محمد البندوريلا شك أن الخط المغربي في سياقه الجمالي يعرف تطورا وازدهارا ملحوظا، لكن هذا لا يعني أن المجال برمته بخير، بل إن هناك وضعا آخر يحتاج إلى نقد بناء ويحتاج إلى تقويم حكيم، وذلك راجع بالأساس إلى بعض العقليات التي لا تزال تعيش في الوهم وفي براثن الأحقاد والحسابات الضيقة في غياب الوازع الموضوعي وغياب الوعي. وهذه العقليات تجعل الوضع الحروفي السائد في مأزق نتيجة تأثير التفرقة والشتات على كل المكونات الأساسية للخط المغربي وخاصة منها العنصر البشري. لذلك فإن هذا الوضع المتأزم نتيجة التفرقة القاتلة بين مختلف هيئات المجتمع المدني التي تؤطر مجال الخط المغربي، والتفرقة المميتة بين مختلف الفاعلين في المجال نفسه تتسبب في كل وقت وحين في وضع الخط المغربي على حافة الانهيار، وتوصله إلى مصحة الإنعاش. بل إن ذلك يضع الخط المغربي في مفارقة بين وضعه الجمالي المتقدم وبين وضعه العقلي المتخلف. فبقدر ما يزداد تطورا وجمالا ويذيع جماله في الأمداء بقدر ما تُصر بعض العقليات على التفرقة والزيادة في حفر الهوة وتكثير الشتات ووضع المعوقات والعراقيل لكل الأعمال الجادة. وإن كانت الغرابة تشد بعض الأوفياء وعظام الرجال إزاء هذا الوضع، فإن غياب التواصل الفني والمعرفي والعلمي والجهل ببعض المزايا التي تخص قدسية الخط، وشرف الخط، وروحانية الخط، وأهداف الخط، وتربوية الخط، وثقافة الخط، تجعل بعض العقليات تتمادى في الخسران وتنحت بؤرا للنزاعات، وتشكل مساحات للتخلف، علما أن مجال الخط عموما يحتاج إلى رجال عقلاء وحكماء وأصفياء، وأطهار في قلوبهم، وأنقياء في عقولهم، وموضوعيين في تشكيل خطاباتهم، ومتزنين في معاملاتهم، وحكماء في تواصلهم. لا تحكمهم الأخيلة الهدامة، ولا الطمع المجحف، ولا تحركهم المصالح الذاتية، بل تحكمهم الأخلاق أولا وأخيرا، فيشتغلون بنوايا حسنة وبأهداف سامية، ومساعي تخدم مجال الخط المغربي في شموليته.

لقد بلغ الخط المغربي مبلغه من الجمال، ومن الدراسة والبحث، ومن التقعيد، فتجلى في مشاهد متنوعة، بأهميته في التربية والتعليم وفي الفن وفي مختلف تجلياته، وتقاطع مع الشعر والنثر ومع مختلف النصوص ليشكل خطابا بصريا بمرجعيات تاريخية وتنظيرية رائقة،خاصة وأن المادة الخطية بالمغرب عامة قد أسست لرصيد تاريخي علمي ومعرفي وجمالي. لكنها تحتاج في الظرف الآني إلى مقومات أخلاقية وإلى عقلاء للمضي في النهج المشرق بتطلعات جديدة وإشراقات جديدة وأفكار أخرى جديدة.

 

محمد البندوري

 

 

محمد البندوريتشكل خاصية التنوع الثقافي والفني بالمغرب أهم الميزات التي طبعت الحضارة المغربية على مستوى الشكل والمضمون، فقد شكلت بؤرة كي يستفيد الخطاط المغربي من هذا التنوع وينغمس في عوالم أثرت بشكل كبير في مسار الخط. ولعل كيفية رؤيتهم للأشياء والظواهر من خلال تصورات موضوعية متنوعة، قد أدت إلى محاولة الكشف عن التداخل بين مختلف الفنون المغربية في سياقها الثقافي والمعرفي مما كشف عن بعض القواسم المشتركة بين الخط المغربي والفنون البصرية وفن العمارة والعلوم الإنسانية. وقد شكل هذا المنحى رؤية جمالية غير عادية ورؤية جمالية موضوعية طبقا لتنوع المنحى المعرفي والثقافي.

وإذا كان فن الخط المغربي قد خلف مداخل جمالية تدل على الفنية المغربية، فإنه كذلك قد أثر بشكل مباشر في الذهنية المغربية. ولا شك أن توظيف الأشكال البسيطة، من خطوط ومنحنيات ومسطحات، وزخرفة وأشكال متعددة، تنم عن التوظيف العفوي لمجالات الرؤية البصرية؛ وبهذا التأثير، فقد تميزت العمارة المغربية بالتنوع مما ساهم في تطور وإثراء طروحاتها على كل المستويات، حيث وقع التحول في قدرات الخطاط، وحيث تحولت المادة الخطية المغربية معرفيا وفنيا على غرار ما أنتجه التطور الحضاري إلى اعتماد الرؤية البصرية بوعي تام باعتباره خيارا يحدد الواقع ويتفاعل معه، فأضحت للأنواع الخطية المغربية أبعادا أخرى ومعاني جديدة.

وقد عمقت هذه الإرهاصات في كثير من مواقعها الفنية والثقافية وفي وعي الإنسان المغربي من حدة الصلة بين عمل الخطاط وما يجسده في الفن والواقع، في نطاق سلسلة من الحركات الفنية البصرية، وبين القارئ وما يشغله من حيز تفاعلي.

ولقد أتاح سلطان الخط في نطاقه البصري نوعا من التسييد لكل النصوص البصرية في جدران القصور والمساجد والمدارس، والاهتمام بقيم وأفكار جديدة في نطاق خطاب صوري خطي بصري له معانيه وبلاغته الخاصة، ودلالاته المتعددة. فصار وسيلة إلى المتعة الدلالية التي يقيضها الوجود الخطي أو الصوري بعد عملية التحوير والقراءة. لأن المتخيل البصري هو تعبير دقيق عن التطوير الثقافي للوعي بواسطة العين مما ينتج قراءات أكثر دلالة في مهمة تمثيل الواقع في تصورات وأخيلة بعيدة أكثر بدلالاتها ومغازيها ومعانيها. فأصبحت الكتابات الخطية من هذا المنطلق تأكيدا لما رسخه الخطاطون والمنظرون من ارتكاز الثقافة على الفن وعلى الجمال وعلى إنتاج الدلالة الجديدة، فتتفوق براهنيتها وقدرتها على التثبيت، كونها أيضا تعنى ببعد بلاغي قائم على استحضار الأشكال التواصلية وخصائصها وأبعادها التي تسهم في رؤية دلالتها المتطورة، والتعبير عن مفاهيم ذهنية، تحكمها خاصية التحول إلى الرؤية البصرية وتبادل فاعلية العين المبصرة ومختلف الأشكال الخطية الجمالية وتطورها، وفحص دلالات تلك الأشكال وتركيبها والبحث عن دور مجازي لها تعززه الذاكرة والمخيلة من جهة، وتعضيد الدور الأيقوني وتغير موقع القارئ بمؤثرات ومحددات واقعية وآليات فنية وجمالية ساعدت على انزياح الخط المغربي عن المألوف تشكيلا وتبئيرا وتفضية وتدلالا.

 

د. محمد البندوري

 

 

مبروكة بوهوديإنّ قضيّة علاقة الفن بالسياسة تُعتبر من إحدى الإشكاليّات الكبرى التي أثيرت ولا تزال تُثار في مجال البحث الفنّي وتحديدا داخل المُمارسة الفنيّة الإيرانيّة المُعاصرة، وهي إشكاليّة تتمحور أساسا حول أوجه التقاطع أو التوازي القائمة بين حريّة الإبداع والمُعلن صراحة أمام الجميع، وبين الرّقابة والمسكوت عنه في التعبير الفنّي. وغالباً ما تُعطي الإنقلابات العنيفة الاجتماعيّة والصّراعات الثّوريّة دفعة للأشكال الإبداعيّة للتعبير الفنّي السياسيّ. ومن أجل بناء "وعي ثائر" يردّ هذا الفن الجواب بسلاطة على السّلطة، ويقلب صلاحيّتها رأساً على عقب، ويقترح طرقاً مُعارضة بديلة للتفكير والسلوك. ومن جهة أخرى وفي وقت الاضطراب الشديد، عندما تكون السيطرة أو الزّعامة السياسيّة مقيّدة بصورة أفضل، فإنّ الفن يشترك في عمليّة إنشاء رموز جديدة، أساطير مُضادة، وفي نهاية المطاف معانٍ جديدة.

الأيقونات المُتعدّدة كالصور الفوتوغرافيّة والبوسترات (المُلصقات) السياسيّة التي كانت منتجة ومنتشرة أثناء الثورة السياسيّة في إيران لم تكن استثناء لذلك. والصّور الفوتوغرافيّة والمُلصقات التي استحدثها الفنّانون المُلتزمون بالثّورة (الثورة الإيرانيّة الإسلاميّة سنة 1979) قد هدفت بصورة جليّة إلى إعادة تعريف القيم والأعراف الاجتماعيّة. وبعد اضمحلال سلطة الشاه قام الفنّانون بإنتاج المُلصقات التي عارضت تصويرها الأيقوني أو الرّمزي وقلبت الأفكار والصور التي دعّمت الوضع الرّاهن. يجب أن نُقرّ أن هذا ليس مُجرّد تأمّل ثانويّ للحركة الثوريّة، حيث لعب التصوير الفوتوغرافيّ والمُلصقات دوراً حيويّاً في الصّراع من أجل التغيير وفي نطق الإيديولوجيّات الجماعيّة. وبالتالي كانت هذه الثورة والفنّ مؤسّسين بصورة مُتبادلة فيما بينهما.

ينطلق الفنّان الإيرانيّ من قراءة للذّاكرة الجماليّة الفارسيّة التي تحبل بالعديد من الإبداعات والتعبيرات الفنيّة البصريّة، زمنيّة ومكانيّة، والتي جسّدت علاقة الفنّ بالسّياسة في ظاهرها وباطنها، وانطوت على معانٍ سياسيّة شديدة الحساسيّة ساهمت إلى حدّ كبير في إيقاظ الضمير الشعبيّ وتكسير حدّة الرّقابة التي تفرضها السّلطة على المُجتمع. غير أنّ الفن في حقيقة الأمر لم يكن ضدّ السياسة دائماً، بل خدمها في الكثير من المُناسبات، ووقف الفنّانون طويلاً إلى جانب نساء ورجال السياسة لتجاوز المعضلات، وحشد التعبئة في الحروب السياسيّة والفكريّة والإعلاميّة. فالسياسة هي مجال من مجالات الإبداع الفني بما يتضمنه من أفكار ورُؤى وتخييل، وقد تتحوّل إلى أداة مطواعة في يد الفنان بوصفه صائغا للقيم الجماليّة وصانعا للمواقف الإنسانيّة.

مثّلت الثّورة الإيرانيّة لحظة حاسمة في التاريخ الحديث لإيران. حيث ظهرت طبقات متعدّدة من المعاني والصور الأيقونيّة أو الرمزيّة. وبُني جسراً بين فنّ التصوير الفوتوغرافيّ، وبين الماضي مع الحاضر، والمقدّس مع غير المقدس، والحديث مع التقليديّ، والقوميّ مع الدوليّ. لكنّنا أمام هذا الكمّ الهائل من الأعمال التشكيليّة الإيرانيّة المُعاصرة تعجز كل المعاني المتعدّدة وكل التفسيرات المُختزلة للثورة كمعنى "إسْلاميّ" بحت وتتحدّى النظرة النمطيّة للإسْلام كفكرة متعلقة بالتنكّر للمُعتقدات والأنظمة المأثورة.

انطلاقا من الصُّورتين (انظر إلى الصورتين السّابقتين عدد7 و8) للفنانتين شيرين نشأت وشادي غادريان، نُلاحظ ذلك النّفس السّياسي الطاغي عليهما، فالحسّ الثّوري حاضر وغائب هناك. يثور الجسد الأنثويّ بين ثنايا الحشد الرّجالي، ويتمرّد في حنايا الوضع الذي يعيشه.هو جسد تلك المرأة الثائرة على نظام المؤسّسة البطريركيّة داخل العائلة. فصورة "نساء بلا رجال" (صورة رقم7) تكشف لنا عن الوضع السياسيّ الذي تعيشه المرأة خلال فترة معيّنة من تاريخ إيران. فدور الصورة الفوتوغرافيّة والفيديو في هذا العمل لشيرين نشأت أصبح ذو أسلوب محلّي وآخر دوليّ، تقليديّ وحديث. وبهذه الطريقة ينظرون إلى الفنون البصريّة على أنّها من قبيل الشعار أو العلامة الخاصّة للطّابع الهجين ما بعد الحديث للتشكيلات النّاشئة في إيران. ويعتبر هذا الفيلم (نساء بلا رجال) الأوّل للفنّانة التشكيليّة شيرين نشأت، يقدّم صورة فنيّة لإيران من خلال قصص أربعة نساء سنة 1953، وانقلاب تدعّمه بريطانيا والولايات المتحدة، يسقط الحكومة المنتخبة (أي حكومة محمد مصدّق). وهو أوّل فيلم روائيّ طويل للفنّانة الإيرانيّة "شيرين نشأت"، تلقي فيه الضوء على حياة أربع نساء في ظلّ الانقلاب الذي شهدته البلاد صيف عام 1953.

136 مبروكة بوهودي

أدركنا من خلال هذا الفيلم سيطرة الفنّانة على شخصيّاتها النسائيّة وتحكّمت في هنّ عن طريق الكشف والمُوارية. فهي تفضح من جهة الأوضاع السياسيّة التي كانت تعيشها المرأة في عهد الشاه، وتغوص في المسكُوت عنه من خلال كشف السيطرة الذكوريّة وغطرسة المؤسّسة الدينيّة تُجاه المرأة في بعض الاحيان .

لم تكن صُورة حذاء المرأة في العمل الفنيّ "لاشيء،لاشيء"(انظر صورة عدد8) للفنّانة شادي غادريان اعتباطيّة، فقد وُضعت جنبٍ إلى جنب مع حذاء الرّجل. وترمز هذه الصورة لأحداث الثورة الإسلاميّة (كان عمرها حينذاك خمس سنوات) والتي بقيت أحداثها راسخة في ذاكرتها. وترمز كذلك لآثار الحرب الإيرانيّة-العراقيّة والتي كانت مُخلّفاتها وخيمة على المُجتمع كالفقر، الظلم الاجتماعيّ والسياسيّ، الحرب، الجريمة، الحرمان، الكارثة، والمُعاناة. وتستحضر المصوّرة في هذه السلسلة صورة الحرب من خلال الحضور والغياب (الرّجل والمرأة) لكن بعيدا عن ساحات القتال. فالحرب في هزائمها وانتصاراتها تحدث شرخا في الحياة، بحيث لا تعود مطلقا كالسابق، تترك آثاراً نفسيّة أكثر تركيباً وعمقاً ممّا نظن في نفس من جرّبها وعاش تحت تهديدها وذاق صدماتها المُتتالية. كما أنّ الكثير من آثارها تكون بعيدة المدى فتمتد طيلة عمر الإنسان وتؤثر على مجرى حياته كاملاً في بعض الأحيان. فتحوّل مشهد الثورة والحرب في هذا العمل التشكيليّ إلى "الاّشيء"، العدم، الموت، الفناء... فلم يبقى من الثورة سوى صور للشهداء، الحذاءان المتروكان هناك، والدّماء المنثورة على الجدران.

لكنّ السؤال الذي يدور في مخيّلتنا ويُحيّر أمرنا ألا وهو: هل سيكون تحرير نهائيّ لكلّ فنّان داخل إيران؟ هل هناك فائدة من الثورة أم سيظلّ الأمر دائماً على ما هو عليه؟ وهل لدى الفنّانات الإيرانيات الحقّ في الثورة أم لا؟

يقول ميشيل فوكو في كتابه "فوكو صحافيّا: "لم تخضع الحركة الإيرانيّة لـ"قانون" الثّورات ذلك الذي يبدو أنّه أظهر للعيان تحت الحماسة العمياء الاضطهاد الذي يسكنها في الخفاء. ويتعلّق ما كان يُشكّل أكثر جوانب التمرّد صميميّة، والذي عرف بشدّة أكبر من غيره، دون واسطة بمسرح مزدحم"[1]. قد يُخاطر الفنّان بحياته لأجل الدّفاع عن حريّته وحريّة غيره أمام سلطة يعتبرها غير عادلة. فالحركات الاحتجاجية لا تقهر، لأنّه لا يوجد أيّة سُلطة في مقدورها القضاء على إمكانيّتها بشكل مُطلق. وبالتالي فإنّ بين الفنّ الإيرانيّ (سواء في الخارج أو الدّاخل) والسياسة ليست ثمة مسالك مرسومة سلفا للعلاقة بين العالمين. العلاقة -بصيغة أصحّ- هي بين الفنان والسياسيّ.

هل يختار الفنان أن يضع نفسه في حضن سلطة تحميه وتفسح له مكاناً في الهرم السياسيّ للاستفادة من البعد المادي والاعتباري، أم يخوض المغامرة الصّعبة في شقّ طريق الإبداع المستقلّ المدافع عن قيم الحق، حتى وإن صادمته خيارات السلطة وإملاءات المُجتمع؟ وهل يقبل السياسيّ أن يخلي مساحات اجتماعيّة تنبت فيها أصوات الحريّة والإبداع خارج مدار المُمارسة السلطويّة أم يرتضي وقوف الفنّان في طابور الجنود المؤتمرين بسطوته؟

نحن هنا لا نكتفي بتجربتيْ الفنانتين شيرين نشأت وشادي غادريان، بل ننطلق منهما للغوص في أعماق المُمارسة الإيرانيّة المُعاصرة في الخارج والدّاخل. من هنا نبدأ بالكشف عن الإيقونات السياسيّة التي ساهمت في اختراق المسكوت عنه من مواضيع وتقنيّات فنيّة مختلفة. نقدّم ثلاثة بوسترات (مُلصقات) كنقطة انطلاق. على سبيل المثال، وفي إحدى "البوسترات" للمُصوّر الإيراني مورتيزا مومايز ( إشتغل في ورشة عمل البوسترات في معرض الفن الإيرانيّ سنة 1962، ثم انتقل إلى الولايّات المتحدة) نجد في هذا العمل ثلاثة "تواليب" (نوع من الزهور) حمراء اللّون، جُسّدت في شكل قبضات يد، مغروسة على خطّ فارسيّ مقتطف من قصيدة شعريّة تُقرأ "ازدهرت التواليب من دم شباب الأمّة". (انظر الصورة ).

137 مبروكة بوهودي

ترمز حركة الأيادي في هذه الصورة إلى الحقوق المدنيّة (قبضة اليد الأمريكيّة المرفوعة)، غُرست فوق حرف من الحروف الفارسيّة. ونلاحظ في هذه الأيقونة كيفيّة مجيء الفنون المرئيّة لتعمل كشكل أكثر مُباشرة وإلحاحاً للتدخّل الاجتماعيّ. ومن خلال الانسلاخ الحرّ من السياق المؤسّساتي لإنتاج وعرض الفن، أخذ الفنانون الإيرانيون أعمالهم مباشرة إلى الشارع . وهذه العلاقة التكافليّة بين الكلمة والصورة التي شكّلت حيزاً ثقافيّاً جديداً بالنسبة لشيرين نشأت والعديد من الفنانين المُعاصرين، تميّزت بطابع نقديّ اجتماعيّ داخل المُمارسة الإيرانيّة التي أصبحت أكثر وضوحاً بالكامل في الفنون البصريّة. حيث إنّ القنوط أو السّخط الاجتماعيّ ازداد على مدار فترة السبعينات من القرن العشرين.

أصبح بعض الفنّانين المُعاصرين سواء في المنفى أو في الداخل الروّاد المشتركين في إنتاج المُلصقات السياسيّة. وشكّلت هذه "البوسترات" سجلاً تاريخياً لدور الفنون المرئيّة والصور الفوتوغرافيّة في الثورة الإيرانيّة سنة 1979. ويُعدّ هذا النّوع من الفنون فناً إحتجاجيّاً بالأساس، ومن أهمّ عوامل الترويج للثورة، إلاّ أن مفردات هذا الفنّ تأتي من مفردات وقواعد الفن التشكيليّ.

إنّ الفنّ في الحقيقة هو الخوض في قلب هذه المشاكل، وإعادة تقديمها من جديد بهدف الوصول إلى حلول واقعيّة لمشاكل الإنسان لا الهرب به إلى عوالم لونيّة وفكريّة حالمة. فهو اليوم غير منعزل عن الجدالات السياسيّة الكبرى الدائرة خارج مدينة أفلاطون الفاضلة التي هربنا إليها فنياً، فالعصر اليوم هو عصر التواصل والانفتاح، وهذه الأحداث ستصل يوما وبكل تأكيد إلى مدينتا الفاضلة، وستقتحم ما ورائيّاتنا ومخابئنا الحالمة، وستنتهك كل قواعد علم جمالنا، وألواننا الدافئة التي اتّخذت من جسد الأنثى على سبيل المثال مخبئا نختبئ فيه تحاشيا لأيّ مواجهة مع الأحداث السّائدة. إنّ الفنان عموما اليوم هو إنسان متفاعل مع حركة التاريخ بموضوعاته الحياتيّة اليوميّة ذات العمق الفكريّ، ووعي الفنّان السياسيّ هو وسيلة التعبير المطلوبة لتحقيق غايات الإنسان وحاجاته الملحّة. فهو الواعي سياسيّاً يكون منسجما مع مقتضيات العصر عبر دوره الإبداعيّ والفكريّ الذي يترجمه بأشكال بصريّة مختلفة، ليصبح راصدا لكل التحوّلات الفكريّة والوجدانيّة والعقائديّة من حولنا.

هل أنّ الفنّ يجب أن يبقى بمنأى عن أي ارتباط صريح بالسّياسة، خشية أن يدفعه ذلك الارتباط للتنازل عن نزاهته الفنيّة؟ أم أنّه يجب أن يُعلن صراحة عن انتمائه السّياسي ويُساند بشكل مُباشر القضايا السياسيّة وإلاّ يستبعد ويوصم بأنّه رجعي؟

القائمة التي تضمّ أسماء الفنّانين الإيرانيّين، الذين قد مُنعت أعمالهم من العرض في إيران كبيرة. فلم تكن تجربة الفوتوغرافيّ الإيرانيّ المنفيّ "عباس كيارستمي" بمنأى عن تجربة شيرين نشأت وشادي غادريان، وهو فوتوغرافيّ إيراني سينمائيّ مُعاصر، وبدأت تجربته الفنيّة في رواية قصّته عن الثّورة الإيرانيّة في عام 1979. وعندما بدأت الثورة الإيرانيّة، أخذ عبّاس كاميراته إلى الشوارع وقد وضّح فيها التصوير الوثائقيّ. وكان حريصا على التّمثيل الفُوتوغرافي للأحداث وإنشاء ونقل المعنى الثّوريّ. وعلى مدار الثّورة، قضّى عباس جزءا كبيرا من أيامه في الشوارع لنقل المشاهد الثوريّة. وكان يستثمر جزءا من الجماهير ويدخل في حركاتهم، مستثمرا في فهم مضامين ما كان ينكشف من حوله. وقد صوّر كذلك، نساء مُحجبات وأيديهنّ مرفوعة إلى السّماء في انتظار عودة الخمينيّ، ومن جانب آخر من الصورة توجد نارا موقدة تحترق في داخلها صور فوتوغرافيّة للشّاه. وبالتالي فإنّنا نستلهم انعكاسات هذه الثّورة الإسلاميّة من خلال نماذج عديدة اهتمت بالصُّورة الفوتوغرافيّة كوسيلة احتجاجيّة على الأوضاع التي يعيشها المُبدع في زمن الرّقابة والممنُوعات.

من خلال أفلامه وصُوره الفوتوغرافيّة الثوريّة، سعى كيارستمي إلى خلق نوع جديد من السينما التي لا تعتمد على حبكة أو أحداث دراماتيكيّة أو مؤثّرات خاصّة وحيل بصريّة أو ميزانيّة ضخمة أو نجوم محترفين، إنها سينما متقشفة لكن عميقة في الرؤية، تعتمد على إظهار التناقضات والمفارقات - الصّارخة والكامنة أو المموّهة - فيما هي تحتفي بالحياة اليوميّة، وتدعو إلى التأمّل والتفكير، نائية عن الحالات الوجدانيّة "الميلودرامية". ونحن في الحقيقة نعلم أن أغلب أعماله الفنيّة ممنوعة من العرض في إيران فيقول حول ذلك:"سواء أكانت هناك رقابة أم لا، فإن أعمالي قادرة أن تعبّر عن نفسها بطريقتها الخاصة. أيضاً أشعر بأن كلمة الرّقابة توفّر أحياناً درعاً أو حجاباً نستطيع أن نخبئ خلفه نواقصنا ونقاط ضعفنا، ونحلّ أنفسنا من واجب المسؤولية تجاه أعمالنا... أظن أنّنا، نحن الإيرانييّن، ليس لدينا أيّ خيار غير أن نستمرّ في الكفاح من أجل تحسين وجودنا الخاص، مثلما يفعل أي شخص يكون في خطر الموت، فيتشبث بالحياة حتى النهاية المريرة"[2]. ومن الثيمات التي يهتمّ كيارستمي بتناولها: العلاقة بين الصورة والواقع، اللاّعدالة الاجتماعيّة، تجاور الحياة والموت وعمق غريزة البقاء. وتبدو أفلامه ذات منحى وثائقيّ، مبنيّ على أحداث واقعيّة، ويستعين فيها بممثلين غير محترفين. ومن خلال أعماله نستنتج الدّعوة إلى التسامح ونبذ التعصّب والتعاطف مع نقاط الضعف البشريّة، وغالباً ما تطرح نقداً اجتماعياً تشمل حتى الحرب الإيرانية - العراقية، ووضع المرأة الاجتماعيّ.

ومع أن هذه الأفلام لا تحمل طابعاً سياسياً مباشراً، على نحو صريح، إلا أنّها تقدم مضامينها بلغة مجازيّة، معتمدة على الحسّ الشعبيّ في تشكيل الموقف الحقيقيّ وبلوغ رُؤية صانع الفيلم. وعلى سبيل المثال يُجسّد العمل الفنّي الذي أمامنا (صورة رقم1) صُورة لامرأة في تظاهرة مُعادية للشّاه،في شوارع طهران،سنة 1978، للمُصوّر الإيراني عباس كيارستمي. تقف المرأة وحيدة وراء صفاً من الرّجال. وهذا دليل على حضُور العُنصر النّسائي في هذه الثورة.

138 مبروكة بوهودي

لكن ما يُثير الانتباه في سلسلة أعمال هذا المصوّر، هو تكرار تصوير "السيّدات المُحجبات" المُشاركات في الثورة واللاّتي تجنبن "التغريب" ووقفن جنباً إلى جنب مع بقيّة المُتظاهرين في الشّوارع. وأصبحت هذه السيّدات المُصوّرات في أكثر الأحيان، مُجرّد رُموز. فيقول حول ذلك عباس: "إنّني أتذكّر في الأيّام الأولى عندما وقعت الثورة، كنّا دائماً نبحث عن صورة لحجاب أو عمامة لشيخ مُسلم من علماء الدّين، وذلك بسبب الضغوطات التي تشنّها علينا الحكومة في ذلك الوقت، ثم تعبتُ من هذا وقرّرت أنّني لا يمكن لي أن أعمل مع رُموز"[3]. في حين تحمل المرأة الثانية (صورة رقم2) ورقة عُملة ريا مطويّة أمام عينها، مُفتخرة بعرض صورة الشاه على العملة النقديّة. ثم يجول نظرك حول معطفها المصنوع من الفراء والألماس في خاتمها، ومن جانب آخر يوجد ذراع رجل يدفعها للأسفل بشكل يبعث على التّهديد من فوق كتفها. ومن وراءها رجل يرفع قبضة يده في حالة من الغضب والقنوط، وفمه مفتوح في صراخ صامت.

رُبما أنّ لا تناقض على الإطلاق بين الالتزام السياسيّ الصّريح والإبداع الفنيّ في أعلى مراتبه. فمن الواضح أنّ مثل تلك الأعمال الإيرانيّة تساعد القضيّة الثوريّة أو التقدميّة من خلال كسب وعي الآخر بالقضيّة. كما أن صنع الفن عمليّة معقدة ومتناقضة وليست دائما بالكامل تحت السيطرة الواعية للفنان، ولذا نجد في بعض الأحيان أن الفن يتعدّى محدوديّة/ حدود إيديولوجيّة الفنان. ومن جانب آخر، تكون الصورة الفوتوغرافيّة تفاعليّة، وكوسيلة تتبع الأحداث. فيكون الفنّان مُستثمراً جزءاً من الجماهير التي يُصوّرها. ويدخل في حركاتهم، متوقّعاً الأحداث.

قد لا تجسّد الصور الفوتوغرافيّة واقعاً حقيقيا، بل الإيهام بالواقع من عدّة وجوه منها أن الصورة هي عبارة عن سطح مستوي لها طول مع العرض وهذا ما لم نجده في الواقع، إذ أنّ الصورة تفتقر إلى البعد الثالث، إلاّ أنّها تتضمّن البعد الرّابع إضافة إلى استخدام العدسات المُختلفة كالبعد البؤريّ سواء كانت قصيرة أو طويلة البعد. وفي كلا الأنواع تعطي لنا معاني دلاليّة مختلفة إضافة إلى استخدام الزاوية من حيث مستوى النظر لهذه الأسباب وغيرها جعلت من الصورة تتجاوز المفهوم الطبيعي وتتحول من العملية الآليّه إلى عملية فنيّة وهذا ما يدعو إليه المُنظّر في علم النفس والسّينما الألمانيّ رودلف آرنهايم" في كتابة "فن الفلم" الذي أصبح ثورة فنيّة في عالم الصورة الفوتوغرافية "لتحويلها من العالم الميكانيكيّ إلى العالم الإبداعيّ الجماليّ الفنيّ والتي على أساسها تمّ تحويل الصورة إلى لغة ضوئيّة أو بالأحرى الرّسم بالضوء أي جعل الضوء هي الفرشاة التي يقوم بها الفنان الفوتوغرافي برسم لوحتة البصرية والتي على أساسها تجوّلت الصورة من البعد الوثائقيّ إلى البعد الفنيّ الجماليّ.

نحن نعلم أن الصورة في الحقيقة هي مجرّد لمسة جماليّة في حقل من الرّموز والإشارات، تتآزر لتكوين نوع من السّرد البصريّ لفكرة مُقتطعة، ومشهد مُختار يحمل رسالة لمتلقٍ نشطٍ واعٍ في العديد من المجالات العلميّة، المعرفيّة والثقافيّة، فهي "عُنصر فاعل مُرتبط بالإدراك والوعي والخيال، والفهم"[4] وهي أيسر السّبل إلى المعرفة. وتُعتبر الصورة الفوتوغرافيّة، في هذين العملين السابقين، إعادة إنتاج آليّ للواقع، أي أنّها رسالة خياليّة من مدوّنة الثورة الإيرانيّة الإسلاميّة. فنّد الباحث الفرنسيّ"رولان بارث" هذا الاعتقاد للصورة، إذ أكّد أنها تحمل بعدين: بعد تعييني (يعني وصف ما هو موجود في الصورة ) وبعد تضمينيّ (ونقصد هنا ما نقوله عن الموجود في الصورة) والبعد الثاني لا يُفهم بدون البعد الأوّل. والصّورة في حدّ ذاتها، هي مادّة اتصال تقيم العلاقة بين المُرسل والمُتلقي، فمرسل الصُّورة لا يقترح رُؤية مُحايدة للأشياء، والمُتلقي يعيد قراءتها كما يسميها الباحث الفرنسي "جون دافينيو" بالتجربة الجماليّة والمخيال الاجتماعي، وذلك لانّ الصّورة لا تُخاطب حاسّة البصر لدى المُتلقي فقط، بل تحرك حواسه وأحاسيسه، وميراثه العاطفي والاجتماعيّ.

كيف يُجسد التصوّر في صورة؟ وكيف تؤثّر الايدولوجيا كنظام من أفكار مسبقة في صنع عملية تجسيد تصوّر الفنّان؟ وهل تُصبح الصورة المُجسّدة، حقاً، نتاجاً لذات متصورها؟ أم تتجسّد، في الوقت نفسه، من تصورات أخرى مماثلة أو متعارضة؟

إنّ التصوّر في مجال الفنون الفوتوغرافيّة أو في فنّ الفيديو، هو أداة فكريّة تولّد مخيالها الخاصّ من ظواهر واقعيّة، في صور ذهنيّة. يُحاول الفنّان تجسيدها في أشكال فنيّة، وتقترب، بهذا القدر أو ذاك، من جوهر وجودها الحقيقي في الواقع. ويحدّد التصور علاقة الصورة بالواقع، من حيث هي علاقة بين "ذات مُتصوّرة وموضوع مُصوّر". فضلاً عن ذلك فإنّ تصوّر الأشياء والواقع في العمل الفنّي، يخضع لعمليّة إدراك ظواهر العالم الواقعيّ ويقترب من محاكاته ويكون غالباً ذا طبيعة بصريّة تُجسّم تجربة حقيقيّة.

تحتلّ الصّورة عُموما مكانة مُهمّة في المجال السّيميائيّ الذي لم يحظى بأهميّة في عالمنا العربيّ مع كونها ذات شأن لدى الغربيّين في مجالات شتّى، لأنها تشكل ثوبا من ثياب المعرفة. والتصوير التمثيليّ الأيقوني يُعتبر في حقيقة الأمر مُشابهة ومُماثلة، ويأخذ المنحى السّيميائي الذي يُعدّ الصورة علامة تقوم على المُحاكاة والتماثل ذات أبعاد تواصليّة.

عندما نُشاهد الصور الفوتوغرافيّة، عموما، للفنان كيارستمي فإنّنا نحسّ منذ الوهلة الأولى بصدمة حدث الثورة الإيرانيّة، وبالتالي فإنّ كلمة "الثورة" تعني"الخروج" لطلب الحقّ. فالخروج هنا بدايةً ليس خروجا على الجماعة، ولا حتى على السلطان بل هو خروج إلى الناس طلباً للحقّ. ومن جهة أخرى قد مثّل لنا عبّاس الواقع السياسيّ حين التقط صُورة فوتوغرافيّة إبّان الثورة الإيرانيّة، لعجوز تنظر إلى الكاميرا أثناء جريانها في الشّارع، مُلطّخة بالطين والمطر، ويقبض عليها شابّ مُمسكا قضيباً من الحديد في يده يدفعها إلى الأمام، وآخر يسْحب ويُشمّر على ساعد سترتها. ورجل غاضب على يمينها يصرخ وهو يصْفعها على وجهها. هذا كلّه حدث لأنّها مُوالية للعدوّ ومُتعاونة معه. يقول عبّاس:"لهذا السّبب أخذت الصُّور مثل تلك الخاصّة بالعجوز لكونها مقتولة من الجمهور استبدادا وبدون رحمة. وإني لم التقط فقط هذه الصُّور، بل قمت بعرضها... هذا التعصّب أو التصلّب في المذهب، هذا الأمر المُعادي للمرأة - كلّ هذا هناك. وبكلّ تأكيد، كان واجبي موجّها نحو الثّورة، ولكن أيضا لمهنتي، ولحرفتي"[5]. ومن جهة أخرى تصف لنا إحدى صور عباس الفتوغرافيّة عن الثورة الإيرانيّة، كومة من الحطب التي تحرق بها جثث الموتى في الجنازة من هذه الأصناف.

يُذكر التّاريخ العديد من الثورات الشعبيّة التي إنتهت بسيطرة الإيديولوجيّات السياسيّة الفكريّة والحركيّة المُعلنة، والتي انتهت إلى أنظمة ذات إيديولوجيّة رسميّة، كما في الحالات الروسيّة والإيرانيّة والكوبيّة... كانت في البداية ثورات ضدّ الظلم والاستبداد، أو لتغيير نظام الحكم، أو للتحرّر من الاستعمار، ثم سيطرت الأحزاب المهيمنة على الثورة في نهايتها، أو على السلطة بعد انتهائها، إلى نشوء هذا النوع من الأنظمة.

كما يقول عزمي بشارة في كتابه " في الثورة والقابليّة للثورة": "الثورات الشعبيّة شعبية لا حزبية، لكن الأحزاب التي تسيطر على الثورة بعد تحولها إلى سلطة تنشئ تاريخياَ للثورة يتسم بالتفخيم الذاتي، ويُبنى على أسطورة أو متخيل يشير إلى أن هذه الأحزاب هي التي قادت الثورة، أو لم تقم هذه الثورة من دونها، في حين أن قوى وأحزاباً أخرى تتهمها بأنها لم تفعل إلاّ سرقة الثورة"[6]. وبالتالي فإنّ خطاب الهويّة في إيران بعد الثورة، هو الأقرب إلى عامة الشعب الذي تبيّن انه في حاجة، في ظلّ التحوّلات العالميّة والإقليميّة والوطنيّة الرّاهنة، إلى إشارات استدلال تضيء طريقه. فالإحساس بالانتماء يمثل وقاية وحماية يعود لها الفرد في أزماته.

من جهة أخرى، أصبحت الصور الفوتوغرافيّة داخل المُمارسة الإيرانيّة المُعاصرة، ذاكرة الحدث وأرشيفاً تاريخيّا للفترة، فأضحت بذلك مجرد أيقونات ورموز للثورة. فخبرة المنفى التي شاركها عباس مع شيرين نشأت، تُؤثر في المعنى الذي تكتسبه الصور مع مرور الوقت. فالصورة الفوتوغرافيّة تشتغل وفق وحدة تامّة تقدم نفسها على شكل كلية. فمجموع العناصر المشكلة للعلامة الأيقونيّة تفرض على المتلقي تصوّرها بوصفها وحدة شاملة يصعب التقديم أو التأخير في نظامها المُتجانس. إن هذه الوحدة هي التي تنتج الصدمة لدى المتلقي، وتحفز عملية الاستقبال لديه، وتشحن في الآن نفسه فعله التأويلي بإمكانات متعددة. ولعلّ ما يبرّر مشروعيّة البحث السيميائيّ للصورة الفوتوغرافيّة، هو هذا الاكتساح المُلفت الذي فرضته الصورة الفوتوغرافية بتجليّاتها وأشكالها المختلفة في حياتنا اليوميّة. فهي تغمرنا في البيت، في الشارع، في المؤسّسة. ربما تكون لدينا طريقة للمُقاومة لا تقهر لاعتقادنا بالماضي، في التاريخ، إلاّ إذا كان ذلك في شكل أسطورة أو حكاية.

قد تكون المُمارسة الفنيّة الإيرانيّة المُعاصرة، عبارة عن مُحاولة لتحريك السّاكن والتعامل مع دائرة المحرّمات اجتماعيّاً وثقافياً من أجل الإسهام في رفع الوعي المُجتمعيّ الإيرانيّ للبحث والحديث فنيّاً حول المُشكلات الاجتماعيّة والثقافيّة وتحويلها من دائرة التناول الضمنيّ والتعبير الرمزي من خلال وسائل الإبداع الفنّي، ولاسيما أنها أكثر الأساليب الشائعة لتمرير والتعبير عن المسكوت عنه ضمن إستراتيجيّة هي إيثار السّلامة وتجنّب التّصادم مع المُجتمع والسّعي من أجل تحريكها أو إحالتها إلى المجتمع. وتناولها باللغة المباشرة لتنقية الفضاءات الإجتماعيّة من الشّوائب المُتعلقة بالعادات والتقاليد.

تُسعى شيرين نشأت وشادي غادريان عبر صُورهما الفوتوغرافية النظر في الآثار المترتبة عن المسكوت عنه الذي يعيق الانطلاق والتحرّر للمرأة الإيرانيّة داخل منظومة الأسرة والعائلة. لأنّ المسكوت عنه في هذا الإطار يتعلّق بموضوعات وقضايا فيها الحساسيّة وترتبط بجوانب عميقة تنال من المصداقيّة وتكون خصماً على طبيعة العلاقة التي من المفترض أن تتميز بالحميميّة والصدق والأمان والطمأنينة باعتبار المرأة في العائلة هي ملاذ للأمان والحماية والرّعاية في أبعادها الماديّة والمعنويّة. ومن أجل المُقاربة بشكل متعمّق لثقافة العيب. بالرغم من عدم وجود كتابات تناولت موضوعات وقضايا المرأة داخل المُمارسة الفنيّة كدراسة علميّة منهجيّة، إلاّ أن هنالك مقالات تناولت هذا الموضوع من مداخل مختلفة لذلك من الصعب إيراد تعريفات علميّة قاطعة مانعة لمفهوم المنع حيث يمكن إيراد هذا التعريف والذي يمكن تصنيفه ضمن التعريفات .

في الحقيقة، إنّ المسكوت عنه هو التسليم طواعيّة أو كرهاً بعدم الحديث وتبادل الآراء والمعرفة أو إعادة دراسة الكثير من الوقائع والأحداث أو المفاهيم المستُورة أو المخفيّة بسبب الخوف من المُجتمع، وذلك لأنّ الأمر أو الموقف أو السلوك أو الحديث يعتبر ضمن المحرّم اجتماعيا أو الشائع أو المعروف عنه "العيب". فيتحوّل عبر ذاكرة المُجتمع العديد من الموضوعات والقضايا إلى دائرة المسكوت عنه فيلفّها الغموض والإخفاء. فالنسيج الاجتماعيّ في مُجتمعاتنا يقوم على ما استقرّ في قاع الموروث الثقافيّ والاجتماعيّ والفكريّ من أمور نرفض استدعاءها وجعلها في دائرة المُتاح أخذ وعطاء من أجل حركة اجتماعيّة متحرّرة من تلك المواريث والتي لا تعبر عن مصلحة شرعيّة أو دنيويّة.

من هنا نعرض هذا المفهوم داخل المُمارسة الإيرانيّة المُعاصرة وتحديدا من خلال تجربة شيرين نشأت وشادي غادريان. فنُحاول اختراق تلك المناطق القصّية عن ذاكرة مسكونة بالمحرّمات في مجتمعات عربيّة إسلاميّة أو حتى مسيحيّة مناطق للصّمت والخوف. وتذكّرنا إشكاليّة المسكوت عنه في الفنّ التشكيليّ الإيرانيّ المُعاصر، بتجربة الفنّانة المنفيّة الفلسطينيّة "منى حاطوم" التي تقمّصت جسد الذات، للتعبير عن موضوع "المرأة" وعن العالم حولها (المرأة الشرقيّة تحديدا).

هذه المُمارسة الفنيّة التي تكون في بعض الأحيان في علاقة مُباشرة مع "السّياسي" خُصوصاً إذا ما تعلّق الأمر بقضيّة مثل القضيّة الفلسطينيّة. فقد تميّز أسلوب حاطوم بالتبصّر الظاهراتي الذي ينقل في وقت واحد مشاعر الحالة السويّة المُدركة وما يحيط بها من خطر وشيك، الأمر الذي يجعل الحالة النفسيّة للمشاهد في تقلب متواصل. نتيجة لذلك تزداد حواس المُشاهد توتّراً، وفي حالة من عدم الإستقرار، في الوقت الذي ينجذب فيه إلى حضورها الماديّ، ضمن هذه الحالة المتوترة، يتوجّب على المرء مساءلة حقيقة الوضع الإنسانيّ ضمن السياق الشخصيّ فضلاً عن السّياق السياسيّ والاجتماعي الرّاهن. غير أنّ هذه الفنّانة قد تجرّأت واخترقت مناطق من المسُكوت عنه في الفن التشكيلي العربي والإسْلاميّ. فهي تخترق المحرّم الأوّل عبر استعمالها لجسد الأمّ وهي عارية وهو ما يمكن اعتباره هتكاً للمقدّس و"تابو" بما أنّ الأمومة هي عادة ما تكون مقدّسة ومحلّ إجلال. وهو ما يتعارض على الأقل في الثقافة العربيّة والإسْلاميّة مع العرى باعتباره تدنيساً للجسد ورُبّما هو من بقايا الإحساس الآثم بالخطيئة الأولى وكأنّ العرى مُرادف أو فيه إحالة على الجنس كمُمارسة مُدنّسة.

من خلال عملها الفني "تحت الحصار"، وهو عرض شخصيّ داخل مكعّب زُجاجي دام سبع ساعات قامت به سنة 1982 حين اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان بعد حصار دام تسعة أسابيع، تعرضت هذه الفنانة لإنزلاقات في كلّ مرة تقوم فيها بأيّ حركة، أو تُحاول فيها مجرّد الوقوف داخل المكعّب. تتخبط أطرافها الملوّثة بالوحل على الجدران الصلبة، ويتمرّغ جسدها ويتلوى في صراع دائم. وفي كل مرة تقوم فيها من جديد تحاول الحفاظ على توازنها القائم، فتزل قدمها الحافية عن موقعها اللزج، ويحلّ الجسد داخل وعائه ودون أن تسكن لحظته. وتزداد حدة التباين بين فضاء حاطوم الضيّق وحركتها المكبّلة وفضاء المتفرج الفسيح وسكونه المصاحب لأصوات التخبط بالوحل وارتطام الجسد بالجدران. ومن خلال هذا العرض المثير والشاق، لا تروم حاطوم فحسب التعبير عن ذاتها أو عن امرأة لبنانيّة بعينها في إطار "زمكاني" محدّد (بيروت وقت الحصار). بل هي تجاوزت ذلك لِتعبّر عن المرأة الشرقيّة بشموليتها ( العربية، المسلمة...) في خضم صراعها مع الواقع، ومع معضلات الحياة في شتى مجالاتها. إذن نحن الآن إزاء جسدين لا جسد واحد جسد أنثويّ مكشوف مرتبط ارتباطا وثيقا بالدنيويّ(جسد حاطوم) والذي يمثل في حدّ ذاته جسد الفنّانة.

من جانب آخر، ركّزت المُصوّرتان (شيرين نشأت وشادي غادريان) على الأثر الاجتماعي السلوكي والمحيطي لبيئتهم الآسيويّة من خلال رصدهما لتفاصيل انتهاكيّة معينة تبقيهما كمراقبتين متفاعلتين. لكن يبقى الفرق في اختيار الوسيلة (الوسائط) متاح بمجال أوسع لشيرين نشأت التي تعيش في المنفى من الفنانات الإيرانيّات الأخريات. أولا لشساعة الإرث الحداثيّ وما بعده المتاح والمعاش للفنان "الأورو أمريكي" وثانياً لمساحة الحريّة. وما اختيار الفنان الآسيويّ في مثالنا هذا للفوتوغراف ومنه (الفيديو آرت) إلا لفاعليّة وسائله لقراءة أفكار زمننا الحاضر ولمشاع تقنيته ومن دون جهد للتنقيب الشاقّ عن الإرث التشكيلي الآسيوي الذي أساسا يعود لأزمنة عتيقة. تبقى مساحة الحريّة المتاحة للفنان هي الفيصل في إنتاج أعمال كشفيّة أعمق وأوضح كما هو حاصل في أبرز أعمال الثنائيّ الأنثويّ هذا.

استطاعت العديد من الفنّانات تجاوز خطوط الحظر أو الحجز وفكّكوا بأعمالهم وصورهم المنظومة الثقافيّة "الثيوقراطيّة" المصادرة لحقوقهم الإنسانيّة كذوات يشكّلن نصف المُجتمع الإنسانيّ. واستطاعت أسماء فنيّة مثل العراقيّات "جنان العاني وريم القاضي" والأفغانية "ليدا أبدول" وغيرهنّ العديد من تجاوز حاجز الحجر أو الحجز الذكوريّ وكشف ممارسته الأيديولوجيّة صورا وأفلاما على قدر كبير من الإفصاح الثقافيّ والتقنية الفنيّة. وان كانت صور نشأت وشادي تؤكّدان على خطوط العزل والحجز بأوضح صوره ما بين الرجل والمرأة في الخطاب "الثيوقراطيّ" المحلّيّ. فإنّ "ريم القاضي" تسترجع تاريخ المرأة كجزء من إرث شعبيّ محلّي معرض لخروقات حوادث الحروب العبثيّة والانهيار الاقتصادي، والمرأة فيه، ما هي إلا بعض من أزقة لا تعدو أن تكون بيوت مقفلة على جدرانها المتداعية في انتظار معجزة تنتشلها. ورغم أن مشهديّة صور العاني تبرز كبؤر مضيئة بمتضادات شخوصها وخلفياتها المعتمة، فإن صور القاضي يغلفها جو ضبابي يدمج الشخوص ومحيطها بوحدة مصيرها الضبابي. أما الأفغانية "ليدا أبدول" فقد تغزلت بنفسها كما تغزلت بحجارة بلدها المتساقطة وهي تؤكد على استعادة حلاوة عسل الجنس مرادفا لاستعادة المكان الذي دمرته القاصفات.

من هنا نستخلص ما قالته شيرين نشأت في مداخلة لها حول قضيّة المرأة الإيرانيّة:"ثم اكتشفت لماذا لدى الكثير من الإلهام من النساء الإيرانياّت. ذلك، في جميع الظروف، لقد دفعن الحدود. وواجهن تلك السلطة. وحطّمن كلّ القيود في أصغر وأكبر وسيلة. ومرّة أخرى، أثبتن أنهنّ أنفسهنّ. أقف هنا لأقول لقد وجدتُ النّساء الإيرانيّات صوت جديد، وصوتهنّ أعطاني صوتي. وإنه لشرف عظيم أن تكون امرأة إيرانيّة وفنانة إيرانيّة، حتى لو أن تعمل في الغرب فقط في الوقت الرّاهن"[7]. وتختلف الفنّانات الإيرانيّات تحديدا في كيفيّة اختيارهن لموضوع عملهنّ الفنّي.

من البديهيّ تختلف في بعض الأحيان هذه الاختيارات من فنان لآخر خاصّة وإن كان يعيش خارج أرض الوطن، فهو سيجد مساحة واسعة للإبداع والخلق بحريّة. وتكون محدودة في بعض البلدان العربيّة والإسلاميّة. فيهرب الفنّان للإشتغال حول مواضيع بعيدة كل البعد عن المسكوت عنه كالسياسة، والمحضورات الدينيّة .

تُواجهنا "الثيمات السياسيّة" التي تعتمدها شيرين نشأت وشادي غادريان، كخطاب سياسيّ ونضاليّ مُباشر، لكنّها تسمح بإظهار مُمارسات وتعبيرات فنيّة قادرة على مزج خطاب المُقاومة مع استثمارات شكلانيّة مُعاصرة مجلوبة ممّا يحدث في تجارب الفنون الإيرانيّة المُعاصرة. الواقع أنّ هذا المزج هو صفة موجودة في أغلب الأعمال الإيرانيّة النسائيّة خاصّة، والتي تكشف أنّ أصحابها على صلة جيدة بما يحدث في سوق الفنون المُعاصرة، وأن بعضهم يعيش فعلاً في قلب هذه السوق، حيث يقدم المنفيين منهم مساهمته في تحويل التغريبة الإيرانيّة إلى مادة منفتحة على مؤثّرات خارجيّة لا تلغي الخطاب السياسيّ المُعلن في العمل الفنّيّ من جهة، وتسمح من جهة أخرى بتسريب مقترحات جديدة على المُمارسات المبذولة في إظهار هذا الخطاب.

هنالك العديد من المواضيع التي تندرج ضمن قضايا المسكوت عنه في المُمارسة الإيرانيّة المُعاصرة، سواء في المنفى أو داخل إيران. ولكنّ هذه الدّراسة التي يمكن اعتبارها من الدّراسات التي تحاول الخوض في مثل هذه المواضيع وتمثل محاولة استقرائيّة تُلقى الضوء على ثقافة العيب والمسكوت عنه. فاعتماد "التابوات" ضمن الأعباء التي يختزنها المورُوث الإيرانيّ، ويحملها تاريخهم الاجتماعيّ عبر الأزمان ويمثل ميراث ثقيل متوارث عبر الأجيال دون أن يكون لأحد الجرأة على تخطّيه أو مجرد الخوض فيه صراحة، تفكيكاً لمكوّناتها أو تصويباً لمضامينها، أو دراسة وتحليل لعوامل تأسيسها وتشكيلها وكيفيّة تحكمها على الذهنيّة الفرديّة أو قهرها للعقل الجمعيّ.

لكنّنا ونحن أمام هذا الكمّ الهائل من الفنّانين الإيرانيّين سواء في المنفى أو في ارض الوطن، نُلاحظ تواتر المواضيع الدينيّة والسياسيّة بشكل كبير خاصّة ونحن في زمن "الإرهاب الدّيني". الذي تجاهل صنّاع القرار الإعلاميّ الطّاغي على مسبّبات نشأته. غير أنّنا لم نلحظ وبشكل عام خطابا فنيّا سياسيّا سواء كان صوريّا أو أدائيّا حياديّا يرقى لقوّة وفاعليّة الحدث الخبري الإعلامي ومختبره الصوريّ بخطابه الأحاديّ لطرفيْ النّزاع. فرغم ذلك، فإنّ أكثريّة الأعمال التي أنتجت عن الإرهاب الدّيني هي أعمال فنيّة إعلاميّة صوريّة لا تتعدى المونتاج الفوتوغرافي والكاريكاتير الصوري والفيلمي. مع النادر من الأعمال الأخرى ذات التقنية العالية. وهو ما ساهم في إيقاظ نوازع الصّراح الديني، والإعلام المُعاصر ضاعف من فاعليته الذهنية التدميريّة ضمن مساحة الفوضى المفاهيميّة المُعاصرة وما أنتجتها من خطاب فنّي سياسي.

 

د. مبروكة بوهودي

باحثة تشكيلية في علوم وتقنيات الفنون

.....................

المراجع:

- رونالد بارثر وكاميرا لويسيدا، تأملات في التصوير الفوتوغرافي، ترجمة ريشارد هاوارد، منشورات أصلا، نيويورك 1980.

- ميشيل فوكو، فوكو صحافيا: أقوال وكتابات، وكتابات، ترجمة البكاي ولد عبد المالك، جداول للنشر والترجمة، بيروت، 2012.

- أبو بكر العزاوي، الخطاب والحجاج، مؤسسة الرحاب الحديثة، الرباط-المغرب ، 2010.

- شيفا بالاغاي ولين جامبرت، صور من إيران الفن، والمجتمع والثورة، جزء الكتابة بالنور: صور عباس الفوتوغرافيّة للثورة الإيرانية لعام 1979.

- عزمي بشارة، في الثورة والقابلية للثورة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات، بيروت،ط1، 2012.

- شيرين نشأت، الفن في المنفى ،مُداخلة تمّ تسجيلها في ديسمبر 2010، ترجمة فيصل جابر.

هوامش

[1] ميشيل فوكو، فوكو صحافيا: أقوال وكتابات، وكتابات، ترجمة البكاي ولد عبد المالك، جداول للنشر والترجمة، بيروت، 2012.

،ص198.

[2] شيفا بالأغاي ولين جامبرت،، صور من إيران الفن، والمجتمع والثورة، جزء الكتابة بالنور: صورعباس الفوتوغرافيّة للثورة الإيرانية لعام 1979، مصدر سابق، ص116.

[3] رونالد بارثر وكاميرا لويسيدا، تأملات في التصوير الفوتوغرافي، ترجمة ريشارد هاوارد، منشورات أصلا، نيويورك 1980،ص89. ص118.

[4] أبو بكر العزاوي، الخطاب والحجاج، مؤسسة الرحاب الحديثة، الرباط-المغرب ، 2010، ص 101.

[5] شيفا بالاغاي ولين جامبرت، صور من إيران الفن، والمجتمع والثورة، جزء الكتابة بالنور: صور عباس الفوتوغرافيّة للثورة الإيرانية لعام 1979، مصدر سابق، ص119.

[6] عزمي بشارة، في الثورة والقابلية للثورة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات، بيروت،ط1، 2012،ص86.

[7] شيرين نشأت، الفن في المنفى ،مُداخلة تمّ تسجيلها في ديسمبر 2010، ترجمة فيصل جابر.

 

 

24 صبيح كلشالمقدمة: المتابع لتجربة الفنان صبيح كلش خلال العقود التي قدم فيها منتجه عبر المعارض الشخصية في مسيرته الفنية، تتكون الملاحظة في ذهنه التي سيظل يتابعها بعين الرائي من خلال لوحاته، أنه يلاحق هاجسا ً إنتظم مع حياته وظل يشكل البعد الفكري لأعماله السابقة واللاحقة، ويسير بتوازي مع التطورات التقنية والإبداعية في الخط واللون لأعماله التشكيلية الحداثوية، وفي عموم التحولات التي انزاحت بها إشتغالاته عبر الزمن، التي حاول فيها أن يكون متوازنا ً في التحول والتغيير، وقام بالسير بخطوات مبرمجة للوصول إلى حالة من التكثيف لإبراز وتفجير القيم الجمالية في لوحته، في ظل نص ملازم لتطلعاته الفكرية، من خلال فهم الواقع والدفاع عن الإنسان من جور الإنسان، عبر زمن ليس بالقصير ليتعالق مع الرؤية الفكرية التي اشتغل عليها، إلا أنه ظل ملتزما لبعض الخطوط والأبعاد في لوحته التشكيلية، طور فيها، أضاف، لكنه ظل متمسكا ً في الأبعاد الأساسية التي تمثل حراكه الرئيسي في بناء اللوحة وانشائها، وهو ما سيوقفنا على تحولاته الفكرية والتقنية، في تتبع الواقع عبر مراحل تتابع زمني، وإعطائها رؤى لونية وتقنية مدروسة تستجيب اللوحة لما تمثلت به تحولاته الفكرية ورؤيته الفلسفية، من الواقعية التعبيرية إلى التعبيرية التجريدية، وإلى التجريدية التعبيرية وصولا لبعض الأعمال الأخيرة التجريدية الخالصة، والفنان كلش يتحرك بحذر في التحول والتغيير في أنشاء لوحته، لأننا نرى كثيرا ً من الفنانين الذين أستهوتهم اللعبة، تحركوا بسرعة نحو التجريدية الخالصة، من دون امتلاك الرؤى التي تمنحها التجريدية الخالصة للفنان، عالم مغاير في الرؤية والرؤيا، وفي فهم العالم الواقعي والافتراضي، فوقعوا بمعرفتهم أو من دون أدراك، في التكرار والاستنساخ، وهذه المسألة أصبحت ظاهرة في الفن الحديث، ساعدت ونمتها الأسواق الرأسمالية، في فترة ظهور منهج ما بعد الحداثة، الذي أنقسم إلى قسمين، ما بعد الحداثة التي تروج له الأسواق الرأسمالية، وما بعد الحداثة برؤى فنية مواكبة لتطورات العصر، وما أحدثته التطورات في تكنولوجيا الإتصال والمواصلات وعموم الانساق الحياتية والعلمية، من دون الإنزلاق في ترهات ما تطرح الرؤية السوقية في (ما بعد الحداثة الرأسمالية). بإلغاء البناء التقني للفنان، وأن كل شخص يمكن أن يكون فنانا ً، ويعلن عن نفسه في السوق.

21 صبيح كلش

روح العصر وبناء الإنسان

قبل أن نلج في تقنية كلش، فإننا نقف أمام تجسيده للنص الذي بنى فلسفة لوحته عليه، ففي كل تجاربه منذ كان اللون البنفسجي يهيمن على بقية الألوان في لوحته، بنوع من الفرح والانتشاء، والجسد الإنساني بعضلاته المفتولة وبراعة التشريح الذي يشكل المساحة التي يرتكز عليها بناء اللوحة، فانه كان يستخدم هذه التقنيات لإبراز الثيمة التي استحوذت على بنائه الفكري ومنطلقه الفلسفي كما سبق القول، النضال من أجل حرية وسعادة الإنسان، والدفاع لكشف الظلم الواقع عليه عبر الخط واللون، لقد اندمج منذ بواكير شبابه في البحث عن الخلاص، عبر البحث عن أسباب آلام الإنسان ومعاناته، هذه الفكرة التي جعلها العنصر الأساسي في نضاله من اجل رفض العبودية والذل للإنسان، كانت في السابق تظهر في أعماله بصورة مباشرة، من خلال التشخيص، ولكنه زاول التسلسل والتدريج، ليجعل التشخيص يتوارى خلف قوة الخط واللون، لإعطاء موسيقى في حركة اللوحة ما بين اللون والخط وهوامش ظلالية لأشخاص أو طبيعة صامتة، تغيب خلف المساحات اللونية، وهي تقنية تواكب تطلعات الفن الحديث، لإبراز اللون على حساب التشخيص.

22 صبيح كلش

الصياغة اللونية تمحو النص…

مع التكثيف الذي عالج الفنان الرؤية التشكيلية للوحته في أعماله المتأخرة، أندمج في تعبيرات ذاتية، استطاع اللون من الهيمنة على المساحة الأكبر من اللوحة، وقد ظهرت هذه التقنية، خلال فترة ما بعد الحداثة التي اجتاحت عالم الفن، ما بعد منتصف القرن العشرين، والتي منحت الفنان مساحة أكبر للتحرك على ظهر لوحته، ولكن ظل هاجس الفنان في كيفية توصيل الفكرة أو النص لعين الرائي، خصوصا في عالم الشرق لأحداث الاندماج العاطفي والاندهاش الجمالي في تبني النص بدون التجسيد، وهي النقطة التي ارتكزت عليها أعمال الفنان صبيح كلش، خلال مسيرته المتأخرة، وهنا نجد كثافة المعالجة اللونية بديلا عن التشخيص لإبراز نص يحتوي على عنصري الفكرة والجمال، باللون وقوة الخط، ومثلت إعماله هذه الانطلاقة لأحداث الصدمة في الرؤية البصرية بين مركزية اللوحة، وتفرع المركز إلى مراكز، وكما يراها الناقد فضل خلف جبر في معرض تحليله للوحة، ” الاجتياح/ Invasion” يكتب لتحليل عملا واحد ولكنه، يعطي تصورا عاما ً لبقية أعمال كلش مع اختلاف الرؤية البصرية، في التقنية والنص لكل لوحة على إنفراد، ” الهدوء الظاهري الذي يشيع في فضاء اللوحة يعمل بمثابة آلية من آليات الخداع البصري. فما أن تستسلم عيناك منجذبة لسحر التوازنات البصرية حتى تلتقي بعيني الثور! من هنا تبدأ رحلة قراءة وتأويل اللوحة من جديد.”، وقد تحققت هذه الرؤية من خلال التقنية اللونية، التي أستطاع الفنان من وضع الألوان المتضادة في تقابل جريء، الكتلة منفصلة ولكنها تخضع لوحدة الموضوع، فالألوان الحارة التي أخذت مساحتها في لوحته… الأحمر وتدرجه، البرتقالي و الممزوج بالأرجواني، مع تأكيد اللون الأسود بحديته وكونه لون فاصل، لكنه استطاع من تحييده، ووضعه ضمن الاندماج الكلي لتوازن الشكل العام للوحة. ووازن بين الألوان الحارة، أمام الألوان ذات الطبيعة الباردة، الأصفر بتدرجاته والتحامه مع اللون الأحمر لإنتاج ما يخفف حدية اللون الأحمر، واللون الأزرق وتدرجه لإيجاد مساحة للون الأرجواني والأخضر، والمساحات التي يتداخل فيها اللون الأبيض، في هذه الاشتغالات، وهو ما يجعلنا أن نقول: لا يمكن إغفال دراسة، التشفير والرموز في لوحته السابقة والحالية، التي عمل على أن يكون المحتوى العام للنص قابل للتأويل على ضوء حركة اللون والخط، وبها إستطاع أن يمنح العمل ذو البعد الواحد، ثلاثة ُ أبعاد. لم يخرج كلش عن بناء اللوحة على اسس أكاديمية، بالرغم من الانتقال إلى ضفة الحداثة وما بعد الحداثة، فما زالت لوحته ترتكز على بناء هندسي، وقاعدة تحمل هذا البناء، بعيدا ً عن الانفعالات الذاتية، فهو بناء مدروس، مركزية البؤرة، على الرغم من تشظيها إلى بؤر متعددة، ولكنها تعود لوحدتها في انسجام لوني، تتخلله هذه الموسيقى اللونية التي تتمتع بها أعماله المتأخرة، ولهذا فهو يهتم بتوازنات الكتلة والفضاء، وما سماها الناقد فضل خلف (التوازنات البصرية)، هي في الحقيقة التوازن العام للوحة، بين الكتلة والفضاء، وأدراك أبعادهما داخل بناء اللوحة، في كيفية رؤية المساحات اللونية الباردة، في مواجهة الألوان الحارة.

23 صبيح كلش

الرموز والتشفير…

يلجأ الفنان صبيح كلش، إلى إدخال رموزه من الطبيعة الصامته والحيوانات، بقصدية واضحة، فكل العناصر التشخيصية التي يدخلها تحمل صفة الصلابة والقوة، الثور بما يمثله من حالة الرعب إذا هاجم، والصخرة بصلابتها إذا إحتك بها أو احتكت بشيء، وبعدها يدخل عامل اللون ليوضح الحالة مع الألوان الحارة، الأحمر الأسود، الأرجواني، البرتقالي. ثم يعكس وجهة نظره في الكتلة المقابلة لكتلة القوة والصلابة، التي تحمل الخوف والرعب، من دون التحول عن الرؤية البصرية لعموم اللوحة، فالنظر إلى الكتلة المتناظرة والتي يسود فيها الطمأنينة والسلام، الأبيض والأزرق بما تحمله هذه الألوان من الهدوء والراحة النفسية، ولكنها كتلة أقل فاعلية في الرؤية البصرية، أمام جبروت القوة والاضطهاد في الكتلة الأكبر والأساس، وتساعد مساحات اللون للسماء أو الفراغات حول وبين الكتلة على سطح اللوحة في تكريس هذه الرؤية وترسيخ العلاقة بين طرفي المعادلة في النص، اللوحة عند الفنان صبيح متعددة الرؤية البصرية ولكنها تجتمع في المركز الذي شظاه للوصول إلى النص الذي يشتغل عليه، وهكذا تلتئم العناصر لتوصل لنا من خلال القيم الجمالية ما يريد أن يقوله لنا، وعندما يستعيض عن الحيوانات ذات القوة للتعبير عن الاضطهاد، يقدم في لوحته حيوات اقل شأنا ً، ولكنها أخبث مضرة، الذبابة أو الغراب، لتلتئم مع الجانب المظلم في النص.

الحرف العربي ومدخلات الرؤية الجمالية

امتازت لوحات الفنان صبيح كلش، عبر مسيرته بإظهار الحرف العربي بكثافة في لوحاته بإشكال مختلفة ومساحات متعددة، مجسدا رؤية، في تجسيد تطلعاته الفكرية عبر اللوحة الصامتة من خلال اللون والخط ليجعلها تنطق، وتتحرك إمام الرؤية البصرية للمتلقي، يقول فيها الناقد ناصر أبو عون ” صبيح كلش يحيلنا تاريخيا إلى الفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد مبدع فكرة مدرسة البعد الواحد الذي أكَّد على: ” أن تحقيق البعد الواحد بواسطة الحرف العربي هو نزعة تأملية لوجود الذات الإنسانية عند مستوى الوجود الكوني ”، حيث وجد في الحرف العربي القيمة التشكيلية القادرة على بناء كيان جمالي تجريدي. ”، أن ما يتحدث عنه الناقد ناصر أبو عون، هو مرحلة بدء الولوج في الرؤيا الصوفية للفنان صبيح كلش، فهل نعتبر إن البناء والتشييد الذي كون وحدات العناصر المتآلفة، والتي يعتبر فيها الحرف العربي مكملا لذات اللوحة، أو في بعضها وحدة منفصلة ؟، خلفية أو منفصلا عنها، لأننا إزاء أعمال يتكرر فيها احتشاد الحرف العربي، آية قرآنية قصيدة أو مأثور بصوره المفردة أو ضمن بناء لغوي،، ومن الرؤية البصرية العامة للوحة يتكون الحرف من منظور اكتمال البناء أن كان في المقدمة بكثافة اللغة الشعرية، أو خلفية مفرغة لظهر العمل، وهو ما يجعلنا نقول أنه نجح في توظيف الحرف وجعله أحد العناصر الرئيسية للعمل، ولم يكن الحرف وسيلة في داخل اللوحة، أنما قيمة جمالية مقصودة لإظهار جماليته وما فيه من قدرات جمالية في الرؤية البصرية في البناء العام للوحته، وبما يمتاز به الحرف العربي، في الليونة التي تساعد على التحوير وبناء الشكل، وزخرفته بمتواليات لا نهاية لها، وهي تكملة لابتكارات الفنان الإسلامي في العصور المتقدمة، التي امتاز بها الفن الإسلامي وتجريداته فيما بعد. أن التحولات في النص والتقنية، لدى الفنان جرته إلى الرؤى الصوفية في تحرير الإنسان من ذاته، والتحول نحو المطلق في بناء العلاقة الإنسانية بين الفنان والمتلقي، ولكن استمرار شده النفسي نحو الواقع الأليم الذي يعيشه إنسان عصرنا أو بلده العراق، يعيد ترتيب الأفكار لدمج الروح الصوفية التي تظهرها الطاقة اللونية في لوحته، وبين النص للنضال من أجل الإنسان والانحياز له، وهذا ما يجعل الفنان صبيح كلش يحتل مساحة في الساحة التشكيلية العراقية والعربية، وينظر لتجربته التي تتطور، وتتحور وتنمو فكريا ً وتقنية، بعين الاهتمام، كواحدة من التجارب المهمة في الحركة التشكيلية العراقية والعربية.

صبيح كلش

• صبيح كلش جبر المحمداوي.

• ولد في مدينة بغداد عام 1948

• بكالوريوس رسم – كلية الفنون الجميلة – جامعة بغداد. 1974 – – دبلوم عالي في الرسم – المدرسة العليا للفنون الجميلة (البوزار) باريس – فرنسا. -1981/ ماجستير في الرسم -جامعة السوبربون – باريس – فرنسا. -1983/ دكتوراه في تاريخ الفن المعاصر – جامعة السوبربون- باريس – فرنسا. -1989/ عضو برابطة الفنانين الدولية. -1970/

• عضو نقابة الفنانين العراقيين. -/ عضو جمعية التشكيليين العراقيين./ عضو الرابطة الدولية للفنون التشكيلية (اليونسكو).-1973/عضو فخري في الجمعية العمانية. -2000

• المعارض الشخصية: له سبعة معارض شخصية / قاعة براتسلافا 1970 قاعة البوازر –باريس 1981 قاعة كولومب- باريس1938 قاعة حوار –بغداد1996? قاعة المعرض الدائم الاردن 1999 قاعة بلدنا-الاردن 2000 قاعة الجمعية العمانية- سلطنة عمان 2005. قاعة أكد . بغداد 2014. تونس 2014

• اغلب المشاركات:- مشاركة في معرض الفن العراقي المعاصر/باريس 1976 تونس1993? عمان 1994 لندن 1990./ مشاركة في معرض بغداد العالمي الاول للفن التشكيلي للاعوام/1968 1988./ معرض رابطة الفنانين الدولية – براغ. -1974/ معرض الشباب – باريس. -1979/ معرض الفنانين العرب – فرنسا. -1980/ معرض موناكو – فرنسا. -1984/ معرض وكالة الغوث الدولية – لندن. -1991

 

مؤيد داود البصام

 

 

كاظم شمهودكان لظهور الجماعات والتجمعات الفنية خلال التاريخ دورا محوريا في تطور التجارب الفنية واكتشاف وابتكار قيم جمالية وفكرية جديدة وانصهار الفرد مع الجماعة بقوة نحو التغير في التقنية والحداثة .. وخير مثال على ذلك جماعة el paso (الخطوة) الاسبانية والتي ظهرت عام 1957 بعد الحرب الاهلية وهو اكبر تجمع فني يحدث في تاريخ اسبانيا حيث ضم فنانين تشكيليين وادباء و نقاد ومعماريين، وقد وصل عددهم الى 13 فنانا وقد جاءوا من مختلف المدن الاسبانية وحطوا في مدريد واصبح غالبيتهم اليوم من رموز الفن العالمي . وهم

Rafael Canogar، Luis Feito، Juana Francés،Manolo Millares، Manuel Rivera، Antonio Suárez، Antonio Saura ،Pablo Serrano. José Ayllón، Manolo Conde. Martín Chirino، Manuel Viola. Antonio Fernández Alba.

وقد جاء في البيان الاول لهذه الجماعة (الباسو ولد نتيجة لظروف صعبة وازمة متفاقمة في حركة الفن والادب وفي كل الاتجاهات، ومن موقع الالتزام الاخلاقي اصبح لدى هذه الجماعة قناعة عميقة بظرورة عمل شئ داخل البلاد ... ونعتقد ان فننا سوف لم يحالفه النجاح اذا لم يملك الهم والقلق الذي يدفعه بملازمة رموز العصر ويقدم صورة متفائلة بارتباطه مع حركة الفن الاكثر تجديدا ومعاصرة .. سنذهب الى فن تشكيلي ثوري على خط الاقدمين ونعبر عنها تعبيرا مباشرا تتجاوب مع معطيات الحركة الفنية العالمية .. . والباسو هو عبارة عن نشاط وحركة لرفع المعنويات الروحية في الوسط الفني الاسباني ...) وهنا يقصد على خط الاقدمين هو ما قدمه الفنان غويا في اعماله الثورية الاخيرة التي هاجم بها الاحتلال الفرنسي وتقاليد الكنيسة والتقاليد الجامد والمتخلفة التي كانت سائدة في ذلك المجتمع .

وكان هدف هذا التجمع هو تحريك الساحة الفنية والادبية في اسبانيا بعدما اصابها العطب والجمود نتيجة للحربين العالميتين والحرب الاهلية الاسبانية1936-39 التي جلبت الفقر والمآسي والويلات للمجتمع الاسباني، وتشجيع اهل الفن للنهضة والتجديد بخط طلائعي ثوري بغض النظر عن تنوع الاساليب والتقنيات . وكان هؤلاء الفنانين في الواقع مختلفين في اساليبهم وافكارهم . فمنهم التعبيري ومنهم اللاشكلي ومنهم التجريدي والطلائعي ومنهم سلك مذهب الحداثة مثل رافائيل كانوغار ومنهم ما سلك ما بعد الحداثة مثل انتونيو سورا ومنهم من اتخذ اكفان المحنطين القداما رمزا لاعماله مثل ميارس ومنهم من كانت اعماله وليدة اللحظة مثل لويس فيتو .. وهكذا نجد كل فنان قد سلك مذهبا حديثا ..

و قد اتخذ هذا التجمع- (الباسو- اي الخطوة)- شعار الثورة الطلائعية وهو يعني انهم يمثلون الخطوة الاولى لمشروع النهضة الفنية الشاملة في اسبانيا ورفض ما هو تقليدي جامد، ومراكبة حركة الفن الاوربية . . وكان اول معرض للجماعة في عام 1957 في صالة مكتبة بوجوليث Buchholez- - في مدريد .

التجمعات الفنية:

ظهرت التجمعات الفنية منذ زمن بعيد واخذت اشكالا متنوعة تبعا لمقتضيات تلك العصور واهداف واغراض اصحابها ومنشأيها . وكان طابعها السائد الفكر الديني والتجاري وكانت تتبع في عملها الاساليب الموروثة والشائعة في ذلك الوقت مثل الفن البيزنطي والغوطي .. فكان كل مصور يقود نخبة جيدة من الرسامين والمزوقين للعمل في رسم الجداريات الدينية في الكنائس او بلاطات الملوك والنبلاء وطبقة الاغنياء . وكان من اوائل هذه التجمعات هي تجمع الفنان الايطالي شيمابوية -1240-1302 م والذي يعتبر استاذ الرسام الايطالي المعروف جيوتو 1267 وهذا الاخير عاصر مدرسة بغداد وصاحبها الواسطي، وقد كتبت عن هذا الموضوع مفصلا وسينشر قريبا .

و بعد الثورة الفرنسية 1789 واتجاهها العلماني ازداد الوعي الاجتماعي وانطلاق حرية الفكر والانسلاخ عن هيمنة الكنيسة وقوانينها الصارمة بل ان نابليون ذهب الى ايطاليا واعتقل البابا ورماه في السجن كما ذهب الى اسبانيا وقضى على محاكم التفتيش السيئة الصيت .. ثم ظهرت تيارات فنية وادبية كثيرة منها جماعة الانطباعيين عام 1874 في باريس ثم جماعة الجسر التعبيرية الالمانية عام 1905، وجماعة الوحشيين عام 1905، وجماعتي السرياليين والدادائية بين اعوام 1916 و1921 . وهكذا اخذت تظهر هذه الجماعات و التجمعات الفنية والفكرية بالتتابع ولعبت دورا كبيرا في النهوض بالثقافة والفن وحركته الثورية في التغيير والتجديد .

وفي عالمنا العربي كانت مصر هي السباقة في اول تجمع فني اطلق عليه – الجمعية المصرية للفنون الجميلة – ظهر عام 1920 وقامت اول معرض لها عام 1921 . اما في العراق فكان الوضع السياسي عام 1941 مظطربا حيث انقلاب رشيد عالي الكيلاني والذي كان يشغل رئاسة الديوان الملكي وهروب نوري سعيد مع الوصي عبد الاله الى الخارج ولكن الثورة لم تدم الا بضعة اشهر فعاد الانكليز نوري سعيد وعبد الاله الى الحكم وكان هذا الانقلاب يطلق عليه المحللون – انقلاب القصر – ولم يكن ثورة شعبية وفي الحقيقة كان الفريق حسين فوزي رئيس الاركان العامة للجيش هو محور الانقلاب ؟؟؟ ... هذا الوضع المرتبك شكل نقطة وعي لدى الطبقة المثقفة وخاصة الفنانين ودعى النخبة منهم الى ظرورة تشكيل تجمع فني يكون في خط المواجهة ومستوى الاحداث خاصة بعد تواجد الفنانين البولونيين في بغداد، فظهر تجمع اصدقاء الفن عام1941 وكان يجمع هؤلاء حب الفن والتطلع الى مواجهة التخلف الاجتماعي ومراكبة حركة الفن العالمية، ثم ظهرت في الخمسينات والستينات تجمعات كثيره منها ذات ابعاد فكرية مرتبطة بالتراث واخرى كرد فعل لتطور الفنان واحتكاكه بالخارج ومنها محاولة نقل تجربة الغرب بمدارسها وتقنياتها الى الحركة الفنية المعاصرة في العراق ..

ويذكر ان هناك فرق بين الجماعات والتجمعات، فالجماعات هي التي تتوحد رؤيتها في اتجاه واحد واسلوب واحد مثل المدرسة الانطباعية في فرنسا حيث كان همها هو دراسة اللون تحت تأثيرات الضوء والظل .. وكذلك مثل جماعة الرواد(البدائيين) التي قادها فائق حسن حيث كان يخرج مع عدد من الرسامين مثل زيد صالح وخالد القصاب وغيرهم الى بساتين الجادرية في بغداد ويرسموا هناك المناظر الطبيعية وكان قسم من هؤلاء يتعرون ويرمون انفسهم في النهر فكان فائق يقول لهم متهكما انتم (برمتف) يعني بدائيين وكان فائق كثيرما يتلفظ بكلمات فرنسية فيضحك عليه اصحابه وبالتالي سمو انفسهم البدائيين (الرواد) .. اما التجمعات الفنية فهي التي تضم عدد من الفنانين يختلفون في الرؤى والاساليب والاتجاهات ومستوى الوعي الفكري مثل جماعة اصدقاء الفن التي ذكرناها سابقا حيث كان همهم حب الفن والتطلع الى الحداثة والتغيير .. وذكر اكرم شكري احد اعضائها انهم استطاعوا من رفع مستوى الفن المدرسي الى فن حديث فيه شئ من الابداع بمعنى انهم في بداية الطريق(1941) ... وكذلك من التجمعات الفنية هم جماعة بغداد حيث ذكر شاكر حسن أل سعيد عام 1975 (1 - تثبيت موقفنا السابق في التعبير عن الطابع المحلي بواسطة الاساليب العالمية الحديثة) . وكذلك تجمع الخطوة el paso التي ذكرناها سابقة . حيث كان لكل فنان اسلوبه وتقنياته الخاصة به .

على اية حال فان مسيرة تاريخ الفن العراقي المعاصر وتجمعاته الفنية نجدها اليوم في كتاب – فصول من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق – للاستاذ شاكر حسن أل سعيد لعام 1983 .. ولكن هناك ملاحظة حول هذا الكتاب حيث ان اكثر من نصفه هو عبارة عن اعادة لما كتبه سابقا المؤرخون والكتاب والنقاد العراقيون ولكن الاختلاف هو الاسلوب الروائي والادبي الجميل الذي كان يتميز به شاكر وعلى اعتبار انه كان احد مؤسسيها و شاهدا عليا .. .. تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

كاظم شمهودطرحت فكرة مدرسة الفن البنائي في روسيا منذ بداية القرن العشرين خاصة في النحت وتمثلت في استخدام مواد خام خالصة حيث استخدموا المعادن والزجاج والحديد والصلب، وخلقوا في بنائها علاقة داخلية ديناميكية بين الكتل المصمتة والخطوط والفراغات .. وكانت هناك رغبة في تخليص جميع التركيبات الفنية من الظواهر الطبيعية والرغبة في خلق حقيقة جديدة . وبالتالي فهو فنا ذا شكل خالص، وقد يكون هذا الفن يخاطبنا ليس بلغة الذهن الواعي ولكنه يستخدم نفس قوانين البناء والتي نجدها مشروعة عند الفنانين في كل زمان، غير ان الاهداف مختلفة .. ورغم جفاء غالبية الناس من تذوق هكذا لون من الفن ولكن تبقى من الاعمال الانسانية المعتبرة، وان لم تكن قد ارتبطت بالشكل الانساني الا ان هذا الفن قد اعتمد على التركيبات النابعة من الرغبات الوجدانية .. اما ان هذه الاعمال جميلة او لا، فهي موضع نقاش وتسائل؟ ويقودنا ذلك الى سؤال ما هو الفرق بين الفن والجمال؟ وهو موضوع فلسفي معقد وطويل، وقد بحثه من قبل الفلاسفة والمؤرخون. وقد قال النحات المعروف رودان (ان العناصر التكعيبية مثل الخط والكتلة تكمن وراء قوانين الحياة كلها والجمال كله) اما الشخص العادي المتذوق للفن فيكون ذلك صعبا عليه في فهم وهضم وتذوق هذا اللون من التشكيلات . ولكنه يمكن له ان يشخصها ويعرفها بانها اشكال هندسية فقط ..

النحت الحديث:

يقسم بعض المؤرخين النحت الى عدة انواع منها :

1- النحت المباشر وهو النحت الذي يقوم على الحفر على الحجر مباشرة او الخشب او الطرق على المعادن، وهو النحت الملائم والذي عاشه فنانوا الاغريق وعصر النهضة امثال مايكل انجلو .

2- النماذج النحتية البدائية مثل النحت الزنجي والمكسيكي وهنود المايا والاغريقي القديم وكذلك نماذج من الفن المسيحي الاول . ويشير بعض المحللين على ان حساسية الفنان البدائي الجمالية لا تختلف درجتها عن حساسية الفنان المعاصر .

3- عمل النحت بواسطة القوالب وتزعمه الفنان الفرنسي اوغسطين رودان 1840 - حيث يعتقد انه اول نحات في التاريخ فتح الباب على مصراعيه لهذا النوع من العمل . رغم ان مايكل انجوا احتقر فن الاستنساخ وعده ليس فنا، ولكن اليوم نتيجة للطلب المتزايد على الاعمال النحتية والاقبال على الاعمال الكبيرة اصبح من الظروري استخدام طريقة القوالب حيث توفر الوقت والاموال ويقلل من التعب والارهاق . وهي اليوم ظاهرة تجارية نعيشها في كل انحاء العالم .

4- الفن الحديث ودخول التكنولوجيا والميكانيك عليه، وقد يحدث احيانا ان يتشابك الفن البدائي والفن الحديث كما حصل في المدرسة التكعيبية .. والفن البنائي هو جزء من هذه النزعة نحو الحداثة واستخدام العمل الميكانيكي الهندسي المبني على مواد خام خالصة ..

95 الخورخي

رواد الفن البنائي:

يعتبر النحات الاسباني خوليو غونثالث 1876- الاب والممهد للنحت التجريدي المعاصر وهو الاول الذي فتح الباب للنحت الحديدي ذو الابعاد الهندسية بطريقة الطرق والصهر بالنار، وكان خوليو يشتغل مع ابيه حدادا وبالتالي كانت ميوله نحو النحت منذ كان شابا صغيرا فجاءت اعماله خالصة وصادقة . وقد شكل مدرسة واثر على معظم فناني العالم .. اما الفنان الانكليزي انتوني كارو 1924 Caro – فيعتبر احد تلاميذ هنري مور ومن المتأثرين به ولكن عندما سافر الى الولايات المتحدة انبهر باعمال فنانيها وموجة الحداثة والتجريد .. فابتعد عن الفن الشكلي واخذ يعمل بطريقة لحيم الحديد وبناء قطعه بشكل هندسي، وهو يعتمد بذلك على مواد خام غير منظمة او ما يصطلح عليها- سكراب – او بقايا وفضلات ورش الحدادة ويكون منها تشكيلات ولغة فنية جديدة . وعادة ما تكون هذه القطع مصبوغة بالوان صافية حارة. وقد شاهدت له معرضا ضخما في تاتي كالري في لندن قبل عدة سنوات وقد عرض فيه اعمال تتكون من قطع مختلفة من مادة الحديد مثل القطع التي تستخدم في البناء او سكك القطارات كما شاهدت له اعمال اخرى عبارة عن تكوينات نحتية تتكون من مواد خرق قماش وخشب وحديد وغيره .. ويذكرنا ذلك بحركة البوب آرت واستخدامها للمواد الرخيصة في تشكيلاتها الفنية والتي نشأت في البلد الذي حط فيه كارو .. وفي اسبانيا ظهر النحات خورخي اوتيثا 1908 – واتجه نحو التجريد في عقد الاربعينات واشتغل في فلسفة الفراغات والفجوات ودورها في جمالية اعمال النحت وشكلت اعماله حوارا بين المادة والكتلة والفراغ حيث استخدم الاشكال الهندسية وعدها وسائل لغوية في التعبير عن مفاهيمه الجمالية . ورغم ان خورخي كان يساريا وهرب الى امريكا الجنوبية من حكم فرانكو الا ان اعماله لم تتأثر بالمدرسة الاشتراكية كما هي مثلا عند فناني المكسيك وامريكا الجنوبية .. وقد شاهدت له مقابلة تلفزيونية حوارية كان فيها يشتكي من تعامل المسؤلين معه وسرقة افكاره واشكاله وكان عصبيا في خطابه . وذكر انه الآن قد توقف وتخلى عن النحت وانه قدم كل ما عنده ولا حاجة للاستمرار ... وكانت حياة خورخي يسيطر عليها الحزن والقلق والاضطراب حيث انهى معظم عمره بالمنافي والبعد عن اهله ووطنه وبالتالي يبدو انه يأس من الحياة، مما ادى ذلك بالاخير الى انتحاره ..

 

د. كاظم شمهود

 

 

إن اجتماع التعددية في شخص واحد لابد أنه يؤثر في بعضهما البعض، فأعمال الفنان محمد البندوري تتميز بالدقة، ومعيارها الوحيد الإبداع والجمال، ذلك ما نلاحظه في أعماله النقدية التي تناولت بالنقد والدرس العديد من الفنانين، فهو دائما يسعى إلى إبراز مكامن قوة العمل ونقطه المضيئة متوسلا في ذلك ببراعة الناقد وخبرة الفنان.

ويعتبر الكاتب الباحث والناقد محمد البندوري أول من صنع رؤى نقدية كبيرة المرامي في الفن التشكيلي المغربي والعربي، بأساليب في الكتابة النقدية التي ترسخ الجانب الموضوعي الصارم والحازم في التناول دون إقصاء للجانب النفسي والشعوري والروحي، من خلال تصوراته النوعية التي تتخذ من عملية البحث العميقة روحها الثقافية والنقدية، والتي تأخذ بعين الاعتبار الصيغ الجمالية التي تستجيب لعملية الابتكار والإبداع والتقنية الحديثة التي هو على علم كبير بكل خباياها. يطرح الناقد الباحث محمد البندوري قضايا نقدية عدة منها ما يلامس التشكيل في جوهره، ومنها ما يتخذ من الخط العربي مادة نقدية في عمقها النقدي الفلسفي التعبيري لمجموعة من الإشكالات، ويجيب في الآن نفسه عن تساؤلات تحرك الزمان والمكان. إنه أول ناقد يصنع مساحة نقدية للخط العربي في النقد الأدبي العربي من خلال كتابه جمالية الخط العربي في تقويم النص الشعري بين النقاد العرب القدامى والمحدثين،[i] وهو بحث أكاديمي بجامعة القاضي عياض بمراكش بالمغرب. ورد عنه في مجلة طنجة الأدبية: " فقد حاول الكاتب من خلال هذا البحث أن يجد للخط العربي مساحة في النقد الأدبي العربي باعتباره أحد الرموز المهمة في بناء الحضارة الانسانية."[ii] وحول هذا الكتاب النقدي للناقد محمد البندوري ورد في جريد الاتحاد الاشتراكي أن الناقد محمد البندوري قد وضع الخط العربي تحت مجهر النقد الادبي العربي.[iii] وفي جريدة الخليج: " لقد أوجد الناقد الباحث المغربي محمد البندوري للخط العربي والمغربي تحديدا مساحة نقدية في الأدب والفن العربيين، من خلال أبحاثه النقدية في التراث الأدبي المغربي خاصة والعربي عامة، والمغربي تحديدا، حيث أرسى لبنات للجماليات التي يتمتع بها الخط المغربي موظفا إياها في تقويم النصوص الشعرية وقصائد النثر، خصوصا منها المغربية، ولا غرو في ذلك، فهو الباحث المتمرس في جماليات الخط، صافح من خلال نقداته العلمية وعي العرب منذ القديم بجمالية الخط العربي ومنه المغربي، وإدراكهم لدور الخط العربي في تعميق صيغ الجمال على مستوى النصوص سواء الشعرية منها أو النثرية. وقد حاول محمد البندوري أن يظهر الخط العربي والمغربي خارج الإطار المتعارف عليه، وحمله بأشكاله الخطية ورموزه الإيحائية مجالا يحمل في طياته مضامين عميقة تجعل منه أداة جمالية نقدية قوام للوظيفة البصرية، فشكل لغة جديدة للتعبير بمنطق يرتكز على الجمال في أصوله وتقنياته."[iv] وحسب الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب فقد:" أبرز محمد البندوري القدرة النقدية للخط العربي من خلال انطباعيته وقدرته على تشكيل المكان وتفاعله مع الألوان الأدبية واستقراء معانيه الدلالية والشعرية وموسيقاه حيث تتغير المقاييس البلاغية قياسا بالمعاينة البصرية التي تعتمد الواقع المرئي للكلمات والعبارات شعرا كانت أم نثرا، مخصصا بذلك مساحة من النقدات العميقة على المستوى الدلالي والبلاغي وفي مكونات الحرف العربي عامة والمغربي خاصة والتي صبت على إثبات جمالية المبنى والمعنى، وذلك من خلال كتابه النقدي الفريد في العالم العربي: جمالية الخط العربي في تقويم النص الشعري بين النقاد العرب القدامى والمحدثين، ليخلق به مساحة للخط العربي في النقد الأدبي العربي، وقد تدخلت عوامل عدة في هذا الإنجاز العظيم ومن أهمها كون الباحث محمد البندوري يجمع بين البحث العلمي الأكاديمي وبين الممارسة الخطية والفنية."[v]

وأيضا من خلال كتاباته الفريدة التي يتقاطع فيها الجنس الأدبي والنقدي والفني والشعري والتشكيلي والدال الخطي، فكان بذلك سباقا لصنع مجال نقدي للخط العربي والمغربي في النقد الأدبي العربي. وقد تعرض في ذلك إلى التجربة الخطية في علاقتها بالنقد الأدبي العربي القديم، وتعرض أيضا للتجربة الحديثة للخط المغربي حيث وجه نقدات صريحة حول الخط المغربي بقوله في كتابه الآخر: الخط المغربي المبسوط والمجوهر: "... غير أن الخط المغربي لم يحظ بهذه الأهمية، ولم ينل حظه من التقعيد والتقييد والضبط، بالرغم من تفرعه إلى أنواع متعددة وأشكال مختلفة، وبالرغم أيضا من بروز جمالياته اللامتناهية... إلا أن عملية التقعيد والضبط والتقييد ظلت حبيسة المجال النظري ولم يدفع بها الوعي النقدي إلى مجال التطبيق والممارسة الحقة.."[vi] وتقول عنه نجاة الزباير مديرة تحرير كتاب أفروديت في تصديرها للكتاب: لقد نحت تجربته من خلال عوالم مشبعة بثقافة عالية، ترتكز على النبش في التراث، لقبته بصانع الأوائل. وتقول عنه في كتابها فواكه الصرخة: " يشعل ذاكرتك بأسئلة تركض فيها أسماء وتجارب.. يوقد مهجته سراجا للفن الأرقى.. وهو يحمل قلما أدبيا خارقا وأسلوبا آسرا[vii] ولا شك في ذلك، فالناقد محمد البندوري قد راكم جملة من التجارب النقدية، يلخصها علي سعد القتيبي في صحيفة فنون الخليج بقوله: "وتجدر الإشارة إلى أن الكاتب الناقد محمد البندوري يستمد كينونة أعماله وأبحاثه النقدية من مرجعيات تراثية مغربية وعربية، ومن تجارب راكمها على مر السنين... وذلك اعتبارا إلى الدور الجمالي الأكثر فعالية وشمولية وكونية، وقد تسلم الناقد محمد البندوري ضمن الأيام الثقافية المغربية في عالم نوح للثقافة والفنون درعا تكريميا لأبحاثه النقدية وعطائه الإنساني[viii] ويحرص الناقد المتمرس محمد البندوري بقلمه على أن يظل في صلب الثقافة بكل تفاصيلها، حيث يستمد منها طاقته الابداعية التي تقوده للمرة تلو الأخرى نحو ابتكار جديد النقد العربي في تشكيله أو أدبه، والتنويع في العملية النقدية، وذلك من خلال أبحاثه وقراءاته النقدية التي لا تنقطع في كل المواد والأعمال التشكيلية التي لا يوجد لها نظير في العالم العربي. وفي ذلك يقول عبد الغني بلوط في جريدة هيسبرس: " .. ويعتبر الفنان التشكيلي والباحث والناقد المغربي محمد البندوري أحد أبرز النقاد والباحثين المميزين، إذ يعتمد أساليب راقية وحضارية في معالجة مختلف المواضيع التي تلامس الموروث الفني في شموليته على أنه نسيج حضاري في وجدان الأمة.."[ix] ونفس الرأي يعضده الصحفي والإعلامي نور الدين بازين في جريدة القبس الكويتية: " ومحمد البندوري باحث متمرس في تاريخ الخط المغربي وفي الجماليات يتخذ مادته الجمالية أداة لتحريك مكنونات التراث العربي والمغربي، ويجعلها في مختبر العمليات النقدية ويرتقي بها إلى المادة الفنية المبتكرة الجديدة النوعية الفريدة على كل المستويات.[x] ويضيف إلى ذلك عبد الفتاح شهيد في كتابه من جماليات الفن التشكيلي الحديث في المغرب:" .. ألفت في محمد البندوري أفقا رحبا للارتقاء، وتجريب لحظات الكشف، وتعميق تصورات الجمال والحب ... إنه يمتح من التراث ما يشده إلى أصوله، ويعمق انتماءه العربي الاسلامي والإنساني "[xi] طبعا إنه الناقد التشكيلي والباحث في الجماليات، لذلك

فالناقد محمد البندوري يتوفر على جرأة نقدية صرفة، اكتسبها من رصيده المعرفي النقدي وثقافته النقدية الموسوعية المغربية والعالمية، ويظهر ذلك جليا من خلال نقداته الخالدة للفنانين الكوريين والايطاليين في كتاب أضواء هاربة في غابة اللون والشكل،[xii] وفي جريدة مراكش الاخبارية وفي جرائد مغربية ودولية. وتظهر تلك الجرأة النقدية أيضا من خلال تفاعله النقدي المستمر مع مختلف الحقول الأدبية والفنية في علاقتها بالتشكيل، وهو يدل على عمق التجربة النقدية للناقد المثالي محمد البندوري. وكإضافة، فإن نقداته التشكيلية غالبا ما تقتضي في عمقها الترشيد والتوجيه، سواء على المستوى التقني التشكيلي أو على مستوى المادة التعبيرية، ولنسق مثالا لذلك من جريدة التجديد:" يدافع الفنان والناقد محمد البندوري عن حتمية ارتباط الفن والإبداع عموما ببيئته وبالأخلاق والقيم التي تؤطر فعل المجتمع ككل، مؤكدا في حواره هذا مع «التجديد» عن شذوذ وتفاهة الإنتاجات التي لا تجعل من محيطها وقيم وأخلاق مجتمعها أرضية للإبداع تشكيلا وتعبيرا وتشخيصا، البندوري يسترسل بالقول إن استحضار الجانب القيمي ليرقى حتما بالفن إلى أسمى المراتب في المنظومة الفنية العالمية. محاورنا يرد أيضا على دعاة غياب الفن النظيف بالقول إن «المخزون الفني هو نتاج عمليات إبداعية ملتصقة بمجموعة من القيم والموروثات الحضارية والثوابت المقدسة، وهي كلها تشكل في عمقها نسيجا ثقافيا لكل أمة من الأمم، لها أدوار ترشيدية وتوجيهية.."[xiii]

 

د. منيف الجابر سلطان

..............................

[i] كتاب جمالية الخط العربي في تقويم النص الشعري بين النقاد العرب القدامى والمحدثين – محمد البندوري – منشورات مركز الحمراء – المطبعة الوطنية

[ii] مجلة طنجة الأدبية 28-12-2010

[iii] جريدة الاتحاد الاشتراكي 14 – 06 -2011

[iv] جريدة الخليج – العدد 115 بتاريخ 15-07-2011

[v] موقع الرابطة المحمدية للعلماء – المملكة المغربية – جديد الكتب

[vi] كتاب الخط المغربي المبسوط والمجوهر قواعد وأشكال – محمد البندوري – منشورات أفروديت – المطبعة الوطنية

[vii] كتاب فواكه الصرخة نظرات في عالم التشكيلي المغربي محمد البندوري – نجاة الزباير – منشورات أفروديت – المطبعة الوطنية

[viii] صحيفة فنون الخليج - 06 -10-1433

[ix] جريدة هسبريس - السبت 21 ابريل 2012

[x] جريدة القبس الكويتية - 25 -07 -2011

[xi] كتاب من جماليات الفن التشكيلي الحديث في المغرب – د . عبد الفتاح شهيد – مطبعة تبوك

[xii] كتاب أضواء هاربة في غابة الشكل واللون – منشورات مركز الحمراء للثقافة والفكر – المطبعة الوطنية

[xiii] جريدة التجديد – 25 -6- 2012

 

 

وائل مرعبإن ما يثير الدهشة حقّاً هو هذا النضج المتسارع الذي غطّى على جميع أعمال هذه الفنانة المثابرة وخلال أقل من سنة من إنتهاء معرضها الأوّل قدّمت في معرضها الثاني عشرين عملا تعبيرياً إمتازت جميعها بالغنى والثراء الفني وكأنّها خضعت لدراسة متأنية رغم حريّة فرشاتها وصخب ألوانها فبدت مثيرة للجدل وتدفع الرائي الى التوقف أمام كل لوحة وهو يطرح

أسئلته وأجوبته في ذات الوقت.

يبدو لي أن الفنانة (الشواف) ترسم أفكارها المشاكسة والجريئة قبل الشروع بالرسم أي إنها تهيّأ الفكرة التعبيرية ومن ثم تختار الألوان التي تجسدها، لذلك فإن جميع أعمالها تعتمد التشخيص بشكل حداثوي خاصة منطقة الرأس الأنساني الذي يظهر بنفس ملامحه في كل لوحة ولكن بتعابير مختلفة وذاك لعمري قدرة متخيلة فائقة الجودة.

ما يميّز هذه الفنانة المبدعة إنها تشتغلُ على سطوح ثلاث، الأول هو سطح القماشة البكر والثاني السطح التصويري الذي مادته الألوان وتعشقاتها، والأخير هو السطح الذي يبرز من بين ركام الألوان ليشكل شخوصها وحركاتهم الأيمائية المجسدة بثلاث أبعاد نتيجة تسليط الضوء والظل .

20 زبيدة الشواف

إن معرض الفنانة (الشواف) قد يختلف عن الكثير من المعارض الشخصية بسبب إبتسامة الفنانة المتميزة التي تنتظرك في قاعة العرض والتي تشيع في المكان حالة من الآمان تجعل الزائر في حالة من الصفاء الروحي بحيث يرى أعمالها بروية وتمحّص رغم صخب الألوان المتحرّكة على سطوح لوحاتها وضربات فرشاتها التي تترجم بأمانة ما يمور بداخلها من أفكار.

ومن ناحية وحدة الموضوع والثيمة الرئيسية لكل اعمالها فالفنانة لا زالت مولعة في فتح نوافذ النفس البشرية لكي تطلّ على دواخلها وكشف ما يعتلج بها من مكابدات وحالات إنسانية مختلفة وذلك من خلال نظرات شخوصها وتقاسيم ملامحهم التي تشي بما يشعرون به مستعينة أحيانا بحركة كف او طرف من الأطراف، وهو ولعها القديم منذ بواكير اشتغالاتها الفنية ومثاباتها الأولى .

أخيراً .. معرض (حالات) هو إضافة مهمة في مسيرة هذه الفنانة المبدعة كما هو إضافة ثريّة الى عالم التشكيل العراقي .

 

وائل المرعب

 

 

الفنان يستعيد رؤاه للأشياء وهواجسه وتجليات لحظاته وهو يشير للآفاق تقصدا للعبارة الفنية التي تكتب باللون حالاته وأحواله في الزمان والمكان حيث القول بالتشكيل لأسطرة العلاقة المتعددة بين الانسان والعناصر والأشياء وفي ضرب من التعبيرات المخصوصة ..

وهنا نمضي مع الأعمال المتوزعة في فضاء العروض الفنية التشكيلية برواق الفنون القسنطيني بالشرقية .. أعمال فنية بأحجام مختلفة بالزيتي هي ابداعات الفنانة التشكيلية هادية بوخروبة انتظمها عنوان " أسطورة " ومنها نذكر لوحات "عبق الروح " و" وعي وجمال " و" دموع الطريق " و

" نظرة ثالثة " و" طموح " و" نوة " وعشية صيف " و" أيام زمان " و" سفر " ... وغيرها..

تعمل الفنانة هادية في لوحاتها وكما ذكر ذلك الفنان الكبير الهادي التركي في كلمة تصديرية بالكاتالوغ المعد للمعرض على " حساسية حالمة وشعر للقول بالعبارة..." .

77 هادية بوخروبة

ثمة سعي للتعامل مع المواضيع والحالات من قبل الفنانة بكثير من البساطة والعمق من خلال هذا التدوين الفني لمشاعر وأحاسيس ومواقف وأفكار وكل ذلك لتأخذنا الى أسطورتها الراهنة تجاه العالم والأحداث .

لوحات الرسامة هادية بوخروبة التي تفتتح معرضها هذا السبت 12 ماي برواق القسنطيني تمثل حيزا من تجربتها حيث كانت لها مشاركات متعددة في تظاهرات فنية تشكيلية ومعارض جماعية وفردية فضلا عن تجربتها مع الكتابة والبرامج المختلفة التي منها حكايات وقصص مكتوبة للأطفال .

هي لعبة العبارة بين الكلمة واللون وهنا تتعدد أدوات التعبير لدى الفنانة لتكشف عن تفاعلاتها مع المحيط من حولها وما يعتمل فيه من حالات ومناظر ومشاهد ديدنها في ذلك الحلم والمسحة الرومنتيكية والذات التي منها تمضي نحو الآخرين لتعود اليها وقد أرهقها السفر والحلم والانكسارات التي تعبث بأحوال الانسان..

معرض أسطورة هو بمثابة السفر القديم المتجدد في ميثولوجيا الانسان الذي لا يمكنه الا أن يتقن لعبة الحلم بوجه السقوط والانكسار والتداعيات المربكة..

هي لوحات الحلم والأمل الملون والحنين تجاه الذكرى والزمن الجميل والعادات التي طبعت جوانب من حياة الكائن على غرار لوحتي " أيام زمان " و" عشية صيف " كما تبرز تلوينات تراثية فيها العبارة الفنية المشيرة الى الأصالة في أعماقها من ذلك لوحة " نوة ".

معرض بكثير من البراءة والبساطة والصدق فيه بانوراما من تفاعلات فنانة مع هواجس ذاتها تجاه الآخرين..تجاه العالم..

وفي ذات السياق هو معرض ضمن معارض أخرى وورشات وأنشطة فنية باشراف الفنان عم ابراهيم القسنطيني الذي يقول عن معرض هادية "..بوصفي عصامي في بدايات فني بادرت بأن يكون المعرض وهذا المركز مفتوحا لأشجع من خلاله الشبان والعصاميين لكي يتعلموا ويكسبوا الخبرات وبلا مقابل أشجعهم فهم مبدعو الغد في تونس الثقافة والابداع.."هكذا هو معرض الفنانة هادية بوخروبة بالرواق

بمركز البحر الأبيض المتوسط للفنون والحرف الذي هو قيد الانجاز والبناء وهو أول مركز من نوعه بشمال افريقيا وفي جهة الشرقية 26 نهج المعادن قرب مؤسسة "اوريدو" الكبرى .. ويقول الفنان ابراهيم القسنطيني ".. المركز هو في آن واحد مقر للأساتذة المتقاعدين في الخارج لاقامتهم لمدة ثلاثة أشهر والذين يقدمون الحصص الدراسية والتكوينية قصد تطوير الصناعات التقليدية وتقديم المادة المساعدة على ابراز الخبرة والاستفادة من تجاربهم وذلك في فصل الصيف وهم من العالم وبالخصوص من فرنسا وايطاليا واسبانيا والصين حيث يتكفل المركز باقامتهم ..هذه العملية تكون مشروعا فيه أهمية كبرى وما أحوجنا في تونس لمثل هذه التجارب حتى يتمكن الحرفيون ويتم تأهيلهم وتكوينهم بهذه الخبرات لينهض مجالنا الصناعي الحرفي وينمو ويتطور بالثقنيات والخبرات العصرية ..هذا المركز الذي هو الأول من نوعه به تجهيزات موجودة لكل أنواع الحرفيين من آليات للنحت على الرخام وصب النحاس الفني والمسابك ..اذن هو أول مركز بشمال افريقيا والمتوسط ..".. لوحات الرسامة هادية بوخروبة تفتتح معرضها هذا السبت 12 ماي برواق القسنطيني .. والعنوان هو " أسطورة " .

 

شمس الدين العوني

 

 

khadom shamhod2يذكر علماء الاجتماع ان للبيئة دورا كبيرا في منتج الفنان كما هو في دور الوراثة . ولهذ فان من اهم العوامل المؤثرة في العملية الابداعية والطريقة الادائية هو ذلك المزاج الفني الذي تتحكم به طبيعة البيئة التي نشأ فيها الفنان .. عجيل مزهر نشأ في بيئة بصراوية لها عمق حضاري في الادب والشعر والفكر والفن، فهو ينهل من هذا المعين الذي لا ينضب . وكانت الابلة (البصرة) تعد من اقدم المدن العراقية بل يعتبرها البعض احد المدن السومرية ومن عجائب الدنيا السبعة في ذلك الوقت وكانت تسمى ايضا – الخريبة – وفي خطبة الامام علي –ع- في البصرة (يا اهل البصرة والبصيرة والسبخة والخريبة) وقد نقلها ياقوت الحموي في كتابه – معجم البلدان – والخريبة هي المدينة التي بقت اطلالها مندثرة وظاهرة ... ويذكر انه ظهر في هذه المدينة العريقة رسام يدعى احمد الخراط البصري في النصف الاخير من القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) اشتهر في رسم الاشخاص والحيوانات ويعتبر من طلائعي الفن في العالم الاسلامي، في وقت كان تحريم الصور على اشده . وكانت اوربا تعيش في العصور المظلمة .؟؟

و قد اشتهرت البصرة في العصر الاسلامي في قصورها المترفة الراقية وبيوتها التي زينت بالشناشيل او المشربيات حيث تلامس احيانا بعضها البعض في ازقة ضيقة عتيقة، وهو اشارة الى التوادد والتراحم، وتلك الدردشات النسائية التي تطل من خلال تلك الشناشيل، وقد زينت هذه القصور والمنازل بمختلف النقوش والزخارف الاسلامية، ولازالت آثار بعضها موجودا لحد هذا اليوم ..

بدايات عجيل مزهر:

عجيل مزهر من مواليد البصرة، كان مدرسا في اعدادية المعقل لمادة الرسم . وكان قد فرض هذه المادة على الطلاب كاي مادة اخرى في مسألة الامتحان والنجاح والرسوب .. وهذا ما خلق له مشاكل مع ادارة المدرسة حيث رسب بعض الطلبة، ومن جراء ذلك نقل الى احد المدارس في مدينة الفاو ثم الى مدينة الزبير وهناك حدثت له مشادة اخرى مع احد الموظفين في مديرية التربية على اثرها انزلوا درجته التدريسية فحول الى مدرسة الجبيلة الابتدائية ولما رأى هذه الحالة المزرية قدم استقالته .. في عام 1974 سافر الى فرنسا وسجل في مدرسة الفنون – البوزار- ثم سافر الى ايطاليا ودرس فن الديكور الداخلي، ولكنه لم يكمل دراسته لظروف عائلية . فعاد الى العراق وعمل مصمم ديكور في وزارة التجارة الى ان احيل على التقاعد عام 2002 . ويخبرنا عجيل انه ترك الرسم منذ سنة 1995 بسبب عدم الاقبال على شراء لوحاته ؟؟؟ ويبدوا انه الآن عاد الى ممارسة الرسم بعد جفاء دام اكثر من عشرين سنة ..

اقام عدة معارض فنية خارج وداخل العراق وحصل على جوائز تقديرية كما وجهت اليه دعوات من خارج البلد لعرض اعماله هناك .. كما ان عجيل له مواهب اخرى في كتابة الشعر والقصة وهو خطاط ايضا . وقد كتب عدد من السيناريوهات .. ورافق المخرج قاسم حول فترة طويلة وحضر بعض افلامه.. ..

بدأ عجيل مزهر حياته الفنية في رسم الشناشيل والمواضيع الاجتماعية و الجدران القديمة المتآكلة والتي رسمت عليها بعض الرموز والاحرف والشخبطات والشقوق . وهو في هذا المنحى يشبه طريقة اعمال شاكر حسن آل سعيد، في استخدام الملمس والتأمل في الجدران .. يقول دافنشي (انظروا الى الجدار ستجدونه يحتوي عدة صور خيالية)

قال فيه شاكر حسن آل سعيد (في نهاية الستينات كان عجيل مزهر الذي سرعان ما اصبح فنانا بصريا او شيئا من هذا القبيل في تقديم الفن الشعبي او (فن البوب آرت) في الفن العراقي وكان بذلك يمهد للنزعة المحيطية دون علمه ...)

انا اعتقد ان عجيل لم يسلك في تقنياته ومواضيعه فن البوب آرت كما وصفه شاكر حسن وانما اتجه الى التأمل السريالي والرمزي ونحن نعرف ان البوب آرت هو الخلطة بين الفن والسلعة المستهلكة واول من بدأ به واشتهر هو الفنان الامريكي اندي وارهول 1928 . وقد ظهر في اواسط الخمسينات من القرن العشرين في امريكا وبريطانيا ...

عجيل لم يتخلى عن الشخوصية وعن الاكاديميات في اعماله وقد وضفها باسلوب تعبيري ورمزي احيانا وبمعالجات حديثة . ونجد في لوحة له تمثل فتاة تطرق بابا مقفولا تعلوه شمس والى جانبها نخلة تعصف بها الرياح ويطغي عليها الالوان الصفراء والحمراء . هذا المشهد الرمزي له دلالات فلسفية وروحية ولا يخلو من السريالية .. وحيث نلمس تلك الطاقة الروحية الخارجة من احاسيسه ووجدانه وما تحمل من شحنات ابداعية وسيكولوجية تنساب من خلال خطوطه والوانه .

معرض الحلم:

من ابرز اعمال عجيل مزهر هو ما جسده في معرضه – الحلم – وهي لوحات تمثل مشاهد من عالم الاحلام وبالتالي فهي لوحات نابعة من اللاوعي او ما يطلق عليه بالسريالية . حيث نرى اشكال شبحية مقطوعة الاوصال وملفوفة في اكفان بيضاء وسط ظلام دامس . هذه الاعمال تشير الى اكثر من معنى ورمزية، فهو يستلهم افكاره من العالم الباطني ويعضدها بعالم الوعي في تقنيات واسلوب مألوف وبالتالي فهي من تأثيرات المدرسة السريالية .

المعرض اقيم في البصرة ربما عام 1973 ويحتوي على 19 لوحة، ثم انتقل الى بغداد وهناك لاقى نجاحا كبيرا .. وكتبت عنه الصحافة معتبرة ذلك المعرض خطوة جريئة في الاسلوب والموضوع . وقال فيه الفنان محمد حسين جودي (عجيل مزهر مبتكر سريالية عراقية جديدة)، كما قال فيه الناقد علي الدليمي (عجيل مزهر بيكاسو العراق ...) ويقول عجيل ان (معرض- الحلم - احدث ضجة في البصر وبغداد مما دفع بالناقد جبرا ابراهيم جبرا الى جلب كامرة كبيرة ذات عجلات وصور المعرض و اعتبره بداية سريالية جديدة ..)

افكار واعمال مبتكرة:

يقول عجيل انه تعلم طريقة جديدة في استخدام الالوان اطلق عليها اسم - زراعة الالوان – وهي عبارة عن خلط مواد كيمائية بطريقة خاصة فتخرج الالوان بارزة على سطح اللوحة وكأنها نباتات .. ... ثم تعلم طريقة الرسم بالطين وهي عبارة عن ايحاآت من شقوق وفطور الارض التي اصابها الجفاف . حيث يأخذ مادة الطين ويرسم بها مشهد من الارض الجافة بشقوقها وحفرها وتشعباتها وكل ذلك يجري على سطح اللوحة.... ثم يقول عجيل انه ابتكر طريقة اخرى جديدة اطلق عليها اسم –اسلوب الخلايا- ويعني بذلك انه يرسم الشكل من وراء الزجاج الذي فيه بخار فيعطي الزجاج مشهدا على شكل احساس بالخلايا ... ولديه لوحة تمثل ذلك اسمها – المستحمة –

. وذكر لي عجيل انه كتب عنه اكثر مما كتب عن جواد سليم وشاكر حسن وغيرهم لان اعماله كلها عبارة عن مخترعات . كما يقول (تحديت شاكر حسن آل سعيد بان نعرض معا معرضا مشتركا تمثل لوحاته الرسم على الجدران وما يحدث على هذه الجدران من عوامل الطبيعة ولكن شاكر رفض ذلك التحدي ..)

جماعة المثلث:

في عام 1969 او 1970 اجتمع محمد راضي وفاروق حسن وعجيل مزهر في احد مقاهي البصرة واتفقوا على تكوين جماعة فنية اطلق عليها اسم – جماعة الشراع – واصدروا بيانا في ذلك . ثم غيروا الاسم واطلقوا على تجمعهم – جماعة المثلث – واقاموا اول معرض لهم عام 1970 في قاعة كولبنكيان في بغداد . ثم انفرط التجمع بعد سفر عجيل الى الخارج عام 1974 ..

عاد عجيل مزهر للرسم من جديد بعد سنوات عجاف يابسات طويلة وسط افكار ومشاريع كثيرة مما يعزز قدرته الابداعية في التجديد والابتكار للوصول الى القيم الجمالية النوعية دون ان يتورط في المواضيع الانحدارية او يحدد نفسه بالمحيطية بل ينفتح على عالمية الفن ومغزاه الجمالي والفكر الانساني المتمدن .... تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

64 عبد العالي بن شقرونتشكل مجموعة من الحروف والخطوط العربية واللاتينية قيمة رمزية في المنجز التشكيلي الجديد للفنان المغربي عبد العالي بنشقرون، الذي يقدم من خلاله أسلوبا جديدا ومسلكا حروفيا يدعم رؤيته الجديدة في المشهد التشكيلي الحروفي. يتوخى من خلاله ملامسة كونية الحرف وشموليته في النسيج التشكيلي الخاص والثقافي العام. وهو إحداث منهجي مدعم بآليات متطورة وتقنيات جديدة غاص بها المبدع في أحضان التعبير بالحرف وبرمزيته وايحاءاته داخل خزان من الأشكال والعلامات والألوان، ليرسم بخطوط متفاوتة بين العربي واللاتيني يدجج بها الفضاء بكميات متفاوتة حسب رؤيته الشخصية وتصوراته الفنية. وبذلك، فهو يحقق نهجا فريدا في التعامل مع هذا الأسلوب بأشكال جديدة تروم سعة الحرف في الفضاء بحرية مطلقة تبعده عن كل القيود.

فمختلف عمليات تنظيم الفضاء تسلك منهجا دقيقا في ضبط المفردات والعناصر المكونة للأشكال الحروفية في سياق توظيف جمالي محكم لكل المكونات الفنية من ألوان وحروف ورموز ومساحة، ليشكل هذا التأطير تجربة فنية غنية قوامها التجريد والحرف واللون في نطاق مشروع فني ذاتي للمبدع عبد العالي بنشقرون، الذي يتقصد المزج بين مفارقتي التداعيات الوجدانية بسحرها الجمالي المرصع بنشوة التراث الخطي في كونيته وفي رصيده الثقافي، وبين خزان من الأشكال والألوان المعاصرة المدججة بالأدوات والآليات المتنوعة، وبالتقنيات المعاصرة. مما يخول له أن يبدع ويشكل أنواعا مختلفة في الكثافة والتموقع الشكلي والحروفي بنوع من التلقائية والسلاسة، ليمنح القارئ جماليات أخرى يتمتع بها الخط؛ وجماليات أخرى ينتجها التشكيل المعاصر. وفي هذا السياق نجد نوعا من التوازن الإبداعي بين الخط والتشكيل في تجربة الفنان عبد العالي بنشقرون.

كما أن خبرته وموهبته ومختلف تصوراته التشكيلية تجعله يقدم بين الفينة والأخرى مشهدا تحويلا إبداعيا جديدا، يتمثل الكلَّ الفني، ويجمع المفردات التشكيلية والحروفية بنوع من التجديد، رغبة منه في تبديد الغموض، بانتقاء دقيق، وتسويغ لأفكاره المتجددة. ليستجلي دلالات إضافية ومعاني تجذب المتلقي نحو القراءة. وهذا يحيل إلى أن الفنان عبد العالي بنشقرون يبني منجزه التشكيلي والحروفي على ميزان فني معرفي مركّب، يغلِّب المجال الحسي والبصري بملء قوي بالطاقة التعبيرية، عن طريق إبراز الملامح الجمالية للحرف في كونيته وأنسنته داخل جمال اللون. إنه أسلوب جديد يدعم القوة التعبيرية للمبدع ويمنحه إضافة جديدة في المشهد التشكيلي الحروفي العالمي.

19 عبد العالي بن شقرون

محمد البندوري

 

 

59 جون مونوزكان النحات جون مونوز يدرك تماماً الصعوبات التي نواجهها في التعبير عن انفسنا. تمثال مائل صغير الحجم رمادي اللون، ينتصب مستغرقاً في صورته المنعكسة على المرآة عند حافة المعرض. هو كما لو انه يحاول إعادة التأكيد على وجوده. كمراقبين، نحن لا نمارس اكثر من فعل المشاهدة، مندهشون وحائرون بهذا الفعل الإغترابي. يرى النحات مونوز ان الاسئلة الفلسفية حول طبيعة الذات، الزمن، المراوغة بين الحقيقة والخيال كلها تتجسد في أعماله الفنية المتنوعة.

كان مونوز من أعظم النحاتين الذين برزوا في اسبانيا بعد وفاة فرانكو عام 1975، علماً ان الجزء الأعظم من تعليمه الفني اكتسبه في نيويورك ولندن حين عمل لبعض الوقت في بعض الاعمال الخدمية. أهم عمل اشتهر به هو عمله الفني Double Bind الذي عُرض في القاعة البريطانية (تات تربن هول) عام 2001. لم ينفق مونوز وقتاً طويلاً في مهنة النحت حتى وافاه الأجل وهو في عمر الـ 48 عاماً في نفس السنة التي عُرض بها عمله. كان عمل دوبل بايند- بأرضيته المخادعة وأبعاده الغامضة والرجُلين الرماديين المُضللين اللذيَن بديا لأول وهلة كأنهما ضجران بملامحهما البيروقراطية الشديدة المكر- يمثل قمة انجازاته الفنية.

كان دوبل بايند بمثابة الآداء الأخير والملائم لمونوز ،أعماله كانت مرتبطة دائماً بالفن المعماري وبأوهام المكان. تفاصيل مثل المصاعد والمسالك الضيقة المتبعثرة في أرضية القاعة، سلالم معدنية متناهية في الصغر تقود الى لاشيء، شرفة ذات طابع اسباني وُضعت في أعلى نقطة من جدار القاعة بجانب اشارة معدنية تشير الى "فندق": ليس فيه كما يبدو اي غرف او نزلاء.

يُعتبر مونوز الأكثر اهمية بين النحاتين من جيله الذين هم منشغلون اساساً بلغة الفن والمواد. ومع ان مونوز لم يهتم ابداً بالفن التمثيلي الاّ انه أعاد وبروح عالية النحت الانساني ليعمل كشفرة سرية وعلامة فلسفية. هو تأثر كثيراً بأدب جوزيف كونراد (Joseph Conrad) وغنتر غراس (Gunter Grass) و ت أس اليوت بالاضافة الى بيكاسو و فرنسيس باكون و روبرت سمثسون و ثوماس سكوت. المسرح كان له ايضا تأثيراً بعيد المدى، خاصة أعمال صاموئيل بيكيت و بيرناديلو Pirandello.

في عمله (رسوم معطف المطر) جرى صنع تماثيل طباشيرية كبيرة لغرف، عادة هي مؤثثة شكلياً وتشبه القصص المصورة لأفلام هوليود القديمة. كلها تخلو من الحضور الانساني. أريكة متهالكة ذات وسائد، منتصف باب مفتوح على امتداد قاعة مضاءة – كل ذلك يستحضر غياب الناس الذين كانوا قبل لحظات يشغلون هذه الأمكنة.

وكما في المسرحية الشهيرة للكوميدي الايطالي بيرانديلو بعنوان (شخصيات تبحث عن المؤلف)، فان هذه هي مواقع تبحث عن شخصيات. الغرف تصبح بمثابة منصة يُعرض عليها فشل الحياة الانسانية كما في مسرحية Beckett-like. الصمت يصبح جحيماً وجودياً يأتي من استحالة الكلام والمعنى. ان سلسلة رسومات مونوز لأفواه متحررة من الجسد تستحضر مسرحية بيكيت (Not 1 ) التي عُرضت عام 1972 و فيها فقط فم مضاء بشعاع ضوئي منفرد، يتحدث دون ان يقول شيئاً بالاضافة الى صرخات الصمت القادمة من لوحة باكون Bacon’s popes.

البهلوانيون، محل عارضات الأزياء، راقصات باليه بلا سيقان، الأقزام والمهرجون كلهم ساعدوا مونوز في تحديد ادوار شخصياته: الغرباء جميعهم جُعلوا صامتين و بائسين في لعبة الحياة هذه. القزم المتأثر بالخادمة الشابة لأبنة الملك الاسباني مارغريتا هو تمثال دائم الحضور،لا يستدعي فقط البطل في رواية The Tin Drum وانما المهرج، والساذج والخبير في شكسبير.

في الـ ويستلاند (الاسم مأخوذ من احدى قصائد اليوت)، مهرج صغير يجلس على رف معدني فوق سطح مغطى ببحر من الصدف. هو يبدو كما لو كان ينتظر سيده ليأتي ويعطيه صوتاً . في الفيلم النرويجي The Prompter (عام 1988) ، يقف قزم صُنع من مواد يمتزج فيها الورق بالنسيج في صندوق امام منصة فارغة مصنوعة من الرخام الهندسي الابيض والاسود حيث يخلق وهماً بصرياً يذكّرنا بالتصاميم المعمارية للمنازل ذات المستوى الرفيع. في النهاية البعيدة هناك طبل، لو حدقنا في الصندوق سنكتشف عدم وجود عيون لدى القزم وانه مجرد من اي كتابة . كل من الطبل والمرشد (يرسل الايعازات من خارج المنصة دون ان يراه احد) صامتان، الطبل ينتظر عازفهُ، اما المرشد ينتظر الممثلين او الأدوار.

هذه الاعمال تعكس مشاعر بيكيت بان الكائن الانساني لديه الحافز و الحتمية للتعبير عن الافكار والاحاسيس لكنه يكافح ليجد الوسائل. نفس الفكرة تجسدت في مجموعة كبيرة من التماثيل الصينية ، حيث تبدو الالتفاتة وحزمة الضوء بأبتسامة محيّرة ، متجمدة كما في الشخصيات الخالدة في قصيدة Grecian urn للشاعر الكبير Keats John.

مات مونوز فجأة في 28 أغسطس عام 2001 بعد شهور فقط من استكمال الـ دوبل بايند.   لو جرّدنا الفن العالمي المعاصر من رؤية مونوز الانسانية والوجودية، فسوف لن يكون اكثر من فن سطحي راض بذاته. لا احد يعلم ماذا سينجز مونوز لو انه بلغ اقصى مراحل النضج؟ اننا نجد هنا فناناً غير خائف من الاسئلة الكبرى، حول معنى ان تكافح لتبقى فرداً في هذا العالم الملتبس.

 

حاتم حميد محسن

 

2.1 كاظم شمهودتتأسس تجربة الفنان الدكتور كاظم شمهود في معرضه الموسوم: الابحار في ارض السواد على موضوعة اساسية وهي (التجذير) الذي يعيد انتباهنا لمفردات بيئية وانسانية تسكن الذاكرة الجمالية للفنان والتي لم تتمكن الغربة التي امتدت قرابة اربعة عقود من تغييبها او محوها من خزينه الثقافي والمعرفي بصرف النظر عن مديات تأثير المنافي بشتى ابعادها ... فلازالت الوجوه العراقية مفعمة بالطيبة او المتسمة بالغموض وعادات الناس البسطاء وادواتهم الحياتية تأخذ مداها الارحب في بنية الفعل الجمالي في منجزه الفني بوصفها محركات ايقونية تنفتح على جملة تأويلات منها ماهو مألوف بوصفه معبرا عن الطمأنينة والهدوء ومنها ماهو مشحون بالقلق او انتظار المجهول، وربما هو مزيج من كل ذلك ...

من الملاحظ ان المشهد الجمالي في منجزات الفنان كاظم شمهود، تقوم على مبدأ تلوين السطح البصري على نحو تتناغم فيه الالوان وتتداخل تجريديا لتشكل حاظنة لتلقي الشكل الانساني الذي يماثل مرجعا خارجيا يحيلنا مباشرة الى الهوية المحلية لاسيما عندما يعزز بمفردات مستمدة من البيئة العراقية، وكلها تتوالد من خلال فعل الخطوط البانية لتفاصيل الاشكال وتضاريسها، التي تتكامل انشائيا من خلال الاضافات اللونية التي يعول عليها الفنان في استكمال الاظهار الجمالي وترصين البعد التعبيري بالمقدار الذي يرتقي باحاسيسنا الى مرتبة اعلى .

في بعض الاعمال تمكن الفنان من توظيف خامات واقعية من قبيل البسط الشعبية وتعامل معها بوصفها ارضيات لونية جاهزة لاستقبال شكل انساني من قبيل الحائك او البدوية التي تحمل دلة وبذلك فقد حقق مقاربة واقعية جدا اعادة الانتباه لمفردات بيئية لم تكن تستأثر بالاهتمام لشدة مألوفيتها، ولعل اعادة انتاجها على هذا النحو من شانه ان يشحذ ذائقتنا الجمالية ويشعرنا بامكانية تقديرها جماليا وتعبيريا بوصفها مفردات تجاوزت مداها النفعي والاستعمالي من خلال المعطى الفني الذي اقترحه الفنان بشكل مقنع ومؤثر ...

2.2 كاظم شمهود

د. روضان بهيه - استاذ في كلية الفنون الجميلة / جامعة بغداد

كالري حوار / بغداد - 3/4/2018

 

 

mohamad albandoriإن معظم السمات البصرية تروم توسيع حدود أشكال التعبير بين مجال التجسيم الكتابي ومجال الخط ومجال الأشكال الخطية، في نطاق التفضيء والهندسة والتشكيل، فهي تعيد القراءة بقيمة رمزية كبيرة تحددها العلامات اللغوية والتصويرية والخط. لأن وظائفها الجمالية تتمثل أساسا في الأيقونية بأبعادها السيميائية. فهي تركز على العلامات والمؤشرات الأيقونية ذات الدلالات المتعددة. ولا غرو في ذلك، فهي تخاطب العين والبصر، وتتفاعل بشكل مباشر مع الحواس الإدراكية المجسدة، وتتبع الدال الكاليغرافي المشكل بالحروف المخطوطة والأشكال البصرية المتنوعة في سياق تشغيل الألوان الأساسية، بتشكيلات وتموجات خطية تحمل أبعادا متعددة ودلالات مفتوحة، فتحتاج إلى تفاعل بصري لتفكيك الأيقونية وقراءتها في نطاق سيميائي وبلاغة بصرية. وبذلك تضحى لوحة لسانية مجسمة تجمع بين الشعر والخط والتشكيل. وقد تطورت معظم الأشكال الخطية في بعض النصوص في المغرب نتج عنها تفرعات مختلفة، فأضحى منها القصيدة الكاليغرافية المتعددة الأبعاد والقصيدة الميكانيكية.. وقد جمعت بين الخط اليدوي والكاليغرافي والطباعي. وذلك بفعل الاهتمام الكبير من لدن الشعراء والنقاد المغاربة وذلك لما لمسوه في مجالاتها الرمزية والسيميائية والشعرية من أبعاد متنوعة ودلالات متعددة، فنجد هذه القصيدة جلية ومشخصة لدى بعض من الشعراء المغاربة كالشاعر ياسين عدنان من خلال الغارة الشعرية، واحمد بلبداوي من خلال ديوان سبحانك يا بلدي، ومحمد بنيس وغيرهم. وقد ترتب عن ذلك نشوء بعد جمالي وبلاغي لقصائدهم. ومن ضمن ما اعتنت به هذه التجارب وتجارب أخرى على مستوى مختلف النصوص من حيث الأسس الفنية والجمالية فن الكولاج، حيث يتم تلصيق بعض الصور إلى جانب النصوص الشعرية والكتابات الخطية، ولقد أتاح سلطان النصوص البصرية في المغرب نوعا من التسييد لمعظم النصوص البصرية، والاهتمام بقيم وأفكار جديدة في نطاق خطاب صوري خطي بصري له معانيه وبلاغته الخاصة، ودلالاته المتعددة وفق القيمة الرمزية والعلاماتية. فصار وسيلة إلى المتعة الدلالية التي يقيضها الوجود الخطي أو الرمزي أو العلاماتي أو الصوري بعد عملية التحوير والقراءة. لأن المتخيل البصري هو تعبير دقيق عن التطوير الثقافي للوعي بواسطة العين مما ينتج قراءات أكثر دلالة في مهمة تمثيل الواقع في تصورات وأخيلة بعيدة أكثر بدلالاتها ومغازيها ومعانيها.

فتدبير النصوص العربية بالشكل الرمزي والعلاماتي هو تأكيد على ارتكاز الثقافة على الفن وعلى الجمال وعلى إنتاج الدلالة الجديدة، فتتفوق براهنيتها وقدرتها على التثبيت، كونها أيضا تعنى ببعد بلاغي قائم على استحضار الأشكال التواصلية وخصائصها وأبعادها التي تسهم في رؤية دلالتها المتطورة، والتعبير عن مفاهيم ذهنية، تحكمها خاصية التحول الى نصوص بصرية تتبادل فاعلية العين المبصرة ومختلف النصوص الجمالية وتطورها، وفحص دلالات الأشكال وتركيبها والبحث عن دور مجازي لها تعززه الذاكـــرة والمخيلة من جهة، ويعضده الدور الإيقوني وتغير موقع المتلقي بمؤثرات ومحددات واقعية وآليات فنية وجمالية من جهة أخرى مما يساعد على انزياح النصوص البصرية عن المألوف تشكيلاً وتبئيراً وتفضية وتدلالا.

 

د. محمد البندوري

 

 

adnanhusan ahmadتتميّز الفنانة التشكيلية الأردنية روان العدوان بحسّاسيّة مُرهفة تؤهلها كما الشعراء المبدعين لرؤية ما لا يراه الآخرون. فحينما عملت في المُتحف الأردني بعَمّان وقع بصرها على كتاب نفيس عن النقوش والرسوم الصفائيSafaitic Inscriptions فقررت قراءته، وتمثّله، وإطالة النظر فيه. فهذه النقوش تعود إلى الصفائيين أو الصفويين، نسبة إلى مدينة الصفاوي الواقعة شمال شرقي الأردن والتي تحمل اسمهم حتى اليوم، وهم قبائل عربية بدوية خالصة عاشت في تلك المضارب بين القرن الأول والرابع قبل الميلاد.

لم تكتفِ روان بمشاهدة هذه النقوش والرسوم الصخرية وإنما قررت الذهاب إلى تلك الأمكنة التي تشبه مُتحفًا مكشوفًا في العراء وتستوحي من رسومه "البدائية"، ونقوشه اللغوية التي تطورت عن الخط السبئي. لا تنطوي كلمة "البدائية" على معنىً سلبي، وما نقصده هنا بالتحديد هو طريقة الحياة البسيطة القريبة من الطبيعة، وأنّ قيمها الفنية توازي قيم العالم الراهن، وربما تتفوق عليه في بعض الأحيان.

1 روان العدوان1تعلّقت روان بتلك الرسوم الصخرية فقررت إحيائها من جديد على الكانفاس هذه المرة ملونةً إياها بما يتناسب وطبيعة الثيمة المُجسّدة على السطح التصويري. أنجزت روان أكثر من 40 لوحة فنية استوحتها جميعًا من الرسوم الصخرية الصفائية ونفّذتها بأحجام مختلفة بالأكريلك على الكانفاس أو الألواح الخشبية. وبما أن هذا المشروع الفني ينطوي على غَيرة وطنية واضحة على منجزات الماضي التليد التي استوحت منها روان أعمالها الفنية الجديدة فقد قرّر الأستاذ مازن حمود، السفير الأردني بلندن استضافة معرضها الشخصي في منزله، وهي من دون شك التفاتة ثقافية رائعة، أتاحت للكثيرين عربًا وأجانب سانحة الحظ لمشاهدة 14 لوحة فنية انضوت تحت عنوان "لآلئ الصحراء"، وهي بالفعل لآلئ نادرة أعادت روان تكوينها من جديد وبعضها يذكِّرنا بلوحات أنطوني تابيس أوروبيًا، وشاكر حسن آل سعيد عراقيًا أو عربيًا.

قبل أن نلج في ثيمات المعرض وتفاصيله الدقيقة لابد من الإشارة إلى أنّ الفن الصخري Rock Art ينقسم إلى أربعة أقسام رئيسة لكن ما يهمنا منها الآن قدر تعلّق الأمر بدراستنا النقدية هو الرسم التصويري Pictograph، والنحت الغائر Petroglyph ، أما الـ Petroforms   وهي الصخور التي توضع في أشكال وأنماط محددة من قِبل الإنسان والـ Geoglyph وهي الرسومات الأرضية التي تتشكّل بواسطة تراكم الحصى والأحجار الصغيرة على هيأة نمط معين على سطح الأرض، فهذان القسمان الأخيران يقعان خارج اهتمام هذه الدراسة النقدية التي تركز على الرسم التصويري والنحت الغائر للأعمال الفنية الصفائية التي استوحت منها روان العدوان لآلئها الجديدة التي تحمل من روحها الشيء الكثير مثل التكوينات المدروسة التي توحي بالقوة، والتوازن والتماسك، والتدرّجات اللونية التي تشير إلى براعة الفنانة في استعمال الفرشاة، واستقدام العمل من أعماق التاريخ، والتلاقح معه برؤية إبداعية معاصرة تثبت لنا بالدليل القاطع أننا نقف أمام لوحات فنية مهجّنة ولافتة للأنظار.

1 روان العدوان3

تهيمن على الرسومات والنقوشات الصخرية الصفائية الأشكال البشرية والحيوانية فلاغرابة في أن نرى الإنسان البدوي الصفائي بهيأة فارس أو راعٍ أو صيّادٍ أو عاشقٍ، أو رجل دين وما إلى ذلك من دون أن ننسى حضور المرأة في كل شيء تقريبًا بما في ذلك قيامها بالرسم والنقش والكتابة لأن الأبحاث العلمية أثبتت أن بعضها يعود لنساء مبدعات أسهمنَ في الحياة الثقافية والفنية والفكرية للمجتمع الصفائي المعاصر لمملكة الأنباط. ولعل أولى الرسومات التي استلهمتها روان هي الجَمل وأطلقت عليها التوصيف الشائع "سفينة الصحراء" ورسمته بطريقة تشخيصية لا تخلو من بعض التجريد لمعالم الوجة والسنام والقوائم الأربع، وخلفها فيكَر إنساني قد يمثل الراعي أو المالك لهذا الحيوان الأثير في الصحراء المترامية الأطراف. وما بين الراعي وجَمَله ثمة حروف صفائية تحيلنا إلى تلك الحقبة الزمنية البعيدة نسبيًا. نفّذت روان هذه اللوحة بالأكريلك على كانفاس بقياس 90 × 60 سم، ولعل جَمال هذه اللوحة يتعزّز كلما تأملنا خلفيتها التي تُرجعنا إلى الوراء زمكانيًا، وتُعيدنا إلى الوقت الراهن أيضًا. ثمة لوحة أسمتها روان بـ "الحُلم" وهي تنويع على الجَمل المُحاط بعدد من الفيكَرات البشرية، والنقوش الصفائية المُزدانة بالألوان المبهرجة التي تتلألأ تحت خيوط الشمس الساطعة. تمتدّ هذه البهرجة اللونية المقصودة إلى لوحة "أمل" التي تكشف هي الأخرى عن أعماق الفنانة روان العدوان وهي تُضفي من عندياتها الشيء الكثير على الرسوم الصفائية التي أحبّتها إلى درجة التماهي وخلقت منها في خاتمة المطاف تُحفًا فنية لابد من الانتباه لقيمتها الإبداعية. فلوحة مثل "تناغم" التي تحتفي بالجِمال أيضًا تبيّن بما لا يدع مجالاً للشك أن الفنانة تعوّل على متانة التكوين، وجرأة الخطوط اللونية المرسومة بالفرشاة أو بأي أداة أخرى تطوِّعها لتنفيذ عملها الفني بعدة طبقات تمنح اللوحة جَمالاً وغموضًا مُستحَبَّين. وربما يتكرر هذا الأمر في لوحات أخر مثل "الصيادون" و "العائلة" و "بلا عنوان" التي نلمح فيها نوعًا من التوازن بين مثلث الشكل والمضمون واللون دون أن ننسى النقوش الصفائية التي تمنح اللوحات جميعًا أبعادًا رمزية لعلها تتوازى مع رمزية الطقوس التي كانت سائدة آنذاك.

تأخذ الحيوانات حصة الأسد في هذا المعرض أو في الرسوم الصخرية عمومًا فيمكن أن نرى الجِمال، والخيول، والأسود، والفهود، والثيران، والظباء، والثعالب، والكلاب، والنَعَام، والصقور وغيرها من الحيوانات لكن روان العدوان اختارت الصور المُعبِّرة والقريبة إلى النفس وربما تكون لوحة "عراك" هي الأجمل من ناحية الثيمة السائدة، والخطوط البسيطة، والألوان الجذّابة، إضافة إلى النقوش الصفائية التي تهيمن على خلفية الصورة المُنفَّذة بنَفَس تعبيري عميق، وبجرأة لونية تُحسَد عليها حقًا.

لا يمكن تفكيك هذه الأعمال الفنية المستوحاة من الرسوم الصفائية دون العودة إلى الجوانب الرمزية التي كانت تتوفر عليها هذه القبائل البدوية وأهمها الطقوس والشعائر الدينية التي كانت شائعة في ذلك الوقت. ولعل الجوانب الثقافية والفكرية والروحية تُعين الباحثين والدارسين على فهم واستغوار تلك الطقوس والموروثات الاجتماعية التي تناقلوها كابرًا عن كابر. فلاغرابة أن يستعصي بعض الرسوم الصخرية على التأويل لانطوائه على العديد من الرموز الشائكة التي لا يمكن حلّها وتطويعها إلى بعد جهود شاقّة ومضنية. ولعل لوحة "إله الحرب" هي خير نموذج لما نذهب إليه، ولا تخرج عن هذا السياق لوحتا "الرمز المفقود" و "تكوين"، وربما تكون هذه الأخيرة بمستوى عمل أي فنان أوروبي منغمس بالتجريد والرمزية،ومنهمك في خلق الغلالة الغامضة التي تمنح اللوحة عمقًا لا يتكشّف بسهولة إلاّ أمام المتلقي العارف والمتذوق الذي يمتلك خبرة بصرية تتيح له إمكانية الوقوف أمام اللوحات الإشكالية والتحاور معها من دون الاستعانة بأحد أو اللجوء إلى أية وسائل سمعيّة توضيحية.

1 روان العدوان2

يُخطئ منْ يظن أن لوحة "أثر" قياس 90 × 60سم المنفَّذة بالأكريلك ومواد أخرى على الكانفاس هي قريبة من رسوم الأطفال على الرغم من عظمة مخيلاتهم المجنّحة، وجرأتهم الأدائية في رسم الفيكَرات، وحريتهم في اختيار الموضوعات التي تُشغل أذهانهم، ولعل الفرق الوحيد الذي يميّز لوحة "أثر" عن غيرها من رسوم الأطفال هو هندستها المدروسة التي تشدّ الانتباه إلى الفيكَرات الستة الإنسانية والحيوانية قبل أن تسرقنا الرموز والإشارات التي تطوِّق هذا التكوين الجذاب المنفّذ بالأسود والأبيض في الجزء الأكبر منه قبل أن تتسلل إليه ثلاثة ألوان رئيسة وهي الأزرق، والأوكر، والفيروزي التي تناغمت جميعها بشكل إيقاعي غريب مع متن اللوحة المرسومة باللون الأبيض على خلفية سوداء.

لم يكن تحقيق هذه التجربة التي بلغت أكثر من أربعين لوحة فنية بالعمل اليسير، فلقد تحمّلت روان عناء السفر إلى مدينة "الصفاوي" غير مرة، وتسللت عبر طرقها النيسمية الوعرة إلى الأمكنة التي عاش فيها الصفاويون الأوائل كي تصور فيلمها الوثائقي القصير الذي يحمل اسم المعرض ذاته، وتلك قصة أخرى ربما نتوقف عندها لاحقًا، ونتمنى على وزارة الثقافة الأردنية أن تدعم مثل هذه الأفلام التي توثق للرسوم الصخرية في الأردن لأنها جزء من التاريخ الفني واللغوي والاجتماعي لقبائل عربية بدوية عاشت هناك ودوّنت تاريخها على صفحات الصخور بالرسوم التصويرية والنقوش الغائرة التي صمدت لأكثر من ألفي عام. أما الفنانة روان العدوان فقد نفخت الروح في هذه الرسوم الصخرية وحوّلتها إلى أعمال فنية ساحرة تخلب الألباب، وتحرِّض محبّي الفن التشكيلي على مشاهدتها، والاستمتاع بخطابها البصري الذي يجمع بين الأصالة والروح المعاصرة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

 

mohamad albandoriإذا كانت هناك مدارس لتعليم الخط في الأزمنة العربية الفائتة، فإنها كانت قائمة على أسس نقدية ومعرفية ساهمت فيها كل المكونات الثقافية. وقد اتخذ الانشغال بكل عمليات الكتابة مسارا شموليا من حيث التقويم والضبط والتقييد. فمنذ فجر الإسلام، وفي عهد التدوين في القرنين الثالث والرابع الهجريين اتخذ النقد مسارا قويا، فانتقدوا الخطوط والخطاطين انتقادات بلغت حدا من القسوة، بل امتدت إلى أبعد الغايات. ويتبدى أنه مع توفر كم هائل من الإنتاج الأدبي والشعري، وكثرة المراسلات، امتلأ مجال الكتابة اليومية بالخطوط المختلفة الرديئة منها والجيدة. فكان لزاما على المثقف العربي الاهتمام والعناية بالخط العربي لأنه أصبح قطب الرحـى في عملية التدوين، وكان على الخطاط أن يبالغ في تجويد الخط وتجمـيله، وأضحى المجال فسيحا للتدوين والكتابة بخطوط أكثر دقة وجمال. لأن اهتمام المثقف العربي وكذا الناقد العربي بحفظ ورواية الشعر والأحاديث، لا يقل عن اهتمامه بالكتابة والتدوين والعناية بالخط العربي والحث على تحسينه وتجميله، وذلك لما له من صلة وثيقة بما يكتب، وهو الذي ارتفع إلى مستوى الكلمة الشفهية. فكان ضروريا بــذل الجهد، لأن اهتمام النقاد العرب بالخط والكتابة بالإضافة إلى البعد الجمالي كان أحيانا دافعه تخليد العلم وحمايته من الضياع: " فلولا الكتب المدونة والأخبار المخلدة والحكم المخطوطة التي تحصن الحساب وغير الحساب، لبطـل أكثر العـلم ولغلب سـلطان النسيان سلطان الذكر." وأيضا :" لولا الخطوط لبطلت العهود والشروط والسجلات والصكاك وكل إقطاع وكل إنفاق وكل عهد وعقد وكل جوار وحلف.." وبـذلك:" تصير الحاجة إلـى التفاهم بالخطوط والكتب، فأي نفع أعظم وأي مرفق أعون من الخط."   فيصبح لزاما النظر إلى تجميل الخط وتجويده، ونظرا لهذه الأهمية النفعـية للخـط، والتي تقتضي بدورها البعد الجمالي يقول الجاحظ :" فلذلك وضع الله عز وجل القـلم في المكان الرفـيع ونوه بذكـره في المنصب الشـريف حين قـال: ن، والقـلم وما يسطرون) فأقسم بالقلم كما أقسم بما يخط بالقلم." ولذلك كان التجويد في بداية الأمر ضرورة يحكمها المجال النفعي قبل أن يتطور إلى الصورة الجمالية الصرفة.

زجرت كتابكم لما أتانـــي ** بمر سوانح الطير الجواري

نظرت إليه مخزوما بزير ** وفي ظهر ومختوما بقار

فعفت الظهر أحور قرطقيــ ** تركب صداغه سين العذار

وكأن الشدو ذا زبر مصـيب ** وكأن الختم من رق العقار

ومن شعر علي بن محمد العلوي:

أشكو إلى الله خطا لا يبلغني ** خط البليغ ولا خط المرجينا

إذا هممت بأمر لي أزخرفه ** سدت سماجته على التحاسينا

وسعيا إلى تحقيق الجودة في الخط وتقديم البديل ألفوا مؤلفات ورسائل في الخط والقلم فانتقل الخط من وضعيات تم انتقادها إلى وضعيات أحسن وأجمل. لكن مع مرور الزمن اختلفت عمليات التجويد من منطقة إلى أخرى، ومن خطاط إلى آخر، في غياب التنسيق المحكم، وذلك لعدم التعارف والتوافق على مقاييس جمالية موحدة في كل الأقطار لخصوصيات كل منطقة على حدة. ولعدم الأخذ المباشر بعملية التقعيد الدقيقة التي وضعها ابن مقلة والتي سار عليها بعض من خلفه في هذا المسار. بينما ظل عدد كبير من الخطاطين يفتقرون في إطار التجديد وفي نطاق خصوصية بعض المناطق، وظهور خطوط جديدة إلى قواعد هندسية مؤطَّرة علميا ومعرفيا ومنهجيا تأخذ بعين الاعتبار الأشكال التجديدية في الخط العربي لتلك المناطق. لذلك سادت علاقة التأثير والتأثر في ظل واقع خطي يحكمه الانطباع والذوق ويغيب فيه النقد الموضوعي. وتبعا لذلك، تشكلت مجموعة من الخطوط وفق عمليات متقاربة أحيانا في الوضع وأحيانا في الشكل؛ ومختلفة أحيانا أخرى في المقاييس وفي الشكل تبعا لنفسيات الخطاطين أو النُّساخ أو الكُتاب، وتبعا لوضعياتهم المعرفية والثقافية، ومدى إلمامهم بمختلف الجماليات التي تؤثث حروف الخط العربي عموما، وتبعا كذلك لكيفيات تناولهم المادة الخطية وتفاعلهم مع الخط على قدر تمكنهم منه عن طريق الموهبة أم عن طريق الاكتساب. وبذلك فقد أسهمت مجموعة من العوامل في تشكيل الاختلاف عبر الأزمنة الفائتة. ولعل أهم سبب في ذلك هو غياب المواكبة النقدية اللصيقة بالعمليات الإبداعية في الخط العربي فأضحى الكل جميلا في فترات متقطعة من تاريخ الخط العربي.

فلما هيمن هذا الوضع على عمليات الكتابة استسلم النقد ولم تتم المواكبة المطلوبة، الشيء الذي فسح المجال لبعض من التردي في الكتابة الاعتيادية وفي فن الخط وذلك طبقا لِما صار عليه حال الخط واستدعته حالات التنوع، فكلف ذلك أن سار على طريق من التقليد، حيث اقتفى عدد من الخطاطين والنساخين أثر ذلك بما خطَّه السابقون ومن تبعهم على شاكلة واحدة. وبذلك انتقص حال الخط في بعض الأقطار ولم يحظ بشرف التقييد والضبط إلا بعودة النقد إلى المواكبة الصريحة، ولو أن هذه العودة كانت متدرجة ومحتشمة في بداية الأمر، إلا أنها اتخذت صبغة قوية ومباشرة فيما بعد، خاصة عند المتأخرين في الغرب الإسلامي عموما وفي المغرب خاصة، الشيء الذي أهل الخط من جديد ليسمو برونقه وأناقته وجماله، ويعيد مجده ومزاياه. وبذلك يمكن اعتبار أن النقد شرف ومكرمة للخطاط، لأنه المقوم الأساسي للخط، فاذا غابت الحركة النقدية فإن عنصر التطور كذلك يغيب بل يغيب الإبداع والابتكار في الخط ويسود الذوق في صناعة الجمال. وعلى هذا الأساس ظلت كل العمليات التجديدية في الخط العربي في كل البقاع العربية رهينة المقاربات والمفارقات بين الخط والنقد.

 

د. محمد البندوري

 

 

satta hashem2نحن من عالم ومجتمعات تكره الصورة، وهذه هي ثقافتنا التي ورثناها منذ دخول مجتمعاتنا الى الاسلام قبل مئات السنين، وكراهية الصورة هذه جاءت مع نبي المسلمين ومن الفقهاء بعده، وبسبب هذه الكراهية فقد اصبح الاسلام هو الديانة الوحيدة في العالم التي لم تستعمل الصورة او الرمز او التمثال لنشر عقيدتها الدينية او للدعاية والاعلام، وهذا على العكس من بقية الأديان، فإذا ذهبنا الى جامع او مزار إسلامي فلن نجد صورة الرب مجسدة ومعلقة ولن نجد سيرة النبي والصحابة مصورة كما في العقيدة المسيحية الكاثولوكية او الارثوذكسية او البوذية اوغيرها من الاديان، وإنما نرى في جوامعنا الخط والزخارف واذا تصفحت نسخ مخطوطات الحضارات القديمة وكتبهم الدينية خاصة فستجد ان الاناجيل مثلا مليئة بالصور والرسوم الايضاحية للنصوص المنشورة بينما القران قديمه وحديثه مليئ بالزخارف والرسوم الهندسية التجميلية عديمة المعنى، وهذه الأشكال الفنية الهندسية والمجردة هي التي تحكمت في سلوكنا البصري وتجربتنا مع الفنون البصرية كلها، وهي التي خلقت عاداتنا البصرية منذ القرن السابع الميلادي

وهذا ماجعل الفن التشكيلي او البصري الاسلامي عموما، كله فن للزخرفة والديكور والبهرجة وبعيدا تماما عن هموم الانسان اليومية ومواضيع الحياة العامة الا في بعض الحالات الاستثنائية، هذه المواضيع التي وجدت منفذا لها بغزارة عبر الصور الدينية ورموزها البصرية في باقي فنون المجتمعات غير الاسلامية حول العالم، وهذه العقيدة الاسلامية نفسها الكارهة للصورة والرمز والتمثال موجودة في باقي فروع الفنون الابداعية ايضا، وهي المسؤولة عن غياب المواضيع التراجيدية والملحمية في ثقافة مجتمعاتنا ليس بالرسم والنحت والمعمار فقط وانما بالشعر والادب والموسيقى وغيرها

لكن هذا الواقع قد تغير بعد دخولنا عصر الاستعمار، وإدخال المستعمرين الانكليز والفرنسيين بلداننا في العصر الصناعي والتكنلوجي، وادخالهم نظام التعليم الغربي الى مجتمعاتنا، ومن هذه المدارس وتقاليدها الغربية التي درسنا بها صارت عندنا فنون تشكيلية ومسرحية وسينمائية، وعقائد ايدلوجية تعتمد على الصورة لنشر افكارها ومخاطبة جمهور المتعلمين الذين نشأوا في تلك المدارس، وبدات الصورة شيئا فشيئا تدخل آلى منازلنا وتشكل عاملا هاما في وعينا

ولكن هذا لايعني ترسخها في الوعي واللاوعي بشكل عميق نظرا لحداثتها في تفكيرنا اولا ومقاومة الأجيال القديمة ورجال الدين المتزمتين لها ثانيا

والصورة الشخصية او البورتريه كمثال سواءا بالرسم او النحت، قد غابت من ثقافتنا المحلية منذ دخول الاسلام الى مجتمعاتنا وتدميرهم للحضارات التي سبقتهم كنتيجة لكراهية هذا النوع من الفن، قد اعادها الينا والى اصولنا الاولى قبل الاسلام نظام التعليم الجديد وزاد عليها التصوير الفوتغرافي والسينمائي من معنى وشعبية، فصرنا بفضل هذا التعليم ووسائل الحداثة الاوربية التكنلوجية نحب الصور ونحب الديكور والرموز مرة اخرى وأنشأت نظم التفكير الجديد لدينا وببطئ ثقافة بصرية جديدة حاولت وتحاول رد الاعتبار الى تراث الأقدمين الأوائل مؤسسي الحضارات الاولى، وفي نفس الوقت ربطتنا بتيارات العالم الصناعي الحديث وتقاليده المتمدنة، لذلك فأصبح رسم الأشخاص او نحت اشكالهم اوتصويرهم بالكاميرات أمرا عاديا ولازما في مجتمعاتنا ولايمكن لأي قوة مهما بلغت همجيتها ورجعيتها وتخلفها من رد حركة العجلة الى الوراء

الفنون التطبيقية الحديثة

فن العصر الزراعي وفن العصر الصناعي شيئان مختلفان من حيث المبدأ، الاول تأسس قبل عشرة الاف سنة مع نهاية العصر الجليدي الاخير في الكرة الارضية، ومع بداية الثورة الزراعية التي اعقبته خلال العصر الحجري الحديث.

اما الثاني فعمره مئتين وخمسين سنة فقط ان لم يكن اقل، واختلافهما في كل شئ، بالاشكال والمضامين والرؤية الفنية للعالم والاهداف الفكرية وتقنيات الاعمال والمواد الخام وقواعد العمل وكل شئ تقريبا

الاول فن مجتمعات الفلاحين نجده في جدارية في قصر او كنيسة او مزار، او تمثال من المرمر او النحاس، او انية من الخزف، او صورة مرسومة في كتاب، او سجادة من خوص السعف او النسيج، او لوحة زيتية او مائية وغيرها العشرات، اما العمود الفقري لمضمون هذه الاعمال الفنية والاشكال الفنية التي ابتكرتها مخيلة الفنانين في كل زمان ومكان في العصر الزراعي فهي متمركزة في ايادي السلطة والاغنياء ورجال الدين، وليس في يد الفنان الفرد، بمعنى ان الفنان لايقرر موضوع ومضمون ما يبدع وينتج الا اذا وصلته المضامين والموضوعات من اصحاب السلطة او المال او الواعظين، وما عليه الا صياغة الاشكال ضمن التقاليد الموروثة جيلا بعد جيل، وهذه ظاهرة عالمية تشترك بها كل الشعوب، وهذا هو الفارق الجوهري بين الفنان في العصر الفلاحي والفن والفنان الحديث في العصر الصناعي

فالفن والفنان كما نعرف اليوم اعني في عصرنا الصناعي ومن تجربتنا في الحياة اليومية، كامن في كل نفس بشرية تولد في هذا العالم، على شكل استعداد طبيعي غريري نفسي للحس الجمالي والعاطفي نحو الاشياء والاخرين، اي ان جميع الناس يولدون فنانين، والفارق هنا هو بكمية وجود هذا الفنان في هذا الانسان او ذال وليس في النوعية، وهذه هي البذرات الاولى لكل نفس سترتقي لاحقا في الحضارة كفاعل ايجابي، وربما في مديات التاريخ الشخصي القادمة للفرد، ستندفع تلك البذرات لتصبح فنانا محترفا يرسم او ينحت او يرقص ويغني .

هذا هو الميكانيزم الطبيعي لظهور الفنان عامة وتطوره في كل واحد منا ضمن عوالم الانسان المحدودة في مجتمعات الثورات الصناعية الحديثة، وهذه ظاهرة جديدة لايزيد عمرها على القرنين من الزمان .

الديني والدنيوي

في سنة 1866 تأسست في بريطانيا الجمعية العلمانية الوطنية برئاسة جارلس برادلف عضو البرلمان عن منطقة نورثهامتن انذاك وهي اول جمعية من نوعها بالعالم على حسب علمي، وفروعها مازالت موجودة الى يومنا هذا في كل المدن الكبيرة، وقد باعت في السنين العشرين الاولى فقط بعد تأسيسها اكثر من ثلاثة ملايين نسخة من مقالات ومؤلفات اعضاءها وكلها كانت في مقاومة الدين ورجاله، ونجحت في الدعاية للعلوم والاداب والتحرر من النوازع الدينية والرقابة الاسرية القوية والتي تميز المجتمعات الزراعية والفلاحية، هذه النوازع التي اصبحت ضعيفة في المجتمعات الصناعية بفضل مثل هذه الجهود وغيرها، قارن مثلا الانهيار الكبير للقيم الاخلاقية لمجتمعات الفلاحين التقليدية كما في مجتمعاتنا بما هو حاصل في المجتمعات الحديثة وخذ الزواج في شكله التقليدي بالمجتمعات غير الصناعية مقارنة بالعلاقات المفتوحة بين الجنسين في الدول الصناعية

وهكذا ومنذ ان تأسست هذه الجمعية ونشرت افكار اعضاءها فأن العلوم الحديثة والابحاث الاكاديمية الرصينة تستخدم مصطلحات الديني والدنيوي عند الحديث عن مضمون الظواهر الاجتماعية او الثقافية او السياسية وغيرها لتفسير وقائع التاريخ والفكر وتقديم دروسها للاجيال اللاحقة .

فنحن نقول عند رؤيتنا للروائع الفنية مثلا، كالاعمال النحتية الخالدة للفنانين الاشوريين العظام فنصفها بقولنا هذه المنحوتة او تلك هي عمل فني ديني وعندما نصف لوحات الفنان من العصر الحديث نقول هذا فن دنيوي لان مضمون وغاية هذا العمل الفني او ذاك هو الذي يقرر صفته في هذه الحالة، او نقول هذه رواية دينية ولا نقول هذا فن علماني، كذلك نصف الجامع مثلا فنقول انه مكان للعبادة اي انه مبنى ديني بينما نصف الحدائق العامة بانها امكنة للراحة والترويح فهي مكان دنيوي وليست مكان علماني، وهذا يسري على الاف الامثلة المشابهة في فروع المعرفة الاخرى وبعكسه سيكون تجاهل هذا سخافة، كسخافة كتبة الاسلام السياسي فيما يقولون.

وعليه فان الواقع في بلادنا يقول بان كل ماحدث في الماضي القريب وليس البعيد للقبائل المنسية في صحاري العرب والشرق عامة من حروب ودسائس وعمالة في ظل الصراع الدولي في المئتين سنة الاخيرة منذ بداية الثورة الصناعية وعصر الاستعمار يجثم على نفوسنا الان مثل كابوس دائم لايمكن الفكاك منه، وقد نجح دجالي الاسلام السياسي بالاربعين سنة الاخيرة على وجه التحديد في توظيف الصور والرموز التي ابدعتها المخيلة الدنيوية والتي احتقرتها وحاربتها ديانتهم وازدرتها عقائدهم على مدى مئات السنين الى اسلحة دعائية فتاكة تعج بها قنواتهم التلفزيونية ومنشوراتهم الدنيئة لسحق انسانية مابقي لنا من انسانية وتكريس الجهل والتخلف في مجتمعاتنا.

 

mohamad albandoriلقد تميزت التجربة الشعرية العربية القديمة بخصائص حملت طبيعة إنشادية في المرحلة الشفوية واتسمت بمظاهر مختلفة في مرحلة الكتابة والتدوين، حيث لعب الخط العربي خلالها دورا فاعليا. لكن بالنظر إلى خصوصية التجربة الشعرية الحديثة في ارتباطها بالخـط العربي، فإن هناك مفـارقة كبيرة، حيث استجابت هذه الأخيرة لتحولات فكرية وثقافية وظهرية بصرية انعكست على الشعر الذي أصبح الشكل البصري أحد مقوماته. فقد تلاحم جمال الخط وأناقته وتشكيلاته بجمال الشعر وعذوبته ف:" للألفاظ دلالات صوتيـة.. ولا يقارب وضوح مـدلولاتها في الأدب إلا وضوح الشـكل والرسم."[1] يقول العمري حول النظرية البصرية:" وهي تتجلى في ثلاثة مظاهر: خطي ولوني وتشكيلي، فالمظهر الخطي، وهو أكثر ميلا إلى اللسـانيات يرى في الحروف صورة لمعاني الكلمات."[2]

وقد ترتب عن هذا المظهر ما اصطلح عليه بالتجربة الكاليغرافية خصوصا المغربية منها للشعراء المغاربة في فترة السبعينات من القرن العشرين مع كل من: بنسالم حميش ومحمد بنيس وعبد الله راجع واحمد بلبداوي ومحمد الماكري، مستغلين:" غنى الأشكال الفنية للحروف في دوراناتها واستقامتها وميلانها وبداياتـها ونهاياتها وايقاعاتها."[3] وهكذا تكون الخطـوط بجماليتها قد:" استرعت بحروفها المتعددة أنظار الشعراء."[4] حيث تم إبداع قصـيدة مغايرة بتوظيف البعد الجمالي للدليل الخطي ومخاطبة عين القارئ بدل سمعه. وهذا طبيعي بالنسبة لمجال الشعر باعتباره يستوعب كل الفنون يقول ميشال عاصي:" لأن الشعر بالإضافة إلى مادة الفن الأدبي، وهي ألفاظ اللغة، يشتمل على مواد سائر الفنون الجميلة الباقية.. ومع تزاوج الحروف والألفاظ.. والشعر بوجه مخصوص يستأثر بميزات الفنون الجميلة كلها."[5]

ومن هذا المنطلق تأتي أهمية الخط العربي في جمالية النص الشعري لدى النقاد المحدثين. فنظرا لغنى الخط العربي وتفوقه بأبعاده الرمزية والايحائية المتنوعة، وجد فيه الشعراء والفنانون مادة طيعة لنقل مشاعرهم وتوصيل معانيهم، وذلك لأن :" للحروف قيمة رمزية يؤدي اكتشافها إلى استجلاء جملة من الحقائق الأخرى."[6] مما عمق من صيغ الجـمال التي رافقت الخط العربي وألبسته اهتمام جميع الشرائح المثقفـة منذ بداياته الأولى وطيلة مسيرته الطويلة بين حقـول معرفية ومجالات فنية مختلفة، وقد أدرك الشعر المغربي المعاصر دور الخط العربي في إضفاء الجماليات[7] على بنياته، فاعتمد الشعراء على هذا الخـط اعتمادا كبيرا قياسا بانفتاحه ورمزيته. واعتماد الشعراء على أبعاده الجمالية والرمزيـة تغني من دلالات القصيدة فقد:" صار يثير انتباه الكتاب والشعـراء على السواء، وذلك علامة على أن الحـرف بدأ يحتل مكانة في البصـر الى جانب مكانة الصوت في السمع، وينحت له صورة في الخيال إلى جانب الصورة الصوتية للمسموع."[8]

إن فطنة البعض لأهمية الخط العربي والكتابة في جمالية النص الشعري كان نتيجة ما تتيحه من:" إمكانيات كبيرة قد لا تتيحها الشفوية."[9] فهي مثلا:" تقوي احتمالات اللعب بعناصر اللغة، اللعب بالحروف مثلا."[10]   ولا شك أن الوظيفة البصرية وبنية المكان كان لهما محل في البناء الخطي حيث ساهم الخطاطون العرب ببراعتهم في هذا المجال الى حد جعل كل دارسي الخط العربي من العرب والأجانب يجمعون على أن الفنان العربي قد جعل للكلمة وظيفة جمالية بصرية الى جانب وظيفتها السمعية. وتفاعل المثقفون والنقـاد العرب المحدثون مع جمالية الخط العربي وبنياته ومكوناته، فأولوا أهمية للحـرف العربي الذي هو حسب عمران القيسي:" إحدى أهم الظواهر الحضارية، وقد رافق في تطوره الجمالي تطور حضارة أمة بأكملها."[11]

فهو :" الفن الجميل الذي توج الحضارة العربية والحضارات الاسلامية الأخرى، وهو يختلف عن الخطوط الأخرى ويمتاز عنها في تجاوزه لمهمته الأولى وهي نقل المعنى، إلى مهمة جمالية أصبحت غاية بذاتها."[12] وبذلك فقد شكل عمودا أسـاسيا يتجاوز الصيغ المألوفة، بعد توظيفه جماليا وبشكل مغاير في القصائد الشعرية التي اصبحت تخاطب عين المتلقي أولا من خلال بسط التشكيلات الخطية ومزجها باللغة. في إطار ما يسمى بالشعر البصري أو الفضائي، وهذا النمط يتجلى واضحا وبالأساس في الشعر المغربي الحديث. ولعل محمد بنيس أول من أومأ إلى هذا الموضوع من خلال دعوته أولا الى الاهتمام ببنية المكان:" لم يتطرق النقاد لبنية المكان في المتن الشعـري المعاصر، وعدم احتفالهم بهذا المجال البصـري يعبر بوضوح عن تحكم التصور التقليدي في قراءة النص الشعري."[13] علما ان النقاد العرب القدامى خصوصا :" المتأخرين منهم قد انتبهوا لأهمية المكان في تشكيل النص الشعري، ونجد النقاد المغاربة والأندلسيين يفطنون لهذا المجال ويدخلونه ضمن أبواب البديع."[14] واحتل الخط العربي مكانة لائقة ونال أهمية في هذا المجال، فمن خلال :" الكتاب النقدي: الوافي في نظم القوافي للناقد الشاعر أبي الطيب صالح بن شريف الرندي[15] صاحب النونيـة الشهيرة الذي اشتهر بمثل هذا الاهتمام حيث أورد لنفسه قصـيدة على شكل خاتـم في الباب السابع والثلاثين من أبواب البديع."[16] يشكل فيها الخـط المغربي المبسوط والخط المغربي الأندلسي قاعدة التشكيل. يقول محمد بنيس :" فقد انتبه بعض النقـاد العرب القدمـاء وخاصة المتأخرين منهم لأهميـة المكان في تشكـيل النص الشعري، ونجد النقاد المغاربة والأندلسيين يفطنون لهذا المجال ويدخلونه ضمن أبواب البديـع من القرنين السادس والسابع."[17] وممن :" اشتهر من المغاربة والأندلسيـين الشاعر احمد بن محمد البلوي القضاعي الذي له أشعـار مكتوبة على شكـــل مربعات ."[18]

وبخصوص القرنين السادس والسابع فإن:" تشكيل المكان بالنسبة للقصيدة المتساوية الشطرين أو الموشح قد احتل عناية كبرى لدى النقاد والشعراء معا، ومن تم ظهرت ـبعض التشكيلات المكانية للنص الشعري."[19]

   وبخصوص الاهتمام بالجانب البصري في التراث الشعري العربي القديم يقول محمد بنيس إنه :" تجلى بوضوح لدى الخطاطـين الذين كانوا يفتنون في تخطـيط القصائد والدواوين، وبالأخص عند أولئك الذين لهم ولع بالخط كفن وكعنصر أساسي من عناصر التشكـيل العربي الاسلامي."[20] فأولئك :" الخالقـون لرافد من روافد التشكيل العربي الإسلامي هم الذين انتبهوا أكثر من غيرهم لخاصية المكان في النص الشعري."[21] يقول عفيف البهنسي:" فالخطاط العربي قد نجح منذ القديم في تحريك مساحات الأبيض والأسود، مستغلا شموخ الحرف العربي وقوته، ونجـد ليوناردو دافنتشي أحد رواد النهضة بأوربا يقدم نصائحه لتلاميذه والتي لازال معمولا بها حتى الآن يقول: إن الألوان تبدو أكثر وضوحا إذا وضعت أضدادها.. فاللون الأبيض يبدو أكثر ضياء من الأسود."[22] علما بأن:" الخـط واللون هما جوهر الفن."[23] ولتجاوز بنية الزمان المتحكمة في الشعرية العربية إلى بنية المكان، يرى محمد بنيس لزومية عنصرين أساسيين، يتمثل الأول في لعبة الأبيض والأسود حيث :" تعيش النصوص صراعا بين الخـط والفراغ أو بين الأسود والأبيض."[24] ويبقى :" الإيقاع في لعبة الفراغ من أهم ميزات فن الخـط العربي. ولأن العلاقة بين النص الخـطي والنص الخطابي علاقة عضوية، فإن موسيقى اللغة العربية تتجلى في صيغ الخط، مما يجعلنا نسمع هذه الموسيقى من خلال جمالية الشكل الخطي."[25] بينما يتمثل العنصر الثاني في دعوته الملحة إلى تجاوز الخط المطبعي[26] لأنه:" عادة ما يلغي النص كجسد، حروف باردة تسقط على الأوراق البياض، يتحكم فيها سفر من اليمين إلى اليسار يختزن النص في معنى والمعنى في كلام، يمحو نشوة القراءة[27] وتعدد الدلالة."[28]

 

د. محمد البندوري

.......................

[1] الفن والأدب ميشال عاصي مؤسسة نوفل بيروت الطبعة الثالثة 1980م

[2] تحليل الخطاب الشعري العمري ص 223

[3] الحرف العربي د عبد الغني النبوي الشال مجلة الفن التشكيلي العدد الأول محرم 1418هـ ص 24

[4] الحرف العربي عبد الغني النبوي الشال مجلة الفن التشكيلي ص24

[5] الفن والأدب ميشال عاصي مؤسسة نوفل بيروت لبنان الطبعة الثالثة 1980 ص47

[6] الحروف العربية من التصوف الى التشكيل عمران القيسي مجلة الفكر العربي العدد 15 يونيو 1980 ص 173

[7] يقول ميشال عاصي: ينبغي اعتبار الأعمال الجمالية في دائرة السمع والبصر( الفن والأدب ميشال عاصي ص 49)

[8] تحليل الخطاب الشعري العمري ص 207

[9] نفسه، 204

[10] نفسه، 204

الحروفية العربية من التصوف الى التشكيل ص 184 [11]

[12] علم الخط والرسوم عفيف البهنسي دار الشرق للنشر مطبعة العجلوني دمشق الطبعة الاولى 1425هـ 2004م ص24

[13] ظاهرة الشعر العربي المعاصر في المغرب محمد بنيس ص95

[14] ظاهرة الشعر العربي المعاصر ص 95

15هو صالح بن أبي الحسن يزيد بن صالح بن موسى بن أبي القاسم علي بن شريف يكنى بأبي الطيب وأبي البقاء، كان فقيها حافظا متفننا في النظم والنثر وله مقامات ومختصر في الفرائض وكتاب الوافي في نظم القوافي (الذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي المجلد الرابع القسم الثاني تحقيق إحسان عباس دار الثقافة بيروت ص 136 .

[16] ظاهرة الشعر العربي المعاصر ص 96

[17] ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب محمد بنيس ص95

   [18] نفسه، ص 95

[19] نفسه، ص 98

[20] نفسه، ص 98

[21] نفسه، ص98

[22] علم الجمال عند أبي حيان التوحيدي عفيف البهنسي بغداد 1980 ص 175

23 عصر الصورة السلبيات والايجابيات شاكر عبد الحميد عالم المعرفة سلسلة كتب ثقافية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت يناير 2004 ص 252

[24] ظاهرة الشعر العربي ص101

[25] علم الخط والرسوم عفيف البهنسي دار الشرق للنشر مطبعة العجلوني دمشق الطبعة الاولى 1425هـ 2004م ص30

26 يقول محمد بنيس: إن القصيدة التي نقرأها على صفحة جريدة أو مجلة أو كتاب عادة ما تتعرض لتحريف خارج عن إرادة الشاعر، يتمثل في حذف أو زيادة أو تغيير حرف من الحروف (ظاهرة الشعر المعاصر ص 194)

27 أورد محمد بنيس نماذج من الخطأ المطبعي الذي يغير دلالة النص ويصعب قراءته مما يحد من نشوة القراءة: فقد أورد على سبيل المثال نموذج احمد صبري: عريت في سد الجمارك اللصوص – الباحثين عن الحقيقة في العيون وفي الجيوب- عريت (البياض) لسد العريض- (بياض) اشتريت الريح عانقت الهواء- لما (بياض) بادر في النهار. يقول محمد بنيس فالبياض يتكرر أكثر من مرة. وفي النموذج الثاني لمحمد الخمار الكنوني: أثمرت من حدود المحيط إلى النهر كالحقول – فارتفعت لعة ولعات تزول – حينما أزهرت لم تكن لغة البيع والغين قد بدأت – لم تكن كلمات السماسرة ارتفعت- انما عبرت لغة هي بين الغناء وبين الهذهول. يقول محمد بنيس: نجد حذف نقط الحروف بالإضافة إلى زيادة الهاء بين اللام والذال ( ظاهرة الشعر المعاصر محمد بنيس ص 195)

[28] بيان الكتابة ص 46 و47

 

 

استطاع مجموعة من الصحفيين اليوم رؤية، الزيارة، لوحة التي رسمها اليوناني (1541-1614) للمصلى المؤسس من قبل ايزابيل اوباية في كنيسة طليطلة. لم يستطع الخبراء لحد الان الاقتراب من الزيت من اللوحة لمسافة متر او 80 سم، والتي تٌظهر زيارة مريم العذراء من إبن عمها القديسة أيزابيل، أمرأتان بالزي التقليدي ذو اللون الازرق وتحيي كلاهما عند الباب. منذ احتفال عام 2014 علم اليوناني بوجود قطعة القماش، لكان مكانها كام غامضاً، ولا يزال. ولا حتى اصالتها مضمونة 100%، بسبب عدم تخويل صاحبها للاختبار الكيميائية والاشعاعية.

1572 aydaaاظهارها متحف اليوناني في طليطلة هذا الصباح، ومديرها خوان انطونيو غارثيا كاسترو، كان مقتنعاً بأصالتها بالرغم أصر على اهمية اجراء هذه الاختبارات. وأكد انه من "الممكن" ان تكون اليوناني. لحد الأن توجد أدلة وثائقية، العقد الذي تكفله الرسام وثلاثة اخرون، القديس بدرو، والقديس الدوفونسو، والطاهرة، كلهم في مصلى اوباية لكنيسة الشهيد القديس فيسنتة. فضلاً عن انها تحتوي على مطالبة ابن الرسام بالاعمال التي يتعين دفعها.

عرفت مؤرخة الفن ماريا دلمار دوفال باعلان خاص عن وجود هذه القطعة عام 2014. هي رأته في نفس المنزل في طليطلة منذ حوال أكثر من 20 عاماً. اللوحة بحالة ممتازة جدً، لم تنقل كثيراً ولم تتأثر بالتقلبات. ألونها تلمع وأثار المعلم لا تقبل الجدل، بالنسبة لدوفال. ذكرت ملامح لباس المرأتين التي لا تنصهر مع الخلفية، "اليوناني"، رأس الشخصين، وقرط العذراء، وبعض التفصلات.

أقترح مدير المتحف على المالك أجراء بقية الاختبارات. وأكد بما تنفع لوحة كهذه اذا جُهلت اصالتها؟ بينما بقت اللوحة معروضة اشهر عدة، واحدة من القلائل التي لم تحدد، على انظار الخبراء. "هناك امكانيات كبيرة ان تكون اصلية" هذا ما أكده غارثيا كاسترو، الذي وضع فاتورته ابتداً من 1608. توفي اليوناني عام 1614.

 

مقالة كارمن موران في صحيفة البايس الاسبانية.

ترجمة المترجم الاقدم: عائدة هاشم يوسف

 

mohamad albandoriلا شك أن التفكير النقدي المغربي قد مر بمراحل توجت بوجود الوعي بالقيم الجمالية للخط وإنشاء بلاغة خطية مغربية. بل إن الخط المغربي أضحى أحد العلوم البلاغية في النصوص الجمالية في اتصال بكل الأساليب والوسائل التي أسهمت في نشوء ظاهرة البلاغة الخطية على نحو تتم به عملية الإدراك والتبين والفهم والقراءة. فكما ظهر البديع الذي ارتبط بالتحول الحضاري والتحول في عقلية الإنسان المغربي حيث ظهرت الخصائص الفنية في التعبير(البديع)، ظهر كذلك البديع في رسم الخط، وظهر ما اصطلح عليه آنفا: التشكيلات البديعية، التي دلت على التجديد في التعبير بطرق مختلفة من التزيين، في نطاق التوافق بين جماليات الخط وبواطن النصوص. فأصبح الرسم والخط العربي مبنيان بواسطة العلامات اللغوية الخطية.  فمع التمكن من التجويد الخطي، بدأ التكلف في التشكيل، وإدخال مختلف الزخارف والصور التي تحاكي الطبيعة في الخط، ولم يقتصر ذلك على الكتابة الخطية والزخرفية فحسب، بل تعداها إلى إنتاج معاني جديدة.

ويتبدى أن إطلاق العنان للتشكيل الخطي بالمغرب قد أدى إلى إنتاج علامات تماثلية، فتبدت عناصر الجمال في الحرف نفسه وفي الصورة الخطية جلية، مما أتاح فرصا كثيرة في تأويل رسم الحرف والتعدد في المعاني، وفي تأويل التشكيلات الخطية، حيث يمكن للحرف الواحد كما للصورة الخطية الواحدة أن ينتجا معاني كثيرة في آن واحد، كما أصبح الحرف الواحــد الذي يختلف في رسمه من رسم إلى آخر يشكل خزانا بصريا يمكن قراءته عبر نظام العلاقات البصرية وحدها وعبر نظام خطي يشكل بؤرة للجمال تتبدى أبعاده في كل حرف وفي كل كلمة وفي كل جملة وفي كل نص.

إن خصوصية العمل الفني للخط المغربي قد اقتضت ربط الصلة بين الخط والخطاب البلاغي نظريا وتطبيقيا، وذلك بما يجعله تأملا في الخط والفكر، فخصوصية العمل الحروفي وطبيعة الصورة الخطية تبين أن الخط صورة جمالية بالشكل الذي يوضع عليه رسم الحرف، وأن ذلك الرسم الذي يكون عليه الحرف هو في المقام البليغ إبداع ذهني يخضع للتطور المنهجي والفكري والحضاري في المنظومة الحروفية والنقدية، باعتبار أن الناقد هو المعني الرئيسي بعملية وضع رسم الحرف وإدراك خبايا شكل رسم الحرف برؤية عالمة وخبرة عارفة بحيثيات الحروف والخط، مع مراعاة الوصل في العملية الإبداعية للحرف على المستوى الثقافي والفني، بربطه بالقضايا المعرفية وقيمتها الفكرية. ذلك أن هذا الحرف قد احتاج إلى كيفية صناعة المفاهيم الفنية والجمالية، خصوصا وأنه يخترق كل المعارف. فإدراك ذلك هو إدراك شمولي للحرف في نطاق الوعي بالقيمة الخطية والقيم البلاغية، وفي نطاق معرفة علمية بشكله الذي يختزل العمل الفني والتشكيل الجمالي. ومن واجب العلماء إمداد المنظومة الحروفية بنظريات جديدة من خلال مجالهم التداولي للمحتويات الجمالية للحرف وذلك لوضع أسمى الجماليات الحرفية وإبداع معرفة تحيط بالحرف من كل الجوانب. وهو ما تأتى في المشهد الثقافي المغربي في مراحل من تاريخ المغرب العريق.

 

د. محمد البندوري