كتب واصدارات وقراءات ورسائل جامعية

قراءة في كتاب: بين الحياد وصدق الحوار

najib talalإشارة لابد منها: هذا الكتاب الذي بين أيدينا للمخرج والصحفي - حميد عقبي - والمعنون [المشهد المسرحي والسينمائي بالمغرب: قضايا شائكة وحلول رسمية صغيرة] في الطبعة الأولى: أبريل 2016عن: دار كتابات جديدة للنشر الإلكتروني.

مهما اختلفنا حوله، من خلال العينات التي صادفها واستضافها في بياض الورق، بعضها لازال يشق طريقه، وبعضها أراد الوصول والشهرة بسرعة البرق (حقهن) والبعض مارس المزايدات الجوفاء... ولكن يبقى وسيبقى وثيقة تاريخية  بكل ما تحمله من إنجازات،وتجارب، وقضايا، وسيكون هو الذاكرة الحية، كباقي الكتب التي تنهج مسلك تدوين الحوارات مع فعاليات وطاقات مبدعة، إذ غالبا ما يعود إليها المهتم والباحث، للمقارنة وتفحص وجھات النظر المختلفة، وربما الاستشهاد بإحدى الأفكار أو التصريحات الواردة أو التمعن إلى ما ورد في (تلك) الحوارات بين ما كان وما هو كائن، وأي تحول أو ثبات فكري وقع لذاك المبدع أو الفنان ؟ مقابل هذا ما مدى التطور الذي حدث في المشهد أو الانهيار الذي حصل في المجال الذي يدور حوله الحوار (سياسي / اقتصادي / إبداعي /...) الذي يحفر شئنا أم أبينا في ذاكرة التاريخ، باعتبار من لا ذاكرة له، لا تاريخ له، ومن لا تاريخ له لا مستقبل ولا هوية له . وبالتالي ما أقدم على إنجازه المبدع والصحفي - حميد عقبي - فمن حيث لا يدري، أنه قدم خدمة جليلة للتوثيق في مجال المسرح والسينما بالمغرب، فهذا الانجاز الذي كان في أصله حوارات مع بعض من المبدعين والفنانات، ما يناهز عشرين حوارا تم نُشر ما بين جريدتي - رأي اليوم /القدس العربي - إذ غالبا فالطرف المتحاور من هؤلاء المبدعين والفنانين، لم يفكر أن تصريحاته وآراءه، ستصبح بين دفتي كتاب، كتاب الكتروني، هنا لن نناقش مابين الورقي والالكتروني من أهمية، ولكن تبقى أهمية الانتشار ووصول المقروء للقارئ في أسرع وقت ممكن.

فعملية الانتشار، هي الفرصة أو المفتاح الذي  يبحث عنه كل كاتب أو مبدع، أنجز منتوجا للقراءة، ولتصحيح الرؤية، فشخصيا كان لدي تموقف سلبي تجاه الكتاب الالكتروني، ربما كان نتيجة  لضعف معرفتي بالتقنية والفنية أو اللامبالاة تجاه الموضوع !! لكن تبين لي فيما بعد الخطأ الذي وقعت فيه،فالكتاب الالكتروني واسع الانتشار، بحكم اختراقه فضاء منجزه، إلى فضاءات متعددة وشاسعة، من الصعب ضبطها وضبط عدد القراء  (المفترضين) وحتى الذين يميلون للورق، فعملية استبدال ما هو إلكتروني لورقي، سهل المنال، لكي يتم قراءته، وهناك نماذج متعددة تمارس هذا النوع القرائي[ من إلى] فلماذا أثرت هاته النقطة؟ فالعملية القرائية حاضرة بشكل مكثف ومتسع وشاسع، من خلال الامتداد والانتشار، وبالتالي فهذا الكتاب الذي بين أيدينا، استغربت للعديد من الإخوة والزملاء يناقشونه، هنا وهناك. وخاصة ما ورد من طرف الفنانة الراحلة لبنى فسيكي، إذ على الأقل وثقت تصريحاتها ومواقفها التي كانت صادقة مع نفسها، منتقدة الوضع الرسمي الكارثي الذي  لا يأبه إلا بالمظاھر الكاذبة،إذ ما يلاحظ فعلا أنها كانت بعيدة عن تنميق الكلام، أو تحريفه عن موضعه الملموس والمادي الذي نعيشه ونعرف حقائقه قبل وفاتها.فعلى سبيل المثال فهذا التصريح فيه ما فيه من معاني دقيقة وحساسة:....بالنسبة للائحة المدعوين فغالبا ما نجد ثلة من الحاضرين والذين لا علاقة بمجال الفن على رأس القائمة في حين يتم تھميش مجموعة من كبار الفنانين المغاربة وعزلھم عن المشاركة في ھذه التظاھرات التي ھم أولى بتمثيل مشھدنا السينمائي بھا، ناھيك عن الميز العنصري في التعامل اللائق مع فنانين أجانب و من جميع المستويات والإطاحة بعمالقة الفن في بلادنا (ص11/ 12)

 

الحياد والصدق:

ما يطبع هذا الكتاب ميزتين أساسيتين، وهما شرطا الحوار، لكي يكون جادا ونابضا بحيوته، مبدأ الحياد، والحياد هنا تحصيل حاصل، نتيجة أن المبدع - حميد عقبي - ليس مغربيا، ولا يعرف كنه الواقع المسرحي والسينمائي المغربي بالطريقة والأسلوب والمعطيات الدقيقة، التي يعرفها عن الفن اليمني، باعتباره أحد أبنائها ; وتربى في أحضانها، أو عن الإبداع العراقي في زمانه، نظرا أنه تمدرس هناك :الإخراج التلفزيوني والإذاعي في كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد، وإن كانت بعض الأسئلة توحي، أنه ملم ببعض المعطيات عن المشهد الفني بالمغرب، هذا من الزاوية السينمائية، وهذا طبيعي بحكم تخصصه،  وبالتالي فطبيعة الحياد متجلية بشكل عام في مساحة اللقاءات، والتي كانت تقابلها ميزة - الصدق - من الطرفين( أي) الضيف والمضيف، وهذا الأخير نقل بشكل ذكي، نوعية المعاناة التي صادفته في اختيار الضيوف: تعددت الصرخات والأصوات المطالبة بوضع حد لھذه السلبيات المتكررة وحاولنا التوصل مع بعض الزملاء والزميلات في المغرب لننقل لكم صورة كاملة ولكن كثيرون كان ردھم بان المھرجان لا يعنيھم ولم تكن لھم مشاركة ولحسن الحظ تلقينا ردا توضيحيا من.... (ص 52) إذ في هذا المضمار، وبناء على تصورات وأبعاد المبدع - حميد عقبي- أن يحاور من استجاب له، وهو طبعا لا يعرف تاريخ ومسار كل واحد على حدة ولا يمكن له بأي حال من الأحوال أن يضبط الصدق من الكذب والافتراء، وبالتالي رغم ذلك، إضافة لهفوات ومزايدات من لدن بعض[ المتحاورين] وأبعد من كل هذا أحد طرح سؤال عجيبا مفاده: فكيف نجح السوريون في كتابة سيناريوھات عن تاريخ المغرب في حين فشل المغاربة أنفسھم في ذلك (ص87 ) وللتصحيح فالسوريون قدموا مسلسلات وسيناريوهات حول الأندلس وملوك الطوائف وليس حول المغرب، في تاريخه الممتد، وذلك لتحقيق البعد الإيديولوجي لتلك الأعمال التي شارك فيها المغاربة وخاصة فنانو مدينة( فاس) تقديم أطروحة النزعة الأموية، التي كانت عند الأجداد،التي فرت من من [الشام] للأندلس، وتأسيس الدولة الأموية هناك،

نعتبر هذا هامشا توضيحيا، فالأهم أن أغلب المتحاورين قد كانوا صرحاء وجريئين إلى أقصى حد، في إجابتهم وتصوراتهم. والسبب ناتج عن الوضع الكارثي والانهيار والفشل الذي يعاني منه المشهد السينمائي والمسرحي ببلادنا، وطبيعي أنه ينعكس ويؤثر على أفكار ومواقف من يريدون إشراقات وهاجة في المشهد الفني والثقافي،

والعجيب أن الأغلبية تقاطعوا في نقط حساسة أبرزها: الفعل الثقافي والفني والإبداعي الذي بنيت عليه أساسات المھرجان للمساھمة في رقي المجتمع ثقافيا وفنيا، وكذا المساعدة في النھوض بالسينما الوطنية عبر اكتساب الخبرات والتجارب

من أنشطته وفقراته وضيوفه، فلا يعدو أن يكون وھما وبروباغندا مكشوفة، وبھذا أضحى المھرجان موسما سنويا للسياحة والموضة أكثر منه ملتقى دولي للتبادل الفني والثقافي والسينمائي (ص53) وهذا الطرح الواضح، ذهب به صاحبه، إلى كشف صورة أخرى أفظع من المهرجان، بحيث استحي أن يشير بمفردات الانتهازية والانبطاحية، ولكن أثناء تفكيك ما في قوله نستشف ذلك من خلال: تباكي اغلب الفنانين المغاربة وعدم تقبلھم للمعاملة السيئة التي يعاملون بھا في المھرجان مقارنة مع الضيوف ....وأتعجب شخصيا من حضورھم المتكرر كل سنة وتقبلھم للعب دور الكومبارس في كل دورة وبعدھا يتباكون على الموقف المحرج الذي وضعوا أنفسھم فيه دون أن يجبرھم أحد على ذلك، مع أن بإمكانھم الاعتراض وعدم الحضور أصلا لتفادي ما يحكون عليه من اھانات ونفس الشيء بالنسبة للصحفيين المغاربة (ص54 ) هنا لمن نوجه الاتهام،وميزة المبدع والفنان والصحفي والكاتب الذي له القدرة على التعبير وإبداء الرأي، علاوة على تأكيد وجوده الفعلي والعملي .بطرح التساؤلات، ومحاولة تجاوز عيوبه وأخطائه !!لكن الكتاب من خلال إحدى الحوارات، نجد جوابا مقنعا بأن: الأزمة تكمن في الأفراد الممارسين للمسرح أنفسھم، يتعاملون فقط بنوع الزيف والتطبع النفاقي من منطلق الاشتغال في المجال وھدفه فقط أن يكنى عليه اسم فنان أمام أقارنه في المجتمع، فالأزمة تبقى متطبع، إذا لم نتجاوز ماھية المشكل فيھا ونقطعه من لبه الرئيسي (ص66) هنا لا فرق بين المسرح والسينما، مادام كتاب صديقنا المكافح - حميد عقبي-  في عوالم الفن والإبداع، يجمع بينهما . أو بمعنى أدق هناك تقاطع فعلي وتفاعلي بينهما، وما يقع من إكراهات وممارسات في المجال السينمائي نفسها في الميدان المسرحي، مع اختلافات طفيفة. ويتبين هذا عبر:

الميدان وعدم احترام التخصص فقد شملت موجة التطفل، حتى مجموعة من المخرجين الذين بدورھم بدأو ينبعثون من فراغ،فكل من شاھد فيلم أو فيلمين تأثر بھما وشح نفسه مخرجا وقرر إخراج وإنتاج...و..و (ص14) فهذا نفسه ينطبق في المسرح حاليا، فالعديد ممن كانوا في شق الھواة صاروا محترفين والعديد ممن يسمون أنفسھم محترفين لا علاقة لھم بالميدان الفني. وإن كان المجال السينمائي ببلادنا أفظع وأسوأ حالا وممارسة وتلاعبا في داخله ودواخله وكواليسه، حقيقة البعض يدلي بأنه يخجل إما عن ذكر ذلك أو تسميع ما يقع ؟؟ وبما أن هنالك تصريحات مدوية أو صرخات، فلما الخجل إذن؟ وهل يمكن للمرء أن يلتزم الصمت واللامبالاة أمام هذا التصريح الذي يكشف وجها أخر، أكثر قتامه: للأسف وجدت نفسي أمام لوبي منظم ويحسن عمله، ويعرف كيف يسطو على حقوق المؤلفين، ومن الصعب مواجھته، لكنني فضحت التلاعب إعلاميا، لقد راسلت المركز السينمائي المغربي  وقدمت له وثائقي الإثباتية، بما فيھا العقد الموقع من طرف المخرج، كما راسلت وزير الاتصال في الأمر عبر الصحافة، لكن للأسف لا حياة لمن تنادي، وھذا ما يجعل المرء يشك في سلامة النوايا لدى المشرفين على قطاع السينما (ص34/ 35) فهذا نموذج من مئات النماذج، التي سرقت أفكارها أو بعض من قصصها، دون أدنى بعد أخلاقي وقيمي، قبل القانوني، لأننا في المغرب لازلنا لم نفهم بعد ما الملكية الفكرية وحدودها التشريعية ؟ والعجيب، أنه لدينا مكتب حقوق المؤلفين !!  لا أحد منا يعرف أعضاءه وما دوره الأساس، هل حماية المصنفات الفنية أو الأدبية أو الفنون المجاورة ؟؟

وهذا يؤدي بنا إلى حالة صديقنا قيدوم الصحفيين - محمد أديب السلاوي - فحالته لا تنفصل عن فظاعة المشهد الثقافي والإبداعي في ملابساته وتهميشه وإكراهاته وزيفه، وتصريحه/ حواره  نحس فيه بمرارة  ما يعانيه، وبشكل غير مباشر يكشف لنا ما أشرنا إليه حول حقوق الملكية الفكرية/ حقوق التأليف:.... مع صحف ومؤسسات إعلامية وحكومية، مغربية وأجنبية بالتعاقد، لم أكن خلالھا أعمل من أجل التقاعد، بقدر ما كنت أعمل من أجل العيش ومن أجل المعرفة. وفي العقد الأخير، حيث أقفلت السبعين من عمري، وجدت نفسي بلا عمل، بلا أجر، بلا تقاعد وبلا تغطية صحية، وھو ما جعلني في وضعية صعبة.نعم، أنجزت حوالي أربعين كتابا في المسرح والتشكيل والآداب والسياسة والنقد، حصلت على جوائز عربية ودولية،كرمني العديد من الجھات والمحافل داخل المغرب وخارجه، ولكن كل ذلك لا يضمن العيش (ص 21 /22) أليس الأمر محيرا؟ وإلى متى سيظل الوضع هكذا للعديد ممن كافحوا بصدق وإحساس وطني، لأن الإشكالية تكمن دائما في انتظار تحقيق وعود لامتناھية، تضمن تحسين وضعية المبدع والفنان،  فھذا الأخير يعيش وسط فوضى عارمة على شتى المستويات، ورغم هاته الحقائق الصادمة، لازال التلاعب يمارس، وخاصة مسألة - بطاقة الفنان - التي رحب بها الجميع، ونبذها الجميع فيما بعد: فبطاقة الفنان التي انتظرھا الجميع لتكون أول خطوة لتنظيم المھنة، واتباث ھوية الفنان واشتغاله في ظروف مريحة،لكن الواقع كان عكس كل التوقعات فھذه البطاقة لا قيمة لھا حتى الآن (ص13) سيتساءل بعض من سيطلع على هذه القراءة لماذا تلك البطاقة لا قيمة لها ؟ لن نجيب برأينا وموقفنا بل من خلال ما ورد في الكتاب:... دعم معدوم لوزارة الثقافة المغربية للمسرح والمسرحيين، كل المسرحيين المغاربة واقتصارھا فقط على نخبة محددة من الفرق المسرحية دون أخرى والحل للخروج من ھاته القوقعة ھو تأسيس فعلي لمسرح مغربي شامل لجميع المسرحيين المغاربة بتنظيم المناظرة الثانية الموسعة الكبيرة حول المسرح(ص 134) رأي سديد، ولكن هل المسرح المغربي، كان ناميا وفاعلا بالدعم الذي شتت الفنانين والمثقفين شذر مذر( نأسف لذلك) لأن الكل تهافت حوله، وضيعوا الفن والإبداع الحقيقي، ويكفي وكفى للمرء من التشدق والادعاء،

 

صفوة القول:

ما ميز الكتاب، تنويع الحوارات، والتلاعب بها عند الاقتضاء، وهذا ينم عن انو جاد حرفية / مهنية، عند المخرج والصحفي - عقبي - وتلك البانورامية المطلة  على مدن، تتضمن فعلا طاقات وفعاليات كبلقصيري/ بني ملال/ واد زم/.../ والتي عبر البعض أن:

ما تعانيه ھذه الطاقات ھي العقليات، الإدارية المسيرة لھذا الشأن التي ترفض أن تمد يد العون للوجوه الجديدة، تعيقھا عقليات أخطبوطية لا تريد أن تفسح المجال لوجوه

جديدة، تراھا تخشى دائما من ظھور طاقات جديدة ظنا منھا أنھا ستفقدھا بريقھا وتوھجھا(ص 106) وتلك الحقيقة المرة، والتي تعيشها العديد من الدول العربية، انطلاقا من التركيبة الذهنية العربية، وبالتالي فالكتاب في عموميته يعد صرخة من ضمن الصرخات الصادقة، من جوارح مبدعين صادقين مع أنفسهم، بحيث صاحب الكتاب بحكم عشقه للإبداع، وشوقه لعالم مشرق، بدوره يرفع صراخهم بصراخه لكي: تستمع الجھات الثقافية والفنية لھذا الصراخ وتعرف فظاعة ما يحدث بسبب إھمالھا لقضايا كبيرة وركضھا وراء مظاھر زائفة وتقصيرھا المتعمد تجاه الإبداع السينمائي والمسرحي في بلد،يزخر بكوادر وطموحات تحتاج فقط للقليل من الدعم والإھتمام.أشكركم أحبتي وأصدقائي لھذه الثقة…… (ص5 )

 

نجيب طلال

 

صدور رواية معي تكونين أحلى

882-mazinصدرت عن دار ميزوبوتاميا في بغداد رواية: معي تكونين أحلى، للاديبة: نسرين ابو قلام.

 تقع الرواية في ١٥٨ صفحة من القطع المتوسط تتناول الرواية فلسفة عمليات التجميل من خلال البرامج التلفزيونية المنقولة عن برامج غربية والتي تتوجه الى شريحة الشباب وتركيز فكرة الجمال الخارجي وتأثيره المؤقت دون الالتفات الى الجمال الداخلي وتأثيره الحقيقي.

882-mazinهي قصة رومانسية بين شابة تتمتع بجمال داخلي من خلال عقلها وذكائها الوقاد، لم تكتفي بطلة الرواية (مينة) ولم تشبع غرورها تقاطيع وجهها الرقيقة الباهتة فارادت لها ان تكون تقاطيع صارخة بالفتنة والاثارة.

كان لها ذلك من خلال اشتراكها في احدى تلك البرامج فحصلت على مرادها بتكامل وتناغم جمالها الداخلي والخارجي من وجهة نظرها على الأقل، لتجبر الحبيب على الإفصاح عن مشاعره الملتهبة الواضحة للقاصي والداني

تتعرض الرواية لتأثير تجربة بطلة الرواية على مجتمعها ومحيطها الشرقي بكل ابعاده.

لم تحاول الكاتبة ان تهيمن برأيها حول تلك الفلسفة ولم تحاول توجيه دفة الاحداث لتصل بالقارئ نحو صوب بعينه بل تركت له حرية التوجه والوصول نحو ضفة يعتقد هو بصوابها.

 

 

قراءة في إنجازات عالم سُبَيِّط النيلي

nabil alrobaeiعالم سُبيّطَ النيلي هو أحد علماء النهضة العراقية الحديثة، عُرفَ نهاية حقبة التسعينات من عصرنا الحديث في الأوساط الثقافية والعلمية واللغوية والمحافل الأدبية والفكرية، فهو مفكر باحث أحاطَ بنتاجاته بجميع جوانب علم الفقه واللغة والتراث والتاريخ، وُلدَ في أسرة ريفية حلية ذات مكانة اجتماعية عام 1956م، فوالدهُ سٌبَيَّط شاعراً شعبياً مرموقاً، وشقيقهُ رمزاً ثقافياً في ناحية النيل التابعة لمحافظة بابل، ولقب بالنيلي نسبةٌ إلى ناحية النيل الواقعة شمال الحلة، أكمل دراسته الثانوية في مدينة الحلة، والماجستير حصل عليها في بعثة عسكرية إلى روسيا (الإتحاد السوفيتي سابقاً) في الهندسة الألكترونية عام 1979م من جامعة اوديسا / أوكرانيا، وحصل على شهادة دبلوم عالٍ في الترجمة من روسيا. رحل عن الحياة وهو بعمر الشباب (44 عاماً) نتيجة مرض ألمّ به يوم 18/8/2000م، تاركاً نتاجاً معرفياً زاخراً تجاوز (14) مؤلف وبحث في الأدب واللغة والثقافة.

 وقد أقام لهُ اتحاد أدباء بابل ندوة في شرح نظريته الجديدة، واستمرت هذه الندوة لثلاث أمسيات متتالية، في سابقة هي الأولى من نوعها في عمل الاتحاد، كما كتب الكثير عن حياته ونتاجاته ومنهم (الصحفي ناظم السعود، د. حسين سرمك حسن، وحاوره الصحفي علي خصباك، موسى جعفر، وجيه عباس، فرقان الوائلي، رافد عجيل فليح).

 عالم سبيط ظاهرة ثقافية متنوعة، حركت الذهن الثقافي التي تشيد بعبقريته الفذة، وكان نتاجه المعرفي كل ما هو جديد في ميدان الفكر والإبداع، وقد وصفه الراحل شيخ المفهرسين د. صباح نوري المرزوك قال: (أعتبر عالم سُبَيِّط في البحث والتأليف واحداً من تلك الظواهر الكونية المتعددة والمتنوعة).

 تنوعت معارف السيد النيلي الثقافية واتسعت لتشمل علوم اللغة والفقه والأصول والتفسير والفلسفة والتاريخ والفيزياء والرياضيات، وساعده سفره إلى روسيا على الإطلاع على مدارس الأدب والأجناس الأدبية ومناهج البحث اللغوي والتعرف على الفلسفة الأدبية وأعلام الفكر والأدب الغربي، وكان من المعجبين بشخصية (بوشكين) الشاعر الروسي مما جعله يترجم ديوانه.

 أثارت أفكاره زوبعة من الاعتراضات والاتهامات من قبل المؤسسة الدينية، وكذلك بعض أطراف المؤسسة الثقافية، حتى وصل الأمر إلى اتهامه والكفر، لكن بالمقابل حصل النيلي على تأييد ودعم الكثير من الأكاديميين وأساتذة الجامعات في العراق، خصوصا بعد بروز نجمه بعد وفاته، وبعد انتهاء حكم صدام حسين الذي كان يمثل مانعاً رئيسياً من ظهور الفكر النيلي (القصدي) إلى العلن، فعقدت بعض الندوات والأمسيات التي تتناول فكره فساهمت إلى حد ما في انتشار أفكاره واجتيازها حاجر الحدود شيئا فشيئا لتصل إلى العديد من الدول العربية و الأقليمية.

 من آثاره ومؤلفاته (اللغة الموحدة)، الذي بحث فيه اللغة ومشكلاتها، ولكنهُ أسس فيها نظرية جديدة قائمة على مبدأ (القصدية) في الإشارة اللغوية، بين الدال والمدلول، ويكشف سُبيط عن وجود قيمة معنوية للأصوات قبل التركيب في الألفاظ، وهو كتاب في الدلالة والأصوات، يؤسس فيه عالم سُبيط لنظرية قصدية في علم اللغة العام تفند المبدأ الاعتباطي للعالم اللغوي فردنا ندي سوسير (ت1913م) وتكشف عن معاني الحروف وقصدية الإشارة اللغوية، والقصدية مصدرها (قصد)، ونقل ابن منظور قول ابن جني في لسان العرب 12/114: أصل (ق/ص/د) ومواقعها في كلام العرب الاعتزام والتوجه والنهود والنهوض نحو الشيء، ولعل أكثر الباحثين المحدثين تناولاً لهذا الموضوع هو جون سيرل الذي قال: كلمة القصدية كلمة غير محظوظة، ومثل كثير من الكلمات غير المحظوظة في الفلسفة، نحن ندين بها للفلاسفة الناطقين بالألمانية، توحي الكلمة أن القصدية بمعنى التوجه، يجب دائماً أن تكون مرتبطة بالقصد، بمعنى النيّة، مثلما أقول مثلاً: إّنني أقصد أو أنوي الذهاب غلى السينما الليلة) العقل واللغة والمجتمع(1).

 وقد ذكر سُبيط في مواضع متفرقة من الكتاب الدوافع التي أدّت إلى تأليفه والتي منها (تجريد الاعتباطية من سلاحها الفعّال في خلق الاختلاف والتناقض اللغوي والفكري) (المصدر اللغة الموحدة. عالم سُبيط .ص7). أتسمت طريقة عرضه للموضوعات بأسلوب السؤال والجواب في عدد من المباحث وكان الغرض من ذلك إيضاح الفكرة بلا تعقيد، كما استعان بالرسوم في شرح حركة الصوت الذي تحدث عنه، وذكر ألفاظاً انكليزية وأخرى روسية بغية إيجاد مفهوم موحد بين اللغات، ووضع قاعدة صوتية لكل مبحث صوتي ينتهي منهً.

 وإن المنهج القصدي في اللغة، يفسر نشوء للغات وذلك من خلال الجمع بين ظاهرتين الأولى هي استعمال تسلسل معين عند قوم و استعمال غيره عند آخرين لأداء نفس الفكرة والثانية استعمال تسلسل معين عند قوم ما لإشارة إلى أكثر من فكرة و بالجمع بين الظاهرتين و بين الظواهر الاجتماعية يتمكن من تفسير نشؤ اللغات .

 أما مؤلفه الثاني فهو (النظام القرآني، مقدمة في المنهج اللفظي)، وهو كتاب يبحث في أسس المنهج اللفظي للقرآن وقواعده، ويناقش فيه قواعد النحويين وآراء المفسرين، ويعتبر من أهم الكتب التي تناولت علوم اللغة ومنهجيتها، والمنهج اللفظي منهج تحليلي لآيات القرآن الكريم، ولهُ أسس وغايات ومبادئ وطرائق مختلفة عن مناهج التفسير، وأهم غاياته الكشف عن النظام الداخلي للقرآن وفتح الأبواب للمعرفة القرآنية لتحل محل المعرفة التجريبية. واستفاد سُبيط من القراءات القرآنية في توجيه الدلالة اللغوية في مستواها الصوتي، والصرفي والمعجمي والنحوي، ورَجح بعض القراءات على غيرها معتمداً القراءة الأكثر توافقاً لمنهجه القصدي، ولم يلتزم القراءة السبعية وحدها بل أخذ بقراءات شاذة، مع العلم أن عالم سٌبيط لم يذكر في مؤلفه هذا مصادر القراءات ولم يذكر أصحابها.

 في مؤلفه (النظام القرآني) تنوعت طريقته في الاقتباس ما بين النقل الحرفي للنصوص، والنقل بالمعنى، وقد نقل آراء من دون أن ينسبها إلى مصادرها، ففي صفحة 73 قال: غَّيرَ المفسرون الترتيب في هذه الآية فزعموا أن الأصل في الآية 75 من سورة الأنفال هو (وأولو الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض)، لكنه لم يذكر لنا واحداً من هؤلاء المفسرين، ولا مصطلحات نحوية أطلقها ارتجالياً متسرعاً تندرج تحت مسمى (قواعد). لكن الكتاب يكشف عن الآراء اللغوية المتنوعة وإبداع عالم سُبيط في طريقة عرض الموضوعات ومعالجة المشكلات اللغوية، ويعتبر من المجددين في هذا المجال في كثير مما سجله من معلومات ولم يكن مقلداً لمن تقدم من علماء اللغة.

 ومؤلفه الثالث (الحل القصديّ للغة في مواجهة الاعتباطية)، يتضمن الكتاب موقف المنهج اللفظي من المباحث الاعتباطية في النحو والبلاغة، وناقش فيه سُبيط آراء بعض العلماء في هذا الميدان، والكتاب هو مشروع يُؤسس لعلم لغةٍ جديد قائم على القصدية المناقضة للمبدأ الاعتباطي للغة الذي قال به سوسير ، وقد (نبه عالم سُبيط الباحثين في أغلب الموضوعات التي تناولها في الكتاب على ضرورة إعادة النظر في موضوعات اللغة والبلاغة ومناهج البحث اللغوي)(2)، لكن من المؤاخذات على الكتاب إن طريقته في الاقتباس والإحالة متنوعة، فهو تارة يذكر المؤلف من دون ذكر المصدر وتارة يذكر المصدر من دون ذكر مؤلفه، لكن مؤلفه سُبيط قد وفق فيه (في الجمع بين الأسلوب النظري والتطبيق العملي من خلال عرض الشواهد القرآنية والحديثة أو ضرب الأمثلة)(3)، كما استعمل سُبيط (بعض الرسوم والأشكال الهندسية لغرض توضيح الموضوع أو الفكرة)(4)، مع هذا الكتاب يكشف لنا التنوع الثقافي لعالم سُبيط والإطلاع الواسع على مصنفات العلماء، مما جعله قادراً على مناقشة بعض الآراء. ومصطلح القصدية مصطلح واسع المفهوم ودلالته تمتد إلى الحقول المعرفية باجمعها، ولا ينحصر في الاستعمال الوظيفي للغة فقط. أما الاعتباطية فهي نقيض القصدية في كل شيء.

 ومؤلفه الرابع (النظام القرآني، المدخل إلى نظام المجموعات) وهو عبارة عن قراءة جديدة ودراسة تفصيلية للمجموعات الصغرى والكبرى التي ذكرها القرآن الكريم، اقتصر في هذا الكتاب سُبيط على النصوص القرآنية التي استدل بها على صحة تقسيم المجموعات وخصائصها، مع بعض الأحاديث النبوية، كما اعتمد في مؤلفه هذا أسلوب التحليل والاستقراء في ضوء النظام القرآني من أجل بيان المجموعة الكبرى والصغرى وسمات المجموعات القرآنية.

 أما مؤلفه الخامس (الحل الفلسفي بين محاولات الإنسان ومكائد الشيطان) وهو عبارة عن تحليل فلسفي جديد من خلال مناقشات متخيلة في عددٍ من الجلسات، متخذاً صيغة الحوار والسؤال والجواب.

 ومؤلفه السادس (ملحمة كلكامش) عبارة عن دراسة جديدة للملحمة في ضوء النص القرآني والروائي والعلمي، وهو سلسلة التطبيقات للمنهج اللفظي القصدي على وفق المنهج التاريخي والجغرافي، ومن النتائج التي توصل إليها المؤلف (أن شخصية كلكامش ليست أسطورية وإنما حقيقة منحها الله المعارف العلمية التي عجزت عنها عقول البشر في تلك الحقبة التاريخية، والدليل على ذلك استطاع كلكامش الانطلاق إلى الفضاء الخارجي مستعملاً السرعة الفائقة بآلاتٍ معينة)(5)، كما تحدث فيه عالم سُبيط عن احتساب فرق الجاذبية، وأوصاف غابة الأرز المسماة بغابة الأشجار السخرية، وعن رمزية عشتار في الملحمة، و(رمزية الثور السماوي، والرمزية في شخصية (إنكيدو)، وتحدث عن الُمات الثابتة للشخصية في النص الملحمي)(6)، كما تناول شخصية كلكامش في تاريخ العراق القديم، وناقش العلامة قارء الطين طه باقر في قضايا تتعلق بمرموزات الملحمة.

 ومؤلفه السابع (أصل الخلق وأمر السجود) وهو بحث قرآني علمي فلسفي عن أطوار الخلق والترقي قبل آدم وعلاقاته بالسنن الكونية والشجرة التي أكل منها آدم، والكتاب يعتبر كرؤية جديدة في المفاهيم الإسلامية في ضوء المنهج القصدي.

 ومؤلفة الثامن (طور الاستخلاف، الطور المهدوي) دراسة في القوانين للتطور البشري في ضوء الحل القصدي للغة، وبين المؤلف المقصود بطور الاستخلاف استناداً إل الحل القصدي للغة، وصر عالم سُبيط من خلال المؤلف بأنهُ تم استبعاد المتكلم أو صاحب النص بصورة كاملة وأصبح النص ملكاً للمتلقي بوجهه وبالطريقة التي يريدها، وأنهى المقدمة بقوله: (لا يعتبر كتاب الطور المهدوي مجرد بحث لغوي أو قرآني معتاد، بل هو رؤية جديدة لتطور الجنس البشري وحتمية بلوغه المرحلة الفائقة من وجوده على الأرض بارتباط وثيق مع المشيمة الإلهية ولذلك فهو ينطوي على ملامح كثيرة لعلم الاجتماع والنفس والفلك والطبيعة والفلسفة والقصديّة الجديدة، فضلاً عن البحث اللغوي في وحدة موضوعية متجانسة محكمة مستخلصة من النص القرآني كنص كلي)(7).

 ومؤلفه التاسع (المبحث الأصولي بين الحكم العقلي للإنسان وحكم القرآن) بحث في موضوعات أصول الفقه الإسلامي برؤية قرآنية جديدة قائمة على مبدأ النقض لبعض المفاهيم القديمة، وقد اقتصر سُبيط على الشواهد القرآنية والأحاديث النبوية ، التي احتج بها لتثبيت قواعد أصولية وفقهية، وقد احتج بها لمسائل اصولية وفقهية علاوة على الاستدلال لصحة المنهج اللفظي.

 أما نتاجهُ العاشر فهو تحت عنوان (الشهاب الثاقب) يبحث في العقيدة الإسلامية من خلال شروح لبعض الفقرات من نصوص نهج البلاغة والرد على أحمد الكاتب فيما يخص العقائد الإسلامية، ومؤلفهُ الحادي عشرة(رحلة الكشف عن النظام القرآني) وهو بحث عن قصة سُبيط مع القرآن وكيفية معرفته للمنهج القصدي.

 ومؤلفه الثاني عشرة (المحاضرات القصدية) وهي مجموعة محاضرات كتبها سُبيط تطبيقاً للمنهج القصدي، وفي هذا المؤلف نقد لغوي لظاهرة الترادف والتقديم والتأخير في الألفاظ والمجاز في اللغة، وتقدير المحذوف والعشوائية في تقدير عُوّد الضمائر، وتجسد هذا النقد من خلال عرض نصوص قرآنية لكل ظاهرة وموقف القائلين بالاعتباط اللغوي من هذه النصوص، ومن ثم تقديم الحل القصدي لدلالتها بعد عرض الإشكالات اللغوية التي وجهها للذين خالفوه المنهج، وقد تطرق في الكتاب إلى الاعتراضات التي وجهت إلى الحل القصدي للغة كالقول بأنّ: (تحديد قيمة مسبقة لأصوات ومن ثم الألفاظ إنما يحجم دلالة المفردة ويضيّع المرونة التي فيها حسب علم اللغة المعمول به الآن)(8). ومن الشواهد في هذا المؤلف كانت مقتصرة على النصوص القرآنية ولم يستعن بموارد ثقافية أخرى. ونتاجه الثالث عشرة (طب القرآن)، وهو بحث في آيات الاستشفاء ومواردها.

 وأخيراً مؤلفه (نجم القرآن المبين) بحث في فضائل الإمام علي. وقد صدرت أخيراً دراسة في مؤلفات عالم سُبيط اللغوية (اللغة الموحدة، الحل القصدي للغة، الحل الفلسفي، النظام القرآني) للباحث عبد الحسين موسى وادي، وقد صدرت جميع مؤلفات عالم سبيط عن دار المحجة البيضاء في بيروت بطباعة أنيقة.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

.......................

المصادر

1- جون سيرل. العقل واللغة والمجتمع ص128/129.

2- عالم سبيط النيلي. الحل القصدي للغة ص236.

3- عالم سبيط النيلي. الحل القصدي للغة ص62.

4- عالم سبيط النيلي. الحل القصدي ص24.

5- عالم سبيط النيلي. ملحمة كلكامش . عالم سبيط النيلي. ص9.

6- عالم سبيط النيلي. ملحمة كلكامش ص33.

7- عالم سبيط النيلي. الطور المهدي ص15.

8- عالم سبيط النيلي. المحاضرات القصدية ص80.

 

مالك بن نبي.. الأيام الأخيرة

moamar habarكتب مالك بن نبي في أوراقه، والتي نقلها الستاذ مسقاوي في كتابه "في صحبة مالك بن نبي"، صفحة 910 ، فقال..

حين صدور "Vocation de l'Islam" في الجزائر فإنّ هيئة العلماء قطعت عني المساعدة الشهرية والمقدرة بعشرة آلاف فرنك.

وجاء في صفحة 1151 - 1152، أن مشاعر من خيبة امل راودت بن نبي في المرحلة الاستقلالية. وأن هناك "المحاولات تجري لتعطيل، أو الأحسن لتحطيم هذه الكتب".

وجاء في صفحة 1178.. "غدت القاهرة وبلاد الشام مساحة انفراج من ضيق مايلاقيه [مالك بن نبي] من إهمال ومضايقات هامشية في ظلّ عهد بومدين والوزير أحمد طالب الإبراهيمي".

وجاء في صفحات 1197- 1231، أن بن نبي تلقى بتاريخ 1971.10.16، دعوة لزيارة المملكة السعودية من طرف سفير المملكة بالجزائر، لإلقاء محاضرات بجامعة الملك عبد العزيز.

وفعلا سافر للسعودية بتاريخ  1972.1.2 وألقى عدة محاضرات بالرياض. كما إغتنمها فرصة وأدى مناسك الحج.

فكرة كتابه "المسلم في عالم الاقتصاد"، جاءت عقب سلسلة المحاضرات التي ألقاها بجامعة الملك عبد العزيز بن سعود بجدة.

وجاء في صفحات 1223 -1231، عنوان "وصيّة وحوار قبل الوفاة مع مثقفين سعوديين"، يوصي عبرها بن نبي المثقفين السعوديين، ويشرح لهم معنى الثورة الفكرية، ووجوب التغيير، وكيفية معالجة مشاكل العالم الإسلامي. وكانت آخر وصية لمالك بن نبي. وقد رحب.

وجاء في صفحة 1176، أن بن نبي كان في أيامه الأخير كان كثير السفر للشام والخارج وحج. وكان قلقا على كتبه وتراثه. وكان جد قلق من الانتهاء من مذكرات شاهد القرن.

1178 وجاء في صفحة 1178، أنه في الوقت الذي إستقبل القذافي بن نبي سنة 1970، وبمناسبة العيد الوطني لليبيا استقبالا شبه رسمي، وأحيط بكافة الحفاوة والاستقبال، نجد بومدين يمنعه من السفر، لأنه شخصية سياسية.

1181 وجاء في صفحة 1181، أن بن نبي كتب في دفاتره بتاريخ 4/2/1970 .. "عودتي إلى الجزائر قد انتهت إلى لاشيء".

 مالك بن نبي والصحبة.. قرأنا ونحن صغارا، أن بن نبي إستقال من منصب مدير التعليم العالي..

وحين كبر الطفل، قرأ أن أحمد طالب الإبراهيمي، وزير التربية يومها، هو الذي أقاله من منصبه.

مالك بن نبي والصحبة.. تطرق بن نبي في "وجهة العالم الاسلامي" إلى الوسائل التي تقود العالم الاسلامي إلى الخلاص. وانتقد بشدة وسائل كانت سببا في ظهور رجل مابعد الموحدين، المتمثلة في تقديم الواجب على الحق، والاهتمام بالشكل على حساب المضمون، وبالاهتمام بالجمهور على حساب الواقع المرير. وانتقد بشدة الحركات الاصلاحية التي لم تبرح مكانها وظلت حبيسة الماضي، رغم أنه أثنى عليها في حفاظها على الموروث الحسن.

 

معمر حبار - الجزائر

 

مشروعية الدرس قبل صلاة الجمعة

moamar habarقرأت 10 كتب للعالم الفقيه المحدث الجزائري عبد الوهاب مهية، واليوم يتطرق صاحب الأسطر لكتابه "مشروعية الدرس قبل صلاة الجمعة والرد على من زعم أنه بدعة"، دار الخلدونية، طبعة 1436 هـ - 2015، من 56 صفحة.

أجاب كعادته بالدليل المبني على علم وفقه وسعة صدر، فقال في صفحة11.. الحديث الخاص بالنهي عن التحلق فيه مقال. وكل الأحاديث جاءت للنهي عن البيع والشراء في المسجد، وليس التحلق في المسجد.

وجاء في صفحة 25، أن المراد النهي عن التحلق للحديث في أمور الدنيا.

وجاء في صفحات 17 – 21 ، أن النهي المقصود به هو الكلام الذي يكون بين المتجالسين. وأن هيئة الحلق التي تمنع الصفوف هي المنهى عنها، وليس درس الجمعة. والتحلق المنهى عنه في الحديث، هو التوزع في حلق كثيرة مبثوثة. وأن النهي عن هيئة الاجتماع وليس عن مضمونه. والنهي أيضا عن الكلام الذي لاقيمة له والكلام الذي لايليق، فيمنع ذلك في المساجد.

ويختمها بقوله في صفحة 22، أن الحديث الذي جاء فيه النهي عن الحلق، لايتناول درس الجمعة بأي وجه من الوجوه. وإذا لم تكن الحلق فيها محذور فإنه لامحظور فيها.

أما فيما يخص الجهر، فقال في صفحة 26، أن سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يجهر بالذكر بعد الفراغ من الصلاة وفي المصلىين من هو مسبوق. مايدل على أن الجهر إذا لم يجاوز الحد المعتدل وكان من طرف واحد، فلا كراهة فيه ولا إنكار عليه. وذكر أن سيّدنا عبد الله بن مسعود كان يرفع من صوته بالذكر، وكذلك سيّدنا ابن عباس، رضي الله عنهم جميعا، الذين رووا عن سيّدنا رسول الله فعل ذلك.

وقال في صفحات 28-29، أن الجهر لايكون مؤذيا على كل حال، وبالتالي لايكون منهيا عنه على الإطلاق. وسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينهى عن الجهر بالذكر، بل دعا بالرحمة لمن ذكّره بالآية، لأنه قد أنسنيها.

ويتساءل بغرابة في صفحة 31، كيف يتأذى الناس من درس يذكرهم بالله تعالى ويعرّفهم بحقوقهم على عباده، وتعليم أحكامه؟. وأين الضرر في إغتنام إجتماعهم لتعليمهم أمور دينهم؟.

ويرى في صفحة 33، أن الوعظ والإرشاد لايتقيد بزمن، بل ينظر فيه المصلحة وحالة المتعلمين وكونهم.

ويقول في صفحة 34، أين الحرج في إقامة درس الجمعة قبل الخطبة. المهم أن لايعتقد أنه من سنن يوم الجمعة ومستحباتها.

ثم إنتقل الفقيه المحدث إلى عرض الذين أيّدوا درس الجمعة قبل صلاة الجمعة، ومارسوه طيلة حياتهم، وحثّوا الناس عليه، ومنهم ..

الصحابة الذين ذكرهم في صفحات 34 -44 ، ومنهم.. أبو هريرة. وقال بأن أبي هريرة الذي روى حديث التبكير ، هو نفسه الذي كان يلقي درس الجمعة. وأن هناك ثلاثون صحابيا يدرسون يوم الجمعة في مسجدهم. وعمر بن الخطاب يأذن بالدرس قبل الصلاة. وعثمان بن عفان. والسائب بن يزيد، وعبد الله بن بسر، وعبد الله بن عمر، وسلمان الفارسي، والإمام مالك، رضي الله عنهم.

والتابعين الذين ذكرهم في صفحتي  44 – 46،  وفيهم الرفعاء الذين جالسوا كثيرا من الصحابة رضي الله عنهم، وبأنهم كانوا يتحلقون يوم الجمعة قبل الصلاة. وبأنهم يتحلقون يوم الجمعة قبل خروج الإمام.  وختمها بقوله، أن قول القائل أن الدرس لم يكن يفعله سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قول مجانب للتوفيق وبعيد عن التحقيق.

وقال في صفحة 51، " أن العلامة ابن باديس رحمة الله عليه وأصحابه من علماء الجزائر، كانوا يقومون بدرس الجمعة، فيغتنمون تلك المناسبة التي يجتمع فيها الناس على كثرة مشاغلهم، لأداء مافرض الله عليهم من واجب التبليغ والتبيين، وليس كما يقول بعض، من أن ذلك كان بسبب الاحتلال، إذ لاتعلق للمسألة باحتلال ولا استقلال، وإنما هي فقه الواقع، وتبصر العالم، ولأن مناط الأمر يدور حول أحوال الناس وما يحدث لهم من مناسبات ".

ويقدم خلاصة ثمينة في صفحات 52 - 55، أن درس الجمعة ليس فيه من التهويش والتهويل. "والناس يفرحون بدرس الجمعة واستعدوا له وهم سعداء به ومتسابقون للأماكن الأولى بالسكينة والطمأنينة " .

فالدرس يوم الجمعة مشروع، وفاعله سلف متبوع. وهو لا يخرج عن وظائف ذلك اليوم، بل هو من أولاها وأرجاها ". واعتبر أن من يقرأ القرأن أثناء درس الجمعة، لا ليقرأ بل ليخالف ويعرض عن الدرس، فإن ذلك ليس من خلق المسلمين ولا هدي سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

معمر حبار

 

مع الشاعر حكيم الداوودي في ديوانه: زمن الجوى

zohdi aldahoodiشعر يختلف كل الاختلاف عن أصنافه.

لا يمكنك أن تعتبره شعرا، ذلك أن الشعر يبقى أمامه كلاسيكيا وتقليديا لا يمكنه مس شغاف القلب، يهدم ولا يهتم بخرائب الشعر.

إذا نحن نحتاج إلى تسمية جديدة للشعر، تسمية تربط الشعر باللوحة الفنية بحيث يتحول الشعر إلى عملة ذهبية بوجهين يكملان بعضهما البعض. إن من يريد أن يفهم هذه المعادلة يجب عليه أن يقرأ ديوان "زمن الجوى" للشاعر حكيم الداوودي. وعند بدئه بالقراءة ينبغي عليه أن يحمل معه معجما من النوع الكلاسيكي.

وأما الكتابة العادية، فهي الآخرى تبقى حائرة، لا تعرف  كيف تعبر عن مشاعرها تجاهه. إنك حين تقرأ "زمن الجوى" تقف حائرا أمام أكثر من أمر، تتأمل السطور التي توحي لك أنها كتبت لآكثر من حاجة وأنها عبارة عن مجموعة أو باقة من الآزهار المربوطة ببعضها البعض. لا تعرف من أين جاءت هذه الازهار. أ هي النرجس النامي في قمم جبال كوردستان المغطاة بالثلوج الأزلية، أم هي شقائق النعمان التي تطرز حقول القمح الخضراء بلونها الأحمر القاني؟

إنها قصيدة من كل وعاء وشعر من كل حديقة تؤطرها مجموعة من الألوان الزاهية التي يفوح منها شذى الألوان التي تضخ عطورها إلى الزوايا المهملة التي تكاد تغطي كل زاوية متروكة من كوكبنا الجميل الذي يتعرض إلى الفناء والإبادة الجماعية من قبل أعتى القوى الهمجية التي تريد أن تمسح التاريخ وحضاراته التي استغرق بناؤها آلاف الاعوام.

عند حكيم تتحول الكلمات إلى ألوان. والألوان إلى كلمات سرعان ما تتحول إلى حديقة تحمل الوانها إلى شرايين الألم، حيث القراصنة يشدون القلب بحبال غير مرئية وقاتلة لا يعرفها أحد غيره.

الحزن العميق لا يقف وراء الأشياء فحسب، بل يكون جزءا منه.

ويطرق الموت أبواب أفراد أهله ويدخل في بيوتهم عنوة ويأخذ ما ياخذ. ويبقى حكيم في غربته، يحول أحزانه إلى شعر حقيقي مشحون بالألم. ويكون الألم باعثا كي يصدر ديوانه "زمن الجوى".

ها هو يكشف لنا، بل يؤشر إلى مصدر حزنه العميق الذي يرينا مأساته ببساطة غير درامية، ولكن إنسانية تنقل إلينا عناقيد حزنه الطفولي الذي كتبه القدر على جبينه، دون أن تتمكن أية قوة في العالم من تأجيله.

                                         خذ بيد الصبح

الماء

أطل علينا مركب

غامت خطاه في الأثير

أطل الهجير

             يجر ذوائبه

فوق الرموش وأنت بلا خل

تشد الرحال إلى أين؟

فما بقي لديك من الحزن

لا يكفي فخذ بيدي

رمم صدى مسلكي

غط حوافي شغفي

تتشظى ما بين السديم واليقظة

تسربل وجهك

خلل السياق والمسباق

فهم أهلوك

لهم سكاكينهم المخضبة

 

في هذا المقطع من قصيدة " أفق أخضر" يعبر حكيم عن إرادته القوية التي ترينا استعداده لمواجهة القدر. تلك المواجهة التي تعبر عن موقف الانسان القوي:

تصدع

فلا تبتئس

وغذ خطاك

ففي الأفق متسع

لي ولك

لقمع القمع

ولا تخذلن قدميك

فرحب المدى برمته

أمل،

بلا سأم أو ألم..

 

يحتوي الديوان الجميل على 128 صفحة من القطع المتوسط برسوم وتخطيطات شعرية . لوحة الغلاف والتخطيطات الداخلية للمؤلف. تصميم الغلاف والاخراج الفني للشاعر والفنان صبري يوسف.

دار نشر فورفاتاريه  بوكماشين.

 

زهدي الداوودي

 

تأملات في كتاب الدين والظمأ الأنطولوجي

801-jabarيضيق المقام إذا ما ذهبنا الى التعريف بالأستاذ الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وحسبنا القول إنّ مسيرته الفكريّة والبحثيّة تشهد له بالالتزام الأخلاقي، والمسؤوليّة، والحريّة، والصرامة المنهجيّة، والوضوح الفكريّ، والتواضع العلميّ. وهو ما شاركني فيه الكثير ممن يقرؤون له الأعمال التي كتبها ونشرها، خصوصا (الدين والظمأ الانطولوجي)، الكتاب الذي تحبه من أول لحظه تقرأه فيها. يطمح الكثير ممن يقرأ له أن يجعله قدوة ومحل إعجاب، دون أن يكونوا مقلّدين له، فمن بين ما زرعه الأستاذ الرفاعي في مدرسته الّتي أسّسها، وتابعها، ويتابعها إلى اليوم، أنّ السؤال المعرفيّ الحرّ، والفكر النقديّ، والمسؤوليّة العلميّة هي ما تمثّل دعائم البحث العلمي وثوابته، بقطع النظر عن الاختلاف أو الاتّفاق في وجهات النظر، والنتائج التي يتمّ التوصّل إليها. وبذلك يكون الرفاعي، من بين الأساتذة في الجامعة والحوزة الذين نذروا حياتهم ونشاطهم للبحث والتعليم، من اعداد وتنشيط متواصل للباحثين، وتأطيرهم، في نطاق مشروع فكريّ واضح متكامل، لم يتوقّف عن النشاط العلميّ، ولم يكتف بما قدّمه لتلامذته، ولروّاد دروسه، اذ جاء أخيراً كتابة (الدين والظمأ الانطولوجي) حاملا معه مشاغل شتى طالما بحثنا عنها في حلقات الدرس وفي المدارس والجامعات، حيث غابت عنا، جاء هذا الكتاب حمّالاً لمشاغل شتّى، مبوّباً وفق مواضيع تنشد فهما وتفسيرا بديلا للايمان والتدين المتصالح مع عصره.

801-jabarوعلى الرغم من تعدّد مفاهيمه، وتنوّع مقارباتها، فإنّ هناك ما يشبه الإجماع على أنّ كلّ ثقافة تحمل ضروباً من الخصوصيّة، وعوامل داخليّة تسمح لها بالتطوّر، بشرط الانفتاح على غيرها من الثقافات. وفي هذا السياق، يمكن تنزيل (الدين والظمأ الانطولوجي)، بوصفه بحثاً في التأصيل الفلسفي، وبيان ما له من أساس معرفيّ يمكن أن يتأسّس عليها، والتدليل على كونه موجوداً بتمام الوضوح في الثقافة الاسلامية.

 إنّ ما يَعدّه الرفاعي ثائراً للجدل هو وظيفة المثقّف عينها عبر إعادة النظر، والسؤال، والنقد لمختلف أشكال الخطاب، سواء كان خطاباً سياسيّاً، أم دينيّاً، أم فنّياً، أم فلسفيّاً، أم تاريخيّاً، أم لغويّاً، أم أدبيّاً، وهذا ما تنزّلت ضمنه الدراسات التّي ضمّها كتاب (الدين والظمأ الانطولوجي).

لقد أثار طرح الدكتور الرفاعي قضايا تتعلّق بمشارب عدة، تربط العقيدة بغيرها، وهو على علاقة، أيضاً، بوظائف المتخيّل الديني الموظّف لما عُدَّ أخباراً لدى المؤمنين بها، بشكل  تتحوّل فيها الشخصيّات، والأحداث، والألوان، والكائنات، والأزمنة، والأمكنة، إلى رموز تؤسّس العقائد وترسّخها، وتحقّق انسجام المجموعة الدينيّة وتماسكها، وتعبّر عن آمالها. إنّ ما يُعَدّ عين الحقيقة يراه الدكتور الرفاعي مدخلاً للبحث والنقد والمراجعة، وقد يوصله القارئ إلى النظر في العلاقة بين الكتابة في التاريخ، وما تحمله من وظائف إيديولوجيّة وعقائديّة.

تحدث كتاب (الدين والظمأ الأنطولوجي) عن أكثر من قضية، وأثار أكثر من إشكالية يتفق البعض معها أو يختلف،كأشكالية تحديث التفكير الديني التي يقدمها الكثير في مؤلفاتهم ومؤتمراتهم ومحاضراتهم، وإن قدمت للعالم فلم تقدم بنفس الطريقة والمنهج الذي تناولها كتاب الدين والظمأ الأنطولوجي، والذي يتناول الدين في حياة البشر بطريقة مختلفة، مدافعا ومحللاً ومفسرًا.

 تلاحظ الدقة في كتابات المؤلف من قراءة عنوان الكتاب ابتداء، ومن العلاقات الاجتماعيّة، الّتي يمكن الكشف عنها من خلال لغة بعض الخطابات الدينيّة، قضيّة الانسان التي تناولها المؤلف في كتابة متحدثا عن سيرة الذاتية، وعلاقاته الاجتماعية، وثقافته الحوزوية، واتصاله بالجماعات الاسلامية، فيقول (لا أزعم أني أمتلك ما يكفي من روح المجازفة والمغامرة والشجاعة، لتدوين ما يخدش الحياء، أو ينتهك التابوات المتجذرة في عالمنا، خاصة وأني مازلت منتمياً للحوزة، ومتساكناً مع الإسلاميين بألوانهم واتجاهاتهم كافة، وحريصاً على حماية ذاكرتي المشتركة معهم، وعدم التضحية بعلاقاتي التاريخية، بل أعمل على تعزيزها، وعجزي عن الانفصال والخروج والانشقاق على المحيط الاجتماعي، ذلك أن من يعترف بخطئه في مجتمعاتنا يغامر بفقدان هويته، ويكون الطرد والنفي واللعن مصير كل من ينتقد قبيلته وطائفته وحزبه). يختم الرفاعي سيرته الذاتية بقولة (تعلّمتُ أن الحياةَ عبورٌ متواصلٌ... لا أتهيب المغامرة مهما كانت شاقة، ولو افتقدتُ أية وسيلة أستعين بأظفاري للحفر بين الصخور، والعض بأسناني لتفتيتها،كما هي عادتي، منذ مغادرتي بيت أهلي بعمر اثني عشر عاماً، واستقلالي في إدارة شؤون حياتي، وتجرّع مرارت أيامي). يلتذ القارئ بهذه السيرة الجذابة التي يقدمها الرفاعي بشكلها الرؤيوي الرائع.

تناول الرفاعي في كتابة قامة علمية ثار نحوها الكثير من الجدل، وكتب عنها العديد من الكتابات، وهو حسب تعبيره: (المثقف الرسولي علي شريعتي)، اذ كان شريعتي يرى نفسة بمثابة النبي المرسل للامة لهدايتهم، شرح الرفاعي كيف شرع علي شريعتي في أدلجة الدين والتراث، وتناول ما قام به بالتحليل والنقد تارة ، وتارة أخرى عن طريق محاكمة آرائه، معتمداً على نصوصه الفارسية التي تناولها، بهدف الكشف عمّا وراء الدلالات الّتي يقدّمها على أنّها جملة حقائق بديهيّة، من أبعاد سلطويّة تترجم عن أشكال النظام السائد، ووُجّه الرفاعي هذا التفكيك والحفر إلى العديد من كتاباته، وأثرها في كلّ ما سيأتي بعده. موصلا إلى أمور؛ يتعلّق الأوّل منها بالتوصّل إلى الآليّات اللغويّة الداعمة لاختيارات اجتماعيّة، وثقافيّة، وسياسيّة، والثانية: التحديد النهائي للجهاز الاصطلاحي والمفاهيمي الّذي يتأسّس عليه علم الكلام ، والثالث إعادة تشكيل الماضي بطريقة تحوّله إلى سند (واقعيّ) لجملة الاختيارات المرجّحة؛ وتتمثّل الرابعة في الإيهام بالجدل، وبإفحام المخالف وبناءً على هذا الأمر الأوّل المتعلّق بالآليّات اللغويّة تتأسّس سلطة خطاب واضح ، وتقديمة مع غيرة من الاعمال الذي  يمكنه إصلاح الواقع الذي نعيشه. مقترحا الدكتور الرفاعي على الدارسين للجماعات الاسلامية: أن تهتم بقراءة ومراجعة أعمال المرحوم شريعتي، كونها نموذج ينبغي أن يراجع في سياق أدبيات الجماعات الاسلامية سنية وشيعية.

يبرز التخفّي في الخطابات الدينيّة وراء (التجربة الدينية والظمأ الأنطولوجي للمقدس) للتأثير في الواقع، وتوجيهه في مسائل عديدة ذات علاقة بتصوّر العلاقات في المجتمع وتنظيمها، وهو ما بدا لنا واضحاً من خلال كتاب الدين والظمأ، إذ إنّه نابع، بالأساس، ممّا يواجه من تأثير للدين على نفوس البشر ، وما تتخذه الجماعات الاسلامية من اساليب في التعامل مع البشر كالتيار السلفي وغيره وما له من سحر عليهم.

 

يرفض الرفاعي التصوف الطرقي  القائم على الدروشة، وتعذيب الجسد، والغياب عن العالم، وجاء هذا العمل مثالًا يحتذى به.

ذهب الأستاذ الرفاعي  إلى بحث قضية (تكفير الآخر المختلف) والذهاب الى وسائل مفضوحة ادت بنا الى ما نحن فيه اليوم من تكتم على المنظومة التاريخية وغيرها من أحكام، على الرغم من هذا التصنيف القائم على تمايز منهجيّ، فإنّ النتيجة كانت عدم التوصل الى حلول وصيغ مناسبة حتى اللحظة، بل وصلنا إلى الانفصال التامّ؛ والتعارض بين المنظومة العامّة، التي ينتمي إليها التشريع الديني عامّةً، والإسلامي بصفة خاصّة، والمنظومة الّتي ينتمي إليها، بطريقة أو بأخرى، ويفكّر في نطاقها هذا النمط من التكفير، فضلاً عن سيطرة الموجّهات الإيديولوجيّة، الّتي فرضت على تصوّراتهم نحو ما يخدم مواقفهم الإيديولوجيّة.

لم يتعدَّ ما أسلفنا ذكره في هذه الورقة حدود التقديم، فلا ندّعي، مطلقاً، أنّه تجاوز العرض إلى القراءة، والنقد، والمراجعة، والنقاش، وهو أمر مقصود، فلم يكن تقديمنا، هنا، سوى مواصلة للاحتفاء بالأستاذ عبد الجبار الرفاعي وكتابه، من خلال الأعمال الذي قدمها في كتاب الدين والظمأ، وهو عمل تشهد بمضامينه ومناهجه، على اختلافه وتنوّعه، والذي استطاع أن يُسهم بقسطٍ وافرٍ جدّاً في تأسيس لمدرسة وفكر جديد لا يعترف بعقليّة (الشيخ والمريد)، وتسعى إلى أن يقدّم معرفة لا تستلهم من الأستاذ مقولاته فتتبنّاها، وإنّما تستلهم منه العمل الدائم على الإنتاج العلمي بوضوح، وفي تواضع في غير ابتذال، وفي صرامة في غير تعقيد، وفي دقّة دون تكلّف، وفي جرأة في غير تجرّؤ، وفي ثقة في غير ادّعاء، وفي موضوعيّة في غير استقالة، وفي مسؤوليّة دون حسابات؛ لذلك، وغيره، لم نرد لتقديمنا أن يكون نقديّاً هذه المرّة، وأردناه احتفاءً متجدّداً بالأستاذ المعلّم الرفاعي.

 

د. محمد محمد عبدالله السنفي

باحث من اليمن مقيم في القاهرة

 

 

متأخرات وادي النمل

881-bookفي 132 صفحة من القطع المتوسط صدرت هذا الشهر عن دائرة الثقافة ة الإعلام بحكومة الشارقة 2016 المجموعة الشعرية الجديدة (متأخرات وادي النمل) للشاعر محمد نعمان الحكيمي، عضو اتحاد الأدباء و الكتاب اليمنيين ..

881-bookتتصدرالمجموعة الماثلة  توطئة  للنافد العربي الكبير د. عمر عبد العزيز، الذي لم تتوقف مساهمته عند التقديم فقط بل رسم بنفسه لوحة الغلاف أيضا، استنادا إلى روحية النص اليماني العربي الجميل .

المجموعة الشعرية السادسة هذه تعد أنضج تجارب الشاعر محمد نعمان الحكيمي، الذي سيصدر له عن دار النشر نفسها خلال الشهرين القادمين مجموعة يفاجئ بها قراءه ب (اعتذار عن الموسيقى) !

 

تخيّل بابل مدينة الشرق القديمة وحصيلة مئتي عام من الأبحاث كتاب تاريخي علمي

880-enaytيأتي كتاب "تخيّل بابل" الفائز بجائزة الشيخ زايد في دورتها السابقة، ضمن روائع الأعمال التاريخية التي حرص "مشروع كلمة" على تقديمها للقارئ العربي. وهو كتاب تاريخي يتناول بالتحليل والنقد سائر الأبحاث والنظريات وأعمال التنقيب المتعلقة بمدينة بابل. فهو عملٌ قلّ نظيره، إذ لم يسبق أن ظهر كتاب عن بابل بهذا العمق المعرفي والمنهجية العلمية وتناوَلَ تاريخ المدينة بهذا الشمول. الكتاب هو من تأليف المؤرخ وعالم الآثار الإيطالي ماريو ليفِراني وترجمة الأستاذ الجامعي التونسي عزالدين عناية.

بوجه عام يتمحور هذا المصنّف حول نواة صلبة، ألا وهي منطقة وادي الرافدين أثناء الفترة الممتدة بين (3500 و 500 ق.م). وكما يذكر مؤلّف الكتاب فقد قضّى السنوات الطوال من عمره منكبّا على تاريخ الشرق، حبّر خلالها عشرات الدراسات، وصنّف مصنّفات بأكملها حول نقاط محددة بعينها، إلى أن قرّر في النهاية الاشتغال على هذه المسألة، أي بابل. في الواقع جرى تناول حضارة بابل من جوانب عدة في كثير من اللغات، لكن مجمل الكتابات خالطها الأسطوري والوهمي، إلى درجة أن باتت المدينة خيالية في أذهان الناس. مع ليفِراني تغادر المدينة ذلك الموضع، لتكتسي حلّةً واقعية، تتأسس على حوادث وبقايا ورُقُم ونُظُم ومعالم.

وحديث البدايات عن بابل مع ليفِراني يستدعي بالضرورة حديثا عن أنظمة الحكم التي شهدتها المدينة. فليس "الطغيان الشرقي" وليد بابل فحسب، كما يروج عادة، بل صنوه "الديمقراطية البدائية" أيضا كما بيّن ثوركيلد جاكوبسون (1943) المختص بالسومريات. إذ يُعيد ليفراني النظر في تلك الأطروحة متحدثًا عن ديمقراطية نسبية، ليست ديمقراطية صلبة، قائمة على مؤسسات، "لأن وظائف الحكم لم تتفرّع بعدُ، وبنية السلطة ليست جلية، وآلية التنسيق الاجتماعي لا تزال في طور التشكل".

يأتي المؤلَّف الحالي ضمن مشروع شامل اشتغل عليه ماريو ليفراني، تناول إعادة قراءة التاريخ القديم للمشرق العربي. نحا فيه باللائمة على المؤرخين المهتمين بتاريخ المنطقة، كيف أن المنطقة التي صنعت التوراة باتت ضحية رؤى التوراة؟ ولن يتيسر ذلك التصحيح لتاريخ المنطقة، وفق ليفراني، سوى باكتشاف التاريخ السابق للتوراة، وبابل على حد رأيه إحدى أعمدته القوية. من هذا الباب توجّب عليه تخصيص مؤلَّف لهذه المدينة التي تتوارى خلفها حضارة محورية في بلاد المشرق.

مؤلف الكتاب ماريو ليفراني هو مؤرخ إيطالي من كبار المتخصصين العالميين في تاريخ الشرق. كما أنه عضو في العديد من المجامع العلمية. سبق وأن أصدر جملة من المؤلفات العلمية نذكر منها: "أصل المدينة" (روما 1986)، "العلاقات الدولية في الشرق القديم 1600-1100 ق.م" (نيويورك 2001)، "ما وراء التوراة: تاريخ إسرائيل القديم" (روما 2003)، "الأسطورة والسياسة في بلاد المشرق" (لندن 2004)، "أوروك: أولى المدن على وجه البسيطة" (أبوظبي 2011).

أما مترجم الكتاب عزالدين عناية فهو أستاذ تونسي في جامعة روما (إيطاليا)، سبق أن أصدر جملة من الأعمال والترجمات منها: "رسالة إلى أخي المسيحي" دار نون 2015؛ "الاستهواد العربي" منشورات الجمل 2006؛ "نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم" توبقال 2013؛ "الأديان الإبراهيمية" توبقال 2014؛ "أوروك. أولى المدن على وجه البسيطة" كلمة 2011؛ "علم الأديان" لميشال مسلان، المركز الثقافي العربي 2009، "علم الاجتماع الديني" لإنزو باتشي كلمة 2011؛ "الفكر المسيحي المعاصر" صفحات 2014؛ "العقل الإسلامي" دار الطليعة 2012.

 

880-enaytالكتاب: تخيّل بابل. مدينة الشرق القديمة وحصيلة مئتي عام من الأبحاث

المؤلف: ماريو ليفِراني

المترجم: عزالدين عناية

الناشر: كلمة أبوظبي 2011

عدد الصفحات: 619ص

 

أمين منار

باحث إيطالي من أصول مغاربية

 

 

الجمال والوعي في كتاب"في أُفق الأَدب"لـ سعيد عدنان

abdulelah alyasri"في أفق الأدب"ــ 206صفحة، من الحجم المتوسط، الطبعة الأولى2014م، دار تمّوزــ كتاب للأستاذ الجامعي العراقي الدكتور سعيد عدنان. وللكاتب مؤلفات أُخرى منشورة: "الشعر والفكر عند العرب"، و"علي جواد الطاهر الناقد المقالي"، و"الصدى والصوت في شعر ابراهيم الوائلي"، و"أدب المقالة وأدباؤها"، و"الإتجاهات الفلسفية في النقد الأدبي عند العرب".. حين نظرت إِلى ما ضمَّ فهرست هذا الكتاب ــ قبل أن أَقرأه ــ من أسماء لأدباء مُجيدين كثيرين، لاتكاد تستوفي حقَّهم مجلَّدات من الكتب، تعجَّبت من إقدام الكاتب على هذه المغامرة الأدبية، واستبدَّ بي الفضول، لمعرفة ماسيقول فيهم في كُتيّب صغير!. وما أنْ فرغت من قراءة الكتاب، حتى تذكَّرت ما رُويَ عن عبدالله بن عُمَر: أَنّه لما قرأَ الآية: "أَلا له الخَلْقُ والأَمْرُ"، قال: "مَن بقيَ له شئ، فليطلبه". أَيْ انَّ كلمتين في آية، قد أَحاطتا بكل شئ في الوجود. أَجلْ. من يقرأ كتاب "في أفق الأدب"، وهو على علم ببعض المكتوب عنهم، يقلْ عنه ماقال ابن عُمَر عن الآية. إذاً ماهذا الكتاب؟.. بُنيَ الكتاب خارجيَّاً على أَربعة محاور: أَوَّلها عن أساتأُذة أدباء، وثانيها عن شعراء وناقد، وثالثها عن أَعلام، ورابعها عن قضايا ثقافيَّة أدبيَّة.. وعلى هذه الأربعة، تدور فكرة رئيسة، هي الأدب، وتربط بعضها بالبعض الآخر، في وحدة موضوعيَّة، أَبانها الكاتب في "مقدمة" الكتاب الوجيزة إِبانة وافية.. وبُنيَ الكتاب داخليَّاً على مُعطيين: فنيّ وفكريّ. أمَّا المُعطَى الفنيّ، فلا أُريد أنْ أَحصره بخصائص الكاتب الأُسلوبيّة العامّة، ومادلّت عليه من موهبة فنيّة، وعقليّة نقديّة، وثقافة واسعة، وانّما أُريد أنْ أُشير فيه الى سمات التجديد، التي اختصَّ بها في الكتابة المقاليّة دون غيره، وأقف عندها قليلا. وأُولاها: الإيجاز، الذي وُظِّفَ له ما قلَّ من اللفظ، تركيزاً على شحنة اللفظة الوجدانية والفكريَّة، لتوليد معانٍ لايُستطاع التعبير عنها، إلا بما وسع من القول وطال. فالكاتب مُقتصِد في اللفظ، خلاف ماجرى عليه كُتَّاب المقالة من إفراط وإطناب. وحسبي دليلاً، أنَّه استوفى بأَقلَّ من مئتي صفحة، حقّ أَربع وعشرين شخصيَّة أدبيّة: (علي جواد الطاهر، ومهدي المخزومي، وابراهيم الوائلي، وعبد الحميد الراضي، وصلاح خالص، وجميل سعيد، وعناد غزوان، وعبدالإله احمد، ومحمد يونس، وعبد الباقي الشواي، وحياة شرارة، وعبد الأمير الورد، وعدنان العوادي، ومحمد حسين الأعرجي، ومرتضى فرج الله، وعبد العزيز المقالح، وعبدالرزاق محيي الدين، ويوسف الصائغ، ورشدي العامل، وزكي نجيب محمود، والجرجاني ـــ هذا ليس الجرجاني: مُؤلِّف كتابي دلائل الإعجاز، واسرار البلاغة ـــ وأحمد امين، والشيخ محمود محمد شاكر، ولويس عوض) . إيْ والله إنَّ الكاتب سعيد عدنان لَمِيْجَاز، لايُجارى في وَجْزه!وما من مغالاة في ذلك.. وثانيتها: الإيحاء. فهو كثيرا ما يعمد الى التلميح لا التصريح. كأنه ينقل رؤيا لا فكرة. إنه مشغوف بذلك حبّاً ورغبة في أن يُشرك قرَّاءه معه، ويجعلهم يتأملون، ليهتدوا بأنفسهم الى كشف ما تضمر الكلمات، ويختبئ وراءها من معانٍ. فكلَّما انتهت مقالته قراءةً، ابتدأت وتجدّدت بإشاراتها وإِيماءاتها، التي ماتبرح عالقة بذاكرة المتلقّي لكي يشارك في التأمّل والبحث والتفكير. ولم تكُ ظاهرة المشاركة في النص، معروفة في أدب المقالة من قبل، وانّما هي عُرفت في الشعر الحديث، خصوصا قصيدة الشاعر الإنكليزي ت. س إليوت. ودونك بعض الشواهد، : ختمَ مقالته ــ مثلاــ عن "حياة شرارة" (ص81) بقوله: "وكان مماتها شهادة صدق على وضع ردئ وما آل اليه". (ماهذا الوضع؟) وعن "يوسف الصائغ"(ص144) بقوله: "لعل دارسا حصيفا يقف عنده، في الذي له، والذي عليه.. "(ما الذي له؟وما الذي عليه؟) وعن "رشدي العامل" ( ص155) بقوله: "لعل قراءة جديدة تتناول شعره فتجهر بما أخفى"(ما أخفى؟) . وختم مقالته عن "صلاح خالص"(ص48 ) بقوله: "وتسأل: أين أجد آثاره من كتب ومقالات؟"(أين توجد؟) ماأكثر الأمثلة في الكتاب على مثل أُولئِك التلميحات، وذلك التساؤل!.. وثالثتها النزعة الروائية: فلو استثنينا المقالات الثلاث الأخيرة (ص187، ص193، ص199)، ونظرنا الى مجموع المقالات الاخرى، دون المستثنى منها، لوجدنا عملا روائيا هو أقرب الى "رواية البحث" الحديثة، من حيث عناية الكاتب بمجموعة من الأشخاص الأُدباء، الذين يمثّلون الطبقة الإجتماعية الوسطى، ويشتركون في العطاء الأدبي، متشابهين في السلوك الإجتماعي أو مختلفين، بالدرجة أو بالنوع. والراوي هنا هو الكاتب عينه، الذي لايريد أن يؤرخ لهؤلاء الأدباء، ولكن يريد أن يستبطن درجة الإبداع الفنيّ في أدبهم، والوعي الإجتماعيّ في مواقفهم، مستعينا بتجاربه الشخصيّة، حاذفا الكثير مما يَعرف، لإثارة التشويق والتفكّر فيما يُحذف. فما يعنيه هو الحالة الأدبية، والحالة الفكرية والنفسية للأشخاص، وليس الحالة الفسيولوجية. لذا ركَّز في المحور الثالث من الكتاب، على ثلاث حالات معاكسة، لسياق السلوك الإجتماعي العام، عند أشخاصه (ص171ص178ص184)، إبرازاً للصورة الأخلاقية المُثلى، التي أحسبها، وهي مندمجة في الأدب، الهدف الأساسي من التأليف. ولعلَّ مايدلّ عِياناً، على هذه السِمَة الثالثة، الحوارات التي ترد بعض الأحايين، بين الكاتب وصاحبه. وما إِخالُ صاحبه هذا إلا هو الكاتب نفسه. ومن بعضها: ـــ"أكان يحرص على الصدارة في غيره؟". ـــ "لاتستبق القول!"(85) ..

ومنه: ـــ"أَفيُعدّ في أعلام التمثيل في العراق؟". ـــ"عندما يُعدّ في أعلام الشعر العراقي!"(87) .. ومنه: ــ "وأين الإنكليزية في ذلك، وقد اطلت الحديث! ــ"إن موقعها وراءه، وسيأتيك القول!"(181) . وغير هذه الشواهد. وإنْ تَبغِ زيداً عليها تجده في (ص16 وص41 وص75 وص84 وص88 وص143 وص154 وص175 وص169 وص177ص185) . إنَّ تأكيد الكاتب على هذا الأسلوب القصصي، في كتابته المقالية، في اكثر من موضع، لايمكن أن يُغضَى عليه، ويُعتبر شيئا عابراً.. إذاً. في معياريّة جمال هذا المعطى الفنّي الخاصّ(الإيجاز، الإيحاء، النزعة الروائيّة) الذي حاولت، باقتضاب، أن أكشف سماته الثلاث، لايُعدّ الكاتب سعيد عدنان واحداً من كُتّاب المقالة الكبار وحسب، وانّما هو رائد حداثتها، من حيث جماليّة الشكل، التي تجاوز بها، ما مضى من جماليَّات مقاليّة سابقة، وتخطّاها. غير أنّ هذا التجاوز، وهذا التخطّي، لايعنيان انّه منفصل عن تراثه الأدبي، بل هو متَّصل به كلّ الإتّصال، ولكنَّه منفصل عنه بتجربته الفنيّة الخاصّة. إنَّ الشكل المقاليّ الجديد عنده، كما يتمثّل لي، ليس انعكاسا صوريا مباشرا لواقع ماديّ، بل هو فتح وخلق وتاسيس، لما يتطلّبه روح العصر ومستجداته. وهوــ بتحفظ شديد ــ لقاء بينه وبين شكلي القصيدة والرواية الحديثتين.. وأمّا المُعطى الفكريّ للكتاب، فانّه يتوزّع على"الأدب"، محصورا ببعض أساتذته العراقيّين في الجامعة، وبعض شعرائه وكُتَّابه في الوطن العربي (ماعدا الجرجاني) وبُضعٍ من قضاياه وشؤونه. ولئن كان الأدباء من اساتذة وشعراء وكُتّاب، يتساوون نظريّا، من حيث المفهوم الأدبيّ العامّ، فانّهم يتباينون عمليّا، من حيث الموقف الإجتماعيّ أو الأخلاقيّ. منهم من كان أديبا ذا موقف: (علي جواد الطاهر ص9، ومهدي المخزومي ص18، وصلاح خالص ص43، ومحمد يونس ص65، وحياة شراره ص76، ورشدي العامل ص145، وغيرهم) ومنهم من كان أديبا متغيِّر الموقف: ( يوسف الصائغ ص134، ولويس عوض ص184) . ومنهم من كان اديبا بلا موقف أو كالذي بلا موقف: (احمد أمين وزكي نجيب محمود ص171، والشيخ محمود محمد شاكر ص178) . إنَّ الكاتب لم يقصر كتابه، على النظر وحده دون العمل والتطبيق، بل ركّز على اندماج فكرتي الإبداع والوعي كلتيهما عند ادبائه، وجعلهما المعيار النقديَّ لتقويمهم، متّخذا من الشاعر الجرجاني، نموذجا تاريخيّا للشخصيّة الأدبيّة، التي اكتملت بممارستها العدل ــ أودّ أنْ أقف هنا إجلالا، لهذا المثقّف الطاهر (الجرجاني)، الذي انتظم في سلطة الدولة، ولم تفقد مثقَّفيته الفضائل الثلاث (لحق والخير والجمال) . وقلّما يتطهّر مثقّف من رجس السلطة ــ وعلى اندماج هاتين الفكرتين الأساسيتين(الإبداع والوعي)، كان مدار الافكار الثانويّة الأخرى في الكتاب، تركيزا على مالم يُكتشف منهما، أو مالم يُقوَّم من قبل مثل: (أستاذية عبد الحميد الراضي ص37، ورومانسية مرتضى فرج الله ص103، وعدالة الجرجاني أبو الحسن ص165، وشاعرية عبد العزيز المقالح ص111) وغير هذه الأشياء، من الموضوعات المطموسة جهلا أو ظلما.. إِنَّ استقراء مفهوم الأدب عند الكاتب، يفضي ضمنيَّا، الى أنّ الأدب الحقّ، ليس إلا الكتابة الفنيّة المرتبطة بالمسؤوليّة الإجتماعيّة والأخلاقيّة معاً. وعلى هذا، فانَّ قيمة الأدباء الذين تناولهم، لاسيّما العراقيّون منهم، لم تكن كامنة في جمال أَدبهم وحده، وانما في جماله المقرون بعمق وعيهم الإجتماعي، المستقل عن سلطات القمع في المجتمع. فهو، أي الكاتب، من هذه الناحيّة المفهوميّة، لايدور في فلك المفاهيم التراثيّة السلفيّة، ولا في اطار المفاهيم الغربيّة المترجمة، ولكنّه يتألّق في مداره المفهوميّ النقديّ الخاصّ به، جامعا بين روحي الأصالة والمعاصرة. ومهما يكن من شئ، فانّي أَرى شخصيّته الأدبيّة، استخلاصا من المضمون الفكري العام للكتاب، قد تميَّزت بشيئين: خصوصيّة نقديّة تجديديّة، وجرأة إكتشافيّة إبداعيّة. وبهاتين الصفتين اللتين تميّز بهما من غيره، يكون قد خرج من دوران الماضي الأدبي المعاد، مساهماً في إضافة شيئ جديد، الى الحاضر والمستقبل، لتنوير الواقع وتغييره وتطويره.. وكلا المعطيين (الفنيّ والفكريّ) يقودان في مجملهما، الى دلالة عميقة في الكتاب. هي انّ الأدب ليس هو الغاية من التأليف، بل الغاية هو الإنسان. إنّ قيمة الأديب، وقيمة أدبه مرتبطتان بقضية الإنسان، ومرهونتان بها. فالأدباء المبدعون يكونون عظماء، على قدر مايتصل إبداعهم بتلك القضية. فهم لم يحقّقوا عظمتهم في الإبداع، ولن يحقّقوها، إِلّا إذا حقَّقوا للإنسان عظمته، وانطبقت صورهم العمليّة، على صورهم النظريّة المتّصلة به. إنَّ حركة التغيير والتطوّر، والأدب العربي هو الجزء الأكبر منها، مرهونة بالأدباء المبدعين الوعاة الناهضين تحدّياً وتجدّداً، لا الأدباء المدجّنين الخاضعين لسلطات الواقع، واستهتارها بحقوق الإنسان وكرامته. فما الأدب الحقّ إلا المعاناة والمجاهدة والإيثار، وليس اللهو والأَثرَة والارتزاق. وشتّانَ بين أَديب عملاق النور جامح، وأَديب منطفئ صَفعَان!.. واخيراً: أَشعر، إزاء هذا الكتاب، بأني قبضت على جوهرة ثمينة، في زمن الرماد والصدأ، فآثرت أنْ أُعلم مُحبّي الجواهر بعض نفاستها، وأَلا أَستأثر بها وحدي دونهم. ولئن أَعلمتهم، فلا أزعم أني أستطعت أن أكشف لهم مايجب أنْ يُكشف منها شكلا ومضموناً، وانما حاولت. فما أنا إلا عاشق جمال ووعي. لاغير. ولعلَّ هناك من هو أَهل للنقد، فيتصدَّى لهذا النجم الساطع، "في افق الأدب"، بالدرس والتحليل والتقويم، مُغنياً المكتبة العربية بما سيقول.

 

عبد الإله الياسري

 

التفكير الاجتماعي لعلي الوردي

saleh alrazukفي كتابه (علي الوردي عدو السلاطين ووعاظهم) الصادر عن دار ضفاف في بغداد يسلط الدكتور حسين سرمك حسن الأضواء على الطبيعة الثورية لرائد الفكر الاجتماعي في العراق. غير أنه لا يعزو له عاطفة سياسية معينة. فهو مختلف عن الراديكاليين الذين سبقوه في مصر أو لبنان. كانت هوية الوردي بلا انتماء واضح. بمعنى أنه لا يمثل مصالح طبقة متميزة معروفة. وهذا قاده للاختلاف مع اليمين واليسار على حد سواء.

لقد اختلف مع طه حسين في ثورته على الشعر الجاهلي والتشكيك به*. وعارضه في موضوع شخصية ابن سبأ، ولم يجد أنه شخصية خيالية و لكنه الصحابي المعروف عمار بن ياسر(ص42). وكذلك اختلف  مع الإكليروس ونظر لشخصية النبي على أنها ليست تجسيدا لاهوتيا ولكنها ظاهرة اجتماعية. بمعنى أنه نبي إنسان وليس إلها تجسد بصورة قديس (ص50).

لا يخلو الكتاب من قراءة عمودية لمؤلفات الوردي ولا سيما في مجال المفاهيم الجديدة ومنها الباراسيكولوجي واستعمال اللاشعور لقراءة علم نفس الأعماق. غير أن أهم نقطة برأيي هي تحليله لمشكلة ازدواجية الشخصية العراقية وعدم وضوحها (ص13).

فقد سبق للمفكر حسن العلوي الوقوف عند جاهزية العراقيين بطبعهم للاضطراب والفوضى كما قال في كتابه (عمر والتشيع) وكأن هذه الصفة معيار متكرر وأبدي وجزء من الهوية.

لم يوضح لا العلوي ولا الوردي ما هو السبب، هل المذنب هو العراق (المكان والأرض) أم أنه الشعب (الذي نفهم أنه توارث المشكلة بالولادة).

لقد خص الدكتور سرمك هذا الجانب بعدة صفحات مطولة أشاد فيها بمنهجية الوردي وكشف النقاب عن مراجعه لا سيما في توليد المصطلحات وتعريبها، كالتراثية بمعنى الثقافة، والتركيب الاجتماعي بمعنى ثقافة المجتمع، والخارقية كبديل عن النشاط النفسي  والتناشز عوضا عن الفجوة (ص365) والغربال اللاشعوري ليدل على الإطار الفكري (ص71). غير أنه لم ينوه بالارتباكات القليلة والخلل الذي قد يتلازم مع تعميم الأفكار. وبالأخص لو أن الإسقاطات مخصصة.

فالشخصية العراقية ليست هوية مستقرة، وعمرها لا يزيد على مائة عام، والعراق كيان صنعته اتفاقيات غير عراقية، إنه غنيمة حرب ومن نتائج اقتسام النفوذ في العالم الثالث.

لقد اتكل الوردي على نشوء الفرق لتفسير الطفرات السياسية التي تعصف بالعراق واعتبر أنها التي صنعت تاريخا خاصا به. وهذا لم ينكره الباحث (ص32 ) بل توسع فيه انطلاقا من كتاب (وعاظ السلاطين) الذي صدر في وقت مبكر من عام 1954 قبل تأسيس أول جمهورية، ولكن هذه الفرق لم تستمر في مهدها لأكثر من 10 أعوام ثم تخلصت منها النخبة الحاكمة بالإكراه والترغيب. وقد جرى تهجير منظم لبعض الطوائف على شاكلة ما يحصل الآن لتبديل الواقع الديمغرافي. والأحزاب السرية الأكثر فتكا هربت من مركز الدولة إلى الأطراف، واستوطنت في الثغور لتحويل العمل الحزبي إلى جهاد. ولذلك إن تجمعات الطائفة العلوية تتركز في الساحل بينما أوكار الخوارج ولا سيما الحركات الباطنية استقرت في شمال إفريقيا (كما يرى الدكتور هشام جعيط في كتابه الفتنة).

وإذا ذهبنا مع الوردي أن قيم الإسلام تختلف عن الطبيعة البدوية (ص32)، لماذا لا تكون الشخصية العراقية مختلفة عن نفسها. فللنزوح إيديولوجيا وللاغتراب أيضا إيديولوجيا. وجيل المأساة لا يتشابه مع جيل الفتوحات.

لقد كان الإمام علي (كما قال) فاشلا في السياسة لكنه  بمنزلة نبي استشهد في سبيل دعوته ص53. وأبناء هذا الجيل لادينيون لكنهم طائفيون (ص57)وهذا جزء من ديالكتيك هيغل المثالي الذي وقف ضده الوردي ومن خلفه سرمك حسن (ص53). فالوجود عند هيغل مركب من السكون والحركة.

ثم إن الوردي أشار لدور الضغط النفسي والظروف الاجتماعية في سلوك الأفراد، وكان دقيقا لدرجة أنه ميز بين الدين والفضيلة (ص40). وتكوين النفس البشرية قائم على أساس التفاعل بين النوازع (يعني الخير والشر) ص40.

إن بداية الحياة السياسية في العراق الإسلامي كانت مخصصة لمناقشة ركائز الإسلام وفرزها على أساس معايير اجتماعية، ولذلك كانت مشابهة للعمل الدعوي في الحجاز، إنها بحجم بعثة أو نبوة ثانية. ولكن الحياة السياسية في العصر الحديث كانت نضالية. لها هدف سياسي بعيد عن اللاهوت، وللتوضيح كان العراق في القرن السادس مكانا لتصحيح الدعوة وإدخال إصلاحات على الرسالة، بينما في نهايات التاسع عشر كان له نشاط انقلابي للانفصال عن العثمانيين مع أنهم مركز الخلافة. 

من المؤكدأن الدراسة المادية لشخصية العراقي هي نتاج مرحلة الحرب العالمية الثانية وما بعد، وكل ما يقال عن اختلاف بنيتهم النفسية مسألة تحتاج لإعادة نظر. فتاريخ الصراع على السلطة محتدم في هذه المنطقة، والصدام بين الشرق والغرب أودى باستقرار هوية الشرق الأوسط بكل مكوناته، عربية وغير عربية، وينسحب ذلك على الدين.

وهنا لا بد من توضيح.

إن الظروف الدامية للفتوحات والفتوحات المعاكسة تنحصر في إشكالية الإسلام مع اليهودية، وكلاهما بلا شك دين توحيد سياسي. بمعنى أن السياسة هي المحرك. والنزاع بين الطوائف كان بأساسه على الحكم، أصلا لم تكن توجد طوائف قبل تلك النزاعات.إن كل جبهات الشرق الأوسط ساخنة، والعقل الاجتماعي غير واضح المعالم ويعاني من انهيارات وضعف في العناصر الثابتة، وهذا الضعف من شكلين:

نتيجة التطور الموضوعي بين المراحل التاريخية.

ونتيجة الخلافات الاجتماعية على شكل السلطة.

حتى أن نقطة الاتفاق الوحيدة وهي العداء لإسرائيل تحولت إلى ذريعة للتخوين ولأداة تشكيك خلال الصراعات البينية.

إن هذه الازدواجية تدل على عمق الخراب النفسي في السياسة والإدارة وليس على طبيعة أو أخلاق ثابتة عند العراقيين أو سواهم.

ويتوقف الدكتور سرمك أيضا عند مقاربة الوردي لما يسميه الازدواجية في الفكر الديني وتاريخ الإسلام.

والواقع أن عقلنا الديني  هو نتيجة تفكير أسطوري له ترجمة واقعية، لقد وظف المسلمون الأسطورة والخيال في بناء الدولة، ولذلك لا أستغرب أن يكون عقل المسلم  مركبا، ومجازيا.

إن تجريم الشعراء في الإسلام (ص48) لم يضع حدا للحياة المجازية، وإنما عمل على ترجمتها، لقد حولها من إنشاد كهنوتي إلى نوع من السرد، والاهتمام بالسيرة ورواية الأحاديث ينسجم تمام الانسجام مع الوحدات السردية كبنية في الفكر الاسلامي.

وإذا كانت الحضارات المادية التي استبدلت الأسطورة بالفكر التاريخي (ومثاله أمريكا) تدين بتطورها للملاحظة والسببية فإن المسلمين استبدلوا الثوابت المادية الوثنية بفكرة وأساطير التوحيد. وعليه ليس من المستغرب أن تكون لغتهم جزءا لا يتجزأ من بلاغة المجاز والرموز.

إن المجتمع الإسلامي حالة فريدة من نوعها، فهو يفرض الشريعة على الدولة، ويفسر الانتاج المحسوس للحياة بطريقة ميثولوجية مفصولة عن مصادرها.

ولا  يمكن أن تكون روح الحضارة الاسلامية نتيجة الوعي التاريخي، بل هي نتيجة قراءة هذه الروح لتجليات هذا الوعي. بمعنى من المعاني لقد وظفت الرموز لتشخيص حياة تجريدية تعاني من التلكؤ والغموض، مع قدر غير قليل من خمود التصورات، وهذا أحد أعراض الاستحواذ والفصام.

ولا أريد أن أوحي أن الحضارة الإسلامية مريضة، فالخلل يكون إبداعيا لو أنه جاء لضرورة حياتية. وتكفي الإشارة لمعاناة دستويفسكي من الصرع.

أضف لذلك إن دين الدولة لم يعبر عن دين للمجتمع، كان لكل منهما فضاء خاص به، شجع على انتشار المداهنة وتفشي انتهاز الفرص، وأعتقد أن هذا مسؤول حتى هذه اللحظة عن الخروقات الاجتماعية، فالمواطن لم يكن يتماهى مع دولته، لقد كانت الدولة الاسلامية منذ صدر الاسلام بلا مواطن عضوي، والارتباط بين الأطراف تحدده المكاسب والمصلحة، وهذا مستمر في تاريخنا المعاصر الذي تغذيه أوهام إيديولوجية، فالممالك تشبه شركات رأسمالية (هي شركات تجارية عائلية مديرها التنفيذي هو الملك بتعبير سارة تشايز**) بينما الجمهوريات الاشتراكية لا تعرف من هذا المبدأ غير الاسم.

إن الازدواجية التي يشير لها الوردي هي نتيجة القطيعة بين العقل المدبر وأطرافه، وفي أحسن الظروف نتيجة سوء فهم لعلاقة الحاضر بالحاضر نفسه، فالتفكير في بلادنا معزول عن جهاز المفاهيم، ولا تجد من يعرف الفرق بين القانون والدستور، والعرف الاجتماعي والمراسيم. ناهيك عن عدم التفريق بين التمثيل المهني ومفهوم الطبقة أو الشريحة.

إن العقل الأرثوذوكسي الذي ابتلي به التخلف يساوي بين الرأسماليات الحاكمة والحكومات الأمنية، لأن لهجة الخطاب تختلف لكن البنية واحدة. وتقوم على مبدأ الاستئثار بالسلطة وليس إدارتها.

فالاشتراكية لا تكتفي بتقويض مفهوم العدالة الاجتماعية ولكن تستبدله بنظام فقر سياسي يمهد لكل أنواع الهزائم. هذا غير تفريغ الشيء من مضمونه حتى يصبح عرضة للانهيار والسقوط في أول امتحان.

ومثل المشكلة تتكرر في الدول البطريركية التي تسخر المؤسسة لخدمة المصالح الفردية.

وهذا شيء والاستناد على مصادر الفكر العاجية التي تكلم عنها الوردي شيء آخر. (ص16).

إن تفسير الوردي للازدواجية بأنه نتيجة عيوب التفكير الصوري (ص16) يشبه تفسير الغرق بالسقوط في الماء. وهذه حجة مثالية على طريقة هيغل.

إن الروح لا تتفكك إلا بسبب عدم انسجامها مع الصورة، لكن السؤال متى يحصل سوء التفاهم بين هذه المتلازمات؟..

والجواب هو في ديناميكية تطوير ونضوج الفرد خارج مجتمعه.

بمعنى خارج الميثاق الاجتماعي وليس من داخله كما يحصل في الرأسماليات الراهنة.

فالوعي بالميثاق والاتفاق عليه هو الذي يوفر مشروعية لنظام سوء توزيع الثروات. بينما خرق الميثاق لدينا يتسبب بنهب لهذه الثروات وتباين في طرق التعبير عنها.

وهذا خلل يترجم نفسه بانحراف بين القانون والأخلاق المرعية.

والمثال الذي يذكره الوردي عن التسامح في الدين والمشقة في الطقوس (ص17) يبرهن على هذه المشكلة.

إن الازدواجية في مجتمعاتنا المعاصرة تأتي من اتكالها على الماضي وحرمانها من العقل والابتكار. بينما الفلسفة الأرسطية لا تزال مزدهرة وتسمح للإنسان بامتلاك أدوات سحرية يقاوم بها الواقع الفاسد والمتحجر.

ويتابع الوردي التعميم في كلامه على وعاظ السلاطين. ولا يضع خطا أحمر بين الواعظ المأجور والمستشار.

لا يمكن لي أن أتصور أن بلاط العثمانيين يديره شخص واحد بلا هيئة من المستشارين والخبراء. وإلا ما استمر بالحياة لعدة قرون.

وقل نفس الشيء عن الممالك والإمارات التي امتد بها العمر لعشرات من السنين الحافلة بمواجهات ساخنة مع أعتى الجيوش الاستعمارية، ولا سيما في الثغور.

إن الفئة التي سخر الوردي أمكانياته لكشف عيوبها هي طبقة البيروقراطيين أو موظفي المكاتب الذين لا يختص بهم نظام، وإنما شكلوا على امتداد التاريخ شريحة ضعيفة ومكسورة هي التي تسببت بمخازي البشرية. سواء في الاتحاد السوفياتي أو في أواخر أيام قصر فرساي.وبرأيي أن حجم هذه الطبقة هي التي تحدد درجة انحدار النظام أو صعوده.

ولقد نبه روجيه غارودي قبل نصف قرن لمخاطر هذه الشريحة لأنها تنمو خارج القانون الاجتماعي، فهم كتلة بلا بنية طبقية، هويتهم ليست من اليد العاملة ولا من الكد الفكري، وغالبا شكليا دون أي توسيع لمساحة الإدراك.

وهذا هو سبب الاختلال الأساسي، فهم استهلاك بلا أي بشائر بالانتاج، بمعنى آخر إنهم مؤشر على ظاهرة ولكنهم ليسوا منتجين لها، ودورهم في المؤسسة معياري.

وبلغة أوضح: نقطة تقاطع الصراعات التي لها دور في صناعة القرار.

كان الوردي يحمل علامات رؤيتنا الشمولية والساكنة لتعليب الأفكار، فهي جزء من الإنسان وليس من الظاهرة التاريخية، ولذلك لم يجد الفرق بين مفاهيم مثل الشعب والناس، أو الشعبي والشعبوي. وهذا يغلف كل المحاولات الرائدة في تطوير الفكر الاجتماعي عند العرب.

فالمسلمون أنكروا وجود حياة عقلية وميثولوجيا عند الوثنيين لتبرير ثورتهم في المعتقدات والحياة، ونفس الشيء يتكرر عند علماء الاجتماع في فترة ما بين الحربين. فهم لم يجدوا الفرق بين الواقعية والإنسانية، وكانت النظرية  ضائعة بين مذاهب مختلفة بمعاييرها.

وأعتقد أن كتاب أحمد عباس صالح جزء من هذا الارتباك. فهو يقرأ الماضي السياسي على أنه إنتاج العصر الراهن.  إن الثورة على الكومبرادور لا تعني أنها تبشير بالاشتراكية أو اليسار. ومثل هذه المصطلحات العقيمة هي من اختراع الاشتراكيين العرب الذين يعتقدون أن الأمة جوهر ثابت لا يتبدل مع الزمن.  ولو نظرت لأدبيات الجناح المحافظ في حزب البعث  سيصدمك مقدار السذاجة في تعميم فكرة الاشتراكية على حركات تحرير العبيد ذات الأصول العرقية والمذهبية مثل القرامطة والزنج، فهي ثورة فقراء بسبب استعباد واسترقاق اجتماعي بلا أي خلفيات سياسية، وبتعبير آخر إنها انتفاضة ضد الاحتلال العسكري بذرائع اللاهوت الديني. لو أن دولة الزنج يوتوبيا فإن حرب الاستقلال في سوريا بين 1920-1946 ستكون انتفاضة أممية أو يسارية على التوسع الامبريالي. بهذا المنطق يصبح من المبرر اعتبار الأميرة ذات الهمة (بطلة السيرة الشعبية الحافلة بالخرافات والمعجزات) أول رائدة في تحرير النسوة وأنها هي التي ألهمت هدى شعراوي مبادئ العمل النسائي المنظم.  لا يمكن لنا اعتبار كل عمل انقلابي ثورة. وكذلك من غير المعقول تفسير ظواهر من القرن السادس للميلاد بمصطلحات الألفية الثالثة.

وإن إعادة التفكير بما يسمى حرب الردة تجيز لنا أيضا إعادة التفكير بالجذور الفعلية للانتفاضات المسلحة التي عارضت الدولة بين 750-1258م.

لقد غلبت على الفكر الاجتماعي للوردي  قراءة تاريخ الأفكار العامة أو الوضعية، وبتعبير حسين سرمك "الاندفاع العاطفي غير المحايد" (ص25) وإطلاق صفة الديمومة على الطبيعة البشرية (أنها لا تتغير- ص27) فكرة غير اجتماعية، ولا يمكن أن نقبلها من عالم اجتماع من طراز رفيع كالوردي.فهو بشيء  من التساهل صيغة مركبة من منهج طه حسين في الاستنتاج والتفكير وأسلوب العقاد في التحليل والشرح.

وإذا كانت هذه الرؤية ليست نقيصة لكنها تدور في نفس دائرة التنوير العربية التي كانت هجومية وجريئة بطروحاتها، بمعنى أنها لم تتسلح بأدوات المدرسة الأمريكية في تفكيك ما تحت المجتمعات من ظواهر.

وكان علينا أن ننتظر الجيل الثالث من علماء الاجتماع العرب لنقرأ الحضارة قراءة تاريخية. بلا تعميم وبلا تجريد. كما فعل بو علي ياسين في سوريا. أو مادلين نصر في لبنان. والسيد يسين في مصر.

 

د. صالح الرزوق

....................

*مناقشة نقد كتاب في الشعر الجاهلي تتكرر بالحرف الواحد أيضا في كتاب صدر في بيروت عام 2014 لصباح جمال الدين بعنوان (علي الوردي نقد كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين).

**عن خليل كوثراني، مقال منشور في جريدة قاسيون، دمشق، 19 شباط 2019 بعنوان (واشنطن تستعد لما بعد آل سعود).

 

قراءة في كتاب الاسلام والأيمان للدكتور محمد شحرور

abduljabar alobaydiفي العديد من الآيات القرآنية الكريمة نجد مصطلحات متشابهة ومختلفة منها الأسلام والمسلمون، والايمان والمؤمنون، والتقوى والمتقون، تقابلها في جانب أخر مصطلحات هي: الاجرام والمجرمون، الكفار والكافرون، والشرك والمشركون.

وحين نعود للمعاجم العربية والتفاسيرالقرآنية وكتب الأصول،  نجد امامنا خلط واضح بين الشرك والكفر والاجرام، وأمام ثنائية غائمة لا تفرق بين المسلم والمؤمن، والاسلام والايمان، وتجعل المسلمين مؤمنين والمؤمنين مسلمين والجميع أتباع محمد (ص). وهذا هو الخطأ الكبير الذي وقع به المفسرون والفقهاء منذ بداية استخدام التفسير الديني للنص وقراءة السيرة النبوية العطرة ولازالتت مؤسسة الدين متمسكة به دون تعديل. لذا نستطيع ان نقول ان بداية وضع الاصول كانت على غير هدى مما ولدت لدينا كل هذه الاختلافات الدينية والمذهبية الباطلة التي جنينا منها كل هذا الأفتراق في الفرق بين الفِرَق والتي أدت الى اشكالية كبرى في وحدة العرب والمسلمين.

يقول الحق : (ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الاحزاب 35). نفهم من الآية الكريمة ان المسلمين والمسلمات شيء والمؤمنين والمؤمنات شيء أخر، والثاني ان الاسلام يتقدم على الأيمان ويسبقه.

ويقول الحق: (ما كان ابراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً، آل عمران 67)، ويقول الحق: (ووصى بها أبراهيم بنيه ويعقوب يابني أن الله أصطفى لكم الدين فلا تموتن ألا وأنتم مسلمون، البقرة 132). ويقول الحق: (وجاوزنا بني أسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً، حتى أذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لأ اله ألا الذي آمنت به بنو أسرائيل وأنا من المسلمين، يونس 90).

نفهم من الآيات القرآنية أن ابراهيم ويعقوب والاسباط ويوسف وسحرة فرعون والحوارين ونوحا ولوطا، كانوا من المسلمين، وان فرعون حين ادركه الغرق نادى بأنه منهم. وهؤلاء لم يكونوا من اتباع محمد(ص) فالحواريون من اتباع عيسى (ع) وسحرة فرعون من اتباع موسى (ع).

ونفهم من هذا كله أن الأسلام شيء والأيمان شيء أخر، وأن الأسلام متقدم على الأيمان سابق له، وأن المسلمين ليسوا من أتباع محمد(ص) حصراً . ونصل أخيراً الى السؤال الكبير المحير: ان كانت الشهادة والشعائر من أركان الاسلام، فكيف يصح أسلام فرعون؟ وهو لم يلتقِ الا بموسى، وأسلام الحواريين وهم                         لم يعرفوا سوى المسيح أبن مريم، وأسلام غيرهم ممن أثبت التنزيل الحكيم اسلامهم، وهم جميعاً لم يسمعوا بالرسول (ص) ولم يصوموا رمضان ولم يحجوا البيت الحرام؟.

لقد أقامت كتب الأصول والأدبيات الاسلامية أركاناً للاسلام من عندها حصرتها في خمس، هي التوحيد والتصديق برسالة محمد والشعائر، مستبعدة العمل الصالح والاحسان والاخلاق من هذه الأركان، فألتقت دون قصد منها، بالعلمانيين والماركسيين من أصحاب مشاريع الحداثة والتجديد، ووقعت فيما وقع به اليهود والنصارى:أنظر ما قال القرآن الكريم فيهم:

(وقالوا لن يدخل الجنة الا من كان هوداً أو نصارى، تلك أمانيهم، قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين، بلى من اسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، البقرة 111-112).

فاليهود يحصرون الجنة باليهود، وما عداهم في النار، والنصارى يحصرون الجنة بالنصارى وما عداهم في النار، والتنزيل يعتبر ذلك كله أوهاماً منهم لا برهان عليها، ويصحح لهم أوهامهم بصراحة لا لبس فيها حين يقول: يدخلها كل من (أسلم وجهه لله وهو محسن) هنا العمل الانساني الصالح هو الأساس.

وحين نقرأ اركان الاسلام نجد ان الاسلام من وجهة نظرهم لا يقبل الا ما زعموا الفقهاء أيضاً ولا يدخل الجنة الا أصحابه، ونحن نسأل: أليس هذا بالضبط ماقالته اليهود والنصارى، فتصدى لهم سبحانه في التنزيل؟، أن اركان الاسلام هي اركان الايمان عندنا وليس لكل المسلمين الحق في الاشتراك بها. كقوله تعالى: (ان الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا، النساء 103). لقد خرب الفقهاء الاسلام باختراع المذاهب الاجتهادية الباطلة التي ادت بنا ولازالت الى الانقسام والضعف والموت البطيء، ولا زالوا مصرين .

ونحن نستغرب كل الأستغراب لماذا أستبعدوا الجهاد الحق(وقاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، والقصاص من المجرمين وسراق الأوطان، والشورى في تحقيق العدالة وحكم الدولة، والوفاء بالعقود والعهود وعدم حنث اليمين، والعديد من الأوامر والتكاليف، من أركان الاسلام، مع ان حكمها واحد في الآيات كحكم الصلاة والزكاة والصيام والحج أنظر الآيات الانفال 74، البقرة 216، الشورى 38 الاسراء 35، وهنا هم مخطئون.

وننتقل الى مصطلح أخر هو الاجرام والمجرمون : (أفنجعل المسلمين كالمجرمين، ما لكم كيف تحكمون، القلم 35-36).

ان كلمة الاجرام هي المصطلح المضاد للاسلام، اما المصطلح المضاد للمسلمين هوكل المجرمين كما في الآية السابقة. فالمجرمون هم الذين قطعوا صلتهم بالله وأوامره ونواهيه وهم: السراق والقتلة والخونة للأوطان وكل من لم يلتزم بشروط التنزيل، أفيحق لمن تثبت عليه هذه الجريمة ان يكون مخلصا لله والشعب والوطن؟سؤال كبير بحاجة الى أجابة اكبر منه اليوم.

أنطلاقاً مما نتحدث عنه الان ان التراث البشري الانساني يبقى تراثاً خاضعا لما يخضع له التراث من عاديات التلف والضياع، اما التنزيل الحكيم فهو ليس تراثا، لأن النص القرآني ثابت والشريعة متغيرة، ولا تخضع لما يخضع له التراث.فهو ثابت وباقٍ على مدار العصوريحمل في داخله ما يجعله صالحا لكل زمان ومكان شرط التحقيق من مؤسسة الحكم لا من مؤسسة الدين.

ان القائلين بتقديس التراث من التراثيين، يصرون على أن يستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويصرون على ان ينظروا في قصص الانبياء والكتب التوراتية ليعرفوا كيف بدأ الخلق، بدلاً من أن يسيروا في الأرض كما أمرهم التنزيل الحكيم ليروا كيف بدأ الخلق، (وقل سيروا في الأرض فأنظروا كيف بدأ الخلق).

وأنطلاقاً من هذا التصور القرآني العظيم، دعونا الى أعادة ٌقراءة التراث وتدبره وفهمه وقراءته، قراءة معاصرة حديثة، لنتخلص مما علق بعقولنا من خطأ التقدير في التقديس للتراث كما فرضته علينا مؤسسة الدين التي لم يعترف بها القرآن ولم يخولها حق الفتوى على الناس ولم يميزها بلباس معين، وهي أس مشكلتنا القاتلة اليوم حين ساهمت وتساهم في تجميد العقل ونقل الحرية الى تقديس، وصادرت منا حتى الله.

 ان أعتبار النص القرآني ثابتا في نصه، ومتحركاً في محتواه وهو ما نسميه بالتشابه، ولله المثل الأعلى. هو الاساس في التفكر والتطور والا كيف نقيس الماضي بالحاضر بعد ان تم الغاء حركة الاجتهاد والتطور من مناهج التدريس؟

الم تكن مؤسسة الدين هي الاساس في التخلف والتجهيل بعد ان اخترعت لنا المذاهب ودرء الخطر وسد باب الذرائع وكل هذا التخريف ؟. فلا خلاص لنا الا بالخلاص منها وفصل الدين عن السياسة، ومنح الانسان المسلم حرية العبادة والتفكير . لكم دينكم ولي دين .

من هذا المنطلق على الحكومة ان توجد لدينا حكومة مخلصة تغيير فلسفة مناهج التدريس للتاريخ وابعاد عنه كل تدليس.

 

د.عبد الجبار العبيدي 

 

المقطع والمتخيل في القصة القصيرة جدا

jamil hamdaouiيتناول هذا الكتاب فن القصة القصيرة جدا عند المبدع المغربي الطيب الوزاني1  بناء ودلالة ومقصدية، بالتوقف عند مجموعتيه(أوراق قزحية) و(تفاحة الغواية). وما يهمنا في هذا الكتاب هو دراسة أنواع المقاطع التي وظفها الطيب الوزاني في مجموعته (تفاحة الغواية) من جهة، ودراسة المتخيل وآلياته في مجموعة (أوراق قزحية) من جهة أخرى.

وقد اعتمدنا ، في هذا الكتاب، على منهجية جديدة هي المقاربة الميكروسردية التي تدرس القصة القصيرة جدا في ضوء مكوناتها وسماتها الموضوعية والفنية والجمالية، أو في ضوء أركانها وشروطها.  ومن المعلوم أن فن القصة القصيرة جدا قد أصبح - اليوم- جنسا أدبيا جديدا معترفا به من قبل المؤسسات الثقافية والجامعية والأكاديمية، وكذلك من قبل المنابر الورقية والرقمية على حد سواء. ومن ثم، فلا داعي للخوض في الجدال السفسطائي المتعلق بأجناسية القصة القصة القصيرة جدا، بعد أن حققت تراكما كميا وكيفيا على صعيد الوطن العربي منذ سبعينيات القرن الماضي.  

وقد قسمنا كتابنا هذا إلى فصلين متوازيين، حيث يتعلق الفصل الأول باستجلاء مختلف المقاطع التي وظفها الطيب الوزاني في مجموعته (تفاحة الغواية). أما الفصل الثاني، فقد استعرضنا فيه أنواع المتخيل على المستوى الموضوعاتي، مع رصد مختلف آليات التخييل السردية والخطابية والفنية والجمالية .

وبعد ذلك، قدمنا خلاصة عامة للكتاب، مع تذييله بثبت المصادر والمراجع، وفهرس عام لمحتوياته.

ومن ثم، فهذا الكتاب إضافة علمية جديدة وجادة إلى مكتبة القصة القصيرة جدا التي ماتزال في حاجة ماسة إلى الكتب والمؤلفات والمصنفات النقدية التي تعنى بالقصة القصيرة جدا منهجا، ورؤية، ومصطلحا، وتوثيقا، وتأريخا، ودراسة، وتحليلا، وتقويما، وتوجيها...

ونرجو من الله عز وجل أن ينال هذا المصنف إعجاب القراء الأفاضل، وينال كذلك رضا النقاد والمثقفين المتخصصين. وأعتذر عن كل الأخطاء التي أكون قد ارتكبتها في هذا الكتاب ؛ لأن الإنسان ضعيف بطبعه ، يعرف بالسهو والنسيان والعجز والتقصير.

والله نسأل أن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

 

د. جميل حمداوي

.....................

1-   - الطيب الوزاني كاتب مغربي من مدينة تطوان ، حصل على دكتوراه الدولة في في علوم الأعصاب والدماغ من جامعة إيكس بمارسيليا الثالثة. وقد مارس التدريس الجامعي بكلية العلوم بجامعة عبد المالك السعدي.وهو عضو نشيط في عدة جمعيات علمية محلية ووطنية ودولية . ومن أعماله: (حمائم وأشواك)، و(ثورة الياسمين)، و(تأملات في الغريزة والعقل)، و(الحياة بين النشوء والتطور والاستمرار).

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

المقطع والمتخيل في القصة القصيرة جدا / د. جميل حمداوي

 

 

حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي (6)

ali almomenشخصية "الدعوة" في معايير الإجتماع الديني والسياسي: يرى بعض الكتّاب والمهتمين بأن هناك تعارضاّ في زوايا نظر المؤسسين والدعاة الأوائل في ما يرتبط بالتأسيس والخطوات الأولى، ولكنها في الحقيقة غير متعارضة؛ لأن مقتضى العمل السري وعدم انفتاح الدعاة على بعضهم واحتفاظ كل منهم بأسرار عمله، وتعدد الاجتماعات والمداولات؛ يؤدي الى تنوع في الشهادات، وقد وجدت عبر تفكيك الشهادات وتحليلها بأنها منسجمة؛ بل تكمل بعضها؛ لأن كل مؤسس وداعية ينظر الى الأمور من زاوية فعله، ولا يوجد شخص بعينه يستطيع استيعاب جميع وقائع مرحلة نشوء الفكرة والتأسيس والانطلاق والانتشار خلال الأعوام 1956 الى 1959؛ لأن تأسيس حزب الدعوة كان جهداً جماعياً، ونواته الأولى كانت جماعية، وأن فكرة الحزب الإسلامي وتأسيس حزب إسلامي كانت موجودة في رؤوس جميع المؤسسين والدعاة الأوائل خلال عقد الخمسينات من القرن الماضي، وكان كثير منهم قد خطى خطوة لوحده قبل أن ينفتحوا على بعض خلال عام 1957؛ فضلاً عن طبيعة العمل السري ومحدودية انفتاح الدعاة على بعضهم.

وبالتالي فإن وجود بعض الاختلاف في روايات المؤسسين أو الملتحقين بالتأسيس وأوائل الدعاة الذين كانوا في أجواء خطوات الحزب الأولى من 1956 وحتى 1959؛ يعود الى أن كلاً منهم ينظر الى مراحل التأسيس وخطوات العمل من زاويته وموقعه ودوره؛ كما ذكرنا سابقاً، ومن هنا كانت مهمتنا البحثية صعبة للغاية، وتتمثل في تفكيك هذه الإشكالية عبر تجميع الروايات وحصرها وضربها ببعض، ثم استخلاص النتائج منها.

 

الملامح الجوهرية

من خلال إخضاع مؤسسي حزب الدعوة لمعايير علم الاجتماع السياسي والديني والثقافي؛ يمكننا الوقوف على الملامح الشكلية والجوهرية التي تميز بها حزب الدعوة الإسلامية عند تأسيسه؛ لأن انتماءات المؤسسين الاجتماعية ومناخاتهم الثقافية واختصاصاتهم؛ تؤثر حتماً في توجهات الحزب ومزاجه العام ونكهته الثقافية والاجتماعية:

1- إن المؤسسين العشرة كانوا يمتلكون وعياً سياسياً وحساً حركياً؛ سابقاً على تأسيس حزب الدعوة، وكانوا شخصيات عاملة وناشطة إسلامياً؛ ما يجعلهم يتميزون عن أقرانهم، سواء في الحوزة العلمية أو في الوسط الديني والاجتماعي.

2- ان 50 بالمئة من مؤسسي حزب الدعوة هم من علماء الدين العاملين في الحوزة العلمية، و50 بالمئة منهم أصحاب مهن متنوعة: محام، تاجر، مهندس، إداري وطبيب. وإذا أخذنا اجتماع كربلاء بنظر الاعتبار فقط؛ بحضور الشخصيات السبع التي أدت القسم الأول؛ فسنرى ان حصة علماء الدين هي 58 بالمئة مقابل 42 بالمئة لغير علماء الدين، وكانت القيادة الرباعية الأولى تتكون من 75 بالمئة علماء دين، و25 بالمئة من غير علماء الدين، وبقيت معادلة هيمنة علماء الدين على القيادة ومفاصل العمل حتى انسحاب السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد مهدي الحكيم، وتبعه انتقال القيادة من النجف الى بغداد عام 1961، وتشكيل القيادة الثلاثية؛ فكان أعضاؤها عالم دين واحد هو السيد مرتضى العسكري المشرف العام، واثنين من غير علماء الدين، هما عبد الصاحب دخيل المسؤول التنظيمي ومحمد هادي السبيتي المسؤول السياسي والفكري.

 

منشأ عراقي

3- إن جميع المؤسسين من مواليد العراق؛ 60 بالمئة منهم من مواليد النجف الأشرف، ومن أسر نجفية معروفة: السيد مهدي الحكيم، عبد الصاحب دخيل، السيد محمد باقر الحكيم، السيد حسن شبر، الدكتور جابر العطا، ومحمد صادق القاموسي، و40 بالمئة من باقي المدن العراقية: محمد صالح الأديب مواليد كربلاء، محمد باقر الصدر مواليد الكاظمية، السيد مرتضى العسكري مواليد سامراء والسيد طالب الرفاعي مواليد الناصرية، إضافة الى أن 80 بالمئة من المؤسسين كانوا يقيمون في النجف الأشرف، وكان السيد مرتضى العسكري (الكاظمية) ومحمد صالح الاديب (كربلاء) هما الوحيدان من خارج النجف الأشرف، كما كانت جميع اجتماعاتهم التمهيدية والتحضيرية والتأسيسية تعقد في النجف الاشرف، عدا اجتماع واحد في كربلاء كان مخصصاً لأداء القسم، وظلت اجتماعات القيادة تعقد في النجف حتى عام 1961.

ومن خلال المعطيات الثلاثة السابقة يمكن الوقوف على طبيعة المزاج الديني الاجتماعي والثقافي النجفي الذي ميّز حزب الدعوة الإسلامية؛ وبقي لصيقاً به عدة سنوات، وأخذ يخفت تدريجياً بعد انتقال مركزية القيادة من النجف الى بغداد عام 1961؛ ولكنه لم يختف؛ وإن كاد خلال العقد الذي سبق عام 2003، بيد أن التأثيرات الاجتماعية الدينية للنجف عادت بشكل ملحوظ بعد عودة قيادات حزب الدعوة وتنظيماته المهاجرة الى العراق بعد سقوط (نظام) صدام حسين، واستعادة النجف ومرجعيته العليا دورهما الأساس في الواقع الاجتماعي السياسي للعراق.

 

تجارب تنظيمية

4- إن 60 بالمئة من المؤسسين لم تكن لديهم أية تجارب تنظيمية سابقة: السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد مهدي الحكيم والسيد مرتضى العسكري والسيد طالب الرفاعي والسيد محمد باقر الحكيم والدكتور جابر العطا، و40 بالمئة كانت لديهم تجارب في تنظيمات اسلامية شيعية: عبد الصاحب دخيل ومحمد صادق القاموسي والسيد حسن شبر كانوا في “الحزب الجعفري” سابقاً، ومحمد صالح الأديب كان في “منظمة الشباب المسلم”، ولم يكن أي من المؤسسين العشرة على علاقة تنظيمية بأي تنظيم إسلامي سني، وهناك عضو واحد فقط هو السيد طالب الرفاعي كانت لديه علاقات بجماعة “الأخوان المسلمين” و”حزب التحرير”، ولكنه لم يكن منتظماً فيهما، ولكن بعد اتساع تنظيمات حزب الدعوة وصعود كوادر جديدة؛ وخاصة بعد انتقال قيادة “الدعوة” الى بغداد؛ صعد الى القيادة عضو سابق في “حزب التحرير” هو محمد هادي السبيتي؛ الذي فاتحه السيد محمد مهدي الحكيم بالدعوة عام 1959، ثم صعد عضو سابق آخر في “حزب التحرير” الى القيادة عام 1963 هو الشيخ عارف البصري، مع الأخذ بالاعتبار أن المؤسسين والدعاة الأوائل؛ حين كانوا يدونون أدبيات حزب الدعوة وأسسه وتقنياته التنظيمية؛ كانوا يطلعون على كل التجارب الحركية الإسلامية وغير الإسلامية؛ الشيعية والسنية؛ كمنظمة “الشباب المسلم” و”منظمة العقائديين” و”جماعة الأخوان المسلمين” و”حزب التحرير” و”الحزب الشيوعي” و”الجماعة الإسلامية الباكستانية”، إضافة الى تأثر بعض رموز “الدعوة”؛ ولاسيما محمد هادي السبيتي وعبد الصاحب دخيل؛ بالفكر الحركي والنهضوي لشخصيات اسلامية سنية؛ كالشيخ حسن البنا وسيد قطب والشيخ محمد تقي النبهاني ومالك بن نبي والشيخ أبو الأعلى المودودي، وهو ما يدفع بعض الكتّاب للحديث عن تأثر حزب الدعوة بالفكر الحركي السني والتقنيات التنظيمية للجماعات الإسلامية السنية، وهذا التأثر هو تأثر طبيعي في معايير علم النفس الاجتماعي، ولا يمكن لأية ظاهرة اجتماعية أن تكون بمنأى عنه.

 

بيوت دينية

5- إن 40 بالمئة من المؤسسين ينتمون ـ وفقا لمعايير الاجتماع الديني ـ الى الطبقة الاجتماعية الدينية الأولى؛ أي البيوتات الدينية العلمية: السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الحكيم والسيد حسن شبر، و60 بالمئة الى الطبقة الاجتماعية الدينية المتوسطة: السيد مرتضى العسكري ومحمد صادق القاموسي ومحمد صالح الأديب وعبد الصاحب دخيل والسيد طالب الرفاعي وجابر العطا؛ ما يعطي الدعوة موقعاً اجتماعياً رفيعاً جداً في الطبقة الاجتماعية الدينية، وما يعني انتماء مؤسسي “الدعوة” الى طبقة النخبة الاجتماعية الدينية. وظلت هذه السمة غالبة في بنية الدعاة الاجتماعية الدينية؛ إذ ظلوا ينتمون غالباً الى أسر متدينة ومميزة اجتماعياً.

6- إن جميع المؤسسين ينتمون الى الطبقة المتعلمة تعليماً عالياً؛ إذ كان أحدهم فقيهاً وهو السيد محمد باقر الصدر، وكان ستة منهم في مرحلة الدراسات العليا في الحوزة العلمية: السيد محمد مهدي الحكيم والسيد مرتضى العسكري والسيد محمد باقر الحكيم والسيد طالب الرفاعي وعبد الصاحب دخيل ومحمد صادق القاموسي (الأربعة الأوائل كانوا يرتدون الزي الديني والإثنان الأخيران كانا يرتديان الزي المدني). وكان أحد المؤسسين يجمع بين التحصيل الديني والأكاديمي، وهو السيد حسن شبر الذي كان في مرحلة الدراسات العليا في الحوزة، ومتخرجاً من كلية الحقوق في الوقت نفسه. وكان اثنان من المؤسسين خريجين جامعيين هما محمد صالح الأديب خريج كلية الهندسة الزراعية وجابر العطا خريج كلية الطب. وبذلك فإن من مجموع العشرة المؤسسين كان سبعة من المحصلين تحصيلاً دينياً واثنان من خريجي الجامعات الأكاديمية وواحد يجمع بين التحصيلين الديني والأكاديمي، وهذا الطابع الثقافي والتعليمي النخبوي أصبح جزءاً من الطقوس التنظيمية للحزب؛ إذ ظل حزب الدعوة حزباً نخبوياً يتعاطى ـ غالبا ـ مع طبقة المتعلمين؛ وإن انفتح في نهاية السبعينات على الطبقات الأقل تعليماً.

 

الطبقة المتوسطة

7- إن جميع المؤسسين ينتمون الى الطبقة المتوسطة اقتصادياً؛ فلم يكن بينهم ثري أو ينتمي الى العوائل الثرية، كما لم يكونوا من العوائل الفقيرة، وقد تغير هذا الواقع الى حد ما بعد انتشار حزب الدعوة المكثف في الستينات والسبعينات؛ إذ استقطب حزب الدعوة أعداداً من الأثرياء الشيعة في العراق والكويت والسعودية والإمارات المتحدة، كما انتمت اليه أعدادٌ أكبر من أبناء الطبقات الفقيرة، إلًا أن السمة الغالبة لحزب الدعوة انتماؤه الى الطبقة المتوسطة في جميع البلدان التي انتشر فيها، وأولها العراق.

8- إن 90 بالمئة من المؤسسين العشرة ينتمون الى الاجتماع الديني الحضري؛ أبناء المدن المقدسة الأربع في الوسط: السيد محمد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الحكيم والسيد حسن شبر وعبد الصاحب دخيل ومحمد صادق القاموسي ينتمون الى حاضرة النجف، ومحمد صالح الأديب من حاضرة كربلاء، والسيد محمد باقر الصدر من حاضرة الكاظمية، والسيد مرتضى العسكري من حاضرة سامراء،  وواحد فقط ينتمي الى الاجتماع الريفي وهو السيد طالب الرفاعي من ناحية الرفاعي في محافظة الناصرية جنوب العراق، وبذلك كان حزب الدعوة ينتمي في تأسيسه الى الاجتماع الحضري الديني.

 

الوسط النخبوي

وظلت معظم السمات الاجتماعية التأسيسية الثمانية السالفة؛ حاضرة بشكل وآخر في حزب الدعوة الإسلامية، وجزءاً من بنيته؛ أي أنه ظل ينتمي الى الوسط النخبوي الشيعي؛ الاجتماعي والديني والتعليمي والثقافي.

وقد يطرح هنا استفهام موضوعي كبير حول قدرة شبان في العشرينات من عمرهم (مؤسسو حزب الدعوة والدعاة الأوائل) على إحداث كل هذا التغيير الذي تتحدث عنه أدبيات “الدعوة”؛ في ظل وجود آلاف الفقهاء وعلماء الدين في النجف خصوصاً والعراق عموماً؛ فضلاً عن التنظيمات الايديولوجية الجماهيرية المنتشرة في الوسط الشيعي؛ كحزب البعث والحزب الشيوعي، والإقطاع الاجتماعي والاقتصادي في العراق.

- يتبع ـ

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

إصدار ديوان جديد للأديب والتَّشكيلي العراقي حكيم نديم الدَّاوودي في ستوكهولم

879-hakeemصدر للأديب والفنّان التَّشكيلي العراقي حكيم نديم الدّاوودي، ديواناً شعريَّاً بعنوان زمن الجَّوى، عن دار نشر فورفاتاريه بوكماشين، في ستوكهولم، تضمّن الدِّيوان القصائد التَّالية:

خذ بيد الصُّبح، وحدة، صوت، بشاشة، كركرات عبثيّة، درب، الأرض والميلاد، لا تلوموه، فرصة، وجه مدينتي المنسيّة، سيل، قبل الأوان، له ما له، حكايات، كسل قصائد، أوان التَّشظِّي، رسائل، سأحتفي، يد الأبد، لغة السَّكاكين، حكايات، مشية الكره، ملل، الطَّريق، لا للسيف، ثوبك، قارورة، وبعدك.

أخرج الكتاب وصمَّم غلافه الأديب التَّشكيلي السُّوري صبري يوسف، وقد جاء في استهلال الدِّيوان عبر كلمة مكثّفة قدّمها الكاتب, والناقد العراقي المبدع صلاح أحمد الحسيني، ما يلي:

"في كفّه رائحة ُالنّهر

 

مدخل قرائي لتلمّس هاجسٍ شعري

879-hakeemلا يجيءُ نصُّه جزافاً ولا هدراً في سيرورة المعنى والمبنى، غناءٌ بلا صخَب، وبلٌ يلامسُ هسيسَ الرِّيح أوانَ تخترق مجراها المكتظّ بالوعر والحجر.

انثيالاتُ حكيم الدَّاوودي نشيجٌ يسرقُ عصيرَ الشَّجن بلا غصّة أو غضن. النَّصُّ الغرائبي لديه لوحةٌ، كلُّ لوحة امتحانٌ، بل أختٌ لسواها لا شبَهَ َ بين واحدة وأخرى، لذلك لن أكرّرَ عباراتٍ من شجنه، حسبُ القارئ أن تتذوّقَ حنجرتُه تمتماته المكبوتة والمقموعة والمُلتبسة والعصيّة على المزاج. الصِّدقُ لديه انجاز يجاور النّجم في قاع السَّماء، عباراتُه باقاتٌ زَهريّة في زُهريات كريستال. لكنّه يتلاعبُ ويلعب بالكلمة والصُّورة والإيقاع ويدحسُ الحسَّ في أكمام خياراته وقناعاته المُستلّة من جوزاء البصيرة ومنظور باصرته. كلّ قصيدة، إنْ جاز التَّعبير، مغامرة ٌفي الحداثة وغشيان مجاهل حُلميّة لا تتوافرُ إلّا في كنف المستقبل المستحيل على التَّبصّر. الجّملة ُتخطو آناً في حقلٍ ناري وآناً في دربٍ مفروش بالمفاجأة والصَّدمة تحتَ سماءٍ ملغومة بالرَّعد والصَّاعقة. وخللَ القراءة تُشعرنا الصُّورُ بالرَّجفة والحُمّى وكذا بجنون موقّت. أغلبُ الظَّن أنّ الشُّعراء يتقمّصون جنونَهم ويركبون متن َهواهم، يجرفهم إلى عوالم ميتافيزيقيّة وراءَ الوراء الأعمق. هذا الدِّيوانُ أشبهُ بصالة الرَّسم المكتظّة جدرانها بعديدٍ من رسوماتٍ غرائبيّة تحتشدُ بالدَّهشة والغرائبيّة. قراءة ُاللَّوحة تحتاجُ إلى قاريء موسوعي يمتلك خزينَ شأوٍ وشأنٍ في استنطاق الخط ّواللَّون والإيقاع. فلن يكون سهلاً على حكيم الدَّاوودي أن يكسب قرَّاءً يُديمُ بينه وبينهم صلة َالتَّفاهم. اللَّوحةُ الشِّعريّة كائنُ كينونةٍ

مُحيّرة تتحصّن بالغموض والعُزلة والانتماء إلى جبهة مستغرقة في المُتناهي الَّذي لا تخترقها بصيرةٌ أو بصرٌ. أحياناً نلومه على الغموض والانكفاء والعزلة. فلا يجيب عن سؤالنا، وربَّما يقولُ مع نفسه: حاول أن تفهمني حين تقرأني وقد يمتلأ غورُه بالسّخرية على مَنْ لا يفهم جدليّة الشِّعر ولا يلجُ متاهاته ودروبه الملتوية بوعي عقلاني.

توخَّيتُ أن أوجز مقولتي في مدوَّنته هذه، ولا أشتّتَ مسعاي ، كلُّ قارئ له وسيلتُه وتجربته في غور المقروء والمرسوم والمنحوت والمسموع، أنا لا ألومُ الّذي يساوره المللُ في ولوج مُدونات الدَّاوودي. ولا أعفيه عن القصور وضيق سَعة ثقافته. لحكيم الدَّاوودي قرَّاءٌ يحرصون على متابعة انجازه الإبداعي.... وثمّةَ آخرون يمرُّون به بلامبالاة وعشوائيّة. لكنّه يظلُّ يحرثُ في هذا الحقل برغم الصَّخر والحجر والعُزلة والصّعاب والوعر. حسبُه أنّه ينتمي إلى جبهة المغامرة والدَّأب الشَّريف.".

وقد صدر للأديب والفنَّان التَّشكيلي حكيم الدَّاوودي، الدَّواوين والكتب التّالية: خطوات لمنفى الرُّوح مجموعة شعريّة منشورة في السُّويد 2001 مطبوعات مؤسّسة دراسات كردستانيّة في أوبسالا، رفات تناجي ملائكة السَّلام مجموعة شعريَّة منشورة في السُّويد 2002 مطبوعات مؤسَّسة دراسات كردستانيّة في أوبسالا، جولات في رحاب الأدب والفن والفكر. من منشورات ئاراس. الطَّبعة الأولى -2008 – أربيل، اقليم كوردستان. حينٌ في الغربة، منشورات اتّحاد أدباء الكورد فرع كركوك

  

صبري يوسف ــ ستوكهولم

 

 

 

إحسان وفيق بؤس السفسطة

الفقرة (4) من متابعتنا لكتاب إحسان وفيق (الفن التشكيلي في البصرة.. والعمارة التراثية – قراءة وتأريخ).

 وإبتداءً من هذا العنوان المشوش الذي يخلط الفن التشكيلي مع العمارة التراثية ويضيف إلى ذلك خلطاً آخر من نوع غياب المنهجية في ملحق العنوان (قراءة وتأريخ) ففي (القراءة) إبلاغ بالتعميم والتغطية الصحفية وفي مفردة (التأريخ) ثوابت توثيقية لابد من توفرها .. لذلك وجدناه يتخبط مابين هذه وتلك. ولو حذف مفردة التأريخ وإكتفى بالقراءة (الإنشائية) السائدة في الكتاب لكان ذلك أسلم كما ولو حذف العمارة التراثية أيضاً لأنها هامشية في الكتاب، وتهدف إلى تزكية الفترة الزمنية التي شغلها إحسان ورهط من المسؤليين الإداريين في البصرة في السبعينيات الماضية وفي ذلك أغراض دنيئة غير خافية على من عاصره. كما أن أغلب كتاباته عن الفنانين خضعت للأهواء الشخصية كالصداقات والخصومات والعلاقات الشخصية فإبتعدت عن القيمة الموضوعية والموثوقية التأريخية.

إن القراءة الدقيقة لأية مادة أدبية نقدية للفن التشكيلي يجب أن تسلط الضوء على أُسلوب الكاتب مع تقدير وجهة نظره، لأن النقد التشكيلي مازال رهين وجهات النظر الشخصية. وحتى أصحاب النظريات،أمثال هربرت ريد وكلايف بل، يعترفون بذلك.

تسيّدت الأهواء العاطفية والأحكام المسبقة وأن لغته ترتفع إلى مستوى الضباب حين يتحدث عن الفن لحجب الرؤية وتشويشها، ومن باب المكابرة،على القاريء. وتهبط لغته إلى أدنى مستوى لها حين يتطرق إلى السياسة، ومن باب الموقف الجاهز والطعن المبطن للرأي الأخر، سياسياً أو طائفياً، في تلافيف الحذلقة الفارغة.

فالكاتب مازال يتحدث من منبر السلطة المفقودة ومن ثقافتها الخمسينية في حقبة الحرب الباردة ويمكن قراءة جهده الإنشائي لتضبيب الرؤية على القاريء وتعميته وتجهيله قدر الإمكان، لتغييب صورة (الواعظ) عنه، واعظ السلطة الزائلة والنعمة المفقودة... ومازالت نبرة الواعظ البائس متسيدةً على الكتاب ومنهج الكاتب. ومن هذه الأحكام والأهواء الجاهزة موقفه السياسي من اليسار ومن الشيوعيين بالذات.إذ تهيمن الثقافة الشمولية ذات الحساسية الجلدية من اليسار الماركسي مع أن السياقات التعبيرية تنثر الرماد لتمويه الصورة المعنية بالإساءة، تعابير بلون وطعم العسل مع تنقيطات السم تعبيراً وغمزاً وإشارةً وتهكماً...

ففي تغطيته لمعرض أقامته محلية الحزب الشيوعي في البصرة لمناسبة العيد الثاني والسبعين لميلاد الحزب، وكان مدعواً للحضور كضيف شرف وتحكيم على ما أتذكر... يطالعنا عنوان مبطن بالإساءة والتشويه نَصّه (البحث عن الفن في المنطقة الخضراء)! وهي إشارة خبيثة تربط الحزب الشيوعي بالإحتلال ويبدأ بما يسميه المفاجأة..- نضع في أدناه الإقتباسات من كتاب إحسان بين قوسين وكما هي في الأصل ليتأكد القاريء من أخطائها اللغوية والتعبيرية فضلاً عن الخلط والحذلقة الفارغة -* (إلاّ أن الواقع أثار الحيرة لأن الذين كانوا يحلمون بمدرسة مستقبلية تكشف...ومن 68 لوحة و21 فنان لم يظهر على السطح غير بعض المجددين مما لايقاس بزخم الأحداث التي مرت البلاد بها من حروب...) ويعزف على قوانة الإحتلال – كلمة الحق التي يراد بها باطل – ولكنه وضمن جريان الضغط السايكولوجي الذي يتطلب منه ذمّ التغيير والحديث عن الجانب السلبي منه يضطر إلى خلط الأوراق والوقوع في التناقضات بين سطر وما يليه وكأنه حمل ضغينة مسبقة لكل المشاركين في معرض الحزب فراح يبحث عن أسباب للهجوم على أساليبهم التي أبعدتهم عن رؤية (الخراب والفوضى) التي رافقت التغيير.أما لغة الهجوم العدائية فيجب أن ترتقي إلى مستوى النقد الفلسفي – السفسطائي – ولا ضير من عدم الوضوح أو زج المتناقضات في أكوام مترهلة بما في ذلك الأسماء الحاضرة والغائبة، الفاعلة وغير الفاعلة، والأدهى من ذلك المقاربات والتشبيهات مع الفنانين الأوربيين. يُشير إلى عمل للفنان عباس السعد (ص 183) ومن خلال التعابير اللفظية البعيدة عن فهم وإدراك موضوع العمل وإسلوب الفنان وهي من النمط الشعبي التعبيري القريب من السريالية لكنه يُشبهها بأعمال بول كليَ بينما أعمال بول كليَ تجريدية وتعتمد الأشكال الهندسية والزخرفية القريبة من الفنون الشرقية كالمربعات والحروفيات والأرقام وبألوان متضادة. ومثل ذلك مايقوله عن (الدكتور سالم السعد)؟ (فإن لوحاته المتناهية الصِغر قد تحولت إلى نبض حي عندما غمرت مساحات أكبر من التشكيلات الرقيقة وهي خلفيات تجريدية تتشابه والألوان التي رسمها "هنري روسّو" وتكوينات " مودلياني " " ساحرة الأفاعي" و" الراعية النائمة " وهنا لايستطيع القاريء أن يعفي الكاتب من الخلط بين (اللوحات المتناهية الصغر) وبين (المساحات الأكبر من التشكيلات الرقيقة والخلفيات التجريدية..) الخلط الثاني في المقاربة مع (هنري روسّو) و(مودلياني) كما أخطأ في تسمية اللوحتين (ساحر الأفاعي) التي سمّاها (ساحرة الأفاعي) و(الغجري النائم) والتي سمّاها(الراعية النائمة)ووكلا العملين لهنري روسّو، بينما نسبهما الكاتب لمودلياني. ونضيف أن روسّو فنان فطري وشعبي ولا تتضمن أعماله خلفيات تجريدية كما يزعم إحسان إنما هي مناظر طبيعية صافية، أما أُسلوب مودلياني فهو طراز خاص من التعبيرية القائمة على رسم الشخوص بهيئة البورتريت وهي ليست من التكوينات بل هي تشخيصات تأملية في أوضاع سكونية. ومثل زج المقولات الفلسفية نواجه ضرباً من التشويش اللفظي الذي لا ينتج المعنى في النص وننقله كما في الأصل..(أما الفنان سلمان الشهد فكان له أن يتجلى في عملين ضاقت آفاقهما بسبب التقعر المفروض على مساحة الرسم حتى ليشعر المتأمل لم وتبشر بطريق حر وأصيل غابت عن الحقيقة لأننا لازلنا نمشي على هدي الطبقة المسيطرة..)  قد نُفسر بداية النص (ضاقت آفاقهما بسبب التقعر المفروض على مساحة الرسم) بمعنى ضيق مكان العرض أمّا بقية السطر المطّول فلربما تدخل ضمن الهذيان . وفيما يتطرق إلى النحات أحمد السعد لاينسى بث الإشارات التهكمية الخبيثة، وهي اللغة السائدة في الكتاب، (أما لوحته الصغيرة – الأم والطفل – قد تكون مرسومة أيام الحرب المُفجعة....وهي ما دلت عليه صبغة الألوان التعبيرية التي تعمدها أن تكون طينية ميتة وكأنها جزء من ماضي نضالي غادرنا مع الأيام.) وهنا نقف على الموقف – موقف مفكر السلطة البائدة بكل رسوخها وتكلس آيديولوجيتها المعادية للشيوعية وللفكر اليساري. فهو يرصد عملاً فنياً ويرى فيه نتاج الحرب المُفجعة، ولم يحدد أية حرب، لابأس لو فهم إحسان أنها حرب الإنسان ضد قوى الشر،مصير الإنسان الوجودي... لكن كيف إستنتج أن الألوان الطينية إنما هي جزء من ماضي نضالي غادرنا مع الأيام؟

 يذكرنا هذا التأويل المُغرض بتفسير إحسان لألوان فاروق حسن عن الأسواق والخيول ونَسبَ علاقتها (برمال سيناء).

في تأويل الفن بروح الدعاية يلجأ إلى المزايدة حين يطالب الفنانين بعدم نسيان التضحيات. المقصود تضحيات الشيوعيين في أنظمة الحكم السابقة.(وحتى أصحاب الماضي النضالي لم يقدموا غير ملامح فردية لم تُعبر أبداً عن الإلتزام ولا عن الشعور بثقل الأمس). ولكنه لم ينتبه للتناقض في أقواله حين يقول أن المشاركين في المعرض وقعوا تحت هيمنة الماضي – الآيديولوجي – بعد ذلك يتهمهم بالقطيعة مع (فالفكر المهيمن حاول و بكل الأساليب العمل على قطع الماضي بحجة عدم التذكير بالهموم والمآسي أو تقديمها في الآداب والفنون إلاّ بحدود ضيقة فكانت المعادلة ناقصة ليس من تجديد لها..)-184 – ونسأله:

- أين وجد الفكر المهيمن؟

- وكيف إستنتج القطيعة مع الماضي – وبكل الأساليب-؟

- وكيف فسَّر القطيعة مع الماضي بأنها – عدم تذكير بالهموم والمآسي -؟

- ومن يدعو إلى عدم تقديمها إلاّ بحدود ضيقة في الآداب والفنون؟

ثم يتوصل إلى إستنتاج بليد حين يقول(فكانت المعادلة ناقصة ليس من تجديد لها) وهنا يتضح أن إحسان وفيق لم يقرأ ما يُكتب ويُنشر من قصص وروايات ودواوين شعر وما رُسم ويُرسم حتى قبل سقوط النظام البعثي ولغاية هذا الوقت، أقول لم يقرأ طبيعة الثقافة ولا روح العصر وأشبهه بذلك الكاتب البليد الذي عارض طه حسين يوماً فرد عليه بمقال عنوانه " يوناني لايقرأ ".

ثم نقرأ الضد تماماً فالذين قطعوا الصلة مع الماضي يتهمهم بالإنشداد إلى الماضي. نراه يتعثر في عدم إدراك العلاقة بين موضوع مستمد من أثر الماضي بالرؤية الجديدة لذلك الأثر..(إذ رغم السمات البديعة عند الرواد إلاّ أن التكرار في العروض والإعتماد على الماضي قد خلق ثغرةً في الرؤيا فأدى إلى بعثرة التشكيل وتوقف الشكل..) ص-186-

وجد اليوناني سمات بديعة عند الرواد...

لم يذكرها ولم يدركها...

ووجد أن التكرار في العروض والإعتماد على الماضي خلق ثغرةً في الرؤيا. وأدى إلى بعثرة التشكيل وتوقف الشكل.

كيف حصل هذا التفسير الساذج وما المقصود منه؟ ومثل ذلك قوله (إن منهجهم العلمي الواضح لم يُغير من مضامينه ومنطلقاته فالألوان ذات التشكيل الموسيقي والتعبير جعلهم محددين في إطار الخلفية النفسية فقط)...

أولاً إعتراف بمنهج علمي واضح له مضامين ومنطلقات .

ثانيا مالخظأ في علاقة الألوان ذات التشكيل الموسيقي بالخلفية النفسية فقط؟.

.......

التجني الأكبر كان في تغطيته لمعرض الحزب الثاني – الذكرى 73 لميلاد الحزب الشيوعي العراقي – ويتمثل في إعادة تكرار التناقضات وخلط المفاهيم – النقدية- الجاهزة، مرةً بالبكاء على الماضي ومرةً على نسيان – المأساة الحالية – وتشتيت الرؤية بالأشكال المجردة فقط.

يرى إحسان أن مأساتنا تكمن بالإحتلال، - كلمة حق أُريد بها باطل – وإذا قرأنا تداعيات الإحتلال في كتابه ومنها (الإرهاب و الشعائر الحارقة و...) نفهم أن مفهوم الإحتلال يشمل الوضع الحالى بصيغته السياسية في الحكم والإشارة إلى (طائفة) بعينها وبالتالي المطلوب مقاومتها من قبل الجميع ومنهم الحزب الشيوعي...المعلوم أن الإحتلال أسقط سلطة جائرة ومعها منظومة كاملة من الأدعياء ووعاظ السلاطين.. وحصل تغيير حقيقي أبرز مافية حرية التعبير. ومن الدلائل أن إحسان وفيق يستطيع أن يكتب وينشر،لأول مرة في حياته، بكل حرية وينتقد القوى الحاضرة والحاكمة في العملية السياسية وبلا مساءلة ولا إعتراض. إن تكرار الكلام عن الإحتلال أصبح دارجاً لغرض التسويق وإدانة التغيير والديمقراطية والترحم المبطن على النظام القديم.

في ص -189-  وتحت عنوان (دعوة لفن ملتزم) وبعد سطور تعريفية بالمعرض يُذكر القاريء بعنوان مقاله عن المعرض السابق (البحث عن الفن في المنطقة الخضراء)...نقرأ(وجاء المعرض – الذكرى 73 – خيبة أمل كبيرة ومخاضة ضبابية قاتمة لأن غرابة العروض وإبتعادها عن الشعار التوحيدي المرفوع وشمولها على جوانب تجريدية وزخرفية ورموز غطت المعرض بضبابية مُنفرة بدت وإنها تخطت العثرات الداخلية والمذابح والتعصب المذهبي وطقوس الإرهاب والمفخخات وأخيراً جزمات الإحتلال...) وما زلنا نعتقد أن رؤية إحسان وفيق للفن قديمة وتبسيطية تتلخص في الوظيفة الدعائية ذات التعبير المباشر وهي لغة التبشير والسلطة والتي ترى العالم من زاوية أُحادية مباشرة وتعليمية، وحتى هذه النظرة تخطت التعبير الوظيفي الدعائي في زمن التطورات التكنولوجية في المعلومات والمعرفة، وتطعمت وتداخلت مع التصورات والمرئيات الجديدة والأمثلة كثيرة على هذا التطعيم والتداخل و كما حصل في تجارب الفنانين العراقيين أمثال ضياء العزاوي الذي أدخل العناصر التأريخية في التكوينات التجريدية ومحمد مهر الدين ومضامين أعماله التجريدية وأبعادها السياسية ومثله فيصل لعيبي وكاظم حيدر وشاكر حسن آل سعيد فإتجاهات هؤلاء تنتمي إلى عصرنا، عصر الحداثة بموضوعاتها وتجريداتها.

كيف أصبحت التجريدات والأشكال الزخرفية والجماليات (أشكالاً منفرة وضبابية)؟ لم يفهم منها شيئاً سوى الإبتعاد عن مضمون محدد يريد فرضه على الجميع ولم يُدرك أن في التجريد والسريالية وما بعد الحداثة مضامين ورموز ولغة باطنية إحتجاجية. فقد إختار الفنانون لغة الجمال عبر الألوان والخطوط والكتل والمواد، ولم نجد،في معرض الحزب، عملاً طائفياً ولا نحتا ورسماً يزكيان الإرهاب والإرهابيين ولم نعثر على فرضية إلزامية بنهج سياسي، على العكس من ذلك يعترف إحسان بعدم إنشداد الفنانين إلى الماضي (السياسي) لأن عروضهم كانت تعبيراً عن الحرية الفردية غير المقيدة، الحرية التي لم يتعرف عليها ولم يفهمها بعد ولهذا يرى (الشكل العمومي للمعرض كان خطوطاً تزيينية إمتلأت ب (figures) خبطت مع بعضها لتأخذ أشكالاً هندسية ونسب متضادة فليست هناك فلسفة توحيدية أو موضوعات محددة..) ص 190.

وفي السطور التالية من الصفحة نفسها يكشف تناقضه (كشف لنا المعرض عن شكل واحد هو المهيمن الرئيس الذي ضم التجريد الميتافيزيقي والفراغية الهندسية التي حورت الحقائق الدالّة وإستعاضت عنها بالمتخيلات اللونية والشكلية..) ولو إتفقنا مع هذه التحليلات الضبابية نتوصل إلى سمات متقاربة في المعرض (فلسفة داخلية...وعي بالحرية الفكرية.) أساسها التجريدات والمتخيلات اللونية والشكلية وقد أخطأ في تعبيره (فلسفة توحيدية) مثل خطأوه في المزج بين التشخيصات (figures) وبين الأشكال الهندسية وما يسميها (نسب متضادة).

نقرأ لكتّاب، في هذا الظرف،مَن يمتدح النظام السابق أو لم يتناسى سيئآت ذلك النظام خصوصاً إذا شمله النظام بشيء منها.. الأمر الذي حصل مع إحسان ولكن منهجه الفكري القديم – ثقافته البعثية – لحقبة الحرب الباردة تجعله لايرى الفكر إلاّ عبر منظور تلك الثقافة ورواسبها الكلاسيكية فلايحتاج المتابع لكتاباته للتدقيق وإضاعة الوقت لكي يقرأ العينات الشبيهة بالعسل في سطوحها دون أن يتوقف عند نقاط السم في السطر الواحد والجملة الواحدة والكلمة ووضعها من خلال موجة سايكولوجية تدميرية تُعاني من رواسب الخوف من الشيوعية، الهاجس التأريخي. فإذا قرأنا إشارةً تذم النظام السابق – على إستحياء – نجده في نهايتها يمتدح ذلك النظام ضمناً ومن خلال المقاربة مع الظواهر السلبية والإرهاب والإحتلال وبصيغة التعميم وبعيداً عن التحليل الموضوعي والأسباب والظروف الجديدة.

يقول (فإذا كان الفنان فترة الإستبداد يرى المشاركة في العمل الجماعي نوعاً من أعمال السخرة فماذا له أن يعمل في زمن "صيد الرؤوس البشرية والإحتلال" وهو في غيبوبة القرون؟ متى ستبدأ الرحلة؟..) – التشديد في النص -. نلاحظ أن التهمة تؤشر على الفنان الذي يرى العمل الجماعي سخرةً وليس نظام الإستبداد. ويؤكد أن الفنان يعيش غيبوبة القرون في زمن "صيد الرؤوس البشرية والإحتلال" ولو قرأ الواقع بموضوعية وأمانة لأكتشف أن الإرهاب والإحتلال من نتائج سياسات زمن الإستبداد وما زالت مخلفات الإستبداد – الشبكات الإرهابية – تعمل في المواضع والفرص التي تناسبها. بعد نصف سطر يتراجع ليقول إن مهمة الفن ليست (الوعظ)...(إنما المبادرة والعمل وتأجيل الرمزيات ليتمكنوا من رؤيا وطن ممزق وعدو جاء ليبقى؟) وهنا يستوقفنا هاجس الخوف من (عدو جاء ليبقى) في لغة الظاهر والباطن ففي الإشارات المموهة عن الإحتلال ظاهراً تُخفي عدواً آخر مقصوداً بها، الطرف الذي كان ضحيةً لزمن الإستبداد، وهو الشعب العراقي الذي إستعاد حريته، والشرائح الأوسع منه والأكثر مظلوميةً، وهو يكافح الآن لأجل البقاء فيما غادرنا الإحتلال وإنسحب.

إن الإلتزام الذي يطالب به إحسان (رفع شعار المقاومة) بذريعة مقاومة المحتل، أي شعارات القاعدة وداعش والبعثيين. وتوجيه التُهم للفنانين بالإستسلام لكنه يكتشف وجود أعمال مميزة وذات مضامين (هادفة) و(لكنها بعيدة عن الهدف) ! تناقض مكشوف وتخبط (لقد كانت هناك ثمان لوحات إلاّ أنها عبّرت عن تصورات قد تكون مقبولةً عند المثقفين لو حاولوا فهمها كسفسطة بنيوية أو تجزئتها إلى رموز ومعادلات؟).

قبل قليل قرأنا أن الفنانين تركوا الواقع وإتجهوا الى الرموز والمعادلات والتجريد، والآن يرى أن اللوحات الثمان – الهادفة – مقبولة إذا تمت تجزئتها إلى رموز ومعادلات أو حاول المثقفون – من نمط إحسان – فهمها كسفسطة بنيوية.وأخيراً نتساءل لماذا وضع علامة إستفهام(؟) في آخر النص، فالنص لم يتضمن جملةً إستفهامية.

إكتشف أخيراً أن الفنانين قدموا ما يرونه مفهوماً لكنه لايفهم ولايريد أن يفهم ولا يرى إلاّ ما يريد أن يره وأن يُري الآخرين مايراه هو فقط كقول الفرعون لا أُريكم إلاّ ما أرى..(إن ما يؤشر الدورة الذاتية للفنانين المشاركين وجود خزين ذكي وأفكار عدة مع وجود فكر مُكتظ لذا فإن أول علامة نتحسسها هي كثرة المواضيع – figure- تداخلاً غير مشفوع بقواعد عقلية قادرة على الشد والتأثير وبما يترك اللوحة تعاني إختلاطات غير متناسبة) ص 194. نلاحظ إعتراف بمنجز من جانب وبحث عن ذرائع لتحجيم ذلك المنجز:

- وجود خزين ذكي وأفكار عدة.

– وجود فكر مكتظ وكثرة المواضيع.

أما الخلط ففي تعابير سفسطائية مثل (تداخلاً غير مشفوع بقواعد عقلية قادرة على الشد والتأثير....)

لقد إكتشفنا الإختلاطات غير المتناسبة في عقل إحسان وفيق فهو لايعرف الفرق بين ال- figure- الشخص وبين الموضوع subject، مثلما لايُفرق بين اللون الحار واللون البارد وبين السريالية والتكعيبية.

.....

إنه موقف جاهز للنقد بسبب إرتباط المعرض بمناسبة إحتفالية الحزب الشيوعي أولاً وعدد المشاركين والأعمال المميزة لبعضهم ثانياً.في الواقع أن الجهة المنظمة للمعرض وللمعرض التالي في الذكرى 73 أخذت بعين الإعتبار المباديء الأساسية لتقييم الأعمال الفنية التالية:

- حرية الفنان المشارك في إختيار موضوع وإسلوب وتقنية عمله الفني.

– إلغاء فرضية أن الفن الواقعي هو الفن التسجيلي فقط وإهمال أو رفض منجزات الحداثة وما بعد الحداثة.

– أن الدعوة موجهة لجميع الفنانين للمشاركة بغض النظر عن أفكارهم ومواقفهم من الماركسية ومن الحزب الشيوعي، أو عن المناسبة ولم يكن معرض ملصقات. 

وهكذا فإن العروض غير المقيدة، هنا،تكون قد عكست الرؤية الصحيحة من الفن ومن حرية التعبير، ولو حصل العكس لنشطت الأقلام (اللبرالية) في توجيه التهم للشيوعيين بالستالينية والجمود العقائدي.

غير أن إحسان ذهب إلى المعرض معبأً بفرضيات جاهزة لتوظيفها ضد الفنانين ومن هذه الفرضيات المطالبة بفن (إحتجاجي) ضد الوضع الجديد، حتى أنه إستنسخ أفكاراً وأمثلة، لمجرد المزايدة، تعود لما قبل الثورة الفرنسية كالإستشهاد بلوحة ديلاكروا(الحرية تقود الشعب) أو مقولة لينين عن الفن التحريضي غافلاً التطورات والتحولات التي عصفت بالفنون وبأساليب التفكير ومناهج وطرق التعبير. فلوحة ديلاكروا كانت نتاجاً لمرحلة الرومانسية التي سبقت الشعور الشعبي العام الذي سبق الثورة الفرنسية وينطبق ذلك على تفسير لينين لموقف الفن من الثورة وما بعدها وأن يتحدد التعبير بالواقعية فقط لأجل إيصال الأفكار – نعم الأفكار- لأوسع الطبقات الإجتماعية. ولانسطيع التقليل من أهمية المنجزات الواقعية والثورية التي أنتجها هذا الإتجاه لكن ينبغي عدم إغفال الشروط التأريخية المنتجة، فثمة شروط أُخرى مغايرة أنتجت فناً ثورياً بأساليب جديدة كما هو الحال في أعمال بيكاسو، والسرياليين والتجريديين والدادائيين وقد عدّت هذه الحركات من قبيل الإحتجاج والتمرد على الرأسمالية والحروب الإستعمارية. ولاينبغي الخلط في المفاهيم ولا توظيف المقولات لأغراض مضادة،كما يجري في كتابات البعثيين بالإستناد على مقولات ماركسية حتى في حملات الهجوم على الشيوعية والشيوعيين. 

 

شاكرحمد 

فنان تشكيلي وكاتب

 

حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الإجتماع الديني والسياسي (5)

ali almomenتكامل روايات التأسيس: إن التعدد في الروايات التي يذكرها مؤسسو الحزب ورواده وتشكيلته القيادية الأولى حول زمان ومكان تأسيس الحزب؛ يعود الى أن الاجتماعات التأسيسية استمرت من العام 1957 الى العام 1958، بل يعتقد بعضهم أن الاجتماعات التمهيدية والتأسيسية استمرت من العام 1956 وحتى العام 1959، إلّا أن التاريخ الدقيق ـ وفقاً للمعطيات التي حصلت عليها من خلال مقابلاتي مع بعض مؤسسي الحزب وقادته وأعضائه الأوائل؛ لاسيما السيد حسن شبر والسيد محمد مهدي الحكيم وكثيرون غيرهما ـ هو أن الحزب تأسس في أواخر العام 1957، وأن اجتماعي النجف الأشرف وكربلاء هما اجتماعان تأسيسيان، وأن من حضر أحدهما يعد من المؤسسين.

 

المؤسسون العشرة لحزب الدعوة الإسلامية

ونخلص الى النتيجة التالية؛ بأن المؤسسين العشرة لحزب الدعوة الإسلامية؛ على وفق معطيات وجودهم في مرحلة التأسيس العام 1957، وحضورهم أحد اجتماعي النجف الأشرف وكربلاء؛ هم:

1- السيد محمد باقر الصدر: عالم دين، 22 عاماً، مواليد الكاظمية العام 1935، كان يدير معظم الاجتماعات التحضيريـــة والاجتماعين التأسيسيين، ويعد منظر حزب الدعوة والأبرز بين المؤسسين؛ باعتباره مجتهداً ومفكراً، ومحل ثقة علمية وفكرية وشخصية لدى المرجعيات الدينية النجفية والحوزة العلمية والوسط الثقافي الديني، وهو الذي كتب أسس حزب الدعوة وأطلق عليه اسم “الدعوة الإسلامية”.

2- السيد محمد مهدي الحكيم: عالم دين، 22 عاماً، مواليد النجف الأشرف عام 1935، وهو أول من فاتح الآخرين بفكرة الحزب، وتكمن أهميته المعنوية والاجتماعية في كونه نجل المرجع الأعلى للشيعة الإمام السيد محسن الحكيم؛ فضلاً عن علاقاته الدينية والاجتماعية والسياسية الواسعة، وكان السيد محمد باقر الصدر يميزه بدروس فقهية وأصولية خاصة، وبذلك فهو يمثل حلقة تأثير مهمة بين أبيه الإمام الحكيم والسيد محمد باقر الصدر.

3- السيد مرتضى العسكري: عالم دين، 43 عاماً، مواليد سامراء عام 1912، وهو أول من أدى القسم؛ باعتباره أكبر حضور اجتماع كربلاء سناً، وهو مؤلف وباحث معروف، وصاحب حضور مهم في الوسط العلمي والاجتماعي في بغداد حيث كان يقيم.

4- عبد الصاحب دخيل: ناشط اسلامي وتاجر، 27 عاماً، مواليد النجف الاشرف العام 1930، يمتلك وعياً حركياً مميزاً وخبرة في العمل التنظيمي الإسلامي؛ لأنه أسس مع آخرين “الحزب الجعفري” قبل عدة سنوات.

5- محمد صادق القاموسي: ناشط إسلامي وإداري وشاعر، 35 عاما، ولد في النجف الأشرف العام 1922، تكمن أهميته في قربه من الفقيه المصلح الشيخ محمد رضا المظفر وعمله معه، فضلاً عن وعيه السياسي وخبرته في العمل التنظيمي الإسلامي؛ لاشتراكه في تأسيس “الحزب الجعفري” سابقا.

6- محمد صالح الأديب: ناشط اسلامي ومهندس زراعي، 25 عاماً، مواليد كربلاء العام 1932، كانت له خبرة تنظيمية سابقة في “منظمة الشباب المسلم”.

7- السيد محمد باقر الحكيم: عالم دين، 18 عاماً، مواليد النجف الأشرف العام 1939، وهو أصغر المؤسسين سناً، وهو نجل المرجع الأعلى الحكيم والتلميذ المقرب للسيد محمد باقر الصدر، وكان الانتماء الأسري للإمام الحكيم والعلاقة الخاصة بالسيد الصدر تميز ان السيد محمد مهدي والسيد محمد باقر عن باقي المؤسسين.

8- السيد طالب الرفاعي: عالم دين، 29 عاما، مواليد الناصرية العام 1928، كان متميزاً في وعيه الحركي؛ بسبب علاقاته بالأحزاب الإسلامية السابقة في تأسيسها؛ كجماعة الاخوان المسلمين وحزب التحرير.

9- السيد حسن شبر: محام وناشط إسلامي، 28 عاما، مواليد النجف الأشرف العام 1927، كان يتميز باختصاصه الأكاديمي في القانون، وخبرته التنظيمية السابقة في الحزب الجعفري.

10- الدكتور جابر العطا: طبيب وناشط اسلامي، 29 عاما، مواليد النجف الأشرف العام 1928.

مع التأكيد على أن السبعة الأوائل حضروا اجتماع أداء القسم في كربلاء، والثلاثة الأخيرين ( الرفاعي وشبر والعطا)؛ حضروا اجتماعات النجف الأشرف التأسيسية التي سبقت اجتماع كربلاء. وكانت أسباب عدم حضورهم اجتماع كربلاء تعود الى السفر والعمل الطارئ.

 

الحزب الجعفري

ولابد من الإشارة هنا الى الدور المركزي الذي لعبته ما كانت تعرف بـ”مجموعة الحزب الجعفري”: عبد الصاحب دخيل ومحمد صادق القاموسي والسيد حسن شبر في تأسيس حزب الدعوة؛ فهذه المجموعة كانت منسجمة في حركتها وأفكارها، وكانت تحمل فكرة تأسيس حزب اسلامي منذ أوائل الخمسينات، وكانت لديها تجربة الحزب الجعفري الذي تأسس العام 1952، ثم تم حله بعد سنة تقريبا؛ً نتيجة الضغوطات داخل منظومة الاجتماع الديني النجفي بكل تعقيداتها، وظلت فكرة الحزب تختمر في عقل المجموعة؛ حتى تمت المفاتحة بين السيد مهدي الحكيم وعبد الصاحب دخيل، وكان من الطبيعي أن يتداول عبد الصاحب دخيل الفكرة مع محمد صادق القاموسي وحسن شبر خلال العامي 1956 و 1957، وعندها كان الشغل الشاغل لهذا الثلاثي هو الدفع باتجاه تفعيل فكرة تأسيس الحزب.

وهناك من يطرح إشكالاً حول اشتراك المحامي حسن شبر والدكتور جابر العطا في تأسيس “الدعوة”، ولكن القرائن تؤكد أن حسن شبر وجابر العطا كانا في أجواء التحضير واجتماعاته منذ عام 1956، وظلا متواصلين معه في فترة اجتماع أداء القسم في كربلاء في تشرين الأول 1957؛ لكنهما لم يحضراه، كما لم يحضره السيد طالب الرفاعي؛ لانشغالهم في سفر ضروري وعمل طارئ،و هو ما أكده لي السيد حسن شبر أكثر من مرة.

 

أجواء التأسيس

وهناك شخصيات كانت موجودة أيضا في أجواء التأسيس منذ البدايات الأولى؛ ولكنها كانت تبتعد مرة وتقترب أخرى، أو أنها كانت تشارك بشكل مساعد وليس مركزياً، وبالتالي لم تحضر اجتماع النجف التأسيسي الأول الذي سبق اجتماع كربلاء، كما لم تحضر اجتماع كربلاء؛ فلم تعد من المؤسسين؛ كالسيد محمد بحر العلوم والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين والشيخ عبد الهادي الفضلي وغيرهم، ولكن بعد التأسيس أصبح لها وجود مؤثر في “الدعوة”، وهناك من يرى أن مرحلة التأسيس استمرت حتى العام 1959؛ فيضع بعض الدعاة الأوائل الذين التحقوا العام 1959 ضمن المؤسسين؛ وأبرزهم المهندس محمد هادي السبيتي؛ أي أن السبيتي انتمى الى الحزب بعد حوالي سنتين من تأسيسه.

 

رؤية الرفاعي

ويعتقد السيد طالب الرفاعي ـ مثلاً ـ بأن كل اجتماعات حزب الدعوة التحضيرية والتأسيسية كانت في النجف حصراً، ولا وجود لاجتماع كربلاء الذي تم فيه أداء القسم، وأن الحزب تأسس بعد انقلاب 14 تموز 1958، وهو ما ذكره في كتابه ((أمالي السيد طالب الرفاعي))، والسبب يعود الى أن السيد طالب الرفاعي لم يحضر اجتماع اداء القسم في كربلاء، وأنه أدى القسم في النجف الأشرف بحضور السيد محمد باقر الصدر بعد اجتماع كربلاء بسنة تقريباً؛ أي بعد انقلاب 14 تموز 1958؛ ولذلك يقرن تاريخ تأسيس حزب الدعوة بأدائه القسم شخصياً.

 

اجتماع كربلاء

أما اجتماع كربلاء فقد وثّقته توثيقاً مباشراً نقلاً عن ثلاثة ممن حضروه: السيد محمد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الحكيم وصالح الأديب، كما وثقه السيد حسن شبر عن جميع السبعة الذين حضروه توثيقاً تفصيلياً، كما دوّنه في بحوثه عن حزب الدعوة، وهو ما تقره أدبيات حزب الدعوة الرسمية بمزيد التفصيل، والمفارقة أن السيد طالب الرفاعي أشاد برواياتي في كتاب “سنوات الجمر” خلال لقائي به، وأبدى رضاه عن إنصافي لدوره؛ لأني أول من ذكر دوره في التأسيس والإنطلاق.

ثم قرأت بدقه ما ذكره السيد الرفاعي في أماليه، ولا بد من أن يكون كلامه دراية وليست رواية؛ لأن الرفاعي كان فاعلاً أساسياً في مشهد التأسيس منذ اللحظة الأولى لنشوء الفكرة خلال العامي 1956 و1957؛ فوجدت تعارضاً في بعض تحليلاته عن مرحلة التأسيس مع ما سمعته ودونته على لسان السيد محمد مهدي الحكيم والسيد محمد بحر العلوم والسيد محمد باقر الحكيم والسيد حسن شبر وآخرين، وقد ذكر لي السيد محمد بحر العلوم والسيد حسن شبرـ بشيء من الاستغراب ـ ما يتعارض مع ما ذكره السيد الرفاعي في رواية التأسيس؛ بل عبّر السيد محمد بحر العلوم في لقائي به العام 2013 عن انزعاجه من مصادرة السيد طالب الرفاعي لدوره وأدوار الآخرين وإلغائه بعض الوقائع.

 

رواية الكوراني

ومن جانبه؛ يؤكد الشيخ علي الكوراني وآخرون بأن مرحلة تأسيس حزب الدعوة وانطلاقه هي مرحلة “عبد الصاحب دخيل” بامتياز، كما يؤكد المؤسس السيد حسن شبر بأن محمد هادي السبيتي التحق بهم بعد سنتين من التأسيس؛ وتحديداً في العام 1959، وتعارض روايتا شبر والكوراني مع رواية عز الدين سليم الذي يعتقد بأن محمد هادي السبيتي كان في أجواء التأسيس، وإن فضل الانطلاق والتبلور يعود إليه، وأن “دخيل” كان الرجل الثاني.

- يتبع –

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

تعليقات على ما ورد في كتاب جاسم الحلوائي (موضوعات سياسية وفكرية معاصرة)

عند مطالعة محتويات كتاب الحلوائي أعلاه ومن سياق ما قام بعرضه من الموضوعات المطروقة فيه يلاحظ ان الكثير من فقراته غير مترابطة وغير منسجمة مع مفهوم الموضوع واحيانا يكون متناقضا في مسألة الطرح ــ فنلاحظ، كمثال على مبحث واحد وهو الأول: (مؤتمر الديمقراطية والتجديد 1993) ما يلي:

ــ  ص11: عقد الحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه 1934 ... ثمانية مؤتمرات هذا فضلا عن العديد من الكونفرنسات، وجميعها لا تخلوا من جديد بحكم حركة الواقع المتغير المتجدد دوما وباستمرار  .

ــ ص13: كان الحزب الشيوعي العراقي يعيش، شأنه شأن جميع الاحزاب الشيوعية الأخرى، أزمة فكرية وتنظيمية منذ أمد بعيد. وكان الحزب بأمس الحاجة الى التجديد والديمقراطية، ولم يتمكن المؤتمر الرابع (تشرين الثاني 1985) من القيام بتلك المهمة ... .

هل لأي انسان ان يدرك من هذا الكلام مدى التناقض الوارد فيه ــ كيف عقدت ثمانية مؤتمرات والعديد من الكونفرنسات ــ وجميعها لا تخلوا من جديد بحكم حركة الواقع المتغير والمتجدد دوما وباستمرار ــ أذن من أين جاءت الأزمة الفكرية والتنظيمية منذ أمد بعيد ... يترك التقدير للقارئ الكريم .

ــ يلاحظ ان الحلوائي وبشكل غير منطقي وبإلحاح غير مبرر، يربط الديمقراطية والتجديد بالبريسترويكا، فان أي حزب شيوعي له استقلاليته ومنهجه كيف يكون تابعا أو ملتزما كما يوحي الحلوائي عند طرحه مسألة البريسترويكا في الاتحاد السوفيتي السابق، وأدناه نماذج من ايحاءات الحلوائي:

أ ـ ص12: ... لقد تأخرت قيادة الحزب الشيوعي العراقي كثيرا في تحليلها للبريسترويكا ولم ترصد قيادة الحزب ما كان يجري في الاتحاد السوفيتي والبلدان الاشتراكية الأخرى كي تراجع أوضاع الحزب الفكرية والسياسية والتنظيمية ومجمل نشاطه العام، الا بعد أن أخذت الأنظمة الاشتراكية بالانهيار ب ـ ص13: ... ولم يتمكن المؤتمر الرابع (تشرين الثاني 1985) من القيام بتلك المهمة في وقت لم تبلغ البريسترويكا أسماعه أو دقت بابه بقوة بعد، فالمؤشرات الأولى للبريسترويكا طرحت في اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي في عام 1984، أما في اجتماعها المنعقد في نيسان 1985 فقد تصدت الى مراجعة المسيرة الماضية لبناء ((الاشتراكية)) بروح انتقادية أكثر جرأة وصراحة .

جـ ـ ص15: ... فقد كان هناك قصور ذاتي لا يمكن التغاضي عنه. فلقد تخلفت قيادة الحزب عن استيعاب مغزى البريستوريكا، ففي اجتماع اللجنة المركزية المنعقد في عام 1988، أي بعد ثلاث سنوات من الشروع بها، جرى التطرق الى البريسترويكا بشكل عرضي .

هذه الفقرات (أ،ب،جـ) الواردة في سياق موضوع الديمقراطية والتجديد والمؤشرة ارقام صفحاتها ازاءها، غير مطابق مع المعنى المستهدف في وثيقة المكتب السياسي للحزب في ص16 من كتاب الحلوائي والنص هو الآتي: (ان الواقع الذي آلت اليه الأوضاع في بلدان أوربا الشرقية (الاشتراكية) والأشواط التي قطعتها (البريسترويكا) لإعادة البناء في الاتحاد السوفيتي على مختلف الصعد والميادين، جعلت من الضروري تجاوز العموميات، والانتقال الى التحديات الملموسة لمفاهيم التجديد خصوصا فيما يتعلق بتفاعل الحزب مع جوهرها واستنتاجاتها الجديدة، والأخذ بنظر الاعتبار تأثيراتها المباشرة على الوضع في العراق ومحيطه العربي والاقليمي) ــ هل يريد الحلوائي من كلامه بقوله ص12: (لقد تأخرت قيادة الحزب الشيوعي العراقي كثيرا في تحليلها للبريسترويكا) أن يطبقها فورا من دون دراستها وتدقيقها وما مدى أثرها على واقع العراق .

ــ ثم يقول الحلوائي: لم يتمكن المؤتمر الرابع (تشرين الثاني 1985) من القيام بتلك المهمة في وقت لم تبلغ البريسترويكا أسماعه أو دقت بابه بقوة بعد. أليس هذا الكلام من أوله الى آخره تناقض ؟؟!!

ــ ان وثيقة الحزب واضحة لان مفردة البريسترويكا وضعت بين مزدوجتين لان الحزب يعي انها تخص اعادة البناء في الاتحاد السوفيتي ــ  وكما تشير الوثيقة  ــ على مختلف الصعد والميادين .

ــ ان البريسترويكا تخص بلد (اشتراكي) يديره حزب شيوعي هو الحزب السوفيتي، أما الحزب الشيوعي العراقي فهو خارج السلطة .

وتقرير الحزب واضح حيث الاشارة (... والأخذ بنظر الاعتبار تأثيرها المباشر على الوضع في العراق ومحيطه العربي والاقليمي).

ــ ما الذي يريده الحلوائي بالجملة التي يقول فيها: (... كي تراجع أوضاع الحزب الفكرية والسياسية والتنظيمية ومجمل نشاطه العام) هل يريد تغيير كل ثوابت الحزب؟ ــ هذه الملاحظات والتعليقات هي جزء صغير جدا، وأوردناها كمثال لما ورد في كتاب الحلوائي .

هل قرأ بعض المعنيين في قيادة الحزب كل ما جاء فيها من تناقضات تسيء لسمعة الحزب ... رغم كل خلافاتنا كملتزمين بخط اليسار .

 

خالد حسين سلطان

بغداد / 25 نيسان 2016

 

الفلسفة اليونانية وأنماط الكتابة

jamil hamdaouiلقد استغرقت الفلسفة اليونانية فترة زمنية تقدر بأكثر من ألف ومائة عام. ومن ثم، فهي تنقسم - عموما- إلى ثلاث مراحل كبرى، مرحلة ماقبل سقراط التي تمتد من الفيلسوف طاليس (القرن السادس ق.م) إلى مرحلة ظهور سقراط (القرن الرابع ق.م). وتستغرق هذه المرحلة مائتي سنة. وبعدها، المرحلة السقراطية التي تمتد من عهد سقراط حتى ظهور المدرسة لإسكندرية (القرن الثاني الميلادي). وقد شهدت هذه المرحلة مجموعة من الفلسفات الكبرى (سقراط، وأفلاطون، وأرسطو)، وظهور المدرستين: الرواقية والأبيقورية. ودامت هذه المرحلة خمسة قرون . ثم، المرحلة الثالثة التي تتمثل في ظهور المدرسة الإسكندرية التي أسسها أمونيوس في أواخر القرن الثاني الميلادي حتى نهايتها في القرن السادس الميلادي. وقد دامت هذه المرحلة حوالي أربعة قرون ونيف. وقد تميزت هذه المرحلة بالانتقائية والتوفيقية بين آراء أفلاطون وأرسطو، كما يتضح ذلك جليا في أعمال أفلوطين [1].

ومن جهة أخرى، يمكن تصنيف الفلسفة اليونانية حسب المدارس والمراكز.  فهناك المدرسة الأيونية (أو المدرسة الملطية)، والمدرسة الإيطالية، والمدرسة الإيلية، والمدرسة الفيتاغورية، والمدرسة السوفسطائية، والمدرسة الطبيعية، والمدرسة الذرية، والمدرسة الرواقية، والمدرسة الأبيقورية، ومدرسة الإسكندرية، ومدرسة الفلاسفة الرواد (سقراط، وأفلاطون، وأرسطو...)...

وقد صنفت الفلسفة اليونانية تصنيفات عدة، إما حسب المراحل والفترات والعهود التاريخية، وإما حسب الجغرافيا (الملطيون، والإيليون، والإيطاليون، وفلاسفة الإسكندرية...)، وإما حسب المدارس (الرواقية، والأبيقورية...)، وإما حسب المذاهب (المذهب الذري، والمذهب الفيتاغوري..)، وإما حسب الأعلام الفلسفية (سقراط، وأفلاطون، وأرسطو...)، وإما حسب الموضوعات والاهتمامات الفكرية، الحديث عن الفلسفة الطبيعية أو الكوسمولوجية عند طاليس، وانكسمانس، وهرقليطس، وأمبادوقليس، وغيرهم؛ والفلسفة الأخلاقية عند سقراط والفيتاغورية والأبيقورية والرواقية؛ والفلسفة المدنية أو السياسية عند أفلاطون وأرسطو...

وثمة عدة مقاربات منهجية لدراسة الفلسفة اليونانية. فهناك المقاربة التاريخية مع أحمد أمين وزكي نجيب محمود في كتابهما ( قصة الفلسفة اليونانية)[2]، ويوسف كرم في كتابه (تاريخ الفلسفة اليونانية)[3]، ونجيب بلدي في (دروس في تاريخ الفلسفة اليونانية)[4]، ومصطفى النشار في كتابه (تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي)[5]، وأحمد فؤاد الأهواني في كتابه (فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط)[6]...

وهناك أيضا المقاربة الموضوعية أو الموضوعاتية مع مصطفى النشار في كتابيه:( فكرة الألوهية عند أفلاطون وأثرها في الفلسفة الإسلامية والغربية)[7] و(مدخل إلى الفلسفة النظرية والتطبيقية)[8]، ومحمود مراد في كتابه (دراسات في الفلسفة اليونانية)[9]، وأميرة حلمي مطر في كتابها (الفلسفة السياسية من أفلاطون إلى ماركس)[10]...

 وهناك كذلك المقاربة البيوغرافية مع أحمد فؤاد الأهواني في كتابه (أفلاطون)[11]؛ والمقاربة السوسيولوجية مع الطيب بوعزة في كتابه (الفلسفة اليونانية ماقبل السقراطية)[12]؛ والمقاربة المنهجية مع الطاهر وعزيز في كتابه (المناهج الفلسفية)[13]؛ والمقاربة التكوينية التوثيقية مع مصطفى النشار في كتابه( المصادر الشرقية للفلسفة اليونانية)[14]؛

وما يهمنا في هذه الدراسة هو تمثل المقاربة الأسلوبية (Stylistique) في دراسة الفلسفة اليونانية، برصد خصائص كتابتها منهجا وتعبيرا وأسلوبا؛ إذ يمكن الحديث عن مجموعة من المراحل الأسلوبية، مثل: مرحلة الكتابة الشذرية، ومرحلة الكتابة الحوارية التوليدية، ومرحلة الكتابة النسقية.

إذاً، ما خصائص الفلسفة اليونانية على مستوى الكتابة والمنهجية؟ وما مميزات الكتابة الشذرية؟ وما خصائص الكتابة الحوارية التوليدية؟ وماسمات الكتابة النسقية ومقوماتها الفنية والجمالية والأسلوبية؟ تلكم بعض الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها في موضوعنا هذا.

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

الفلسفة اليونانية وأنماط الكتابة / د. جميل حمداوي

 

د. جميل حمداوي

................................

[1] الطيب بوعزة: الفلسفة اليونانية ماقبل السقراطية، مركز إنماء البحث والدراسات، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2013م، ص:20-21.

[2]  أحمد أمين وزكي نجيب محمود: قصة الفلسفة اليونانية، دار الكتب المصرية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1935م.

[3]  يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، مطبعة لجنة التأليف والنشر والنشر، القاهرة، مصر، الطبعة الثالثة 1953م.

[4]  نجيب بلدي: دروس في تاريخ الفلسفة، دار وبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1987م.

[5] مصطفى النشار: تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي، الجزء الأول والثاني، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1984م.

[6] أحمد فؤاد الأهواني: فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، مصر، طبعة 1954م.

[7] مصطفى النشار: فكرة الألوهية عند أفلاطون وأثرها في الفلسفة الإسلامية والغربية، الجزء الأول والثاني، دار قباء الحديثة، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 2007م.

[8] مصطفى النشار: مدخل إلى الفلسفة النظرية والتطبيقية، دار قباء الحديثة، القاهرة، مصر، طبعة 2010م.

[9] محمود مراد: دراسات في الفلسفة اليونانية، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، مصر، الطبعة الأولى سنة 2004م.

[10] أميرة حلمي مطر: الفلسفة السياسية من أفلاطون إلى ماركس، دار غريب، القاهرة، مصر، الطبعة السادسة، 1999م.

[11] أحمد فؤاد الأهواني: أفلاطون، سلسلة نوابغ الفكر الغربي، دار المعارف، القاهرة، بدون تاريخ للطبعة.

[12] الطيب بوعزة: الفلسفة اليونانية ماقبل السقراطية، المرجع مذكور سابقا.

[13] طاهر وعزيز: المناهج الفلسفية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1990م.

[14] مصطفى النشار: المصادر الشرقية للفلسفة اليونانية، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1997م.

العبور الى الضفة الاخرى كتاب جديد للاديب عبد الرزاق الغالبي

877-tazaqبعونه تعالى صدر الاصدار الجديد عن دار بيت الكتاب السومري للنشر والاعلان والتوزيع بعنوان: العبور الى الضفة الاخرى .. ادب عالمي مترجم .. اختيار 37 شاعرا وشاعرا من بلدان مختلفة وقد اشتهر هؤلاء الشعراء في العالم ولم يعرف عنهم العرب الا القليل فعبرت نحوهم لاتعرف عليهم واعرف قراءنا من مثقفين متتبعين لاثر الاحساس الشعري في تلك العوالم....

877-tazaqالمترجم:  عبد الرزاق عوده الغالبي

عدد القصائد: 39 القصيدة مرفقة بنبذة تعريفية لكل شاعر مع النص الاصلي عدد الشعراء المترجم لهم: 37 شاعرا وشاعرة عدد صفحات الكتاب: 132 صفحة باخرا جميل ساهم فيه دار النوارس للنشر والاعلان في الاسكندرية – بمصر العربية الشقيقة وراعيتها الاديبة هاله محمود احمد والاديبة الدكتورة عبير خالد يحيى تصميم الغلاف الاستاذة الفنانة شاهندة عبد الوهاب رقم الايداع : 638 / مسجل في دار الكتب والوثائق العراقية ببغداد برقم 638 لسنة 2016

 

 

عن ظهر قلب إصدار شعري جديد للشاعر محمد بنقدور الوهراني

878-mhamadبعد ديوانيه، الأول (لست الآن وحدي) الذي صدر سنة 2013، والثاني( يد فارغة ) سنة 2014، يطل علينا الشاعر محمد بنقدور الوهراني بديوان ثالث سماه (عن ظهر قلب) سنة 2016.

(عن ظهر قلب) عمل شعري صدر عن دار سليكي أخوين للطباعة والنشر بمدينة طنجة.

الديوان يقع في 148 صفحة من الحجم المتوسط، تتصدره صورة للغلاف من إبداع الشاعرة وداد بنموسى.

يتكون الديوان من تسع قصائد طويلة.

أول ملاحظة يمكن الانتباه إليها عند تقليب صفحات الديوان هي أن كل القصائد هي قصائد حب، لذلك يمكن اعتبار موضوعة الحب هي الماسكة بتلابيب الديوان والمعبرة عن مكامن القول الشعري فيه.


ربما من هذا الجانب ينسجم الشاعر محمد بنقدور الوهراني مع مفهومه للشعر، والذي نشره على صفحته الفايسبوكية على شكل تبرير منهجي شعري، عندما يقر بانتسابه إلى المدرسة الغنائية في الشعر العربي التي ترتبط بالوجدان بعيدا عن أي اجترار للموجودات، قريبا من التأمل في مسببات الوجود الإنساني، في امتداد مقصود نحو التعبير عن الوجدان والتفكّر في مكامن الجمال.

من خلال الديوان يتضح جليا أن الشاعر يعبر بجلاء عن غنائية رومنطيقية كاختيار مفاهيمي للشعر، كما يوظف الكتابة الشعرية بحثا عن شكل جمالي مثالي داخل اللغة وليس خارجها، داخل الإنسان وليس خارجه.

على ظهر غلاف (عن ظهر قلب) نقرأ:

أريد،

878-mhamadأن أقرأك في تقاسيم الزمن،

أن أتحسَّس وجهك بأنفاسي

أكتب تقاطيعه الخفية

بآهات أحسستها دوما

كلوعة أتعبتني

كجمرة أحرقتني

كدمعة أغرقتني،

أن أراك في شهوة الولادات

تلامسين رذاذ القصيدة

وتهميش لي من جديد،

أريد أن أراك في مرآتي

لا أحد يشبهك في

 

 

 

مجموعة الاعمال النثرية للدكتور صدام فهد الاسدي

adnan almshamshيخيل الي ان الدخول الى عالم الدكتور صدام فهد الاسدي مغامرة لا تقل اثارة عن الولوج الى عوالمه الشعرية فقد تعددت مواهب هذا الشاعر بين الشعر العمودي والحر وقصيدة النثر والمسرحية الشعرية والقصة الشعرية والشعر الشعبي وكما هو في الشعر نجده في النثر،  هنا نقترب من الدكتور صدام الباحث والدارس والأكاديمي الموضوعي وكاتب المقال والمؤلف الذي يؤلف رسالة ماجستير واطروحة دكتوارة ثم  لانجده يغفل عن المعاناة اليومية والنَّاس المحيطين به فيكتب عن الواقع والنَّاس ونجده ايضا يضع في الحسبان الأدباء المعاصرين له فيروح يكتب عن أدباء البصرة وشط العرب وشعراء التنومة والعشار وابي الخصيب والزبير والقرنة على الرغم من انشغاله بالتدريس الجامعي وإشرافه على رسائل الماجستير والدكتوراه ، رغم ضيق وقته  فانه يلتفت الى الحركة الادبية المعاصرة فينقد ما تقدمه الساحة الادبية من نتاج بموضوعية تامة لا انحياز فيها اللهم الا الانحياز للفن وقيمة النص الادبية.

  سأستعرض في السطور التالية بعضا مما ورد في اعمال المؤلف النثرية معززا قولي عن جهد الباحث بموضوعاته المميزة التي تفصح عن نفسها بدقة فالكاتب وان كان متخصصا في الادب الحديث  فانه يتطرق الى  موضوعات اخرى لها علاقة باللغة  مثلما فعل في الكتابة عن التفريق بين الضاد والظاء وهو موضوع لغوي لساني يمكن ان يدخل في علم اللسانيات linguistic وعلى الرغم من ان الباحث الدكتور يتناول الادب العراقي الا انه يعطي ايضا اهتماما واسعا بأدباء البصرة، ففي الوقت الذي كتب فيه رسالة عن الشاعر رشدي العامل وفي الوقت الذي درس فيه الجواهري في مبحث قيم وحلل شعره وتأمله ووقف عنده موقف الخبير المقتدر الذي وجد ان هناك العشرات قبله من النقاد ممن درسوا  الجواهري وما عليه الا ان يكتشف الجديد في شعره ، والشاهد والدليل على ما أقول بعض العناوين التي أدونها ادناه والتي وردت في كتابه:

هناك موضوع مهم وضع له عنوانا هو " البصرة في الشعر العراقي المعاصر" فبدا بالتمهيد لتأتي العناوين الفرعية وفق التراتب الآتي:

الفصل الاول: أسباب اتخاذ الشعراء البصرة موضوعا شعريا

الفصل الثاني: سياق مجيء البصرة في الشعر.

الفصل الثالث :دلالات البصرة في الشعر.

الفصل الرابع : الملامح الفنية.

  وهناك موضوع اخر مثير بعنوان " تشكيل المشهد الأسطوري في الشعر العراقي الحديث" تناول فيه الكاتب دلالة الألوان في الشعر العراقي الحديث، ومسارات الجدل والمعارضة في قصيدتي المحرقة ولغة الثياب في شعر الجواهري الى اخره من الموضوعات المهمة التي يجد القاريء فيها نقدا ودرسا وتحليلا ، اما الشعراء البصريين الذين تناولهم بدراساته وبحوثه فنذكر بعض الاسماء مثل : علي الإمارة ، منذر عبد الحر، احمد العاشور، شاكر العاشور، وثامر سعيد ال غريب، وَعَبَد العزيز عسير.

  ان اهتمام الدكتور صدام بشعراء البصرة لم يكن عن تعصب ولم يأتِ كونه من هذه المدينة فرسالته في الماجستير كانت عن رشدي العامل وهو شاعر من الأنبار كما انه درس الجواهري الكبير وعلق على شعره وهو نجفي غير ان اهتمام الدكتور الباحث بالبصرة وشعرائها في بحوثه يأتي من كونه يتعامل يوميا مع واقع هذه المدينة وينفعل بأحاسيسه مع حركتها الادبية فيتاملها لكونه في عمقها لا أقول انه قريب منها بل اؤكد انه منها فهذه المدينة هي روحه ووعيه وإحساسه يتفاعل معها بصفته شاعرا وينفعل بها فيبدأ من هذا المنطلق يتابع نشاطها ويتعامل معه بصفته ناقدا وكم درس من شاعر وأديب لكن هناك من الأدباء والشعراء من تنكروا له ولجهوده لكنه  باحث وناقد موضوعي لا ينتظر ممن يكتب عنه شكرًا او جزاء. 

ومن البحوث الأكاديمية التي تضمنها هذا الكتاب دراسة مهمة عن الشاعر رشدي العامل " نحت من ضباب في شعر رشدي العامل" والموضوع رسالة ماجستير طبعت عام ٢٠٠٨ في مطبعة السلام/ البصرة تحدث فيها الباحث عن حياة الشاعر رشدي العامل  والظروف المحيطة به ثم ليدرس شعره ويحلله تحليلا منهجيا موضوعيا. رسالة الماجستير هذه تنفع الباحثين الذين يهتمون بالشعر العراقي والطلاب حيث يستفيدون  خلال قراءتهم الرسالة من طريقة البحث ومنهج المؤلف ومعالجته موضوعه حتى يتجنبوا الوقوع في اخطاء تستنزف وقتهم وجهدهم ووقت المشرفين عليهم وجهودهم.

والحقيقة ليس هذا وحسب ان الكاتب جمع في مؤلفه هذا كل نصوصه النثرية مما يستوجب ان نخصص له  اكثر من مقال ان شاء الله.

 اعود فاذكر ثانية انني استعرضت هذا السفر الضخم على عجالة وقرأت بعض نصوصه وعلي ان أقف مع هذا الكتاب/الكتب وقفات اخرى، عسى ان نفي نحن القرّاء والكتاب والباحثين للمؤلف بعض حقه من خلال ما بذله من جهد في جمع أعماله النثرية في هذا السفر الضخم الرائع.

 

عدنان المشيمش

 

سوسيولوجيـا الثقافـة

jamil hamdaouiتتكون الحضارة (Civilisation) من مفهومين أساسيين هما: التكنولوجيا(Technologie) والثقافة(Culture). فالتكنولوجيا هي كل ما أنتجه الإنسان على الصعيد التقني والعمراني والآلي والرقمي والمادي. في حين، تعني الثقافة كل ما أنتجه الإنسان على الصعيد المعنوي، مثل: الآداب، والفنون، والفلسفة، والعلوم، والمعارف، والتراث، والعادات، والتقاليد، والأعراف.أي: تعني كل المنتج الفكري والعلمي والأدبي والفني. وبذلك، تكون الحضارة ذات طابع مادي( التكنولوجيا) من جهة، وذات طابع معنوي(الثقافة) من جهة أخرى. ومن ثم، فالحضارة هي كل ما أنتجه الإنسان وأبدعه على المستويين: المادي والمعنوي.

ولايمكن الحديث عن حضارة الإنسان وسموه الثقافي إلا بعد انتقاله من مرحلة الطبيعة التي كان فيها الإنسان يشبه الحيوان إلى مرحلة الثقافة التي أصبح فيها الإنسان يحتكم إلى العقل والمنطق والقانون ومؤسسات الدولة...  ومن هنا، تعبر الثقافة عن مدى تطور الإنسان وتحضره، بعد أن كان يعيش حياة التيه والخوف والفوضى في مرحلة الطبيعة، أو حياة بيولوجية عضوية تشبه حياة الحيوانات الغريزية والوحشية. لكن بعد اكتشاف الكتابة، بدأت مرحلة  الثقافة والتدوين والتسجيل والتوثيق ، وقد تحولت بعض الثقافات إلى حضارات إنسانية خالدة عبر التاريخ، كثقافة الإنسان العراقي، وثقافة الإنسان الفرعوني، وثقافة الإنسان الفارسي، وثقافة الإنسان اليوناني، وثقافة الإنسان العربي، وثقافة الإنسان الأسيوي (الياباني بصفة خاصة)...

ومن جهة أخرى، ترتبط الثقافة بسياقها الاجتماعي والمعرفي والحضاري.أي: هناك عملية تبادل وتفاعل بين الثقافة والمجتمع؛ فالثقافة تؤثر في المجتمع، والمجتمع يؤثر في الثقافة . ويعني هذا كله أن الثقافة تعكس مختلف الصراعات والتطاحنات و التناقضات الجدلية التي توجد في المجتمع على جميع الأصعدة والمستويات، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم دينية أم فكرية... ومن ثم، تعبر الثقافة عن واقعها أو معادلها الموضوعي بطريقة انعكاسية مباشرة كما هو الحال في الكتابات الواقعية الساذجة، أو بطريقة مادية جدلية بمفهوم كارل ماركس(Karl Marx)، أو بطريقة تماثلية متوازية (Homologie) بمفهوم لوسيان كولدمان(Lucien Goldmann).

 إذاُ، تحمل الثقافة ، في طياتها، أبعادا طبقية واجتماعية وإيديولوجية،  فضلا عن مقصديات ونوايا وخلفيات مباشرة وغير مباشرة.

إذاً، ما الثقافة لغة واصطلاحا؟ وما علاقتها بالحضارة؟ وما أهم مفاهيم الثقافة؟ وما أهم محددات الثقافة؟ وما أهم العوامل التي تتحكم في عملية التغير الثقافي؟ وما أهم المقاربات الأنتروبولوجية والسوسيولوجية التي اهتمت بالفعل الثقافي؟ وما المقصود بسوسيولوجيا الثقافة؟ وما أهم التصورات المتعلقة بسوسيولوجيا الثقافة ؟ وما علاقة الثقافة والأدب والفن والفكر والمعرفة بالمجتمع؟ وما أدوار النخبة المثقفة في المجتمع؟ وما علاقة المثقف بالسلطة؟ فهل هي علاقة إيجابية أم علاقة سلبية أم هما معا؟

هذا ماسوف نرصده في كتابنا هذا الذي عنوناه بـ(سوسيولوجيا الثقافـــة)، على أساس أن الثقافة تتأثر بأوضاعها المجتمعية إيجابا وسلبا من جهة، وأن الثقافة لها دور كبير في المحافظة على المجتمع أو تثويره أو تغييره من جهة أخرى.

وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، وأشكر الله شكرا جزيلا على نعمه الكثيرة، وأحمده على علمه وصحته وفضائله التي لا تعد ولا تحصى.

 

د. جميل حمداوي

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

 

سوسيولوجيـا الثقافـة / د. جميل حمداوي

 

"رأس التمثال" رواية جديدة للكاتب العراقي حسن الفرطوسي

876-hasanعن دار "نوفا بلس" في الكويت صدرت رواية جديدة للكاتب العراقي حسن الفرطوسي بعنوان "رأس التمثال".. والرواية ترصد تداعيات الانهيار المريع الذي أعقب سقوط النظام العراقي السابق في التاسع من نيسان 2003، حيث تتناول حكاية بائع خضار متجول احتفظ برأس أكبر تماثيل الرئيس السابق صدام حسين، بعد أن أوهمه أحدهم بأنه يمثل قيمة فنية نفيسة سيجني من ورائها الكثير من المال، وانطلاقاً من تلك الواقعة تتغير حياة بطل الرواية مع تنقله من مكان لآخر لينتهي به المطاف إلى أن يكون أحد كبار رجال الدين المنضوين تحت تشكيلات المليشيات المسلحة التي تفشت خلال سنوات ما بعد السقوط.

وكما عوّدنا الكاتب الفرطوسي في اهتمامه باختيار المكان في روايتيه السابقتين "سيد القوارير" التي صدرت عن الدار العربية للعلوم في بيروت، و"عشبة الملائكة" الصادرة عن دار الفارابي، اختار المكان هذه المرّة ليكون سرداب في مقبرة، يجمع فيه شخوص الرواية ليحركهم الكاتب بمهارة عالية على الرغم من ضيق المكان.

876-hasanوالرواية تحسب على الروايات القصيرة حيث قارب حجمها الـ 130 صفحة، وجاءت بغلاف أنيق تتوسطه لوحة جميلة للفنان العراقي المقيم في أستراليا عدنان البرزنجي، وكتبت باسلوب سردي مقتضب ولغة متماسكة بعيدة عن الإسهاب في إظهار المشاعر المرافقة للأحداث، كما تبنى الكاتب طريقة وصف المكان من خلال حركة الشخوص متجنباً الوصف الفوتوغرافي التقليدي.

يذكر أن رواية "رأس التمثال" ستشترك في معرض أبو ظبي الدولي للكتاب في دورته الـ 26 الذي يقام في الفترة من 27 أبريل الجاري إلى 3 مايو المقبل في مركز أبو ظبي الوطني للمعارض.

 

 

د.عبد الجبار الرفاعي وظمأه الانطولوجي للدين

dawd alkabiمقدمة: اهدى لي د.عبد الجبار الرفاعي، مشكورا، نسخة الكترونية من  كتابه الموسوم (الدين، والظمأ الانقلوجي) . وعند قراءتي لهذا الكتاب، وجدت فيه فلسفة لايقرها الواقع، وامور يرفضها المنطق، والبحث محاولة لأعادة ترميم بناء هيكلية الدين، بعد تعرضه الى براكين وهزات، اقلعت ارضه الهشة وجعلته يبابا. متخذا، المؤلف، من الفلسفة الاسلامية، والتصوف منهاجا، واساسا لتشييد ذلك البناء، الذي تعرض للهدم والهزات، بهيمنة الايديولوجية، والمؤلف يعترف بذلك: (ما وقع الدين اليوم في مأزق تاريخي، هو ترحيلة من مجاله الانطلوجي الى المجال الايديولوجي، هذا من جهة . ومن جهة اخرى، ازدراء بعض النخب للدين واحتقارهم للدين، اثر الفهم الساذج المبتذل لحقيقة فهم الدين). راجع ص 10.

فالمؤلف يريد ان يقول: ان رجال الدين هم الذين اوصلوا الدين لما وصل اليه، من نكوص وتردي ونفور. ويتهم علي شريعتي بأنه حول الدين من انطولوجي الى ايديولوجي، حيث ينتقده بشدة. كما ينتقد ابن تيمية واتباعه، ومن سار على نهجه، واتخذ كتبه وفتاواه منهاجا قويم. وثمة رجال دين آخرين لهم نفس تأثير ابن تيمية على اتباعهم، لكن السيد الرفاعي لم يشر الى احد منهم، من قريب ولا من بعيد. وهذه تحسب على الاستاذ الرفاعي، وليس اليه .

والصحيح، ان الاديان كلها تعتمد الايديولوجية طابعا لها ومنهاجا، وهو مما لاشك فيه. بل ان كل الاديان لا تخلو من خرافات واساطير. {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} الفرقان: (5).

الرفاعي يحاول رسم صورة ملونة، مزخرفة، جذابة للدين، اذ يعتقد انها اليوم صورة مشوهة، صورة مقززة، ينفر منها الرائي. بسبب ما ذكرنا اعلاه. ويعتبر الرفاعي: (ان الدين.. هو: ما يروي الظمأ للمقدس، ويشبع الحاجة للخلود، بوصف الكائن البشري ينزع للكمال، وهو توق ابدي للخلود) راجع ص7.

بينما يرى (رودولف أوتو) الدين احساس اولاني متمكن من سيكولوجيا الانسان، هذا الاحساس هو واقعية نفسانية، لا تنشأ عن اية ارادة او تصميم، مسبق، بل العكس هو الصحيح تماما؛ لذك ان الفرد يجد نفسه تحت سلطان هذا الاحساس، دون مقدرة منه على توجيهه او الحكم به فهو ضحية اكثر منه خالقا له. (راجع: فراس السواح، دين الانسان، ص، 31، منشورات علاء الدين الطبعة الرابعة 2002 بسوريا). ويقول ماركس: (ان الدين افيون الشعوب) . وهناك عشرات الفلاسفة الذين انتقدوا فكرة الدين، لا اعتقد أن الدكتور الرفاعي غير مطلع عليها.

الدين: يعني قيود الحرية، بما يفضي الى وجود ذات، وجودها مراقبة، لا وجود خافز، يحافظ على بنية الانسان، كثابت يحرك مسيرة الحياة نحو وجود حقيقي، يدعم تفاصيل كينونة البعد الانساني، الذي يتجاوز نمط كل عقيدة تعترف وجودها بنمطية ترفض الغير. هذا هو فهمي للدين.

يقول الرفاعي: (كذلك يفسرلنا الدين الغاز هذا العالم، الذي تسوده الالغاز، وكل ما هو غير مفهوم)! راجع ص 8. وهل يُعقل هذا؟ ؛ اذن اين دور العلم؟؛ العلم الذي حل آلاف النظريات، الكونية، والجيولوجية، والهندسية، والطبية. بينما الدين يقول لنا: عوج بن عناق كان رأسه في السماء ورجليه في الارض!، وكان يطهي السمكة على قرص الشمس. الدين يقول لنا: ان ثمة فأرا هدم سد مأرب في اليمن، ويقول ايضا: ان جماعة جاءت بفيل من اقصى افريقيا، وهو بهذا الظخامة، وبهذا الوزن، والحجم الضخم، يسيرون به مئات الاميال، ليهدموا به الكعبة. الى غير ذلك من الاساطير والخرافات التي جاء بها الدين . (راجع: احمد كمال زكي، الاساطير، وغيره).

نسي الدكتور الرفاعي، الكوارث الانسانية، والبيئية، والنفسية، التي سببها الدين، بكافة تعددياته ومناهجه ومنابعه. منذ وجد الدين، ومنذ اكتشاف الدين، والى يومنا هذا، وحروب الدين قائمة على قدم وساق. 

الدين وباء بشري:

عند تصفحك لتاريخ الحروب، ستكتشف، وللوهلة الاولى، أن اكثر من ثلاثة ارباع الحروب التي دار رحاها، سواء بين شعب، وشعب آخر، دولة ودولة اخرى، امبراطورية وامبراطورية اخرى، بين ثقافة وثقافة اخرى، قومية، وقومية اخرى. تجد أن تلك الحروب اسبابها دينية بحتة.

الحملات الصليبية – سلسلة من الحملات من القرن 11 وحتى القرن 13 وكان هدفها المعلن هو تحرير الأراضي المقدسة من الغزاة المسلمين ومساندة الإمبراطورية البيزنطية. الحروب الدينية الفرنسية – حروب متتابعة في فرنسا أثناء القرن 16 بين الكاثوليك والبروتستانت الفرنسيين. حرب الثلاثين عاماً – حرب أخرى بين الكاثوليك والبروتستانت خلال القرن 17 في ما يعرف اليوم بألمانيا. وما فعله هتلر صاحب اكبر محرقة في التاريخ .

ولو رجعنا الى الإسلام، نجد مفهوم "الجهاد" أو "الحرب المقدسة". وقد إستخدم هذا المفهوم لوصف الحرب للتوسع والدفاع عن الأراضي الإسلامية. إن الحرب التي تكاد تكون مستمرة في الشرق الأوسط عبر النصف قرن الماضي ساهمت بالتأكيد في تعزيز فكرة أن الدين سبب الكثير من الحروب. إن هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة تعتبر جهاد ضد "الشيطان الأكبر" أي أمريكا، والتي تكاد تكون مرادفة للمسيحية في نظر المسلمين. في اليهودية، إن الحروب المسجلة في العهد القديم (خاصة في سفر يشوع) بناء على أمر الله، أخضعت أرض الموعد.

واليوم ما يقوم به (داعش) من جرائم نكراء ضد الانسانية، في العراق وفي سوريا، كذلك ما تفعله الوهابية من تكفير الشيعة والتحريض على قتلهم، وما تفعله اليوم السعودية في اليمن، كلها بوازع ديني. فالدين، باختصار شديد، هو بلاء العالم، والطاعون الذي يفضي للابادة الجماعية. أن آلاف البشر اليوم يقتلون تحت طائلة الدين، فالذي يفجر بلادا مثل فرنسا او مثل بلجيكا وبكين وطوكيو، وغيرها من مدن العالم المستقرة، الم يكن دافعه دافع ديني؟.

الدين يعقـّد المشاكل لا يحلها:

الدين يعقد المشاكل ولا يستطيع ان يعطي الحلول الناجعة لها، لأن الدين مبني على غيبيات، وعلى قضايا اخرى، لا نفقه معناها، فمثلا ان الحجاج يرجمون الشيطان ببعض الحصى، في مكة كل عام، لا ندري ما هي الغاية؟، ولماذا لا يتأثر الشيطان بذلك، بل يظل ينتظرهم الى العام المقبل.وهكذا دواليك. وهذا سؤال بلا اجابة.

يقول الرفاعي: (في الفلسفة والآداب والمعارف والفنون محاولات لتفسير معنى الحياة، وشيء من اجابات سؤال واسئلة ميتافيزيقية اخرى، لكن الدين هو مصدر التفسير الاخصب والاثرى لمعنى الحياة والموت)!. راجع: ص 7.

واعتقد ان هذه العبارة ليست دقيقة، واشم منها رائحة التعصب للدين، والانشداد غير الطبيعي له.

ان الدين رسم لنا صورة سوداوية للموت، وصورة معقدة للحياة {وما خلقنا الجن والانس الا ليعبدون} . ونفهم من هذه الآية: ان الله لم يخلقنا الا لغرض العبادة، ليس الا . والحقيقة ان الله ليس بمحتاج لنا ولا لعبادتنا، بقدر ما نحن محتاجون اليه، ليرحمنا ويعيننا على قضاء حوائجنا.

رسم لنا الدين صورة مهولـّة لما بعد الموت، حيث جهنم، واهوالها التي لا توصف، حتى اننا نخضع للعذاب الابدي حتى تتبدل جلودنا!، واذا ما نضجت، اي وصلت حد الشواء، بُدلت جلودا غير جلودنا، ليستأنف العذاب، وهكذا تستمر عملة العذاب، الى ما لانهاية.

اخيراً :

والحقيقة، هناك امور كثيرة، واشكالات جمة، طرحها الاستاذ الدكتور في بحثه هذا، لكنني اختصرت ردي هذا، خوفا من السأم، وضجر القارئ الكريم. واتمنى أن يتسع صدر الاستاذ الرفاعي، ولا يعتبر ردي هذا تهجما، او استخفافا بطرحه خلاصة افكاره لنظرية الدين لديه.

واختم كلامي بقول الشاعر العراقي الزهاوي:

هذا الذي مبديه لكم نظري ...... وانما كل إنسانٍ له نظرُ

 

داود سلمان الكعبي

 

اهمية التواصل في تعلم اللغة الانكليزية كتاب جديد لعبد الرزاق عوده الغالبي

874-odaصدر، بعونه تعالى، الاصدار البحثي بطرق التدريس عن دار نشر البيت السومري العنوان: اهمية التواصل في تعلم اللغة الانكليزية المؤلف: عبد الرزاق عوده الغالبي

موضوع الكتاب: بحث تفصيلي بخفايا طرق التدريس وعلم الميثودولوجيا مع التركيزعلى الطريقة التواصلية (Communicative Approach) المتبناة في معظم مناهج العالم اللغوية وجميع مناهج الدول العربية والعراق، ويعد هذا الكتاب مصدرا ودليلا مهما لمعلم ومدرس اللغة الانكليزية العربي.... ولا يمكن عنه الاستغناء مطلقا..... 

874-odaعدد الابواب في الكتاب : .......2

عد الفصول : ....................10

عدد الصفحات....................140

مسجل في دار الكتب والوثائق العراقية ببغداد.... رقم الايداع639 لسنة 2016  

 

المسرح المغربي: التاريخ والبناية والفضاء

jamil hamdaouiعرف المسرح المغربي الحديث والمعاصر، من بداية القرن العشرين إلى سنوات الألفية الثالثة، مجموعة من المراحل التاريخية والفنية، عبر صيرورته الزمنية الصاعدة. فضلا عن مجموعة من التحولات الكمية والكيفية التي تتعلق بالإنتاج والتراكم والإصدارات من جهة، أو تتعلق بالتطور الفني والجمالي من جهة أخرى.

ويعني هذا أن المسرح المغربي قد عرف عدة مراحل تاريخية منذ مرحلة التأسيس إلى غاية مرحلة التثبيت والتأسيس والتأصيل، وتحول المسرح إلى حرفة ومهنة و خبرة تصقل في مؤسسات ومعاهد أكاديمية وجامعية داخل المغرب أو خارجه، مع بداية سنوات الثمانين من القرن الماضي.

ولم يقتصر المسرح المغربي على المسرح الاحترافي ومسرح الهواة فحسب، بل عرف هذا المسرح تنوعا كبيرا على مستوى التصنيف؛ إذ يتنوع إلى مسرح الأطفال، والمسرح المدرسي، ومسرح الشباب، والمسرح الجامعي، والمسرح الإذاعي، والمسرح الشعري، والمسرح النسائي أو النسوي، إلخ...

 

وشهد المسرح المغربي كذلك بنايات متنوعة منذ الحماية الأجنبية إلى يومنا هذا، سواء أكانت بنايات مغلقة على غرار مسارح العلبة الإيطالية، أم مفتوحة كالأسواق، والساحات، والحدائق، والمواسم ، والأعراس، والميادين، والزوايا،... كما تنوعات فضاءاته السينوغرافية والميزانسينية (الإخراجي)1 من فترة إلى أخرى.

 وإذا كان النقد المسرحي المغربي قد بدأ في شكل كتابة صحفية انطباعية تأثرية، كما يبدو ذلك جليا في المقالات المنشورة في الجرائد والمجلات الوطنية والعربية والدولية على حد سواء، إلا أنه قد عرف تحولا نوعيا في سنوات السبعين والثمانين من القرن الماضي، مع مجموعة من الباحثين والدارسين الأكاديميين الذين تناولوا المسرح إبداعا ونقدا ونظرية، في شكل رسائل وأطروحات جامعية، وأبحاث أكاديمية جادة ورصينة، أنجزت  في رحاب المعاهد والجامعات المغربية من جهة، وفي نظيراتها الفرنسية من جهة أخرى.

 علاوة على ذلك، فلقد انفتح النقد المسرحي المغربي، ابتداء من ثمانينيات القرن الماضي إلى غاية العقد الأول من الألفية الثالثة، على مجموعة من المناهج النقدية الأكثر حداثة وراهنية ومعاصرة، في إطار التجريب والتأصيل والتأسيس، مستفيدا في ذلك، بطريقة من الطرائق، من نظريات الحداثة وما بعد الحداثة في الغرب.

ويعني هذا أن المسرح المغربي قد عرف مجموعة من المراحل التاريخية، في تطوره الجدلي، بنية ودلالة ووظيفة وسياقا ومرجعا. ويتماثل هذا التطور الفني والدرامي، بطبيعة الحال، مع تطور المجتمع المغربي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وفنيا. وقد ترتب على كل هذا أن شهد النقد المغربي مجموعة من الطفرات على مستوى الكم والكيف من جهة، وعلى مستوى النظرية والتطبيق والرؤية من جهة أخرى.

إذاً، ما أهم المراحل التاريخية التي مر بها المسرح المغربي؟ وما أهم البنايات المسرحية التي شهدها هذا المسرح من الحماية إلى يومنا هذا؟ وما أهم الفضاءات السينوغرافية والميزانسينية التي يتميز بها هذا المسرح؟

هذا ماسوف نرصده في كتابنا هذا الذي عنوناه بـ(المسرح المغربي: التاريخ، والبناية، والفضاء)، على أساس أن المسرح المغربي قد تبوأ مكانة كبيرة على الصعيد العربي ، بما شهده من مراحل تاريخية زاخرة بالأحداث والوقائع الدرامية و الفنية والجمالية، وماعرفه أيضا من بنايات مسرحية مختلفة، وما شهده كذلك من فضاءات سينوغرافية وميزانسينية متنوعة. 

وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب رضا القراء، وأشكر الله شكرا جزيلا على نعمه الكثيرة،  وأحمده على فضائله التي لاتعد، ولا تحصى.

 

د. جميل حمداوي

................

1- الميزانسين (Mise en scène) هو الإخراج.

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

المسرح المغربي: التاريخ والبناية والفضاء / د. جميل حمداوي

 

الجواهـري صحفياً.. موسوعة جديدة في تاريخ العراق الحديث

rawaa jasaniبثلاثة مجلدات، وبأزيد من الف وخمسمئة صفحة من القطع الكبير، صدر قبل فترة وجيزة، مؤلفُ جديد موسوم: "الجواهـري صحفياً" من المجحف حقاً ان يسمى كتاباً، كما هي عليه التعابير السائدة، إذ  فيه ما فيه من توثيق وتأرخة لعقود مديدة في تاريخ العراق الحديث، وبشكل ادق، للفترة 1930- 1960.. ولن نأتي بجديد اذا ما قلنا كم هي مهمة  و"غنية" احداث ووقائع تلكم الاعوام الثلاثين.

والرجل الصحفي المقصود هنا ليس صحفياً بالمعنى المعروف، وحسب، بل انه جامع لصفات وسمات متشابكة، منها وليس كلها: شاعر ونائب برلماني وسياسي ومفكر ومثقف، وكل ذلك بحسب النقاد والعارفين والمتابعين، على اختلاف ارائهم وتقييماتهم، كما ونياتهم، إن شئتم !. ولذلك، ووفقه، جاءت صفحات الكتاب / الموسوعة "مليئات حقائبها من التجاريب" والاراء والوقائع، والخصومات والصداقات، الثقافية والسياسية، وغيرهما عديد حافل،  يثبتها الجواهري: شاهد عيان من وسط الحلبة تماماً، بل وفي بؤرتها بقول اصح.

ومن البديهي والحال هكذا ان تتشابك عشرات  العشرات من افتتاحيات وكتابات ومقالات الجواهري، التنويرية المتمردة الهادفة للارتقاء، مقرونة بالوقائع والشواهد، عن شؤون البلاد العراقية، وشعوبها: عرباً  وكورداً وتركماناً وآشوريين وغيرهم، مسلمين ومسيحيين ويهودا وأيزيديين وصابئة، واخوانهم، من عراقيي دجلة الخير، والفرات الزاهي .. وكل هذا وذلك موشى بالاناقة الجواهرية المعهودة: لغة ومفردات وتنبؤات. ويكثر الوصف والتوصيف، وما هنا مجاله.

والمؤلَف الذي نكتبُ هذا الموجز والعرض العاجل عنه، انما جاء في الوقت الذي احوج ما تكون اليه شعوب العراق- وهي على حالها التي ندري!-  بهدف الاستنباط والاستذكار، والتذكر- وعسى ان تنفع الذكرى- دعوا عنكم الاتعاظ الذي ما برح غائباُ، او مغيّباً مع سبق الاصرار والترصد، وحتى الان على الاقل، مع كل اهميته، بل واستثنائيته.. "ومن لم يتعظ لغدٍ بامس، وان كان الذكي هو البليد" على حد ما قاله وهدر به الجواهري ذاته عام 1979.

ولكي لا نتهم باننا نروج للكتاب/ الموسوعة "تجارياً" ودرءاً للتربص – وما اكثر المتربصين!- نقول بان التكاليف قد تحملها "كفاح" النجل الثالث للجوهراي الخالد، فضلا عن جهده الاستثنائي في التجميع والترتيب والتصنيف، وغيرها من متطلبات اتمام هذا التاريخ الجواهريّ العراقيّ الثري، وعلى مدى ثلاثة اعوام، كما تقول المقدمة.

اخيراً، لنا - نحن المتبطرين!- تمنيات وإن فات آوانها، وهي ان المؤلَف "لـو" توزعت مواده على اجزاء محددة، بعضها لافتتاحيات ومقالات الجواهري نفسه، والبعض الآخر لكتابات الذوات، المثقفين والسياسيين والشخصيات العامة وغيرهم، ولا سيما اللامعين منهم، المنشورة في صحف الشاعر العظيم. نقول "لـو" حدث ذلك - لسهّل الامور للباحثين والمختصين والقراء والمتابعين، كل لغاياته، بدلا من جمعها سوية، كما جاءت به في الاجزاء الثلاثة، متداخلة، وفق الترتيب الزمني .

 

قراءة ورؤى: رواء الجصاني

..........................

ملاحظات وإحالات:

- المؤَلَف اهداءٌ كريم من معدّهِ وموثقه، الباحث الجهود: د. كفاح محمد مهدي الجواهري.. وقد حمله متفضلاً، من بغداد الى مركز الجواهري في براغ: المهندس الصديق، أثير فالح الحيدري.

- صمم الغلاف، المهندس عمار، حفيد الجواهري من نجله،  الدكتورفلاح.

- صدر الكتاب / الموسوعة عن دار ومكتبة" عدنــان" للطباعة والنشر والتوزيع- بغداد/ اواخر العام 2015.

 

قراءة في كتاب علم الاجتماع التربوي والمدرسي .. دراسة في سيسيولوجيا المدرسة لمؤلفيه: د. علي وطفة ود. عبد الله المجيدل

qusay askarعلى الرغم من أن الكتب الأدبية شعرا ونثرا هي التي تلفت نظري وتجذب اهتماماي وتستحوذ على جل وقتي قبل غيرها من كتب المعارف والحقول الأخرى إلا أن بعض الكتب التي تعالج موضوعات غير الأدب تضطرني لقراءتها ومتابعتها ككتب علم النفس التي أستفيد من بعضٍ مما في بطونها من تعمقٍ وتحليلٍ لاغنى عنهما لفهم العمل القصصي والروائيّ،ورسم سلوك الأبطال والشخصيات وعلاقة الفرد بالمجتمع وبما يجد من أمور تتطلبها التقنية والصناعة التي غزت مجتمعاتنا بحضور قوي لم نكن لنألفه من قبل.

 أما هذه المرة فلم أتعب نفسي في البحث عن كتاب لا يختص بالأدب فقد وصلني قبل بضعة أيام كتاب علم الاجتماع التربوي والمدرسي وهو من تأليف أستاذين جليلين في علم النفس أحدهما الأستاذ الدكتور علي أسعد وطفة الأستاذ في كليّة التربية بجامعة الكويت والأستاذ الدكتور عبد الله المجيدل الأستاذ في كلية التربية بجامعة دمشق، والكتاب يحتوي على مقدمة وأحد عشر فصلا وخاتمة، ومقدمة الكتاب غنية بالحديث عن التغيرات التي طرأت على مجتمعاتنا العربية وثقافتنا والحاجة إلى التغيير في النمط التربوي السائد في البلاد العربية لنواكب التطورات العالمية حتى نلحق بدول العالم التي تواظب التطور العالمي لتتكيف مع الحاضر من أجل المستقبل.

سوف لن أستعرض فصول الكتاب كله بل أذهب إلى الفصل الأخير" الحادي عشر " الذي عنوانه " التربية المدنية وقضايا المجتمع المدني" ولكون الكتاب من الكتب العلمية الأكاديمية فأن مؤلف الفصل يبدأ تعريفه للتربية وهي:مجموعة من عمليات النمو والتكيف مع البيئة لحل المشكلات القائمة.فيشير المؤلف إلى أنّ علم التربية في الماضي انصرفت مناهجه وأهدافه إلى العناية بالأخلاق وسياسة المدن، أما في العصر الحاضر فموضوعات علم التربية مستحدثة أوجدها التطور التقني والصناعي.

وهنا لا بد أن أوضح إلى أن المؤلف أشار إشارة ذكية إلى الهدفين المختلفين وفق الماضي والحاضر ولتبيان ذلك أود أن أضرب مثلا بما هو في أوروبا،فمما يقره الأوروبيون أن التربية الأخلاقبية الموضوعة هدفا في المدارس كانت تمنع دراسة الاساطير من الناحية الدينية والأخلاقية منذ العصور الوسطى إلى وقت متأخر بحجة أن الأساطير ذات معان وثنية وغير أخلاقية والشيء نفسه ينطبق على ترجمة كتاب ألف ليلة وليلة الذي تم حذف بعض قصص منه لسبب أخلاقي إلى بداية القرن الماضي، أما الجنب التقني والصناعي فأذكِّر به عن شريط سينمائي ذهبت لمشاهدته مع بعض المعلمات برفقة تلاميذ صف تأهيلي børnehave klass يتحدث الشريط عن طفل يجد المدينة التي يعيش فيها ذات يوم فارغة مع ذلك حين يستقل الحافلة فإنه يقتطع تذكرة وعندما يرغب في شرب قنينة عصير يضع نقودا في الماكنة.. وهكذا إن المدرسة نفسها راعت في التطور التقني مبدأ الأخلاق أي أن المبدأ الأخلاقي جاء موازيا لعملية اندماج الطفل بالتطور العلمي والتقني. إنه يقدر أن يستقل الحافلة ويستخدم الماكنة لكن عليه أن يدفع وإن لم يره أحد.

 إن التربية المدنية وفق رأي الدكتور عبد الله المجيدل تهدف إلى تكيف الإنسان مع متطلبات عصره فهي تركز على قيم العمل والخير والسلوك الاجتماعي والعدل والديمقراطية والحرية، فغياب بعض هذه القيم يعني وجود خلل في المجتمع نفسه لذلك لابد من تربية المواطن على قيم التسامح التي تتمحور وفق الشكل التالي :

قيم التسامح

الحل السلمي للخلاف

 

احترام حقوق الإنسان احترام الاخر الحوار التعايش  

ثم يتحدث الكاتب عن التربية المدنية وتكوين المواطن فالتربية المدنية لاتعني المؤسسات الحكومية فقط كالمدارس الحكومية وروضات الأطفال بل جميع مؤسسات المجتمع ووسائل الإعلام والأندية الثقافية ودور العبادة والنقابات والأحزاب السياسية. والهدف من كل ذلك هو بناء شخصية متوازنة.

 إن التربية المدنية هي نفسها التربية من حيث العموم أو تعرف بأنها " جانب التربية الذي يحدث شعور العضوية في جماعة حتى تتسق حياتها لفائدتها المتبادلة" ويذكر المؤلف أن هذه الفكرة وجدت من قبل في تاريخ المجتمع العربي حيث دون ابن خلدون " ما يجب أن يكون عليه كل واحد من أهل ذلك المجتمع في نفسه وخلقه حتى يستغنوا في الحكام مراسا".

 أما عن علاقة التربية المدنية بالعلوم الاجتماعية فإن الكاتب الدكتور المجيدل يرى أن التربية المدنية هي إكساب أفراد المجتمع بصورة عملية وفعالة مباديء ومهارات السلوك الاجتماعي المرغوب فيه في البيت والمدرسة والشارع والأماكن العامة والعمل".

وهنا أود أن أقف ثانية عند التعريف أعلاه الذي يركز على إكساب مهارات السلوك الاجتماعي المرغوب فيه في هذه الحالة يمكن أن نستفيد من الطرق التربوية الأوروبية التي امتازت بالخبرة والتخطيط فعلى سبيل المثال نرى مثالا في مدرسة دنماركية تقع في منطقة Svønemøllen وهي مدرسة علمانية يسارية لا علاقة لها بالدين لكنها تحتفل شأنها شأن المدارس الدنماركية بأعياد الميلاد فنجد المعلم يقف في الصف التحضيري يتحدث عن العذراء وحملها وولادتها المسيح في الحضيرة إنه يسرد الوقائع التاريخية من دون أن يتدخل في أنه لايقر معجزة حمل امرأة من دون رجل تاركا تفصيلات الأمر للأسرة التي هي جزء من المجتمع ومن خلالها يتعلم الطفل تناقضات التاريخ في بعض الأمور لا من قبل المدرسة ومثل هذا المثال نجده فيما يتعلق بإجراءات المدارس حين تعلم التلاميذ الصغار التربية المدنية في اختيار المواضيع الدينية والآيات الكريمة التي تعنى بتعذيب الكافرين وتصور مشاهد العنف فيجب على مدارسنا أن تؤجل تلك إلى مراحل متقدمةإن هناك الكثير من الآيات التي تدعو للسلام والمحبة والإخوة التي يجب أن تعتمدها المدرسة، ومادمنا بصدد الموضوع وهو التربية المدنية يمكن أن نستفيد من التجربة الإنكليزية أيضا في معالجة التنسيق بين المدرسة والمؤسسات المدنية الأخرى أو مؤسسات المجتمع المدني.نحن نعرف أن المدارس البريطانية تنضوي تحت عنوان (المحافظة) وأمر كالمثلية لا تتطرق إليه المدرسة في حين يقره القانون البريطاني، في هذه الحالة المدرسة عليها أن توضح ذلك عبر التنسيق مع مؤسسات أخرى لأن الطفل يُعَدّ ليندمج بالمجتمع وعليه أن يعرف عن مجتمعه كل شيء، قبل خمس سنوات حضرت مع مجموعة من التلاميذ مسرحية " سندريلا" تلك الأميرة التي تكرهها الملكة زوجة أبيها فتأمر أحد أتباعها أن يلقيها في الغابة، وهنا يتجمع بعض الرجال والنساء لإنقاذها هناك عامل وفلاح وأقزام وتدخل فتاتان المسرح لنسمهما أنيته وجانيت تعرفان نفسيهما فتقول أنيته : أنا أنيته أحب جانيت جئت لمساعدة سندريلا ، وتتقدم جانيت فتعرف نفسها قائلة أنا جانيت أحب أنيته جئت لمساعدة سندريلا ، إن كلا منهماتستعمل كلمة "love" لا كلمة "like" وعندما سألت المعلمة الإنكليزية أجابت إن الطفل يجب أن يعرف مثل هذه الأمور قبل أن يصطدم بها فجأة من دون معرفة سابقة من هذا نستنتج أنّ هناك منظمومة اشتركت لتعلم الطفل خصائص المجتمع بأمانة من دون تغطية هي المدرسة التي أرسلت التلاميذ إلى المسرح ، وإدارة المسرح التي عرضت المسرحية والكاتب الذي أضاف بعض التغيير على نص شعبي قديم ليجعله يحتوي تطورات المجتمع المعاصرلذلك يقول الدكتور عبد الله المجيدل في ص 241 وص 242 إن التربية المدنية هي علم في الأساس وفن في الأداء هدفها تكوين الموطنة التي هي شعور الفرد بالانتماء إلى الجماعة وشعور الجماعة بجمعها وتركيبها وشعور الإثنين بالرابطة المتبادلة وفق معايير منها الوثائق والدستور ولائحة الحقوق المدنية والفلسفة العامة ومفهوم الديمقراطية والخصوصية التاريخية والتقاليد الخاصة ودرجة تطورها.

 ثم يتحدث الفصل ذاته عن المجتمع المدني فنجد أن فكرة المجتمع المدني برزت في القرن التاسع عشر وشغل بها آدم سمث وهيجل والواقع إنّ المصطلح اختفى في القرن العشرين ثم عاد إلى الظهور في نهاية القرنالحادي والعشرين وأحد تعاريف المجتمع المدني هو"جملة المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال نسبي عن سلطة الدولة لتحقيق أغراض متعددة سياسية ونقابية وثقافية..."إن الكاتب يطرح من خلال هذا التعريف تجربة رائعة تعيشها مجتمعات شمال أوروبا فالذي يقدم طلبا غرض الحصول على عمل ما فإن هناك هامشا في سيرته الذاتية يذكر فيه هواياته ونشاطاته الاجتماعية كي يثبت خبرته وتفاعله مع المجتمع عبر مؤسسات المجتمع المدني، وهناك دعم من الدول نفسها فالذي يعمل متطوعا "voluntary" لخدمة المؤسسات الخيرية ودور المسنين الحكومية والخاصة أو رياض الأطفال والمنشآت العامة يمُْنَح حق النقل مجانا خلال عمله التطوعي ولكي نقرب فكرة المؤلف في تعريف المدني نذكر أن الدول نفسها كما في بريطانيا قد تضع خدمة المؤسسات العامة مقابل عقوبة قانونية، في الدنمارك من يرفض الخدمة العسكرية تحيله الدولة إلى الخدمة في رياض الأطفال أو مكاتب الأمم المتحدة ، وفي بريطانيا قد يحكم القاضي على شخص بتنظيف الشارع مع عمال البلدية بدلا من السجن، إن مؤسسات المجتمع المدني هي التي تشرف وتراقب وتصحح مسار الدولة وتطالب بحقوق الأطفال والعجزة والمرضى والنساء وتساهم مساهمة فعالة وحيوية في اختيار الحكومة والسلطات المحلية.

من خلال هذه الفكرة يذكِّرنا الكاتب بالتاريخ العربي القديم حيث يستشهد بنماذج من مؤسسات المجتمع المدني التي نشأت قبل الإسلام مثل دار الندوة ويذكر أن فهم الإسلام للدمقراطية وحقوق الإنسان متأتٍ من مباديء إنسانية أما فهم بعض الدمقراطيات المعاصرة لقضايا الحقوق والمجتمع المدني فيأتي من أجل مصالح معينة.

 ونجد أيضا رصدا لبعض الاتجاهات المعاصرة لطرق التربية المدنية ووسائلها وهي:

أولا: المعرفة المدنية التي لابد أن تعتمد على مباديء النظرية الدمقراطيّة.

ثانيا: المهارات المدنية وهي أفعال يشارك بها المواطن لضبط السياسات العامة.الفضائل المدنية والسمات الضرورية للشخصية من أجل الحفاظ على الحكم الديمقراطيّ.التعليم المنتظم.الحكم الديمقراطي والمواطنة.

ثالثا:تحليل الدراسات الواقعية. التطبيق.

رابعا: تطوير مهارات الفرد.

خامسا: التحليل المقارن للحكم والمواطن على المستوى الدولي.

سادسا: تطوير المشاركة ومهارات المشاركة عبر نشاطات التعليم.

نذكِّر فيما يخص الفقرة السادسة التنسيق بين المدرسة والسينما والمدرسة والمسرح والمدرسة والبيت وقد ضربنا لذلك أمثلة من المجتمع الدنماركي والبريطاني.

 ولا يغفل مؤلف الفصل عن ذكر النصوص التراثية التي تهتم وتعالج مسألة التربية المدنية بأسلوب مباشر وتوجيه واضح وها نحن نضمن مقالنا هذا بعضا من أسطر يعنى كاتب الفصل فيها بمسألة الأدب والتراث فيتحدث عن دور الأدب في عملية التربية المدنية " ويمكن للأدب أن يمارس وظيفته المدنية بوساطة الأجناس الأدبية الأخرى فليس تمثل القيم بالشخصيات الروائية هو الوسيلة الوحيدة وإنما الخطاب المباشر والشعر قد يملكان التأثير إذا ماكانت العناصر الجمالية متوافرة فيهما حيث يتوجه إلى العقل والشعور في أن واحد، ويمكننا أن نذكر هنا ما يتضمنه الأدب العربي من حكمة، وأمثال شعبية تمثل خلاصة تجربة الشعوب والتي لعبت دورا فعالا في ترسيخ القيم السامية،وتوجيه الفرد نحو الفضيلة، كما تتضمن الرسائل المشهورة في تاريخ الأدب العربي كثيرا من القيم التي أسهمت في تهذيب الفرد لكي يكون عضوا صالحا في المجتمع ".ص 251.

 أما دور الأسرة فيوضحه المؤلف في كون التربية المدنية هي علاقة الوالدين بالولد، وعلاقة الوالدين ببعضهما وتتمثل وظيفة الأسرة في التربية الجسمية والصحية والتربية الأخلاقية والوجدانية، كذلك التربية العقلية والاجتماعية والوطنية والاقتصادية ، والتربية الجنسية ، والتربية الترويحيّة، وهو دور مهم وعبء ثقيل على الأسرة تتحمّلَه كونها نواة المجتمع، فعلاقة الوالدين ببعضهما تؤثر سلبا أو إيجابا بالأبناء ،،وطريق تربيتهما لها أثرها في الطفل . إنها تترك بصمة واضحة في نفسيته وطريقة اندماجه وتكيفه مع مجتمعه الذي يعيش فيه وإعداده للمستقبل.

 

الخلاصة:

وبعد لا أريد أن أثني على الكتاب لأنه عمل متكامل وجدت الكثير من طرقه المنهجية التي عالجها المؤلفان وأشارا إليها محل تطبيق واهتمام في أوروبا لاسيما في موضوع التربية المدنية أي الفصل الأخير من الكتاب، فالأستاذ الدكتور عبد الله مجيدل باحث قدير حصل على درجة الدكتوراه من جامعة موسكو ويتحدث اللغتين الروسية والإنكليزية وهذا يعني أنه ملم بالطرق التربوية والمناهج المختلفة ومتابع لما يتحقق في أوروبا وروسيا من طرق في التربية فيتبنى من تلك التجارب ما يلائم ظروف مجتمعنا وخصوصية مدارسنا العربية. 

 

قصي الشيخ عسكر

 

النقــد المسرحي المغربي بين جـــدلية الكـم والكيـف

jamil hamdaouiعرف المسرح المغربي الحديث والمعاصر، إبان القرن العشرين، مجموعة من المقاربات النقدية التي استهدفت قراءة الإبداع الدرامي تحليلا وتقويما وتوجيها وأرشفة. وقد بدأ النقد المسرحي المغربي في شكل كتابة صحفية انطباعية تأثرية، كما يبدو ذلك جليا في المقالات المنشورة في الجرائد والمجلات الوطنية والعربية والدولية على حد سواء.

بيد أن المسرح المغربي قد عرف تحولا نوعيا في سنوات السبعين والثمانين من القرن الماضي، مع مجموعة من الباحثين والدارسين الأكاديميين الذين تناولوا المسرح إبداعا ونقدا ونظرية، في شكل رسائل وأطروحات جامعية، وأبحاث أكاديمية جادة ورصينة، أنجزت  في رحاب المعاهد والجامعات المغربية من جهة، وفي نظيراتها الفرنسية من جهة أخرى.

 علاوة على ذلك، فقد انفتح النقد المسرحي المغربي، ابتداء من ثمانينيات القرن الماضي إلى غاية العقد الأول من الألفية الثالثة، على مجموعة من المناهج النقدية الأكثر حداثة وراهنية ومعاصرة، في إطار التجريب والتأصيل والتأسيس، مستفيدا في ذلك، بطريقة من الطرائق، من نظريات الحداثة وما بعد الحداثة في الغرب.

ويعني هذا أن المسرح المغربي قد عرف مجموعة من المراحل التاريخية، في تطوره الجدلي، بنية ودلالة ووظيفة وسياقا ومرجعا. ويتماثل هذا التطور الفني والدرامي، بطبيعة الحال، مع تطور المجتمع المغربي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وفنيا. وقد ترتب على كل هذا أن شهد النقد المغربي مجموعة من الطفرات على مستوى الكم والكيف من جهة، وعلى مستوى النظرية والتطبيق والرؤية من جهة أخرى.

إذاً، ما أهم المراحل التاريخية التي مر بها النقد المسرحي المغربي بصفة عامة، والنقد المسرحي في الجهة الشرقية بصفة خاصة ؟ وما أهم المقاربات النقدية التي عرفها هذان النقدان الوطني والجهوي ؟ وما مميزاتهما على مستوى الكم والكيف؟ وما خصائصهما على مستوى النظرية والتطبيق والرؤية؟

هذا ماسوف نرصده في كتابنا الميتانقدي هذا الذي عنوناه بـ(النقــــــد المسرحـــــي المغربــــــي بين جدلية الكم والكيف)، على أساس أن النقد المسرحي المغربي قد تبوأ مكانة كبيرة على الصعيد العربي ، مادام قد اكتسى طابعا حداثيا على مستوى الممارسة النظرية والتطبيقية تجريبا وتحديثا وتأصيلا وتأسيسا. وحقق كذلك طفرة متميزة على مستوى الكم والكيف.

وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب رضا القراء، وأشكر الله شكرا جزيلا على نعمه الكثيرة،  وأحمده على فضائله التي لاتعد، ولا تحصى.

 

د. جميل حمداوي

.....................................

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

النقــد المسرحي المغربي بين جـــدلية الكـم والكيـف / د. جميل حمداوي