كتب واصدارات وقراءات ورسائل جامعية

الشخصية العراقية من السومرية الى الطائفية كتاب جديد للدكتور قاسم حسين صالح

856-qasimعن دار العرب والدار العربية للعلوم ناشرون، صدر للدكتور قاسم حسين صالح كتابه الثامن والعشرون (الشخصية العراقية من السومرية الى الطائفية) .. يتحدث في أحد فصوله عما صنعته الأحداث فيها من عقد  من قبيل عقدة تضخم الأنا والخلاف مع الآخر..وصولا الى ما افسدته السلطتان فيها الدكتاتورية و(الديمقراطية).

856-qasim الكاتب حرص على ان يستكتب اربعة يمثلون  جيل الكبار والوسط والشباب: أ.د. كاظم حبيب –المانيا- علم الاقتصاد، وأ.د. معن خليل العمر–امريكا –علم الاجتماع، د.فجر علوان جودة- بريطانيا –اجتماع سياسي، وم.علي عبد الرحيم – جامعة القادسية- علم النفس.

 

المسلمون الأميركيون أزمة الهوية والتحديات المعاصرة للكاتب والباحث اللبناني الشيخ باقر بري

qasim madiيشتغل الكاتب والباحث "باقر بري" على اشكالية عصرية معقدة، تتداخل فيها الكثير من الصور التي تهمنا نحن كمغتربين، تهمنا جميعاً في عصرنا المضطرب الذي أخل في الكثير من الأمور في وقتنا الحالي . مما ادخلنا في نفق مظلم في ظل تصاعد وتيرة العداء والكراهية للمسلمين من قبل المتطرفين الغربيين، والذين يريدون بنا سوءاً، منطلقاً من ذاكرته العاجة بالكثير من الصور المعرفية؟ وهو يسقط أسئلته هذه على حالة الفرد المسلم في المجتمع الامريكي، وهنا يتساءل ! إذ كيف نستطيع ان نقدم هذه المكونات في إطار تحقيقها في الشخصية المسلمة، بعبارة أخرى كيف يمكن أن نصوغ هذه الهوية الإسلامية في الفرد المسلم  وأن نحافظ عليها عند المسلمين الذين يعيشون كأقلية في المجتمعات الغربية العلمانية؟ وهو الجوال في اروقة العلوم الإسلامية، ولديه العديد من البحوث والكتب المنشورة، والساعي لإيجاد حلول تسهم في توصيلها إلى القارئ الغربي والعربي، ومن معرفته الفكرية ومتابعاته الميدانية بين صفوف المسلمين وغير المسلمين، يستنتج الكثير من الحلول التي تهمنا وتهم الأجيال، وهو لايكل ولايمل، وهو الباحث الذي يستند على أقوال علمية مهمة في استصراخ العقول النتنه من قبل بعض المسلمين، الذين يحاولون تشويه صورة العربي المسلم، وهناك الكثير من الفلاسفة من العرب وغير العرب بحثوا في موضوعة " أزمة الهوية"

 يقول الفيلسوف الفرنسي " فيريليو " إلى أي مدى يمكن التحرر من الإيدلوجيا والبحث في موضوع الهوية علمياً .

وهنا يؤكد " بري "  قائلاً بالحرف الواحد " يرتبط الكثير مما تبثه عن الإسلام بتصورات الفرق الإسلامية فيه، وبالسجالات العقائدية وخطابات الكراهية المذهبية ، وبالكثير من المحاضرات والدروس، وفتاوى الاحتياط ، والتكفير والتحرز الصادرة لشرائح وعقول تعيش في بيئة إسلامية تمر بظروف حضارية خاصة " ومن هنا يشخص كل مشاكل الاختلاف التي تخلق لنا فضاءات سلبية مريضة تعزز التفرقة بين هذه الامة العظيمة، ولو رجعت إلى الوراء فإن الرسالة المحمدية التي أداها الرسول محمد " ص " ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرناً، ونحن نفتخر بهذه الرسالة، وحتى اسلط الضوء على هذا الكتاب المهم من إطار منثبق من تعاليم الإسلام ومعاييره، ومقاصده وملائم لطبيعة الحياة الامريكية وخصوصياتها، وهل يمكننا التمترس بالذاتية والهوية والخصوصية الثابتة في عالم أصبح بفضل التطور التقني والفيض المعرفي العلمي متقارب الحدود، كل هذا وضعه في كتابه كي ينقذ العديد من الأجيال ومنهم الجيل الثاني والثالث من أبناءنا نحن كمغتربين، وهو يتجاذب الحديث مع الكثيرين سواءاً كانوا هؤلاء علماء متفقهين، أو مفكرين، أو من طلبته وهم من أبناء المهاجرين من البلدان الإسلامية، ويؤكد في جميع بحوثه وكأنه عالم نفسي متمرس، يخوض في عوالمنا الداخلية التي لازالت تعاني الكثير من الأزمات، والتي تحمل انعكاسات وخيمة على النواحي النفسية والفكرية والسلوكية لهؤلاء،ويبدو " بري " الشاب المتفتح وهو الذي يُجيد اللغتين الانكليزية والعربية بطلاقة، محافظاً على مرونة لغته الأدبية، وعندما تقرأ كتُبه التي لاقت رواجاً كبيراً داخليا وخارجياً، لما أنطوت عليه من معلومات عُدت وثيقة مهمة من وثائق التي يدُرسًها الباحث في الولايات المتحدة الامريكية،  وبعد أن وقع كتابه بين ُيدي والمعنون " أزمة الهوية " الصادر عن دار الولاء للطباعة والنشر، وهو من القطع المتوسط،ويقع في 95صفحة .

 يقول الكاتب والباحث " بري " إذا كان المسلمون الأميركيون يعانون تهم الإرهاب وعقدة الإسلام فوبيا، فثمة مشكلة إكبر تواجههم في المجتمع الأمريكي المعاصر ، عنوانها " ذوبان هويتهم الدينية وانسرابهم من مبادئهم وقيمهم ، وهذه المشكلة تمثل أزمة حقيقة تواجه خصوصاً الجيل الجديد " ص7

 ويبدو أن الغربيين المعتادين على المثل القائل أما أبيض أو أسود، أي أما ان يكون الجميع في طريق واحدة أو أخرى، ولهذ يحتاج الباحث والكاتب " بري " أن يفعل من موسوعته الفكرية في هذا الإتجاه كي يقنع الطرف الآخر، ويصب كل جهده في توصيل الكثير من الاشكاليات ،مطالباً الجماعات الاسلامية في الغرب، أن تندمج في مجتمعاتها الجديدة دون الذوبان والتخلي عن الخصوصيات الدينية والثقافية، وهو القائل في أن التحديد والتقديم لأبعاد هذه الهوية بشكلها الفلسفي والاستدلالي قد يدخل في حيزه الكثير من تعقيدات العلوم والنصوص والشروح والتعليقات عليها، ومن هنا يستمر قصوره المعرفي ويقصد " القادمون من المسلمين " ويأخذه شك في هذه المعارف، أو يساوره شعور بالحاجة للعثور على إطار واضح للهوية الدينية، إطار يبسط عليه فهمها، ويسهل عليه الانخراط في مكوناتها وتعاليمها  ويعطيه القدرة على شرحها للآخرين، والدعوة إليها بكل افتخار واعتزاز، ونحن بدورنا كما البقية نرصد المشهد الإسلامي من خلال المؤسسات التي تصرف عليها الكثير من الأموال من خلال الزكاة التي يدفعها المسلمون، أو جمع التبرعات أو من خلال أنشطة مختلفة، وجدنا أن هذه المسألة من أعقد المسائل الثقافية والحضارية التي تواجه المسلمين في الغرب وهنا يؤكد الباحث والكاتب " بري " فإن من يعايش الجاليات المسلمة في امريكا ويحتك بأفرادها عن قرب يلمس مدى ضبابية المعرفة التي يعيشها أبناؤها وبناتها تجاه حقيقة الإسلام وتجاه قيمه وتعاليمه، فنسبة مرتفعة من أبناء الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين المسلمين لا يعرفون من دينهم سوى بعض الشكليات فقط ص8

والذي يتأمل عناوين فصول هذا الكتاب، إضافة إلى مضمون مدخله، تتمحور حول الشؤون الآتية، 1-مفهوم الهوية الدينية 2 –الهوية الإسلامية وخصوصية الصبغة الإلهية 3- مفهوم الهوية الدينية وخصوصية الصلاة 4- الهوية الإسلامية ومكارم الأخلاق وغيرها من المواضيع المهمة، وعلى المؤسسات الدينية في الولايات المتحدة الامريكية ان تُدرس هذه الكتب للجيل الثاني والثالث في مراكزها الإسلامية المنتشرة هنا،كي تصحح الصورة النمطية السيئة المعروضة عنها في أذهان الكثيرين وتجلى صورة الإسلام بصفته السمحة النقية الخالدة .

 

قاسم ماضي – ديترويت 

 

إلى السينما يذهب بيكاسو وبراك

jasim alayffمنذ العام 1993 تميز الأستاذ "نجاح الجبيلي" بترجماته الثقافية-الفنية، والتي دأب على نشرها في الصحف والمجلات العراقية، وكذلك العربية، ومنها مجلة "الرافد" الإماراتية، و"نزوى" العمانية. أصدر عام 1998 كتابه الأول بعنوان "خط الكف وقصص أخرى .." احتوى على تراجم لعدد من قصاصي أميركا اللاتينية بينهم:" بورخس، وكورتثار، وخوان رولفو". عام 2000 أصدر كتابه الثاني: "شهادات الفائزين بجائزة نوبل للأدب "، وضم الخطابات التي ألقاها الأدباء الفائزون بجائزة نوبل للأدب للفترة من 1990 - 2000. عام 2009 صدر له عن اتحاد أدباء وكتاب البصرة : "شعر الهايكو.." واحتوى على دراسة وتراجم من شعر الهايكو لشعراء من مختلف العالم. " الجبيلي" يكتب القصة القصيرة، و نشر العديد منها في الصحف والمجلات العراقية- العربية، وسعى لتأسيس "نادي السينما"، وقدم بعض العروض السينمائية في مقر اتحاد أدباء وكتاب البصرة، وأدار حولها حوارات معمقة، وله ممارسات سينمائية متعددة في مهرجانات المرابد الشعرية. كتابه المترجم:" بيكاسو وبراك يذهبان إلى السينما- مقابلات ومراجعات فيلمية"، صدر ضمن" كتاب فنارات - مجلة اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في البصرة-2016، وأهداه إلى: أصدقائه الذين صحبوه في شغفه بالسينما..وما زالت صورهم حاضرة في صفحات النور والظلمة. القسم الأول بعنوان " مراجعات" ص (7 -49 )، و يبدأ بمتابعة للناقد السينمائي، من صحيفة نيويورك تايمس، "ستيفن هولدن"، بعنوان:" بيكاسيو وبراك يذهبان إلى السينما.. تأثير الأفلام على التكعيبية"، وكان" هولدن" قد كتبها، بمناسبة إعادة عرض الفيلم الوثائقي" بيكاسو وبراك..يذهبان إلى السينما" في مانهاتن، وقد اخرج الفيلم "آرن غليمشر"، وصوت السارد:لـ"مارتن سكورسيزي".لاحظ الكاتب والناقد" ستيفن هولدن" انه من خلال استعمال المقارنات البصرية الخصبة، جهد الفيلم على أن يظهر كيف أن التكعيبة التي دشنها وأنشأها "بيكاسو وبراك" في مفتتح القرن المنصرم، عام 1907تحديداً، وحولت، على نحو افتراضي، التصوير الثوري للزمن، والفضاء والحركة، في الأفلام إلى فن جميل وممتعٍ، خاصةً بعد أن ذهب التصوير الفوتوغرافي إلى التقاط لحظات، لعلها كانت تتملص من العين، بينما مكنت الأفلام الفنانين البَصّريين من تجميد كتل الزمن، وتحلليها عند سرع متنوعة، ففي الحركة المشرحة بوعي، والمنظورات المزدوجة، المنتخبة، يُلمّح الفيلم الوثائقي" بيكاسو وبراك.. "، إلى إن التكعيبيين قد حاولوا أن يعينوا بالاتفاق الشكل الفني الهش - الجديد، و الفيلم، مليء بالمتحدثين الموهوبين، ومنهم مارتن سكورسيزي، الذي أنتج الفيلم بالاشتراك مع غليمشر وروبرت غرينهت، كما إن الفنانين جوليان شنابيل، وجك كلوز، واريك فيشل، ولوكاس سماراس، والفنان المتخصص بأداء الفيديو روبرت ويتمان يناقشون جميعاً العلاقة بين الأفلام وإعمال الفنانييّن الأخرى. ويلاحظ إن الفيلم الوثقائي" بيكاسو وبراك.. " كان اغلبه بمثابة خليط من الناس الذين يتكلمون بتلقائية، ودون تحضير، وعن هذا أو ذاك، ولا يوجد بين حديثهم إي رابط أو هدف ما، وما يجعل الفيلم موحداً، لحدٍ ما، هو التيار المتواصل من المقاطع الفيدوية، المقتبسة من الكوميديا في بواكير السينما، خاصة، الحيل السحرية الفوتوغرافية لجورج ميل، ومن خلال عبث روحها-الكوميديا- شقت طريقها داخل لوحات التكعيبيين ورسوماتهم، وبيكاسو بالذات، والذي كان معروفاً باستهلاكه النهم للثقافة الشعبية، ففي الخامسة عشرة من عمره دخل لأول مرة إلى عالم الأفلام سنة 1896 ومذ تلك السنة أصبح متيماً بالسينما، بجديةٍ. وقد أعجب وتحمس، بيكاسو، كثيراً بشارلي شابلن، وأسس مع براك، الأكبر سناً، وعقلاً، وتجربة، نادياً للسينما.في عام 1900 زار بيكاسو المعرض الفني العالمي في باريس، وكان متيماً، لدرجة كبيرة، بحب الراقصة الأمريكية"لوي فوللر"، والتي كانت ترتدي خماراً منتفخاً ينتأ من داخله نور ملون، وحسب المؤرخ الفني"برنيس روز" فأن تلك الصور المتعددة اتخذت طريقها إلى اللوحة التي كانت تحمل بذرة التطور لـ"آنسات أفينون"، والتي اكتملت فيما بعد، دون أن تتنكر لأولياتها، يمكن القول إن التقنية المتغيرة تحفز الإبداع الفني، والتكعيبية ليست أسلوباً، بل ثورة فجرت التغيير الجذري العميق للشكل وللرؤية الفنية نفسها، ومن المؤكد إن الأفلام السينمائية كانت هي الماكينة، التي حفزت ووقفت وراء تلك الثورة.كما تضمن القسم الأول عدة مواضيع مترجمة منها" فيلم (السيد فيردو) لشارلي شابلن.. بين الإنكار والإعجاب"، و" أندريه فايدا في فيلمه الأخير(كاتين)..شاهد باق على آلام بولندا"، و"المليونير المتشرد..فن البقاء في عالم قاس"، و"فيلم (أغنية العصافير) لمجيد مجيدي..رحلة بين براءة الريف وفحش المدينة"، و"فيلم (وعد للموتى) ..رحلة المنفى، إخراج الكندي" بيتر ريموت" وإنتاجه أيضاً، مقتبس عن مذكرات آريل دورفمان، المستشار الثقافي للرئيس التشيلي سلفادور الليندي عام 1973"، و"فيلم(الصمت في حضرة باخ)..موسيقى الأشياء الصغيرة"، وفيلم(مخاوف خاصة في أماكن عامة)لـ(ألان رينيه). القسم الثاني من الكتاب ص"48 -106" تضمن مقابلات وحوارات موسعة مع مجموعة منوعة من المخرجين، والمخرجات، وكتاب السيناريو، والممثلين والممثلات، وممن حازت إعمالهم على جوائز عالمية متميزة ومعروفة، ومنهم: المخرج"بهمن قوبادي"، والذي يعد الوجه العالمي للسينما الكردية، و المخرجة "كاترين بيغلو" وهي أول مخرجة تفوز بجائزة الأوسكار، والممثلة "جوليت بينوشي" الفائزة بجائزة مهرجان كان عن دورها في فيلم" نسخة مصدقة" للمخرج عباس كياروستامي، والمخرج الايرلندي، والذي سبق وحاز على جائزة الأوسكار، "دانيال دي لويس"، والمخرجة الإيرانية "تهمينة ميلاني"، والمخرج الألماني"فيرنر هيرتسوغ"، والمخرج الإيراني كياروستامي"، والمخرج الايطالي "برنادو بيرتولوتشي"، والمخرجة السينمائية الإيرانية "هنا مخملباف".

 

جاسم العايف

 

 

قراءة درامية في دائرة معرفية خارج المألوف

nadheer khazrajiاستوقفني أكثر من كاتب وأديب خلال زياراتي المتقطعة للعراق أو في بلدان أخرى متسائلا عن المدى الذي ستصل إليه دائرة المعارف الحسينية وحدودها وأعدادها؟

 مثل هذا السؤال نابع من نظرتهم إلى ما أسطّره عن الموسوعة الحسينية منذ عقد من الزمن، ولاسيما وأن بعضهم يحسن الظن بي ويرى في قلمي منبر الموسوعة الحسينية الى الأمة، وبعضهم يعتقد فيَّ الساعد الأيمن لمؤلف الموسوعة الحسينية المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، وبعضهم يغالي ويضعني في غير مقامي، ولكل نظرته قصرت أو طالت أو استوت على جودي المعقول.

تكرر مثل هذا التساؤل في زيارتي الأخيرة للعراق في الفترة (8- 24) شباط فبراير 2016م، من أكثر من صاحب قلم، وهو استفسار يحمل معه علامات الإعجاب لا التعجب، كما أرى ذلك من خطوط ملامح الوجه ولحن القول ولغة البدن تجاه قلم سيّال كتب مائة مجلد في النهضة الحسينية حتى نهاية عام 2015م والسباق لازال على أوله يحث الخطى من أجل الوصول الى خط النهاية المتوقع في نحو تسعمائة مجلد أو تزيد.

وبالطبع، يختلف مستوى استقبال الاجابة وتقبلها من شخص لآخر، فبعض يحتاج الى توضيح معمق وآخر الى مبسط، وفي الحالتين فإنه كاشف عن رغبة لدى السائل في معرفة ما في جعبة المؤلف من جديد، وهو يمتاح من محبرة واحدة، موسوعة عجزت مؤسسات حكومية واخرى مدعومة عن انجاز موسوعة بهذا الحجم من حيث الكم والكيف، ولاسيما المحتوى الثرّ القائم على التحقيق والتمحيص والتدقيق مجرداً عن العاطفة الجياشة التي نجدها عند عدد غير قليل من الكتاب في تناولهم لقضايا النهضة الحسينية وعموم التراث الحسيني ومستجداته، مما يجعلهم يتساهلون في الكتابة عند التعامل مع النصوص التي تحت أيديهم ويصل عند بعضهم إلى حد تجاوز العقلانية تحت تأثير مورفين الولاء.

ولأن الموسوعة الحسينية متشعبة الأغراض، واسعة الأبواب، عميقة الغور، بعيدة القاع، فإن المؤلف ومن أجل وضع القارئ على محتواها، أفرد باباً سماه (الحسين في سطور) صدر منه مطلع العام الجاري 1437هـ (2016م) عن المركز الحسيني للدراسات بلندن الجزء الأول في 505 صفحات من القطع الوزيري يتناول حلقات من النهضة الحسينية على شكل رؤوس نقاط وأرقام، سهلة الفهم وسريعها، تختصر المسافات بين المجلدات المطبوعة والمخطوطة.

 

مادة درامية

في الواقع، عندما طويت آخر صفحة من الجزء الأول من كتاب (الحسين في سطور) وجدت نفسي أمام نص درامي لمسلسل عن الإمام الحسين(ع) ونهضته المباركة في عشرات الحلقات أو تزيد، فكل ما يحتاجه كاتب النص (السيناريست) والمخرج يجده في هذا الجزء والذي يليه، ضمن حلقات مترابطة ومتناسقة بحوادثها وأشخاصها ومعالم جغرافيتها وأجوائها وما يكتنفها في داخل المشهد التاريخي وخارجه، مما يجعل النص تحت طوع المخرج سلسلاً، وما عليه إلا أن يضع عليه لمساته الفنية ليخرج لنا تحفة فنية تلفزيونية أو سينمائية إن شاء ذلك، فما أودعه المحقق الكرباسي في الكتاب من رؤوس نقاط مدعومة بالأرقام يمهد السبيل لأكبر عمل درامي وهو بحق مادة دسمة لكل مخرج يرغب في التحليق في سماء التفوق الفني.

فكما أبدع المؤلف في أجزاء الموسوعة ومتونها المطولة المُؤسَّسة على قاعدة البحث والتحقيق، أبدع في الاختزال المريح وبأسلوب بلاغي جزيل، لإعتقاده الجازم كما يؤكد في فصل "أبواب المعرفة" من هذا الجزء بأن: (الإختزال فن بلاغي استقل عنه بعدما أصبحت الحاجة إليه ملحة لدى الكتابة والبيان، سواء عبر وسائل الإعلام المرئية أو المسموعة أو المحررة، واستخدمها الإعلاميون والخطباء والكتاب والمحاورون)، من هنا كما يضيف الكرباسي: (اعتمدت هذه الموسوعة في بعض مقاطعها على الإيجاز بلونه الاختزالي الذي يتحقق كثيراً في الأفلام والمسلسلات والقصص والحكايات، ومن هنا فإن هذا الباب "الحسين في سطور" وأبواب الحكايات وأبواب التراجم والسير وكذا الخاتمة من هذه الموسوعة تبنت هذا اللون البلاغي).

وتأسيسا على هذه الرؤية البلاغية الدرامية، فإن الموسوعة الحسينية، لم تعد دائرة للمعارف فحسب يرجع اليها الكتاب والباحثون والخطباء والأدباء وأمثالهم، بل هي كتاب مفتوح لأصحاب الدراما من مسرح وتلفزيون وسينما لهم أنْ ينهلوا منه مادتهم، وهذا الباب من أبواب الموسوعة الستين يحقق نهم كتاب النصوص والمخرجين والفنانين، وبخاصة وأن أصول المسرح الإسلامي يعود الى واقعة كربلاء ومأساة عاشوراء، كما يؤكد على ذلك الكرباسي والكثير ممن تناول المسرح في دراساتهم، وبتعبير المؤلف عند تناوله "المسرح والفن" من فصل أبواب المعرفة: (هناك من ذهب إلى أن نهضة الإمام الحسين عليه السلام والقضاء عليه شخصيا وعلى أهدافه بهذه الطريقة المأساوية تركت أرضية واسعة وخصبة أمام نشوء المسرح، وإذا لم يكن المسرح منشأه حسينيا بشكل عام فإن منشأه حسينيٌّ في المجتمع الإسلامي وهذا مما لا شك فيه، والمراد بالفن هنا صناعة المسلسلات أو الأفلام التي غزت اليوم عالمنا والتي دخل إليها الإمام الحسين عليه السلام من بابها العريض).

إذن .. فكل مقومات الدراما (التمثيل) متأصلة في مجريات النهضة الحسينية، وأرضية الخير والشر التي تقوم عليها أساسات التمثيل، ظاهرة النجود واضحة الحدود للجمع والآحاد.

 

أرقام مضيئة وأخرى مظلمة

لغة الإختزال والعودة الى الأرقام المعتمدة في (الحسين في سطور) جعلنا أمام حقائق مذهلة اكتنفت واقعة كربلاء وما قبلها وما بعدها وحتى يومنا هذا، تراوحت ما بين أرقام مضيئة وأخرى مظلمة معبرة عن حجم المأساة التي وقعت عام 61 للهجرة على شاطئ الفرات، والدماء التي تشربت بها عرصة الطف في كربلاء، والنيران التي التهمت خيام الإمام الحسين(ع) بعد استشهاده، والعشرات من النسوة والأطفال الذين سحقتهم سنابك الخيل يفرون من خيمة إلى خيمة بعد أن فقدوا الكفيل والمعيل صرعى، والأسر على يد أدعياء الإسلام والولاء للنبي(ص) وهم يقودون أهل بيته أسارى من مدينة الى أخرى وعلى رؤوس الأشهاد ورأس الحسين مرفوع على رأس رمح طويل!

مسلسل الأرقام في هذا الكتاب جمة، في قليلها فرح وفي كثيرها جزع، وخلاصتها عِبرة لمن يعتبر وعَبرة لمن يستعبر، فمنذ أن ضمت تربة كربلاء جسد الحسين(ع) في 13 محرم سنة 61ه وحتى يومنا هذا فإن القبر الشريف تعرض للإعمار 48 مرة رئيسة وتعرض للهدم والتخريب 15 مرّة رئيسة، بدأ بإعماره بنو الغاضرية من بني أسد وانتهى بإعماره رئيس الوزراء العراقي السابق نوري كامل المالكي، ولازال الإعمار قائما على عهد معتمد المرجعية الدينية الشيخ عبد المهدي الكربلائي، وأول تخريب تعرض له المرقد الشريف كان على يد الحاكم العباسي المنصور عبد الله بن محمد العباسي عام 146 للهجرة وآخره على يد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين عام 1991م بشكل رئيس وعلى يد حفنة من الجهلة والرعاع سنة 2008م بشكل جزئي.

- أول انتفاضة اندلعت بتأثير واقعة الطف قادها عبد الله بن عفيف الأزدي في الكوفة بعد ثلاثة أيام من استشهاد الإمام الحسين(ع) وانتهت باستشهاده في 14 محرم عام 61م، وآخر انتفاضة انطلقت شرارتها من كربلاء المقدسة في شعبان عام 1991م وانتهت بابادة الآلاف من العراقيين في معظم محافظات العراق وتشريد مئات الآلاف خارج الوطن.

- بايع الإمام الحسين(ع) في الكوفة نحو مائة ألف عراقي وقدم معه من مكة نحو ألف حجازي، ولم يبق معه في كربلاء يوم عاشوراء من هذا الكم الغث سوى 217 رجلاً جلهم من أهل الكوفة في مواجهة نحو ثلاثين ألف مقاتل جلهم من أهل الكوفة.

- عدد الشهداء في المعركة من الهاشميين 72 شهيداً وعلى رأسهم الإمام الحسين(ع)، وعددهم من خارج المعركة أربعة شهداء، ومن غير الهاشميين داخل المعركة 212 شهيداً إلى جانب 27 شهيداً من الموالي والخدمة، وثمانية استشهدوا خارج المعركة، وسبعة من النساء من الهاشميات وغير الهاشميات استشهدن داخل المعركة وخارجها.

- شارك الى جانب الإمام الحسين(ع) العرب والترك والأفارقة والأقباط والفرس، وتوزع أنصار الحسين(ع) على قلة العدد على 84 قبيلة عربية تحت 12 راية عقدها الإمام الحسين(ع) في اليوم الأول من محرم الحرام عام 61هـ،  فيما توزع الجيش الأموي على كثرة العدد على 68 قبيلة عربية تحت رايات كثيرة.

- أول وأكبر عدد من الزائرين لقبر الإمام الحسين(ع) بلغ 73 شخصاً عندما زاره أهل بيته يوم 11 محرم عام 61هـ وهم في طريق الأسر الى الكوفة ثم الشام، وأكبر عدد من الزائرين سجله العهد الجديد هو 18 مليون زائر في الزيارة الشعبانية لعام 1434هـ (2013م)، وفي زيارة الأربعين للعام 1437هـ (2015م) فاق عددهم العشرين مليون زائراً، ولم يسجل الجزء الأول من (الحسين في سطور) الرقم الأخير إذ كان حينها تحت سنابك المطبعة في بيروت.

- بدأت سدانة العتبة الحسينية المقدسة بعبد الله بن بشير الأسدي الغاضري عام 61 للهجرة وانتهت بالسيد جعفر الموسوي التي تولاها عام 1437هـ (2016م)، على أن المؤلف أنهاها بالشيخ عبد المهدي الكربلائي، وكان الكتاب تحت مكابس المطبعة عندما أصبح الكربلائي معتمداً للمرجعية الدينية في النجف الأشرف فيما أصبح الموسوي سادناً.

 

من وحي الواقعة

وإلى جانب عديد الأرقام، سطَّر المؤلف مجموعة من المتون على هيئة رؤوس نقاط، تشير الى جوانب من السيرة الحسينية، قبل وأثناء وبعد واقعة الطف، وبخاصة ما يتعلق بمعركة كربلاء حيث وقف الصحابة والتابعون ومن أتى بعدهم، بين مناصر ومشفق ومعترض ونادم ومندد ومخالف، فأفرد المؤلف فصلاً للمشفقين الذين ارادوا لوي عزيمة الإمام الحسين(ع) على الخروج، منهم: عبد الله بن عباس الهاشمي وأخوه محمد بن الحنفية الهاشمي. والبعض اعترض على خروجه ومنعه من الذهاب الى العراق، منهم: عبد الله بن عمر العدوي والحارث بن مالك الليثي، وصنف ثالث عبّر عن ندمه بعد استشهاد الإمام الحسين(ع) وعدم نصرته، فهذا الصحابي البراء بن عازب الأوسي المتوفى سنة 72هـ ورد عنه القول: (أعظم بها حسرة إذ لم أشهده وأُقتل دونه)، وهذا عبد الله بن الحر الجعفي وهو من أشراف الكوفة المتوفى سنة 68هـ عبر عن ندمه شعرا، فقال من الوافر:

فيالك حسرة مادمت حيًّا ... تردد بين صدري والتراقي

أما الذين ناصروا الحكام، فإن الكثير منهم برر جريمة يزيد بتبريرات تتجاوز مكانة الحسين(ع) عند الله ورسوله، وأحدها قول الرسول(ص): (حسين مني وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبَّ حسينًا، حسين سبط من الأسباط)، ناهيك عن قول الرب الجليل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) الأحزاب: 33.

ويكأنّ في أذن هذا الجمع من المبررين وقرا، ولم يسمعوا قول الذين شاركوا في قتل الإمام الحسين(ع)، فهذا والي البصرة نيابة عثمان بن زياد بن أبيه وهو شقيق عبيد الله بن زياد بن أبيه الذي ساق الجيش الأموي لقتل الحسين(ع) وأهل بيته وأنصاره، اشتهر عنه القول: (والله لوددت أنه ليس من بني زياد رجل إلا وفي أنفه خزامة الى يوم القيامة وأنَّ الحسين لم يُقتل)، أو قول قاتل الحسين(ع) المباشر عمر بن سعد الزهري موجهًا كلامه الى والي الكوفة عبيد الله بن زياد: (أما والله لقد نصحتك في الحسين نصيحة لو نصحتها أبي سعد بن أبي وقاص لكنت قد أدّيت حقّه)، وهذا قول ابن يزيد معاوية الثاني الأموي: (إن من أعظم الامور علينا عِلمنا بسوء مصرعه- يزيد- وقبح منقلبه وقد قتل عترة رسول الله(ص) وأباح الحرم وحرق الكعبة).

وبشكل عام فإن الجزء الأول من (الحسين في سطور) الذي حمل عنوان "في المعلومات الرقمية من سيرة الإمام الحسين" ضمّ العناوين التالية: مجمل السيرة الرقمية، شخص الحسين، نسب الحسين، عمومة الحسين، خؤولة الحسين، إخوة الحسين، البنوة من الحسين، حليلات الحسين، أولاد عمومة الحسين، أولاد خؤولة الحسين، أولاد إخوة الحسين، أولاد أخوات الحسين، الزواج الأسري في قربى الحسين، ولادة قربى الحسين ووفياتهم، ما يخص الحسين، المراسم الأولى للولادة، موالي الحسين، صفاته الجسمية، تجملاته، صفاته الخُلقية، سفراته، الحكام المعاصرون للحسين، الوقائع، السرايا، الغزوات، الوفود، الوثائق، الرسائل، حوادث ما بعد الرسول، حوادث عصر الإمامة، حوادث عصر الحسن، حوادث عصر الحسين، حوادث ما بعد الشهادة، الحركات والإنتفاضات، مصدر رواية الحسين، الرواة، الأصحاب، عدة السفر، العدد، عُدة المقاتلين، أصحاب الدعوة، الرسل الى الحسين، رسل الامام الحسين، المرسل إليهم، مراسلة الأعداء، رسل المعسكر الأموي، المشفقون، المعترضون، ما تفرد به الحسين، الأنصار، الشهداء الهاشميون في كربلاء، الهاشميون المحتمل شهادتهم في كربلاء، شهداء من الهاشميين خارج كربلاء، أسرى الهاشميين، الأنصار المستشهدون في كربلاء من غير الهاشميين، الموالي المستشهدون في كربلاء، الشهداء غير الهاشميين خارج كربلاء، أسرى غير الهاشميين، النساء اللاتي حضرن كربلاء، نساء في المعركة، أمّهات في اضطراب، عوائل الأنصار، موالون حاولوا المشاركة، الملتحقون بالركب الحسيني، شهداء الحملة الأولى، شهداء الحملة الثانية، الأنصار من أهل البصرة، الأنصار من أهل جهينة، الصحابة في كربلاء، الأنصار من أصحاب علي، مَن قتل مع أبيه، مَن استشهد بعد الحسين، تأبين الحسين لأنصاره، العقائد، من مُثِّل بهم من أنصار الحسين، إخوة قتلوا في كربلاء مع الحسين، الأطفال في كربلاء، القوميات، الكنى، القبائل التي ناصرت الحسين، النادمون على عدم النصرة، قتلة الحسين وأنصاره، مكونات المعسكر الأموي، عقاب القتلة في الدنيا، إبن زياد والتنديد، مستنكرون لمجزرة كربلاء، آراء شاذة، القبائل التي شاركت مع ابن سعد، الإبتلاء، بعض خصائص الحرب، أداة الحرب، أساليب الأعداء، إصابات الحسين، السلب، ما سلب من أهل بيته، الهلكى من المعسكر الأموي، قتلى قبل المعركة في كربلاء، قيادات في النهضة، قيادة المعسكر الأموي، اصطفاف العسكرين، أساليب القتال، مراحل السفر الجهادي، مسيرة الأسر، العودة إلى الوطن، رواة المعركة، دفن الحسين، مدافن الأنصار، مرقد الحسين، تطورات المرقد الحسيني، سدانة المرقد الحسيني، الزيارات المخصوصة للحسين، عدد المقاتلين في المعسكر الأموي، شمة من إحصائيات الزائرين، التفاضليات الرقمية، موسوعة الحسين، آراء الأعلام في الجهد الموسوعي، أبواب المعرفة، التطبيق التاريخي للتقاويم، ونهاية المطاف.

وأعقب المطاف مقدمة باللغة الأردوية قدَّم لها الرئيس الباكستاني السابق آصف علي زرداري واصفاً الموسوعة الحسينية بأنها الأضخم والأكبر حتى الآن، ورأى الرئيس الباكستاني الحادي عشر أن كربلاء تمثل أرقى النماذج في التضحية في كل العصور، وأن تضحيات الإمام الحسين(ع) من أجل الإنسانية ورفض الظلم وتقويض أركان الإستبداد لا يرقى إليها نموذج على وجه الأرض ولا مثيل لها أبدًا حيث قدّم نموذجا عظيماً للتضحية وسلوك الطريق الصائب مؤداها أن على الإنسان أن لا يبخل بدمه من أجل الرسالة ونصرة الحق.

وعبر الرئيس زرداري بَعْل رئيسة الوزراء الباكستانية المغدور بها السيدة بنظير علي بوتو عن قناعته أنه يكتب هذه المقدمة للمجلد الاول من باب (الحسين في سطور) بوصفه جزءاً من موسوعة عظيمة تتناول بالتفصيل أعظم إنسان، كان منذ طفولته محط اهتمام النبي(ص) وابنته فاطمة(ع) وأبيه علي(ع). فالموسوعة الحسينية بنظره تمثل أعظم دائرة معرفية تعكس عظيم جهد مؤلفها آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي.

في الواقع ان ما يشير إليه الرئيس الباكستاني حقيقة لا غبار عليها، فالموسوعة الحسينية تدل بنفسها على نفسها.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

اطلالة فى تجلّيات أدبية: لمن يُغرّد احمد الغرباوى فى اصداره الجديد: (شيء ما يعنى .. ربما يكون الحب.. !)

848-hamid(تبحث عن شيء..

والحب أكبر من ذاك الشيء.. فإذا ما تَماس ووجودنا.. هرولنا لأشياء أخرى.. أغرتنا وأسكرتنا.. فترنّحنا.. وتوهّمنا أن الحُبَ لاشيء.. أو.. قل كل شيء.. إنه شيء ما يعنى.. ربما..

ربما يكون الحُبّ.. من يدرى..)

 

848-hamidفى لوحة من (التجليات الادبية).. سطر بها الكاتب أحمد الغرباوى غلاف اصداره الأدبى الجديد (شيء ما يعنى .. ربما يكون الحب..؟) الذى تم عرضه فى معرض الكتاب الدولى هذا العام بمصر..

فتحت عنوان (شيء مايعنى .. ربما يكون الحب..!) يصدر الابداع الأدبى الجديد للكاتب عن دار الأمل للنشر والتوزيع فى  176  من القطع المتوسط.. والذى يشارك فيه بمعرض الكتاب هذا العام..

 

ويحتوى الكتاب بين دفتيه على 40 لوحة ابداعية من فن النثر الأدبى.. يتجلّى فيه الكاتب على جدار الفن الأدبى الخالص.. وهو نوع من الأدب الذى برع فيه الكاتب العربى العالمى الراحل جبران خليل جبران فى ابداعاته (النبى) و (رمل وزبد) و(المصطفى) و(حدائق النبى) .. وغيرها

 وهذا النوع من الابداع الفنى يأخذ من الشعر جموح العاطفة والأحساس.. ويجنح بالخيال على مناطق الفكر.. ويسير فى دروب العقل بحكمة ومنطق الكاتب وحده.. وخبراته الحياتية المعاشة وعروجاته الثقافية..!

 فهو يطرق أبواب العقل من خلال لغة مكثفة.. شاعرية وخيالية.. بصورها المتعددة.. التى تشهدها  العديد من لوحات الكتاب  وتتجسد فى (براءة هوى).. (العاشقان).. (الحب هبة الرب).. (أمير الحب).. (شيطان الهجر).. (لا.. ليس أنت).. و(من العشق ما عمى).. وغيرها من الحيوات الفنية التى تحملنا رواحها ومجيئها بلاهوادة.. وتدقّ بعنف وقَسوة.. وأحيانا بخنجريتهادى خدراً فى قطعة جاتوه.. تنزف دمّا من صَبابة جَوى.. أو حاجة حب أو حرمان دفء وأمان..!

وتراها ترمينا على ضفاف جافة بلا مىّ نهر.. ولاحتى قوارب فى انتظار زخّات مطر فى مواسم شتاء  حبّ..!

ويؤرجحنا الخيال.. يرفعنا بلارحمة لصراخ وتأوّهات قلب.. ولايلتفت لرعبه وتوجّسه وهو يغارق وهناً فى العشق.. !

فالكاتب لايعرف المناطق الرمادية.. لا وصفاً ولاحتى لغة وتعبيراً..!

تارة يلطم بقبلة من شدة الحب.. وتارة يدفن المحبوب  فى حضنه موتاً.. خشية مجرد طرق الشعور لرغبته فى هجر..!

قمة التناهى  تعبيراً من حرف الهوى.. ودقّة شدّ خصلات الكلمات.. تضفيراً للوحات عشقه..؟

لغة مكثفة.. يحتاج القارئ يعود إليها أكثر من مرّة.. فتطرق بمعاول هدم أفكاراً وسطى.. وتنحرف بالشعور شغفاً حتى الثمالة ولوماً وعتاباً وجرحاً وألماً  فى مضمار العشق والهوى.. وتخدش الجسد بمسامير حادة أرقاً.. يصل لحد إيلام الروح يقظة.. وصحواً بعد طول نوم.. وربما حياة قبيل الموات..!

ويظل (الغرباوى) يبحث عن الحبّ فى كتاباته.. يعزف خارج السرب وحده.. يتجاوز ابداعه أمكنة وأزمنة الشهرة.. ويمرّ على منتديات مصالح الإبداع والأدب دون أن يدرى عنوانها.. ومن يتسامر بداخلها..!

ربما يكتب للفن.. ويعشه.. ويترك للأدب ما يترك.. ربما يوماً ما.. ربما يكون فيه (شئ ما يعنى).. فيخلد لأجيال تأتى فتقرأ.. لكى تستمتع وتحسّ وتشعر..!

ويعتبرهذا الاصدار السابع للكاتب أحمد الغربـــــاوى بعد مجموعـــــاته المسرحيــــة (المتحزّمون).. التى نشرت فى الثمانينات كوميديا سوداء.. وكباريه سياسى لواقع موجوع فى فقده..! وتلاها بمجموعتيه المسرحية  (السقوط إلى أعلى) و(سائق الموتى) ، ثم يعود لدرب الراحل جبران خليل جبران.. يترنح حرفاَ على مسك ابداعاته.. ويترنم نغماً على شجن القلب اليائس وجعاً.. ويصر على الإبحار رغمد تجفف المى  وقذف الريح لكراث الثلج ملحاً مرّاً.. ويعصف بنا بنص تيار حاد.. فى مجموعته النثرية (وجع العشق والبعاد) ويفجؤنا بلطمة أدبية جريئة.. بعيدة عن  رقة قلمه.. فى صراحة غير معهودة لغموضه المتعارف عليه فى مجموعته القصصية (حب حتى أطراف الأصايع) التى داسته عشقاً.. فلم نِتف قلبه.. ليشكلها كلماً.. ويسوّد أسطر قصصه بأحمر دمّه.. تأوّهات ألماً على فشله وحزنه ويأسه..الخ

وتجدر الاشارة الى أن الغرباوى فى مشواره الادبى حصل على العديد من الجوائزالثقافية والادبية أشهرها المركز الاول فى المسرح والثانى فى القصة من وزارة القوى العاملة والهجرة على مدار سنوات ابداعه.. كما حصل على المركز التاسع فى المسرح  من تليفزيون الشرق الاوسط بروما..

وسبق ونشر أعماله فى جريدة الجزيرة والمسائية ومجلات القافلة والدعوة السعودية.. بالاضافة الى الاعلام المصرى..

والمتتبع لأعمال الكاتب فلايزال يكتب لفئة خاصة .. يؤمن بأمل غد حضورها لخشبة مسرح إبداعه.. بعيداً عن تجارة الكلمة.. ومقاولة الفن.. وشللية مدمنى الشهرة.. وزخرفة أردية أنصاف الموهوبين.. فى دنيا عهر المداد والحبر..!

من يدرى..

ربما..؟

ربما يوما ما يحدث..؟

 

بقلم : سلوى العبد لله

 

 

كاظم الهلالي ورحيل النوارس

ali zagheeniصدر مؤخرا عن مطبعة اليرموك في بغداد المجموعة الشعرية الأولى   (رحيل النوارس) للشاعر كاظم الهلالي وتقع المجموعة ب 90 صفحة من الحجم المتوسط وتضمنت المجموعة 55 نصا ، والغلاف من تصميم الشاعرة ساجدة الشويلي وقام بتصحيح المجموعة لغويا الأستاذ إبراهيم الجوراني وأخرجها فنيا  الأستاذ حيدر عبد الكريم، أطرت واجهه الغلاف الأمامي للمجموعة عدد من النوارس الملونة بينما اختار الشاعر الهلالي نصه الشعري (الأمل القادم) ليزين الغلاف الخلفي وصورة شخصية للشاعر أعلى الغلاف.

 

في الليل .............

يبحر الامل ساعات

عبر سماوات مليئة

بكواكب يعرفها

اتسأل

هل ثمة من يأتي

هل تهبط عربات كونيه؟

أتجلب أشخاصا نعرفهم !؟

يحدق بي أملي

مثل غريب

ينهض .. يتركني

في الفوضى ابحث

عن قادم أخر

 

جاء في الاهداء

الى من علمني قواعد اللغة العربية وحبب الى نفسي الشعر والشعراء

الى الروح التي لم تفارقنا رغم غياب الجسد

أستاذي المربي الفاضل والشاعر الكبير محمد علي الخفاجي ........ رحمك الله

اختار الشاعر الهلالي مجموعة من نصوصه لتكون ضمن مجموعته الشعرية رحيل النوارس وهذه النصوص تعبر عن ما يدور في وجدان الشاعر من أحاسيس ولوعة تجاه وطنه اولا وشعبه وقلبه ثانيا وهذا ما جعل المجموعة ممزوجة بين الروح الوطنية للشاعر والحنين الى الماضي وما يخفي الفؤاد من احاسيس ،

في نصه الشعري (حدثني قلبي) يخاطب الفقراء وما عانوه خلال سنوات الحصار والظلم بينما كان الوطن جنة للأغنياء .

حدثني قلبي

حدثني قلبي عن جرحي

عن وطني عن شعبي

قال :

في زمن القهر

افكر كيف افك حصار السنين المريرة

في زمن الثورة

افكر كيف اغير قاموس العصر

وفي زمن الطغيان

افكر كيف اعاقب من ظلم الشعب

حدثني قلبي عن كل الفقراء

عن زمن فيه الناس

يعتاشون على فتات الأغنياء

وللجائعين زقوما

وللشرفاء سجنا

لابد ان يصبح صوت الجوع رصاصة

ودموع البؤساء سكينا

و لابد للحق ان يدوي ويزمجر

،، ولابد لليل ان ينجلي

و لابد للقيد ان ينكسر ،،

............

 الحالة القادمه

بعد منتصف الليل

أغلقت نوافذ كل البيوت القديمة

كل البيوت الجديدة

الناس ناموا

ووجه المدينة نام

ونام على جفني تعب السنين

ولكنه لم ينم

ايها الليل لا تبتعد وانتظرني

انتظرني

وكن انت نومي .... وسادة وقتي

وكن انت حالتي القادمة

...............

رحيل النوارس

تمنيت لو جئتني كالنسر

لتحمل لي وطن

لكنك ارتحلت

فارتحلت النوارس

ومدت الريح الخريفية

شيئا من الشتاء

عندها

ادركت في الصمت الذي

يشربه الهواء

ان مسار الحلم الاتي

لن يشفي الجرح

ولن يسقي الارض العطشى

قطرة ماء

.............

الحنين الى المجهول

احن احيانا

كحنين غريب

يحمل بين أضلاعه

وجدا حزين

وشوقا كشوق حبيب

تملؤني أحاسيس

الى عالم اجهل سره

ومستقبل غامض امره

احقا نموت ؟

ونمسي ترابا !!

ونفوسنا ستغدو سرابا

احقا عذابا نرى ام نعيم

وياتي حساب عظيم عظيم

انغدوا يا الهي وقود الجحيم ؟

الهي وربي انت المحير

ذنوبي صارت سيل غزير

وعفوك ربي كبير كبير

وحاشا اذوق عذاب السعير

الهي ذنوبي زادت وجئت اليك

وذل المعاصي وحلو الرجاء

الوذ بصدق عميق الولاء

وما خاب من اعتصم بالله

.....................

زمن لا يصلح للحب

زمننا هذا

لا يصلح أبدا للحب

وعلينا ان نغرقه

في أعماق الحب

ونطفئ كل الأضواء

ونغلق ابواب القلب

دنيانا صارت ساحة حرب

لانفقه فيها غير الضرب

نتقاتل فيها حد الموت

نقرع جرس المقت

أبدا لا يصلح هذا الوقت

 

الرواية في فضائها العربي والسعودي .. قراءة في كتابات محمد العباس

saleh alrazukيرى الناقد محمد العباس أن الرواية في السعودية هي نتاج لثلاث محطات هامة في تاريخ المملكة.

أولا هي مؤشر على نهاية عصر السير والملاحم وبداية مجتمع التدوين أو العقل المكتوب. ويبني هذا الافتراض على أساس تغليب عناصر الوصف وبناء وتحليل الشخصيات واتساع الفجوات الغامضة في المعنى التي تعكس قلق الذات والانحياز للفضاء النفسي من وجدان المجتمع لو صحت العبارة.

لأنها كما يقول فضاء تعبيري يتلخص دوره في إعادة بناء الحياة الشخصية حول قوانين المجتمع وتوجهاته ص 19*. ولها هدف واحد هو الخروج من العماء السابق لمرحلة التدوين وإيجاد رابط جوهري، فني وموضوعي، بين ذات الكاتب وبيئته ص 21.

وعلى الأغلب وراء هذه الملاحظة أسباب فنية خاصة.

لقد تأخرت الرواية السعودية بالمقارنة مع مثيلاتها في الفضاء الخليجي. ويوجد فاصل بحوالي 25 عاما بين بدايات أمين صالح وعبدالله خليفة (من البحرين) وبدايات عبده خال وعبدالله بن بخيت (في السعودية). وخلال هذه الفترة طرأت تحولات على رواية الستينات التي بدأ منها الخيال الفني في المملكة. فقد انتقلت من فوضى الحداثة بمطلق المعنى إلى تحديث له استراتيجية أو سياسة منضبطة (لو استعملنا مفردات وين جين أويان). وتحول الصوت الفردي والساخط إلى مواقف تأملية قوامها الشك والنقد الذاتي. وهذا ساعد على توضيح معالم البناء الفني ومن ورائه ذات الكاتب. وأصبح بمقدوره أن يميز بين الآخر وبين صوره الممسوخة التي لا تعرف جذورها بالضبط.

ويمكن توضيح ذلك بمقارنة بسيطة بين أعمال أمين صالح في السبعينات وأعماله الراهنة. فالمحور العمودي الذي يغلب عليه المجاز والاستعارة والإبهام في العلاقات تحول إلى تصورات معقدة عن ذات تواجه نفسها. وقاده ذلك إلى مواجهة مزدوجة، إنكار نفسه والاختلاف مع الآخر.

وترافق هذا التحول مع زيادة ملحوظة في درجة السطوع. فالأفكار الضائعة بين طبقات الفضاء النفسي أصبح لها شكل وصورة. بمعنى أنها انتقلت من نشاط الإحساس إلى الإدراك. وهو ما يرتبط مباشرة بنضوج إستراتيجية المجتمع في الخليج. فقد تخلص من إمبريالية بلدان الجوار ودخل في مرحلة توسيع فضائه الخاص.

لقد أصبح للرواية في السعودية تصورات تعكس فجوات وعيها الحضاري، الارتقاء بالنوع في أعمال عبده خال. والصراع بين الذاكرة والأجيال في أعمال ابن بخيت. وتجد ذلك في تصميم البنية النفسية التي تنمو مع توسيع المشاهد. فالمعاني كانت تتطور بنفس درجة تطوير الإدراك بالمكان.

ولنأخذ أعمال عبده خال على سبيل الذكر.

لقد كانت بداياته لا تخلو من آثار تراكيب واستعارات زكريا تامر. وهي تراكيب تعكس الفلسفة الجبرية. أو ما أسميه بالفعل المنعكس غير الشرطي. فالشخصيات لا ترتكب الحماقات فقط. ولكن تبدو غير مؤهلة ولا مستعدة لما تفعل كما في كتابه (الأوغاد يضحكون)، فقط قبل أن يحول لاوعي الأفراد إلى علاقات ملحمية مع المجتمع كما في (ترمي بشرر).

إن الأعمال الفنية بشكل من الأشكال جزء من البروباغاندا. وهو ما يمكن أن نفهمه بالعودة لتاريخ الرواية في بلاد الشام ومصر. فقد كانت تتطور كلما ازداد وعي المجتمع بإرادته. ورواية الخمسينات والستينات محاولة لفهم الواقع الشخصي في عالم راكد يعاني من السقوط. بعكس الرواية في السبعينات والتي اهتمت بمشكلات إيديولوجية هامة كالتحرير وبناء دولة قوية وترسيم حدود الهوية بالمعنى الأنطولوجي، هوية العقل المنتج لإدراك خاص بحساسياته.

ولذلك أعتقد أن ما يسميه محمد العباس تطورا من المشافهة إلى التدوين هو في الحقيقة تعبير عن الانتقال من فلسفة المكان المجرد إلى الفضاء. أو بتعبير مباشر: هو تعبير عن بداية لصيغة تبشيرية لا يدرك فيها العقل نفسه فقط ولكن يعمل على توسيع منطقته.

الافتراض الثاني أن الرواية مؤشر على انتشار الحواضر والمدن ولا سيما مدينة الرياض. ويضرب عدة أمثلة ليؤكد أن الرواية والمدينة شيء واحد. فهي تغري الكائن وتحرضه على كتابة الرواية كما ورد في افتتاحية كتابه (نهاية التاريخ الشفوي) ص 7.

إن الرواية برأيه هي المدينة المكتوبة ص 8. وضرورة فنية وموضوعية ليس كفضاء مكاني متخيل وحسب ولكن كحاضن حياتي .. لاختبار كفاءة الذات على حافة المعنى الأحدث للثقافة ص 10.

وهو ما يقوده ليستنتج بعبارة جازمة: الرواية بنت للمدينة ص9، والتي تصادف في السعودية أنها الرياض. رمز كل المدن والحواضر. فهي خلاصة للمدونة حتى قبل تسجيلها واضطراب لصيرورة الكائنات المؤجلة ص 9.

ولكن منذ الأزل أنظر لهذه المقولة بشيء من الارتياب. فالمدينة برأيي جزء من جبل الجليد. إنها وعي الإنسان بظرفه الوجودي. ولكن وراء ذلك تقف شروط اللاوعي. حيث تتداخل الأفكار مع الصور وتترك المجال مفتوحا أمام التصورات الطفولية لتتحول إلى رموز معقدة.

إن المدينة، في هذه الحالة، هي رمز للمجتمع والعالم والإدراك أو لمعرفتنا بشرط الوعي ذاته. ولو أعدت النظر بأدب المدينة في المملكة ستلاحظ بصمات المتيروبول الأوروبي. ونادرا ما تشعر بروح أو رؤيا المكان. فهي مدينة افتراضية. صنعها الكاتب بخياله. وأتحدى أن تجد فيها ولو علامة فارقة واحدة مثل "قاهرة" نجيب محفوظ أو "حلب" فاضل السباعي. حتى أن كل فصول رواية (بنات الرياض) لرجاء الصانع تبدأ باقتباس من غادة السمان ونزار قباني. كأن الحديث عن دمشق وعن الخطيئة الأصلية لمجتمع الآباء المهزومين.

وقل نفس الشيء عن (سقف الكفاية) لمحمد حسن علوان. فقد لاحظ فيها محمد العباس استشهادات وإشارات متكررة تشبه إقحام المعلومات عن الجواهري والسياب والبياتي وكأنها عمل عن بغداد وليس الرياض ص 55.

إن مدينة الرياض في الرواية هي مثل "البحر" في أدب حنا مينة. لها وجود نفسي. وربما هي تفسير لحالة الشك الذي نضع به حواسنا موضع الاختبار. هل هي مزيفة أم أنها نتاج الضلال السياسي؟..

ولكن هذا لا يلغي محاولات النهوض بخصوصية الفضاء الأدبي عند عبده خال ورجاء العالم. فهو فضاء غير محسوس، إدراكنا به لا يكون بالمشاهدة ولكن بالتكهن كأته نشاط معنى.

لقد وظف عبده خال صورة الإنسان التائه في الفراغ النفسي ليدل بذلك على أزمة طبقية لها معنى حضاري. بينما اختارت رجاء العالم إطار المرويات أو الحكاية الشعبية للتعبير عن أزمة فنية لوجدان متحول. فقد تجاورت في أعمالها الخوارق مع شخصيات من عالم الإنس والجن. ناهيك عن إشارات لماضي المملكة مع الصحراء والبداوة. وهذا فرض علينا مواجهة مزدوجة: حل الرموز وترتيب الأحداث. ثم الربط بين الصور الغامضة والمعاني.

إن علاقة الرواية بالمدينة مجرد أسطورة. لقد وفرت الحواضر الأساسية مكانا لا بد منه لخبرات الكاتب. مثلما قدمت القرية أرضا مناسبة لتصوير صعود وتشكيل الإيديولوجيات الكبرى. وفي الذهن (يوميات نائب في الأرياف) للحكيم و(الأرض) للشرقاوي و(الحرام) ليوسف إدريس. حتى أن أول رواية فنية هي (زينب) لهيكل المعروفة بعنوانها الفرعي: (أخلاق ومناظر ريفية).

ولا توجد ضرورة للتذكير أن أهم روايات مطلع القرن العشرين كانت لها حدود استشراقية. فقد كان الروائي الغربي يكتب وهو يفكر بسحر المشرق وألغازه. والمدخل للرواية الناضجة في أوروبا كما نعلم هو رواية (ممر إلى الهند) لفوستر. وأشهر الأعمال الروائية عبر التاريخ المدون هي (روبنسون كروزو) لدانييل ديفو مؤلف رواية البيكاريسك المعروفة أيضا (موللي فلانديرز) التي لا تترك شاردة ولاواردة عن حياة التشرد والضياع بحثا عن وهم الاستقرار والهوية. كانت بطلة الرواية لا تفكر إلا بشيء واحد: أن تنفصل عن الأرض وأن تغسل ذاكرتها. وشكلت مطلعا لا بد منه لفهم معنى الاغتراب الشيزوفراني والذي عاد إليه لاحقا غراهام غرين في رائعته (المنسينيور كيشوت) حينما وضع راهبا وملحدا في سيارة جابت بهما كل طرقات أوروبا. وكان كل واحد منهما يبحث عن دليل يثبت به أنه موجود، وأن للأفكار قوة مثل الطاقة الروحية التي يسميها الراهب الإيمان ويسميها الملحد العقل.

وربما تندرج في هذا الإطار تجربة عبدالرحمن منيف عن موت الصحراء، الرمز الموضوعي للإنسان البسيط في العالم الثالث، وضياعه في متاهات الأنظمة القمعية والأسواق ورؤوس الأموال المتفرعة عنها.

إن الرواية هي بنت مخيلة عقل رؤيا. يتحول بها الواقع إلى ذات موجودة خارج الوعي بالحدود. وهذه هي فكرة الرواية، توسيع إطار الواقع الجامد. ولذلك رأى إدوارد سعيد أنها فن رديف لخطط الإمبريالية بالتوسع والاحتلال.

الإفتراض الأخير أن الرواية نتاج لمخيلة تعيد تركيب سيرة الكاتب من خلال خبراته بعصره وبالمكان الذي يعيش فيه.

فهي غالبا تأكيد للأنا وإن تراوحت بين إعادة أسطرة اللغة خارج نفسها وبين الشهادة الشخصية الحية المنذورة لتسمية الأشياء ص 18، كما قال خلال كلامه عن تجربة علي الدميني.

وهذا يرشح الرواية لإعادة تركيب أناها، وإنتاج بنية مجازية لشخص لا نعرفه تماما ولكنه يشبهنا.

فالذاكرة مكان نستعيره من العالم الذي لا نعيش فيه ولكن نشعر به.  وهو زمن لحكاية كانت موجودة قبل ما أسميه "عزم النشوء". وهو ما يدعوه محمد العباس "زمن الرواية" ص81. فالخطاب الروائي يتألف من بنية على مستويين: حكائي وسردي. أو مضمون بلا مغزى وحكمة تصنع لنفسها أسلوبها الخاص، الواقعي ولكن الذي لا يحاكي شيئا غير النسق أو الذات.

وأعتقد أن محمد العباس يتفق في هذا الشأن مع سعد محمد رحيم الذي يعتقد أن الأدب والرواية بشكل أساسي تدعوك للشك بالتاريخ. إنها لا تدونه إلا بعد اختيار حجم المساحة أو الفاصل. بمعنى أنها تنظر للواقع من خلف الحاجز النفسي وهو التأويل أو فلتات اللسان المهذب الذي يخضع لسلسلة معقدة من الرقابة والحذر والمكبوت والتشديب. فالرواية تستمد قوتها من عدم وجود اتفاق بين منتجي النص.. وهم الكاتب والقارئ والمجتمع كما ورد في مستهل كتابه (السرد مشككا بالتاريخ)**.

يقرأ محمد العباس الرواية على أنها تعبير مجازي يترك مسافة تفصل المنطق عن حساسياته أو أسلوبه في مقاربة المشاكل والتفاصيل. ويسميها (المسافة المجازية بين العقل وأدوات التعبير) ص36.

ولذلك يعتقد أنها كائن له قوانينه. وذات مستقلة تجسد خلفياتها في الواقع بشكل تجريدي داخل النص ص 42.

إن محمد العباس كما يبدو لي ينظر للرواية وكأنها إنسان الطبيعة، وهذا التعبير أصلا لمحمود تراوري الذي يضيف: هي إنسان حسي متفتح الحواس، لا يقبل الوساطة بين الذات والموضوع، ولكنه يقبل بكل شيء آخر، ويستند في فهمه لإدراك الأشياء المجردة أو الدوال. فهو يحس بالأشياء ولايراها. ص 64.

ونجد عدة أدلة على هذا الفهم لحدود النوع حين يقول في مكان آخر: اللغة عند إبراهيم خضير لها طابع تشخيصي ص 67. والأسلوب عند علي الدميني مفاوضة مع الأشخاص والأماكن ص 80. والنص ضحية لخيانة الكاتب أو الواقع ص 81 ، أما النصوص المتعددة فتشترك لتنسج امرأة ص 82، وهكذا.

إن أنسنة العمل الأدبي لا يلغي الفكرة التقليدية: أن الكتابة تابعة للكاتب فقط ولكنه يساوي بينهما، وهذه بداية لمعاناة طويلة مع علاقة التراث بالحداثة. الأمر الذي يعيدنا إلى المربع الأول: هل الرواية نتاج المدينة أم الحضارة؟..

إن الجواب ليس سهلا لعدة أسباب.

فالرواية لدينا نتيجة من نتائج عصر النهضة، بوعيه المأزوم وقلة وضوحه، وأهم النماذج المعروفة تعكس وعيا مزدوجا بالذات الفنية، الاقتباس والتعريب. وفي الذهن كتابات فرنسيس المراش ومن بعده المنفلوطي. وحتى الحداثة لها مقاييس مستوردة.وهذا ينسحب على النص والواقع.فرواياتنا الحديثة لا تدين بشيء للبلاغة العربية، وكذلك المدينة. إنها تحمل علامات الاستعمار، سواء في البناء أو في توزيع الفراغ والكتلة. والجهود التي بذلها بعض الرواد في الستينات ذهبت أدراج الرياح لأنها أصلا مشروع هدفه إحياء أساليب من عصر الانحطاط كـ (ألف ليلة وليلة) و(مقامات الهمذاني) أو أساليب ديوان المماليك.

إن الحداثة العربية بكل اتجاهاتها، مثل الفكر القومي، لا علاقة لها بالتراث ولا العقل العربي. وبالعكس هي نسخة متحولة من إيديولوجيا استعمارية عن مجتمع مدني مبسط.  فالسيف الذي تحارب به رواياتنا المعاصرة لا يختلف عن عتادنا الحربي.. صناعة مستوردة.

 

صالح الرزوق

.........................

*أرقام الصفحات تحيل لكتابه (نهاية التاريخ الشفوي)، منشورات الانتشار العربي ونادي حائل الأدبي، 2008. وصدر بطبعة ثانية عن دار نينوى بدمشق، 2015.

**منشورات دار نينوى، دمشق، 2016.

الدين والظمأ الأنطولوجي للرفاعي

801-jabarتجربة روحية إيمانيّة ووليمة معرفيّة لمن يبحث عن الإيمان في عصر الحداثة

صدر مؤخراً كتاب في لبنان والعراق، بين دار التنوير في بيروت ومركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ضمن سلسلة "تحديث التفكير الديني" للمفكر الاسلامي العراقي الدكتور عبد الحبّار الرفاعي يحمل عنوان:"الدين والظمأ الأنطولوجي". وربّما تبدوا مفردة"الأنطولوجي " غريبة إلى حدّ مّا على القاريء أو السّامع الذي لم يستأنس بها، إلاّ أنها بحثت في عدد من الكتب الفلسفيّة، وعلى وجه الخصوص الفلسفة الوجودية، سواء كانت إيمانيّة، كإيمانيّة الفيلسوف الدنماركي كيرككورد(ت 1855م)، أوالمفكر الايراني المعاصر مصطفى ملكيان(ولد 1955م)، أم إلحاديّة، كإلحاديّة الفيلسوف الفرنسي سارتر(ت 1980م)، أوالفيلسوف والمفكر المصري عبد الرحمن بدوي(ت 2002م)  .

"الأنطولوجي" تعادلها بالعربيّة"الوجودي"، وهي دراسة الأشياء (الموجودة) في ذاتها من حيث وجودها. أي دراسة الموجود بما هو موجود، من أجل الوصول إلى فهم واستيعاب حقيقة الموجود كما هو، إن أمكن ذلك. ويشرح عبدالجبار الرفاعي ما يعنيه هو بعنوان كتابه في مقدمته قائلاً: "أعني بالظمأ الأنطولوجي الظمأ للمقدس، أو الحنين للوجود، إنّه ظمأ الكينونة البشريّة، بوصف وجود الإنسان وجوداً محتاجاً إلى ما يثريه، وهو كائن متعطّش على الدوام إلى ما يرتوي به".

 

استرداد الذات المهدورة801-jabar

يتكوّن الكتاب من مقدمة وسبعة فصول. الفصل الأول "نسيان الذات" بمثابة توطئة تفضح التعسف والاهمال والتجاهل الذي تعرضت له "الذات الفردية"، وكيف تم اهدارها في أدبيات الجماعات اليسارية والقومية والاسلامية. ففي التفاتة دالة يؤشر الرفاعي إلى كيفية تضييع تلك الذات التي طمسها ركام هذه الأدبيات الحزبية، قائلاً: "يولد الإنسان بمفرده، ويحيا بمفرده، ويموت بمفرده، ويتألّم بمفرده، ويشعر بالخطيئة بمفرده، ويستفيق ضميره بمفرده، ويؤمن بمفرده، ويلحد بمفرده. ويجتاحه بمفرده أيضًا: القلق، اليأس، والاغتراب، والضجر، والسأم، والألم، والحزن، والغثيان، وفقدان المعنى، وذبول الروح، وانطفاء القلب، والسوداوية، والعدمية، والجنون... إلخ. لا تبدأ الحياة الإنسانية الحقيقية إلّا عندما تتحقّق وتوجد الذات الشخصية، وهذه الذات لا تتحقّق من دون الفعل، فالوجود الإنساني لا يصل إلى الامتلاء إلّا بالفعل وحده. الذات البشرية وجودها وصيرورتها الحرّيّة، وحيث لا حرّيّة تنطفئ الذات. الحرّيّة ليست أمرًا ناجزًا قبل أن نشرع باستعمالها، وجود الحرّيّة يعني ممارستها. الحرّيّة لا تتحقّق بعيدًا عن مسؤولية الفرد تجاه ذاته. لحظة تنتفي الحرّيّة تنتفي الذات، إذ لا تغتني الذات وتتّسع وتتكامل إلّا بالحرّيّة".

 

 تدين الحب والجمال الروحي الأخلاقي العقلي

الفصل الهام هو الثاني، الذي يحمل عنوان"نسيان الإنسان"، وهو في الحقيقة محاولة أوليّة لكتابة السيرة الذاتيّة للمؤلّف، مع وعوده بإكمال هذه السيرة التي كتبها بحذر شديد جداً. علماً بأنّ الفصول الأخرى للكتاب هامة أيضاً، بما تحمل هموم الدين وإيمان الإنسان في العصر الراهن، وتسعى لتخليصه من دين البغض والكراهيّة ونفي الآخر إلى دين الحب والمحبّة وقبول الآخر والتصالح والتعايش السلمي مع الحداثة.

"نسيان الإنسان" محاولة أوليّة لكتابة سيرة روحية أخلاقية فكرية ذاتيّة، بحسب وصف المؤلف، وهذه السيرة قد خضعت إلى مقص الرقيب، ولكن هذا المقص كان من المؤلف نفسه، حاول في هذه السيرة جلد الذات بالذات، ولكن بطريقة طريفة وخفيفة، أراد المؤلف المحترم البوح ببعض ما تيسّر له من خلجانات داخليّة لتخفيف بعض الآلآم، ولكن هناك وكأنّما رقيب يراقب المؤلّف وينتابه خطوة بخطوة. ومن الجميل أن الرفاعي لا يخجل من التصريح بذلك، إذ يكتب: "لا أزعم أني أمتلك ما يكفي من روح المجازفة والمغامرة والشجاعة، لتدوين ما يخدش الحياء، أو ينتهك التابوات المتجذرة في عالمنا، خاصة وأني مازلت منتمياً للحوزة، ومتساكناً مع الإسلاميين بألوانهم واتجاهاتهم كافة، وحريصاً على حماية ذاكرتي المشتركة معهم، وعدم التضحية بعلاقاتي التاريخية، بل أعمل على تعزيزها، وعجزي عن الانفصال والخروج والانشقاق على المحيط الاجتماعي، ذلك أن من يعترف بخطئه في مجتمعاتنا يغامر بفقدان هويته، ويكون الطرد والنفي واللعن مصير كل من ينتقد قبيلته وطائفته وحزبه".

"نسيان الإنسان" فصلٌ أخّاذ، بما يحويه من سرديات عن الحياة الخاصّة والعاّمة، وانطباعاته عن بعض الأمور والشخصيّات التي عاصرها، وعن المعرفة الدينيّة وتجربتها، ووسائط نقلها، والطقوس ببنيتها الإجتماعيّة - الدينيّة المرتبطة بأحداث عاصرها المؤلف أو سمعها. الرفاعي هنا يقدم لنا تجربته الدينية الشخصية "الروحية والأخلاقية والعقلية"، ويشرح لنا نمط تدينه الذي هو محصلة رحلة حياة ملونة عبرت محطات متعددة، وهو كما يصفه: "تدين الحب والجمال الروحي الأخلاقي العقلي". يحدثنا الرفاعي عن دينه فيقول: "الدين الذي اعتنقه هو الاسلام الانساني، الرحماني، الدين فيه هو الحب، والحب فيه هو الدين". ويقدم لنا سيرة حياته ومنعطفاتها وما واكبها من تكوين وتراكم طويل، وعبور محطات متنوعة، بوصف هذه السيرة مثالاً على رحلة باحث عن نمط من التدين الروحي الأخلاقي العقلي، الذي تشرق فيه الروح في عصر يتفشي فيه تدين بلا روح، والأخلاق في عصر يشيع فيه تدين بلا أخلاق، والعقل في عصر يهيمن فيه تدين بلا عقل، والجمال في عصر تدين مناهض للجمال، والحب في عصر تدين الكراهية.

يلخص الرفاعي هذا التفسير للتدين بما يصطلح عليه بـ"إنقاذ النزعة الانسانية في الدين"، وهو بمفهومه لا يستنسخ أو يطابق ما تشي به بعض الفلسفات التي تتبنى نزعة انسانية مفرغة من المضمون الروحي المعنوي، بل يشدد الرفاعي على أنه يعني بـ "الإنسانية في الدين": (تجديد الصلة بالله، وذلك يبدأ بتجديد الصلة بالإنسان، لكن الغائب الأكبر هو الإنسان، في خطاب معظم الجماعات الإسلامية، وبعض المبشرين بالأديان.. والخلاص والتحرر من "نسيان الإنسان" في أدبيات الجماعات الإسلامية والدعوة للاعتراف ببشريته ومكانته في الأرض، وتصحيح نمط علاقته بربه، وتحويلها من صراع مسكون بالخوف والرعب والقلق، إلى علاقةٍ تتكلّم لغة المحبة، وتبتهج بالوصال مع معشوق جميل. ان العلاقة بالله لا تأخذ نصابها في تشييد حياة روحية أخلاقية أصيلة إلاّ اذا كانت حرة، اي انها ينبغي ان تكون علاقة مبنية على حرية واختيار، لا اكراه وامتهان واسترقاق).

في رأيي ان وصف وتحليل الإنطباعات الداخليّة، والتجربة الروحيّة"نسيان الإنسان" ومنابعها الروحيّة والفكريّة، هي بؤرة اهتمام المؤلف، لكن ذلك يندرج في إطار أوسع يقدم ثروة من المعلومات والإكتشافات عن الحياة الروحيّة للمؤلف وبعض من عاصرهم. ومن هنا يقدم الكتاب لمحة تاريخيّة عن تشكّل الحياة الماديّة – الروحيّة، ثم السياسيّة، ومن ثَمّ العودة إلى الحياة الروحيّة، ولكن بنظّارة أخرى، ورؤية معرفية تختلف عن المعرفة السابقة. كما يحتوي الكتاب على تحليلات هامّة عن بعض الأحداث والشخصيّات في الفترة التي عاشها المؤلف، والنتائج المعرفيّة والروحيّة التي آلت إليها.

 

في الدفاع عن الإيمان والقيم الروحيّة

 إنّ كتاب"الدين والظمأ الأنطولوحي" للدكتور الرفاعي مساهمة فريدة من نوعها، وقيمة في دراسة الإطار العام للدين والتديّن من خلال المعرفة والثقافة والمجتمع. وهو يرسم للإنسان المعاصر لوحة أخّاذة عن المشهد الديني بمؤسساته ومرجعيّاته الثقافيّة والمعرفيّة، وبأفكاره وفئاته، وحياته الدينيّة والروحيّة.

حاول المؤلف دفع شبهة حذف الدين عن المجتمع أو القضاء عليه كما يدّعي البعض، بل يؤكد على توليد فهم آخر للدين غير الفهم والتفسير الأصولي المنغلق، وخير شاهد على ذلك كما شاهدته بأمّ عيني ولمسته من خلال حواراتي مع بعض الشخصيّات الغربيّة، وجود تيّار الدين المسيحي في البلدان المتحضّرة، ولكنّه دين وتيّار ليبرالي-عقلاني، متصالح مع أغلب ما جائت به الحضارة العالميّة.

تطرّق المؤلف إلى بحث غاية في الأهميّة، وهو يدغدغ به مشاعر وإيمان المسلم المتديّن المعاصر الذي يبحث عن الوجود والكينونة والهويّة، ونصحه بأنّه لا خلاص إلاّ بالخلاص من أدلجة الدين، لذلك تطرّق إلى شخصيّة الدكتور علي شريعتي(1977م) الملقّب بـ(معلّم الثورة) في ايران، وكيف عمل على "ترحيل الدين من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا". يتحدث الرفاعي هنا عن شريعتي بوصفه ممثلاً لتيار الاسلام الأيديولوجي، الذي يمثله عدة مفكرين معروفين، وفي سياق رؤاه صاغت الجماعات الاسلامية مقولاتها، واختزلت الدين بتحويل الدنيوي إلى ديني، وعدم ادراك مهمة الدين المحورية في "إرواء الظمأ للمقدس" حسب قول الرفاعي. وهو ينبهنا إلى أن الدكتور علي شريعتي وغيره من ممن أدلجوا الاسلام: "لم ينبهنا إلى ضلوعنا المهشمة، والى ما يجتاحنا نحن البشر، من: القلق، اليأس، الاغتراب، الضجر، السأم، الألم، الحزن، الغثيان، فقدان المعنى، ذبول الروح، انطفاء القلب، الجنون... إلخ. إنّه كمن يضع بأيدينا مصابيح شديدة الإنارة، ليكشف لنا بؤس العالم. لكن عالمنا الجوّاني الباطن يظلّ مجهولًا مهملًا. لم يتنبه شريعتي إلى أنّه لا ينبغي لنا أن نطارد ظلام العالم، فيما نحن نجهل ظلام أنفسنا، ونتضور لجوع العالم، ونحن لا نشعر بجوع أنفسنا، ونحترق لظمأ العالم، ونحن لا نتحسّس الظمأ الأنطولوجي للمقدس في ذواتنا... إلخ". ويضيف الرفاعي: "شريعتي غالبًا ما ينسى الذات، فيقفز للتفكير في المجتمع، يفتّش مباشرةً عن رسالةٍ للدين في المجتمع، بل يريد أن يرى أثرًا إيجابيًّا للدين هناك، يرحّل الدين مباشرةً إلى المجتمع، من دون أن يمرّ بصناعة الذات". الرفاعي يعتقد أن الدين يبدأ ببناء الذات أولاً، ثم المجتمع، إذ يصرح: "الدين لا تتحقق مهمته في المجتمع، إلّا من خلال إعادة بناء الذات، بالمعنى الأنطولوجي العميق. بمعنى أن افقار الذات افقار للمجتمع، اعادة بناء المجتمع تبدأ باعادة بناء الذات".

 ومن المؤسف أن الاسلام الأيديولوجي اليوم في العالم الإسلامي، تجسّد في صور بشعة وقبيحة وبأشكال مختلفة، تنتج البغض والكراهيّة وحب الإنتقام من الآخر.

يؤكد الرفاعي على مراجعة النصوص والموروثات الدينيّة، من تفاسير قرآنيّة وشروح الحديث وعلم الكلام(العقائد) أو علم الفقه وأصوله  الراسخة في أذهاننا، حيث أصبحت هذه النصوص من المسلّمات، وفي كثير من الأحيان يحرم على الفرد مناقشتها. هذه النصوص وبهذه الرؤى والتفاسير صارت تلغي الأخر، وأصبحت مصدراً للكراهيّة والقتل.

إنّ سبب الإنسداد الديني والحضاري الذي يعانيه العالم العربي والإسلامي ككل يعود إلى الإنغلاق الكامل داخل يقينيّات القرون الوسطى التي تتخذ صفة الحقيقة الإلهيّة المقدسة التي لا تُناقش ولا تخضع للعقل بأيّ شكل من الأشكال. وإلى الآن يعيش المسلم التقليدي سجين يقينيّاته المطلقة التي أصبحت كالقلعة المسيّجة والمحاصرة داخل الحضارة العالميّة التي تتسع رقعتها يوماً بعد يوم .   

إذن علينا أن نفصل بين"دين الأيديولوجيا" و"دين الأنطولوجيا". وبأستطاعة الإنسان العبور من جسر الأنطولوجيا ليصل إلى جوهر الدين، والوصول إلى جوهر الدين سيروي الإنسان من الظمأ الذي يعيشه.

الكتاب لا يخلو من حلاوة"التجربة الدينيّة" التي درسها المؤلف نظريّاً، ومزج مع التجربة العمليّة التي مارسها عمليّاً، فخرجنا لنا بنتائج فريدة من نوعها، مع أنّ التجربة الدينيّة في أغلب الأحيان تكون شخصيّة، ومن الصعب تعميمها على الأخرين، ولكن ممكن الإستفادة منها بأفضل ما يكون.

يحتل المؤلف موقعاً فريداً يؤهله للكتابة عن الدين الأنطولوجي والإيمان الروحي، وعن التجربة الدينيّة التي عاشها، فهو مشارك بارز في المشهد الثقافي العراقي، والعالم العربي الإسلامي، بل عاش برهة من حياته في وسط عالم الإسلام السياسي، وكانت معارفه وأبحاثه هي ثمرة ارتباط وثيق بالأحداث والشخوص والتيارات الإسلاميّة.

كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" يضم عدة مباحث أخرى بالغة الأهمية، ومن أهمها الفصل الذي تناول فيه المؤلف الانسداد الذي يمنى به التفكير الديني، وعجزه عن التغلب على حالة التكرار والاجترار،

فقد حلل الرفاعي المأزق الراهن للعقل الاسلامي، وانتهى إلى أنه يكمن في البنية التحتية المنتجة للتفكير الديني في الاسلام، التي: "تتمثل في الأسس ومناهج التفكير والنظر والأدوات المتوارثة المنتِجة للتفكير الديني في الإسلام، من: المنطق الأرسطي، وعلم الكلام، وأصول الفقه، وقواعد الفقه، وعلوم القرآن، وقواعد الحديث وعلم الرجال...إلخ. بوصفها المادة الأساس لتشكيل الرؤية للعالم، وبناء العقائد، والتفسير، والمدونة الفقهية، والمعارف الإسلامية، التي يكرّر العقلُ الإسلامي فيها ذاتَه باستمرار، ولا يني يستنسخ ماقاله الأوائل من أئمة الفرق والمذاهب، ويستأنف قواعدهم وعباراتهم ومصطلحاتهم وآراءهم كما هي". ويكتشف الرفاعي أن : "هذه المعارف تشكّلت بالتدريج في مرحلة بعيدة زمانياً عن عصر البعثة الشريفة، واستقت من المعطيات السائدة في عصرها، ولم يتخطَ أفقُ انتظارها من الدين المشروطيةَ اللغوية والسياسية والاجتماعية والنظام المعرفي والرؤيةَ للعالم المهيمنة فترةَ انبثاقها". ويخلص الرفاعي إلى أن التفكير الديني في الاسلام لن ينطلق ما لم يغادر أنساقه وأدواته وقوالبه وقبلياته وأحكامه المسبقة السابقة. يكتب الرفاعي: (لابد من إلخروج عن المناهج والأسس وأدوات النظر الموروثة للتفكير الديني، بوصفها "أنساقاً عميقة" وحدوداً نهائية، يعاد انتاج الأسئلة والأجوبة ذاتها من خلالها كل مرة. انها تعطّل العقلَ، وتسجن عمليةَ التفكير الديني في مداراتها المغلقة، ولا تكف عن التكرار والاجترار، تبدأ من حيث تنتهي، وتنتهي من حيث تبدأ. تبدأ من أصول الشافعي ولاهوت الأشعري لتنتهي بهما، وتنتهي بههما لتبدأ منهما.. وهكذا).

كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" وثيقة ناصعة تكشف عن تجربة روحيّة - إيمانيّة للمؤلف، تبلورت خلال مراحل حياته المختلفة. كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" وليمة معرفيّة لكل دارس للدين وباحث فيه، لكلّ من يبحث عن الإيمان في عصر الحداثة، وهو في نفس الوقت مائدة نفحات روحيّة أخلاقية للذين يحملون هموم الدين في العصر الحاضر، بل هو نص مكثف موحي ملهم يضئ روح القارىء وقلبه وعقله. 

 

عماد الهلالي

.......................

باحث عراقي متخصص في الأديان. 

 2- ontology

2-علماً بأن الدكتور الرفاعي ومن خلال إصدار العدد(55-56) من مجلة"قضايا اسلاميّة معاصرة" 2013م، بمحوريّة: (الإيمان الوجودي وديانة الضمير الفردي، سورون كيرككورد 1813-1855). وكتاب:"الحب والإيمان عند سورين كيرككورد"(تحرير وتقديم)، وكتابه الأخير الذي نحن بصدده، سنواجه ميوله الشديدة إلى المدرسة الوجوديّة المؤمنة.

3-انظر في ذلك: صالح، هاشم، الإنسداد التاريخي، لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟ ط1، بيروت، دار الساقي بالإشتراك مع رابطة العقلانيين العرب، 2007م، ص 30.

 

بصمات خالدة فى تاريخ الشعوب

hamdybasheerلا يزال التاريخ مرآة الشعوب، ولايزال يذخر بالكثير من الدروس للأمم فى حاضرها ومستقبلها، وفى حياة الشعوب والأمم رجال تركوا بصماتهم التى لم تنمحى آثارها على مر العصور والسنون، بل ظلت شاهدة على انجازاتهم  وعصورهم.

فى كتاب "بصمات خالدة ...شخصيات صنعت التاريخ وأخرى غيرت مستقبل أوطانها" الصادر عام 2016، تعرض المفكر الاماراتى الدكتور جمال السويدى  لدراسة 22 شخصية صنعت التاريخ، لايزال تاثيرها فى حياة مجتمعاتها يتجاوز الماضى والحاضر إلى المستقبل، لأن هذه الشخصيات قد غيرت مسار مجتمعاتها إلى الأفضل، فظلت فى ذاكرة الشعوب خالدة برغم رحيلها عن الحياة، وقد اختار الدكتور السوبدى من بين تجارب الأمم شخصيات وتاريخية ومعاصرة وعلمية وفنية، فنضالها السياسى ممتد أثره منذ توحيد وبناء دولها، وفى تحديثها ونهضتها الحديثة والمعاصرة، أو نضالها فى تحريرها من السيطرة الاستعمارية، أو فى اكتشافاتها العلمية التى لاتزال تهتدى بها البشرية فى مختلف المجالات.

ويختلف هذا الكتاب عن مؤلفات الدكتور جمال سند السويدى السابقه، فهو يركز على دراسة الشخصية (القيادة) السياسية و العلمية والفنية ودورها التاريخى والسياسى والتنموى فى حياة المجتمعات وتاريخ العالم، فهو ينتقل قى مؤلفاته من دراسة تجارب الدول (كتاب القرن الامريكى، 2014) إلى دراسة الجماعات المتطرفة التى تهدم مجتمعاتها (كتاب السراب،2015 )، ثم دراسة شخصيات تاريخية تبنى حاضر ومستقبل بلادها (كتاب بصمات خالدة،2016 )، ففى كتاباته ملاحظات ودروس يقدمها للقارىء عن نماذج البناء والحضارة ونماذج الهدم والتدمير والخراب والارهاب، وكأنه يقول للقارىء لاتيأ، فيقدم له فى كتابه هذا نماذج تدعو الى الأمل والتفاؤل، بعد كتابه السراب  الذى حذر فيه من خطر الاسلام السياسى على المجتمعات.

وقد اختار الكاتب  22 شخصية بارزة، من بينها 11 شخصية عربية (شخصيات اماراتية(الشيخ زايد – الشيخ خليفة بن زايد – الشيخ محمد بن راشد ال مكتوم- الشيخ محمد بن زايد) - ثلاثة مصرية(محمد على باشا – جمال عبد الناصر – عبد الفتاح السيسى) –  شخصية سعودية (الملك عبد العزيز ال سعود )- شخصية ليبية  (عمر المختار)-  شخصية مغربية (الحسن الثانى)، وحول العالم اختار 11 شخصية أخرى (أربعة  شخصيات أمريكية (مثل جورج واشنطن، مارتن  لوثر كينج- الفريد سيرجوزيف هيتشكوك - ستيف بول جوبز) – ثلاثة بريطانية (مثل البزابيث الثانية، مارجريت تاتشر- البرت اينشتاين) - شخصية صينية (ماوتس تونج) – شخصية هندية (المهاتما غاندى ) – شخصية سنغافورية (لى كوان يو) – جنوب افريقية(نيلسون مانديلا)، وهذا التوزيغ الجغرافى يؤكدمن خلاله أن المساهمة فى الحضارة ليست حكراً على أمة بعينها فكل المجتمعات ساهمت فى الحضارة والتقدم الانسانى .

والرسالة التى يريد المؤلف توصيلها للقارىء واضحة، وهى أن فى تاريخ شعوبنا العربية، و تاريخ الشعوب الأوربية والأسيوية والأفريقية شخصيات بارزة اقامت حضارتها وساهمت فى تقدم الانسانية، لأنها استخدمت سخرت حياتها من أجل بناء ونهضة أمتها، على عكست الجماعات التى توظف الدين لأجل تحقيق مصالحها السياسية وهدم مجتمعاتها، وقد أحسن فى اختيار  نماذج مضيئة من التاريخ، فلا يختلف المؤرخون على أن الشيخ زايد  هو بانى ومؤسس النهضة الاماراتية الحديثة، وقد سار  على دربه من بعد كل من الشيخ خليفة بن زايد، والشيخ محمد بن راشد، والشيخ محمد بن زايد،  الشيخة فاطمة بنت مبارك .

وفى تاريخ الأمة السعودية، أسس الملك عبد العزيز ال سعود  الدولة السعودية ووحد قبائلها المشتتة، وعلى نفس المنوال أسس محمد على باشا مصر الحديثة ، وحمل الرئيس جمال عبد الناصر  لواء القومية العربية ودافع عن العروبة وانقذ مصر  ووقى شعبها خطر الاخوان و الانزلاق إلى حافة الهاوية والصراع والسياسى، وبالمثل فعل الرئيس عبد الفتاح السيسى الذى أنقذ مصر من الدخول فى اتون الحروب والصراعات الدينية .وجميعها شخصيات عربية يشهد لها بالوطنية والكاريزما السياسية والشخصية القيادية التى واجهت مختلف الصعاب من أجل بناء وحماية استقرار بلادها.

على اية حال، يمتاز المفكر الاماراتى الدكتور جمال السويدى برؤية خاصة فى قراءة الواقع السياسى فى العالم العربى وفى السياسة الدولية بصفة عامة، فهو دائماً يركز على دراسة هذا الواقع من مداخل مختلفة، ومناهج مختلفة، و منظور مقارن، حيث يقارن الظاهرة أو الشخصية فى سياقات سياسية مختلفة ويبرز دورها السياسى فى بيئتها وظروفها السياسية والتاريخية، وغالبا ما يركز أيضا على المقارنة الزمنية عندما يقارن الحاضر بالماضى ليستشرف المستقبل، وهذه المقارنات المكانية والزمانية ليست غاية فى حد ذاتها لكنها تكشف الكثير من الحقائق التى تدعم وجهة نظره فى قراءته للفرص والتحديات والحلول التى يطرحها لملشكلات العربية المعاصرة.

 

د. حمدى بشير

 

صقر الصحراء وكاتبة كردية شابة تؤرشف وتوثق حياة الشهداء

847-badalالكاتبة والشاعرة الشابة الكردية هلز علي سليم تنحدر من القرية التاريخية (الشيخ حسن) والتي يرجع تاريخها الى الامبراطورية الاشورية ومنها مر الاسكندر المقدوني وعاش فيها ابطال البيشمركة خلال الثورة الكردية اصدرت كتاباً باللغة الكردية حول حياة شهيد ابكاه جنوب العراق قبل يبكيه اهل كردستان، البطل الذي ضحى بروحه من اجل انقاذ سريته الببيشمركة وصار حديث الشارع والبسطاء من الشعب، انه الشهيد البطل الشيخ احمد محمد صالح المزوري. لقد كان اسشهاده ورحيله مأساة حقيقية لكردستان وبالاخص لمدينة دهوك ولم تشهد مدينة دهوك مراسيم عزاء مثلما شهدته لهذا البطل.

847-badalتناول الكتاب حياة الشهيد الصقر في ابواب عديدة وضم بين دفتيه 197 صفحة من الحجم المتوسط وقد بذلت الكاتبة جهداً كبيراً من اجل ان يرى الكتاب النور بالرغم من انها لم تتلق المساعدة من الناحية المالية واما من الناحية المعنوية فقد ساندها اصدقاء كثر من البيشمركة وتألمتُ حين تحدثت لي بان بعض اقرباء الشهيد قد ابخلوا عليها حتى في صور الشهيد للالبوم في آخر الكتاب.

ضم الكتاب فصلاً من حياة الصقر الشهيد وحياته ضمن الفرقة الذهبية وحربه الضروس ضمن مكافحة الارهاب وعلاقاته الحميمية  بصفوف البيشمركة ودوره في تحرير المناطق من الارهابيين.

نقش البيشمركة (سربست لزكين) كلمة قيمة على الغلاف الثاني وقال فيها :أن مسيرة النضال مستمرة والحرية التي نعيشها نتاج دم الشهداء وجهد البيشمركة الابطال ولهذا يتوجب علينا بثقة وارادة فولاذية وبتلاحم ان نعمل معاً وان نحافظ على كل شبرمن ارض الوطن.

لقد كان للشهيد دوراً كبيراً في تحرير سد الموصل والعديد من المعارك التي شارك فيها ترك وراءه بصمات واضحة وكانت داعش تخشى مواجهته وسمته بذو الملابس السوداء.فصل آخر يتناول اصداء استشهاده في كردستان والعراق بالاضافة بأن الكتاب ضم العديد من القصائد والكلمات والاغاني تمجد الصقر الراحل وكذلك البوم صور حول مسيرة حياته ودفن الشهيد في قرية (كلي رمان) وبعدها يستشهد ابن عمه شيخ موسى ليدفن بجنبه ويتوجه الكثيرون الى القرية لزيارة اضرحة الشهداء ووضع الورود على قبرهما.

تناولت الكاتبة بكل شجاعة وجرأة والركض وراء كل ما يتعلق بحياته ومعاركة والحديث مع رفاق السلاح في جبهات الحرب ولم تخش الكاتبة اللبوة بزيارة جبهات القتال من اجل معلومات لكتابها التوثيقي وكذلك التقت الكاتبة شخصياً افراد عائلته وقالت لي بأن الشئ الذي شدني الى هذا الرجل وكتابة سيرته وحياته بأنه ترك المناصب وانضم الى صفوف البيشمركة وهو بدوره ينحدر من عائلة كردية مناضلة.

الكاتبة والاديبة هلز علي سليم فخورة بعملها وبأنها امراة كردية تقوم بهذا العمل القومي وفخورة بعائلتها التي زرعت في روحها حبها للكوردايتي وبالأخص والدها وهي لم تخش للحظة زيارة جبهات القتال.

تتمنى الكاتبة هلز علي سليم من ان تستمر وتكرس قلمها لشهداء كردستان من دون وضع عراقيل لكتبها ولها بعض المشاريع في ارشفة حياة الابطال الذين سقطوا في ارض المعركة من اجل الوطن ولكن وضعها المالي والازمة الاقتصادية تقف سداً امام تكملة مشوارها ولكنها متفائلة..

تحس بالسعادة حين تطرز بطولات الكرد والبيشمركة وهذا اقل ما تقدر عليه..

أليس من واجب المؤسسات الثقافية ووزارة الثقافة بان تمد اليد لكاتباتنا في سبيل ارشفة تاريخ ونضال الابطال الشهداء كشهادة للاجيال القادمة..؟؟

سؤال بحاجة لجواب من مراكز القرار..!!!

وهنا تذكرت ملهمي شاعر داغستان (رسول حمزاتوف) بان الجنود الذين يسقطون في ارض المعركة سيستحيلون الى غرانيق في سماء الوطن..!

 

بدل رفو - النمسا

 

 

سورن كيركگورد وعبد الجبار الرفاعي

846-jabarبالمحبة والايمان يستطيع الكائن البشري استرداد ذاته الضائعة

الوجودية فلسفة تقوم على اعطاء مركزية للانسان في هذا الوجود، اي انها فلسفة تعنى بالانسان الفرد، وتنطلق من الانسان الفرد، وغايتها الانسان الفرد، وهي من الفلسفات القائلة بأصالة الوجود في مقابل الفلسفات التي قالت بأصالة الماهية.

 تركزت موضوعات الفلاسفة الوجوديين حول: الذات، الحب، الايمان ، الضمير، القلق، اليأس، الموت... وبعض الباحثين لم يعتبر هذه الموضوعات لها علاقة بالشان الفلسفي، ومصطلح الوجودية نشا في ظروف الاحتلال النازي لفرنسا، واستخدمه جان بول سارتر، ومن هنا نجد اهتمام سارتر في كتاباته بهذه المسائل.

846-jabarيعد الفيلسوف الدنماركي المسيحي "سورن كيركگورد" أبا للفلسفة الوجودية، ومؤسساً للوجودية المؤمنة. عالج كيركگورد في كتاباته: الفرد، الحب، الايمان، والقلق، والخوف، والموت. في تناوله لموضوعة الايمان، يرى كيركگورد: ان الايمان لايقوم على الاستدلال، والاستقراء، وعلوم الطبيعة، وانما هو تجربة ذاتية فردية، وهذه الرؤية الكيركگوردية للايمان هي نفس الرؤية التي يراها المتصوفة والعرفاء، وهي نفس الرؤية التي تبناها باسكال عن الايمان، يقول باسكال: "ان الايمان هو معرفة الله بالقلب دون العقل، وان للقلب دليله الذي لايستطيع العقل ان يفهمه".

وهذه الرؤية للايمان شدد عليها المفكر الاسلامي العراقي عبدالجبار الرفاعي في كتابه الرائع والمتميز "الدين والظمأ الانطولوجي"، فهو يؤكد على أن الايمان يعبر عن حاجة عميقة لكينونة الكائن البشري، وهو يمثل الظمأ للمقدس، وهذه الحاجة والظمأ لايسدها ويلبيها ويرويها الا الايمان.

ومن هنا نجد شبها وتقاربا في الرؤية بين المفكرين كيركگورد والرفاعي. كلاهما يشدد على أنه بالمحبة والايمان يستطيع الكائن البشري استرداد ذاته الضائعة. وانه من خلال ايمان المحبة ومحبة الايمان يتحرر الانسان من اللامعنى واللاجدوى والعبثية والقلق والخوف، ويظفر بالسلام الباطني والطمأنينة والسكينة.

المفكر عبدالجبار الرفاعي، أولى كيركگورد اهتماما خاصاً، وتفاعل مع تجربته، واحتفى بذكراه. اذ خصصت له مجلته "قضايا اسلامية معاصرة" العدد المزدوج (55-56)، وهي المجلة العربية الوحيدة التي احتفت بمرور مئتي عام على ولادة هذا الفيلسوف المؤمن، فنشرت مجلداً يدرس أفكاره ورؤاه وفلسفته الايمانية، بما يقارب 500 صفحة، استوعب مساهمات مترجمة عن الدانماركية والألمانية والانجليزية والفارسية فضلا عن العربية، لفلاسفة وباحثين خبراء غربيين وشرقين من المختصين بفلسفة كيركگورد الايمانية.

كما ألف الرفاعي كتاباً حول فلسفة كيركگورد الايمانية، تناول فيه تجربته، اتسع لعدد من البحوث المكتوبة بأقلام مفكرين وفلاسفة حول كيركگورد، أسمى كتابه "الحب والايمان عند سورن كيركگورد".

إن الاهتمام بكيركگورد يحظى بأهمية خاصة، وذلك لأن كيركگورد قدم رؤية ايمانية للفلسفة الوجودية، يطلق عليها "الوجودية المؤمنة"، وعالمنا اليوم عالم الصخب والضجيج، عالم توارت فيه القيم الروحية تحت سطوة المادية الطاغية، والوجودية المؤمنة محاولة لاسترداد الذات الضائعة، والكشف عن حاجة الكائن البشري للايمان كضرورة لازمة لكينونته وخلاصه من القلق والخوف والضياع.

الوجودية المؤمنة أولت الانسان عناية خاصة، وأعطته موقعا مركزيا في الوجود. الله تعالى أعطى الانسان موقعا مركزياً متميزاً في هذا الكون، وشرّفه، وأسجد له ملائكته، وكرمه ايما تكريم. يقول تعالى: "ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا". الوجودية المؤمنة نلتقي معها بأكثر من نقطة التقاء.

مشكلتنا مع الوجودية الملحدة اللادينية، كوجودية سارتر.

موطن الالتقاء الآخر الذي يلتقي به عبدالجبار الرفاعي مع كيركگورد، ان بدايات الاثنين فيها نقاط شبه كثيرة، وتعليمهما متشابه، اذ ان كليهما يمتلك تحصيلا عالياً في علوم الدين واللاهوت، فكيركگورد تربى تربية دينية، وتعلم اللاهوت، وعبدالجبار الرفاعي درس في الحوزة وبرع فيها، وأصبح استاذاً من أساتذتها، إذ درس فيها علوم المعقول والمنقول، وكتب بعض الكتب التعليمية لتلامذة الحوزة.

كيركگورد تمرد على الكنيسة وطقوسها التي جردت الدين من محتواه، وافرغته من مضامينه، وعبدالجبار الرفاعي دعا الى تطوير تقاليد التعليم في الحوزة وتطوير مناهجها، وكل منهما رفض استغلال الدين والمتاجرة به لتحقيق مصالح شخصية أو فئوية.

ومن نقاط الاشتراك بين الرجلين، أن كليهما أكدا على النزعة الانسانية في الدين، فكيركگورد حارب الفساد في الكنيسة والجرائم التي ارتكبتها باسم الدين، وعبدالجبار الرفاعي تصدى للجماعات التكفيرية التي اختطفت الدين، وسلبت منه روحه وانسانيته وجماله. كل منهما دعا الى الحب، واشاعة ثقافته، فكيركگورد دعا الى الحب، وألف كتاباً عن الحب اسماه "أعمال المحبة". وعبدالجبار الرفاعي يرى الحب دينا يدين الله به، إذ يكتب عبدالجبار الرفاعي: "الدين الذي اعتنقه هو الاسلام الانساني، الرحماني، الدين فيه هو الحب، والحب فيه هو الدين". وهو ماورد عن الامام الباقر (ع): "وهل الدين الا الحب".

كيركگورد يرى ان الايمان له منطقه الخاص الذي يأبى ان يحصر في قوالب وانساق فلسفية مغلقة، ففي قضية الأمر الالهي لابراهيم بذبح ولده، الفيلسوف كانط رأى ان ماقام به ابراهيم من حمل السكين لذبح ولده عملا "غير اخلاقي" ، لكن كيركگورد، قدم تفسيراً آخر، قال فيه: بأن اقدام ابراهيم على ذبح ولده عمل غير اخلاقي وفقاً لقانون الواجب الاخلاقي، الذي قال به كانط. اما وفقاً لمنطق الايمان الذي لايخضع لقانون فهو عمل سام ونبيل.

وانا اجيب عن اشكال كانط باجابة غير التي أجاب بها كيركگورد، وهذه الاجابة استوحيتها من مبحث الأمر عند الاصوليين، فالأوامر عندهم على ضربين:

1- أوامر يراد منها تحقيق المأمور به خارجاً، كأوامر الله للمكلفين بالصلاة والصوم والحج، فالله يريد تحقيق هذه الأشياء المأمور بها خارجا.

2- وهناك ضرب آخر من الأوامر لايريد الله منها ان يتحقق المأمور به خارجاً، وهي ما أطلق عليه بالأوامر الامتحانية، وعلى هذا الاساس لايعد ماقام به ابراهيم (ع) عملا غير أخلاقي، لأن الله لم يرد من خليله ابراهيم تحقيق المأمور به خارجاً، أي لم يرد منه ذبح ولده، بل أراد اختبار ابراهيم (ع) ليرى الناس صدقه واخلاصه.

هناك اكثر من نقطة التقاء، وهناك نقاط افتراق بين كيركگورد وعبدالجبار الرفاعي. وهذا هو شأن الأفكار تقترب وتبتعد، وتتلاقى وتتقاطع. فمثلما هو كيركگورد ينسج الرفاعي رؤية للصلة العضوية بين الحب والايمان، وكيف يتغذى كل منهما بالآخر، فيصير الحب ايماناً، والايمان حباً، إذ يشرح الرفاعي ذلك قائلاً: "كنوزنا مختبئة في قلوبنا، وأنها لا تسفر عن جواهرها إلاّ بالحب. الحب يكرس الايمان،كما الايمان يكرس الحب، فلا ايمان بلا حب. الايمان يعيد خلق الحب في طور وجودي أعلى. الايمان في أسمى مراتبه يتسامى بحبنا ليصبح مشابهاً لحب الله لخلقه. على الدوام ما نربحه نحن دعاة الدين بالحب، يخسره غيرنا من دعاة الدين بالموت والحرب. السفر مع الأرواح الحرة أغنى الأسفار، ذلك أن الأرواح الحرة ضمير العالم، بينما الأرواح الشريرة خيانة العالم. سفرنا مع كيركگورد يدلنا على أن الايمان ضرب من العشق، وأن كل عشق حماسة، لحظة تذبل الحماسة، يموت الايمان. لذلك ينبغي الحذر من التشبث بمسالك اللاهوتيين، التي تطفئ حماسة ايماننا، وتنهك عقولنا، وتستنزف قلوبنا، وتقدم لنا مفاهيم ومقولات محنطة تشرح الايمان، بينما تفشل في انتاج حقيقة الايمان، وجني ثمرات وجوده في حياتنا".

 

الشيخ زعيم الخيرالله

كاتب عراقي مقيم في كندا

اسرار محجوبة بالمتعة للدكتوراحمد الدمناتي

adnan almshamshحين يحجب عنا الستار او الحجاب الأشياء المعنوية او المادية يكون قد اخفى محاسنها عن بصرنا وبصيرتنا لكن المتعة نفسها اذا أخفت الأسرار اثارت فينا رؤيا الجمال حيث تتحول المتعة نفسها الى سر جمالي والسر الى متعة فما يعنيه المؤلف هو أن الموضوعات التي يعالجها ويتطرق اليها هي كلهامواضع تمتاز بالجمال والمعاني العميقة ، لذلك اختار هذا العنوان لمؤلفه " اسرار محجوبة بالمتعة حوارات في الكتابة الإبداعية" ، الذي صدر في القاهرة عن دار غراب والأستاذ الدكتور احمد الدمناتي شاعر وباحث وناقد مغربي معروف تطرق في كتابه هذا الى موضوع حيوي وهام جدا هو قضية ترجمة الشعر هل هي خيانة ام ترويض للغة؟ كما تناول ايضا الرهانات الجمالية في القصيدة السورية المعاصرة التي تمثلت مهمتها في تبني الأنماط التخيلية غير العادية من خلال الإيحاء الداخلي المتفاعل مع قضايا واحداث قد تكون هامشية او مهملة او منسية لكنها تبدو في المساحة الشعرية مهمة ومؤثرة في حين نظنها عادية، ومن الحوارات المهمة التي نطالعها في الكتاب حوار مع الشاعر والكاتب المغترب قُصي الشيخ عسكر الذي نقتطف منه مايلي:

 

* القصيدة امرأة غجرية غير مهذبة خائنة لجميع المواعيد المرتبة معها كيف تلسع هذه الخيانة متخيلك بعد انتظار؟

- أجمل خيانة هي خيانة القصيدة هذا يذكرنا بقول الفرزدق تمر علي لحظة لخلع ضرسي أهون علي من كتابة بيت شعر لماذا كل هذا ؟ لأن الشعر لازمن مقدس له. أنت في الرواية تحتاج إلى أن تجلس تخطط وترسم بعض الأحيان تحدد وقتا للكتابة وربما تدون ملاحظات ما تربط بين الفصول والجمل والفقرات أما في الشعر فقد تشعر برغبة في الكتابة عندئذ تخون القصيدة لتجدها جاءت بعد ساعة أو يوم أو يومين إنها أجمل خيانة وهي خيانة تمنحك الأجمل ولاتجعلك تشعر بغيرة لان القصيدة إذا غابت عنك في موعد ما فهذا يعني أنها حين بعد خيانتها موعدا سابقا ستكون حين تأتي بشكل أجمل وروح أنقى.

كما تضمن هذا الكتاب القيم ملفات عن سير لشواعر عربيّات من سلطنة عمان، مصر، الإمارات، اليمن ، ليبيا،المغرب ، العراق، سوريا، لبنان وفلسطين.

الجدير بالذكر ان هذا الكتاب هو الحادي عشر للمؤلف حيث قدم للمكتبة العربية مجموعة من الدواوين الشعرية والكتب النقدية وكتب الحوارات.

 

عدنان المشيمش

انطلاق (مملكة الأصوات البعيدة) لأحمد الزلوعى

845-hayshaصدرت المجموعة القصصية (مملكة الأصوات البعيدة) للكاتب أحمد الزلوعى مواكبة لفعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام تضم المجموعة ثماني عشرة قصة جاءت في ثلاث وتسعين صفحة من القطع المتوسط عن دار روافد للنشر والتوزيع . نشرت أولى نصوص الزلوعى القصصية في أخبار الأدب المصرية ثم توالت عبر الثقافة الجديدة والأهرام والأخبار والمجلة والإذاعة والتلفزيون ودبي الثقافية ورؤى الليبية والكويت وغيرها. كما نشرت دراساته النقدية والفكرية في عديد من المطبوعات المصرية والعربية والمواقع الإلكترونية مثل الكتابة الجديدة ودروب وحكايا والمحلاج وغيرها. تلقى القراء والنقاد قصص الزلوعى بالدهشة والإعجاب في آن. وعبر كثيرون منهم عن فرادة أسلوبه وجدة أفكاره. وقد وصفت الناقدة المغربية ناهد الزيدى المجموعة قائلة (لا يشبه الكاتب أي قاص آخر، لا يشبه إلا نفسه وكتابته وفى نصوصه عمق مبين حد الإدهاش).

845-haysha كما تقرر (بالنسبة للغة يبدو مهما التقرير بأن لغة السرد عند أحمد الزلوعى يانعة طازجة تتسم بألق خاص لاسيما في تقنية الوصف حيث يبرع في تجسيد الثابت والمتحول بأسلوبه التركيبي الجميل .. لغة الكاتب ساخرة في عمقها فهو يطوع لغته لتجهر وتسر وتسخر كيفما شاء موضوع قصته ورؤى شخوصه ) أهدى الكاتب المجموعة إلى روح جده ) إلى جدي في سماوات الرحمة.. لعل الملائكة تسعد بحكاياك كما كنت أسعد (ومن أجواء المجموعة)(آلاف التفاصيل بدأت تتكامل في أذن معتز يوما بعد يوم.. التقط صوته وهو طفل يلهو في مدخل العمارة، وصوت أبيه يناديه ليصعد، وصوت أمه تدعوه إلى الطعام ثم بدأت آذانه تلتقط أصواتا تنطق بلغات غريبة تعرف منها على الألمانية والإنجليزية والأسبانية، وأخرى لا يعرفها خمن أن من بينها السنسكريتية والآرامية والسريانية)..

الكاتب عضو مؤسس لمختبر سرديات المنصورة المعنى بدراسة ومناقشة الأعمال السردية المتميزة. يعمل د.أحمد الزلوعى بالمجال الطبي وهو متزوج وأب لثلاثة أبناء.

 

كتب: محمود سلامة الهايشة

 

دعوة لقراءة المفكر د. عبد الجبار الرفاعي

801-jabarبحكم تربيتي وثقافتي البسيطة فانا لست معنياً بأفكار وعقائد الاسلاميين اليوم، لقد تجاوزتُ مع كثيرين سواي فكرة الدولة الدينية، ووجوب قيامتها لتحقيق العدل والحياة الحرة الكريمة وإشاعة روح المواطنة. فالمنقلب العربي الأخير ينفي الفكرة هذه تماما. وتفيدنا الوقائع العربية بعد احداث الربيع العربي باستحالة قيامة الدولة هذه، وبموجب معطيات كثيرة. حتى بات الإيمان بالدولة المدنية مطلباً وبغية لبعض رجال الدين ومن كلا الفريقين، وأحسب أن الحوزة في النجف كانت قد بينت موقفها من هذه، في أكثر من مفصل. وتأتي ممارسات الحكومات والاحزاب الدينية، التي حكمت والتي تحاول وتسعى للحكم، في العراق ومصر وليبيا وسوريا لتؤكد بشكل قطعي على استحالة قيام الدولة هذه، إن لم تكن قد عملت وتعمل هي بنفسها على تقويض الفكرة، ذلك لأن الحياة الجديدة لا تحتمل هذا النوع من الأنظمة.

801-jabarهل بات الدين ممارسة داخلية، حدودها الجسد والروح، وهل ينصح المفكرون بذلك، وهل نقول بوجوب تقليص فكرة التدين الى أدنى حد، بحيث لا تتجاوز المناجاة الصادقة بين الانسان وربه، بل، ألم تكن فكرة الأديان الأولى هكذا؟ ما الذي يريده الله منا بشكل عام ومجمل؟ ألم تأت التعاليم الدينية لتؤكد للإنسان وجوب أن يكون عاملا على الخير، محباً لأخيه، نافعا في مجتمعه، صادقا، منسجما مع نفسه ومحيطه. أترى أفعالا كهذه بحاجة لنظام وحكومة وجيش وتسليح ومن ثم قتل وتهجير واغتصاب ووو . الحصول على مجتمع كهذا بحاجة الى مفكرين أوفياء لبني جنسهم، تخلصوا من سطوة وقهر النص الى ما هو أبعد من حدود النص نفسه، أما حين يتعارض النص مع فكرة ووجود الانسان فلا وجوب للعمل به.  

ثمة تأسيس مهم وواع في الثقافة العراقية، راح يتشكل خارج حيز الأدب والفنون يعمل عليه الدكتور عبد الجبار الرفاعي، من خلال كتبه، التي أصبحت بمتناول كثيرين اليوم، وممن يتعاطون المعرفة والفكر والحياة الجديدة، واتخاذ الدين، لا بوصفه عبادات وممارسات تقليدية، بعد انقشاع غيمة التشدد والطائفية والفهم القاصر والضيق للدين ومبادئه، أظنه سيزحف (التأسيس) بمنافعه على القراء الثانويين، من خارج طبقة المثقفين، وسيكون تأثيره المجتمعي شاملاً، في القريب من السنوات لا محالة، ذلك لأن الرفاعي لا يعمل على الإطاحة بالدين، مثلما يدعو البعض من المفكرين العرب، إنما يسعى في مشروعه إلى ما سماه (انقاذ النزعة الانسانية في الدين). وهو عنوان لأحد كتبه. أي أنه يعمل على انقاذ الإنسان من مقصلة النص.

وكأيّ من المتعجلين، الذي أخذوا فهمهم للدين عن الممارسات الشائنة لعناصر القاعدة وداعش والمليشيات أيضاً، ممن يستلون ويتعكزون في تمرير ممارساتهم وتعاليمهم على الكتب والروايات المقدسة (القرآن والحديث وكتب السير)، سألته (الرفاعي): ما إذا كانت هناك نزعة انسانية في الدين؟! لم يجبْني، إنما هداني لقراءة كتابه (انقاذ النزعة الانسانية في الدين)، ثم أنه تكرم وأهداني نسخة من كتابه (الدين والظمأ الأنطولوجي). وهكذا رحت، مأخوذاً بنوع جديد من الفهم، العابر لحدود النصوص إلى ما هو انساني وحياتي، يمس روح وجسد المخلوق، من غير تشدد وعنت، ومنذ السطور الأولى وجدتني مع رجل مفكر، فيلسوف، يخرق الفهم التقليدي للدين بروح صافية، ملقياً بمئات النصوص المتشددة وراء ظهره، غير عابئ بها. وحين سألته ما إذا كان قد قرأ رواية (قواعد العشق الأربعون) لأليف شافاق؟ قال: طالعتها وقت صدورها، وروجّتها لتلامذتي وزملائي.

واضح أن الدكتور عبد الجبار الرفاعي يسعى بشكل غير مباشر الى تقويض أفكار ابن تيمية وسيد قطب، الأفكار التي تعد المرجعية الرئيسة لداعش والقاعدة والاخوان، ومثل ذلك يمكننا القول بان أفكار الرفاعي الجديدة ومشروعه في التنوير يتجاوز حدود ذلك إلى فك شيفرات تقاليد وتعاليم الحوزات الشيعية، فهو يشير الى ذلك بقوله: ربما لا تتطابق أسفار روحي وقلبي وعقلي من بعض الأحبّة، لكن ما يشفع لي هو أنني أمضيت أربعين عاماً، تلميذاً ومعلما في الحوزة.

 

بقلم: طالب عبدالعزيز

شاعر وكاتب عراقي.

غوغول بقلم فيريسايف

فيكينتي فيكينتيفتش فيريسايف – كاتب روسي ولد عام 1867 وتوفي عام 1945، اي انه اديب مخضرم – حسب مفاهيمنا ! - لأنه عاش في عصرين مختلفين جذريا مرٌت بهما روسيا، اذ انه ولد وبدأ بنشر نتاجاته في الامبراطورية الروسية اولا وعلى مدى خمسين سنة باكملها، ثم استمر هكذا في الاتحاد السوفيتي وعلى مدى حوالي ثلاثين سنة، ولم يرفض ثورة اكتوبر الاشتراكية عام 1917 او يقف ضدها، ولم يهاجر من روسيا السوفيتية الى اي دولة من دول الغرب كما فعل معظم الادباء الروس آنذاك، ولكنه – مع ذلك - بقي محتفظا طوال حياته بمواقفه الفكرية المتميٌزة والخاصة به.

فيريسايف – أديب متعدد المواهب، فهو روائي وقاص وناقد ادبي ومترجم كبير(حاز على جائزة الترجمة عام 1918)، ولامجال هنا للحديث تفصيلا عن كل جوانبه الابداعية المتنوعة هذه . كتب فيريسايف عن دستويفسكي وتولستوي وبوشكين وغوغول كتبا تحليلية عميقة جدا لا زالت تمتلك اهميتها لحد الآن، ونود ان نقدٌم للقارئ في مقالتنا هنا عرضا – ليس الٌا- لواحد من كتبه النقدية تلك وهو بعنوان – (غوغول في الحياة)، الذي اصدرته دار نشر (اكاديميا) السوفيتية الشهيرة في موسكو ولينينغراد عام 1933، والذي اعادت دار نشر – (موسكوفسكي رابوتشي) (العامل الموسكوفي) طبعه بموسكو عام 1990 نظرا لاهميته العلمية الكبيرة وقيمته في مسيرة النقد الادبي الروسي، ولأنه (الكتاب) كان مفقودا في الاسواق منذ طبعته الاولى عام 1933 رغم مكانته وتميٌزه لدى القرآء الروس المهتميٌن بابداع غوغول وحياته .

يقع الكتاب هذا في 640 صفحة من القطع المتوسط ويتناول سيرة حياة الكاتب الروسي الكبير غوغول (1809 – 1852)، ويمكن القول بلا شك انه كتاب فريد فعلا في تاريخ الادب الروسي وبهذا الشكل الفني غير الاعتيادي والمبتكر حول غوغول، اذ استخدم فيريسايف في هذا الكتاب الرسائل فقط لا غير، الرسائل التي كتبها غوغول للآخرين واجاباتهم له، وكذلك استخدم رسائل الادباء الآخرين المعاصرين له فيما بينهم حول غوغول ، وقد استطاع فيريسايف خلال تلك المقاطع المختارة من هذا العدد الهائل جدا من الرسائل تلك ان يرسم صورة حقيقية متكاملة وتفصيلية وموضوعية جدا لسيرة حياة غوغول وابداعه بصورة جميلة جدا و مدهشة وفي غاية الدقة والابتكار.              

تحتوي طبعة موسكو الثانية للكتاب عام 1990 على مقدمتين، الاولى كتبها ايغور زولوتوسكي خصيصا للطبعة الثانية تلك وتقع في 12 صفحة وعنوانها – (بورتريه العبقرية الغريبة)، و المقدمة الاخرى (الثانية) بقلم الكاتب فيريسايف نفسه، والتي كتبها خصيصا لكتابه في نيسان / ابريل عام 1932 بموسكو، و تقع في 6 صفحات. يمكن اعتبار مقدمة زولوتوسكي بمثابة بحث علمي متكامل حول هذا الكتاب، والذي حدد في عنوانه بشكل دقيق الهدف الحقيقي لذلك النتاج، و يكمن – من وجهة نظر الباحث، وهو على حق - في رسم صورة قلمية (بورتريه ) لعبقرية غوغول المدهشة و الغرائبية (ان صح التعبير) عن طريق ترتيب وتنظيم رسائله ليس الا حسب تسلسلها الزمني، هذا الترتيب والتنسيق المرتبط حتما، والمنطلق طبعا من الفهم العميق لسيرة حياة غوغول وابداعه . لقد أشار زولوتوسكي الى مسألة مهمة جدا في مقدمته تلك، وهي ان هذا الكتاب يتميٌز قبل كل شئ في انه (لا يخضع للتقييم الايديولوجي المسبق)، ولهذا فانه يمتلك (اهمية خاصة جدا)، اضافة الى ان هذا الكتاب يجسٌد (شرف الوثيقة) و (نموذج الاحترام والتقدير للرأي الآخر)، اي لهؤلاء الذين يمتلكون وجهة نظر اخرى قد لا تتطابق مع رأي المؤلف او حتى تتناقض معه بعض الاحيان، ويؤكد زولوتوسكي كذلك على ان هذا الكتاب هو أبرز عمل بالروسية عن غوغول في القرن العشرين في روسيا، انطلاقا من (سعة المواد والشهادات و العمق الثقافي للمعرفة ..)، ويتوقف كاتب المقدمة عند نقطة اساسية في مسيرة الكتب النقدية والتحليلية عن غوغول، وهي ان كل تلك الكتب جاءت تحت تأثير بيلينسكي ورسالته الى غوغول بشكل او بآخر الا هذا الكتاب، اذ انه اعتمد على رسائل غوغول فقط قبل كل شئ، وفي هذا تكمن – حسب رأي زولوتوسكي – قيمة هذا الكتاب واستثنائيته في القرن العشرين (انظر مقالتنا بعنوان رسالة بيلينسكي الى غوغول) . اما بشأن مقدمة فيريسايف نفسه، فانه لم يستطع في فترة الثلاثينات الستالينية المعروفة ان يتطرق الى ذلك بشكل علني وصريح، ولكنه واقعيا حقق هذا الهدف على صفحات كتابه الجميل والمهم والاستثنائي ذاك وبكل معاني تلك الكلمات.

يوجد 16 فصلا في هذا الكتاب وكما يأتي – (اسلاف غوغول) (نقرأ هناك مراسلات تعود لعام 1875 فصاعدا حول اجداد غوغول ووالده ووالدته وقصة زواجهما الغريبة)// الطفولة والمدرسة // السنوات الاولى في بطرسبورغ . الوظيفة . بداية النشاط الادبي //

التدريس في الجامعة // المفتش العام // خارج الحدود // في روسيا // خارج الحدود // في روسيا // في الخارج . التسكع // مراسلات مع الاصدقاء // السفر الى الاماكن المقدسة // في روسيا // اوديسا // السنوات الاخيرة // المرض والموت . // ، وبعد هذه الفصول هناك فصل كامل كتبه المؤلف فيريسايف عنوانه – ملاحظات، ويقع في 18 صفحة باكملها، ويتضمن تعريفا دقيقا وتفصيليا (وحسب التسلسل الالفبائي طبعا) بعشرات الاسماء التي ورد ذكرها في الكتاب، ثم يأتي فصل آخر بعنوان – ملاحظات ويقع في 42 صفحة كتبه بيزنيسوف يتضمن تعريفا حول كل فصل من فصول الكتاب، ثم يأتي فصل خاص باسماء مختصرات المصادر المستخدمة في التعليقات يقع في 44 صفحة، ثم يأتي اخيرا دليل حسب تسلسل الحروف الروسية لكل المؤلفين والوثائق التي تمت الاشارة اليها في هذا الكتاب .

كتاب فيريسايف حول سيرة حياة غوغول واهمية نتاجاته وابداعه – عمل عملاق في تاريخ النقد الادبي الروسي ومسيرته، وهو عمل علمي هائل لا يمكن ببساطة تقييمه والكتا بة عنه، اذ انه فعلا يرسم صورة متكاملة وموضوعية ودقيقة جدا لغوغول وابداعه ومكانته الكبرى والمتميٌزة في تاريخ الادب الروسي والعالمي .

 

أ.د. ضياء نافع

 

شعراء من الزمن القريب وبعيده ينحتون على الصدور أبياتا مخمّسة

nadheer khazrajiيمثل الخبز جزءاً لا يتجزأ من المائدة في كثير من بلدان الأرض، وهو أب الطعام وأمه وأساسه، لا يستغني عنه أي إنسان مهما كان مقامه، فقيراً أو غنياً، حاكماً أو محكوماً، فالفقير يستغني مقهورا عن الكثير من الثمار والفواكه والأكلات ولكن كسرة الخبز حاضرة في أدامه وطعامه، والغني له أن يستحضر طوعاً الكثير من الأطعمة والثمار والفواكه ويملأ بها سفرته وطاولته ولكنه لا يستغني عن كسرة الخبز فهي جزء لا يتجزأ من غذائه، فرغيف الخبز المتكون من الطحين والماء والملح والخميرة عضو أصيل في سفرة الفقير والغني على السواء وشاخصة في سفرة الراعي والرعية لا فرق.

ويقع الإختلاف في نوعية رغيف الخبز وما يتخلله من مواد إضافية، وفي النار المستخدمه لخبزه، وفي أشكاله، وفي اليد الماهرة التي عجنته، وما أشبه ذلك، فهناك الخبز العراقي والخبز الإيراني والخبز الأفغاني والخبر المصري والخبز الفرنسي والخبز الانكليزي وأمثالها، ولكل نوع هيئته وميزته ومذاقه، ويتمايز الرغيف حتى في المدينة الواحدة، ولكل من هذه الأنماط طلابها وتعدد موارد الاستفادة منها، وبشكل عام فإن الطحين الذي يشكل المادة الأساس في صناعة الخبز، للخباز أن يموضع العجينة بأصابعه ويطوّعها كيفما يشاء مثلما يقلب النحات عجينة الطين بين أنامله فيصنع منها ما يريد من هيئات وأشكال فنية تعجب الناظرين وتسرهم.

والمسمطات الشعرية لدى الشاعر هي بمقام عجينة الطحين لدى الخباز وعجينة الطين لدى الفنان النحات، له أن يسخِّر الصدر والعجز من البيت الواحد بما يشاء من أنواع الشعر وهو ما يطلق عليه بالمسمطات أو التسميط، والكلمة مأتية من السمط أي: الخيط فيه الخرز، وفي الإصطلاح: ما قفي من الشعر أرباع بيوته وسمط على غير روي القافية الأصل، والتسميط في الشعر هو أن يتعامل الشاعر مع بيت شعر أو مقطوعة أو قصيدة لغيره أو له، فيضيف عليها شطراً أو مجموعة أشطر فيخرجها من هيئتها القديمة الى هيئة جديد تحمل مواصفات الشاعر الأصل وما أضافه الشاعر الجديد وأبدعه، ومن فنون التسميط هو التخميس المأخوذ اسمه من الرقم خمسة، حيث يضيف الشاعر المبدع ثلاثة أشطر على شطري بيت لشاعر آخر في أغلب الأحيان إلا القليل حيث يعمد الشاعر الى التخميس على بيت له أو مقطوعة أو قصيدة من بنات مشاعره، ومن مواصفات التخميس أن يتحد روي الأشطر الثلاثة الجديدة مع صدر البيت الأصل أي الشطر الرابع من البيت المُخَمَّس، ومن الإبداع في التخميس أن يخرج المُخَمِّس من الغرض الذي كان عليه البيت الأصل الى غرض آخر، كأنه ينقله من المديح الى الرثاء وبالعكس، أو من قضية إلى أخرى، وهذا جزء من فن التخميس وتطويع خميرة الشعر.

ومن فنون التسميط التثليث وذلك بإضافة شطر واحد على البيت الأصل المتكون من شطري الصدر والعجز، والتربيع وذلك بإضافة شطرين على البيت الأصل، وهكذا في التسديس والتسبيع، ومن التخميس أيضا هو التشطير والتخميس معاً، كأن يضيف المبدع أربعة أشطر على صدر البيت الواحد ومثلها على عجز البيت فيتكون تخميسان، أو أن يقسم البيتين الى أربع أشطر ويخمسها فتتكون أربعة أبيات خماسية الأشطر، وهلّم جرّا.

 

إبداع وتجديد

هذا الإبداع من المسمطات الشعرية تناول فنونها بالتفصيل الأديب الدكتور محمد صادق الكرباسي في الجزء الأول من (ديوان التخميس) من باب (الحسين في الشعر العربي القريض .. المسمَّطات) الصادر عام 2013م في 452 صفحة من القطع الوزيري عن المركز الحسيني للدراسات بلندن، وفي الجزء الثاني من ديوان التخميس الصادر نهاية عام 2015م عن المركز نفسه يتابع الشاعر الكرباسي في 412 صفحة من القطع الوزيري ما أبدعه الشعراء من التخميسات في النهضة الحسينية مبتدءاً بما انتهى اليه في الجزء الأول وفق الحروف الهجائية، حيث ضم الجزء الثاني 133 عنواناً بدءاً من حرف الألف بالرقم 16 حتى الذال المفتوحة بالرقم 148، وهذا يعني أن الجزء الأول ضم 15 عنواناً مجموعها 439 بيتاً مخمسًا، فيما ضم الجزء الثاني 447 مخمسًا على أن ثلاثة منها في حرف الألف هي من المستدركات على حرف الألف في الجزء الأول.

في الواقع أن التخميس أو عموم المسمطات الشعرية لها جاذبية خاصة تريح النفس عند سماعها أو قراءتها، وتعطي رونقاً جديداً، على أن الأصالة للبيت الأصل الذي أضاء للشاعر المُخَمِّس طريقه فاهتدى الى التسميط، فالشاعر المُخَمِّس إنما تنقدح قريحته عندما يتأثر ببيت شعر أو مقطوعة أو قصيدة، والتخميس أشبه بلوحة يهديها الفنان الى المحبوب رسم بريشة الود والمحبة خطوط محيا الحبيب فأبدع وأجاد، ولهذا يشير الأديب اللبناني عبد الحسن الدهيني في مقدمة الناشر بقوله: (إن تخميس بعض القصائد أو الأبيات الشعرية، إنما يدل على اهتمام الشاعر المُخَمِّس بتلك القصائد والأبيات لما تمثله من ميزة جمالية وموضوعية).

وليس كل حبيب بقادر على رسم صورة المحبوب، ولذلك إذا أحسن المبدع في تخميسه فهو دليل على قوة شعره وشاعريته ونظمه بما لا يخل بالبيت الأصل، وبتعبير الناشر أن التخميس منطلق للروعة حيث يكشف: (قدرة الشاعر المُخَمِّس الشعرية على إضافة شطوره الثلاثة على كل بيت من الشعر بما يحافظ على ترابط الموضوع والمعنى، والتأسيس لمضمون ومعنى أوسع وأشمل).

ومن أمثلة التأثر بالآخر تخميس الشاعر التونسي ابن حبيش المرسي محمد بن الحسن اللخمي المتوفى بعد سنة 679هـ (1280م) على قصيدة الوزير الأندلسي الشاعر ابن أبي الخصال محمد بن مسعود الغافقي المتوفى سنة 540هــ (1146م)، وهي قصيدة من احد عشر بيتاً مخمساً من بحر الطويل بعنوان "هول المعاد"، ومنها قوله:

فقد كفروا فضلَ الرسولِ ومَنَّهُ ... وضاعَ لديهم ما تلاهُ وسنَّهُ

أحينَ كساهُمُ أمنَهُ روَّعوا آبنَهُ

وذادوهُ عن ماء الفراتِ وإنَّهُ ... لنَهْبُ العوافي من أسودٍ ورَبْرَبِ

ومن ذلك تخميس الشاعر السعودي جعفر بن محمد أبي المكارم المتوفى عام 1342هـ (1924م) على قصيدة الشاعر محمد بن عبد الله أبي المكارم العوامي المتوفى سنة 1318هـ (1900م)، وهي قصيدة من 57 تخميساً من بحر الطويل بعنوان "بني مضر"، يقول في مطلعها:

جرَتْ أدمُعي إذ حجةُ الله في الورى ... لدى كربلا أضحى فريداً مُحَيَّرا

يرى صَحبَهُ شِبْه الأضاحي على الثَّرى

فيا مُضَرَ الحَمْرا ويا أُسُدَ الشَّرى ... ويا غَوْثَ مَنْ يبغي النَّدى ويُريدُ

ويُرى في التخميسين اتحاد الروي مع صدر البيت الأصل لكل منهما.

 

تخميسات منوعة

وإذا كان الأصل في التخميس اشتراك شاعرين في البيت الواحد أو المقطوعة أو القصيدة، فإن من إبداعات هذا الفن من المسمطات أن يعمد الشاعر نفسه الى تخميس ما أنشأه من شعر من ذي قبل، أو أن يُنشئ التخميس على رسله مباشرة، ومن ذلك قول الشاعر الإيراني حبيب الله بن علي مدد الكاشاني المتوفى سنة 1340هـ (1921م) في قصيدة من بحر الخفيف ضمت 60 بيتاً مخمساً بعنوان "نائبات الدهور" جاء في بعضها:

لستُ أنسى الحسينَ حين ينادي ... أهلَ بغيٍ وغدرةٍ وعنادِ

قد دعوتم لنصرتي وَوِدادي

بشحادٍ من السيوفِ حدادِ ... فأينَ نصرُكُمْ وأينَ وِدادي

ومن إبداعات التخميس أن يُشرك المُخَمِّس التشطير مع التخميس، من ذلك بيتان للشاعر العراقي عبد المجيد بن محمد العطار المتوفى سنة 1342هـ (1924م) قام الشاعر الكويتي عبد العزيز بن علي العندليب المتوفى سنة 1424هـ (2003م) بتشطيرهما وتخميسهما فأصبحا أربعة أبيات مخمسة من عشرين شطراً، وفي هذه الحالة فإن الأشطر الثلاثة الأولى والشطر الخامس من كل بيت هو للشاعر المُخَمِّس، ومن ذلك البيت الأولى من قصيدة مخمسة من بحر الطويل بعنوان "أكرم الأنفس":

لذاتكَ يُنمى كلُّ شيءٍ مقدَّسِ ... وباسمِكَ يزهو كُلَّ حفلٍ ومجلِسِ

فَدَتْكَ البرايا يا بْنَ أكرمِ أنفُسِ

لِمهدِكَ آياتٌ ظَهرنَ لفُطرُسِ ... ومجدُكَ يا بْنَ المجدِ أعلى ذُرى المجدِ

وفطرس هنا هو أحد ملائكة السماء تشفّع بالإمام الحسين(ع) وهو في المهد كما في الأثر. وبذلك يكون الشاعر قد جمع بين التخميس والتشطير، وهو نوع محسَّن من المسمطات تكشف قدرة الشاعر على الإبداع وقولبة الشعر وصياغته بما يناسب المقام.

وإذا كان القاسم المشترك في التخميسات الحسينية أن الأشطر المشتركة للمُخَمِّس والمُخَمَّس له كلها في النهضة الحسينية وتوابعها، فإن من الإبداع أن يُصرف التخميس الى النهضة الحسينية حتى وإن كان أصل البيت في غرض آخر لا علاقة له بواقعة كربلاء، من ذلك قول الشاعر المؤلف الشيخ محمد صادق الكرباسي في بيت من بحر البسيط بعنوان "دم المحبوب" خمّس فيه بيتاً لمقطوعة سداسية الأبيات للشاعرة النجدية الخنساء تماضر بنت عمرو السلمية المتوفاة سنة 24هـ (645م)، وفيها:

يا نفسُ هوني على إزهاقِ موهوبِ ... سبطِ الذي يَفتدي عن كلِّ مكروبِ

في مهجتي قد جرى من دمِّ محبوبِ

يا عينُ جودي بِدَمعٍ منكِ مسكوبِ ... كَلُؤلُؤٍ جالَ في أسماطِ مثقوبِ

ويتكرر مثل هذا النمط من التخميس للشاعر المؤلف نفسه في أكثر من موضع.

ولأن الحكمة ضالة المؤمن، فإن الشاعر المُخَمِّس ينحو باتجاه تخميس شعر الحكمة تأثراً بها ودعوة الى التمسك بها والعمل بمقتضاها، من ذلك تخميس الشاعر السعودي المعاصر عقيل بن ناجي المسكين المولود عام 1386هـ (1966م) لبيت منسوب الى الإمام الحسين(ع) من بحر الطويل، وفيه تحت عنوان "منارات الهدى":

سلامٌ .. منارات الهدى وقِبابها ... سلامٌ لجناتِ النَّدى ورِضابها

ديارُ حسينٍ إذ يُقالُ ببابها

إذا جادت الدنيا عليكَ فجُدْ بها ... على الناسَ طُرًّا قبلَ أنْ تَتَفَلَّتِ

فالشاعر استحضر الحكمة الحسينية مُخَمِّساً عليها ليحلق معها في فضاءاتها المعنوية والملكوتية.

وقد يُحلق الشاعر مع المثل مُخمساً عليه، كما فعل الشاعر العراقي راضي بن صالح القزويني المتوفى سنة 1285هـ (1868م) عندما خمَّس ثلاثة أبيات للشاعر البغدادي حيص بيص سعد بن محمد التميمي المتوفى سنة 574هـ (1178م)، وهي من بحر الطويل بعنوان "سلو الحرب عنّا"، جاء في البيت الثالث من التخميس:

تقاضيتُمُ دَيْناً ولَمْ نقضِ دَيْنَنا ... غداةَ أطالَ الدهرُ بالغدْرِ بينَنا

كفى بينَنا فرقًا بما قد تَبَيَّنا

وَحَسْبُكُمً هذا التفاوتُ بينَنا ... وكُلَّ إناءٍ بالذي فيهِ ينضَحُ

والشاعر والمُخَمِّس يُقارن بين مدرستين في الأخلاق، مدرسة الرسول (ص) الذي قال لأعدائه (إذهبوا فأنتم الطلقاء) ومدرسة بني أمية الذين قتلوا سبط الرسول(ص) وسبوا أهل بيته، وعجز البيت الأصل أو الشطر الخامس ذهب مثلاً.

وَيُلاحظ في التخميس غلبة الذكورة على الأنوثة، وهو أمر طبيعي لكثرة الشعراء الذكور ويلحق بذلك كثرة المخمسين الذكور، ولكن لا نعدم في الجزء الثاني من ديوان التخميس من شاعرة واحدة لها تخميسان، تخمس الشاعرة المعاصرة نجلاء بنت هادي باستي في كليهما على بيت للشاعر العراقي المعاصر السيد محمد رضا بن محمد صادق القزويني المولود سنة 1359هـ (1940م) في ولادة السيدة زينب بنت علي(ع) شريكة الإمام الحسين(ع) في نهضته، تقول في بيت مخمس من بحر المتقارب بعنوان "توارثُ الخُلْق":

عن الكُوَّةِ الشمسُ ردَّتْ يداكِ ... لينعَمَ بالنوم حينًا أخاكِ

توارثْتِ خُلْقًا هُما أورثاكِ

عليٌّ وفاطمةٌ أنجباكِ ... معينًا مِنَ الخَيْرِ لا ينضُبُ

 

شاعر وقافية

تفاوت في هذا الديوان عدد الأبيات المخمسة التي يضمها العنوان الواحد كما تفاوت عدد الشعراء، فبعض الشعراء خمّس بيتاً، وبعض بيتين، وآخر ثلاثة، وغيره قصيدة فاقت عشرة أبيات، وقد يصل التخميس عند بعضهم ستين بيتاً، ولكن بالمجمل فإن الشاعر عقيل المسكين ظفر بعدد أكبر من العناوين حيث استأثر بسبع وعشرين مخمّساً يليه الكرباسي بثمانية عناوين، ومن بعده الشاعر مرتضى السندي الطباطبائي سبعة عناوين، ويليه الشاعر يوسف آل بريه بستة عناوين، ويليه الشاعران عبد العزيز العندليب وياسر المطوع ولكل منهما خمسة عناوين، وأربعة عناوين لكل من الشاعر: حسين آل جامع وصالح الستري البحراني وشاعر ذلك لم يتضح اسمه، وثلاثة عناوين للشعراء: باقر الخفاجي وسلمان التاجر وعبد العزيز شَبِّين ومنصور الجشي، وعنوانان للشعراء: حسين الموسوي البحراني وعبد الغني الحر العاملي ومحمد اللخمي المرسي ونجلاء باستي وهادي الخفاجي، فيما كان المخمس الواحد من نصيب الشعراء: إبراهيم آل مبارك، وهب الرضي، إحسان الحكيمي، أحمد الرويعي، أحمد الدر العاملي، أركان التميمي، جعفر أبو المكارم، حبيب الله الكاشاني، حسن الخطي، حسن إحليل، حسن خشيش العاملي، خضر القزويني، راضي القزويني، سعيد الدبوس، سلمان الخليفة، شاعرا ن لم يقف المؤلف على اسميهما، عباس الترجمان، عباس العسكر، عبد الباقي العمري، عبد الكريم آل زرع، عبد الله الخميس، عبد الهادي التميمي، عقيل اللواتي، علي الخالصي، علي الأمين، علي المرهون، علي المهنا، كاظم الحلفي، كاظم سبيتي، محفوظ العوامي، محمد الفحام، محمد آل محمد، محمد الصفار، محمد علي المظفر، محمد فاتح الهبراوي، محمود السابوري البحراني، منصور المبارك، مهدي اليعقوبي، وسام الطائي، ويوسف الصفّاني.

وتوزعت عناوين الديوان على القوافي والروي على النحو التالي:

الهمزة المضمومة (1)، الهمزة المكسورة (2)، الباء المفتوحة (18)، الباء المضمومة (30)، الباء المكسورة (7)، الباء الساكنة (2)، التاء المضمومة (2)، التاء المكسورة (14)، الثاء المكسورة (1)، الجيم المفتوحة (1)، الجيم المكسورة (3)، الحاء المفتوحة (2)، الحاء المضمومة (4)، الحاء المكسورة (4)، الخاء المضمومة (1)، الدال المفتوحة (9)، الدال المضمومة (10)، الدال المكسورة (19)، الدال الساكنة (1)، والدال المفتوحة عنوانان.

كما توزعت العناوين على عشرة أبحر وبالنحو التالي:

بحر الكامل (43)، الطويل (32)، المتقارب (21)، الخفيف (16)، البسيط (7)، السريع (4)، الوافر (4)، الرمل (3)، البسيط المخلّع (1)، وبحر مجزوء الكامل عنوان واحد.

وكما عوّدنا المحقق الشيخ محمد صادق الكرباسي في الأجزاء السابق من الموسوعة الحسينية، فإن الجزء الثاني من ديوان التخميس، والذي يمثل رقم 94 من أجزاء الموسوعة الحسينية المطبوعة والتي تعدت المائة، قد ضمّ مقدمة باللغة البلغارية للمستشار القانوني ديميتر جوردن هريستو، تناول في بدايتها: (خصائص الشعر الجاهلي وأثره في حياة المجتمعات العربية وتأثيره على شعراء فترة العصر الإسلامي، وأهمية الشعر العمودي القريض في حفظ اللغة العربية وتراث الأدب العربي، بما فيه من بلاغة وقيمة فنية يشكلان مصدراً رئيسا للغة العربية وقواعدها ومفرداتها، وبوصف الشعر القريض سجلاً تاريخيا يوثق الحياة السياسية والثقافية في ذلك الوقت).

وينتقل المستشار هريستو في مقدمته الى تناول الأدب الحديث من الشعر الحر وقصيدة التفعيلة، معرجاً على الأدب الحسيني المنظوم وخواص شعر التخميس ومميزاته ليؤكد وهو يتناول النهضة الحسينية والتخميس على شعرها: (إنّ الإمام الحسين يمثل أعظم إلهام للبشرية، فالتضحية بنفسه وأهل بيته ومن أجل دينه الإسلامي أمر لا يصدق، فحتى غير المسلمين يقفون اجلالاً وتعظيماً لجهوده من أجل الإنسانية والوقوف بالضد من إرهاب السلطة المتمثلة آنذاك بحكم يزيد بن معاوية).

وأضاف المستشار القانوني هريستو، المسيحي المعتقد، وهو يتناول خصوصيات ديوان التخميس وجهد المؤلف فيه: (إن سماحة الشيخ الكرباسي يعد واحداً من كبار العلماء والباحثين بما خطت يمينه من موسوعة كبيرة في شخص الحسين بن علي إلى جانب تمكنه من النظم والتأليف في أبواب شتى ومهارات متنوعة تجسدت فيه جعلته قادراً على تأليف دائرة المعارف الحسينية).

وهذه حقيقة تؤكدها مؤلفات الكرباسي ومصنفاته في الأبواب والأغراض المتنوعة.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

النفس المطمئنة.. عبد الجبار الرفاعي

801-jabarفي أخريات العشرة الأخيرة من القرن العشرين؛ جاءني صديق بمجلّة لم أطّلع عليها من قبل، ولم أكُ أعرف شيئاً من شأنها؛ وقال لي: إنّ فيها نمطاً جديداً من الفكر الديني. كان اسمها: (قضايا إسلاميّة معاصرة)؛ وحين شرعت بقراءتها وجدتُ شيئاً يختلف عمّا هو سائد؛ وجدتُ روحاً تنفذ من وراء الحروف إلى المغزى الإنسانيّ الرفيع الذي ينطوي عليه النصّ المقدّس، ووجدتُ رؤيةً لا تخشى تعدّد القراءة، ومبدأ يرى أنّ الخلق بأجمعهم عيال الله، وأنّهم كلّهم لا ينفكّون من صلة به بنحو ما، وأنّ المحبّة دين، والدين محبّة.

ولم يكن ذلك ممّا يجري مع السائد المتداول؛ إذ بين المنحيين بون بعيد؛ بعد ما بين من يزعم امتلاك الحقيقة، والنطق بأمر الله، ومن يرى أنّ الطرق إلى الله بعدد أنفس سالكيها.

وحين يقع لي عدد آخر من المجلّة؛ أجد المنهج نفسه ينتظم كلّ أبحاثها؛ إذ ينظر كلّ كاتب من كتّابها إلى وجه من وجوه الأمر؛ لتتكامل العناصر، ويتمّ وضوح المقصد. ويطّرد صدور المجلّة؛ عدداً عدداً؛ ووراء ذلك كلّه رجل بعينه، لم يكن اسمه يومئذٍ، ونحن بالعراق، في العقد الأخير من القرن العشرين، في مساقط الضوء؛ لكنّ المجلّة بنهجها تنبئ عن رجل رصين العلم، واسع الأفق، ذي رؤية في الدين تقوم على الرحابة والسعة، تكون المحبّة منها ركناً ركيناً؛ إنّه عبد الجبّار الرفاعيّ.

وكان للمجلّة برؤيتها، وباسم صاحبها أن يتّسع مداها، وأن تجد قرّاءها في المغرب مثلما وجدتهم في المشرق، وأن يأخذ نهجها مكانته في دراسة الدين.

801-jabarوكان صاحبها، الرفاعيّ، حريصاً على نهجه في تفهّم الدين، ومعاناة تجربته في بعدها الروحيّ، وثرائها الوجداني؛ لا يني يبسط رؤيته؛ مرّة بالمقالة يكتبها، وأخرى بالكتاب يؤلّفه. فقد وضع، وهو في سياق بسط الجانب الإنساني من الدين، كتابه: (إنقاذ النزعة الإنسانيّة في الدين ) لكي يُري وجهاً من الدين يكاد يخفى تحت قرون من الاحتراب؛ كانت تُبدي منه ما تريده سلطةٌ جائرة، وتخفي ما فيه أمن وسلام ومحبّة؛ وكلّ نصٍّ إنّما هو قراءتُك له؛ فإذا جئته معبّأ بالبغضاء والكراهية؛ قرأتَ فيك ذلك، وجعلته أداة في محاربة الآخرين؛ وإذا أقبلتَ عليه بالمحبّة والرضا والطمأنينة وجدتَ فيه ما لديك، واستطعتَ أن تُشيع به السلام، والسكينة.

ثمّ وضع في السياق نفسه: (الدين والظمأ الأنطلوجي) "ينشد فيه إسلاماً يقوم على الحريّة، والمحبّة، والسلام"؛ ويروم به "إنقاذ النصّ من سوء القراءة"، "وتحرير التديّن من العنف والتوحّش".

ولقد انزلقت الحوادث، منذ قرون، بالدين نحو ما ينأى به عن جوهره، ويجعله أداة من أدوات السلطة في حكم الناس؛ فتضاءلت عناصر المحبّة، والطمأنينة، والسلام، وزادت عناصر الكراهية، والخوف؛ إلّا ما كان من فئات قليلة أرادت أن يكون الدين تجربة روحيّة، تزيد الأنفس سلاماً وسكينة وأملا،

ولم يكن ذلك مقصوراً على السلطة ورجالها، بل إنّه قدر مشترك بينها وبين من خرج عليها من أحزاب وجماعات؛ إذ كلّهم جعل الدين أداة من أدوات الصراع؛ غافلاً عن بعد الروحي؛ حتّى استحال الدين عامل فرقة، ومدعاة نزاع.

غير أنّ الناس، في عامّتهم، من غير رجال السلطة، ومن غير معارضيهم؛ قد فهموا الدين على أنّه ملاذ، وسكن، وشيء روحي يسمو بالإنسان، ويهبه الطمأنينة ؛ حتّى كان العصر الحديث، وكانت إطلالة الغرب بأيديولوجياته؛ نشأ بين العرب المسلمين من سعى إلى جعل الدين أيديولوجيا، وحزباً يقابل به أيديولوجيات العصر وأحزابه؛ ويريد أن يقيم سلطة على أساس منه؛ فكان من ذلك أن أخرجوا الدين من أفقه الروحي، وهبطوا به نحو معترك السياسة، وما يضطرب فيه من أحابيل وفتن.

وقد خبر الرفاعيّ ذلك، وعرفه في منشئه ومآله، ورأى ما ألحق بالدين من أذى، وما أوقع على الإنسان من جور؛ فكان أن غادر إطاره منصرفاً إلى الدين في صفائه وسموّه، وشرع يدوّن تجربته؛ بالمجلّة التي أصدرها، وأحسن إدارتها، وبالكتب التي ألّفها، وبمركز دراسات فلسفة الدين الذي أنشأه.

جاء كتاب: (الدين والظمأ الأنطولوجي) معبّراً عن تجربة صاحبه، ملابساً ما هو عليه، بعيداً عن النظر المجرد، قريباً من الروح وأشواقها ؛ ذلك أنّ الدين عند الرفاعيّ ملاذ نفس، وسكن روح، وليس جدلاً ومحاججة.

وقف الكتاب عند عنوانات جديرة بالمعالجة؛ من مثل :"نسيان الذات" و"نسيان الإنسان" و"علي شريعتي: ترحيل الدين من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا" و"التجربة الدينيّة والظمأ الأنطولوجي للمقدس" وغيرها ممّا هو على شاكلتها. وعالجها كلّها بنحو يُعرب عن مكانة الفرد، وأصالة تجربته، وصدق وجدانه؛ وأن لا شيء يٌخلّ بذلك كلّه مثلُ القسر، والتسلّط، وفرض الأفكار.

يقول: "إنّ أدبيّات الجماعات والأحزاب تتجاهل فردية الكائن البشري، ولا تتحدّث عن الهوية الشخصية عادة. وهو ما يبدو ماثلاً في أدبيّات الأحزاب اليساريّة، والقوميّة، والجماعات الإسلاميّة، التي تتعاطى مع الفرد بوصفه عنصراً يذوب في مركّب هو الجماعة". و"إنّ هذه الجماعات تهتم بكلّ شيء خارج الذات؛ فيما تعدّ الانهمام بالذات أنانيّة وتفاهة، ومروقاً عن الجماعة... من هنا تحرص أدبيّات الجماعات الإسلاميّة على مناهضة ورفض الثروة الفلسفيّة، ومدوّنة التصوّف والعرفان في الإسلام". وعنده أنّ "الإيمان شخصيّ، وهو خيار فردي". وأنّ "الكلام الكثير عن الدين والتبشير به، وتحشيد كتائب عددية من البشر من أجل تلقينهم الإيمان؛ سيفضي إلى نتائج منافية لروح الأيمان والضمير الديني العميق.

ولا شكّ في أنّ ذلك منحى جديد في القراءة والفهم، يريد سعة في المدار الروحي، ويأبى أن يتسلّط بشر على بشر باسم الغيب ومنابعه.

ولكي تتّضح المعالم، وتتبيّن أبعاد التجربة؛ فقد شرع الرفاعي يستعيد أطرافاً من حياته؛ في نشأته الأولى، في قريته النائية، وأخذ يتأمّل في ما كان له، وما كان منه، وما كان من آخرين اتّصلت بهم حياته بنحو ما؛ يقول: "اكتشفت في وقت مبكّر أشخاصاً من زملائي الإسلاميين مات الإنسان في داخلهم، ثمّ هتكت تجربة السلطة في العراق عورات بعضهم فـ مات الله في داخلهم... مجموعة ممّن عاشرت من الأصدقاء قبل السلطة؛ فضح ظفرهم بالكرسي كلّ ما هو رديء مختبئ في داخلهم؛ من : هشاشة الشخصيّة، هذيان الذهن، هذر اللسان، تبلّد الشعور، موت الضمير، نرجسيّة الذات، انطفاء الروح.

كتب "نسيان الإنسان" مستعيداً النشأة، والصبا، وصدر الشباب، وما أحاط بذلك كلّه من نسيان الإنسان، وهدر كرامته، وإغفال كيانه. يقول: "أنظمة التربيّة والتعليم في مجتمعاتنا مشغولة بتكديس المعلومات في ذهن التلميذ؛ من دون أن تعلّمه طرائق التفكير". ويتحدّث، في لقطة بارعة، عمّا في المدارس من عنف يمارسه المعلمون؛ فيقول: "لعلّ معلّمنا يستوفي ديوناً متراكمة؛ من اضطهاد تعرّض له في طفولته من الأبوين، وغيرهما... أو في مدرسته... فيسقط علينا كلّ ما يختزنه لاوعيه من تعذيب وتنكيل وقمع تلقاه في حياته ... المقموع يُمسي قامعاً، والمُعنّف يصير مُعنِّفاً ... أحسب أنّ هذه الوحشيّة المتفشية في مدارسنا هي أحد المنابع الأساسيّة التي شكّلت النسيج الرابض للعنف والنزعات العدوانيّة في مجتمعنا.

وحريّ برجال التربيّة أن يقفوا عند هذه اللقطة البارعة، ويصلحوا الأمر؛ فقد قلّ من عُني بما يقع من عنف في المدارس؛ ولا سيّما الابتدائيّة منها؛ وما يُلحق ذلك من أذى في نفوس الطلبة الصغار. ولا يختم حديثه عن نفسه حتّى يقول: "لله الحمد، منذ غادرتُ الجماعات الإسلامية – قبل أكثر من ثلاثين عاماً – أنا سعيد في حياتي، أعيش سلاماً روحيّاً، وسكينة وطمأنينة، أمضي نهاري – بعد أن أصلي الفجر – في نشوة الإدمان على العمل، أنام وأصحو بسلام؛ من دون خطايا انتهاكات لحقوق وحريّات الناس تلاحقني، أو كوابيس سرقة الأوطان تطاردني". ولا يقول ذلك إلّا رجل صادق؛ لا يكذب نفسه؛ يريد وجه الحقيقة! وعنده أنّ جعل الدين أيديولوجيا يهبط به عن منزلته، ويُضيع جانبه الروحي؛ ولكي يتّضح ما يذهب إليه؛ وقف عند علي شريعتي وقفة تفصّل في حياته وفكره؛ لعلّها أوّل وقفة في العربيّة على هذا النحو من الجرأة والعمق. يقول عنه: "انتهى تشديد شريعتي على الأبعاد الدنيوية للدين إلى تمركز مفهومه للدين على العناصر المتغيرة التي وصلها عضوياً بأدلجة الدين، وأهمل التوغّل في جوهر الدين، ولم يتنبّه لاكتشاف مضمونه الأصيل ومهمته في إرواء الظمأ للمقدّس". ويقول أيضاً: "إنّ ما أفضت إليه أدلجة الدين هي عبودية الإنسان للأيديولوجيا، واستلاب الأيديولوجيا لروحه وقلبه وعقله، وإقحامه في أحلام رومانسية ووعود خلاصية موهومة". والكتاب، من بعد، غنيّ بما يردّ الدينَ على الناس صافياً نقيّاً، بعيداً عمّا انحدر إليه من توحّش، وإيغال في الدم. ومن عرف الرفاعي فقد عرف فيه السكينة، والرضا، والطمأنينة، وقد تجلّى ذلك كلّه في كتابه (الدين والظمأ الأنطلوجي).

 

د. سعيد عدنان

 

عرض لكتاب: الأسد بين الرحيل والتدمير الممنهج .. الحرب السورية بالوثائق السرية

843-abasيقع كتاب: الأسد بين الرحيل والتدمير الممنهج .. الحرب السورية بالوثائق السرية الكاتب سامي كليب في 675 صفحة ويتضمن إلى جانب الإهداء والشكر المقدمة 5 أقسام، إضافة إلى الملاحق، القرارات، الدراسات ومراسلات الجامعة العربية وسوريا.

لقد كتب الكثير من الكتب والدراسات والمقالات عن الحرب على سوريا وفيها، سواء في الغرب او الشرق، وكتاب الإعلامي سامي كليب يتضمن المحطات الرئيسة في الحرب وما قبلها وتداعياتها، وهذه ميّزة هذا الكتاب الوثيقة التي لا بد من الرجوع إليها خصوصاً ان كليب كان حريصاً كل الحرص على التوثيق من المصادر الأساسية التي تشارك في الحدث أكثر وكما قال الكاتب، استغرق إعداد الكتاب سنوات من البحث والقراءات واللقاءات لإخراج الكتاب بالشكل والمضمون الذي رأيناه، وكان الكاتب شديد الحرص في البُعد عن الغرائز والعصبيات، وهو المعروف بمواقفه القومية التي يجاهر بها، ويحرص على الدفاع عنها في عمله الإعلامي المُشاهد او المقروء أو على صفحات التواصل الإجتماعي، ونرى أن كليب يضع مسافة بين المطالبة بالحرية والإصلاحات التي لا يساير في تأييدها وبين العدوان والتصميم المسبق للنيل من سوريا ليس كنظام بل كبلد ودور وموقع يحرص كليب عليه.

وقد سلط كليب الضوء على تجربة الرئيس بشار الأسد ودوره وشخصه قبل وبعد وصوله إلى الحكم ومواقفه من القضايا العربية والمقاومة ثم الحرب على سوريا، وهذا يظهر جلياً في القسم الأولى الذي يحمل عنوان بشار بين مقتل باسل والرئاسة والعناوين الفرعية التي يتألف منها هذا القسم مقتل باسل وموت الأسد الأب ويتساءل الكاتب: "بين مقتل باسل ووفاه حافظ الأسد، أصبحت سوريا برئيس جديد ومصير جديد وغموض كبير". لم يكن أحد يعرف تماماً هل سينجح بشار الأسد فعلاً بأن يكون الوريث ويحافظ على استقرار سوريا وسط هذا البحر من الأسئلة؟ (ص31) وبعد ذلك ينتقل الكاتب إلى نشأة بشار الأسد يتحدث عن سمعة بشار ناقلاً ما تقوله المعارضة رندة قسيس:" أن سمعة بشار الأسد كانت جيدة في الجامعة… ويتميز بخجل وتواضع، ولم يكن أحد يشعر أنه أبن الرئيس حافظ الأسد "(ص33).

يستمر الكاتب في عرض صفات الرئيس بشار الأسد من قبل معارضية ودبلوماسين وكُتّاب وصحافيين أجانب.

ويخصص الكاتب العنوان الثالث من الجزء الأول للتأثيرات السياسية على طفولة الرئيس بشار الأسد (ص39) والتي شكّلت جزءاً من شخصيته السياسية، وينقل الكاتب رأي الرئيس حافظ الأسد عن الأخوان المسلمين ونظرة الرئيس بشار الأسد للجماعة التي يرى الكاتب انها النظرة نفسها تقريباً (ص41).

ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى دور الحرس القديم، ويعرض بشكل أساسي لمواقف عبد الحليم خدام التي بدأت تثير الريبة لدى الرئيس بشار الأسد ففي (ص48) يقول: اقترب خدام من الأسد وقال له: "لا يجوز أن يبقى الجيش بدون قائد، فما رأيكم سيدي أن تترقوا الى رتبة عماد؟" سأل الأسد:"وهل هذه الخطوة دستورية؟" أجاب خدام: "نعم". صمت الأسد ثم أكمل تجاهل نائب الرئيس. ويستمر الكاتب في نقل وقائع إلى انقلاب خدام المنتظر الذي يتحدث عنه في الصفحة 55 حتى صفحة 61. يختم كليب القسم الأول من كتابه بالترحيب الأميركي بالأسد رئيساً والمواقف الداخلية ويتحدث عن الأشكال الكبير:"هنا بالضبط، صار الاشكال الكبير بين قائل بأن حافظ الأسد الذي جمَّد الحزب طويلاً أنهى حياته السياسية "بالتوريث" وبين مؤكد أنه لو لم يأتِ بشار لكان الوضع السوري قد افلت من كل ضوابطه كما ذكر فاروق الشرع…" (ص62).

 

القسم الثاني الأسد بين الإنفتاح والتغيير

843-abasيتضمن القسم أربع عناوين فرعية تعالج مسائل الإصلاح والتغيير والعواصف التي بدأت تُثار في وجه سوريا وبشار الأسد، وبداية مرحلة التحدي التي سبقتها محاولة الإنفتاح يقول السفير الفرنسي السابق في دمشق شارل هنري داراغون في برقية إلى الخارجية الفرنسية في مستهل عهد الرئيس السوري الجديد:" أعتقد أن بشار يريد فعلاً الاصلاح لكنه يفتقر إلى الوسائل (ص71)، ويخصص الكاتب مساحة مهمة من هذا القسم ليعرض للدعم الفرنسي للرئيس الجديد والترحيب بمحاولته الاصلاحية، مما أدى إلى زيادة التبادل التجاري بين البلدين لتصبح فرنسا أحد الشركاء التجاريين الأوائل لسوريا (ص73)، ثم ينتقل الكاتب لعرض وافي للحراك السياسي والثقافي الذي رافق سياسة الإنفتاح التي بدأها الرئيس ليصل إلى التساؤل عن السبب لوقف هذا الحراك المدني. ويقول هل كانت شخصية الأسد الرافضة لأي تغيير مفروض عليها فرضاً، هي التي وقفت خلف وقف حركة المجتمع المدني؟ أم الحرس القديم؟ أم القلق من اختراق الدولة السورية من قبل الخارج ص 91.

وهنا ينتقل الكاتب إلى عواصف الخارج من الصفحة 101 إلى الصفحة 107 ويقول الكاتب: "لم تكن الخريطة الأستراتيجية مريحة مطلقاً لبشار الأسد بعد أشهر قليلة على توليه السلطة…" (ص103) وفي نهاية القسم الثاني نرى نهاية الإنفتاح وبداية التحدي ويشرح الكاتب الأسباب التي أدت إلى ذلك ويقول: "نلاحظ مثلاً أن الإنفتاح كان الخيار الأول وليس التشدد والمقاومة الملسحة…" (ص 112).

 

القسم الثالث: إحتلال العراق

لا شك أن زلزال سبتمبر أيلول 2001 كان له تداعياته التي أدت إلى احتلال العراق بالحجج الواهية والأكاذيب التي روجت لها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا عن أسلحة دمار شامل ثبت عدم وجودها. ما حصل في العراق غيّر نظرة الأسد ونرى الكاتب يقول:" ومن جانبه كان الأسد اقتنع بعد اجتياح العراق، أنه لا بد من مقاومة الأميريكيين على الأرض العراقية كي لا يصلوا أرضه" (ص118) وفي الصفحة 119 ينشر الكاتب جزءاً من محضر لقاء الأسد - خامنئي قبل اجتياح العراق.

وبما أن الهدف بعد العراق مرتبطاً بموقف سوريا من المقاومة وإسرائيل وبعيداً عن الهجمات الإرهابية على نيويورك، يوضح الكاتب الهدف من الرسالة التحذيرية والمباشرة التي حملها وزير خارجية أميركا كولن باول إلى الرئيس بشار الأسد في 3 أيار\مايو 2003 (ص121) وينشر الكاتب الوثيقة كاملة (ص122) ويعلق الكاتب على تلك الوثيقة بإختصار: "جاء باول إذاً في محاولة أخيرة، حاملاً جزرات قليلة وعصياً أكثر، راوح كلامه من الإغراءات والتهديدات (ص142) وعن الكاتب جان بيار استيفال يكتب كليب "يجزم الكاتب الفرنسي أن الدعم الغربي للمعارضة السورية لم يكن مستنداً إلى أي رغبة من الإصلاح أو أي شعور بالإنسانية…" (ص142).

إذن بدأت القطيعة بين الأسد والولايات المتحدة الأميركية التي بدأت تمارس كافة أنواع الضغط على سوريا، كما انقلبت فرنسا جاك شيراك على مواقفها السابقة، وبدأ تعاون جديد بين اميركا وفرنسا، وكانت البداية من لبنان اعتقاداً من الدولتين حسبما قال شيراك لبوش: "إذا خرج الأسد من لبنان فسوف يسقط…" (ص162) فكان الرد السوري بالتمديد للرئيس لحود الذي يصفه الكاتب بالحلف المقدس (ص162) كما هو معروف بأن التمديد كانت نقطة القطيعة الحاسمة بين شيراك والأسد (ص166) وعن حقيقة الأهداف القريبة التي يريدها شيراك أولها دفع سوريا لتوقيع إتفاقية سلام مع إسرائيل ثم إخراج سوريا من حلف المقاومة وإبعادها عن إيران، وهذا ما يعتقده سامي كليب من مضمون محضر الجلسة بين الرئيس الأسد والمبعوث الفرنسي المستشار الرئاسي موريس غوردو مونتانيو الوثيقة منشورة (ص169 - 177).

يرى الكاتب أن ما جرى كان يحمل تهديداً مبطناً لسوريا أعقب التهديد الأميركي خصوصاً حين قال:" إذا تورطت اميركا أكثر كما هو الوضع فمن الممكن أن ينقلوا المعركة إلى مكان آخر وقد يكون هذا المكان هو سوريا أيضاَ…" (ص178) وفي الصفحات اللاحقة يعرض الكاتب للحوادث التي سبقت القرار 1559 وتغيير الأسلوب الفرنسي في التعاطي مع سوريا وفي الصفحة 179 يعرض الكاتب علامات استفهام حول مذكرات شيراك وما يتعلق بإغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري ومعرفة شيراك المسبقة باحتمال اغتيال الحريري. ويسهب الكاتب في الشرح عن الموضوع في الصفحات التالية وأسباب تغاضي بوش وشيراك عن اغتيال الحريري والأسباب. وينتقل الكاتب للحديث عن دور الحريري في القرار 1559 (ص181) ويذكر الكاتب ان القرار كان فكرة فرنسية في الأصل (ص 183).

يتحدث الكاتب عن خلف شيراك الرئيس ساركوزي وماذا كان يريد من الأسد ويذكر الكاتب أن إيران وحلف المقاومة حاضرين في كل مطالب الرئيس الفرنسي اليميني إلى دمشق (ص191) وينقل الكاتب ما قاله وزير خارجية فرنسا السابق رولان دوما قائلاً :" إن الإسرائيليين يفعلون ما يشاؤون في فرنسا، ويحركون الإستخبارات الفرنسية DST … (ص192) ومن ثم ينتقل الكاتب للحديث عن الموقف الفرنسي من الأحداث في سوريا التي بدأـ عام 2011 وعن اعتراف فرنسا "بالإئتلاف الوطني السوري" وإغلاق السفارة وغيرها من المواقف.

ويسجل الكاتب سامي كليب ملاحظات على الموقف الفرنسي: "أولها أن فرنسا لا تستطيع القول أنها ترافق كفاح كل الشعب السوري…" (ص195)

 

القسم الرابع: الأسد بين تركيا والعرب تعاون فصدام

بداية يركز الكاتب على سياسة تركيا والإنفتاح عبرسياسة صفر مشاكل مع الجيران وخصوصاً سوريا إلى الإنتقال إلى مرحلة الخصومة والعداء حتى التهديد من قبل أردوغان بأنه ذاهب ورفاقه " لتلاوة الفاتحة فوق قبر صلاح الدين الأيوبي، ثم الصلاة في باحات جامع بني أمية الكبير…(ً201) ويكشف الكاتب كذلك عن الطموحات التركية بإعادة المجد العثماني في البلقان والشرق الأوسط وآسيا الوسطى وينقل في الصفحة 203 مقتطفات من خطاب أردوغان بعد فوز حزب العدالة والتنمية في إنتخابات عام 2013:" لا يحق لنا ان نقول لا دخل لنا بالبوسنة والهرسك أو بمصر أو فلسطين أو سوريا أو العراق لأن تركيا جاثمة على ميراث الدولة العثمانية والسلجوقية…"

ومن الصفحة 205 حتى الصفحة 214 يقدم الكاتب عرضاً تاريخياً للعلاقة السورية التركية من كافة جوانبها الثقافية، الاقتصادية، السياسية، الأمنية…

وفي الصفحة 215 ينشر الكاتب محضر اتصال أردوغان بالأسد في 26 آذار 2011 وما هو الشعور الذي خرج به الأسد من المكالمة خصوصاً الدفع للتواصل مع الأخوان المسلمين والنوايا وهذه ما يؤكده الوزير وليد المعلم (ص220).

وفي الصفحة 222 يُثبِّت الكاتب محضر لقاء الأسد مع أحمد داوود أوغلو بحضور المعلم في 9 آب\أغسطس 2011 والتي تستعرض الأسلوب الإملائي التركي والتهديد المبطن والتخويف من التدخل الأجنبي. وينقل الكاتب رد الرئيس الأسد: "ثم إننا لسنا بحاجة لأحد ليدافع عنا، بما في ذلك تركيا، لأن المشكلة هي بشكل أساسي مشكلة سورية… ومهمتي كرئيس هي حماية الشعب وتطبيق القانون…" (ص229)، والجدير ذكره أن اللقاء تناول مختلف جوانب العملية السياسية والأحداث والإنتخابات وتعديل الدستور وغيرها من القضايا التي تُعدّ قضايا سيادية، وعن هذا يقول الكاتب:"أزعج القيادة السورية أيضاَ أن أوغلو جاء يتحدث "ليس على طريقة الصديق أو الأخ الناصح، وإنما كأستاذ مدرسة يلقي دروساً في كيفية التصرّف داخلياً وخارجياً، ما اضطر الرئيس الأسد لتذكيره غير مرة أنه هوالذي يقرر متى وكيف يحب أن يتصرّف" (ص 245-246) ويتطرق الكاتب في هذا القسم إلى الدور القطري التركي الأميركي، هذه الدول التي اعتبرها حصان الأخوان المسلمين (ص248) ويتحدث الكاتب عن كيفية مسارعة الرئيس الأسد إلى أغلاق كل الأبواب لتقاسم السلطة مع الأخوان المسلمين بما في ذلك أبوب حركة حماس التي راح يشكك بأنها تعطي الأولية في استراتيجيتها الجديدة لمشروع الأخوان وليس للدول والقوى التي دعمتها إيران، سوريا وحزب الله (ص253) ثم ينتقل بنا الكاتب إلى ما جرى بين حماس وسوريا ويعنون في الصفحة 254 لوثيقة رسمية: قصة المبادلات بين الأسد مشعل، فراق الحليفين وتشرح الوثيقة كيف انهارت العلاقة بين حماس وسوريا ومحاولات المصالحة من قبل حزب الله، هذا بالإضافة إلى بعض القنوات الأخرى.

ثم يصل بنا الكاتب إلى المبادرة العربية ويتساءل:"ماذا جرى بين الأسد والعرب، حتى ابتعد العرب؟ لماذا ابتعدوا الآن ووصلوا إلى مرحلة القطيعة ولم يفعلوا حين ضرب حافظ الأسد بيد من حديد حماه في مطلع الثمانينات…" (ص265).

ويستطرد الكاتب أن بعض الجواب في محاضر اللقاءات العربية والسورية خلال الحرب منذ 2011 وينقل لنا محضر بقاء نبيل العربي والأسد في 13/07/2011 (ص 266) ويعلّق الكاتب على اللقاء بقوله:" يتضح من خلال محضر الجلسة أن الأسد كان حتى اللحظة، أي بعد مرور 4 أشهر على بداية الإحتجاجات السورية، يعتقد فعلاً أن الأوضاع السورية قابلة للضبط بالرغم من شكوكه بوجود مخططات عربية وإقليمية ودولية ضد بلاده…" (271)، وبعد ذلك ينتقل الكاتب إلى العلاقات القطرية والسعودية مع سوريا وأسباب تدهورها (ص272) وينقل الكاتب في الصفحة 278 رأي المعارض السوري هيثم مناع عن إرادة دول الخليج دفن الربيع العربي في سوريا، ويسرد الكاتب بعض القصص عن لسان مناع ومنها:" كانت الإجتماعات تحصل في تركيا وكان الإهتمام آنذاك منصباً على الضابط السوري المنشق رياض الأسعد. تبيّن لنا أن مدير مكتبه هو تركي الجنسية اسمه توفيق وهو ملازم في الأمن التركي. الغريب أنه كان هو(توفيق) وليس الأسعد من يقرر من يقابل الأسعد ومن لا يقابل… "(ص280) وعن دور بندر بن سلطان يقول مناع:" الفترة البندرية كانت واحدة من مآسي التآمر على الإنسان السوري وليس النظام" (ص280) ويكثر مناع الحديث عن الهدر والسرقات التي حصلت.

وعن دور قطر والشكوك السورية حول نيتها في إشراك الأخوان المسلمين في السلطة وقلب النظام برمته، ينشر الكاتب محضر لقاء الأسد مع الوفد العربي برئاسة الشيخ حمد في 26 تشرين اول\اكتوبر 2011 (ص283) والتي سارت بنفس أسلوب اللقاءات مع كولن باول والمبعوث الفرنسي والتركي وأمين عام جامعة الدول العربية، وهذا ما يظهره رد الرئيس الأسد: " معناها حين نريد أن نعمل شيئاً علينا أن نقوم بما يحقق مصلحة الشعب السوري. لا نريد أن نعمل شيئاً للغرب، وماذا يسموننا وماذا يقولون عنا، نحن لا يهمنا الغرب…" (ص304)، وينشر الكاتب نص المبادرة العربية (ص307) والنقاش الذي دار بين الأسد والوفد حول بنود تلك المبادرة وتشديد الرئيس على الوضوح الأسد:" إذا كنا بدنا نصدر بياناً، بدنا نكون واضحين، بدنا نفسرها (ص313) وحسب كليب فإن المحضر يكشف أن ثمة تباينات واضحة مع رئيس الوفد القطري حمد بن جاسم (ص322).

وينقل الكاتب (ص 327) عن طريقة ابتزاز السعودية وقطر للدول العربية لتغيير موقفها من الأحداث في سوريا ويعطي مثل عن الضغط على ممثل فلسطين في اجتماع البرلمان العربي آذار 2012 حيث عارض ممثل فلسطين تيسير فقيه تحميل الأسد المسؤولية الأولى للحرب (ص327).

ويتحدث الكاتب عن محاضر ومراسلات الجامعة العربية ودمشق وعن عدم قانونية شرعية قرار الجامعة العربية لفصل سوريا من الجامعة العربية يقول:" بالفعل تم تحضير الدراسة القانونية وتبيّن أن قرار الجامعة غير شرعي، لكن شيئاً لم يتغير" (ص 334) وذلك وفق الدراسة التي أعدتها الإدارة القانونية في الأمانة العامة في جامعة الدول العربية نفسها.

وعن المبادرة العربية في 15/12/2011 يعرض الكاتب عن الخطط الأمريكية لتغيير الوطن العربي عبر الثورات الناعمة (ص347) ويتحدث الكاتب عن دور السعودية وقطر وتركيا والخطط لإطاحة القيادة السورية حسب تسريبات موقع ويكيليكس (ص249).

بعد الحديث عن الأعداء في الأقسام السابقة ينتقل الكاتب إلى القسم الخامس الذي عنونه الأسد والحلفاء.

في بداية هذا القسم يتحدث الكاتب عن علاقة الرئيس الأسد مع الرئيس الروسي بوتين اللذان يوحدهما عدو واحد (ص357) فالعدو الأول هو الإسلام السياسي والثاني: الأطلسي وصواريخه، والثالث: الأطماع النفطية وحرب الأنابيب. وعن هذا الموضوع وعلاقة سوريا بالأمر ينقل الكاتب قول السفير الفرنسي السابق ميشال ريمبو "إنه خلال البحث في ملف النفط اكتشف استراتيجيونا الجيولوجيون فجأة الموقع المفتاح لسوريا…" (ص 363)، وينتقل الكاتب إلى دور موسكو والحل السياسي والتنسيق بين القيادتين الروسية والسورية في ما يتعلق بهذا الموضوع، حيث كانت روسيا تتمنى دائماً التجاوب مع مشاريع التسويات السياسية في جنيف وغيرها لأن موسكو كانت تدرك أن هذا يساعدها تشكيل سدّ منيع في مجلس الأمن حيال أي مخططات غربية ضد الأسد… (ص 373 - 374).

ويعرض الكاتب لدور العراق وينقل محاضر ومرسالات دبلوماسية حول أستياء سوريا من العراق (ص 379) وفي هذا الجزء يتحدث الكاتب عن الدوافع العراقية والتي وحسب الكاتب أعطيت عدة تفسيرات بعضها ربطه بمحاولة جذب دول الخليج مجدداً للمساهمة في دعم الحكومة العراقية… والبعض الآخر اعتبرها محاولة للقول بأن العراق لا يدور في فلك إيران… (ص382) وهذا قبل أن يُظهر موقف المالكي رئيس الوزراء العراقي الذي شنّ حملة ضد قطر والسعودية وتركيا يتّهمهم بدعم الإرهاب في بلاده ووسع علاقات بلاده التجارية الأمنية والسياسية مع سوريا (ص382).

بعد روسيا والعراق يذهب الكاتب إلى العلاقة مع إيران والتي تعود جذورها إلى الرئيس حافظ الأسد الذي وقف مع إيران ضد العراق في حربه عليها، ويتحدث الكاتب عن موقف إيران من الربيع العربي ودعم حليفها السوري على أكثر من صعيد، وفي عنوان فرعي يذكر الكاتب عن تعليمات إيرانية للحرب النفسية في مواجهة التظاهرات (ص394) وينتقل الكاتب إلى الخلفية البعيدة للحرب على سوريا حيث يعنون إيران الهدف قبل الحرب على سوريا، ويرى الكاتب إن الصراع على سوريا ليس مجرد حرب أهلية وأنما حرب بالوكالة على موازين القوى الإقليمية… (ص407)، ويتحدث الكاتب عن الثمن السوري والإيراني للحرب (ص408).

أما في ما يتعلق بالعلاقة مع حزب الله ومحور المقاومة يعنون الكاتب: الأسد بين المقاومة وإسرائيل وحتمية العلاقة مع حزب الله وإيران (ً409) يستعرض الكاتب تاريخ العلاقة بين سوريا وحزب الله وفي الصفحة 410 ينقل ما يرويه النائب حسن فضل الله في كتابه "حزب الله والدولة - الرؤيا والمسار" (كيف أن الفريق السوري اللبناني الذي كان متحكماً في القرار الداخلي تصادم مع حزب الله…) وكيف كان يتم التعامل مع الحزب في مجمل القضايا إلا أنه مع بشار الأسد تغيرت المعادلة، صار الحزب حليفاً استراتيجياً ليس بالشعار فقط…(ص412). ويتحدث عن تطور موقف حزب الله من الحرب على سوريا وينقل مواقف حزب الله التي كان يظهرها السيد حسن نصرالله في خطاباته الذي وصلت قناعته إلى أن المعارضة السورية تقدم أوراق اعتماد لإسرائيل والولايات المتحدة خصوصاً بعد تصريحات برهان غليون رئيس المجلس الوطني السوري وعن نيته قطع علاقته مع حزب الله وحماس، لا بل أن نصر الله ينقل موقف أحد قياديي التنظيمات الإسلامية التي تنوي الذهاب إلى لبنان لمحاربة حزب الله بعد تغيير الوضع في سوريا (ص415) ويتحدث الكاتب عن الدور المشبوه الذي تقوم به عناصر من قوات الأمم المتحدة في الجولان المعروفة (بالأندوف) والتي ثبت تورط عناصر من القوة النمساوية في التحريض ضد الدولة السورية ويذكر الأسماء وأرقام بطاقات أيضاَ (ص417)، وعن الخطط الأميركية والإسرائيلية ضد سوريا يخصص الكاتب جزءاً لهذا الموضوع ويقول:" الواقع أن إسرائيل لم تخفِ يوماً رغباتها في تقسيم سوريا كجزء من خطة لضرب كل مقاومة ضدها (ص419) وحتى وصل بها الأمر كما أصبح معروفاً التعاون بين إسرائيل والمعارضة السورية ويتساءل الكاتب: "إسرائيل والمعارضة السورية متى بدأ التعاون (ص422) ويلاحظ الكاتب أن المطالب الإسرائيلية هي بالضبط التي حملها كولن باول والمبعوث الفرنسي مونتانيو إلى الأسد بعد غزو العراق (ص424).

ويتابع الكاتب عرض المزيد من الحقائق الموثّقة عن خطط اميركا ضد الأسد وسوريا وينقل وثيقة من ويكيليكس التي كُشفت عام 2015 وتوضح الأهداف الأميركية ضد سوريا والخطيرة كما يقول الكاتب لأنها قبل 5 سنوات من اندلاع الأحداث في سوريا ترسم بدقة ما يجب عمله لإضعاف الأسد (ص427).

وفي الصفحة 438 يكشف عن خطط خبيثة لتقسم المنطقة وإشعال الفتن على أسس مذهبية وطائفية وتهجير المسيحيين ويتحدث عن وثيقة مماثلة تبنتها المعارضة السورية (ص439).

وفي الخاتمة يتحدث الكاتب عن تشتت المعارضة ويستشهد بمقال لعبد الباسط سيدا الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري وعضو الإئتلاف المعارض بعنوان :" أي مصير ينتظر سوريا؟". يرى سامي كليب أنه يحمل من الضبابية والأسى بقدر ما يحمل من أي انعدام للرؤيا المستقبلية.

ويفرد الكاتب جزءاً من خاتمة الكتاب لما حققه خصوم العرب من الربيع العربي. ويعدد 9 أهداف أبرزها تدمير دول مركزية وأشغال جيوشها، دفع العرب لكرة العروبة حتى صارت شتيمة أو نكتة عند المثقفين وعامة الناس، نسيان فلسطين، الفتنة السنية الشيعية، إفراغ الشرق من مسيحييه (ص453-454). وعن الأسد يقول سامي كليب: "أما الأسد فإن كنت ضده أو معه، أن كنت تحمّله المسؤولية الأولى للحرب… فإنه لا شك كان الشخصية المحورية الأهم لبقاء الجيش السوري وحلفائه قادرين على القتال حتى اليوم…(ص456).

ويختم كليب كتابه بذلك الحس الكبير والغيور على ما تبقى من كرامة في الوطن العربي، ويرى أن من خطّط لهذه الحرب المدمرة لا يهمه إن حصل إصلاح في سوريا أم لا، ويرى الكاتب أن لا إمكانية للحديث عن منتصر ومهزوم في بلد مُدمِّر القسم الأكبر منه بالحجر والبشر والنفوس (ص456).

وفي نهاية الكتاب يضع الكاتب الملاحق والقرارات والدراسات التي تُغني الكتاب بما تحمله من وثائق ما كان ليعرفها ويطلع عليها المرء لولا هذا الجهد الذي بذله الأستاذ سامي كليب على مدى سنوات طوال ليضع هذا الكتاب الذي يُضيئ على الواقع الذي يحيط بالحرب على سوريا وتداعياتها الإقليمية، الديموغرافية، الجغرافية، السياسية، الإجتماعية والإقتصادية…

 

الأسد بين الرحيل والتدمير الممنهج .. الحرب السورية بالوثائق السرية

الكاتب سامي كليب

الطبعة الأولى: كانون الثاني 2016

دار الفارابي

 

عباس علي مراد - سدني استراليا

 

أدباء عرب في ليالي شهرزاد النقدية

844-NAJATصدر للشاعرة المغربية نجاة الزباير كتاب "حكايات شهرزاد النقدية" وهو عبارة عن نظرات نقدية في نصوص شعرية لأدباء مغاربة وعرب من مختلف الأجيال، ونشر الكتاب مع مجلة الرافد عدد فبراير/شباط 2016 الصادرة في الشارقة.

ويتناول الكتاب نصوص الأدباء: أحمد بلحاج آية وارهام، نزار قباني، أنسي الحاج، هويدي صالح، هشام عودة، محمود درويش، محمد السرغيني، عبد السلام المساوي، مراد القادري، مليكة العاصمي، زهرة زيراوي، محمد العناز، محمد بودويك، طه عدنان، محمد رزقي محمد، محمود النجار، عبد الرفيع جواهري، وداد بنموسى، مولاي مبارك علي آيت أوبهي، نمر سعدي، منير مزيد، سعاد المدراع، حسنة أولهاشمي.

844-NAJATوفي تقديم الكتاب "مزق الليل عباءته، واستباح الزمن جراحاته، وكلما انتعل المساء حكاياته، أطلتْ من أرض الكتابة ناقة البوح تطوي المسافات، وتقتات من الحبر صباحاتها، ها أنا أرقص على النغمات الغجرية، وأتسلل نحو عوالم تجلد ظهر الصمت "وحيك"؛ قالت ذيول السراب المعلقة فوق ظهر رحلاتي المقذوفة في جحيم الأبجدية، تَأَبَّطْتُ منفاي، وفجأة تعثرت قدم قلمي أمام بوابة منقوشة في ذاكرة الاندهاش، مسحتُ غبار الذهول عن لوحتها الذهبية، ثم تهجيت وشمها، وَلَجْتُ مساحاتها، فإذا بِشَغَبٍ آسر يُلقى فوق كتفي رعشتي، وجدت القصائد مبعثرة في باحتها، ومواضيع مشنوقة في كف اختلافها، فبدأت قراءتها على إيقاع مصباح شاحب.

كانت الكتابة عبارة عن مسودات تعرج في خط الغرابة، وكان علي أن أنقل ما فيها كل ليلة من علب الظلام، وكأني شهرزاد تحكي لياليها لشهرياٍر اسمه الوطن".

ويذكر أن نجاة الزباير شاعرة وناقدة وصحفية من المغرب، عضو في مكتب اتحاد كتاب المغرب، رئيسة تحرير كتاب أفروديت الدوري، و تُرجمت أشعارها إلى العديد من اللغات الحية منها الفرنسية، الإسبانية، الإنجليزية، كما شاركت الزباير في أنطولوجيا الشعر النسائي المغربي، لأنطونيو رييس رويس (ترجمة عبد اللطيف الزنان)، والأنطولوجيا الخاصة بمجلة القنطرة الأميركية والتي تضمّ نماذج من الشعر المغربي المعاصر.

وأصدرت نجاة الزباير مجموعة من الدواوين الشعرية منها: "خلاخيل الغجرية"، "ناي الغريبة"، "أقبض قدم الريح"، "قصائد في ألياف الماء"، "لجسده رائحة الموتى" وديوان "فاتن الليل"، إضافة إلى عدد من الإصدارات والدراسات الأدبية والنقدية منها "بوابة منفتحة الأشداق" وكتاب "فاكهة الولائم فوق مائدة العوالم"، وهو دراسة في ديوان "ولائم المعارج" للشاعر أحمد بلحاج آية وارهام، وكتاب "فواكه الصرخة" ويتناول بالنقد أعمال الفنان التشكيلي محمد البندوري، إضافة إلى كتاب "رسائل ضوء وماء".

 

مالك بن نبي: السعادة التي وجدها في سورية ولبنان

moamar habarيتحدث بن نبي في دفاتره سنة 1958، أنه أهدى كتابه "شروط النهضة"، لطه حسين والعقاد، ولم يتلقى إجابه منهما، ووصف موقفها الأرعن بقوله " الصمت المتعالي الأرعن كل من السيد طه حسين ومحمود العقاد". وجاء في صفحة 656 ، أن بن نبي أهدى كتابه "الافريقية الأسيوبة" لعبد الناصر.

وما يجب التركيز عليه أن المصريين من ساسة ورجال فكر وعلماء دين، لم يعيروا بن نبي اهتماما وتقديرا يليق بكتبه وأفكاره، ولم أجد غير الحقد والحسد والغيرة من وراء عدم الاهتمام، لأن بن نبي كان متفوقا، والتفوق يقلق الحاسد المبغض.

بن نبي في صفحة 657، يفرق جيدا بين الثقافة العربية والثقافة الغربية، حين يقول أن المهندس العربي حين ينتهي من خريطته يقول "هذا كاف"، والمهندس الغربي حين ينتهي من خريطته يقول "وهل هذا يكفي؟". وهنا يكمل الفرق بين حضارتين. وهذه الصورة هي التي يحملها بن نبي في جميع كتبه، حتى أنها أصبحت إحدى الهموم التي يجب التطرق إليه، ومعالجتها وإيجاد حل لها.

يتحدث بن نبي في صفحة 658، عن الضغوط التي تعرض لها كتابه "الافريقية الأسيوية"، من طرف زعماء الثورة الجزائرية ، حين قال..

إنه يتم إعدامه بكل دقة وعناية من خلال استخفاف الزعماء الجزائريين به من ناحية، والموظفين الكبار في السكرتارية العامة للمؤتمر الافريقي الآسيوي من ناحية أخرى. وتجاهلوا عمدا الرسائل التي تطلب كتاب "الافريقية الأسيوية" أو التعريف به.

663 وعن الحركة الإصلاحية، يرى بن نبي في صفحة 663، أن مايميز الحركة الاصلاحية أن هناك "غياب نظرية محددة لدى رواد الإصلاح، أفقدت الحركة أهدافها ووسائلها رغم كله ماحققه من إيجابيات"

ويبدو لصاحب الأسطر وهو يتصفح الكتاب ويتابع رحلة المفكر، أن بن نبي وهو في القاهرة لم يكن له اتصالا بالجامعة المصرية، ومرد ذلك في ما أعتقد.. أن بن نبي إهتم بالترويج لكتبه وأفكاره، وركز كثيرا على الساسة كعبد النصار والسادات يومها، ويتلقى منهم المبالاة وعدم الاهتمام. وكذا طه حسين والعقاد، ثم ان العقلية المصرية لاتقبل منافسا لها، خاصة اذا كان بوزن بن نبي.

أما في سورية ولبنان، فقد ذاع صيته وبقي إسمه، ثم إن الفطرة السليمة للسوري واللبناني دفعته إلى الاتصال ببن نبي والاستفادة منه، ضف لها أن في لبنان وسورية، سبقه تلاميذه كالمسقاوي، وساسة المشرق اتصلوا به ليستفيدوا منه ويتخذونه قدوة في بناء مجتمعهم، والنهوض بالقطاع الذي يشرفون عليه.

واستقبل في سورية من طرف أساتذة الجامعة الكبار، وقد ذكر كمال مسقاوي أسماءهم لمن يريد الرجوع إليهم. وفي كل مرة يستضيفه أستاذ ويعرض عليه أن يلقي محاضرة في الجامعة أو في مكان يجتمع فيه الطلبة والمعجبون، وقد كان لهذه اللقاءات والمحاضرات الأثر البالغ على فكر بن نبي ، حيث تأكد أن أفكاره كتبت لها الحياة من جديد على يد السوريين واللبنانيين، بعدما عانت الاضطهاد والتضييق في القاهرة وعلى يد الساسة والمفكرين والثورة الجزائرية وعلماء الجمعية.

وللتدليل على ذلك يكفي أن بن نبي في صفحة 739، يرتاح في وسورية حين علم ان كتابه "vocation de l’islam"، ترجم إلى "وجهة العالم الاسلامي" ، بعد كل من كتابه "الظاهرة القرآنية" و"الفكرة الافريقية والاسيوية". ويعلق الأستاذ مسقاوي على ذلك قائلا. إرتاح بن نبي من ترجمة عبد الصبور والضغط الممارس عليه.

يفهم من خلال هذه السطور، وفي انتظار الانتهاء من عرض الكتاب، أن بن نبي كان يعيش ضغوطا كبيرة في مصر، من طرف الساسة وعلماء الدين ورجال الفكر والأدب، ووجد الحرية الكاملة في وسرية ولبنان، وانعكس ذلك إيجابا على ابداعاته، التي يتمتع بها القارئ الآن.

سلسلة قراءاتي لكتاب "في صحبة مالك بن نبي" لعمر كامل مسقاوي 12

 

معمر حبار

 

مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب" لمالك بن نبي بين السيرة الشخصية والتاريخ وفلسفة الحضارة (1-4)

bobaker jilaliمقدمة: مذكرات شاهد للقرن كتاب أخرجه فيلسوف الحضارة مالك بن نبي عام 1966 باللّغة الفرنسية، وترجم الدكتور (عبد المجيد النعنعي) القسم الأول منه المُسمّى "الطفل" الذي يروي مذكراته في الفترة بين 1905 و1930، وأخرج المؤلف القسم الثاني من الكتاب باللّغة العربية مباشرة، تحت اسم "الطالب" الذي يروي مذكراته في الفترة بين 1930 و1939.

المذكرات في قسميها "الطفل" و"الطالب" تُعبّر عن صياغة تاريخ فرد في ارتباطه بتاريخ بيئة ومجتمع وأمة وإنسانية في حقبة زمنية محددة، كما تُعبّر عن رؤية شاهد بصر وبصيرة للإنسان والتاريخ والحضارة من معايشته لأحداث وظروف كثيرة ومتداخلة وصعبة في الجزائر وفي العالم العربي والإسلامي كجزء من العالم ككل، يشهد على وجود اتجاهين في الفكر والواقع لعالمين مختلفين، عالم يقوده اتجاهه صوب التقدّم العلمي والتكنولوجي والرفاهية المادية والهيمنة واستعمار الشعوب واحتلال الأوطان، وعالم الضعفاء يقوده اتجاهه نحو التحرر، يتطلّع إلى النهضة، يحفظ الفطرة ويتمسك بالتراث ويُحيي قيّم الماضي.

المذكرات يجد فيها كل من المؤرخ والمفكر وعالم الاجتماع وعالم النفس والسياسي والأديب والفنّان وغيره ضالته، أهميتها تكمن في أنّها مرآة تعكس حقبة تاريخية ثقافيا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وتعرض صورة العلاقة بين الأنا العربي الإسلامي الجزائري وغيره مما يتقاطع معه في الدين والعروبة والتخلّف والتهيّب من قهر الاستعمار واستبداد الأنظمة وبين الآخر وعملائه كونه استعمارا وثقافة وحضارة وتاريخا.

الهدف من المذكرات ليس الاستمتاع والفخر والاعتزاز وتمجيد الذات كما يفعل البعض، وليس للتاريخ فحسب، بل كشف لتكوين صاحب المذكرات ومكوّنات فكرة وفلسفته في التاريخ ونظريته في الحضارة، وكشف للهمّ الكبير الذي رافقه طيلة حياته وللمطلب الأعظم الذي عاش لأجله، البحث عن حلول لمشكلات الحضارة بغرض التأصيل والتأسيس للنهوض الحضاري في عالم توزع بين قوّي متسلط ومهيمن وضعيف متخلف ومتهيّب.

موضوع دراستنا القسم الثاني من مذكرات شاهد للقرن (الطالب)، تبحث الدراسة في الشهادات التي أدلى بها الطالب على الحوادث والظروف التي عرفتها الفترة بين 1930 و1939 في ارتباطها المباشر بصاحب المذكرات باعتباره إنسانا عاديا، وبكونه جزائريا عربيا مسلما، وصاحب قضية وفكر يجتهد طلبة العلم في دراسته وفهمه. تتبنّى الدراسة الخطة التالية:

1- مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب"، سيرة شخصية

2- مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب"، للتاريخ

3- مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب"، لفلسفة الحضارة

4- مميزات مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب"

 

1- مذكرات شاهد للقرن 20 "الطالب"، سيرة شخصية

يمثل كتاب "مالك بن نبي" مذكرات شاهد للقرن العشرين الذي يتألف من قسمين:القسم الأول "الطفل" يروي فيه مذكرات طفولته من سنة 1905 إلى سنة 1930، والقسم الثاني "الطالب" يروي فيه مذكراته وهو طالب في فرنسا من سنة 1930 إلى سنة 1939، فالكتاب سيرة حياة طفل وسيرة حياة طالب، يظهر الفرق جليا بين مذكرات الفترة الأولى ومذكرات الفترة الثانية، ففي مرحلة الطفولة سرد الراوي نشأته الأولى وتكوينه داخل أسرة جزائرية مسلمة ترزح تحت نير الاستعمار الفرنسي، أما في المرحلة الثانية فسرد الراوي سيرته داخل حياة جديدة عليه وهو دخيل عليها، فيها تتجسد الحرية وسائر القيّم الإنسانية والحضارة للفرنسيين، في مقابل التخلّف والجهل والانحطاط والقهر والاستبداد الذي طبع الحياة في الجزائر بسبب الاستعمار.

يسرد الراوي قصصا كثيرة عن حياته في فرنسا، فرنسا الحرية والعدالة والمساواة فرنسا حقوق الإنسان فرنسا العلم والحضارة، إلا على الأهالي في مستعمراتها في الجزائر منها تبسة وقسنطينة وأفلو وغيرها من مدن وقرى وأرياف الجزائر، فكل الحقوق مهدورة، الجوع والجهل والمرض، الاستبداد في الفكر والرأي والتعبير، امتهان الكرامة والمسخ الديني والأخلاقي، إفساد حياة الجزائري المسلم بضرب مقومات دينه ووطنه وتاريخه وثقافته.

أثناء الفترة الثانية ومن خلال معاشرته للباريسيين وتنقله بين مدن وقرى فرنسا وتنقّله إلى الجزائر خلال العطل الصيفية وزياراته لأسرته بمدينة تبسة، يتعمّق اكتشافه للاستعمار وتتوسع مداركه، فيطّلع على نواياه وحقيقته، يحيا الاستعمار بوجهين مختلفين، وجه ظاهري ترتسم عليه قسمات الطيبة والخلق الرفيع والذوق السليم والسلوك المهذب وعلامات التحضر، ووجه باطني مخفي تخفيه صورة الوجه الخارجية خصّ به أبناء مستعمراته طُبع على الكراهية والظلم والاستبداد ولا يرضى عن غير هذا بديلا.

وبما أنّ الفترة الثانية تخص حياة الراوي الدراسية والسياسية بباريس وبمدن وقرى أخرى في فرنسا ما بين 1930 و 1939 أي تسع سنوات، وهو من بلد مستعمر سافر للدراسة، استطاع أن يطلع على ما كان يجري في العالم من أحداث سياسية وتطورات اقتصادية وتحولات اجتماعية وثقافية وتقلّبات عسكرية، خاصة وأن الفترة كانت حسّاسة وخطيرة باعتبارها جاءت قبيل الحرب العالمية الثانية ودولة فرنسا كانت من ضحاياها ومن المستفيدين منها في النهاية، وكان الرّاوي من أشدّ الناس تتبعا للأحداث والأحاديث علّه يجد في حديث أو حادث ما يبث في نفسه الأمل في نهاية عمر الاستعمار الفرنسي في الجزائر العربية المسلمة وفي سائر مستعمرات فرنسا.

الجدير بالذكر أنّ الراوي لم يجد أيّة صعوبة في التكيّف مع الوجه الظاهري للإدارة الاستعمارية، ولا مع زملائه في الدراسة، ولا مع زوجه الفرنسية التي دخلت الإسلام، ذلك لرزانته ونباهته وحدّة ذكائه وطيبته وأخلاقه الرفيعة وتحكّمه في اللّغة الفرنسية، لكنّه وجد صعوبة كبيرة مع الوجه الخفي للاستعمار، فلا يضرّ من جرأ وكان صريحا وأظهر السوء، لكنّ الخطر فيمن أظهر الرضا وأبطن الشرّ على سبيل النفاق، ولكون سجية الطالب لا ترضى سوى الذوق السليم والمنطق السليم والفكر السليم، ولا تقبل سوى الحياة السليمة بشروطها جميعا، المادية والروحية، الذاتية والموضوعية، الفردية والاجتماعية، الدينية والدنيوية، الأخلاقية والسياسية، فإنّ الوجود الاستعماري على أرض الجزائر مخالف للحياة السليمة، وهو مظهر من مظاهر التوحّش لا التحضّر، ولا سبيل لتحضر الشعوب المستعمرة إلاّ إذا تخلّصت من الاستعمار ولا يمكنها ذلك إلاّ بالتخلّص من القابلية للاستعمار وهي ظاهرة أخطر من الاستعمار.

يروي "الطالب" الجزائري المسلم من مدينة تبسة في شرق الجزائر المستعمرة، المغترب بفرنسا لطلب العلم والمعرفة ولما لا العمل سيرة حياته بالتفصيل في هذه الفترة "1930- 1939"، منذ نزل بباريس لا يعرف عنها شيئا إلاّ ما سمعه وقرأ، كان ذلك في صبيحة أحد أيام شهر سبتمبر من عام 1930 إلى يوم 22 سبتمبر من عام 1939، حيث تسلّق سلّم الباخرة بميناء عنابة بصحبة زوجته خديجة وهرّتها "لويزه" بعدما قرّر العودة إلى فرنسا وسلحفاة أهدتها له أم أحمد عند التوديع، وكان نعهم صديقه "خالدي" في طريق عودته إلى جامعة "تولوز"، يقول الصدّيق: "وعندما بدأت الأرض الجزائرية تغيب في الأفق، وجدت نفسي أقول وأنا متكئ على حافة الباخرة: يا أرضا عقوقا! .. تطعمين الأجنبي وتتركين أبنائك للجوع، إنني لن أعود إليك إن لم تصبحي حرّة!..بينما بدأ ظلام الليل يسدل ستاره رويدا رويدا على بحر هائج تتراكم أمواجه بعضها فوق بعض".1

سرد الصدّيق قصة نزوله بمحطة ليون بباريس بعدما ترك الوطن والوالدين والإخوة والخلاّن والجيران وتبسة والشرق الجزائري والجزائر، ترك كلّ ذلك تحت وطأة الاستعمار الفرنسي، وسرد قصصه الكثيرة والمثيرة، مع شوارع باريس ومع الفندق ومع بنات باريس الطائشات ومع بزّته الخارجة عن الذوق المألوف بلونها المشرق، يقول: "هكذا استقبلتني باريس، بوجه بناتها الطائشات الكاسيات العاريات العارضات لزينتهن وعرضهن دون أي شعور بالإثم. ولكنّ لباريس وجوه أخرى لا يكتشفها المرء عند نزوله. وقد كانت تجولاتي الأولى مجرد محاولات غير جريئة للتعرّف عليها في العالم الجديد الذي أصبحت فيه..."2 .

وضع جديد لم يألفه في بلده حيث عفّة الرجال وحياء النساء، حيث حفظة القرآن ودروس الوعظ والإرشاد، حيث يعيش الإنسان على الطبيعة والفطرة. لكنّه لم يكن ينظر إلى وضعه الجديد بعين الإنسان العادي بل بعين ثاقبة لأنّ باريس ليست فقط طيش وفسق وخمر بل لها وجهها الروحي المسيحي والحضاري والعلمي التكنولوجي، الوجه الذي أهّل فرنسا لتحتل الصدارة في القوّة العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والعسكرية بين أمم وشعوب ودول العالم، قوّة حوّلتها الإدارة الفرنسية العليا في اتجاه ممارسة الاستعمار والهيمنة والتسلط وقهر الشعوب المستضعفة.

يروي الصدّيق قصته مع "الوحدة المسيحية للشبّان الباريسيين" التي أصبح عضوا فيها رغم أنّه مسلم، انظم إليها لحاجته إلى ضرورات العيش في مدينة باريس، التنظيم الذي شدّ اهتمامه وانتباهه لما يوليه من عناية بالجانب الإنساني من منطلق ديني مسيحي، الأمر الذي نمّ فيه جانبه الروحي كشخصية مسلمة، ولما ينطوي عليه الإسلام من قيّم ودلالات في اتجاه حفظ الإنسان في حياته وكرامته وعقله ودينه وماله، الأمر المعهود في التنظيم الوحدوي الشباني الباريسي، والمفقود تماما في مستعمرات فرنسا، إذ تجد حياة حيوانات المُعمرين في أفضل مما هي عليه حياة الأهالي التي تفتقد إلى أدنى شروط الحياة الإنسانية الكريمة لدى فرنسا حقوق الإنسان والعدالة والحرية والمساواة والتقدم الحضاري.

حال الاستعمار بوجه باطني خفي أنيابه حادّة شديدة القّوّة تفترس وتلتهم الأخضر واليابس، وبوجه ظاهري أبيض ناعم كريم متسامح، هذا التناقض الذي قد يغيب عن الكثير ويتجاهله الكثير من فرنسيين ومن أبناء المستعمرات كان يزيد في احتقان "الطالب" وشدّة غضبه وحزنه، كما يشتد حرصه على ربط كل ما يقع عليه فكره وما تقع عليه عينه - خلال صولاته وجولاته في مدينة باريس وخارجها وعند عودته إلى الجزائر في العطلة الصيفية وفي كل تحرّكاته داخل المدرسة وفي الأماكن العمومية وفي اتصالاته ومع علاقاته وبسائر الأماكن التي كان ينزل بها - بوجهي الاستعمار الظاهري والخفي، ويعمل على التفكير والتأمل في الظاهرتين للتين تتسع لهما حقيقة الاستعمار تحليلا وتفسيرا، فهو الضحية وفرنسا الاستعمارية هي الجلاد، والمشكلة مشكلة قابلية للاستعمار في الأصل والجوهر.

يروي الصدّيق "الطالب" قصّة رسوبه في امتحان الدخول إلى معهد الدراسات الشرقية بباريس، ويسرد مذكراته في اليوميات التي عاشها منتظرا الامتحان، فيصف تلك الحوادث التي مرّت عليه بحلوها وبمرّها، يصف الشوارع والمباني وأحوال الناس ويصف معارفه الجديدة وكل ما هو باريسي تقع عليه عينه، رغبة منه في التأقلم مع الوضع الجديد، والحصول على مقعد دراسي بمؤسسة تعليم عالي، ولما لا الحصول على منصب عمل يقتات منه حتى يُحرر والده من أسر الإنفاق عليه.

جاء خبر رسوبه في الامتحان على لسان مدير معهد الدراسات الشرقية الذي أشعره بعدم الجدوى من الإصرار على الدخول إلى المعهد، فبانت له بكل وضوح الحقيقة التالية: "إنّ الدخول لمعهد الدراسات الشرقية لا يخضع- بالنسبة لمسلم جزائري- لمقياس علمي وإنّما لمقياس سياسي... لقد أدركت في تلك الّلحظة نفسها ما سيتبع عبارات المدير من نتائج عملية دون أن أحللها، إذ لم أكن بعد قد اكتسبت خبرة هذا التحليل، الذي يريني اليوم بكل وضوح درجة القرابة بين هذه العبارات وما قاله لي قبل سنة مدير شون الطرق بمدينة تبسة، عندما سألته عن شروط الإسهام في المزايدة التي تجري كل سنة تحت إشرافه لإصلاح الطرق، أو لفتح طرقات جديدة في الناحية، وقد اهتممت حينئذ باستغلال وسيلة نقل كانت لدي أستطيع بها نقل مواد الطرق من أحجار وغيرها. ولكن عوض أن يدلي إلي بالمعلومات المطلوبة، أدلى إلي سيادته بنصيحة: - الأفضل أن تبيع ما عندك من وسائل نقل إلى مسيو "كانبون" أو مسيو "سبيتري" فإنّ المزايدة بين أيديهما. واليوم بعد أربعين سنة، أرى بكل وضوح أنّ الرجلين، المدير المتواضع لشؤون الطرق بتبسة والمدير المحترم لمعهد الدراسات الشرقية، إنما يتكلّمان لغة واحدة "لغة الاستعمار": فهذا حرمني من أن أصبح مقاولا في مصلحة الطرق وذلك حرمني من فتح مكتب محاماة بتبسة بعد سنوات الدراسة بباريس".3 هذه الحادثة وغيرها كثير تركت في نفسه أثرا بالغا زاده إصرارا على تمسكه بقضاياه العادلة وحقوقه المشروعة في التعلّم وفي الحرية وفي الاستقلال لوطنه وفي الحضارة لشعبه مثل بقية الشعوب المتقدّمة.

ويروي الطالب قصّته مع المعهد اللاّسلكي الذي حقق فيه حلمه في تحصيل العلم من غير اكتراث بمنصب سياسي عالي أو بمركز اجتماعي مرموق أو بجمع المال للثراء، وهي غايات الكثير من الشبان الجزائريين المغتربين في مختلف أنحاء فرنسا، غايات فرّقتهم وحوّلتهم إلى شتات فكري وإيديولوجي دعّمه الاستعمار وأسست له إدارته، فكان ذلك على حساب تكوينهم العلمي والتقني والفكري والثقافي عامة، في الوقت الذي كانت فيه الجزائر في أمس الحاجة إلى نخبة قويّة تفكر في الأوضاع وتحسن تقديرها لها، لتمتلك السبل والوسائل وسائر الإمكانات الروحية والمادية لتخلع عنها ربقة الاستعمار وقيوده الحديدية التي تعاني منها منذ عام 1830.

كانت الأحداث اليومية الباريسية والأحداث في الجزائر والتطورات الدولية تؤثر فيه باستمرار، تؤثر في تكوينه الفكري والسياسي والثقافي عامة، يوميات الحي اللاتيني والصراع بين الاستعمار وعملائه والانشقاق من جهة، وبين الوحدة والإسلام والعروبة والحرية والوطنية والعدالة من جهة أخرى، وقصّته مع معرض المستعمرات الذي ينتقص من المستعمر ويهينه ويقلل من قيّمه الدينية والتاريخية والثقافية، وكان لعلاقته من صديقه "حمودة بن ساعي" تأثيرها الإيجابي الكبير على حياته في نظره فكان يرى في "حمودة بن ساعي" الرجل المثقف الواعي المؤمن بقضيته والمخلص لها، ومن المحطات التي أثّرت فيه وفي حياته معاقبة الإدارة الفرنسية الاستعمارية والده بنقله من طرف رئيسه فاضطر الوالد إلى طلب إجازة ولم يعد إلى عمله حتى وافته المنية فضاعت حقوقه كلّها بوصفه موظفا وكان ذلك بسبب مواقف الصديق السياسية والإيديولوجية من الاستعمار.

يعبّر الصديق عن محنته في والده وأسرته بقوله "كنت أتأثر من هذه المحن التي بدأت تنصب على أهلي بسببي، دون أن أغيّر سلوكي بسببها، بل كانت الأحداث نفسها تزيدني تصلّبا وتحدّيا في نظر الإدارة الاستعمارية، التي بدأت في ذلك الشهر بالذات هر شباط "فبراير" عام 1932 تولي اهتمامها في الأوساط الطلابية بصدى حدث وقع بعاصمة الجزائر حيث أمر الحاكم بمنع أي نشاط لجمعية العلماء في مساجد الوطن".4 وفي هذا الوقت بالذات كان الصراع على أشدّه بين مكونات الحركة الوطنية الجزائرية في الجزائر وفي فرنسا والتي كان لها بعد عربي إسلامي كما كان لها بعد إقليمي مغاربي، الصراع الذي كان يتابعه الصدّيق عن كثب كما كان يتابع التطورات الدولية والحركات التحررية في العالم والحركات الداعية إلى السلام أو تلك الدّاعية إلى الحرب.

أسّس في هذا الوقت الصدّيق برفقة نخبة من المثقفين العرب في باريس "جمعية الوحدة العربية"، يصفها بما يلي: "وكأنّما كانت هذه الدعوة كما يتبيّن للقارئ مقدمة للجامعة العربية الحالية...وفي نهاية المطاف أصبح "محمد الفاسي وبلفريج والطوريس" يمثلون مراكش في الوحدة و"بن ميلاد" مع بعض مواطنيه يمثلون تونس، وأصبحت أنا أمثل الجزائر. وكانت سوريا مع لبنان، ممثلة في شخص فريد زين الدين وبعض مواطنيه ممن يقرضون الشعر. فكانوا عند افتتاح أو ختام كل جلسة، يشنفون مسامعنا بآخر قصيدة لهم في تمجيد العرب".5

يسرد الصدّيق ذكرياته مع مدرسة الكهرباء والميكانيكا بباريس، ومع سفره إلى الجزائر في العطل الصيفية أو عندما تدعوه الحاجة، فيصف الحياة في الجزائر وفي عنابة وفي قسنطينة ويضع يده على أدق التفاصيل، يصف الجغرافيا من دون أن ينسى التاريخ والثقافة بمختلف مظاهرها وغيرها، لارتباطه بموطنه جسدا وروحا، ويعرض ذكرياته مع زوجته خديجة معلقا عليها، ومما جاء في سرده لمذكراته مع شريكة حياته التي قاسمته الأفراح والأحزان وفتحت له آفاق الاطلاع على الحياة الأوربية الغربية الحياة في القرى والأرياف وفي المدن التي عايشها وكثيرا ما وصفها، وهكذا يصفها: "إنني أذكر هذه التفاصيل لأنني أعدّها دالة على التطور النفسي الذي سيجعلني أشد الناس نفورا لكل ما يسيء لذوق الجمال، ولأنّها تفسر ثورتي على بعض جوانب تخلّفنا التي تصبح موضوع السخرية في بعض المجالات، بإيعاز تلك الأوساط التي تتدخل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لإبقاء الوضع على ما هو عليه، باسم الوفاء للتقاليد عندما نحاول نحن، تحت أي راية تقدمية، أن نغيّره، غير أنّ الاستعدادات التي تدفعني إلى هذا الموقف كانت أصيلة في نفسي، لم أكتسبها اكتسابا بدأت معه تغيير بعض مظاهري منذ وجودي بمدرسة قسنطينة، وإنّما وجودي بفرنسا ومعايشتي لزوجي طوّر هذه الاستعدادات الوراثية إلى أفكار اجتماعية واضحة".6

ومن الذكريات التي استرجعها ووقف عليها وأثرت فيه كثيرا ذكرى وفاة والدته وما تركه فقدانها على الأسرة من تصدع واهتزاز، وفي معرض عودته إلى "تبسة" وبلغه خبر وفاة أمّه، يعبّر عن ذلك قائلا: "فوقفت كأنما نزلت على رأسي صاعقة، وكأنما الأرض تزلزلت تحت أقدامي، وفي لمحة بصر تحولت عواطفي من السعادة القصوى إلى المصيبة الدهماء...كانت الضربة قاسية ولكنني لم أشعر بعد بكل ألمها لأنها جديدة، كنت تلك الليلة أولي اهتمامي لمواساة والدي الذي كان يبكي خلف منديل يخفي وجهه، وكان خالي "أحمد شاوش" الطبيب التقليدي المشهور والمحبوب في المدينة، يصرف كل جهد لمواساتنا جميعا، بذكر نبذ من حياة الرسول عليه الصلاة والسلام."7

سرد الصديق ذكريات حياته بعد وفاة والدته متتالية وعودته إلى فرنسا وكانت تصاحبه دوما صورة الحياة المزرية في الجزائر وصورة الحياة في الغرب الأوروبي، وقصصه مع السفارة المصرية والإيطالية والأفغانية والألبانية وغيرها، قصصه مع البوليس الفرنسي الذي كان يراقب نشاطه واتصالاته بأصدقائه، وشعوره بخيبة أمله في الحراك الوطني الجزائري آنذاك، إخفاءاته في الامتحانات وفي طلبه العمل وفي محاولات سفره خارج فرنسا خاصة إلى أرض الحجاز، بؤسه إلى درجة طلبه الموت، هذه الحال يقول فيها الراوي: "إنّ إيطاليا الفاشية لم تعطني الفرصة، و"سودرية" ومدرسة الميكانيكا والكهرباء خيّبا رجائي، والأمين العمودي لم ينشر مقالي في صحيفته، والمؤتمر الجزائري تبخّر، وخاب ظني في الإصلاح والعلماء المصلحين، وأصبحت أتساءل ماذا أفعل؟ بدأ هذا السؤال الذي طالما تردّد في نفسي بعد خروجي مدرسة قسنطينة، يتردّد على ذهني من دون جواب. وبدأت أشتم في نفسي رائحة الغرق... تنبأ بعض علماء الفلك بكارثة اصطدام ممكنة بين الأرض، وبين أحد الأجرام في السماء. وأتذكر أني قرأت هذا النبأ في صحيفة مسائية بمقهى الهجار، بعد أيام قلائل من عودتي من رحلتي، فتقبلته بكثير من الرجاء. إن المرء يعيش هذه الحالات النفسية عندما لا يبقى أمامه إلاّ رجاء الفناء."8

سرد الصدّيق ذكرياته مع إحدى المحطات الرئيسية في حياته، وهي محطة المؤتمر الجزائري الإسلامي الذي أشرف على إدارته بمرسيليا، المؤتمر الذي أسّسه عدد من المثقفين الجزائريين لأجل تعليم وتثقيف العمال الجزائريين، فتعلّموا حساب اللانهاية والجغرافيا، ودروس في السياسة والأخلاق، سرعان ما أقفل الاستعمار مركز المؤتمر الجزائري الإسلامي وعاد هو وزوجه إلى تبسة، وتعاون مع الشيخ "العربي التبسي"، واختلف معه في طريقة التفكير وفي أسلوب تحليل القضايا والأحداث والحكم عليها واتخاذ القرارات، وكان يتابع التطورات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي يعرفها العالم العربي والإسلامي وتشهدها أوروبا الغربية، خاصة الحرب العالمية الثانية التي كانت على وشك الاندلاع، وكان الصدّق ممن يطمعون في تحريرها للشعوب والأوطان من الاستعمار الفرنسي الغاشم، كالغريق الذي يمسك بالقشة على سطح الماء.

سرد الصدّيق بالتفاصيل ذكرياته قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية وهو بتبسة عن حياته وعن حياة زوجه معه وعن هرّة زوجته "لويزة" وعن أسرته وجيرانه وأبناء المدينة وحاكمها والحراك الاستعماري فيها وعن اتصالاته بزعماء الإصلاح وبالمعممين والمطربشين وبغيرهم وعن متابعته للأحداث والوقائع المحلية والدولية، وعن حراكه عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية مع الخطوة الجزائرية في آخر شهر يونيو "حزيران" 1939 ومقاله "لا مع الفاشية ولا مع الشيطانية" واندلعت الحرب الشاملة وقرّر السفر إلى فرنسا تاركا وراءه أرض الآباء والأجداد الأرض التي أبت إلاّ أن تجوع أبنائها وتطعم الأجانب معاهدا إيّاها باللاّعودة إلاّ بعدما تصبح حرّة.

إنّ في قراءة مذكرات الصدّيق "الطالب" على مدى تسع سنوات حفر في حياة فردية جزائرية عربية إسلامية على المستويات النفسانية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية وغيرها، وفيها ينكشف مدى التواصل التاريخي والحضاري بين بني البشر وحاجته الملحة إلى ذلك لتستقيم الحياة ويستقر الوضع وتهدأ الأمور فيخلو الجو للعطاء وللفعالية وللمبادرة الفعّالة، وفيها تتبلور حقيقة الحياة في جزائر الاستعمار والقهر والاستبداد وفي فرنسا الحضارة والحرية وحقوق الإنسان، وفيها نكتشف الكثير من جوانب الصراع الفكري والإيديولوجي الذي ميّز الكثير من جوانب الحراك الوطني الإصلاحي وغيره في القيادة وفي القاعدة، كما تتضح الكثير من الأحداث التي عرفتها الإنسانية في هذه الفترة وتنكشف باستمرار عند القراءة الحقائق وتستنبط المعاني والعبر، فالمذكرات هي بحق شهادات قيّمة لشاهد ليس كغيره، هذه الحقيقة تتأكد كلّما قرأنا المذكرات بتأمل وتوأده.

مالك بن نبي وظلم زعماء الثورة الجزائرية له

moamar habarيرى الأستاذ كمال مسقاوي على هامش صفحة 449، أنه وضع عناوين في كتاب "شروط النهضة" لبن نبي - وأظن كتبا أخرى- لاعلاقة لها بالترجمة الفرنسية، إنما كانت مستوحاة من روح اللغة العربية، حتى تناسب طبيعة الكتاب والأهداف التي وضعت لأجله، كاقتبسات عن محمد إقبال وغاندي، التي لم تذكر في النسخة الأصلية الفرنسية، وهذا طبعا بعد أخذ مشورة بن نبي وموافقته على ذلك. ويؤكد في صفحة 470 وما قبلها على الإشراف الشخصي لبن نبي على ترجمة كتابه "شروط النهضة"، وكتب أخرى.

ويرى أن أغلب كتب بن نبي كتبت في الخمسينات، أي أثناء الحرب الباردة. ويرى في صفحة 550، أن كتاب "العفن"، تحدث عن فترة 1931 -1951

إنتهينا من عرض الجزء الأول من كتاب "في صحبة مالك بن نبي"

وسيتم التطرق للجزء الثاني..

يعترف مسقاوي في صفحة 609، وهي أول صفحة من الجزء الثاني، أنه لم يعرف بن نبي إلا بعد صدور "العفن".

ويرى في صفحة 613، أن مفهوم مالك بن نبي حول "القابلية للاستعمار" ومقالاته التي كتبها في ذات الشأن، هي التي جعلت الساسة الجزائريين يثورون عليه، ويمنعونه من المشاركة في الثورة الجزائرية.

يرى بن نبي في صفحة 614، أن مؤتمر الصومام 1956، غيّر مجرى الثورة الجزائرية لصالح فرنسا، ويكفي أنهم استبدلوا كلمة مجاهد إلى مناضل. ويرى أن "مؤتمر الصومام رجع بمفهوم الثورة إلى الوراء".

ويرى في صفحة 614، أن ساسة الجزائر المكلفين بالتفاوض مع فرنسا سنة 1956، كانوا يتفاوضون حول منطقة الحكم الذاتي الجزائري ZAA. وكان بن نبي يرفض هذا التساهل من القادة الجزائريين، لذلك كانوا يحذرون منه ويسيؤون لسمعته، حتى لا يفشل مسعاهم المناهض للثورة الجزائرية، والمتمثل في منطقة الحكم الذاتي الجزائري. ومن يومها أصبحت الثورة دفاعا عن المصالح الشخصية، الذي جاء مع الحكومة المؤقتة لثورة الجزائرية.

يعتبر بن نبي في صفحة 616، إن وضع فرنسا لخط موريس، وقطع الإمدادات عن المقاتلين يعتبر ضعفا من القيادة الداخلية، وهذا الكلام لم يرضي القيادة الجزائرية. ويرى أن الساسة سيطروا على العسكريين إبتداء من مؤتمر الصومام 1956، خاصة بعد تغلغل بعض أفراد الجزائريين الذين كانوا في الجيش الفرنسي.

يرى في صفحة 617، أن زعماء الثورة الجزائرية، عاقبوا بن نبي بأن حرموه من أن يكون مبعوثا للجبهة في المؤتمر الإفريقي الأسيوي، حين رأوا أن السادات قربه وكتب له مقدمة الإفريقية الأسيوية.

وجاء في صفحة 618 ومنذ سنة 1958، وبضبط حين أرسل رسالة إلى جبهة التحرير 29/01/1959، إنقطعت علاقة بن نبي بجبهة التحرير، لأنه رأى إنحرافا عن الثورة من خلال مؤتمر باندونغ، وتم قطع المساعدات المالية التي كانت تقدم له والمقدر بـ 25 ، عقابا له على نقده للسلوكات السيّئة لزعماء الثورة الجزائرية.

يرى بن نبي في صفحة 619، أنه حين كان في مصر سنة 1956، لم يكن هناك ماسينيون شخصيا، لكن خلفه قادة الثورة الجزائرية في محاربته والضغط عليه من خلال البوليتيك.

ويشعر بن نبي في صفحة 620، حين انتقل إلى القاهرة سنة 1956، أنه منبوذ من قبل قادة ثورة التحرير، بسبب سياسة البوليتيك التي يتبعونها ويعارضها بن نبي. وقد تحدث عن هذه الفترة في مذكراته 1936-1958.

622 يرى في صفحة 622، أن بن نبي تفطن متأخرا أن مشروع عبد الناصر لم يكن في مستوى استيعاب مشروع بن نبي، وكان عبد الناصر ينظر اليه على أنه تعداد للكتب. ومازلت أقول أن بن نبي أفرط كثيرا في تملقه لعبد الناصر وتعلقه الشديد به دون فائدة مرجوة.

يتأسف بن نبي في صفحة 624-625 من كون كتابه "الفكرة الافريقية الاسيوية"، لم يتلقى أية كلمة شكر من مصر ولا من الدول التي قدّم لهم الكتاب، ولم يعره أحد اهتماما يليق به. ويتحدث عن التهميش والمرارة التي لاقاها في مصر.

628 يرى في صفحة 628، أن الثورة الجزائرية إنحرفت بعد مؤتمر الصومام 1956. وكان أخطر على الثورة هؤلاء الذين يبدأ أسماءهم بالحروف التالية..

TM. AF. AK.LD ، وعبرهم غدت الثورة من غير روح.

جاء في صفحة 631، أنه وابتداء من سنة 1958 عاش بن نبي العزلة بسبب كره قيادة الثورة له، لانتقاده البولتيك الذي كانت تمارسه، بدليل الاتحاد السوفيتي سابقا، عرض مؤتمر يضم كتاب افريقيا وأسيا، فرفضت قيادة الثورة تسمية بن نبي رغم أنه صاحب ومنظر فكرة باندونغ وصاحب كتاب الافريقية الاسيوية، بسبب مواقفه المعارضة لهم في تسيير الثورة الجزائرية.

جاء في صفحة 641، قول بن نبي: "كم أتمنى الموت لعله أفضل لي". هذه خلاصة الحصار الذي عاشه بن نبي في سنوات 1958 من طرف فرنسا ومصر وقيادة الثورة والاعتقال.

وفي صفحة 642، نقرأ بأن إهداء بن نبي كتابه "الفكرة الافريقية الاسيوية" لعبد الناصر وتحدثه عن فكرة عدم الانحياز، لم يكن يروق لقادة الثورة الجزائرية يومها، لأنه نسب هذه الأفعال للشعوب ولم ينسبها للزعماء كما كانوا يرجون ويسعون، ولذلك واجهوه بالعداء والرفض والاقصاء.

جاء في صفحة 646، أن تغلغل الاستدمار داخل الثورة الجزائرية بدأ من سنة 1958. وأسوء عامل ضرب للثورة الجزائرية هو مؤتمر الصومام لأنه زاغى عن مسار الثورة. ضف لها تدخل بورقيبة ليضع القيادات الاولى تحت الاستدمار. وأن بعض الجرحى الذين ذهبوا لمصر للتداوي رفضوا أن يعودوا للجزائر خوفا من الاعدامات التي تطالهم من طرف الثورة.

649 وفي صفحة 649، جاء فيها أن جبهة التحرير الجزائرية رفضت أن تفوض مالك بن نبي لحضور مؤتمر الافريقي الأسيوي، وشاء أنور السادات أن يكون أمين عام المؤتمر يومها، وهو الذي فوضه بالحضور والمشاركة، وكان هذا انتصارا لبن نبي.

يتحدث بن نبي بمرارة شديدة عن حياته، فيقول في صفحة 650.. عشت 25 سنة تحت فقر العائلة، لكن العامين الأخيرين حين كتبت SOS، وطبعتها على نفقتي الخاصة باللغات الثلاث سنة 1958، حرمتني جبهة التحرير الجزائرية من 25 جنيها كانت تقدمها لي، بسبب مواقفي.

 

سلسلة قراءاتي لكتاب "في صحبة مالك بن نبي" لعمر كامل مسقاوي 11

 

معمر حبار

 

التطور وكيفية نشوء الافكار

hatam hamidmohsinفي كتاب (التطور في كل الاشياء: كيف تنشأ الافكار) ينسب الكاتب Matt Ridley للحرية ما نسبهُ كارل ماركس للاشتراكية من قوة العلم. هو يرى ان التطور يسود ليس فقط في البايولوجي وانما ايضا في التكنلوجيا والثقافة، وانه يجلب التقدم. مقابل ذلك، يرى الكاتب ان المؤسسات الانسانية التي تستند على السلطة العمودية (أعلى - اسفل) تسبب المزيد من الضرر. يذكر الكاتب:

"التغيير في المؤسسات الانسانية، ومنتجات الانسان الثقافية، والعادات هو هامشي وحتمي ولا يمكن الاستغناء عنه. انه يتبع سلسلة من الاحداث تسير من مرحلة الى اخرى، يزحف بدلا من ان يقفز، له زخمه التلقائي بدلا من ان يندفع من الخارج، لا يمتلك هدفا او غاية في الذهن، ويحدث دائما عبر التجربة والخطأ – اسلوب الاختيار الطبيعي".

 

محتويات الكتاب

الكتاب جاء على الشكل التالي:

- تمهيد: النظرية العامة للتطور

- تطور الكون

- تطور الاخلاق

- تطور الحياة

- تطور الجينات

- تطور الثقافة

- تطور الاقتصاد

- تطور التكنلوجيا

- تطور الذهن

- تطور الشخصية

- تطور التعليم

- تطور السكان

- تطور القيادة

- تطور الحكومة

- تطور الدين

- تطور النقود

- تطور الانترنيت

- خاتمة: تطور المستقبل

خلاف الكاتب هو مع اولئك الذين يؤكدون على الانسان الفرد وليس على كامل عملية التطور. لذلك فان الطريقة التي يتم بها تلقين التاريخ ستكون مضللة، لأنها تضع كل التركيز على التصميم والاتجاه والتخطيط، بينما تضع القليل من الاهتمام بالتطور. وهكذا، يبدو ان الجنرالات يربحون الحروب، السياسيون يديرون البلدان، العلماء يكتشفون الحقائق، الفنانون يخلقون الاساليب، المخترعون يصنعون الاكتشافات، المعلمون يشكلون الاذهان، الفلاسفة يغيرون العقول، القساوسة يعلمون الاخلاق، رجال الاعمال يقودون الشركات، المتآمرون يسببون الكوارث، الآلهة تصنع الاخلاق ... مرة بعد مرة نحن نخطئ فهم مسببات الاحداث ، نلوم القارب المبحر بسبب الرياح ، نلقي المسؤولية على المارة في التسبب بالحدث. الطفل يتعلم ، لذا فان المعلم هو الذي يجب ان يعلمه (ليس الكتب او الزملاء)، النوع الحيواني يتم انقاذه، لذا فان المحافظ على البيئة يجب ان يكون هو من انقذه (ليس اختراع الاسمدة المخصبة التي تقلل من كمية ما مطلوب من ارض لإطعام السكان)، الاختراع يتم، لذا فان المخترع يجب ان يكون هو منْ اخترعه (ليس نضوج الخطوة التكنلوجية الحتمية القادمة).هذا الكتاب ذاته مثال على عملية التقدم الانساني كما يراه المؤلف. هو لم يخترع افكارا جديدة كليا، وانما هو يعيد جمع وتركيب وتحليل افكارا من كتّاب في عدة حقول. المؤلف يقتبس من جوزيف هنرش واخرين عن تطور الثقافة. هنرش يرى ان الناس كافراد منعزلين لديهم القليل جدا من الذكاء. بدلا من ذلك، نحن متميزون بين الانواع الحية في مقدرتنا على تراكم المعرفة ونقلها الى الاخرين . وبسبب اننا ننقل المعرفة فان نتائج التجربة والخطأ ستنتقل الى الاجيال اللاحقة. هذا يمكّننا من التقدم في الاقتصاد والتكنلوجيا والاخلاق.

في حقل التكنلوجيا، يقتبس المؤلف من كيفن كيلي وستيفن برلين جونسن. هما يشيران الى ان الافكار"الخلاقة" مثل المصباح الكهربائي والقارب البخاري او نظرية التطور، عادة تحدث للعديد من الافراد في نفس الوقت. هذا لأن المعرفة تتراكم تدريجيا. العلماء والمخترعون يعملون وفق مفهوم "المجاور الممكن" a djacent possible(1) ، اي، المركب الجديد من الافكار التي تصبح متوفرة بعد ان يتم تطوير السابق لها من افكار ضرورية .

وفي الاقتصاد، يكتب المؤلف

"الازدهار نتج ليس بسبب سياسة الانسان وانما بالرغم منها. انه تطور من خارج تفاعل الناس عبر شكل من التقدم الانتقائي المشابه جدا للتطور. وفوق كل ذلك، انه كان ظاهرة لامركزية، انجزتها قرارات الملايين من الافراد ، بالرغم من افعال الحكام. في الحقيقة، من الممكن الجدال ، كما يرى Daron Acemaglu and James Robinson ان دول مثل بريطانيا وامريكا نمت اقتصاديا بسبب ان مواطنيها اطاحوا بالنخب المحتكرة للسلطة".

يرى المؤلف ان الشخصيات التاريخية المؤثرة يحتمل جدا ان تكون شريرة وليسوا ابطالا. لا احد يستطيع ان يكون اكثر تأثيرا من التطور في انجاز التقدم. مع ذلك، هتلر وستالين وماو يمكنهم قتل وتحطيم العديد من الناس. ما نصل اليه من استنتاج هو ان الاخبار السيئة هي من صنع الانسان، وهي عمودية ، ومادة هادفة مفروضة على التاريخ. اما الاخبار الجيدة فهي طارئة وغير مخططة وتتطور تدريجيا.

رغم القراءة الممتعة للكتاب لكن تبقى هناك عدة اسئلة.

اولا، المؤلف يسخر من الدين. هو يذكر"ان الدين ليس فقط ظاهرة من الاعلى للاسفل في ثيولوجيته، وانما في تنظيمه الانساني ايضا. الاديان دائما وفي كل مكان تنطلق و تصر في جدالها من موقع سلطوي".

لكن السؤال هو الم يكن الدين في فترات معينة من التاريخ قوة نحو التقدم؟ الكاتب ذاته يبدو يقترح بان المسيحية لعبت دورا بناءا في التحول نحو الزواج الاحادي والذي ساعد بدوره في خفض العنف. ايضا، هناك سؤال حول ما اذا كان الناس يحتاجون لبعض الانظمة العقائدية التي تؤدي وظيفة الدين. العديد من التحرريين يخشون بان تكون الماركسية والبيئية هما بديل ديني سلطوي.

ثانيا، الكاتب يهزأ بالتطور البطيء للانظمة السياسية. غير انه ربما هناك بعض الفوائد في ذلك. اذا كانت الانظمة السياسية تتطور بسرعة، فمن يمنع من ان لا تصبح اكثر سلطوية؟

اخيرا، الكاتب لا يوضح كيف بقيت فكرة التطور ذاتها نائمة لفترة طويلة، وكيف تستمر لتبدو مضادة للبداهة لدى العديد من الناس. هو يقتبس من الفيلسوف اليوناني ايبيقور حين يصف عالما نشأ بلا آلهة او ملوك. الكاتب يعود باستمرار للقصيدة الفلسفية القديمة"طبيعة الاشياء"للشاعر الروماني Titus Lucretia Carus والتي توقعت المزيد من الافكار الحديثة، لكنها هوجمت بشدة وحتى مُنعت لعدة قرون.

اذا كانت الافكار تنشأ من "المجاور الممكن"، فكيف استطاع البعض من الافراد قبل آلاف السنين ان يتوقعوا افكارا لم تدخل الى ثقافتنا الا في القرن الثامن عشر حينما نشر آدم سمث اهم اعماله؟ ولماذا تستمر فكرة التطور تواجه المزيد من المقاومة اليوم؟ كما يشير المؤلف هناك العديد من المحافظين الدينيين وآخرين يصرون بان البايولوجي يأتي من التصميم وليس من التطور. وهناك العديد من اليسار يصرون بان الرفاهية الاقتصادية تأتي من التخطيط الحكومي وليس من الاسواق. هل سيبقى المناصرون للتطور اللامركزي محكوم عليهم دائما بالاقلية؟ ام انه بلإمكان رؤية التقدم التطوري لدى ذلك الفريق ايضا؟

 

كتاب التطور في كل الاشياء: كيف تنشأ الافكار، للكاتب Matt Ridley، صدر عن دار Harper في سبتمبر 2015 بـ 400 صفحة

         

.............

الهوامش

(1) مفهوم "المجاور الممكن" صاغه العالم ستيوارت كوفمان ليشير الى كل من الابتكار والتغيير الخلاق المحتمل . المجاور الممكن هو عبارة عن نوع من المستقبل الظليل الذي يحلق على حافات الوضع الراهن للاشياء، هو خارطة لكل الطرق التي يمكن بها للحاضر اعادة اختراع ذاته. الشيء الملفت في "المجاور الممكن" هو ان حدوده تتسع مع كل استكشاف له. كل مجموعة جديدة من الافكار تفتح افقا وامكانيات لمجموعات جديدة اخرى. مثال على ذلك لو تخيلنا منزلا يتسع مع كل باب نفتحه فيه. نبدأ بغرفة ذات اربعة ابواب، كل باب يقود الى غرفة جديدة لم نزرها بعد. حالما نفتح احد الابواب في تلك الغرفة، ستظهر امامنا ثلاثة ابواب جديدة، كل واحد يقود الى غرفة جديدة ما كان بالامكان بلوغها من نقطة البدأ.سنستمر بفتح ابواب جديدة وسنتمكن بالنهاية من بناء قصر كبير.

انطلاق (مملكة الأصوات البعيدة) لأحمد الزلوعى

842-hayshaصدرت المجموعة القصصية (مملكة الأصوات البعيدة) للكاتب أحمد الزلوعى مواكبة لفعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام تضم المجموعة ثماني عشرة قصة جاءت في ثلاث وتسعين صفحة من القطع المتوسط عن دار روافد للنشر والتوزيع . نشرت أولى نصوص الزلوعى القصصية في أخبار الأدب المصرية ثم توالت عبر الثقافة الجديدة والأهرام والأخبار والمجلة والإذاعة والتلفزيون ودبي الثقافية ورؤى الليبية والكويت وغيرها. كما نشرت دراساته النقدية والفكرية في عديد من المطبوعات المصرية والعربية والمواقع الإلكترونية مثل الكتابة الجديدة ودروب وحكايا والمحلاج وغيرها. تلقى القراء والنقاد قصص الزلوعى بالدهشة والإعجاب في آن. وعبر كثيرون منهم عن فرادة أسلوبه وجدة أفكاره.

842-hayshaوقد وصفت الناقدة المغربية ناهد الزيدى المجموعة قائلة (لا يشبه الكاتب أي قاص آخر، لا يشبه إلا نفسه وكتابته وفى نصوصه عمق مبين حد الإدهاش). كما تقرر (بالنسبة للغة يبدو مهما التقرير بأن لغة السرد عند أحمد الزلوعى يانعة طازجة تتسم بألق خاص لاسيما في تقنية الوصف حيث يبرع في تجسيد الثابت والمتحول بأسلوبه التركيبي الجميل.. لغة الكاتب ساخرة في عمقها فهو يطوع لغته لتجهر وتسر وتسخر كيفما شاء موضوع قصته ورؤى شخوصه) أهدى الكاتب المجموعة إلى روح جده) إلى جدي في سماوات الرحمة.. لعل الملائكة تسعد بحكاياك كما كنت أسعد (ومن أجواء المجموعة) (آلاف التفاصيل بدأت تتكامل في أذن معتز يوما بعد يوم.. التقط صوته وهو طفل يلهو في مدخل العمارة، وصوت أبيه يناديه ليصعد، وصوت أمه تدعوه إلى الطعام ثم بدأت آذانه تلتقط أصواتا تنطق بلغات غريبة تعرف منها على الألمانية والإنجليزية والأسبانية، وأخرى لا يعرفها خمن أن من بينها السنسكريتية والآرامية والسريانية)..

الكاتب عضو مؤسس لمختبر سرديات المنصورة المعنى بدراسة ومناقشة الأعمال السردية المتميزة. يعمل د.أحمد الزلوعى بالمجال الطبي وهو متزوج وأب لثلاثة أبناء.

 

كتب: محمود سلامة الهايشة

 

إدارة اللاوعي الجماعي والجمعي للكائنات البشرية

nabil alrobaeiالخضوع الجماعي لفرد ما يحتاج إلى دراسة التاريخ، كون الفرد لا يخضع لما هو مباشر، وإركاع الجموع واخضاعها تحتاج إلى فهم قوة العقيدة من الناحية الروحية لذلك المجتمع.

في عراق اليوم والأمس أصبح لبعض الزعماء المقدرة على اخضاع المؤيدين لسياستهم من خلال اللجوء إلى منح الامتيازات للبعض دون الآخر، لذا فإن العطايا والهدايا تعمل على تعزيز الولاء لهؤلاء الزعماء، وهذا ما حصل ابان الحقبة الزمنية الماضية للقائد الضرورة، الذي حكم العراق خلال 35 عاماً في السلطة ولم تعترض عليه أي جهة من أفراد الشعب أو المؤسسات الدينية لا في داخل العراق ولا من قبل دول الجوار، علماً أنه قام بحرب مدمرة استمرت ثمان سنوات تجاوز الموت فيها المليون نسمة من الطرفين، فضلاً عن مذابح الأنفال في كردستان العراق، ولم تتحرك أي من المؤسسات الدينية للدفاع عنهم، ثم هجوم قواته على الجارة الكويت عام 1990م وتحطيم المؤسسات الحكومية لهذه الدولة واعقبها المجازر ضد ابناء الجنوب بعد انتفاضتهم في آذار عام 1991م، لكن بعد الغزو الأمريكي للعراق تحركت ضمائر هذه المؤسسات الدينية رافعة بنادقها ضد أبناء العراق من الوسط والجنوب بدعم من تنظيم القاعدة، ومن ثم تنظيم ما يسمى داعش، والسبب لأن هؤلاء الروافض يجب إبادتهم باسم الدين.

إن ما يحصل حقيقة أن هناك أيدي لحكومات ومؤسسات تدعم هذا الاقتتال لاستمرار الإبادة الجماعية واخضاع الآخرين لسلطتهم، فكان الهدف هو خدمة التطرف الديني لقاء فوائد لا غنى عنها وهذا ما يطلق عليه بعض الباحثين بـ(الجمهور الممغط).

إن الصمت للغالبية العظمى من رجال الدين سببه قناعتهم بما يقوم به الحاكم المستبد سابقاً والحاكم المنتخب حالياً من تصرفات شخصية اتجاه شعبه، أو هناك تفسير آخر أن الصمت هو اضعف الإيمان، لكن هؤلاء رجال الدين من سدنة المعبد قد تركوا أبناء بلاد الرافدين يسيطر عليهم الحاكم الظالم سابقاً والمستبدين والفاسدين والسارقين لقوت الشعب بعد عام 2003م دون أن ينطقوا بكلمة واحدة، وحتى وأن نطقوا فليس لهم أذن صاغية من قبل سياسيو الصدفة في عراق اليوم.

لا ننسى ما يحدث اليوم في العراق من ظاهرة التكفير لفئة من المجتمع أو لديانة ما بسبب الاختلاف في العقيدة، إذ أصبح سلاح التكفير يستخدم بإسراف، وقد سنّ شيوخ التكفير فتاوى تدعو إلى قتل الآخر من خلال استخدام الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة، فضلاً عن قناعة هؤلاء القتلة من دخولهم الجنة بعملهم هذا، وسيلتقي بحور العين والغلمان، ويشربوا من انهار الخمر والعسل واللبن، هنيئاً لعملكم هذا إذا كان جزاءه الجنة، وأي جنة تضم رفاتكم الممزقة، وأنا أتساءل، هل هناك أساليب يمتلكها شيوخ الإرهاب لها فاعلية في التأثير على اللاوعي الإيماني ودفعه في الاتجاه الذي يريده، لكن سلطة هؤلاء الشيوخ تمكنت من توجيه وإدارة اللاوعي الجماعي والجمعي للكائنات البشرية إلى دعوة الإنسان للانتحار ولقتل أخيه الإنسان على أساس الهوية الدينية والطائفية، وباسم الدفاع عن الإسلام من خلال الأرث الطويل من مفاهيم وعقائد بربرية هي نتاج أمراض الطفولة الإسلامية لمن يعتقد أن من (فكرّ كفر) لأن الفكر والكفر يحملان نفس الحروف.

والباحث فالح مهدي في كتابه (الخضوع السني والإحباط الشيعي) ص243 يتساءل حول سطوة الدولة إذ قال : كيف تمكن أشباه الرجال في ديمقراطيات عريقة من الوصول إلى السلطة وتجديد ولاياتهم إلى فترات عديدة؟ لذلك لا خلاص لهذا البلد دون ترسيخ مفهوم المواطنة والتعليم والثقافة والنسبية وتداول السلطة بشكل نسبي من خلال فهم أفراد المجتمع لمعنى الديمقراطية ومن يقودهم .

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

صدور كتاب مَدَنِية الإسلام وعولمة الإرهاب

840-zuharقلائل هم أولئك الذين أمكنهم أن يجعلوا من الفلسفة جزءا من حياة الناس. والدكتور زهير الخويلدي واحد من من أقل القليل الذي جعل من الفلسفة متعة خالصة من متع الأدب. بلغته السهلة، وتناوله السلس، ومقارباته التي تمس أوجه الحياة الملموسة، تمكن هذا المفكر البارز من أن يجعل الفلسفة منارة حقيقية تضيء الطريق لملايين الناس.

الفلسفة لم تعد، بفضل هذه المقاربة الحيوية، مشروعا نخبويا، لا يفهمها إلا أولئك الذين يفهمون (أو لا يفهمون) اللغة الملتبسة. إنها أداة تفكير، سهلة.

والسهولة إنما تنم عن فهم عميق. فالمرء كلما كانت لغته أوضح، كلما كانت الفكرة التي تعبر عنها تلك اللغة أوضح.

840-zuharوالمؤلف رجل فكر غارق بأدواته. وكلما ذهبت في قراءته الى مسافة أبعد، كلما عثر على المزيد من الثراء. وثراؤه الخاص يغتني بثراء الآخرين، ويحول مناراتهم الى قنوات ضوء باهر تنير النفق الذي نحن فيه.

وفي هذا الكتاب الذي يحلل فيه الخويلدي ظاهرة الإرهاب في وجهها العولمي، والتحدي الذي تشكله للطبيعة المدنية للإسلام، فانه أضاف جهدا استثنائيا بحق لفهم تلك الظاهرة ولوضعها في سياق أبعد كثيرا من المألوف المتداول.

إنها ظاهرة للتأمل. ومعالجتها تتطلب مواجهة فكرية حقيقية شاملة، وبحثا دقيقا عن أسئلة ما تزال بعيدا عن الوصول الى أجوبة مقنعة.

وسط الكثير من تلك الأسئلة، هنا بعض مما يمكن العثور على تصورات بشأنها: "من يحكم العالم اليوم؟ وماهو العصر الجديد الذي تسير إليه العولمة؟ وماذا تشبه هذه الحروب الجديدة التي تخوضها الجماعات والدول؟ وما المقصود بالجهاد؟ هل ستظل الديمقراطية سياسية معتمدة في القرن الواحد والعشرين؟ لماذا تزداد الفوارق الاجتماعية؟ ما العمل أمام انقسام المجتمعات إلى قسمين: أغنياء وفقراء؟ وكيف يمكن الترفيع في معدلات التنمية والتطور؟ وهل مازال الشغل هو مصدر الإنتاج والثروة؟ كيف يمثل اقتصاد التقاسم محاولة من الرأسمالية لتجاوز انتقاداتها وتجديد نفسها؟ وأي إنسانية لعصرنا؟ من أين أتى الانسان؟ وماهي طبيعة الكائن البشري؟ فيم يختلف عن طبيعة الكائن؟ وهل يوجد العالم بالفعل خارج ذواتنا؟ ومن أين أتت اجتماعية الانسان؟ وماهو محرك التاريخ البشري؟ وما مصدر اللغة؟ وكيف تتكون الأفكار؟ هل الدين أصل الاغتراب؟ ومن أين تنحدر القيم الأخلاقية؟ وما طبيعة الحقيقة؟".

شيئا فشيئا، سوف يجد القارئ تناولا مختلفا لقضية الإرهاب. هذا أولا. ثم أنه سوف يكتشف وجها للفلسفة أكثر إنسانية، وأعمق دلالة، وأقرب الى الحياة. هذا ثانيا. ثم أنه سوف يتعرف، من جديد، على كاتب مبدع، ومفكر أصيل، ومثقف جدير بكل احترام.

عن دار أكتب صدر كتاب مدنية الإسلام وعولمة الإرهاب لندن 2016

قراءة في كتاب: تطهير البلاد من تاثير الاستبداد

ali alkendiلقد كتب الباحثون والمدققون في ظاهرة الاستبداد بعناوين مختلفة وباساليب واشكال متنوعة وكانت تلك البحوث غالبا ما تناقش حالت خاصة وفردية يقع الكاتب تحت تاثيرها ويشعر بخطرها فهو يكتب عن الاستبداد من حيث انه آلة قمع والة حبس وتكبيل، ومن حيث انه طاغية يمتلك كل اسباب القهر والجور، وهذه فكرة يكاد يتفق عليها المألفون والباحثون ممن تعرض لهذا المعنى او لهذه الظاهرة قديما وحديثا، الا ان هذه القراءات والتحديدات لم تلتفت الى نقاط مهمة وجوانب هي اخطر من الظاهرة نفسها، وهذا ليس تقصيرا في تلك الاقلام وتلك الجهود الا أنه لابد من تميز ولابد من تمايز .

الا انني حين قرات كتاب الباحث العالم الشيخ عز الدين البغدادي الموسوم (تطهير البلاد من تاثير الاستبداد) وقد ارسله لي لإبداء ملاحظاتي عليه، وانا اشكر له حرصه وامانته وثقته.

فاني قد وجدت حالة اخرى ودراسة مختلفة عما كتب، وبحدود اطلاعي المتواضع، فلقد وجدت في هذه الدراسة نوعاً جديداً من الابداع وسمواً عالياً في فهم الموقف اذ ان الباحث اعزه الله التفت الى جانب اهم وهو دراسة الظاهرة ليس من حيث النصوص الدينية فقط ، ومقارنتها او تطبيقها على بعض الحالات التي حصلت في التاريخ، بل انه في هذه الدراسة جمع بين قوة فهم النص الديني مع الدراسة النفسية والاجتماعية للمجتمع الذي يقع تت تاثير الاستبداد، والاسباب التي تهيء لتقبل ذلك الاستبداد وماهي علاماته ومظاهره، ومن ثم التاثيرات التي ستبقى وتعقب رحيل المستبد فيما لو حصل مؤثر خارجي ازال ذلك الاستبداد، وقد بين الباحث في التفاتة مهمة الى ان الاستبداد ليس هو الشخص ذاته، وانما هو الثقافة التي ترسخت في الافراد وفي المجتمع، من خلال حكم ذلك المستبد والاساليب التي تبناها لتكريس اذهان المجتمع لتقبل الاستبداد بكل انواعه وصنوفه لدرجة ان يتطبع المجتمع ويألف الظلم والخنوع ولا يشعر بالمظلومية او حتى بالهزيمة ..!!

دعوتي لكل القراء والباحثين المخلصين والى مشايخنا الاعزاء الى قراءة هذا الكتاب قراء واعية واعتذر من تقصير مدادي عن البوح بما يحمله الكتاب من رؤى هامة ومهمة

واسأل الله تعالى ان يسدد الباحث في خطاه الصالحة والاصلاحية لبناء المجتمع الجديد الخالي من العيوب والامراض

 

علي الكندي

 

أثـر التقلبات السياسية العربية الراهـنة في السلوك الاجتماعـــي .. مقاربة سوسيـو سياسية

jamil hamdaouiيندرج موضوعنا هذا (أثر التقلبات السياسيــة العربيــة الراهــنة في السلوك الاجتماعي) ضمن علم الاجتماع السياسي، مادام يدرس أنماط السلوكيات عند الأفراد والجماعات أثناء تفاعلها مع مجتمعاتها، ولاسيما بعد التقلبات السياسية التي شهدتها المنطقة العربية مع العشرية الثانية من الألفية الثالثة، أو ما يسمى بالثورات العربية أو ثورات الربيع العربي. ومن ثم، يتخذ هذا الموضوع بعدا اجتماعيا من جهة، وبعدا سياسيا من جهة أخرى.

ومن باب العلم، إذا كان علم السياسية يبدأ موضوعه بدراسة الدولة ، وكيف تمارس تأثيراتها في المجتمع، فإن علم الاجتماع السياسي يبدأ بدراسة المجتمع، وكيف يؤثر ذلك في الدولة، أو يدرس العلاقة الموجودة بين المواطنين والدولة ومؤسساتها ، أو يدرس العلاقة التي تجمع الرعية بالراعي، أو يدرس أشكال الهيمنة التي يمارسها الأفراد ضد الجماعات الإنسانية . ويعني هذا أن علم الاجتماع السياسي يدرس الظاهرة السياسية في حضن المجتمع، ويبين مختلف التأثيرات التي يمارسها المجتمع في الفعل السياسي. ثم تفسير الظواهر السياسية في ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتاريخية والحضارية...

وإذا كان علم السياسية يدرس الدولة أو السلطة السياسية1 ، فإن علم الاجتماع السياسي يبرز السياق الاجتماعي للظواهر السياسية2 . وبتعبير آخر، يدرس القضايا والمشاكل والمواضيع والعلاقات الاجتماعية المؤثرة ذات الطبيعة السياسية ، وخاصة ما يتعلق بالإيديولوجيات، وقوى الضغط، والأحزاب السياسية، والنقابات، والنخب، والانتخابات. وهنا ،يمكن الحديث أيضا عن سوسيولوجيا التصويت أو الانتخاب أوالاقتراع.

وإذا كان علم السياسة هو علم الدولة أو السلطة السياسية أو دراسة النظم السياسية، فإن علم الاجتماع السياسي هو الذي يدرس الظواهر السياسية في ضوء المجتمع، أو المجتمعات الصغيرة والكبيرة، أو في ضوء المقاربة الاجتماعية أو علم الاجتماع.

وعليه، فعلم الاجتماع السياسي هو الذي يدرس النظام السياسي أو النظم السياسية وتأثيرها في المجتمع. و" المقصود بالنظام السياسي دراسة ظاهرة القوة وتوزعها في المجتمع، سواء أكان هذا المجتمع قبيلة أم دولة قومية أم إمبراطورية أم أي نمط اجتماعي آخر، بالإضافة إلى العلاقة التي تربط بشكل مباشر بعملية تحديد هذه القوة.3 "

وعلى العموم، فعلم الاجتماع السياسي هو علم الدولة من جهة أولى، وعلم السلطة والقوة والنفوذ من جهة ثانية، وعلم النظم السياسية من جهة ثالثة.

هذا، ويدرس علم الاجتماع السياسي عدة مواضيع سياسية شائكة مؤرقة لها علاقة بالمجتمع تأثيرا وتأثرا ، مثل: موضوع القوة، وموضوع السلطة، وموضوع الدولة، وموضوع التطرف، وموضوع العنف، وموضوع الثورة، وموضوع الإرهاب، وموضوع التنشئة الاجتماعية، وموضوع العولمة، وموضوع الديمقراطية، وموضوع النخبة أو الصفوة، وموضوع المشاركة السياسية، وموضوع التنمية السياسية، وموضوع الإيديولوجيات، وموضوع جماعات الضغط، وموضوع النقابات، وموضوع الدستور، وموضوع طبيعة الحكم، وموضوع الانتخابات، وموضوع الثورات والانقلابات والاحتجاجات، وموضوع السلوك السوسيو سياسي...

وترتكز السوسيولوجيا السياسية المعاصرة على خمسة مواضيع محورية هي:

1 دراسة النشأة السوسيو سياسية للدولة المعاصرة؛

2 تحليل موضوع الهيمنة أو الحكم، والتوقف عند اللامساواة الاجتماعية الموجودة بين الطبقات، والفئات، والنخب، والأعراق، والإثنيات...، وتأثيرها في مجال السياسية؛

3 تبيان الأدوار التي تقوم بها الشخصيات العامة والحركات الاجتماعية والمنظمات في ميدان السياسية؛

4 استكشاف علاقات الهيمنة والخضوع داخل المجموعات المجتمعية؛

5 رصد الثورات السياسية وتوصيفها، مع البحث عن مدى تأثيرها في سلوك الأفراد والجماعات إيجابا أو سلبا.

وعليه، ننطلق ، في هذا البحث السوسيو سياسي، من فرضية أساسية تتمثل في العبارة التالية:

أحدثت التقلبات والثورات السياسية التي شهدتها المنطقة العربية، إبان العقد الثاني من الألفية الثالثة، تأثيرا واضحا وجليا في السلوكيات المجتمعية سلبا وإيجابا.  

وبناء على هذه الفرضية المحورية، نطرح الأسئلة والإشكاليات التالية:

ما مفهوم السلوك؟ وما الفرق بين السلوك النفسي والسلوك الاجتماعي؟ وما حيثيات التقلبات السياسيــة الراهــنة في المنطقــة العربية إبان العقد الثاني من الألفية الثالثة ؟وما مدى تأثيرها في سلوكيات الأفراد والجماعات؟ وما المنهج المتبع في رصد هذا الترابط الموجود بين ماهو سياسي واجتماعي على مستوى السلوكي؟ وما أنماط السلوك الاجتماعي التي تشربها الإنسان العربي بعد ثورات الربيع العربي؟ وما أهم الانتقادات والتوجيهات والاقتراحات التي يمكن الخروج بها من خلال تناولنا لهذا الموضوع ؟

هذا ما سوف نستجليه قدر الإمكان في هذه الدراسة المسحية التي تعتمد على الملاحظة الوصفية الميدانية من جهة، والمقاربة السوسيو سياسية من جهة أخرى.

 

د. جميل حمداوي

.......................

1   محمد فايز عبد أسعيد: الأسس النظرية لعلم الاجتماع السياسي، دار الطليعة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1988م، ص:2932.

2   مولود زايد الطبيب : علم الاجتماع السياسي، منشورات جامعة السابع من أبريل، الزاوية، ليبيا، الطبعة الأولى سنة 2007م، ص:6.

3   محمود عودة: أسس علم الاجتماع، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، ص:238.

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

أثـر التقلبات السياسية العربية الراهـنة في السلوك الاجتماعـــي .. مقاربة سوسيـو سياسية / د. جميل حمداوي

قراءة في كتاب: معنى حياتي للدكتور منذر الشاوي

amir hushamأتذكر جيدا ما كتبه الروائي المعروف نجيب محفوظ في رائعته "السّمان والخريف" ..:" لكنه سيصمد للمحنة، ويتألم .. ثم يحيا، وأخيرا سيجد للحياة معنى".. وهو هذا المعنى الذي يخصّص له أستاذ القانون العراقي الدكتور منذر الشاوي جهده الجهيد فيصدر قبل ما يقرب من السنتين كتابه المعنون ب "معنى حياتي" مع أهداء الى الأب الذي أعطانا الحياة، والأم التي علّمتنا الحياة. ولم يكتف بذلك بل راح المؤلف يفسّر أكثر في ضرورة أن يكتب كل منا كتاب ذكرياته، ليبحث في المعنى وراء الحياة، فتقرأ في غلاف الكتاب الأخير : " أخاطب ذاكرتي، فتخاطبني الأيام: أين أنت من حياة مضت؟ فأجيب: أنها في قلبي وكياني، ولن تزول عبر السنين والأيام. أيام تعارفت فيها وبها مع الحياة، فكانت دهشتي.".

وقد أرتأى الأستاذ المؤلف الاّ أن ينوّه في صفحة أولى في الكتاب الى " أن الحقيقة تبقى ترصد من يتخاذل عن ذكرها، كما تثير خيارا هو الموقف والمسؤولية تجاه الذات". وهكذا يأتي كتاب الذكريات لمنذر الشاوي على ما يقرب من 200 صفحة من القطع المتوسط وعلى عشرة فصول كاملة كانت قد بدأت بفصل أول تحت عنوان " نور الحياة" ولتنتهي بفصل أخير هو "أيام في حياة العراق السياسية" ليشعر القاريء بعد ذلك أن عند المؤلف الكثير مما لم يقله، فينتظر الجزء الثاني من معنى حياة أستاذ قانون، كان يوما وزيرا في الدولة العراقية للعدل والتعليم العالي، وفي فترة من تاريخ العراق عصيبة.

 

البدايات الأولى

ويفصّل الكاتب عبر سرد سلس أنيق العبارة في بدايات الحياة الأولى وسنوات الطفولة، فيأخذ القاريء معه الى رحلة جميلة في عراق العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، حيث ولد الشاوي في بيت جده لأمه في بغداد الكرخ، وليكن بعد ذلك في مدينة العشّار بالبصرة الفيحاء حيث نقل والده هناك مديرا لشرطة البصرة، ليقضي الطفل مع أخوته السنوات الثلاث في دار قريب الى القشلة وهي مقر مديرية الشرطة في المدينة. وهكذا ظلّ المؤلف ينهج في فصول كتابه النهج الحكيم، فتراه في كل فصل يهتم كل الأهتمام بالمكان وبالناس فيصف ويستذكر ويقص ويسرد ويستنتج العبر والدروس ويحاكم أحداث تاريخ مضى ليفهم معنى الحياة، ومن ذلك:

1.المكان: البصرة: "ومن يعش في البصرة لا يمكن الا أن يعشقها، لا لمناظرها فحسب، بل وأيضا وربما أكثر، لخلق أهلها وأدبهم". هذا ما يقوله نصا الكاتب منذر الشاوي.

واللقاء مع بغداد والدار الجديدة للعائلة في منطقة الصالحية، والمحلة وناسها، ودكاكينها وأصدقاء العمر والنشأة الأولى. فتقرأ في طبيعة المكان البغدادي: " وأذا عدنا الى التقاطع وأتجهنا يمينا، فأننا نكون في شارع يمتد الى الشارع العام ذي الممرين في أحدهما دار الأذاعة، وفي الآخر مدرسة المنصور الأبتدائية. وفي الركن المنتهي لهذا الشارع، يوجد بيت رستم حيدر.". ونظل في المكان، فأذا بالمدرسة التي يستذكرها المؤلف بتفصيل يحسد عليه تأخذ فصلا كاملا، فمن مدرسة باب السيف الأبتدائية الى مدرسة المنصور النموذجية، في نهايات العقد الثالث من القرن الماضي، "حيث يشاء القدر أن يجمعنا بباقة من الزملاء في مدرسة المنصور، ولا أوفى وأصدق من زمالة هذه السنين الأولى".. حتى يتذكر أحدهم من أعزائه فيقول عنه أنه : هيكل رياض رأفت .. نلتقي ونفترق عبر السنين وحكم الزمن، تلك هي الحياة في معناها ولا معناها!.". وفي أعداده الثقافي يمر الشاوي القدير على متوسطة الكرخ فيستذكر بتفصيل طبيعة الدراسة فيها ومعلميها، وكذا الأمر مع متوسطة الرصافة في بغداد والأعدادية المركزية المعروفة بمستوى معلميها الممتاز.

 

شخصيات عراقية

2. الشخصيات: وكأن المؤلف يقول لقارئه وهو يعرض بتفصيل لا يمّل وبأسهاب لا يخل، أن الأنسان في معنى من معاني الحياة عنده أنما لا يكون الاّ نتاج هذا التفاعل بين المكان وسكانه من الأقربين والأصحاب والمعلمين والأساتذة وحسب مراحل الحياة المختلفة .. لنقرأ ما يقوله الشاوي في وصفه الجميل لأحد أساتذته في المدرسة المتوسطة: " وكان معلم الرياضيات في مدرسة المنصور صالح كرجي، يهودي الديانة، في الخمسين من العمر، بدين الجسم، متوسط القامة، ذو شعر أسود مسرّح الى الخلف، كفوءا ومقتدرا في أختصاصه، وشديد التعامل معنا، فكنا نخشاه ولا نحبه في قرارة أنفسنا". ومن الشخصيات التي يكتب عنها المؤلف الشاوي ببعض من تفصيل هو الشاعر الشعبي والشخصية العراقية السياسية الصحفية المعروفة الملا عبود الكرخي. فقد جاور الكرخي دار الشاوي في بغداد، "وهكذا كان الملا عبود جارنا ومتقدما في السن.. ولا يوجد شعر على رأسه حيث كان يغطيه بسدارة من الجبن (الصوف) رمزا للوطنية، بأعتبار أن السدارة المصنوعة في أيطاليا لا تمت الى الوطنية بصلة، وللملا عبود عصا يحملها معه دائما عندما يخرج ويداعب بها من (يعجبه) من المارة".

ومن الشخصيات التي كتب عنها الشاوي مستذكرا، السياسي العراقي ناصر الحاني، والذي كان مدرسا متدرّبا في متوسطة الكرخ حينذاك في نهاية الثلاثينيات في بغداد، فيقول المؤلف منذر الشاوي: " وناصر الحاني متوسط القامة قريب الى السمار في سحنته، أسود الشعر، بطيء في مشيته، متزن في خطواته، هاديء الصوت وواثق. وسحرنا الحاني بسعة علمه بالأدب العربي وفتح أمامنا أفاقا واسعة وشجعنا كثيرا على قراءة الكتب الأدبية فتوسعت مداركنا". وتراه يستذكر صادق الملائكة (والد الشاعرة العراقية المعروفة نازك الملائكة) حيث لا ينسى الشاوي مشية الملائكة الهادئة في المدرسة وسيكارة "المزبن" التي لا تفارق شفتيه". ويستذكر أستاذ الفيزياء في الأعدادية، العراقي المعروف ناجي عبد الصاحب، فيقول عنه " وناجي عبد الصاحب ترجع أصوله الى مدينة العمارة، منفتح، معتد بنفسه على الطريقة العراقية، كفوء في مادته، ومدرس للملك فيصل الثاني، جذاب في علميته وشعبيته في آن واحد". ثم يستذكر الكاتب العراقي ذنون أيوب وهو قاص عراقي رائد، فيقول عنه" رأيته يدرّس الرياضيات في شعب أخرى من شعب السنة الثالثة في متوسطة الرصافة. كنا نهابه، بقامته الطويلة الممتلئة ووجهه الأحمر وقبعته الخضراء".

وثم كان لابد من ذكر أساتذة الجامعة في العراق وعلى رأسهم عميد كلية الحقوق التي تخرّج منها الباحث عن معنى الحياة المؤلف الأستاذ منذر الشاوي، فكان الفصل الخاص عن الكلية وأساتذتها ومناهج التدريس فيها. ولعل ما كتبه المؤلف عن الأستاذ منير القاضي عميد الكلية حينها في أواسط الأربعينيات، يعتبر الدليل على الوفاء للرعيل الأول من علماء الوطن. يقول الشاوي " والأستاذ منير القاضي درّسنا ثلاث سنوات متتالية "مجلة الأحكام العدلية"، ورغم تعقيد المجلة التي وضعت في العهد العثماني، فأن درسه الذي يلقيه دون نظر في كتاب أو ورقة، كان من أمتع الدروس عندنا، بفضل سيطرته التامة على الموضوع، وتبسيطه لنا بحيث نشعر معه وكأننا في خضم التعامل الحياتي بعيدا عن التعقيدات المصطلحية والشروح المعقدة لمجلة الأحكام العدلية".

أن كتاب "معنى حياتي" لمؤلفه الدكتور منذر الشاوي لهو رحلة ممتعة في تاريخ الوطن العراقي بمدنه وقصباته ونواحيه وناسه وشخصياته وتاريخه وتقاليده وعاداته وقيمه. وكل ذلك مما يساعد القاريء في المسعى الذي سعى أليه المؤلف وهو أن يكون ما يكتبه ممثلا للعودة " الى وجود الذات والى وعيها وحقيقتها".

 

الدكتور عامر هشام الصفّار

 

فن الإستماع الى أنين حجارة المدن التاريخية

nadheer khazrajiعندما حطت قدماي أرض المملكة المتحدة عام 1990م، كان تعلم لغة أهل البلد واحدة من اهتمامات المهاجر وأساسيات العيش في مجتمع غريبة علينا لغته وعاداته، فكانت السيدة كاتيا (Katia) هي واحدة من معلمات اللغة الانكليزية لغير الناطقين بها في كلية هارو (Harrow College)، وكانت تفتخر بأنها ألمانية أجادت اللغة الانكليزية وأصبحت مدرسة لها، وكانت تمتاز بحرصها الشديد على تلقيننا أوليات اللغة في صف دراسي فيه ألوان من الجنسيات والأعمار ما بين شاب وكهل وكنت حينها في متوسط العمر، وتحرص بين الفينة والأخرى على كسر رتابة التدريس الصفي فتخلق لنا سفرات ورحلات عمل داخل البلدة التي أسكن فيها من أجل خلق مقدمات الإختلاط بالمجتمع الإنكليزي وحملنا على التحدث مع أفراده بالقدر الممكن، وفي إحدى الممرات بشرتنا بالسفر الى المتحف المحلي لبلدة هارو (Harrow Museum) التي اسكن فيها في شمال غرب لندن، وبالطبع تبادر الى ذهني أنني سأكون أمام متحف كبير يضم مقتنيات ولقىً وآثارا تاريخية ربما تفوق ما لدى متاحفنا العربية المعرضة بين فترة وأخرى للنهب والمتاجرة، ولكن المفاجأة أننا دخلنا منزلاً كبيراً آيلا للسقوط في بعض أركانه يضم مقتنيات صناعية وزراعية وتقنية ومنزلية قديمة للغاية مع مجموعة كبيرة من الصور عن حياة سكان المدينة.

انتهت الجولة في أقل من نصف ساعة، فليس هناك ما يشدنا نحن القادمون من الشرق الأوسط الى بيت قديم ومجموعات أدوات قديمة، ولكن بلدية البلدة مهتمة كثيرة بهذا المتحف المحلي وتسوق اليه الطلبة من مستويات عمرية مختلفة للإطلاع عليه وعلى مدار العام الدراسي، وأحد أهدافها في ذلك هو تذكير الأجيال المتوالدة في هذه البلدة بما كانت عليه الحياة في القرون الماضية وبخاصة في عهد الملكة فيكتوريا (Queen Victoria) في الفترة (1837- 1901م) وطبيعة الحياة التي كان يعيشها الأجداد.

مرَّ ربع قرن على أول زيارة للمتحف المحلي لبلدتنا هارو، ومازلت أتذكره كلما مررت في مدننا المقدسة في العراق وأنا أشاهد معول الهدم يطال معالم المدينة القديمة تحت طائلة توسعة المدينة، وكم وددت أن تعمل الحكومة المحلية في كل مدينة على بناء متحف محلي ليس أقل يجمع تراث هذه المدينة المقدسة أو تلك، قلتها من قبل وأكررها، لعل هناك من يحن على تراث بلدته، وربما يكون المسؤول بحاجة الى زيارة المتحف المحلي لبلدة هارو ليدرك أن البلدية لا تفرط بتاريخ المدينة وتحافظ على بيت قديم بمعدات عتيقة لأنه من بقايا عهد بعيد يحمل هويتها.

وكلما قرأت كتاباً أو دراسة عن مراقد الأئمة والأولياء والصالحين المتوزعة في تخوم الأرض وأطرافها، أتذكر تلك المعاول ومتمنيا في الوقت نفسه أن يتم جمع بقايا آثار المدينة في مكان مشهود للقاصي والداني يتذكر به الماضي القريب ويستذكر الأجداد ومساكنهم وأطلالهم، ولا يخلو الأمر من غيور وإن علا صراخ الحجارة العتيقة في بلدتنا القديمة.

وبين يدي الجزء الثامن من (تاريخ المراقد الحسين وأهل بيته وأنصاره) من تأليف المحقق الدكتور الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 398 صفحة من القطع الوزيري، وهو وإن يسمعنا بين ثنايا الكتاب بعض أنين المدن القديمة، ولكنه يبشرنا في الوقت نفسه بإعمار هنا وإعمار هناك لآثار الإسلام مدعومة بعشرات الصور يبقي الأمة مشدودة الى عظمائها، وهو في طي الحديث عن مراقد ومقامات الذين اشتركوا في واقعة عاشوراء عام 61 للهجرة وما بعدها من رجال ونساء وأطفال تركوا أثراً هنا أو هناك.

 

متابع صبور

تعهد المحقق الكرباسي منذ أن أرسى قواعد موسوعته الفريدة (دائرة المعارف الحسينية) عام 1987م أن يتابع كل ما يقع تحت يده من مراقد ومقامات وآثار على علاقة قريبة أو بعيدة بواقعة كربلاء، ولا يتوقف مركب البحث والتنقيب عند المصادر القديمة والمراجع الرصينة، فالعجلة متحركة تجاوزت في هذا الجزء والأجزاء الأخرى حاجز ما بين الجلدين والطيتين الى النزول الى الساحة ميدانيا والوقوف عند هذا المرقد وذاك المقام وملاحظة تطور العمارة الإسلامية منذ بروز شاخصه وحتى اليوم، وهي متابعة قلّ نظيرها في مثليات كتاب (تاريخ المراقد) الذي يعد أحد الأبواب الستين للموسوعة الحسينية، فمرة يحمل المؤلف نفسه الى حيث المرقد أو المقام أو الأثر الحسيني كما وقوفه بنفسه على مرقد إبراهيم بن مالك الأشتر ومتابعة أحواله قبل أن يتعرض للهدم أثناء الاحتلال الاميركي للعراق في الفترة (2003- 2011م) وأثناءه وبعده والسعي الحثيث لإعادة بنائه، أو أن يبعث بأحد المتعاونين معه في دائرة المعارف الحسينية، كما في مرقد خديجة بنت علي(ع) في الكوفة حيث فوضني للذهاب إليه والوقوف عليه ميدانيا وتثبيت ما رشيح من معلومات على الأرض في طي الكتاب.

فالحركة الميدانية في باب المراقد وفي غيره من الأبواب حسبما يتطلب العمل، أمر ألزم به المؤلف نفسه مهما كلفه ذلك، فليس من أهدافه التأليف المجرد عن التحقيق، وإلا فبإمكانه أن يكتب وهو في قلعة المواجهة مع الزمن والأقدار من أجل إنهاء هذه الموسوعة الكبيرة التي لا يبدو أنَّ لها قرارا وقاعاً.

قد يعتقد البضع من الناس أن التنقل الميداني بين الأضرحة والمقامات، يسهل على الكاتب تدبيج ما يريد تدبيجه، ولكن التجربة التي مرّ بها المحقق الكرباسي تكشف العكس، لأنه على خلاف الزائرين ينظر الى المرقد أو المقام بعيون أخرى لا يراها الإنسان العادي، وهذا ما يحمله مسؤولية أكبر في التقاط كل جزئية في جدار هذا المرقد أو أرضية ذاك المقام، وهو بذلك يوفر خزينا معرفيا لا يعوض، بخاصة إذا كان المرقد عرضة لعاديات الزمان وتقلباته، كما هو حال مراقد أهل البيت عليهم السلام التي تتعرض بين الفينة والأخرى إلى الخراب بمعاول القالين وجهل الغالين ونيران الحكومات الظالمة.

ومن خلال متابعة أجزاء باب تاريخ المراقد، سيكتشف المرء أن المؤلف في كل جزء يستدرك ما فاته من معلومات بانت له مؤخرا، ويستدرك ما استجد من جديد على المرقد الحسيني أو المراقد ذات العلاقة بالنهضة الحسينية، وهذه الميزة التي يتصف بها المحقق الكرباسي نلمسها في أبواب أخرى، وهي في واقعها تقدم درساً لكل باحث ومحقق بأن تكون المعلومة هي مبتغاه حتى لو جاءت متأخرة رغم بحثه وتنقيبه عنها فيما مضى، فيذكرها في أقرب جزء، لأنَّ المعلومة الجديدة هي في واقعها تحفة راقية لا يمكن طمرها أو قبرها وينبغي عرضها وتثبيتها، بخاصة وقد أصبحت أسيرة الكاتب وفي متناول قلمه وعليه أن يطلق سراحها لتكون متداولة بين الناس، ومن يتغافل عن نشر معلومة تحصّل عليها بعد صدور كتابه المعني، إنما يرتكب خطيئة ويساهم في ضياعها، وليس هذا من شأن الباحث المحقق، وتعظم المسؤولية عندما يكون مثل هذا الباحث على رأس موسوعة معرفية كبرى يعود إليها الباحث والمحقق وطالب العلم والقارئ البسيط، ومن خلال تعاملي اليومي مع المحقق الكرباسي، على رغم مشاغله الكثيرة في التأليف إلى جانب أداء وظائفه الدينية والإجتماعية، فإنه لا يتوانى عن الأخذ بالمعلومة ودسها في في أقرب جزء.

كما إن التجديدات والتعميرات في المراقد ذات الشأن بالموسوعة تفرض على الكرباسي الذي تبنى هذه المسؤولية العظيمة بكل جدارة متابعة آخر التطورات وتوثيقها وتصويرها، وهذا ما نلاحظه في الأجزاء الثمانية التي صدرت حتى الآن من باب المراقد.

 

دقائق الأمور

ولأن المراقد ذات الشأن كثيرة ومتوزعة على مساحات كبيرة بين العراق وسوريا وفلسطين ومصر والحجاز، فإن المؤلف أخذ على عاتقه تناوله وفق نظام الحروف الهجائية، وقد انتهى في الجزء السابع الى حرف الراء وهو يستعرض مشاهد رأس الحسين عليه السلام في دمشق وعسقلان والقاهرة والعراق، وفي الجزء الثامن يواصل الكرباسي مع حرف الراء بيان (رؤوس الشهداء) ومشهدهم في دمشق حيث قيل أن فيها ستة عشر رأسا لشباب أهل البيت(ع) احتزها الجيش الأموي في معركة كربلاء ورفعت على السنان من كربلاء حتى دمشق ودفنت عند عودة الركب الحسيني الى المدينة المنورة في مقبرة الباب الصغير بدمشق، وقيل أنها مقبرة تضم رؤوس ثلاثة من شهداء كربلاء على قول بعض المصادر وهم: العباس بن علي(ع) وعلي الأكبر بن الحسين(ع) وحبيب بن مظاهر الأسدي، وأيا كان العدد فإنها معروفة منذ زمن سحيق تابع المحقق الكرباسي مراحل تطور المقبرة منذ القرن السابع الهجري حتى يومنا هذا وقد أخذ من الكتاب 41 صفحة بشروحاتها وصورها، وكان بود المؤلف تقديم شروحات ميدانية أكثر لكن الظروف الأمنية التي تعصف بسوريا منذ عام 2011م حالت دون ذلك، متمنيا أن يستدرك ذلك حالما تتوفر الظروف الأمنية المناسبة.

وبالقرب من الجامع الكبير في دمشق المعروف بالجامع الاموي يقع قبر الطفلة رقية بنت الحسين(ع) وعند بعض المصادر أن القبر يعود لرقية بنت الإمام علي(ع)، لكن الكرباسي من خلال تحقيقاته ينفي رحيل الثانية في دمشق، فالإمام علي(ع) له بنتان بإسم رقية واحدة الكبرى (13- 45) ولدت وماتت في المدينة المنورة، والثانية رقية الصغرى (24- ب 61هـ) وهي الأخرى ولدت وماتت في المدينة المنورة، وقد استغرق الحديث المصور من الكتاب 108 صفحات.

وكما استدرك المؤلف في بداية الكتاب على مرقد إبراهيم بن مالك الأشتر بالقرب من مدينة سامراء العراقية والمشهد الحسيني في القاهرة وحبيب بن مظاهر الأسدي داخل العتبة الحسينية ومرقد الحر الرياحي غرب كربلاء، والمرقد الحسيني الشريف نفسه فإنَّه استدرك في نهاية الكتابة في نحو 40 صفحة لتناول مراقد: الحسن المثنى، حبوة (أم إسحاق) بنت طلحة التيمية، أم خديجة الهاشمية، أم شعيب المخزومية، أم فاطمة الهاشمية، أم كلثوم الصغرى بنت عبد الله الهاشمية، بحرية بنت مسعود الخزرجية، برّة بنت النوشجان الفارسية، جمانة بنت أبي طالب الهاشمية، حبيبة الحبشية، حسنية (أم منجح)، حميدة بنت مسلم الهاشمية، خديجة بنت علي الهاشمية، الرباب بنت امرئ القيس الكلبية، رقية الصغرى بنت علي الهاشمية، رملة الكبرى بنت علي الهاشمية، رملة (أم القاسم) الرومية، ومرقد روضة المدنيّة.

وأخذ استدراك المؤلف على المرقد الحسيني الشريف 71 صفحة من الكتاب تابع فيه المحقق الكرباسي في جانب منه تصنيع الشباك الجديد للمرقد الحسيني في قم المقدسة تحت إشراف العلامة السيد جواد الشهرستاني ونصبه في احتفال رسمي وجماهيري يوم الثلاثاء 22/4/1434هـ (5/3/2013م) بعد إزالة الشباك الفضي القديم الذي يعود بدء تصنيعه لعام 1355هـ (1936م) وجئ به من الهند تحت إشراف المسلمين البهرة ونصب عام 1358هـ (1939م) في احتفال رسمي وجماهيري بحضور زعيم البهرة السلطان طاهر سيف الدين.

ومع الإقرار بجمالية الشباك الجديد للمرقد الحسيني الشريف التي تعكس عظمة الفن الإسلامي، ولكن وودت لو أن حجمه أقل من الذي عليه الآن، فالشباك القديم كانت مساحته الكلية 25,65 متراً في حين أن الشباك الجديد مساحته الكلية 33,86 متراً، أي أنه أخذ ثمان أمتار من مساحة الروضة الحسينية التي هي بالأصل قليلة مما ساعد في خلق التكورات والأمواج البشرية عند الزيارات الكبيرة، وقد لمست ذلك في الزيارة الأربعينية لشهر صفر 1436هـ (2015م) حيث كدت أختنق من الزحمة الشديدة وضيق النفس وذلك لتقلص المسافة بين ضلع الشباك وركن الروضة من الجانب الأيسر للداخل من باب القبلة، وهذا الأمر حمل العتبة الحسينية على البدء بزيادة مساحة الروضة عبر تقليص أعمدة البناء، وكان بالإمكان نصب شباك أصغر حجما حتى من الشباك القديم وذلك من اجل خلق انسيابية في حركة الزائرين حتى دون الحاجة الى تقليص أركان الروضة المقدسة.

ومن جماليات تاريخ المراقد في هذا الجزء والأجزاء الماضية أن المؤلف تناول فيها بالتفاصيل كل جزئيات البناء من آيات وأحاديث وأدعية وأشعار وإرجاعها الى مصادرها، وهذا بحد ذاته جهد استثنائي يظهر رغبة المؤلف في تفكيك المتداخل من النصوص والمتون التي صيغت بخطوط متناسقة تظهر جمالية عالية الدقة.

هذه الجمالية تحسسها الإعلامي الإسباني ريكاردو كاريو (Ricardo Carrio) وهو يقدم للجزء الثامن من تاريخ المراقد، فكتب يقول وباللغة الإسبانية: (ما يمتاز به المسلمون، أن لهم مراقدهم ومقاماتهم التي يقيمونها على جثامين المقدسين من أنبياء وأئمة وأولياء صالحين، وهذه المراقد والمقامات الى جانب المساجد تمثل أماكن مقدسة يلجأ اليها المسلمون وفيها يتعبدون لله، ويحرص المسلمون أشد الحرص على تعمير هذه المراقد والاهتمام بها وهي جزء من تقديم الولاء والاحترام لهذه الشخصية أو تلك لدورها في حياة الاسلام والمسلمين).

وأكد ريكاردو كاريو المسيحي المعتقد أن ما: (يبهرني في هذا المجال ما أشاهده من احترام المسلمين لمرقد سبط نبي الإسلام محمد الإمام الحسين بن علي وزيارتهم المليونية كل عام الى كربلاء يستمدون من صاحب القبر والمرقد العزيمة، فهو قد استشهد من أجل الكلمة الحقة ومن أجل سعادة الناس، وتمثل شهادته معلماً بارزاً من معالم الدين الإسلامي الذي أتى به جدُّه في جزيرة العرب).

ونوّه الإعلامي الإسباني الى انه: (قد ثبت بالتجربة أن الشعب الذي يوثق ويؤرخ لتراثه القديم والحديث هو شعب حي يملك طاقات خلاّقة، وعندما اطلعت على الموسوعة الحسينية للعالم النحرير الدكتور الشيخ محمد صادق الكرباسي علمت أن تاريخ الاسلام والمسلمين سيبقى خالدا، فقد قام بتوثيق النهضة الحسينية والتحقيق فيها بشكل علمي وأكاديمي جاد، وقد أعجبني باب تاريخ المراقد وهو من أبواب دائرة المعارف الحسينية الستين، لأن المؤلف تتبع تاريخ مرقد الامام الحسين من أول استشهاده وحتى اليوم إلى جانب ملاحظة مراقد ومقامات أصحابه وأهل بيته الذين كانوا في معركة كربلاء أو أسروا وهي المتوزعة في البلدان مثل العراق وسوريا ولبنان ومصر).

وعبّر ريكاردوك كاريو عن قناعته: (إن الذي يُكتب عنه موسوعة بهذا الكم والحجم لابد وأن يكون عظيماً ولا تتوقف آثاره الطيبة على مريديه ومواليه، بل تنتشر الى غير المسلمين، لأن الامام الحسين رفع لواء الحرية من أجل سعادة الإنسان، وهذا اللواء يرغب كل إنسان الدفاع والنضال تحت لوائه من مسلم أو غيره، كما تكشف موسوعة دائرة المعارف الحسينية عن عظمة شخصية مؤلفها الذي فرّغ كل وقته وما يملك من أجل إنجاز هذا المشروع الموسوعي العملاق الذي بالتأكيد سينفع الإنسانية ولا يكون حكراً على المريدين والمسلمين فحسب).

وهذه حقيقة ساطعة كالشمس في رابعة النهار، فالبشرية تتوق إالى الحرية وتنشد الخلاص، وتلتف حول الراية التي تأخذ بأيديها إلى واحة السلام.

 

د. نضير الخزرجي