 مقاربات فنية وحضارية

قراءة في الحضارة البابلية

zouher sahebفي حوار الحضارات .. الذي يَشهدهُ الفكر المعاصر: حَقُ للعراقيين .. أن يحتفلوا بالحضارة البابلية .. التي أنارت: عُتمة الفكر الانساني على مَرّ التاريخ. فتلك الروائع الفنية العراقية .. التي تحتفل بها متاحف العالم كل حين .. تُعلن عن (بابليتها) بصورة جَليّة .. بفعل تميزها بصفتي الاصالة والتفرد: في اعمق مناطق الابداع صعوبة .. كونها منمذجة ومشكلنة .. على وفق خاصية متعالقة بشكل حيوي .. مع مهيمنات الفكر الحضاري التي أوجدتها: كونها بمثابة تشييد لهذه الضغوطات .. التي ابدعها الفنانون البابليون .. في الوسط المناسب: بين الحرية الذاتية والواعية .. وبين الجوهر الاخلاقي العام .. في حِراك المفاهيم بالفكر الاجتماعي: الذي يُميز رقي الذائقة الجمالية لشعب (حمورابي) و(نبوخذ نصر) .. عِبرَ تاريخ الفكر الجمالي الانساني.

لم تقدّم لنا الفنون البابلية: صورة منقولة أو مثالية لعصرها .. كما لم تشوهه ايضاً، إذ استوعبت قوانينه العميقة .. وليس احداثه الطارئة: فاكتشفت أن من الممكن خلقَ عالمٍ بديلاٍ آخرٍ: فبثت الحياة في (كائنات) تنتمي الى جنس مجهول .. لها قدرتها الدلالية المتشظية على إثارة الاسئلة والتحديات. وتلك (الصورة) لم تترك الانسان على حالهِ .. بل أضافت إليه جديداً. وذلك هو سر (الاقرار) بخصوصية (الجمالية) البابلية .. والتسليم بوجوها قائمة الذات .. كواحدة من التجارب الفنية الكبرى في تاريخ الحضارة الانسانية.

إنبنت آليات (هندسة المعنى) في منجزنا الثقافي: على مفصلين أساسيين .. اهتم الاول منهما بدراسة فنون العصر البابلي القديم (2004-1595 ق.م)، فبعد ان أزاحت "بابل" عن عينيها السحريتين: غبار الزمن .. الذي عطّره الرجل الطيب (حمورابي) بالبلَسم .. لتحقق نهضتها المظفرة على ضفاف الفرات في الحلة الفيحاء، كان ذلك بمثابة اشتراط لم يتح لنا خياراً .. سوى ان تكون بدايتنا بالتفسير التاريخي لقيام هذا العصر العظيم في تاريخ الفكر الحضاري.

تمكن (حمورابي) الذي يعني اسمه .. الدفء العظيم .. من القضاء على نظام فدرالية المحافظات .. وليحقق مشروع وحدة البلاد الوطنية: مهتماً باعداد جيش منظم وقوي، صارفاً جلّ اهتمامه لشؤون الري .. محققاً نهضة اقتصادية مميزة، فيما شهدت اعمال البناء والاعمار في عهده نشاطاً ملحوظاً: فأصبحت بابل عاصمة للثقافة والفنون العالمية، فهي بذلك اشبه بالمدينة الفاضلة .. فلم يكن فيها شرطة .. إذ كان باستطاعة من أختلف على شيء: مراجعة شريعتهِ .. لتعرّف الحل القانوني لمشكلتهِ.

غدت بابل حاضرة الشرق الثقافية .. باشهر احيائها المعروف بحي الدبلوماسيين .. إذ يلتقي سفراء العالم من كل صوب: لتعرّف قيم الفكر الفلسفي والثقافة والفنون. وبفعل مركز بابل العالمي: اصبحت اللغة البابلية لغة المراسلات الدبلوماسية بين عواصم العالم المختلفة. وكانت معابدها مركزاً للعلم والمعرفة: إذ تُرسل البعثات الدراسية من مختلف بقاع العالم لتعلم الرياضيات والهندسة والفلك .. على ايدي الاساتذة البابليين.

يُعد عصر (حمورابي): بمثابة عصر الأنوار في بنية الحضارة الرافدينية، بفعل تعاظم سلطة الملك في المشهد الحضاري .. وانفصال السلطات التشريعية والتنفيذية عن هيمنة المعبد، فتمتع الفنان في ربوع هذه (البحبوحة) بالحرية: التي لم تكن مطلقة .. بل محددة بحدود النظام .. بتعاظم سطوة الذاتي على حساب الموضوعي .. في خاصية التعبير عن رؤاه الذاتية .. بابداع اعماله الفنية. وذلك يشجعنا على تأسيس علاقة مقاربة مع عصر الأنوار الذي شهده الفكر الأوربي في القرن الثامن عشر الميلادي: الذي أزاح سلطة الكنيسة بوصفها المقررة لنظم المعتقدات الدينية .. والوسيط بين الانسان وبارئهِ.

أولى الفكر البابلي: الانسان جُلّ اهتمامهِ .. فبحث في اشكالياتهِ المادية والروحية على حد سواء، مُعتبراً الانسان والقيم الانسانية النبيلة .. المتحركة في الفهم الاجتماعي .. اعلى قيم الوجود: فكانت الديمقراطية أفضل (وسيلة) لتجسيد حرية الانسان البابلي .. بأبهى صورها إشراقاً .. وكان القانون غايةً لتحقيق طمأنينة الانسان .. ورسم (جغرافية) حقوقه وواجباته .. في ملابسات حياتهِ الخاصة والعامة.

فالقانون والفن: هما وجهي الحضارة البابلية المتقدمة .. فهما متضايفان في بنية الفكر البابلي .. بتفاعل جدلي من نوع خاص، إذ ان نضج القانون البابلي وسمتهِ الأنسانية: من شأنه ان فعّلَ آليات ازدهار الفنون وتطورها بشكل متسارع. فشعور الفنانين بالحرية .. المحمية بقوة النظم القانونية: الانسانية الجوهر .. من شأنه ان عمل على تحرير ذات الفنان من قيودها، لتعمل بفاعلية على تكسير السياقات المتهالكة: مؤسسة تحديثاً: له بنيتهِ المتحولة في حِراك الاساليب بخارطة تاريخ الفن في بلاد الرافدين.

ولعل الأدب البابلي الرفيع: هو الصورة المزدهرة عن تقدم: (المدنية البابلية) .. الذي دُوّن على آلاف الالواح الفخارية، ووثّق وارشّف في مكتبات متخصصة: وتكمن اهميته في الدلالات الانسانية التي يعّبر عنها .. والتي ما زالت فاعلة في الاشكالات الفكرية للأدب المعاصر، وكذلك في الاسلوب الفني المُميز .. في بنية الشعر والنثر .. الذي إتسمَ بطرز جمالية في النظم والتأليف المؤثر بمشاعر القاريء والسامع بشكل خاص. سواءً اكان ذلك .. في اشكاليات الاستعارة والتأويل .. او في بنية النصوص اللغوية .. او في آليات السرد القصصي والروائي. ولعل "ايوب البابلي .. والسيد وعبده .. والخليقة البابلية" ليست قصص مغامرات: إنها (الرمز) الدائم لذلك (الكائن) الذي عاش على ارض بابل .. الباحث عن سر الحياة، فكل من هذه المسميات الخالدة: هي (أدوار) مرّت عِبرَ الواقع المُتحرك .. نحو التاريخ .. الذي احتضنها مُحيلاً اياها: الى نصوص خالدة في ذاكرة الأجيال.

حين نجتاز عتبة الفقرة الاولى .. من هذا المِفصل: التي اهتمت بتعرف مرجعيات الفنون البابلية .. صوبَ الحفر الجيولوجي في اجناس المنجزات الفنية، تواجهنا العمارة البابلية بتساؤلين: الاول منهما .. يرتبط بدلالة مشيداتها المعمارية .. فكان المعبد: تجسيداً للنظام الكوني، والقصر: وجوداً اسطورياً .. بفعل قائمة طويلة من الممنوعات. فيما تكثف الاستفهام الآخر: بالقراءة الشكلانية للعمارة البابلية .. وذلك (فعل) يقوم على فهم الابنية: على انها نسق من العلاقات الرابطة بين مجموعة من العناصر البنائية .. فأقام تقابلاً بين القصر والمعبد .. واللوحات او التماثيل العظيمة لأي عصر من العصور، فيما ظهرت بيوت السكن البابلية: وكأنها (حوش) بغدادي معاصر في أزقة الكاظمية أو (أبو سيفين).

أدخلَ البابليون شيئاً من التحديث: على الخطابات الفكرية .. وتقنيات الإظهار في المنجزات النحتية .. بنوعيها المدور In the Round والبارز Relief، إذ دعتهم حاجاتهم الروحية .. الى توظيف النحت .. بوصفه وسيلةً لاكتشاف الصور المثالية لآلهتهم .. التي أرّقهم تخفيها في عوالم الوهم. كما نحتوا تماثيل المتعبدين: لتوثيق صور الافراد في امكنة اسطورية، وتلك (رسائل) فكرية .. عرفها السومريون والاكديون من قبل. الا ان الجديد: هو الازاحة الهامة التي احدثها شعب حمورابي في وظائف المسلات .. التي قدّمت سلسلة من الشرائع القانونية .. بدلاً من توصيفها للمعارك والحملات الحربية، وكذلك (خاصية) تجميع الخامات العجيبة التي اتصفت بها .. معظم تماثيلهم المعدنية.

فيما أطلقنا (تسمية) المدرسة البابلية في فن التصوير .. على منظومة الرسوم الجدارية بقصر ماري، اسوة بالمدارس والاتجاهات الفنية المشخصة في تاريخ فن الرسم. بفعل تميز مرجعياتها الفكرية .. والوسائط المادية المستخدمة في انجازها .. وآليات إظهار أنظمتها الشكلية على السطوح الجدارية .. وبذات الفاعلية التي تميز مدرسة بغداد للتصوير .. عن غيرها من الاتجاهات.

وخَلُصَ مفصلنا الأول: الى دراسة الاختام الاسطوانية البابلية .. بوصفها فناً شعبياً: يوثق المفاهيم الفكرية المتحركة في بنية الاعراف الاجتماعية. إذ أسس البابليون: وسيلةً للمثاقفة مع الآخر .. فصيروها بفكرهم الابداعي الى (صيرورة) معبّرة عن معتقداتهم .. فاضحت خطاباً جمعياً .. يحيا بحالة تعايش مع وسيطهم الحضاري .. المزدحم بحراك المفاهيم الدينية والثقافية. فتبادلت معه الأثر والتأثير .. على وفق آليات جدلية .. وبخاصية متفردة من التكيف لنوعية المهيمنات الفكرية الضاغطة.

مَرّت (1250) عاماً: بين وفاة الزعيم البابلي الشهير (حمورابي) .. وتأسيس الدولة البابلية الحديثة من قبل (نبوبلاصر) .. إذ غدت بابل في عصرها الحديث .. وعلى الأخص زمن الملك (نبوخذنصر): مدينةَ لا تُضاهى في عظمتها وسعتها .. فقد فاقت مساحتها مدينة (اثينا) عاصمة الاغريق خمس مرات، وصارت عنوان حضارة بلاد الرافدين .. ونسبت اليها حضارة هذه البلاد جميعها: فقِيلَ بلاد بابل واهلها البابليون. لذلك كان اهتمام مفصلنا الثاني: بدراسة طبوغرافية هذه المدينة الخالدة.

فاذا تجاوزنا (فاتحة) هذا المفصل .. التي أوغلت في التفصيل عن السياقات التاريخية لتأسيس الدولة البابلية الجديدة .. وحراك الجيوش البابلية .. وجغرافية الفتوحات .. وازدهار الاقتصاد .. ووحدة البلاد السياسية: بفعل قوة الارادة التي ميزت الملوك البابليين الجُدد: لما من شأنه ان فعّلَ خاصية ازدهار الفنون. سنجد انفسنا مهتمين بدراسة التخطيط الحضري والاقليمي لعاصمة الملك (نبوخذ نصر) بعهدها الجديد، فقد أُحيطت المدينة بسورين عظيمين .. ينفتحان بدورهما على ثمان بوابات .. اشهرها بوابة عشتار، فيما يخترق فضاء المدينة الكلي: ثمانية شوارع .. بُلطّت بنوع من الحجر الابيض اللون .. وغُرست على جوانبهما: انساق من الاشجار الملونة .. واذا اضفنا لذلك مكتبات المدينة الغنية بالمصادر العلمية .. فاننا سنكون: ازاء مدينة معاصرة من الطراز الاول.

وتوسعت اهتمامات هذا المفصل الى دراسة فلسفة الفكر البابلي الجديد .. الذي تأسس على صراع قوتين هما: ارادة الملوك وسطوة المعبد .. لما من شأنه ان اربك المشهد الحضاري للدولة البابلية الحديثة .. فقد ذكرت الكتابات البابلية: بان عدد المعابد البابلية كان 1179 معبداً .. ولذلك استطاع المعبد ان ينافس سلطة الملوك ويطبع شخصياتهم بمسحة (كهنة الآلهة) .. الامر الذي يفسّر خلو المتحف البابلي (الافتراضي) من تماثيل الملوك او مسلاتهم الحربية.

بأستثناء ابنية الاهرام المصرية .. يُعد برج بابل: بمثابة احدى ناطحات السحاب في العالم القديم، وفي ملمح آخر: فقد أخرسَ المهندسون البابليون (صلابة) كتلتهِ المعمارية .. إذ زينوا شرفاتهِ بالزهور الملونة .. ولونوا طبقاتهِ السبع بألوان متنوعة، فكان بمثابة (باليت) غني الالوان: يؤشر الى لوحة معمارية خالدة. تُرى .. هل يمكن ان نتخيل جمالية برج (نبوخذ نصر) .. وهو يَطّلُ على فضاءات المدينة: البيضاء اللون .. التي شطرتها زرقة نهر الفرات الى فضائين لونيين .. وزادت من ألقها الجمالي: الوان اشرعة السفن .. الحمراء والصفراء والزرقاء .. الراسية في مينائها العظيم. هل نحن امام لوحة إنطباعية للفنان (بيسارو) رسمها لبحر (المانش)؟ أم في حضرة لوحة معمارية أبدعها (نبوخذ نصر) لوحدهِ؟ لاشك ان الخيار الأخير .. هو الصحيح في كل الاحتمالات.

توقف (زَحف) الدراسة في هذا المفصَل: عند بوابة عشتار: بوصفها أهم المنحزات الفنية البابلية .. واكثرها شهرة، فلم يكتشف حتى الآن: ما يماثلها في العواصم الفرعونية او الاغريقية .. كونها خلطت فنون العمارة والرسم والنحت والخزف: ببودقة واحدة .. وتلك آليات إظهار معاصرة: جمعت بين (قوس النصر البابلي) وبوابتي مدينتي برلين وباريس. وباضاءة أخرى: ما زالت تقنيات اخراج الوانها الخزفية: تشكل (حَرجاً) كبيراً للخزافين المعاصرين بشتى بقاع العالم. فما أعظم الانتصار الذي تَحقق.

فيما أنارت جماليات شارع الاحتفالات البابلي ـ شارع الموكب ـ اشكالية شكلية: احتلت مساحة واسعة من جغرافية هذا المفصل. فقد (مَوسقت) اشكال الاسود المتعاقبة: على وفق ما يشبه نظام السلم الموسيقي .. الحِراك الجمالي لسطوح العمارة الصماء. اما مجاورة أرضية الشارع الحمراء اللون .. لسطوح الجدران اللازوردية .. والوان الأسود البيضاء المبقعة باللون البرتقالي: فتلك (خاصية) متقدمة في العلاقات الجمالية للألوان .. تجد خصوصيتها بمقولة (بودلير): "أُريد حقولاً ملونة باللون الأحمر .. واشجاراً ملونة باللون الازرق .. فليس للطبيعة من مخيلة.

حين لامست دراستنا: فكرة القصور الملكية البابلية .. فانها اعادت تأثيث قصر الملك (نبوخذ نصر) المعروف بالقصر الجنوبي: ليس بمعنى (صيرورتهِ) كهندسة للطين .. ليكون قصراً لادارة الدولة المترامية الأطراف فحسب .. بل كونهِ (خطاباً) معمارياً رمزياً: تحركت على جدرانهِ .. تقابلات رمزية لقوى الحياة والتجدد .. ورموز حمايتها الاسطورية، فيما كان عرش الملك بينهما: بوصفه قوة الحماية الارضية القادرة على تحقيق الدور السحري للاشكال .. في ربوع مدينتهِ السعيدة.

وازاحَ الملك (بنونهيدِ) وظيفة القصر الشمالي: من كونه حصناً حربياً للملك (نبوخذ نصر) .. الى تأثيثهِ كمتحف للفنون الجميلة .. في عاصمة الشرق الحضارية: مدينة بابل. فكان (أسد بابل) من بين روائعه الفريدة. الذي تؤكد مرجعياتهُ الفكرية .. وسماتهُ الشكلية المُتسمة: بالتبسيط والاختزال والخطوط الحادة والمساحات النحتية الواسعة: اصوله البابلية، على العكس .. مما ذهب اليهِ البعض: من انه جُلبَ الى بابل .. كغنيمة حربية.

أما خاتمة المطاف: فكانت بالتعرض شرحاً وتفسيراً .. لأفُول المشهد البابلي، إذ أَثارت عظمة بابل وشهرتها العالمية .. وتفوقها الحضاري المُتَفرد: سخط جيرانها الأخمينيين .. فامتدت يد التخريب .. لتدنس ارض بابل المقدسة .. وتُسيء لذلك الصرح الحضاري العظيم: الذي بناه البابليون .. بعناية وصبر كبيرين .. واتسم بسمة العبقرية الخلاقة والأصيلة. فدخلت جيوش الملك الأخميني (كورش) عاصمة الفن والثقافة بتأريخ 13/11/539ق.م. فقد سقطت السلطة البابلية سياسياً .. إلا ان حضارتها: ظلت فعالة وحيوية في تاريخ الفكر الأنساني حتى هذه اللحظة.

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3033 المصادف: 2014-12-25 04:19:44