 مقاربات فنية وحضارية

الانكسار في الفن والثقافة

khadom shamhodمنذ نشات الخليقة وعلى طول امتداد التاريخ الانساني نجد هناك معسكران، الاول هو الاتجاه المادي المتمثل بالعقائد المادية من راسمالية وشيوعية وقومية وعنصرية ووجودية وغيرها وهناك خط آخر روحي يتمثل في الرسالات السماوية والعقائد الدينية والفلسفية والفكرية وغيرها .. (انما هما نجدان نجد خير ونجد شر)

و قد يكون الجهل في مكان وزمان ما يعم المعسكرين فنجد جاهلا متدينا - مثلا ميت الضمير والوجدان، وبموته يموت الحس ويغيب الشعور الانساني، فيتحول الى كتله مدمرة يسفك الدماء ويفسد في الارض، ومن هنا تبرز على السطح الانانية والمنفعة الشخصية او الفئوية، فيصبح الوعي بليدا وتظهر الازمات وتثار الحروب .. وامتازت الجاهلية الحديثة اليوم بالدمار الشامل لامتلاكها آلات الحرب المتطورة والمتفوقة، كما حدث في حرب فيتنام عندما القت امريكا القنبلة الذرية على هيروشيما ونازاكي وراح ضحيتها مئات الالوف من البشر ..

 492-khadom

الانكسار:

بعد الحرب العالمية الاولى والتي ادت الى الدمار والخراب و وذهب ضحيتها عشرات الملايين من البشر، اصابة الحركة الفنية في اوربا انكسارا واحباطا وظهرت افكار وتصورات متطرفة ادت الى التشتت والانحراف والدعوة الى هدم كل المعايير والمبادئ والنظم المتعارف عليها في ذلك الوقت كرد فعل على ما خلفته تلك الحرب . مثل ظهور الحركة الدادائية والمستقبلية والسريالية وغيرها .. ورغم تطرف هذه التيارات واختفائها الا انها اعطت انطباعا بالتمرد و رفض الحروب التي يكون وقودها الناس الابرياء وليس الحكام ..

في نهاية القرن التاسع عشر ظهر احد المفكرين الاوربيين – ماكس نوردو – ولعله الماني الاصل ابتدع نظرية تقول على ان الحياة عبارة عن هدم وانحلال فحسب .. ولعل هذا الرائ يتفق مع النظرية الوجودية (العبثية) التي تقول ان الانسان يحمل في طبيعته الشر ولهذا ليس من المنطق ان نحاسبه على ما يرتكبه من خطايا .. ونجد هذا المعنى في رواية – الغريب – للبير كامو .

هذا المفهوم اصبح ظاهرة نجدها اليوم عند الجماعات المتطرفة التي تدعي الاسلام حيث تمارس اسلوب القتل وسفك الدماء والهدم لكل الرموز الحضارية والمدنية وتحطيم الآثار والمعابد الدينية من مساجد وكنائس وصروح ثقافية وهدم قبور الانبياء والمفكرين و مسح هوية الشعوب وتاريخها و تقاليدها وعادتها . واستبدالها بافكار قادمة من العصور المظلمة ..

وعندما نذهب الى التاريخ نجده يعيد نفسه اليوم في عصر يفترض به ان يكون اكثر انسانية وعدلا من العصور السابقة .. كان معاوية قد شن حملة ابادة على كل من يوالي الامام علي –ع- بل امر بسبه على المنابر ولم يكتفي بذلك انما ذهب وحفر قبور شهدا احد .. وجاء يزيد فقتل الحسين –ع- ثم قام بحملة على المدينة (وقعة الحرة سنة 63 هجرية ) فقتل عشرة آلاف من الصحابة والتابعين واغتصبت الف أمرأة وحملت من اب مجهول، وهدمت الكعبة وابيحت المدينة ثلاثة ايام ... وكل هذه المعلومات وغيرها مدونة في كتب المؤرخين العرب ...

 

الفن والمعركة:

492-khadom2قرات في كتاب حسن محمد حسن – الاسس التاريخية للفن التشكيلي – عن نظرية للفيلسوف – يونج – وهي نظرية تبحث في سيكولوجية الفن تتحدث عن ظهور تقلقل في اللاشعور الجماعي ابان الازمات الاجتماعية مما يحدث اضطرابا في التوازن النفسي الذي يصدر عنه حالة قلقة لدى الفنان تدفعه للبحث والتنقيب للوصول الى ضالته الفنية المنشودة التي تعيد حالة التوازن اليه من جديد ..

نحن اليوم نمر في مرحلة صعبة يغربل فيها الفن الطيب من الرديئ و الاصيل من المزيف (فاما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض) .. اليوم نحتاج الى فنانين يتفاعلون مع هذه الاحداث المصيرية والمأساوية التي تمر بها البلدان والمجتمعات العربية .. فنانون عامرون بالنشاط الفكري والسياسي والاجتماعي و يحملون الهم الوطني والانساني .. لكن مع الاسف لم نرى اليوم الفنان العربي والعراقي خاصة (الا القليل) بمستوى التحديات في مواجهة الهجمة الارهابية الشرسة والمدعومة والمخطط لها من الخارج وبمساعدة الداخل والتي تعصف بالمجتمعات العربية ظلما وجورا . .

ولم يكن الفنان الفرنسي كوربيه –1877- الا نموذجا للفنان الثوري العنيد . وبسبب مواقفه الوطنية والثورية نفي الى خارج البلاد ومات هناك في المنفى . وكان قد ثار على - الفن الناعم - السائد يومذاك والذي يعتمد على - الادراك الحسي – بينما كان كوربيه يقود الوعي الاجتماعي وبهذا فقد خلد .. وبالتالي ان وعي الفنان يظل فارغا مالم يحتك ويعيش العالم الواقعي . والفن يفقد كل معنى له عندما ينفصل عن هذا الواقع المرير الذي نعيشه اليوم ..

وبما ان الفن واجهة حضارية كبرى وواسعة وعميقة فقد كان اكثر الفنانين يجهلونه الا القليل منهم مثل كوربه وفان كوخ وكوكان وجورج رووه الذي تمتع باصالة تعبيرية هائلة ..

قد تكون هذه الاحداث المؤلمة التي يمر بها العالم العربي وخاصة العراق من هدم وتخريب للمجتمع من قبل المنظمات الارهابية المتطرفة التي ترفع راية الاسلام ظلما ونفاقا (كلمة حق اريد بها باطل) . قد تكون عاملا مساعدا لاستنهاض اهل العقول والحل والعقد والضمير الحي والافكار النيرة لاعادة النظر في الفكر الديني وتصحيح التاريخ والفقه المنحرف الذي لا يتماشى مع العقل والمنطق الانساني وبالتالي فهي محاولة للعودة الى التوازن الطبيعي للبشرية ... (الناس صنفان اما اخوك في الدين او نظيرك في الانسانية) .. هذا الفقه العفن المتحجر المنحرف لا يمكن ان يستوطن في قلب الانسان ويستعمره . فالقلب هو مستودع حب الله ونور الحكمة ولايمكن ان يدخله غير ذلك . هذه الجماعات الشاذة لا تملك من المقومات والمبادئ الانسانية غير ثقافة القتل والهدم وخلق الفوضى في المجتمعات والتشويش على الفكر الانساني والديني السماوي . وهي تيارات فكرية منحرفة عدوة للانسان وعدوة للحضارة والتحضر ...

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2951 المصادف: 2014-10-04 12:45:31