ملف: مصداقية المرأة في العمل السياسي

نساء من بلادي

hanaa alqatheiأذكرها أنيقة بزيها الكردي، طويلة القامة، نحيفة الوجه تشبه صديقنا كاكا علي بدرجة كبيرة (أو ربما يجدر القول أنه هو من يشبه والدته).

كانت) عائشة خان (سيدة أميّة لاتجيد القراءة والكتابة و(علي) هو وحيدها وصغيرها الذي لم تهبها الدنيا غيره بعد وفاة زوجها شاباً.

كانت تحلم بأن يكمل علي تعليمه ويصبح شخصاً مرموقاً تفخر به يعوضها حرمانها من التعليم.

بعد سنوات أنعم الله عليها بزوج طيب صار بمثابة الأب لوحيدها.

رغم أننا كنا من بغداد لكن علاقات الطيبة والموّدة كانت تربطنا بالعديد من الأسر الكردية في مدينتي السليمانية وسرجنار، لكنهم بالذات (أقصد عائلة كاكا علي) كانوا مقربين لنا لكون علي صديق أخوتي الثلاثة كما أن زوج والدته كان موظفاً حكومياً يعمل مع والدي في معمل الأسمنت آنذاك.

كانت تلك سنوات من طفولة تشبه الأحلام قضيناها في سرجنار شمال الوطن، حيث كانت الطبيعة ساحرة والحياة تنعم بالصفاء

كنا نتجمع صغاراً صبية وبنات نلعب ونلهو حتى مغيب الشمس، لم نكن نعرف معنى الطائفية ولا الكراهية.

حين اندلعت انتفاضة الأكراد في شمال الوطن في حقبة الستينات انقلب الحال رأساً على عقب، فجأة اختفت كل ألوان قوس قزح، وخيّم جو من الحزن والحرب في المكان.

عائشة خان وغيرها من الأمهات كنّ خائفات على أبنائهن من القتل والإبادة.

ذات مساء، سمعتُ والديّ رحمهما الله يتمتمان بأشياء لا أفهمها لأنني كنت صغيرة السن آنذاك، لكني لا أنسى أبداً ذلك اليوم حيث قرر أبي أن نرحل مع والدتي إلى بغداد حفظاً على سلامتنا

لأن الوضع بات غير آمن على أن يلتحق بنا فور صدور أمر نقله إلى بغداد.

في صباح ذلك اليوم جاءت عائشة خان تصحب علي معها لبيتنا وكان وجهها ذلك اليوم منطفئاً نوره مهموماً حزيناً.

أمسكت بيد والدتي ووضعت يد علي فيها وقالت:

منذ اليوم علي ابنكم يا فاطمة خان وفي عهدتكم وقلبي مطمئن وسعيد لأنه سيكون بينكم.

ضّمت والدتي لحضنها وأجهشتا بالبكاء، وبعد بضع دقائق تحركت السيارة لتهرب بنا باتجاه بغداد حيث لا نار حرب ولا صوت رصاص.

ابتعدت السيارة وطيف عائشة خان كان يتضاءل شيئاً فشيئاً.

سنوات مرّت ووالدتي لاتفرق علي عنّا، تغضب لو قام أحدنا بمشاكسته كما يحصل مع الصغار، منحته دفء العائلة وكان أخاً لنا نأكل ونشرب معاً.

أكمل كاكا علي دراسة الموسيقى في معهد الفنون الجميلة، حقق حلم والدته ثم عاد إلى سليمانية ليعمل مدرساً في مدرسة ابتدائية وظل يتدرج في عمله حتى أصبح مديراً للمدرسة.

والدته السيدة الوقور ظلت تذكرنا بالخير وتمطرنا بدعواتها الطيبة ولا تنسى المعروف الذي قمنا به عن طيب خاطر وصفاء نية حتى توفاها الله برحمته.

لغاية اليوم نتواصل مع كاكا علي الذي تزوج مثلنا ورزق بالأولاد.

وأنا لهذه اللحظة لاتفارقني صورة المحبة بين والدتي وعائشة خان، هما صورتان للطيب والنقاء والوفاء الذي تتحلى به نساء وطني الجميل.

 

د. هناء القاضي

22-2-2014

 

للاطلاع

ملف: مصداقية المرأة في العمل السياسي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

حبيبتي الغالية هناء
باقات ورد لكِ
غرس الطيبة فينا ويبقى كذلك
محبتي

ذكرى لعيبي
This comment was minimized by the moderator on the site

ما أجمل ذلك الزمن العراقي الذي ولى
د هناء القاضي
سرد جميل....لزمن جميل
كل عام وأنت بخير
محبتي ومحبتي

فاطمة الزهراء بولعراس
This comment was minimized by the moderator on the site

الأديبة القديرة ذكرى لعيبي
نعم يا سيدتي أهالينا كانوا يزرعون فينا الطيب والمحبة ، يعلمونا الرحمة التي فقدت في هذا الزمن الصعب . صباحك ورد

د هناء القاضي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأديبة الأستاذة فاطمة الزهراء بولعرس
أتذكر تلك الأيام وأحزن حين يتغيّر الوقت ، وتتغيّر النفوس وكأن غرس الطيب بات مفقودا . صباحك خير وبركة .تحياتي وتمنياتي لك بدوام التألق .

د هناء القاضي
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزتي المبدعة د. هناء القاضي
الطيبة تنبت في القلوب الخصبة بالمحبّة.
لو بقيت القلوب خصبة لما هاجر الخير والجمال من أوطاننا.
أشكرك على تلبية الدعوة والمساهمة بحروفك الرقيقة
محبتي وتقديري

ميّادة ابو شنب
This comment was minimized by the moderator on the site

القديرة ميادة ابو شنب
اصرارنا على الكتابة هو تحدٍ وصرخة كل امرأة ترفض ان تكون في الظل ،مهمشة ومسحوقة .الحقوق التي منحها ديننا الحنيف للمرأة فعظمّها بها .. للأسف بتنا نفقدها كلما دارت دوائر الوقت .
عزيزتي .. انا التي سعدت بدعوتك الكريمة . وفقك الله لما فيه الخير.

د هناء القاضي
This comment was minimized by the moderator on the site

نعم ... كان زمن الصفاء حين كان الجميع يتعانق بالدعاء ويفترق على وئام
اعدتينا الاديبة الغالية د. هناء القاضي الى أيام زمان نقيا تفيض ساعاته محبة ورافة وحنانا
دمت بخير وامان ومسرات

حسن البصام
This comment was minimized by the moderator on the site

القدير حسن البصام
في داخلي أشكر الله اني نشأت في بيت علمونا فيه معنى الطيبة والأمانة ومخافة الله ، والجار ..ثم الجار ، مُثل أهل العراق الطيبين . الخير بالتأكيد لازال موجودا ولو خليت ..فنيت .
تحياتي وامتناني لمرورك أخي القدير.

د هناء القاضي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2741 المصادف: 2014-03-08 10:04:46