 مقاربات فنية وحضارية

الروحانيات في اعمال الفنان العراقي ابو زيدون

كاظم شمهودكان للفنون البدائية التي تسودها الاساطير والخرافات والالغاز ايقاعها الجمالي عند الانسان الفطري حيث كان يسجل ما يراه وما يريد ان يقوله ببراءة وتلقائية، ولم تختلف حساسيته الجمالية عن الفنان المعاصر. وبالتالي اصبحت تلك الفنون القديمة بمثابة المنجم الذي لا ينضب له معين والتراث الفني الذي استمدت منه الفنون المعاصرة بشتى مذاهبها. فعندما نتامل مسيرة هذه الفنون انما نتأملها من تلك البانوراما الهائلة للفن العالمي والتي تجمع بينها في صعيد واحد ككل. ومن هنا يضل الامتداد قائما بين اتجاهات جميع الفنون وطرزها من الكلاسيكية الى الاتجاهات المعاصرة..

قد تكون تجربة الفنان الايطالي جيوتو 1267 م الذي عاش قبل فناني عصر النهضة اكثر شاعرية وحلمية من فناني عصر النهضة رغم انها بدائية وبسيطة ولكنها واقعية في التمثيل والبراءة، وهناك من الكتاب المعاصرين شديدي الصلة والحب الى تلك الحقبة التاريخية حيث يجدون فيها مهربا روحانيا من ماديات العصر الحديث. وبعد موجة الفن الحديث والتخلي عن قواعد النقد الكلاسيكية التي وضعها الاغريق اصبح التقييم اليوم والحكم على اعمال الفنانين مرتبطا بالتذوق ودرجة الحس الشخصي من جهة والبعد الثقافي والتاريخي الذي يعمل على التقيم من خلال عنصر المقارنة من جهة اخرى... واتذكر انني قرأت عن المفكر والناقد جبرا ابراهيم جبرا حيث سأله احد المثقفين من انه لم يتعرض في نقده الى سلبيات الاعمال الفنية فاجابه بانه ينظر الى اشراقة الاعمال وسطوعها ويعرض او يبتعد عن سلبياتها لان الاحكام هي ذوقية شخصية.

92 ابو زيدون حنوش 1

(واحب ان اشير الى نقطة مهمة وهي انني في كتاباتي اعرج الى مواضيع واحداث كثيرة ذات صلة وذلك لاغناء المادة الفنية ولتكون محطات تأمل وتفكر..)

والحديث عن اعمال الفنان ابو زيدون حنوش هي مجرد طرح وجهات نظر شخصية لتجربة مرة بها خلال عقود من الممارسة والحركة الدؤبة بين التصوير المنظور والنص المكتوب وقد مارس حنوش الكتابة والتدريس وصدر له كتابا –(من الفرات...اللوحة نهاية ومصير)- حيث فيه يربط الفكر الجمالي بين افكار افلاطون وبين الفن الاسلامي. وقد عرفت حنوش منذ ان حل في مدريد عام 1981 انسانا راقيا وطيبا وفنانا مخلصا لعمله ولعلاقاته الانسانية مع الجميع...

وفي هذا الخط نجد الكثير من المثقفين والفنانين قد مارسوا الكتابة الى جانب الرسم فكان لوركا مثلا شاعرا وروائيا بارزا وكان في نفس الوقت رساما، وقد شاهدت له معرضا في مدريد في مطلع الثمانينات، وكذلك الشاعر رافائيل البرتي كان قد درس في مدرسة الفنون في مدريد واقام له معرضا شخصيا. وفي عالمنا العربي نجد نزار قباني رساما ومصمما لبعض كتبه الشعرية، وكذلك الفنان شاكر حسن ونزار سليم وغيرهم، هؤلاء لم يتوقفوا عند حدود الرسم بل كان لهم تمدد ورؤى فنية دفعتهم الى انتاج كتابات مهمة لاستقصاء اسرار الرسم وما وراءه من ماهيات وفلسفة. ويذكر ان بيكاسو في احد فترات حياته توقف عن ممارسة الرسم لمدة سنتين في فترة الثلاثينات وكرس وقته للكتابة، وقد سأله احد اصحابه الفنانين ما رايك في رسوماتي؟ فقال له ضاحكا (انها بجودة كتاباتي) يعني اننا نعيش في عالم التجريب.

92 ابو زيدون حنوش 2

كما يذكر الناقد جبرا ابراهيم جبرا بان ابو نواس مارس الرسم فمن كان بارعا في الشعر والوصف لابد ان يكون بارعا في الرسم واللون وسحره، والتجربة الشعرية عنده كثير ما تكون تجربة رسام يمسك بخيطها بانفعالات مؤثرة على نفس المتلقي. وقد صور لنا احد جلساته في حانة السمر بعدد من اشعاره.

تدار علينا الراح في عسجدية    حبتها بالوان التصاوير فارس

قراراتها كسرى وفي جنباتها     مها تدريها بالقسي الفوارس

و كذلك نجد هناك البحتري وقصيدته في وصف ايوان كسرى بالمدائن ومقطعا رائعا يصف فيه لمعركة مرسومة على احد جدران القصر. يذكرنا برسامي عصر النهضة..

واذا ما رأيت صور انطا    كية ارتعدت بين روم وفرس

و المنايا مواثل وانوشر     وان يزجي الصفوف تحت الدرفس

و عراك الرجال بين يديه   وفي خفوت منهم واغماض جرس

هذه المقاطع الشعرية تعطينا انطباعا واضحا بان فن التصوير كان منتشرا في العراق وليس هناك توقف عن ممارسته وان الفنان المسلم كان يرسم للملوك والامراء وطبقة الاغنياء والاشراف وان التحريم لم يطبق في تلك المرحلة رغم تشديد الفقهاء.. 

اللون عند حنوش

ان اول ما يجذبنا الى اعمال حنوش الاخيرة هو اللون فهو يشكل الواجه الاولى للمتلقي حيث تتوزع الالوان على سطح اللوحة بغنائية جميلة وعذبة وتنتشر على شكل بقع مسطحة او اشكال هندسية متناغمة فيما بينها واحيانا متباينة... واللون كما هو معروف عنصرا مهما لتأكيد المشاكلة في الصورة وانه يستخدم احيانا بشكل رمزي كما هو عند الفنان البدائي والطفل، حيث توضع الالوان كما هي حارة ساطعة ومباشرة، وقد انتشر هذا اللون من الاستخدام في العصور الوسطى، كما هو عند الفنان الايطالي جيوتو الذي ذكرناه سابقا حيث نجد في اعماله نوع من البراءة والرومانسية.. كما نجد في الاسلوب الرمزي حرية وبهجة مونقة وجمالية والاستخدام الخالص والنقي للالوان.. واللون النقي نجده مستخدما في المنمنمات الاسلامية مثل مدارس بغداد وشيراز وهرات وتبريز وغيرها.. وحسب المؤرخ المصري لطفي صالح بان اللون في الفن الاسلامي يأخذ دور المتعة والزخرفة.. وكما هو ايضا عند زعيم المدرسة الوحشية ماتيس حيث كان في رسومه والوانه يبحث عن معاني الجمال مما دفعه ذلك للعيش فترة من الزمن في بلاد المغرب لدراسة الفنون الاسلامية، وبالتالي شكل مدرسة جذورها اسلامية.

 ونحن نعلم ان النفس تميل الى الكمال والجمال لهذا فان فلسفة الجمال في الفن الاسلامي قائمة على مدى تأثير الفن على النفس الانسانية حيث يجعلها شفافة نقية تبتعد عن كل ممارسة قبيحة وسيئة، ومن هنا جاءت الدعوه الى التجمل لما له من اثر في العلاقات الاجتماعية...

ونجد الالوان عند حنوش تثير الحسية والبهجه وقد رتبت بتذوق جمالي راقي يعيشه قلب الفنان.. ويقول المفكر الانكليزي راسكين (اللون يقصد من اجل الراحة الدائمة للقلب الانساني وبهجته).. ولم يبخل حنوش في منح اللوحة ثراءا لونيا يثير المشاهد عاطفيا وذهنيا فاصبحت لوحته تتمتع برقة وغنائية جميلة.. وفي هذا النحو يقول سيزان كلما كان العمل الفني ثريا بالالوان ازداد تكاملا...

 وعند التأمل الى الوان حنوش نجد انواع من التباين وليس التنافر بمعنى هناك وجود الوان هادئه الطبقات الى جوارها او يحيط بها الوان عميقة وقوية وهذا التباين لا يمنع من الانسجام والتوافق بينها، بحيث يعطي التأثير الجميل في الشكل العام، وهو ما يدعوه الجماليون بشاعرية الالوان وغنائيتها.

92 ابو زيدون حنوش 3

الخط عند حنوش

الخط واللون والمساحة هي المرتكزات الاساسية التي يبني الفنان عليه عمله، فالخط عند حنوش ليس عشوائيا بل يعبر عن تأليفات ايقاعية وجمالية تنسجم مع غنائية الالوان منفذ بذههنية هادئة تحسب حساب لكل خطوة. فالاشكال ترسم بطريقة بسيطة كما هي عند الفنان البدائي الذي نرى فيه الخط يلعب دورا كبيرا في تحديدها. ولكن هذا الخط تختلف ايقاعاته وانسجامه من شكل الى آخر حيث يتطلب جهدا ابتكاريا للوصول الى القيم الجمالية دون ان يتورط في الانحدار الى التشويه التي تحط من العمل. احيانا نرى الخط غير مكتمل في تحديد الشكل او اطرافه وكأنه يغوص في اللون وانغامه مما يعطي انطباعا بالترابط العاطفي بين الخط واللون.

و يعتبر الخط من اهم العناصر في الفنون المرئية. قال الفنان الانكليزي بليك كلما كان الخط المحدود مميزا ازداد كمال العمل الفني. كما قال الشكل الاغريقي شكل رياضي والشكل القوطي شكل حي، فالشكل الرياضي خالد في الذاكرة والشكل الحي وجود ابدي، ونحن نعرف بان الخط الغوطي فن خطي وكذلك الفن الاسلامي يمكن ان نقول عليه فن خطي، وبالتالي ندخل في احياء الشكل الهندسي والذي نرى فيه نزعة روحية او صوفية. وكما ذكر افلاطون بان الخط والدائرة والمخروط لها جمال مطلق، من هنا برر الفن الحديث وجوده وبحثه لما وراء الاشكال.. ونحن اليوم نعيش مدرسة حديثة تسمى المدرسة المفاهيمية والتي يتزعمها انتونيو تابيس ذو النزعة الصوفية حيث جعل الفكرة تعلو على الشكل وجعله في خدمتها..

يبني حنوش اشكاله ومواضيعه بناءا عموديا كما هو عند فنان المنمنمات، فنرى الاشكال موزعة على سطح اللوحة توزيعا ذهنيا وعائمة بين الالوان ويكون النظر اليها كمنظور الطائر فالجميع تحت النظر، كما نرى في اللوحة ايحاءآت لمواضيع كثيرة تستوقف المتلقي، واحيانا مزدحمة بالافكار.. يضاف الى ذلك يرسم بطريقة ايجازية مختصرة جدا وبرمزية صوفية فهو يختصر التفاصيل دون ان يكون ذلك له الاثر السيئ الذي يشوه الشكل العام. ومن صفات الصوفي هو التقشف والتقليل من الزاد والملبس.. هذه الاشكال الرمزية منفذة بطريقة تلقائية هاديئة جميلة تتدفق من اعماق ينبوع مشاعره واحاسية دون مشقة او تعب، فهو يرسم اشكاله بواقعية تخطيطية حرة مفتوحة على خلفية لونية معدة مسبقا، وعادة ما نرى بعض المواضع مستنبطة من التراث العربي والاسلامي.

و اذكر حكاية للفنان الفطري هنري روسو حيث يقول (ليس انا الذي يصور ولكن شخصا آخر يمسك بيدي عند التصوير) ويعني بذلك تلك التلقائية والبراءه التي صدر عنها انتاجه الفني في التصوير وتلك المشاعر الدفينة التي تحرك الرسام.

 السيرة الذاتية

ابو زيدون حنوش ولد في مدينة الكوفة عام 1958، ودخل معهد الفنون الجميلة في بغداد وتخرج منه عام 1979، ثم سافر الى ايطاليا لتوسيع دراسته بعدها حط في اسبانيا عام 1981، ودخل كلية الفنون الجميلة في مدريد عام 1982، ثم حصل على شهادة الدكتوراة وكانت اطروحته حول فن الواسطي عام 1992. اقام 38 معرضا شخصيا وعشرات المعارض الجماعية، كما حصل على 37 جائزة تقديرية بالاضافة الى المنح الدراسية التي حصل عليها من الحكومة الاسبانية.... وفي عام 2017 حصل على الجائزة الاولى لمسابقة جرت في مدينة بلاسينثيا Plasencia التابعة الى محافظة قاصرش Cáceres الواقعة جنوب غرب العاصمة مدريد. وقد اشترك في هذه المسابقة اكثر من 150 فنانا. اللوحة تحمل عنوان – الحلم الثالث – بمقاييس 150 في 150 متر..

ابو زيدون حنوش حاليا مقيم في مدريد ويمارسة عمله الفني والثقافي.

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4798 المصادف: 2019-10-25 10:09:13