كتب واصدارات وقراءات

أبحاث في الفكاهة والسخرية .. كتاب يستقرئ المُضْحِك بين "المتون الأدبية والوسائط الجماهيرية"

576-maraصدر حديثا ضمن منشورات (كلية الآداب والعلوم الإنسانية- جامعة ابن زهر بأكادير، ودار أبي رقراق للطباعة والنشر بالرباط- المغرب)، كتاب جديد (غطى 332 صفحة من الحجم الكبير) موسوم بعنوان (أبحاث في الفكاهة والسخرية- الورشة الخامسة 2014). وهو ثمرة لندوة علمية احتضنتها سابقا رحاب كلية الآداب ذاتها، يومي: (29- 30 يونيو 2012)، ونسق أعمالها د. أحمد شايب بصفته رئيسا لفريق البحث في "الفكاهة والسخرية في الأدب والثقافة" التابع للكلية نفسها، ثم نظمها بمعيته أعضاء الفريق تحت عنوان: <<المضحك بين المتون الأدبية والوسائط الجماهيرية>>، شارك فيها أساتذة باحثون من مختلف التخصصات، ينتمون إلى جامعات مختلفة وينطلقون من خلفيات معرفية ومرجعيات ثقافية ولغوية وعلمية متباينة، كما عرف كذلك مشاركات لثلة من طلبة الماستر والدكتوراه، الذين يدرسون في وحدتي: "علم النص وتحليل الخطاب، والتواصل وتحليل الخطاب".

576-maraوتُطلعنا محتويات الكتاب، بقائمة ضمّت أسماء الباحثين المساهمين في تدبيج حروف مضمونه بأفكارهم ورؤاهم وتصوراتهم العاكسة لمواقفهم الخاصة، واختزلتها عناوين مواد كل منهم على حدة، وهم على التوالي: <<بديعة الطاهري- فاطمة إيدير- عبد الغني الخيرات- رشدي المنيرة- عادل أيت أزكاغ- عبد الوهاب صديقي- رابعة سوساني- وئام المددي- عبد الرحيم حيمد- عثمان بيصاني- محمد شقير- محمد بوستة- خديجة بلحياح- أحمد شايب- محمد مفضل- عمر بنعمي- علي البوجديدي- عز العرب قرشي>>.

كل هؤلاء، قدموا مداخلاتهم في أعمال هذه الورشة التي تنوعت في لقائها النصوص المدروسة في لغتها بين العامية والعربية والفرنسية والإنجليزية والعِبْرية، ودارت فيها البحوث المقدمة حول ما يستقرئه الموضوع من أعماق مخفية في بطن متون أدبية وشعرية وبلاغية، وفي فنون الرسم والصورة والتواصل بألوانها وأشكالها المتعددة.

وإذا كان الضحك إجمالا، يشتغل في العادة، باعتباره مَيْسَمًا إنسانيا كليا، وأمميا مشتركا عرفته كل الثقافات والجماعات والألسن، ويستعمل كأسلوب لنشر البهجة الغميسة في قهقهته، ولبعث المتعة والتسلية وتوليد الفكاهة البريئة، وانتزاع الابتسامة من الوجوه العابسة والمتعبة، وإظهارها في افترار حسَنٍ يُرمق في لباقة الضحك وطرافة المُضحك ولطفه، في البيت والمدرسة والشارع وفي جميع الفضاءات المحتضنة للإنسان أينما كان، وفي صفوف الجمهور المنخرط في عمليتي الفرجة والتفاعل الجماعيين، مباشرين كانا أم عكس ذلك، في السينما والمسرح وفي مختلف الوسائط الجماهيرية، الافتراضية والمقروءة والمرئية، أو من خلال بسطها بين الأفراد والأصدقاء والمعارف في الاجتماعات البشرية المقامة هنا وهناك على نحو شفوي، ويسعى الإنسان إلى إقامتها في أفراحه الجديدة، بمثل ما تم إحياؤها في احتفالاته ومواسمه القديمة في تاريخ اجتماعه عبر مرّ الأزمنة والعصور.

فإنه أصبح يمارس طورا آخر، كما كان ديدنه دائما، لكن بقوة هذه المرة، والآن؛ في ظل الثورة الرقمية والتطور العلمي والتقدم الصناعي والتقني والتكنولوجي الذي يعرفه واقعنا المعاصر بشكل مهول وعلى منوال متسارع يشهد سطوة للصورة واكتساحا للآلية التي أضحت تزاحم الإنسان في حياته وطبيعته ونمط عيشه، - يمارس- وظيفته الخطابية كآلية نقدية وإستراتيجية حجاجية وطريقة للبوح، ويحضن رسائل تنبئ بمعانٍ يصبو الضحك إلى توصيلها، وتحرض جوهر خطابه على التوسع والانفتاح لإسباغ دلالات على كنه مقاصده العميقة، التي تجعل الأبواب مشرعة لبروز تعليقات وقراءات وتفسيرات ممكنة، بل وتأويلات أخرى محتملة تمس شتى جوانبه وزواياه وآفاقه المنتظرة في الأدب والعلم والفن والحياة.

بعض من هذه التأويلات المحتملة، وجزء من تلك الرسائل والمعاني المحلقة في أجواء الفكاهة والسخرية، هي ما حاولت جميع أقلام كاتبات وكتاب هذه الأبحاث رصدها ومقاربة موضوعاتها، بحثا عن الضّحك والمُضْحك والساخر بأصنافه وأبعاده وتجلياته، من زوايا مختلفة من خلال ربطه بالخطابات المتنوعة في الآداب والعلوم الإنسانية، وفي الخطابات السياسية التي كانت في تماس مباشر بالترافق مع التحولات السريعة التي عرفها الشارع العربي إبان انتفاضات العرب واحتجاجهم الشعبي في ربيع الثورات، ثم في وَصْل خطاب الفكاهة والسخرية، فضلا عن جماليته في الفن الأدبي وبيانه، ببلاغة لغة الخطاب الثقافي وشِعرية الحركة وبلاغة الإيحاء وخفة الإشارة وجمالية اللقطة واللمحة الذكية، في فنون الصورة وأساليب الأداء وتقنيات الاتصال والتواصل الجماهيرية الوسائطية المتعددة، في المسرح والسينما والكوميديا والبيداغوجيا والتربية والصحافة والكاريكاتور واليوتوب والفيسبوك والزجل والأدب الشعبي.. وغيرها.

ونلمس من بين ما يطمح أن يلامسه الكتاب ويقدمه من تجديد وإضافات في هذا المجال، من خلال قراءتنا لبعض مما جاء في كلمة تقديمية لأبحاثه، كالآتي: <<.. وكما سعت بعض الأبحاث إلى تسليط الضوء على صلة السخرية بالهجاء والحجاج والبلاغة والغرابة والتصوير الكاريكاتوري والإشارة والإيماء. فإن أبحاثا أخرى حاولت ارتياد بقاع جديدة في عالم المضحك، وسعت إلى مقاربته في سياقات ومواقف جديدة: في الصحافة والسينما والشبكة العنكبوتية. وطرحت قضايا تتعلق بانتهاك السخرية للخطوط الحمراء وزحزحتها واختراقها للحدود المحمية، وتحديها للسلطة والإكراهات السياسية والدينية والقانونية، وعلاقة المضحك بالآخر القريب والبعيد، وكيف يصبح الاختلاف حافزا على الضحك: ضحك الاستقبالRire d’acceuil أحيانا، وضحك الإقصاء Rire d’exclusion في أحايين أخرى.

وتعتبر الكوميديا نوعا سينمائيا بامتياز، فالأفلام الأولى بالأبيض والأسود تشهد على هذه الصلة القديمة والمتجددة، وسيرا في هذا الاتجاه حظيت بعض الأفلام المغربية باهتمام بعض الباحثين (نماذج لسعيد الناصري، وداود أولاد السيد)، وتم تناول المضحك فيها من خلال الحوار والمواقف ووصف الشخصيات.

وكما احتفت هذه الورشة والتي سبقتها بالمضحك الشفوي وبالمضحك في المكتوب والمطبوع والمتون المدونة، فإنها دشنت آفاقا جديدة للبحث في المضحك الرقمي والافتراضي والسخرية المابين-وسائطية intermedialحيث تغدو السخرية في الفيسبوك أداة للنقد والفضح والتحريض والإقناع والاستفزاز وإعادة الاكتشاف متوسلة ببلاغة وسائطية جديدة تتميز بالحوارية والتشاركية والتفاعل، وتشكل سلطة مضادة للسلطة المهيمنة>>.

وفي سبيل الختم، يجدر بالذكر كما هو معلوم، أن هذا الفريق المنكب حاليا على الإعداد لأشغال ورشته السادسة التي ستجري إقامتها في هذا الشهر (يومي: 20- 21 يونيو2014)، بعد نشره المنتظم لخمسة منها، يرمي في عموم ورشاته إلى تعميق مظاهر المضحك والساخر في الأدب والثقافة، وذلك من خلال أيام دراسية وتداريب تهدف إلى إشراك عموم الطلبة في هذا الموضوع، وتختص كل ورشة بجانب من جوانب البحث في الفكاهة والسخرية في الثقافة والأدب ( الفكاهة والسخرية في الأنماط الحكائية، والكوميديا، والنكتة، والكاريكاتور، والفكاهة والبيداغوجيا، والفكاهة والإشهار، والفكاهة والفولكلور، والفكاهة والثقافة الشعبية، والفكاهة والسينما، والفكاهة والأنترنيت... إلخ).

وختاما، يدعو أعضاء فريق البحث، مختلف الباحثين من مختلف التخصصات داخل المغرب وخارجه إلى المساهمة بدراساتهم في الورشات التي ينظمها.

 

عادل أيت أزكاغ- المغرب

مبادئ الاقتصاد السياسي / جون ستيوارت مل

كانت اول طبعة لـ "مبادئ الاقتصاد السياسي" لجون ستيوارت مل صدرت عام 1848، ثم توالت عدة طبعات للكتاب كان آخرها الطبعة السابعة عام 1871. "الاقتصاد السياسي"كان مصطلح القرن التاسع عشر استخدمه الكتّاب للاشارة الى دراسة الحقل الذي نسميه اليوم بالاقتصاد الكلي macroeconomics، غير ان ممارسي هذا العلم، مثل آدم سمث و مل وديفد ريكاردو و كارل ماركس كانوا فلاسفة اكثر مما هم تجريبيين قياسا بالاقتصاديين المعاصرين. في هذا الكتاب، يختبر مل العمليات الاقتصادية الاساسية التي يقوم عليها المجتمع وهي: الانتاج، التوزيع ، التبادل، تأثير التقدم الاجتماعي على الانتاج والتوزيع، ودور الحكومة في الشؤون الاقتصادية.

الجزء الاول من الكتاب يتعامل مع الانتاج ويبدأ بتحديد المتطلبات الاساسية لوجود الانتاج وهي:العمل والاشياء الطبيعية. العمل ربما يُعرّف كوكيل او عنصر اساسي للانتاج، مع انه ليس كل عمل يقود الى انتاج اشياء مادية . العمل ينتج ثلاثة انواع من المنافع. الاول هو خلق اشياء لإستعمال الانسان، حيث يمنح العمل للاشياء المادية الخارجية خصائص تجعل منها اشياءاً قابلة للاستعمال. ثانيا، بعض الاعمال تجعل الانسان قادراً على خدمة المجتمع بالاضافة الى خدمة نفسه، مثل عمل المعلمين والاطباء. المنفعة الثالثة هي العمل الذي يمنح المتعة والتسلية، وهو لا يجعل الناس الاخرين اكثر انتاجية ولا يؤدي الى خلق سلعة ملموسة. بالاضافة الى العمل والاشياء الطبيعية، يتطلب الانتاج رأس المال، الذي بدونه لا يمكن ايجاد انتاج . من حيث الجوهر، يُقصد برأس المال المخزون المتراكم من ناتج العمل.

بعد ان يناقش مل مظاهر وتجليات رأس المال، مثل رأس المال الثابت مقابل المتحرك، يبدأ بفحص الاشكال الاجتماعية للانتاج،مثل التعاون، تركيبة العمل والانتاج على نطاق صغير او كبير الحجم، وزيادة العمل، التي تؤدي الى زيادة رأس المال بالاضافة الى زيادة الانتاج . اخيراً، يفحص مل الانتاج من الارض ويعترف بان مثل هذا الانتاج يختلف عن الانتاج الناجم عن العمل ورأس المال، طالما ان الانتاج من الارض محدود ولا يُحتمل ان يزداد كثيرا.

الجزء الثاني من الكتاب يعرض التوزيع كما يتجلى في تخصيص الملكية والناتج. يناقش مل تاثير توزيع مثل هذه العوامل كالمنافسة، العادات، العبودية، ملكية المزارعين، ومختلف انواع العمالة، الاجور، الارباح، والايجارات. يعترف مل بالفرق بين العمال والرأسماليين(هو يضع مالكي الاراضي في هذا الصنف)، كلا الصنفين يتقاسمون ناتج العمل.

في الجزء الثالث، يعالج مل موضوعات التبادل والقيمة، معرّفاً الاخيرة بعبارات العرض والطلب. يرى مل ان القيمة نسبية، لأنها تعتمد على كمية شيء آخر او اشياء اخرى. لا توجد هناك زيادة عامة او هبوط عام في القيمة،لانها تزداد فقط عندما يُفترض الهبوط وتهبط فقط عندما تُفترض الزيادة. يدرس مل النقود وعلاقتها بالعرض والطلب ، كلفة الانتاج، والائتمان(الذي هو بديل للنقود). كذلك، هو ينظر بتأثير الائتمان على الاسعار، وظيفة العملة، التجارة الدولية والقيم، واسعار الفائدة.

الجزء الرابع يتعامل مع العلاقة بين تقدم المجتمع وشؤونه الاقتصادية. يعرّف مل التقدم الاجتماعي كشكل من زيادة المعرفة، الحماية الجيدة للمواطنين والملكيات، وتحويلات الضرائب لتكون اقل ظلما، تجنب الحرب، وزيادة رفاهية الناس الناتجة عن تحسين قدرات الاعمال، بما فيها الاستخدام الفعال للمواطنين من خلال التعليم. يلاحظ مل ان التقدم الاجتماعي ليس بلا حدود وان الظروف العامة السائدة ربما تصبح جامدة اذا لم يتحسن الانتاج واذا توقف تدفق راس المال من الدول ذات الوفرة في رأس المال الى الدول الاقل وفرة. هذا الاعتراف بحالة الجمود يقود مل للتفكير في مستقبل طبقات العمل، والتي يتوقع مل ان ترتفع فوق القيم البطرياركية للمجتمع وستصبح متحررة بالتعليم. الطبقة العاملة الجديدة المتحررة سوف تخلق تغيرات هائلة في المجتمع.

الجزء الخامس يحلل تأثير الحكومة على المجتمع، مجادلاً بان وظيفة الحكومة يمكن تقسيمها الى ضرورية واخرى اختيارية . الضرورية هي تلك التي لا تنفصل عن جوهر فكرة الحكومة، مثل الأمن والحماية والضرائب. جميع الاشياء الاخرى التي تقوم بها الحكومة هي اختيارية وعرضة للتساؤل. يختتم مل بدراسة موضوع تدخّل الحكومة في حرية الفرد. حيث يزعم ان الحكومة يجب ان تقيد نفسها دائما لتقوم فقط بعمل ما هو ضروري. اولاً، يجب على الحكومة ان تمنع وتعاقب السلوك الفردي الذي يؤذي الناس الاخرين، مثل استخدام القوة،الغش، او الاهمال. ثانيا، الحكومة يجب ان تعمل لتقييد وحتى ازالة الطاقات الكبيرة التي تنفقها دولة معينة في ايذاء دولة اخرى. ثالثا، الحكومة يجب ان تحول مثل هذا السلوك المدمر الى تحسين في اوضاع الانسان، اي، تحويل قوى الطبيعة لتعمل من اجل تقديم اعظم الخيرات المادية والمعنوية. اخيرا، يقترح مل ان الحكومة يجب ان تتبنّى سياسة عدم التدخل في خيارات الافراد ومنحهم حريات غير مقيدة لكي يستطيع الناس العيش بسعادة دون قيود.

تحليل 

في "مبادئ الاقتصاد السياسي" يحوّل مل الاقتصاد الى مجال فلسفي حيوي للتحقيق عبر استكشاف ما يريده الناس حقا وما يمكن ان يقيسه الاقتصاد ويقيّمه. اتجاه مل في الاقتصاد مرتكز على الايمان بتفوّق الاشتراكية، التي يتم بها الانتاج الاقتصادي عن طريق التعاونيات المملوكة للعمال. لهذه الغاية، يجادل مل بان قوانين الانتاج ربما تكون قوانين طبيعية، لكن قوانين التوزيع تُسن من جانب الانسان. وبكلمة اخرى، الثروة هي الغاية النهائية لناتج العمل، لكن توزيع الثروة يتم ويتقرر بقرارات ورغبات الناس (النخب) وهو ليس جزءاً من نظام الطبيعة. مل يذهب بعيدا في هذه الفكرة، مؤكدا ان قوانين الانسان والمؤسسات يمكن ويجب ان تقرر كيفية توزيع الثروة. وهكذا، بالنسبة لمل، الاقتصاد يرتبط بإحكام بالفلسفة الاجتماعية والسياسة.

يعتقد مل ان المجتمع سوف يستمر بالنمو و التغيير، لكنه يعترف ان مثل هذا التغيير هو مقيّد بمقدرة الارض والعمل، كلاهما يجب التعامل معهما بعناية طالما اي منهما لا يستطيع الاستمرار بانتاج كمية متزايدة لكي يشبعا الطلب المتزايد. يوافق مل مع توماس مالتس بان السكان يجب السيطرة عليهم لكي لا يصبح عددهم اكبر من الطعام المتوفر.

يناقش مل فوائد المنافسة الحرة وفوائد الطاقات الاجتماعية المفضلة التي تطلقها المنافسة. هو يذهب الى ان المجتمع حين يتخندق لحماية اعضائه من المنافسة، ستكون النتيجة جمود وكسل افراده. ولذلك، من المهم تشجيع المبادرات الذاتية والمسؤولية الفردية، واعتماد سياسات حكومية لا تضعف او تثبط هذه القوة الايجابية. ورغم ان هذا لا يعفي الدولة من مسؤولياتها في توفير الامن والرفاهية لمواطنيها، فان مل فعلا يعدّل موقفه العام من عدم تدخل الدولة بالقول ان الاحتكارات الخاصة يجب منعها، الفقراء يجب العناية بهم، وتعليم الاطفال يجب ان يكون متوفرا بالشكل المناسب. يعتقد مل بحزم ان المواطن المتعلم جيدا والمتنور هو وحده يستطيع مساعدة المجتمع في النهوض والنمو وفي خلق التغيير والتقدم. كذلك، يسمح التعليم للطبقات الدنيا لتصبح اكثر نشاطا اجتماعيا واكثر مسؤولية.

احدى اهم الملاحظات على المبادئ هي انه يدعو الى حقوق متساوية للمرأة. وكما ان الفقراء بحاجة للتحرر من اعتمادهم على المجتمع المركب طبقيا، ذو التوجهات البطرياركية، كذلك المرأة تحتاج للتحرر من الاعتماد على الرجل. وهكذا، يدعو مل الى عدم منع المرأة من البحث عن عمل في المجالات المحسوبة للرجل.

أهم مظهر في كتاب "مبادئ الاقتصاد السياسي" هو استخدام الطريقة العلمية في تحليل السياسة، وبهذا فهو يطرح تطبيقاً عملياً لأفكار نظرية. هذا أعطى دفعة جديدة للفكر الليبرالي وذلك بوضع مختلف مفاهيمه وقيمه ضمن عالم الفعل السياسي والاجتماعي، وبالارتكاز على صرامة العلم.

 

أنيس صايغ .. تكريم مستحق

575-ineesبجهد مثابر موصول، صدر كتاب "دراسات وأبحاث في القضية الفلسطينية"، تكريما لذكرى الباحث والأكاديمي والمناضل العربي الفلسطيني الكبير الراحل: "الدكتور أنيس صايغ" في حدود سبعمائة وثمانين صفحة، مزينة بصورة للدكتور أنيس صايغ ولمنزله في طبريا كغلاف قام بتصميمه المهندس رياض جوهرية. الكتاب الذي صدر عن "منتدى الفكر الديمقراطي" و"دار البيروني للنشر والتوزيع" في عمَّان، تولت جمعه وإعداده وتهيئته للنشر لجنة مكونة من السادة: أحمد السعدي، إياد الشقيري، جواد يونس، مازن النشاشيبي وعبدالله حمودة (مقررا). وقد ضم الكتاب بين دفتيه عشرات المقالات والمطالعات لرفاق وتلامذة 575-ineesللراحل الكبير ولمناضلين ومثقفين وكتاب، تم توزيعها على أقسام الكتاب السبعة، إضافة إلى مقدمتين، كتب الأولى منهما السيد "خيري الدين أبو الجبين" "رئيس لجنة تخليد ذكرى المجاهد أحمد الشقيري"، فيما كتب المقدمة الثانية السيد" عبدالله حمودة" نيابة عن لجنة إصدار الكتاب، ثم خصصت الصفحات الأخيرة من الكتاب لعدد من صور الراحل من مجموعة السيدة ليلى الخالدي.

الانسان بين الدين والتديّن

عندما يصبح اسم الانسان عنواناً لمسار، وعلامة مفارقة تُرصَد في وسط الضوضاء، يكون العمر قد أثمر فعلاً وأفاض.

عندما يقترن الفكر بالعمل، تتوهّج النفس مشرقة أبهى ألوانها فترسل "إشاراتٍ وتنبيهاتٍ"، توقظ وعي الآخر من سباته العميق.

عندما تلوحُ في أفق المعنى محاولاتٌ جديدةٌ تُنبىء بقراءة مختلفة عما سبق، تُمطر السماء فيضاً من أمل على عقول أضناها العبث.

يبدو فعل الكتابة في وسط الحراك القائم على الساحة العربية الاسلامية أمراً غير ملح، والمستفيدون منه قلائل، لكن الاصرار على هذا الفعل عمل جبار في حدّ ذاته، يقاوم اليأس ويدحض القنوط ليرفع النفس العاقلة الى مرتبة التأمل والتفكّر والابداع.

يشكّل كتاب "إنقاذ النزعة الانسانية في الدين" للدكتور عبد الجبار الرفاعي محطة مشرقة في ظلمة التعصّب والغوغائية والكراهية التي تكبّل العقل وترمي به في متاهات مضنية.لم يكتفِ المؤلّف بالاحتجاج على ما يُرتكب من عنف باسم الدين. كما لم يرُق له التوقف عند الدفاع عن الدين في وجه التيارات المادية والالحادية المتطرّفة. حطّ رحال قلمه عند الدفاع عن الدين ليحميه من الدين نفسه، من الفهم الخاطئ لمضمونه المشرق. حاول ان يشير الى مكامن الاشراق الانساني الراقي في التجربة الدينية، هذا الاشراق الذي يصدّ كل محاولة لالغاء الآخر، ويحرّم العنف، ولا يستعبد الانسان.المهمة انقاذية، والمبادرة جريئة، والخطاب ثوري انقلابي يستحق وقفة تحليل وتأمل.

تتكشّف في طيات الكتاب ملامح الفلتات الصوفية التي جذبت قلم المؤلّف وأخذته بعيداً حيث الاشياء لها وهجٌ آخر، والكلمات لها معانٍ تتجدّد بتجدّد قارئها. يبدو جلياً في الكتاب مدى غرق صاحبه في مياه المعنى الصوفي. انه ومنذ الصفحة الاولى يفتتح البحث بقطرات ترشح من معين ابن عربي: "واعلم ان الشفقة على عباد الله أحقّ بالرعاية من الغيرة في الله". فكتاب الدكتور عبد الجبار لا يُقرأ فقط من عنوانه، انما ايضاً من العبارة التي صدّر بها الصفحة الاولى. قولٌ لابن عربي ملفتٌ فعلا في تقديمه الشفقة على الوضع الانساني، وما يعانيه من اضطهاد باسم الدين، وجعله هذه الشفقة أولوية يجب الانتباه اليها اكثر من "الغيرة في الله". لماذا هذا الانقلاب في تظهير فهمٍ للدين مغايرٍ عما هو سائد وسط الحملات التكفيرية؟ لماذا جعل الانسان في المقام الاول؟ هل ما نشهده اليوم من انزلاقات نحو العنف المدمّر والقابض على انفاس الحياة هو فعلاً تديّنٌ يجب نشره واتباعه؟ هل هذا ما يبغيه الدين حقاً في دعوته السماوية؟

اسئلة قادت مسار الكاتب نحو شاطئ الانتروبولوجيا التي تظهّر عمق البعد الانساني في الدين، وجعلته يبحث عن تجارب صوفية وفلسفية وكلامية من أجل تدعيم خطاب الانسنة وتهميش الخطاب التكفيري والتدميري. هو الذي بات يرى في التديّن فعلاً مضاداً للدين. هو الذي أتعبته التجربة العراقية، وقطعت بوحشيتها انفاس البهجة في قلبه. هو المجبول بصراخ المعذّبين، والمتّـشح بأنات المتألّمين التي تتردّد اصداؤها في صوته. لقد تحوّل التديّن في نظره "الى اعصار عاصف يجتاح الحياة، ويحطم كافة المكاسب المدنية والحضارية والمعرفية للبشرية. انه سادية وجدانية ومعرفية، تتلذّذ بقتل الضحية واستباحتها، ومازوشية فظيعة تحتفل بتدمير النفس وهتكها".( عبد الجبار الرفاعي، انقاذ النزعة الانسانية في الدين، بيروت، دار التنوير، ط2، ص198 )

ان من يقرأ بعمق فصول الكتاب كافة يجد ان الرابط الاساس في ما بينها يكمن في هذا القلق الملح من اجل محاربة اصحاب الايادي السود التي شوّهت ملامح التجربة الدينية الراقية بإنسانيتها، عن طريق الفساد، والتطرّف، والتعصّب، والقتل المتبادل، وهدر الدماء البريئة ...انه القلق على الحضارة والتمدّن والمعرفة وما أنتجته التجربة الانسانية عبر تطوّر التاريخ. يرى جيداً الكمّ الهائل من الدمار الذي سبّبه التطرّف في التديّن إن في بلده العراق أو في الأماكن المختلفة التي ضربها إعصاره العاصف بالبشر. ينتقد القراءة الحرفية المغلقة للنصوص المقدسة مبرزاً مدى الأذى الذي تسبّبه على ارض الواقع السياسي والاجتماعي. انه أذى يضرب عمق التجربة الدينية عينها، ويكرّس الانغلاق على الذات، وينفي الآخر في دائرة التكفير.هذا الواقع المتردّي أسهم في نشوء جماعات تحتكر تمثيل الدين، وتهيمن على كيفية فهمه وعيشه في آن. يرى في ذلك عملية "انتهاك لإنسانية الانسان"، و"تزييف لأهداف الدين"، و"اهدار للقيم الروحية". ان ما قامت به هذه الجماعات الدينية على صعيد فهم النص المقدّس ليس سوى " قراءة حرفية مغلقة"، حصرت نفسها بالمدلول اللغوي "الساذج"، وأشاعت " تفسيراً قمعياً للنصوص، تقبع خلفياته وقبلياته النفسية والثقافية في الصحراء والمحيط البدوي المغلق على العالم، كما وتحارب بلا هوادة القراءات التي تتخطّى المعنى السطحي، وتغور في الأعماق، مستلهمة المضامين الروحية الغنية في النص، ومستوحية رؤيته الرمزية المعنوية الجمالية، مثلما فعل المتصوفة والعرفاء والفلاسفة والاشراقيون، وغيرهم ".( عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص 199 )

ان هذا النهج في التعاطي مع النصوص المقدّسة أدّى الى حجب الوجه الحقيقي للدين الذي تجلّى لدى العديد من المستنيرين. يشدّد د.الرفاعي على ان رسالة الأديان ومقاصدها الكلية بعيدة كل البعد عن فحوى ما تقوم به الجماعات المتديّنة. فرسالة الأديان تكمن في " إشاعة السلم والتراحم والمحبة بين الناس".

يقدّم المؤلف للطبعتين الاولى والثانية من كتابه بنصين يجدر بالقارئ التوقف عندهما؛ لأنه يوضّح من خلالهما الاستراتيجية التي سيعتمدها في مقاربة موضوعه، كما انه يرسم الأهداف التي وضعها نصب عينيه عندما قرّر جمع نصوصه تحت عنوان: "إنقاذ النزعة الانسانية في الدين". يمكننا تلخيص هذه الأسباب التي دفعته الى وضع هذا الكتاب بما يلي:

أولاً: تسجيل الاحتجاج على الواقع المأساوي للدين في المرحلة الراهنة.

ثانياً: نقد تزييف الدين من قبل الاسلاميين.

ثالثاً: الحرص على ابراز النزعة الانسانية في الدين والدفاع عنها.

أما الأهداف التي يبغي العمل عليها فهي التالية:

أولاً: الدعوة الى فهم آخر للدين يخالف الى حدّ بعيد فهم الجماعات المتدينة التي فرضت تصورها الخاص بالقوة، مبرّرة استخدام العنف الديني.

ثانياً: الحث على القيام بتأويل مختلف للنصوص الدينية، من خلال العبور من المنظومة المغلقة لفهمها التقليدي نحو قراءة شاملة تأخذ بالاعتبار نظامها الرمزي.

ثالثاً: تقديم تفسير لا يختزل الدين في اطار المدونة الفقهية وحدها.

رابعاً: اكتشاف وظيفة الدين الاصلية التي تكمن في انتاج معنى لحياة الكائن البشري.

خامساً: التشديد على النزعة الانسانية في الدين، والتوقف عند توضيح تصوره لهذه النزعة.

اما المنهج الذي اتبعه في بلوغ الهدف فيمكن تحديده بخطوات ثلاث :

أولاً: الابتعاد عن القراءة التقليدية للنصوص المقدسة عن طريق توظيف منهجيات ومفاهيم وأدوات ومعطيات المعرفة البشرية والعلوم الانسانية لتأويل هذه النصوص في ضوء متطلبات العصر. نجده يستفيد بقوة هنا من مكتسبات الانتروبولوجيا الدينية ومنهجها الخاص في مقاربة الدين.

ثانياً: الحرص على عدم ترحيل الدين من حقله المعنوي القيمي الأخلاقي الى حقل آخر يسيطر فيه القانون على الروح، لكي لا يغدو الدين مجرّد ايديولوجية سياسية صراعية.

ثالثاً: الاهتمام بطرح الأسئلة أكثر من تثبيت الأجوبة النهائية، وفرضها على القارئ، وذلك في سبيل تنمية التفكير النقدي، وطرق باب المسكوت عنه والممنوع التفكير فيه، وعدم التوقف عن التحرّي واعادة النظر في المسلّمات، والابتعاد عن تكرار الشروح التي عّطلت برأيه التفكير الديني وسجنته في اطار الترسيمات التقليدية المغلقة . ان الاستفهام العميق في نظره يستوجب القلق المعرفي الذي يؤمّن للتفكير الشرط الضروري للابداع والديناميكية اللازمة للتطور.

يمكن عد المنهج النقدي بمثابة العصب الرئيس الذي يسيّر خطوات الباحث في كتابه هذا. فالتفكير بالنسبة اليه هو النقد، "ونقد المعرفة الدينية مقدمة لكل نقد، ولا تنطلق عجلة الاصلاح الديني الا من خلال مراجعة وتقويم وغربلة الموروث، والجرأة في استبعاد كافة المفاهيم والمقولات والعناصر العميقة والمعطلة للتحديث والبناء والتنمية الشاملة". (عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص 13- 14)

ما الذي يقصده المؤلف بالنزعة الانسانية للدين؟

ان التحدّث عن النزعة الانسانية في الدين يحيلنا مباشرة الى محمد أركون الذي حاول في اكثر من موضع ان يبرز النزعة الانسية في الاسلام بخاصة في القرن الرابع الهجري، جيل مسكويه والتوحيدي وغيرهما، وذلك منذ أن أعدّ اطروحة الدكتوراه في السوربون، ونشرها في ما بعد تحت عنوان:نزعة الانسنة في الفكر العربي. كما نذكر أيضاً من مؤلفاته: "معارك من أجل الانسنة"، و"الاسلام والانسنة"، وغيرهما كثر إذ نجده يفصّل القول في نماذج انسية سطعت عبر التاريخ الاسلامي، ان في المناظرات، او المؤلفات، او الممارسات اليومية. نراه يركّز على العلاقة الوطيدة التي تربط بين زوايا ما يسمّيه بالمثلّث الانتروبولوجي: العنف، المقدّس، الحقيقة، لكي يفسّر ما يُرتكب من أعمال مدمّرة باسم الحقيقة الدينية عبر التاريخ، مستخدماً مناهج علوم الانسان والمجتمع، بخاصة الانتروبولوجيا الدينية،ومسلّطاً الضوء على مدى انفتاح بعض المفكرين على العقلانية والتسامح وقبول الاختلاف.

يحدّد الدكتور عبد الجبار الرفاعي مفهوم "الانسانية بالدين" في خمسة معانٍ، يمكن تلخيصها بما يلي:

المعنى الاول: الخلاص والتحرّر من "نسيان الانسان"، والاعتراف ببشريته ومكانته في الارض. من هنا ضرورة تصويب علاقة المؤمن بربه، وتحويلها من حال الرعب الى الابتهاج بالوصال مع معشوق جميل.

المعنى الثاني: عدم التنكيل بالجسد ومحاربة طبيعة غرائزه وقمعه على حساب الايديولوجيا والفهم المبسّط للتربية الروحية.

المعنى الثالث: الدعوة الى السلام واحترام كرامة الكائن البشري، والعمل على دراسة الاديان ومقارنتها للكشف عما هو مشترك وعن منابع السلام فيها.

المعنى الرابع: التحرّر من التفسيرات التعسّفية للنصوص ومن الصور النمطية للاله، وذلك عن طريق ثلاث خطوات منهجية:استلهام الميراث المعنوي العميق، واستدعاء التجارب الروحية التطهيرية التنزيهية عبر التاريخ، ومن ثم بناء الهيات عقلانية مستنيرة.ان هذا الامر سيؤدّي برأي المؤلف الى ترسيخ صورة رحمانية للاله تبرز صفاته الجمالية وأسمائه الحسنى ورحمته الواسعة.

المعنى الخامس: تحقيق المصالحة بين المتديّن ومحيطه والعصر الذي يعيش فيه عن طريق متابعة منتجات العلوم والتكنولوجيا التي تتسارع خطواتها في تبديل العالم والمحيط. ان هذا من شأنه ان يحرّك العقل ويُخرجه من حال السكون والتلقّي، ويبدّل رؤية المتديّن للحياة والكون. اذا اردنا ان نتوقف عند هذه المعاني الخمسة التي يقترحها المؤلّف لمفهوم "الانسانية في الدين"، يمكن ان تتكشف أمامنا عمق النزعة الانسانية التي تطبع عمق شخصه ونظرته للأمور. من البيّن انه غارقٌ في التأمّل الذي يرفع الانسان الى قيمة راقية في حدّ ذاتها. لا يقبل بتشويه هذه القيمة او المسّ بها على حساب ازدهار بعض الاديولوجيات التي تسخّر الدين لمصالحها الخاصة. انه يعمل من الزاوية الانتروبولوجيا الدينية، والمفكر النقدي المتمرّس بالعلوم الاسلامية، لكي يحرّر صورتين بارزتين في الفكر الديني: تحرير صورة الله وصورة الانسان في آن معاً من التشويه الذي اصابهما. يشدّد على اهمية العقل في انتاج خطاب جديد ورؤية حديثة للعلاقة التي تربط بين الانسان وربه. يسعى من خلال التركيز على النزعة الانسانية في الدين إلى إظهار صورة مغايرة تماماً لما تشهده الساحات العربية الاسلامية من بثّ على موجة التطرّف والتزمّت الاعمى الذي لا يفيد الدين بشيء، انما على العكس، فهو يقوم بتشويش رسالته السامية، وتشويه وجه الله فيه. لا ينتقد ما يحدث من زاوية المفكر الملحد، ولا من وجهة المادي المتطرّف، انما من زاوية المؤمن المتحرّر والمتذوّق لجمالية الدين وتسامي رسالته الراقية.

نجد المؤلّف يفرّغ قسطاً وافراً من النقد في وجه خطاب الاسلاميين متوقفاً عبر فصول الكتاب عند ابراز حجم الأذى الذي ألحقوه بالدين وبالفكر الديني. لقد عمل هذا الخطاب على "تلويث المجال الاجتماعي العام، وتهشيم مرتكزات العيش المشترك في مجتماعاتنا"، وتبرير استخدام "انماط همجية متوحشة من العنف الديني". ينتقد المؤلّف في السياق عينه السلوك السياسي لهذه الجماعات بعد ان استلمت السلطة في بعض الدول لأنها اختزلت التنوّع الاثني والديني والمذهبي، واستخدمت الديمقراطية بشكل مصطنع لتحقيق اهداف خاصة لا أكثر، مع تجاهل الفلسفة الديمقراطية وما تتضمّنه من حريات وتداول سلمي للسطة. يعيد النظر في سلوكهم السياسي معتبراً اياه بمثابة اعادة احياء لقيم القبيلة وتشكيلاتها القديمة، وهم يعودون سنين الى الوراء مفرطين في استهلاك التاريخ.

يتحدّث المؤلف عن الالهيات الجديدة التي بإمكانها ان ترسم حدود المقدّس والدنيوي، وتكشف عن الاقنعة التي تستر ما هو دنيوي لكي تجعله مقدساً. وهي تشير ايضاً الى أن الانسان يحتاج الى المقدّس بشكل دائم، حتى ان الحياة "لا تطاق" من دون المقدس، كما أنها لا تطاق ايضاً عندما يبتلع المقدس كل ما هو دنيوي ويخلع عليه الوشاح الديني، حارماً العقل من تجلّي ابداعاته ومكاسبه في مجالات الحياة المتعدّدة.

ان من يقرأ كتاب الرفاعي يلمس عن قرب الهمّ الذي يشغل فكره. انه على مدى فصول الكتاب لا ينفكّ يبرز الوجه المشرق للدين خلافاً لما يظهره الخطاب السلفي والممارسات الضيّقة لمن يتبنّى هذا الخطاب، كما ويبرز الحاجة الملحّة والمتزايدة اليوم أكثر من أي وقت مضى للفكر النقدي المنفتح على المعرفة وتجربة الآخر، في آن معاً. انه في تشديده على الوجوه النيرة التي أضاءت تاريخ الفكر الاسلامي بالفكر النقدي المتجدّد والمتحرّر من القيود الضيقة التي تسجن الفكر في إطار ايديولوجي ضيّق، يريد ان يلفت الانتباه الى ما يخالف مضمون الخطاب السلفي الطاغي اليوم، والذي يقتحم الشاشات ومختلف وسائل الاعلام بشكل واسع.

أردنا من خلال هذا البحث ان نسلّط الضوء على مفهوم الرفاعي الخاص بالدين والنزعة الانسانية فيه، اعتقاداً منا بأن في ذلك إضاءة على نموذج من الخطاب الاسلامي المعاصر المناهض للتقوقع والتعصّب وتكفير المختلف، والذي نحتاج اليه اليوم بقوة. من هنا اخترنا أن نتوقف عند فصلين من الكتاب هما: "الدين هو الذي يمنح الكائن البشري معنى لحياته وسلوكه"، و"الأخلاق والنزعة الإنسانية في الدين"، وذلك من باب الإضاءة على المفاصل النقدية الرئيسة في فكر الرفاعي.

 

 

الدين بحث في أفق المعنى:

يتناول في الفصل الأول معنى المقدّس ويميّزه عن الدين كخطوة أولى، ثم يتوقف عند مفهوم الدين ودوره في حياة المؤمن كما في المجتمع من خلال حوار مع علي السومري نُشر في صحيفة الصباح العراقية. أما في الفصل الحادي عشر فنجده يبحث في مسألة التأليف في الاخلاق في الفكر العربي طارحاً علاقة الانسان بالتديّن ومفصلاً القول في ضرورة "إنقاذ النزعة الانسانية في الدين".

يبدأ الفصل الأول بالبحث في مفهوم المقدّس، فيرى المؤلف انه يتسع لأكثر من معنى، بسبب ارتباطه بشبكة واسعة من العلاقات المفاهيمية، وبنظام من المراجع والأحكام القيمية. ويستعرض من ثم مختلف المعاني التي يشير اليها هذا مفهوم، (مثل المتعالي، وما يرتبط بالدين،... ألخ)، وما يقابله من مفاهيم (مثل دنيوي، ومدنّس، عادي، ورجس،... ألخ). ثم يميّز بين المقدس والديني شارحاً أن مجال المقدس اوسع على صعيد التداول بوصفه مرتبطاً بطبيعة المجتمعات وحدوده فيها. يرى ان كل شيء يُمنح بُعداً قيمياً يتجاوز الوجود البشري، يمكن النظر اليه كمقدس على نحوٍ ما، لأن الإنسان يصنع مقدّساته، وهي ليست وليدة الصدفة. بمعنى آخر، "إن تكوين أية فكرة عن ما هو "مقدس" إنما يخضع لفهم الانسان ونظرته الى وجوده ووجود العالم الذي يحيا فيه. من هنا نجد ان أشكال المقدس وتمثلاته قد تتنوّع وتتعدّد لدى الانسان تبعاً لثقافته حتى انها تخرج عن المسألة الدينية التي تبدو للوهلة الاولى انها الميدان الحصري له فقط". (عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص17)

ان هذه النظرة للمقدس مشبعة بالانفتاح على عالَم الانتروبولوجيا الرحب، ومتحرّرة من الاطار المرسوم مسبقاً لهذا المفهوم لتغوص به في العمق. فالمقدس ليس محصوراً فقط بما يحدّده الدين، انما بات مرتبطاً بما يراه الانسان ايضاً. هنا تبدو جلية النزعة الانسانية التي توجه التحرّي المعرفي لدى الرفاعي. بيّن كم إن عمل الإنسان وهمومه الفكرية لها الأثر الكبير في تحديد المفاهيم، ومن بينها مفهوم المقدس.

يرى ان فضاء المقدس رحبٌ، مفتوحٌ على اللامتناهي، لا يمكن حصره بمجال ضيّق الافق، اذ أنه يرتبط بتنوّع الثقافات والمجتمعات والازمنة." فكل شيء سواء كان انساناً أو كائناً آخر أو زماناً أو مكاناً، يمكن أن يغدو مقدساً في اطار مشروطية معينة. من خلال انتروبولوجيا الدين، وسوسيولوجيا الدين، وعلم نفس الدين، والهرمنوطيقا، بوسعنا أن نتعرّف على تجلّيات المقدس وتعبيراته وطبقاته ونفوذه وعوالمه ومجالاته". (عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص18)

يبدو هنا واضحاً كم أن هذه النظرة للمقدّس منفتحة وواسعة، تفسح المجال أمام المزيد من الغوص في أعماق التجربة البشرية وعدم حصرها ببعد واحد من دون سواه. يتجلّى في هذا النهج المنحى الإنساني في الدين، وتسقط من ثم مبررات استخدام العنف واستبعاد الآخر ورميه في دائرة الكفر والهرطقة، لمجرّد انه خالف الرؤية الاحادية للمقدّس. نلحظ ان المؤلف يتناول موضوع الفصل بين المقدس والمدنس من الناحية الانتروبولوجية، فنجد ان مقاربته موقعة بختم الانتروبولوجيا الدينية، وسوسيولوجيا الدين أكثر مما هي دينية بحتة. نجده يتحدث عن الدين وعن وظيفته في المجتمع من وجهة علوم الانسان والمجتمع، وفي ذلك دليل واضح على انفتاح فكر الرفاعي وسعة افقه.

يتوقّف المؤلّف عند دراسة معنى الدين انطلاقاً من وظائفه لكي يبحث في الحاجة اليه، إذ يعتبر ان الاشياء يمكن ان تُعرّف بوظائفها. يحدّد الرفاعي وظيفة الدين بعملية "انتاج المعنى". الانسان بطبعه قلق يبحث في الماوراء عن معنى لما يحدث من حوله، لما يشاهده من ابداعات وما يعيشه من أحداث. فالدين " يضيء ما هو مظلم في حياتنا، ويكشف عن الجمال في الأشياء، بل انه يقتصر على كشف جمال الأشياء...".(عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص19)

ملفتٌ هذا التحديد لمهمّة الدين وربطها بالجمال، وكأن المؤلّف يغوص في عمق الانسان فيراه قلقاً يبحث عن الجمال، فإذا بالدين يقوم بالمهمّة ويؤدّي المطلوب. ان في هذه الوظيفة دعماً لحياة المؤمن لكي يتمكّن من تحمّل الصعاب، والصبر في أزمنة الشدّة. يستطيع المؤمن في نظره أن يرى جمال الاشياء فينظر اليها " متناسقة مع عناصر الكون ونظامه، لترتسم معه لوحة مشرقة". كذلك يعد نمط إنتاج الدين نمطا روحيا، مرتبطا بالمعنى، بتعبير آخر، يخلع الدين " معنى لا يمكن أن تمنحه الوسائل والأدوات الأخرى التي يمتلكها الانسان، ويتنوّع هذا المعنى بحسب تنوّع الظروف والأحوال، واستعداد الأشخاص الروحي، ومستوى اطلاعهم على الفكر الديني، ووعيهم الحياتي وثقافتهم". (عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص19)

يربط هنا بشكل واضح بين وظيفة الدين ومستوى وعي الافراد وثقافتهم. بتعبير آخر، ان المعنى الذي يمكن للدين أن يضفيه على حياة البشر يتعلّق بشكل مباشر برؤية هؤلا للوجود البشري، لحدود هذا الوجود وإمكاناته. من هنا يأتي دور الوعي البشري في انتاج المعنى وخلع القدسية على الاشياء. مرة أخرى تنجلي في هذا السياق النزعة الانسانية ليس للدين فحسب، انما النزعة الانسانية عند المؤلف عينه. انه يحاول أن يبرز بوضوح الدور البشري في عملية البحث عن المعنى، أي بتعبير آخر، انه يسلّط الضوء على المنحى الانساني في وظيفة الدين. هذا ما تركّز عليه أيضاً الانتوبولرجيا الدينية في سياق بحثها عن الحس الديني وتجلياته في المجتمعات البدائية عبر التاريخ.

 

 

لكن يبقى السؤال عن الحاجة الى المعنى؟ ما أصلها؟ وما هو دورها بالتحديد؟

يلحظ المؤلّف ان العديد من التيارات الفلسفية المعاصرة حصرت مهمّة الفلسفة بالبحث عن معنى الحياة والوجود والعالم. وفي المقابل نجد ان وظيفة الدين تكمن في انتاج المعنى، لذا نراه يعتبر ان هذه المهمّة من " أخطر المهمّات في الحياة، وفي العالم الذي نعيش فيه". ومن ثم يضيف قائلاً:" يقدّم الدين جهازَي تفسير وتأويل، وهو على ما يبدو النظام العلاماتي الوحيد الذي يولّد المعنى، ويقوم على تفسيره وتأويله. على عكس الأنظمة الأخرى التي تترك " للمستسلم/ المتلقّي/ المستمع/ القارئ" حرية فهم المعنى، وتحليله، وتفسيره وتأويله". كما أن الدين يخترق مجال الخيال، فيشكّله ويصوغه ويعيد تكوينه،(...). ويذهب بعض المفكرين الى أن معركة المستقبل يحسمها من يستطيع السيطرة على مجال الخيال". (عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص 21)

ان في هذا النص معانٍ تستوجب التوقف عندها.يقارن المؤلف هنا بين الدين الذي يولّد المعنى وباقي الأنظمة الأخرى التي تقوم بالوظيفة عينها. فالدين يقوم بتوليد المعنى من دون أن يترك الحرية للمتلقّي بأن يقوم بعملية التفسير والتأويل، انما يحصرها بنفسه على عكس الانظمة الأخرى المولّدة للمعنى، ويقوم بكل ذلك مستخدماً الرموز والطقوس كوسيلة فعّالة في هذا المجال. ويضيف أن الدين يتمكّن من اختراق الخيال فيعيد تشكيله وإنتاجه من جديد، أي يسيطر عليه بالكامل، فيصبح المؤمن راضخاً لمقولات الدين، وللمعاني التي يسبغها على الأشياء، من دون اي تساؤل او مراجعة موضوعية. ويشير المؤلف في هذا السياق الى غنى الدين بالرموز التي تخترق حياة المؤمن بتفاصيلها اليومية الدقيقة، مما يفيض على المؤمن سيلاً من المعاني لا ينضب.(تابع ص22)

ان هذا الامر يدفع الكاتب الى التوقّف عند الأخلاق والنزعة الانسانية في الدين، باحثاً عما يمكن تسليط الضوء عليه من أجل إبراز مفهوم مختلف للتديّن، يركّز فيه على المحبة والرحمة والتراحم. من هنا يمكن أن ننتقل الى الفصل الحادي عشر من كتاب المؤلف.

التديّن والأخلاق:

ان من يتتبّع مسار الكتاب يعثر على بعض التكرار الذي يبرّره المؤلّف منذ المقدمة، كون المضمون هو عبارة عن مجموعة مقالات ودراسات ومقابلات سابقة أراد جمعها في صفحات تحمل عنواناً واحداً، لما في هذه النصوص من ترابط، يوحّدها همٌّ معرفيٌ رابضٌ على قلب الرفاعي وعقله. لذلك لن نقوم بعرض مختلف ما ورد في الفصل الحادي عشر من الكتاب، لأن فيه بعض التكرار لمفهوم الدين ووظيفته والحاجة اليه، والتركيز على أن الانسان كائن متديّن قلق يبحث بطبيعته عن معنى للأشياء والأحداث والكون...سنعمل في هذه الفقرة على إبراز الخط الذي يربط برأينا بين مختلف فصول الكتاب، محاولين استخراج الاهداف التي من أجلها وضع الرفاعي كتابه هذا.

من هنا يمكن أن نسأل لماذا كل هذا الكلام على الدين، وأهميته، والحاجة اليه، والاصرار على عدم التخلّي عنه؟

لماذا التركيز على ابراز النزعة الانسانية في الدين؟ ومن بعد التركيز عليها، يتمّ الكلام على إنقاذها. إنقاذها ممن تحديداً؟

ان ما سنقوم به تالياً ينحصر في الاجابة على هذه الاسئلة الثلاث، من خلال قراءتنا للفصل الحادي عشر.

تتضمّن فصول الكتاب بمجملها تركيزاً على اهمية الدين في المجتمع والتاريخ وعلى الحاجة الأنطولوجية اليه من اجل تسكين القلق المعرفي والوجودي الذي يضرب عمق الوعي البشري منذ أقدم العصور. اذا توقفنا عند الموضوع الذي اختاره عبد الجبار ليبدأ به فقرة: تدين ضدّ الدين، في الفصل الحادي عشر، يمكن أن تتكشّف لنا الحقيقة التالية: كون مفكرنا عراقياً، ينتمي الى معاناة هزّت ضمير البشرية في نهايات القرن السابق، وما زالت فصولها مشتعلة، تُلقي بحممها ملطِّخةً رقيّ التجربة الدينية وجمالها وطهارتها في هذا البلد العريق كما في بلدان أخرى مجاورة، كونه عراقياً اذا، قد جعله يعيش اختباراً مريراً ومدمّراً لكثير من الثوابت الراسخة في الذهن كما في القلب.كونه عراقياً مخضرماً، عايش واختبر عمق الألم وقساوة المعاناة، جعله يزجّ بنفسه في متاهات الأسئلة المقلقة، والموجعة التي تضع الانسان في مواجهة مع ما كان ينظر اليه على انه صواب او خطأ.كونه عراقياً يشهد كل يوم أحداثاً تهزّ الكيان وتقلبه رأساً على عقب، أجبره على ان يطرح السؤال حول حقيقة التديّن واستثمار الدين في السياسة، وانزال التجربة الروحية وإقحامها في الصراعات الضيقة المبنية على سياسات لا دخل لها بالماوراء، ولا بذلك العطش الذي ينهش أعماق الكائن البشري ليدفع به نحو ينابيع المطلق.

الحدث الجلل، مشهدٌ شبه يومي، يتكرّر بسيناريوهات مختلفة، انه هذه المرة، تفجير سيارتين مفخختين عند بوابة الجامعة المستنصرية في بغداد عام 2006. وناقل الخبر ليست وسائل الاعلام المتأهبة لتغطية شراسة البشر على الارض، انما هو شاهدٌ من أهل البيت، من طلبة المعرفة والعلم الذين انتفضوا في وجه الجهل والتعصّب والغوغائية، انه محمد حسين ابن المؤلف الذي صادف دخوله الى الجامعة لحظة الانفجار.

ان هذا الحدث، كما غيره مما عاشته عائلة الرفاعي وغيرها من العراقيين، كان له الاثر الواضح في عمل الكاتب على تنقية صورة الدين من التديّن الأعمى والغارق في التقوقع والتعصّب ونفي الآخر والاطاحة به لمجرّد انه تجرّأ وركب موجة الاختلاف او الخروج عن الخطاب السائد. ان " انقاذ النزعة الانسانية في الدين" صرخة في وجه العنف، وصفعة على خدّ التطرّف، وتفجير لحجج الجماعات السلفية الواهية، ومحاولة اظهارها في المقلب الآخر من التجربة الدينية حيث لا رحمة ولا محبة ولا شفقة ولا أخلاق...لقد شوّه هؤلاء التديّن وحوّلوه إلى بؤرة موبوءة بالعنف والتخلّف تبتلع البشر كما الحجر وتحوّل الابداع الفكري والحضاري الى مجرّد ركام. انه تدمير للذات وتلذّذ مرضي بما يحصل.

يستشهد المؤلّف في هذا السياق بالدكتور محمد طالبي معلناً : " ان العنف هو الذي قتل الحضارة الاسلامية ". ويشدّد على تأكيد هذا الواقع من خلال قراءة تاريخية لما جرى ويجري في يوميات شعوب عديدة. في صدد تحليله لخطاب الجماعات السلفية التي تبرّر العنف وتدعو اليه عن طريق غسل الادمغة بمساحيق الوهم والتصورات الخيالية، يرى الرفاعي ان هناك علامة فارقة تميّز هذا الخطاب يمكن تحديدها بما يلي: التشديد على " ضرورة تبنّي آراء السلف ومواقفهم بتمامها، وهروبها دائماً الى الماضي، وارتيابها من كل ما من شأنه أن يطلّ على المستقبل، أو يتعاطى مع الواقع بعقلانية نقدية مستنيرة، وسعيها المتواصل لتبجيل الذات، وعدم الكفّ عن امتداحها، واصطناع صورة رومنسية مثالية لها(...) فيما تصنع صورة للآخر ليست بريئة، يصبح فيها كل ما يمتّ اليه من معارف ورؤى ومفاهيم وقيم...وغير ذلك، رجساً مدنساً، تجب مناهضته(...). وتفنّن هذه الجماعات في تجييش المهمّشين والمحرومين، وتتخذهم مادة لبناء ثقافة خاصة بالانتحار وتمجيد الموت، يكون أحد روافدها صورة الآخر المشوهة، التي تصير منبعاً لكراهيته، والغضب المتّقد عليه ". ( عبد الجبار الرفاعي،المصدر السابق، ص200)

ان هذا النص يبرز بوضوح التناقض الذي يقوم عليه الخطاب السلفي، ومقدرته على التلاعب بوعي المحرومين والمستضعفين وغيرهم ممن زاغ بصرهم عن الحق والمنطق. ينصبّ جهد المؤلف على دحض هذا الخطاب، ورأب الصدع الذي خلّفه في الوعي من خلال العمل على إظهار النزعة الإنسانية في الدين بعامة والاسلام بخاصة. انه اعلن حرباً شرسة ضدّ التطرّف والانغلاق، مواجهاً العنف بالنظر الى مواضع الرحمة في الدين عن طريق مناقضة ما يسمّيه بـ "القراءة الفاشية للنصوص"، هذه القراءة التي تولّد جماعات تسير ملتحفة بأكفانها نحو مصيرها المحتوم.

انه يدعو الى القيام بنهضة معرفية هامة يمكن تلخيصها في الخطوات الآتية:

- مراجعة نقدية للتاريخ

- قراءة تحليلية للنصوص

- تقويم الموروث من منظور مختلف

- الابتعاد عن الرؤية الاحادية والذهنية المغلقة

- محاولة استيعاب القيم الانسانية المنفتحة

- الخروج من الالهيات التقليدية نحو بناء الهيات عقلية مستنيرة

- طرح تساؤلات جديدة تفضي الى التحرر من الصورة النمطية للاله

ان هذه الخطوات تشكّل بحد ذاتها مشروعاً فكرياً ذا مسار نقدي منفتح على المعرفة. انه يحمل في طياته رؤية تنويرية عقلانية مبنية على الانفتاح، والتحرّر من الافق الضيق، والخروج من سجون الماضي،والتوجّه نحو ثقافة الرحمة والاخلاق في التعاطي مع الآخر، ومع التعدد والاختلاف.

من هنا نجد مفكرنا يسلّط الضوء على التجربة الصوفية التي عرفها تاريخ الفكر الاسلامي. انها تجربة تستحق فعلا التوقف عندها ملياً في هذا الزمن تحديداً لما فيها من رقي في الاخلاق، وانفتاح في النظر الى الله والوجود والآخر. يستعرض في سياق هذا الفصل اسماء عدّة سطعت في سماء التصوف ليشير الى تجلّي النزعة الانسانية في الدين والتديّن، مطالباً بإنقاذها من الخطاب المدمّر المستفحل في كل مكان. ان ما يقوم به الرفاعي محاولة راقية لإنقاذ الدين من دون استخدام العنف، فينقض بذلك كل الحجج الواهية التي تدعو الى استباحة دم الآخرين وإراقته في سبيل تحصيل حقوق السماء.

ان توقفه عند ابن عربي، والبسطامي، ورابعة العدوية، وجلال الدين الرومي، وغيرهم هدفه وضع الأصبع ليس على الجرح انما على النزعة الانسانية في الدين التي من شأنها أن تلحم الجرح وتداوي آلامه المريرة. ان الاشارة الى المتصوفة لا تعني الالتزام بكل مبادئهم وسلوكياتهم، اذ ان انقاذ النزعة الانسانية في الدين تتطلب حالة متوازنة تؤسّس على الإنسجام بين متطلبات الجسد وتنمية الروح في آن معاً، وعلى نحو متصالح مع العالم. ان التناغم مع ايقاع الكون والغوص في الانتماء الى الوجود أمران ضروريان للمحافظة على النزعة الانسانية للدين. فالانسان في النهاية كائن طبيعي منخرط في العالم ومجبول من عناصره، من دون التغاضي عن بعده الوجودي كما الفكري والروحي.

يبدو انطلاقاً مما سبق مسارُ الرفاعي واضحاً في كتابه هذا: البداية مع الخطوة الاولى في تحديد مفهوم الدين، والنظر في الحاجة اليه من خلال التحدّث عن وظيفته، وابراز قيمته الانسانية الراقية، وذلك نقضاً ودحضاً لما خلّفه الخطاب السلفيّ من كوارث على الصعيد الاجتماعي كما السياسي والديني والمعنوي، لتأتي الخطوة التالية التي تكمن في التركيز على نماذج من الخطاب الصوفي والاخلاقي الذي أضاء التاريخ بإنتاجه، لكن تمّ تهميشه واستبعاده. الاستنتاج الاساس الذي يمكن الخروج به بعد قراءة الكتاب هو الدعوة الى بناء الهيات جديدة اكثر عقلانية، وانسانية، الهياتٍ متحرّرة من قيود "القراءة الفاشية" وما خلفته من ركام حولها.

نختم بهذه الخلاصة التي ينهي بها الكاتب الفصل الحادي عشر لما فيها من جدية وغنى وعمق في كيفية التعاطي مع مسألة التديّن: " ان السبيل للتخلّق بأخلاق الرحمن انما يتحقق عبر انقاذ النزعة الانسانية في الدين، واضاءة أبعاده الاخلاقية والمعنوية والرمزية والجمالية، وتطهير التدين من كافة اشكال الكراهية والاكراهات".(عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص210)

يبقى لنا ان نعمل مع المؤلف في سبيل تعزيز اخلاقيات المحبة، وتدريب المشاعر على القيم النبيلة، والسعي وراء اكتشاف الطاقة الاجابية في العالم والتواصل معها. ولتحقيق كل هذا المشروع الفكري الراقي والنبيل علينا، على حدّ تعبير الرفاعي " استيحاء صفات الرحمة والمحبة والسلام ونحوها من الرحمن ".

 

د. نايلة ابي نادر

 

د. هاشم عبود الموسوي يصدر مجموعتين شعريتين

574-hasim1عن دار حوران في دمشق صدرت مجموعتان شعريتان للشاعر العراقي هاشم عبود الموسوي

وبسبب الظروف التي تمر على الشقيقة سوريا فلم تتوفر الفرصة لتوزيعهما

بالاضافة الى ذلك فقد فُجع الشاعر الدكتور هاشم عبود الموسوي بنبأ وفاة صاحب الدار المرحوم يوسف الجهماني المثقف والكاتب والمترجم السوري الحصيف

والذي سبق واصدر له عدة كتب ودوواين شعرية

وقد عزى عائلة الفقيد بهذا المصاب الأليم

574-hasim 

قراءة في كتاب اقتصاد زائف - المدهش في التاريخ الاقتصادي للعالم

573-hatamصدرعن دار بنغوين في لندن كتاب بعنوان: اقتصاد زائف، المدهش في التاريخ الاقتصادي للعالم للكاتب آلن بيتي. والكتاب جاء في عشرة فصول عرض فيها الكاتب الكثير من دروس التاريخ والتي تتمحور جميعها حول سؤال واحد وهو كيف يمكن للدول الفقيرة ان تصبح غنية. موضوعات الكتاب جاءت على شكل اسئلة مثل لماذا نجحت الارجنتين في سياستها الاقتصادية قبل قرن من الزمن بينما تعثرت الولايات المتحدة، و لماذا تستورد مصر نصف احتياجاتها من الغذاء؟ وفي موضوع الموارد الطبيعية يتحدث الكاتب عن قيمة البترول والمعادن ويتسائل لماذا يخلقان من المشاكل اكثر مما يستحقان. وحول علاقة الدين بالاقتصاد يناقش الكاتب فكرة ترددت كثيراً وهي ان الاقطار الاسلامية فقيرة اقتصادياً،غير اننا سنركز على موضوع الفساد الذي ورد في الفصل الثامن، وفيه يتسائل المؤلف عن سبب ازدهار اندونيسيا تحت حكم سوهارتو الدكتاتوري الفاسد بينما بقيت تنزانيا فقيرة ومتخلفة في ظل حكم نيريري النزيه. ماذا نعني بالفساد وكيف مورس في مختلف المراحل التاريخية. يتطرق الكاتب الى تجارب الفساد في القرون الاخيرة في الهند والصين والفليبين وفي شركة الهند الشرقية وفي تنزانيا وامريكا. سنرى كيف ان الفساد قاد الى هزائم عسكرية كبيرة وضياع اجزاء هامة من الامبراطوريات وخاصة في القرن الثامن عشر.

573-hatamيوضح الكاتب ان السياسة البريطانية كانت آنذاك غارقةً في الفساد، والحكومة متورطة بعمق في الخداع والرشاوي والاستغلال غير الشرعي للسلطة، والمقاعد البرلمانية كانت تباع وتُشترى بسهولة. في شركة الهند الشرقية كانت ثقافة الحكم هي الرشاوي والتآمر كوسيلة لإستغلال الصراعات المحلية مع إبقاء خيار الحل العسكري قائماً. كانت الشركة تمثل عصابة من التجار الباحثين عن ربح غير شرعي، وهم دائماً سعداء في شراء شخص ما بدلاً من ارسال الجنود لقتاله، لم يكن همهم المبادئ ونشر قيم الحضارة البريطانية. في فرنسا لم يكن الامر مختلفا حيث كانت الرتب العسكرية تُباع لأبناء النبلاء. اما في امريكا فالجميع يعلم بنظام الغنائم الذي كانت تعمل به الحكومة الامريكية والذي بموجبه تُسلّم المناصب للمساعدين من الحزب الحاكم سواء على مستوى الدولة او على المستويات المحلية.

 

مفهوم الفساد

يبدأ الكاتب بنكتة من الهند تقول ان مسؤولاً كبيراً في احدى الولايات الهندية الفقيرة ذهب في زيارة متبادلة الى مدينة امريكية بضيافة عمدة المدينة الذي هو احد العناصر الفاسدة في النظام السياسي، حيث اصطحب الضيف في جولة حول المدينة. في البدأ اشار المسؤول الامريكي الى الطريق السريع في حافة المدينة قائلاً"انظر هناك". يومئ الى جيب قميصه ملمحاً "10%". ثم يشير الى ملعب رياضي جديد قائلاً هل ترى ذلك؟ 10% . في السنة اللاحقة يذهب العمدة الامريكي لرد الزيارة للهند. يقوم المسؤول الهندي بمرافقته الى مقر اقامته الرسمية في أعلى التل المطل على العاصمة. قام بجولة شاملة على المنطقة حيث الاحياء الفقيرة ومجاري الصرف الصحي المتهالكة والطرق ذات الحفر والفجوات الكبيرة، قال هل ترى؟ يومئ الى جيبه مشيراً 100%.

ان سوء استغلال الادارة العامة هو قديم قدم الادارة ذاتها. الاديان رفضت استعمال الرشوة لكونها تعمي الابصار وتشوّه كلمات الحق. ولكن السنوات الخمس عشرة الاخيرة شهدت اهتماما خاصا بموضوع الفساد في مجال السياسة والدراسات الاكاديمية، وقد اطلق احد المعلقين عليه تسمية الوباء او eruption . اما الوكالات الدولية مثل البنك الدولي فهو نادراً ما استعمل مصطلح الفساد خوفاً من الاتهام بالتدخل في السياسة. لقد اُعتبر الفساد احد الاسباب التي تجعل الدولة باقية على حالها من الفقر ، وهي مقولة قد تكون صحيحة وخاطئة في آن معاً.

ويضيف الكاتب ان بعض انواع الفساد هي اسوأ من الاخرى، بعضها لا يشكل اكثر من ازعاج، بينما الاخرى تقود الى التفسخ، وهناك فساد يوقف النمو الاقتصادي ويعيق الاستثمار. اندونيسيا اليوم لديها دخل فردي سنوي بمقدار 3000 دولار، وهي ظلت لعقود تخضع لحكم سوهارتو الاوتوقراطي الفاسد. بالمقابل نجد متوسط الدخل في تنزانيا لا يزيد عن 1000 دولار والناس تعيش في فقر مدقع تحت حكم تميز بالاستقامة والنزاهة.

 

تعريف الفساد

عُرّف الفساد (corruption) باعتباره اي شكل من إساءة استخدام الموقع الوظيفي سواء كان موقعاً عاماً او خاصاً بهدف تحقيق مكاسب شخصية. وهكذا فان المدير في احدى الشركات حين يشتري مواد تجهيز غير ضرورية وبأثمان عالية مقابل حصوله على رشوة من المجهز يسمى"فاسداً". وقد يُطلق على العملية بالاحتيال fraud حين يقع الخداع على المساهمين بدلا من عامة الناس. اما البنك الدولي فقد وضع تعريفاً للفساد وهو: استغلال المنصب العام لأغراض شخصية.

وهكذا فان برنامج النفط مقابل الغذاء للامم المتحدة الذي سمح للعراق ببيع نفطه في السوق العالمي بين الاعوام 1996-2003 لشراء الدواء والغذاء صُنف بالفساد، اما اعمال الغش والاحتيال المحاسبية والادارية التي أسقطت شركة انرون الامريكية للطاقة لم تكن فساداً. ان الفساد ينشأ بسبب ما يسميه الاقتصاديون مشكلة الرئيس- الوكيل حين يعيّن شخص ما او مجموعه (الناخب او الجمهورالعام) طرفاً آخر(الموظف المدني او السياسي) للقيام بوظائف معينة لمصلحة الطرف الاول. فاذا كان الرئيس لا يستطيع الاشراف او الاطلاع التام على افعال الوكيل ، سيكون لدى الوكيل حافزاً ليتصرف لإجل مصلحته الخاصة. الجمهور ربما يريد من الحكومة بناء طريق نموذجي ورخيص الكلفة لكن الجمهور قد لا يلاحظ قيام الموظف المدني بمنح العقد الى شركة غير كفوءة وذات كلفة عالية يديرها اخوه او شخص آخر مقابل صفقة.

ان الفساد هو شكل من المصلحة الذاتية يسود حين يتحقق شرطان: الاول نقص المعلومات والثاني عدم وجود منافسة. المعلومات تساعد في تسليط الضوء على الفساد حيث تصبح المصلحة الذاتية للوكلاء تحت الانظار مما يقيد حريتهم في التصرف. اما المنافسة فهي تضمن ان الوكلاء الذين يقومون باعمال مكلفة وغير كفوءة كي يفيدوا انفسهم سوف يُستبدلون بآخرين يعملون بشرف وكلفة اقل. كلما كانت لدى الوكلاء القوة الاحتكارية والحرية في تأديتهم للخدمات وكانوا اقل عرضة للمسائلة، كلما كانوا اكثر تورطاً في الفساد. ولكن بدلا من ان تقضي المنافسة على الفساد نجد احيانا الفساد يكبح المنافسة. ان الاخلاق العامة والقيم الاخلاقية المضادة للرشاوي والاحتيال تجعل من الفساد عملا سيئا وضاراً للكفاءة، فهو يقود الى قرارات يصنعها البيروقراط وفقا لما هو جيد لهم وليس للاقتصاد. هي تؤثر مباشرة على نوعية الحياة عبر وقف الانفاق العام على الصحة والتعليم والبنية التحتية وتحويله نحو مجالات مقصودة. والفساد يؤثر خصيصا في التجارة الدولية حيث ان السيطرة على الحدود توفر فرصة جيدة لإستخلاص الرشاوي. لا شك ان الفساد سيئ للنمو غير ان هذه ليست قاعدة مطلقة ، حيث لاحظنا هناك عدة دول في شرق اسيا تقدمت الى الامام رغم تاريخها الطويل من الفساد. فالصين حققت مستويات عالية في مكافحة الفساد وهو ما قاد للقضاء على الفقر في تاريخها الحديث. احد المسؤولين الهنود سُئل لماذا لم تجذب الهند الا القليل من الاستثمارات الاجنبية مقارنة بالصين. اجاب السبب يعود الى الفساد، ما موجود في الصين هو فقط حزب واحد يتلقى الرشاوي عكس ما عليه الحال في الهند.

 

تجربة اندونيسيا

عرض الكاتب تجربة اندونيسيا تحت حكم سوهارتو باعتبارها افضل مثال عن كيفية انجاز الدكتاتوريات الفاسدة للنجاحات الاقتصادية. لا شك ان اندونيسيا كانت فاسدة تحت حكم سوهارتو وفقاً للتصنيف الذي اعدتهُ هيئة الشفافية الدولية عام 1995. لكن البلد رغم ذلك كانت ظروفه احسن بكثير. كان سوهارتو رجلا عسكريا استولى على الحكم بمساعدة الجيش عام 1968، واندونيسيا عبارة عن مجموعة من الجزر المتناثرة ، وهي بلاد واسعة وكثيفة السكان ذات تنوع عرقي ولغوي رغم ما تبدو عليه ظاهريا كبلد موحد. تجربتها لم تكن مستقرة خلال العقدين الاولين من الاستقلال عن الاحتلال الهولندي .ديمقراطيتها الضعيفة والمنقسمة تلتها دكتاتورية هشة لسوكارنو الرئيس المؤسس للبلاد. المدافعون عن الحكم يؤكدون ان سوهارتو جلب النظام لاندونيسيا، غير ان الاضرار الدائمة للحرية وللحياة كانت بالغة.

خلق سوهارتو واقعاً قسرياً للحزب السياسي (Glkar) حين ربط جميع موظفي الدولة في احدى مؤسساته الدستورية. ورغم انه اقام انتخبات دورية الا انه بالنتيجة سيطر على هيئة المستشارين وحكم بمرسوم. حيث عيّن جميع القيادات المدنية المؤثرة ووضعهم تحت رقابته الصارمة. لم يكن حكمه عسكريا فقط وانما يديره المدنيون المرتبطون به. وبدلا من المحاولات العشوائية للسيطرة على الاقتصاد واستغلاله، استخدم سوهارتو نفس القيود التي اوجدها لتكبل يديه. فهو اعتمد على سياسات اقتصادية ارثودكسية انهت التضخم المتسارع المتوارث منذ الستينات. وخلق قاعدة تشترط تحقيق توازن في ميزانية الحكومة القومية دون ان يكون ذلك ملزما من الناحية العملية. كانت هناك طرق مختلفة لإنفاق النقود دون ان يظهر ذلك في السجلات. هذه الطريقة ساعدت في الحيلولة دون الانفاق المفرط الذي زعزع الدكتاتوريات المماثلة في امريكا اللاتينية. ونظام سوهارتو نجح ايضا في جذب الاستثمارات الاجنبية من الخارج عبر سماحه بالحركة الحرة لرأس المال عبر الحدود. وهو ما خلق الثقة لدى الشركات الاندونيسية ذات الاصول الصينية حين وجدت من السهل نقل اموالها الى الخارج عند الحاجة او جلبها الى البلاد. ان الطريقة التي كانت تتطلع بها الشركات الى مصالحها اوضحت مدى فعالية سلوك الابتزاز. فالشركات الاجنبية كلها تدفع النقود الى شخص ذو ارتباط سياسي جيد، عادة يكون احد المسؤولين العسكريين او المدنيين السابقين، لكي يوفر حماية سياسية لتلك الشركات عن طريق الاتصال المباشر بسوهارتو في حالة بروز اي مشكلة امامها، والبيروقراطيون يحلّون المشكلة لقاء اجور. فهل يُعتبر هذا رشوة؟ يقول الكاتب نعم ولكنه شكل منهجي منظّم للفساد عمل كشبكة تمر عبرها المعلومات وكنظام للتحذير المبكر عن استياء وسخط المستثمرين. ان الحلقات المركزية الحساسة في الاقتصاد تمت السيطرة عليها بشبكة من المحسوبيات والمنسوبيات والاصدقاء الذين لهم علاقات تعاون متبادلة مع الدولة. هؤلاء حصلوا على عقود مغرية وإجازات ترخيص ثمينة من سوهارتو، كما اصدر الاوامر للبنوك التجارية لمنحهم القروض. لقد قام النظام بازاحة كبار المسؤولين والغى الاحتكار لمدة 30سنة من فترة الحكم خلالها نجح في نقل البلاد من حالة الفقر الشديد الى مرحلة النمو السريع لتصبح اندونيسيا من الدول المتوسطة الدخل. تمكنت اندونيسيا من الاندماج في الاقتصاد العالمي بدلا من اتباع سياسة إحلال الواردات الشائعة في دول افريقيا وامريكا اللاتينية. لقد رفض سوهارتو تفضيل سياسة المدن على الارياف وحصل على سمعة جيدة في الاسواق المالية الدولية بتسديد الديون المستحقة عليه. كان نظام سوهارتو دموياً لكنه اعطى ثماراً.

 

كوريا الجنوبية

هناك دول اخرى في شرق آسيا لها تجربة مشابهة. كوريا الجنوبية مثلا، حكمها نظام سلطوي بقيادة (park chunghee) وهي رغم توجهها المتأخر نحو الديمقراطية الا انها حققت مستويات لا بأس بها في مكافحة الفساد وانجزت مستوى من الدخل يضاهي الدول الغربية. الرئيس بارك احتفظ بشبكة من المحابين الذين هم دائما بحاجة الى الرشاوي من اي شخص يتعامل معهم. كانت الشركات الكورية تحصل على حماية كبيرة من الدولة بما في ذلك تسهيلات الإقراض والإعانات والرسوم على الإستيراد. واحتفظت كوريا بقيود صارمة على رأس المال الهارب نحو الخارج ووضعت القليل من الثقة بالاستثمار الاجنبي المباشر في بناء المصانع. لكنها من جهة اخرى مارست نفس السياسة التي اتّبعها سوهارتو حين خلقت منافسة حادة امام الشركات الكورية التي اندمجت مع بعضها تحت اسم chaebols وعرّضتها للتفتيش. قامت شركات الاندماج هذه بتركيز جهودها نحو الصادرات مما جعلها عرضةً لضغوط تنافسية من الاقتصاد العالمي. هذا بدوره ادّى الى ذوبان الشركات الضعيفة حين لم تجد منْ يساعدها على البقاء.

كذلك منعت كوريا الرشاوي المتصلة بعمل الشركات ذات الثقل الحقيقي في البلاد. واثناء مرحلة التصنيع بدت الرشاوي في كوريا كأنها مدفوعات منتظمة ليست سيئة تُعرف بـ "tukkap " (وهي في الأصل نقود لشراء كيك مصنوع من الرز) تُدفع للسياسيين ذوي النفوذ ليس لأجل كسب موافقتهم على خطط معينة، وانما كي يبقوا سعداء فقط. والسياسيون بدورهم ينفقون قسماً من النقود على المؤسسات الفقيرة او على الناخبين الأشد فقراً. يرى المدافعون عن الفساد في كوريا انه عمل في الواقع كما لو انه برنامج مساعدات نقدية تُدفع للموظفين المدنيين ذوي الرواتب القليلة، فهو بمثابة تعويض عن غياب نظام الرفاهية الاجتماعية للدولة. هاتين المشكلتين كانتا نتيجة طبيعية للسيطرة الايديولوجية لحكومة كوريا في ذلك الوقت. فالفساد المنظّم حقق تماما الهدف الذي لم تتمكن الادارات العلنية العامة من تحقيقه. واذا كان الفساد ثابتا ويمكن التنبؤ به جيداً فانه سيصبح امراً ضرورياً مثله مثل الضرائب. فكما اتضح من اداء الديمقراطيات الاشتراكية في اوربا الغربية، ان وجود نسب هامة من الضريبة لن يحول دون بلوغ مستوى عال من الثراء طالما تُجبى تلك الضرائب بكفاءة وبطرق يمكن التنبؤ بها.

 

تنزانيا

من المؤسف لم يلعب الفساد نفس ذلك الدور في ايام حكم الرئيس التنزاني جوليوس نيريري. ونيريري كان معلماً وليس جنديا، ترأس بلداً جديداً بعد المرحلة الاستعمارية. كانت سمعة نيريري على العكس تماما من سمعة سوهارتو، فالاول حظي بالاعجاب من جميع دول العالم نظراً لنزاهته وتواضعه قياساً بجميع الحكام الفاسدين في افريقيا. ومع ذلك كانت تنزانيا مليئة بالفساد، وانتهت بعد عقدين من الحكم لتجد نفسها ليست افضل حالا مما بدأت به. أعلن نيريري في خطابه الوداعي عام 1985 "انا فشلت دعوني أعترف بذلك".

اعتمد نيريري في فلسفته على بناء اقتصاد مكتف ذاتيا محميا بحواجز تجارية عالية، الامر الذي قاد الى ركود تضخمي stagnation وعدم الفاعلية. هذه السياسة أثقلت تنزانيا بأعباء السيطرة على الاسعار وتمويل الصرف الاجنبي ومئات المشاريع الفاشلة المملوكة للدولة. ذلك ادى الى التهريب والفساد واتساع كبير في حجم الاقتصاد الأسود. غير ان ما هو اكثر سوءاً هو قيامه بازاحة الملايين من المزارعين الصغار وتجميعهم في قرى جماعية تحت شعار الفاعلية. هناك شبكة واسعة من البيروقراط خُلقت لتجهيز المزارع الجديدة بالبذور والاسمدة وكذلك شراء منتجات المزارعين. ان منح هذه السلطات الى مسؤولين ليس لديهم ارتباط قوي بالناس ذوي العلاقة، خلق بيئة مناسبة للفساد والاستغلال. كان رد فعل المزارعين القبول بمستوى من الانتاج قريب من حد الكفاف وبيع اي فائض في السوق السوداء وحيث يمكنهم الحصول على سعر أعلى من سعر الدولة. وبعد انهيار الانتاج الزراعي، أُجبر نيريري على الغاء المزارع الجماعية.

يؤكد الكاتب لكي يعمل الفساد بشكل ناجح لابد من وجود درجة من التنسيق المركزي. النظرية الاقتصادية توضح ذلك بشكل مشابه للحالة التي تكون فيها لكل شركة ضمن مجموعة من الشركات سلطة احتكارية في انتاج البضائع المكملة لبضائع الشركات الاخرى. فلو تصورنا ان شركة تقوم بانتاج صلصلة الطماطم المتبلة، وشركة اخرى تصنع الكعك، وثالثة تنتج زيت الخردل، هذه الشركات الثلاث تنتج الاجزاء الرئيسية لفطيرة الـ hot-dog. فاذا كانت الشركات الثلاث تعمل بانسجام وتعاون فان كل منها سيضع سعراً منخفضاً نسبيا وسوف تحقق كل منها ربحا دون الاضرار بالطلب على المنتج النهائي. ولكن اذا كانت تلك الشركات تعمل باستقلالية فان اي منها سيفرض سعراً مرتفعاً اعتماداً على توقّع ان يقوم الاخرون بنفس العمل، فلا معنى لصانع الكعك ان يتخلى عن الربح بوضعه سعر منخفض للكعك عندما يهبط الطلب على فطيرة الهوت- دوك بسبب الاسعار الباهضة للصلصلة ولزيت الخردل. نفس الشيء ينطبق على الهيئات ذات القدرة على انتزاع الرشاوي، مثل الكمارك والكهرباء وسلطات الضرائب جميعها تضع سعر منخفض لو انها عملت مجتمعةً وليست على انفراد. البيروقراطيات المنظمة تريد من الاقتصاد ان ينمو بسرعة، اي المزيد من انتاج السيارات والبضائع، اما بيروقراطيات الابتزاز"ابتز بقدر ما تستطيع" غير المنظمة لايهمها سوى مصلحتها سواء نما الاقتصاد ام لم ينمو.

الكاتب (آلن بيتي) درس التاريخ في اكسفورد والاقتصاد في كمبرج، وعمل اقتصاديا في بنك انجلترا ثم التحق فيما بعد بصحيفة الفايننشل تايمز عام 1998 . كتابه حافل بالعديد من الموضوعات من مختلف البلدان وفي مراحل تاريخية متعددة وهو ما يجعل القارئ يشعر احيانا بالدوار. هو لم يوضح السبيل الافضل لتحقيق التنمية هل هو الديمقراطية ام الديكتاتورية. فهو امتدح الصين حين فرضت القيود على حركة القرويين واعتبر ذلك سبباً للنمو الاقتصادي، بينما أشاد لاحقاً بالهند لديمقراطيتها. كذلك هو ينصح باعتماد سياسة السوق الحرة ودعم الحكومة لقطاع الاعمال. بينما نجد امريكا في القرن التاسع عشر واليابان في القرن العشرين اعتمدتا مبدأ الحماية التجارية للدفاع عن صناعاتهما امام المنافسة الاجنبية وحققتا بذلك ازدهاراً اقتصادياً. ايضا هو اعتبر الدين سببا للتراجع دون ان يوضح النجاح الاقتصادي لماليزيا المسلمة.

 

.........................................

كتاب اقتصاد زائف،المدهش في التاريخ الاقتصادي العالمي للكاتب ALAN BEATTIE، صدر في لندن عن دار بنغوين عام 2009 في 312 صفحة.

 

طائر الـثَّـبَـغْطِر .. (مُذكِّراتُ نَبِيٍّ مجنون) كتاب جديد للدكتور عبد الله الفيفي

572-fifiعن (الدار العربيَّة للعلوم- ناشرون)، في بيروت، تصدر رواية "طائر الـثَّـبَـغْطِر: مُذكِّراتُ نَبِيٍّ مجنون"، للكاتب أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي، الطبعة الأولى 1435هـ= 2014م.

تحكي الرواية عن شخصيَّة (وليد موسى) الذي يمثل نموجًا إنسانيًّا لابن الجزيرة العربيّة في غضون التحوّلات الحادّة بين القرنين العشرين والحادي والعشرين، بكل التأزمات الاجتماعيّة والسياسيّة والأيديولوجيّة الحادّة التي أحاطت بالمنطقة، وشكّلت منعطفات تحوّل، لا على الصعيد الإقليمي فحسب، ولكن على مستوى العالم أيضًا. وتتوخّى الرواية مناقشة تلك المرحلة من الحياة في المنطقة، على نحوٍ نقديّ. مستشرفة مستقبل المنطقة في ضوء المعطيات المشار إليها.

أمّا رمز "طائر الثَّبَغْطِر"، فمشتق من النص ومن شخصيّة البطل، الشبيهة بذلك الطائر الغامض، المذكور شعبيًّا، حيث قال الراوي:

" يَذكُره الناس ويكاد لا يَعرفه أحد. غريب، غامض، يقال إنه طائر مهاجر، وإنه لا يهجع ليلًا. حتى اسمه لا يُعرف أصلُه. ما سمعتُ حكايات (وليد موسى) إلَّا توارد إلى خيالي ذلك الطائر المجهول، أو شِبه الأُسطوري: الثَّبَغْطِر.

572-fifiمن المألوف أن يَعرف راعي الضأن والشاء أحوال البيئة، وتقلُّبات الطقس، وأحداث الماضي في نطاق تجربته المحدودة. لكنَّه من غير المألوف أن تجد مثل ذلك الراعي يُحدِّثك في الفلسفة، والتاريخ، والسياسة الدوليَّة، ويُتقن غير لغةٍ واحدةٍ، فضلًا عن تمتُّعه بمَلَكَة أدبيَّة، وإحاطته بشؤون الثقافة والفكر. تلك هي المفارقة التي سمعتُها عن وليد موسى، ولم أصدِّقها. وليد موسى الملقَّب بين بعض الناس بالجِباليّ، وبين آخرين بالمَعْبُول، وبين غيرهم بالطيَّار.

لم يكن الناس يَكْذِبُوْن في ما يقولون عنه، بطبيعة الحال، لكنَّهم لا يقولون إلَّا ما يسمعون، ولم يكن أحدهم- وإنْ عَرَف جزءًا من الحقيقة- يعي خلفيَّاتها ويُدرِك تفاصيلها الأخرى. فيما الرجل الوحيد الذي يَعرِف كامل الحقيقة: مجنون! أو هكذا يزعمون."

تبدأ الحكاية بانشغال الراوي بحكايات وليد موسى، الذي تكثر حوله الشائعات الشعبيَّة، من الاتهام بالجنون إلى تهمة المروق عن الدِّين، وادّعاء النبوّة، فيقصده، بصفة باحث اجتماعيّ. فيتعرف إليه، ويحكي له البطل بعض أطراف حكاياته، غير أن الرواي يكتشف أن لدى الرجل مذكّرات مكتوبة، يدفعها إليه، لأن فيها تفاصيل يطول شرحها.

وتنطلق مذكرات وليد من أيام الطفولة المبكِّرة، وظروف المعيشة والبيئة الريفيَّة. فيسرد الكثير من الحكايات والأساطير والمواقف التاريخيّة، التي تعبِّر عن معادلات في التجربة الإنسانية عمومًا، بحمولها المعرفيَّة، والتراثيَّة الثريَّة، وإسقاطاتها الحياتيَّة، وإشاراتها الوجوديَّة.

* * *

يقع العمل في خمسة عشر فصلًا، يمثِّل كلّ فصلٍ محطّة من حياة وليد موسى أو "طائر الثَّبَغْطِر"، كما ينعته الرواي. ويضمّ بين دفتيه: 328 صفحة.

 

 

رؤية نقدية في دورية الشهباء الثقافية

reebar habonتمثل دورية الشهباء الثقافية إحدى المنابر التي تتسرب منها إشعاعات الفكر والابداع ،تترجم الوعي الحضاري لتجسد الإبداع الأدبي والفني لمدينة حلب وتمثل صلة وصل المبدعين بعضهم ببعض على جسر الكلمة السامية، وهي خطوة مثالية نحو إرساء قيم النهضة وإعادتها إلى الميدان الراهن قوية كما كانت في الماضي منارة للثقافة والمبدعين وكل اللائذين إلى الحق والخير والجمال ،إن هذه المبادرة الابداعية التي اتخذتها مديرية الثقافة بحلب كانت ركيزة هامة لإقامة الصرح الجمالي الثقافي الجديد لحلب كي تكون أنموذج قيمة وعطاء وبناء، فأخبار الحركة الثقافية وتداول الإبداع بات من سمات هذه المدينة العريقة التي كانت تاريخياً تعنى بأنها إحدى مراكز الثقافة العربية الإسلامية ونبعها الثر الجليل ..

إن العبء الذي تحمل أعباءه والدعم الثقافي الذي توليه مديرية الثقافة من خلال مبادراتها الثقافية تمثل عودة مؤشرات النهوض والتطور الثقافي من خلال التطوير الاعلامي الذي يهدف لإيصال المستويات الابداعية إلى حالة الاتساع والرحابة والتألق المعرفي الهائل من كونها قبلة للعلم والثقافة والأدب متمثلاً ببيت المتنبي:

كلما رحَّبت بنا الروض قلنا               حلب قصدنا و أنت السبيلُ

ولعل لإشادة رئيس التحرير بصدد الدورية الثقافية على كون المديرية تبنت هذه المبادرة بشكل رئيس وداعم يبرهن على عمق التفاني والحرص على تقديم الخير والأفضل ابداعياً على صعيد الواقع العملي والمسعى الإيجابي لكل من لهم صلة بالإبداع والفن، ونرى أن الخير الأعم والقادم سيكون من توسيع لجل هذا النشاط وجعل هذا المنبر الإعلامي وسيلة كل مبدع ومثقف ومفكر على عموم العالم العربي ، فلا ينحصر جهد ثقافي إبداعي في مدينة ما بعينها بل إن مسارات الإبداع تتضخم وتتوسع وهذه إحدى سمات الحضارة المدنية والثقافة المتطلعة نحو المستقبل عن تصميم وجودة وتمثل بماهية التقدم والارتقاء, إن ظهور العدد الأول لمجلة الشهباء الثقافية كان عدداً مثالياً قادراً أن يكون البادرة الأولى على امتداد الساحة الثقافية ،وإن نص (من شهادة كاتب حلبي) للكاتب وليد إخلاصي ،كان أنموذجاً متقدماً من حيث عرضه للشخوص والأماكن ومن ناحية اكتمال الفكرة ، فكانت في إطار حالة تداعي يسبر الغور في نمط السيرة الذاتية أو أدب المذكرات ،و لا نخش عموماً أن تكون الحركة الإبداعية في حلب الشهباء في معزل عن تلاقي كل جانب ابداعي عام ،لأن الثقافة لا تنحصر في أن تترجم ظاهرة ثقافية في مدينة دون أخرى ،والدورية الثقافية العالية المستوى في تلامس صداها بين الجماهير تقوم بعرض نتاج أدبي ملائم للدورية وقيم تواصلها لتحقق النسبة الأكثر رواجاً عن غيرها من الدوريات على المستوى الابداعي العام ،فأدب الخواطر والسير ذاتية تجد مكانها الأنسب إذا تلقفها المتلقي القارئ ككتاب أكثر من أن تعرض في دورية ثقافية هدفها أن تطلع المتلقي على الجديد دوماً ،ونشيد بمقالة الأديب الدكتور –ألكسندر كشيشان –تحت عنوان: (خواطر في خريف العمر) حيث أدت هذه المقالة دوراً تحفيزياً وبرؤى موضوعية اعتمدها الكاتب في جعل المتلقي يستشعر أهمية الخطاب الموجه له في سلوك خيار العلم والمعرفة لمحو رواسب التخلف الفكري ،وهذا يصب في طموحات وأهداف الدورية الثقافية ودورها النهضوي في بناء إعلام ثقافي حر ومؤثر.

إن استعراض الدكتور –فايز الداية- لحلب من خلال مركزها الهام الذي استقطب الدراما العربية لخصوصية حالتها الاجتماعية ولعراقتها التاريخية واكتمال القيم والتقاليد فيها وعن دورها في احتواء العديد من التجارب الدرامية والإبداعية المتنوعة، وقابليتها على العمل وابتكار ما يساعدها على الرسوخ والبقاء بسبب تعاظم دور التنسيق والعمل في ارساء النشاط الفني بخصوصيته وتمايزه الإبداعي ، حيث أن المقالة المكثفة استطاعت أن تنقب إجمالاً على مسار الحركة الدرامية في حلب من سبرها لأسماء عديدة حققت الوضوح والتجلي للتعرف على غنى حلب وعراقتها ، فدورية الشهباء الثقافية حققت جودة المادة في مجمل مقالاتها فكانت لبنة أساسية من لبنات البناء الثقافي وعاملاً للنهوض الثقافي من خلال ملامستها لتجارب المبدعين في حلب كمأمون الجابري الذي وضعه الناقد-نذير جعفر- على سطح الاستكشاف من خلال إسقاط التأويل والنقد على روايته ونحن نجد في الناقد نذير جعفر مثال الباحث المتفرد في حقول تنقيبه عن الجميل والمزدهي في الرواية مشيراً في الوقت نفسه إلى الهنات اللغوية والنحوية بشكل موضوعي هادف معبراً عن كل طارئ أو جميل محكم الشروط الفنية ،في معالجته للأدب عموماً والرواية كما في هذه الدراسة كمثال جلي في العدد الذي صدر في تموز2012م، ففي رؤية عامة لاهتمام الدورية الثقافية بالنقد نجد عناية وتتبعاً لمعظم المقالات التي قدمت للمجلة منها مقالة (نجوم صغيرة في قصص قصيرة) للكاتب –أحمد حسين حميدان- في جسه لنبض الجديد السردي للدكتور –أحمد زياد محبك- وأيضاً بالمقابل نجد المقالة التي تعنى بالتذوق والتتبع لما صدر عن أعمال من التراث كما عند مقالة الكاتب- محمد خالد النائف- في (شرح الشعر القديم) وإسهابه في عرض محتويات هذا الكتاب على عموم تقييمه لهكذا نتاج بحثي أيضاً نلمس هذا الشغف في مقالة (إطلالة على المكتبات والكتب في الحضارة الاسلامية) - لعيسى علي العاكوب -ومقالة (للكتب حظوظ) للكاتب –محمود فاخوري- وهاتين المقالتين تتطرقان لدور الكتب في المعرفة والتطور الحضاري للأمم، إضافة لبروز إبداعات شعرية نستطيع القول أنها كانت انعكاساً جمالياً مفيداً ومثرياً لدورية الشهباء لشعراء ينحون منحى العمق والبروز اللغوي المتين والتداعي النثري السهل والرهيف، كما عند –بهيجة مصري أدلبي- وعصام ترشحاني-وعبد الفتاح قلعه جي- وفي القصة ثمة تنوع وجمال في نمط القصة المقدم كما عند القاص –فيصل خرتشس- في قصة (الأسطة) والقاص –محمود الوهب- في قصته المقدمة (فاطمة أو زينب وربما تالين) ومدى الاختلاف في كل من نهجهما أعطى المتلقي حيوية التفضيل والتنوع على مستوى المساحة لكل منهما، إضافة إلى كل ذلك كان للمقال المترجم دوراً في هذه المجلة مما أتاح لها أن ألمَّت بإبداعات الأدب وفنونه كمقالة (نهاية اللعبة) للكاتب الأمريكي –زكاري ماسون- عن ترجمة –محمد ابراهيم العبد الله- وأيضاً قصيدتان ل-هارولد بنتر- تم نشرهما في الدورية وفي دور آخر يتم التوغل في الحديث عن (الفرقة التراثية الحلبية) في مقالة الاستاذ الشاعر – محمد بشير دحدوح- يكشف لنا غنى وأصالة الطرب الإنشادي الحلبي وجماليته كما في مقالة (الموسيقا والغناء في حلب) للكاتب الدكتور –محمود كحيل – فقد عبر الكاتب عن الدور الذي أغفله التاريخ في ذكر أهم جهابذة الفن والموسيقا وبتلك المقالة يسبر الكاتب عن الأجيال التي تعاقبت لتواكب الحالة الموسيقية الجلية ولتنعشه على الدوام ، أيضاً كانت لمقالة الكاتب –عدنان كزارة –تحت عنوان ( ثمن الحقيقة) أبلغ مدلول في تجسيده لمفهوم الحقيقة ونسبتها إلى الوهم حيث اتصفت المقالة بقدرتها على أن تحلق في الفضاء القصصي بمشهدية معبرة وعامة لتقدم عدة استنتاجات تلامس رحلة الكاتب عموماً في سياق تجاربه وأنماطه المتعددة في الكتابة ،أيضاً كانت لمقالة (الغرابة،المفهوم وتجلياته في الأدب) للكاتب –محمد خالد النائف-طاقة من مدلول خاص تطرق لاستعراض مفهوم الغرابة في الأدب من عدة سياقات مختلفة فمن وجهة نظر أبو حيان التوحيدي لها إلى الأدب الغرائبي المستخلص في شخص أدغار آلان بو ،كافكا وديستوفسكي انتهاء بالتطرق لرواية (رجل الرمال) ل-هوفمان- ، وأيضاً نستطيع أن نجد في مقالة –سليمان مصطفى السليمان- التي تتحدث عن البناء الروائي في رواية (حسناء جباليا) للدكتور –عبد السلام الراغب- وتتبعه لشخوص وأحداث الرواية وتحليله المسهب في الرواية من خلال البحث في الأدب الفلسطيني وملامح تجربته في رحاب الرواية وعوالمها التي توضح أبعاد وتقابلات الزمان والمكان المتجلية بتمامها رغم أن هذه المقالة لم تخرج من كونها لم تتعد التذوق والرؤى الانطباعية العامة في بناء الرواية، ضمن سياقات استعراض الرواية كي تحرك في المتلقي بديهة سرعته لتلقفها وقراءتها، وفي الدراسة التي نشرتها الباحثة الدكتورة –بغداد عبد المنعم- التي تتحدث عن المخطوطات والمسارح دور مفصلي في التعريف بمدى تجاوز البحوث المناخ الأفضل الذي يلم بالتاريخ ويتصل بالأماكن والمواقع الاستراتيجية في طشقنط وكذلك كان الحديث عن واقع المسرح بحلب للدكتور عبد الفتاح قلعه جي معالم وشجون نحو الانطلاق بالمسرح رغم التعثر إلى مصاف المسرح العالمي عموماً ،أيضاً تطرق لذلك الكاتب -جوزيف ناشف - ليقدم لمحة نموذج عن ما يقدم بحلب ولعل في مقالة –أحمد محسن- (المرأة وأبجدية الخصب) كانت تمثل تداعياً على مستوى تذوقي يعكس فيها الكاتب حرارة الفكر المتصل بالمشاعر الرقراقة التي تفوح بالأنثى الملاذ لحظة يكون الحديث عن الخصوبة المنبثقة عن التأمل الفني الذي يحيط بالمرأة برهافة كلية وفي النهاية نستطيع القول أن رحلة الشهباء الثقافية مكللة بالعديد من الابداعات التي تخرج لتتجلى يانعة في حلب ولتكون صلة وصل كل ما له في الإبداع شأن أو باع ،فهو يعكس أضواء متجلية تترجم غبار الرحلة التي يسلكها المبدعون في غمرة عطاءاتهم وابتكاراتهم التي تعكس الفطرة الانسانية الخيرة من رؤية جديدة للحياة واستنهاض من سياق يدعو للعطاء والاستمرار في الانجاز نحو الأفضل دوماً ففي مقالة -خيري الذهبي- تحت عنوان (حلب منذ شكسبير وحتى الكواكبي) إشارة جلية على هذا التواصل المعرفي الحضاري العريق بين الشرق والغرب وفي تناولنا للإبداع كما عند القاصة-ضياء قصبجي- والقاص –غسان كامل ونوس- جنوح نحو حدس مفعم بالجمال والأصالة والفن والحكمة ونحن هنا نجد أن الشهباء الثقافية تسير نحو مسارات الابداع متماهية مع عمق حلب ورقيها الغابر وجغرافيتها وابداعاتها التي تزداد تألقاً نحو الأفضل دوماً...

 

منبج-تموز- (2012م)

 

برلمان الطفل والزائر والحوكمة

mohamad rashedتميزت محافظة ميسان بتأسيس برنامج (الزائر الصحي) الذي احتضنه المدرب الدولي في التنمية البشرية الدكتور زامل العريبي مدير عام دائرة صحة ميسان الاستاذ خلف محمد خلف بشكل مثمر وخصصت له ميزانية مما أدى اعتماده في كل المحافظات وأصبح نقطة مضيئة يشار لها بالبنان لدوره الصحي والإنساني، كذلك برنامج (الحوكمة الالكترونية) الذي احتضنه السيد محافظ ميسان الأستاذ على دواي وأيضا هذا البرنامج اعتمد في كافة المحافظات وخصصت له ميزانية من اجل العمل به واعتبرت ميسان عاصمة العراق الالكترونية،

لكن لم نعرف إلى الآن لماذا لم تهتم مديرية تربية ميسان أو السيد محافظ ميسان الأسبق والسابق والحالي السيد عادل مهودر والسيد محمد شياع السوداني والسيد علي دواي ببرنامج (برلمان الطفل العراقي) منذ تأسيسه يوم 25/8/2004 والى الآن علما انه اتخذ من اتفاقية حقوق الطفل الدولية هدفا له الذي وقع العراق عليها وأصبح ملزما بتنفيذ موادها الــ(54)، الملفت للانتباه أن برلمان الطفل العراقي اعتمد (عضو مؤسس) في البرلمان العربي للأطفال المنبثق عن جامعة الدول العربية منذ 22/1/2011 ويتمتع حاليا بــصفة (عضو استشاري) في المجلس العربي للطفولة في القاهرة (منتدي المجتمع المدني للطفولة) كما انه مثل العراق في القاهرة ولبنان والدوحة وتونس واعتمد رسميا ضمن ايفادين من قبل الحكومة العراقية / هيئة رعاية الطفولة عام 2011 إلى القاهرة وعام 2012 إلى بيروت وحقق نتائج مثمرة، كما انه حقق انجازات كثيرة (كلها موثقة) بالتعاون مع وزارة حقوق الإنسان و وزارة التربية / مديرية تربية ميسان ولو تحدثنا عنه كثيرا مؤكد لا نفي حقه وبرلمان الطفل العراقي اعتبر أول تجربة في العراق ورابع تجربة في الوطن العربي إلا أن نشاطاته وحتى إيجار مقره يتم تغطيتها من قبل مؤسسه وبعض الأعضاء، علما أن محافظة ميسان تميزت أيضا بتأسيس أطول مهرجان دولي في العالم هو (مهرجان العنقاء الذهبية الدولي الرحال) و(جائزة العنقاء الذهبية) و(مؤتمر القمة الثقافي العراقي) الذي اعتبر أول مؤتمر قمة ثقافي في الوطن العربي و(دار القصة العراقية) التي وصفت بــ(محج الأدباء العراقيين) . السؤال هو من يقف وراء عرقلة هذه البرامج والنشاطات الثقافية والإنسانية؟؟ ونحن على أبواب المؤتمر الانتخابي الثالث (2014-2017) الذي ستشترك فيه جميع المحافظات نقول بمحبة وتسامح الى كل اللذين أسهموا ويسهمون في عرقلة برامجه واللذين حاولوا في تغييبه ولم ينجحوا: لا تطلقوا النار انه برلمان الطفل العراقي .

 

صدور دليل الطلبة العراقيين الدارسين في الأردن للعام 2014

sanaa alshalanعن الدائرة الثقافيّة للسفارة العراقية في الأردن صدر دليل الطلبة العراقيين الدارسين في المملكة الأردنية الهاشميّة للعام 2014، والدليل الذي يقع في 101صفحة من القطع الصغير هو من إعداد وإشراف المستشار الثقافي في السّفارة العراقيّة .أ.د عبد الرزاق عبد الجليل العيسى، كما هو من تصميم وطباعة الدكتور محمد ثابت البلداوي ممثل الجالية الأكاديمية العراقية في الأردن.وتجميع وإحصاءات وإعداد المهندسة نور سامي العنبكي.

وقد تصدّر الدليل مقالة بقلم المستشار الثقافي أ.د عبد الرزاق عبد الجليل العيسى تحت عنوان" استثمار كفاءات الخارج ضمان مستقبل التنمية في العراق الجديد"، وقد عرض فيها تاريخ مؤسسات التعليم العالي في العراق منذ عام 1908م، كما عرض حال هذه المؤسسات وملامح المشهد التعليمي لاسيما أنّه رصد أهم العقبات التي تتحدّاه فضلاً عن التأكيد على أهميّة استثمار الكفاءات العراقيّة التي هي خارج الوطن.ومن ناحية أخرى فقد رصد الخطوات المشرقة في الحالة الأكاديميّة العراقيّة بعد عام 2003 على الرّغم من التحدّيات الحالية وثقل إرث التراجع في مؤسسات التعليم العالي والجامعات العراقية. وقد أنهى مقالته بالتوصية باستحداث مؤسستين تتبعان لأعلى سلطة تنفيذية في الدولة العراقية، وهما: مؤسسة إعادة التعيين التي تعنى بإعادة تعيين الكفاءات العراقية، ومؤسسة استثمار مبادرات الكفاءات وتفعيلها.

571-sanaويتكوّن هذا الدّليل من خمسة فصول، الفصل الأوّل يحتوي على دراسات إحصائيّة ومعلومات تفصيليّة توثيقيّة حول أعداد الطلبة العراقيين في الجامعات الأردنية، وأعداد الطلبة الذين يمتلكون ملفات دراسية في الدائرة الثقافية في عمان، وتوزيع الطلبة العراقيين حسب المحافظات العراقية، والطلبة العراقيين موزعين حسب التّخصصات.والفصل الثاني المعقود تحت عنوان" الدراسة في المملكة الأردنية الهاشمية" يحتوي على العناوين التالية: تهيئة الوثائق لغرض الدراسة، واختيار الجامعة المناسبة، وهيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، والأجور الدراسية، ومعاهد اللغة، ونظام التعليم في المملكة الأردنية، وتفاصيل التقديم والقبول في الدراسات حسب البرنامج الدراسي.

أمّا الفصل الثالث المعقود تحت عنوان " معلومات عن المملكة الأردنية الهاشمية" فتضمّن المحاور التالية:معلومات عن المملكة الأردنية، والعملة المحلية وفئاتها وقيمتها مقارنة بالدولار، والأعياد والعطل الرسميّة، والطرق والوسائل المستخدمة للوصول إلى المملكة الأردنية الهاشمية، والحصول على الفيزا الأردنية، والوصول إلى الدائرة الثقافية، وإجراءات الاستقرار، والاتصال الهاتفي بين العراق والأردن.

في حين أنّ الفصل الرابع المعقود تحت عنوان "تعليمات الطلبة" قد احتوى على المحاور التالية: تعليمات طلبة الإجازات الدراسية، وتعليمات طلبة الزمالة الدراسية، وتعليمات طلبة النفقة الخاصّة.من جهة أخرى عرض الفصل الخامس المعقود تحت عنوان :" التصديق وصحّة الصدور" لتصديق الوثائق ومعاملات صحّة الصدور.

وجاء الفصل السادس "الاستنتاجات والنشاطات" ليمدّ القارئ باستنتاجات مستفيضة حول الدائرة الثقافيّة العراقيّة في عمان وسيرورة العمل فيها لخدمة الطلاب العراقيين في الأردن، إلى جانب عرض مصوّر لنشاطات الدّائرة في العام 2013 فضلاً عن التطرّق إلى الإنجازات الخاصّة للدائرة,وقد أُثبت في آخر صفحات الدّليل نماذج من الاستمارات الرّسميّة التي يحتاج الطالب العراقي إليها في استكمال إجراءاته الرّسميّة للدّراسة في الأردن ومصادقة أوراقه وشهاداته.

رغم المعاناة هو مزهر رغم الجراح

yousif abolfawzعن المركز الثقافي العراقي في السويد ودار نشر فيشون ميديا (Visionmedia) السويدية صدر مؤخرا للكاتب والاعلامي مزهر بن مدلول كتاب "الدليل ـ تجربة ومعاناة"، وجاء الكتاب من 202 صفحة، من الورق الابيض، من القطع المتوسط وبغلاف من تصميم شاكر عبد جابر. ورغم الكتاب اغفل ذكر أسم المصور الذي التقط صورة الكاتب التي حملها الغلاف الاخير، فيسرني ان تكون الصورة بعدستي حين ألتقيت أبو هادي منتصف ايلول 2012 في كوبنهاغن .

الصفحات الاخيرة من الكتاب ضمت مجموعة من الشهادات لعدة كتاب ممن اطلعوا على المخطوط ، منهم كريم كطافة، نجم خطاوي، رشيد غويلب، ويشرفني أن يكون أسمي من بينهم ، وهذه شهادتي :

415-fawzأعترف بأني منحاز لهذه النصوص، التي كتبها صديقي ابو هادي، سواء تلك التي تتكأ على حواف الحكاية، او تلك التي تسرق من الشعر سحره وموسيقاه.

لقد رافقت هذه النصوص وهي مازالت افكارا، من خلال لقاءاتنا المتواصلة عبر تكنولوجيا الاتصالات، فكانت تطوف في احاديثه حكاياتٌ ساحرة وتظهر كأنها حلقات في مسلسل يومي!، فصرخت به يوما :

ـ لماذا لا تكتب ذلك ؟

ـ وهل انا بكاتب ؟

ـ لست انت من يحدد ذلك ، اكتب هذه الافكار ودعها تطير مثل العصافير وسنرى!.

فماذا رأينا حين بدأت صفحات المواقع الاليكترونية وصفحات "طريق الشعب" تنشر نصوصا متوالية للصديق ابو هادي؟.

يعجبني في الانسان تواضعه، ويسحرني في الكاتب صدقه مع نفسه ونصه، وعند ابو هادي اجد كل هذا، ربما لكونه لايكتب بفذلكه ادبية ولامحضورات نقدية فكانت روحه المفعمة بالمرح والنكته تجبره وتدفعه لان يفتح اقواسا في النص ليزرع فيها تعليقاته بالمحكي والفصحى مثل بذرة ترتوي بضحكة او دمعه لتزهر رغما عنك زهرة فواحه بالانتماء للنص وكاتبه!.

لم أنس ان ابو هادي اسمه (مزهر!)

الامر ليس لعبا بالكلمات، فتلك المشاهد من الكوميديا السوداء عن رحلته عبر الصحراء، لا تستدر ضحكاتنا بقدر عواءنا ونحن نراه يروي لنا بشكل ساخر كيف حشروه لساعة ونصف داخل محرك سيارة لاجل تهريبه الى الكويت!.

انها نصوص حياتية مفعمة بالمدهش والمحزن والمتعب، كما انها نصوص مفعمة بالامل رغم كل الجراح، ف"الدليل" لم يكن الا فجر يوم اخر يحمل فصلا جديدا من حكاية لم يتعب راويها من البحث عن يوم اجمل وعن ليلة سعيدة حيث يكون الحلم ممكنا!.

انه مزهر .. مزهر رغم الجراح!

قراءة في كتاب: ثورات في الواجهة .. من الحركات الفنية العربية إلى بيداغوجية ثورية

zaynab saidعن دار ميميسيس ايتيروطوبيي باوديني- ميلانوMIMESIS ETEROTOPIE N.177، صدر للباحثة الايطالية PAOLA GANDOLFI، استاذة محاضرة بجامعة البندقية تدرس مادة: "انطروبولوجيا العالم العربي الاسلامي" وجامعة بركامو تدرس: "السياسة الأخلاقية للبلدان العربية الاسلامية المغاربية"، صدر  كتابها الجديد الذي ارتأت باولا عنونته بـ" ثورات في الواجهة: من الحركات الفنية العربية إلى بيداغوجية ثورية" الصادر 2013، مقسم إلى سبعة فصول وهي على التوالي: "أي ثورات في الواجهة"، "سرد التغيير لتشكيل الإطارات المرجعية"، "الحدث الفني ليس خطا تاريخيا"، "تونس: حركات فنية وحركات ثورية"فـ " سؤال الجمال و أسئلة أخرى: بين الجمال والدين وأشكال المقاومة"و " في اتجاه بيداغوجية ثورية" ثم " شهادات".

تبدأ الباحثة كتابها عن الثورات المغاربية وتحديدا الثورة التونسية باعتبارها النقطة التي أفاضت الكأس، الطريق الذي عبد المسيرلحمى الثورات العربية، بتحديد مفهوم الثورة، قائلة إن الكتابة عما حدث يشكل غموضا وجزءا من حدث بدأ منذ الأزل وحتما سيستمر، لذا من الصعوبة بمكان تسميته "ثورة" لأنها لم تبدأ وحملت في أحشائها بذور نهايتها، بل هي دينامية بطيئة، لذا فقد اختارت الباحثة تسميتها بـ" أحداث ثورية" لتحديد الصيرورة الديناميكية للبلدان التي عرفت تصدعا عميقا في بنية سلطتها التقليدية وسقوط النظام، وركزت في بحثها على جانبين هما مساحة الانتاج الفني في السنوات الفارطة، باعتباره شكلا فنيا به يمكن سرد واكتساب أهم ديناميكيات التغيير، فمن خلال الفن تتحقق حركات المقامة والتغيير. اما الجانب الثاني فهو بروز الاسلاموية على رأس البلدان العربية الاسلامية. فقد تفككت النظريات التي تحاول إرجاء المقاومة العربية إلى أي تغيير ديمقراطي. فالمجتمعات العربية انتفضت لطلب الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة، وهي مخالفة للثورات التي بصمت التاريخ كالثورة الفرنسبة والروسية والصينية و الكوبية والايرانية حيث أن تغيير النظام السياسي يصاحبه إعادة الهيكلة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، وترى الباحثة أن هذه الانتفاضة سبقتها أشكال فنية والرغبة في التغيير وأعطت الوعي للناشئة بمأساة الحياة من خلال أشكال الفن والأدب التي وسمت المرحلة قبل الثورة، أشكال حملت بصمة اليومي وتفاصيله وقدمتها بجرأة ووضوح، فالفن يحاكي الواقع، كما ترى الباحثة، بل يماهيه، ويقدمه بألوان ونغمات وكلمات، ليكون شكلا من المقامة وشكلا من أشكال الرفض، بل وعنصرا أساسيا لتحيقيق الثورة، فالثورة لم تأت من فراغ، بل من عمل جمعوي ومجتمع مدني كان يعمل في صمت، يكد ويجتهد ليظهر الصورة الحية للجمهور الذي هو الشعب. أتت من لغة حية كانت في مستوى كتابة الحقيقة وتقديمها، لغة إنتاج فني لشريحة من الشباب المتمدرس والمتخرج من الجامعات والمعاهد، والمنضوي تحت لواء العمل الجمعوي والمجتمع المدني. وترى الباحثة أنه يجب تقديم الاقتصاد والسياسة في حين أن الحرية تقاس في الامكانيات المتاحة للممارسة السياسية وفي توسيع القاعدة الشعبية، فدون حرية مدنية لا يمكن وجود رؤساء مستقلين ولا جمعيات حقوقية. فالحركات الثورية العربية أعربت عن وجود هذه القاعدة الشعبية التي خاضت هذه العمليات الثورية إلا أن الثورة لم تنتهي بعد، لذا فهذه القاعدة لا ضمان لتوسعها. ولتحقيق أي تغيير يجب في الأول تصوره،  فالأشخاص يرون دائما وجودهم من خلال حياة العوالم الممكنة المقدمة من خلال التصوارت المختلفة، حتى الارساليات الاعلامية، التي تحول حول العالم، التصور الذهني كممارسة اجتماعية تمر من خلال الصورة والمصور ثم الشيء المصور. فجغرافية الصورة الذهنية المتوغلة في تونس هي التي اجترحت أفكار الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة المتمركزة  في الوسط والمزروعة في أشكال فنية وأدبية، فالحركات الفنية ساهمت في تكوين الحركات الثورة. وخصوبة هذا الإنتاج الفني نمى وترعرع منذ وقت طويل، بفضل ديناميكية أوديركرود وأشكال التواصل الحديثة، التي تضمن توصله إلى جمهوره بشكل سريع ومباشر، وهو خطاب ممتلئ حتى الثمالة بالرفض وتعرية عيوب المجتمع وتفاصيل أمراضه المشكل لنسيجه من رقابة ومحسوبية وفساد وزبونية وعنف و...... وهذه الحركات الفنية هي التي شكلت الإطارات المرجعية الهامة للحركات الثورية، فالثورة التونسية، كما ترى الكاتبة، هي ثورة شعبية قبل أن تكون ثورة شريحة الانتلجنسيا. والحدث الثوري التونسي لم تكن له أصول بالعاصمة ولا بالمدن الكبرى، بل بالمناطق المعزولة و الهامشية وقد تولد وانتشر كشكل من الاحتجاج لا من العنف. فقوة الفن وفن القوة لهما حدود قابلة للتغيير فإذا كان النظام يستخدم الفن لترسيخ ديكتاتوريته من خلال فناني البلاط فإن قوة الفن التي تمتهنه الطليعة الحرة من الشباب الخارج من سلطة المساومة قادرة على فك شبكة النظام وتسليط الضوء على الحقيقة كما هي، قادر على اختراق الهامش وتوصيل صوته إلى مراكز القرار، هي كذلك قوة الفن، قوة الحقيقة،   كما تحدثت الباحثة عن جمال السياسة وسياسة الجمال، فإذا كان جمال السياسة يتمظهر في قسمها الحساس بتسليطها الضوء على كل ماهو غير مرئي واستنطاقها لكل جماد، فإن سياسة الجمال هي حين يدخل الفن إلى الساحة الحساسة للسياسة ليولد فكرة ثورة قادرة على تغيير حياة الفرد والمجتمع، لما له من وقع على الحقيقة، لذا على الفن أن يكون خلقا لا أصل. ومستقبل البلد، كما تقول الباحثة، يلعب حول امكانية المجتمع زراعة الوعي النقدي لفتح الحدود لتعلم ثقافة التغيير، واقتراح سياسة ثقافية بديلة، بإقامة معارض وأرشيفات وفتح مجالات للإبداع الفني..وأما عن بروز الاسلاموية على رأس الدول العربية والاسلامية، فقد أشارت باولا إلى أنه بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتغيير موازين القوى، أصبحت أمريكا قائدة العالم والقوة الوحيدة المسيطرة، ذات القطب الوحيد، وشكلت النظام الدولي الجديد، وبعد أحداث 11 سبتمر وخطاب بوش، طفى سؤال الاسلام إلى السطح، فارتبط بالارهاب، وكان للمهاجر العربي القاطن ببلاد المهجر نصيب من ضريبة الخوف أداها كاملة. وارتبط بظهور مفاهيم جديدة ما بعد الاسلاموية، اسلام فوبيا أو الخوف من الاسلام، ما بعد الايديولوجية ....

وتخلص الباحثة كتابها بتقديم شهادات لأنطروبولوجيين ومخرجين سينمائيين تونسيين كان لافلامهم وقع كبير على الساحة التونسية لم استشرفوه من مستقبل ولم تنبؤوا به، ولجرأتهم في تقديم الواقع المعاش كما هو، وانتقادهم له، فكان نصيب أحدهم أن يلغى من العرض السينمائي لم يحمله من دلالات وما يقدمه من أخرى، ونصيب الآخر أن يكرم في أرض أخرى ونصيب الاثنان أن يدخلا التاريخ من أبوابه الواسعة. هي قراءة عميقة لانطروبولوجيا الثورة التونسية قدمت تفاصيلها الباحثة وعاشت بعض فصولها بتنقلها إلى مكان الحادث واستشرافها للبعض الآخر، باستنطاقها لفنانيي الشارع المداومون لحفض مسار الثورة، وتدوين ما حدث بتأن حتى لا يشوه المارقون بعض حقائقه. ويبقى السؤال مفتوحا لتحديد ما جرى، ثورة كان أم ربيعا أم.....كان لابد أن يكون وقد كان والأساس ما هو آت، نتمنى اللا يخيب آمال من راحوا ومن ناضلوا ومن......

 

زينب سعيد

 

صدور كتاب "الدليل .. تجربة ومعاناة " للكاتب مزهر بن مدلول

415-fawzصدر عن المركز الثقافي العراقي في السويد ودار نشر فيشون ميديا (Visionmedia) السويدية للكاتب والاعلامي مزهر بن مدلول كتاب "الدليل ـ تجربة ومعاناة"، وجاء الكتاب من 202 صفحة، من الورق الابيض، من القطع المتوسط وبغلاف من تصميم شاكر عبد جابر .

 وقال المؤلف لوكالة (اصوات العراق) " ان الكتاب ضم مجموعة نصوص تقدم مشاهد من السيرة الذاتية لفترة محددة ، سبق ونشر النصوص في صحف ورقية ومواقع اعلامية الكترونية، وتم جمعها في كتاب واحد لتقدم صورة عن جانب من المشهد العراقي في سنوات الديكتاتورية المقبورة ".

415-fawzمن جهته اعتبر الكاتب والروائي يوسف أبو الفوز " ان مزهر بن مدلول يكتب بطريقة لذيذة، طريقة السهل الممتنع، وفي الكتاب يقدم لنا نصوصا ـ لوحات ـ تتكىء على حواف الحكاية وتسرق من الشعر سحره وموسيقاه، فهو يسجل لنا احيانا مشاهد مرعبة بروح ساخرة من حياته، ولا انس لوحات عن رحلته عبر الصحراء، فهي لا تستدر ضحكاتنا بقدر عواءنا ونحن نراه يروي لنا بشكل ساخر مر كيف حشروه لساعة ونصف داخل محرك سيارة لاجل تهريبه الى الكويت".

ومزهر بن مدلول، كاتب وناشط سياسي وفي منظمات المجتمع المدني ، من مواليد الناصرية 1955،  تعرض لمضايقات النظام السابق فأضطر للتخفي لفترة وثم مغادرة العراق بشكل غير شرعي ، والتحق بقوات انصار الحزب الشيوعي العراقي، التي واجهت النظام السابق، وبقي هناك حتى احداث الانفال عام 1988، حيث بدأت رحلته مع المنفى واستقر في الدانمارك منذ 1991.

 

الثروة اللفظية المغامرة في مقامات معاصرة

alwan slmanالمقامة فن ادبي قوامه الحكاية باحداثها وشخوصها وامكنتها وعمادها الاسلوب الذي تزينه المحسنات البيانية والبديعية .. تشكلت فنيا واكتسبت شهرتها واجتازت الافاق مع بداية القرن الرابع الهجري على يد بديع الزمان الهمداني/المتوفي 398هـ والحريري/المتوفي 566 .. مرورا بالزمخشري وابن الجوزي والسيوطي وانتهاء بالمويلحي في (حديث عيسى بن هشام) .. فسباتها حتى نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين الذي ابتهج بظهور (مقامات معاصرة ) نسجت معالمها انامل منتجها زاحم جهاد مطر واسهمت دار ميزوبوتاميا في نشرها وانتشارها/2014 .. بمقاماتها الثلاث والخمسون التي احتضنتها عنوانات تنطلق من فكرة نصوصها كعلامات سيميائية تسهم في اختراق وفك مغاليقها .. كونها تختزل بشكل جزئي الحياة بصورها لتحقيق وظيفة تعليمية واجتماعية وسياسية عبر قيمة بنائية ولغوية منفلتة ومتمردة تستنطق الزمكانية فتكشف عن سياق سوسيوثقافي ..

(ياسادتي ياكرام .. لكم مني تحية وسلام ..

يحدثنا الثقة الجليل .. الصادق بن خليل .. عن احوال الولاية .. بكل دقة ودراية .. في العهد الغابر والماضي العابر .. وعن ذلك الوالي وجبروته .. وعن اسمائه ونعوته .. وعن استبداده وطغيانه .. وظلمه وعصيانه .. ويقول هذا الراوي .. في كتابه الحاوي .. بان الله تعالى خلق الانسان وعلمه البيان .. ووهبه شيئان مهمان .. هما العقل والنسيان .. .) ص9 ..

فالكاتب يعتمد بنية سردية تتخذ مسارا ثابتا .. باطلالته التمهيدية التي تتضمن فعل القول المسند الى راو سارد .. مع غلبة الصناعة البديعية واحتفاظ كل لفظة بمدلولها النصي .. لذا فهي تكثر من الاستعارات وتلائم بين الشعر والنثر مع اقتباس الامثال والحكم وتضمينها والنص المقامي الذي يكشف عن ثقافة منتجها الموسوعية .. فضلا عن كثرة الالفاظ الدالة على الاشياء المحسوسة التي تلامس قضايا المجتمع والواقع .. فيقدم نصا بوحدة سردية قائمة بنفسها مع اعتمادها وحدة المكان والفكرة وهي ترتكز على راو سارد وبطل خيالي متميز بموقعه المركزي كونه يعيش تجاربه وخبراته .. يخلقه الكاتب ويضفي عليه موسوعية معرفية في صنوف الادب وغريب اللغة مع اعتماد فكرة مستحدثة تستبطن فكرة يراد ايصالها عن طريقه بعبارات قصيرة مسجوعة تعتمد التانيق والتزويق اللفظي .. بصياغة واسلوب مغرق في الصنعة اللفظية ..

(اقول ياسادة ياكرام .. ما اجمل تلك الايام .. لافرق بين زيد وعبيد .. ولا بين الجاف والزبيد ولا بين البيات والعبيد ولا بين الجا والجي وبين العجل ياحجي .. توحدت كل الفئات كروافد دجلة والفرات .. لتصب في النهر الاثير .. شط العرب الكبير .. كانهم اسرة واحدة تاكل من نفس المائدة .. يجمعهم الفرح والسرور وتوحدهم المصائب والشرور .. وعذرا ان نسيت او سهوت بعض التفاصيل مما تلوت .. فقد كان اول ناسي اول الناس ولابد من الاشارة وبصريح العبارة بان الوليمة كانت بسبب زفاف حليمة بنت الخياطة نديمة على ابن المختار الشاب المهذب جبار وانتهت الاحتفالية بالهوسة الشعبية (زوجنا وخلصنا منه عروستنه الاحلى منه) .. ومع تغير الزمن وتكالب المحن وانتشار اهل الفرقة والفتن من اصحاب الفتاوي الباطلة والسنن .. تفرق الاب عن الابن وصار السؤال عن الدار قبل الجار وعن الطريق قبل الرفيق ...) ص67 ـ ص68 ..

570-zahemفالكاتب يشد وثاق اللغة ويوليها جل اهتمامه .. لذا فهو يصطنعها بطريقة فنية محكمة .. تولد التلائم والانسجام بين الفاظها لتحقيق اسلوب حكائي متميز باناقة الكلمة وانسجام العبارة التي تستوعب مضامينه التي تداعب فكره الموضوعي .. فضلا عن اعتماده الجمل القصيرة المسجوعة باتكائه على (الموازنة السجعية) .. في خلق صوره الموافقة لطبيعته الانسانية المتصلة والبيئة الاجتماعية كي يحقق بعدها الجمالي الفاعل باكساء عباراته المتماسكة الالفاظ والصانعة للمعنى ابتداء من الاستهلال الذي يفضي الى روح السرد الذي يعتمد التتابعية المكتظة بعناصر التشويق لاستثارة فكر المستهلك بصوره البيانية التي تحلق به الى واحات الوجد باتقانها التعبيري ومضمونها المتكيء على راو يتكرر في جميع المقامات وبطل متحرك زمانيا ومكانيا وهو يطرح حدث طريف او فكرة يراد ايصالها عن طريقه .. اضافة الى تحقيق المفارقة التي تحمل بين طياتها لونا من النقد او السخرية بصنعة لفظية وبلاغية .. .

(وانا اكتم ما في نفسي وافكر في موتي ورمسي واقول ما يقوله المثل بكل جد لا هزل (عرب وين .. طنبورة وين) فانتظرت الصباح الرباح الى ان صاح ديك الصباح فخرجت الى المقهى لابث لصديقي الشكوى .. ) ص13 ..

فالكاتب يحاول ان يسمو باسلوب المقامة ويجعلها نبضا فاعلا والواقع الاجتماعي عبر لعبة سردية واعية تعتمد بناء لغويا وتكثيفا مراعيا لمقتضى الحال بتوظيف المحسنات البديعية والفنية وراو ضمني مضاف يشغل البناء السردي والجمالي عبر صيغة الاسناد التي يلجأ اليها .. انه (الصادق الجليل) الذي يدل اسمه على مسماه لاثبات صدقه في نقله لاخبار مقاماته كونه الشاهد على احداثها مرة واخرى يكون عبدالله بن بهلول او برجا او حرفا .. .. هذا يعني ان البنية الفنية للسرد تنحصر في:الراوي السارد والبطل والحدث وهناك راو ضمني خلف الاسناد ..

اما طبيعة النسق الاستهلالي فيتمثل في الفعل الدال على الحاضر والذي يتضمن قصد المتكلم في نقل الخبر للسامع ..

(ثم نظرت يسارا فاذا بارشاك وما ادراك ما ارشاك مصور الشخصيات من سادة وسيدات ويفضله الملوك والرؤساء ووجوه القوم والامراء ولمحت المصور ارمين مشغولا بالرتوش والتلوين لصور زهور حسين وعند جامع الحيدر خانة وجدت من يغني(ميحانه ميحانه غابت شمسنه الحلو ما جانه .. حيك بابه حيك الف رحمة اعله بيك هذولة العذبوني هذوله المرمروني) ثم بي صاح .. اسمه ياصاح هنا كان مركز النضال والكفاح هنا قال محمد البصير وعبر بالقليل القصير عن الشيء الكثير ..

ان ضاق ياوطني علي فضاكا

فلتتسع بي للامام خطــــــاكا

هب لي بربك ميتة تخــتارها

يا موطني او لست من ابناكا؟ /ص158 ـ 159

فالكاتب يحاول ان يسمو باسلوب المقامة ويجلها نبضا فاعلا منسجما والواقع الاجتماعي بحيزه الفضائي المتنوع مكانيا والذي يشكل خلفية صامتة لها .. كونه لا يعرف الحركة الا بحركة البطل فيتجاوز المالوف .. اما الزمان فهو ستاتيكي لايسهم قي نمو الحدث الذي ينطوي على ثنائية قوامها الصراع بين عالمين واقعي بكل تناقضاته وذاتي بكل احساساته .. فضلا عن اشاعة الحوار الموضوعي خاصة بين الراوي والبطل عبر مفردات موجزة بتركيبها اللفظي المسجوع والتي يغلفها بديع متواتر مع عناية بالمكان (خلفية المقامة) اسما وجغرافية وذاكرة تاريخية .. اضافة الى انه لا يكتفي بالسرد الحكائي بل يضفى مفارقة كاشفة عن واقع مأزوم .. فضلا عن انه يحفل بالحكم والامثال والميكانيزمات البديعية والبيانية لمقصدية تتعلق بالسرد ودلالته .. اما عنصر البنية الفنية فقد اتكأ على (البداية/ الشخصية/الحدث/ الحبكة/ اللغة / ..) فخلق عالما من المبالغات التي تغري بالنزوح من الواقع الى التخييلي ..

وبذلك قدم المقامي نصوصا تهتم بالثروة اللفظية التي تشكل المبنى السردي .. فضلا عن انها تدعو الى قراءة التراث قراءة جادة مع مراعاة الاعتبارات التاريخية والاجتماعية .. .

 

*ناقد وكاتب وشاعر .. اصدر 27 كتابا و7 كتب تحت الطبع

كتاب جمالية اللون في الواقعية المعاصرة .. دراسة في أعمال الفنان هشام بنجابي

568-adnaniصدر مؤخرا بمراكش كتاب جمالية اللون في الواقعية المعاصرة – دراسة في أعمال الفنان الكبير هشام بنجابي لمؤلفه محمد البندوري، واعتبر النقاد والمتتبعون بأن هذا الكتاب النقدي يعد إضافة نقدية قوية في المشهد التشكيلي النقدي العربي والعالمي باعتبار القيمة الفنية الكبيرة للفنان العالمي هشام بنجابي، وباعتبار أن الكتاب يلامس مجال التقنية وخبايا فن البورتريه وإبداء الجماليات المختلفة وتوظيف المفردات التشكيلية النادرة التي تستقي من الواقعية وفن البورتريه الواقعي مادتها الخصبة، بتدرجات لونية جمالية ينسجها الفنان وفق بنائه الفضائي بإضافة عناصر فنية جديدة بما تحمله تقنياته العالية من تغيرات وتجديد، تجعل من المجال اللوني الجميل بناء فنيا منظما في تواشج عميقة الدلالات، عن طريق التعبير بالملامح الواقعية التي تعتبر جوهر أعماله البورتريهية والفيكيراتيف، فاستخداماته الفنية وتثبيته لعناصر البورتريه بانسجام تام بين كل المكونات التشكيلية، يعكسه المزج بين ملامح الألوان الراقية، تبعا لنسق الحياة الجميلة والمفعمة بالحركة. فتجسيد الأشكال المختلفة بموتيفات شكلية يعيد صياغتها بأنساق لونية قوامها الجمال، يمنح أعماله حركة وموسيقية، وهو بذلك يمزج بين الهدوء اللوني، وبين المفردات والأشكال والكتل التي تحرك الفضاء، بتقنيات عالية ومؤهلات كبيرة، واحترافية مائزة تركب بين المنحى الجمالي والتعبير بأسلوب تشكيلي معاصر. فيتجلى حسه الفني في التخفيف والجودة اللونية، والدقة في الرسم. وفي التقاطعات والوصل بين مختلف المفردات الفنية، التي تشكل العمل التشكيلي لديه. فيتحقق في أعماله التجاور والتنوع، ويسعى في كل لون إلى تحقيق تواشج مع لون آخر أو عبر وحدة الشكل والبناء والرؤية والأسلوب، فيفضي ذلك إلى مضامين تكسب أعماله الفنية قيمتها الجمالية والفكرية التي يسعى الفنان من خلال حوارات داخلية لامتناهية تمييز خطابه التشكيلي ليرسي من خلاله التخصص في أسلوب واقعي تعبيري مبني على قاعدة من الألوان الجميلة الراقية المعاصرة، والأشكال التعبيرية المفتوحة، يقارب بها بين المبنى والمعنى وبين التقاسيم النغمواتية، نتيجة إحساس مرهف بالجمال، ومخيلة خصبة تؤهله لتوليد مجموعة من الدلالات بإمكانات فنية هائلة تجد لها طرقا تأويلية متعددة.

568-adnaniإنه بذلك ينتج لدى الناقد أو المتلقي سلسلة من القراءات المتغيرة، كما أن توظيفه لجملة من العناصر التي تنبذ الشكل الواحد للمعنى يجعل من فنه الراقي أداة مصدرية للفهم والإدراك الجمالي داخل المنظومة الواقعية التشكيلية. إنه يجعل المتلقي قادرا على التجاوب والتفاعل مع فنه بواسطة إعادة تشكيل عناصر العمل الفني ضمن علاقات مغايرة لا ينتهي عندها العمل في حد معين، وإنما ينبئ بدلالات ومعان مختلفة. تساهم في تكثير المعنى وإطلاقه في بنية الخلود بمنهجية دقيقة ووسائل ومواد فنية وتقنية رائقة، تبعا للشروط الفنية الجمالية والمعرفية. نعم إنه امبراطور الألوان، باشتغاله المثير والمتفرد بكل المقاييس والأدوات التشكيلية المعاصرة. يبرع بامتياز كبير في كل أساليب التزيين الفني المتميزة بالخصوبة في الابداع والانزياح عن المألوف في التعامل مع طروحات المادة التشكيلية المشتغل عليها، حيث ينطلق من رؤية جمالية فكرية خاصة، لأنه يرتكز أساسا على الرؤية الجمالية في  التشكيل بقوة في الإبداع والإتقان، وإحالة العمل الفني في عمومه إلى أعمدة الدلالات.

فاتخاذ التوليف والتكامل والتنسيق في التنفيذ، يستنطق المكنون ويغوص في الواقعية الإنسانية بكل تمظهراتها الفنية والجمالية، وتمفصلاتها وتشعباتها، بتفكير وجودي إنساني معبر عنه من خلال جملة من التجليات التي تروم الوجوه الإنسانية، فيوظفها بسيل من الألوان الزاهية الراقية. وهو بذلك يجعل أعماله ناطقة بأبعاد قيمية متنوعة، ليحرك سكون الفضاء بكل محتوياته التشكيلية، إنها وظائف بنائية ودلالية خارجة عن المألوف في لوحاته، يعتمد الاشتغال في المنحى التعبيري الواقعي على مساحات متوسطة وكبيرة، وبكتل وألوان متناسقة وخفيفة وسالبة، مع العناية الفائقة بقيم السطح، وانتقاء الألوان بدقة كبيرة.

إنه مثل كل الواقعيين، وجلي في الفن الواقعي هذا النوع من الدقة في انتقاء الألوان، والدقة في الأداء الفني. وهي سمة تجعل أعمال الفنان الكبير هشام بنجابي  تتعدى حدود الجماليات بالمعايير الفنية الدقيقة، وبذلك فإن كل أعماله الإبداعية تتبدى فيها اجتهادات وابتكارات عامرة بالإيحاءات والدلالات التي تنطلق لديه من سيميولوجية ثقافية تستمد كينونتها من محيطه المعرفي والثقافي والفني بل ومن منتجه التشكيلي الرائد.

إن أصالة الفنان التشكيلي هشام بنجابي تقوده إلى الانصهار روحا في قلب الفن الحضاري العربي الإسلامي والعالمي، حيث تتبدى تجربته الرائدة والغنية في مجال الواقعية المعاصرة وفن البورتريه والفيكيراتيف بجمالية لونية خارقة، من خلال طبعه مجال الفن التشكيلي بإيقاع لوني جمالي جديد، بمنمنمات واعية جمالية خصبة، تمتزج فيها الأساليب الحديثة والمعاصرة في فن الرسم بمرتكزات ومقومات تفضي إلى مسلك إبداعي بديع جديد، يكشف عنه المنحى اللوني الجمالي والدلالي.

إنه فن قائم الذات يشكل آنيا قاعدة فنية لتصريف الرؤية الجمالية المخصوصة للفنان الكبير هشام بنجابي. هذه الرؤية التي تجعل العمل في مجمله يحكمه الالتزام بالضوابط الجمالية الفائقة الروعة. بمظاهر تصورية جمالية إنسانية بالغة التفرد، يفصح عن ذلك بشكل جلي التركيب اللوني المدجج بالخصائص الفنية البالغة المعادلات الموضوعية، كالوجه والطبيعة مثلا، وتطويع كل العناصر التشكيلية حيث يتم التمييز بين النسيج، والشكل، واللون، خصوصا ما يتعلق بخصوصية الصورة، وطرق توزيع مكوناتها، والتعبير عن كنوز شخوصية تتغيا دلالات الألوان الجميلة الرائقة، التي تخضع للمعيار الانتروبولوجي، في التعبير. إن الاحتفاء بالألوان، والشخوصات المحكمة في فضاء غير محدود، وفي سياق التعبير بالتشكيل المعاصر، يضع المادة التشكيلية في قلب الخطاب البصري.

إن تجربته ومراسه - من منظور آخر- في منجزه الإبداعي، يقودانه إلى عوالم تطرح أعماله في نطاق تعدد الرؤى الفنية، فهو يشيئ الأشكال والشخوصات ومفردات الطبيعة داخل الفضاء اللوني وفق وهج فني متعدد الدلالات، وهو إنجاز يمتح من التعبير بالألوان والأشكال كل المقومات الحضارية والبلاغية والمعرفية، وينم عن تجربة عالمة، وخبرة فائقة، من حيث عمليات التوظيف الضوئي والشكلي، وأيضا من حيث  تدبير المجال الجمالي فيما يخص تناسق الألوان وشكلية مزج كل العناصر والمفردات المشكلة للأعمال كأيقونات تروم التجاور والتمازج والتماسك، الذي يصنع التوازن بين كل العناصر المكونة لأعماله، ويفرز التوليف والتكامل والانسجام.

إنه مسار قويم في واقعية الفنان الرائد الكبير هشام بنجابي الذي يتخطى الجاهز، ويروم أسلوبا يتفاعل مع مسالك لونية مختلفة ومتنوعة بتوظيفات خاصة، وبوجدانية وواقعية إيحائية، تدعم القوة التعبيرية المعاصرة.

وهذا مؤشر قوي على أن الفنان الكبير هشام بنجابي يعطي انطباعا بأنه يعمل وفق تصورات ورؤى مركزية، يوزعها وفق طريقته وتجربته الرائدة التي تتجاوز كل  ما هو كلاسيكي إلى ما هو معاصر.

وهو لا يقف عند نمط واقعي منفرد، بل يتجه إلى صناعة شخوصات واقعية متنوعة، وصناعة أشكال من الطبيعة يصيغها في ألوان، بروابط علائقية يكثف بها الفضاء، فتتراءى مطبوعة بخصائص ومميزات، تؤصل لفلسفة قيمية جمالية فريدة، تستجيب لضرورات العمل حتى يتفاعل مع المتلقي والثقافة التشكيلية التفاعلية.

 

 

نظرة في كتاب (المنسيّ والمسكوت عنه في تأريخ المسلمين) للكاتب والباحث الاستاذ كامل (مصطفى) الكاظمي

shawaqi alesaصدر حديثاً كتاب (المنسي والمسكوت عنه في تأريخ المسلمين) للكاتب والباحث الاستاذ كامل (مصطفى) الكاظمي عضو ومؤسس رابطة الكتاب والمثقفين العراقيين في استراليا ورئيس مؤسسة الحوار الانساني في استراليا. والكتاب من اصدارات ملتقى الشيعة الاسترالي.

 يقع الكتاب في خمسمائة صفحة، عن ايه حيات للنشر، وقد اخرج فنياً بواسطة كمبيوتر مؤسسة المجتبى عليه السلام. كانت طبعة الكتاب الاولى بخمسمائة نسخة. أما غلاف الكتاب فصممته نور الكاظمي.

الكتاب يعتبر كتاباً ووثائق تأريخية اعتمد المؤلف في معالجاته التأريخية وفي كل مباحثه على المصادر الحديثة والتأريخية عند المسلمين من اهل السنة ومن مصادرهم المعتبرة.

 الكتاب يعالج قضية مهمة جداً لها ارتباط بحاضرنا الحالي، ولها جذور متأصلة تنال الموروث العقيدي والحديثي الذي وصلنا عن طرق متعددة. وهو الموروث الذي بنيت عليه مبان كثيرة يبرز في مقدمتها إختلاف الرأي بين المسلمين انفسهم في التفسيرات والاراء التي جاء بها الموروث التاريخي والروائي المنقول اما بطريقة سليمة لا يخالجها ادنى شك أو يكون محظ افتراء. وهذا ما احدث الاختلاف والفرقة.

 هذا من جانب ومن الجانب الاخر، فكثير من الاديان الاخرى التي استندت على بعض الموروثات الاسلامية الغير صحيحة والتي منها تكفير الآخر والدعوة الى قتاله لتكون بذلك اداة اتهام واضح للمسلمين في عالمنا المتحضر خصوصا ونحن في غرة الالفية الثالثة.

 كتاب (المنسي والمسكوت عنه في تاريخ المسلمين) جاء ليعالج الاحاديث والروايات الدخيلة والسقيمة او تلك التي تم تحريفها وصياغتها بطرق مغلوطة في مصانع النفعية واروقة السلطان او مما يتنفع به الناقل او لأغراض عبثية تحاول خرق الموروث العظيم الذي بني عليه الاسلام منذ اكثر من الف واربعمائة سنة. فالاسلام له مدارس عديدة ولابد من الباحث او المتقصي لدراسة الاسلام ان يتعرف على بقية المدارس ولا يمكن له الاعتماد على مدرسة واحدة قد يجد في موروثها الكثير من التناقض وبالتالي فان هذه المدرسة لا تمثل بالضرورة جميع تلك المدارس المختلفة.

 ليس خافيا على احد ان الاسلام متهم بالارهاب بعد تداعيات الحادي عشر من سبتمبر، وهنا لابد من معرفة المباني التي بنى عليها الغرب اتهامهم للمسلمين بالارهاب او التطرف الديني. هناك مدارس اوصلت رسالة مفادها ان الاسلام هو الارهاب سواء عبر الموروث الواهم المزيف او المحرف او الدخيل وبذلك اصبحث نظرة المجتمع الغربي على المسلمين ان لم يكونوا ارهابيين فإنهم متطرفون، وهذا ما لايمكن قبوله من قبل المسلمين انفسهم الذين يمثلون مدارس اخرى لم يتم تقديمهم الى العالم كما هي حقيقتهم المرتكزة على التسالم والداعية للسلام وهذه هي مدرسة اهل البيت عليهم السلام التي يسعى المؤلف ان يقدمها كما هي في واقعها وجذرها الاول عبر كتابه هذا رغم ما يصره التأريخ ضدها من مأسي. فياتي بحث الكتاب يدعو الى حوار جاد ومناقشة موضوعية لاعادة النظر في المواريث وخاصة تلك التي أولجت علامات التكفير للاخر والرفض المسبق لرأي الآخر.

 لم يغفل الكتاب عن تتبع الاحداث التأريخية ومراحلها المفصلية في حياة الاسلام والمسلمين، كاشفاً الغطاء عن الخطل الحقيقي الذي اصاب امة الاسلام من بعد رحيل نبيها العظيم محمد صلى الله عليه واله وسلم الى ربه الاكرم. كما يضع الادلة النقلية والبراهين والشواهد التأريخية بين يدي القارئ والمتابع وبين يدي المهتم بدينه ورسالته وهو بذلك يميط اللثام عن الوجه المزيف للحكام الذين توارثوا ونزوا على كرسي الخلافة وقهر الشعوب المسلمة حتى يومنا الحاضر.

 (المنسي والمسكوت عنه في تأريخ المسلمين) ثمرة جهود كبيرة حققها المؤلف منذ العام 2010 وهو يحقق في اصول الروايات والمباني التي اعتمدها الكتب الروائية وكتب الحديث الهامة عند المسلمين من ابناء السنة. فالكتاب لم يعتمد على اي مصدر اخر سوى مصادر ابناء العامة فقط ما خلا القرآن الكريم الذي يعتبر كتاب المسلمين الواحد الموحد دون فارق. والكتاب بذاته ومؤلفه بنفسه يدعوان الاخرين من ذوي الشأن لنقد الكتاب وتقييمه وترشيده وإضافة ما يمكن ان يعتقده الناقد مفيداً في مجال تصحيح مسار الامة وما يخدم مستقبلها الاسلامي.

 

الإعلام الحسيني يستجلي عبر التاريخ الحقائق المضبّبة

nadheer khazrajiمن الأمور التي ظلت عالقة في الذهن من أيام الدراسة في العراق، الرحلات المدرسية التي كانت تقام للطلبة كل عام، وحيث العاصمة بغداد هي قلب العراق فإن الرحلات المدرسية التي كانت تنطلق من كربلاء المقدسة تحط فيها، لكن الوجهة تتغير في كل عام، فمرة الى قضاء المدائن لرؤية طاق كسرى وزيارة مرقد الصحابي سلمان الفارسي المحمدي، ومرة الى مدينة الألعاب، وثالثة الى حديقة الزوراء، ورابعة الى احدى دور السينما، وخامسة الى المتحف الوطني، وسادسة الى المتحف البغدادي، وهكذا، ويبقى القاسم المشترك في معظم هذه الرحلات هو المتحف البغدادي، الشبيه بمتحف الشمع في لندن (مدام توسّودس)، فهو متحف يقع وسط بغداد قرب المدرسة المستنصرية على ضفاف نهر دجلة، مشاهدته تسر الناظرين، حيث يعكس الحياة اليومية للمجتمع البغدادي بطريقة الفولكلور الشعبي، تم افتتاحه رسميا عام 1970م، ثم تعرض للإغلاق بعد عام 2003م وأُعيد مرة أخرى عام 2008م ولازال.

وبعد 35 عاماً على آخر زيارة لهذا المتحف العريق، صممت خلال زيارتي للعراق في نيسان 2014م على تنشيط الذاكرة المدرسية ولأمتع ناظري بالحياة اليومية للعائلة البغدادية، ولكن هذه المرة مع رفيقة العمر وشريكة المد والجزر في الحياة اليومية وليس مع رفاق رحلة الدراسة. لقد بدا رجال المتحف ونساؤه وأطفاله وكل تماثيله المشخصنة التي تربو على الأربعمائة تمثال موزعة في نحو 80 مشهداً، على ما هم عليه حيث مدرسة الكتّاب، وغرفة العرس، وحمام السوق، والمقهى، وزفّة العرس، وعندما اقتربت من صالة الهدايا والصور في الطابق العلوي، حيث تقف مسؤولة الجناح السيد علياء جاسم فاضل، تناهى الى سمعي صوت النائحة وهي تنعى القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب(ع)، الذي استشهد في كربلاء المقدسة عام 61هـ وهو في يوم عرسه كما تقول الرواية التراثية، كل الأصوات الصادرة  من الغرف التي زرتها كانت معروفة الى سمعي إلا صوت الناعية القادم من الغرفة المجاورة لصالة الهدايا، دخلت الغرفة حيث مجموعة من التماثيل لنساء جلسن يعزين السيدة سكينة بنت الحسين (الزوجة المفترضة للقاسم تراثيا) والملاية الناعية تستدر دموعهن بلحنها الشجي على فقد حلو الشباب الذي لم يكتحل ناظراه برفيقة العمر. أثار المشهد فضولي فعدت الى بنت مدينة الكاظمية السيدة علياء أسألها عن تاريخ استحداث صالة عزاء سكينة في عروسها القاسم، فأخبرتنا أن الصالة تم افتتاحها لأول مرة في شهر محرم للعام الجاري 1435هـ (تشرين الثاني نوفمبر 2013م) من قبل الأمانة العام لمحافظة بغداد المشرف المباشر على المتحف البغدادي.

لم يمر افتتاح صالة المأتم الحسيني دون ضجيح من البعض الذي وجده خارج إطار التراث البغدادي، ولكن الأنظمة التي تعاقبت على العراق حاولت تغييب الوعي البغدادي عما هو قائم بين ظهرانيهم وبالقرب منهم من إقامة الشعائر الحسينية منذ القرون الأولى وحتى اليوم.

وكتاب (الإعلام الحسيني عبر التاريخ .. الخطابة مثالاُ) من إعداد الأديب العراقي الأستاذ مهدي هلال عبد الطفيلي الصادر حديثا (2014م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 120 صفحة من القطع المتوسط، هو الذي أرجع الذاكرة الى المتحف البغدادي، فهو يتحدث عن النهضة الحسينية وإعلامها ودور الخطيب الحسيني والناعي والمداح والرادود والنائحة (الملاية) في المسيرة الإعلامية الحسينية، والكتاب في واقعه دراسة موضوعية من وحي الجزء الأول من كتاب "معجم خطباء المنبر الحسيني" للمحقق آية الله الدكتور الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر في طبعته الأولى عام 1999م عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 540 صفحة من القطع الوزيري.

 

سلاح ذو حدّين

لا يمكن إدراك قيمة الشيء إلاّ من خلال الممارسة والاحتكاك العملي، وتحسس الآثار، والذي يشتغل في مجال الصحافة والإعلام، يدرك قبل غيره أهمية هذه المهنة وخطورتها، فهي سيف ذو حدين، لها قدرة جلب المنفعة ودفع المضرة، والعكس أيضا، فقد تملك الأمة السلاح والارادة ولكنها ضعيفة في مجال الاعلام يستحوذ عليها الآخر بإعلامه الذي يدخل حريم العقول والأفكار عبر وسائل مختلفة أصبحت في عالم اليوم متوفرة لدى الفئات العمرية صغيرها وكبيرها، تغزو العقول قبل الغيطان والحقول، ولقد أصاب الناشر في كلمته كبد الحقيقة عندما وجد أن: (الاستناج الطردي المنطقي إن الذي يملك إعلاماً قوياً هو الذي يملك قوة تأثير أكبر في نفس المشاهد أو القارئ أو المستمع، من الذي يملك إعلاماً ضعيفاً أو، لا حضور فاعل له)، ولا يكفي أن يكون المرء على الحق إن لم يستخدم وسائل الإعلام كافة وبالطرق السليمة والنظيفة لدعم منهجه ومنطقه.

وكتاب (الإعلام الحسيني عبر التاريخ) يكشف عن هذه الحقيقة، من خلال بيان مراحل تطور الإعلام بشكل عام والإعلام الحسيني بشكل خاص، وتناول الخطابة كنموذج بارز في هذا الميدان الذي استطاع أن يلهب الأفئدة والألباب، قبل واقعة الطف في كربلاء المقدسة عام 61هـ وبعدها وحتى يومنا هذا، حتى صار المنبر الحسيني هو المظهر الأبرز لتعريف الأمة بحقيقة النهضة الحسينية، وقد عمد الأديب هلال الطفيلي الى قراءة أفكار ورؤى المحقق الكرباسي فيما يتعلق بالخطابة الحسينية من خلال انتخاب عدد من فصول كتاب "معجم خطباء المنبر الحسيني"، الذي يتناول المؤلف في جزئه الأول تفاصيل دقيقة عن الخطابة منذ دبيب البشرية على البسيطة وحتى يومنا هذا.

ولا يخفى أن مراكز الدراسات الاعلامية تُميّز بين ثلاثة مفاهيم ترد في أدبيات الصحافة بأنواعها المقرؤة والمسموعة والمرئية والرقيمة، هي الإعلام والإعلان والدعاية، فالإعلام من حيث اللغة هو الإخبار، ومن حيث المصطلح هو: فن صياغة الحدث بما يجعل المتلقي يتفاعل معه سلباً أو إيجاباً. وهنا تقع أهمية الصياغة على الذي يقوم بمهمة الإخبار، فكلما كان الخبر محبوكا كان أقرب الى عقل المتلقي وضميره يؤثر فيه ويستحوذ عليه ويبلغ به منتهى المراد، وهنا يلتقي مآل الإعلام مع الإعلان الذي مفاده عرض الشيء وإغواء المتلقي للوقوع في حباله وشباكه، وإذا التقى الإعلام مع الإعلان في الحدث الواحد تحققت الدعاية التي هي في أصلها الإغواء والإيقاع، وهنا تكمن الخطورة وجسامة المسؤولية الإعلامية، وذلك عندما يتم الإمساك بخيوط ثلاثي الإعلام والإعلان والدعاية في آن واحد وبقبضة حديدية، وعندئذ أمكن قيادة المجتمع بما يريده اللاعب الحقيقي، فإن كان مع الحق وممثلا عنه قاد الرعية الى جادة الصواب، وإذا كان ناطقاً عن الباطل وممثلا له أركسها في الهاوية من حيث تدري أو لا تدري.

ولخطورة الأمر في بناء رأي عام، فإن الكل من أفراد ومجموعات ومجتمعات وحكومات يسعى عبر الاعلام إلى خلق الحصانة لنفسها وتحصين من هو تحت حمايتها، حتى تستطيع أن تحارب به الآخر الضد. فالذي يملك الحق والحقيقة يسعى الى مواجهة الآخر بالدليل حتى يثنيه عن غيّه ويقدر على مجابهته في المحافل العامة والخاصة، والذي يفتقد لهما يسعى الى ضرب الآخر تحت الحزام عبر بث الأكاذيب وإلباس الدعاية الكاذبة لبوس الإعلام الصادق حتى يطيح بمعنويات المجتمع ويتمكن منه.

وما حصل في كربلاء عام 61هـ واستشهاد الإمام الحسين(ع) وأهل بيته وأصحابه في معركة عسكرية غير متكافئة عدة وعدداً، كان الإعلام الكاذب أهم دعامة متقدمة في نشر الهلع بين أهل العراق، حيث غزا الخوف صدورهم لهول الماكنة العسكرية الأموية عبر لسان الماكنة الإعلامية الذي جعلهم أسرى ولمّا تقرع الحرب أجراسها.

 

أداة العقلاء

في المقابل سعت مدرسة أهل البيت(ع) بعد واقعة الطف الأليمة إلى تحصين النفسية المؤمنة عبر الحشد الإعلامي المنبثق من النهضة الحسينية، فكانت عاشوراء ولازالت فرصة طيبة لزرع بذور التحدي ورفض الظلم ومواجهة الانبطاح الداخلي للسلطان الظالم وتعزيز ساتر الإرادة لصد العدوان الخارجي، وهو ما يحاول الكرباسي تبيانه عبر المقدمة المستفيضة من معجم خطباء المنبر الحسيني ويستدل عليه الطفيلي من خلال تعليقاته.

ولأن إشهار السيف وإراقة الدم، أمر تنفر منه النفس الإنسانية، فإن القوة الحقيقية ليست في السيف وإنما في قوة الإقناع واستمالة قلب القريب والبعيد، وهي ما قامت عليه رسالات السماء ودعوات المصلحين، وما يجب أن تكون عليه خطوات الأتباع الذين خاطبهم القرآن (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن) سورة النحل: 125، من هنا كما يقول الطفيلي في المقدمة: (يتطلب الأمر منا كمسلمين وموالين لأهل البيت(ع) النهوض بشكل علمي وموضوعي والنزول إلى الساحة بشكل سلمي ومنطقي لمواجهة المد المزيّف والرياح الصفراء ومقارعة الفكر الضال)، وهذا الدور يؤديه خطباء المنبر الحسيني بوصفهم جنود الحق يقفون في مقدمة الإعلام الحسيني يريدون بخطاباتهم هداية الناس الى سواء السبيل ومنعهم من الوقوع في الخطأ والزلل وعدم تكرار صفحة الذل والخنوع والقبول بالسلطة الظالمة التي تتخذ من الدين مركباً لاستعباد العباد الذين خلقهم الله أحراراً.

فالخطابة بشكل عام، أهم وسيلة عرفتها البشرية على طول التاريخ، ولا يمكن الاستغناء عنها حتى مع تطور وسائل الاتصال والإعلام، لأنها أداة اقناع وعرض منطقي، وهي وسيلة السماء، وعند الطفيلي هي الإعلام التبليغي الذي: (يعد وسيلة من وسائل السماء لتوجيه وإصلاح وهداية المجتمع البشري.. فمن مهام الأنبياء التوجيه والإرشاد والترغيب والتحذير والإنذار، وهذه الأمور تعد في وقتنا الحاضر وسائل إعلام حضارية. وقد وجّه الله تعالى أنبياءه بتلك الوسائل لإقناع الناس ولنشر قيم ومبادئ وقوانين السماء)، فالخطيب الرسالي أو "الخطيب المثالي" كما يصفه الكرباسي عند بيان أصناف الخطباء هو في حقيقته يتبوأ في الحياة الدنيا مقعد الأنبياء والأئمة والأوصياء والأولياء في دعوة الناس الى الخير، وهذا الخطيب كما يؤكد الكرباسي: (لا ينظر إلاّ من منظار المسؤولية ولا تأخذه في الله لومة لائم)، وهذه المرتبة من الخطباء هي أعلاها وتختلف كلياً عن الصنف الثاني وهو "الخطيب المأجور" الذي: (يتسكع على أبواب السلاطين ويتملق الأمراء ويلهج بما يرضي أميره ولو بسخط ربه، وهو من الخطباء المعبر عنهم بوعاظ السلاطين)، كما يقف الخطيب الرسالي على مسافة بعيدة من "الخطيب المرائي" الذي يتصيد بالخطابة غربان السمعة والرياء، كما أن الخطيب الرسالي هو غير "الخطيب المهني" الذي: (اتخذ الخطابة مهنة وحرفة يسترزق منها شأنها شأن سائر الأعمال التجارية)، كما ان الخطيب المثالي هو غير "الخطيب التبركي" الذي يبحث في خطابته عن الأجر والثواب، وصعود أعواد المنبر من أجل البركة كهدف أعلى بغض النظر عن هدفية أصل الخطابة كرسالة.

ويتعقب الأديب الطفيلي مراحل تطور الخطابة الحسينية في سبعة منعطفات تاريخية كما ثبّتها العلامة الكرباسي في معجم الخطباء، فالمرحلة الأولى بدأت مع استشهاد الإمام الحسين(ع) في 10 محرم عام 61هـ وانتهت بالغيبة الكبرى للإمام المهدي المنتظر في 15 شعبان عام 329هـ، والمرحلة الثانية تبدأ من نهاية المرحلة الأولى حتى نهاية القرن السادس الهجري، وتبدأ المرحلة الثالثة من أوائل القرن السابع الهجري حتى أواخر القرن التاسع الهجري، وتنطلق المرحلة الرابعة من حيث انتهت الثالثة حتى منتصف القرن الثالث عشر الهجري، فيما تشرع المرحلة الخامسة من هذه الفترة حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري، ويستأثر العلامة الكرباسي بالمرحلة السابعة كمرحلة مستقبلية لبناء منبر متين يخاطب البشرية بمراتب عقولها واختلاف ألسنتها وتشابك أهوائها.

ولعل أهم ما تتصف به المرحلة السابعة والمستقبلية من مراحل تطور الخطابة الحسينية كما يمد إليها الكرباسي بصره ويتمناها هو: عنصر التخصص، وعنصر الإقناع العلمي، وعنصر التطبيق العملي، وعنصر اللغة، وعنصر الوسائل الحديثة.

من هنا فإن اجترار الوسائل القديمة والمستهلكة في المنبر الحسيني يبعد الجيل الجديد عنها، المتحدث بلغات وثقافات متنوعة، ولذلك ينبغي للخطيب وهو في مقام الأنبياء من حيث أداء الرسالة ومعالجته لأمراض المجتمع، أن يقف على آخر المستجدات والمستحدثات العلمية الملاصقة لحياة الإنسان اليومية يستفيد منها ويستخدمها لايصال الكلمة الحقة، فالطبيب الناجح هو الذي يجدد قراءاته الطبية والتطبيقات العملية، والخطيب الناجح هو الذي يجدد قراءاته ويشنّف أسماع المتلقي كل عام بالجديد من الأدب المنثور والمنظوم ويتابع ما يدور حوله في العالم.

والمفيد ذكره أن كتاب "الإعلام الحسيني عبر التاريخ .. الخطابة مثالاً" يُعدّ الثاني بعد كتاب "الخطابة في دراسة نوعية شاملة لآية الله الكرباسي" من إعداد القاضي البحريني الشيخ حميد المبارك الصادر عام 2005م عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 256 صفحة من القطع المتوسط، يتابع كل منهما وبأسلوبه الخاص المقدمة المستفيضة التي كتبها المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي لمعجم خطباء المنبر الحسيني، وهي في 200 صفحة من القطع الوزيري دخلت حتى في جزئيات لباس الخطيب وزيه ومظهره الخارجي، ولأهميتها فقد اعتمدتها بعض المعاهد والجامعات الخطابية كمصدر تدريس ومرجع لطلبتها.

 

دهاليز الموتى إصدار جديد للروائي حميد الربيعي .. بوتقة الغرائبية والواقعية

hamed-fadilعن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق صدرت للكاتب العراقي حميد الربيعي الطبعة الأولى 2014 من روايته الجديدة (دهاليز الموتى) والرواية التي صممت غلافها أمينة صلاح الدين: هي بوتقة للسرد الشعري والشاعري الحديث. تنصهر فيها الأحداث الواقعية والغرائبية والمفترضة، لإنتاج سبيكة سردية محكمة. تعرض على مساحة 232 صفحة من القطع المتوسط الوقائع التي عايشها ويعشها المجتمع العراقي، وكأنها أحداث غريبة، أو مفترضة .. فالربيعي يحاول أن يعكس هذا الواقع من خلال مرآة المتخيل، أي أنه يجعل من الواقع الذي نعرفه تماماً وكأنه متخيل نترقبه ونخشى حدوثه.. وقد نجح الربيعي في سكب تلك الأحداث على مرآة الرواية في خمسة عشر فصلاً هي / حفلات السفر الصدفية / قشر الرمان / إثبات ما حدث / برغي أصم / ما حدث / ألسنة القواقع / إضافة لما حدث / جرو كليب / ما سيحدث / ولادة الرمل / أظنه قد حدث / وقائع ما حدث / شحاذة السحر المنفلق / صرخة الغرين / القصر / ..  على الغلاف الأخير للرواية نقرأ  رأياً للدكتور حسن سرحان أستاذ الأدب المعاصر / جامعة السوربون حيث يقول: إن الروائي حميد الربيعي، كاتب مولع باستحضار الميثولوجيا الشعبية، تشهد بذلك نصوصه السابقة، يختلط فيها الكوني والديني بالجغرافية السياسية.. تمتاز (أساطير) حميد الربيعي بخاصية أنها لا تدور في أول الزمان، بل في آخره أو (آخر آخره)، حيث تنشأ وتنمو صراعات يستعير بطل الربيعي (أو بطله المضاد إن شئتم دقة أكبر)، مسيرة أسطورية تلونها دوافع تنتمي إلى العصر الذي توظف فيه الحكاية.. هذا المخطط الارثي / الاجتماعي، غير المطابق تماماً للأسطورة المعاد تفعيل حضورها، ينفلت عن الأصل، كي يقترح مقاربات غير تلك التي تصدت لها الأسطورة في نسختها الأولى.. إن تجربة اشتغال الروائي حميد الربيعي على منطقة الاغتراف من الموروث الحكائي الشعبي، بوصفها محاولة مواربة لزحزحة التبئير في فضاء الكتابة من اليومي والعادي، ونقله نحو العلوي والمقدس.. تظل تجربة إبداعية مميزة من منظور سعيها لخلق بنية روائية متفردة، يتداخل فيها الغرائبي بالمألوف، والعجائبي بالممكن، والملحمي بالواقع.. يذكر أن الربيعي سبق له أن اصدر مجموعة قصصية بعنوان تل الحرمل وثلاث روايات هي: سفر الثعابين، وتعالى وجع مالك، ورواية جدد موته مرتين.. من أجواء الرواية: (ليست ببلدي، بيد أنها محطة كالعصفور، أنتقل منها إلى مدن شتى في أصقاع شتى أيضاً، كواحدة من رحلاتي البطوطية، مطمئناً لوجودها على الخريطة.. غالباً ما يكون النِّحس، ذاك الظل إن ارتسم على بلدة تمحى، يلاحقني، هكذا ببساطة في اليوم التالي تتغير جغرافية التأريخ ويطبع أطلس جديد). 

 

الفتحي يعيد افتتاح أبراج التكرير .. عرض لكتاب جديد من تأليف الخبير النفطي سعد الله الفتحي

khadom finjanفي الوقت الذي تكاثرت فيه نقاط التشكيك في عقود تنفيذ مصفى نينوى، يقف فيه خبراء العراق من أبناء نينوى خارج حواجز التهميش المتعمد، وفي مقدمتهم خبير المصافي النفطية المهندس الكبير سعدالله الفتحي، الذي افتتح منذ بضعة أيام أبراج التكرير على صفحات كتابه الموسوعي الجديد (من أبراج التكرير)، من دون أن يحاول مجلس محافظة الموصل الاستئناس بخبرات هذا الرجل المتميز والمتفرد باختصاصه.

صدر الكتاب قبل بضعة أيام عن مؤسسة دار الأيام للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع في (أبو ظبي). وقد أمضى المؤلف خمس سنوات في كتابته لكي يضع أمام الأجيال القادمة سجلا شاملاً بما قام به أجدادهم وآباؤهم من انجازات باهرة شيدوها في مجال المصافي التكرير رغم الظروف القاهرة.

يستعرض الكاتب (الخبير) الأحداث المهنية والتشغيلية التي مرت بحياته، وبخاصة في عمله بوزارة النفط وصناعة التكرير في العراق، وانتدابه للعمل في سكرتارية منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، ويتطرق في كتابه إلى مراحل النهضة الصناعية التي مرت بها المشاريع النفطية والغازية في العراق منذ ستينيات القرن الماضي، والعثرات الكثيرة التي واجهتها في ظروف الحرب والحصار والمضايقات الدولية الأخرى.

567-finjanولد المؤلف (سعد الله عبد الله فتحي مصطفى علي الشمة) عام 1939 في محلة (الخاتونية) بمدينة الموصل، ودرس في مدارسها، ثم أكمل دراسته الجامعية في بريطانيا، فتخرج في جامعة مانشستر عام 1963. عمل بعد تخرجه في معظم القطاعات النفطية العراقية، وتدرج في عمله حتى أصبح مديراً عاماً لمصفى الدورة عام 1976، ثم رئيساً لمؤسسة تصفية النفط وصناعة الغاز عام 1980، وانتدب للعمل في سكرتارية أوبك في فيينا، عاد بعدها إلى العراق ليواصل عمله في تشكيلات وزارة النفط. أحيل إلى التقاعد عام 2002. لكنه مازال يعمل في الخليج العربي بصفة خبير ومستشار لما يتمتع به من خلفية علمية ومهنية وتشغيلية لا يُستهان بها في هذا الاختصاص النادر.

المثير في هذا الكتاب أنه يستحوذ على اهتمام القارئ العادي والقارئ المتخصص على حد سواء، فاللغة البسيطة والمفردات العلمية الشائعة، وأسلوب السرد القصصي المسترسل، الذي لا يخلو من العفوية في الطرح السلس، والعذوبة والطرافة، كلها من العوامل التي تغري القارئ بمواكبة الأحداث والوقائع، فتصحبه معها في رحلة جميلة، تصور لنا ما مرت به صناعتنا النفطية من انجازات باهرة وعثرات قاهرة.

تجاوز (الفتحي) الآن عتبة العقد السابع من العمر، لكنه مازال يتمتع بذات الحيوية التي كان يتمتع بها في عنفوان شبابه، ومازال يحمل في جعبته الشيء الكثير ليقدمه إلى الأجيال القادمة. لا شك أنه ينتمي إلى كتيبة الخبراء الكبار، والمهندسين النفطيين الذي يمثلون الطليعة الوطنية المخلصة، الذين كان لهم الفضل الكبير في إرساء قواعد الصناعات النفطية في عموم المدن العراقية.

ويبقى السؤال: أيعقل أن يعمل الفتحي وفريقه العلمي خارج العراق في الوقت الذي نحن في أمس الحاجة إليه، وفي الوقت الذي ينبغي أن نستثمر فيه خبراته للارتقاء بصناعاتنا النفطية نحو الأفضل؟، ألا يفترض بنا أن نسعى منذ الآن لتكريم الفتحي وجماعته؟، ثم ألم يأن للذين يعملون في الصناعة النفطية أن يستعينوا بخبرات العمالقة الكبار من أمثال عصام الجلبي، وفاروق عبد العزيز القاسم، وجبار اللعيبي، وفاضل علي عثمان، وسعدالله الفتحي وغيرهم من رموز وأعلام الصناعات النفطية؟. أمد الله في أعمارهم جميعاً, وحفظهم لنا ذخراً وسنداً.

 

صدور كتاب تذكاري عن مشروع العلامة الدكتور عبدالجبار الرفاعي

566-rifaiبمناسبة بلوغه ستين عاما اصدرت مجلة الموسم في بيروت كتابا تذكاريا عن العلامة الدكتور عبدالجبار الرفاعي ومشروعه. يقع الكتاب في ٧٦٠ ص، ويتضمن 130 نصا؛ مقالات وشهادات لزملاء وتلامذة الرفاعي، مع ملحق للوثائق والصور..

أعدت الكتاب لجنة تتألف من تلامذته، وهم: مشتاق الحلو، هاجر القحطاني، محمد حسين الرفاعي..

وشارك فيه مجموعة من العلماء والمفكرين والباحثين والاعلاميين؛ العرب والعراقيين والايرانيين؛ وهم:

آية الله السيد كمال الحيدري، آية الله السيد طالب الرفاعي، العلامة د. طه جابر العلواني، العلامة السيد هاني فحص، الأب د. يوسف توما "مطران كركوك"، د. حسن حنفي، د. عبدالله ابراهيم. د. عبدالله السید ولد اباه، د. عادل عبدالمهدي، د. ابوبكر أحمد باقادر، الأستاذ غالب الشابندر، الأستاذ ماجد الغرباوي، الشيخ حسن الصفار، الشيخ حيدر حب الله، الأستاذ الشيخ محمد محفوظ، الأستاذ الشيخ زكي الميلاد، د. صلاح الجابري، د. حسن ناظم، د. علي حاكم صالح، الأستاذ محمد عبدالجبار الشبوط، د. عبدالأمير زاهد، الأستاذ عبداللطيف الحرز، الأستاذ سعد سلوم، د. حبيب فياض، الأستاذ محمد سعيد الطريحي، الشيخ د. طه جابر العلواني، 566-rifaiد. أنطوان سيف، د. وجيه قانصو، د. نايلة ابي نادر، د. محمد همام، د. الحاج أوحمنه دواق، د. سعيد شبار، الأستاذ إبراهيم العبادي، د. ضياء نجم الأسدي، د. عباس أمير، الأستاذ أسامة الشحماني، الأستاذة لطفية الدليمي، الأستاذ جمال جصاني، الأستاذ علي الحسيني، د. علي المعموري، د. فوزي حامد الهيتي، د.مجيد مرادي، الأستاذ علي المدن، د. محسن جوادي، الأستاذ أحمد عبد الحسين، الأستاذ حسن العمري، الأستاذة هاجر القحطاني، الأستاذ مجاهد أبو الهيل، د.لقاء موسى فنجان، د. عبد الرزاق بلعقروز، د.علي الديري، د.علي الربيعي، الأستاذ توفيق التميمي، الأستاذ ادريس هاني، الأستاذ فراس سعدون، الأستاذة رحيل دندش، الأستاذ مولاي محمد اسماعيلي، الأستاذ طاهر آل عكلة، د. مريم آيت أحمد، الأستاذ اسماعيل شاكر الرفاعي، د. ريتا فرج، الأستاذ عبد العزيز راجــل، د. سعاد بديع مطير، د. علي المرهج، الأستاذ سرمد الطائي، د. بتول فاروق الحسون، الأستاذ عبد الله محمد الجنابي، د.عدنان الهلاليّ، الأستاذ محمد صالح صدقيان، الأستاذ محمّد حسين الرفاعي، الأستاذ عبدالأمير المؤمن، د. عبد الجبار شرارة، الأستاذة إسراء الفاس، الأستاذ محمد غازي الأخرس، الشيخ زعيم الخير الله، الأستاذ علي الحيدري، الأستاذ زعيم نصار، د. عقيل مهدي يوسف، د. مهران اسماعیلي، الأستاذ رشيد أوراز، الأستاذ كرار الرفاعي، الأستاذ علي عطوان الكعبي، الأستاذ عماد الهلالي، الأستاذ محمد حسين الحلو، الأستاذ عباس الجبوري، الأستاذ مصطفى المهاجر، الأستاذ نزار حاتم، الأستاذ مصطفى الكاظمي، الأستاذ ابراهيم الوائلي، الأستاذ حميد المختار، د.فخري مشكور، الأستاذ ئاشتي، الأستاذ نادر المتروك، د.حسين علي باقر، الأستاذ علي المحمد علي، الأستاذ محمد ناصر، د. جودت القزويني، الأستاذ حسن مطر، الأستاذ مختار الاسدي، د. مشتاق الحلو.

کما احتوی الكتاب التذكاري على ملحق شمل مجموعة اوراق وشهادات كتبها الرفاعي في حق عدد من العلماء من اصدقاءه؛ اغلبهم فارقوا الحياة، وهم:

المرحوم آية الله السيد محمد حسين فضل الله، آية الله السيد كمال الحيدري، المرحوم العلامة السيد عبدالعزيز الطباطبائي، المرحوم الأستاذ جمال البنا، الشهيد الأستاذ عبدالأمير فرهود، الشيخ خالد فرهود"ابو باقر"، المرحوم الشيخ عبدالصاحب الواسطي، المرحوم الأب بطرس حداد، المرحوم الأستاذ كامل شياع، المرحوم الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد، المرحوم د. محمود البستاني، د. جمال الدين عطية، ود. جودت القزويني.

.....................

لماذا تكريم الدكتور عبدالجبار الرفاعي ومشروعه؟

مقدمة الكتاب التذكاري

(كلمة لجنة التكريم: هاجر القحطاني، محمد حسين الرفاعي، مشتاق الحلو)

يبدأ العقم الثقافي حين تنطفئ الأسئلة في الأذهان وتتنحى عن المجال العام، ويؤسس لانطفاء الأسئلة كثير من العوامل، لعل أبرزها أن تفقد المؤسسات النافذة في أي مجتمع قدرتها على تنظيم الناس دون أدوات القهر والعسف.

وفي ظل العقم الثقافي تنمو أحراش الفساد بكل انواعه، وتحاصر المجتمعات بالجهل والخوف، وتسحق كرامة الفرد وحريته، ويخسر "الانسان" قابليته للتحقق الكامل كنوع فذ، لا حدود منظورة لإمكانيات ارتقائه.

لذلك، في بيئة كهذه، فإن من ينتج الأسئلة، ويزرعها، ويحرسها، ويرعاها؛ فرد استثنائي، يقف أمام تيارات عمياء، من الركود والانصياع والتلاشي الحضاري.

بهذه الاسئلة يتخلق فضاء يتنفس فيه افراد استثنائيون آخرون، يحمون حق الجماعة في أن تبقي على بقية من رئتها، تمتص شيئاً من الهواء الطلق. والجماعة، كأي كائن حي تختنق دون هذا الفضاء.

في بداية التسعينيات من القرن الماضي، في الحوزة العلمية بمدينة قم وسط الصحراء الايرانية المأهولة، بدأ شاب عراقي في منتصف الثلاثينات من عمره، يدافع عن أسئلته، ويحررها واحدا تلو الآخر، فينسج منها فضاءً جذاباً، سرعان ما انشدت إليه عقول وأفئدة فتية، زاحمتها أسئلة فتية، وأقلقت سكونها المدجن.

لم يكن راعي الأسئلة فريدا في أسئلته، لكنه كان فريدا في رعايتها ربما، فتلوّن فضاؤه وتعدد وتكاثر. وكأثر طبيعي لأي نمو سليم، تفرعت أغصان لم تكن بالضرورة تكرارا للأصل، بل ربما اختلفت تماما، وابتعدت نحو الطرف المقابل من ذلك الطيف. وبعد جيل كامل من الشغب على الموات، والاشتباك مع الركود، توزع هؤلاء المتسائلون على أصقاع الارض من ايران والعراق، مرورا بأوروبا والولايات المتحدة وليس انتهاءً باستراليا.

وفي بيئة كتلك، فإن كل الأسئلة خارج مختبراتها، مدانة عموما، غير ان بعضها يُطرد وتُلاحق كل تبعاته، تلك هي الأسئلة، التي تشبه أساطير الكيمياء، تحدث تحولات جوهرية في من تصيبه، فيصير المعدن الرخيص نفيساً ولامعاً. أسئلة الدين والعقيدة والإيمان هي من سنخ تلك الأسئلة.

الأسئلة هنا؛ لاذعة وجذرية، لكنها مراوغة ومتناسلة، تبدأ بالاستفهام وتنتهي به، تأخذك من شيء واحد متوقع الى أشياء متعددة مدهشة، قد تتناقض ويهدم بعضها بعضاً، وقد تتكامل فيبني بعضها بعضاً، لكنها في كل الأحوال تعيد صياغة نظرتك الكلية، وتتدخل في جزئيات مختبئة تحت معاطف الموروث والثقافي، واحتيال الأذهان على أنفسها.

وحين تدخل هذه الغابة، فأنت بلا شك تغادر صناديق "الآيديولوجي" الى رحابة "المطلق"، فتبث هذه الصلة الحياة بكلّك. والحياة تحدٍ عظيم لافتراضاتنا الواهية وذعرنا المزمن...

في تلك الغابة، أخذ عبدالجبار الرفاعي بأيدي أصدقائه وتلامذته، معهم تلمّس الطريق الى تلك الصلة المحررة، خاف تارةً كما خافوا، واطمأن اخرى كما اطمأنوا، سبقهم وسبقوه، لكن عينيه ظلتا دائما تحرسان تلك المسافة الطويلة بين السؤال والإشراق.

هنا، نصوص عديدة، تروي قصة هذا الراعي في اضاءات ثرية، لأن قصته هي قصة جيل عراقي مختلف، خرجت ظروفه عن السياق التاريخي الساكن، ورُمي في عراء المضطرب والمتحول واللامضمون، تلقفته السرديات الجاهزة؛ كي تفسر له الماضي والحاضر والمستقبل، وتعلبه في قوالب ردود الأفعال القاصرة على تحديات ظروفه، لكن ضيق أفقها سرعان ما انكشف امام أسئلة صعبة، جاهر برفعها عالياً ذلك الراعي وثلة من رفاقه الشجعان. أسئلة الإنسان المسحوق امام الخديعة والزيف والطمع وصراع الغلبة.

ولأنها قصة جيل وقصة وعي، فقد سارع شهودها للاستجابة الى ذكر شهاداتهم عليها، تابعهم بشغف المهجوس بالبحث عن النور، الصديق مشتاق الحلو، الذي أشرف طوال شهور عدة بصبر وجدّ على متابعة إصدار هذا الملف واعطائه هذه الحلّة الجميلة.

في هذه الشهادات قصص شخصية، وهموم عامة وهواجس معرفية، كتبها رواد فكر، وصحفيون، ومحررون وناشطون وإعلاميون، واكبوا الرحلة في أزمان مختلفة، ومن أماكن متعددة...

ولأن لا مروية بشرية تكتمل بنفسها، فإن هذه الاضاءات على هذه الرحلة الشائقة لا تقدر بثمن، وهي تدور دورة كاملة حول السؤال الأبرز، الذي رعاه الرفاعي طيلة الـ 25 عاما الماضية في سياقه العربي: سؤال اللاهوت الجديد.

وشاح الحروف العربية بألوان الاعظمي وشعر طه

haidar  alwailiصدر عن مطبعة دار الاتحاد البحرينية كتاب للتشكيلية العراقية "فريال الاعظمي" حمل عنوان "لاترفع وشاح ألواني، هناك ينام الوطن".

الكتاب من القطع الكبير بطباعة انيقة جداً ترقى لأناقة وجمال وسحر اللوحات الفنية الحروفية التي تضمنته حيث سحر وجمال الحرف العربي في اللوحات يخطف الالباب. اللوحات الحروفية هي: لوحات توظف الحروف العربية كمادة فنية.

هكذا مشاريع فنية لم تلقى الدعم الكافي "محلياً" في العراق -مع الأسف-، ولو تم فسيكون دون الطموح ولا يسمو لعظمة المنجز وأهميته بالرغم من أن لدينا وزارة متخصصة "وزارة الثقافة".

لا يسعك الا التأمل ملياً وانت تقلب صفحات الكتاب بلوحات حروفية رائعة لشعر هو الاخر رائع للشاعر السوري "لؤي طه" وظفته "فريال الاعظمي" بأجمل ما يكون.

جمعهما سحر الحرف العربي، هذا يعصر الامه ويصوغها شعراً وتلك ترسمه لتبثه روحاً يصرخ في لوحات.

كتب "لؤي طه" واصفا لقاء الحروف كلماتٍ ولوحات بين شاعرٍ وفنان:

(حزينة خطوة المسافر عن بلاده كخطوة التائه لا يدري أين وجهتها، ومشيتُ يا وطني بالغربةِ تجلدُ عاطفتي وحنيني، تنفست من جذور شوقي ولبستُ اسمكَ وشاحاً وصرخت في شوارع غربتي "إني أنزف حنيناً إليكَ يا وطن" هو كان يجلس على رصيف الغربة يستمع لصوت حنيني...

هو المغترب عن وطن تأكل النار من دمشق الياسمين وأنا المغتربة عن عراق ما انطفأت النار عن نخيله منذ آلاف السنين حين يكون الوطن قاسماً مشتركاً ما بين المغتربين يتلاقى به اللون مع الحرف ليكون لوحة).

ويستطرد "لؤي طه" في ذكر ذات اللقاء:

(في مقهى على رصيف الغربة، كنا نجلس في ضيافة الحنين، وفي مساء الولع المبلل بالشجن إلى وطن تتساقط حيطانه وألسنة الموت تأكل أرواح الأحبة. كنا غرباء نتناثر على مقاعد اللهفة نرتشف من وجوه بعضنا ملامح الأمل، وعلى خشب الطاولة المهترئ، مثلما اهترأت ثياب قلوبنا كنا نعبد شوارع العودة. تود لو استطعت البكاء لا لأنك في بيت الغربة حزين، فقط لتغسل وجع الحنين إلى وطنك بالبكاء. بملامح سمراء لم تغير الغربة من نكهة لكنتها العراقية، كانت تحمل علبة ألوانها ولوحة بجسد أبيض لم تمشي عليها خطى الريشة. اقتربت منها وتلوت لها حروف الحنين واستفزها الحرف نثرت ألوانها ونثرت بالقرب منها حروفي وامتزج عطر الياسمين مني برائحة النخيل. هو الوطن من جعلنا نلتقي، فكان العمل المشترك لي مع الفنانة العراقية "فريال الأعظمي" في كتاب يضم أروع ما أبدعت من لوحات وحروف مني تغفو قريبة من ألوانها).

حقيقة بعد أن قرأت ما أقتبسته سابقاً أجدني عاجزاً في وصفه سوى تركه ناطقاً حاله بحاله يقرع باب القلب ليسحر بجماله كل ذي ذوق رفيع.

كتب لي شاعر اللوحات يقول:

(منذ البدء والشراكة ما بيني وما بين الفنانة فريال تمشي بخطى أنيقة ومهذبة، قالت: مني اللون والصورة ومنك الحرف بأجمل صورة لنرسم ونكتب ثلاثة حروف تختصر كل الزمن وكل الحنين وهو "وطن". انتقيت من الأشعار التي بها الحس الوطني، والحروف التي تضبط ايقاع الحنين على أمل اللقاء بأمي على تراب الوطن... كان الكتاب رسالة قصيرة لكنها عميقة تحمل غاية هي أن تمتد الشراكات العربية فنياً).

يتخلل الكتاب دراسة نقدية برع في صياغتها الفنان والناقد التشكيلي العراقي "محسن الذهبي" تطرق فيها لتاريخ اللوحات الحروفية وبداياتها في الأربعينيات على يد الفنانة التشكيلية "مديحة عمر" وكيف استلهمت من اشكال الحروف العربية ووظفتها في بناء لوحة فنية.

ثم يتطرق "الذهبي" لتجربة "الأعظمي" في هذا المجال حيث يقول:

(تشتغل الفنانة "الاعظمي" على ايقاع تكويني ضمن مفارقة مقصودة تأخذ حركتها من اتجاه قراءة النص التشكيلي للكتابة العربية، لتؤكد على فاعلية الحركة الكامنه لروح الحرف المنفرد في مسعى لأستغلال الايقاعات المتشابهة لترتيب التكوين الفني ولخلق صدى انغام مرئية تتخللها فراغات صامته تتحدث عن روح حكائية مشبعة بالشاعرية، فهي تحافظ على الشكل الواقعي للحرف المقروء ولا تتجاوز واقعيته البنائية وهندسته الشكلية تأكيدا لروحانية الحرف كثيمة لها قدسية في ذاكرة المتلقي وتقربا من تجسيدها لروح الجملة الشعرية او الحكائية التي تطرحها).

ويستطرد "الذهبي" بالقول أن الحرف لدى "الأعظمي" هو رمز ايقوني يذهب بعيدا في تأمل فلسفي باطني وأن الحرف لم يعد لغة "تمثيل" بل "تشكيل" تسعى للكشف عن معان من وراء الألوان والتكوينات الحروفية لخلق عوالم ابداعية تتميز بشاعريتها.

بقي الأشارة الى التفاتة حول تصميم الكتاب الذي يستعرض كما أسلفت لوحات حروفية حيث اللافت أنه يبدأ من اليسار لليمين -نظام الكتابة الانجليزية- حيث كان الأولى أن يبدأ من اليمين لليسار -نظام الكتابة العربية- كون اللوحات تمجد الحرف العربي حتى لو كان الكتاب باللغتين العربية والانجليزية حيث توجد ترجمة انجليزية تحت كل ما ذكر عربياً.

ان لوحات وكتاب "فريال الأعظمي" منجز ينضم لقائمة طويلة من منجزات الثقافة العراقية الأصيلة التي خلدها التاريخ وساهمت بأثراء الفكر والثقافة العربية والعالمية.

وددت في الختام أن أشير الى حوارين منفصلين حصلا بيني وبين الفنانة "فريال الأعظمي" والشاعر "لؤي طه"، حقيقة لم أشعر أني أحاور كلاً منهما بمعزل حيث استشفيت من كلامهما روعتهما معاً وهذا ما تمخض عنه كتاب رائع جمع بين روعة الكلمة وروعة اللون، بين شعر جميل يحطم الحدود ويدخل القلب دونما استئذان لـ"سوري" وبين لوحات فنية تنطق بجمال اللون وسحره لـ"عراقية" وكلاهما عذب عذوبة الفرات، وكلاهما يجمعهما الفرات.

 

حيدر محمد الوائلي

 

شاعر في المهجر .. يهرب من ثلوج نيويورك إلي شمس القاهرة

565-parخرج الشاعر المصري فرانسوا باسيلي من مصر لكن مصر لم تخرج منه، وتصف مقدمة ديوانه الجديد شمس القاهرة، ثلوج نيويورك الذي صدر عن دار سندباد للنشر بالقاهرة مؤخرا ما حدث للشاعر قائلة

حمل القاهرة وهاجر إلي نيويورك لتتفجر كتاباته منها شظايا تفتح الجسد والروح علي عوالم الغربة والرغبة في الشرق والغرب

وبين الديوان الأول للشاعر-  تهليلات إيزيس ( 1998)  - وديوانه الجديد ستة عشر عاما جرت فيها مياه كثيرة تحت جسر جورج واشنطون بنيويورك، مدينة هجرته، حيث يقيم حاليا بجسده، وإن كانت اقامته الروحية منذ دهور، وما تزال، في مدينة مسقط رأسه القاهرة. والديوان جسر يحاول به الشاعر مد تواصل يبدو مستحيلا بين عالمه القديم وعالمه الجديد، فالشعر هو حمامه الزاجل الذي يحمل رسائل عشقه وغضبه وعتابه ولهفته إلي وطنه الأصلي،  وهو في نفس الوقت قربان يقدمه الشاعر علي مذبح غربته بكل ما يحمل هذا من مشاعر تيهٍ وبترٍ وتضارب تختلط فيها الأوجاع الوجودية العامة بالأحمال الروحية الخاصة، ومن ناحية أخري فهذا الشعر شظايا متفجرة تتطاير لتشارك الآلام الهائلة التي مرت بها مصر.

 565-parوعن هذا كتب الناقد دكتور صبري حافظ، " منذ أن نشر الشاعر المصري قصائده الأولى في مجلة (الآداب) لفت الأنظار بقصيدته المتميزة، ويعود الشاعر المصري المرموق الى لحظة تاريخية فارقة أسست لأفق مغاير في مصر كما فتحت أمام النص الإبداعي إمكانات جديدة، ترهف الرؤية عن بعد بصيرة الشاعر المقيم في نيويورك، ولا يجد إلا القصيدة كي يعلن صرخة أنطولوجية عميقة وحبا للانتماء لبلده التي دخلت في دوامة، لأنها بلده الوحيد وأسرته الحضن الآسر لوجعه."

الشظايا الشعرية التي تتفجر في قصائد الديوان تأتينا محملة برائحة وثلوج وإثارة مشاهد نيويورك من ناحية، وبدفء إشعاعات شمس مصر الساطعة في قلب الشاعر وفي مدينته القاهرة من ناحية أخري، فتتنقل أحاسيس الشاعر الانسانية والوطنية المتأججة النازفة بين هذين القطبين المتضادين المختلفين في كل شيء، بل هي دائما موجودة في القصيدة الواحدة، مما يزيد من الزخم الشعري ويكثف من أمواجه وتوتراته العاطفية والفكرية، فيما يقدم لنا شرفة فريدة نطل بها علي مدي الإختلاف بين عالم الشرق وعالم الغرب، خاصة في وقت تلعب فيه الولايات المتحدة دورا ملتبسا تجاه ثورتي مصر، فينحاز الشاعر إلي حق شمس مصر في السطوع بقوة وطلاقة نجدها واضحة في قصائد الديوان،  فيقول في قصيدة زهرة اليورانيوم

كنت في القاهرة / نائما علي سجادة التاريخ حاضناً أمسي / ورأيت في رؤيةٍ / أن نيويورك شمس غدي / فمددت يدي / أفتح غيم الغيب والغياب / قلت هجرة بلا إياب / هل للعالم القادم بابٌ غير هذا الباب؟ / نيويورك جسدٌ  / رمي بنفسه علي جسدي / وأنا أخلع أجسادي وألبسها / نيويورك جسدٌ  / وأنا جسدي تائهٌ في اللامكان / جسدان لا يلتحمان / إلا علي فراش الريح والهذيان / نيويورك سيدة الزمان / تقطف مني الروح  / تتعري وهي تأتي علي جسدي وتروح / تأكل كل قطعةٍ  / وتشرب كل قطرةٍ من الجسد الطريح / حتي أصير خاضعا ولا مباليا / تسوقني مكبل القدمين للميدان / فأخلع ما بقي من جسدي / وأعود للبلاد / لأقصف شهرزاد في بغداد  / أو أقطع الطريق إلي دمشق / حيث يخرج المهجرون من بيوتهم عرايا / وتقول لي أنظر إلي التاريخ يهوي / والأساطير شظايا / وقد انتهت كل المعارك بالهزائم / لم يبق غيرك / تظل بقلبك الشرقي منكباً علي الأعلام / تريد رفعها علي التخوم عاليا / متشبثاً وباكيا / تريد إعادة الأيام للأيام / فانزع الأحلام عنك / واترك الأوهام تهوي / كالذبيح من الحمائم / أخرج من الأرض الكئيبة / واحصر علي الآي باد أعداد الغنائم / ماضيك سجنٌ / وأنا أفتح لك / أبواب عالمك الجديد فلا تقاوم/

لكن شاعرنا يتمرد في صراعه مع عالمه الجديد صارخا:

كم مرة أردت أن أهد المعبد / مثل شمشون علي رأسي وأعدائي / ولكني بلا أعداء / ولا أكره إلا / ما ترسلين من صحائف الكيمياء / وأرغفة اليورانيوم  / للجائعين في بلاد البسطاء / لماذا تحولينهم إلي أعداء / وتمزقينهم أشلاء / وهم رفاقنا وأهلنا / ثم تسألينني / لماذا يكرهوننا؟ /

نيويورك/ كم زهرة يورانيوم ستدفنين في جسدي / وكم صاروخٍ عابرٍ للقارات / ستطلقين علي بغداد أو دمشق أو قري بلدي / نيويورك يا روما الجديدة / كل يوم أطالع إنهيار مدينةٍ من مدني / ودمي يسيل علي صفحات الجريدة / كم أورشليم قد التهمت اليوم / يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين

ويقول في قصيدة دامغة يستدعي فيها الشاعر الأمريكي والت ويتمان بعنوان "شهوة والت ويتمان الأخيرة"

  مازال والت ويتمان / هوملس علي رصيف نيويورك / يلقي إليه المارة / بالدولارات والبيتزا / لا يفيق إلا ليسأل / عن أسعار القصائد في وول ستريت / وقد هبطت إلي معدلات خطيرة

تهدد بانهيار كامل / لإقتصاد ما بعد الحداثة / لا تقلق يا والت / قبل إنهيار البورصة بدقائق / سيعلن أوباما أو خليفته الحرب / في مكان ما في العالم / لنصرة الديمقراطية / فتضحك السندات في البورصة / ويرتفع سعر القصائد قليلا / قبل أن ينهار تماما / فلم يعد أحد يقرأ / سوي صفحات المال / والجريمة / والوفيات

  إما حين يتحدث عن مصر، فإن الشاعر المهاجر يستدعي لغة تقطر عشقا وألما ورغبة وأملا،  فيقول في زهرة لوتس تقوم من النوم..  دعيني أدخل التاريخ من أضيق باب / وعلى أسوارك العليا أخر مضرجا / من وطئة اللمسات، من أناملك المشعة بالعذاب / أو على عتبات هيكلك المدمى بالذبائح والمدائح / آتيك أحمل ناي قلبٍ مثخنٍ /  بالمحن الكبرى وآيات الغياب / فعلى أي ذراع أرتمي مستسمحا؟ / وبأي كفٍ أمسح الجمر الذي في وجنتيك / وأزيل عن قدميك أشواك الهضاب؟ / وعلى أي سحاب / أبصر الوحي الذي أوحى لقلبك بالتراتيل / وأقرأ سر بعثك في أي كتاب؟ / وعلى أي ضفافٍ أستريح وليس هذا النهر نهري / ولا أرض المنافي هذه أرضي / ولا المدن الغريبة والقباب / دعيني أعبر البحر الذي بيني وبينك واليباب / هل أبدأ التاريخ من حيث انقضى؟ / وأعيد ما عبرته أزمنةٌ وواراه التراب؟ / أيعود يوماً ما مضى؟! / سأمر من أضيق باب / للمخدع السري حيث رقدت دهرا / في حرير للأساطير العذاب / وأركع لامساً ثوب المحبة والرغاب / فتقوم زهرة لوتس من نومها في راحتيك / وتطل شمسٌ من ربى نهديك / ويسيل نيلٌ حاملاً طفلاً جميلاً كالشهاب / فأقول هذا وعدك الآتي / وسر الموت والبعث / انهضي / يا مصر / للفجر من أوسع باب

  يقول دكتور محمد سليم شوشة عن الديوان:

 فرانسوا باسيلى صوت شعرى مهجرى له خصوصية، صوت يناجى الوطن كما يناجي الصوفى ربه. حالة شعرية لا تختلف عن العشق الإلهى. إنه عشق الوطن فى غربة ليست لها ملامح، هو يحيا فى مصر برغم هذا البعد، غارق فى تفاصيل المكان والذكريات، يحيا فى مصر شعريا برغم أن المكان الآني هو أمريكا أرض المهجر. هنا يتبدى صراع بين أرض المهجر وبين الوطن، وهو صراع حسمت نتيجته لصالح الوطن. هذا خطاب شعرى يتسم بالإيغال فى الشاعرية والصدق، وله ملامح سردية تجعل قراءته ممتعة إلى أقصى درجات المتعة، ويجعل شعر المهجر نموذجًا ممتدًا فى الأدب العربى ونهرًا متصلا عابرًا للقارات وصلة بين الأمم والحضارات، فيغوص فيها بقدر ما يغوص فى الذات الإنسانية، وتمثل تجربته الشعرية مقاربة جادة وصادقة شائقة وجديرة بالاهتمام.

جاء ديوان "شمس القاهرة، ثلوج نيويورك في 160 صفحة وتوزعه دار سندباد في مصر والمكتبات العربية

 

 

الاتجاه المعاكس في كتابات صباح الأنباري

saleh alrazukعن دار ألف في دمشق صدر هذا الشهر كتاب د. صالح الرزوق (الاتجاه المعاكس في كتابات صباح الأنباري).

وفيه يتناول موضوعين أساسيين هما: الحدود بين الأنواع الأدبية والفرق بين الحداثة والتجريب.

بالنسبة للحدود يرى الناقد أن الأنباري مخلص لمفهوم الدراما وليس لشكل وأسلوب المسرح. فهو لا يعول كثيرا على الحبكة أو العقدة المسرحية ولكنه يتمسك بفكرة الأداء على الخشبة بحضور نظارة.

وأهم عناصر فن المسرح المفقودة في كتابات الأنباري هي الحوار في مسرحياته الصامتة والتسلسل في مسرحياته الناطقة. وعليه كان اهتمامه الأول بالحالة النفسية للشخصيات وبمشاعر الخوف والرهبة في جو من العنف والقسوة يذكرنا بمسرح القسوة لانطونين أرتو.

أما بالنسبة لفكرة الحداثة في مسرحيات الأنباري يرى الناقد أنه كاتب حديث ولكن خارج مفهومنا للحداثة الكلاسيكية. بمعنى أنه تجريبي ويلغي نفسه باستمرار.

أحيانا يلتزم بفكرة المسرح كعرض يفترض المشاهدة وأحيانا يقترب من كتابة مونولوجات واعترافات نفسية لا تختلف عن شكل ومضمون القصة الجديدة التي مهد لها الطريق في فرنسا بوتور وكلود سيمون.

بالإضافة لذلك يركز الكتاب على شكلين أساسيين اهتم بهما الأنباري: المونودراما و المسرح التاريخي. و يحاول الناقد أن يجادل موضوعة التاريخ.. هل هو تاريخ فعلي أم أنه تفكيك لأثر التاريخ وتراكماته في حياتنا كأفراد يمثلون جماعات نمطية.

وينتهي الكتاب بحوار ذي شجون يدور بين الناقد والأنباري يتحدثان فيه بصوت مرتفع عن علاقة الفن بالسلطة والمجتمع والذات الفنية.

ويؤكد الكتاب منذ البداية في (التمهيد) أنه مجرد ملاحظات حول المسرح بشكل عام وتجربة صباح الأنباري بشكل خاص. ويدعو النقاد للإدلاء بدلوهم في الموضوع. وبهذا المعنى يقول:

"لقد كانت الغاية من هذه القراءة الموجزة إثارة المزيد من التساؤلات وفتح المزيد من النوافذ على هموم المسرح المعاصر وعلاقته بالفكرة الفنية ثم بالأدوات أو القانون - وهذا عندي هو اللغة والأسلوب. وكلاهما من ممتلكات ومتاع الأب كما يرى روسو ومن بعده لاكان. فاللغة والشكل الفني هما اختراع أبوي. وهذا يعني أن لهما حصانة وحتى لا نقع بالتكرار يجب أن نقع بالخطيئة وأن نحمل وزر التفكير بتحدي القوانين المرعية. وهنا تبدأ المشكلة..

هل أزمع صباح الأنباري على قتل الدراما. وهل شحذ سكاكينه للطعنة القاتلة؟؟.."

 

مضافات أبوابها مشرعة على مدار الساعة

nadheer khazrajiلا يعرف حقيقة المال حق المعرفة إلاّ من أتاه خجلا متسربلاً ثياب الكد والتعب، وربما الفقير هو الأقدر على التشخيص عندما يتسرب إلى جيبه قليل من المال يفوق ما اعتاد عليه، والذي ينشأ في عائلة فقيرة ويشق حياته بعيدا عن الأجواء السابقة يتذوق طعم الغنى، حتى وإن لم يكن يملك ثروة كبيرة، وعلى الطرف الآخر من نهر الحياة فإن الذي يعيش بحبوحة الغنى المادي وبخاصة من الأبناء لا يملك ذلك الاحساس الذي عليه ابن الفقير في تشخيص معنى الغنى والفقر، فمن لم يذق مر الخسارة لا يتحسس حلو الفوز والظفر، ومن لم يذق علقم الفقر لا يقدّر شهد الغنى، ولذلك جاء في الأثر (ارحموا عزيز قوم ذل).

ولأن الأمر كذلك، فإن الإنسان بطبعه وفطرته يحدوه الأمل لأن يحسّن من وضعه المالي، فحتى المليونير لا يكتفي بملايينه ولا الملياردير، وأما محدود الحال والمفلس والمديونير (المديون) فهو دائم التفكير ودائب السعي للخروج مما هو فيه نحو الأحسن، ولعلّ طبقة العمال والموظفين وأصحاب الدخل المحدود من أكثر الطبقات الساعية الى تحسين الحال الاجتماعي والاقتصادي، من أجل بناء أسرة مستقرة ماديا توازن بين متطلبات الحياة الصعبة والراتب المحدود الذي يتصاعد سنويا بحركة سلحفاتية غير محسوسة ومرهقة في الوقت نفسه يتحسسها الأب عندما يكون مطالباً تأمين كسوة الصيف والشتاء وتوفير المعيشة المعقولة لأفواه لا تدرك معاناته، وهي غير معنية من أين يأتي المال، إذ لا حول لها ولا قوة.

وبقدر صعوبة الحياة لأصحاب الجيوب الخفيفة من العاملين والموظفين فإن وتيرة رغبتهم تتصاعد كلما ضاقت عليهم حلقة الحياة، ولذلك يكون السعي الجاد لاستحصال ساعات عمل اضافية او ابتعاث لدورات تدريبية أو تأهيلية من أجل راتب أفضل، بل يستعمل بعضهم وسائل غير نزيهة في هذا السبيل، ولعل من أسوأ اللحظات على الموظف هو عندما يحين موعد تقاعده، فتراه يسعى لتمديد عقد عمله لسنوات أكثر، فراتب التقاعد غير مجز عند الكثير وجلسة البيت قاتلة.

ولكن من أكثر الناس خسارة، مَن تتاح له فرصة العمل الإضافي وبأجور طيبة ولا يستغلها مستأنسا لما هو فيه من الحال متكئا على أريكة الخمول، وربما يشكو البعض من قلة الحال مع قدرته على تحسينها ولو بقدر ولا يسعى لها سعيها، فهذا من خيبة الأمل أيضا، وقد ساقنى الى هذه المقدمة كتيب "شريعة النوافل" للمحقق الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، الصادر حديثا (2014م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 64 صفحة، فالمسائل التي تضمنها وهي 116 مسألة فقهية وتعليقات الفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري وهي 14 تعليقة مع مقدمة للمعلق وتمهيد للكرباسي، كلها وفي مؤداها العام تحكي عن واقع الانسان الذي أتاح له رب الأرباب فرصة تحسين واقعه الدنيوي والأخروي نحو الأحسن والأفضل، دعوة مفتوحة أطلقها رب "قل اعملوا" لساعات أجر اضافية غير مقدرة بثمن وبعثات عمل الى فضاءات غير محدودة يصعب على عقل الانسان تثمينها، فسوح الحياة سوق مفتوح للاغتراف من عطاء الله مع قليل من العناء، بحاجة الى ارادة لا ينالها كل انسان.

 

الخير في النوافل

لا وجه للمقارنة بين عطاء البشر وعطاء رب البشر، ولكن التشبيه جاء من باب تقريب الفكرة التي يعايشها الانسان في حياته اليومية. فالعلاوة المالية والمنحة وبدل ساعات عمل اضافية وبدل الابتعاث والسفر، كلها موارد مالية في قبال الراتب الرسمي الذي يتقاضاه العامل والموظف، يتحسس فائدتها وإن قلّت، وهذه المسميات في جانب العطاء الالهي اللامحدود هو ما يطلق عليه بـ "النوافل" في قبال "الفرائض" فالأولى يؤجر الانسان على الاتيان بها والثانية يؤثم على عدم العمل بها وتنجيزها، والفاصلة كبيرة بين الأجر والإثم وبين الثواب والعقاب، واذا كان عطاء البشر في العلاوات محدوداً لعدد من الناس ولساعات محددة فان عطاء الرب مفتوح لكل البشر وبلا حدود، وهذا الفرق بين العطاءين، بل من الظلم الصراح المقارنة بينهما، ولكن من باب المقاربة في الأمثال.

فالعلاوة لدى البشر يقابلها "النفل" لدى خالق البشر، وهي من حيث اللغة كما يشير الفقيه الكرباسي في التمهيد: (الهبة والزيادة، والنافلة هي: ما يفعله الانسان مما لم يُفرض عليه ولا هو مما يجب عليه، والجمع نوافل، وفي مصطلح الفقهاء، النافلة هي: أعمال العباد التي رغّب الشرع الشريف في القيام بها دون إلزام، لكسب مزيد من القُربى والأجر والثواب، وقد اُطلقت النوافل بشكل أبرز في الصلوات اليومية المستحبة والتي عُرفت بالنوافل اليومية).

ولأنّ النوافل كثيرة وضعها الله رحمة لعباده، فإن كتيب "شريعة النوافل" خصصه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي لبيان أحكام النوافل اليومية، وهي عبارة عن صلوات وركعات وهي ضعف الفرائض اليومية في عدد الركعات أي 34 ركعة، ركعتان قبل صلاة الصبح وثمان ركعات قبل صلاة الظهر ومثلها قبل صلاة العصر، وبعد صلاة المغرب أربع ركعات، وواحدة بعد صلاة العشاء تُصلى من جلوس في ركعتين واحدى عشرة ركعة قبل طلوع الفجر الصادق.

فالنوافل كما يضيف الفقيه الكرباسي: (تزيد من بهاء الانسان المؤمن وتصقل نفسه، وتحلّ عليه بركات ربه الايمانية التي قد لا يحصل عليها في غيرها) وهي في مؤداها العام تسد النقص في الفرائض اليومية الواجبة التي لا يضمن المسلم قبولها عند الله، وقد ورد عن الامام محمد بن علي الباقر(ع): (إن العبد ليرفع له من صلاته نصفها أو ثلثها أو ربعها أو خمسها، فما يرفع له إلاّ ما أقبل عليه منها بقلبه، وإنما أمرنا بالنوافل ليتم لهم بها ما نقصوا من الفريضة)، بل من منن الله على عبده أنْ فتح له باب الاغتراف من معين خيره، وزيادة على ذلك أن الله يباهي بصاحب النوافل الملائكة، ففي الحديث عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع): (إنّ العبد يقوم فيصلي النافلة فيعجب الرب ملائكته منه، فيقول: يا ملائكتي، عبدي يقضي ما لم أفترض عليه)، فأية تجارة رابحة هذه، يأخذ المشتري البضاعة بعينها وريعها وربحها وإذا رغب بالمزيد أخذ حيثما يريد، وما أحوج الإنسان إلى مثل هذه التجارة في وقت تعصف به الحياة من كل جانب بخيرها وشرّها، فربما حرفته عن جادة الصواب فتأتي النوافل كما يؤكد الفقيه الكرباسي: (لتصحح مسيرة الإنسان وتصرفاته وتضعه في الجادة الوسطى للحصول على نتائج مادية ملموسة لها ارتباط بالنفس والجسم أيضا، بالاضافة الى القدرات التي يستخدمها الخبير اللطيف في انقاذ عبيده من الوقوع في الهاوية).

 

الوجه الآخر

وعلى الرغم من المغريات التي يقدمها رب الأرباب لدفع المسلم نحو التقرب اليه بالعبادة، فإن النوافل ليس الاتيان بها مستساغ كلها أو بعضها للكثير من الناس، فهي في الوقت الذي تعتبر منّة الله على عباده من باب اللطف بهم، فهي بحاجة الى توفيق منه سبحانه وبإرادة مباشرة من العبد نفسه، لأنه بطبعه يبحث عن المنفعة التي يراها بين يديه شاخصة، والثواب ليس بالشيء المرئي في عالم الدنيا، ولذلك لا يبحث عنه الكل، وإلا لو كان ملموساً لتوجه كل الناس بالفرائض ولم يتخلفوا عن الدرب فيدخلوا في خانة: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) سورة مريم: 59، من هنا يرى الفقيه الغديري في التقديم أن: (الذي يأتي بالنافلة مع الفرائض فهو يقصد بذلك وجه الله من غير الزام، فلعمله هذا مرتبة عالية ومنزلة عظيمة عند المعبود المطاع، وهذا من منن الله تعالى عليه أن منحه هذا التوفيق ليأتي بأعمال وأذكار باختياره التام من لدن نفسه فله أجر عظيم ومقام رفيع).

بالطبع لا ينبغي أن يكون جزيل ثواب النافلة مدعاة للتساهل والتهاون مع الفريضة، فتلك مستحبة وهذه واجبة، ويفترض في الواجبة أن تؤتى بكامل شروطها وضوابطها، وفي الحديث عن الإمام علي(ع): (إِنَّ لِلْقُلُوبِ إقْبَالاً وَإِدْبَاراً فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَاحْمِلُوهَا عَلَى النَّوَافِلِ، وَإذَا أَدْبَرَتْ فَاقْتَصِرُوا بِهَا عَلَى الْفَرَائِض)، ويقول الامام علي بن موسى الرضا: (إنّ للقلوب إقبالاً وإدباراً فإذا أقبلت بصرت وفهمت، وإذا أدبرتْ كلّت وملّت، فخذوها عند إقبالها ونشاطها، واتركوها عند إدبارها)، فالوسطية مطلوبة في كل شيء.

ولا يخفى ان المرور على المسائل الفقهية التي عرضها الفقيه الكرباسي تكشف عن أهمية النوافل اليومية في حياة الانسان، ولذلك هناك تسهيلات كثيرة وترغيبات، ربما لا يصح بعضها في تنجُّز الفرائض، تدفع بالانسان الى الاتيان بها، فعلى سبيل المثال: (يجوز إقامة النوافل من جلوس، ولكن إقامتها من قيام أفضل)، (يجوز الاكتفاء بقراءة بعض الآيات بدل السور الكاملة)، (يجوز إقامة النوافل ماشيا وعلى ظهر الدابة أو المركوب في السَّفر والحضر). ولكن في الوقت نفسه تبقى الشروط الوارد ذكرها في الفرائض اليومية واردة في النوافل اليومية، وهي كما أوردها الفقيه الكرباسي في المسألة التاسعة: (الطهارة، نية العمل، نيّة القربة الى الله تعالى، التقيّد بالوقت، طهارة الجسم والملبس ومحل السجود، التوجّه نحو القبلة، إباحة المكان والملبس، حليّة الملبس، والسِّتْر).

في نهاية المطاف حيث لا نهاية لمطافات الله ومضايفه، إذا عرفنا هذا النزر القليل عن مسائل صلاة النوافل، فلا عجب إذا ما سمعنا أن ولياً من أولياء الله الصالحين كان يصلي في اليوم ألف ركعة، وكذلك لا عجب إذا كان في متناول اليد الاتيان بها وتقصر الارادة عن تفعيلها.

 

الأديان الإبراهيمية قضايا الراهن

sohayla taybiرغم ما يلوح من قواسم مشتركة بين اليهودية والمسيحية والإسلام، يبقى التحدي يواجه جميعها، وهو كيف تعيش تلك الأديان شراكة الأوطان؟ وكيف تغدو حاضنة لبعضها البعض ولا تكون طاردة؟ ضمن هذا السياق أتت فصول هذا المؤلّف دانية من المعيش اليومي، ومُتابِعة لراهن أتباع تلك الأديان، في تآلفهم وفي تنافرهم. فالكتاب تأمّل في أوضاع الحاضر، وإن أملت الضرورة العودة إلى سالف التجارب، لفهم مجريات الواقع، فأحيانا تكون أُطر استيعاب الآخر مضلّلة، لا تفصح عما يتخلّلها من تناقضات. فالأديان الثلاثة تبدو مقبلة على مواسم تفوق قدراتها التقليدية، ما عادت المدونات الفقهية واللاهوتية الكلاسيكية كفيلة بحلها.

ومن المفارقات الكبرى في عصرنا، أن الدين المستضعَف المهاجر، بات يستجير بالعلمانية وبالدولة المدنية طلبا للمقام الآمن، ولا يجد ذلك المأمن والملجأ عند رفيقه في رحلة الإيمان، وهو حال الإسلام الأوروبي. في وقت يُفترض فيه أن يكون المؤمن "الإبراهيمي"، بين أهله وملّته، حين يكون في الحاضنة الحضارية لدين من الأديان الثلاثة، لكنه في الحقيقة لا يجد تلك السكينة، وغالبا ما يأخذ صورة الخصم القادم من وراء البحار، ولذلك تواجه دعاة الحوار اليوم تحديات كبرى، آثر مؤلف هذا الكتاب التطرق إليها دون لفّ أو دوران.

مؤلف الكتاب عزالدّين عناية أستاذ تونسي بجامعة روما متخصص في علم الأديان. نشر مجموعة من الأعمال منها: "الاستهواد العربي"، منشورات الجمل؛ "نحن والمسيحية"، توبقال؛ "العقل الإسلامي"، دار الطليعة. ومن ترجماته: "علم الأديان" للفرنسي ميشال مسلان؛ "علم الاجتماع الديني" للإيطالي إنزو باتشي؛ "السوق الدينية في الغرب" لمجموعة من الباحثين الأمريكان.

 

الأديان الإبراهيمية قضايا الراهن

عزالدين عناية

دار توبقال المغرب – 2014

 

صحفية جزائرية مقيمة في روما

 

الإسلام وحقوق الإنسان كتاب جديد للدكتور عبد الحسين شعبان

564-shabanصدر في بيروت عن دار بيسان (2014) للدكتور عبد الحسين شعبان كتاب عنوان "الإسلام وحقوق الإنسان" مع عنوان فرعي آخر "المشترك الإنساني للثقافات والحضارات المختلفة".

الكتاب من منشورات المركز الثقافي العراقي في بيروت، وصدر على نفقة وزارة الثقافة، وهو طبعة ثانية مع مقدمة جديدة لكتابه الذي صدر في العام 2001 على نفقة مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني (لبنان).

وقال الدكتور حبيب مالك في الكتاب" لك الحق أن تقبل ولك أن ترفض ما انتهى إليه الدكتور شعبان، لكن لا يسعك الاّ التسليم بشجاعة الطرح..." (مؤسسة شارل مالك) وكتب عنه د. فريد الخازن (الجامعة الأمريكية في بيروت) " لا يمكن الإحاطة بالتيارات الإصلاحية والتحديثية التي تنساب في أوساط المسلمين ما لم تعطِ كتابات الدكتور عبد الحسين شعبان قسطها".

564-shabanوجاء في كلمة الاستاذ سعد الدين بوّاب (مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني): من الإهداء حتى الصفحة الأخيرة من الملحق الأخير، يستعرّض القارئ وجهاً مشرقاً للإسلام، إلتقت مصلحة الأضداد في حجبه...

وبعد ذلك فالكتاب المؤلف من خمسة فصول يحتوي على 12 ملحقاً توثيقياً وهو يتألف من 296 صفحة من القطع الكبير ويقول عنه الناشر (دار بيسان) إنه " مصنّف يغترف من التراث الإسلامي ليقيم مؤلفه الأكاديمي والمفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان، الدليل على رفد الإسلام الفكرة الكونية لحقوق الإنسان، ويناقش فيه المرجعية الثقافية لحقوق الإنسان من خلال المشترك الإنساني، باعتباره الأساس الأول والأهم في الهوّية الثقافية، ويتوقّف عند الفصل والوصل بين الخصوصية والعالمية، والاختلاف والائتلاف، بين النص الدولي والنص " الإسلامي" مقدّماً قراءة جديدة تتجاوز التبعية والتغريب، فيما يتعلق بالتراث والحداثة، ويتوصل إلى التسامح من خلال أسئلة العقل والفطرة إلى الآخر فيبين معناه ومبناه دوليا وإسلامياً.

كيف نقرأ "حول الحرية" لجون ستيوارت مل؟

563-hatamفي عام 1859 نُشر العمل الفلسفي للفيلسوف الانجليزي جون ستيوارت مل(1806-1873) "حول الحرية" on Liberty، الذي قُصد به في الاصل كمقالة قصيرة سعى من خلالها لتطبيق نظامه الاخلاقي في النفعية على المجتمع والدولة. يحاول مل تأسيس مستويات للعلاقة بين السلطة والحرية. هو يؤكد على اهمية الفردية التي تصورها كشرط مسبق للرغبات العليا. انتقد مل اخطاء الماضي في محاولة الدفاع عن الفردية حيث رأى ان المُثل الديمقراطية ادت الى "استبداد الاغلبية". من بين المستويات التي اسسها في عمله هي ثلاث حريات اساسية للافراد، فيها يجيز معارضة التدخل الحكومي، ويضع مبادئ عامة لعلاقة الفرد بالمجتمع، جميعها تشكل العقيدة الكاملة لمل في مقالته.ان المُثل التي عرضها مل في "حول الحرية" بقيت الاساس في معظم الفكر السياسي الليبرالي الحديث. كان "حول الحرية" عملا راقيا ومؤثرا لكنه لم يسلم من الانتقاد.

يبدأ مل في مقدمته بمناقشة الصراع التاريخي بين السلطة والحرية. واصفا استبداد الحكومة، الذي حسب رأيه، يحتاج للتوجيه من خلال حرية المواطنين. هو يصنف هذا التوجيه للسلطة الى اثنتين من الآليات:حقوق ضرورية تعود للمواطنين، وتأسيس رقابة دستورية على افعال الحكومة .

وبما ان المجتمع في مراحله الاولى كان عرضة لظروف مضطربة (مثل الحروب المستمرة او قلة السكان)، فهو اُجبر على قبول حكم "السيد". غير ان تقدم البشرية جعل بامكان الناس حكم انفسهم.يعترف مل بان الشكل الجديد للمجتمع، بدا عصيا على الاستبداد . ورغم الامل الكبير في التنوير، يرى مل ان المُثل الديمقراطية ليس من السهل تطبيقها كما كان متوقعاً. لأنه في الديمقراطية ذاتها، الحكام ليسوا دائما نفس النوع من الناس كالمحكومين. وثانيا، هناك مخاطرة "استبداد الاكثرية"واضطهادها للاقلية التي هي حسب المثل الديمقراطية تتمتع بنفس الحقوق في الدفاع عن حقوقها المشروعة.

 

مشكلة فهم الماضي

563-hatamان التمكن والتعامل بنجاح مع الفكر الكلاسيكي الفلسفي الماضي هو كمن يحاول الحصول على معلومات من مسافر قادم من بلد غريب وبعيد، بلد يختلف كثيرا في عاداته وتقاليده عما لدينا. يتحتم علينا بذل الجهد اذا اردنا حقا فهم الرسالة التي يحملها ذلك المسافر، ولابد اولاً معرفة المكان الذي قدم منه. في حالة "حول الحرية "، سيكون الجهد ضروريا، وذلك لسببين : الاول هو ان نصوص مل كانت مصدراً غنيا للاقتباسات والاستعارات الفخمة :

"الغرض الوحيد لممارسة السلطة بشكل صحيح على اي عضو في الجماعة المتحضرة، وبالضد من رغبته، هو لمنع الاذى عن الاخرين".

"الحرية الوحيدة التي تستحق الاسم، هي في سعينا للخير وبطريقتنا الخاصة ".

"لو ان اي رأي اُجبر على الصمت، فان ذلك الرأي، حول اي شيء يمكن معرفته، سيكون صائباً. ولو اردنا انكار هذا، ذلك يعني اننا معصومون عن الخطأ".

"لو ان كل البشرية عدى واحد، كانت على رأي واحد، وهذا الشخص المنفرد كانت لديه فكرة معاكسة، فان البشرية سوف لا تمتلك المبرر في إسكات ذلك الفرد، اكثر مما لو كان ذلك الفرد لديه السلطة التي تعطيه التبرير في إسكات البشرية."

تلك فقط اربعة امثلة، ونستطيع التمدد بالقائمة لصفحة او اكثر. في اي وقت يُثار فيه الحديث عن تدخل الدولة او حرية الكلام، سنواجه مثل هذه العبارات الرنانة، التي يتداولها الصحفيون وغيرهم دون روية و بلا روح لأنهم لم يتمكنوا من مصادرها.السطور المنتزعة من سياقها قد تخون القصد الذي بُنيت فيه في الاصل. هناك خطر ان تتفسخ الى "دوغما ميتة"(حسب تعبير مل).

اما السبب الثاني، هو ثقافة مل الظرفية وعلاقتها الزمانية والمكانية بنا. مائة وخمسون سنة هي في الواقع ليست فترة طويلة، وان العالم الذي عاشه مل، ان لم يكن ليس بالضبط عالمنا، فهو العالم الذي تطورنا نحن منه. عالمه هو "ثقافتنا السالفة"، وان التشابه بين الحاضر و ذلك الزمن هو بدرجة تجعلنا من السهل تجاهل الاختلافات القائمة .

 

دكتاتورية الاكثرية

يرى مل ان استبداد الاكثرية هو اسوأ من استبداد الحكومات لأنه لا يقتصر فقط على الوظيفة السياسية . اذا كان بالإمكان حماية الشخص من المستبد، فمن الصعب حمايته من استبداد المشاعر والآراء السائدة، لأن الآراء السائدة في المجتمع ستكون الاساس لكل قواعد السلوك فيه. وهكذا لن تكون هناك حماية في القانون من استبداد الاكثرية. يضيف مل، ان رأي الاكثرية ربما ليس هو الرأي الصحيح . التبرير الوحيد لتفضيل الفرد لعقيدة معينة هو انها تفضيل ذلك الفرد. وفي حالات محددة يصطف الناس اما مع قضية معينة او ضدها. الجانب الاكبر حجما هو الذي سيسود، لكنه ليس من الضروري ان يكون صائبا . يقترح مل مستوى او معيار واحد يمكن فيه تقييد حرية الفرد، هذا المعيار الوحيد هو منع الأذى عن الآخرين. يشير مل الى ان حق الحرية لا ينطبق على الاطفال او على المجتمعات المتخلفة. الحرية تصلح فقط حين يكون الناس قادرين على التعلم من النقاش الذي توفره الحرية. يجب الاشارة ايضا الى ان مل لا يدّعي الحرية كحق مطلق، وانما هو يؤسسها على المنفعة وعلى المصالح الدائمة للناس.

 

موقف مل الارستقراطي

يتجلى موقف مل الارستقراطي في نقاشه حول "الحكومة الممثلة"، بان بعض الافراد يجب منحهم اصوات اكثر من الآخرين(اكثر من صوت للناخب). يقترح مل ان اعضاء "المهن الليبرالية" وخريجي الجامعات يجب منحهم اكثر الاصوات لكل واحد وان "المصرفيين والتجار والمصنّعين"يجب منحهم القليل من الاصوات، اما العمالة اليدوية يجب ان تُمنح صوت واحد لكل عامل. حجته كانت مرتكزة على افتراض ان اعضاء القائمة الاولى هم الاكثر ذكاءاً- كونهم انتفعوا من مزيد من التعليم ونجحوا في الامتحانات التي اثبتت ذلك- والمجموعة الاخيرة هي الاقل ذكاءا، وان الاكثر ذكاءا يجب ان يكون لهم التاثير الاكبر على الطريقة التي تدار بها البلاد. في حالة"العامل اليدوي"، يكون عمله روتيني، وطريقته في الحياة تتم عبر الاتصال بافكار وظروف وانطباعات بسيطة وغير متغيرة"، صوت العامل الواحد ايضا يؤدي وظيفة تعليمية بمنح العامل فرصة الاهتمام في الشؤون العامة والتي ما كان بالامكان الحصول عليها دون ذلك. مل ربما كان بطلاً لطموح الطبقة العاملة ولكن، وكما يتضح، هو ليس رفيقا او زميلا لها.

واذا كان من السهل وصف موقف مل بـ "النخبوي"، فهو من الواضح كان مناصراً قوياً لمبدأ المساواة. ولكي نرى ذلك، نحتاج فقط لقراءة "خضوع المرأة" The Subjection of Women، او "الكفاح في امريكا" The Contest in America. في تلك المقالة، هو يعلن عن دعمه الواضح للجانب الشمالي في الصراع ضد ولايات الجنوب الانفصالية، التي يطلق على افعالها بـ "ثورة مالكي العبيد". من الأصح وصف مل ليس بالنخبوي وانما بالمضاد للشعبية، والاثنين لا يحملان دائما نفس المعنى.

 

نظرية مل في النفعية Utilitarianism

ان اول رسالة في النفعية نشرها مل في ثلاث حلقات عام 1861 في مجلة Fraser’s magazine، بعدها اصبحت تلك الرسالة ركناً اساسيًا في الفكر الغربي، حتى الكنيسة بدأت تتبنّى عناصر من افكار مل في النفعية. يعرّف مل النفعية كنظرية ترتكز على مبدأ ان "الافعال تكون صحيحة طبقا لعلاقتها بتعزيز السعادة، وتكون خاطئة حين تنتج المعاكس للسعادة". يعرّف مل السعادة بالمتعة وغياب الألم. هو يرى ان المتعة تختلف في الكمية والنوعية، وان المتع التي تمتد بجذورها الى القدرات العليا هي اكثر وزنا من المتع الادنى قيمة. يرى مل ان انجازات الناس نحو الغايات والاهداف، مثل الحياة الاخلاقية، يجب اعتبارها جزءاً من سعادتهم. يقول مل ان النفعية تتطابق مع العواطف الطبيعية التي تنشأ من الطبيعة الاجتماعية للانسان. ولذلك، اذا اريد للمجتمع احتضان النفعية كاخلاق، فان الناس بطبيعتهم سيجعلون هذه المستويات جزءاً من وعيهم وستصبح ملزمة اخلاقيا. هو يرى ان السعادة هي الاساس الوحيد للاخلاق، وان الناس لا يرغبون اي شيء عدى السعادة.جميع الاشياء الاخرى التي يرغبها الانسان هي اما وسائل للسعادة او انها تدخل ضمن تعريفها . عاطفة العدالة هي في الحقيقة مرتكزة على المنفعة، وان الحقوق توجد فقط لأنها ضرورية لسعادة الانسان.

النظرية النفعية في الاصل تعرضت للنقد لأنها لا توفر حماية كافية لحقوق الافراد، وكذلك لا يمكن قياس كل الاشياء بنفس المستوى، فالسعادة اكثر تعقيدا مما جاء في النظرية.ان مقالة مل في النفعية هي محاولة للرد على تلك الانتقادات ولذلك هو يعرض نظرية اخلاقية اكثر تعقيدا.

نقاش مل في النفعية احتوى على خمسة فصول . الفصل الاول يأتي كمقدمة للموضوع. الفصل الثاني يناقش تعريف النفعية ويعرض بعض الالتباسات وسوء الفهم حول النظرية.الفصل الثالث فيه نقاش حول العقوبات والمكافئات النهائية التي يمكن ان تقدمها النفعية. الفصل الرابع يناقش طرق اثبات صلاحية النظرية النفعية. وفي الفصل الخامس يكتب مل عن الارتباط بين العدالة والمنفعة ويجادل بان السعادة هي اساس العدالة.

 

الطبقة الوسطى

لو نظرنا لخاصية اخرى في اتجاه مل، هي احساسه بانه عاش في فترة مثيرة وحافلة بالاحداث . وكما ان المراقبين في زماننا الحالي يميلون للتعبير عن دهشتهم بالتقدم الراهن للعولمة، كذلك مل اعتقد ايضا انه شهد تغيرات جوهرية . في رأي مل، ان الأعظم اهمية في هذه الاحداث كان ظهورحجم لا بأس به من الطبقة العاملة والطبقة الوسطى . ليس فقط ان الطبقة الاجتماعية الكبيرة اصبحت اكبر حجما، وانما هي تحولت في شخصيتها.لاحظ مل خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ان السلطة الاقتصادية والاجتماعية انتقلت من الأقلية الغنية الى الطبقة الوسطى. فكانت هناك زيادة كبيرة في ملكية وأعداد افراد الطبقة الوسطى في بريطانيا وفرنسا. هو اعتبر الطبقة العاملة كحليف مساعد للطبقة الوسطى، لأن اي منهما ليسا بالقوة الكافية لانتزاع السلطة ولأن الطبقة الوسطى تمثل مصالح العمال.كان مل متأكداً من حتمية الانتصار الليبرالي لأنه يرى ان الاحزاب ستنال الدعم القوي والمباشر من الطبقة الاقوى (الوسطى).هنا يختلف مل عن ماركس في تعريفه للطبقة الوسطى، اذ انه يهتم بكمية الدخل وليس مصدره.هذه الطبقة الوسطى/العاملة الجديدة يصف مل اعضاءها بانهم اناس وقورون، يعملون بمشقة واخلاص، غير متهورين في الانفاق، ينشدون الاحترام، ذوي ضمائر دينية، والأهم من كل ذلك امتثالهم التام للاكثرية.

يرى مل ان الانصياع او الامتثال الاجتماعي conformism جاء عبر عملية تدريجية، وهي نزعة لـ "المساواة في الظروف". انها نفس العملية التي وصفها الكس دي توكوفيل في كتابه "الديمقراطية في امريكا"، ("المساواة في الظروف"هي ما يعنيه توكوفيل بـ "الديمقراطية").يرى مل، بالرغم من وجود اختلافات بين امريكا وبريطانيا، لكنه بالإمكان العثورعلى نفس العملية تعمل في بريطانيا ايضا.

مل يتفق مع توكوفيل بان "الديمقراطية في العالم الحديث هي حتمية".غير ان هناك ظاهرة أقلقت كل منهما وهي ظاهرة "دكتاتورية الاكثرية". مل وصفها بسيادة الافكار والمشاعر، او نزعة المجتمع لفرض افكاره وممارساته كقواعد للسلوك على اولئك الرافضين لها. باختصار، هناك ضغط اجتماعي بعدم الخروج عن الخط. ولكن ما الخطأ في الامتثال الاجتماعي؟ مل يجيب على السؤال باثارة موقف الفرد. الذي يكمن في جوهر فلسفته الاخلاقية النفعية – رؤيته "للطبيعة الانسانية". كنفعي وهو كـ (بينثام)، اعتبر الرغبة بالسعادة هي الشكل الاساسي للحوافز الانسانية. ذكر مل "ان الطبيعة الانسانية ليست ماكنة تُبنى وفق نموذج تؤدي فيه بالضبط نفس العمل الذي وُصف لها، وانما هي كالشجرة التي تتطلب ان تنمو وتتمدد الى جميع الجوانب، طبقا لنزعة القوى الداخلة التي تجعل منها كائنا حيا".وبهذا فان رؤية مل هي ان، خير الفرد، بالنهاية هو مسألة رقي وممارسة لملكاته وقدراته.(في الحقيقة ان كلمة"سعادة"لا تبدو ملائمة للوصف هنا).

يمكن الآن القول ان جون ستيوارت مل الحقيقي يختلف عن الصورة الكاركاتيرية التي رسمها الصحفيون لليبرالي متطرف. اذا اردنا فهم حجج مل بشكل صحيح، نحتاج لمعرفة شيء عن المواقف والاهتمامات التي شحذت قواه، لأنه من هذه الزاوية يكتسب النقاش معناه، بما في ذلك نقاش"حول الحرية".

 

تلخيص

ولكي نلخص السمات الكلية لأفكار مل وكيفية الترابط مع بعضها نقول:

اولاً، اعتقد مل ان تغيرات اساسية كانت تجري في ارض الواقع. هناك مقالة"روح العصر"، فيها يذكر ان: "الانسان ربما لا يكون افضل او أسعد وهو في عمر الـ 20، مما لو كان في السادسة من العمر، ولكن نفس الجاكيت الذي كان يلائمه سابقا سوف لن يلائمه الآن. ملاحظة مل هي ان "البشرية نمت وتضخمت فيها المذاهب والمؤسسات القديمة، لكنها لم تكتسب بعد مذاهب ومؤسسات جديدة".

ثانيا، اعتقد مل ان التغيرات المذكورة – الحركة نحو "المساواة في الظروف"- نالت ترحيبا حذراً. كان هناك نطاق من التطور في الهيكل الاجتماعي والسياسي فيه استطاع الفرد التطور وممارسة قدراته بالكامل. ومن جهة اخرى، نحن انتهينا الى شكل من "استبداد الاكثرية". وهو الموقف الذي يتطلب التعامل معه. هذا الموقف كان مرغوبا، ولكن فقط في ظل ظروف معينة، تلك الظروف يمكن، بفعل عناية الانسان ورؤيته، بلوغها، لكنها ايضا قابلة للضياع. ولهذا هناك

ثالثا، الحاجة لضخ الذكاء ودور المبدعين في اللعبة وهو ما تحدثنا عنه انفاً.

في هذه المقدمة، يسمي مل بصراحة تبريره للحرية بالنفعي. هو يقول بدون تحفظ ان دفاعه عن الحرية لم يرتكز على الحقوق الطبيعية، كتلك التي اقترحها لوك، او على دعوات ميتافيزيقية، كتلك التي اقترحها كانط. بدلا من ذلك، يبني مل نقاشه على ما هو الافضل للبشرية، وهو بهذا العمل يقترح ان جداله يعكس المنافع الفردية والاجتماعية للحرية الانسانية"المنفعة بمعناها الاوسع" المرتكزة على المصالح الدائمة للانسان ككائن تقدمي. الرسالة التي يريد ايصالها مل في "حول الحرية" هي عن "حرية الفكر والنقاش"، هذه الحرية تسهّل النقاش في المسائل الفكرية ومن ثم اكتشاف حقائق جديدة."سعادة البشرية ربما تُقاس بعدد وثقل الحقائق التي بلغت نقطة اللاخلاف حولها"حسب قول مل . في الفصول الاخيرة، يقوم مل بعمل نقاشات نفعية موسعة للحرية، ويبحث عن مواقف يلجأ فيها الى حجج غير نفعية.

 

...............................

المصادر

1- The philosophers Magazine, Mill in our time, August 2009.

2- On Liberty, John Stuart Mill, chapter1, introduction, sparknotes philosophy study guides.

3- John Stuart Mill, social and political thought, critical Assessments, edited by G.W. smith ,Routledge 19 feb 1998.

4- On liberty- Wikipedia, the free encyclopedia.

 

قراءة في كتاب اعتقال العقل المسلم (1)

safaa alhindiفي توطئة كتاب "اعتقال العقل المسلم" يتساءل مؤلفه الاستاذ نبيل هلال: (إن الراصد لواقع أمة المسلمين اليوم لا يعرف على وجه اليقين ما إذا كانت هذه الأمة جادة في البحث لها عن دور فاعل يخرج بها من صفوف دول العالم الثالث المتخلف المفعول به دائماً، أم أنها اكتفت بهذا الانكماش والانبطاح طوال هذه القرون. فليس يعد حكيماً من لم يكن لنفسه خصيماً وحسيباً، لذا آن أوان النظر في أحوالنا كي نعرف أين نحن من السبيل إلى استرداد الاعتبار بعد أن صرنا إلى ما نكره. ترى هل لم يبق لنا من أمل إلا في زمن آخر وعلى يد جيل آخر؟ (منذ تشرذم الامة العربية والاسلامية وتفتيتها على يد الاعداء تارة، وعلى يد ابناءها تارة اخرى، لم تستطع امتنا مواكبة العصر ودول العالم الآخر والنهوض بمستوى واقعها الدولي والمحلّي سواء بمستوى التطور التكنولوجي او الاجتماعي او الثقافي او السياسي ...الخ، نظرا للضغوط وحالة الاستبداد والتجبّر والتسلّط السياسي والثقافي والفكري التي مورست على الشعوب العربية والاسلامية من قبل رموزها وحكّامها، حتى صنّفت عالميا وسُمّيت بدول العالم الثالث، الى ان آل حالها وعُرِفت مع مرور الزمن بالخنوع والانبطاح. فلم يعد لها دور في العالم ولا اهميّة تُحسب بين الشعوب والامم المتقدمة. ويعزّي المؤلف اسباب هذا التأخّر وهوان ومذلّة امّة المسلمين، وعدم الاندهاش: الى ان اعداء الأمة عملوا واجتهدوا، بينما نحن تكاسلنا وتقاعسنا عن اداء دورنا المفترض بنا أدائه تجاه امتنا وانفسنا: (ولا يحق لنا أن نندهش ونتساءل عن سبب هوان المسلمين ومذلتهم، فذلك أمر حتمي يتيسر فهمه في ضوء السنن والنواميس. فأعداؤنا عملوا واجتهدوا ونحن تكاسلنا وتقاعسنا. هم صنعوا أسلحتهم التي يقهروننا بها، ولم نقو على صنع شئ – أي شئ – لا الطائرة أو السيارة أو المدفع. هم يحسنون استثمار أموالهم، ونحن نودع أموالنا في بنوكهم، فيستثمرونها في تنمية اقتصادىم وتعظيم قوتهم، ويصادرونها إن عصينا أوامرهم. حكمهم ديموقراطي ولا يقوى حاكمهم على نهب أموال العباد ولا يعلو على القانون، وملوك المسلمين ينهبون أموال بيت المال لأنهم السلاطين والمماليك، ويودعونها في بنوك سويسرا وأمريكا.(لابد لهذه الامة ان بقي في وعيها وضميرها بصيص من امل الحرية والتغيير ان تتمرّد على هذا الواقع المتأزّم على رؤساءها وملوكها ومستبدّيها بثورة سلميّة حرّة وان تُعيد حساباتها وتُحاسب نفسها اذا كانت تسعى فعلا للرفعة التي تُنشدها بدءاً من تطبيق مفاهيم الرقي الانساني، وانتهاءاً بأستعادة مبادءها وقيمها الاجتماعية بين الشعوب. الى ان تأخذ دورها الحضاري بين الامم والحضارات. فمامِن استبداد واستعباد اكثر وقعا على الامم والشعوب من استبداد وتفرّد الرؤساء والملوك بمقدّرات البلاد واموالها وتقييد حريّة شعوبها. وعلى الامة ان تسعى دائما الى النهوض من هذا الواقع وتتقدّم نحو البناء الحضاري.

فأمتنا لازالت تعيش في كثير من قيمها الاجتماعية والثقافية على كلاسيكيا التأريخ ، وكأن هذه الكلاسيكية هي زادنا الدائم الوحيد في نظرتنا الى التقدم والبناء، فالجميع يعلم ان من البديهيات التي لا تسوغ المماراة فيها أن النظرة إلى الحاضر لاتستقيم إلا باستقامة النظرة إلى الماضي، ووضع كل شيء منه في محلّه ونصابه السليم وإعطائه حكمه اللازم، ولكن لايعني هذا ان نبقى متمسكين بالماضي لمجرّد انه من موروثاتنا، فأمتنا لازلت بعيدة بأشواط كثيرة عن اللحاق بأقل الدول تطورا وتقدّما فضلا عن الدول الاولى المتقدمة والمتطورة فعليا. فملوك ورؤساء الامة يكنزون الاموال ويحاربون العلم والبحث والتطوّر وكأن مردوده ظررا على البلاد والعباد، بينما الدول المتقدمة ترصد الاموال الطائلة لتدعم العلم والعلماء والاختراع والابتكار بكل اشكاله وكيفما يكون فهو اساس تقدمها وتطورها ورقيّها الحصاري. فصعدوا الى الفضاء وصنعوا الصواريخ والطائرات ...الخ. بينما نحن ملوكنا يكنزون الاموال في بنوك الخارج ولايهتمّون للعلم ولا للعلماء. (وصنعوا الصواريخ والأسلحة الفتاكة والأقمار الاصطناعية، ونحن بأموالنا الطائلة لا نمارس أي أنشطة بحثية جادة. وكأن البحث العلمي عبث والعلم نفسه ترف، فمازلنا نبحث في السماء عن هلال شهر رمضان بالأعين المجردة مثلما كان يفعل البدوي في البادية منذ 1400 سنة، ولا نثق في الحساب والعلم لتحديد أوائل الشهور القمرية، في حين أنهم صعدوا إلى القمر، وحددوا لسفينة الفضاء موضع هبوطها بدقة، فهبطت به ولم تتجاوزه. ومن بين علمائنا ووعاظنا المعاصرين من يتعجب مِمّن يقول بكروية الأرض، وينفى ذلك، بل يتندر عليه).

  

صفاء الهندي

 

عـن: قراءة في السَّردِ النّسوي العربي للناقد عبد الغفار العطوي

jasim alayff(ثقافة الجسد .. قراءة في السَّردِ النّسوي العربي) كتاب للناقد العراقي (عبد الغفار العطوي)* وهو دراسات نقدية في سبعة كتب، تنوعت بين روايات وقصص قصيرة لروائيات وقاصات عربيات معاصرات حاولن أن يضعن بصماتهن على المشهد الأدبي والثقافي النّسوي المُعاصر، منطلقات من أوضاعهن وحياتهن المحلية. وقد احتوى الكتاب على مقدمة وتمهيد و(6) فصول. اهتمّ الفصل الأوّل منها بـ(فضاء الجسد بين المذكر والمؤنث)، والثاني بعنوان (ضجيج الجسد وملامح المرأة)، أما الفصل الثالث فهو (غريبة فوق أهداب دمشق عذابات المرأة)، وعُنوِنَ الفصل الرابع (حلم الليلة الأولى ولغة الجسد عند المرأة العربية)، الفصل الخامس (مسك الغزال ولغة الجسد عند المرأة)، أما الفصل السادس فكان (حياة المرأة في ذاكرة الجسد)، وختم العطوي كتابه بما( يمكن أن تخلفه المرأة من ثقافة نساء المتعة)، وثمة ثبت بالمصادر والمراجع. والكتاب قراءات مختارة تتعلق بالمرأة وهمومها الخاصّة التي تقف حائلاً في عيشها بسلام دون تمييز جنسي وثقافي وبايلوجي يؤشر وضع المرأة العربية المعاصرة كما هي في الواقع العربي الذي تعيشه، وقد درس العطوي رواية (ثريا نافع) المعنونة (فضاء الجسد/ بيروت. وقصص القاصة (هيفاء بيطار) في مجموعتها القصصية (ضجيج الجسد) دمشق. وكذلك قصص القاصة وفاء عزيز أوغلي/دمشق. ورواية الروائية ليلى العثمان المعنونة(حلم الليلة الأولى) ورواية (مسك الغزال) لحنان الشيخ ورواية الجزائرية أحلام مستغانمي المعنونة (ذاكرة الجسد).وختم العطوي كتابه بدراسة عن رواية (نساء المتعة) للكاتبة البحرينية منيرة سوار. في المقدمة يؤكد العطوي على ضرورة مراعاة الدقة التي تطرحها الكاتبات في كتابه، لأن الصورة التي قدمها للمرأة كانت بمساعدتهن لكنها لم تكتمل لصعوبة الوصول إلى تمام الإيفاء بالغايات والأهداف التي أرادت أولئك الكاتبات توصيلها، وبتواضع تامٍ، يقر بعجز كتابه عن ذلك، لكنه يؤكد الاكتفاء بشرف المحاولة، فكتابات الكاتبات التي وردت في متن كتابه قد انصرفت في كليتها إلى عالم السّرد الذي قدمت عبره الكاتبات قضاياهن بحسب ما ورد في متون كتبهن من صور سردية، ولعلها أفضل طريقة يمكن أن تؤدي بالمرأة للدفاع عن وجودها وفعاليتها البشرية والإنسانية والثقافية في اللحظة ذاتها. من المهم أن نؤكد أن المتون السردية عامة وفي الراوية الجديدة خاصة تجذب مختلف الاهتمامات لموقعها السحري- الفني وقدراتها المترابطة بإمكانيات كتابها الخاصة وقدراتهم على استجلاء الظواهر الشخصية وكذلك التاريخية واليومية الاجتماعية.فالرواية جنس سردي بات منفتحاً على الحياة وتغيراتها وديناميكيتها، ولها القدرة على الاستعانة بكثير من المكونات الفنية والأدبية والثقافية التي تقع في منطقة موازية لها، ودمجها في متنها، وهذا ما جعلها حالياً في كل الآداب القومية- العالمية وبمختلف اللغات جالبة للاهتمام وكما تقول الكاتبة الأمريكية والناشطة المدنية والمصورة الفونغرافية، المنحدرة من أصول أفريقية، الراحلة سوزان سونتاج، الرواية: "تكافح الجفاف العاطفي الذي يشعر به البشر"، مهما كان زمن ومكان ذلك الجفاف. في التمهيد الذي قدمه العطوي في كتابه الذي استند فيه على مراجع كثيرة حديثة وفاعلة في النظر للكتابة النسوية وما يستتبعه من مفهوم "الكتابة النسوية" التي أنتجت بالضرورة "النقد النسوي" لما تتناوله المرأة في كتاباتها فلقد اتَّهمَتْ "فرجينيا وولف" و"سيمون دي بوفوار" وغيرهن الغربَ، بأنَّه مجتمعٌ أبوي يَحرِم المرأة من طموحاتها وحقوقها، وأنَّ تعريف المرأة مُرتَبِطٌ بالرجل، فهو "ذاتٌ" مُهيمِنة، وهي "آخَـر" هامشي وسلبي، وتشترك معهن في هذا الأمر في العالم العربي د.نوال السعداوي وبعض الكاتبات العربيات اللواتي ساهمن في هذا الأمر منذ بعد منتصف الستينات ومنهن ليلى بعلبكي وغادة السمان..الخ، ثم برز في العالم ما يسمى بالـ(كتابة النسَوية) و(النقد النسَوي). وكان"الصراع الاجتماعي قد تركز على الجسد عبر محاولة السيطرة عليه رمزياً أو مادياً بهدف إخضاعه، و قد تحول إلى ساحة صراع بين المرأة والرجل على امتلاكه، الأمر الذي جعله يحمل شفراته الخاصة وفقا لإستراتيجية الأهداف التي ينطلق منها كل من الرجل والمرأة في علاقته مع الجسد ورؤيته إليه"- مفيد نجم. وقد حذر من هذا الموضوع مبكراً، المفكر (ادوارد سعيد)، الذي أكد أن هذا الشأن: "غامض وغير محدد"، وأيًّا كان المقصود بالأدب النسوي، " فإنَّ النقد الذي يهتمُّ به يُركِّز على الاختِلاف الجنسي في إنتاج الأعمال الأدبيَّة شكلاً ومحتوى، تحليلاً وتقويمًا، ولا يتبع نظريةً واحدة أو إجراءات مُحدَّدة، فهو يستَفِيد من النظريَّة النفسيَّة والماركسيَّة، ونظريَّات ما بعد البنيويَّة عمومًا؛ لذا فهو مُتعدِّد الاتِّجاهات" - حلمي محمود القاعود. بالنسبة للمفهوم الديني عامة، وعبر نظرة الفقه المصنوع عن طريق الفهم البشري للنصوص الدينية أو الجهات التي تعمل على تأويل تلك النصوص، وفقاً لمصالحها الدنيوية، وقد استأثرت باهتمام الفقهاء وعلماء الكلام والفلاسفة والمتصوفة كذلك، وقد قدم كل منهم تصوراته حول هذا الموضوع وكانت الغلبة فيها لصالح الرجل عموماً، فعبر تاريخ الأديان ثمة تأكيد عام انه لا يمكن اكتمال صيغة ومكونات وفهم الجسد الأنثوي وتمثيله واقعياً و ثقافياً إلا من خلال قرن الجسد الأنثوي وقراءته بعيون الذكورة ومهيمناتها. عمد الناقد العطوي في كتابه إلى توضيح النظر السائد في العلاقات السيسيو- ثقافية في عالم المرأة من خلال مهيمنتها الدينية، ونظرتها إلى المرأة بوصفها وجوداً يثير إشكالية الرمز والجمال والثقافة ويحاول أن يواجه سلطة الفحولة بندية وسنصل إلى بعض ما قدمه العطوي من رؤى في ما قرأ من متون وفي مقدمتها الفصل الذي تناول فيه رواية ثريا نافع (فضاء الجسد). فالرُّاوية تعنى بالواقع العربي الحاضن لظاهرة التمييز والمصاحب للعنف فجميع نساء ثريا نافع في روايتها مهمشات ومقهورات ومنبوذات ومقموعات.وقد قرأ العطوي الرواية من خلال مهيمنات اكتشفتها الروائية في خلقها منحى ثقافوياً ودفاعها عن عالم المرأة الذي تقضمه الثقافة الأصولية المتسلطة على مقدرات رؤية المرأة العربية في القرن الواحد والعشرين . فالمرأة التي قدمتها القاصة تحمل الغربة الكونية بصفتها امرأة نهج معرفي وليس شخصية تاريخية. وهي تتسم بالإقصاء السايكلوجي الذي يحولها أيدلوجياً خارج مكونات شخصيتها وهويتها الأنثوية. ويرى العطوي أن القاصة في جميع متون قصصها قد سعت إلى أن تجعل النسوة (شهرزادات مستلبات) يمارسن حياتهن في عالم أبوي لا يرحم (ص 50). ومن الضروري أن نوضح ومن خلال المرويات في أن (شهرزاد) لم تكن مستلبة إطلاقاً فهي التي قررت ونفذت ثم انتصرت، عبر الروي الليلي، على السفاح والسياف، وبذا أمنت لنوعها( الأنثوي) ديمومة الاستمرار لحياة نوعها (النسوي- الإنساني)، وبذا فإنها انتصرت، لا كما عدها الناقد العطوي نموذجا للاستلاب النسوي. وفي قراءة مجموعة القاصة "وفاء عزيز أوغلي" "غريبة فوق أهداب دمشق" والتي احتوت على(9) قصص محملة بمكابدات المرأة جسدياً من خلال علاقتها بالرجل، لا حظ العطوي انه من خلال تلك القصص فأن المرأة تقف منعزلة وتنطوي على غربة مع زوجها وأولادها، وكان حتى المكان مساهماً في ذلك. وفي الفصل الرابع يقرأ (حلم الليلة الأولى) للروائية الكويتية ليلى العثمان، التي جالت في تضاعيف شريحة معينة اجتماعياً وهذه الشريحة تعتمد قيماً اجتماعية ومثلاً أخلاقية قارة لكنها- الروائية- لم تسعَ للتوغل في تلك العوالم مكتفية بما أطلق عليه بـ" الكلام الناطق والصامت". كما يتابع العطوي رواية " حنان الشيخ- مسك الغزال" بوصفها وثيقة اغتراب عند المرأة العربية. وفي الفصل السادس يكتب عن رواية" ذاكرة الجسد" للروائية الجزائرية"أحلام مستغانمي" مؤكدا أن مستغانمي معنية بتأكيد" هزيمة المرأة العربية في كل مجالات الحياة". وفي الفصل السادس يدرس رواية" نساء المتعة" للروائية منيرة سوار نموذجاً و نلاحظ أن متن الرواية يهتم فيها بأربع نساء، محاطات ضمن محيط ذكوري برؤى وأفكار حولتهن إلى مجرد كيان هامشي، يستقبل رغبات الرجال وشبقهم بلا حدود. كتاب الناقد عبد الغفار العطوي الذي يعود فيه إلى (33) مصدراً قد احتل فيه الجسد الأنثوي سردياً في الحركة الأدبية النسوية العربية مكان الصدارة، وما سعى إلى تحقيقه هو البحث والنظر في سلم القيم الاجتماعية والثقافية العربية السائدة، والتي تحولت من خلالها المرأة كائناً ضعيفاً ودونياً إزاء الرجل وفحولته مهما كان مستواه الفكري والأخلاقي والمادي. ثيمة الاختلافات الجسدية التشريحية بين الذكر والأنثى لا تنصب في أطر التمايز، بل أنها اختلافات في مهمة الواجبات الطبيعية لكل من جسد الأنثى والذكر، وان نظرية الخلق الميتافيزيقية تؤكد أن المرأة كائن ناقص، رغم اكتماله الجسدي، ومنها انبتت النظرة القاصرة تجاه الأنثى والتي تجسدت في أن لآدم امتياز السبق في الخلق، وتبعية حواء الجسدية التي قادتها إلى التبعية المعنوية، وان حواء لم تخلق لذاتها، وغواية الحية- لحواء، وعري آدم لم يكن معيباً لولا حواء، وحكم عليها بعقوبة التعب والوجع في الولادة لذا تعتمد النظرة الدينية بكل توجهاتها إدانة الأنثى والتوجس منها، ويلعب الخيال والعرف الاجتماعي المتواتر دور الموجه لاحتقارها، و التشكيك حتى في طهارتها الجسدية والمعنوية. والناقد يستشهد ببعض المصادر التي تقوم بتأكيد استنتاجاته فقط، دون النظر إلى الكلية العامة لتلك المصادر التي قد تختلف في متونها الكاملة مع استنتاجاته. كتاب الناقد العطوي على أهميته وموضوعه، قد خلا تماماً من أي دراسة أو إشارة ما، لما قدمته الروائيات والقاصات العراقيات عن هذا الجانب، وهو ما يثير الكثير من الدهشة والاستغراب، مع ثقتنا بحسن نواياه، وجهده في كتابه الذي يهديه أولاً إلى صديقه القاص والروائي البصري (ياسين شامل) عرفاناً، وكذلك إلى الكاتبات والروائيات اللواتي درس ما كتبن في كتابه.  

    

*مؤسسة السياب/لندن-2013.الغلاف:للفنان عبد الكريم الدوسري.   

إصدار جديد: الغيب في القرآن الكريم للكاتب د. مهدي الحسني

mustafa kadomiكتاب جديد قد يتبادر للوهلة الاولى أنه إجترار أو اعادة صياغة لتراكيب لفظية كتبت عن الغيب او عن محكية شأنها كلام لا علاقة له بالواقع وجنبته الروحية على حد لا يتسق مع الجوهر الحقيقي للقرآن الكريم وتكراره لمفردات الغيب فيه. فكثيرون كتبوا في الغيب. وبدءاً فإنه لا يخلو كتاب تفسير أو ترجمة مفسر وكتب عقدية من المصطلح. والغيب مادة في متناول جميع موارد اللغة وموسوعاتها الاصطلاحية.

بيد أن هذا الكتاب، وموضوعه الحساس، لا يعدم الجرأة الكبيرة في تناول الغيب من مسارات لها مساس أوكد بالعلم والفهم والادراك والتأريخ والسياسة والاجتماع والعقيدة والحكم وعلى ما عليه الانسان منذ إنقطاع الوحي عنه والى آخر لحظة من عمر الانسانية. كتاب تناول فيه المؤلف عشرة محاور، كل محور له تأملاته وتطلاعاته نحو المناقشة بعد اذ لم يتمسك المؤلف بما يطرحه كحقيقة لا تقبل النقاش انما يطرحه على بساط البحث والتحاور.

المؤلف شخصه – كما ناقشته في الموضوع قبل طباعة كتابه ومن بعد ظهوره في المكتبة- يرغب ويؤكد انه يكتب لإثارة مكامن العقل وتحريكه لترشيد فكرة الغيب وتفعيلها بالنقد والمحاورة لجني الثمرة وتعميم الفائدة.

الكتاب في مجمل محاوره يقرر ان الغيب مستمر مع استمرارية الحياة البشرية، لم يتوقف على لفظية المصطلح في القران الكريم باعتباره كتاب الرسالة الخاتمة التي انقطع الوحي بعد تمامية نزول آياته واكمال دين النبي الخاتم صلى الله عليه واله. هو مستمر باعتبار ان القرآن الكريم كتاب هداية منذ نزوله وحتى اللحظة الاخيرة من حياة الخلق العاقل في هذه الحياة (فيه تبيان لكل شيء) على الانسان المكلف استنطاقه بإعتباره تفصيل وتبيان لكل شيء ولاجل تحصيل الإرتقاء والتكامل على مرّ الأزمنة المتعاقبة بعد رحيل النبي الأكرم وانقطاع الوحي عن الانسانية.

بعد مقدمة تعريف الغيب ودلالاته، ينحى الكاتب منحى علمياً بتتبعه مفردات الغيب في القرآن الكريم، يسوقها بطرق الاستدلال العقلي وسبيل المقاربة البيانية النقلية. ويخلص ليجعل منها مؤازرة تعضد المعطى الكلي المستمر للغيب في الحياة الدنيا بعد إنقطاع الوحي. وهذا ما يثبت قداسة القرآن الكريم وأهميته في شؤون الانسان طولاً مع الله تبارك وتعالى- التشريع والتكليف العبادي- وعرضاً مع بقية البشر- ذاته وأسرته ومجتمعه وتعامله مع باقي الأجناس.

يستشهد المؤلف بمبدأ النبي سليمان عليه السلام في تعامله مع اصناف ثلاثة من الخلق: الحشرات، الطيور، عفاريت الجن. ويشدد على: اذا كان تعامل هذا النبي عليه السلام مع هذه الأحياء فلماذا لا يمكن التعامل مع الجميع؟

بهذه النظرة والقيمة المعرفية الى الغيب في القرآن، يوفق المؤلف الى مسائل عديدة كل واحدة بإرتباط وقيمة من حيث التشريع والحكم والسياسة ليصل الى العوامل السلبية التي جلدت أظهر الناس في القرن الاول والثاني من حياة الاسلام مستمرة لازالت تسود حتى اليوم والى قيام الساعة.

الكاتب يعتبر الغيب منبع المعلومات للانسان المستخلف في الارض، لكن كيف؟ وبأي آلية يتمكن المستخلف من استشراف المعلومة من الغيب في القرآن؟

هنا يتركز بحث الكتاب على موضوعة اللغة، حيث المجاز والتشبيه والحقيقة وحيث الظاهر والباطن والتفسير والتأويل وحيث المغزى والإشارة، وبالتالي اللغة التي من دون إدراكها بصورة واعية تطابق الواقع القرآني وانساق غيبياته التي يصرخ بها آناء الليل واطراف النهار فلا ولن يتم فهم الغيب.

ببيان آخر: لن يتسنى للانسان فهم الغيب واستشرافه لخدمة حياته من دون اللغة الواقعية التي عناها المؤلف في موضوع بحثه في الكتاب ومنها الحقائق العلمية التي تكفل الزمن ولازال بإكتشافها.

562-mahdiيقدم الكتاب امثلته – بحسب فهم المؤلف لها وبحسب تقديره انها المناسبة والمطابقة للواقع الحياتي المتخدام مع المسيرة الانسانية الطويلة، مع ما لدينا وربما للاخرين كذلك وقفة نقدية او مناقشة في مثل هذه الاراء- بيد ان المؤلف ذاته كما صرح لنا مراراً انه يرغب في تلقي نقداً حقيقياً موضوعياً لكل فكرة يطرحها موضوع الغيب، باعتبار أهميته القصوى التي يوقف المؤلف تطور الانسان واستمرارية حياته عليها باعتباره غيب يحويه القرآن الكريم فيما بين الدفتين.

لم تغفل صفحات الكتاب عن الاستشهاد بالكثير من الحقائق العلمية التي غفل البشر عنها ولم يكتشفها إلا بعد مرور أكثر من ألف سنة على إنقطاع الوحي. وهي حقائق ذكرها القرآن الكريم منها قصة غراب إبني آدم عليه السلام ، ومنها قصة أهل الكهف ( بذكرٍ جاء عليه المؤلف بتفصيل) وفيها التفاتة علمية قيمة تتعلق بجوانب كان الانسان يعتقدها على نحو مغلوط، فبيّنها القرآن ضمن غيبياته التي اكتشفها انسان اليوم ومنها علاقة النوم بحاسة السمع والأذن لا العين وغيرها كثير.

لا ننكر ان الكاتب لم يقطع بآرائه ولم يجعلها جزما بل ان البحث مدعاة لإثارة ذهنية القارئ في المناقشة ومدارسة محاور الاحتمالات.. لأجل جذب الرؤية المناسبة والدفع للمزيد من التأمل والتحقيق ومتابعة الغيب المذكور في القرآن الكريم.

القرآن الكريم عند الكاتب، دستور ومنهج مقدس. وبحسب تعبيره: مشروع حياة وان القرآن الكريم بما هو قداسة يعطي النظرية، ويلزم الانسان (فرداً وجماعة) العمل والتطبيق والممارسة الإيجابية مع مبانيه. فالقرآن الكريم يستخدم الحقيقة والمجاز والاشارة والمثال والتصريح وعلى الانسان التطبيق واكتشاف المراد الحقيقي الواقعي.

وبتقديري، فإن القارئ المهتم لن يترك عينه تمرّ بيسرٍ على الكثير من الموارد التي يطرحها هذا الكتاب، لأهمية تتعلق فتصل ربما الى الإعتقاد والمعتقدات. فمثلا إن الكتاب يستعرض مسائل الحكم والتسلط ومظلومية الناس وأنه يعود الى الصراع الاول الحاصل في فترة محددة ما بعد وفاة النبي الاكرم صلى الله عليه واله، ويقصد بها فترة الخلافة والصراع الشديد الحاصل، يجعله المؤلف في الفكرة لا في الشخوص. وانه في مرحلتهم لن يتعداها الى التالية وههنا حتما سيجد السيد الكاتب من يخالفه في هذا التوجه رغم ان القرآن الكريم يصرح: (تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون)، ورغم ان المؤلف يسوق امثلة وأدلة تعضد رؤيته بيد ان رؤيتنا أيضاً قد يساندنا فيها الكثير من القراء في: ان الآية الشريفة حق، وان: لتلك الأمة ما كسبت ولنا ما كسبنا ولا نسأل عما فعلوه، لكن يبقى الاثر ويبقى المتوارث الذي ألغى او كاد يلغي هويتنا كأمة اسلامية وما نحن نعيشه اليوم من كارثة يبقى كله يتطلب مناقشات وأدلة واقعية لمعالجته.

الكتاب بصفحاته ال 160 لا يدعي إدراكه لكل معاني الغيب الموجود في القرآن الكريم ولا يدعي استشرفه معاني الغيب ومغازيه وجمع اسراره.. بل المؤلف يعلن عجزه وعجز البشرية حتى اليوم عن درك تلك الاسرار التي في باطنها اسرار وألغاز كلها تنتظر من يفككها ويستشرفها ويقدمها لخدمة الانسانية.

سرّ الأسرار في القرآن الكريم ومغيبات الغيوب فيه وهي كلها بقدرته تعالى جعلها قاب قوسين أو أدنى من إدراكنا وفهمنا، لا تحتاج إلا الى من يعرف كيف يستخدم مفاتيح اقفالها. ولهذا نعثر على تصريح للكاتب في ص 74 من كتابه يقول:

(من خلال تجربتي مع القرآن الكريم التي مضى عليها ما يقرب الخمسون عاماً وأنا أقرأ القرآن، أمرّ بآيات كأني لم أقرها منذ ولدتني أمي والمشكلة لا تكمن في عدم الانتباه أو الاصغاء أثناء القراءات السابقة، بل تكمن في الإلتفات الى معنى أو مفهوم جديد أثناء القراءة لهذه المرة الأخيرة، ولو عاش الانسان عمراً طويلاً وهو مستمر على قراءة القرآن لمرّت عليه آيات جديدة في كل قراءة. والسرّ يكمن في المفاهيم والمصاديق والافكار والرؤى التي يستلها القارئ من الآية أو السورة). هذه حالة تدلل على الغنى القرآني.

يذهب الدكتور الحسني الى مسألة التطور وترقي الانسان في سيره بهذ الحياة. فيعتقد أن الأمم السابقة على غير ما نحن عليه من الفهم والادراك وطبيعة التعقل. ولذلك لم ينقطع عن سلالاتها الوحي بل تركز في دورات مكثفة فبعث الله تعالى اليهم اكثر من مائة الف نبي، في حين ان مجتمع ما بعد انقطاع الوحي أي بعد وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلغت الأمة مرحلة الاستيعاب والنضج كضرورة ميدانية لم تقتض غير تعهده تعالى بحفظ القرآن الكريم. طبعاً مع مشروطية التعاطي الواقعي مع تبيان القرآن الكريم./ هكذا يرى المؤلف.

لنا كمتابعين وقراء أن نسأل عن مدى تطابق الرؤية أعلاه مع واقع الأمم السالفة ومع واقعنا كأمة ما بعد الوحي؟

هذه احدى النقاط الجوهرية التي تعرّض لها الكاتب وتستحق البحث باستمكان الدليل والشواهد التأريخية والحضارية والعلمية، سواء كان الدليل يعاضد الرؤية هذه أم يخاصمها، فالنتيجة تصبو الى اعطاء جواب تام عن مسألة انقطاع الوحي عن الانسانية.

في الكتاب أيضاً: تلاحظ إشارات وشواهد اتى بها المؤلف كمقدمات في محاوره العشرة لم تهمل السياسة والدولة ونظرة القرآن لهما. وبذات الحال يستفهم الكاتب عن معان ربما تشكّل في ذهنية قارئ القرآن نوع تناقض كما في آية: (إن الحكم الا لله) و:( وأمرهم شورى بينهم). أو في أمثال آيات القتل والقتال والجهاد المتعارضة مع روح دعوة القرآن السلمية ودعوة الهداية والجدل البناء باللتي هي أحسن واقوم وبالحكمة وبسبل الرحمة الكثيرة التي تروم المودة وتشيع الخير والصلاح والسؤدد بين الناس.

خلاصة مذهب الكاتب ههنا، تكمن في ان التأريخ ورجاله لم ينقلوا الحقيقة، حقيقة ان القرآن الكريم ودعوة الوحي سلمية وخير وان حروب النبي صلى الله عليه واله انما كانت دفاعية عن النفس ونابعة من معتقد ومبادئ النبي المقدس.

وههنا ايضاً يستشهد المؤلف بأقوال وفعال النبي وكذلك لأقوال الإمام علي عليهما السلام تبين المنهج القرآني الكريم في الحياة.

في محور حساس، يتطرق الكتاب الى الصراع بين هوية السنن والمصلحة الضيقة. أو ما يطلق عليه المؤلف صراع بيولوجيا الهويتين فيثير أمثلة تؤدي الى تنافس العمليتين (عملية الهدم وعملية البناء) في الحضارات الانسانية. ثم يستدل من القرآن الكريم على ان الانسان هو صاحب الخطوة الاولى في العمليتين اي في الهدم وفي البناء. وكله – الانسان – أثراً في حركته في العمليتين يمكن استنباطه من الغيب القرآني كما يشدد المؤلف باعتبار ان الغيب بنص القرآن يؤثر على الانسان.

من الامور الهامة ايضاً التي يثيرها المؤلف موضوع تعدد العوالم في المكان والزمان المحددين،،! والعالم عنده يتحمل اكثر من وجود واكثر من عالم..!

قراءتي تشخص أن فكرة المؤلف هذه تؤدي الى رفض فكرة وحدة الوجود، رغم ان الكاتب يسعى جاهداً لتسيير اكبر قدر من الآيات القرآنية التي تعضد فكرته في التعدد. لكن الملاحظ على ان للنظرية العلمية اثرها البالغ في ذهن المؤلف مما تدفعه للقول بالتعددية الوجودية. وهذا ما يلمسه القارئ في اقتباس المؤلف للفكرة من الويكيبيديا في صفحتي 88 و89 من كتابه.

في محور اخر يشبع الكاتب بحثه دون إسهاب بأدلة تتسق لإختياره الأنسب لموضوعة التسالم وهدف الانسان في اعمار الارض بالمودة والسلم، وفي ههنا يقدم الآيات المبرهنة على وجود الحل الناهض دوما لمشكلة الانسان مع اخيه الانسان والتعايش معه في انماط الحياة التي تفرضها السنن.

في جديد هذا الكتاب: محور فكري شيق خصصه الكاتب مستقلاً برهافة متميزة حينما يتكلم فيه عن لغة الإشارة في القرآن الكريم. فلغة الاشارة التي يطلق عليها المؤلف (لغة الجسد) يوضح من خلال بحثه مديات اثرها حتى في اللاشعور. ومن ثم ليُمثّلها بتاثيرات الشخص المتكلم على السامع ويُرجع الفضل في اغلبها الى لغة جسده. بمعنى آخر: التواصل غير اللفظي المسند بلغة الكلام وتاثيرهما معا على المتلقي.

يخلص المؤلف كنتيجة أخرى من نتائج بحثه الى مسألة ان القتال مصطلح يفرق عن مصطلح الجهاد الذي سقط في التفريق بينهما الكثير من الخلق، فبات القتل وجلجلة الحروب منطقاً يحسبونه جهاداً يغنيهم في الدنيا وسينجيهم يوم الآخرة.!

يؤشر المؤلف على جملة امور لها أهمية كبيرة منها فساد الافهام واستخدامها السيف والاحتراب ويبين اسباب اؤلئك مذكراً بأداء النبي الاكرم صلى الله عليه وآله ودعوته المسالمة المنافية والمتقاطعة مع دعوة السيف والقتل ومنطق العنف.

يختم الباحث كتابه في تشخيص أهم العوامل التي أبعدت القرآن الكريم عن قيادته للدولة وأداء مهمته وغايته في سعادة الانسان وتنظيم حياته في مناحيها كلها.

تبقى المسألة أهم من الكتابة ومن المطالعة فقط، في ان تبدى الملاحظات ويمارس النقد ونكت المتلابس فيه ومحاولة استنهاض الادلة اللازمة كي نرى: هل اننا نفهم قرآننا حين نقرأه؟

 

الكاظمي/ ملبورن- مايس

2014

معلومات إضافية