 مقاربات فنية وحضارية

جميل حمداوي: مصطفى الشعبي مؤسس السينما الأمازيغية الناطقة بالريفية

jamil hamdaouiتمهيـد: حققت السينما الأمازيغية المغربية تراكما ملحوظا كما وكيفا. وقد انطلقت في سنوات التسعين بتقنيات بسيطة لاتتعدى أفلام الفيديو، لتفرض نفسها - فيما بعد- في الساحة الإعلامية والسينمائية، ولاسيما بعد خطاب أجدير التاريخي في17 أكتوبر 2001م الذي أعطى الشرعية  والانطلاقة الأولى للخطاب الأمازيغي ذي البعد الهوياتي. كما تقوت هذه السينما، بشكل فعلي، بعد تدشين المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي ساهم، بدوره، بشكل من الأشكال، في انطلاق هذه السينما لكي تحقق تراكمها الفني والجمالي.

وقد غزت الأفلام الأمازيغية الأسواق الوطنية والدولية، وأصبح لها جمهورها الخاص، بعد تدشين القناة الثامنة التي تعنى بعرض الأفلام الأمازيغية في مختلف لهجاتها الثلاث. وقد حققت الفيلموغرافيا الأمازيغية أكثر من (200) فيلم في مختلف أنواعه: الفيديو (الفيسيدي VCD والديفيدي DVD)، والأفلام التلفزية، والمسلسلات، والأفلام السينمائية القصيرة والطويلة، والأفلام الوثائقية...

وقد عرفت السينما الأمازيغية أيضا مجموعة من المخرجين الذين أخرجوا مجموعة من الأفلام، سواء في منطقة الريف، أم في منطقة سوس، أم في منطقة الأطلس المتوسط، ومن هؤلاء:  الحسين بيزكارن، ومصطفى الشعبي، وأكسل فوزي، ومحمد أمين بنعمراوي، وحميد عزيز، ومحمد مرنيش أوطالب، ومحمد العبازي، وفاطمة بوبكدي، وحمد بايدو، ورشيد الهزمير، ومحمد بوزكو...

هذا، ويعد مصطفى الشعبي المؤسس الحقيقي للسينما الأمازيغية الناطقة بالريفية، وقد استطاع أن يبلور سينما تتخذ من منطقة الريف بيئة للتصوير السينمائي، أو موضوعا جديرا بالتخييل والحكي والمعالجة الدرامية.

إذاً، ما أهم الإنجازات التي حققها مصطفى الشعبي في مجال السينما الأمازيغية الناطقة بالريفية؟

 

المبحث الأول:  التعريف بمصطفى الشعبي

ولد مصطفى الشعبي في مدينة العرائش في 24 مارس 1961م، وهو من جذور أمازيغية ريفية. ويعتبر مصورا ومخرجا سينمائيا، وصاحب شركة (أسماء فيلم) التي أسسها مع زوجته أسماء الغلبزوري في مدينة تطوان بغية إنتاج أفلام الفيديو والسينما، مع توزيعها في الداخل والخارج، ولاسيما أن هذه الأفلام تجد إقبالا لانظير له من قبل الجالية المغربية خارج الوطن .

وقد أخرج مصطفى الشعبي مجموعة من الأفلام التلفزية والوثائقية والسينمائية التي كانت لها صدى كبير محليا ووطنيا ودوليا، مثل:  الفيلم الوثائقي عن عبد الكريم الخطابي، والفيلم الوثائقي عن المهاجرين الأفارقة الذين يتطلعون إلى الضفة الأخرى عبر الحدود  كما في فيلم (الحلم الوحيد)....

وقد شارك في تصوير مجموعة من الأفلام الوطنية والدولية، مثل: فيلم (وبعد) لمحمد إسماعيل، وفيلم (شاي في الصحراء) للمخرج برناندو بيرتولوشي(Bernando Bertolutchi)، والفيلم الأمريكي (الكنز)، وفيلم ( أسرار الصحراء) للمخرج ألبرتو نيكرين (Alberto Negrine)، وفيلم ( لماذا أفغانستان؟). علاوة على أفلام أخرى إسبانية وأمريكية...

كما شارك بأفلامه في مهرجانات سينمائية متميزة، مثل: مهرجان تطوان، ومهرجان طنجة، ومهرجان أكادير، ومهرجان كارفينو بإيطاليا، ومهرجان مالمو السوسيدية، ومهرجان سيرفينيا الإيطالي الذي فاز فيه فيلمه الوثائقي ( الحلم الوحيد) بالجائزة الكبرى... ويعد مصطفى الشعبي كذلك  رئيس جمعية (الورشة السينمائية) بتطوان.

وعليه، يعتبر  مصطفى الشعبي أول مؤسس للسينما الأمازيغية الناطقة بالريفية منذ 1996م، حينما أخرج فيلم ( ثيغاروبا ن - جيرث/ قوارب الليل)، بعد ست سنوات من ظهور أول فيلم أمازيغي  سوسي سنة1990م بعنوان (تامغارت ن- وورغ/امرأة من ذهب)، ومن إخراج الحسين بيزكارن. ولم يوزع هذا الفيلم  السوسي و يسوق داخليا إلا في سنة 1991م. ويعني هذا أن السينما الأمازيغية الناطقة بالريفية هي سينما حديثة العهد، وقد بدأت بأفلام الفيديو  أو أقراص الفيسيدي(VCD) التي انتشرت كثيرا في سنوات التسعين من القرن الماضي لتصبح صناعة تقنية وإلكترونية معقدة، بعد مرحلة الهواية والتجريب والبحث عن الهوية والذات .

ولم يكتف مصطفى الشعبي بإخراج الأفلام الأمازيغية فقط، بل أخرج مجموعة من الأفلام باللغات الأخرى، كالاعتماد على الدارجة المغربية كما في فيلم (القدس...أبنادم !)، وفيلم (زينب)، وفيلم (الحلم الوحيد)، وفيلم (أصدقاء الجنرال فرانكو- ريكولاريس...)، وفيلم (دائرة الطمع)...

 وأكثر من هذا فقد قام بدبلجة فيلم (كنوز الأطلس) للمخرج الكبير محمد العبازي بأمازيغية الريف.

وقد فاز المخرج بعدة جوائز، مثل : الجائزة الكبرى عن فيلمه الوثائقي (الحلم الوحيد) في مهرجان سيرفينيا الإيطالي، وكذلك عن فيلمه التربوي القصير (زينب) الذي نظمته جمعية التواصل الثقافي للمسرح والسينما بالدار البيضاء ما بين 12 و14  ماي 2006م، بشعار (السينما والتربية المدرسية). ويتحدث ذلك الفيلم التربوي عن تلميذة مجدة في العاشرة من عمرها، تغيبت عن المدرسة فجأة، فتفقدها مدرسوها وزملاؤها. والسبب في ذلك هو الحجاب الذي فرض عليها من قبل أخيها ...

 

المبحث الثاني:  فيلموغرافيا مصطفى الشعبي

أنتج مصطفى الشعبي أكثر من اثني وعشرين فيلما، سواء أكان ريبورتاجا تسجيليا، أم فيلما وثائقيا، أم فيلما دراميا...وما يهمنا في هذه اللائحة الفيلموغرافية الطويلة التوقف فقط عند الأفلام الأمازيغية  على النحو التالي:

 

المطلب الأول: فيلم (موش ذي رميزان/ القط في الميزان)

يعد أول فيلم أمازيغي ناطق بالريفية، وقد أخرجه مصطفى الشعبي سنة 1992م، وقد مثل فيه كل من الصحافي والإذاعي أحمد التعتمانتي، والممثلة الحسيمية أسماء الغلبزوري التي تعد أول ممثلة سينمائية في منطقة الريف. والفيلم من إنتاج أسماء فيلم، وقد وزع هذا الفيلم الدرامي في الداخل والخارج، وبالضبط من قبل شركة (كونفوريستا/ Conforesta ) الإسبانية. ويتحدث هذا الفيلم عن الخرافة في المجتمع الريفي.

 

المطلب الثاني:  فيلم ( ثيغاروبا ن - جيرث/ قوارب الليل)

يعد هذا العمل ثاني فيلم أمازيغي ناطق بالريفية، وقد أخرج هذا الفيلم مصطفى الشعبي سنة 1993م، كما تولى بنفسه كتابة السيناريو. وقد ورد هذا الفيلم في شكل شريط فيديو (VCD) . و يتحدث الفيلم عن الهجرة السرية إلى الضفة الأخرى، ولم تكن تلك الهجرة سوى سراب زائف، وحلم واهم؛ لأن كثيرا من القوارب قد انتهت بالغرق والموت وخداع المهاجرين السريين. ويعني هذا أن هذا الفيلم الدرامي عبارة عن مقاربة اجتماعية ودرامية لأوضاع المنسيين والمهمشين في منطقة الريف. وبالتالي، فهو تصوير صادق للمعاناة الإنسانية التي يمر بها المهاجر السري، ويستعرض مختلف المكائد التي يتعرض لها.

وهذا الفيلم من بطولة عمر فهمي وأسماء الغلبزوري، وقد التقطت مشاهد هذا الفيلم في منطقة الريف وضواحي الشمال المغربي. أما الموسيقا التصويرية، فهي للفنان الأمازيغي الريفي وليد ميمون.

 

المطلب الثالث:  فيلم (ءاشعاب ذ-  ءوشان/ الذئب والثعلب)

يعد هذا الفيلم الكوميدي الفيلم الثالث الذي أنتجه المخرج مصطفى الشعبي، بحوار الحسن عفيف، وقصة أسماء الغلبزوري . وهو بمثابة تمثيلية، أو سكيتش فيديو، وقد أخرجه صاحبه سنة 1998م. وقد أشر عليه المركز السينمائي المغربي  بالرباط سنة 1997م، برقم:54. والفيلم من بطولة أسماء الغلبزوري، وعفيف الحسن، ومحمد بنعماري. وهو كذلك من إنتاج شركة أسماء فيلم.

 

المطلب الرابع:  فيلــــــــم (حمادي)

أخرج هذا الفيلم الأمازيغي الريفي مصطفى الشعبي سنة 1996م. وهو عبارة عن فيلم فيديو درامي، يتحدث عن قضية اجتماعية تعكس الواقع المغربي، تتمثل في طالب شاب عاطل ومجاز، يبحث عن العمل الذي يصون آدميته، فيتجه إلى الشركات لعله يجد عملا يحفظ كرامة وجهه. لكنه يعود بخفي حنين.وأكثر من هذا فقد توفي أبوه، وتزوجت أخته، وبقي وحيدا، فضاقت عليه السبل، فاختار الهجرة السرية حلا للتخلص من الورطة التي يعيش فيها. ويلاحظ أن هذا الفيلم عبارة عن شريط فيديو (VCD). وقد كتبت زوجته أسماء الغلبزوري سيناريو العمل.

 

المطلب الخامس: أفلام سينمائية متفرقة

أخرج مصطفى الشعبي مجموعة من الأفلام  الكوميدية والوثائقية المتنوعة منها:  فيلم (أمازيغ) سنة 1999م، في شكل فيلم فيديو درامي. وأنجز أيضا أول فيلم وثائقي تاريخي عن أسد الريف بعنوان (محمد بن عبد الكريم الخطابي)، وهو من إنتاج التلفزة الهولندية سنة 1994م. كما أخرج فيلم  (إمطاون / الدموع ) سنة 1995م. وأخرج كذلك الفيلم الكوميدي(أغندف توذارث)، إلى جانب أفلام أخرى كفيلم (الرايس أوشن)، و فيلم (الدكتور بوسحاسح)، و فيلم (بوليس ميغيس) الذي تعود بطولته إلى الممثل الريفي فريد أمغار، و حسن عفيف، و أسماء الغلبزوري، وآخرين... وقد وزعت هذه الأفلام كلها وطنيا و خارجيا.

ومن المعلوم، الآن، أن مصطفى الشعبي بصدد إخراج فيلم بعنوان (إيزري ن - تمورث /أنشودة الأرض) الذي يعد أول شريط سينمائي ناطق بالريفية . أما كتابة الحوار والسيناريو،  فهو للسيناريست الأمازيغي الريفي الدكتور جمال أبرنوص. والفيلم عبارة عن دراما اجتماعية في قالب حكائي مأساوي، يرصد العلاقة المتينة بين الإنسان وأرضه، واستجلاء مختلف التحولات التي طرأت على هذه العلاقة الارتباطية إيجابا وسلبا، ولاسيما بعد الانتقال من البادية إلى المدينة.

ويستعرض الفيلم أيضا حكاية طفل ريفي يتيم ورث عن أبيه ضيعات فلاحية كثيرة، غير أن عمه سلبه إياها بغية استغلالها لمصلحته الشخصية. وفي هذه اللحظة بالذات، سيكون الطفل مجبرا على الهجرة إلى المدينة ليستغل مجددا من قبل رب العمل.

وسيعهد تشخيص الأدوار السينمائية في هذا الفيلم إلى مجموعة من الطاقات المسرحية الواعدة بالمنطقة الشمالية. إضافة إلى أسماء وازنة أخرى معروفة في الساحة الفنية على الصعيد الوطني.

وخلاصة القول، يعد مصطفى الشعبي أول مؤسس للسينما الأمازيغية بمنطقة الريف منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي بكل جدارة واستحقاق. وقد ركز كثيرا على المواضيع الدرامية الاجتماعية، مثل: الأرض، والتاريخ، والتربية، والهجرة السرية، والاستغلال، والظلم الاجتماعي، والسحر، والخرافة، والشعوذة... كما تناول قضايا واقعية شائكة في قالب كوميدي ساخر. دون أن ينسى هذا المخرج قضايا الأمة الجديرة بالتناول كقضية القدس على سبيل التمثيل ليس إلا.

وقد وظف كذلك مجموعة من اللغات على مستوى الحوار، مثل: الأمازيغية، والدارجة، ومزيج من اللغات الأجنبية...

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3722 المصادف: 2016-11-13 14:08:06