كتب واصدارات وقراءات ورسائل جامعية

نقد كتاب (نقض أوهام المادية الجدلية- "الديالكتيك") للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي (1-5)

adnan oayeedأود بداية أن أشير هنا إلى أنني في نقدي هذا للآراء الواردة في كتاب الدكتور البوطي (نقض أوهام المادية الجدلية) لم يأت من باب الكره لشخصه أو لأفكاره أولاً .. ثم أنا في دفاعي عن الجدل الماركسي، لم يأت هذا الدفاع أيضاً من باب أو جهة أنني شيوعي ثانياً .. فأنا لست شيوعياً، ولم أنتم يوماً لأي تنظيم شيوعي، وهذا ليس من باب الفخر، فهناك الكثير من الشيوعيين العرب الذين ضحوا بحياتهم من أجل قضايا هذا الوطن، وفي مقدمتها، حرية وعدالة ومساواة أبنائه، من أجل أن يكونوا مواطنين لا رعايا .. ومن أجل سيادة العقل على كل ما هو امتثالي واستسلامي وجبري.

لذلك أقول : إن ما دفعني لهذه القراءة النقدية الأولية لهذا الكتاب، هو إيماني بدور العقل وحرية الإرادة الإنسانية، وأن من حق الإنسان أن يكون سيد نفسه ومصيره من جهة، ثم دفاعاً عن العقل والعقلانية (الحقيقة) التي طالما حاول الكثير من الكتاب والباحثين طمسها بإسم الدين من جهة ثانية.

عندما قرأت كتاب الدكتور البوطي (نقض أوهام المادية الجدلية "الديالكتيك") أول مرة في عام (1995)، شعرت يومها وكأن ماركس وإنجلز ولينين هم علماء فيزياء، وأن الماركسية عندهم قد وجدت لتشتغل على (الذرة) وعالم حركتها وانشطاراتها وتحولاتها، وأن قوانين المادية الجدلية التي تقول بها (الماركسية)، هي متعلقة إلى حد كبير بهذه الذرة، وليس بالمجتمع وصراعاته الطبقية، وتطوره وحركته، وطبيعة العلاقة بين بنائيه الفوقي والتحتي والعمل على تنميته. وذلك بسبب تلك الحفاوة التي أولاها البوطي للذرة في نقده للجدل الماركسي وفقاً لمقارنته بالجدل الهيجلي، بهدف تحقيق ما يريد الوصول إليه. كما لفت انتباهي أيضاً في موقف البوطي النقدي للمادية الجدلية، إضافة لإقصائه (المادية التاريخية) عن عنوان كتابه من جهة، هو ابتعاده عن تناولها وتطبيقها بما تتضمنه من قوانين على المجتمع بشكل موضوعي كما تناول مسألة الذرة في مقارنته بين الجدل الهيجلي والماركسي، من جهة ثانية. علماً أن (المادية الجدلية والتاريخية) كلاهما يشكلان (الأسلوب) الذي تتعامل به الماركسية في تحليلها للموضوعات الحياتية بشقيها الطبيعي والاجتماعي، ووضع الحلول المناسبة والمتاحة لإشكالاتها بشكل عام. أو بتعبير آخر: إن قوانين المادية الجدلية ومقولاتها التي تختص بدراسة الطبيعة، هي بمعظمها التي تشتغل عليها المادية التاريخية في دراسة قضايا الإنسان والمجتمع.

أقول : إضافة إلى ما أشرت إليه هنا، وجدت الشيخ البوطي قد ركز كثيراً في كتابه منذ البداية على دراسة نظرية الجدل (الهيجلي)، محاولاً بكل ما يملك من فكر ديني (سلفي)، وبمكر معرفي عن سابق إصرار وترصد، أن يضرب الجدل الماركسي بالجدل الهيجلي، من خلال تركيزه على أن الجدل الهيجلي ينطلق من (الفكرة) في الحركة والتطور والتبدل التي تصيب الطبيعة والمجتمع، وليس من (الواقع) كما يقول ماركس. وبالتالي فجدلية هيجل المثالية التي تُوصِلِنَا – وفقاً للبوطي – إلى أن الكلمة كانت في البدء، وأن مصدرها "الله"، ومن هذه الكلمة فاضت المادة.وهذا ما يجعلنا نعتقد بان الدكتور البوطي قد توصل في رؤيته هذه إلى أن هيجل ليس إلا تلميذاً نجيباً (لأبي حسن الأشعري). وبالتالي، هذا ما يوصله بالنتيجة إلى أن ماركس وإنجلز ولينين وكل من اشتغل على مسألة الجدل الماركسي، هو كافر وملحد وزنديق، وليس من الفرقة الناجية. وبناءً على هذا الموقف، سأركز في دراستي النقدية هذه على نقد أوهام (البوطي) حول الجدل الهيجلي وعلاقته بالجدل الماركسي، مكتفياً في هذه الدراسة النقدية على هذه المسألة أولاً، وذلك انطلاقا من القاعدة الفقهية التي تقول : (ما بني على باطل فهو باطل.). وثانياً توضيح قوانين ومقولات (الجدل) ودورها في دراسة المجتمع الإنساني الذي جاء الفكر الماركسي أصلاً من أجله.أي دراسة الاجتماع الإنساني في علاقاته ووجوده وما يرتبط بهذا الوجود من قضايا مادية وفكرية أو روحية.

دعونا بداية أن نسلط الضوء على بعض الأفكار التي جاءت في مقدمة كناب البوطي (نقض اوهام المادية الجدلية)، قبل أن ندخل في صلب موضوعاته المتعلقة بنقض أوهام المادية الجدلية. وبخاصة علاقة الجدل الهيجلي بالجدل الماركسي، والفرق بينهما.

لقد جاء في الصفحة (7) من كتابه، وفي العبارة الأولى من المقدمة : (ينفرد المذهب "الشيوعي" من دون المذاهب الأخرى بأن له جذوراً في الفلسفة الشاملة التي تتبنى تفسيراً معيناً للوجود والحياة بأسرها، وفروعاً من التطبيقات الاقتصادية والاجتماعية التي تنهض على أسس من تلك الجذور.). (1)

 

إن نظرة أولية إلى عبارة (المذهب الشيوعي) التي أوردها في هذا المقطع، و(الملغومة) قصداً من قبله، تجعلنا نسأل مباشرة: لماذا ربط البوطي الشيوعية بالمادية الجدلية؟. علماً أن المادية الجدلية وحتى التاريخية كقوانين ومقولات ليس لها في ظهورها أي ارتباط تاريخي مع الشيوعية، أي هي ليست وجهها الآخر الملازم لها منذ ظهور النظرية الماركسية كما يقرر البعض، فقوانين الجدل المتعلقة في الحركة والتطور والتبدل وغيرها، وجد بعضها أو أكتشف منذ بدأ الإنسان يفكر ويبحث عن ذاته. فهذا الحكيم "أوتنابتشيم يقول لـ"جلجاميش" في ملحمته بعد أن عجز"جلجاميش" في بحثه أن يحصل على نبتة سر الخلود، مجسداً في هذه المقولات قوانين الحركة والتطور والتبدل:

(هل نشيد بيوتاً لا يدركها الفناء؟.

وهل نعقد ميثاقاً لا يصيبه البلى.

فمنذ القدم لا تُظهر الأمور ثباتاً.).(2)

وهذا "هيراقليطس" يقول في "الحركة" قولته الشهيرة، وهي أهم قانون من قوانين الجدل: (كما أنك لا تستطيع أن تستحم في مياه النهر مرتين، فكذلك هي الحياة). هذا دون أن ننسى المادية المبتذلة أو الساذجة لـ (فيورباخ وفورباخ) مثلاً، وغيرهما ممن لم يكن ينتمي لأي فكر اشتراكي أو شيوعي. مثل ابن خلدون مثلاً، و ما طرحه من قوانين ومقولات الجدل في مقدمته المشهورة قبل أن يفكر فيها ماركس وإنجلز، فهي برأي من أهم المواقف الفكرية ذات الطابع الجدلي التي استطاع من خلالها أن يدرس مسألة العمران البشري بكل معطياته في عصره. حيث جاء في هذه المقدمة قوانين الحركة والتبدل ونفي النفي وتأثير العلاقات الاقتصادية (المعاشية) على حياة الناس العملية والفكرية..إلخ. (3) الأمر الذي جعل لينين يقول عن ابن خلدون: (ألا يوجد لدى العرب مفكرون آخرون كابن خلدون؟.).

أما لجهة قول البوطي بأن الشيوعية (مذهب)، فهذا في الحقيقة ينم عن جهل معرفي فاضح في تفريقه بين المذهب و(النظرية) التي تشكل في تطبيقاتها العملية والفكرية نظاماً اقتصادياً اجتماعياًسياسياً وثقافياً، كالنظرية البرجوازية أو الاشتراكية أو الشيوعية. فمن المعروف لدى دارسي الاشتراكية والشيوعية، أن الاشتراكية هي نظام اقتصادي اجتماعي سياسي وثقافي، والشيوعية هي المرحلة العليا من الاشتراكية، وهي المرحلة الحلم التي لم يستطع أي مجتمع أن يحققها وجوداً حتى الاتحاد السوفيتي سابقاً قبل انهياره. أما المذهب – أي مذهب – فهو جزء من نظرية عامة أو إيديولوجية، والمذهب أكثر انغلاقاً على بنيته الفكرية من النظرية، كأن نقول على سبيل المثال لا الحصر: (العقيدة) الإسلامية نظرية أو أيديولوجية يتفرع عنها مذاهب وطوائف دينية إسلامية كالمذهب الشافعي والحنفي والحنبلي والجعفري والمالكي. أو الطائفة الإسماعيلية أو الموحدين..إلخ

أما علاقة الشيوعية مع الماركسية في هذا السياق - أي مدى علاقاتها مع الماركسية، أو المادية الجدلية - وكما أراد لها البوطي، فهذه معطيات التاريخ تشير إلى خطأ رؤيته في هذا الاتجاه، حيث تبين تاريخياً أن الكثير من النظريات الشيوعية قد طرحت قبل الماركسية، كالشيوعية المشاعية التي طرحتها الديانة (التاوية) في الصين على سبيل المثال لا الحصر. وهذه الاشتراكية وهي المرحلة الدنيا من الشيوعية كما هو مقرر، فهناك الاشتراكية التي طرحت من قبل القرامطة. وهناك الاشتراكية الخيالية لـ"سان سيمون وروبرت أوين"، وهناك أيضا الاشتراكية الفابية...وغيرها الكثير. فكل هذه الاشتراكيات لم يكن لها أية علاقة في الحقيقة مع الماركسية أو جدلها. وهذا يدل على أن الشيخ البوطي بربطه ما بين الشيوعية والمادية الجدلية ومحاولته تفنيد معقولية الديالكتيك الماركسي، يريد القول: بأن تبني المادية الجدلية سيؤدي إلى الكفر والإلحاد والإساءة للإسلام والقيم الإنسانية، وهذا ما توصل إليه كما سيمر معنا.

أما علاقة الماركسية بالمادية الجدلية والتاريخية، فهي علاقة ذات طبيعة منهجية... الماركسية ليست نظرية أو مذهباً، فالماركسية في تبنيها للمادية الجدلية والتاريخية، أصبحت منهجاً في التفكير، وغالباً ما استفاد من هذا المنهج المفكرون البرجوازيون المعادون للماركسية، وذلك من أجل تلافي الكثير من العقبات والأزمات التي تصيب النظام الرأسمالي.

إن الشيخ البوطي في موقفه النقدي هذا من مسألة ربطه مابين الجدل الماركسي والشيوعية، يدل على جهل أو مكر معرفي في هذا الاتجاه أولاً. ثم إطلاق أحكام تقريرية مسبقة تجاه الماركسية أو الشيوعية عندما ألبسهما الثوب الذي يريده هو، بناءً على قناعة مسبقة لديه ثانياً. وهذا ما أكده بقوله:

( إن مبعث الخطورة في المذهب الشيوعي أنه يجر كثيراً من الناس ذوي الثقافة المحدودة بدافع نفسي مجرد... لقد كانت ثمرة قراءاتي الدقيقة لجذور هذا المذهب، أنني لم أعد منه إلا بخفي حنين، وأنا أحمل معي جعبة العقل والمنطق فارغة .. ). (4) .

وهنا أنا أسأل الشيخ البوطي: عن أي عقل ومنطق هذين اللذين حملهما معه عبر إبحاره في عالم الشيوعية والماركسية؟، ونحن نعرف أن الفكر الذي يحمله البوطي هو الفكر السلفي الأشعري الاستسلامي ألامتثالي الجبري الذي يحارب حرية الإرادة والعقل على حساب النقل؟!!.

وهذا ما يؤكده بنفسه بقوله: ( عدت لأجد يقيني بالله وصفاته أتم رسوخاً، وأقوى ثباتاً، في تربة المنطق الموضوعي الصافي الذي يستعلي على كل عصبية أو تقليد .. والله يعلم ويشهد الموازين نفسها التي استعملتها ذات يوم للبحث في القيمة العلمية الموضوعية لليقين بوجود الله وخلقه للكون.). (5).

متناسياً هنا - البوطي طبعاً - عصبية الفرقة الناجية التي يقول بها مذهبه الأشعري، وتكفيره للمختلف معه من الفرق والمذاهب الإسلامية الأخرى كما نرى على الساحة العربية، حيث راحت الدماء تسيل بإسم الدين بسبب من يحاربون بإسمه زوراً اليوم ضد كل من يؤمن بدور العقل، وعلى رأسهم من يؤمن بقوانين ومقولات الجدل.

 

كاتب وباحث من سورية

..................................

1- د.محمد سعيد رمضان البوطي- نقض اوهام المادية الجدلية- دار الفكر ط1- 1978- ص 7

2- قراءة في ملحمة جلجاميش- فراس سواح- ط1 – العربي للطباعة والنشر والتوزيع- دمشق ص 203

3- في علمية الفكر الخلدوني- مهدي عامل- مجلة الطريق- عدد خاص عن مئوية ماركس – شباط 1984. ص 182

4- نقض اوهام المادية الجدلية- المرجع السابق. ص10

5- نقض أوهام المادية الجدلية- المرجع السابق- ص 10.

 

قراءة في كتاب معالم في الطريق لـسيد قطب (4-4)

adnan oayeedالجهاد في سبيل الحاكمية: يظل القتال أو الجهاد في سبيل حاكميه الله عند الإخوان كما يراه سيد قطب أمراً مشروعا ومقرراً من قبل الله عز وجل، وهو فرض عين على كل مسلم مؤمن عليه أن يؤديه بالشكل الذي يستطيع تأديته. وبالتالي فالجهاد ليس بحاجة لمبررات أدبية أكثر من المبررات التي حملتها النصوص القرآنية التالية كما ازردها سيد قطب في كتابه:

(فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة. ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً. وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها. واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً. الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ، فقاتلوا أولياء الشيطان، إن كيد الشيطان كان ضعيفاً.). (النساء 74 -76).

وكذلك في قوله تعالى: (قل للذين كفروا: أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف، وأن يعودوا فقد مضت سنة الأولين. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير، وإن تولوا فاعلموا إن الله مولاكم، نعم المولى ونعم النصير.) . ( الأنفال- 40).

وكذلك في قوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون باله ولا باليوم الآخرة، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدهم وهم صاغرون. وقالت اليهود عزيز ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله. ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنى يؤفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً، لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون. يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون.(. (التوبة- 29-32).

إذاً هذه هي مبررات القتال عند الإخوان المسلمين، هذا القتال الذي يقوم على معطيات وشروط وأساليب قننها سيد قطب في كتابه معالم في الطريق حيث جاءت عنده وفق التالي:

أولاً : الجهاد (القتال) ليس حالة عرضية أو مؤقتة أو تهدف للدفاع عن النفس والمال والعرض أو الوطن. وإنما هو قتال دائم (مستمر) لا توقف فيه، هدفه الدفاع عن حاكميه الله والعمل على تطبيقها في كل زمان ومكان.

ثانياً: الجهاد هنا ضد كل ما يعيق تطبيق أمر هذه الحاكمية، بدءاً من جهاد النفس، وهو الجهاد الأكبر ضد كل ما يعيق في نفس وضمير وعقل المسلم المؤمن الوصول إلى الإيمان بإلوهية الله وتطبيق أوامر حاكمتيه، من جهة، ثم الجهاد ضد كل من يحاول أن يقف أمام الإيمان بهذه الإلوهية الحاكمية من الخارج، ممثلاً بعالم الجاهلية وما يتضمنه هذا العالم من سلطات للطاغوت أو نظريات معرفية أو علاقات اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية يراد فرضها بالقوة أو بدونها على الناس كافة، بغية إبعاد تطبيق منهج الله الذي جاء في كتابه المبين.

إن المؤمن المسلم يقاتل هنا كونه يؤمن بأن الله ابتعثه كي يخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. ومن ضيق الدنيا إلى سعتها. ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. وإن الله أرسل رسوله بدينه إلى خلقه فمن قبله منا قبلنا منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه، ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر. (1)

ثالثاً: الجهاد وحرية الإنسان، حيث يقول سيد قطب في الأسباب العميقة للجهاد بأنها تحقيق حرية الإنسان: إن من حق الإسلام أن يتحرك (أي يجاهد)، فالإسلام ليس نحلة قوم ولا نظام ولا وطن. ولكنه منهج لإله، ونظام عالم، ومن حقه أن يتحرك ليحطم الحواجز من الأنظمة والأوضاع التي تغل من حرية (الإنسان) في الاختيار. وحسبه أن لا يهاجم الأفراد ليكرههم على اعتناق عقيدته، إنما يهاجم الأنظمة والأوضاع ليحرر الأفراد من التأثيرات الفاسدة، المفسدة للفطرة، المقيدة لحرية الاختيار. فالإنسان لا يتلقى التشريع لحياته من العباد وإنما من الله فقط. (2)

رابعاً : (لا إكراه في الدين). يرى سيد قطب في هذه الآية موقفاً آخر يختلف تماماً عن الفهم السائد أو المنتشر عند من سماهم السذج، حيث يقول : من السذاجة أن يتصور الإنسان دعوة تعلن تحرير (الإنسان) في كل الأرض البشرية أن تقاتل باللسان والبيان فقط!!. إنها تقاتل باللسان والبيان فقط حينما يخلى بينها وبين الأفراد تخاطبهم بحرية، وهم مطلقو السراح من جميع تلك المعوقات التي تحد من تطبيق الحاكمية.. فهنا (لا إكراه في الدين)، أما حين توجد تلك المعوقات والمؤثرات المادية، فلا بد من إزالتها أولاً بالقوة، للتمكن من مخاطبة قلب الإنسان وعقله، وهو طليق من هذه الأغلال. (3).

خامساً: أما مسألة القول بأن الإسلام يسعى إلى (السلم) ، فهذه الرؤية عند قطب مختلفة أيضاً في دلالاتها، عند الآخرين. فالإسلام حين يسعى إلى السلم لا يقصد ذاك السلم الرخيص في دلالاته، وهي الإيمان بالرقعة الخاصة التي يعتنق أهلها العقيدة الإسلامية. إنما المقصود بالسلم، هو السلم الذي يكون فيه الدين كله لله، أي أن تكون عبودية الناس كلهم لله، وبالتالي فالقتال الذي أمر به الله هو قتال من أجل تحقيق هذه الغاية، وهذه الغاية لا يحد منها زمان أو مكان، أو أية ظروف أو معوقات مادية كانت أم روحية (4)

سادساً : الجهاد هنا يقوم على مستويين : المستوى لأول هو الجهاد بالبيان، والمستوى الثاني الجهاد الحركي.

أما جهاد البيان: فهو الجهاد الذي يقوم على نشر مفهوم الإلوهية بين الناس كافة من أجل تنقية نفوسهم من الداخل وإيصالهم إلى حالة الإيمان المطلق بهذه الإلوهية وتطبيق أوامرها دون تلكؤ أو اعتراض، وذلك بعد تخليصها من معطيات الجاهلية التي يعيشها الناس بكل معطياتها.

أما الجهاد الحركي: فهو جهاد (السيف) ضد كل من يحول دون الوصول إلى إلوهية الله (حاكمتيه) في كل زمان ومكان. وقد اتكأ سيد قطب في فهمه لحالة الجهاد الحركي هذا على (ابن قيم الجوزية) في كتابه " زاد المعاد " الذي حدد فيه أسس هذا الجهاد في التالي:

1- جهاد أهل الصلح وأهل الهدنة. حيث أقر فيه، بأن يتم لهؤلاء عهدهم، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خانوا العهد فعلى المسلمين مقاتلتهم.

2- جهاد أهل الحرب. وهو جهاد أمر به الله مقاتلة الكفار والغلظة عليهم بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان.

3- جهاد أهل الذمة. وقد أقر فيه مقاتلة أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام.(5) .

هكذا نرى من خلال قراءتنا لقضية الجهاد عند سيد قطب بان الجهاد واجب ديني (عقيدي) على كل مسلم مؤمن، وهو فرض عين يقاتل فيه المؤمن وفقاً لإمكانياته، قد يكون بالمال أو السلاح، ولكن ما يهمنا هنا، انه قتال للآخر مهما يكن دينه أو مذهبه أو عقيدته، طالما هو لا يؤمن أو يطبق مفهوم الحاكمية والإيمان بإلوهية الله. ومن هذا المنطلق تأتي راية الجهاد (السوداء ) بشعارها (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، هي الراية التي تحت مظلتها يتم القتال من أجل تحقيق (الحرية) التي تختلف في دلالاتها عن حرية الإنسان وعقله وتحقيق مصيره بيده كما بينا أعلاه، وإنما هي حرية الإنسان من كل ما يقف أمام تشبعه بالعقيدة الإسلامية وإلوهية الله وتطبيق حاكمتيه على هذه لأرض. إنها حرية من نوع آخر، حرية يراد بها تحويل عقل الإنسان وعواطفه وضميرية وكل ما يمت إليه بصلة من إنسان له ارض ووطن وقومية ومجتمع خاص به، إلى إنسان "عقيدي" فاقد لكل هذه القيم الحياتية، ومرتبط فقط بهذه العقيدة التي حددت له كل مسار حياته ومماته وما يصيبه من خير أو شر، بل وكيف يفكر، بشكل مسبق.. إنسان ليس له أية إرادة إلا إرادة الانتماء لعالم الغيب.

 

المراجع:

1-   - سيد قطب – معالم في الطريق – مكتبة وهبة – القاهرة – دون تاريخ نشر. ص 57

2- المرجع السابق – ص80

3- المرجع السابق ص 66

4- المرجع السابق – ص66.

5- المرجع السابق ص55

 

د. علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي (7)

قراءة في كتاب "التشيع العلوي والتشيع الصفوي"

الحيلة الشرعية .. خدعة على الله

تُعَرَّف الشريعة على أنها ما شرّعه الله لعباده من قوانين ونظم واحكام وقواعد لتسهيل أمورهم في مختلف المجالات كالصوم والصلاة والحج والنكاح وغيره. وتستمد الشريعة أحكامها من القرآن والسنّة النبوية عند السنة، مضافا اليها ما جاء به الأئمة المعصومين عند الشيعة الامامية الأثني عشرية. أما مفردة الحيلة في اللغة فهي أسم مشتق من الاحتيال، فالأحتيال مصدر والحيلة أسم. وتعرف الحيلة في معاجم اللغة على أنها "الحِذق وجودة النظر والقدرة على دقة التصرف". أما المعنى الشرعي لها فهو الوصول الى المراد بطريق غير جلي أي خفي. وهذا يعني أن الحيلة لا تتناغم وتتناسب مع الشرع ومشتقاته اللغوية كالشريعة، وهي بهذا المعنى تعتبر من المحرمات. ولكن رجل الدين الصفوي أستطاع بفذلكته أن يجد طريقا لدخول الشيعي الامتحان الألهي وتجاوز ما حرّمه الله في ذلك الامتحان بنجاح. ولكننا إذا أردنا توخي الدقة فأن الحيلة الشرعية ليست من أنتاج التشيّع الصفوي لوحده مثلما قال شريعتي، بل هي موجودة أيضا عند أهل السنة. ويبدو ان شريعتي لم يذكرها لكونه يناقش في كتابه هذا التشيّع الصفوي مقارنا اياه بالتشيّع العلوي. ولكن هذا لا يمنعنا هنا من أن نتطرق الى الحيلة الشرعية عند أهل السنة بعد أن نتعرف على الحيلة الشرعية عند التشيّع الصفوي وفق شريعتي، والتي نراها اليوم موجودة بقوة في عهد يفترض أن يكون التشيّع الصفوي قد أنزوى الى ركن مهمل بعد أن أصبحت للحوزات الشيعية سلطة دنيوية أضافة الى سلطتها الدينية.

يعتبر الربا من المحرمات في الشريعة الاسلامية كما في الاديان التي سبقته. أما من حيث مقارنة الربا بالذنوب فأنه يعتبر من كبائر الذنوب. فقد جاء في الكتاب المقدس (العهد القديم):"إن أقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي لا تضعوا عليه ربا" (1) . أما في العهد الجديد فقد جاء :"اقرضوا وأنتم لا ترجون شيئا فيكون أجركم عظيماً" (2) . أما الربا في "القرآن فقد جاء في أربع سور. وقد تدرّج القرآن في تحريمه قبل الهجرة الى يثرب. إن السور التي ورد فيها تحريم الربا هي في سورة الروم:"وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ" (3) . و كما جاء في سورة النساء:"فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (161)" (4) ، ليستمر القرآن في تحريمه للربا في سورة آل عمران وسور عديدة كالبقرة لينهيها بـالآيات التالية:" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون . وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون . واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " (5)، ليكون التحريم مطلقا الى يوم القيامة.

وعلى الرغم من تحريم الربا الذي هو تلبيس الحق بالباطل بنصوص قرآنية واضحة وجلية، الا أن رجل الدين الصفوي ألتف على نصوص القرآن بشكل يوحي بالضحك على الله من خلال ما يسمى بالحيلة الشرعية والمستخدمة حتى يومنا هذا، معتمداً على تفسيرين بائسين من أجل تحليل ما حرّمه الله شرعاً في قرآنه، أولهما أن المبادلات التجارية في عهد محمد ومن خلفه من الملوك كانت بالدينار والدرهم، وكانتا بالذهب والفضة حينها. أما اليوم فأن المبادلات التجارية تجري بالاوراق المالية وهي ليست بالذهب والفضة. وثانيهما هي تحويل نية المرابي من اقراض الطرف الاخر ما يحتاج من مال وتغيير صيغة القرض من ربا الى بيع مشروط، وهو أضافة مثقال من الملح، مثلا كما يقول شريعتي، الى اصل المبلغ بقيمة يتم تحديدها من المرابي بمبلغ معين. وعندما يحين موعد السداد فأن الطرف الاخر يعيد نفس المبلغ الذي أقترضه من المرابي علاوة على المبلغ المتفق عليه "كربا" ثمنا لمثقال الملح أي الفائدة الربوية كما في حالة المصارف اليوم!.

أما في الجانب السنّي فيعتبر المذهب الحنفي هو أول المذاهب الاربعة السنية التي أفتت بجواز الحيل الشرعية. ويعتبر محمد بن الحسن الشيباني وهو حنفي أول من ألف كتاباً في هذا الباب أسماه "المخارج في الحيل". وقد حدد العديد من الفقهاء والباحثين في الشريعة الاسلامية تاريخ العمل بالحيلة الشرعية والتي سمّوها بدعة بعد 100 عام على الاقل من هجرة محمد. وهذا يدل على عدم جوازها والعمل بها في عهد محمد وخلفاءه الاربعة ولسنين طويلة من الحكم الاموي، حتى ان هناك حديثاً عن لسان محمد يقول فيه :"لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلون محارم الله بأدنى الحيل". ومن هذه المحارم أضافة الى الربا هو نكاح التحليل "بعد الطلقات الثلاث". وقد أفتى العديد من صحابة محمد ومنهم ابن عباس والامام علي وابن عمر بتحريم هذا الشكل من النكاح، وهناك من روى عن عمر قوله :"لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما". أما ما دون الربا ونكاح التحليل على ما يبدو، فأن العديد من الفقهاء ومن مختلف المذاهب الاسلامية وعلى الاخص الحنابلة والمالكية قد أفتوا وفقا لتفسيرات بعض الآيات القرآنية أشكال من الحيل سمّوها الحيل المحمودة!

حاول شريعتي من خلال بحثه في الحيل الشرعية وكذلك في ظاهرة الرّق التي سنتناولها بعد قليل أن يحمّل التشيّع الصفوي مسؤولية تفشي الظاهرتين، على الرغم من انهما ليستا من أنتاجه قط. وقد تناولنا قبل قليل ظاهرة الحيل الشرعية عند المذاهب السنية والتي لازال العمل بها قائماً لليوم . لكن شريعتي وهو الذي يعيب على فقهاء المسلمين تأخرهم في نيل شرف تحرير العبيد تاركين هذا الشرف الانساني الرفيع للعالم الغربي العلماني، ينتابه شعور بالألم والحسرة ليقول :"أن شرف تحرير العبيد صار من نصيب العالم الغربي، وأن فتوى تحريم الاسترقاق يصدرها الرئيس الامريكي أبراهام لينكون، وليس مرجعاً من مراجع المسلمين"، ليؤكد أنه لو كانت الحكومة الاسلامية قد سارت على المنهج العلوي لكانت قد منحت فقهاء الشريعة الأسلامية فرصة لأستنباط الأحكام التي كانت ستقضي على ظاهرة الرّق بشكل تدريجي خلال مئة عام!. هنا علينا أن نقف مع وجهة النظر هذه وأقصد فسح المجال للفقهاء المسلمين لألغاء أو تعديل ظاهرة جاءت من ضمن نصوص مقدسة في القرآن وأمكانية تحقيقها. فهل كان بمستطاع فقهاء ذلك العهد ومن جاء بعدهم أو فقهاء اليوم ألغاء أو تعديل أو تشذيب الآيات القرآنية التي تبيح القتل والرجم وقطع اليد والجلد والتي تركها العالم المتمدن منذ عقود طويلة على أقل تقدير كونها شكل من اشكال الهمجية وعدم احترام الانسان وحقوقه!؟. أعتقد أن شريعتي بأعتباره مفكراً أسلامياً وجّه انتقادات لما أسماه بالتشيّع الصفوي الذي نرى له اليوم أمتدادات واسعة وبينّة في الفكر والممارسة الشيعيتين، وقد غرّد خارج سرب الكثيرين ممن سبقوه وعاصروه والى اليوم بل وفي المستقبل غير المنظور أيضاً بجهره في أنتقاد العديد من رجالات الدين الشيعة من الذين لا زال الغالبية منهم يتحاشون الاصطدام بالملالي الصغار، الذين يستغلون المنابر "الحسينية" لحشو أدمغة العامّة من جمهور الشيعة البسطاء بقصص خرافية عن مواقف وهمية لأئمة الشيعة لا تمت بصلة الى العقل فحسب، بل لكونها بعيدة عن المنطق، وتسيء الى أولئك الأئمة أساءة بالغة دفعت شريعتي إلى أن ينفجر بوجوههم بعد أن حوّلوا الامام علي الى مجرد بطل أسطوري وزوجته فاطمة الى أمرأة لا يشغل بالها الا أرض "فدك"، أما الحسن، فأستحي أن أقول... وفق ما كتبه شريعتي، وليضيف أنه لا يطيق الكلام بشأن ما ورد عن الحسين في الكيمياء الصفوية على حد تعبيره.

لقد حاول "شريعتي" في تناوله لظاهرة الرّق أن يبريء الاسلام كدين من العمل بها، على الرغم من أن الشريعة الاسلامية تناولت هذه الظاهرة وسنّت لها القوانين التي يقول المسلمون عنها أنها جاءت لخدمة العبيد وعتقهم من العبودية !. فتحرير رقبة مثلاً وما ملكت ايمانكم واللتان وردتا في أكثر من آية قرآنية تدّلان بما لاشك فيه على وجود عبيد وجواري وجواز أمتلاكهما في الدين الاسلامي. وحاول مفسرو الشريعة لاحقاً وعلى الرغم من امتلاك جميع الصحابة تقريباً لعبيد وجواري، حتّى ان محمداً كان قد أهدى الصحابة ومن بينهم أقرب الصحابة اليه جواري من أسارى غزوة حنين على سبيل المثال لا الحصر، ليتمتعوا بهنّ. على أن الاسلام كان يشجع على تحريم الرّق، وان الحكومة الاسلامية لو سارت على نهج الامام علي لعملت على ألغاء الرّق خلال مئة سنة مثلما جاء أعلاه، بالرغم من أن ذلك يصطدم بنصوص قرآنية وأحاديث نبوية تبيح هذه الظاهرة. ولو ذهبنا مع أصحاب هذا الرأي الى ما يريدون، فعلينا طرح سؤال حول أحترام الاسلام للمرأة مثلاً. عندها نرى أن الأسلام ساوى بين الرجل والمرأة في أمور كثيرة منها على سبيل المثال المساواة بالتكاليف الشرعية والمساواة بالعقوبات والتعليم والمساواة بالحقوق والواجبات الزوجية وغيرها. ولكن هذا الاسلام نفسه لم يستطع أن يساوى المرأة بالرجل في حق الميراث على الرغم من ان الاسلام خطا خطوات كبيرة في هذا الجانب مقارنة مع الاديان التي سبقته. فقد جاء في القرآن :"للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً" (6). وجاء أيضا: "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ" (7).

أن أمثال شريعتي لو ظهروا اليوم حاملين جزءاً من أفكاره في النظر للتشيّع كفكر ديني والترويج لها في ظل الثقافة الشيعية السائدة حالياً والتي غلبت عليها السلبيات والافكار غير المنطقية وغير العقلانية، والتي لم تكن جزءاً من هذه الثقافة حتّى لعقود قليلة مضت، لتمت محاربتهم بل وقتلهم من قبل الغوغاء المتسلحين بصمت رجال الدين الكبار بل وبفتاوى منهم ايضاً خوفاً من عاقبة نفس الغوغاء. وهذا ما حصل لشريعتي بالفعل أثناء كتابة مادته القيّمّة هذه من خلال هجوم عنيف شنّه عليه كبار علماء ورجال الدين في وقتها. أن موقف شريعتي من التشيّع الصفوي لو وجدت له اليوم سوق رائجة وسط جمهور الشيعة، وقابلها موقف سنّي مواز له من التسنن العثماني "الأموي" وتفريخاته، لكان الأسلام اليوم بعيداً عن كل الاتهامات الموجهة اليه كدين يروّج للقتل ويساهم بنشر ثقافة التجهيل، والتي سمّاها شريعتي بحق "الاستحمار"، والذي يشكل مع الأستبداد والأستغلال مثلثاً للتحكم بالناس. فالأستبداد يُفقد الانسان ثوريته عن طريق القمع والأرهاب، والأستغلال يقوم بسرقة أموال البسطاء بمختلف الحيل التي يجيدها المعمّمون. أمّا "الاستحمار" مثلما يقول شريعتي، فهو حقن المؤمن البسيط بالترياق وتخديره بحجّة الصبر لأن آلام المؤمن هنا في الأرض ليست سوى قصورا منيفة بعد الموت!.

من خلال ما يقارب الـ30 صفحة من الكتاب "175 – 205 "، يرحل بنا شريعتي برحلة مشوّقة في العديد من الاحاديث التي وردت في العديد من المصادر الشيعية كـ"جواهر الولاية في الخلافة والولاية" للكاظمي اليزدي، و"بحار الانوار" للمجلسي، و"مستدرك الوسائل" للطبرسي، و"بصائر الدرجات" لمحمد بن الحسن الصفّار، و "الارشاد" للديلمي، و "الكافي" للكليني، وغيرها العشرات من المصادر التي تروي حوادث عديدة نقلها شريعتي بمرارة. فقد وصف ما جاء في هذه الكتب على أنها تشكل أهانة لأئمة الشيعة وتلويث لتراثهم الانساني. ولعل أبسطها كي لا أطيل الحديث عنها، ويستطيع القاريء مراجعتها في كتاب شريعتي او في الكتب التي ذكرناها، ما ورد في هذه المصادر أن الأمام الصادق خرج مع مجموعة من أصحابه إلى البيداء وأصابهم العطش. فما كان من الامام الا وضع عصاه المباركة في حلقه فجرى الماء!. وهناك رواية أخرى عندما طلب علي الاكبر من أبيه وهو بالمسجد أن يأتي له بشيء من العنب، فمدّ الامام الحسين يده الى احد أعمدة المسجد وأخرج منه عنقود عنب!. ولكن الراوي نسي على ما يبدو أن الامام الحسين لم يستطع توفير شربة ماء لولده الذي كان يقاتل عطشاناً رغم وجود الماء بالقرب منهم في واقعة كربلاء!. ونشير إلى رواية ينقلها هؤلاء عن الامام علي حين طلب من عمار بن ياسر مرّة أن يأخذ حفنة من التراب ويقرأ عليها أسم الامام علي فتتبدل الى ذهبّ.

ونأتي على آخر هذه الروايات لننهي هذه الصفحة السوداء من صفحات "الاستحمار الصفوي" بما جاء في "جواهر الولاية" (*) حين يُشار إلى أنه :"كان الله واحدا في وحدانيته، ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمة ومكث الف دهر ثم خلق الاشياء كلها". وهذا الحديث وفق شريعتي يتعارض مع الآية القرآنية التي تقول " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ " (8).

أن شريعتي هنا، وهو المتألم لحال أئمته جراء ما ورد في أدبيات وتراث أقطاب التشيّع الصفوي وتبعيتهم وخنوعهم للملوك الامويين والعباسيين، رأيناه يتحدث بوجع وألم مزجهما بسخرية من كل الموروث الصفوي الذي تفنن في رسم نهاية محزنة للفكر العقلاني الشيعي، ليرسله الى متاهات الدجل والشعوذة والضحك على ذقون البسطاء ليس من أجل سرقة ونهب أموالهم فحسب، بل من أجل هدف سياسي لا غير. لأن رجل الدين الذي تماهى مع السلطة حينها لم يكن بحاجة الى هبات ومساعدات من بسطاء الشيعة مطلقاً، بعد أن اصبحت مفاتيح خزائن الدولة وقتها بمتناول يده حاله حال أي شاه أو مسؤول كبير في البلاط.

 

زكي رضا - الدنمارك

15 / 11 / 2014

........................

(1) " سفر الخروج ص 22 "

(2) " إنجيل لوقا الأصحاح الساس ص 94 – 35 "

(3) " قرآن كريم سورة الروم آية 39 "

(4) " قرآن كريم سورة النساء آية 160 "

(5) " قرآن كريم سورة البقرة، الآيات 278 – 279 "

(6) " قرآن كريم سورة النساء آية 7 "

(7) " قرآن كريم سورة النساء آية 11 "

(*) جواهر الولاية لليزدي ص 98 .

(8) " قرآن كريم سورة يس آية 83 "

د. علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي (6)

قراءة في كتاب "التشيع العلوي والتشيع الصفوي"

الشعوبية الصفوية

لقد أُطلق مصطلح الشعوبية لاول مرة على حركة ظهرت بوادرها ابّان العصر الاموي، وظهرت للعيان ابّان العصر العباسي. إذ كان معتنقيها يرون ان لا فضل للعرب على غيرهم من العجم، مستندين إلى آيات قرآنية صريحة كما جاء في سورة الحجرات :" جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم "، وحديث النبي محمد :"لا فرق بين عربي أو اعجمي الا بالتقوى". وناضل معتنقو هذه الحركة دوماً من أجل الغاء الفوارق بينهم كشعوب مضطَهَدة تحت حكم الاحتلال الاسلامي " العربي " الذي عاملهم كرعايا في بلدانهم، على خلاف ما جاء في القرآن او على لسان محمد. واختلف المؤرخون والمفسرون العرب في تعريف الشعوبية، فمنهم من عرّف الشعوبية بأنها حركة "تبغض العرب وتفضل العجم" كالقرطبي ، او"هم الذين يصّغرون شأن العرب ولا يرون لهم فضلا على العجم" كالزمخشري في اساس البلاغة. وقد جاء في القاموس المحيط :"الشعوبي بالضم محتقر امر العرب وهم الشعوب". اما الموسوعة البريطانية فأنها عرّفت الشعوبية من انها كل اتجاه مناوئ للعروبة. ويعتبر شريعتي من اوائل المفكرين الايرانيين بل وابرزهم في تحديد اسس دعائم الحكومة الصفوية، عندما اشار الى تزاوج المذهب الشيعي بالقومية الايرانية، عن طريق توظيف المشاعر والشعائر الشيعية واستثمارها في تعزيز الروح القومية الايرانية، والتي ادت حسب رأي شريعتي الى اخراج ايران من الجسد الاسلامي ، الذي كان يمثله العثمانيون باسم الاسلام، لتخوض بعدها الدولتان معارك ضارية .

لقد عمل الصفويون جاهدين على ربط الاسرة الصفوية بالاسرة الهاشمية وتحديدا آل البيت. ولم يجدوا مدخلا لهذا الانتماء (القسري) الا من خلال معركة القادسية ليربطوا من خلال نتائجها، كما سنرى لاحقاً، مصيرهم بمصير الامامة عند ثاني اكبر طائفة في الاسلام وذلك عن طريق المصاهرة بين العائلة الساسانية الفارسية حسب قول للنبي محمد كما يدّعون : "اختار الله من العرب قريش ومن العجم فارس"!!، او قولاً للامام السجّاد يقول فيه:"انا ابن الخيرتين"، بل وحتى شعراً ينسب إلى الاسود الدؤلي يقول فيه مادحاً الامام السجّاد:

وان غلاماً بين كسرى وهاشم      لأكرم من نيطت عليه التمائم  (1)

لنأتي الان الى البحث عن اساس هذه المصاهرة مستخدمين المنطق والتاريخ في الوصول الى نتائج تقرّبنا من الحقيقة. ولا يهمنا هنا ان كانت هذه الحقيقة مقبولة من البعض دون الاخر، لان من ابرز سمات البحث العلمي في التراث الشيعي وفق شريعتي هو كثرة النقد والاشكال والاعتراض على الافكار المختلفة عند البعض، كما وان التاريخ علّمنا دوماً ان البحث المستمر والعلمي يصطدم باستمرار باراء وافكار تعيش على نكرانها للحقائق او زوغانها عنها.

لقد اثبتت جميع المصادر التاريخية تقريباً على ان ولادة الامام الحسين (ع) كانت في 3 شعبان سنة 4 للهجرة، وان معركة القادسية جرت في 13 شعبان سنة 15 للهجرة في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. وهذا يعني ان سن الامام الحسين كان يوم المعركة تلك 11 عاماً و10 أيام حسب التقويم الهجري القمري. وقبل ان ندخل في حيثيات زواج الامام وولادة ابنه علي (ع) الملقب بالسجاد والذي عن طريقه امتزج الدم الهاشمي مع الدم الساساني الفارسي كما يُروى، دعونا ان نعرف شيئاً عن "عروس المدائن كما يسميها شريعتي"؛ اي جهان شاه بنت يزدجرد الثالث" آخر ملوك فارس.

يروي العلامة المجلسي في (بحار الانوار) اخباراً مثيرة للغثيان (حسب شريعتي) حول زواج الامام الحسين (ع) من ابنة يزدجرد. فهو يدّعي أن الامام الحسين قد اعجب بالاسيرة الفارسية وتزوجها وهي التي انجبت له الامام السجاد، وهو الوحيد من الذكور الذين نجا من معركة كربلاء، ومن خلاله استمرت الامامة حتى الامام الثاني عشر. ولكن شريعتي وهو الباحث عن الحقيقة نراه هنا مستخدماً اسلوب الشك والمحاججة المنطقية للوصول الى تلك الحقيقة. فالمجلسي يقول ان ابنة يزدجرد كانت من سبايا القادسية اللواتي جاء بهن الجيش المنتصر الى المدينة، وما ان رأت الفتاة الخليفة عمر بن الخطاب حتى سبّته وشتمته فسبّها هو ايضاً وأمر ان تباع في سوق الجواري ليعترض الامام علي (ع) عليه بالقول ان بنات الملوك لا تباع وتشترى وان كانوا كفاراً. واشار علي إلى عمر ان يزوجها رجلاً من المسلمين ويدفع صداقها من بيت المال. وبعدها يروي المجلسي رواية منقولة عن الامام الصادق حول حوار جرى بين الامام علي والاسيرة الساسانية اضافة الى حضور فاطمة الزهراء لادخال كنتها الى الاسلام بعد ان دخل الرسول محمد (ص) قبلها القصر الساساني ليعقد بين الاميرة الساسانية وابنه (الامام الحسين). كل هذه الامور هي غير منطقية وغير مقبولة جاء بها المجلسي والكافي وغيرهما. وقد اعترض شريعتي على ما نقله المجلسي وغيره بأسئلة اعتراضية استخدمت المنطق والشك ليتساءل ونحن معه عن جملة من الامور سنلخصها بالتالي :

بداية يطالب الامام علي (ع) الخليفة الثاني بتزويح الاميرة الساسانية لرجل من المسلمين. ولكن الزواج تم للامام الحسين (ع)، علماً ان الامام كان حينها غلاماً. ولو قبلنا يهذه الواقعة فاننا سنكون امام اشكالية اخرى "وفق شريعتي" وهي ولادة الامام السجاد (ع) والتي جاءت في الخامس من شعبان سنة 38 للهجرة؛ اي بعد ما يقارب 23 عاماً، 20 عاماً عند شريعتي" من زواج الامام. وهذا يعني ان الاميرة لم تنجب ابنها الا بعد مضي ما يقارب 25 عاماً. الا ان المجلسي كما يقول شريعتي حاول ترقيع هذه المشكلة بالقول "انّه ليس من المستبعد ان تكون كلمة (عمر) الواردة في الرواية تصحيفاً لكلمة (عثمان) فيكون الزواج قد تم في عهد عثمان وليس في عهد عمر!) (2) . وفي الواقع، وفق شريعتي، فان هذه الادعاء اذا تم القبول به فاننا سنكون امام اشكالية اخرى اكثر احراجاً من ذي قبل، وهو طول الفترة الزمنية بين اسر البنت وزواجها. فهل كلمة القادسية مصحفة ايضاً؟!. وفي مكان آخر يعمل التراث الشيعي الصفوي على غاية واضحة هي اقحام الامام علي (ع) في حوار لا يقبله المنطق ولا العقل ولا حتى الغيب. كيف؟...

يقول المجلسي في "بحار الانوار" نقلاً عن الامام الصادق (ع) ان حواراً جرى بين الاميرة الاسيرة وبين الامام علي (ع) على الشكل التالي :  (3)

فقال الامام علي (ع) چه نام داري اي كنيزك؟ يعني ما اسمك يا جارية؟!

قالت: جهان شاه.

فقال: بل شهربانويه.

قالت : تلك اختي.

قال: " راست گفتي" صدقت...!

يقول شريعتي في رده على هذه الفرية ان ناقل الخبر ولو فرضنا معرفة الامام للغة الفارسية قد فاته ان الامام "حسب الحوار اعلاه" كان يتحدث الفارسية باللهجة الدرية وهي لهجة محلية لاهالي خراسان وهي التي يتحدث بها اليوم الافغان الناطقين بالفارسية، في حين ان الاسيرة كانت تتحدث باللغة الفارسية البهلوية. كما وان كلمة "كنيزك"، حسب شريعتي كانت من الاصطلاحات الرائجة في زمان الراوي لا في زمان الحدث. كما يبدي شريعتي دهشته حول الحوار، فلماذا كان الامام "عربي" يتحدث الفارسية الى الاميرة " فارسية " التي تجيبه بالعربية؟!!.

هنا قد يبرر البعض طريقة الحوار بدعوى ان الاسيرة وهي اميرة وبنت ملك، وتعيش في عاصمة مملكة ابيها (طيسفون - المدائن) التي تقع على تخوم اراض يعيش فيها العرب المناذرة. وربما أن الاميرة قد تعلمت اللغة العربية وهذا ليس ببعيد، وان الامام علي يعرف الغيب "حاشا الامام" وبذلك أحاط باللغة الفارسية، وهذا ممكن ايضاً!. ولكن الاشكالية التي سنقع فيها بسبب أصحاب هذا الرأي هو اذا كان الامام يعلم الغيب وتعلم اللغة فلماذا اخطأ باسم الصبية قائلاً لها شهربانويه بدلاً من جهان شاه!؟. اعتقد ان الهدف من كل هذه المحاورة هو حشر الاسرة الساسانية في علاقة نسب ومصاهرة مع الهاشميين، وما لهذه المصاهرة من أثر كبير سيترجم لاحقاً بولادة شاه جهان لصبي واحد هو الامام السجّاد والذي من خلاله سيبقى الدم الساساني خالداً مع حفيد السجّاد حتى إلى المهدي المنتظر. هذا الشكل من اشكال الشعوبية يطلق عليها شريعتي مصطلح الشعوبية الصفوية. لقد تمكنت الصفوية من توظيف المشاعر الصادقة للشيعة في ايران لترسيخ حركة شعوبية عزلت ايران عن باقي العالم الاسلامي بواسطة "رجال دين" كانوا على استعداد لتنفيذ كل ما يطلبه الحكام منهم لانتاج التشيّع الصفوي من المادة الخام الاصلية والنقية اي التشيّع العلوي. ولم يكن الاتراك ببعيدين عن هذا التوجه وتغذيته عن طريق "رجال دين" تدفعهم السلطات في اتجاه انتاج تسنن تركي يشوّه قاعدة التسنن المحمدي الاصيل لتحقيق الاهداف القومية التوسعية للأتراك.

لقد حرص الصفويون، كما يقول شريعتي، على تضييق دائرة المشتركات وتوسيع دائرة الخلافات لعرقلة اجتماع المسلمين - شيعة وسنة- حول شعيرة واحدة، وقاموا في الوقت نفسه بتحريك ماكنتهم الدعائية ضد التسنن التركي حتى وصل الامر بهم باتهامهم للتسنن غير المحمدي طبعاً ، باخفائه عمدا آيات من القرآن الكريم فيها مدح للامام علي. وهذا يعني ان القرآن الذي بين ايدينا، هو قرآن ناقص ومحرّف "حسب شريعتي"، وان القرآن الاصلي كان بحوزة الامام علي ليورثه من بعده باقي الائمة المعصومين، وهو الان بحوزة الامام المهدي. وعلى غرار الصفويين فان وعاظ سلاطين الباب العالي كانت لهم فتاواهم التي تنال من الشيعة وتنتقص من اسلاميتهم، عندما كانوا يفتون بجواز زواج المسلم بالمرأة "الكافرة" من اهل الكتاب، وتحريم زواجه من المرأة الشيعية !!.

أن الصراع السياسي والعسكري بين الصفويين والعثمانيين كان بحاجة إلى آيديولوجية مذهبية لمواجهة كلاً منهما الاخر. وهذا ما دفع بالصفويين الى تأسيس وتبني تشيّعا بعيداً كل البعد عن التشيّع العلوي؛ أي التشيّع الصفوي. واعتنق العثمانيون تسنناً خاصاً بهم أيضاً وبعيداً كل البعد عن التسنن المحمدي حسب وجهة نظر شريعتي. وهكذا أفرزت المواجهة بين الدولتين من الدين الاسلامي الواحد ديانتين مستقلتين متخاصمتين. وخير دليل على صحة وجهة نظر شريعتي في هذا الجانب هو أستمرار الصراع الشيعي الصفوي والتسنن العثماني وما نتج عنهما من كوارث خلال العقود اللاحقة، هذا الصراع الذي اتخذ لاحقاً منحى أكثر قسوة على طريق صراع لا نهاية له على المدى المنظور. ومما كرس هذا المنحى هو وجود نصوص قرآنية قد تم تفسيرها حول حتمية أستمرار الصراع بين الفرق الاسلامية. فقد قام غالبية مفسري القرآن بتفسير الآية التي تقول: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون) لصالح هذه الفكرة. إذ أن النبي قال عندما وصل جبرائيل بالآية الى "عذابا من فوقكم" أعوذ بوجهك، وعندما وصل جبرائيل الى قوله " أو من تحت أرجلكم " قال النبي ثانية أعوذ بوجهك، وعندما وصل جبرائيل  الى "أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض "فقال النبي حينها هاتان أهون؟. من الواضح أن تفسير هذه الآية بهذا الشكل، قد أعطى ويعطي مادة دسمة وزادا لاينضب الى المتشديين من مختلف المذاهب الاسلامية وعلى الاخص الشيعة والسنة في أن يستمروا بصراعهم هذا حتى قيام الساعة.

في حديثه عن الحركة "الشيعية الشعوبية"، يحاول شريعتي كشيعي ملتزم أن يفصل مذهبه الديني عن المذاهب الاخرى، حيث يقوم بذلك عند تناوله نضال الشعوب المختلفة خصوصاً في العالم الثالث لنيل حريتها وترسيخ مفاهيم المساواة والعدالة متأثرة بالثورة الفرنسية وثورة أكتوبر ونضالها السياسي الاجتماعي في محاولة منها لوضع نهاية لمعاناتها المتجسدة بنظام الاستغلال الطبقي، وذلك من خلال وضع مفهومين شيعيين هما "الأمامة والعدل" بأعتبارهما ركنان اساسيان في هذا الصراع، متهماً المذاهب الاخرى بأنها غارقة في "عالم الروح وما وراء الطبيعة"، بعد أن يتهم طبقة من رجال الدين بمحاولتهم "سلب البعد الاجتماعي والتقدمي والحياتي" للأديان والمذاهب وذلك من أجل ضمان مصالحهم الطبقية وتأمين مصادر أرتزاقهم من السلطات الحاكمة" حسب وصفه. ومهما حاول شريعتي تبرئة المذهب الشيعي ورجال دينه من التهم التي طالت المذاهب الاخرى ورجال دينها، فأن المستقبل الذي لم يراه شريعتي أثبت بطلان أعتقاده هذا بعد أن أصبح المذهب الشيعي كما المذهب السني، مذهب دولة لها سلطة تعتمد أعتماداً كبيراً على رجال الدين الذين كما زملائهم السنة يحتكرون لأنفسهم فقط مهام تفسير الدين لصالح الطبقة السياسية الحاكمة التي يرون أنفسهم جزءً منها بل في مقدمتها. إن وجود رجال الدين هؤلاء في السلطة أو قرباً منها، جعلتهم أن يبتعدوا ومعهم مريديهم الذين يقودونهم لصالح مصالح سياسية عن أسلام علي وتشيّع علي ودين علي القائم على العدل والامامة كما يقول شريعتي. أن يأس شريعتي من ضياع عليّ الامام والانسان من خلال ممارسات التشيّع الصفوي جعلته أن يصرخ قائلاً: "أنت يا من تشم رائحة الخبز في يد الجياع كما تشم رائحة الله في المحراب، اليك أنت فقط ، أصرّح برغبتي العارمة بأن تعرف حقيقة ماذا يعني "عليّ" (5) . ويتحول يأس شريعتي هذا الى أحباط كبير عندما يجزم قائلاً :"ولكن هيهات، فأن أكسير الأستحمار الصفوي المشؤوم أستطاع أن يصنع من (الدم) (ترياقا) ومن (ثقافة الاستشهاد) (ترنيمة نوم)" .

 

زكي رضا

الدنمارك

12 / 11 / 2014

....................

(1) " التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي ص 124 "

(2) " المصدر السابق ص 125 "

(3) " المصدر السابق ص 126 "

(4)] " قرآن كريم سورة الأنعام ص 65 "

(5) " التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي ص 149 "

 

 

مملوك ومؤرخ وسيرة

saleh altaeiقراءة تحليلية لكتاب "الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر ططر" للمؤرخ بدر الدين محمود بن أحمد العيني، الذي حققه ودرسه الأستاذ الدكتور فاضل جابر ضاحي

 

بين الأحاديث النبوية والرواية التاريخية

لابد أن نتنبه بداية إلى أمر في غاية الأهمية، وهو: أنه يجب التفريق بين رواية (الحديث) ورواية (الخبر)، فالحديث يتصل مباشرة بأصول التشريع، وعليه تبنى الأحكام وتقام الحدود، ولذا تحرز العلماء كثيرا في شروط الرواية والراوي، ونشأ علم الجرح والتعديل. ولكن بالرغم من ذلك مرت مجموعات كبيرة من الأحاديث التي ما كانت لتصمد لو وضعت في ميزان جرح حقيقي، فضلا عن تهاون وتكاسل العلماء بشأن أحاديث الفضائل باعتبار أنها لا تتصل بأحكام التشريع.

وكان قصدهم من التساهل إمرار أو قبول رواية من ضعف ضبطه بسبب الغفلة أو كثرة الغلط، أو التغّير والاختلاط، ونحو ذلك، أو عدم اتصال السند كالرواية المرسلة أو المنقطعة، ووفق هذه القاعدة جوّز بعض الفقهاء العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب والرقائق، مع وجوب التنبيه على ضعف الحديث، وهو الأمر الذي تغافله الرواة عمدا أو سهوا. فمرت من خلال هذا التهاون والتساهل سيول من غث الحديث والإسرائيليات والموضوعات التي أسهمت فيما بعد في تلوين مشارب الأمة، ولاسيما بعد أن تقصد وتعمد بعضهم إيراد هذه الأحاديث.

 

أما الرواية التاريخية ، فهي مع كبير أهميتها، إلا أنها لا تتعلق بإثبات أمر شرعي أو نفيه، سواء كان لذلك صلة بالأشخاص أو الأحكام، ولذا لم تخضع لما خضع له الحديث، وتحولت بالتالي إلى ساحة مفتوحة ينزل إلى اللعب فيها كل من تتاح له فرصة، أو كل من يُكلف بهذا الواجب من الموظفين الحكوميين أو الأُجَراء، ولذا وضعوا قاعدة تقول: "يجوز للمؤرخ أن يروي في تاريخه قولاً ضعيفاً في باب الترغيب والترهيب والاعتبار مع التنبيه على ضعفه" وبعد أن تسللت تلك الروايات إلى بطون كتب تاريخنا وكونت لوحدها ما يمكن أن نسميه: "كتب الهوة"، بات من المستعصي بل من المستحيل التحكم بها؛ لأن أي إجراء يتخذ بحقها سوف يترك في هيكل تاريخنا فضاءات من الفراغ القاتل، وهو ما قال عنه الدكتور أكرم ضياء العمري: "أما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التاريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه تعسف كثير، والخطر الناجم عنه كبير، لأن الروايات التاريخية التي دونها أسلافنا المؤرخون لم تُعامل معاملة الأحاديث، بل تم التساهل فيها، وإذا رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستمثل هوّة سحيقة بيننا، وبين ماضينا مما يولد الحيرة والضياع والتمزق والانقطاع .. لكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية ، فهي وسيلتنا إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة ، كما أنها خير معين في قبول أو رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخ أمتنا، ولكن الإفادة منها ينبغي أن تتم بمرونة آخذين بعين الاعتبار أن الأحاديث غير الروايات التاريخية، وأن الأولى نالت من العناية ما يمكنها من الصمود أمام قواعد النقد الصارمة".(1)

 

كتب الهوة

من هذا المنطلق وحرصا منه على ردم الهوة بادر الدكتور فاضل جابر ضاحي إلى اختيار أحد "كتب الهوة" ليدرسه وفق منهجية علمية، سارت باتجاهين، الأول: تبيان المزالق التي وقع بها المؤرخ، تلك المزالق والهنات والتدليس الذي وهّن قيمة الكتاب، وذلك لكي لا يتخذ الكتاب مرجعا دراسيا. والثاني: الحفاظ على هذا الكتاب كجزء من الموروث أو كلبنة من لبنات حائط التاريخ، يؤثر قلعها على تناسق الأجزاء. أي الاحتفاظ بالكتاب كصورة لا كمضمون.

ولكي ينجز هذه المهمة الصعبة كان عليه أن ينتهج الطرائق العلمية التي ترشد طلابه إلى أساليب ومنهجية التحقيق، ولاسيما وأن هناك في موروثنا ملايين المخطوطات القديمة والحديثة التي تحتاج إلى التحقيق وفق منهجية علمية، وقد يكون من ضروريات تكاملنا الفكري والثقافي والعلمي أن يدخل علم تحقيق المخطوطات في مراحل الدراسات الجامعية، وينبه الطلاب على أهمية هذا العلم حتى لا يبقى هذا التراث العظيم حبيس النسيان، بل ينبغي أن يفاد منه علميا، كما نرى؛ ويرى ذلك معنا الدكتور عمار بن أمين الددو رئيس قسم المخطوطات بمركز جمعة الماجد بدبي في محاضراته التي ألقاها.

 

مهمة التحقيق

إن كلمة مَنهَج لغة هي: الطريق الواضح، ومثلها كلمة (منهاج) قال تعالى : "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً"(2)

والتحقيق اصطلاحا: يعني مجموع الخطوات العملية التي يسلكها الدارس للوصول إلى حقيقة معينة .

أما كلمة تحقيق منهجا، فتعني: التصحيح والإحكام. وتعني اصطلاحا، ما يقوم به طالب العلم من إخراج نصوص المخطوطات القديمة في صورة صحيحة متقَنة، ضبطاً وتشكيلاً، وشرحاً وتعليقاً، وفق أصول متبَعة معروفة لدى الذين يتعاطون هذا العلم، ويعرف التحقيق على أنه: علم بأصول لإخراج النص المخطوط على الصورة التي أرادها صاحبها من حيث اللفظ والمعنى، فإن تعذّر هذا كانت عبارات النص على أقرب ما يمكن من ذلك. أي هو الاجتهاد في جعل النصوص المحققة مطابقة لحقيقتها في النشر كما وضعها صاحبها لفظا ومعنى. وكأننا أمام مهمة تسعى إلى تصحيح وتقويم اعوجاج أثر ما، ووضعه على الطريق الصحيح، لينهل منه ذوو الاختصاص ما يروي ظمأهم.

 

مؤهلات المحقق

وعليه يتوجب على من يروم القيام بهذه المهمة الصعبة أن تتوفر فيه صفات خاصة، مع وجوب تمتعه بمؤهلات عامة وخاصة، تؤهله القيام بمثل هذا العمل الخطير، فالمؤهلات العامة المطلوبة، هي: أن يكون عارفًا باللغة العربية ملما بها. وأن يكون ثقة لا غبار على أمانته. وأن يكون عارفا بأنواع الخطوط العربية، وأطوارها التاريخية. وأن يكون على دراية كافية بالمراجع والمصادر وفهارس الكتب. وأخيرا أن يكون عارفا بقواعد تحقيق المخطوطات، وأصول نشر الكتب.

أما عن المؤهلات الخاصة، فيفضل أن يكون موضوع الكتاب المحقَّق مطابقا لما تخصص به المُحَقِق، فمن أراد تحقيق مخطوطٍ في النحو، عليه أن يكون نحويا، ومن أراد تحقيق كتاب في الرياضيات، عليه أن يكون رياضيًّا، ومن أراد أن يحقق كتابا التاريخ عليه أن يكون متخصصا في التاريخ. والكتاب الذي بين أيدينا كتاب تاريخي، والمحقق هو أستاذ أكاديمي للتاريخ، ويقع تحقيق هذا الكتاب ضمن اختصاصه.

فضلا عن ذلك لابد للمحقق أن يستعين بمجموعة من الكتب التي تساعده في مهمة تحقيق المخطوطة، منها ما له علاقة بموضوع التحقيق، ومنها ما له علاقة بموضوع المخطوطة المراد تحقيقها، فضلا عن ما له علاقة بالخط العام لموضوع المخطوطة أي المصادر والمراجع التي تتفق مضامينها مع موضوع المخطوطة.

وسنجد من خلال هذه القراءة أن الأستاذ الدكتور فاضل جابر ضاحي أفاد كثيرا من ممارسته التدريس الأكاديمي، ومن تمرسه في فن التحقيق، ومن خبرته في التأليف والنشر، فسار على أصول منهجية التحقيق العلمية بدأ من اعتماده على أكثر من مخطوطة للكتاب، ثم اعتماده أكثر من 26 مصدرا ومرجعا للدراسة، و147 مصدرا ومرجعا للتحقيق، وصولا إلى اعتماد الفهارس العامة والدقيقة، ومنها: فهرس الآيات القرآنية، فهرس الأحاديث الشريفة، فهرس الأقوال، فهرس الأعلام، فهرس القبائل والأمم والشعوب، الدول والأسر الحاكمة، الفهرس الإداري، الفهرس الجغرافي، الفهرس الاقتصادي، الفهرس العلمي، فهرس المؤلفات.

إن الكتاب الذي اعتمده الدكتور فاضل ليس من الكتب التي يتقبلها المتخصصون دونما اعتراض، فهو كتاب مثير للجدل؛ سواء من حيث المضمون أو المنهجية أو الوقائع التاريخية، ما يعني أن العمل عليه لن يكون سهلا يسيرا، فمتى ما وجدت الفوضى والمخالفات، لابد وأن ترافقها المشاكل والتعقيدات؛ التي تضع في طريق المحقق الكثير من العثرات، والتي سنجد لاحقا أن المحقق نجح بتجاوزها من خلال المقدمة التحليلية التوضيحية التي وضعها للكتاب والتي نافت على الخمسين صفحة

 

الكتاب منهجا ومضمونا

بالرغم من كون المنهجيات وأسسها قننت وعُرّفتْ حديثا، إلا أنه ليس من الإنصاف الاعتقاد بأن المؤرخين الأوائل كانوا يجهلونها، وان علماء الغرب هم الذين وضعوها، ففي تاريخنا المئات من المؤلفات التي تبدو وكأنها وضعت وفق أسس المنهجيات المعروفة المتداولة، بما يعني أن الأوائل كانوا يكتبون وفق منهجيات غير مسماة؛ بسليقة التقليد وان هذه المنهجيات كانت فطرية بدائية لا تعتمد الأسس العلمية التي اعتمدت بعد تقنين المصطلحات الذي فشا خلال القرنين المنصرمين. علما أن الغربيين أفادوا من هذا التقنين فادعوا أنهم هم الذين وضعوا أسس مناهج البحث، "ومن هنا يبدو لنا خطأ الفكرة المنتشرة على أنها حقيقة لا مراء فيها، وهي أن المنهج التجريبي ولد ونضج في الغرب على يد البيكونين "روجر وفرنسيس" و"جون ستيوارت مل"(3)

علما أن هناك بينهم من أكد خطأ هذه الفكرة مثل "كلود برنارد" الذي قال: "إنني أعتقد أن كبار المجربين قد ظهروا قبل أن توجد القواعد العـامة لفن التجريب، ومن ثم يبدو لي أنه لا يحق لأحد أن يقول في حديثه عن بيكون إنه اخترع المنهج التجريبي، ذلك المنهج الذي استخدمه "جاليلو" و"تورشيلي" على نحو جدير بالإعجاب عجز عنه بيكون"(4) ومع ذلك لم يكن رأي هؤلاء كاملا لأنهم اغفلوا جانبا مهما من الحقيقة وهو أن الكثير من علمائنا ومؤرخينا سبقوهم في استخدام المنهج التجريبي، مثل: أبو بكر الرازي، جابر بن حيان، ابن الهيثم، البيروني، وآخرون غيرهم.

وبالرغم من ثراء هذا الموروث لا نجد في كتاب العيني ـ حسب رأي المحقق ـ أي منهجية تذكر، فمع أن هذا الكتاب وضع كسيرة شخصية أكثر منه كتابا للتاريخ، إلا أنه لم يعتمد أي منهجية من المناهج المعروفة في كتابة السير.! حيث قال المحقق: "إذ قمنا بالتعريف بمؤلف الكتاب بدر الدين العيني، وعرفنا بالسلطان "ططر"... كما ودرسنا نص الكتاب دراسة نقدية وفقا للمنهج العلمي في النقد التاريخي.. وفضلا عن ذلك قمنا بتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأبيات الشعرية والأمثال والأقوال وعرفنا بالشخصيات والقبائل والأمم والأماكن المختلفة، وكل ذلك بالاعتماد على المصادر المتخصصة في أبوابها.. وقدمنا شرحا وافيا للمصطلحات المذكورة في المتن"(5) ولتوضيح ذلك أجد من الضرورة بمكان الحديث بشكل موجز عن مناهج كتابة السير.

 

منهج كتابة السيرة

كتابة السير المعروفة اليوم تكاد تكون من أقدم الفنون الأدبية المعروفة، ففي موروث العصر الجاهلي هناك عشرات السير التي كانت تروى شفاها، ويتداولها الناس كنوع من تراثهم. وبعد البعثة المشرفة، منذ بدايات الطور المدني تحديدا ولغاية النصف الثاني من القرن الهجري الأول كانت قصص السيرة تروى شفاها، ثم بعد هذا التاريخ أصبحت كتابة السيرة جزءً من علاقة المسلم بالغزوات التي قام بها أهله، وبشخصية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ولذا نجد هناك عدة أقوال عن كتب في السيرة النبوية أسهم في كتابتها مجموعة من المسلمين الأوائل، منهم: عروة بن الزبير بن العوام، الذي كتب السيرة عام 92 هجرية, وأبان بن عثمان كتبها سنة 105للهجرة, ووهب بن منبه، كتبها سنة 110 للهجرة, وشرحبيل بن سعد كتبها سنة 123 للهجرة, وابن شهاب الزهري كتبها سنة 124 للهجرة, وعبد الله بن أبي بكر بن حزم الذي كتبها سنة 135للهجرة.

وهي بمجموعها سير مجتزأة محدودة، ولكنها بالرغم من ذلك اعتمدت أساسا لكتابة كتب السيرة الكبيرة الأخرى، مثل كتاب السيرة الذي كتبه موسى بن عقبة سنة141هجرية ويعرف باسم "المغازي", وكتاب السيرة الذي كتبه معمر ابن راشد سنة 150 هجرية. وأشهر كتب السيرة، كتبه محمد ابن إسحاق سنة 125هجرية، وشذبها ولخصها ابن هشام سنة 218 للهجرة. وكتاب السيرة الذي كتبه زياد البكائي سنة 183 هجرية, وسيرة الواقدي صاحب المغازي التي كتبها سنة 207 هجرية, وسيرة محمد بن سعد صاحب الطبقات الكبرى التي كتبها سنة 230هجرية. وكثيرون غيرهم مثل ابن حبان (270 هـ - 354هـ) الذي وضع كتابا أسماه: "كتاب السيرة النبوية وأخبار الخلفاء" أرخ فيه لغاية المطيع بن المقتدر العباسي، بويع له بالخلافة عند خلع المستكفي سنة 334هجرية، وظل بالخلافة حتى سنة 363هجرية. وابن كثير المؤرخ (ت774) الذي وضع كتابا في السيرة، وابن تيمية.

هذا وقد تداخل هذا الاهتمام مع اهتمام آخر وهو كتابة سير الخلفاء، الذي تزامن مع ولادة الحكم الوراثي في الإسلام، وكانت بدايات نشوءه في العصر الأموي، وهو الأساس في كتابة سير الخلفاء والملوك والسلاطين، الذي جاء متأثرا بما كتب عن السيرة النبوية من جانب، وبتأثير الميثولوجيا الشعبية الموروثة من جانب آخر، وكانت تلك السير تكتب إما لحقبة كاملة مثل حقبة حكم الخلفاء الراشدين وحقبة الحكم الأموي وحقبة الحكم العباسي وحقبة حكم المماليك، مثل كتاب "الجوهر الثمين في سير الخلفاء والملوك والسلاطين"، وكتاب "النفحة المسكية في الدولة التركية من كتاب الجوهر الثمين في سير الخلفاء والملوك والسلاطين : من سنة ٧٣٦ حتى سنة ٥٠٨ ھ"، وكتاب "الشفاء في مواعظ الملوك والخلفاء" لابن الجوزي، وكتاب "روضة الصفا في سيرة الأنبياء والملوك والخلفاء"، وكتاب "تحفة ذوي الألباب فيمن حكم دمشق من الخلفاء والملوك والنواب" وغيرها. أو تكتب لأشخاص معينين من هذه الحقب كل منهم على انفراد، مثل كتاب مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لابن الجوزي (510ـ 597 هـ).

ومع ذلك لا نجد المؤرخ العيني يأبه بالموروث أو يتبع منهجه وإنما نراه بلا منهج لا يهمه سوى كيل المديح الفارغ وتسطير الأكاذيب وفضائل ما انزل الله بها من سلطان، وهو ما قال عنه المحقق: "وفي كل ذلك يتضح أن أحد الأسباب الأساسية التي دفعتنا لتحقيق الكتاب ونشره، كونه خال من تلك الإفادة، وتقديم معلومات وافية ومتنوعة من خلال الشرح والتعريف، والتعليقات التي فصلنا فيما جاء فيها مقتضبا أو مبهما في متن الكتاب، والسبب الآخر هو تقديم نقد للكتاب ولمؤلفه وبيان الأهداف الحقيقية التي دفعت بالعيني لتأليفه"(6)

وبالرغم من كون العرب كانوا في جاهليتهم وإسلامهم مولعون في تضخيم الأمور لأسباب كثيرة منها طلبا للمكسب والربح، أو تزلفا للحاكم، أو مدحا للقبيلة والأهل، أو دعما لمعتقد وفكر، إلا أن المؤرخ العيني تجاوز كل تلك السنن، ووضع كتابا محشوا بالأكاذيب والتضخيم فاق ما كان عليه الأوائل

 

المؤلف العيني

ولد العيني سنة 762هجرية بمدينة عينتاب، ثم عين سنة 788 خادما في المدرسة الظاهرية، ثم طرد منها سنة 790، طرده الأمير "جركس الخليلي" منها على وجه شنيع، وكان السبب وراء ذلك حسب قول المقريزي: "أمور اتهم بها والله اعلم"(7) ثم ترقى بالمناصب من خلال التقرب من الأمراء والحكام والتزلف لهم، وردا لجميلهم كان يكتب لهم سيرا، فقد كتب سيرة للشيخ المؤيد، ووأخرى للظاهر ططر، وثالثة للأشرف برسباي(8)، كلها فضائل مختلقة، يختلف مضمونها مع ما حدث على ارض الواقع.

 

منهج التدليس

حينما كتب العيني سيرة "المؤيد" أوغل في مدحه إلى أقصى الحدود، بالرغم من كونه لا يستحق هذا العناء، وكان المؤيد حينما مرض قد جعل "ططر" وصيا على ابنه ولي العهد، ولكن ططر خان الأمانة وقتل جمعا كبيرا من القادة والوزراء واستولى على العرش لنفسه، ومع أنه لم يحكم أكثر من ثلاثة أشهر إلا أن العيني نسى ما كتبه للمؤيد وشمر عن ساعده فكتب لططر سيرة أسماها "الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر ططر" جعله فيها أنموذجا للحاكم العادل الرءوف المحب للخير والعلم والعلماء المصلح المهتم بشؤون الرعية، بمعنى انه جعل ططر سيد الأوصاف الجميلة والأخلاق الفاضلة، في حين نقرأ في ترجمته عند مؤرخين آخرين معاصرين أو قريبين من عصره أقولا تصطدم بأقوال العيني، حيث أكد المقريزي(ت 845هـ)

أن في ططر طيشا وخفة وتعصبا شديدا، وأكد ابن تغرى بردي (ت874) أن ططر بالرغم من قصر فترة حكمه لكنه كان منتقما جائرا سفاكا للدماء، علما أنهما من المؤرخين الذين ينتمون إلى طبقة المماليك ذاتها التي ينتمي إليها السلطان ططر(9).

فضلا عن ذلك كتب العيني مؤلفه على عجل في الأيام الأولى لسلطنة ططر، بمعنى أن الصفات التي أسبغها عليه لا يمكن أن تتضح للعيان خلال وقت قصير جدا، إذ لا يمكن لأي حاكم مهما علت همته وعظمت كراماته أن يأتي بكل تلك الصفات التي أسبغها العيني على ططر في مدة لا تتجاوز الشهرين.

وهذا ما أشكله عليه المحقق الذي قال: "إن ما نريد أن نؤكده في هذا البحث أن المؤرخ العيني ومن خط خطه من المؤرخين أنما ضربوا عرض الحائط بشروط الكتابة التاريخية التي سجلها المؤرخون الذين عاشوا في عصر المماليك مثل السبكي وابن خلدون والسخاوي، ومن أهم تلك الشروط الحيادية وعدم التحيز وقول الحقيقة والتزام الأمانة"(10)

 

المحقق

آخر ما أريد الإشارة إليه هو أن الأستاذ الدكتور فاضل جابر ضاحي الذي أخذ على عاتقه تحقيق كتاب "الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر ططر" أنجز بحثا عمليا علميا في أسس تحقيق المخطوطات يمكن أن يكون منهجا لطلاب الجامعات والباحثين عن الأساليب العلمية في التحقيق، فهو فضلا عن اختيار الصعب ركوبا،والصعب يتعب في الركوب، جاء بأسلوب جديد لا يفطن إليه إلا من له قدرة تفكيك التاريخ، ومتابعة الجزئيات بدقة وفطنة، وهو ما فطن إليه الأستاذ المحقق وأبانه في مقدمته التي وضعها للكتاب، والتي أتمنى أن يجتزئها منه ويوزعها على طلبته لتكون معينا لهم في سعيهم المعرفي.

كان المحقق موفقا في دراسته التي جعلها مقدمة للكتاب وفي تحقيقه للكتاب، وهو عمل لا يسعنا إلا أن نهنئه عليه وندعو له بالتوفيق والسداد.

صدر الكتاب عن دار تموز للطباعة والنشر في دمشق بطبعة جميلة، بواقع 180 صفحة من القطع الوزيري، وهو بحث لا غنى عنه لكل مهتم بالتاريخ ولاسيما تاريخ عصر المماليك.

 

.......

الهوامش

(1) دراسات تاريخية، الدكتور أكرم ضياء العمري، ص 27

(2) المائدة:48

(3) ينظر: مناهج البحث في العلوم الإسلامية، الدكتور مصطفى حلمي، ص 57

(4) المنطق الحديث ومناهج البحث، الدكتور محمود قاسم، ص 38

(5) كتاب الروض الزاهر، أ.د. فاضل جابر ضاحي، ص9

(6) المصدر نفسه، ص10

(7) المصدر نفسه، ص13

(8) المصدر نفسه، ص14

(9) المصدر نفسه، ص27ـ28

(10) المصدر نفسه، ص28

 

 

الردّ على "الكتاب الأسود"

souf obidعندما بدأ محمد المنصف المرزوقي الكتابة على صفحات جريدة ـ الرأي ـ التونسية اِستبشرتُ مثل كثير من الأدباء التونسيين بمقالاته التي تنتصر إلى الهوية التونسية الأصيلة مع الدعوة إلى القيم الإنسانية الخالدة خاصة أنها بقلم ذي لغة عربية فصيحة ومن معين علمي يرشح بثقافة عالمية واسعة فاِعتبرناه مكسبا ثم توالت إصداراته تباعا وقد صدّر إحدى مقالاته في بعض كتبه وقتذاك بمقطع من قصيد لي عن التعذيب وأذكر أني أهديته قصيدا من مجموعتي الشعرية ـ صديد الروح ـ عربون صداقة وتقديرخاصة وأن المرزوقي أضحى عضوا معنا في اِتحاد الكُتّاب التونسيين الذي أمضى على ـ الميثاق الوطني ـ مع أغلب الأحزاب والمنظمات والشخصيات السياسية وقتذاك تلك بعض التفاصيل البسيطة والمهمة في تاريخ تونس وكي يتذكر بعض الذين يريدون محو التاريخ والتنصل من مواقفهم...وعندما حدث السابع من نوفمبر 1987 اِعتبرناه إنجازا مُهمّا بعد كوابيس السنوات الصعبة التي مرت على تونس وقد اِنخرط بعد ذلك في الكتابة عن أماني تونس الجميلة وأحلامها وفي كثير من المنابر عديد الأقلام الطامحة إلى الأفضل منهم قلم الدكتور محمد المنصف المرزوقي الذي أوغل أحيانا في المديح السياسي المباشر لبن علي فلماذا لم يذكر نفسه في الكتاب الأسود مع جملة الذين كتبوا والذين أيّدوا في فترة من الفترات؟ أين الحقيقة الكاملة وأين النزاهة وأين الشفافية؟

أمّا وقد ورد اِسمي في الكتاب فالجدير بي أن أوضّح أنني كنتُ حقا من الذين اِستبشروا بحدوث التغيير فساهمتُ من خلال اِتحاد الكتّاب وغيره من الفضاءات الثقافية في كثير من الأنشطة الأدبية المَحضة التي ساهمت في إبراز الأدب التونسي على الساحة الوطنية والتعريف به مشرقا ومغربا وفي العالم وأغلب تلك الأنشطة كانت تدعمها وزارة الثقافة مباشرة أو من خلال هياكلها وقد رشحتني وزارة الثقافة مرتين لنيل الوسام الثقافي والتي تحصلت ـ مع غيري من المبدعين ـ من خلالها وبفضل قانون ـ رخصة مبدع ـ على التفرغ ستة أشهر لإنجاز مشروع أدبي يتمثل في جمع أشعاري وإنجاز موقع ألكتروني خاص وهو الطموح الذي نادى به المبدعون على مدى سنوات عديدة وبخلاف هذا وذاك أصرّح أنني لم أتحصل من رئاسة الجمهورية ولا من سواها على أيّ منصب أو ترقية أو اِمتياز أو هبة أو منحة فليت السيّد محمد المنصف المرزوقي ـ وقد بحث في أرشيف القصر ـ أن يعمل على أن أسترجع الثمانية عشر يوما تلك التي خُصمت لي من أجرتي ومن ترقيتي ومن جراية تقاعدي إلى اليوم...لعل ذلك كان بسبب أنني لم أكن من المناشدين لترشيح بن علي للاِنتخابات سنة 2014

ختاما لا يسعني إلا أن أقول ـ إنّ المنصف المرزوقي قد خسرته الثقافة ولم تربحه السياسة...ليته ظل كاتبا مدافعا عن القيم الجميلة فقط!؟

 

 

مراثي غيلان نبش في ذاكرة السنين .. قراءة في كتاب لم ينشر بعد

saleh altaeiبالرغم من كل المصاعب التي أحاطت حياتنا، وأثقلت كاهلنا بأحداث جسام تركت آثارها واضحة؛ ليس على سلوكنا فحسب، بل وعلى وجودنا ذاته، فلونتنا بألوانها، وسحبتنا عنوة مرة إلى دنيا الخيال بحثا عن ألق حلم جميل، وأخرى إلى دنيا الخبال هربا من دنيا قاسية، بالرغم من كل ذلك، عشنا وتجاوزنا المحنة الكبيرة بل وضحكنا وفرحنا واحتفلنا وكأننا نرفل بعز نحسد عليه، يراه الآخرون ولا نشعر به.

كل تلك التراكمات الكبيرة صغيرها وكبيرها رسخت في ذاكرتنا كطعم الشهد المشوب بمرارة الحسرة، وبنت تاريخنا المثقل بالأحداث، فبتنا حينما يأخذنا الحنين إلى زمن ولى من غير رجعة، حينما تسحقنا ضغوط الحياة، حينما نشعر بالتيه بالحيرة بالضيق بالضياع بالوحدة القاسية، بالغربة في الوطن، ننبش دياجير ذاكرتنا بحثا عن لحظة فرح مرت بنا بالأمس، عن ساعة سعادة دغدغت وجداننا، عن حدث لا زال طعمه عبقا في مخيالنا، لا للمقارنة بين ماض وحاضر، إذ لا وجه للمقارنة بينهما؛ ولكن هروبا من واقع مر علقم؛ إلى ماض كنا نراه جميلا، طغت عليه الطيبة الساذجة والبساطة والانفتاح بعد أن تداخلت مكوناته رفضا للمكون الأوحد، وبحثا عن المكين الأخ والصديق والشقيق والجار، فتفتت جزئيات هوياتنا وذابت في أتون هوية اسمها العراق، لا يظهر في هيكلها أثر للجزئيات لأن الكلية كانت أعمق وأجمل وأحلى وأطيب وأكثر إنسانية من الانزواء في آفاق ضيقة، تبدو ملامحها باهتة أمام وهج أفق الإنسانية الجميل.

من هنا جاءت مراثي غيلان للأديب والإنسان الطيب الدكتور سعد الصالحي الذي يعتز بسنيته بشيعيته بعروبته بكرديته ببغداديته بمصلاويته بتكريتيته، ولكنه يعتز بلا حدود بعراقيته، لتعيدنا إلى تلك الأجواء، أجواء الطيبة والوحدة والمحبة والإنسانية والوطنية بأسلوب ساحر جذاب ممتع بسيط.

لقد بادر الدكتور الصالحي إلى نشر ومضات من هذا الكتاب الكترونيا في عدة مواقع، وكنت كلما أقرا واحدة منها، أشعر بحميمية افتقدها، وبنشوة أشتاق إليها، أشعر وكأن الأمس الذي عشته أشكو همومه؛ لم أكن وحيدا فيه، فقد عاشه عراقيون آخرون مثلي، لم أكن اشعر بوجودهم مع أنهم كانوا اقرب إلي من ظلي، فإذا كان أثر المأساة ضبابيا في روحي؛ فلأنهم أسهموا معي برفع بعض الحيف ولم احمله وحدي فخف علي حمله.

ومع كل مقطوعة ينشرها، كنت ألح عليه لكي ينشر هذا العمل الرائع لأنه لا يمثل سعد الصالحي وحده، ولا يمثل منطقة بعينها، ولا مكونا بذاته، وإنما يرسم صورا لواقع عشناه جميعا، ومررنا في تجاربه السعيدة والحزينة سوية مع بعض الفوارق التي لا يؤثر وجودها على الخط العام.

مراثي غيلان، ليست مراث لحقبة زمنية ولا مراث لأناس عاشوا المأساة وقاسوا مرارة وضنك العيش، بل هي مراث لتلك الحقبة التي فقدناها ولا زالت ذكراها عالقة في خيالنا، مراث لواقعنا المر الذي نعيشه، مراث لنا جميعنا لأننا لم ننجح بالحفاظ على تلك الصور الجميلة ولم ننجح في رسم صور مثلها.

مراثي غيلان أغنيات وضع كلماتها أهلنا القدماء، ولحنها الدهر القاسي، وغناها كل منا على ليلاه، فلكل واحد منا ليلى تقبع في مكان ما من الذاكرة تعيدها إلى الوجود صورة أو كلمة أو حالة تمر، ولذا ليس مستبعدا أن تتذكر أخته المثقفة زوجة الأكاديمي لهجة (فرحة) المعيدية في تسمية الأشياء فتردد كلمة: (بعارين... بعارين) بجذل وفرح غامر وكأنها طفلة ترى البعير لأول مرة.!

أما البطل الذي جازف بجرأة قل نظيرها للحديث عن أدق الأسرار خصوصية وأكثر التفاصيل كتمانا؛ فإنه كان يشعر بشمولية تشتت التركيز ربما لأنه عاش بأكثر من مكان أسماهن (حاراتي المندثرة) تتوزع بين بدرة وأربيل وكنعان وبعقوبة وبغداد وتكريت، لدرجة انه بات لا يقوى على تجميع صورة ما لطفولته. ولكنه مع ذلك نجح في لم شتات ما تذكر، وسطره على ورق ينتظر انفراج الأزمات لكي يتحول إلى كتاب مقروء يتاح للجميع معرفة كنهه والاطلاع على طلاسمه.

لقد تفضل عليَّ الدكتور سعد الصالحي وفاء منه، فأرسل لي نسخة من منجزه على عنواني البريدي في الانترنيت محبة بي، وربما لكي لا أبقى ألح عليه بضرورة الاستعجال بطبع الكتاب، فوجود نسخة على حاسبتي يصبرني في انتظار صدوره، وقد قرأته مرات، وفي كل مرة أشعر بسعادة غريبة وكأني أقرا نتفا من عمري الذي مضى، أو كأن كاتبا حول بعض ما عشته، بعض ما عشناه جميعنا إلى عمل تلفزيوني، مثله ممثلون لا نعرفهم ولكننا نعرف أنهم يتحدثون عن قصصنا، يروون ضحكاتنا ونشيج بكائنا وهذرنا وحكمنا، ويرسمون خطوط حزننا.

هذه ليست قراءة لهذا المنجز الكبير، ولا عملية نقد أدبي له؛ بقدر كونها تأملات وجدانية، أعبر من خلالها عن المشاعر التي انتابتني بعد قراءة العمل الفريد من نوعه، وسأكتفي بهذا، منتظرا صدور الكتاب رسميا لتكون لي وقفة طويلة معه

د. علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي (5)

قراءة في كتاب "التشيع العلوي والتشيع الصفوي"

وعلى الرغم من النقد المباشر لعلي شريعتي للحالة الطائفية والسياسية لتلك الفترة ، الا انه كشيعي اثني عشري لا يستطيع الخروج من قالب أحقية الشيعة ليس بالخلافة فقط ، بل وبأحقية فهمهم للاسلام ايضا ليستمر قائلا :(ان الخلاف بين الشيعة والسنة هو في الاساس خلاف فكري وعلمي وتاريخي يرتبط بطريقة فهم حقيقة الاسلام، وكل ما يدّعيه الشيعة في هذا المجال – وهو ادّعاء وجيه – انه ينبغي لمعرفة حقيقة الاسلام الاقتداء بأهل بيت النبي وعلي " ع " لاجل ان تكون المعرفة مباشرة ومن دون واسطة، وهذا بحدّ ذاته كلام معقول . وكما يدّعي الشيعة ان مواصلة طريق الرسالة وروحها بعد النبي مرهونة بأتباع علي (ع) والاعتراف به خليفة بعد النبي دون غيره ممّن عجزوا عن مواصلة الرسالة بروحها حتى آل امر المسلمين الى ما آل اليه مما يعرفه الجميع) (1). وهنا يعيدنا شريعتي الى المربع الاول متناسيا عذابات قرون من القتل والسبي طالت الملايين من البشر، ليقطع الشك باليقين مرة ثانية، وليستمر وهو المطالب بتقريب المذاهب، بضرب اولى الخطوات التي قد تذيب القليل من جبال الجليد بين المذهبين والطائفتين، بمطالبته الاعتراف بالامام علي كأول خليفة بعد وفاة محمد، بل يذهب شريعتي الى ابعد من ذلك عندما يصف الاخرين (ابي بكر وعمر وعثمان) بالعجز عن مواصلة الرسالة !.

ان التراشق والمهاترة هو الذي سيطر على مناخ الخلاف الفكري والعقائدي بين الشيعة والسنة ولا يزال، على حد قول شريعتي، وليتحول إلى سباب وشتائم وتهم مقززة، ومنها تهم اخلاقية طالت وتطال رموز اسلامية، استغلها ويستغلها معمّمو الطرفين لحقن مريديهم بأفيون رخيص الثمن طويل التأثير، دون ان يلتزم هؤلاء المعمّمون ( بالقرآن الناطق وفق شريعتي ) المتمثل بالامام علي وهو يُنهي عن السباب والشتائم. فقد خاطب علي اصحابه في حرب صفين قائلا :"أني اكره لكم ان تكونوا سبّابين" (*). ويذهب هؤلاء المعمّمون الى ابعد من ذلك وهم يعصون امر ربهم الذي قال في سورة الانعام وهو ينهي المسلمين حتى سبّ المشركين قائلا " ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله ". ان رجل الدين الشيعي الصفوي لا يكتفي باللغة السوقية والالفاظ المبتذلة والافتراءات والاقاويل المقززة بحق الخلفاء، بل يعمد كما يقول شريعتي الى اختلاق فضائل وكرامات فارغة للأئمة توجب استغفال " استحمار " عقول الناس ليبقوا اسارى أغلال الجهل والمذّلة ، بدلا عن تعريفهم بالامام علي ليس كأمام فقط بل وكأنسان، له مواقف ثابتة حيال الظلم والتملق والزور والتزوير والفقر والسرقة واغتصاب الحقوق واثارة الفتنة (2). ومن الفضائل والكرامات الفارغة التي يستشهد بها شريعتي على لسان رجال الدين الصفويين، هو تمكن الامام علي من تحويل الرجل المنافق الى كلب على الفور!!، أو أن (علي وبنفحة واحدة حوّل رجل الى امرأة تزوجت وأنجبت لزوجها وسكنت معه تحت سقف واحد لسنوات مديدة ومن ثمّ عادت الى حالتها الاولى، كل ذلك في طرفة عين)!!. وهنا بنظري يبدأ مفعول الترياق الصفوي وهو يخدر الشيعي البسيط ، كي لا يسأل عن السبب الذي لم يجعل الامام علي ان يحوّل معاوية الى كلب او انثى، بدلا من الدخول معه في حرب صفين وما نتج عنها من نتائج، ادت في النهاية الى استقلال معاوية بحكم الشام واسرعت في مقتل الامام علي واستشهاده في محراب الصلاة في مسجد الكوفة على يد احد الخوارج، وهو احد افرازات معركة صفين، وليصل الاسلام كدين من ساعتها الى مفرق طرق دفع وسيدفع الملايين من البشر حياتهم ثمنا لصراع الفريقين" الشيعة والسنّة".

ان شريعتي يستخدم جميع ادوات التجميل عند حديثه عن التشيّع العلوي الذي يقف ضد الظلم والجهل والتخلف والفقر والاذلال، وهو (جميل اصلا مقارنة بالتشيّع الصفوي حسب وصفه). كما يقف شريعتي بقوة ضد التشيّع الصفوي المؤمن بالخرافة والمنغلق على نفسه بعيدا عن المنطق والجدل الموسوعي الذي يستند عليه التشيّع العلوي، ليقول ان منطق الدفاع عن الامام علي "ع " ومهاجمة خصومه السياسيين من مغتصبي الخلافة بأسلوب السب والشتم هو القبح بعينه:"اذ أن المسافة بين وجهي التشيّع العلوي والصفوي هي عين المسافة بين الجمال المطلق والقبح المطلق" (3) . وفي معرض دفاعه عن البيانات والخطب والكتب الصادرة من مؤسسة الارشاد، وتناوله للتهم الموجهة لشخصه من قبل رجال الدين الصفويين بدعوى عدم ايمانه بولاية الامام علي وتنكره لاهل بيت الرسالة وانه سنّي ووهابّي، بعد اتهامه من قبل الحركة الوهابية كونه شيعي مغالي في العام . يقول شريعتي في وصفه لرجل الدين الصفوي قائلا :"ان رجل الدين الصفوي – ولا اقول العالم الشيعي – متعصب تعصبا اعمى، بمعنى انه غير قادر على تحمل رأي المخالف وليس لديه أدنى استعداد للاصغاء اليه وفهم ما يقول. وليس المراد من " المخالف " هنا بالضرورة أن يخالف الآخرين في الدين او المذهب، بل حتى من يخالفه في نمط التفكير وطبيعة المزاج، فهو لا يتورع عن تكفيره بدون تردد. وعند تمييزه العالم الشيعي ليس عن رجل الدين الصفوي فحسب، بل وعن علماء الاديان من المذاهب الاخرى، وفي محاباة واضحة يقول شريعتي:"إن (العالم) في التشيّع العلوي مستثنى من هذه القاعدة من بين جميع علماء الاديان وحتى المذاهب الاسلامية" (4).

واستمراراً لمقارنته التي اشرنا اليها، فان شريعتي يشير الى ان احد اهم الاسباب التي ادت الى انفتاح العالم الشيعي وتحرره في مجال البحث والمحاججة العلمية، هو وجود الاجهزة الاعلامية بيد المذهب المخالف ( السنّة ). وهذا التحرر منح العالم الشيعي مساحات اكبر في التفكير والنقاش الفكري والعقائدي لاثبات احقية المذهب، على عكس رجل الدين الصفوي والذي وان تزيّا بنفس زيّ العالم الديني ( من التشيّع العلوي)، فاننا نراه – والقول لشريعتي – يتهرب من مواجهة العلماء واهل التخصص ، مع انه يزعم بكونه عالم شيعي ويدّعي انه مرجع للعوام في معرفة امور دينهم، إلاّ أنه في الحقيقة مقّلد لعوام الناس وليس سوى أداة رسمية لاصدار الاحكام على ضوء ما استنبطه مريدوه تبعا لاهوائهم ومزاجهم) (5) . ويستشهد شريعتي بأحد هؤلاء الصفويين وهو السيد العسكري الذي يقول في وصفه لعمر بن الخطاب وتوهينه (6)، رداً على بيان مؤسسة الارشاد " متى كان عمر بن الخطاب شريف بني عدي، أما نسبه ففي كتاب الدرر باسناده عن الحسن بن محبوب عن ابن الزيات عن الامام الصادق (ع) انّه قال: "كانت صهاك جارية لعبد المطلب، وكانت ذات عجز، وكانت ترعى الابل وكانت من الحبشة، وكانت تميل الى النكاح فنظر اليها نفيل جد عمر في مرعى الابل فوقع عليها. فحملت منه بالخطاب، فلمّا أدرك البلوغ (الخطاب) نظر الى امه صهاك فاعجبه عجزها فوثب عليها فحملت منه بختمة، فلما ولدتها خافت من اهلها فجعلتها في صوف والقتها بين احشام مكة فوجدها هشام بن المغيرة بن الوليد فحملها الى منزله وسمّاها ختمة. وكانت شيمة العرب أن من يربي يتيما يتخذه ولدا ، فلما بلغت ختمة نظر اليها الخطاب فمال اليها وخطبها من هشام فأولد منها عمر وكان الخطاب أباه وجدّه وخاله وكانت ختمة أمّه وأخته وعمته ، وينسب العسكري الى الصادق في هذا المعنى شعراً:

من جده وخاله ووالده               وامه واخته وعمته

أجدر أن يبغض الوصي وان       ينكر في الغدير بيعته

ويقول شريعتي هنا ، من انه يكتفي بنقل هذا المقدار من الهوامش "العلمية لهذه الشخصية العلمانية الصفوية" (7). ولو تركنا كل ما جاء به السيد العسكري كرجل دين صفوي من ترّهات يقبلها الكثير من عوام الشيعة، فهل علينا ان نقبل بان ينزل الامام الصادق وهو الامام المعصوم عند الشيعة والمنزّه عن الخطايا وحفيد الامام علي الذي يعتبر الكلام الفاحش تعبيرا عن هبوط شخصية المتكلم قبل السامع، الى هذا المستوى من سب ولعن وشتم، بل واستخدام اكثر العبارات بذاءة!؟. الجواب بالتأكيد لا، ولكن التشيّع الصفوي يغرر بالبسطاء من الناس ليجعل الاسود ابيضا والابيض اسودا خدمة لمؤسسته الدينية وديمومتها وخدمة للسلطان الصفوي او من جاء بعده لتحقيق مآربه السياسية ومن ثم المالية .

لقد تداخل، بنظري، العشرات من علماء التشيّع العلوي ومنطقهم العقلاني ومحاولاتهم سوية مع العشرات من اقرانهم من علماء مذاهب اهل السنة والجماعة من أجل العمل على حصر الخلاف الفقهي بأضيق حدوده، او على الاقل الابتعاد عن اعتبار الخلاف سببا للعداء والبغضاء. فكما يقول الشيخ كاشف الغطاء في "التشيّع العلوي بالتشيّع الصفوي":"بعد وصول الشيعة الى السلطة في ايران جرى الاستفادة القصوى من رجال الدين الصفويين على حساب علماء الدين لتعزيز مواقع السلطة. هذا التداخل والتماهي في حدود معينة صعّب امر علماء الدين امام رجالات الصفوية البارعين في دغدغة مشاعر البسطاء من الناس والضحك على ذقونهم، مما عقّد ويعقّد مهمة التقارب بين المذاهب، عدا الوهّابية المرفوضة من قبل العديد من المذاهب الاسلامية". وهذا يحتاج كخطوة اولى الى تنقيح الكتب الدينية عند الطائفتين، ومنها المئات من الكتب الدينية " الصفوية " مما تحويه من أمور لا يقبلها العقل البشري ولا تمت بشيء الى تراث أئمة الشيعة الزاخر بالعطاء الفلسفي الديني. وسنأتي لاحقا على نماذج من هذه الامور التي تسيء للتشيع بدلا من تعزيز موقعه كمذهب حمل راية الثورة ضد الطغيان السلطوي لقرون قبل ان تخمد آواره. ومثلما أصبح الحقد والكراهية والغاء الاخر هو من صفات التشيّع الصفوي باعتقاد شريعتي، فان نفس الحقد والكراهية والغاء الاخر هو من صفات التسنن الاموي كما يعتقد الشيخ شلتوت. ولا اظن ان هناك شخصيتين اسلاميتين استطاعتا وصف الصراع الشيعي السني غير العقلاني بهذه الدقة ومن خلال جملتين لا غير، كما وصفهما شريعتي وشلتوت. أما الشيخ محمد تقي القمّي سكرتير عام دار التقريب فيقول:" .. لو امعنّا النظر في جذور تسمية المذهبين السنّي والشيعي، لاكتشفنا أنّ جميع المسلمين هم شيعة لأنهم جميعا يحبّون أهل بيت النبي الاكرم (ص)، وهم أيضا سنّة لأنّ جميع المسلمين يعتقدون العمل بكل ما ثبت من طريق موثوق أنّه صادر عن النبي الاكرم (ص) .. وفي ضوء ذلك فنحن جميعا سنة وشيعة وقرآنيون ومحمديون ". ولو بحثنا في تاريخ الصراع الشيعي السني عن عقلاء ومفكرين كشريعتي وكاشف الغطاء والقمي وشلتوت لوجدنا العشرات، وخصوصا منذ بداية النصف الثاني من القرن السابق .

 

...................

(1) " المصدر السابق ص 77 "

(*) "المصدر السابق 78 الهامش ” يتحدث شريعتي عن ترجمة نهح البلاغة الى اللغة الفارسية من قبل أحد المترجمين وتأويله للسب والشتيمة ليكونا مقبولين من الناطقين بالفارسية فيقول "شريعتي" (أن هذا الرجل "المترجم" عندما وصل  الى مقولة علي لأصحابه "إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين" ووجد أنها لا تنسجم مع التوجه العام لدى علماء التشيّع الصفوي لجأ كالعادة الى التأويل وهي الحرفة التي تتجلى فيها المهارة الفائقة للتشيّع الصفوي في قلب معاني التشيّع العلوي وتجريدها من مضمونها الحقيقي)، فقال: (ليس المراد من هذه العبارة هو عدم جواز شتم المخالف واللعن عليه بل على العكس هذا واجب وتكليف، غير أن المنع جاء هنا من أمير المؤمنين بخصوص سبّ بني أمية وذلك خشية أن يسبّوا بالمقابل أمير المؤمنين فيكون السّاب لبني أمية متسببا في سبّ أمير المؤمنين "ع" وهو أمر غير جائز طبعا)!!. نهج البلاغة، ترجمة فيض الاسلام. ويقول شريعتي هنا (لاحظوا هنا كيف حوّل المترجم كلام أمير المؤمنين الى قاعدة مقلوبة، ومفادها أنّه لا يجوز السبّ الّا أذا كان الطرف المقابل مؤدبا لا يرد بنفس الطريقة!!).  وهنا سأستعير جملة لشريعتي وأقول " يا له من أنتصار صفوي ساحق لا يقبل الا بالاستحمار كمنهج لأدامة هذا الشكل المشوّه من التشيّع.

(2) " للأستزادة راجع المصدر السابق ص 79 "

(3) " المصدر السابق ص 80 "

(4) " المصدر السابق ص 82 "

(5) " المصدر السابق ص 85 "

(6) " أحدى وسائل أهانة عمر بن الخطاب كانت ظاهرة ما يسمى بـ "عمر كشون" حيث يحرق العوام لعبة تمثل عمر بن الخطاب في التاسع من ربيع الاول من كل عام وهو يوم مقتله، لأدخال الفرحة الى قلب فاطمة الزهراء وذلك بحضور بعض المعممين من الروزه خونيه، وكان يصاحب الاحتفال بهدذه المناسبة الفرح الغامر والموسيقى وتوزيع الحلوى. وقد عارض العديد من علماء الدين الايرانيين كالمرعشي النجفي والخميني وغيرهم الكثير مثل هذه الطقوس. وقد أنحسرت هذه الظاهرة بشكل كبير جدا في أيران بعد الثورة. ونفس هذا الطقس بالعراق يسمى " فرحة الزهره" وكان في وقت ما قبل أن ينحسر هو الاخر يوم حبور وسرور عند عوام الشيعة.

(7) " التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي ص 120 "

 

زكي رضا

الدنمارك

8 / 11 / 2014

قراءة في كتاب "الأدب الرقمي" أسئلة ثقافية وتأملية مفاهمية دراسة

faysal roshdiيعتبر كتاب “الأدب الرقمي”للباحثة زهور كرام من أهم الكتب داخل الساحة المغربية خاصة والعربية عامة.يتكون هذا الكتاب من مئة صفحة،طبع مرتين،الطبعة الأولى سنة 2009 والطبعة الثانية 2013.منشورات دار الأمان المطبعة الأمنية بالرباط. عرف هذا الكتاب إقبالا واسعا ولاسيما أن الفترة التي تربط الطبعة الأولى والطبعة الثانية فترة عرف خلالها العالم العربي عدة تحولات، خاصة على المستوى السياسي والاجتماعي،ولعبت وسائل التكنولوجيا دورا كبيرا في تحرر وسائل التعبير وبذلك تحرر الأفراد من الوسائط التقليدية التي تعيق وصول الآراء والأفكار،حيث شكل الموقع الاجتماعي للتواصل “الفايس بوك” دورا هاما في انتقال المعلومة بشكل سريع وتفاعلت هذه السرعة مع الأحداث والأفراد ونجد هذا في دول الربيع العربي مثل(مصر،تونس،ليبيا). أثرت التكنولوجيا في الواقع الذي يعيشه الأفراد وخاصة في طريقة تفكيرهم وفهمهم .ومع انخراط الأفراد في الثقافة الرقمية،أصبح الإيقاع متسارع،توطدت صلة بين الفرد والتكنولوجيا في يومنا هذا ،فأصبح الفرد والتكنولوجيا وجهان لعملة واحدة. تطرح الباحثة إشكالات تريد الإجابة عنها ،إشكالات تتعلق بالكيفية التي نقرأ بها النص الرقمي وكيفية انتقال القارئ من قارئ ورقي إلى قارئ رقمي إضافة إلى موقع الأدب الرقمي في نظرية الأدب كل هذه الإشكالات تطرحها من أجل الوصول إلى إجابات تلائم الواقع الذي نعيش به ،إن الباحثة في هذا الكتاب تشتغل على نموذج في تحليلها لبعض أعمال الكاتب الرقمي الأردني محمد سناجلة الذي يعتبر رائدا في هذا المجال. تقدم الباحثة في كتابها بحثا أكاديميا يتكون من شقين شق نظري وشق تطبيقي،وبهذا تجمع الحسنين معا لتعطي للعلم حقه.فالتطور الذي عرفه العالم نتيجة لطرح الأفراد للأسئلة تؤرقهم يريدون أن يحصلوا على إجابة تشبع نهمهم المعرفي، فالإنسان هو الأخر يتطور بفكره ويرتبط هذا التطور بشكل موازي بالتطور التاريخي.طرحت الباحثة في الفصل الأول المعنون “بالأدب والتجلي الرقمي سؤالا في تعيين المصطلح”الذي يحدد النص التخيلي في الأدب الرقمي ،ليس فقط في التجربة العربية لكن في التجربتين الناجحتين في هذا المجال الأمريكية والأوروبية.هناك إشكال في تسمية المصطلح هل هو تفاعلي أم مترابط أم رقمي أم الكتروني أم معلوماتي.وهي مسألة مرتبطة بتحديد كل نوع أدبي جديد والذي يصطدم بسؤال التعريف الاصطلاحي ،بعض منظري النص المترابط يعتبرونه على أنه عبارة عن علاقة استمرار بين الأدب الرقمي والأدب في شكله المطبوع ورقيا من خلال البحث في الروابط والعلائق التي توجد بين الأدب ومفهوم النص المترابط مثل مافعله جورج لاندور الذي يعتبر من أهم المنظرين الأوائل لمفهوم النص المترابط. فالنص الرقمي المؤسس لتجربة الأدب الرقمي يظهر مع قصة الظهيرة للمؤلف الأمريكي مخيائيل جوسي قام بتأليفها سنة1985ونشرت سنة1987وفي هذه الفترة بالذات ظهرت نظريات نقدية تهتم بالقارئ أثناء عملية القراءة. وفي تناولها للأدب بين رهان التخييل وسلطة التكنولوجيا ننطلق من اقتناع إبداعي أكدته مختلف التجارب للعملية الإبداعية،وهي إما أن يكون النص التخييلي إبداعا أو أن يكون شيئا أخر غير الإبداع فإن ما يحدث مع النص الرقمي في علاقته بالتكنولوجيا شبيه بالتجريب في الرواية مع فارق تقني. والأساس من هذا هو فهم التجريد باعتباره مجرد لعبة لتكسير الحكاية والزمن والفضاء والشخصيات. فعلى المؤلف أن تتوفر فيه الشروط الآتية: أن يكون مستثمرا في وسائط التكنولوجيا الحديثة / أن يوظف أشكال الوسائط المتعددة وأن لا يعتمد على فعل الرغبة في الكتابة والإلهام الذي يرافق عادة زمن التخييل في النص المطبوع أو الشفهي. فالقارئ لنص الرقمي يتفاعل مع النص ،بل حتى مؤلف النص نفسه يتفاعل مع القراء وهذا ما حدث للكاتب الفرنسي جون بيار بالب،الذي علق عليه أكثر من 500 قارئ وعبروا عن انطباعاتهم حول الرواية التي كتبها.فالباحثة إعتمدت على الدعامة التقنية كمكون نصي وتجليات النص الرقمي وتخييلي وكذلك المؤلف ووضعية النص المقروء،وقد ظهر مصطلح الأدب الالكتروني في 80 من القرن الماضي. الشق الثاني: الشق التطبيقي. تتناول فيه الباحثة تحليل أدبي رقمي للنص المترابط والتخييلي المعرفي إذ تتحدث عن الأدب الرقمي الذي يشمل مختلف تعبيرات الأجناس الأدبية من قصة مسرح…).وحينما نتحدث عن النص المترابط نجد أعمال الكاتب الأردني محمد سناجلة في نصوصه “شات وصقيع″ يحضر فيهما النص السردي المترابط في عناصره.في نص “شات” يندرج ضمن جنس الرواية والجديد في هذه التجربة هو دخول تعبير التأليف الذي يعتبر تعبيرا أساسيا في الأدب الرقمي. لابد من للمؤلف من شروط من بينها (اللغة، برمجة، ملفات، وثائق) سمعية وبصرية. تستخلص الباحثة في الأخير على أن الأدب الرقمي هو موضوع يأتي في سياق تكنولوجي يعطي انطلاقة جديدة للشعوب العربية في تعبير عن أفكارها وآرئها.

 

حائطيات طالب المقعد الأخير اصدار جديد للشاعر نوزاد جعدان

632-nozadصدر حديثاً عن دار فضاءات للطباعة والنشر، المجموعة الشعرية الثانية للشاعر السوري نوزاد جعدان، بعنوان "حائطيات طالب المقعد الأخير"، جاء في الإهداء "رافقني كلامكما كمفتاح البيت؛ أجمل القصائد تلك التي تلتقطها من الشارع كأي ورقة نقدية تجدها وأنت مفلس "، تقع المجموعة بـ158 صفحة من القطع المتوسط بواقع 72 قصيدة مقسمة إلى ثلاث لوحات مسميا كل واحدة منها بالحصة المدرسية الأولى والثانية والفرصة والحصة الثالثة، وبلوحة غلاف للفنان التركي إسماعيل جوبان.

632-nozadيذكر أن نوزاد جعدان ، شاعر وكاتب من سورية، يقيم في الإمارات العربية المتحدة، حاصل على جوائز عربية وعالمية عدة منها جائرة كاستيلو دي دونيو في إيطاليا وأرت أتاك الشعرية في كرواتيا وجائزة نعمان للثقافة في لبنان"، له مجموعتان شعريتان "سعيد جدا من إصدارات دار نينوى" و"أغاني بائع المظلات من إصدارات دار الفرقد" ومجموعة قصصية خزانة ترابية عن دار الياسمين للنشر والتوزيع الإمارات ورواد السينما الهندية الذي صدر مؤخرا عن دار الياسمين للنشر ،والعديد من النصوص والمقالات المنشورة في الصحف والمجلات العربية. ويتم توقيع الديوان يوم غد الاثنين الساعة الثامنة في ركن التوقيعات بمعرض الشارقة للكتاب.

أدب الحرب النسوي العراقي المعاصر..

mohsen aldahabiنالت الباحثة العراقية أنغام عبد الرزاق عبدالله مؤخرا شهادة الدكتوراه من مركز الدراسات النسوية بجامعة يورك في المملكة المتحدة، بأطروحتها المعنونه " أدب الحرب الروائي العراقي النسوي المعاصر" فقدمت بحثا عن مجموعة من الروايات والقصص، التي كتبتها نخبة من الروائيات العراقيات في أثناء الحروب الثلاث التي شهدها العراق: الحرب العراقية الايرانية (1980-1988)، حرب الخليج الأولى (1990-1991) وما تلاه من غزو امريكي ودولي للعراق في عام 2003 . تتناول أطروحتها وصفا للظروف السياسية التي أحاطت كل من هذه الحروب وتظهر للقارىْ الاوروبي مدى تأثير هذه الظروف على الحياة بشكل عام وعلى وضع المرأة العراقية بشكل خاص ثم مدى تأثير هذه الحروب على النتاج الأدبي بشكل عام ونتاج المرأة الكاتبة والمبدعة بصورة خاصة.

أذ تقدم نقدا تحليليا وترجمة لقصص (الاخر في المرآة) لابتسام عبدالله و(أسرى) لأرادة الجبوري وروايات (العالم ناقصاَ واحد) لميسلون هادي و(مابعد الحب) لهدية حسين و(شباك زبيدة) لأقبال القزويني و(سيدات زحل) للطفية الدليمي. وتظهر الباحثة من خلال تحليلها لهذه الاعمال الادبية ان النهايات المفتوحة لهذه الأعمال لا تعكس فقط سلسلة الحروب المتصلة على مدى ثلاثة عقود بل تعكس معاناة الانسان العراقي التي لم تتوقف منذ وقت طويل. كما أن هذه الحروب قد ساهمت في قلب المفهوم النمطي الذي يصف المرأة باعتبارها ضحية ضعيفة في الجبهة الداخلية والرجل على كونه مقاتلا مغوارا في جبهة القتال . تظهر النصوص أن معاناة الفقد عند المرأة لم تحدها من تأدية دورها في الحياة كأم وزوجة وحبيبة وفية. ان المرأة نجت من الحروب لتكون شاهدة حية على فقدان الزوج والابن والاخ والحبيب . ولتكون شاهدة على محاولات محو الذاكرة ومحو التاريخ وتساهم في تدوين كل شهاداتها للأجيال القادمة أملا في أحياء بغداد من جديد.

وتتخذ الباحثة من نظريات التحليل النفسي لكل من (فرويد) و(كاثي كاروث) المتعلقة بالصدمة التي تحدث في الحروب والمعروفة بال (تروما) أساسا نظريا في تحليل النصوص بالشكل الذي يظهر قدرة الادب على نقل الاحساس بالصدمة من خلال التقنيات الادبية كأسلوب التداعي وغيرها من اساليب السرد. كما تتخذ من نظريات (فيلمان ولوب) أساسا نظريا تظهر معه الأديبات العراقيات شاهدات على ماسي وصراعات عصرهن ليكون القارىْ شاهدا على شهادة تلك الكاتبات الناجيات من الحروب ومن الموت واللواتي يدون شهاداتهن ليعبرن عن رفضهن للحروب ومقاومتهن لقمع المرأة ومحاولات طمسها التي توازي طمس هوية بغداد.

وقد ناقش الرسالة باسهاب كل من الدكتورة نادية العلي استاذة دراسات الجندر في سواس/ جامعة لندن والدكتور زياد المرصفي أستاذ الأدب المعاصر في قسم اللغة الأنكليزية وأدابها /جامعة يورك، والرسالة تعد مرجعا أساسيا لفهم روح الابداع القصصي والروائي العراقي النسوي المعاصر خلال الحروب من قبل المتلقي والباحث الاوربي .

 

محسن الذهبي - مانشستر

 

د. علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي (4)

قراءة في كتاب "التشيع العلوي والتشيع الصفوي"

ان الشر الكبير الذي يواجه الحركات والنهضات السياسية والقومية والاجتماعية ( الدينية – المذهبية) والثوار والثورات هي وصولها الى نقطة الحد الأقصى (Maximum) في الخط البياني منذ النشوء حتى النمو على حد تعبير شريعتي. وعند الوصول الى هذه النقطة، تكون تلك الحركة او النهضة قد تجاوزت العقبات والعراقيل التي عادة ما تعترض طريق اية حركة جديدة وبعد ان تكون قد حطمت اثناء فترة نضالها الكثير من المفاهيم والقيم لتأتي بدلا عنها بمفاهيمها وقيمها ورؤاها عند وصولها للسلطة. وعندها تكون الحرب، حسب قول، شريعتي، قد وضعت اوزارها وانطفأت جذوة التغيير ولم يعد ثمة ما يقف في طريق الثائرين، حينها تبدأ الحالة الثورية بالضمور تدريجيا الى ان تتلاشى نهائيا بعد ان يترك الرجال (خندق المعارضة الى فندق السلطة) (1). وسيمارس هؤلاء ومن أجل الحفاظ على امتيازاتهم الجديدة نفس اسلوب النظام الذي سبقهم في قمع المعارضين لهم وان كانوا في خندق المعارضة سابقا، ويتهموهم بالخيانة اذا ما اختلفوا معهم في الرؤى. وتبقى الديموقراطية كنظام للحكم هي العلاج الحقيقي الذي لم يتطرق اليه شريعتي لانها تتقاطع مع الرؤية الاسلامية للحكم الذي يعتبر الاسلام مصدر التشريعات والحاكمية لله. فالرؤية الاسلامية هي على نقيض من الديموقراطية حيث الشعب مصدر التشريعات والسلطات.

وبعد ان يورد شريعتي بعض الامثلة ومنها انهيار الزرادشتية بعد ان تطورت من دين ضعيف اثناء العهد الاشكاني الى دين سلطة اثناء العهد الساساني، وبعض الامثلة عن الحركات التحررية في العالم قبل انهيار الاتحاد السوفيتي الذي اصبح نظام حكم يمارس القمع ضد مناوئيه، يصل الى التشيّع كحركة تحولت الى نظام مشيرا الى ان مقارنته للتشيّع مع الامثلة التي اوردها وتناولها من الناحية الاجتماعية فقط وليس من الجوانب (الفلسفية والكلامية والفقهية والاصولية ، وغير ذلك) (2) ، ليقول: "اذن للتشيّع حقبتان تاريخيتان، بينهما تمام الاختلاف. تبدأ الاولى من القرن الاول الهجري، حيث كان التشيّع معبراً عن الاسلام الحركي في مقابل الاسلام الرسمي والحكومي الذي كان يتمثل بالمذهب السني. وتمتد هذه الحقبة الى اوائل العهد الصفوي، حيث تبدأ الحقبة الثانية والتي تحول فيها المذهب الشيعي من تشيّع حركة ونهضة الى تشيّع حكومة ونظام" (3). وعندما تكون هناك حكومة ونظام ومصالح نخب سياسية يجب الحفاظ عليها، تكون هناك وسائل قمع جسدية وفكرية وتكرس الحكومة والنظام الجديد كل الامكانيات في المجتمع من اجل غسل ادمغة الناس، وهي بذلك لا تختلف في ممارساتها عن السلطة التي سبقتها بشيء، بل قد تكون اسوأ نتيجة تطور ادوات القمع والتضليل في عهدها عن سابقه .

لقد تحوّل التشيّع بعد ان كان مضطهدا ولا يمارس اتباعه طقوسهم بحرية، بل وكانوا يتعرضون للقمع اذ ما مارسوها بشكل علني، الى قوة كبرى بعد قيام الدولة الصفوية في العام 1501، حيث اصبح التشيّع مذهب الدولة ويمسك بزمام السلطة ليتحكم بالاجهزة الرسمية وغير الرسمية. وأصبح الحاكم الذي كان يقمع الشيعة ويلاحقهم ويقتلهم في الامس، من اكبر المدافعين عن التشيّع والولاء لأهل البيت (حتى انه يفتخر باعتبار نفسه "كلبا للأمام رضا"- "سگ امام رضا". ويا له من انتصار كما يقول شريعتي . ويضع هذا الحاكم نفسه نعليه على رقبته ويقصد على قدميه للزيارة من اصفهان الى مشهد حيث ضريح الامام الثامن عند الشيعة. يا له من انتصار . وهو نفس الحاكم الذي يشيّد مراقد ائمة اهل البيت بأبهى صورة حيث القبة من الذهب، والضريح من الفضة والمأذنة من السيراميك ... يا له من انتصار. إن الزيارة التي كانت حلما عند الشيعي اصبحت مظهرا رسميا تشجعه الدولة وتكرم فاعله كما لو كان قد حج بيت الله الحرام وربما افضل من ذلك .... يا له من انتصار. أما العلماء ورجال الدين فهم معززون مرفهون مكرمون يعيشون في ظروف جيدة للغاية ويجلسون جنبا الى جنب السلطان على مقعده الوثير. وقد يستشيرهم في كثير من الامور المتعلقة بمستقبل البلاد. بل ان السلطان لا يرى في نفسه القدرة والسلطة الا بمقدار ما يخوّله رجل الدين بالنيابة عن الامام صاحب الزمان .. يا له من انتصار.(4)

من هنا برأي شريعتي، بدأت هزيمة التشيّع وتحوّلت الحركة الى نظام اجتماعي رسمي مرتبط بمصالح النخبة السياسية والدينية ارتباطا وثيقا حيث لا يمكن الفصل بينهما. وهنا يكمن الخطر عندما يتحوّل "التشيّع" من ثورة على صعيد الفكر والايمان الى دراسة احكام الشك في الصلاة والوضوء والحيض وليقضي الشيعي نصف عمره في التمرن على القراءة الصحيحة مع ضبط مخارج الحروف حسب رأيه .

يعتبر علي شريعتي من المفكرين والسياسيين الايرانيين القلائل الذين نظروا الى الصراع العثماني الاوربي نظرة مغايرة مقارنة ليس بمعاصريه فقط ، بل وبالذين سبقوه ولليوم ايضا. فقد تجاوز شريعتي الحالة المذهبية التي صبغت هذا الصراع منذ نشوء الدولة الصفوية حتى الغاء نظام الخلافة بقرار من اتاتورك في آذار / مارس عام 1924، من خلال اعتباره الصراع العثماني الاوربي ، صراعا بين الاسلام والمسيحية. ولذا ومن خلال هذه الزاوية كان على الدولة الصفوية، حسب اعتقاد شريعتي، ان تقف الى جانب العثمانيين في ذلك الصراع، او على الأقل التزام الحياد في أسوأ الحالات من وجهة نظره .

لقد كانت الدولتان الصفوية والعثمانية ولعقود طويلة تخوضان صراعاً مستمراً ان لم عسكريا ففكريا. ووظفت كلتا الدولتان الكثير من المال والجهد لاثبات احقيتهما في الحكم على اساس الدين الاسلامي. ولا زال وحتى اليوم ينظر الكثير من الشيعة الى الدولة العثمانية كدولة طائفية ساهمت مساهمة كبيرة في قمع الشيعة ومذهبهم، خصوصا في المناطق التي كانت تحت سيطرتهم ، وهذا ما نستطيع ان نلمسه في قراءة محايدة لتاريخ الدولة العثمانية وكيفية تعاملها ليس مع الشيعة فقط بل ومع ابناء الشعوب والقوميات غير التركية وكذلك اتباع الديانات الاخرى من غير المسلمين من الذين كانوا يعيشون تحت حكمها. الا ان شريعتي لم يكن يهمه ذلك الصراع المذهبي بين الشيعة والسنة متمثلا بالدولتين الصفوية والعثمانية، بقدر ما كان يهمه الصراع العثماني الاوربي الذي هو صراع بين الاسلام والمسيحية، معتبرا الدولة العثمانية مركز الثقل الرسمي للمحور الاسلامي بينما يتركز مركز الجبهة المسيحية في اوربا ؟، فيقول:"لقد تمكنت الامبراطورية العثمانية من توحيد مختلف الاقوام والاجناس تحت راية الاسلام وشكلت منها كيانا سياسيا عسكريا منسجما، وأخذت بزمام ذلك الكيان العظيم . ولا ينبغي الشك هنا في ان الحكومة العثمانية كانت حكومة فاسدة ولم تكن تليق بحمل وسام الحكومة الاسلامية، اذا ما قارنا ممارساتها بمباديء الاسلام وقيمه الرفيعة، إلاّ اذا كان القياس والمقارنة ينطلقان من منظار كونها دولة تقف بوجه الاستعمار الغربي المسيحي الطامع بابتلاع الامة الاسلامية"(5) .

أن شريعتي اعتبر مهاجمة الصفويين للعثمانيين ومباغتتهم من الخلف حينما كان العثمانيون يحققون الانتصارات المتتالية لدحر القوات الغربية ، بأنها كانت (لحظة لهجوم غادر).(6)

واعتقد ان التطرق الى نشوء الدولة الصفوية قبل السفر مع شريعتي في كتابه هذا امر ضروري ، خصوصا وان اصل العائلة الصفوية قد شابه الكثير من الشك. فهناك من اعتبرهم من اصول تركية وأخرين من اصول كردية فيما يحاول بعض المؤرخين الشيعة اعتبارهم عرب من اهل البيت!! .

يعتبر القوميون الايرانيون الدولة الصفوية التي تأسست في العام 1501م اهم دولة ايرانية جاءت بعد الاحتلال العربي "الاسلامي" لايران خلافا لدول تأسست قبلها كالصفاريين والسامانيين وآل بويه والسربداران. فالدولة الصفوية هي الدولة الوحيدة التي استطاعت ان تبسط نفوذها ولاول مرة بعد الاحتلال العربي "الاسلامي" قرابة 500 عاما على كامل التراب الايراني ولتصل الى الحدود التي كانت عليها الدولة الساسانية. كما وانها قامت رسميا بتبني المذهب الشيعي كمذهب للدولة.

يقول الباحث الانكليزي Roger Savory في كتابه "ايران في العصر الصفوي"، أنه ليس هناك اي شك من ان للعائلة الصفوية جذور ايرانية وليس تركية مثلما يقال. وهناك احتمال كبير من ان العائلة جاءت من كردستان، وهاجرت بعدها الى مقاطعة آذربيجان حيث تعلمت التركية بلهجة تلك المنطقة قبل ان تستقر في مدينة اردبيل. فيما يقول المستشرق الروسي فلاديمير مينورسكي ان منطقة آذربيجان تحوّلت الى مركز للصفويين القادمين من مدينة اردبيل، الا ان العائلة الصفوية جاءت من مناطق اخرى تتحدث احدى اللغات الايرانية.

وحاول البعض من المؤرخين ارجاع اصل العائلة الصفوية الى جذور عربية وتحديدا هاشمية، معتمدين على كتاب صفوة الصفا لابن بزّاز وهو من مدينة اردبيل. وهناك العديد من الباحثين يعتقدون ان الكتاب المشار اليه تم تأليفه في عهد الشيخ صفي الدين اسحاق، وهو الجد الخامس لاسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية. وعليه فان الشكوك لازالت قائمة حول تكليف الكاتب لربط اصل العائلة الصفوية بآل البيت خصوصا بعد تشيّع الايلخانيين المغول في تلك الفترة. ويكمن السبب في محاولة تعريب الاسرة الصفوية واختيار الامام موسى الكاظم كجد اعلى لهم هو صبغهم بصبغة دينية تمنحهم الحصانة بين مريديهم في عالم السياسة لانهم من سلالة آل البيت، تماماً كمحاولة صدام حسين رسم شجرة عائلته وادّعاء انحدار نسبها من آل البيت. ولازال الكثير من علماء ومؤرخي الشيعة يصرون على عربية وهاشمية العائلة الصفوية، ومنهم الشيخ محمد جواد مغنية اذ يعرّف اسماعيل الصفوي على انه : (اسماعيل بن حيدر بن جنيد بن صفي الدين الذي ينتهي نسبه الى الامام موسى الكاظم) (7).

وعودة لبداية تأسيس الدولة الصفوية ومواجهتها للدولة العثمانية سياسيا وطائفيا وكرد فعل للمظالم التي تعرض لها الشيعة لقرون عديدة، فقد شَهَر الصفويون سيوفهم منادين بالثأر من السنة. وكان (القزلباشية) الصفوية يجولون في الشوارع والطرقات منادين باللعنة على ابي بكر وعمر. وكان على المارة ترديد اللعنة هذه والا فان الحراس يغرزون حرابهم في صدر من يرفض " لاخراجه من حالة الشك والتردد " (8) . وقد قتل خلال تلك الفترة الالاف من الابرياء نتيجة الجهل والتعصب الطائفي، الذي استثمرته المؤسسة الدينية والقوى السياسية التي تناغمت معها، وليتحوّل الصراع الفكري الى صراع سياسي بين فئتين كامتداد لصراع سياسي قديم. ولكن هل أن ظهور نزعة الانتقام من السنة في ايران ، قد رافقها ظهور نفس النزعة في الاناضول ام لا ؟. الجواب نعم ، فالملالي السنة ووقوفا ضد الحركة المنادية بإبادة السنة في ايران، كانوا يجيّشون البسطاء من الناس للدفاع عن الاسلام وسنة نبيه!، حيث يرتقي احدهم المنبر "ويشّمر عن ساعده الى المرفق ويغمرها في قارورة مملوءة بـالشيرة (سكر مذاب في الماء باللغة الفارسية)، ثم يخرجها ليغمرها في قارورة اخرى مملوءة بالذرة ويخرجها مرة ثانية ويتوجه الى مخاطبيه بالقول كم من الذرة علقت في يدي هذه ؟". وعندما تنتاب الحيرة الحاضرين في الجواب لكثرة العدد، يضرب صاحبنا ضربته بعد ان نجح في التأثير نفسيا عليهم فيصدر فتواه (بأنّ من يستطيع أن يحظى برافضي ويقتله فأن نصيبه من الحسنات سيكون بقدر الذي علق بساعد الملا). وعلينا ان نتخيل هنا مدى الوحشية التي غرزها الملالي في نفوس البسطاء، والتي اخذت طريقها في حملات ابادة يندى لها الجبين من قبل الطرفين تجاه بعضهم البعض .

 

زكي رضا

الدنمارك

5/11/2014

........................

(1) التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي ص 56 "

(2) " المصدر أعلاه ص 63 "

(3) " نفس المصدر ص 63 "

(4) " نفس المصدر ص 64 "

(5) " المصدر السابق ص 67 "

(6) " المصدر السابق ص 72 "

(7) " الشيعة في الميزان ، محمد جواد مغنية ص 346 "

(8) " التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي ص 75 "

 

قراءة في كتاب معالم في الطريق لـسيد قطب (3-4)

adnan oayeedطبيعة المنهج القرآني: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)

يعتبر المنهج القرآني عند سيد قطب قد حقق وجوده الفعلي لأول مرة في المرحة "المكية" من تاريخ حياة المسلمين كما بينا سابقاً. هذا المنهج الذي جاء أساساً لمعالجة قضية أولى وكبرى وأساسية في هذا الدين الجديد، هي قضية (العقيدة)، ممثلة في قاعدتها الرئيسة (الإلوهية والعبودية وما بينهما من علاقة). (1) .

إن الله وفقاً لهذا المنهج، كان يخاطب الإنسان بما أنه إنسان، يستوي فيه العربي مع العربي في كل زمان ومكان، كما يستوي فيه العربي مع غيره في كل زمان ومكان أيضاً. إنه إنسان "العقيدة" بغض النظر عن مرجعيته العرقية أو الوطنية. وهي قضية وجوده أيضا في هذا الكون، وقضية مصيره، وعلاقته بالكون وبهؤلاء الأحياء، وكذلك قضية علاقته بخالق هذا الكون وخالق هذه الأحياء. وهي قضية وجوده التي لا تتغير.

يقول سيد قطب : عن هذا القرآن (المكي): بأنه كان يفسر للإنسان سر وجوده، ووجود الكون من حوله، كان يقول له من هو؟، ومن أين جاء؟، ولماذا جاء؟، وإلى أين يذهب في نهاية المطاف؟، ومن ذا الذي جاء به من العدم المجهول؟، ومن ذا الذي يذهب به، وما مصيره هناك؟.

كما كان يقول له: ما هذا الوجود الذي يحسه ويراه، والذي يحس وراءه غيباً يستشرفه ولا يراه؟. ثم من أنشأ هذا الوجود المليء بالأسرار؟، ومن ذا الذي يدبره ويجدد فيه ويغيره على النحو الذي يراه؟. وكان يقول له كذلك: كيف يتعامل مع خالق هذا الكون ومع عباد الله من أمثاله.

إذاً هذه هي القضية الكبرى التي يقوم عليها الوجود الإنساني، والتي حدد المنهج القرآني مساراتها كلها لهذا الإنسان الذي لم يعد له أي دور في كشفها أو كيف يتعامل معها، لأن كل شيء قد حُدد له بشكل مسبق وما عليه إلا الاستسلام والامتثال والتنفيذ لأوامر هذا المنهج.

بيد أن المسألة الأكثر أهمية عند "قطب" هي أن الجيل الأول (المكي) قد استوعب هذه القضية الكبرى بكل معطياتها التي جئنا عليها، واستقرت استقراراً مكيناً ثابتاً في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان التي قدر الله أن يقوم هذا الدين آنذاك عليها وبها، وأن تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا الدين. متناسياً قطب هنا بطبيعة الحال أن هذا الإنسان المثالي الذي جرده من كل خصائص الإنسان الواعي، هو ذاته من كان وراء الفتنة الأولى والثانية وحرب صفين وظهور الصراعات الدامية على السلطة، كما نسي تلك الاختلافات بين أفراد ذاك الجيل حول تفسير القرآن وحتى خروج لعض الصحابة أو التردد عن طاعة الرسول، او وغير ذلك من خلافات في قضايا العقيدة ذاتها التي اعتبرها "قطب" ذاك المنهج الذي على الإنسان أن يستسلم له كلياً، حيث عم الخلاف بينهم حول: هل الإنسان مسير أم مخير، وهل هناك تجسيد للصفات أم ليس كمثله شيء ، وهل الخلافة بالوصية أم بالانتخاب.. وغير ذلك من قضايا خلافية ورثها لنا الجيل الأول لم نزل نعيش نتائجها الوخيمة حتى هذا التاريخ.

ثم ينتقل سيد قطب في هذا السياق إلى مسألة "الإلوهية" حيث يرى بأن حكمة الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تتصدى لها الدعوة منذ اليوم الأول للرسالة، وأن يبدأ الرسول منذ خطواته الأولى بدعوى الناس أن يشهدوا: (أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، وهو بدعوته هذه يريد إقناعهم أو ترسيخ فكرة أن الإلوهية تعني " حاكميه الله"، التي تعني كما اشرنا في موقع سابق نزع السلطة أو السلطان الذي يزاوله الكهان ومشايخ القبائل والأمراء والحكام، وإقرارها لله وحده، السلطان الوحيد على ضمائر الناس وشعائرهم وواقعيات حياتهم ومالهم وقضائهم وأرواحهم وابدأنهم. أو بتعبير آخر إن (الإلوهية) ودور الرسول محمد (ص) في تطبيق دلالاتها ممثلة بـ (لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، كما يراد لها، بان لا حاكميه إلا لله، ولا شريعة إلا لله، ولا سلطان لأحد على احد إلا سلطان الله، وأن ما يقوله الرسول هو ما يريده الله ويأمر به .(وما أتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا).-الحشر – 7 . وان الجنسية الخاضعة لهذه الحاكمية معرفةً وتنفيذاً أوامريا هي (جنسية العقيدة)، التي يتساوى فيها البشر جميعاً تحت راية الله. (لا إله إلا الله).

إن الدعوة الإسلامية بصيغتها التي جئنا عليها كما يراها قطب، ليست دعوة اجتماعية ترمي إلى نشر العدالة فحسب، أو هي دعوة أخلاقية ترمي إلى الخلاص من الأخلاق الجاهلية أيضاً، وإنما هي دعوة دينية تتولى شؤون الحياة الإنسانية كبيرها وصغيرها، وهي تنظم حياة الإنسان في الدنيا والآخرة وعالم الغيب، لقد جاءت هذه الدعوة لتتعامل مع عالمه المادي وأعماق ضميره ودنيا السرائر والنوايا عنده .. إنها مؤسسة ضخمة هائلة شاسعة مترامية كما يراها قطب.(3) .

إن هكذا عقيدة (لا إله إلا الله)، تمتاز بهذه السمات والخصائص لا يمكن أن تتحقق عبر الواقع ما لم تستقر في أعماق الإنسان المعتنق لها، وهذا الاستقرار لا يأتي إلا مع استسلام النفوس لنظامها، وحتى قبل أن تمر عليه تفصيلاتها وتشريعاتها. فالاستسلام ابتداءً هو مقتضى الإيمان.. وبمثل هذا الاستسلام تتلقى النفوس فيما بعد كل تلك التفصيلات والتشريعات بالرضا والقبول، دون اعتراض أو تلكؤ عن أي شيء عند صدورها إلى المسلم .

أما القضية الأخرى من جانب هذا الدين كما يراها سيد قطب، فهي اعتبار المنهج الديني منهجاً حركياً، حيث يرى: (بأن هذا الدين جاء ليحكم الحياة في واقعها ويواجه هذا الواقع ليقضي فيه بأمره...ويقره ..أو يعدله.. أو يغيره من أساسه.. ومن ثم فهو لا يُشرع إلا لحالات واقعة فعلاً، في مجتمع يعترف ابتداءً بحاكميه الله وحده.). (5).

فالدين عند قطب إذاً ليس نظرية تتعامل مع "فروض" كما يقول سيد قطب، بل هو منهج يتعامل مع "واقع" وفقاً لحاكميه الله، وهذا يعني أن الدين يرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه الحاكمية أو يعتمد على أوامرها الواردة في (القرآن). وبهذا تُلخص مسألة الحاكمية هنا تطبيقاً وفقا للواقع الملموس المتحرك المتبدل الذي وجدت حلوله بشكل مسبق في هذه العقيدة . فالمجتمع عندما يقوم فعلاً كمجتمع إسلامي تكون له حياته الواقعية، وهذه الحياة تحتاج إلى تنظيم وتشريع، وعندئذ فقط يبدأ هذا الدين في تقرير النظم وسن الشرائع لقوم مستسلمين أصلاً للنظم والشرائع المقررة بشكل مسبق في القرآن، ورافضين لغيرها من النظم. أما السلطان الذي يفرض تطبيق هذه الشرائع فهو العقيدة التي استقرت في قلبه وضميره ووجدانه واستسلم لها أصلاً . لذلك نرى سيد قطب في هذا الاتجاه يعيب على الذين يريدون من المسلمين أو غيرهم من الكفار أن يغيروا أو يجعلوا من العقيدة ومنهجها ما يداري أو يناقش أو يقارن معرفياً ما بينها وبين النظريات الوضعية (الجاهلية)، كي تلبي هذه العقيدة رغبات وقتيه لديهم أو في نفوسهم. فهذه الرغبات عند قطب، تشكل في حال قبولها هزيمة داخلية روحية أمام أنظمة بشرية صغيرة، يريدون منها صياغة نظريات وفروض تواجه مستقبلاً غير موجود. (6) . وبالتالي فإن الدعوة لإنشاء هذا الدين وفقاً لسيرته الأولى النقية، يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة حتى ولو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادة الميلاد بأنهم مسلمين، يجب أن يعلموا أن الإسلام هو (أولاً) إقرار عقيدة: (لا إله إلا الله)، بمدلولها الحقيقي، وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله، وطرد المعتدين على سلطان الله بإدعاء الحق لأنفسهم، وإقرارها في ضمائرهم وشعائرهم وأوضاعهم وواقعهم. (7) .

يقول سيد قطب في مسألة نشأة المجتمع المسلم وخصائصه معتمداً في ذلك عل كتاب "مبادئ الإسلام" لأبي الأعلى المودودي: إن الناس محكومون بقوانين فطرية من صنع الله في نشأتهم ونموهم وصحتهم ومرضهم وحياتهم وموتهم، كما هم محكومون بهذه بالقوانين في حياتهم الاجتماعية وعواقب ما يحل بهم نتيجة لحركتهم الاختيارية وهم لا يملكون تغيير سنة الله في القوانين الكونية التي تحكم هذا الكون وتصرفه،. وبالتالي عليهم أن يثوبوا إلى الإسلام في الجانب الإرادي من حياتهم فيجعلوا شريعة الله هي الحاكمية في كل شأن من شؤون حياتهم، تنسيقاً بين الجانب الإرادي في حياتهم والجانب الفطري. وتنسيقاً بين وجودهم كله بشطريه هذين وبين الوجود الكوني. (8).

إن موقف سيد قطب من قضية حرية الإرادة كما جاءت هنا تذكرنا بموقف الأشاعرة من هذه المسألة في نظرية (الكسب)، التي تقول إن الله قد أعطى الإنسان حرية الاختيار والممارسة، إلا أن هذه الحرية مقدرة من عند الله بشكل مسبق في اللوح المحفوظ. وهذا هو الجبر بذاته وإقصاء حرية وعقل الإنسان.

يقول سيد قطب أخيرا في مسألة طبيعة المنهج القرآني: (إن التصور الإسلامي للإلوهية ، وللوجود الكوني، ولحياة الإنسان، هو تصور شامل كامل، ولكنه تصور واقعي إيجابي، وهو يكره – بطبيعته – أن يمثل في تصور ذهني معرفي، لأن هذا يخالف طبيعته وغايته، ويجب أن يتمثل وينمو في أناسي، وفي تنظيم حي، وفي حركة واقعية.. وطريقة في التكوين..) (9) .

إذاً إن ما يرمي إليه هنا سيد قطب هو وجود تنظيم (حزب) له حوامله الاجتماعية (الصفوة) المؤمنة إيماناً مطلقاً بالحاكمية، وتعمل على تطبيقها وتحمل مشاقها وعنائها وكل ما يمكن أن تتعرض له من الطاغوت وحياة الجاهلية المترسبة في نفوس الناس. وهذا التنظيم وصفوته هو حزب (الإخوان المسلمون). الذي يعوّل عليه سيد قطب بناء الدولة الإسلامية أو المجتمع الإسلامي الذي أجد في توصيفه من قبل سيد قطب توصيفاً يقترب كثيراً من توصيف الشيوعيين لمجتمعهم الذي يحلمون بإقامته.. فسيد قطب يجد أن المجتمع الإسلامي المتفوق (ألأممي)، الذي لا يميز بين العربي والفارسي والتركي والصيني والهندي والروماني والإغريقي والاندونيسي والأفريقي.. هؤلاء الذين سيجتمعون كلهم على قدر المساواة وبآصرة الحب، وبشعور التطلع إلى وجهة واحدة. فسيبذلون جميعهم أقصى كفاياتهم، ويبرزون خصائص جنسهم، ويصبون خلاصة تجاربهم الشخصية والقومية والتاريخية في بناء هذا المجتمع الواحد الذي ينتسبون إليه جميعاً على قدم المساواة، وتجمع بينهم آصرة تتعلق بربهم الواحد، وتبرز فيها إنسانيتهم وحدها بلا عائق،وهذا ما لم يجتمع قط لأي مجتمع آخر على مدار التاريخ.

أما الفرق بين هذا المجتمع الإسلامي المثالي المتصور من قبل سيد قطب والمجتمع الشيوعي المتصور من قبل الشيوعيين فهو المجتمع الذي يختلف فقط برأيي في رؤية سيد قطب للمجتمع الشيوعي الذي يقول عنه:: (إن الشيوعية تريد إقامة مجتمعها على أسس طبقية من جهة. ومن جهة ثانية هو مجتمع لا يبحث إلا عن الطعام والمسكن والجنس).. (10) وسيد قطب هنا في مسألة رفضه للمجتمع النظيف طبقياً - بغض النظر عن إمكانية إقامته أو عدمها – فهو ممن يؤمن بوجود الطبقات في المجتمع، وهذا يتنافى مع مسألة العدالة والمساواة المطلقة التي ينادي بها، أو إقراره بأن هناك عدلاً آخر في المنهج الإلهي الذي يطالب به يختلف عن عدل مجتمعات الجاهلية. أما قضية أن المجتمع الشيوعي الذي يقول عنه بأنه مجتمع لا يبحث إلا عن (الطعام والملبس والجنس)، فهذه مسألة فيها الكثير من التجني على التصور الشيوعي لعالم إنسانه القادم (الحلم)، كما جاء في أدبيات الأحزاب الشيوعية.

هكذا نجد هنا التنظير لبناء دولة فاضلة، لا ينتمي شعبها لأي مرجعية قومية أو وطنية أو فكرية كانت... التنظير لبناء دولة لم يزل شعبها أو إنسانها يعيش حالات من الجاهلية المشبعة بظلم الإنسان واستلابه وضياعه، تقوده سلطات جاهلية ظالمة، تحكم بأنظمة ونظريات تشرع لقوانين وتشريعات جاهلية. والحل الوحيد لخروجها من هذه المتاهة هو العودة إلى التمسك من جديد بالنهج الإلهي القائم على إلوهية الله (لا إله إلا الله)، الذي أقره القرآن في المرحلة المكية من حياة الإسلام، وبالركن الثاني من أركان الإسلام وهو شهادة (أن محمداً رسول الله)، المعني بتبليغ هذه الحاكمية. هذه المرحلة التي يعتقد فيها سيد قطب أن الصحابة من الجيل الأول قد تمثلوا هذا المنهج القرآني فكراً وممارسة بعد أن استلهموه واستسلموا له كلياً برضا، وتخلوا عن جاهليتهم وكل ما يتعلق بحياتهم المادية والفكرية السابقة، وجذروه في أعماق ضميرهم ووجدانهم وفكرهم، وجعلوا من حاكميه الله المصدر الوحيد الذي سيحدد لهم كل مسار حياتهم حاضراً ومستقبلاً، وما تتخلله شؤون حياتهم الإنسانية كبيرها وصغيرها.. إن المنهج ذاته، أي – الحاكمية – هي بدورها من ستظل تنظم حياتهم في الدنيا والآخرة وعالم الغيب، وذلك عبر قيادة صفوة ممن وجدوا في أنفسهم القدرة على تمثل قيم الحاكمية والصبر على نشرها وتحمل تجسيدها في الواقع، وهم (الأخوان المسلمون).

 

....................

1- - سيد قطب – معالم في الطريق – مكتبة وهبة – القاهرة – دون تاريخ نشر. - ص 20

2- المرجع السابق-ص 32

3- المرجع السابق ص 33

4- المرجع السابق ص 35

5- المرجع السابق ص 35

6- المرجع السابق ص 47

7- المرجع السابق ص41

8- المرجع نفسه ص 41

10- المرجع السابق –ص 54

 

همسات لمدينة العشق مجموعة جديدة للشاعر حسن عبد الغني الحمادي

صدر عن دار تموز للنشر والطباعة مجموعة همسات لمدينة العشق للشاعر حسن عبد الغني الحمادي

ضمت المجموعة 19 قصيدة وكان الإهداء:

إلى مدينتي التي أحبها

حبا جما ...

الناصرية .

كتب الشاعر قصائده بحب مدينته .. يقول في قصيدته "همسات لمدينة العشق "

كان العشق عشبا وماء

صار العشق

تراتيل، تتغنى بلغة الحناء

لقد تحول هذا العشق بعدما كان عشبا وماء صار تراتيل ولتكن تراتيل الفرح فالحناء هنا في الجنوب تستخدم عند الفرح .إلا تفرح هذه المدينة التي تنجب كل هذا الجمال.

في قصيدته "مكاشفات متأخرة "كتب الشاعر:

عاشقان لا يتوهمان

أحداهما مات في خاصرة الشوق

والآخر قيده الحرمان

الشعر كان سلوه لهما

هوى وحرقة

وحزمة من الأشجان

نعم هذا هو حال العشاق .. يقتلهم الشوق أو القيد هما لم يكونا على وهم هما الحقيقة، لكن لا مفر من الموت شوقا ..ما أروع عشقنا نحن أبناء الناصرية لمدينتنا .

"للناصرية ...

تعطش،

وشربك ماي

باثنين ايدية ."

في قصيدته "صور من أمس المدينة ""تحف المدينة

التحف المسالمة تبعث فيك البهجة والتأمل، ربما تمنحك من أنينها ومضة .

قال مرة أحد الحكماء :"المجانين جواهر المدن، لا أستطيع أن أتصور المدينة خالية من المجانين "لكننا نقول "أنهم ليسوا بمجانين ...أنهم تحف مسالمة "

هم تحف مسالة أولئك الشعراء المجانين الذين يطعمون أيامهم ويجعلونها وقودا للكلمة هم المجانين وهم العشاق وهم الفلاسفة وهم تحف المدينة النفيسة .

ينود بألم

لأنه فقد سره

صورة جميلة رغم ما تحمله من الألم .

وفي القصيدة نفسها كتب الشاعر حسن عبد الغني الحمادي

اسمه "مصباح "

لكنه لم يضيء مثل المصابيح

أنطفأ

يا ترى لماذا؟! ويا للمفارقة هذا الذي سمي مصباح لم يضيء كان منطفئا .. أليس هذا ما نحن عليه ..

قصائد عشق للمدينة التي تصمت، تاركة مبدعيها يخوضون بدروب الإبداع ليس لهم الا القلم والورقة يسطرون آلامهم أشواقهم عشقهم ولوعتهم يتذكرهم التراب والهواء وأحاديث السمر ..

أنها الناصرية .

وأخير تأملوا هذه الصورة المعبرة من قصيدته "علي السباعي .. حلم وأحزان " يقول الشاعر:

فبين صمتك

والناصرية

سحر يظللنا بعيدا هناك

صوب النهاية .

خطت القصائد بمفردات جميلة فللشاعر لغته العاشقة التي تميزت بها نصوصه، ضمت المجموعة القصائد: هوية، همسات لمدينة العشق، عاشق، مكاشفات متأخرة، صور من أمس المدينة، انتماء.، ثلاثية الحزن، من وجع الحروف، وجع الانتماء ومضة، اعترافات عاشق، آهات من وجع المدينة، تراتيل عشق على بوابة مدينتي، حلم وأنين، يغادرون عمدا، حكاية المدينة والشارع، ولادة مدينة، علي السباعي حلم وأنين .

........خلود البدري

قراءة نقدية في كتاب "الحزب الشيوعي العراقي في عهد البكر (1968- 1979)". للدكتور سيف عدنان القيسي (5)

jasim alhalwaniيذكر القيسي في الصفحة 364 من كتابه ما يلي:"إن قيادة الحزب الشيوعي اتخذت قرارها بالموافقة على الاشتراك في الحكومة، بعد نصيحة قدمها رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي (اليكسي كوسجين)". لقد كنت حاضراً اجتماع اللجنة المركزية المنعقد في ربيع 1972، الذي اتخذ القرار وكان الاجتماع في بيت الفقيد الدكتور رحيم عجينة. ولم أسمع بهذه النصيحة. وبصرف النظر عن وجودها أو عدم وجودها، فإن القرار أُتخذ بعد مناقشته في اللجنة المركزية وبقناعتها، وفي أجواء الحوار حول ميثاق الجبهة وبُعيد عقد معاهدة الصداقة والتعاون العراقية-السوفيتية وعشية تأميم النفط، وأذكر ذلك ليس تبريراً وإنما توضيحاً.

إن ذكر نصيحة كوسجين من قبل القيسي، وما أشار إليه المشرف الدوري في مقدمته والتي يذكر فيها: ".. إن العلاقات العربية السوفيتية شهدت تقدماً إيجابياً خلال تلك المرحلة[سبعينيات القرن الماضي] وكانت توجهات الحزب الشيوعي السوفيتي والحكومة السوفيتية أن يكون الحزب الشيوعي العراقي مهادناً للسلطة الحاكمة.."، تبدو وكأنها محاولة للإيحاء بأن العلاقة بين الحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي والحكومة السوفيتية، كانت علاقة تابع ومتبوع. وبصرف النظر عما يقصدانه، نود الإشارة إلى أن الحكم الدكتاتوري المقبور حاول أن يرسخ هذا المفهوم عند أكثر من جيل من العراقيين بترديده " الحزب الشيوعي العميل"، بعد أن حسر نفوذ (ح.ش.ع)، بقمعه الوحشي، في الساحة العراقية، أكثر من عقدين من الزمن. وما عدا ذلك فإن هذه القضية واحدة من القضايا التي غالباً ما تعرضت ولا تزال إلى التشويه واللبس في تاريخ (ح.ش.ع)، مما تتطلب وقفة جديىة لتوضيح حقيقة تلك العلاقة والتي لا يجوز تبسيطها والحكم عليها من خلال موقف معين أو تجريد الموقف من ظروفه، لوضع الأمور في نصابها.

وسوف لا نذهب بعيداً إلى مرحلة تأسيس (ح.ش.ع)، حيث كان عضواً في منظمة الكومنتيرن (الأممية الشيوعية) وملزماً بشروط عضويتها وقراراتها، ولو لم يكن كذلك لما كان وجوده ممكناً إطلاقاً. وبعد حل الكومنتيرن (1943)، ظلت الحركة الشيوعية العالمية تنظر بتقدير عال للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي وتعتبرهطليعة الحركة الشيوعية العالمية وتسترشد بتجربته، ولكنها كانت أحزاباً مستقلة ومسؤولة عن رسم سياستها وبرامجها ومنطلقة من مبدأ التضامن الأممي في معالجة الشؤون الدولية، وملزمة أدبياً بمحتوي البيانات التي كانت تصدر عن اجتماعات الأحزاب الشيوعية في العالم. وكان (ح.ش.ع)يشارك في هذه الاجتماعات بأعلى المستويات ولم يتخلف عن حضورها حتى في أصعب الظروف.

لقد ساد الإرث الثقافي للعهد الستاليني، على مجموع الحركة الشيوعية العالمية مع استثناءات محدودة، مثل يوغسلافية والحزب الشيوعي الإيطالي. ولقد تثقف بهذا الإرث مؤسس وبان (ح.ش.ع) الرفيق فهد ومجايليه والذي يعتبر "الموقف من الحزب الشيوعي السوفيتي والدولة السوفيتية هو المحك الأساسي عن مدى إخلاص كل حزب شيوعي وكل رفيق شيوعي، وبالتالي فإن التعلم منهما هو بمثابة تعلم الانتصار".[1] هذا الإرث الثقافي الأيديولوجي أخذ بالانحسار تدريجياً، وخاصة بعد رحيل ستالين في عام 1953 وحل الكومنفورم (مكتب الإعلام الشيوعي) في عام 1956، وقد تلاشى مع مرور الزمن.

لقد واجه السوفييت في خمسينيات القرن الماضي، التعارض بين الالتزامات الأممية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي ومصالح الدولة السوفيتية ومحاولة التوفيق بينهما عند ظهور الدول التقدمية المعادية للإمبريالية والشمولية في نفس الوقت، مثل نظام عبد الناصر وبومدين في الجزائر وما شابه ذلك لاحقاً. وقد اشتد هذا التعارض في ظروف الحرب الباردة التي كانت تقتضي دعم هذه الأنظمة من جهة ودعم الأحزاب الشيوعية من جهة أخرى. وكان السوفييت يحاولون حل هذا التعارض بإيجاد توافق بين هذه الأنظمة والأحزاب الشيوعية لبلدانها.

كانت هذه هي الحالة في الحركة الشيوعية العالمية عندما أعيدت علاقات (ح.ش.ع) بالحركة الشيوعية العالمية مجدداً، بعد أن انقطعت في إثر انتكاسة (ح.ش.ع) في نهاية العقد الرابع بعد إعدام قادة الحزب الشيوعي في عام 1949، وذلك في مؤتمر الكومنولث المنعقد في لندن في عام 1954 والذي حضره الرفيق سلام عادل ممثلاً عن الحزب.

أود التأكيد هنا على أن رأي السوفيت في سياسة الحزب ومواقفه لم تطرح بشكل رسمي للمناقشة في اللجنة المركزية خلال الواحد والعشرين عاماً التي كان كاتب هذه السطور عضواً فيها (1964-1985). ولم يصل إلى سمعه بأنه طُرح قبل هذا التاريخ أو بعده، سوى مرة واحدة، سيأتي بيانها. ولكن الرأي السوفيتي كان حاضراً في أذهان أعضاء اللجنة المركزية من خلال السياسة المعلنة في وسائل الإعلام ومن قراءاتهم الشخصية ومن محاضر اللقاءات الرسمية بين ممثلي الحزبين ومن نصائح السوفييت المباشرة وغير المباشرة، والأخيرة كان ينحصر تداولها في المكتب السياسي عادة، حرصاً على عدم ثلم استقلالية قرارات اللجنة المركزية. وعند تفاقم الخلاف الصيني السوفيتي درست اللجنة المركزية ﻠ(ح.ش.ع) ذلك في اجتماع استثنائي في صيف 1961 وصوّتت اللجنة المركزية بأكثرية صوت واحد فقط لصالح نهج الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي. [2]

لم تكن مواقف (ح.ش.ع) المتفقة مع رأي السوفيت بمعزل عن قناعة اللجنة المركزية، بدليل الاختلافات المهمة السياسية والفكرية التي حدثت بين الحزبين، وعلى سبيل المثال:

*- في نيسان 1965، قررت اللجنة المركزية في اجتماعها رفع شعار إسقاط سلطة عبد السلام عارف، وذلك خلافاً لسياسة السوفيت. وقد تخلى الحزب عن موضوعة التطور اللارأسمالي لمدة عشر سنوات، أي منذ هذا الاجتماع حتى منتصف عام 1975، حيث أقرت اللجنة المركزية مشروع برنامج جديد للحزبحوى هذه الموضوعة بصيغتها الجديدة " التوجه الاشتراكي"، والذي أقر في مؤتمر الحزب الثالث في عام 1976. وكان التخلي عن موضوعة التطور اللارأسمالي، مخالفاً لموقف السوفيت والأحزاب الشيوعية التي تؤيد الموضوعة.

*- بعد مجيء حزب البعث للسلطة عام 1968، واتخاذه جملة من الإجراءات التقدمية في مجالات مختلفة، بما في ذلك تطوير علاقاته بالدول الاشتراكية والإتحاد السوفيتي، ولكن دون التخلي عن سياسة قمع الحريات الديمقراطية وقمع المخالفين له، رغب السوفييت بتعاون الحزب الشيوعي مع حزب البعث. ففي ربيع 1971، وكان الحزب يتعرض إلى حملة إرهابية واسعة شملت اعتقال وتعذيب آلاف الشيوعيين تعذيباً وحشياً واستشهد الكثيرون منهم تحت التعذيب أو الاغتيال. في هذا الوقت بالذات استفسر السوفيت من القائم بأعمال السكرتير الأول للجنة المركزية الرفيق زكي خيري عن شروط الحزب للتحالف مع حزب البعث، فأجابهم زكي خيري: "إن شرطنا هو أن يدلنا حزب البعث على قبور شهدائنا!". *[3] وواضح من الجواب رفض التحدث بالموضوع ، إن لم يكن احتجاجاً على الوساطة.

*- لم يكن موقف الحزب المعادي لسلطة البعث، بعد حملة القمع الوحشي التي تعرّض لها عام 1978، وقراره بخوض الكفاح المسلح لإسقاطه، محل قناعة السوفيت أو تعاطفهم. علماً بأن شعار إسقاط السلطة تقرر في اجتماع اللجنة المركزية الذي عقد في موسكو عام 1980. وقرار المباشرة بخوض الكفاح المسلح هو الآخر تقرر في اجتماع اللجنة المركزية ﻠ(ح.ش.ع) في موسكو عام 1981، بالرغم من موقف السوفييت المعارض للمواجهة مع حزب البعث.

*- في صيف عام 1982، وعلى أثر انسحاب الجيش العراقي من الأراضي الإيرانية، التي كان قد احتلها في بداية الحرب العدوانية على الجارة إيران، وعودة تدفق الأسلحة السوفيتية إلى العراق، وصل إلى الحزب عرض من صدام حسين عبر الرفاق السوفيت وقد سلموه للرفيق زكي خيري في دمشق والذي أرسله بدوره إلى قيادة الحزب التي كانت قد تجمعت في كردستان. وكان عرض صدام يتضمن نقداً ذاتياً لأخطائه في السنوات الأخيرة تجاه (ح.ش.ع)، وأشار إلى أنه يدرك صعوبة استعادة الثقة بين الطرفين، وسيصدر عفواً عاماً، ويدعو للعودة إلى الجبهة الوطنية والقومية التقدمية والعودة للدفاع عن الوطن، وهو في كل ذلك لا ينطلق من موقف الضعف.

كان كاتب هذه السطور في دمشق ومتوجهاً إلى كردستان فحمّله زكي خيري رسالة إضافية تفيد بأن السوفيت متجاوبون مع العرض، وكان ذلك جواباً على استفسار من قيادة الحزب في كردستان. ودارت مناقشة بين رفاق اللجنة المركزية انتهت بإرسال جواب قاطع برفض التفاوض أو الحوار[4]وهذه هي المرة الوحيدة التي تدرس اللجنة المركزية موضوعاً بالارتباط المباشر مع رأي السوفيت.

بعد ثورة 14 تموز كان المكتب السياسي يستشير القيادة السوفيتية في بعض الأمور، ولا يلتزم إلا بما يقتنع به. ولي في هذا الخصوص مثالان:

الأول: اختلف أعضاء المكتب السياسي فيما بينهم حول حل تنظيمات الحزب في الجيش. فهناك فريق أراد حلها حرصاً على علاقة حسنة مع الزعيم عبد الكريم قاسم قائد الثورة والجمهورية، أما الفريق الثاني فرأى إبقاءها حرصاً على مستقبل الثورة، فعبد الكريم قاسم إنسان معرّض للموت أو الاغتيال. وباقتراح من عضو المكتب السياسي جورج تلو عرض الموضوع على القيادة السوفيتية، وحمل عامر عبد الله، الذي كان في موسكو، جواباً تحريرياً بخط سوسلوف عضو المكتب السياسي ومسؤول لجنة العمل الأيديولوجي في اللجنة المركزية جاء فيه: "إن احتفاظكم بتنظيمكم الحزبي في الجيش يدل على جديتكم وحرصكم على ضمان انتصار ثورة الشعب" [5]. وأخذ المكتب السياسي بالجواب.

أما الموقف الثاني، فأنقله من كتاب الرفيق زكي خيري وهو: "في بداية 1960، قام قاسم بإجازة جميع الأحزاب التي طلبت الإجازة باستثناء حزبنا، إذ أجاز بدلاً منه حزباً وهمياً بنفس الاسم لداود الصايغ الذي كان من زمن مضى عضواً في اللجنة المركزية لحزبنا وتواطأ مع قاسم لترويض حزبنا عن طريق هذه المناورة الخسيسة... وجاءتنا فتوى من سوسلوف بأن نقتدي بمثل البلاشفة الذين وافقوا على الوحدة مع المنشفيك في المؤتمر الرابع للحزب في استكهولم (مؤتمر الوحدة). فرفضنا هذه الفتوى. وشتان بين المنشفيك الذين كانوا آنذاك الأكثرية في الحزب الروسي وبين داود الصايغ الفرد الصنيعة! الذي لم يستطع حتى جمع الحد الأدنى من المؤسسين(60) توقيعاً. فأوعزنا لبعض رفاقنا غير المعروفين آنذاك بالتوقيع معه" [6]

الأمثلة التي مرت بنا تشير، بما لا يقبل الشك، إلى أن من يدّعي بأن علاقة (ح.ش.ع) مع السوفيت في النصف الثاني من القرن الماضي، كانت علاقة تابع ومتبوع، فهو أما أنه لا يعرف تاريخ هذه العلاقة وأما أنه يعرف ويحرّف. ومن غير الصحيح تعليق أخطاء الحزب الشيوعي العراقي على شماعة السوفيت، فالحزب وخاصة قيادته هي المسؤولة الأولى عن إنجازات الحزب وإخفاقاته.

وجدير بالإشارة إن الاختلافات في المواقف لم تؤثر على المساعدات التي كان يقدمها السوفيت للحزب، الزمالات الدراسية والحزبية ومقاعد المعالجة والراحة والاستجمام، شأنهم في ذلك شأن كل الأحزاب الشيوعية الحاكمة، والتي كانت تقدم مثل هذه المساعدات أيضاً للأحزاب والقوى التقدمية في البلدان النامية.

ولكن هل حصل يوماً ما ضغط من السوفيت لتبني رأياً محدداً؟ أجل حصل ذلك مرة واحدة ويتيمة، على حد علمي. ولم يكن ذلك اتجاهاً عاماً بأي حال من الأحوال. ففي المؤتمر الحادي والعشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي الذي عقد في شباط 1959، طلب الرفاق السوفيت من الرفيق سلام عادل إضافة عبارة "ابن الشعب البار" إلى ألقاب عبد الكريم قاسم في كلمته التي كان يريد إلقاءها أمام المؤتمر باسم (ح.ش.ع)، ولم يكن لديهم اعتراض آخر على نصها، فرفض سلام عادل ذلك وجادل السوفيت طويلاً بحضور الرفيق خالد بكداش الذي تدخل في النقاش وخاطب سلام عادل: "لماذا هذا الإصرار منك على الامتناع؟ لعل الرفاق السوفيت يعرفون عن قاسم ما لا تعرفون"! وفي آخر المطاف تجاوب سلام عادل وأضاف العبارة[7].

ولعل أحسن شهادتين مكتوبتين، وإحداهما تكمل الأخرى، يمكنهما أن تلخصا حقيقة تلك العلاقة، ويمكن للمرء أن يركن إلى صدقيتهما، لأنهما صادرتان عن قائدين هما الأكثر معرفة بطبيعة علاقة القيادة السوفيتية بقيادة الحزب الشيوعي العراقي في عقودها الأخيرة، ولأنهما جاءتا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبالتالي فهما خاليتان من المجاملة. إحدى هاتين الشهادتين هي للرفيق عزيز محمد سكرتير اللجنة المركزية السابق ﻠ(ح.ش.ع)ويذكرها سيف القيسي ذاته في كتيبه الصادر حديثاً وهي: " حاول الكثير من الكتاب والمعلقين أن يشيروا إلى تأثير السوفيت وإملاء رغباتهم علينا، وهو أمر يمكن دحضه في مواقف كثيرة. كنا نقرأ رأي السوفيت ونحلل مواقفهم بقدر ما يتعلق الأمر بسياستنا، لكننا لم نكن نستلم إيعاز منهم في تقرير سياستنا. وأود أن أؤكد على أننا لم نتأثر بتلك الإيحاءات، لكوننا نحن من يحدد الموقف في ظل الوضع العام الذي يعيشه حزبنا لا السوفيت. نعم كنا نسترشد بنظرياتهم وطروحاتهم لأنهم أصحاب تجربة طويلة. علماً بأنهم كانوا يؤكدون دوماً على ضرورة التقارب [مع نظام البعث] بما يخدم حزبنا. ولا أنكر دور مصالحهم المتبادلة مع الحكم في العراق والتي كان لها تأثير في إيجاد تفاهم مع النظام".

أما الثانية فهي للرفق زكي خيري، الذي كان يحل محل عزيز محمد عند غياب الأخير،حيث يذكر ما يلي: "كان الرفاق السوفيت يردون على كل استفسار نوجهه إليهم في المنعطفات السياسية الحادة ويقدمون لنا النصح الخالص. ولم يكن رد الفعل من جانبنا إيجابياً دائماً. ولم يقاطعوننا بسبب توترنا بل يواصلون الحوار بروح رفاقية ونفس طويل. وكنا نحن الذين نعرض عليهم خلافاتنا وعلى أشقائنا الشيوعيين الأجانب لنتسلح بفتاويهم في جدالنا مع بعضنا [8].

*****

نعود إلى كتاب القيسي. هناك معلومات غير دقيقة وردت في كتابه جراء عدم التحقيق في مدى صحتها، فعلى سبيل المثال لا الحصر ورد في الصفحة (122) من الكتاب ما يلي"وعلى الرغم من إطلاق سراح معظم الشيوعيين من السجون والمعتقلات، لمجرد نشرهم إعلانات في الصحف تبرئهم من المبادئ "الشيوعية والفوضوية"، فإنهم وبدون شك ظلوا حاقدين على شخص عبد السلام عارف..". إن هذه المعلومة غير دقيقة، فلم يطلق سراح معظم الشيوعيين لإعطائهم البراءة فقد كانت نسبتهم ضئيلة. ففي سجن نقرة السلمان الذي كان يضم أكبر عدد من السجناء "لم يتجاوز عدد المتبرئين عن 40 سجيناً من مجموع ما يزيد عن الألفين سجين"، كما يذكر ذلك أحد السجناء. [9] ومن بينهم أناس بسطاء لا علاقة لهم بالسياسة. وقد لعبت قصيدة "البراءة" للشاعر الكبير مظفر النواب دوراً مؤثراً في التصدي لهذا الإجراء التعسفي. وبدلاً من أن يدين القيسي هذا الإجراء المنافي لحقوق الإنسان فانه يستسيغه بقوله: "لمجرد نشرهم"ّ!

وهناك أخطاء معلوماتية لا يستهان بها في الكتاب، لم أتوقف عندها لعدم تأثيرها سياسياً وفكرياً على الكتاب. وكانت الفرصة متوفرة لدى الكاتب للتوثق منها من قادة الحزب وكوادره الذين التقاهم. وسأذكر ما انتبهت إليها في الهامش[10] وسنكتفي بهذا القدر من الملاحظات والتي تركزت على منهجية وأسلوب البحث بالدرجة الرئيسية.

الخاتمة

إن هناك جوانباً إيجابيتاً في الكتاب سبق وأن ذكرناها في سياق القراءة وهي، الإشارة إلى السيرة الذاتية السياسية لكثرة من الشخصيات العامة في الهوامش. وثمّنا جهود القيسي لاعتماده كم كبير من المصادر المتنوعة وتمكنه من الوصول إلى وثائق لم تكن معروفة سابقاً. وإضافة لذلك فإن الكتاب يحوي معلومات واسعة عن الوضع السياسي بشكل عام وعن مواقف (ح.ش.ع) بشكل خاص خلال تلك الحقبة من التاريخ.

ولكن المنهجية الخاطئة التي اتبعت في البحث شوّهت حقائق كبرى في تاريخ العراق المعاصر، كما مر بنا. إن ما أورده القيسي من معلومات في كتابه، عما تعرّض له (ح. ش.ع) من قمع وغدر وإجحاف في عهد البكر من جهة، وعن مواقفه الإيجابية ومرونته وتنازلاته من الجهة الأخرى، تخطئ تلك المعلومات أطروحته الأساسية في الكتاب، والتي تعد مرحلة البكر "قمة الانفتاح العلني السياسي والفكري والتنظيمي بالنسبة ﻠ(ح.ش.ع)". وتخطئ رأي المشرف القائل: "وكلاهما [الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث] يريد أن يفرض إرادته الفكرية والسياسية".

ومن اللافت للنظر أن هناك اهتماماً بالكم على حساب النوع في تدوين الكتاب. إذ أن هناك كم كبير من الوقائع والأحداث وجرى الإطناب في سردها على حساب البعد التحليلي والدقة. ولم تستخدم المصادر بشكل سليم أحياناً، كما مر بنا. ولم يجر العناية بلغة الكتاب إذ تفتقر إلى السلاسة والوضوح المطلوبين، علاوة على الأخطاء اللغوية التي لا يمكن غض النظر عنها. فهي ليست مجرد زلات قلم، وقد أشرنا إلى نماذج من تلك الأخطاء في سياق القراءة.

وأخيراً، نعتقد أن المشرف يتحمل مسؤولية أخطاء الكتاب لا لكون المشرف مسؤولاً عن كل ما تحتويه الأطروحة (ما عدا الأمور التي يسجل تحفظه عليها) فحسب، بل بسبب منهجيته الخاطئة، فلولا منهجيته لما وقع القيسي بتلك الأخطاء، بدليل أن القيسي في كتاباته الأخيرة، بما فيها كتيبه الأخير "قراءة في ذاكرة عزيز محمد..."، لم يرتكب فيها أخطاء كالتي أشرنا إليها خلال هذه القراءة، لتحرره نسبياً من طوق منهجية المشرف، والاقتراب من منهجية أخرى في البحث التاريخي، وهي منهجية تعتمد البحث عن الحقيقة وتوثيقها والدفاع عنها بصرف النظر عمن يحترمها أو لا يحترمها. وبذلك يمكن استخلاص تجارب وخبر التاريخ بشكل سليم لتوظيفها للحاضر والمستقبل.

وإن فكرة الوسطية التي يشير إليها القيسي، في تعليقه المنشور على الحلقة الثالثة في موقع "الحوار المتمدن" قائلاً "... برغم كل الظروف التي نمر بها نبقى في كفة الوسطية"، هي منهجية منافية للبحث التاريخي العلمي الذي يتطلب التحيز للحقيقة وعدم الزوغان عنها، فالوسطية في البحث التاريخي لا ينتج عنها سوى تشويه الحقائق التاريخية، شئنا ذلك أم أبينا.

 

 

.................

[1]- كاظم حبيب وزهدي الداودي، "فهد والحركة الوطنية في العراق"، ص142.

[2]- جاسم الحلوائي، "محطات مهمة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي"، ص234.

[3]- * ذكر الرفيق زكي خيري ذلك في الرسالة الموجهة إلى الرفاق الموجودين في كردستان، كتدبير صياني، وهم كل من كريم أحمد الداود عضو المكتب السياسي، وشاكر محمود ومهدي عبد الكريم وبهاء الدين نوري وكاتب هذه السطور أعضاء اللجنة المركزية.

[4]- للمزيد أنظر باقر إبراهيم، مذكرات. ص 208.

[5]- زكي خيري ، صدى السنين في ذاكرة شيوعي مخضرم. ص 228.

[6]- المصدر السابق، ص231.

[7]- المصدر السابق. ص 200.

[8]- المصدر السابق. ص 228

[9]- محمد علي الشبيبي، " ذكريات الزمن القاسي"، منشورات مكتبة الحكمة، ص128.

وقد أكد الشبيبي، خلال مخابرة تلفونية لكاتب هذه السطور بأن المتبرئين بينهم أناس بسطاء لا علاقة لهم بالسياسة.

[10]- * معلومات غير صحيحة:

أ- لم يحضر الرفيقان عزيز محمد وزكي خيري الاجتماع الحزبي الذي عقد في حزيران 1964 لكوادر الحزب الشيوعي في موسكو، كما جاء في الصفحة (138) الهامش (35). وخلط القيسي هذا الاجتماع بالاجتماع الكامل للجنة المركزية في أب (1964) كما جاء في الصفحة (127) الهامش (34).

ب - لم ينتخب عزيز الحاج للجنة المركزية بعد عودته من الخارج، كما جاء في الصفحة (158) فقد كان عضو فيها قبل ذلك.

ج- لم يكن الدكتور صلاح خالص أحد أقطاب الحزب، كما جاء في الصفحة (303)، وإنما كان عضواً عادياً في الحزب.

د- لم تكن لجنة النظام الداخلي في المؤتمر الوطني الثالث للحزب برئاسة كريم احمد، كما جاء في الصفحة (476)، بل كانت برئاسة عمر علي الشيخ، وكان كاتب هذه السطور عضواً فيها.

رواد السينما الهندية كتاب جديد للكاتب نوزاد جعدان

631-nozadصدر حديثاً كتاب "رواد السينما الهندية"، عن دار الياسمين بالشارقة، للكاتب السوري نوزاد جعدان ، ويقع في 160 صفحة من القطع المتوسط.

والكتاب عبارة عن مجموعة مقالات ودراسات تتعلق بنشأة وتطور السينما الهندية بفعل مؤسسيها الرواد الأوائل ونجومها، ويعتبر الكتاب التوثيقي الأول تأليفاً في الوطن العربي، وليس ترجمة كباقي المؤلفات التي ظهرت بهذا الخصوص،

ويقدم الكتاب سواء للمتخصص في السينما أو الذي يريد أن يطلع على جزء من التاريخ السينمائي لبوليوود والتحولات التي أدت إلى نضوج التجارب السينمائية من خلال سرد وقراءة السير الذاتية لمؤسسيها وأفلامهم، والتي وضعت الأعمدة الأساسية لهذه الصناعة السينمائية.

631-nozadويمثل حالة سينمائية تستحق الدراسة والاطلاع على تجاربها الناجحة لسينما حضرت على الشاشة الفضية عبر الخارطة العالمية بأهم مهرجاناتها ومحافلها السينمائية، مقدماُ من خلالها أهم المراحل والشخصيات السينمائية والأفلام التي قدمت ضمن هذا السياق.

كما يستعرض الكتاب مجموعة من السينمائين والكوادر الفنية الأخرى نظراً لخصوصية حالة السينما الهندية، والذين كان لهم السبق في تكوين مدرسة سينمائية ذات خصوصية عالية، ويتطرق بشكل خاص إلى تجربة عائلة كابور السينمائية التي تعتبر من العوائل العملاقة في السينما الهندية؛ من خلال الارتجالات الابداعية التي قدمتها هذه العائلة الفنية.

رواد السينما الهندية رافد جديد للمكتبة العربية السينمائية. لسينما تقدم قيمة ثقافية وفكرية وسينمائية، وتمثل مركزاً لصناعة السينما الجديدة المتطورة تنافس هوليوود بإنتاجها الكمي الغزير.

يذكر أن نوزاد جعدان، شاعر وكاتب من سورية، يقيم في الإمارات العربية المتحدة، حاصل على جوائز عربية وعالمية عدة منها جائرة كاستيلو دي دونيو في إيطاليا وأرت أتاك الشعرية في كرواتيا وجائزة نعمان للثقافة في لبنان"، له ثلاث مجموعات شعرية "سعيد جدا من إصدارات دار نينوى" و"أغاني بائع المظلات من إصدارات دار الفرقد" و"حائطيات طالب المقعد الأخير من إصدارات دار فضاءات الأردن، ومجموعة قصصية خزانة ترابية عن دار الياسمين للنشر والتوزيع الإمارات العربية المتحدة ،والعديد من النصوص والمقالات المنشورة في الصحف والمجلات العربية. ويتم توقيع الكتاب في جناح الدار بمعرض الشارقة الدولي للكتاب.

د. علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي (3)

قراءة في كتاب "التشيع العلوي والتشيع الصفوي"

في النصف الاول من القرن الثامن الهجري، أحتل المغول ايران وفرضوا سيطرتهم التامة على جميع اراضيها ليتقاسمها ملوكهم وقادة جيشهم ورؤساء طوائفهم الذين امعنوا في اذلال الناس. وبما أنهم لا يستطيعون الحرب على مختلف الجبهات في وقت واحد ولفترة طويلة، ومن أجل التقرب من الشعوب الايرانية فأنهم اعلنوا اسلامهم الظاهري الذي لم يعرفوا منه شيئا الا الختان، كما يقول شريعتي، واصبح هؤلاء بعد اعلان اسلامهم هذا يعتمدون في بطشهم للناس على فتاوى علماء الدين "وعاظ السلاطين"، الذين كانوا يدعون الناس الى الهدوء والرضا والتسليم المطلق للحكام الجدد باسم مذهب (السنة والجماعة). ولم يكن هذا ديدن كل علماء الدين، فظهرت هناك طائفة أخرى منهم رفضت المشاركة مع زملائهم في اضطهاد الناس عبر فتاوى جاهزة تباع لهذا الحاكم المغولي او ذاك. ولكنهم بدلا من ان يثوروا ضد هذا الوضع، آثروا العزلة والتصوف وبذلك تركوا الناس امام مصير مظلم .

في ظل هذه الاوضاع المعقدة والاجواء المشحونة يظهر (الشيخ خليفة) الذي يشبهه شريعتي بسلمان الفارسي في بحثه عن الحقيقة. فيبدأ هذا الشيخ المتمرد بالعمل ضد حكم المغول وفي البحث عن المدارس الفكرية الاسلامية لينطلق منها في تأليب الرأي العام ضد سلطة المغول وظلمهم للرعية. فيبدأ بمدرسة الزهد، ليكتشف بعد فترة ان الزهد يعني السكوت مقابل الظلم لنجاة النفس. إن هذه الصفة الانانية بنظر الشيخ جعلته ان يترك هذه المدرسة الى مدرسة اخرى هي مدرسة التصوف، التي ما لبث أن هجرها بسرعة بعد ان يكتشف من انها لا تختلف بشيء عن المدرسة السابقة. ويشد الشيخ خليفة الرحال الى مدينة (بحر آباد) ليدرس على يد شيخ الاسلام الامام غياث الدين هبة الله الحموي احكام الشرع المقدس وفق (المذاهب الحقة لأهل السنة والجماعة) عله يصل الى ينبوع الحق والحقيقة !." ولكن هيهات ! فقد وجد ان الفقيه يتعكز على الف مسألة شرعية في آداب التخلي، دون ان يقدم مسألة واحدة وحكما شرعيا واحدا يتعلق بالمصير المشؤوم الذي ينتظر الامة والبلاد" 1 . ولم يبق امام الشيخ الا اختيار مذهب الرفض والشهادة " اسلام علي "2 . وهنا يضعنا شريعتي وهو الاسلامي المتفتح على ثقافات عدة وغير المتحجر فكريا الى حد بعيد امام سؤال عصي على الفهم اذا جاء منه تحديدا، وهو لماذا اسلام علي وليس اسلام محمد الذي جاء بالاسلام؟.

ومن الصدف التاريخية هو وصول الشيخ خليفة بزي درويش بسيط لا ناصر له ولا كفيل ليستقر في جامع مدينة سبزوار، وهي نفس المدينة التي ولد شريعتي في احدى قراها بعد سبعة قرون ليعظ الناس مستندا الى افكار التشيّع للتمرد على الذل والجور والجهل والمهانة.

و بما أن الناس كانت تجتمع اليه وتسمع منه ما يشفي غليلها، فقد كثرت الوشايات ضده الى ان عُثر عليه مقتولا قبل صلاة الفجر في باحة الجامع، لينهض بالمهمة من بعده احد تلامذته ومريديه وهو الشيخ (حسن الجوري) الذي يقود الفلاحين في حرب ضد جيوش المغول وفتاوى وعاظ السلاطين. ولتنهار سلطة المغول ويتلاشى نفوذ الملالي وسطوة الطبقة المالكة والاقطاعيين. وسرت الثورة التي اندلعت في سبزوار كالنار في الهشيم لتشمل مقاطعة خراسان والقسم الاعظم من شمال ايران وبعض الجيوب في الجنوب. هذه الثورة يطلق عليها في ايران اسم " سربداران "؛ أي رؤوس على أعواد المشانق. ويقول شريعتي:" حصل هذا قبل حوال سبعمائة عام وكان آخر تيار ثوري ذي طابع شيعي علوي يحمل هوية (التشيّع الاحمر) الذي فجر في النفوس روح الثورة والرغبة بالتحرر واقامة العدل ومقاومة الجور والفقر والجهل ببسالة وعزم لا يلين"3 . وبعد ذلك التاريخ بمئة عام تقريبا، جاء الصفويون ... ونزح التشيّع من " المسجد الجامع " في القرية والمدينة الى "مسجد شاه" بجوار مقر اقامة السلطان في قصر " عالي قابو " 4 .

وتحول التشيّع الأحمر الى تشيّع أسود !

ومذهب الأستشهاد الى مذهب عزاء وحداد !

ان ما جاء اعلاه كان قراءة للقسم الاول من كتاب التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي. وهو مثلما جاء في الكتاب عبارة عن موجز كتبه شريعتي كمقدمة لعمل مسرحي تحول الى عمل درامي لاحقا بعنون " سربداران ". وقبل الانتقال إلى قراءة القسم الثاني من الكتاب، اود الاشارة الى ان د. شريعتي من خلال ما جاء به في هذه المقدمة وضع التشيّع في مفترق طرق، فأما طريق التشيّع العلوي الحقيقي، وهذا هو الذي سيعيد للدين بهاءه ورونقه ويخلصه من كل الشوائب التي علقت به منذ السقيفة وحتى اليوم، او تشيّع صفوي لا يفرق كثيرا عن تسنن يدفعه علماءه الذين هم علماء السلطة بنظره الى محاباة الحكام على حساب آلام المقهورين. وعلى الرغم من أن د . شريعتي خلال القسم الثاني من الكتاب يميل مثلما سنرى الى ايجاد مساحات مشتركة مع المذهب السني، ولكن هذا التقارب المنشود وتلك المساحات يجب أن لا تكون على حساب الثوابت الشيعية العلوية من وجهة نظره. وبموازاة هذا سنرى انه يبتعد قدر الامكان عن التشيّع الصفوي الذي يسخر وينال منه ويعتبره الخطر الاكبر على التشيّع العلوي ومشوّها له جاعله في خانة الشعوذات والجهل والتخلف.

  

التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي

اذا كان الاسلام قد بدأ بلا " اثنتين"، مثلما كتب شريعتي في القسم الاول من الكتاب ، فأنه يعمل في هذا القسم على ان يستخدم " لا " واحدة كمشرط جراحي وليغرزها بعيدا في عمق جسد التشيّع الصفوي، وليثبت وبطريقة سلسلة للغاية (السهل الممتنع) على ان هذا النمط من التشيّع " الصفوي " هو (تشيّع حب وبغض وعاطفة). وهناك على الضفة الاخرى يقف التشيّع العلوي الذي يستند على (العقل والمنطق والاستدلال) 5 ، بعد ان استغل الحكام طمع الروحانيين واستغل الروحانيون جهل الشعب وتخلفه وأميته. يعتبر شريعتي من القلة التي كانت لها الجرأة في ان تقف هذا الموقف في عقر دار التشيّع الصفوي. ولم يكن في صفه حينها الا الشباب المتنور و بعض رجال دين من الذين يعرفون الحقيقة ولكنهم يهابون العامة فوقفوا موقف الحياد. ولم تأخذ شريعتي وهو يدخل هذا المعترك الكبير في الحق لومة لائم، بل كان كل مراده الوصول الى الحقيقة وليس سوى الحقيقة. واستطاع باصرار لا يلين وبمنطق لا يحيد وبأسلوب بسيط ان يوصل رسالته الى مديات اربكت حينها المؤسسة الروحانية وارعبتها، ولا اكون مغاليا ان قلت ان هذه المؤسسة تنفست الصعداء عندما وصلها خبر موت شريعتي أغتيالا على يد اجهزة السافاك في لندن كما تردد آنذاك .

تعتبر الخطابة بنظر د. شريعتي ركيزة اساسية ومهمة جدا من ركائز التشيّع الصفوي، اذ انها تستطيع ان تغور عميقا في الوجدان الشيعي، حيث وظف الملا (الآقا) ومن اجل مصلحة الحكام كل طاقاته وفذلكته كي لا يتعرف هذا الشيعي على التشيّع العلوي الحقيقي الا من خلال قلبه اي العاطفة، وتحريك هذه العاطفة في الوجهة التي يريدها الملا بإيعاز من السلطة بسهولة جدا لأنها من اختصاصه اولا، ولأنه بارع فيها ثانيا. اما العقل بما له من مزايا في بحثه عن الحقيقة فالافضل له ان يتمتع باجازة، لأن الخطر لن يأتي الا من خلاله اذا بدأ بالتعرف على الوعي. إن شريعتي الذي هو قريب من المؤسسة الدينية ان لم يكن احد ابنائها، لم يستخدم نفس الاسلوب المتبع في الخطابة، اثناء القاء خطبه وخصوصا تلك التي كان يلقيها في حسينية ارشاد .

لقد نصح أحد الاصدقاء شريعتي في ان ينتبه الى فحوى ما يقول وان لا يثير احدا (روحاني بارز او سياسي كبير)، وليكن فلان الذي كان يخطب في الناس منذ ثلاثين عاما دون ان ينتقده احد مثلاً يحتذي به شريعتي، وان يترك طريقته في الخطابة التي ينتقد فيها العديد من مظاهر التشيّع " الصفوي"، والتي يعتبرها اقطاب هذا التشيّع وكأنها خروجا عن الملةَ، مما يجعل الانتقادات ان تنهال عليه من كل حدب وصوب، بل من مواقع متضادة احيانا وتقف فيما بينها على طرفي نقيض6 . وإلى هاتين الطريقتين من الخطابة، يشير شريعتي الى:" ان احد الفوارق الرئيسية بين التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي تكمن في هذا المجال، وهو فرق رئيسي بلا شك). لماذا، لان هذا الخطيب الذي اعتلى المنبر لثلاثين سنة ولم يتوجه اي نقد اليه لم يستطع ان يوصل إلى سامعيه أية نتيجة طيلة المدة المذكورة.

إن المطلوب من شخص كشريعتي كي يكون في مأمن من نقد وهجوم المؤسسة الدينية، حسب رأي البعض ان يكتب ويتحدث ويخطب دون ان يغضب احدا لا من السلطة ولا من الروحانيين ولا من العامة !!. لماذا ، لأنه عالم اجتماع وهذا يجعله خبيرا في شؤون الناس ليعمل على ارضاء الجميع. كما عليه ان يتملق للروحاني الذي يستطيع ونتيجة للجهل الشائع في المجتمع ان يؤلب العامة ضده. لماذا ؟ لان شريعتي سينافسهم في مناطق نفوذهم. فما الضير لو انه قال مثلا (ان فلان ولي من اولياء الصالحين وانه حجة الاسلام والمسلمين)، وما الذي سيخسره لو قال (انه حلم ليلة امس على ان الروحاني الفلاني الذي توفاه الله في نفس الليلة كان يطير مع جعفر الطيار). لماذا، لأن المجتمع لا يعني عوام الناس، بل هم الصفوة (الذين لديهم القدرة على التلاعب بعواطف الناس وأفكارهم ، لأن رأي أولئك " الصفوة " يمثل في المحصلة رأي المجتمع برمته ..)7   . ان على شريعتي وهو العارف والمطلع على الأحاديث والروايات الصادرة عن آل البيت، أن يعيش في جو هذه الروايات ويستشعر روح الامامة والولاية والتشيّع . "هل يوجد عندنا" الشيعة (وفي الروايات التاريخية مصادر صريحة تشير إلى ان الأئمة كانوا يصدرون فتاوى على خلاف الواقع عملا بالتقية ؟. بلى ، يا صديقي ، ان هذه هي طريقة أهل البيت (ع) في مقابل الخليفة الجائر الغاصب لحقهم ، لماذا؟ السبب واضح لأن كل شيء في يد الخليفة)8   .

ان الشيعي الباحث عن الحقيقة يقف هنا يواجه سؤال كبير جدا وذا مغزى، فهل افتى أئمة الشيعة من آل البيت بفتاوى تخدم الحكام (الخلفاء الامويين والعباسيين) وتضر بجمهور العامة تقية من غضب الحكام اولئك !؟. وأن كان هذا صحيحا فما هو الفرق بين أسلام " السنة والجماعة " الذي اعتبره شريعتي وغيره اسلام السلطة والحكام وبين الاسلام الشيعي الذي حارب اسلام السلطة والحكام؟. اعتقد ان شريعتي توّصل الى الاجابة على هذا السؤال عندما وضع التقية هذه في خانة "التشيّع الصفوي" وليس في خانة "التشيّع العلوي" .

كيف؟ يقول شريعتي انه لا يحزن ولا يتحرق الما على نفسه بل على الامام علي الذي لم يبق في زماننا هذا من يستفيد من هذه الافكار الرائعة !!، ولم يمتد به العمر الى ايامنا هذه كي يعيش في مناخ روايات آل البيت. ولانه لم يصل الى ما وصلنا اليه في فهمنا للتشيّع، نراه (علي) (يصدح بكل ما يدور في خلده من قضايا وهموم ، وقد عانى ما عاناه بسبب عدم ادراكه لضرورة تجنب التصريح بمثل تلك الامور. كان علي ينتقد ويعترض ويواجه كبار صحابة النبي وأصحاب الشأن والقداسة بين المسلمين، وأصحاب التاريخ الجهادي الطويل وحفظة القرآن وجهابذة العقل واللسان. وبالتالي خرجوا عليه وتركوه وحيدا أمام العدو المشترك، بل شاركوا في طعنه من الخلف. لقد وقف جهاز بني أمية المدجج بالمال والجاه والسلاح، واذا بأعز أخوانه واقرب المقربين اليه ممن عايشوه طوال عقدين من الزمن ونيف ينفصلون عن معسكره ويلتحقون بمعسكر الاعداء!. لم يكن علي " ع " ينظر بعين المصلحة للامور، حتى ان اخاه الاكبر لم يتحمل تصرفاته بعد ان كواه بحديدة حارة فتركه والتحق بمعاوية)9 . ويستمر شريعتي ليستنتج من أن جهل علي بهذه النصائح والارشادات والتي تكشف عن دراسة وخبرة عاليتين في المجالين العلمي والاجتماعي للخطباء الصفويين!!، كانت سببا في تعرضه لطعون الاعداء والاصدقاء، والعوام والخواص، الصالح والطالح، والقريب والبعيد، طيلة السنوات الثلاث والعشرين التي قضاها في الجهاد وفي خدمة الاسلام والمسلمين. كما اتفق المجاهد والمنافق والموّحد والمشرك على طمس حقيقته وغصب حقه وتشويه تاريخه.

من خلال ما جاء اعلاه نرى أن شريعتي يشن هجوما على الخطباء المتفوهين المتفذلكين الذين يريدون ارضاء الجميع ليقول: (اذا ما حصل هذا فأعلموا – يا أحبتي – علم اليقين بأن هذا الشخص شيعي ! ولكن ليس شيعيا علويا انما هو شيعي على خطى شاه عباس)10 ، و(انه يتبع الشاه عباس بدلا من اتباعه لعلي ! انه نهج السقيفة الذي يقتضي مراعاة الجميع وحفظ ود الجميع وعدم اثارة الجميع والعمل على ضوء المصالح لا المباديء)11 .

ويسعى شريعتي لاثبات ان المصالح ليست من التشيّع العلوي بشيء من خلال مقارنته بين شخصيتين اسلاميتين ، كانا اول من اسلما من الرجال من حيث موقفهما المصلحي والمبدئي "من وجهة نظره" تجاه الاوضاع السياسية حينها، وهما ابو بكر وعلي. فيضع ابو بكر و خطه السياسي في نهج المصالح، في حين نرى ابو بكر يعمل على ارضاء عبد الرحمن بن عوف كي لا يسبب له بالمشاكل ، بأعطائه الاموال لشغفه بها ، لانه من قبيلة فيها رجال اصحاب وزن وتاريخ كسعد بن ابي وقاص، ومن اجل اسكات بني أمية ولو مؤقتا ولأنهم أصحاب قدرة ونفوذ يمنحهم ولاية الشام . ومن أجل أن يبقى خالد بن الوليد في صف المسلمين، فانه يعفيه من الحد ، بعد قتله لمالك بن نويره ومضاجعة زوجته الفاتنة في نفس الليلة. ولينتهي قائلا (وبطبيعة الحال ومن المؤكد في حالة ابي بكر ان تجتمع الاراء لمصلحته ، لانه رجل يقدر المصلحة ويعرف طبيعة المجتمع . اما (علي "المبدئي من وجهة نظر شريعتي" الذي لا يكترث بكل هذه الامور ولا يعير لها وزنا فمن دون شك ، سيبقى وحيدا) .

يحاول شريعتي ان يثبت سبب توقف نهضة التشيّع العلوي أو خروجها عن المسار التاريخي الذي بدأت به واستمرت تحقق النجاحات تلو الاخرى من ناحية تكريس روح الثورة ومركز جذب للمضطهدين. فمنذ اليوم الأول الذي استلم فيه الصفويون السلطة في ايران، انتهجوا طريق احد مباديء علم الاجتماع وهو (مبدأ تحول الحركة الى نظام ” Movement to Institution ”). ولكن هذا لا يمنع اطلاقا وجود العديد من رجال الدين المتنورين الذين كانوا يبشرون بآرائهم الجريئة، ولكنهم كانوا يتراجعون عنها خوفا من العامة ونفور المقلدين عنهم كالشيخ محمد حسين النائيني في العصر الحديث12   .

 

زكي رضا - الدنمارك

2/11/2014

....................

1- " التشيع الوي والتشيع الصفوي ص 34"

2- " المصدر السابق ص 35 "

3- " المصدر السابق ص 38 "

4- " المصدر السابق ص 38 " ويقع قصر عالي قابو والذي يعني بالتركية البوابة العالية في مدينة أصفهان عاصمة الدولة الصفوية وقتها، وقد بني القصر بأمر من الملك الصفوي "شاه عباس الأول".

5- " المصدر السابق ص 225 "

6- " المصدر السابق ص 45 "

7- " المصدر السابق ص 47 "

8- " المصدر السابق ص 49 "

9- " المصدر السابق، ص 50 الهامش ، يعتقد بعض العلماء أن عقيلا ألتحق بمعاوية من بعد شهادة- أستشهاد- علي "ع"، وأنا أعتقد أن هذه محاولة بائسة لتبرئة ساحة عقيل، إذ بعد شهادة – أستشهاد – علي "ع" كانت الحكومة أيضا بيد الأمام الحسن "ع" فالأشكال باق على حاله إذ الألتحاق بمعاوية في أي زمن كان لا يمكن أن يبريء ساحة صاحبه"

10- " المصدر السابق ص 51 .

11- " المصدر السابق ص 51 "

12- " للمزيد يمكن العودة الى لمحات أجتماعية من تاريخ العراق لعلي الوردي ج 3 ص 126 "

قراءة نقدية في كتاب "الحزب الشيوعي العراقي في عهد البكر (1968- 1979)". للدكتور سيف عدنان القيسي (4)

jasim alhalwaniإن سيف القيسي لم يواصل الالتزام التام بمنهج أستاذه المشرف في"مساواة الضحية بالجلاد"، في عهدي الأخوين عارف وفي عهد البكر، ولكن لم يتخلص من شراكه. وما يورده القيسي من معلومات عما تعرّض له (ح. ش.ع) من قمع وغدر وإجحاف في عهد البكر من جهة، وعن مواقفه الإيجابية ومرونته وتنازلاته، من الجهة الأخرى، لا ينسف رأي المشرف القائل: "وكلاهما يريد أن يفرض إرادته الفكرية والسياسية"، كما مر بنا في الحلقة الأولى فحسب، بل وينسف ما ذهب إليه هو نفسه أيضاً في أطروحته، التي تعد مرحلة البكر "قمة الانفتاح العلني السياسي والفكري والتنظيمي بالنسبة ﻠ(ح.ش.ع)".

لقد أشار القيسي، في شكره للمشرف الذي سبق وأن أشرنا إليه، إلى حرص المشرف "على تعلم المنهجية العلمية والدقة في الأخذ بالمصادر، والتأكد من المصدر ومنهجيته قبل الأخذ به".

من الصعب تدقيق كل الاستشهادات والاقتباسات والشروحات في كتاب القيسي وفحصها، فعددها (1826) هامشاً. ولم أتول أخذ مثل هذه المهمة على عاتقي، ولكن من خلال ما مر بنا في الحلقة السابقة، ومن خلال فحص ما يهمني تبيانه، وجدت إخفاقاً جدياً في الالتزام بالحرص المذكور. وهذا الإخفاق يتحمل مسؤوليته المشرف نفسه أيضاً، فهو مسؤول عن التحقق والتأكد من كل شيء في الأطروحة.

وقبل الشروع بإيراد بعض الأمثلة على عدم الدقة وعلى عدم الاستخدام الصحيح للوثائق وخضوعها لمنهج الأستاذ المشرف الخاطئ، بودنا الإشارة إلى ملاحظتين عامتين، الأولى إيجابية، وهي الإشارة إلى السيرة الذاتية السياسية لكثرة من الشخصيات العامة في الهوامش، وهو جهد كبير يستحق القيسي عليه الثناء. والثانية سلبية وهي أن القيسي يخلط ضمير المتكلم بضمير الغائب، في أحيان كثيرة، وبذلك يشوّش القارئ العادي، الذي لا يراجع المصادر، خاصة عندما لا يحصر قول القائل بقويسين. فعلى سبيل المثال لا الحصر: يذكر القيسي في الصفحة (367) ما يلي: "وتأسيساً على هذه الظروف الجديدة وبسياسة الإنفتاح [الانفتاح]، تمكن (ح. ش.ع) من إعادة تنظيم صفوفه فخلال هذه المدة إنتظمت [انتظمت] في لجنة منطقة بغداد وحضرت أول اجتماع لها...الخ. القارئ العادي لا يفهم من هذه الصيغة سوى أن القيسي كان عضوا في لجنة منطقة بغداد، وربما يشكك بأية معلومة مخالفة لها، لأنها صريحة وواضحة. فقبل التحول إلى صيغة الغائب يجب أن تكون هناك إشارة تشعر القارئ بأن الكلام لا يتعلق بالكاتب، لكي تتسم الكتابة بالسلاسة والوضوح المطلوبين.

وسأدرج الإخفاقات في استخدام المصادر هنا، وفقاً لتسلسلها في الكتاب وليس لمستوى أهميتها وهي:

1- في الصفحة 132 من كتابه يشير القيسي إلى اجتماع اللجنة المركزية في نيسان 1965، والذي تقرر فيه رفع شعار إسقاط السلطة. لقد كان كاتب هذه السطور حاضراً في الاجتماع المذكور، ويستشهد القيسي بما جاء في الصفحة 107 من كتابه " الحقيقة كما عشتها"على النحو التالي: "وقد أقر هذا الشعار (إسقاط السلطة) بالأغلبية حيث تحفظ عليه بهاء الدين نوري الذي طالب بطرح البديل وهو إقامة حكومة ائتلاف وطني ديمقراطي".

أما ما جاء في الكتاب، فهو ما يلي: " وقد أقر هذا الشعار بالأغلبية، حيث تحفظ عليه الرفيق بهاء الدين نوري الذي طالب بالاكتفاء بطرح البديل، وهو إقامة حكومة ائتلاف وطني ديمقراطي". هناك فرق مهم بين النصين، ولا أقصد في ذلك بعض الشكليات في الصياغة مثل عدم حصر المقتبس بقويسين وحذف الفوارز وحذف كلمة رفيق عند ذكر بهاء. إنما أقصد حذف كلمة " الاكتفاء" من صيغة كاتب هذه السطور، فظهر الأمر وكأن البديل لم يكن مطروحاً في بيان الحزب، خلافاً للواقع. فأين الدقة في ذلك؟

2- هناك تناقضات في الكتاب لا يصح التغاضي عنها، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يذكر القيسي في الصفحة 154 ما يلي: "وفي عام 1968 أوقف الاتحاد السوفيتي البث في الإذاعة المعارضة للحكومة العراقية وهي "صوت الشعب العراقي". أما في الصفحة 166 فيذكر ما يلي: "ولم يكن قد مضى أسبوع واحد على قرارات الكونفرنس كاملة، توقفت عن البث "صوت الشعب العراقي"، وهذا ما أكده عزيز محمد لإنتفاء [لانتفاء] حاجة بقاء الاذاعة، لاسيما وعودة الكثيرين إلى العمل داخل العراق".

بالمناسبة إن الإذاعة كانت في بلغاريا، ولا علاقة للاتحاد السوفيتي بها. والمفروض أن القيسي يعرف بأنها كانت في بلغاريا، ولديه مصدر يشرح بالتفصيل كيف تأسست وعملت وتوقفت الإذاعة هناك.*1

3- ومراعاة لمنهجية المشرف "مساواة الضحية بالجلاد" سنلاحظ كيف أن القيسي لم يخفف من جرائم الجلاد فحسب، عند استشهاده بالفقيد سليم إسماعيل البصري في الصفحة (200) من كتابه، بل ويحاول إيجاد الذرائع للقمع الذي مارسه النظام البعثي. ويذكر القيسي مقتبساً بدون حصره بين القويسات وهذا من حقه، مادام يشير إلى المصدر، بشرط الحفاظ على المحتوى. وسنلاحظ عند المقارنة، كيف أخفق في تحقيق الشرط المذكور، عندما يذكر ما يلي:

"واستطاع (ح. ش.ع) الفوز النسبي في الانتخابات العمالية على الرغم من "التزوير والإرهاب والتهديد"، إذ نحصل [حصلنا] على العديد من اللجان النقابية في الميناء والسكك والنفط ثم جرى حلها من قبل البعث، وسادت النقابات بعض المظاهر المنبوذة اجتماعياً مثل الاعتداء على الشيوعيين"

أما البصري فيذكر ما يلي: "واستطعنا في الانتخابات العمالية رغم التزوير والإرهاب والتهديد، الذي مارسه الأمن والبعث، أن نحصل على العديد من اللجان النقابية في الميناء، والسكك والنفط، ثم جرى حلّها من قبل البعث وجرى تزوير نتائجها واضطهاد العمال وضربهم!! كما فصل بعضهم من العمل وسادت النقابات بعض المظاهر المنبوذة اجتماعياً باسم البعث مثل الاعتداء على العمال (وخصوصاً الشيوعيين منهم) بالضرب والإهانات وطردهم وتهديدهم...الخ".

جميع الجمل والعبارات المائلة والتي تحتها خط حذفت من نص البصري للتخفيف عن كاهل الجلاد، وكذلك حصر هذه العبارة من قبل القيسي بقويسات "التزوير والإرهاب والتهديد" هو للتشكيك بمصداقيتها وتصب في نفس الهدف. ولم يكتف القيسي بذلك فراح يفتش عن الأعذار لسلوك الجلاد بتعليقه مباشرة على تلك الأحداث بقوله:

"وبهذا بدأ الصراع هذه المرة بين الجانبين بحكم قوة حزب البعث من خلال وجوده على رأس السلطة وبحكم ديمقراطية [ديمقراطيةّ!؟] الإنتخابات [الانتخابات] وهم على قناعة بأن الشيوعيين لديهم القوة الكامنه في الفوز بالانتخابات، بعد ما حققه الشيوعيين خلال فترة حرية المد النسبي في ظل نظام عبد السلام عارف، في الانتخابات العمالية والمهنية والطلابيه". وهكذا ينزلق الكاتب للدفاع عن الجلاد، شاء أم أبى، جراء الاسترشاد بمنهج أستاذه المشرف الخاطئ في البحث والقائم على مبدأ "كسب احترام الجميع لمضمون ما يكتبه".

4- يذكر القيسي في الصفحة 364 من كتابه ما يلي:" إن قيادة الحزب الشيوعي اتخذت قرارها بالموافقة على الاشتراك بالحكومة، بعد نصيحة قدمها رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي ( اليكسي كوسجين)". ونظراً لأهمية توضيح حقيقة العلاقة بين الحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي، فسنتوقف عند هذا الموضوع في الحلقة القادمة.

5- لم يستخدم القيسي الوثائق بشكل سليم أحياناً، فهو لم يميز بين قوة المصدر وضعفه، بين مصداقيته وعدم مصداقيته، فالوثيقة الحزبية، لحزب ما، تختلف عن مقال لكاتب من نفس الحزب أو كتاب لأحد الكتاب المستقلين أو المرتدين والموتورين على الحزب، عندما يتعلق الأمر بموقف أو رأي ما لذلك الحزب. ولم يدقق القيسي في المصادر كي يستخلص النتائج المقنعة، إنما يقتطف، كما يبدو، ما يروق له بدون تمحيص، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يذكر القيسى قي الصفحة 411 من كتابه ما يلي:

"ولا بد من الإشارة إلى أن إنبثاق [انبثاق] الجبهة قد حقق أهدافاً سياسية سواء للبعث أوﻠ(ح. ش.ع)، فقد حقق البعث ما كان يأمله من إعتراف [اعتراف] الشيوعيين بشرعية حكم البعث من خلال إقراره بأن إنقلاب [انقلاب] السابع عشر من تموز 1968 "ثورة وطنية ديمقراطية إشتراكية [اشتراكية]". ويثبت القيسي في الهامش المصدر وهو لأحد الكتاب . في حين لم يطلق الحزب صفة الاشتراكية على انقلاب 17 تموز إطلاقاً.

وارتكب القيسي خطأً فاحشاً في عدم تحقيقه في هذا الأمر الخطير في وثائق (ح. ش.ع) قبل تبنيه من قبله. فالاقتباسات ليست اصطياداً لجملة من هنا وفقرة من هناك، من دون تمحيص وتحقيق. إن أهم الوثائق التي تعبّر عن نهج (ح. ش.ع) السياسي والفكري والتنظيمي والستراتيجي في عهد البكر هي برنامج (ح. ش.ع) ونظامه الداخلي وتقرير اللجنة المركزية والتي أقرت في المؤتمر الوطني الثالث للحزب المنعقد في عام 1976. فمن الواجب العودة إليها في مثل هذه الأمور المهمة. وحتى عند العودة إليها وللحزب رأي آخر بها لاحقا، فتتطلب الأمانة الإشارة إلى ذلك الرأي. لقد قدم الحزب الشيوعي تقييمه لتلك الفترة، والذي أقره المؤتمر الرابع المنعقد في تشرين الثاني 1985. والوثيقة موجودة لدى القيسي وهي تحت عنوان: "تقييم تجربة حزبنا النضالية للسنوات 1968- 1979". وتتضمن هذه الوثيقة رأي الحزب وانتقاده لأخطائه السياسية والفكرية في تلك الفترة، ولم يعط القيسي الأهمية المطلوبة للوثيقة المذكورة، إن لم نقل أهملها.

وليس من الصحيح أيضاً ما يدّعيه القيسي في خاتمة الكتاب "فقد كان من بين مقررات المؤتمر الثالث ﻠ(ح.ش.ع) الذي عقد عام 1976، إقراره بدور حزب البعث وقيادته للعراق نحو الإشتراكية [الاشتراكية]". إن المفاهيم الخاطئة والتي وردت في التقرير السياسي للمؤتمر، والتي اعتبرها تقييم الحزب المشار إليه "مقولات معزولة عن الظرف التاريخي الملموس وطبيعة البعث الطبقية والإيديولوجية وممارساته السياسية" هي حول إمكانية وصول المتحالفين "سوية إلى بناء الاشتراكية" أو "تملك [الجبهة] أفقاً ستراتيجياً لمواصلة التحالف، حتى بناء الاشتراكية"2 . وهناك فرق نوعي بين هذه الصيغ والصيغة التي يذكرها القيسي. وهذا الفرق كان يدركه صدام حسين. ففي لقائه مع مكرم الطالباني، الذي سيجري ذكره في الفقرة السابعة أيضاً، جرت مناقشة بينهما في شباط 1979 حول مفردة "حتى" وفسرها صدام بأن المقصود ﺒ"حتى بناء الاشتراكية" هو أن القيادة يجب أن تتحول للشيوعيين عند بناء الاشتراكية. ويبدو أن ذلك ظل هاجسه، فقد مات صدام حسين "وفي نفسه شيء من حتى"! وقد نقل الطالباني الحديث لنا في مقر جريدة "طريق الشعب" بحضور عبد الرزاق الصافي وسلام الناصري وكاتب هذه السطور.

والأكثر أهمية من ذلك هو أن القيسي لم يشر إلى التحذير من الارتداد الوارد في برنامج الحزب الذي أقره المؤتمر الوطني الثالث ﻠ(ح.ش.ع) فهناك "فقرة ضافية عن أخطار الارتداد في مسيرة العراق كاستدراك وذلك في الفصل الأول من الوثيقة البرنامجية لأن تجربة مسيرة العراق لم تكن محسومة وان مقومات الارتداد موجودة، و كما جرى التأكيد على البرجوازية الطفيلية والبيروقراطية الحكومية، المالية والعسكرية، وإن مقومات الارتداد لا تقتصر على الاقتصاد وإنما في فكر حزب البعث أيضاً". 3

 

6- إن الأمانة في البحث تقتضي التمييز بين كتابين مختلفين صدرا في زمنين مختلفين باسم زكي خيري، الأول ومعنون: "صدى السنين في ذاكرة شيوعي مخضر - زكي خيري". وقد طبع هذا الكتاب في حياته". ويمكن إرجاع محتواه دون تحفظ إلى الفقيد زكي خيري. أما الثاني فمعنون: "صدى السنين في كتابات شيوعي عراقي مخضرم - زكي خيري"، وهو من إعداد سعاد خيري. وقد جرى تأليف وطبع هذا الكتاب بعد وفاة زكي خيري. ولا توجد أية إشارة في الكتاب الثاني تؤكد ادعاء القيسي بأنه الجزء الثاني من صدى السنين. فقد أشارت الكاتبة في مقدمة الكتاب الثاني بما يلي: " يشكل هذا الكتاب دراسة [...] وتكملة لكتابنا "دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي". وبناء على ذلك فلا يجوز الاقتباس من الثاني، دون الإشارة إلى أن الكتاب من إعداد سعاد خيري. مع ذلك فقد أجاز القيسي لنفسه ما هو غير جائز واقتبس نصاً أدرجه في الصفحة 477 من كتابه وراح ينسب هذا الاقتباس إلى الفقيد زكي خيري، وكتب في الهامش " زكي خيري، صدى السنين، ج 2 " وقد تكرر هذا الهامش الخاطئ مرارا في الكتاب؟!

لقد اقتبس القيسي من كتاب سعاد خيري ما يلي: "ويذكر زكي خيري بأن المؤتمر الوطني الثالث ﻠﻠ(ح.ش.ع) قد أضاف الى اللجنة المركزية عناصر موالية للبعث وتجاهل حملات البعث التصفوية ضد الحزب، وأقر بأن التحالف له آفاق ستراتيجية وأعاد انتخاب عزيز محمد سكرتير أول ﻠ(ح.ش.ع) فقد سرب صدام حسين شرطه هذا حسب ما يذكر زكي خيري، من خلال مناصريه في اللجنة المركزية لحزبنا قائلاً: "إننا نتحالف مع أفراد وليس مع الحزب"!

لقد واكب زكي خيري التحضير للمؤتمر الوطني الثالث المنعقد في عام 1976 من بدايته حتى نهايته، ورأس اللجنة التي أعدت برنامج الحزب، وكان كاتب هذه السطور عضواً فيها. ووافق على كل وثائق المؤتمر وقراراته وما نتج عنه من انتخاب اللجنة المركزية والمكتب السياسي وسكرتارية اللجنة المركزية. ودافع عن سياسة الحزب ونهجه أقوى دفاع في المؤتمر. لقد حضر المؤتمر (300) مندوب، وأظن أن أغلبهم أحياء ويؤيدون ما أقوله. وأستطيع أن أطمئن القيسي بأن الصورة كلها لا أساس لها من الصحة بخصوص تدّخل صدام في شؤون قيادة الحزب. لقد كنت عضواً في سكرتارية اللجنة المركزية وعضواً في اللجنة المركزية التي أقرت قائمة أعضاء ومرشحي اللجنة المركزية التي طرحت على المؤتمر. وقد استشارني الرفيق عزيز محمد بأسماء المرشحين للمكتب السياسي والسكرتارية أيضاً. كما لم يطرق سمعي قول صدام :"إننا تحالفنا مع أفراد وليس مع الحزب". إن تصديق ما قيل على لسان صدام حسين، ينقض كل ما ورد في كتاب القيسي عن هيكلية الجبهة، وعن اجتماعات اللجنة العليا، حيث كان زكي خيري يرأس وفد (ح.ش.ع) بالذات عند غياب عزيز محمد. كما أن القيسي يتجاهل نشاطات واجتماعات سكرتارية الجبهة ولجان المحافظات واجتماع وخطاب صدام فيها، هذه وغيرها وردت في الصفحات التالية من كتاب القيسي (411،428،442،446،562).

7- يذكر القيسي في الهامش المرقم 95 في الصفحة 565 من كتابه، مستشهداً بكتاب كاتب هذه السطور "الحقيقة كما عشتها" حول عودة التحالف مع البعث في شباط 1979، ما يلي: "بصدد ذلك الموضوع يذكر جاسم الحلوائي عن تلك الاتصالات بالقول"ناقشنا في القيادة عودة التحالف مع البعث وأن الرفاق في القيادة يعتقدون بعدم إمكانية تحقيق ذلك وقد اختلفت معهم وطلب صدام حسين عرض الموضوع على قيادة الحزب والتي كانت غالبيتها في الخارج فوعد مكرم بعرض الموضوع على قيادة الحزب. عقد اجتماعان للرفاق المركزيين في الداخل وتقرر إرسال عبد الرزاق الصافي إلى الخارج لعرض الطلب على قيادة الحزب وقد عاد الصافي بمذكرة تتضمن شروطاً، كانت من وجهة نظر حزب البعث، تعجيزية.." ويذكر الصفحة في كتاب " الحقيقة كما عشتها" وهي: 165.

أما النص الذي ورد في الصفحة المذكورة من الكتاب، فهو ما يلي:

"في شباط المذكور [1979] أرسل صدام حسين بطلب الرفيق مكرم الطالباني العضو المرشح للجنة المركزية وأهم ما قاله له:

- ناقشنا في القيادة عودة التحالف مع الحزب الشيوعي وإن الرفاق في القيادة يعتقدون بعدم إمكانية تحقيق ذلك، وقد اختلفت معهم لأني أعتقد خلاف ذلك ..." وطلب صدام عرض الموضوع على قيادة الحزب. وقد وعده مكرم بذلك.عقد اجتماعان للرفاق المركزيين في الداخل...الخ".

لولا الانطباع الذي تكوّن لديّ عن سيف، من خلال بضعة رسائل الكترونية بيننا، ومن خلال تعاوننا معه (عادل حبه وأنا) لإصدار كتيبه المعنون "قراءة في ذاكرة عزيز محمد"، بأنه شاب طيب، لاتهمته بالتشويه المتعمد لموقفي. فقد أظهرني متهافتاً على عودة التحالف مع البعث بعد خراب البصرة، بتقويله قولاً هو بالأصل لصدام حسين بعد تغييره من: "ناقشنا في القيادة عودة التحالف مع الحزب الشيوعي". إلى: "ناقشنا في القيادة عودة التحالف مع البعث"، والمختلف مع القيادة هو صدام وليس كاتب هذه السطور، وبذلك انقلب المعنى رأساً على عقب وتشوّهت الحقيقة. وجدير بالإشارة أن موقفي المتصلب من عودة التحالف مع البعث قد ورد في فقرة ضافية قبل الفقرة التي يستشهد بها القيسي مباشرة وتحت عنوان "بعد خراب البصرة". فأين العلمية والدقة والأمانة في الاستشهاد المذكور؟

 

.............

1- * يكرس الرفيق عبد الرزاق الصافي، وهو أحد العاملين الأساسيين في"صوت الشعب العراقي" منذ تأسيسها حتى إغلاقها، الموضوع السادس عشر من كتابه "شهادة على زمن عاصف وجوانب من سيرة ذاتية، الجزء الثاني" لعمله في إذاعة "صوت الشعب العراقي" في بلغاريا. وفي نهايات الموضوع يذكر ما يلي: "بعد توقف إذاعة "صوت الشعب العراقي" عن البث، لم يعد هناك من مبرر لبقائي فترة أطول في بلغاريا". وهذا المصدر موجود لدى القيسي.

2- تقييم تجربة حزبنا النضالية للسنوات 1968- 1979". أقره المؤتمر الوطني الرابع للحزب الشيوعي العراقي 10-15 تشرين الثاني 1985. ص60-61.

3 - رحيم عجينة، مصدر سابق ص129.

عرض لكتاب الكون المطلق بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر

630-jawadصدر عن دار نشر إي - كتب كتاب الكون المطلق بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر للدكتور جواد بشارة

هل سيتعرى الكون أمام أعين البشر يوما ما ويكشف عن نفسه؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي يطرح المؤلف على نفسه ومعه كافة البشر.

يكاد يوجز الدكتور جواد بشارة في كتابه الجديد "الكون المطلق، بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر" حكاية المعرفة الكونية كلها، في عمل موسوعي يغطي جوانب مختلفة من النظريات العلمية الحديثة التي تتعلق بنشأة الكون وتطوره ومستقبله وموقعنا فيه.، وهو المجلد الثالث من موسوعته الكونية حيث كان الجزء الأول بعنوان الكون أصله ومصيره، والجزء الثاني بعنوان: الكون المطلق بين الفيزياء والميتافيزياء، ويستعد لإنهاء الجزء الرابع قريباً تحت عنوان: الواقع الظاهر والواقع الخفي في الكون المرئي ، نظرات في أطروحة تعدد الأكوان.

ويثير "الكون المطلق" الأسئلة نفسها التي شغلت عقول علماء العصر الحديث، ويقدم خلاصات غنية للأجوبة التي قدموها ولنتائج الأبحاث التي عملوا وأنفقوا فيها سنوات طويلة من العمل المضني والتجارب والرحلات في أعماق الكون.

ان الطابع الموسوعي لكتاب الدكتور بشارة يجعله مرجعا لا غنى عنه ليس للباحثين في علوم الفلك، ولكن لكل راغب بالمعرفة في هذا الحقل المثير.

وعلى الرغم من أن المؤلف لم يلجأ إلى التبسيط في عرض المادة العلمية للكتاب إلا أنها ظلت في متناول القارئ الذي يلج عالم الفلك للمرة الأولى.

الكتاب يعكس اهتماما حياتيا بالنسبة للمؤلف، ولذلك فانه لا يتردد في تقديم جانب من هذا الاهتمام، بل ويطرح أسئلته الأولى، حتى لكأنه يريد القول إن تلك الأسئلة هي ذاتها التي تشغل كل العقول.

الدكتور بشارة خبير مُلم بموضوعه، وهو شغوف به. وبالأحرى فان الشغف هو مصدر سعة المعرفة. والمثير في علوم الكون هو أن المرء كلما زاد فيها معرفة كلما زاد شغفا أيضا.

ربما لأن الصلة بين هذه العلوم وبين فكرة الخلق قريبة جدا، حتى لكأنها تسعى إلى أن تعرف تدابير الله وبداياتنا فيها.

مع ذلك، وعلى الرغم من كل المعارف التي جنتها البشرية حتى اليوم، فالكون ما يزال لغزا محيرا. وهذا واحد من أوجه السحر الذي ينطوي عليه موضوع الكتاب.

فبعد عقود طويلة من المتابعة والقراءة والتأمل والبحث ألمضني حول الكون وأسراره وألغازه ، قرر الباحث والكاتب د. جواد بشارة أن يعرض ما يختزنه عقله وذاكرته وتقديمها للقراء. بيد أن العقبة التي واجهته هي بأية لغة وبأي مستوى وبأية منهجية يمكنه إنجاز هذا المشروع الفكري ؟ هل يسلك طريق العلماء والمتخصصين والأساتذة الجامعيين بما لديهم من أدوات ونظريات ومعادلات رياضية لا يستوعبها إلا نخبة النخبة؟ أم يلجأ الى طريقة التبسيط وتقديم السهل الممتنع بلغة يفهمها الجميع بكافة مستوياتهم دون التضحية بالرصانة العلمية والجدية وصحة المعلومة العلمية؟ وكان أن حسم أمره وتبنى الخيار الثاني وأصدر كتابه الأول بعنوان : الكون أصله ومصيره سنة 2011، وفي أعقاب ردود الفعل وحسن الاستقبال الذي لقيه الكتاب أصدر كتابه الثاني في نفس السياق تحت عنوان : الكون الحي بين الفيزياء والميتافيزياء سنة 2012. ولم تكن طريقة النشر تقليدية في طبعات ورقية بل نشرهما عبر دار للنشر الإلكتروني إي – كتب في صيغة رقمية ، لكنه شعر بأن المشروع غير مكتمل بعد ويحتاج إلى التطوير والمتابعة في نطاق الموسوعة الكونية المبسطة التي عزم على تأليفها ونشرها في عدة مجلدات فنشر كتابه الثالث هذا تحت عنوان : الكون المطلق بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر، في نفس دار النشر الالكترونية إي – كتب وفي طريقه للانتهاء قريباً من المجلد الرابع وهو تحت عنوان : "الواقع الظاهر والواقع الخفي في الكون المرئي نظرات في أطروحة الأكوان المتعددة". وما يزال إلى يوم الناس هذا يراقب السماء المظلمة والمضيئة، ويتقصى محطة الأسرار والأساطير والألغاز، ويتمعن في المرآة التي تعكس صورة الجذور الحقيقية والوهمية عن أصولنا، إنها السماء التي نظر إليها الإنسان، برهبة، ومنح أسماء آلهة خرافية للنجوم لينسج حولها جملة من الخرافات والأساطير التأسيسية بحثاً عن منطق يفسر هيئة وغموض وماهية السماوات المرئية وكذلك تلك الخفية عن بصائر البشرية.

خطت في السماء المتسامية الخطوط الأولى لنصوص التكوين، كما أعتقد الأوائل من البشر وهم يبحثون عن جواب لسؤال من أين أتينا؟ كان الفلك هو العلم الأول الذي اتبعه القدماء واحتكرت النصوص الدينية محتواه وموضوعاته لغاية سنة 1609 ، عندما وجه توماس هاريوت وغاليلو غاليله منظاريهما نحو السماء وسجلا الولادة العلمية لعلم الفلك الحديث الذي يتجاوز الإمكانات القاصرة للعين البشرية ومحدودية الرؤية البصرية لها للمضي إلى ابعد ما يمكن، والرحيل إلى ماضي الكون وطفولته الأولى، لأن الصورة التي رصدتها تلسكوباتنا الحديثة وتلقتها من النجوم والمجرات البعيدة استغرقت ملايين ومليارات السنين البشرية حسب المسافات التي تفصلنا عنها، لكي تصل إلينا لتروي لنا قصة الكون وتاريخه منذ لحظة الانفجار العظيم إلى يوم الناس هذا. وكان لابد من التعاطي مع المسافات المهولة والأرقام الفلكية والقوانين الجوهرية والمعادلات الرياضية والنظريات الفيزيائية لسبر أغوار وأسرار المادة والطاقة وتعقيداتهما، والتي علمتنا إن من موت النجوم تولد نجوم وكواكب جديدة قادرة على البقاء على الحياة لفترات أطول تقاس بمليارات المليارات المليارات من السنين وفي طياتها تولد الحياة في كل مكان في الكون لتواجد مكوناتها بوفرة في كل زوايا الكون المرئي.

 

أطروحة ما فوق وما تحت الذرة:

كان الفضاء الخارجي والكون المرئي ومحتوياته المنظورة والمرصودة هو الذي يشغل عالم ما فوق الذرة أي عالم اللامتناهي في الكبر، الذي تعاملت معه من كافة جوانبه، نظرية النسبية لآينشتين ، ولكن عندما نقول اللامتناهي في الصغر فهذا يعني أننا ملزمون بالحديث أولاً عن العلم الذي يتعامل مع هذا المفهوم، وهو فيزياء الكوانتا أو ميكانيكا الكموم ، وهناك قلة من العلماء من تفهموا في بدايات القرن الماضي أسرار هذا العلم وما يترتب عليها من تغيرات في الرؤية العلمية للكون والمادة والطاقة وإعادة النظر في المسلمات العلمية السائدة.

630-jawadوالأهم من ذلك كله هو التطبيقات العملية لفيزياء الكموم أو الكوانتا في مجال البحث العلمي وفي حياتنا اليومية، كموضوع الليزر واستعمالاته المدنية والطبية والعسكرية الذي جرى تطويره من سنوات الستينات في القرن المنصرم، إلى جانب تطبيقات مستقبلية مثل الكريبتوغرافية أو التشفيرية والترميزية والانتقال الفوري الآني تيليبورتيشن والحاسوب الكمومي أو الكوانتي ومختلف الأدوات والأجهزة الالكترونية الحديثة كالهاتف الذكي والجي بي أس GPS أي محدد الأماكن عبر الستلايتات أو الأقمار الصناعية والتصوير الشعاعي الطبي الخ.. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن اللامتناهي في الكبر حيث لابد من عرض وشرح للنظرية النسبية لآينشتين وما اعقبها من نظريات على يد علماء فطاحل من طراز ستيفن هاوكينغ وليونارد سيسكند ونظريات من نوع النظرية أم ونظرية الاوتار الفائقة وغيرها، والتي تبحث في المستوى الماكروسكوبي أي النظام الشمسي والنجوم والمجرات والاكوان الأخرى والابعاد الكبيرة. كل ذلك تناوله المؤلف الدكتور جواد بشارة في كتبه السابقة وفي كتابه الثالث هذا بالذات وبالتفصيل وبلغة تبسيطية مفهومة كما أسلفنا .

فعندما نستعرض تطور الكون المرئي منذ بدايته إلى يوم الناس هذا تستوقفنا محطات مذهلة لم يفكر بها أحد من الناس عدا المتخصصين والعلماء، منها على سبيل المثال لا الحصر، متى بدأ الكون المرئي وجوده المادي الفعلي؟ وعندما نستخدم كلمة متى فهذا يعني أننا نتعامل مع شيء اسمه الزمان. وما هي أصغر وحد زمنية؟ لا يعرف أغلب الناس إنها معروفة باسم زمن بلانك ، نسبة الى العالم الألماني ماكس بلانك الأب الحقيقي لفيزياء الكموم أو الميكانيك الكوانتي، والذي حصل على جائزة نوبل للفيزياء سنة 1918. ولو وضعنا أرقاماً لقياس زمن بلانك فهو جزء لايمكن تخيله بشريا من الثانية الواحدة وهو10-44 أي 10 أس 44 بالسالب من الثانية أي صفر وبعده فارزة ومن ثم 44 صفر آخر قبل الواحد من ثانية فعلينا أن تذكر هذا الرقم

0،000000000000000000000000000000000000000000001 من الثانية أو 10-44   وهناك قمر صناعي يعمل الآن في الفضاء يحمل نفس الإسم تكريما لهذا العالم، والذي قدم لنا معلومات علمية أحدثت ثورة حقيقية في مفاهيم الفيزياء المعاصرة ونظريات علم الكون سنتحدث عنها لاحقا بالتفصيل. من هنا يمكننا القول إن لحظة حدوث الانفجار العظيم البغ بانغ Big Bang يمكن أن تحمل إسم لحظة بلانك، العالم الذي قتلت السلطات النازية إبنه تحت التعذيب سنة 1944، وكان مقربا من العالم الشهير البرت آينشتين ورحلا معاً عبر الكون المرئي أو المنظور من مستواه اللامتناهي في الصغر إلى مستواه اللامتناهي في الكبر. بلانك يمثل اللامتناهي في الصغر وآينشتين يمثل اللامتناهي في الكبر. ولو عدنا الى لحظة الانفجار العظيم سنجد أن الواقع كان مضغوطاً ومسحوقاً في حيز يشبه العدم أو اللامكان، وهو أصغر مليارات المليارات المليارات المرات من نواة أصغر ذرة في الوجود. وهو أصغر شيء رصدته وعثرت عليه أجهزتنا وتكنلوجيتنا المعاصرة. فمن يصدق أنه عن هذا الشيء اللامتناهي في الصغر انبثق الكون المرئي بمليارات المليارات من السدم والمجرات والنجوم والكواكب والغازات والأغبرة الكونية، التي انتشرت في الكون المرئي عبر مسافات مهولة لا يمكن تخيلها؟ ومع ذلك فهذه هي الحقيقة العلمية المؤكدة اليوم. فذلك الجسيم الأولي اللامتناهي في الصغر، الذي سمي بالفرادة الأولية البدئية، كان يختزن كماً مهولا من الطاقة وفي حرارة تبلغ مائة ألف مليار المليار المليار درجة في مرحلة مذهلة من التوازن. أي إن الكون قبل خروجه للعلن كان في حالة توازن حراري تام على مستوى بلانك الزماني والمكاني. أي في زمان بلانك ومكان بلانك. قبل حصول التفاعل النووي المرتبط بحدث الانفجار العظيم البغ بانغ، وهو نفس الرأي الذي أعلنه العالم البريطاني الفذ ستيفن هاوكينغ . الذي قال ما معناه أنه "كان الكون البدئي مشبعاً بجسيمات أو جزيئات ما دون ذرية، افتراضية، سميت الغرافيتونات ، التي افترض أنها هي التي تحمل قوة الثقالة أو الجاذبية الكونية، وسماها البعض مداعباً بالجسيمات الربانية، فقوة الجاذبية أو الثقالة، وهي قوة كونية جوهرية، كانت موجودة حتى قبل وقوع الانفجار العظيم واتحدت بالقوى الكونية الجوهرية الثلاثة الأخرى بعد حدوث البغ بانغ، وهي القوة الكهرومغناطيسية، والقوة النووية القوية أو الشديدة، والقوة النووية الضعيفة. وإذا تعذر كشفها ورصدها فعلى الأقل يتم العثور على الدالات أو الموجات الثقالية التي تعتبر الآثار الوحيدة الباقية عن ولادة الكون في مستويات بلانك". ومن يرغب ذ بمعرفة التفاصيل فعليه أن يبحر معي ويغوص في أعماق المعلومة الكونية في محاولة للإمساك بأول الخيط الذي سيقودنا في رحلتنا هذه معاً إلى الحقيقة الكونية وإن كانت نسبية.

أدناه تجدون الرابط الذي يوصل الى الصفحة الخاصة بالكتاب، ويمكن أن ترسله الى كل من تشاء على سبيل الترويج والإطلاع وربما الشراء.

http://www.e-kutub.com/index.php/2012-11-20-00-14-54/1389-2014-11-01-06-31-53

للحصول على نسخة ألكترونية من الكتاب عبر Google Books اضغط هنا

للحصول على نسخة ألكترونية من الكتاب عبر Play Storeأضغط هنا

للحصول على نسخة ألكترونية أو ورقية موقعة ومهداة من المؤلف، أضغط هنا، ثم اطلبها من عنوانه، مع نسخة من إيصال الدفع:

jawadbashara@yahoo.fr

 

نبذة عن المؤلف:

ولد جواد بشارة في العراق، في مدينة بابل، عام 1955، واكمل تعليمه الجامعي في فرنسا حيث حصل على ليسانس علوم سينمائية وإعلامية من جامعة باريس 1979، وماجستير في الإخراج السينمائي من جامعة باريس 1980، ودبلوم دراسات معمقة من جامعة باريس الأولى السوربون في النشاطات الإعلامية والسمعية البصرية 1981، ودكتوراة الحلقة الثالثة في السينما من جامعة باريس الأولى سنة 1982 عنوان الأطروحة "نحو نظرية جديدة في اللغة السينمائية من منظور السيميولوجيا ـ نظرية الإشارات والرموز أو النظرية الدلالية"، ودكتوراه دولة في الأدب الفرنسي وعلاقته بوسائل الإعلام من جامعة باريس الأولى 1983 عنوان الأطروحة "البنى السردية في روايات وأفلام مارغريت دوراس".

- نشر ما يزيد عن خمسة آلاف دراسة وبحث ومقالة بين تأليف وترجمة في مختلف المجالات الفنية والأدبية والاقتصادية والسياسية والاستراتيجية والعسكرية في مختلف الصحف والمجلات العربية والأجنبية.

- عمل في الدائرة الصحفية للسفارة اليمنية من سنة 1980 إلى سنة 1992 في ترجمة وإعداد ودراسة وتحليل النشاطات الإعلامية على الساحة الفرنسية والعالمية وخاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي.

- عمل مراسلا في فرنسا لعدة مجلات وصحف عربية مثل "المدى" و"النهج" و"النور" و"الدفاع الخليجي" و"الموقف" و"الحياة السينمائية" و"نزوى" و"مجلة المجلة و""جريدة الثوري اليمنية"و "مجلة الثقافة الجديدة اليمنية"...

- تعاون مع بعض المجلات والصحف الفرنسية في الكتابة والترجمة مثل مجلة "مشرق ـ مغرب" الصادرة عن مركز الوثائق الفرنسي و"لوموند دبلوماتيك" و"كورييه انترناسيونال" ومساهمات في ترجمة النص العربي لصحيفة لوموند ديبلوماتيك.

- تعاون مع مركز الدراسات العربي الأوروبي بباريس منذ تأسيسه سنة 1992 من خلال الترجمات والكتابة في مجلته "الملف العربي ـ الأوروبي" ومن ثم العمل فيه كموظف منذ سنة 1997 إلى 2001، وكتابة العديد من الدراسات والأبحاث والتقارير للمركز والإشراف الفني من ترجمة وإعادة صياغة وطباعة وإخراج وتحرير لجميع المداخلات التي ألقيت في مؤتمرات مركز الدراسات العربي ـ الأوروبي التسعة منذ سنة 1992 وصدرت في كتب عن منشورات المركز.

- نظم وأدار أربع دورات تدريبية سينمائية للأطفال والشباب بين 8 إلى 18 عاماً تمخضت عن إخراج وتنفيذ أربعة أفلام سينمائية روائية قصيرة مقاس 8 مللم و 16 مللم و 35 مللم عرضت في التلفزيون الفرنسي وفي بعض دور العرض والنوادي السينمائية.

- شغل منصب مدير للإعلام في وزارة الثقافة العراقية 2003-2005 ، ومستشار لوزير الثقافة للشؤون الفنية

المؤلفات التي صدرت للمؤلف:

- كتاب "نقد العقل اليهودي الغربي" باللغة الفرنسية صدر عن دار المدى سنة 1992

- كتاب "إيران تحديات العقيدة والثورة " صدر عن مركز الدراسات العربية الأوروبي سنة 1999

- المشاركة في كتاب "ثلاثين عاماً على السينما التجريبية في فرنسا" لدومينيك نوغيز سنة 1988.

- كتاب "الكون أصله ومصيره"، صدر عن دار إي-كتب، لندن، سنة 2011

-الكون الحي بين الفيزياء والميتافيزياء 2012

الكتب المترجمة :

- "المحرقة تحت المجهر" ليورغن غراف، نشر في دار المدى 1994

- "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" لروجيه غارودي دار عطية 1997

- "محاكمة الحرية" لروجيه غارودي دار نشر البراق 2002

- "المستقبل، برنامج عمل لروجيه غارودي" دار نشر البراق 2002

- "مذكرات روجيه غارودي" دار نشر البراق 2002

- "العنصرية كما شرحتها لإبنتي" للطاهر بن جلون 2001

- "دروس في الإخراج السينمائي" سيرغي آيزنشتين وزارة الثقافة سوريا 2002

(يحدثُ في بغداد) .. رواية المثقف العربي عندما ينحني للألم

629-rasolعن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة، صدرت رواية (يحدثُ في بغداد) الأولى للكاتب العراقي رسول محمد رسول.

لا تتناول هذه الرواية فقط مشكلة البحث عن فصلين مفقودين من فصول رواية كتبها (مرهون الشاكر) قبل رحيله الأبدي إثر مرض عضال ألمَّ به، إنما هي رواية مثقف عراقي مفجوع بوطن يتهاوى، حكاية زوجة وحبيبة أولى (فاطمة) مزّق جسدها صاروخ أمريكي هائج؛ وحكاية زوجة ثانية (نهى) تمرَّدت على زوجها المفجوع قبل موته بخيانتها له، وتمرّدت على ذاتها أيضاً عندما جعلت من جسدها الأنثوي ممراً مباحاً يلهو به عدد من الفاسدين والقتلة الجُدد الذين أردوه أشلاء ممزقة..

إنّها رواية في (رواية) أو رواية من نمط (السّرد المفتون بذاته) أو ما يُعرف براوية (ما وراء السرد) التي جرب كتابتها الناقد وأستاذ الفلسفة العراقي الدكتور رسول محمد رسول.

629-rasolوكان رسول ولد في مدينة الكوفة عام 1959، وعاش في بغداد منذ منتصف ستينيات القرن العشرين حتى أكمل دراسته الجامعية الأولى فالعليا (الدكتوراه) متخصصاً بالفلسفة الحديثة.

بدأ الكتابة الفلسفية منذ عام 1986 في الصحف والمجلات العراقية والخليجية والعربية، وهو من مؤسسي (بيت الحكمة) العراقي، عمل أستاذ للفلسفة في ليبيا لمدة عامين، وتالياً في جامعة عجمان وباحثاً في عدد من مراكز البحوث العربية والخليجية لأكثر من عشر سنوات، ومنها مستشارا لجائزة الشيخ زايد للكتاب، ولمؤسسة بحر الثقافة في العاصمة الإماراتية أبوظبي.

نشر حتى الآن أكثر من عشرين كتاباً في مجالات معرفية متعدِّدة؛ في الفكر العربي، والفلسفة الحديثة والمعاصرة، والعلاقة بين الغرب والإسلام، ودراسات حول الهوية، وفي السنوات الأخيرة أقبل على التحليل الجمالي للسَّرد الروائي والقصصي العراقي الخليجي والعربي فنشر مجموعة من الكتب التي تتوسَّل المنهج السِّيميائي طريقا في قراءة النَّص السّردي، منها: صورة الآخر في الرواية الإماراتية، والجسد المتخيل في السّرد الروائي، والعلامة والتواصل، واللمس والنظر، والأنوثة السّاردة، وشعرية المؤدّى السّردي، وفلسفة العلامة.

خزانة ترابية اصدار جديد للقاص نوزاد جعدان

628مجموعة قصصية، حديثة، صدرت بعنوان (خزانة ترابية) للقاص نوزاد جعدان، وقد صدرت المجموعة عن دار الياسمين للنشر والتوزيع في الشارقة بالإمارات العربية المتحدة، وتضم المجموعة (14) نصا، وردت في (152) صفحة من القطع المتوسط.

تناول نوزاد في مجموعته القصصية رحلة البحث عن الإنسان الذي يتحدى مصيره، والإنعكاسات التي يواجهها حين يغور في أعماق النفس الإنسانية المظلمة والحزن البشري السامي بمباشرة فورية مكثفة، محللاً من خلالها الكاتب الدوافع التي تكمن وراء ذلك وتحليل الظاهر التي تكمن ما وراء الطبيعة، وتحمل المجموعة الكثير من الرموز التي تحتمل التأويلات المتضادة في حالة تشتت تفرضه المتغيرات التي يمر بها العالم، دون الخروج عن الخط الدرامي أو أن يخل بالمحور الرئيسي للقصص.

شخوص القصص نماذج نمطية من من المعدمين والمسحوقين وتتشابك خيوط كل الشخصيات داخل المعضلة الكبرى الخزانة الترابية؛ التي تجسد الإنسان ليس بصفته مجرد كائن حسي وسقط متاعِ للغرائز، وإنما بوصف الإنسان كائناً روحياً لديه رسالة يريد إيصالها.

628ومما جاء من فصائدها " المرآة، ومدرسة الدباغية، والكاتب والأطياف "وغيرها من النصوص القصصية، يذكر أن نوزاد جعدان، شاعر وكاتب من سورية، يقيم في الإمارات العربية المتحدة، حاصل على جوائز عربية وعالمية عدة منها جائرة كاستيلو دي دونيو في إيطاليا وأرت أتاك الشعرية في كرواتيا وجائزة نعمان للثقافة في لبنان وجائزة البي بي سي القصصية "، له ثلاث مجموعات شعرية "سعيد جدا من إصدارات دار نينوى" و"أغاني بائع المظلات من إصدارات دار الفرقد" و" حائطيات طالب المقعد الأخير من إصدارات دار فضاءات الأردن، وكتاب قيد الطبع رواد السينما الهندية يصدر قريبا عن دار الياسمين للنشر ،والعديد من النصوص والمقالات المنشورة في الصحف والمجلات العربية. ويتواجد الكتاب في القاعة رقم واحد جناح دار الياسمين في معرض الشارقة الدولي للكتاب المقبل.

 

قراءة نقدية لكتاب معالم في الطريق لـ "سيد قطب" (2)

adnan oayeedجيل قرآني فريد: يقول سيد قطب في هذا الاتجاه: بأن الدعوة الإسلامية في بدء انطلاقتها قد خرجت جيلاً من الناس تميز عن كل الأجيال التي سبقته أو جاءت بعده. وهو جيل الصحابة الذين عاشوا عصر الرسول، ونهلوا معارفهم من القرآن الكريم وما علمهم الرسول نفسه، وهم الجيل الذي لم يتغير عليه شيئ بعد وفاة الرسول كون كل ما قال به الرسول من حديث، وكذلك هديه العملي وسيرته الكريمة كانت بين أيدي ذلك الجيل الأول، الذي لن يتكرر في التاريخ.(1) .

إن وجود هؤلاء الصحابة بعد وفاة الرسول وتحملهم مسؤولية حمل الرسالة فيما بعد، يعني أن الدعوة ليست مرتبطة بالرسول وبمرحلته التاريخية، بل هي دعوة تمتد في الزمان والمكان، وهي للناس كافة. وهذا ما أراده الله من هذه الدعوة بقوله: (إنا نحن نزلنا الذكرى وإنا له لحافظون.). الحجر (9)

إذاً إن النبع الصافي الوحيد الذي نهل منه الجيل الأول كما يرى سيد قطب هو القرآن الكريم الذي تخلق به الرسول، والذي اعتبر المنهج الوحيد لذاك الجيل ومن سيأتي بعده. على الرغم من وجود حضارات وثقافات سابقة على الإسلام (الإغريقية والرومانية والهندية والفارسية واليهودية والمسيحية ...)، إلا أنها كلها لم تكن شيئاً أمام معارف القرآن كلام الله ونهجه القويم. فسيد قطب يأخذ من موقف الرسول تجاه عمر بن الخطاب حجة على ذلك، عندما جاء عمر ووجده يقرأ بالتوراة، فغضب منه وهو يقول: (إنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني.). (2). فرؤية سيد قطب تجاه هذا الحادث، تريد القول: إن الرسول (ص) أراد أن يقصر النبع المعرفي الذي يستقي منه ذلك الجيل على كتاب الله، كي تخلص نفوسهم لله وحده، ويستقيم عودهم على نهجه وحده.. لقد كان الرسول كما يقول سيد قطب، يريد جيلاً خالص العقل والضمير والتصور والشعور والتكوين من أي مؤثر آخر غير النهج القرآني الإلهي. (3).

أما المسألة الثانية في هذا الاتجاه التي ركز عليها سيد قطب فهي، مسألة طبيعة منهج التلقي، حيث يرى بأن الجيل الأول من الصحابة لم يكونوا يقرؤون القرآن بقصد (الثقافة والإطلاع)، أو بقصد التذوق والاستمتاع، أو إضافة معارف جديدة على معارفهم، وإنما كان التلقي، تلقي أوامر الله في شؤون حياتهم وجماعتهم التي يعيشون بينها، كتلقي العسكري لأوامر قائده التي عليه تنفيذها فقط دون النظر أو التفكير خارج نطاق التنفيذ. فهذا الشعور شعور التلقي للتنفيذ كان بنظر قطب يفتح لهم من القرآن آفاقاً من المتاع وآفاقاً من المعرفة، لم تكن لتفتح عليهم لو أنهم قصدوا إليه بشعور البحث والدراسة والإطلاع، وكان ييسر لهم العمل ويخفف عنهم ثقل التكاليف ويخلط القرآن بذواتهم، ويحوله في نفوسهم وفي حياتهم إلى منهج واقعي في حياته. (4)

أماالمسألة الثالثة في هذا الاتجاه التي وقف عندها سيد قطب فهي، موقف المسلم، أو من يعتنق الإسلام من ماضيه، فسيد قطب يرى أن المسلم عندما يدخل الإسلام يجب عليه أن يخلع كل ما له علاقة بماضيه قبل الدخول، كونه سيبدأ عهداً جديداً منفصلاً كل الانفصال عن حياته التي عاشها عيشة جاهلية. (فهذا الموقف سيحقق عند المسلم عزلة شعورية كاملة بين ماضيه وحاضره .. عزلة كاملة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله وما ويتعلق بروابطه الاجتماعية والأخلاقية، حتى ولو كان يأخذ من بعض (المشركين) ويعطي في عالم التجارة والتعامل اليومي، فالعزلة الشعورية كما يراها قطب، شيء، والتعامل اليومي شيء آخر .. إنه انخلاع من عقيدة الشرك إلى عقيدة التوحيد.). (5).

إن سيد قطب يرى الإنسان اليوم في عالمه هذا يعيش (جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام .. فكل ما حولنا جاهلية .. تصورات الناس وعقائدهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، وموارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم وأخلاقهم، بل وحتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، هو كذاك من صنع الجاهلية.) (6). ً

أما الحل أو الخلاص عنده من هذه الجاهلية، فهو التخلص من كل هذه الجاهلية بالعودة على النبع الصافي الذي بشر به الرسول وأمر الله بطاعته، (من يطع الرسول فقد أطاع الله). (النساء – 80 . والذي استمد منه الصحابة الأوائل قيمهم، وهي القيم التي ستشكل لنا خشبة الخلاص، وهذه مهمتنا.

يقول سيد قطب: (إن أولى الخطوات في طريقنا أن (نستعلي) على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصورات، وألا نعدل نحن في قيمنا وتصوراتنا قليلاً أو كثيراً لنلتقي معه في منتصف الطريق، كلا، إننا وإياه في مفرق الطريق، وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق. وسنلتقي في هذا عنتاً ومشقة، وستفرض علينا تضحيات باهظة، ولكننا لسنا مخيرين إذا نحن شئنا أن نسلك طريق (الجيل الأول)، الذي اقر الله به منهجه الإلهي، على منهج الجاهلية). (7).

من هذا الموقف المنهجي الفكري والسلوكي لسيد قطب يتبين لنا كيف تقف حركة الزمان والمكان عند مرحلة واحد من تاريخ البشرية، هي المرحلة التي نزل فيها لقرآن ممثلة بالجيل الأول من الصحابة، هذه المرحلة التي ستجب كل ما قبلها وما بعدها فكراً وسلوكاً من حضارة وتاريخ ثقافي وقيمي إنساني، ليبقى فقط (القرآن) والقرآن وحده هو المرجع المعرفي والمنهجي لحياتنا.. فحركة الواقع وتطوره لم يعد لها وجود في هذه الرؤية القطبية ألإخوانية، وبالتالي لم يعد الدين هنا قد جاء لخدمة الواقع في تطوره وحركته، وإنما جاء الدين كي ينسجم الواقع معه، فعلى الواقع أن يرتقي دائماً لما يقول به الدين، فكل جديد بدعة. فسيد قطب يغض النظر هنا عن متشابهات القرآن من الآيات التي تركت صراعاً دامياً في تفسيرها وتأويلها بين المسلمين عبر تاريخهم الطويل.. فالدين المنهج المُخلص من الجاهلية، هو ما يفسره ويرسم حدود تشريعه جماعة الإخوان المسلمين.. هذه النخبة التي فرضت على نفسها (التعالي) على الواقع بكل ما فيه، وضرورة تحدي جاهليته، لبناء واقع آخر تصوره هم بناء على فهمهم للقرآن وتفسير آياته، ولو بالقوة. إنهم الجيل القرآني الجديد الفريد الذي عليه بناء عالم إسلامي كان قدوتهم ومثلهم هم الصحابة من الجيل الأول.

 

...................

1-- سيد قطب – معالم في الطريق – مكتبة وهبة – القاهرة – دون تاريخ نشر. ص 11

2- المرجع السابق – ص13

3- المرجع السابق- ص13

4- المرجع نفسه ص 14

5- المرجع السابق- ص 16

6- المرجع السابق- ص17

7- المرجع السابق- ص 19

 

كاتب وباحث من سورية

 

قراءة نقدية في كتاب "الحزب الشيوعي العراقي في عهد البكر (1968- 1979)". للدكتور سيف عدنان القيسي (3)

jasim alhalwaniيقع كتاب القيسي في 686 صفحة من القطع الكبير. ويحوي مقدمة وأربعة فصول وخاتمة وملحقين أحدهما لبعض الوثائق والآخر لبعض الصور. تناول الفصل الأول بمباحثه الثلاثة نشاط (ح.ش.ع) للفترة 1958-1968. وجاء تقسيم المباحث على الحكومات الثلاث في تلك الفترة وهي: قاسم والبعث والأخوين عارف. أما الفصل الثاني فيتضمن مبحثين متداخلين يغطي الفترة الممتدة من الانقلاب البعثي الثاني17 تموز 1968 حتى 1971. كما يتضمن الفصل الثالث أيضاً مبحثين، يتناول الأول منه نشاط (ح. ش. ع) منذ 1971 وحتى عقد الجبهة الوطنية والقومية التقدمية في السابع عشر من تموز 1973. أما المبحث الثاني فيتناول نشاط ومواقف (ح ش ع) منذ انعقاد الجبهة حتى انعقاد المؤتمر الثالث أيار 1976. أما الفصل الرابع، فإنه يتضمن كذلك مبحثين، الأول من المؤتمر الثالث 1976 حتى آذار 1978، والمبحث الثاني من آذار 1978 حتى انهيار الجبهة التام في تموز 1979.

لقد اعتمد القيسي على كم كبير من المصادر المتنوعة، بلغت أكثر من 400 مصدر، من بينها وثائق حكومية وأخرى حزبية وكذلك مخطوطات غير منشورة، وبعض هذه المصادر غير معروفة . هذا فضلا عن مراجعة حوالي 200 كتاب من الكتب العربية والأجنبية، بما فيها أكثر من خمسين كتاباً من المذكرات الشخصية. وقام المؤلف بإجراء 20 مقابلة مع قادة الحزب الشيوعي العراقي وأعضائه بمن فيهم الرفيق عزيز محمد السكرتير السابق للجنة المركزية والرفيق حميد مجيد موسى السكرتير الحالي للجنة المركزية. وبصرف النظر عن مدى وكيفية استفادة الكاتب من تلك المصادر، وهذا ما سنتطرق إليه لاحقاً، فان مجرد الوصول إليها واعتمادها في البحث تطلب بالتأكيد جهداً كبيراً، يستحق القيسي الثناء عليه.

يذكر الأستاذ أسامة الدوري في مقدمته آنفة الذكر بأن سيف القيسي " لم يكن متعاطفاً مع أي طرف سياسي" أما الدكتور عقيل الناصري فيشير في مقاله المرفق بالحلقة الأولى بأن "القيسي لم يتعاطف مع الرؤية الفلسفية ﻠ(ح. ش.ع)". مهما يكن من أمر، فان القيسى الذي سعى لكي يكون موضوعياً، فأنه توفق في ذلك أحياناً، وأخفق أحيانا أخرى، متأثراً بمنهج أستاذه الخاطئ، ألا وهو: "كسب احترام الجميع لمضمون ما يكتبه". وكيف لا يتأثر وهو القائل بحق أستاذه، في مستهل الكتاب وتحت عنوان "شكر وتقدير،ما يلي: "أتقدم بجزيل الشكر والامتنان، إلى أستاذي المشرف الدكتور أسامة عبد الرحمن الدوري لرعايته الأبوية ولدوره في التوعية والتوجيه والنصح السديد، وحرصه على تعلم المنهجية العلمية والدقة في الأخذ بالمصادر، والتأكد من المصدر ومنهجيته قبل الأخذ به أدعو الله أن يحفظه ويجعله لنا ذخراً أبا وأستاذا نقتدي به، وأن يبقى نبعاً صافياً أنهل منه العلم والصدق وحب العلم". وسأذكر فيما يلي أهم ما جلب انتباهي في ما يتعلق الأمر بتأثر القيسي بمنهج أستاذه الخاطئ.

إن عنوان الكتاب هو: "الحزب الشيوعي العراقي في عهد البكر" (1968- 1979). واختير هذا العنوان ضمن إطار منهجية الدكتور الدوري، أستاذ القيسي، الخاطئة.

يشير القيسي في مقدمته للكتاب إلى أن الفترة (1968- 1979) "أهم المراحل في تاريخ العراق بالعموم، والحزب الشيوعي العراقي بالخصوص لما تركته من مردودات ايجابية وسلبية له" و "كون المرحلة (1968- 1979) تعد قمة الإنفتاح [الانفتاح] *[1] العلني السياسي والفكري والتنظيمي بالنسبة (ح.ش.ع)".

سوف لا نناقش خطأ اعتبار هذه المرحلة "أهم المراحل في تاريخ العراق" تجنباً لتشعب الموضوع، فإن ما يهمنا تأكيده هو أن الفترة المذكورة لم تكن أهم مرحلة في تاريخ (ح. ش. ع)، ولم تعد قمة الانفتاح العلني والسياسي والفكري والتنظيمي بالنسبة له. وليس هناك شيوعي واحد لديه حد أدنى من المعرفة بتاريخ حزبه يؤيد هذا الرأي الخاطئ. وهناك معطيات في كتاب القيسي نفسه تؤكد بأن الفترة التي أعقبت ثورة 14 تموز 1958، والسنة الأولى منها تحديداً هي المرحلة الأهم في تاريخ (ح.ش.ع). فقد كان الحزب قاب قوسين أو أدني من استلام السلطة. وهذا ما أثار الرعب لدى الدوائر الامبريالية رغم محاولات (ح.ش.ع) لتبديد، كما يشير القيسي في كتابه، مخاوفها. (48)

وكان بإمكان الحزب أن يملأ الشوارع بالجماهير بنداء واحد منه، والمظاهرة التي اعتبرت مليونية في بغداد في الأول من أيار 1959، عندما كان نفوس العراق لا يتجاوز الستة ملايين، والتي طالبت الزعيم عبد الكريم قاسم بإشراك الحزب بالسلطة، مشهورة، وقد أشار إليها القيسي أيضا. (ص47) وقبل هذا بصفحة واحدة يقول القيسي ذاته عن تلك الفترة ما يلي"وهكذا أصبح واضحاً للقاصي والداني، هيمنة (ح.ش.ع) على إدارة شؤون البلاد، بعد انحسار دور القوميين". إذن ليدلنا القيسي في أي يوم من أيام مرحلة (1968- 1979) يمكن أن ينطبق عليها الوصف المذكور على لسانه. وبعيداً عن خلط الأوراق،ومن أجل توضيح الأمور، نتساءل هل حصل ما يشابه ذلك في الفترة الممتدة من ربيع 1970 حتى خريف 1971 حينما تعرض (ح.ش.ع) إلى القمع الوحشي وتحطمت منظماته في طول البلاد وعرضها، كما جرت الإشارة إلى ذلك آنفاً؟!

صحيح أن الحزب تمتع في فترة الجبهة بالعلنية نسبياً، ولكن من غير الصحيح القول بأنها كانت" قمة الانفتاح العلني السياسي والفكري والتنظيمي بالنسبة (ح.ش.ع)"؟ فخلال تلك"القمة" وفي عهد البكر أُجبر (ح.ش.ع)" على حل منظماته الديمقراطية تحت تهديد حزب البعث باعتقال أعضائها. واضطر الحزب على حلها، لتجنيب أعضائها الملاحقات والاضطهاد ولتجنب الاصطدام مع البعث وتعريض استقرار البلد للاهتزاز وتعريض الحزب للقمع. *[2] وهل هناك وجه للمقارنة بين هذه الحالة وبين ما يشير إليه القيسي في كتابه عن طبيعة علاقة (ح.ش.ع) بالمنظمات الديمقراطية في السنة الأولى من ثورة 14 تموز، حيث بدا للقيسي وعلى حد تعبيره ﺒ"أن (ح.ش.ع) أخذ زمام الأمور على صعيد المنظمات المهنية والاجتماعية، سواء العمال أم الفلاحون والمعلمون والطلبة، حتى هيمنت كوادر (ح.ش.ع) على أكثر من (700) جمعية ونقابة ومؤسسة اجتماعية". (ص49)

وفي "قمة الانفتاح المزعومة" تلك كنّا نتهامس في مقراتنا بالأمور السياسية الحساسة. ونستخدم أجهزة الراديو في اجتماعاتنا للتشويش على أجهزة الإنصات التي زرعتها الأجهزة الأمنية في مقراتنا.

ومن خلال عنوان الكتاب أيضا، يريد الكاتب أو المشرف أن يوحى للقارئ بأن "قمة الانفتاح العلني السياسي والفكري والتنظيمي بالنسبة (ح.ش.ع)" كانت في ظل حزب البعث وفي عهد البكر. وثُبت هذا العهد في خلاف صريح لمحتوى الكتاب الذي يحوي ثلاثة مباحث من مجموع تسعة مباحث تغطي عهدي ثورة 14 تموز والأخوين عارف. وكان الأجدر أن يكون عنوان الكتاب، على سبيل المثال، "الحزب الشيوعي العراقي في ثلاثة عهود 1958-1979".

وبصدد مقاومة انقلاب شباط الأسود فاجأنا القيسي برأي غريب وهو ما يلي: "ومن الأمور المثيرة للانتباه أن قادة (ح. ش. ع) من الكرد، تنصلوا عن فكرهم الأممي وتراجعوا إلى القومية وما يؤكد ذلك أن مكتب لجنة الفرع الكردستاني ﻠ (ح. ش. ع) قرروا [قرر] الإيعاز [الايعاز] الى منظمات الفرع في المدن التوجه الى الريف والإلتحاق [الالتحاق] بالثورة الكردية". (ص86) . ليس هناك علاقة للفكر الأممي بمثل هكذا موقف، يبدو أن القيسي يقصد الفكر الوطني. فبصرف النظر عن هذا وذاك، فان مبعث استغرابنا هو أن القيسي يذكر، ما هو خلاف ذلك تماماً، في كتيبه المعنون "قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العراقي- بغداد 2014"، وهي حوارات أجراها القيسي في عام 2012 واستشهد بها مراراً في كتابه موضوع هذه القراءة، ما يلي:

"في صبيحة انقلاب الثامن من شباط 1963 كنت في كركوك. ولما سمعنا خبر الانقلاب، قمنا بتنظيم عدد من المظاهرات ضد الانقلاب. ووجهنا نداءً إلى الضباط الشيوعيين من أجل التوجه صوب المقرات العسكرية للمقاومة ومنع سيطرة الانقلابيين على الوضع. ولكن الضباط مُنعوا من الدخول إلى معسكراتهم بعد سيطرة الضباط الموالين للانقلاب على الوضع. ويضاف إلى ذلك أن منطقة كركوك لم تكن منطقة متعاطفة بشكل كبير مع الشيوعيين بعد أحداث تموز 1959. وبالرغم من ذلك نظمنا جيوب للمقاومة، وشرعنا ببناء الربايا، واستمرت مقاومتنا لثمانية أيام. وبعد انتهاء المقاومة في بغداد والمدن العراقية الأخرى، وجدنا أنه من الضروري الانسحاب بعد أن حسم الموقف لصالحهم".[3] وبناء على ذلك فان ما ادّعاه القيسي لا أساس له من الصحة.

يشير القيسي، في خاتمة أطروحته إلى أن الشيوعيين حملوا السلاح ضد انقلاب شباط 1963 "لإدراكهم أنهم سيتعرضون للانتقام عن مواقفهم إبان حكم عبد الكريم قاسم". هذا الرأي غير دقيق، فقد حمل الشيوعيون السلاح، أولاً وقبل كل شيء، لإدراكهم أن أي انقلاب ضد الحكم الوطني، سيكون وراءه الاستعمار والرجعية، وسيهدد منجزات ومكاسب ثورة 14 تموز 1958 الوطنية، وتعهدوا للشعب بمقاومته. وكان الشيوعيون على إدراك بأنهم مستهدفون لوطنيتهم وتقدميتهم، ولأنهم يقفون عائقاً أمام مآرب الاستعمار والرجعية والقوى المغامرة. وكانت المنظمات مدعوة للنزول إلى الشارع فورا لمقاومة أي انقلاب.

ومع الأسف الشديد فإن القيسي يجنح إلى الانتقائية في استشهاداته، أحياناً. فبصدد انقلاب شباط، يذكر في كتابه ما يلي: " والأهم من كل ما تقدم، يرمي (ح.ش.ع) بالسبب الرئيسي [لفشل مقاومة انقلاب شباط] على التنظيم الشيوعي في الجيش".[4] كان من الأجدر، عند الحديث عن فشل مقاومة انقلاب شباط، الاستشهاد برأي قائد الحزب وليس برفيق لم يكن في القيادة آنذاك. فبعد أيام قليلة من الانقلاب، قدّم سلام عادل تقييماً أولياً للانقلاب، وُزع على لجان المناطق واللجان المحلية، ودعاه "ملاحظات أولية"، وكانت هذه آخر رسالة يوجهها إلى الحزب. ويقول سكرتير الحزب فيها ما يلي: "إن السبب الرئيسي الذي أدى إلى سيطرة الانقلابيين على الحكم هو العزلة التي أصابت تدريجياً دكتاتورية قاسم عن الشعب وعن القوى الوطنية. ولكن الانقلاب الرجعي الراهن يبدأ بعزلة أشد من تلك العزلة التي انتهت إليها دكتاتورية قاسم. ولابد لمثل هذا الحكم المعزول أن يجابه نهايته السريعة جداً.."[5] وهذه الرسالة كاملة موجودة في مصادر القيسي، ومع ذلك فإنه يتجاهلها. إن عتبنا على القيسي ليس لتجاهلها لكونها المصدر الأقوى فحسب، بل لمعقولية ومنطقية حجتها أيضاً.

لم يشأ سلام عادل الإشارة في ملاحظاته الأولية إلى مسؤولية الحزب وسياسته في هذه الرسالة. ولكن يقال بأنه عندما استمع إلى ما قاله الشهيد جمال الحيدري، وهما في السيارة يوم 8 شباط في شوارع بغداد: "إن الانقلاب كما يبدو قد بدأ منذ الصباح"، علق سلام عادل قائلاً: "كلا، لقد بدأ الانقلاب في منتصف تموز 1959، وسهلت الكتلة [اليمينية في قيادة الحزب] مروره" [6]

ويطنب سيف القيسي في ذكر الشيوعيين الذين انهاروا تحت التعذيب ويشرح اعترافاتهم وتنازلاتهم. ولكن لم يشرح لنا القيسي ولا صورة واحدة من صور الصمود البطولي لقادة الحزب وكوادره وأعضائه أمام أساليب تعذيب وحشية، فعدد من مصادره تحوي ذلك. لنر ماذا جاء في أحد مصادره:

"بيد أن البعثيين لم ينقلوا لنا في مذكراتهم صور الصمود البطولي، الذي قابل به قادة الحزب الشيوعي ما صُب عليهم من ألوان التعذيب وأفانينه إلا النادر منها. إلا أن ما نقل عن هؤلاء القادة عن طريق من نجا من المعتقلين من الموت بصورة من الصور، يكفي للتعريف بالشجاعة الهائلة التي واجه بها سلام عادل الجلادين وهم يجربون معه كل ما أتقنوه من فنون التعذيب. فهل يتجرأ ممن بقي من سلطة الانقلاب، على الحديث عن هذا الإنسان الكبير وما جرى له من تعذيب يفوق قدرة البشر دون أن يتفوه بشيء؟ وأية كلمة يمكن أن تقال وهم يتلذذون بقطع أوصاله، أو ضغط عينيه، حتى تسيلا دماً وتفقدا ماء البصر.أو كيف قطعوا أعصابه بالكلابين أو كيف واصلوا ضربه على الرأس حتى لفظ أنفاسه؟ والصمود الأسطوري ذاته يتكرر مع عبد الرحيم شريف، ومع محمد حسين أبو العيس وهو يكابد العذاب أمام زوجته الشابة والأديبة الموهوبة سافرة جميل حافظ التي كانت تعّذب أمامه هي الأخرى حتى لفظ أنفاسه أمامها".

"... والثبات الذي لا يعرف الحد للدكتور محمد الجلبي، وهو يتجرع الموت قطرة فقطرة..والحديث يطول عن صلابة نافع يونس أو حمزة السلمان أو حسن عوينة أو صاحب الميرزا أو صبيح سباهي أو طالب عبد الجبار أو الياس حنا كوهاري (أبو طلعت) أو هشام إسماعيل صفوت أو إبراهيم الحكاك أو الصغيرين الأخوين فاضل الصفار (16سنة) ونظمي الصفار (14 سنة) اللذين عُذبا أمام أمهما التي كانت "تتسلى" عنهما بالضرب الذي تتلقاه وهي حامل، وفضّل فاضل الموت على أن يدل الجلادين على الدار التي يسكنها زوج أمه جمال الحيدري. لم يكن بوسع أي كاتب، مهما أوتي من براعة التصوير، أن يعرض القصة الكاملة لما جرى في (قصر النهاية) و(ملعب الإدارة المحلية) و(النادي الأولمبي) وبناية (محكمة الشعب) وغيرها من الأماكن التي جرى تحويلها إلى مقرات للتحقيق والتعذيب". [7]

لم يكتف القيسي بعدم ذكر أية صورة من صور هذا التعذيب الوحشي، فذهب في تقصيره أبعد من ذلك عندما سخر، بصيغة انتقادية، من انهيار الشيخ الجليل الدكتور إبراهيم كبة، العالم الاقتصادي المعروف، بقوله: " ويبدو أن الخوف والقلق والرعب الذي ولدته أساليب التعذيب أوصلت إبراهيم كبة أن يكون ملكياً أكثر من الملك.." !! (ص95).

والتزاماً بمنهج المشرف أسامة الدوري، "مساواة الضحية بالجلاد"، وضع القيسي التجاوزات التي حصلت من قبل الشيوعيين في عهد قاسم، وأغلبها كانت ردود فعل على الانقلابات العسكرية المشبوهة ضد الحكم الوطني، في سلة واحدة مع الجرائم البربرية التي ارتكبها حزب البعث في انقلاب شباط الفاشي، واعتبرها "ثأر وانتقام متبادل".(ص 87) وعزز ذلك بقوله: "وهكذا أعطى الحزبان الشيوعي والبعث صورة التحزب الأعمى في المشهد السياسي العراقي وهوس الحزبية القاتلة والأنانية الحمقاء.."!!(ص118)

 

....................

[1] يستخدم القيسي الهمزة التي تقع في أول الكلمة، حسب مزاجه، وليس وفقاً لقواعد اللغة العربية. هناك كُتّاب يساوون همزة القطع بهمزة الوصل، ويتجنبون بذلك كتابة الهمزة على حرف الألف في بداية الكلمة، ويهملونها حتى في كتابة حرفي إنّ وأنّ. لأن حذف الهمزة لا يحدث التباساً في المعنى، وجرياً على قول الموسوعي العربي الكبير أبو عثمان الجاحظ: "خذ من النحو ما يجنبك فاحش الخطأ"، وأنا أفهم ذلك ولكن لا أتبعه. أما أن تُستعمل الهمزة بشكل خاطئ وفي كتاب أكاديمي، ينبغي أن يتعلم الآخرون منه، فلا يجوز السكوت على الخطأ. لذلك فإنني مُجبر على تصحيحه، حيثما أعثر على خطأ في المقتبسات التي أستشهد بها. ومن اللافت للنظر هو أن مقدمة الدوري اعتمدت تجنب همزة القطع ولم تستعملها إلا نادراً، ومع ذلك لم يخل هذا النادر من الخطأ! فقد جاء في نهايات المقدمة: "لا أريد إستعراضاً" والصحيح أن تكتب بدون همزة، لأن الاسم من ماضي سداسي.(جاسم)

[2] إنني عندما أتطرق إلى مواقف الحزب وخلفياتها في ذلك العهد، لا أقصد تبريرها، وإنما أعرض صورة الحال كما هي آنذاك. وللحزب تقييمه الذي أقر في مؤتمره الرابع المنعقد في عام 1985، والذي ينتقد فيه كل تنازلاته في ذلك العهد. والتقييم المذكور وكذلك تقييمات الحزب السابقة تحتاج إلى مراجعة في ضوء فكر الحزب الذي تجدد في مؤتمره الخامس المنعقد في عام 1993. وعند مراجعتي النقدية لهذه القضية توصلت إلى ما يلي: " هو: "إن تحالف إي حزب سياسي مع حزب حاكم في نظام لا يقوم على أسس ديمقراطية مؤسساتية، هو خطأ مبدأي يرتكبه الحزب غير الحاكم، لا بسبب عدم توفر تكافؤ الفرص فحسب، بل لتعذر ضمان استقلال الحزب سياسياً وتنظيمياً وفكرياً، وهو مبدأ أساسي في أي تحالف سياسي". وقد نشر الحزب دراستي التي تتضمن هذا الاستنتاج في جميع وسائل إعلامه المركزية: مجلة "الثقافة الجديدة" وموقع الحزب الالكتروني وجريدة "طريق الشعب". وهي موجودة في مكتبة التمدن تحت عنوان "تجربة الحزب الشيوعي العراقي في مجال التحالفات السياسية ودروسها (1934-2014)". (جاسم)

[3]- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العراقي- بغداد 2014"، ص45.

[4]- القيسي، ص92. إن صفحة كتاب زكي خيري التي يستشهد بها القيسي ليست 248 وإنما 241. وإذا توخينا الدقة فإن زكي خيري لم يقل"السبب الرئيسي" بل قال: "كنا نعول"!

[5]-عزيز سباهي،عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، الجزء الثاني، ص552.

 [6]- ثمينة ناجي يوسف ونزار خالد. سلام عادل ، الطبعة الأولى ص 153. (المصدر موجود لدى القيسي). نقل الحديث إلى ثمينة، كاظم الصفار،الذي كانت له علاقة حزبية بجمال الحيدري وهو نسيبه. ونقله إليّ أيضاً عندما التقيت به في بغداد في بداية كانون الثاني 1964. (جاسم)

[7]- سباهي، مصدر سابق، ص 552.

الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية في تشريع الكفارات

nadheer khazrajiعند مقابلة قوله تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) مع بقية الآية نفسها في قوله تعالى: ( وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) المائدة: 32، نجد أن كلمة القتل تقابل الإحياء، والقاسم المشترك بين نصي متن الآية الكريمة هو "نفس الإنسان" المعادل لـ " الناس جميعا" في القتل والإحياء، وهذه المقابلة تقدم دليلاً قاطعاً أن النفس الإنسانية لها قيمة تعادل قيمة الناس جميعاً، والتعامل معها في السلب والإيجاب هو تعامل مع البشرية كلها، وعندما يقرر رب الخلق هذه المعادلة الخطيرة، فإنه تعالى يضع للإنسان خصوصية في هذا الكون تتمحور حول حياته ذاتها واحيائها في الخير لا في الشر، فسبحانه وتعالى يريد، في الدارين، حياة الإنسان لا موته ولا عذابه.

ولأن حياة الإنسان مسرح تتفاعل على خشبتها قيم الخير والشر، فإن الخطأ أمر وارد مهما بلغ الإنسان من الإيمان والتقوى مرتبة إلا المعصوم، ولأن الحياة الدنيا دار ممر الى دار مقر، فإن تعاليم الإسلام تنحو نحو الإستفادة منها وزرعها بالخير حتى يحصد الزارع ثمارها في جنة الخلد وملك لا يبلى، ولمن أخطأ مع نفسه جعل الإستغفار باباً للدخول الى رحمة الله، ولمن أخطأ مع الغير بنحو من الأنحاء جعل الاستغفار دليله الى جانب افراغ ذمته من الآخر حسب نوع الخطأ أو الجنحة، سعياً وراء تطهير نفسه من الذنب في الحياة الدنيا عبر الاستغفار القولي، أو الفعلي بدفع الفدية أو الكفارة بمفهوم الشرع الإسلامي.

الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، كما عودّنا في سلسلة الشريعة، يوقفنا في كتيب "شريعة الكفارات" الصادر في بيروت حديثا (2014م) عن بيت العلم للنابهين في 80 صفحة، على الكفارات التي ينبغي للإنسان أن يؤديها من أجل التكفير عن ذنوبه في الحياة الدنيا حتى يذهب الى قبره وربه سليم السريرة مستفرغاً للذمة من أية تبعة، وهي مسائل شرعية ومدنية معاً ينبغي للإنسان الإطلاع عليها ليس فقط من أجل معرفة الكفارات وأنواعها وأقيامها، وإنما الاطلاع على الحالات التي تستوجب الكفارة والفدية في سبيل تجنب الوقوع في مزالقها، فهناك عدد من الممارسات الخاطئة التي يستقلها المرء ويستصغرها، وهي بحاجة الى مسحها من سجلِّه وكتابه، وقد أفرد الفقيه الكرباسي 159 مسألة شرعية مع تمهيد يضع فيه النقاط على الحروف، إلى جانب مقدمة و27 تعليقة أوردها الفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري.

 

الكفارة عبادة

للكفارة وجهان يبدوان على تضاد مع بعضهما، وإذا أنعمنا النظر فيهما، نجد التداخل بينهما المؤدي الى فائدة الإنسان المذنب نفسه، والتعريف دال على ذلك، فالكفارة اسم للتكفير بمعنى الستر، ويضيف الفقيه الكرباسي: (فقولهم كفّر عن ذنوبه أي سترها بأمر ما، قد يكون بالتوبة أو بالصوم أو ما شابه ذلك)، وبتعبير المتشرعة: (مجازاة عمّا ارتكبه المكلَّف من قول أو فعل غير محبوب لدى الله جل وعلا)، وبشكل أخص: (هي مجازات وغفران عن ارتكاب ما لا ينبغي فعله أو تركه) فهي تشمل ترك ما حقه الفعل وفعل ما حقه الترك.

فالذنب من حيث هو ذنب متعلق برقبة المذنب، ولكن متعلقاته تتجاوز المذنب نفسه، فلها: (أربعة حقوق: حق الله، وحق النفس، وحق الناس، والحق العام، وأقلّ الذنوب ما تعلق بها حقّان: حق الإنسان نفسه، وحق الله)، ومثال الأول جريمة القتل ومثال الثاني ترك الصلاة، وقد يتعلق بالذنب ثلاثة حقوق ومثاله الزنى في الخفاء الذي فيه ظلم للنفس (حق النفس)، وتعد على حق الآخر (حق الناس)، وتعد على حرمات الله (حق الله) الذي لا تخفى عليه خافية، على أن حق الناس مقدم على حق الله، بل انه رهن تحقق الحق الأول، فلا يسقط حق الله حتى يُسقط المذنب حق الناس، فلو أدى الإنسان ما عليه من الحق تجاه الآخر فتح لنفسه باب التوبة والغفران، ولا تراتبية بين حق الناس والحق العام كما يؤكد الفقيه الكرباسي فأيهما نفذ انتهى منه.

ولا يخفى أن الكفارات درجات وهي تبع للذنب، فذنب كفارته الغفران وآخر حقه عتق رقبة وثالث حقه الصوم ورابع حق اطعام المساكين، وخامس الإكساء أو التصدق، وبشكل عام فإن الكفارات على ثلاث صور: مرتبة ومخيّرة والجمع، فالكفارة المرتبية هي: (الكفارة المعيّنة، فإن عجز عن القيام بها انتقل الى غيرها وهكذا) والكفارة المخيّرة: (هي الكفارة التي يُخيّر المكلّف بين عيّنات مختلفة)، وكفارة الجمع: (هي الكفارة التي يتعين على المكفِّر أن يقوم بها جمعيها)، ومدار الكفارات الثلاث هو تحرير رقبة وصيام ستين يوماً وإطعام ستين فقيراً، وقد تكون الكفّارة المعيّنة: (لا هي مخيّرة ولا مرتّبة ولا هي من الجمع بل يجب الاتيان بها حصراً).

وتقوم الكفارة على أربعة أركان: المكفِّر (الشخص الذي فعل أو ترك ما يوجب الكفارة)، ويشترط فيه: البلوغ والعقل والعقيدة والقصد والعلم. والمكفَّر عنه (الذنوب التي تستوجب مجازاة الإنسان عليها)، والتكفير (عملية التزام المكلَّف بالعمل على مقتضى الكفّارة) ويشترط فيه النية والقربة. والكفارة (المادة التي يكفّر بها المذنب) كتحرير رقبة أو الصوم أو الإطعام أو الأكساء أو الصدقة، وفي جميعها يقتضي النية والقربة، وبهذا تكون الكفارة هي العبادة بذاتها، فكما تحتاج الصلاة أو الصوم أو الحج الى نية وقربة، فإن الكفارة من لوازمها النية والقربة، ولا تتحقق بدونهما حتى وإن اعتق المكفّر الرقاب وصام وأطعم، فكما لا تقبل الصلاة من غير نية وقربة لا يسقط الحق في الكفارة من دونهما، وبتعبير المعلق الفقيه الغديري: (ففي كل واحدة من الكفّارات جهتان، جهة مادية وجهة معنوية ولكن الأساس في الجهتين هو توجه العبد الى طاعة الله وترك معصيته، والتجنّب عن كل ما فيه سخطه)، ومع تعدد فوائد الكفارة كما يضيف الشيخ الغديري، فهي: (تنتهي الى جذب العبد المذنب الى طاعة الله سبحانه وتعالى وسوقه الى ما يرضيه من الأعمال المقرّبة إليه جلّ شأنه).

 

أغراض متعددة

لا شك أن الكفارة تدخل في جزئيات سعادة الإنسان في الدارين، وإن بدا أن في الطريق عقوبة أو فدية أو غرامة، فهي تردع المذنب عن العودة الى مثل الذنب القديم وتخلق في نفسه قوة الردع الذاتي لاسيما وأن الكفارة بقدر الذنب، كلما كان كبيراً ارتفعت الفدية والغرامة، وهذا ما يجعله أكثر حذراً من الوقوع في الزلل، وحسبما يعبّر الفقيه الكرباسي: (إن حركة دفع الكفّارات- الغرامات- تولّد في المجتمع حالة من المناعة من العمل الفوضوي وتُصلح المجتمع، لأن المجتمع الصالح ذلك المجتمع الذي يدرك الأخطاء ويتفاداها).

ولعلّ من أهم أغراض الكفارة ومقاصدها هو شد لحمة المجتمع وتقوية شبكة علاقاته، وخلق مجتمع سليم قادر على تحمل مسؤولياته تجاه نفسه والمجتمعات الأخرى، لاسيما وأن الشرع الإسلامي وجّه بوصلة الكفارات باتجاه قلب المجتمع نفسه، عندما طالب المذنب بتحرير الرقبة أو اطعام الفقراء واكسائهم أو التصدق وأمثال ذلك، وبتعبير الفقيه الكرباسي انها: (تعد من الموارد الاقتصادية للدولة أو المؤسسات الاجتماعية، وهي كفيلة لتحمّل جزء كبير من العجز الاقتصادي الذي تشكله الشريحة التي تعيش تحت خط الفقر، ففي هذه الحالة نجد أن الكفارة لها تأثير اصلاحي في نفس وسلوك المذنب، ومن جهة أخرى فإن فيها إصلاحاً للحياة الاقتصادية بل والحركة الاقتصادية بشكل عام). وحيث كان سوق العبيد عامراً قبل الإسلام بسبب الحروب، فإن الكفارات هي واحدة من السبل الظريفة التي أوجدها الشرع للقضاء على سوق النخاسة.

وإذا كانت مرحلة العبيد قد أنهاها الإسلام بتشريعاته الحكيمة، فان الكفارات كذلك تدخل عاملا كبيرا للقضاء على الفقر الملازم للبشرية مادامت هناك نفوس جشعة تحتكر وتغتني على حساب الآخر، ومادامت هناك أياد ظاهرة وأخرى خفية تشعل الحروب هنا وهناك، ومادامت هناك حكومات تخلق سياساتها العامة الفجوة العميقة بين الغني والفقير، فالفقر كان ولازال آفة كل عصر ومصر، والكفارات واحدة من الأوجه السليمة لمواجهة هذا المرض الإجتماعي، وقد أولاه الشرع الاسلامي أهمية كبرى، فجعل ذبح الأنعام واطعام الفقراء جزء من الكفارة التي قرنها بالعبادة، ولذلك لا يتحقق الإطعام الا بالنية الصادقة والقربة إلى رب الفقراء.

واشترط فيه أموراً كثيرة منها: إشباع الفقير ولذلك يقول الفقيه الكرباسي: (لا يجُزي الإطعام عن الكفّارة إذا لم يُشبع بشكل عُرفي)، ولابد أن يكون عن طيب خاطر بلا منّة ولا أذى ولا سمعة ولا رياء، ولهذا: (إذا أطعم الفقراء رياءً لا يكفيه عن الكفّارة)، إلا لغرض أسمى كما يعلّق الفقيه الغديري وهو: (إذا كان إظهاره وتبليغه وإعلانه بقصد الترويج لطاعة الله وارشاد الآخرين نصيحةً وهدايةً فيكون له الأجر والثواب شرط أن يكون خالصاً لمرضاة الله). بل وعمد الشرع الى احترام الفقير من خلال دعوة المكفّر صاحب الطعام إلى الإمساك عن أخباره عن الغرض من الإطعام، إذ: (لا يجب إخبار الفقير بأنه أطعمه لأجل الكفّارة)، وبتعبير المعلق: (بل وقد يُستحب إخفاء ذلك عنهم حفظاً لحرمتهم، وقد يُحرم ذلك إذا كان يوجب الإهانة في حقِّهم)، وأن لا يكون المكفّر ضنيناً بالطعام ونوعه، ولهذا كما يشير الكرباسي: (يُستحب أن يُطعم الفقير مما يأكله وعائلته)، كما: (يجوز أن يسلّم الطعام الى المحتاج ولا حاجة إلى إطعامه)، فالغرض من الإطعام هو احترام الفقير وادخال السرور على قلبه والرفع قدر الإمكان مما هو فيه واشعاره بقوة شبكة العلاقات الاجتماعية، وهذا التراحم في واقعه يزيد من العطاء والخير من حيث يحتسب الإنسان أو لا يحتسب، ويقلل بشكل كبير من الأمراض الإجتماعية والنفسية.

إذن فالكفارة عن اقتراف الخطأ أو ترك ما ينبغي فعله، ليست مدعاة لغفران الذنوب فحسب، فأبعادها الاقتصادية والاجتماعية هي المنشودة في الشرع الإسلامي، وقد التفتت المحاكم الغربية الى هذا الأمر، فعمدت في بعض الجنح الى استبدال السجن بالغرامة المالية أو الخدمة الإجتماعية، أو كلتاهما معاً فيأمر القاضي المذنب على سبيل المثال، بالعمل لمائة ساعة أو أكثر أو أقل، في مؤسسة اجتماعية أو خيرية أو دار للمسنين أو الأيتام أو المشردين وأمثالها، أي التكفير عن الذنب بالعطاء المادي أو بالعمل الاجتماعي.

وفي اعتقادي أن المرء، من ذكر أو أنثى، عليه أن يطلع على موارد الكفارات من أجل تلافي اقتراف الذنب والخطأ، فهناك ممارسات غير سليمة تُمارس دون أن يدرك المرء خطأها، وتلزمه الكفارة لرفع تبعاتها، تبدأ من فراش الزوجية ولا تنتهي عند عتبة الدار، وكتيب "شريعة الكفارات" يشير الى موارد الكفارات، والوقوف عليها يغني المرء عن الوقوع في وحل الأخطاء والزلات.

 

إصداران جديدان للناقد د. جميل حمداوي

abdulnaby dakirخُصِّص العددان 41 و42 على التوالي من سلسلة شرفات التي تصدرها "منشورات الزمن" المغربية لكتابين هامين في نقد الرواية والقصة القصيرة:

1 ـ بلاغة الصورة السردية في القصة القصيرة...نحو مقاربة بلاغية جديدة للصورة السردية.

2 ـ بلاغة الصورة الروائية أو المشروع النقدي العربي الجديد.

بعيدا عن مقاربة النصوص السردية القصصية في ضوء الصور البلاغية التقليدية، يحاول الإصدار الأول رصد اعتماد الصورة السردية الموسعة على صور أخرى مستنبطة من داخل النصوص الفنية والجمالية. وهي صور لا تتوقف عند البعد الفني والجمالي، بل تتجاوزه إلى تخوم التصوير الموضوعي والوظيفي. ولعل هذا المنظور الجديد ـ الذي يراعي مستجدات الصورة في الحقل الثقافي الغربي تنظيرا وتطبيقا ـ هو الذي أفضى بالباحث إلى اقتراح تصنيف جديد وترتيب مخصوص للصور البلاغية في القصة القصيرة.

 

أما الإصدار الثاني المتعلق بدراسة الصورة الروائية وتحليلها، فينطلق من اعتبار الصورة الروائية معيارا لإجراء نقدي ناجع في تحليل النصوص فهما وتفسيرا وتأويلا، بغية رصد فنيات التصوير اللغوي في مجال السرد. وهذا المعيار ـ حسب الباحث ـ يدرس الصور الروائية أو القصصية أو الحكائية في إطار كلي وعام، من خلال التوقف عند مجموعة من السياقات: الذهني، الأجناسي والنوعي، النصي، اللغوي، البلاغي. وبالتالي، يستند إلى مفهومين مركزيين:

أ ـ مفهوم المكونات: وهي عناصر ثابتة في الصور الروائية أو السردية، مثل:

الموضوع، الشخصيات، الفضاء، الوصف، المنظور السردي، اللغة.

ب ـ مفهوم السمات: وهي عناصر تتسم بالحضور والغياب، كالواقعية والرومانسية والشاعرية والتعجيب والدرامية والتكثيف والامتداد والإيقاع والتصوف...

 

مقامة العطش لجابر السوداني

627-habirبالقرب من تمثال شهريار في ذلك المساء البغدادي الجميل الذي احتضن الجميع خلال مهرجان (انا عراقي انا اقرا)، افترش الارض الشاعر جابر السوادني من اجل توقيع مجموعته الشعرية مقامة العطش / شعر حر،

627-habir تقع المجموعة الشعرية مقامة العطش في 396 ضفحة من الحجم المتوسط و تضمنت المجموعة اكثر من 250 نص شعري .

وقدم المجموعة كل الاستاذ عبدالله عبد الكريم والاستاذ عبد القتاح المطلبي والاستاذة عزيزة الخزري .

 

 

المعجم الكيميائي الجامعي تأليف الدكتور مجيد محمد علي القيسي

bahjat abaasلا غرابة إن كانت المعاجم العلمية العربية قليلة أو نادرة، ولا عجب إن احتوت على مصطلحات أو كلمات يجدها القارئ عسيرة الفهم، ذلك إنّ الكلمات الأصلية أو بعضها قد يكون أسرع للفهم لتداولها ولتكرارها في الكتب الأجنبية المنتشرة والمتوفرة في المكتبات أو على الإنترنت. ثم إنّ دراسة العلوم تكون عادة باللغة الإنكليزية في الجامعات العربية، وتحديث هذه العلوم وترجمتها إلى اللغة العربية ليس أمراً سهلاً. ولكنْ في بعض الأحيان يعسر على القارئ العربي فهم كلمة علمية بلغتها الإنكليزية وقد يُدركها بسرعة عندما يعرف معناها بلغة الأم. هذه الكلمات العلمية لا توجد في المعاجم العربية الاعتيادية. لذا يكون المعجم العلمي ضرورة في هذه الحال.

ولكنّ تأليف مثل هذا المعجم العلمي يتطلّب جهداً أو جهوداً ووقتاً ليس بقصير للقيام بمهمة هذا التأليف. ومن هنا جاء الباحث والعالم الكيميائي والأديب الدكتور مجيد القيسي بمعجمه الرائع (المعجم الكيميائي الجامعي) بعد تتبّع وبذل جهد وصبر ومثابرة أخذتْ منه عشرات من السّنين، ليُصدره باللغتين الإنكليزية والعربية وليشتمل على منهجية التسميات الكيميائية الدولية والعربية وليضمَّ اثني عشر ألف مصطلح تقريباً في 685 صفحة من الورق الأبيض الصقيل ذي حجم متوسّط، ومسجّل أيضاً على سي دي لقراءة ما فيه على الحاسوب.

لا يحتوي المعجم على الكلمات الإنكليزية المترجمة وحسب، بل ثمة شرح وافٍ لمفاتيح الرموز والاشارات والكلمات المنتهية بلواحق مثل: -ase و –ite و – meter وأسماء الأمراض الناجمة عن الخلل

الأيضي والمنتهية بالرموز المصدرية مثل –emia و –ism و –sis أو الكلمات المسبوقة بــ hypo- و per- وغيرها. وأخذت كتابة الهمزة (ء) والـ (لا) النافية للجنس المستخدمة مقابل الكلمات الإنكليزية a, in, an, non والمشتقّات العربية الكثيرة مقابل نظيراتها الإنكليزية ومعانيها المتعدّدة، والرموز الكيميائية، إنكليزياً وعربياً، والكتلة والعدد الذريّ، وتراكيب المواد الكيميائية ومكوّناتها، وتسمية الأيونات والجذور، والقواعد النتروجينية، والأطوار البلّوريّة Crystalline Phaseوالحوامض على أنواعها، والأملاح البسيطة والمزدوجة والثلاثية، والتراكيب العضوية، ووحدات القياس الأساسية الدولية ورموزها وغيرها حيزاً كبيراً من الكتاب وفي الصفحات الأولى من المعجم حيث تجاوزت المائة والأربعين صفحةً، وهي دراسة متقنة مما تكون دراسة مفيدة شاملة لدارسي الكيمياء العضوية وغير العضوية والحيوية. هذه المعلومات التي تنمّ على علم غزير ومعرفة لا حدود لها في مجال البحث والتأليف في اختصاصه الذي واظب عليه الدكتور مجيد القيسي منذ الخمسينات من القرن العشرين.

ولا غرو في ذلك، فالدكتور مجيد القيسي أنهى دراسته في كلية الصيدلة والكيمياء الملكية (فرع الكيمياء) عام 1952 وحصل على شهادة الدكتوراه في الكيمياء الاشعاعية التحليلية من جامعة (كْوينزْ – بلفاست)عام 1962. ومُنح زمالة الوكالة الدولية للطاقة الذريّة في مختبرات (أوكْ رجْ ) الوطنية في الولايات المتحدة Oak Ridge National Laboratory عام 1966. عمل أستاذاً (بروفيسور) في كلية العلوم جامعة بغداد، ومن قبل عميداً لها، وكان خبيراً في المجمع العلمي العراقي عام 1978 وعضواً في لجنة الكيمياء ومناصب حيوية أخرى كثيرة لا مجال لتعدادها.

كما قام بتأليف بتأليف ونشر معاجم متخصصة في الكيمياء الجامعية، وكما لا يأخذكم العجب إذا عرفتم أنه ألف معاجم في اللغة العامية البغدادية والعراقية، فهو موسوعة حقّاً.

أمّا هذا المعجم الكيميائي الجامعي، فهو بحر عميق الغور، ولا يمكنني أنّ أخوض في غماره بغير هذا الاستعراض البسيط أو التعريف الموجز به. احتوى هذا المعجم على ألوف من الكلمات العلمية التي لا يوجد معظمها في المعاجم الإنكليزية/العربية المألوفة والمتداولة في الأسواق، لذا يكون متمّماً لها. وقد حاول الدكتور الفاضل مجيد القيسي أن يعرّب أسماء بعض الخمائر ذات التراكيب المعقدة والمتكونة من أسماء عدة، فنجح في الكثير منها. إنَّ ذكر الترجمة العربية لأسمائها بجانب الاسم الأصلي باللغة الإنجليزية، تكون فائدة للقارئ في حال تتبّعه إيّاها باللغة الإنكليزية. وكمثال على هذا، مادة Glucosylceramide التي ترجمها بـ (سيراميد سُكريل العِنَب) وبجانبها (سيراميد الكَلوكوزيل).

غير أنّ بعض المصطلحات العلمية تتعقّد عند ترجمتها العربية وقد يتعذّر على القارئ هضمها، وخير مثال ترجمة Glucose -6 – phosphate dehydrogenase (خميرة يسبب نقصانها تلف كريّات الدم الحمر ومن ثمّ فقر الدم – خلل جيني يكثر عادة في الأمريكان السّود) التي جاءت : (خميرة هِدروجين 6 – فُسفات سُكرِ العِنَب النازعة)، فهي تُزيح ذرّة هيدروجين. ففي رأيي، لو كُتبتْ في العربية كما هي في الانكليزية (خميرة كلوكوز -6-فوسفات ديهايدروجينيس) لهضمها القارئ أكثر حيث يستطيع تـتـبُّـعَها من لغتها الإنكليزية. الواقع إنّ كثيراً من أمثال هذه الأسماء من الخمائر و المركبات الكيميائية تُكتب في اللغات الأجنبية كالألمانية والفرنسية والأسبانية وغيرها بأسمائها الأصليّة أو ما يقرب منها حسب طبيعة اللغة . على أنّ هذا لا يؤثّر على قيمة المعجم فنيّاً وعلميّا. وأجمل ما في هذا المعجم أنّ فيه معانيَ عدّةّ للكلمة العلمية المُترجَمة، وللقارئ اختيار ما يراه ملائماً.

ألف شكراً للصديق العالم الباحث الدكتور مجيد القيسي على رفده الثقافة العربية والمكتبة العربية بهذا المعجم النفيس وعلى إهدائه أيّاي نسخة منه سأعتزّ بها دوماً.

 

المعجم الكيميائي الجامعي (إنكليزي – عربي) – المؤلف الدكتور مجيد محمد علي القيسي

دار الكتاب الجامعي –العين – الإمارات العربية - الطبعة الأولى – 2015.

عدد الصفحات 685 – متوسط.

 

كتاب للقراءة .. أطروحة صائب خليل عن السياسة الأمريكية

saleh alrazukفي مقالتي السابقة (نحن وأمريكا - المثقف وجريدة العالم ، ١٩- ١٠ - ٢٠١٤) عن كتاب الأستاذ صائب خليل (الجهود الأمريكية لتفتيت الدولة العراقية) تكلمت عن رؤيته الكئيبة لأمريكا. ولكنه قدم لنا المعطيات والحقائق على طبق من ذهب. وكان بكل كلمة يعبر عن رأي الإنسان بمعناه المطلق، ليس العربي فقط، أي إنسان يمقت الدمار وغبار الحروب المفتعلة. وفي نفس الوقت كان الكتاب لا يخلو من الظلال الخفيفة التي تدين التكنوقراط (المتوافقين مع إسقاط صدام بيد أمريكية وليس بإنضاج الداخل كحال الباحث عبدالخالق حسين ولطيف الوكيل - ص ٣١٨).

و لو استشرنا ذاكرة الشاعر يحيى السماوي لتكلم عن الحركات التي أجهضها صدام لأن أمريكا ورطتها قبل الأوان بما لا طاقة لها به.

و هذه فكرة معروفة، أن تكون ثائرا قبل الأوان (و التعبير للمرحوم فائق المحمد رئيس تحرير العروبة، الجريدة المحلية لمدينة حمص وريفها، ومؤلف كتاب دراسات في الرواية الصادر عن جامعة الدول العربية). لقد دفع الرجل حياته ليس ثمنا لأفكاره فقط ولكن لوضعه الوجودي الطائفي، فهو من ريف حمص، ومن عائلة علوية كريمة.

و في الواقع لم ينتبه القاتل إلى أن فائق المحمد هو صوت من أصوات إصلاح العمل بالنظام، لقد كان ثوريا مثل قاتله. وإن اختلف معه بالتفاصيل. ولا أستغرب لو استمر على قيد الحياة أن يكون خلف القضبان لجرأته ولتبنيه الأفكار الليبرالية.

طبعا ضمن الحدود التي يفرضها صوت العقل والمنطق في تلك الفترة.

***

إنه من الأفكار الثابتة في الكتاب أن أمريكا هي وراء صعود البعث للسلطة (الفصل الرابع /ص 267 وما بعدها). وأعتقد أن هذه تهمة جائرة. فكل موبقات البعث في العراق وغيره لا يمكن أن تجر أمريكيا واحدا للتعاطف مع حزب إيديولوجي.

و لا يوجد في أمريكا كلها داعم واحد للخطاب القومي والإثني الذي شيد صدام مملكته عليه. لقد دارت الأيام وها هي الشعارات العروبية تتحول لمفتاح ذهبي بيد الإسلاميين. وبالأخص الميليشيات الإسلامية المسلحة. وقبل ذلك بيد اليمين البارد أو المحافظين. ممن لا يعرفون شيئا عن الزهور والورود ولكنهم يبشرون بـ " الربيع العربي".

و لكن من الوارد أن الجهات التي استفادت من نظام صدام لأكثر من ثلاثة عقود، لا تزال ممنونة له. وقد لا تكون الاستفادة عينية أو مباشرة، وإنما تدخل في باب التهيئة وتمهيد الطريق. فقد لعب صدام دورا استراتيجيا في ضرب الثورة الإيرانية. وإعاقة كل من يرفع رأسه مع المد الروسي (لن أخطئ وأقول السوفييتي، فهي إيديولوجيا المائة عام وليست حقيقة الدورة التاريخية والوطنية الثابتة).

وفاز صدام بالنتيجة بلقب بروليتاري مضحك وهو حارس البوابة الشرقية. ولا أعلم من أين واتاه هذا التواضع الجم وقبل هذا العمل، الذي يذكرني بلقب شبيه وبروليتاري أيضا حمله عدو البروليتاريا: خادم الحرمين الشريفين.

إن الخيوط الأمريكية التي قدمت للبعثيين الدعم بعد إسقاط صدام هي أوهى من بيت العنكبوت. وهي أقل شأنا من دبيب النملة في الربيع تحت الشمس.

و لو تحرينا الدقة إنها عاطفة مبيتة لمن كان يلعب بالخفاء ضد صدام. على أن يكون السيناريو انقلاب قصر وليس تحويلا شاملا وعميقا بهذا التوسيع (انظر مقالات مشعان الجبوري في جريدته الاتجاه الآخر).

و لا يدانيني الشك أن هؤلاء المعتدلين هم غير الصقور في أمريكا. ويرغبون بحماية خلاياهم النائمة التي وقعت كل الأوراق من بين يديها. ويدعم رأيي أن أمريكا ليست رجلا واحدا ولكنها قلب واحد.

بمعنى أن أدوات وأساليب الوصول لتحقيق المطامع والأهداف العليا تختلف، من التهدئة والحوار إلى دق طبول الحرب.

و يمكن أن تقرأ التفاصيل في كتاب (حرب آل بوش السرية). وفيه نظريات مدعومة بالأرقام والرسائل والبرقيات عن دورة رأس المال في شركات بوش الابن والأب بالتزامن مع العواصف التي تهب على منطقة الخليج (الكويت والعراق وإيران).

إنما أرى أن الكاتب لم يجانب الصواب حين أدان التفريط بالقرار السيادي والاحتكام للأمريكان (انظر: لذة الحلول المسمومة ، ص ٢١٥). لقد كانت الحكومات المبكرة بعد سقوط النظام في ٢٠٠٣ تشبه تركيبة حكومة فيشي في فرنسا. وهذا إن لم يؤلب المقاومة الشعبية ضدها (للأسف كانت ذات طابع طائفي وجهادي) فقد أوجدت بؤر توتر وضغائن ضمن الطاقم السياسي.

إن دهاليز السياسة لا يمكن قراءتها بمنطق أسود وأبيض. وهناك تدرجات في مدلول المصطلحات من الخطأ إلى الذنب إلى الحماقة وحتى العمالة....

و يكفي أن نشير هنا للتجاذبات التي حملت علاوي على بساط الريح إلى سوريا ثم حولته لرمز من الرموز المعادية لها.

و هذا لا يختلف بشيء عن حرب سوريا ضد ميشيل عون في لبنان ثم عودته إلى أحضانها من خلال حزب الله.

نقطة أخيرة، البعث بذاته كتلة غير متجانسة مع جيش عرمرم من المنتفعين والدجالين. فهو مجموعة تيارات وأحزاب في إطار حزب للدولة. ونعلم أنه أصلا يتألف من جماعة حزب البعث العربي وجماعة الحزب العربي الاشتراكي ومن خلف ستار عصبة العمل التي دخلت في اللعبة بعد عام ١٩٧٠. وإذا كانت الظروف تستدعي التعاضد في الستينات وما بعدها فقد أملت نفس الظروف العودة لنقطة الصفر بعد عام ٢٠٠٠.

ويمكن أن أقرأ عودة البعث للحياة السياسية (و ليس للسلطة) بنفس الإطار الذي دمج الحزب الشيوعي بقيادة زيغانوف في جسم الدولة الروسية الناشئة. ولكنها عملية تبديل جينات ستستغرق أمدا طويلا، حتى يعمل الفلتر في تنقية السياسة من تسلط العسكر. وطبعا هذا غير وارد في ظروف الطوارئ الحالية.

إن التمايز في الحياة السياسية والانقلاب على البدايات بـ ١٨٠ درجة ثم إعادة الارتباط ليس شيئا غريبا على منطقة غير واضحة المعالم. حتى الحدود وأسماء البلاد تتغير أو ترسمها قوى خارجية (بمعنى أنه ليس تبديل أسماء فقط - صص٣٠٩). ففائز إسماعيل رئيس الاتحاد الاشتراكي في سوريا كان بعثيا (اقرأ كتابه البدايات وكله تبشير بالبعث قبل وصوله للحكم). وحزب الإرادة الشعبية حاليا بقيادة قدري جميل (الروسي بصور سورية) هو دائرة من الشيوعي السوري. وتشكل بعد أزمة بين الصف الأول وعائلة خالد بكداش (اقرأ ذكريات سحبان السواح - موقع ألف الإلكتروني).

و مسألة التناقض بسبب نمو وتفاعل في الداخل حصل في مؤسسات لا نشك بديمقراطيتها مثل حزب العمال البريطاني الذي تفرعت منه كتلة social worker ولاحقا كتلة social democrats.

***

و إن مثل هذا النمو غير المقنن في الحياة السياسية انعكس على الديمقراطية المولودة حديثا. لقد كان صائب خليل محقا فيما يقوله: أنها ديمقراطية مشلولة وقبيحة (ص ٢٨١)، كما هي الحكومة عسكر بثياب مدنية. ومع بعض التحفظ أمريكان بأقنعة عربية. إنها إن صحت العبارة حكومة معربة.

و يكفي مبدأ الرئاسات الثلاثة. فهو توزيع لا يعبر عن الحراك السياسي بقدر ما يحمل مدلولا اجتماعيا له خلفيات مذهبية. وهذا لا يختلف بشيء عن ميثاق ١٩٤٣ اللبناني الذي وزع الكراسي بالتوافق وليس بمقتضى الدستور.

و بظني إن هذه الديمقراطية المشروطة هي التي تتسبب بفراغ دستوري وحكومي.

متى كان للديمقراطية نسب ومحاصصات. إنها نصف أو ربع ديمقراطية تقيدها شروط غامضة لا يمكن فهمها سياسيا. فتوزيع الكراسي لا ينص عليه الدستور. وهو كذلك توزيع أعرج. لا يغطي القوميات ولكنه يحسب حساب المذاهب والطوائف. وكأننا أمام إعادة اعتبار لعصر الانحطاط الذي سميناه بعصر ملوك الطوائف. إنها ديمقراطية ذهنية تقف على رأسها بتعبير ماركس. فالسياسة هي أسلوب في الحكم وليست قيمة روحية.

***

و لكن، كلا. أنا مائة بالمائة أوافق صائب خليل فيما ذهب إليه (في عدة مواضع، المقدمة، ثم ص ١٩٥ وما بعد) أننا أمة كلام لا نعرف ماذا نفعل. لسان طويل ويد قصيرة ومشلولة. وهي معادلة تغمرني بالخزي والعار.

من أعتى مظاهر التخلف والتأخر في الحضارة اللسان السليط الذي لا يعبر عن واقع الحال. ولا تتوقف سياسة الحرب الكلامية (التي تشبه بكاء الأطفال بعد تلقي لطمات من الكبار) على البعثيين. فالتبجح وما يسميه الأنغلو ساكسون big mouth ظاهرة تراها عند كل العرب. وخلال النكسة عام ١٩٦٧ كان الغوغاء في الشارع يهتفون بإسقاط إسرائيل في البحر بينما جنودنا وطائراتنا تلتهب بالنار عيانا جهارا.

إن تزييف الواقع صفة تخلف ذات وليس تخلف موضوع.

بمعنى أن الادعاء بما هو غير موجود لا يعالج المشكلة ولا يردم الهوة. بالعكس يوسع من الفجوة بين ما نراه وما نسمعه إلى أن تنعدم الثقة بالنفس تماما.

و لو شئت العودة للتفاصيل تجدها في كتاب صادق جلال العظم (النقد الذاتي بعد الهزيمة) وفي كتابات علي زيعور عن التحليل النفسي للشخصية العربية.

إنها شخصية مطبوعة على النشاط البلاغي والشعري. والتفاخر إحدى سماتها. من منا ينسى قول عمرو بن كلثوم في معلقته:

إذا بلغ الفطام لنا رضيع

تخر له الجبابر ساجدينا

في الوقت الذي كنا فيه تحت أمرة الروم أو ملك الحيرة الفارسي.

إنه تفاخر فارغ بلا رصيد ويعبر عن فراغ نفسي وعن حماقة. فهذه الماشيزمو إن صحت التسمية خاصة بالنزاعات البينية (بين القبائل - الخصومات على الكلأ والماء والأرض) ولا علاقة لها بالدولة أو بنية المجتمع. يعني أنها ليست تفسيرا لشرط الحرية المفقودة ولكنها تشبه شتائم وسباب فتوات الحارات.

هذه العنتريات (التبجح) ليست وقفا على أنذال (!!؟؟) البعث. وعلى جلادي الكلمة. ولكنها تنسحب على كل أنظمتنا " الديمو - بيروقراطية)، التي تقرأ معنى الحرية بشكل معكوس. وتحول مبدأ: تنتهي حريتك حينما تبدأ حرية الآخرين، إلى المقولة التالية: تنتهي حريتك في اللحظة التي تكون بحاجة لها.

لقد تحولت هزيمة حزيران النكراء في مصر إلى دراما. وفي بقية الممالك والإمارات إلى التباكي على فلسطين والاتجار بها في سوق النخاسة الشرق أوسطية.

و حتى الآن لا أفهم كيف أن التناحر الطائفي والمذهبي نقرأه كأسلوب لتحرير الأرض. أو لإطلاق سراح طاقات الإنسان المكبوتة.

***

لا أريد أن يفهم القارئ أنني ضد الكتاب جملة وتفصيلا. فهو مكتوب بلغة رشيقة وحكائية. ولكن حاولت أن أقلل من أهمية أمريكا وإسرائيل والمخابرات في صناعة مصير الشعوب. إن التآمر موجود وحياكة الدسائس شيء لا مناص منه. وما دام هناك طمع ونهم وأنانية فالتكالب على الثروات (التي تتناقص مع زيادة الاستهلاك والنمو الصناعي) سوف يوغل بعدوانيته وضرره.

و لكن كما تعلمنا في مبادئ الميكانيكا لا شيء يزول ولا شيء يفنى ولكنه يتحول. وإذا كان لدى أميركا مخابرات (سي آي إي) يوجد لدى روسيا مخابرات (كي جي بي)، ومثلها الصين . ولا أنسى هنا الباسيج الإيراني. كلها تلعب على المكشوف في منطقة مشتعلة. ولو أن أمريكا هي من يمسك بزمام التاريخ لوحدها لما دار هذا الصراع الدامي على مصادر الثروات. ولما كان هناك موضوع عن دور أمريكي أصلا. وحبذا لو يوسع الكاتب موضوعه لاحقا ليشمل الدور الصيني والروسي. هكذا يمكن أن نفهم الأبعاد الحقيقية للسياسة الأمريكية في العراق.

هل هي لخلق سلم تصعد به إلى روسيا. أم لخلق منطقة عازلة بين إيران وإسرائيل؟؟!!...

وشكرا.

للاطلاع

نحن وأمريكا .. قراءة في كتاب لصائب خليل / د. صالح الرزوق

قراءة نقدية في كتاب "الحزب الشيوعي العراقي في عهد البكر (1968- 1979)" للدكتور سيف عدنان القيسي (2)

jasim alhalwaniكانت سياسة البعث، قبل قيام الجبهة وبعدها، قائمة على إبقاء (ح. ش. ع) في دائرة محددة والسعي إلى إعادته إلى هذه الدائرة بالقوة ولو بالحديد والنار. وقد رسم طه الجزراوي بيده دائرة على ورقة ليوضح مقصدهم للرفيقين عامر عبد الله ورحيم عجينة وذلك في وقت مبكر، وتحديداً عقب الهجوم على عمال الزيوت النباتية والتجمع الجماهيري في ساحة السباع في بغداد في تشرين الثاني 1968، كما يشير إلى ذلك رحيم عجينة في مذكراته (الخيار المتجدد، ص97). أما بعد ما يقارب عشر سنوات من التاريخ المذكور، فقد تحوّلت تلك السياسة إلى نهج يستهدف التخلص من (ح.ش.ع)، أما بإخراجه من الساحة كلياً أو تحويله إلى حزب كارتوني لا حول له ولا قوة ، ينفذ ما تطلبه منه سلطة البعث إرضاءً للرجعية العربية، وخاصة العربية السعودية وإرضاءً للغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

فقد صرّح صدام حسين، كما يشير إلى ذلك رحيم عجينة في مذكراته المذكورة (ص134) عن الوجهة السياسية الجديدة لحزب البعث في أحد اجتماعات اللجنة العليا للجبهة آنذاك بقوله : "إن تحالفهم مع الحزب الشيوعي العراقي لا يشكل قوة لهم وإنما يشكل عبئاً عليهم، فدول المنطقة والدول الغربية غير مرتاحة من هذا التحالف". فلا غرو من أن يحمل عزة الدوري معه 500 نسخة من صحيفة "الراصد"، أخذها من المطبعة بنفسه، عند سفره إلى السعودية ليقدمها عربوناً للحلفاء الجدد. وقد وصلت إلى الحزب الشيوعي في حينها رسالة تتضمن الخبر المذكور من عامل يعمل في المطبعة التي طبعت الصحيفة المذكورة وقرأها كاتب هذه السطور.

كان على اللجنة المركزية أن تدرس تدهور الأوضاع وقد قامت بذلك، ولو أن الدراسة جاءت متأخرة لبعض الوقت، ففي اجتماعها الكامل المنعقد في آذار 1978، وضعت اللجنة المركزية النقاط على الحروف في أهم القضايا الملتهبة، واقترحـت المعالجات الضرورية بما في ذلك المطالبة بإنهاء فترة الانتقال وإجراء انتخابات لجمعية تأسيسية تضع دستوراً دائماً للبلاد. وكان كل ما طالبت به اللجنة المركزية وارداً في ميثاق الجبهة الوطنية والقومية التقدمية.

كان رد فعل حزب البعث على تقرير اللجنة المركزية عنيفاً، بالرغم من أن معالجاته كانت في إطار الحرص على ديمومة الجبهة الوطنية والقومية التقدمية. وجنّد حزب البعث صحيفة "الراصد" للتهجم على التقرير سياسياً وفكرياً. وظل البعث يطالب الحزب الشيوعي بسحب التقرير والتراجع عنه. إلا أن طلب حزب البعث قوبل بالرفض من قبل قيادة الحزب الشيوعي.

ولم يكتف البعث بالهجوم السياسي والفكري على الحزب الشيوعي وملاحقة أعضائه بل وأردف ذلك بعمل استفزازي وإجرامي خطير وذلك باعتقال وإعدام 31 شاباً من رفاق وأصدقاء الحزب العسكريين والعاملين في القوات المسلحة بتهمة التآمر على نظام الحكم. وهذه التهمة ملفقة فهناك شروط ومستلزمات للانقلابات العسكرية يعرفها البعثيون جيداً. ولم يكن لهؤلاء الشباب أي نشاط سياسي في الجيش وكانت علاقات الشيوعيين منهم فردية بتنظيماتهم المدنية. وهذه الصيغة لوضع الشيوعيين في الجيش كانت باتفاق الحزبين، الشيوعي والبعث، ويمكن اعتبار الإعدامات "القشة" التي قصمت ظهر تحالف حزب البعث و(ح.ش.ع). وأدى إلى نهاية الجبهة، "لينفرد حزب البعث بإدارة البلاد والعباد بعد أن استطاع أن يتبع شتى الأساليب من قتل وتشريد وإبعاد وسجن وتعذيب...الخ" كما ورد في نفس مقدمة الدكتور أسامة عبد الرحمن الدوري بالذات.

ويؤكد كل ما مر بنا، خلال الفترة من سيطرة حزب البعث على السلطة ثانية عام 1968 حتى انهيار الجبهة في عام 1979، بأن الحزب الشيوعي العراقي، الذي لم يمس شعرة واحدة من أي بعثي، والذي دعم كل إجراء لصالح الشعب وصالح حركة التحرر الوطني العربية وكذلك الحركة القومية الكردية، ولم يستخدم أية وسيلة عنفية لفرض آرائه، كان الضحية وحزب البعث كان الجلاد. وإن رأي الدكتور الدوري "وكلاهما يريد أن يفرض إرادته الفكرية والسياسية" هو تجني صريح على الحقيقة والواقع، ودليل على فشل منهجية كسب احترام الجميع، أو بعبارة أخرى منهجية مساواة الضحية بالجلاد،

أما تبعات هذه المنهجية الخاطئة وخطورتها فسأتناولها من زاويتين. الأولى خطورتها على الوضع السياسي الراهن في العراق، والثانية تأثيرها السلبي على أطروحة سيف القيسي.

يذكر الدكتور الدوري في مقدمته للكتاب ما يلي" وللأسف الشديد إن القوى السياسية الجديدة في العراق التي اعتلت صهوة الحكم في العراق بعد عام 2003، والتي تحمل شعارات الديمقراطية والحرية، ظلت مرة أخرى تتناحر حتى وقتنا الحاضر وظلت دماء العراقيين تسيل بغزارة وظل الخوف بين مكونات الشعب العراقي هو العامل المسيطر، وكأن هذه القوى التي عانت لعشرات السنين لم تستفد من تجارب الماضي القريب، ولهذا سيبقى العراق ضعيفاً يئن من جراحات تمزقه وتناحره ولا يستطيع اللحاق بركب الحضارة الإنسانية، على الرغم من كل إمكانياته البشرية والمادية الكبيرة، ما دامت القوى السياسية تؤمن بقيم الثأر والانتقام والعداوات وعدم الثقة".

في إطار مسعى الدكتور أسامة الدوري لكسب احترام الجميع، فأنه يخلط الأوراق في الفقرة المشار إليها أعلاه، فهو يخلط بين الصراعات التناحرية العنيفة التي لا يمكن أن تنتهي إلا بانتصار أحد طرفي الصراع، وبين الاختلافات والصراعات السياسية بين القوى السياسية المساهمة في العملية السياسية والتي يسميها الدكتور " القوى السياسية الجديدة في العراق التي اعتلت صهوة الحكم في العراق بعد عام 2003، والتي تحمل شعارات الديمقراطية والحرية"

هناك صراع دموي أحد أطرافه المنظمات الإجرامية، القاعدة وفلول البعثيين، أسلاف الداعشيين، من جهة، وكل مكونات الشعب العراقي من الجهة الأخرى. فقد شرع الإرهابيون بإجرامهم منذ آب 2003 عندما فجروا سيارة مفخخة قرب السفارة الأردنية في بغداد، مما أدى إلى مقتل نحو 11 شخصاً على الأقل. ثم تفجير سيارة مفخخة بالقرب من مقر الأمم المتحدة في بغداد، مما أدى إلى مقتل 22 شخصاً أكثرهم أجانب، من بينهم المبعوث الدولي الخاص للأمم المتحدة البرازيلي سيرجي دي ميللو. وكلا التفجيرين لم تكن لهما علاقة ﺒ"القوى السياسية الجديدة". وتبع ذلك عشرات الآلاف من تفجيرات السيارات المفخخة والعبوات الناسفة والاغتيالات والسطو المسلح وخطف الناس للحصول على الفدية وغيرها من الاعتداءات المسلحة والتجاوزات على حرية الناس وأموالهم وأعراضهم ومقدساتهم. وراح ضحية الأعمال الإرهابية مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء من جميع مكونات الشعب العراقي بدون أدنى استثناء، بينهم الكثير من النساء والأطفال.

وجرياً على منهج كسب احترام الجميع لم يشر الدكتور الدوري في مقدمته المؤرخة في شباط 2014، لا من قريب ولا من بعيد، إلى منظمة القاعدة ونشاطاتها الإرهابية، فهو لم يسمها لكي يخلطها بصراعات "القوى السياسية الجديدة في العراق التي اعتلت صهوة الحكم في العراق بعد عام 2003"؟! وهذه أخطر نتيجة لمنهجية كسب احترام الجميع. فالصراع هنا صراع مصيري، فأما انتصار قوى الإرهاب وأما انتصار الشعب العراقي بكل مكوناته. ولا يجوز خلط هذا الصراع بصراعات " القوى السياسية الجديدة" بصرف النظر عن أخطائها في إدارة الصراع رغم أهميتها، وهي تتعلق بفشل قيادة الحكومة قي إدارة الصراع مع الإرهابيين بشكل صحيح، وتحملها قسطاً وافراً من مسؤولية تكاثر حواضن الإرهابيين وإخفاقها في حل مشاكلها بتلبية مطالب سكانها المشروعة. وعدم مكافحة النزعات الطائفية، بل وتشجيع غلوائها عملياً. وفشلت الحكومة في معالجة استشراء الفساد المالي والإداري وغيرها من المظاهر السلبية والإخفاقات التي كانت ولا تزال تصب لصالح الإرهابيين. مع ذلك ينبغي عدم الخلط بين شكلين من الصراع مختلفين نوعياً، الأول رئيسي والآخر ثانوي، ومن المفروض أن يخضع الثاني لمصلحة حل الأول بنجاح. والمشهد السياسي الراهن يؤكد ذلك. فعندما استفحل خطر الإرهابيين وأصبح يهدد الجميع لاحظنا انحسار الصراعات بين قوى العملية السياسية وميلها إلى الالتقاء، بهذا الشكل أو ذاك، في خندق واحد.

فالصراعات والخلافات بين "القوى السياسية الجديدة في العراق التي اعتلت صهوة الحكم في العراق بعد عام 2003" هي ليست تناحريه، و نابعة بالأساس من مصالح اجتماعية واقتصادية متباينة، ولا يغّير من طبيعتها غير التناحرية كونها مشوبة بنزعات الثأر والانتقام والطائفية والشوفينية بجانب ضيق الأفق القومي، ولا باحتدامها وشدتها وخروجها عن المألوف أحياناً. ولا يمكن التخلص من هذه الصراعات بالمواعظ، ولكن من المكن ومن الضروري تنظيمها وتجنب احتدامها واشتدادها. ولم تجد البشرية لحد الآن من وسيلة لإدارة هذه الصراعات وتجنب انفجارها أفضل من النظام الديمقراطي المؤسساتي. فاختلافات هذه القوى يجب أن تحل وفق الدستور، رغم نواقصه الجدية، وداخل مجلس النواب أما بالتوافق أو بالأغلبية.

ورغم أن الديمقراطية في العراق لا تزال تحبو وتعاني من المحاصصة الطائفية والفساد الإداري والمالي والتدخل الخارجي، ومن عدم قناعة بعض القوى التي بيدها دفة الحكم بالديمقراطية، بل ترى فيها مجرد وسيلة للوصول إلى الحكم، فإنها تمكنت من تجاوز أزمات الحكم نسبياً وخاصة الأزمة الأخيرة، عندما تشبث رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بالكرسي. فقد تمكن مجلس النواب إجراء تداول في هرم السلطة، أدى إلى فتح بعض الآفاق الواعدة بالتغيير الايجابي. وعلى القوى الحريصة فعلاً على تجنيب "القوى السياسية الجديدة" من الاصطدام والاحتراب والحريصة أيضاً على إقامة نظام ديمقراطي، شحذ الهمم والكفاح من أجل إحراز النصر في الصراع التناحري، الانتصار على الداعشيين أحفاد القاعدة وفلول البعث من جهة، والسعي لتغيير توازن القوى ووجهة العملية السياسية سلمياً، بما يضمن إقامة نظام وطني ديمقراطي مزدهر، من الجهة الأخرى، بدلًا من نشر اليأس والقنوط وفقدان الأمل، الذي يشيعه الدكتور الدوري بعد خلطه للأوراق، عندما يشير في مقدمته إلى القول: "ولهذا سيبقى العراق ضعيفاً يئن من جراحات تمزقه وتناحره ولا يستطيع اللحاق بركب الحضارة الإنسانية، على الرغم من كل إمكانياته البشرية والمادية الكبيرة، ما دامت القوى السياسية تؤمن بقيم الثأر والانتقام والعداوات وعدم الثقة"

لقد لاحظنا خطورة منهج كسب احترام الجميع على الوضع السياسي الراهن وسنشير إلى تأثيره على كتاب سيف القيسي من خلال قراءته.

20 تشرين الأول 2014

قراءة نقدية في كتاب "الحزب الشيوعي العراقي في عهد البكر (1968- 1979)". للدكتور سيف عدنان القيسي (1)

jasim alhalwaniصدر الكتاب عن دار الحكمة- لندن-2014، وهو بالأصل أطروحة أكاديمية نال عليها القيسي شهادة الدكتوراه في فلسفة التاريخ من كلية الآداب - جامعة بغداد، وبإشراف الأستاذ الدكتور أسامة عبد الرحمن الدوري. وتعتبر هذه الأطروحة مكملة لأطروحته السابقة لنيل شهادة الماجستير والمعنونة " الحزب الشيوعي العراقي 1948-1958" والتي صدرت في كتاب عن دار الحصاد - دمشق في عام 2012 بعنوان : "الحزب الشيوعي العراقي من إعدام فهد إلى ثورة 14 تموز".

لقد تناول الكثير من الباحثين تاريخ الحزب الشيوعي العراقي (ح. ش. ع). فقد كتب في هذا الموضوع أنصاره وخصومه وأعداؤه وكتاب آخرون محايدون. وألقت مذكرات وذكريات بعض قادته الضوء على مراحل مختلفة من تاريخه. ويعد كتاب الأستاذ عزيز سباهي "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي"(ثلاثة أجزاء)، الذي كتبه بتشجيع ودعم من قبل قيادة الحزب، أشمل دراسة لتاريخ الحزب . فهذا المؤلف يغطي تاريخ الحزب منذ تأسيسه في عام 1934 حتى نهاية القرن الماضي. ويعد هذا الكتاب والكتاب المكمل له "محطات مهمة في تاريخ (ح.ش.ع)- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي الصادر في عام 2009 لكاتب هذه السطور، هما الأقرب لوجهة نظر الحزب وهو الذي قام بطبعهما وتوزيعهما.

وتواصلت الكتابات عن تاريخ الحزب، وقد اتسعت بعد سقوط النظام الدكتاتوري، حيث توفرت الفرصة للطلبة في الجامعات العراقية بتقديم البحوث التي تخص الأحزاب السياسية العراقية والمنظمات الديمقراطية ورموزها القيادية والبارزة، وبالأخص تلك التنظيمات ذات المنحى اليساري. وكان للحزب الشيوعي العراقي حظ وافر منها. فلدينا، بحدود معرفتي، بحوث حول د. نزيهة الدليمي وسلام عادل وعامر عبد الله وكذلك أطروحة مؤيد شاكر الطائي الموسومة "الحزب الشيوعي العراقي 1935-1949" ورسالة مناف الخزاعي الموسومة " الحزب الشيوعي العراقي 1959-1963" كذلك رسالة بديع السعدي المعنونة: "الحزب الشيوعي العراقي 1963-1968". وأخيراً، وليس آخراً، رسالة ذكرى عادل عبد القادر بعنوان: " رابطة المرأة العراقية ودورها في الحركة النسوية العراقية 1952-1975". والتي دافعت عنها في يوم 12. تشرين الأول 2014. ونالت عنها شهادة الماجستير بامتياز.

فلا غرو في هذه الكثرة من البحوث وهي ليست أمراً عرضياً، ﻓ (ح.ش.ع) هو أقدم حزب سياسي عراقي ما يزال ينشط حتى الآن. وناضل هذا الحزب ويواصل النضال من أجل حرية العراق وسعادة شعبه ومن أجل الديمقراطية طيلة ثمانية عقود من تاريخ العراق المعاصر. وترك الحزب بصماته، المتفاوتة في القوة والتمييز، على كل الأحداث المهمة التي شهدها العراق خلال المدة المذكورة، حيث كانت مشاركته فيها جدية ومخلصة. فقد ساهم الحزب بفعالية في نضالات شعبنا وكادحيه وخاصة العمال والفلاحين وفي انتفاضات شعبنا قبل ثورة 14 تموز 1958 الوطنية الديمقراطية، وكانت مساهمته بارزة في التهيئة لهذه الثورة ونجاحها وتحقيق إنجازاتها.كما لم تكن الانجازات التي تحققت في سبعينيات القرن الماضي بمعزل عن نشاطه. وقدم الحزب تضحيات جسيمة على هذا الطريق.

وإلى جانب النجاحات الكبيرة عبر مسيرته، فقد كانت للحزب كبواته التي يعترف بها، وقد اعتاد على تقييم سياساته بين مرحلة وأخرى ولم يبخل بالنقد الذاتي لأخطائه والذي وُصف أحياناً، من قبل بعض المراقبين، بالجلد الذاتي. وقد مارس الحزب عملية إعادة النظر ببعض المنطلقات النظرية التي بدت خاطئة ولم تصمد أمام التجربة التاريخية. واستطاع الحزب من تجديد نفسه في مؤتمره الخامس (مؤتمر الديمقراطية والتجديد- 1993). وعلى الرغم من الأخطاء التي ارتكبها، فقد لعب الحزب الدور الطليعي في توعية وتنظيم العمال والفلاحين وأوساط واسعة من المثقفين حول المطالب الاجتماعية الكبرى في الحقل الاجتماعي وناضل من أجل تحقيقها. ودعم طموح الأكراد في نيل حقوقهم المشروعة، ودافع عن مصالح الأقليات القومية واحترام حق كل المكونات الدينية في ممارسة حقوقها وشعائرها. ورفض الحزب بثبات التمييز الطائفي والعنصري ودافع عن النظرة العلمية والتقدمية في شتى الميادين وعن حقوق المرأة وإعلاء دورها في المجتمع. ولم يبخل الحزب خلال تاريخه بالتضامن مع نضال الشعوب العربية وكل شعوب العالم من أجل الحرية والديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية. وقام الحزب بكل ذلك منذ اليوم الأول لتأسيسه، ولم ينحرف عن تأدية مهامه النبيلة تلك طوال مسيرته إطلاقاً. وهذا ما يُفسر لنا، استمرارية الحزب ونهوضه وظهوره على المسرح السياسي مجدداً، رغم كل كبواته ورغم تعرضه للقمع الوحشي مراراً ولفترات طويلة جداً من حياته وبشكل لم يتعرض له أي حزب سياسي عراقي، وهذا ما يفسر لنا أيضاً إقبال الشبيبة على الانغمار في دراسة تاريخه.

لقد قام د.عقيل الناصري بتقديم عرضً للكتاب في مقاله المنشور في موقع الحوار المتمدن (رابط المقال مرفق)، مع مقدمة موجزة وجميلة عن تاريخ (ح.ش.ع). لقد أشار الناصري في نهاية عرضه إلى اعتقاده ﺒ"أن الكتاب سيثير العديد من التحفظات سواءً على منهجيته الأكاديمية الصارمة.. أو على تحليل الأبعاد الخلفية لقرارات (ح.ش.ع).. والتي تعكس ماهية التبدلات في سياسة الحزب المتأثرة بالظروف الذاتية داخل الحزب والموضوعية المتعلقة بموقف السلطات منه".

وفعلا، فقد أثار الكتاب لدي ملاحظة جدية ومهمة تتعلق بالأساس بمنهجية البحث، وليس لصرامتها، التي سنعود إليها، بل لخطلها، حسب قراءتي. ومنهجية البحث يتحمل مسؤوليتها بالدرجة الرئيسية المشرف على البحث. لذلك سأتوقف عندها أولاً.

لم يوجه الدكتور أسامة الدوري الطالب سيف القيسي الوجهة الصحيحة في البحث فهو بدلاً من توصيته الالتزام بالموضوعية وذلك بالتحري عن الحقيقة وتثبيتها بعد توثيقها، بصرف النظر عمن يحترمها أو لا يحترمها، فانه يوصيه بأن يكون مضمون كتابه محترماً من الجميع! فماذا ستكون نتيجة هذه المنهجية عندما يكون هناك طرفان في الصراع أحدهما ضحية والآخر جلاد؟ فكيف يمكن كسب احترام الجلاد؟ لا يمكن كسب احترامه إلا بالتستر على جرائمه أو بالتخفيف منها وإلصاق تهم زائفة بالضحية. ونتيجة ذلك ستكون عدم احترام الضحية للمنجز وبالكاد كسب احترام بعض أعوان الجلاد السابقين. والنتيجة المضّرة في هذه المنهجية،هي تشويه الحقيقة التاريخية ، شئنا أم أبينا. وعندما تشوه الحقيقة التاريخية فلا يمكن استخلاص دروس التجربة التاريخية بشكل صحيح وتوظيفها لخدمة الراهن والمستقبل، كما سنرى ذلك مما يلي من هذا المقال.

يقول المشرف الدكتور أسامة عبد الرحمن الدوري في مقدمته للكتاب ما يلي: "... ولهذا فقد أوصيت العزيز سيف، هذه المرة أيضاً، وأثناء إشرافي عليه بمرحلة الدكتوراه، إننا قضاة التاريخ، وهو أمر أوصيه لكل طلبتنا الأعزاء، فعلينا أن نبتعد عن الميل والهوى لننجز عملاً علمياً يبقى أثراً تاريخياً موزوناً يأخذ مكانه في المكتبة العربية ويحترم مضمونه الجميع".

أعتقد بأن منهجية الدكتور الدوري خاطئة وإن نتائجها خطيرة، لأن السعي لكسب احترام الجميع لمضمون الدراسات والبحوث، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تتعارض مع مقولات الابتعاد عن الميل والهوى ولا تنجز عملاً علمياً حقيقياً. فالأحداث التاريخية تكتنفها صراعات تقف وراءها طبقات وفئات اجتماعية مختلفة المصالح وبالتالي مختلفة في الاتجاهات السياسية والفكرية وكذلك مختلفة في السلوك والأفعال وهذه الاتجاهات فيها الصحيح وفيها الخطأ، وبدون الالتزام الصارم بما هو صحيح، وتأشير الخطأ وإدانته عندما يتطلب الأمر، لا يمكن انجاز عمل علمي ومفيد.

لقد طبق الدكتور الدوري منهجه هذا في مقدمته المذكورة، فلنر إلى أين أوصلته، فهو يذكر ما يلي: "واللافت للانتباه ان من يطلع على علاقة البعثيين والشيوعيين يجد انها كانت لهما اهداف مشتركة عديدة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، اسقاط النظام الملكي، والتخلص من التبعية للاستعمار، ولكن بعد نجاح ثورة 14 تموز 1958 نجد ان التناحر سرعان ما دبَّ بينهما، والمشكلة انه لم يكن تنافساً فكرياً سياسياً من أجل خدمة العراق والعراقيين بل كان صراعاً دموياً التزم كل منهما توجهاً مناقضاً للآخر وكلاهما يريد ان يفرض إرادته الفكرية والسياسية بدل أن تتلاقح الافكار من اجل بناء وطن مزدهر، فسالت الدماء غزيرة دون ان يحقق اي منهما اهدافه، وفي مجتمع شرقي يكون الانتقام والثأر هو العامل الطاغي أكثر من التسامح سارا على طرفي نقيض وتعمقت العداوات وعدم الثقة بين الطرفين".

إن التنافس الفكري والسياسي لا يتعارض مع فرض الإرادة الفكرية والسياسية. ففي أعرق النظم الديمقراطية في العالم عندما لا يحصل اتفاق بين الأحزاب السياسية ولا تتلاقح أفكارها فإنها تلجأ إلى التصويت في البرلمان وتتغلب إرادة الأغلبية. فالمشكلة في عراق ذلك اليوم، الذي كان يمر بفترة انتقال حيث لا وجود للبرلمان (مجلس النواب)، لم تكن في فرض الإرادة وإنما في أسلوب فرضها، سلمي أم عنفي. فمن الذي اختار الطريق العنفي لفرض إرادته؟

لكي لا ندخل في متاهة التفاصيل، سنتوقف عند قضية السلطة فهي القضية الأساسية لأي حزب سياسي. فمن المعروف أن جميع الأحزاب التي كانت مشتركة في جبهة الاتحاد الوطني تمثلت في الحكومة التي تشكلت بعد ثورة 14 تموز 1958 ما عدا (ح. ش. ع)، رغم أنه كان أكبر الأحزاب جماهيرية وأكثرها تضحية. فالغالبية العظمى من السجناء السياسيين الذين أطلق سراحهم في إثر الثورة كانوا شيوعيين. ولم يكن عدم تمثيل (ح. ش.ع) في الحكومة من مصلحة الثورة والوطن، فسعى الحزب لمعالجة هذا الخلل بمختلف الطرق السلمية وقد تتوجت بالمظاهرة السلمية المليونية في الأول من أيار 1959 والتي طالبت بإشراك الحزب في السلطة. لم تستجب السلطة، فكف الحزب عن المطالبة وواصل نضاله السلمي من أجل تحقيق هدفه المركزي ألا وهو إرساء الحكم على أسس ديمقراطية.

أما حزب البعث فخرج ممثلوه من الحكومة ولجأ إلى العنف لتحقيق هدفه المركزي، وهو إسقاط حكم الزعيم عبد الكريم قاسم وتحقيق الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة، ثم ساهم في جميع المؤامرات الانقلابية وحاول اغتيال عبد الكريم قاسم وقام باغتيال مئات الشيوعيين وأخيراً جاء بقطار أمريكي إلى الحكم، باعتراف علي صالح السعدي (أمين سر القيادة القطرية)، عندما نفذوا انقلاب 8 شباط المشؤوم. لم يخل سلوك الشيوعيين من تجاوزات هنا أو هناك والكثير منها رد فعل تجاه المؤامرات على الحكم الوطني والجمهورية الفتية دفاعاً عن النفس، ولكن هل من الإنصاف والموضوعية مساواة الشيوعيين والبعثيين في مسؤولية الدماء الغزيرة التي سالت في تلك الفترة؟! ولماذا لم يشر الدوري، عندما يتطرق إلى انقلاب شباط الأسود، إلى قتل مجموعة كبيرة من قادة وكوادر وأعضاء (ح. ش.ع) تحت طائلة التعذيب الوحشي من بينهم قائد الحزب سلام عادل وجمال الحيدري ومحمد صالح العبلي ومحمد حسين أبو العيس أعضاء المكتب السياسي؟!

ويتجسد خطل منهجية كسب احترام الجميع، أو بعبارة أخرى منهجية مساواة الضحية بالجلاد عندما يسحب الدوري حكمه عن مسؤولية الدماء التي سالت بعد ثورة 14 تموز على فترة ما بعد انقلاب 17تموز 1968 وتحالف الحزبين في سبعينيات القرن الماضي، فيذكر الدوري في نفس المقدمة ما يلي: "وحتى عندما استلم حزب البعث الحكم ثانية عام 1968 وإعلانه إنه يريد التعاون مع الحزب الشيوعي لم تستمر العلاقة طويلاً للأسباب التي ذكرناها آنفاً،..." والمقصود بالأسباب المذكورة آنفاً، هي: "وكلاهما يريد أن يفرض إرادته الفكرية والسياسية". فهل حقا كان (ح. ش. ع) في وضع يمكن أن يفرض إرادته في تلك الفترة؟! أنظر إلى أي مستوى من تشويه الحقائق تؤدي منهجية كسب احترام الجميع!

إن (ح. ش. ع) يُلام في هذه الفترة على المبالغة في مرونته وعلى تنازلاته تجنباً للاصطدام مع حزب البعث، وليس العكس، لاعتقاده بأن الاصطدام لم يكن بأي حال من الأحوال في مصلحة الوطن والشعب العراقي، وبدافع هذه المصلحة، أولاً وقبل كل شيء، مسك الحزب بيده اليسرى جرحه الغائر بجسده في عام 1963 وجرحه الندي من الحملة الإرهابية التي بدأت في ربيع 1970 وتوقفت في خريف 1971، واعتقل خلالها آلاف الشيوعيين وتعرضوا للتعذيب الوحشي، واستشهد العديد منهم تحت التعذيب أو الاغتيال، من بينهم محمد الخضري وعلي البرزنجي عضو اللجنة المركزية وماجد العبايجي وشاكر مطرود وكاظم الجاسم وعزيز حميد وحسين نادر وأحمد رجب وعبد الله صالح ومحمد حسين الدجيلي وعبد الأمير رشاد وجواد عطية. واعتقل عضو المكتب السياسي ثابت حبيب العاني وتعرض إلى تعذيب وحشي. وقبل هذه الحملة جري اغتيال ستار خضير عضو اللجنة المركزية واستشهد تحت التعذيب الكادر العمالي عبد الأمير سعيد. ودمرت منظمات الحزب في طول البلاد وعرضها ولم يكن نهج الحزب السياسي المعتمد سوى المعارضة السلمية لسياسات الحكومة الخاطئة. أجل مسك الحزب جراحاته التي لا تطاق بيده اليسرى ومد يده اليمنى لحزب البعث.

أما حزب البعث فقد غدر بالحزب الشيوعي بعد إعلان قيام الجبهة الوطنية مباشرة، ففي اليوم التالي لتوقيع ميثاق الجبهة الوطنية والقومية التقدمية، "وزعت تعليمات على الجهاز الحزبي، تطلب فيه القيادة القطرية تقديم أفكار ومقترحات لتفتيت الحزب الشيوعي العراقي وكان اخطر تلك المقترحات التي أخذت طريقها إلى التنفيذ، أن يجري تلغيم الحزب الحليف بزرع أفراد مندسين من أجهزة الحزب الحاكم والأمانة العامة في صفوفه، وإذا أقتضى ذلك تركهم أعمالهم والتحاقهم بإعمال أخرى في محافظات ثانية".1  

وبودنا التوقف عند تعامل سيف القيسي الخاطئ مع هذا النص وسنواصل مناقشة المشرف في الحلقة القادمة. إن القيسي يستشهد أيضا بالمقتبس المذكور وبالشكل التالي:"فما أن وقع اتفاق الجبهة بين الطرفين حتى شرع حزب البعث في اليوم التالي بالتحديد بالتعميم على جهازه الحزبي طالب [طلب] القيادة القطرية تقديم مقترحات وأفكار لتفتيت (ح.ش.ع)". 2 من الملاحظ أن القيسي اكتفى بهذا الجزء ولم يذكر بقية النص الذي أشير فيه "وكان اخطر تلك المقترحات التي أخذت طريقها إلى التنفيذ، أن يجري تلغيم الحزب الحليف بزرع أفراد مندسين من أجهزة الحزب الحاكم والأمانة العامة في صفوفه، وإذا أقتضى ذلك تركهم أعمالهم والتحاقهم بإعمال أخرى في محافظات ثانية". وهكذا لم يذكر القيسي الأمر الأخطر، والذي أخذ طريقه للتطبيق العملي، وهو توجه حزب البعث للاندساس في صفوف (ح.ش.ع) وقبل أن يجف حبر المواثيق والعهود المتبادلة. وبدلاً من ذكر هذا الغدر بالحليف وإدانته باعتباره سلوكاً لا أخلاقياٌ، فان القيسي تجاهله تماماً؟ّ!

 

جاسم الحلوائي

أواسط تشرين الأول 2014

.................

رابط مقال د. عقيل الناصري

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=418045

1 - حسن العلوي، العراق دولة المنظمة السرية، 1999، ص88).

2 - سيف عدنان القيسي، "الحزب الشيوعي العراقي في عهد البكر ( 1968- 1979)، ص 540.

 

معلومات إضافية