ملف: مصداقية المرأة في العمل السياسي

نرجسات للمرأة القاصرة

bushra albustaniنحن الذين أعطيناهم مقاليدَ النص

ففسروه في العتمة

 

 


نرجسات للمرأة القاصرة / بشرى البستاني

 

وأقولُ علمني من خفاياك

أيها المعنى المخاتلُ، الكامن في الزوايا،

وفي جيوب المعاطف الملونة

علمني...

من أودية الحكمة المحفورة بمعاول التجارب المُرة

لكن لا تعلمني

من قال لك إني أريد أن أتعلم

إن لديَّ من عذاب العلم ما يكفي

ومن مرارة المعرفة ما ملأ فمي دما

ففي عصور اللبلاب تتحول المعارفُ لعلقم

لست أنا من قالت ذلك

فأنا امرأة قاصرةُ عقل لا تصدر عنها الحكمة

ولا تطمع أن تقود نجمتين

وإن كنتُ قد منحت المئاتِ من الرجال شهاداتٍ عليا

وأعطيتُ الآلافَ منهم ورداً ومعارف

وتصدرتُ المئات من مجالس المعرفة

ولمجلسي يتسابق طلابُ العلمْ

وينحني الرجال إجلالا..

لكني بالرغم من ذلك قاصرةُ عقل

قالها لي رجلٌ بكيدْ،

ابتسمتُ

وحين سألني لمَ لمْ أغضبْ

أجبتُه بألفة: لأنه لم يكن كاملَ عقل..

قال: أنتِ داهية

ابتسمتُ مرة أخرى..

كان يطمعُ بجدلْ

لكنه صمت كليا إذ نظرت إلى السماء قائلةً،

لن تمطرَ، فالغيمةُ عقيمةْ..

نعم، الغيمةُ عقيمة

والوعيُ بعلقمها دمار

و"المعرفة تحرق المحبة" *، لم أقلها أنا كذلك

بل قالها رجلٌ يحقُّ له أن يقولَ الحكمة

رجلٌ عاش وحيدا ومغتربا وغريبا،

وملتاعا بغيابي

أنا الحقيقةُ / السر

الذي لو فتحتَه انكسرَ وضاعتْ مفاتيحهْ..

وهو إذ أدرك ذلك فتح بغربته المغلقَ والمتفرَّدَ

باحثا عني.

وبعده قالها رجالٌ آخرون..

بوجعٍ كذلك..

لكنه وجعٌ من طراز جديد

"المعرفة فاجعة العصر"

فبالمعرفة قتلنا الحب

بالمعرفة فارقنا وردةَ الحياة

بالمعرفة تجنبنا الذنوبَ الصغيرةَ الزاهية

بالمعرفة حولنا الماضيَ المزهرَ إلى تماثيل

بالمعرفة أقمنا نصبَ الحرية الذي يلهمنا العذابَ

في كل نظرة

ويعلمنا المزيدَ من أسئلة الحرية

وما أدراك ما الحرية...!!

وماذا سنفعلُ بالحرية ونحن معتادون على السياط

وظهورنا غدت جلد شاة مسلوخةٍ جفَّت خلاياه

الحريةُ أن تتنفس..

لكن لماذا تتنفسُ وفضاؤك متخم بالتلوث

ومغرورقٌ بالدم وملعونٌ بالصراخ

بالمعرفة رسمنا الجرنيكا التي تأخذنا لهابيل وقابيل

لماذا قتل هابيلَ قابيل ..؟

آه.. أعرف لماذا قتله، أعرف

لكن لا أعرفُ... كيف..!

ولماذا أريد أن أعرف..كيف..؟

ما دامت طرائقُ القتل كثيرة..

لكنها تؤدي لهدفٍ واحد...

فواحدٌ قتلني بالحبْ

وآخرُ قتلني بالسيمياء

وثالثٌ قتلني بالصمت

وآخرون قتلوني لأني كنت أسيرُ سريعا

وجاك دريدا ذبحني بالتفكيك

فقط لأني قلت له...

حواريةُ جادامير أصلحُ من تقويضك

وأكثرُ رأفةً بالبشرية من الهدمِ

والبحثِ عن فجوات الصراع

لماذا أريدُ أن أعرف..

مادامت المعرفةُ ظلمةْ

والظلمةُ سيزيفية

تصعدُ وتهبط

تهبط وتصعد

تتساءلُ عما فعله بنا سقراطُ ومن بعدُ تلاميذُهْ

هؤلاء الذين حشروا أنوفهم في كل شيءْ

وعلمونا الإرهاقْ

ولذلك أهربُ منهم

اهربُ من أفلاطون وأرسطو

ذاهبة لهيدجر وباشلار

حيث ينفتح العالمُ أمامي كي يتشكلَ من جديد

بإرادتي هذه المرة

لكن، كيف أذهبُ وإرادتي مسجونة

ومكبلةٌ بالسلاسل...؟؟

فهيدجر لا ينسى أن يأخذك للعذاب كذلك

هيدجر يعلمك أن الحرية ارتقاءٌ وتميزٌ واختيار

ورفضٌ لقوانين الرعاع

هيدجر يعلمك الهدمَ كي تجيدَ البناء

يمنعك من المكوث في لحظة مقفلة

إنه يأخذك إلى التفرد والصحوة

لكن، أين المفرُّ من الرعاع

إنهم يفتحون فمَ الهاويةِ ليأخذوك إليها

ويقودون معارك الانتصار الخاسرة

إنهم يُشعلون جذورَ الجريمة

ينسفون الجسورَ كي لا تصل

الرعاعُ يحركون مفاصلَ الحياة التي فارقت الحياة

يستنسخون التاريخ بصورٍ مشوهة

والتاريخُ يختنق بأيديهم

يكممون بؤرهَ المضيئة ويقفلون نوافذهْ

يحرقون كتبَ ابن رشد مرة أخرى

ويجلدون ابن حنبل

منتظرين البرابرة مع "كافافي"

الرعاعُ يمنعونك من العبور

ينصبون في طرقك العسسَ والسدودَ والعساكر

والحواجز الدموية والكونكريتية

الرعاعُ يمنعونك من الوصول الى الجامعة

والمصنع

والحقل

والمدرسة

والى رياض الحياة

الرعاع يمنعونك من الهمسة والبسمة ومن نظرة أليفة

ويجبرونك على العيش في قبور غابرة

مهرولا من ليل إلى ليل

الرعاعُ، الرعاعُ، الرعاع

يقول طالبي الجميل

نحن الذين أعطيناهم مقاليدَ النص

ففسروه في العتمة

وكسروا مستوياته بالهراوات ومقامع الحديد

وأشبعوا دلالاته سُماً

وكان علينا ألا نمنحهم فرص تقطيع أوصالنا

وعند ابن رشد فصل المقال..

طالبي يقول..

أنت يا أستاذتي سيدة مترفة

حديثك عن الفئات مجروحٌ بالطبقية

وشعركِ وان كان مكابدا

إلا أنه طافحٌ بالورد والحرير

وأقول، لكنك تكاد تلاقيهم بمنطق الأشياء لا باشتعالها

فالورد والحريرُ إغراء بالجمالِ كي يتجلى،

وغواية بالعبير كي يفوح

ودعوة للخروج من المحنة

ومن غوغائيةُ الرعاع خنجرِ نبل الحقيقة

تلك التي ضاعت بين طعنة وطعنة.

حيث يذبل علمٌ وحبٌ كبير.

.....................

 

نداءات هيدجر أرتني النجوم في عز الظهر

هيدجر يريد ان نمشيَ على الماء دون تصوف

يريد ان نسكرَ بلا خمر

يريد ان نفتح غموضَ الأرض دون ان نمتلك مفاتيح التأويل

هيدجر يريد أن نشعل زَرَدَ الماء شموعا لغدٍ يأتي

ونحن بلا غد

هل يعرف هيدجر أننا بلا غد..!

نعم أيها الألمانيُّ الواثب..

نحن مخلوقاتٌ بلا غد

فقد توقف الزمنُ فينا من ألف عام

بعد أن بنينا أول المدن في التاريخ قبل سبعة آلاف عام

وأجرينا دجلة والفرات زلالَ محبة

وغنينا للإنسانية أغاني البهجة

وعلمناها العذوبة

وبعد أن نسجنا خيوط الحضارة وكتبنا الملاحم

وعلّمنا أنكيدو كيف يفتح للحدائق ذراعيهْ

فماذا سأفعل بنداءاتك الحميمة

أنا العراقيةُ المفتونة بأبجدية الحضارة

لكن... وسط الرعاع.

 

...................

*العبارة للشيخ النفري.

 

للاطلاع

ملف: مصداقية المرأة في العمل السياسي

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

ابتسمتُ

وحين سألني لمَ لمْ أغضبْ

أجبتُه بألفة: لأنه لم يكن كاملَ عقل..

قال: أنتِ داهية

ابتسمتُ مرة أخرى..

ـــــــــــــ
نعم الكثير من رجالنا مخجلون حقاً حتى تحس أن العقل الذي يمتلكونه يحس بالغربة العميقة والوحشة وهو يسكنهم بل هو منفي فيهم كعقوبة لا يدريها !
أطيب تحياتي وتقديري

سامي العامري
This comment was minimized by the moderator on the site

بعد التحية والسلام أقول :
كيف لنا ان نحول المعرفة الى مكون ابداعي، كيف لنا أن نختزل أبجديات تحققنا المعرفي ، لنزاول شروط إنسانيتنا ،عبر هذا الخيط الرقيق من الأحاسيس، ليتنا نتحدى لغة الوهم التي تحدنا، لنستعيد بناء الحياة ؟

تحيات معطرة بالإحترام لروعتكم.

عقيل

عقيل العبود
This comment was minimized by the moderator on the site

الزميل المبدع الاستاذ عقيل العبود

تحيات ومحبة
شكرا لجمال وعيك بدور المعرفة الايجابية في بناء الحياة

لكنا ندرك معا أن المعرفة إذ تكون أداة بيد الطغيان والاستلاب في عصر مادي

يفتقد القيم ، ويتعامل بالنار والعنف والدم ، فإنها ستتحول وبالا على الانسان ، لا عامل بناء لبهجته وفرحه وتوفير أمنه وحاجاته الأساسية كي يبدع ويحرص على

تشكيل الجمال ..

تحياتي وخالص اعتزازي

بشرى

بشرى البستاني
This comment was minimized by the moderator on the site

الصديق المبدع الاستاذ سامي العامري ، شكرا لاستقبالك الرائع لمقاصد النص ،

وتحية احترام لكل الرجال الذين يتعاملون مع الحياة بوعي وتأمل ، وهل الحياة غير امرأة ورجل يتحاوران بمحبة وانسجام ...؟

بشرى البستاني
This comment was minimized by the moderator on the site

الصديق المبدع الاستاذ سامي العامري ، شكرا لاستقبالك الرائع لمقاصد النص ،

وتحية احترام لكل الرجال الذين يتعاملون مع الحياة بوعي وتأمل ، وهل الحياة غير امرأة ورجل يتحاوران بمحبة وانسجام ...من أجل حياة تليق بكرامة روح الانسان

لك مني خالص الشكر والاعتزاز

بشرى البستاني
This comment was minimized by the moderator on the site

وبعد أن نسجنا خيوط الحضارة وكتبنا الملاحم
وعلّمنا أنكيدو كيف يفتح للحدائق ذراعيهْ
فماذا سأفعل بنداءاتك الحميمة
أنا العراقيةُ المفتونة بأبجدية الحضارة
لكن... وسط الرعاع.
---------------------------------------- إذاً هو ذا بيت القصيد ..... الدكتورة البستاني حياك الله ورعاك متمنيا لك دوام الصحة والعافية ودوام الابداع وكل الذي اتمناه للمرأة بذكرى يومها ان يعم السلام والاستقرار في بلداننا لتنصب الجهود في ترميم ما يمكن ترميمه ويلتفت الجميع الى معالجة كل المشاكل الاجتماعية بما ينفع طرفي الحياة .... تحياتي مع ارق المنى

حمودي الكناني
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزتي الشاعرة بشرى البستاني
إن لديَّ من عذاب العلم ما يكفي
ومن مرارة المعرفة ما ملأ فمي دما
انكشاف عوالم المعرفة يزيد الانسان قلقاً وإحباطاً ، وخاصة المرأة لما تعيه من جور وطغيان مقارنة مع حقوقها كإنسان. لكنه بلا شك أفضل من الجهل.
باقة من أزاهير الامتنان لمشاركتك في هذا الملف، وكل عام وأنت والوطن بسلام وأمل
محبتي وتقديري

ميّادة ابو شنب
This comment was minimized by the moderator on the site

المبدعة الغالية ميادة أبو شنب
وصلتني باقاتك الوردية عطرا ومحبة
نعم ، الوعي بكل عذاباته المصاحبة موهبة ونعمة ، إنه منتج الفكر والابداع والعلم والفلسفة ، وهو ما يميز الانسان عن المخلوقات كلها ، وما سما به عليها جميعا ، أدعو أن تحتفظ المعرفة بمقاصدها النبيلة في إسعاد الانسانية نساءً ورجالا وطفولة ، وألا تنشغل بصنع الصواريخ والمتفجرات ،،،،وخيام اللاجئين
شكرا لكم ، وممتنة لحرصكم على مشاركتي ..
كل آذار وأنتم وأسرة المثقف بخير وإبداع

بشرى

بشرى البستاني
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2741 المصادف: 2014-03-08 10:54:36