 مقاربات فنية وحضارية

التكنولوجيا تهمش الفن التشكيلي

khadom shamhodالتكنولوجيا كلمة يونانية الاصل وتتكون من مقطعين الاول - تكنو – ويعني الفن والصناعة والمهارة . والثاني - لوجيا – ويعني علم، دراسة، او علم الاداء او التطبيق . اما في المصطلح العامي فهو يعني استعمال الاجهزة الحديثة من كومبيوتر ومعدات وآلآلات والتي يستخدمها الانسان في اغراضه اليومية، وحل المشكلات وطريقة التفكير وابداء المهارات اللازمة للتعامل مع هذه الاجهزة ومحاولة الوصول الى الغايات المطلوبة ..

 

فن الكومبيوتر

اليوم يعيش الانسان عصر الشبكة العنكبوتية والانترنيت والتواصل الاجتماعي المرئي والمقروء والمسموع حيث نجد ان هذا العالم المثير يفتح العيون على اشيا جديدة لم يألفها الفنان سابقا على الاطلاق .. واصبحت التكنولوجيا اليوم متاحة للجميع وهي تعطي للفنان وغيره ما يريد من انجاز اعمال (فنية) وتصاميم وزخارف باسرع وقت وارخص الاثمان وعلى جميع المستويات من تقنيات وابداء المهارات .. .. كما توفر له معانات تأجير صالات العرض ودفع الاجور العالية الكلفة للكلريات وشراء المواد .. وبالتالي ان هذه الطرق التكنولوجية وادواتها الحديثة ادت الى ظهور ملايين الرسامين ودعاة الفن والابداع في العالم بل ان المعارض اصبحت تقام في صفحات و مواقع الانترنيت . وربما سنجد في المستقبل اختفاء الكلريات .

و رغم هذا التطور الهائل والفائدة الكبيرة في صناعة الاعمال وما تحمله من مضامين ثقافية واجتماعية فان البعض من الفنانين والنقاد لهم وجهة نظر اخرى حيث انهم قلقون من هذه الوسائل التي تنجز بواسط ادوات الكومبيوتر . وتتلخص وجهة نظرهم بالنقاط التالية منها :

1 – العمل الفني هو عصارة عواطف الفنان وابداعاته فلا يمكن ان تحل هذه الآلات التكنولوجية محلها، فالعمل الفني معبرا عن لمسات ايدي الفنان وفرشاته وروحه التي تتسرب الى اللوحة من خلال قلمه او ضربات فرشاته التي ترسم له خصوصيته .. فالفن ليس صنعة فقط وانما تعبير عن انفعالات .

 2 - ان استخدام التكنولوجيا في اغلب الاحيان الهدف منه اخفاء النقص والضعف في قدرات ومهارات هؤلاء الرسامين الجدد الذين تحولوا بقدرة قادر الى فنانين عظام .. محاولة منهم للبحث عن الشهرة السريعة التي لا تتطلب الدراسة او البحوث والجهود الطويلة والمعانات التي تستغرق عدة سنوات .

3 – التعامل مع التكنولوجيا عبر وسائلها الجامدة ينتج في النهاية عملا وظيفيا نفعي خالي من العواطف . وبالتالي يقضي على مفهوم الفن الذي اعتدنا ان نراه ونسمعه من خلال تاريخه الطويل الى ظهور المدارس الحديثة في القرن العشرين . يضاف الى ذلك افتقار هذه الاعمال الى الفلسفة الفنية والجمالية الفكرية .. وسيكتشف الفنان بعد فترة سطحية هذه الاعمال واظطرابها .

4 – ان القيم التي تظيفها التكنولوجيا الى العمل الفني هي قيم جاهزة مخزونة ما على الانسان الا ان يحرك –الفأر- و في حقيقتها هي تهميش للفنان الاصيل الذي درس في الاكاديميات والمعاهد الفنية وبذل الجهود والبحوث الطويلة واقام المعارض الفنية خلال سنوات طويلة وعانا معه اهله في سبيل اكمال دراسته ...

و مع كل ما تقدم من هذه الآراء والمواقف لا تلغي اهمية ودور التكنولوجيا اليوم في كثير من مجالات الفن والتصميم و وسائل الايضاح والكارتون والهندسة وغيرها ..

 

الاوائل من الفنانين :

منذ قرون سحيقة والنقاد والمؤرخون يتحدثون عن موضوع – تسرب الانفعال – ( اي انفعال الفنان او المتلقي) او تسرب الاحاسيس او العواطف الى اللوحة من خلال اداة الفرشاة او القلم او اللمس في الاصابع . ففي عصر النهضة كان يستخدم قلم يدعى – السن الفضية – حيث يخطط على لوحة مغطات بصفحة معدنية يبرز فيها الخط انيقا وجميلا ومعبرا . وفي القرن السابع عشر استخدم قلم الرصاص بنطاق واسع وقدرة هائلة للتحكم في الخط والشكل المرسوم .. وهنا برز الصراع بين افضلية الرسم وافضلية الالوان ودورهما في نقل الاحاسيس ...

ينقل لنا المؤرخون عن حادثة وقعت بين الفنان الانكليزي وليم بليك 1757 وفنان آخر وكان بليك يقدس الرسم (الخط) ويفضله على الالوان .. فجاءه رجل وقال له انه منذ ان تدرب على تصوير الوجوه فقد كل فكرة عن الرسم التخطيطي . ثم علق بليك على ذلك بان مثل هذا الرجل يجب ان يعرف انني قد نظرت اليه باحتقار ..  من طرف آخر نجد ان الفنان سيزان 1839 يقول ان العمل الفني يزداد تكاملا بثراء الالوان. كما قال ان الفنان يرسم بيده (لمسا وشعورا) مستنبطا من المنظر رؤية جديدة .. وقد ظل الانطباعيون يرسمون طيلة حياتهم اعتمادا على اصابعهم ومعاصمهم واذرعهم وضربات فرشاتهم . وقد سمي هذا اللون من الفن في عصر النهضة باسم - القيم اللمسية – حيث كان له انصار ونقاد ..

 ومنذ خروج كونستابل 1776 الى الطبيعة لرسم المناظر في الهواء الطلق اصبحت الطبيعة قاموسا للفنانين ومرتعا خصبا للالهام والابداع .

ان الفن والغنائية التعبيري التي التي تغمره تأتي وتروح مع موجات الضوء واهتزازاته ماهي الا نوع من الشعر الجميل والحلو حلاوة لا تجعلنا نتخيل العالم بدونه، وعندما يتأمل المشاهد العمل الفني يكتشف صور عظيمة يتسرب منها انفعال الفنان وروحه الى المتلقي بما تحويه من قيم جمالية شكلية وروحية .. فعندما نرى لوحة مثل - اللبوءة الجريحة - للفنان السومري او – الصرخة – لمونخ فاننا نزج انفسنا داخل اطار هذا العمل الفني وستتحد مشاعرنا تبعا لما نجده هناك حيث ينتج تعاطف بمأساة تلك اللبوءة او الفتاة المرعوبة والخائفة ..... ولهذا فان الفن مسيرة عمل طويلة وتاريخ حافل بالانتاج والابداع . وحتى الفنانين التجريديين الاوائل قد مروا بفترة الانطباعية 1874 والوحشية 1905 والتعبيرية 1863 وشاركوا في معارضها، ثم اصبحت عندهم القناعات الكاملة في التحول نحو الحداثة والتجريد 1910 .

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3496 المصادف: 2016-04-01 12:32:31