كتب واصدارات وقراءات

"التسامح واللاتسامح" لماجد الغرباوي .. لئلاّ يكون الجهد سوى في المحلّ العالي

shaweqi_moslmaniجوهر الردّ على إسلام يأكل كبد إسلام حاضر يمكن العثور عليه بيُسر في القرآن الكريم، إلاّ أنّ الذين يكرهون الآخر ولا يقرّون وجوداً له لا طائفيّاً ولا مذهبيّاً يرون لمسافة محدودة أنّ آية القتال،

"دماء على نهر الكرخا" لحسن العلوي: مجوس بعمائم شيعية يقودهم ابن سبأ (5-9)

alaa allamiيمكن أن نتجاوز ما تبقى من الفصل الثاني من هذا الكتاب، وفصول أخرى، دون أن نخسر شيئا، فهو عبارة عن تكرار للمعزوفة ذاتها التي توقفنا عند بعض مفاصلها قبلا، ولكننا قبل أن ننتقل الى فصل آخر نشير إلى أن الكاتب، وخلال استعراضه "السينمائي" لمعركة جرت بين القوات البابلية بقيادة "العراقي العربي الوطني!" نبوخذ نصر والقوات الفارسية "العيلامية!" عند نهر الكرخة قام حسن العلوي بمحاولة لإقحام الحاضر ممثلا بالحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات مع تلك الحرب في العصور الغابرة دون مسوغ علمي أو حتى إنشائي. وبعد ذلك بعدة أسطر، يقوم حسن بمحاولة أخرى لربط ما قام به الماذيون الذين يرتبطون، كما يقول، "برابطة النسب بالفُرس" و هذه هي المرة الأولى التي تتناسب فيها الأمم في كتاب تاريخي، مستشهدا على ما يقول بالمؤرخ عبد الرزاق الحسني لتأكيد هذه المعلومة، والرجل -رحمه الله - لم يعرف عنه أي اهتمام بالمواضيع السلالية أو علم الأنساب بين الأمم أو بين الأفراد، وله كتاب ذائع الصيت هو " تاريخ الوزارات العراقية"، ويروي حسن أن الماذيين شكلوا دولة متحدة مع الفرس، و قد استطاع الملك الفارسي كورش ان يقوض الدولة الكلدانية سنة 239 ق م، و خلال ذلك زعم كورش أن الملك الكلداني انتهك حرمة الآلهة؛ وهنا، يقفز حسن برشاقته وسذاجته المعهودة من هذه الحادثة إلى حادثة أخرى ليستنتج أن الفرس الصفويين قاموا بالأمر ذاته بعد آلاف السنوات، فيخبرنا أن الملك الفارسي كورش شن حربا دعائية ناجحة للتشهير بالملك البابلي لانتهاكه حرمة معابد الآلهة وليقفز من هذا الخبر آلاف السنوات فيكتب ( وبهذا النص يكون – قد ولد؟ - أول إدعاء فارسي بحماية حرمات المعابد والمراكز الدينية قد ساعد على الاحتلال أو انه كان تبريرا له وقد اتخذ هذا الطريق نفسه الصفويون في عام 1501 م عند ظهور الشاه إسماعيل الصفوي واحتلاله العراق عام 1508 م). فما العلاقة بين الأمرين على افتراض صحة وقوعهما؟

مثال آخر على عبث حسن العلوي وجهله بالتاريخ، بل وحتى على انتهازيته السياسية، نجده واضحا في اعتباره الغازي الإغريقي الاسكندر المقدوني، الذي احتلت جيوشه العراق بعد أن هزم الجيوش الفارسية بقيادة الملك دارا، محررا لا فاتحا، ويخبرنا أن الاسكندر استقبل من قبل الشعب البابلي بالمزامير والهتافات المبتهجة، بدلا من النظر إليه وإلى دارا كغازيين لا فرق بينهما ودولتين متصارعتين على خيرات العراق، ولو استعملنا طريقة حسن العلوي البحثية "الرشيقة" هذه لقفزنا، نحن أيضا، من حالته هذه إلى حالة شبيهة بها وتعود لأحد الخدم الإعلاميين للغزاة الأميركيين هو المدعو كنعان مكية الذي دعا العراقيين علنا إلى استقبال"المحررين الأميركيين" سنة 2003 بباقات الزهور والهتافات والغناء (ومعروف أن الأمر لا يتعلق بكنعان مكية فقط بل شاركه العديدون من رجال "شرطة الاحتلال الثقافية" من رؤساء تحرير صحف بول بريمر والمشتغلين بالقطعة والساعة لدى مجلس إعماره والعجيب أن بعض هؤلاء أخذوا يتطاولون كثيرا هذه الأيام، بل وصاروا يرفعون الصوت، ويفاخرون بنجاساتهم ويعرِّضون بمواقف الوطنيين من رافضي الاحتلال والطائفية ومؤيدي المقاومة!) غير أن براءة الاختراع هنا تعود "بجدارة" لحسن العلوي أيامَ كان صداميَّ الولاء يخفق قلبه للاسكندر المقدوني قبل أن يتحول لاحقا إلى مستشار ثم نائب لمن صفقوا وتحالفوا مع أحفاد المقدوني أي المحتلين الأميركيين.

اللافت، هنا، هو أنّ حسن يقول الشيء ونقيضه أحيانا فهو يكتب (كان احتفاء البابليين به – بالاسكندر – مظهرا من مظاهر ردود الفعل السلبية تجاه السياسة الفارسية في العراق والتي جلبت عليه الخراب والتدمير) ولكنه يعلق في الهامش على ما قاله الحاكم الفارسي كورش الذي احتل العراق قبل الاسكندر من أن الإله مردوخ والإله نبو أرسلاه ليحرر العراق يعلق على ذلك بالقول إن هذه الصيغة تتكرر في بيانات المحتلين الذين كان آخرهم الجنرال مود وبيانه المعروف / هامش 1 على ص 28) فلماذا يجوز للاسكندر الغربي ما لا يجوز لكورش الفارسي مع أن كليهما محتل أجنبي آري؟ أ حرام على كورش حلال على الاسكندر؟ أما كان الأولى والأصح رفض الغازيين الأجنبيين كورش والاسكندر وتراثهما الاحتلالي كله؟ هنا نضع أيدينا على أحد مداميك الفكر العنصري والطائفي العراقي وهو أنه نظر وينظر غالبا إلى المحتل والغازي الغربي كصديق ومحرر أما المحتل والغازي الشرقي، وخصوصا إذا كان من طائفة غير طائفة الحاكم، فهو عدو أبدي !

في الفصل الثالث يدخل حسن العلوي معركته الرئيسية وهاهو يعنون هذا الفصل بالكلمات التالية (فرس وعرب .. مجوس ومسلمون) ولأن هذا العنوان لم يرو غليله كما يبدو، زاد حسن وثبت عنوانا آخر لهذا الفصل يقول (نشاط باطني ملتهب)، وقبل أن نبدأ بقراءة الاتي من كلام المؤلف نشير عرضا إلى أنه من " أسرة شيعية وعلوية" ولكنه هنا يفكر ويكتب كبعثي صدامي تماهى، ليس مع الفكر البعثي التقليدي بركائزه النظرية والمعرفية المشهورة، بل مع العنعنات الطائفية التي يزوغ إليها ابن الطبقة الوسطى حين يتنازل عن عقله وشخصيته لسيده و ولي نعمته وشيخه الطائفي.

يلاحق حسن العلوي خرافته العنصرية حول العداء الأبدي بين العرب والفرس المجوس حتى حين لم يكن العرب أو الفرس المجوس قد وجدوا وتجسدوا إناسياً أو حضارياً وصولاً إلى عهد صدام حسين. لنبدأ معه من تميزه بين الحروب التي يسميها "حروب نظيفة" دارت بين الطرفين قبل الإسلام والحروب التي دارت بعد معركة القادسية وانهيار الإمبراطورية الفارسية ودخول الفرس في الدين الإسلامي بشكل جماعي فهو يكتب عن حروب ما بعد الإسلام (أما الحروب الجديدة أي ما بعد ظهور الإسلام بين العرب والفرس "..." فإنها لم تكن على مستوى ولو قليل من أخلاق الحروب العلنية .. لقد تغلغلت الأهداف الفارسية تحت طيات العمائم السرية تأكل المجتمع الجديد كما تأكل الأرضة الخشب) حسن العلوي هنا ينحاز للفرس الوثنين والمجوسيين في حروبهم "النظيفة" ضد العرب والتي كانت -استنباطا من كلامه - على مستوى عال من أخلاق الحروب ويهجو ويذم الحروب الذي خاضها الفرس بعد أن أصبحوا مسلمين ووضعوا العمائم وتحتها أهدافهم الشريرة . لا يمكننا طبعا، من الناحية العلمية والتاريخية، نكران وجود أية أهداف سرية أو مشاعر قومية كامنة لأمة هزمت في الحرب ودمرت إمبراطوريتها في ثنايا الأحداث والحروب التي تلت معركة القادسية ودخول الفرس في الإسلام كأمة، إنما لا يمكننا، مع ذلك، الموافقة على هذا الهراء العنصري المفكك لحسن العلوي وأمثاله فهم لم يقدموا دليلا ماديا تاريخيا واحدا على ما ذهبوا إليه بل يكتفون بالإنشاء والشتائم و حملات تكفير أمة مسلمة بكاملها واعتبارهم "مجوسا و حشرات أرضة تأكل خشب المجتمع الجديد" لا أكثر . من جهة أخرى يتغاضى الكاتب أو ربما يجهل أن عمر التشيّع في إيران و وضع العمائم أكثر قليلا من خمسة قرون فقد بدأت إيران تتحول مذهبيا إلى التشيّع في عهد الشاه إسماعيل الصفوي في القرن السادس عشر الميلادي أما قبل ذلك فكانت على المذاهب السنية المعروفة طوال القرون التي تلت السابع الميلادي الذي حدثت فيه معركة القادسية وحتى السادس عشر، ولم يكن للشيعة وجود إلا في مدينة قم التي تحتضن مرقد الإمام الشيعي علي الرضا وفي إقليم عربستان أي أن الشيعة الأوائل في إيران هم من عرب العراق القادمين من عاصمة التشييع الأولى الكوفة (والعجيب هو ان هذه المعطيات يعلم بها حسن العلوي ويوردها في كتابه " الشيعة والدولة القومية" ص 20) وعلى هذا يغدو كل حديثه عن "العمائم الفارسية السرية وحشرات الأرضة" سيعني الإيرانيين في طورهم الإسلامي السني و العرب الشيعة وليس الفرس في الجنوب الإيراني وهذا منتهى الجهل والابتذال.

وفي جزء آخر من هذا الفصل عنونه حسن بالكلمات التالية (المجوس يلبسون العمامة / 38) يعود المؤلف إلى واحدة من أشهر الأساطير الطائفية والعنصرية التي حيكت للنيل التشيع كمذهب إسلامي كسائر المذاهب و من الشيعة كطائفة هي الثانية بعد السُنة من حيث الحضور السكاني، ألا وهي أسطورة "اليهودي عبد الله بن سبأ" الذي يعتبره غلاة الطائفية (مؤسس التشيع الحقيقي الهادف إلى ضرب الإسلام ونخره من الداخل) . ورغم أن الخوض في الأمور الفقهية البحتة أو التاريخية السيرية ليست من اهتماماتنا الأساسية وليس من المشمولات الحصرية لهذه الدراسة، ولكننا سنكتفي بعرض بعض ما نعتبره أهم ما طرحه المؤلف بهذا الصدد مع تعليقات ضرورية عليه، وسنناقش في الجزء القادم من هذه الدراسة، وهو السادس، أسطورة عبد الله بن سبأ اليهودي الذي يزعم حسن العلوي أنه هو مؤسس التشييع والمذهب الشيعي لضرب الإسلام من الداخل والرد العلمي الذي رد به طه حسين على أصحاب هذه الأسطورة المتهافتة ثم نناقش تشكيك حسن العلوي بحديث الغدير و سنقدم ثَبتاً بأكثر من عشرين مصدر من مصادر أهل السنة والجماعة تؤكد وتعترف بصحة هذا الحديث، ولن نأتي بأي مصدر من الجهة الأخرى " الشيعة"، وسنتابع بعد ذلك حملة حسن العلوي ضد الشيعة والتشيع حتى نهاياتها . يتبع

 

كتاب: "التسامح ومنابع اللاتسامح" لماجد الغرباوي .. يدُ الأول أعــلى لأنه حوار

shaweqi_moslmaniتفكيك خطاب سوء الفهم، هو ما يطمح إليه ماجد الغرباوي في كتابه "التسامح واللاتسامح ـ فرص التعايش بين الأديان والثقافات" الذي صدر أخيرا في بغداد عن معهد الأبحاث والتنمية

(تانغو ولا غير) .. مجموعة شعرية جديدة للشاعرين د. أسماء غريب وسعد الشلاه

asma gheribصدرت حديثا (آذار 2014) في إيطاليا باللغتين العربية والإيطالية عن درا آريانّا للنشر والتوزيع مجموعة شعرية صوفية جديدة للمُبدعيْن والشاعرين أسماء غريب وسعد الشلاه تحت عنوان (تانغو ولا غيْر). ويتكوّن الديوان من ثلاثين قصيدة كُتبت كلّها في العراق وإيطاليا بين أواخر شهر آب وتشرين الأول من سنة 2013، وقد سهرتْ الشاعرة والمترجمة أسماء غريب على ترجمة النصوص من اللغة العربية إلى الإيطالية وعلى رسم اللوحات الإحدى عشر الخاصة بعددٍ معيّن من قصائد المجمُوعة بما في ذلك لوحة الغلاف.

والدّيوان بقصائده الثلاثين هو عبارة عن حوارية شعرية صوفية بين الشاعر سعد الشلاه والشاعرة أسماء غريب بدأتْ بقصيدة (نون الحنّاء) وانتهت بنصّ (قلْبي وقلبُكَ يسْجُدان)، وهي أيْ الحوارية ليسَتْ بصوت الشّاعرين فقط، ليسَتْ بصوت الرّجلِ ولا المرأة فيهِما، إذ لا أنوثة ولا ذكورة تعْني القارئَ أو تعْنيهمَا هُنا، لأنّ هذه المجموعة الشّعرية وإنْ كتبَها شاعرٌ من أرض بابل، أرضِ الحضارات والحرفِ الأوّل والكتابةِ الأولى، وشاعرة تُقيمُ بين البينينِ وتسكُنُ البرزخيْن والمكانيْن، إلا أنّها في حقيقةِ الأمْرِ وجوْهره كُتبَتْ بروح واحدةٍ، هي روحُ العشقِ والهيام الإلهي المُطلق أو الرّوح التي انمحق فوق زئبق مرآتها العشتارُـ تموزيّة كلُّ أثرٍ وعرَض لما اعتاد الناس على تسميته بتاء التأنيث أو صفةِ التّذكير، وذلك لما تحقّق بين الوَعْي الإبْداعي للشّاعرين من انسجامٍ وتوافقٍ جعلَ كلّ عرضٍ للذكورة والأنُوثة ينمَحي بينهُما، وجعَلَ كلّ طَرفٍ منهُما يصبحُ مُلهِما ودليلا للآخر: اسمع مثلا هنا ما تقوله روحُهما الإبداعية على لسان الشاعر سعد الشلاه:

530-asmaa

"اقتربي منّي أكثر

فقد تعلمتُ منكِ كثيراً وختمتُ الأسرار

وتأملتك مليّاً فاقتربي منّي أكثر" .

واسمعْ نُونَ حنّائهِمَا هُنا ماذا تقولُ على لسانِ الشّاعرة أسماء غريب:

"عُدْ إلى البحْر الزّمردي وحرّكْ جرسَ السؤال مرّةً ومرّاتٍ

ولا تبقَ واقفا عند برزخه الأوّل، أعني البرزخ المالح،

غُصْ في العُمق العميقِ، عُمق البحْر العجيبِ الحُلو المذاقِ.

اسمَعْ كلامَ الحاجِب إذن ولا تسألْ عنّي أحداً في البحرِ

غيرَ صاحبِ القيّومية الملكِ القدّوس

السلامِ المؤمن المهيمنِ."

واقرأ هُنا سعد الشلاه وهو يردّ عليها مُدخلا القارئ في دوّامة من التيه والسّؤال عمّن يكونُ المُرشد أو الدّليلُ الروحي للآخر، أهِيَ أم هُو؟

" ابكي يا ملكتي وبلّلي خرقةَ الشوق

البهيج التي ارتديتها بالأمس

ستكونُ ودمعُكِ تميمة للصفاء واليقين

أبعدي رأسَك عن الياقوت، وإنْ كان يليق بك

وابكي ودعي تاجَكِ الشوكيّ المكللَ بالآهاتِ وبالآلام

يطوفُ حول أوتارِ الكمنجاتِ أجمعين

ابكي فدمعتك الأولى بينك وبيني

والثانية بين الألف والسين

والثالثة لا تكشفيها لأحد سواي

والبقيةُ انثريها على البحار والأنهار

فستنبعثُ روحي باكيةً من جديد

لتقبّلَ كفّيك ثم تسجدُ عند عتبة النور ."

أسماء غريب وسعد الشلاه يُجَسّدان معا في ديوانهما الجديد هذا رُوح الإنسان، أيْ الرّوح التي ستنْبَعث باكية لتسجُد عند عتبةِ نور الخالقِ كيفَ لاَ وهما يقولان معاً في قصيدتهما الأخيرة:

"أرى أننا أخيرا لا نسمع إلا هُو

ولا نرى إلا هوَ

ولا نتحدث إلا عنه هو

لذا، فالصمت لي ولك بعد اليوم

سيكون خير رسول

يدندن ويقول للعاشقين من بعدنا:

ليس لكُم إلا هو،

يا من لا يُعلم ما هُوَ،

ولا كيف هُوَ، ولا أين هُوَ،

ولا حيثُ هُوَ إلا هُوَ."

هذا يعني أنّ الدّيوانَ الذي بين يديك هو صياغة جديدة لمفاهيمَ عدّة ربّما نسيَها الإنسان المعاصرُ في غمْرة الهمّ اليومِي وغمْرة التشتُتِ والفوْضَى التي بَاتتْ تتضخّمُ بداخلِه في كلّ لحْظة بشكلٍ أكثرَ وأكبر. وتبقى إعادةُ النّظر فِي المعْنَى الحقيقِي لأنُوثة الكوْنِ ونُقطةِ جَمَالِه هيَ منْ أهمّ الإشكاليَات الوُجُوديّة التي تطرحُها هذه المَجموعة الشعرية، عبْرَ توظيفِ العديدِ منْ الآليات الأدَبيّة والأسَاليب والصّور المَجازيّة بشكل يمتزجُ فيه الشّعري بالعِلمِي، والأسْطوري باللاهُوتي، والقُرآني بالتّراث الحُروفي، والمُوسيقِي بالتّشْكيلي، والإيرُوتيكي بالفلسَفي.

تاريخ السدانة الحسينية يوثق لانعطافات سياسية في العراق

nadheer khazrajiلكل جزئية في الحياة اليومية، وبشكل عام، لازمة لا تنفك عنها ولا تتخلف، يدركها المرء بلا برهان، فلزوم الملعب اللعب ويلزمه اللاعب، ولزوم المدرسة التعليم ويلزمها الطلبة والمعلمون، ولزوم السيارة الركوب ويلزمها السائق والركاب، وهكذا في معظم مفردات الحياة.

وقد يتحد اللازم بالملزوم الى الحد الذي يتم تناسي لوازم أخرى لها وجودها وتأثيرها المرئي وغير المرئي، فقرين الملعب اللاعبون وربما المتفرجون، وقرين المسجد المصلون والعابدون، والكعبة قرينها الحجاج والمعتمرون، وقرين المرقد الزائرون، وبشكل عام فإن المكان بالمكين، وهذه معادلة لا يختلف عليها اثنان، وهي من ثوابت اللزوم بالمعية، ولكن في بعض الأحيان ومن شدة التلازم لا يُلتفت الى الطرف الذي بيده عملية إجراء هذه الملازمة وحيثياتها، فلا لعب إن لم يتم فتح ساحة اللعب وإعطاء الإذن، ولا صلاة جماعة إن بقي المسجد مغلقا، ولا حج إن لم تفتح الكعبة والمشاعر الحرام أبوابها للحجيج والمعتمرين، فمن بيده مفتاح الملعب أو الجامع أو المسجد أو المرقد أو المقام هو الذي يسهل اجراء هذه الملازمة.

من هنا كانت السدانة والحجابة وظيفة ذات شأن كبير، وإن لم يعرفها الزائر أو المصلي، ولأهميتها كانت العوائل والأسر لا تتوانى عن فعل أي شيء بما يساهم في تولي هذه المسؤولية لما لها من صدى وسمعة في الأوساط الاجتماعية تضفي على السادن وأسرته رفعة وعزة، وكلما كان السادن واسع الصدر، عميق الجيب، مبسوط اليد، منفتح العقل، عميق الفكر، متعدد المهارات، متشعب العلاقات، كان أقدر على الخدمة وأقرب إلى رضا الرب وخدمة المربوب، ولهذا يشعر الزائر للمسجد أو المقام أو المرقد براحة نفسية وجسدية عندما يجد الأمور مهيأة ومنتظمة وتسير بانسيابية، فكل ايجابية تحسب لصالح السادن وكذا في السلبيات، والسمعة الطيبة هي رأسمال السادن والحاجب في وظيفته الدينية والمدنية.

من هنا كانت سدانة المسجد الحرام وظيفة ذات قيمة تكسب صاحبها منزلة راقية ويسعى لأن تكون في عقبه، ومن هنا كانت سدانة مراقد أهل البيت مبتغى الأسر والعوائل، وهذا ما نلاحظه على سبيل المثال في سدانة الحرم الحسيني الشريف في كربلاء المقدسة، حيث اشرأبت الأعناق وتعالت الأصوات وتطاولت الأيادي لنيل هذه المنزلة، بل وتصارعت الأسر على هذه الخدمة وتحاكمت الى القضاة ومراجع التقليد، وهذا ما نلحظه عند مطالعتنا للأجزاء السبعة المطبوعة من دائرة المعارف الحسينية في باب (تاريخ المراقد .. الحسين وأهل بيته وأصحابه) للعلامة المحقق الدكتور الشيخ محمد صادق الكرباسي.

وقد أحسن صنعاً الباحث العراقي الدكتور عباس جعفر الإمامي عندما نقّب في الأجزاء المطبوعة من تاريخ المراقد واستل منها أسماء السدنة الذين توالوا على خدمة المرقد الحسيني الشريف منذ عام 61هـ وحتى يومنا هذا، ودوّن الأسماء كلها مع بيان تاريخ توليها السدانة وملخص السيرة الذاتية لها، في كتاب مستقل من 159 صفحة من القطع المتوسط صدر حديثا (2014م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين تحت عنوان "تاريخ السدانة الحسينية للمحقق الكرباسي".

 

السدانة والحجابة

لم تكن السدانة والحجابة حديثة عهد على العرب ولا هي خاصة بالمسلمين، فالسدانة عرفتها الأديان كلها كما عرفتها الحكومات والمدنيات والحضارات، حيث اشتهر الحاجب عند كل ملك أو أمير أو خليفة أو امبراطور، فالسادن يخدم المعبد والمسجد والحاجب يخدم الحاكم، ولكن ما يفرق السادن عن الحاجب من حيث اللغة والوظيفة أن الحاجب يحجب وإذنُه لغيره، والسادن يحجب وإذنه لنفسه، وهذا ما يشير اليه الدكتور عباس الإمامي في المقدمة، وقد عقد مقارنة بين سدانة البيت الحرام وسدانة المرقد الحسيني الشريف منطلقاً من قوله تعالى في سورة التوبة: (أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين) الآية 19، حيث أطلق القرآن الكريم مصطلح (العمارة) على (السدانة) وخدمة بيت الله الحرام، وقد فصّل الإمامي في مفهوم العمارة وشروط السادن ومنها الإيمان، لأن الخدمة لوحدها لا تكفي إن لم يكن السادن أو الخادم مؤمناً برب البيت ورب صاحب المرقد الشريف، فالخدمة المجردة عن الإيمان أشبه بالجسد من غير روح، فلابد من ثنائية الخدمة والإيمان ليتكامل مقام السدانة.

وفي تقديري ان الدكتور الإمامي نجح في إيصال فكرة السدانة والخدمة في المراقد والمقامات والأضرحة الشريفة للأئمة والأولياء والصالحين، منطلقاً من عمارة المسجد الحرام، فسدانة المراقد الشريفة هي في واقعها ومن حيث المصداق والوظيفة متصلة بسدانة البيت الحرام، ولما كانت الثانية مفهومة لدى عامة المسلمين فإن الانطلاق منها نحو الحديث عن سدانة المرقد الحسيني الشريف قرّب المسافة المعرفية للوقوف على تاريخ السدانة الحسينية كما أثبتها المحقق الدكتور محمد صادق الكرباسي في أبحاثه المستفيضة عن مرقد الإمام الحسين(ع) من حيث النشأة والتاريخ، ويكاد يكون العلامة الكرباسي قد انفرد عن باقي المحققين في التثبت من خدمة المرقد الحسيني على مدى التاريخ ما أمكنه ذلك وأسعفه التحقيق والتوثيق، وما قام به الدكتور الإمامي من اقتناص المعلومة من بين سبعة أجزاء من الموسوعة الحسينية الخاصة بالمرقد الحسيني يكشف أهمية الجهد الاستثنائي الذي بذله الشيخ الكرباسي في هذا الباب والأبواب الستين الأخرى من أبواب دائرة المعارف الحسينية، التي صدر منها حتى اليوم 86 مجلداً من مجموع نحو 900 مخطوط ومطبوع.

وفي هذا الطريق المعرفي الشائك استطاع المحقق الكرباسي أن يصل الى حقائق كثيرة، منها وعلى سبيل المثال نفيه للمشهور أن أول قبة أنشئت في الإسلام هي قبة الصخرة في القدس الشريف، فالحقيقة كما يؤكد الكرباسي في أبحاثه إن أول قبّة أنشئت في الإسلام هي قبة المرقد الحسيني الشريف وذلك عام 66 للهجرة في عهد المختار بن أبي عبيدة الثقفي، وكان حينها السادن للمرقد الحسيني إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي يساعده في ذلك ابنه محمد بن إبراهيم الأشتر النخعي الذي استقل بها عام 71 للهجرة.

 

سدانة ونقابة وحكومة

تناوب على خدمة المرقد الحسيني شخصيات وأسر وعوائل كانت في كربلاء المقدسة أو سكنتها، وكان بنو أسد هم أول السدنة، حيث كانوا يسكنون منطقة الغاضرية الواقعة اليوم شمال شرق كربلاء بين ناحيتي عون والعطيشي، وهناك من يرى إن أول سادن للمرقد الحسيني هو عبد الله بن بشير الأسدي، وهو ما لم يثبت لدى العلامة الكرباسي. لكن المتحقق عنده ان قبيلة بني أسد هي التي ساهمت في دفن جسد الإمام الحسين(ع) وتناوبت في فترات على رعاية القبر الشريف.

ومن خلال المرور على أسماء السدنة وحيثيات تولي السدانة وتواريخها تتكشف أمور كثيرة، ولعلّ أهما:

أولاً: إن سدانة المرقد الحسيني الشريف خدمة عظيمة لا يُلقّاها إلا ذو حظ عظيم، ولهذا تنازعت على هذه الوظيفة الكريمة قبائل وأسر معروفة، وبها تسمّت بعض الأسر والعوائل فيطلق عليها لقب (الكيلدار) أو (الخازن)، والأولى مفردة فارسية وتعني صاحب المفتاح والذي بيده مقاليد الأمور.

ثانيا: في بعض الفترات التاريخية كان نقيب الأشراف هو السادن للمرقد الحسيني أو له الصلاحية في تعيين السادن أو الخازن أو الكليدار.

ثالثا: في بعض الفترات التاريخية كان السادن هو الحاكم المدني لمدينة كربلاء المقدسة، أو أن الحاكم المدني هو السادن، وله صلاحية تعيين من يراه صالحاً لهذه المهمة.

رابعا: كانت السدانة تبقى لفترة طويلة في أسر معروفة تتوارثها أباً عن جد.

خامساً: في معظم الأحيان كان تبدل الحكومات المركزية مدعاة لتغيير السدنة ونقل الوظيفة من يد أسرة الى أخرى.

سادساً: في بعض المراحل التاريخية كان للمرجعية الدينية اليد الطولى في تعيين السدنة، ولا تقتصر المرجعية على حاضرة كربلاء المقدسة، فالمرجعية في الحلة كانت لها صلاحية تعيين السادن، وكذلك مرجعية النجف الأشرف، وهي ما عليه الآن.

سابعاً: كان السلاطين والملوك والولاة يتدخلون في تعيين السدنة، ولا يقتصر الأمر على الحاكمين في العراق، ومن ذلك قيام السلطان الإيراني إسماعيل الأول الصفوي عام 914هـ بتعيين السيد محمد بن حسين آل كمونة سادناً للمرقد الحسيني الشريف، كما أسند اليه نقابة الأشراف وحكومة الحلة.

ثامناً: في بعض الفترات كان السادن لمرقد الإمام الحسين(ع) هو نفسه السادن لمرقد أخيه العباس(ع).

تاسعاً: في بعض الفترات كان السادن للمرقد الحسيني يتولى السدانة لمرقد الإمام علي(ع) في النجف الأشرف، كما حصل في عهد هولاكو الذي أسند عام 656هـ نقابة وسدانة المشهد العلوي والحسيني الى الى السيد مجد الدين محمد ابن طاوُس الحلي.

عاشرا: وفي بعض الأحيان يأتي أمر السدانة وتعيينها مشتركاً بين الوزارة المسؤولة والمرجعية الدينية، كما حصل على سبيل المثال في السدانة الحالية بعد سقوط نظام صدام عام 2003م.

حادي عشر: القاعدة الغالبة أن يؤول أمر السدانة لشخص واحد، وهناك استثناء كما حصل في السدانة الأخيرة التي تولتها لجنة ثلاثية أشرفت على سدانة المرقد الحسيني والعباسي بعد سقوط النظام متكونة من العلامة الفقيد السيد محمد بن مرتضى الطباطبائي الحسني (1354- 1425هـ) والعلامة السيد احمد بن جواد الصافي والعلامة الشيخ عبد المهدي بن عبد الأمير الكربلائي، وبعد رحيل العلامة الطباطبائي، استقل العلامة الصافي بالمرقد العباسي فيما استقل العلامة الكربلائي بالمرقد الحسيني ولازال الأمر قائما الى يومنا هذا.

ثاني عشر: في الأغلب الأعم تولت سدانة المرقد الحسيني أسر علوية حتى كاد أن يكون عرفاً، ولهذا تعتقد بعض الأسر العلوية الكربلائية العريقة أن السدانة من حقها، ولكن تداول السدانة بين الأسر العلوية وغير العلوية على مر التاريخ يقطع وتيرة هذا العرف.

في الواقع إن كتاب (تاريخ السدانة الحسينية للمحقق الكرباسي) يشكل إضافة مهمة إلى المكتبة العربية يحكي في جانب منها تاريخ كربلاء المقدسة وما تعرضت إليه من عمارة أو تخريب، كما هو الكتاب الأول والأكثر توثيقاً الذي يقدم كشفاً بأسماء سدنة المرقد الحسيني الشريف، إذ بلغ عددهم كما استبان للمحقق الكرباسي من خلال البحث والتنقيب 65 سادناً منذ أول سادن عام 61هـ إلى آخرهم الذي يتولاها رسميا ومرجعيا منذ عام 23/6/1427هـ. كما يعتبر الكتاب إضافة أخرى لمؤلفات الباحث العراقي الذي جمع بين الدراستين الحوزوية والجامعية، الدكتور عباس جعفر التازه لي الإمامي، وقد كتب من قبل (الدور السياسي للمرجعية الدينية في العراق الحديث)، و(الرقابة العامة للمرجعية الدينية في العراق الحديث).

 

طائفيات من أوراق كامل الجادرجي (1)

raed sodaniيعد كامل الجادرجي بنظر أغلبية السياسيين والمتابعين العراقيين بأنه (أبو الليبرالية) في العراق من خلال نشاطه السياسي والتي كان أبرزها تأسيسه للحزب الوطني الديمقراطي في عام 1946أو تدعوه صحيفة المدى وبقلم رفعة عبد الرزاق محمد بأنه زعيم الحركة الديمقراطية في العراق وهذا ما دأب عليه أكثر الكتاب والسياسيين إذ تصفه صفحة نيل وفرات .كوم بأنه "آمن بالديمقراطية عقيدة سياسية، ورأى فيها الوسيلة الأفضل والضمانة الأكيدة لحل مشكلات البلاد كافة، كما وآمن الجادرجي بقضايا العرب ووحدة مصيرهم دون تعصب، أو تطرف " وغير هذا الكلام كثير تصف الرجل بنفس الأوصاف أعلاه .لكن لنرى من جانبنا كيف فكر السيد كامل الجادرجي وعالج المشكلة الطائفية في العراق من خلال كتاب (من أوراق كامل الجادرجي) نشر دار الطليعة للطباعة في بيروت وقدم للكتاب السياسي المعروف نصير الجادرجي .

يبدأ المرحوم كامل الجادرجي حديثه الطائفية والشيعة بكتابه آنف الذكر في صفحة 63"كانت الدولة العثمانية تنظر نظرة خاصة إلى الطوائف التي تعتبرها أقليات، ومن تلك الطوائف التي اعتبرت أقلية داخل الدولة العثمانية طائفة الشيعة.

وكان من سياسة الدولة العثمانية تحريم إسناد المناصب الحكومية لأفراد طائفة الشيعة على الأغلب ولاسيما بالنسبة للمناصب الخطيرة .كما كان من سياسة تلك الدولة الحيلولة دون وصول الشيعة إلى سلك ضباط الجيش .وكانت الدولة في الوقت نفسه تعرقل قبول أولاد الشيعة في المدارس الحكومية " وهذا كلام حق ومعروف لكن هنا يجب أن نستمر مع المرحوم كامل الجادرجي ليتبين لنا الهدف من هذا القول فيذكر في نفس الصفحة "وكان من نتيجة هذه السياسة أن انصرف الشيعة إلى الأعمال الحرة من تجارة وصناعة يدوية وأعمال أخرى، كما كان من نتيجة تلك السياسة أيضا أن انكمش الشيعة على أنفسهم وانعزلوا عن الدولة حتى اعتبر التعليم الحكومي من ناحيتهم بدعة غير مستحبة بل ومكروهة وفي بعض الأحيان الحادا وكفرا وان التعليم الوحيد به – دينيا – هو التعليم القرآني والفقهي في مدارس المراكز الدينية الشيعية ولدى المعلمين الدينيين المتخرجين من مدرسة النجف الرئيسية" فإلام يريد الأستاذ الجادرجي أن يصل، يجب علينا أن نستمر مرة أخرى كي نعرف مبتغاه من هذا الكلام فيستطرد ويقول في نفس الصفحة "وهذه النظرة إلى التعليم الحكومي وإن كانت قد تغيرت بعد الانقلاب العثماني عام 1908ففتحت طائفة الشيعة مدارس لأولادها تنهج نهج المدارس الحكومية غير إن ذلك لم يغير من جوهر القضية، فقد كان عدد تلك المدارس محدودا وكفاءتها ضئيلة بالمقارنة مع المدارس الحكومية .كما إن الشيعة لم يغيروا نظرتهم تجاه جهاز الدولة إلا تغييرا محددا كما إن العثمانيين غيروا نظرتهم – بعد انقلاب 1908- نحو الطائفة المذكورة تغييرا جزئيا فقط، ومن ثم فإن وضع الشيعة لم يطرأ عليه تبدل جوهري حتى زوال الحكم العثماني في الحرب العالمية الأولى " وقبل الدخول إلى هدف الجادرجي الجوهري من مقدمته هذه نتساءل، إذا كان الشيعة باتوا يحرمون المدارس الحكومية التركية أو العثمانية في ذلك العهد فكيف لهم أن يفتحوا مدارس بنفس النهج الحكومي بعد انقلاب الاتحاد والترقي ومن المعروف إن لقضية الحلال والحرام في الدين لها أسس لا تزول بسرعة كما لا تؤسس بسرعة أيضا، لكننا عندما نقرأ الفقرة التالية في صفحة 64سنصل حتما إلى بعض ما يبتغيه فيذكر"بالنظر لما ذكرت فإن الانكليز لم يجدوا عند احتلالهم العراق – ولاسيما العاصمة- بين الشيعة المتعلمين من يصلح لإدارة الشؤون المحلية وتمشية شؤون الإدارة ومعاونة الحكام السياسيين " ويذكر في فقرة أخرى "بدأت المشكلة تظهر في الواقع بعدما تكونت الحكومة الأهلية برئاسة الملك فيصل تحت الانتداب الانكليزي فقد ظهرت الحاجة آنذاك ماسة بصورة جلية إلى إيجاد موظفين إداريين وقضاة ووزراء من الشيعة .وقد أدخل الانكليز في روع الشيعة إن اعتبارهم أقلية أمر يخالف الحقيقة فإن هذه الطائفة تؤلف أكثرية الشعب العراقي العربي – بعد استثناء الأكراد – ولذلك فإن من حق أبنائها أن يشاركوا مشاركة فعلية في جميع نواحي الإدارة" وهنا لم يذكر لنا زعيم الحركة الديمقراطية في العراق كيف أدخل الانكليز في روع الشيعة مما يجري عليهم وهل إن الشيعة لو لم ينبههم الإنكليز لم ينتبهوا لإبعادهم عن الإدارة في البلد، علما إنهم وإن ذكر عنهم بأنهم منعزلين ومنكمشين نتيجة السياسة العثمانية إلا أنهم أصحاب موقف سياسي متقدم ومتطور في ذلك الوقت من خلال قيادتهم لثورة العشرين والمطالبات التي قدموها عن شكل الحكم من خلال المذكرات التي رفعها قادة الثورة، فهل يا ترى إن من يقود ثورة وبطلبات عن شكل حكم برلماني وملك دستوري سنة 1920تعجز هذه الطائفة عن العثور على كفاءة سياسية وإدارية تشارك في الحكم، والسؤال الجوهري ما لذي كان يمثله عبد الرحمن النقيب من كفاءة إدارية وسياسية تقود البلد في ذلك الوقت سوى إنه نقيب أشراف بغداد ؟ وهذا السؤال تجيب عنه المس بيل صانعة عرش العراق في رسالة لذويها وهي في كتاب من جيرترود بيل لإليزابيث بيرغوين 1914- 1926أوراقها الشخصية وترجمة نمير عباس مظفر وفي صفحة 291إذ تذكر المس بيل "تعتبر مسألة الشيعة على الأرجح المشكلة الأكثر جسامة في هذا القطر " وفي صفحة 292تؤكد "إذا ما أردنا إقامة كيانات تعتبر بحق نظائر للمؤسسات التمثيلية، فإننا سنجد أن العناصر الشيعية تشكل أغلبية الأعضاء فيها .ولهذا السبب بالذات لا يمكن إقامة ثلاث مناطق تتمتع جميعها بالحكم الذاتي .ولا بد من الاحتفاظ بمنطقة وتعتبر الموصل السنية لتشكل جزءا من دولة وادي الرافدين لغرض تعديل التوازن هذه الحجة برأيي من بين الحجج الرئيسة باتجاه منح بلاد مابين النهرين حكومة مسؤولة .وباعتبارنا أشخاصا خارجيين، فإننا غير قادرين على التمييز بين أبناء الشيعة والسنة، ولا بد من ترك هذا الجانب لهم لأنهم سيتمكنون بالنتيجة من تجاوزه، تماما كما فعل الأتراك من قبلهم، بطرق ملتوية معينة تعتبر في الوقت الحاضر السبيل الوحيد للتخلص من المشكلة .ولا بد للسلطة أن تكون بيد أبناء السنة، على الرغم من كونهم أقل عددا، لتفادي قيام دولة يديرها المجتهدون تعتبر شرا ما بعده شر" إذاً كيف أدخل الانكليز في روع الشيعة بأنهم مبعدون وهذا الخطاب من المس بيل يؤكد بأمر لا لبس فيه بأنهم يجب أن يبعدوا .وبالعودة إلى أوراق الجادرجي وفي صفحة 64إذ يذكر إن الملك فيصل كان مقتنعا بفكرة مشاركة الشيعة الفعلية في الإدارة ويصفه بأنه أصبح من المتعصبين لها "ولكن المشكلة التي جابهت فيصلا هي انعدام العناصر الكفؤة التي يمكن أن تتولى المناصب الحكومية بالنظر لابتعاد الشيعة عن جهاز الدولة في العهد العثماني وبعدهم عن التعليم الحديث اللازم لإدارة جهاز الدولة"وهنا يجب أن نلاحظ إن المرحوم الجادرجي يكرر دائما التعليم الحديث والإدارة في العهد العثماني وكأن الدولة العثمانية قد ملأت العراق بالمدارس الحديثة والأكاديميات التي تخرج الكفاءات الإدارية الناجحة في حين إن الكل يعرف إن الدولة العثمانية لم تعر هذا الجانب الاهتمام الكبير كما إن الإدارة في في العراق في عهدها كانت إدارة لا ترقى إلى النظم الحديثة آنذاك .ويذكر في صفحة 65" وقد عمل فيصل تعويضا لذلك على فتح مدارس عالية مثل مدرسة الحقوق والسماح لأكبر عدد ممكن من الشيعة ممن لا تتوفر فيهم الكفاءة اللازمة لتلقي التعليم العالي في دخولها لكي تخرج على عجل أكبر عدد ممكن من أشباه المتعلمين لتلافي ذلك النقص .

وهذا التدبير مع إنه كان ضروريا في باديء الأمر .أثار طبقة الموظفين السنيين من بقايا العهد العثماني بدعوى إن الإنكليز والبلاط – بتأثير وزير البلاط الشيعي رستم حيدر- أخذوا يغمرون الدولة بموظفين غير أكفاء لأسباب طائفية صرفة .

وبالنسبة للوزارة فلم يكن هناك في بداية الحكم الأهلي من الوزراء الشيعة أكثر من واحد شبه أمي وأمي في نفس الوقت " فإذا كان الأمر كما يقول المرحوم الجادرجي فلم يصدر الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء عام 1935ميثاق الشعب ويطلب فيه ويدافع عن مصالح الشيعة .وأما عن المسؤولين الشيعة الذين اشتركوا في الحكم وعلى الرغم من قلتهم لكن ماذا يقول عن السيد هبة الدين الشهرستاني والشيخ محمد رضا الشبيبي فهل يضعهم مع الأميين أم مع المتخلفين كما يبرزهم ساطع الحصري في مذكراته .

ثم يستمر المرحوم الجادرجي في خطته لجعل مطالب الشيعة أو تحركهم بأنه كان بدفع انكليزي فيذكر في نفس الصفحة ما نصه "وقد أثار هذا النقص الفظيع في إملاء الكراسي الوزارية حفيظة فئة معينة من الطائفة جعلوا يبثون الدعاوى المعادية في الأوساط التي كان دأبها تصيد المناصب" وقبل أن نستمر لابد لنا أن نسأل ما هي الدعاوى المعادية ومعادية لمن؟ من خلال الكلام الذي نقلناه يتبين لنا إنه لا يقصد الانكليز الذين يصورهم بأنهم من يحرك الشيعة، إذاً هناك طرف مقصود غيرهم ويريد أن يوصل فكرة إنهم السنة والدليل من خلال قوله في نفس الصفحة "إن جميع هذه الظروف وغيرها بتشجيع الانكليز وقد كان يجري بمختلف الأشكال – ومن أمثلة ذلك تحريض الشيعة على جعل الطائفية مثله الأعلى – كل ذلك كون طبقة من شباب الشيعة ممن تقلدوا مناصب إدارية وقضائية صغيرة وممن كانوا يشعرون إن المستقبل مضمون لهم لتسلم المناصب السياسية المهمة والمراكز الإدارية والقضائية الرفيعة إذا ما تبعوا طريقا معينا في سلوكهم السياسي" وسنواصل في الحلقة القادمة من يقصد فيهم الجادرجي أنهم اتجهوا هذا الاتجاه الطائفي وبدفع انكليزي .

 

رائد عبد الحسين السوداني

 

الأديان الإبراهيمية: قضايا الراهن .. كتاب في سوسيولوجيا التدافع بين اليهودية والمسيحية والإسلام

ezzeddine  anayaحين كتبت هذا الكتاب أردته متابعة علمية لواقع التدافع المحمود والمذموم بين الأديان الثلاثة، بعيدا عن الخطاب الإيديولوجي المخاتل والمداهن. مقرّا أنه لم يتسنّ للأديان الإبراهيمية، حتى عصرنا الراهن، رسم خطّة مشتركة في التعايش والاحتضان بين بعضها البعض. تتواضع بمقتضاها على حضور أتباع الدين الآخر بين ظهرانيها، دون أن يلحقهم أذى أو ترهقهم ذلّة. وإن كانت حصلت معالجات منفردة لهذه المسألة، اختلفت تفاصيلها من دين إلى آخر، دون بلوغ أسس جامعة. فمن الأديان الثلاثة من يملك تشريعات في الشأن، غير أنها تقادمت، أو هُجرت، أو داهمتها التبدلات الاجتماعية الهائلة، دون أن يتعهدها أهلها بالتهذيب والتنقيح، على غرار مؤسسة أهل الذمة، أو مفهوم أهل الكتاب في الإسلام؛ ومن تلك الأديان من لا يزال في طور تخليق منظومة لاستيعاب الآخر، لم يحصل بشأنها إجماع داخل المواقع النافذة في المؤسسة الدينية، على غرار "لاهوت الأديان" في المسيحية.

ذلك أن مفهوم الأديان الإبراهيمية حمّال ذو وجوه، كلّ له دلالته وكلّ له تأويله؛ وما نشهده من إيلاف في الراهن داخل المجتمعات، يأتي بفعل الإطار التشريعي للدولة المدنية الحديثة لا بموجب تحريض تلك الأديان. رغم ما يلوح جليا من قواسم مشتركة، ومن تقارب عقائدي بين اليهودية والمسيحية والإسلام. وبالتالي يبقى التحدي يواجه الجميع، وهو كيف تعيش تلك الأديان شراكة الأوطان؟ وكيف تغدو حاضنة لبعضها البعض ولا تكون طاردة؟ إذْ ما برحت اليهودية والمسيحية والإسلام دون مفهوم "أهل الكتاب" الضامن للعيش المشترك، ودون مفهوم "الأديان الإبراهيمية" الجامع للتنوع المفترق، وينطبق عليها مفهوم "الأديان الثلاثة" المتجاورة والمتباعدة في الآن نفسه.

529-enayatفهذا المؤلَّف لا يرنو إلى صياغة مفاضَلة بين تلك الديانات، على غرار، أيها أرحب صدرا في احتضان الآخر؟ ولا ينظر إلى المسألة ضمن معادلة "نحن النعيم والآخرون هم الجحيم"، لأن الحدود بين الأنا والآخر باتت متحولة متداخلة. ذلك أن المفاضلة في عصرنا أمست منهجا متقادما فاقد الصلاحية، وأن كل عملية احتضان، مفاهيمي أو مؤسساتي، هي وليدة جدل اجتماعي مركب.

شئتُ أن تكون فصول هذا المؤلّف دانية من المعيش اليومي، ومُتابِعة للواقع الراهن بين أتباع الأديان الثلاثة، في هواجسهم وفي تعايشهم، في تآلفهم وفي تنافرهم، داخل الوطن الواحد وفي ظل الحضارة الواحدة؛ لذلك تشغل محاور هذا الكتاب أوضاع ذلك الآخر، الذي يمثله دين القلّة، وبالمثل تمثله الذات، حين تتبدل المواقع وتتغير الحواضن، فتغدو الذات -ضمن انزلاق دلالي- هي الآخر. يأتي هذا النص تأمّلا في أوضاع الأديان في الراهن، وإن أملت الضرورة العودة إلى الأصول، أو إلى سالف التجارب، لفهم مجريات الواقع المستنفر، فأحيانا تكون أُطر استيعاب الآخر المؤسساتية أو المفاهيمية مضلّلة، لا تفصح عما يتخلّلها من تناقضات، ولا يتسنى رصد مظاهر الدونية والحيف من خلالها، فتضيع مكابدات العيش المشترك في طياتها.

وليس غرض هذا النص أن يكون دعوة أخلاقية، يحض على فضائل تعايش الأديان والحوار بينها -وإن كان صاحبه يجل ذلك الدور-، ولكنه حديث عن الأديان حين تنزل معترك الاجتماع، وحين يتحكم بعضها بمصائر بعض. حيث ينأى المؤلَّف عن المطارحات الشائعة في حوارات المجاملة، التي طالما تتناول المنشود وتغفل عما هو موجود، ليقف على نقيض تلك المقاربة، واضعا القارئ أمام واقع التدافع الديني، بشكليه، المحمود والمذموم.

فالأديان الثلاثة تبدو مقبلة على مواسم تفوق قدراتها الهرمنوطيقية التقليدية، يفرضهما التعايش والتداخل بين المؤمنين، ما عادت المدونات الفقهية واللاهوتية الكلاسيكية كفيلة بحلها. كما أن هناك قضايا تواجه تلك الأديان تتخطى إمكانيات دين بعينه، وتتطلب تضافر الجهود، مثل إشكاليات البيئة والمناخ والفاقة والأمية، وغيرها من المشاكل العويصة. فالعالم اليوم يتغير من تحت أقدام الأديان الثلاثة -إن صح التعبير- بوتيرة متسارعة، غالبا ما توفّق التشريعات المدنية في التأقلم معها، وتتعثر الديانات الإبراهيمية عن مواكبتها، في وقت يُفترض فيه أن تكون الأقدر والأجدر لما بينها من رؤى أنطولوجية جامعة.

كان علماء الاجتماع الديني الأمريكان، أمثال رودناي ستارك ولورانس إياناكوني وروبار توليسون، من أوائل الذين نبهوا إلى أن الفضاء الديني الغربي، أو كما يطلقون عليه "السوق الدينية"، محكوم بالاحتكار من طرف متعهّد قوي يمسك بمقدرات الفضاء، يضيّق على غيره التواجد، ويحدد مقاييس الحضور وفق مراده. ومن المفارقات الكبرى في عصرنا، أن الدين المستضعَف المهاجر، بات يستجير بالعلمانية وبالدولة المدنية طلبا للمقام الآمن، ولا يجد ذلك المأمن وتلك النُّصرة عند رفيقه في رحلة الإيمان، وهو حال الإسلام الأوروبي. فهو ليس في استضافة الكاثوليكية "التقليدية" ولا البروتستانتية "التقدمية"، ولكن هو في كنف العلمانية. فقد وفقت المجتمعات الحديثة في ما خابت فيه الأديان الثلاثة، من حيث إتاحة فرص الحضور للآخر. في وقت يُفترض فيه أن يكون المؤمن "الإبراهيمي"، بين أهله وملّته، حين يكون في الحاضنة الحضارية لدين من الأديان الثلاثة، لكنه في الحقيقة لا يجد تلك السكينة، وغالبا ما يلقى حرجا، ويأخذ صورة الخصم والمنازع والمهدّد القادم من وراء البحار، ولذلك أمام دعاة الحوار اليهودي المسيحي الإسلامي، ثمة ضرورة ملحة لطرح سؤال: هل هناك فعلا أمة إبراهيمية أو تراث إبراهيمي جامع؟

 

الأديان الإبراهيمية: قضايا الراهن

المؤلف: عزالدين عناية

الناشر: دار توبقال المغرب 2014

 

نبذة عن المؤلّف

عزالدّين عناية أستاذ تونسي بجامعة روما-إيطاليا متخصص في علم الأديان. نشر مجموعة من الأعمال تناولت الدراسات العلمية للأديان، منها: "الاستهواد العربي في مقاربة التراث العبري"، منشورات الجمل، ألمانيا؛ "نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم"، توبقال، المغرب؛ "العقل الإسلامي"، دار الطليعة، بيروت. ومن ترجماته: "علم الأديان" للفرنسي ميشال مسلان، لبنان؛ "علم الاجتماع الديني" للإيطالي إنزو باتشي، الإمارات العربية؛ "السوق الدينية في الغرب" لمجموعة من الباحثين الأمريكان، سورية.

 

أستاذ تونسي بجامعة روما-إيطاليا

 

قراءة في كتاب (بويطيقا الثقافة) للدكتورة بشرى موسى صالح (2)

هذا هو اللقاء الثاني مع كتاب الدكتورة بشرى موسى صالح (بويطيقا الثقافة)، ويأتي أستكمالا الى اللقاء الأول، ألقينا نظرة عامة على الكتاب في لقائنا الأول، أذ أستعرضنا أفكار ورؤى (النقد الثقافي) من خلال رؤية الناقدة بشرى صالح كمختصة في النقد الحديث .

المتابع والممارس والمتفاعل مع الحدث الثقافي أو الظاهرة الثقافية أمام معادلة أطرافها (الكاتب، النص، المتلقي)، وقد أطلق الدكتور عبد الله الغذامي الناقد السعودي على هذه العناصر مصطلح (المرسل، والمرسل اليه، الرسالة) في كتابه (الليبرالية الجديدة)، والغذامي من الداعين والمبشرين بمنهج (النقد الثقافي)، وجاء أطلاقه منسجما مع هذا المنهج الذي يحمل نظرة شمولية لجميع فروع المعرفة ولا يقتصر على الأدب فحسب، وقد أعطت الناقدة الدكتورة بشرى مساحة واسعة من الأهتمام في كتابها (بويطيقا الثقافة) الى رؤى الغذامي في (النقد الثقافي) .

الناقدة الدكتورة بشرى تتعامل مع النص وفق رؤاها النقدية الحديثة، هذه الرؤى حسب تقديري تدور ضمن الرؤى العولمية الثقافية، فهي تقرأ بعين (النقد الثقافي) الذي هو ثمرة من ثمرات العولمة، وهنا يتبادر السؤال، هل لا زال العالم يعيش في أجواء العولمة أم أنتقل الى مرحلة ما بعد العولمة؟

وأن أنتقل العالم الى مرحلة ما بعد العولمة، هل سيبقى النقد الثقافي حيا نظرية وأجراءات، أم سيتغير ويتكيف مع التغيير وفق رؤى جديدة؟

وهل سيبدأ التغيير في رؤى (النقد الثقافي) أبتداء من موطنه الذي أنطلق منه (امريكا)، أم سيكون التغيير وفق زمكان كل ناقد او مهتم في (النقد الثقافي)؟

هذه الأسئلة تمنيت أن تجيب عنها الناقدة الدكتورة بشرى موسى صالح، لأنها مختصة في هذا المجال،أضافة الى أننا نعيش الآن في أجواء كتابها(بويطيقا الثقافة) في هذه الحلقة سنهتم بقراءة الناقدة لرؤية الدكتور عبد الله الغذامي النقدية على أعتبار أن الدكتور الغذامى من أنصار نظرية (النقد الثقافي) ومن الداعين لتعميمها على فروع المعرفة، وقد أطل الغذامى برؤى نقدية ذاتية حديثة من خلال تفاعله مع نظريات الثقافة و(النقد الثقافي) العالمية، وقد أشّرتْ الناقدة بشرى هذه الملاحظة في فصل خاص من كتابها أسمته (النقد الثقافي وتحولات الرؤية النقدية عند عبد الله الغذامي) تصف الدكتورة بشرى نشاط الغذامي النقدي أنه (لم يكن يقدم ترجمات حرفية في التنظير أو الأجراء للفكر الغربي النقدي، على نحو معطّل أو محايد أو كليهما معا فيما ينقل من مظاهر ذلك الفكر وأجراءاته، بل كان يحمل منظورا خاصا وذاتويا ملتبسا بما يحمله من موقف عن المنقول ...) ص 53 .

أتفق مع الدكتورة بشرى في توصيف الغذامي ومنهجه النقدي الثقافي، فهو يمتلك رؤية نقدية خاصة به، مع (مثاقفة) لنظريته النقدية مع نظرية الغرب في هذا الأتجاه، وهنا أشير الى ملاحظة أظن أن الناقدة لم تغفل عنها، أن الغذامي في مسيرته الفكرية والثقافية سار في طريق تصاعدي، فقد تكونت نظريته أضافة لما ذكرنا، من مجمل نظرته ومتابعته الى الوضع السياسي العام، والعامل الأقتصادي والديني في البلدان العربية والعالم، فهو قد مزج بين هذه الأحداث والرؤى جميعا مستخلصا نظريته في النقد الثقافي، بمعنى أنه أعطى لونا خاصا، أو نكهة معينة لنظريته النقدية، فقد مزج بين ما يجري في العالم، وما يجري في البلدان العربية، وأعتبرها ظواهر أجتماعية لأنساق فكرية وثقافية، حتى ألحدث السياسي الذي سمي (الربيع العربي) دخل في تنظيراته الثقافية وألأجرائية، وكونه سعوديا ينتمي الى النظام الثيوقراطي، أراه يغض الطرف عن النظام السعودي ويضعه خارج سياقات نظريته النسقية، ولا أعرف هل أن الغذامي مؤمن بنظام بلده حقيقة أم تهيباً وخوفاً ؟

   ذكرفي بعض مؤلفاته الأخيرة مثل كتاب (نقد ثقافي أم نقد أدبي)، أن أحداث (الربيع العربي) أفراز طبيعي للنسق الفحولي لأنظمة الحكم العربية، لكن الواقع أثبت أنها ظاهرة سياسية سلفية مفتعلة، طبخت في المطابخ الأمريكية الصهيونية بالتعاون مع وكلائهم من حكام المنطقة، والسؤال الطبيعي الذي يتبادر الى الذهن، هل يوجد نظام أكثر فحولية من النظام السعودي في الوطن العربي ؟

يرى الغذامي أن النظام السعودي مستثنى من النظرية النسقية الثقافية، كونه يمتلك مواصفات وامتيازات أختار المسلمون بسببها بقاء النظام، وجعلته خارج أطروحات التغيير في المنطقة، هذا يوحي بتأثير الأيدلوجية الفكرية الدينية ذات الصبغة السياسية على الغذامي نظرية وأجراءات، وهذه الصورة التي يريد الغذامي لصقها بالنظام السعودي تزعزع الثقة في أطروحته الفكرية والثقافية لأن روح التحيز ظاهرة عليها، نراه يصدر شهادة الوفاة لأي نظام عربي عدا النظام السعودي، أذ يعتبر وجوده ظاهرة طبيعية خارج أطار نظريته النقدية وأجراءاتها، الغذامي يمتد بصره لتثبيت أركان نظريته خارج الحدود السعودية، لأنه أستثنى النظام السعودي الوهابي من الأنساق التي يدعو اليها لمبررات هو يذكرها في موضعها.

أهم ما يلفت الأنتباه الى منهج الغذامي النقدي، أنه أصدر شهادة وفاة الأدب العربي كما أعلن بداية النهاية لعصر العولمة، وأستنتج ذلك من ظواهر أجتماعية وسياسية وأقتصادية عالمية، ذكر أن أفلاس بنك (ليماز براذرز) في (11 / 10 / 2008 م)، وأعلان الحرب على العراق من قبل بوش الاب، ظاهرتان تؤشران على بداية النهاية لعصر العولمة هذا المسار لحركة الغذامي تؤشر أن رؤاه ليست جامدة، بل هي متحركة وهذا ما أشارت أليه الدكتورة بشرى حينما تصف الغذامي بقولها (لم يكن يقدم ترجمات حرفية في التنظير أو الأجراء للفكر الغربي النقدي ..) .

تقول الدكتورة بشرى أن موقف الغذامي من التراث لم يكن ألغائيا أو أجترارا (بدأ يمارس نمطا مختلفا من القراءة النقدية المعرفية والثقافية يقوم على المراجعة، والتأويل، ومن ثم أعادة الأنتاج على وفق صيغ حوارية تفكك مفهوم الهيمنة) .

هذا التوصيف من قبل الناقدة يبدو لي واقعيا، الغذامي في موقفه من البلاغة مثلا، ينتقد بقوة أن نتعامل مع البلاغة بنفس الأسلوب الذي نتعامل به في مدارسنا، أذ يصف البلاغة في (كتابه الليبرالية الجديدة) (علم لم يعد يصلح لشيء)، لكنه يقر أنه لا يمكن ألغاءها بالتمام، (لكننا لا نجرؤ على ألغاء مقررات البلاغة، وقد تظن أن ألغاءها سيكون بمثابة الأنتحار المعرفي، أو التآمر ضد التراث، وضد ذائقة الأمة))، كتابه (الليبرالية الجديدة) .

وفي نفس كتابه السابق يذكر الغذامي (أن النقد الثقافي لن يكون ألغاء منهجيا للنقد الادبي، بل أنه سيعتمد أعتمادا جوهريا على المنجز المنهجي الأجرائي للنقد الأدبي) ص 20 .

ترى الناقدة الدكتورة بشرى كتاب الغذامي (النقد الثقافي) من أهم كتبه الصادرة (وتتجسد الأهمية النقدية الفائقة لهذا الكتاب من بين كتب الناقد في كونه قد فتح آفاقا رؤيوية وفكرية مهمة لم تمتلك هذا الشكل من البوح والمكاشفة النقديين في كتبه الأخرى التي يطغي فيها ما هو تقني وأجرائي على ما هو رؤيوي وفكري) ص 55

أتفق مع الدكتور الناقدة بشرى على أهمية كتاب (النقد الثقافي) للغذامي، لكن أرى أن الغذامي أصدر كتبا أخرى تعكس رؤيته وفكره، منها كتاب أعتبره مهما أيضا كونه دخل في حوار مع كاتب آخر لا يقر برؤية الغذامي النقدية، وقد صدر هذا الكتاب باسم الغذامي والدكتور عبد النبي أصطيف السوري الجنسية، وهذا الكتاب المشترك بينهما هو ( نقد ثقافي أم نقد أدبي)، أضافة لكتب أخرى أعقبت صدور كتابه (النقد الثقافي) الذي أشارت أليه الناقدة .

تقول الناقدة (أن الغذامي ينتسب الى ما يمكن أن نصفه (بالرؤية الأنقلابية النقدية) التي تعبر عن خروجات الناقد الصارخة في كتبه جميعا على المحطات المنهجية التي يباشر عمله النقدي من خلالها جاعلا أياها الخيار الأوحد بروح تبشيرية عالية ...) .

لا تطلق ألناقدة صفة (الأنقلابية) على منهج الغذامي النقدي من باب أطلاق الحكم السلبي على منهجه، بل هي تؤشر على دور الغذامي في (المثاقفة)، أرى (مثاقفة) الغذامي لم تكن بين منهجين، بل بين منهج غربي ونص عربي مع أهمال لمنهج النقد الأدبي، وفي تقديري هذا ما تعنيه الناقدة (بالأنقلابية) عند الغذامي، هذه الأنقلابية تبناها بعض النقاد العرب، لكن الغذامى تميز بحماس أكبر وقد بان ذلك على حد تعبير الناقدة في (كتبه جميعا) .

هذه رؤية الناقدة عن منهج الغذامي النقدي، في رأيي أنها رؤية صائبة وواقعية، ونزعة الأنقلابية هي من دفعت الغذامي الى أعلان موت النقد الأدبي، وقد صرّح بذلك في كتابه (نقد ثقافي أم نقد أدبي) الذي ألفه بشكل مشترك مع الدكتور عبد النبي أصطيف ((قلت بموت النقد الأدبي، وأحلال النقد الثقافي محله، ولاشك عندي أن المرحلة تتطلب ذلك) ص 66 .

تسلط الدكتورة الناقدة الضوء على منهج الغذامي في (النقد الثقافي)، وهو ينتقد (النسقية الفحولية) حسب أصلاحه، وهي متجذرة في الأدب العربي تأريخيا حسب رأيه، ينسف الغذامي هذه النسقية، ويؤكد حسب ميكانيزم النقد الثقافي على   (النسقية المضمرة) التي هي تتناقض مع النسقية التأريخية (الفحولة)، وذكر أن الثقافة العربية عموما والنقد الأدبي خاصة أسير هذه الفحولة، ومن خلال النسق المضمر الذي سماه (العنصر السابع) على أعتبار أن الأدبي يمتلك ست صفات أصلا، أضاف هو العنصر السابع الذي يقود الى (الدلالة النسقية) وهذه الدلالة عند الغذامي (لب القضية). كتابه (الليبرالية الجديدة) ص27 .

يسفه الغذامي (نسق الفحولة) الذي أعتبره هو المسيطر تأريخيا على النص، بل ذهب أبعد من ذلك عندما وقف من الحداثة وبعض أشخاصها موقف سلبيا، خاصة من (نازك الملائكة)، و(أدونيس)، ووصف حداثة نازك وأدونيس بالرجعية، لأن نازك مثلت الأنثوية المستسلمة للفحولة، وأدونيس عكس نسق الفحولة في أنتاجة وكذا كتاب وأدباء الحداثة الآخرين، ويستثني بدر شاكر السياب ولا يعده خاضعا للرجعية الحداثية، هم رجعيون لأنهم أستسلموا لنسق الفحولة المتجذر تأريخيا منذ قيام الدولة الأموية الى يومنا هذا، وهو أستمرار لنسق الفحولة في الجاهلية قبل الأسلام، ويستثني الغذامي فترة الرسالة الأسلامية، وفترة حكم الخلفاء الراشدين، من الخضوع لنسق الفحولة التأريخي .

بذلت الدكتورة الناقدة جهودا متميزة لعرض منهج الغذامي في النقد الثقافي، ورأيها أن الغذامى قد بالغ في طرح منهجه بالصورة التي ينسف فيها النقد الادبي العربي، لدرجة أن الغذامى تمسك بالمنهج وضحى بالنص (ولا شك في أن هذا المنزع مبالغا فيه، ولاسيما في رؤيته الأختزالية للنقدية العربية قديما وحديثا حتى يمكن القول أن قراءته تلك ترسم خطا غير راجع أو غير جدلي يسير من الرؤى المنهجية الغربية الى النص العربي، وليس العكس فيبالغ الناقد في شد طرف المنهج أليها ليصبح ألتصاقه بالنص المنقود ذاته ...) ص 57 .

أرى أن عرض الناقدة الدكتورة بشرى الجبوري رؤية الغذامي المنهجية كمتبني لمنهج (النقد الثقافي) صحيحة، ورأيها عن موقفه من النقد الأدبي الذي أعلن وفاته مع أعلانه عن سيادية منهج (النقد الثقافي) ايضا سليمة، الغذامي ضحى بالنص العربي رغم أيجابياته الكثيرة وأهمها الجمالية البلاغية، ودفع به قسرا الى ساحة المنهج الذي يبشر به، وفي هذا الموقف لا أتفق مع الدكتورة بشرى لأنها وقعت في تناقض، فهي تصف منهج الغذامي مرة (بالمثاقفة)، وأخرى أن الغذامي يدفع بالنص الى ساحة منهج (النقد الثقافي) قسرا (يسير من الرؤى المنهجية الغربية الى النص العربي، وليس العكس)، اصطلاح (المثقافة) يوحي بالتوازن، في أن موقفه من النص العربي يوحي بانحيازه لصالح المنهج على حساب النص العربي .

الغذامى أعلن موت النقد الأدبي من طرف واحد، فلم يقر بهذا الموت نقاد كثيرون ومنه الناقدة بشرى الجبوري حسب قراءتي لرأيها، أطلقت الناقدة مصطلح (الأنقلابية) على منهج الغذامي، وهو أطلاق سليم، لكن لم يوافقه على هذا الأنقلاب الكثير من النقاد، فهو وحده من صفق لأنقلابه، خاصة في رأيه الذي أضاف فيه ما أطلق عليه (العنصر السابع) أو (النسق) .

يرى الناقد الدكتور عبد النبي أصطيف الذي شارك الغذامي في تأليف كتاب (نقد ثقافي أم نقد أدبي)، أن الغذامي قام بأقحام مصطلح (النسق) على أدوات الأتصال التي جاء بها الناقد العالمي (رومان جاكسبون)، وقام بأغفال تعريف (النسق) (ولاسيما أنه ينسب أليه الكثير من المصطلحات والمفاهيم الأخرى) ص 189 يضيف الدكتور عبد النبي في كتاب (نقد ثقافي أم نقد أدبي) (أن المشكلة أن الغذامي يمضي أشواطا بعيدة في تحليلاته المحلقة دوما، دون أن يتمهل للحظات ويسأل نفسه: هل أجبت عن سؤال القارئ ؟ بل عن سؤالي الذي قدمته ما النسق ؟ وهل قدمت له تعريفا جامعا مانعا، بل تعريفا أوليا لهذا المفهوم المركزي في دعوتي؟) أذا كان الغذامي قد فشل في تقديم هذا التعريف أذن (كيف له أن يطمئن الى كل ما ينسب اليه من صفات ومواصفات؟) .

يستنتج الدكتور عبد النبي أن مقترح الغذامي (مقترح متعجل لمفهوم لم يتضح تمام الاتضاح لصاحبه نفسه، وبالتالي من الصعوبة بمكان توضيحه للآخرين، وأقناعهم بجدواه) كتاب (نقد ثقافي أم نقد أدبي) ص 198 .

أرى أن تعامل الدكتورة الناقدة بشرى الجبوري مع منهج الغذامي النقدي هو الأكثر مقبولية وأنصافا، والأكثر واقعية، من تعامل الدكتور عبد النبي أصطيف، أذ الدكتور عبد النبي يدعو لنسف منهج الغذامي النقدي بكل أيجابياته، في حين الدكتورة بشرى تعاملت بالخط الوسطي الذي يتقبل منهج الغذامي النقدي، مع الدعوة لعدم التضحية بأيجابيات النص الأدبي، وتقبل دعوة الغذامي لجعل النسق محورا مركزيا في المنهج من غير مصادرة النص وأيجابياته، ولا بد من (المثاقفة) بين المنهج الغربي النقدي، وبين النص الأدبي العربي بخط متوازن من دون مصادرة هذا لحساب ذاك أو بالعكس، نوجه شكرنا وتقديرنا للدكتورة بشرى موسى صالح على ما قدمت من معلومات أستفادنا منها كثيرا، واتمنى أن نظفر بكتبها الأخرى لأنها قيّمة حسب تقديري في ميدان النقد الحديث، أدعو لها بالتوفيق .

 

خرافة كثرة زوجات الإمام الكاظم ...

salam kadomfarajعن دار المرتضى للطباعة والنشر صدر للباحث الاسلامي صالح الطائي كتاب مهم عن حقيقة زيجات الرسول والصحابة والتابعين والائمة (خرافة كثرة زوجات الامام الكاظم). جرى التركيز فيه على الخرافات والدسائس والمبالغات في حقيقة تلكم الزيجات من حيث عددها ونوعها ومبرراتها. تلك الدسائس التي دخلت التأريخ كحقائق مسلم بها في حين انها وضعت في الاصل لاسباب سياسية بحتة هدفها النيل من الأئمة بواسطة كتاب ومؤرخين مأجورين من قبل بعض الخلفاء وما تلاهم من ولاة اتخذوا من النيل من الائمة بكافة السبل وسيلتهم لتعزيز سلطاتهم القمعية والتغطية على حقيقة الجوهر النضالي للفكر المحمدي العلوي المتصدي للظلم الاجتماعي والطبقي آنذاك متمثلا بأبرز ممثليه بعد الامام الصادق أعني الامام موسى بن جعفر.

   يتناول الفصل الاول من الكتاب رأي الاسلام في الجنس وحقوق المرأة الجنسية باعتبار ان الغريزة الجنسية جوهر الخلق الانساني ووحدة الوجود ومبعث السكينة والاطمئنان والصحة النفسية.. وكيف ان النبي كان يوصي المؤمنين بالنساء خيرا وإيلاء حقوقهن ومنها الحقوق الجنسية الاهتمام والحرص الكبيرين وتوخي العدالة في توفير تلكم الحقوق/ لكنه يتناول ايضا طبيعة الحقب التاريخية التي مر بها التاريخ الاسلامي والضرورات الملجئة لإباحة تعدد الزوجات احيانا .. والظروف القاهرة التي جعلت من تعدد الزوجات ظاهرة بارزة على مر العصور الاسلامية، تلك هي ارتباك النسبة العددية بين عدد الرجال وعدد النساء بشكل ظاهر وكبير بسبب تحديات الحروب وكثرة القتلى من الرجال مما ترك جيوشا من الارامل والايتام . لابد ان يضع المسلمون الاوائل لها الحلول. ويقارن الباحث بين نتائج الحربين العالميتين الاولى والثانية وما تركت من آثار مدمرة على النساء والاخلاق ومعضلة حل تلك الاشكالات ،. وبين ما تركته حروب المسلمين الاولى التي لم تجد غير احتواء تلك الاشكالية بالزواج الشرعي من أرامل رفاق دربهم بما يصون كرامتهن وكرامة اولادهن وبناتهن. وقد ضرب الرسول مثلا بذلك فتزوج على سبيل المثال ام سلمة تقديرا واحتراما لموقفها وموقف زوجها الباسل في معركة أحد..

ونجد هناك شرحا مفصلا لمعنى أن تهب المرأة نفسها للرسول او لغير الرسول .. يختلف عما تروجه بعض الكتابات المغرضة إذ يرى الباحث الاستاذ الطائي أن في ذلك دليلا على حرية المرأة في اختيار الشريك. وجرأة لا تقل عن الجرأة التي تحملها المرأة المعاصرة .. لن يستطيع فهمها التقليديون. ولا المتربصون بالاسلام شرا.. ان تهب المرأة نفسها يعني انها تمتلك زمام امرها وحريتها في طلب الشريك .. وفق الشريعة..

من الصعب الاحاطة بكل مظان الكتاب الممتع والذي وجدنا فيه مالم نجده في الكثير من كتب التراث من تحليل علمي رصين .. وتوخي تناول اكثر الروايات دقة مع اعتماد على التحليل المنطقي للأشياء والاحداث وتناولها وفق سياقها المعروف وما كانت عليه المجتمعات من قيم موروثة تلاقحت مع مباديء الاسلام .. ومحاولة عزل الخرافة عن الحقيقة التاريخية البحتة .. والتدقيق في الاساطير .. والتحذير من الاسرائليات الدخيلة على أحاديث التابعين والاعيب السياسة .. ومؤامرات الخصوم. على سبيل المثال الحديث الذي يتحدث عن ان النبي سليمان قد طاف في ليلة واحدة على مائة زوجة وجارية. او انه امتلك من الزوجات وما ملكت ايمانه ما تجاوز السبعمائة مما لا يعقله عاقل او يتقبله منطق. وكذا الامر جرى ويجري ولاسباب سياسية في تلفيق الروايات المكذوبة على ائمة اهل البيت وقد نال الامام الكاظم الجزء الاعظم من تلكم التلفيقات بحيث ادعى من ادعى انه قد تزوج اكثر من خمسين ما بين سيدة حرة وجارية .. ويخصص الباحث الطائي اكثر من فصل لتفنيد هذه الفرية بالشواهد والارقام والاحصائيات لنتعرف الى ان الامام عليه السلام قد توفي مسموما وهو في السجن عن عمر لم يتعد السادسة والخمسين سنة .. وقد استغرق عمره زمنا شهد خلافا قويا وصراعا دمويا على السلطة بين العباسيين وبني عمومتهم العلويين جرى تصفية المئات من نسل علي اشهرهم محمد النفس الزكية وشقيقه ابراهيم. وقد جرت تصفية الامام الصادق وموته مسموما لكي يتحمل بعده الامام الكاظم مسؤولية قيادة الكتلة التاريخية المعارضة الكبيرة لعموم (العلويين والطالبيين وأنصارهم من المسلمين) في ذلك الزمان وما تتطلبه من قلق وتوجس وتقية وتصدي وتنظيرات وخطط؟ إضافة الى ما تنقله الاخبار عن مصارع أتباع هذه الكتلة الكبيرة في الامصار. او سجنهم او تشريدهم . ناهيك عن التصدي للإنشقاقات الفكرية والحزبية في ذات الحركة العلوية المناوئة للسلطة العباسية المتعسفة واختلاف الرؤى في سبل التصدي لتلك الحكومات مما يتطلب إشتغالا فكريا مضنيا من قبل زعيم المعارضة آنذاك الا وهو الامام الكاظم نفسه ..

. كذلك ما تعنيه الحقوق الشرعية من حفظ اموال الحركة ونجدة الملهوف والمعوز من الانصار. كل ذلك لا يتم الا بإشراف الامام.. وإذا عرفنا ان الامام قد قضى سبع سنين مابين سجون الخليفة العباسي المهدي وسجون ولده الهادي ثم سجون ولده الثاني الرشيد.. والارتحال المضني في الامصار نعرف ان حكاية زواجه من خمسين إمرأة او حتى أربع نساء محض خرافة ابتدعها الخصوم والملفقون الخصوم وصدقها بعض العوام بغضا او جهلا. وتلقفتها الاقلام المريبة.. ويحضرني في هذا المقام رأي وجيه كتبه أحد الافاضل عن التزييف التأريخي لحقيقة أعمار بعض زوجات النبي او الصحابة والتي ثبتت كحقائق مسلم بها في حين انها من تلفيقات الخصوم .. وإذا علمنا إن كتابة الأحاديث النبوية والسير النبوية قد جرى بعد قرنين من وفاة الرسول وكل مجايليه من الصحابة .. نكون على قدر عال من الشك بحقيقة تلك السير والكثير من الاحاديث الموضوعة سواء على لسان الصحابي ابي هريرة او غيره من الصحابة.

وإذا علمنا ان ابا هريرة قد توفي عام 58 هجرية بينما كانت وفاة الإمام البخاري جامع الاحاديث الأكثر شهرة وقبولا في عام 256 .. نعرف إن مائتي سنة تفصل بين الرجلين..في زمن كان التدوين فيه من أشق المهام ناهيك عن تدخل الولاة والسلاطين في تحريف المعلومة تبعا للأهواء. رغم اننا ننزه البخاري مما نقول.. لكننا لا نستبعد حصول مثل تلك الشبهات حول عمر زوجات الصحابة او الرسول او الائمة. وقد بحث الاستاذ الطائي بشيءمن التفصيل . محاولات التضليل التي اتبعها البعض من الخلفاء الامويين والعباسيين للإساءة الى الرسول والإئمة من خلال تبرير ماهم عليه من حب الشهوات واقتناء الجواري. وفق مقولة (رمتني بدائها وانسلت)..

ما أريد أن أقوله في هذا المقام وبعد توجيه الشكر والتقدير للباحث الجليل صالح الطائي على هذا الجهد الكبير. ما دامت ان اكثر الروايات قد تكون مدسوسة ومبالغ فيها وكتب اغلبها في فترات تعج بالفتن والاضطرابات والمساومات الرخيصة بين الولاة راكبي موجات الطائفية..أوقد تكون لبعض تلك الممارسات تبريراتها التاريخية كحفظ كرامة الارملة في المجتمع الاسلامي كما فعل الخليفة ابو بكر الصديق في زواجه من اسماء بنت عميس ارملة جعفر الطيار. وحين توفي ابو بكر تزوجها علي بن ابي طالب وتربى كل من اولاد الطيار وابي بكر من اسماء (محمد بن ابي بكر) في كنف الامام... اقول مادامت كل تلك الرؤى وليدة مرحلة صعبة وقاسية فما بالنا نلح عليها ونحاول ان نعيد تثبيتها بطريقة النسخ التام دون تمحيص ونقننها في قوانين مرحلة مختلفة تماما.. (مرحلة التصويت على القوانين بروح معاصرة تعتمد الاغلبية النسبية أو المطلقة)

في وقت لا تتوفر هذه الاغلبية حتى في إقرار موازنة البلاد السنوية التي تعتبر من ركائز بناء البلد وحفظ بناه التحتية؟ أو التصويت على قانون بسيط غير معقد مثل قانون النفط والغاز؟

ان النقل الحرفي لمعطيات العصور الاسلامية الاولى وتوظيفها وفق معطيات هذا العصر يضر بالدين اكثر مما ينفعه. هذا ما فهمته من كتاب الاستاذ الطائي . وليعذرني فقد فاتني أن أنوه بالكثير من الفرضيات والتنويهات المهمة التي تضمنها الكتاب.. مما لا تتحمله مقالة ولا مقالتان. فالكتاب فخم وغني ويحمل من روح المعاصرة الكثير..

كتاب للدكتور ابراهيم جنداري: الفضاء الروائي في أدب جبرا ابراهيم جبرا

husan sarmakعن دار تموز بدمشق، صدر كتاب جديد للدكتور "ابراهيم جنداري" عنوانه: "الفضاء الروائي في أدب جبرا ابراهيم جبرا" (358 صفحة)، وقد أجاب الباحث في "مقدّمة" الكتاب عن سؤالين أساسيين: الأول يتعلّق بأهمية دراسة الفضاء الروائي في النقد العربي حيث أشار إلى أن الدراسات العربية التي حاولت أن تدرس موضوعة الفضاء، قد وقعت في اختزالية المصطلح عندما جعلت الفضاء مساوياً للمكان، في حين أن المكان جزء من الفضاء . لذا جاءت الدراسات القليلة عن ثيمة الفضاء قاصرة لم تحاول أن تستنتج مفهوما للفضاء بتصوّر عربي ينبع من الخطاب الأدبي العربي . ينطبق هذا على محاولات سيزا قاسم وياسين النصير وشجاع العاني . فالدراسات السابقة – كما يرى جنداري – لم تبحث الكيفية التي يصير بها المكان داخل الخطاب الروائي فضاء لاستيعاب أحداث الرواية . إن تحديد مفهوم الفضاء ينبغي أن يظل ملتصقاً بالقراءة . أي أن تكون نقطة الإنطلاق من النموذج لا من النظرية، لكي تتم لنا عملية وعي خصوصيات التصوّر العربي للمفاهيم (ص 13 و15).

.........................ز

أمّا السؤال الثاني فيرتبط بسبب اختياره أعمال الروائي جبرا ابراهيم جبرا كمادة تطبيقية لبحثه هذا، حيث يرى الباحث أن اختياره روايات جبرا يعود إلى اهتمامه – أي الباحث - بالشكل الروائي الذي أثبت قدرته على المواكبة الملازمة للتحولات المعرفية والإجتماعية . فقد حققت نصوص جبرا الروائية طفرة مهمة على مستوى نمط الكتابة الروائية المتعارف عليها، إذ تخلصت رواياته من النظام السردي المعتاد، لتفتح الباب على مصراعيه للرواية العربية، لترتاد قنوات سردية متعددة من خلال البناء المتميز لهذه الروايات .

بعد المقدمة جاء التمهيد الذي حدّد فيه الباحث معنى المصطلح وهو (الحيّز الماكني الذي تتمظهر فيه الشخصيات والأشياء متلبسة بالأحداث تبعا لعوامل عدّة تتصل بالرؤية الفلسفية وبنوعية الجنس الأدبي وبحساسية الكاتب) . ويشكّل المكان والزمان العاملين الأساسيين فيه (ص 20) .

يلي ذلك فصلان تناول الباحث في الأول منهما مكوّن "الزمان" من الفضاء الروائي في خمسة مباحث: مفهوم الزمن وأبعاده (الزمن الطبيعي (الأفقي) والنفسي (العمودي)، البناء الزمني للأحداث (البناء المتتابع والمتوازي والدائري)، اتجاهات الزمن (النسق النازل والصاعد والمتقطع)، اشكال حركة السرد الزمني (تقنية السرد الزمني من استباق أو استرجاع)، وأخيرا الرؤية السردية (وجهة النظر) .

أما الفصل الثاني فقد تناول موضوعة "المكان" في أربعة مباحث: طبيعة المكان وأهميته في البناء الروائي (الوصف طبيعته ووظيفته)، وصف الأمكنة (الفضاء المديني العام / المفتوح، والفضاء المديني الخاص / المغلق، ثم وصف الأشخاص والأشياء)، أنواع المكان (الأليف/ المعادي، الواقعي/ المُتخيل، التاريخي/ الآني، المسرحي / الكوني)، ثم الرؤية للتعرف على المكان (الرؤية التجزيئية والمشهدية والشمولية) .

أخيراً حدّد الباحث استنتاجاته النهائية في الخاتمة، موضحاً أن روايات جبرا تلقي بنا في تيار متدفق من التجربة تتآلف معه نفوسنا تدريجيا وسط سيرورة من الإستدلال والتداعي، ونهايات هذه الروايات غالبا ما تكون مفتوحة لتترك القاريء في حالة ارتياب وتأويل للمصير النهائي للشخصيات .. وأن الفضاء الروائي المديني في نصوص جبرا ساحة للصراع الدائم بين الرؤى والأصوات المتناقضة، وبداية ولع متنام بالمتاهة وبسيطرة المكان على الإنسان، بعد أن كان هناك نوع من الوحدة المكانية ومن سيطرة الإنسان على الجغرافيا (ص 336 و337) .

ومن الضروري الإشارة إلى أن الدكتزر ابراهيم جنداري كان قد أصدر كتاباُ آخر عن الفضاء الروائي عنوانه (الفضاء الروائي: مفاهيم وإشكاليات)، صدر عن دار تموز أيضا، ويمكن اعتباره تمهيداً لهذا الكتاب، وسوف تكون لنا وقفة عنده قريباً .

 

عامر الفرحان إصداران وفوز في مسابقة النور السادسة2014

528-amirليس جديدا على محافظة صلاح الدين أن تنتج مبدعون ومبدعات في غضون سنوات قصيرة فهي التي ولدت من رحمها الأستاذ الدكتور القاص فرج ياسين والأستاذ الشاعر رشدي العطية والقاص جمال نوري والدكتور القاص أسامة محمد صادق والقاصة والروائية رشا فاضل والقاصة لمياء الالوسي والشاعر احمد الشادي والخطاط رافع الدوري وغيرهم كثر ..

عامر الفرحان واحد من أبناء هذه المحافظة المعطاء صحفي وكاتب وقاص وباحث له مؤلف في الإعلام صدر عن دار الحامد للنشر والتوزيع في عمان /2013 بعنوان (الإعلام ودوره في معالجة ظاهرة الإرهاب والموقف من المقاومة)

ليس جديدا على محافظة صلاح الدين أن تنتج مبدعون ومبدعات في غضون سنوات قصيرة فهي التي ولدت من رحمها الأستاذ الدكتور القاص فرج ياسين والأستاذ الشاعر رشدي العطية والقاص جمال نوري والدكتور القاص أسامة محمد صادق والقاصة والروائية رشا فاضل والقاصة لمياء الالوسي والشاعر احمد الشادي والخطاط رافع الدوري وغيرهم كثر...

عامر الفرحان واحد من أبناء هذه المحافظة المعطاء صحفي وكاتب وقاص وباحث له مؤلف في الإعلام صدر عن دار الحامد للنشر والتوزيع في عمان /2013 بعنوان (الإعلام ودوره في معالجة ظاهرة الإرهاب والموقف من المقاومة)

وفاز بجائزة مؤسسة النور للثقافة والإعلام / السويد 2012 –الدراسات والبحوث دورة الدكتورة آمال كاشف الغطاء..

اليوم مرة أخرى يفوز بجائزة النور ذاتها وبالمركز الثالث عن بحثه الموسوم (واقع الإعلام في محافظة صلاح الدين دراسة مقارنة عن برامج النزاهة والفضيلة لفضائية صلاح الدين وإذاعة بيجي أف أم وجريدة الأيام السبعة) / دورة الشاعر يحيى السماوي 2014

كما صدر له بالوقت ذاته عن دار الحامد للنشر والتوزيع/ عمان كتابه الموسوم (الإرهاب والعنف في الإعلام المرئي بين المعالجة والتسويق )والذي فاز بالمركز الثاني في مؤسسة النور عام 2012

528-amirليس جديدا على محافظة صلاح الدين أن تنتج مبدعون ومبدعات في غضون سنوات قصيرة فهي التي ولدت من رحمها الأستاذ الدكتور القاص فرج ياسين والأستاذ الشاعر رشدي العطية والقاص جمال نوري والدكتور القاص أسامة محمد صادق والقاصة والروائية رشا فاضل والقاصة لمياء الالوسي والشاعر احمد الشادي والخطاط رافع الدوري وغيرهم كثر...

عامر الفرحان واحد من أبناء هذه المحافظة المعطاء صحفي وكاتب وقاص وباحث له مؤلف في الإعلام صدر عن دار الحامد للنشر والتوزيع في عمان /2013 بعنوان (الإعلام ودوره في معالجة ظاهرة الإرهاب والموقف من المقاومة)

وفاز بجائزة مؤسسة النور للثقافة والإعلام / السويد 2012 –الدراسات والبحوث دورة الدكتورة آمال كاشف الغطاء..

اليوم مرة أخرى يفوز بجائزة النور ذاتها وبالمركز الثالث عن بحثه الموسوم (واقع الإعلام في محافظة صلاح الدين دراسة مقارنة عن برامج النزاهة والفضيلة لفضائية صلاح الدين وإذاعة بيجي أف أم وجريدة الأيام السبعة) / دورة الشاعر يحيى السماوي 2014

كما صدر له بالوقت ذاته عن دار الحامد للنشر والتوزيع/ عمان كتابه الموسوم (الإرهاب والعنف في الإعلام المرئي بين المعالجة والتسويق )والذي فاز بالمركز الثاني في مؤسسة النور عام 2012

 

وصدر له مجموعته القصصية بعنوان (انتظار) عن دار الإبداع للطباعة والنشر والتوزيع في صلاح الدين وهي تتألف من (20) قصة قصيرة اختلفت مواضيعها بين الإنسانية والثقافية والتراثية وأخرى تحكي معاناة العراق هذا اليوم في ظل ظروف مر بها ومازال من جراء الاحتلال وتداعياته..

هكذا نتمنى الإبداع للجميع ونزف أبهى التريكات للفرحان آملين المزيد لاغناء المكتبة الثقافية بمؤلفات كتاب جدد لهم طموحات مشروعة ...

وصدر له مجموعته القصصية بعنوان (انتظار) عن دار الإبداع للطباعة والنشر والتوزيع في صلاح الدين وهي تتألف من (20) قصة قصيرة اختلفت مواضيعها بين الإنسانية والثقافية والتراثية وأخرى تحكي معاناة العراق هذا اليوم في ظل ظروف مر بها ومازال من جراء الاحتلال وتداعياته..

هكذا نتمنى الإبداع للجميع ونزف أبهى التريكات للفرحان آملين المزيد لاغناء المكتبة الثقافية بمؤلفات كتاب جدد لهم طموحات مشروعة ...

وفاز بجائزة مؤسسة النور للثقافة والإعلام / السويد 2012 –الدراسات والبحوث دورة الدكتورة آمال كاشف الغطاء..

اليوم مرة أخرى يفوز بجائزة النور ذاتها وبالمركز الثالث عن بحثه الموسوم (واقع الإعلام في محافظة صلاح الدين دراسة مقارنة عن برامج النزاهة والفضيلة لفضائية صلاح الدين وإذاعة بيجي أف أم وجريدة الأيام السبعة) / دورة الشاعر يحيى السماوي 2014

كما صدر له بالوقت ذاته عن دار الحامد للنشر والتوزيع/ عمان كتابه الموسوم (الإرهاب والعنف في الإعلام المرئي بين المعالجة والتسويق) والذي فاز بالمركز الثاني في مؤسسة النور عام 2012

وصدر له مجموعته القصصية بعنوان (انتظار) عن دار الإبداع للطباعة والنشر والتوزيع في صلاح الدين وهي تتألف من (20) قصة قصيرة اختلفت مواضيعها بين الإنسانية والثقافية والتراثية وأخرى تحكي معاناة العراق هذا اليوم في ظل ظروف مر بها ومازال من جراء الاحتلال وتداعياته..

هكذا نتمنى الإبداع للجميع ونزف أبهى التريكات للفرحان آملين المزيد لاغناء المكتبة الثقافية بمؤلفات كتاب جدد لهم طموحات مشروعة ...

فلسفة سورن كيركگورد بمناسبة الذكرى المئتين لولادته .. العدد الجديد من مجلة قضايا إسلامية معاصرة

527-qadayaدعا المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي للخلاص من نسيان الذات، مفيداً في دراسته التي افتتح بها العدد الجديد (55- 56) من مجلة قضايا إسلامية معاصرة، أن تقاليد التربية والتثقيف الخاصة للجماعة تجري فيها عملية "تنميط" للأعضاء، ومن ثمَّ يتمحور هذا التنميط حول صهر الذات في المجموع، ومحو ما يشي بخصوصيتها، وهويتها المميزة، فكل شيء لا بد أن يتشابه، ويتكرر، ويُلزم به الجميع؛ من الطقوس، النصوص المقروءة، أسماء الكتاب والمؤلفين، التدريب، الأنشطة والفعاليات الدورية، البرنامج اليومي، السلوك الشخصي، العادات، الهوايات، الاهتمامات، الأزياء، الطعام والشراب، بل كل ما في حياة عضو الجماعة، وكل ما هو من حوله، ينبغي أن يتضافر على التطابق بين هذا الإنسان ومجموع الأعضاء، حتى يمسي الأفراد مخلوقات متماثلة مبتذلة، من دون أن نعثر على سمات وخصائص فارقة، تحيل إلى طبيعتهم البشرية المختلفة، وهوياتهم الشخصية الخاصة.

 

الحرية وصيرورات الذات البشرية

الرفاعي انطلق في فكرته هذه من قبيل أن الحياة الإنسانية لا تتحقق إلا عندما تتحقق وتوجد الذات الشخصية، وهذه الذات لا تتحقق من دون الفعل، فالوجود الإنساني لا يصل إلى الامتلاء إلا بالفعل وحده. مؤكداً أن وجود وصيرورات الذات البشرية تكمن في الحرية، حيث لا حرية تنطفئ الذات. والحرية ليست أمراً ناجزاً قبل أن نشرع باستعمالها، وجود الحرية يعني ممارستها. والحرية لا تتحقق بعيداً عن مسؤولية الفرد تجاه ذاته. لحظة تنتفي الحرية تنتفي الذات، ولا تغتني الذات وتتسع وتتكامل إلا بالحرية.

من جانب آخر أشار الرفاعي إلى قراءة الجماعات الإسلامية للعلوم الإنسانية المختلفة، مثل الفلسفة والتصوف والعرفان في الإسلام، موضحاً أن أدبيات هذه الجماعات تحرص على مناهضة ورفض الثروة الفلسفية، وتتهم التصوف والعرفان بالهرطقة والخروج عن الدين، وتحذر أتباعها من الاطلاع عليها والنظر فيها، وهو موقف تتضامن وتلتقي فيه تلك الجماعات بأسرها، لا تشذ عنه أية جماعة. لكنه من جانب آخر يرى أن الإيمان جوهرة روحية متسامية ليست حسية، الإيمان جوهرة روحية كيفية لا تخضع لقياسات كمية مادية، إنه جوهرة روحية فردية لا جماعية، تتحقق عبر استبطان الذات، والشروع في رحلة كدح ذاتي للعروج نحو الحق. ويضرب الرفاعي رأي الفيلسوف الدنماركي سورن كيركگورد عن الإيمان مثالاً "ليس في مجمله علفاً يقدم للسذج من الناس، لأنه لا يمكن أن يكون فكراً حرَّاً". من خلال هذا الرأي انطلق الرفاعي في بناء عدد خاص من المجلة عن فلسفة كيركگورد، في محور مهم هو: (الإيمان الوجودي وديانة الضمير الفردي)، بمناسبة مرور مئتي عام على ولادته.

 

كيركگورد.. معنى أن تكون إنساناً

527-qadayaيمهّد الشاعر والباحث قحطان جاسم في افتتاحية الملف لفلسفة سورن كيركگورد، موضحاً أنه انشغل بسؤالين مهمين: ماذا يعني أن تكون إنساناً ومن ثم العلاقة بين الإنسان- الفرد والله. ويبيِّن جاسم أن فهم هذين السؤالين يتطلب تحليل وإضاءة كل نصوصه، وهو أمر غير يسير لأي باحث، لأن نتاج كيركگورد الفكري تجاوز عشرين مجلداً، فضلاً عن أوراقه الخاصة ويومياته، خلال فترة حياته القصيرة التي امتدت لـ42 عاماً، لأن فكره ذو بنى متعددة، يتطلب من القارئ للتواصل معه أن يتعلم التعامل مع عدة مستويات في آن واحد. ويقدِّم جاسم ثلاث ملاحظات لقراءة فكر كيركگورد: الأولى تتلخص بأنه لا يمكن قراءة أعماله كل على حدة، أو الاستشهاد ببعض الصياغات منها للوصول إلى استنتاجات محددة، والثانية طبيعة التركيب، واحتمالات التأويل المتعددة التي تتضمنها صياغاته ومفاهيمه، نتيجة لتراكم المعاني ودلالاتها في نصوصه، في حين تكمن الملاحظة الثالثة في وجود ترابط وثيق بين حياته وفكره، ولهذا لا يمكن فهم مقاربات كيركگورد بدون التعمق في سيرة حياته، إذ تركت حياته بصماتها الكاملة على أفكاره وطريقة تفكيره ومنحى توجهاته. لهذا يضطر جاسم لتقديم حياة كيركگورد بشكل وافٍ تمهيداً للدراسات التي تضمنها الملف، التي افتتحها جاسم بترجمة بحث لكيركگورد بعنوان (الدولة المسيحية)، هذه هي المرة الأولى التي تترجم دراسة لكيركگورد من اللغة الدنماركية مباشرة من دون لغة وسيطة.

كما ترجمت زهراء طاهر دراسة لكيركگورد أيضاً بعنوان "أعمال المحبة" وهي مقتطفات من كتاب بالاسم ذاته له، كما ترجمت طاهر أربع دراسات أيضاً، الأولى لـ:سي. ستيفن إيفانز بعنوان "حب الذات والجار"، وثلاث دراسات لـ: أنتوني ستورم هما: "كتاب: إما/ أو" و"كتاب: شذرات فلسفية" و"كتاب: الفرد المنفرد".

 

أخلاق كيركگورد مرتبطة بالأوامر الإلهية

وقدّم الدكتور حسن يوسف طه، وهو أستاذ في أكاديمية الفنون بمصر، دراسة بعنوان "الحب والإيمان .. جدل الأرض والسماء عند كيركگورد"، رابطاً في دراسته بين كيركگورد والنبي إبراهيم (ع)، فيرى أن الفلسفة تحولت على يد كيركگورد فلسفة قلبية وجدانية جوانية، من خلالها تشعر برعشات القلب ورفرفة الروح، ويتحول الإنسان كائناً بين السماء والأرض. في حين ترجم الكاتب والمترجمة أسامة الشحماني دراسة للكاتب الألماني هيرمان دين بعنوان "العقيدة وجدلية الوجود لدى سورن كيركگورد"، وترجم حسن الهاشمي ست دراسات، اثنان منهما للدكتورة نعيمة بور محمدي، الأستاذة في جامعة الأديان والمذاهب بقم، الأولى بعنوان "اللاهوت العاطفي عند كيركگورد، والثانية "الأخلاق الإيمانية عند كيركگورد"، تخلص الباحثة إلى أن أخلاق كيركگورد يكتب لها التحقق في المرحلة الدينية أو الإيمانية من الحياة، مشيرة إلى أن أخلاق كيركگورد مرتبطة بالأوامر الإلهية، باشتغاله على إبراهيم (ع) كأنموذج للأخلاق الدينية. في حين كانت الدراسة الثالثة لرضا أكبري بعنوان "النزعة الإيمانية عند كيركگورد، والدراسة الرابعة " الموت واليأس والإيمان عند كيركگورد" للدكتور عباس أسكوئيان، فضلاً عن دراسة لمحسن طلائي ماهاني، الأستاذ في كلية العلوم السياسية في جامعة زنجان بإيران، بعنوان "مقولة الإيمان عند كيركگورد.. إعادة صياغة"، ودراسة إلياس رضائي "المشيئة الإلهية الشاملة وحرية الإنسان واختياره في فلسفة كيركگورد". في حين اشتغل كمال طيرشي، الأستاذ في الجامعة الجزائرية، على دراسة بعنوان "أمثولة الرجعي في حياة كيركگورد الوجودية".

 

بغداد – صفاء ذياب

 

كتاب جديــد وشائق للأستاذ وليــد صادق

faroq mawasiأهداني الأستاذ وليد صادق كتابه / سيرته الذاتية- "منفيّ في وطنه- من الطيبة إلى الكنيست" الذي صدر أولاً بالعبرية سنة 2012، وها هي ترجمة السيد برهان السعدي إلى العربية بالإخراج نفسه.

ولد وليد في الطيبة- المثلث سنة 1936، وعمل مدرّسًا في ثانويات مختلفة، منها ثانوية باقة الغربية، ومن هنا توثقت عرا الصداقة والزمالة.

كان من مؤسسي حركة شيلي، فالحركة التقدمية، وتسنى له أن يكون عضو الكنيست من 1992- 1999، كما تولى منصب نائب وزير الزراعة.

 

منفيّ في الوطن

السيرة الذاتية هي المرآة التي يلتقي الفرد فيها مع ذاته، يستحضر الماضي ليواجه بها الآتي، فيستذكر حكاية القلق ومرحلة المعاناة، يستذكر فرحة وردت، وحزنًا عرا، نجاحًا أصاب، وخيبة مرت، كل ذلك ليقدم للوافدين من القراء الماء والأثر، والثمر والعِبر، يقدمها لمن يحاول أن يبحث عن أحوال النفس المرهفة ومقاماتها، ولمن يحاول أن يقرأ تاريخ ما كان، ويناغي الحاضر من خلال استيحاء واستقراء.

إنها رحلة الوصول إلى ظلال المحبة والوطن.

هي محاولة اقتناص عيشة أخرى تراثية فيها الحنين (النوستالجيا) بقدر ما فيها من عرض لنجاح، ولم لا؟

 

الأستاذ وليد صادق دعاني إلى وليمة الحروف- إلى قراءة كتابه (منفي في وطنه- من الطيبة إلى الكنيست)، وتسنى لي ذلك بالعبرية، إذ كان النشر بهذه اللغة أولاً، ذلك لأن دار نشر عبرية أبدت له استعدادها للنشر، ووزعته، بل هناك من كتب عنه كتابات نقدية في الصحف العبرية، فلا بأس إذن ما دام الخطاب يوجه أيضًا وضرورة للقارئ العبري. ولم يكن ذلك إغفالاً عن العربية، فهي المبتدأ والخبر، وها هو الكتاب بين أيديكم في حلته التي تنطق العربية عودًا وبدءًا.

قلت عندما كتبت سيرتي الذاتية: "ترى ما الذي يدعو الكاتب إلى تعري نفسه؟ إلى بوحه؟

ربما يكون بدعوى المشاركة الوجدانية،

ربما للإمتاع والمؤانسة،

ربما هي مراجعة أخيرة لكتابة الفصول يستعرضها فيعرضها قبل أن تدبر أنفاسه".

فلتكن جميعها، ولا غضاضة إن جنحنا إلى المبالغة تارة، وإن شططنا عن الجادة قليلاً تارة أخرى، فجلّ من لا يسهو، فوكدنا هنا أن نتواصل، ونتذاكر لا أن نكتب تاريخًا فيه توثيق أو تعليق، بل هي رؤية فرد عايش عيشة المنقذ وتشبث الغريق.

وأخيرًا، فقد استمتعت بكتاب الصديق وليد صادق، لدقة وصفه، ورافقته في حكايات البئر، وفي رحلاته، وفي جرأته آنًا ومحاذرته طورًا، وكم كانت الصفحات الختامية مؤثرة درامية تشد القارئ، فينفعل من خلالها حتى يكاد يبكي.

وأخيرًا، فإنه يبدو أن الماضي في السيرة هو لعبة الزمن ترد إلى الفرد أو الجماعة لتقول لهم: هنا أنتم، فاقرءوا حكاية ما رأيت!

 

باقة الغربية

كانون الثاني 2014

 

كتاب "تحديات العنف" لماجد الغرباوي صرخة في أرض غامضة / شوقي مسلماني

shaweqi_moslmani"تحدّيات العنف" كتاب في التصدّي، ليس بعنف مضاد. الكاتب ماجد الغرباوي الذي له أيضاً "التسامح ومنابع اللاتسامح"، هو عراقي الهويّة والهوى. وعى على محيط كلّه في المظلوميّة. الفرد، تنهال عليه،

مسمار تشيخوف" رواية لـ يوسف رزوقة

526-razukaسيرة الأنا والآخر: "مسمار تشيخوف” هو عنوان رواية جديدة لمؤلفها التونسيّ يوسف رزوقة صدرت هذه الأيام في طبعتها الأولى عن منشورات مومنت كتب رقمية في بريطانيا، ضمن سلسلة روايات تونسية معاصرة عدد ٣، في نشرتين، ورقية ورقمية.

الرواية جاءت في ١١٠ صفحات من القطع الوسط وازدان الغلاف برسمة من ريشة الكاتب نفسه، بينما صممه الفنان ش. وانلي

يقول المؤلّف في تصدير روايته: "في هذه الرواية مسمار. هو ليس، في وجه من أوجهه، مسمار جحا. لا يهمّنا هنا، إلاّ مسمار تشيخوف، مركّب إضافيّ قد يعني في جملة ما يعنيه الأثر إذ يدلّ على المسير والشّيء قبل أن يصير شيئا أو عدما".

ويضيف: "هذه الرّواية، على إغراقها في نقل الواقع كوقائع عيشت بالكامل على أرض الواقع، لم تأخذ من السّيرة الذّاتيّة إلاّ ما يخدم أهدافها أو ما به تكون رواية. لا خيال فيها إلاّ ما ندر، لا اختلاق لأحداث وهميّة ولا خيانة في ترجمة مرحلة عاشها المؤلّف في موسكو.. ما بين 1984 و 1987 ليكون لها توسّع وامتداد في الهنا والآن".

يذكر أنّ المؤلّف يوسف رزوقة يراوح في كتاباته بين الأجناس الأدبية: نقد، شعر، سرد ويكتب للأطفال واليافعين. بدأ مسيرته الأدبية قاصّا قبل أن يتوجه إلى الشّعر .. كان ذلك قبل أربعين سنة حيث كان يدأب على نشر نتاجه القصصيّ في مجلّتي "الفكر" و"الإذاعة والتلفزيون" وفي صحف تونسية مثل "الصباح" و"بلادي" و"الصدى"...

نشر أول قصة له بعنوان "شيء اسمه الحرمان" وعمره لم يتجاوز 13 سنة وتلتها عشرات القصص القصيرة. وبالتحاقة بالجامعة، كتب أول رواية له هي "الأرخبيل" نشر فصولها تباعا بمجلة "الفكر" لتصدر بعد سنة ( 1984) في كتاب.. ثم انصرف عن السرد إلى الشعر لتكون له فيه مدونة زاخرة أفرزتها مسيرته الممتدة على أربعين سنة..

526-razukaومع اندلاع ما سمي بـ "ثورات الربيع العربي"، عاوده الحنين إلى السرد إذ ربما كان في نظره الأكثر استجابة لرصد دراما المرحلة ومتغيراتها.

أمضى يوسف رزوقة روايته هذه "مسمار تشيخوف باسمه مختزلا "يـُو" وله رواية جديدة أخرى قيد الطبع ستصدر قريبا في مصر تحت عنوان " وداعا براءة العالم !" وهو يعكف على عمل سرديّ طموح اختار له عنوانا أوليا "555".

رواية "مسمار تشيخوف" ، كما ارتأى مؤلفها، تنهل، من زمنين: حقبة ما قبل غرباتشوف وحقبة ما بعد غرباتشوف.

في حقبة ما قبل غرباتشوف، كانت موسكو، لينينغراد أو أماكن أخرى، بؤرة ما تداعى من أحداث.. وبقية الأحداث، أملتها تداعيات الحقبة الثانية، في تو، بلد المؤلّف أو في سواها.. والمؤلّف، هنا، يقول رزوقة، ليس بالضّرورة أنا كما أنّه ليس بالضّرورة آخر. وقد يكون أنا والآخر، ضرورة وقد لا يكونهما أيضا..

ويضيف: الأسماء الواردة في تلافيف نسيجها السّرديّ، أسماء شخوص أو شخصيّات عايشها المؤلّف في الواقع، هنا أو هناك.. واحتكّ بها ولا يرى المؤلّف في استدعائها ما قد يبدو مجانبا لمطلب السّرد أو حكرا على كتب السّير الذّاتية دون غيرها بل هو (أي المؤلّف) يرى في هذه الشّخوص أو الشّخصيّات، مادّة لافتة، من الغنى بحيث يمكن تسويغ حضور أصحابها، من ثمّ، سرديّا، وما المانع؟ كأبطال واقعيّين في روايات تنشد بعض صدق وتسمّي الأشياء بأسمائها. هذا من حقّ المؤلّف، أوّلا، كي يروي الحياة في مظانّها وبمنأى عن الوهميّ من الأسماء. فالمؤلّف وهو يروي، يفضّل التّعايش والتّحاور مع أسماء معلومة وأليفة، يعرفها حقّ المعرفة وتعرفه، لا مع أقنعة أو فزّاعات من صنع رؤاه.

ويرى رزوقة أنه من حقّ هذه الأسماء، ثانيا، أن تكون مادّة تروى. ومن حقّ قارئ محتمل، ثالثا، أن يرى في رواية كهذه شيئا تعكسه مرآة نفس لا تكذب ومن حقّ امرأة في نقطة نائية من العالم، رابعا وأخيرا، سألت المؤلّف، ذات يوم بعيد، أن يكتب قصّتها.. من حقّها أن تقرأ، بعد طول انتظار، شيئا من قصّة حياتها، ولو في لغة غير لغتها الأمّ.

من مناخات الرواية: ".. بكى يو. ألقى باقة الورد بين يدي إحداهنّ تبيّن أنّها كانت بصدد انتظار خطيبها العائد من إيطاليا، خاطبها يو: هذه الباقة لك.. لم يعد لها من داع لتبقى لديّ فاقبليها هديّة منّي، إليك ومنك، إليه.. شكرته مندهشة وواسته، قالت: هوّن عليك !. حياتنا كلّها مفاجآت. كانت رفقة أمّها. حدجت هذه الأخيرة يو بنظرة متفهّمة. أشارت على ابنتها المتردّدة بقبول باقة الورد وقد هبطت عليها من السّماء وهمست كالمتعاطفة مع يو: مسكين ! ابتسم يو واستدار منصرفا، لا يلوي على شيء لكنّه كان يبكي بحرقة هدّاف وجد نفسه، من حيث لا يدري، في التسلل، وقد سنحت له، في الوقت المستقطع، فرصة التهديف، تسجيل هدف تاريخيّ يمنحه ذرّة ثقة، على الأقلّ، في مستقبل.. ملامحه غائمة. لم يبك من خيبة طارئة لاعتذار كائنين مميّزين عن الالتحاق به وهو في عزلته، مجرّد مشروع حياة لم يكتمل.. لم يبك بسبب ذلك فقد وجد لهما من الأعذار ما يكفي كما أنّ بوسعه أن يزمع أمره على الرّحيل إليهما، متى أراد، وهما هناك. لم يبك من شيء لم ينله أو لسقوطه من سلّم ناهض كنقطة تعجّب بين أرض وسماء لكنّه بكى بحرقة لأنّ "الآخر" لم يعد يرى في تو "جنّة يطيب العيش فيها". آلمته حقيقة أن تو لم تعد تو. آلمه ذلك كثيرا حتّى أنّه، بمجرّد عودته إلى "وادي العسل"، ألقى على كائناته وأشيائه نظرة مفعمة بالشّفقة. قفزت إلى رأسه صورة بوغوتاتو وهي تقدّم له، عبر السّكايب، فراخها. كانت جميلة في فقرها النّبيل وكانت تحبّه ولا زالت وكانت على استعداد تامّ للهروب، بفراخها، معه إلى المرّيخ لولا أن خذلها يو ظلما. قال يو: الواقع في بوغوتا مختلف عن واقع تو. هذا الواقع ليس بسحريّ في المنوالين، لا في بوغوتا ولا في تو غير أنّ الحيوان، هناك كما في تو، واحد ومتشابهة أفعال يديه. ومع ذلك، سأفعل شيئا وليكن ذلك مسمار تشيخوف الذي كان من المفروض أن أدقّه في قلب بوغوتاتو ولم أفعل. قال ذلك و.. بكى."

ويوسف رزوقة أمين عام حركة شعراء العالم بأمريكا اللاتينية وهو يكتب إلى جانب لغته الأمّ، بالفرنسية والانجليزية والإسبانية وله فيها مؤلفات ناهزت السبعين ما بين كتب ورقيّة وأخرى رقميّة.

 

قراءة في "إنسداد العقل الامريكي"

كتاب (إنسداد العقل الامريكي) للبروفيسور Allan Bloom- 1930-1992 استاذ الفلسفة والعلوم السياسية في جامعة شيكاغو الصادر عام 1988 كان ولايزال له اصداءً واسعة في الاوساط الاكاديمية والثقافية الغربية. كان بلوم قد هاجم بشدة النظام التعليمي الامريكي كونه تسبب في ايقاع الضرر بالديمقراطية وإفقار الروح التعليمية لدى الطلاب ، هو اعتبر ان الانفتاح المفرط والنسبية في تعليم الحقائق قادا الى إضعاف التفكير النقدي وإعاقة وجهات النظر المعرّفة للثقافات مما ادى بالتالي الى إغلاق او انسداد العقل الامريكي. كذلك انتقد بلوم في كتابه الحركات الحديثة في الفلسفة والانسانيات. حيث رأى ان انصراف اساتذة الفلسفة الى تحليلات اللغة العادية والى الوضعية المنطقية أضعف من أهمية أنسنة القضايا الاخلاقية والسياسية وأخفق في شحذ اهتمامات الطلبة. وفي مجال الادب وجد بلوم ان إنشغال اساتذة الادب في التفكيك قاد الى تكريس اللاعقلانية والشك في معايير الحقيقة وبالتالي ادى الى انحلال الضرورات الاخلاقية التي يتم إبلاغها عبر فلسفة حقيقية يمكنها المساهمة في صقل وتوسيع عقول المعنيين بتلك الضرورات. لقد ذهب بلوم في نقده الى ماوراء التعليم الجامعي ليتناول الأزمات العامة في المجتمع الامريكي ، فهو رسم مقارنة بين الولايات المتحدة وجمهورية ويمر الالمانية. الفلسفة الليبرالية الحديثة،حسب قوله، تجسدت في افكار التنوير لجون لوك  ذلك ان فكرة المجتمع العادل الذي بامكانه الارتكاز على المصلحة الذاتية لوحدها، وما رافق ذلك من ظهور للنسبية في التفكير الامريكي  هو الذي قاد الى هذه الكوارث.

 الكاتبان ستراوس و بلوم وجدا في الفلسفة اليونانية القديمة وخاصة في جمهورية افلاطون شيئا ما لم يلاحظه الا نفر قليل وهو التهكم irony. واذا كان كارل بوبر قد هاجم بحماس في كتابه "المجتمع المنفتح واعداؤه" رؤية افلاطون للمجتمع الخاضع لحكم الملوك الفلاسفة كصورة مرعبة للكذب والاضطهاد، فان ستراوس وبلوم قرءا بالكامل ذلك الجزء الشهير من الجمهورية الذي يُطلق عليه بـ "المدينة العادلة في خطاب"the just city in speech، واعتبراه كما لو انه كُتب بشيء من الايحاء والغمز. ماقصده افلاطون في الواقع ، حسب قولهما ، ليس لكي يقدم مخططاً لمجتمع حقيقي يحكمه الفلاسفة. بل ان ما قصده هو تقديم نوع من الممارسة الفكرية للشباب المتعلمين الجالسين حول سقراط ، كي يدفعهم لينظروا في المقترحات الطوباوية الحرة التي كان يؤمن بها استاذهم.

هذا الاختلاف، ستنطلق منه وجهات نظر كبيرة وواسعة. يرى بوبر ان افلاطون كان مجنونا بالسلطة: فهو حينما ترك التعليم المهذب لسيده سقراط، يكون قد ابتعد عن ليبرالية اثينا الديمقراطية. يرى بوبر ان العودة لهذه الليبرالية هي وحدها من يضمن السلام والتقدم للمجتمع المنفتح ولمؤسساته الديمقراطية.

ونظراً لمجاورة هذه الفكرة للتاريخية historicism ذلك جعل بوبر يكرهها بشدة كونه رأى صعوبة انسجام هذه الرؤية مع ادعاءات الفيلسوف بان التاريخ لا يحكم ابداً وفق نماذج معروفة سلفاً وليس له اي نهاية مقررة، لأن الاعتقاد بهذه الرؤية سيكون دعماً فلسفياً للتوتاليتارية. بمعنى اخر، ان بوبر رفض التاريخية لأن التاريخية رفضت امكانية التغيير.

اما ستراوس فهو ولد من عائلة ارثودكسية بروسية، وله ازدراء مماثل للتاريخية، لكنه لم يؤمن كما فعل بوبر في المزايا الحتمية للتقدم. اذا كان احدهما قرأ افلاطون واعتبره دعوة للاصلاح السياسي، فان الآخر انحرف بعيداً عن نفس الخطاب وبشعور شديد التحفظ. وفي تلخيص آخر لأفكار ستراوس نجد في كتاب (Xenophon’s Hiero) يؤكد المؤرخ (مارك ليلا) تماما جوهر الفكرة. هو يذكر ان ستراوس كتب قائلاً " ان الفلسفة يجب ان تكون دائما على وعي باخطار الاستبداد، لأن الاخير يشكل تهديداً لكل من الاخلاقية السياسية وللحياة الفلسفية. انها يجب ان تدرك ما يكفي حول السياسة كي تدافع عن استقلاليتها دون الوقوع في وهم االقدرة على تشكيل العالم السياسي طبقا لتصوراتها الخاصة".

اذاً ماذا سيعمل الفيلسوف السياسي عندما ينظر الى دوره الاساسي كحارس؟ استاذ الفلسفة في جامعة برنستن Alexander Nehamas، يرى في نقده الشديد (لإنغلاق العقل الامريكي)، ان حل بلوم احتوى القليل ولكن مع الكثير من الانحناء للسلطة. هو كتب ان "بلوم" يصف الفلاسفة الكلاسيك الكبار بالارستقراطيين لسببين. الاول لأنهم اعتقدوا ان العقل الذي كرس الفلاسفة انفسهم له هو وحده يجب ان يحكم، وثانيا بما ان الفلاسفة ادركوا انهم  لن يحكموا، هم عملوا ائتلافاً مع الاثرياء، لأن "مثل هؤلاء الرجال يُحتمل جداً ان يفهموا شرف الفلسفة كغاية بذاتها، ان لم يستوعبوها. وبعبارة اخرى، هم لديهم النقود والوقت اللازمين لدراسة الفلسفة والاهتمام بها بجد".

هذه المقتطفات، المأخوذه من (انغلاق العقل الامريكي)، تجعل من الصعب الدفاع عن الاتهامات الموجهة الى بلوم بالنخبوية، ولا كذلك عن حبه لجماليات الحياة .

ربما البعض يتصور بلوم كطفل لعائلة برجوازية حاول جاهداً إخفاء حجمه المألوف بإدعاء مكانته – سلوكاً وفكراً- بين فلاسفة الاستقراط الخالدين. لكن ذلك سيكون حكماً غير عادل وسنخطئ تماما الرجل وعمله.

لم يكن بلوم مهتما ابداً ولا هو جزء من الطيف السياسي الفقيرالذي يتنقل من الديمقراطية والمساواة الى الامبريالية والسيطرة. اعتقد بلوم بالمستوى العالي للحياة، كما تجسدت في بنايات جامعة شيكاغو،التي تبنّت بوضوح اهدافاً عليا. هو ادرك ان النص هو دائما معلّم، وان الرجل الحكيم هو دائما معاصر بصرف النظر عن الظروف التاريخية التي شكلت كل منهما.هو ادرك ان الناس المهتمين دائماً في الافكار سوف لن يتولوا ابداً مسؤولية مسار الاحداث الانسانية، ولذلك يقبلون بالمهمة الثانوية – مهمة تعليم الحكمة- مع انها لا تقل اهمية.  

هذه المهمة، حسب التعريف، ليست لكل شخص، وكان بلوم يتحدث دائما بارتياح عن القلة وذوي الامكانية الذين يستمرون في التقدم بهدوء نحو حديقة الانسانية بينما بقية المخلوقات تنحدر نحو الاسفل ومع كثير من الفضاضة، ولهذا سمي نخبوي. ولكن ادراكه لمهمته الخاصة فيه القليل من الاقصائية. ان فكرة بلوم عن الثقافة تدور حول تبنّي التعليم ورفض التحيز. ما مطلوب هو التعامل الخلاق غير المعقد مع كل نص دون اي هياكل فكرية مسبقة، مطلوب التحقق فقط، كما فعل سقراط، ما اذا كان النص جيداً ام سيئاً، مفيداً ام ضاراً. عندما نفعل ذلك، وفقاً لبلوم، ستنهار الحدود.

هو لم يكن وحيداً في ايمانه هذا. بعد ما يقارب ساعة او اكثر من الحديث في إحدى صالات الاستراحة في جامعة هارفرد، متنقلاً بين التلميحات لليونانيين القدماء والنقد المعاصر بدأ حماسه بالاسترخاء. عاد الى الصالة مرة اخرى، عارضاً اقتباساً مطولاً من W.E.B. Du Bois. في مقالة له بعنوان (أرواح السود العاديين) قائلاً: "عبر الخط الملون تحركت جنباً الى جنب مع الكاتبين بلزاك و دوماس Balzac and Dumas، حيث الرجال المبتسمين والنساء البهيات. وانا اخرج من كهوف المساء التي تتأرجح بين أذرع الارض القوية والنجوم المزركشة، أستعيد أرسطو و اوريلوس وما ارغبهُ من روح، كلهم جاؤوا بلطف سخي دون ازدراء او إذلال. لذلك فاني مع انشدادي للحقيقة، اقيم فوق الحُجب".

ذلك ما أقام فيه بلوم ايضا. ونحن مدينون له لنتذكره بهذه الطريقة.

 

.............

 المصادر:

1- مجلة tablet: إعادة افتتاح العقل الامريكي – عدد 11 ابريل 2012.

2- انسداد العقل الامريكي: Wikipedia, the free encyclopedia

3- صحيفة The New York times عدد 5 ابريل 1987.

 

في ذكرى يوم الصحافة الشيوعية

- كفاح الشعب: صدرت في 30- 07-   1935

وعرفت نفسها بانها "لسان حال العمال والفلاحين" وتصدرها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، ويذكرالأستاذ عزيز سباهي انها كانت المرة الاولى التي يعلن فيها الحزب عن هويته كحزب شيوعي، وزينت عنوانها بالمطرقة والمنجل وتحتهما نجمة خماسية وشعار ماركس "فلترتعش الطبقات الحاكمة امام الشيوعية فليس للبروليتاريا ما تفقده ها سوى قيودها وأغلالها وتربح من ورائها عالما باسره).

ترافق صدور الصحيفة مع انهيار الانتفاضة الي قامت بها عشائر الفرات الاوسط التي كانت تحاول تجاوز فشل ثورة العشرين، وكانت الصحيفة التي صدرت في البداية على نحو سري، قد نجحت في اصدارها الاول بفضل رئيس تحريرها عاصم فليح (احد مؤسسي الحزب الشيوعي العراقي)وكان فليح قد تلقى تدريبا في

(الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق) وعضوا في نادي التضامن (نادي يقوده النصولي وهو فلسطيني، ويحمل توجهات قومية)، ولكن حكومة ياسين الهاشمي لم تتحمل ما كانت تنشره الصحيفة، مما عرضها للملاحقة والتضييق وانتهى الامر باغلاقها في كانون الثاني من نفس العام .

وقد حددت كفاح الشعب في عددها الثالث الصادر في شهر آب من عام 1935 أهم الاهداف التي يسعى الحزب لتحقيقها بما يلي:

1- طرد المستعمرين وضمان حرية الشعب والاستقلال الكامل للكرد وضمان الحقوق الثقافية لكل الاقليات .

2- توزيع الاراضي على الفلاحين

3- مصادرة كل املاك المستعمرين

4- الغاء كل ديون الأاضي

5- تركيز السلطة في ايدي العمال والفلاحين

وتوقفت الصحيفة في شهر كانون الاول من عام 1936 اثر الحملة الواسعة التي شنتها حكومة ياسين الهاشمي ضد الحزب واعتقال معظم القيادات المعروفة وعلى راسها زكي خيري وعاصم فليح ومهدي هاشم، وذلك بعد قيام الصحيفة بشن حملة تشهير شخصية بالهاشمي .

وكانت الصحيفة توزع مامجموعة 500 نسخة من كل عدد وممن ساعد في اصدار الصحيفة (حسن عباس الكرباس) وهو احد الشيوعيون الاوائل في العراق فقد استطاع شراء المطبعة الخاصة بالصحيفة من شركة بيت (لنج) وهي شركة بريطانية كان مكتبها وحتى 1958 يقع في شارع الرشيد ببغداد . وكانت تطبع في اقبية مستشفى السكك الحديدية في منطقة الكرخ .

وحسن عباس اسماعيل الكرباسي (1922-1998) من عائلة نجفية معروفة وكان قد تخرج في كلية الحقوق ومارس المحاماة في العراق واضطر الى الهجرة الى المانيا حيث توفي في عام 1998

وجاء في حديث صحفي للسيد سالم عبيد النعماني: وفي كلية الحقوق السنة الاولى لدراستي فيها سنة 1941-1942 تسجل مرحلة جديدة، فقد صارت الحرب العالمية على اسمها كونية تماماً بعد هجوم الالمان النازيين على الاتحاد السوفياتي، كان الطلاب بين مؤيد للسوفيات ومؤيد لالمانيا الفاشية. وتشاء الصدف ان التقي مساء احد الايام في مقهى ياسين على شارع ابي نؤاس بحلقة ضمت بعض من اعرفهم كان فيها شخص يكبر الجميع سناً يدعى حسن عباس الكرباسي، كان المتحدث الرئيس وكان يتكلم بقوة مؤكداً انتصار الاتحاد السوفياتي. دار بيني وبينه نقاش هادئ انتهى بتزويدي بعد خروجنا فوراً بمظروف قال هذا عنواني ارجو ان تفتحه في البيت، كانت جريدة “الشرارة“ لسان الحزب الشيوعي. بعد ايام وعند خروجي من الكلية بعد انتهاء الدوام اذا به ينتظرني وزودني بمظروفٍ فيه اعداد من جريدة “الشرارة“ مع نشرة كبيرة عن الحزب الشيوعي وانصرف. تكونت علاقات متباعدة معه، كان يطري قائد الحزب دون ان يذكر اسمه كان يعتبره اقرب الى شخص مقدس،

ويذكر النعماني، أيضا أنه تحول من كونه شيوعيا الى العمل مع الحزب الوطني الديقراطي   أصبح سكرتيراً شخصياً لكامل الجادرجي حتى مغادرته العراق الى المانيا كما علمت

هذا وقد سبقت صحيفة كفاح الشعب صحيفة مهمة في تاريخ الصحافة الشيوعية وهي، صحيفة نداء العمال التي صدرت في تشرين ثاني من عام 1930، نصف شهرية

وكتب فيها (فهد) سلسلة من المقالات باسم مستعار (فتى المنتفك).حيث كان يدافع عن دور الطبقة العاملة في حركة المجتمع وينادي بالعمل الى رفع الظلم والحيف عن الطبقات الكادحة في المجتمع العراقي، ومما جاء في أحد مقالاته:

(ان حركة ألعامل تلك الحركة التي عليها تتعلق جلّ امالنا وأسمى أمانينا، لا يراد بها إلا تحقيق ما تصبو اليه البشرية في الحياة من مساواة وإخاء وعدالة)

ونشرت عدداً من المواضيع تناولت جشع الرأسماليين وأنباء النضالات ألعمالية وبخاصة نضال العمال البريطانيين. وأعلنت في احد اعدادها، (مثلاً)، التضامن مع مناضلة شيوعية في سجون بولونيا. وأشار عددها الثامن الى الطلب الذي تقدم به بعض من عمال مدينة الموصل لتشكيل حزب سياسي باسم "حزب ألعمال

 

...............

د.فائق بطي،الصحافة اليسارية في العراق، لندن 1985، ص 51

عزيز سباهي، مصدر سابق ص165)

حنا بطاطو، الحزب الشيوعي العراقي ص90

سمير عبد الكريم، أضواء على الحركة الشيوعية في العراق،دار المرصاد،بيروت ج1 ص 29

حسن عباس الكرباس، أحد اعضاء مجموعة البصرة الماركسية التي تألفت عام 1927 بقيادة عبد الحميد الخطيب

ولد فهد (يوسف سلمان يوسف) في بغداد في 8/7/1901 . في قرية (برطله) التابعة لمحافظة نينوى وادخل مدرسة السريان الابتدائيه في البصرة وبعد تخرجه منها دخل مدرسة (الرجاء العالي) الامريكيه. في عام 1916 اضطر للعمل في معمل صغير للثلج يعود لأخيه في الناصريه . وعاد ثانية الى البصرة ليعمل في وظائف مختلفة ، وفتح مكتبة في الناصرية لبيع الكتب والصحف بالأشتراك مع " مهدي وفي" .

ويقول ذو النون ايوب ان عا ئلة فهد قدمت من تركيا وسكنت في الموصل ثم توزعت في مدن العراق الجنوبية.

في 20 شباط 1933 تم اعتقال فهد في الناصرية وكان اول عراقي يدافع عن الشيوعية ويعترف بأنه شيوعي امام المحاكم حيث اعلن بكل ثبات " انا شيوعي وهذا معتقدي ومذهبي " واطلق سراحه بتدخل من ابو التمن .

حول فهد الحزب بين 1941ـ 1947 الى قوة سياسية متماسكة وفعالة وبنى له قاعدة جماهيرية، واصبح حزبا يتصدر نضالات شعبنا، وكانت في 24/6/1947 تم الحكم عليه بالاعدام وبسبب حملات الاحتجاج العالمية اضطرت حكومة صالح جبر ابدال حكم الاعدام بالسجن المؤبد في 13/7/1947،وفي اليوم التالي تم نقله الى سجن بغداد المركزي، وفي ليلة 14/15 آب 1947 تم نقله الى سجن الكوت، وهناك حوّل فهد السجن الى مدرسة او معهد ثقافي ثوري وكان يقود الحزب وهو في السجن من خلال الرسائل التي كانت تكتب بماء البصل .واعادت حكومة نوري السعيد محاكمة فهد ورفاقه، وحكمت عليهم المحكمة بالأعدام وتم تنفيذ حكم الأعدام قبل اعلانه وذلك يوم 14 شباط 1949 حوالي الساعة الرابعة والنصف فجر ا

عبد المنعم الاعسم

http://www.yanabeealiraq.com/articles-0810/alasam020810.htm

 

إمارة عربية اسمها خطر

khadom finjanليس في هذه الإمارة المتمردة على الأعراف والقيم ما يدل على انتمائها إلى الوطن العربي الكبير سوى شعبها الأصيل المغلوب على أمره، فكل شيء فيها يوحي بما لا يقبل الشك أن خطورتها تجاوزت المحذور، وكسرت قيود المحظور، وخرجت من حدود المنظور، فنظام توريث الحكم فيها يعمل بنظام الإزاحة والإحلال، حيث يُطرد الأب ليحل محله الابن، ثم يُطرد الابن الضال ليحل محله الحفيد المتمرد، أما القواعد الأمريكية الجبارة فهي في (السيلية) و(العديد) و(سنوبي) أكبر وأوسع وأقوى وأشهر وأخطر من قواعد جيوش الأطلسي في غرب الأرض.

لقد أثار كتاب (قطر خزينة الأسرار)(1) موجة كبيرة من الغضب عندما سلط الأضواء على الحروب التآمرية، التي مولتها قطر، أو التي افتعلتها ضد البلدان العربية، وتحدث بإسهاب عن تطوعها لتمويل الحروب الخفية ضد العراق وسوريا والسعودية ومصر والسودان، وأشار إلى إصرارها العجيب على توظيف آخر دولار في خزينتها من أجل إحراق العواصم العربية الآمنة، وضمها إلى قائمة العواصم العربية، حتى تحولت إلى واجهة مبتكرة لتنفيذ المؤامرات الدولية، من أجل الاستيلاء على حقول الغاز العربية، وإخضاعها للهيمنة الأجنبية بطرق غير مطروقة، وربما كان شراء الذمم بعائدات النفط والغاز من أولويات التعامل السياسي الدولي، الذي سلكته قطر في تجيير المواقف لصالحها ولصالح من تعمل لحسابهم، فجاءت محاولتها المكشوفة لشراء الفيتو الروسي في الأمم المتحدة لتضع النقاط على الحروف الغامضة، ناهيك عن خفايا علاقاتها المالية المريبة في فرنسا وشقيقاتها في الاتحاد الأوربي. .

أما الثعلب الإسرائيلي الخبيث (سامي ريفيل)، فيقول في كتابه (2)، الذي صدر حديثا بعنوان (قطر وإسرائيل .. ملف العلاقات السرية): كان من الصعب علينا نسج خيوط العلاقات الحميمة مع قطر لولا المساعدات السخية، التي قدمتها لنا الشركات القطرية الكبيرة، ويقول في مقدمة الكتاب: أن السبب الرئيس لانفتاحنا على قطر، يعود إلى الأدوار المنوطة بها، للعمل كساعي بريد في المنطقة، وتكليفها بنقل الرغبات الإسرائيلية من الباب إلى الباب، والقيام بخدمة الزبائن والعملاء من الراغبين بالعمل السري تحت عناوين تمويهية، أو بواجهات مزدوجة، فضلا عن دورها الخفي في نقل رسائل التهديد والوعيد إلى الجماعات والكيانات والأقطار غير المتعاونة مع التطلعات الإسرائيلية.

أكد (سامي ريفيل) في أكثر من واقعة على المحاولات القطرية الدءوبة لتحريض تل أبيب ضد مصر والسعودية، فقناة الجزيرة، منذ بداياتها، تحاول استغفال المشاهد وتضليله، وتبحث دائماً عن دولة عربية كبيرة ذات سيادة ومكانة رفيعة لمهاجمتها والانقضاض عليها، فوجهت مدافعها نحو مصر، وهي الآن في طريقها لقصف السعودية بالمدافع نفسها، ما أدى إلى تصدع العلاقات الخليجية، ووصولها إلى حافة القطيعة.

لا تمتلك قطر أية رؤية مستقبلية واضحة ومحددة، ويكاد يكون منظورها للأمور من الثقوب الضيقة، التي حددتها لها أمريكا مسبقا في إطار تنفيذ المخططات الخارجية المعادية للعرب، وتأجيج الأزمات عبر التضليل الإعلامي، ودفع فواتير الحروب الأمريكية المتكررة، والقيام بدور المحرض بالاتجاهات المتوافقة مع التطلعات الغربية، والتركيز في هذه المرحلة على استئجار وعاظ السلاطين، وتوظيفهم لأداء المهمات، التي تتطلب صب الزيت على الحرائق العربية الملتهبة.

وهذا ينطبق تماما مع ما ذهب إليه الدكتور سعد سليمان الدليمي بمقالته التحليلية، التي كتبها قبل أكثر من عامين، وحملت عنوان (قطر في خطر)، بأن النظام القطري لم يعد يعي خطر المؤامرات التي يحيكها في السر والعلن ضد العرب، وأن الجسد القطري الهزيل استعار عضلات القوى الغاشمة من أجل الانتقام من كل من يتفوق عليه من العرب، فرضخ لأعداء الأمة العربية، وركع تحت أقدامهم، ورفع صوته بالعويل والبكاء عند حائط المبكى، وهذا هو سر كراهية الشعب العربي للنظام القطري المتباهي بعضلات غيره، وأصبح أهلنا في قطر يدركون حجم الأخطار المحدقة بهم، ويشعرون إن ساعة الدوحة باتت وشيكة الوقوع في أي لحظة، وإنها ستتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات، ويرى البعض أن قطر قامرت بمستقبلها، ووضعت ثرواتها المالية في جيوب أعداء العرب، فخسرت نفسها، وخسرت جيرانها، وضحت بكل ما تملك عندما اختارت الزحف خلف غربان الشر.

والله يستر من الجايات

 

...............

(1) الكتاب من إصدارات دار (ميشال لافون)، وهو باللغة الفرنسية، من تأليف أثنين من الصحفيين الفرنسيين، هما: (جورج مالبرونو) و(كريستيان شينو).

(2) صدر الكتاب باللغة العبرية، وترجمه إلى العربية الأستاذ (محمد البحيري)، وتبنت دار نشر مصرية (مكتبة جزيرة الورد) طباعته وتوزيعه، واشتمل على مجموعة كبيرة من الإسرار، حملت معها كم هائل من المفاجآت. .

 

قراءة في كتاب (بويطيقا الثقافة) للدكتورة بشرى موسى صالح (1)

(بويطيقا الثقافة) أو (نحو نظرية شعرية في النقد الثقافي) أحد الكتب المنشورة للدكتورة بشرى أستاذة النقد الحديث في الجامعة المستنصرية، تصفحت الكتاب جذبني الأسلوب المميز، ومنظومة الرؤى النقدية التي تشدّ أليها كل مهتم أو متابع للأدب والنقد، أضافة الى المعلومات القيمة عن الثقافة والنقد الثقافي التي تعرضها الناقدة في كتابها، وعند قراءتي للكتاب، لم أجد صعوبة في تحديد أتجاهات الدكتورة بشرى في النقد، فهي مع (النقد الثقافي) كمنهج، لكن الناقدة لم تندفع في منهج (النقد الثقافي) على حساب (النقد الادبي)، مثل ما أندفع الآخرون لصالح المنهج الغربي، مضحين بالنص الذي عاصر الوجود العربي منذ تأريخ ما قبل الأسلام الى يومنا هذا، وقفت الناقدة الدكتورة بشرى موسى صالح موقفا متوازنا، ونظرت الى النقد العربي نظرة متفائلة، مبشرة بمستقبل أفضل له .

تقول الدكتورة بشرى في مقدمة كتابها: (النقد العربي قد جاوز مرحلة التلقي السلبي لكل وافد جديد، بعد أن قطع أشواطا بعيدة في قراءة خطابي التراث والحداثة العربي والغربي وامتلك وعيا ثقافيا مركبا متفائلا ومتشوفا وليس تعيسا منغلقا) وهذا هو المهم عند الناقدة الوعي الثقافي المركب المنفتح على المستجدات وليس الأنغلاق على الذات، الموقف أشبه بمسك العصا من الوسط بطريقة متوازنة بين القديم من التراث والجديد القادم من الثقافة، أي أن نطير بجناحين حتى يكون الطيران في فضاء المعرفة والثقافة والادب متوازنا .

(النقد الثقافي) من أحدث مناهج النقد، الذي ولد في أمريكا، وهو منهج ما بعد الحداثية والبنيوية، وهذا ما أشارت اليه الناقدة في مقدمة كتابها (بويطيقا الثقافة) (ظهر النقد الثقافي بوصفه نشاطا أو رؤية أو ممارسة نقدية قصدية منذ ما يقارب الثلاثين عاما، ضمن رؤى ما بعد الحداثة النقدية..) .

((هذا المصطلح الذي أشاعه الناقد الامريكي (ستيفن غرينبلات) أستاذ جامعة كاليفورنيا، في الثمانينات من هذا القرن ودعا فيه الى العناية بالشعرية الثقافية أو التأريخانية الجديدة)) .

أستشف أن رؤية الناقدة عن (النقد الثافي)، أنه في بداية أنطلاقته هو مجرد رؤية أو نشاط أو ممارسة نقدية، حتى تقدم الى الأمام وأختط لنفسه منهجا مستقلا متميزا نلاحظ نص الناقدة يتجنب أطلاق كلمة منهج على النقد الثقافي في البداية، لأن المنهج يوحي بالتقنين والآلية، أرى أن (النقد الثقافي) لا يتوائم مع المسارات المقننة مسبقا، بل هو منهج منفتح يتحرك خارج دائرة التمركز، الناقدة وصفته (نشاطا)، (رؤية)، (ممارسة قصدية)، لكنها تعود لتصف هذا النشاط بالمنهج الذي يمتلك رؤى تختلف عن السائد، تقول في المقدمة: (نريد أن نصف حتى هذه اللحظة الراهنة، ما يتمتع به هذا المنهج من رؤى مختلفة عن السائد)، وتفسيري لذلك أن هذا النشاط في بدايته هو مجرد رؤى أو ممارسة على حد تعبير الناقدة، حتى أتسعت مساحة أمتداده وتنوعت الرؤى فيه، فأصبح منهجا يحتكم أليه أنصاره في تقييم النص الثقافي، وفق رؤى تتطور مع الزمن، متجاوزا المكانية، بل وفق مشتركات عولمية عامة، مثل التنوع والشمولية والشعبية ومقاومة نسق الفحولة المستحكمة تأريخيا حسب رأي دعاة (النقد الثقافي)، والمشتركات الانسانية الاخرى، مع العودة الى تأريخانية كل نص ثقافي بما فيها الادبي، لتشخيص النسق التأريخي العام حسب المواصفات التي يتميز بها النص، من شمولية وشعبية بعيدا عن الفوقية والنخبوية، وعدم الاقتصارعلى المائز الجمالي والانغلاق عليه، بل التضحية به عند بعض النقاد من أنصار منهج (النقد الثقافي)، أضافة لرفض التمركز والطوفان أوالدوران ضمن دائرة مغلقة مثل دائرة الجمالية البلاغية، وعدم التهميش للأكثرية الشعبية وعدم التركيز على النخبة، كل هذه المواصفات تتمركز حول العمود الفقري للنقد الثقافي وهو (النسق) .

يعلن دعاة النقد الثقافي وأنصاره أن نسق الفحولة متحكم في المنتج الثقافي بما في ذلك ألأدبي، وهو انعكاس للروح القبلية المتحكمة في النفس العربية، بل هو نسق عام في التراث، وهو كلام صحيح وواقعي، أذ الفحولة تركزت في أكثر ميادين المعرفة، وكذلك تحكم نسق الفحولة في السياسة والاجتماع وميادين أخرى، وأزداد تحكم الفحولة في هذه الميادين، منذ أستلام الامويين للسلطة، واستمر نسق الفحولة في النماء تصاعديا حتى يومنا هذا، والحاكم الظالم المستبد هو نموذج حي للفحولة المتوارثة، النقد الثقافي يسلط الضوء على مفهوم الفحولة الذي أصبح نسقا تأريخيا تجاوز الأدب والشعر، وأقتحم فروع الثقافة الأخرى كالسياسة والأجتماع وحتى الاقتصاد، فهناك الفحل الاقتصادي الذي يتمحورعلى الاحتكار مع تجاهل مصالح الأكثرية .

وظيفة (النقد الثقافي) تسليط الضوء على النسق الظاهر، والمضمر المخزون عادة في اللاوعي، وهذا ما أشارت اليه الناقدة الدكتورة بشرى موسى وهي تتكلم عن منهج الدكتور عبد الله الغذامي النقدي، أيضا ذكرت سمتين أو ظاهرتين ميّزت الغذامي عن غيره من النقاد، هما (المتابعة الدؤوب الصريحة والواعية للتحولات النقدية العالمية، أما الآخر فهو التباس أو تعالق ما هو نظري بما هو أجرائي عبر سحب تلك الفورات المنهجية، والموجات الحداثية الى منطقة النص العربي الأبداعي أو النقدي) ص 55 .

عبارة الناقدة (الفورات المنهجية) توحي بالحالة غير الطبيعية، لأن الفورة حالة أنفعالية تزول بزوال مسبباتها، وهنا أستشف أن الناقدة تريد القول أن سحب منهج النقد الغربي الى ساحة النص العربي، هي حالة غير طبيعية .

أكدت الدكتورة بشرى المواصفات العامة للنقد الثقافي، وقالت في مقدمة كتابها: (ظهر نشاطا يضع ثقله النظري، أو الفلسفي الأكبر على دعامتين أثنتين هما : دعامة الشمول أو الكلية، ودعامة التعدد أو نفض التمركز) .

ونحن نتصفح ونقرأ كتاب (بويطيقا الثقافة)، نشعر وكأننا أمام بيت شامخ عامر يشدّنا المظهر الجميل من الخارج، ويدفع بنا للدخول كي نرى الجزئيات والمشتملات من الداخل، ونطلع على مواطن الجمال والجذب فيه، وسنتعرف على رؤى (النقد الثقافي)، من خلال السير مع صفحات الكتاب، ونتعرف كذلك على رؤى الناقدة النقدية كونها مختصة في النقد الحديث، يمكن التعرف على رؤى الناقدة وهي تتعامل مع المنتج الثقافي بأسلوب يجذبك ويجعلك تتفاعل مع ما تطرح من رؤى نقدية، من خلال تعاملها مع النصوص التي تطبق عليها منهجها النقدي الوسطي، تجذبك الناقدة من خلال سردها، وتطرح أفكارها بموضوعية وحيادية .

من الممكن أن نصل الى رؤى الناقدة من خلال قراءة المقدمة، والعنوان الاول بعد المقدمة وهو (نقد الثقافة في النقد الثقافي)، كذلك من خلال النماذج الثقافية التي أختارتها وطبقت معها منهج النقد الثقافي، مثل كتاب (أسطورة الادب الرفيع) للدكتور علي الوردي رحمة الله تعالى عليه، اذ أطلق الوردي وصفين يدخلان ضمن نسق النقد الثقافي، فكلمة (أسطورة)، و(الرفيع) فيهما دلالة مضمرة، فهو يوحي بعكسية المراد من هذا الاطلاق، الدكتور الوردي سائر في منهج النقد الثقافي قبل أن يظهر الى الوجود كأصطلاح، ولم يكن قاصدا بذلك، بل ينتقد حالة أجتماعية نسقية تتعلق بالادب العربي كأحد المظاهر الاجتماعية، وقد ذكرت الدكتورة بشرى هذه الحقيقة، أنتقد الوردي مظاهر أجتماعية أخرى منها ما يتعلق برجال الدين في كتابه (وعاظ السلاطين)، فالعنوان يوحي بالنقد الأيحائي السلبي للبعض من رجال الدين والذين أسماهم الوردي (وعاظ السلاطين)، وهم الذين يتزلفون للسلطان ويضخون له الفتوى حسب الطلب، ونسق الوعظ السلطاني هذا أنتج ثمرا مرّا علقما تتجرعه الشعوب العربية والمسلمة، وهو ما نشاهد اليوم من تكفير وقتل وذبح وأكل لأكباد الموتى، وبسبب تشخيص الدكتور علي الوردي لنسق الوعظ السلطاني وتسفيهه، وبسبب مواقفه التحررية، تعرض لنقد شديد في زمانه من قبل الأوساط الادبية والدينية، ولم يسلم من نقد الطبقة العامة أيضا، التي غالبا ما تكون مواقفها صدى لرجال الدين ووجوه الطبقة الرفيعة الأخرى .

كذلك سارت الدكتورة الناقدة بشرى في منهجها النقدي الحديث مع رواية الكاتبة المغربية فاطمة المرنيسي في روايتها (نساء على أجنحة الحلم)، ومع رواية الروائي العراقي علي بدر في روايته (بابا سارتر) ووقفت كذلك مع الناقد السعودي عبد الله الغذامي من خلال تعاملها مع بعض مؤلفاته، أرى أن النقد الثقافي يقوم في الاساس على نقض مسلمات الحداثة، بل يقوم على مضادات مسلماتها .

الدعوة الى النقد الثقافي هي جزء من الدعوة نحو العولمة، والعولمة الثقافية على وجه الخصوص، والتي من أفرازاتها منهج (النقد الثقافي)، العولمة بكافة مظاهرها هي محطة تأريخية حضارية، وهي دعوة حضارية لابد من المرور فيها سواء رضينا بذلك أم لم نرض، وهذه مستلزمات السير في ركب الحضارة والمدنية، ولا يفوتنا أن نذكر أن الدعوة الى العالمية هي رؤية دينية، تدعو اليها الاديان السماوية الشمولية ومنها الدين الاسلامي، وان التبشير بظهور الامام المهدي عليه السلام في الاسلام هو جزء من العالمية، وكذلك ظهور السيد المسيح في الديانة المسيحية وظهور المنقذ في ديانات أخرى .

يرى أنصار العولمة أن القيم الاخلاقية والمجتمعية، وكذلك المفاهيم والرؤى في جميع فروع المعرفة تتغير، أو هم يريدونها أن تتغير وفق نسقية عالمية عابرة لقيود المحليات، وقد أشار الدكتورعلي الوردي في بحوثه الى هذه الظاهرة الاجتماعية واعتبرها ضريبة مدفوعة الثمن مسبقا، حتى وأن لم نوافق على هذه النتيجة، فهي أفراز طبيعي للمسار الحضاري التأريخي، لكني لست مع هذه الرؤية، وأستشف أن الدكتورة بشرى تأخذ بالجديد من مفاهيم النقد الثقافي لكنها لا تضحي بالجذور، نعم لابد من تغيير في بعض القيم، أو ظهور قيم جديدة، لكن ليس بالضرورة أن نضحي بالمسلمات الأخلاقية التي تقرها قيم السماء .

أرى أنه ليس من ضرورات التقدم دفع ضريبة أخلاقية، هذه النتيجة يمكن أن تحصل في المجتمعات ضعيفة الايمان بالله تعالى، وضعيفة الوازع الديني الذي ينمّي القيم الانسانية السليمة، فالأسلام السليم والأصيل يربي ضميرا حيا، ويزرع قيما أنسانية، على عكس الاسلام السلطاني الذي تُبنى قيمه على الربح والخسارة، أوقيم وعاظ السلاطين المزيفة، الذين يؤمنون بالعنف والقتل والذبح ظلما باسم الجهاد، ولا أعرف أي جهاد هذا الذي يبيح قتل المسلم الآخر؟

هؤلاء القتلة شوهوا أسم الاسلام دين السماحة والأنسانية، ولا أرى تقاطعا بين القيم الاسلامية الانسانية وبين التقدم الى الأمام في ميدان الحضارة، على العكس من ذلك من الممكن أن تكون هذه القيم الأسلامية وسيلة ضبط مجتمعية ذاتية تواكب السير في ميدان التقدم المدني والحضاري، ومن يدعي وجود تناقض في ذلك، فهو أما أن يكون ضحية سوء فهم للاسلام ودعوته الانسانية العالمية، أو أنه يعاني ضعفا في الجانب الأيماني .

ونحن نتجول في أجواء (بويطيقا الثقافة) نتحسس الرؤية النقدية الحديثة في النقد وهو منهج يفرض وجوده كظاهرة من ظواهر العولمة، ورؤية منفتحة بعيدا عن المنهجيات والنسقيات التي فرضت نفسها على فروع المعرفة، النقد الثقافي أعطى الحرية للكاتب في تجاوز المصدات التأريخية المنهجية التي تحصر الابداع والجمالية ضمن دائرة معلومة الحدود، الأنفتاح والحرية في النقد الثقافي أعطى الكاتب القدرة في المزج بين النخبوي والشعبي، وبين المقدس والمبتذل، وبين الراعي والرعية وبين الذكوري والانثوي، النقد الثقافي أو(التأريخانية الجديدة) دعوة لتحطيم المنهجية المقننة مسبقا، وقد أتضحت معالمه كمظهر من مظاهر التمرد الذي أراه مشروعا في بعض المواقف، فليس كل تمرد غير مشروع، التمرد على المنهجية والنسقية في فروع المعرفة، هو جزء من حالة الثورية التي أنتشرت في المجتمعات الحديثة، رغم أني أشكل عليه أنه ثمرة الايدولوجية الماركسية التي نظّرت لقولبة الشعوب في قوالب جاهزة، مع التضحية بتأريخ ومقدسات هذه الشعوب، أرى أن التسفيه لهذه المقدسات ليس هو الحل، الماركسية فشلت في أطروحتها الأيدولوجية غير الواقعية فهي أطروحة طوباوية بعيدة المنال، وبما أن التأريخانية الجديدة هي أحدى ثمار الماركسية المؤدلجة، لذا لا بد وان نلمس عدم الواقعية في طروحات المنهج الثقافي الجديد في بعض المحطات التي يقف عندها، وربما الدكتورة بشرى توافقني على هذا الطرح، وفي كل الأحوال رأيها محل تقدير وأحترام، حتى وأن لم نتوافق في الرأي.

من توصيفات الناقدة الدكتورة بشرى موسى توصيف (الوعي الواحد المتعدد)، أرى أن الناقدة أجادت في أطلاق هذا الاصطلاح، لأن مشكلة الفكر والفلسفة اليوم هي الموقف من الآخر، بعض رجال الفكر اليوم، ومعهم وعاظ السلاطين الذين يغلفون أفكارهم بالقداسة الدينية، يتبنون فكرا شموليا غير واقعي، يقوم على تعظيم وتفخيم الذات، وأحيانا منح الاطلاق والقداسة لها، وحصر الحقيقة في الذات المدعية، مع تكذيب وتخطئة الآخر وتجهيله بل تكفيره في أحيان كثيرة، خاصة بعد أن تمازج هذا الفكر الانحصاري بالسياسة، وأصبح له دعاة وجنود جهاديون أنتحاريون، وانتشر بشكل مروع بسبب الدعم الكبير من الاطراف المعادية لشعوب المنطقة، خاصة امريكا واسرائيل، وبهذه المناسبة نذكر ان النقد الثقافي له طابعه السياسي ايضا، كونه وليد أيدولوجية شمولية .

أرى أن تبني رؤية الناقدة بشرى موسى صالح في (الوعي الواحد المتعدد)، هو ردّ على هؤلاء الانحصاريين، ليس في حقل الثقافة فحسب بل والفكر ايضا وفي جميع فروع المعرفة، تصف الناقدة في مقدمة كتابها (الوعي الواحد المتعدد) بقولها: (هذا الوعي الذي يدرك معنى الاحساس بالذات والاستشعار بها في معرفة الاخر، لأن الذات لا تكتمل الا من خلال الاخر(المتعدد) ..) .

تتحدث الناقدة عن الانفتاح في النقد الثقافي، وفتح باب التأويل واسعا تقول:

(في النقد الثقافي يتنامى التأويل في بعدين ظاهر وخفي، يفكك الاول أنظمة النصوص الثقافية الظاهرة . . أما الاخر فيقوم على رؤية ما بعد حداثية مضافة تعتمد على ما يمكن تسميته بنقد أو (تفكيك الامتصاص). . .) المقدمة .

كتاب الدكتورة بشرى رائع، أدفع كل مثقف أو مهتم بالثقافة، والنقد على وجه الخصوص، لقراءته والاستفادة من الافكار والرؤى الموجودة فيه، والتي بعضها من أبداعات الناقدة، أو رؤى نقاد ومثقفين آخرين دخلت مع أفكارهم في حوار بناء، أضافة لوقفتها مع بعض النصوص الثقافية التي سارت معها بهدوء وروية وفق منهجها في النقد الثقافي الذي اسميه (المتوازن)، أما أنا المتلقي المتابع، فقد أستفدت كثيرا من كتاب (بويطيقا الثقافة) واستمتعت به، واتمنى أن التقي مع كتاب الدكتورة بشرى في حلقة ثانية، لأني لم أستكمل حديثي مع الكتاب، على أمل أن أنفتح أكثر مع آراء الناقدة في الحوار، وأخيرا أقدم شكري وتقديري للناقدة الدكتورة بشرى موسى صالح وأتمنى لها التوفيق في جهودها لخدمة الحركة الثقافية العراقية والثقافة عموما، كما اتمنى أن أقرأ كتبها الاخرى

 

علي جابر الفتلاوي

 

حكم الأزمة .. قراءة التأريخ من منظور معاصر

salam kadomfarajملاحظات انطباعية عن الجزء الثاني من كتاب المؤرخ رائد السوداني

صدر عن دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع الجزء الثاني من كتاب المؤرخ رائد عبد الحسين السوداني (حكم الأزمة .. العراق بين الاحتلالين البريطاني والاميركي). وعلى الرغم من اختيار حروف طباعة اصغر حجما مما كانت عليه في الجزء الاول فقد وجدت نفسي منساقا لتكملة الكتاب بشغف ومتعة لما تضمنه من إرهاصات مستقبلية ستشكل العمود الفقري لما استقرت عليه الحالة السياسية والاجتماعية لعراق القرن العشرين وما تلاه من سنوات قليلة لاحقة اعتبرها الكاتب سنوات مخاض لاحتلال اميركي بكل ما تحمله كلمة مخاض من آلام وآمال //

   من خلال بوابة العنونة نتعرف على رؤية الباحث لفضاءات محاور كتابه وفق رؤيته المتفردة // حكم الازمة.. فما يثار من آراء بشأن كل أزمات الحكم في العراق.. يضعها الكاتب في إطارها الصحيح باعتبار ان الازمة هي الجرثومة التي تعايشت مع الحكم. لا العكس..

بمعنى ان الحديث يجب ان يجري عن حكم الازمة. لا عن أزمة حكم .. فالأزمات ليست عارضة. بل هي مزروعة في أساس الحكم الملكي وما تبعه من حكومات انقلابية .. فالازمة نفهمها هنا كداء وبيل وقديم .. تسبب ويتسبب بكل مالحق بالعراق والعراقيين.

ويتناول الكاتب بالتفصيل مسيرة كل المعاهدات التي وقعت وعدلت أبان حكم فيصل الاول. ويتناول بالشرح مسيرة كل رجالاتها او كما يسميهم (فرسانها) .. عبد المحسن السعدون.( الملك فيصل الأول) .. ياسين الهاشمي/ ناجي السويدي/ نوري السعيد /جعفر العسكري/ وجهودهم في استرضاء الانكليز لا من اجل تحقيق مصالح بلادهم او تقديمها على ما سواها .. بل من اجل نيل رضا بريطانيا العظمى اولا. وتحقيق طموحاتهم الشخصية الضيقة في رئاسة الحكومة او البرلمان.. مما أدخل العراق في نفق أزمات مستديمة متلاحقة. لم تنهيها الانقلابات الجمهورية . بل العكس هو الصحيح . إذ حملت تلك الانقلابات أسوأ ما في حكم الازمة الموروث.. وتحولت الصراعات الفردية او الحزبية في العهد الملكي الى حمامات دم في العهود التي سميت جزافا بالجمهوريات ..

ويمكن تلخيص اهم المحاور والرؤى التي تناولها الكتاب بما يلي:

اولا/ رغم الولاء المطلق للزعماء العراقيين (فرسان المعاهدات) (للحليفة) بريطانيا العظمى. فقد كانت ثمة نزاعات خفية ومعلنة بينهم. تتمحور حول الاستحواذ على النفوذ والزعامة ..

ثانيا/ لم تؤخذ بنظر الاعتبار تحفظات المعارضة الوطنية بشأن تلك المعاهدات. ولم تؤثر فيهم الاحتجاجات الشعبية. بل تعاونوا فيما بينهم رغم احقادهم وصراعاتهم الشخصية على تهميش دور المعارضة الوطنية متمثلة بالحزب الوطني( جعفر ابو التمن) والاستقلال (محمد مهدي كبة) والتضييق على الصحف الوطنية/

ثالثا/ الدور المشؤوم الذي لعبه قانون الجنسية لعام 1924 الذي أسماه المؤلف وبحق قانون الازمة المستديمة والذي رسخ التقسيم الطائفي والعرقي في العراق طيلة السنوات التسعين اللاحقة.. وما تبع ذلك من تهميش وتهجير وقتل . فقد قسم العراقيين الى تبعيتين مختلفتين/ التبعية الايرانية والتي وسمت آلاف العوائل العراقية من الشيعة العرب بالفارسية والتشكيك بعروبتها وعراقيتها .. ناهيك عما لحق الكرد الفيلية من اضطهاد مروع أبان حكم البعث .. نظرا لتكريس القانون المذكور لتبعيتهم الايرانية ظلما وجزافا .. والتبعية العثمانية التي اعتبرت ابناءها عراقيين فعليين دون اخوتهم من التبعية الاخرى .. وقد لعبت بريطانيا وياسين الهاشمي دورا مشهودا في إقرار هذا القانون المريب حتى قبل إقرار الدستور العراقي الاول .. (القانون الاساسي لعام 24)

رابعا / اتفاقيات التنقيب عن النفط

خامسا/ وفي الفصل الخامس المعنون بمعاهدة إثر معاهدة. يتناول الباحث معاهدة عام 22 . ثم معاهدة 1926 والتي منحت بريطانيا على أثرها المفاوض العراقي عبد المحسن السعدون وسام الشرف من الدرجة الاولى . وانعمت عليه بلقب (السير..) .. وقد امتدح السعدون بريطانيا بقوله( انها أخلصت في تعهداتها للعرب وجاهدت الجهاد الحسن في قضية الحدود وتأمين حقوق العراق المشروعة..) ثم معاهدة 1930

سادسا// جرى التركيز على فكرة قد نراها غريبة في الوقت الحاضر لكنها حقيقة واقعة في ذلك الزمان. تلك هي حقيقة تعيين نواب الشعب ولكن بصيغة الانتخاب!! وما كان يجري من التفاف على اصوات الجمهور وفق آليات موضوعة بعناية ودهاء انكليزي صرف

سابعا// يتناول الباحث الحقوق المقننة للانكليز.. بما يجعلهم سادة البلد وفق القوانين الوطنية.. وبما يجعل نصائحهم بمثابة اوامر.. وحمايتهم من تبعات القضاء العراقي بتقديم القضاء البريطاني عليه

قد نختلف قليلا او كثيرا مع موقف الاستاذ الباحث رائد السوداني في كتابه القيم هذا. سيما حول الاجتهادات التي قد يكون بعضها مخلصا ونزيها لبناة الدولة العراقية الحديثة مما يوجب عدم غمط تلك الجهود. فقد كان الباحث مخلصا لرؤيته التي ترى ان حكم الازمة في العراق مرجعه الى ذلك البناء السيء. وذلك الاساس المريب لبناء الدولة على يد بطانة اصدقاء بريطانيا العظمى..

ومما هو جدير بالذكر ان الباحث قد اعتمد على مصادر رصينة عديدة تتناول تلك المرحلة من تأريخ العراق. اهمها: ملفات مجلس النواب للدورات الثلاث التي غطت عقد العشرينيات/ مذكرت محمد مهدي كبة/ صفحات من تاريخ العراق من الاحتلال البريطاني حتى ثورة تموز حامد الحمداني / .. صفحات من تأريخ الحزب الشيوعي العراقي/ عزيز سباهي/ لماذا انتحر السعدون، نجدت فتحي صفوت/ الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية/ حنا بطاطو.. مذكرات سندرسن باشا // حكايات سياسية خيري العمري .. قصة الاكراد الفيلية / محنة الانتماء وإعادة البناء الدكتور محمد تقي جون. وعشرات المصادر الاخرى..

وكما علمت من الاستاذ الباحث رائد السوداني ان هناك أجزاء ستصدر لاحقا تتناول المراحل المختلفة لتاريخ العراق المعاصر وصولا الى أيامنا هذه .. ستتناول بالتفصيل إشكالات حكم الازمة ذي المخاض العسير .. وقد تتجاوز الخمسة أجزاء ارجو مخلصا ان يصدر الجزء الاخير منها قريبا. رغم معرفتي ان فهم الحاضر لا يكون دقيقا .. ان لم نفهم الماضي وتمظهرات أساساته..

إصـــدار جديــــد في السيميوطيقا للدكتور جميل حمداوي

522-jamilصدر للباحث المغربي الدكتور جميل حمداوي، عن مطبعة أفريقيا الشرق بالدار البيضاء، كتاب جديد عنوانه (من سيميوطيقا الذات إلى سيميوطيقا التوتر).

522-jamilوهو أول كتاب يتناول سيميوطيقا التوتر في الوطن العربي، مع العلم بأن الدراسات السيميوطيقية حول التوتر في الثقافة الغربية نفسها قليلة جدا، وتعد على الأصابع.

حِكَم وأقوال مأثورة من المبدع "أسعد الجبوري"

husan sarmakمقدّمة: تُظلم عبقرية اللغة العربية العظيمة من قبل أبنائها، بفعل عجزهم عن الغوص في بحرها اللُّجي، والخوض في عُباب محيطها، والنزول عميقا، وعميقا جدا، لاصطياد لآلئها المكنونة . وواحد من أسباب هذا العجز المهمة - بالإضافة إلى حالة الكآبة القومية، والياس، واللاإكتراث، حيث يلهث المكتئب اليائس خلف أقرب الحلول وأسهلها من جانب، ويُسقط – projected نقائصه ومكامن عجزه على الأشياء الخارجية من جانب ثان مكمّل - هي حالة التبعية للآخر الغربي المتفوّق، والإنبهار العصابي به .

وفي مشروع نظريّتي عن نشوء اللغة التي طرحت نواها الأولية في كتابي عن الراحل الكبير "جوزف حرب": "الناي يبكي أمّه القصبة" (دار أمل الجديدة – دمشق - 2012)، قلت أن معاني المفردة اللغوية (الجذر اللغوي تحديداً) تأتي كـ "حزمة" واحدة، تجمع الدلالات النفسية والإجتماعية والمادية والوجودية، مرّة واحدة، اعتماداً على الخصائص المادية للشيء، منعكسة في الخصائص الفيزيائية للحروف في تشكلها أصلا من أعماق الإنفعال اللاشعوري (الدهشة البدائية) التي تشغّل مكوّنات جهاز النطق بمكوّناته العشرة من رئتين وحنجرة وحلق ولسان وبلعوم وخيشوم وأنف وغيرها .

ومن الجذر (حَكَمَ) تأتي الحَكَمَة، وهي – قاموسيّاً - اللِّجام، أي الحديدة التي توضع في فم الفرس لإحكام جماحه . وما يقوم به أسعد الجبوري من فعل حكيم، هو التخلص - كخطوة أولى - من أي قيد على ضميره الشخصي والإبداعي الحي . لا يوجد أي لِجام يمنع فم روحه من الصراخ، وإطلاق صيحة الحق مدوّية عارمة . لكن لابدّ من وجود قيد معنوي مقابل يضعه أناه الأعلى، الراصد المعاقب، على الزوغانات والإنحرافات التي يبرع بها بهلوانات الثقافة الأشاوس الذين منّت عليهم الحياة بأعتى سلاح للتبرير والتمنطق والتمرير، وهو: اللغة، يصرّفونها في سوق النخاسة كيف شاءو، ويتلاعبون عبرها بعقول البسطاء المُذلّين المهانين حسب وصف العزيز دستويفسكي . هنا نُمسك لدى أسعد بحكمة الموازنة في فعل الضمير: نبذ القيود الداخلية الجبانة والخارجية القامعة من ناحية، والتمسك الصارم بلجام الرقابة المنحاز إلى مصلحة الناس المعذّبين، الذين نشأ وسطهم، وأطعموا روحه المادة الأولية في الولاء الشجاع . والثاني، في الواقع، مهماز إيجابي يلتقي بفعل الأول، فيشحنه بطاقته، ويجعله مضاعفا متحفّزاً .

والحِكْمَةُ هي العلَّةُ .يُقال: وما الحكمة في ذلك؟

إنها حكمة الكتابة الكاشفة الجسور، التي لا تسعى متراخية كسولاً، نحو النتائج المخادعة، بل تغور عميقاً - وبعناء مثقل بالبحث والمخاطر - للإمساك بالعلل ؛ بالأسباب التي تجعل الجمال يُسحق ويُعذّب في بلادنا، والشراسة السافلة تشيع وتخنق الأرواح في عالمنا . أسعد ببحثه عن العلل – خصوصاً العلل السود التي صخّمت حياتنا - وفلاحه في كشفها، وإخراجها إلى النور، يصبح رائياً ؛ من النوع الذي "يرى كلّ شيء" .. يصبح حكيماً حقيقياً .

والحِكْمَةُ الكلام الذي يَقِلُّ لفظُه ويَجِلُّ معناه . وأسعد، كما عرفته، وتبحرتُ في شؤون إبداعه، يموت من التطويل المغثي، والترهلات اللغوية الشحمية، لهذا تأتي أقواله رشيقة بديعة كثياب المانيكان . وأليس (ما قلّ لفظه وجلّ معناه) هو الشعر من مقترب التكثيف، ورصّ الخبرة الموصل إلى الإندهاش ؟!

والحكمة هي، أيضاً، ضبط النفس والطبع عند الغضب، ومهما كانت درجة الإحتدام الإنفعالي التي تجيش في صدر أسعد، وفي أعماق نصوصه، لن تجد علامات نزق أو انسعار أو تحامل . تأتي الأحكام هادئة تتوّج حوارات دون كيشوت وتابعه، أو لحظة الذروة من القصيدة . حتى مع الأمريكان - خنازير الحداثة وما بعدها - الذين دمّروا وطنه، تجد الأحكام هادئة لكنها شديدة المرارة وصاعقة الإدانة.

وحِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ": قَوْلَةٌ تَتَضَمَّنُ رَأْياً حَكِيماً مُوَافِقاً لِلْحَقِّ وَالصَّوَابِ . إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً ( حديث ) . وبالرغم من أن هذا التعريف يأتي على طريقة (كأننا والماء من حولنا) الشهيرة، إلّا أن الحديث يكشف جوانب من خيبة شعراء اساءوا فهم الحداثة وما بعدها، فاستهانوا بآلام البشر من حولهم، واعتبروا صرخات المظلومين الجياع والمجلودين في الأقبية المظلمة موضوعات ليست شعرية . فانهمّوا بالنحاس المصبوب من السماء على طريقة أدونيس الكبير برغم كل شيء، فعزلوا الشعر المسكين عن حكمة العذاب، وصعدوا بالشعر إلى الأبراج العاجية . ولكن أسعد يعيد الشعر خصوصاً، والشاعرية عموماً، إلى تراب الواقع الجائر .. تراب النفوس الممزقة، ويحمّله بحكمتها البليغة ليصبح (الشعر حكمة) . أسعد تخرّج من مدرسة الرمال، حسب وصف تابعه سانشو، ولذلك عرف حقيقة العدم، كمدرسةٍ للفراغ، ومحلول وجودٍ أشد فعلا من التيزاب، ولم يتعرّف عليه في مجلدات سارتر .

والحَكَم هو القاضي الذي يفصل بين المتنازعين . وأسعد يقدّم القول الفصل في نصوصه في القضايا الخلافية التي جعلت الشعراء، من كثرة جدلهم وثرثرتهم، يتّبعهم الغاوون، وفي كل وادٍ يهيمون حسب وصف الله، (الحكم)، وهو من أسمائه الحسنى جلّ وعلا . وتعود رهاوة اسعد في إصدار الأحكام – كاحتمال أكبر – إلى استقلاليته الشخصية، وعصيان إرادته الفردية والإبداعية على التجنيس والتبعية . إنه يؤمن بأن (الشعر الآن .. خرج من تحت جميع أنقاض المدارس السلفية: الدادائية السوريالية الواقعية الرمزية الرومانسية الانحطاطية البوهيمية، بعد أن وجد نفسه مُحرراً من كل الذنوب والعقوبات التي فُرضت عليه من كبار المعلمين في العالم الغربي والشرقي على حد سواء) .. فكيف يعيد ذاته، لتُجلد بسياط المعلمين الذين يريدون له المشي على سراط اللغة المستطيل ؟! الإبداع مشروع فردي توحّدي لا جمعي قطيعي . وليس كل من امتهن (لاحظ أنها من المهنة والمهانة!) الإبداع صار حكيما يفصل .. الإبداع (يؤتي الحكمة من يشاء) .

ومن الأمثال الأجنبية: (الصَّمت يورث الحكمةَ، والكلام يورث الندامةَ)، يماثله في المعنى قول الشاعر:

ما إن ندمتُ على سكوتيَ مرّةً ... ولقد ندمتُ على الكلامِ مرارا

وهو شعار المثقفين الجبناء البوّالين على أعقابهم ؛ مثقفي السلاطين أخوان وعّاظ السلاطين . فبالنسبة لأسعد الصمت يورث الجبن والعار والمذلّة . و(الحكمة ضالّة المبدع) تأسيّاً بالحديث: (الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ( .

كانت الحكمة بالنسبة للعرب نعمة (أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ)، فصارت على أيدي الأصوليين المعصوبين نقمة حتى صاروا يتبرّكون بالبول في القرن الحادي والعشرين . وفي حكم أسعد دعة شعرية حارقة لفضحهم وتعرية زيفهم .

أخيراً وليس آخراً يُقال: رفع الله حَكَمَتَهُ: رفع شأنَه وقدْرَه . فرفع الله شأنك يا أسعد الجبوري .. وقدرك .. والسلام .

 

حكم وأقوال مأثورة من المبدع أسعد الجبوري:

- الشعر دائماً.. رافضيٌ محنكٌ لشروط أهل سقيفة الآداب الرملية.

- الشعر الآن .. خرج من تحت جميع أنقاض المدارس السلفية: الدادائية السوريالية الواقعية الرمزية الرومانسية الانحطاطية البوهمية، بعد أن وجد نفسه مُحرراً من كل الذنوب والعقوبات التي فرضت عليه من كبار المعلمين في العالم الغربي والشرقي على حد سواء.

- كل المدارس الأدبية استعملت العصا والسوط، عندما أرادت للنصوص أن تمشي على صراط اللغة المستطيل، حتى وأن حاولت التمويه على عدم الالتزام بالقواعد والقوانين الفنية التي كانت تُرسم للمؤلف.

- في كل كتابٍ أوردةٌ..

ولكن ليس بالضرورة وجود دم يجري هناك.

- دون كيشوت: لم تعد لدينا رؤوس لتثمل بالكحول يا سانشو. رؤوسنا دواليب كاو تشوك مشتعلة. وما تحت جماجمنا مستودعات أسلحة للفتك فقط !

- سانشو: ولكن هناك الكثير من الخيام يا سيدي الدون . وهناك بلدان الحلفاء في أوروبا التي تضخنا أسلحة وأموالاً وبمخلوقات البلاك وتر .

دون كيشوت: تُضخ الأسلحة .نعم . ولكن ما من بلد أوروبي إلا وأغلق أبوابه أمام اللاجئين، لئلا تفرغ بلدان (الربيع) من الحطب، فتفقد الصواريخ والمعدات والراجمات أرضها الخصبة، ولا تبقى للنيران من معنى .

سانشو: لا أعرف لمَ يحدث هذا، علماً بأن الحلفاء هم أول من ورّطوا الثورات برفع وتيرة العنف حتى بلغ مراتب الجنون من القتل المفتوح !

دون كيشوت: من لم يكتشف ذلك بعد،سيعيش في التيه للأبد.

- سانشو: ليس أفظع من تكتيك الغرب واستراتيجياته.إنه يمنحنا الضلال ويحرمنا من الظلال .

دون كيشوت: لذلك فأنا أريد لرأسي أن تتحول إلى صندوق أغانٍ فقط.

سانشو: يا له من تيه مروّع. فمسرحنا لم يعد تراجيدياً وحسب، بل جيو دراماتيكيا، ويستحق أكثر من صوت المطرب العراقي (المنكوب) عندما يتعمق بمآسي العاشقين إلى حد فتح بوابات جهنم.

- الشعر كائنٌ لغوي، كلما اقترب من الحرب، أو كلما حربٌ تقترب منه، سرعان ما يجد نفسه على نقالة إسعاف أمام باب طوارئ هذا العالم السفلي القاني، فإما يموت هلاكاً في أثناء كتابة النص من شدّة القتل، وبالتالي لتبرّر الحربُ مفاعيل نيرانها. أو يمرض، فلا يكتب شيئاً إلا عن الحرب، لعل محركات رعبها تتعطل من هول ما تنتجهُ من صور ذلك الموت بمختلف توحشه ووحوشه .

لذلك لا تحبُ الحربُ الشعرَ، لأنه يفضحها.

- ليس كمثل تلك البلاد

جسداً لنا

- الليالي..

لحومٌ فاسدةٌ من كثرة الغياب

- دون كيشوت: وأخيراً سقط الجدار يا سانشو!

سانشو: وهل علمت بسقوطه الآن يا سيدي الدون؟

دونكيشوت: أين ذهب بك عقك ؟

سانشو:إلى جدار برلين. أليس ذاك ما تقصده يا سيدي الدون؟

دونكيشوت:لا يا سانشو، فإنما أنا أتحدث عن جدار الأخوان الأسود في الرأس.

سانشو: ومتى كانوا جداراً . كل ما أعرفه عنهم إنهم رمال متحركة تحت كل قدم.

دونكيشوت: هكذا هم. دمٌ أسودٌ يجري في عروق الصحراء.

- إنها الليلةُ العموديةُ.

تلك التي لشاطئها كمانٌ

يُدخنُ الأيامَ المقدّسة.

- في الشعر، يمكن أن نستخدم الريح ممحاة لمسح العبارات التالفة أو الضعيفة من طريق الصاعدين نحو التأليف الأعظم، مثلما يمكن استخدام تلك الريح كقوة للتحليق بعيداً عن مخلوقات الطوابق السفلية من النصوص المصابة بالدوار أو تلك المعاقة أو النصوص التي تعاني من الإصابات، بحكم فقدان المناعة.

- دون كيشوت: أحب فيك إرادة الاعتراف يا سانشو. ولولا وجود تلك الخصلة، لكنت بلا معنى.

- سانشو: ربما . فنحن في طور تجريب الكثير من الأمراض في حياتنا المعاصرة.

دون كيشوت:ها أنت قلتها بعظمة لسانك. لذلك فلا تشك بأن الشعراء وحدهم، هم من يطورون حركاتهم لوحدهم . هناك من يجرّب نفسه بمختبرات أمراض الأسلحة وأمراض المذاهب وأمراض الهجرات وأمراض الألسنة.

سانشو: كف عن الاستطراد يا سيدي الدون، فقد بلغ بي الجرادُ موضع العدم.

- سانشو: ما بين الباطن والظاهر خطُ الحرب.

دون كيشوت: وما معنى ذلك يا سانشو؟

سانشو: معنى ذلك يا سيدي الدون أن باطنَ الموت مثل ظاهر الحياة . كلاهما لعبٌ على حبل العدم.

دون كيشوت: أصبحت مضحكاً يا سانشو. كأنك قد وقعت بقعر المونليكس،وهُرس دماغك حقاً.

 

- تلك هي نيويورك ..

اللا فاصل التاريخي ما بين جثة المتنبي

والـ C.I.A .

 

- لم أذهب إلى الحرب يوماً. التحقت بالجيش جندياً إجبارياً، وعندما أكملت الـ 18 شهراً في خدمة العلَم،سُرحت بختم من حكومتي. ومع ذلك، كنت اشعر منذ بدايات كتاباتي بثقل ينتابُ نصوصي، لأنها كانت تذهب إلى الحرب دون قرار مني، تلبية لنداء لغوي خالص، ربما كان يسيطر عليّ الشاعر الآخر الذي كان يمثلني في باطن تلك النصوص .

 

- حذارِ يا عقلُ

إن ذهبتَ إلى صالون حلاقةٍ

وعلى رأسكَ شعرةُ معاوية

 

- دون كيشوت: ألا تحب البطولة ؟

سانشو: لا أريد أن أكون حشرة نافعة ولا حشرة ضارة . يكفيني ما أنا فيه يا سيدي الدون.

 

- دون كيشوت: لا أريد إعادة تخيل ذلك الطوفان يا سانشو.

سانشو: أنت لو فعلت ذلك يا سيدي الدون، لأغضبت سيدنا نوح!

دون كيشوت: لأنني لست من حيواناته أم ماذا؟!!

سانشو: كلا، ولكنهم استولوا على سفينته، لنقل الأسلحة !

 

- الشعر بجغرافيته الخاصة والاستثنائية، هو مكان الزمن العابر لساعة اليد وساعة الجدار وساعة الرمل المعلقة على حبال الريح.

لذلك فإن السفر إلى الشعر، عادة ما يقتضي تذكرة ( one way ) !

 

- الرأسُ سفينةٌ تمشي بطاقة الغرقى

 

- نريدُ أن ننام قليلاً ..

ودون أن يسقط على الوسادة (كروزٌ)

فيعدمُ الليلَ باللحمِ بفتافيت الحلمِ

وبالنهار الذي برزت من جسمه أضلعُ السُلِ

 

- احتكاك النص الشعري الجيد بقارئ سيء، ربما يحطم قدرة الاثنين على التعايش السلمي،

 

- لا أعتقد بأن الرواية استولت على زمن الشعر. فالثرثرة ولادة السرد والتفاصيل، لم تتمكن من أن تزيح أو تمحو الشعر عن التراب العاطفي لبنية العرب، نحن أرضٌ شعرية قبل أن يزرعها الإنسان قمحاً ونخلاً .

 

- لم ينشغل الغربيون بحريات التعبير عند العرب ولا بحقوقهم ولا بدساتيرهم ولا بالديكتاتوريات التي ساهموا بدعمها، ولكنهم يدفعون اليوم بكل بلدان العالم العربي نحو الهاوية، من أجل رؤية كل تلك الأقطار أطلالاً نازفة، وكذلك لإدخال شعوب الشرق الأوسط إلي أفران الغاز، وفي مقدمة الدول الواجب إشعالها مصر وسوريا والعراق، باعتبار أن هذا الثلاثي يمثل الرأس والأحشاء والقدمين للجسد العربي المفترض العمل علي محوه خطوة خطوة.

- كل قصورٍ في التَّخَيُّل

توسيعٌ لحلقاتِ العدمِ في النصّ.

أي قبر يتسع نيويورك.

الزهرة.. أم القصيدة.

القبائل.. أم جبهة مارلين مونرو.

الديسكو.. أم حبة منع الحمل.

المصباح.. أم فوهة المسدس.

رعاة البقر.. أم الأمم الرعاع.

أبني النداءات..

لكن بلادي كعكة طازجة بالجثث.

سانشو: لماذا ينتابنا هذا الإحساس بالعدم في كل مرة يا سيدي الدون؟

 

دون كيشوت: لأننا على وشك الذوبان فيه.

سانشو: وهل العدم تيزاب يا سيدي الدون لنذوب به؟

 

دون كيشوت: واشدّ من ذلك السائل الكيميائي المروع. العدمُ مدرسةُ الفراغ يا سانشو ؛ ألا تعرف ذلك؟

سانشو: ومن أين لي أن أعرف ذلك، وأنا لم أتخرج من مدرسة الرمال بعد!

 

- دون كيشوت: الفورّة التي قام بها أبو عزيزي على الفقر، لم تقلب موازين القوى لتغنى الشعوب بثرواتها .فقد احترق هو والثروات، ولم يحترق معه الفقر.

سانشو: وهكذا فلم تمطر السموات ذهباً ولا دراهم من فضة ولا براميل نفط.

دون كيشوت: أتعرف يا سانشو.. لو كان زين العابدين بن علي يعرف بأن نهايته على يدي ذلك الفقير المعدم، لكان أعطاه نصف خزائن مجوهرات ليلى الطرابلسي.

 

- دونكيشوت:الآن يمكن أن نأخذ نفساً.

سانشو:ومن ترى الذي قطع الهواء علينا،لنختنق يا سيدي الدون؟!

دونكيشوت:ما من أحد يأخذ حصة أحد من الهواء، سوى أولئك الذين اعتقدوا بأن وجود الأوكسجين في الاسطوانات الحديدية.

سانشو:ستتحطم نظرتهم تلك مع النظريات الخاصة بالاختناق.

 

- سانشو:وهل يفهم حصانك وبغلتي عن الأوكسجين شيئاً يا سيدي؟

دونكيشوت:لا تظنن أن البهائم لا تفقه بعلوم العصر شيئاً.فلكل مخلوق مخ يخزنُ المعلومات،ثم يقوم بالتحليل والتحريم.

سانشو:وهل الأوكسجين مادة حلال أم حرام ؟

دونكيشوت:لن أذهب صوب ما تريد أن تأخذني إليه أنت أيها الكهين.

سانشو:ولمَ لا يا سيدي الدون .فقد نجد عند أهل الفتاوى للمعضلة حلاً، وننتهي من حالة القلق والتكرار الغريزي للخوف؟

دونكيشوت:نحن لا نعرف حتى الآن،إن كان الأوكسجين مذكراً أم مؤنثاً،ليتم لنا الفصل ما بين الحلال والحرام!!

 

- لكلّ كلمةٍ صوتٌ يدعي الطربَ

 

د. حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

1/2/2014

 

تسلقي عروش الياسمين اصدار جديد للشاعر رياض الدليمي

520-ryadعن دار الأمل الجديدة في دمشق صدر للشاعر العراقي رياض الدليمي مجموعته الشعرية (تسلقي عروش الياسمين) وهو الإصدار الرابع له وتضمت المجموعة 24 قصيدة كتبها الشاعر ما بين الأعوام 2011و 2013 وقدم للمجموعة الدكتور الناقد جاسم خلف الياس وجاء في تقديمه لها قائلا (إمتازت لغة المجموعة بسلاستها وتعبيرها عن اليومي (المستوى الواقعي)،

520-ryadوقد أفاد الشاعر من المعايير البلاغية التي منحت المجموعة هيمنة أسلوبية واضحة، لا سيما فاعلية أساليب (الأمر والنهي والاستفهام والنفي) التي تشي بعنفوان الرفض والتمرد. وبوساطة هذه التقانة الأسلوبية وما رافقها من وعي لرسم صورة القلق، والبحث عن الخلاص من خلال الرفض، كل ذلك جعل الشاعر يحاكي الواقع بفنية استطاعت إن تتعمق في الوجدان لترسم بمهارة شديدة الحساسية فضاء يرى القارئ في تشكيله وتدليله التفاصيل التعبيرية والتصويرية) والآن في المكتبات العراقية لغرض اقتنائها شارع المتنبي دار المرتضى وشارع الرشيد الموزع الرئيسي دار الأمجاد مجاور مقهى الزهاوي وفي الحلة المركز الثقافي ولاء الصواف

 

صدور رواية "صائد الجثث" الفائزة بالمركز الثالث لجائزة (أثر) للكاتب والشاعر العراقي زهير الجبوري

519-zohirبعد روايته الأولى – قلب اللقلق - يعود الروائي والشاعر العراقي "زهير كريم الجبوري" إلى القراء – من جديد- من خلال روايته "صائد الجثث" الصادرة عن دار (آثر للنشر و التوزيع في المملكة العربية السعودية – الدمام)، التي يديرها الشاعر السعودي عبدلله فهد الغبيان، الرواية ستكون متاحة للقراء في الجناح المخصص لدار اثر في معرض الرياض الدولي للكتاب اعتبارا من يوم الثلاثاء الرابع من آذار، و رواية "صائد الجثث" الفائزة بالمركز الثالث لجائزة أثر للرواية العربية. ويبتدئ الكاتب الرواية بالمدخل التالي:

(الكارثة أن تظهر للآخرين وأنت حيّ بينما شيء ما في داخلك ينقض هذه الحقيقة) .

ملحمة روائية تكشف عن جذر الخراب وتلملم شظايا الواقع لتعيد بناء الإنسان بالحب واسترداد قدرة الحلم، فبقدر ما تمتلك خصوصيتها العراقية الساطعة، تتجه بقوة إلى كونيتها لتكون حكاية الجميع وحلم الجميع وتاريخ الجميع قتلة ومقتولين وعشاقا وحالمين.

" صائد الجثث " ليست مجرد رواية تقرأ، أو درب يعبر، أنها مجموع الاسئلة التي ترتطم بوجوهنا التي تصخرت امام ضياع كل ما هو انساني فينا وحولنا..!! ..

نصٌ روائي يحرضك على طرح الأسئلة /الفعل، لانه يضعك امام ضرورة استحقاقات وجودك الإنساني،وكما جاء في في احد الفصول للرواية :

519-zohir(هو يحتاج بعض الوقت يتمنى أن يكون قصيراً كي يضع ما يسمونه في الافلام، النهايات المحزنة، لقد شعر أنه لا يمكنه خرق القانون الذي يتحكم بوجود رائحة ما، تلك الكتلة الكثيفة من الدخان التي سدت السماء، حتى أنه لم يعد بإمكانه انتظار خيط ضوء واحد، ولم يعد في طبعه قوة تساعده على رؤية العالم خارج العتمة، كان مؤمناً أن تكليفاً عليه إنجازه بسرعة، سوف تفرح أمهم بعودتهم واخواتهم وأولادهم، أمّا هو فقد تحللت في داخله تفاصيل النزهة التي يسمونها الحياة، وتعفنت كلّ العناصر التي تشكل صورتها، هو يشعر أن في داخله كراهية شملت حتى نفسه،إنه يكرهها لأنها تمارس مادام هو حيّ هذا التفاعل التخريبي الذي يسمونه العلاقة بين البشر، إنه سلوك شائن يصرّح المتقاتلون ان الشرائع السماوية قد اقّرته والحقيقة، كان يسال نفسه :هل أن أصل فكرة الخلق تضمنت الاقرار بهذا التفاعل الحيواني الغريزي الشرير؟. كان يبكي ولم يعد ير في هذه الفعالية عيباً، لم يعد مؤمناً بأفكار كهذه، الحقيقة أنه عندما يبكي ليس من الحزن على كونه انسان يتعرض للهلاك بل لأنه لم يعد كائناً آخراً منزهاً تماماً من لوثة الذهن وقذارة التفكير، قبل الحادثة بوقت طويل ومنذ اندلاع هذه الحرب كان يفكر أنه من المفروض أنه كلما تطور العقل البشري، وتعمقّ السؤال الفلسفي وتنوعت الافكار، كلما تسارعت الاختراعات ومكائن الانتاج والمواصلات ووسائل الراحة والعلاج الجيد، يكون الانسان أكثر استعداداً لرفع ذاته فوق مستوى الوحشية، كان يهزّ رأسه أسفاً وهو يردد،_كل شيء بالعكس ثمة خطأ كبير، خطأ لا أعرف أسراره).

إنها رواية جديدة تستحق الاهتمام وتضع بين يدي القارئ مفاتيح جديدة لفهم عالم الروائي الإبداعي، رواية تنقل الواقع بلغة أدبية جميلة، تميزت بقاموس خاص ميز كتابات الروائي " الجبوري" وسطرت له خطا بارزا في مجال الكتابة الأدبية،كتابة تعبر عن كيفية فهم الروائي المحترف طريقة نقل هذا الواقع دون الوقوع في خطابات أخرى غير أدبية، كتابة تملي عليه كيفية استخراج المعاني والدلالات و المقاطع الفنية والمشاهد المعبرة،

لقد استطاع زهير الجبوري في رواية "صائد الحثث" أن يبني عالما متماسكا مليئا بالأحاسيس، وأن يصور جماليا مجتمعا تملؤه التناقضات والإحباطات المتكررة، كما استطاع أن ينسج بلاغة للقيم الإنسانية التي تتوزع في الرواية بين الحلم والانكسار، أو بين الظلم والعدل، أو بين القيد والحرية، أو بين الثقافة واللاثقافة... ..

وزهير الجبوري، من مواليد بغداد 1965، هاجر إلى الأردن عام 1993 ثم تنقّل بين مدن كثيرة حتى استقر به الحال في بروكسل عام 2003

نشر في الكثير من المواقع الادبية نصوصه الشعرية.

له خمس مخطوطات روائية وثلاث مخطوطات شعرية تنتظر النور.

 

بقلم الكاتب \ علي المسعود

كاتب عراقي مقيم في المملكة المتحدة

رعاية المعوقين والتكامل الأسري كتاب جديد للدكتورة صبيحة السامرائي

518-samaraiصدر عن دار نشر الوركاء في لندن كتاب بعنوان: رعاية المعوقين والتكامل الأسري للدكتورة صبيحة السامرائي. وذلك في اليوم الرابع والعشرين من شهر شباط – فبراير عام 2014 وهو دراسة ميدانية لفئة من أطفال سلطنة عمان والخليج العربي .. الدكتورة صبيحة السامرائي

- ولدت في مدينة العمارة – محافظة ميسان – العراق.

518-samarai- بكالوريوس الخدمة الإجتماعية - جامعة بغداد.

- الدبلوم العالي في التربية الخاصة.

- ماجستير في علم الإجتماع.

- دكتوراه في التربية الخاصة.

- أنجزت العديد من البحوث والدراسات في المجالات الإجتماعية والنفسية.

وأعدت دورات تدريبية في التربية الخاصة ورعاية المعوقين، وأشرفت على تدريب الكثير من الطالبات الجامعيات في عمان.

- عملت في العديد من المراكز والمعاهد والمدارس الخاصة بالتربية الخاصة

لرعاية ذوي الإحتياجات الخاصة،في مجال الإعاقة العقلية والسمعية والتوحد.

في العراق والأردن وسلطنة عمان والإمارات العربية

الحدود الاخلاقية للأسواق

516-hatamكتاب (ما لا يمكن شرائه بالنقود، الحدود الاخلاقية للاسواق) يعرض تحليلاً دقيقاً وشاملاً لتأثير الاسواق الحرة على حياتنا للبروفيسور مايكل ساندي استاذ السياسة في جامعة هارفرد. حجته، والتي يصعب مقاومتها في عدة جوانب، تركز على مسالة زيادة التسليع (تحويل كل شيء الى سلعة) في وجودنا ويعتبرها شكلاً من الفساد الذي يحطم علاقاتنا مع بعضنا البعض وعلاقة الفرد مع المجتمع.الكتاب لا ينطوي على اسماء كثيرة، وللغرابة حتى ارسطو ذُكر فقط مرتين مع انه يشكل حجر الزاوية في تفكير ساندي على طول الكتاب. لكن عميد الليبرالية التقدمية، (جون رولس)، كان مختبئا بشكل واضح في ضلال الكتاب دون ان يُفصح عنه.

يبدأ ساندل بقائمة من الاشياء والتي، هي في امريكا على الاقل، يمكن شراءها – تتراوح بدءاً من التمتع الافضل بالرعاية الصحية، مروراً بما هو أغرب (ترقية زنزانتك في السجن)،وصولاً الى ما هو فاحش(الحق بقتل الحيوان المهدد بالانقراض). نقطته الاساسية هي ان في عالم فيه كل شيء يمكن شرائه وبيعه، نكون فشلنا بملاحظة لماذا بعض الاشياء لا يجب ان تكون كذلك. في النهاية، ما يعارضه هو شكل من الفساد جرى فيه اختزال قيمة كل شيء، بما في ذلك الجنس والصداقة والحب.

516-hatamهذا الكتاب يُعتبر محافظاً، وسوف ينال اعجاب منْ هم على ضفتي الاطلسي الذين ينحون باللائمة على العولمة وتأثيرها المدمر للعلاقات وللجماعات التقليدية . هناك القليل من الايمان في الخيرية اللامرئية لآدم سمث نجدها في هذه الصفحات، وهناك ايضا لحظات تكون فيها ميول ساندل للمساواة واضحة تماما. في الحقيقة، هو يكشف عن ذاته كونه اكثر من رد فعل في تفضيل الجماعية على الفردية، وهو يعطي صورة لليبرالية كفلسفة اخلاقية وسياسية اكثر تنوعاً مما يسمح به نقادها. الليبرالية لدى ساندل هي قادرة على النقد الذاتي الذي يمكنه ابعادها عن جنون السوق مدركاً ان العدالة تتطلب وجود سلع خارج متناول شيكات اي شخص. وبعبارة اخرى،السوق يمكنه قمع الشخص وتحريره ايضا، وان مقدرته على التهميش الاقتصادي القاسي هو الذي يلهب النقد الذاتي لليبرالية.

لذا بالنسبة لساندل، الليبرالية ليست قدرا دراميا، وان بعض مؤيديها اعترفوا بالاثار السلبية للسوق وانهم يريدون كبح جماحه. مع ذلك، هؤلاء فشلوا بالإقرار بالخطر الذي يسببه الاغنياء حين يدفعون النقود لشراء مكانهم في مقدمة الطابور . ان حيادية السوق حول قيمة افضلياتنا- الحيادية التي تشترك بها كل انواع الليبرالية- تعني بالنسبة لساندل التراجع عن ثقافتنا.

الاقتصاديون لا يحبون الهدايا. فهم يرونها غير رشيدة. كل من يعطي هدية لا يستطيع معرفة اقصى رغبة لدى الآخر، واي هدية هي ليست اكثر من عمل طائش وبلا جدوى. الهدية الوحيدة التي يجب ان تُعطى هي المبالغ النقدية لانها الاكثر فعالية.(1)

مايكل ساندل، يطرح وجهة نظر مختلفة عن رؤية الاقتصاديين اعلاه. هو يرى مع ان اعطاء الهدية قد لا يخلق معنى اقتصادي ملموس، لكنها ذات معنى كبير بالنسبة لقيمنا الثقافية. هناك اخلاق اجتماعية طبعت الممارسة ولفترة طويلة، مثل تعظيم التعاطف، الكرم،الاكتراث، لفت الانتباه. القيمة المثلى، رغم ما يقوله لنا الاقتصاديون، ليست دائما هي الاعظم فعالية.

ما يقلق السيد ساندل هو انه، عبر الـ 30 سنة الماضية، بدأت الاولويات الاقتصادية بمزاحمة القيم الاخرى، واصبحت قيم السوق تتحكم بحياتنا على نحو غير مسبوق.لم يكن تركيز ساندل على الانهيار المالي عام 2008 وما بعده، وانما ركز على ما اعتبره خسارة عميقة في بوصلة الاخلاقية الجمعية. نحن نشهد تزايداً في شعبية صناعة "بطاقات الهدايا"، التي تستبدل الهدايا النقدية باخرى اكثر تقليدية.نحن باطراد نسير باتجاه ثقافة تُركت فيها قيمنا جانبا لمصلحة الرؤية باننا يجب دائما ان نعظم الفاعلية. وكما يلاحط ساندل "بعض السلع نحن نوزعها حسب الجدارة، اخرى نوزعها حسب الحاجة، ولا تزال اخرى توزع بالحظ او اليانصيب". الطريقة المحددة تتقرر كثيرا بالعادة. وان العادات الاجتماعية تُبنى عبر تراكمات طويلة جداً.

ينظر ساندل الى امريكا ويلاحظ جميع انواع المواقف التي تحولت فيها القيم التقليدية في السنوات الاخيرة نحو اخلاقيات السوق.

يأتي المؤلف بمثالين حول شراء الطابور في جلسات الاستماع البرلمانية وفي مسارح الهواء الطلق المجانية. في كلتا الحالتين، الشركات تسمح للاثرياء باستئجار شخص مشرد للوقوف في الطابور الى حين حضور الفرد الغني. هذا مثال عن الاشياء المشتركة والمجانية التي جرى تسويقها وتحويلها الى نقود. هذه العملية يعتبرها ساندل غير عادلة وانها تفسد وتحط من قيمة الشيء المباع. هناك خطوط سريعة تسمح لنا بشراء طريقنا خارج زحمة المرور. العديد من المدارس حاليا"تحفز الآداء، تدفع للطلاب لو قرأوا كتب او عملوا جيدا في المدرسة، بعض المدارس حاليا تبيع اعلانات على بطاقات تقارير الاطفال. المدن بانتظام تبيع اماكن اعلانات في البنايات العامة، تتراوح من الحدائق العامة الى سيارات الشرطة. في كل من هذه الحالات، الافكار الراسخة منذ وقت طويل حول القيمة الفطرية والملكية المشتركة جرى استبدالها باخلاق السوق المبسطة. يلاحظ ساندل وجود مخاوف عملية في هذا التحول، تؤثر على مسائل جوهرية مثل المساواة . الخوف الاكبر هو خوف روحي وفلسفي، حول كيف يجب ان نقيّم ما يسميه ساندل "الاشياء الجيدة في الحياة".

قيم السوق ليست فقط تضغط وتهزم القيم الاخرى- بل هي حالما تدخل، تميل لتتمدد نحو الافق. وعن تاريخ التأمين على الحياة، يبين ساندل كيف ان التأمين الذي قُصد به مرة آمان خالص للعوائل اصبح عربة استثمار شريرة. في امريكا، حتى عام 1850 كان التأمين لم يحصل على شرعية الاّ اذا كان مصمماً لحماية عائلة الشخص في حالة الموت غير المتوقع.لكن اخلاق السوق اكتسحت تدريجيا المعارضات القديمة، واليوم تقدم الشركات لمستخدميها بانتظام سياسات تأمين على الحياة لأنها تعطي عائداً ممتازاً. والسنوات الاخيرة شهدت زيادة في صناعة تسويات التأمين التي يشتري بها المستثمرون سندات التأمين على الحياة من كبار السن . كلما مات الناس بسرعة، كلما كان المردود أعلى. ربما من الصعب العثور على طريقة اكثر دناءة من هذه في الحصول على الربح.(2)

ما لم يقدمه ساندل هو العلاج لإعادة الامور الى نصابها. هو يبدو كناقد رقيق يطلب منا فقط ان نفتح عيوننا. يقول "الرشوة احيانا جيدة"وهي ربما في مناسبات معينة تكون الشيء الافضل. مع ذلك، هو يكتب،" من المهم ان نتذكر اننا متورطون في رشوة، وهي ممارسة لصفقة اخلاقية تستبدل المبدأ الاعلى بآخر ادنى".

مستر ساندل يشير ايضا الى تغيير يبدو بسيطاً في المجتمع لكنه عميق جدا. قبل جيل مضى، الاقتصاديون اعتبروا مهنتهم هي فهم الاسعار، الركود، البطالة، التضخم. كان الاقتصاد موضوعا كئيبا، لكنه على الاقل كان علما. غير انهم وسعوا مجالهم ليضم السلوك الانساني بأكمله.في عام 1976 كتب الاقتصادي (GaryBecker) الحائز على جائزة نوبل كتاب "الاتجاه الاقتصادي للسلوك الانساني". منذ ذلك الوقت زادت طموحات الاقتصاديين الى النقطة التي اصبح فيها موضوع الاقتصاد يشمل كل شيء. ومع صدور الـ "Freakonomic "(3) عام 2005 صرح المؤلفان ستيفن ليفت و ستيفون دوبنر بان "الحوافز هي حجر الزاوية في الحياة الحديثة" وان الاقتصاد هو في الاصل دراسة الحوافز".

المؤيدون لأخلاق السوق يدّعون انها لا تفرض نظاماً عقيدياً معيناً، فانت حين تضع خيار تعظيم المنفعة في جوهر نظامك العقيدي ذلك لا يختلف عن اختيارك اي مبدأ ايديولوجي موجّه. كل مشكلة لها حل مرتكز على الحوافز، كل توتر يمكن حله بالبحث عن اعظم نتيجة فعالة ممكنة.

للاسف، هذه رؤية اختزالية محبطة للتجربة الانسانية. الناس يموتون لاجل الله او الوطن او القرابة او الارض. لا احد رفع البندقية ومات لأجل تعظيم المنفعة الاجتماعية. الاقتصاديون ليس بوسعهم تحمّل المسؤولية عن هذه الحقيقة الاساسية للانسانية. لكنهم افترضوا دوراً في المجتمع كان يمارسه الفلاسفة والثيولوجيون طوال الـ 4000 سنة الماضية. هم جعلوا حياتنا اكثر تحررا وكفاءة. لكننا اصبحنا الاكثر فقراً نتيجة لذلك.

 

...................

كتاب (ما لا يمكن شرائه بالنقود: الحدود الاخلاقية للاسواق) لمايكل ساندل استاذ السياسة في جامعة هارفرد،صدر عن دار بنغوين عام 2013 بـ 256 صفحة.

هوامش توضيحية

(1) يتألف الاقتصاد من مشترين وبائعين. في الاجراءات العادية،البائع يحصل على سعر يتجاوز الكلفة والذي يمثل الربح، بينما المشتري يحصل على سلعة يجب ان تكون القناعة الناتجة عن استهلاكها فوق سعرها وهو ما يسمى"فائض المستهلك".السوق الفعال هو الذي يعظّم الفائض لدى كل من المشتري والبائع. في حالة الهدية، البائع لايزال يستلم ربح، لكن المستهلك النهائي(مستلم الهدية) يحصل على سلعة تعطي قناعة أقل مما لو اشترى بنفس مبلغ الهدية حاجة اخرى لنفسه.السوق الفعال يجب ان تتوفر فيه "معلومات تامة" عن ظروف البيع والشراء. مستلم الهدية لا يمكنه قياس مدى القناعة لديه لأنه حصل عليها مجاناً.

(2) يوضح ساندل كيف ان التأمين على الحياة الذي برز في الاصل من فكرة الحاجة للتخفيف من العبء الاقتصادي على المتوفي وعائلته، اصبح شكلا فاسداً من المراهنة على حياة الناس. وكمثال على ذلك ما يسمى Stoli)) وهو نوع من التأمين فيه يتم اصدار بوليصة التأمين على حياتك لكنها ليست لمصلحتك وانما لمصلحة طرف اخر هو المستثمر. صاحب العمل عادة يشتري بوليصة التأمين على حياة العاملين لديه ويصبح بذلك هو مالك البوليصة والمستفيد منها. هذه البوليصة المشتراة هي ذات قيمة نقدية. يستطيع رب العمل اقتراضها، وهي ستنمو بسرعة بسبب ما تتمتع به من مزايا ضريبية، وحينما يموت العامل الحالي او السابق فان صاحب العمل يستلم منافع الوفاة معفاة من الضريبة. سند التامين على الحياة هذا لا يشترط موافقة العامل عليه وهو يبقى صالحا حتى عندما لم يعد العامل موجودا في الشركة.

(3) وهو كتاب يستكشف الجانب المخفي من كل شيء، صدر عام 2005 عن دار وليم مورو في امريكا للكاتبين Steven Levitt و Stephen J. Dubner.الكتاب مزيج من ثقافة الجماهير والاقتصاد وفي عام 2009 بيعت منه اكثر من اربعة ملايين نسخة، وهو يتألف من سلسلة من المقالات يوضح فيها المؤلف كيفية تطبيق المبادئ الاقتصادية على العالم الواقعي بطراز غير تقليدي، البيانات التي يعرضها تكشف حقائق مذهلة عن الكيفية التي يعمل بها العالم. المؤلف يعرّي طبقة او اكثر من سطح الحياة الحديثة لينظر ما تحتها، انه يفتح ذهن القراء على فكرة ان الاشياء هي ليست حقا ما يبدو لنا او ما قيل لنا. يطرح الكتاب الافكار الاساسية التالية:

– الحوافز هي حجر الزاوية في الحياة الحديثة.

– الخبراء يوظفون معلوماتهم لخدمة مصالحهم الخاصة.

– الحكمة التقليدية عادة خاطئة.

– التأثيرات الدراماتيكية ربما تعود لاسباب بعيدة واحيانا ماكرة.

 

(أنطولوجيا شعراء النمسا) .. الروح بحيرة عميقة

badal raffowالمختارات الشعرية التي أعدها وترجمها الشاعر والمترجم العراقي بدل رفو مزوري تحت عنوان «أنطولوجيا شعراء النمسا»، تتيح للقارئ العربي أن يطلع للمرة الاولى على الارجح، على نتاج العشرات من الشعراء النمسويين الذين عمل مزوري على نقل أعمالهم الى اللغة العربية. وباستثناء قلة قليلة من الاسماء لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة بينها الشاعر المعروف جورج تراكل والشاعرة الروائية الحائزة جائزة نوبل للآداب الفريدة يلينك، فإن الاسماء الاخرى غير معروفة تماماً خارج الدائرة النمسوية او الاوروبية، مما يكسب العمل المترجم طابعاً ريادياً بحق على رغم التفاوت الواضح بين تجارب الشعراء المختارين ومستوياتهم الابداعية. وهو امر لا يضير المترجم بأي حال لأن هدفه هو اعطاء صورة وافية وشبه شاملة عن الشعر النمسوي في القرن العشرين في معزل عن تفاوت المستويات وتنوع المدارس والاساليب.

قد يصعب بالطبع التوقف عند كل الاسماء الشعرية المتضمنة في هذه الأنطولوجيا الشعرية، ولكن ذلك لا يمنع من الاشارة الى ان ما يجمع بين الشعراء المختارين في وجه عام هو الابتعاد من الافاضة الكلامية والاسترسال الانشائي والقصائد «الكلية» التي تريد ان تقول كل شيء دفعة واحدة، من دون ان تقبض في النهاية على اي شيء يذكر. ثمة في هذا الشعر تركيز على المعنى وتصويب باتجاه الفكرة النواة حيث يتم اختيار الصور بدقة وحذر شديدين، بقدر ما يتم الابتعاد من تحشيد الصور ورصفها في شكل عشوائي. على ان اللافت عند الكثير من الشعراء هو نزوعهم الواضح نحو التصوير الواقعي للموضوعات والعناوين المتناولة بعيداً من الاغراق في العبارات والتهويمات البلاغية كما في قصيدة «الشاعر» لأنغيبورك أورتنر التي تقول فيها: «يمسك الشاعر اليراع بيده/حاداً... والمداد أسود/مستعد للحرب كالسلاح/مدمدماً شاكياً باحثاً وغاضباً/ والمداد يلتهم الورقة/ واليراع يخدش/ ولكن الاصبع والابهام يمسكانه بقوة/ ويكتبان بقوة». هذا النزوع الواقعي عند أورتنر يكاد يزيل الفواصل بين الشعر والنثر وينحو بالقصيدة الى التقشف البلاغي والتخفف من حمولتها الجمالية والتخييلية بغية التصويب الى المعنى غير المموه او الى الحقائق السافرة للوجود. وهو ما نلمحه أيضاً عند شاعر آخر هو الويس هالنير الذي تتركز قصائده حول قضايا الانسان المعاصر الملحّة كالاستغلال والجوع والعنف ولو أنه يتوسل لمقاربة هذه الموضوعات اسلوباً مبطناً ومشبعاً بالسخرية كما هو حال قصيدة (نظرة عالم مقلوبة» التي تقارب الحروب بصفتها وسيلة الرأسمالية الانجح للتخلص من الفائض السكاني: «لدينا فائض من الناس أكثر مما هو ضروري/لينعموا بدخل جيد/ وكي يغدو العالم اكثر غنى/ علينا ان نضع حداً للفائض/ وإن كان ضرورياً ولا بد منه/ فبالنار والجوع والقنابل).

غير انه بقليل من التأمل يمكن قارئ الانطولوجيا أن يرى الفوارق واضحة بين شعر الاجيال التي ترعرعت في ظل الحربين العالميتين الاولى والثانية، كما في ظل الصعود المتعاظم للواقعية الاشتراكية التي انعكست في شكل واضح على موضوعات القصائد وأساليبها، وبين شعر الاجيال اللاحقة الذي تحرر الى حد بعيد من وطأة الايديولوجيا وربقة المفاهيم المسبقة. على ان اللافت على رغم ذلك هو اننا لا نلمح في الشعر النمسوي نزوعاً طاغياً الى التجريب أو الاعتبارات الجانية للشر، بل ثمة توجه اساسي نحو الحفاظ على المعنى الذي يطل أحياناً في شكل مباشر وفي اطار من التقشف التعبيري والصوري ويتوارى أحياناً أخرى وراء غلالة من الغموض غير المستغلق. فعند الشاعر الشاب هانز سالخير قصائد قصيرة وخاطفة أشبه بالبرقيات التي يرسلها سالخير باتجاهات مختلفة أو المقاربات المختزلة للظواهر والاشياء. ففي قصيدة «الحلم» يقول الشاعر: «البارحة حلمت بأن العالم يحذو صوب الزوال/ لكنني اليوم أحلم ثانية». واذا كانت هذه المقطوعة تمجد الامل وتجدد الحياة، فنحن نلمح في مقطوعة أخرى خلاف ذلك تماماً حيث نقرأ: «أزرع حجارة في الارض وأنتظر الحصاد/ وأنا سأتحدث مع من؟». وهو ما يؤكد من جديد أن الشاعر لا يملك منظوراً نهائياً وثابتاً للواقع بقدر ما يخضع لحالات متغايرة في دلالاتها وانعكاساتها على نفسه.

يرسم الشاعر فولفكانك باور المولود في اربعينات القرن المنصرم بدوره صورة مضيئة للشعر النمسوي الحديث حيث تتخفف القصيدة من تعقيدات العالم المعاصر وتقنياته المستجدة التي تسهم في تشييء الانسان وسحق طموحه الى الحرية والانعتاق من قيود المجتمع الاستهلاكي المرهقة. وعلى رغم ان باور قد وزع نفسه بين الفنون المختلفة كالمسرح والرواية والقصة والدراما التلفزيونية، فإن ذلك لم ينعكس في شكل سلبي على تجربته الشعرية التي ازدادت غنى وتنوعاً. وقد تكون قصيدته «هروب الى النقاء» المثبتة في المختارات احدى أجمل قصائد الانطولوجيا النمسوية من حيث يساطتها وعمقها وتصويبها باتجاه المعنى: «يلاحقني سرب من الامثال/ وأريد الهروب من خدماتها الحلوة/ الامثال التي شبعت منها منذ زمن/ فأنا أعرف أن الشجرة هي شجرة الحياة/ والحياة حلم/ والروح بحيرة عميقة/ والسماء خيمة/ وطنين النحل موسيقى/ والليل معطف/ والشمس كرة/ والقمر منجل/ ولكن اذهبي خارجاً أيتها الامثال/ فأنا أريد ان أنظم الشعر...».

 

"حادي المسيرة " كراس لذكرى المناضل الراحل محمد عبد الكريم منصور

517-shakir"حادي المسيرة" هو كراس توثيقي أصدرته لجنة التأبين تخليداً لذكرى القائد والمناضل الشيوعي، ابن طيرة بني صعب، محمد عبد الكريم منصور (2014- 1938)، ويتضمن سيرة حياته النضالية الزاخرة بالعطاء، ورصد لمواقفه الوطنية التقدمية من مختلف القضايا الشائكة والمصيرية التي تواجه جماهيرنا العربية في هذه البلاد . وجاء في الكراس أن الراحل منصور من مواليد عام 1938 في الطيرة بالمثلث الجنوبي، وفيها أنهى دراسته الابتدائية والثانوية . تأثر بالفكر الثوري الوطني والشيوعي منذ نعومة اظفاره، وبرزت لديه قدرات قيادية في جيل مبكرة، فانضم على صفوف الحزب الشيوعي في العام 1961 ليكون من ابرز مؤسسي وقادة الفرع في بلده وفي المنطقة حتى أيامه الأخيرة . وعين معلماً في إحدى قرى النقب وكان من مؤسسي الخلية الأولى للمعلمين الديمقراطيين، الذين تصدوا للتعسف بحق المعلمين العرب ولمناهجهم العربية القومية في المدارس العربية غلا انه فصل من جهاز التعليم في خطوة سلطوية انتقامية من دوره النضالي . وبعد فصله التعسفي اعتاش من العمل في الزراعة، وهو من قادة يوم الأرض الأول العام 1967 واعتقل في ذاك اليوم الكفاحي . وقد ظل قابضاً على جمرة الفكر والنضال في إطار الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة . ولم تمنع هويته الحزبية عنه الاحترام الذي حظي به من كافة النشطاء السياسيين المحليين، وكان باستقامته وتجربته محط احترام وتقدير .

يشتمل الكراس على كلمات وفاء ورثاء وتأبين للفقيد الغالي محمد عبد الكريم منصور وصور من مسيرة حياته ونشاطه الحزبي، فيكتب عبد المنان شبيطة رفيقه وصديقه في الطفولة والشباب ورفيق عمره ودربه في الكفاح، مؤكداً انه من رجال المبادئ النادرين . أما بلدية الطيرة التي كان الراحل عضواً في مجلسها البلدي واسهم بعمرانها وتطويرها فأشارت إلى حقيقة أن منصور " صاحب الحنكة والتجربة العميقة، لم يبخل يوماً على بلده وبلديته بتقديم العطاء وإسداء النصيحة وتقديم المشورة .

517-shakirويؤكد عادل عامر أن لمنصور نكهة خاصة في حياتنا الحزبية والسياسية، وحمل في شخصه الأصالة والعراقة، وهو يمثل عبق التاريخ النضالي لجماهيرنا العربية، وان المصداقية الأخلاقية في الكفاح والنضال هي الإرث الذي نحمله منه .

وفي الكراس كلمة للدكتور يوسف عبد الحليم بشارة، الذي عرف الفقيد في عدة محطات زمكانية بلورت ثقافته السياسية والاجتماعية عبر مسيرة مضيئة طويلة الأمد.

أما الكاتب مفيد صيداوي فيكتب عن محمد منصور قائداً وطنياً ومثقفاً ثورياً، في حين يستذكر امجد شبيطة قصة الإضراب عن الطعام الذي نفذه المرحوم في أثناء اعتقاله.

وفي نهاية الكتاب تشارك عربية منصور بكلمة باسم عائلة الفقيد، مؤكدة فيها أن منصور، الذي كان أكبر الإخوة، شكل البوصلة الموجهة بالأخلاق والمبادئ الإنسانية، ومركز للاستشارة . وكان بمثابة المدرسة الشعبية المتنقلة في دوائر مجتمعية كثيرة تجمع بين الفتية والشباب والأنداد تبث فيهم روح الوطنية ومقاومة الإحباط الذي تفشى بين فئة الشباب في مجتمعنا.

ويبقى محمد عبد الكريم منصور راسخاً في الوجدان وذاكرة الشعب الوطنية، رمزاً ومثالاً للمثقف الثوري والإنسان الكبير والقائد الوطني الشجاع والخطيب البارع والمناضل الفذ، فله الرحمة وطاب ثراه .

 

الشاعر والمترجم الرحال بدل رفو يطلق شهده وثلجه من بغداد

badal raffowصدر للشاعر والمترجم الرحال بدل رفو المزوري ضمن مشروعه الانساني في تعريف الثقافات والحضارات على بعضها البعض عن طريق الانتلوجيات التي يترجمها ، انتلوجيا جديدة لشعراء من كوردستان بعنوان الشهد والثلج عن دار الثقافة والنشر الكردية في بغداد.ضم الكتاب 120 صفحة من الحجم المتوسط ومن تصميم المبدع سلام حسب الله.يعد هذا الكتاب الثالث عشر ضمن اصدارات بدل رفو وله مجموعة اخرى تحت الطبع وللعلم بان الاديب بدل رفو وفي زيارته الاخيرة لكردستان

اقتنى بثمن مكافاة الكتاب من دار الثقافة والنشر الكردية نسخاً من الكتاب كي ياخذها معه الى النمسا .. الشهد والثلج يضم بين دفتيه 28 شاعرة وشاعر وكل شاعر صورته وقصائده وسيرة حياته بالاضافة الى سيرة حياة المترجم في نهاية الكتاب

الشهد والثلج اضافة الى المكتبة العربية لشعراء الكرد ومن شعراء الانتلوجيا (احمد ياسين بندي، امنة زكري، اديب جلكي، بدرخان السنيدي، بدل رفو، بيار بافي، بيار زاويتي، خيري هه زار، سلام بالايي، سلوى كولى، شعبان سليمان، شيرزاد زين العابدين، شيلان عبدالمناف، صبري نهيلي، صديق شرو، عبدالرحمن مزوري، عبدالله سليمان عبو، قدري شيرو، كرمانج هكاري، كوفان خانكي، محفوظ مايي، محمد سعيد بلو، مسعود خلف، مصطفى سليم، ميفان بروشكي، نجيب بالاي، نيوار عبدالقادر حجي، هفال فندي).

وأقيم حفل توقيع الكتاب في فيننا والذي اقامته بيت الكرد في فيننا تكريما للاديب الذي يحمل وجعه ووجع شعبه وقضية الكرد اينما اتجه وقال المترجم بدل رفو بانه سيتم توزيع الكتب والتي هي من حصته على المكاتب العربية وجامعات الدول العربية للتعرف على الادب الكردي..لقد تنوعت المواضيع التي ترجمها المترجم مابين حب الوطن والطبيعة والرومانسية الجارفة لبعض الشعراء لغاية الفساد وقد قال الاديب الكبير جلال زنكابادي رداً على احدهم في الفيسبوك بانه حين يترجم هو وبدل رفو لشعراء فهذا باسبورتات لشهرة شعرائنا واما الشاعر المغربي الكبير ادريس زايدي قال: كما عودتنا الصديق الشاعر بدل مزوري ، تتحفنا ب(الشهد والثلج) فلنقتسم معك فرحة الإصدار ومتعة الإبداع في تاريخ الشعر الإنساني إبداعا وترجمة ومتابعة .. دمت للأدب واما بيان القيمري من فلسطين قالت: ان شاء الله سندعو بدل رفو الى فلسطين ليطلعنا على الادب الكردي لانه خير سفير لبلاده ومن جيبه الخاص وليس من جيب الدولة وكل التوفيق والإحترام للكبير بدل رفو

ويقول بدل رفو في اهدائه للكتاب

لا تحزن ولا تيأس يا شاعراً

قدره الترحال

والرقص على رمال

         غربة البحار..!!

كتبت الروائية النمساوية (انغيبورك اورتنر) سيرته الذاتية في كتاب الماني واقيم له حفل تكريمي في النمسا ويحاول بدل رفو في رحلاته ان يترجم لكردستان اداب وعادات وتقاليد البلدان ويوصل صوت الكرد لبلاد لم تسمع باسم الكرد ومثلما قال السياسي الكردي مكي اميدي من برلين في حين استقبل محافظ اقدم مدينة مكسيكية بدل رفو وقال السيد مكي: بدل رڤو سفيرنا في بلاد قلما يصلها الكورد ، أتابع رحلاتك جيدا و اعرف مدى إخلاصك لإيصال اسم الكورد الى شعوب العالم ..

شكرآ لجهودك الجبارة

مسيرة بدل رفو مستمرة ومن جيبه جهده ، معرفتي ببدل رفو ترجع الى بداية الثمانينيات ولكنه الان اكثر دفقا وعطاء وحبا لناسه وشعبه وادب بلاده...الشهد والثلج ينثرها بدل رفو من بغداد الى العالم وثقافات الغرباء

الشاعر مصطفى المهاجر يصدر: قبل فوات الآوان

512-muhajerصدر للشاعر القدير الاستاذ مصطفى المهاجر ديوان جديد بعنوان: قبل فوات الآوان.

يقع الديوان وهو السابع ضمن اصداراته الأدبية في 108 صفحات من الحجم المتوسط، اشتمل على 43 نصا ادبيا، وقد صمم غلافه فضل الله الساعدي.

 

صدر الديوان بنسخته الألكترونية حاليا ضمن مكتبة المثقف، على امل صدوره لاحقا ورقيا.

 

512-muhajerكتب الشاعر في اهداء الديوان:

لي .. موشكا على الرحيل

بلا وطن

وإليها .. وطنا بديلا

حيث لا وطن

 

قبل فوات الآوان / مصطفى المهاجر

 

جاء في تقديم الاستاذ الدكتور عبد الرضا علي:

مصطفى المهاجر، أو "صباح الأنصاري" شاعرُ القممِ العالية الرصينة بامتياز ، وهذه المجموعة الموسومة بـ" بعد فوات الأوان" تثبتُ للمتلقّي الكريم أنَّ هذا الشاعرَ وريث ُ عمودِ الجواهري الجديد باقتدار، وشعر التفعيلة السيّابي الفاعل بيقين. ولا غَروَ، فـ "بول فاليري" يقولُ: " لاشيءّ ادعى إلى إبراز أصالةِ الكاتبِ وشخصيتهِ من أن يتغذّى بآراءِ الآخرين، فما الليث ُ إلّا عدّة خراف مهضومة ."

ثمّةَ مميّزات ينبغي الإشارة إليها في هذه المجموعة تتلخّص بالآتي:

1- صورها الفنيّة على درجةٍ عالية من الابتكار، فهي توليديّة نامية ليست عاديّة،وأخيلتُها جديدة موحية نأت عن التعبير الصريح، كما في قوله:

فأنتَ تُضيئُ ...

بلمسِ النجومِ

و نحنُ اشتعلنا ...

بلمسِ يديكْ

فمن أينَ نذهبُ ...

عن ناظريكْ ...؟!

و من أين ...؟ من أين ..؟

نأتي إليكْ ..!

فكلُ الدروبِ تحيطُ بنا

و تدفعنا كي نحطَ لديك

حنانيكَ هذا مقامُ الندى

و هذي المزاميرُ ...

تبكي عليك.

 

2- عاطفة نصوصها تقترب من درجة الاتّقاد، ولا تنفكّ ُ تلازمُ القارئ الجاد بقوّة، وهذه الديمومة هي الشرط الأهم في تمييز العاطفة الحقيقيّة من غيرها من العواطف التي تجيء من خارجِ النصِّ، ومتى كانت من داخله أضحت مثيرةً للوجدان، ولسنا نغالي إن قلنا : إنّ المهاجرَ حين يبكي يجعلكَ تشاركه البكاء، وحين ينشدُ لوطنه الجريح يجعلك تلامس الجراح معه، وإذا اشتكى الوجد وتغزّلَ على نحوِ ما يظهر الصوفيّ، أو العذري من بوحٍ، فإنّه يقودك إلى أن تعيش معه تجربة الاكتواء واللوعة كما في:

 

يراودني الوهمُ

أنْ سوف تذكرني

ذات بُعدٍ

فتبعث لي

عبرَ هذا المسمى البريد

سلاما

فأختالُ من فرحٍ

تضيئُ بي الروحُ

أستنشقُ الذكرياتِ البعيداتِ

بوحاً أليفا

و نفحاً شفيفاً

و سرباً من القبرّاتِ

المحناةِ بالوجدِ ...

إضمامةً من خُزامى

***

و لكنهُ الوهمُ

لكنهُ الوهمُ

يا صاحبَ الروحِ

جوهرةُ غُصةٌ

و الندامى ...

على شاطئيه ..

يتامى ..!!!

 

3- موسيقا شعرها ساحرة، تنسابُ انسياباً من غير التواءات، أو ضروراتٍ، وإيقاعاتُها المختارة تثبتُ حسَّ شاعرها عروضيّاً ً في استخدام بعضِ الأوزانِ على نحوٍ فاعل، كما فعلَ الشاعرُ في إيقاع المتقارب حين خلّصه من بعضِ ما فيه من رتابة، وقد أكثرَ من إيقاعه وجوّد في القصائد الآتية : بكاء المزامير، وقصيدة الفراق، وما تشاؤون، و انتظار، و قبلات لبغداد، ووهم، وغيرها.

   فضلاً عن إفادتهِ من تداخل إيقاعي المتقارب والمتدارك في قصيدة "برعم" و قصيدة " بعد فوات الأوان" وهي ميزة حقّقها الشعر التفعيلي خلال حركتهِ التحديثيّة في الإيقاع.

   في شعر المهاجر تتحقّق الإثارة والإدهاش والابتداع، وتقودك نصوصه الجميلة إلى خلاصات تفتحُ العيون المغلقة فتحاً، كما تجعلكَ بعضُ قصائدهِ أن تتعاطى مع الأسئلة الملحّة التي يُثيرها المبدع الملتزم الذي يدركُ الهدف السامي الذي يسعى إليه، وقد بيّنت معظم نصوصه التي خاطبت وطنه وقاسمته الألم الممضّ، أنَّ المهاجر مصطفى لم يكن كغيرهِ ممّن توسّلَ ببعضِ المفردات أو المصطلحات التي أكثرَ منها الساسة الذين تاجروا بها ظنّاً منهم أنّها ستمنحُ نصوصهم صكوكَ الغفران، وتقرّبها من دائرة الإبداع.

   إنّنا على يقينٍ من أنّ قارئ هذه المجموعة سيحتفي بها، ويجعلُها زاداً ثقافيّاً إبداعيّاً يعود إليها كلّما أحسّ بحاجتِه إلى إدامة وجدانهِ المرهف سعياً لامتلاك الجمال.

 

أ.د. عبد الرضاعليّ

 

للاطلاع

قبل فوات الآوان / مصطفى المهاجر

 

معلومات إضافية