ا. د. ابراهيم أبراش
محمد عبد الكريم يوسف
د. صادق السامرائي
وداد فرحان
ميلاد عمر المزوغي
فراس الغضبان الحمداني
د. محمد فتحي عبد العال
د. معراج احمد الندوي
د. صادق السامرائي
عبد الخالق الفلاح

ريشة مصدق الحبيب بين دلاء نساء الغراف وعاريات منهاتن / ماجدة غضبان

majeda gathban

لن تشم رائحة البارود، ولن تفجع بقطرات الدم ايها الداخل عوالم الفنان البروفيسور د.مصدق الحبيب الملونة..

لن يكون في استقبالك سوى الالوان الرائعة التنسيق والاستدارات المثيرة.

تجرد من اسلحتك التي حملتها منذ اكثر من اربعين عاما، واخلع قدميك الداميتين وانت تسير قاطعا درب الهزيمة من الكويت الى حيث تقيم في العراق، ومزق ثيابا بليت تحت اسواط تتوالى على نسيجها المهتريء لتحيلها الى كساء من الالم، فقد اجتزت الآن حدود الشرق الساخنة بشموسها، ودخلت عتمة لن تعرف لنفسك فيها مسلكا، ولن تسندك عليها قاعدة، ولن تجد لك فيها جدارا يستقبلك دون لوحة تشعرك بالاغتراب، وتقل لك قف مكانك حتى تزول ندوب تعذيب قصر النهاية(1).

بعد ان تطيب نفسا، وتبرد حرقة دموع الحزن التي صاحبتك دهرا، وعيناك تغازل الالوان التي لم تشهدها حتى طفولتك..تقدم الى الامام..و كن شجاعا، لتنسلخ كما فعل الفنان د.مصدق الحبيب عن جلدك الغرّافي او المنتمي لأي عرق من عروق دجلة والفرات، ولا تقل ذلك شأن الافاعي فما عرفنا للثعابين فنا سوى اللدغ ولست باقل من غيرك لتفعلها، فقد سبق لمن امطر روحه الوانا ان نزع جلده دون الم، وظل يحمل هيئته البشرية، ويصول ويجول في ما يخص الشأن العراقي او العربي، ولوفائه سمات لا تنكر.

ان استطعت تحويل المستحيل الى ممكن، ستقف الى جانب الفنان مبتسما، وانت ترجوه ان تلتقط معه صورة، وان نظرت في عيني محرجا مجروحا دامع العينين فلا تلمني لانني قلت فيه ما سأقول.

انا مسحورة به كما انت، فمن ير الالوان كل يوم يرسمها، ومن ير الموت لن يحتاج لونا لرسم القبور..و ليس عيبنا اننا لا نملك الالوان بل هو ذنب القبور التي احاطت بنا من كل حدب وصوب حتى اصبح الرحيل الاخير مغنما والدفن مكسبا لمن لم تاكله الكلاب الضارية او يختفي دون اثر يذكر.

 

الفنان د.مصدق الحبيب لا يملك من القوة ليفزعك بلوحات "السلفادور دالي" ولن يبهرك بتفاصيل خفية لا تكتشف الا بعد قرون كشيفرة "دافنشي" واضعا اياها في كل لوحة، كما انه لن يموت امامك كمدا متجاوبا مع اخبار عراق يذبح كما حدث مع "جواد سليم" حين اوقف نبض قلبه اصرار "الزعيم الاوحد" على وجود وجهه وسط نصب الحرية..لذلك عليك ان تدخل بثقة مطمئنا ان الجدران لن تهتز للوحة تشجيك، كما لن تهتز الريشة لترسم سنينا دهستها ارجل الطغاة اتسمت بها قسمات وجهك، ولن ترتعش يد تحملها فهي لن تفعل..!!.

هل لك ان تؤمن انك في قبو الصمت وليس "قبو البصل"(2) ؟؟؟؟؟.

لا مكان للايمان حيث تتحرك ظلال قدمين جزتهما الحروب ولا وجود لليقين..هنا تفتح النوافذ على اتساعها لا لتشعر بالحرية، بل لتعرف انك ابدا لم تصاحب سوى الزنازن، وان من يقيم هنا لا يسمع صرخة سجين، ولا يرى دموع اطفال الحصار المنكوبين جوعا ومرضا ولوعة.

ربما سترى شيئا من آثار سومر وبابل ولوحات خطوط عربية تشعرك فجأة انك مع رجل يعرف تأريخ العراق ويجيد العربية ويمارسها فنا ونقوشا مجردة وسواها يجهل..

خلف الخطوط والنقوش الاسلامية لن تعثر على ناطقين بها.. سترى فقط انها سرقت منهم كفسيفساء ثمينة تجمل بها اجواء تجهل منبعها، لتستقر هنا في هذا المكان دون انتماء لاصحابها..يتيمة ساحرة ذابلة مغتربة الجذور، يرمم تشقق شفتي رمضائها صانع لا يبخل باللون المبهج وسريان نبض لا يخفى على عين الجاهل والخبير.

ان توغلت اكثر سيفتح باب الحريم، وسيرمى بالعقال والكوفية ارضا وكذلك الدشداشة، وتداس ملابس الفلكلور الشعبي من (جرغد وشيلة وعباءة) ووشم كانت تتجمل به امهات العراق قديما.

ستختفي الاقواس والشناشيل والدروب الضيقة والنساء الحاملات لاطفالهن، وتحضر بكثافة شديدة المنحنيات اللينة، وسيلتصق الاستبرق والسندس على بعض المرتفعات الانثوية الملساء قبل ان تبلغ الفردوس، وما ذلك ليغطي اجساد الحسان بل ليضيف على المشهد اثارة يسيل لها لعاب شهريار بماركة امريكية رائجة اكثر من غيره.

ربما ستتذكر اثناء ذلك كيف ينحني اطفال وادي الرافدين على مستنقع ماء آسن ليشربوا منه، او كيف تتطاير اشلاؤهم في انفجار مفخخة، وربما يخطف لونك شقاء نساء الغراف وهن يحملن الدلاء، ويشربن واسرهن ماء غير صالح لغسل الثياب لشدة تلوثه بنفايات ثلاث حروب..ربما ستشهد كابوس طوابير النساء تحت الشمس الحارقة امام مركز بيع الغاز او النفط او الماء حين لا يكون في الحي كله سوى حنفية واحدة يحتشد حولها الجميع كما يحتشد النمل حول قطعة سكر..ربما ستتذكر العوائل التي تسكن تحت الجسور في العراء..و قد تنتحب حين تتذكر كم من عاهرة عراقية رأيت في دول العرب وانت تتوجه صوب الولايات المتحدة الامريكية تحمل شهادة جامعية بيعت في سوق النخاسة، واصبح اهل الخليج يتناوبون عليها كفنجان قهوة خلال سمر خيامهم البدوية، يحزون قلبك باذلالها، وانت صاغر غير معترض في انتظار تأشيرة الدخول او الخروج من والى مطاراتهم..

ربما سيمر هذا الشريط الدامي امام عينيك لحظة تنتقل عيناك فزعة بين عري نساء الفنان د.مصدق الحبيب واجسادهن المرمرية و(ما قل ودل) من ملابسهن المطابقة لذوق المواقع الجنسية ونوادي التعري الامريكية..و قد تشعر ان "مس بيل"(3) لم تكن لتفعلها فهي اشد اخلاصا لامبراطورية لا تغيب عنها الشمس كما هو "لورنس العرب"(4)مع انهما مجرد جاسوسين نشعر حيالهما بالاحتقار وما كان ليفعلها "مارتن لوثر كنغ"(5) الاسود لو تمكن من مسك ريشة والوان وكان له باع في الرسم ناسيا قومه وقضيتهم وراميا ببراعته وقدراته الفنية في مستنقع غرائزه مستخدما النصف السفلي من جسده دون العلوي كريشة بارعة في تحسس المستدير والمثير مدعيا ان ذلك جزء من مشروع الحلم الامريكي وشيئ من تحرر الذات البشرية من كل قيد يشدها نحو الخلف.

ستقول لنفسك انها لوحات جميلة لو كان الفنان امريكيا من اصل اوربي، فقد تكون المرأة كذلك في بلدانهم..غيران هباب طلع النخيل ورائحة القداح وخبز التنور الحار ستحاصرك، وسترى رغما عنك وجها عراقيا موشوما لأمرأة عجوز وهي تجمع بضعة عظام بخرقة بيضاء، وتأمل انها عظام ولدها..سترى وجوها اختفت بصمت، ووجوها ستفقد، والصمت ازاء ما يهز العراق ويفني اهل ارض السواد يحيل معرض الاجساد الرخيص الذي تفتعله ريشة عراقية مجحفة بحق اهلها الى مقبرة تدعي الحياة معتلية موتانا.. اذ ذاك لن تجد بدا من اطلاق صرخة محملة بإعصار يحمل ثقل اربعين عاما من الالم.

و قد تقول كما افعل الآن:

ان هذا ليس بمعرض لوحات متحرر من قيود حريم الشرق بل اعتراف بشرعية جز رؤوس ومحو تأريخ واقدام على خيانة عظيمة لكل ذرة عراقية طافت في المتاهات، لكل نأمة صدرت من حي يدفن ومن سجين في الظلام ومن طفل يحتضر في مستشفى لا تتوفر فيه اداة حقن واحدة لعلاجه.

 

 

الجمال غنى للنفس حين تتوفر اسباب الحياة وهو قبح حين يعاني المرء وينحدر ألقه كدمعة جافة بلا ضميرعلى ريشة حاملها.

لابد من الاعتراف ان الانسلاخ قد تم، وان جمالا لا يتغنى بارض الصبا هو فعل لا يتناقض مع فعل ابي رغال والمستنسخين عنه، وجميعهم من حملة الشهادات ومدعي الديموقراطية، ويحملون جنسيات بلدان رسخت فيها مباديء احترام الحريات والحقوق المدنية، مازالوا يدوسون باقدامهم رأس كل عراقي يرفع رأسه هاتفا بكلمة لا.

شيمة العطاء الفني الوفاء للحقيقة واعلانها جهرا، وان اتصف بغير ذلك فعلى مبدعه ان يخبيء نتاجه داخل جدران بيته لانه موقف ذاتي ويخصه وحده، ولن يحرك فينا ساكنا واهل العراق يعيشون هجيرة تموز وآب تسع شهور من العام دون كهرباء ودون ماء صالح للاغتسال قبل الشرب، ويموت 75% منهم بسبب تفشي السرطان في اجسادهم الذي لا يستغرق اكثر من اسبوعين ليطيح بالضحية..

و ان هذا ليثير في نفس اي غيور مخلص ومحب لوطنه سخطا عظيما عمن نام قرير العين و"جاراته غرثى يبتن خمائصا"(6) وهو يلون اجسادا بليت لكثرة ما طليت بمواد التجميل والتلميع والتمليس وعمليات شد البطن والصدر والورك.

الفنان د.مصدق الحبيب يختصر المرأة في جسدها، ويجردها من انسانيتها ليس هذا فحسب بل هو يهبط بريشته الى مستوى انتاج المجلات والمواقع الجنسية المبتذل فيحاكيها دون الالتفات الى القيمة الفنية التي ينطوي عليها وجود المرأة وعطاؤها الجمالي كواقع فعلي مجسم.

لوحاته تعجزعن تصوير الحب فقد سبق له بتر ما لا يبتر..تعجز عن العودة الى المنشأ وهو مضمخ بعار عراقيته واسلامه بالولادة وتراثه الذي لا يضيف له قيمة انسانية في مجتمع يحتقر العرب المسلمين، وعوضا عن تصديه للاحتقار والتعريف بحضارة الغراف الذي شقه الانسان السومري بيديه وقد ترعرع هو نفسه على ضفافه في بلد يقطنه لا جذور حضارية له يرتد البروفيسور الحبيب منتكسا ومنطويا على نفسه مخربشا ليل نهار ديدنه المحصور بين نهدي المرأة وردفيها..

في لوحاته التي تناولت المرأة يسفر الوجه الشرقي عن تعطشه الوحشي وتذوب الالوان والخطوط في مطاردة شرقية فجة لتكورات المرأة الرائعة لتحيلها الى شهوة شهريارية ملوثة بدم العذارى، ولنكتشف ان اكثر من ثلاثين عاما من الغربة لم تغير شيئا في واقع من يضع طرف دشداشته في فمه وهو يجامع زوجته ويمتنع عن تقبيلها للسبب المذكور آنفا.

 

المرأة العربية ملغاة كقضية انسانية تستحق حمل الريشة بالوانها لأجلها لدى البروفيسور الحبيب، ولا يظهر منها سوى امتلاء ردفيها، عدا ذلك فان المبدأ الغربي القائم على التجارة بالجسد يسود سوق النخاسة الفني الذي يقبع الفنان مصدق تحت رحمة اخلاقه الجائرة، لا يكاد يتبين حضارة عصره من جرائمها ضد المرأة، محيلا الكائن الانثوي الى تابع موثق بسلاسله الفنية مستجيبا لشهوة الرجل، حاصدا بريشته رؤوس النساء مبقيا على اجسادهن كنبع لحث همم الغرائز مسيئا للفن ايما اساءة مفرغا اياه من فحواه الانسانية قربانا لملذات رجل الشرق ولعمري انها لكبوة مزمنة لا تغتفر لذي الاصول الغرافية وهو ينأى عن جذوة الاتقاد الفني منفيا ومفنيا في حرمان حمله معه في حقائبه الى مخيم غربته ليصبح هو العلة والمعلول وليس قضية المرأة ومعاناتها الرهيبة شرقا ووغربا.

 

المفارقة المحزنة ان الفلاح قد زرع اجسادا انثوية امريكية بيد شرقية مخشوشنة كان حصادها ضياع هوية الفنان الانسانية وانتمائه لوطنه العراق والاجحاف والتنكر التام لقضايا ابناء جلدته مضافا اليه وبشكل مخز الاهمال التام لقضية امرأة الغراف التي انجبته وهي انموذج يمثل كل نساء بلد الرافدين مستمدا من نسيجه المهجن اخلاصا شديدا لذاته الامريكية ومحصلي ضرائبها ممتنا لعبثها واستهتارها بمصائر الملايين من شعب العراق وليس من دليل اكثر من انغماسه في لذة محرمة تعد جرما ازاء ما يعانيه العراقيون دون طرحه لقضاياهم من خلال ريشة مشهود لها بالبراعة.

 

اني لأرى في ذلك خيانة ضمنية لا تختلف كثيرا عن خيانة من قدموا مع الدبابات يسحقون رؤوس العراقيين وهم يحملون لافتات تتكلم عن الديموقراطية.

 

ايها الفنان العراقي الشطري البروفيسور د.مصدق الحبيب لطالما اعجبتني لوحاتك، ويهمني ان اقول لك ان المرأة العراقية (بجرغدها وشيلتها وعباءتها) ودلاء الماء على راسها احق بريشتك من مترفات منهاتن، وان قبور من رحلوا ستندثر ان لم تدب الحياة فيهم من جديد مستلهمين خلود بحثهم عن كلمة الحق والحرية خلل نبض ريشة شريفة بارة لضفاف الغراف واهله.

  

.................

هوامش

(1) قصر النهاية سجن في العراق قلما يخرج منه الناس احياء قبل الاحتلال.

(2) "قبو البصل" قصة للروائي الألماني جونترجراس الحائز على جائزة نوبل.

(3)مس بيل جاسوسة بريطانية مهدت لاحتلال العراق بعد الحرب العالمية الاولى.

(4)لورنس العرب بمفرده استطاع ان يجعل من حلم سايكس وبيكو واقعا.

(5)"مارتن لوثر كنغ"زعيم أمريكي من أصول إفريقية، قس وناشط سياسي إنساني، من المطالبين بإنهاء التمييز العنصري ضد بني جلدته، في عام 1964 م حصل على جائزة نوبل للسلام.

(6)بيت شعر للاعشى "  تبيتون في المشتى ملاء بطونكم 
وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا ".


تابع موضوعك على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2160 السبت 23/ 06 / 2012)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2118 المصادف: 2012-06-23 07:03:45