 حوارات عامة

حوار مفتوح مع الكاتب والأديب سلام كاظم فرج (4)

wafaa_abdulrazaq2خاص بالمثقف:الحلقة الرابعة من الحوار المفتوح مع الكاتب والأديب سلام كاظم فرج، وفيها يجيب على اسئلة الشاعرة والروائية وفاء عبد الرزاق.

  

وفاء عبد الرزاق، شاعرة وروائية / ابو ظبي

الموسيقار "غوسيبي تارتيني" عازف الكمان الإيطالي المشهور، من كبار الملحّنين في القرن الثامن عشر، استلهم معزوفته المشهورة "معزوفة الشيطان" THE DEVIL SONATA، من خلال حلمه الذي قابل فيه الشيطان و تحدّاه في إبراز مواهبه الموسيقية عن طريق عزف كل واحد منهم لمقطوعة موسيقية على آلة الكمان، فقبل تارتيني التحدّي،

و جرت المبارزة....، وعندما استيقظ تارتيني من نومه، كان الّلحن الذي عزفه الشيطان لا زال منطبعاً بوضوح في ذاكرته، فأسرع إلى كتابته، لكنه نسي خاتمة المقطوعة

فاضطرّ إلى أن يضعها جانباً لمدّة عامين كاملين، إلى أن سمع في منامه يوماً، موسيقي متجوّل، أعمى، يعزف تلك الخاتمة التي فقدها، و كان ذلك الرجل الأعمى يقف مباشرة تحت نافذة تارتيني .

كل من يسمع تلك المعزوفة التي لا تخلو من سحر خاص، يلاحظ بوضوح أن مصدر الإلهام قادم من مكان غامض أبعد من تناول عقل الإنسان …

 

س31: وفاء عبد الرزاق: تُرى من الشيطان الذي تحداه سلام كاظم فرج  وهل وقف ذلك الأعمى على شباكه ليعيد إليه نهاية اللحن المفقود؟  

وأي مكان غامض ينتظره سلام كاظم؟

ج31: الروائية والشاعرة القديرة وفاء عبد الرزاق.

 ممتن جدا سيدتي لتشريفي بأسئلتك العميقة والرومانسية..

ساحر دخولك منذ السؤال الأول ومغر لولوج عالم الأفكار.. من خلال سحر الإبداع لموسيقي مرموق بمنزلة صاحب معزوفة الشيطان.. لكن  حراك حياتي في عراق الداخل لم يتح لي فسحة لكي أستمع لنبضات قلبي بما فيه الكفاية.. وضجيج المدرعات منذ أن فتحت عيني وعسكرة المجتمع  خطف ذلك الفتى البصري الرومانسي من حلمه ورهانه قبل أن يبدأ..  . كل الذي يمكن أن استذكره.. لقد كان في داخلي شيطانان.. شيطان متحد  لكل قوى العالم القبيح.. أوهمني أنني استطيع أن أغير العالم. وإن التغيير ملك يميني.. وشيطان مضاد ينصب لي أفخاخا من نوع آخر.. ويخرب مواسم عشقي. بدأها بحبيبتي الأولى..ولم ينته إلى الآن.. كأنه مصمم على هزيمتي. وأظنه سيفلح.. سيهزم سلام أخيرا.. لكنه لن يستطع أبدا أن يهزم سلام الذي كان ......فقد صور الرب كل نزهاته الجميلة بفوتو غراف خالد  والتقط الرب  أيضا صورة له.... وهو يعانق يدي محبوبته تحت ظلال شجرة حنون.. لقد انتصر حينذاك وهو يختلس أول لمسة يد.. ولن يستطيع الشيطان المضاد من مسح تلك الصورة أبدا..

 المكان الغامض الذي انتظره.. ربما . . أجده في جديلة صبية  ..تمرح مع زميلاتها في حديقة عامة أو بستان.. ستقولين.. هذا مكان واضح وضوح القمر!!.. فأقول.. فكري في الرؤى التي سأغرق فيها..!

 

س32: وفاء عبد الرزاق: نحن نقف أمام تحديات كثيرة خاصة بين إيماننا لمبادئنا  وبين فشل التطبيق والوقوف على حافة البئر. ليس خوفا من السقوط في الهاوية وإنما انتظارا ... ما الذي ينتظره ابن فرج؟

ج32:  ابن فرج لاينتظر لنفسه أي شيء..لكنه ينتظر لحفيدته (سلوى)  عالما أكثر إنسانية..خال من الهويات.. يشبه ما تجدينه في المطارات حين تنفتح الأبواب اوتاوماتيكيا

 لأي مسافر قبل وصوله إليها بلحظات.. والاهم .. ينتظر عالما لامكان فيه لزعيم . ولا قائد امة.. أكثر من دورتين انتخابيتين.. والاهم الأهم

 سيادة القانون.. في كل بقاع الأرض.. بحيث يدخل اللص والشرير دورات تثقيفية في سجن محترم بذات السلاسة التي امتدت بها  يداه إلى المال العام.. ويخرج لكي يعتذر..

 ما ينتظره ابن فرج أن تخرج الإنسانية من مرحلة الضرورة.. إلى مرحلة الحرية بأسمى معانيها..

 

س33: وفاء عبد الرزاق: هادي العلوي يطبق على نفسه معتقداته الفكرية فإذا دون نصا في الزهد سارع للأخذ به في حياته البسيطة.

ج33:.. هذا سؤال عميق جدا  وذكي جدا... لو تصفحنا ديوان الشاعر أبي العتاهية لوجدناه يزخر بالقصائد الصوفية التي تحض على الزهد والإعراض عن الدنيا.. لكن التأريخ يخبرنا أن أبا العتاهية كان يحرص على  نيل هبات الخلفاء والولاة.. ويقال إنه كان بخيلا حريصا على جمع المال..

 للبياتي  عبد الوهاب الشاعر الكبير قصائد يشبه فيها نفسه بالحلاج تارة وبالخيام تارة أخرى  (أين الخيام من الحلاج..)؟.. وبالمسيح... لكن سيرة ألبياتي تخبرنا أنه كان إنسانا اعتياديا .. من قصائده فهم العالم انه كان  أخا سجون ومعتقلات..  في حين أن الحقيقة كانت غير ذلك..

 أنت تثيرين موضوعة على جانب من الأهمية.. هي مدى تماهي المبدع على المستوى الشخصي مع موضوعة إبداعه...

   أمثال هادي العلوي نادرون...وما اختطه لنفسه صعب.. صعب جدا.. حتى أن أخاه حسن العلوي ما فتئ يعاتبه وهو في قبره.. ويعلن بكل شجاعة انه لايؤمن بطريقة هادي.. رغم حبه الكبير له.. واعتزازه بإخوته..

 سبحان الله .. يا لهذين العلويين.. احدهما براغماتي من الطراز الأول والثاني مبدأي كأنه نبي..

 

س34: وفاء عبد الرزاق:   كأني أراك تطبق على سلام طباع مدينة البصرة الموسومة بالتواضع وحب الناس والزهد في الزهو الذاتي والغرور،، هل آمنت فيها إلى هذه الدرجة أم خلق الانتماء الحزبي الذي طهر النفس ودربها على الإيثار؟

ج34: في مقتبل حياتي قرأت لعلي جواد الطاهر رأيا طريفا.. يقول.. لابد للمبدع الحقيقي من بعض غرور.. وكنت أتصنع الغرور.. ومثلما تفضلت.. في السبعينات  كان البصري حين يمتدح ..يمدحه الناس بالدماثة والطيبة.. ربما هذه الطيبة سببها التنوع ألاثني.. لعلك تتذكرين.. زمالتنا لعدد من الإخوة الأرمن. أيام سيتا هاغوبيان.. هنالك الاثوريون أيضا .. والمندائيون  قرب مستشفى السعدي وفي بريهة.. ..  كنت حين أتأخر ليلا.. أنام في بيوت أصدقائي وتعاملني أسرهم  كأنني واحد منهم.. كذلك تفعل والدتي حين يزورني صديق منهم أو من المسلمين..

 سأظل مدينا للمسيحيين والمندائيين  في روح التواضع التي ترينها في أخيك..

 الانتماء للحزب الشيوعي ربما جاء بسبب هذا الاكتساب.. وليس العكس.. رغم أن كل الشيوعيين الأوائل الذين عرفتهم وفي كل مدن العراق وقراه  كانوا على درجة عالية من الدماثة ونكران الذات. لكن كل ذلك أصبح في خبر كان.. وخبر كان في النحو  يأتي دائما منصوبا.. لكنه في السياسة يأتي دائما مجرورا بالكسرة.!!! أبتسمي..

 

 

س35: وفاء عبد الرزاق: كلما ازداد حبنا  تضاف خوفنا من الإساءة لمن نحب، ونحن نحب الوطن ونخشى عليه من نفوسنا.. ممَ يخشى سلام كاظم على وطنه؟

ج35: هذا  هو السؤال المرعب.. ياوفاء.. الصاعق.. الماحق.. المدمر.. قولي.. وهل هنالك أحبولة تركها كل شياطين الأرض .؟؟. لم يدعو شيئا إلا وجربوه على وطنك.. في علم الفيزياء يقول العلماء أن بعض الأصوات في الكون من شدتها  لا

يستطيع الإنسان سماعها.. وذلك من لطف الله.. ربما هو لطف الله. أيضا. أن كل التجارب قد أجريت علينا حتى بتنا لانخاف من شيء!!

 كثيرة يا شقيقتي هي المخاوف.. وأشدها رعبا تلك الأمراض النابعة منا. والحمى لا تأتي إلا من الرجلين.. كأن المنلوجست عزيز علي ما زال حيا رحمه الله..

 

س36: وفاء عبد الرزاق: يقول أفلاطون:" إن قمة الأدب أن يستحي المرء من نفسه".. أما ترى أن لا احد يستحي من نفسه في سلطتين متعاقبتين على العراق؟ أين موضع الشبه بينهما من وجهة نظرك؟

ج36: ذلك لأن السلطة في بلد أدمن الباترياركية (الأبوية).. والطاعة لأولي الأمر.. وما زالت الثيوقراطية هي المتحكمة في عقول الملايين.. توجد دائما فرصة لعديمي الحياء للقفز كالثعالب من قفطان هذا الشعب الطيب.. 

 من الظلم عقد مقارنة بين  الحالتين.. صدام استلم دولة في نهاية الستينات تمتلك كل مقومات الدولة.. وسلمها لبريمر  أنقاض دولة.. من الطبيعي أن البناء أصعب بكثير من الهدم.. فكيف إذا كان بعض من البناة والأسطوات لا يمتلكون خبرة البنائين.. ؟؟..  وكل ما توارثوه خبرة في التدافع إلى الخيرات!! وتهميش الآخر..(أنا اهرب إلى حديث الشعر حين اختنق بالسياسة). لذلك سأسكت عن الكلام المباح..

 

س37: وفاء عبد الرزاق: أية مسؤولية اتخذها المبدع والمفكر سلام فرج على عاتقه ولم يحققها ولماذا؟

ج37:  أوه.. كثيرة. هي المسؤوليات.   اولاها ..عهدي لحبيبة صباي( الحب الأول).. حين خنتها وتزوجت السياسة!!..ثانيها..  أطروحة  كنت قد أعددتها لدراسة الماجستير .. بعد تخرجي مباشرة. لكن السلطة الحقتني بالجيش لخدمة الوطن وتحرير القدس.

. وكنت ثاني أثنين في تنظيم عقود البيوت الزجاجية  في الراشديةمع الجانب البلغاري نهاية السبعينات.. مع أستاذي المرحوم عبد الحميد المظفر ( الحقوقي والأديب والمترجم ـ ).. وتركت المهمة  عند منتصفها .. حيث نقلت  إلى مديرية أخرى..

وغير ذلك كثير....... كترك كتابة رواية عند المنتصف.أ وحرق مجاميع  قصصية وشعرية مستنسخة ..

 

س38: وفاء عبد الرزاق: الإضراب عن الطعام هو موقف احتجاج من ثمة جهة .. ما الذي نفعله الآن لنحتج على واقع متخلف في العراق.

وفاء عبد الرزاق

ج38: إن كنت تتحدثين عن الأدباء والمثقفين.. عليهم أن ينظموا حركة احتجاج واسعة  لا لإسقاط هذه الحكومة أو تلك. فنظامنا السياسي لايحتاج إلى تغيير. بل لكشف كل الأورام المستعصية. أهمها الفساد المالي والإداري والسياسي.. وعلى أدباء العراق في الخارج أن يكونوا أكثر شجاعة منا .. في البحث في جذر الإمراض (بكسر الهمزة !!).. ورغم كل ما تحقق في العراق من فسح ديمقراطية. ما زالت تابوهات كثيرة تمنعنا من التصريح..

ممتن جدا لسيدتي وفاء عبد الرزاق الروائية والشاعرة..

 

 لمتابعة حلقات الحوار المفتوح

....................

ملاحظة: يمكنكم توجيه الاسئلة للمحاوَر عن طريق اميل المثقف

almothaqaf@almothaqaf.com

 

...........................

خاص بالمثقف

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1782 الاربعاء: 08 / 06 /2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1737 المصادف: 2011-06-08 05:48:58