كتب واصدارات وقراءات

النوبات الأندلسية المدونة بالنوتة الموسيقية .. نوبة الإصبهان

من المتداول اليوم بيننا في المغرب أن الموسيقى الأندلسية أو ما يعرف بموسيقى الآلة تعيش أزمات حقيقية على مستويات عدة. وتتمثل بعض المشاكل التي يتخبط فيها هذا النوع الموسيقي العريق في عزوف الشبان عن مزاولتها وممارستها إلا فئة قليلة منهم، وفي ضياع بعض "صنائعها" في ظل تواترها الشفهي الذي امتد لقرون طويلة، ثم في محاولة الكثير من الموسيقيين العصريين إدخال تحديثات آلية وصوتية وهارمونية عليها؛ مما يزيد في إبعادها عن أصولها الحقيقية. وفي صدد محاولات الحفاظ على الموروث المغربي الأصيل انصبت جهود بعض الموسيقيين المهتمين بهذا النوع من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، حيث صدرت ومازالت تصدر مؤلفات عديدة تطمح إلى أن تعطي لهذه الموسيقى حقها الواجب. في هذا المقام أخص بالذكر كتاب "الموسيقى الأندلسية: التاريخ. المفاهيم. النظرية الموسيقية" (2011) للأمين الشعشوع، وكتاب أخيه المهدي الشعشوع، "ديوان الآلة. نصوص الموسيقى الأندلسية المغربية" (2009)،وكتاب "الموسيقى المغربية الأندلسية- فنون الأداء " (1988) لعبد العزيز بن عبد الجليل، وغيرها من المؤلفات التي تبحث في موسيقى الآلة ذات الجذور الإيبيرية العريقة. وفي نفس سياق الحفاظ على هذا الفن ازدهت في المدة الأخيرة الخزانة الموسيقية المغربية بكتاب في غاية الأهمية والعمق. إنه الجزء السادس من سلسلة نوبات الموسيقى الأندلسية المدونة بالنوتة الموسيقية. ويتعلق الأمر بنوبة الإصبهان؛ واحدة من النوبات الأندلسية الإحدى عشرة التي تكفل بمهمة تدوينها الأستاذ يونس الشامي وفقا لرواية وأداء المرحوم الشيخ أحمد البزور التازي .

يحتوي الكتاب على مقدمتين؛ الأولى للدكتور عبد الهادي التازي، والثانية للأستاذ يونس الشامي. بعدهما نقرأ سيرة للشيخ أحمد البزور التازي: معلموه الذين درس على أيديهم، وخدماته الجليلة التي أسداها للتراث الموسيقي الأندلسي، وأنشطته الموسيقية، وجهوده من أجل توثيق الموسيقى الأندلسية. ليعرج المؤلف بعد ذلك للتعريف ب"نوبة الاصبهان"، ثم تقديم دراسة تحليلية ومقارنة بين "طبعي" الإصبهان والزوركند: في الموسيقى الأندلسية المغربية، وفي الموسيقى الجزائرية، وفي المألوف التونسي والليـبـي، وفي بلدان الشرق الأوسط. بعد ذلك ينتقل الأستاذ الشامي إلى تدوين نوبة الإصبهان من خلال ميازينها الخمسة: البسيط، القائم ونصف، البطايحي، الدرج، القدام.  

وتجدر الإشارة إلى أن هذه النوبة تم تدوينها سابقا من قِبل الباحث الإسباني أرْكادْيُو دي لاريا بلاثين Arcadio De Larrea PalacÍn، في كتاب عنوَنه بـ"نوبة الإصبهان Nuba isbahan"، وقد تم نشره سنة 1956 من لدنInstituto General Franco de estudios e investigaciones hispano Árabe. Editoria MarroquÍ-Tetuàn. ويتضمن مؤلَّف أركادْيو مقدمةً عن هذه النوبة: مفهومها، وطبوعها، وميازينها، وطريقة عزفها، ثم ترجمة نصوصها الشعرية إلى الإسبانية، مع محاولة كتابة النصوص العربية المصاحبة للجمل اللحنية بحروف لاتينية.

واضح أن محاولات تدوين الموسيقى الأندلسية بطريقة علمية مضبوطة أمر في غاية الأهمية والصعوبة. هو اجتهاد من بين الاجتهادات الفنية الأخرى الرامية إلى المحافظة على هذا التراث الذي أصبح مهددا بالضياع والاندثار. يقول المؤلف:

لنضرب لذلك مثلا بتلك «الصنائع الطويلة ذات الحركة البطيئة التي أضحت اليوم مهجورة، لا يقبل على سماعها إلا جمهور ضيق من عشاق هذه الموسيقى، إذ صار الذوق العام يسير أكثر فأكثر إلى الاستماع إلى الصنائع الخفيفة، ذات الحركة السريعة أو الراقصة، الأمر الذي يهدد قسما هاما من هذا التراث بالنسيان». ص 7.

إنه سبب من الأسباب التي جعلت الأستاذ يونس الشامي يحرص أشد الحرص على تدوين "نوبة الإصبهان" ومن قبلها خمس نوبات أخرى وهي:

1- نوبة رصد الديل، وفق رواية وأداء الشيخ أحمد البزور التازي

2-   نوبة رمل الماية، وفق رواية وأداء الشيخ أحمد الزيتوني الصحراوي

3-   نوبة العشاق، وفق رواية وأداء الشيخ مولاي أحمد الوكيلي

4-   نوبة الرصد، وفق رواية وأداء الشيخ مولاي أحمد الوكيلي

5-   نوبة الماية، وفق رواية وأداء الشيخ أحمد الزيتوني

ومن بين الأمور الأخرى التي تُعَرِّض هذا النوع الموسيقي إلى الضياع والتي جعلت الأستاذ يونس الشامي يحرص على تدوينه سمةٌ من سماته الطريفة المتمثلة في العزف من دون مصاحبة أوراق المدونات الموسيقية يقول في هذا الصدد الدكتور عبد الهادي التازي في مقدمة هذا المؤلَّف:

إن«الأجانب يطربون لما يسمعونه، ويستغربون في ذات الوقت من كون هؤلاء "الآليين" يؤدون موسيقاهم دونما حاجة إلى مدوناتها الموسيقية، لاعتمادهم الكلي في ذلك على قوة حافظتهم فقط، وهذه ظاهرة كانت ولازالت شائعة بيننا، تعودنا عليها فلم يعد ينتبه إليها أحد، في حين أنها تبعث على الدهشة والاستغراب في المجتمع الغربي لكون تلك المدونات تعد من وسائل العمل التي لا تفارق الموسيقيين، ويصعب عليهم الاستغناء عنها أثناء تقديم عروضهم الفنية» (ص 3)

ويشير يونس الشامي في مقدمة كتابه إلى عناصر أخرى عديدة جعلته يقْدم على مشروعه الضخم، من بينها: إدخال الآلات التي صممت لأداء أنواع أخرى من الموسيقى الغربية، وأداء المواويل التي لا تمت للموسيقى الأندلسية بصلة، ثم إخضاعها لعلم توافق الأصوات أو الهارمونية. وإذا ما ضممنا العناصر السالفة الذكر إلى بعضها نجد أنفسنا إزاء إشكالات حقيقية من شأنها أن تدعونا إلى صياغة الأسئلة الآتية: كيف يمكن أن نقرّب شبان اليوم إلى هذا النوع الموسيقي؟ وكيف نحبب الناس عامة في الصنائع "الموسعة" مثلا؟ ولماذا يستمر الغربيون في الاستماع والاستمتاع بالسمفونيات والأوبرات رغم طولها وفلسفة معانيها المعقدة؟ ألا يجدر بنا البحث والاستفادة من طرقهم وتأملها من أجل الحفاظ على التراث كيفما كان نوعه وشكله؟ وهل تسهم الكتب المدونة للموسيقى من قبيل "نوبة الإصبهان" في محاولة حل هذه الإشكالات الفنية المعاصرة، ومن ثم تقريب الموسيقى الأندلسية من عموم الناس؟

قد تبدو هذه الأسئلة صعبة الإجابة، لكننا نعلق الأمل على تظافر الجهود المختلفة من أجل إيجاد حل لإشكال الموسيقى الأندلسية راهنا. ولعل المجهود المتميز المتمثل في هذا الكتاب أن يدعونا إلى الارتقاء بهذا النوع الموسيقي إلى مستوى الدرس الجامعي، وهو ما نفتقده في المغرب في ظل غياب كليات التربية الموسيقية، شأن بعض البلدان العربية الأخرى كمصر، وتونس، والأردن، وغيرها. إن من شأن هذا الاقتراح أن يفتح أمام موسيقانا المغربية أبواباً ومرافئ فسيحة، وأن يجعل تراثها يُتداول من لدن فئات عريضة لها تكوين فني أكاديمي عال، وأن ينـزعها من أيدي بعض المتطفلين الذين لا يزيدونها إلا تدهورا. ليس ذلك فحسب، فمجهود الكتاب الذي نقدمه يعطي لهذا النوع الموسيقي أفقا منفتحا على العالم العربي والغربي معا، حيث ستسهل النوطة الموسيقية قراءة الموسيقى الأندلسية وعزفها من قبل أجواق تحمل هويات ثقافية وفنية مختلفة. إضافة إلى أن كتابا مثل "نوبة الاصبهان" يفتح الآفاق على "نقد موسيقي" مواكب ومتخصص، من شأنه أن يسهم في الحفاظ على موسيقانا الأندلسية.

ختاما أوجز فأقول إن "نوبة الإصبهان" كتاب مدونات موسيقية، فيه مجهود علمي وفني رصين يحسب لصاحبه الأستاذ يونس الشامي ولعموم المكتبة الموسيقية المغربية. إني أعتبره دعوة إلى كل الممارسين، والمولعين، والمتخصصين للاستفادة منه، وحافزا لهم من أجل التأمل في واقع الموسيقى الأندلسية المواجه لتحديات الحداثة وعصر العولمة.

دة. سعاد أنقار

قراءة في كتاب "دفاتر خردة فرّوش" للأخرس

دفاتر خردة فرّوش هي أكمال إلى ما فتح الأخرس من سراديب في كتاب المكَاريد. قصص الفقراء أحزانهم وألفوارق ألطبقية ودور ألمثقف، هي أبرز ما يدور عليه كتاب دفاتر خردة فرّوش. كشكول الأخرس يبدأ بعرض حكاياته ومواويله في كتاب ثاني بعد تجربة المكَاريد.

أستخدام كلمة "خردة فرّوش" الفارسية لوصف العودة الى المُهمَل لكنها تفتح شهيتي الى مضمر في أستعارة كلمة فارسية عنواناً لهذا الكتاب.حديث الأخرس يخالطه الكثير من القصص التي تثير قضية مثل التبعيه وتهمة الأصول الفارسية.

كتاب الأخرس لا يقتصر على المكَاريد وحدهم، فهنالك قضايا يتطرق لها الكاتب تخص الطبقة المثقفة والمثقف. فمن اللوم ما يقع على المثقف وليس على الطبقة الحاكمة (هل تخلص المثقفون من هذه اللوثة؟ كلا بالتأكيد فهم أبناء شرعيون للمنظومة عينها. أقول ذلك وأنا أتذكر ضاحكا هجاء الرصافي للعانيين، أغسل يديك إذا صافحت عاني.. ثم أراني أغرق بالضحك من تعريض خبيث لشاعر يكره الأعظمية، الأعظميون لا يوفون أن وعدوا .. والأعظميات لا يخلفن ميعاد!!).

قصص التهويد وما تجود به الأمهات على أطفالهن عند النوم. مورثنا المُشبع بالخوف والرعب. خيال الأمهات التشويقي مليء بالقصص التي أبطالها وحوش وطناطلة. قصص كحمدة وحمد، السعلوة ، هؤلاء أبطال أفلامنا قبل ألنوم. المرأة ليس ناقل لهذا الفلكلور بل هي المخترع لكثير من هذا القصص وهي من يقوم بطنطلة الفلكلور الشعبي. (هذا مشهد معتاد يصطف الى جانب المشهد الفولكلوري حيث تنتاب صغيرك ذا السنوات الثلاث نوبة من البكاء فترعبه الأمة بالقول اسكت يجيك الواوي فيصرخ مرعوبا فتضطر لا أجذب عليك بس اسكت ثم حكاية الليل وهو كما يصفه الاخرس فصل الرعب اذ السعلوة تذبح الناس وتأكلهم والامهات يقتلن أبناءهن بأيديهن ومن ثم يتهمن عماتهن).

بعفوية وبدون مراوغة ينقل الأخرس مآسي الجوع والفقر حتى لو كان هو يثمل دور البطل. لم يمنع الأخرس حاجز العيب (والفشله) عن سرد ما مر به من مواقف جوع وفقر.( ذكريات لا تنسى في الأردن، بعد شهر من مقامي، نفذت الدنانير التي كانت لدي. ثم مرت أيام كأنها "فصل في الجحيم" لا آكل سوى وجبة واحدة ولا أدخن إلا تطفلا على الآخرين في ذات مرة وقفت أمام مقهى السنترال وكأنني أحد أبطال روايات نجيب محفوظ مصفر الوجه شارد الذهن فجأة يظهر الشاعر الصعلوك ماجد عدام: ها محمد شبيك أشو أصفر ماكو شي شويه بردان ينظر لي مليا ثم يقول لك يا بردان مبين ميت من الجوع جم يوم صار لك ما ماكل! ثم يسحبني من يدي الى المطعم ويعشيني).

بعض المقاطع من كتاب الأخرس كأنها نصوص شعرية. هي إعترافات وأن كان كثير من العراقيين سمعوا مثلها ولكنها تمثل مرحلة مهمة من تاريخهم. مرحلة من مراحل الذل والضيم التي عانى منها كثير من العراقين في المنافي وخصوصاً دول الجوار. (مادمت قد فتحت ملف مهني المخزية فلأقف اليوم عند الأعمال التي اضطررت لها في الأردن نعم لقد اضطررت هنالك للعمل اليدوي (المعيب) يعرف بعض ذوي الخدود المتورد، مرة تراني مع شاعر صعلوك نقطف الزيتون في مزرعة في الضواحي وأخرى تجدني أمسك كأسا بلاستيكيا وأشير به لسائقي السيارات أن هلموا يا محبي القهوة فلدينا ما يشبعكم منها. أي وحق من سبب الأسباب ، كانت تلك الأيام أتعس من الحجيم خصوصا في الأشهر الستة الأولى، أي قبل أن تلتقطني المعارضة لأعمل معها).

الأخرس ينحت عباراته ليصنع لنا مأساة من كل شي وهذه مقدرته في النبش. قصه ربما ترد لنا على لسان الجميع لكن الأخرس يصوغها لتبدوا لنا تراجيديا لشكسبير أو جان فالجان في أحد مشاهده. الكاتب يتنقل بين ألطفولة والمقبرة. في الحرب والسلم. عند المسجد وفي حفلة للمنكوب أو عبادي. في الملجأ وعلى الساتر و وحتى في (الكيا) التي أصبحت رمز للعراقيين ومآساتهم فهي تشاركهم حمل موتاهم أو تصبح لهم أفران يتفحمون بها. (فجاة يرن هاتفها فتجيب اسمع الحوار دون إرادة مني فاذا هو زوجها يطمئن انها ذهبت لمشوار مهم بعد بضعة عبارات أسمعها تقول له لمن أوصل وأشوف أكلك ثم تهمس زين شلون؟ كانت حائرة ولم أفهم حيرتها فورا الى أن قالت عود أنت خابرني لأن ما عندي رصيد!)

يشخص الأخرس في كتابه مسألة جفاء الكتاب عن الحديث عن المرأة في قضية غير الجسد ولا يستثني حتى نفسه فجعل الأمر محل أشكال كبير وقع به الكثير من المثقفين فعندما تتجه بوصلة الكاتب الى المرأة يكتب عن جسدها فقط تاركاً عوالمها الأخرى(كتبت عشرات المرات عن المرأة وتنقلت في مراكب أحزانها وخيباتها ولكنني مع هذا لا أنفك عن أشعر بالتقصير إزائها تقصير يحيرني ويجعلني أشعر بضالة ما أكتب إزاء ذلك الهمس المعذب الذي تلوحني أصداؤه بين حين وآخر وبعضها آت من ماضي معها وتحديداً أمي).

ثم يعرج الكاتب على مكنون الأسماء فمرة يذهب الى أن كلمة الزهراء التي ترددها الأمهات وخصوصا من الكبار هي ليست مختصه بفاطمة الزهراء عليها السلام. يعتبر الأسم هو موروث سومري يعود للعباده التي كان يقوم بها أهل العراق القدامى وأن كنت وأن كانت مقارنة الأخرس بعيده، لكنه لا إشكال من طرحه فالموروث هو ما يحاول دراسته الأخرس ولا أشكال أن يكون هذا مصداق من مصاديق الكلمة.

يرى محمد غازي الأخرس أن ألتحول بالأسماء والتسميات وقع وفق المزاج الطائفي في فترة من الفترات.(ثم مع اشتداد الترميز من قبل السلطة وهو ما تجسد في إطلاق التسميات على المدن والمنشآت وفي الاعمال الفنية اشتد التضاد الاسمي ليتخذ بعدا طائفيا بدا كقناع لا يخفى على المتأمل فكان أن شاعت أسماء جديدة في التسعينيات ك زهراء وحوراء وسجاد ). فالأسماء هي نفسها خصوصاً التاريخية منها موجودة ولكن لأن الظرف كان يمنع تداولها. والإ ما علاقة زينب بالطائفية وحوراء الذي يمكن ان يطلق على جميلة العينين. وهذا واضح فمن خلال السنوات الثمانية من الحرب العراقية الإيرانية برزت أسماء كسعد وقيس ومثنى وهذه اسماء كان لها رمزيتها في الحرب مع ايران.

مشاهد الرعب والموت تغلب على ما أتى به الأخرس من مشاهد الفرح. قصة الموبايل الذي يرن على جثة مقتول، المضمد الذي يتذمر لجثة أمرأة وطفلها وهو لا يعلم أنهما زوجته وابنه (كان المشهد مروعا أذ خيل لي أن المتصل ربما كان أباً يريد الأطمئنان على أبنته أو أماً قلق قلبها على وليدها).

لا يترك الأخرس الموضوع يمر حتى تكون صورة أخيه حاضرة ما دام الموضوع هو خاطرة الحرب والموت ومادام مخزون الأخرس هو الذاكرة فيكون إسترجاع شواهد "منتظر" سهلة الأستحضار ودقيقة التفاصيل. (أتذكر الامر وكأنه حدث بالأمس يوم ما في عام 1985 يأتيني أخي ويناولني دفتره ويطلب مني أن أكتب له شيئا ثم ألصق صورة لي قُلت له تريد أن أكتب الأن؟ فقال-بالليل، أكتب شي حلو علمود أصدقائي يقرأوه. كان منتظر الجندي في قاعدة دفاع جوي بأم قصر يكبرني بأربع سنوات وتعجبه كتابتي كثيراً).

 

 

يتكلم محمد غازي الأخرس بصراحة عن تمدين مدينة الصدر بدلاً من نفيها كما نَظّر لذلك بعض الكتاب لذلك وعن العلة في الصراع الطبقي والثقافي الذي تمثله مدينة الصدر كونها نافذه للجنوب العراقي(الخلاصة أيها السادة مشكلتنا تكمن في الثقافات والقيم وليس في الجينات والخصائص الثابتة. ولعل فكرة استبدال أهل مدينة الصدر بأهل المنصور تمتد بأواصر بائسة مع عبارات ترد على لسان عثمان بن حيان، أحد ولاة بني أمية على العراق، لقد فكر هذا الرجل ذات يوم بنفي العراقيين وتوزيعهم في الأمصار، لكنه تراجع عن ذلك خشية من حدوث كارثة. يقول: أني رأيت العراق داء عضالاً وبها فرخ الشيطان. والله لقد أعضلوا بي وإني لأراني سأفرقهم في البلدان ثم أقول لو فرقتهم لأفسدوا من دخلوا عليه بجدل ولجاج وسرعة وجيف في الفتنة" أصحابنا يخشون من تصدري التخلف ولا يفكرون في تمدين الصدر ويا عجبي!)

وعن هؤلاء الذين جاءوا من أقصى الجنوب وسكنوا شرق القناة. يركز الأخرس على قضية مهمة في مسألة تدوين تاريخ هؤلاء المهاجرين. فهم لم يحفلوا بأحد يؤرخ لهم تاريخهم شجونهم وأفراحهم موشحاتهم ساعة الأعراس في العراضة والمأتم (الفضيحة الأخلاقيه والثقافيه-كما يراها الأخرس- انما التمعت فاقعة بعد نزوح الجنوبيين الى بغداد وبروزهم المزري فيها وتكمن في أن أحداً لم ينتبه لهم ولم يتأملهم لا بصورة ولا بفيلم ولا حتى برواية أو مذكرات).

بعد كتابه الأول المكَاريد يتبع الأخرس نفس المسار في دفاتر خردة فرّوش بتقليب أسفار وقصص العوالم السفلية للمجتمع العراقي معتمداً على المشافهة وذاكرته في ترتيب هذه الأوراق من قصص ومواويل بلغة هي الأقرب للمتلقي. مواضيع مثل الخرافة وصراع العشائر لم تأخذ نصيبها الكافي من البحث فجاء كتاب الأخرس ليضع خارطة طريق لدراسة ربما يقوم بها الكاتب نفسه أو كاتب أخر في سراديب أو عوالم الناس السفلية.

 

عقيل عبدالله الأزرقي


 

إذا كنا صادقين في زعمنا أننا نعمل من أجل الناس .. أوراق من بغداد الجديدة لعادل كوركيس

qasim madi"أقلّب الصحفَ اليومية والمجلات "والفيس بوك" كي أجد بعض المبدعين الذين رحلوا عن عالمنا في العراق الجديد الذي أصبح عنوانه "داعش" وهو يسير بخطى التراجع والفساد والقتل اليومي الذي ينتشر يا سبحان الله مثل الوباء في وطن أنهكته الحروب والبطولات الحزبية التي شبعنا منها، ومن الذين رحلوا والذين لم تنصفهم وسائل الإعلام حسب علمي الفنان والكاتب والمترجم المرحوم " عادل كوركيس " ونحن نعيش في حالة من عدم المساواة في كثير من الأصعدة، وكأننا نعيش في شبكة أخطبوطية من العلاقات والمصالح في زمن التقاتل المذهبي والطائفي،والناس كما تعلمون مذاهب ومشارق ولا يمكن أن تكره أحداً على تبني ما تؤمن به قهراً وقسراً كما يقال،وحين تتصفح كتاب " أوراق من بغداد الجديدة " للكاتب والفنان والمترجم " عادل كوركيس " الصادر عن دار" جدل " للكتاب الدائم ويقع في 258صفحة من القطع المتوسط، وهو مقالات في المسرح، تجد هذا المبدع مغيباً تماماُ من خارطة الإبداع العراقي وكأننا في عصر " جوردانو برونو " وكذلك " وغاليلو غاليلي " أحدهم قام بنشر نظرية " كوبرنيكوس " حول دوران الأرض،فسجنه رجال الكنيسة، والثاني راقب السماء بتلسكوب صنعه بنفسه واكتشف أن الأرض تدور حول الشمس فسجنوه،وذلك لم يلتفت إليه أحد لأنه لم يؤمن في اديولوجياتهم المزيفة وأنه لم يكن من كتاب التقارير والمطبيلين في ذاك الزمن المقنن بالحزب الواحد، حتى أنه لم تسلط عليه الأضواء كما سُلطت على الكثير من الجهلة والأميين في زمن التلفزيون الواحد، ظل صامتاً يعمل بهدوء بين الكثير من الشباب المبدعين وهو يقدم بحوثه الفلسفية ومسرحياته العديدة عبر النشر والتوثيق، يقول " السينوغرافيا بين المفهوم والمصطلح " سوء فهم لمفهوم السينوغرافيا ناتج عن عدم معرفة جيدة بأصوله،رغبة في التفرد وخلق هالة خاصة بهذا أو بذاك الشخص ناتج عن الاتكاء على الشكل بالدرجة الأولى مما يؤدي إلى استغفال غير المطلعين بالحد الأدنى،التعلق بكل وارد من دون تمحيص وتفحص واستقباله كأي موضة لا بد من مسايرتها لإثبات أننا " حداثيون " وسائرون في المقدمة من الركب،رغبة مستشرية في التمسك بالشكل والاعتماد عليه وتقديمه على المعنى والمضمون، اذن هذا المبدع يشخص الأخطاء في زمن ميت لا نجد فيه سوى التطبيل والتهريج، فظل معزولاً في سجنه الكبير الذي أسمه " العراق " وكل محاولاته التي أتسمت بإظهار الجمال وتشخيصه عبر آلية الكتاب الذي عمل إليه سوى في كتابة المسرحية أو في البحوث التي أراد لها أن تكون بين أيدينا،وهو المعترض على الكثير من المصطلحات ومنها مصطلح الثقافة، لكن كيف يكون مقبولاُ أو مقنعاً قول ثقافة السلب والنهب، أو ثقافة القتل والاغتصاب،ثقافة العصيان، ثقافة التدمير، وكلنا يعرف الثقافة إلا كونها صفة ايجابية تهدف إلى التشذيب والتهذيب والتربية والصقل ومن أجل إزالة الشوائب الضارة، وبالتالي ظل " كوركيس " الفنان والمنّظر خارج السرب يغني في العراق القديم والجديد لأنه يشخص الأخطاء ولكن لا منادي في زمن الأسفاف والتطبيل، ولأنه يخالفهم ويقول لهم في الحياة ثمة أفعال وأعمال نمارسها على نحو تلقائي من دون التفكير بتصنيفها أوتبوبيها في خانة اصطلاحية معينة من تلك التجربة والتجريب فالتجريبية، وهو بهذا يرشد ويوجه كل العاملين في المسرح العراقي لكي ينهض بالمستوى التنظيري والتطبيقي الذي عمل عليه من خلال نقل تجارب مهمة من الادب المسرحي التشيكي وكذلك القصص والقصائد وغيرها من موضوعات فنية وأدبية، وعلينا نحن أن نستذكر ولو بالشيء القليل هذا المبدع عبر أدواتنا البسيطة التي من خلالها يمكننا توصيل صوته وهو حيُ باق في أذهان محبيه، هذا المبدع الذي ساهم في أكثر من خمسين تجربة مسرحية مابين الإخراج، مخرج مساعد،ممثل، تصميم ديكور ومنفذ، وإضاءة واختيار وموسيقى ومؤئرات صوتية، دعاية وإعلام وإدارة مسرحية وغير ذلك من متطلبات الإنتاج المسرحي وذلك من خلال فرقة مسرح اليوم والفرق المسرحية الأخرى داخل العراق، موكدأ ومن خلال كتابه " أوراق من بغداد الجديدة " الخلل الاستراتيجي في القيم الفنية والجمالية والفكرية في العديد من صفحات الكتاب الذي بين يدي، يقول عنه " عماد جاسم " رحل قديس المسرح " ذلك العاشق للمسرح والقديس الصامت في محرابه،مدمن الخسارات في الحياة والفن، في المهرجانات والتكريمات وحتى في الاصدقاء، لكنه لا يبالي، وأنا مثلك وعلى طريقك، لا أبالي

 

قاسم ماضي – ديترويت

وبعض المعسكرات النائية أفرادها ضباط إيقاع قافية

nadheer khazrajiفي حياة كل إنسان شخصيات تمر من أمام ناظريه، إما كأسماء يقرأها في كتاب، أو تطرق أذنيه، أو يراها عيّاناً أو في شريط أو شاشة، وهي بالنسبة لأمثالنا كثيرة الحدوث، فكل يوم ومن خلال العمل البحثي نتعامل مع أسماء ومسميات كثيرة من هنا وهناك، ومن كل الأصناف واللغات والجنسيات والأديان والمذاهب، فلا يقتصر العمل على لون واحد من المذهب أو اللغة أو الوطن، وهذه واحدة من خصوصيات العمل الموسوعي.

وعندما كنت بصدد كتابة تعريف كشكولي عن دائرة المعارف الحسينية عام 2007م مرّت تحت أناملي وانا أضرب أزرار الحاسوب، أسماء لامعة في سماء العلم والأدب والسياسة وأرباب مدارس فقهية ومذهبية لهم حضورهم على صفحات الموسوعة الحسينية بنحو أو بآخر، ولا سيما في مجال تقريض الموسوعة وراعيها أو كتابة مقدمة لأحد أجزائها، بوصفها موسوعة كبيرة قلّ نظيرها في عالم الدوائر المعرفية وبوصف راعيها نادرة عصره في عالم التأليف تنوعاً وكمّاً وكيفاً.

ومن هذه الأسماء، رئيس جمهورية باكستان الإسلامية السابق قاضي القضاة محمد رفيق تارر الذي تولى الرئاسة عام 1998م والذي كتب في 15/8/1999م تقريضا بحق الموسوعة ومن تدور عليه بيانها ومن يحبّر كلماتها، فمررت عليه وأنا أدبج فصلاً من كتاب (العمل الموسوعي في دائرة المعارف الحسينية)، ولم يدر في خلدي أن ألتقي هذا الرجل أو غيره من الذين يمرون تحت أناملنا، فبعد المسافة حاجز حيث أسكن في جزيرة ويسكن هو آسيا البعيدة، والصفة الرسمية توسع من الشقّة، فهناك موانع عدة لا تجعل من اللقاء أمرا سائغاً لمثلي.

ثم يتبادر الى الذهن التساؤل العريض: وهل يعلم الإنسان الغيب وما يخبئ له القدر؟

بالطبع لا، ولكن القدر نفسه له خاصية الجمع من حيث يعلم المرء أو لا يعلم تماماً كالرزق فإنه ينزل على الإنسان من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب، وهذا ما حصل معنا بالضبط، إذ قادنا التوفيق الإلهي الى باكستان لحضور (مؤتمر الإمام الحسين الدولي الأول على ضوء دائرة المعارف الحسينية) لليومين 15 و16 حزيران يونيو 2013م، وكان يفترض أن يكون الرئيس الباكستاني السابق بين الحاضرين، غير أنّ عامل السن حال دون ذلك، لكن الرجل آل على نفسه أن يكون مضيّفاً للوفد القادم من لندن، فاستقبلنا يوم الأربعاء 19/6/2013م في المجمع الرئاسي في العاصمة الدينية لاهور، ولم يكتف بجلسة الشاي، ولم يرض أن نقفل راجعين الى مقرنا في مؤسسة إدارة منهاج الحسين(ع) التي رعت المهرجان الدولي إلا أن نجتمع معه على مائدة الطعام في جو ساد فيه الحديث عن العلم والعلماء والثقافة والمثقفين والمسيرة الحسينية والوحدة الإسلامية، ولم يعطنا جلوسنا في فترة الشاي مع شخصية جمعت بين وظيفة قاضي القضاة ورئيس المحكمة الباكستانية العليا ورئيس الجمهورية السابق، شعوراً أننا في قصر رئاسي حلّ فيه قادة باكستان منذ استقلالها عن الهند عام 1947م، فالجو العلمائي والعلمي هو الذي ساد يتقدمنا العلامة الشيخ محمد حسين أكبر وهو من الزعامات الباكستانية المرموقة، وعندما شرعت بالحديث عن الظاهرة الأممية للنهضة الحسينية علّق على كلامي قائلاً: (نحن نعتقد جازمين بأن الإمام الحسين(ع) ليس قائداً وإماماً للشيعة فحسب بل هو زعيم الأمة الإسلامية بخاصة والإنسانية بعامة، وقد حمل في كربلاء راية جده رسول الله(ص) وضحى بنفسه وعياله وأصحابه، ولذا فإن البشرية حتى يومنا هذا تذكره وتتذكره، فهو بالتأكيد ركيزة بقاء الإسلام ودوام رسالة محمد(ص)، ولابد لمجتمعات الأرض قاطبة أن تأخذ من سيرة الإمام الحسين(ع) نموذجها الحي وكما هو مفاد قول أحد الشعراء: عندما تستيقظ البشرية من غفوتها فكل أمة تدّعي بالحسين وصلاً وتنسبه لها).

هذه الشخصية القانونية والرئاسية، إستخرج ذكرها من تلافيف الزمن القريب (ديوان الشعر الأردوي) في جزئه الأول للأديب المحقق الدكتور محمد صادق الكرباسي الصادر حديثاً (نهاية العام 2013م) عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 398 صفحة من القطع الوزيري، حيث يتحدث المؤلف عن نشأة الأدب الأردوي في أجواء الهند الكبرى، وعن التشكيلة الرئاسية لدول الباكستان التي نمى فيها الأدب الأردوي.

 

تحت مظلة السلاطين

كشفت وقائع التاريخ ولازالت أن الأدب ينمو بشكل عام في ظل سلطة محبة للأدب، فكلما قرّب الحاكم الأدباء والمثقفين واحترم عقولهم وآراءهم ثقل ميزان الأدب المنثور منه والمنظوم، وهي معادلة طردية محسوسة، نعم قد ينمو الأدب في ظل سلطة غاشمة أيضا ولكنه نمو الفطريات التي تضر ولا تنفع لاسيما إذا كان الأدباء والشعراء يسبحون بحمد السلطان ويسجدون له، فما عاد النمو ايجابيا وصار وبالاً على مسيرة آداب تلك اللغة.

وعند قراءتنا الأدبية والموضوعية السابقة لكتاب (المدخل الى الشعر الأردوي) وهو أحد أجزاء دائرة المعارف الحسينية، أوقفنا الأديب الكرباسي على دور السلاطين في الهند الكبرى في بث الحياة في اللغة الأردوية وتنشيطها، كما أوقفنا على دور الأدب الحسيني المنظوم في حمل الأدباء على تنظيم أسس اللغة الأردوية وتقعيدها ونقلها من لغة منطوقة الى لغة مكتوبة.

وهذه الحقيقة يعود الأديب الكرباسي ويطلعنا عليها عند تقويمه للديوان الذي ضمَّ الشعر الحسيني باللغة الأردوية: (فعلى سبيل المثال فإن الشاعر السلطان علي الأول العادلشاهي هو السلطان الخامس من الدولة العادلشاهية التي كان ملوكها من اتباع مدرسة أهل البيت(ع) وقد حكم سنة 965هـ بعد أبيه السلطان إبراهيم الأول ابن اسماعيل وتوفي سنة 987هـ وكان الأدب الأردوي قد تخرج من بلاطهم ولا غرو أنه ينظم في الإمام الحسين(ع) وليست في ذلك غرابة، بل الغرابة تكمن في قلة النظم فيه(ع) والذي نعزوه إلى الضياع والتلف المتعمد أو الإهمال).

ومن ذلك قول الشاعر السلطان علي الأول العادلشاهي في قطعة من سبعة أبيات بعنوان: "واها واها"، يقول ما ترجمته:

مِـــــــن كــــــرب سيـــدي يبــكي الفــــؤادُ واأســـفـــاهْ

أيها الخـــــلقُ سمـــــاءُ الكون تمطرُ دماً واويلاه

مضى سُلــــــطان الكــــون بــــــعــد أن أمـلى بالآهْ

مــــــن دمِ القــــــلب جفـــــــــونه حُــــــــزناً واويــــــلاهْ

ثم يختم الشاعر السلطان العادلشاهي:

فليســـــمـــع الــــكـــــلُّ أنّ "عادل علي" واغـــــــــمّاهْ

أشهـــــــــراً وسنيناً يقيمُ عــــــــــزاءَ السيدِ واويـــلاهْ

فالسلطان الشاعر الحاكم الخامس من السلالة العادلشاهية الذي حكم في الفترة (1557- 1579م) هو واحد من واحد وثلاثين شاعراً حسينياً ورد ذكرهم في هذا الديوان الذي غطّى الشعر الحسيني في ثلاثة قرون: العاشر والحادي عشر والثاني عشر الهجري، وهم كما يؤكد الكرباسي: (بما لهم من موقع مرموق في الثقافة بشكل عام يمثلون أركان هذه اللغة الفتية إذ كان أربعة منهم من ملوك دولتين قامتا على الولاء لأهل البيت(ع) الدولة العادلشاهية والدولة القطبشاهية).

وفي عهد الحاكم الثامن السلطان علي الثاني ابن محمد العادلشاهي الذي حكم في الفترة (1660- 1672م) كما يشير المؤلف: (نما أبرز شعراء هذه اللغة الفتية).

ومن السلاطين الشعراء الحاكم الخامس من السلالة القطبشاهية السلطان محمد قلي ابن ابراهيم قلي القطبشاهي الذي حكم في الفترة (1580- 1612م)، وفي عهده كما يضيف المؤلف: (برز في عهده عدد من أقطاب الشعر، وكان من المشجعين لإشاعة هذه اللغة والنظم عليها فنظم هو بنفسه الشعر وخصص بعض قصائده في الإمام الحسين عليه السلام).

ومن إنشائه أربعة أبيات بعنوان: "الإئمة في العالَمَيْن"، جاء في الأول والثاني من المقطوعة ما ترجمته:

الأئمة في العالَمَيْن يألمون ويبكون في العزا واحسرتاهْ

لقـــد أجهـــــدوا قـــواهُـــــــــم وأنــــفُسَهم مضــطرين واويــلاهْ

أضـــــــعفتِ الشمسُ السَّــــما من الحـــــــرِّ ذُبولاً واحُرقتــاهْ

اســــــودَّ القمــــرُ تجهُّمــــــــــاً واحـــــــــــترقَ ألمــــــــاً واويــلاهْ

والسلطان الرابع الذي له الدور المشهود في نمو اللغة الأردوية وظهور أدبها المنظوم هو الحاكم الثامن من السلالة القطبشاهية وآخرهم السلطان تانا شاه ابن عبد الله القطبشاهي الذي حكم في الفترة (1672- 1687م)، والذي هو الآخر كما يوثق الكرباسي: (نظم الشعر على هذه اللغة وشجع الآخرين على النظم عليها).

ومن شعره الحسيني قوله في بيتين بعنوان "روضة محمد"، ما ترجمتهما:

يا شبيرُ بستانُ أحـمدَ روضتُهُ الحسـيــنْ

شمسُ خضراءِ حيدرةَ المرتضى حُسيـــنْ

لم هذا الـــدجى وقد كنت شمع الفرقدين

لأهل بيت النبوةِ كـان يضيءُ الحـــسينْ

 

حَمَلة اللغة الأردوية

من الثابت أن الشعر العربي في العهد الجاهلي كان له كبير الأثر في الحفاظ على اللغة العربية، وعندما نزل القرآن الكريم، فإن اللغة الفصحى وفي ظل كلام الله المبين عاشت في كهف قوي حصين يمنعها من الاندثار والضعف والخوار، ولكن لم يمنع احتكاك العرب بالأمم والشعوب الأخرى من بروز العجمة في الأحاديث اليومية، ولكن الثابت ايضا أنَّ اللغة العربية تركت تأثيرها الكبير على اللغات الأخرى، ومنها اللغة الاردوية التي يتحدث بها نحو 350 مليون إنسان بين مسلم وغير مسلم يتوزعون على شبه القارة الهندية من بين 225 لغة حيًة ومحلية متداولة في الهند وحدها.

وكما كان للنصوص المنظومة أثرها في اللغة العربية، فإن الشعر الأردوي كان له كبير الأثر في وضع قواعد اللغة الأردوية، ولاسيما الشعر الحسيني الذي نما بصورة بارزة استدعت معها الحاجة الى كتابته بدلاً من الحفظ الذي يتعرض الى النسيان والضياع، ولأن اللغة الأردوية حديثة نسبة للغات الأخرى كالعربية والفارسية، فإنَّ ما وصلنا من أدبها المنظوم في النهضة الحسينية يكاد يكون قليلاً جداً بخاصة قبل القرن العاشر الهجري حيث كانت اللغة في طور الكتابة والتقعيد، ولهذا كما ينوه الأديب الكرباسي أن ما تم اكتشافه حتى الآن من الشعر الحسيني يرجع الى نهاية القرن التاسع الهجري اذ ظهر شاعر واحد فقط هو الشاعر شاه أشرف البياباني المتوفى في الربع الأول من القرن العاشر الهجري، وهذه الشحة في المنظوم الحسيني هو الذي دفع المؤلف الى وضع الديوان حسب القوافي بمجموع ثلاثة قرون معاً، ولكن الزيادة ستظهر في الأجزاء اللاحقة من ديوان الشعر الأردوي حيث كثر عدد الشعراء بعدما ما أخذت اللغة الأردوية طريقها بين اللغات الحيّة وما عادت لغة محلية ولا بلغة منطوقة فحسب، وزادتها العربية رونقاً كما زادها الإسلام رصانة والنهضة الحسينية كماً وكيفاً.

وبشكل عام فإنَّ خيمة اللغة الأردوية الفتية قامت على ثلاثة أعمدة من الأدباء، وهم الشاعر غلام بن ضياء الدين أشرف البياباني الرفاعي الجالنتي (854- 921هـ) وكان يتخلص في شعره بـ (أشرف) وهو ممّن تلقّى التشجيع من قبل السلطان محمد قلي القطبشاهي، والشاعر شمس العشاق الميرانجي المتوفى سنة 902هـ والذي كان يتخلص في شعره بـ (حاتم) ومن بعده ابنه شاه الميرانجي المتوفى سنة 990هـ والمتخلص في شعره بـ (جانم)، وكما يذهب إليه الكرباسي: (هؤلاء الثلاثة حملوا راية اللغة الأردوية نثراً ونظماً حتى أقاموا عودها وقووا صلبها)، ولعلّ الشاعر أشرف يقف في المقدمة، ومع هذا فإن الأديب الكرباسي لا يقطع بأن الشعر الحسيني يبدأ منه إذ: (نرجح وجود شعراء قبله قد نظموا في سبط الرسول(ص) ولكن لم يصلنا شعرهم).

ومن شعر أشرف البياباني قصيدة من عشرة أبيات بعنوان: "الطفل أصغر" ينشد بما ترجمته:

كنــتُ أرتِّبُ تـــرتــيباً ســــريــــرَ المهــدي

عندمـا هززتُ عليّاً الأصغرَ في المهدِ

حتى يقول وهو يصف حال الأم التي انقطع عنها حليبها بسبب العطش فكان السهم في نحر الرضيع هو آخر الكأس:

غـــــــار حــلـيبُ الأمِّ مـــــــن عـــــــــــطشٍ جــفّا

من رؤية حال الأصغر كانت ترتجف خوفا

رَمَــــــــــــوْهُ بســــهـــــــمٍ أولـــئــــــكَ الفَــــــــــجَـــــرَة

قُســـــــاةَ القلـــــبِ كــــــانـــوا ظالـــــمين كـــــفرة

إذن وحسب استقراء المؤلف فإن اللغة الأردوية المتكونة من 36 حرفاً أصيلاً نشأت بطابعها الأدبي في البلاط الملكي في مدينة دكن الهندية، وكانت نشأتها في الأساس إسلامية، كما أنَّ أتباع مدرسة أهل البيت(ع) وراء نمو وتطوير هذه اللغة، وفي أواخر القرن الثاني عشر الهجري عُرفت بالأردو أي معسكر الجيش أو لغة العسكر الرفيعة، وفي الهند الحديثة اُعترف باللغة الأردوية عام 1947هـ كإحدى اللغات الرسمية، وأصبحت في الباكستان في العام نفسه لغة البلاد الرسمية، وأهم اللغات التي ساهمت في بناء المفردات الأردوية هي: العربية، الفارسية، التركية، المغولية، السنسكريتية، السندية، الملتانية، الكابلية، والانكليزية، اضافة الى لغات أخرى هي الپنجابية والسندية والگجراتية والبنغالية والپالية والپشتوية والفرنسية، كما مرّت اللغة من حيث التسمية في مراحل بدءاً من اللغة الهندية وانتهاءاً بالأردوية مروراً بالدكنية والريختية والهندوستانية.

 

شفرة الألم والأسى

للهلال في تراث كل أمة صور ومعان مختلفة وقد تكون متناقضة في آن واحد حسب العين الباصرة، فالهلال بما هو هلال يمثل الوجه البارز للعيان من الجرم السماوي العاكس لضوء الشمس الخارج من مرحلة المحاق والذي يأخذ منازله من الظهور حسب الأيام حتى يكتمل ثم يأخذ دورته في النصف الثاني من الشهر في الضمور والدخول في مرحلة المحاق حتى ظهور هلال الشهر التالي، وهكذا دواليك، ولكن الأدباء يتعاملون مع الهلال بصورة حسيّة ينزلونه من عليائه الى الأرض، فيكون منجلاً أو خنجراً أو سكيناً أو شفرة، أو خيطاً أو قرطاً تتدلى منه النجوم، أو سريراً تنام على أريكته ملائكة السماء، وأمثال ذلك سلباً وإيجاباً.

وفي التراث الحسيني، فإنَّ الهلال ارتبط لدى الأدباء المرهفي الحس بالشهادة الحمراء للإمام الحسين(ع) وأهل بيته وأنصاره، فيستحضرونه مع بروز صور الألم والعَبرة، وتنغمس الصور والتشبيهات بالقاني من الدماء ويتحول الى شفرة تقطع الأوردة والأوداج.

فالشاعر حسين بهاء الدين غواصي المتوفى عام 1102هـ يتفجر أسى لحلول هلال محرّم، فيخاطب صحبه يذكرهم بالمصاب الجلل للإمام الحسين(ع) المستشهد في كربلاء في العاشر من محرم الحرام عام 61هـ، فينشد ما ترجمته:

واحســرتاه جديـداً، أحبّتُنا علـــينا أطــــلَّ المحــــرّمُ

بآلاف من الأحزان والحسرات ويلاهُ ممّا به نألمُ

ولا يكتفي الشاعر غواصي بالهلال كدلالة على الألم، ولكنه يرى في القمر كل المصاب، فيخاطب الآخر في مقطوعة من تسعة أبيات بعنوان: "قصة كربلاء" ما ترجمته:

كــــيفَ أمثِّلُ لكَ واقـــــعةً حدثت بكــــــربلا؟

مُندهشاً أطوفُ حول نفسي نادباً مُبتلى

فيرى أن الأجرام السماوية كلها مندهشة بين بكاء وعويل لما حلّ على سبط النبي محمد(ص) في عرصات الطف، فيعلن ما ترجمته:

القمرُ المضطربُ بكربه العظيم يرى أن عُمرَه صار هباءا

ومــــــــــن أجــــــــل جللِ مصابـــــــه النــــــــجومُ أجهشنَ بكاءا

ويشبّه الشاعر محمد رفيع بن محمد شفيع سودا الدهلوي المتوفى سنة 1195هـ، في مطلع قصيدته الرباعية من 24 بيتاً هلال الشهر بالشفرة القادرة على جرح قلب الدهر وليس قلب الإنسان فحسب، فينشد ما ترجمته:

ليس هذا هلالُ محرَم في هذا الشهر في التاريخ قد جرى

وإنمــــا هـــــــو شفـــــــــرةُ محــــــرّم جــــــرتْ على الكــــون أمْرا

هـــــــــذه شفـــــــــــرته ستجــــــرحُ قلـــوبُ الدّهـــــر بمــــا يَتــرى

حيثُ لا ينفـــــع مـــــــع الجـــــرح خياطةٌ ولا بلـــسمٌ يشفيــه

وهكذا يتفنن الشعراء في توصيف الهلال بما يناسب الفاجعة الأليمة، ويساعدهم في ذلك طبيعة الهلال كجرم علوي يراه كل إنسان من الطفل حتى الكبير، وهو منطبع في الذهن ويرى في أول الشهر وآخره بالعين المجردة، أي أن أعين الناس تطاله فضلاً عن تأثيراته على الإنسان نفسه في المدّ والجزر وغيرهما، فهو إذن مرئي ومحسوس ومعاش، ولذلك يسعى الشاعر من خلاله أن يجعل واقعة كربلاء حيّة في النفوس يتجدد موسم العزاء في كل هلال محرّم، مثلما يتجدد موسم الصوم والقيام والعبادة مع ظهور هلال شهر رمضان.

وهذا المعنى تؤكده الدكتور ليودميلا ماثيوز عند كتابتها مقدمة باللغة الانكليزية عن الجزء الأول من ديوان الأردو ملحق بنهاية الكتاب وهي تتحدث عن (المرثية) في الأدب الأردوي المنظوم، وفي نظرها أن: (المرثية من الأنواع الفريدة في الشعر الأردوي، ومحوره استشهاد الحسين، وهي اليوم تمثل جزءاً أساسياً من المجالس التي تقام في باكستان والهند خلال العشرة الأولى من شهر محرم)، وعبّرت الدكتورة ليودميلا ماثيوز وهي من أوكرانيا مقيمة في لندن عن تصورها تجاه النهضة الحسينية من خلال المعايشة اليومية خلال وجودها للتدريس في الهند الكبرى وفي المملكة المتحدة فتقول: (لم أر شخصية في تاريخ البشرية أعظم من الإمام الحسين حيث فرض احترامه ليس على قلوب أتباعه فحسب بل على قلب كل محب للإنسانية والحرية) واكتشفت من خلال عملها كاستاذة وباحثة شاركت زوجها المستشرق البريطاني ديفيد ماثيوز في السفر الكثير والعمل في مجال تدريس اللغة الأردوية والترجمة: (ليس هناك أمة أو لغة على وجه الأرض لم يُكتب بها عن الإمام الحسين وأنصاره الذي استشهدوا في كربلاء، فواقعة كربلاء حية في مؤلفات الكتاب من أنحاء العالم في مجالي الأدب المنثور والمنظوم).

وعبّرت الدكتورة ليودميلا ماثيوز عن قناعتها: (إنّ الموسوعة الحسينية التي ألفها الشيخ محمد صادق الكرباسي هي عبارة عن مجموعة فريدة من المعارف والتحقيقات في موضوعات شتى محورها الإمام الحسين، ولا يوجد محور معرفي له علاقة بالامام الحسين لم يطرق بابه، فالموسوعة شاملة لكل المحاور)، وهذا ما قادها الى القول: (اطلعت على الجزء الأول من ديوان الشعر الأردوي من هذه الموسوعة العظيمة، فوجدت أن المؤلف على دراية كاملة بما يكتب عن الأدب الأردوي بلسان عربي، ما يدل على أنه ذو شخصية فريدة وقدرات هائلة ومعرفة فائقة بما يؤهله للبحث في هذا الموضوع الذي يتناوله، فهو عالم في الفلسفة والتحقيق والفقه والكتاب المقدس (القرآن) والتاريخ والتفسير وكل العلوم اللازمة التي لها علاقة مباشرة بالنهضة الحسينية بما يحقق الخلود للأبحاث والمعارف التي يتناولها في موسوعته).

وهذه حقيقة لا مراء فيها يدركها كل من احتك بالمؤلف، قصرت المسافة أو طالت.

 

الرأي الآخر للدراسات- لندن

آراء نقدية في كتاب: الفن التشكيلي .. قراءة سيميائية في أنساق الرسم للدكتور بلاسم محمد..

hekmat mahdijabarوقع في نظري كتابا للأستاذ الدكتور (بلاسم محمد) يحمل عنوان (الفن التشكيلي .. قراءة سيميائية في أنساق الرسم). وقد صدر الكتاب منذ خمس سنوات وبالتحديد في سنة 2008 عن دار مجدلاوي للنشرالتوزيع في الأردن. وقد اثارني عنوان الكتاب لأنني رأيت فيه يحمل عنوانا لموضوع يناقش تخصصي الدراسي العلمي وهو الفنون التشكيلية.وبالتحديد فرع الرسم.

جاء في مقدمة هذا الكتاب جملة من ملاحظات المؤلف وهي ملاحظات جديرة بالأهتمام وبالمتابعة.وقد قمت بتلخيصها على شكل نقاط:ـ

1 – أشارات الى ما شهده القرن العشرين من تناول الباحثين والمتخصصين والفنانين الى جميع الظواهر الفنية في العالم والتي اعتبرها (مرحلة المحك) الفاصلة بين فترتين.فترة اعتبرها الرائدة والتي شملت المنجزات الأولى المعروفة في مسيرة وتأريخ الفنون التشكيلية عامة والتي ترسخت في الأذهان عهود من الزمن.وفترة جاءت ساعية لتحديد أسما جديدا لها .سماها بـ (المواجهة) لتلك المنجزات الأولى (الراسخة).    

2 – عاش تاريخ الفن التشكيلي اشكال من الصراع بعضه هاديء وبعضه صاخب.بأعتبار أن الفترتين الزمنيتين كما جاء في الفقرة واحد هي صراع من أجل الانتقال من هوية الى هوية أخرى في الفن التشكيلي.وما الهوية الجديدة في الفن التشكيلي الا مرحلة تتطلب رؤية وقراءة ومفهوم بجدة عالية.

3 – وذكر أن البحث في الفنون التشكيلية (دائما يتضمن الخطر)، لأن كل جديد يعتبر مشاكسة وهو كمحاولة من أجل احداث تغيير في مفاصل الفنون التشكيلية من ذوق ومفهوم ورؤية. تلك التي رافقت مسيرة الفنون التشكيلية عبر عمرها الطويل.

4 – أشارالى قضية (النقد الفني) في الوطن العربي وأعتبره انه ظل (خارجا عن موضوعه الذي هو في أبسط تعريفاته تفسير الاعمال الفنية). ليكتفي بـ (الأطار) فقط .بحيث كانت محاولات تحليل اللوحات الفنية محاولات ضعيفة قياسا لحجم المنجز الابداعي العربي.وراح النقد باتجاه الذوق الفردي للمتلقي القاريء والمشاهد تحت حجة ان الفن غير عقلاني يجب أن يترك للقاريء ليتذوقه كما يمليه عليه ذوقه.وهكذا فأن النقد الفني ظل في حدود العموميات والسرد التأريخي والانطباعات الشخصية والانشاء اللغوي والتكرار.لذلك كان لابد من مواكبة التقدم في النقد الفني العالمي ومراجعة مناهجنا النقدية وايجاد طرق تحليل جديدة متونا ومصطلحات ومفاهيم.

ولازلنا في فقرة النقد الفني التي اشار اليها المؤلف حيث يقول:ـ بأن دراسة الفن يجب أن تركز اولا على العمل الفني ذاته (اللوحة). وقد ظهر منهج نقدي في فرنسا يعتمد شرح (اللوحة) وفي المانيا ظهر منهج (التحليل الشكلي) وفي روسيا منهج (الشكلانيين) وفي انكلترا منهج اختراق اللوحة ومن ثم المنج البنيوي والسيميائي والتداولي والتفكيكي ...الخ.

5 – ومن هنا أستدرجنا المؤلف ليضع تلك الأسباب مع ظهور التيارات الحديثة دافعا له ليعين بحثه في منهج نقدي فني وهو علم العلامة (السيميائية) معتبرا اياها بأنها ربما تكون منهجا يمكن أن يقود الى (أبعاد جديدة داخل المنتج الفني) على حد قوله. وكذلك جعل منه بأنه منهج فيه امكانية كبيرة للتطبيقات النقدية والفكرية ليس في مجال فن الرسم وأنما يتعداه الى الخطابات الفلسفية والأدبية والأجتماعية والثقافية الأخرى.ويقول أيضا: أن (السيميائية) كما حددته (جوليا كريستيفا) بأمكانها أن تعد انظمة شكلية مماثلة لأنظمة أخرى.

وهكذا حدد الباحث الأهمية المميزة (للسيمياء) بمايلي:ـ

أ – لدى تطبيقاتها النقدية لاتتوقف عند حدود تحليل بنية العمل الفني انما تكشف دلالاته فتجعله خطابا آخر بمستويات معينة من الدلالات فتمنح العمل الفني عمقا فكريا جديدا.ورغم ان تطبيقات (السيميائية) على حد قول الباحث ظلت محدودة لكنه أشار الى دور (موكا فسكي) الذي قدم دراسة حول الفن معتبرا أياه (كواقع سيميائي) لكنه واقع مازال غير واضحا.

ب – اما في الواقع الفني العربي، فأن الأشتغال بـ(السيميائية) ظل محدودا على الخطاب الأدبي اللغوي.لذلك ترى هذا المنهج في القصة والشعر والرواية .فضلا عن وجود دراسات نظرية عن علم السيمياء.اذن هي قليلة في مجالات الفنون الجميلة ولكننا قد نراها في المسرح كما اكد ذلك (عادل فاخوري) فيما يخص حركات الممثلين والأيماءات .

ج – يقول الباحث أن فن الرسم ظل بعيدا عن السيميائية.بل تهيب النقاد من دراسته على أساس (سيميائي) فضلا عن خلو المكتبة العربية من دراسات متخصصة في ميدان الفن التشكيلي وخاصة فن الرسم .ويوعز خوضه لهذا العمل الفكري الفني وربما النقدي في هذا الكتاب الى كل تلك الأسباب.فيقول:ــ

أن التصدي لهذا الموضوع أمر مهم، فعسى أن يكون بداية لدراسة فن الرسم ومن التأسيس لمنهج قراءة من نوع آخر، وأيجاد أسلوب في معرفة النظم والأنساق التي تتحكم في الحقبة الفنية التي نتصدى لها.

ومع انه خاض في هذا الموضوع لكنه اكد على انه موضوع ليس بالهين تناوله.وهو من الناحية العلمية (محفوف بالمخاطر) والمزالق اذ يتطلب من منجزها المشاركة في كثير من العلوم، ومن ثم فقد واجهتنا صعوبات متعددة في صياغة كل فقرة منم فقرات هذا البحث.فحاولنا تذليلها ما استطاع لأسباب تتعلق بمشكلة التأسيس ومشكلة المصطلح الذي لم يعتد عليه القاريء ومن ثم صعوبة مصطلح الرسم نفسه بكونه منظومة غير عقدية يتطلب تحليلها كثيرا من التجريد.

ويقول الباحث في مقدمته: أن هناك مشكلة في صعوبة (ألأيصال) في مثل هكذا بحوث.لكن الرغبة في التعلم والبحث المتواصل كفيلان في في تذليل عملية (الأيصال) تلك.وربما يتمكن القاريء العام والمتخصص من فهمه وأدراكه.

وبعد قراءاتين للكتاب وجدتني قد عانيت من صعوبة الفهم والتعب في أدراك ماجاء به الباحث.لكنني أصريت على اختراق تلك الصعوبة لأقرأه مرة ثالثة.فوجدت ان أستاذنا الفاضل بلاسم محمد قد أكد على تطبيقات سيميائية على فن الرسم، وتقنيات اللوحة المعاصرة وآلية تنفيذ مفردات عناصر العمل الفني التشكيلي الحداثوي.

وقد جاء الكتاب بلغة معاصرة فيها من العلمية والفلسفية أكثر من السرد التأريخي أو النقد الفني التقليدي.وقد افرط في استخدام المصطلحات والنصوص العبارات الصعبة الفهم حتى اكاد أن اقول اني عندما أروم شرحها كأني أقوم بترجمتها من لغة أخرى لتعقيدها.وربما كانت الدوافع التي جعلت الباحث أن يستخدم تلك المصطلحات والعبارات الصعبة ناتجة عن حرصه على الأسلوب الفلسفي الرصين أو أمانة النقل العلمي لما جاء به المتخصصون من نقاد وباحثون غربيون وعرب.فضلا عن انطلاقه من كوننا نعيش في زمن يتطلب التجديد والتحديث في طرائق ومناهج البحث الجديدة التي تستدعي استخدام مثل هكذا لغة.

 

رواية إصرار لبوشعيب الساوري اسمها هشومة

shoayb halifiالسيرة الإشكالية: تأتي الرواية الثانية للكاتب المغربي بوشعيب الساوري "إصرار"، بعد نص سابق (غابت سعاد) لتأكيد إصرار الكاتب على الاحتفاء بالحكاية والحفر في تفاصيلها المنسية انطلاقا من شخصية المرأة وهي تروي حكايتها لإضاءة جوانب ساخنة من طفولتها القاسية، وما تعرضت له من جروح وجودية تركت في نفسها ألاما فائرة بمشاعر متناقضة من الحب والكراهية، مشتتة في تفاصيل شخصية بين ثلاثة فضاءات : البيت بما يمثله من ضيق وتوتر ؛ والمدينة (كنيخ = ثلاثاء سيدي بنور) بأزقتها ودروبها حيث التسكع والصراع من أجل كسب لقمة العيش ؛ أما الفضاء الثالث فتمثله خزائن الماضي الملآى بحياة متقلبة وعابثة لأبويها في فضاءين آخرين : فنطاسة والكوارط .

وبالتناوب مع حكايتها التي رسمت فيها أنين جروحها، تستدعي الراوية شخصية هشومة، وبإصرار، ما ميّز حياة والديها من خصام دائم بعد قصة حب مليئة بالمفاجآت . كما تستدعي فضاء كنيخ، مدينة مركزية في الحكاية، وما يحيط بها من فضاءات للبؤس تأوي عالم البؤساء والمهمشين .

وقد اختار المؤلف أسلوب السيرة الإشكالية على لسان هشومة الساخن، وذلك لكي تفهم ما جرى وما يجري في بيتهم أولا، وفي المجتمع ثانيا، ولكي تتخلص من حاضرها وتحوله إلى ماض منبوذ، وقد قررت الابتعاد عن كنيخ، عبر اختيار السفر وما يحمله من شعور عام بالتطهر، وآخر مزدوج يزاوج بين الحنين والضجر .

كما اختار الكاتب تقنيات ثلاث بارزة للبناء الجمالي العام للرواية، تمثلت في تقطيع النص إلى 33 مقطعا مشهديا، وفي إتباع أسلوب التناوب بين أنا هشومة وأنوات الآخرين؛ مثلما لجأ المؤلف إلى اختيار حفلت به كل المقاطع وهو تلك التمهيدات التأملية في القضايا التي تطرحها الرواية .

 

مرآة العتبة

لا يمكنُ، في أي تحليل، الاطمئنان إلى نتائج بحث حول علاقة الغلاف بدلالات النص، خصوصا إذا ما تعددت الطبعات . لكننا في رواية إصرار نجد ما يغري بالنظر إلى تلك العلامات المتبادلة بين غلاف يُمثل صورة امرأة بلباس أبيض على كرسي اعتراف وسط السواد، وبين هشومة كما تتجسد في الرواية وهي تتكلم بتلك الجرأة في اثنين وثلاثين مقطعا من الرواية، فيما جاء المقطع الأخير عبارة عن نهاية مُطابقة لتلك الصورة وهي تقول: "وضعتُ حكايتي على مائدة الأكل وانسللتُ مغادرة أحث الخطى باتجاه المحطة " (ص135.).

هل تريد هشومة / الصورة إخفاء وجهها أم ندوبها الوجودية ؟ أم أن هشومة / الحكاية تسافر لتنسى وأن الكتابة، باعتبارها تخييلا ووعاءً سحريا، هي علامة مجازية للخلاص؟.

نفس الشيء في الاستهلال الوارد ببداية الرواية، مقطع من أغنية شعبية لناس الغيوان يختزل ما سترويه هشومة، التي تقول كلامها لترحل في زمن الحزن والدموع والمرارة .

كل شيء في رواية " إصرار"، ومنذ البداية : عنوانا وغلافا واستهلالا يؤشر على أن النص يحكي عن محنة بأسماء متعددة، انطلاقا من حياة اسمها هشومة، بصوتها حول علاقة حب مزدوج للحكي، حب عنيف على حافة الكراهية . حب وكره، في آن، للمدينة ولوالديها، فهم جميعا في أزمة وتوتر وحقارة .

-غابت سعاد، رواية، دار أسامة، الجزائر 2008.

- إصرار، رواية دار الألمعية، الجزائر 2011.

الشاعر التونسي لطفي السنوسي يصدر باكورته الشعرية "قصائد من سراب"

481-lotfiصدر مؤخرًا للشاعرالتونسي لطفي السنوسي باكورته الشعرية تحت عنوان "قصائد من سراب"

وذلك عن دار المعارف للطباعة والنشر بمدينة سوسة

الشاعر من مواليد يوم 11 جويلية 1971 بالمرسى وهو أصيل مدينة الهوارية من ولاية نابل.

متحصل على شهادة الأستاذية في الرياضيات و الأستاذية في الفيزياء والكيمياء و شهادة الدراسات المعمقة في الميكانيكا التطبيقية و شهادة دكتوراه في الفيزياء من جامعات تونس.

- باشر التدريس سنة 1996 كأستاذ تعليم ثانوي في اختصاص الرياضيات ثم كأستاذ جامعي في اختصاص الفيزياء

481-lotfi- باحث في مجال الطاقات المتجددة.

- عضو مخبر بحوث وتكنولوجيات الطاقة بالقطب التكنولوجي ببرج السدرية

- عضو نقابة كتاب تونس

- رئيس نادي الشعر أبو القاسم الشابي بتونس الذي أسّسه الشاعر التونسي الكبير سوف عبيد ومقره اتحاد الكتّاب التونسيين

- صدرت له العديد من المقالات العلميّة في مجلاّت عالمية وله مشاركات في مؤتمرات عالمية

- - اسهم الكاتب بمقالاته و آرائه السياسية في عدة صحف تونسية وعالمية : القدس العربي - العرب اللندنية - الوسط التونسية - المثقف ...

وله بانتظار النشر كتاب : ثورة وبعد (مجموعة مقالات وآراء سياسية)

في تقديم لهذه المجموعة الشعرية، يكتب الشاعر التونسي سوف عبيد:

ذلك الذي جاء إلى نادي الشعر أبو القاسم الشابي مساء ذات يوم مُريدًا وقرأ من كرّاس له ما تيسّر من القصائد ظل حريصًا على الحضور والمساهمة وكان حريصا أكثر على تقبّل النقد وحتى الانتقاد ليطوّر من نصوصه في كل مرة حتى بدأت تلوح فيها علامات البواكير المبشّرة

ذلك الذي جاء يسعى إلى الشّعر هاهو اليوم يتهيّأ لإصدار ديوانه الأوّل وقد اِنبرى له بعزم فتجاوز مرحلة البدايات ليمضي بخُطى راسخةٍ على الدّرب الطويل ـ وما أمتعه من درب ـ ذلك الذي يبدأ بالقدرة على اِستعاب منجزات السابقين و بمَلء الوطاب من شتّى الجواهر في الآداب الأخرى ليمتلك ناصية الإضافة والتجديد كي يتسنّى له بعدئذ الاِبتكار ثم الإبداع وما أدراك ما الإبداع.

ذلك الذي جاء .. جاء من المخابر والمُعادلات حيث كل شيء بمقدار وحُسبان فمن دقائق العلوم جاء ومن صرامة قوانينها الثابة نهل ليُبحر في خضمّ الوجدان ويُحلّق في فضاءات المشاعر ويمتطي صهوة الحرف ليلحق بركب قافلة الشعراء تلك التي سار فيها منذ القديم أمثاله من الذين نهلوا من العلوم فبرعوا فيها وجَنَحُوا أيضا إلى الشعر فحلقوا فيه بجميل القوافي وما رباعيات الخيام إلا أحسن دليل على أن العلم ليس ضدا للشعر بل هو صنوُهُ.

في قصائد لطفي السنوسي تشعر بصدق المُعاناة ووهْج المُكابدة وتتلمّس ثنائية الحبيبة والوطن وتتراوح بين سياقات التراث وضراوة الواقع لتجدَ نفسك بين الآلام والأحلام

أليس الشعرُ مكاشفةَ الرّوح ؟

تحولات الرواية بين بنى التحديث وأنساق التراث كتاب جديد للكاتبة سعيدة تاقي

479-saidaصدر حديثا للكاتبة والناقدة المغربية سعيدة تاقي عن دار النايا السورية، كتاب نقدي بعنوان "تحولات الرواية بين بنى التحديث وأنساق التراث". تزاوج فيه الكاتبة بين المقاربة النسقية ومداخل الفهم والتأويل، لدراسة منظومة التحوّل التي تشيّدها الرواية المغربية في تحقُّـقاتها النصية، قصد تأويل ذلك التحول فكرياً ووجودياً.

479-saidaتقول الناقدة في مدخل الكتاب "إن انتقاء الكاتب الروائي لهوية إبداعية، يقدِّم في ضوئها نصَّه الروائي، ويخاطب عبرها قارئه المفترض، تجعل ذلك العمل الأدبي تحققاً نصياً محكوماً بفهم إبداعي مُسبَق. وهكذا يُدفع النصُّ إلى التداول في سوق القيم الإبداعية بوصفه نتاجاً أدبياً فريداً. بيْد أنّ ذلك النص موسوم سلفاً - في ظل الفهم الإبداعي الخاص الذي صدر عنه - بتعالق جـــدلي مزدوج؛ يتوسطه الـــنص رابـــطاً من جهة بين عالَــــمه النــصي وعالَــــمه المــــرجعي، ومحاوراً من جهة ثانية بجنسه الأدبي الكينونة في العالم."

 

صدور كتاب تدابير الحماية الدولية للمتلكات الثقافية والصحفيين للدكتور محمد ثامر

480-thamirمن بيروت ومن دار العاتك صدر كتاب تدابير الحماية الدولية للمتلكات الثقافية والمدنية والصحفيين للدكتور محمد ثامر وهو تسلسل الخامس والعشرون في مؤلفات الدكتور التي تنوعت بين القانون وحقوق الانسان والادب والفقه.

480-thamirويضم الكتاب دراسات ميدانية لحجم الدمار الذي لحق الممتلكات الثقافية والمدنية العراقية والصحفيين العراقيين وخلص الكتاب الى مسئولية الولايات المتحدة وحلفائها عن تللك الاضرار استنادا الى المواثيق الدولية المرعية .

حميد سعيد يكتب عن الشعر: الإبداع .. هل هو الخيال أم ذاكرة الجسد؟

zayd alheliتوقفت كثيرا، عند عبارة كتبها الشاعر الكبير حميد سعيد في مقدمته القصيرة لكتابه الجديد الصادر حديثا المعنّون (عن الشعر) هي "لاحياة لي من دون ان اكتب وما اكتب" وقد صدق شاعرنا المجيد، فأنني على مدى عقود معرفتي به، لم اجد لديه الذ من الكتابة، بل هي مبكاه، وسروره، واظن إنها متعته الاشهى، ولعلها الفعل الوحيد الذي عشقه .. وهذا القول على مسؤوليتي الخاصة، بأن التخيل هو جزء من كتاباته، لان الكتابة بكل صنوفها في رأيي، هي اصلا قائمة على لعبة اللغة والخيال، ولا يستطيع المرء، ان يصنع شيئا بدون " التخيل " .. والخيال يفترض العقل والناس.. وتلك احدى ميزات حميد سعيد..

كتاب حميد سعيد (عن الشعر) هو بعض ما كتبه في قضايا الشعر في الصحف خلال مكوثه في عمان، لاسيما عموده الثقافي الذي واصل كتابته طويلاً في الزميلة " الرأي " الاردنية، وما كتبه في حالات محدودة في صحف اخرى .وانني اجد ان من حقه ان ينظر ويكتب عن الشعر، فخمسون عاما ونيف من مزاولة كتابة والشعروالتأيف والمقالة، جديرة بأن تضع بصماتها في محيطنا الثقافي .. والاستاذ حميد سعيد كما أراه، يعيش الى جانب الكلمات بمختلف مساراتها، فهو يستنفر المعاني المحجوبة ويزيح حدود معانيها. ويقتحم تدريجيا أراضيها المجهولة. فالمعني عنده، لم يعد يحدث دفعة واحدة، بل صار يحدث بجرعات أو هو بالأحرى مؤجل دائما وباستمرار. أي ما سينقل الكتابة من وضع المعني الى وضع الدلالة .

شكل من الإيحاء..

وكتاباته في الشعر وعنه، مثل جراح، حاذق امام حالة مرضية، يعرف خفاياها، فهو يمتلك ثقافة شعرية، وادبية، مكنته من أن يقف على أرض صلبة في ميدان الشعر وارهاصاته.

ولاشك ان الكتابة في حياة حميد سعيد هي شكل من الإيحاء، وجنس من التكثيف.. وقراءاته مُسايرةٌ لهذه الكتابة، والتناص مع نصِّها ؛ بملء الفراغ وقراءة الغائب، وتمثل ماوراء ظلال دلالة الكلمات: من خلال النص الماثِل الذي هو شبكةٌ من الثيمات المركبة التي يحلُّ حاضِرُها على غائبها، وراهِنُها على غابرها . فليس النصُّ، في النهاية، إلا شبكةَ العلاقاتِ القائمة على تبادلِ السماتِ الابداعية .

في مقدمة كتابه ذكر، أنه خطر له أواخر سنة ٢٠١٢ وأوائل ٢٠١٣ مراجعة كل ما له علاقة بالشعر، وكان أيام ذاك في حالة انقطاع عن كتابة الشعر، كما هو الحال كلما انتهى من كتابة مجموعة شعرية جديدة وأعدها للنشر، ويذكر أن هذا الانقطاع كان بعد أن الانتهاء من كتابة مجموعته الشعرية (من أوراق الموريسكي) التي صدرت في عمان مع إطلالة سنة ٢٠١٣ .. وبين في مقدمته أنه راجع الأوراق التي أشار إليها واختار منها كل ما له علاقة بالشعر وما كتب للصحافة عن الشعر وقضاياه وخطر له، أن يعيد كتابتها وأن يجعل منها مشروعاً لكتابه، وبصدقه المعروف، يقول في المقدمة أن ما كتبه في الفقرات جميعاً يشكل وجهة نظره في جوانب من الشعر وكثير من قضاياه، ويضيف أن جميع ما كتبه أفقه واسع مفتوح على الاعتراف والاعتراض والأسئلة.

في كتابه نقرأ : من النادر أن تحاور شاعراً ممن يكتبون الشعر بالنيات، وأحياناً ممن يمتلكون مقومات الكتابة الشعرية، من دون أن يتناول الحوار قضية النقد بن منطلقات تباين في زوايا نظرها إلى النص ونقده، غير أنها تلتقي في نقطة إحساس الشاعر بالحاجة لمن ينقد قصيدته، حتى أن مجرد نقدها يمنحها جدارة الإبداع، وهنا يحضر سؤال طالما تكرر هل يفيد الشاعر من النقد، أم أن النقد مجرد وسيلة للفت انتباه المتلقي إلى وجود القصيدة المنقودة وجدارة شاعرها؛ وهذا السؤال يقود إلى سؤال آخر، هل يصدر اختيار الناقد للنص المنقود عن موقف موضوعي، لها دخل لما هو ذاتي؟

أو يتحدث في مكان آخر عن التراث الشعري العربي فيقول في الحياة العربية قبل الإسلام كانت الملامح العربية الأساسية لصورة الشاعر العربي تظهره بمظهر الحكيم والمثقف، وصوت الجماعة، القبيلة أو العصبية أو القرابة، ويعطي الشعر قائله منزلة تضعه بين وجهاء قومه وأهل الرأي فيهم.

غير أن هذه الصورة العامة لم تكن بلا استثناء، وإذا كان زهير ابن أبي سلمى هو الأقرب إلى هذه الصورة ومعه على سبيل المثال لا الحصر: لبيد والحارث بن حلزة وقيس بن الخطيم فإن صورة الشاعر المتمرد الجامح لم تكن غائبة عن عالم الشعر والشعراء، وذلك الملك الضليل وطرفة بن العبد، وعمرو بن كلثوم وسحيم، والشعراء الصعاليك.

 

ثقافة سطحية وساذجة

أما بدايات عصر النهضة فقد كان فيه الشعراء رواد التجديد على مختلف الصعد، غير أن إطلالات العربية على الثقافة الغربية في الغرب وبخاصة في القرنين الماضيين في أوساط كانت ثقافتها سطحية وساذجة، فقد خلقت ارتباكاً في صورة الشاعر حين اشتغلت ثقافة الإشاعة الخاضعة للانبهار والتبسيط على ترويج صورة كاريكتيرية للشاعر في هيئته وتصرفاته وحياته الاجتماعية وجعلته باستمرار بعيداً عن أي فعل إيجابي والتزام أخلاقي أو عملي، لذا كان التركيز على ما هو اجتماعي لدى بودلير ورامبو وفيرلين وآرتو، وضعف التركيز على ما هو إبداعي لديهم، حتى ظن البعض أن الإبداع توأم الفوضى وعدم الالتزام والتشرد، واستمعت يوماً إلى أستاذي د. علي الزبيدي يتحدث قائلاً: في مرحلة دراستي بفرنسا في الخمسينيات، زار باريس شاعر عربي ورافقته إلى حيث يذهب إعجاباً به، وكنا يوماً على مقربة من مقهى فقلت له: هنا يجلس جان بول سارتر، فأحب أن يراه، وحين اقتربنا من مدخل المقهى، حاول الشاعر أن يعبث بقيافته، ليظهر بالمظهر الذي شاع عن صورة الشاعر.

وفي قراءة ماوراء سطور حميد سعيد، نستشف إن الرؤيا الشعرية لديه صلبة وعميقة ونافذة، وهذه الرؤيا لم تكن تحمل القوة والانسياب حلماً فردياً منعزلاً عن الواقع القومي والإنساني الحضاري، وهي رؤية أسهمت في عودة الجذب إلى الفعل الشعري. وحققت شعريته معادلة صعبة هي القوة والانسياب .

ويرى الشاعر أن الحديث يستمر عن المصدر الأساسي للإبداع، وبخاصة على صعيد الكتابة، هل هو الخيال أم ذاكرة الجسد؟ فيجيب : يختلف القائلون في هذا الشأن، بين من يفرد الخيال كمؤثر وحيد وبين من يذهب إلى القول إن تجاوز الذاكرة ضرب من الوهم، ويبالغ بعضهم في هذا الاتجاه، إلى أن يعد ما هو متخيل ليس سوى خيانة ثقافية، ويدعي بعض الكتاب أن تجربته في الكتابة نتاج الخيال الخالص، ويظل مثل هذا الحوار وما ينتج من خلاف بين رؤيتين أقرب إلى عناد الجهلاء وفقراء الخبرة وفاقدي وعي التجربة؛ فالكتابة بعامة مفهوماتها الخاصة، وخصوصاً في النص الشعري، فليس الواقعية هي الواقع البارد ولا الذاكر هي ما تحتفظ به الوثيقة أو ما ينتج عن آلة التصوير، لأن ذاكرة الكتابة الإبداعية ترى الأشياء، حين تستعيدها على الورقة البيضاء، على غير ما كانت عليه وليست كما هي في الواقع، وكذلك هو متخيل الإبداع الذي يمنع من الواقع ويتعايش مع الذاكرة وينفتح عليها، فيغتني بها وتكون أكثر نشاطاً وحيوية وفعلاً بانفتاح متخيّل الإبداع على ذاكرة المبدع.

ويضيف : لو حاولنا قراءة اللغة التي عبّر من خلالها المبدعون الحقيقيون عن أفكارهم، لوجدناها تختلف عن تلك التي كانت لمن سبقهم غير أن خصوصية المبدع على صعيد اللغة، لا تشكل بالحفر في المعاجم وتعمد الاختلاف، وإنما من خلال توحيد اللغة بالمعنى وبإغناء ملكة اللغة. وهذا الإغناء يتشكل في تمثلين متداخلين، تمثل النصوص التي قرأ من دون قطيعة مع اللغة اليومية في جميع مستوياتها ومضامنها الجغرافية والاجتماعية، وتمثل قدرات التعبير. ويبدو لي أن في مثل هذا المختبر تكون خصوصية الإبداع ولغة المبدع وفرادتها.

 

لعبة اللفظ والمعنى

والقارئ النبه، يلحظ أن اللفظ والمعنى رغم اهميتهما في السيرورة الشعرية، ليسا غايتين او كل شيء في شعره بل عدَّهما وسيلتين في تجسيد فكرته، وأن هناك أمورًا اخرى، أقرب إلى روحه، .. حيث يرى ان قيمة الشعر من خلال الدلالة المعنوية، وتلك احدى ميزات الشاعر الكبير.. فشعره يبلغ صميم الوجدان، ويهدف إلى إيقاظ النفس على جوهرها، وإيقاظ الإنسان على إنسانيته، وقصيدته يندرج فيها شيء من جوهر الحلم وسلطة الموسيقى والرعش الصوفي ..بل فيها من شفافية روحه ونقائها .. فأنا حين اقرأ قصيدة، كتبها حميد سعيد، دون ان يضع عليها أسمه، ادركها حالا .. انه يكتب بمدرسته وحده، ولانه شاعر حقيقي، فأنه يستطيع أن يشعرنا بمدرسته وبقوة الخلق ودهشة الابتكار الفني، وفي حال كهذه يتلاشى عنده موضوع القصيدة أمام عظمة بنائها وفرادة تعابيرها، ويصبح الشعور بالمتعة والوله هو الطاغي على كل شعور آخر... ان عطاءه الشعري والثقافي، تربة خصبة تعيد إنبات البذور، التي تزرع فيها، والثمر كما هو معروف يُحدَّد بنوع بذوره وبالمناخات التي تحيط بعملية الإنبات..

في الصفحة 23 يقول (ليس النقد أحكاماً ينطق بها الناقد، أو سلَّم درجات وظيفية، وما يناله المبدع من هذه الدرجات تصدر بقرارات عليا، كما توزع درجات الوظائف بين العاملين في المؤسسات الرسمية)

وبهذه السطور ندرك إن التعبير هو وحده القادر على تحويل ظلام المعنى إلى نور لا يضاهى وفرح لا يحد، فحين نقرأ رثاء ابن الرومي لابنه الأوسط، أو رثاء غارسيا لوركا لصديقه مصارع الثيران، أو قصيدة السياب (غريب الخليج)، ينتابنا بلا شك شعور بالحزن والتعاطف. لكن الأهم ما ينتابنا على نحو أعمق هو الفرح المتولد من فرح الإبداع، أو ما يسميه رولان بارت لذة النص، فهذه اللذة المعرفية، قمة اللذائذ وأكثرها نفاذاً إلى الأعماق .. وهذا هو حميد سعيد في شعره، وفي كتاباته وفي سلوكه .

واقول على مسؤوليتي، ان الانسان حميد سعيد، مارس رياضة تطهير النفس من الأحقاد والتخلص من التعصب والانغلاق منذ طفولته، وممارستها تحتاج إلى جهد نفسي خلاق وعمل دؤوب متواصل، وهي رياضة، فشل في ممارستها، مع الاسف، المئات من الشعراء والمثقفين، فأستحق بذلك ان يكون في مقدمة من ترتاح اليهم النفوس، وان يكون مثلاً في حب عمل الخير، والسعي الى ممارسة السماحة في كافة اوجهها، وهو يؤمن بأن التنوع في الآراء يقرّبنا من الحلول الصائبة، والتفرد في اتخاذ القرارات يجعلها أكثر عرضة للخطأ، ويرى أن الاختلاف في العلاقات ضروري لأنه يغني حياتنا، ويفتح عوالمنا على نوافذ الآخر، فنغتني به ويغتني بنا، من خلال تقريب وجهات النظر، وخطابه الثقافي، لم يكن إلا وطنياً إنسانياً، يقوم على أساس احترام التعدد والتنوع والمغايرة، والتفاعل الخلاق بين مكوناتها. رغم ان البعض من ضعاف النفوس، وقصيري النظر، لم يكن يدركوا دور حميد سعيد في العديد من مظاهر حياتنا الثقافية والوطنية، حيث كانت الشائعة هي السائدة، ومعرفة الحقيقة مغيبة !

ويشير حميد سعيد الى أن الشعر مرّ بمراحل تاريخية أو منعطفات خطيرة دائماً يصاحبها تيار فكري يجعل الشعر أو الشاعر أمام سؤال وجودي حول مصير الشعر وآنتهاء دوره أو زواله ومن هذه المنعطفات ظهور الإسلام والمواجهة فالرسول العربي قال : لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين، وآنتصر الشعر وقام بدوره سواء مع النظام الثوري الجديد- الإسلام أو اكتشافه مضامين مغايرة تختلف أو تتواءم مع المرحلة مثلما فعل الشاعر أبو نواس أو عمر بن أبي ربيعة أو المتنبي والمعري وكان افلاطون قبل ذلك أراد أن ينفي الشاعر من جمهوريته لكن أرسطو رأى أن الشعر أسمى من التاريخ يتصل بالمطلق،وفي العصر الحديث ظهرت مواجهة بين العلم وبين الشعر فأراد البعض أن يستعين بالمختبر أو الدوارق وأنابيب الإختبار في مواجهة رؤيا الشاعر وأحلامه وكلماته المغرقة في الرومانسية لكن الشعر يبقى حياً في الصف أمام ركام الآلات. حتى أن بعض النقاد رأى للشعر مستقبلاً هائلاً، وبما أن ثورة المعلومات والتكنولوجيا بدأت تغزو عالمنا وأصبح قرية صغيرة كما يُقال ألاّ أن ظاهرة الشعر لم تمت وكّـتاب الشعر والشعراء يزدادون كماً ونوعاً وهذا دليل على ان الشعر ما زال حياً، ومن دراسة منجزات مبدعين مثل المتنبي وشكسبير ودستويفسكي وبيكاسو نكتشف أن المبدع الإستثنائي هو الذي يوجه مسارات النقد أو يوفر للناقد الشروط التي يكتشفها في بناء العمل الفني والمنجز الإبداعي وليس العكس.

 

خصوصية في الرؤى

كتاب حميد سعيد، احتوى على اثني عشر موضوعا، وكل موضوع، تتفرع عنه عشرات الدراسات، تستحق ان يقف عندها الشعراء والكتاب لما فيها من دلالات ومدلولات، فالصورة الشعرية تعد من بين أهم الظواهر التي تناولها النقد العربي الحديث، ويظهر هذا الاهتمام من خلال العدد الكبير من الكتب والمقالات والرسائل والأطاريح الجامعية، التي تتناول الصورة الشعرية في شعر شاعر أو شعر عصر من العصور الأدبية أو عند حركة من الحركات الأدبية، أو من خلال الموازنة بين شاعرين أو أكثر، أو بين عصرين، وظهرت إلى جانب هذه الدراسات التي تتناول الصورة في الشعر، دراسات تحاول تقويم جهود النقاد القدامى والمحدثين .. لكن كتاب الشاعر الكبير حميد سعيد، له خصوصية، لأنه كُتب من قبل شاعر مبدع، صادق .. وقد سعدت كثيرا بقراءته كثيرا .

حياه الله .

 

صدور كتاب (ببليوغرافيا السياحة العرقية) للباحث بنيامين يوخنا دانيال

478-banyaminصدر عن مطبعة بيشوا في اربيل – العراق 2014 كتاب حديث باللغة الانجليزية للكاتب (بنيامين يوخنا دانيال) الباحث في شؤون السياحة والفندقة تحت عنوان A Bibliography of Ethnic tourism اي (ببليوغرافيا السياحة العرقية) ويقع في (120) صفحة من القطع المتوسط . ويتضمن الكتاب مقدمة مطولة باللغة العربية بعنوان (السياحة العرقية كأحد أشكال السياحة الثقافية) مع ببليوغرافيا بعناوين معظم الكتب والبحوث والدراسات المنجزة باللغة الانجليزية حول السياحة العرقية في مختلف بلدان العالم منشورة كانت او غير منشورة، بالاضافة الى ثبت بالمصادر المستخدمة في اعداده . ويشير مصطلح (السياحة العرقية) Ethnic Tourism الى انتقال الاشخاص الى مناطق استيطان المجموعات العرقية المتميزة في الدول المضيفة (المستقبلة) بهدف الاطلاع على انماط الحياة السائدة لديها وما تمارسه من طقوس وشعائر دينية وغيرها . كما هو الامر في اقليم (تايغا) Taiga في شرق روسيا (سيبريا Siberia ) وتقطنه مجموعة (توفا) العرقية Tofa Ethnic Group اي (التوفالار) Tofalar او (الكاراغاس) Karagas وتعيش حالة انعزال وخصوصية شديدة 478-banyaminوتمارس الصيد hunting وتربية حيوانات الرنة، وقد باشرت اخيرا باستقبال مجاميع سياحية صغيرة من حين لحين، وبتوجيه وتشجيع من السلطات السياحية والسياسية المحلية، وذلك من اجل كسر حاجز الانعزال ومحاولة دمج افرادها في السياحة المجدية اقتصاديا بالنسبة اليها ومحاولة للنهوض بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للاقليم وعلى ضوء خطة تنمية شاملة ومستدامة Sustainable . كذلك منطقة منغوليا Mongolia في غرب الصين وتقطنها مجموعات عرقية Ethnic Groups دأبت على اقامة مهرجان (نادام) العرقي Naadam منذ مئات الاعوام) eriin gurvan باللهجة المحلية) ويشمل الرياضات التقليدية التي عرفتها منذ القدم مثل المصارعة المنغولية Mongolian wresting وسباق الخيل Hours racing والرماية Archery ، الامر الذي حدا بالسلطات الصينية الى رعايتة مع غيره من الانشطة والفعاليات الثقافية والفنية بهدف تنشيط السياحة في المنطقة وجذب افواج السواح من داخل وخارج البلاد من جهة، والمحافظة على الخصوصيات الثقافية والحضارية لهذه المجموعات العرقية Ethnic Groups امام التحديات والتهديدات القائمة من جهة ثانية . كذلك الامر بالنسبة لقرية (سامبو) Sambu الواقعة في المنطقة الشرقية من (دارين) Darien في (بنما) Panama وتقطنها ثلاث مجموعات عرقية : Embera' , Afro Panamanians , Immigrants ينشط افرادها في تقديم الخدمات الضرورية للسياح الاجانب في مجالات الضيافة والدلالة والارشاد وعرض بعض الفقرات الفنية الترفيهية مع اتاحة فرص القيام برحلات نهرية قصيرة او سيرا على الاقدام لمشاهدة المناظر الطبيعية الرائعة والخلابة التي لا تبرح صورتها الذاكرة .

 

مع كتاب "المدخل إلى أدب مصطفى مرار" لمؤلفه طارق أبو حجله

shaker faredhasan"المدخل إلى أدب مصطفى مرار" هو عنوان كتاب صادر عن قسم الثقافة العربية في وزارة العلوم والثقافة، لمؤلفه طارق أبو حجله، مفتش اللواء للمدارس العربية في لواء المركز. وهو غيض من فيض الرسائل وكلمات التكريم والتقريظ والإطراء والخواطر والهمسات الصادقة والمقالات والدراسات النقدية والتحليلية في أعمال الأديب والقاص اللامع مصطفى مرار، الذي يعتبر وبحق من أعلام وطلائع القصة الفلسطينية المعاصرة .

جاء الكتاب في (570) صفحة من الحجم الكبير، وأهداه مؤلفه إلى "روح والده، وإلى أبناء وبنات جيله أحياءً وأمواتاً، وإلى أولئك الذين عاشوا وعاصروا تلك الحقيقة التي صورها الكاتب مصطفى مرار في أدبه، وإلى الجيل الذي عاش أحداث الوطن منذ بدايات العشرينات من القرن الماضي ".

يستهل أبو حجله كتابه بمقدمة يشير فيها بأنه لم يكتب في الأدب وإنما قارئ جيد، يقرأ الأدب ويتذوقه، ولربما كان إعجابه بشخصية وكتابات أستاذنا الأديب مصطفى مرار وقربه الروحي والمكاني من الأجواء التي يكتب عنها .. ومنها .. وفيها .. ولها، هو ما دفعه إلى الوقوف عند بوابة هذا الفن الرفيع، فن الأدب والكتابة . ثم يؤكد بان كل كلمة قرأها من إنتاج مصطفى مرار كانت زاداً أثرى ثقافة جيله وثقافتنا عامة، ويرجو بأن يكون قد وفق في تقديم هذا العمل، بل هذه الورشة التي تعرف القارئ العربي وتؤرخ لهذا الكنز الثقافي الأدبي الذي اسمه "مصطفى مرار" .

ما يميز هذا الكتاب هو ذلك الجهد التجميعي الدائب الذي بذله مؤلفه طارق أبو حجله، فجاء الكتاب مدخلاً ومرجعاً هاماً نهتدي من خلاله إلى العديد من المقالات والدراسات المتناثرة في الصحف والمجلات والدوريات الأدبية المختلفة، التي تتناول تجربة مصطفى مرار الإبداعية والتحولات التي طرأت على قصصه ضمن مساره الأدبي القصصي.

يقسم أبو حجلة كتابه إلى ستة أبواب، الباب الأول : ويضم رسائل إلى الكاتب كان كتبها وأرسلها كتاب ومحاضرون ورؤساء ومؤسسات وطلاب ومديرو مدارس ومربون.

الباب الثاني : ويشتمل على مختارات من كلمات التكريم المنشورة في مجلات "الأسوار" و"الشرق" و"المواكب" التي كرمت الكاتب واحتفت بأدبه .

الباب الثالث : ويحوي حوارات أجريت مع مصطفى مرار وأدارها الأخوة "نبيل عوده، غدير جرايسي، أمل حسين، رياض بيدس، سامر خير، المرحوم محمد حمزة غنايم، رافع يحيى، سهاد مصاروه، إبراهيم موسى إبراهيم، أمل قعيق"، كما ويضم هذا الباب تأملات في أعمال مصطفى مرار الناجزة في مجال الأدب .

الباب الرابع، ويشتمل على مقدمات لبعض مؤلفات مصطفى مرار .

الباب الخامس : يشمل خمسة فصول وتتضمن الأبحاث التي تناولت القصة والأقصوصة في أدب مصطفى مرار وما قيل يوم بلوغه السبعين من عمره .

الباب السادس والأخير: وهو عبارة عن مختارات من قصص مصطفى مرار .

يلاحظ قارئ الكتاب أن الذين كتبوا عن مصطفى مرار وأدبه يتفقون ويجمعون على بساطته وإنسانيته وغزارة إنتاجه ومستواه الرفيع، وثورته عل مجتمعه التقليدي المتزمت،علاوة على توزيع همومه على قضايا وطنية واجتماعية وسياسية وتربوية، ومعالجة حياة المجتمع القروي الريفي بعمق كبير، وأسلوب قصصي رشيق، وحبكة متينة، وحيوية نابضة، وطابع رومانسي متكامل .

ويرى الباحث والناقد الفلسطيني عبد الرحمن عباد أن مصطفى مرار ليس الاستثناء، و لكن القاعدة وسيظل هكذا، بينما يرى المرحوم سالم جبران أن مصطفى مرار لا يمارس الضجيج ولا يجب الضجيج، ونادراً ما نسمعه يتكلم عن نفسه، وهو يمتاز بميله الراسخ والمثابرة إلى البساطة، ويجمع الكلمات بإناء وصبر وهدوء، ويرسم من الكلمات البسيطة لوحة جميلة صادقة عن الحياة . في حين يؤكد الشاعر شفيق حبيب أن مصطفى مرار مؤسسة ثقافية عامة، وفي إبداعاته تتمثل مسيرتنا الفلسطينية مع الأرض والإنسان بشمولية تثير الدهشة .

ويكتب الدكتور يحيى جبر رئيس قسم اللغة بجامعة النجاح الوطنية عن "مصطفى مرار وثورة الكلمة " مشيراً إلى أنه دقيق في لغته، وعلى درجة عالية من الضبط والترقيم، يعرف ما يريد ويعبر عنه بلفظ فصيح، فتأتي عبارته على بساطتها بليغة، ويسرد الأحداث في تلقائية رائعة . ويخلص إلى القول :" أن مصطفى مرار أسهم بحكاياته وكتاباته في المحافظة على الهوية الفلسطينية بأبعادها ومقوماتها المختلفة، على الرغم من رياح الغزو العاتية ".

أما الشاعر والكاتب الفلسطيني محمد علوش فيلحظ بأن لمصطفى مرار خصوصية السردية والفلسفية، وله أبجديته الخاصة في عملية البناء والتراكيب اللغوية، وأنه يتقن اختزال النص ويعمل جاهداً للحفاظ على صدق فكرته وتطوير الحدث بأسلوبه البسيط المحبب والجذاب .

وهنالك كلمة تقريظ جميلة كتبها المربي والكاتب فتحي فوراني عن مصطفى مرار النبع الذي لا ينضب، يوضح فيها أن أبا نزار من الذين نكبر فيهم تواضعهم وعطاءهم الغزير الذي لم ينقطع على مدى خمسين عاماً، ولا يمكن أن نذكر القصة الفلسطينية وبداياتها دون أن نرى فيه واحداً من آبائها وواضعي اللبنة الأولى والشاهدين على ميلادها .

وفي الكتاب الكثير من الشهادات والآراء وكلمات الإطراء والتقريظ عن مصطفى مرار، الإنسان والموقف والكاتب الأصيل، الذي علمنا دروساً في عشق الكلمة، وغرس فينا القيم الحضارية والأخلاقية والجمالية والفرح الإنساني الكبير، واترك هذه الشهادات للقراء كي يستمتعوا فيها .

صفوة القول، هذا الكتاب يرسم شخصية مصطفى مرار التي أجمع حولها الدارسون، ويشكل مدخلاً للولوج إلى عالمه القصصي وفضائه الأدبي الخصيب والغني، وهو إضافة نقدية تثري أدبنا، ويمكن اعتباره مرجعية أدبية لمن يريد أن يعرف شيئاً عن واحد من رموز ثقافتنا العربية في هذه الديار . وإننا إذ نقدر الجهد الذي بذله المؤلف طارق أبو حجله في تجميع المواد، نتمنى له ولصديقنا الكاتب الرائع أبي نزار العمر المديد والعطاء الثر، وإلى اللقاء في كتب أخرى، وهي بلا شك قادمة .

 

 

إصدار جديد للدكتور جميل حمداوي .. الكتابة الشذرية بين النظرية والتطبيق

477-jamilيتناول هذا الكتاب مفهوم الكتابة الشذرية وطبيعتها وآلياتها من خلال التركيز على مجموعة من المحاور الأساسية، مثل: تعريف الشذرة في اللغة والاصطلاح، واستجلاء تاريخ الكتابة الشذرية قديما وحديثا في الثقافتين: الغربية والعربية على حد سواء، مع استعراض بعض النماذج من الكتابة الشذرية القائمة على التأمل، والشاعرية، والتشذير البصري، وبلاغة الصمت.

477-jamilوالجديد في هذا الكتاب أنه يطرح، لأول مرة في الساحة الثقافية العربية المعاصرة، مقاربة منهجية جديدة لتحليل الإبداع الشذري أو النص الشذري إن دلالة وإن صياغة وإن مقصدية.

هذا، وسيعرض الكتاب في رواق (دار نشر المعرفة) في المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء ما بين 13و23فبراير2014م.

قراءة في كتاب: الغلو والتطرف في الفكر الآسلامي للشيخ إياد الركابي

rakeb rekabiيطيب ليّ أن أقدم للقارئ المحترم هذه القراءة في كتاب - الشيخ الركابي - وهو يبحث في موضوعة مثيرة للجدل ومثيرة للأشمئزاز في كثير من الأحيان، لأنها تخلط بين ماهو وهمي مع ما هو ظني ثم يُبنى عليه ويؤسس، وهنا في موضوعة سقوط النجم في بيت علي عليه السلام، واحدة من الهرطقات الغير منصفة والتي تستدعي التنبيه والإشارة والرفض، لأنها تسيء لمقام الإمام علي وتحط من قدره الذي نكن له نحن المؤمنون، فقضية سقوط النجم رواها لنا - ربيعة بن محمد - بسنده عن - أنس بن مالك -، على هذا النحو:

قال: - أنقض كوكب، فقال رسول الله – ص - أنظروا فمن أنقض في داره فهو الخليفة بعدي، فنظرنا فإذا هو في منزل علي - ع -، فقال جماعةٌ: قد غوى محمد في حبّ علي، فنزلت (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى) - مناقب أبن المغازلي ص 266، وميزان الإعتدال للذهبي ج2 ص 45 - .

وفي تعليقه على هذا الخبر يقول الذهبي: إن هذا الحديث باطل، لأن فيه - الجوزجاني - وهو راوي هذا الخبر عن ربيعة بن محمد وهو رجل مجهول لا يُعرف بكتب الرجال، كما إن ربيعة بن محمد لا يعتد بروايته لأنه - متروك الحديث -، ولم يُتهم ربيعة بن محمد بالتشيع، ولهذا فلا يمكننا إعتباره من غلاة الشيعة، ولهذا فخبر ربيعة بن محمد ساقط من الاعتبار من جهة السند، وأما من حيث المتن فنقول:

1 - إن سورة النجم هي مكية بإجماع، قال ذلك الطباطبائي في الميزان ج19 ص25، كما إن: أنس بن مالك هو من أهل المدينة، وكان عمره حين هاجر النبي - ص - إليها نحو 9 أو 10 سنيين - أُسد الغابة ج1 ص 127 -، وهو قبل ذلك الحين لم يزر مكة، حتى نقول أو لكي نقول عنه: إنه شاهد النجم وهو يهوى في بيت علي – ع - !!.

2 - وفي ذلك الوقت لم يكن للإمام علي - ع - بيت مستقل في مكة، أي وقت نزول سورة النجم، ومعلوم إن الإمام في طفولته كان في بيت والده ثم في بيت رسول الله - ص - من قبل ومن بعد البعثة النبوية - أُسد الغابة ج4 ص 17 -، يقول الطباطبائي في الميزان ج 19 ص 25: إن سورة النجم هي أول سورة قرأها النبي على المؤمنين والمشركين جميعاً -، وهذا يعني إنها من أوائل السور التي نزلت بعد البعثة النبوية، وفي ذلك الوقت يكون علي - ع – في عمر الخمسة عشر سنة تقريبا، وفي ذلك الحين لم يكن قد تزوج بعد بفاطمة، ولم يكن له بيت مستقل خاص به كما تقول روايات التاريخ المعتبرة .

3 - ولو تنزلنا وقلنا بصحة هذا الخبر، فإن ذلك يستلزم جدلاً: أن نستبدل كلمة - إذا - بلفظ - إذ -، ويكون النص على هذا النحو: - والنجم إذ هوى - بدل قوله: - والنجم إذا هوى -، ومُراد – إذ - في الكتاب المجيد حين تستخدم تكون دالة على مكان ومحل وقوع الحدث، كما نقرأ ذلك بقوله تعالى: - إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم - الأحزاب 10 -، ولكن لفظ - إذا - في الكتاب المجيد فيدل على الإستمرار، كما نقرأ ذلك بقوله تعالى: - والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى - الليل 1 و 2 -، وهذه العملية التي يتحدث عنها النص هي عملية دورية مستمرة إلى يوم القيامة، وعليه يكون معنى قوله تعالى: - والنجم إذا هوى - هو دوام الحدوث واستمراره، كما إن النص ليس في مقام الكلام عن سقوط النجم بقدر ما هو إشارة إلى الطبيعة الكونية لحركة الشمس في كل يوم من شروق وغروب، ومنه نفهم إن جملة - والنجم إذا هوى - ليست في مقام الحديث عن سقوط النجم في بيت علي عليه السلام .

4 - والحق إن الإستشهاد بسقوط النجم في مقام الخلافة إستشهاد غريب، ذلك لأن المعلومة العلمية تقول: إن أصغر نجم هو أكبر من كوكب الأرض بمرات، فلو أفترضنا إن نجماً بحجم الشمس سقط في بيت علي، فما عساه أن يفعل هذا النجم بعلي وببيته وبالأرض كلها ؟

هذا السؤال يمكن طرحه على من يعتقد بهذه الأكذوبه وبمن يرددها ويعتقد بصحتها من غير تدبر أو إمعان نظر .

فإن قلتم: إن ذلك كان معجزة إلهية، وهي دليل على القدرة التي لم تترك معها دماراً وخراباً .

قلنا: صحيح ولكن يجب أن لا يكون ذلك نجماً بل يجب ان يكون حجارة صغيرة - كالحجر الأسود -، حتى نعرف متى وأين سقط ولماذا؟ ونعرف كل خصوصياته ومزاياه ..

وإذا كان ذلك كذلك كما تقولون: فلماذا لم يسجل لنا رسول الله طبيعة هذه المعجزة وماهيتها وخصوصيتها ؟ طالما كانت بهذه الصورة وبهذا الحجم وبهذه العظمة كما يزعمون، خاصةً والرواية تتحدث عن الخلافة الزمنية، فهل يجوز لنا القول: إن الرسول - ص - قد تسامح عن هذا الأمر والشأن الديني المهم؟!

نعم حكاية - النجم الذي هوى في بيت علي - حكاية أسطورية غير صحيحة وغير موثقة ذلك لأنها:

1 - جاءتنا من غير سند صحيح ومعتبر .

2 - وهذه الرواية تخالف المعنى الصحيح لمفهوم النص في قوله تعالى: - والنجم إذا هوى - .

3 - وهذه الرواية تعارض الصحيح من سيرة وحياة الإمام علي عليه السلام .

4 - وهذه الرواية تعارض الصحيح من سيرة وحياة أنس بن مالك .

هذا الرواية جاءت بلسان أعداء الإمام وهدفهم فيها واضح وقصدهم معلوم، ولكن ما بال الشيعة يرددون مثل تلك الأخبار ويروجون لها ؟

وهذا يدل على أن مصدر هذه الخرافة هم مجهولي الحال من أهل السنة، وأما الشيعة فلم يناقشوا هذه الرواية مناقشة جادة، ولهم فيما كان يحيط بهم من ظروف سياسية وإجتماعية وثقافية العذر، الذي حال دون مناقشة هذه الرواية مناقشة موضوعية منطقية، وتبيان نقاط الضعف فيها ونقاط القوة، ولهذا رويت هكذا في كتب الشيعة من غير تدقيق أو تعليق عليها، كما نلاحظ ذلك في أمالي الشيخ الصدوق الحديث 4 و 5 في المجلس رقم 83 والحديث 6 في المجلس رقم 86، فهو في كتابه هذا رواها عن طريق أهل السنة، وبأسانيد مجهولة ومختلفة، وطبيعي لم يكن الشيخ الصدوق في روايته لها في مقام أثبات حق أميرالمؤمنين بالخلافة والإمامة، لكنه رواها هكذا فقط لأنها جاءت بلسان محدثي أهل السنة، ومن دون البحث في صحتها وصحة صدورها، ولكننا نرى صاحب تفسير البرهان ج4 ص 242 يرويها مرافقة لأمور غير منطقية ومخالفة للعقل والمنطق ورواها بأسانيد غير معتبرة، عن - الحافظ رجب البرسي - الذي قال عنه العلامة المجلسي: - بأنه مُغالي ومن أهل الارتفاع -، كما رواها المجلسي في بحاره ج35 من الصفحة 272 إلى الصفحة 284، وكلها تتحدث عن سقوط النجم في بيت علي – ع -، وطبعاً كل هذه الأخبار التي تناولت هذه الحكاية هي أخبار غير صحيحة من جهة السند وغير معتبرة من جهة المعنى والدلالة وليس فيها خبر واحد صحيح، إضافة إلى ما فيها من تناقض وإختلاف وعلى سبيل المثال:

1 - جاء في بعضها: إن النجم الذي هوى في بيت علي كان في عام الفتح .

2 - وجاء في بعضها الآخر: إن النجم الذي هوى كان في يوم - غدير خم - .

3 - وقال بعضهم: إن النجم الذي هوى كان في يوم مرض الرسول - ص - .

وكل هذه الأوقات التي ذكرها صاحب البحار لا تتفق مع زمن نزول سورة النجم ..

ثم إن هذه الأخبار مختلفة في وقت سقوط النجم، أهو بالليل أم بالنهار؟

أ - فمن قائل: إنه سقط بعد صلاة العشاء .

ب - ومن قائل: إنه سقط عند طلوع الفجر .

ج - ومن قائل: إنه سقط بعد طلوع الشمس .

د - ومن قائل: إنه سقط وسط النهار .

وهذا يدل على أن هذه الأخبار إنما وردت بلسان مُحدثها وتبعاً لطبيعته ورغبته وماورد في لسانه، بدليل قول البعض: إن هذا النجم بعدما هوى في بيت علي - ع - رجع مرةً أخرى إلى السماء - البحار ج35 ص 283 -، ولذلك نسترعي إنتباه القراء المحترمين إلى ضرورة التأمل والتدبر والتحقيق قبل الوثوق بكل خبر ورواية، وهذا الذي نقوله يجعل للقراءة هدف ومعنى، كما ويجعل من مهمة الإصلاح والتصحيح ممكنة وميسورة، وذلك حماية للعقل والفكر والذوق من التهالك والضعة والتخريف

 

راغب الركابي

مؤسسة شمس بالقاهرة تُصدر الطبعة الثانية من مجموعة "تهجّيات" للشاعر أحمد الحلي

476-ahmadكتب الناقد د. عباس محمد رضا عن هذه المجموعة:

قال مالك بن الريب، فليتَ الغضا ماشى الركابَ لياليا، وقال المجنون، ليتنا أجربانِ نرعى وحدنا، وقال الشريف، فمُذْ خفِيتْ عني الطلولُ تلفّتَ القلبُ، وقال ....

وقال نزار، يا شعرَها على يدي شلّالُ ضوءٍ أسودِ .

رأيتُ هؤلاء كلُّهم من غير أن يكون لهم ذِكرٌ في شعرِك من لفظٍ أو تركيب أو موسيقى أو صورة أو مضمون، لكنك استطعتَ الإحاطة بهم جميعاً .

هذا الشعر، عملتُ مثله، وقبله، لكنه، لكنني، كالريح والتراب، كالفأل والغراب .

من أي بابٍ ندخل إلى عالم " تهجّيات" الذي استحوذ على كل حِيَل الشعر ليستحوذ على إعجابنا

476-ahmadألف حيّة لدغتني، حين تهتُ في صحارى " خيول" .

تغرف من معالم الطبيعة، الذال، ذوْبٌ من الرحيق، أم شفتاكِ !

أُمسِكُ حصاةً

أقرأ عليها حروف اسمينا المؤتلقين

أرميها للنهر تنبثقُ فوق الماء

حزماتُ زنابقْ

ومصطلحات العلم، خارجَ مداركِ، يتلاشى زهوي، كمصباحٍ مُطفأ !

قال القرطاجني، "العِلميات لا تناسب الشعر"، لكننا نجدها في "تهجيات" كلها شعرية، كفيلةٌ بإحالةِ منطقة القطبِ إلى خط استواءٍ، زفرةٌ واحدةٌ من زفرات اشتياقي إليكِ !

"تهجّيات" مجموعة شعرية تلملم جراحَ الكون، وتُعيد ترتيب الأشياء، وتخلق عوالم جديدة، إذْ تخرج من العلم إلى الطراوة ومن الرومانسية إلى الطرافة لا التهويم .

شعرٌ لا يستوعبه منهج، شعر يوصف فقط، لأنه كشف عن أسرار حداثة الرؤيا في تحديث التركيب اللغوي وتنويعه لأغراض لا تقف عند حد، "لارتياد الفضاء، يلزم الآخرين الكثير، أما نحن فتكفينا قُبله !"

تكسرُ التوقع، وتصدم باللامتوقع، لكليهما ذاتُ الضرورة، النباتات في عملية التركيب الضوئي، والعشّاق في حالات العناق !

تبثّ الروحَ في الجماد، وتنفخ فيه من روحك، تونسن الجمادات، وتعقّل الكائنات الحية غير العاقلة، تستنطق وتحاور وتصطرع وتخلق ألف حميمية مع من تريد وما تريد، ولستَ في الحالين مجاملاً أو مدارياً ولا متحاملاً أو ظالماً لحق،

بماذا تراها تفكّر

تلك الخيولُ التي دهستها

عرباتُ الغواية

أتُراها وهي تلوك عُشبةَ اليأسِ

تستذكرُ الذي فات،

الشِعابَ التي كانت تضيق

عن اختلاجات تأججها،

الزهوَ الذي اغتيلْ

والصهيلْ

الذي كان يزرع في الأعالي

جمرةَ البروق .

عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة، بالتعاون مع المركز الثقافي للطباعة والنشر بالعراق، صدرت الطبعة الثانية من المجموعة الشعرية « تهجيات ». للشاعر العراقي " أحمد الحلي حفلت مجموعة « تهجيات » بمقاطع غزلية غير تقليدية، فهي مبتكرة وعميقة الدلالة... ومما جاء على غلافها الأخير:

بعد ألفٍ من السنواتْ

يبقى الدربُ الذي تسلكينْ

   ينزفُ عطراً

   مرآكِ،

   يجعلُ كواسرَ الطيرِ

   تقلِّم أظفارَها

   وتلتمسُ من العصافيرِ

   أن تعلِّمها فنَّ التغريدِ

مجموعة « تهجيات » تقع في 104 صفحة من القطع المتوسط، وتتضمن ثلاث عشرة فصيدة، هي:

   طلسم الحروف / كوثـر / منحنيات بيانية / لأنه منكِ / أبدًا أنت

   جرحٌ لا أفرط له / لي كل هـذا / لاءات القلب / تداعيات الغياب

   تشظيات / خطان متوازيان / تأويل / أسفار عبر الأزمنة والأمكنة

أحمد الحلى في سطور :

• شاعر وكاتب عراقي، من مواليد محافظة بابل عام 1955

• عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين

• خريج كلية الشريعة / جامعة بغداد عام 1980

• عمل في مجال الصحافة مصحِّحًا ومدققًا لغويًا،

ومحررًا للصفحة الثقافية في عدد من الصحف بعد سقوط النظام عام 2003

• عمل لمدة طويلة معدًا للبرامج الثقافية والتراثية في إذاعة المستقبل

• الإصدارات :

 - تهجيات: ديوان شعر. طبعة أولى عام 1999م.

 طبعة ثانية: شمس للنشر والإعلام، القاهرة

- كتاب ( همنجواي في الحلة) .

- كتاب كنز الحكايات            

- لديه عدة كتب أخرى مخطوطة

- البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

أدب الإملاء والاستملاء

moamar habarتفاصيل دقيقة جدا، تتعلق بالعلم والتعلم، يجدها القارىء بشكل مستفيض في كتاب: "أدب الإملاء والاستملاء"، للإمام أبي سعد عبد الكريم بن محمّد منصور التميمي السّمعاني، المتوفي 563 هـ - 1166، تحقيق الأستاذ: محمود البادي، و الأستاذ عارف أحمد عبد الغني، دار كنان، سورية، الطبعة الأولى: 1426 هـ - 2006، من صفحة 220.

جزئيات لابد منها: هناك بعض الجزئيات البسيطة، إذا أهملها المرء، لن يبلغ مايريد من التحصيل العلمي، وإذا اهتم بها أثناء طريقه للعلم، بلغ مراده، وتشبّع بأدب العلم، وأخلاق العلماء. ومن بين هذه الدقائق الثمينة، التي ذكرها الكاتب:

تحدّث عن النعاس وكيفية قهره، فقال: وإذا غلبه النّعاس في مجلس الإملاء تحوّل إلى مكان آخر.

وتطرق إلى الأدوات اللازمة للكتابة والإملاء، وخصّص لها فصلا بأكمله، ضمّ صفحات 142-171 سماه: مايحتاج فيه إلى كتابة الإملاء وآلاتها وكيفية الكتابة.

وذكر.. المحبرة، والقلم، والمقلمة ، والسكين ، والخط، بل وذكر طريقة كتابة البسملة، فقال: كيف يكتب بسم الله الرحمن الرحيم.

وقال أيضا: وإن حفظ ثوبه عن المداد وصانه عن السّواد كان أولى. ولايحضر مجلس الاملاء إلا مع المحبرة. ويبالغ في تحسين الخطّ وتجويده. ويستحب أن يكتب خطا غليظا ويجتنب الدّقيق منه.

فصل في أدب المملي 24- 85: ذكر جملة من الخصال الصغيرة الدقيقة الحجم، لكنها كبيرة الشأن مع مرور الزمن، والتعوّد عليها، التي يجب على طالب العلم التحلي بها، وهو بين يدي أستاذه، فقال:

يستحب أن يكون في حال الإملاء على أكمل هيئة وأفضل زينة. وليستعمل من الطيب إن كان عنده. ولينظر في المرآة. وليقتصد في مشيه إذا قصده. وليبتدىء بالسّلام لمن لقيه من المسلمين. ويستحب له أن يصلي ركعتين قبل جلوسه. ويستحب له أن يجلس متربعا متخشّعا. وليستعمل لطيف الخطاب مع أصحابه. ويحسّن خلقه مع أصحابه وأهل حلقته. وينبغي للملي أن يعيّن لأصحابه يوم المجلس. جلوسه تجاه القبلة.

آداب الأستاذ أثناء مجلسه: يتطرق إلى مجموعة من الفضائل الرقيقة، التي يجب أن يتحلى بها الأستاذ، فيقول:

لايحدّث إلا على طهارة. ولايحدّث إلا من كتابه فإنّ الحفظ خوّان. ثم يفتتح بقراءة سورة من القرآن. ثم يرفع صوته بما يريد أن يمليه. ويترحّم على شيخه ويدعو له. ولايروي إلا عن الثّقات. ولايروي مالاتحتمله عقول العوام. ويستحب إملاء أحاديث الترغيب في فضائل الأعمال. وإذا روى حديثا فيه كلام غريب فسّره. ويختم المجلس بالحكايات والنوادر. ثم يتبع الحكايات بالأناشيد والأشعار ويختم بها المجلس. فيستغفر الله سبحانه كي لايكون فارغا. المعارضة بالمجلس المكتوب وإتقانه وإصلاح ماأفسد.

فصل في أدب المستملي 86- 107: البكور خوفا من فوات المجلس. إشراف المستملي على النّاس. أن يكون جهوري الصوت. أن يكون متيقظا محصّلا. أن يتخيّر للاستملاء أفصح الحاضرين لسانا وأوضحهم بيانا وأحسنهم عبارة وأجودهم أداء. وإذا لم يسمع الكاتب حرفا سأل المستملي. ويستحب إذا فرغ من الاستملاء أن يدعو للحاضرين. ويبدأ بالدعاء لنفسه ثم الحاضرين

آداب التلميذ في مجلس أستاذه 109- 130: البكور إلى مجلس الحديث. ويمشي الطالب على تؤدة من غير عجلة. والأولى أن يمشي ولايركب. تشميره ثيابه. ويوسّع الطالب كمّه ليضع فيه الكتب والأجزاء. ولايتكلّف في اللّباس. فإن كان عليه نعلان فليخلعهما قبل دخوله عليه.

الادب مع الأستاذ المملي: وإذا دخل الطالب على المملي فوجد عنده جماعة فيستحب أن يعمّمهم بالسّلام. ويستحب المشي على بساط المملي حافيا لأنّه من التّواضع وحسن الأدب. ويستحب أن يبتدىء بنزع اليسرى من نعله دون اليمنى. وإذا خلعها وضعها عن يساره. ويجلس حيث ينتهي به المجلس. ولايتخطّى الرقاب. فإن استدناه المملي جاز له تخطّي الرقاب. فان استدناه المملي دنا منه بمقدار مايدنيه. وإن أكرمه المملي بمخدة فلايردها وليجلس عليها.

أدب جلوس التلميذ في مجلس أستاذه: ويكره أن يقيم رجلا من مجلسه ويجلس مكانه. ويكره أن يجلس في موضع من قام له عن مجلسه. ويكره أن يجلس في وسط الحلقة. ويكره للطّالب أن يجلس في صدر المجلس. ويكره أن يجلس بين اثنين في المجلس بغير إذنهما. ويستحب لمن كان جالسا في الحلقة أن يوسّع للدّاخل ويتزحزح له عن مكانه. ومتى فسح له اثنان ليجلس بينهما فعل ذلك لأنها كرامة أكرماه بها، فلاينبغي أن يردّها. ويستحب لمن جلس بين اثنين إذا فسحا له وأكرماه بذلك أن يجمع نفسه ولايتربّع. كراهة القعود في موضع من قام من المجلس وهو يريد العود إليه.

آداب توقير الأستاذ 130- 142: ويبالغ في تعظيم المملي وتبجيله. وإذا خاطب الطالب المملي أو راجعه في شيء عظّمه في خطابه. ويكنيه في خطابه ولايسمّيه. وجواز القيام للملي. وإذا كان المجلس غاصا ودخل عليهم المملي أوسعوا له. وتقبيل يده. وتوقير مجلس المملي. ولاينام في مجلس الإملاء. ويحسن الاستماع والاصغاء عند الاملاء. ويستقبله بوجهه. ويتواضع للملي. ويداري المملي ويرفق به ويحتمله

ماذا يكتب 161 – 166: فأوّل مايكتب الطالب في الإملاء بسم الله الرحمن الرحيم. ولايكتب في السطر الذي كتب فيه بسم الله الرحمن الرحيم سوى ذلك. وإذا فرغوا من الكتابة يقرأ المستملي الاملاء والطلبة يعارضون كتابهم.

إعارة الكتب 166 – 170: ونظرا لأهمية الكتاب، شدّد في التعامل معها، وقال: وإذا أعاره فلا يحبسه عنه ويردّه عاجلا. وبعضهم استحسن أخذ الرهون عليها من الأصدقاء.

آداب الإنصراف: بما أنه ركز في البداية على آداب الدخول والجلوس، ختمها بآداب الانصراف، وقال: وإذا أراد واحد من الطلبة أن ينصرف قبل أهل المجلس سلّم عليهم فإنّه من السّنة.

 

قراءة في كتاب د. علي السعدي: التسويات الكبرى في المقدسات الثلاثة: الدين .. الدولة .. الانسان

musadaq alhabibهل تشير هوية الكاتب وسيرته الى فحوى وغرض وقيمة مايكتب؟ ام ان "الكتابة" بمعناها وتوجهها هي التي تعرّف كاتبها وتسلط الضوء على شخصيته فترسم لنا ملامح سيرته؟ الجواب، على الاغلب، هو ان هذين الاحتمالين يتزامنان في حلقة متصلة يتبادل فيها السبب والنتيجة دورهما بالتناوب والتعاقب. وهذ هو الامر الذي يجعل بالامكان ان نرجع الى ماحيث نبدأ على محيط هذه الدائرة المتواصلة. وقد يعترض البعض بان التعرف على الكاتب ليس باهمية وقدر معرفة واستيعاب مايكتب الا حينما يكون اصطفاء مانقرأ امرا حاسما في جني ثمرات مانتعلم منه وخاصة عند من يبدون اهتماما استثنائيا بربط الاثنين معا، . على انني ارى ان سبب ترجيح تشخيص الكاتب اولا هو ماتتيحه هذه الفرصة من امكانية اتخاذ القرار الانسب بالنسبة للقارئ وممارسة الخيار التي هي في التحليل الاخير هدف المعرفة الاسمى. كنت قد تعرفت على الدكتور علي السعدي من خلال متابعتي لما يكتب فكانت معرفتي به وثيقة كـ"كاتب" للحد الذي اصبح اسمه دليلا عاما لاختيار مااقرأ مع الثقة العالية المسبقة بانني سأتمتع واتعلم من اي موضوع أقرأه له.

يتفرد علي السعدي بطريقته الخاصة في الكتابة والتي لا تحاكي، على حد علمي، ايا من الكتاب العراقيين والعرب الذين شكلت كتاباتهم قوام الخطاب العربي على الاقل خلال القرن العشرين وماقطعنا من شوط في هذا القرن الجديد. يظهر تميز كتاباته جليا خاصة في مسألة ربط التأريخ والاجتماع والفلسفة بالواقع السياسي والثقافي وهو بهذا يقدم النموذج الامثل الصالح من الكتاب الذين تقف الثقافة العربية اليوم بأمس الحاجة لهم. فهو باحث اكاديمي تدرب على اصول البحث العلمي الجاد في علم الاجتماع ، ومحلل سياسي حصيف يمتلك ادواته التحليلية الملائمة ويستخدمها بالطريقة السليمة، وكاتب موسوعي شامل ولكن ليس بالمعنى التسطيحي للموسوعية في امتدادها الافقي من المعارف والذي قد يكتفي بالطفو على اكبر مساحة ممكنة من الموضوعات، انما بمعناها العمودي المكثف الذي تستلزمه الضرورة والذي يلزم بدوره الكاتب ان يغور الى الاعماق التأريخية واللغوية والاقتصادية والاجتماعية من اجل تثبيت معنى ودلالة وتطور مصطلح او ظاهرة ما قبل البدء باستخدامها في سياق مايكتب. ولايعني هذا انه من الاكاديميين القابعين في صومعات اختصاصاتهم الدقيقة ، فهو الصحافي المتمرس الذي يعتمد احيانا على ان يشهر كاميرته ليدع عدستها تلتقط مايواجهها من مشاهد ويبرز قلمه ليصف ماتسجله العدسة بحيادية نزيهة وهو يجوب في ارجاء الوطن العربي الكبير جغرافيا وثقافيا. هذا اضافة الى ان السعدي اديب متمكن وشاعر يمتلك لغة سليمة ومرهفة المشاعر وبليغة في شكليها الفصيح والعامي. ولايفوتني ان اذكر بثناء عال موضوعيته وتجرده عن الميول والاتجاهات وترفعه عن حقن الكتابة بتلميحات الانحياز السياسي او الديني او الطائفي او المناطقي انما نراه يقف بوضوح الى جانب انسانيته ووطنيته العراقية. فهو بمجمل ذلك يصبح "الكاتب المفكر" بمعنى ان تنصب اشتغالاته على انتاج وصقل وتطوير المادة المعرفية وتحليل وتفسير تشعباتها وافرازاتها وتغييراتها ، خلافا لما يعمل عليه "الكاتب المنظّر" الذي يقدم شروحا منهجية للفكرة المعرفية و"الكاتب المثقف" الذي يكتفي بابداء الرأي وطرح الموقف اعتمادا على دائرة معارفه الواسعة، وهذا التصنيف هو مايجترحه السعدي نفسه في معرض تشريحه للمنظومة الثقافية.

يطرح السعدي مادته المكثفة في هذا الكتاب عبر سبعة فصول ومقدمة. ولاتنحو المقدمة منحاها التقليدي في طرح فكرة الكتاب العامة وعرض محتوياته انما هي مقدمة بمثابة الرواق الفكري التمهيدي الذي سيقودنا الى اروقة اخرى متشعبة تؤلف خارطة موضوع الكتاب. يتناول السعدي ماجرى ويجري من مجازر في عراق مابعد الغزو الامريكي والتي تتحمل مسؤوليتها الاولى الجماعات التكفيرية المتشددة التي يتطابق فكرها وسلوكها المتزمت الالغائي مع ماحدث في الاساطير الوثنية قبل نزول الرسالات السماوية.   وفي هذا الاستهلال يكشف لنا الكاتب المفارقة في دعاوى محاربة المحتل الكافر بوسائل تقنية من صنع الكفار وبامكانيات مالية ولوجستية من طابور الخونة الذي يدور في فلك الكفار فتتحول وبشكل سافر ادعاءات محاربة الكفر الى الضلوع في خدمته بخذلان الدين وابطال كلمة الحق واسطرة القتل. من هنا نلج الفصل الاول من الكتاب والموسوم "الدين بين مبعث الايمان ومنطق الاسطورة" الذي يبدأ بمناقشة المقدسات الثلاث: الله، والدولة، والانسان مفصلا علاقة الانسان بالدين والدولة منذ فجر التاريخ وصولا الى توصيف الوضع العراقي الحالي الذي يخلص فيه المؤلف الى القول بان العراق الجديد مازال يبحث عن الخيار الفصل في موضوع الدين والدولة وعن هوية من ستكون له الكلمة الراجحة. وهنا يأتي مأزق العلمانية واشكالية الدين. فاذا ماتم فصل الدين عن الدولة بموجب الدستور في الدولة العلمانية يبقى للدين تأثيره في السلوك السياسي للناخبين والمنتخَبين. ومن ناحية اخرى ففي الدولة الثيوقراطية يصعب، واحيانا يتعذر، الجمع بين متطلبات النص الديني المقدس الثابت وضرورات السياسة المتغيرة. لكن مايمكن الركون اليه في المطاف الاخير هو امكانية تعديل الدستور الوضعي للدولة العلمانية كلما اقتضت الضرورة في حين لايمكن تعديل النص الديني الثابت بل يمكن شرحه وتفسيره. وذلك هو ما يقود لامحالة الى اختلاف المذاهب باختلاف التفسيرات والذي قد يتعقد ويتفاقم حين يحتكر كل مذهب الحق الالهي ويرصفه لجانبه. يواصل المؤلف النقاش الى المعتقدات الدينية والتسويات الكبرى، جدلية الدولة كمخلوق والمواطن كخالق لها، والتحولات النمطية لدور الدولة من المتحكم للحاكم للخادم ثم للحكم مستقبلا. ففي حين ارتكزت الدولة في الماضي والحاضر على القوة والغريزة والخوف، سيكون بمقدورها ان ترتكز على العقل والادارة والاشراف في المستقبل. الحضارة ومابعدها والتأريخ وماقبله هو موضوع المبحث الاخر في هذا الفصل الذي يناقشه المؤلف بأناة وبشواهد تاريخية ويأتي في معرض نقاشه الى التفريق العلمي الدقيق بين المصطلحات التي تختلط في الادب المؤلـَف والمترجم كثنائيات السياسة والفكر السياسي، الولاء والانتماء ، المجتمعية والاجتماعية، والماضي والتأريخ. ويخلص الى تبيان المنهجية القويمة لعلم التأريخ والمتلخصة بالاجابة الشافية عن الاسئلة الثلاث الكبرى: ماذا حدث؟ كيف؟ ولماذا، ليتبين لنا ان الخلل الجوهري في ازمة كتابة التأريخ يكمن في طرق وتوجهات الاجابة على السؤال الثالث وماقد يحيده عن المسار السليم، والذي قد يكون، على الاغلب، بسبب احادية المنهج وعدم اعتماده على الحقول الاخرى المساندة كالاجتماع والاقتصاد والعلوم السياسية والبنية الثقافية الجامعة والمصقولة والمتطورة.

يتناول الفصل الثاني الوسائط الدينية في العمل السياسي مستهلا النقاش بعلاقة الحركات الاسلامية الاقليمية بالفكر السياسي والسلطة سواء تلك الحركات التي استلمت مقاليد الحكم او تلك التي احتفظت بتأثيرها البالغ على السلطة النافذة في الماضي والحاضر. المفارقة الجديرة بالانتباه التي يلتفت اليها المؤلف هنا والتي يعبر عنها ببلاغة ب "نمو المسلمين وتضاؤل الاسلاميين" والتي تشير الى ازدياد اعداد المؤمنين الذين يمارسون الشعائر العقائدية جنبا الى جنب مع هبوط شعبية الاسلاميين كأداريين لمرافق الدولة التي شهدت تراجعا شنيعا في ادائها تحت رعاية السلطة الاسلامية. يؤكد المؤلف ان الدولة عبارة عن فكر وبناء ولايمكن للاداء الجيد في مرافقها ان يتم بالسحر او الشعارات، انما يستلزم رفع الاداء فكرا سياسيا واضحا لاتتغلب فيه الغيبيات على الواقع ولايصادر الايمان دور المسؤولية والحساب. واذا ارتكزنا على الالية الديمقراطية في عمل الدولة فالديمقراطية الحقيقية لايمكن لها ان تعمل تحت الوصاية، سواء كانت وصاية الدين او العسكر او المشايخ. فهي اما ان تخرج كلية من تحت الوصاية لتكشف عن وجهها الطبيعي الجميل او ان تبقى بمثابة المساحيق الكثيفة التي تخفي وجه السلطة القسرية القبيح. وفي موضوعة الاقلية والاكثرية الحاسمة في تكوين الهوية الوطنية، يرى المؤلف ان الاحزاب الاسلامية لم تكن مهيئة لوضع مفهوم الاقلية والاكثرية في سياقه الصحيح الذي يستلزم بنى فكرية جديدة لاتتوفر عليها هذه الاحزاب. على اننا قد شهدنا تفاقما مفزعا لهذه الاشكالية في الحالة العراقية عندما تحدد مفهوم الاقلية والاكثرية مذهبيا حيث ان الاكثرية المذهبية قطريا هي الاقلية اقليميا فيما تقف الاكثرية اقليميا كأقلية قطرية. فبينما تسعى الاكثرية القطرية الى الحصول على امتيازات الحكم، يزداد توجه الاقلية الى معادلها الاقليمي، وهوالوضع الذي سيبقى مربكا ومعرقلا لنمو الهوية الوطنية الى امد غير مسمى. وليس بامر صادم ان نرى تقاعس اوعجز الاحزاب الاسلامية عن تقديم المعالجة الفكرية السليمة لمسألة الهوية الوطنية اضافة الى عدم قدرتها على جعل الديمقراطية منطلقا بنيويا لها. وفي هذا الصدد يكشف لنا المؤلف وبشواهد تأريخية مفارقة اخرى وهي ان العراقيين هم من اوائل الشعوب التي عرفت ومارست الشعور الوطني. فرغم سلسلة الحروب المدمرة عبر التاريخ العراقي الطويل ، كان الهدف محددا وواضحا وهو الاستيلاء على السلطة، فيما بقيت الجغرافية الارضية والسكانية موحدة لحد كبير. وفي الرجوع الى جذور العنف والاضطرابات السياسية في العراق يأخذنا المؤلف في رحلة تاريخية تبدأ من المقاربة الذكية بين مصادر العقل والسلوك ومااورده لنا حول آباء القانون الثلاثة في الحضارتين الصينية (لاوتسي، كونفوشيوس، وموتزو)، والرافدينية ( اوركاجينا، اورنو، وحمورابي). وعبر مناقشة شيقة يوصلنا المؤلف الى الاستنتاج بان الاخطر في صراع المجتمعات هو الصراع من اجل امتلاك حقيقة النص المقدس واكتساب شرعيته. وهذا هو الموضع الذي تصبح فيه السياسة اداة للدفاع عن المعتقد ووسيلة فاعلة لدحر الخصوم ، مما يجعل العنف كثواب مبارك. على ان تبرير الدفاع عن المعتقد هو مايتمسك به الطرفان، الدولة وخصومها على حد سواء، ومالضحية الا عموم الناس الذين يدعي الطرفان حمايتهم وخدمتهم. هنا ايضا يتنبأ المؤلف بسلسلة من النهايات تأتي في مقدمتها نهاية السياسة التي، كما يوضح المؤلف، كانت قد بدأت من العراق وقد تنتهي فيه ايضا! وذلك حينما تستبدل الاخلاق بالبراعة النفعية، والقيم باسعار الامتلاك، والصدق بالرياء، وقد تتركز مثل هذه الصورة المشينة للسياسة في ممارسة السلطة فتكشر عن انيابها الثلاثة: حفرة للمتمردين ومتراس للشعب وهراوة للمعارضين. وهاهي قد تحولت في العراق من كونها فن لادارة الممكن في ظل المتغيرات الى كونها فن ادارة الفساد في ظل الثوابت. في مبحثه الاخير لهذا الفصل يحلل المؤلف معطيات الواقع حول مستقبل الكونفدراليات والفدراليات المحتملة في المنطقة ويخلص للاستنتاج بان الوضع القلق غير المتجانس مايزال متشظيا بين شمال طامع يسعى الى قضم المزيد، وجنوب مهيمن يروم السيطرة، وغرب مضطرب ومجهول المصير.

في الفصل الثالث يناقش المؤلف المجتمع والدولة والثقافة ويفرق بين مصطلحات المجتمع والمجتمعية، وبين الفئة الاجتماعية والشريحة الاجتماعية. وهو هنا ايضا يغور في الاساس اللغوي والتاريخي للمصطلح والتطور الاجتماعي والسياسي المؤثر فيه. كما يتحدث عن الهوية الوطنية والهويات الفرعية واسباب التكامل ومعوقات النضوج والمراحل التي تعيشها الهويات وهي حسب مايدرجها السعدي: الالتباس والاشكالية والمشكلة والازمة والمأزق والمعضلة. أما عن واقع الثقافة العراقية وتحولاتها البنيوية فالمعالجة تنطلق من محاور ثلاثة: في المحور الاول، الثقافة والهوية الوطنية، حيث نفهم ان الثقافة عبارة عن مفهوم مثقل بالمتناقضات، وبالمعنى النصي ، فالثقافة لاتتصف بكونها كيان ديمقراطي ، انما هي نتاج فردي يفترض تفوقه واكتفاءه بذاته. ولذا فقد تكون مجرد اطار عام للهوية الوطنية من دون القدرة على انتاج الهوية الوطنية. وفي المحور الثاني، المثقف والقرار السياسي، يتم التأكيد على واقع علاقة الثقافة بالسلطة التي يمكن ايجازها بخيارين: اما التبعية والاحتواء، أو الاستقلالية والفناء، وهذان الخياران لم يتغيرا في العراق الجديد عما كانا عليه في ماقبل سقوط الحكم التوليتاري. ولكن ماهي هوية تلك السلطة؟ هنا، يقدم المحور الثالث وجوه السلطة الثلاثة: المال والدين والدولة. يستخلص السعدي مايلي حول وضع العراق الجديد: انتقل العراق من االدولة الاستبدادية الى الدولة الهلامية، ومن شعب موحد قسرا الى مجتمعيات منقسمة طوعا تحكمها جماعات وفقا لاعرافها وطقوسها. فلاهو دولة تدير شعبا، ولاهو مجتمع يخلق دولة.

يختص الفصل الرابع بمناقشة الاصوليات والبعد الاجتماعي، مركـّزا على الاصوليات الدينية والايديولوجية والاعلامية. تشترك الاصوليات الدينية - من آلهة سومر الى كونفوشيوسية الصين، وبوذية الهند، وزرادشتية فارس، الى اسلام العرب- بتمسكها بالاصل المقدس للعقيدة المنطوي على الفكرة المركزية للقوى الالهية المسؤولة عن ادارة الحياة، ومافي ذلك من اختلاف جوهري اتت به الايديولوجيات اللاحقة كالعلمانية والشيوعية والقومية. فبينما تعتبرالاصوليات مصدر فكرتها الاساسية مصدرا سماويا، تدرك الايديولوجيات ان مصادرها ارضية. كذلك ترى الاصوليات الوجود كنتاج لفعل الهي، في حين تؤمن الايديولوجيات بان الوجود هو مادة الفعل الاساسية وليس نتاجه العرضي. يرى المؤلف الماركسية والدين وهما يسلكان نفس الطريق في معرض التراجع عن المبادئ الاولية. فلم يكن الدين مصدر للحب والتسامح عندما دخل تكوينات الدولة ولم تتمكن الماركسية ان تكون مصدرا للرفاهية والحرية حينما عملت الدول بتعاليمها وفلسفتها. الاصولية الاخيرة هي الاصولية الاعلامية التي تحاكي بقية الاصوليات بقدر ماتبحث عن وسائل تعبيرية لترويج خطابها في الوقت الذي دخل فيه الاعلام الى الساحة كأحد اهم واخطر الاسلحة المستخدمة في مواجهة الاخر ودحض توجهاته.

يبحث الفصل الخامس في موضوعة الانتحار المقدس والثورات المدنّسة مبتدئا بمناقشة خطاب الانتحار عند العرب الذي يبين بان ظاهرة الانتحار القتالي لم تدخل الموروث العربي الا بعد ظهور الاسلام، وذلك لدوافع دينية عقائدية تبعده عن ان يكون انتحارا فرديا، بل تضع هدفه الاول في ايقاع اكبر عدد من الضحايا، حيث يختار الانتحاري العربي الجديد اهدافا سهلة كالاسواق والمدارس والمستشفيات واماكن التجمع العامة للاطاحة باكبر مايمكن من الضحايا العزل. ولاتبتعد هذه الحالة عما آل اليه الوضع العام كنتيجة محزنة لما ندعي به من فضائل، والحال لايتعدى كونه: ذكاء دون انتاج، وعبقرية دون ثمرة، وسياسة دون تأثير! يقدم المبحث الثاني من الفصل عرضا تحليليا وجيزا لثورات العراق التي لم تكتمل ثم يعرج في المبحث الاخير وبشكل مختصر ايضا على موضوعة التسامح في الدين والمجتمع. يرى المؤلف بان التسامح في مفهومه الاخلاقي والثقافي وببعده الاجتماعي يعني غفران الاساءة بغض النظر عن مصدرها، الامر الذي يتطلب التكافؤ مابين الاطراف من اجل ان تستمد ثقافة التسامح التجذر والثبات. والتسامح في الغالب يأتي مع عدو زال خطره او خصم اثبت حياده، فيصار الى تأمل صداقته او فائدته. وهو بهذا عبارة عن دعوة اصلاحية مقترنة باحلام الفلاسفة واخلاقيات الاتقياء ولايمكن الحديث عنها خارج انساقها السياسية والاجتماعية والفكرية، والا فما الجدوى من شق طريق جميلة وسط الحرائق؟

أما الفصل السادس فيواصل النقاش في مسألة الاصلاح والثورة في ستة مباحث: الفكر العربي ودعوات الاصلاح، العرب والحداثة، الحاكميات العربية، الثورات بين الجامع والجامعة، الثورة والغوغائية، والثورة والبطولة. يعطي المؤلف اسبابا بنيوية عديدة حالت دون قطف ثمرات الاصلاح التي بدأت مبكرة في المنطقة منذ محاولات جمال الدين الافغاني ومحمد عبدة وعبد الرحمن الكواكبي. من هذه الاسباب:

- اولا، اننا نملك فكرا سجاليا لاحواريا يستحضر فيه الكلام دون الاصغاء وينتهي الى معارك الغائية تبطل عمليتي التداول والتبادل اللذين يوفرهما الحوار وتنمو فيهما المعرفة وفوائدها.

- ثانيا، انحسار تجاوب المجتمع وتضاؤل ردود فعله مما يلغي عمليات ربط الاسباب بالنتائج واللواحق بالمقدمات لانها مجتمعات يختلط فيها الموروث بالخرافة والغرائز بالاوهام.

- ثالثا، غياب القيمة الاستعمالية للمعارف التي تتجسد في تحويل الفكرة الى انتاج مادي يخدم حاجات المجتمع. فبدون ذلك تصبح النظريات والافكار محض ترف حالم.

- رابعا، اننا قد تعودنا على اغراق الفكر بالخطاب الذي قوامه الشعارات الايديولوجية والديماغوغية والمنطق المطلق الالغائي.

فيما يخص تعامل العرب مع المعرفة يقسم المؤلف المجتمعات العربية الى قسمين: القسم الراكد المستهلك لوسائل المعرفة لكنه غير القادر على انتاجها بل الانكى من ذلك هو استهلاكه للمعرفة من اجل قتلها وهذا مايظهر جليا في انتعاش ثقافة التطرف والتكفير والالغاء والبهائم الانتحارية. وخير ممثل لهذا القسم هو دول الملكيات والامارات والمشايخ. اما القسم الثاني المتمثل بالجمهوريات فهو اكثر حراكا بقليل لكن مستوى تطور اقتصاداته المتدني لايتكافئ مع مافيه من قمع. علما ان القمع ارتقى لان يكون الامر الوحيد للحفاظ على السلطة تحت غياب الحق الالهي والتوريث العائلي الذي تدعيه مجتمعات الركود. يرى المؤلف بان المنظومة العربية مقبلة على انهيارات واعادة تركيب وهي ترى امامها نموذجين: النموذج العراقي بافتراض صمود التجربة الديمقراطية ونظامها الفيدرالي وهو ماقد يصلح لمصر وسوريا والجزائر وتونس واليمن، والنموذج الاماراتي حيث تنضم عدة امارات في دولة واحدة وهو مايلائم السعودية والمغرب والاردن ولبنان. اما عن الدعاوى الجديدة وشعارات "الاسلام هو الحل وهو المتناغم مبدئيا مع الديمقراطية" فانها تجد تفنيدها الكلي في الاشارة الى الفرق الجوهري الشاسع بين حكم الدين والديمقراطية كما يبينه الدكتور السعدي بوضوح يكاد يجعل من المفهومين قطبين كاملي التنافر. فبينما يؤكد ويفرض الدين بان الملك والحكم والشرعية لله وماالانسان سوى عبد تابع طائع، تؤكد الديمقراطية في نظريتها وفي تطبيقاتها ان الملك والحكم والشرعية للانسان باعتباره الكائن الكامل الحرية والطوعي الخيار. وعن الثورات الجماهيرية الجديدة في المنطقة يرى السعدي ان تحولا جذريا قد ميزها منذ انهيار الثورات الايديولوجية. فقد اصبحت تميل الى النمط الغاندوي بدلا من النمط الجيفاروي.

في الفصل السابع والاخير يختتم الكتاب بموضوع الاقليات الدينية في العراق الذي يقتصر على اليهود والمسيحيين باعتبارهم اكثر الاقليات تضررا. يستعرض المؤلف تعداد وحالة يهود العراق منذ السبي الاشوري والبابلي الى هجرتهم الجماعية الى اسرائيل بعد تأسيسها. كذلك تعداد واوضاع المسيحيين منذ اول دخولهم للعراق حوالي 59م ولحد الان.

في الختام لابد لي ان اقول ان هذا النوع من الكتب هو ماتحتاج اليه الاجيال الحاضرة والقادمة بغية الحصول على الفهم السليم لما تتطلبه الثقافة الديمقراطية الواجب اكتسابها من اجل التطبيق القويم لاصولها في الحياة العملية.. لقد قدم الدكتور السعدي جهده هذا بأناة وعناية بالغتين فطرح موضوعاته بفصول محكمة ومتسلسلة انتظمت بمباحث مترابطة ومتصاعدة تقود القارئ الى الهدف المرجو بسلاسة وامتاع. خلافا لما تعودنا عليه في اغلب الكتب في هذا الحقل المترع بالحشو الفلسفي واللغو الفارغ، لم اجد في هذا الكتاب كلمة واحدة زائدة عن غرضها او جملة في غير محلها. فليس فيه ماأُقتضب فضاع معناه، ولا ماأُطنب فكان مملا سمجا. وبسبب هذا الوضوح والكفاءة في المعالجة ، ارى انه من الحكمة ان يصار الى اعتماد هذا الكتاب ومايماثله من الكتب القليلة ذات القيمة العالية مصادرا اساسية في المناهج المدرسية. اقول هذا مع ثقتي العالية وبغض النظر عما اذا ستأخذ مثل هذه الادبيات طريقها الى مناهج الاجيال القادمة ام لا، فهي ستصبح لامحالة من المرجعيات الاصول في الدراسة والبحث في حقول الاجتماع والفلسفة والثقافة والعلوم السياسية، على الاقل لمن يحتاجها من الباحثين الملتزمين والمجتهدين.

 

صدور كتابين جديدين للكاتب عفيف شليوط

475-afifصدر مؤخراً عن منشورات مؤسسة الأفق للثقافة والفنون كتابين جديدين للكاتب عفيف شليوط ، الأول "نافذة على مسرحنا المحلي"وهو عبارة عن مقالات في النقد المسرحي يستعرض من خلالها محطات هامة في مسيرة مسرحنا المحلي ، والكتاب الثاني الطبعة الثانية من كتاب "جرس الانذار" ، مجموعة قصصية والذي كانت قد صدرت الطبعة الأولى في العام 1996 .

ذكر مؤلف كتاب "نافذة على مسرحنا المحلي" في كلمته الافتتاحية للكتاب أنه " يشمل مقالات نقدية حول مسرحنا المحلي التي نُشرت في صحفنا ومجلاتنا عبر فترات زمنية متفاوتة ، ومقالات طرحت من خلالها مواقفي حول ظواهر معيّنة في مسرحنا ، لا تخلو بعضها من الحدة ، هذه الحدة المستمدة من الواقع المؤلم لواقع مسرحنا المحلي". ويفسر الكاتب سبب هذه الحدة في بعض المقالات التي نشرت في الكتاب " كتبتها وأنا متألم ومنتفض ، فأنا لم أكتب عن مسرحنا كمتفرج محايد ، بل كإنسان هو من صُلب الحركة المسرحية ، كإنسان قدّم التضحيات وعانى ضمن من عانوا من أجل إحداث نهضة مسرحية في بلادنا ".  

475-afifيشمل الكتاب 28 مقالاً تناولت مراحل هامة في حركتنا المسرحية ، فبعد إصدار المؤلف لكتابه "جذور الحركة المسرحية الفلسطينية في الجليل" ، الدراسة التوثيقية لحركتنا المسرحية ، يأتي هذا الكتاب ليبحث أكثر في هوية مسرحنا المحلي الفلسطيني .

هذا وتزامن صدور هذا الكتاب مع صدور الطبعة الثانية لكتاب "جرس الانذار" ، الذي يحظى بإقبال خاص من قبل القراء وخاصة طلاب المدارس الثانوية ، حيث وقع عليه الاختيار من ضمن قائمة كتب المطالعة الموصى بها في مدارسنا العربية للمرحلة الثانوية ، كما تم دعوة الكاتب عفيف شليوط لمدارس ثانوية ومكتبات عامة ومؤسسات ثقافية في : الرينة ، تل السبع ، طيرة المثلث ، فسوطة وكوكب أبو الهيجا ، لتقديم نشاطات وورشات ابداعية إثر صدور الطبعة الثانية من كتابه "جرس الانذار".

الشاعرة المغربية أم الغـيث بنبراهيم مومين تصدر باكورتها الشعرية "أريد السّـفـر"

474-maraqصدرت مؤخرًا للشاعرة المغربية أم الغـيث بنبراهيم مومين باكورتها الشعرية تحت عــنوان:

"أريد السّـفـر" وذلك عن دار الصفاء الحديثة للنشر والتوزيع بمدينة الدار البيضاء،

والشاعرة من مواليد مدينة فاس سنة 1938. تلقت تعليمها الابتدائي وجزءاً من تعليمها الثانوي بمدرسة أبي شعيب الدكالي للتعليم الأصيل بمدينة الدار البيضاء. تتلمذت على يد أبيها فضيلة الأستاذ العربي بنبراهيم أحد شيوخ القرويين في منتصف القرن الماضي، فأخذت عنه أصول الدين واللغة والأدب العربي.

عاشت الشاعرة ظروف المقاومة ضد الاستعمار، وكانت سندًا لأخيها الشهيد حماد بنبراهيم.

اختارت العناية بأطفالها وبيتها عوض أن تمتهن مهمة التدريس. غير أن شغفها بالأدب والشعر خاصة، علاوة على وفاة أحد أبنائها وهو مازال في مقتبل العمر، سيكون سبباً مباشراً في تفجير قريحتها الشعرية.

في إضاءة نقدية لهذه المجموعة الشعرية، يكتب الشاعر مراد القادري:

" لمْ تُخطئ الشاعرة أم الغيث بنبراهيم عندما وَسَمَت باكورتَها الشعرية بعنوانٍ دالٍّ أريد السفر. فالديوان سفرٌ شعري يأخذُ بيد القارئ ويرحلُ به ليكتشفَ مع الشاعرة مسيرتَها في الكتابة والحياة، تلك الثنائية التي تأرْجحَت بين حَدّيْها الشاعرة، فأخلصت للحياة وانخَرطت في أتـُونها بكلّ كرم الأمُومة وبذْلها وجُودها، لتخسر الشعر أو ليخسرها الشعر".

 474-maraqويضيف في مقام آخر:

" انتصرت أمّ الغيث بن ابراهيم للحياة على حساب الكتابة، فاهتمت بتكوين أسرة وتعهّدِها بالتربية والرعاية والعطف، وبذلت من أجل ذلك وَافرَ جُهدها وعَطائها كأيّ أمّ رؤوم كريمة، تضحّي بدَم حرْفها وحُرقة مِدادها لتسطّر بدل ذلك قصائد من دم ولحم . ولولا ذلك لكانت الحركة الشعرية المغربية عامة والتجربة الشعرية الستّينية خاصة، قد ربحت اسم شاعرة هي أم الغيث بنبراهيم .على أنّ سنوات إقامة أم الغيث بن ابراهيم بين ردَهاتِ الحياة لم تكنْ بالسّنوات العِجاف، فقد مدّتها خِبرة هذه السنوات بعُمقٍ فكري ووجودي استثمرته في بناء شعرية قصيدتها ومدّها بما تحتاجه من قلق السؤال وحيرة الذات".

المرأة في الأمثال الحسانية للباحث المغربي إبراهيم الحيْسن

473-hasnayiضمن منشورات مركز الدراسات والأبحاث الحسانية، صدر للباحث المغربي إبراهيم الحيْسن كتاب: (المرأة في الأمثال الحسانية). وهو من تقديم الباحثة الموريتانية الدكتورة مباركة بنت البراء أستاذة بجامعة الإمام بالرياض.

473-hasnayiوترصد هذه الدراسة تمثلات المرأة في المتخيل الشعبي من خلال المثل الحساني، وما يخالطه من أحكام جاهزة تدعو إلى تكريس العقلية الذكورية وتجذير دونية المرأة، إلى جانب أمثال أخرى ترسخ قيمة المرأة البيضانية ودورها الوظيفي في المجتمع الصحراوي المغربي

كتابان جديدان للدكتور جميل حمداوي

471-jamil-1صدر للباحث المغربي الدكتور جميل حمداوي كتابان تربويان يتناولان مجزوءات ديداكتيكية وبيداغوجية، هي: التخطيط ، والتدبير، والتقويم، والتعليم الأولي، والأقسام المشتركة، والتعليم الأولي، والحياة المدرسية.

471-jamil-1والكتاب مفيد لجميع الإداريين ورجال التعليم واساتذة مراكز التكوين. والكتاب من منشورات مطبعة افريقيا الشرق بالدار البيضاء (المغرب).

مجلة "المربي" .. عشر سنوات من الصدور .. عشرات الآلاف من النسخ وثمانية عشر عددا

otheman ayatالمتردد على الأكشاك والمكتبات الجزائرية يلحظ جليا النقص الفادح في المجلات المتخصصة، وكثرة الجرائد اليومية المستنسخة مواضيعها عن بعضها البعض. وزارتنا للتربية بحجم بلد إفريقي من حيث عدد المتمدرسين تفتقد لمجلة متخصصة تهتم بقضايا التربية والتعليم، مشاكل المدرسة، الصعوبات التي يعانيها التلميذ والأستاذ معا في تحقيق الأهداف المتوخاة من منظومتنا التربوية. وما يقال عن وزارة التربية يقال أيضا عن باقي الوزارات، والمراكز والدواوين التربوية والعلمية والتاريخية.. جفاف فكري وأدبي، صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا شجر، أنت في السابق مخير بين "الشعب" و"المجاهد"، وفي الحاضر بين "الشروق" و"الخبر" وكأنّ الجزائر مختصرة بحجمها القاري في عنوانين لا ثالث لهما.

تعرفت على مجلة "المربي" الصادرة عن المركز الوطني للوثائق التربوية سنة 2008، كانت في عددها الحادي عشر، مجلة متخصصة يشرف عليها طاقم من أساتذة الثانوي والمتوسط من غير تخصص ولا قدرات على الكتابة والبحث والإبداع. صدر العدد الأوّل من المجلة شهر أفريل سنة  1994 قدّم لها الوزير السابق أبو بكر بن بوزيد في صفحتها الأولى افتتاحية، تكلم فيها عن هذا الفضاء للتبادل الحر والمثمر في قطاعنا، وقناة مفضلة للتعبير عن معنى ووقع العمليات التي نقوم بها حاليا. 

تعالج المجلة ملفا واحدا في كلّ عدد من زوايا متعددة، تمنح المواضيع للأساتذة في لقاء جماعي برئاسة مدير المركز ومدير التحرير، وبعد ذلك يباشر الجميع في البحث والكتابة. أصدر المركز الوطني للوثائق التربوية منذ ظهور العدد الأوّل سنة 1994 ثمانية عشر عددا، أي بمعدل عدد كلّ سبعة أشهر. تناولت فيها المجلة ملفات: التوجيه المدرسي، تدريس الفلسفة، تدريس الرياضيات، تدريس التاريخ والجغرافيا، التعليم ما قبل التمدرس، تدريس العلوم الطبيعية... الملاحظ عن المجلة التي تطبع طباعة فاخرة، وما لا يقل عن ثمان ألاف نسخة في العدد الواحد، أنها لا تباع في الأكشاك، ولا تسلم للمدارس مجانا بل عن طريق الاشتراك، ولا يتجاوز عدد المشتركين بضع من المئات، وبقية النسخ تكدس في مرائب المركز الوطني.

من أسباب كساد المجلة عدم تخصص طاقمها الذي يعتمد وسيلة النسخ واللصق في كتابة المواضيع، والأغرب من كلّ هذا مساهمة من حين لآخر لبعض أساتذة جامعة الجزائر بنشر مقالاتهم بالمجلة. والمتصفح لبعضها يرى ما لا يخطر بالحسبان، ولا يستسيغه البحث الأكاديمي ولا تقبله الأمانة العلمية، مقال منقول حرفيا من موقع بالأنترنات وبإمضاء الدكتور فريد حاجي أستاذ التاريخ بجامعة الجزائر 2، وفي أعلى الصفحة صورة الدكتور، وهذا رابط المقال المنقول من صاحبه الأصلي:

   http://www2.men.gov.ma/dajc/Livre%20blanc/T6.Arts/ArtsHistGeo.htm  وهذا عنوان المقال بعد نقله لمجلة "المربي" بإمضاء الدكتور فريد حاجي: http://ara.cndp-dz.org/modules/news/article.php?storyid=59 كانت السرقات الأدبية بمجلة "المربي" يعتمدها أساتذة التعليم المتوسط والثانوي، الذين انتقلوا أو انتدبوا إلى المركز رغبة في الاستراحة من عناء التدريس والصراع مع التلاميذ المراهقين، ولم يكن انتدابهم من أجل البحث العلمي الذي يتطلب جهدا مضاعفا ورصيدا علميا وتربويا كبيرين، لكن، ونظرا لأنّ المجلة لا تصل إلى القراء ولا إلى المربين، وتخزن في مرائب لا تتوفر على شروط الحفظ، إذ سرعان ما تتبلل بالمياه المتقاطرة من السقف، ويبدأها التلف من سنة أول صدورها، راح الجميع يعبث بها، داسين الروح العلمية بأرجلهم، واضعين صورهم على المقالات المنقولة حرفيا للدلالة على أمانة سارقها.

 

عثمان أيت مهدي

27/12/2013

 

سيميائيات الخطاب الروائي كتاب جديد للباحث عبد المجيد العابد

469-abdiصدر للباحث السيميائي المغربي عبد المجيد العابد كتاب بعنوان "سيميائيات الخطاب الروائي: "اللص والكلاب" و"ذات" رؤية جديدة" ضمن العدد 59 من مجلة الرافد الإماراتية المحكمة،  ديسمبر 2013. يعد هذا المنجز استمرارا لنهج الباحث في تبيئة مفاهيم ومناهج سيميائية حديثة في النقد العربي المعاصر. جاء في المقدمة قول الكاتب: "نعتقد أن المنهج السيميائي باعتباره منهجا شموليا يأخذ بشرط "التكامل"، مما دفعنا في هذا العمل إلى استثمار نظريتين سيميائيتين مختلفتين متكاملتين: نظرية السيميائيات السردية الغريماصية مستثمرين مصطلحاتها ومفاهيمها، ومعززينها بأخرى واردة من حقول معرفية مغايرة نراها لازمة لدراسة نص"اللص والكلاب" لنجيب محفوظ، لأنها تستجيب لما نطمح إليه، ثم لتعزيز المقاربة المنهجية لدراسة هذه الرواية.

469-abdiأما الدراسة الثانية فاستثمرنا فيها نظرية الإيقونص السيميائية التي فتقنا أكمامها، ونحاول تبيئتها في النقد العربي، معتمدين متنا مخصوصا تمثل في رواية "ذات" لصنع الله إبراهيم، رأيناها تستجيب للمبادئ الإيقونصية، كما نأمل من خلال هذه النظرية الجديدة تحديث النظر إلى النص العربي باعتماد آليات سيميائية جديدة نتجاوز بها قصور مناهج سابقة أضحت من الماضي".

 

 

الباحث عمر أمرير في كتاب جديد حول الديمقراطية بالمغرب: ألواح قبيلة .. آيت عبد الله السوسية

468-amarirانخرط الباحث والإعلامي عمر أمرير مُبكرا في بحوث علمية وأخرى ميدانية اهتمت أساسا بالثقافة الشعبية المغربية بكل أبعادها العربية والأمازيغية والإفريقية والمتوسطية، وغاص في تفاصيلها الصغرى والدقيقة، سواء باعتباره باحثا وأستاذا جامعيا مبرزا في الأدب الأمازيغي والحضارة المغربية أو إعلاميا ومثقفا يمتلك رؤية واضحة وأسلوبا مُجددا في بناء معرفة يتقاطع فيها الأدب الشعبي الأمازيغي والعربي المنسي، الشفاهي والمكتوب لمُبدعين كبار عاشوا في  حرارة الظل .

وعلى مدى أزيد من خمسة عقود حافلة بالعطاء الأكاديمي والإعلامي، جعلته من رواد الباحثين في مجال الكلمات المفقودة في ثقافتنا، انطلاقا من اهتمامات بالتاريخ والإنسان والمكان واللغة والإبداع، أصدر د/ عمر أمرير مؤخرا كتابا جديدا بعنوان (جذور الديموقراطية في المغرب: ديموقراطية قبيلة أيت عبد الله نموذجا 1914 ـ 1934) وهي الدراسة التي سلك فيها منهجا ثقافيا يؤرخ من خلاله للأحداث والذهنيات والأثر الاجتماعي والسياسي والثقافي لإبراز ممارسة نسميها اليوم الديموقراطية  وهي التجلي الثقافي في سلوك المغاربة، تنظيما وأخلاقا .إنها نوع من التشريع  الوضعي الذي يستمد جوهره من التشريع الإسلامي ومن الوعي القبلي المغربي بأعرافه وتقاليده الحاملة لكل قيم العدل والحرية.

468-amarirوقد جاءت مقاربة هذا الموضوع من خلال أربعة مداخل كبرى للإحاطة به ؛ ففي الباب الأول ـ بعد مقدمة مهد بها مبرزا الأسباب والدواعي ـ سعى عمر أمرير إلى التعريف التاريخي والمجالي لقبيلة أيت عبد الله الكائنة بعمق المنطقة الوسطى من الأطلس الصغير  جهة الجنوب الشرقي لمدينة تارودانت.كما حدد أقسامها وعدد قراها والنواة الأصلية للسكان، بدءا من اسم جدهم عبد الله، ليتوقف في نهاية هذا الجزء  عند أهم مركز تجاري وعلمي في أيت عبد الله .. وأخبار مدينة صارت اليوم دشرا صغيرا بعدما كانت في عصور ازدهارها إحدى أهم المدن المغربية التي زارها من السلاطين أبو يعقوب الموحدي  في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي، كما حل بها  السلطان السعدي احمد المنصور الذهبي1580 م، سنتين بعد انتصار المغاربة في معركة وادي المخازن.

ثم ينتقل د/ أمرير إلى الباب الثاني، وفي خمسة فصول، ينقب عن جذور الديمقراطية  وعراقتها عبر أنواع المجالس واللجن الديموقراطية وشروط العضوية في كل لجنة أو مجلس وقواعد التعيين  وكيفية إنهاء العضوية، ثم أجرة النواب ومصادر التمويل.

ولعل أهمية هذا التأليف  تزداد والباحث يحفر في الجذور للممارسة الديمقراطية من خلال اللوح وهو دستور محلي مكتوب، ويذكر الباحث أنه تم العثور على أقدم لوح بقبيلة أيت عبد الله  يعود إلى القرن الخامس عشر، وهو ما قاد إلى البحث في مفاهيم أخرى، مثل المخازن، أكادير،  الموجودة  منذ القرن الثالث عشر الميلادي  وان كل أكادير في قرى أيت عبد الله  بناية تعتبر هي وحدودها  ومرافقها أماكن مقدسة  وأن ساحتها الأمامية  من أهم الأماكن  التي يجتمع فيها نواب مالكي  غرف الخزن .

مصطلح آخر توقف عنده الباحث  وهو تارامَيْتْ  وهو مصطلح أمازيغي يعني قواعد تكوين حربي يجعل من كل ذكور القبيلة سواسية في تعلم الرماية وحمل السلاح للدفاع عن حمى القبيلة .

إن تارامَيت هي نوع من التربية المكتوبة في كنانيش نسخت عن مخطوط أصلي قديم، وأن الشيخ الأكبر لتلك التربية في المغرب هو شيخ الرمى سيدي أحمد أو موسى السملالي (ق 15م). 

يعود الباحث في الباب الثالث إلى المرحلة في فترة دخول الاستعمار الفرنسي،والمقاومة البطولية لقبيلة أيت عبد الله  بالاعتماد على ذاكرة شاهد  وافق ميلاده بداية اندلاع المقاومة ونشأ في سعير حروبها ومجاعاتها  إلى أن أهلته عصاميته  لينال ثقة زعيم مقاومة قبيلة أيت عبد الله عبد الله زاكور، فيُعينه أمين مفاتيح داره، إنه السيد همو نصيح  والذي سيروي للباحث الكثير من خفايا تلك الفترة المبكرة والتي لم يكتبها التاريخ، وتوثيق الصراع الشرس بين المقاومة والاستعمار  وخصوصا في سنة 1920، معركة الغنائم التي كانت نتيجة تخطيط ذكي وتكتيك حربي عالي الدقة، وهو ما جعل المستعمر، وخلال ست سنوات (921ـ 192)  يَقدم على ارتكاب مجازر وحشية  لم تمر ببال أحد هناك  في تاريخ حروب تلك القبيلة: فخلال انعقاد الموسم السنوي الكبير  لسيدي لحسن أوعبد الله الذي تؤم إليه الآلاف، ستهجم طائرات حربية فرنسية  وتحصد أرواح المئات من الشهداء بقذائف ضخمة، كأن الأمر صورة مُصغرة من الحرب الكونية .. هذا ولم يستطع الاستعمار، رغم كل هذا، تركيع المجاهدين من القبيلة. وستأتي الست سنوات اللاحقة  من 1928 على 1934 ليخوض الجيش الفرنسي حرب إبادة برا وجوا  أمام مقاومة أسطورية لم تشهدها المنطقة من قبل .. غير أن  تاريخ 29 فبراير 1934 سيُحكم فيه الاستعمار الفرنسي سيطرته  على قرية أساكا المركزية وينفي زعيم المقاومة عبد الله زاكور  وبذلك يتم نزع السلاح من السكان  ويجري إعلان احتلال  القبيلة وتعطيل آلياتها الديمقراطية والتي كانت سببا مباشرا  في مقاومة دامت 22 سنة أمام الجيش الفرنسي .

وسيعتمد الباحث د/ عمر أمرير على شاهد ثان هو أحمد العمراني لإضاءة جوانب جديدة حول منطقة أيت عبد الله  ويختتم هذا البحث في تاريخ الديمقراطية المحلية كما شهدتها إحدى القبائل السوسية  العريقة في الممارسة الاجتماعية، بين  تدبير الحياة اليومية والدفاع عن الحرية والكرامة .

 

التواصل البيداغوجي ونجاح اكتساب التعلمات في أعمال الدكتور أحمد لعمش

mohamadsaed samadiأصبح الدرس التربوي بمختلف تجلياته النظرية والتطبيقية محلَّ اهتمام متزايد في النقاش العمومي وأدبيات البحث التربوي العلمي والتدخلي، نظرا لمخرجات منظومة التربية والتكوين التي أصبح أرقـُها وانتكاس نتائجها يزيد الخرق على الرقع، ويُتيح فرصَ بروز دعوات ناتئة توسع دائرة التشظي والتصدع المجتمعي ..

وأصبحت الحديث عن المدرسة في قلب المشهد الحواري والثقافي، والنقاشُ يدور حول مدرستين: المدرسة التي يعايشها الطفل اليوم ومدرسة الغد، أي المدرسة التي تستجيب لحاجات بناء مجتمع المعرفة وتكنولوجيا المعلوميات، وهي المدرسة التي يجب أن يبدأ التفكير بجد في تنزيل أسسها لأبناء مغرب الغد ..

في سياق البحث التربوي العلمي المهتم بقضايا التربية وتفاصيل العملية التعليمية التعلمية والممارسة الصفية الفعالة، أثث المكتبةَ التربوية الزميلُ الأستاذ الباحث أحمد لعمش أستاذ علوم التربية بالمركز الجهوي بالقنيطرة، بإصدارين مترابطين متكاملين يمثلان ـ في آن ـ باكورة أعماله،  ترصدان أثر العلاقة التواصلية البيداغوجية على اكتساب التعلمات وتمثل القيم والمعايير وتجاوز التسرب والهدر المدرسي، إن على مستوى الطفولة المبكرة أو الابتدائية أو المرحلة الإعدادية.

1 ـ الكتاب الأول: التوافق الاجتماعي لتلاميذ التعليم الابتدائي:

قسم الأستاذ أحمد لعمش مشروع أطروحته إلى قسمين قسم يرصد المرحلة الابتدائية، وقسم خاص بمرحلة المراهقة/ مرحلة الإعدادي. الكتاب الأول وسمه بعنوان" التوافق الاجتماعي لتلاميذ التعليم الابتدائي" صدر عن منشورات مجلة علوم التربية العدد 33، استوفى 242 صفحة من الحجم الكبير.

تعد مرحلة التعليم الأولي والابتدائي مرحلةً جد حساسة في بناء شخصية الطفل، وتنمية قدراته ومهاراته واستعداداته الفطرية، وتشكل محطة رياض الأطفال أولَ قفزة نوعية ينتقل منها الصغير من عالمه الصغير/الأسرة، إلى محيطٍ آخر تلعب فيه المربيات دور الأم ، والأقرانُ الصغارُ دورَ الإخوة، وهكذا تبدأ عنده عمليات الاندماج والتفاعل مع الغير في علاقات تواصلية غير تلك التي يعيشها وسط أسرته ومحيطه الضيق. ويزداد احتكاكا بالغير عندما يلتحق بصفوف المدرسة الابتدائية وما يليها، حيث تنتظم المواد الدراسية بشكل منهجي أكثر صرامة منه في التعليم الأولي، وهنا يبرز إشكالُ العلاقة السائدة بين المدرس والمتعلم أو لنقل بين المتعلم وباقي الفاعلين في حقل الحياة المدرسية بصفة عامة، ومدى انعكاس كل ذلك على التحصيل والتفوق الدراسيين...

وتأتي دراسة الأستاذ أحمد لعمش في سياق البحث في تفاصيل هذه الإشكالية العويصة التي تشكو منها المنظومة، بسبب الاختلالات والمستجدات التي أصبحت تعتمل مع بعضها البعض في معترك حياة الإنسان المعاصر بصفة عامة والحياة المدرسية بصفة خاصة. اشتغل الكاتب على طبيعة العلاقة السائدة بين المتمدرسين وأساتذتهم ومربيهم، وطبيعة التمثلات القبلية التي يحملها الصغير تجاه شصية المدرس، وبلغة المؤلف: التوافق الاجتماعي بالمدرسة وأثره على التحصيل والتفوق المدرسي. قدم للكتاب الأستاذ الدكتور عبد الله الخياري الذي يقول في طالعة الدراسة:" واعتبارا لكون المؤلف اهتم في هذه الكتاب بالتمثلات التي يكونها المتعلم تجاه المدرس ، فقد انتهى في القسم الميداني من البحث إلى تأكيد وجود علاقة دالة بين طبيعة تمثلات المتعلمين لشخصية المدرس وبين توافقهم الاجتماعي بالمدرسة؛ مبينا أن متغير السن يلعب دورا في تحديد طبيعة تمثل المدرس (كلما ارتفع سن المتعلم كلما تمثل مدرسا بالمواصفات المهنية، وكلما انخفض سنه كلما غلبت على العلاقة بينهما الحمولة الوجدانية) .. ويستخلص المؤلف عقب نهاية تحليله الشامل والعميق لكل العوامل والأبعاد أن تمثلات المتعلمين هي حصيلة ُ تفاعل مجموعة من العوامل الذاتية والموضوعية، تجد مرجعيتها في الثقافة الأسرية وفي أنماط التنشئة الاجتماعية ونماذج المثاقفة..."1.

إن الارتباط بالمحيط الصغير لعالم الطفل يجعل تشكيلة التمثلات رهينة التأثير والتأثر والبصمات التي تبصمها مرجعية البيت وجماعة الأقران، وبالتالي ينطبع الصغير بقيم أسرته ومعايير جماعة أقرانه التي ينتمي إليها، وينبني عنده التصور الأولي لشخصية المدرس. يقول أحمد لعمش:"إن الطفل يلج المدرسة وهو محمل بحجم كبير من القيم والمعايير الأولية راكمها بواسطة الخبرات التي اكتسحها سواء من الأسرة أو من الفضاء الخارجي الذي عاش فيه مرحلة طفولته الأولى والثانية، حيث تحدث الاتجاهات والقيم خلال تفاعله مع الآخرين الذين يمثلون له نوعا خاصا من العلاقات التي تربط بينه وبين أولئك الآخرين برباط قوي...إن ما يسمعه الطفل من أبيه وأقربائه عن المعلم سيكون له دوره الفعال في تحديد ما يتوقعه من المعلم قبل التحاقه بالمدرسة. من هنا سيكون أول لقاء بين المعلم والتلميذ متأثرا بعوامل ومحددات سوسيوـ عائلية أكثر نوعية... " 2

ويخلص الباحث وهو يدرس إشكالية البحث في شقها النظري إلى أن " الأسرة ومناخ جماعة الفصل وأنماط العلاقات القائمة بين التلاميذ والمدرسين، وتمثلات المتمدرسين لهم، كلها ميكانزمات التوافق التي تؤثر فيه إما سلبا أو إيجابا. وشددت كل التنظيرات المعتمدة على دور المدرس الفعال في تحقيق التوافق الدراسي الإيجابي لدى التلاميذ وخاصة في مستوى المدرسة الابتدائية"3.

وينتقل الباحث في الباب الثاني إلى الجانب التطبيقي الذي رصد، بدقة تفكيكية، شخصية َالمدرس(في أبعادها الثلاثة: المعرفي والوجداني والمظهري) والممارسة البيداغوجية المتبناة والتواصل الصفي المتبع، وذلك من خلال أفراد عينة البحث المنحصرة في 300 تلميذة وتلميذ من المستوى الثاني والمستوى السادس من التعليم  الابتدائي. وبعد اتباع الخطوات المنهجية في إنجاز البحث التربوي الميداني، توصل في النهاية إلى خلاصات قارنها بالفرضيات التي انطلق منها البحث والتي تنبني على"وجود علاقة ارتباط دالة بين تمثلات المتمدرسين لشخصية المدرس، وتوافقهم الاجتماعي بالمدرسة"، ومدى تأثير هذه التمثلات على التحصيل والمردودية.

 

2 ـ الكتاب الثاني: العلاقة البيداغوجية واكتساب المعارف:

العمل الثاني الذي أصدره الدكتور أحمد لعمش في نفس التاريخ اختار له عنوان" العلاقة البيداغوجية واكتساب المعارف"وهو مكمل لسابقه، يرصد طبيعة العلاقة التواصلية البيداغوجية بين مدرسي سلك الإعدادي وتلامذتهم. صدر عن منشورات مجلة علوم التربية العدد 32، استوفى 151 صفحة من الحجم الكبير، وقدم له الأستاذ الدكتور أحمد أوزي.

تعتبر المرحلة التعليمية الإعدادية من أهم وأعقد المراحل العمرية في زمن التلقي والتعلم، نظرا للخصوصيات البيولوجية والحاجات النفسية للمتعلم الذي يتزامن عنده الزمن التعلمي بإرهاصات المراهقة والاهتمام المتزايد بالذات وبعض الميولات التي تفرضها طبيعة المرحلة العمرية والواقع المعيش الذي يشجعها بمختلف ألوان الإثارة والإلهاء، مما يجعل العملية التعلمية التعليمية أكثر صعوبة، وتحتاج لمهارات وكفايات مهنية متميزة للتغلب على تداعيات المرحلة وشططها، والحصولِ على مردودية تعليمية كافية لمواجهة ـ بكفاءة واقتدار ـ صعوبات التعليم الثانوي التأهيلي.

والكتاب الذي بين أيدينا يبحث بمنهج علمي مضبوط ، نظريا وتطبيقيا، في طبيعة العلاقات السائدة بين طرفي العملية التعليمية: مدرس إعدادي / تلميذ الإعدادي، وما يخلفه المجتمع من تأثيرات على صورة المدرس، أو كما يقدم المدرس صورتَه للمجتمع من خلال سلوكيات تنافي أحيانا قيم المهنة وإشعاعها. ومن أجل تحسين جودة التعلمات وإعادة تقييم دور التربية المدرسية في سلك الإعدادي بذل الباحث في عمله هذا جهدا يروم من خلاله إعادة الاعتبار لمكانة التربية ومهام المدرس الجيد، وذلك كما يقول الدكتور أحمد أوزي في مقدمة الكتاب:" لبناء تمثلات وصور إيجابية لدى المتعلمين عن المدرسة والمدرسين، لما يربط بين التمثلات والاتجاهات الإيجابية التي يكونونها عن المدرسين وعن البنية التعليمية بشكل عام، وبين الدافعية والتحفيز على الإقبال على المعلومات والمعارف التي يسعى التعليم المدرسي إلى إكسابهم إياها. فالمؤلف يبرز في مختلف فضاءات كتابه بشكل واضح وأسلوب دقيق الدور الكبير الذي يلعبه المدرس في مساعدة المتعلم على اكتساب المعرفة وبناء أسسها ومقوماتها، سعيا لتوطينها وإنتاجها في المستقبل... "4

مهد صاحب الكتاب بمدخل نظري مُركز، رصد فيه موضوع اكتساب المعارف ودور شخصية مدرس هذا السلك في تحقيق الأهداف التعلمية وحدود ومدى استجابات التلاميذ للتحصيل، من خلال دراسات وأبحاث علم النفس المعرفي والسيكولوجي  التي أجمعت كما يقول المؤلف"على المدرس لا يكفيه الإلمام بالمادة المعرفية التي سيقدمها، وإنما هو بحاجة إلى معرفة دقيقة بميكانزمات تعلم تلك المادة من قبل المتمدرسين. ذلك أن المتعلم يأتي إلى الفصل ومعه حمولة من التصورات والتمثلات عن المادة التي سيتعلمها...إن المدرس مطالب، بالإضافة إلى أن يعرف كيف ينمي قدرات المتعلم أثناء عملية التعلم بفهم العوائق التي يمكن أن تضعها تلك الأنماط المقولبة Les stéréotypes  من المعارف المسبقة أمام أي تعلم لاحق، والعمل على تجاوزها"5

إنه الرهان الصعب الذي تعانيه المنظومة حينما تختل موازين التواصل البيداغوجي والتدبير الصفي الناجح، من خلال فهم شخصية المتلقي وتقديرها، وحسن تدبير الفروقات الفردية التي تسود جماعة القسم.

عالج الأستاذ الباحث موضوع الكتاب من خلال الجانب النظري الذي خصه للمحاور التالية:

1. مفهوم التمثل من السياق الاجتماعي إلى السياق التربوي.

2. التمثلات في حقل العلوم المعرفية: وحدة الخصائص وتعدد الوظائف.

3. اكتساب المعارف بين الدوافع الذاتية والحوافز الموضوعية .

فيما اختص الجانب التطبيقي ببسط تفاصيل البحث الميداني والمنهجية المتبعة في استخلاص نتائجه وتفسيراتها، واختار الباحث العينة من بين متمدرسي السنتين الأولى والثالثة إعدادي. وقد أحس الباحث بجسامة الموضوع وتعقيداته وهو يمارس المسح الاستقصائي للعينة المنتقاة، ويصرح في مشارف نهاية بحثه بأن " الاحتكاك بستمائة (600) متعلمة ومتعلم عبر التطبيق الفردي للاختبارات والمقابلات والاستمارات، يكون قد منح هذا العمل رغم بساطته، ومحدودية آفاقه العلمية ، صفة البحث السيكولوكي، وإن كان مستوى الطموح إلى الكشف عن خبايا آليات التحكم في إحدى العمليات العقلية البالغة التعقيد ، ونعني بها التمثلات الذهنية، قد جاء أقل مما كنا نأمل تحقيقه، وذلك لاعتبارات..."6

في الختم :

 إن العملين اللذين أصدرهما الأستاذ الباحث أحمد لعمش لقرائه، يمثلان إسهاما مقدرا أغنى  المكتبة المغربية في حقل الدراسات التربوية المعاصرة، خاصة أن صاحبهما وُفِّق في تحريرهما بلغة عربية سلسة سليمة استطاعت أن تتجاوز معيبات الترجمة، وحتى عيوب بعض الباحثين غير المتمكنين من سلامة التعبير وصحة الرسم الإملائي، مما يجعل دعوتنا لقراءة الكتابين من قِبَل الأساتذة الممارسين ـ وحتى المبتدئين ـ تجد مبررها وحافزيتها. 

 

الدكتور محمد سعيد صمدي

المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين/ طنجة

............................

الهامش:

1. التوافق الاجتماعي لتلاميذ التعليم الابتدائي:6 و7 / ط1 / 2013 / مطبعة النجاح الجديددة / البيضاء.

2. نفسه: 66 و115.

3. نفسه: 134.

4. العلاقة البيداغوجية واكتساب المعارف: 8/ ط1 / 2013/ مطبعة النجاح الجديددة / البيضاء.

5. نفسه: 12

6. نفسه: 143

 

د. جميل حمداوي يصدر كتابه الجديد (الإحصاء التربوي)

466-jamilصدر للباحث المغربي الدكتور جميل حمداوي كتابه الجديد (الإحصاء التربوي)، وذلك عن منشورات أفريقيا الشرق (الدار البيضاء- المغرب).

466-jamilوهو موجه إلى الأساتذة والطلبة الذين يدرسون بالجامعات بمختلف كلياتها. 

وهو موجه أيضا إلى مدرسي كليات علوم التربية وطلبتها. ويتضمن الكتاب قسمين: الإحصاء الوصفي والإحصاء الاستنتاجي. 

 

القصر الكبير بعيون غوارديولا

467-anasصدر مؤخرا عن جمعية تطاون أسمير بتطوان، ديوان شعري مترجم بعنوان "دخان الكيف" للشاعر الإسباني الكبير أنطونيو رودريغيز غوارديولا Antonio Rodríquez Guardiola، يضم حوالي خمسة وسبعين صفحة من الحجم المتوسط، ويزين واجهة الغلاف صورة بديعة لضريح مولاي علي بوغالب تعود إلى فترة الاحتلال الإسباني للمغرب.

وإذا كان صدور ديوان شعري أمر يستحق الإلتفات والإحتفاء، فإن ما يثير الإعجاب ويستحق الإشادة هو قيام المؤرخ والمترجم القصري الذائع الصيت، الأستاذ محمد أخريف،  بترحمة هذا العمل الذي لا يستحق القراءة وحسب، بل يستحق الإنكباب عليه بالدراسة العميقة والرزينة لنفض الغبار عن صورة المغرب لدى الآخر، التي جاءت هذه المرة مخالفة للنمط الإستعماري التقليدي، حيث يظهر المغربي كرمز للتخلف والبداوة. وربما كان هذا الدافع الخفي المهمين على اهتمام الأستاذ أخريف، باعتباره مؤرخا وباحثا في المدارات والتقاطعات التي تحدث بين حقل التاريخ وباقي الحقول الثقافية الأخرى، قلت ربما كان هذا، إضافة إلى الذائقة الجمالية لديه، هو ما دفع الأستاذ على العمل الشاق من أجل تقديم هذا العمل إلى القراء المغاربة، لجعله مرآة منصفة هذه المرة، يرى فيها الشعب المغربي صورته الجميلة لدى الآخر.

467-anasوالجدير بالإهتمام، أن هذا العمل قام بمراجعته الأديب القدير الدكتور محمد علي الرباوي ، والمترجم يوسف اليملاحي، كما حظي بتقديم جميل، أحاط بالحيثيات التاريخية والإجتماعية التي كتبت فيها هذه القصائد، وكذا بعدها الجمالي والفني، أنجزها الشاعر الشاب، الأستاذ أنس الفيلالي.

وقد ضم هذا العمل إحدى عشرة قصيدة باللغة الإسبانية مع ترجمتها العربية، وتدور كلها في فضاءات مدينة  القصر الكبير، راسمة صورة حضارية صادقة للمدينة في جمالها وبساطتها، التي لا تنفصل عن بساطة سكانها.

وإذا كان هذا الديوان قد تطلب تظافر جهود كل من المؤرخ والشاعر والمترجم من أجل تقديمه إلى القارئ المغربي والعربي، فلا يسع المرء إلا أن يأمل في أن يحتل فاتحة

تدشين مشاريع أدبية كبرى، عمادها الذات والآخر، لتأسيس مدارات إنسانية أرحب بين الشعوب، على شرط استفادة المثقفين والدبلوماسيين من هذا الدرس الأدبي الرفيع.

 

رشيد الجلولي

 

 

البديل من العبرية .. كتاب جديد للبروفيسور فاروق مواسي

465-maosiصدر حديثًا كتاب "البديل من العبرية"- كلمات عربية مقترحة لألفاظ عبرية شائعة.

الكتاب من إصدار مجمع القاسمي ومكتبة كل شيء.

 إليكم مقدمة الكتاب،  حيث يتناول المؤلف رؤيته حول الموضوع الذي يتناوله ويقترح فيه:

 

هذا الكتاب:

لا مشاحّة أن استخدام الألفاظ العبرية في نسيج الجمل العربية في اللغة الدارجة أصبح مألوفًا بين العرب في إسرائيل، فأنت لا تكاد تسمع أية جملة بكلمات عربية قحّة، بل ثمة مزجُ كلمات فيها هنا وهناك مما يرد بالعبرية، والأنكى من ذلك أن يلفظ  أحدهم الكلمة العربية بلُكنة عبرية، لا لسبب إلا لأنه سمعها من يهود المدينة القريبة. هذا هو حال المثقفين من محامين وأطباء ومهندسين وغيرهم، وكم بالحريّ إذا استمعت لسبّاك أو نجار أو أي صاحب مهنة، فعندها توقن أن (اللغة العِـرْبِــيّـة) هي اللغة الطاغية، هذه العربية المعبرنة هي التي تواجهنا شئنا أم أبينا، فاللغة تحيا  وتقوى في مدى استخدامها، وهي أولاً وقبلاً وسيلة اتصال سريعة بين المرسل والمتلقّي.

من هنا نعي وندرك حجم المشكلة، فإذا تنادينا للوقوف ضد تيار كاسح جارف فلن نخدع أنفسنا بأننا ننجح في الصدّ والردّ، ولكنها هنا وفي مثل هذا الكتاب اقتراحات مختارة أجدها بديلة لألفاظ عبرية مستحكمة ومتحكمة، فإن أقنعت نفرًا منا أن يستخدم البديل فذلك ما يبعث الرضا في نفسي، وإلا (وأنا واثق من عسر الأمر وشبه استحالته) فحسبي أنني تحركت وحاولت، ومن لا يحاول فإنه لا يخطئ.

ليثق قارئي أنني بذلت سابقًا، وأبذل اليوم جهدًا جهيدًا، وأنقب في المصادر، وأسأل ذوي الاختصاص، وأراجع لا أقل من عشر مرات قبل أن أقترح مادتي، ومع ذلك جل من لا تفوته شاردة أو واردة، وأنا قد لا أقنع هذا أو ذاك في كل مقتَرح، فلا بأس! فإذا لم يرُق لكم ما أدعو إليه فلا تحولوا دوني والاستمرار في غيرتي على عربيّتي!

465-maosiثم أقول: لا غضاضة إن أفدنا من تطور أية لغة بما فيها العبرية، ولكن العيب كل العيب  أن نخلط الكلمات العبرية في جملنا اليومية حتى نكاد نتجاهل هويتنا، واللغة هوية!

ثم أٌقول: جدير بنا أن ندرس العبرية-  لغة الجوار، واللغة الرسمية الأولى في بلادنا، بل أن نكون ممن يحسنونها، ويتفوقون على أصحابها بها.

 ولكن بربكم، هل لغتنا ضعيفة إلى هذا الحد حتى تعبّروا عن معانيكم بألفاظ هجينة، بل تجعلون اللفظة العبرية وَفق قواعد العربية، فيقول أحدكم: أزمنت كرطيسين؟؟؟!!!

يسرني أن الحلقات الخمسين في هذا الكتاب قد لاقت النشر والاستحسان والمتابعات والتعليقات في المواقع وفي الصحف المحلية، فلهم الشكر، وحسن الذِّكْر.

على إثر ذلك بادر مجمع القاسمي برئاسة د. ياسين كتاني لنشر هذا الكتاب، بما فيه من اقتراحات ومناقشات، فله الشكر الأجزل والأمثل على هذا الحرص الوافي والأمين.

ولا يسعني إلا أن أشكر السيدة مريم شايب على إعدادها المعجم في نهاية الكتاب، والسيدة سائدة أبو صغير على إخراج هذا الكتاب، والسيد حسام الشايب على تصميم غلافه.

وإلى لقاء في محاولة أخرى مخلصة لعربيّتنا، مؤمنة أن أدبنا ولغتنا وثقافتنا أهل لأن ننذر أنفسنا لخدمتها، ورفع شأنها، ما أوتينا إلى ذلك سبيلا.

 

  أ.د فاروق مواسي

 

 

 

الطرديات في الشعر العربي للشاعر والناقد رشيد الخديري

463-khodعن دار النايا للنشر والتوزيع صدر للشاعر والناقد رشيد الخديري كتابه الموسوم بـ " الطرديات في الشعر العربي"، وهو محاولة لسبر أغوار هذا الفن الشعري التراثي، ونبش في مكوناته الجمالية والتعبيرية، من التقديم نقرأ:

يحتاج التريض في حدائق شعرنا العربي القديم، لأكثر من حاسة حتى نستطيع النفاذ إلى أعماقه وسبر أغواره التاريخية والجمالية، إنه شعر كوني و إنساني يضيء الدروب المعتمة، ويرفع الذات إلى مقامات الرقي والجمال، فلا عجب أن يستهوي الدارس العربي وغير العربي على الخوض في تفاصيله والنهل من معينه الذي لا ينضب، فهو مرآة تعكس شغف الأمة العربية بلغتها و انخراطها الكلي في سيرورة الآداب الإنسانية.

463-khodإن الشعر مظهر من مظاهر عبقرية الإنسان العربي، وجامع لغتها وقاموسها الغني ، المتفتح على كل جديد في المعنى والصياغة والرؤيا، ذاك أن عمر اللغة العربية يجاوز أعمار كثير من اللغات الحية، وأن ما يروى لنا من شعر عربي يمتد إلى مائة وخمسين سنة قبل الإسلام، وهاهي حتى وقتنا الراهن لغة معبرة عن انشغالات الأمة، متطورة بتطور وسائل الاتصال والتكنولوجيا، فمعجم الشاعر الجاهلي ، يختلف عن معجم الشاعر الأموي أو العباسي أو المعاصر، وذلك، لعمري مثال حي على تطور اللغة، رغم اختلاف الرؤى والأزمنة والسياقات التاريخية.

وتراثنا الشعري_ ككل تراث إنساني_ تتنوع روافده و تتعدد أغراضه، فيه الخالد الباقي على كل عصر، وفيه ابن زمنه الذي لا يستطيع التحليق أبعد من سمائه، وهذا حال كل شعر، يخفت ويعلو حسب درجة الشاعرية والإبداع،فصنف الشعراء إلى أصناف، وقسم الشعر إلى معلقات و مفضليات و أصمعيات، وما إلى ذلك من سير تتناول أخبار الشعر والشعراء في مختلف الأصقاع، من هنا، انبثقت فكرة التغلغل في أعماق هذا الشعر، ومحاولة سبر أغواره السحيقة، عبر نفض الغبار عن " قصائد الطرديات "، كغرض شعري، جدير بالاهتمام والرصد

 

من المعجم الروسي- العربي للامثال والحكم الروسية

انتهيت قبل فترة من تأليف المعجم الروسي – العربي للامثال والحكم الروسية، ويضم مجموعة كبيرة من تلك الامثال والحكم مرتبة حسب الابجدية الروسية، ومن نافل القول الاشارة هنا الى اهمية هذا العمل العلمي ومكانته الرائدة في مجال الدراسات والبحوث الروسية – العربية،اذ لم يصدرلا في روسيا ولا في العالم العربي (حسب معلوماتنا المتواضعة) لحد الآن اي معجم شامل باللغتين الروسية والعربية يتناول هذا الجانب المهم من التراث الشعبي الروسي – العربي، رغم ان هناك الكثيرمن    البحوث المختلفة والاطاريح حول ذلك، وانطلاقا من اهمية الموضوع نرى ان نقدم للقارئ فيما يأتي نماذج متنوعة وعشوائية من هذا المعجم، و نطمح و نتمنى ان نستلم من القراء ردود الفعل تجاه هذا العمل وآراء المختصين و المهتمين به من أجل مناقشتها و الاخذ بها- قدر المستطاع طبعا - قبل اصداره بكتاب مستقل، ولن نثبٌت هنا النص الروسي لتلك الامثال والحكم كما هو موجود بالمعجم المذكور، اذ اننا لا نرى ضرورة لذلك في مقالة كهذه، لهذا سنكتفي باعطاء الترجمة الحرفية لها ليس الا .

ض.ن.

 

الترجمة الحرفية – المصائب تؤلم لكنها للعقل تعلٌم

التعليق – يضرب في ان المصائب تصقل الانسان وتكسبه خبرة وتجربة على الرغم من كل الآلام والصعاب التي يعانيها نتيجة لتلك المصائب. توجد الكثير من الامثلة العربية المشابهة والمناظرة لهذا المثل منها – من يتعذب كثيرا يتعلم كثيرا /// الذي ما يشقى ما يرقى...الخ

 

الترجمة الحرفية – عش قرنا ادرس قرنا.

التعليق – يضرب في الحث على طلب العلم دائما. يوجد بالعربية مثل مشهور بهذا المعنى وهو – اطلب العلم من المهد الى اللحد.

 

الترجمة الحرفية – رمي الحجر بالسهام، ضياع ليس الا للسهام.

التعليق -  يضرب في ان القيام بالاعمال غير المجدية من اجل تحقيق اهداف مستحيلة هي ضياع للوقت والجهد ليس الا. يوجد بالعربية بيت شعر ذهب مثلا بهذا المعنى وهو –

كناطح صخرة يوما ليوهنها   فما أضرها واوهى قرنه الوعل.

 

الترجمة الحرفية – كل شئ جيد عندما ينتهي بشكل جيد.

التعليق – يضرب عندما ينسى الانسان الصعاب والعراقيل عند انتهاء  العمل بنجاح. يوجد بالعربية مثل مناظر وهو – الامور بخواتمها.

 

الترجمة الحرفية – الطير جميل بريشه والانسان بعقله.

التعليق – يضرب في ان جمال الانسان يكمن في عقله وليس في شكله. يوجد بالعربية بيت شعر ذهب مثلا بهذا المعنى وهو-

ولا خير في حسن الجسوم وطولها ان لم يزن طول الجسوم عقول.

 

الترجمة الحرفية – كيفما تطعم الذئب فانه يتطلع الى الغابة.

التعليق – يضرب في ان الطبع اقوى من التطبع. يوجد بالعربية مثل مناظر وهو- الطبع غلب التطبع .

 

الترجمة الحرفية – تمتع كما تشاء بعد ان تنهي العمل.

التعليق – يضرب للحث على انهاء العمل ومن ثم يمكن للانسان ان يتمتع بكل حرية وكما يشاء. يوجد بالعربية مثل مناظر وهو -  اتعب العب.

 

الترجمة الحرفية – القبر وحده يصلح الاحدب.

التعليق- يضرب في انه لا يمكن معالجة القناعات والعادات المتأصلة في النفس الانسانية. يترجمه بوريسوف مؤلف القاموس الروسي – العربي كما يأتي – من شب على شئ شاب عليه، وهي ترجمة صحيحة بشكل عام  للمعنى باستخدامه لهذا المثل العربي المعروف، ولكننا نرى ان المثل العربي الاقرب هو – الطبع الذي في البدن لا يغيره غير الكفن، او الطبيعة التي في الجلود لا تغيرها سوى اللحود.

 

الترجمة الحرفية – من يبحث يجد.

التعليق – يضرب للحث على العمل والسعي الجاد من اجل الوصول الى الهدف. يوجد بالعربية العديد من الامثلة في هذا المعنى، منها – من جد وجد ومن زرع حصد// من طلب شيئا وجده// الذي يفتش يلاقي ... الخ

 

الترجمة الحرفية – لا تخش من العدو الذكي، بل من الصديق الغبي.

التعليق – يضرب للتحذير من صداقة الجاهل. يوجد بالعربية مثل مناظر وهو – عدو عاقل خير من صديق جاهل .

 

الترجمة الحرفية – من يصمت لا يذنب .

التعليق – يضرب للنهي عن الكلام لأنه قد يؤدي الى الاتهام بارتكاب الذنب. توجد امثلة عديدة بالعربية في هذا المعنى، منها – سلامة الانسان في حفظ اللسان // لسانك حصانك، ان صنته صانك وان خنته خانك // اللسان عدو الانسان // قلل كلامك تأمن ملامك // السكوت مركب السلامة// ...الخ

 

الترجمة الحرفية – المثل السئ معدي .

التعليق – يضرب للشخص الذي يأخذ مثلا من الشخص الذي يتصرف بشكل سئ ويحذو حذوه. يوجد بالعربية بيت شعربهذا المعنى ذهب مثلا وهو –

لا تربط الجرباء حول صحيحة    خوفي على تلك الصحيحة تجرب.

 

الترجمة الحرفية -  العين ترى، لكن السن لا ينال.

التعليق – يضرب عندما يريد الانسان ان يحصل على شئ يراه ويتمناه، لكن لا توجد لديه الامكانية لتحقيق ذلك. يوجد مثل بالعربية مناظر لذلك وهو – العين بصيرة واليد قصيرة .

 

الترجمة الحرفية – ودخان الوطن حلو لنا وعذب .

التعليق – يضرب للاعتزاز بالوطن، وحتى نواقصه عزيزة على الانسان، وهو مقطع من المسرحية الشعرية ( ذو العقل يشقى ) للاديب الروسي غريبويديف ذهب مثلا. يوجد بالعربية بيت شعر ذهب مثلا ايضا بهذا المعنى وهو –

بلادي وان جارت علي عزيزة    واهلي وان ضنوا علي كرام  

 

الترجمة الحرفية – الاحبة يتخاصمون فقط كي يتسلون .

التعليق – يضرب في ان الخصام بين المحبين ليس سوى دلع و انه ليس خصاما حقيقيا. يترجمه بوريسوف مؤلف القاموس الروسي – العربي مستخدما المثل العربي المعروف – ضرب الحبيب زبيب، وهي ترجمة صحيحة وصائبة من حيث المعنى.

 

الترجمة الحرفية – جيدا يضحك، ذاك الذي أخيرا يضحك .

التعليق – يضرب في ان النتائج النهائية للامورهي التي يجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار. يوجد مثل عربي مناظر وهو – من يضحك اخيرا يضحك كثيرا .

 

معلومات إضافية