اسعد عبداللهللعراق رموز فنية وابداعية عديدة في العقدين الاخيرين، لكن الاعلام العراقي غائب تماما عن تسلط الضوء عليها، لذلك فالعراقيون لا يعرفون شيئا عنهم، وهنا اجد من المسؤولية الاعلامية ان اكتب عن تلك الرموز الابداعية، وايضاح بعض الصور العراقية المشرقة، واليوم قررت ان اكتب عن الفنان ستار كاووش، رحل من بغداد، وحط رحاله في هولندا عام 1999، جاء إلى الفن حاملاً مشعل التعبيرية، لكنه لم يستمر فيها، تتلمذ على يد أستاذه القدير الفنان الرائد فائق حسن، لكن لم يقلده، عاش في بلد فان كوخ دون أن يكون ظلاً له. جرأته الفنية جعلته يتجاوز كثيرا من المدارس الفنية، التي ظل البعض أسيرًا لها، انه ابن الرافدين الذي خرج من اسر المحلية ليصل الى العالمية.

كافح كاووش كثيرا في صومعته، الواقعة في مدينة صغيرة في طرف العالم الجميل، لينتج لنا الجمال مقابل القبح المستشري في الكون، وهو رسام تشخيصي يبعث الدفء والحياة بلون قوس قزح عبر شخصياته.

الفنان دوما يمتلك فرنا ساخنا، وهكذا يفعل كاووش حيث يدخل الوانه لفرنه الخاص لتتشكل وتنتج لونا تركوازيا امتاز به، مشعا كسحر اغواء النساء في الف ليلة وليلة، وتتشابك خطوطه والوانه لتنجب لوحة تلو اللوحة بتفرد عجيب وهو كاووش العراقي.

كاووش والحب

الفنان يبرز ما يلهمه، بعضهم يرسم عن المرض والمحنة والجهل، والبعض عن الحرب والدمار، وهنالك من يهتم بالطبيعة، اما كاووش فكان ما يلهمه هو الحب، عندما تنظر للوحاته تحس ان الوانه تتراقص وتتمايل على لحن حب الحياة، ان التفاؤل يشع منها، ان كاووش يعتبر اللوحة كالانثى فان الاعجاب بالفتاة الجميلة لا يعني ان اصبحت عاشقا، فالاهم في لعب الحب ان تعرف كيف تصل الى قلب الفتاة، وهنا ياتي الجد والاجتهاد الى ان تجعلها تحبك، كذلك اللوحة يجب ان تستخدم كل حيلك وبراعتك كي تدخل القلب وتستقر فيه.

 ابرز ما يمكن ملاحظته في لوحات كاووش ان الظل يغيب تماما الا في تفاصيل الجسد، واشارة بعض المختصين ان كاووش يقترب كثيرا من الفن التشكيلي الفرعوني المرسوم في قبور الفراعنة والاهرامات والتوابيت الفرعونية، والتي تم حفظها في الرمال لالاف السنين، بخلاف بيئته العراقية حيث لم تصلنا  من الحضارة السومرية والبابلية الا القليل بسب الصراعات والحروب التي دمرت كل شيء.

رؤية لمنجز كاووش

عند مشاهدة لوحات كاووش وهي متوفرة على عديد المواقع، تلحظ ان اسلوبه عبارة عن مزيج متنوع بين ثقافات عديدة، مع ابراز سحر الشرق، هنالك حياة تنبض في لوحاته، الفرح، الحب، البهجة، يمكن القول هنالك نوع من التفرد في اسلوبه التعبيري، انه اسلوب ابن الرافدين العاشق لقوس قزح، فكأنني اشاهده في اغلب لوحاته عبر الوان صارخة، انه يرسم الحب والجمال في مقابل القبح والدمار، فمن الجميل ان يكون للفنان رسالة عبر لوحاته، وكاووش هذه رسالته الواضحة، تلخص بكلمتين (الحب والانثى).

الرحلة بين لوحاته تكشف محاولات مثيرة للاهتمام لكسر التقاليد، لكن ايضا لا يمكن اغفال ان لوحاته مستوحاة من البيئة العراقية، مثل الملابس الشعبية في وشاح المرأة وطاقية الرجل، وهذا لا يلغي سعيه للجمع بين الشرق والغرب في لوحاته، الجمع بين بيئتين عاش فيهما ــ العراق + والمهجر ـــ كما يقول هو في حوار: " امزج بين أجواء بغداد والف ليلة وليلة التي أعرفها وبين المناخ الهولندي الذي اعيش فيه الان".

 

رموز الموروث العراقي

في لوحات كاووش ظهر الطائر الاسطوري العنقاء، والذي يتكرر حضوره في الفن الشرقي بصورة عامة وفي الفن العراق بالخصوص، وهنالك اختام شبيه بالأختام السومرية برزت في بعض لوحات كاووش، انها الرمزية الواضحة للشرق، ويقول في احد حوارته عن هذه الرمزية فيقول: "تراني في أعمالي أعيد بعض الرموز والإشارات بطرق مختلفة لأنها أثرت عليّ وهي تنسجم مع مناخي الفني وأسلوبي، ومن هذه الرموز، التفاحة والطاقية وظرف الرسالة والأصابع التي تتحرك بغنج والعيون الساهمة والمظلة والأجنحة التي تحلق بالعشاق والحالمين، هذه وغيرها الكثير تمثل لي تفاصيل ورموز أثرت عليّ بشكل أو آخر ووظفتها في أعمالي".

كثير من لوحات كاووش تجدها ليست محاكاة للواقع بل هي كالحلم المفرح، او تنتمي لزمن سعيد فيه الكل مبتهجون، بل هي التقاطات جميلة من واقع مزري، هو يلتقط السعادة ليحولها الى فكرة وحدث وفن، بعض تلك الجزئيات مهملة من الاغلبية، وهي لحظات سعيدة وجمال مميز، من قبيل المقاهي المكتظة بروادها، والعشاق وهم يتبادلون النظرات، والنساء في الاسواق والكراجات، خصلات الشعر، العيون الانثوية بسحرها الخاص، الشتاء والشاي والانثى، الشبابيك، كل هذا يمكن ان يعطي جمالا غير متنبه له.

فالتفاصيل الصغيرة كاووش يهتم بها كثيرا مثل ظرف رسالة، الذي تكرر كثيرا في لوحات كاووش والذي يرمز للغربة والابتعاد والانتظار والحنين والاماكن، هكذا هي لوحات كاووش ورمزيتها العجيبة.

من هو ستار كاووش؟

ولد في بغداد 1963، وحصل على شهادة البكلوريوس من أكاديمية الفنون الجميلة

 في بغداد 1990، أقام أكثر من 20 معرضا شخصيا وحوالي 60 معرضا مشتركا في العراق، الأردن، إيطاليا، الولايات المتحدة، أوكرانيا، السويد، ألمانيا، فرنسا، الأمارات العربية المتحدة وهولندا.

صدرت خمسة كتب ملونة عن تجربته التشكيلية :

1- غواية الحركة ورنين اللون في تجربة ستار كاووش الفنية للناقد عدنان حسين أحمد، باللغة العربية.

2- أصابع كاووش De vingers van Kawoosh ويحتوي على 23 قصيدة لشاعرات وشعراء هولنديون كتبت خصيصا عن لوحات كاووش، باللغة الهولندية.

3- كاووش غموض الرسام (Mystery of a painter ) أصدره إتحاد الفنانين الهولنديين بمناسبة مرور عشر سنوات على وجود الفنان كاووش في هولندا، وباللغتين الهولندية والإنجليزية وقد ضم الكتاب مائة لوحة ملونة، وهي مختارات من اللوحات التي رسمها في السنوات العشر الأخيرة. وقد كتب مقدمة الكتاب البروفيسور ميشيل فان مارسفين مدير متحف درينته.

4- مدينة كاووش باللغة العربية وهو السيرة الشخصية للفنان كاووش حين كان في بغداد، كتبها الكاتب خالد مطلك وصدرت عن دار نشر تشارلستون الأمريكية.

5- نساء التركواز باللغة الأنجليزية والهولندية، وقد كتبت المقدمة السيدة شارلوتا هوخنس التي تعمل في متحف بانوراما مسداخ ومؤسسة موندريان.

6- الجائزة الثالثة في معرض الفن العراقي المعاصر، بغداد 1992.

الجائزة الأولى في معرض الفن العراقي المعاصر، بغداد 1993.

جائزة العنقاء الذهبية كأفضل تشكيلي عراقي في هولندا سنة 2011

زينت لوحاته أغلفة العشرات من الكتب الهولندية والعربية والإنجليزية.

7- عضو جمعية التشكيليين العراقيين. عضو إتحاد التشكيليين الهولنديين.

عضو أتحاد التشكيليين الهولنديين.

8- اختارت منظمة العفو الدولية لوحة ستار كاووش (الحديث بصوت هادئ) وطبعتها بطاقة بريدية وزعت في مختلف دول العالم. سنة 2006

اختير من قبل مجلة باليت الهولندية والمتخصصة بالفن التشكيلي عضو في لجنة التحكيم في معرضها السنوي عام 2006.

9- اختيرت لوحاته لتزين أحد أعداد (كتاب في جريدة) التي تصدره منظمة اليونيسكو والذي صدر مع أكثر من عشرين جريدة عربية في وقت واحد سنة 2011.

 

الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي

 

إن الوعي بالبعد الجمالي للخط العربي وتناميه تماشيا مع التطور الحضاري العربي، يظهر بجلاء في الشعر العربي، وبذلك نجد بعض الشعراء قد أنجزوا نصوصهم وفق المعطى الجديد للشكل البصري، واعتمدوا الخط العربي في تشكيل المكان، من خلال مشاريع رؤيوية نظرت لتجربة جديدة بالرغم من بعض الأخطاء التي وقعت فيها.

وبشكل عام، فقد كان لهذه التجربة التي لاحت بوادرها في محاولات – وإن كانت محدودة – والتي كانت مع الشعراء: بنسالم حميش، من خلال ديوانه: كناش إيش تقول، المحاولة اليتيمة في هذا التوجه البصري. وعبد الله راجع من خلال: سلاما ويشربوا البحار. وأحمد بلبداوي من خلال ديوانه سبحانك يا بلدي، وناصر لقاح من خلال ديوانه أشجار نصيرة الجدلى، واحمد بلحاج آية وارهام من خلال ديوانه طائر السمسمة، ومحمد بنيس: في اتجاه صوتك العمودي وكذلك من مواسم الشرق، وأيضا من خلال كتابه ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب الذي يمكن اعتباره حلقة تنظيرية تروم بنية المكان فيما يخص المنحى البصري باعتبار أهمية المكان من الناحية الدلالية وأيضا من خلال دعوته للعودة حنينيا الى الخط المغربي. في حين  بلغت العلاقة بين الشعر والتشكيل محطة أساسية من خلال الكتاب المشترك بين الشاعر المغربي حسن نجمي والفنان التشكيلي محمد القاسمي بعنوان:" الرياح البنية". والذي يعد إنتاجا جديدا في القصيدة البصرية والتوجه البصري.

إلا أن هذه المحاولات وإن تميزت باستنادها إلى الخط المغربي في تحقيق البعد البصري أو إلى الأساليب المختلفة في تشكيل الجمل والمقاطع الشعرية واختزال المساحة وتنويع الفضاء، وإخراجها في منظور مغاير عما هو مألوف، فخصت قصائد شعرية محدودة من الشعر المغربي المعاصر فقط، ولم تتسع لتشمل النثر ولتمتد إلى الأعمال الكتابية في التراث المغربي في شموليته، كما أن عدم تشكل الوعي النقدي الذي يروم هذه المتغيرات؛ جعل هذه التجربة محدودة، خصوصا لدى محمد بنيس الذي فاقم من حدة عزلة هذه المحاولة حين أضاف رسومات لأجساد عارية حكمت مباشرة على القصائد الشعرية بالموت. وفي الوقت الذي أشار فيه إلى بنية المكان في الأشعار القديمة وإلى الأشكال البديعية التي تخطت الشكيل التناظري للقصيدة العربية الى منجز يروم البعد البصري، رسم دعوته التي تبدت في بعدها التنظيري تجديدية لكن مع التطبيق تبدت فيها مجموعة من الاختلالات، يتعلق بعضها بالتناقض والبعض الآخر بتعدد الدال كما أن بعض النصوص الشعرية أصبحت شبيهة في شكلها بالنصوص القرآنية، لأن بعض الأشعار كتبت بالخط المغربي المبسوط على النمط القرآني.

في حين يمكن اعتبار تجربة الشاعر احمد بلبداوي أكثر حظا في استمالة البصر، ونجحت إلى حد ما في وضع لمسة بصرية وفي تقريب المتلقي من الشعر الحديث، أو من التجربة الشعرية الخطية الجديدة، خصوصا وأن احمد بلبداوي اعتمد على تخطيط أشعاره بيده في تحقيق شعرية النص موظفا جماليات الخط المغربي المجوهر والمبسوط، كما وظف الخط الكوفي بشكل جمالي. وفي ذلك يقول: "حينما أكتب القصيدة بخط يدي، فإنني لا أنقل إلى القارئ معاناتي فحسب، بل أنقل إليه حتى حركة جسدي، أنقل إليه نبضي مباشرة، وأدعو عينيه للاحتفال بحركة جسدي، على الورق يصبح المداد الذي يرتعش على البياض كما لو كان ينبع من أصابعي مباشرة لا من القلم"  وهذا يحيل الى العلوم العقلية التي ظهرت في الآونة الأخيرة من بينها ماعرف بالغرافولوجيا (Graphology) الذي  يعنى بتحليل شخصية الإنسان انطلاقا من خط يده الذي يعتبر جزءا من شخصيته  وتكوينه البشري، بالرغم من كون  هذا الاتجاه (الغرافولوجيا) لايهتم بجمالية الخط.

إن تجارب هؤلاء الذين جعلوا من التركيب الخطي بعدا بلاغيا يفتح النص على البصر قد ساهمت في لفت النظر الى هذا المجال الابداعي، والانزياح إلى عالم مغاير جعل المتلقي يغير طريقة تفاعله مع النص المكتوب، بعدما قويت العلاقة بالخط والمكتوب في نطاق الرؤية البصرية وعملية الاستيعاب. خصوصا وأن تلك  النصوص بكل مفرداتها وعناصرها، قد تميزت بالأيقنة الفضائية والتلوين ومخاطبة لغة الألوان ومحاورة مختلف الخطوط.

 

د. محمد البندوري

 

محمد الشاويتوطئة: ليس غريبا أن يعرف الفن المعاصرة ثورةً كليةً على التيارات والمذاهب السابقة. فسيرورة تطور الفن وصلت حسب هذه الثورة إلى مستوى التبخيس والاستهزاء، إذا تأملنا هُزأة ما يُقدم. بل ربما إلى مستويات أخرى تجعلنا نُفكر في نُكتٍ معاصرة عن موزة مارويسيو كاتيلان الفنان. وهي موزة ليست ككل الموز. لقد وصلت في السوق الأمريكية للفن إلى مبلغ 120 ألف دولار في معرض "آرت بازل" المقام على شاطئ ميامي. وهذا الارتفاع في ثمن البيع يجعل قاطرة الفن المعاصر تدق ناقوس الخطر. لذلك علينا أن نطرح سؤال المعاصرة من جديد في علاقته بلُحمته الأساس ألا وهي العصرنة، وفي ضوء التأمل الآتي:

هل من الممكن للفن المعاصر أن يبتعد عن العصرنة contemporanéité

بتعبير آخر كيف يستحضر الفن المعاصر مسألة العصرنة، وكيف يبتعد عنها بخلق تحديثات modernisations بصيغة معاصرة؟

وما موقع الموزة من كل هذا؟

1398 الفن والعصرنة 2

1- العصرنة ومدلولاتها:

ليس من السهل إقامة قطيعة بين محطات تاريخ الفن وسيرورة تكوُّنِه، إذا لم نستحضر خصوصيات تطور تاريخ الفن نفسه. ولعل هذه الخصوصيات -بصيغة الجمع- ستدفعنا إلى تعميق النظر في الأطروحة التي يرتكز عليها مقالنا النقدي، ومؤداها أن السابق يؤسّس للاحق فكرا وفنا وعلوما. فإذا أردنا تحديد دلالة العصرنة فإننا ملزمين بالخضوع لسمة ماهو معاصر. فهي بصيغة صريحة تستدعي جميع السياقات التخطابية والجمالية لمرحلة التاريخ الراهن الذي نحيا داخله. إنه تاريخ ينقلنا للحديث عن "العالم الذي يحيط بنا" كما ذكر الفيلسوف والسوسيوجي الفرنسي ريمون أرون. فهو تاريخ في متناولنا، ومن السهل بلوغه، على خلاف "عالم الذين عاشوا قبلنا" كحديثنا عن الفن خلال فترة ما قبل الميلاد أو الفن عند الإغريق أو الرومان أو في العصر الوسيط... وهذا مثبت في سجلات التاريخ، وسبق للمؤرخين توثيقه بالسند والمادة التاريخيتين.(1)

فضلا عن ذلك فالتاريخ الراهن يحتوي دلالة العصرنة، بالنظر إلى مختلف العوامل المؤثرة في الفن المعاصر من الناحية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والإيديولوجية والدينية... فمدلولات العصرنة تستدعي أيضا الوقوف عند أهم البارادايمات (النماذج الارشادية للعلم وللمعرفة العلمية) التي ساهمت في تحوُّلِ منظمومة العلم نفسه، وتاريخ الفن في صيغتهما الراهنة. (2)

لكن أن تصل المسألة إلى درجة التبخيس، فهذا دليلٌ على كَبْتٍ داخلي refoulement تحمله الذات الفنية التي جعلت من المزة موضوعا يرتبط بالعصرنة.

وإذا تأملنا وأمعنا النظر، فالموزة رمز معاصر للتوجه الشواذي (نسبة إلى الحالات الجنسية الشاذة وغير المألوفة بين الذكور والإناث إذا ما قارناها بالعلاقات الطبيعية) شأنها شأن الراية القزاحية، ووسادة النوم... وتوظيف هذا النوع من الرموز المعاصرة، يدل في الأصل على اضطراب نفسي ارتبط بالانحرافات الجنسية. ولعل تصنيف رائد التحليل النفسي فرويد للاضطرابات النفسية، يجعلنا نقف عند ثلاثة أشكال رئيسة: العصاب والذهان والانحرافات الجنسية.(3) لكن علماء النفس والطب النفسي في تصنيفهم للأمراض والاضطرابات النفسية والعقلية لم يجعلو للشواذ والسحاق موضعا داخل كُتب التصنيف المُؤمركة(نسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية) إيمانا منهم أنها ليست حالات مرضية، ولأن منهم من يُحبُ المثلية والسحاقية، بل هناك من ينتمي إلى دائرة المجموعة. (4)

ذهب أحد الباحثين إلى اعتبار الموزة قضية ثورية. وأساس ذلك ارتباط الموزة بالاقطاعية الزراعية التي تتحكم في محاصيل الموز بالولايات المتحدة الأمريكية. وهي كما تبين لنا إقطاعية تخدم مصالح الليبراية الجديدة بمرجية الربح أولا، ليتم تعضيدها بالرأسمالية التي تخدم الفرد قبل كل شيء. فهذه مقاربة تُحترم إذا ما طبقنا المنهج الاجتماعي في تحليلنا للعمل الإنشائي للفنان مارويسيو كاتيلان. وكذلك هو الشأن بالنسبة للمنهج الماركسي الذي يلتقي مع نفس المنهج الاجتماعي، لكن باستحضار الصراع الطبقي بين طبقة الفلاحين ومُلاك الأراضي من الإقطاعيين. وما دام الإنسان في ظل الاقتصاد الرأسمالي"يُنتج البضائع، والبضاعة تباع قبل أن تُستهلك"(5) فإن الفنان هنا يُعبِّرُ عن صميم هذا الإنتاج برؤية جمالية نقدية. فهل تتحقق هذه الرؤية مع مارويسيو؟

لكن دعونا نعود إلى رمزية الموزة فنتساءل: هل مارويسيو شاذ جنسي؟ أم إن الأمر فقط مسألة تعاطف مع فئتين مختلفتين:

فئة الشواذ والسحاقيات، وفئة المزارعين من الفلاحين الصغار؟

لا شك أن الميكانيزمات الديفاعية Mécanismes de défenses التي تحظى بها شخصية الفنان ماريزو قوية جدا، إلى درجة التعتيم عن ما يجول بداخله، وما تحمله طاقته الليبيدية Libido من ميول انحرافية/جنسية. المسألة أشبه بورعِ قسٍ وعفتِه، وقَلبهُ يهيم بالغِلمانِ من صغار الدير، هيام المُحبِّ لمحبُوبه. أو كالراهبة التي لم تستطع قتل غريزتها الطبيعية (الجنسية)، فأيقظتها خلسة مع ثوأمها الروحي في الدير على شكل ثنائي متكامل.

2 - تحديات الفن المعاصر عند مارويسيو كاتيلان بين مقعد التغوط الذهبي واستبانة الموزة:

1398 الفن والعصرنة 1 لقد جرى القول عادة حسب المهتمين بالفن المعاصر - وجلهم من الباحثين والنقاد - بأن مسألة القطيعة مع اللوحة تشكل أساسا يرتكز عليه الفن المعاصر. إنها قطيعة من حيثُ التعاطي الفني شكلا ومضمونا، مع ضرورة طرح أساليب جديدة تُوَسِّعُ من أفق دائرة التلقي. لكن ظلت العديد من التجارب المعاصرة (مع استثناء بعض التجارب الجادة) تركن إلى إعادة إنتاج التجارب السابقة لمدارس فنية -لها تاريخها العريق- داخل نسق معاصر، لتعود اللوحة من جديد لكي تطفو على السطح.

كما أن حضور الإنشاءات الفنية والفيديو آرت والتركيبات الفنية والأحجام والمنممات الجديدة... قد ساهم في خلق فكرة << الموضوع/الشيء الفني>> objet d'art في قوالب متباينة تحذو حذو النعل الفرانكوفوني، وتتوق إلى التعالي عن الكعب الأنجلوسكسوني حسب الطلب. ووفق أهواء وميول السوق الفنية. لذلك فقد أدرجنا هذه التوجهات الجمالية ضمن ما اصطلحنا عليه ب: <<التحديثات معاصرة>>.

وهذا من شأنه أن يجعل قاطرة الفن المعاصر تنزاح عن مسيرتها داخل نظام يتكرر فيه ما ثَم تناوله من تجارب ومنجزات تشكيلية يصعب الاقرار معها بالقطيعة. لكن أن تصل المسألة إلى التعبير بواسطة مقعد التغوط في حُلةٍ ذهبية أو بواسطةِ موزةٍ مع لاصقٍ يُستغدم في اسكات المعتقلين من ضحايا التعذيب... فتلك موجة جديدة تجعل المتلقي يستصغر الفن المعاصر، ويسخر من الفنان مارويسيو كاتيلان. إنه "موت الفن" (6) كما تنبأ له الفيلسوف الألماني هيجل في محاضراته حول علم الجمال التي جمعها تلميذه هغليش غوسطاف هوطو Hotho.

لذلك فموت الفن عند هيجل دليل على نهاية النسق الجمالي بالنظر إلى النسق الفلسفي الذي انتهى مع فلسفته المثالية الجدلية. فتأويل فكرة موت الفن أو نهايته يجعلنا أمام فنٍ جديد لم يستطع الفيلسوف هيجل أن يتنبأ به، نظرا لما حققته الرومانسية من طفرات نوعية داخل سيرورة تاريخ الفن. بتعبير آخر فالرومانسية هي الفن الذي كان يحلم به هيجل والذي لطال ما تأثر به. وعلى هذا الأساس فإن السابق يؤسس للاحق كما سبق أن أشرنا فكرا وعموما وإبداعا، وفق مرجعية دائرية شبيهة بكرة الثلج التي تتدحرج. وهذا ما اقتنع به هيجل، وشكل به فكرة الروح المطلق وأطروحته في تاريخ الفلسفة وفي الفن أيضا. أما بالنسبة للفنان مارويسيو كاتيلان فقد أعلن موت الفنان نفسه تحت رجلي الرأسمالية الجديدة. هي رأسمالية أسعفته بنقودها من أجل العرض حسب الطلب. فهل مات الذوق الفني ومات معه الفنان؟

 

بقلم: محمد الشاوي

فنان تشكيلي مغربي وباحث في النقد الفلسفي للفن.

.....................

هوامش وإحالات مرجعية:

(1) R. Aron, Leçon sur l'Histoire. Cours du Collège de France. Établissement du texte, presentation et notes par Sylvie Mesure. Revue Belge de Philologie et d'Histoire. 1992.

(2) voir: Nathalie Heinich, Le paradigme de l'art contemporain. Structures d'une révolution artistique, Gallimard, Paris, 2014.

(3) S.freud, Névros, psychose et perversion, Traduit de l'allemand sous             

la direction de Jean Laplanche. Introduction de Jean Laplanche, Paris ,             

 P.U.F,  2010.

(4) voir:

La classification prédominants pour les troubles mentaux- La classification internationale des maladies réalisée par l'organisation mondiale de la sonté (OMS) et le Manuel diagnostique et statistique des troubles mentaux (DSM-IV) (DSM-V) (DSM-X)réalisée par lAssociation Américane de psychiatrie (AAP).

(5) عبد الله العروي، مفهوم الإيديولوجيا، المركز الثقافي العربي، 2003، ص.87.

(6) Hegel, Cours d'esthétique, t,I. trad. J.P. Lefebre et V. Von Schenck, Paris, Aubier, 1995. p. 17.

 

 

محمد آيت لعميمينحدر الفنان التشكيلي العراقي فائق العبودي من سلالة باذخة، تضرب بجذورها في فجر التاريخ، ينتمي إلى بلاد الرافدين، وأرض الهلال الخصيب، بكل ما لهذه التسميات من شحنات دلالية في متخيل، ووجدان من يرتبط بهذه الجغرافية الولود، والمعطاء، بدءاً من ابتكار حروف الكتابة وسنّ القوانين، والبحث عن نبتة الخلود احتفاء بالحياة، ضد رهاب الموت والعدم، أرض أساطير البعث والخصب،أرض النبوءات المؤسسة، أرض التعدد اللغوي، وبرج بابل شاهد على ذلك ،تمددت فيها الحضارات حتى آخر ما يفخر به العرب في الزمن العباسي، الذي تشكلت فيه الهوية المتعددة، وانتجت لحظة لم تتكرر في التاريخ، فمن يجر وراءه هذه الأحقاب من التحضر لن يكون إلا مبدعاً، وفناناً تتلبسه روح الابتكار، والإتيان بما يدهش ويمتع.

ينتمي الفنان العبودي بالوراثة لهذه الجغرافية الممتدة في الزمن، وإلى كل الترسبات الراسية في ذاكرة المكان، فهو الجنوبي الأصل، البغدادي المولد الذي فتح عينيه في بيئة تحتفي بالفن، وتوليه أهمية كبرى ،حيث يتميز العراق الحديث بالاعتناء بالرسم، والتشكيل كجزء من التكوين في المدارس، ناهيك عن أن المدرسة العراقية في الفن رائدة بأسمائها المشهورة، التي بصمت المشهد العربي بأسلوبها المتفرد الأصيل، وبفتوحاتها التجديدية والتجريبية، في هذه الأجواء المشحونة بالإبداع، والريادة في مجالات الإبداع المتنوعة نشأ  الفنان فائق العبودي، وتشربت ذاكرته البصرية بأساليب عديدة لفنانين اجترحوا طرقاً متنوعة في الإبداع الفني والتشكيلي، إضافة إلى هذه المرجعية الفنية القوية ،هناك مرجعيته البصرية التي أتاحها المعمار العراقي، بكل تنويعاته وتشكيلاته من خلال المراقد والأضرحة، وكل زينتها وزخارفها،والأبواب العتيقة ، والقباب، فهذه المكونات المعمارية للمدينة القديمة تترسخ في الذاكرة، وتفعل فعلها في الاختيارات الجمالية للفنان، فيستدعيها بطريقة لاشعورية عند ابتكار صور تجريدية لها، بغية خلق عالمه الموازي لعالم الأشياء المعروضة في الواقع.

98  فائق العبودي 1

إضافة لكل هذه العناصر المرجعية،هناك المتحف العراقي في بغداد الذي يضم عصارة الحضارات المتعاقبة، فوحده المتحف يولد لدى الفنان طاقة هائلة للإبتكار، والاستلهام، والتحاور الجمالي، والاستزادة من التدفق الروحي، والإشباع البصري، وتقوية الانتماء، والإحساس بالسند التاريخي.

يتميز الفنان فائق العبودي بهدوء يستضمرغلياناً، وحركية غير معلنة، تتجلى في تجافيه عن كل منجز، وكأنه قلق تجري من تحته ريح، وكأني به يردد مع المتنبي:

 أريد من زمني ذا أن يبلغني... ماليس يبلغه من نفسه الزمن.

هذه الروح المتوثبة تنعكس في التنوع الذي يصاحب تجربته، التي يعكف على بنائها بتؤدة، ووعي جمالي، وفكري ضروري لإنضاج أعماله، ومنحها بعداً وجدانياً.

استطاع فائق العبودي أن يبتكر لنفسه إسلوباً خاصاً به  لاتخطئه العين، قوامه تحقيق التناغم بين جمالية الرمز، والعلامة، واللون، وتنويع المساند، ومواد الإشتغال.

98  فائق العبودي 2

ينوع العبودي المواد، والخامات التي يشتغل عليها، بين خشب، وورق، وقماش، ويبحث عن تعتيق اللوحة إلى درجة أن المشاهد يتلبسه إحساس، وكأن هذه اللوحات أخرجت للتو من باطن الأرض، من ضمن لقى، وكنوز مطمورة، أعتقد أن هذا النزعة لتعتيق اللوحة يكمن من ورائها مفهوم فكري، حول مسألة الزمن التي حيرت العقل،وكانت محط تأمل فلسفي وأدبي وعلمي، كيف لنا أن نوقف سيلان الزمن الذي يجري ويجرنا معه؟ فجواب العبودي عن هذا السؤال المؤرق، هو الرصد الواعي لما يخلفه الزمن في الأشياء التي تبدو في اللوحة متآكلة، وباهتة، وممحوة، إن فعل المحي، والأثر يوظفهما العبودي بشكل فني يوازن فيه بين جمالية الأداء، وعمق الفكرة.

لقد هاجر العبودي من الشرق حيث الشمس، والعوالم العجائبية التي رصدتها مخيلة الكتاب المجهولين، للنص الخالد ألف ليلة وليلة ،إلى الغرب حيث تغرب الشمس، وكأنه في مهجره يحاكي مسار الشمس، التي ظل يحتفظ بها معه، فهو المقيم في سويسرا في لوزان تحديداً،إلا أن هواه الفني ظلّ مشدوداً إلى وجدانه، وذاكرته، التي تشبعت برموز، وعلامات حضارة عميقة، وسحيقة، فالرمز الذي تحفل به لوحة العبودي ضارب في القدم ،يحقق به مجموعة من الوظائف الجمالية والهوياتية.

98  فائق العبودي 3

فعلامات الكتابة السومرية هي في أساسها رسومات تجريدية، هذه العلامات مشحونة بعناصر هندسية، ويتم توظيفها كجزء بنيوي في اللوحة، باعتبارها رسماً، وتشكيلاً، يتغير كشف حجب الرؤية، وإزالة الرتابة، والألفة التي تحول دون رؤية البعد الجمالى لهذه العلامات، ولو لم يتم فهم معناها فإنها تثير الدهشة، والاستغراب.

من العلامات المتواترة في لوحات العبودي ذلك الرمز الدال على الخصوبة المرتبط بعشتار وإنانا، وقد تم اقتراض هذا الرمز في الثقافة الاسكندنافية، ولدى الأمازيغ في شمال افريقيا، وهو حرف الزاي لديهم، واتخذه الصوفية قديماً رمزاً للإنسان الكامل، بحيث تحول هذا الرمز إلى علامة كونية يشحنه كل شعب برمزيته الخاصة، والفنان العبودي استثمره جمالياً، وتعامل معه بطريقة جعلت منه مادة ينوع عليها أشكاله الفنية، وكأنه يسعى إلى استنفاذ كنهه، والغوص فيما وراء الحرف، فلوحات العبودي تحرر هذا الرمز بالتنويع فيه هندسياً، ويتخذ الرمز هيئات متعددة تتناغم مع اللون، الذي يوظفه العبودي بشكل مكثف،وينوع الأصباغ الحارة القوية، محدثاً بذلك نوعاً من الدهشة لدى المتلقي، فلوحة العبودي تراود المشاهد لتشبع عينه باللون، لذلك تحتشد اللوحة بالكامل، ولا تترك الفراغ،في رغبة ملحة لغمر القماش، أو الخشب، أو الثوب، أو باقي المساند الأخرى بالألوان. 

98  فائق العبودي 4.jpg

هناك شبه موسيقى هادئة تنبعث من ألوان العبودي، هدوء يحافظ للعين على راحتها، ليستدرجها لولوج النوافذ المطلة على عوالم الفنان، لترى كيف يصوغ الأشكال، أبواب مشرعة، رقُم في هيئة وسادات، لوحات توهم بالقدم مثل مخطوطات دبغها الزمن، وتآكلتْ بفعل التعرية، والكشط، زرابي مرقومة عليها آثار البلى، أعمدة مكتوبة بطريقة متاهية.

إذا كان كبار الفنانين الغربيين من أمثال فان غوغ، الذي اعتمد في بعض لوحاته الحرف الياباني، وأيضاً بعضاً من ثقافة اليابان لاعطاء لوحته بعداً غرائبياً، والانفتاح على الشرق من أجل أن يعطي فنه دافعاً تجديدياً، في لحظة عرف فيها الفن الغربي ركوداً، فإن العبودي استوحى ثقافته الشرقية المرتبطة بهويته ووجدانه، ليجعل منها رافداً فنياً لاينضب، وليقدم للغرب، وأيضاً للشرق شيئاً فيه طرافة، وجدّة، وخلق ألفة لدى المشاهد لعلامات، ورموز تحتاج إلى زمن كي تُقرأ وتفك شيفراتها، بهذا يحاول فن العبودي أن يروض عراقة العلامة في أشكال متجددة على الدوام لتبقى راسخة في ذاكرة المتلقي.

 

د. محمد آيت لعميم

كاتب وناقد ومترجم - المغرب

 

 

أعمال صالون صفاقس السنوي أنموذجا

نتيجة لتطور المفاهيم الجمالية والفنية في الفن المعاصر، قد أوضحت الأعمال الفنية أن هناك مفاهيم متباينة نحو استخدام الخامة كوسائط مادية في بنائها، فهناك أعمال فنّية تبدو وكأنّ لا علاقة لها بالمادة بوصفها عنصرا أساسيا يدخل في تكوينها، فيقتصر استخدامها كوسيط لتسجيل بعض المظاهر، وتظهر بعض الأعمال الفنّية اهتمام الفنانين بمدى أهمية العنصر الجمالي للمادة. وقد استفاد بعض الفنانين من الإمكانات التشكيلية والتعبيرية للخامة في تأكيد أفكارهم الفنّية وقيمهم التعبيرية، ونتيجة للتطور التكنولوجي والعلمي الذي ساعد على تحقيق أفكار إبداعية تتخطى كثير من المفاهيم التراثية.

إنّ لكلّ مادة جسد يتحدث بلغة خاصة عن نفسه، هذه اللغة هي روح المادة التي يسعى الفنان إلى كشفها والسماح لها بالإنطلاق والتحليق من خلال عمل يضج بالحيوية والحركية. فالخامة تتضمن في ثناياها جوانب لا حصر لها، يجب البحث فيها عن كلمة السر لفتح أبوابها لتظهر صورة أو شكل العمل، واستبعاد ذلك الوسيط أو الخامة، يجعل من العمل الفني غير متكامل.

ولعلّ عودة افتتاح معرض صالون صفاقس الذي تأسّس منذ سنة 1986، والذي احتجب خلال العديد من السنوات، قد رجع تدريجيا سنة 2017 في دورته الخامسة والعشرون، ثمّ انقطع لمدّة سنتين، وعاد بكلّ جدّية في دورته السادسة والعشرون، ولعلّ من أبرز مزايا هذا المعرض أنّه يحتكم إلى مهمّة التواصل ما بين العمل الفنّي والمتلقي، فوسائل الإعلام هي وسائل اتّصال بالدرجة الأولى ويهمّها أن تثير أثناء تغطيتها للمعارض الفنّية، هاجس التواصل بين الفنان والجمهور، وأن تثير فيه رغبة الزيارة لهذه المعارض والتواصل مع مختلف تلك الأعمال التي تبرز ثقافة تشكيلية لونية وتقنية. فهل على الفنّ التعبير فقط؟ أم يمكنه المساهمة في تغيير وجهة المتلقي؟

إذ ليس العمل الفنّي هو ذاته لكلّ المتذوقين، ذلك لأنّ لكلّ عمل دلالاته التي تثير خيال المتلّقي وتحفّزه على التأمّل والتساؤل، فينفتح المجال واسعا للتحليل والتأويل والاكتشاف، كلّ حسب قدراته وخبراته وثقافته، فتختلف قراءات اللوحة الفنّية بتنوّع الرؤى والتفاعلات الوجدانية ويصبح خطابها متعدّدا. فقد أكّد هذا المعرض على إصرار الفنان ومدى حرصه على إرساء علاقة متينة مع المتلقي من جهة، لتحقيق مستويات من الاستجابة على إحياء تذوّق تلك المتلقي للعمل التشكيلي، سواء على مستوى الإنجاز أو ما يعقب هذا الإنتاج من نتائج. إذ إتّسمت معظم الأعمال بأسلوب ورؤية جديدة على مستوى مختلف التقنيات المادوية والتكنولوجية المعاصرة.

فما على المتذوق سوى أن يدرك الأبعاد التعبيرية والإيحائية للون ولما وراء اللون، وبذلك فإنّ الإبداع لدى الفنان هو حيرة، فكرة، فعلا، فنتاجا، إذ أنّ معظم الأعمال سعت إلى إثارة مفاهيم ذهنية تعبّر عن قيم ورؤى ومواقف وأحاسيس إنسانية. إذ نرى في مثل هذه الأعمال تفاعلا بين الوعي باللاوعي والموضوعي بالذاتي والوجداني بالحسّي، وصولا إلى اللامرئي ليصير مرئيا ودّالا،  باعتبار أنّ الفنّ هو فعل وتفاعل وحوار بين الفنان ومحيطه ونتاجه من جهة وبين ذاته والآخر من جهة أخرى. وبهذا فإنّه يكفي أن نتعرّف على بعض توصيفات لأعمال فنّية مشهورة، وجدت اعترافا بانتسابها لمجال الفنّ التشكيلي، التي من ضمنها ماهو ذو مضمون ومحتوى، ومنها ماهو تجريدي بحث، ومنها ماهو ميدان للتأمّل والتأويل، ومع أنّها جميعا أعمال فنّية فإنّ طرق الإنجاز لها متعدّدة.

إذ استوقفنا هذا المعرض، لكونه قد اشتمل على مجمل الاختصاصات،  والاشتغال على تنويع المحامل والوسائط والدمج بين تقنيات مختلفة، ممّا أفرز نتاجا قد تميّز بخاصيات تشكيلية وتقنية ومادوية نوعية، ولنستهلّ في البداية بما حظي به الرسم من تقنيات مختلفة  بالنصيب الأوفر في منتوج بعض الفنانين الذين نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر كلّ من الفنان عبد اللطيف الحشيشة وصفوان علولو وخليفة البرادعي ورضا الغالي وكلّ من الفنانات نجوى عبد المقصود وهندة بوحامد وهيفاء عبد الهادي وغيرهن من الفنانات والفنانين، الذين اتّسمت أعمالهم بنزعة تجريبية وبجرأة عالية التي جاءت من فهمهم العميق لقوانين وخصائص المواد التي يشتغلون عليها، إذ نستطيع أن نرى إلى ما يمكن أن نسميه بالإيقاع التعبيري اللوني، ربّما لأنّهم أرادوا تقديم  نفس آخر، إذ سعوا في مثل هذه الأعمال إلى تقديم تناول بصري لإيقاعات مختلفة من حيث التقنية والأسلوب.

وبهذا يكون العمل الفنّي، هو حوار متواصل مع المادة اللونية والأشكال والخامات في تكوينات لا متناهية تنزع إلى التجريد أكثر من نزوعها إلى التشخيص والتمثيل، وهو أيضا حوار الحسّ مع الفكر والأداة لإنشاء خطاب جمالي، إذ  حاول هذا المعرض أن يبني ما يمكن أن يثبت خطوات المبدع من خلال تعاضد مختلف الاختصاصات، فمن تشابك الخيوط وتعاضد مختلف التقنيات والوسائط، فللفنان محمد سحنون على سبيل الذكر لا الحصر، له العديد من الأعمال التي تندرج ضمن نسق فنّي واحد إلاّ أنّها في الوقت ذاته تمثّل منعطفات مختلفة وأبحاثا متفرّقة في تركيب الشكل وبناءات العمل إجمالا وفي طبائع الخامات والتقنيات مثلما هو مجسّد في عمله المشارك به في هذا المعرض، حيث أنجز أعمالا فنّية ذات خصوصية عالية، حملت تمثيلات شديدة التنوّع لتصوّراته وعبّرت إلى حدّ كبير عن سعيه نحو التجديد والإبداع المستمّر.

ولعلّ في ذلك ما يجعلنا ننبهر بالتكوينات الحروفية التي أنجزت من قبل بعض الفنانين، محاولين إعطاء قراءة مغايرة للخط العربي. إذ أنّ كلّ فنان حاول أن يتمرّد على القوالب المعرفية الجاهزة، حيث سعى كلّ منهم إلى استدعاء سياقات رؤيوية وجمالية من مصادر غنّية، ولكن أثناء بحثهم لا يتجاوزون الإرث الفنّي المحلي، بل إنّهم لا يتجاوزون أي موضوع يجدون فيه إثراء لأعمالهم الفنّية.

إنّ مثل هذا التوّجه في انتهاج التكوين الحروفي قد مثّل بالنسبة للفنان خالد الفقي، هاجسا دفعه إلى خوض تجارب فتحت له مسارات جديدة، إذ أنجز هذا الفنان تكوينا اتّصف بقيم فنّية متنوّعة، والعمل على صياغة الحلول الجمالية التي تضمن له اندماج الأجزاء في الكلّ مع استثمار حضور الخط العربي في خلق طرح إبداعي يثير الدهشة، ولتحقيق خطاب متعدّد المعاني والإنفتاح على العديد من الأبعاد التعبيرية، إذ عمل على إمكانية الدخول فيما يشبه التناص أو إنتاج قراءة بصرية للخط العربي، توازي الشكل الفنّي العام للوحة وتستوحي المحتوى، إلاّ أنّها لا تفقد إبداعيتها ولا تستحيل إلى صور. فقد عمل هذا الفنان على إعادة تمثيل الخط العربي عبر محاولات إثراءه  بنماذج فنّية أخرى، حيث يقول الناقد محمد أبو رزيق "بأنّ قراءة العمل البصري هي نوع من القراءة المكافئة  لقراءة النصّ المكتوب"،   وهو توجّه قد نجد له صدى في العديد من التجارب العربية التي احتفت بتوظيف الخط العربي والعلامة الخطية، ولذا تأتي ممارسة هذا الفنان إضافة هامّة إلى من سبقه في هذا المجال، معتبرا بأنّ  الحرف هو الهيكل العظمي للوحة التشكيلية الحروفية العربية.

كما تستوقفنا الأعمال الخزفية لكلّ من الخزاف كمال الكشو وبلحسن الكشو ومنجي والي ...وغيرهم التي أفصحت على تفرّد تقنياتهم التي تتميّز بخصائص مميّزة تتوافق في تعزيز ما قدّمه هؤلاء الفنانون للبحث عن ماهو جديد ومبتكر، فكلّ منهم قد استخدم طرق متعدّدة ومتباينة في آليات التطبيق مثل تلك التقنية التي أصبحت نهجا خاصّا لكلّ فنان في تفعيل آلية تجربته، وذلك لأنّها تعدّ من أهمّ التقنيات المعبّرة وذلك للتعبير عن قيم شكلية من خلال استغلال الطين والطلاء بطرق مختلفة في الإنجاز والتقديم.

ذلك أنّ تناول أهمية التقنيات وأساليب التنفيذ والمهارات العملية للأداء الفنّي، نجدها تعطي الفنان حرية في التعبير، وتكون ذات تميز وتفرد خاص، كما أنّها تميز العمل الفني حين لا يظهر أي التباس بين تلك التقنيات وأساليب التنفيذ، ممّا يوضح تمكّن الفنان وقدرته على الأداء ، دون أن تفقد الخامة قيمتها داخل العمل الفنّي، فهذه الخامات والتقنيات والتنوّع في الإنجاز، تعين الفنان لإيجاد حلول غير تقليدية تجمع بين التعبير ومختلف الوسائط، ولعلّ ذلك ما نتلمّسه في بعض الأعمال النحتية مثل عمل الفنانة ريم معلى ونزار الطريشيلي وعادل الجموسي، وهنا نجد أن الخامة والتعبير يساهم كلا منهما بدور فعال داخل كيان العمل الفنّي، فالتعبير يتطلب تقنيات محكمة تساهم الخامة كثيرا في إظهاره، فالخفة أو الثقل، والتألق أو الإظلام، والنعومة أو الخشونة، كل تلك الخصائص تزيد العمل الفنّي من قدرته التعبيرية، حيث يقول شاكر حسن آل سعيد " بأنّ مهمّة الناقد هي إيصال شحنة الانفعالات في العمل الفنّي من الفنان إلى الجمهور" ، ولكنّ عمق الاختلاف ربّما يتجلّى في مسألة كيفية قراءة العمل التشكيلي.

تستوقفنا أيضا أعمال الحفر التي قد تنوّعت من فنان إلى آخر كلّ حسب أسلوبه وخامته المفضلة، حيث نقف على عمل الفنانة لبنى عبد المولى وفاطمة دمق والفنان عبد الله كمال، فكلّ قد عبّر بطريقته عن نزعته التجريبية بجرأة عالية التي جاءت من فهمهم العميق لقوانين وخصائص المواد التي يشتغلون عليها، وبين هذه الدوغمائية الخطية تتسرّع التفاصيل الموحية في المثول، قد تكون أجسادا بشرية أو كائنات حيوانية ذات هيئة فانتازية، ممّا فتح لهم مجالا أوسع وإمكانيات أكبر وبدائل قد مكنّتهم من التحرك والتعبير بحرية وبما يتفق مع رغباتهم واتجاهاتهم الفنّية.

فالتركيب والخامة، لا يمثلان عملا أو قيمة فنّية، ما لم يتضمنا التعبير، وهو عنصر له ارتباط كلي بماهية الشكل والخامة، حيث سعى كلّ فنان إلى توظيف خصائصه الشكلية والتعبيرية في تحقيق فكرته، والتعبير في العمل الفني قد يكون مباشرا أو ضمنيا أو رمزيا. فلا بد أن يحتوي العمل على تعبير ما، ولا يعني ذلك انغماس الفنان في جماليات الخامة والشكل، لإهمال هذا الجانب العام، الذي بدونه يفقد العمل طبيعته الفنية والجمالية، ما لم توظف هذه الجماليات في إظهاره وتوضيحه، فالخامة والشكل والتعبير، لبّ وجوهر الفكرة الفنية، و بصرف النظر عن الخامات وهدف الفنان، فإنّ هذه الاعتبارات الثلاث تبدو وكأنّها تشكل النواة لكلّ محاولة أو سعي لعمل فنّي.

إذ أنّ قيمة العمل الفنّي تنتج من تضافر عناصره الثلاثة، الخامة والشكل والتعبير، وقيمة كلّ عنصر ترتبط بالعناصر الأخرى، فمن الأهمية تبيان جوانبها في تقييم العمل، من حيث قيمته التشكيلية والتعبيرية، ويوصف التعبير بأنه هو الهدف والفكرة التي يحتضنها الفنان ليخرجها في شكل جمالي يحتوي على نظام تتجاوب معه الأحاسيس الإنسانية، لهذا لا يكون التعبير عنصرا إيجابيا إلا بتفاعله مع عنصري الخامة والشكل، حيث لا يوجد عمل بدون شكل وخامة، وعندما يفكر الفنان في العمل الفنّي، فإنّه يختار خامته ويعمل على صياغتها بطريقة تحقق له أقصى عطاء تشكيلي وتعبيري.

غير أنّ قناعاتنا تزداد يوما بعد يوم بأنّه لا مجال لفنان عصر التكنولوجيا الحديثة والبرمجيات الذكية والعوالم الافتراضية أن ينغلق ويعتكف في برجه ليتمسّك بنفس تقنياته وأشكال تعبيره، وذلك لأنّ العلاقة بين الفن والتقنية أو الفنون والتكنولوجيا هي علاقة ديناميكية، علاقة إبداع تدفع بالفنّ إلى ابتكار أشكال تعبيرية دائمة التجدّد والتنوّع، إذ نلاحظ بأنّ مجال التصوير الفوتوغرافي أصبح يتقدّم بالتوازي مع كلّ المساحات التعبيرية الفنّية، حيث نجد حضورا لهذا التناول في تجربة كلّ من الفنانة سماح بوشعالة من خلال اعتمادها على تقنية الفوتومنتاج وكذلك حنان المعزون على التصوير الرقمي، والفنان حمدي المعلول وغيرهم من الفنانين الذين أخذوا من تقنية التصوير الفوتوغرافي أداة في أعمالهم، ليصبح إمكان اختراقها وتحويلها من بعد ذلك إلى أشكال فنّية، وذلك من خلال تعمّقهم وتحكّمهم في مسارهم الفكري والذوقي. إذ نلاحظ بأنّ مثل هذه الأعمال قد اتّسمت بصبغة تجاوزية للمرئي الذي تمثّلته وأعادت صياغته برؤى مختلفة، فالفنّ الرقمي ليس مجرّد وسيلة توثيق، بل وسيلة إنتاج لصور فنّية تجمع بين الواقع والخيال مع إمكانية نسج علاقات تفاعل بين طريقة عرضه وطريقة إعادة تمثيله كوسيلة إبداعية أكثر منها توثيقية.

فقد سعى كلّ من هؤلاء الفنانين لردم الفجوة والهوة ما بين الفن التشكيلي وعالم الرقميات، وتركيزهم على اختيار المادة المناسبة التي تعبّر عن عمق التعاطي مع اللون بكلّ دلالاته الرمزية، وما على الفنان سوى أن يسعى لتطوير وسائله التقنية لتطوير عمله الفنّي والارتقاء به نحو المعاصرة، إذ فتح هذا المجال التكنولوجي ما لا نهاية من إمكانات تشكيل رؤى جديدة ومتعدّدة في تحديد نسق بناء العمل الفنّي، حيث استبدال ورشة التصوير الزيتي بالحاسوب، فحاسوب الفنان هو بمثابة ورشة العمل الفنّي الذي تنبثق منها الرؤية الفنّية والمنجز التشكيلي، من خلال انتهاج الرسم الرقمي واتخاذه كآلية تطوير لمبدأ التمثيل.

وفي الأخير لا يسعنا القول سوى أنّه لا يستقيم للعمل الفنّي أيّ وجود وفهم من دون وجود تلازم بين وجود العمل الفنّي وبين الطبيعة الإنسانية التي تحتضنه وتغذي قيمه. فللعمل الفنّي قيمة هو بمثابة ذاكرة فنّية أو أثرا حضاريا أو جزءا من الضمير الثقافي للمجتمع، وهذا راجع إلى مدى تطوّر ثقافة النظر إلى الأعمال الفنّية، وبهذا فإنّ الثقافة هي المؤشر الأساسي في التعبير الفنّي، وبذلك فإنّ البعد الخصوصي الثقافي لن يتأتّى إلاّ بمعرفة حقيقية لما نريد أن نعبّر عنه من دواخلنا وتحرير التشكيل من مسميّاته وقوالبه التقليدية وتوفير المناخات الحرّة في التناول والتعبير.

 

مكية الشرمي

أستاذ ة مساعدة بالمعهد العلي للفنون والحرف بصفاقس

 

كاظم شمهودهل يمكن لعلم الآثار ان يكون المصدر الوحيد في قراءة احوال الامم السابقة؟ اما هناك مصادر تاريخية اخرى تساهم في توثيق المعلومات؟ .

- قبل ظهور عمليات التنقيب والحفريات في المناطق القديمة من بلاد ما بين النهرين ومصر والتي بدأت في حوالي نهاية القرن الثامن عشر ثم بلغت ذروتها في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وقبل حل رموز الكتابات السومرية والهيروغليفية، كان المؤرخون وو الكتاب والناس عموما يعتمدون في معلوماتهم على التاريخ المدون والكتب المقدسة ومؤرخي الاغريق وعلى كتب الرحالة وغيرها .

علم الآثار:

- اصبح علم الآثار اليوم في حفرياته وتنقيباته يعتمد على طرق علمية حديثة تقوم بحسابات غاية في الدقة والاهمية كمعرفتنا وايماننا بالعلوم الاخرى كالفيزياء والطب وله مصداقية ودرجة عالية في عملية النقل والترجمة حيث يضع لكل مادة تفسيراتها ومبرراتها العلمية . . فمهمته اذن هو اولا توفير الدليل المادي التاريخي وثانيا الاهتمام بترجمته وتفسيره . كما ان علم الآثار يختص بدراسة بقايا ما خلفه الانسان من عمارة ومعابد وفنون وعظام وقبور واثاث وادوات وغيرها وخاصة احداث ما قبل عصر ظهور الكتابة والتاريخ كالحضارة السومرية وحضارة تل العبيد وحضارة التاسية في مصر وغيرها .

1346  حضارة العراق 1

الشك:

ولكن ما يعترض هذا العلم من مشاكل هو وجود ثقافة الاساطير التي كانت تسيطر على تلك الاقوام السحيقة سواء كان ذلك ما قبل التاريخ اوما بعده ولهذا نجد العالم الاثري يبذل جهودا كبيرة لمحاولة الفصل بين ما هو خرافي وما هو واقعي او عقلاني ومنطقي . يضاف الى ذلك ان بعض العلماء يبني تفسيره على ما متوفر لديه من مادة تاريخية ثم بعد فترة يغير رأيه نتيجة لعثوره واكتشافه على مواد اخرى جديدة تختلف عن الاولى واكثر واقعية، كما ان عالم الآثار يعطي شرحا وتفسيرا بالظروف التي وجدت فيها المادة وحسب مستوى وعيه وثقافته .

لا يختاف عالم الآثار المادي عن المؤرخ الراوي الذي يسجل الاحداث، فعالم الآثار عندما تتوفر له المادة يبدأ بترجمة النصوص القديمة المكتوبة والمنقوشة على الالواح وتدوينها وتفسيرها او ترجمة الصور من رسوم ومنحوتات وخزفيات وزخارف اخرى وربطها بالنص، ومن المؤكد انه ليس في هذا التحقيق شك، لكن المشكله ليست عند عالم الآثار وانما في الكاتب الاول السومري او الاكدي الذي دون الحوادث على الالواح، هل هو صادق وحيادي في ذلك وهل انها مملوئة بالاساطير والخرافات ام هي حقائق يقبلها العقل ؟.. كذلك المؤرخ الراوي والكاتب للاحداث، هل انه اعتمد على نقله للمعلومات والحوادث من رجال يتصفون بالامانة والصدق او انه عاشها بنفسه؟، وهنا في هذه الحالة يتدخل علم الرجال لدراسة سيرة المؤرخين والرواة القداما لمعرفة مدى مصداقية الرواية .. كما انه احيانا يحدث تحريف في النصوص لخدمة الحاكم او السلطان او فئة او مذهب معين، ولهذا نجد اليوم لم يسلم شئ ابدا من التزييف والتحريف، سواء كان ذلك في التاريخ او الفقه او حتى في الحديث النبوي الشريف؟.

1346  حضارة العراق 2

يذكر ان هناك اليوم في جامعتي شيكاغو واكسفورد عدة آلاف من الالواح تعود الى عصور السومريين وانها محفوظة في قدور . وان هذه الالواح ترجع الى عصور اقدم من كل النصوص التي نشرت حتى الآن وانها سوف تمد العلماء بمعلومات هامة عن حضارة سومر وبابل . ويعني ذلك انه لازال هناك نقص في المعلومات وان العلماء عاجزين عن حل رموزها و كل يوم يتفاجئون باكتشافات جديد .

– اما رجل التاريخ فهو الذي يتتبع الاحداث ويرويها، ويسجل الظواهر والاشياء التي تجري في المجتمع وهو يوفر الاخبار والقرائن ويعلق عليها ويجمعها ويفسرها ويكتبها، وبالتالي فهو يسند علم الآثار في كثير من الاحداث والتفاسير ولا يختلف عنه . وهناك علم يسمى علم الرجال كما ذكرنا ذلك سابقا مهمته تتبع الراوي ودراسة حياته وصدقه وشرفه ومن اين يأخذ الاخبار، فاذا وجد خلل في سيرته الذاتية لا يؤخذ بروايته وماكتبه .

1346  حضارة العراق 3

اما الكتب المقدسة كاليهودية والمسيحية وغيرها فهي لا تختلف عن حقل التاريخ حيث تذكر فيها الاحداث وقصص الانبياء والامم الماضية والاحكام والعبادات وغير ذلك . وكما هو معروف ان اليهود حرقت كتبهم الدينية ومملكتهم في زمن الملك البابلي نبوخذ نصر في القرن السادس ق. م،، فاعاد انبيائهم وعلمائهم كتابتها من جديد في بابل وظهر التلمود البابلي المشهور وهو كتاب فقهي ... غير ان هناك بعض الكتب محرفة كتبت بايدي علماء او ناس عاديين ولهذا نجد فيها بعض الاساطير التي لا تتماشى مع العقل، مثلا يحكى ان ملك الموت جاء الى موسى فسأله موسى هل جئت قابضا ام زائرا، قال بل قابضا فضربه موسى على وجهه وفقس عينه فرجع الملك الى الله يشتكي ؟ او ان موسى كان يصحح اخطاء الله تعالى .. وغيرها ؟؟

ولهذا عندما سقط النظام عام 2003 كان اليهود يخططون لسرقة الآثار السومرية والبابلية، وفعلا تم ذلك وهجم عملائهم على المتحف العراقي ونقلوا حوالي 25 الف قطعة اثرية تعود الى الحضارة العراقية القديمة وهي الآن موجودة في اسرائيل . فهل يا ترى طالبت الحكومة العراقية بحقها التاريخي الشرعي واعادت ممتلكات العراق؟

1346  حضارة العراق 4

واما القرآن الكريم فهو كما قال الامام علي –ع- (كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل وليس بالهزل ..) ويعني ذلك ان القرآن فيه قصص الامم الماضية وخبر الاحداث التي تجري في الحاضر وهو تشريع للاحكام والقوانيين الانسانية لاقامة العدل على الارض يالاضافة الى فقه العبادات .

– وبالتالي نصل الى نتيجة ان علم الآثار وحده لا يمكن ان يكون له مصداقية مئة بالمئة مالم تدخل علوم وعناصر اخرى في معرفة تاريخ الامم السابقة، مثل مادة التاريخ والدين والفلسفة والعقل وعلم اللغة والاخلاق . فدوره هو مترجم ومفسر للمادة التريخية القديمة، وكذلك التاريخ الذي يتتبع الاحداث وينقل ويفسر عن الآخرين او يشاهدها عينيا، اذن فكلاهما لديه ايجابيات وسلبيات . وكلاهما يعتمد على اهم الاسس الحضارية وهي الاخلاق . ولن تكتمل هذه الصورة الا بالاعتماد على كل المصادر الانسانية ..

 

د. كاظم شمهود

 

1312  شمهود 1في القرون الوسطى كان الاوربيون قد سأموا من التقاليد الفنية اليونانية الموروثة وكانوا تواقين الى التجديد والبحث عن نوع جديد من الفن يثير الابداع والابتكار واكثر بهجة .. وقد وجدوا ضالتهم في الفن الاسلامي وكانت اسبانيا قد سطعت على اوربا بحضارة جديدة واصبحت قرطبة اكثر المدن الاوربية ازدهارا وعظمة، وتأسست فيها جامعات يدرس فيها مختلف صنوف المعرفة والعلوم، وكان ملوك واغنياء اوربا يبعثون ابنائهم للدراسة في قرطبة .. كما كانت الحروب الصليبية جسرا في نقل المنتجات الصناعية والفنية الاسلامية يضاف الى ذلك ان جزيرة صقلية هي الاخرى كانت بابا آخر لنشر الثقافة الاسلامية في الغرب .

وفي القرن الخامس عشر كانت مدينة البندقية الايطالية قد سكنتها جالية مشرقية منهم صناع مسلمين كانوا قد اسسوا لهم ورشاة يعملون فيها على انتاج التحف الفنية والصناعات الشرقية فانتشرت في المدن الايطالية، حتى انه نشأة مدرسة - بندقية شرقية - كانت خليطا بين الموضوعات والزخارف الاسلامية وبين الذوق الايطالي في عصر النهضة . كما ان مدينة البندقة قد سكت عملة ذهبية عليها احرف عربية وآيات قرآنية للتعامل بها مع المسلمين، وانتشرت الازياء العربية بزخارفها المبرقشة والفضفاضة والوانها الحارة الجذابة وكذلك طراز العمارة الاسلامية وكان التجار الشرقيون يتجولون في شوارع المدن الايطالية بازيائهم العربية الفضفاضة والملونة باجمل الالوان والزخارف، حتى وصلت الزخارف الى ورشاة الرسامين منهم دافنشي الذي رسم عدد من الزخارف الاسلامية . وبالتالي ااختلطت المجتمعات المشرقية مع الاوربية وانتشرت الفنون الاسلامية في اوربا حتى انطبعت بطابع شرقي لازالت آثاره ظاهرة حتى اليوم خاصة في عمارة ابراج الكنائس .

1312  شمهود 2

– بعد فتح القسطنطينية عام 1452 م احتلت الدولة العثمانية عدد من الدول الاوربية الشرقية حيث بدأ الاختلاط مع الاجناس الاجنبية يعم، فادى ذلك الى اتساع افق الفن وان يخرج المسلمون رسوم جديدة تختلف عن تقاليدهم الموروثة . وفي هذه الفترة دخل شيئا مهما وجديدا على المسلمين وهو الاهتمام بالحياة الدنيا والترف بعدما قتلهم الزهد والتصوف، فسرعان ما انتشرت القصور الخيالية ومجالس الطرب واللهو حيث مال اليها الحكام الذين لم يلتزموا بتعاليم الدين .. ومنذ ذلك الحين ضعفت المسحة الدينية في قصور الخلفاء والامراء ثم تسرب ذلك الى المجتمع . ومن ناحية اخرى انتعشت الفنون الاسلامية في الدولة العثمانية والدولة الصفوية وظهرت مدارس فنية في مدن تبريز وهراة وسمرقند ودلهي وبغداد اسطنبول وغيرها. وظهرت الرسوم تزين القصور والاقمشة الحريرية الفاخرة والاواني والفخاريات المزججة بانواع الالوان الاخاذة، ثم انتعشت رسوم الجدريان خاصة في قصور الامويين والعباسيين ومنها صور اباحية . ويذكر الرحالة الفارسي ناصر خسروا انه دخل عام 1047 م في احد قصور الفاطميين وانه اخترق 11 قاعة حتى استقر في قاعة 12 وهي قاعة العرش فشاهد فيها من الذهب والجمال ما لا يوصف منها مناظر صيد وزخرفة وكتابات عربية تزين جدرانها .

1312  شمهود 4

ولكن هذا الاختلاط المجتمعي الشرقي الغربي احدث معه فنون مختلطة الاساليب والاذواق فاخذت الفنون الغربية تدخل الدول الاسلامية بالتدرج واستدعى السلاطين العثمانيين رسامين من ايطاليا للعمل في البلاط مثل الفنان بلليني الذي رسم السلطان محمد الفاتح باسلوب غربي، كما تطور التبادل التجاري بين ايران الصفوية والغرب فدخلت المنتجات الغربية وهي محملة بصنوف فنونها وتقاليدها واختراعاتها خاصة في زمن الشاه طهماسب واصبح هناك لوحات غربية معلقة في البلاط الى جانب اللوحات الاسلامية . كما ان الشاه اكبر الهندي استدعى فنانين اوربيين ليعلموا الفن الغربي لبعض الرسامين المسلمين الهنود وفتح لهم ورشة عمل في البلاط . وعندما دخل الاستعمار الغربي الدول العربية والاسلامية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بدأوا بتأسيس مدارس فنية تدرس الفن الغربي . كما اخذت تبعث ابنا العرب لدراسة الفن والادب في عواصمهم مثل روما وباريس ولندن، وهكذا بدأ الفن الاسلامي ينسحب ويتوقف عن الممارسة والنموا والتطور في المجتمع الاسلامي .

1312  شمهود 3  

غروب الفن الاسلامي 

ماذا يعني توقف او انهيار الدولة وفنونها وثقافاتها؟ هل هو انهيار مادي او روحي ثقافي ..؟ قبل كل شيء، يجب ملاحظة ان موت الدول في بعض الحالات يكون علامة لحياة جديدة اكبر. وهذا يعني ان الحضارات تعبر من امة الى اخرى، فاذا ماتت امة انتقلت حضارتها الى امة اخرى بالمفهوم المعنوي اي الثقافي والعلمي .

فموت الامم قد يعني موتها ماديا، أي اختفاء المجتمع من الوجود. وقد شهد تاريخ البشرية نماذج كثيرة لأمم وحضارات قامت وازدهرت ثم اختفت من الوجود. لكن المثال الابرز الذي يرد فورا الى الذهن هنا هو دولة العرب والمسلمين في الاندلس التي عاشت لثمانية قرون كاملة متصلة ثم اختفت سلطتها السياسية من الوجود . نعم اختفت ولكن عبرت حضارتها وفنونها الى امم واقوام اخرى كالتقاليده الاجتماعية واللغة والثقافة والفنون خاصة فن العمارة حيث استمر المدجنون العرب والموريسكيون والمستعربون في بناء العمارات الدينية والمدنية على غرار الطراز الاندلسي .

غير ان انهيار الدول والامم ينصرف ايضا الى معنى آخر غير معنى الاختفاء المادي الفعلي. الامم قد توجد على قيد الحياة، لكن بلا وزن ولا تأثير ولا دور فاعل في عالم التقدم والمكانة وسط الامم الاخرى المتقدمة ومقارنة بها . بمعنى تبقى امة مستهلكة سلبية يتحكم بها الاجنبي السيد ويأتيها قوت حياتها من الخارج، مثل الدول العربية .

 

د. كاظم شمهود

 

1304 شمهود 2يعتبر قصر طوب قابي من اقدم البلاطات العثمانية حيث كان مقرا للسلاطين منذ عام 1465 الى عام 1856م وفيه مسجدا يسمى اغلار يحتوي على مكتبة تضم على آلاف المخطوطات المصورة والتي لاتقدر بثمن. وتحتوي مكتبة طوب قابي على 21438 كتابا و18622 مخطوطا بجميع اللغات، كما يذكر ان هناك 13.533 لوحة منمنمة داخل المخطوطات والكتب والالبومات، وتتألف من 451 مجلدا تعود الى الفترة المحصورة بين القرن الثاني عشر والثامن عشرم.

وقد جمعت هذه المخطوطات من دول العالم الاسلامي في ايام سيطرة العثمانيين عليها خاصة الدول العربية والتي افرغوها من ارثها الحضاري والثقافي والفني تماما، بل حتى النسخ الاولى من القرآن الكريم التي خطها بعض الصحابة مثل الامام علي-ع- وعثمان بن عفان وغيرهم، فقد حملوها معهم الى اسطنبول. ويقال ان هناك آلاف المخطوطات قد تلفت اثناء النقل وغرق بعضها في البحر.. وهذا يذكرنا ايضا بحملة نابليون على مصر عام 1798 حيث جلب معه اكثر من 500 عالم بجميع الاختصاصات انيطت اليهم نقل الآثار والعلوم والمخطوطات المصرية الى باريس، منها - حجر رشيد – والذي نقشت عليه علوم المصريين القداما بثلاثة لغات قديمة، غير ان هذا الحجر وقع بيد البريطانيين عندما استسلمت القوات الفرنسية الى البريطانية عام 1801 م، ثم نقل الحجر الى المتحف البريطاني ولازال معروضا فيه، وقد حل شيفرة اللغات العالم الفرنسي شامبليون عام 1822 م.

1304 شمهود 1

و كانت عادة الامبراطوريات التي قامت في العالم القديم هو اهتمامها في عواصمها وترك باقي المدن، فكانت دمشق عاصمة الدولة الاموية وبغداد عاصمة الدولة العباسية والقاهرة عاصمة الدولة الفاطمية وهكذا. وقد اهتم الخلفاء والملوك بهذه العواصم واهملوا غيرها. وكان المغول والتيموريون قد اهتموا بعواصمهم مثل تبريز وسمرقند وهراة، وكان التطور العمراني والثقافي قد اصابها، وجلبوا اليها خيرة المصورين والنقاشين والمزخرفين والمذهبين والمجلدين والخطاطين وغيرهم. وكذلك ينسحب هذا على الامبراطورية العثمانية التي اهتمت بعاصمتها اسطنبول وتركت باقي الولايات والمدن العربية تحت التخلف والفقر منها العراق.

1304 شمهود 3ولهذا ليس غريبا ان تتوقف الحياة الثقافية والفنية في العراق وتخلو البلاد من المكتبات و المصادر العلمية والادبية، فكان الطلبة عند دراساتهم وبحوثهم العلمية والفلسفية عليهم ان يشدوا الرحال الى اسطنبول حيث توجد هناك المكتبات العامة التي تحتوي على آلاف المخطوطات الاسلامية والعربية من علمية وادبية وفلسفية وفقهية وغيرها. ولهذا كان العراق شبه فارغ من المكتبات العامة ما عدا بعض علماء الدين الذين يحتفظون بعدد كبير من المخطوطات الفقهيه والعلمية في بيوتهم الخاصة مع ذلك تعرض بعضها الى الحرق.

ومن ضمن المخطوطات الموجودة هناك 600 مخطوطة تحتوي على رسوم منمنمة لاشهر رسامي ذلك الوقت منهم : احمد مرسي، رئيس عبدالحي، شيخ سلطان محمد، محمد صياح كالم، كمال الدين بهزاد، بيري رئيس، حيدر رئس المعروف (نيجاري)، نقشي، ولفني وغيرهم. وضمن كنوز المتحف توجد صورة شخصية للسلطان محمد الفاتح رسمها المعماري سنان بك وكان يشغل رئيس النقاشين في البلاط – نقش خانة – علما ان محمد الفاتح استقدم الفنان الايطالي بلليني ورسم له صور شخصية عام 1479 – 1480 وفي زمنه بدأت التأثيرات الفنية الاوربية تدخل البلاط السلطاني، ومن ثم على الفن الاسلامي بعدما كان الفنان المسلم يقتصر عمله على تزويق المخطوطات بالرسوم التوضيحية.. ثم انتشرت الرسوم الشخصية في زمن السلطان سليم الثاني وحضيت برعاية القصر وكان من اشهر الرسامين الاتراك في رسم الصور الشخصية هو حيدر رئس المشهور بنيجاري.

ويعتبر المصور- بيري رئس- من اشهر رسامي الخرائط حيث يوجد له رسم لخريطة العالم نفذت عام 1513م كما توجد له خرائط اخرى عن حوض البحر المتوسط ومدنها وموانئها وتمتاز بالتفاصيل الدقيقة وله كتاب اسمه – كتاب البحرية – وقد اعترفت منظمة الامم المتحدة للثقافة والعلوم بأهمية اعماله واعلنت عام 2013 عام بيري رئس.

ومن الكنور ايضا هناك 1600 مصحف يعتقد ان سبعة منها تعود للخليفة عثمان بن عفان وتسعة تعود الى الامام علي – ع – واثنين الى الحسن والحسين ومنها يعود الى القرن الاول الهجري وقد خط بعضها من قبل خطاطين مشهورين.

وتوجد نماذج اخرى من المصاحف خطت بيد ابن البواب عام 1018 م وكذلك لاشعار سلامة بن جندل ومخطوط آخر لاشعار خمسة نظامي كنجوي – يعود تاريخه الى 1481 نفذ بخط نستعليق.

1304 شمهود 4

كما قام الخطاط - ياقوت المستعصمي- بصيانة وتذهيب وخط عدد من المصاحف وكذلك قام بالمثل الخطاط -عبدالله الصيرفي- في القرن الر ابع عشر. وكذلك- ارغون كاميلي - خلال عهد السلطان سليمان في القرن السادس عشر ويعتبر مخطوط كتاب الحشائش اقدم مخطوط في المكتبة حيث يؤرخ عام 1131 م.

كما نجد من اقدم المنمنمات في كتاب مرقع الفاتح (البوم الفاتح) حيث تبين لنا كيف تطور فن المنمنمات حتى وصل الى عصره الذهبي في زمن السلطان سليمان القانوني 1520 – 1566 وقد ظهر في زمنه كثير من الرسامين المعروفين مثل : حيدر رئس والنقاش عثمان الذي يعتبر من اكثر المتشددين في الالتزام بالتراث الفني التركي.

وكان – مرقع الفاتح – يحتوي على رسوم تمثل حياة السلاطين وحروبهم واحتفالاتهم ومواضيع الصيد والصور الشخصية.

ومن ابرز المخطوطات التي حضيت بأهمية كبيرة في التزويق هو مخطوط –السورنامه – ويضم 437 صورة نفذها النقاش عثمان وتلاميذه وكان عثمان يشغل رئيس مرسم البلاط – نقش خانه – في زمن السلطان مراد الثالث عام 1582 م وتمثل الصور احتفالات السلطان بختان ولده محمد في عام 1582 وبعد غياب عثمان انفتح الباب لدخول التأثيرات الفنية الغربية وقد لاقت دعما كبيراً من السلطان مراد الثالث وغيره من سلاطين بني عثمان وفي نفس الوقت بدأ الفن الاسلامي بالتراجع والانحدار... وقد حول القصر والمكتبة اليوم الى متحف يعتبر ضمن لائحة التراث العالمي منذ سنة 1985.

 

د. كاظم شمهود

 

95 علي رشيد 1مرت بورتريهات الفنان العراقي المغترب علي رشيد بعدة مراحل: الأولى والمبكرة غلبت عليها الخطوط. الثانية والوسيطة تراوحت بين كولاجات وألوان متجاورة. ولكنها كانت تؤكد حصرا على تشكيلات بصرية مألوفة ولها وجود في ذاكرتنا. أما آخر مراحله فكانت في تجميع الألوان أو عزلها. وهذا ماجعل لوحاته هدفا للتكهن أو للاحتمالات.

ماذا يمكن أن تقصد بلون دون خطوط واضحة وبلا أشكال أو مساحات لونية، ولكن يحتلها لون واحد يختلف بدرجات السطوع والشفافية فقط؟.

لا يمكن أن تضع إجابة تامة لسؤال غامض. و لكن بالنسبة للون الأبيض، يمكن أن نعزو له قيمة تركيب أو دمج. والبياض هنا له علاقة بالحركة وليس بالسكون. فالهدوء الظاهر زائف ومصطنع وهو نقاب يخبئ وراءه مجموعة حزم ملونة. ومن أبسط قوانين الفيزياء أن الإفراط بالسرعة هو الذي يساعد على هذه الخدعة البصرية. ولقد عرف علي رشيد كيف يترك لنا مفاتيح أو علامات تمنع أبصارنا من التخبط. فاللون الأبيض في لوحاته لم يكن مرادفا لسهولة الرؤية ولكن لمصاعبها. إنه عمى أبيض بلغة ساراماغو (وبالمعنى الذي أشارت له نجاة الذهبي في إحدى مقالاتها)*. وأكاد أقول هذا البياض هو دلاليا سواد فاحم، ويتطلب من المشاهد أقصى درجات التيقظ والحذر. وربما لهذا السبب أضاف الفنان عدة لمسات خفيفة بالأسود أو الأزرق وأحيانًا الأحمر ليساعدنا على النفاذ من خلال جدار اللون الواحد. وهذه العلامات بمثابة دعوة للمشاهد ليخمن ماذا خلف دكتاتورية هذا البياض. ولكن أي تفسير لا يمكنه أن يصمد. وحتى لو اتفقنا أن الأبيض هو حالة مصالحة مع الذات، فالعلامات تبقى بمثابة شوائب لا تستطيع أن تجد تفسيرا مستقرا لها.

وقل نفس الشيء عن المرحلة الزرقاء. فقد مهدت لمرحلة البورتريه الأبيض، ووضعتنا أمام فضاء مائي، صامت، ودون أي مفردات. بمعنى أنها كانت جملة تامة لها أفق مغلق أمام العين وأفق مفتوح أمام الإفهام. وإذا وضعنا إلى جانبها الأزرق الرمادي، بلون السحاب، سوف نقترب من حالة افتراضية. فهل هذا اللون نافذة على عالم بلا خلافات، ويكرر نفسه، أم أنه باب موصد على تجربة ذهنية، ولا تسلم نفسها لأي تفسير أو تفكيك؟!.

95 علي رشيد 2

لم يلعب الفنانون باللون الأبيض، وإنما استعملوه كرمز للسلام بكل أشكاله: سلام طوعي (هدنة) أو إجباري (استسلام وإقرار بالخسارة). غير أن الأزرق كانت له عدة مدلولات سياسية وبيولوجية. فهو لون أممي عابر للقوميات والحدود. وأيضا هو لون راديكالي ويدل على الاضطراب والاحتراق والتهيؤ للترمد (ولنتذكر هنا الشعلة الزرقاء فهي أعتى أشكال الاحتراق). وربما لهذا السبب استخدم الشعراء اللون الأزرق ليكون عنوانا على فلسفة الحركة، ومعنى دورات الطبيعة، ودورات الحياة (كما في الأزرق والأحمر لمحمد عمران، ورقصة البراري الوحشية لحيدر حيدر، وفيلم على اللائحة الزرقاء لغراهام غرين، على سبيل الذكر). لقد أصبح الأزرق في رحلة الفنان علي رشيد عنوانا يدل على الموت والحياة. وتساوت أمامه المعاني الاستراتيجية كأنه ينكر ذاكرته، أو أنه يشك بها وبحقيقة وجودها كله. وترتب على ذلك نوع من الحزن البارد الذي يغلفه عالم بديل هو نوع من الخلاص، أو أنه شكل من أشكال التوسيع، أو الهرب من النهاية وربما من الموت. ويذكرعلي رشيد في أحد لقاءاته: إنه يتهادن مع الحزن، حتى أنه في أكثر لحظات حياته فرحا وابتهاجا لا يتخلى عن أحزانه. ويضيف الفنان سمير عبد الجبار الممثل في مسرح الشمس الباريسي: إنه يرى في أغلب التجريديين روحا غنائية إلا مع علي رشيد يتحول التجريد إلى نص شعري يخيم عليه الزهد. وباعتبار أن أي شيء مبني على كل شيء والمعنى هو مرادف لشرط الحرية والحركة، وبالتالي المعاني هي ماهيات مشكوك بمضمونها وبموضعها من عالم الصور، انتقل علي رشيد إلى آخر مراحله، وهي مرحلة اللون الرمادي أو الرصاصي، واستعمل اللون كخلفية وأضاف إليه أشكالًا طفولية كأنها رسوم بيد أطفال أو تخطيطات بسيطة. مثل رسوم الإنسان البدائي على جدران الكهوف. في هذه المرحلة دخل الفنان في نزاع مع نفسه.. اختزل اللون الساطع إلى لون ظل، وانتهك الكولاج المتكامل وأعاده لخطوطه الأساسية، أو لشيء هوبحدود الضرورة. ويمكن القول إنه عزل ما بين الإشارة ومعناها، وبدأ يدل على غنى الواقع وفحشه وكثرته بتخطيطات تحطم الأصل. ولكن يبقى فرق جوهري و أساسي بين الفنان المجهول وعلي رشيد.

95 علي رشيد 3

الأول كان يبحث عن طريقة للتحكم بالبيئة وتسخيرها. أو أنه بأفضل الأحوال أراد من العالم أن يكون متمما له. بينما ترك علي رشيد مخلوقاته في حالة ترقب ومشاهدة. إنها أشكال اغترابية، لا تعي نفسها ولا تفهم ماذا يدور من حولها. وتفضل أن لا تخاطب العالم وإنما أن تعتزله. وأعتقد أنه بهذه الطريقة يعبر عن آخر حلقة من حلقات الزهد الفني، ويدعونا بكل ما يملك من قوة للاحتكام إلى بداهتنا، وللتعبير عن قلقنا من مشكلة الصدام مع الواقع. كذلك إنه يتخلى عن سياسة عصر النهضة بما حفل به من جداريات في داخل المباني الهامة وبالأخص القصور والكنائس، ويبدأ بعصر النهضة الثاني الذي يلح على إزالة طبقات اللامبالاة والعنف المترسبة في “نفوسنا المعقدة”، وإضاءة ما وراءها من طفولة وعشق وغرام وارتباك. وهو بذلك لا يحارب الحاضر بالماضي وإنما بالجوهر المستقر للإنسانية أو بتثبيت الطفل المحمول في أعماقنا، فهو نقطة الانطلاق والتوازن.

ولا يوجد أفضل من هيغل لوصف هذه التحولات في مسيرة علي رشيد.. لقد بدأ بعكس تطور وعي البشرية. باشر من تسجيل أثر الواقع المعاصر على الإنسان (حداثة غير رومنسية)، وانتقل إلى أدوات تعبير كلاسيكي، لينتهي مع أول وأبكر طور فني عرفته الحضارات، وهو الترميز، حيث يمكن تجريد الانطباعات بإشارات تعبرعنها ولكن لا تصفها. وفي الحقيقة هذا هو مبدأ ما بعد - بعد الحداثة ذاته. إنه يعبر عن الشيء بإلغائه وبخلق ذاكرة مضادة له**.

 

صالح الرزوق

..........................

* الفنان العراقي علي رشيد في عتبة البياض وعلى حافة العتمة. ألترا صوت. 15 كانون ألأول 2019.

** عن ما بعد الحداثة انظر: الذاكرة والذاكرة المضادة لجيمس يونغ، ترجمة صالح الرزوق. جريدة العراقية الصادرة في سيدني. أعداد متفرقة من عام 2018.

 

1257  شمهود 2بعد ان سيطر المغول على العراق وايران عام 1258م انتقلت المراكز الفنية من بغداد الى سمرقند وهراة وتبريز واصفهان واسطنبول، وجلب اليها السلاطين المصورين والنقاشين والمزخرفين من كل انحاء الامبراطورية الاسلامية، وقد اسسوا فيها اكاديميات فنية تعلم جميع صنوف الصناعة من الرسم والنقش والخط والتجليد والتذهيب، وكان شاه رخ بعد موت والده تيمور جمع المصورين في هراة من شيراز وتبريز وسمرقند وبغداد والصين، وكان المصورون العراقيون قد توزعوا على هذه العواصم، ويذكر ان هناك مصور عراقي يدعى عبد علي عاش في بلاط سمرقند مكرما، وقد تجمع في هذه العاصمة مئات المصورين من كافة الجنسيات للعمل في البلاط .

وقد اختلطت الاساليب فيما بينها من صينية ومغولية وساسانية وتأثر بعضها ببعض بحيث انتجت فيما بعد فنا عاما اطلق عليه بالفن الاسلامي، وظهرت في زمن الصفويين مدرسة تبريز أبهة وعظمة البلاط والقصور الجميلة وكان الشاه طهماسب 1524 م رساماً بارعاً أسس مجمعاً فنيا في البلاط يشرف عليه الفنان المعروف جلال الدين  بهزاد وقد تجمع فيه كبار وخيرة المصورين من كافة انحاء الامبراطورية وكان المصورون يقلدون مصوري البلاط في تبريز وقزوين .

1257  شمهود 1

ثم ازدهر الفن التركي خاصة في زمن السلطان العثماني سليم الاول 1512 ويعود الفضل الى عدد من الرسامين الايرانيين الذين جلبهم السلاطين للعمل في البلاط. وقد اسس هؤلاء في بلاطهم مدرسة فنية اطلق عليها اسم - نقش خانه - وفي مرحلة من المراحل كان هناك يعمل في البلاط اكثر من الفي رسام ومزوق ومصور وخطاط جلبوا من كافة الاقطار العربية والاسلامية للعمل فيها، وكان هؤلاء ينتمون الى بلدان متنوعة ذات تقاليد فنية عريقة وثقافات ولغات مختلفة .

وبما ان السلاطين كانوا يقدمون الاموال والهدايا بسخاء الى  المصورين فأن هؤلاء يبحثون عن معيشتهم الافضل والاحسن ويأتون للعمل في البلاط، ولهذا فقد خلت بغداد من رساميها ومصوريها ونقاشيها ومرت بعصور جفاف وتخلف .

1257  شمهود 3

وكان السلطان مراد الثالث مولعاً بالرسم 1574 – 1595 وحب الاعمال الفنية وجمعها حيث جمع في عهده مايقارب 2839 لوحة ثمينة وعالية الجودة .

1257  شمهود 4وبعد فتح القسطنطينية عام 1452 اتجه السلاطين العثمانيون الى الفن الاوربي واستدعوا فنانين للعمل في بلاطاتهم، و بذلك بدأ الفن التركي يتأثر بالتقاليد الفنية الاوربية خاصة في عصر النهضة ثم الباروك والركوكوا، من ناحية الظل والنور والبعد الثالث وغير ذلك.

كما ظهر في زمن الشاه عباس الصفوي في ايران بداية لظهور التأثيرات الاوربية من خلال الرحلات الاوربية الى بلاد فارس وتبادل السفارات والتجارة كما ذكرت بعض المصادر الادبية ان المصورين الايرانيين اخذوا يقلدون الاوربيين في اساليبهم الفنية وبذلك بدأ الفن الاوربي يدخل ايران وينسحب على كل المجالات الفنية من التصوير والخزف والجداريات والصور الشخصية وكان يلاحظ احيانا في بلاطات السلاطين لوحات اسلامية الى جانبها لوحات غربية الطراز .

هذا التراجع في الفن الاسلامي والانحسار والغروب في الدولتين الصفوية والعثمانية انعكس سلبا على واقع الفن العراقي (ان وجد في ذلك الوقت) وزاده ظلاما وتخلفا حيث أهمل تماماً وأبعد عن الحياة الاجتماعية و بذلك توقفت حركة الثقافة والادب والفن خلال تلك القرون العثمانية المظلمة..

 

د. كاظم شمهود

 

قحطان الفرج اللهيمتزج النسيج الاجتماعي في عراق ما بعد تشرين، كامتزاج الألوان في اللوحة التشكيلية مبرزا، مفهوم الوحدة الوطنية المتشكلة من علاقات بين المختلفين والمتعارضين. ولكنها مع ذلك تبقي الاسئلة مشتعلة حول دور المثقف والفنان ومهمته في المجتمع والدولة، وكيف يتخلص من تهمة السلبية والنرجسية التي وصف بها على مرّ حقب تاريخية وثورية كثيرة في العراق على الأقل؟ هل سيظل في ساحة نفي السلطة ومعارضتها والتنظير ضدها ليكون عدوها؟ هل سيهادن ويكون بصفها؟

هذا من جانب السلطة.. ومن جانب المجتمع هل ستكون النخبوية هي أداته للعزلة؟ هل سيفهم نبض الشارع ويؤمن بأن على الأرض عرب من نوع آخر؟ عرب صغار تعددت جذور ثقافاتهم وانفتحوا على علم جديد.. هل سيفقد المثقف فاعليته وخصوصيته إذا كان بصف من لا يعرفهم ولا يعرف حقوقهم؟.. واعني بالخصوصية اطلاعه بإنتاج الفكر وصناعة المعرفة.. اعتقد أن دور المثقف الحقيقي الان يكمن بخلق واقع فكري جديد، وإنتاج وتنظيم مطالب تؤمن بحركة الزمن وتغيير نماذج التفكير خارج صناديق النرجسية والاحتكار الطبقي.

إن مهمة الفنان اليوم مهمة عويصة وعليه؛ يجب تغيير مساراته كي يخرج من المأزق، فمشكلته الان لم تعد مع السلطة السياسية، أو الدينية فقط، بل اعقد إنها: مع الممانعات من داخل منظومة التفكير نفسها التي لا تزال تجتر التاريخ والتراث وتعيد إنتاجه وتغفل الواقع بكل تعقيداته، مشكلته من نقطة البداية التي يجب أن تكون من الواقع إلى المستقبل لا من الماضي إلى الماضي، ومن هنا أنا اخالف معظم المثقفين الذين يصدمهم الواقع دائما ويسقط ما في أيديهم ولا يستطيعون المواجهة لضعف الأدوات لانهم كمن يواجه الدبابة بالخنجر، فاذا كان الواقع صادمًا دومًا؛ فعلينا أن تكون أدواتنا من الواقع ذاته كي نواجه بجدية، لا أن نستوردها من عالم آخر، دون معرفة استخدامها.

1252  قحطان فرج الله 3

ما يُلاحظ على الحركة التشكيلية التي انبثقت مع احتجاجات تشرين في بغداد نزوعها نحو صناعة المستقبل لا العودة إلى الماضي، فهي في اغلب تجلياتها تميل إلى كسر القيود والاعتماد على استخدام تدرجات الألوان الباردة، معبرة بذلك عن أمل الحياة الذي يمثله شعار (أريد وطن).

تعتمد اغلب اللوحات على عنصر الفاعلية الجمعية، والإثارة المشتركة بين الشخوص والثيمات في اللوحة، وتحويل فكرة الضياع إلى وجود شعبي يبحث عن هدف سامٍ.

1252  قحطان فرج الله 2

كما برزت من حيث الموضوعات الفنية ظاهرة السخرية من أدوات الدولة في قمع الاحتجاجات والتعبير عن تلك الأدوات بأنها أحد أهم مقومات البقاء والمقاومة والصمود، فهي وإن قتلت المواطن فانها تشعل روح الوطن في آخرين كثر.

1252  قحطان فرج الله 1

كما برزت ثيمة المرأة بشكل لافت في بعدها والعنصر الفلسفي المولد لكل حركات الاحتجاج والصمود فهي الوطن. هي المرأة الأرض التي تنبت كل جميل، ولكن ظهورها لم يكن عاديا فصورة المرأة في اللوحة التشرينية تمثل تصورا بصريا وذهنيا يشير إلى كسرٍ للقيود الدينية والاجتماعية والمذهبية، فلم تعد اللوحة تطالب بحرية المرأة، بل المرأة الان هي من تطالب المجتمع والسلطة إلى السير في درب الحرية، وهذا ما يؤيده الزخم اللافت لحضور النساء في ساحات الاحتجاج.

1252  قحطان فرج الله 4

إن اللوحة التشكيلية وفي اغلب عناصرها المشكلة موضوعيا وتقنيا تؤكد هذا التصور، فإن مثل هذه الاعمال لا تكشف عن خصائص ذات قيمة مباشرة يمكن استظهارها في العمل الفني من خلال نظرة سطحية مستعجلة، بل على العكس تدفع المتلقي إلى البحث عن العلاقات الداخلية التي تربط العمل بالمشاهد أو بمحيطه المادي والمعنوي معًا، ويكفي ردا حضاريا أن يكون الرسم أحد أدوات الاحتجاج في عالم يضج بانتشار الجهل والأمية.

 إن الرسم يشكل ظاهرة يجب التوقف عندها طويلا في مسيرة الاحتجاجات في العراق فهي ظاهرة وعي تُتحيح لنا التأمل في عبقرية الأدوات المستخدمة للاحتجاج، فعدنا يُعيد الرسم والفن فاعليته بين الناس فهذا يعني أن المجتمع يستعيد فعاليته المجتمعية والإنسانية أيضًا، عبر صياغة المفاهيم والمطالب بصورة حضارية وعليه تكون مساحة العقلانية وتقبل الاخر هي الأقرب من لغة العنف والسلاح، إذا كان الرسم سلاح المقاومة فعراق ما بعد تشرين في مقدمة أمم تنزع رداء الحرب نحو رداء السلام، وأول الغيث رسمٌ ثم ننتصرُ.

 

قحطان الفرج الله

 

عبد الحق السالكيمن خلال حوار لي مع الفنان التشكيلي هشام تواح لخص تصوره القيمي، والرِؤية التي ينظر من خلالها للعوالم في ثلاث مرتكزات أساسية تمثلت عنده في: معرفة الذات، والآخر، والطريق الى الجنة . معرفة الذات  ماذا تريد، وما المشروع القيمي الذي تلتزم به . والآخر سواء أكان انسانا أم حيوانا، جمادا،أم  نباتا ...كيف يتحقق الانسجام والتكيف معه، فهمه وتحديد السلوك اتجاهه؛ الشيء الذي يحدد أنا الفاعل وطبيعته . مع العلم أن هذا السلوك بدوره قد يكون اختياريا أو اضطراريا؛ فيحتاج الى تكييف . والتصرف الناجم عن قناعة وتبصر هو الأسلم، هو المطلوب الذي يرتبط بالجزاء الأخروي؛ فيتحقق الوعد ويُتجنب الوعيد إنه " الطريق الى الجنة " .

لكن السِؤال الذي يطرح هو: كيف يجسد التشكيلي هذا التصور عبر اللوحة ؟

لتجلية ذلك نعمد، بدءا،  الى تقديم تجربة هذا الفنان مكوناتها وخصائصها؛ وذلك اعتمادا على المقاربة التي قام بها د . حسن بن موسى (1): إذ يرى في عمله تنمية لصباغة تجريدية تارة، وأخرى تصويرية تمزج تقنيات متآلفة من التجريد، وبأسلوب منبن على التعبير أكثر من الوصف .

العمل على المثلثات بالألوان القوية الحادة يحدد موضوعات هندسية؛ وهو مؤطر برقم ق اللوحة /ذهبي يجعل الصباغة تنغمر في غرابات فلسفية قوية تمنحها إياها الخطوط المؤطرة . إنها صباغة تلقائية، مخلصة، ساردة في شكل مثلثات تحكي الحياة، تجاهر بالمشاكل، بالمعاناة، بالمسؤولية والقوة .

صباغة تؤازر القضية النسائية، تعكس شخصية صاحبها هشام لواح . بوساطة أنسجتها تخترق ظل الأماني، المعيقات؛ لتنفتح على حرية الكلام، من أجل تعبير أكثر حدة، وأكثر قوة يغني ترسانة الألوان المتعددة مشاهد الحياة الخاصة بهذا الفنان . فهي منبعثة من حيوية كبيرة  ومعاصرة؛ فأعماله شاهدة على ريشة، وروح، وثقافة، وحياة؛ كل ذلك برؤية حالمة ومبدعة .

1253 هشام تواح

عملت هذه المقاربة على ملامسة شيء مما أشرنا إليه في بداية المقال . ذلك أن تحويل ما هو خطوط ورسوم الى لغة تقوم على سنن وشفرات من أجل تحقيق التواصل والدلالة؛ لتحقيق اللوحة / العلامة  Signe، الشاهدة على غائب؛ يحتاج الى تعويم (العموم) آليات الفنان، أصباغه وأشكاله وفضاءاته . فاللغة ارتقت الى أن تكون علامة من خلال عملية التعويم، أولا، والتشفير من (الشفرة Code)؛ الشيء الذي لم يحققه التشكيل؛ اذ ظل مقتصرا على الخاصة . ثم إن فهما آخر للألوان والتمييز بين الألوان المعروفة وألوان الذاكرة (2) يجعل مهمة الباحث عن المعنى والدلالة فالعلامة السيميائية من خلال اللوحات من الصعوبة بمكان ز وهذه مهمة القراءة الباحثة عما وراء الظاهر . ف "في الفلسفة يدخل اللون في مجال الإشكالية الكبرى للرمز والعلامة، كيف يتشكل الرمز والعلامة، وكيف تكون العلاقة بينهما؛ انثروبولوجيا وسيميولوجيا .ثبتت أن العلاقة اعتباطية في غالبيتها لأن الشعوب لا تعبر بالألوان بنفس الأسلوب، كما أن الرمزية تختلف، فلكل شعب طقوسه اللونية وعوامله بها " (3) .

 

د . عبدالحق السالكي

.................................................

(1)    انظر مقاله بمجلة المعرض .

(2)    انظر، محمد اشويكة: الكتابة والألوان، العلم الثقافي ليوم السبت 8 أكتوبر 2005 .

(3)    نفسه .

 

 

لم يكن نقد الابعاد لثقافة الأنبعاث مشفوعة متخيلة أو هاجس تأويلي لدى الشخصية الثقافية العراقية وفنها الأبداعي الصلب والمكثف، المحكومة به على الدوم، أبدية الصبر والتفوق. كما لا يعول عند نقد دروسها هامشا طارئا في تراثها الفكري، وإنما استمرار ثراء دؤب في إعادة احياءه وبناءه، نقده المتراكم نقدا عضويا بناءا. كما لا يمكن أختزال جذورها في تجدده، بمعنى أن جدارية جواد سليم التي جاء بها، مترصدا وجاهة العلاقة التي تشد الرابط الصريح بحضارة تحمل دقة البعد الجمالي وهيبة مفهومها للأنبعاث. ارتبط بها الفنان إيذانا بولادة لا تختزل فقهها اللغوي وتحليلات مقاماتها، أتى بها بعدم تجاوز ذلك التكوين الفني المتأني، أهتماما منتجا تحت إشراف مفهوم التحدي، الدقة والجدية والتأني عنه، في حد مؤده تؤطره الجدارية، وهو ماجعله متحفزا القراءة النقدية من أصالة النصوص عامة على النصوص القديمة. لذلك شرع في قراءتها لفهمها فنيا وتوكيدها انطلاقا من ترسيخ إرادة الحرية في معاينتها أصالة الإنسان العراقي الحر، إنسان ابن هذه الأرض ونشيدها الأعلى، في فلسفته للخلود، وتقديمها بعد جمال صيرته الدروس من الاحداث انطلاقا فلسفيا يبين ضمن هذا الضرورة للممارسة من الأنبعاث حتى يتمكن من شاء بال التمييز بين الفكرة الفلسفية وقوة  المعنى والأصالة لانتصار إرادة الخير مقابل الشر.

 ومن هنا ولد الغرض من هذه المقالة التي تتطلب الوقوف عند أحد ابرز العلامات الفارقة والمهمة؛ لملامح البديل الابداعي الملموس، والتجديد الجمالي لمفهوم الانبعاث، الذي أتي الفنان تصوره صمودية تقويماته البديلة، متصلة، حين أسند طرفي الجدارية، محمولة عن ساعدين، رمزية إرادة القوة لهذا الإنسان، وإنسانية تراثه في الأنبعاث الحيوي. نلحظ من خلال مسنديها، رمز رفع جود ابناءه السؤال الفلسفي الأول، دلالة همة الإرادة القويمة الفعالة له.

 ولذلك سعينا هنا من خلال الوقوف على؛ تحديات السؤال كإرادة قوة نحو إعادة الإنبعاث ـ مسوغاته في  محتوى العمل الفني الأبداعي ـ الجدارية ـ وما تعكسه، وكذلك مفهوم الأنبعاث في قوة فكر الفنان العراقي المبدع (جواد سليم)، لتيسير تماثل بعض النظرات المتأنية والطروحات المتعجلة، لا سيما الدوغمائية منها، أي التأملات الايديولوجية بحشر تدخل  قراءتها، لنؤكد إن هذين التوجهين: توجهين لسؤالين جماليين في العمل، فإشكالية قوة الإنبعاث لا محالة تسلك مسار قوة إرادة المبدع، بما هي إعادة أنبعاث روح التراكم المعرفي التراثي والتاريخي، وتفنن الأرضية الثقافية بقوة تقبل أنبعاثه واستقباله، لتزين ميراث الأشياء وتجديد فتنة جمالها. إذن هي ليست بخلو وهياج، بل ثقة جدارة الإنسان، قوة إيمانه.

إذ ذاك، سعي الأنبعاث، قوة تحقق الحرية، إمكان قوة كوامنه الجمالية، مواجه إقباله على روح المغامرة الفاتنة ـ العصية، من أجل مناشدة الخلود، الوازع الجمالي، من أجل الواجب وجوده، ذلك سعيه طلب النوازع الإشكالية الجمالية الحاثة على الحياة، فمثله في ذلك إذن "الروح الجمالية لصميم الاناشيد البابلية"، مثل قوة أنبعاث، إرادة السعي لسلك ما سلكها الأجداد، تدربها الفنان العراقي المبدع الذي يجدد ايمانه بالمعرفة الملحمية كوامنه، تبحثها أدوات عمق معارفها الجمالية، ومنهجية آداب معاقلها الصريحة، و وسيلة درب الحرية وصراعها المرير، لإيجاد عن تحقيقها متعة الحياة من خير مقابل الشر.

أما بعد

 إنبعاث القوة، يسود فيها سعي الفنان نفسه بتأمين مسلك النباهة إلى الجدارية، انبعاث القوة ملزمة إرادة الحياة حضارة، حضارة ابناء الرافدين العصية. في الجدارية مشاهد حادثة الحياة، على إنسانها المغامر بعلوية أرتقاء الإرادة، مقبل جمالية طلب النازع الإنساني الحاث على التحرر، الخلود؛ افصاح سرالحياة، حكمه على ما محكوم عليه فيه دائما: (إرادة الصبر وإرادة الأقتدار)، التفوق على ذاته، الرغائب التي ترهن الخلاص. والفنان (جواد سليم) يستوضح تجليات ذلك أمام الحقيقة التي أنطقها في عمله بـ"إرادة اقتدار"، تتناسل وتدافع إنسها وتأنسها إلى غاية الإنبعاث، إلى ذاك الشيء الذي يتسامى للأعالي، وأبعد، في كثرة تنوع الحركة، والفهم بالتنوع، فيها إنكار، بل تأكيد المشاركة الجامعة في توزيع الوحدة بذاتها. ولكن هذه ـ الجدارية ـ فيها للفنان شيء واحد وسر واحد، وإن أفضله على إنكار وحدته فيها. والحق أنها مشاهدة احياء الذبول من شخوص واحداث التواريخ، وجوه وسنابل وشموخ التساقط في فتح السجون، هي خطوة منها تشاهد التضحية، أنبعاث الحياة من أجل إرادة استمرار الأقتدار. ذلك الشكل الهندسي عن المستطيل، نحت فيه المحتوم؛ حضارة فكر ومجد عتيد، هي تجسيد نضالات، وصيرورة حضارة، وغاية ومعارضة للغايات، يعبر بها أبعد من نهر وشمس ومسلات، فيها علوم القوانين. وفي زوايا الجدارية أسف وفرح ومشقة وانتصارات تسيل وتنتصب شخوص الإرادات، لا فيها ما يتكهن وخاليه وجوهها من قسمات الندم. ما هي إلا عمل يعكس إرادة الفنان، ضاربا التكهنات، نبذها في نفسها تتلوى بطرق التحاليل، ابتغى أن تسيز هذه الإرادة في الحدث جليلة ضد إرادة الحياة في الثورة، فجر أنبعاث، أعلان تحقيقها، وأيا كان الشيء الذي أخلقه، ومهما يكن حب الفنان فيها، هو أنتماء وكمال حب كبير، فجرها نور، فسرها سرعان ما جسدها نبرة شوق، حب له، للناس، هكذا بقي أسمها بالأنبعاث مرات لمرات: نصب الحرية.

 في المحتوى شذرات دلالية على اكتشاف "نصب الحرية"، أن إرادة الأقتدار ليس عابرة، مكنون هذي إناسها، أناشيد الأرض، يغنيها؛ الأب والأم، والطفل والعامل والفلاح والجندي وعدة إرادات متوحدة في الإنبعاث، حرية حضارة، ودم ودموع الشباب والصبايا. هي ليست مجرد خاصية من خصائص أناشيد الحياة فحسب، ألا هي ماهية الحياة وجوهرها. شخوص واشكال وحركات فيها الكلمات، تنبع وتزهر نبراسها إرادة اقتدار عظمة جمالها الفني الإبداعي، فلسفة اناشيدها البابلية التي تتفوق على نفسها بأستمرار، وبهذا نلاحظ شبه أعلان، بل صيحة الفنان على لسان رسالتها ـ أي الجدارية ـ إيمانه المطلق بإرادة الأقتدار للإنسان العراقي، ولم يترك للباحث فاترا عبوره عن السؤال، في: ما هي المسوغات التي شكلت لظهور فكرة تصميم ابعاد واشتقاقات موضوعاتها "نصب الحرية"ـ  فكرة أنبعاث اإرادة الأقتدار؟، ثم لم تترك الجمالية في اللمسات والتوزيع وطبيعة اشكالها وحجومها إلا وتعلق في الذهن السؤال اللاحق: ما هي القراءات الأقرب إلى الفهم الأصيل لمفهوم ما إرادة الأقتدار؟ وعليه ما تم جعلمنا أخضاعه" إرادة تحدي السؤال الأول هو مالأنبعاث في جدارية نصب الحرية؟

إذا كان الفنان العراقي المبدع "جواد سليم" قد مهد عن تخطي عجز حدود إرادة الحياة (يتبع...)

 

إشبيليا الجبوري

 

خيرة مباركيبين لوحة دي لاكروا "الحريّة تقود الشعب" و"زقورة الحريّة" في الثورة العراقية

تتحوّل بعض الصّور الفوتوغرافيّة التي تظهر في وسائل الإعلام أو على،صفحات التواصل الاجتماعي إلى أحداث إنسانيّة، تثير الجدل وتحرّك نبض الواقع المشهدي من أجل تنشيطه، وإعادة استثماره حتى يشكّل مفاهيم وأفكار تتجاوز الظروف التي أنتجتها. ولعلّه مظهر القوّة فيها، يجعل منها صورةً حدثاً، تبقى في الذاكرة الإنسانيّة وتتحوّل إلى شاهد على الواقع. وأكثر من ذلك يمكن أن تتحوّل هذه الصّورة إلى وسيلة من وسائل النضال ومن أدوات تحسيس الرأي العام العالمي، ممّا يجعلها رموزا تعبّر عن موقف وتثير الوعي. وذلك لأن للفوتوغرافيا الفنيّة رهانات جماليّة وإبداعيّة، يمكن أن تمتع وتقتع، تماما كما وقع في الثورات العربيّة، ونخص بالذكر ثورة العراق. وقد استرعى اهتمامنا العديد من المشاهد والصّور الفوتوغرافيّة التي نقلت الواقع وعبّرت عنه. ولعلّ صورة مبنى المطعم التركي أبرزها وأعلقها في الذّهن، أطلق عليها اسم "جبل أحد" قد يكون مردّه إلى ارتفاع البناية. كما أطلق عليه اسم "زقورة التحرير". وهذه التسمية تعبّر بدورها عن علوّ هذه البناية ومشابهتها للزقورات البابليّة الهائلة الارتفاع التي بناها ملوك الدولة البابلية،لتكون وسيلة للاتصال بين السماء والأرض، صمّمت لتسهيل هبوط الآلهة إلى الأرض. هو "مبنى حديث على صلة رحم،بـ"زقورة أور"، برج المعبد الذي بناه الملك أورنمو، يقع في قلب بغداد وهو برج لعبادة الاسم الجليل في العلم العراقي"، كما يقول سلمان داود محمد. ربما هي الصورة الأكثر تعلّقا بالذّهن، ليس لأنها متفرّدة أو الأكثر تأثيرا في المُشاهد، بل لسرّ خفيّ فيها جعلنا نعقد مشابهة بينها وبين لوحة الحريّة تقود الشّعب La liberté guidant le peuple وهي لوحة زيتيّة لـ دي لاكروا (Eugène delacroix ) ، قد لا تكون شبيهة لها من جوانب ولكن ونحن أمام عالم الصورة تنبثق صورة تشكيليّة في الذهن بمجرّد أن تطالعنا الصورة الأولى. وهنا يكون حوار العين والذهن بين التشخيص والتّجريد. من العين المشهدية الفوتوغرافيّة إلى عين تتذكّر وتقارن فتخبّئ لحظاتها المكثّفة مشهدا تطرحه الذّاكرة. وأول مظاهر التشابه بين اللوحة والصّورة أنّ كلتيهما تعبّران عن الثّورة. فلئن عبّرت اللوحة الزيتيّة عن ثورة يوليو الفرنسيّة التي قادتها المعارضة الليبراليّة للإطاحة بالملك شارل العاشر وإعادة الجمهوريّة الفرنسيّة، فإن الصورة الفوتوغرافيّة عبّرت عن ثورة تشرين العراقيّة التي قادها الشعب ضد نظام الحكم للإطاحة به أيضا. ومن النّظرة الأولى يتراءى لنا في كل من اللوحة والصّورة هذا الازدحام لعدد كبير من الناس، ولئن بدوْا في لوحة ديلاكروا مقاتلين بأيديهم أسلحة فإنّها في الصورة لمواطنين عزّل يحملون فقط راية الوطن وهو يرفرف ناصعا نظيفا من كل حقد أو عداء. وقد بدا هذا الازدحام في شكل هرمي له رمزيّته ودلالاته. فقد نلحظه في كل من اللوحة والصورة الفوتوغرافيّة مكوّنا من ثلاث طبقات: مثلت الطبقة الأولى في اللوحة القتلى الذين دفعوا أرواحهم في سبيل مبادئ الثورة فتمددّوا على الأرض كقاعدة يقوم عليها البناء. ولكن القاعدة في الصّورة من الشباب الأحياء، قد يكون ضحايا الثورة منحوهم هذه الحياة. وقد تكون دماؤهم الزكيّة ضخت في عروق هؤلاء الشباب حياة جديدة تتراءى لهم في الأفق. أمّا الطبقة الوسطى في اللوحة فهم الثوار الذين يسيرون على الطرق المكتظّة بالقتلى. يشقُّون صفوفهم لا يثنيهم الموت.

1237 زقورة التحريروفي الصّورة تلألأت هذه الطبقة، بنور الشباب في وجوه الثّوار ممّا يدل على أنها ليست ثورة جياع أو فقر بقدر ما هي ثورة كرامة، وهذا بيّن في أناقة المتظاهرين الذين يحملون في أياديهم العلم العراقي أو هواتفهم الجوالة التي يوثقون بها الحدث. ولكن مع هذا فبالرّجوع إلى رؤية رولان بارت (( Roland Barthes في سيميوطيقا الصّورة في مقاله "الرسالة المصورة"،(Message photographique) الذي نشر في كتابه Image-Music-text. يرى،أنّ الصورة باعتبارها رسالة تتكون من عناصر ثلاثة: مصدر الرّسالة، القناة التي تمرّ عبرها الرّسالة، والمتلقّي. وتبعا لذلك، يرى أن هناك مرحلتين أساسيّتين لقراءة الصّورة الفوتوغرافيّة وهي المعنى الإشاري Sens dénotatif والمعنى الإيحائي Sens connotatif. فالمعنى الإشاري هو المرحلة الأولى من الرّسالة وهو ما تلتقطه آلة التصوير وفي نقل المصور لمشهد الشباب المتظاهر، بهذه الطريقة التلقائيّة كما تراه العين المجرّدة، هو عمليّة ميكانيكيّة بحتة. لكن في المرحلة الإيحائيّة يمكن أن تُفسّر الصّورة استنادا إلى ما يظهر من إشارات يحدّدها السّياق التاريخي، إذ هناك عناصر أساسيّة التقطتها عين الكاميرا يمكن أن تفصح عن المعاني الإيحائيّة في الصورة الفوتوغرافيّة. فما يظهر من لباس المتظاهرين وهيآتهم وحركاتهم التلقائيّة يمكن أن يؤكّد على سلميّة الموقف. فالمتظاهرون بهذه الوضعيّة، وحسب نظريّة عالم الاجتماع ستيوارت هول ( Stuart Hall ) يشتركون في ثقافة واحدة، لهم خارطة ذهنيّة واحدة. هي ثورة ناصعة لشباب يطلّقون الماضي بكل صراعاته وأحقاده ويتوحّدون في الحاضر، وهو مشهد يرمز إلى الوحدة الوطنية التي توّجتها ثورة تشرين. بهذا نلمس تناغما واضحا بين شخصيات الصّورة كما في شخصيّات لوحة دي لاكروا الزيتيّة رغم حالة الهرج والمرج الذي يقتضيه السياق التاريخي في المشهدين. وهذا التناغم إنّما أساسه وحدة المعنى الذي يسعى إليه الجميع "نريد وطن". ولئن بدا ثمن القضيّة واضحا في أسفل اللوحة من الذين دفعوا،أرواحهم، وظلّوا وقودا يتقد لتحريك العزائم، فإنّه في صورة "زقورة التحرير" نلمسه عبر الإيحاء بتصوّر بارت، فليست الكمامات التي يضعها المتظاهرون سوى صورة أخرى متوارية لا تنقلها عدسة الكاميرا وهي صورة الغازات تفصح عنها الكمامات الخضراء وكأنها انعاش لهم يبدّدون بها سموم اللحظة ويتنفسون من جديد. كذلك الذي يضع خوذة أمان وسلامة صفراء توحي برغبة في الاتقاء من الرصاص، إضافة إلى وجود سيارة إسعاف، كلّها عناصر توحي بطبيعة الوضع الرّاهن واتباع سبل السلامة وطلب الأمان. رغم أن الأغلبيّة اكتفوا بحمل الرايات.

1237 الحرية تقود الحياة

أمّا في أعلى الهرم فلئن ظهرت ماريان الأعلى رأسا في اللوحة والشكل الهرمي، وقد اعتبرت تجسيدا استعاريّا وتصويرا لآلهة الحريّة. فإنّه في أعلى هرم الصّورة سطح البناية-الزقورة. يرفرف فيها

العلم العراقي وتسيل منه شلالات رايات ولافتات حملت آمالهم وأرواحهم قربانا للوطن. بهذا تغدو الصّورة الفوتوغرافيّة رسالة مصورة تحوي جملة من الإشارات البصريّة ولا وجود لمنطق الاندساس، الكل منسجم وينتظر ولادة عراق جديد فتغدو أيقونة تتجاوز بعد لحظة التّصوير التلقائيّة وما يمكن أن تنقله في تلك اللحظة إلى مؤشّر رمزي تفصح عنه العناصر الإشاريّة "ثورتنا سلميّة" "شبابنا أطول من أعماركم". وكأننا بجملة من العناصر الحاضرة (الخوذة، سيارة الاسعاف، الكمامات..) أمام إيحاء بمواجهة الموت بالحياة . فيزول الرصاص بابتسامة حلم.

 

الناقدة والتشكيليّة: خيرة مباركي

 

1231 ازياء نساء العراق سابقاكان المصورون في القرون الماضية يرافقون الرحالة وكذلك الجيوش المحاربة ويسجلون تلك الاحداث بفرشاتهم واقلامهم والوانهم بدقة متناهية، كما هو ما يحدث اليوم عندنا من دور المصور الفوتغرافي في تغطية الاحداث ونقلها ومرافقة الصحفيين والجيوش المحاربة في شتى بقاع العالم . وقد ذكرنا في الحلقة السابقة عن دور الرحالة في تشويه صورة الشرق ومنهم من كتب رويات وهمية عنه وهو لم يصل او يزور الشرق مثل الكاتب الالماني كارل ماي 1842 وقد نقل صور الاوربيين المرسومة في اذهانهم عن الشرق والتي رسمها الرحالة القدامى منذ الحروب الصليبية وهي صور تظهر بوضوح العدائية التي نقلها هؤلاء الرحالة حيث بقت مرسومة في اذهان الاوربيين منذ عدة قرون . وقد بيعت روايات كارل الوهمية حتى وصلت الى خمسين مليون نسخة .

ويذكر ان الرحالة الايطالي – ديللا فاليه 1586 -، زار تركيا عام 1614 وعاش فيها عدة سنوات وتعلم اللغة التركية، ثم رحل الى سوريا وفلسطين ومصر . وكذلك زار بلاد فارس والعراق . وكان يكتب ويسجل عن كل محطة ومدينة وآثار يمر عليها، وكذلك كان مولعا في البحث عن انواع الاعشاب، ويبدو انه كان مهتما بطب الاعشاب والعقاقير . وقد وصف المجتمعات الشرقية وصفا دقيقا لتقاليدها وعاداتها ومساجدها وازيائها ووسائل النقل وقوافل الجمال التي تخترق الصحاري والبراري.. وكان يرافقه مصور ويطلب منه ان يصور كل مكان يمرون عليه او يكتب عنه، ومن الطبيعي ان تكون تلك الرسوم تسجيلية وسريعة ومنفذة باسلوب واقعي اوربي . وعندما حل في بغداد استقر في احد البيوت الراقية وقد وجد سقفه مزين ومزركش ومزخرف بالرسوم الجميلة، وطلب من الرسام الذي يرافقه برسم وتصوير تلك التزويقات ونقلها معه الى روما لجمالها ورونقها والتي تحمل خصائص الفن الاسلامي .

1232 البصرة ومن الذين زاروا العراق ايضا في القرن السابع عشر هو الرحالة الفرنسي -تافر نييه – 1605-1689 ومن خلال قراءة كتاب هذه الرحلة نجد ان هناك مع الرحالة طبيب ومترجم ورسام وحراس وانه طاقم كامل للعمل والاستكشاف وتسجيل كل ما يشاهدونه بالقلم والفرشاة من تقاليد وعادات ولغات وثقافة وغيرها، وبالتالي تشعر انها مدعومة بالاموال والحراسة وان مهمتها التجسس على المجتمعات الشرقية . وعندما حطت القافلة في مدينة الكوفة كان مع الفنان الفرنسي مجموعة من الرسوم ذات الطابع الاوربي منها ما تمثل مغنيات، وقد اشترى منه اميران عربيان عشرين صورة تمثل الغواني وتركا الباقي. وهذا ما يوكد لنا بان قصور الامراء العرب كانت مزينة برسوم الراقصات والمغنيات وانها مجالس لهو وطرب وخمر..

1233 الكاظمية كذلك اشتهرت الرحالة الفرنسية – ديولافوا- في كتاباتها عن احوال العراق في نهاية القرن التاسع عشر وكانت رسامة بارعة درست الرسم في احد مدارس الراهبات، وكانت بين اعوام 1881 و1882 تتنقل مع زوجها عالم الآثار، بين بلاد فارس وبغداد والبصرة، ويذكر انها كانت لها شخصية قوية وترتدي البنطلون وتمتطي حصانا، وكانت تكتب يوميا وترسم وتخطط (اسكيجات) للاماكن التي تزورها خاصة الاماكن الاثرية والمساجد وعمارة الشناشيل، وكان برفقتها طاقم كامل من معدات التصوير والحماية والمرافقين وكانت معها كامرة تصوير كبيرة الحجم.. وعندما عادت الى فرنسا كان معها مئات الصور الفوتوغرافية والرسوم التخطيطية، وقد كلفت 35 حفارا بحفر 336 صور على الخشب ثم طبعها وتوزيعها على المراكز العلمية والتاريخية.. وكانت الصور تمثل مشاهد مختلفة عن المجتمع العراقي من احياء واسواق وازياء ومساجد، والاماكن المقدسة في بغداد وكربلاء والنجف وانهار البصرة ونخيلها وكذلك طاق كسرى.. وعندما حلت في البصرة كتبت (.. ها انا في مدينة البندقية، سمائها صافية لا غيوم فيها، تختفي دورها وسط غابات النخيل، واشجار يثقلها برتقالها، ونباتات موز واسعة الاوراق، وشط يفوح عطر ازهاره ووتنحدر هذه المنازل احيانا نحو الماء، وتنسحب احيانا وراء رصيف ضيق يحفها، وربطت امام اجمل هذه المنازل قوارب نحيلة اشد اناقة من جندولات البندقية..) . وقد اشارت ديولافوا الى ان العثمانيين قد اهملوا البلاد فكانت الفيضانات تهدم السدود وتغرق المدن وتنشر الاوبيئة والامراض.. ويذكر ان ديولافوا وزوجها مكلفان من قبل الحكومة الفرنسية للبحث والتنقيب في العراق وبلاد فارس وقراءة احوال المجتمعات الشرقية.. ويبدوا ان هناك غياب كامل واهمال من قبل السلطات العثمانية للعراق واهله حيث الاجانب والرحالة والبعثات التجسسية تمرح وتسرح في ارض العراق بما يروق لها وبدون مراقبة او محاسبة . ولازالت هذه الظاهرة الاجنبية التجسسية منتشرة في العراق حيث تجتمع فيه كل الاستخبارات العالمية لخدمة مصالحها وتدمير اهل العراق وحضارته .

1234 قصر كسرا من ناحية اخرى كان للمصورين في الماضي دورا كبيرا في مرافقة الجيوش لتسجيل الانتصارات والبطولات التي يبديها المحاربون، منهم الفنان الفرنسي دافيد مؤسس المدرسة الكلاسيكية الحديثة حيث كان يرافق جيوش نابليون في غزواتها ومعاركها في اوربا وشمال افريقيا، وقد رسم عددا كبيرا لمشاهد تلك المعارك، ولازالت هذه الصور موجودة في متحف اللوفر في باريس.. كذلك كان الرسام الاسباني فرتوني كان يرافق الجيوش الاسبانية في احتلالها بلاد المغرب والصحراء الغربية، وقد سجل لنا تلك الاحداث بلوحات زيتية كبيرة الحجم، مثل لوحة – معركة تطوان – والتي نجدها اليوم معلقة في المتحف الحديث في برشلونة..

 

د. كاظم شمهود

 

كاظم شمهودبعد فشل الحروب الصليبية الاوربية على الشرق في القرن الثاني عشر والتي دامت حوالي قرنين اصبحوا يتحسسون تفوق الشرق عليهم حضاريا وعلميا ومدنيا، كما اكتشفوا القيم الانسانية والجمالية التي تحملها شعوب الشرق، ولهذا اخذوا ينظرون الى ثقافة هذه الشعوب و الاسلام تهديدا والغاءا (لحضارتهم)، فابتدعوا طريقة اخرى لا تحتاج الى حروب ودمار وخراب، وهي ارسال الرحالة الى الشرق لدراسة ومعرفة نقاط القوة والضعف في المجتمعات الشرقية، فظهرت الروايات الكاذبة التي ينقلها هؤلاء الرحالة والتي تصور الشرق بابشع الصور الوحشية والتخلف. والهدف من كل ذلك هو منع زحف الاسلام وانتشاره وتشويهه، من جهة وتقوية العقيدة المسيحية في قلوب المؤمنين في اوربا من جهة اخرى. وكذلك تبرير تدخلهم في الشرق وشن الحروب عليه بحجة انقاذ هذه الشعوب وتحررها من التخلف والحكام المتسلطين على رقاب الناس ونشر الحضارة الغربية فيها. ونجد اليوم هذه السيناريوهات الغربية تتكرر في بلداننا العربية بحجج وتبريرات كثيرة، كنشر الديمقراطية والحملة على الارهاب وغيرها، ويبدو ان الانسان مهما تطور حضاريا ومدنيا فانه لا ينفك ولا يكل ولا يمل من الحروب. واتذكر جماعة معروفة تسمى الدادائية ظهرت في بداية القرن العشرين، وقد جاء في ادبياتها بان كل هذه الحضارات السابقة والحاضرة لم تستطع من ايقاف الحروب؟. ولهذا ذهبوا الى العبثية والتطرف ودعوا الى حرق المكتبات والمتاحف؟

الروايات الكاذبة

1222 آسور بانيبال 1وقد انعكس التشويه على الادب والفن الغربي حيث نجد الكثير من الروايات والاعمال الفنية التشكيلية قد تطرقت الى صور العنف والجنس والشذوذ والتخلف. مثلا نجد ان الشاعر الانكليزي بايرون قد كتب مسرحية شعرية عام 1821 سماها -موت ساردانابال – وقد وجد بايرون شخصية ساردانابال في الآداب الاغريقية حيث شوهوا صورة الملك العظيم آشور بانيبال ووصفوه بانه رجل غارق في اللهو والنساء والخنث، كي يسقطوا ويحطموا وينقصوا من عظمة الحضارة الآشورية ، وقد وصلت هذه الصورة المشوهة الى بايرون ولم يلتفت الى حقيقتها. ولكن عندما ذهبت بعثة علمية فرنسية للتنقيب في المدن الآشورية في شمال العراق في القرن التاسع عشر، واطلعوا على مكتبة وحياة آشوربانيبال، وجدوا هناك ملكا عظيما امتدت امبراطوريته الى بلاد الشام ومصر وبلاد فارس، وانه ليس كما ورد في كتب الاغريق ومسرحية بايرون من تشويه.

ومن الفنانين الاوربيين المعروفين الذين رسموا هذه المسرحية ووقعوا في نفس الخطأ والتشويه الذي وقع فيه الآخرين هو الفنان الفرنسي ديلاكروا حيث رسم لوحة عام 1827-1828 اطلق عليها اسم – موت ساردانابال – واللوحة تعكس مشهدا اجراميا بشعا، حيث يذكر ان الملك قد حاصر قصره الاعداء في نينوى، فقرر ان يجمع حاشيته ونساءه في القصر ويغلق الابواب، ثم امر جنوده بقتل واحراق كل مافيه.. هذه اللوحة موجودة اليوم في متحف اللوفر في باريس. وقد ورد ردا على هذه القصة المشوهة للملك آشور بانيبال في بعض الكتب والمصادر العربية منها – الفن والجمال – للناقد والمؤرخ جبرا ابراهيم جبرا، والذي اكد ان القصة والمسرحية مشوهة وغير صحيحة.

1222 آسور بانيبال 3

وقد ورد في كتب بعض الرحالة تصف الرجل الشرقي بولعه في الجنس والمرأة الغاوية، كما ذكرت بان كليوباترا استقبلت انطونيو الروماني في فراشها، ولهذا يعتبرون العرب شهوانيين وفساقا حتى في داخل الاماكن المقدسة.. وكان هؤلاء الرحالة الضعفاء النفوس يتقاضون من حكامهم اموالا طائلة مقابل كتابات الروايات الكاذبة والمشوهه..

1222 آسور بانيبال 2

 الرحالة المنصفون

ولكن هناك من الرحالة الاوربيين من انصفوا في الكتابة عن الرجل الشرقي والحضارة الشرقية، واعتبروه موطن الشعر والحكمة والفلاسفة والادب والموسيقى، وقصص شهريار وشهرزاد والف ليلة وليلة، وانه مهد الحضارات الانسانية ومدنيتها، مثل المفكر الرحالة - هيردر Herder 1744 – حيث درس اللغة العربية والعبرية والف كتبا في ذلك، وبالتالي رسم صورة ناصعة مشرقة للشرق. ومن الذين كتبوا ايضا عن الشرق بدون تحيز هو ادوارد لين Edward 1801 وقد جاء لين الى مصر ليتعرف على هذا البلد وعلى الثقافة والادب العربي، فعاش مع المصريين وشاركهم في تقاليدهم ولبس لباسهم فسموه – منصوربيك – وكتب عن كل ما رآه بدقة وموضوعية، ثم اصدر كتابا سماه – تقاليد المصريين المحدثين وعاداتهم 1831 – كما ترجم كتاب الف ليلة وليلة الى اللغة الانكليزية واضاف اليه هوامش مهمة، وبعد ان اتقن اللغة العربية جيدا الف قاموسا عربيا انكليزيا يقع في 12 مجلدا عام 1863.. لازال يعتمد عليه في الدراسة والبحث عن المعاني. ويعتبر لين من الرحالة المستشرقين المحبوبين عند الغرب ومحترم عند بعض العرب..

 1222 آسور بانيبال 4

 

د. كاظم شمهود

 

94 ابراهيم العبدلي 1عندما نقف في امان الى جانب اعمال الاستاذ ابراهيم العبدلي ونتأملها بما تحفل به من خيالات واسعة ومواضيع متنوعة عن البيئة والتراث العراقي الشعبي، يمكن لنا ان نصنع من بعض مختاراتها كتابا من اكثر الكتب تأثيرا واكثرها قربا الى مشاعر الناس، ونلمس فيها ما يبرز من المجد الذي يكلل جهدا روحيا عظيما من الانتصار الذي حققه صبر هذا الفنان .

ويعمل الاستاذ العبدلي ضمن تجربة ومعرفة موضوعية للحرفة في اسلوبه الواقعي والتأملي في موضوعاته وتقنياته، وهي اشارة الى التعامل العقلاني في تنفيذ اعماله . ولم يكن فوضويا في تنفيذها، انما كان جل اهتمامه بان يجعل لوحاته حصيلة فذة للتركيز على اللون والفكرة او الموضوع.. وقد هيمن على اعمال ابراهيم العقل الواعي والقصد والحس المرهف. وكان يخطط لتكويناته الخاصة بعناية فائقة.

94 ابراهيم العبدلي 2

ونجد في اعماله الخط غائبا، الذي اعتمدت عليه المدرسة الوحشية وكذلك مدرسة الواسطي البغدادية، وانما اللون يلعب وجودا حيا من التعاطف والتآخي مع محيطه حيث تسير الالوان بحرية مع فرشاة انطباعية راقية مولدة بحركتها ايقاعات تتفاعل مع بعضها بتناغم جميل .

واستخدم ابراهيم في تقنياتة اصباغ ومواد مختلفة من الزيت والكريلك وغيره وكذلك المائيات على الورق وبطريقة عفوية حرة تذكرنا باعمال بعض الفنانين الانطباعيين مثل سيزان .

94 ابراهيم العبدلي 3نجد في اعمال ابراهيم روحانية وخيال وتأمل، وهو يعود بنا الى الجذور الشرقية والفن الاسلامي بروحه والوانه الساطعة والحارة وكذلك المدرسة الانطباعية حيث الاختزال والرقة في البناء الانشائي وغياب الخط الذي يعوض عنه بالتضادات اللونية التي تبرز الاشكال والالوان والقيم الجمالية ...

اما المواضيع فهي مستقاة من البيئة العراقية وخاصة البغداية .. من شناشيل وعربات الربل والحصان العربي والطير والمناظر الطبيعية والمرأة البغدادية برقتها وجمالها وعفتها التي تبهر الناظر اليها ..

وبالتالي نصبح امام اعمال لها مظهرين من مظاهر الادراك وهما: الادراك العقلي والادراك الحسي. وبهذه المناسبة ننقل رواية تاريخية من من بطون كتبنا العربية تقول ان هناك مطارحات حدثت بين عقليتين كبيرتين، بين الشاعر الكبير ابو نواس وبين صاحب المنطق المعتزلي ابراهيم المعروف بالنظام، وهو حوار بين المنطق الصوري والمنطق الجدلي او موقف صاحب الشكل وصاحب المضمون او بمعنى آخر اتباع الادراك الحسي واتباع الادراك العقلي . وكان الجدل يدور حول ان الفنان او الشاعر كالصوفي يبحث دائما عن المحجوب يبصر مباهج الكمال والجمال . لذلك صاح ابو نواس في وجه النظام: عرفت شيئا وغابت عنك اشياء . اي عرفت من الشكل واحد – بالادراك الحسي – ولكنك فقدت معرفة - الجوهر- معرفة اشياء كثيرة دون الادراك العقلي .....

وقد حول سيزان الادراك العقلي الى حسي عندما ابتعد عن التناقضات الحياتية باتجاهه الى الانطباعية او الى الطبيعة وهو القائل: (اعتقد انني اصبح اكثر صفاء في مواجهة الطبيعة). اي انه يتلقى المؤثرات الجمالية كالشاعر من الواقع الذي حوله

الاسلوب في اعمال ابراهيم

الملاحظ في اعمال ابراهيم وجود صفتين مجتمعتين الاولى هي الصفة الواقعية او التمثيلية حيث ينقل لنا بفرشاته الواقع المحسوس والمنظور المتمثل في البيئة العراقية الغنية بمواضيعها وتراثها العريق، ولكن نقلا تأمليا ابداعيا يلامس مشاعر المتلقي وجوهره .

فالعقل عنده لا يحد من تصوراته حيث يهيم محلقا فوق مساحة سطح اللوحة ليخلق فيها تلاحما او تشابكا بين الشكل واللون واللذان يؤديان بالتالي الى التناغم المشترك الذي يعد شيئا جوهريا في العمل الفني، ولكي يحقق ذلك التناغم عليه ان يعتمد لا على رؤيته البصرية فقط وانما على احاسيسه ومشاعره الداخلية .

والمدرسة الواقعية لها تاريخ طويل، حيث يعتبر جوستاف كوربية 1819- 1877 – مؤسس هذه المدرسة في الفن التشكيلي في اوربا . وقد فتح نظرية جديدة غير مألوفة من قبل وهي نظرية - الواقعية – حيث اكد على رسم الاشياء كما هي في الواقع دون اللجوء الى الخيال والمثالية، كما كانت عند المدرسة الكلاسيكية القديمة والحديثة . وحيث يمكن التعبير عن الافكار والتصورات الواقعية كما يشاهدها البصر وكما هي في الواقع . وكانت هذه النظرية قد اعتنقها الفكرالاشتراكي البروليتاري في روسيا في بداية الثورة واسسوا عليها المدرسة الاشتراكية في الفن ... ..

94 ابراهيم العبدلي 4

اما الصفة الاخرى التي نشاهدها في اعمال ابراهيم هو الاسلوب الانطباعي حيث الغنائية اللونية والشاعرية العذبة والطروبة ولمساة الفرشاة الساحرة والراقية ... وتعتبر الانطباعية او التأثيرية- 1874 - مذهباً فنياً جديداً أتسمت بالعلمية غير أنها تعتبر استمراراً لاساليب المطابقة السابقة ولكنها اكثر تقدمية واكثر واقعية من واقعية المصور الفرنسي كوربية . لهذا لقبت الانطباعية بالواقعية العلمية . ويعتبرها البعض الحد الفاصل بين المدرسة الكلاسيكية القديمة وبين المدارس الفنية الحديثة .. وكان مونيه زعيم هذه المدرسة يرسم البرك المائية والامواج ويكرر ذلك في اوقات مختلفة دارساً التأثيرات الضوئية على المنظر الطبيعي وكذلك الظل والضوء .. وكان يقول: (أن البحر سبب وجودي).

ومن صفات المدرسة الانطباعية هو رسم المناظر الطبيعية واللمسة العريضة والضربات الجريئة واحياناً اختفاء الخطوط التي تحدد الاشكال حيث عوضت عنها بالظل والنور . وهذا مانجده في اعمال ابراهيم الانطباعية ولكنها لها خصوصية تنتمي الى الواقع والبيئة العراقية، والطبيعة دائما هي ما هي عليه ولكن لا شئ يتبقى منها لا شئ مما نراه ولابد لفننا من ان يمنح تلك الطبيعة معنى الاسنمرار الى جانب مظهر كل تغيراتها فيساعدنا هذا على الاحساس بالطبيعة كشئ ابدي، وهذا بالتالي يقودنا الى ان كل ما وراء المظاهر المرئية تكمن هناك حقيقة باقية وان وظيفة الفنان هو كشف تلك الحقيقة .

و المعروف ان الالوان الرئيسية تتحطم عندما تمتزج مع بعضها. وهناك طرق كثيرة في مزج الالوان في تخفيفها او تعادلها او تقويتها ذكرت في كثير من الكتب القديمة والمعاصرة . وكان ولازال ابراهيم واعيا لهذا المعادلات اللونية فهو يرسم كاستاذ وصاحب تجربة وخبرة علمية منذ مطلع الستينات من القرن العشرين الى اليوم في خط تواصلي مستمر دون انقطاع او توقف .

الاستاذ ابراهيم العبدلي له باع وسيرة مشرقة طويلة وغنية في الفن العراقي، وقد كتب عنه اساتذته رواد الفن العراقي امثال فائق حسن واسماعيل الشيخلي وغيرهم وقد اثنوا عليه واشادوا بمكانته الفنية ودوره الريادي في حركة الفن العراقي المعاصر . والعبدلي هو خريج اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد عام 1965، ثم اصبح استاذا في معهد الفنون الجميلة في بغداد ومحاضرا في اكاديمية الفنون الجميلة، ثم انتقل الى السعودية للتدريس وبعدها مدرسا في جامعة البترا في الاردن . اقام عدة معارض فنية وحصل على جوائز عديدة ... تعرفت عليه في الاردن في حوالي عام 1996 ايام الحصار الظالم على العراق وحليت عليه ظيفا في بيته في عمان فاستقبلني بحفاوة وتكريم واهداني احد كتبه الموسومة .

 

د. كاظم شمهود طاهر / 2019 – مدريد

 

 

93  فاطمة الزهراء كريش 1لوحة "إشراقة" نموذجا

الفنان التشكيلي ترجمان حياته الخاصة، ومشاعره ومعتقداته، وفلسفته ونظرياته، كما هو في مقابل ذلك؛ ناطق مبين لحياة المجتمع الذي يعيش فيه، منتميا إلى طبقة اجتماعية معينة تتنوع مشاربها ومراجعها الفكرية والإيديولوجية، والثقافية واللغوية، والاقتصادية والسياسية... وينهل من ذلك كله ما يبلور به لوحاته التشكيلية من تيمات و أفكار... وهذا ما تسلكه الفنانة " ف. ز. كريش " في تجربتها الإبداعية؛ لتتجلى في لوحاتها حدثية وجودها الذاتي كفنانة، كما المهني التواصلي، والثقافي والإنساني.. وخصوصياتها الفنية والمعرفية، وبالتالي تحول الهيولي في عالمها التشكيلي إلى أثر بصري.

بمعنى أنها تنقل الواقع إلى اللاواقع، إذ تذهب بعيدا في ذلك، وتغور فيما تبدع إلى حدوده القصوى، الى تجرداته المتناهية؛ فتصير حينها رديفة الفيلسوف، تتعاطى مع الحركة والتغير، والزمن والحدث، والكينونة والهوية، والباطن والظاهر، والروح والجسد... وبلغة بصرية متفردة، تطرح الأسئلة الانسانية العميقة الكبرى ... يألف المتلقي اللوحة التشكيلية بما تكتنزه من جمال وتعبير فني يستهويه، أما بالنسبة للناقد والقارئ المتفحص، فتشكل عالما حيا يتضمن مجموعة من المكونات والعلائق وسياقاتها، والتي تسمح لهما باستخلاص تلك القوانين الناظمة، التي تقوم عليها اللوحة داخليا وخارجيا، وبالتالي من خلال ذلك يمكن الإمساك بأسرار الفنانة في سبك متنها الفني ودلالاته ورموزه.

أعمال الفنانة تترجم تجربتها في الحياة والعالم، في نطاق ما يتمخض من أحداث وسلوكات ووقائع ومفاهيم وسياقات وروحانيات، تتبلور في منحنيات زمنية متحركة غير ثابتة، تفاعلية، انفعالية، تنطلق ضمنها الفنانة، كذات فاعلة، من الماضي نحو المستقبل، مرورا بالحاضر - المشكل للمشهد التشكيلي الراهن - فتصبح، هكذا، الأفكار والرؤى والإبداع، فضلا عن القدرة على الخلق ممكنة. وتسير تلك المنحنيات بكل حيثياتها المؤثرة، من المستقبل إلى الماضي، بمعنى: أن الزمن يتحرك اتجاه الفنانة من الأفق "المستقبل" ليصبح لديها في لحظة الإبداع؛ حاضرا، يشكل راهنها الفني، ثم يلوي هذا الحاضر شطر الماضي تاركا بصمته في الصرح الفكري الفني، الفردي والجماعي للتشكيل المغربي. وهكذا تقوم العلاقة بين المتلقي وبين الفن من جهة أولى، وبينه وبين الفنانة من جهة ثانية، بناء على مدى تعبيرية وتواصلية لوحات الفنانة، وبما يمنحه فنها، ذاك الفن الحاوي للجمال والمتعة واللذة والتأمل.. فالفن عند الفنانة، فضلا عن كونه فنا خالصا؛ هو رسالة تواصلية، وإنسانية جليلة تصهر الذات في الآخر، والآخر في الذات أثناء التواصل والتفاعل .

93  فاطمة الزهراء كريش 2

"على شرفات الروح"

فالفنانة عبر فنها، تشكل فاعلا يسقل المجتمع على مستويات عدة: جماليا وفنيا ومعرفيا... من خلال عملية التلقي، ليس فقط ، من خلال، علاقة اقتناء اللوحات من طرف الزبناء؛ بل تصبح علاقة تأثير وتأثر ، وفعل وتفاعل ، فتغدو العلاقة ضمن ذلك ( في جوهرها، علاقة موقفية تعتمد على " طبيعة التفاعل " بيننا وبين العمل الفني في " موقف معين "، وهذه خاصية لا تعمل ضد الفن بل تعمل معه، وكلما كان العمل الفني قادرا على التنشيط والتأثير في مواقف متعددة، تعددت تفسيراته وتأويلاته ومستوياته، وكان هذا العمل أكثر خصوبة وثراء. فالعمل الفني الذي ينحصر في عمليات التزيين أو الديكور فقط، هو أقل قيمة من ذلك العمل الفني الذي يكتنز الرسائل الوجودية والدلالات المعرفية والأسئلة الجمالية والثقافية والفكرية... وبالتالي، هذا الأخير هو الذي، يكون أكثر أثرا وتأثيرا من حيث الاستمتاع الجمالي التأملي والانفعالي، وتحقيق الارتقاء الثقافي والاجتماعي والعلمي والتعليمي والاقتصادي والأخلاقي للإنسان. وبهذا المعنى فإن أعمال موتسارت التي يستفاد بها خلال الموقف الخاص بتأملها والاستمتاع بها جماليا في رفع ذكاء الأطفال، تساهم على نحو غير مباشر في تكوين جيل قادر على التعلم، والاكتشاف والإبداع، وبما يترتب على ذلك من عمليات تقدم اجتماعية وثقافية واقتصادية مهمة).

93  فاطمة الزهراء كريش 3

"تموجات روحانية"

وعلى هذه الشاكلة يغدو الفن فاعلا في المجتمع وفي الفنانة نفسها؛ والتي لا تنفك تستوعب ذاتها ومحيطها ومجتمعها والعالم كله من حولها، وتعبر عن ذلك بإبداعها التشكيلي، حيث الفن (هو استخدام خاص للمهارة والخيال في إبداع وإنتاج موضوعات وبيئات وخبرات جمالية يشترك فيها الفنان مع الآخرين، ويشتركون هم بدورهم فيها مع بعضهم البعض) . وهذا؛ ما نلمسه في أعمالها الحالية.

فالفنانة فاطمة الزهراء كريش، تنحدر من الفرع الفنان والمثقف من عائلة كريش بفاس. حيث تأصلت فيها نزعة الفن منذ كانت تدرس بالابتدائي، فحاكت في رسومها الطفولية الطبيعة والأشخاص والأمكنة والأزمنة.. فشكلت تلك الأعمال إرهاصات كينونتها المبدعة، التي اعتمدت فيها على إحساسها وتجربتها الفنية، الفطرية الفتية. وأما أعمالها الحالية فتنزاح إلى التعبيرية التجريدية، بائحة عن مكنون نفسها وذاتها وعالمها المعيش بكل منابعه الإنسانية، كينونة وهوية وفعلا وتفاعلا. ففي رحاب مختبر التجربة التعبيرية التجريدية، تتشكل لوحات الفنانة متونا للمعنى، من حيث الوجود، وذلك من خلال المادة الخام، والفعل، والحركة، واللون، والإيقاع، والشكل... وبالتالي تبلور الفنانة دلالات وظلالا للمعاني يتحسسها المتلقي عبر شعوره وفكره، ضمن تجليات مفردات أعمالها.

93  فاطمة الزهراء كريش 4

"شرنقة الخروج الأول"

فالتجريد في لوحات "ف. ز. كريش" قد يبدو للرؤية الغرة خربشة وخدشا عبثيا للريشة على السند، أو آثارا وإشارات ورموزا فائضة بلا معنى.. بل، هو تعبير عن جواهر الأشياء والموجودات والأحداث، من خلال ترميز أعراضها المهاجرة، وترميز صفاتها ومحمولاتها المتعددة والمتغيرة. والتي تنفذ في منجزها التشكيلي شفافة؛ تعبر في مكان ما، عن الحقائق والقوانين والضوابط الناظمة للحياة، وتطرح الإشكالات والتحديات...

إن لوحة "إشراقة"، تنحت عنوانها من موروث صوفي يغرق في المثال والصفاء، والنقاء والحب والمحبة، وهي سمات وإيحاءات تفيض في/من ألوانها وتدرجاتها ولمسات ريشتها..  ومن خلال قراءة روحية ووجدانية، مع تذوق متعمق لهذه اللوحة "، الرؤية تغدو نافذة إلى مملكة الباطن، حيث ينبعث نور من العالم المجرد إلى الذهن، يحث على تلمس المعنى وظلالها؛ فتنجلي تلك المعاني الروحية، وينكشف سر "إشراقة" ومكنوناتها، ومن ثم ترتقي الأخيرة متألقة صوب مقام وجداني استثنائي، مثلما يكون عليه "الحلول".. فيتبدى حينها المتن التشكيلي لـ"إشراقة" متسربلا بالروحي المتصل بعوالم الباطن وجلائه، ويمزج ما بين رؤيتي البصر والبصيرة؛ حيث تحل العيون في القلوب، والقلوب في العيون.

فالبنائية التشكيلية العامة لـ"إشراقة"، تتبلور في انسياب حركي، دائري، وشبه دائري، مائل، ومتموج، بينما إيقاعات منحنياته  تتداخل أحيانا، وتتقاطع أخرى، وتتقارب وتتجاور وتتباعد مفتوحة على الجهات الأربع، وكأننا بها شذرات شِعْر متطايرة تبحث عن شيء مفقود مرتقب التجلي. أما ألوانها فتتميز بالرقة والنعومة؛ فيما أشكالها الأنثوية ساكنة، تنحدر من الأرجواني وتدرجاته، ومن ظلال زرقاء خافتة حد الرمادي، تلك الظلال المنقبة عن الدفء والدهشة والإثارة...

"إشراقة" اللوحة المنطلقة من عتمة الحدث الأنثوي، والمتطلعة إلى الانعتاق من حلكته من خلال ما تتضمنه من ألوان وأشكال ومسحات ملأى بالرمزية والدلالة، والتفاعلية. لا تنفك تستدعي المتلقي والفنانة معا، لاستحضار سؤال متعدد الروافد: ثقافية واجتماعية ومعرفية...إلخ؛ "متى يتحقق انعتاق الأنثى من ربقة الذكورية وهمومها في العالم العربي؟"

 

عبد العزيز قريش ـ المغرب

باحث في علوم التربية

 

كاظم شمهودكان للفنون البدائية التي تسودها الاساطير والخرافات والالغاز ايقاعها الجمالي عند الانسان الفطري حيث كان يسجل ما يراه وما يريد ان يقوله ببراءة وتلقائية، ولم تختلف حساسيته الجمالية عن الفنان المعاصر. وبالتالي اصبحت تلك الفنون القديمة بمثابة المنجم الذي لا ينضب له معين والتراث الفني الذي استمدت منه الفنون المعاصرة بشتى مذاهبها. فعندما نتامل مسيرة هذه الفنون انما نتأملها من تلك البانوراما الهائلة للفن العالمي والتي تجمع بينها في صعيد واحد ككل. ومن هنا يضل الامتداد قائما بين اتجاهات جميع الفنون وطرزها من الكلاسيكية الى الاتجاهات المعاصرة..

قد تكون تجربة الفنان الايطالي جيوتو 1267 م الذي عاش قبل فناني عصر النهضة اكثر شاعرية وحلمية من فناني عصر النهضة رغم انها بدائية وبسيطة ولكنها واقعية في التمثيل والبراءة، وهناك من الكتاب المعاصرين شديدي الصلة والحب الى تلك الحقبة التاريخية حيث يجدون فيها مهربا روحانيا من ماديات العصر الحديث. وبعد موجة الفن الحديث والتخلي عن قواعد النقد الكلاسيكية التي وضعها الاغريق اصبح التقييم اليوم والحكم على اعمال الفنانين مرتبطا بالتذوق ودرجة الحس الشخصي من جهة والبعد الثقافي والتاريخي الذي يعمل على التقيم من خلال عنصر المقارنة من جهة اخرى... واتذكر انني قرأت عن المفكر والناقد جبرا ابراهيم جبرا حيث سأله احد المثقفين من انه لم يتعرض في نقده الى سلبيات الاعمال الفنية فاجابه بانه ينظر الى اشراقة الاعمال وسطوعها ويعرض او يبتعد عن سلبياتها لان الاحكام هي ذوقية شخصية.

92 ابو زيدون حنوش 1

(واحب ان اشير الى نقطة مهمة وهي انني في كتاباتي اعرج الى مواضيع واحداث كثيرة ذات صلة وذلك لاغناء المادة الفنية ولتكون محطات تأمل وتفكر..)

والحديث عن اعمال الفنان ابو زيدون حنوش هي مجرد طرح وجهات نظر شخصية لتجربة مرة بها خلال عقود من الممارسة والحركة الدؤبة بين التصوير المنظور والنص المكتوب وقد مارس حنوش الكتابة والتدريس وصدر له كتابا –(من الفرات...اللوحة نهاية ومصير)- حيث فيه يربط الفكر الجمالي بين افكار افلاطون وبين الفن الاسلامي. وقد عرفت حنوش منذ ان حل في مدريد عام 1981 انسانا راقيا وطيبا وفنانا مخلصا لعمله ولعلاقاته الانسانية مع الجميع...

وفي هذا الخط نجد الكثير من المثقفين والفنانين قد مارسوا الكتابة الى جانب الرسم فكان لوركا مثلا شاعرا وروائيا بارزا وكان في نفس الوقت رساما، وقد شاهدت له معرضا في مدريد في مطلع الثمانينات، وكذلك الشاعر رافائيل البرتي كان قد درس في مدرسة الفنون في مدريد واقام له معرضا شخصيا. وفي عالمنا العربي نجد نزار قباني رساما ومصمما لبعض كتبه الشعرية، وكذلك الفنان شاكر حسن ونزار سليم وغيرهم، هؤلاء لم يتوقفوا عند حدود الرسم بل كان لهم تمدد ورؤى فنية دفعتهم الى انتاج كتابات مهمة لاستقصاء اسرار الرسم وما وراءه من ماهيات وفلسفة. ويذكر ان بيكاسو في احد فترات حياته توقف عن ممارسة الرسم لمدة سنتين في فترة الثلاثينات وكرس وقته للكتابة، وقد سأله احد اصحابه الفنانين ما رايك في رسوماتي؟ فقال له ضاحكا (انها بجودة كتاباتي) يعني اننا نعيش في عالم التجريب.

92 ابو زيدون حنوش 2

كما يذكر الناقد جبرا ابراهيم جبرا بان ابو نواس مارس الرسم فمن كان بارعا في الشعر والوصف لابد ان يكون بارعا في الرسم واللون وسحره، والتجربة الشعرية عنده كثير ما تكون تجربة رسام يمسك بخيطها بانفعالات مؤثرة على نفس المتلقي. وقد صور لنا احد جلساته في حانة السمر بعدد من اشعاره.

تدار علينا الراح في عسجدية    حبتها بالوان التصاوير فارس

قراراتها كسرى وفي جنباتها     مها تدريها بالقسي الفوارس

و كذلك نجد هناك البحتري وقصيدته في وصف ايوان كسرى بالمدائن ومقطعا رائعا يصف فيه لمعركة مرسومة على احد جدران القصر. يذكرنا برسامي عصر النهضة..

واذا ما رأيت صور انطا    كية ارتعدت بين روم وفرس

و المنايا مواثل وانوشر     وان يزجي الصفوف تحت الدرفس

و عراك الرجال بين يديه   وفي خفوت منهم واغماض جرس

هذه المقاطع الشعرية تعطينا انطباعا واضحا بان فن التصوير كان منتشرا في العراق وليس هناك توقف عن ممارسته وان الفنان المسلم كان يرسم للملوك والامراء وطبقة الاغنياء والاشراف وان التحريم لم يطبق في تلك المرحلة رغم تشديد الفقهاء.. 

اللون عند حنوش

ان اول ما يجذبنا الى اعمال حنوش الاخيرة هو اللون فهو يشكل الواجه الاولى للمتلقي حيث تتوزع الالوان على سطح اللوحة بغنائية جميلة وعذبة وتنتشر على شكل بقع مسطحة او اشكال هندسية متناغمة فيما بينها واحيانا متباينة... واللون كما هو معروف عنصرا مهما لتأكيد المشاكلة في الصورة وانه يستخدم احيانا بشكل رمزي كما هو عند الفنان البدائي والطفل، حيث توضع الالوان كما هي حارة ساطعة ومباشرة، وقد انتشر هذا اللون من الاستخدام في العصور الوسطى، كما هو عند الفنان الايطالي جيوتو الذي ذكرناه سابقا حيث نجد في اعماله نوع من البراءة والرومانسية.. كما نجد في الاسلوب الرمزي حرية وبهجة مونقة وجمالية والاستخدام الخالص والنقي للالوان.. واللون النقي نجده مستخدما في المنمنمات الاسلامية مثل مدارس بغداد وشيراز وهرات وتبريز وغيرها.. وحسب المؤرخ المصري لطفي صالح بان اللون في الفن الاسلامي يأخذ دور المتعة والزخرفة.. وكما هو ايضا عند زعيم المدرسة الوحشية ماتيس حيث كان في رسومه والوانه يبحث عن معاني الجمال مما دفعه ذلك للعيش فترة من الزمن في بلاد المغرب لدراسة الفنون الاسلامية، وبالتالي شكل مدرسة جذورها اسلامية.

 ونحن نعلم ان النفس تميل الى الكمال والجمال لهذا فان فلسفة الجمال في الفن الاسلامي قائمة على مدى تأثير الفن على النفس الانسانية حيث يجعلها شفافة نقية تبتعد عن كل ممارسة قبيحة وسيئة، ومن هنا جاءت الدعوه الى التجمل لما له من اثر في العلاقات الاجتماعية...

ونجد الالوان عند حنوش تثير الحسية والبهجه وقد رتبت بتذوق جمالي راقي يعيشه قلب الفنان.. ويقول المفكر الانكليزي راسكين (اللون يقصد من اجل الراحة الدائمة للقلب الانساني وبهجته).. ولم يبخل حنوش في منح اللوحة ثراءا لونيا يثير المشاهد عاطفيا وذهنيا فاصبحت لوحته تتمتع برقة وغنائية جميلة.. وفي هذا النحو يقول سيزان كلما كان العمل الفني ثريا بالالوان ازداد تكاملا...

 وعند التأمل الى الوان حنوش نجد انواع من التباين وليس التنافر بمعنى هناك وجود الوان هادئه الطبقات الى جوارها او يحيط بها الوان عميقة وقوية وهذا التباين لا يمنع من الانسجام والتوافق بينها، بحيث يعطي التأثير الجميل في الشكل العام، وهو ما يدعوه الجماليون بشاعرية الالوان وغنائيتها.

92 ابو زيدون حنوش 3

الخط عند حنوش

الخط واللون والمساحة هي المرتكزات الاساسية التي يبني الفنان عليه عمله، فالخط عند حنوش ليس عشوائيا بل يعبر عن تأليفات ايقاعية وجمالية تنسجم مع غنائية الالوان منفذ بذههنية هادئة تحسب حساب لكل خطوة. فالاشكال ترسم بطريقة بسيطة كما هي عند الفنان البدائي الذي نرى فيه الخط يلعب دورا كبيرا في تحديدها. ولكن هذا الخط تختلف ايقاعاته وانسجامه من شكل الى آخر حيث يتطلب جهدا ابتكاريا للوصول الى القيم الجمالية دون ان يتورط في الانحدار الى التشويه التي تحط من العمل. احيانا نرى الخط غير مكتمل في تحديد الشكل او اطرافه وكأنه يغوص في اللون وانغامه مما يعطي انطباعا بالترابط العاطفي بين الخط واللون.

و يعتبر الخط من اهم العناصر في الفنون المرئية. قال الفنان الانكليزي بليك كلما كان الخط المحدود مميزا ازداد كمال العمل الفني. كما قال الشكل الاغريقي شكل رياضي والشكل القوطي شكل حي، فالشكل الرياضي خالد في الذاكرة والشكل الحي وجود ابدي، ونحن نعرف بان الخط الغوطي فن خطي وكذلك الفن الاسلامي يمكن ان نقول عليه فن خطي، وبالتالي ندخل في احياء الشكل الهندسي والذي نرى فيه نزعة روحية او صوفية. وكما ذكر افلاطون بان الخط والدائرة والمخروط لها جمال مطلق، من هنا برر الفن الحديث وجوده وبحثه لما وراء الاشكال.. ونحن اليوم نعيش مدرسة حديثة تسمى المدرسة المفاهيمية والتي يتزعمها انتونيو تابيس ذو النزعة الصوفية حيث جعل الفكرة تعلو على الشكل وجعله في خدمتها..

يبني حنوش اشكاله ومواضيعه بناءا عموديا كما هو عند فنان المنمنمات، فنرى الاشكال موزعة على سطح اللوحة توزيعا ذهنيا وعائمة بين الالوان ويكون النظر اليها كمنظور الطائر فالجميع تحت النظر، كما نرى في اللوحة ايحاءآت لمواضيع كثيرة تستوقف المتلقي، واحيانا مزدحمة بالافكار.. يضاف الى ذلك يرسم بطريقة ايجازية مختصرة جدا وبرمزية صوفية فهو يختصر التفاصيل دون ان يكون ذلك له الاثر السيئ الذي يشوه الشكل العام. ومن صفات الصوفي هو التقشف والتقليل من الزاد والملبس.. هذه الاشكال الرمزية منفذة بطريقة تلقائية هاديئة جميلة تتدفق من اعماق ينبوع مشاعره واحاسية دون مشقة او تعب، فهو يرسم اشكاله بواقعية تخطيطية حرة مفتوحة على خلفية لونية معدة مسبقا، وعادة ما نرى بعض المواضع مستنبطة من التراث العربي والاسلامي.

و اذكر حكاية للفنان الفطري هنري روسو حيث يقول (ليس انا الذي يصور ولكن شخصا آخر يمسك بيدي عند التصوير) ويعني بذلك تلك التلقائية والبراءه التي صدر عنها انتاجه الفني في التصوير وتلك المشاعر الدفينة التي تحرك الرسام.

 السيرة الذاتية

ابو زيدون حنوش ولد في مدينة الكوفة عام 1958، ودخل معهد الفنون الجميلة في بغداد وتخرج منه عام 1979، ثم سافر الى ايطاليا لتوسيع دراسته بعدها حط في اسبانيا عام 1981، ودخل كلية الفنون الجميلة في مدريد عام 1982، ثم حصل على شهادة الدكتوراة وكانت اطروحته حول فن الواسطي عام 1992. اقام 38 معرضا شخصيا وعشرات المعارض الجماعية، كما حصل على 37 جائزة تقديرية بالاضافة الى المنح الدراسية التي حصل عليها من الحكومة الاسبانية.... وفي عام 2017 حصل على الجائزة الاولى لمسابقة جرت في مدينة بلاسينثيا Plasencia التابعة الى محافظة قاصرش Cáceres الواقعة جنوب غرب العاصمة مدريد. وقد اشترك في هذه المسابقة اكثر من 150 فنانا. اللوحة تحمل عنوان – الحلم الثالث – بمقاييس 150 في 150 متر..

ابو زيدون حنوش حاليا مقيم في مدريد ويمارسة عمله الفني والثقافي.

 

د. كاظم شمهود

 

كاظم شمهودعندما بدأت الحرب الاهلية الاسبانية عام 1936 قام الجمهوريون بنقل آلاف الاعمال الفنية من متحف البرادو في مدريد الى المتاحف الاوربية بحجة بحثا عن الامان والرعاية وذلك لكي تكون بعيدة عن كوارث الحرب، ولكن يبدو في الحقيقة كانت نية وغاية الجمهوريين هو بيع هذه الكنوز والتراث الفني الاسباني على المتاحف والمؤسسات الفنية في اوربا وذلك لتغطية نفقات الحرب الباهضة امام زحف جيش فرانكو وحلفاءه الالمان، وقد اشارت الى ذلك صحيفة الوطن الاسبانية el pais، حيث يعقد هذه الايام مؤتمرا في مدريد بمناسة الذكرى ال 80 لعودة الاعمال الفنية الى اسبانيا.. من جانب آخر قام الجمهوريون باحراق الكنائس وقتل العدد الكبير من القساوسة ؟، وكانت هذه المعابد بمثابة متاحف حيث تحتوي على اثمن واغنى اللوحات والمنحوتات التي يعود بعضها الى فناني عصر النهضة، كما يذكر ان متحف البرادو في مدريد قد تعرض سقفه للحرق . وكان رئيس المتحف في ذلك الوقت يدعى فرانثيسكو خابير سانجث حيث امر عام 1936 بانزال الاعمال والقطع الفنية الثمينة وحفظها في الطابق الاسفل من بناية المتحف خوفا عليها من الحرق والسرقة والتلف ..

1194 بابل 1

وعندما نشبت الحرب العالمية الثانية عام 1939 واخذت الفيالق المقاتلة الالمانية بقيادة هتلر تتقدم على بعض الدول وتحتلها مثل هولندا وفرنسا وغيرها، خلق ذلك هلع واضطراب وخوف عند المسؤلين في المتاحف الاوربية ولهذ اخذوا تجربة الجمهوريين الاسبان حيث بدأوا بنقل تراثهم الفني الى اماكن بعيدة عن كوارث الحرب وقنابلها المدمرة ووضعوها في اماكن اكثر امانا وحفظا كالانفاق والسراديب وغيرها، بعضهم نقلها الى دول ومدن اخرى لم تشترك في الحرب وكانت تعد بالآلاف، وكانت جيوش النازية عندما غزت هولندا وفرنسا حرقت ونهبت الكثير من المتاحف ونقلت بعض الاعمال الفنية المعتبرة الى المانيا، وعندما سقطت المانيا بيد الحلفاء وانتحار هتلر، وجدوا آلاف الاعمال الفنية محفوظة في اماكن خاصة تابعة بعضها الى هتلر ومساعديه وغيرهم . ويذكر ان هتلر كان في شبابه رساما، وقد شاهدت له بعض الاعمال في متحف طهران الحديث .

1194 مصر 1

عودة التراث الى اهله:

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عادت الكنوز الفنية الاسبانية الى متاحفها قادمة من متاحف اوربا عابرة الحدود الفرنسية محمولة بواسطة شاحنات كبيرة، وكان من ضمنها اعمال الرسام المعروف فيلاسكس مثل لوحة – الاميرات – وكانت قادمة من فينا، كما كانت هناك اعداد هائلة من اللوحات في هولندا يقدر عددها ب 30،000 قطعة فنية وكانت مطوية باعتناء ودقة متناهية . اما اللوحات التي هربها الجمهوريون الى جنيف فتعد بالآلاف، وكان الجمهوريون قد تعهدوا بعدم عودة اللوحات الى اسبانيا ما دام فرانكو في الحكم، ولكن الحكومة السويسرية قد اعترفت بحكومة فرانكو وبالتالي كان لزاما عليها اعادة الاعمال الى اسبانيا خوفا من بيعها او تلفها . وفي نفس الوقت طلب بيكاسو بعدم اعادة لوحة جرنيكا الى اسبانيا حتى يذهب حكم الدكتاتور فرانكو . وفعلا عادت جرنيكا الى اسبانيا عام 1981 بعد موت فرانكو في زمن حكم الاشتراكيين واستقبلت في المطار استقبال الابطال المنتصرين وعمل لها استعراض حرس الشرف .

1194 مصر 2

اهمية التراث عند الامم

كثير من النقاد في الفنون التشكيلية وكذلك الادب يخلط ما بين الحداثة وما بعد الحداثة وربما متأتي ذلك من عدم اطلاعه جيدا على مفهوم المصطلحين وقد شاهدت احد النقاد وهو يعرض عملا حداثويا ويسميه ما بعد الحداثة وانجر خلفه عدد من المثقفين .. ومن الواجب علينا التنبيه الى ذلك للتذكير لعلها تنفع . الحداثة هي حركة ظهرت في بداية القرن العشرين وتمثلت في جماعة الدادائية والمستقبلية وقسم من جماعة السريالية وجماعية الفوضوية، وغالبا ما يكون هؤلاء من اليساريين، وان كان لها جذور تاريخية قديمة خاصة في الادب، وتهدف هذا الجماعات في ادبياتها هو الغاء التراث برمته وحرق المتاحف والمكتبات وعدم الاعتماد عليه في المنجز الفني والادبي، وانما العودة الى الطبيعة والخيال .. بينما ما بعد الحداثة فهي تعتبر التراث العمود الفقري للعمل الفني والادبي والعودة اليه يعتبر مصدر من مصادر الالهام والابداع والتطور، كالمدرسة الاشتراكية .

ونستطيع ان نلمس في ذلك التراث الفني القديم انه لم يكن فقط مصدرا للمتعة والزينة فحسب وانما الى جانب ذلك فهو هوية الشعوب وتاريخها وثقافاتها وتقاليدها ابتداءا من الحياة البدائية البسيطة حتى يومنا هذا وما حفلت به تلك الحضارات من منجزات علمية وفنية وادبية والتي اصبحت لنا ينابيع فياضة نتسقي منها مبتكراتنا وابداعاتنا الحديثة، وهي سجل حافل بالوثائق المصورة والمكتوبة وقد وصلت الينا نتيجة للحفاظ عليها ومراعاتها من التلف والضياع، ووضعها في متاحف ومراكز خاصة لتكون عبرة لاول الالباب .

1194 بابل 2

تراثنا في ضياع

عاد التراث الاسباني الى متاحفه وساهمت اوربا كلها في عودة تلك الكنوز الفنية النادرة، ولكن ياترى هل عاد التراث العراقي او المصري الى اهله؟ بعدما تعرض للنهب والسرقة من قبل الغزاة الاوربيين والسراق المحليين خلال تاريخنا الطويل؟ اليوم تعج المتاحف الاوربية بتراث الشرق واصبح مصدرا ثقافيا واقتصاديا كبيرا تعيش عليه تلك الدول ..

يذكر المؤرخ والناقد الانكليزي هربرت ريد بان التراث الفني اكثر اهمية من الاقتصاد والفلسفة ولهذا نرى ان الشعوب والامم المتحضرة قد حرصت كل الحرص على الحفاظ عليه وعدم المساس به لانه يمثل هويتها وعمقها التاريخي وتطلعاتها الى مستقبل افضل (وفي قصصهم عبرة لاول الالباب) .

 

د. كاظم شمهود