مقاربات فنية وحضارية

نساء في حياة بيكاسو: مادليني، فرناندي، ايبا (8)

393 نساء بيكاسو1يذكر بعض النقاد والمؤرخين ان مرحلتي الزرقاء والوردية التي مر بها بيكاسو ارتبطت بثلاثة نساء كن المحرك الاساسي في تطور فنه وانتاجه وهن : / مادليني وفرنادي اوليفر و ايبا غويل Eva Gouelا Fernade Oliver، ،Madeleine . وبعد ان استقر بيكاسو في باريس عام 1901 التقى بفتاة تشتغل كموديل في حي مونتمارت تدعى مادليني Madeleine فتكونت بينهما علاقة عاطفية وصداقة، فرسمها عدة مرات كموديل، وينسب اليها بعض النقاد المرحلة الزرقاء وهي مرحلة عاشها بيكاسو بوابل من المآسي والاحزان وفقر قاتل حتى ان والده كان يبعث له مساعدات مالية بين فترة واخرى من برشلونة .. وفي نفس الوقت كانت مادليني فتاة جميلة ولكنها غريبة الاطوار ضعيفة ومريضة خلقت مناخ وبيئة حزينة لبيكاسو، و قد ظهرت في عدد من لوحاته مثل لوحتي _ المكوية _ والقناعة في الاكل_ La planchadora _ la comida frugal وغيرها،، وكان بيكاسو قد سكن في بناية قديمة تدعى Bateau Lavoire في حي مونتمارت ليس فيها ماء ولا كهرباء يضاف الى ذلك الرطوبة والروائح النتنة المنبعثة من المجاري الآسنة . في هذه البناية استقر فيها عدد كبير من الاسبان والاجانب من الفنانين والشعراء والبوهيميين . واستمر بيكاسو في علاقته مع مادليني حتى تعرف على فتاة اخرى عام 1904 تسمى فرناندي اوليفر وكانت اوليفر تعمل كموديل عاري مع عدد من الرسامين وتتصف اوليفر بالحيوية والشباب والقوة والجمال واعتبرها بيكاسو حبه الاكبر، وقد شكلت هذه الفتاة مرحلة متطورة ونقلة نوعية في حياة بيكاسو من الجو الحزين الى جو اكثر حيوية وسعادة وسرور، ثم تحولت باليت بيكاسو من اللون الازرق الى اللون الوردي، وقد حدد المؤرخون مرحلتي الزرقاء بين اعوام 1901 و1904 . والوردية بين 1904 و1906 واستمر بيكاسو مع اوليفر حتى عام 1911 او 1912 .

393 نساء بيكاسو

وفي هذه البناية القديمة عاشت مع بيكاسو فرناندي اوليفرو التي الفت فيما بعد كتابين حول حياتها مع بيكاسو يدعى الاول .(بيكاسو واصدقاءه)صدر عام 1988 والثاني (حب بيكاسو) ويعدها البعض من اهم الكتب التي تؤرخ الفترتين الزرقاء والوردية ... ثم تعرف بيكاسو على فتاة اخرى تدعى ايبا عام 1911 بينما كانت فرناندي لازالت في علاقة معه، ولكن بيكاسو عرف عنه انه عاش متقلبا في علاقاته العاطفية ولا يمكن ان يستقر على واحدة كما هو الحال في فنه حيث ينتقل من اسلوب الى آخر ومن نمط الى نمط ومن نقيض الى نقيض وهو يملك طاقة هائلة تكشف عن نبوغه وعبقريته، وكما يقول الفنان الانكليزي بليك (ان الرجل العاقل وحده الذي يستطيع ان يصر على بلاهته).. ؟؟؟؟.. فقطع بيكاسو علاقته مع فرناندي وهرب مع عشيقته الجديدة ايبا . وقد سجلت هذه الفتاة مرحلة مهمة في حياته الفنية وتغير اسلوبه من التكعيبية التحليلية التي بدأت في زمن فرناندي الى التكعيبية التركيبية او التأليفية والتي استخدم فيها الكولاج وو مواد اخرى حية كالجرائد ولصقها على سطح اللوحة . وقد رسم بيكاسو ايبا باسلوب تكعيبي تركيبي مثل لوحة (فتاة مع قيثارة) وكانت ايبا قد لعبت دورا حاسما في المرحلة الوردية والتكعيبية .

غير ان بعض النقاد اضافوا اسباب اخرى لظهور المرحلة الزرقاء منها انتحار صديق بيكاسو الحميم والمخلص كاساخيماس Casagemas فقد رسمه في لوحة حزينة يطغي عليها اللون الازرق سماها (دفن كاساخيماس) وجاء بناء اللوحة على غرار لوحة قديمة تعود للمصور الكريكو والتي تسمى _ دفن الكونت دي اورغاث _ وقسم بيكاسو فضاء اللوحة الى قسمين ارض وسماء او مادة وروح وقد مليئت بالالوان الزرقاء الحزينة ... كما ينسب البعض هذه الحالة الى تأثيرات الفنان الكاتالاني اسيدرو نونيل حيث يسود اعماله طابع الحزن من خلال مواضيعه للغجر والمشردين والمعوقين والفقراء الذين يفرشون الارض وكهوفها سكنا لهم يضاف الى ذلك تأثيراته في اعمال الكريكو. واعتقد ان كل هذه العوامل والاسباب التي ذكرها المؤرخون والنقاد هي في الحقيقة التي ساهمت في ظهور المرحلة الزرقاء حيث ساد اللون الازرق الحزين معظم اعماله . علما ان اللون الازرق كان عند البابليين يرمز الى طرد الشر فقد ظهر على ابواب المدينة مثل باب عشتار ولازالت هذه التقاليد معمول بها في جنوب العراق في رسم العيون والكفوف الملونة باللون الازرق ووضعها على الابواب لطرد الحسد والشر . واستمر بيكاسو في استخدام اللون الازرق حتى عام 1904 وهي حالة لم تحدث في تاريخ الفن العالمي ..

اما المرحلة الوردية فقد بدأت بمجيئ الفتاة الجميلة فرناندي اوليفر1881.1966 حيث اصبحت مصدر الهام وخيال لم يألفه بيكاسو سابقا واعتبرها المنقذ له وحبه الاكبر، وقد خلقت جوا ابداعيا خلاقا ومتفائلا .. وفي حضرتها رسم بيكاسو لوحته المشهورة (غانيات آفنيون) حيث نرى اللون القهوائي والوردي يطغي عليها واعتبرت هذه اللوحة نقطة تحول في تاريخ الفن العالمي من الفن التقليدي الكلاسيكي الى الفن الحديث وبالتالي تكون هذه الفتيات قد ساهمت في الثورة الفنية الجديدة وظهور المدرسة التكعيبية بانواعها الثلاثة ... تحياتي .

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4420 المصادف: 2018-10-12 13:28:03