82 منال ديب 1نظّم غاليري P 21 بلندن معرضًا شخصيًا للفنانة الفلسطينية منال ديب المقيمة في أميركا حاليًا. وقد ضمّ المعرض 32 لوحة، وأعمالاً فنية رقمية، إضافة إلى خمسة أعمال فيديوية وُزعت بطريقة أنيقة ومريحة على صالتي المعرض الكبيرتين نسبيًا، كما استثمرت داغمار بينتر، القيّمة على المعرض الممر الطويل الذي يربط بين الصالتين وزيّنته بالعديد من اللوحات المعبِّرة التي تستوقف الحضور العرب والأجانب المعنيين بالقضية الفلسطينية أو المتعاطفين معها.

قبل الولوج في تفاصيل الأعمال الفنيّة لابدّ من الإشارة إلى أنّ منال ديب وُلدت بمدينة رام الله في فلسطين، وأكملت دراستها الإعدادية هناك، ثم انتقلت إلى العاصمة الأميركية واشنطن، ودرست فنون الأستوديو في جامعة ألينوي بشيكاغو، وحصلت على درجة البكالوريوس في الدراسات متعددة التخصصات مع التركيز على علم نفس الفن من جامعة جورج مَيْسِن بفرجينيا، فلا غرابة أن تدخل الثيمة النفسية إلى العديد من أعمالها الفنية وخاصة تلك التي تعالج فيها موضوعات الهوية، والمنفى، والحنين إلى الوطن مع أنّ ثيماتها إنسانية ولا تنحصر في حدود الوطن المستباح لأنها معنيّة أصلاً بثقافات الشعوب، ومدّ الجسور بين الأديان السماوية الثلاثة، كما أنها تبحث عن أواصر التفاهم والتسامح بين الأقوام البشرية بغض النظر عن أعراقهم ودياناتهم وطوائفهم وربما يكون الفن التشكيلي هو الوسيلة المُثلى للتعاطي مع الكائن البشري في كل مكان من دون الحاجة إلى اللغة، فالفنون البصرية في كثير من الأحوال لا تحتاج إلى اللغة وإنما إلى تواصل المتلقي مع العمل الفني المعلّق أمامه.

82 منال ديب 2

ربما تكون ثيمة الذاكرة هي الأكثر هيمنة في هذا المعرض، فالفنانة منال ديب تتذكّر أيام طفولتها وصباها الأول في رام الله، كما تتذكّر القدس وبقية المدن الفلسطينية التي مرّت بها أو شاهدتها عبر الصور الفوتوغرافية والتلفازية والسينمائية فتسترجعها لتخلّدها  في أعمال فنية كما هو الحال في لوحة "إلى الأبد في عقولنا" حيث تتذكر الفنانة أفراد الأسرة برمتها، أو غيرها من الأُسَر الفلسطينية، فالدلالة قد تخرج من إطار الذات إلى الموضوع أو تتجاوز الخاص إلى ما هو أعمّ وأشمل.

لابد من الإشارة إلى تقنية منال ديب في تجسيد أعمالها الفنية، فهي، كما ذكرتْ داغمار بينتر، تقتفي آثار ثلاث فنانات فلسطينيات معروفات وهنّ زلفة السعدي، جوليانا سيرافيم ومنى حاطوم اللواتي رسمن الشخصيات الثقافية والتاريخية والشعبية إضافة إلى الطبيعة الصامتة، والمَشاهِد المستوحاة من الحياة الاجتماعية الفلسطينية لكن منال ديب اختطّت لنفسها طريقًا مغايرة حيث اتخذت من وجهها أو جسدها بالكامل خلفية لمعظم أعمالها الفنية، فهي ترسم ملامح وجهها بواقعية متقنة جدًا لا يجد المتلقي صعوبة في التعرّف عليها. كما أنها توظّف معطيات الخط العربي بطريقة تجريدية، فالمُشاهد لا يستطيع أن يلتقط كلمة واحدة من المناخ الحروفي الذي تُبدعه، فالهدف ليس قراءة كلمة ذات معنى، أو جملة مفيدة، أو صورة شعرية رسخت في الأذهان العربية، فمنال، كما نعرف، مولعة بالشعر العربي ولعلها تستشف من بعض القصائد موضوعات لأعمالها الفنية المتنوعة غير أن هدف المنحى الحروفي هو جمالي بالأساس ولعلّه يحيلنا أيضًا إلى عالمنا العربي بشكل خاص والإسلامي بشكلٍ أعمّ. أما العنصر الثالث والأخير فهو توظيفها للبُعد النفسي الذي يمكن تلمّسه بسهولة للمتلقي المُلِّم بتجربتها الفنية. ويكفي أن نشير هنا إلى لوحة "كتاتونيا" التي نفذّتها بالديجيتال على المعدن بقياس 50 x 75 سم، غير أن هذا النمط من اللوحات المعقدة يحتاج معرفة وإلمام بعلم النفس. فالكتاتونيا تعني "الجامود" أو "الإغماء التخشّبي" وهو "زيادة توتّر العضلات في وقت الراحة لكنه يزول بممارسة الحركات الإرادية". المتأمل لهذا العمل الفني يرى فيه أبعد من جمود العضلات أو توترها، فهو صورة إيروسية لكنها لا تقع في فخّ البورنوغراف الهابط. كما لعبت الألون المتناغمة دورًا مهمًا يقود المتلقي بالضرورة إلى الاسترخاء بعيدًا عن ذبذبات التوتر الذي يعاني منه الجسد الأنثوي الجميل الغارق في صمته ووجعه الداخلي.

82 منال ديب 3

تمرّ غالبية الأعمال الفنية لمنال ديب عبر الأنا الفردية المتواضعة التي لا تتعالى على الآخرين حتى أن صورتها الشخصية تكاد تكون العمود الفقري للعمل الفني الذي تريد أن تؤكد من خلاله أنها موجودة مثل وجود الوطن بطبيعته الأزلية التي لا تتلاشى أو تُبتلع مهما تغوّل الأعداء والطامعون بمهبط الرُسلِ والديانات. فالفلسطيني يظل مرابطًا في أرضه، وحارسًا أمينًا على قبة الصخرة التي أسمتْها في واحدة من لوحاتها بـ "قُبّة الأرواح" وهي استعارة بصرية شديدة التأثير على المتلقين الذين يتأملون هذه القُبّة المطوّقة بوجه الفنانة منال ديب التي أصبحت في هذا العمل الفني رمزًا لكل الفلسطينيين من دون استثناء، فإذا كانت منال، وهي البعيدة جسديًا عن القدس، وتقيم في الطرف الآخر من الكرة الأرضية، وتحتضن القبة في رأسها، فكيف بالناس الفلسطينيين المرابطين الذين يسوّرون القُبة بأجسادهم وأرواحهم، ويحيطونها بعقولهم وقلوبهم ليل نهار؟

تُعتَبر لوحة "باروك" من أقوى اللوحات التعبيرية التي حوّلت فيها الفنانة معالم وجهها إلى بناء أثري يذكرنا بكل المدن الفلسطينية العتيقة بأبوابها المستطيلة ونوافذها المشرَعة على العالم الخارجي. والغريب أن وجه الفنانة بات أكثر رقّة رغم صلادة الحجر الذي طغى على كل تفاصيله الدقيقة.

لوحات كثيرة في هذا المعرض تعزز فكرة البقاء، والمرابطة، والتشبث بالوطن والذكريات من بينها لوحة "الحنين" أو "أن تكون هناك"، ففي الأولى يجلس اللاجئ الفلسطيني الطاعن في السن منتظرًا تحقيق حلم العودة إلى الوطن، بينما تتأمل المرأة الفلسطينية في اللوحة الثانية المدى الواسع وكأنها تقرأ في كتاب مفتوح ما يخبئه الغد لها ولأبناء جلدتها.

82 منال ديب 4

لوحة "مخبأة" عمل بليغ يختصر الكثير من الكلام، إذ تتوارى الفنانة خلف التاريخ العريق والموغل في القِدم لكنها تطل علينا بعين واحدة مُترقِّبة وكأنها تقول للأعداء المغتصبين لأرضها: "أنني موجودة في هذا الفضاء الفلسطيني، ومتجذرة فيه"، ولعلها تحيلنا إلى لوحة أخرى تحمل عنوان "ثقافة" التي يتجلى فيها المعطى البصري الذي يُحيل إلى الأزياء الشعبية والتراثية التي رسمت عليها خارطة فلسطين على خلفية مفتوحة وكأن لسان حالها يقول بأن هذا البلد منسوج من أعصابنا وشراييننا قبل أن يُنسج على ثيانا وأرديتنا.

ربما تكون لوحة "الأرواح باقية" تحفة لونية تستقطب اهتمام الزائرين حيث يتعاضد الشكل مع المضمون، ويتناغم المبنى مع المعنى، فهي تستدعي الأرواح الفلسطينية التي رحلت منذ الأزمنة القديمة وحتى الوقت الحاضر ولكن طريقة الاستدعاء تُذكّرنا بالتقنية الميتاسردية التي تقرأ النص البصري قراءة مركبة بعيدًا عن الاستسهال والرؤية التبسيطية.

نختم المقال بلوحة "فلسطين الجديدة" وهي عمل فني رقمي لافت للانتباه في ثيمته الذكية، وألوانه المُبهرة، وخطوطه اللينة المرهفة، ففلسطين هذا البلد الجميل الذي ينزف دمًا هو أشبه بالغريق الذي يبحث عن خشبة النجاة ولا يستطيع العثور عليها في خضم الأمواج المتلاطمة العاتية. خلاصة القول إنّ معرض "قلب بلا ملاذ" هو إضافة نوعية لتجربة الفنانة منال ديب التي سوف تحفر اسمها بقوة في المشهد التشكيلي الفلسطيني الموزّع في المنافي الأوروبية والأميركية.

 

عدنان حسين أحمد

 

كاظم شمهودهل ان الفنان العربي توقف عن ممارسة ثقافة التصوير تماما في بداية صدر الاسلام؟ وهل ان نمط التحريم قد فهمه الصحابة موجها لصناعة التصوير او لعبادته؟. فهناك فرق بين صناعة التصوير للمتعة والزينة والتعبير وبين اتخاذه وسيلة للعبادة والشفاعة، وقد حمل الصحابة التحريم على العبادة، بينما العلماء الاوائل والذين تبعوهم قد فهموه فهما خاطيئا بدليل اختلافهم في الرأي والحكم . وقد ورثنا تراثا فقهيا وتاريخيا مبنيا على الاخطاء ومشوها . واصبحت الامة اليوم تدفع اثمانا باهضة من جراء هذا الخطاب المتخلف.. ولم نجد لحد هذا اليوم اي بادرة حسنة مستعدة لمراجعة هذا التراث واصلاحه، وهناك جهات داخلية وخارجية تعيش على هذا التمزق والانحراف والتخلف .

الشواهد على استمرار التصوير:

يذكر ان العرب مارسو التصوير قبل الاسلام وابدعوا فيه وكانت كنائس اليمن والشام والعراق ومصر مليئة بالرسوم الجدارية الدينية، كما كانت قصور الامراء والملوك تعج بالزخارف والتصاوير مثل قصري الخورنق والسدير في العراق (الحيرة) والاول بناه النعمان بن امرأ القيس في القرن الرايع ميلادي وكان هذا القصر عنوان حضارة ومجد عربي خالد . والثاني يقال انه بناه اللخميين المناذرة .

854 قصر الخورنق

و يمكن الاطلاع على كتاب – قصور العراق العربية والاسلامية – للمؤلف طالب علي الشرقي- 2001 . وكان اعيان وامراء اهل العراق قد قلدوا قصور ملوك الفرس مثل طاق كسرى (الموجودة حاليا آثاره في المدائن)، قلدوها من ناحية العمارة المترفة والزخارف والفسيفساء والجدران المصورة بالاصباغ المدهشة وقد بلغت حدا كبيرا من الترف وفخامة الجمال ومظاهر الراحة والمصابيح المذهبة والسجاجيد البارعة والمطرزة .. كذلك شيدت قصور في اليمن مثل قصر غمدان في صنعاء الذي يعد من عجائب قصور العرب قبل الاسلام وقد سكنه آخر ملوك اليمن سيف بن ذي يزن وهدمه الخليفة عثمان بن عفان؟ . وذكر ابن الكلبي بانه وجدت عبارة بالخط الحميري (غمدان هادمك مقتول) فهدمه عثمان فقتل . وكان هذا القصر مزينا بانواع الرسوم والزخارف . وكان يتكون من سبعة طوابق وترى اضويته ليلا من مسافات بعيدة ..

كما يذكر ان الصور كانت منتشرة في المدينة (يثرب) في زمن الخليفة عمر بن الخطاب مثل منزل ياسر بن نمير خازن بيت المال، كما ان مبخرة الخليفة عمر بن الخطاب التي يستخدمها في المسجد كانت مزينة بالصور الآدمية .. وغيرها من الامثلة

وكان الخليفة عثمان بن عفان هو اول من سمح ببناء القصور وان الناس تشجعت على ذلك في عهده وتحولت الحياة الى ترف وغنى وزخرف وزينة . وشيد معاوية بن ابي سفيان قصرا على غرار قصور الروم من ترف وابهه واقيمت به الحفلات الغنائية وضرب الدفوف . ثم بنى خلفاء بني امية القصور الخيالية وكانت مزينة بالتصاوير . وذكر ان عبد الله بن زياد والي البصرة بنى قصرا سماه الابيض وقد زخرفت حيطانه بالصور الحيوانية وملئه ايضا بالريش والطنافس . وقد ورد ذكر بعض هذه المعلومات في كتاب - تاريخ الاسلام - للدكتور حسن ابراهيم .

وفي زمن الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان / 86 هجرية (706 م) كانت خيام الحجاج الاغنياء مزينة بالصور الآدمية .. كما كانت الصور منتشرة على الاقمشة التي ترد من اليمن وعلى الادوات المنزلية وستائر المنازل .

856 قصر غمدان

و كانت ايضا مظاهر النشاط الفني في التصوير مرتبطة بالعمارة الاسلامية ففن الفسيفساء والصور الجدارية كانت تغطي جدران وسقوف قصور الخلفاء ومنازل الامراء والاعيان مثل قصير عمرة وقصر الحير الغربي وقصر المشتى وقد وجت جدرانها مزينة بانواع الصور الآدمية والحيوانية منها صور عارية ... اما في العصر العباسي فكانت الاباحية انفتحت على مصراعيها ولم يعد هناك خجل او خوف من مسألة التحريم .. ونذكر بعض الابيات التي يرد فيها التصوير والاباحية لابو نواس .

تدار علينا الراح في عسجدية    حبتها بانواع التصاوير فارس

قرارتها كسرى وفي جنباتها     مها تدريها بالقسي الفوارس

فللخمر ما ذرت عليه جيوبها    وللماء ما دارت عليه القلا نس

855 قصر مشتي

ومن ناحية تاريخية يذكر القرآن الكريم بان التماثيل كانت تصنع في زمن النبي سليمان- ع - للزينة ورمزا للقوة والشموخ كأن تصنع تماثيل للاسود وتوضع في مداخل القصور او المدينة، ولكنها عندما عبدت كسرت هذه التماثيل .. وكان هناك من العلماء من فهم التحريم على انه منصبا على العبادة فقط فكل نمط من انواع التصوير والذي تكون غايته العبادة من دون الله فهو محرم سواء كان آدميا او حجرا او شجرا، حيث يذكر ان هناك اقوام قبل الاسلام كانت تعبد الشجر (شجرة الايكة) والحجر (الانصاب)، وبالتالي فان صناعة التصوير من اجل المتعة والرفاهية والتعبير غير محرمة .. ويذكر ان العالم ابن خلدون كان واسع الفكر ومتنور بحكم احتكاكه بالفكر الغربي عن طريق الاندلس، وقد ذكر بان التحريم يقتصر على تصوير الذات الآلهية فقط . ومثال على ذلك ما رسمه مايكل انجلو 1475 م في كنيسة بطرس حيث رسم الله على شكل رجلا ضخما متربعا على كرسي العرش تحيط به الملائكة والانبياء.. وعلى هذا الاساس افتى شيخ الازهر محمد عبدة (لا مانع من التصوير طالما ان هناك متعة ومنفعة للمسلمين) .

 

د. كاظم شمهود

 

81 تحرير علي 1تحرير علي أكاديمي وفنان تشكيلي بصري، يُشاكس المعنى المرسوم للمرأة سلفاً في مُحيط حياتنا المُجتمعي التقليدي، ليكسر نمطية المُعهود السائد في مورثنا الذي لا يرى في المرأة سوى إناء لتفريغ الرغبة الرجولية، أو التعامل معها على أنها إنسان من درجة أدنى..

رسومات تحرير علي تمنح المرأة قيمة جمالية وأخلاقية أكثر تسامياً وتضحية من الرجل.

لم يتعامل تحرير علي في تشكيلاته اللونية مع المرأة مثلما أظهرتها التقاليد على أنها أسيرة لرغبات الرجل وأهوائه ونزوعه المرضي في تحصينها وتقزيم دورها في الحياة التي لا مكان له فيها ولا وجود لولاها.

إلهام التشكيل في رسومات تحرير علي أنثى، مرة تكون الحبيبة، وأخرى تكون الأخت، أو الأم، وهي الأم التي تخط ريشته أفراحها قبل الألم في تنويعاته الحسية واللونية..

الألوان في رسوماته تتراقص ليس كما الطير مذبوحاً من الألم، إنما تتراقص فرحاً وتزدهي تشكيلاتها بحسب روحيته الباحثة في الألم عن الأمل.

لم يتعامل مع الألوان بحُكم صنعته وهو المُتقن لها، بل تعامل معها وفق ما تشي له روحيته الحالمة بغدٍ جديد للمرأة العراقية.

كل من له شغف بسيط في الفن يستطيع كشف مُضمرات لوحات تحرير علي حينما تكون المرأة ثيمته لتوصيل رسالته، فهو الباحث عن تجلياتها في الرسم، وهو الساعي للدفاع عن حضورها الذي يفوق حضور الرجل في الحياة، فهو لا يدعو للتساوي بين الجنسين وتلك دعوات يتبناها فلاسفة وفيلسوفات الأنثوية أو النسوية، بقدر ما هو يسعى للكشف عن تجليات لها في الحياة عبر التشكيل تتجاوز بها حضور الرجل وفاعليته، سواء بكمية الحنان والحُب، أو بحجم ما تحمله من الألم الذي تُضمره ساعة شدَة لتمنحنا حياة أفضل.

81 تحرير علي 2

إن المرأة (الزوجة) أو (الحبيبة) أو (الأخت) وتتويج حضورها في (الإم) إنما هي تتويج لمعنى الأنسنة الحقة التي تُجيد التعبير عنها المرأة لتتجاوز تصنيفاتنا الجنسانية في التمييز والأهلية التي يدعيها الرجل على المرأة تعبيراً لفظياً، ولكنها أحسنت التعبير عنه سلوكاً ومُمارسة.

فمن منَا يستطيع تصور حياته بلا إمرأة، زوجة أو حبيبة، أو أختاً أو بنتاً؟!.

أظن أن المرأة هي من تُعلمنا التضحية والإيثار، والصبر على مضان الحياة وقهرها، فلكم مثال يُحتذى في أمهاتنا وصبرهنَ وجلدهنَ وإيثارهنَ وسهرهُنَ وتضحياتهُنَ بسنين العُمر في أوان الحرب، فلم يشتكينَ من فقدانَ أزواجهنَ أو أولادهنَ من ضنك العيش كثيراً كي لا يجعلنَ الأبناء يشعرون باليُتم والخُذلان!.

تضحيات المرأة العراقية فاقت كل التصورات، فما كان من تحرير علي سوى الحُلم في فضاء التشكيل وترك ريشته تختار الألوان لترسم لنا لوحاتاً حالمةً مثل روحه لتشكيل حياة ترنو النساء فيها والفتيات للجمال فأجاد التعبير وأحسن الصنعة، فكشفت ريشته عن أحلامالنساء التي تكتنزها روحه التوَاقة لرسم خريطة المحبة داخل اللوحة بكل غنجها وأنوثتها، وإن كانت لوحاته تشي بأن تأطيره لها إنما هي من مُقتضيات شروط عرض اللوحة على الجدار، ولكنها ستبقى قيوداً تُقيَد رغباته في كسر نوازع الاقصاء للمرأة في مُجتمعاتنا التي تُخبرنا عنها رسوماته في هيامها بالحُرية وكسر كُل الأطر المُجتمعية المُصطنعة في الموروث السائد عن المرأة.

81 تحرير علي 3

لم يَحترّ تحرير علي كثيراً في تصنيف نفسه سواء أ كان من الفنانين الذين يُمكن أن يُصنفهم النُقَاد على أنهم يُدرجون تحت مُسمى اتجاهات الحداثة أو ما بعدها،.

إن تشكيلاته اللونية ونزوعه التجديدي تجعلني من الذين يجرأون على ادراجه من ضمن تشكيل ما بعد الحداثة، فهو لم يشغل نفسه بمقولات الحداثة في البحث عن إنصاف للمرأة ومساواتها بالرجل، وتلك من مساعي التشكيل والفكر الحداثي، بقدر ما هو يصنع لوحة تحمَلُ في تشكيلاتها اللونية ما ينتصر به للمرأة بوصفها كائن يرسم التكوين الطبيعي للحياة التي فيها المرأة صانعة لمباهجها، وتتحمل مآسيها، وليس على الرجل سوى الترنح والتباهي برجولته الفارغة من الصبر على صعاب الحياة التي كفته المرأة حق التفكير بها وفيها.

81 تحرير علي 4

رغم أن هُناك الكثيرين من الرجال يرتكنون على الدين في الحياء من المرأة، لكن التاريخ والنص المُقدس لا يتحملان ارتكاسية الرؤية وتراجع الفهم لقيمة المرأة بقدر ما يتحمله المُفسرون، ولست هُنا بمعرض الدفاع عن النصوص المُقدسة في دفاعها عن المرأة وقيمتها في الحياة بوصفها مدرسة التربية ومصير الأمم في تقدمها وتراجعها، ولكن يبدو لي أن تحرير علي قد تمكن من تحرير نفسه من التفسيرات المُسبقة للدين التي تمتهن المرأة وتحط من قدرها.

لوحات تحرير علي صرخة انصاف للأنثى (المرأة) لتجاوز تصويرها مُجرد جسد قابل للبيع والشراء في سوق النخاسة الجنسي بوصفها أمة أو جارية أو مُلك يمين.

إن تحرير علي يرسم المرأة بأبهى صورة تتجلى فيها الأنوثة فتُحدثنا عن حكايات شهريار وشهرزاد، وتُحدثنا عن قيس وليلى، وعنتر وعبله، وروميو وجوليت، وعن كل حكايات الحُب العُذري في النظر للأنثى على أنها عامل من عوامل البعث والتجديد للرؤية الحيوية..

لقد تفانى تحرير علي في رسم المرأة، بألوان الطيف وابتكارته خارجه، فالمرأة حانية، والمرأة مُحبة، والمرأة غزالة نرنوا للحاق بها وهي تُسرع الخُطى للصعود في عوالم المحبة كي تكون أيقونة للتوَق والعشق، والمرأة عنده قيثارة سومرية تحملها وفُستانها الأحمر يحمل شفرة التعبير عن شغفها بالحبيب وقيثرتها موسيقى عشق مُعتق سومري صادق، فالمرأة ن أحبت بصدق أجادت العزف على وتر المحبة.

تعامل تحرير علي مع المرأة بوصفها جسداً، فكان لفُستانها الأحمر الأثير في رسوماته دلالة رمزية على أنها أنثى وأنوثتها طيبة تختزن في طبقاتها بركاناً سيثور ويصهر صلادة الصخر التي يدعي الرجل أنه يكتنز صفاتها.

81 تحرير علي 5

الصخر بكل صلادته تنخره مياه الشلالالت والسواقي، بل وتنخره مياه التنقيط بعد حين!، وحُسن النساء إن لم تليق به وصف الشلالات، فهي ببعض مفاتنها يليق بها وصف:

(ناكوط حبَ) عساها ابخت كلمن يكسره.

لقد كسر تحرير علي الحبَ كي يفيض محبةً مثل أنثى الغنج يليق بها فتتكسر على صخرتها كل الآهات..

الصخرة أنثى في تشكيل تحرير علي، فصلادتها تتكسر من فرط التغنج في العشق وفيضها الرامي للمحبة والسلام، فمن لوحات تحرير إمرأة تحط على رأسها حمامة السلام فتستريح. إنها رسالة منه على أن الحرب يتفاخر بها الرجال، وإن كان بعض منها سببها إمرأة، ولكن السلام يليق بالأنثى، فهي حمامة بيضاء يرنو السلام إليها وتهدأ النفوس بُقربها وتستكين.

مرة يُصورها على أنها حمامة ومرة يُشكل الألوان لترسم عصفورة تتهادى على يديها، لتزدهي لوحته بالفرح: إمرأة بتراجي ذهبية، تركبُ قارب النجاة وعلى يديها عصفور بهجته في اللوحة ومُساكنته للأنثى والتغريد على يديها بألوان زرقة وصباح واشراق إنما تُعيدنا لاستنهاض كُل التفسيرات لحضارة سومر وتبنيها للمرأة بوصفها أيقونة للخصب والنماء.

المرأة تعزف شجن الشوق والتوق بلباسها الأحمر وهي يُلامس شفتيها الناي، أي موسيقى هذه تلك التي تعزفها أنوثة الأرض؟ كي تُعيد للأرض صيرورتها وديموتها، لتجد سماء اللوحة شمس وزرقة بهيجة وبيتٌ تُشرق ألوانه وكأن الشمس قد سكنت فيه بلمسة ريشة فنان يمنحنا الألق وسط حياة زاد فيها القلق.

 

ا. د. علي المرهج

 

741 جوليا 2جوليا وايكفيلد فنانة أسترالية تقيم في أديلايد، عاصمة جنوب أستراليا. نشأت جوليا في انكلترا ودرست الرسم والطباعة في لندن، مدرسة القديس مارتينز ثم مدرسة الفنون. وقد أنتجت ما يزيد على ٥٠ كتابا تعليميا تم نشرها في استراليا والمملكة المتحدة ومن بين الناشرين ماكميلان للتربية والثقافة، توماس نيلسون، ايفانز يو كاي وايرا .

741 جوليا 4

أهم مفردات جوليا الحيوانات الأليفة المحبذة عند الصغار وألوان النهار المبهجة أو اللون الرمادي والرصاصي الذي يخاطب البالغين ولا سيما من هم في منعطف من حياتهم. بالإضافة إلى شخوص بأوضاع عناق وتعاطف وتحابب.  ساهمت جوليا أيضا بالتعريف بالفن العراقي في اديلايد وقدمت للقراء  مجموعة من القصائد العراقية لبعض الشعراء المخضرمين وعلى رأسهم الشاعر المعروف يحيى السماوي. وفيما يلي نماذج من لوحاتها المخصصة لتوسيع علاقة الطفل بالبيئة والطبيعة. 

741 جوليا 1

 

741 جوليا 5

 

741 جوليا 6

 

741 جوليا 3

 

 صالح الرزوق

 

 

محمد البندوريتنظير أفكار: التأمل فيها مليا لوضعها نظرية، وتعرف النظرية لغة: بأنها مصطلح مشتق من الكلمة الثلاثية نظر، ومعناها التأمل أثناء التفكير بشيء ما، أما اصطلاحا: فتُعرف بقواعد ومبادئ تستخدم لوصف شيء ما، سواء أكان علميا، أم فلسفيا، أم معرفيا، أم أدبيا، أو في أي مجال آخر. وقد تثبت هذه النظرية حقيقة معينة، أو تسهم في بناء فكر جديد. ومن التعريفات الاصطلاحية الأخرى للنظرية: هي دراسة لموضوع معين دراسة عقلانية ومنطقية، من أجل استنتاجِ مجموعة من الخلاصات والنتائج التي تساهم في تعزيز الفكرة الرئيسية التي تبنى عليها النظرية. وهي تكون قابلة للصواب وقابلة للخطأ وتنطلق من مسلمات أو مبادئ متفق عليها وتكون أساسا لبناء تلك النظرية وما يترتب عليها من نتائج. فالنتائج هي التي تحكم.

وإذا ربطنا هذا المعنى بالخط المغربي فهل خضع الخط المغربي لعمليات التنظير عبر تاريخه العريق أم ظلت الممارسة في حدود الاشتغال الذوقي ولم يحكمها الوعي؟؟؟

أسئلة عديدة تطرح في هذا الصدد، هل كان الخطاط المغربي مثقفا أو مجرد خطاط عادي أم نساخ فقط وذلك ما قادته إليه تجربته؟؟ لماذا تنوعت الجماليات في الخط المغربي الى حد الانبهار؟؟؟ أكان ذلك عفويا أم كانت وراءه تنظيرات ونقد صريح؟؟ إن كان هناك تنظير أين هو في التراث المغربي؟؟ لماذا لم يستجليه النقاد؟ هل كان هناك نقاد ومتتبعين لشأن الخط المغربي عبر التاريخ؟ إن كان أين هو؟؟

الحديث عن التنظير في الخط المغربي يجر إلى طرح مئات الأسئلة، إذن في ظل هذا الوضع كيف تشكل الخط المغربي في التراث المغربي؟؟ وما هي الأسس التي انبنى عليها الخط المغربي وما هي الأركان التي تأسست عليها جمالياته؟؟

نعترف جميعا من خلال احتكاكنا بالتراث المغربي ومن خلال تفاعلنا المطلق مع المخطوط المغربي أن هذا الخط يتوفر على جماليات مطلقة، ويتوفر على تنوع الجماليات في مختلف الأشكال الخطية ويحتوي على مفردات فنية، منها ما يقوم على الرمز ذي الدلالة التعبيرية، ومنها ما يقوم على الإيقاعات الخطية المتحولة إلى بلاغة بصرية، ومنها ما يقوم على الرؤية التمثيلية ذات الإيحاءات الرمزية، ومنها ما هو قائم على التجريد ذي الدلالة التعبيرية، ومنها ما هو قائم على تحولات في الحرف الواحد إلى دلالات كثيرة تنتج عن علاقات جمالية. وغالبا ما تتسم الإيقاعات الخطية المغربية بالتنامي والاسترسال والانتشار ثم التحول إلى مناحي جمالية متعددة. إذا كنا نعترف بكل هذا وغيره كثير لا يتسع المجال لذكره كله، فإنه لا بد أن يكون من وراء ذلك فعل فاعل رسم الطريق للخط المغربي.

قد نذكر عامل التطور التلقائي التابع للتطور الحضاري لأن الخط ملتصق بالحضارة والعمران، وكلما تطور هذا المجال تطور معه الخط، وكلما ضعف انهار مجال الخط وتقلصت جمالياته، وذلك كله تبعا للتطور الاقتصادي. لكن هل من الممكن في ظل هذا التطور كان هناك تنظير؟؟

إذا عدنا إلى الفترة الإدريسية ثم العصر المرابطي نجد اختلافا في المقومات ونجد تطورا من العهد الادريسي إلى المرابطي رغم محدودية الجمال. لكننا أصبحنا نتحدث عن الخط المغربي المرابطي أو بعبارة أدق وأصح الخط الكوفي المرابطي. وهو خط هندسي لا يمكن أن يتأسس بجمالياته وأشكاله الهندسية إلا وفق تصور ورؤية تنظيرية. وهي وإن كانت محدودة لكنها بالنسبة لما سبقها فإنها تعد إنجازا مهما في تاريخ الخط المغربي، فضلا عن التطور الذي أدى إلى وجود الخط المغربي المبسوط والخط المغربي المسند في أواخر الدولة المرابطية. وإن لدينا أسماء خطاطين كانوا يجودون الخط المغربي في هذه الفترة ولا يستبعد أن يكونوا هم المنظرين لهذا التطور.

ومن مميزات الحروف العربية أنها تكتب متصلة ومفردة، وهذا يعطي للحروف إمكانات فنية هائلة، ولذلك كانت عملية الوصل بين الحروف المتجاورة ذات قيمة فنية مهمة في تشكيل الكتابة المغربية بجماليات متعددة قوامها الاستقامات والزوايا والاسترسالات والمدود الانسيابية والميلان والتدويرات والأقواس والبسط والتراكيب المغربية الصرفة.. فانتقل الخطاط أو المنظر بذلك من دائرة الاستخدام العادي الوظيفي إلى فن جمالي يؤسس علما بلاغيا جديدا. وكل ذلك ممكن في الثقافة المغربية يزكيه وجود مثقفين وعلماء وخطاطين أسسوا لطبيعة العلاقة بين الأشكال الخطية والجماليات الفائقة التي تحدد وجودها الموضوعي المتميز انطلاقا من فكر المبدع والمنظر والمثقف ليبلغوا الدلالات التي يتوخونها وإنتاج بلاغة جديدة بدءا من تأثير الخط في أفكارهم، في نطاق نظرية البلاغة الحروفية التي يمكن أن تكون فنا مكتملا.

إن مكانة الأشكال الجمالية اللائقة للخط تتحدد في استخداماته بالأشكال التجريدية، كعناصر تصويرية مرئية لها خصائص وأبعاد رمزية قوامها التجريد. فالمراحل التطورية والصيغ الجمالية للحروف المفردة المجردة التي رافقت الخط العربي طيلة مسيرته، لم تكن في منأى عن الأشكال الخطية الجمالية المتعددة، إذ ظلت هناك علاقة وطيدة وتوليف، ووصل دائم كما بالتجريد، يكون بشتى مظاهر الجمال يعكس مجموعة من الخصائص الفنية والتعابير المختلفة، لما له من الخصائص الجمالية التي تفسح له المجال واسعا للتعبير عن القيم الجمالية التي ترتبط في جوهرها بعدة قيم أخرى، وتعتبر قدرة فائقة من التعبيرات الجمالية التي تفصح عن العالم الداخلي للمبدع، وبهذه الإثارة تفتح إمكانيات أوسع لمشروع جمالي يساهم فيه القارئ في نطــاق تفسير الأشكــال الخطية الجمالية، وفــي نطــاق فلسفــة التفاعل الإبداعي بين الأشكال الخطية وآفاق القارئ لإثراء معنى الأشكال الخطية الجمالية.

فالأشكال الخطية المبتدعة في تاريخ الخط المغربي هي فن جمالي بني على ثقافة حروفية تنظيرية بمناهج تطرح طرائق متنوعة في التعامل مع هذه الأشكال بصريا.‏ باستحضار الحس الجمالي والثقافة الحروفية والذوق الفني المغربي على مر التاريخ، تنبجس في الخطاب البصري بانعكاسه المطلق على الثقافة الحروفية البصرية. فالناظر إلى الأشكال الخطية الجمالية يجد فيها انطباعا وإحساسا يقارب به الوعي المعرفي والجمالي الذي احتضن الممارسة الخطية وأبدع أشكالها الفنية، بمقاربة جمالية لأهم الظواهر الجمالية التي تحرك في خضمها الفضاء الحروفي المغربي، وهي تشكل صورة حروفية تتحقق لغويا ودلاليا. واستطاعت أن تصنع سلطة دلالية عمقت البعد الإبداعي لثقافة القيم الخطية المغربية الملتصقة بالمنحى البصري والتي أغنت الصورة الخطية وغذت التشكيلات المتنوعة التي يعد الحرف أحد مفرداتها التجديدية. وبذلك يمكن القول بأن كل الإسهامات التي طالت جودة الخط المغربي كان من ورائها تنظير وتأطير حسب الإمكانات المتاحة في كل عصر من العصور المغربية. لذلك اختلفت عمليات وضع الحروف ورسمها من فترة زمنية إلى أخرى، ومن خطاط إلى آخر.

لكن نجد مجموعة من العوامل الأخرى قد أسهمت في تشكيل هذا الاختلاف وتثبيته في المخطوط المغربي عبر الأزمنة الفائتة.

 

د. محمد البندوري - الدار البيضاء

 

80 محمد الشاوي 1"أنا أبحث دائماً عن المعاني الإنسانية فيما أقدمه. لا تستغربوا إن ضاعت منا هذه المعاني فنحن ما زلنا نبحث عن الإنسان." .. محمد الشاوي

1- حوار مع الذات المشكّلة:

وأنا أخط هذه السطور المتواضعة لتأسيس قراءة خاصة بي عن تجربة الفنان محمد الشاوي التشكيلية، المغموسة إلى ما فوق التشبع بالأفكار والرؤى الفلسفية، حاولت جادا فهم مقصديته التي أجدها تتماهى وكتابة مفتوحة، متعددة المعنى، ينمحي فيها قصدا، أي إيهام بالواقع الحسي، رغم إمكانية تلمس حسية الأعمال وحفاظها على تشيئها وتزامن حضورها مع أشياء من الواقع. فرغم ذلك، تبقى "الحاجة إلى الفهم أينما تعذر الفهم المباشر."

ولكي أتمكن من الفهم لابد من حصول اتفاق بيني وبين المؤلف. "ففهم أي نص يحتاج الى أورغانون لغوي" يساعد على بلورة وإعادة تكوين الفعل الإبداعي. فالفهم هو إعادة إنتاج ما سبق انطلاقا من سيرة المؤلف وحياته الفكرية وما ينوي النص البوح به.

يحاول الفنان منحنا بعض المفاتيح ترشدنا كي نفهم ونلج ببساطة وشفافية عالمه الإبداعي، مجيبا عن تساؤلات واستفسارات يراها متباينة:

"ماذا تريد أن تقول اللوحات التي أرسمها؟ وما السبيل إلى هذا النوع من الأفكار والتأملات التي أطرحها في أعمالي التشكيلية بصيغة عامة وتحديدا رؤيتي للعالم؟

هل لهذه الأعمال خيط ناظم يحتويها ويجمعها في خط متصل يكون فيه السابق يؤسس للاحق، أم إنها أعمال جوفاء تفتقر إلى رؤية ومنهج يحكمها؟"

يبقى التساؤل قائما: هل من الضرورة أن يتحدث الفنان عن عمله، مستعملا لغة فوق اللغة، مع العلم أن الاعتقاد بأن نوايا، المبدع لا تعد ضرورة ملحة في تحديد معنى العمل، لكن يبقى ما يلف حول نشأة العمل la genèse de l’ œuvre من المخفيات التي لا يدري كنهها سوى المبدع نفسه، دون غيره. أن تكتب عن عملك يبدو نوعا ما طريقة لإعادة إدخال شيئا  من الرصانة، لتبرز قيمة العناصر المخفية، أو تلك التي امتص عصارتها العمل الفني.

إنه ليس من السهل تناول أعمال الفنان محمد الشاوي، قراءة وفهما وتأويلا. فأعماله تستدعي العقل، أداة الفهم، أكثر مما تترك المتلقي يقف للحظة استلذاذ جمالي، لاستكناه جوانب تجربته التشكيلية واستجلاء مقاصده الجمالية، التي تعد في نظرنا أسس ما تنتظم عليه النصوص التشكيلية، لوحات وتركيبات، يسميها الفنان منحوتات، ناظمها الأساس، كما حدده الفنان نفسه، "خطوط وتموجات ومنحنيات وأشباه دوائر وبقايا أجساد وأنصاف أشكال هندسية ورياضية لا متناهية، غايتها خلق تيهان بلغة فلسفية داخل فضاء تشكيلي يسائلك ويستفزك للتفكير وإعادة التفكير فيما هو مفكر فيه،  غير مفكر فيه impensée هذا الأخير الذي يجعلك تطرح قضايا وتساؤلات تعيد للتفكير كينونته ووحدته للتعبير بواسطة لغة خاصة أو لُّوَيَغة. une langue mineur من داخل اللغة التشكيلية العامة ".

80 محمد الشاوي 2

إن مشروع محمد الشاوي الفني يمتح من خبرتي الفلسفة والفن أصالته فيجعل منهما موضوعات خصبة تنطوي على رسالة أو بوح يتستر وراء اللون والشكل، يقتضي الفهم والتفسير، إنها تسعى إلى استعادة ذلك الطابع الحميمي الذي تتميز به خبرة الفن، لا النظر إليه كمجرد موضوع يثير متعة جمالية من خلال انسجام الألوان والأشكال.

فخبرة العمل الفني ليست خبرة جمالية خالصة وإنما هي تجربة للفهم. (غادمير)

فتجربة الفنان محمد الشاوي لا يمكن اختزالها إلى مجموعة تكوينات شكلية، تقف عند حد الوعي الجمالي، أوتناولها دون مساءلة عمقها الفلسفي الذي يمتص ذات الفنان ليجعل منها بؤرة اهتماماته التخييلية وأساسياته الرمزية، فهي "جموع خارجة عن كل حالات القيس". (ميغري)

فالتركيز على الشكل الجمالي وحده حال بيننا وبين فهم حقيقة الفن ودوره التاريخي في بلورة كينونة الإنسان. وحتى نتوصل إلى تفادي استبعاد المعرفة والحقيقة اللتان بفضلهما يتحقق احتواء ما ينكتب فيه نسق العمل الفني الجمالي/الرمزي، نحن ملزمون أن ننطلق من تجربتي الوعي الجمالي والوعي التاريخي، "تجربتي المسافة الاغترابية والاستيلابية اللتين نصادفهما في ميدان المرجعيات الهامة" (غادامير). إن الوعي الجمالي وحده كما يرى غادامير، عكس ما أثبته كلايف بل في نظرية "الشكل الدال"، عاجز عن الإحاطة بالطبيعة الحقيقية للفن. فقد نفوت على أنفسنا إدراك حقيقة العمل الفني إذا اكتفينا بالتقييم الجمالي الخالص. فهذا النوع من السلوك يضع العمل الفني في دائرة استقلال افتراضية، منفصلة عن الحقيقة، بعيدة عن الظروف التي تجعله في متناول أفهامنا. فبنية العمل الفني غير موجودة في ذاتها كما أكد ذلك غادمير وغيره من الفلاسفة، نيلسون غودمان وجورج ديكي وأرتور دانتو، (وسأوضح ذلك في الجزء الثاني من المقال). إن بنية العمل غير قابلة للتحقق إلا في أدائها، أي عندما تعرض نفسها ككل ذي معنى، وعبر هذا التوسط فقط تكتسب وجودها الحقيقي، وهذا ما عبر عنه نيلسون غودمان بمفهومي التنفيذ   Implémentation  والتفعيل Activation.

في تأويله لعمله التركيبي (دوغمائية الخشب)، انزاح محمد الشاوي عن مادية العمل الفني التي هي طرف من مجازات كينونته الإستيتية، ليبين أن "حقيقة العمل تكشف جهل المثقف العربي وجمود عقله الخشبي اللذان أمسياه دوغمائيا يقبل كل شيء وبدون أدنى وعي أو تفكير(...)، (وتوقيا) يفتقر إلى أبسط آليات المنطق والإستدلال السليم".

80 محمد الشاوي 3في هذا التأويل الهرمنيوطيقي تحدث الفنان عن الحقيقة وعقب عليها بالمعرفة: " كما تحضر في النحت فكرة الطائر-الرسول الذي ينقل المعرفة ويسعى إلى إيصالها لجميع الناس بغية تعميم نور الوعي والثقافة الإنسانية من علوم وفنون جميلة وآداب وفلسفة وسائر المعارف التي من شأنها الارتقاء بإنسانية الإنسان..."، ولولا مثل هذا التفسير الذي يضيق المسافة التماثلية بين المرئي واللامرئي ما توصل المتلقي إلى استكناه عمق ما يرمز إليه العمل المركب. ولبات ينتقد ويقيم العمل من جانب معتقدات تتسيد خلالها التفاسير والأحكام الشكلانية المنبنية أصلا على المنهجية التقنية والعلمية، مما يجعل جوهر وماهية العمل الفني ينفلتان من بين يديه، ف "كل محاولة لتفسير الشيء أو تحليله عن طريق نظريات علمية، تجعله يفر منا، وتجعلنا نبتعد عن طبيعته، لأن الشيء يظهر بوصفه محتجبا، وفي هذا التحجب تظهر ماهيته. (سعيد توفيق)

إن المعرفة والحقيقة اللتان تحتجبان وراء الشكل واللون في أعمال محمد الشاوي، تتطلبان من المتلقي تقويض ما يمنع من ملامستهما. إن أي محاولة لكشف الحجاب عن حقيقة الفن التي تتوارى وراء تركيبات الشكل/اللون تقتضي تعدي أنساق الوعي الجمالي الذي غالبا ما "ينظر الى الأعمال الفنية كموضوعات جمالية يجردها تماما من مضمونها الأخلاقي والمعرفي". ولا يخفى أن تجاوز التجريد المساوق ل "الشكل الدال" سيمكن القارئ من مساءلة العمل الفني كطرف فاعل ومشارك في خبرة الحقيقة.

تساؤل إشكالي ذي مقصدية فلسفية يطرحه الفنان محمد الشاوي على نفسه، في حوار مع ذاته، كما يطرحه على كل مستقبل لأعماله: "هل لهذه الأعمال خيط ناظم يحتويها ويجمعها في خط متصل يكون فيه السابق يؤسس للاحق، أم إنها أعمال جوفاء تفتقر إلى رؤية ومنهج يحكمها؟

إن غواية منجزات محمد الشاوي تتجلى في " حوارنا مع الذات المُشكّلة"، حوار يساعد على فهم أنفسنا والتعرف على حقيقة ذواتنا، بتعالينا على أي منهج عقيم، وتحررنا من سلطة آلياته لكشف ما انحجب من معارف وخبرات. "لعل أول شيء قد يتبادر لدى المتلقي العام لأعمالي التشكيلية سؤال بصيغة طلب المعرفة".

فالحقيقة المتخفية وراء خلفية أعمال محمد الشاوي، المتحجبة وراء اللون والشكل والتركيبات الثلاثية الأبعاد، مرجعية تتشاكل فيها، إلى درجة التحايل، رمزية الأنا الأعلى برمزية الأنا، لينكتب فيها واقع الذات، فيحول "اللاشعور إلى تأمل (...) والمسكوت عنه والغريب والناذر والملتبس والعجيب والأبكم إلى موضوعات تسائل" الألوان والأشكال والفضاء. إنها، كما عبر عن ذلك الفنان والناقد السوري عبد القادر الخليل: "مظاهرة فلسفية بلغة الفن، أفكار عاشت في مطبخ الفكر الفلسفي وتخمرت طويلأ وفتح لها نافذة الحرية. وظهرت هذه اللوحات الفنية ناطقة بلغة الجمال ولغة الحرية"، تحتجب أمام أي قراءة ممنهجة، ربما قد تشوش عوض أن تساعد على تبيان ما ورائية النسق الجمالي، لانتهاك حرمة حقيقة اللامفكر فيه. إنها تشكل حسب محمد الشاوي، عائقا إبستمولوجيا "ظل لسنوات من الزمن يهيمن على جل الأعمال التشكيلية"، ممارسة ونقدا.

إن الحقيقة كما عبر عنها هيدغر، تتخذ من الحرية جوهرا لها، لتترك "الأشياء توجد وتكشف عن ذاتها". (محمد سبيلا).

وحينما نسائل محمد الشاوي من خلال ما يبوح به كباحث في النقد الفلسفي للفن، نجد الحقيقة والحرية تتقاطعان مع الطلائعية الجديدة التي "تشكل في جوهرها قطيعة مع كل ما هو بال وقديم (...) بقدر ما أنها تعبر عن تحرر الفنان المعاصر للخروج من القوالب النمطية والمسكوكات والأفكار الجاهزة والأشكال التعبيرية الصريحة نحو المضمر منها والخفي والصامت الذي لا يمكن خلخلته إلا بلغة العلم والمعرفة الفلسفية". إنه يفجر بوحا إيتيقيا مافتيئ ينمط الحقيقة والحرية وأخلاقيات الإبداع داخل بؤرة المشهد التشكيلي العربي عامة والمغربي خاصة.

80 محمد الشاوي 4

2-  التحول إلى بنية مقصدية الفن اللعبية

إن أعمال محمد الشاوي فقدت شيئيتها الأصلية لتتحول إلى بنيات فنية مستقلة، بعضها تتخذ متونها من اللعب مرجعيتها الشكلية، (عجلة دراجة أطفال، بيدق الشطرنج، تمثال فلامنغو، أسلاك على شكل أرجوحة...). أشياء تحولت على يد الفنان واكتملت لتصبح أشياء أخرى، غير ما كانت عليه، تغيير بنيوي لحق حقيقتها وجوهرها. نجد غادامير يسمي التحول البنيوي (من البنية) للعب إلى فن «transmutation en œuvre» أي (التحول إلى بنية). "يعني التحول الى بنية أن ما كان موجودا قبلا لم يعد قائما. ولكن ما موجود الآن، ما يمثل نفسه في لعب الفن، هو الدائم والحقيقي".

إن الأعمال التركيبية الثلاثية الأبعاد، تقحم المشاهد كطرف مشارك في قوانين لعبتها. فالمشاهد بتلبسه كلاعب، يصبح مثيلا لعارض اللعبة، أي الفنان. فالمتعارف عليه، في ميدان الفنون عامة، سواء كانت تشكيلية أو مسرحية أو موسيقية أو أدبية، أن أي عرض هو موجود من أجل الآخر الذي يستقبله، "الشريك الابدي في اللعبة"، المساهم في عملية "الانقذاف"، يؤول ويفكك الشفرات، وربما يعيد التركيب بطريقته الخاصة. فهو يعيد إبداع العمل الفني من جديد. فاللعبة كما بين غادامير في "الحقيقة والمنهج"، "تأتي بوصفها استعارة تكشف لنا عن نمط وجود العمل الفني". وأعمال محمد الشاوي تُستعارإلى نوع من اللعب، لعب جدي، بالغ وليس لعبا طفوليا أو يافعا، يفرض ذاته على الذوات المشاركة، ذات الفنان وذوات المتلقين المتعددين، المنسلخين من ذواتهم المندمجين كليا مع الذات الغالبة. "فالذات حينما تدخل اللعبة تتخلى عن ذاتها وتتناساها في اللعبة التي تفرض قوانينها وحركاتها وصدارتها". فأعمال محمد الشاوي لا تتحقق أهدافها إلا عندما يستسلم اللاعب (المتلقي) لحيلها ويفقد ذاته ويتناساها في اللعبة. إن اللاعب/الند، كما يرى غادامير، لا يعي بوجود اللعب واستحضار كينونته، بل إن اللعب هو من يحيط بوعي اللاعب ويدمجه في عالمه.

وحينما نتحدث هنا عن اللعب، فليس من أجل تحقيق متعة أو استلذاذ الذات، "يجعلها منفصلة عن وجودها وعالمها، ومجرد فاعلية للتسلية تفتقر الى الجدية"، بل إن لعبة الشاوي تلاعب متلقيها بجدية. فالجدية صفة لاصقة بها، والخضوع إلى قواعدها قد يوصل إلى استكناه اللامفكر فيه عبر المفكر فيه.

تغيب الذاتية في اللعبة (ذاتية اللاعب) لتفسح المجال لذاتية اللعبة التي برمج الفنان قواعدها وسن قوانينها، كي تستقطب فكر المتلقي (اللاعب الند). فالفنان لا يلعب مع نفسه كما يبدو، بل اللعبة هي أحيانا نده وأحيانا أخرى تكون وسيطا بينه وبين الآخر الذي يشغل مخيلته أثناء وضع قواعد اللعبة. لذلك ليس من السهل على أي كان أن يكون مساهما في اللعبة، أي ندا فكريا للمبدع إذا لم يكن يتوفر على وعي جمالي ووعي فكري/فلسفي يخاطب به واضع اللعبة، حتى يتقمص المؤول ذهنيا تجارب المؤلف وأفكاره، التي انبنى عليها النسق الجمالي/الترميزي للمتون التشكيلية، فيدرك مقصدية المؤلف.

العمل الجاهز: تغيير مظهر المألوف

عن هذا العمل كتب محمد الشاوي موضحا: "ارتبط عنوان هذا الموضوع بمدينة ريوخا الإسبانية التي تنتج نبيذا يحمل نفس اسم المدينة، وتوظيفي للعلبة الخاصة بهذا المنتوج يدخل في إطار الفن المعاصر. فاللعبة (أو العلبة)، تضم مكونات فنية ذات طبيعة متعددة المواد: صباغة زيتية لمدينة الريوخا بصيغة تجريدية، راقصة الفلامينكو، قاطع فني من حديد شكلت به اللوحة الزيتية، لعبة الشطرنج من خلال فكرة السياسة التي تضمها مكونات هذه اللعبة. بالإضافة لتوظيف نقرات الفلامنكو ذات المادة الخشبية للدلالة على مدى حضور الفلامنكو في الثقافة الإسبانية. عنوان العمل: علبة الريوخا التشكيلية".

كان هذا النص موجها إلى شخصيا عبر الماسنجر، وحينما قرأته التبس على المعنى بسبب كلمتي "العلبة" و"اللعبة"، من جنس لغوي/سيمنطيقي واحد. فهما (lapsus calami) وربما، بل أكيد نوعا من (lapsus memoriae)، يتعدى المنطوق إلى الذاكرة واللاوعي.

يمكن اعتبار العمل الذي نحن بصدد قراءته نوع من الشيء الجاهز Ready made، تم تأثيثه من لدن الفنان، الذي تفادى قصدا اختلاس هوية العلبة كما فعل مارسيل دوشان حينما وقع على مبولته اسما مستعارا: « R. Mutt»، لأن المقصدية في العمليتين الإبداعيتين تختلف. فالفنان محمد الشاوي ترك العلامة التجارية للعلبة ليثبت مصدرها، ويحترم الملكية التجارية/الفنية للشركة المصنعة، بينما دوشان وقع باسم مستعار، مجهول ليثبت أن المبولة، الشيء المألوف Objet banal، يغادر شيئيته ليرتقي إلى مستوى العمل الفني، وأن أي إنسان يمكنه أن يكون فنانا مبدعا، وأن أي منتوج يمكن اعتباره عملا فنيا. لا شك أن الفيلسوف نيلسون غودمان سيتفق مع الفكرة، و"يفعِّل"لعبة محمد الشاوي. ففي أحد مؤلفاته يؤكد غودمان "معارضته لنظرية المؤسسات من خلال القول بأن لا شيء يقف في طريق فكرة أن الحجر الذي تم العثور عليه على الشاطئ يتم تفعيله مباشرة كعمل فني، دون أن يتم نقله من أي وقت مضى إلى متحف".

إن علبة محمد الشاوي التي وقع اختيارها صدفة، تستجيب لعدد من الأعراض الفتية التي حددها نيلسون غودمان. فهي تكشف عن روابط التحقيق Réalisation والتنفيذ Implémentation، أي "المشكلة والعملية التي تهدف إلى تسيير العوامل الإيجابية والسلبية بهدف تحسين أداء العمل الفني". (غودمان)

إذا نظرنا إلى "علبة الريوخا التشكيلية"، يتأكد لنا أن الشيء لم يرتق إلى مستوى العمل الفني إلا بعد انتقاء الفنان له واختياره، وتدخله بتأثيثه بأشياء التقطها وأخرى صنعها بيده، ثم عرضه على جمهور برواق. ولو افترضنا أن التأثيث احتفظ بحريته واستقلاله، فأكيد أن صورة العمل ستتغير كلما أُغلِقت العلبة، لأن ترتيب الأشياء بداخلها سيتقلقل، مما سيجعل الفنان مضطرا، في كل مرة إلى إعادة تثبيت ورسوخ مواضع كل عنصر داخل العلبة. هذا إذا كان ينوي الاحتفاظ على هويتها الأصلية، وإلا ستتغير هذه الهوية بتغير مواضع محتوياتها، ومن تم سنكون أمام نسخا للعمل الأصلي، الذي عرض في أول مرة. الحالة هذه ستذكرنا بمبولة دوشان الأصلية المفقودة، والمنتشِرَةُ نسخها في المتاحف العالمية.

نحن أمام عمل هش للغاية، ليس بسبب خاماته ومحتوياته، ولكن بمعنى أن أي تعديل فيزيائي بسيط يمكن أن يؤدي دائما إلى فقدان وضعه Statut كعمل فني، وعودته إلى أصله كشيء مألوف Objet banal. وحتى يعاد اعتباره كأثر فني، يجب إعادة إخضاعه لعمليتي التنفيذ والتفعيل Activation من جديد. فعملية التنفيذ تتحقق عادة من طرف الفنانين والقيمين على المتاحف والأروقة، أي من لدن "عالم الفن"، ولكن المتلقين هم من يفعلون العمل الفني ويجعلونه "يعمل" حسب مفهوم نيلسون غودمان. فالتفعيل يستوجب تحقيق عملية التنفيذ والاستقبال الكافي من طرف الجمهور.

إن التغيير الفيزيائي الذي يمكن أن يخضع له العمل الفني يؤكد أهمية التنقل/التحويل الذي أنجزه غودمان من خلال نظريته حينما تساءل "متى يكون هناك فن؟". فدور التنفيذ Implémentation لا يقتصر هنا على استجلاء رؤية العمل الفني ولكن لتوجيهه إلى نوع خاص من الانتباه. فالعلبة بما فيها من أشياء يمكن مصادفتها داخل فضاء عادي، ولكن طالما أنه لا ينظر إليها مع الاهتمام المطلوب، لا يتم تفعيل إمكاناتها الجمالية. بهذا المعنى يتضح أن التنفيذ له دور تمييز العمل على هذا النحو وتكريسه لنوع معين من الاهتمام، وبعدما غدا العمل موضوعا للتأمل، وتم استجلاء إمكانات التجميع الجمالية المعتادة في حياتنا اليومية، نجحت "علبة الريوخا التشكيلية" في تحويل رؤيتنا عن المألوف le banal. فخلال التنقل تصبح العناصر المكونة للعمل الفني أشياء مألوفة. وهذا يختلف تماما عن لوحة رامبراندت التي استعملت لسد نافذة مكسرة. فلوحة رامراندت تبقى عملا فنيا رغم تغيير وظيفتها. علبة الريوخا لم تعد كذلك وقتما تصبح غير منفذة non  implémentée.

اتخاذ علبة نبيذ مملوءة بأشياء عادية كعمل فني وعنونته ب "علبة الريوخا التشكيلية"، هو في حد ذاته تغيير مظهر المألوفTransfiguration du banal حسب نظرية غودمان.

 

بقلم: محمد خصيف -  فنان تشكيلي مغربي وناقد فني

...........................

هوامش:

1- سعيد توفيق: الخبرة الجمالية، دراسة في فلسفة الجمال الظاهريتة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشروالتوزيع، بيروت، ط1، 1992.

2-  محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: الحقيقة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط2، 1992.

3- هانز جورج غادمير – الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، ط.1، دار أوبا طرابلس، 2007

4- هشام معافة. التأويلية في الفن عند هانس جيورج غادامير. ط.1، منشورات الاختلاف، الجزائر 2010

5- Nelson Goodman. L’art en théorie et en action/ Jean-Pierre Cometti et Roger Pouivet (Trads.). Ed. de l’éclat. 1996

5 - أنظر الدراسة التي قدمها الفنان والناقد عبد القادر الخليل عن الفنان محمد الشاوي بصحيفة فنون الخليج (موقع إلكتروني) بتاريخ:   24/03/2016

 

79 جلال علوان 1نظّم المقهى الثقافي في لندن أمسية بَصَرية للفنان التشكيلي جلال علوان تحدث فيها عن جانب من تجربته الفنية التي تتميّز بالتنوّع، والثراء، وغزارة الإنتاج. ويمكن اعتبار هذه الأمسية بمثابة معرض استعادي لبعض الأعمال المفاهيمية التي أنجزها الفنان جلال علوان في أثناء إقامته في هولندا. وقد تضمّن برنامج الأمسية ستة محاور أساسية وهي "البقرات"، "مشروع الأثاث"، "الفتومونتاج"، "الفيديو آرت"، "مشروع العباءة" و "المهاجرون"، إضافة إلى السيرة الذاتية للفنان التي قدمتها المذيعة السوريّة آلاء أبو الشملات بطريقة مرئية ومسموعة جذبت انتباه الحاضرين لحرفية صوتها، وعذوبة نطقها السليم للجُمَل ومَخارج الحروف.

وبما أنّ الأمسية تجمع بين التنظير والعروض البصرية فقد ارتأيتُ، وأنا المكلّف بتقديم الفنان وإدارة الندوة، أن نكسر الإيقاع ببعض الأسئلة الجوهرية التي تسلّط الضوء على تجربته الفنية فسألناه عن السبب الذي دفعه لاختيار دراسة السيراميك في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد؟ فأجاب:"عندما قُبِلت في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد كنت أنوي دراسة النحت لأن علاقتي بالطين هي الأساس وكانت تستهويني أكثر من غيرها، فالموضوع كان محسومًا منذ البداية أن أدرس النحت، لكن في الأشهر الأولى انتبه الأستاذ عزّام البزّاز إلى طبيعة عملي، وقال: "أنا سأصنع منك فنانًا جيدًا"، والتفت إلى طالب آخر وقال: "وحمزاوي سيجعل منك بعثيًا جيدًا". لذلك غادر جلال النحت إلى قسم السيراميك الذي يتيح له الاشتغال على النحت الفخاري الذي أثراه خلال سنوات الدراسة وترك بصماته عليه، وينأى بنفسه عن الأدلجة الحزبية.

79 جلال علوان 2

يتكئ الفنان جلال علوان على مخيّلة الطفولة كثيرًا وينهل منها بعض الصور والذكريات، فحينما وافقت بلدية بْريدا على تنفيذه لمشروع "البقرات" استرجع جلال صورة الحصان الذي كان يرِد في حكايات والده التي يرويها له قبل النوم، ونفّذه في أكثر من عمل فني بحسب المعطيات التخييلية التي لا تخلو من لمساتٍ فنية واضحة. وعلى وفق هذه الرؤية أنجز جلال مشروع "البقرات" الذي أحبّه الأطفال، وتفاعلوا معه لأنه يحاكي مخيلاتهم أيضًا. نُفّذ المشروع بمادة البوليستر وهي مادة قوية وناعمة وتحوّل العمل إلى ملعب للأطفال يتوفر على كل اشتراطات السلامة والأمان، كما يتعانق مع بيئة الجنوب التي تزدان بالمراعي والأبقار الهولندية ذائعة الصيت.

79 جلال علوان 3

يميل الفنان جلال علوان إلى تمثّل الفكرة وفلسفتها، ففي مشروعه الثاني "الأثاث" اكتشف أن هناك علاقة ثابتة ورصينة بين شخصية الأب أو الجدّ وأثاثهما المنزلي الذي يبدأ من غرفة النوم، وخِزانات الملابس، ويمرّ بلوازم غرفة الاستقبال، وينتهي بالصناديق السريّة الخاصة التي لا يعرفها إلاّ الزوج وزوجته، غير أن هذه العلاقة المتينة بين جلال وأثاثه باتت مفقودة لسبب بسيط وهو الهجرة، وكثرة الترحال من بلد إلى آخر، فعندما غادر العراق إلى الأردن ترك أثاثه في بغداد، وعندما غادر الأردن إلى بْريدا الهولندية ترك أثاثه في عمّان، وهكذا دواليك ليكتشف في خاتمة المطاف أن علاقته الحميمة بالأثاث المنزلي مفقودة ولعلها توحي له بحس التشرّد والضياع، ولكي ينتصر على هذه الخسارات المتواصلة لجأ إلى تحويل أثاثه إلى منجز فني يعبر الزمن، ويبقى راسخًا في الذهن، وعالقًا بالنظر فلاغرابة أن نرى أرائكه، وسرير نومه، ومائدة طعامه قد تحوّلت إلى أعمال فنية صامدة أمام تقادم الأعوام.

لم يخطر ببال جلال أن يتعلّم الفوتو مونتاج ويتخصص به لكن دراسته في الأكاديمية الملكية بمدينة لاهاي الهولندية هي التي أمدّتهُ بهذه المعطيات الفنية، فبدلاً من أن يدوِّن أفكاره بسكيتشات سريعة خشية أن تتسرّب من ذاكرته لجأ إلى تقنية الفوتو مونتاج التي يركِّب بواسطتها الصورة فتتحول من السكيتش إلى الفوتوشوب مباشرة، فالفكرة بالنسبة إليه هي هبة ربانية وعليه أن يمسك بتلابيبها ما إن تشطح في ذهنه وألا يتركها عُرضة للضياع. وقد عرض الفنان نماذج متعددة من أعماله أبرزها"آدم" و"القربان" و "الإعدام".

79 جلال علوان 4

أما الفيديو آرت فقد وصفه بالصورة الحسيّة المكثفة لحالات معينة ينفِّذها الفنان بأشكال مختلفة تتداخل فيها عناصر أخرى مثل الصوت والحركة، كما عرض نماذج متعددة من هذه الأفكار التي حوّلها إلى أفلام  تجريبية مهمة من بينها فيلم "موجة" الذي شارك في مهرجان دنهاخ السينمائي.

وبغية التأكيد على أهمية الثيمة في الفن المفاهيمي سألناه إن كانت فكرة "غرفة الانتظار" واقعية أم خيالية؟ فأجاب: بأن مصدرها الواقع وسرد لنا حكاية انتظاره الطويل والممل في "غرفة الانتظار" التابعة لإحدى دوائر وزارة الخارجية العراقية التي تحتوي على 50 كرسيًا، نصفها محطم والبقية غير مريح حيث قال:" تخيّلت الغرفة ملأى بالأراجيح ونحن نتأرجح فيها بدلاً من تذمّرنا من المقاعد المعطوبة التي أرهقتنا على مدى سبع ساعات طويلة هي أقرب إلى السجن منها إلى غرفة انتظار".

وفيما يتعلق بمشروع العباءة الذي تحدث عنه بشكل مختصر لكنه عرض نماذج متعددة للنساء المتلفعات بالسواد لكنهنّ يُظهرن أجزاءً محددة من أجسادهن وخاصة أذرعهن العارية التي بدت أكثر اغراءً مما لو كنّ سافرات بلا حُجُب تغطي هذا الكائنات الأنثوية الرقيقة.

79 جلال علوان 5

لم يتوقف جلال عند محور "المهاجرين" الذين ينؤونَ بصُررهم وحقائبهم وهو يبحثون عن بلدان توفر لهم الأمان والعيش الكريم، وإذا لم نرَ المُهاجر نفسه فإننا رأينا آثاره ومخلفاته التي يتركها هنا وهناك مثل "قارب تجريدي" وما ينطوي عليه من بُعد رمزي شديد الدلالة حين حوّل المهاجرين الذين يركبون المخاطر والأهوال إلى مسامير تخترق أرضية القارب وتعرّضهم إلى الغرق في عرض البحار الهائجة التي التهمت منهم الكثير ومازالت تنتظر ضحاياها بأشداق مفتوحة عن آخرها.

ما يلفت النظر في هذه الأمسية المتميزة هو صعوبة تلّقيها وهضمها من قِبل المُشاهِد العادي الذي لا يمتلك معرفة جيدة بالفن المفاهيمي، ولا يتوفر على خبرات بصرية تتيح له فهم العمل المفهومي واستساغته لذلك سأستعير من سول لويت مقولته المهمة التي أوجز فيها الفن المفهومي حينما قال: "إن الفكرة هي الآلة المُنتجة للفن"، وأنّ الفن المفاهيمي Conceptual art قد نشأ في أواسط الستينات والسبعينات من القرن الماضي غير أن جذوره الحقيقية تعود إلى عام 1913 حين ثبّتّ مارسيل دو شامب "عجلة درّاجة هوائية" على كرسي بلا مساند "ستُول"، ثم أردفها بعمل ثانٍ أسماه "أمام اليدّ المكسورة، أو مجرفة" عام 1915، ثم جاء عمله الثالث "النافورة" الذي صَدَمَ المتلقين والنقّاد واستقر في ذاكرة الناس بوصفه العمل المفهومي الأول وهو عبارة عن "مِبْوَلة" جاهزة الصنع Readymade وقعّها باسم R-mutt وقدّمها إلى جمعية الفنانين المستقلين عام 1917. وهذا يعني من الناحية التاريخية أن عمر الفن المفاهيمي هو 106 سنوات، لكنه كحركة فنية استمر لعشر سنوات ولكنه ما يزال موجودًا حتى يومنا هذا وأن أبرز ممثليه هما الفنانَين البريطانييَن مارتن كرِيد وسيمون ستارلنك. كما تألق عدد من الفنانين المفاهيميين العرب نذكر منهم الإماراتي  حسن شريف، والسعودي بكر شيخون، وجلال علوان، العراقي المقيم في المملكة المتحدة، وعشرات الأسماء الفنية الأخرى التي لا يمكن حصرها في هذا المجال.

 

عدنان حسين أحمد

 

652 Derain Madameقال احد المفكرين بان (الشعر تصوير ناطق والتصوير شعر صامت)، وهو اشارة الى اهمية حاستي البصر والسمع .. في قرآءة الصورة والنص، فتذوق الصورة والتمتع بها وتلذذها يأتي عن طريق البصر اما السمع فهو اداة لفهم اللغة . ولكن البصر بالنسبة للفن التشكيلي اهم من السمع فالبصر ينقل صورة مادية واضحة المعالم والمضامين الى القلب والمشاعر والاذن ترسم صورة خيالية في الذهن ومن ذلك نجد هناك تشكيلا بصريا وهناك تشكيلا ذهنيا ..

ويذكر علماء الاجتماع ان كل الذين يتعلمون القراءة والكتابة يرسمون في اذهانهم صور واصوات الاحرف الابجدية، فعندما نرى مثلا صورة حرف – ع – او- ق – يحضر امامنا في نفس اللحظة احساسا بصوته، وهو مايسمى – بالصوت الذهني – ولنضرب مثلا آخر، فعندما نرى قطارا على شاشة التلفزيون او غيره نجد انه يتولد لدينا احساسا بالصوت لمجرد رؤيته بدون سماع صوته . لهذا هناك افتراض على وجود اصوات في اللوحة بمعنى ان اللوحة ناطقة وليست صامتة كما يحللها البعض وان المتلقي يحس باصوات منبعثة من داخل اللوحة التي يقف امامها من خلال اشكالها وحروفها خاصة في الفن الحديث و المفاهيمي الذي يستخدم الحروف الابجدية في اللوحة كما هو في حركة الكرافيتي .. ومثال آخر لانبعاث الصوت، فعندما تستلم رسالة من صديق تعرفه، ستقرأ الرسالة وتشعر بصوت صديقك من خلال الكلمات وهذاهو ما يعنيه بالصوت الذهني .كما ذكرناه سابقا .

لهذا فعندما نرى لوحة واقعية يتولد لدينا احساسا باصوات تلك الاشكال سواء كان انسان او حيوان او اي رمز آخر حيث نشعر ونرسم على اساسها اصوات ذهنية في مخيلتنا او عقلنا ...

و تعيش كل عناصر العمل الفني الكامل او اللوحة في ارتباط وتضامن وانسجام داخلي كي تعطي وحدة متناغمة ومنسجمة ورسالة واضحة يمكن ان نطلق عليها بالرسالة الصوتيه .

الصورة الذهنية ظهرت في عصر النهضة عند بعض الفنانين حيث كانوا يرسمون صورهم في الذهن والخيال ثم ينظمونها على اللوحة وقد نحى الفن الحديث على هذا النحو في اثارة الصور الذهنية والابتعاد عن التمثيل

و بالتالي فان اللوحة الواقعية او الحديثة تبعث الى المتلقي احساسا بمعانيها وصورها واصواتها والرسالة والمضمون الفني البصري الذي تحمله .. واللوحة ناطقة وصامتة حسب مستوى احساس وشفافية المتلقي وثقافته . ومع ذلك فهناك يوجد ناس صم بكم عمي لا يفقهون وان بصروا وسمعوا .

653 سي تومبلي

قيمة الصورة الفنية:

اين يقع جمال وقيمة الصورة هل هي في ذهن الانسان او في الواقع المرئي بمعنى آخر هل ان الجمال يوجد في ذهن المشاهد او انه يوجد في اللوحة المنظورة؟ لو افترضنا انك دخلت متحف اللوفر وقصدت الى مشاهدت لوحة موناليزا فوجدت ازدحاما كبيرا يصعب بذلك الوصول اليها واخيرا شاهدتها وانت في عاطفة وشوق كبير لمشاهدت لؤلؤة دافنشي العظيمة .. في هذه الاثنا جاء احد الاشخاص وهمس في اذنك قائلا: هذه ليست اللوحة الاصلية وانما هي نسخة عن الاصلية المحفوظة داخل مخازن المتحف ...في هذه اللحظة ماذا يحدث لك؟؟ سوف تتغيرة مشاعرك بسرعة وتهبط قيمة اللوحة وجمالها وتنصرف عنها لائما نفسك؟ ولهذا فان الذهن هو الذي يتحكم في تذوق الاشياء الفنية وجمالها وتقيمها ، فنرى بعض اللوحات جميلة والاخرى لا، بينما يرى الآخر عكس ما تراه انت؟؟

الاطراء والضجيج:

652 الموناليزاهل العمل الفني يحتاج الى اطراء ومدح وتفسير وشرح؟ ام ان العمل الفني هو ينطق عن نفسه ويتكلم ولا يحتاج الى تفسير الآخرين؟ وهل ان اللوح تحتاج الى ان نكتب عليها عنوان؟؟ اليوم اصبحت المتاحف تعير الزوار اجهزة صوتية صغيرة تساعد على توضيح وشرح الاعمال الموجودة في المتحف او هناك مرشدين يقومون بذلك الدور .. ولكن هل كل الزوار يتفقون مع ما جاء في تلك الاجهزة من شروح وتفسير؟ .. انا اعتقد ان كل ما في الامر هو تعريف بسيط عن ظواهر الاعمال وليس عن جواهرها وكذلك التعريف بالفنان، و ربما تكون هذه التعليقات هي من وجهة نظر احادية ...؟ واتذكر قصة طريفة حدثت لاحد الفنانين الكبار وربما هو الفنان الانكليزي بليك حيث كتب عن اعماله شرحا وتفسيرا مطولا، فعندما قرأ ذلك تعجب وقال : هذه ليست مقاصدي؟؟ واتذكر قول للفنان المفاهيمي تابيس (ان اللوحة هي التاريخ ) ولهذا القول تفسيرات ومعاني وتأويلات كثيرة و جليلة .. حتى احيانا نجد ان الفنان يعجز عن تفسير اعماله، فهي متأتية من خلفيات وجذور تاريخية عميقة ..

اليوم نجد ظاهرة الاطراء والمديح تباع وتشترى بعيدا عن حقيقة الاعمال الفنية وانجازات ذلك الفنان .ولهذ فان العمل الفني الاصيل والفريد لا يحتاج الى شرح فهو ينطق عن ذاته، اما المتشابهات والمستنسخات والتقليدات وما اكثرها فهي تحتاج الى ضجيج ... .. ولو تأملنا اللوحة بهدوء لاستطاعت هذه اللوحة ان تقول لنا شيئا ولنطقت بمشاعرها وروحها ما يعادل آلاف كلمات الاطراء والمديح، ولهذا من الافضل ان تترك الاعمال هي تتكلم عن نفسها وحدها (فلتكن اعمالكم تسبق اقوالكم)..

 

د. كاظم شمهود

 

639 بندوري 1يطرق الفنان الفوتوغرافي مولاي يوسف الحادمي مضامين متنوعة بما تلتقطه عدسته من إشكاليات فلسفية مختلفة تصب في القيم الفنية والجمالية وقيم الحياة والطبيعة والعمران والتراث والثقافة، فهو يتجه الى التقاط صور دقيقة لفنون العمارة وتراث المدن بمضامين متنوعة، ويأخذ أيضا لقطات للطبيعة الخلابة بألوانها الزاهية مما تزخر به بعض المناطق المغربية. فالتراث والعمارة والطبيعة حاضرة في منجزه الفني بكل تمظهراته ومفرداته وعناصره. 

ويمكن القول بأنه يمتح مقومات أعماله من أسلوب يتأسس على الحيادية والدقة العالية والتقنية الكبيرة في معالجة الصور، فيصور وفق المؤثرات الضوئية والوعي بمستويات اللون المطلوبة التي تتناسب ورُؤاه المعرفية وحسه الإبداعي وذوقه الرفيع. وهو بذلك ينطلق من الواقع لينوع الأساس الصوري  بأسلوب فني يخدم رؤية مشدودة بعبَق المعالم الحضارية والطبيعية، فيغوص في حضرة الفن الفوتوغرافي الذي لا يكتفي باستدعاء المادة الفنية، والاشتغال عليها؛ وإنما يتجاوز ذلك إلى كل ما هو رمزي وعلاماتي وتعبيري وإيحائي ودلالي، ليس باعتباره قيمة بنائية، وإنما باعتباره خلفية سنادية تُدللُ على وعيه وثقافته وحرفيته الفنية بأعماق ما تكتنهه المادة المصورة، وايلائه لها أهمية كبرى، سواء من حيث المجال الجمالي الذي يرصد السمات العديدة التي تتوفر عليها أعماله المصورة، أو من حيث صنع الايحائية لديه، والتي تنبني على الفن بنوع من التوازن بعدة مقومات قاعدية تخص الفن الفوتوغرافي.

639 بندوري 2

 

ويوظف لعمل ذلك النظرة البعيدة الثاقبة، وابتعاده عن التعقيد، وتوظيفاته الدقيقة لحاسته الحادقة التي تنتج سحرية أدائه، وتكشف عما تخبئه أعماله من محمولات جمالية تزخر بالتأويل ذي الدلالات المفتوحة وفقا لما يلتقطه بدقة عميقة وعناية فائقة من مسافات مختلفة، تتبدى للمتلقي ما لم يكن في استطاعته رؤيتها بذلك الشكل. وهذا يعد ملمسا جديدا وإبداعا مميزا في أسلوب الفنان المتميز مولاي يوسف الحادمي الذي يرصد في أدائه الفني التعبيري العلاقة القويمة بين الإشارة والموضوع وفق المرجعيات المنبثقة من الواقع، ليشحن العمل بطابع رمزي ودلالي، يمكّنه من تخليد مفردات المضامين التي يشتغل عليها في ارتباط وثيق بالمكونات الثقافية والمعرفية التي تؤطر العمل في جوهره، وتنم عن أفكار المبدع المتجددة، وخياله المنفتح على مستوى التكوين والإضاءة، وهو ما يضع القارئ أمام أعمال تنطق بمعاني ودلالات متعددة، غنية بالإشارات في سياق وشائج قائمة بين ما تحمله المضامين والمادة الجمالية في علاقة ترسخ جانبا من التداخل بين كافة العناصر المنفصلة بكل ما تحمله الاشارات من تشعبات دلالية وتأويلات تميز في عمقها الخطاب الفوتوغرافي، وما تكتسيه الصورة من وظائف بنائية ودلالية تحيل لمجال جديد لوضع تمظهرات فنون العمارة والتراث والطبيعة وكافة المواد بعمق وفرادة في تصورات الفنان مولاي يوسف الحادمي، والتي تعج بالايجابية في التعبير عن العالم البديل. وهذا هو ما يبين الاتجاه الجاذب في هذا الفن الذي يحتوي فلسفات أخرى جديدة.

 

د. محمد البندوري

 

78 Honthorst 4جيرارد فان هونثورست   Gerard van Honthorst 1592-1656 فنان هولندي من العصر الذهبي.

 

78 Honthorst 10

 كان، وقبل رامبرانت بزمن طويل، أول من اشتهر ببراعته في رسم المشاهد التي تتميز بمساقط الضوء الاصطناعي. 

78 Honthorst 1

تعلم الرسم على يد والده فنان الديكور المعروف نسبيا، خاصة في مدينة أوترختUtrecht . 

78 Honthorst 2

 أكمل دراسته في هولندا ثم سافر الى روما لينهل من فنونها وليتعلم الكثير من أسلوب كارافاجيو Caravaggio،

78 Honthorst 11

فكان أول من نحى هذا المنحى من بين الفنانين الهولنديين فتبعه العديد منهم الى روما لتعلم المزيد من المهارات الفية في الرسم والنحت. 

78 Honthorst 3

في عام 1620 عاد الى وطنه واصبح شهيرا فيه يرسم البورتريهات للعوائل الملكية وعوائل الطبقات العليا في المجتمع. 

78 Honthorst 5

تعرفت عليه في هولندا شقيقة ملك إنكلترا جارلس الأول فعينته مدرسا لاطفالها ورساما للبورتريهات العائلية. 

78 Honthorst 7

وبحكم وظيفته هذه دعاه الملك جارلس الأول الى إنكلترا عام 1628 ليعمل رساما في البلاط . 

78 Honthorst 8

بعد عدة سنوات أمضاها في إنكلترا عاد الى هولندا ليواصل الرسم بتكليفات عالية المستوى لحين وفاته عام 1656. 

78 Honthorst 9

مصدق الحبيب

 

كاظم شمهودلماذا عمدت الفنون الشرقية الصينية والاسلامية الى حذف الظل في الرسم و التصوير رغم انهم يعلمون جيدا بالواقعية الموضوعية للاشكال؟؟ وهل هناك علاقة فلسفية او روحية تتعلق بمفهوم الظل في الفن؟؟

يوجد كتاب اسمه –الفن العربي المعاصر – للدكتور عبد الكبير الخطيبي يتطرق بعض الشئ عن مفهوم الفنون الشرقية ومميزاتها قديما وحديثا ، ويقسم الفنون الى ثلاث حضارات، 1 – حضارة العلامة، وتشمل اليابان والهند والصين والعالم الاسلامي، 2 – حضارة اوربا والولايات المتحدة، 3 – حضارة افريقيا ... كما اطلعت على بعض محاضرات البروفسور الفيزيائي السوري علي منصور الكيالي وهو يتحدث عن حقيقة وفلسفة الظل في حياة الانسان.

وقرأت ايضا تفسيرا للظل في كتاب –الميزان - للعلامة الطباطبائي.

معنى الظل:

للظل معاني كثيرة لغوية واصطلاحية وعرفية ودينية وفنية وله مجازات ايضا كثيرة .. فالظل يعني ظل الانسان او الشجر او اي شئ آخر قائم بتأثيرات الشمس او الضوء .. و بالاصطلاح، خفيف الظل اي مريح، و ثقيل الظل اي مزعج . والظل ايضا يعني عتمة تغشى مكان حجبت عنه الشمس او غابت فتركته في ظلام ..

اما التفسير الديني فياخذنا الى ابعاد عريضة وطويلة تحيط بها قصص وحوادث تأريخية قديمة تفسر كعقاب للاقوام التي خالفت سنن الله . (وظل ممدود) الممدون من الظل يعني الدائم الذي لا تنسخه شمس، فهو باق لا يزول . (وظل من يحموم) المحموم يعني الدخان الاسود، بمعنى ظل ظلام وعذاب خيم على المكان او الناس .. ويذكر القرآن –(يوم الظلة) وهو يوم عذاب مدين حيث امطرهم الله نارا فاحترقوا .. وربما احدكم يتذكر حادثة مدينة بومبي الايطالية التي ثار عليها بركان فسيوفيوس عام 74 م فارتفع 9 اميال واظلها وغشاها بالكامل وغدت في ظلام دامس لا يرى احدهم الآخر وامطرت عليهم السماء مع حمم ورماد البركان.. وخلال ساعات طمرت المدينة باهلها تحت الرماد. وبعد 1700 عام كشفت آثار المدينة بسكانها وهم متحجرين. ويذكر انها كانت مدينة متحضرة وغنية ولكن كان من ثقافة اهلها الفاحشة والاباحية الى ابعد الحدود حتى اظهرت المنحوتات والرسوم الباقية انهم كانوا يمارسون الزنا مع الحيوانات كما كشفت فيها رسوم جدارية تشير الى ذلك .

واما البرفسور علي الكيالي فيذكر ان الظل هو عبارة عن طاقة ترافق الانسان والحيوان وليس له علاقة بالشمس، نعم هي تشير اليه وتكشفه لا تصنعه، ويذكر امثلة على ذلك . (الم ترى ربك كيف مد الظل) وليس الشمس التي مدته . (ولو شاء جعله ساكنا، ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه الينا قبضا يسيرا) وذكر قصة موسى –ع- عندما حل في مدينة شعيب وراى تدافع الرعاة على سقي الماء ثم راى فتاتان جالستان على جنب فسقى لهما الماء، ثم آوى الى الظل بعدما تعب ويفسرها انه ذهب الى الظل كي يستعيد طاقته.

636 مومبي 1

غياب الظل في الفنون الشرقية:

يبدو ان الخط حل محل الظل واخذ طاقته الروحية، ويتميز الفن الصيني بالخط والتسطيح فالرسم الصيني هو امتداد للخط والكتابة الصينية حيث انه يرسم ويكتب بنفس الفرشاة. وقد رسم الفنان الصيني وفهم الطبيعة كمصدر لنفاد الروح ومرأت توجيهية للعواطف الانسانية، وقد اشارت المعتقدات الدينية البوذية المنتشرة في الصين وغيرها ان المملكة الروحية ظاهرة في الطبيعة، مثلا في الصخور، في الشلالات، في الشجر، الى غير ذلك، وبما ان هذه المعتقدات ركزت على حب الطبيعة فان الفنان الصيني قد اهتم برسم المناظر الطبيعية والطيور والزهور والجبال والبحار وغيرها .. فالمصور الصيني يرسم ما يمثل الظواهر الطبيعية ولكنها لم تكن ابدا مجرد ذلك المنظر الطبيعي بالذات فمن وراء ما هو خاص يكمن ما هو عام . وهدفه ان يتصل بتلك القوى الخفية (الروح) .

636 مومبي 2

و قد ورد في ثقافتنا الدينية ما من شئ في الحياة الا وله حركة وروح سواء كان حجر او شجر او غيره (لوانزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله) .. فالفنان الصيني يحيل الاشكال الى سطوح ويحددها بخطوط بارز وقوية . فالخط يوحي بالكتلة او الشكل الصلب والكتلة لها ظل او طاقة امتصها الخط ، والخط هو اكثر العناصر اساسية في الفنون المرئية حتى ان بعض الفنانين لم يتردد في ان جعله اساس الفنون جميعا .. ويقول الفنان الانكليزي بليك: (ان القاعد العظيمة و الذهبية للفن كما هي للحياة هي: كلما كان الخط المحيط اكثر تحديدا وحدة وبروزا كان العمل الفني اكثر كمالا ..) فالخط يمثل دائما نوع من الاختزال التصويري، وانه لمن المدهش ان نتخيل مقدار التجريد الذي كان من الممكن ان يقع فيه الخط دون الاساءة الى القوانين التقليدية للتمثيل .. اما الفنان المسلم فقد اخذ من تقاليد الفنون الصينية في الاعتماد على الخط في رسم الطبيعة والاشكال واعتبار الخط ذو طاقة حيوية وزخرفية في التمثيل، اما ما يقال ان (التحريم) كان له دورا في جعل الفنان المسلم ان يتخلى عن الظل ويلتجئ الى التسطيح والتبسيط والاختزال، اعتقد ان هذا موضوع آخر يحتاج الى شرح واسع، اولا لان (التحريم والكراهية) طالت كل الكائنات الحية .. ثانيا لم يلتزم احد بذلك سواء كان من المصورين او النقاشين او الخلفاء والامراء وطبقة الاغنياء . وقد وجدت رسوم في قصور الخلفاء الاموين والعباسيين والاندلسيين مثل قصير عمرة في الاردن وقصر الجوسق في سامراء وقصور الحمراء في غرناطة وكذلك مصوري المنمنمات الاسلامية مثل الواسطي وابن الجزري وابن الفضل وهبة الله وغيرهم .. ثالثا ، ان الفنان المسلم كان يتبع تقاليد الفنون الصينية والساسانية والرافدية حتى في سحنات الوجوه احيانا . وقد كتبنا عن هذه الاشكاليات في مقالات سابقة ...

 

د. كاظم شمهود

 

 

محمد الشاويتوطئة: لقد سبق وأن تحدثنا عن الفن المعاصر وخصوصياته ومختلف الإشكالات التي من الممكن أن يطرحها في مقال سابق وسمناه ب: "الفن المعاصر من الدلالة إلى المدلول"؛ لذلك فإن مسألة العصرنة نعتبرها امتدادا لما دأبنا على معالجته.

وعلى هذا الأساس يمكننا بسط التأملات الآتية:

ما دلالة العصرنة contemporanéité ؟

وما علاقتها بالفن المعاصر؟

وهل من الممكن للفن المعاصر أن يبتعد عن العصرنة؟

بتعبير آخر كيف يستحضر الفن المعاصر مسألة العصرنة؛ وكيف يبتعد عنها بخلق تحديثات  modernisations بصيغة معاصرة؟

1- دلالة العصرنة:

ليس من السهل إقامة قطيعة بين محطات تاريخ الفن وصيرورة تكوُّنِه، إذا لم نستحضر خصوصيات تطور تاريخ الفن نفسه. ولعل هذه الخصوصيات -بصيغة الجمع- ستدفعنا إلى تعميق النظر في الأطروحة التي نتبناها ومؤداها أن السابق يؤسّس للاحق فكرا وفنا وعلوما. فإذا أردنا تحديد دلالة العصرنة فإننا ملزمون بالخضوع لسمة ماهو معاصر؛ فهي بصيغة صريحة تستدعي جميع السياقات التخطابية والجمالية لمرحلة التاريخ الراهن الذي نحيا داخله. إنه تاريخ ينقلنا للحديث عن "العالم الذي يحيط بنا" كما ذكر الفيلسوف والسوسيوجي ريمون أرون. فهو  تاريخ  في متناولنا، ومن السهل بلوغه، على خلاف "عالم الذين عاشوا قبلنا" كحديثنا عن الفن خلال فترة ما قبل الميلاد أو الفن عند الإغريق أو  في العصر الوسيط... وهذا مثبت في سجلات التاريخ، وسبق للمؤرخين توثيقه بالسند والمادة التاريخيتين.

فالتاريخ الراهن يحتوي دلالة العصرنة بالنظر إلى مختلف العوامل المأثرة في الفن المعاصر من الناحية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والإيديولوجية والدينية...

فدلالة العصرنة تستدعي أيضا الوقوف عند أهم البرادايمات (النماذج الارشادية للعلم وللمعرفة العلمية) التي ساهمت في تحوُّلِ منظمومة العلم، وتاريخ الفن في صيغتهما الراهنة.

2- الفن المعاصر وتحديات العصرنة:

لقد جرى القول عادة حسب المهتمين بالفن المعاصر - وجلهم باحثين ونقاد - بأن مسألة القطيعة مع اللوحة تشكل أساسا يرتكز عليه الفن المعاصر. إنها قطيعة من حيثُ التعاطي الفني شكلا ومضمونا، مع ضرورة طرح أساليب جديدة تُوَسِّعُ من أفق التلقي. لكن ظلت العديد من التجارب المعاصرة (مع استثناء بعض التجارب الجادة) تركن لإعادة إنتاج التجارب السابقة لمدارس فنية -لها تاريخها العريق- داخل نسق معاصر.

إنها حسب اصطلاحنا تحديثات جديدة بصيغة معاصرة. وهذا من شأنه أن يجعل قاطرة الفن المعاصر تنزاح عن مسيرتها داخل نظام يتكرر فيه ما تم تناوله من تجارب ومنجزات تشكيلية.

لذلك فإننا نتساءل ها هنا هل استطاع التشكيليون أنفسهم استيعاب معنى الفن المعاصر؟

وهل استطاع نقاد الفن إفهام التشكيليين بمقومات الفن المعاصر وأهم ركائزه؟

لقد صدق المنفلوطي في قوله: " فمحال أن يعجز الفاهم عن الإفهام والمقتنع عن الإقناع".

 

بقلم: محمد الشاوي - فنان تشكيلي مغربي وباحث في النقد الفلسفي للفن.

 

كاظم شمهودورد معنى المقدس في القاموس العربي انه يعني المعظم، المحترم، المبارك، مثلا، قدس الله (بالضمة) فلانا اي طهره وبارك فيه، وقدس الله (بالفتحه) عظمه وبجله ونزهه، (فاخلع نعليك انك بالوادي المقدس طوى) يعني انك في ارض طوى المباركة .. نحن اليوم نعاني من اشكالية التقديس لبعض الاشخاص والافكار والمذاهب والفنون والثقافات والتقاليد والعادات التي نقلتها لنا الاجيال منذ العصور الغابرة واخذتها عامة الناس دون تحقيق او تعقل .. فاصبحت الامة العربية والاسلامية اليوم لكي تحقق التطور والمعاصرة عليها ان تعود الى تقاليد الماضي ومفاهيمة الفكرية وكل من يعترض فهو كافر ... لقد احرقت كتب الغزالي وابن رشد والاصفهاني وكفر الفرابي والرازي وابن سينا والكندي وقطعت اوصال ابن المقفع وطبخ وخنق لسان الدين ابن الخطيب واحرقت جثته . وكل ذلك جرى باسم الحفاظ على المقدسات؟ .. وعندما قام جمال الدين الافغالي ومحمد عبدة بثورة الاصلاح العربية، جاء اخوان المسلمين في مصر عام 1928 وافشلوا تلك النهضة ودعوا ان الحل هو العودة الى الماضي؟ ومن الماضي وجد في صحيح البخاري 14 حديثا تتكلم عن فضل شرب بول البعير في صحة الانسان وعلى اثر ذلك اصيب اليوم مئات الاشخاص بامراض الكلة .. ؟

التقديس الخاطئ

الانسان مهما كان يملك من علم ومعرفة فهو عرضة للخطأ، حيث يذكر علماء الاجتماع ان الاخطاء صفة انسانية يقع فيها الجميع وهي صفة تساعد الانسان على تجنب السلبيات في الحياة، كما انها تصقل الانسان وتزيده منعة وقوة في مواجهة الحياة ووضع الحلول الصحيحة لها . ولما كان الانسان بهذا النمط فعليه الا يحمل نفسه فوق طاقته (لا يكلف الله نفسا الا وسعها)، وبالتالي تكون صفة التسامح والاخاء سائرة في المجتمع. ولهذا ليس هناك قدسية لاي شخص مهما كان سواء في حقل الادب او الشعر او الفلسفة او التاريخ او الفن وما شاكلها (ما عدا الاعتقاد بالرموز الدينية من الانبياء والكتب السماوية المقدسة) ..

605 الفن والمقدس

في بلداننا العربية بدأت نهضة ثقافية وفنية بعد الاستعمار الانكليزي والفرنسي للدول العربية وقيامها بتأسيس المدارس الفنية على المناهج الدراسية الاوربية، وقد شجعت عدد من الشباب للدراسة في الخارج، وبعد انتهاء دراستهم عادوا الى بلدانهم يدرسون مادة الفن على المناهج الاوربية.. وكان الرواد يرسمون باساليب اوربية حديثة ولكن المواضيع مأخوذة من الواقع الاجتماعي بما فيه من تقاليد وعادات ومن الارث الشعبي والحضاري ... هؤلاء الاساتذة اصبحوا عند البعض اليوم مقدسين وعليهم هالة ويحرم مسهم او نقدهم او طرح وجهة نظر في اعمالهم وتنظيراتهم الفكرية ؟ .. هذا الغلوا هو نوع من الجهل ويعمي احيانا القلوب قبل الابصار ويحبط او يغلق الاجتهاد والابداع في الفن الذي اصبح له اليوم آفاق عالمية غير محدودة، وانا اعتقد واكاد ان اجزم بانه ظهر فنانون بعد الرواد افضل واحسن واكثر تطورا وامكانية من الرواد انفسهم، نعم للرواد كل الاحترام ولكن ليس التقديس .. يذكر لنا التاريخ بان جيوتو كان تلميذا للفنان الايطالي المعروف شيمابويا ثم تفوق على استاذه واصبح من رواد عصر النهضة وتأثر به مايكل انجلو .. ولهذا اتمنى ان يعي فنانو او رسامو الغلو والتقديس بان المسيرة الفنية والفكرية هي تكاملية تطورية واكتسابية يشترك فيها الجميع .  

606 الفن والمقدس النظرية العلمية

اولا ان النظريات العلمية هي نسبية وليس مطلقة وهي قابلة للتغيير والتعديل وتبعا للظروف الموضوعية وخاضعة للتطور الاجتماعي والعلمي والحضاري، كما انها تخلوا من التناقضات والتنافرات، وفيها تكون الفكرة واضحة وعقلانية ومنطقية وغير مبهمة وغامضة، ولهذا فان النظريات الصحيحة اذا تكررت دراستها في اماكن وازمنة مختلفة تعطي نفس النتائج.

اليوم نجد كثير من النظريات العلمية السابقة كانت مقدسة ومسلما بها لفترة طويلة ثم اثبت خطأها مثلا وجود عروق زرقاء في جسم الانسان ؟، كما كان يعتقد بوجود قنوات مياه على سطح المريخ، ثم اثبت خطأها في وقت قريب، كما كان يعتقد ان الكون لا يزيد حجمه ولا ينقص، حتى انشتاين كان يعتقد بذلك، ثم اثبت العلماء اليوم ان الكون يزداد كثافة وتوسع مع مرور الوقت . وبالتالي فان النظريات العلمية والفنية هي نسبية وغير مقدسة .

الفن المقدس

مر الانسان في فترات تاريخية سابقة كان يقدس فيها الصور والمنحوتات وكذلك الايقونات الصغيرة والكبيرة، وهي رسوم دينية مسيحية توضح مبادئ الديانة المسيحية بشكل ملموس ومعظم، وكان الفن المسيحي مبني على الرموز والايحاءآت، واكثرها رموزا صورة مريم والمسيح –ع- وكذلك مشاهد للقديس بطرس وهو يحمل المفاتيح بيده، وتعني مفاتيح الجنة . ولازالت بعض الشعوب في الشرق الاقصى تقدس الصور والتماثيل وتعدها آلهة او واسطة للآلهة. (ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى) . وكان الفنان المسيحي مشغولا بالفن المقدس وكان واعيا بالقانون الالهي وواعيا بالعرف الذي ينقل النماذج المقدسة والمتفق عليها من قبل رجال الدين وواعيا لعمله والذي يضمن بالتلي الشرعية الروحية للاشكال المقدسة . وهكذا نجد كل فناني عصر النهضة اشتهروا من خلال الفن المقدس والذي رسمته لهم قوانين الكنيسة .

 

د. كاظم شمهود

 

77 persephone2.fwمن ضمن القصص التأريخية التي ألهمت الفنانين الكلاسيكيين في أورپا خلال عصر النهضة وما قبله هي قصة پيرسفون وربيع الحياة.

بيرسفون   Persephoneهي آلهة الخصب والخضرة في الميثولوجيا الأغريقية، وهي إبنة كبير الآلهة زيوس Zeus وآلهة الحصاد ديميتراDemetra  . تدور أحداث القصة في جزيرة صقلية عندما خرجت پيرسفون الجميلة الى الحقل وهي تتلألأ مع شمس الربيع في يوم مشرق لتقطف الازهار. 

77 persephone1.fw

وكان شعاع فتنتها قد وصل الى ملك الموت هيدس Hades  وهو في عالمه السفلي، فانشقت الأرض من تحت أقدام پيرسفون ولم تر إلا أياد قوية متحجرة تمسك بها وترمي بها في عربة تجرها خيول سوداء لتنحدر بها الى عالم مظلم دامس.

77 persephone4.fw

هامت ديميترا والدتها تبحث عنها في كل ارجاء الجزيرة فيما لم يبدو على زيوس أي إكتراث. لم تترك ديميترا أي ركن من الجزيرة لم تفتشه وأي أحد لم تسأله عن ابنتها الى ان اهتدت لمن أخبرها بقصة اختطاف بيرسفون من قبل هيدس وانه قد يكون زيوس قد تواطئ في الامر. 

77 persephone7.fw

غضبت ديميترا  ولعنت الجزيرة بالجفاف والقحط حتى ان ساءت الأمور فأمر زيوس هيدسا بأعادة پيرسفون الى الأرض. لكن هيدسا اقنع پيرسفون أن تأكل خمسا من حبات الرمان قبل ان يطلق سراحها، وكان عصير الحبات السحري يؤكد لهيدس بأنها ستعود اليه لتمضي نصف كل عام معه. 

77 persephone6.fw

وهكذا كان الحال، فحين عادت پيرسفون الى الأرض بدأ الربيع وامتلأت الأرض بالخضرة والزهور، وعندما حان وقت رجوعها الى هيدس انحسر الماء وتجف الأشجار ويحل الجفاف والقحط.

77 persephone5.fw

ومنذ ذلك الوقت عرفت البشرية سر تعاقب الفصول كل عام على انها سنة إلهية لابد منها. ولهذا فقد قيل قديما ومنذ الأزل: 

77 persephone8.fw

هناك موسم لكل شيء، وموعد لكل ظاهرة

موعد للولادة وموعد للموت

موعد للنور وموعد للظلام

موعد للزرع وموعد للحصاد

موعد للخير وموعد للشر

موعد للفرح وموعد للحزن

وموعد للسلم وموعد للحرب

77 persephone3.fw

 د. مصدق الحبيب

 

76 صادق طعمة 1لوحات تغادر التشخيص والانطباع والحياة الصامتة

نظّم غاليري The Room بتوتنهام معرضًا شخصيًا للفنان صادق طعمة، وقد ضمّ المعرض الذي انضوى تحت عنوان "تجريد غير معنون" 16 لوحة موحّدة حجمًا وموضوعًا فكل اللوحات بقياس 20 x 20 سم نفذّها الفنان بالأكريلك على ورق مقوّى. قد تبدو هذه اللوحات الست عشرة مختلفة للوهلة الأولى عن تجاربه السابقة لكن المتأمل لمشروع صادق طعمة الفني سيكتشف على عجل أنّ هذا المعرض لم يُشكِّل قطيعة مع مَعارضه السابقة وإنما هو ضرب من التنويع على تيارات فنية سبق وإن اشتغل عليها مثل التشخيصية والتجريدية والتعبيرية التجريدية التي تقترن بأسماء كثيرة أبرزها هانس هوفمان وجاكسون بولوك وفاسيلي كاندينسكي وغيرهم من الفنانين الذين انهمكوا بالعمل في المناطق الرمادية المتاخمة للمدارس الفنية الحديثة في محاولة جديّة للابتعاد عن الواقع وتشخيصاته الانطباعية لأن الفنان المبدع يسعى بشكل محموم لأن يُعبّر عن مشاعره الداخلية العميقة، ويكشف عن رؤيته الجمالية للعالم الذي يحيط به من الجهات الأربع. ولكي نكون أكثر دِقّة لابد من القول بأن لوحات هذا المعرض برمتها ليست جديدة وإنما تعود إلى عامي 2004 و2005 أنجزها الفنان حينما كان منهمكًا في الدراسة بجامعة ميدلسيكس للفنون الجميلة بغية الحصول على درجة الماجستير، ومثل سائر الجامعات والمعاهد الفنية التي يقتضي فيها النجاح مشروع تخرّج يُعبر عن رؤية الطالب الذي يسعى لتحقيق بصمته الفنية التي تُحيل إليه ولا تومئ إلى أي فنان آخر مهما كانت مرجعيته أو سطوته الفنية في المشهد التشكيلي العالمي، كانت هذه اللوحات هي مشروع تخرّج الفنان صادق طعمة التي رسّخ بواسطها توجهاته الفنية الحديثة التي تغادر إلى حدٍ كبير التشخيص والانطباع والحياة الصامتة.

76 صادق طعمة 2

يمكن قراءة هذا المعرض على شكل كتاب بصري شديد التكثيف تمثّل فيه كل لوحة فصلاً من فصول الكتاب الذي يمتحّ مواده الأولية من فعليّ الاستذكار والاستشراف ليخلق واقعًا تجريديًا جديدًا على السطح التصويري الذي يراهن على التجليات اللونية ولا يعوّل كثيرًا على الثيمات التي اختزلها بموضوع واحد غير معنون ألحقهُ بالشكل التجريدي وكأنه يوحي لنا من طرف غير خفيّ بأن جهوده الفنية منصبّة على الشكل أو المبنى، ولا علاقة له من قريب أو بعيد بالمضمون أو المعنى المُتاح لكل المشتغلين في حقل الفن التشكيلي. قبل أن نتوقف عند هذه الأشكال التجريدية دعونا نستأنس برأي الشاعر الإنجليزي أنتوني هاول، صاحب الغاليري الذي دوّن وجهة نظره بالأعمال الفنية المعروضة وقال:"مثلما بدأ موندريان بالتجريد من شجرة، ففي هذه الأعمال الصغيرة القوية التي أنجزها طُعمة يمكن أن تكون هناك حقيقة  مادية- شجرة، نهرًا،  برجًا سكنيًا- ربما، لكن في الوقت نفسه لديها ببساطة حضور في حد ذاته، كصياغات مادية قوية في الرسم، مليئة بالألوان والطاقة". ومثلما ينطلق الحلم من نتوء واقعي كذلك ينبثق التجريد من تكوينات مادية مألوفة للمتلقي العادي لكن شطحات الفنان تأخذنا إلى فضاءات جديدة تنطوي على أشياء ومعطيات غريبة ومدهشة تهدف إلى إبهار المُشاهد وهذا هو سرّ اللعبة الفنية. فهذه اللوحات المتشابهة حجمًا تفتح لنا آفاقًا جديدة مختلفة تتيح لنا السياحة والترحال في عوالمها اللانهائية وكأن الفنان يهدف إلى سحب هذه الأطر من زوايا الأربع لتغطّي أبعد مساحة ممكنة تستطيع أن تلّمها الباصرة البشرية.

76 صادق طعمة 3

يُفرط صادق طعمة في استعمال أكبر عدد ممكن من الألوان الصريحة والمُخففة في بعض لوحاته وكأنه يراهن على بريقها المتناسق، ويدوزن سطوعها في مدارات النص البصري الذي لا يسرد قصصًا واضحة وإنما يكتفي بأشباه الحكايات التي تُحيلك إلى شيء ما وتجعلك تتلقى الومضات الفنية التي وزّعها المؤلف- الرسّام على لوحات مشروعه الفني الذي يمكن اعتبارة مجموعة بصرية تضمّ بين دفتيها ست عشرة قصيدة قصيرة وامضة تحتفي بسطوع الألوان الحارّة، ووهجها المُرهف الذي لا تلتقطه إلاّ الأعين الخبيرة الحساسة. وفي المقابل هناك تقشّف لوني قد يصل إلى ثلاثة أو أربعة ألوان رئيسة باردة في الأغلب لكنها تستوفي شرطها الفني وخاصة في اللوحات التي يهيمن عليها البنفسجي والأصفر والأزرق والرمادي بدرجاته المتفاوتة. ثمة لوحات شديدة الأهمية لجهة استعمال الفنان للون الذهبي بضربات فرشاة سريعة لكنها متقنة وتأتي غالبًا في منتصف اللوحة أو مركز توازنها الأفقي أو العمودي وكأنها تؤدي مهمة الترصّيع أو التشذّير اللوني المتشابك الذي يتعشّق بتقنية مدروسة يجيدها صادق طعمة الموالي كثيرًا للتجريد وللتعبيرية التجريدية التي تستنطق أعماق الفنان وهواجسه المُلحّة التي تترجم موضوعات تبدو عصية على الترجمة لكنها قابلة للتأويل النثري الذي يجنح إلى الإفاضة والإسهاب.

تُحيل غالبية هذه اللوحات إلى مرجعية أوروبية في الثيمات المجردة التي تسرد أشباه حكايات مُضببة ولعل وجود الفنان لسنوات طوالا في لندن هو الذي رسّخ في ذاكرته الشخصية منجمًا من الصور والعلامات الغربية التي تظهر على شكل أبواب ونوافذ وبيوت وجسور وعمارات تتلامع في أفق اللوحة ولا تسيطر عليها تمامًا لأنه لا يعتد بها أصلاً ولكنه يستثمرها لخدمة خطابة البصري ذي المرجعيات المتعددة العربية والإسلامية والأوروبية على حد سواء.

76 صادق طعمة 4

ثمة لوحات قليلة لم تنجح في طمس ذاكرة الفنان الشرقية التي تنبثق في لوحاته مثل الأحلام المتداعية التي تفاجئه على حين غرة فتظهر الأشكال الهندسية المثلثة تحديدًا وكأنها ذات الأشكال التي نراها في البُسُط والسجّاجيد الشرقية بلمستها الشعبية المتعارف عليها ولعلها قريبة من تقنيات الفنان الراحل شاكر حسن آل سعيد مع احتفاظ صادق طعمة ببصمته الفنية التي كرّسها عبر أربعة عقود زمنية، غير أن هذه اللوحة ماكرة لأنها تجمع بين مرجعيتين أو أكثر فبعض المثلثات المقلوبة يوحي بالأسقف القرميدية الأوروبية فيما تذهب التكوينات الأخر إلى مرجعيات إسلامية لم يستطع الفنان أن يمحوها من الذاكرة رغم تقادم الأعوام. ثمة لوحة تُذكِّرنا تقنيتها اللونية بأسلوب مارك روثكو وبول كلي اللذين يركزان كثيرًا على المنحى التقليلي للفكرة التي تقوم عليها اللوحة الأمر الذي يوفر في نهاية المطاف عملاً فنيًا مُقتصدًا في عناصره وتكويناته الرئيسة التي تُريح المتلقي ولا تجعله يتخبط في غابة من الموضوعات المتداخلة التي تُشعره بالعجز والنكوص والتراجع أمام عمل فني يُفترض أن يستمتع به المُشاهد ويجد ضالته فيه لا أن يهرب منه ويفرّ من صعوباته العصيّة على التأويل.

جدير ذكره أن صادق طعمة هو فنان عراقي يحمل الجنسية البريطانية، وحاصل على دبلوم من معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1974، كما نال شهادة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة ميدلسيكس عام 2005. عمل صادق إثر تخرجه في معهد الفنون كرسّام ومصمم للملصقات الخاصة بالمتحف العراقي. شارك في العديد من المعارض الشخصية في لندن وأسكتلندا وفرنسا والدنمارك وألمانيا والشارقة وجدّة وجزر المادليف. أما معرضة الشخصي القادم فسوف يكون في إيطاليا في يونيو/ حزيران 2019.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

590 Basquiatالتناقضات في مفهوم البعد الواحد:

يقول شاكر: (وهكذا فان السطح التصويري وامكانياته للتعبير عن الذات سرعان ما يتقبل الحرف اللغوي لاقحامه عالم اللوحة، ولم يعد اذن اقتباس الحرف في الفن سوى الموقف الكوني للمتأمل لانه اقتباس يتوخى الكشف عن وحدة عالمين يعيشهما في آن واحد هما عالم الفكر (اللغوي) وعالم المشاهد (التشكيلي) .

وقد ذكرنا سابقا بان شاكر حسن وصف الانسان بالبعد الواحد اي النقطة وان النقطة هي مصدر كل شئ فهي مصدر الخط والحرف وتعبر عن الموقف الكوني. وبالتالي فان النقطة (البعد الواحد) عندما تجر وتتحول الى خط فانها تصبح ذات بعدين والحرف اللغوي هو خط ذو بعدين، وفي هذه الحالة تسقط نظرية البعد الواحد (النقطة) وتبقى مجرد نظرية صوفية بعيدة عن فن التشكيل .

نجد هنا تناقضات في طروحات وافكار شاكر حسن بين التنظير والتطبيق العملي، فاستلهام الحرف في الفن التشكيلي يعني استحضار المادة اللغوية التراثية او اقتباسها والاستفادة منها في العمل الفني. ولكن شاكر حسن يعتبر استلهام الحرف وسيلة وليست غاية وان العمل الفني ليس خلقا وابداعا وانما موقف تسائل فتأمل ...؟. والتأمل هو محاولة الوصول الى الحقيقة، فالرؤية للعالم الخارجي يختلف عن التأمل الذي يخترق عالم الماديات الى كشف الروحانيات. فالاشكال عند شاكر تعتبر وسائل تعبيرية عن النفس البشرية وهي تطرح نفسها بصورة عفوية زاخرة بالتعبير والوعي واللاوعي معا .

و هكذا يطرح شاكر افكاره ونظرياته بين الوعي واللاوعي، بين التأمل والصوفية، بين التشكيل والبعد الواحد . بحيث يجد القارئ نفسه في بحر متلاطم من التناقضات والتسائلات .

590 ci twombly   2

التأمل في الفن:

التأمل هو محاولة ادراك الاشياء عبر العقل ومعرفة اصلها وماهيتها والهدف من وجودها والدخول الى اعماق الفكر والروح.. والتأمل في الفن التشكيلي هو رسم صور في الذهن لشئ معين اي رسمه في العقل او ما يسمى بالتصورات العقلية. ثم تأتي مرحلة التنفيذ اي نقلها من عالم التصور العقلي الى عالم المادة . وقد اشرنا لها سابقا .

و قد ذكر الفنان جوزيف كوزوت ان الفن غير موجود في الاشياء انما موجود في مفهوم الفنان وان الفن المفاهيمي اسألة عن طبيعة ما يفهم من فن .. كما ذكر شاكر حسن ان الفن ليس خلقا وابداعا وانما موقف تسائل وتأمل .. ولهذا فان الفن الذهني او التأملي نجده عند عدد كبير من الفنانين الاجانب سبقوا به شاكر حسن آل سعيد، وصدر في هذا الاتجاه عدد من الكتب . بينما تكونت جماعة البعد الواحد عام 1971 واقاموا لهم معرضهم الاول في نفس السنة ثم انفرطت الجماعة بعد عام لاختلافهم في الرأي، حيث فهموا الحرف كعنصر تشكيلي صرف، بينما فهمه شاكر حسن كبعد كوني وربطه بعالم التأمل والتصوف والتصورات الذهنية ...

الاحرف والارقام:

ان موضوع الاحرف والارقام ومعانيها ودلالاتها موضوع قديم ظهرت فيه عدة كتب تتحدث عن اسرارها ومعانيها ويسمى علم – السيميا – (سيمائهم في وجوههم من اثر السجود) وهي سارية في الاسماء وسارية في الكون وتستخدم في الطلاسم منذ زمن البابليين والى اليوم عند بعض الشعوب . وقد ذكر القرآن الكريم قصة الملكين هاروت وماروت وقد نزلا في بابل يعلمان الناس السحر ويقولان انما نحن فتنة. وبالتالي اخذ الناس يستخدمون اسرار معاني الاحرف والارقام في الحياة الاجتماعية ويستخدمونها للسحر وما يفرق بين المرأ وزوجه. وقد اشار اخوان الصفا في رسائلهم الفكرية الى تفسير معاني الارقام والاحرف وقد ذكروا ان وجودنا في ظاهره وباطنه هو عبارة عن لغة من الارقام والتناغمات، علما ان اخوان الصفا هم مجموعة من الفلاسفة المجهولة ظهرت في البصرة في القرن العاشر ميلادي وقد كتبوا 52 رسالة(كتاب) في مختلف صنوف المعرفة . 

و يذكر فيثاغورس ان كل شيئ في الحياة مرتبط بالارقام، علما ان فيثاغورس 580-490 ق م – قد زار بابل ومصر وربما درس في مصر وتأثر بعلومها وثقافاتها، وقال ان ذبذبات اوتار الآلة الموسيقة تنتج اصواتا متناغمة عندما تكون اطوال الاوتار اعدادا صحيحة، وقد عمم هذه النتائج على الكون كله .

كما ذكر جاليلو: ان الطبيعة كتاب مكتوب بلغة الارقام .

اليوم نرى بعض الفنانين والجماعات الفنية قد ادخلوا الاحرف والارقام في الفن التشكيلي كعناصر زخرفية تشكيلية صرفة تساهم في البناء المعماري للوحة كما هو عند بول كلي وخوان غريس وتابيس 1892 وجماعة الكرافيتي التي ظهرت في فرنسا ونيويورك في نهاية الستينات، وهذه الاخيرة اخذت ترسم في الشوارع على الجدران وعربات القطارات وغيرها . واتخذت الحروفية والرقمية اساسا لبناء اعمالها ومزجها مع الاشكل التجريدية والشخوصية . وانتشرت هذه الحركة في اوربا ووصلت الى الدول العربية وتأثر بها عدد من الفنانين العرب مثل شاكر حسن آل سعيد ..

وكان من رواد فن الكرافيتي الحديث هم: جون دو بوفيه (1901-1985)Jean Dubuffet وسي تومبلي 28 – 19 - Cy Twombley وآندي وارهول Andy Warhol 

- 1987 -1928- واخوان ميغيل باسكيت -1960 -1988 Juan Basquiat 

و في سنة 1961 نشر المصور جورج براسايBrassai Georges كتابا حول فن الكرافيتي وكان قد كتب مقدمته بابلو بيكاسو، وكانت اعمال دوبوفيه هي المحور الرئيسي الذي يدور حوله البحث والتي نفذت على الجدران سنة 1945 . وكان دوبوفيه قد استخدم عنصر الكتابة او الحروفية الى جانب الاشكال الاخرى وعلى خلفية ثرية بالالوان كما لجئ الى تقنية الاخاديد والشقوق والخدوش على الجدار وبحرية كبيرة في المعالجة ليعطي العمل اكثر انسجاما مع طبيعة الجدار .

 

د. كاظم شمهود

 

588 شاكر الالوسيقبل العروج الى الحديث عن اعمال الفنان العراقي شاكر الآلوسي احب ان اذكر بعض الملاحظات ذات الصلة، وهي ان الكثير من النقاد والباحثين في مجال الفن قد انشغلوا في مسألتين مهمتين هما الهوية والخصوصية ومفهومهما في مجال التطبيق العملي .. والجميع يعرف ان الهوية هي ماضي وحاضر الامة وما انتجه المبدعون من المفكرين والعلماء والفلاسفة والادباء والكتاب والفنانون وغيرهم، بمعنى آخر هي تراث الامة..و اطلق على هذا الاتجاه في الفن اليوم اسم - ما بعد الحداثة – اما مسألة الخصوصية فهي ليست الهوية وانما هي من مظاهرها او من مزاياها وهي الابداع والمهارة في الخلق والتكوين الشكلي، ولكل فنان له خصوصية في لمسات الفرشة والالوان والخط، وحتى لو كانوا من نفس المدرسة الواحدة . مثلا نجد براك وخوان غريس وبيكاسو يرسمون بنفس الاسلوب والمدرسة والتقنية، ولكن لكل واحد خصوصية في حركة الفرشة واللون والبناء الانشائي ومفرداته التي تعود به الى جذوره التاريخية وتقاليده الفنية .

مكانة التراث في اعمال الفنانين العرب:

بقول جبرا ابراهيم جبرا: (قد نقول ان عمل الفنان العربي مازال قاصرا في الاغلب عن تجربته الحقيقية، اي ان تجربته اكبر من عمله ...) ويقصد هنا بتجربته الحقيقية هو تراثه العظيم الذي يمتد لآلاف السنين .

اما الاستاذ محمود حمادة وهو احد النقاد والرواد في الحركة التشكيلية السورية فيقول: (بان الحركة التشكيلية العربية ضعيفة في الوقت الحاضر وليس هناك شخصيات كبيرة مميزة اصيلة في الفن العربي وان وجدت فهي تعد بالاصابع، والفنان الجيد هو الذي يعمق تجربته باستمرار واعماله تشير اليه... كما اشار الفنان العراقي شاكر حسن بان الفنانين العراقيين يرسمون باساليب اوربية حديثة ولكن مواضيعهم من البيئة والتراث العراقي .

وقد طرحت فكرة تعريب الفن في الاقطار العربية من قبل الفنان العراقي نزار سليم في قاعة وزارة الثقافة في الرباط في ندوة جمعت عددا كبيرا من الفنانين والنقاد العرب في مطلع السبعينات ولكنها لم تحضى بقبول واسع، حيث تسائل المعترضون: هل ان الواسطي حين راح يرسم احداث مقامات الحريري قد تسأل كيف اجعل فنا عربيا ؟ ام ان المحيط الثقافي والفني والاجتماعي والديني والارث الحضاري هي التي كانت القاعدة الاساسية في الابداع والمهارة الشخصية لرسم تلك المقامات ...؟

شاكر الآلوسي فنان استوظف التراث الشعبي والارث الحضاري في اعماله للتعبير عن متعة الجمال والكمال بتقنية معاصرة وخطاب بصري وفكري مؤثر في المتلقي من خلال الرموز والدلالات التراثية . 

588 شاكر الالوسي2

شاكر الآلوسي والتراث:

بنى الفنان شاكر لنفسه قاعدة اكاديمية صلبة وذلك من خلال دراسته في اكاديمية الفنون الجميلة وعلى يد رواد الحركة التشكيلية المعاصرة في العراق، ثم انطلق بعد ذلك منفردا يبحث عن خصوصيته وشخصيته في الفن وكذلك عن هويته التي تعود الى آلاف السنين . رسى شاكر على ضفاف التراث ليغرف من مدرسة بغداد الواسطية ما يتلائم مع ذوقه وفن المعاصرة، وقد وجد في التراث ما وجده ماتيس عندما حل في بلاد المغرب عام 1911 حيث وجد ضالته التي يبحث عنها في الفن الاسلامي، ولم يعد الشكل غاية لديه انما اصبح اللون والضوء والمساحات المحاطة بخطوط سوداء والزخارف الاسلامية المبهرة هي من اساسيات اعمال ماتيس الجديدة . لقد شاهدنا عند شاكر تأثيرات المدرسة الوحشية حيث الالوان الساطعة الحارة، والخطوط القوية التي تحيط بالشكل احيانا، كما انه يملئ اشكاله بمساحات لونية متنوعة الدرجات ويطغي عليها اللون الاحمر والقهوائي الفاتح . ونلاحظ التوزيع اللوني في الاشكال مسطح احيانا ومضلل احيان اخرى . ويبدو ان شاكر يعيد صياغة التراث من خلال الايحاء والخيال والرموز والحدس فهو يرسم النساء ليس كما يراها انما كما يفهمها ويتخيلها داخل اطار التراث الشعبي .. وكان الفن عند ماتيس كشأنه عند العرب هو الفرح والايقاع والنغم وبالتالي هو التعبير عن المتعة والجمال . وهذا ما نجده عند شاكر حيث امتازت اعماله بنور اللون، اللون المضيئ وهو اكثر سطوعا وكثافة وبالتالي يصبح اللون مخصص للتعبير عن النور وليس نور الطبيعة انما النور الذي يبحث عنه حس الفنان وذوقه ومشاعره .. وقد انصبت تعبيرية شاكر الجمالية على الوجه المدور الذي نجده عند بعض الرواد وفي تراث مدرسة بغداد فقد حور في الوجه ولكنه رسم بقية الجسم باكاديمية وانطباعية واضحة كما نجد هناك جرءة في حركة الفرشة وضرباتها وكذلك امكانية وقدرة كبيرة في تخطيط الشكل الواقعي .. اما الرومانسية فقد طغت على اشكاله والوانه ومن خلال عذوبة واسترسال الخط وليونته وانحناآته في حركة الايدي والارجل وميلان رأس المرأة بتواضع ورقة وجمال (ملء السنابل تنحني بتواضع - - والفارغات رؤسهن شوامخ) .. واخذ شاكر مواضيعه من التراث الشعبي المعاصر حيث الافراح والاعراس والجلسات النسائية الخاصة والساقيات من بنات الريف والبيوت البغدادية ومشربياتها وتقاليدها العريقة . كما نجد التأليفة الانشائية متكررة على الاكثر والوجوه منظورة ومرسومة من الامام وقلما نجد وجها جانبيا . ولكنه حافظ على التوازن حيث ان الجمال الشكلي يعتمد في صميمه على التناظر والتوازن، وهما في نظر ماتيس (الاهرام الراسخ يفرض نفسه على القرون) ورغم التعبيرية والتشويه القليل لم ينفك شاكر عن معالجة الصورة بكل تأني لكي يصل الى نقطة الجمال والكمال .. وقد ذكر ماتيس ان فن المدرسة الوحشية مصدرها الشرق . ولهذا نجد ان التراث الاسلامي هو المنهل السرمدي الذي يغرف منه الجميع من فنانين عرب واجانب .

74 شاكر الالوسي

وقد بحث شاكر عن ذاتيته وهويته في التراث واعتقد انه هو الاكثر بحثا وعمقا وسعة في استنطاق الموروث الحضاري من غيره من الفنانين العراقيين المعاصرين . نعم كان جواد سليم قد بدأ البحث في التراث وانشغل به ولكن عمره القصير لم يسمح له بتعميق تجربته ونضوجها . وقد اتهم الغرب الفنون المشرقية بالموضوعية وفقدان الذاتية، كما اتهمها بالسحر ولكنه سحر صوفي نتيجة للاختزال والايقاع والنغم في الوانه وزخارفه الاخاذه الساحرة .. ويقول المفكر بيرابين R. Biraben (ان السحر العربي دائما مشترك تقريبا مع الصوفية انه نتيجة لتفكير قديم عند العرب الساميين)، وطبعا هذه وجهات نظر تفتقد للدقة احيانا، فالفن الاسلامي فن عام شامل اشتركت في بناءه امم وشعوب لها جذور وتقاليد فنية متنوعة عريقة وفي داخل هذا الاطار العام نجد مدارس لها خصوصيتها وملامحها التي تميزها عن غيرها فهو فن موضوعي وفي نفس الوقت ذاتي .

وعندما حل بول كلي في تونس عام 1914 قال انه وجد ذاته في روح الفن الشرقي وانه بدأ رحلته الفنية من جديد ولكنه كان خائفا من خطورة الفن الغربي على عالمه الروحي الشرقي الداخلي واصبح فن كلي مشبعا بالارابسك وذلك البعد الروحي لتلك المظاهر الساطعة الصافية .

شاكر اصبح مشبعا بروح التراث ودلالاته الفكرية وكأنه وجد ذاته فيه، وطرحه بقيم شكلية معاصرة وهي قيم تبرز من خلال مشاركتنا العاطفية الانسانية العامة مع تلك الاعمال وبعدها الفلسفي الذي يشير الى عمق خيال ورؤى الفنان الفكرية.

وبالاضافة الى التراث الشعبي الذي ظهر في اعمال شاكر فانه رسم اعمال ذات طابع ومواقف نضالية من خلال اعماله التي اطلق عليها اسم - مانشيتات - وهي بمثابة بوسترات او اعلانات احتجاجية حديثة الاسلوب لما مر به العراق من مآسي وخراب ايام الاحتلال الامريكي واصدر لذلك كاتالوك يحتوي على مجموعة من القصص الواقعية المأساوية، ويذكرنا ذلك بالرسام الكولومبي فرناندو بوتيرو 1932 الذي عمل معرضا عن سجن ابو غريب ووكيف تعرض السجناء الى التعذيب والقتل من قبل الامريكان ..

شاكر الآلوسي من مواليد 1962 من منطقة آلوس في اعالي نهر الفرات وهي جزيرة صغيرة وسط النهر وتقع قرب الحفلانية وحديثة غرب مدينة الرمادي، خريج كلية الفنون الجميلة في بغداد ومحاضر في مراكز جامعية متعددة منها كلية الفنون الجميلة في بغداد وكلية الهندسة وغيرها، كما اقام عددا كبيرا من المعارض الشخصية والمشتركة في داخل وخارج العراق وقدم بحوثا دراسية عن التراث والفلكلور الشعبي العراقي . ولازال شاكر يتمتع بطاقة حيوية كبيرة وحركة مستمرة في مجال النشاطات الفنية والثقافية..

 

د. كاظم شمهود

 

جمال العتابيالتعبير عن جوهر الحياة وما يجري في جوفها من أحاسيس وتأملات وصراعات، ضرورة إنسانية تمتلك قوة تأثيرها وعمق فاعليتها في أعمال الفنان التشكيلي كاظم الداخل، وتبدو قيمة الفن بحق، في محاولته الدائبة لإنقاذ الحياة من الإضطراب والخوف والإرتباك الذي يكاد يطمس ملامحها، كاظم يعي مهمته، لكي يخلق لنا عالماً أفضل ووجوداً أكثر إتساعاً وأجمل فضاءً .

في أعماله هناك معنى خافٍ لايدرك مباشرة، انه يخلق هذا المعنى بطريقة لاشعورية، قد يتضمن عمله أكثر من معنى، ليس من الصعب أن نتقصى عنه، لكن الصعب حقاً هو التوصل إلى كشف النقاب عمّا ينبض في الخفاء وراء كائنات العالم المرئي، لأن الشيء الأهم حقاً هو بلوغ السر الخفي وراء الأشياء العادية .

كاظم الداخل يدعونا الى أن نفتح عيوننا وننتبه الى الحياة الخفية للأشياء والأماكن والأشخاص، انه لايقفز بنا الى هوّة الخيال مباشرة، بل هو يحاورالواقع ويتحدى قوانينه ويدور حولها، ويختبرها حتى ينجح في خلق عالم مجاور له قوانينه أيضا،

أربعة عقود أو أكثر على مغادرة كاظم وطنه العراق، هرباً من الديكتاتورية والحروب، لكنها كانت سنوات من العمل المتواصل الشاق، المثابر الدؤوب، درس الفن في أكاديميات إيطاليا في مطلع حياته الفنية، ولم يصبح مدرساً أكاديميا، بل فناناً تعبيرياً يمتلك القدرة على التحول والتغيير، وإستطاع أن ينقل ما إستفاده من أساتذة الرسم الإيطالي تقنياً في إنجاح عمله من الناحية التركيبية بمضامين جديدة، غير أن أبرز ما إستطاع الإحتفاظ به من خصائص هو التفرد في الأسلوب، وإغناء تعبيره بشحنات إنفعالية في رسم الأشياء، وقدرته على تحميل الصورة رسالة فكرية، بجانب ما تحمله من قيم جمالية وفنية، في لوحة العشاء الأخير (عمل انستليشن)، ثلاثة عشر شخصية، المسيح وأتباعه على المائدة جوازات سفر عراقية، إنها اشارة صادمة للمتلقي، وإستجابة واضحة لرفض وإدانة عمليات التهجير القسري للمسيحيين، في السنوات التي أعقبت الإحتلال، انها صورة للوجع العراقي، وجع الغربة والموت ومصادرة حريات وكرامات الإنسان، الطاولة التي فرشت عليها جوازات السفر، هي دكة الموت والإحباط وتكسّر الأحلام، في عمل آخر بالإكريلك اسماه كاظم ( الإسطوانات) لجأ فيه الى إستخدام إسطوانة الغراموفون، الإسطوانة دلالة رمزية لحال العراق عبر دورات الزمن المتتالية، صراع على السلطة، وإستحواذ على الكراسي، قصة لاتنتهي بموت الحاكم أوقتله، لذلك عَمد الفنان الى ترك الأسطوانة الأخيرة سوداء، تحمل معها غضبها ومكابداتها، ظلت فارغة بإنتظار من يملأها . في عمل ( الواح طينية ) يتألف من 20 قطعة، القطعة الواحدة تشير الى اللوحة الخشبية المصنوعة لفرم اللحم، علقها كاظم بنسق تعبيري واحد، حملت تبريراً منطقياً لمفرمة الحروب العبثية، الفنان إستطاع ان يصطاد كل تلك الأحزان وكاشفا بشاعة الحرب ودمويتها .

هذه الموضوعات إستأثرت بإهتمام كاظم، ففي معرض (الرأس) الذي أقامه عام 2010، حاول داخل أن يمنح الحياة مجدداً للضحايا، لابد من العثور على ثغرة في الزمن وثقب المكان، نتسلل منها الى ذاكرة الأرض، ونكشف جماجم الضحايا، ومن دفنوا أحياء في المقابر الجماعية لكي يهبهم الرسام اللحم والدم، هذه الرؤوس لبشر وعقول مفكّرة ومبدعة، فلوّنها ومنحها قيمة جمالية نابضة بالحياة، لم يتعامل معها كعظام بالية غابت تحت غبار الصحراء، إنها صورة دموية لإستشهاد الإنسان فكراً وعقلا ً .كما صوّرها في لوحة (واحة المبدع)، التي ترمز لأستشهاد المفكر كامل شياع، جمجمة تحلق في سماء بغداد بنصفين، العلوي منها : مياه وبحيرة، والأسفل بغداد والرافدان، كل شيء في اللوحة مفروش بذكاء، وعناية تامة، الفضاء يتعذر فصله عن الأشكال الأخرى .

75 كاظم الداخل

نساء عراقيات، قرويات، أو من عامّة النساء البسيطات الأميّات، يجهلن ما يعرضن من بضاعة،! انها تماثيل مسروقة، تاريخ وحضارة العراق معروض للبيع بأبخس الأثمان، اللوحة في هدوء ملامحها، أشبه بصيحة، أو وحشة مرّة، كاظم الداخل مقاوم كتوم، يلجأ للرمزية والتورية أو المواربة، ليكشف البشاعة المرعبة التي عاشها أو عايشها .

منذ أعوام، بدأ الداخل العمل في مشروع فني جديد، منذ إجتياح الوحش الداعشي أرض العراق، بفتاوى للقتل، تشرّع ذبح الإنسان، تستبيح شرفه وجسده وكرامته، تهدر حياته ووجوده، منحى جديد في أعمال كاظم، في الفكرة والبناء والإسلوب، تفحّص النص المقدس بإدراك ووعي لمحاولات التأويل، وتقليص مساحة التضليل والتشويه فيه، فراح متمسكاً بالحقيقة، وغاص داخلها، بما يفرضه عليه واقع الفجيعة، دون أن يتخلى عن البعد الفني، هنا تكمن الأجوبة لأسئلة محيرة، فثمة خيط منظور يجمع فتاوى القتل وأساليبه، انه لون من ألوان التعزية لمن يعاودهم الحنين للسيوف والرماح والدروع والغزو والإستباحات الى إستعادة التاريخ المضرّج بالدم .

في أعمال كاظم، أحلام وذكريات وينبوع من الماضي، ذلك الصوت العميق الذي يوّحد الكون والكائن، ويوازن بين روح كليّة وروح أخفقت، هذا ما يمكن متابعته في معرض نوافذ للحنين، الذي أقامه الفنان عام 1993في لندن بكاليري4،إشتياق للماضي في الليلة الاخيرة، أبواب وشبابيك،شناشيل وأزقة، وجوه ومقاهٍ، هكذا يبدو الاثر الانساني وسيلة يمتلكها الفنان ليستخدمها في التعبير عن رؤيته المعاصرة، وهو يمارس عبر ذهنه الدينامي، إبداع الأساليب التي تستطيع حمل أعلى طاقة روحية ممكنة . إنه يرسم أشياءً دفينة في قلب مدينته الناصرية ووطنه العراق الذي ثُلمت أسواره

إمتدت رحلة كاظم الفنية سنين طويلة، كان فيها ينقب عن حوافز تحمله على تكوين رؤيته الفنية وهويته التشكيلية، فوجد في مفردات متناثرة متباينة تحيي رجيع قلبه وأسئلة وجوده، يجمع مذاق الماضي ودفء الحاضر، من ملحمة كلكامش ولقى سومر، الى بيئته الريف والاهوار،

ان ما يحملنا على النظر بإمعان الى اعمال الداخل هو الباعث نفسه الذي يغرينا في إستغراقه التأمل في الحياة والبيئة، معرض (الوحدة )مثلاً، إقامته في الغرب، دعته الى إرتياد الحانات الليلية، وراح يغور في أسرارها، فإقتنص بنات الليل والراقصات والسكارى والمتسكعين والشاذّين، فقدم معرضاً بتلك الاعمال وصوّر هذا العالم الذي لاسبيل لإدراك أبعاده إلا في التوغل بأعماقه .

إنشغل الداخل بهاجس التعبير عن النزعة الإيروتيكية في أعماله الفنية، فأقام معرضا خاصا عام 2002 في السويد أسماه (إيروتيكيا )،وبنظره لم تعد موضوعة الجنس إحدى التابوات التي يتوقف عندها الفن التشكيلي هناك، مثلما تبدو معضلة واضحة في بلدان المشرق العربي والإسلامي، إزاء إحتمال الرفض الرسمي أو الأخلاقي الذي يزعم انها تروّج للفن الأباحي أو المكشوف، فلجأ كاظم الى إختيار منهج آخر في نقل التجربة الحسية بكل ما إنطوت عليه من تفاصيل بجرأة عالية وصريحة، لكن بنسق تعبيري آخر، فالممارسة الجنسية يتعامل معها لابوصفها ممارسة حسية حميمة وتجربة مفعمة بالخيال والشوق والغبطة اللحظية، اوهي حالة تجلٍ وغياب، انها وفق رؤيته حالة من الهيجان والإجتياح بالعنف والقوة، هي أشبه بالإفتظاظ القسري، يريد كاظم ان يستكمل قوة التعبير من خلال حركة الألوان الحارة الطاغية على اللوحة، وحركة الجسد التي تستر أعضاء الغواية فيه، أجساد بشرية متشابكة، ملتحمة، متسلقة، رجال عراة، ونساء مكتنزات ورشيقات،إختفت ملامح وجوههن، قابعات خلف الستائر، أومستلقيات على وسائد وأسرّة . وهكذا نجد ان ملامح القهر والإستبداد والعنف، ما تزال تنخر في متخيلنا الإبداعي ووجداننا الجمالي

عناصر أليفة تتجاور وتتحاور في أعمال كاظم المنفذة بالاكريليك بعد أن هجر ألوان الزيت أو أُجبر على تركه بنصيحة طبيبه، لما يسبب له من حساسية عالية في إستخدامه، فراح يتعامل معه بطريقة تقنية تقترب من الزيت،ويبتعد فيها اللون عن البريق، بمعنى آخر ان كاظم خرج عن طاعة الزيت الذي كان يخفق على بياض اللوحات، فقدّم لنا أعمالاً بإنصات حميم هادىء مع بعض الشخصيات من الشعراء : السياب ومظفر النواب والجواهري، في أعمال فنية إرتقت فيها المهارة التقنية حد التنغيم اللوني في التشكيل، الجواهري في مقهاه في براغ المغرم بالنساء البدينات الممتلئات جسداً، والسياب يطلّ على شباك وفيقة، ومظفر النوّاب المسافر في ( الريل )الى جنوبه العميق، والشاعر محمود البريكان المقتول غدراً والآخر الشاعر العراقي الذي مات في الغربة ضياء مجيد، في هذه الأعمال إستطاع أن يعيد تأليف المنثور من حبّات القصائد، وحوّلها قطعاً فنية متكاملة تستحث الرغبة في الدخول الى العوالم الخاصة بالشعراء، المشاهد تحمل حرارة الحياة أو تلك العاطفة الانسانية الودود، جميلة حد الألفة، تدخل في حدود مملكة التعبير الفني بقدر ما هو مشحون بها من شعور يملك القدرة على احياء ذكرى المادة المنسية والمهجورة معا .في المجموعة هذه من الاعمال نبرة لونية ساطعة، وتظليلات هادئة لسواكن الشعر، لتمنح سطح اللوحة المترع بجمالية التشكيل،نوعا من التوازن المتناغم كما يرى (موندريان) .

لم ينشغل كاظم في النحت كثيراً، كان مهتماً في اللون المضمّخ بالعاطفة، الا انه قدم بعض المجسّمات في معارض محدودة أقامها في الخارج، وهي أعمال لاتترك أثراً تشكيلياً يحمل هويته وتفرده الفني، لكننا نتوقف عند أحد الأعمال المجسمة وهو (11 سبتمبر)، مكعبات من الخشب، تمثل برجي نيويورك اللذين تعرضا للتفجير بعمل ارهابي عام 1991، هناك 3 الآف صورة أو اكثر تمثل عدد الضحايا في حادث الإنفجار، الفنان هنا يريد القول ان هذه الصور غابت عن الأبصار، غير انها لاتغيب عن البصيرة، قد تعود من جديد بصور جديدة وفي زمن آخر لتشهد على حجم الجريمة التي تتعرض لها الحضارة والإنسانية، برجان عملاقان من مكعبات مرصوفة بالوجوه، تثير شعوراً بالقلق على عصر مخترق من الأعماق ومطعون بأخلاقيته، انها لغة كاظم الهجائية المرّة، هناك إستدلالات تختفي دائما في الوراء، إلا ان الإشارات الرمزية واضحة لإيجاد نوع من التوازن في اللوحة .

كاظم الداخل من مواليد 1950 في مدينة الناصرية، تخرج من أكاديمية الفنون الجميلة في روما عاصمة ايطاليا عام 1987، يقيم الان في مالمو – السويد ومتفرغ للرسم، غادرالعراق عام 1979 لاسباب سياسية، أقام 38 معرضا شخصيا، و21 معرضا مشتركا، نال الجائزة الأولى في بيناله الكويت عام 1982، من مؤسسي جماعة كاليري 75 في البصرة، أقام معارضه في أغلب عواصم ومدن اوربا : لندن، روما، فلورنسا، مالمو، برمنغهام، كوبنهاكن، وفي دمشق كذلك، ونال جوائز عديدة

 

جمال العتّابي

 

584 فاطنة شوافشهد رواق المسرح الملكي ليلة أمس معرضا تشكيليا للفنانة العصامية فاطنة شواف، بحضور جمهور غفير وشخصيات وازنة في الحقل الثقافي والفني، وقد تشكل الرواق من خمسة وأربعين لوحة جسدت خلالها المبدعة قوة تعبيرية عميقة من خلال تجليات البوب أرت والانطباعية. فرسمت للحضور وللقراء صورة انطباعية وتعبيرية في سياق فني واقعي معاصر حمل في طيه تقنيات جديدة أبدت من خلالها الفنانة فاطنة تعبيرات مختلفة عكست تصوراتها وأفكارها الفنية، وقد جسدتها بتشكيلات دقيقة رامت مجموعة من القيم الفنية والجمالية والإنسانية في نطاق أسلوب فني معاصر تنوعت فيه المواد والموروثات الحضارية.

وبذلك تعد هذه التجربة المائزة للفنانة فاطنة شواف مرحلة قوية تضطلع بتقاطعات مليئة بمجموعة من المكونات التي تتغيا المادة التشكيلية في عمقها الفني والدلالي. وهو نهج تشكيلي غاية في السحر، اعتمدته بغية إرساء التخصص المبني على الأسس التعبيرية المثقلة بحمولة من العوالم المتنوعة، والتي تروم العناصر الفنية الجديدة والمفردات التشكيلية المعاصرة التي تؤطر المنحى الجمالي والتعبيري المستبطن في كنف العملية الإبداعية ككل.

73 فاطنة شواف 1

إنه مسلك في التشكيل تؤطره الرؤية البصرية التي تعتمد السمات الجمالية في العمل الفني. وبذلك تتبدى أعمال الفنانة فاطنة من خلال هذا المعرض الشخصي مثقلة بجملة من التعابير العميقة وفق منهج شكلي بصري صرف، ووفق اشتغال يأخذ بعين الاعتبار الاكتنافات الداخلية والانفعالات والأحاسيس ذات الأبعاد المنضوية في حكم المطلق، ترسلها المبدعة بشكل غير مباشر إلى القارئ، لا تحدها حدود ولا يسعها مكان ولا زمان، وبذلك فهي ترسم لها الاستمرارية من خلال مسلك التعبير الواقعي بأسلوب معاصر.

ولا شك أن التقنيات العالية التي وظفتها في هذا المعرض المتكامل الأنساق قد لعبت دورا رئيسا في توجيه أعمالها نحو ما ترغب توصيله. كما أن مؤهلاتها الكبيرة وقدراتها الفائقة مكنتها من أن تؤثث أسلوبها التشكيلي الفريد بدقة وعناية وفق منظور خاص وبطرائق متنوعة، وهي بذلك تخضعه لسلطة التصور التشكيلي الممنهج لتتحكم في المادة التشكيلية، وتنتج من خلال استعمالاتها التقنية وعمليات التوظيف المتقنة للألوان والأشكال والعلامات مادة فنية حابلة بالمعاني والدلالات.

73 فاطنة شواف 2

لذلك أضحت موفقة في ربط مجموعة من العلاقات التشكيلية بالمضامين الباطنية، والحد من مجموعة من التباينات داخل الأنساق اللونية في علاقاتها بالأشكال المختلفة والألوان والشخوصات. الشيء الذي مكنها كذلك من توطيد أسلوبها الفريد التحاوري، وفق مادة معرفية وسيطة تؤلف بين استخدام الأدوات التحولية، وأشكال التعبير المختلفة، والمضامين الداخلية. فقد سعت من خلال الألوان تكثيف التداخلات العلاماتية والأشكال والشخوصات لتقدم رؤية تعبيرية انطلاقا من أعمالها الواقعية، وبسط نوع من الانسجام بين هذه المواد والكتل التي تتراءى بين الحين والفين في أعمالها، وهي في التحقق الفني تقدم جهدا يتخطى المجال التشكيلي الجاهز لتقفز إلى مجال تشكيلي تعبيري معاصر مدجج بعوالم رمزية وعلاماتية مبنية على أبعاد ذاتية وحسية تنهل من القضايا المادية واللامادية والفكرية والفلسفية في تجدد لوني وبأدوات متنوعة تشكل وسيلة دون قيد حتى تستجيب لرغباتها الباطنية بشكل مطلق. الشيء الذي ينتج فضولا لما وراء ستار التعبيرات المتنوعة وما تضمره على مستوى المضمون وعلى مستوى المادة الجمالية، فتجعل القارئ يضع أكثر من تساؤل عن الصيغ الجمالية التي تتلاءم مع هذا التوجه الفريد في التعبير بأدوات مختلفة وبمضامين تمتح مقوماتها من الحس عبر إطار مادي إلى أبعاد فلسفية عميقة الدلالات.

إنه مسلك تعبيري جديد يجعل الفنانة المقتدرة فاطنة شواف في صفوة الفن المعاصر.

 

محمد البندوري

 

583 الملوك1الملك (أورنمو) السومري حاكم مدينة (أور) يحمل على رأسه إناء أو (سلة من التُراب) = (طاسة مال عمّالة) دلالة على مُشاركة (الملك) = (صانع القرار) لشعبه في البناء والاصلاح والإعمار كي يُشيّد زقورة (اي كور) قبل (٢٠٥٠ ق. م) في مدينة (نفر) المُنحدر توليفة لفظها من اللفظة السومرية (نيبور) التي ورد ذكرها في الأساطير السومرية والأخبار البابلية.

كانت (نيبور) مركزاً لبلاد سومر وثقافتها.

لم يكن (أورنمو) يحمل (الطاسة) للدعاية لأنها لم تكن من وسائل الترويج الإعلامي من قبل، فلم يكن هُناك (تلفاز) ولا (فيس بوك) ولا ولا ولا...

في سُلالة أور الثالثة (٢٠٠٠ ق. م) أعاد (شلكي) ثاني ملوك هذه السُلالة بناء الزقورة (المعبد). ووجد تحت أسسها سبعة من الآجر المطلي بالزفت داخل كُل منها تمثال من البرونز للملك (شلكي) وعلى رأسه سلة من التُراب ليضع الحجر الأساس للمعبد.

ما يجدر ذكره أنه لم يُكتب من قبل أن زقورة (إي كور) في مدينة (نفر) = (نيبور) قد وضع حجر اساسها (أورنمو) ولا (شلكي).

لم يُشر بأي لوح طين على أن العمل بها قد أُهملَ، إنما كُل ما تُشير له (الحفريات) الآثارية أن العمل فيها كان على قدخ وساق، ولم ينشغل الملك (صانع القرار) بتصوير الإعلان ونقل وسائل الإعلام له، لغيابها في ذلك الوقت أولاً، ولحرص صانع القرار على أن تُدون أفعاله لا أقواله ولا إظهارها بمشهدية لا مصداقية لها في (المابعد) من حياته السياسية.

583 الملوك

من بنى الزقورة (المعبد) عراقيون من دون الاستعانة بشركات ولا مكاتب استشارية عربية أو أجنبية، ومن دون توأمة ولا أتمتة، بل ومن دون عناء في كسب رضا جامعات الدُنيا لو كانت هُناك جامعات، إنما كُل حضارات الدُنيا يطيب لها أن تنهل من معارف أرض (بلاد ما بين النهرين)، فلا جوّدة ولا أداء يُتقنُها البعض قبل اتقان أبناء الرافدين لها.

صناعة التاريخ وبناء حضارة مُثلى إنما يشترك بها صاحب القرار (الحاكم) مع الجماهير، فكُلما زادت اواصر الثقة بجدّيته في العمل تجد الجماهير أكثر إلتصاقاً به.

إبحث عن ذاتك في فضائك الاجتماعي والجغرافي لا تبحث عنها في فضاء آخر، فأنت من تجود وأنت من ينبغي عليك الإجادة في العمل، وستجد كل دُعاة الجودة والأداء يضعون نتاجك مقياساً للنجاح.

نحن بُناة الحضارة فلا نستجدي أحداً في (الاعتراف) إن عملنا بما كان يعمل به الأجداد السومريين والبابليين والآشوريين ومن بعدهم المُسلمين في نتاجهم الحضاري في العصر الذهبي (العباسي).

كل أمم الأرض كانت تبحث عن (اعتراف) منّا، وهذه حقيقة تاريخية وليس تمشدقاً بنتاج الماضي، وهي ليست دعوّة اتبناها للعودة للماضي والركون عليه، إنما هي دعوّة للثقة بالذات وترك نزعة الاستجداء للحصول على (اعتراف) الآخرين بنا، لأن العمل الجادّ أُس النجاح، وفي كل نجاح يتلوه نجاح ستجد الآخرين يضعون رؤيتك للتنمية مقياساً لتحسين الفكر والعمل، وستكون مُتبعاً لا تابعاً، ومُقلَداً لا مُقلِداً، وتلك من مظاهر التقدم عند الأمم التي يُجيد العمل عليها وإنجازها (الملوك) = (صُنّاع القرار) الذين يعرفون قيادة مُجتمعاتهم كي يكونوا قادة لا مقودين.

 

د. علي المرهج

.........................

ملاحظة: المعلومات التاريخية والآثارية مأخوذة من كتاب (نفر) للدكتور فرج بصمه جي مُدي المُتحف العراقي، مطبعة الربطة ببغداد، ط١، ١٩٦٠.