كتب واصدارات وقراءات ورسائل جامعية

إصدار جديد للدكتور محمد الحافظ الروسي "في البلاغة والتصوف"

906-alhafedضمن منشورات دار الأمان بالرباط صدر أخيرا للدكتور محمد الحافظ الروسي كتابٌ جديد بعنوان "في البلاغة والتصوف".

يتضمن هذا الكتاب الواقع في 121 صفحة من القطع الكبير مجموعةً من الأبحاث والدراسات المرتبطة بمجالي التصوف والبلاغة، من بينها: أجناس الكلام في مخاطبة الموتى والخبر عنهم، وفصاحة عثمان بن عفان ورفع إشكالات متعلقة بها، ومفهوم المعاني العُقْم عند الجاحظ وأثره في البلاغة العربية، وتحقيق مسألة "فأقبل بهما وأدبر" من حديث الوضوء، وشرحُ أول أبيات قصيدة "الدعاء الناصري"، وعلى هامش كتاب "فيوض" للدكتور حسن الوراكلي...

906-alhafedوقد قدَّم لهذا الكتاب الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بودرع بكلمة عنوانها "الخِطابُ البلاغيُّ في بَلاغَة الخِطاب"  نقرأ منها: " هذا فنٌّ لطيفٌ من فُنون التأليف في بلاغة القول، وبابٌ من أبوابِ العلم في رصد وُجوه الحكمة في بناء ما بُني على نَمط من العلم مخصوص، جَمَعَ مباحثَ في تأمل خصائص الكَلام المُنْتَقى وما يُميزه عن غيره في النَّظم والنحو والأسلوبِ والمعْنى، مما لو تأملتَه لوجدْتَ أنّ التأليفَ في خصائص بلاغة الكلام مقدمةٌ لا يَستغني عنها قارئُ الكلام البليغ ومُلتمِسُ فوائِده.

فقد جَمَعَ الكتابُ بين مَزيتين كُبرَييْن من مزايا التأليف في بلاغة الخطاب، أولاهما أنه نَظَرَ في نصوص بليغةٍ ذاتِ قيمةٍ قوليّةٍ وإنجازيّة عاليةٍ، والثانية أنه لَفَتَ انتباه القارئ إلى قيمَة المقاييس اللغوية ومَفاتيح المعرفَة البلاغية.." (ص05).

تجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب هو الإصدار الخامس للدكتور محمد الحافظ الروسي بعد مؤلفاته: مظاهر تعظيم شعائر الله تعالى من خلال حجة الوداع (2007)، وظاهرة الشعر عند حازم القرطاجني (2008)، ومالي لا أرى الهدهد؟ (2009)، ودراسات أدبية وإسلامية (2011).

 

 

 

وقفات مع الكاتب رشيد الخيون (1)

ali alkendiاولا: دواعي البحث: في هذه المقالات المتواضعة التي اكتبها هنا ليس لي من هم سوى ايضاح بعض النقاط التي تجاهلها الكاتب رشيد الخيون والذي اكن له كل التقدير والاحترام خاصة واني اتابع معظم كتاباته جذبني اليه بقلمه الهاديء الذي يسير حثيثاً نحو الحيادية والاعتدال رغم انه ممتليء ببعض الافكار التي قد تضغط عليه احياناً كي ينتصر لها هنا او هناك، احترمه واحترم ثقافته وسعة اطلاعه وشوقه الى تحري كل النقاط التي تزيد كتاباته اصالة ورقياً لكن ماذا نفعل واحينا تعوزنا الجراة في تنقيب بعض الاحداث او المواقف، او يبهرنا الاعلام فنتراجع عن بحث اخرى حتى لكأننا نسلم بما تسالم عليه الاخرون رغم وضوح الغش والملابسات فيما نرى، عموما هذه مشكلتنا في واقعنا المعاصر منذ عقود منذ ان اصبح للافكار من ينتجها ومن يدافع عنها .

اما سبب انتقاداتي لكتابه (لاهوت السياسة) ومافيه فهو يقترب من نفس الاسباب التي جذبتني اليه فرجل ذو خبرة طويلة مع قلم مستقل ومداد يرويه من عرقه كيف يقع في هكذا ملابسات، هذا هو الذي دفعني ان اناقش بعض افكاره ناقدا مرة ومعاتبا اخرى ومجاريا له في ثالثة على انني سانتقي من كتابه مجالاً واحداً لا اريد الخوض في غيره، حددت ذلك من خلال العنوان الاكبر لمقالاتي وهو وقفات في قراءة الخيون للمرجعية الشيعية في كتابه لاهوت السياسة.

ولعل اول ما واجهته من مشكلة هي ان ان عنوان الكتاب كان يحكي عن الاحزاب الاسلامية المعاصرة لكنه افرد مساحات كثيرة وكبيرة للمرجعية، قد يكون هناك تماس او علاقة في بعض الجوانب مباشرة او غير مباشرة مع الاحزاب والعمل الحزبي، الا انها كان من الضروري ان تذكر تلك العلاقة في طي البحث حول هذا الحزب او ذاك لا ان تفرد فصول للمرجعية وفصول للدعوات المهدوية وفي الحقيقة ان اعطاء تلك المساحة لا يناسب عنوان الكتاب او ما مكتوب على الغلاف فهو لا يشير الى تلك الجهتين لا من قريب ولا من بعيد

حميد حسن جعفر رجل يعشق مدينة

saleh altaeiقراءة انطباعية عن كائنية المكان في كتاب (كوتوبيا؛ كوت سبع) للأديب الواسطي حميد حسن جعفر

ألف وثلاثمائة واثنان وخمسون عاما، يا له من زمن طويل، ذلك الذي يمتد من عام 85 ولغاية عام 1437 هجرية، ليرسم ملامح مدينة جنوبية تاريخية، بقصبها وسورها وبابها المشرع نحو السماء، ومبانيها التي تناطح النور، وسجونها المسكونة بالعتمة، وشوارعها التي تضج بالحياة، وسكانها، وبساتينها، وبطولاتها، ومآسيها، وأفراحها، ونكباتها وانتصاراتها، وشيئا من سعادتها، والقليل من مخلفاتها والكثير من تخلفها.

من مخلفات تلك المدينة التي توسطت حضن العراق، من جيناتها، من ساعات طلقها الأخيرة، من معاناتها، ولدت (الكوت) هذه المدينة الغافية على سفوح دجلة؛ الذي يحيط بها من ثلاث جهات وكأنه يحتضنها خوفا عليها من عاديات الزمان. ليبقى أهلها محتارون بين تاريخ نشأتها، ومعنى اسمها، وأول من سكنها، وسبب قيامها في هذا المكان البعيد عن جذورها الواسطية.

إن الأسئلة الحائرة التي لم يجدوا لها جوابا إلى الآن لم تأت لأنهم لا يجيدون فن التنقيب والتقليب والبحث، فهم أول من نقب، وبحث، واستخرج، ولكن قرابة الستمائة عام، وبالتحديد من عام 1299حتى عام 1923م من الحكم العثماني المتسلط أفقدهم علاقتهم بالموروث بعد أن حاول المستعمر الأعجمي تطبيعهم مثل باقي العراقيين بطباعه، وبعدما حاول رسمهم بريشته بعيدا عن أصولهم.

إنها ستة قرون طوال كان موروثهم خلالها ملقى في عتمة النسيان، لا يجدون على أرض الواقع ما يذكرهم به سوى قصص العجائز التي كن يروينها لأحفادهن في ليالي الشتاء الباردة المعتمة القاسية؛ التي يقاسمها الفقر والتخلف بعض وطأتها، وبقايا أطلال خربة تركها الأجداد غير آبهين للمدى الذي ستصل إليه، فهي أولا وآخرا، شُيدت لتقيهم عاديات الدهر والإنسان والحيوان والطبيعة ما استطاعت، لا لتبقى أبد الدهر، أو تخلد مع الخالدين، ولأنها عراقية، بنيت جدرانها من تراب أرض العراق وماء دجلة وسواعد العراقيين، فإنها كابرت وناطحت عاديات الدهر، فعاشت أضعاف عمرها المفترض، ولا زالت وهي في النزع الأخير تبدو قابلة للعطاء .

وما يصح عن الكوت، يصح عن باقي مدن العراق، وباقي مدن أمتنا، ولذا تجد حينما شغل الغرب نفسه بثقافة المكان أن المكان وثقافته كان عندنا مغيبا بالكامل، حتى المكان المقدس حال الصراع دون الاهتمام به، أو تعرض إلى التخريب على أيدي بعض أهلنا انتقاما أو غضبا أو طائفية وكرها.

وفي الوقت الذي شغل الغرب فيه نفسه بدراسة الانثروبولوجيا، وانتقل العلماء بين البلدان يجوبون الجزر النائية والمفازات القاتلة بحثا عن أصول وثقافات بعض الشعوب،  كانت مجتمعاتنا مغلقة على نفسها، تلعق جراح المستعمر، وقهر الأهل، وكان إنساننا مهملا حد النسيان، لا ينظر سوى إلى كومة الرؤى والخرافات التي استنبطها عقله المثقل بالهموم، والتي اتخذها ملاذا يلجأ إليه في ساعات الضيق وما أكثرها، ومنها قيامهم وإلى وقت قريب كما يذكر الكاتب في الصفحات 99و100 من الكتاب بإقامة حفل نهري على ظهر مركب، يزفون خلاله إحدى عذراواتهم الجميلات إلى نهر دجلة ليتلطف بهم، ويغدق عليهم من مائه العذب، يشربون، ويسقون زروعهم ومواشيهم!.

اليوم بعد صحوة، جاءت متأخرة جدا، انتبهنا إلى درجة تقصيرنا، فوجدنا شواخص وثيمات كثيرة كانت مفعمة بالدلالات الحسية قد سحقتها عجلة التبدل واللاأبالية وألقت مخلفاتها في مستوعبات التيه، ولم يتبق منها إلا ما علق في الذاكرة المتعبة التي أنهكها العسف والفقر والجوع والحاجة، وبعضا من عطر أريجها.

وحينما يأتي من يدغدغ الذاكرة ليستخرج من كثبانها الترابية العتيقة بعض تلك الأسماء التي أصابها صدأ النسيان، نشعر برهبة المكان الذي فرطنا فيه وأضعناه، ونحن لا ندري أننا قتلنا تاريخنا بأيدينا، دسسناه بالتراب كما وأد الجاهليون بناتهم! 

وحينما يستفيق ألق المكان فينا مسكونا بالروعة والجمال على يد نابه هاله أن تسحق عجلة النمو آخر ما تبقى، ولاسيما إذا ما كانت الذكرى قد اُستفزت بحس مرهف  يشحذ بقايا ذاكرة قديمة أنهكها المرض ليستخرج منها عبقات الأمس القريب تضوع الذكرى فينا حنينا لساعات الألفة والحميمية؛ التي أضعناها، أو ربما ضيعناها عن قصد وتعمد مع ما ضاع منا؛ وهو كثير!

وإن كان غريبا وجود من يهتم بالمكان وبالذكري في زمننا الصعب هذا فالغرابة تكبر حينما يأخذ أديب كبير على عاتقه مهمة نفض الغبار عن مخلفات التاريخ القريب بلغة شاعر، وهمة أديب، ليرسم بريشته بعض ملامحها القديمة، ليشعرك وكأنك لا زلت تسير خلال تلك الطرقات التي اندرست ملامحها، فتسمع فيها تغريد عصافير الحب والطيبة والبساطة وعدم التكلف حتى دون أن تجشم نفسك عناء تحمل أتربتها التي تثيرها أقدام الباحثين عن رزقهم، وذبابها الذي لا يجد من يصده ويبعده، وظلامها الذي لا يهدده فانوس أو سراج!

المكان حينما يعود سيدا تشعر بسطوته عليك ولاسيما حين تكون مرتبطا به بذكريات حلوة ومرة، وذاكرة المكان تحيي فيك بعض دوافن الأمس، فتشعر بها ندية طرية تدغدغ كبرياءك وتدفعك إلى التمايل بحياء بما يشبه الرقص، الرقص لا من فرح ولكن من حسرة كبيرة جدا تنبيك أن كل عمر الانتظار الذي ولى، ذهب هدرا لأن ما في حياتنا لم يغير فيه ولو شيئا بسيطا باتجاه ما كان يقلق منامنا بأحلامنا الصغيرة المتكررة.

مأساة الإنسان ليس في الظلم المسلط عليه وحده، بل أيضا في أن يفقد الأمل بتحقق أي من تلك الأحلام التي بدأت تنمو لتتحول إلى كوابيس مرعبة لم يعد الجسد الذي هده الكبر والمرض قادرا على تحمل صورها؛ التي تستنفر فيه سواد الأيام وحوالك السنين وبيادر القهر الأزلي.

إن متعة استذكار المكان، وإحياء الذكريات المدفونة تحت ملامحه لا تقل عن متعة لقاء حبيب قديم فكلاهما يثيران العواطف، ويبعثان الشجن في النفس، شجن يثير فيها رعشة كصعقة تيار خفيف من الكهرباء. وهذا ما دفع الأديب الواسطي حميد حسن جعفر ليحمل أزميله ويبدأ النحت في حجر الذاكرة بحثا عن قصص الجذور والنشأة، وبعضا من وهج الشباب؛ الذي خبا إلى الأبد، ولكن لا زالت ذكراه عالقة هنا وهناك على جدران الوجدان!

زمن طويل يفصل بين خروج المستعمر العثماني المتخلف واحتلال المدينة مرة أخرى من قبل مستعمر جديد متعجرف، يقولون إنه أجبر على الرحيل بعد أربعة عقود، لتحتل البلاد بعد أربعة عقود أخرى من قبل مستعمر جديد جلف صلف منحرف، وفي هذه الحقبة المرة من عمرنا، تغيرت وجوه الحكام الذين قادوا البلاد والمدينة تحت يافطات اختاروا الانتماء إليها إما  أممية، أو طائفية، أو قومية أو عروبية، أو ديمقراطية فاشوشية.

قرن من الزمان والكوت مدينة لا تزال تشعر بالضياع والغربة، تصحو من نوم عميق لتدخل نوما أعمق ... قرن رسم صورة ومصير أمة طيبة ومدينة خافرة نافرة، محجبة سافرة، نائمة ساهرة، يتناقل أهلها حكايات أمسهم ويومهم تاريخا موبوءا بالعشق مسكونا بالشوق، شوق يُشعِر الإنسان أنه لا زال على قيد الحياة، وبالتالي تصبح الكتابة السردية التاريخية عن هكذا مدينة مهمة شبه مستحيلة يشوبها الخوف فتعجز عن إيصال المعنى، وربما لهذا السبب اختار حميد حسن جعفر لغة أخرى ليكتب بواسطتها تاريخ مدينته؛ هي لغة عاشق مع معشوق، ولذا تراه حينما تخونه قدرة السرد النثري يلجأ إلى الشعر عله يوصل الفكرة التي أراد التحدث عنها، تجد ذلك ماثلا في الحديث عن (ورقة الشاطئ) الصفحة 110، و(ورقة بستان) في الصفحة 111، و(ورقة مقبرة الانكليز) في الصفحة 112

مهد حميد حسن جعفر لكتابه بسرد تاريخي ممتع لواسط التاريخية ووريثتها الكوت على مدى عشرين صفحة ممتعة، كنت أتمنى لو همش معلوماتها بذكر المصادر للتوثيق، لأنها معلومات قيمة.

وفي كتابه لم يحبس حميد حسن جعفر نفسه في كائنية المكان، بل أطلق لها العنان لتصور حالة التنافر السكاني في مدينة جنوبية مغلقة حيث منتجو المتع ومستهلكو الطاقة البشرية وكل التناقض الذي رافق الإنسان، هكذا وكأنه يصف سبيكة بشرية غير متجانسة بالمرة، ناعمة الملمس ولكنها حادة النتوءات! 

كوتوبيا ليس مجرد كتاب وإنما هو آلة زمنية تنقلك عبر التاريخ لتريك صور الأمس القريب كما رأيتها أو سمعت بها أول مرة، وبدون رتوش، فتشعر وكأنك تتمشى في الشوارع الضيقة المتربة للمحلات القديمة، تسمع ثغاء الباعة وهم يروجون لبضاعتهم، وصراخ الأطفال، وهمسات العشاق بمنظر بانورامي خالد لا تجده إلا على ضفاف دجلة، ولابد وأن تسمع المكان يتنفس، ليشعرك أنه لا زال حيا، لا زال يعيش بقلب ينبض ولكنه قلب يشكو الإهمال وجور السنين العجاف التي مرت عليه فما زادت أهله سوى تعلقا به حيث يجدون أنفسهم على حقيقتها، بعيدا عن رتوش المحاباة والمجاملات الضيقة

كوتوبيا ملحمة فقراء صنع كل منهم عالمه الخاص وتقوقع بداخله بعيدا عن حدود العالم الكبير، حيث عالم (حيال الأعمى) الذي يقرأ القرآن في السحر ترانيم ملائكية تقطر شجا، و(سيد حيدر الحكيم) الذي خلق لنفسه عالما تولى من خلاله النداء للصلاة بآذان الفجر الذي ينطلق مواويل ليستقر على ألواح ثلج (أوحيد أبو الثلج) ومثلها عوالم (حسن أرديني) و(جاسم منتفجي) و(هادي كوكي) والعالم الأكثر سحرا والأكثر غموضا والأكثر قسوة ووحشية واستلابا، عالم تلك الفتيات الماهرات اللواتي لم يبلغن سن الرشد ومع ذلك كن يمارسن الغواية قبل أوانها في (ساحة الخبازات).

كوتوبيا محاولة جادة لتتبع جذور المكان، وتوثيق تاريخاني للتبدلات الحصرية التي يتعرض لها تبعا للضغوطات المادية أو السياسية ولذا تجد مركز شرطة الخيالة يتحول بعد أربعين عاما إلى مهبط لطائرات الهليكوبتر، ودائرة البيطرة والتلقيح الاصطناعي تتحول بعد ربع قرن إلى مركز صحي، أو معمل الكاشي الذي تحول إلى قيصرية، أو مخزن المشروبات الذي تحول إلى سينما.

وإن كان حميد حسن جعفر قد مر مرور الكرام على هذه التبدلات، فإنه أوغل عمقا في حديثه عن حالة تبدل فريدة أراد من خلال حديثه عنه أن يلخص درجة النمو العكسي التي عاشها شعبنا الصابر في ظل عسف وجور الحكام الجهلاء، هذه الحالة تخص مكانا اسمه (السعادة)؛ بحثا عن شيء مفقود يبحث عنه الجميع، وشخصا اسمه (عبد الرضا مجدي) رجل عصري الزي والسلوك والأخلاق، اتخذ من مهنة توفير المعرفة وسيلة للحصول على رغيف معيشته، وكيانا اسمه (مكتبة) لبيع الصحف والمجلات والكتب. في هذا المكان المكتبة كانت تباع صحف الحكومة (جريدة الثورة) و(جريدة الجمهورية) بسعر (22) فلسا للنسخة حسب تسعيرة الحزب، وبسبب شحة الفلسان كان الرجل يبيع النسخة مرة بعشرين فلسا وأخرى بخمسة وعشرين فلسا مع كلمة اعتذار جميلة؛ دون أن يعترض عليه المشترون، ولكن الذين كانوا يتمرنون على كتابة (التقارير) الحزبية وضعوه نصب أعينهم ودائرة اهتمامهم، فاتهموه بالتلاعب في الأسعار ليثبتوا من خلاله ولاءهم للحزب، فوصلت تقاريرهم إلى مديرية امن المدينة؛ التي استدعته، وأخضعته إلى الاستجواب مثل أي سياسي أو معارض آخر، ومن خلال جلسات التحقيق، دمروا ذاته، وسحقوا كبرياءه، وأشعروه بالإذلال والمهانة، وحينما فلت من قبضتهم، وخرج إلى فضاء الحرية العوراء، تنازل عن (سعادته) وترك مهنة صناعة الثقافة ولم يبق لديه سوى المكان، فحوله إلى متجر لبيع الأحذية، وهي من المحاولات الجادة للحزب في إغلاق قنوات المعرفة وفتح قنوات التبلد!

وهكذا تجد أن حميد حسن جعفر رسم بالكلمة المنمقة الجميلة خارطة مدينة فطرية، نعم عبثية، ولكنها مملوءة بالطيبة، وبالكلمة رسم صور التحول الأخلاقي الذي نجحت الحكومات العبثية في دفع النساء إليه قسرا، ففقدت الثقافة عذريتها على يد العوز والحاجة، فتحولت بعض الفضاءات إلى أماكن تفترشها فتيات بعمر الورود وبلون الصبار ألجأتهن الحاجة إلى أن يتحولن إلى بائعات، يبعن كل شيء من أجل بعض شيء عز العثور عليه في زمن الفقر والجوع والحصار.

برأيي أن حميد حسن جعفر أراد أن يقول من خلال كتابه هذا أنه من أجل أن يحصل الإنسان ـ مهما كانت أولياته ـ على رغيف خبز لابد له من أن يلوثه بمستقبل غير مضمون! فما بين البحث عن جسد أنثى والبحث عن لقمة تملأ الفم، تتحرك صناعة الموت خلف جدران مؤقتة ووسط ساحات مكشوفة، ويتحرك كذلك الإنسان الذي وجد نفسه فجأة على حافة الهامش بعد آن كان في مركز الحدث أو منتميا إليه!

وبرأيي كذلك أن حميد حسن جعفر نجح في خوض هذه التجربة الفريدة الموحشة الخطيرة، فأنا الرجل الغريب عن المدينة (الكوت) شعرت بعد أن أكملت قراءة الكتاب ليس بعلاقة حميمة مع مدينة لا تاريخ لي فيها ولا ذكريات فحسب، بل شعرت وكأني انتمي إليها، وعشت فيها عشرات السنين، درت في أسواقها وأزقتها، وتبادلت الأحاديث مع رواد مقهى البورصة، ورافقت (أبو الهوى) في مغامرته التجارية واستمعت إلى الخطباء القدماء وهم يلقون محاضراتهم الدينية في (الساحة الحسينية) بل وتبادلت نظرات الحب مع فتاة تقف في الصف الأخير من صفوف الحشد، أو حثثت الخطى في ظهيرة صيف قائظ لأحصل على (قالب ثلج) من معمل ثلج النجار.

خلال الطريق من الكوت إلى بغداد أنجزت قراءة الكتاب ولم أكن حينها اشعر أني اجلس في سيارة حديثه مكيفة بل كنت اشعر أني اجلس في ذاك المقهى المكتظ الذي قسا عليه الزمان وسلبه أبهته فحوله إلى (منجرة) للخشب استكثرها عليه الزمان فقاموا بهدمه وتحويله إلى موقف للسيارات وكأنها رمزية إلى ضياع الفرد والهيبة في مدينة توقف عندها التاريخ طويلا، وغادرها مستعجلا!

 

صالح الطائي

  

العوالم الممكنة بين النظرية والتطبيق

jamil hamdaouiمن المعروف أن نظرية العوالم الممكنة عبارة عن نظرية دلالية ومنطقية وسيميائية، يمكن تطبيقها، بشكل من الأشكال، على الأجناس الأدبية والفنية والتخييلية. وبالتالي، فهي تستحضر مجموعة من العوالم الاحتمالية الممكنة والمفترضة التي توجد بموازاة العالم الواقعي الحقيقي.ومن ثم، تهدف نظرية العوالم الممكنة إلى دراسة العلاقة بين العوالم التخييلية والعالم الواقعي الحالي، في ضوء قوانين الصدق والإحالة والحقيقة وما صدق، أو في ضوء معايير الصحة والخطإ، أو في ضوء منطق الجهات أو القضايا الموجهة (Logique Modale). ومن ثم، لن تتحقق نجاعة هذه النظرية إلا بربط كلمات العالم التخييلي بالعالم الإحالي أو المرجعي أو الواقعي أو الموضوعي.

ويعني هذا أن نظرية العوالم الممكنة تشتغل على لغة العوالم التخييلية في ارتباطها بالعالم الإحالي، أو بعوالمها الافتراضية الخاصة إن وجدت، أو دراسة العوالم التخييلية باعتبارها أنظمة شعرية (Poesis)، أو أنساقا علاماتية (Sémiosis)، أو جهات لسانية (Modalités linguistiques)، بغية رصد الدلالة أو المعنى، أو تحصيل منطق الإحالة.

ومن ثم، تستعين نظرية العوالم الممكنة بمجموعة من الحقول المعرفية، مثل: الفلسفة، وعلم المنطق، واللسانيات، والسيميوطيقا، وعلم الدلالة، والفيزياء العلمية (نظرية العوالم المتعددة، ونظرية الأوتار)، والأدب والنقد...

وتهدف نظرية العوالم الممكنة، في مجال الأدب والنقد، إلى استجلاء مختلف العوالم الممكنة التي تتضمنها  النصوص التخييلية إحالة ومحاكاة وانعكاسا وتماثلا وتوازيا، وتحديد مختلف المبادئ والقوانين التي تقوم عليها هذه العوالم التخييلية الممكنة والمفترضة. والهدف من ذلك كله هو فهم المكونات المنطقية الأساسية الثلاثة المولدة للخطابات القضوية والتخييلية، وهي: الحقيقة، والدلالة، والتعيين، ولاسيما أن نظرية العوالم الممكنة منطقية ودلالية وإحالية بامتياز.

أضف إلى ذلك أن دوليزيل (Doležel) الذي يتمثل المقاربة السيميوطيقية يعتبر العوالم الممكنة التخييلية  بمثابة مواضيع وأنشطة وفضاءات لخطابات سيميوطيقية ، مادامت هذه الموضوعات قابلة للإدراك والتمثل بواسطة اللغة الرمزية. في حين، يتمثل المناطقة وفلاسفة اللغة المقاربة المنطقية في دراسة العوالم الممكنة، برصد مختلف التماثلات الإحالية بين الكلمات والعالم، وتعيين الجهات الدلالية والمنطقية.

إذاً، ما نظرية العوالم الممكنة؟ وكيف تبلورت هذه النظرية؟ وما أهم تصوراتها النظرية والتطبيقية؟ وكيف تعاملت النظرية الأدبية مع العوالم الممكنة في مجال التخييل السردي؟ وما أهم الإجراءات المنهجية لمقاربة العوالم التخييلية في ضوء المقاربة الكوسمولوجية؟ وما أهم المصطلحات النقدية التي تستعين بها نظرية العوالم الممكنة في مقاربتها لما هو سردي وتخييلي؟ وما أهم العوالم الممكنة التي تزخر بها قصة (الموناليزا) لأحمد المخلوفي؟ وما أهم المبادئ والقوانين التي تتحكم في عوالم هده القصة الحداثية الجديدة؟ هذا ما سوف نتوقف عنده في كتابنا المتواضع هذا.

وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، ويعود عليهم بالنفع والفائدة، داعيا لنفسي بالمغفرة والتوبة من أي تقصير أو ادعاء أو نسيان أو خطإ أو سهو.

 

د. جميل حمداوي

.........................

-Doležel, Heterocosmica. Fiction and Possible Worlds, Baltimore/Londres, Johns Hopkins University Press, 1998, 339 p

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

 

العوالم الممكنة بين النظرية والتطبيق / د. جميل حمداوي

 

رشيد الخيون ولاهوت في اللاهوت

ali alkendiكتاب (لاهوت السياسة) من الكتب التي ملأت المكتبات للكاتب المعروف رشيد الخيون ، وهو كغيره من الكتب يحاول التبحر في جانب معين ويسبر اغواره ليخرج لنا بنتائج مهمة من خلال جمع الاراء والتحليلات والتدقيقات، ثم يأتي هو ليرجح هذا على هذا او هذا على هذا وهذا، هو مزاج الكاتب العلمي لا مناقشة لنا فيه، لأنه حر في رأيه وفي تفكيره، لكن الكاتب يتحمل مسؤولية التوجيه الفكري لقراءه ولغيرهم من حيث طرح المعلومة الواضحة المنصفة، وهنا اخترت هذا الكتاب لأكتب بعض الملاحظات المهمة كمثال ونموذج عن المنهج الذي يسير عليه الكاتب المعروف فهو في كل كتاب يكتبه انما يخاطب فيه جمهورا معيناً يقف فيه مع جهة ما، تكون غالباً هلي الالهة الاكبر ذات النفوذ العالي، فتكون هي الاعلى والارقى والالهة وماعداها تجري فيه النقاشات والحوارات، وهذا ما رأيناه في اغلب الكتب خاصة الكتب التي بحث في شؤون عقائدية او فكرية مهمة كالضجة التي احدثها كتابه (الاديان والمذاهب في العراق) او كتاب (الاسلام السياسي).

اما المؤاخذات التي سجلتها فهي مؤاخذات علمية وفنية ولا يعذر في اغلب الموارد التي سجلتها على هذا الكتاب او على غيره مما اطلعت عليه على الرغم من مزيد احترامي لثقافته ولقلمه ولجرأته وسأنشر في هذا المقال ملخصاً مقتضباً اراعي فيه ضيق الوقت واترك الباقي لفرصة اخرى قد يسعفنا بها التوفيق، لانه في الحقيقة ما جمعته من مناقشات مع الاستاذ الخيون تحتاج الى كتاب لا الى مجرد مقالات، اهم ما اريد ان اطرحه في هذه العجالة هو عدة نقاط مهمة

اولا: اعتمد الكاتب الخيون على مصادر احادية الجانب في تقييمه لبعض الشخصيات او المواقف بل ان بعضها كان مختلفا مع الشخص او الجهة المقصودة فهو قرأ عدة شخصيات واحزاب اسلامية بلسان صحف وكتاب شيوعيين وهذه مفارقة غريبة ..!!

ثانياً: كذلك غالباً ما كان ينقل عن طرف واحد فهو لا يعطي الفرصة للطرف الاخر في بيان رايه علما ان كل طرف اليوم يمتلك لكل سؤوال جواباً فكان المفروض ان يكون منصفاً ولا يخرج عن الحيادية فهو قد ملأ الكتاب بوجهات نظر من جهة واحدة وتجاهل دفاع الاطراف عن نفسها

ثالثاً غالبا ما كانت تلك الانتقادات اللاذعة هي من اشخاص ليس لهم خبرة في التقييم ولا معايشة مع م اراد تقييمهم في الواقع فكان الظلم والحيف الكبير قد وقع عليهم بسبب تلك التشخيصات

رابعا: اعتمد الوسائل النقل المجهولة في شواهد كثيرة حيث يقول نقل لي او حدثني او سمعت والراوي مجهول واحيانا يبني نظريته على ما يقول ذلك الشخص المجهول

خامساً: لديه تحامل كبير على شخوص المرجعية المعظمة منذ اول شخصية دينية طرحها والى اخر شخصية بالنسق التاريخي وهذا اتركه لمقال منفصل

سادساً: كان الكاتب موفقا في تحليل وتدقيق الكثير من المواقف والاراء لكن ليس كل ماطرح في الكتاب كان صحيحا ولا دقيقا بل كان بعضه مكتوب بلغة تعصبية او كان منطلقا من زاوية واحدة

انا ادعوا لقراءة الكتاب وملاحظة هذه المقاط وغيرها مما سجلته وان نتعلم جميعا انه لا يوجد فكر مقدس او كاتب منصف في كل كتاباته، وخاصة من يمتلك ثقافة وتاريخ تختلف مع ما يكتب عنه وقد قرانا في الماضي والحاضر كيف ان المستشرقين يكتبون عن الاسلام لكنهم في الحقيقة يضعون ما يناسب افكارهم ومعتقداتهم المخالفة للاسلام او يدسون فيه ما يشوش الاذهان عن العقائد الاسلامي والتاريخية، واتمنى على الكاتب رشيد الخيون ان يراجع مصادر معلوماته فيما كتبه وان يتوخى الدقة والموضوعية والانصاف وخاصة حين يلج مجالات معاصرة هو بعيد عنها ولا يستطيع ان يكتب عنها بدقة مالم يتعايش معها ويأخذ منها ومن مخالفيها زبدة المخض في التقييم ..

 

علي الكندي

 

في الحاجة إلى سقراط جديد .. تأملات في مشروع تحديث التفكير الديني لعبد الجبار الرفاعي

emad alrifaiلا أرى نفسي أهلا لتقييم المشروع الفريد الذي تصدى العلامة عبدالجبار الرفاعي للإشتغال عليه، و لكني اتحدث كمتلقٍ ضمن طبقة المثقف الديني، وأنقل إنطباعاتي وتفاعلي وإحاسسيي االعفوية المباشرة عند مطالعاتي لما يكتبه الرفاعي أكثر من مرة.

مشروع الرفاعي أخذ على عاتقه تصحيح المسار لرسالة الدين في الحياة بعد أن ضاعت مقاصده، وتلاشت روحيته، أغرقته السياسة في ثرثراتها ودهاليزها المظلمة، وأفرغته من الروح والمعنى.

كان المتدين يعيش الرعب من صورة نمطية رسمتها الأفكار السائدة عن الإله، لتجعل صورته الوحيدة صورة لحاكم قاهر يبطش، يبحث عن الزلة لعباده كي يصيبهم بعقابه، لا منبعا للحب والرحمة والسلام، وصارت العلاقة معه في الفهم الديني الشائع علاقة توجس وقلق وخوف فقط، ولم نفهم أن هناك علاقات أخرى مع الله أهمها علاقة الحب والرحمة والشفقة. غابت علاقة الحب والرحمة والشفقة عن سلوكياتنا رغم أن النصوص تزخر بها.

ونتيجة لتوهم العيش في هذا الكون (البوليسي) المفترض، بدءا من الإله فما دون، سادت ثقافة القهر والطش، وشاعت أخلاقية القسوة، وصار المتدين في العادة لا يتعامل مع الواقع إلا بمنطق العقاب والوعيد، وحين رأى تمرد الآخرين، أما لعدم قناعة أو لضعف إرادة، على ما ألزم نفسه به، صار هاجسه ترقب ساعة التشفي بهؤلاء، كي يحصل على ما يراه مكافأة على جلده لذاته، ولفرضه أنواعا من الحرمان على نفسه. ظل المتدين يبحث عن الساعة التي يناله فيها التكريم والثواب، وتنال الآخرين العقوبة والعذاب، فماتت مشاعره تجاه معاناة الآخرين، وإندثرت نزعته الإنسانية.

لذا فقد كنا بحاجة إلى كتاب ينقذ النزعة الإنسانية في الدين... وكنا (ظامئين) فعلا لكتاب ينبهنا الى (ظمئنا) الأنطولوجي.

كنا نبحث عن الروح التي أسرها جمود الاستدلالات المعتادة، والقوالب الفكرية العتيقة، وعن المقاصدية التي ضيّعها الإنهماك في التفاصيل الهامشية وغير الجوهرية، ونعاني من تضخّم المطالب التي قد تملأ عقل الإنسان، لكنّها لا تملأ قلبه بالنور، على حد تعبير السيد الشهيد محمد باقر الصدر... كنا متحيّرين فيما يرفضه الوجدان بينما يبرّره زائف البرهان، في جو من السفسطة المعاصرة، ونشعر بوجود خلل ما في منظومتنا الفكرية، ولكن تشخيص ذلك الخلل كان عسيرا، بسبب حُجُب المصادرات العديدة، التي نادرا ما تخضع للتحليل أو يجرؤ أحد على المساس بها. كنا بحاجة ماسة الى "سقراط جديد"، يؤسس طريقة جديدة في التفكير، و يؤشر لنا بهدوء إلى مواضع الخلل. المهمة الأولى كما يعلمنا سقراط هي أن تعود الذات لذاتها لتكتشف ذاتها، ذلك أن مفتاح الفلسفة حسب رأيه هو: "إعرف نفسك". لا بداية عند سقراط إلاّ باكتشاف عوالم الذات.

مع عبدالجبار الرفاعي نصغي لصوت سقراط جديد، فقد بدأ كتابه: "الدين والظمأ الأنطولوجي" بفصل يتحدث فيه عن ما اصطلح عليه: "نسيان الذات"، في ثقافتا وتربيتنا. شرح في هذا الفصل كيف أن التربية والتعليم والتثقيف في العائلة والجماعات والأحزاب والمنظمات لا تنشد إلاّ محو الذات، إذ تشدد على صهر الفرد في بوتقة الجماعة، وطمس هويته الشخصية.

استهل الرفاعي فصل نسيان الذات قائلاً: "يولد الإنسان بمفرده، ويحيا بمفرده، ويموت بمفرده، ويتألّم بمفرده، ويشعر بالخطيئة بمفرده، ويستفيق ضميره بمفرده، ويؤمن بمفرده، ويلحد بمفرده. ويجتاحه بمفرده أيضًا: القلق، اليأس، والاغتراب، والضجر، والسأم، والألم، والحزن، والغثيان، وفقدان المعنى، وذبول الروح، وانطفاء القلب، والسوداوية، والعدمية، والجنون... إلخ. لا تبدأ الحياة الإنسانية الحقيقية إلّا عندما تتحقّق وتوجد الذات الشخصية، وهذه الذات لا تتحقّق من دون الفعل، فالوجود الإنساني لا يصل إلى الامتلاء إلّا بالفعل وحده. الذات البشرية وجودها وصيرورتها الحرّيّة، وحيث لا حرّيّة تنطفئ الذات. الحرّيّة ليست أمرًا ناجزًا قبل أن نشرع باستعمالها، وجود الحرّيّة يعني ممارستها. الحرّيّة لا تتحقّق بعيدًا عن مسؤولية الفرد تجاه ذاته. لحظة تنتفي الحرّيّة تنتفي الذات، إذ لا تغتني الذات وتتّسع وتتكامل إلّا بالحرّيّة".

لقد أعمت أدلجةُ المعرفة عقولَنا عن إكتشاف الذات، والانفتاح على الآخر ومعرفة نقاط قوته، وعن مراجعة افكارنا ومسلّماتنا.كنا بحاجة إلى من ينقذنا من التفكير المؤدلج، الذي أفرزته الأدبيات الأصولية، التي تربّى عليها أغلب أبناء الأجيال المتدينة، منذ زمن ما يعرف بالصحوة الإسلامية إلى الآن، وأن نسعى إلى تفسير العالم قبل التفكير في تغييره على حد قول الدكتور الرفاعي.

في مثل هذا الجو المتوتر، كنا نرى الإختلاف المذهبي ضلالا، والتصوف إنحرافا، والعقلانية تجديفا، والإحتكام الى العلم هرطقة، والإنفتاح على بقية الأديان شبه إرتداد..كأننا لا نزال نعيش في زمن محاكم التفتيش وصكوك الغفران.

كل فئة تنكفئ على نفسها محاولة الحفاظ على كيانها من الأنشقاق والتشظي، مثقفة على أبلسة الآخر والقطيعة معه، وتغليب منطق المؤامرات والنوايا السيئة، فضاعت بذلك فرص الإنفتاح والتلاقح والتواصل. 

كنا نتمنى إستعادة وإستلهام جمال النصوص الأولى التي أهدرت كرامتها النصوص الثانوية، وقيّدها تعسّف التأويلات والشروح والحواشي، الصادرة في إطار تاريخي معين، وبقينا نجترّها ونكرّرها ، ونحن نحسبها نهاية العلم و خاتمة المعارف.

كنا ومازلنا نعيش صراعا مع العصر وثقافته، وغربة عن العالم المعاصر، بسبب التقديس المطلق لكل مفردات التراث و الإستغراق في الماضي.لبث سقف المسلّمات شديداً جدا، و كان عددها كبيرا جدا، لا يُسمح للتفكير أن يتجاوزها أو أن ينفذ لأعمق منها.

نعم ، كنا مع المصلحين أحيانا، لكن بشرط ان يكون إصلاحهم حركة تنتمي إلى الماضي الذي لا يقلق احدا، أو أن يكون ضمن حدود مرسومة تحددها المؤسسة التقليدية، أما الإلتحاق بمصلح لا يزال يعمل فقد أمسى محاصرا بكثير من هواجس الشك، ودعوات التضليل والإقصاء و التسخيف، والتهم الجاهزة، حتى يسارنا كان يمينا في واقعه، بعد أن تحول اليسار القديم الى يمين بمقاييس عصرنا، وتجمّد الإصلاح عند لحظة تاريخية محددة.

باختصار، لقد أفلسنا روحيا وأخلاقيا، وأُحرِجنا عقليا، وكنا بحاجة الى من يضرم فينا جذوة العشق، و يعيد للروح حيويتها و براءتها وعفويتها، ويُرجع للدين رسالته وألَقَه، ويعطي للعقل دوره المنشود في النقد والتساؤل والغربلة.

يضع الرفاعي في مشروعه خارطة طريق لحلّ الكثير من هذه الإشكاليات. ويقدم محاولة واعدة لتجديد التفكير الديني في الاسلام.كتابه الجديد "الدين والظمأ الأنطولوجي" نص رؤيوي مكثف، نثر مكتوب بكلمات الشعر. يحتاج إلى شروحات عديدة لا تسعها عدة مقالات ، لكنه مع ذلك مكتوب بلغة سهلة ممتنعة، الكلمة حساسة، والعبارة في الكثير من مقاطع الكتاب تحيل إلى شذرات كشذرات الحكماء والعرفاء. من هنا يتطلب هذا الكتاب أن نتذوقه، لا أن نتعقله فقط. نص الرفاعي مختصر بطرحه مفاهيم وقواعد جديدة للتفكير، والبناء الروحي والأخلاقي والعقلي، لكن ما ينبثق من تطبيقها على المصاديق سيكون كثيرا وثريا جدا.. أفكاره مبتكرة عميقة، وتعابيره أدبية رشيقة.. ولعلي لا أبالغ لو قلت ان كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي"، هو بمثابة مانفستو manifesto لتحديث التفكير الديني في الاسلام، إن كُتِب لهذا النص النجاح والإستمرار، ربما يصلح أن يصبح منعطفاً يؤشر لولادة نمط آخر في قراءة وتفسير النصوص الدينية، وكأنه يبشر بولادة مرحلة جديدة في التدين وفهم الدين.

 لقد أنهك أروحنا دين يحترق بماكنة السياسة، أنهك أروحنا دين يبدو فيه الله عدوا للحب والجمال والفرح، أنهك أروحنا دين يضعنا في معارك مزمنة مع خالقنا، أنهكت أروحنا صورة الاله المحارب الدموي. ببراعة يحررنا الرفاعي من هذه الصور المخيفة لله، ويرسم لنا صورة كلها حب وخير ورحمة وجمال وفرح وسلام.

هذا "البيان أو المانفستو" حسب قول عبدالجبار الرفاعي: "لا يعد بإجابات نهائية، انما يعنى بإثارة الأسئلة وإستفزاز العقل"، وكما يحدّثنا التأريخ، فقد إنتعشت الفلسفة قديما عندما بدأ سقراط يثير المشكلات، رغم أنه - كما يقول أرسطو - لم يضع لها الحلول، لذا فإن ثقافة التساؤل أعظم نفعا من ثقافة الحلول الجاهزة.

 ورغم أن الرفاعي قدّم في أكثر من موضع أجوبته لإشكاليات معينة، إلا أنه نجح أيضا في الترويج للتساؤل كقيمة مهمة ومحترمة بل وضرورية، وتخليصه من وصمة الإستخفاف التي يصمه بها الدوغمائيون. لذلك يشدد على رعاية حق الاختلاف، وفتح باب مراجعة المسلّمات وعدم التوقف عن طرح الأسئلة، وعلى التخلي عن المنطق الوثوقي الذي يستهدف قسر الآخر واكراهه على ايمان معين، ويوضح ان الايمان والتجربة الروحية هما ما يعيشهما الانسان فعلا لا ما يلقّنه تلقينا.

يعترض المؤلف على ما يسميه لاهوت الفرقة الناجية الذي ينتج نزعة الاستعلاء والتفوق على الآخر، ويرى ان لا خلاص الا بالتخلي عن هذه الفكرة، والتأسيس للاهوت جديد هو لاهوت التعددية، الذي سيكفل امكانية التعايش السلمي بين مختلف الأديان والمذاهب والفرق والاتجاهات الفكرية. لاهوت الفرقة الناجية يجعل الطريق الى الحق طريقا واحدا يرثه المرء من أبويه ومجتمعه، ولا يفكر أن يحيد عنه، فيحاول أن يراكم ما يؤيده، ويتجاهل ما يعارضه. هذا اللاهوت لن يسمح لمعتنقيه في الغالب بمراجعة الأفكار وغربلة المواقف والبحث المجرد عن الحقيقة ومعرفة أبعادها ووجوهها المتنوعة. هذا اللاهوت حجاب يحول دون اكتشاف المنجز المعرفي للآخر، او التفكير في أن لديه منجزا، بل سيقطع الطريق منذ البداية على كل محاولة من هذا النوع ملوّنا العالم بلونين لا ثالث لهما. ويقدم دائما اجوبة جاهزة وتصنيفا نهائيا، تحددهما رؤية واحدة للعالم، ووجهة نظر منفردة وضيقة في فهمه وتفسيره.

في الكتاب يقدم المؤلف قراءة نقدية لما يسمى بـ"البروتستانتية الاسلامية" التي عملت على تديين الدنيوي حسب تعبيره، ويركز على دور المرحوم الدكتور علي شريعتي في ذلك، وقد نقده بصورة قد تكون قاسية نوعا ما، حيث يرى أن له الأثر الكبير في "ترحيل وظيفة الدين من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا". يناقش الرفاعي المرحوم شريعتي بوصفه مثالا هاما ومؤثرا لأدلجة الدين.

  قام أيضا بتحليل مايفعله الانتماء الايديولوجي من "تنميط" للكائن البشري، وما يؤدي اليه ذلك من ضياع لهويته الشخصية، وخلق ما اسماه بالشخصية المستعارة، مضافا الى تفشي التعصب لفكر الجماعة، وقتل القدرة على الابداع لدى الفرد، بسبب ما تمارسه الجماعات الأصولية من محاولة إنتاج نسخ مكررة بلا ملامح للمنتمين لها.

عندما تتحول الثقافة الى أيديولوجيا، تختزل وظيفة الدماغ في الدفاع عن الدوغماءات، و يتهمش الطلب الموضوعي للحقيقة، وتتكرس الاصطفافات على حساب حيادية البحث، وتسود الحلول الترقيعية للمشاكل الفكرية، والتي تستهدف الحفاظ على الكيان الأيديولوجي بالكامل على حساب الحلول الجذرية، بل تُخفى بعض الحقائق بسبب هواجس الخوف على الهوية، ويصير الانسان عند تقييمه لفكر معين امام واحد من طريقين فقط، فاما القبول المطلق، واما الرفض المطلق، بدون ان يرى منطقة وسطى بينهما، ويصير الاستدلال تابعا للايمان لا العكس.

ربّما كان للتفكير الأيديولوجي مبرراته في زمن صراع الحضارات، بسبب ما يؤديه من دور تعبوي تفرضه طبيعة هذا الصراع، لكننا نحسب اليوم أن عصر الأيديولوجيا قد ولّى، بعد أن أتيحت الفرصة لأغلب هذه الإتجاهات، يسارا أو يمينا، لأن تأخذ فرصتها في إدارة الحياة واصطدمت بالواقع عند التطبيق، وواجهت إشكالات ليست بسيطة أبدا.

يختصر المؤلف تشخيصه لواحد من اهم اسباب شيوع الفهم السلفي للدين، وانتاج خطاب العنف والتحجر، وغياب النزعة الانسانية في الخطاب الديني المعاصر، في مفهومين يعبر عنهما بـ"توثين الحروف، واهدار المقاصد"، على اختلاف درجاتهما شدة وضعفا بين المذاهب المختلفة، ويضيف لذلك سببا آخر: هو الجمود على ما خلفه السلف، والخضوع الكامل لادوات ومناهج الفهم المتوارثة، التي يرى انها بحكم انتاجها وصيرورتها في سياق اطار زمني غابر لم تعد مناسبة لعصرنا، ويؤكد على مسألة بالغة الأهمية، وهي ان تجديد المعرفة الدينية يتطلب اعادة النظر في البنى التحتية العميقة المولدة لهذه المعرفة، والموجهة لدلالات النصوص، والتي تكونت في ظروفها الخاصة التي تختلف عن ظروفنا بالتأكيد، فليس التجديد بنظره مجرد بضعة فتاوى تصدر هنا او هناك لتخالف مشهور الفقهاء، بل التجديد يقتضي اعادة النظر في مناهج التفكير والبحث والنظر والدراسة للنصوص الدينية، والاستعانة في سبيل ذلك بانجازات العلوم والمعارف الانسانية الحديثة المختلفة وفتوحاتها، ويشير إلى أن علماء المسلمين قد مارسوا ذلك في الماضي، فاستعانوا بالمنجزات الفكرية للأمم السابقة عليهم، حتى أدخلوها في بنية علوم الدين، ولم يخشوا من الاتهام والحكم عليهم بممالأة الكفار بسبب ذلك، رغم حدوث معارك فكرية بين الحين والآخر كهجمة الغزالي على الفلاسفة وردّهم عليه، وذلك على عكس الحال السائدة الآن في دراسة وتدريس الدين، حيث يسود التوجس من كل ماهو غربي تقريبا، إلى أن وصل الحال إلى نتائج العلوم التجريبية، التي شنّ عليها بعض رجال الدين حملات شعواء، مفتشين فقط عن نقاط الضعف ومحاولين ما إستطاعوا التقليل من أهميتها ومنجزها الهائل، حتى صار ذلك قاعدة للتعامل معها عند الكثير من قواعدهم الشعبية.

يخلص الرفاعي الى ضرورة تقديم قراءة جديدة للاسلام، عن طريق الأخذ بعين الاعتبار السياق الزماني والمكاني التاريخي للاحكام، وان تغيّر الزمان يفضي لتغيّر الحكم، ويضرب أمثلة على هذه الاحكام ،كالرق والاماء واهل الذمة والجزية والردة. وهذه المنهجية الجديدة لو طبقت فانها سوف تغير الكثير من فهمنا للدين، وتجعله اكثر تصالحا مع متطلبات العصر والضرورات التي يفرضها تطور العلوم والمعارف البشرية.

رغم ان الرفاعي مفكر ديني وُلِد من رحم المؤسسة الدينية الرسمية الحوزة، وخلافا للنظرة الشائعة السلبية لهذه المؤسسة عن الفن، لكنه يصرح بأن الفن يصنع معنى للحياة كما يفعل الدين، وإن كان لكل منهما مجاله ودوره المستقل. بل إن للفن دورا في أحياء البعد الروحي في الإنسان وإثراءه.

 يبادر المؤلف بالرد على شبهة قد ترد الى ذهن القارئ بانه يدعو لدين لا يناله الا خواص الناس كالمتصوفة والعرفاء، فيوضح ان تلك الطبقة العميقة للدين - الدين الانطولوجي لا الايديولوجي - تتذوقها حتى العجوز الفلاحة الامية، وقد سرد هو في الصفحات التي كتبها عن سيرته الذاتية كيف ان: "تدين أمه الفطري العفوي البرئ الشفيف غرس الايمان في روحه، واليه يعود الفضل في ترسخ ايمانه وتجذره"، ويستشهد لذلك بقصة جميلة من قصص المثنوي، حول أحد الرعاة الذي كان يناجي الله بعفوية وبراءة وصدق لدرجة أن النبي موسى (ع) رأى في كلمات مناجاته سوء أدب مع الخالق فوبخه لذلك، قبل أن يبين له الوحي أن تلك المناجاة مقبولة عنده تعالى، بل ويعاتبه على توبيخه ذلك الراعي المسكين بسبب كلماته العفوية تلك.

 في ضوء ذلك يمكننا كذلك التمييز بين نوعين من التشيع مثلا، التشيع الفطري المرتكز في الوجدان الشعبي، الذي توارثه الناس البسطاء جيلا بعد جيل، والتشيع الغنوصي الاطني المتأثر بظاهرة الغلو، والذي يستعير الكثير من مقولاتها ويروّج لطريقة باطنية في التفكير، تربط كل شئ بأسرار مزعومة لا يعلمها إلا الخواص،  والذي إنتشر مؤخرا عن طريق الكثير من رجال المؤسسة الدينية والمحسوبين عليها، والذي يثقف أيضا على الطائفية بحماس شديد، بدعوى الخوف على الهوية التي هي أكبر أولوياته الفكرية.

في الوقت ذاته يشدّد المؤلف على أن الحاجة للدين والإرتباط بالمطلق أصيلة وضرورية، ومن دونها يصاب الإنسان بالجدب والإفلاس الروحي، وتسحق إنسانيته، ويتحول مجتمعه إلى مجتمع ميكانيكي لا يعمل حسابا للإنسان بقدر ما يراعي متطلبات الآلة،  ويفلسف الرفاعي هذه الحاجة إلى الدين بقوله: "الدين يؤبد الحياة بعد أن ينتج يفسيرا للموت بوصفه طور وجودي آخر للحياة". والدين أيضا - كما نرى- يقدم تفسيرا لمشكلة الشرور ويجيب عن سؤال: (ان كان هناك اله، فلم يحدث هذا؟)، ربما على طريقة  (كانط) في الاستدلال على وجود الله، الذي رغم أنه لم يستدل على وجوده بالعقل النظري، إلا أنه جعله من أحكام العقل العملي، فالعقل يحكم بضرورة اثابة من يعمل الخير وعقوبة من يفعل الشر، وبما ان الطبيعة لا تقوم بذلك، فلابد من وجود كائن عادل فوق الطبيعة سيقوم بذلك.

بإختصار، فإن رسالة الكاتب تهدف إلى قبول التعددية، وتفعيل التفكير النقدي، وتخليص العقل من أدلجة المعرفة، وإحياء البعد الروحي في التدين.

مشروع الرفاعي أثار العديد من النقاشات، وطرح الكثير من الأسئلة والإنتقادات التي تنتظر البحث والدراسة والإجابة من مختلف الإتجاهات الفكرية الراهنة في عالم الاسلام، ووفّر لها فرصة نادرة للقاء والتعرف على بعضها البعض، والوقوف على أرض مشتركة رغم الإستقطاب الذي يسود حياتنا الفكرية منذ زمن طويل. 

مفكرون من طراز الرفاعي هم العملة الأندر في عالمنا الثقافي اليوم، ويحس المثقف المتدين اكثر من غيره بقيمتهم الحقيقية، ففيهم يجد هذا المثقف التجسير المنشود للهوة الكبيرة بين التراث والفكر المعاصر، والتفاعل بين هذين العالمين بطريقة التلاقح والإنفتاح والتكامل وتبادل الخبرات، لا طريقة الصراع والتضادّ والتناشز والبحث عن الزلّات، ذلك التجسير الذي حاوله سابقا مفكرون من خارج المؤسسة الدينية مثل الدكتور زكي نجيب محمود والدكتور فؤاد زكريا والدكتور علي الوردي في قراءتهم للتراث، لكنهم لم يحققوا أهدافهم كاملة في ذلك، أما بسبب إتهامهم بالتطفل الفكري، أو لعدم إطلاعهم المعمق على هذا التراث بصورة مقنعة للمنتمين إليه، ولكن الأمل واعد بهؤلاء الذين ولدوا من رحم المؤسسة الدينية التقليدية، وقد قرأوا التراث بعمق اكثر من غيرهم، بمقدورهم غربلته وإستلهام مساحاته المضيئة، وتخليصه مما علق به من قباحات يمجّها الوجدان.

شكرا لك أستاذنا الرفاعي على ما أسديته للتنوير من خدمة، ونحن بإنتظار المزيد منك، ومتشوقون لمعرفة تفاصيل وتطبيقات مشروعك في تحديث التفكير الديني في الاسلام، بعدما أطلعنا على كليّاته.

 

د. عماد الرفاعي

شاعر وكاتب عراقي، وطبيب مختص بجراحة الوجه والفكين.

 

حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي (13)

ali almomenالتحولات الفكرية السياسية في حزب الدعوة الإسلامية: لا بد أن نفرق في مجال الثوابت؛ بين الأحزاب الايديولوجية بمفهومها الـــــفكري والـعــــــقـــــيدي، والأحزاب السياسية بمفهومها الليبرالي الغربي الحديث، فلا يجوز إخضاع الأحزاب الايديولوجية لمعادلات التطور والتحول والعصرنة والمرونة ذاتها التي تخضع لها الأحزاب السياسية؛ لوجود تعارض أساس في فلسفة وجود كلا النوعين من الأحزاب.  فمثلا: الحزب السياسي هدفه الوصول الى السلطة كغاية نهائية، بينما الحزب الإسلامي بكونه حزباً ايديولوجياً دينياً دعوياَ؛ ليس حزب سلطة أو حكم؛ بل انه يريد الوصول الى الحكم لتحقيق غاياته الدعوية، أي أن الحزب الاسلامي يخوض العمل السياسي والميداني كأداة للوصول الى الحكم؛ ثم يستخدم الحكم كأداة ووسيلة لتحكيم الشريعة الإسلامية، وبالتالي؛ تكون السلطة أداة الحزب الاسلامي في تطبيق الشريعة في إطار غايات أخروية، بينما تعدّ السلطة هدفاً وغاية للحزب السياسي في إطار عملية صراع دنيوي صرف.

 

الحكم والسلطة

صحيح أن الهدف النهائي لتأسيس حزب الدعوة الإسلامية هو تحكيم الشريعة الإسلامية عبر تأسيس الدولة الإسلامية، وبسقوط هذا الثابت تتلاشى فلسفة وجوده؛ ولكن؛ وجود هذا الثابت؛ لا يعني الدوغمائية في عملية تطبيق الشريعة؛ بل أن من الضروري خضوع عملية التطبيق للمرونة التي تفرضها الظروف الموضوعية، والتدرج الذي يستطيع الواقع من خلاله استيعاب عملية التطبيق؛ لاسيما إذا كانت تجربة السلطة والحكم مستحدثة ومستجدة، وبحاجة الى استحكام أكبر وتجذير أعمق؛ وإلّا فسيكون الفشل هو النتيجة الحتمية للتجربة؛ وهي في بدايتها؛ بعد قرون من التغييب القسري عن ممارسة عملية السلطة، أي أن أصل التزاحم ( كأصل شرعي) بين سقوط التجربة برمتها ـ قبل استحكامها وثباتها ـ وبين ضغط تحقيق الأهداف؛ هو الذي يحدد خيارات العمل وأولويات التحرك؛ وهو ما يدخل في إطار “فقه الأولويات” و”فقه المصلحة”، هذا فيما لو كان حزب الدعوة مبسوط اليد ويتفرد في الحكم، أما إذا كان فكر الحزب يمثل جزءاً من عقيدة الدولة، وكان حضوره في النظام السياسي يمثل جزءاً من السلطة والحكم، وقد أمسك بهذا الجزء في إطار عملية سياسية معقدة نتج عنها شراكة مع جماعات علمانية واتجاهات سياسية متنوعة ترفض اي حضور للشريعة الإسلامية في الحياة؛ كما هو الحال مع تجربة حزب الدعوة في العراق بعد عام 2003؛ فإن الحديث عن تطبيق الأهداف والتمسك بالثوابت سيكون بحاجة الى عمق كبير بعيداً عن التدافع الإعلامي والمزايدات السياسية والتسطيح الفكري، وبالتالي فحزب الدعوة ليس هو الحزب الحاكم في النظام السياسي العراقي، ولا هو الحزب الذي تتبنى الدولة عقيدته، ولكن هذا لا يعني أن الحزب يتنازل عن المساحات التي يمكنه التحرك فيها لتحقيق أهدافه أو مقدمات أهدافه الإسلامية.

 

انفعالات وضغوط

ولم يكن معظم التحولات داخل حزب الدعوة منذ عام 1979 فعلاً دعوتياً بقرار حزبي؛ بل هي انفعالات وانجرارات قسرية ضاغطة؛ أي أن الظروف المحيطة بالدعوة ظلت باستمرار هي المؤثر الأكبر في مسارات الحزب، وليس العكس،  ظلت التحولات في نظرية الدعوة وأفكارها تطرأ على الحزب بطرق غير مسبوقة؛ ربما في أي حزب ايديولوجي كبير في العالم، كما ظلت بنية حزب الدعوة الفكرية والسياسية الداخلية ومخرجات خطابه؛ تتبع ـ غالباً ـ التغيير الخارجي الضاغط، فقد بدأت “الدعوة”حزباً قائداً للأمة، تغييرياً، انقلابياً، عقائدياً، لا مذهبياً، عالمياً، وانتهت الى تنظيم شيعي المذهب، عراقي الاهتمام والموطن، سياسي السلوك والنزعة، يتنافس على الحكم مع عشرات الجماعات السياسية في دولة هجينة فكرياً ولا هوية لها.

 

شواهد نظرية

ولفهم هذه التحولات بشكل دقيق؛ يمكن المقارنة بين أربعة شواهد نظرية: أسس حزب الدعوة لعام 1961، نظامه الداخلي لعام 1975، نظامه الداخلي لعام 1983، نظامه الداخلي لعام 2008، ومن مخرجات هذه التحولات مثالاً:

1- نظّر حزب الدعوة لفكره السياسي على أساس مبدأ الشورى، وكان هذا مخرجه النظري الوحيد لتأسيس الحزب على قاعدة فقهية، وكان انسجامه في هذا المجال مع الأجواء الحركية الإسلامية السائدة في عقدي الأربعينات والخمسينات لا يتجاوز التأثر الى التطابق في التأصيل الفكري والفقهي.

2- نظّر حزب الدعوة لفكرة التغيير الانقلابي؛ تأثراً بالأجواء الحركية الإسلامية السائدة في عقدي الأربعينات والخمسينات، وكان هذا مخرجه الثوري النظري للتغلب على النزعة المحافظة أو الإصلاحية المقيدة السائدة في الاجتماع الديني النجفي.

3- نظّر حزب الدعوة لفكرة العالمية، وأصبحت له قيادة عامة وقيادات إقليمية؛ تأثراً بالأجواء الحركية الإسلامية والقومية السائدة في عقدي الأربعينات والخمسينات.

أعلن حزب الدعوة إيمانه بمبدأ ولاية الفقيه؛ تأثرا بثورة الإمام الخميني، وقام بمبايعته قائداً للأمة، وبذلك ألغى نظرياً وعملياً مبدأ الشورى.

4- انتقل الى مرحلة الصراع السياسي والعسكري؛ انجراراً؛ بفعل تحرك السيد محمد باقر الصدر المتأثر بثورة الامام الخميني.

5- تم حل أقاليم حزب الدعوة في لبنان والكويت والبحرين وإيران وباكستان وأفغانستان، ومناطق الإمارات والشرقية بالسعودية وعمان وغيرها؛ بقرارات خارجية جبرية، وتحديداً من حكومات هذه البلدان.

6- أعاد حزب الدعوة بناء هيكله عراقياً، وألغي القيادة العامة والمؤتمر العام والقيادات الإقليمية؛ بعد أن انهارت أقاليمه غير العراقية.

7- بايع الإمام الخامنئي؛ مصداقاً لولاية الفقيه بعد وفاة الإمام الخميني؛ انسجاماً مع موجات البيعة العامة.

8- تحول الى حزب سياسي شيعي عراقي وطني، انسجاماً مع التغيير في خريطة المعارضة العراقية ثم سقوط النظام.

9- أعلن التزامه بمرجعية النجف العليا؛ انسجاماً مع تحولات الاجتماع السياسي العراقي.

10- وضع بعض أجنحته لنفسه رسمياً أسماء محلية؛ تمييزاً ( تنظيم العراق وتنظيم الداخل).

وتظهر مجمل هذه التحولات أن الواقع أكبر كثيراً من تنظيرات حزب الدعوة لرسالته وغايته؛ الى المستوى الذي أضعف هذا الواقع الموجع روح المبادرة في”الدعوة”، كما أضعف عقله المركزي فيها بعد عام 1979. وغالباً ما كان حزب الدعوة يقوم بعملية تنظيرٍ جزئية بعد حصول التغيير في الواقع المحيط به والمؤثر فيه، والذي يضطر الى مسايرته وتكييف نفسه معه، وغالباً ما يكون هذا التكييف واقعياً وليس فكرياً وفقهياً؛ أي أنه لا يشبه انطلاق الفقيه من الواقع لتشخيص موضوع الحكم الشرعي، أو مدخلية الزمان والمكان في تغيير موضوع الحكم الشرعي، فيتبعه حكم شرعي جديد؛ بل هو مصداق لهجوم اللوابس على من لا يستشرفها.

 

تحولات الفكر السياسي

استند حزب الدعوة في نظريته السياسية على الأسس التي كتبها السيد محمد باقر الصدر خلال مرحلة التأسيس، وكرس فيها السيد الصدر مبدأ “الشورى” في عمل قيادة الحزب وفي قيادة العمل الإسلامي الموصل الى تأسيس الدولة الإسلامية، بعد أن أجاز إقامتها  في عصر غيبة الإمام المهدي؛ وكل ما يترتب على هذه الجواز من جهاد دفاعي ودماء وأموال، ويقول السيد محمد مهدي الحكيم بأن “دراسة السيد الصدر حول هذا الموضوع هي التي سمحت لحزب الدعوة بالانبثاق؛ لأنها أول دراسة فقهية تشرع لتأسيس دولة إسلامية في عصر الغيبة”، ونظّر السيد محمد باقر الصدر للفكر السياسي لحزب الدعوة في نشرة الأسس الإسلامية الداخلية، وظلت الدراسة ونشرة الأسس المذكورتان سريتين؛ لأنهما من الفكر الخاص للحزب.

وتجمع نشرة “أسس حزب الدعوة” التي نشر منها تسعة أسس في أدبياته المطبوعة؛ بين التأصيل للدولة الاسلامية بمعناها الفقهي وبعناصرها القانونية، وبين مفهوم الدولة بمعناها القانوني المعاصر، وبذلك يضع السيد محمد باقر الصدر أول المبادئ الدستورية الإسلامية المؤصلة فكرياً وفقهياً، وهي تختلف اختلافاً كبيراً عن نظرية الشيخ الميرزا النائيني في دراسته “تنبيه الأمة وتنزيه الملة” لأن النائيني أراد تصحيح واقع قائم وليس التأسيس لواقع جديد، ولذلك قال النائيني: بـ “الملكية الدستورية” وغيرها من مفردات الدولة المفصلة على مقاس إيران الشاهنشاهية، أما أسس حزب الدعوة التي كتبها السيد محمد باقر الصدر فهي تأسيس لنظرية حكم إسلامي ودولة إسلامية في عصر الغيبة، وهو تأصيل فقهي جديد لم تألفه حوزتا النجف وقم، وبذلك تعدُّ هذه النظرية تجديداً في الفقه السياسي الإسلامي الشيعي وفي موروث الاجتماع الديني الشيعي.

 

بين الصدر والخميني

وظلت رؤية حزب الدعوة للدولة متمسكة بالأسس المذكورة؛ على الرغم من أن السيد محمد باقر الصدر توصل في بحوثه الفقهية نهاية الستينات الى مبدأ “ولاية الفقيه”؛ كما صاغه الإمام الخميني في دروسه الفقهية في النجف، وأثبته في كتاب “البيع” و”الحكومة الإسلامية”، ويذكر بعض رجال تلك المرحلة ـ وهي معلومة لم نتثبت منها رغم محاولاتنا الكبيرة، وقال لي السيد حسن شبر: إنها غير صحيحةـ بأن السيد الصدر طلب من قيادة حزب الدعوة في عام 1970؛ سحب عدد من هذه الأسس من ثقافة الدعوة؛ ولاسيما ما يرتبط بمبدأ الشورى في الحكم الإسلامي؛ ولكن القيادي المتنفذ في “الدعوة” محمد هادي السبيتي لم يقتنع بهذا التوجه الفكري الجديد، وأبقى الأسس كما هي في أدبيات الدعوة.

ثم دوّن السيد الصدر نظريته في الدولة الإسلامية ونظامها السياسي ودستورها في دراساته التأسيسية المهمة التي قدمها خصيصاً الى الإمام الخميني في عام 1979؛ عشية التصويت الشعبي على نظام الحكم الجديد في ايران وبدء مناقشات دستوره الإسلامي، وقد طبعت هذه الدراسات فيما بعد في كتاب “الإسلام يقود الحياة”، وقد استند دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية ونظامها السياسي في كثير من أسسه على هذه الدراسات، وحينها نشأ حراك مهم داخل حزب الدعوة؛ منسجماً مع الواقع الفقهي والفكري والسياسي الجديد الذي خلقه الإمام الخميني بعد عام 1979، ومع التأسيس الفكري الجديد للسيد محمد باقر الصدر في الوقت نفسه، ومع بدء مرحلة المواجهة السياسية والجهادية مع نظام صدام حسين، وانتهى هذا الحراك مطلع عام 1981؛ الى تبني حزب الدعوة لمبدأ ولاية الفقيه رسمياً؛ على وفق ما كتبه السيد الصدر والسيد كاظم الحائري.

ولم يلغ حزب الدعوة مبدأ “ولاية الفقيه” من نظريته؛ على الرغم من توجهاته الواقعية في أواسط التسعينات؛ والتي اتجه فيها نحو مشروع السيد محمد حسين فضل الله في المرجعية وفي رؤيته الفقهية السياسية، إضافة الى تبنيه الممارسة المدنية الديمقراطية عملياً في العراق بعد عام 2003. 

(يتبع)...

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

 

حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي (13)

ali almomenالثنائيات السبع العالقة في فكر حزب الدعوة: لعل المثالية في التنظير تسببت خلال عقود من مسيرة حزب الدعوة؛ في تبلور ثنائيات جدلية في فكره، أو بين فكره وواقعه؛ لا تزال عالقة؛ وتبحث عن أجوبة نهائية؛ وإن كان الواقع قد حسم بعضها؛ ولاسيما الثنائية المذهبية والثنائية الجغرافية؛ فضلاً عن أن الظروف الزمانية والمكانية التي مر بها الحزب؛ كانت تؤدي أحياناً إلى التوازن بين طرفي بعض الثنائيات، أو غلبة إحداهما على الأخرى، ولكن بشكل عام تمثل هذه الثنائيات حالات من الفصام بين النظرية والتطبيق أو بين التصور الفكري الإيماني والفعل الميداني، وأهم هذه الثنائيات:

 

1- العالمية والمحلية:

بنى حزب الدعوة الإسلامية نظريته على كونه تنظيماً عالمياً ويحمل فكراً إسلامياً عالمياً، وله قيادة عالمية (القيادة العامة) وقيادات إقليمية وتنظيمات محلية في كثير من البلدان، ولكنه في ـ الواقع التطبيقي ـ تحول منذ مطلع التسعينيات الى تنظيم عراقي وطني؛ بفعل الظروف الموضوعية الضاغطة؛ وإن ظل محتفظاً بعلاقات تنسيقية مع رجالاته وتنظيماته السابقة غير العراقية، وتكرست محليته بعد العام 2003. وهنا تبرز الإشكالية في هذه الثنائية؛ لأن الحزب لم يلغ ركيزة العالمية في نظريته وفكره؛ ولكنه طبقها على أرض الواقع وفي نظامه الداخلي، أي أنه تأسس ونشأ وانتشر وتحرك على وفق ركيزة العالمية، ولا يزال يتبناها نظرياً؛ ولكنه استحال الى شكل تنظيمي آخر في البعد السياسي الواقعي والثقافة السياسية العامة.

 

2- الانفتاح المذهبي/ الانغلاق المذهبي:

سارت نظرية حزب الدعوة على كونها نظرية وحدوية عابرة للمذاهب، وطبقها بشكل محدود؛ حين استقطب عدداً من الشخصيات السنية العراقية وغير العراقية، وكان ذلك سبباً في انشقاق بعض الكوادر الشيعية عنه في الستينيات؛ رفضاً لهذه النظرية، ولكن حزب الدعوة بمرور الزمن؛ وبفعل صدمات الواقع ورفض القيادات الفقهية بعد العام 1981؛ استحال حزباً شيعياً متمذهباً في جميع خصوصياته الدينية والسياسية والاجتماعية. وبالتالي فهو حزب عابر للطوائف نظرياً، ومذهبي واقعباً.

 

3- ولاية الفقيه / الشورى:

قام الفكر السياسي لحزب الدعوة على أساس الشورى في قيادة الحزب وفي قيادة الأمة؛ ولكن ظروف الزمان والمكان دفعته لتبني مبدأ ولاية الفقيه ومصاديقها؛ بدءاً بالإمام الخميني. وكانت نظريته الولائية مستقاة من منهجية السيد محمد باقر الصدر والسيد كاظم الحائري، ومكمن الإشكالية هو أن الحزب لم يلغ مبدأ ولاية الفقيه في فكره السياسي؛ ولكنه في الواقع تنقل بين مرجعيات أخرى؛ وصولاً الى مرجعية النجف الأشرف التي عادت كيانيتها بعد العام 2003 الى مستوى القدرة على توجيه الواقع العراقي.

 

4- النخبوية / الجماهيرية:

بالنظر لطبيعة أهداف حزب الدعوة المرحلية في بناء ما يسميه بـ “الكتلة المؤمنة الصالحة القوية” التي تعمل على تغيير الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي؛ وبمعنى آخر “النخبة الدينية العلمية والثقافية والسياسية”؛ فإنه ظل يقتصر على  ضم الطبقات المتعلمة التي لا يقل مستواها عن التعليم الثانوي. ولكنه بعد العام 1979 خلال بدء المواجهة مع النظام؛ ثم بعد سقوط النظام العام 2003؛ أحس بضرورة الانفتاح تنظيمياً على الجماهير بكل فئاتهم، ولكن هذا الإحساس المضغوط بالواقع ظل يصطدم بالنظرية.

 

5- الانغلاق التنظيمي/ الانفتاح التنظيمي:

بدأ حزب الدعوة تنظيماً سريا محكم الإغلاق؛ نتيجة نظريته في المرحلية وفي بناء التنظيم وانتشاره قبل الإعلان عنه، وكذا ظروف القمع التي كانت تمارسها الأنظمة المتعاقبة؛ ولا سيما نظام البعث؛ الذي حوله منذ أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات الى تنظيم حديدي شديد السرية والانغلاق التنظيمي. ولكن الإشكال يكمن في احتفاظ حزب الدعوة بمبدأ السرية التنظيمية بعد العام 2003؛ على الرغم من انفتاحه في البعد السياسي وتسلمه السلطة؛ ولكن مفاصل التنظيم أصيبت بحالة من المرونة المبالغ بها، والانكشاف والتشتت في كثير من مفاصل العمل.

 

6- الدعوة / السياسة:

قام حزب الدعوة على ركيزة عقائدية رصينة؛ حددت هويته كحزب ديني تبليغي دَعَوي؛ يتعاطى العمل السياسي باعتباره وسيلة فرعية تقود الى وسيلة رئيسة؛ هي الدولة الاسلامية، ثم الى الغاية النهائية المتمثلة بتطبيق الشريعة الإسلامية، وبرزت الإشكالية هنا بعد غلبة الممارسة السياسية المدنية على عمل  الحزب في مرحلة الحكم بعد العام 2003، حتى أمكن القول إنه يتوجه للتحول من حزب ديني الى حزب متدينين؛ أي أن مدلول الداعية و”الدعوة” في التصنيف العقائدي؛ أصبح بحاجة الى إعادة تنظير، وإيجاد مدلولات سياسية جديدة لهما؛ ليكون عضو حزب الدعوة عبارة عن سياسي متدين يعمل على تسلم السلطة؛ بالطرق السياسية المدنية، وليس داعية دينياً يستثمر السياسة لأهداف دينية.

 

7- العلماء/ المثقفون:

بالنظر لطبيعة الغايات والأهداف التي وضعها حزب الدعوة لنفسه؛ فقد كان من الطبيعي أن يؤسسه ويقوده علماء الدين. وحتى في مرحلة الثنائي المثقف عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي؛ فقد كانت لعلماء الدين سطوتهم على توجهات الحزب، ولكن برزت هذه الجدلية بوضوح بعد تنحي السيد مرتضى العسكري عن القيادة في حدود العام 1963؛ فقد طالب أعضاء الحزب في لجنة النجف وهم علماء دين غالباً بأن يكون عدد علماء الدين في القيادة أكثر من غير المعممين؛ لأن عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي احتفظا بموقعيهما في القيادة، وأضافا اليها الشيخ عارف البصري وهو عالم دين؛ الذي التحق بالقيادة فوراً، كما استدعيا الشيخ عبد الهادي الفضلي لعضوية القيادة؛ ولكنه رفض أن تكون القيادة مناصفة بين علماء الدين والمثقفين؛ ليكون عدد علماء الدين ثلاثة وليس اثنين فقط، وهو ما قوبل برفض السبيتي ودخيل من جهة، واستقالة الشيخ عبد الهادي الفضلي والشيخ كاظم الحلفي وآخرين من علماء الدين من الحزب. ولكن تغير هذا المنحى بعد العام 1980؛ حين هيمن الفقهاء وعلماء الدين على الحزب وقيادته، ولم يكتف علماء الدين بالإمساك بالمجلس الفقهي؛ بل كان لهم حضورهم العددي والنوعي في جميع القيادات (العامة والتنفيذية والإقليمية)، ولكن بعد الخروج التدريجي للفقهاء: السيد مرتضى العسكري، السيد محمد حسين فضل الله، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، السيد كاظم الحائري، الشيخ محمد علي التسخيري من القيادة في الثمانينات، ثم الشيخ محمد مهدي الآصفي في العام 1999، ثم اغتيال الشيخ مهدي العطار العام 2004، ثم وفاة علماء دين آخرين أو ابتعادهم عن العمل السياسي والتنظيمي؛ فإن إشكالية ضعف وجود الفقهاء وعلماء الدين في القيادة وفي مفاصل الحزب باتت ملحوظة؛ ولاسيما بعد العام 2003؛ فضلاً عن عدم وجود مرجعية فقهية داخل الحزب تراقب عمله من الناحية الشرعية، حتى أصبحت قيادة الحزب لا تضم غالباً أكثر من ثلاثة علماء الدين من مجموع 11 الى 15 قياديا.

والحقيقة أن النظام الداخلي الذي أقره مؤتمر حزب الدعوة في بغداد العام 2007؛ لم يحسم هذه الثنائيات السبع؛ بل كرسها؛ الأمر الذي يقود المهتمين الى القول بأن حل هذه الإشكاليات يكمن ـ ابتداء ـ في إعادة كتابة النظام الداخلي؛ بما ينسجم وثوابت نظرية “الدعوة”.

 

الثابت والمتغير

مر حزب الدعوة الإسلامية بتحولات كثيرة ونوعية منذ تأسيسه؛ شأنه في ذلك شأن جميع الحركات التغييرية؛ السياسية الفكرية، وهو وإن عد من الجماعات الايديولوجية التي تعطي لثوابتها قدسية خاصة؛ إلا إنه لم يجمد على أدبياته التي طبعت مراحل التأسيس (1956ـ1959) والانطلاق ( 1960ـ1962 ) والتبلور الفكري (1963ـ1975)؛ باستثناء ثوابته التي بقيت كما هي نظرياً، أما التغيير والتجديد في الوسائل والأساليب والأدوات والميكانيزمات، بل وحتى المنهجيات؛ فهو سنة الله في خلقه، وهو ضرورة وحاجة دائمة، ونوع من الديالكتيك الذي تفرضه حتمية التطور بتأثير الزمان والمكان، فكانت أدوات الحزب ووسائله عرضة للتغيير المستمر تبعاً للظروف الزمانية والمكانية، وكان هذا التغيير والتبديل يتزايد كلما ازدادت حراجة هذه الظروف ودقتها وصعوبتها؛ ولاسيما مرحلة ما بعد عام 2003؛ حين دخل حزب الدعوة العملية السياسية وأصبح الحزب الأبرز فيها وفي الدولة العراقية الجديدة.

ومقاربة الثابت والمتغير في نظرية “الدعوة”؛ ربما هو الأسلوب البحثي الأهم والأدق في عملية تجديد نظرية “الدعوة”؛ فهو يستبطن حفراً معمقاً في نوع التحولات السياسية الكبرى التي أثّرت بقوة في حزب الدعوة، وجرت منذ بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي وحتى الآن الى تحولات فكرية مغايرة الى حد ما لمسارات التأسيس والسنوات الأولى وعقدي الستينيات والسبعينيات، ففي المرحلة الفكرية التغييرية السرية؛ وهي المرحلة الأولى من مراحل “الدعوة”؛ أنتج الحزب نظريته التي تمثل فلسفة وجوده، وتضمنت ثوابته الايديولوجية؛ كالتغييرية، والانقلابية، والعقائدية، والعالمية، واللامذهبية والمرحلية، وإيجاد الكتلة المؤمنة نواة مجتمع المتقين، وتأسيس الدولة الاسلامية الفكرية، وقيادة الدعوة للأمة ولعملية توسيع رقعة الدولة الاسلامية، وتطبيق الشريعة، وهذه كلها لها علاقة بثوابت النظرية العامة للدعوة وايديولوجياها السياسية، والتي لا تزال محور التحولات في بنية حزب الدعوة الفكرية، ومن هنا فمقاربة الثابت والمتغير تعالج المحاور التالية:

 

1- نظرية الحزب:

نظرية حزب الدعوة وماهيته الايديولوجية؛ ومبانيها الثابتة التي إذا انهارت وتغيرت تنهار نظرية “الدعوة” برمتها، وينتهي المسوغ الفكري لوجود حزب الدعوة وتتلاشى الغاية من استمراره، ولذلك تسعى “الدعوة” للمحافظة على هذه الثوابت وصونها وحمايتها؛ لأنها المرجعية الفكرية النهائية للدعوة؛ بصرف النظر عن الزمان والمكان، وفي مقدم هذه الثوابت؛ رسالة حزب الدعوة وأهدافه وغاياته النهائية، والمتمثلة في إعادة الإسلام الى حياة المسلمين، وتغيير النظم الجاهلية المتحكمة في المجتمع الإسلامي في جميع مجالات الحياة، وإحلال النظم الإسلامية محلها؛ على وفق فهم حزب الدعوة للإسلام؛ باعتباره نظاماً شاملاً يستوعب كل مجالات الحياة المدنية والتشريعية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية،  وكونه دينا ودولة، وشريعة وشعائر وشعورا، وكونه طريق الله الى مرضاته، وسلوك الدنيا الى الآخرة، وجهاد الحياة الى الجنة، وهذا يوضح الماهية الدينية الدعوية للحزب، وكون الدعاة جماعة دعوية تمارس العمل السياسي باعتباره أحدى وسائل الدعوة؛ وليس هدفاً بذاته، بل أن تأسيس الدولة الإسلامية هو أيضاً هدف مرحلي للدعوة” (ميكانيزم) للوصول الى الهدف النهائي المتمثل بتحكيم الشريعة الإسلامية في واقع المسلمين، ولا يعبر عن الفلسفة الوجودية لحزب الدعوة.

ما يمكن تغييره وإلغاؤه وتجديده وتعديله وإعادة تأصيله وصياغته؛ من مبان وأفكار نظرية “الدعوة”، والبدائل الفكرية اللازمة، ولعل الفكر السياسي في نظرية “الدعوة” هو المحور الأكثر إشكالية؛ لأنه ينطوي على ثوابت ومتغيرات متشابكة؛ ولذلك يحتاج الى جهد فكري كبير لتجديده، أما الفكرالتربوي والفكر التنظيمي والفكر الإيماني وغيرها فهي ـ بالأساس ـ متغيرات وتقنيات وأدوات غالبا؛ يمكن تغييرها وفقا لطبيعة النظرية السياسية ولطبيعة المرحلة، وهي لا تمثل إشكالية فكرية؛ على العكس من النظرية السياسية التي تمثل العمود الفقري لنظرية حزب الدعوة، وصلب عملية التجديد.

 

2- آليات وأدوات التحرك:

آليات العمل وأدوات التحرك ووسائل الدعوة؛ هي مساحة متغيرات يستطيع الحزب تطويعها وفقاً لتحولات الزمان والمكان، أي أنها أدوات محكومة برضا الشريعة الاسلامية وخاضعة لموازينها، سواء انتمت هذه الأدوات الى السياسة أو الى الإعلام أو العمل العسكري أو الاقتصاد؛ على اعتبار أن الوسيلة والأداة في العمل الإسلامي يجب أن تكونا من جنس الغاية والهدف، ولا يمكن أن يكونا الهدف ـ مهما بلغت نسبة سموه ـ مسوغاً لاستخدام أداة غير شرعية لا تخضع لموازين الشريعة الإسلامية،  وبالتالي؛ فإن الوسائل السياسية والتنظيمية والاعلامية والعسكرية وغيرها؛ هي أدوات متغيرة ومتنوعة ومتعددة، وليس لها شكل ثابت، ويمكن لحزب الدعوة تغييرها من زمن لآخر.

 

3- المصادر:

وهي المداخل العلمية والأسس والأدوات المنهجية المستخدمة في عملية تثبيت المبادئ والأفكار والتغيير والنسخ والتفسير، ويقصد بها مناهج ونتاجات العلوم الإسلامية والاجتماعية والسياسية والقانونية.

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي (12)

ali almomenنظرية حزب الدعوة بين المثالية وإشكالية التطبيق: تأسس حزب الدعوة الإسلامية على وفق نظرية فقهية، ولتحقيق غايات عقائدية، وهو حزب ايديولوجي؛ مهمته الدعوة للإسلام، وبناء الكتلة المؤمنة المغيرة للمجتمع، التي تقوم بتعميق البعد الإيماني والعبادي والتربوي والثقافي والسياسي في الأمة والفرد؛ وصولاً الى قدرته على تسلم السلطة في بلد من البلدان وتأسيس الدولة الإسلامية.

وقد جاء في نشرة مقدمة النظام الداخلي للحزب:  (إن اسم الدعوة الإسلامية هو الاسم الطبيعي لعلمنا، والتعبير الشرعي عن واجبنا في دعوة الناس الى الإسلام، ولا مانع أن نعبِّر عن أنفسنا بالحزب والحركة والتنظيم، ونحن دعاة الى الإسلام، وأنصار الله، وأنصار الإسلام، ونحن حركة في المجتمع وتنظيم في العمل، وفي كل الحالات نحن دعاة الى الإسلام، وعملنا دعوة الى الإسلام، وسبب اختيارنا له يعود الى مشروعيته أولاً، وفائدته ثانياً).

 

المذهب الجعفري

وتدخل نظرية حزب الدعوة في إطار مدرسة إسلامية مذهبية؛ ولذا جاز أن نقول انه حزب إسلامي متمذهب، أي أن نظريته العقيدية والفقهية تدخل في إطار أحد المذاهب الإسلامية، وهو المذهب الشيعي الجعفري (نسبة الى الإمام جعفر بن محمد الصادق)؛  شأنه في ذلك شأن كل الأحزاب الايديولوجية، ولاسيما الإسلامية، كجماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير، وهي أحزاب مذهبية تتبع المذاهب السنية، ولكن ليس بالضرورة أن تكون نظريتها طائفية؛ ولكنها قد تنتقل من المذهبية الى الطائفية في ممارساتها وأدائها السياسي.

وصفة الطائفية تختلف عن صفة المذهبية؛ فالمذهبية هي انتماء الجماعة عقيدياً وفقهياً الى مذهب إسلامي معين، أما الطائفية -في الاصطلاح الرائج- فهي خطاب وممارسة اجتماعيان سياسيان غالباً، وتعني التعصب السياسي للجماعة الدينية، وتغليب مصالح الطائفة (الحاضنة الاجتماعية) التي ينتمي اليها الحزب اجتماعياً؛ على مصالح الطوائف الأخرى وعلى مصلحة الوطن والشركاء فيه، ومحاولة تهميش وإقصاء الطوائف الأخرى، ومن هنا؛ فإن صفة الطائفية يمكن أن تطلق أيضاً على غير الأحزاب والحكومات الدينية؛ كالحكومات والأحزاب السياسية الليبرالية والقومية، فمثلا حزب البعث العراقي هو حزب طائفي، ونظام حزب البعث العراقي كان نظاماً طائفياً؛ على الرغم من أنه حزب علماني معادٍ للدين.

 

الأهداف المرحلية

ويطرح حزب الدعوة الإسلامية أهدافاً مرحلية له؛ تتمثل بما يلي:

1- بعث الفكر الإسلامي الأصيل، ونشر الوعي في صفوف الأمة.

2- تصحيح المفاهيم التنظيمية للحركات الإسلامية، وتجنب الاعتماد على تجارب الحركات اللاإسلامية، وبناء التنظيم على أساس القرآن والسنة الشريفة.

3- نشر الثقافة السياسية وتعميق المنهج الإسلامي في التقييم والتحليل السياسي، وخلق الذهنية السياسية الإسلامية.

4- تطهير المجتمع من التقاليد والأعراف الغربية، وبعث الروح الإسلامية شكلاً ومضموناً في حياة الناس.

5- تربية الأمة التربية الإيمانية الصحيحة؛ التي لا ينفصل فيها المضمون عن الشكل في الممارسات العبادية.. وعلى صعيد الفرد؛ يهدف الحزب الى تجديد بناء الشخصية الإسلامية والأسرة المسلمة، بكل مقوماتهما من تربية وثقافة وسلوك.

 

مستويات الدعاة

وتحقيق “الدعوة” لأهدافها العقائدية المرحلية؛ لا يمكن أن يتم إلّا عبر النخبة الواعية من أبناء الأمة -كما تذكر أدبيات الحزب- وهذا البناء يتأتى من خلال عملية التثقيف والتعبئة الفكرية كمبدأ تفرضه الضرورة الموضوعية، ولذا فقد أولى حزب الدعوة الإسلامية الجانب الثقافي اهتماماً بالغاً، ووضع لذلك برنامجاً دقيقاً لبناء أعضائه (الدعاة) ككتلة وطليعة واعية تقود المجتمع وتؤثر فيه.

وتنقسم الثقافة الحزبية لأعضاء حزب الدعوة (الدعاة) الى ثلاثة مستويات:

1- الحد الأدنى، وهو مفروض على جميع الدعاة، ويشمل:

أ- المداومة على قراءة القرآن بتدبر، وحفظ بعض آياته.

ب- اطلاع مجمل على العقيدة الإسلامية والعقائد الأخرى.

ت- اطلاع مجمل على سيرة الرسول (ص) والصحابة وأئمة المسلمين (ع) وتاريخ الإسلام.

ث- معرفة الأحكام الشرعية والفقهية مورد الابتلاء والحاجة.

ج ـ استيعاب مواد الحزب وأدبياته ونشراته في الفكر العام والفكر التنظيمي والسياسي والإيماني.

2- المستويات العالية:

أ- المستوى الأول: التفهم والتلقي الحسن.

ب- المستوى الثاني: حسن الاختيار والعطاء، وتنسيق الأفكار وتقديمها.

ت ـ الأصالة الفكرية والإبداع، واستنباط الأفكار ومحاكمتها بمقياس الإسلام.

3- الاختصاصات: وهي مرحلة الأصالة الفكرية المكتملة الناضجة في أحد المجالات الفكرية المتعددة.

 

الثقافة الدعوية

كما تنقسم الثقافة الفكرية لحزب الدعوة الى خمسة أقسام، هي:

1- الفكر الإيماني، ويستوعب البعدين الروحي والسلوكي للفرد المسلم والمجتمع المسلم عموماً، والدعاة وجماعة “الدعوة” خصوصاً.

2- الفكر العام، ويختص في مجال توضيح معالم الإسلام والمجتمع الإسلامي.

3- الفكر التنظيمي والحركي، ويشتمل على الأبعاد الفنية والتقنية في العمل التنظيمي الحزبي، وأساليبه العامة والخاصة، وطبيعة علاقة الدعاة بالدعوة وتنظيماتها.

4- الفكر السياسي العام، ويوضح جانب المذاهب والأفكار السياسية المختلفة، والأحداث الجارية في بلاد المسلمين والعالم، ويشتمل على التحليل السياسي العام؛ أي القواعد والأسس، والتحليل الخاص، وكذلك التثقيف السياسي.

5- فكر الحكم، على الرغم من أن الحزب يدمج فكر الحكم في الفكر السياسي؛ ولكن لهذا الفكر خصوصية بالغة الأهمية، وينبغي فصله عن الفكر السياسي؛ لأنه يوضح رأي الحزب في القانون الدستوري الإسلامي والنظام السياسي الإسلامي والدولة الإسلامية؛ على اعتبار أن الدولة الإسلامية هي الهدف شبه النهائي لحزب الدعوة، ووسيلته لبلوغ هدف تطبيق الشريعة الإسلامية.

وفي المجال الاختصاصي؛ ينقسم فكر حزب الدعوة الى قسمين:

الفكر العام: وهو الفكر العلني الذي دونه مؤسسو الحزب ورواده وقادته وكوادره في كتبهم ومحاضراتهم العامة.

الفكر الخاص: وهو الفكر الداخلي الخاص بالحزب، وغالباً ما كان ولا يزال تكتبه نخبة قليلة من مفكريه وينشر في نشرات الحزب الداخلية؛ ولاسيما “صوت الدعوة”.

 

المراحل الأربعة

وتقول أدبيات الحزب بأن “الدعوة” من أجل أن تسير نحو تحقيق أهدافها سيراً تكاملياً دقيقاً؛ فإنها تبنت العمل المرحلي كسنة كونية وشرعة إسلامية مستمدة من سيرة الرسول الأعظم (ص) في دعوته الأولى، وكضرورة يفرضها واقع الأمة والظروف العامة الراهنة، وبناءً على ذلك قسم حزب الدعوة الإسلامية مسيرته الى أربع مراحل، هي:

المرحلة الأولى: التغييرية:

وتتسم بالسرية التامة وعدم إفشاء اسم الحزب وعناصره وخططه، وتعمل فيها “الدعوة”على نشر الوعي الثقافي والفكري والتغييري في الأمة، وإيجاد الكتلة المنظمة المغيرة، وبناء الحزب كماً وكيفاً.

المرحلة الثانية: السياسية:

وتتمظهر بالصراع مع السلطة السياسية الحاكمة بكل الوسائل والإمكانات المتاحة؛ السياسية، العسكرية، الفكرية والإعلامية؛ وصولاً الى تقويضها.

المرحلة الثالثة: تسلم السلطة:

ويتم فيها بناء الدولة والمجتمع عموماً، بعد استكمال عملية الصراع مع السلطة الحاكمة، وإقامة النظام الإسلامي في أحد البلدان (الأقاليم) التي أنهى فيها الحزب المرحلة السياسية.

المرحلة الرابعة: القيادية والتطبيقية:

وتتمثل في تطبيق الشريعة الإسلامية ومراقبة عملية التنفيذ، ومواصلة العمل لتحكيم الإسلام في جميع البلدان الإسلامية، ودعوة العالم إليه.. وتتلخص في منهجية المرحلية التي يتبناها حزب الدعوة؛ ولاسيما المرحلة الرابعة؛ عقائدية الحزب، وكونه  حزبا دعويا عقائديا وعالميا.

 

مثالية نظرية “الدعوة”

ظلت الأسئلة والإشكالات الفكرية تلاحق حزب الدعوة منذ تأسيسه؛ ولاسيما تلك التي تقارن بين نوعية النظرية وحجم التطبيق، ويبدو أن كثيراً من هذه الأسئلة والإشكالات مقبولة؛ بالقياس لطبيعة نظرية “الدعوة” وعقائديتها وغاياتها وأهدافها وأفقها العالمي؛ حسبما أثبته مؤسسو الدعوة ومنظروها في نهاية الخمسينات وعقد الستينات؛ وهي نظرية مثالية في كثير من ركائزها. ولعل هذا الجنوح المثالي يعود الى عاملين:

العامل الأول: طبيعة أعمار وحجم خبرات الشباب العشريني المؤسس والرائد والمنظر؛ على اعتبار أن 90 بالمئة من مؤسسي حزب الدعوة ورواده كانوا شبابا في العشرينات من عمرهم، وكانوا يعيشون اندفاعا حركيا كبيرا، وحماسا دينيا بحجم التاريخ والجغرافيا.

العامل الثاني: تأثر هؤلاء الشباب الواعي المتحمس بضجيج الآفاق الايديولوجية للأحزاب التغييرية الانقلابية الشمولية العابرة للحدود؛ كالشيوعية والناصرية والبعثية والإخوانية والتحريرية؛ وهي عقائد تهدف الى تغيير الأمة والعالم والى صياغتهما من جديد.

 

تغيير العالم

وحيال ذلك لم يكن شباب “الدعوة” الأوائل يستكثرون على أنفسهم التفكير بمنهجية تغيير الأمة والعالم؛ أسوة بما كان يصرخ به: ماركس ولينين وتروتسكي وماو تسي تونغ وحسن البنا ومحمد تقي النبهاني وميشيل عفلق وجمال عبد الناصر وسيد قطب والمودودي وغيرهم، وكان الدعاة يعيشون دائماً وقع خطوات هذه النماذج الحسية الواقعية المعاصرة؛ عبر الكتب والنشرات، أو عبر التحسس المباشر، صحيح أن النظرية الإسلامية هي نظرية تغييرية شمولية عالمية؛ إلّا أن التأثيرات الشعورية واللاشعورية الحسية اليومية المباشرة في الدعاة؛ كانت الأقوى والأكبر، وأضيف على هذا التأثر بعد عام 1979 تأثر فكري وسياسي ومنهجي وتغييري وانقلابي أكثر قرباً من ايديولوجيا “الدعوة”؛ ولكنه إسلامي شيعي هذه المرة؛ تمثل بثورة الإمام الخميني في ايران.

هكذا كانت مرامي التغيير في أدبيات الدعوة؛ فقد كان المؤسسون والرواد يقصدون بالدعوة الانقلابية، مثلاً ـتغيير المجتمع وتغيير الأمة تغييراً جذرياً يستوعب كل مجالات الحياة؛ وصولاً الى تغيير العالم وإخضاعه للشريعة الاسلامية. ولم تكن أدبيات الدعوة تقتنع بالعمل على تغيير شيعة العراق أو الوطن العراقي فقط؛ بل تغيير كل الأمة الإسلامية؛ بعد أن رفض الدعاة –ابتداء- المذهبية؛ لأنها تحجم “الدعوة” في حدود الـ (200) مليون شيعي آنذاك؛ فلماذا تستغني عن الـ (800) مليون سني حينها!؟ وبذلك رفض حزب الدعوة أن يكون جماعة في الأمة أو قيادة في الأمة على الأقل؛ بل ليكون قيادة للأمة بشيعتها وسنتها؛ بعربها وعجمها؛ وهو ثوب لم تكن المرجعية الدينية العليا في النجف أو قم تحلم أن تلبسه يوماً.

 

أعباء الأنبياء

وإذا تمت محاسبة “الدعوة” في مضمار التطبيق قياساً الى نظريتها ورسالتها وأهدافها ورؤيتها لنفسها؛ لصدقت معظم المؤاخذات عليها والانتقادات، ولكانت كل الإشكالات واردة؛ لأن رواد حزب الدعوة حملوا أنفسهم أعباء الأنبياء وهموم الأوصياء، ومسؤولية بناء الأمة من جديد؛ أي أنهم أسسوا لنظرية كبيرة واسعة الأفق كثيراً، ولا يستطيع هو ولا عشرات الأحزاب الإسلامية حملها؛ فضلاً عن الشيعية منها؛ لأن أزمات الأمة عميقة وكبيرة؛ تاريخية وجغرافية وبنيوية، ومن المستحيل تفكيكها وتصفيرها من أي حزب ودولة؛ مهما بلغا من القوة الفكرية والمادية والاتساع الجغرافي، أما إذا كان حجم مسؤولية حزب الدعوة تجاه أزمات الأمة ومشاكلها بالقياس الى إمكانياته الواقعية؛ وليس بالقياس الى تنظيراته وأهدافه؛ فإنه لا يتحمل مسؤولية معظم تلك الأوزار الموروثة والإخفاقات المتراكمة في الأمة، وكل أعباء تغيير المجتمع، وقلب أوضاع الأمة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وفي هذا المجال يعلم رواد “الدعوة” أن هوية حزب الدعوة تتعارض وجودياً مع أربع حقائق محلية إقلمية ودولية:

الأولى: إن حزب الدعوة جماعة تنتمي الى الاجتماع الديني النجفي؛ بكل تعقيداته، ولكنها في السلوك الحركي والفكر السياسي غير منسجمة –غالباً- مع هذا الاجتماع؛ لأنه نظام اجتماعي ديني تقليدي لا يؤمن –عادة- بالعمل الحزبي ولا يمارس العمل السياسي اليومي؛ بما في ذلك الجزء الثوري المسيس من هذا النظام.

الثانية: إن حزب الدعوة هو جماعة تغييرية انقلابية عابرة للحدود؛ تعمل في دولٍ لها قوانينها الدستورية وتعريفاتها في القانون الدولي، وفي ظل أنظمة طائفية قمعية لا تسمح بأي تغيير فكري أو سياسي؛ فكيف إذا كان هذا التغيير صادراً من جماعة إسلامية شيعية عابرة للحدود!.

الثالثة: إن حزب الدعوة هو جماعة دينية سياسية شيعية؛ تعمل في بيئة اجتماعية سياسية سنية، ونظام سياسي طائفي، ومحيط إقليمي جغرافي قومي سني؛ أي بحر من الأكثرية السنية العربية وغير العربية في العالم الإسلامي؛ والتي لا تتفاعل –غالباً- مع حركة عقائدية سياسية شيعية.

الرابعة: إن حزب الدعوة جماعة معادية للاستعمار، وتعمل على تأسيس منظومة سياسية وفكرية وحقوقية مستقلة؛ بينما تتحكم في الإقليم العربي والإسلامي منظومة استعمارية محلية وإقليمية ودولية؛ منحازة الى إحدى الدول العظمى؛ بريطانيا أو الاتحاد السوفيتي أو الولايات المتحدة الاميركية.

 

شيعة العراق

وبالتالي؛ فإن مساحة عمل “الدعوة” الواقعية هم شيعة العراق غير المقتنعين بفاعلية المنظومة الشيعية التقليدية، أي أنها حركة محاصرة بجدران من (الكونكريت) التاريخي والديموغرافي، في حين كانت الكوادر القيادية الرائدة في حزب الدعوة مقتنعة بأن حضور “الدعوة” في الأمة لا يقل – نسبياً - عن حضور جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير، والحال أن حزب الدعوة يختلف عن الأخوان والتحرير اختلافا اجتماعيا سياسيا جذريا؛ إذ تنتمي جماعتا الإخوان والتحرير الى الاجتماع الديني السني الذي تنتمي اليه جميع أنظمة البلدان الإسلامية - عدا إيران - كما تنتميان الى الأغلبية المذهبية السنية في العالم الإسلامي، ولا مشكلة طائفية لديهما مع أنظمة الحكم، وهو عنصر بنيوي يفتقد إليه حزب الدعوة، ويقف مانعاً مستحيلاً أمام قدرته على تحقيق غاياته وأهدافه النهائية، وكان الدعاة يختلفون عن الشيوعيين أيضاً؛ لأن الشيوعيين كانوا يهيمنون ديموغرافياً على ثلث سكان الكرة الأرضية وعلى أنظمة ربع دول العالم، بينما لم تكن هناك أية دولة في العالم ترضى بوجود جماعة على أراضيها تحمل أفكار حزب الدعوة وأهدافه؛ فضلاً عن تبنيه ودعمه، حتى إيران الشيعية؛ فقد كان نظامها السياسي - حتى العام 1979 - علمانيا بامتياز ويحارب الجماعات الإسلامية السياسية، ولكن بالرغم من كل ذلك؛ فقد نظر الدعاة العشرينيون لهذا الحجم المتضخم من رسالة حزبهم وغاياته وأهدافه ومهامه وهمومه.

(يتبع)...

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

 

حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي (7)

ali almomenالخلفيات الإثنية والإجتماعية لمؤسسي الدعوة وقادتها: أرى أن جملة من المعادلات خدمت الدعاة الأوائل العشرينيين في إحداث التغييرات التي أشارت اليها أدبيات حزب الدعوة؛ أهمها:

1- ان الوسط الشيعي كان يعاني من الفراغ في وجود تنظيم شيعي تغييري ايديولوجي، يواجه حزب البعث والحزب الشيوعي من جهة، ويوازي حزب التحرير وجماعة المسلمين من جهة أخرى، ويكون في نهج التقليدية الدينية من جهة ثالثة؛ الأمر الذي حقق لحزب لدعوة انتشاراً سريعاً ونوعياً في الوسط الشيعي الديني التواق الى التنظيم والى الإصلاح على المستويات الدينية والاجتماعية والسياسية، وجعل الشباب الشيعي المتدين المتعلم يتفاعل بقوة مع التنظيم الجديد وينخرط فيه ويتبنى أفكاره، وحماسة هذا الشباب في الحركة والتغلغل والنفوذ؛ جعلهم يمسكون بمفاصل التأثير المباشر في العمل الثقافي والديني وفي المؤسسات والجمعيات الثقافية والدينية والعلمية القائمة، ولاسيما “جماعة العلماء” و”كلية الفقه” و”جمعية منتدى النشر” في النجف الاشرف، ثم “جماعة العلماء” في الكاظمية وبغداد وغيرها.

 

حماية المرجعية

2- إن الدعاة الأوائل كانوا يتمتعون بحماية المرجعية الدينية العليا المتمثلة بالإمام السيد محسن الحكيم، ومن بعده مرجعية الإمام السيد أبي القاسم الخوئي، إضافة الى المرجعيات الكبيرة الأخرى كالسيد عبد الله الشيرازي والسيد محمود الشاهرودي، فضلا عن احتماء الدعاة بعدد من كبار الفقهاء الإصلاحيين، كالشيخ محمد رضا المظفر والشيخ مرتضى آل ياسين والشيخ محمد أمين زين الدين والسيد اسماعيل الصدر، بل كان عمل أعضاء حزب الدعوة في إطار مرجعية الإمام الحكيم ومشروعاته الدينية والثقافية؛ كالمكتبات العامة مثلاً؛ أكبر الأثر في انتشار “الدعوة” وفي تغطيتها دينياً واجتماعياً، كما ان عدداً كبيراً من الدعاة الأوائل كان ينتمي الى البيوتات الدينية العراقية واللبنانية والإيرانية ذات التأثير الاجتماعي الكبير في النجف؛ كآل الحكيم وآل الصدر وآل بحر العلوم وآل ياسين وآل فضل الله وآل شمس الدين وآل شبر وآل الغريفي وآل كاشف الغطاء وآل الجواهري وآل الخوئي، كما كان كثير من أولاد وأحفاد وأصهار هؤلاء مراجع النجف وفقهائها أعضاء في حزب الدعوة، وبالتالي؛ كان لهذه الحماية الدينية الاجتماعية الأثر الأهم في تحرك الدعاة بحرية في الوسط الديني والاجتماعي الشيعي.

 

مدرسة المظفر الإصلاحية

3- أسهمت المدرسة الإصلاحية للشيخ محمد رضا المظفر مساهمة نوعية في احتضان الدعاة وحمايتهم وتسهيل انتشار حزب الدعوة ونموه؛ لأن “الدعوة” وجدت في أبناء هذه المدرسة قاعدة جاهزة اعتمدت عليهم في تحركها، حتى أن “جمعية منتدى النشر” في النجف الأشرف ومدارسها وكلية الفقه التابعة لها؛ وجميعها تأسس بجهود الشيخ محمد رضا المظفر، وظل يرأسها حتى وفاته عام 1964؛ كانت بؤرة لعمل “الدعوة” ولتخريج الدعاة العلماء الجاهزين للتحرك، وهو ما كان يحصل في بغداد أيضاً في مؤسسات السيد مرتضى العسكري الدينية التعليمية في الكاظمية وبغداد؛ ولاسيما مدارس: الإمام الكاظم والإمام الجواد وكلية أصول الدين، ولذلك نجد أن لمدرسة حزب الدعوة في التغيير والإصلاح جذوراً في أفكار وتوجهات الفقيه المجدد الشيخ محمد رضا المظفر، وبنسبة أقل في أفكار الزعماء الآخرين لحركة الإصلاح الإسلامي المعاصر في العراق في العقود الستة الأولى من القرن العشرين الميلادي؛ كالسيد هبة الدين الشهرستاني والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء وغيرهما، ومن هنا؛ كانت البيئة التنموية التوعوية التي وفرتها مدرسة الشيخ المظفر لحزب الدعوة بالغ الأثر في احتضان الدعاة علمياً وفكرياً وثقافياً.

 

جماعة العلماء

4- بادر قياديو “الدعوة” وكادرها من علماء الدين العشرينيين الى الانخراط في العمل ضمن “جماعة العلماء” في النجف الأشرف بعد تأسيسها عام 1958 و”جماعة العلماء” في بغداد والكاظمية بعد تأسيسها عام 1965، فقد كان الدعاة يمثلون الجهاز التنفيذي لجماعة علماء النجف، ويديرون مجلة الجماعة (الأضواء) ومنشوراتها وأعمالها الثقافية، وأبرزهم: السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد مهدي الحكيم والسيد مرتضى العسكري والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله والسيد طالب الرفاعي والسيد محمد باقر الحكيم والسيد محمد بحر العلوم والشيخ عبد الهادي الفضلي والشيخ أحمد الوائلي والسيد عدنان البكاء والشيخ مهدي السماوي، وكانوا يستندون في حركتهم داخل الجماعة واستثمار إمكاناتها الى دعم رئاستها المتمثلة بآية الله الشيخ مرتضى آل ياسين لهم وكثير من أعضاء الهيئة الإدارية للجماعة، أما ما يتعلق بجماعة علماء بغداد والكاظمية؛ فقد كان تأثير الدعاة أكبر حجماً؛ لأن معظم مسؤولي الجماعة كانوا من مؤسسي وقادة حزب الدعوة الإسلامية.

5- كان أعضاء حزب الدعوة من علماء الدين يمارسون من خلال عملهم كوكلاء وممثلين ومعتمدين لمرجعية السيد محسن الحكيم ومرجعية السيد أبي القاسم الخوئي ومرجعية السيد محمد باقر الصدر؛ دوراً ثنائياً؛ يعود بالفائدة المعنوية الكبيرة على حزب الدعوة، ويطرحه ممثلاً وحيداً وشرعياً للحالة الحركية الإسلامية الشيعية، وكان معظم هؤلاء الدعاة الوكلاء شباباً في العشرينيات والثلاثينيات، ولكنهم كانوا يتمتعون بالغطاء الديني المرجعي.

 

حرمان وتمييز طائفي

6- كانت الأفكار التغييرية العميقة التي يطرحها الدعاة الأوائل؛ تلقى رواجاً كبيراً في الأوساط الاجتماعية الشيعية؛ التي تتلمس الحرمان السياسي والتمييز الطائفي بسبب ممارسات الدولة، ولاسيما في أوساط الشباب العربي القادم من مدن الفرات الأوسط والجنوب العراقي للدراسة في الحوزة العلمية النجفية وجامعة بغداد، الى جانب الشباب الكردي والتركماني الشيعي القادم من شرق العراق وشماله، وكذا الشباب الشيعي القادم من جنوب لبنان وبقاعه، أو القادم من القرى البحرينية المحرومة، أو من المنطقة الشرقية المهمشة في السعودية، أو من قبائل “الهزارة” المستضعفة في افغانستان، فكان تأثير هذه الأفكار المنبعثة من النجف الأشرف وبغداد أكبر بكثير من الوعظ الديني التقليدي، أو من الأفكار القومية التنظيرية والفكر الماركسي الذي يلامس حالة الحرمان بصورته العامة وليست الخاصة التي يعيشها الإنسان الشيعي بعنوانه المذهبي.

 

النشاط الفكري والثقافي

7- كان الشباب العشريني الذي يعيش هموم حزب الدعوة؛ هو الأنشط فكرياً وثقافياً على الساحة الدينية، فقد كان الدعاة هم العنوان الأبرز للتجمعات الثقافية ولحركة الكتابة والتأليف والخطابة والندوات، ومثال ذلك: السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد مهدي الحكيم والسيد مرتضى العسكري والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله والسيد طالب الرفاعي والسيد محمد باقر الحكيم والسيد محمد بحر العلوم والشيخ عبد الهادي الفضلي والشيخ أحمد الوائلي والسيد عدنان البكاء والشيخ محمد مهدي الآصفي والشيخ محمد علي التسخيري والشيخ عارف البصري والشيخ علي الكوراني والشيخ عبد الكريم القزويني والشيخ مهدي السماوي وغيرهم، وكان تأثير كتاباتهم وحركتهم مهماً جداً في الهيمنة النسبية على الوسط الإصلاحي الديني، وكان هذا التأثير يحسب لمصلحة “الدعوة” وقدرتها على الاستقطاب؛ وإن كان الداعية يتحرك في مفصل معين بصفته الشخصية أو الدينية البحتة او العلمية المؤسساتية.

 

جنسيات وأعراق

8- لقد كان الدعاة الأوائل، ومن بينهم المؤسسون والتشكيلة القيادية الأولى؛ ينتمون الى عدة بلدان إسلامية؛ ولاسيما العراق ولبنان والسعودية وايران وباكستان وافغانستان والهند والكويت والإمارات المتحدة وسوريا وعمان والبحرين وغيرها، ومن أصول عرقية متعددة؛ عرب وكرد وفرس وتركمان وترك وهنود وأفغان واذربيجانيين وهزارة وطاجيك وغيرها، وفيهم نسبة كبيرة من المستعربين “المستعرقين” (نسبة إلى العراق) من أصول إيرانية وهندية وباكستانية وأفغانية واذربيجانية، وكذلك “المستعرقين” من أصول لبنانية وسعودية وعمانية وبحرينية، وأيضا كويتيين وبحرينيين من أصول عراقية وإيرانية، وهذا التنوع في القوميات والوطنيات يعود الى طبيعة الاجتماع الديني النجفي العالمي الذي ينتمي اليه حزب الدعوة، والذي قام على اندماج هذا الخليط وتجانسه وتضامنه؛ منذ أن تأسست حاضرة النجف الأشرف في عام 449 هـ / 1057 م؛ أي قبل حوالي ألف سنة، وتحولها الى عاصمة دينية اجتماعية لشيعة العالم، وقد أسس صرحها العلمي العرب والفرس والترك من بغداد والكوفة وخراسان وقم وغيرها، وسكنتها قبل ذلك عوائل وعشائر من حواضر العراق وبواديه وأريافه، ومن حاضرة الحجاز وبادية نجد، ومن بلاد فارس واذربيجان، ويضاف الى خصيصة التنوع القومي والوطني والاجتماعي للدعاة الأوائل؛ الخصيصة الثقافية؛ فقد كانوا من المتعلمين تعليماً عالياً.

 

قائمة الدعاة الرواد

9- وأبرز رواد حزب الدعوة الذين تمتعوا بالخصائص السابقة: آية الله السيد محمد باقر الصدر (عراقي)، آية الله السيد مرتضى العسكري (عراقي من أصل إيراني)، حجة الإسلام السيد محمد مهدي الحكيم (عراقي)، المهندس محمد صالح الأديب (عراقي)، عبد الصاحب دخيل (عراقي)، محمد صادق القاموسي (عراقي)، آية الله الدكتور السيد طالب الرفاعي (عراقي)، آية الله السيد محمد باقر الحكيم (عراقي)، المحامي السيد حسن شبر (عراقي)، الدكتور جابر العطا (عراقي)، آية الله السيد محمد حسين فضل الله (لبناني)، آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين (لبناني)، آية الله الدكتور السيد محمد بحر العلوم (عراقي)، آية الله الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي (سعودي)، حجة الإسلام الشيخ عارف البصري (عراقي)، الدكتور الشيخ أحمد الوائلي (عراقي)، الدكتور السيد داود العطار (عراقي)، السيد محمد كاظم البجنوردي ( إيراني)، آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي (عراقي من أصل إيراني)، المهندس السيد موسى الخوئي (عراقي من أصل إيراني)، آية الله السيد كاظم الحائري (عراقي من أصل إيراني)، آية الله السيد علاء الدين الحكيم (عراقي)، آية الله الدكتور السيد محمد حسين الحكيم (عراقي)، عبد الزهرة عثمان (عز الدين سليم- عراقي)، حجة الإسلام الشيخ علي الكوراني (لبناني)، آية الله الشيخ محمد علي التسخيري (عراقي من أصل إيراني)، آية الله السيد عارف الحسيني (باكستاني)، آية الله السيد علي النقوي (باكستاني)، آية الله الشيخ سليمان المدني (بحريني)، آية الله الشيخ عبد الأمير الجمري (بحريني)، آية الله السيد عبد الله الغريفي ( بحريني)، آية الله الشيخ عيسى قاسم (بحريني)، حجة الإسلام السيد سامي البدري (عراقي)، آية الله السيد علي الامين (لبناني)، حجة الإسلام السيد عبد الرحيم الشوكي (عراقي)، مهدي السبيتي (لبناني)، علي الأديب (عراقي)، آية الله السيد عبد الكريم القزويني (عراقي)، آية الله الشيخ مهدي العطار (عراقي من أصل إيراني)، آية الله الشيخ عفيف النابلسي (لبناني)، حجة الإسلام الشيخ علي محقق (أفغاني)، آية الله الشيخ محمد هاشم الصالحي (أفغاني)، آية الله الشيخ طالب الجوهري (باكستاني)، آية الله السيد ذي شان حيدر (الهند)، حجة الإسلام السيد عباس الموسوي (لبناني)، حجة الإسلام الشيخ صبحي الطفيلي (لبناني).

 

نفي أنصار الشخصيات الدينية

وأشير هنا الى أن أنصار بعض هذه الشخصيات ينفي انتماءها الى حزب الدعوة، وينطبق هذا على أنصار الشيخ محمد مهدي شمس الدين ( لبنان) والشيخ أحمد الوائلي (العراق) والسيد محمد محمد صادق الصدر( العراق) والسيد عباس الموسوي (لبنان) وغيرهم، وقد اتصل بي قسم منهم أو راسلني، وفضّل آخرون التشهير على وسائل الإعلام، وقد كتبت عن هذه الجدلية تفصيلاً في أحد ملاحق هذا الكتاب؛ جواباً على مداخلة مطولة لأحد أنصار السيد محمد محمد صادق الصدر.

وعموماً أعتقد بأن انتساب أية شخصية الى حزب الدعوة في وقت من الأوقات؛ لا يعني بالضرورة أنها بقيت محتفظة بانتمائها للدعوة، او بقيت تؤيد منهج حزب الدعوة وعمله برمته، فلكل شخصية ظروفها الموضوعية والذاتية في الانتساب للدعوة وفي تركه أو في استمرارها وفي تأييده وفي معارضته، وانتساب الاشخاص الى حزب الدعوة هو موضوع تاريخي صرف؛ لا يرفع من شأن الفرد ولا يحط منه؛ حتى لو سبق له الانتماء اليه يوماً واحداً فقط، وهكذا اختلافهم مع الحزب أو مع قيادته أو مع نظريته، وبالتالي، فإن النفي والاثبات لا يلغيان الحقيقة.

(يتبع)...

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

 

حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي (11)

ali almomenمن المجلس الفقهي الى إدارة الدولة: يمكن تسمية الفترة من 1981 وحتى العام 1984 بمرحلة هيمنة الفقهاء على الحزب؛ إذ كان توجيه الحزب يتم عموماً من علماء الدين؛ وتحديداً الشيخ محمد مهدي الآصفي والسيد كاظم الحائري والسيد مرتضى العسكري والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين والشيخ محمد علي التسخيري، وقد حصلت هذه الهيمنة بعد التحولات الداخلية التي خرج فيها محمد هادي السبيتي من القيادة، ثم انشقاق معظم من كان يمثل خطه؛ يتزعمهم الشيخ علي الكوراني وعز الدين سليم (الشهيد عبد الزهرة عثمان)، والذي انتهى بتأسيس “حركة الدعوة الإسلامية” التي بقي يترأسها الداعية القيادي عز الدين سليم حتى اغتياله في بغداد العام 2004، إضافة الى استحداث منصب “فقيه الدعوة” الذي شغله السيد كاظم الحائري، ثم تأسيس “المجلس الفقهي” بعد تصويت “مؤتمر الزهراء” للحزب على إلغاء المنصب. إلّا أن مرحلة هيمنة الفقهاء بدأت بالأفول تدريجياً بعد العام 1984 بخروج الحائري والتسخيري من الحزب، وابتعاد العسكري وشمس الدين عنه، وانتخاب قيادة جديدة كانت فيها نسبة علماء الدين أقل من غير العلماء، وقد تسبب إلغاء مادة “المجلس الفقهي” من النظام الداخلي في انشقاق عدد من الدعاة وأسسوا “حزب الدعوة ـ المجلس الفقهي” الذي ما لبث أن انحل بعد سنوات قليلة.

 

الانتفاضة الشعبانية 1991

كما شهدت المرحلة الخامسة من تاريخ الحزب؛ بوادر سقوط نظام البعث في العراق؛ إثر إعلان غزو صدام دولة الكويت في العام 1990؛ أعقبه إخراج جيشه بالقوة منها في العام 1991، واندلاع الانتفاضة الشعبانية في العراق في 14 آذار من العام 1991؛ التي سقطت فيها 14 محافظة عراقية بيد الثوار من مجموع 18 محافظة عراقية، وقد أدخل هذا الواقع حزب الدعوة في مرحلة ممارسة سياسية صعبة؛ دخلت فيها الحركة الإسلامية العراقية المدعومة إيرانياً مرحلة التراجع؛ مقابل صعود الحركات العلمانية المدعومة أميركياً.

 

المرحلة الأوروبية

6- المرحلة السادسة (1992 –2007): وهي مرحلة الدكتور ابراهيم الجعفري الأوروبية ثم العراقية؛ يليه في التأثير داخل الحزب: علي الأديب ونوري المالكي. وفي هذه المرحلة أخذ نجم الشيخ محمد مهدي الآصفي يأفل بالتدريج، مقابل صعود نجم الدكتور إبراهيم الجعفري وعلي الأديب ونوري المالكي؛ فأصبح هذا الرباعي أبرز شخصيات “الدعوة”؛ حتى استقالة الآصفي من القيادة العام 1999، وحينها أصبح الفعل الأساس داخل “الدعوة” للثلاثي ابراهيم الجعفري وعلي الأديب ونوري المالكي.

 

سنوات الرماد

وفي هذه المرحلة؛ وبالتحديد حتى العام 2003؛ أخذت مرحلة تراجع دور الحركة الإسلامية العراقية المدعومة إيرانياً، مقابل صعود الحركات العلمانية المدعومة أميركياً، تتبلور بالتدريج، وقد أسميتها بـ “سنوات الرماد”. وفضلاً عن دعم واشنطن لأهم الجماعات العلمانية العراقية المعارضة؛ فقد دخلت لندن والرياض والكويت وعمّان على خط المعارضة العراقية أيضا، وأصبح لكل منها جماعات تدعهما؛ بعد أن ظل دعم المعارضة العراقية محصوراً من العام 1979 وحتى العام 1990 على دمشق وطهران فقط؛ وهو ما أحرج حزب الدعوة كثيراً حيال مسؤولياته وقواعده وجمهوره؛ بعد أن كان الجمهور الشيعي ينظر الى حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية بأنهما يمثلانه في المعركة مع نظام صدام، والوحيدان الجديران بقيادة المعركة.

 

حزب الدعوة - تنظيم العراق

وقد أسهم انشقاق مجموعة من القياديين والكوادر في العام 1999 في إضعاف حزب الدعوة ودوره، وانتهى الانشقاق الى تأسيس تنظيم جديد حمل اسم “حزب الدعوة ـ مؤتمر الإمام الحسين”، ثم عرف فيما بعد بـ “تنظيم العراق”.

وكان “تنظيم العراق” سباقاً في تغيير النظام الداخلي للحزب وفي استحداث منصب الأمين العام؛ وذلك في العام 2004، وقد تم تعيين مفكر الحزب السيد هاشم الموسوي أميناً عاماً للتنظيم.

وفي هذه المرحلة أيضاً اجتمعت قيادة حزب الدعوة للمرة الأولى في تاريخه في بلد واحد؛ هو العراق؛ بعد سقوط دولة حزب البعث العام 2003. وعلى إثر ذلك تسلم ممثل حزب الدعوة والقيادي الأبرز فيه ابراهيم الجعفري منصب رئيس مجلس الحكم الانتقالي ثم نيابة رئاسة الجمهورية ثم رئاسة الوزراء، وهي مرحلة مهمة؛ إذ تمت فيها إعادة البناء السياسي للحزب، وتفعيل تأثيره في الواقع السياسي العراقي؛ بعد أكثر من عقدين تراجع خلالهما تميزه السياسي والإعلامي.

ومن أبرز مظاهر هذه المرحلة التوقف الفكري للدعوة؛ وصولاً الى حالة التشتت في المسار الفكري، وغلبة فكر الحكم وممارساته على فكر الدعوة وممارستها.

 

مرحلة المالكي القوية

7- المرحلة السابعة (2007–  حتى الآن): هي مرحلة نوري المالكي العراقية؛ يليه في التأثير علي الأديب والدكتور طارق نجم والدكتور حيدر العبادي والشيخ عبد الحليم الزهيري، وهي مرحلة القوة التاريخية بالنسبة لحزب الدعوة، والتي تميّز فيها الحزب سياسياً وإعلامياً بشكل لم يتسن له من قبل، إلّا في مرحلة ظهوره الإعلامي القوي خلال العام 1980. ويعود ذلك الى الكسب السياسي والجماهيري غير المسبوق الذي حققه نوري المالكي للحزب خلال دورتي رئاسته الحكومة العراقية، والذي حوّله الى الحزب الأول في العراق طيلة ثماني سنوات. وفي هذه المرحلة تم ولأول مرة انتخاب قيادة الحزب في مؤتمر علني، واستحداث منصب الأمين العام؛ وذلك في بغداد في العام 2007. وإثر انتخاب رئيس وزراء العراق نوري المالكي أميناً العاماً للحزب؛ انسحب ابراهيم الجعفري من حزب الدعوة، وأسس حركة مستقلة؛ أسماها “تيار الإصلاح الوطني”؛ وهو أول جناح من مدرسة حزب الدعوة لا يطلق على نفسه تسمية دعوية أو إسلامية.

 

تلاحم أجنحة الدعوة

وفي هذه المرحلة (السابعة) جمع نوري المالكي بين رئاسة وزراء العراق والأمانة العامة للحزب ورئاسة ائتلاف دولة القانون الذي يضم حزب الدعوة والكتل الحليفة له، وأصبح نوري المالكي يمثل الرمزية القانونية لحزب الدعوة؛ كما نص النظام الداخلي الجديد، وهي سابقة لم تكن موجودة في الحزب قبل العام 2007. وفي هذه المرحلة أصبح التنسيق بين أجنحة "الدعوة" في أفضل حالاته؛ إذ تشكلت لجنة تنسيق دائمة بين حزب الدعوة (الأم) الذي يتزعمه نوري المالكي وحزب الدعوة (تنظيم العراق) الذي يتزعمه هاشم الموسوي، كما دخل التنظيمان في ائتلاف واحد في جميع الانتخابات المحلية والبرلمانية. وخلال ذلك حصل إنشقاق داخل تنظيم العراق؛ نتج عنه الإعلان عن تنظيم جديد تحت مسمى حزب الدعوة (تنظيم الداخل)؛ بقيادة القيادي السابق في تنظيم العراق عبد الكريم العنزي.

وفي نهايات هذه المرحلة؛ برز القيادي في الحزب الدكتور حيدر العبادي؛ بعد أن حاز على منصب رئيس وزراء العراق في آب من العام  2014؛ إثر تنحي أمين عام الحزب ومرشحه الرسمي نوري المالكي عن الترشح لرئاسة الحكومة، وهي قضية انطوت على ملابسات تنظيمية وقانونية وسياسية، وتسببت في تصدع الحزب وحدوث شرخ نفسي في لحمة قيادته. وقد قاربنا هذا الموضوع في الفصلين الثالث والخامس من هذا الكتاب.

 

خلاصة البحث والتقصي

يمكن تلخيص نتائج عملية البحث والتقصي في خلفيات فكرة حزب الدعوة الإسلامية وتأسيسه ومؤسسيه وانتشاره (الفصل الأول من الكتاب)؛ بما يأتي:

• تأسس حزب الدعوة الإسلامية رسمياً في تشرين الأول 1957.

• إن جغرافيا مرحلة تأسيس حزب الدعوة الإسلامية هي مدينة النجف الأشرف.

• ينتمي حزب الدعوة الى النجف الأشرف في تقاليد الاجتماع الديني والاجتماع الثقافي والاجتماع السياسي.

•  إن مدينة كربلاء هي جغرافيا أول أداء للقسم (القسم الذي أداه مؤسسو الدعوة)؛ ابتعاداً عن أضواء النجف، واستثمار أجواء الزيارة.

•  استمرت مرحلة التحضير للحزب وتأسيسه وانبثاقه طيلة الأعوام 1956 و1957 و1958.

•  كان العمل يجري تحت عنوان “حزب إسلامي” لنحو سنة ونصف السنة، حتى تم إطلاق اسم “الدعوة الإسلامية” عليه في بدايات العام 1959.

• إنّ أركان فكرة الحزب هم خمسة، وترتيبهم حسب التسلسل الزمني لالتحاقهم بالفكرة: السيد محمد مهدي الحكيم، عبد الصاحب دخيل، السيد طالب الرفاعي، محمد صادق القاموسي والسيد محمد باقر الصدر.

•  مؤسسو حزب الدعوة هم عشرة، وترتيبهم حسب التسلسل الزمني لالتحاقهم بأجواء التأسيس: السيد محمد مهدي الحكيم، عبد الصاحب دخيل، السيد طالب الرفاعي، محمد صادق القاموسي، السيد محمد باقر الصدر، السيد مرتضى العسكري، السيد محمد باقر الحكيم، السيد حسن شبر، محمد صالح الأديب والدكتور جابر العطا، وقد حضر ثمانية منهم اجتماع النجف التأسيسي: السيد محمد مهدي الحكيم، عبد الصاحب دخيل، السيد طالب الرفاعي، محمد صادق القاموسي، السيد محمد باقر الصدر، السيد محمد باقر الحكيم، السيد حسن شبر، والدكتور جابر العطا، ولم يحضره السيد مرتضى العسكري وصالح الاديب؛ بينما حضر سبعة منهم اجتماع أداء القسم في كربلاء: السيد محمد مهدي الحكيم، عبد الصاحب دخيل، محمد صادق القاموسي، السيد محمد باقر الصدر، السيد مرتضى العسكري، السيد محمد باقر الحكيم، صالح الأديب، ولم يحضره ثلاثة: السيد طالب الرفاعي، السيد حسن شبر، والدكتور جابر العطا، ويعد مؤسساً من حضر اجتماع النجف التأسيسي واجتماع أداء القسم في كربلاء.

•  أول من أدى قسم الانتماء الى حزب الدعوة هو السيد مرتضى العسكري، لأنه الأكبر سناً، تبعه السيد محمد باقر الصدر مباشرة.

• اللجنة القيادية الرباعية التي أمسكت بالعمل بعد مرحلة التأسيس؛ تألفت من السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد مهدي الحكيم وعبد الصاحب دخيل والسيد مرتضى العسكري.

• السيد محمد باقر الصدر كان محور عملية التأسيس، والمؤسس الأبرز، وهو من كتب النظرية الفقهية السياسية للحزب وأسسه الفكرية، وأطلق عليه اسم “الدعوة الإسلامية”، وكان الأبرز في اللجنة القيادية الرباعية التي أمسكت بالعمل بعد مرحلة التأسيس.

• الشخصيات الأكثر تأثيراً في تكوين حزب الدعوة وبنائه وقيادة تحولاته ومسيرته منذ تأسيسه وحتى كتابة هذه السطور؛ حسب التسلسل التاريخي؛ هم ست شخصيات: السيد محمد باقر الصدر، عبد الصاحب دخيل، محمد هادي السبيتي، محمد مهدي الآصفي، إبراهيم الجعفري ونوري المالكي.

• ينتمي المؤسسون والدعاة الأوائل الى طبقة النخبة الشيعية؛ فعلى مستوى الاجتماع الديني ينتمون الى الطبقتين العالية والمتوسطة (البيوتات الدينية العلمية النجفية)، كما ينتمون الى الطبقة المتوسطة اجتماعياً واقتصادياً، والى الطبقة المتعلمة تعليماً عالياً من ناحية الاجتماع الثقافي.

• حزب الدعوة هو أول حزب إسلامي شيعي في التاريخ؛ بالمعني المعاصر لكلمة الحزب.

• حزب الدعوة هو أول جماعة دينية إسلامية شيعية تؤسس لإمكانية قيادة غير علماء الدين للعمل الإسلامي.

• إن حزب الدعوة أسس ولأول مرة على مستوى التاريخ الشيعي منظومة في الفقه السياسي الإسلامي الشيعي تجيز قيام دولة إسلامية في عصر غيبة الإمام المهدي.

•  يمثل حزب الدعوة التنظيم العالمي الشيعي؛ مقابل التنظيم العالمي السني للإخوان المسلمين والتنظيم العالمي السني لحزب التحرير.

• يمثل حزب الدعوة التنظيم الايديولوجي الديني؛ مقابل التنظيم الايديولوجي العلماني القومي (حزب البعث) والتنظيم الايديولوجي العلماني الالحادي (الحزب الشيوعي).

• في الوسط الشيعي الإسلامي؛ المدني والحوزوي؛ يمثل حزب الدعوة تيار التغيير والفعل السياسي (مدرسة السيد محمد باقر الصدر)؛ مقابل تيار الوسط الإصلاحي (مدرسة السيد محسن الحكيم) والتيار التقليدي المحافظ (مدرسة السيد ابو القاسم الخوئي).

• يمثل حزب الدعوة تنظيم النخبة الشيعية التاريخية المعارضة؛ مقابل تنظيمات النخبة السنية التاريخية الحاكمة.

• إن الرؤية عابرة المذاهب التي انتشرت في حزب الدعوة طيلة عقد ونصف العقد؛ لم تنجح؛ فعاد حزب الدعوة مذهبياً في نظريته الفقهية السياسية؛ كما هو الحال مع الجماعات الإسلامية السنية؛ التي فشلت في الانسلاخ عن مذهبيتها.

 (يتبع)...

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

 

مساءات.. قراءة رحلة الحرف بإكليل الروح

903-zubayda«مساءات» ديوان شعري صـــدر مؤخـــرا للشـــاعرة والإعلاميـــة المغربية زبيدة الخواتري عن دار قرطبة للطباعة. وهو عبـــارة عن رحلـــة إلى مجهول الحرف ومعلومه هو بداية تشكل الكلمة لصياغة العشق الملتحف بتعابير الروح إنها نضـــرة من الذات إلى الأخر بل هي مناجاة في شـــوارع القصيـــدة والكلمة هي بحث عن هوية تقول الشاعرة

أتنفس من رئة الكلمات

أضيع بين هدأت النغمات

 اقتات مني

ومني يكون الفتات..

هذه هي الشـــاعرة المتلهفة للصراخ من نافذة المساء لتستنشق عبير الحياة والرحابـــة انه بحث عـــن الانطلاق إلى فضـــاءات خاليـــة مـــن قيـــود تحاصـــر التغريـــد لكن حينما تصطـــدم بالحدود تضيع كأوراق الخريف لتبدأ في التشكل مـــن جديد كأزهـــار الربيع فهـــي الربيع والخريف تأتي من كنه الأشياء وتنتظر أن يمطر الجســـد ترانيـــم راقصة تحيي أرواحنـــا المكبلـــة بالماضـــي والحاضر والأتي . مساءات ديوان شعري يستحق القراءة. يعتبر ديوان «مســـاءات» للشـــاعرة والاعلاميـــة المغربية زبيـــدة الخواتري بمثابـــة الديـــوان الثانـــي بعـــد ديوان «حضـــور» وهو ّتحول جديـــد يحمل في خباياه طريق التحديث بل هو ّتمرد على الحرف وحتى العادات الأدبية واللغة. وقـــراءة الديوان تحتـــاج الى تأني كبيرمـــن أجـــل اضهـــار مجموعـــة من الجوانـــب الابداعيـــة للشـــاعرة فرحلة المســـاءات الملتحفة بالزرقـــة من خلا ل سيمولوجية الغلاف والتي تعني صفاء الـــروح والفكر بل هـــو ابحار فوق موج القصيـــدة والحـــرف لمعانقة المســـاءات كرحلـــة عبور نحـــو أفق جديـــد لتغيير نمطيـــة مميتـــة توصـــل الى احســـاس بالفراغ وهناك قصيـــدة توحي الى هذا في( ص45 (من الديوان:

903-zubaydaأمكنة تفرغ

 شمس تختفي

ظلا ل تبهث

كأنك ترحل

كأنك تنتزع مني

 ولم أعد أراك ..

هذا التعبيـــر النفســـي يحيلنا الى أن الشـــاعرة تبحـــث عن طيـــف مفقود تنتزعـــه اللحضـــات وتخفيـــه العتمـــة فيخلـــق بداخلهـــا الالـــم الابداعي الذي يرغب الخروج من شرنقة الحصار الذي تضربه عليه الاعراف ســـواء المجتمعية وحتى الأدبية. ومن خلال إهداء زبيـــدة الخواتري و مقدمتهـــا «بســـط لما فـــي الحرف من مســـاءات» التي وضعتهـــا في الصفحة الخامســـة من الديـــوان يلحـــظ القارئ وجـــود هذا البحث عن الحرية الابداعية دون قيـــد مـــن خـــلال معاكســـة الحرف بأســـاليب روحانيـــة تبرز مـــدى رهافة الاحساس الشـــعري عند زبيدة ، ويبدو ذلك واضحا عبر لغة شاعرية تحمل روح الإحســـاس بالقوة والضعف والصمود بـــلا استســـلام والاســـتعداد للتحليق بأجنحة القصيدة. في بحـــث مضني عن ذلـــك المتنفس الذي يجتمـــع فيه الضد بضـــده وتبرم بينهمـــا اتفاقية ســـلام، فتكـــرس كلاما يحمـــل مغـــازي فـــي نفســـها ويجعلها تخاطـــب الآخرمـــن أجل تحقيـــق الذات والوصول الى نيـــل رضا هذا الآخر انه بحث عن التواصل من أجل الفهم وإزالة اللبس قصد ازالة الهوة لتحقيق تواصل ليس فيه شوائب تقول الشاعرة:

 كلما اقترب كوكبي من كوكبك

تحاشيت الصدام

وغادرت مداراتك..

 عطلت الزمان

كنست المكان

 تمردت على الاستسلام

ظننت أن العمر قد مر بسلام..

إن رمزية المســـاءات عند الشاعرة لا تقتصر على الزمن بمعناه النمطي لكنها تتعداه كي تســـرد لنا أحاسيس تنفجر حروفا تبحث عن معنى في صدامها مع لحظة زمنية تؤثر في مداخلها فيحصل هذا التـــزاوج بين الالم الابداعي والزمن المتمثـــل فـــي المســـاءات ان القصيـــدة عنـــد زبيـــدة الخواتـــري ليســـت مجرد تعبيرجـــارف فنحن من شـــرفة القصيد نطل على القيم الجميلـــة المنفتحة على كل الـــدلالات الراغبةفي ايصال ازهارها الـــى حدود الشـــمس بل ترغب تكســـير اقفال الصمت من اجل البوح لزرقة الماء وعذوبتـــه فمن الصمت تأتـــي القصيدة ومن الصمت تتشكل الفكرة

 تنبش سكون الصمت

تهمس للماء

تهمس للشمس

فكلانا باتجاه الغروب يرحل ..

خذ ضوئي الخافث واكتفي

خذه زادا للقاء..

إن ديوان الشاعرة زبيدة يحيلنا الى تلـــك العوالم الروحانية التي تحمل ذلك الحـــس الصوفي من بركانهـــا الابداعي الـــذي يرغب فض عذرية اللغة والخروج من الخجـــل الابداعي الى فضاءات أكثر رحابـــة تنفتح من خلا لهـــا على جميع الرمزيات. وتغوص فـــي موج القصيدة الأزرق الـــذي تحمله دلالـــة الغلاف فهو عنوان الانجداب نحو التيه والتمرد بل هـــو مغامرة ابداعية علـــى موج الحرف الذي كســـر الحجروهمس للماء، للطير، للشجر... بأن المساءات هي إكليل الروح بـــل عصفور يغـــرد رافضا الاستســـلام والصمت من أجل المجاهرة بالتمرد.

 

 

إشكالية التراث- والحداثة في الفكر العربي المعاصر باكورة أعمال محمد حسين الرفاعي

902-husanصدر عن مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"- الرباط، كتاب "إشكالية التراث- والحداثة في الفكر العربي المعاصر- مقدمة نظرية في قراءة المعرفة السوسيولوجية الآتية إلينا من بلدان العلم في الغرب (دراسة في إبستيمولوجيا السوسيولوجيا)"، للباحث العراقيّ محمَّد حسين الرفاعي. وهو الجزء الأول من ثلاثية يعد بها الرفاعي تدرس (إبستمولوجيا السوسيولوجيا).

ويعتبر الكتاب الأول من نوعه في تناول موضوع في الفكر العربي المعاصر. إنه الكتاب الأول، لا في موضوعه (كونه موضوعاً مستهلكاً بشكل كبير)، بل في منهجه، ومنطق فهمه، وتوجُّهه، وحقل الفهم الذي يقدمه بشأن الإشكالية.

يقع الكتاب كله في لحظة المقدمة، ولا يغادرها، وهو بحث قائم فوق البحث. (فوق البحث) أي فوق النظرة الشائعة للأبحاث الآكاديمية، والعلمية، من جهة، وفوق كيفية قيام البحث العلمي، والآكاديمي، من جهة أخرى. فهو لا يقع ضمن الإضافة المعرفية، بقدر ما يقع ضمن كيفية الإضافة المعرفية.

902-husanوعن ذلك يوضح محمَّدحسين الرفاعي، بصرامة علمية: "هذه الإشكالية المهمة -والمعقدة تخضع هنا، لأول مرة في الكتابة باللغة العربية، للفحص الإبستيمولوجي.. التعقيد فيها يتطلب ألاّ نوحي بالبساطة، أو أن نسأل ونناقش بسطحية عنه، حينما يكون الأمر هو بذاته معقدٌ، وبالتالي يتطلب التعرف إليه بالتعقيد ذاته الذي من شأنه؛.. لأول مرة تخضع في الكتابة باللغة العربية للفحص الإبستيمولوجي، وذلك لأن كل التناولات للإشكالية في الفكر العربي المعاصر، تناولتها وتتناولها:

إما في حقل الفكر، أو في حقل الآيديولوجيا، أو في حقل العلم.. وكل الدعوات المتعلقة بالدراسة الإبستيمولوجية عن الإشكالية، بقيت مجرَّد دعوات؛ نجدها عند زكي نجيب محمود، في مؤلفه "تجديد الفكر العربي"، وعند فؤاد زكريا، في مؤلفه "الصحوة الإسلامية في ميزان العقل"، عند أدونيس، في مؤلفه "الثابت والمتحول"، وعند صادق جلال العظم، في مؤلفه "نقد الفكر الديني"، وعند محمد عابد الجابري، في مؤلفه "نحن والتراث"، و"التراث والحداثة"، وعند محمد آركون، في مؤلفه "الفكر الإسلامي: قراءة علمية"، وعند جورج طرابيشي، في مؤلفه "هرطقات".. هذه هي الكتب التي وعت ضرورة الوعي الإبستيمولوجي للإشكالية؛ بيد أنها، كلها، من دون إستثناء، بقيت دعوات إلى ممارسة إبستيمولوجية حول إشكالية التراث- والحداثة، ولم تبلغ، بعد، مستوى الممارسة الإبستيمولوجية بالفعل": (الكتاب، مقدمة للمقدمة).

يقع الكتاب إذن في حقل فهم معرفيٍّ يفوق الصراع المعرفي: "... فإن الممارسة الإبستيمولوجية، هنا، لابد من أن تؤدي إلى إحداث أزمة علمية (Scientific Crisis) في الوعي العربي المتعلق بفهم العلم، وبتناول العلم، وبممارسة العلم.. نقول: أزمة علميّة، لأن البحث يقع خارج العلم السائد والشائع في بلداننا؛ فإذن كيف يُحْدِث أزمة؟ من خلال حقل الفهم المختلف الذي يقدمه؛ والمنحى المختلف في رؤية إشكالية التراث-والحداثة، واللغة المختلفة في التعبير عن الأشياء العلمية Scientific Things": .(الكتاب، مقدمة للمقدمة)

وينقسم الكتاب إلى قسمين؛ كل قسم يتضمن محطة من المحطات التي يتوقف عندها البحث، أيُّ بحث، ضمن التفكير الذاهب، أولاً، وفوق كل شيء، إلى بناء فهم، وإعادة بناء الفهم، بشأن التساؤلات المطروحة في الفكر العربي. إنه والحال هذه، ينقسم إلى: القسم الأول: فكرة البحث، ومضمون الفكرة النظري، والقسم الثاني: معاينة فكرة البحث، والذهاب إلى المعايَن.

كل قسم يتضمن فصلين؛ وفقاً لما يقوله موضوع البحث. ولكن، ماذا يقول موضوع البحث؟ "نطلق تسمية "إشكالية الإشكاليات" على إشكالية التراث – والحداثة. وذلك نابع من رؤية ومنطلق ومنحى في رؤية الحركة في عالم الفكر والعلم في بلداننا العربية، من خلال موقع إبستيمولوجي يقع فيه البحث هذا والباحث، من أجل تبيانِ حضور الإشكالية في الفكر العربي بمختلف اتجاهاته وتوجهاته وتفرعاته وتشعباته، من جهة، ومن جهة أخرى، وبعد وعي حضور إشكالية الإشكاليات: إشكالية التراث- والحداثة، تقديمِ وعي بالإشكالية، بوصفها العقبة الأساسية في وجه التعرف إلى العلم المنتقل إلينا من الغرب": (الكتاب، القسم الأول، الفصل الأول).

وفي سبيل وعي العقبة المعرفية التي أدت إلى وقوع النتاج الفكري داخلها، والتي وضعت الفكر العربي السوسيولوجي المعاصر داخل الانحطاط المعرفي، منذ قرنين من الزمان، لابُدَّ "يسبق وعي الفكر العربي، وعيَ حضور الفكر العربي داخل إشكالية التراث –والحداثة؛ وعليه، فإن الوعي الذي يُبنى في تلك اللحظة التي يتعرف فيها العقل على الفكر العربي، يسبق الوعي الذي يُبنى بـ[إشكالية التراث – والحداثة]، وبـ[تضمُّنِها] لمختلف النتاجات الفكرية العربية" (: الكتاب، القسم الأول، الفصل الثاني).

في الفصل الثاني، يضع الباحث كليَّةَ المفهوم، والموضوع، والإشكالية، أمام الفهم؛ يضعها أمام التساؤل، ووعي التساؤل من خارجها. "فإذا كان التساؤل العلمي، في العلوم المجتمعية والإنسانية، ومن ضمنها السوسيولوجيا، يضع نصب أعينه، وضمن مهماته الوصول إلى نظرية حول الإنسان في أنَّه وفي كيف أنَّه؛ وذلك عن طريق التجريد العلمي الذي يتضمن مفاهيم علمية تفهم وتبني فهماً بـ[الإنسان- في- أنه- إنسان]، وبـ[الإنسان- في- أنه- كيف- إنسان]؛ فإن التساؤل الإبستيمولوجي الذي يتعلق بالتساؤل العلمي في العلوم المجتمعية والإنسانية (ونحن هنا نشير إلى مهمة إبستيمولوجيا السوسيولوجيا) يضع التساؤل عن الفهم [في أنه فهم]، وعن الفهم [في كيف أنه فهم].. عن [فهم- الإنسان- في- أنه- فهم- للـ - إنسان]، وعن [فهم- الإنسان- في- أنه- كيف- فهم- للـ - إنسان]؛ المتعلق (أي الفهم) أساساً بالإنسان في أنه، وبالإنسان في كيف أنه": (الكتاب، القسم الأول، الفصل الثاني).

يحمل الباحث، في الفصل الثالث، الوعي الإبستيمولوجي، ويذهب به إلى حقل الفكر العربي السوسيولوجي المعاصر. فماذا يجد؟ يجد ذهاباً إلى الماضي، لا يبرره الواقع، وذهاباً إلى الحاضر لا يبرره الواقع، وذهاباً إلى المستقبل لا يبرره الواقع، في المفهوم، وفهم المفهوم العلمي، وكيفية فهم المفهوم العلمي. "فمع التصور الآيديولوجيِّ لـ[الزمان- في- موضوع- العلم]، يَحِلُّ ظرفاً زمانياً ما، والذي من شأن الآيديولوجيا، والذي تضعه الآيديولوجيا وتريد أن يوضع محل ماهيَّة بنية موضوع العلم، محل ماهية بنية موضوع العلم؛ فيُشكِّل هذا الظرف [ماهية- بنية- موضوع- العلم- في- كليَّتها].. أي يصبح ما هو في ماهيته طارئاً- مؤقتاً- زمانياً- ظرفياً، يصبح، من خلال ما تريده الآيديولوجيا من [الزمان-في-موضوع-العلم]، دائماً-وأبدياً- وثابتاً في موضوع العلم، وموضوع الفكر. ويصبح ظرفاً ما، كان في الواقعيِّ، هو الظرف الدائم.. فينتقل من حيث كونه ظرفاً، إلى كونه بنية": (الكتاب، القسم الثاني، الفصل الثالث).

"فمع استبدال الزمان والمكان- في- الواقعيِّ اللذين يُعتبران أساسيْن يقوم عليهما الواقعيُّ في تجليه في حقل موضوع العلم، يستبدل موضوع العلم بموضوع غيره.. فيصبح موضوع العلم في بلدان العلم في الغرب، موضوعاً داخل حقل موضوع العلم الخاص ببلداننا؛ ومع هذا الإستبدال الذي يؤدي إلى حجب غياب العلم عندنا، يستبدل [العلمُ بالواقعيِّ]بـ [العلم بما موجود من أفكار علمية أساسية في الغرب] لم تُنتجْ ولم تَظهرْ إلاّ في تعالقها الصريح والواضح بـ[المكان في الواقعيِّ]، وبـ[الزمان-في-الواقعيِّ] الخاصّين بتلك البلدان في الغرب": (الكتاب، القسم الثاني، الفصل الثالث).)

أما في الفصل الرابع، فيقدم الباحث تساؤلاً في وعي الإشكالية داخل المفاهيم العلمية. "بعد حضور الوعي بالفكر العربي، في اللحظة المعرفية الأولى، من البحث، وبعد حضور الوعي بإشكالية التراث – والحداثة، وحضور الفكر العربي داخلها، في اللحظة المعرفية الثانية، من البحث، وبعد وعي غياب التساؤل عن العلم، وممارسته، بواسطة إشكالية التراث – والحداثة، في اللحظة المعرفية الثالثة، من البحث، نطرح هنا وهم الفهم الذي يقدمه الفكر العربي في فهمه للمفاهيم العلمية الخاصة بعلم الإجتماعي السياسي": (الكتاب، القسم الثاني، الفصل الرابع).

يتضمن التساؤل، ويقوم على أرضية: "إنَّ التَساؤلَ الذي يجري في النتاج المعرفي-العلمي العربي، في العلوم المجتمعية والإنسانية، وفي النتاج الفكري العربي، في إشكالية التراث- والحداثة، ليس تساؤلاً عن، ولا يتضمن البحث والتفتيش عن، الإشكاليَّة بوصفها موضوعاً عند الممارسات الفكرية والمعرفية- العلمية في العالم العربي، بل أنه، يبحث عن الكشف عن وقوع الممارسات العلمية والفكرية المختلفة في العالم العربي، في سبيل فهمها للمفاهيم العلمية الآتية إلينا من بلدان العلم في الغرب، داخل الإشكالية": (الكتاب، القسم الثاني، الفصل الرابع).

فإلى أين تؤدي عملية بناء التساؤل بشأن الإشكالية، وبشأن المفاهيم العلمية داخل الإشكالية، وإعادة بنائه؟

يخرج العلم إلى أن يكون في خدمة الفكر، أداةً له ووسيلةً بيده، وبالضبط في خدمة وجود الفكر، وإستمراره في الوجود. فيجد الملاحظ: الباحث الإسلامي الذي يبذل قصارى جهده في إثبات أن المفاهيم العلمية التي تأتي إلينا من الغرب، تحتاج إلى الأسلمة؛ والباحث الليبرالي أو العلماني يبذل قصارى جهده في سبيل إثبات أنه يجب الأخذ بالمفاهيم العلمية الغربية؛ والباحث الشيوعي في سبيل إثبات أن المفاهيم الماركسية، والتفسير الماركسي والمعالجة الماركسية، والمنهج الديالكتيكي الماركسي، لا بُدَّ من أن يُطبق/ تُطبق على الواقعيِّ- المجتمعيِّ في بلداننا العربية؛ والباحث القومي في سبيل إثبات أنه يجب أن نأخذ بالمفاهيم العلمية الغربية في سبيل وحدة قطرية عربية، وحدة قومية عربية، وحدة عربية؛ والباحث الـ [بين- بين] يبذل قصارى جهده في الأخذ بالمفاهيم العلمية الغربيةوضرورة تكييفها وتبيئتها لتناسب وتلائم الواقعيِّ المجتمعيِّ في بلداننا...إلخ": (الكتاب، القسم الثاني، الفصل الرابع).

بشأن المهمة المعرفية الأساسية للكتاب، يبين محمَّدحسين الرفاعي ذلك، في رسالة خاصة إلى المفكر العراقي عبدالجبّار الرفاعي، قائلاً: "حينما يكون تناول العلم هو المسألة، وحينما يكون العلم هو التساؤل القائم برأسه، ومتى ما جعلنا من العلم بالإنسان والمجتمع قضيّةَ جيل، أو أجيال بأكملها، لا يمكن ان نكون إلاّ أمام تلك العقبات التي حالت دون قيام تساؤل العلم في مجتمعاتنا.

إنه كتاب يسعى للتأسيس، من أجل [إستنهاض- تساؤل- العلم]؛ وهو حصيلة ست سنوات من الجدل والتجربة العلمية المُعاشة مع المفكرين والعلماء والأساتذة الجامعيين، في بلداننا العربية.

وفي حال كهذه، يكون هذا الكتاب في موقع يتناول العقبة الأساسية في وجه قيام التساؤل.

إنه الجزء الاول من مشروع معرفي تأسيسي: [استنهاض- تساؤل- العلم]، في حقل العلم بالإنسان والمجتمع، في بلداننا العربية

ويشير الرفاعي قائلا "لقد قُدِّم هذا الكتاب بجزئين إلى المطبعة، وكان من المفروض أن يصدر عن "المركز الثقافي العربي"، بالتعاون مع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود"؛ ولكن، جملة قضايا إجرائية حالت دون صدور الجزأين في نفس الوقت"، مضيفا "يأتي الجزء الثاني منه، بعد أشهر، كما أخبرتني المطبعة. وهو هدية الى الأساتذة الذين تعلمت معهم معاني العلم، والوجود: استاذنا د. عبدالجبار الرفاعي، د. فالح عبدالجبار ، د. عبدالله ابراهيم، د. حسن الضيقة، د. سعود المولى، د. نظير جاهل، د. سميح دغيم، د. فردريك معتوق... إلخ. والى عبدالله العروي، ود. عبدالسلام بنعبد العالي. وأخيراً: الى روح محمد عابد الجابري، وجورج طرابيشي. ... انه كتاب من أجل جيل بأكمله؛ إنه في قلب المستقبل."

أما حول الكتاب، ومهمته المعرفية، فقد قال العلاّمة السيد محمد حسن الأمين، في وقت سابق، بشأن الباحث وأبحاثه: "على غزارة مطالعاتي، وتنوعها؛ فإنني للمرة الأولى أتلمس بوضوح الحدود الفاصلة بين العلم، وبين فلسفة العلم، وبين الإبستيمولوجيا. طالعت أبحاث الباحث أكثر من مرة.. هذا بحث عميق ودقيق يتطلب مطالعة متأنية". وبشأن الباحث والبحث، قال د. فردريك معتوق، عالم وأستاذ جامعي لبناني في سوسيولوجيا المعرفة: "إننا، مع هذا البحث والباحث، في لحظة تأسيسية داخل العلم، والفكر، في العالَم العربي، مهمة للغاية.. إنها لحظة تشبه كثيراً لحظة تأسيس السوسيولوجيا، إذ إن محمَّدحسين الرفاعي يُعتبر رائداَ ومؤسساً لحقل إبستيمولوجيا السوسيولوجيا في العالَم العربي".كما شرح د. سعود المولى، وهو عالم إجتماع لبناني، ومتخصص في علم الإجتماع السياسي: "هذا البحث ينحو منحى تأسيسيَّاً في مجاله، ويفتح آفاقاً معرفية لأبحاث مكملة، ومتجاوزة له... إنه كتاب يقوم على أرضية علمية تم بناؤها بواسطة كبار الأساتذة الجامعيين في الجامعة اللبنانية- معهد العلوم الإجتماعية- والمعهد العالي للدكتوراه، وكبار العلماء في السوسيولوجيا (أمثال: بول فايرابند، وكارل مانهايم، وفيلسوف العلم ميشيل بولاني، وكارل بوبر، وتوماس كون، وماكس فيبر)... إنه بحث يقع في نقطة التقاطع بين سوسيولوجيا المعرفة، وسوسيولوجيا السياسة، والإبستمولوجيا... إننا أمام باحث عرفته جديَّاً مثابراً ومنفتحاً متعلماً بشكل مستمر، ويتمتع بقدرات ذهنية وفكرية راقية".

 

بغداد - بهاء حداد

 

 

 

واسألهم عن القرية.. جديد القاص أنمار رحمة الله

901-anmarصدر حديثاً عن دار (سطور) في العراق، كتاب قصصي جديد للكاتب العراقي (أنمار رحمة الله)، تحت عنوان (واسألهم عن القرية...).

901-anmarويضم الكتاب قسمين جاءت قصص القسم الأول منه حول عالم عجائبي غريب ،وعن قرى وشخصيات وأحداث تلفها أحداث خيالية غرائبية. ويضم القسم الثاني من الكتاب قصصاً تشابه القسم الأول من حيث الغرابة ،ولكنها تختلف في خلق نوع سردي آخر. قدم توصيفاً للكتاب الأديب العراقي (محمد خضيّر) بكلمة في مقدمة الكتاب وعلى غلافه،يذكر أن أنمار رحمة الله  قاص  شاب كتب القصة القصيرة والشعر، صدر له من قبل كتاباً قصصية تحت عنوان (عودة الكومينداتور) في دمشق، ولديه مجموعة شعرية تحت الطبع.

 

حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي (10)

ali almomenقادة المراحل التاريخية الثمانية لحزب الدعوة: لتوضيح طبيعة تأثير الأفراد في التحولات الفكرية والسياسية والتنظيمية داخل حزب الدعوة، أو ما يمكن التعبير عنه بحجم التنظير الفكري والفعل التنظيمي والتأثير السياسي؛ نشير الى أهم الشخصيات القيادية الفكرية والميدانية التي طبعت حزب الدعوة الإسلامية بطابعها؛ منذ تأسيسه وحتى كتابة هذه السطور:

1- المرحلة التأسيسية وما بعدها (1957 - 1961): هي مرحلة السيد محمد باقر الصدر النجفية، ويلي الصدر في التأثير عبد الصاحب دخيل والسيد محمد مهدي الحكيم، ثم محمد هادي السبيتي بعد عام 1959، وفيها شهد الحزب أهم فصول التأصيل الفكري لنظريته، وبدأ يزحف تنظيمياً بهدوء خارج النجف باتجاه كربلاء والكاظمية وبغداد والبصرة ابتداءً. وهذه المرحلة تمثل مرحلة قيادة علماء الدين؛ فقد كان ثلاثة من أعضاء القيادة من علماء الدين وواحد فقط من غير علماء الدين. وانتهت هذه المرحلة بخروج اثنين من أعضاء القيادة المؤسسين من الحزب؛ هما السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد مهدي الحكيم، ولحق بهما عضو مؤسس ثالث هو السيد محمد باقر الحكيم. وبذلك يكون أربعة من مؤسسي الحزب قد تركوا التنظيم؛ إذ سبقهم في الخروج محمد صادق القاموسي عام 1959.

 

قيادة مرتضى العسكري

2- المرحلة الثانية ( 1961 - 1963): مرحلة السيد مرتضى العسكري البغدادية؛ يليه في التأثير الثنائي عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي، وهي المرحلة التي تسلم فيها العسكري مسؤولية اللجنة القيادية للحزب، وخلالها بدأ التحول التدريجي في بنية الحزب الحركية؛ ليأخذ شكله الحزبي الحديث، وقد بدأت هذه المرحلة بإعلان السيد مرتضى العسكري؛ عضو القيادة الرباعية العامة ومسؤول لجنة بغداد؛ بتحويل لجنة بغداد الى قيادة عامة؛ بموافقة السيد محمد باقر الصدر. وكانت لجنة بغداد تضم الى جانب العسكري عضوين هما عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي، وبذلك أضيف الى القيادة عضو جديد هو محمد هادي السبيتي، واحتفظ العسكري ودخيل بعضويتهما في القيادة.

 

ثنائي قيادة بغداد

3- المرحلة الثالثة (1963 - 1971): مرحلة الثنائي عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي البغدادية؛ يليهما في التأثير الشيخ عارف البصري؛ وذلك بعد أن ترك السيد مرتضى العسكري مسؤولية اللجنة القيادية عام 1963. وتشكلت القيادة الرباعية ـ ابتداءً ـ من اثنين من علماء الدين هما الشيخ عبد الهادي الفضلي والشيخ عارف البصري، واثنين من غير علماء الدين؛ هما عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي، إلّا أن المسؤول البارز في لجنة النجف الشيخ عبد الهادي الفضلي اعترض على تساوي عدد علماء الدين مع غير علماء الدين في القيادة الجديدة، وطالب بإضافة عضو جديد من علماء الدين، وكان يقترح السيد محمد حسين فضل الله أو الشيخ محمد مهدي شمس الدين؛ اللذين كانا يدعمان الفضلي في توجهه، ولكن بعد فصول طويلة من الخلافات استمرت أكثر من سنة؛ تمكن السيد محمد باقر الصدر من حسمها عام 1964؛ خرج الفضلي وآخرون من الحزب؛ لتنتهي الأزمة بهيمنة غير علماء الدين على قيادة الدعوة.

بيد أن السيد العسكري والسيد الصدر لم يكونا يخشيان على سلامة فكر الحزب وعمله من المناصفة في القيادة بين علماء الدين وغير علماء الدين؛ لثقتهما الكاملة بسلامة فكر دخيل والسبيتي. ويمكن القول: إن هذه المرحلة هي الأهم في تاريخ الحزب؛ من ناحية اكتمال البناء الفكري والتنظيمي للدعوة، وكان خلالها الثنائي عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي يمسكان بجميع مفاصل العمل بشكل متوازن ومتكامل؛ على وفق الاختصاص، وقد يحصل تقدم وتأخر لأحدهما على الآخر على وفق الظروف. وكانت طبيعة المواهب الشخصية لكل منهما تجعله يتميز بدور معين؛ فمثلاً عبد الصاحب دخيل كان يمسك بالتنظيم المركزي لحزب الدعوة، أي أن أكثر من 75 بالمئة من خيوط التنظيم كانت بيده، وأحيانا يفوضها لبعض من كان معه في الحلقة التنظيمية المركزية، بينما كانت الـ 25 بالمئة يتقاسمها محمد هادي السبيتي والشيخ عارف البصري. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن “دخيل” كان القائد التنظيمي للدعوة، بينما لم يكن محمد هادي السبيتي منشغلاً كثيراً بهموم التنظيم وخيوطه وخطوطه؛ قدر انشغاله بالتنظير للحزب والتخطيط له. ومن هنا يصح القول بأن السبيتي كان القائد الفكري للدعوة ومنظرها، وهذا لا يعني أن عبد الصاحب دخيل لم يكن ينظِّر للدعوة؛ فكثير من نشرات الفكر التنظيمي كان يكتبها بنفسه، فضلاً عن أن بعض تنظيمات الدعوة كان يشرف عليها السبيتي، وبالتالي كان لكل منهما موقعه القيادي المتفرد.

 

بين الكوراني وعز الدين سليم

وفي هذا الصدد تتباين الآراء الى حد ما؛ فهناك قياديون ومسؤولون رواد يؤكدون بأن مرحلة ما قبل عام 1971 كانت مرحلة عبد الصاحب دخيل بامتياز، ويتبنى هذا الاتجاه بقوة الشيخ علي الكوراني؛ الذي يعتقد بأن عبد الصاحب دخيل هو الرجل الأول في الدعوة منذ التأسيس وحتى استشهاده، بينما يرى آخرون بأن محمد هادي السبيتي كان الرجل الأول في الدعوة منذ عام 1961 وحتى عام 1980، ويتبنى هذا الاتجاه بقوة عز الدين سليم. ولكني بعد دراسة وافية لدور كلا الرجلين اعتماداً على تأكيدات قادة العمل ولاسيما العاملين معهما؛ توصلت الى الحقيقة أعلاه؛ والمتمثلة في كون “دخيل” كان القائد التنظيمي، و”السبيتي” كان القائد الفكري والسياسي، وأكد لي السيد حسن شبر هذا الرأي؛ لأنه أكثر شخص كان لصيقاً بهما وبمسؤوليتهما طيلة فترة عملهما في الدعوة. وشهدت المرحلة خروج مؤسس خامس من الحزب هو السيد طالب الرفاعي في عام 1969.  وبذلك يكون عدد المؤسسين الذين خرجوا من الحزب حتى عام 1969 خمسة مؤسسين من مجموع عشرة؛ أي 50 بالمئة من المؤسسين.

 

استشهاد دخيل والبصري

4- المرحلة الرابعة (1972 - 1980): وهي مرحلة محمد هادي السبيتي المهجرية؛ يليه الشيخ عارف البصري في التأثير حتى إعدامه عام 1974؛ ثم الشيخ محمد مهدي الآصفي بعد عام 1979، وقد بدأت هذه المرحلة بإقدام سلطات البعث على اعتقال عبد الصاحب دخيل ثم إعدامه خلال عام 1972؛ فيما هجر محمد هادي السبيتي العراق في أواخر عام 1971 الى لبنان، وبهذا أصبح السبيتي القيادي الأول في الخارج، والبصري القيادي الأول في العراق. وبعد إعدام الشيخ عارف البصري في عام 1974 والتصدع النوعي لقيادة الحزب وتنظيماته؛ فقد العراق ثقله القيادي الدعوي، وتنازل عن ثقله الى لبنان والكويت وايران؛ ففي الكويت بات يتواجد عدد كبير من القياديين والكوادر المتقدمة العراقيين؛ كالشيخ محمد مهدي الآصفي والشيخ علي الكوراني والسيد هاشم الموسوي والسيد عبد الأمير علي خان وعز الدين سليم وغيرهم. بينما كانت لبنان تمثل الثقل الأول قبل الكويت؛ بوجود القياديين اللبنانيين فيها؛ يتقدمهم رجل الحزب الأول محمد هادي السبيتي، إضافة الى السيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين والشيخ صبحي الطفيلي وآخرين. أما ايران فكانت تمثل الثقل الثالث بوجود قياديين وكوادر متقدمة من ذوي الأصول الإيرانية؛ كالسيد مرتضى العسكري والسيد كاظم الحائري والشيخ محمد علي التسخيري. ولكن بعد إعدام الشيخ عارف البصري عام 1974 فقد بقي موقع الرجل الثاني في الحزب شاغراً حتى عام 1979؛ حين برز الشيخ محمد مهدي الآصفي رجلاً ثانياً في الحزب بعد محمد هادي السبيتي؛ بالرغم من محاولات الشيخ علي الكوراني منافسة الآصفي على هذا الموقع.

 

انتشار الحزب أفقياً وعمودياً

واللافت أن تصدع الثقل القيادي للحزب في العراق وتنظيماته بعد عام 1974؛ قابلته خمس ظواهر إيجابية مهمة:

الظاهرة الأولى: التوسع الأفقي الكبير لتنظيمات الحزب داخل العراق؛ فقد شهدت المفاتحات خلال الأعوام 1976 وحتى 1979 كماً كبيراً يعادل كل ما كسبه الحزب من أعضاء طيلة تاريخه، وكان الكسب الجديد يتركز في ثلاث محطات مدنية أساسية هي جامعة بغداد وجامعة البصرة وجامعة الموصل.

الظاهرة الثانية: النمو الأفقي والعمودي لتنظيمات الحزب العسكرية؛ بشكل غير مسبوق؛ الى مستوى استوعب معظم قطاعات مؤسسة الجيش، ومن بين مئات الضباط التي استوعبتهم خطوط الدعوة؛ كان هناك دعاة يحملون رتباً عالية؛ فضلاً عن عدد من الطيارين.

الظاهرة الثالثة: توسع تنظيمات الحزب أفقياً وعمودياً خارج العراق؛ بسبب الهجرات المكثفة للدعاة واستقرارهم في الدول العربية، ولاسيما لبنان والكويت والإمارات المتحدة، والدول الأوروبية، ولاسيما بريطانيا، وفتح ذلك أمام الحزب أبواب استقطاب أبناء هذه البلدان بكثافة.

الظاهرة الرابعة: تحوُّل الأسلوب التنظيمي للدعوة الى مزيد من الحديدية والسرية؛ دفعاً لاختراق أجهزة النظام وضرباته، وبلغ الأمر أن يتحول الإتصال التنظيمي من الأسلوب العنقودي الى الأسلوب الخيطي؛ فأصبح كل داعية مسؤولاً عن داعية واحد فقط في المدينة العراقية الواحدة، وينتهي الخيط الى داعية يقيم في مدينة أخرى، ويكون مسؤول هذا الداعية مقيماً في خارج العراق، فمثلاً مسؤول تنظيم النجف يقيم في البصرة، وكان ارتباط هذا المسؤول بقيادي يقيم في الكويت. وبذلك تمكن الحزب خلال أربع سنوات من الاختفاء تماماً عن أعين السلطة؛ حتى تصورت أنها قضت على حزب الدعوة نهائياً؛ وهو ما تكشف عنه تقاريرها في عام 1976،  ولكنها فوجئت بحجم تنظيمات الدعوة وقوتها خلال تحرك الشهيد الصدر خلال حزيران من عام 1979 وما بعده.

الظاهرة الخامسة: تواجد معظم قياديي الدعوة وكثير من كوادرها خارج العراق وفي دول محددة؛ كلبنان والكويت وإيران؛ سمح له بكثير من الحرية بالانفتاح الأفقي بين هذه القيادات والكوادر؛ الأمر الذي كان يتيح لهم التنسيق الجماعي المباشر على مختلف الصعد.

وشهدت فترة مابعد عام 1974 دخول السيد محمد باقر الصدر في صلب عمل الدعوة في الداخل، وتواصله المباشر مع قادة الدعوة في داخل العراق، وإصغاء هؤلاء لتوجيهاته أكثر من إصغائهم لقيادات الدعوة العامة في خارج العراق؛ حتى أصبحت العلاقة بين تنظيمات حزب الدعوة في الداخل والسيد الصدر علاقة قائد ومقودين؛ ولاسيما بعد انتصار الثورة الإسلامية في ايران في شباط/ فبراير عام 1979، وبروز السيد الصدر قائداً للتحرك الإسلامي الثوري المعارض للنظام الحاكم في العراق.

 

الكفاح المسلح

وكانت أبرز الأحداث التي ميزت هذه المرحلة؛ دخول حزب الدعوة مرحلة الصراع السياسي والكفاح المسلح في نهايات عام 1979؛ بعد حوالي 22 عاماً من العمل السري التغييري الفكري، وكذلك صدور قرار رسمي من رئيس النظام العراقي في 31 آذار 1980 بإعدام كل من ينتمي الى حزب الدعوة ويروج أفكاره، أعقبه إعدام مؤسس الحزب الإمام السيد محمد باقر الصدر في 9 نيسان من عام 1980. كما أعلن صدام حسين الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية في 22 أيلول/ سبتمبر من عام 1980؛ الأمر الذي فسح المجال لحزب الدعوة في الدخول في الحرب النظامية ضد دولة صدام حسين، إضافة الى عمله المسلح داخل العراق.

 

فترة المهجر

5- المرحلة الخامسة (1981 – 1992): وهي مرحلة الشيخ محمد مهدي الآصفي الإيرانية؛ يليه في التأثير السيد كاظم الحائري حتى عام 1984، ثم الدكتور إبراهيم الجعفري (الأشيقر) بعد عام 1990. وقد شهدت هذه المرحلة العمل بمبدأ القيادة الجماعية المنتخبة؛ تبعاً لواقع الانكشاف السياسي والهجرة التنظيمية الذي حصل بعد عام 1979؛ وتبلور مفهوم القيادة العامة والقيادات الإقليمية والتنظيم العالمي بشكل قانوني كما حدده النظام الداخلي الجديد. ولكن بعد سنوات معدودات انهار معظم تنظيمات الحزب غير العراقية؛ ولاسيما إقليم لبنان عام 1982 وإقليم الكويت عام 1983 وإقليم البحرين عام 1984 وإقليم افغانستان عام 1989 وغيرها؛ فضلاً عن المناطق التابعة لها؛ وصولاً الى انهيار التنظيم العالمي للحزب وحل القيادة العامة، وتحوّل الدعوة الى حزب عراقي، وفي هذه المرحلة ـ ولأول مرة في تاريخ الحزب تقيم معظم قيادات “الدعوة” في بلد واحد (ايران)، وتتفرغ للعمل الحزبي.

(يتبع)...

  

بقلم: د. علي المؤمن

 

 

من الإصلاح إلى التكفير: قراءة في كتاب: الحركات الاسلامية .. قراءة نقدية في تجليات الوعي لماجد الغرباوي

saleh alrazukفي كتابه الأخير  (الحركات الإسلامية .. قراءة نقدية في تجليات الوعي) الصادر عن دار العارف ومؤسسة المثقف العربي يتابع ماجد الغرباوي مشروعه الخاص بتعريف العقل الاجتماعي العربي. وإذا كانت خلفيات قراءته ذات أساس ديني فهذا لا يضعها في مجال التربية الدينية. بالعكس هو ينظر للدين على أنه جزء من الحياة. ولذلك يهتم به كحالة في الوجود. أو كمبدأ في الحضارة لتفسير غوامض آليات نشوء وتطور الأفكار.

يبدأ الغرباوي من الأزمة الحالية ليعيد صياغة التصورات السياسية لدول المنطقة. وهو يعتقد أننا لحل هذه الأزمة لا نحتاج لاستعمال القوة. وإنما للبدء ببرنامج إصلاحات على غرار أول حركة إصلاح بشرت بنهاية الإقطاع العثماني ودولته المستبدة. ويضرب أمثلة (في كتبه الاخرى) من السيرة الفكرية للأفغاني والكواكبي. ويضع بينهما جهود الشيخ النائيني. باعتبار أنه حلقة وسط بين الراديكالية في السياسة والإصلاح في التفكير. ولذك لم يكن من المستغرب أن يعيد قراءة بعض آيات من القرآن الكريم. وعلى ضوء نتائج الدراسات الدلالية لتفسير المعنى من خلال سياق العقل البشري كما فعل الكواكبي في (طبائع الاستبداد) حينما أضفى على القرآن مشروعية علمانية.

لقد ألح الغرباوي في مجمل فصول الكتاب على ضرورة نقد المنهج. ورأى أنه إجراء  ضروري لانتشال الوعي وتصحيح المسار (ص١١). وبالنقد وحده (كما أضاف لاحقا) يمكن التعرف على مبررات السلوك اللاأخلاقي والانتهازي الذي انحدر إليه المسلمون بعد وصولهم إلى الحكم (ص ١١). وانتشار العنف تحت ذريعة الجهاد مع أن استعمال السيف لا يكون فعليا إلا بوجود كافر. وأحيانا لا يكفي الكفر في فعلية الجهاد ولا بد من خصوص الحرابة. فالجهاد لم يشرع ابتداء ولكنه شرع لدرء الحرابة، والنبي لم يدخل معركة إلا بعد أن استنفد كل الطرق والحيل السلمية.  و يتوقف عند مشروع سيد قطب و يرى أنه تكفيري. أو على الأقل يمهد للتكفيريين الطريق. ويسهل عليهم خلع صفة الإيمان، الواسعة والمرنة، عن المسلمين. أو يتواطأ مع الحنابلة في تشريع الموت والقتل كحل لكل الخلافات. فسيد قطب (في معالم على الطريق) مثل ابن حنبل لا يفتي بصدد واقعة مخصوصة ليتحدث عن الضرورات والإكراه. ولكنه يؤصل حكما ويشرع تشريعا له صفة الدوام. وهذا النزوع التدميري ينبني على أساس مفهوم الحاكمية المستورد من فكر الخوارج والذي أعاد المودودي توطينه في العقل الحديث.

هذه الإشكالات تستدعي منا الانتباه لما يسميه الغرباوي: الوعي الحركي (ص ١٥) الذي منبعه ظاهرة الخوف من الآخر وعدم الوثوق به (ص١٦). فقد نجمت عنه أوهام وضعت الحركات الإسلامية في إسار الماضي، وصنعت فراغا بين واقعها النفسي والحاضر (ص١٥).

لقد بدأ الاسلام من معاناة قهرية ضمن مجتمع تجاري ضعيف عسكريا ومعقد بأعرافه الاجتماعية. وكان همه الأول تحرير الروح من الاستعباد والاسترقاق الذي كفلته بنية المجتمع. وما تقليد الهجرة إلا لمعالجة هذا الفراغ. وهو البحث عن مسكن آمن للأرواح المستضعفة. ولذلك إن ما يجري اليوم يطاله إشكال شرعي ومؤاخذة أخلاقية (ص ٢١).

وكما قال الباحث: إن بعض الحركات الإسلامية تكون بأموال ومباركة من دول غير إسلامية، فطالبان تأسست بالدعم الأمريكي، وبعض هذه الحركات دخلت في تحالف أدى إلى الابتعاد عن الاستراتيجية الأساسية (ص ٦٦). فالحركات الإسلامية الراهنة هي بنت الوعي الأسطوري الملتبس (ص ٣٥) والذي يحمل كل علامات الثقافة المهيضة الجناح.

ويرى أن الأسباب وراء ذلك كثيرة وأهمها: ١- الخط الأحمر المفروض على تكتيك الخطاب الديني واحتضاره تحت ضغط التفكير الشعبي الناقص والحامل لآيات التخلف والجمود والخرافة، ٢- الاستبداد الذي وضع العقل في أدنى مستوياته وسمح للاشعور بالنمو بنسب فاحشة غطت على كل أشكال التفكير والاجتهاد،٣- عزلة النخب الثقافية وسقوطها في مشكلة التعالي، ٤- احتكار رجل الدين لحق التربية والتوجيه وحصوله على حصانة تحميه من النقد والمراجعة والتخطي، حتى تحول إلى نص مقدس أو امتداد للمحرمات والممنوعات (ص ٣٤-٣٧).

ولذلك كان التشريع للنقد أولوية في تجديد الفكر الديني (ص٤٧). وكلنا سمع بمحنة الشيخ علي عبد الرازق المتهم بالتطاول على مشروعية حروب الردة. وأعتقد أن الانحياز لمشروعية التواتر والمحاكاة يؤسس لمجتمع إقليمي من المرايا المتعاكسة. كل مرآة تعكس نفسها. حتى يحل الخيال أو الصورة محل الحقيقة بسبب غيابها واستحالة الاتصال معها.

وهذا بصورة ضمنية يعيدنا إلى نمط من التفكير والتعليل الذي يقوم على التسليم الصامت بأسطورة الطبائع الثابتة والخصائص الدائمة (بلغة صادق جلال العظم)(7).

إن الحركات الإسلامية برأي الغرباوي صناعة بشر وهي ليست جزءا من المطلق الإلهي والرباني ولا نتاج عوامل غيبية مفارقة (ص ٦٠)، وقد طرأت على الإسلام والجماعات التي نذرت نفسها له غايات وأهداف بعيدة عن الحجج الروحية. كما أنه هناك حركات استنفدت أهدافها ( كما يقول ص 61). فأدوات تنفيذ الاستراتيجيات في وقت السلم غيرها في وقت الحرب. ويضرب مثالا على ذلك بلجوء قواعد حزب الدعوة إلى البعث السوري للهرب من بطش صدام (ص ٧٣). لقد كانت الأحزاب الدينية عرضة للانشطار والتشرذم. فالجهاد وجماعة التكفير والهجرة في مصر هما تطور جانبي من حزب الإخوان المسلمين (ص ٧١) والذي شهد بدوره تنظيمات داخلية متحاربة. وهذا دليل قوي على نسبية المعرفة الدينية (ص ٨٥). فهي ليست معرفة ميتة. ولكنها قابلة للنمو كما هي قابلة للانتكاس والرجوع. ولديها قدرات هائلة على حجب النص (ص ٨٩). ويمكن القول إن القرأن الكريم ذاته هو حجاب لنصوص قبله، عمل على تفكيكها وتوجيه سهام النقد اللاذع لمكامن الضعف والأخطاء فيها (ص١٠٠). وهذا أول درس يبرر ضرورة التأويل وإعادة النظر بالمسلمات المتجمدة. فالنقد بمستوى أمر وجوب في الإسلام وهو ليس مستحبا فقط (ص ١٠٢).

ولا يمكن أن ننكر التحيز ( ص 84). فأية قراءة لا تأتي من فراغ. ولكنها تحمل في ذاتها مبررات تعريفها.

لماذا هي موجودة أصلا. ولماذا يجب أن تقارب هذه المسألة وتتصدى لمهمة حمايتها من الذوبان أو الاندثار.

إن مشكلة الحركات الإسلامية أنه تقف خلفها دوافع دينية- سياسية (ص ١٢٧). وإذا كانت السياسة هي المسؤولة عن الخلافات البينية والمواقف من الأنا والآخر والتكفير. فالدين مسؤول عن حقيقة المبايعة. والتحفيز على التضحية والمغالاة بها إلى درجة الانتحار (ص ١٢٧).

ومن هنا نشأت ظاهرة الإرهاب الدولية بأبعادها المتعددة وما أحاط بها من هالة وصلت إلى درجة تحريض المخيال الشعبي على الإضافة والمبالغة حتى نشأ منها دين جديد (بتعبير صالح الطائي)(8) أصبح بمثابة دين سماوي رابع. ظاهره الإسلام وباطنه التكفير والقتل. وغلافه شعار (الثورة المستمرة، ص ١٢٩).

إن الإسلام السياسي بالنتيجة مشروع مختلف عليه، له الحق في تطبيق أدواته، ولكن ليس لديه الحق بالمصادرة على حرية الآخر المختلف عنه. وإن خضوعه لمنطق السياسة والارتباط في نفس الوقت برجل الدين حوله إلى حركات وشراذم متمردة تؤمن بالعنف والاستبداد وتقاطع الإرادات (ص١٤٤). وهذا يفرض عليه إجراء تحولات فكرية ليتجاوز اخفاقاته وكي لا يسقط في نفس الحفرة التي أودت بالفكر القومي وأوردته موارد التهلكة.

 

مواصفات الكتاب

قع الكتاب في 160 صفحة من القطع المتوسط، بغلاف أنيق، تناول فيه المؤلف التجلّيات المختلفة لوعي الحركات الاسلامية، المؤسس وفق بُنى فكرية وعقيدية لم تنتج لنا سوى العنف والتخلف الحضاري، في أسوأ مشهد عرفه التاريخ، في السلطة وخارجها. لذا كتب المؤلف على الوجه الخلفي لغلاف الكتاب:

هذه الأوراق ليست أوراقا خائفة أو مرتبكة، وإنما تروم إنزال التصورات والمفاهيم المقدسة منزلة الواقع، لفضح بشريتها، وتاريخيتها، بعد تجريدها من أبعادها الميتافيزيقية، وتقصّي حقيقتها. كما أنها تحرّش بالموروث، وتخطٍ للمحظور، وتوغّل في الممنوع، وتعرية للأنا، ونقد للذات، والإطاحة بالمسلمات، والتشكيك بالحقائق، وملاحقة تزييف الوعي، والحد من التآمر على العقل. إنها محاولة لتعطيل منطق الاستعباد والتبعية، وتنشيط العقل بدلا من الذاكرة، والاهتمام بالمستقبل وتحدياته بدلا من الماضي وتراثه. والتأكيد على منهج البحث والتقصي بدلا من التسليم والإنصياع. إنها مجازفة لزعزعة الثوابت، وتسفيه عقيدة التقليد، وملاحقة الاستبداد السياسي والديني، وتحرير الحركات الإسلامية من أبويتها، وارتكازها المرير إلى النظام البطركي المقيت، وتحجيم مركزيتها، واستعادة شخصية الفرد، واستنقاذ الدين، وملاحقة التزوير باسم الدين والإسلام والشريعة. والحد من سلطة رجل الدين، ومركزية قائد الحركة، ومنظّرها الفكري والسياسي. وتعطيل خطاب التضليل والتزوير والتستر على الأخطاء والتجاوزات.

 

د. صالح الرزوق

..........................

* الحركات الإسلامية، قراءة نقدية في تجليات الوعي. ٢٠١٥. ١٥٨ ص

 

برجولا مجموعة شعرية لساجدة الشويلي

889-sajidaصدر حديثا عن دار الجواهري في بغداد المجموعة الشعرية برجولا  للشاعرة العراقية ساجدة الشويلي وهي مجموعة نصوص ومضية  وتضمنت المجموعة 104 ومضة  وتقع المجموعة  في 114 صفحة  من الحجم المتوسط ، والغلاف من تصميم الاستاذ محمد حياوي والواجهة  الامامية  للمجموعة  احتوى على تخطيط لدميتين متحركتين بالحبال بينما الغلاف الخلفي زين بنص برجولا .

ماذا تعني برجولا؟

قد يكون معنى برجولا  غامض  على البعض وغير مفهوم لذا وضحت شاعرتنا الشويلي معنى برجولا حتى  لا يبقى غامضا .....

البرجولا  لفظة ايطالية الاصل تعني العريشه .

وفي الفرنسية تعني الممر المظلل الذي تلتف حوله الورود .

وفي الروسية تعني اللحم المشوي .

وفي العربية تعني مسرح العرائس او مسرح الدمى او الظل .

وجاء في الاهداء

الى ...

من احبتني بصمت

وانا بكل حالاتي الفوضوية

اوراقي واحباري .

ومن الجدير بالذكر ان برجولا هي المجموعة الثالثة للشاعرة الشويلي بعد جرح الغياب ومرايا نائمة، وساجدة الشويلي  خريجة معهد اعداد المعلمات / دبلوم لغة عربية

كتبت الشعر والقصة القصيرة والمقالة (السيسية والاجتماعية والتربوية ) ونشرت في اغلب الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

(برجولا)

889-sajidaللان احلم  واحلم

انني ساذهب الى حفلة راقصة

مثل تلك التي حضرتها سندرلا

وان شخصا ما سياتي

من فوهة دخان ابيض

ليراقصني على مسرح البرجولا

وحتى تتنهد الساعة الثانية عشر

فأعود الى نافذتي القديمة

بظل منكسر

وشفاه جائعة

*

 ((ضمائر))

انا وانت

نقرأ اسماءنا المنسية

في باحة الحروف

نغضب .. نضحك .. نتخاصم

لكننا نفهم كل تفاصيلنا

التي بين الاصابع

*

((شوق))

اكسرني ..

واجعل غبار الليل  يحتضن

شظاياي ..

فالجرح المعتق

يصرخ تحت قذيفة شوق

 

*

 ((الواح))

 تحيط بالسجناء الواح الفولاذ

وانا وقصيدتي

نتبعثر قبل ان نصحو

*

 ((جمرة))

استيقظ طقسك

على اشلاء امرأة

يوما ما !

كانت الجمرة الحمراء

تغلي عند جانبك الايسر

*

 ((نداء))

عندما ابكي

ابكي حزني المعتق فيك

واتدفق من خاصرة وجع

لأناديك

لماذا عناويننا مذبوحة 

*

((ذاكرة مشتعلة))

اسال اي مساء حزين ينتظرنا ؟

والارصفة ذاكرة مشتعلة

تقرأ موتا مستمراً

 

علي الزاغيني

 

 

جدلية الشعر والنقد في الأدب العربي الحديث الإصدار الجديد في المشهد النقدي العربي

888-saadصدر حديثا كتاب نقدي جديد، أضيف للمكتبة النقدية العربية والمغربية للأستاذ الدكتور "إبراهيم آيت بن احساين"، أستاذ التعليم العالي- جامعة القاضي عياض كلية اللغة العربية. مراكش. تخصص: الأدب العربي الحديث والمناهج النقدية. بعنوان: "جدلية الشعر والنقد في الأدب العربي الحديث". نشر وتوزيع مكتبة المعرفة- مراكش. ط1. 2016. وهو كتاب يتكون من 200 صفحة بما فيها البيبليوغرافيا والفهرست.

888-saadلقد سعى هذا المؤلف إلى ضبط الأساليب والتقنيات المعتمدة في بناء القصيدة العربية الحديثة بدءا من عصر النهضة حتى عقد السبعينات من القرن العشرين. علاوة على النقد الجامعي عند نازك الملائكة في كتابها "قضايا الشعر المعاصر"، وعند محمد النويهي في كتابه "قضية الشعر الجديد" ثم النقد الإيديولوجي مع حسين مروة في كتابة "دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي"، حيث تناول بالدراسة والتحليل أعمال بلند الحيدري وأدونيس وخليل حاوي.. وختاما تناول إسهامات النقد البنيوي مع كمال أبو ديب في كتابه الرائد "جدلية الخفاء والتجلي". وأخيرا الخلوص إلى نتائج وخلاصات. علاوة على إعداد مادة أساسية ومركزية في رصد جدلية الشعر والنقد وهما يتجادلان ويتفاعلان في بيئة عربية متحركة تتنازعها رياح الغرب والشرق وتوجهها مرجعيات تتاروح بين الأصالة والمعاصرة وتحكمها جدلية الحداثة والتراث.

 

القصيدة الشذرية المعاصرة بالمغرب

jamil hamdaouiتستند الكتابة الشذرية (l'écriture fragmentaire) ، أو كتابة الصمت، أو الكتابة المقطعية، أو أسلوب النبذة (Aphorisme) كما عند نيتشه، إلى الاقتضاب، والتكثيف، والتبئير، والتركيز، والإرصاد، والنفور من التحليل العقلاني المنطقي، وتفادي الكتابة النسقية. ومن ثم، تعد هذه الطريقة في الكتابة خاصية غريبة عن ساحتنا الثقافية والإبداعية، كما تعودنا على ذلك لسنوات مضت، على الرغم من وجودها في تراثنا العربي، بشكل من الأشكال، ولاسيما في المنتج الصوفي والعرفاني، وأيضا في كثير من المصنفات التراثية القائمة على التقطيع والتشذير والاختزال، وخاصة الكتب الفلسفية والأدبية والدينية منها1 .

هذا، وإذا كان أغلب المؤلفين يميلون إلى الكتابة النسقية ، والتحليل المنطقي الصارم المبني على قوة الحجاج والاستدلال والبرهان العقلي، والتحليل المتماسك اتساقا وانسجاما، فقد بدأت الكتابات المعاصرة ، سواء أكانت من الأدب العام، أم من الأدب الخاص، تعتمد على الكتابة الشذرية المقطعية القائمة على شعرية الانفصال، وتتكئ على  بلاغة التشظي والصمت، وتتهرب من التحليلات العلمية والمنطقية العقلية الجافة والمنفرة، لتعوضها بكتابات شاعرية وتأملية، إما ذهنية، وإما وجدانية. وبذلك، تحضر الذات، ويطفو الخيال الخارق، ويعلو التخييل المجنح، ويسمو الانزياح،وتتقطع النصوص فوق صفحة البياض فراغا وامتلاء وانفصالا وبعثرة، فتختلط الأجناس والأنواع ليتشكل منها نص شذري، أو كتاب شذري، في شكل مقطوعات وفقرات ومقتبسات، بينها بياضات واصلة، وفواصل تتأرجح بين النطق والصمت.

وإذا كانت الكتابة الشذرية حاضرة في جل الأجناس الأدبية والفنية على حد سواء، من بينها: المسرح، والسينما، والرواية، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا، فهي حاضرة كذلك في جنس الشعر.ومن ثم، أصبح الحديث، اليوم، عن القصيدة الشذرية، أو الشعر الشذري، أو الكتابة الشذرية، أو شعر الومضة، أو فن الهايكو...

ومن هنا، فقد اخترنا القصيدة الشذرية المعاصرة بالمغرب لدراسة مكوناتها الدلالية والفنية والجمالية، في ضوء (المقاربة النقدية الشذرية/ Approche fragmentaire) التي تعتمد على أربعة مستويات أساسية  متضافرة ومتكاملة ومتناسقة هي:

- مستوى التدليل؛

- مستوى التشكيل؛

 - مستوى التبليغ؛

- مستوى التأويل.

إذاً، ما مفهوم المقاربة النقدية الشذرية؟ وما مقومات الكتابة النسقية؟ وما أهم تعاريف الشذرة في اللغة والاصطلاح؟ وما المراحل التاريخية التي مرت بها الكتابة الشذرية ؟ وما مقومات القصيدة الشذرية المعاصرة بالمغرب مكونا وسمة ومقصدية؟ وما خصائصها الدلالية والتشكيلية والوظيفية؟وما مظاهر جدتها وحداثتها وتحولها بناء وموضوعا ورؤية ووظيفة؟

تلكم هي أهم الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها في موضوعنا النقدي هذا.

 

د. جميل حمداوي

.......................

  - جميل حمداوي: الكتابة الشذرية بين النظرية والتطبيق، منشورات المعارف، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2013م، ص:9.

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

 القصيدة الشذرية المعاصرة بالمغرب / د. جميل حمداوي

 

صدور مقتربات السّرد الروائي للدكتور سمير الخليل

887-samirصدر عن دار المحجة البيضاء في العاصمة اللبنانيّة بيروت الطبعة الأولى من كتاب "مقتربات السّرد الروائي: دراسات في تقنيات سرديّة لنصوص روائيّة" للدكتور العراقيّ سمير الخليل الذي كتب في مقدّمة كتابه:"حاولنا في هذا الكتاب رصد كثير من التقنيات السّرديّة المتطورة التي تجسّدت في الرواية العربيّة،بل منها ما تجاوز إلى "ما وراء السّرد" لتحقيق قفزة نوعيّة في مجال تلك التقنيات،وسيجد القارئ الكريم ما يرضي فضوله الأدبي والنقديّ وهو ينتقل بين مجموعة من التقنيات التي حققتها الرّواية العربيّة في بنياتها السّرديّة،بل أضفنا تقنيات أخرى ذات منحى"ثيمي" ثقافيّ لتكتمل الصّورة،وتأخذ إطارها المناسب،ففي الكتاب دراسات جديدة في الرواية،وأخرى سبق أن توزّعت في كتبي النقديّة المنشورة،رغبة مني في لمّ الشّمل كلّ ما يتعلّق بالرواية،وجعلها في كتاب متخصّص".

887-samirوقد اشتمل الكتاب على الدراسات التّالية: الواقعيّة الافتراضيّة وضبابيّة الواقع في رواية "أعشقني" للأديبة الأردنية د.سناء الشعلان،و وديعة ابرام: قراءة جديدة لأسطورة الخلق، دهاليز الموتى بين رؤيا العودة ورهانات الواقع، الصورة السير ذاتية للمرأة في ثلاثية أحلام مستغانمي،محنة الزمن في رواية تصارع الخطى لأحمد خلف، رواية فندق كريستبان بين ذاكرة الخراب ومعمارية السرد، أجنحة البركوار البناء الدائري واللعبة الميتاسردية،العجائبية السحرية في رواية مأوى الثعبان، رواية مملكة البيت السعيد بوصفها سجلا حياتيا، تلقي الرواية ودوره في رواية نزيف الحجز، إرهاب السلطة وتقهقر الضمير في رواية المعظم، انفتاح السرد في رواية العالم ناقصا ومن شعرية السرد والمتخيل التاريخي في رواية الفرس الأعوام، رواية الاحتفاء بالمكان في الباب الشرقي، رواية ابنة الثلج بصيص نور في مملكة الظلام، التخيل وأسلوبية خرق الخطاب السردي للواقع في رواية مولد غراب، والقسم الثاني بعنوان: الدراسات الثقافية: تقنيات ثيمية، وهو يضم الدراسات التالية: العلاقات الحضارية بين الشرق والغرب وصورة الآخرين، أدبنا العربي: رواية موسم الهجرة إلى الشمال أنموذجاً، ضياع الهوية وحلم الاسترداد في روايتين شروكية وخوشية، العنف الثقافي في الرواية العراقية، الرواية الثقافية والمتخيل السردي، ثقافة التواصل بين الآنا والآخرين في الرواية العراقية، ولان رواية الرواق الطويل لأحمد خلف لا تنتمي للروايات التي درسها المؤلف في كتابه فقد جعل دراسته منها ملحقا وهو بمثابة دراسة عنها بعنوان علامات ثقافية في رواق احمد خلف الطويل: الذاكرة الوطنية وبناء الوعي الثقافي، والكتاب بمجمله يحاول أن يقدم أوسع صورة للرواية العربية، وان كل رواية مختلفة عن الأخرى في التقنية وفي الثيمة، ولأنّ الروايات بهذا الاختلاف الواسع،فإنّ المؤلف تناول كلّ رواية على حدة ولم يلجأ إلى جمع هذه الرواية في دراسة واحدة تجمع بين النتائج والاستنتاجات.

 

 

حزب الدعوة الإسيلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي (4)

ali almomenشعارات للاستغفال: ترفع سلطة الأقلية الطائفية ـ غالباً ـ شعارات الوطن والوطنية ومحاربة الاستعمار؛ لاستغفال القواعد الشعبية وتسويغ أي ممارسات قمعية وتمييزية واستبداية تقوم بها وضمان بقائها في السلطة.

هذه الحقائق ترفضها النخبة السنية في البلدان الثلاثة المذكورة (العراق ولبنان والبحرين) وتنفيها بشدة؛ لأنها لا تنسجم مع مصالحها؛ فهي أقلية ذكية متمرسة في لعبة السلطة، وظلت تمسك بها طيلة مئات السنين؛ بالرغم من أن حاضنتها الاجتماعية تقل عن ربع سكان البلد، ولذلك تحتاج دائماً الى شعارات ومقولات دينية ووطنية وقومية تخديرية؛ تدفع بها الشارع الشيعي الى التضحية والصمت والعض على الجراح؛ مرةً بذريعة الدفاع عن بيضة الدولة الاسلامية؛ كما كان يحدث

خلال صراع الدولة العثمانية مع الغرب ومرة أخرى بذريعة الدفاع عن الوطن؛ كما كان يحدث خلال العهدين الملكي والجمهوري في العراق، ومرة ثالثة دفاعاً عن القومية العربية والبوابة الشرقية للوطن العربي؛ كما كان يحدث في العهد البعثي، وهي الذرائع التي انتهكت السلطات تحت ظلها كل حقوق الشيعة وكبدتهم ملايين التضحيات.

 

النخبة الشيعية

كما أن جزءاً مهماً من النخبة الشيعية يرفض الكشف عن هذه الحقائق ومقاربتها؛ لأنه يفضل أن يعيش حالة الاستغفال، أو التماهي مع شعارات السلطة؛ أما تصديقاً لها؛ من منطلق الحس الديني والوطني والقومي الحقيقي، أو رغبة في اعتزال السلطة ومتاعبها وتبعاتها، فمثلاً  الخوف من إسالة الدماء والحفاظ على الوحدة الإسلامية ومصالح الوطن العليا؛ تسببت جميعها في خسائر أكبر بكثير جداً؛ إذ خسر فيها شيعة العراق وطنهم وقوميتهم وأرواحهم وأعراضهم وأموالهم؛ طيلة (40 ) عاماً من الحكم الطائفي العنصري (1963 – 2003)؛ كما كانوا يخسرون دائماً في كل العهود.

 

الجماعات السنية

ويقود هذا الموضوع الى الحديث عن التأثر الحسي للشيعة بالحراك الإسلامي السني المعاصر، ففي العام 1928 تأسست جماعة الأخوان المسلمين في مصر، ومثلت منعطفاً مهماً في الفكر السياسي الإسلامي السني؛ إذ كانت الحركة الإسلامية الأولى في التاريخ السني التي تدعو لحكم إسلامي على أساس (الشورى)، وليس لحكم سلطاني يقوم على الموروث الفقهي السياسي السلطاني السني؛ الذي حكم الواقع السني منذ ملكية معاوية الأموي وحتى سلطنة عبد المجيد العثماني.

وتزامن تأسيس جماعة الأخوان مع نشاط جماعة النور في تركيا بقيادة بديع الزمان النورسي الذي تأثر فيه حسن البنا مؤسس الأخوان، وأعقب جماعة الأخوان تأسيس الجماعة الإسلامية في الهند بقيادة أبو الأعلى المودودي، ثم حزب التحرير في الأردن على يد تقي الدين النبهاني عام 1953؛ الذي كان هو الآخر حركة سنية إسلامية تعارض الموروث السلطاني السني وتدعو لخلافة (راشدة)، إضافة الى جماعات إسلامية حركية سنية في بلدان أخرى، إلا أن ما كان يميز جماعتي الأخوان والتحرير هو فكرهما الحركي العميق وعالميتهما؛ بينما كانت الجماعات الإسلامية السنية الأخرى حركات محلية أو نضالية.

 

بين “الإخوان” و”التحرير”

وحيال ذلك؛ كانت النخب الدينية الشيعية العربية تنظر بإعجاب لجماعة الأخوان المسلمين وحزب التحرير؛ بالنظر لدعوتهما الدينية الفكرية الحركية المتجددة، وخطابهما التأصلي العصري القائم على تطبيق الشريعة الإسلامية بأدوات حديثة، وبنيتهما التنظيمية القوية التي تقارب بنى الأحزاب العلمانية الايديولوجية في رصانتها وهيكليتها، وعالميتها، وبعدهما عن الحالة التقليدية في الفرز الطائفي التي تتميز بها الجماعات السنية حيال الشيعة.

ولكن لم تتخلص هاتان الجماعتان من موروث الاجتماع الديني والسياسي الطائفي؛ الأمر الذي دفع معظم الإسلاميين الشيعة المتأثرين في هاتين الجماعتين؛ لاسيما في العراق والكويت ولبنان والبحرين؛ الى مفارقتهما؛ بعد التنبه الى انتمائهما الى ذلك الموروث الطائفي، والمضي بإيجاد البديل الإسلامي الشيعي المشابه تقنياً.

 

امتداد تاريخي

ولذلك جاء تأسيس حزب الدعوة الإسلامية مستجيباً في مضمونه لمتطلبات الواقع الشيعي ذي الامتداد التاريخي، ومتأثراً في الجانب الشكلي بحركية جماعة الأخوان المسلمين وحزب التحرير؛ أي أنه ليس تأثراً بالمعنى الفقهي والفكري؛ بل بمعنى تلمس غياب العمل الشيعي المشابه، في الوقت الذي كان الواقع الشيعي بأمس الحاجة إليه. وبالرغم من هذا التشابه الشكلي؛ إلا أن حزب الدعوة الإسلامية من خلال القوة الفكرية لمؤسسيه وأعضائه الأوائل من الشباب العشريني والثلاثيني، وحماستهم العالية، وعملهم الدؤوب، واحتمائهم بالسلطة الدينية الشيعية العليا، واستثمار النسبة السكانية للشيعة؛ باعتبارهم الأكثرية العددية في العراق ولبنان والبحرين؛ استطاع تجاوز جماعة الأخوان وحزب التحرير بمراحل متقدمة كبيرة من حيث العدة والعدد في هذه البلدان الثلاثة.

 

أهداف الحزب

ويمكن اختصار الأهداف التاريخية العملية لتأسيس حزب الدعوة الإسلامية؛ وهي الأهداف الخاصة؛ غير المثبتة في أدبيات الحزب؛ بثلاث نقاط جوهرية:

-1 إيجاد نخبة إسلامية شيعية في العراق والبلدان العربية والإسلامية ذات الأغلبية السكانية الشيعية أو التي توجد فيها كثافة سكانية شيعية؛ تعمل على تغيير الواقع الثقافي والفكري؛ وصولاً الى استلام السلطة وتأسيس دولة إسلامية تحكم بالشريعة الإسلامية.

-2 مواجهة الأفكار والأحداث والجماعات السياسية العلمانية والأنظمة الحاكمة في العراق والبلدان الإسلامية؛ لاسيما المد القومي البعثي والناصري والمد الشيوعي والحكومات الملكية والجمهورية.

-3 تأسيس تنظيم إسلامي شيعي عقائدي عالمي؛ على غرار الأحزاب الإسلامية السنية، والأحزاب الماركسية، والأحزاب القومية العربية والكردية؛ لسد الفراغ التنظيمي في الساحة الشيعية؛ العراقية خصوصاً، والعربية عموماً.

 

المؤسسون الأوائل

كانت الشخصية الأبرز التي ارتبط الحراك الإسلامي الجديد باسمها؛ هو الفقيه والمفكر الشاب السيد محمد باقر الصدر، الذي مثل أنموذجاً نادراً لعلماء الدين، أما السيد محمد مهدي الحكيم الى جانب مجموعة الحزب الجعفري: عبد الصاحب دخيل، محمد صادق القاموسي وحسن شبر، إضافة الى السيد طالب الرفاعي؛ فهم أصحاب فكرة إنشاء الحزب الاسلامي الشيعي، والذي حمل اسم حزب الدعوة الإسلامية فيما بعد، وفي هذا الصدد يقول السيد محمد مهدي الحكيم: ان “فكرة تأسيس حزب اسلامي طرحت خلال العام 1956، واستمرت التحركات والاجتماعات التحضيرية أكثر من سنة، تباعدت فيها الأفكار وتقاربت، وتراجعت شخصيات وثبتت أخرى، وحتى تم في النهاية الاتفاق على شكل العمل وطبيعة تحركه”.

 

إشكالية إقامة الحكومة الإسلامية

ويتابع السيد الحكيم: “كانت أول قضية طرحت على طاولة البحث (قبل التأسيس) هي: “مشروعية قيام الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة”؛  فكتب آية الله السيد محمد باقر الصدر (وهو الفقيه الوحيد بين مؤسسي الحراك الجديد) دراسة فقهية برهن فيها على شرعية قيام الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة، وكانت هذه الدراسة أول نشرة حزبية تتبناها “الدعوة”.

ويضيف السيد محمد مهدي الحكيم أنه “عرض فكرة تأسيس الحزب في عام 1956 على السيد طالب الرفاعي وعبد الصاحب دخيل ومحمد صادق القاموسي؛ فكان الأربعة يعقدون الاجتماعات التداولية الأولى لفكرة الحزب، ثم اقترح السيد طالب الرفاعي مفاتحة السيد محمد باقر الصدر؛ فوافق على الفور، حين طرح عليه السيد مهدي الفكرة، ثم اقترح السيد الصدر ضم السيد مرتضى العسكري للعمل (وكان يقيم في الكاظمية)، حيث فاتحه بذلك من خلال رسالة حملها إليه السيد مهدي الحكيم، ثم تمت مفاتحة السيد محمد باقر الحكيم ومحمد صالح الأديب والسيد حسن شبر والدكتور جابر العطا.

 

اجتماعا النجف وكربلاء

لقد استمرت مداولات تأسيس الحزب بين أصحاب الفكرة وأقرانهم الذين انفتحوا عليهم حتى أواسط عام 1957، و خلال الفترة من تموز وحتى أيلول 1957 عقد أكثر من اجتماع تأسيسي تحضيري في النجف الأشرف، معظمها في بيت السيد محمد باقر الصدر، وكان آخرها هو الاجتماع التأسيسي الذي سبق اجتماع أداء القسم في كربلاء.

وفي تشرين الأول عام 1957 (ربيع الأول 1377هـ) عقد اجتماع أداء القسم في دار إقامة المرجع الديني الإمام السيد محسن الحكيم في كربلاء؛ بحضور سبع شخصيات: السيد محمد باقر الصدر، السيد محمد مهدي الحكيم، عبد الصاحب دخيل، محمد صادق القاموسي، السيد مرتضى العسكري، السيد محمد باقر الحكيم ومحمد صالح الأديب، وغياب ثلاث أخرى من المؤسسين: السيد طالب الرفاعي والسيد حسن شبر والدكتور جابر العطا، وهو الاجتماع الذي يعده بعض مؤسسي “الدعوة” آخر الاجتماعات التأسيسية، فيما يعتبره مؤسسون آخرون اجتماعاً لأداء القسم، وأن الاجتماع التأسيسي النهائي كان في النجف الأشرف وسبقه بشهر تقريباً، ومن هنا؛ فإن بعض الشخصيات كان من المؤسسين ومن الملتحقين بالتأسيس؛ مرده الى وجود اجتماعين، أحدهما في النجف الأشرف هو التأسيسي والثاني في كربلاء وهو لأداء القسم.

 

الرواية الرسمية

والرواية الرسمية لحزب الدعوة؛ التي يثبتها محمد صالح الاديب والسيد حسن شبر (بالرغم من أن الأديب لم يحضر اجتماع النجف وحضر اجتماع كربلاء، بينما حضر شبر اجتماع النجف ولم يحضر اجتماع كربلاء)؛ فتعد اجتماع كربلاء تأسيسياً نهائياً؛ لأن المؤسسين أدوا فيه القسم؛ ولأن الحزب حدد يوم 17 ربيع الأول 1377هـ الذي يوافق 12 تشرين الثاني 1957؛ تاريخاً لانبثاقه؛ ولكن هذا لا يعني أن بعض المؤسسين الذين لم يحضروا اجتماع كربلاء هم ليسوا من المؤسسين؛ وهو حال السيد طالب الرفاعي والسيد حسن شبر والدكتور جابر العطا دون غيرهم؛ والعكس صحيح بالنسبة لاجتماع النجف التأسيسي.

- يتبع –

 

 بقلم: د. علي المؤمن

 

صدور المجلد الأول من التحليل الروائي للقرآن الكريـــم للروائي عبد الباقي يوســف

885-quranعمل تفسيري جديد، يدخل مكتبة التفسير القرآني، يقدّمه الأديب والروائي السوري عبد الباقي يوســف من خلال منهج جديد يعمل عليه في تفسير القرآن الكريم تحت عنوان:  (التحليل الروائي للقرآن الكريم) وقد صدر منه المجلد الأول متضمناً تحليل السور الخمس الأولى من القرآن الكريم:  (الفاتحة - البقرة - آل عمران - النساء – المائدة) تحليلاً روائياً، وقد جاء المجلد في 640 صفحة من الحجم الكبير، وصدرت طبعته الأولى 2016 في أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق.

جاء في الصفحة 268:  "يُعنى التحليل الروائي بتحليل الكلمة القرآنية تحليلاً روائياً، بمعنى مدى ترابطها بالكلمات الواردة قبلها، والكلمات التي سترد بعدها، والكلمة القرآنية هنا هي مختلفة عن الكلمة غير القرآنية، لأن توظيفها في القرآن يُكسبها ويُغنيها بمعان واستدلالات لاتكون لها في توظيفها في غير القرآن، وهذا ما يجعلنا نكتشف أن اللغة العربية كم كانت فقيرة باكتشاف معانيها وغناها ومدلولاتها قبل أن يُشرّفها الله تعالى بحمل رسالة القرآن، ولعل هذا ما حض أهل النبوغ كي يفتحوا في هذا الحقل فتوحات جديدة ما كانت للغة العربية من قبل نزول القرآن الكريم، وهي الفتوحات اللغوية التي كمنت في المعاجم والقواميس اللغوية".     وفي الصفحة268:  " التحليل الروائي هنا يشتغل على خصائص البنية الروائية المتماسكة والمترابطة مع بعضها البعض، سواء في جوهر العلاقة بين الكلمة وصنوّتها، أو بين الآية وصنوّتها، أو بين السورة وصنّوتها، وعلى هذا النحو يجلو لنا كيف أن السور القرآنية تتحوّل إلى فصول متناغمة ومتداخلة مع نسيج بعضها البعض، ومستكملة الأركان لبعضها البعض، لتتشكّل من هذا كله عمارة البناء القرآني المجيد.

يُظهر هذا المنهج العنصر الروائي في خطاب القرآن الذي يتحوّل إلى مجموعة هائلة من القصص التي يقصّها الله سبحانه وتعالى على رسوله، ويصفها بـ:  [أَحْسَنَ الْقَصَصِ] يوسف 3، ولايعني ذلك أن:  [أَحْسَنَ الْقَصَصِ] هي قصص إيجابية فحسب، بل هي في مجملها مزيج من قصص إيجابية، وقصص سلبية معاً، لكنها في وجهَيها [الْقَصَصِ] الـ [أَحْسَنَ] في اتخاذ العِبر منها، فهي الـ [أَحْسَنَ] صلاحاً لاستنباط واستخراج هذه العبر منها، كون مضامينها هي مضامين مفتوحة يمكن لها أن تقع في كل زمان ومكان، أي أنها قابلة لأن تتكرر في مضامينها وفق أشكال وألوان مختلفة لأنها تمس عمارة الحياة في كل زمان ومكان، فهي إذن أحسن العِبر الكامنة في ثنايا هذه القصص التي يمنّ الله تعالى على الإنسان بأنه يقصّها عليه.

أمام هذا الترابط التصاعدي بين هذه الكلمات، ثم هذه الآيات، ثم هذه السور، يتناول منهج التحليل الروائي مسألة العلاقة بين هذه الكلمات والآيات المتناثرة في عموم سور القرآن، ذلك أن السورة هي غير منفصلة عن الأخرى، كما الأمر بالنسبة للكلمة، والآية، فالسورة هنا هي فصل قرآني تابع، ومتبوع له".

 

شيء من المتن

885-quranجاء في الصفحة 117 في مستهل سورة آل عمران:  سوف نلج بشيء من التدرّج والتحليل إلى روائية هذه الأجواء المشوّقة لهذه العائلة لنتعرّف على الدروس والحكم التي يمكننا أن نستنتجها من خلال مجريات الأحداث التي تكاد تركّز على جوهر الإيمان، وما يمكن أن يمتاز به الإنسان المؤمن عن غيره، وهي تبيّن مزايا الإيمان، إلى جانب ما يمتاز به الإنسان الكافر، وهي تبيّن مزايا الكفر، ثم تُظهر صميم العلاقة بين المؤمن والكافر.

مع آيات هذه السورة، نرى تغلغل تفاصيل الحياة اليومية التي يعيشها الناس لحظة بلحظة، ونرى كيف أن الله متتبع لكل صغيرة وكبيرة، نرى عناية الله عز وجل بالإنسان الذي يعيش في الأرض.

إن الله جل ثناؤه هنا يتحدّث لرسوله حديثاً عاماً يمتاز بالعمومية، إلى جانب حديث خاص يمتاز بالخصوصية، وآية إثر آية نتشوّق لمعرفة المزيد، ونحن نرى كيف أن هذا الحديث الذي يقوله الله يُغني اللغة العربية، ويفجر فيها آفاق المعاني الجديدة، حيث لم تعد الكلمة تقتصر على المعنى المألوف لها، بل يضفي الحديث الإلهي إلى القرآن معان جديدة مع مرور السنوات، وهذا لايعني أن المعاني السابقة التي اجتهد فيها المفسرون تُلغى، بل تبقى مضافاً إليها هذه المكتشفات والمشتقات اللغوية الحديثة، وبهذا وما يمتاز به الخطاب الإلهي القرآني، يبقى القرآن متجدداً، ويبقى القارئ يرتقي في درجات تلقي معانيه، وقد بيّنتُ ذلك بشيء من التفصيل في كتابي: " الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن" لذلك أرى أن الناس يحتاجون إلى تفسير جديد للقرآن الكريم على رأس كل قرن، وإن كان القرن محمّلاً بالكثير من المكتشفات، والمنجزات البشرية، وكذلك بالأحداث المتفاقمة، فإن الناس يحتاجون إلى تفسيرين، أو أكثر للقرآن الكريم، لأن السنوات، والقرون، والأحداث، والمكتشفات تحتاج إلى مرجعيتها القرآنية، كي يتجنّب الإنسان تحويل نعمة المكتشفات إلى نقمة، هذه المرجعية التي تجعلنا منضبطين في استخدامها، وبالتالي منتفعين بها، ومقدّمين من خلالها صور وآيات القرآن المشرقة إلى العالم، نقدم إلى العالم المسلمبن بكل ما يتمتعون به من روح الإنسانية، والتسامح، والمحبة التي أرساها القرآن الكريم فيهم.

 

تحليل خصائص العلاقة بين الرجل والمرأة قرآنياً

إن جمهور الروائي يوسف اعتادوا منه على تقديم خصائص العلاقة الحميمية بين الرجل والمرأة، وخاصة في رواياته التي مُنع منها البعض بسبب جرأتها في تناول تفاصيل هذه العلاقة، ومنها:  جسد وجسد، خلف الجدار، الآخرون أيضاً، بروين، روهات، دِين، إمام الحكمة، سدرة العشق. وفي هذا العمل يستأنف الروائي جرأته في تحليل جوهر هذه العلاقة الحميمية من خلال القرآن الكريم، وممّا يقول:  " [هُوَ] الله:  [الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ] يفصّلكم، ويشكّل تكوينكم [هُوَ] إشارة بأنه هو مصدر الخلق جميعاً:  فـ:  [فِي الْأَرْحَامِ] التي هي موضع تصويري لكم، رحم المرأة، ومن هذا الموضع تبدأ رحلة رحمة الأم بوليدها، إنها تربّيه في رحمها، وهو يدغدغ رحمها، وكلما تنظر إليه نظرة، تذكر بأنه نبت في رحمها، وهذا يزيدها رحمة وشفقة به مهما بلغ من الخشونة فيما بعد، ولذلك فإنها تكون أكثر رحمة به من أبيه الذي يقذف ذلك قذفاً، فتستقبله المرأة ليتلاقح العنصران في الرحم بما يشاء الله من تصوير. ولذلك فإن الجماع الذي أحلّه الله، من عوامل ترسيخ العشرة والمودة بين الرجل والمرأة، يبدأ الرجل في تقبيل امرأته، وتبدأ المرأة في تقبيل رجلها، ولعلهما لايفعلان ذلك في أوقات أخرى بكل تلك الحميمية، ولعل الجماع يُعدّ من أعظم عوامل الصلح بين المرأة وزوجها، فيتسبب بصلحهما إذا نشب بينهما خلاف، بل أن الرجل الذي يريد أن يُعاقب زوجته على خطيئة بحقه، فإنه يهجر فراشها، فتشعر الزوجة بأنها منبوذة من زوجها، فتتودد إليه، وتلمس منه العذر حتى تعيده إلى فراشها ثانية.

والرحم، من مشتقات الرحمة، والله رحمن رحيم، يقول في الحديث القدسي: " أنا الرحمن، خلقتُ الرحم، وشققتُ لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته"

ورد في حديث ثوبان في صحيح مسلم: ‏ (أن اليهودي قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏: ‏ وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان‏.‏ قال‏: ‏ ‏"‏ينفعك إن حدثتك‏"؟‏‏.‏ قال‏: ‏ أسمع بأذني، قال‏: ‏ جئتك أسألك عن الولد‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: ‏ ‏"ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا، فعلا مني الرجل مني المرأة، أذْكَرا بإذن الله تعالى، وإذا علا مني المرأة مني الرجل، آنثا بإذن الله‏" ص128

 [وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا] خلق من آدم الفرد زوجاً، فبعد أن كان فرداً، حوّل الله بقدرته هذا الفرد من ذاته إلى زوج، وهي حواء التي ستُصبح الأم الأولى للبشرية، كما أن آدم سيُصبح الأب الأول، فمن هنا تبدأ رحلة البشرية، وهنا ندرك بأن كل رجل يحمل في جيناته شيئاً من نعومة الأنوثة مهما اتسم هذا الرجل بنزعة الشر والطغيان، كما أن المرأة تحمل في جيناتها شيئاً من خشونة الذكورة، مهما اتسمت بفيض النعومة، ولعل هذا يجعل من الإنسان ذكراً وأنثى قابلاً للتحوّلات الكبرى في سائر السلوكيات، وكذلك في المعتقدات، وهذا بذاته يجعله قابلاً لإشراقة التسامي بشكل مزدهر، كما يجعله قابلاً لظلمة الانحطاط بشكل مريع.

وهذا أمر بالغ الأهمية تُظهره لنا هذه الآية الكريمة، وهو أن الإنسان يستطيع أن يمتلك مقدرة التحكم بأهوائه وميولاته ويوظفها توظيفاً إيجابياً، أي يجعلها تنقاد بإرادته، لأنه إن لم يفعل ذلك، سينقاد بإرادتها، فهو إما أن يقود نفسه، أو تقوده نفسه، وليس من حل وسط بينهما، وليت الأمر يقف عند ذلك، فهذا يمتدّ إلى كينونة الشخص ذاته، فهو إن لم يقد زوجته، قادته زوجته، وإن لم يقد عائلته، قادته عائلته، لأن الشأن هنا هو تنازلي، كما أنه في الحالة الموازية، تصاعدي، والأمر هنا لايختلف كثيراً إذا أسقطنا كل ذلك على مركبة تقودها، فإن لم تقدها بمهارة، سوف تتولى هي قيادتك:  [وَبَثَّ] الله تعالى [مِنْهُمَا] آدم وزوجه حواء [رِجَالاً كَثِيراً] على شاكلة أبيهم آدم [وَنِسَاء] على شاكلة أمهم حواء.

البث، هو الانتشار، وقد استُخدمت الكلمة في عصرنا في بعض المنجز البشري الحديث فيُقال:  البث، بمعنى الانتشار، ويبث الخبر، أي ينشره، ويُقال:  البث المباشر، أي الانتشار المباشر للحدث حال وقوعه.

هنا تضعنا الآية أمام خصائص الرجولة، وخصائص الأنوثة، فتُرينا أن أسبقية الخلق هي للرجل الذي خلقه الله من مادة مستقلة ليكون أصلاً لجنس بشري مستقل ومختلف عن بقية خلق الله، وهي علامة أولى من علامات قيادة الرجل للمرأة، وثم للعائلة، ثم أنها علامة أولى من علامات خشونة الرجل الذي خلقه الله من تراب، ثم خلق المرأة من ضلعه.

فقد رأى آدم نفسه وحيداً في عالم الجنة التي خلقه الله فيها، وفجأة بينما هو نائم فقد تمت عملية الاستئصال من ضلعه ليتشكل من ذلك كائن تفاجأ به أمامه عندما فتح عينيه.

فما الشعور الذي راوده حينذاك وهو يرى ما يرى، هل أحس بشيء من الأنس؟ لعل ذلك قد حدث، ولعل الرجل بصفة عامة قد ورث هذا الشعور الأولي عن أبيه وهو يرى امرأة، ولعل مرد هذا الأنس الذي دغدغ مشاعره هو أنه أحس بشيء من الألفة والمودة تجاه هذه الكائنة كونها قد استؤصِلت من لحمه ودمه، ولعله لو تفاجأ بذئب أمامه، ما كان له أن يبقى في هدوئه وطمأنينته، بيد أنه لبث في حالة هدوء وكأنه يخشى أن يغمض عينيه، فتتلاشى من أمام ناظرَيه وهو يستأنس بحضورها المباغت، وإن كان هذا للرجل فما حال هذه المرأة الأولى وهي ترى نفسها قبالة رجل؟!

لعلها في ذات اللحظات كانت تشارك الرجل ذات الشعور، وهي في دهشة من أمرها، فمَن هي، ومَن هو هذا الكائن الماثل أمامها، ورغم ذلك فإنها مطمئنة لاتبدو عليها علامة للفزع، كما لاتبدو عليه.

حينها يُبادر آدم متودداً إليها بقوله:  ما أنتِ؟

تقول:  امرأة

يقول:  لِم خُلقتِ؟

تقول:  لتسكن إلي.

لتسكن إلي، لا لترتعب مني، أو لتنفر مني، وهذا السكن إلى المرأة ينتج عنه التكاثر البشري.

أخرج ابن عدي وابن عساكر عن النخعي قال: ( لما خلق الله آدم وخلق له زوجه بعث إليه ملكا وأمره بالجماع ففعل، فلما فرغ قالت له حواء:  يا آدم هذا طيب زدنا منه ).

 

إظهار المعاني الجديدة للكَلمِ القرآني

يُظهر هذا العمل بعض المفاهيم الجديدة للكلمات القرآنية مثل تحليله للآية 45 من سورة المائدة:  [وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] .

فحكم الله موجود في التوراة، ولم يقتصر على رجم المحصَنين من الزناة فحسب، بل:  [وَكَتَبْنَا] وقد رأى بعض المفسرين [وَكَتَبْنَا] فرضنا.

يقول الجلالان في تفسيرهما: ( [وَكَتَبْنَا] فرضنا [عَلَيْهِمْ فِيهَا] أي التوراة (أن النفس) تقتل (بالنفس) إذا قتلتها

يقول البغوي في تفسيره: ( ويعني بقوله:  [وَكَتَبْنَا]، وفرضنا عليهم فيها أن يحكموا في النَّفس إذا قتلت نفسًا بغير حق

يقول القرطبي في تفسيره: ( [وَكَتَبْنَا] بمعنى فرضنا

يقول ابن عثيمين في تفسيره: ( [وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ] كتبنا:  أي:  فرضنا، وكما قال تعالى في آية أخرى:  [كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ] البقرة 183 فالكَتْبُ بمعنى الفرض).

يقول الروائي اليوسف:  بيد أن المعنى أقرب إلى رخّصنا، وهذا مختلف مع فرضنا، فالفرض يجب تنفيذه كونه فُرِض من الله، لكن هنا وضَعَ المجني عليه أمام خَيارَين، فإن شاء نفّذ [وَكَتَبْنَا] وإن شاء ما نفّذها كون [فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ] تنازلٌ عن حقه في مضمون [وَكَتَبْنَا] عندئذ [فَهُوَ] التنازل عن الحق [كَفَّارَةٌ لَّهُ] ونرى أن ذلك لايُقاس على ما ورد بالتقارن مع [كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ] لأن الحق هناك خاص بالله، فالصيام لله، والإنسان القادر على الصوم لاخيار أمامه سوى أن يصوم، لكنك هنا لديك القدرة على تنفيذ [وَكَتَبْنَا]، بيد أنك لوجه الله تصفح عن الجاني، ولذلك لعل المقارنة لاتكون متقاربة بين الآيتين، فنرى [وَكَتَبْنَا] بمعنى أذنّا، أو رخّصنا، فإن شئت، عملت بهذه الرخصة، وعاقبتَ بمثل ما عُوقِبت، وإن شئت، عفوتَ عن حقك تصدّقاً [بِهِ] بل ويُشجعك الله على التصدّق بتقديم التعويض الأفضل لك، لأنه جعل هذا الصفح [كَفَّارَةٌ] لك مما اقترفت، أو لعل مما ستقترف أيضاً من ذنوب، ثم أنك تسببتَ في إعطاء فرصة جديدة للمُعتَدي في الحياة الدنيا، وكذلك تسببتَ في عفو الله عنه في الآخرة، ولعل ذلك يحضه نحو الإصلاح، فيُصبح فرداً صالحاً في المجتمع، وينتفع الناس من أعماله الصالحة. روى عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  "من تصدق من جسده بشيء كفر الله تعالى عنه بقدره من ذنوبه".وأخرج أحمد، والترمذي، وابن ماجه، عن أبي الدرداء قال:  سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  "ما من مسلم يصاب بشيء في جسده فيتصدّق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة". فذلك معنى قول الله [وَكَتَبْنَا] في مستهل هذه الآية والله أعلم بمراده، ثم قال:

 [عَلَيْهِمْ] بني إسرائيل [فِيهَا] التوراة [أَنَّ] قتل [النَّفْسَ] الذي يقتل نفساً بغير حق سواء أكان القاتل أو المقتول رجلاً، أم امرأة، [بِ] قتلِ [النَّفْسِ] [وَ] فقئُ [الْعَيْنَ] [بِ] فقئ ِ [الْعَيْنِ] [وَ] جدعُ [الأَنفَ] [بِ] جدعِ [الأَنفِ]، [وَ] قطعُ [الأُذُنَ] [بِ] قطعِ [الأُذُنِ] [وَ] قلعُ [السِّنَّ] [بِ] قلعِ [السِّنِّ]، [وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ] قص الجرح نظير الجرح. [فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ] عفا عن حقه لوجه الله تعالى [فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ] يُحتَمَل أن تكون الكفارة للمتصدّق العافي عن حقه، وكذلك للمعتَدي لأن صاحب الحق تنازل له عن حقه، فحصل بذلك على كفّارة للذنب الذي ارتكبه، فالمُعتدى عليه يُجازيه الله نظير عفوه، والمُعتدي يعفو عنه الله، لأن المُعتدى عليه أسقط عنه حقه، وعفا عنه. ص 549-551

وممّا جاء:

 [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً] النساء34

تتكلل هنا مسؤولية الرجال تجاه النساء، استناداً إلى كل مراحل المسؤولية المتدرّجة التي مررنا بها، مثل نكاح [مَا طَابَ] لهم [مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ] و إتيان [النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً] و أن يكون:  [لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ] في الوراثة، وأن يُمسكوا [اللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ] [فِي الْبُيُوتِ] وغير ذلك، وما تم شرحه في حينه. فالرجل هو الذي يتولى تحمّل مسؤولية مشقات الحياة، وهو الذي خصه الله تعالى بالنبوة. نبلغ هنا ميزة القوامة، فيُعلّم الله تعالى في هذه الآية رسوله، ويأمره أن يُبلغ الناس بأن ربهم يقول لهم:  [الرِّجَالُ] نظير ما حباهم الله بكل تلك المزايا:  [قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء] مسؤولون عن النساء، يتحمّلون مسؤوليتهن، فقد عفا الله تعالى المرأة- بمقابل منح الرجل تلك الخصائص- مسؤولية إطعام، أو إكساء، أو طبابة نفسها، وما إلى ذلك من مستلزمات المعيشة، وجعل ذلك في عنق الرجل، فقد حمّله الله تعالى مسؤولية إدارة شؤونها، وتأمين مستلزماتها، وتأمين الحماية والحصانة لها، فالرجل هو قائم قام المرأة بامتياز إلهي.

ويُروى أنها ا نـزلت في سعد بن الربيع وكان من النقباء وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، قاله مقاتل، وقال الكلبي:  (امرأته حبيبة بنت محمد بن مسلمة، وذلك أنها نشزت عليه فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:  أفرشته كريمتي فلطمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  " لتقتص من زوجها "، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فجاء جبريل عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  " ارجعوا هذا جبريل أتاني بشيء "، فأنـزل الله هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  " أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا، والذي أراد الله خير ". ورفع القصاص.

الرجال أمراء النساء، يتوجب عليهن طاعتهم بما يُصدروا من أوامر إليهن مما لايمس معصية الله، فقد أوكلهم الله تعالى مسؤولية القوامة على النساء:  [بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ]

ثم:  [وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ] في كتب التفسير، يعطف المفسرون هذه الجملة على سابقتها:  [بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ] فنكون أمام أن إنفاق الرجل على زوجته هو فضل منه عليها، واستناداً إلى ذلك يكون تفسير:  [بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ] .

لننظر إلى شيء من ذلك:

1 – يقول ابن كثير:  ( [بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ] أي: لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة؛ [وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ] أي: من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهنَّ في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال)

2 - يقول الطبري: ( [بما فضّل الله بعضهم على بعض]، يعني:  بما فضّل الله به الرجال على أزواجهم:  من سَوْقهم إليهنّ مهورهن، وإنفاقهم عليهنّ أموالهم، وكفايتهم إياهن مُؤَنهنّ. وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهم عليهنّ، ولذلك صارُوا قوّامًا عليهن، نافذي الأمر عليهن فيما جعل الله إليهم من أمورهن.

وأما قوله:  [وبما أنفقوا من أموالهم]، فإنه يعني:  وبما ساقوا إليهن من صداق، وأنفقوا عليهن من نفقة)

3 – يقول البغوي: ( [بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ] يعني:  فضل الرجال على النساء بزيادة العقل والدين والولاية، وقيل:  بالشهادة، لقوله تعالى:  [فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ] البقرة 282 وقيل:  بالجهاد، وقيل:  بالعبادات من الجمعة والجماعة، وقيل:  هو أن الرجل ينكح أربعا ولا يحل للمرأة إلا زوج واحد، وقيل:  بأن الطلاق بيده، وقيل:  بالميراث، وقيل:  بالدّية، وقيل:  بالنبوّة.

 [وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) يعني:  إعطاء المهر والنفقة)

4 - يقول الجلالان:  ([بما فضل الله بعضهم على بعض] أي بتفضيله لهم عليهن بالعلم والعقل والولاية وغير ذلك:  [وبما أنفقوا] عليهن)

5 - ويقول الرازي:  (واعلم أن فضل الرجل على النساء حاصل من وجوه كثيرة، بعضها صفات حقيقية، وبعضها أحكام شرعية، أما الصفات الحقيقية فاعلم أن الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها الى أمرين:  إلى العلم، وإلى القدرة، ولا شك أن عقول الرجال وعلومهم أكثر، ولا شك أن قدرتهم على الأعمال الشاقة أكمل، فلهذين السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء في العقل والحزم والقوة، والكتابة في الغالب والفروسية والرمي، وأن منهم الأنبياء والعلماء، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى والجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق، وفي الأنكحة عند الشافعي رضي الله عنه، وزيادة النصيب في الميراث والتعصيب في الميراث، وفي تحمل الدية في القتل والخطأ، وفي القسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج، وإليهم الانتساب، فكل ذلك يدل على فضل الرجال على النساء.

والسبب الثاني:  لحصول هذه الفضيلة:  قوله تعالى:  [وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ] يعني الرجل أفضل من المرأة لأنه يعطيها المهر وينفق عليها)

بيّنت التفاسير أن الفضل اقترن بالقوامة، وقد تفرّد بهما الرجل على المرأة، فكون لاقوامة للمرأة، لافضل أيضاً لها، بيد أننا نرى أن الآية تحتمل ألاّ تكون القوامة مقترنة بالفضل، فنقول:  المرأة هنا هي(بعض ) كما أن الرجل هو: ( بعض) والمرأة هي من (بعض) الرجل، كما أن الرجل هو من (بعض) المرأة، فقد تفضّل بعضٌ:  [عَلَى بَعْضٍ] لذا فـ:  [وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ] لا يُستَبعد أن تكون معطوفة على:  [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء] وليس على [بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ] ليكون الفضل متبادَلاً بينهما، وألاّ تبقى المرأة محرومة من فضلها على الرجل، فقراءة الاجماع يُستَنتج منها:  [بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ] الرجال، فلخّصت كلمة [بَعْضَهُمْ] الرجال واقتصرت عليهم، ثم:  [عَلَى بَعْضٍ] لخصت كلمة [بَعْضٍ] النساء، فعنتهن، واقتصرت عليهن. في حين أن قراءتنا تقول:  [بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ] نساء ورجالاً [عَلَى بَعْضٍ] نساء ورجالاً، لأن المصدر هو الرجال والنساء سواء في [بَعْضَهُمْ] أو في [بَعْضٍ] لأنهما تعودان إلى أن:  [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء] [بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ] الرجال والنساء [عَلَى بَعْضٍ] من الرجال والنساء، فالفضل هو متبادَل بينهما، لكن ما يعطي الشرعية للرجل كي يمتاز بأنه قوام عليها، هو ترجيح كفة فضله على كفة فضلها.

لقد جعل الله تعالى الرجل يتفضل على المرأة بتلك القوامة، أي بترجيح حجم فضله عليها، على حجم فضلها عليه، دون أن يعني إلغاء فضلها عليه، فهي بالمقابل تتفضل عليه بما أهّلها الله بذلك، فهي التي تجعله أباً، وهي التي تحرص على راحته، ونظافته، وتربية الأبناء، وهي التي تفتح له آفاق علاقات اجتماعية وصلات قربى جديدة من خلال نسابته لعائلتها، كما أنها تُحصنه. يقول النبي صلى الله عليه وسلم:  " من تزوّج فقد حصن ثلثي دينه ". فهي تُسكِنه، فيكون ساكناً بها، وهو يسكنها، فتكون مسكونة به. فالمرأة هي شريكة الرجل في بناء عائلته، وتشكيل شخصيته الأهلية الجديدة. ص 347-349 .

 

تبويب السور القرآنية في التحليل الروائي

يحوّل الكاتب السور القرآنية إلى أبواب، ومن ثم يقوم بتحليلها وفق مُسمّى الباب، فسورة النساء جاءت في 22 باباً وفق الآتي:

الباب الأول         لمعة اللقاء الأول بين الرجل والمرأة

الباب الثانــي        منزلــة اليتيــم

الباب الثالث        طيبات النساء

الباب الرابـع        تدبّــر المال

الباب الخامــس       حقوق النساء الماليــة

الباب السادس       عفيفات النساء وفاحشاتهن

الباب السابــع       التوبـة المقبولة والتوبة المُرَدّة

الباب الثامــن       ميثاق العلاقة بين الرجال والنساء

الباب التاســـع       مُحصَنات ومُحصِنون

الباب العاشــر       مدخل كريــــم

الباب الحادي عشـــر     قوامــة الرجال على النساء

الباب الثاني عشـر      أفضليات الإحسان

الباب الثالث عشــر     ســـبيل اللــــــه

الباب الرابــع عشــــر    منارة الإيمان

الباب الخامــس عشـــر    آفــــة النفاق

الباب السادس عشــــر    العاملون والقاعدون

الباب السابــع عشـــر       التبيان

الباب الثامــن عشـــر       متاهـــة الأمانـــي

الباب التاســــع عشــر       العقاب والاستيعاب

الباب العشـرون        مالك السموات والأرض

الباب الواحد والعشرون      ظلمــة التذبذب

الباب الثانـــي والعشـرون     وحــدة الإيمان

على هذا النحو يشعر القارئ بحالة من التشويق، وهو ينتقل من باب إلى باب، كما أن هذا العمل يتسم بأنه يركّز على التحليل، فنقرأ فكراً جديداً كما لو أننا نقرأ عملاً روائياً، هو سيرة القرآن الكريم.

 

 

 

صدور رواية الخامس والعشرون من ايلول للكاتب عامر موسى الشيخ

886-salamعن دار تموز للطباعة والنشر في سوريا صدرت رواية "الخامس والعشرون من أيلول" للشاعر والكاتب العراقي عامر موسى الشيخ، الرواية وقعت في مائة وخمسين صفحة من القطع المتوسط، وعن قصة حقيقية تتحدث عن عائلة عراقية انتمى أبناؤها إلى الحركة اليسارية في العراق

تعرض الرواية التي شارك فيها بطلها الحقيقي ماجد وروار حيث سرد تفاصيل الكثير من الحقائق المغيبة التي كان يعيشها البلد في الفترات السابقة من خلال إعدام أشقائه المنتمين الى حركة الانصار وصولا للأخ الأصغر الذي كان اسمه الحركي حمه عرب الذي صار ضابطا واستشهد في الرمادي على يد الجماعات التكفيرية، المكان الحقيقي للرواية مدينة السماوة ومنها ينطلق الأبطال إلى مدن عراقية أخرى تبدأ الرواية في تركيا وتنتهي في السماوة لتمضي الرواية مستعرضة بتفاصيلها امكنة عراقية متعددة لا سيما قرية سويه لمش في السليمانية ومعركتها الشهيرة وكذلك أشكال العذابات التي تعرض لها الشعب العراقي من خلال سلطة البعث الجائر وتكشف الرواية الحقيقة المغيبة عن مصير الجنود العراقيين العائدين مشيا على الأقدام مثلما وضح التعليق الموسوم على غلاف الرواية .....

886-salam"إنها رواية حقيقية بكافة تفاصيلها، أبطالها حقيقيون،عايشتهم على مقربة، متفاعلا مع فرط الطيب الذي يمنحوه لكل صديق يمر بحياتهم....

 لا ينتمي هذا العمل إلى الخيال الحسي أو إلى فكرة سكب الرؤى على المعاني بقدر ما هو وثيقة ادانة لحكم البعث في العراق ...

 يلتقط هذا العمل بمجهر التفحص عينةً عراقيةً بامتياز، تمثل عائلةً وجدت نفسها في السماوة وتشكل وعيها السياسي مبكرا لينخرط أبناؤها في صفوف الحركة الوطنية العراقية اليسارية من أجل تحقيق حلم إقامة دولة العدالة الاجتماعية ..

 بين صفحات هذه الرواية أيضا : ثيمة أخرى عن المسكوت عنه لمصير الجنود العراقيين العائدين مشيا بعد انكسار الجيش في حرب العام 1991، وحقيقة أخرى عن حركة الانصار في كوردستان العراق، وتاريخ مدينة جنوبية عراقية سحقها الزمن والحكام على مدى أربعين عاما من الموت المدور الذي صار مثل حلية تلتف حول أعناقهم ...

ماجد وروار حاشوش هو البطل الحقيقي لهذه الرواية، مواطن عراقي من مواليد العام 1962 ينتمي لتلك العائلة التي هي محور الرواية، يسرد لنا شهادة الضياع في عمق العدم المرتفع إلى سطح التلاشي من الزمن العراقي، لينطلق من قسمات وجه امه الذائب من حرارة الوجع على فقد الابناء !!

لا يخلو العمل من التقنيات السردية الادبية والرسائل الانسانية وبعض أخيلة فرضها الواقع الحقيقي للرواية، تاركين صناعة ابتكار الشخصيات وزجها في الحدث المُتَخيَلْ، لأن المعين العراقي، معين حي لكتابة قصة الانسان من جديد

كل الشخوص والاسماء والأمكنة والاحداث الواردة في هذا العمل حقيقية "

يذكر ان هذا هو الاصدار الثاني للشاعر عامر موسى الشيخ الذي اصدر غاليري موت مدينة ديوان شعر عن بيت الكتاب السومري في بغداد ....

 

سلام البهية السماوي – ملبورن

 

 

حزب الدعوة الإسيلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي (3)

ali almomenالدوافع الواقعية لانبثاق حراك اسلامي شيعي: قبل أن تنبثق فكرة حزب الدعوة الإسلامية وتتحول الى نظرية، ثم تنظيم، ثم حزب واقعي؛ كانت مجرد فكرة في أواسط الخمسينات من القرن الماضي في رؤوس عدد من الشباب الإسلامي الشيعي الناشط في العراق؛ وتحديداً في النجف الأشرف؛ ممن هم في العشرينات من عمرهم أو دون ذلك، وكان وراء الفكرة مزيج من الدوافع العقلية والعاطفية التي تحفزها هموم الساحة الدينية العراقية ومنظوماتها وأساليب تفكيرها، والواقع الاجتماعي، وحالة القهر السياسي، والتمييز الطائفي والتاريخية التي يعيشها شيعة العراق وعموم الشيعة العرب جراء ممارسات الأنظمة السياسية الحاكمة، والتقهقر الميداني والثقافي لحالة الإصلاح الإسلامي، ووجود التنظيمات العلمانية الجماهيرية الفاعلة.

ومن هنا؛ فإن مجمل دوافع هؤلاء الشباب كان وراءها الشعور باللوعة والهم الكبيرين؛ بسبب التراجع الذي عاشه التيار الإسلامي الإصلاحي والتغييري في العراق؛ منذ منتصف العقد الثالث وحتى أواسط العقد السادس من القرن الماضي، والذي كان يقابله جو مشحون بالتيارات والأفكار السياسية والايديولوجية العلمانية الوافدة، ووسط مهرجان من الأحزاب والتنظيمات العلمانية؛ التي يبرز من بينها التيار الماركسي الذي يمثله الحزب الشيوعي، والتيار القومي الذي يعد حزب البعث أهم أركانه، وما يعرف بالتيار الوطني، الذي يعد الحزب الوطني أحد أهم قواه، وما تبقى فقد كانت أحزاب سلطة أو أحزاب رموز، وكان انكماش الإسلام الحركي؛ يمثل فرصة مهمة للتيارات العلمانية، ولاسيما الجماهيرية؛ للإمساك بالساحة السياسية والاجتماعية؛ حتى في المدن التي تمثل قلاعاً دينية حضارية؛ كالنجف الأشرف.

 

تجمعات إسلامية

وكانت الحاجة الى العمل المنظم الشامل الذي يتبنى عملية التغيير في واقع الأمة الثقافي والسياسي؛ ولاسيما في الوسط الشيعي؛ كبيرة وملحة؛ لأن الوسط السني سبقهم إليه، فقد برزت منذ نهاية العشرينات تنظيمات وتجمعات إسلامية سنية كبيرة؛ كـ “الإخوان المسلمين” في مصر، و”حزب التحرير” في بلاد الشام، والجماعات الإسلامية في الهند وباكستان وتركيا وغيرها، ومن جانب آخر فإن الوجودات الشيعية الرائدة؛ كجمعية “النهضة الإسلامية” و”حزب النجف” و”الجمعية الإسلامية الوطنية” وغيرها؛ كانت تجمعات آنية تشكلت لأغراض محدودة وانتهت حال ارتفاع هذه الأغراض.

أما الجماعات الإسلامية الشيعية التي تأسست في أوائل وأواسط الخمسينات؛ كحركة “الشباب المسلم” ومنظمة “المسلمين العقائديين” وغيرهما؛ فكانت هي الأخرى محدودة وذات إمكانات متواضعة تنسجم مع أهدافها، ولم تسمح لها ظروفها باستيعاب الساحة؛ وبالتالي لم تكن قادرة على القيام بمهمة إحداث تغيير شامل في الواقع الإسلامي الشيعي، لأسباب وظروف تتعلق بقيادة هذه الجماعات وخصوصيات يتميز بها العراق بشكل عام، ووضع الوسط الديني العراقي بشكل خاص.

 

التغيير الشامل

هذه الهموم التغييرية الكبيرة التي كان يحملها بعض علماء الدين والناشطين الإسلاميين المثقفين؛ دفعتهم للتوصل الى مقاربة لعلاج الواقع؛ من خلال تبني أسلوب العمل التغييري المنظم الشامل في شكله الحزبي؛ بعد دراسة نظرية العمل السياسي في الإسلام، وتأريخ الأمة الإسلامية عموماً والعراق خصوصاً، وتجارب الشعوب وحركات المصلحين والوجودات الإسلامية السياسية السابقة، فكان نتاج الدراسات والمداولات العميقة المطولة يتمثل في تأسيس حزب إسلامي؛ يتحرك في المجالات كافة، وقد أسموه فيما بعد بـ “الدعوة الإسلامية”.

ولم يكن الحراك التغييري الإنقلابي الجديد المتمثل بحزب الدعوة الإسلامية يسعى لأهداف سياسية أو تنظيمية محدودة؛ بل كان مؤسِّساً لحالة مختلفة في مسار التاريخ الشيعي؛ شكلت انعطافة كبرى على مستويات الفقه السياسي والسلوك الحركي والعمل التنظيمي والرؤية التأصيلية لعملية التأسيس العصرية للدولة الإسلامية القائمة على مذهب أهل البيت، وهو عمل لم يسبق اليه الدعاة أحد من النخبة الشيعية في العراق وغيره.

 

تجارب تاريخية

ولا يمكن تشبيه العمل التأصيلي التأسيسي للدعاة الأوائل بالتجارب النضالية السياسية والحكومية للنخب الشيعية في المراحل التي سبقت تأسيس حزب الدعوة الإسلامية؛ كما هو الحال مع “الدولة العلوية” في طبرستان، وحكومة “السربداران” في سبزوار، و”الدولة الحمدانية” في شمال العراق وبلاد الشام، و”الدولة الإدريسية” في شمال أفريقيا، و”الدولة الفاطمية” في شمال أفريقيا ومصر، و”الدولة البويهية” في ايران والعراق، و”الدولة الصفوية” في ايران والجوار، وصولاً الى الحركات النضالية للنخب الشيعية في لبنان وإيران والعراق والبحرين في مطلع القرن العشرين الماضي وحتى أواسط الخمسينات، ومنها “ثورة المشروطة” في ايران، وثورتا “النجف” و”العشرين” في العراق، و”الثورة الدستورية” في البحرين، والحراك السياسي في جنوب لبنان.

 

الدولة الإسلامية

وقد تفوق الإنجازات الميدانية لهذه التجارب إنجازات حزب الدعوة بكثير، ولكن حديثنا هنا ليس عن الإنجازات الميدانية وحسب؛ بل عن الإنجاز التأسيسي لفقه وفكر وبنية سياسية شيعية تختلف عن كل التجارب السابقة؛ فقد أسس حزب الدعوة لأول مرة لمبدأ إقامة الدولة الإسلامية في عصر غيبة الإمام المهدي ( 329هـ / 941 م )، وهي دولة تقوم على تأصيل فقهي خاضع لنظرية الشريعة الإسلامية وأحكامها التفصيلية، وليست دولة سلطانية تقوم على التوريث والطقوسية الشيعية؛ كما هو الحال مع الدول الشيعية التي قامت من قبل.وينسجم التأصيل في موضوعة الدولة مع التأصيل الفكري والفقهي للعمل السياسي والتنظيمي والجهادي لحزب الدعوة نفسه؛ لأنه ليس كالحركات النضالية السياسية الشيعية التي انبثقت لمواجهة ظرف معين.

 

حركة المختار الثقفي

وإذا أردنا أن نكون أكثر واقعية؛ فيجب أن نذعن الى حقيقة تاريخية مهمة؛ تتمثل في السبق المستمر للنخب السنية في تحقيق الإنجازات الفكرية والسياسية والميدانية لمصلحة الواقع السني، وتعقبها النخب الشيعية في التشبه بهذا الانجاز؛ لتحقيق مصالح للواقع الشيعي، فقد حاولت الحكومات الثورية والسلطانية الشيعية التأسيس لتقاليد وسلوكيات نضالية شيعية، تحفظ للواقع الشيعي حقوقه وبقاءه؛ وإن كانت مستقلة نسبياً عن الخط الخاص للشرعية الدينية؛ وهو ما حصل - ابتداء - مع حركة المختار بن يوسف الثقفي، الذي كان مؤسساً لأول تحرك ثوري وسياسي وعسكري شيعي؛ مستقل نسبياً عن الخط الخاص للشرعية الدينية الشيعية آنذاك متمثلة بالإمام علي بن الحسين السجاد، ومؤسساً لأول سلوك سلطاني في التاريخ الشيعي، واقتفت بعض النخب السياسية والثورية الشيعية بعد ذلك أثر حركة المختار؛ لضمان مصالح الطائفة وحقوقها؛ عبر الثورات والجيوب الحكومية والحركات السياسية المجتمعية.

 

الحكومة السلطانية الشيعية

ثم تطور الأمر الى التشبه بالحكومات السلطانية السنية؛ وهو ما بدأه العلويون في شمال ايران والحمدانيون في شمال العراق وبلاد الشام، ثم الأدارسة والفاطميون والبويهيون والصفويون. وحيال ذلك اضطر الفقهاء الشيعة الى منح الشرعية لهذه الحركات الثورية والحكومات السلطانية التي لا تستند في أساس حاكميتها الى الفقه السياسي الإسلامي بصيغته اللصيقة بموروث أهل البيت (ع)، وكان الهدف من كل ذلك حماية المجتمعات الشيعية من الاستهداف والاستئصال والمذابح الجماعية والتهجير والتهميش والتمييز الطائفي الذي تتعرض له من الحكومات السنية والفقهاء

السنة، وكذلك فسح المجال أمام العقيدة الإسلامية الشيعية للتحرك بحرية؛ بمعزل عن دعوات التكفير والإقصاء والنبذ الذي تتعرض له باستمرار.

 

إبادة جماعية

وهكذا أصبح للنخب الشيعية فقه سلطاني تتحرك في إطاره، أسوة بالنخب السنية، وأصبح للحكومات الشيعية منصب (شيخ الإسلام) أسوة بالحكومات السنية؛ لمواجهة قوة القهر العسكرية والسياسية؛ بقوة دفاعية تعادلها، ولمواجهة سلطة الفتوى؛ بسلطة أخرى توازيها؛ وإلّا فالإبقاء على الحال كما كان عليه في عصر الدولة الأموية والفترات الأطول من عصر الدولتين العباسية والعثمانية؛ اي قوة وسلطة مهاجمة من جهة، وبيئة مهمشة مدافعة من جهة أخرى؛ سيؤدي بالمجتمعات الشيعية الى الاندثار والإبادة، أو اللجوء الى الغابات والجبال والقلاع والسواحل، وبالتالي الابتعاد عن أصول المعتقد وتبني معتقدات دخيلة، كما حصل مع المجتمعات الشيعية في شمال لبنان وغرب وشمال سوريا وشمال العراق وجنوب تركيا وشرق البانيا وكوسوفو، الذين يعرفون بـ”العلويين”، وهم بالأساس شيعة إماميون إثنا عشريون، وعددهم اليوم أكثر من خمسين مليون نسمة؛ وذلك لعدم وجود سلطة تحميهم في مقابل الإبادة الأموية والقمع العباسي والبطش السلجوقي والأيوبي والمملوكي والعثماني، وهو ما حدث بمفارقة أكبر مع  عشرات الأسر الشيعية في لبنان وسوريا التي اعتنقت الديانة المسيحية، أو دفعت أولادها الى الاحتماء بالأسر المسيحية؛ تخلصاً من القتل والإبادة الجماعية؛ لأن السلطات العثمانية كانت تحرِّم دم المسيحيين وتعدهم أهل ذمة، بينما تهدر دم الشيعي، وتستبيح ماله وعرضه، ولا تنفعه جزية دينية ولا ضريبة دنيوية.

 

ثورة العشرين

وفي العصر الحديث ظلّت النخب الشيعية تتمثل النخب السنية في حراكها الميداني، فانتمى بعضها الى الواقع الأوروبي في تبني القوانين الوضعية والدساتير الزمنية، كما حدث مع النخب الإيرانية خلال “ثورة المشروطة”، أو تقتفي أثر الإسلامويين السنة في التبعية للدولة العثمانية في صراعها مع الغرب، أو تتجه نحو الحركات القومية المعادية للإنجليز والفرنسيين، أو المتحالفة معها، فكانت النتيجة خسارة الشيعة الكبرى بعد “ثورة العشرين” في العراق، ومجيء حكم طائفي عنصري ينتمي الى الحاضنة السنية العربية التي تبلغ نسبتها 16 بالمئة من نفوس العراق، وأذاق الاكثرية السكانية الشيعية الويلات حتى عام 2003؛ حتى ترحّم الشيعة على طائفية الدولة العثمانية.

 

خسارات الشيعة

وكذا خسارتهم في لبنان بعد تأسيس لبنان الحديث عام 1934 ومجيء حكم طائفي يقوم على التحالف السياسي بين الأقلية السنية (ركيزة الاحتلال العثماني) والأقلية المارونية (ركيزة الاحتلال الفرنسي) ضد الأكثرية السكانية الشيعية، وكذا الحال في البحرين؛ الذي ظلت تحكمه أسرة تنتمي الى الأقلية السنية التي قوامها 20 بالمئة من نفوس البلاد، فكان الشيعة دائماً ضحايا الوطن والشعارات الوطنية واللحمة الوطنية والحراك القومي والأممي والثورات التحررية والصدام بالاستعمار والمحتل؛ تمسكاً بالموازين الدينية والمعايير الوطنية والانفعالات الإنسانية؛ الذي يعبرون عنه بالتكليف الشرعي والانتماء الوطني والشعور القومي؛ دون أن يفكروا بواقعية ببناء حاضرهم ومستقبل أولادهم ومجتمعاتهم، أو بمرحلة استلام السلطة كنتيجة لمرحلة العمل النضالي.

 

النخبة السنية

بينما تضع النخبة السنية عينها على السلطة قبل البدء بأي تحرك وطني وديني وقومي وتحرري، وبالتالي؛ عندما ينجلي غبار المعارك وتحين لحظة السلطة؛ يجد الشيعة أنفسهم خارج اللعبة، ويتحولون بالتدريج الى معارضة وأٌقلية سياسية معزولة، وما يتبع ذلك من تهميش وتمييز طائفي وتهجير وإسقاط للجنسية وملاحقة، وصولاً الى المقابر الجماعية؛ على الرغم من أنهم الأكثرية السكانية في العراق ولبنان والبحرين، وفي المقابل ترفع سلطة الأقلية الطائفية شعارات الوطن والوطنية واللحمة الاجتماعية والأهداف الدينية والالتزام القومي والتهديد الخارجي والتآمر الاستعماري؛ لاستغفال القواعد الشعبية وتسويغ أية ممارسات قمعية وتمييزية تقوم بها وضمان بقائها في السلطة.

-  يتبع –

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي (9)

ali almomenموانع الإجتماع الديني والسياسي أمام انتشار حزب الدعوة: في الوقت الذي كانت هناك حواضن لحزب الدعوة، وبيئات دينية واجتماعية ومؤسسات ثقافية استثمرها الدعاة؛ فقد كانت هناك عقبات كبيرة أمام «الدعوة» وانتشارها وتمددها، فبعد مرحلة التأسيس الصعبة؛ واجه حزب الدعوة واقعاً أصعب خلال مرحلة الانتشار الأولى؛ التي استمرت حتى نهاية عام 1961، وتمثلت إشكاليات هذا الواقع بما يلي:

1- إشكالية النظام السياسي في العراق؛ المبني على ركيزتي العنصرية والطائفية (عرب / سنة ) وهو نظام قديم موروث تتمظهر ركيزتاه في تهميش الشيعة واضطهادهم على أساس طائفي، وتهميش الكرد والتركمان على أساس عنصري.

2- إشكالية المنظومة الدينية الشيعية وموروثاتها الاجتماعية والسياسية في ما يرتبط بموضوعتي السياسية والدولة، وعلاقة الاجتماع السياسي الشيعي بالدولة والسلطة والمجتمع السياسي الرسمي؛ وهي علاقة انكفاء وقطيعة غالباً.

3- إشكالية انتماءات النخبة الشيعية؛ الموزعة بين أحزاب السلطة الملكية، والتنظيمات القومية؛ العربية والكردية، والتنظيم الشيوعي، والتنظيمات الإسلامية السنية، وهذه الانتماءات هي قسرية وغير موضوعية غالباً؛ لأن النخب الشيعية عندما تريد التعبير عن نفسها سياسياً واجتماعياً وثقافيا؛ فإنها لم تكن تجد أمامها غير هذه التنظيمات العلمانية القومية والأممية أو الإسلامية السنية، (مقولة للسيد مرتضى العسكري)

4- الموقف الفقهي والاجتماعي التقليدي للحوزة العلمية في النجف الأشرف؛ الذي لا يستسيغ التنظيم والتحزب والعمل السياسي وقيام دولة إسلامية، ويكمل هذا الواقع؛ غياب الموقف الفقهي في الموضوعات السياسية.

5- الأوضاع السياسية والثقافية والاجتماعية الصعبة التي يعيشها الشيعة في مختلف دول العالم؛ ولاسيما في العراق ولبنان وإيران والكويت والسعودية والبحرين وباكستان وأفغانستان.

6- فاعلية الحركات الإسلامية السنية؛ التي تعمل على الاستحواذ على الساحة الإسلامية بجانبيها السني والشيعي.

 

حوزة النجف والخط الثالث

وعلى مستوى الحوزة العلمية النجفية؛ فقد عاش حزب الدعوة حالة الثنائية بين مرجعية الإمام الحكيم الإصلاحية ومرجعية الإمام الخوئي المحافظة، واستطاعت «الدعوة» إيجاد خط ثالث فاعل؛ ولكنه خفي وغير منظور؛ إلا أنه كان يتمظهر غالباً في الفعاليات والنشاطات المحسوبة على مرجعية الإمام الحكيم وجماعة العلماء في النجف الأشرف وكلية الفقة، وبذلك أصبح واقع الاجتماع الديني النجفي ينقسم في عقد الستينيات من القرن الماضي الى ثلاثة تيارات رئيسة:

أولا: التيار الوسطي الإصلاحي؛ المتمثل في مرجعية الإمام السيد محسن الحكيم، وسمته: إصلاح شامل في الأمة وإصلاح مقيد في السلطة، ويتكون من خليط من علماء دين عراقيين وعرب وإيرانيين، وشبكة من البيوتات النجفية الدينية؛ العراقية وذات الأصول الإيرانية.

ثانياً: التيار التقليدي المحافظ؛ المتمثل في مرجعية الإمام السيد ابي القاسم الخوئي، وسمته: إصلاح تقليدي في الأمة وانكفاء في موضوعة السلطة، ويتكون معظم التيار من علماء دين إيرانيين؛ فرس وأذربيجانيين (كان الإمام الخوئي من القومية الآذربيجانية الإيرانية).

ثالثاً: التيار التغييري الثوري؛ المتمثل في خط الفقيه الشاب السيد محمد باقر الصدر وحزب الدعوة الإسلامية، وسمته: إصلاح شامل في الأمة وتغيير جذري في السلطة، ويتكون معظم التيار من علماء دين شباب عراقيين وعرب وإيرانيين، وناشطين من غير علماء الدين من البيوتات الدينية النجفية والعراقية والعربية.

 

المحافظون والإصلاحيون والثوريون

وبالرغم من أن تيار الصدر/ حزب الدعوة؛ كان يحظى بدعم المرجعين الحكيم والخوئي، ويحتمي بهما حوزوياً وثقافياً واجتماعياً، ويحصل منهما على الدعم المالي والمعنوي؛ ولكنه كان يصطدم بشخصيات مؤثرة في مكاتبهما وفي إطار مرجعياتهما؛ لم تخف امتعاضها من وجود تيار إسلامي حزبي تغييري سياسي ثقافي يتعارض والطابع التقليدي المحافظ لحوزة النجف. في حين كان شخصا المرجعين الحكيم والخوئي ينظران بعين العطف والحماية للسيد الصدر وحزب الدعوة، الأمر الذي يقود الى نتيجة راسخة مفادها بأن الاجتماع الديني الشيعي العراقي لا يمكن أن يسير وينجح وينمو إلّا بوجود التيارات الثلاثة المذكورة (المحافظة والإصلاحية والثورية)؛ فهي ضرورية للإبقاء على حالة التوازن، شريطة أن تحافظ على تفاهمها وتكاملها وتوزيع الأدوار في ما بينها؛ كما كان الوضع عليه في عهد مرجعية الإمام الحكيم، وهذه المهمة الصعبة تقع على عاتق المرجع الأعلى في النجف حصراً؛ فهو الكفيل بتقوية التيارات الثلاثة معاً وخلق حالة التوازن بينها، وتنظيم أدوارها، وهو ما نجح فيه الإمام الحكيم والإمام الخوئي، ثم الإمام السيستاني فيما بعد؛ مع وجود تفاوت في نسب النجاح بالطبع؛ تبعاً لنوعية النظام السياسي الحاكم ولقدرة المرجع الأعلى على الإدارة العامة.

 

مرجعية السيد السيستاني

مع الأخذ بالاعتبار ان الفرصة التي توافرت للإمام السيستاني بعد عام 2003 لم تتوافر لغيره من المرجعيات على مر التاريخ؛ إلّا لعدد محدود؛ كالشيخ المفيد والشريف المرتضى والشيخ الطوسي في بغداد خلال المرحلة البويهية، والشيخ الكركي والشيخ البهائي والشيخ المجلسي خلال المرحلة الصفوية. وقد يرى بعض المراقبين مفارقة في هذا المجال؛ فكيف يدعم التيار الديني التقليدي المحافظ تياراً إصلاحياً وآخر ثورياُ، أو العكس!؟. والحقيقة أن من يعرف جزئيات تفكير المرجعية النجفية العليا وحركتها؛ يفهم بأن هذه المرجعية تمارس ـ عادة - دور الأبوة لكل التيارات والوجودات في الوسط الشيعي، وتعمل على حمايتها وعدم التفريط بها، وشدها إليها بهدوء وصبر؛ للحؤول دون انكفائها خارج المنظومة الدينية الشيعية؛ سواء كانت المرجعية نفسها ثورية أو إصلاحية أو محافظة.

 

حكومة عبد الكريم قاسم

لقد مارس حزب الدعوة الإسلامية نشاطه التنظيمي السري، والثقافي العلني عبر واجهات مختلفة؛ بشكل واسع بعيد انقلاب 14 تموز 1958؛ مستثمراً حالة حرية الرأي التي أوجدتها حكومة عبد الكريم قاسم؛ والتي تسببت في الوقت نفسه بانتشار موجات الإلحاد والأفكار العلمانية، فكانت هناك حاجة ملحة للتخفيف من وطأة تأثير هذه الموجات والتيارات على المجتمع العراقي، فضلاً عن الحاجة الى بناء كتلة مؤمنة تغييرية قوية تعمل على بناء المجتمع عقائدياً؛ تمهيداً لإقامة دولة إسلامية؛ وهو المطلب شبه النهائي لحزب الدعوة، وعليه؛ لم يكن تأسيس «الدعوة» في حقيقة الأمر؛ رداً على تلك التيارات، وعلى الأحداث والأوضاع التي أفرزها انقلاب 14 تموز، أو المد الشيوعي، أو ليكون حزباً في مقابل الأحزاب الأخرى؛ بل كان مؤسسو حزب الدعوة ينظرون الى عملهم باعتباره فعلاً ستراتيجيا ًبعيد المدى، وذا أهداف كبيرة؛ بعيداً عن الأجواء الانفعالية والمؤثرات الآنية.

 

انتشار الحزب

وانطلق الدعاة الأوائل يوسعون صفوفهم وينشرون تنظيمهم؛ فوجدوا أرضية خصبة في أواسط علماء الدين وطلبة الحوزة العلمية النجفية، وطلبة الجامعات والمعاهد في بغداد والبصرة والموصل وغيرها، وتغلغلت تنظيمات الحزب في الوسط الديني في النجف وكربلاء وبغداد والبصرة تغلغلاً كبيراً، وانفتح الحزب على غير العراقيين، وعلى أبناء الريف من الطبقات المتوسطة والمنخفضة، كما استقطب بكثافة غير مسبوقة أبناء القوميات غير العربية في العراق من كرد فيليين وتركمان وشبك وفرس، وقدر عدد أعضاء الحزب عام 1960  بما يقرب من مائة عضو، ولكن العدد تضاعف بشكل كبير حتى عام 1963 بعد انتقال مركزية القيادة من العاصمة الدينية النجف الى العاصمة السياسية بغداد.

 

مرحلة «الدخيل» و«السبيتي»

وشهدت الطفرة العددية الكبيرة للحزب بعد عام 1964 حين أمسك بالتنظيم عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي، وقد شهدت انضمام بعض المتدينين السنة الى حزب الدعوة؛ في العراق وخارجه؛ من منطلق رؤية القيادي محمد هادي السبيتي للدعوة باعتبارها حزباً عابراً للمذاهب، وكانت هذه الرؤية تحظى بقبول القياديين الآخرين عبد الصاحب دخيل والشيخ عارف البصري، ومعارضة قياديين آخرين؛ ولاسيما علماء الدين؛ كالسيد مرتضى العسكري، وظلت الرؤية العابرة للمذاهب تصطدم بالواقع وبموروثات الاجتماع الديني للمسلمين؛ بل ظلت تصطدم بالرؤية العقائدية والفقهية التي يطرحها غالبية علماء الدين في حزب الدعوة، وما لبثت أن انهارت الرؤية الانفتاحية للسبيتي بمرور السنين؛ ولاسيما بعد الصدام الشامل بين «الدعوة» والنظام العراقي عام 1979.

 

عالمية الدعوة

وكان تعدد الانتماءات الاجتماعية والوطنية والقومية لأعضاء حزب الدعوة الأوائل؛ يسهم في تمكين حزب الدعوة من النفوذ في البلدان الأخرى، وقد أضافت هذه التعددية كثيراً لحزب الدعوة؛ إذ كان لها أكبر الأثر في مراكمة التنوع الثقافي الاجتماعي في بنية حزب الدعوة التنظيمية، وكانت تنسجم مع عالمية «الدعوة» وفكرها، واستطاع حزب الدعوة صهر هذا التنوع في بوتقته الفكرية، واستثمار إيجابياته وتجاوز سلبياته؛ مستفيداً بذلك من التجربة النجفية الوطنية والعالمية التي يزيد عمرها على الألف عام؛ على اعتبار أن حزب الدعوة هو وليد طبيعي للبيئة النجفية؛ وهي البيئة التي ظلت تمثل نتاجاً لتفاعل بيئات ثقافية اجتماعية متنوعة، وظل هذا النتاج غنياً، ومتفوقاً في عمقه وسعة أفقه على الأحاديات الثقافية المحلية؛ وهي ميزة نادرة تتمتع بها البيئة النجفية، وظلت تطبع حزب الدعوة بطابعها طيلة مراحل انتشار الحزب وامتداد تنظيماته الى مختلف مدن العراق وغيره من البلدان العربية والإسلامية.

ولم يؤثر انفتاح حزب الدعوة على المدن والقوميات والبيئات الاجتماعية العراقية والعربية والمسلمة في الحفاظ على جذوره النجفية؛ فقد بدأ حزب الدعوة نجفياً في انتمائه الثقافي والاجتماعي؛ واستحال عراقياً وعالمياً في تنوع انتماءات أعضائه؛ إلّا أنه من الناحية الفكرية والتقاليد الدينية؛ بقي ينتمي الى مدرسة النجف الأشرف.

 

تحدي مرحلة المهجر

وربما كانت مرحلة المهجر هي التحدي الأكبر الذي واجه حزب الدعوة على هذا الصعيد؛ ولاسيما حين تواجدت قيادته في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ حيث تأثيرات البيئة الفكرية الدينية الإيرانية وتقاليدها، ثم ظهور تيار مهم من فقهاء «الدعوة»؛ كالسيد كاظم الحائري والشيخ محمد مهدي الآصفي والشيخ محمد علي التسخيري وآخرين، وكثير من مثقفيها؛ يدعو الى الذوبان في قيادة الإمام الخميني والدولة الإسلامية على وفق مبنى السيد محمد باقر الصدر؛ وهو مبنى لم يكن مألوفاً في النجف الأشرف. وفي مرحلة لاحقة اتجه عدد غير قليل من "الدعاة" الى اتباع مدرسة السيد محمد حسين فضل الله غير التقليدية؛ المتباينة الى حد ما في تقاليدها الفكرية والدينية عن مدرسة النجف؛ على الرغم من انتماء السيد فضل الله اجتماعياً وعلمياً الى النجف. و لكن في المحصلة بقيت بوصلة حزب الدعوة تشير غالباً الى مدرسة النجف، وهذا الأمر لا يزال قائماً؛ حتى في خضم الجدليات الجديدة/القديمة التي تحكم العلاقة بين حزب الدعوة والمرجعية النجفية.

(يتبع)...

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

حزب الدعوة الإسيلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي (2)

ali almomenفي هذا الكتاب “جدليات الدعوة” وكتبنا اللاحقة عن حزب الدعوة الإسلامية خصوصاً والحركة الإسلامية العراقية عموماً؛ سنقارب مجموعة من الإشكاليات والجدليات الأساسية؛ ترتبط غالبيتها بموضوعات الاجتماع الديني والسياسي؛ أهمها:

1-  الخلفيات التاريخية والحاجة الواقعية لإيجاد حراك تأسيسي في الوسط الشيعي العراقي وغير العراقي، والذي أنتج انبثاق فكرة حزب الدعوة الإسلامية، ومراحل تأسيسه، ومؤسسيه، ودعاته الأوائل، ولاسيما الفترة الممتدة حتى عام 1965، وخروج بعضهم من التنظيم، وخروج آخرين على النظرية، ومساحات الانتشار الجغرافي للحزب في سنواته الأولى، سواء داخل العراق أو خارجه، أو في أوساط الحوزات العلمية والجامعات.

2-  التحولات في الفكر الفقهي والعقيدي والسياسي والتنظيمي لحزب الدعوة وسلوكه الحركي، وعلاقة ذلك بالحواضن الاجتماعية؛ كالعوائل والمدن والمجتمعات الحضرية والريفية، وأيضا علاقته بفكر القيادات التي تسلمت زمام الحزب وسلوكياتهم وانتماءاتهم الاجتماعية وتخصصاتهم الدراسية، وقد توزعت هذه التحولات بين سبع مراحل؛ كان فيها قيادي أو اثنان؛ الأكثر تأثيراً فيها، وهي:

 

المراحل السبع

أ‌- مرحلة السيد محمد باقر الصدر النجفية ( 1957ـ1961)؛ التي مثّلت مرحلة التأصيل الفقهي والعقيدي لنظرية حزب الدعوة.

ب‌-  مرحلة السيد مرتضى العسكري البغدادية (1961ـ 1963)؛ التي مثّلت مرحلة الشد والجذب بين مبدأ قيادة علماء الدين وقيادة المثقفين.

ت‌- مرحلة الثنائي عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي البغدادية (1964ـ 1971)؛ وشهدت تحولاً في طرح “الدعوة” من قيادة في الأمة الى قيادة للأمة.

ث‌- مرحلة محمد هادي السبيتي المهجرية (1972ـ 1979)؛ التي مثّلت الانفتاح المذهبي والتبلور الفكري والبناء التنظيمي الحديدي.

ج‌- مرحلة الشيخ محمد مهدي الآصفي الإيرانية (1980ـ 1992)؛ التي شهدت تبني الحزب مبدأ “ولاية الفقيه” العامة ومبايعة مصداقها.

ح‌- مرحلة الدكتور إبراهيم الجعفري الأوروبية ثم العراقية (1993ـ 2007)؛ التي تميزّت بالتوقف الفكري والانفتاح السياسي.

خ‌- مرحلة السيد نوري المالكي العراقية (2007ـ ...)؛ التي تركزت على غلبة “فكر الحكم” وممارسته على “الفكر الدعوي”.

 

الانشقاقات وفلسفة الحزب

3-  انشقاقات حزب الدعوة، وعلاقة ذلك بمجموعة من العوامل؛ أهمها: طبيعة القيادة الجماعية ونوعية الهيكلية التنظيمية، وتأثير الفكر التربوي للدعوة على الدعاة، وأساليب صقل شخصياتهم كـ (قادة للأمة) كما يؤكد فكر “الدعوة”، وخلق حالة المسؤولية لديهم تجاه “الدعوة”، إضافة الى العامل الخارجي المهم، الذي برز بعد قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

4- الأداء الحكومي والسياسي والتنظيمي والثقافي لحزب الدعوة الإسلامية وسلوك أعضائه بعد سقوط نظام صدام عام 2003، ومدى انسجام ذلك مع فلسفة حزب الدعوة ونظريته الايديولوجية وفكره العقيدي والسياسي تحديداً، وهذه الإشكالية يطرحها الدعاة غالباً، سواء المنتظمين (الدعاة الذين لهم علاقة تنظيمية بالحزب) أو المنقطعين (الدعاة الذين تركوا الحزب تنظيمياً، ولكنهم ملتزمون به منهجياً)، وهي أهم إشكالية في تاريخ الحزب منذ تأسيسه وحتى الآن.

 

التجديد والعالمية

5- إمكانيات التجديد في نظرية حزب الدعوة الإسلامية، والمواءمة الموضوعية بين “الحزب السياسي” و”الدعوة الدينية” في مرحلة الحكم؛ أي: حزب الدعوة كحزب سياسي، والدعوة الإسلامية كمنظومة عقائدية تبليغية؛ وذلك بسبب بروز إشكالية تقول: إن “الحزب” بعد العام 2003 نما على حساب “الدعوة”؛ ما أدى الى ارتفاع منسوب “الحزب” وانخفاض منسوب “الدعوة” .

6- إمكانيات استعادة حزب الدعوة الإسلامية منظومته العالمية، وإعادة بناء تنظيماته وأقاليمه ومناطقه غير العراقية داخل البلدان الاخرى، كما في مرحلة ما قبل عام 1984؛ سواء بأسماء أخرى أو بالاسم نفسه؛ مستفيداً من وجوده في السلطة ومن إمكانياته الجديدة الفاعلة؛ ليشكل ذلك دعماً متبادلاً لكل وجودات الحزب؛ وصولاً الى دخولها العمل السياسي العلني وحصولها على التراخيص الرسمية.

 

المنظومة الشيعية

7- علاقات حزب الدعوة الإسلامية في جانبها النظري والتطبيقي بالمنظومة الدينية الشيعية، وتحديداً المرجعية النجفية وحوزتها التاريخية من جهة، ومبدأ ولاية الفقيه ومصداقه من جهة أخرى؛ لأن هذه العلاقات من أساسيات موقف “الدعوة” الفكري، وما يترتب عليها من جدليات كثيرة؛ والتي بدأ بعضها مع نشوء الحزب، ثم تحولت الى قضية القضايا بعد انتقال قيادة “الدعوة” ومعظم كوادرها وعملها المركزي الى ايران بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية، أي أن مبدأ العلاقة وتطبيقاته بين حزب الدعوة والمنظومة الدينية الشيعية؛ سيبقى بالغ التأثير في قوة حزب الدعوة وضعفه.

 

منهج شمولي

إن هذا الكتاب يكمل مؤلفاتي ودراساتي السابقة عن الحركة الإسلامية العراقية، مع اختلاف في المنهج؛ لأن هذا الكتاب لا يؤرخ الى مراحل ويحللها؛ بل يقارب الإشكاليات والجدليات التي رافقت حزب الدعوة ويفككها ويقاربها موضوعياً؛ منذ انبثاق فكرته عام 1956، وحتى نهاية حكومة نوري المالكي عام 2014.

وحزب الدعوة؛ كغيره من الجماعات الايديولوجية الشمولية؛ هي ظاهرة اجتماعية مركبة، وليس كالجماعات السياسية الصرفة التي تخضع لمناهج علم الاجتماع السياسي، فحزب الدعوة هو حزب ديني سياسي ثقافي؛ أي ظاهرة اجتماعية دينية سياسية ثقافية، وبذلك تحتاج دراسته الى منهج مركب؛ يجمع بين مناهج الاجتماع السياسي والديني والثقافي، وهو المنهج الذي استخدمته في هذا الكتاب.

 

فصول الكتاب الستة

وتتوزع موضوعات الكتاب بين ستة فصول ومجموعتين من الملاحق، يحمل الفصل الاول عنوان: “تأسيس الدعوة وجدلية الاجتماع الديني الشيعي”، وتم تكريسه لبحث الخلفيات التاريخية والفكرية والسياسية والاجتماعية لتأسيس حزب الدعوة، ومسارات التأسيس ومشاكله وملابساته النظرية والاجتماعية، وشخصيات المؤسسين والدعاة الأوائل وانتماءاتهم الوطنية والاجتماعية وتأثير ذلك في تحديد نظرية حزب الدعوة ومساراته العملية.

واستعرض الفصل الثاني الذي حمل عنوان: “نظرية حزب الدعوة الإسلامية وجدليات التطبيق”؛ المفاصل الأساس في نظرية حزب الدعوة وفكره وثقافته، وكشف عن ملابسات الفصام بين بعض المفاصل النظرية وسلوك الحزب والدعاة، ودرس المرتكز الأساس في نظرية حزب الدعوة؛ أي المرتكز الديني العقائدي الايديولوجي، وما لحق به من إشكاليات بعد عام 2003، ومشاركة الحزب في حكم دولة غير إسلامية وفي إطار مبدأ وضعي ( الديمقراطية) وفي ظل احتلال أجنبي.

وفي الفصل الثالث: “ثنائية الوطنية والعالمية في نظرية الدعوة”؛ قارب الباحث المرتكز العالمي في نظرية حزب الدعوة، الذي يستند الى عالمية الإسلام في البعد النظري، وعالمية النجف الأشرف في البعد الواقعي؛ لسبب انتماء “الدعوة” الى مدرسة النجف الأشرف في مجالي الاجتماع الديني والاجتماع السياسي، إضافة الى ما آل اليه التنظيم العالمي للحزب بعد عام 1982.

وفي الفصل الرابع: “حزب الدعوة الإسلامية بين المرجعية الدينية وولاية الفقيه”؛ درسنا العلاقة الجدلية بين نظرية حزب الدعوة وواقعه التطبيقي وبين مبدأي المرجعية الدينية وولاية الفقيه ومصاديقهما النجفية والإيرانية؛ كونهما جدليات وليست ثنائيات اشكالية؛ وإن كانت جدليات ملتبسة.

وحمل الفصل الخامس عنوان: “حزب الدعوة الإسلامية وجدلية الحل”، ويتعرض الى حقائق أزمات العراق المتأصلة في تاريخه السحيق وديمغرافيته وجغرافيته، وفي موضوعات علم النفس الاجتماعي والاجتماع الثقافي والسياسي، وهي الأزمات التي ساهم في كشفها صراع حزب الدعوة مع واقع الدولة العراقية منذ عام 1958، ثم تفجرت بشدة بعد سقوط نظام صدام عام 2003؛ على شكل براكين ذات قوة تدميرية هائلة: طائفية وعنصرية وإرهابية وسياسية وخدماتية واقتصادية وثقافية وإدارية وجغرافية، وهي أزمات لا علاقة لها بنظام صدام أو التغيير عام 2003 وحسب؛ بل هي أزمات متجذرة في التاريخ والواقع العراقيين، ولم يكن نظام صدام سوى مظهر فاقع ومولد لهذه المظاهر، وفي الوقت نفسه قوةٍ كاتمةٍ وخانقةٍ لها، ويبحث الفصل أيضاً في إمكانيات حل هذه الأزمات بالطرق العلمية والواقعية.

وفي الفصل السادس: “جدلية حزب الدعوة الإسلامية والانشقاقات”؛ تم التركيز على ظاهرة الانشقاقات في حزب الدعوة وأسبابها، واستعرض الفصل أهم الانشقاقات في مسيرة حزب الدعوة؛ مع التركيز على هاجس “انشقاق السلطة” في آب من عام 2014؛ الذي لو كان قد حدث لدمّر معه العراق والشيعة وحزب الدعوة.

 

ملاحق ووثائق

وجاءت الملاحق بعد نهاية الفصول؛ لتكمل المادة البحثية للكتاب؛ إذ يضم مجموعة من أهم المداخلات والردود والأسئلة التي سجلها الباحثون وطلبة الدراسات العليا والمهتمون على دراساتي حول حزب الدعوة، وأجوبتي عليها، وقد نشرت بعض الصحف ووسائل النشر الإلكتروني هذه الاسئلة والأجوبة، وحملت الأجوبة مادة بحثية أيضاً، وكشفاً وتحليلاً لحقائق مهمة، وقد وضعت بعضها ضمن مواد الفصول؛ لعلاقتها المباشرة بموضوعاتها، كما احتوت الملاحق على بعض الوثائق والكتابات ذات الصلة بموضوعات الكتاب، والتي تكمل مقارباته وتزيدها وضوحاً..

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

أحلام تائهة مجموعة قصصية لخالد مزياني

883-Ahlamضمن إصدارات مكتبة سلمى الثقافية للنشر، تطوان المغرب، صدر للشاعر خلال هذا الأسبوع – ماي 2016- مجموعته القصصية القصيرة جدا تحت عنوان: أحلام تائهة، التي تتنوع مواضعها بين السياسي والاجتماعي والعاطفي كما تتميز في سبق في إستحضار الحيوانات كشخصيات رئيسة ومحركة للحدث القصصي على غرار كليلة ودمنة.  

883-Ahlamتعتبر مجموعة * أحلام تائهة * ثالث إصداراته القصصية بعد مجموعة بدون عناق 2012 ومجموعة فاتني أن أكون مصريا 2011 إضافة إلى ثلاث إصدارات شعرية.

نقرأ من المجموعة:  

 - الساحـرة

في ثقة ترسم طريقها إلى بوابة الحكاية. تخلع نعلها الوردي. تخرج من جرابها ألف حكاية وحكاية بلون الزهر تنثرها. يلتقطها صدره منتعشا. يسقط السيف من يده ويغفـو. من خارج الشرفة. القمر ينحني إعجابا بالبطلة المطلقـة.

- الثعلــب

كان يراقبها بهدوء. دون كلل أو تعب يحوم حولها. في مكر يظهر ويختفي. حين قرر أن يهاجم ضحيته، وجد الأسد بجانبها شامخا. فاتحا عينيه. باسطا ذراعيه بالوصيـــــــد. 

 

 

حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي (8)

ali almomenدور الإمام الصدر في تأسيس حزب الدعوة وقيادته: السيد محمد باقر الصدر هو أبرز المؤسسين العشرة لحزب الدعوة الإسلامية؛ بل أن أداءه ودوره أفرزاه قائداً للحزب في البعدين الفكري والإرشادي. وقد كان الحديث عن كون السيد الصدر مؤسساً للدعوة؛ متداولاً  في أوساط الحزب منذ الستينات، ثم برز أسمه قائداً للحزب خلال عام 1979؛ بعد تفجير الصدر للتحرك المعارض لنظام البعث في العراق، ولكن تقدم السيد الصدر على باقي المؤسسين والقياديين في توجيه بوصلة حزب الدعوة خلال 1957 الى 1961، ثم بقائه مرشداً لحزب الدعوة وداعماً له؛ يحظى بقرائن كثيرة؛ الى المستوى الذي أقنع أجيال الدعاة والمؤرخين والمراقبين بأن السيد الصدر هو المؤسس الواقعي لحزب الدعوة وقائده الروحي ومرشده حتى استشهاده العام 1980، ومن تلك القرائن:

1- إن السيد محمد باقر الصدر هو أحد الخمسة الأوائل الذين ناقشوا فكرة الحزب بعمق ودقة، وأقرّ العمل على وفقها، ثم أنه أبرز المؤسسين العشرة للدعوة.

 

فقيه الدعوة

2- إن السيد محمد باقر الصدر ظل فقيه حزب الدعوة ومنظره وقائده الفكري؛ فقد أسس النظرية الفقهية لحزب الدعوة؛ التي دونها في بداية طرح فكرة الحزب العام 1956، والتي استدل فيها على جواز إقامة تأسيس الدولة الإسلامية في عصر غيبة الإمام المهدي المنتظر، وإمكانية سعي جماعة إسلامية لتحقيق هذا الهدف، ولولا نظريته هذه لما تأسس حزب الدعوة، وهي في الواقع نظرية تأسيسية في الفقه السياسي الإسلامي الشيعي لم يسبقه فيها فقيه شيعي. كما كتب السيد الصدر أسس حزب الدعوة الإسلامية؛ المعروفة بالأسس الإسلامية؛ والتي تمثل الأسس الفقهية والفكرية والسياسية للحزب، ولا تزال تمثل قاعدة حركة حزب الدعوة. وظل المؤسسون وقياديو الدعوة يعودون الى السيد الصدر في التكييفات الفقهية والفكرية، وكان صاحب المبادرة في هذا المجال. وقد كان السيد الصدر الفقيه الوحيد في الحزب، وكان وجوده في الحزب أساسياً؛ لمركزه العلمي في الحوزة العلمية النجفية، و لحاجة الحزب الى فقيه يتقدمه في مواجهة الإشكاليات التي يمكن أن تطرحها بعض أوساط الحوزة ضد الحزب، وبالتالي فكثير من اهتمام المؤسسين كان منصباً على الإجابة على إشكاليات الفكر الفقهي التقليدي وتسويغ عملهم أمام المشككين في أوساط المنظومة الدينية الشيعية التي كانت لا تستسيغ العمل السياسي عموماً، والعمل الحزبي خصوصاً.

 

القيادة الرباعية

3- كان السيد الصدر يدير الاجتماعات التحضيرية والتأسيسية في النجف الأشرف، وأدار اجتماع أداء القسم في كربلاء، وكان المفروض أن يكون أول من يقسم  قسم الانتماء للحزب؛ لولا إصراره على أن يكون السيد مرتضى العسكري أول من يؤدي القسم؛ باعتباره أكبر الأعضاء سناً (كان عمر العسكري آنذاك 45 سنة والصدر 22 سنة)، وأقسم بعده السيد محمد باقر الصدر قسم الانتماء للحزب مباشرة؛ فكان ثاني من يقسم.

4- اختار السيد الصدر للحزب اسم “الدعوة الإسلامية”، ونظّر لهذه التسمية كثيراً، ولم يكن اسماً؛ بل صفة وغاية وهدفاً ووظيفة.

5- كان السيد الصدر العضو الأبرز في القيادة الرباعية الأولى (وإن لم تكن تسمى حينها قيادة رسمياً؛ بل تسمى لجنة العمل) التي تألفت بعد مرحلة التأسيس؛ والمؤلفة من السيد محمد باقر الصدر والسيد مهدي الحكيم وعبد الصاحب دخيل والسيد مرتضى العسكري، وكان الصدر يدير اجتماعاتها، وبمثابة أمينها.

 

رد المرجعية على البعث

6- كان المشهور في مركز القرار الحوزوي النجفي والإيراني وأوساط المرجعيات الدينية، وقيادات الأحزاب السياسية العراقية واللبنانية والإيرانية؛ بأن السيد محمد باقر الصدر هو مؤسس حزب الدعوة الإسلامية ويقوده، فقد كشف حزب البعث العراقي هذا الأمر في وقت مبكر؛ فقام في عام 1961 أحد قيادييه في النجف (حسين الصافي) بزيارة المرجعين السيد محسن الحكيم والسيد ابو القاسم الخوئي؛ وأبلغهم بخطورة الحزب الجديد الذي أسسه الصدر ويقوده؛ فكان جواب السيد الحكيم للصافي وهو ينهره: ((وهل تتصور أنك أحرص من السيد الصدر على الحوزة والنجف؟))، وكان جواب السيد الخوئي له: ((إذا كان السيد الصدر قد أسس هذا الحزب ويقوده؛ فأنا أول من ينتمي إليه))، وقد روى ذلك لي الشيخ محمد باقر الأنصاري الذي كان حاضراً اللقاء. كما روى لي السيد موسى الخوئي أنه تحدث مع جده الإمام الخوئي حول الشائعات التي كان يثيرها بعض حاشية (مكتب) السيد الخوئي ضد السيد الصدر أمام الوفود الطلابية التي كانت تزور النجف للقاء المرجعيات الدينية، ومنها شبهة كون السيد الصدر حزبياً وأنه يقود حزب الدعوة، فقال الإمام الخوئي لحفيده السيد موسى: ((إذا كان محمد باقر الصدر في حزب الدعوة فأنا أيضاً سأكون في حزب الدعوة)). ونقل السيد كاظم الحائري عن المرجع الديني الإيراني السيد عبد الكريم الموسوي الأردبيلي، أنه امتدح السيد الصدر حين طرح بعض علماء الدين في ايران أواخر الخمسينات موضوع تأسيس السيد الصدر لحزب الدعوة. كما أني اطلعت على وثيقة سرية لحزب “تودة” الشيوعي الإيراني صادرة في عام 1962 يؤكد فيها وجود حزب إسلامي شيعي في العراق اسمه حزب الدعوة ويقوده السيد محمد باقر الصدر، وكانت هذه الوثيقة ضمن محفوظات “السافاك” الإيراني (مخابرات الشاه). ومن المعروف أن بعض كوادر وقيادات حزب “تودة” الإيراني والحزب الشيوعي العراقي كان يتبادل المواقع التنظيمية بين الحزبين، فضلا عن تبادل المعلومات بينهم لمواجهة الحركة الدينية في العراق وإيران.

 

الدعاة الأوائل

7- إن معظم تلاميذ السيد الصدر كانوا من الدعاة الأوائل أو دعاة المراحل اللاحقة، وأصبحوا من قيادات الحزب وكوادره فيما بعد، وكان هو الذي يبادر بتحريك بعض تلاميذه لضم زملائهم الآخرين الى الحزب، وانتهى الأمر في عام 1979 الى أن يكون ما يقرب من 60 بالمئة من تلاميذه، وحوالي 80 بالمئة من وكلائه في المدن العراقية كافة؛ أعضاء في حزب الدعوة. وبعد أن أصدر السيد الصدر حكمه الشرعي بفصل العمل الحزبي عن الحوزة العلمية في عام 1973؛ بهدف حفظ الحوزة العلمية النجفية والمرجعية الدينية وحزب الدعوة؛ فإنه استثنى بعض تلامذته داخل العراق، وكذلك وكلاؤه في المدن وتلامذته في خارج العراق؛ حرصا على عدم إضعاف مسيرة الحزب وتنظيماته، وقد ألغى السيد الصدر حكمه نهائيا من خلال رسالته التي حملها تلميذه السيد عبد الكريم القزويني الى قيادة الحزب خلال تواجدهم في مكة المكرمة في موسم الحج العام 1979.

8- لم يحصل خلاف فكري أو منهجي أو سياسي مهم بين السيد الصدر وحزب الدعوة أو قيادته طيلة حياته، أما الحالات التي أدت الى خلافات في الرأي والتوجه الميداني؛ فكان ذلك يدل على التلاحم بين الطرفين، وتدخل السيد الصدر المباشر في شؤون الحزب، وهو أمر طبيعي يحصل في كل الأحزاب والتيارات والتنظيمات؛ فقد كانت الخلافات النظرية الميدانية والمزاجية بين أعضاء قيادة حزب الدعوة أنفسهم أكبر بكثير من أي خلاف مع السيد الصدر؛ صحيح إن السيد الصدر كان يبدي انزعاجه من تصرفات بعض قياديي "الدعوة" في الخارج وتصريحاتهم وكتاباتهم؛ كالشيخ علي الكوراني بالتحديد؛ ولكنها عموماً كانت تباينات لا تتجاوز الخلاف بين أبناء البيت الواحد.

 

التنظيم العسكري

9- كان السيد الصدر بعد عام 1974، وعلى إثر الضربتين الموجعتين اللتين وجهتهما دولة حزب البعث لحزب الدعوة؛ يجتمع مباشرة بالدعاة العسكريين والقائمين على التنظيم العسكري، ويدعوهم الى تقوية التنظيم العسكري؛ لأنه الوحيد ـ في ظل القمع الشديد والإعدامات المتوالية ـ القادر على كبح جماح السلطة، وكان أحياناً يبدي عدم رضاه على حجم هذا التنظيم ويدفعه باتجاه الفاعلية الأكبر كمّاً ونوعاً، وبدأ من ذلك التاريخ يخصص للتنظيم العسكري أموالاً مما يصله من حقوق شرعية وحتى استشهاده.

10- كان السيد محمد باقر الصدر حتى تاريخ استشهاده يدعو من يجتمع به من قيادة حزب الدعوة في الداخل ووكلائه ومعتمديه "الدعاة" في المدن العراقية بضرورة النهوض بعملية ضم الشباب المتدين الى حزب الدعوة. وقد نقل لي عدد من وكلائه ومعتمديه؛ كالسيد حسن شبر والشيخ عبد الحليم الزهيري؛ بأن السيد الصدر في اجتماعاته الخاصة بهم في أواسط عام 1979 كان يؤكد  توسيع التنظيم وضم شباب جدد إليه، كما كان يجتمع بقيادة حزب الدعوة في الداخل مباشرة ويوجههم ويتابع عملهم، ولم تكن قيادة الداخل تخطو أي خطوة ستراتيجية دون الرجوع اليه، ومن بين من كان يجتمع بهم من القياديين بانتظام: السيد حسن شبر ومهدي عبد مهدي وجواد الزبيدي.

 

الوقوف بوجه صدام

11- ظل السيد الصدر خلال عامي 1979 و1980 يكرر توصيته الى مقربيه بالاهتمام بحزب الدعوة وبشبابه، وقد سمع مقولاته المتواترة المشهورة ((أوصيكم بالدعوة خيراً فإنها أمل الأمة)) و((أوصيكم بشباب الدعوة فإنهم أملي)) كثير من تلامذته ومقربيه، ومنهم السيد محمود الهاشمي والسيد محمد باقر الحكيم والسيد حسن شبر والشيخ محمد رضا النعماني، ونقلوها عنه مباشرة.

12- رفض السيد الصدر رفضاً قاطعاً طلب صدام المتكرر إصدار فتوى بحرمة الانتماء لحزب الدعوة مقابل إيقاف قرار إعدامه؛ ولكنه فضّل الموت على ذلك؛ ولذلك كان حكم إعدامه طبقاً للقرار 461 الصادر في 31 آذار من عام 1980، على وفق المادة 156 عقوبات، والقاضي بإعدام كل من ينتمي الى حزب الدعوة ويروج افكاره ويعمل على تحقيق أهدافه.

وهناك قرائن ثانوية تشير جميعها الى أن السيد محمد باقر الصدر كان أبرز مؤسسي حزب الدعوة؛ بل أن مسيرة التأسيس وسنوات الحزب الأولى أفرزته القيادي الأكثر تأثيراً؛ رغم أنه كان أحد الأعضاء الأصغر سناً بين المؤسسين العشرة؛ إذ كان السيد محمد باقر الحكيم الوحيد الذي يصغره سناً، أما السيد مهدي الحكيم فكان بعمره، أما المؤسسون السبعة الآخرون فكانوا أكبر منه سناً.

 

الانشقاق الخطير 1963

وفي السنوات اللاحقة؛ أي بعد انسحاب السيد الصدر من التنظيم عام 1961؛ إثر طلب المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم إليه أن يبقى مرشداً للحزب؛ ولكن من خارج الحزب؛ فإن علاقته بالدعوة ظلت تلاحمية وقريبة جداً؛ إذ ظل يتابع شؤون الحزب ويتدخل لحل ما يعترضه من مشاكل وخلافات داخلية، ويشارك في التنظير والتخطيط له، وكانت أهم قضية تمكن من حسمها هو منع انهيار حزب الدعوة في عامي 1963 و 1964؛ إثر حدوث خلاف عميق بين قيادة الحزب في بغداد ممثلة بالثنائي محمد هادي السبيتي وعبد الصاحب دخيل ومعهم الشيخ عارف البصري، ولجنة النجف ممثلة بالسيد طالب الرفاعي والشيخ عبد الهادي الفضلي والشيخ كاظم الحلفي والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين، وصدور بيانين انشقاقيين داخليين من الطرفين يفصل كل منهما الآخر من الحزب؛ فكان تدخل السيد الصدر حازماً في إنهاء الأزمة. بيد أن شوائب تعرضت لها علاقة السيد الصدر ببعض قياديي الحزب في عقد السبعينات من القرن الماضي؛ وتحديداً مع محمد هادي السبيتي والشيخ علي الكوراني؛ الى مستوى التعارض في بعض القرارات، ولاسيما الفترة من عام 1972 وحتى مطلع 1979؛ وهي المرحلة التي كان فيها محمد هادي السبيتي القيادي الأول في الحزب؛ أي أن طبيعة العلاقة بين السيد الصدر وقيادة “الدعوة” ظلت ترتبط بنوعية حراك السيد الصدر في مواجهة النظام، ورؤية القياديين النافذين في “الدعوة” لهذه المواجهة؛ ففي الوقت الذي بادرت قيادة حزب الدعوة في الداخل الى مبايعة السيد محمد باقر الصدر العام 1979 على السمع والطاعة؛ فإن بعض أعضاء القيادة في الخارج كانوا يرون التريث في المواجهة لحين استكمال أدوات المعركة مع النظام العراقي، بينما كانت قيادات الداخل والقتالية والتنفيذية وكذا معظم القيادة العامة مع التصعيد؛ وهو مالم يكن يراه السبيتي.

(يتبع)...

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

حزب الدعوة الإسيلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي (1)

ali almomenحين برز اسم حزب الدعوة الإسلامية بعد العام 2003 كأحد أبرز الأحزاب الحاكمة في العراق؛ كثر الحديث عنه في الأوساط البحثية والصحفية والإعلامية؛ بصورة غير مسبوقة. وصدرت في هذه الفترة عشرات الكتب والدراسات العربية والإيرانية والأميركية والبريطانية والفرنسية التي درست تاريخه ومسيرته وسلوكه. ولكن وجود المصادر المتعارضة والمعلومات غير الصحيحة وغير الدقيقة الأخرى؛ جعل معظم ماكتب يثير إشكاليات وتساؤلات حول الحزب أكثر من كونه يقدم مقاربات حقيقية وإجابات. وظلت غالبية الإشكاليات تدور حول تاريخ التأسيس والمؤسسين وطبيعة الانتشار وعبور حزب الدعوة لحدود العراق باعتباره حزباً عالمياً، وعلاقته بالموضوع المذهبي والطائفي، أو مايعرف بالعبور على المذهبية، والتحولات في الفكر التنظيمي والسياسي للحزب، والانشقاقات التي أدت الى تقسيم التنظيم والدعاة، وتنظيمات حزب الدعوة غير العراقية وأسباب انهيارها، وممارسة الكفاح المسلح في مرحلة المعارضة، وسلوك” الدعوة“ والدعاة داخل العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، وتحول الدعاة الى مسؤولين وحاكمين في الدولة العراقية.

 

معلومات دعائية

وتزامن هذا مع إثارة الأحزاب والجماعات العراقية؛ سواء المنافسة داخل العملية السياسية في العراق الجديد،أو المعارِضة للعملية السياسية، أو الإعلام العربي المعارض لنظام العراق بعد 2003 ؛ معلومات دعائية عن حزب الدعوة؛ لعبت دوراً

مهماً في رفع منسوب الإشكاليات والتساؤلات. واسهمت مقولات بعض الدعاة الأوائل ومذكراتهم؛ ممن انشقوا عن الحزب أو خرجوا عن نظريته، ودخلوا في حالات تعارض مع قيادات الحزب أو منهجه؛ في تراكم الحالة الضبابية على مسيرة الحزب؛

لأنها مقولات  في التقويم الأكاديمي تتسم بالإسقاطات الشخصية غالباً. فضلاً عن أن كثيراً من الدعاة؛ من خارج التنظيم وداخله؛ برزت لديهم أيضاً إشكاليات فكرية وسياسية؛ ترتبط بأداء حزب الدعوة بعد تسلم السلطة، وعلاقة هذا الأداء بالفكر الإيماني والتربوي والعقائدي والتنظيمي والسياسي للحزب، وهي إشكاليات يرون في صلبها تعارضاً بين هذا الأداء والسلوك من جهة، ونظرية حزب الدعوة وفلسفة وجوده من جهة أخرى.

 

دراسات ومؤلفات

ومن هنا؛ وجدت أن الأمانة العلمية والمسؤولية التاريخية تدفعاني للكتابة حول هذه الإشكاليات والجدليات، ومحاولة تقديم مقاربات موضوعية حولها؛ زعماَ مني بأنني بقيت ألاحق جدليات الدعوة لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً دون إنقطاع، وأدرسها وأتعمق فيها .وأزعم أيضاً أنني استطعتتفكيك معظمها.  وكانت باكورة نتاجاتي مقالات نشرتها في عام1983 ، ثم دراسات نشرتها في أواسط الثمانينات ونهاياتها، ثم ثلاثة مؤلفات كبيرة؛ أولها ”سنوات الجمر“  الذي صدر عام  1993 واستغرق العمل فيه أكثر من سبع سنوات، و يعالج الفترة من 1957وحتى 1986 (ثلاثون عاماً) .والكتاب الثاني ”سنوات الرماد“، ويعالج الفترة من 1987 وحتى 2002  (ستة عشر عاماً) ، والثالث ”سنوات الحصاد“؛ ويعالج الفترة من 2003 وحتى 2006 (أربع سنوات . (أي أن المجلدات الثلاثة تدرس نصف قرن من تاريخ الحركة الإسلامية العراقية. إضافة الى تسع دراسات متسلسلة تحت عنوان : “حزب الدعوة الإسلامية من الشروق الى السطوع“، وأربع دراسات بعنوان” :متلازمات حزب الدعوة الإسلامية“، ودراستين عن الإمام السيد محمد باقر الصدر.  مع الإشارة الى أن منهج كتابي ”سنوات الرماد ”و“سنوات الحصاد“ هو منهج شمولي، اعتمدت فيه تركيباً من المنهج الوصفي التحليلي والمنهج المعياري والمنهج المقارن. ولعل هذا المنهج ونوعية المعلومات وطبيعة المادة والتحليل والتقويم؛ هي بالمجمل لاتزال تحول دون نشري هذين الكتابين؛ بالرغم من أنني انتهيت من إعداد الأول في العام2005 ، والثاني في العام 2009 ، ولا أزال أتابع أي مادة ومعلومة وتحليل له علاقة بالمرحلتين. ولكني سأرجئ نشرهما الى وقت يسمح فيه الواقع ويتحمل ماينشر. وقد ذكرت جزءاً من أسباب عدم نشرهما في مقدمة الطبعة الثالثة من كتاب ”سنوات الجمر“.

 

كتاب وباحثون

وفضلاً عن مؤلفاتي ودراساتي الخاصة حول حزب الدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية العراقية والحركات الإسلامية في كثير من البلدان العربية والإسلامية؛ فإن مراجعات كثير من الباحثين؛ عراقيين وغير عراقيين؛ ممن يريدون الكتابة عن حزب الدعوة الإسلامية والحركات الإسلامية العراقية، وكذلك مرحلة ما بعد 2003 في العراق، والحركات الإسلامية غير العراقية؛ كان دافعاً آخر للمتابعة الدقيقة؛ الى مستوى اكتشاف المعلومات والمعطيات التفصيلية التي قد لاتنفع أحداً؛ سوى باحثين حفريين و صحفيين فضوليين و كوادر إسلاميين معدودين. وقد قدرلي بعد إقامتي في لبنان؛ أن أكون مصدراً معلوماتياً وتحليلياً لعدد من أطاريح الدكتوراه والماجستيرحول الحركات الإسلامية وحزب الدعوة وبعض مؤسسيه وقادته؛ عراقيين وغير عراقيين، وعن مرحلة العراق الجديد؛ بينها أطروحة دكتوراه لمستشرق ألماني عن حزب الدعوة؛ ناقشها في عام 2013 . ولا يزال هناك إشراف علمي ومنهجي على طلبة وباحثين من العراق وايران ولبنان والبحرين يكتبون عن حزب الدعوة الإسلامية

(بلغ عددهم تسعة طلبة وباحثين) خلال عام  2015. وهذا يدل على أهمية مسيرة حزب الدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية الشيعيةعلى كل المستويات؛ الدينية والفكرية والسياسية والاجتماعية؛ ليس على الصعيد العراقي والشيعي وحسب؛ بل على صعيد تحولات المنطقة الإسلامية برمتها، وأنها تستحق المزيد من البحوث والدراسات والمؤلفات المعمقة؛ وهو ما يترشح باستمرار من نتاجات الباحثين والأكاديميين العرب والشرقيين والغربيين.

 

ندوة طوكيو

و أنقل هنا أنموذجاً لأهمية موضوع حزب الدعوة خصوصاً والحركة الإسلامية الشيعية بعد العام  2003عموماً.  فقد نشر الباحث والمؤرخ الدكتور رسول جعفريان تقريراً عن ندوة شارك فيها في جامعة طوكيو في اليابان عام 2007 ؛ ذكر فيه نصوصاً للبروفسورة اليابانية المستعربة  ”آساكي“  الاستاذة في جامعة طوكيو، والتي تقول انها درست الواقع العراقي بعمق؛ وركّزت في دراساتها على حزب الدعوة لأهميته، وإن مصادرها الأساسية كانت كتابات الباحث علي المؤمن، ولاسيما كتاب  ”سنوات الجمر“ . كما أشار جعفريان الى اهتمام الباحثين الأكاديميين اليابانيين المتخصصين في الشؤون الإسلامية وقضايا الشرق الأوسط بالحركات الإسلامية الشيعية، وفهمهم الموضوعي القريب للواقع لها. وحين ندرس الإشكاليات والجدليات

ونفككها ونقومها وننقدها؛ ثم نعالجها؛ فإننا نلتصق بالموضوع وليس بالخلفيات والانتماءات، أو بسلوك قيادات الجماعة وأفرادها، أو الأحداث اليومية التفصيلية؛ لأن

القيادات والأفراد عرضة للتغيير، وإن شكل الأحداث التفصيلية ومضامينها تتغير باستمرار أيضاً؛ بينما تبقى المسيرة بكلياتها الفكرية والإستراتيجية والتطبيقية قائمة.

 

المرحلة السرية

هناك إشكالية مهمة تواجه الباحث عند الكتابة عن حزب الدعوة الإسلامية وغيره من الجماعات التي عاشت السرية في مراحل تأسيسها وانتشارها وجهادها؛ إذ عاشت ”الدعوة“ منذ تأسيسها العام 1957 وحتى العام  1979مرحلة مغلقة وشديدة السرية؛ فكان علينا اعتماد الشهود في كثير من المفاصل التي ندونها. وحينها نواجه بإشكالية أكبر؛ تتمثل في تعدد زوايا نظر الشهود على الأحداث، وتعدد قراءاتهم. وهنا ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار أن كل شاهد على تلك المرحلة ينظر للأمور من زاويته؛ الأمر الذي يجعل كثيراً من الأمور ملتبسة؛ حتى على قدامى الدعاة؛ فكل شاهد على تاريخ حزب الدعوة وأحداثه ومراحله ينظر من خلال مشاهداته الحسية ومن طبيعة دوره وارتباطاته ومسؤولياته التنظيمية، وكثيراً ما تكون هذه المشاهدات مبتورة؛ بالنظر لطبيعة سرية التنظيم وفعالياته والتغييرات الدائمة في أساليب العمل وفي المسؤوليات،

ومحدودية العلاقات بين الدعاة وعدم إنكشافهم على بعضهم؛ مهما بلغت مستوياتهم التنظيمية، وانقطاع خيوط بعض التنظيمات، ثم التآمها بطريقة لامركزية ودون علم القيادة.  فمثلاً في بدايات إشتغالي في أوائل الثمانينات  على تاريخ ”الدعوة“  ومسيرتها؛ كنت أصطدم بالمعلومات المتعارضة  أحيانا  والتي ينقلها لي كوادر وقياديون في حزب الدعوة. و لكن بمرور السنين تعودت التعارض، ولعلي اكتشفت

شيفرته؛ ما يجعلني أعد كل ما ينقله الدعاة الشهود من كوادر وقياديين هو صحيح؛ ولكن كل من موقعه وزاوية نظره ودوره ومشاهداته ومسؤولياته، وهو ما ينسحب أيضاً حتى على ملابسات التأسيس والسنوات الأولى من عمر ”الدعوة“. وكان مظهر هذا الواقع السري الحديدي هو عدم وجود ارشيف لحزب الدعوة يعتمد عليه في تدوين

تاريخه ومسيرته وأسماء قيادييه ولجانه؛ يوما بيوم أو شهراً بشهر و حتى سنة بسنة. ومن هنا ضاعت كثير من الحقائق.  وبقي الخيار الوحيد يتمثل في الاعتماد على ذاكرة الشهود؛ وهي ذاكرة تتعرض للتصدع حيناً؛ فتوِّلد النسيان والخلط ، أو ترتكز على زاوية النظر الشخصية حيناً آخر، أو تلوذ بالصمت حيناً ثالثاً؛ لأسباب ترتبط بالظروف والمصالح العامة والخاصة.

 

بين ”شبّر“  و “الأديب“

وقد جرت في ايران في ثمانينات القرن الماضي؛ محاولة قادها اثنان من مؤسسي حزب الدعوة الإسلامية: السيد حسن شبر ومحمد صالح الأديب؛ لتدوين تاريخ الدعوة. وترشحت عن هذه المحاولة بعض المقالات والمذكرات والكتب غير الرسمية؛ ولكن المشروع الرسمي لم ير النور في النهاية.

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

قراءة في كتاب: بين الحياد وصدق الحوار

najib talalإشارة لابد منها: هذا الكتاب الذي بين أيدينا للمخرج والصحفي - حميد عقبي - والمعنون [المشهد المسرحي والسينمائي بالمغرب: قضايا شائكة وحلول رسمية صغيرة] في الطبعة الأولى: أبريل 2016عن: دار كتابات جديدة للنشر الإلكتروني.

مهما اختلفنا حوله، من خلال العينات التي صادفها واستضافها في بياض الورق، بعضها لازال يشق طريقه، وبعضها أراد الوصول والشهرة بسرعة البرق (حقهن) والبعض مارس المزايدات الجوفاء... ولكن يبقى وسيبقى وثيقة تاريخية  بكل ما تحمله من إنجازات،وتجارب، وقضايا، وسيكون هو الذاكرة الحية، كباقي الكتب التي تنهج مسلك تدوين الحوارات مع فعاليات وطاقات مبدعة، إذ غالبا ما يعود إليها المهتم والباحث، للمقارنة وتفحص وجھات النظر المختلفة، وربما الاستشهاد بإحدى الأفكار أو التصريحات الواردة أو التمعن إلى ما ورد في (تلك) الحوارات بين ما كان وما هو كائن، وأي تحول أو ثبات فكري وقع لذاك المبدع أو الفنان ؟ مقابل هذا ما مدى التطور الذي حدث في المشهد أو الانهيار الذي حصل في المجال الذي يدور حوله الحوار (سياسي / اقتصادي / إبداعي /...) الذي يحفر شئنا أم أبينا في ذاكرة التاريخ، باعتبار من لا ذاكرة له، لا تاريخ له، ومن لا تاريخ له لا مستقبل ولا هوية له . وبالتالي ما أقدم على إنجازه المبدع والصحفي - حميد عقبي - فمن حيث لا يدري، أنه قدم خدمة جليلة للتوثيق في مجال المسرح والسينما بالمغرب، فهذا الانجاز الذي كان في أصله حوارات مع بعض من المبدعين والفنانات، ما يناهز عشرين حوارا تم نُشر ما بين جريدتي - رأي اليوم /القدس العربي - إذ غالبا فالطرف المتحاور من هؤلاء المبدعين والفنانين، لم يفكر أن تصريحاته وآراءه، ستصبح بين دفتي كتاب، كتاب الكتروني، هنا لن نناقش مابين الورقي والالكتروني من أهمية، ولكن تبقى أهمية الانتشار ووصول المقروء للقارئ في أسرع وقت ممكن.

فعملية الانتشار، هي الفرصة أو المفتاح الذي  يبحث عنه كل كاتب أو مبدع، أنجز منتوجا للقراءة، ولتصحيح الرؤية، فشخصيا كان لدي تموقف سلبي تجاه الكتاب الالكتروني، ربما كان نتيجة  لضعف معرفتي بالتقنية والفنية أو اللامبالاة تجاه الموضوع !! لكن تبين لي فيما بعد الخطأ الذي وقعت فيه،فالكتاب الالكتروني واسع الانتشار، بحكم اختراقه فضاء منجزه، إلى فضاءات متعددة وشاسعة، من الصعب ضبطها وضبط عدد القراء  (المفترضين) وحتى الذين يميلون للورق، فعملية استبدال ما هو إلكتروني لورقي، سهل المنال، لكي يتم قراءته، وهناك نماذج متعددة تمارس هذا النوع القرائي[ من إلى] فلماذا أثرت هاته النقطة؟ فالعملية القرائية حاضرة بشكل مكثف ومتسع وشاسع، من خلال الامتداد والانتشار، وبالتالي فهذا الكتاب الذي بين أيدينا، استغربت للعديد من الإخوة والزملاء يناقشونه، هنا وهناك. وخاصة ما ورد من طرف الفنانة الراحلة لبنى فسيكي، إذ على الأقل وثقت تصريحاتها ومواقفها التي كانت صادقة مع نفسها، منتقدة الوضع الرسمي الكارثي الذي  لا يأبه إلا بالمظاھر الكاذبة،إذ ما يلاحظ فعلا أنها كانت بعيدة عن تنميق الكلام، أو تحريفه عن موضعه الملموس والمادي الذي نعيشه ونعرف حقائقه قبل وفاتها.فعلى سبيل المثال فهذا التصريح فيه ما فيه من معاني دقيقة وحساسة:....بالنسبة للائحة المدعوين فغالبا ما نجد ثلة من الحاضرين والذين لا علاقة بمجال الفن على رأس القائمة في حين يتم تھميش مجموعة من كبار الفنانين المغاربة وعزلھم عن المشاركة في ھذه التظاھرات التي ھم أولى بتمثيل مشھدنا السينمائي بھا، ناھيك عن الميز العنصري في التعامل اللائق مع فنانين أجانب و من جميع المستويات والإطاحة بعمالقة الفن في بلادنا (ص11/ 12)

 

الحياد والصدق:

ما يطبع هذا الكتاب ميزتين أساسيتين، وهما شرطا الحوار، لكي يكون جادا ونابضا بحيوته، مبدأ الحياد، والحياد هنا تحصيل حاصل، نتيجة أن المبدع - حميد عقبي - ليس مغربيا، ولا يعرف كنه الواقع المسرحي والسينمائي المغربي بالطريقة والأسلوب والمعطيات الدقيقة، التي يعرفها عن الفن اليمني، باعتباره أحد أبنائها ; وتربى في أحضانها، أو عن الإبداع العراقي في زمانه، نظرا أنه تمدرس هناك :الإخراج التلفزيوني والإذاعي في كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد، وإن كانت بعض الأسئلة توحي، أنه ملم ببعض المعطيات عن المشهد الفني بالمغرب، هذا من الزاوية السينمائية، وهذا طبيعي بحكم تخصصه،  وبالتالي فطبيعة الحياد متجلية بشكل عام في مساحة اللقاءات، والتي كانت تقابلها ميزة - الصدق - من الطرفين( أي) الضيف والمضيف، وهذا الأخير نقل بشكل ذكي، نوعية المعاناة التي صادفته في اختيار الضيوف: تعددت الصرخات والأصوات المطالبة بوضع حد لھذه السلبيات المتكررة وحاولنا التوصل مع بعض الزملاء والزميلات في المغرب لننقل لكم صورة كاملة ولكن كثيرون كان ردھم بان المھرجان لا يعنيھم ولم تكن لھم مشاركة ولحسن الحظ تلقينا ردا توضيحيا من.... (ص 52) إذ في هذا المضمار، وبناء على تصورات وأبعاد المبدع - حميد عقبي- أن يحاور من استجاب له، وهو طبعا لا يعرف تاريخ ومسار كل واحد على حدة ولا يمكن له بأي حال من الأحوال أن يضبط الصدق من الكذب والافتراء، وبالتالي رغم ذلك، إضافة لهفوات ومزايدات من لدن بعض[ المتحاورين] وأبعد من كل هذا أحد طرح سؤال عجيبا مفاده: فكيف نجح السوريون في كتابة سيناريوھات عن تاريخ المغرب في حين فشل المغاربة أنفسھم في ذلك (ص87 ) وللتصحيح فالسوريون قدموا مسلسلات وسيناريوهات حول الأندلس وملوك الطوائف وليس حول المغرب، في تاريخه الممتد، وذلك لتحقيق البعد الإيديولوجي لتلك الأعمال التي شارك فيها المغاربة وخاصة فنانو مدينة( فاس) تقديم أطروحة النزعة الأموية، التي كانت عند الأجداد،التي فرت من من [الشام] للأندلس، وتأسيس الدولة الأموية هناك،

نعتبر هذا هامشا توضيحيا، فالأهم أن أغلب المتحاورين قد كانوا صرحاء وجريئين إلى أقصى حد، في إجابتهم وتصوراتهم. والسبب ناتج عن الوضع الكارثي والانهيار والفشل الذي يعاني منه المشهد السينمائي والمسرحي ببلادنا، وطبيعي أنه ينعكس ويؤثر على أفكار ومواقف من يريدون إشراقات وهاجة في المشهد الفني والثقافي،

والعجيب أن الأغلبية تقاطعوا في نقط حساسة أبرزها: الفعل الثقافي والفني والإبداعي الذي بنيت عليه أساسات المھرجان للمساھمة في رقي المجتمع ثقافيا وفنيا، وكذا المساعدة في النھوض بالسينما الوطنية عبر اكتساب الخبرات والتجارب

من أنشطته وفقراته وضيوفه، فلا يعدو أن يكون وھما وبروباغندا مكشوفة، وبھذا أضحى المھرجان موسما سنويا للسياحة والموضة أكثر منه ملتقى دولي للتبادل الفني والثقافي والسينمائي (ص53) وهذا الطرح الواضح، ذهب به صاحبه، إلى كشف صورة أخرى أفظع من المهرجان، بحيث استحي أن يشير بمفردات الانتهازية والانبطاحية، ولكن أثناء تفكيك ما في قوله نستشف ذلك من خلال: تباكي اغلب الفنانين المغاربة وعدم تقبلھم للمعاملة السيئة التي يعاملون بھا في المھرجان مقارنة مع الضيوف ....وأتعجب شخصيا من حضورھم المتكرر كل سنة وتقبلھم للعب دور الكومبارس في كل دورة وبعدھا يتباكون على الموقف المحرج الذي وضعوا أنفسھم فيه دون أن يجبرھم أحد على ذلك، مع أن بإمكانھم الاعتراض وعدم الحضور أصلا لتفادي ما يحكون عليه من اھانات ونفس الشيء بالنسبة للصحفيين المغاربة (ص54 ) هنا لمن نوجه الاتهام،وميزة المبدع والفنان والصحفي والكاتب الذي له القدرة على التعبير وإبداء الرأي، علاوة على تأكيد وجوده الفعلي والعملي .بطرح التساؤلات، ومحاولة تجاوز عيوبه وأخطائه !!لكن الكتاب من خلال إحدى الحوارات، نجد جوابا مقنعا بأن: الأزمة تكمن في الأفراد الممارسين للمسرح أنفسھم، يتعاملون فقط بنوع الزيف والتطبع النفاقي من منطلق الاشتغال في المجال وھدفه فقط أن يكنى عليه اسم فنان أمام أقارنه في المجتمع، فالأزمة تبقى متطبع، إذا لم نتجاوز ماھية المشكل فيھا ونقطعه من لبه الرئيسي (ص66) هنا لا فرق بين المسرح والسينما، مادام كتاب صديقنا المكافح - حميد عقبي-  في عوالم الفن والإبداع، يجمع بينهما . أو بمعنى أدق هناك تقاطع فعلي وتفاعلي بينهما، وما يقع من إكراهات وممارسات في المجال السينمائي نفسها في الميدان المسرحي، مع اختلافات طفيفة. ويتبين هذا عبر:

الميدان وعدم احترام التخصص فقد شملت موجة التطفل، حتى مجموعة من المخرجين الذين بدورھم بدأو ينبعثون من فراغ،فكل من شاھد فيلم أو فيلمين تأثر بھما وشح نفسه مخرجا وقرر إخراج وإنتاج...و..و (ص14) فهذا نفسه ينطبق في المسرح حاليا، فالعديد ممن كانوا في شق الھواة صاروا محترفين والعديد ممن يسمون أنفسھم محترفين لا علاقة لھم بالميدان الفني. وإن كان المجال السينمائي ببلادنا أفظع وأسوأ حالا وممارسة وتلاعبا في داخله ودواخله وكواليسه، حقيقة البعض يدلي بأنه يخجل إما عن ذكر ذلك أو تسميع ما يقع ؟؟ وبما أن هنالك تصريحات مدوية أو صرخات، فلما الخجل إذن؟ وهل يمكن للمرء أن يلتزم الصمت واللامبالاة أمام هذا التصريح الذي يكشف وجها أخر، أكثر قتامه: للأسف وجدت نفسي أمام لوبي منظم ويحسن عمله، ويعرف كيف يسطو على حقوق المؤلفين، ومن الصعب مواجھته، لكنني فضحت التلاعب إعلاميا، لقد راسلت المركز السينمائي المغربي  وقدمت له وثائقي الإثباتية، بما فيھا العقد الموقع من طرف المخرج، كما راسلت وزير الاتصال في الأمر عبر الصحافة، لكن للأسف لا حياة لمن تنادي، وھذا ما يجعل المرء يشك في سلامة النوايا لدى المشرفين على قطاع السينما (ص34/ 35) فهذا نموذج من مئات النماذج، التي سرقت أفكارها أو بعض من قصصها، دون أدنى بعد أخلاقي وقيمي، قبل القانوني، لأننا في المغرب لازلنا لم نفهم بعد ما الملكية الفكرية وحدودها التشريعية ؟ والعجيب، أنه لدينا مكتب حقوق المؤلفين !!  لا أحد منا يعرف أعضاءه وما دوره الأساس، هل حماية المصنفات الفنية أو الأدبية أو الفنون المجاورة ؟؟

وهذا يؤدي بنا إلى حالة صديقنا قيدوم الصحفيين - محمد أديب السلاوي - فحالته لا تنفصل عن فظاعة المشهد الثقافي والإبداعي في ملابساته وتهميشه وإكراهاته وزيفه، وتصريحه/ حواره  نحس فيه بمرارة  ما يعانيه، وبشكل غير مباشر يكشف لنا ما أشرنا إليه حول حقوق الملكية الفكرية/ حقوق التأليف:.... مع صحف ومؤسسات إعلامية وحكومية، مغربية وأجنبية بالتعاقد، لم أكن خلالھا أعمل من أجل التقاعد، بقدر ما كنت أعمل من أجل العيش ومن أجل المعرفة. وفي العقد الأخير، حيث أقفلت السبعين من عمري، وجدت نفسي بلا عمل، بلا أجر، بلا تقاعد وبلا تغطية صحية، وھو ما جعلني في وضعية صعبة.نعم، أنجزت حوالي أربعين كتابا في المسرح والتشكيل والآداب والسياسة والنقد، حصلت على جوائز عربية ودولية،كرمني العديد من الجھات والمحافل داخل المغرب وخارجه، ولكن كل ذلك لا يضمن العيش (ص 21 /22) أليس الأمر محيرا؟ وإلى متى سيظل الوضع هكذا للعديد ممن كافحوا بصدق وإحساس وطني، لأن الإشكالية تكمن دائما في انتظار تحقيق وعود لامتناھية، تضمن تحسين وضعية المبدع والفنان،  فھذا الأخير يعيش وسط فوضى عارمة على شتى المستويات، ورغم هاته الحقائق الصادمة، لازال التلاعب يمارس، وخاصة مسألة - بطاقة الفنان - التي رحب بها الجميع، ونبذها الجميع فيما بعد: فبطاقة الفنان التي انتظرھا الجميع لتكون أول خطوة لتنظيم المھنة، واتباث ھوية الفنان واشتغاله في ظروف مريحة،لكن الواقع كان عكس كل التوقعات فھذه البطاقة لا قيمة لھا حتى الآن (ص13) سيتساءل بعض من سيطلع على هذه القراءة لماذا تلك البطاقة لا قيمة لها ؟ لن نجيب برأينا وموقفنا بل من خلال ما ورد في الكتاب:... دعم معدوم لوزارة الثقافة المغربية للمسرح والمسرحيين، كل المسرحيين المغاربة واقتصارھا فقط على نخبة محددة من الفرق المسرحية دون أخرى والحل للخروج من ھاته القوقعة ھو تأسيس فعلي لمسرح مغربي شامل لجميع المسرحيين المغاربة بتنظيم المناظرة الثانية الموسعة الكبيرة حول المسرح(ص 134) رأي سديد، ولكن هل المسرح المغربي، كان ناميا وفاعلا بالدعم الذي شتت الفنانين والمثقفين شذر مذر( نأسف لذلك) لأن الكل تهافت حوله، وضيعوا الفن والإبداع الحقيقي، ويكفي وكفى للمرء من التشدق والادعاء،

 

صفوة القول:

ما ميز الكتاب، تنويع الحوارات، والتلاعب بها عند الاقتضاء، وهذا ينم عن انو جاد حرفية / مهنية، عند المخرج والصحفي - عقبي - وتلك البانورامية المطلة  على مدن، تتضمن فعلا طاقات وفعاليات كبلقصيري/ بني ملال/ واد زم/.../ والتي عبر البعض أن:

ما تعانيه ھذه الطاقات ھي العقليات، الإدارية المسيرة لھذا الشأن التي ترفض أن تمد يد العون للوجوه الجديدة، تعيقھا عقليات أخطبوطية لا تريد أن تفسح المجال لوجوه

جديدة، تراھا تخشى دائما من ظھور طاقات جديدة ظنا منھا أنھا ستفقدھا بريقھا وتوھجھا(ص 106) وتلك الحقيقة المرة، والتي تعيشها العديد من الدول العربية، انطلاقا من التركيبة الذهنية العربية، وبالتالي فالكتاب في عموميته يعد صرخة من ضمن الصرخات الصادقة، من جوارح مبدعين صادقين مع أنفسهم، بحيث صاحب الكتاب بحكم عشقه للإبداع، وشوقه لعالم مشرق، بدوره يرفع صراخهم بصراخه لكي: تستمع الجھات الثقافية والفنية لھذا الصراخ وتعرف فظاعة ما يحدث بسبب إھمالھا لقضايا كبيرة وركضھا وراء مظاھر زائفة وتقصيرھا المتعمد تجاه الإبداع السينمائي والمسرحي في بلد،يزخر بكوادر وطموحات تحتاج فقط للقليل من الدعم والإھتمام.أشكركم أحبتي وأصدقائي لھذه الثقة…… (ص5 )

 

نجيب طلال