 حوارات عامة

المثقف في حوار مفتوح مع ا. د. انعام الهاشمي (10)

 

inaam_hashimiخاص بالمثقف، الحلقة العاشرة من الحوار المفتوح مع ا.د. انعام الهاشمي، وفيه تجيب على اسئلة القاص والمترجم والكاتب: د. محسن العوني. 

 

 

د. محسن العوني: قاص ومترجم وكاتب تونسي: شخصية الإنسان نمائيّة لا يحدّدها مكان الولادة بقدر ما يؤثر فيها التحوّل والتغيّر والتجربة المكتسبة المفتوحة على الأفق والمثاقفة.. والإنسان لا يعود كما خرج.. تماما كما أنه لا يسافر من غير حقائب.. وللطريق جماليّاته.. كما للبيت.. وهو أقدم مدرسة مفتوحة لم تتوقف يوما عن استقبال طلابها.. يكفي أن تعرف كيف تنظر وكيف تركّب الحروف والكلمات لتقرأ كتاب الوجود ..

كيف أصف تلك النظرة وتلك الابتسامة.. سوف أفشي سرّا.. كنت قبل وبعد أن أقرأ للدكتورة إنعام الهاشمي (حرير وذهب) ترجمة أو نصّا أو مقالا نظرت إلى صورتها على الموقع متملّيا سرّ تلك النظرة الواثقة وتلك الابتسامة المتأمّلة السّاخرة المتجاوزة التي تدعوك إلى التثبّت والتريّث قبل أن تفتح معها حوارا.. كنت موقنا أن سرّ نصّها كامن في تلك المساحة بين نظرتها وابتسامتها.. في أسلوبها قبس من صورتها.. وفي صورتها - وخاصة نظرتها وابتسامتها - شفرة عوالمها الحقيقية والمفترضة..

كلما قرأت للدكتورة إنعام الهاشمي نصّا أو تعليقا أو ردّا.. كلما اقتربت أكثر من شفرة تلك الابتسامة وتلك النظرة الشبيهة بنظرة وابتسامة الموناليزا.. تظل دائما غير مستنفده..

شدّني حرصها على أن تكون هي نفسها لا أكثر ولا أقل وامتلاكها الجرأة لذلك.. قدرتها على الحسم وعلى أن تفتح جرحا نظيفا لتستأصل ما تراه خبيثا أو غير صحّي.. شدّتني محاوراتنا الماتعة مع الشاعر المفكر والأديب المميز الأستاذ سلام كاظم فرج.. وذلك التواصل الفكري الجمالي الرائع.. أعجبني تصومعها صيانة للعقل وتجديدا للطاقة النفسية واستعادة لتوهّج لون الرّوح.. كما تشدّني بلاغة صمتها ..

"المرأة الأكثر ميلا للمغامرة تحس في داخلها صوتا يقول : كوني جميلة إذا استطعت، حكيمة إذا أردت، ولكن كوني معتبرة محترمة.. إنه مطلوب وواجب". BEAUMARCHAIS بومرشيه .

حضرة العميدة شقيقة الرجال الدكتورة الفاضلة إنعام الهاشمي.. يسعدني أن أقول لك : كنت دائما جميلة حكيمة محترمة.. دام لك الفكر النيّر والذوق الرفيع سيدتي.

أطرح هذه الأسئلة على الدكتورة حرير وذهب مع خالص الشكر سلفا على تفضلها بالإجابة :

 

س 80: د. محسن العوني: ماذا بقي في الدكتورة إنعام الهاشمي من العراق؟

ج80: الأستاذ الأديب المفكر محسن العوني، حين قرأت كلماتك عني درت حول نفسي وقلت أكل هذا فيَّ؟ وكاد أن يتملكني الغرور لولا بقية من حكمة تقول "الناظر وما رأى و الجمال في عين الناظر!" أو كما في الأنجليزية “ Beauty is in the eye of the beholder!” ونهيت نفسي عن الوقوع في شرك الغرور، وإلا لحملتك جريرة غروري. ولكن من الناحية الأخرى يسعدني أن يكون لديك هذا الإنطباع الطيب عني، فشكراً لك هذا الانطباع وشكراً لك المشاركة في الحوار المفتوح.

وللإجابة على سؤالك الأول أقول أن مابقي من العراق في إنعام هو العراق، وكما قلت في حلقة سابقة هو البذرة التي بذرت في أعماقي حين غادرته والتي مدت جذورها بعمق في تربة روحي حتى آن لها الأوان أن تشق الأرض وتنبع وترتفع لتطول السماء متشابكة فروعها مع فروع تجربة الوطن الجديد لتتزاوج معها فترسل فواغيها بأريج يفوق أصله ، كعود الحنة إن زرعته مقلوباُ أرسل فاغيته بعطر أزكي من عطر الحنة، ولكنه يبقى ذات العطر، عطر الحنة. ولن أنسى ما حييت ماهمست به أمي في أذني يوم غادرت "لا تنسَي من انتِ!"

بقي من العراق إنعام الطفلة التي ارتدت فيما بعد عباءة إنعام المرأة التي حاكتها يد التجربة.

وتحضرني مقولة وردت على لسان إبني حين كان صبيا لم يبلغ الحلم عندما سأله زائر من الشرق: هل تعتبر نفسك عربياً ام امريكياً؟

أجاب، وهو الذي لم يرَ من البلاد البلاد العربية الا ما هيأته له زيارة أو زيارتين قصيرتين حينما كان صغيراً:

 "I consider myself the best of the two worlds mixed, and I owe that to my parents!"

 فالفرد المغترب هو مزيج ، مايبقيه من وطنه الأم وما يأخذه من موطنه الجديد متروك لخياراته الشخصية.

 

س81 : د. محسن العوني: ماذا أضافت الإقامة في الولايات المتحدة لشخصية الدكتورة إنعام الهاشمي؟

ج 81 : إذا اعتبرنا أن الإنسان حصيلة تجاربه فإن تجاربي في الولايات المتحدة هي ضعف تجاربي في العراق.

ولكن بصورة عامة وجودي هنا أعطاني بُعد النظر ورؤية الاشياء بأكثر من منظار. ففي مجتمع يتكون من أثنيات مختلفة واتجاهات سياسية وفكرية مختلفة، ومستويات ثقافية ومعرفية مختلفة ، ليست مع ما أنت عليه من أثنية وفكرية وثقافية ومعرفية فحسب وإنما فيما بينها، يجبرك على أن تتأمل فيها وتبتعد عن التعميمات التي أساسها عدم الاهتمام بالنظر فيما وراء الظواهر. علمتني أن الأختلاف قد يولد الدهشة ولكن الدهشة تحمل متعتها معها، فتطغي المتعة على الإستنكار. تعلمت التسامح بمعناه الإنساني، تعلمت الاعتزاز بإختلافي وتعلمت احترام اختلاف الآخرين عني ومعي. تعلمت أن أثمن ما يحصل عليه الإنسان هو حرية التعبير عن فكره، وأكبر تضحية هي أن يتخلى عنها طواعية.. تعلمت أن السباحة ضد التيار لها ثمنها ويجب أن يكون الهدف مستحقاً للجهد، تعلمت أن من يرفعك بيده له أن ينزلك وقتما يشاء وكلما رفعك أكثر  كانت السقطة أكثر إيلاماً، وإن رفعك فقد دفعت الثمن مقدماً دون الحق بالإسترداد، تعلمت أن سلّم الجهود الفردية هو أطول طريق للصعود ولكنه أكثرها ثباتاً، تعلمت كيف أجابه الخسائر بابتسامة ليقيني أن كل خسارة تهون ويمكن تعويضها الا أن نخسر أنفسنا. تعلمت كل ذلك ليس لأن المجتمع الأمريكي هو مثال الفضيلة وإنما لأن المجتمع الأمريكي فيه كل متناقض ونقيضه، وكل شيء فيه له حيز تحت الشمس، ولأنه لا ينكر عليّ أن أكون ما أريد على أن أكون مستعدة لدفع الثمن فلا شيء يأتي دون ثمن.

 

س 82: د. محسن العوني: ما هي دوافع الدكتورة إنعام الهاشمي للكتابة والترجمة؟

ج 82: لقد أجبت على سؤال مشابه في حلقة سابقة ولكني سأنظر الى هذا السؤال من ناحية أخرى .. وكأنه يسأل عن لحظة ولادة الكتابة أو الترجمة لنص معين .. وليس الكتابة والترجمة بصورة عامة ، أي ما الذي يحرك القلم في لحظة ولادة النص.

مايحرك القلم لكتابة النص هو ومضة تأتي دون سابق إنذار، ربما تحركها صورة أو نوتة موسيقية، أو صوت من الطبيعة كصوت عصفور يزقزق يناجي أنثاه، أو فكرة غريبة تخطر في لحظة صمت وتأمل.. كأن أسأل نفسي ، ماذا لو كنت ذرة غبار، ماذا لو أن ذرة الغبار هذه سرت ذات ليلة ودخلت حانة ليلية تتصاعد فيها الضوضاء مختلطة بدخان السجائر .. وبين الضوضاء ودخان السجائر يجلس عازف بيانو يعزف وينتظر بضع قطع من النقود توضع في الكأس الذي أمامه استحسانا لعزفه ومنها يجمع قوت يومه والكل لاه عنه؟ ماذا لو كان هناك عازف يعزف على عوده ويغني ولا أحد يسمعه ويضيع صوته بين القهقهات؟ وهنا يبدأ النص ، ذرة الغبار تقترب منه أسىً عليه وحين يشعر العازف بوجود من يستمع اليه يتلفت للبحث عنها فتقول له: لا تبحث عني مفتوح العينين...فإن دخلت عينيك أثرتُ فيهما زوبعة من الدموع ..الخ. ما تقوله ذرة الغبار قد لا يعني الكثير لمن يقرؤه، ولكنه أجاب على تساؤلي بإكمال الصورة في ذهني..

أو كما في خواطر ذبابة ذهبية.. لدي مجموعة من البروشات تمثل حشرات كالخنافس والنحل وغيرها، ومنها ذبابة ذهبية هي من المفضلات لدي. تساءلت يوماً وأنا أنظر إليها وللزمردتين الجميلتين في عينيها، ماذا لو كانت هذه الذبابة هي ذات الذبابة التي كنت أطاردها لأن أزيز اجنحتها ازعجتني؟ ماذا لو تحدثت الي، ماذا ستقول؟ فيأتي الجواب نص "خواطر ذبابة ذهبية". تأتي الفكرة كشيء مضحك أسلي به نفسي. إن وقع هذا النص تحت يدي ذات يوم وكنت في حالة تساهل معه قد أدفع به للنشر. بعض النصوص تأتي كرد فعل لحدث معين، كأن تأتي على شكل نص مشفر، كقصة "الفرس الأصيل والسلحوف والذبابات الثلاث". وقصة "ابن الإنسان" و القصة القصيرة جداً "رثاء صديق" و نص "لن تبعثرني الرياح" ، حيث جاءت هذه النصوص احتجاجاً على سلوكيات معينة.

اما الترجمة فإن قراءة النص هي المحفز، وكما ذكرت في حلقات سابقة من الحوار أن النص هو الذي يمسك بتلابيبي ويترجم نفسه.

أما المحاورات، فهي أفكار تتدفق بين الحروف، لو كُتبت بأي شكل أخر لأصبح النص موعظة وأنا لا أميل الى الوعظ.

وًمشاركتي في ملفات المثقف منها "ملف نقد الكتابات النسائية" وملف الكتاب الأيروسية لدى المرأة العربية" وملف "التسامح" جاءت كلها عفوية. في موضوع الأيروسية قلت لن أشارك لهذا السبب وهذا السبب وذاك ، واسترسلت فكان المقال.

لم أسأل نفسي لماذا أكتب، ولو سألت نفسي يوماً هذا السوال لما وجدت جواباً وجيهاً سوى : ولمَ لا؟

وسأقول لك سرّاً، حين أنشر في الإنترنيت أقول لنفسي، بعد حين سيختفي النص لسبب من الأسباب وهذا هو عزائي. إنّ ما اكتبه يؤدي غرضه في حينه وبعد ذلك يفقد أهميته بالنسبة لي.

 

س 83: د. محسن العوني: ما هو رأي الدكتورة إنعام الهاشمي في مشروع الراحل إدوارد سعيد ومنجزه ؟

ج 83: أدوارد سعيد مؤسسة فكرية بحد ذاته. جاء الى هذه الأرض ورحل مبكراً لكنه خلف ثروة في الفكر الإنساني. فكر أدوارد سعيد لم يأتِ لكونه فلسطينياً رغم انتمائه بالولادة ولكنه جاء لكونه إنساناً عرف معاناة الإنسانية. لعل الكثير لا يعلم أن أدوارد سعيد حمل الجنسية الأمريكية قبل مجيئه الى الولايات المتحدة لكون والده أمريكي- فلسطيني. وقد أرسله والداه الى أميركا في سن الخامسة عشر لأنه كان سيفقد الجنسية الأمريكية إلا إذا عاش في أميركا خمس سنوات قبل بلوغه الواحدة والعشرين. أذكر هذه الحقيقة عنه لأقول أن أدوارد سعيد كان أمريكياً قبل أن يكون فلسطينياً رغم ولادته و كان إنساناً قبل أن يكون أمريكياً أو فلسطينياً. ما أحيا فيه فلسطينيته كان حرب 1967 فقد اشعرته حينها أنه يختلف عن أي أمريكي آخر بشعوره أن الفرد الأمريكي العادي لم يحس بإحساس الفلسطيني المغلوب وإنما كان يصفق لأسرائيل التي كانت تكسب الحرب. ورغم أنه كان متخصصاً في الأدب المقارن وكان أستاذاً في جامعة كولومبيا إلا أنه وجد أن مهمته اعمق من مجرد مقارنة الأدب الأنجليزي والأدب الفرنسي والايطالي .. الى أخره فلم يقتصر أهتمامه على هذا الجانب وإنما تعداه الى الفكر الذي يكمن وراءه. وطريقة التفكير الأوربية تجاه الشرق والسيطرة عليه من خلال الأستشراق Orientalism فجاء كتابه Orientalsm & Empire ليخلق ثورة ويزعزع الفكر السائد حول الشرق ويحلله بالرجوع الى الكيفية التي صور الغرب بها الشرق من خلال الأدب والفنون. وكان هذا الكتاب محط اهتمام النقاد والمفكرين. ومن ثم جاءت القضية الفلسطينية وبحثها في كتاب The Question of Palestine ومن ثم كتابه حول الإسلام  Covering Islam وهذه المؤلفات الثلات أثارت ضجة حوله إضافة الى مؤلفات عديدة جعلت منه مفكراً يحسب له حساب خاص ، وهذه الكتابات تتمحور حول نظرة الغرب إلى العرب والإسلام والثقافات الأخرى ، وعدالة القضية الفلسطينية وأحقية الشعب الفلسطيني بالحصول على حقوقه التي تثبت شرعية هويته وثقافته الفلسطينية. وكونه متحدثاً بليغاً باللغة الإنجليزية إضافة الى معرفته بلغات أخرى جعلت منه ظاهرة يتوق كل مهتم بالفكر والسياسة والثقافة الإستماع اليها. وكانت المقابلات التلفزيونية مع الاعلامي الشهير تشارلي روز من البرامج التي يتابعها المشاهدون بشغف. وفي محاضرته الأخيرة في جامعة بيركلي نفذت أكثر من الفي تذكرة دخول خلال ساعات من فتح نافذة التذاكر. أما مشروع الدولة الموحدة الذي نادى به فهو نابع من معارضته لاتفاقية أوسلو التي انتقد عرفات على توقيعها دون استشارة ذوي الرأي من رفاقه الفلسطينين، ومعارضته كانت نابعة من اعتقاده أنها قدمت تنازلات دون الحصول على ضمانات أي اعتبرها صفقة خاسرة. ومن هذا المنطلق يرى أن الحل الأمثل هو التعايش السلمي بين الديانات على أرض فلسطين لكونهم يشتركون في التاريخ وقد تعايشوا من قبل ، وكذلك اعتقاده أن التوزيع الجغرافي للأجزاء المقطعة تجعل من الصعب وضح حدود يمكن اعتبارها حدود فاصلة. وهو يستدل على إمكانية التعايش بتأسيسه  فرقة اوركسترا  West-Eastern Divan Orchestra مع الموسيقار بورنبويم سنة 1999 تضم اطفالاً من إسرائيل وفلسطين والدول العربية الأخرى كبداية للمشروع . وبالمناسبة هو عازف بيانو ماهر.

لقد تحدثت في حلقة سابقة عن عجز الدول العربية منذ تأسيس اسرائيل ولمدة ستين عاماً عن رميها في البحر كما عجزوا عن الوصول الى اتفاقية تحقق للفلسطينيين السلام وتلم شملهم. قد تكون الدولة الموحدة هي الحل بأن يعطى الفلسطينيون حق العودة والمشاركة في الحياة العامة والسياسية في دولة واحدة تحكمها الأكثرية مع احترام حق الأقلية. ولكن هذا يعتمد عل قبول القوي بتقديم تنازلات ، والقوي لا يقدم تنازلات إلا إذا حصل على مكاسب مقابلها. هل تحقيق السلام لإسرائيل يكفيها مكسباً كما حدث حين قدمت تنازلات لمصر مقابل السلام؟ . ولكن ، من الناحية الأخرى، أدوارد سعيد لم يشهد التطورات الأخيرة وما حل بغزة وما جرى لأسطول الحرية، ربما لو شهد ذلك لكان قد غير فكره حول إمكانية التعايش ولفكّر بطريقة أخرى.

وكلمة أخيرة في حق هذا المفكر، لقد حقق للفلسطينيين مالم يحققه قادتها السياسيون وهو إظهار القضية الفلسطيبنية بحلّة ثقافية تستحق الإهتمام.

 

س84: د. محسن العوني: لو تحدثنا الدكتورة إنعام الهاشمي عن تجربتها في التدريس؟

ج 84: من أهم ما يميز نظام التدريس في الجامعات الأمريكية الحرية الأكاديمية. أي أن الأستاذ مسؤول عن محتوى مادته والطريقة والمنهج الذي يتبعه في التدريس. ولكن المنهج العام يحدد خطوطاً رئيسية تحددها الأهداف التي وضعت من أجلها المادة هذه في المنهج. والمادة الواحدة قد يدرّسها عدد من الأساتذة كلٌّ بطريقته، وحتي الكتاب المقرر والقراءات الأخرى الإضافية كلٌّ يحددها لمادته كما يرتأي. ولكن كثيراً ما يحدث تعاون بين الاساتذة وذلك بالاتفاق على استعمال نفس الكتب المقررة. في بعض المواد حصل تعاون بيني وبين بعض الاساتذة كنوع من التنافس البناء، وكان أن قررنا استعمال نفس الامتحان النهائي ثم مقارنة نتائج طلابنا لقياس فعالية طرق التدريس المختلفة بيننا ، كان هذا ممكنا في المواد الاساسية في المنهج ولم يكن ممكنا في المواد المتقدمة. أستعملت الطرق العملية التطبيقية في بعض المواد التي درستها، كأن يقوم الطلاب بعملية تدقيق كاملة لشركة افتراضية يتبعون فيها ما تعلموه من النظرية لتطبيقها على عملية التدقيق لهذه الشركة ، بدءاً من دراسة الشركة الى تصميم خطة التدقيق وجمع الأدلة حسب معايير التدقيق االمتعارف عليها للوصول الى قرار بشأن حسابات الشركة ومدى مطابقتها لأصول ومعايير المحاسبة المتفق عليها ، ثم كتابة التقرير كما لو كان الطالب محاسباً قانونياً. ويشترك في التدقيق عددد من الطلاب كفريق. ثم يقدمون التقرير أمام الطلاب الآخرين الذين يقومون بمناقشتهم ونقد وتقييم عملهم. وهذا اليوم هو يوم احتفالي يذكره طلابي كأهم تجربة وأصعبها. وما يصلني من ردود الفعل من قبل الخريجين الذين وفقوا بالحصول على عمل في شركات التدقيق كان في كل الاحوال إيجابياً وخاصة حين يقارنون أنفسهم بغيرهم من الخريجين ممن لم يمروا بهذه التجربة. والقول الذي سمعته مراراً هو أنهم لم يشعروا بالإرتباك الذي يشعر به غيرهم ممن لم يمر بالتجربة حين يسند لهم دور في عملية تدقيق. المشروع الآخر التطبيقي في مادة الإدارة .، فيه نوع من الطرافة، وهو أن يقوم كل فريق من الطلاب بدراسة مشروع انتاجي من كل جوانبه، من توفر المواد الانتاجية ووسائل الانتاج الى التسويق وإيصال المنتج للمستهلك بما فيه دراسة الكلفة والربحية. كذلك كنت من أوائل من أدخل التكنولوجي الى قاعة الدرس وأول من استعمل الإنترنيت للأتصال بالطلاب وايصال المعلوما ت وتوفير المواد التدريسية لهم عن طريق خزنها في سيرفر، وكان هذا في بدايات دخول الأنترنيت قبل أن يتم انتشاره على نطاق واسع. وكان الفضل في دخولي هذا المجال هو معرفة ابني الفذة بالكومبيوتر وتطوراته في سن مبكرة. طريقتي في التدريس او فلسفتي هي الا أضع المعلومات في صحن الطالب وأطلب منه أن يهضمها وإنما أعلمه كيف يتعلم، كيف يبحث عن المعلومات وكيف يجدد معلوماته وكيف يفكر.. لا يكفي أن يتعلم كيف يمشي الطريق الى آخره وإنما كيف يعود مشياً إلى الوراء وكيف يسلك طرقاً بديلة للوصول الى الحل. وألا يخشى الأختلاف مادام يتبع المنطق ويفهم المنطق الذي استخدمه.

في خلال مسيرتي الطويلة مع التدريس شهدت الكثير من التغيرات في مواقف الطلاب واهتماماتهم، في تقبلهم للتحديات أو البحث عن الأسهل، الاهتمام اكثر بالدرجة من الحصول على العلم .. وأختلاف سن الطلاب، فصعوبة الحصول على عمل دفعت الكثير للعودة الى مقاعدد الدراسة، كما ازدادت نسبة الإناث الى الذكور. وكما درست جيلين في نفس العائلة، الأم ثم ابنتها بعد سنوات، والأبن ثم أمه التي عادت للدراسة الجامعية بعد أن كبر ابناؤها.

لا أدري ماذا أقول أكثر للإجابة على هذا السؤال وكيف أختار أي حدث ضمن البرنامج الحافل بالذكريات والأحداث .. مهنة التدريس الجامعي لا تقتصر على دخول الصف والقاء المحاضرة وإنما تتعداه الى حضور المؤتمرات والمشاركة بالندوات والمشاركة في نشاطات الجمعيات الاكاديمية، إضافة الى المشاركة في نشاطات الجامعة  وفي اتخاذ القرارات الخاصة بالقسم والقرارات التي تخص الجامعة من خلال تمثيل القسم في المجلس الأعلى للجامعة كـ "سيناتور" . والمشاركة او ترأس اللجان. أنها حياة حافلة، وهذا أقل ما يمكن قوله عنها .

 حينما يزدحم الرأس بالذكريات يعجز اللسان عن اختيار مايحدِّث به عنها.. وأنا أجد لساني عاجزاً فعذراً ان توقفت عن الحديث.

 

الأستاذ محسن العوني، لك الف للمشاركة في الحوار المفتوح وشكراً لكل كلمة طيبة قلتها في حقي. أملي ان أكون قد لامست الجوانب التي وددت الاطلاع عليها في إجاباتي.

 

للاطلاع:

المثقف في حوار مفتوح مع ا. د. انعام الهاشمي (9)

المثقف في حوار مفتوح مع ا. د. انعام الهاشمي (11)

...............................

ملاحظة: يمكنكم توجيه الاسئلة للمحاور عن طريق اميل المثقف

almothaqaf@almothaqaf.com

...............................

حوار مفتوح خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1442 الثلاثاء 29/06/2010)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1393 المصادف: 2010-06-29 14:00:06