 مقاربات فنية وحضارية

لوح بيرني رائعة الفنون البابلية

zouher sahebالصنف الاول من مجموعة هذه الالواح الفخارية، يقع ضن خانة الموضوعات الدينية. واشهر نماذجها عُرف باسم لوح (بيرني) .. وهو محفوظ الآن ضمن مجموعة (كولفيل) .. بعد ان كان محفوظاً سابقاً ضمن مجموعة (بيرني) .. ومن هنا جاءت تسمية هذا اللوح، الذي يعد من اكبر نماذج الألواح الفخارية البابلية..إذ يصل ارتفاعه الى 50سم. ويهيمن على مشهد اللوح شكل إلهة مجنحة عارية أُنسنت بهيئة فتاة جميلة.. تمظهرت بتاج مقرن من النوع الثقيل.. ملوّحة بكلتي يديها برمزي السلطة وهما العصا والحلقة .. فيما شُكلّت قدميها على شكل قدمي طائر جارح. مرتكزة في وقفتها الاسطورية على شكل اسدين متدابرين.. ويؤطر جانبي المشهد وبشكل متقابل زوج من طائر البوم.

يمكننا المجازفة بكشف (هوية) الالهة الممثلة في المشهد: على انها الالهة عشتار.. بدلالة قرينها الأسد الذي يظهر مصاحباً لها كذلك في مشاهد الرسوم الجدارية على جدران قصر الملك (زمري ـ لم) في مدينة ماري. فان صح ذلك: فان إلهة الحب والجمال تعرض غواية خطابها الجسدي بمثل هذه الإباحية: علّها تستطيع الايقاع بالمزيد من العشاق الذين فتكت بهم الواحد تلو الآخر. وربما تزداد القراءة الدلالية للمشهد تعقيداً..اذا اخذنا بنظر الاعتبار..حضور الاشكال الرمزية الاخرى المصاحبة لها في بنية المشهد. فمن السهل تعرف دلالة شكلي الاسدين بأنهما يشيران الى القوة..اما شكلي طائري البوم فربما يُشفّران عن الحكمة والدهاء والمكر. لنصل في النهاية الى ان مركب الاشكال الرمزية في هذا المشهد الاسطوري.. يلمّح الى فكرة (غواية الانوثة المغرية الماكرة).

فقد عرضت عشتار جمال جسدها وحبها الماكر على الكثير من الشخصيات.. في حوارات درامية جميلة، واشهرها عشقها للبطل (كَلكَامش) بعد عودتهِ منتصراً على الكائن الاسطوري (خمبابا) حارس غابات الارز.. وبوسعنا ايراد جزء يسير من ذلك الحوار كما ورد في ملحمة كَلكَامش.

 

غسل جلجامش شعره الطويل وصقل سلاحه

وارسل جدائل شعره على كتفيه

وارتدى حُلّة مزركشة وربطها بزنار

ولما ان لبس جلجامش تاجه

رفعت عشتار عينيها

ورمقت جمال جلجامش فنادته:

تعال يا جلجامش وكن حبيبي الذي أخترت

ستكون أنتَ زوجي واكون زوجتك

ففتح جلجامش فاه واجاب عشتار قائلاً:

أي خير سأناله لو اخترتك زوجة

أنتِ كالموقد الذي تخمد ناره في البرد

أنتِ كالباب الخلفي لا يصد ريح ولا عاصفة

أنتِ قصر يتحطم في داخله الابطال

أنتِ فيلُ يُمزّق رحله

أنتِ قير يلوث من يحمله

أنتِ قربه تبلّل حاملها

أيُ من عشاقكِ من احببته على الدوام.. (طه باقر ، 2003، ص111-112).

 598-zuhar

تتجلى قدسية المعبد عند البابليين.. بنوع من التضايف بين النسق المعماري والانساق التشكيلية في بنية واحدة.. بغية الارتقاء بجمالية المعبد من جهة، والتسامي بقدسية المكان من جهة اخرى. لذلك فنحن نرجح ان يكون لوح بيرني من اللوحات المثبتة على جدران احد المعابد.. وحين دخل اللوح ذلك الحيز المكاني المقدس.. فانه امتلك دلالات اسطورية تجاوزت حضوره المرئي بمسافة تعبيرية طويلة.. إذ اصبح رمزاً مؤثراً في التلقي الاجتماعي لدلالتهِ الفكرية. وهنا تبرز الى الوجود قراءة تعرفية اخرى لدلالة المشهد: الذي نرجح ارتباطه باسطورة نزول (عشتار) الى العالم السفلي، اذ تقص الاسطورة السومرية وكذا البابلية:

 

من السماء العظيمة الى الارض السفلى العظيمة

سيدتي هجرت السماء..هجرت الارض ونزلت الى العالم السفلي

هجرت السيادة، هجرت الملوكية ونزلت الى العالم السفلي

وعندما دخلت.. رُفع عن رأسها (الشوكارا) تاج السهل

وحين دخلت البوابة الثانية.. أُخذ منها الذراع والمقياس من اللازورد

وحين دخلت البوابة السابعة

خًلعَ عن جسدها ثوب-بالا: ثوب السيدات

(فاضل عبد الواحد، 1973، ص 190-195).

 

ذلك هو مظهرها العاري في اللوح..عند (سيطرة) بوابة العالم السفلي السابعة: وخلاصة القول: هو ان ما عرفه البابليون من هذه الصور الاسطورية.. اصبح مستخلصاً ومخزوناً في بنيتهم الفكرية.. فكان لهم بمثابة اداة تجاوزوا بها الماثل والحاضر..فاذا كان تفكيرهم بالمفاهيم المجردة: ارتقاءً من المباشر الملموس.. والفردي والجزئي.. الى مفهوماتها الذهنية، فان تفكيرهم بالرموز: كان ارتقاءً الى درجة عليا تعددت بها مستويات الدلالة في التشكيل.. ووصل فيها التخيل الى نوع من الخصوبة الفكرية..مكنّتهُ من ادراك العلاقات والصيغ، التي أتاحت لهم الفرصة للتعامل مع مفاهيم دالة على وفرة من الاشكال الرمزية.

فاشكالية أحالة (النص) من خاصيتهِ المجردة.. الى نظام صوري من العلاقات الشكلية المتبادلة التفاعل، هو ما يُشكّل مأثرة الفنان البابلي المبدع.. في مجال نحت الاجسام الفخارية. والفعل الابداعي برمتهِ: يرتبط باشكالية فهم الافكار قبلياً.. وتحليلها، ومن ثم اعادة تركيبها بانظمة شكلية محمّلة باشكالات الفكر الاجتماعي. فالاساطير الدينية: التي تُحيل (الماورائيات) الى مرموزات شكلية منفتحة في تشفيرها الدلالي، وتقولب اشكال الآلهة غير المرئية.. بنظم الاشكال المرئية. هي اشكالات بأصعب مناطق الابداع تفرداً، وتشير الى وجود ظاهرة التميز في ابداع مثل هذه الروائع النحتية الفخارية.

وفي ملمح آخر: يبث لوح بيرني خطابه الابداعي..بدلالة الفعل التقني المتقن في آليات نحت اشكال المشهد..فسيطرة النحات على آليات نحت اشكالهِ..بمثل هذا النفور الكبير عن ارضياتها..وكانها تماثيل مجسمة، وقراءتهِ البصرية الدقيقة في دراسة تشريح وتناسب الاجسام، قد أثارَ احساس (جلجامش) وغيره: بدفيء ونعومة خطاب الجسد .. لربة الانوثة والجمال في الادب البابلي.

فالفعل الابداعي برمتهِ: يتمحور بالكيفية التي حَلَّ بها (الروحي) في وعاء الخامة.. لتحيا به في صيرورتها الخاصة جداً، إذ تسامى المادي الى مقام الروحي بعد ان حلَّ به حلولاً. فلوح (بيرني) لم يكن فخاراً بقدر ما هو إنجازٌ إبداعي.. شأنه في ذلك شأن مشهد واجهة معبد البارثنون: التي تعرض خطاب الجسد الانثوي لأشهر آلهة الاغريق غواية كأثينا وافروديت.

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

جميل جدا أحسنت دكتور

علي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2835 المصادف: 2014-06-10 04:00:44