيرا وقع في قفص الزوجية..

* السعادة كيف تدخل لعالم المقدادي؟

- ان اعمل كل يوم شيء جديد.. ان أقدم كل يوم عمل ويضاف لي

* هل الحرية تسبب مشاكل للصحفي؟

- السلطة ضد مبدا الحرية ودائما غاشمة وفي كل العالم ... على الصحفي ان ينتزعها انتزاعا بل هو الذي يرسمها لنفسه وكم عانيت ما عانيت من هذه الحرية ...واخر مشكلة لي كانت ستنهي على مستقبلي وحياتي ....الاعلام الغربي اعلام سياسي ,ونحن الان نشاهد ما يحدث في فرنسا وكيف الرئيس الفرنسي ( ماكرون) بدأ يحافظ على كرسيه ويقول على اصحاب الستر الصفراء انهم مندسين ..وعندما تقرا موضوعا ما منشور ترى انه يحمل الموضوعية والحيادية ولكن الاعلامي الذكي لا يمكن ان يغفل لما بين السطور لو تبحر بالمضمون يكتشف انه لا يوجد اخلاقيات العمل الاعلامي بل هناك ابتزاز وانتقاص من حرية الصحافة ولهذا كتب كتابي (تصدع السلطة الرابعة) واليوم وكما قال (راموني) خبر الاعلام الفرنسي نحن بصدد ان تكون لنا سلطة خامسة انتجتها التكنولوجيا الحديثة وهي صحافة المواطن والتي سوف تتطور وتتجدد باستمرار وتكون سلطة بلا قيود وتمويلها ذاتي لا تخضع لبنود المالك

التفاؤل والشتائم ماذا يعني للدكتور كاظم المقدادي؟

- لا اميل لهذا التصنيف مطلقا.. أمن باللحظة في حينها والتي تخلق تفاءل او عكس ذلك

* هل وصلت الى قمة النجاح في مجال الصحافة؟

- لا يوجد قمة للصحافة لكن اشعر بقمة السعادة، وانا اقوم بنقل رسالة اعلامية بشكل متميز

* د. كاظم المقدادي لمن يسمع من الاصوات الغنائية اليوم؟

- نزاريات لكاظم الساهر ...وبعض الاغاني الفرنسية

* الصحفي بحاجة الى طاقة يومية حتى يواصل عمله بجد من اين يكتسب المقدادي طاقته؟

- الثقافة البصرية تمنحنا الطاقة. وانا والحمد الله منذ ان فتحت عيوني على الدنيا وامامي فضاء بصري جميل نهر دجلة والبساتين ..وهناك فرق بين ان تستيقظ كل صباح وتذهب لعملك وترى امامك زهور ونحل يتنقل بينها لتمنحك طاقة ايجابية ,,, وان ترى نفايات امانة بغداد والذباب عليها لتمنحك طاقة سلبية ... بغداد اصبحت تمنح طاقة سلبية بسبب الزحام والواجز الكونكريتية وووو..عندما تسافر تكتسب طاقة معاكسة حتى لو سافرت لـ عمان , تركيا , باريس التي تمنح الجمال ... لذلك اي موظف عندما يذهب لعمله يحمل طاقة سلبية وحتى نحن الاساتذة ننظر للطلبة ونحن محملين بتلك الطاقة وهذه مسألة خطيرة يجب النظر اليها

* الكتب التي دائما تقرأها؟

- أحب كل كتب الاعلام وهذا اختصاصي.. حتى لو تنظرين الى مكتبتي الخاصة بالبيت اغلبها كتب اعلام

* كم مؤلف لديكم؟

- عشرة مؤلفات.. لكن اهمها ... البحث عن حرية الاعلام ... هو مختزل لرسالة الدكتوراه... كتاب يتحدث عن المصريين الذين هاجروا الى باريس في ظل حكم الخديوي اسماعيل الذي كان يضطهد هم ومن القرن التاسع عشر وأصدروا صحف في باريس ومنها (ابو نظارة) (أبو صفارة) ليعقوب صنوع.. الأديب الساخر الذي تأثرت به وهو مصري يهودي وكان يمثل التيار الوطني ضد الخديوي اسماعيل والعروة الوثقى لجمال عبد من الصحف التي درستها ...الكتاب الاخر تصدع السلطة الرابعة ... الذي كان في مجال الاعلام بشكل خاص

* متى يستخدم الصحفي المثل خير الكلام ما قل ودل؟

- في العناوين.. نحتاج له على سبيل المثال

علوه المرشحين

الحبل الدبلوماسي

اخضرار الوجوه

* نسمع عن الزمن الجميل وجيل الطيبين واليوم ماذا؟

- في الحقيقة الحياة ثنائيات لو لم يكن هناك مرض لما شعرنا بالصحة، ولو لم تكن هناك دول قمعية لما شعرنا بالدول الجيدة ولم تكن هناك عمالة لم نشعر بقيمة الوطنية.. ومن الذين تأثرت بهم جعفر ابو التمن شخصية وطنية عراقية لا يوجد مثله لا نوري السعيد مثله ولا ياسين الهاشمي ولا جعفر العسكري وطني وطني خالص

السؤال الأخير الذي نختتم به حوارنا الممتع مع ضيفنا الراقي د. كاظم المقدادي نقول له

* ماذا تعلمت من الحياة ومن الاعلام بشكل خاص؟

- الحياة تعلمت منها النظر الى الطبيعة الموجودة فيها والتي تكون مرتبطة مع الانسان حيث حبة الجوز تشبه دماغ الانسان، حبة الفاصوليا تشبه الكلية الانسان وقطعة من الجزر تشبه حدقة العين نحن منها واليها

- والاعلام بطاقة مرور الى عوالم شتى وممكن في يوم واحد ان التقي شحاذا في أطراف الليل ا في النهار واحاور مسؤولا كبيرا او أراني في تجمع شعبي كبير.. من هذه الزاوية يقدم لي الاعلام هذه المساحة الكبيرة التي يمكن ان اتحرك فيها مهنيا وإنسانيا.. وبالتالي فانا يوميا اكتسب ثقافة ومعرفة متباينة بأشكالها الواقعية والعملية.. اضافة الى تحسين المهارات من خلال القراءة الواعية والاختلاط والاطلاع والسفر، لكن هذا الزاد المعرفي يعتمد على شخصية الاعلامي.. فهناك من يسعى الى تطوير نفسه واجتهاداته. وهناك من يتعامل مع الاعلام وكأنه وظيفة يومية.. وهذا الاخير لا يقدم الاعلام له سوى الاجترار المهني دون الابتكار المعرفي.

 

حاورته.. رنا خالد

 

951 كاظم الوحيدهو طائرٌ فراتي عاش على ضفاف مدينة السماوة وعشق طينتها، وتنفس هواء بساتينها فعاشت معه في رحلته وترحاله وكأي عراقي مغترب يداعب حنين الشوق في قصائده للوطن والأرض والحبيبة بغداد .. فكتب الحرف بإحساس نقي وحمل اوجاع وطنه ومعاناة ناسه ليعبر في قصائده عن صدق إنتمائه ..

كاتب وشاعر وإعلامي استطاع ان يصنع إسماً  له في الأوساط المحلية والعربية والعالمية فحقق نجاحات كثيرة وحصد العديد من  الجوائز العالمية وترجمت له نصوص لأغلب لغات العالم

يكتب الشعر الفصيح والنثر والشعبي والنبطي الخليجي

انه الشاعر كاظم الوحيد العنزي – عراقي مغترب في مملكة السويد

كان لنا معه هذا الحوار

س - باعتبارك سفيرا للسلام الدولي ماذا تعني لك المشاركات التي تمت دعوتك للمشاركة بها سواء على الصعيد المحلي او الدولي، وماهي رسالتك في هذه المشاركات؟

ج - لاشك إن الشاعر هو سفير لبلده من خلال ما يحمله من إبداع فكيف إذا كان شاعراً وسفيراً معتمداً للسلام الدولي، فكل مشاركاتي تعني لي الكثير أولها أسعى ان أسجل لي بصمة إبداعية متميزة من خلال مشاركتي الشعرية والأدبية والثانية ان تكون لي بصمة إنسانية أيضاً، فتراني أقوم بمبادرات تكريم لإدارات المهرجانات بقلادات إبداعية او دروع او شهادات تقديرية تحمل شعارات وأسماء المنظمات الدولية التي احمل سفارتها والمخول منها رسمياً، اضافة الى مبادرات اخرى كزيارة ملاجيء إيتام او مستشفيات اطفال المصابين بالأمراض او مؤسسات إنسانية إغاثية وغيرها وهذه اراها من أنبل الرسالات السامية التي أحملها  وادعو الله تعالى ان يوفقنا في إدامتها وتعزيزها .

س - بالرغم من وجود مفاخر من الشعراء الشعبيين العراقيين شاركوا في المحافل المحلية والدولية منها، كيف ترون وضع الشعر الشعبي العراقي في هذه المهرجانات، وهل استطاع الشعراء ايصال رسالة واضحة عن مفهوم الشعر الشعبي العراقي من خلال القاء مشاركاتهم في تلك المحافل؟

ج - وصل الشعر الشعبي العراقي الأن الى أقاصي المعمورة وتجد انه مرغوباً لدى شعوب أغلب البلدان التي زرتها وشاركت في مهرجاناتها والفضل يعود للشعراء المشاركين الّذين ساهموا بشكل جاد لإيصال الحرف الشعبي العراقي اضافة الى  ان الأغنية العراقية قد إجتاحت مساحات واسعة من الذائقة العربية والنص الغنائي وكما هو معروف لون من ألوان الشعر الشعبي العراقي ولي في ذلك تجارب كثيرة ومن خلال الأماسي التي أحييها يطلب مني ان اقرأ لهم لون الأبوذية او الدارمي أو الموال وحدث ذلك في بلدان عربية كثيرة يمكن ان اذكرها لك منها .. الأردن .. لبنان .. مصر .. تونس ... المغرب .. الجزائر .. وغيرها . وهذا دليل لا يقبل الشك ان الشعر الشعبي العراقي قد وصل الى ابعد من محيطه المحلي .

س - ان اكثر الشعراء الشعبيين العراقيين لايسعون لتطوير قابلياتهم الشعرية واكتساب الخبرة من الاخرين وسد الثغرات الموجودة لديهم، برأيك هل السبب في عدم الاحتكاك المباشر مع الاخرين من الشعراء، او قلة الفعاليات الشعرية وبهذا تبقى القابليات راكدة وغير فعالة، ام هناك اسباب اخرى في رايك؟

ج - تطوير إمكانية الشاعر تعتمد بحد ذاتها على الشاعر نفسه، فالشاعر عليه ان يطّلع ويقرأ بإستمرار لأن في المطالعة والبحث والتقصي يستطيع ان ينمي موهبته ويطورها ولابد من كلمة فإن الإحتكاك والإطلاع على تجارب الأخرين وسماع شعرهم سواء كان شعبياً او محكياً عامياً كان او غيره يساعد المبدع ايجاد قنوات اخرى من شأنها ان تخلق حالات إبداعية اخرى لنصّه لا سيما عندما يلاقح مفردات البلدان الأخرى في نصه الشعبي ويسعى الى توظيفها بصورةٍ شعريةٍ جميلةٍ..  وقد استخدمتها في أكثر من لغة او لهجة فإدخلت مفردات سويدية مثلاً لحوارية جميلة إستطاعت ان تدخل قلوب الناس وهاهي تطلب مني في اغلب اماسي مملكة السويد برغم مرور سنين على ولادتها .. اضافة الى استخدام مفردات للهجات مصرية وتونسية وجزائرية لاكثر من نص شعبي مما ساعدني في امتاع جمهور البلدان وادخالها الى قلوبهم بدون إستئذان .

س -  لمن تستطيع ان توجه اللوم في عدم تبنيها النشاطات والقابليات الشعرية لاجل تطوير وتوحيد الارتباط بين الساحات والميادين الشعرية المختلفة؟

ج - نتمنى ان تكون هناك مؤسسات داعمة للفن و الثقافة والشعر تستطيع ان تحيي وتنظم مهرجانات عربية ودولية وطباعة منجزات الشعراء والمبدعيين، اضافة الى الدعم المالي وهذه مسؤولية الدول .. كأن تخصص منح مالية للشعراء والأدباء او مساعدتهم في عوزهم المادي او معالجة المرضى منهم مجاناً واظنها ليس بالمهمة الصعبة اوالعسيرة .

س - برأيك كشاعر شعبي ماهي العناصر والضوابط الشعرية في تقديم الصورة الحية والمؤثرة في نفس المتلقي والمساعدة على ادراك المعنى؟

ج - هناك عناصر يجب ان تتوفر في الشاعر سواء كان شاعراً فصيحاً او شعبياً ومنها المعرفة التامة بأدواته الشعرية وإتقان ضوابط النص الشعري ومعرفة الميزان وتفعليلات القصيدة وتواجد الصورة الشعرية اضافة الى الإلقاء الذي له التأثير الأكبر في إيصال المفردة الى قلوب المستمعين والكاريزما واعني شخصية الشــاعر وسيطرته على المنصة كل هذه الأمور تساعد الشاعر على إيصال حرفه للمتلقِ بلا حواجز أو قيود .

س - بعض الشعراء الشعبيين في كثير من قصائده الشعرية يحاول ان يجعل صورا تفصيلية اي انه لايكتفي بذكر صفة واحدة للمعنى الذي يطرحه، هل هذا يعد شرطا ضروريا لجمال الطرح في القصيدة الشعرية الناجحة، ام ماذا؟

ج - كلا .. جمال الطرح ليس بالتكرار بل بإختزال الصورة الشعرية وإيصالها بطريقة جميلة الى إحساس المتلقى، فقد يكون بيتاً دارمياً متكوناً من شطر وعجز له اثره البالغ على المتلق او بيت أبوذية بدلاً من قصيدة تحتوي على عشرين بيتاً لكنها خالية من الصور الشعرية .. وهنا اعتقد الفرق واضح ..

س - اغلب الاحيان يلجأ الشاعر الى اساليب مثل التشبيه والكناية للتعبير عن فكرته الشعرية في القصيدة، هل هناك اساليب اخرى مفضلة للاستعانة بها واضافتها دون التأثير على القيمة الادبية والفنية الشعرية للتعبير في طرحه للفكرة من خلالها؟

ج - التشبيه في الشعر استخدمه الشعراء عبر العصور سوى في عصر ماقبل الإسلام او العصر الإسلامي او الأموي اوالعباسي او العصر الحديث فشبه الشعراء بتشبيهات الطبيعة مثلا كالشمس والقمر والكواكب والمطر او تشبيه النساء بالثريا او بالظباء  وطولهن بالرماح او تشبيهات السيف اوالطيور او الزهور وغيرها ويمكن ان يضيف جمالية الإيحاء للجملة الشعرية وهاهي معلقة عنترة بن شداد  في أبيات منها وهو في ساحة الوغى ..

ولقد ذكرْتُكِ والرِّماحُ نواهلٌ

وبيضُ الهِنْدِ تقْطرُ من دمي

فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنها

لمعت كبارقِ ثغركِ المتبسِّمِ

ولم ينس حبيبته عبلة فأنشد فيها تلك الأبيات .

وفي بيت أخر له في نفس القصيدة

وكأنَّما التفتَتْ بجيدِ جدايةٍ

رَشأ من الغزلانِ حرٍّ أرثَمِ

والجداية ولد الظبية .. الرشا هو الغزال

فقد أجاد فيها الشاعر وابدع في هذا اللون

او المتنبي الكبير وخروجه عن الطرق المألوفة التي سار عليها الشعراء

اشغل الناس بروائعه الجميلة ومنها قوله فقد

خَريدةٌ لو رَأتها الشّمسُ ما طَلَعتْ

ولو رأها  قَضيبُ  البَانِ لم يَمسِ

وفي بيت اخر من نفس القصيدة

لو كانَ فيضُ يديهِ ماءَ غاديةٍ

عزّ القطا في الفيافي موضعُ اليبسِ

وكثير من الشعراء صاغ التشبيه في قصائده وابدع فيها

اما الكناية فهي لفظ غير صريح فيه إبهام او تلميح لشعر معين وهذا ايضاً استخدمه الشعراء سابقاً .. لكن يبقى السهل الممتنع هو اقرب الطرق الى إيصال المفردة بسهولة الى الملتقِ .

س -  نرى في الوقت الحاضر، اختلاف الشعراء الشعبيين عن من سبقهم في نتاجاتهم الشعرية، هل ترى ان الشعر فيما سبق اصبح لا يصلح لهذا الوقت واصبح من الضروري تغييره او ما يسمى بالتجديد، ام هو تغيير في سلوكية الشاعر من وقت لاخر، وهل استطاع مجاراة ماانتجه الشعراء الماضين، ام لا؟

ج - لا يختلف اثنان على وجود نصوص ركيكة في زماننا هذا وبالأخص في النص الغنائي، فتجد أغاني للأسف هابطة والأغرب ان لها رواج وقبول ومستمعين ومتابعين ويبدو ان الخلل في الذائقة السمعية وتواجد القنوات الفضائية التجارية لكن ومن وجهة نظري ان مثل هكذا اغاني لا يمكن لها ان تعيش لفترة طويلة فتراها كهبة الريح لها زمن ووقت معين وبعدها ستخفت وتموت ولابد من القول ان هناك قصائد يكتبها الشباب الان لها بعد عميق وتحتوي على صور شعرية أخاذه ربما لم يكتبها الشعراء الرواد وبالتالي علينا ان نتعلم من الرواد دروس أولها رصانة القصيدة وعمق بنائها ومضمونها وحبكة مفاهميها

س - هل استطعت ان توظف شعرك لتبليغ رسالة السلام التي ينشدها العالم  وكيف؟

ج - نعم فأنا أحمل هموم الإنسان واوجاع الشعوب وعذاباتها ولي أكثر من قصيدة تحمل في أبياتها تلك المضامين ولي الفخر ان أحمل هذه الرسالة وحمل هموم الإنسان شرف كبير ما بعده شرف، داعياً الله تعالى ان يجعلني عند حسن ظن وطني وأهلي وناسي وجمهوري.

س - كتبت الشعر الفصيح والشعبي والنثر، في ايهم تجد نفسك، ولماذا؟

ج - كل لون من الشعر له محبيه ومتابعيه، لكن وبحكم إنتمائي السومري ارى اني اجد نفسي في الشعر الشعبي العراقي من خلال لهجتي الجنوبية وجمال الإلقاء الذي منّ الله تعالى علينا في حسن صياغته .

س – هل حصلت على لقب معين سواء على الصعيد المحلي او الدولي، وماهو الاقرب اليك؟

ج - كثيرة هي الألقاب التي حصدتها والحمد لله سواء كانت من الصحافة او المؤسسات او الجمهور وأقربها الى قلبي سفير القصيدة وأمير السلام

س – من خلال مسيرتك الحافلة بالنجاحات هل لك إصدارات وماهي؟

ج - لي اكثر من إصدار والحمد لله سواء كان في الشعر الشعبي او الفصيح

ويمكن لي ان اذكرها ..

أبوذيات من الغربة .. تراتيل الدمع .. العشق الصامت

س - انت شاعر غنائي ايضا، فهل كتبت نصوص غنائية، ولمن من المطربين، واي مطرب تتمنى ان تكتب له؟

ج - كتبت النص الغنائي ولي اغان مغناة لمطربين عراقيين وعرب. ومنهم .. أيهاب هادي .. بشار الأصيل .. فراس الأمير ..  اوبريت الكنائس لمجموعة شباب من ألحان الفنان بسام بولص .. المطرب الفلسطيني هايل دياب وغيرها .. ولي تعاون مع اكثر من ملحن عراقي وعربي ومنهم الفنان الكبير لطفي ابو شناق ومن المؤمل ان ترى النور قريباً احد اعمالي معه .

س - هل لنا بقصيدة مغناة تعتز بها؟

ج - نص غنائي يتحدث عن الهوان العربي وقام بغنائه وتلحينه الفنان هايل دياب

المهم تبقى الكراسي

البعض عدها التخاذل شرف صار بهالزمن

المهم تبقى الكراسي حتى لو نخسر وطن

كم مشرد على الرصيف

يصرخ القدس الشـريف

والضمائر كلها ماتت ..نشتكي إلمن .. ومن !؟

*

أمس بغــداد العروبه إنجرحت بسهم الغزاة

والشعور الچان عايش بالبشر هاليوم مات

بلا امان الوضع صـار

فوضى وإرهاب ودمار

دجله يبچي بدمع من دم والنوارس يشتكن ..!

*

سوريا تنادي بإسمكم وين صرتوا ياعرب ..؟

شافت اشكال المآسي والوضع كلش صعب

ليبيا تصيح وتعــاني

وصرنه نحلم بالأماني

كافي من هذا السكوت وشوفوا أحوال اليمن !

المهم تبقى الكراسي حتى لو نخسر وطن

س - هل من شئ يراود ذهنك تحب اخراجه عبر هذا الحوار؟

ج - لي اكثر من مشروع قادم ان شاء الله تعالى وبإنتظار ولادة تؤام لي من المطبوعات يضاف الى منجزي الشعري والأدبي .

كما اقدم شكري وإمتناني للصديق المتألق سلام البهية السماوي على هذا الحوار متمنياً له النجاح وسروري ان أكون ضيفاً خفيفاً على كل من يقرأ حوارنا هذا ومن الله العون والتوفيق .

 

حاوره: سلام البهية السماوي - ملبورن

 

939 سونياالمكان مكتب الفنان المسرحي رؤوف بن يغلان

من يكون الممثل رؤوف من يغلان؟

أولا: رؤوف بن يغلان مواطن تونسي تتجذر فيه روح المواطنة إلى حد النخاع..

ثانيا: أنا لست ممثلا.. لا مصلحا اجتماعيا.. لا مدربا.. لا.. ولا.. أنا فنان مسرحي.. والفنان عقل وروح.. فكر ووعي.. الفنان مبدع.. والمبدع هو الشخص الذي يخلق الشيء من اللاشيء.. الذي يجعل قيمة لما ليس له قيمة.. يعطي معنى للافكار التي لا معنى لها.. المبدع هو الذي يخلق الصور وينفخ في السواكن فيحركها ويحييها ويعطيها روحا.. هو الذي يزرع في أذهان التائهين والمضطربين واليائسين حيرة وأملا.. حيرة لطرح الأسئلة والبحث عن مكامن العيوب والاخلالات العويصة المعقدة داخل نفوسهم لاكتشاف ذواتهم وتثبيتها لكسب الثقة ولبناء شخصية قوية لا تتزعزع ولا تهزها تيارات للتّمكن من فكّ الغموض والإبهام عن استفسارات لا أجوبة لها من قبل الغير.. بل يجب أن تصدر الأجوبة والحلول المنطقية والجذرية منهم وعنهم وإليهم لخدمة ذواتهم وللحدّ من شدة الأزمات ووقعها على مستقبلهم وبذلك يتم العلاج بالمبادرة في الإصلاح والسعي في العمل وبالإنجاز الفعلي وعدم الاختصار على الأقوال والشعارات الكاذبة والبيانات التافهة..

هذا هو المنطق الذي يتحدث به الفنان المسرحي رؤوف بن يغلان الذي وضع لنفسه استراتيجية عمل وخطوطا ممنهجة ليكون مخالفا لما يقوم به غيره من الممثلين المسرحيين ويبدو ذلك جليا على جميع المستويات الفنية والتقنية والركحية والأضواء والديكور والعرض.. الى نص السيناريو الذي يعدّه ويشتغل عليه والفكرة التي يطرحها..

رؤوف بن يغلان قبل أي عرض مسرحي له يقوم بجولة في ربوع المدينة المعنية التي سيعرض فيها مسرحيته فتراه يتجول في الأسواق والمقاهي والدكاكين والشوارع ليحتكّ بعامّة الناس فيها قبل العرض ولا يريد أن يقف عمله عند ما يطلق عليه الرجل الواحد للمشهد One Man Show بتقديم سكاتشات مع قطع موسيقية.. ولذلك تجده يلتقي بمتساكني المدينة من جميع الفئات العمرية والثقافية لمجادلتهم واستفزازهم للحديث عن مشاغلهم وهمومهم ومعرفة احتياجاتهم وأسباب غضبهم واستيائهم من فساد تفشى في صفوفهم وبين ذويهم وتغلغل في نفوسهم..

وعلى ضوء تلك الشهادات وتلك اللقاءات الخاطفة والمعطيات التي يحصل عليها ويسجلها في ذهنه يعمل بن يغلان على تبليغ أصواتهم للعامة والخاصة بطريقته الفذّة والذكية وحنكته وخبرته في الأداء على ركح المسرح..

كما يعمد رؤوف بن يغلان الى تكوين جلسات أو ورشات تواصلية حوارية قبل وبعد العرض فوق الركح لمناقشة القضية المشكل بحضور جمهور متنوع وبتشريك مسؤولي الجهة وحتى رجال الدين والأيمّة ويجعل المواجهة وجها الى وجه بين المواطن والمسؤول فيكون النقاش حادّا وحيا ونارا تتقد، وكانت مسرحيته الأخيرة : ارهابي غير ربع " برعاية وإشراف وزارة الشؤون الدينية والتي واكبت وحضرت عدة عروض له وأبدت عن إعجابها بالفكرة وأشادت بهذا العمل الجريء المبدع ووعدت صديقنا بالتعاون مع الجميع من المشهد العام من أجل بعث مسرح تفاعلي..

المسرح لدى رؤوف بن يغلان ليس عرضا فرجويا وكفى بل مشروعا يشتغل عليه ويسعى إلى تحقيقه من خلا ل نظرته الاستشرافية الهادفة إلى الإصلاح والتغيير ولا يحصل ذلك دون توعية وإثارة وعمل ونضال وثقافة حقيقية..

ماذا يمثل المسرح لدى رؤوف بن يغلان؟

رؤوف بن يغلان لم يجئ الى المسرح من أجل التسلية والترفيه.. لا للبحث عن النجومية في الساحة الثقافية والأوساط الاجتماعية كي يتحدث عنه المجتمع ووسائل الإعلام والإعلان.. ولا للظفر على الربح وطائل الأموال..

رؤوف بن يغلان جاء الى المسرح هربا من محنة..هربا من ضياع وتشرد.. هربا من انتحار كاد يكون.. لجوءا لحماية في فترة عصيبة عاشها في طفولته إثر وفاة والده وهو في سنّ الثّامنة وكان عليه أن يحلّ محلّ الوالد ويكون اامسؤول على عائلة تتكون من تسعة أنفار ووالدة.. وهذا الثقل من العبء على شخص راشد وبالغ مآله الاضطراب النفسي والذهني قد يصل الى حدّ التّأزّم والانزواء فما بالك بطفل يافع.. وهذا الخوف والكبت ولد فيه الإنفجار.. والانفجار بداية الإبتكار والانتصار على الأوضاع.. ورؤوف بن يغلان وجد في المسرح ضالته ودواءه..

ومن هذه المأساة قرر رؤوف بن يغلان جعل المسرح قضية ورسالة.. واختار القيام بهذه المهمة التي لا يسميها وظيفة فهو يريد أن يدخل البهجة التي افتقدها في طفولته إلى كلّ القلوب وليثير في الأذهان حيرة ورغبة في السؤال.. بحثّهم على التفكير بعمق في طرق الخلاص والنجاة من المشاكل وكيفية تجاوزها (الفقر والبطالة والجهل..) بالبحث عن بديل إيجابي لها..

رؤوف بن يغلان على حد تعبيره جاء ليتكلم على لسان الآخر من مختلف الأعمار من أبناء المجتمع التي قع تهميشها واحتقانها فاختارت أن تعيش في عزلة وخوف ويأس وبؤس بعد أن تعطل الحوار فيما بينهم وبين المسؤولين المعنيين في جهتهم.. ولذلك هو يسعى إلى تشجيع هؤلاء الناس على التخلص من عقدهم التي جعلتهم يفقدون الثقة بالنفس أولا وبكل من حولهم ثانيا.. وهذه العقد هي موروث التربية الغالطة والعادات السيئة التي تمنعهم من التعبير عن حاجياتهم واحتياجاتهم وأبسط أمورهم الطبيعية وما يداخلهم من اضطرابات نفسية ومخاوف مفزعة من المجهول الذي ينتظرهم والعالم المبهم الذي يكتنفهم.. وهذه العقد قد ورثوها من المجتمع والعائلة والأقارب والسلطة فظلّوا في سجن الصّمت.. سجن الخوف.. سجن الغربة.. وغرقوا في العتمة وأصيبوا بالخرس بسبب الكبت والمقت وبما عبر عنه بثقافة العقد التي يجب الاشتغال عليها لعلاجها ومن ثمّ جاءت مسرحيته الشهيرة " نعبر ولاّ ما نعبّرش " ثم " آش يقولولو " التي كانت بطلب من مسؤولة في التنظيم العائلي غايتها ترشيد الناس وتوعيتهم الى مخاطر مرض السيدا الناتج عن العلاقات الجنسية الغير شرعية والخجل من خوض الحديث في مثل هذه المواضيع..

وظيفة هذه الأعمال المسرحية توعوية وتحفيزية أكثر من أي شيء آخر.. فهي تجعل الناس يعبرون عن ذواتهم ويطرحون مشاكلهم وهمومهم أمام الجميع المعنيين وغير المعنيين لتحليلها ومناقشتها..

كما أشار الفنان المسرحي رؤوف بن يغلان أن المشهد الثقافي في السنوات الأخيرة يسير نحو الانحدار والانحطاط بسبب تغييب لكل ما هو طرح ثقافي وإقصاء للمثقفين وعدم تشريكهم في الحراك الثقافي لمحاولة الاصلاح ووضع حدّ للأوضاع المتدنية بالبلاد التونسية واجتثاث جذور الفقر والحد من البطالة والجهل..

ويرى أن الفترة الانتقالية ما بعد الثورة لم تأت في الثقافة إنما جاءت في السياسة وقد كانت له استضافة من الرئيس المنصف المرزوقي إثر ترشحه في الانتخابات بصفته مواطنا تونسيا وناشطا ثقافيا وفنانا مسرحيا ويطرح في هذا اللقاء هواجس المرحلة الانتقالية وتجليات أزمة الحكم بإطلاق صيحة فزع للنهوض بواقع الثقافة والاعلام وأسباب تفاقم المشاكل وتواجد الإرهاب والفساد في تونس بعد الثورة المزعومة والسؤال عن كيفية حلّ الأزمة وما هي الاستراتيجية المثلى لذلك ( الحوار متواجد على اليو تيوب سبتمبر 2013 ) ويقول بن يغلان أن الشخص الوحيد الذي تكلم في مسألة الفكر والطرح الثقافي هو الشهيد شكري بلعيد.. وبسبب هذا التهميش والإقصاء للمثقفين والمبدعين كانت النتيجة وخيمة على المجتمع التونسي فما نشاهده اليوم من عجز وخور وفساد على مسرح الواقع أكبر برهان ودليل على ذلك وهذا ما أحدث خيبة كبيرة في نفوس التونسيين وكسر خاطرهم..

كيف إذن يتمّ علاج وإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

- بعد تفشي الفساد والإرهاب والخوف والهلع في صفوف العباد وتردّي الأوضاع الإجتماعية والفلاحية والصناعية والإقتصادية والتجارية والسياسية في البلاد أعدّ وأخرج رؤوف بن يغلان عمله المسرحي " إرهابي.. غير الربع ".. عنوان هذه المسرحية وحده كفيل لإثارة الجدل والجدال.. التحليل والنقاش..

فمن هو الإرهابي..؟ كيف يصير الإرهابي إرهابيا..؟ ولماذا قسم رؤوف بن يغلان الإرهابي إلى أربعة أجزاء وكأن الإرهابي جسم مادي ملموس أو خبزة او أي شي علما وأن الإرهاب صناعة..؟ ومما تتألف الثلاثة أرباع للإرهابي..؟وأين الربع الأخير منه وماهي مكوناته؟ في إجابة سريعة الثلاثة أرباع من الإرهابي هو التونسي والربع الأخير هو المواطن الذي يحب وطنه ويغير عليه.. ولمعرفة المزيد لابد من حضور عرض مسرحية "إرهابي غير ربع" لاكتشاف الحقيقة وللإجابة عن جزء هام من هذه الأسئلة..

متى بدأ رؤوف بن يغلان المسرح وماهي أعماله المسرحية؟

- أول مسرحيات رؤوف بن يغلان هي " شي يهبل" وجاءت إثر ترجمة لنص وقع اقتباسه من الكاتب المسرحي الروسي نيكولا قوقول Nicolas Gogool والتي قام بعرضها على دار الثقافة بابن رشيق ومعهد كارنو فوقع رفضها في تونس سنة 1968 بالتالي تم عرضها بمدينة وهران الجزائرية عملا مشتركا مع الفنان المسرحي الجزائري فرحات يمون..

وقد كانت تسمية مسرحية " شيء يهبل " الأصلية "حمق سليم" والتي جاءت على إثر تأثر رؤوف بن يغلان بمسرحية "  Le général  Dunford" وبمناسبة عودته من فرنسا التي أقام فيها فترة ما بين أواخر سنة 1968 بداية 1969 الى أواخر 1973 وأوائل 1974.. لكنه تفاجأ عند عودته من الجزائر بعد العرض لمسرحيته بإيقافه في تونس من قبل وزارة الداخلية لمدة عشرين يوما وبقي على ذمة التحقيق وعمره وقتها 22 سنة.. ولاستنطاقه واستجوابه وقع ممارسة شيء من العنف والضغط والقوة لمعرفة إذا كان وراء عمله المسرحي ذلك دوافع سياسية أو حركة معارضة معينة تدفعه وتدعمه خصوصا أن خال رؤوف بن يغلان الاستاذ مصطفى بن ترجم كان أستاذا مختصا في علم الاجتماع وكان ايضا من المعارضة Perspective من جماعة آفاق وبعد ذلك انتمى إلى أحمد بن صالح..

كما كان لرؤوف بن يغلان فرصة اللقاء في فرنسا بعدة نجوم وشخصيات من كبار الفن والمسرح والسينما والتمثيل والثقافة على سبيل الذكر المفكر والعالم والفيلسوف ميشال فوكو Michel Foucault والذي درس في تونس وإقامته بباريس جعلته يعاشر هذه النخبة من المثقفين ويختلط بهم ويأخذ منهم وقد أضافت له هذه العلاقات شساعة ثفافته ونضجها سريعا.. هذا التميز جعله يحظى بالمشاركة بالتمثيل غي السينما وآداء عدة أدوار بطولية وأول مشاركة له في فيلم إيطالي باللغة الإنجليزية وكان عمره 24 سنة 1972 عنوانه العتبات الممنوعة وآخر عنوانه المسيح سنة 1974 فالابن الضال le mauvais fils الفرنسي سنة 1979 وفيلم la balance سنة 1982 وأيضا Tou feu Tout flammes سنة 1985 وسلسلة تلفزية لمدة شهر بعنوان القنطرة مع قناة تلفزية سنة 1987 وغيرها من الأعمال السينمائية والتلفزية والمسرحية..

ومن حكايا رؤوف بن يغلان أنه التقى بوزير الثقافة الشاذلي القليبي في تلك الفترة في مهرجان قرطاج المسرحي بتونس فعبر له عن شجونه وآلامه وخيبته في المشهد الثقافي وما لقيه من معارضة حادة وصارمة لحرية التعبير ولعدم الموافقة على عرض مسرحيته " شي يهبل " وكانت نتيجة إصراره في التشبث بمواقفه الصارمة الرمي به في المنأى بتعيينه للعمل أستاذ مسرح في المناطق الداخلية بعيدا عن الأضواء منفيا في الظلمات حتى لا يكون قريبا من أجواء العاصمة ومن الحقيقة وحتى يقتلوا فيه الموهبة والطموح.. وجاءت إجابة الوزير ردّا على مكاشفته بما حدث له هازئة وأن يحمد ربه على أنها جاءته" جلدية."

وقرر رؤوف بن يغلان العودة الى فرنسا سنة 1975 لمواصلة دراسته ومباشرة النشاط الثقافي والعمل المسرحي هناك..

فدرس رؤوف بن يغلان في جامعة باريس 8 علم الاجتماع لمدة أربعة أو خمسة سنوات إلى موفى 1979 كما قام في ذات الوقت بالتدريس والتنشيط الثقافي في جامعة باريسية في فرنسا سنة 1982\1983 كما كلف بمهمة فريدة من نوعها تتمثل في القيام بدراسة لثمانية أحياء باريسية فقيرة ومهمشة وخطيرة بتأطير متساكنيها وخاصة شبابها المدمن.. تأطيرا ثقافيا توعويا تحسيسيا بصفته مؤطر ثقافي فرؤوف بن يغلان يرى أن" الفنان المبدع هو الذي يمتلك المشروع وينفذه" وصادقت على مشروعه الجبار والفريد من نوعه وقتئذ والذي راهن عليه بن يغلان وزارة الشباب والتنمية الثقافية بفرنسا ونال شهادات الشكر والتقدير في ذلك العمل وحقّق فيه نجاحا باهرا..

أعمال رؤوف بن يغلان المسرحية عبارة عن حلقات مترابطة لعمل هادف وهي على التوالي:

شي يهبل 1973\1974

ضمير مستتر 1994

مثلا 1995\1998

آش يقولولو 1998

نعبر ولا ما نعبرش

الحرقة 2009

حارق يتمنى 2011\2013

مازال يتمنى

ارهابي الا ربع

(قد كانت للفنان المسرحي رؤوف بن يغلان فرصة اللقاء بالشباب الذين حرقوا من تونس وليبيا الى إيطاليا ووقع إيقافهم والتحقيق معهم في الحكومة الإيطالية إذ ذهب لزيارتهم والتواصل معهم وتأطيرهم ليغالبوا يأسهم والتشاور مع المعنيين في الأمر لإيجاد الحلول وللنهوض بهؤلاء الشبان وإنقاذهم من التشرد والوقوع في الانتقام والإرهاب)

ماهو دور الفنان المسرحي في إصلاح المجتمع وتوعيته للنهوض به؟

- يرى رؤوف بن يغلان أن الفنان المسرحي يجب عليه قبل أن يفكر ليكون نجما ناجحا.. أن يفكر كيف يُمتع الجمهور وكيف يجعلهم يتبنون قضية من خلال الرسالة التي يبثها لهم بين السطور وأثناء العرض المسرحي ومن خلال أجواء الفكاهة والضحك التي يثيرها بغاية التحفيز وإنارة النفوس والعقول إذ الفنان المبدع هو الذي يأخذ بزمام الأمور ويمسك بطرف من كل الفنون ويتعلم من كل المدارس والمذاهب والنزعات الفنية لتكون له ثقافة شاملة واسعة فالفنان يُقدّم عملا إنسانيا قيّما ومقدسا قبل أن يقدّم عملا مسرحيا أو فنيا لكي يتسلح بما ينفعه ويفيده وليؤثث لذاته قاعدة عمل فنان ناجح يليق به طرحه وتوجّهه الفكري التوعوي ويناسب وضعه بصفته فنانا مبدعا وعليه أيضا خلق شروط النجاح لنفسه ولعمله الأدبي المسرحي الدرامي ويضمن النجاح له بدراسة كل الأبعاد الفكرية والنفسية والإجتماعية والثقافية وذلك لا يتمّ إلاّ بخلق التناغم والتناسق في رؤيته الفلسفية الابداعية وبتقديم قراءة جديدة للمسرح وأفكار مترابطة، متكافئة وواضحة..

فعمل الفنان المسرحي رؤوف بن يغلان لا يقف عند دور "الوان مان شو the one Man Show" بل في المونودراما بطرحه للقضايا الفكرية والاجتماعية وبفرض وخلق علاقة مرنة وذكية بين الممثل والمتلقي.. فالعمل الدرامي يستلزم كتابة ركحية دقيقة والمونودرامي يشرك جمهوره في عمله..

المسرح عند رؤوف بن يغلان رسالة يخطط لها ويعدّها مسبقا اعدادا طيبا وحسنا يتمّ من خلالها معالجة اليأس ومصالحة الذات مع الطبيعة ومع الواقع ومع الآخر بكيفيّة تجعل الجمهور يُقبل على العمل المسرحي فيضحك ليس للضحك بل للضحك على ما يضحك عليه وعلى ما يُؤسفنا ويبكينا ويسلينا وكما يقول المثل الشعبي " كثر الهمّ يضحك " وهذا الضحك هو الآخر يعتبر فنّا من الفنون وعلما يجب أن يُدرس ويقرأ للتمكن من فهمه..

دور الفنان المسرحي إذن ليس هيّنا لا سهلا ولا كلاما.. دور الفنان المسرحي يستجوب مقاومة ونضالا وصمودا لمقاومة السخافة والاستخفاف بالآخرين.. والمبدع الحقيقي لا يخشى الإرهاب بقدر ما يخشى الاستخفاف بالارهاب وبمن يرمي إلى زرعه وترسيخه وبعثه وتنشئته ويخشى موت العقل والفكر ومَن يجب أن نخشاهم هم أولئك الطّغاة الذين يعملون على بناء الجهل ونشره وبثّ سمومه في المجتمعات بقتل الطموح فيهم وشلّ الوعي لديهم باستعمال الدين والتطرف وباستغلال البسطاء والضعفاء للإطاحة بهم في جحيم الانحطاط الاخلاقي والديني والثقافي..

ماهو العمل الثقافي؟ c.est quoi le travail culturel

- العمل الثقافي هو تحليل مواضيع وإعطاؤها بعدا فلسفيا وواقعيا جديدا ورؤية مغايرة بمقاربات توعوية تثقيفية تحييسية توجيهية وتعليمية أخرى.. وعمل المبدع الثقافي يجب أن ينطلق من المجتمع المدني _ من الواقع _ من الفقر _ من البطالة _ من كل الأشياء البائسة المهمشة التي يجب بلوغها واقتحامها بدقّ أبوابها ومشاركة المنكوبين معاناتهم وتجربتهم الحياتية وإخراج الغصّة من الحلق وفكّ الأسير من القمقم وعليه أن يعرف ويكتشف أسباب الدّاء قبل علاج الدّاء وإعطاء الدّواء وهذا الشيء لا يتحقّق إلاّ بتكتّل جميع الجهود وتضافرها من مبدعين ومثقفين وفنانين و.. وبتواجدهم جميعهم في ساحة المعركة وعلى أرض الميدان لسحق الفقر وصلب الجهل واغتيال التشرّد.. ومن الخطإ الفادح أن ينزوي الأدباء والشعراء وينغلقون على أنفسهم بحجّة الالهام في الكتابة.. فالكتابة إذا لم تنبع من الوجع والألم لن تحقّق الإبداع فالأدب مأساة أو لا يكون..

العمل الفنّي يستلزم كسر الحواجز وتجاوز الحدود وعبور المناطق الفقيرة _ السّاخنة _ الغاضبة _ النّاقمة _ اليائسة _ البائسة.. والمغامرة تتطلّب التّحدّي والصّمود وحلّ المشكل لا يكون إلاّ من منبته _ من لبّ القضيّة باختراق وجه الغضب المؤدّي إلى الشلل الفكري والذهني والتعبير والإفصاح عن خوالجنا وأوجاعنا ومآسينا وكلّ ما يؤلمنا.. والفنان المبدع إذآ لم يحتكّ بعامّة النّاس وإذا لم يختلط بفقرائهم وجياعهم ومنحرفيهم.. إذا لم يذهب إليهم وإلى ديارهم ومدارسهم ومقاهيهم كيف له أن يفهم مشاعرهم ويدخل عالمهم.. كيف له أن يحلّ مشاكلهم وهو لم يخلق لوحة مسرحية من هذه القضايا والحكايا؟ فهل ينجح المبدع في آدائه إذا لم يكن صادقا مع نفسه _ متصالحا مع ذاته _ متشبعا بأناه..؟ هل يقدر على تقديم الحلول؟ هل يقدّم رسالة؟ هل.. وهل..؟ تساؤلات عديدة تبقى الإجابة عنها موقوفة على تفهم ووعي الجميع.. فمتى يحدث ذلك؟

ورؤية رؤوف بن يغلان للمسرح ودوره في الإصلاح المجتمع يكون بخرق العادي والمتاد ووجوب تواجد جبهة ثقافية وبجعل المسرح مشروعا متكاملا لا يقف عند الرسالة..

فهل سيجد هذا النّداء صداه..؟

 

إنجاز الاستاذة سونيا عبد اللطيف - تونس

 

896 فاضل العزاويهذا العنق الممنوح إلى الجلاد؟

 تهب الريح من المنفى كأمير يقبل من سفر، كشهاب، وتضيء على عاصفة الصمت: لماذا ينتحب اللي رمادا ينثره فوق جذوع يابسة في أمطار؟

وأنا شعب، امدح هذا الطالع في البرية مثل نبي يبعث بين خطاة، مثل مليك يعدم في الساحه.

تتمتع مدينة كركوك بخاصية نادرة الا وهي تكوين مجتمعها الثقافي والقومي التعددي كنتيجة لحوار حضاري بين اقوام وعقائد. المدينة لم تعرف عبر التاريخ صراعا عسكريا او حرب بين مكوناتها السكانية ولكنها كانت مطمعا للغزاة والمحتلين. هذه الخاصية جعلت من بيئة هذه المدينة الواقعة على طريق الحرير مركزا تجاريا وثقافيا ونقطة وصل. من هنا مر جحافل جيوش إسكندر المقدوني ودون احد ضباطه النار الأليمة الملتهبة في أطراف المدينة في كتاباته. في احد أطراف نهر خاصة صويو (نهر ادهم) نجد قلعتها على تل تحيط بها الدور السكنية والاسواق. القلعة كانت المدينة اَي لم تبنى كحامية عسكرية منذ بنائها من قبل أبناء حضارات العراق القديم وكانت فيها احياء لابناء المدينة بمختلف طوائفهم. تغيرت الأمور مع الحرب العالمية الاولى وبداية انهيار الدولة العثمانية وانتشار المد القومي في المنطقة باسرها. وجاء تأسيس الاتحاد السوفياتي بأفكار تقدمية غيرت الجو السياسي في المنطقة والعالم. كان تحول الدولة العراقية من النظام الملكي الى الجمهوري تغيرا جذريا في المجتمع العراقي. في هذه البيئة التقى مجموعة طيبة من شباب المدينة ليتحاوروا حول هموم المجتمع والأدب والسياسة. سمي تجمعهم ب "جماعة كركوك الأدبية " وكان ولا يزال احد أعمدتها الأديب والشاعر فاضل العزاوي. الاديب العزاوي غني عن التعريف فهو احد الرواد في مجال الشعر والرواية في العراق ومعروف على المستوى العالمي. بعد انهاء دراسته الأكاديمية في بغداد عام 1966 ينتقل الى الخارج لاستمرار في الدراسة في المانيا حيث يحصل على الدكتوراه من جامعة لا يبزغ. التقيته ورغم المشاكل الصحية جاد بنا بهذا اللقاء التوثيقي.

سالته عن عملية التوثيق للفترة زمنية تاريخية في حياة مدينة كركوك في "اخر الملائكة " وهل فاته شيئا او احد من أصدقائك من جماعة كركوك؟ حدثنا عن تلك الأيام الخوالي وما كان محور نقاشاتكم في مدينة تعددية الثقافة وملتقى للإقامة كمتحف ثقافي. اجابني مصححا ما ذهبت اليه قائلا:

ـ لم يكن هدفي في رواية "آخر الملائكة" التوثيق وانما كتابة رواية تعكس روح العراق، بل الشرق كله والطريقة التي يفكر بها الناس في مواجهة مصائرهم وأقدارهم. والسؤال الأهم في الرواية فلسفي يتعلق بالأمل في الفردوس الذي ينتهي الى الجحيم. لا علاقة للرواية بجماعة كركوك ولا بأحد من أصدقائي او نقاشاتنا. وهي قبل كل شيء ملحمة تنبؤية تربط الماضي بالحاضر وتمتد الى المستقبل، لذلك اعتبرها العديد من النقاد الألمان رواية تنبأت بظهور داعش قبل ربع قرن من صعودها، مثلما تنبأت بما يسمى بـ"الربيع العربي" الذي انتهى الى جحيم، كما في الرواية.

لقد تحدثت عن كركوك وعن جماعة كركوك وحياتنا وعلاقاتنا ونقاشاتنا في كتاب آخر هو "الروح الحية" وبالذات في فصل بعنوان "أصدقاء السوء" عن جماعة كركوك.

 نعم انتم على حق طبعا وكنت اقصد كتابك "الروح الحية " وعذرا لكن تلك الجماعة أخذت صدى في المحافل الأدبية خاصة بعد رحيل العديد من المجموعة هل لك اي اتصال بمن عاصركم في تلك الفترة؟

ـ لقد ظلت العلاقة قائمة بين معظم أصدقاء جماعة كركوك حتى النهاية. في كركوك كانت العلاقة وثيقة بيننا ونلتقي باستمرار، وظلت العلاقة قائمة بيننا عندما انتقلنا الى بغداد، حيث عشنا أنا وأنور الغساني ومؤيد الراوي في شقة واحدة، ولكن لم تعد اللقاءات اليومية ممكنة مع الجميع كما كان عليه الأمر في كركوك. وحينما انتقل معظمنا الى الخارج تشتتنا في دول مختلفة ومع ذلك لم تنقطع الصلة بيننا. فقد كنت على صلة أيضا بجليل القيسي ومحي الدين زنكنة وعبداللطيف بندر اوغلو الذين لم يغادروا العراق. كنا نتصل ببعضنا عن طريق الهاتف او الرسائل او في زياراتهم للخارج. أما في المانيا فكنت على علاقة وثيقة مع أنور الغساني ومؤيد الراوي وزهدي الداودي. وكان سركون بولص يزور ألمانيا ويمكث فيها فترات طويلة. ولكن لا بد من القول إن الأمر اختلف بعد الخروج من كركوك، حيث أصبح لكل منا عالمه الخاص به.

896 فاضل العزاوي 2

الرواد الأوائل العزاوي، الداوودي، بولص والراوي

هناك العديد من الاسماء لأعضاء المجموعة هل تتمكنون من تعداد الاسماء لتوثيقها تاريخيا ؟

ـ لم تكن جماعة كركوك رابطة او منظمة تضم أسماء معينة. وقد جاءت تسمية جماعة كركوك من النقاد والشعراء والكتاب الآخرين الذين انتبهوا الى أعمالهم الإبداعية المتميزة المختلفة عن أعمال غيرهم من الكتاب العراقيين. لقد كنا في الحقيقة مجموعة من الأصدقاء المبدعين الذين يمتلكون رؤى مختلفة عن غيرهم ويطرحون مفاهيم جديدة للحداثة لم يكن يعرفها الوسط الأدبي العراقي ويتقنون العديد من اللغات الأخرى، فضلا عن مجيئهم من مدينة مثل كركوك التي لم تكن معروفة بحيويتها الأدبية حتى ذلك الحين. ولذلك ليس صعبا كثيرا التعرف على من يقصدهم النقاد والشعراء والكتاب بتسمية "جماعة كركوك". إنهم يقصدون بذلك الإشارة الى الأعمال الطليعية المتميزة التي قدمها العديد من هؤلاء الشعراء والكتاب في فترة زمنية محددة.

ظهرت في الآونة الأخيرة تسميات ك جماعة كركوك الثانية وربما الثالثة كذلك أنا اعتقد جازما بان هناك جماعة واحده وهناك أصدقاء للجماعة وصدى للمجموعة الأولى او نوع من الاستمرارية هل تحبذ كل هذه التسميات؟

ـ هذه تسميات تطلق جزافا وخالية من المعنى. فلكي تكون هناك أي جماعة ينبغي أن تمتلك ما يؤهلها للفت الأنظار اليها، أن تقدم ما يؤثر في مجرى الحركة الأدبية العراقية والعربية. أما الإنتساب الى مدينة ما فلا يعني شيئا. ربما كان الذين يتحدثون عن جماعة كركوك الثانية او الثالثة يطمحون في أن يؤدوا دورا شبيها بالدور الإبداعي الذي قام به من يطلق عليهم جماعة كركوك، ولكن هذا الأمر يتعلق بهم وحدهم، أي بالمنجز الذي يقدمونه.

اثر حوادث عام ١٩٥٩ في كركوك ترك بعض الأعضاء الخط السياسي للمجموعة تحت تاثير ما يسمى بالوعي القومي ما تعليقكم حول الموضوع؟

ـ كنا جميعا ضد الأفكار القومية والدينية المتطرفة التي تقسم البشر على أسس عرقية او لاهوتية، تمتد الى الولادة بالصدفة، ننحدر من قوميات وأديان مختلفة (عربية، كردية، تركمانية، إسلامية، مسيحية)، ولكننا لم نكن نشعر بأي فارق بيننا، فما يهم قبل كل شيء هو أن تكون مبدعا وتمتلك شفافية وروحا إنسانية تسمو على مثل هذه التقسيمات البدائية. كان أحد أفراد مجموعتنا مثلا قسا هو الأب يوسف سعيد الذي نشر العديد من الدواوين السوريالية بتأثير منا. وكان كثيرا ما يلتقي بنا في مقاهينا وهو في ردائه الكهنوتي. شخص واحد فقط من المجموعة أثر عليه الصراع القومي الدائر في المدينة فانفصل عنا، مما جعله يفقد أي دور إبداعي له في كل الفترة التالية.

حدثنا عن انتاجك الادبي المرتبط ببيئة المدينة أي كركوك وكيف تمكنتم من عكس الحياة الاجتماعية في هذه المدينة والصراعات السياسية والاجتماعية التي كانت تدور رحاها بين أبناء المجتمع؟

ـ لم أكن معنيا بعكس الحياة الاجتماعية والصراعات السياسية في مدينة كركوك بصورة خاصة، فثمة خشية دائما من أن يسيء أحد ما فهم ما يقال في مدينة مثل كركوك، فضلا عن أن منظوري الفكري في الكتابة يمتد ليشمل العالم كله. لقد صورت في رواية آخر الملائكة الكثير من بانوراما المدينة بطريقة قد لا تجدها في أي عمل آخر، ومع ذلك كان ثمة من عاتبني أنني قد أسأت الى هذا الطرف او ذاك، بل كان ثمة من قال لي إنني قد شتمت الجميع في الرواية وهددني مجنون ما ذات مرة بالقتل بدعوى انني أسأت الى المدينة. أطرف ما في الأمر هو أن كركوك امتلكت سمعة كبيرة بعد ترجمة آخر الملائكة الى العديد من اللغات العالمية وظهورها في طبعات شعبية واسعة في أميركا وألمانيا خاصة وكتابة العديد من كبار نقاد العالم عنها، حتى أن مستشرقا المانيا كان مدعوا الى أربيل قبل ثلاثة او أربعة أعوام طلب زيارة مدينة كركوك رغم الظروف الأمنية الصعبة حينذاك لمشاهدة الأماكن التي تتحدث عنها الرواية، فلبي طلبه بعد تردد.

كتب الكثير عن الجماعة ولكن القليل من التحليل والنقد للإنتاج الإبداعي لهم هل يدخل هذا ضمن ضعف الحركة النقدية بصورة عامة؟ ام ماذا؟

ـ لا أعرف مدى صحة هذا الرأي، على الأقل في ما يتعلق بي. إنني لا أشكو من قلة اهتمام النقاد بأعمالي ولا أفكر في مثل هذا الأمر الذي يخص النقاد وحدهم، فقد كتبت عني وعن أعمالي عشرات وربما مئات المقالات والدراسات في العراق وخارجه. كما قدمت عن أعمالي أعداد كبيرة من أطروحات الماجستير والدكتوراه في العراق والعالم العربي وأوروبا، بل وحتى في في بلدان مثل ايران والهند. وكتب عن أعمالي كتاب ونقاد أميركيون وإنكليز وألمان كبار. في الحقيقة لا أعير كثيرا من الإهتمام الى ما يكتب عني الا حين يصدر عن كاتب يهمني رأيه. هناك كتب عدة صدرت عني وعن أعمالي. كان بعضها جيدا وبعضها الآخر عابرا، ومع ذلك يظل الأمر خاصا بكاتبه ولا يعنيني من الأمر سوى عمقه وقدرته على الإمساك بروح العمل الذي يتناوله. وهنا يصعب علي الحديث عن مدى اهتمام النقاد بالكتابة عن أعمال بقية أصدقاء جماعة كركوك، إذ أن الأمر يتطلب مراجعة عقود من الزمن، وهو ما لا أقدر عليه هنا. أكيد أن الحركة النقدية العراقية والعربية ضعيفة، ولكن الكاتب الحقيقي لا ينتظر جائزته من النقاد وانما من العمل الذي ينجزه قبل كل شيء.

في ختام هذا اللقاء نتمنى لأديبنا دوام الصحة والعافية وراحت البال وطبعا المزيد من الابداع لرفد الأدب الإنساني بالكلمة الطيبة والفكر النير الحكيم.

أجرى اللقاء: توفيق آلتونچي

 

اديب كمال الدينأربعون عاماً من كتابة الشعر و19 "مجموعة حروفية"

ينتمي الشاعر العراقي أديب كمال الدين إلى جيل السبعينات من القرن الماضي. بدأ مشروعه الشعري بكتابة قصيدة التفعيلة ثم تحوّل إلى قصيدة النثر. نشر على مدى أربعة عقود ونيّف 19 مجموعة شعرية. تُرجمت قصائده إلى عدة لغات عالمية من بينها الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، ونال جائزة الإبداع عام 1999 في العراق. ولمناسبة صدور المجلّد الخامس لأعماله الشعرية الكاملة، كان لنا معه هذا الحوار.

* كيف انبثقت في ذهنك فكرة النص الحروفي، وهل تعتقد أنها ماركة مسجّلة باسمك أم أنّ هناك آخرين كتبوا هذا النمط الشعري من دون أن يتعمقوا فيه؟

- هناك بالطبع مَن كتب النصّ الحروفي مِن الشعراء لكن إقامتهم كانت عابرة أو مؤقتة فيه. أما أنا فقد كانت إقامتي فيه أبدية! هكذا كتبت أكثر من 23 مجموعة حروفية، نشرت منها 19 مجموعة والباقي يصدر قريباً. وتمّ النشر خلال أكثر من أربعين عاماً في كتابة الشعر، أذكر منها على سبيل المثال: «نون»، و«النقطة»، و«حاء»، و«مواقف الألف»، و«شجرة الحروف»، و«الحرف والغراب»، و«أربعون قصيدة عن الحرف»، و«رقصة الحرف الأخيرة»، و«حرف من ماء».

إنّ حروفيتي في أصلها قرآنية. فالحرف العربي حامل معجزة القرآن الكريم ولا بد لحامل المعجزة أن يكون له سره أيضاً، كما أن الرحمن أقسم في مطالع العديد من سور القرآن الكريم به، لكنني حين تأمّلت في الحرف العربي خلال رحلتي الشعرية الطويلة، وجدت أنّ له ما يمكن تسميته بـ«المستويات». فهناك المستوى التشكيلي، القناعي، الدلالي، الترميزي، التراثي، الأسطوري، الروحي، الخارقي، السحري، الطلسمي، الإيقاعي، الطفولي. هكذا وعبر كتابة المئات من القصائد الحروفية التي اتخذت الحرف قناعاً وكاشفاً للقناع، وأداة وكاشفة للأداة، ولغة خاصة ذات رموز ودلالات وإشارات تبزغ بنفسها وتبزغ باللغة ذاتها، عبر هذا كلّه أخلصتُ للحرف حتى أصبح بصْمَتي الشعرية والفنية والروحية التي بسببها اهتم النقد بي ودرسني وأعطاني ألقاباً مثل «الحروفي» و«ملك الحروف» و«شاعر الحرف» و«شاعر الحرف والنقطة».

* أربعة عقود ونيّف من السنوات تفصلك عن ديوانك الشعري الأول «تفاصيل» 1976. ما حجم التبدّل الذي تلمسه أنتَ في القصيدة التي تكتبها الآن؟

- مرت قصيدتي بمراحل عديدة منذ صدور مجموعتي الأولى (تفاصيل) عام 1976 لعل أهمها، أولاً، هو تحوّلي من كتابة قصيدة التفعيلة إلى كتابة قصيدة النثر. إذ كانت مجاميعي «تفاصيل» و«ديوان عربي» و«جيم» و«أخبار المعنى» قصائد تفعيلة. وبصدور مجموعتي «نون» بدأت رحلتي مع قصيدة النثر وتواصلت حتى الآن. ثانياً، صدور أكثر من مجموعة ذات ثيمة محددة كما في مجاميعي: «أخبار المعنى» و«مواقف الألف» و«إشارات الألف» و«حرف من ماء». وفي كل تفاصيل رحلتي الشعرية، فإنني حين أكتب نصّاً جديداً أخضعه بصرامة إلى مسألة القاموس الخاص، والاقتصاد في اللغة، والنمو العضوي للقصيدة.

إن أي شاعر مبدع ومتميز وخلّاق ينبغي أن يمتلك قاموساً شعرياً خاصاً به. ومن دون هذا القاموس يكون الشاعر عبارة عن درهم ممسوح لا تعرف ملامحه حقاً. امتلاك القاموس الخاص لا يتمّ بالتمنّي والترجّي بل بالمكابدة الروحية والإبداعية، والتبحّر في قراءة الشعر قديماً وحديثاً، غرباً وشرقاً ودراسته وتأمّله. ويأتي عبر تراكم كمّي ونوعي عند الشاعر بحيث إن قصائده تلد قاموسها اللغوي بنفسها وتبدعه وتشير إليه بفرح حقيقي وزهو مبارك.

ثمّ تأتي مسألة الاقتصاد باللغة. الشاعر الذي يجيد استخدام المفردة بطريقة مبدعة دون تعسف ولا تحجّر هو شاعر حقيقي وليس مفبركاً. وهذا يتطلّب منه معرفة حقيقية بأسرار الصورة الشعرية وتفاصيلها. فيعرف متى يحذف الصورة المهلهلة أو الضعيفة أو المقحمة دون مسوّغ فني أو يعيد كتابتها إلى أن يكون وجودها ضرورياً لجمالية القصيدة.

وأخيراً هناك مسألة النمو العضوي، حيث ينبغي للشاعر أن يراقب بوعي دقيق وصارم مطلع القصيدة ونهايتها التي ينبغي أن تحتوي ضربتها الشعرية معالجاً الاستطرادات داخل النص بالحذف أو إعادة الكتابة لتكون القصيدة في نهاية الأمر كتلة متماسكة متراصّة من المطلع إلى الخاتمة، كتلة متماسكة متراصّة بحيث إذا حذفتَ منها مقطعاً اختلّت وارتبكت وإذا أضفتَ إليها مقطعاً اختلّت وارتبكت أيضاً.

* تتكئ بعض قصائدك على الآي القرآني الكريم، ويعتمد بعضها الآخر على قصص الأنبياء ومروياتهم، ناهيك عن هيمنة الجانب الصوفي. لِمَ كل هذا التركيز على الجوانب الدينية والصوفية والروحية في كتابة النص الشعري؟

- كما ذكرتُ لك فإن حروفيتي قرآنية. القرآن الكريم نبع روحي وإنساني وثقافي عظيم. ومن هذا النبع شربت روحي ماءَ الطمأنينة وارتوت قصائدي من ماء السؤال في رحلتي الحياتية المغتربة منذ يومها الأول إلى يوم يُبعثون. وفي التصوف وجدت الروح ملاذها في عالم مُسِخ الإنسان فيه أو كاد. الرحلة صعبة جداً والطريق طويلة كأنها لا تنتهي لمن عرف أسرار عالمنا هذا الذي تحكمه الكراهية لا الحب، والتطرف لا الوسطية، والعنصرية لا الإنسانية، والحرب لا السلام.

*تحضر الكثير من الحوادث التاريخية في نصوصك الشعرية وكأنك تسعى لكتابة قصائد ميتا سردية. هل تؤكد لنا هذا الهاجس أم تنفيه جملة وتفصيلاً؟

- بالطبع هذا أمر أنفيه تماماً. لست مؤرخاً أو مؤرخاً شعرياً ولا أحاول أن أكون ذلك.

* بعد نحو خمسة عقود من كتابة الشعر كيف تكتب القصيدة، هل تأتي إليك سلسة مطواعة أم تذهب إليها لتفكّ أسرها بعد جهد جهيد؟

- تأتي غالباَ سلسلة مطواعة كما ذكرتَ في سؤالك الجميل. وهذا متأتٍ من عمق الخبرة الكتابية التي تحققت لدي مع اتساع التجربة الروحية، ومعرفة أسرار الشعرية وتفاصيلها الكثيرة. لكن يحدث أن تولد إحدى قصائدي من النوع الذي يحتاج إلى نحت متواصل فيها. وهذه الولادات قليلة جداً.

* من شطرِ أغنية لنجاة الصغيرة أو جملة مشرقة لماركيز تبدع نصاً شعرياً، هل ما تحتاجه هو الصعقة التي يسري تيارها في الكلمات والصور الشعرية لتنتظم في نص شعري لا يفارق الذاكرة بسهولة؟

- الشعر شرارة تومض في العقل، في أشدّ مناطقه عمقاً وظلمة، هكذا تبدأ استجابة لأغنية عذبة أو لدمعة حرّى أو لموقف مخيف أو لكلمة جارحة أو لمشهد مثير أو لذكرى مؤلمة. ويستطيع الشاعر المبدع أن يتلقّف هذه الشرارة المباركة أو الملعونة أو الجريحة أو المعذَّبة في أي وقت ليشعل بها ذاكرته التي تشبه حطباً جاهزاً للاشتعال فتنثال عنده الصور والكلمات انثيالا.

* كيف تفسر هذا الاهتمام النقدي الواسع بتجربتك الشعرية التي كتب عنها كثير من النقاد العراقيين والعرب والأجانب؟ ما حجم الإضاءات النقدية التي قدّمها الباحثون والدارسون والنقاد؟

- وجد النقاد في تجربتي تجربة شعرية جديدة مختلفة فاهتموا بها في زمن قلّت فيه التجارب الشعرية الحقيقية. فصدر 11 كتاباً نقدياً عنها كتبتها أسماء نقدية لامعة مع مئات الدراسات والمقالات التي كتبها كتاب عراقيون وعرب وأستراليون وباكستانيون وإيرانيون وإيطاليون. وناقشت 13 جامعة عراقية وجزائرية وإيرانية وتونسية رسائل دكتوراه وماجستير تناولت تفاصيل هذه التجربة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

......................

* الصورة للشاعر اديب كمال الدين

 

 

علاء الخطيبجاء من وطن الياسمين يحمل عبق الشام وارثها وحضارتها متسلحاً بإيمان راسخ ان لاشيء مستحيل امام الصدق والحب .

يحاول بجدٍ ان يخلق لغة مشتركة بين الشرق والغرب، يمد جسوره الإبداعية عبر التزاوج بين كوبنهاگن ودمشق. لن تكن مهمته سهلة لكنها ليست مستحيلة فأمام الإرادة والعزيمة ينثني المستحيل ليصبح ممكناً.

مازن حاج قاسم اسم يعرفه الدنماركيون عن قرب كما يعرفه العرب تماماً . فهو سوري الهوى دنماركي النشأة والتعليم، شارك في العديد من الاعمال الدرامية السورية الى جانب فنانين كبار عمل في مسلسل (تحت سماء الوطن بشخصية سالم) ومسلسل روزنامة وغيرها،جاء الى الدنمارك مع والده وعمره 4 سنوات، أحب الدراما وعشق الفن، وتعرف على الحياة في هذا البلد الاسكندنافي الجميل، وتشرب من ثقافته كما تعرف على النخب الفنية الدنماركية، لكنه في الوقت نفسه حمل هم وطنه الأم سوريا، وسعى بشكل حثيث على تغيير الصورة النمطية عن العرب وإنتاج ثقافة ثالثة تكون حلقة الوصل بين الثقافتين. التقته مجلة لندن لايف ستايل ليحدثنا عن رحلته ومنجزه الفني وعن مهرجان السينما السورية للافلام القصيرة .

استاذ مازن حدثنا عن مازن الحاج قاسم الفنان والأنسان؟

مازن: ولدت في سوريا بمدينة اللاذقية، وأتيت الى الدنمارك وانا في الرابعة من عمري، كان والدي اول سوري تطأ قدماه هذا البلد منذ ٤٠ سنة وعشت طفولتي وشبابي بالدنمارك تعلمت ودرست وتعرفت على الحياة وعلى الفنانين والوسط الفني، لكني عدت الى سوريا وعشت ردحاً من السنين بدمشق وعملت بالدراما السورية وشاركت في دور بطولة عام ٢٠١٣ في مسلسل تحت سماء الوطن بشخصية سالم، ورجعت للدنمارك بنفس العام وأعملت افلام ومسلسلات وعروض مسرحية باللغات الدنمركية والانكليزية وكنت اول سوري يقدم عمل من انتاج Netflix بعمل The rain

864 مازن

س: ليس من السهولة بمكان ان يقوم فنان شاب بإقامة مهرجان بهذا المستوى وان يخلق بيئة متشوقة لمعرفة ما يحدث في بقعة جغرافية بعيدة عن اهتمامات البيئة التي يعيش فيها،كيف ولدت فكرة المهرجان وماهي المشاكل التي اعترضتك ومن ساعدك في ذلك؟

مازن: كنت قد عدت للتو من سوريا في زيارتي الثانية اثناء الحرب المجنونة وكان أصدقائي الدنمركيين يسألوني اسئلة غريبة عن ثقافتي وبلدي ولم يكونوا يعرفوا غير عن سوريا سوى (داعش - حرب - لاجئين - اسلام). ‫ففكرت ان اجيب على أسئلتهم ضمن أدواتي الإبداعية فنشأت فكرة مهرجان السينما السورية، لهذا كان همي ان  أرسل صورة حقيقية عن حياة السوريين وثقافتنا بعيد عن اي طرف سياسي بالحرب السورية.

‫عرضت الفكرة على وزارة الثقافة الدنمركية وبلديات الدنمارك فرحبوا بها ودعموني كثيراً هذه المؤسسات الدنماركيةً لها الفضل ببناء هذا المهرجان، اقدم شكري وثنائي الكبيرين لهم بكل بصدق ومحبة، لقد ساعدتني مهنتي وموهبتي على تنفيذ المشروع. المهرجان بنسخته الثانية سيكون من 3-24 شهر مايو القادم يأتي هذا المهرجان بعد نجاح ضخم حققناه في العام الماضي في خمسة مدن دنمركية و٣ مدن نرويجية و٣ مدن سويدية وبمعنى أصح اصبح بكل بقعة بالمدن الإسكندنافية وحديث الشوارع لانها فكرة جديدة

س: حبذا لو تحدثنا عن مهرجان السينما السورية لهذا العام وعدد المشاركات وقيمة الجوائز؟

مازن: هذا العام سيكون المهرجان بطعم خاص وبمشاركات متميزة وستجوب الأفلام دول عديدة كالسويد والنروج بالإضافة الى ثمانية مدن دنماركية رئيسية لاطلاع الجمهور الدنماركي والغربي بشكل عام على الصورة الحقيقة لانسان منطقتنا، وهذا سيساهم. لتغيير الصورة النمطية عن العرب والمسلمين . و‫سيكون عدد الأفلام المشاركة 10 افلام قصيرة وطويلة وثائقية وروائية.

س: هذا المهرجان بنسخته الثانية الذي سيقام في الشهر الخامس حدثنا عن النسخة السابقة وماهي الافلام المشاركة من خارج اوربا؟.

مازن: مهرجان السينما السورية في العام الماضي كان حدث جديد في الدول الاسكندنافية، لذا واجهنا صعوبات كبيرة في إقامته من حيث دور العرض والأفلام السورية المختارة سواء من داخل سوريا او خارجها. لكن لجنة التحكيم من الفنانين الدنماركيين ساهموا بشكل فعال في المهرجان من ناحية اختيار الأفلام والضيوف والاجابة على اسئلة الجمهور .

علاوة على ذاك كان هناك اهتمام إعلامي دنماركي بالمهرجان، لكنني وللاسف واجهة صعوبة كبيرة من السوريين في الدنمارك، اذا قاطعوا المهرجان واعتقدوا انه يلمع صورة النظام، اما السوريون في سوريا اعتقدوا انه مهرجان للمعارضة، ولم يمنحوا انفسهم فرصة لتبديد شكوكهم من خلال التعرف عليه عن قرب .

س: ما هي الرسائل التي تريد ايصالها من خلال السينما؟

مازن: السينما فن عظيم قادر على صناعة وعي انساني راقي، وخلق نمط حياة جديدة قادرة على الاستمرار بالحب، ولغة السينما لغة عظيمة يمكنك ان تصلح افكار شعوب كثيرة من خلالها، وكما يقال:

‫ان كنت تريد ان تعلم مافي الصين يجب ان تعلم مافي الهند

‫سوريا بلد الحضارة واقدم عاصمة في التاريخ بل اقدم مدينة بالعالم، والشعب السوري شعب خلاق وعظيم . نحن السوريون لدينا الكثير مما تمتلكه الدنمارك لكن اكيد باختلاف ثقافات.

س: هل ان الصورة النمطية السائدة للانسان العربي في اوربا او في الاعلام العالمي تحتاج الى مزيد من العمل لتغييرها او تصحيحها، وما هو دور الفنان في ذلك؟

مازن: سأكون صريحاً معك  وليسامحني القارئ لصراحتي. الكثير من العرب عكسوا صورة سيئة عن مجتمعنا، وبالتالي اختزن العقل الأوربي صورة مشوشة وغير واضحة للإنسان العربي، ساعد في ذلك الاعلام الغربي، لكن هناك نوافذ مهمة علينا ان نفتحها لتدخل الحقيقة ويدخل الضوء ليكشف السوء، وهذا هو دور الفنان الذي يحمل رسالة إنسانية يتمكن من خلالها التغيير وايصال الحقيقة كما هي وهذا ما نفعله هنا .

س: هل باعتقادك ان مثل هذه المهرجانات تساهم وتساعد على مد الجسور والتعريف بالاخر؟

مازن: لقد دأبت الدول الأوربية على اقامة مثل هذه المهرجانات فهناك‫ مهرجان السينما الالمانية ومهرجان السينما الفرنسية، وهناك مهرجان الفلم العربي في هولندا . ‫لكن المختلف في مهرجان الافلام السورية انه يقام في بلد لم تكن تعرف المثير عن العرب والشرق وهو مهرجان لبلد شرقي يسعى للوصول الى اروح الناس في الدول الاسكندنافيةً .

‫مهرجان السينما السورية له مذاق خاص في الدنمارك اذ ستعرض الافلام باكبر دور العرض السينمائية. ‫فهناك إقبال جماهيري رائع على استقبال المهرجان وشراء التذاكر فهو حديث الدنماركيين كما هو حديث الوسط الفني . وستفتح المدن الدنماركية أذرعها لاستقباله بشغف .

س: كيف يتم ترشيح الأفلام وما هي القواعد المتبعة في تقييم ومنح الحائزة؟

مازن:  هناك لجنة خاصة هي من تختار الافلام بما يناسب رسالة المهرجان وهي لجنة التحكيم ايضاً التي ستختار الفلم الفائز وجائزة الإخراج والتمثيل.... والخ. ‫

س: هل هناك مشاركات عربية واجنبية في المهرجان؟

مازن: ‫طبعا سيكون هناك مشاركات اجنبية كثيرة من حيث الاعلام والسياسيين والمخرجين والممثلين الدنمركيين المشاهير الذين سيحضرون في الافتتاح مع فنانين ومخرجين سوريين مشاركين بالافلام المعروضة.

س: مهرجانات كهذه تحتاج الى تمويل كبير كيف تحصل على التمويل؟

مازن: ‫تمويل مثل هذه المهرجانات كبير ومهرجان السينما السورية هو الاخر لا يختلف عن بقية المهرجانات فهو ذو ميزانية. كبيرة وضخمة وهذا شيء صعب الحصول عليه ولكن مكاتب وشركات الثقافة وبلديات الدنمارك هي سند حقيقي لمشروع ثقافي بفكرة جديدة، يقدم رسالة إنسانية عبر الفن والإبداع .

س: هل تطمح ان يكون المهرجان عالمياً؟

مازن:‫ مهرجان السينما السورية الذي وصل لـ ٢٢ مدينة و٣ دول إسكندنافية اعتقد يكفي ان يكون على طريق العالمية بعد هذه العروض، وسنسعى بشكل حثيث ام يكون له صدى في كل العواصم. ‫ انا مدير لمهرجان ارغوس للفيلم العربي الذي سيكون في مدينة ارغوس الدنمركية بشهر أكتوبر وهو حدث ضخم واستثنائي ايضا والمهرجان العالمي للأفلام السورية قادم بفكرة لم تخطر ببال احد.

كلمة اخيرة استاذ مازن

مازن: انا فخور بكل شخص لديه موهبة يستخدمها خارج بلده ولا ييسأس ويحارب من اجل تحقيقها

‫انا اتطلع لرؤية شعوبنا تصبح مثل ما نشأت عليها من قبل من شعوب وحضارة وتاريخ ومواهب وعلماء يتكلمون عنهم جامعات الغرب

‫نحن نستطيع نستطيع نستطيع

 

حاوره علاء الخطيب

 

سونيا عبداللطيفعضو مجموعة الحمائم البيض، حول مسيرتهم الفنية الإبداعية  

س1: كيف جاءتكم أستاذ زكريا القبي فكرة مجموعة الحمائم البيض؟

 ج1: الفكرة جاءت .. عندما كنا طلاّبا في الجامعة وكانت القضيّة الوطنيّة والعربيّة هاجس كلّ الشّعوب .. وعلى ضوء حركة إقليميّة شملت عدّة بلدان عربيّة في الشرق خاصة انطلقت أيضا في تونس مثل هذه الحركة الطلابيّة أولا على مستوى جهوي فوطني وعالمي وذلك من خلال بروز هذا النمط الجديد للاغنية الملتزمة.. بداية من سنة 1968.

يمكن اعتبارها انتفاضة ثوريّة ..توعويّة القصد منها مواجهة الأوضاع المتردّية الرّاهنة في ذلك الزّمن وقصد معالجة بعض القضايا الإنسانية من خلال الأغنية الملتزمة وهي في الواقع موقف سياسي ضدّ الإمبريالية.. وبداية الحمائم البيض كانت مع شباب بن عروس وكان عدد المنضمّين الى المجموعة وقتئذ يفوق العشرة وقد بلغ في بعض الحالات الثلاثين.. من بينهم على سبيل ولا استحضر الأسماء حاليا: الزين الصافي .. حمادي العجيمي وهو مؤسس المجموعة قبل انتقاله الى المهدية .. حميدة الإمام الذي استقبل المجموعة في بيته بالعاصمة للتدريب طيلة عشرة أشهر لعدم توفر الفضاء لاحتضاننا..هناك ايضا حياة قريبع ومحمد ميلاد وحسناء البجاوي. وغيرهم.

س 2: أين كانت مجموعة الحمائم البيض تقدم عروضها في بداية ظهورها وتأسيسها؟

 ج 2: بدايتها كانت الفضاءات الجامعية خاصة جامعة الحقوق والعلوم الإنسانية بالمنار و جامعة 9 افريل وجامعة منوبة وضمن الاوساط الطلابية.

س 3: من أين جاءت التّسمية: الحمائم البيض؟

 ج 3: التسمية جاءت على ضوء قصيد اقسمت على انتصار الشمس للشاعر الراحل المختار اللغماني والتي لحنها اخي حشاد القبي ويعتبر هذا أول عمل غنائي بهذا العنوان اي الحمائم البيض وهي تحكي مسار المجموعة ورمزها واهدافها ..وكذلك اردنا هذا الاسم ليكون تذكارا وتخليدا لاسم صديقنا اللغماني ومواساة لعائلته ووفاء له... وإثر ذلك توسّعت الحلقة ثم أُحدثت عدّة فرق أخرى للأغاني الملتزمة منها فرقة العبور .. الجماهيرالكادحة .. البحث الموسيقي. عشاق الوطن . ..

س 4: كيف يتمّ اختيار النّصوص والاغاني قبل الاشتغال عليها؟

ج 4: في الحقيقة اختيار النص قبل تلحينه وآدائه أهمّ مرحلة وليس أمرا هيّنا كما يذهب في ذهن المتلقّي بل يأتي نتيجة بحث واجتهاد جبّار من قبل جميع أفراد المجموعة فنحن واحد في لغة الجمع..انا زكريا القبي عازف الكمان.. اخي حشاد القبي عازف العود.. وأخي الثاني إلياس القبي عازف الكلمبري وصديقنا العظيم عامر القاسمي عازف الناي وجميعنا رجال تعليم في الجامعة والمعهد والمدرسة.. بعد البحث عن النصوص يقع الفرز والاتفاق عليها بالإجماع فكلنا رؤساء المجموعة وكلنا موسيقيين فيها.. وبعد ذلك يقع الربط بين جميع الفقرات واختيار مواضيعها والتنسيق بينها ..فنحن نعتمد التسلسل في النصوص والاشتراك في الفكرة. حتى يوجد الانسجام فيما بينها والاندماج بيننا ..

837 سونيا

س 5: متى بدأ نشاطكم الفعلي كمجموعة الحمائم البيض؟

ج 5: كان اول عرض لنا في منزل بورقيبة سنة 1980 .. وبنجاح هذا العمل فتحت في طريقنا الأبواب والفضاءات الثقافية سواء للتدريب او للعروض..وانطلقنا الى عدة ولايات.. وحتى الخارج.. وكان لنا ايضا انفتاح على المسرح والسينما.. دخولنا الى المسرح كان سنة 1985 ودخولنا الى السينما كان سنة 1990 ومن بينها موسيقى فيلم " السيدة " الشهير كانت من آداء وتلحين الحمائم البيض..

س 6: هل تعرضت مجموعة الحمائم البيض الى مضايقات في فترة طلوعها و في فترات مسارها..؟

ج 6: بلا شكّ .. اوووووه... العديد من المرات وقع إيقاف عروضنا أو إلغاؤها.. إذ نجد قاعات او فضاءات العرض مغلقة في وجوههنا أو عدم توفير التقنيات اللازمة أو انقطاع الكهرباء. وخاصة في صفاقس.. ويتم منعنا كذلك من دخول أماكن العرض.. أضف الى ذلك مفاجآت الطريق.. المغلقة.. المعطلة..تعطب السيارة التي تنقلنا.. ايييه...

س 7: ما هي غايتكم واهدافكم في اختياركم للأغنية الملتزمة وآدائها..؟

ج 7: التعريف بالقضايا الانسانية المختلفة ومنها السياسبة .. معاناة الكادحين.. المظلومين.. التثقيف.. التوعية. باسلوب ذكي لبق واراقي وبطريقة حضرية دون شتم أو سبّ وذلك من خلال الأغنية الملتزمة وبموسيقة مهذبة وفن مبتكر وكلمات حساسة تلامس الوجدان .. تحرك السواكن وتثير الجمهور وتحمله على التساؤل والنظر فيما حوله..

س 8: ما هي شروط مجموعة الحمائم البيض لقبول العرض الموجّه إليها خصوصا وانه بلغني أنكم تبالغون ..؟

ماذا....اوووه.. أبدا.. مستحيل.. ما نطلبه عادي جدا جدا.. كما قدمنا العديد من العروض المجانية.. لكنّ شروطنا مرتبطة بمبادئنا. اولا نتثبت من الجهة التي أرسلت لنا الدعوة وانتماؤها السياسي يهمنا. فنحن مع الحق ومع الطبقة الكادحة.. ثانيا توفر الفضاء المناسب والملائم للعرض.. ثالثا توفر التقنيات اللازمة اثناء الغرض من اضواء و مصخمات الصوت والميكروفونات.. رابعا المبلغ الذي نطلبه يعتبر بسيطا جدا أمام ما تطلبه مجموعات موسيقية وفرق اخرى..

س 9: هل تعتبرون أنفسكم أنكم قدّمتم إضافة من خلال هذا اللون الذي اخترتموه من الموسيقى ومن خلال ادائكم للأغنية الملتزمة..؟

ج 9: اووووه... في كل الحالات نحن كافحنا وناضلنا وحاربنا الجهل وشقينا وتعبنا.. ومع ذلك صمدنا في وجه الظلم والطغيان ..وقمنا ببثّ رسائل توعوية للجمهور وغرس أفكار اصلاحية في اذهانهم الى جانب الإحساس بالسعادة والنشوة التي نشعر بها إثر كل نجاح لعرض لنا وذلك نشهده من خلال تفاعل الجمهور مع ما نقدمه ... وهذا نعتبره المكسب الأكبر لنضالاتنا

... ونحن بعروضنا نهذب الفكر الموسيقي ونعلم الآخر كيف يبدع وكيف يبتكر وكيف يتعمق ويبحر في وجدانه ... ثم لا ننسى ان نجاح مجموعتنا باتحادنا وانسجامنا وبالنقد اللاذع لاعمالنا اثر كل عرض وهذا نتداوله مباشرة عندما ننهي العرض واحيانا في طريق عودتنا.. ودننبه بعضنا بعض الى الاخطاء.

ونقوم بالتحليل والتشاور  ورسم طرق جديدة لغاية التحسين والتطوير ..

س 10: هل للعنصر النسائي حضور في مجموعتكم.. فأنا لا اراه متواجدا معكم... ما السبب؟

ج 10: نعم.. سؤال وجيه.. ومعك حق.. لقد اقحمنا في مجموعتنا وعدة مرات العنصر النسائي .. فكثيرات بدأن معنا طالبات. ثم انقطعن اما مباشرة بعد التخرج والعمل او بسبب الزواج او الأطفال  اي الانجاب.. ولكن عمر فترة تواجد العنصر النسوي لا يفوق السننتان ..وكما ذكرت ان ظروف العمل التي تعيشها المجموعة سواء في التدريب والبروفات الى ساعات متأخرة من الليل ويكاد يكون يوميا.. الانتقال والسفر. تحمل التعب والمضايقات. ونحن رحالة وجوالة باستمرار وفي عمل دروب متواصل وهذا يتطلب حرية مطلقة وجهد كبير ونفس طويلوصبر أيوب ومغامرات وتحدي جبار... وحرية المرأة جميعنا نعلم انها محدودة مهما فعلنا وقلنا.. ولذلك عمر مشاركة المراة مع فرقة الحمائم البيض قصير. ..

س 11: اختصرت مجموعة الحمائم البيض على اربعة عناصر ...ما السبب .. هل هو من اختياركم..؟

ج 11: ... آه.. إنها الظروف... فقد غاب عن المجموعة عنصر هام جدا اذ كان يعدّ عنصرا أساسيا بمثابة العمود الفقري والركيزة وحجر الأساس وغيابه عنا منء سنة أثر في مسار وعمل المجموعة ... .. وذلك بسبب السفر إلى الخارج.. وهذا ما جعل أعضاء المجموعة تتوقف لإعادة النظر في العروض بإعادة صياغتها من جديد ووضع برنامج وخطة لها تتناسب ووضع المجموعة الحالي.. فهي عبارة عن سلسلة من الحلقات اامترابطة فيما بينها وبغياب حلقة...  تكسرت السلسلة ومجموعة الحمائم البيض تعتمد على التضامن بين افرادها والاتحاد  والانسجام في الأفكار وحتى الروح.. وذلك هو سرّ نجاحنا.

س 12 ...كلمة ختام...؟

ج 12: أحيّيك على هذا الحوار الطريف معنا للتعريف بمسيرة الحمائم البيض او بإعادة التذكير بأعمالها لمن لا يعلم.. وأشكر استضافتك لنا في جلسة ادبية فنية بمجلسكم باتحاد الكتاب التونسيين يوم غد الثلاثاء 02\04\2019 .. اتمنى ان تتكر مثل هذه اللفتة والاستضافة.. ومن جهات اخرى.. فنحن نريد القرب من المواطن اكثر وخاصة الشعراء والمثقفين والمسرحيين... نريد عملا مشتركا ومتكاملا بيننا.. كما نتمنى ترغيب الشبيبة والشباب في هذا اللون من الموسيقى والاغنية الملتومة ولم لا الأطفال..  ونرجو ان تتم الشراك بيننا وبين عدة مؤسسات تربوية وثقافية للانتشار على مستوى اوسع ولاعداد جيل مثقف وواعي.. يحب بعضهم بعض.. حتى لا يقعوا في براثن الجهل والإرهاب.. ووجودنا هو الترشيد والوعي...

 

اجرت الحوار الأستاذة سونيا عبد اللطيف -  تونس

 

821 زكي سلام 1- الفنان حامل رسالة ولا ينظر إذا كانت رسالته تتقاطع مع السياسي والاجتماعي أم لا

- قال: أن الفن الحالي هو فن مستورد من الغرب ومقطوع من جذوره التاريخية

- (حلمي أن تصل الإنسانية إلى حالة من الرقي تنتفي فيها الحاجة إلى الحدود والدول والجنسيات)

الفنان التشكيلي زكي سلاّم  أداة تشكيل تنزف، ترسم معاناة شعب منزوع الحرية، هو  منحوتة هادية إلى المرتقى الصعب في تشكيل الحضور الفلسطيني، من واحات بسكرة يتكلم زكي سلاّم عن مخزون عنفوان شعب ، ليكشف الزّيف وهو يجد نفسه في مركز الصراع العربي الصهيوني، اختار زكي سلام النخلة، لأنها رمز للمقاومة،  تقاوم كل الفصول،هي بسكرة التي رسمت ثورة الزعاطشة فجعلته يحمل عن كاهله ثوب القضية  الفلسطينية ورسالتها، ويضيف إليها عمقا في الرؤية، يقول زكي سلاّم: تلك النخلات وإن غرست بحب سترونها من بعيد كما لو أنها سعيدة في موطنها الجديد، فهل هي حقاً كذلك؟ اقتربوا أكثر لتعرفوا فإذا كانت النخلة لا تستطيع تمور "دقلة" هنا في تلمسان حيث أراقبها أو العاصمة كما كانت في بسكرة فهذه ليست معارضة هي خارج تربتها فحسب، التقينا بالفنان التشكيلي زكي سلاّم وقد أبرهنا برقي ثقافته واتساع فكره،  كلامه فلسفة، في هذا الحوار يستشرف زكي سلام  المستقبل ويحزم الفكر بحجم الثورة في حضور يرسم أبعاد "المسيرة"، لأن الفن عنده مرتبط بالحرية، أما عن منحوتاته فقد رسمت تراجحيديا الشعوب ومأساة الأمم

س) تختلف رؤية الفنان التشكيلي للواقع عن رؤية الكاتب والروائي  والمسرحي، ماهي رؤيتكم  له؟

- أعتقد أن جوهر الفن واحد,يكمن الفرق بأختلاف حوامل الفن الذي من أهم سماته الأبداع, وفي حوامل كالكتابة الأدبية عامة ومنها الروائية تتجلى اللغة كقاسم مشترك معروف بين المبدع والمتلقي (الذي خبر اللغة وتفاعل مع محيطه بها منذبداية وعيه) وبذلك هنالك مدخل سهل للتواصل بين الأديب والقارئ (بين المنتج والمتلقي) هذا يعطي فكرة عن سبب شعبية الأدب قياساً بباقي الفنون، أما في الشعر فإن تقنيات أخرى تحتاجها اللغة لتعطي النص شاعريته المبدعة وهذا ما يتوجب على المتلقي معرفته لتمام فهم وتذوق الشعر. في المسرح تذهب الأمور إلى إضافات كبيرة على النص وهي إضافات بصرية مشهدية وتشكيلية كحرة الممثلين وصوتهم الذي يعطي بعداً إضافي للمعنى بحضور الإضاءة والموسيقا، الديكور، الأزياء، والسينوغرافيا التي تعطي للمسرح بعدا تشكيلياً.

 أما السينما (الفن السابع) التي وصفها أحد الفلاسفة بوريثة الفنون فإنها سوف تستخدم جميع الفنون لإنتاج ذات أكثر تمكّناً وأكثر قدرة على التعبير وخلق قواسم مشتركة بينها وبين المتلقين على إختلاف مستوياتهم الثقافية للوصول إلى تواصل (نسبي) مع جميع المتلقين كلٌ بحسب ثقافته، أما الفن التشكيلي الذي يعتمد على حوامل بصرية بعيدة عن اللغة أي أنها تحمل في جوهرها لغة بصرية بدل اللغة المحكية والمكتوبة، وبالتالي فإن  جمهور الفن التشكيلي قادر على التفاعل مع المنتوج الإبداعي إنطلاقا من فهمه ودرايته باللغة البصرية ورامزاتها عبر التاريخ والجغرافيا، وهذا يفسر لماذا يتوجه الفن التشكيلي للخاصة عادةً ومحدودية الجمهور المتذوق للفن التشكيلي وجنوح بعض الفنانين إلى الخط "كحامل للغة" وإدراجه في اللوحة لفتح علاقة مع جمهور أوسع خاصة إذا كان الحرف هنا ذو مدلول لغوي.

 والفن بمجمله هنا لا يهتم بتفصيلات الواقع إلّا بمقدار ما يعيد هذا الواقع الرؤية إلى جواهر الأمور كالخير والجمال وصيرورتهما وبالتالي فإن الإتجاهات الفكرية الأكثر التصاقا بالواقع كالمدارس الواقعية في الأدب والفن التي تبدو عليها سمات الواقع جلية هي في الحقيقة ليست الواقع إنما (تمثاله) وهنا مهما كان  الشبه كبيراً بين الشخص وتمثاله لا يمكن الخلط بينهما، ليأتي الرقص كتعبير غير محكي أدواته الجسد مدعوماً بإكسسواراته كلغة للتعبير مبتعداً عن الأدب ومقترباً من الموسيقى التي هي الفن الأكثر تجريداً والأكثر استقلالية عن لغة الأدب.

821 زكي سلام 3س) تريد القول أن الفنان التشكيلي يختار الإيقاع الموسيقي عاملا لإختيار ما يريد إبداعه؟

 - الحقيقة أن الفن التشكيلي يستعير من الموسيقى إيقاعها انسجامها وتضادها للوصول إلى قوة تعبير تجريدية مستقلة عن اللغة والمراجع الواقعية وفي الفنون التي تعتمد المشهدية لتصل بها إلى ذروة التعبير عبر تسلسل المشاهد يأخذ الفن التشكيلي على عاتقه تثبيت اللحظة ليكثف بها كل ما يحتاجه للتعبير  وبالمحصلة أعتقد أن الفن لا يصور الواقع إنما يعبر عنه انطلاقا من ذاتية الفنان وتجربته المعاشة بأدواته المعتادة.

س) هل الفنان التشكيلي مطالب بأن يكون محمّلا بخطاب سياسي ما، أم أنه يحافظ على طهرانيته

- يبدو من السؤال وكأن السياسة عكس الطهارة فهي فن الممكن تستطيع الإفتراء وقابلة للتنازل حسب الأوراق التي تمتلكها والأهداف التي ترسمها والمعطيات المتغيرة التي تصادفها أو تبنيها، الفن طريق آخر تماماً عنوانه الحب والجمال حتى حين يصور البشاعة "كما نكبة" فإنه ينشر الإنسانية والمحبة والجمال، وبالتالي الفنان هنا حامل رسالة ولا ينظر إذا كانت رسالته تتقاطع مع السياسي والاجتماعي أم لا.

س) كيف يعيش زكي سلام المشهد السياسي؟

- أنا أتابع مجريات الأمور وأحاول فهم ما يدور حولي بالخبرة التي أعطتني إياها السنين وأبني موقف ما على ذلك من دون أن تدخل حركة السياسة إلى عملي الفني لإعتقادي أن السياسة تفسد كل ما تطاله يدها من الثقافة عامة والفن خاصة لأن الآليات مختلفة والأهداف أيضاً. ربما يربط الفن نفسه بالثورة وهذا جوهري لكن بالسياسة مقتله. لا ننسى أن إشتقاقات من الفن التشكيلي أخذت على عاتقها تبني السياسة في بعض جوانبها كالملصق السياسي الذي جوهره الترويج للفكر السياسي والكاريكاتير الذي جوهره النقد الصحافي المصور.

س) يقال أن الفن التشكيلي هو فن التمرد، هل هذا يعني أنه فن كسر قواعد الجمال؟ وكيف يحافظ الفنان عن الفكرة الجمالية ؟

- أعتقد أنه فن الحرية أكثر من كونه تمرد وفي كسر القواعد ربما نحتاج إلى وقفة وتوضيح فالفن مرتبط بالإنسان وكل تطور معرفي تنتجه الإنسانية سوف ينعكس على الفن الذي هو نمط معرفي من نوع آخر، فاكتشاف الكاميرا أدى إلى ثورة في الفن التشكيلي كما الطباعة والنظرية النفسية وآليات الحلم "فرويد" أعطى للسريالية مفهومها الأساسي واكتشاف تحليل الضوء في الفيزياء أغنى الإنطباعيين بجزء كبير من البيان الإنطباعي وهذا لا يعني علاقة ميكانيكية بين هذه المفاهيم، إنما عدة عوامل اجتماعية وفكرية وفلسفية كلها مجتمعة سوف تعطي للفن التشطيلي ثورته والتغيير اللازم، وهذا التغيير "باعتقادي" لا يلغي ما سبق إنما يبني عليه وتبقى المدارس السابقة حاضرة مادامت الحاجة إليها حاضرة ومالفكرة الجمالية بهذا المعنى ليست قالبا ثابتا وإنما تتغير عبر الزمان والمكان متتبعة السياق المعرفي العام أو تسبقه بخطوه، إذا لا يجب الحفاظ على الفكرة الجمالية وهذه ليست ثابتة ولن تكون، التطور المعرفي الهائل والمتسارع في القرن العشرين خاصة والأحداث الكبيرة الناجمة عنها كالحروب أدت إلى تغير كبير في المعرفة وفي علوم الجمال والإستطيقيا مما أدى إلى مقولة كسر القواعد الجمالية وهذا يشبه ثورة مفاجئة قياساً بالتاريخ.

821 زكي سلام 2

س) هناك منحوتة لكم  تعبرعن الهجرة، يريد القارئ أن يعرف  كيف ينحت زكي سلام فلسطين؟ وكيف ينقل رسالة اللاجئين الفلسطينيين  ( حتى لا نقول معاناة) عن طريق للنحت؟

- الفن الحقيقي هو الفن الصادق، أنا وجدت نفسي هنا في مركز الصراع العربي الصهيوني أعطاني الفن ذاته كأدة للتعبير أردت لها أن تقول ما يدور حولي انطلاقا من رؤية وجدانية للأحداث، هذا العمل "نكبة" الذي أنجزته هنا في الجزائر بعد أن أرغمت الحرب سكان مخيم اليرموك من الخروج بقوة السلاح ومعظمهم من الفلسطينيين الذي هجروا عام 1948 بفعل المجازر الصهيونية واحتلال قراهم ومدنهم "ومن هنا كان مصطلح النكبة" بدأ هؤلاء الناس إعادة انتاج حياتهم في هذا المخيم إلى أن أصبح مدينة مهمة قرب دمشق لتأتي الحرب وتعيدهم إلى نقطة البداية، وقد أُعيد هنا انتاج النكبة كما قبلها في عدّة مدن في الوطن العربي وهذه القصة التي هي وطنية قصتي الشخصية أيضاً وقصة أبنائي وأهلي وجيراني وهي الموضوع الأكثر إلحاحا على وجداني، هكذا ولد هذا العمل الذي هو مجموعة أشخاص يحملون حقائب حزنهم وتعبهم وعجزهم ويهيمون، تركت هذا العمل تفاعلي "الجمهور يستطيع تحريك بعض قطع هذا التمثال فيغير في الشكل والمعنى" ويكون الجمهور هنا (متورط) في انتاج أشكال مختلفة للنكبة، الطريف في هذا السياق أن الفنانين الفلسطينيين وأنا منهم قد أخذوا من مشارب مختلفة بسبب أن جزء كبير منهم خارج وطنهم حيث عاشوا ودرسوا، وربما ولدوا، وهؤلاء تكونوا في المدارس المختلفة حول العالم فما هو القاسم المشترك الذي نستطيع من خلاله أن نقول "مجازا على الأقل" هذا فن فلسطيني، الموضوع هنا هو القاسم المشترك فجميع الفنانين تناولوا الموضوع الوطني فلسطين من جوانب مختلفة.

س) هل يحدد الفن التشكيلي والنحت بالخصوص حدودا ما، يمكن من خلالها التعبير عن قضايا المجتمع ومهاجمة السلطة بعيدا عن أي حراسة أو حصار؟ 

- الفن في بعض جوانبه اجتماعي (يمكن النظر إلى تنظيرات شارل لالو في الفن والمجتمع) ولكن هل يقتصر دور الفن على هذا؟ لا طبعاً، ولا حدود للفن طالما هو عملية إبداعية لا من حيث الموضوع ولا الشكل ولا المادة فالعملية الإبداعية في تطور مستمر وحواملها في جدل ديالكتيكي لانتاج إبداعي جديد، ولكن لماذا يهاجم الفن السلطة ؟ "وقد يلعب هذا الدور في لحظة تاريخية ما في مكان ما" ، للفن دور جمالي ومعرفي لرفع مستوى الحياة الإنسانية في الفضيلة والحق وقد يذهب إلى فضح البشاعة والوحشية والظلم، الحرية هنا هي الحد والفن هنا ليس مهاجماً أو مدافعاً بل معبرا وخالق أسئلة، إن بناء الأشكال بعلاقتها الجدلية مع ذاتها ومحيطها بظلالها وسطوحها وخطوطها تخلق متعة التلقي المحملة بالرسالة "الموضوع" الذي يفجر أسئلة من نوع ما، وبهذا المعنى لا يمكن وضع حد للفن.

س) ماذا تمثل لكم الغربة بعيدا عن الأوطان؟ وكيف نرسم المعارضة في الفن؟

- أنا ولدت في الأصل خارج الوطن وتغربت عن المكان الذي ولدت وعشت فيه، صدف أن رأيت سيارة كبيرة تنقل أشجار نخيل مقتلعة من صحراء بسكرة إلى مدن الشمال "ربما العاصمة" أذهلني هذا، نظرت إليها وسقطت دمعتي، أنا شجرة رفعت جذورها إلى اللاشيء ولم تجد أرضها في هذا الخواء بعد، تلك النخلات وإن غرست بحب سترونها من بعيد كما لو أنها سعيدة في موطنها الجديد فهل هي حقاً كذلك؟ اقتربوا أكثر لتعرفوا فإذا كانت النخلة لا تستطيع تمور "دقلة" هنا في تلمسان حيث أراقبها أو العاصمة كما كانت في بسكرة فهذه ليست معارضة هي خارج تربتها فحسب.

س) شاركتم في صالون الفن التشكيلي للشرق بمدينة قسنطينة ، ماهي النتيجة التي خرجتم بها؟

- كنت ضيف الشرف من فلسطين" ، هذه التجربة هي الأهم هنا في الجزائر حيث كانت على هامش قسنطينة عاصمة الثقافة العربية ورصد لها من الإمكانات والخبرات ما لم يتوفر لأي صالون من التي أسعدني حظي المشاركة بها في مختلف ولايات الجزائر، هذا المعرض كان بمقاييس عالمية من حيث الإخراج والعرض والتوثيق وزمن العرض وصالته..، أسعدني حقا أنني مشارك في هذا النشاط الذي خلق كل هذه المعطيات تاركاً لفن النحت هذه الفسحة للحوار بين منتجي الفن وأعمالهم  وبين الفن والجمهور، ولكن يجب أن لا يفوتنا أن فن النحت الذي كان فناً أصيلاً في أرضنا في فترات تاريخية طويلة تشهد عليها متاحفنا ومتاحف العالم غير أن الفن الحالي هو فن مستورد من الغرب ومقطوع من جذوره التاريخية في المنطقة ولم يستطع الفنانين توطينه رغم المساعي الكثيرة منهم، ولا يزال الطريق طويل أمامنا لخلق رابط بين الفن الوافد والمكان بإنسانه وتاريخه وثقافته وحاضره.

س) ماذا عن رصيدكم الفني وماهي مشاريعكم المستقبلية؟

- الرصيد قصة طويلة عمرها من قبل التخرج من كلية الفنون الجميلة في دمشق 1984 وما زالت مستمرة، (يمكن النظر هنا إلى السيرة الذاتية حتى لا نكرر) وما من مشاريع أن أعمل وأفكر واطلع بشكل يومي أملي أن تمكنني الحياة من الاستمرار ويعطيني الله الصحة والإرادة والظروف المواتية للاستمرار وتطوير عملي ورؤيتي وايصال الرسالة .

س) حلمكم الأخير ماهو؟

- لن تقف أحلامي وأمنياتي عند حدود الشخصي والعائلي ولن تقف عند تحرير وطني كاملاً وعودتي إليه ، حلمي الأخير أن تصل الإنسانية إلى حالة من الرقي تنتفي فيها الحاجة إلى الحدود والدول والجنسيات ويفتخر الإنسان بانسانيته ونكون أحرارا في حضن أمنا الأرض.

لا يوجد مطلق، الأمور دائما نسبية والفن عندي مرتبط بالحرية فهل الحرية مطلقة؟

 

حاورته علجية عيش

...........................

بورتري/

التشكيلي زكي سلام غني عن التعريف ، فهو  من مواليد دمشق 1958 من أسرة فلسطينية خريج كلية الفنون الجميلة في دمشق  قسم النحت، متحصل على دبلوم عالي ، عضو اتحاد الفنانين التشكيليين في دمشقن عضو اتحاد الفنانين الفلسطينيين فرع سورية  من عام 1984 حتى 2008 ، رئيس قسم الخزف في معهد الفنون التطبيقية في دمشق في الفترة بين 1984 إلى غاية 2008 ، شارك في العديد من المعارضو المهرجانات (سوريا، روما، الجزائر، البحرين، الأردن)، وحصل على جوائز كثيرة