مقاربات فنية وحضارية

تابيس بين العلمانية والروحانية (3): الفلسفة الجمالية عند تابيس

كاظم شمهودالفن الحديث هو عبارة تجديد للفكر وايقاض الضمير الانساني من الركود والجمود الكلاسيكي الذي عاشه الانسان منذ عصر الاغريق الى حد الثورة الانطباعية عام 1874. وهو ثورة وكلمة عالية في التغيير والاصلاح والاتجاه الى مطالب انسانية بظرورة التحرر والتطور.. ولكن ما بالك اذا كان هناك من يدعوا الى غلق باب التطور والعودة الى الفكر القديم الجامد والمتخلف كما يحدث في بلداننا العربية ..؟؟؟

في عام 2000 كتب المفكر والناقد الاسباني مارك خيمينث يتسائل عن معنى فلسفة الجمال او علم الجمال بعدما رأى ان هناك حملة كبيرة بدأت منذ التسعينات للاتجاه الى الفن المفاهيمي، وتسليط الضوء على هذا اللون من الفن من خلال اصدار الكتب والمجلات الفنية وكذلك المقابلات التلفزيونية والاذاعية واقامة المعارض ... وحسب بعض النقاد ان الحملة كان هدفها غير المعلن هو خلق حركة تجارية وتسويق هذا النوع الجديد من الفن تحت شعار الثقافة والفن ؟؟؟ ورغم الازمة الاقتصادية التي اجتاحت اوربا والتي اثرت على سوق الفن الا انه لا زال يتمتع بصحة جيدة بفضل ازدياد ثروات الاغنياء واقتنائهم للاعمال الفنية، هذه الثروات الطائلة جائت على حساب مآسي الشعوب الفقيرة والحروب واثارة الفتن فيها .... (ما جاع فقير الا وهناك رجل متخم) 

تابيس كان متمردا منذ زمن فرانكو ايام كان الظلام يسود البلاد وقد هاجم الفن التجاري السطحي وهاجم المدعين بالثقافة والفن واستغلال الايديولوجيات كمحرك وتسويق له، وقد اشار الى بعض الكالريات وكبار التجار الذين مرتبطين بجهات سياسية . ويعتقد تابيس بان الفن المعاصر الشكلي لا يؤمن بالحركة التاريخية واثرها على الفن وهو بالتالي غير قابل للتطور (حسب رأيه)... ؟؟ وهذا الموقف يحملنا الى مركز المشكلة وهو فن التمرد والذي سبق وان قاده كوربيه ومونيه وشيليه وبيكاسو و دوجامب وباسكيت وغيرهم .. ذلك التمرد الذي نعنيه هو خارج عن السياق العام ودوره الجمالي في عملية التغيير في المجتمع ..

379 تابيس

هذا التصور لمفهوم الفن والجمال عند تابيس نجده في صراع دائم منذ علم الجماليات عند الاغريق الى ظهور المبادئ الفنية الحديثة والادعاء بانفصال علم الجمال عن الفن وبالتالي يقودنا ذلك الى تسائل هل ان كل فن يعني جميل او كل جميل يعني فن وما هو الفرق بينهما ؟؟؟ وكل ذلك محل جدل ونقاش .. وانا في اعتقادي ان العمل الفني لا يخلو من الجمال ابدا، فاما ان يكون جميلا في الشكل او جميلا في الفكرة ولا يمكن الفصل بينهما، مثله كمثل الانسان اما جميلا في شكله او جميلا في طروحاته الفكرية وبهذه الطريقة نستطيع ان نستوعب كل اشكال واساليب الفنون .. الجاحظ كان رجلا قبيحا ولكن فكره لازال يعيش بيننا، وكذلك الحطيئة كان شاعرا مرموقا ولكن شكله قبيحا (ارى لي وجها قبح الله من وجه وقبح حامله) .... تابيس فنان لديه خلفية ثقافية واسعة وعمق فكري وتصوري ينسجم مع ماهو تاريخي وما هو جمالي حتى ظهور الحركة الرومانسية ومن ثم طلائع الفنانين التقدميين ما بعد الحرب العالمية الاولى .. فهو يستمد من هذه المنابع مفاهيمه الفكرية والجمالية، وخاصة مفهوم الجمال عند فلاسفة الاغريق الذين اشاروا بانه يمكن ان نجده في الاشكال الهندسية مثل المثلث والمربع والدائرة والخط ... ومن هنا فقد ثبت لنا تابيس شرعية في التواصل بين الماضي والحاضر . ويسمي البعض هذه الافكار (بالمواضيع الخالدة) . وبالتالي فان تابيس يعكس في بحوثه وافكاره الجمالية، حقيقة غير محدودة في مسيرة الفن وفلسفة الجمال .. ولهذا فان فهم اعمال تابيس تحتاج الى ثقافة تاريخية وفنية، وقد اشار احد النقاد الاسبان وهو بيري خمفرير

380 تابيس

Pere Gimferrer بان اعمال تابيس مجهولة الفهم ومن الصعب حل رموزها ومعرفة مفاهيمها ... ان تلازم الفن وعلم الجمال خلال مراحلهما التاريخية وكذلك خلال التحولات الحضارية للبشرية، كل ذلك كان يسير متوازيا مع ثورة العلوم والتكنولوجيا والتقنيات الفنية الحديثة، لكن هذه المسيرة احيانا تتعرض الى الهدم والتجديد للاشكال الفنية ومفاهيمها او مضامينها ..يقول الاستاذ ماربورغو تيغليابوي Marpurgo Tegliabue ان علم الجمال او الجماليات يمكن ان تصتدم احيانا خلال مسيرتها مع مناهج او طرق مختلفة او تتعرض الى بعض المشاكل والانتقادات، وبالتالي فهي عرضة للهدم وغير ممستقرة وثابتة، وهو ما نلاحظه في آراء تابيس حيث صرح اكثر من مرة في وسائل الاعلام بان اكثر ما يشغله في العمل الفني هو الفكرة او الموضوع، بمعنى ان الفكرة تعلو على الاشكال، وان الجمال يكمن في الفكرة ولهذا فقد اعطى مفهوما واسعا للجمال ويمكن ان يستمده من الجماليات الشرقية الصوفية والتقاليد الاوربية القديمة خاصة من الرهبنة .. ويذكر الاستاذ والمؤرخ مارك خيمينث بان ولادة علم الجمال la estética عام 1750 من قبل العالم باومغرتين Baumagarten تعتبر مرحلة جديدة اخرى لمسيرة طويلة وتجدد مضيئ في حقل الفن يمتد الى عصر الاغريق، وان الفن يمكن ان يكون قوة عظيمة في صراع الانسان مع الحياة .

ومن وجهة نظر تابيس فان فلسفة الجمال في الفن هي تشكل جزءا مهما في حياة الانسان التصاعدية وخلق جمالية متحركة قادرة على التغيير . كما ان تابيس يحاول ان يعمل على تجديد مفهوم الفن المعاصر ولا يقطع الصلة بالماضي الجميل الثري بمعانيه وممفرداته الفنية، خاصة المفاهيم الشرقية .. فصراع تابيس الواعي في المجتمع وكذلك مع مفهوم الفن وجماله،لا يركد، فهو يطمح الى خلق فن متحرك قادر على فعل التغيير والتجديد وان هذا الفن المتحرك ينتمي الى فن عظيم قديم عاش قرونا في الامم السابقة ولازال يعكس نظرياته الجمالية على حركة الفن المعاصر ... ويقول تابيس (بان على المجتمع ان يرتفع الى مستوى الفن في المعرفة والتذوق وليس على الفن ان ينزل او ينحدر الى مستوى المجتمع ..) ..و يعتقد تابيس بان نقد المجتمع ودعم العملية التربيوية الجمالية (الذائقة) وحركة الفنان التصاعدية كلها ستكون كفيلة بخلق مجتمع حر سليم وايجابي

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4413 المصادف: 2018-10-05 04:45:29