كتب واصدارات وقراءات ورسائل جامعية

آلية التلقائية في توثيق بعض تجارب الشخصيات الثقافية العراقية

828-jasimمن النادر أن يجد القارئ، في هذه الأيام، تجارب ثقافية مختصرة تضم قيماً سائدة في الشعر والسرد والفلسفة في كتابٍ واحدٍ بصفحاتٍ متتالية. أنهيتُ اليوم قراءة كتاب يخلو من التلقين والمواعظ والدعاية . كما انه لم يكن مبشراً جوالاً لمضامين معينة أو لموضوعات محددة، بل حدد هويته،منذ البداية، أنه يصبو إلى التاريخ والتوثيق عبر القدرة على التحليل والتدقيق. في القسم الأول اخذ أشكالاً مختلفة في (الشعر) بينما (القسم الثاني) من الكتاب تخصص بالتوجه إلى (السرد القصصي والروائي). جميع صفحات الكتاب وعددها 150 كان هدفها طامحاً إلى تغيير وعي قارئ الشعر والقصة من خلال عرض ومناقشة جميع النقاط،التي ما زالت تثير جدلاً وخلافاً في القضيتين الأساسيتين، الشكل والمضمون. أما القسم الثالث منه فقد تخصص في كشف الرؤية عبر الجانب الفلسفي - الأخلاقي - الثقافي. هناك الكثير من عشرات الصفحات تندرج في خانة الذكريات والمذكرات كنت قد قرأتها على صفحات الصحف اليومية بقلم الكاتب البصراوي (جاسم العايف) الذي أعلن، هنا، إعجابي بأسلوبه، متميزاً بالدقة والسلاسة، يتدفق فيه العلم عن الفعاليات الأدبية والفنية في مختلف المراحل التي غلفت البصرة بكبت حرية التعبير وضيق النشر. كتاب اليوم،الذي أنهيتُ قراءته، وصلني، هدية من مؤلفه (جاسم العايف)، بعد انتقاله من يدٍ إلى يد، جوالاً من دولة إلى دولة، من طائرة إلى طائرة، حتى استقر أمام عيني قارئا لصفحاته المعدودة خلال يومين وبضع ساعات. وجدتُ فيه دمجاً بين مضامين جديدة وأساليب جديدة بقوة جاذبة للقراءة . أول شيء أقوله،هنا، أن الكتاب، المؤلف والمكتوب في مدينة البصرة، لكنه المطبوع والمنشور في مدينة النجف. بالنظرة الأولى سألت نفسي: كيف ولماذا نشأت جادة أو جسر بين مدينة كبرى مشهود لها بالتأليف والنشر وبين مدينة صغرى مشهورة،أيضاً، بالتأليف والنشر ..؟ هل أصبحت المدينتان تتعاونان على الاشتراك 828-jasimفي تنمية الوعي العراقي..؟. هل صار بالإمكان تنشيط حركة المؤلف في البصرة وتحريك نشر منتجه في مدينة النجف..؟. الجواب على هذه الأسئلة قدمها كتاب عنوانه (مقاربات في الشعر والسرد). أعجبتني هذه المعادلة الواقعية، خاصة وأن كتاب البصراوي (جاسم العايف) صدر من منشورات مجلة (الشرارة) النجفية، بقدرة عالية من الدقة والطباعة والجمال، بتصميم الغلاف رائقاً خلقه الفنان (جواد المظفر) وبمجمل الإخراج الفني كان من فعل الفنان (محمد الخزرجي). المعنى الأول لسمة هذا الكتاب هو أنه نتج عن عمل جاد لدار نشر شيوعية في بلدة محافظة معنية بالسياحة الدينية والدراسات الفقهية. في القسم الأول من الكتاب وجدت مستوى معبراً عن بعض حالات الشعر والشعراء أخضع المؤلف أغصانها وأورادها وأثمارها لدراسة مكثفة معززة بنقاش فكري فيه تشديد على تصوير المضمون الشعري وأساليب الشعراء، بكاميرا حساسة حملها المؤلف جاسم العايف. تنقل الكتاب بين شعر الشعراء مهدي محمد علي وحسين عبد اللطيف والشاعر الشاب مهدي طه، الذي وُجدتْ جثته غريقاً عام 1975 في نهر الحكيمية المجاور لأجهزة القمع البوليسية القمعية في مدينة البصرة. كانت سطور المؤلف جاسم العايف إدانة قاسية لصفحة من صفحات أرشيف نظام صدام حسين المختفية أساليبه النازية، آنذاك، خلف الشعارات الوطنية الزائفة في فترة الجبهة الوطنية. كانت هذه السطور تعبيراً عن شرف الكلمة في الحديث بشيء من التفصيل المكثف عن حياة وقيم وتجارب ضحايا النظام الدكتاتوري. كذلك كانت شخصية الشاعرة أطوار بهجت والشاعر عبد الخالق محمود والشاعر ثامر سعيد موضع الدراسة النقدية من قبل جاسم العايف خلال فترة ما بعد سقوط نظام صدام حسين. انتقل المؤلف إلى مناقشة موضوعة هامة عن جدل الشعر من خلال كتاب خالد خضير الصالحي. كما وظّف فسحة من صفحات كتابه للحديث عن فعالية راقية حول قصائد الشعر العربي انشأ معناها و تجاربها والتزاماتها ومنجزاتها الدكتور سلمان كاصد . بكتابةٍ كثيفةٍ مركزة،استهدف جاسم العايف مهمة تعزيز ثقة الدكتور سلمان بقصيدة النثر، بما تحمله من ديناميكية وأحاسيس غير مصطنعة في عصر التقدم العلمي والتكنولوجيا، مع انعكاس صورة القصيدة التفعيلة والكلاسيكية على جماعة شعراء قصيدة النثر. خطوة أخرى بهذا التسلسل الشعري في القسم الأول من كتابه قال جاسم العايف آراء صادقة بمقالة تعاقبية حول بدر شاكر السياب وانشودة المطر، مقدماً بذلك شيئاً من الصور النقدية الملموسة في العلاقة بين الشعر والتطور، بين الشعر والثقة بالتجديد، بين الشعر والاختيار الإبداعي. ربما حاول في تطرقه إلى الشاعر الأمريكي براير ترنر أن يدخل إلى ميدان الشعر العالمي بأسلوبٍ عالٍ من المقدرة على الكشف،والتوازي، والمجازفة. القسم الثاني من الكتاب خصصه المؤلف إلى واقع تجارب بعض الروائيين والقصاصين العراقيين. كانت النقطة المركزية في مقالاته قد تركزت على الرغبة في دور الروائي والقصاص، على كشف العلاقة بين الإنسان العراقي والنظام، بين الإنسان والمجتمع، بين الإنسان والحاجة المادية، بين الإنسان وأخيه الإنسان، بين الإنسان والأمل، بين الإنسان والألم . تناول نماذج عديدة من العاطفة والطبيعة والوعي وحركة البطل وتفحصه نقدياً في منظور روائي وقصصي لدى كتابات محمد سعدون السباهي داخل كتابه ( كوكب المسرات ) ولدى زيد الشهيد في رواية (أفراس الأعوام) ولدى زهير الجزائري في (أوراق جبلية) ولدى (غائب طعمة فرمان) في ديناميكية أعماله الروائية، ولدى جميل الشبيبي وشخصياته الثنائية في (مدن الرؤيا). كذلك قام جاسم العايف بشكل ضمني و صريح في ملاحظاته عن المجموعة القصصية المعنونة (انكسارات مرئية) للقاص ياسين شامل. كما تضمن الكتاب جماليات المسرح بين الأنثروبولوجيا الوصفية والعلوم الاثارية وتحديدات هيغل في (الجمال الفني) كمدخل لحوار ضمني مع الدكتور كمال عيد في كتابه عن (الجمال المسرحي) إضافة إلى معارف الموسوعة الفلسفية السوفيتية ترجمة سمير كرم. في ميدان المسرح وثقافته تناول جاسم العايف الذاكرة الخصبة للناقد المسرحي حميد عبد المجيد مال الله حيث الرمزيات والمواقف والسلوكيات في بحثه داخل عدد من المسرحيات العراقية من وجهة نظر النقد المسرحي التطبيقي. اختتمتُ قراءة كتاب العايف بمتعة وفائدة وسرور بما قدمه من معلومات دقيقة صادقة آخرها عن الباحث خليل المياح و(استقلالية العقل أم استقالته). هنا نفهم آثار السيرة الذاتية والسيرة السياسية في خلق الشعور الوطني العميق من وجهة نظر فلسفية مقرونة بالثقة الثقافية العامة. تكتمل في الصفحة الأخيرة من الكتاب الغاية الأساسية، التي زرعها المؤلف، فقد اتّحد قلمه مع واقع عالم الشعراء والقصاصين والباحثين في مدينته البصرة وغيرها إذ تابع،بمعظم صفحاته،تخوم الناشطين الثقافيين، البصريين بصورة عامة، لتأمين حاجتهم إلى التوثيق الذكي الغني بالمعرفة والمعلومات الصادقة والتحليلات والذكريات بغية إحلال صفة التوسط بين الباحثين في المستقبل عن العالمين الداخلي والخارجي المتعلقين بالثقافة العراقية.اعتمد المؤلف على متابعة الذات، والعائلة،والمجتمع، والأضداد، والاضطهاد السياسي، في خلق تطبع الشاعر والروائي والقاص والناقد والمسرحي والباحث، مع المحتوى الاجتماعي لتحويل ديناميكية الثقافة إلى أداة نضالية ضد العزلة والانعزال، ضد السيطرة والخضوع، ضد خنق الحرية، ضد تحويل الناس إلى جرذان خائفة في ظل جمهورية الخوف، تحت حراب أنظمة القهر والدكتاتورية،،سواء من زمان مولد النازية والفاشية لدى هتلر وموسوليني وفرانكو وصدام حسين وبنوشيه، أو من ركام هيروشيما ومولد الحروب غير المنتهية،حتى الآن،في منطقة الشرق الأوسط، مستلهماً منها أن فنون الإنسان تشكّل حكمة من أحكام عادلة دوّنها جاسم العايف، بتحاليل عادلة وصادقة، في كتابه الغزير، الذي ضم 150 صفحة من تجارب الثقافيين في الوطن العراقي، الثقافيين المتساندين، المجددين، من أجل أن يكون العطاء الإبداعي جزءاً من التاريخ.

 

جاسم المطير

إصدار جديد حول القصة القصيرة جدا بالناظور لمؤلفه عبد الملك قلعي

827-salikصدر مؤخرا، عن مطبعة نجمة الشرق، كتاب جديد بعنوان: "القصة القصيرة جدا بالناظور إبداعا ونقدا (2001-2014) - مقاربة ببليوغرافية تحليلية -" لصاحبه عبد الملك قلعي. يقع في 78 صفحة من الحجم المتوسط، صمم غلافه الخارجي المبدع محمد خالدي.

827-salikونقرأ على ظهر الغلاف مقتطف من تقديم الأستاذ عبد الواحد ابجطيط "وقد اختار المبدع والصِّحافي عبد الملك قلعي؛ صاحبُ هذا البحث، أن يَشتغلَ بموضوع مهمّ وسَمَه بـ"القصة القصيرة جدا بالناظور إبداعًا ونقدًا (2001- 2014) - مقاربة ببليوغرافية تحليلية-"؛ حيث رامَ بالأساس تقديم ببليوغرافيا شاملة لهذا الفن الوليد بإقليم الناظور: إبداعًا ونقدًا، وكذا تحليل متن الأضمومات القصصية الناظورية، الصادرة في هذه الفترة، ومُلامَسَة جمالياتها الفنية، وخصائصها الموضوعية، عِلاوة على تناول الدراسات النقدية المواكِبَة لهذا الفن بالمنطقة.

وقد بَذل الباحث مجهودًا كبيرًا، في هذا العمل المتميّز، الذي نتوقع له نجاحًا مُهمّا، واستحسانًا كبيرًا، من طرَفِ المهتمين والناقدين؛ باعتباره لبنة مُهمّة تَنضاف إلى صَرْح القصة القصيرة جدا".

 

وطن بلا تأشيرة.. يهود مازن لطيف

naeem mohalhalلم اعرف احدا أعتنى بالأقليات العراقية هذه الايام مثلما يفعله الناشر والكتاب (مازن لطيف) صاحب دار النشر (ميزوبوتاميا). وربما ذلك الاحساس الذي يسكن فلب مازن هو ذلك الاحساس الطيب والنقي والوطني للذاكرة العراقية في انتمائها الى اللحظة التي صنعت ذلك الخليط العجيب من الاعراق والمذاهب والديانات والطوائف والقوميات في مكان واحد منذ ايام سومر والى اليوم فكانت سومر وبابل ويهود الصبي وصابئة البطائح ومسيحي الحيرة ومسلمي الفتح العربي وتركمان دولتي الخروف الابيض والاسود وفرس دولة نادر شاه وازابكة واذري وطاجيك دولة المغول والكرد في انسابهم وتعدد طوائفهم وما ابقته ثورة الزنج في سواد البصرة .

هذه الفسيفساء المنقوشة على آنية الخزف التي اسمها العراق ظلت منذ ازل الكتابة واساطير الواح الطين تمثل شيئا من فرادة المكان وخصوصيته . وبهذه الخصوصية وارثها وتراثها اعتنى (مازن لطيف) فكانت اصدارات داره تحمل عناوين شتى للمكان واصوله واعراقه ومنه التراث اليهودي في العراق ثقافة ورموزا وامكنة.

اخترق مازن لطيف التابوه الهش الذي ظل يتحامل على التراث اليهودي الذي كانت له بصمة مميزة في تحفيز وتطوير الحضارة العراقية مطلع القرن العشرين في السياسة والاقتصاد والطب والادب والتعليم ، وما نشره مازن في هذا الجانب ابقى لدينا شيئا من الاعتزاز بالتنوع الثقافي والعرقي والحضاري في الذاكرة العراقية .واعتقد أن عملا تنويرا كهذا يستحق الاشادة عندما تعلم الاجيال الجديدة مثلا أن النهضة الموسيقية العراقية الحديثة التي تسيل عذوبة في حنجرة سليمة مراد ومنيرة الهوزوز وسلطانة يوسف هي من صنع الملحن اليهودي صالح الكويتي وأخيه داود الكويتي . وان الرواية العراقية في بواكيرها ابدع فيها الكتاب اليهود ، وان اول وزير مالية في الدولة العراقية هو اليهودي ساسون حسقيل . وان اغلب معلمو المدارس العراقية في جنوب العراق ووسطه وشماله كانوا من أبناء الطائفة اليهودية .

أعتقد أن اليهود الذين يعتني بهم وبتراثهم مازن لطيف هم مواطنين عراقيين صالحين ممتلئين وطنية وحبا وأنتماءً من اجل بلاد الرافدين وأن القسر الذي مارسوه عليهم في التهجير خلال العهد الملكي كانت له ظروفه التاريخية والسياسية التي كانت مجحفة بحق الكثير منهم من الذين كانوا يؤمنون انهم ولدوا على ضفاف انهر ميزوبوتاميا ويجب ان يموتوا على ذات الضفاف.

 

نعيم عبد مهلهل

 

قراءة في كتاب" الفتوحات العربية في روايات المغلوبين" لحسام عيتاني (2- 2)

alaa allami- هل دمر العرب المسلمون تمثال عملاق رودوس؟

فاتني أن أسجل أمرا له دلالاته وهو أن الكتاب الباحث حسام عيتاني الذي أقتبس منه هذه النصوص ممنوع في جميع الدول العربية على ما يقال، وهو ضمن عدد كبير من الكتب المرقونة في القائمة السوداء، ولا أدري ما صحة ذلك، وهل هو ممنوع في أغلبها أم في كلها، ولكني لا أستبعد الاحتمال الأول لما عودتنا عليه الرقابات الحكومية العربية الغبية والتي لا تعرف الفرق بين كتب البحث العلمي وكتب الخواطر والسرد الإنشائي السطحي.. وسيتأكد لنا ذلك من الفقرات التالية التي تصلح لتكون وثائق دفاع مهمة عما يزعم الحكوميون العرب الدفاع عنه، ولكنهم يمنعونه ويعاقبون من يتداول أو يحوز أو يدرس وينشر وثائق كهذه في كتب بحثية ذلك لأن هؤلاء الرقباء الكسالى عقليا يرتعبون من المنهجية النقدية والاحتكام للحقيقة والوقائع التاريخية التي يعتمدها المؤلف.

لنبدأ بتمثال عملاق رودوس لذي زعم بعض المؤرخين من القرن التاسع عشر أن العرب المسلمين دمروه ونقرأ ما كتبه عيتاني (وفي سياق الفتوحات، نشأت مجموعة من الأساطير عن أعمال هدم وقتل قام بها المسلمون، منها ما لا يصمد أمام الفحص التاريخي، على غرار حديث ميخائيل السرياني عن تدمير المسلمين لتمثال عملاق رودوس وبيعهم معدنه إلى تاجر يهودي من حمص. ويوضح هويلاند أنه ما كان للعرب القيام بذلك لسبب بسيط هو أن التمثال انهار قبل مئات الأعوام من وصولهم الى الجزيرة "رودوس". ص 103 عيتاني / ص 642 هويلاند ( Hoylland) في كتابه "رؤية للإسلام/ غير مترجم".) في الحلقة القادمة سنناقش ما كتبه المؤلف حول أسطورة إحراق مكتبة الاسكندرية الذي اتهم به الفاتحون العرب المسلمون.

 

- هل أحرق العرب المسلمون مكتبة الاسكندرية؟

كتب الباحث حسام عيتاني (ثمة مسألة عاد كتاب معاصرون الى تناولها بعدما أسرف باحثون غربيون في تكرارها كدليل على همجية الفتوحات العربية هي تلك المتعلقة بإحراق مكتبة الاسكندرية.) ثم ينقل لنا الباحث على ص 127 وما بعدها روايتين حول الحدث، الأولى، تؤكد الإحراق، وأخرى تنفيه بشكل قاطع وموثق. الرواية الأولى هي رواية أبو الفرج غيريغوريوس بن العبري. وخلاصتها أن قائد العرب المسلمين عمر وبن العاص الذي يصفه بـ"الرجل العاقل صحيح الفكر" اجتمع إلى يحيى غرماطيقوس النحوي وهو رجل دين مسيحي على مذهب اليعاقبة وله خلافاته مع الكنيسة، وأن هذا الأخير هو الذي أخبر بن العاص بأمر كنوز مكتبة الاسكندرية العلمية وخصوصا من كتب الحكمة "الفلسفة" فكتب الأخير الى الخليفة عمر بن الخطاب يستفتيه في أمرها، فأمره بالاحتفاظ بما يتوافق منها مع القرآن وإعدام ما خالفه. فشرع ابن العاص بتفريق الكتب على الحمامات كحطب لها ظل يستوقد ستة أشهر. هذه هي خلاصة رواية ابن العبري.

الرواية المضادة التي تسوقها الباحث هي للباحث أي بتلر في كتابه " الفتح العربي/ ص424 / غير مترجم" فيكتب عيتاني نقلا عن بتلر سبعة استنتاجات تنفي رواية ابن العبري وخلاصتها تلك الاستنتاجات هي:

1- أن هذه القصة ظهرت بعد خمسمائة عام من الحدث.

2- أن تفاصيلها تبين عبثيتها.

3- أن بطلها الذي يسميه ابن العبري يحيى غرماطيقوس كان قد مات قبل زمن طويل من الفتح العربي.

4- أن اثنتين من كبريات المكتبات التي يمكن أن تكون القصة تشير اليهما كانتا قد اختفتا من الوجود قبل مئات الأعوام من الفتح العربي.

5- أن أدبيات القرون الخامس والسادس والسابع لم تتضمن أي ذكر لهذه المكتبة.

6- لم يذكر المؤرخ والأديب يوحنا النيقوسي - وهو أسقف قبطي من معاصري حدث فتح مصر في 642 م حيث عاش من 625 وحتى نهاية هذا القرن، السابع وله كتاب منشور باللغة العربية عن تاريخ الكنائس القبطية وبابواتها في مصر ذلك العهد. ع ل - أي شيء عن هذه القصة في كتاباته.

7- في حال وجدت مكتبة كهذه لكانت قد نقلت محتوياتها خلال 11 شهرا من الهدنة التي تفصل بين توقيع الهدنة ودخول جيوش العرب المسلمين الى المدينة...

ولم يكن تفنيد رواية ابن العبري مقصورا على بتلر بل أن المؤرخ غيبون ( Gibbon ) فنده أيضا في كتابة " التاريخ /ص 357 / غير مترجم )، كما يذكر عيتاني. في الحلقة القادمة سنتوقف نقديا عند بعض استنتاجات الكاتب التي أوردها بعد هذا المقتبس والتي نعتقد أنها تشكو من خلل منهجي في موضعين على الأقل.

- وقفة نقدية .. العرب ليسوا ملائكة ولكنه السياق:

ولكن المؤلف، وبعد أن يستعرض قصصا واتهامات أخرى بإحراق مكتبات في مناطق أخرى، يحاول أن يبقى متساوقا مع منهجيته التي أراد لها ألا تكون تبرئةً لطرف تاريخي ما أو إدانةً لآخر فيخلص إلى القول ( ومن دون المبالغة في تفسير قضية إحراق المكتبات سواء تلك التي أحرقها العرب – كان الباحث قد ضرب مثلين على ذلك بما قال أنه إحراق العرب لمكتبة (كتسفون الساسانية) وأعتقد انه يقصد "طيسفون" التي يسميها العرب "المدائن" ويعتقد آخرون أن كلمة مدائن آرامية وكان اسمها قبلا " سلوقيا نسبة الى الملك الإغريقي سلوقوس وريث الاسكندر المقدوني، وإحراق مكتبة الأزهر بعد استيلاء صلاح الدين الأيوبي على مصر دون توثيق أو تفاصيل يعتد بها. ع ل - أو المغول في بغداد وفي قلعة "ألموت" مركز الإسماعيليين النزاريين قرب بحر قزوين، يمكن التأمل في مآل المكتبات ومصائرها كعينات، ليس على مكانة الثقافة في العالم العربي في نظر حكامه وغزاته فحسب، بل أيضا على الصروف الرهيبة التي ما فتئت تصيب هذه النواحي، مانعة تكامل عملية تراكم معرفية وسياسية واجتماعية ضرورية لأي شكل من أشكال النهضة. وإذا كان العرب أبرياء من إحراق مكتبة الاسكندرية، فإن ما فعلوه هناك وفي غيره من البلدان المفتوحة بحسب شهادات أبناء تلك البلدان لا يقل خطورة عن تدمير معلم حضاري أو مكتبة تاريخية، فالضرائب التي فرضها الحكم العربي لم تكن بالأمر البسيط بالنسبة للمصرين أو العرب. ص129 ).

ولنا على هذا الكلام مأخذان منهجيان : الأول هو أن الباحث لم يكن موفقاً علمياً في خلطه لسياقات مختلفة مع بعضها، وتحديدا حين جمع وساوا نوعيا – بالمعنيين الحضاري والتاريخي للكلمة - بين العرب الذين فتحوا العراق بعد حرب دموية رهيبة ضد الفرس الساسانيين المحتلين للعراق آنذاك ولم تذكر المصادر المعروفة أي ذكر لعملية إحراق لمكتبة في "طيسفون" المدائن وبين العرب وشركائهم الذين بنوا بغداد وحضارتها كأول حضارة متعددة الأعراق، وراقية الإنجاز، في الشرق والعالم القديم تحت مسمى الحضارة العربية الإسلامية، وبين غزاة طارئين كالمغول الذين هدموها ودمروا مكتباتها. كما أنه لم يكن صحيحاً جمع هذه السياقات كلها بسياق أحداث قلعة الاسماعيليين في "ألموت" ذات الانجاز الثقافي المحدود بمحدودية التمرد الثوري الاسماعيلي هناك، وثمة الكثير مما يؤكد ذلك، من الوقائع والشهادات التي وردت في كتب تاريخية وحتى في أعمال أدبية منها الرواية التاريخية "قلعة ألموت" لليوغوسلافي فلاديمير باترول وكرر بعض معطياتها الكاتب اللبناني الفرانكوفوني نبيل معلوف في روايته "سمرقند".

المأخذ الثاني هو اتكاء الباحث على عبارة " بحسب شهادات أبناء تلك البلدان"، لتأكيد خطورة ما فعله الحكم العربي في البلدان المفتوحة – ونحن نتحدث عن سنوات وعقود الفتح الأولى - بدلا من أن يقدم لنا تلك الشهادات لأبناء تلك البلدان موثقة تاريخيا كما فعل مع غيرها من الشهادات التي أثبتت أن العرب لم يدمروا تمثال عملاق رودوس ولم يحرقوا مكتبة الاسكندرية إلا لماما ومرة أو مرتين وفي سياق حديثه عن موضوع آخر بما يجعل كلامه هنا أقرب إلى محاولة استباقية وعديمة الجدوى علميا لأي نقد متوقع لكتابه بأنه منحاز إلى روايات الغالبين أي العرب وكان عليه هنا مثلا وتحديدا أن يخصص فصلا بل فصولا لشهادات أبناء البلدان المفتوحة ويناقشها بصبر وعمق ودراية وتوثيق شهاداتهم ومصادرها. أرجو أن يكون واضحا أنني لا أريد إثبات عكس مضمون ما قاله الباحث، فالغزو غزو، والحروب حروب، وفيها من المآسي والفظائع ما يمكن تصوره وما لا يمكن، وما يمكن افتراضه وما لا يمكن، فلا العرب ولا سواهم من فاتحين وغزاة كانوا ملائكة بأجنحة بيضاء، ولا أبناء البلدان المفتوحة ما يزالون معاصرين فنتأكد من حقيقة واقعهم وشهاداتهم، إنما كان الجميع، الغزاةُ والمغزوون، بشراً يعيشون ظروفا مجتمعية وتاريخية وحضارية معينة، وإنما أردتُ التأشير على الخلل المنهجي في المقطع الأخير لمؤلف هذا الكتاب الذي يبقى عملاً مهماً ونادراً في ميدانه. وربما يكون الباحث قد صحح لاحقا هذا الخلل جزئيا حين جاء ببعض الأمثلة على تجاوزات الحكام العرب المسلمين في عصور لاحقة بدءاً من العصر المضطرب والذي انتقل الحكم فيه من الأسرة السفيانية إلى المروانية في دمشق إبان العهد الأموي.

 

رابط لتحميل نسخة بي دي أف من الكتاب:

https://ia801006.us.archive.org/19/items/Ketab0531/ketab0531.pdf

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

مرافعة عن جوهر الدين ألقاها محام بارع في محكمة الضمير

801-jabarالآن أكملت قراءة كتاب أستاذي وصديقي المفكر د. عبد الجبار الرفاعي (الدين والظمأ الانطولوجي)، وأردت أن أشارككم هذا التأمل فيه.

منذ عنوان الكتاب (الدين والظمأ الأنطولوجي) يربط المفكر عبد الجبار الرفاعي بين ما يراه احتياجاً لاستكناه الغيب وتشوفاً للمجهول وعطشاً إلى ينبوع الوجود من جهة، وبين الدين من جهة أخرى، باسطاً على صفحات الكتاب رؤى ناصّة على أن هذا الظمأ الراكز في جبلّة الإنسان ليس له رواء إلا بالدين.

لكن الالتباس واقع في الاثنين معاً، في عبارة (الظمأ الوجوديّ) ذات التركيب الشعريّ والموحية بجذرٍ عرفانيّ، كما في لفظ الدين، بل أزعم ان الأخير أشدّ التباساً وابعد عن أن يكون له معنى واحد في الأفهام يناظر واحديته في الأسماع.

فما الدين؟ أهو الجملة المكونة من الشرائع عبادات ومعاملات ومن العقائد والأعراف ونمط العيش، أهو النصوص الأولى فقط أم يمكن أن يستوعب النصوص الدائرة في فلكهما، هل الدين هو الاسم الآخر للتديّن من عبادات وطقوس، أم هو محض الإيمان قبل ترجمته على هيئة مخصوصة، هل تدخل المؤسسة الدينية في ملاك ما يمكن أن يسمى ديناً؟

801-jabarمعلوم عند كلّ متأمل ذي بصيرة أن تأريخ فكرة ما هو عينه تأريخ مَن تعاقبوا على الاستيلاء على هذه الفكرة، تبنياً وإشهاراً أو صرفاً واستثماراً. وبحديثنا عن الدين فنحن لا يمكننا إغفال الآثار العميقة التي خلفتها فيه باطناً وظاهراً صنوف الحركات السياسية والمدارس الكلامية والفقهية والفلسفية، حدّ ان الدين ـ في بعده التأريخي ـ ليس شيئاً آخر سوى هذه الآثار التي وسّعتْ رقعة انتشار الدين أفقياً في الوقت الذي عمقتْ مواطن التناحر فيما بين معتنقيه على ما نرى من شيوع للطائفية والمذهبية وتناحر يبدأ من الدرس الدينيّ الصرف وينتهي إلى مقابر ومستشفيات.

لكنّ هذه الآثار هي ما يتوجّه إليه الباحث الدكتور الرفاعي، مزيلاً طبقاتها شيئاً فشيئاً، كأنما يعمد في قرارة نفسه إلى ترسّم هذه العبارة المضيئة (ان ترددي في الآثار يوجب بعد المزار) المنسوبة طوراً إلى الحسين بن علي (ع)، وطوراً إلى ابن عطاء الله السكندري. وقد اتضح جلياً ان عمل الباحث محض قبول كنائيّ لعمل العارف الذي لا بدّ أن يبدأ أولاً بالتخلّي (أي بإزالة العوالق والشوائب) وصولاً إلى التحلّي فالتجلّي، فهو يقرّ بعطش الإنسان إلى ينبوع الغيب لكنه يرى بأن هذا الينبوع مردوم اليوم بأحجار وأقذار تعيق الوصول إليه، ومهمته تتحدد بإزالة كل ذلك وصولاً إلى ما يسمية تارة بالجوهر وتارة بالمعنى وأخرى بالدين الانطولوجي تفريقاً له عن الدين الايديولوجي.

لا يغالط الباحث نفسه ولا يخدع أحداً، فهو يقرر منذ البدء انه منشغل بالدين انشغالاً عميقاً استغرق حياته بأكملها (سيرته التي رواها في الكتاب بأسلوب أخاذ شاهد على ذلك)، ليس لحياته معنى من دون هذا الانشغال الدينيّ الذي باشره منذ طفولته وجداً وشغفاً ثم عبادة وانخراطاً في الإسلام السياسيّ ثم بحثاً ودرساً معمقاً وصولاً إلى ما هو عليه الآن من مهمة عسيرة تتمثل في الدلالة على جوهر دينيّ يراه منسياً ومعنى لا يكاد يلتفت إليه أحد.

أكثر من أيّ وقت مضى، فإن الباحث الديني المستنير اليوم، ينخرط بوضعٍ هو أقرب إلى حالة الطوارئ منه إلى استرخاء البحث الأكاديميّ، ذلك ان ما يستجره الدين الآن من كوارث وحروب أهلية وإشاعة للبغضاء والتفرقة لم يعدْ خافياً على أحد فنحن جميعاً شهوده وشهداؤه، وان تجنّب بقاء الدين مولّداً للكارثة غير ممكن إلا بالالتفات إلى الدين نفسه ومساءلته ومحاولة التعرّف إلى الغريب فيه، إلى جرثومة الخلل التي جعلته موطن البغضاء والتناحر ومحرضاً على كراهية الإنسان للإنسان.

البحث حالة طوارئ يراد منها إنقاذ الدين، جوهره أو معناه، وليس صدفة ان الكتاب هذا يأتي بعد كتاب آخر للباحث عنوانه (إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين). وكما ان عنوان (الدين والظمأ الانطولوجي) يتستر على مصادرة مؤداها ان هناك ظمأ وجودياً لا يرويه إلا الدين، فإن في عنوان الكتاب الآخر مصادرة بيّنة ذات ثلاث شُعب:

أولها أن هناك نزعة إنسانية في الدين.

والثانية: إن هذه النزعة في خطر.

والأخيرة: ان هذه النزعة الإنسانية يمكن إنقاذها.

وأحسب ان هذه المصادرة الثلاثية   تهيمن على كتاب (الدين والظمأ الانطولوجي) برمته. لكنْ هل يمكن لنا مؤاخذة الباحث على ارتكابه مصادرة كهذه؟

المسألة باعتقادي أعمق وأعقد من أن نباشرها بتخطئة أو تصويب منطقيّ، فكلما كان مدار الحديث عن الغيب وتجلياته في النفس كان الأمر متعلقاً بتجربة روحية ذوقيةٍ لا سبيل إلى البرهنة عليها أو التثبت منها بحثياً، وتتأكد الحيرة إذا ما عرفنا ان هذه التجربة استغرقت عمراً بأكمله بحيث باتت هي الإنسان ذاته.

وأنا أمام حيرة أستاذنا الرفاعي أتذكر حيرة الفيلسوف المعاصر آلان باديو في حديثه عن الحبّ وإقراره أكثر من مرة ان في حديث الفيلسوف عن الحبّ لا مفرّ له من أن يجرّ وراءه سلسلة مُصادرات.

مشروع الرفاعي يبلغ مع هذا الكتاب مدى بعيداً في تنزيه الجوهر الإنسانيّ الذي تنطوي عليه الصناعة الإلهية (الدين)، فمع ان مشروعاً كهذا يجد له في العرفاء والمتصوفة آباء مؤسسين، إلا انه في الوقت عينه ينأى بنفسه عن تصوّف الانعزال والتطيّر من الناس.

نبهني الكتاب إلى إفادةٍ قلما فكرت بها ملياً قبل قراءته، تتعلق ببراءة المؤسسات الدينية كالحوزة والأزهر مثلاً من الحركات المسماة إسلامية، فالمؤلف يستقصي أسماء قادة هذه الحركات العنفية وأبرز ممثليها لنجد معه أنْ لا أحد منهم قد تخرّج من هذه المؤسسات، وهي نقطة غاية في الأهمية لم أكنْ ملتفتاً إليها.

الكتاب ـ باختصار ـ مرافعة عن جوهر الدين ألقاها محام بارع في محكمة الضمير.

 

أحمد عبدالحسين (شاعر وناقد عراقي)

صدور كتاب: معجم الأساطير والحكايات الخرافية الجاهلية للدكتور قصي الشيخ عسكر

824-askarفي العاصمة الأردنية عمان صدر عن دار الوراق للنشر والتوزيع معجم الأساطير والحكايات الخرافية الجاهلية للأديب والكاتب العراقي الدكتور قصي الشيخ عسكر.المعجم من الحجم الكبير مجلد تجليدا أنيقا بورق صقيل ويتألف من 391 صفحة.إن ماصنعه قصي الشيخ عسكر يعد من القواميس الجديدة فهو – المعجم- مرتب ترتيبا أبجديا لكل مايتعلق بالأساطير والخرافات في عصر ماقبل الإسلام حيث يقول المؤلف في المقدمة " إن إيحاءات بعض الأساطير العالمية والعربية امتدت إلى وقتنا الحاضر كأننا نخلد فيها ماضينا العريق"،فالأساطير العربية التي انتشرت في عصر ماقبل الإسلام تمثل في أحد جوانبها تاريخا قديما للعرب يدلنا على كثير من جوانب حياتنا الحاضرة التي قد تبدو مغلقة نوعا ما،هذا من ناحية ومن جانب آخر نجد أن القاموس جديد كل الجدة من حيث توفر الشروط القاموسية والتزام المؤلف بها إذ أن الالتزام بالترتيب الهجائي للأساطير يساعد الباحث على ضمان الوقت وتوفير الجهد.إن شاعرا مثل امريء القيس حيكت حوله بعض الأساطير نجده في حرف الألف والغزال في حرف الغين ولم نجد تأليفا يخص الأسطورة عند العرب قبل هذا المصنف.

824-askarلقد أتحفنا القاموس بكثير من المعلومات حيث استغرق العمل فيه كما يذكر المؤلف في مقدمته سنوات وهذا من شروط العمل المعجمي فما من قاموس أو معجم إلا ويتطلب وقتا وجهدا وصبرا واهتماما بالتفاصيل الدقيقة. لقد ضمت المكتبة من قبل قواميس لغوية كلسان العرب والقاموس المحيط وتاج العروس للزبيدي وغيرها من المعاجم والآن أصبحت تضم معجما عن الأساطير له علاقة وشيجة باللغة والأدب والتاريخ.

 

عدنان المشيمش

 

أمين الخولي وشايغان وريكور وغادامير وشبستري في عدد جديد من مجلة (قضايا إسلامية معاصرة)

821-qadayaفي بغداد، وعن (مركز دراسيات فلسفة الدين)، صدر العدد الجديد 63/64 من مجلة (قضايا إسلامية معاصرة)، الذي يشرف عليها المفكِّر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، ويحررها كل من الأستاذ محمَّد حسين الرفاعي والسيدة إنتزال الجبوري.

يضمُّ في محوره الجزء الخامس من العلاقة بين الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينية، وشارك فيه مفكرون وفلاسفة من مختلف دول العالم؛ نساء ورجال، داريوش شايغان (الوعي الهجين/ حوار)، وحسن الخطيبي (هرمنيوطيقا غدامير)، علي المدن (الواقع والممارسة)، محمَّد المزوغي (عودة الديني وتأويل الكتاب المقدس عند جياني فاتيمو)، محمَّد شبستري (نظرية القراءة النبوية للعالم)، محمَّد جنايد حداد (الهرمنيوطيقا الفلسفية عند بول ريكور)، اليزابث فيورينزا (نحو هرمنيوطيقا نسوية لتفسير الكتاب المقدس)، أورليك مارتنسون (قصدية المؤلف في الهرمنيوطيقا)، الزواوي بغورة (منزلة التأويل في فلسفة ميشيل فوكو)، شراف شناف (أنسنة الخطاب الديني)، عبد الجبار الرفاعي (أمين الخولي رائد الدرس الهرمنيوطيقي بالعربية)، مصطفى الغرافي (النص والتأويل)، هاجر القحطاني (من تغيير العالم إلى تفسيره).

***

821-qadayaدراسة لافتة يفتتحها هذا العدد بقلم الدكتور عبد الجبار الرفاعي عن ريادة الشيخ أمين الخولي العربية في التأويل، يقول الرفاعي: "إن فرادة الشيخ أمين الخولي تظهر في محاولته الرائدة بتوطين الِهرمنيوطيقا والمناهج الجديدة في تفسير النصوص الدينية، في المجال التداولي العربي. وبعد استقراء وتتبع يمكن القول إن الخولي هو أول هرمنيوطيقي بالعربية، وربما في عالم الإسلام. إذ لا أعرف أحدًا سبقه إلى ذلك".

حوار مهم يضمُّه العدد مع المفكر الإيراني داريوش شايغان نهض به حميد زارع ورضا كريمي عن إشكاليات الوعي الهجين، وحديث رائق عن كتاب شايغان (السحر المعاصر) أو (النور يسطع من الغرب)، ومسببات تأليفه ونشره، والرسالة التي يضمها، وحديثه عن حياته بين إيران وفرنسا.

للفيلسوف الفرنسي فوكو نصيبه في هذا العدد وهو ما كتبه الدكتور الزواوي بغورة من الجزائر عن منزلة التأويل في فلسفية ميشيل فوكو، وهو ما يمثل التفاتة طيبة من مجلة قضايا معاصرة لتسليط الأضواء على هذه المسألة، لا سيما أننا تعرفنا إلى فوكو كأريكولوجي وجينالوجي.

الدكتور محمَّد المزوغي من تونس يأخذنا في دراسة ماتعة إلى تجربة الفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمو في عودة الديني وتأويل الكتاب المقدس أو إعادة تملك التراث الديني، وهو أمر مهم في مجرى تفكير هذا الفيلسوف.

الدكتور حسن الخطيبي من المغرب يكتب عن هرمنيوطيقا غدامير من سلطة المنهج إلى تاريخية الفهم، وهي هرمنيوطيقا تتأسس على العقل التواصلي بحسب قراءة هابرماز لفلسفة مواطنه غدامير.

الباحث المغربي الدكتور مصطفى الغرافي يأخذنا في دراسة شائقة إلى عوالم النص والتأويل كمحاولة تأويلية منه لقراءة منطق الفهم. والدكتور شراف شناف من الجزائر يكتب بحثاً عن أنسنة الخطاب الديني ويقرأ بمقتضاه تأويل العقل الحداثي العربي لجدل اللاهوت والناسوت.

ونبقى في التأويل حيث يكتب الدكتور محمَّد جنايد الحداد من المغرب أيضاً دراسة عنوانها الهرمنيوطيقا الفلسفية وفهم الدين عند الفيلسوف الفرنسي بول ريكور.

ومن الدراسات المترجمة التي يضمها هذا العدد دراسة بقلم الباحثة الرومانية الأصل ألمانية المولد اليزابث شوسلر فيورينزا نحو هرمنيوطيقا نسوية لتفسير الكتاب المقدس.. تفسير الكتاب المقدس ولاهوت التحرير دعت فيها الباحثة إلى ضرورة أن يتخلى اللاهوتيون التحرريون عن المنظومة الهرمنيوطيقية السياقية في تفسير الكتاب المقدس، وأن يصوغوا من داخل سياق لاهوت نقدي تحرري منظومة جديدة تكون غايتها الممارسة التحررية، وتتخذ تلك المنظومة العلاقة النقدية بين النظرية والتطبيق، وبين نصوص الكتاب المقدس وحركات التحرر المعاصرة منهجاً له. الدراسة بترجمة الدكتورة رندة أبو بكر.

الآية 35 من سورة النور في (القرآن الكريم) تتناولها دراسة الباحثة السويدية أورليك مارتنسون قصيدة المؤلف في الهرمنيوطيقا: آية سورة النور 35 عند الطبري والغزالي مثالاً، وهي دراسة لافتة كونها تأتي من مستعربة أمضت سنوات من عمرها وهي تبحث في شؤون الفكر العربي الإسلامي، ترجم الدراسة الدكتور أبو بكر أحمد باقادر.

كذلك يضم هذا العدد دراسة للباحث العراقي المتخصص بشؤون الفلسفة الإسلامية علي المدن بعنوان الواقع والممارسة دراسة في إشكالية التعالي في التفكير الديني في الإسلام. إلى إيران مرة أخرى ودراسة بقلم المفكر الإسلامي محمَّد شبستري جاءت إلى عنوان الكلام النبوي في رؤية أخرى، وهي الفصل الثامن من سلسلة فصول كتابه (نظرية القراءة النبوية للعالم) بترجمة الأستاذ حسن مطر.

الباحثة الأستاذة هاجر القحطاني تتناول بقراءة دقيقة وماتعة كتاب المفكِّر الإسلامي الدكتور عبد الجبار الرفاعي (الدين والظمأ الأنطولوجي للمقدس)

صدور: The Convoy of Thirst لسناء الشعلان

The convoy of Thirst 1استقبلت الأديبة د.سناء الشعلان العام الجديد 2016 بإصدار مجموعتها القصصيّة الصّادرة بالإنجليزية بعنوان:

The Convoy of Thirst

وكانت المجموعة قد صدرت مسبقاً باللغة العربيّة تحت عنوان "قافلة العطش" في عام 2006، كما صدرت باللغة البلغارية تحت عنوان Керванът на" "жаждата" في عام 2013.

وقد قام بترجمة القصص إلى الإنجليزية الأديب الاسترالي من أصول لبنانية عدنان قصير الذي أشار إلى فخره بشراكته للأديبة الشعلان في نقل هذه المجموعة إلى الإنجليزية مشيراً إلى أنّه قد اختار هذا العمل من أعمال الشّعلان ليترجمه إلى الإنجليزيّة لأنّه رأى أنّه مشحون بثيمات إنسانيّة ونماذج بشرية يجدر أن تقدّم للأخر بكلّ ما في ذلك من موروث إنسانيّ يتوافر على تاريخ عشقي عملاق عند العرب، فالحبّ هو ديوانهم الإنساني الأعظم، كما أشار إلى أنّ هذه القصص جذبته لما فيها من تجربة إنسانيّة تنتصر للمحبّة على أشكال الكره والبغضاء والقطيعة، فهذه المجموعة في رأيه هي رسالة حبّ إنسانيّة موجّه لكلّ البشريّة، ومن المهم أن تقدّم للأخر عبر ترجمتها إلى أكثر من لغة لتكون شكلاً من أشكال الرّد الراقي على الحرب الإعلاميّة الشنيعة التي تُشن في الوقت الحالي ضدّ الإسلام والعروبة لتشويههما، وحرمانهما من تاريخهما الحضاريّ حيث الإنسانيّة والإنجاز والمحبة والإخاء وتقبّل الآخر.

وقد أنهى عدنان قصير كلامه عن المجموعة بقوله :" إنّها مجموعة تنتصر للحبّ والخير والجمال، ولذلك صممت أن أنقلها إلى قرّاء العالم ولا سيما إلى الشّعب الاسترالي الذي أحبّه، ويسعدني أن أهديه هذا الجمال والدفء الموجود في هذه المجموعة القصصيّة الراقية الجميلة التي بذلت الكثير من الجهد والوقت كي أترجمها إلى الإنجليزية لا سيما أنّ ترجمتها ليست بالأمر السّهل نظراً لجزالة لغة الشّعلان وصعوبة الارتقاء إليها، ونقلها إلى الانجليزية دون الانتقاص من جمالها وقوتها وسحرها".

والمجموعة صادرة في العاصمة الأردنية عمان عن دار أمواج للطباعة والنشر والتوزيع، وهي تقع في 177 صفحة من القطع المتوسطّ، وتتكوّن من 16 قصة قصيرة، وهي، وهي تعرض بجرأة تنميطات مختلفة للحبّ وأشكال متعدّدة للحالة الشّعوريّة والسّلوكيّة المرافقة له، وتتجلّى هذه التنميطات في ثنائيات جدلية: كالوصل والحرمان، واللقاء والفراق، والتقارب والتباعد، و الرضا والغضب، الحزن والسعادة، ويستولي في هذه المجموعات على حيز كبير من المفارقات والتجاوزات الواقعية.

فقصص المجموعة تدين بالكثير لاستيلاد مفردات التراث والفنتازيا والخرافات والأساطير. فنجد تراث الوأد حاضرًا في القصة، كذلك خرافات الكنوز الموقوفة لرصد خرافي، وفنتازيا مشاركة الجمادات في الأحداث، فنجد القراءة واللعبة البلاستيكية والأرواح الراحلة عن أجساد أصحابها والقطط البيتية الأليفة والجنّيات تعشق، وتكون لها تجربتها الخاصة مع الحبّ، الذي يقدّم في هذه المجموعة على أنّه بديلٌ موضوعي للسعادة والهناء والسلام.

والقصص تجنح إلى طرح الحزن والفراق والهزيمة والفشل قرينًا شبه دائم للحبّ، وكأنّه تجسيد للواقع الحياتي المهزوم والمسحوق الذي يعيشه أبطال القصص، وتبقى القصص مفتوحة على التأويل والتجير والتفسير، فهل الحبّ هو علاقة خاصة لها محدّداتها الخاصة؟ أم هو صورة اجتماعية من صور المجتمع بكلّ ما في مشهده الإنساني من أحلام وأماني وتناقضات وأحزان وانكسارات؟ أم هو بحث عن صيغة جديدة للبحث عن الفردوس المفقود في هذه الحياة؟

 

The convoy of Thirst 1من أجواء المجموعة القصصيّة:

 

The Rain Forecaster

: "He closes his eyes, sharpens his senses and puts his index finger in his mouth till it gets wet with his saliva then raises it in the air so can sense the direction of the wind. He looks at the western horizon then he says that the rain will fall in one hour, in one day or in a month. His predictions come true and the rain falls at the time predicted. Sometimes he shakes his head in a quiet showy gesture and says with indifference: “no rain for the present”, and leaves without waiting for a grant or a gift.

He knows that no farmer is going to give him a present after he tells him that there will be no rain in the near future. He actually doesn’t worry about presents from the farmers which are no more than few eggs or a box of fruits and vegetables or a few pennies which they save cautiously and carefully.

At the same time he doesn’t care about presents given to him by friends, acquaintances or relatives as they don’t have much value. The presents are not usually an appreciation and celebration of his exceptional talent rather an expression of joy when the rain falls or an expression of gloom when there is no rain. Rain is not a matter of interest for city dwellers, the only interest of rain for them is what to wear in the morning or how to organize invitations or weekend trips.

The admiration of the audience or the praise he receives from beautiful women for his talent and his accurate rain forecast is enough for him."

شيء ما يعنى ربما يكون الحب.. اصدار أدبى جديد لأحمد الغرباوى

820-hobتحت عنوان ( شيء مايعنى .. ربما يكون الحب..!) صدر الابداع الادبى الجديد للأديب أحمد الغرباوى عن دار الأمل للنشر والتوزيع فى 176 من القطع المتوسط..

ويحتوى الكتاب بين دفتيه على 40 لوحة ابداعية من فن النثر الأدبى.. يتجلى فيه الكاتب على جدار الفن الخالص.. وهو نوع الأدب الذى برع فيه الكاتب العربى العالمى الراحل جبران خليل جبران فى ابداعاته( المتنبى) و(رمل وزبد) و( المصطفى) و( حدائق النبى ) .. وغيرها

820-hobويعرج هذا فن ابداعى.. يأخذ من الشعر جموح المشاعر والأحاسيس.. ويجنح بالخيال على مناطق الفكر.. ويسير فى دروب العقل بحكمة ومنطق الكاتب وحده.. وخبراته الحياتية المعاشة والثقافية.. فهو يطرق أبواب العقل من خلال لغة مكثفة.. شاعرية وخيالية بصورها المتعددة التى تتجلى فى العديد من لوحات الكتاب التى تجسدها ( براءة هوى) ..(العاشقان)..(الحب هبة الرب).. (أمير الحب ).. (شيطان الهجر).. (لا.. ليس أنت ).. و(من العشق ما عمى).. وغيرها من التجليات الادبية..

ويعتبر هذا الاصدار السابع للكاتب أحمد الغربـــــاوى بعد مجموعـــــاته المسرحيــــة (المتحزمون) و(السقوط إلى أعلى) و(سائق الموتى) ومجوعته القصصية (حب حتى أطراف الأصايع)..الخ

وتجدر الاشارة الى أنه سبق وحصل على العديد من الجوائزالثقافية والادبية أشهرها المركز الاول فى المسرح والثانى فى القصة من وزارة القوى العاملة والهجرة بالاضافة الى المركز التاسع فى المسرح تليفزيون الشرق الاوسط بروما..

ونشرت أعماله فى جريدة الجزيرة والمسائية ومجلات القافلة والدعوة السعودية.. بالاضافة الى الاعلام المصرى..

 

قراءة في كتاب: الفتوحات العربية في روايات المغلوبين لحسام عيتاني (1-2)

alaa allamiمعلومات طريفة ومهمة كثيرة يستقيتها القارئ لكتاب الباحث حسام عيتاني "الفتوحات العربية في روايات المغلوبين"، الممنوع في جميع الدول العربية. وهو كتاب مهم ونادر المثيل، إذْ لا وجود لروايات أخرى معروفة ومنشورة عن موضوع الفتوحات العربية في كتب أخرى غير روايات الغالبين أي العرب المسلمين، كتاب عيتاني مهم وثري وموثق بشكل علمي دقيق، ستكون مفيدةً قراءتُهُ بعينين نقديتين منتبهتين. من تلك المعلومات: أن الكلمة الصينية التي تعني العرب هي "تا شي" وفي الفارسية القديمة "تازي" وفي الآشورية " طايايا أو طايايو" وجميع هذه الكلمات ترجع إلى "الطائي" نسبة الى قبيلة طي العربية القحطانية المعروفة.

معلومة أخرى في هذا الكتاب، تقول إن الرومان وأهالي الشام من غير الرومان، قبل الفتح الإسلامي، كانوا يسمون العرب "الإسماعيليين" ولكن نسبة إلى النبي إسماعيل الابن الأكبر للنبي إبراهيم، وليس نسبة للإمام إسماعيل بن جعفر الصادق الذي شاع اسم الفرقة التي تنتسب إليه وبدأت نشر دعوتها في القرن الهجري الثاني والتالي له. ويسمى العرب أيضا لدى هذه الأوساط " الهاجَريين أو المهاجرين " ولكن ليس نسبة للهجرة الإسلامية بل إلى هاجر زوجة النبي إبراهيم الخليل، وأخيرا أطلق بعض المؤرخين ورجال دين مسيحيين قدماء على العرب اسما ذا مضامين "عنصرية تحقيرية" هو (السراكينو / السراسنة) وكانت تطلق على المزيج الإثني من المسلمين المكون من العرب والبربر وغيرهم والذين غزوا جنوب أوروبا، وحتى لأشباههم في المشرق العربي، وهي ذات الكلمة التي حاول بعض كتاب مواقع التواصل الاجتماعي الخلط المفتعل والسطحي بينها وبين كلمة " الشراقوة/ قاف حميرية گـ " التي تطلق على الجنوبيين العراقيين، والغريب أنها استعملت من قبل مثقفي الحكومات بذات المعاني العنصرية التحقيرية، وقد ناقشتُها مفنداً في الفصل العاشر من كتابي (الحضور والأكدي والارامي والعربي الفصيح في لهجات العراق والشام ص 227) وفي مناسبات أخرى لا تحضرني.

819-hosamitani-النعمان بن المنذر وابنه الحسن وكيف تنصرا: معلومة أخرى طريفة ومهمة وجديدة لم أسمع بها من قبل، من كتاب الباحث حسام عيتاني والذي ذكرته في منشور لي مساء أمس "#الفتوحات_العربية_في_روايات_المغلوبين " مفادها أن ملك المناذرة "اللخميين" النعمان بن المنذر، كان له ابن يسمى الحسن، وكان النعمان على دين الأحناف. الغريب أن الكلمة الأخيرة كانت تعني عبّاد الأصنام والأوثان وليس الموحدين الإبراهيميين كما مكث ورسخ في أذهاننا نحن أبناء هذا العصر، وهذا أمر يحتاج الى وقفات علمية وتمحيصية بهدف تبين ومقاربة الحقيقة في هذا الصدد. لنقرأ هذه الوثيقة التاريخية المهمة التي كتبها ماري بن سليمان في "تاريخ فطاركة كرسي المشرق من كرسي المجدل 1899" ونقلها عيتاني في كتابه (كان النعمن - أغلب الظن بالإمالة أي لفظ الألف الممدودة كفتحة مثلما يلفظها الشاميون في عصرنا. ع ل- بن المنذر ملك العرب شديد التمسك بدين الحنفاء، يعبد "العزيّ " وهو كوكب الزهرة، فلحقته ضربة من الشيطان ولم ينفعه كهنته في شيء، فشفاه شمعون أسقف الحيرة وسيبر يشوع أسقف لاشوم وأيشو عزخا الراهب فتنصر – أصبح مسيحيا- واعتمد ولداه "؟" المنذر والحسن بعده. وكان الحسن أشدهم تمسكا بالنصرانية وكان لا يمنع تقدم – ربما من التقدمة أي النذور والقرابين الدينية ع ل – المساكين إذا دخل البيعة = المعبد). ونعرف أيضا أن الحروب والعداء كانا هما الحالة الروتينية بين الدولتين العربيتين المسيحيتين دولة المناذرة اللخميين حلفاء الفرس غرب العراق، ودولة الغساسنة حلفاء الروم جنوب شرقي بلاد الشام، وقد بلغت تلك الحالة ذروتها في استيلاء الملك المنذر الغساني على عاصمة المناذرة " الحيرة" وإحراقها سنة 578 ميلادي ولكنها لم تمت بل أعاد المنذر الرابع بناءها ونهضت مجددا لفترة أخرى!

سيقول العدميون والذين يقرأون نصف المشهد التاريخي، جاهلين أو مهملين النصف الآخر منه: لا جديد تحت الشمس العربية. ولكنَّ هؤلاء العدميين يهملون النصف الآخر من المشهد حيث الملك العربي المسيحي المنذر الرابع يقود حملة استقلالية ضد الفرس ولكن حملته – للأسف - تنتهي بهزيمته وبإعدامه وتفكيك مملكته من قبل الملك الفارسي خسرو برويز سنة 602 م . إنها النهاية المؤسفة ذاتها التي انتهت إليها قبل المنذر الرابع، محاولة الملكة التدمرية الجميلة زنوبيا- أفضل دائما لفظها " زنوبة" ع ل- ضد الإمبراطور الروماني أورليان وجيوشه وانتهت بهزيمتها ونقلها الى روما أسيرة حيث ماتت هناك حسب أقوى الروايات سنة 274 م. ثم جاء العرب المسلمون فاتحين فأنهوا سطوة ووجود الامبراطوريتين الرومانية والفارسية إلى الأبد وحتى هنا انقسم عرب العراق والشام قسمين: قسم قاتل مع العرب ضد الفرس كقبيلة بني شيبان بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني البكري وقسم قاتل مع الرومان ضد العرب كأيهم بن جبلة الغساني، وهذا هو ديدن التاريخ دائما: أبيض وأسود ورمادي.. أما شجرة الحياة فخضراء دائما.

 

-الجزية ليست اختراعا للعرب المسلمين:

الجزية ليست اختراعا للعرب المسلمين بل كان الفرس والرومان يفرضونها قبلهم على الأقليات لنقرأ: (ففي هذا السياق أخذ العرب المسلمون الكثير من ممارسات الامبراطوريتين – الفارسية والبيزنطية - حيال الشعوب الخاضعة للاحتلال كالجزية التي كان البيزنطيون والفرس يفرضونها على أبناء الأقليات. فالمسيحيون واليهود والبوذيون كانوا يدفعون ضرائب مضاعفة إلى الساسانيين الزرادشتيين، في حين كان اليهود عرضة لممارسات مشابهة في المناطق البيزنطية المسيحية/ ص55). أنا هنا أسجل شذرات من وقائع تاريخية موثقة ولستُ في معرض تسجيل براءات أو إدانات معينة ضد أي طرف تاريخي ورد ذكره.

 

فرض الأديان بالقوة قبل الإسلام :

فرض الدين من قبل دولة الغالبين على الشعوب والأقليات المغلوبة كان تقليدا معروفا قبل الإسلام. ولعل آخر مثال عليه هو حملة التنصير القسري لليهود في شمالي أفريقيا وفي عموم الإمبراطورية البيزنطية، بناء على أوامر الإمبراطور هيراكليوس سنة 632 م، أي قبل أربعة أعوام من معركة اليرموك وهزيمة الرومان البيزنطيين فيها أمام العرب المسلمين. لنقرأ (تعاليم "يعقوب المعمد حديثا" وهي نص سجالي دفاعي مع اليهود كتب على الأرجح في أفريقيا عام 634 م، ويعتبر من سلسلة النصوص الدفاعية المسيحية التي ازدهرت في القرنين الخامس والسادس، وتركزت على تفنيد الشريعة والتقاليد الدينية اليهودية والدفاع عن الكنسية والعقيدة المسيحية وخصوصا بعد اعتراض اللاهوتي مكسيموس على التنصير القسري لليهود الإمبراطورية البيزنطية بناء على أوامر هيراكليوس سنة 632 م وبالأخص ليهود قرطاجة وشمال أفريقيا. وجاءت التعاليم لتبين صحة تنصير اليهود الذين ما عاد من داع لتمسكهم بدينهم بعد ظهور المسيح. ص 63) ويعقوب الوارد اسمه في هذا النص هو تاجر يهودي فلسطيني سافر إلى قرطاجة/ قرب تونس العاصمة اليوم، ومرَّ بمحنة التنصير البيزنطي القسري وكان من ضحاياها. هل ثمة حاجة للتذكير بأنني هنا لا أدافع عن ممارسة فرض الدين – أي دين كان أو عقيدة كانت - بالسيف أو الابتزاز المالي بل أسجل حقيقة تاريخية يقفز عليها البعض لأهداف ذاتية ولا علمية؟ وعموما، فالخلاصة هي أن العرب المسلمين "لم يخترعوا الترومواي" بل وجدوه في محطة التاريخ فاستخدموه كسائر الغزاة والفاتحين في ذلك العصر. أما من يريدون العودة إلى استعمال ذلك "الترومواي" في السفر اليوم إلى المريخ فهم ليسوا إلا مختلين عقليا "من داعش وأخواتها"!

 

- كيف نظر الروم البيزنطيون إلى العرب قديما:

كثيرة هي الأمثلة التي يوردها صاحب الكتاب موضوع القراءة والاقتباس على نظرة الروم البيزنطيين العنصرية التحقيرية إلى العرب قبل وخلال الفتح العربي الإسلامي وإذا ما وضعنا هذه الأمثلة في سياقها التاريخي فنستطيع أن نفهمها مثلا ضمن نظر المهزومين الذين يعتبرون أنفسهم أكثر تطورا مدنيا إلى المنتصرين القادمين من صحراء قفر لم تقدم حتى ذلك الوقت مدنية أو حضارة معروفة ومرموقة خارج دائرة السهل السومري العريق ومتداده الآشوري شمالا والشامي غربا.

فعن " الحوليات الجورجية / مصدر قديم من القرن الثاني عشر وغير مترجم إلى العربية" يروي لنا الكاتب أن إمبراطور الروم جال في مناطق إمبراطوريته لكسب الناس ضد جيوش العرب الموشكة على الزحف ضده والتقى في مدينة بغشتاتسيك راهبا نصرانيا فحذره الراهب قائلا( اهرب من أولئك الذين طردوا سارة - لأن السراسنة أي العرب كانوا يسمَّون " خدم سارة" - فقد أعطى الله شعبهم الجنوب والشرق والشمال . إنهم نجوم جواله يغلبون من لا يتجول) وبعد معركة مؤتة التي هزم المسلمون فيها وقتل فيها ثلاثة من قادتهم جاء أحد خصيان الإمبراطور ليوزع رواتبهم وعندما جاء العرب – حلفاء الروم - لتلقي رواتبهم على جاري العادة أبعدهم الخصي قائلا (بالكاد يستطيع الإمبراطور دفع رواتب جنوده ، وأقل من ذلك بكثير أن يدفع لهذه الكلاب " فانصرف العرب مستائين من هذه الحادثة / ص 92 ) أما ديونسيوس التلمحري (من المسيحيين اليعاقبة كغالبية العرب المسيحيين عهد ذاك، وهم على خلاف مع المسيحيين البيزنطيين الخلقيدونيين) فقد اعتبر ظهور وانتصار العرب عقابا من الله للبيزنطيين بسبب فساد الروم البيزنطيين وانحرافهم عن الإيمان الصحيح وأخذهم بالهرطقة ووصف العرب بأنهم (أحط بني البشر وهم أكره الناس وأقلهم إحراما بين الشعوب وكانوا مصيبة أرسها الله للبيزنطيين ). أما ميناندر بروتكتور فقد تحدث عن (فظاظة العرب وعدم أهليتهم للثقة ) وكتب ثيوفيلاكت سموكاتا عنهم (وهم متقلبون وعقولهم غير ثابتة وأحكامهم لا تقوم على أساس صحيح من التعقل). وقال المؤرخ البيزنطي من القرن السادس سكولاتيكوس كلاما لا يخلو من الحكمة والاستشراف الاستراتيجي، قال (خير وسيلة لقتال العرب هي الاستعانة بعرب غيرهم لقتالهم) ويقينا فهذه "الفكرة الثاقبة" ماتزال صالحة ومأخوذا بها بشكل مستمر من قبل أعداء العرب التقليديين أي الغربيين! يتبع قريبا

 

علاء اللامي

كاتب عراقي

.....................

رابط لتحميل نسخة بي دي أف من الكتاب:

https://ia801006.us.archive.org/19/items/Ketab0531/ketab0531.pdf

 

مذكرات الصحفية العراقية ميادة العسكري

nabil alrobaeiصدر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر للكاتبة جين ساسون كتابها الموسوم (ميادة ابنة العراق)، الكتاب يحتوي على (463) صفحة من الحجم المتوسط، مزود بالصور للصحفية ميادة العسكري، الصور تخص سيرة حياتها خلال تواجدها في العراق مسقط رأسها حتى هجرتها نهاية تسعينات القرن الماضي.

الكتاب عبارة عن مذكرات للصحفية (ميادة العسكري)، عن الحقبة الزمنية التي عاشتها في العراق، وتاريخ عائلتها، وما تعرضت لهُ من اعتقال وتعذيب في سجون النظام البعثي السابق، فضلاً عن أن ميادة هي حفيدة الأستاذ ساطع الحصري من والدتها، فوالدتها سلوى ساطع الحصري، وحفيدة مؤسس الجيش العراقي في العهد الملكي جعفر العسكري لوالدها، ووالدها هو نزار مصطفى جعفر العسكري.

للكاتبة جين ساسون عدة مؤلفات منها: (مغامرة حب في بلاد ممزقة)، تمثل القصة الحقيقية لجوانا، وهي امرأة مناضلة من كردستان العراق، هربت من العراق بسبب سياسات النظام السابق القومية، كما صدر لها كتاب (إنه بن لادن)، يمثل حياة بن لادن وكل شيء عنه لحال لسان زوجته وابنهُ، وصدر لها كتاب (سمّو الأميرة)، وهو كتاب يمثل وقائع من قلب العائلة المالكة في السعودية وخفايا تمكنت من الظهور وأسرار معلنة، كما صدر للكاتبة جين ساسون كتاب(حلقة الأميرة سلطانة)، وكتاب (بنات سموّ الأمير)، وهي اعترافات خطيرة وحميمية لأميرة سعودية من العائلة الحاكمة. أّما كتاب (لأنك ولدي) فهو الكتاب الذي تابع امرأة أفغانية تبحث عن طفلها المفقود، و كتاب (طيار سمتية وطفل أسير)، وأخيراً كتاب (ميادة ابنة العراق).

الكتاب الأخير يمثل تاريخ حقبة حكم البعث والدكتاتور صدام حسين، وسلوك القوى الأمنية مع أبناء العراق ومع المعارضين سواء من الأحزاب المعارضة أو من المنتمين لحزب البعث، الكتاب يبين دور عناصر مخابرات صدام في تعقب وتعذيب المعارضين لهُ بشتى الأساليب والطرق الدموية، حتى لم يسلم من التعذيب مدير الأمن العام في النظام فاضل البراك، ثم التصفية الجسدية لهُ، وهذا ما نقلته من خلال الكتاب الصحفية ميادة العسكري.

الكتاب عبارة عن مذكرات الصحفية العراقية ميادة العسكري وعلاقتها بالكاتبة جين ساسون، وما نال ميادة من يوم اعتقالها حتى يوم إطلاق سراحها بتوسط من المرافق الشخصي لصدام حسين (عبد حمود)، تعرضت ميادة العسكري خلال الاعتقال لأبشع حالات التعذيب، مع العلم إنها كانت في وقت سابق قد أجرت لقاء مع رأس النظام صدام حسين وحازت على جائزة نقدية منه، وهو من المعجبين بكتاباتها وعمودها في الصحافة الرسمية العراقية، وكذلك لقاءاتها الصحفية مع مدير الأمن العام فاضل البراك المقرب لعائلتها، ولقائها الصحفي مع علي هاشم المجيد (علي كيمياوي) ابن عم صدام حسين، كل هذا لم يشفع لها عند اعتقالها من مكتبها الواقع في شارع المتنبي.

من خلال مذكرات ميادة العسكري التي نقلتها لنا الصحفية جين ساسون، تنقل لنا الكاتبة حال المعتقلات في سجن الأمن العامة الواقع في منطقة البلديات في بغداد، كان سبب اعتقالهن لأسباب واهية لا يتطلب كل هذا التوقيف والتعذيب، لكن خوف النظام وعناصر أمنه كان يتلذذ باعتقال السجينات واغتصابهن، حتى أصبحت عملية التجاوز الجنسي والجسدي للسجناء السياسيين في سجن البلديات.

كانت الزنزانة رقم (52) في سجن مديرية الأمن العامة في البلديات تشهد حالات التعذيب بوسائل لا يطيقها الجسد والروح الإنسانية، اعتقلت ميادة العسكري في تموز 1999م، الاعتقال كان من خلال مفرزة أمنية يقودها مقدم الأمن (محمد جاسم السعدي) وزملاؤه، وسبب الاعتقال لمساهمة مكتبها الطباعي في طبع بعض كتب الأدعية الشيعية، فضلاً عن طبع بعض الجهات المعارضة للنظام منشورات تفضح النظام وقد تم توزيعها قرب مكتبها، ففي صفحة 36 ذكرت الكاتبة حول عملية الاعتقالات حيث قالت:"(في نظام صدام حسين، عندما يعتقل فرد من الأسرة تكون الأسرة كلها متهمة.. حتى الأجنّة في الأرحام)"، كانت الزنزانة رقم (52) كما وصفتها ميادة: ذات رائحة عفنة جداً إلى حد أنني اعتقدت أن ميتاً مزمناً غطى أرضيتها الصغيرة"، الزنزانة رقم (52) تضم مجموعة من المتهمات تجاوز عددهن (18) سجينة، ومن ضمن السجينات سمارة التي كان سبب اعتقالها هو تسجيل والدها اسمها باسم جدها، وبعد أن كبرت تزوجت بعمر مبكر جداً لرجل عراقي قتل في الحرب العراقية الإيرانية.

كانت وسائل التعذيب في سجن مديرية الأمن العامة في البلديات حسب ما ورد في الكتاب في صفحة 64 ، ذكرت ميادة: "حينما أمر المحقق مساعديه ليبدأوا بربطي وصاروا يشدوا وثاقي إلى الكرسي الذي جلست عليه... حالما وضعوا قطبي بطارية على كلتا أذني... وقبل أن أتمكن من المقاومة والاعتراض راح المحقق المهذب!! يفتح التيار الكهربائي ويغلقه. الألم الذي شعرت به اكبر من ألم الولادة، وكلما توقف الألم قليلاً أعاد تشغيل الجهاز مرة أخرى".

كانت تهمة إحدى السجينات التجسس لصالح إيران، والجلادون في سجن البلديات لن يتوقفوا عن تعذيبها إن لم تعترف بكونها جاسوسة لإيران أو إسرائيل، بهذه التهمة سواء أكان ذلك تلفيقاً أم نتيجة التعذيب والخوف فهم سيعدمونها.

وصفت ميادة العسكري صدام حسين من خلال مذكراتها في هذا الكتاب في صفحة 88 بأنهُ "الشخصية الكارزمية مقلداً (فيدل كاسترو) في حين كان يعمل بدأب في الوقت نفسه على تصفية خصومه داخل الحزب والدولة والمجتمع".

في زمن النظام السابق نظام حزب البعث والدكتاتور صدام حسين، كان النظام يقوم بعمليات تصفية جسدية مع كل المعارضين من العراقيين، كانت تتم عمليات التصفية عشوائياً، من خلال متابعة الأحداث من خلال مذكرات ميادة العسكري، أجد لم تشفع لها مكانتها الصحفية من الاعتقال أو نسبها كحفيدة لجعفر العسكري، الرجل الذي أسس الجيش العراقي وكان من أشهر قادته، فضلاً عن أنها حفيدة ساطع الحصري مؤسس الفكر القومي العربي وقريبة نورس السعيد.

في عراق البعث لا يشفع للبشر شيء أبداً، فالداخل لأروقة الأمن والمخابرات العراقية مفقود والخارج منها مولود، من خلال الكتاب تمكنت الكاتبة جين ساسون من سرد وقائع قصة الصحفية والكاتبة ميادة العسكري ونساء الظل السجينات اللواتي شاركنها زنزانة الأمن العام، وبحكم خبرتها الصحفية والأدبية نقلت لنا ميادة الصورة الحقيقية للحدث في ذلك الدهليز المظلم لأمن النظام، ليشعر القارئ بما حدث في تلك الحقبة المظلمة، وليعيش حياة السجينات المتهمات لحظة بلحظة.

الكتاب يحتوي على الأسماء الصريحة والحقيقية للسجينات ولأزلام النظام وعناصر مديرية الأمن العامة، الكتاب حصد مبيعات هائلة في العالم أجمع، ولا تزال أحداثه تتفاعل بقوة في أوساط العراق كافة، وأصبح الشغل الشاغل على صفحات النت والصحف العربية والعالمية.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

مشاعر عابرة للحدود والأدب التركي مثالها

nadheer khazrajiما يميز المشاعر والأحاسيس أنها عابرة للحدود اللغوية والقومية والدينية والمذهبية، لأن الحدود في واقعها من صنع الإنسان جاءت كمرحلة متأخرة عن ذات الإنسان وكيونيته وفطرته، فهي موضوعة غير مقدرة ومجعولة غير متجذرة، تأتَّت مع مرور الزمن وتوطنت في النفوس ألفتها وتآلفت معها دون أن تدرك مخاطرها السلبية، فالإنسان هو الذي يصنع الحدود ويصطنعها، وتختلف الحدود من دائرة لأخرى ويستطيل قطر الدائرة الواحدة وتتعدد، حتى لتحل الحدود وبالاً على البيت الواحد، فلا يعد التفاهم قائماً وحرمة الدار تصبح عرضة لأنانية الأولاد أو سطوة الآباء غير المبررة، وتفقد الحرمة قدرة المسك بتلابيب الدار وأهله ولا أهل الدار يعترفون بحرمة، فتضرب الحدود الفاصلة بأطنابها بين النفوس.

فالإنسان السوي يحزن لحزن مواطنه ويفرح لفرحه، والإنسان السوي يتعاطف مع البعيد عندما تحل عليه نكبة عارضة أو طبيعية، يتعاطف معه شعوريا ونفسيا وماديا، والإنسان السوي يفرح لفرح الآخر القريب والبعيد، وهذه الخصال والسجايا أصيلة في ذات الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم مظهراً وذاتاً، فلا حدود بين المشاعر ولا سدود تصد حركة الأحاسيس ولا ربايا تمنع رياح العواطف، هكذا كان الإنسان الأول وهكذا هو وهكذا سيظل لا تبديل لفطرة الله التي فطر الناس عليها.

ولم أجد حادثة أو واقعة أخذت صداها ومداها وتتسع بأثرها لتلف الكرة الأرضية، مثلما هي واقعة الطف بكربلاء عام 61 للهجرة، فما من أمة طرق سمعها مأساة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين(ع) وأهل بيته وأصحابه إلا وفتحت باب مشاعرها تستحضر القادم من غور الزمان وبعد المكان، تستجليه بصراً وبصيرة، وتستهويه عِبرة وعَبرة.

ولأن الشعراء خير من ينضد عقد المشاعر، فإن الإمام الحسين(ع) تنقل بين أبياتهم وتوقف عند قوافيهم الضاربة بريشة الأحاسيس على أوتار عود الناس ونياط قلوبهم، لا حدود ولا سدود رغم ترددات الأمواج الأموية الطويلة والقصيرة والمتوسطة المدى العابثة بالتاريخ وحوادثه، فما من لغة حية او محلية إلا وللحسين(ع) ذكر في صدور أبيات شعرائها وأعجازها، وهذا ما استطاعت دائرة المعارف الحسينية في كشفه من خلال الجهود المضنية التي يبذلها مؤلفها المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في رصد المنثور والمنظوم ذات العلاقة بالنهضة الحسينية، ومن لآلئ الموسوعة الحسينية، هو صدور الجزء الأول من (ديوان الشعر التركي) في نهاية العام 2015م (1436هـ) عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 574 صفحة من القطع الوزيري، ليأخذ موقعه من المكتبة الحسينية الى جانب ديوان الشعر العربي والأردوي والفارسي والانكليزي والپشتوي وغيرها، في إطار (الحسين في الشعر الشرقي) من دائرة المعارف الحسينية التي يعكف الدكتور الكرباسي على تأليفها تحقيقاً وتمحيصاً منذ عام 1987م وحتى مطلع العام 2016م حيث بلغ عدد الأجزاء المطبوعة مائة وواحد (101) من نحو 900 مجلد.

 

العربية حاضرة

وكما لا يمكن الفصل بين القرآن الكريم واللغة العربية، وتأثير الكتاب المقدس على بقاء اللغة وصقلها وديموتها، فلا يمكن الفصل بين اللغة والعربية ولغات الشعوب الأخرى التي لامسها الإسلام واحتك بها من قريب أو بعيد في التاريخين الأقصى والأدنى، فما من لغة قريبة من الدائرة الإسلامية إلا وللعربية بصمتها في تأسيسها كاللغة الأردوية أو تأثيرها كاللغة التركية بشقيها الآذري والاستانبولي.

ورغم أن الأقوال مختلفة حول نشأة اللغة التركية وآدابها، بين من أرجعها الى أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، وبعضهم يرجعه الى ما قبل الإسلام بفترة، لكن المحقق الكرباسي يوجه بوصلته نحو كعبة القائلين: (إن الأدب التركي أخذ مدة طويلة حتى برز تحريرياً، وكان ما بين القرن السادس الميلادي وحتى القرن الحادي عشر الميلادي يتداول عبر الحوار، وقد عبّر عنه القائل بـ "الأدب الشفوي" حيث يذكر بأنه تم اكتشاف نُصب تذكارية لقبائل الگوكتورك "Gok Turk" علیها بعض الكتابات الأدبية، وفسّرها الناقل بالشعر، وذكر أن الفترة الحقيقية لبروز الشعر كان حين دخل الأتراك في الإسلام).

ولشدة تأثير العربية على آداب الشعوب الشرقية ومنها التركية، فإن مقارنتها بين ما قبل الإسلام وما بعده تظهر هذه الحقيقة للعيان، وفي بعض الأحيان من غير جهد لغوي أو معرفي، فعلى سبيل المثال قول الشاعر من العهد الجاهلي:

ياروكْ تنگريلَرْ يارْليكازونْ ... ياواشيم بيرْلَهْ

فلا يمكن اكتشاف تأثير العربية عليه، على أن البيت ورد بالأبجدية الانكليزية وليست العربية كما كانت عليه اللغة التركية حتى عام 1923م عندما حرّم أتاتورك الأبجدية العربية، ويبدو أن النسخة الأصلية ضاعت مع التحويل، ولكن الترجمة الحرفية الى الأبجدية العربية تظهر الكلمات هكذا، وترجمة البيت باللغة العربية كما جاء في ديوان الشعر التركي للكرباسي هو التالي:

فليكُنْ أمرُ إلهنا النورانيْ ... ناعمَ الطبعِ شريف المعانيْ

ولكن في القرن العاشر الهجري ينظم الشاعر محمد بن سليمان الفضولي المتوفى عام 963هـ، فينشد من قصيدة بعنوان راه نجات (طريق النجاة):

مرحبا أي نور رُويوندَنْ مُنوَّر كائناتْ ... جوهرِ ذات شريفون جامعِ حُسنِ صفاتْ

ورغم أن البيت هو ترجمة حرفية لنص بالأبجدية الانكليزية كما ورد في المصدر وغاب الأصل بسبب السياسة الأتاتوركية، لكن العربية واضحة عليه وضوح الشمس، وترجمته العربية كما أورده الكرباسي هو:

يا مرحباً بنورِ بصرِهِ المُصبحِ الذي صارَ يُنير الكائنات

وجوهرُ ذاتهِ الشريفِ غدا جامعاً لحُسنِ الصفاتْ

وبالطبع فإن العربية التي أثّرت في اللغة الفارسية، انتقل تأثير الثانية الى اللغة التركية بخاصة وأن الأقوام التركية الآذرية كانت ولازالت على احتكاك مباشر بالأقوام الفارسية، وقد انعكس تأثير العربية والفارسية على التركية في حديث الشارع وعند الأدباء والشعراء، ولهذا فلا غرو أن تقرأ بيتاً من الشعر التركي لتجد كلمات اللغات الثلاث تشكل الصدر والعجز، ومن ذلك بيت الرمل المثمن المخبون المحذوف للشاعر علي بن محمد النسيمي المتوفى سنة 821هـ حيث يقول:

فصلِّ على مرشدنا شاه ولايتْ ... كَمتَرْ قُولويومْ مَنْ عَلينين أو شاه كَرَمْدير

حسنْ باشيمينْ تاجي، حسينْ گؤزْومْدَهْ نَمْديرْ ... إمام زين العباد، باقر، مِهْرِ حَرَمْدير

والترجمة التي أوردها الكرباسي جاءت على النحو التالي:

اللهم صلِّ على مرشدنا سلطان الولاية التي ضاءتْ

مَلِكُ أهلِ الجود فلعليٍّ عبدٌ أنا وهو المديرْ

تاجُ هامي الحسنُ والحسينُ بماء عيني جديرْ

زينُ العبادِ إمامي وذو المعاجزِ باقرٌ والغدير

حيث يُلاحظ في البيت كلمات عربية وفارسية الى جانب التركية مثل (فصلِّ على مرشدنا) للعربية و(شاه ولايت) للفارسية.

ويعتقد المحقق الكرباسي أن اللغة الفارسية كانت هي لغة الأدب عند الأتراك: (ومن هنا فإن أكثر الذين نظموا الشعر من الأتراك نظموا بالشعر الفارسي، ومن المعلوم أن الشعر الفارسي العمودي أُخذ من العرب، بينما أخذ العرب من الفرس ما يسمى بالشعر الحر، وكان التبادل الثقافي والأدبي على قدم وساق بين هذه الحضارات الشرقية).

 

نماذج كربلائية

يُلاحظ في الجزء الأول من ديوان الشعر التركي الخاص بالنهضة الحسينية الذي ضم 202 مقطوعة في 547 بيتاً لثمان شعراء، بدء انطلاقته من القرن السابع حتى العاشر الهجري، رغم أن واقعة كربلاء حصلت في القرن الأول الهجري، وأن مدنيَّة الأتراك ظهرت في القرن السادس الميلادي أي قبل ظهور الاسلام بقرن، وبعضهم يرجع ظهور الأدب التركي الى القرن الثامن الميلادي أي القرن الثاني الهجري أي بعد واقعة الطف، وكما يؤكد الكرباسي: (ظهر الأدب في ثلاث اتجاهات: الاتجاه الجغتائي، والاتجاه الآذري، والاتجاه الأناضولي، وأبرز ما كتب باللغة الجغتائية هي السيرة الذاتية التي وضعها بابر مؤسس الأسرة المغولية في الهند والتي تعرف باسم بابرنامة، أي "كتاب بار" المؤرخ قبل سنة 937هـ (1530م) وهو كتاب نثري غير منظوم، ومن أقدم من كتب في الأدب التركي الآذريه الصوفي عماد الدين النسيمي المتوفى حدود سنة 821هـ (1418م)، وأما في الأدب الأناضولي فأقدم من كتب فيه هو الشاعر الصوفي يونس أمره المتوفى سنة 721هـ (1321م)).

ولعلّ أكبر التأثير المتبادل بين الأدبين العربي والتركي والذي ساهم في ظهور الأدب الحسيني في جانبه النثري، هو الاحتلالات التركية للعراق وايران وأفغانستان وجانب من تركيا والشام في القرن السابع الهجري، واحتكاك الأتراك المباشر بالأدب العربي بعامة والحسيني بخاصة، وقد سبق الاحتلال التركي توغل المماليك الأتراك في الحكم العباسي منذ القرن الثالث الهجري، وظهور الأدب التركي كأدب منثور ومنظوم في القرن الخامس الهجري، أما بالنسبة للشعر الحسيني باللغة التركية فإن أقدم ما وصلنا هو في القرن السابع الهجري كما يؤكد البحاثة الكرباسي، والأسباب كثيرة، ولعل أهمها أن الأدباء الأتراك كانت الفارسية هي لغتهم نثراً وشعراً مثل الشاعر التركي الحكيم قطران العضيدي التبريزي المتوفى سنة 465ه، الذي نظم في الحسين(ع) باللغة الفارسية.

ولقد انعكس انحسار الأدب المنظوم باللغة التركية بوضوح على عدد من الشعراء الذين نظموا في الحسين(ع)، ولهذا ظهر في القرن السابع شاعرٌ واحد هو محمد بن ابراهيم الخراساني المتوفى سنة 670هـ، وفي القرن الثامن اقتصر على الشاعر يونس بن إسماعيل أمره المتوفى سنة 721هـ، وكذا الحال مع القرن التاسع الذي وصلنا بيت واحد للشاعر علي بن محمد النسيمي المتوفى سنة 821ه، كما توصل اليه الشيخ الكرباسي، ولكن النقلة النوعية حصلت في القرن العاشر حيث ازداد عدد الشعراء مع ارتفاع مؤشر المقطوعات الحسينية وأبياتها، وبلغ عدد الشعراء خمسة، وهم حسب التسلسل الزماني: السلطان اسماعيل بن حيدر الصفوي الخطائي المتوفى سنة 930هـ وله 17 مقطوعة من 57 بيتاً، محمد بن سليمان الفضولي المتوفى سنة 963هـ وله 141 مقطوعة في 394 بيتاً، حيدر السيواسي المتوفى سنة 998هـ وله 14 مقطوعة في 43 بيتاً، وهادي التبريزي المتوفى في القرن العاشر في 8 مقطوعات من 26 بيتاً، وخامسهم وآخرهم علي أصغر الذهني التبريزي المتوفى في القرن العاشر الهجري وله قصيدة واحدة تضم 45 بيتاً، وسنجد في الأجزاء التالية من ديوان الشعر التركي ارتفاعاً ملحوظاً من حيث عدد الشعراء والقصائد كلما اقتربنا من عصرنا الحالي.

وتعددت الأغراض الشعرية التي تناول فيها الشعراء الإمام الحسين(ع)، فبعضهم ذكره وهو صغير يلعب مع جده محمد(ص) وبعضهم ذكره كبيراً وهو يشارك حروب والده علي(ع)، وبعضهم ركّز على ذكر الحسين(ع) وما جرى في كربلاء عام 61، ولاشك أن عاشوراء هي ملهمة الشعراء الأمر الذي خلق وفرة كبيرة في الشعر وزيادة في أعداد الشعراء من كل حدب وصوب بعيداً عن المذهبية بل وحتى الدينية، حيث وجد الشعراء بمختلف مشاربهم في شهادة الحسين(ع) وأهل بيته وأصحابه وأسر عياله قمة التفجع الباعث على الإلهام في أبهى صورها، فهذا الشاعر يونس بن إسماعيل أمره يستحضر الوجع العاشورائي فينظم، ما ترجمته:

من وجع كربلاء سقوط المجاهدين شهداءَ فخارِ

وقُربانا فاطمةٍ هما في الأمَّة شُبَّر وشُبَيرِ

من كربلاء انثال النورُ من أسودِ شعرِهِ الأندى

والمضرَّجان بدمائهما هما شُبَّر وشُبَيرِ

فشبّر هو الإسم العبري للإمام الحسن(ع) الذي تقطع كبده دماً من السم وشُبير إشارة الى الامام الحسين(ع) الذي تضرّج بدمه في كربلاء، وكلاهما قُتلا بأيدٍ أموية.

وهذا الشاعر علي بن محمد النسيمي يقول في بيت ضمن قصيدة مقصورة:

خلِّق نفسك اللَّوامةَ واسألْ يقيناً تَنَلْ

وإنْ قصدتَّ الشهادةَ فاجعل إمامَك حسينَ كربلا

وهي دعوة من الشاعر لكل البشر في الإقتداء بسيرة سيد الشهداء(ع) الذي قدّم كل شيء من أجل المبدأ وصالح الإنسانية.

وهذا السلطان اسماعيل بن حيدر الصفوي الخطائي تتراءى أمام حدقتي الشعور معالم المدينة المقدسة فينظم من قصيدة رباعية وترجمتها:

فلنأت كربلا أرض الحُزنِ الأليمْ

حتى نُقيم مأتمَ القلبِ الكليمْ

ولنُرسلَ بكاءً دموعَ القلبِ السليمْ

يا وجعي يا حسين سلطاني حسينْ

وهذا الشاعر محمد بن سليمان الفضولي المدفون في شارع باب القبلة على بعد بضعة أمتار من الحرم الحسيني الشريف، ينظم ما ترجمته:

إن سألوني عن منزل مصائبي قلتُ: في نينوى بلاءُ مجمعيْ

لكان جوابَ الكونِ القصيرِ إنها كربلاء كربلا

ونينوى هي واحدة من أسماء مدينة كربلاء وهي الأراضي الممتدة شمال شرق مركز كربلاء من مصب نهر العلقمي الى جنوب سدة الهندية.

 

عمل عظيم وشخصية عظيمة

لاحظ المحقق الكرباسي وهو يتناول الأدب التركي المنظوم أموراً عدة، ربما أهمها:

أولا: إن اللغة التركية في العهد الاسلامي كانت تكتب بالأبجدية العربية حتى 29/9/1923م تاريخ مجيء مصطفى أتاتورك للحكم الذي أبدلها بأبجدية لاتينية.

ثانيا: إن المتحدثين باللغة التركية لا ينحصرون بتركيا الحالية، فهناك عشرات الملايين الأتراك في إيران وآذربايجان وتركمانستان وتركستان وداغستان وقيرغيزستان وأرمينيا وأوزبكستان والعراق، وغيرها يتحدثون بها.

ثالثا: إن الأتراك كأمَّة يرجعون بجذورهم الى النبي نوح (ع) عبر ابنه يافث المسمى ترك.

رابعا: اللغة التركية من فصائل اللغة الآلتائية التي ظهرت منها أسر لغوية تركية مختلفة متوزعة عبر الدول الناطقة باللغة التركية، وأشهرها: التركمانية، الجغتائية، الأويغورية، الآذرية، الأذربايجانية، القيرغيزية، التتارية، الأوزباكستانية، البشكيرية، والأسطنبولية.

خامسا: رسم الخط في اللهجات واللغات التركية يختلف من قوم تركي الى آخر ومن بلد الى آخر، وبعض التغيير ناتج من تحولات سياسية مثل اللغة الاسطنبولية التي كتب بالأبجدية اللاتينية، والتركية الآذربايجانية التي كتبت بالأبجدية الروسية.

ولكن القاسم المشترك لكل هذه اللغات بما يخص الأدب المنظوم، أن معظم الشعراء الترك كانوا يتحدثون باللغتين الفارسية والعربية أو بإحداها، وقد أحصى الشيخ الكرباسي 201 شاعراً تركيا حتى القرن العاشر الهجري، وأكثرهم نظم باللغتين الفارسية والعربية أو بإحداهما، وأحصى 21 منهم أي 10 في المائة منهم كان ينظم باللغة العربية منهم: أبو القاسم الخطامي التبريزي المتوفى في القرن الخامس الهجري، أبو زكريا الشيباني التبريزي المتوفى سنة 502هــ، الخواجه هام الدين التبريزي المتوفى في القرن السابع الهجري، زركوب الطاهري التبريزي المتوفى سنة 712هـ، ابن يحيى الشبستري المتوفى سنة 720هـ، شمس مغربي محمد شمس الدين التبريزي المتوفى سنة 808هـ، والشاعر الشهير محمد بن سليمان الفضولي من أعلام وشعراء القرن العاشر الهجري.

وبالقطع هناك شعراء ترك آخرون من بين القائمة نظموا باللغة العربية، ولكن لم يصلنا شعرهم العربي.

ولا يخفى حرص المؤلف الشديد على دعم ما يكتب ويحقق فيه بمجموعة كبيرة من الفهارس المفيدة، وامتاز الجزء الأول من ديوان الشعر التركي بفهرس خاص بمعجم لمفردات اللغة الآذرية والاستانبولية وما يقابلهما باللغة العربية والفارسية وترجمتها العربية ضم 2071 مفردة تضمنتها أبيات هذا الديوان فقط، وهي خدمة أدبية ومعرفيه يقدمها الكتاب لقرائه، فضلا عن تحديد بحور شعر الديوان مع ما ورد عليها من زحافات وعلل وذلك: (تسهيلا لمن يريد أن يقدم دراسته على ما ضمّنه واحتواه هذا الجزء وغيره من الأجزاء) وهي تسعة بحور: الهزج، الرمل، المجتث، المضارع، المتقارب، الرجز، المنسرح، الخفيف، والمقتضب، هذا إلى جانب تشكيل الأشعار بالحركات: (وما ذلك إلا لتسهيل الأمر على القارئ والباحث)، مع ترجمة النص التركي الى العربي ترجمة نثرية مسجّعة وذلك: (طبقاً لما وضعه الشاعر ليكون أكثر وقعاً في النفوس وعلى الآذان إن تُليت) ولكن: (لا تعد هذه الترجمة حرفية ولا هي مضمونية بل وسطيّة).

هذه العمل الأدبي الرزين المرتبط بالنهضة الحسينية جلب أنظار الصحفي هوانك جيونكرين (Hwang Gyeong-rin) وهو من مدينة غومسان غان (kŭmsan-gun) في مقاطعة تشنغتشونغ نامدو (Ch'ungch'ŏngnam-do) في كوريا الجنوبية، فأبدى إعجابه الشديد وذلك بعد أن: (اطلعت على دائرة المعارف الحسينية التي تحيط بمعارفها واحداً من أعظم الشخصيات تمجيداً عبر التاريخ، وهو الحسين سبط رسول الاسلام محمد. لقد تناهى الى علمي المشروع المعرفي الذي يتولاه العلامة الشهير الباحث المقيم في لندن وهو الشيخ محمد صادق الكرباسي الذي كتب وحرر أكثر من 900 مجلد عن الحسين القائد).

وهذا الإعجاب جعله يكتب مقدمة باللغة الكورية ملحقة في نهاية الديوان، قال فيها: (إنَّ هذا الديوان يكشف عمق الجهد اللامتناهي وغير القابل للتصديق للمؤلف الذي تناول التفاصيل الدقيقة لشخصية الحسين بن علي. إنه رجل عظيم يكتب عن شخصية عظيمة ليصبح مشروعه العلمي والمعرفي عظيما كما رأينا في هذه الموسوعة).

ويبدي المحقق الدكتور محمد صادق الكرباسي في ثنايا الديوان أسفه لما حصل من تحريف لأبجدية اللغة التركية ورسم كتابتها، وهي حقيقة شاطره الرأي كل صاحب رأي معرفي، وفي الحقيقة فإن السياسة الأتاتوركية حاولت في أحد أسباب محاربتها للعربية الإقتراب من أوروبا والتماهي معها مصلحة المجتمع التركي كما كان هو الاعتقاد السائد آنذاك، لكن الغرب وبعد مضي قرن من الزمان ينظر الى تركيا بوصفها بلداً شرقياً مسلماً يعود بجذوره الى السلطنة العثمانية التي احتلت البلدان الاوروبية، ولا يريد الإعتراف بتركيا أو إدخالها في منظومة الوحدة الأوروبية رغم أنها جزء من منظومة حلف الناتو (الأطلسي) والحربة التي تلوح بها الولايات المتحدة في وجوه الدول العربية الرافضة لسياستها في المنطقة.

 

د. نضير الخزرجي

 

عباقرة خالدون

alhasan alkyriيحمل هذا الكتاب الذي نطل عليه اليوم عنوان "عنترة بن شداد". وهو لصاحبه محمد كامل حسن المحامي، ومنشور ضمن سلسلة "عباقرة خالدون" والتي هي من منشورات المكتب العالمي للطباعة والنشر ببيروت سنة 1988. ينقسم هذا الكتاب إلى ستة فصول؛ بحيث يعالج كل واحد منها جانبا من جوانب الحياة المريرة التي عاشها هذا الشاعر المسمى عنترة بن شداد العبسي. وخلاصة القول أن هذا الشاعر الفحل لم يستطع الباحثون والنقاد والمنقبون في سيرته أن يعرفوا عنه الكثير سوى أنه كان ابن جارية سوداء تدعى "زبيبة"، والتي أنجبته بعدما حبلت به من "شداد" الذي لم يعتبره ابنا ولم يعترف به سوى كعبد لديه. إلا أن عنترة تحرر من هذه العبودية وأسس لنفسه مقاما ومكانة عالية. فأصبح الفارس الشجاع والمحارب الصنديد والعاشق الولهان الذي أحبه الناس وأعجبوا به وبشعره.

كان هذا الشاعر يعيش فقط على حب عبلة. وهذه هي الحقيقة الوحيدة المؤكدة في حياة عنترة بن شداد العبسي. كانت عبلة أو "عبل" كما يسميها في أكثر من قصيدة نور حياته وعلة عيشه. إلا أنها لم تكن تبادله الحب نفسه بل كانت تصده عنها. أما والدها "مالك" فقد كان يكره عنترة كرها شديدا؛ بحيث كان كلما طلب منه عنترة الزواج من ابنته طلب منه في المقابل مهرا كبيرا لا يستطيع شخص في وضع عنترة تقديمه. وهكذا، فقد كانت قصة حب عنترة قصة مليئة بالحزن والأسى. ولأجل عبلة دخل السجن وعاش مع الأطياف وحاول النسيان. ولأجل حب عبلة هذه، جادت قريحة عنترة بأشعار بقيت خالدة إلى اليوم حتى صار اسمه مقترنا باسمها. وقد كان عنترة الشاعر أسود البشرة وأشعث الشعر ثم فارسا مقداما أحبه الصغير والكبير. أما حبه لعبلة فهو حب عذري صادق قوبل بالرفض من طرف محبوبته. لقد عاش حياته لعبلة إلا أنه لم يتزوجها كما لم يتزوج غيرها.

 

بقلم. ذ. لحسن الكيري*

** كاتب، مترجم، باحث في علوم الترجمة ومتخصص في ديداكتيك اللغات الأجنبية - الدار البيضاء - المغرب.

قراءة نقدية لكتاب: أجراس الرعب من التكفير إلى التفجير

ahmad alkhozaiكتاب أجراس الرعب من التكفير إلى التفجير، للباحث الإسلامي الموريتاني سيدي محمد ولد جعفر، احتوى هذا الكتاب على مائتين وثلاث صفحات من الحجم المتوسط .. والذي أثار ضجة كبيرة في الأوساط المحلية الموريتانية والإسلامية، واتهام الكاتب بأنه تناول شخصيات مقدسة في التاريخ الإسلامي بالنقد والاتهام، وتطرق لأحداث بالتحليل والتفسير مخالف لما وصل إلينا عنها، وبذلك اعتبره الكثيرين بأنه قد تجاوز الكثير من الخطوط الحمراء، لتسليطه الضوء على هذا الجانب من تراثنا الإسلامي، الذي يعده معظم المسلمين مقدسا لا يجب المساس به   .

إلا أن من يطلع على هذا الكتاب يجد إن الكاتب بقي محافظا على خيوط اللعبة التي لم يخرج عن أطرها العامة اغلب الكتاب العرب والمسلمين الذين ينحدرون من جذور وخلفيات إسلامية تقليدية، ويحاولون وضع أنفسهم في موضع التجديد والتقييم والنقد والتحليل للمشهد الإسلامي الحالي من خلال الغوص في بعض الجزئيات السيئة في تراثنا الإسلامي، دون المساس بالثوابت والرموز التي يقدسها جمهور مدارسهم الفكرية ومنبعهم البيئي والثقافي الفطري الذي نشؤ فيه وعليه .

يتألف كتاب الباحث سيدي محمد ولد جعفر من أربعة فصول، قسم فيه التاريخ الإسلامي للقرون الثلاث الأولى .. تحدث في الفصل الأول عن الإسلام المكي إلى بيعة الرضوان، وتطرق فيه إلى إشكالية اسلام أبي طالب، ومن اسلم أولا، ولم يخرج برأي واستنتاج واضح وجلي لبحثه هذا، واكتفى بان عزا هذا الخلاف الى الصراعات السياسية بين الفرق الإسلامية، والانحياز الأعمى للفرد لطائفته وانتمائه العقائدي .. والقي اللوم على جميع الطوائف والمذاهب حول هذا الاختلاف الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم .

وهذا ضعف واضح في طريقة البحث والتحليل اللتان اعتمدهما الباحث، كون هذه الأمور على الرغم من محدوديتها التاريخية إلا انها كانت تمثل منعطف خطير وكبير في تحديد التوجه العام للأمة الإسلامية،وخاصة في القرن الأول الهجري،وما آلت إليه الأحداث بعد وفاة النبي (ص) وما جرى في سقيفة بني ساعدة، الذي كان الشاخص الأبرز الذي انطلقت منه الاتجاهات الفكرية، التي أوصلت المسلمين إلى ما هم عليه الآن .

ثم تناول الصحابة وقسمهم إلى ثلاثة مجاميع، أصحاب بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة في السنة السادسة للهجرة قبل صلح الحديبية، وهؤلاء أضفى عليهم المؤلف الكثير من التقديس ولم يخض في سيرهم حتى عند تصديهم للمشهد السياسي بعد وفاة النبي محمد (ص) .

أما المجموعة الثانية من الصحابة فهم الذين اتبعوه بإحسان، وهؤلاء اعتبرهم المؤلف بأنه لا يمكن حصرهم بفترة زمنية محددة، مشيرا إلى أفضلية من رأى النبي بالمشاهدة العينية على الآخرين على شرط أن يكون مسلما .

وبذلك لم يخرج المؤلف عن تصنيف الشيخ البخاري المثير للجدل والذي اعتبر الصحابي فيه ( هو كل من رأى النبي حتى لو كان من بعيد ودون تمييز ).

والمجموعة الثالثة هم من ساءت سيرهم، ومنهم معاوية بن أبي سفيان، حيث تناول المؤلف بعض الأحاديث في سيرته وفضائله، التي أوردتها كتب الحديث، وحاول تحليلها وتفنيد البعض منها، وهذا ما اثار حفيضة الاخرين عليه، واثاروا ضجة كبيرة حول هذا الكتاب.

ويختم الباحث كتابه بالبحث عن جذور ونشاة الفكر التكفيري الإسلامي عند الجماعات المتطرفة في مصر وشمال افريقيا، وتأثرهم بجزء كبير من هذا التراث السيئ لبعض الصحابة والتابعين، واختلاط مفاهيم الجهاد عند هذه الجماعات بين ما أراده النبي (ص) والصحابة الأوائل من بعده، ويقصد الخلفاء الراشدين الأربعة، جاعلا الفتوحات الإسلامية الأولى في عصر الخلفاء الراشدين الثلاثة الأوائل جزء من الجهاد المشروع، الذي دعا إليه الإسلام .. وأشار إلى أن هناك نوعان من الجهاد هما (جهاد القران وهذا ما قام به النبي (ص) والخلفاء الثلاثة من بعده، والنوع الآخر هو جهاد السلطان والاستبداد في العهدين الأموي والعباسي ).. والذي يعزوا سبب هذا النوع من الجهاد إلى حب الدنيا والطمع بالغنائم والنساء، وان عمليات القتل المجاني حسب تعبيره والظلم والاستبداد، وقتل المخالفين في الرأي والعقيدة قد بدء مع ظهور الدولة الأموية، واستمر مع الدولة العباسية .

وقد تناسى الكتاب سيد محمد ولد جعفر في طرحه هذا، أن هناك بون شاسع بين ما قام به النبي محمد (ص) من غزوات داخل حدود شبه الجزيرة العربية وبين ما جرى من توسع عسكري باسم الدين من بعده تجاوز حدود الجزيرة العربية، إضافة إلى غياب النصوص المقدسة الصريحة التي تدعوا المسلمين لنشر الإسلام خارج حدودها بالقوة والسيف .. حيث كل الآيات الكريمة التي وردت في القران الكريم في هذا الجانب كانت تنص على جهاد الدفع، وان آخر ما أوصى به النبي الأكرم محمد (ص)، وهو على فراش الموت (أجيزوا الوفد واخرجوا المشركين من جزيرة العرب والثالثة قال انس ابن مالك لقد نسيتها ) .

إضافة إلى انه لم يذكر الكثير من حوادث القتل المجاني كما وصفها هو، بأنها قد بدأت في صدر الرسالة وفي حروب الردة، ولم تبدأ في العصر الأموي، وما فعله خالد ابن الوليد في مالك ابن نويرة خير دليل، وقتله له والزنا بزوجته كونه امتنع عن إعطاء الزكاة وهو على ملة الإسلام، كما جاء في (البداية والنهاية لابن كثير الجزء السادس) .. (فأرسل أبي بكر (رض) خالداً في جيش ليستفهم الأمر وكان معه عبد الله بن عمر وأبي قتادة .. فأسر مالكاً هو وقومه بعد أن خرج مالك وقومه لاستقبالهم بلا سلاح، فقتلهم وأمر برأس مالك بن نويرة فجعل بين حجرين وطبخ على النار تعمل فيه إلى أن نضج لحم القدر ولم تنضج رأس مالك لكثرة الشعر فيها).. وفي رواية (المسعودي في مروج الذهب) .. طبخت الرؤوس فنضجت إلا رأس مالك لأنها كثيرة الشعر.. ثم زنى بامرأة مالك كما ذكر (ابن حجر العسقلاني في الإصابة الجزء الخامس) .. (إن خالدا رأى امرأة مالك وكانت فائقة الجمال فقال مالك بعد لامرأته قتلتيني )، ويعني سأقتل بسببك .. وذكر (الطبري في تاريخ الأمم والملوك الجزء الثالث) .. دخل خالد إلى مسجد رسول الله(ص) وعليه قباء وقد غرز السهام في عمامته، فأتاه عمر بن الخطاب (رض) .. (فكسر السهام وقال قتلت أمريء مسلم ثم نزوت على امرأته والله لارجمنك بأحجارك( .

هذا دليل واضح على إن الفكر التكفيري المتطرف الذي يشهده عالمنا الإسلامي المعاصر لم يستمد وحشيته وهمجيته من العصر الأموي فحسب، كما ذكر المؤلف بل إن له جذور أقدم من ذلك تمتد إلى صدر الرسالة الإسلامية .

وفي جانب آخر من الكتاب،يعزو المؤلف إلى أن سبب نمو واستفحال الفكر الإسلامي التكفيري المتطرف في الوطن العربي الآن،إلى غياب المشروع القومي العربي الوحدوي الذي شكل فراغا فكريا للكثير من أبناء الأمة العربية، أدى إلى استقطابهم من قبل دعاة التطرف والتكفير .

وهذا أيضا ضعف في تشخيص المشكلة من قبل المؤلف، لان أصل نشوء التطرف هو .. أولا ما وصل إلينا من تراث إسلامي سيئ خضع للتحريف والتزوير على أيدي السلاطين والأمراء، وتقديسه للكثير من الصحابة الذين أعدهم المتطرفون قدوة لهم وسلفا صالحا وهم بالأصل قتلة وسراق .. وثانيا النظم الدكتاتورية المستبدة التي حكمت اغلب بلدان الوطن العربي في النصف الثاني من القرن الماضي، والذي يعد الفكر القومي من أسوئها وأكثرها انحطاطا، كونه لبس لباس القومية بالطائفية كما حدث هنا في العراق أبان حكم القوميين والبعثيين له.. والسبب الثالث في نشأة التطرف والتكفير هو شعور الكثير من الشباب المسلم بالإحباط نتيجة انتشار البطالة،وعدم القدرة على الزواج،والتهميش والإقصاء الذين يعانوه في بلدانهم، وغياب التعليم والمبادرة الفردية، والتي هي من مهام الحكومات التي تقوم بالتشجيع عليها ودعمها، والمناهج الدراسية المحرضة على العنف والتطرف وعدم تقبل الآخر رفضه .

كل هذه الأسباب وغيرها ساعدت في نشوء التطرف الاسلامي والفكر التكفيري، ولجوء هؤلاء الشباب للبحث عن الخلاص من بؤسهم هذا في الحياة الأخرى، حيث الحور العين والطعام والنعيم الأبدي كما يعتقدون، فاتخذوا من ما يسمونه الجهاد سبيل لتحقيق هذا الهدف، عن طريق تفجير أجسادهم في الأسواق والطرقات ومدارس الأطفال لاعتقادهم بكفر الآخر، وإنها الوسيلة الأسهل والأسرع لوصولهم إلى الجنة، إضافة إلى قيامهم بالأعمال الوحشية من ذبح وصلب وتمثيل بالجثث، كنوع من التطهير الروحي حسب ما يعتقدون .. هذه هي الأسباب الحقيقية لنشأة التطرف والتي تجاهل ذكرها مؤلف الكتاب.

لكن بالرغم من كل الهفوات التي رافقت هذا المنجز الفكري للباحث سيدي محمد ولد جعفر، إلا انه يعد إضاءة مهمة في هذه العتمة الفكرية التي يشهدها عالمنا الإسلامي المعاصر، وخطوة تستحق الإشادة كونها تناولت موضوعا يتحاشى الكثيرون المرور به أو التنويه عنه، من قريب أو بعيد، وسط هذا الكم الهائل من الجهل والأفكار الظلامية، وفتاوى التكفير المحيطة بنا .

 

احمد عواد الخزاعي

لا يمكن بقاء العراق موحدا في المستقبل القريب الا بنظام فدرالي

صدر قبل أشهر كتابا جديدا للمؤرخ الالماني واستاذ العلوم السياسية (Michael Wolffsohn) يتناول موضوع السلم العالمي والمخاطر المحدقة به، وقد توقع المؤلف إنهيار دولا كبرى، مثل الصين، وعدم إمكانية بقاء دولا عديدة في العالم موحدة بسبب طبيعة (نظام الدولة الوطنية غير الفدرالية) التي تقوم عليه أنظمة هذه الدول. ولقد تحدث المؤلف عن مستقبل العراق وأسباب الصراعات في هذا البلد وإحتمال إنهياره وتفككه في حال عدم الاسراع في تطبيق النظام الفدرالي فيه.

قراءة المؤلف لمستقبل العالم قائمة على دراسات تطبيقية (empirically) تناولت بالبحث مفردات واقع العالم والصراعات القائمة فيه وتلك التي ستحدث في المستقبل القريب، وذلك تأسيسا على حقيقة إنتهاء عهد نظام (الدولة الوطنية الموحدة)، والتي تحكمها دولة مركزية لم تقوم على قاعدة (حق التقرير الذاتي) للمجموعات البشرية الاجتماعية والاثنية والدينية ـ الطائفية، بل إعتمدت على قاعدة (الرابط الوطني) الذي أثبت التاريخ القريب أنه هشاً وسرعان ما ينهار في لحظة ضعف الدولة المركزية، كما حدث لجمهوريات الاتحاد السوفيتي وجيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا. كما تأكدت من خلال دراسة المؤلف حقيقة أن الدول الاكثر تعرضا لتفككها وإنهيارها في المستقبل القريب هي تلك التي رسم حدودها المنتصرون في الحربين العالمتين الاولى والثانية، وكذلك تلك التي إستقلت بعد عهود من الاستعمار ورسمت حدودها الجغرافية السياسية بشكل مصطنع ومن خلال المشاريع الدولية والتي لا تقوم على حقائق التنوع البشري في تلك الدول، وبالاخص منها الدول التي تضم شعوبا ومجموعات بشرية إثنية ودينية ـ طائفية متعددة، أو ما تسمى بالدولة ذات الشعوب المتعددة (multiethnic state)، مثل العراق وإيران.

وبعد أن إستعرض المؤلف أنماط الانظمة الفدرالية حسب المجموعات البشرية التي إستخدم المؤلف للتعبير عنها المصطلح المعروف في علم السياسة وهو (مجتمعات الاتصال) (communication Sciences)، فقد أكد على أن في دول مثل العراق لا يصلح نظاما فدراليا قائما على نمط واحد من الانماط الفدرالية، بل الافضل أن يقوم النظام الفدرالي في مثل هذه الدول على الاخذ بانماط فدرالية متعددة في وقت واحد، وحسب تكوين هذه المجموعات التي تفرز كل واحدة منها مصالح مختلفة. فمرة يقوم النظام الفدرالي على أساس لغوي، ومرة على أساس إثني، ومرة على أساس جغرافي وأخرى على أساس ديني ـ طائفي، ويمكن أن تستعمل كل هذه الانماط في دولة فدرالية واحدة ذلك بسبب إختلاف أساس وجود (مجتمعات الاتصال) فيها.

و العراق الحديث الذي تأسس كاحدى نتائج الحرب العالمية الاولى وسقوط الدولة العثمانية والتي رسمت حدوده بشكل مصطنع، يضم فيه (مجتمعات اتصال) متعددة ومختلفة في اسس وجودها (آئلة حتما الى الدخول مستقبلا في الصراعات والحروب الداخلية ـ حسب توقعات المؤلف). ففي جزءه الشمالي تعيش (مجموعات اتصال) لها مميزاتها (الاثنية واللغوية والدينية ـ الطائفية) التي هي غيرها في المنطقة الغربية، وهذه المنطقة الغربية تتميز عن وسط وجنوب البلاد بسماتها الدينية ـ الطائفية وتشترك مع وسط وجنوب العراق في اللغة. وحتى داخل كل منطقة من هذه المناطق فان هناك تنوع وتعدد في (مجتمعات الاتصال). فليس كل المنطقة الغربية (وحدة مجتمع اتصال) واحدة، وليس في منطقة وسط وجنوب العراق ما يمكن ان يكون (وحدة مجتمع اتصال) واحدة.   حيث يمكن أن تتبنى الدولة العراقية الفدرالية المستقبلية ـ حسب رؤى المؤلف ـ أنماط من العلاقات الفدرالية المتعددة حسب مميزات كل (مجموعة اتصال).

و كما هو معروف في الانظمة الفدرالية وجود مستويين من الادارة هما: مستوى الاتحاد ومستوى المقاطعات، حيث لكل حسب دستور النظام الفدرالي صلاحياته وواجباته، فان من الضروري في حالة العراق أن تكون عملية اصدار القرار وسن القانون والتشريع قائمة على وجود (مجلس فدرالي) يوازي (مجلس البرلمان الاتحادي) ويمثل حكومات المقاطعات والوحدات الفدرالية مجتمعة. حيث يخصص الدستور الفدرالي (قوة قرار) لازمة للحصول على الموافقة او لتعديل قرار او تشريع او قانون ما، لحتى تصبح كل القرارات والقوانين والتشريعات صادرة بموافقة كل (مجوعات الاتصال) وتمثل مصالحها، ولكي تكون صمام أمان يمنع سطوة أغلبية (مجموعة إتصال) واحدة وهيمنتها على القرار في الدولة الفدرالية المستقبلية.

و هذا يستدعي تطور أمرين ملازمين الى قيام النظام الفدرالي ألا وهما: تطور وتجذر التحول الديموقراطي في العراق. وهذا الامر وكذلك أمر تشريع قانون فدرالي يلبي هذه المطامح يستدعي كتابة دستور عراقي جديد، أو القيام باعادة كتابة الدستور الحالي لكي يلائم (دمقرطة) و(فدرلة) العراق بشكل جدي.

والمؤلف يحذر في دراسته من مخاطر إنهيار السلم العالمي من خلال توقعاته لنشوب الصراعات الداخلية والاقليمية في دول العالم التي مازالت تتبع قاعدة نظام (الدولة الوطنية) في المستقبل القريب، وبالتالي نشوب حروب عالمية. لذلك فهو يدعو الى اضطلاع قوى العالم التي تريد الحفاظ على السلم العالمي الى أخذ المبادرة للعمل على (فدرلة) العالم، تفاديا لوقوع الكارثة التي يراها المؤلف حتمية.

 

شاكر أحمد

أنوار تتفيأ معناي كتاب يرصد تجربة الشاعرة المغربية نجاة الزباير

818-NAJATصدر كتاب "أنوار تتفيأ معناي .. قراءات في المنجز الشعري للشاعرة المغربية نجاة الزباير"عن منشورات أفروديت في طبعته الأولى 2015 ، وقد ساهم في إنجازه ثلة من الدارسين المغاربة والعرب، وهم:

818-NAJATد. حسن الغرفي، د. أحمد بلحاج آية وارهام، د. علي القاسمي، د. أ. عبد الله بن أحمد الفيفي، د. العياشي أبو الشتاء، الأستاذ وجدان عبد العزيز، د. إبراهيم الحجري، الأستاذ نعمة السوداني، الأستاذ الطيب هلو ، الأستاذة جنة نجية، و الأستاذ راسم المدهون.

وقد تناولوا الدواوين التالية: لجسده رائحة الموتي، أقبض قدم الريح، قصائد في ألياف الماء، ناي الغريبة، فاتن الليل، خلاخيل الغجرية، والكتاب الشعري/ النثري رسائل ضوء وماء.

يقع الكتاب في 116 صفحة من القطع الكبير، وقد قامت بتوزيعه شركة سبريس .

صدر حديثا للدكتور محمد نوحي: المثقف بين مآلات التعبير وإكراهات التغيير

817-nohiبعد تجربته الشعرية الأولى التي توجت بإصدار ديوان مواكب العشق، صدر حديثا للكاتب والاكاديمي المغربي الدكتور محمد نوحي كتاب جديد تحت عنوان: المثقف بين مآلات التعبير وإكراهات التغيير عن أيارت غرافيك للطباعة بأكادير. والكتاب من الحجم المتوسط (19×15) ويشتمل على 141 صفحة. فمن منظور ابستيمولوجي نقدي متبصر، يحاول المؤلف ملامسة العديد من القضايا المحورية المرتبطة بالمثقف والثقافة من قبيل المثقف بين الاستقلالية والتبعية، والمثقفون والجماهير الشعبية، والمثقفون ومجتمع المهرجان، والمثقفون والإعلام، والمثقف ومشروع الحرية والتحرر، والجغرافيا السياسية لأدوارالمثقف ليختم الكتاب بمحور مهم يتجلى في تنمية الرساميل الكبرى لمجتمع التنمية.

817-nohiوكما يوضح المؤلف من خلال خلفية الغلاف، فالكتاب في العمق منخرط في المساهمة في الإجابة على الانشغالات والاهتمامات التالية: ماهي معايير ومحددات مفهوم المثقف؟ أين يتموقع المثقف في العلاقة الجدلية بين السلطة والمعرفة؟ ما هي حدود العلاقة بين النخبة المثقفة والمجموعات المهمشة؟ ما الثابت والمتحول في مواقع المثقف من التحولات السياسية والمنعطفات التاريخية الكبرى؟ وما هي الأدوار الطلائعية التي يمكن للمثقف أن يضطلع بها؟  تلك بعض الأسئلة الملحة والحرجة التي تتغيى هذه الدراسة تسليط الضوء عليها من أجل المساهمة في هذا الموضوع المألوف والمعقد والمتشابك في آن واحد، وذلك من خلال مساءلة للنقاش الدائر حول فكر وخطاب وتاريخ المثقفين على مستوى الرؤية النظرية والممارسة العملية.

 

بعد تجربته الشعرية الأولى التي توجت بإصدار ديوان مواكب العشق، صدر حديثا للكاتب والاكاديمي المغربي الدكتور محمد نوحي كتاب جديد تحت عنوان: المثقف بين مآلات التعبير وإكراهات التغيير عن أيارت غرافيك للطباعة بأكادير. والكتاب من الحجم المتوسط (19×15) ويشتمل على 141 صفحة. فمن منظور ابستيمولوجي نقدي متبصر، يحاول المؤلف ملامسة العديد من القضايا المحورية المرتبطة بالمثقف والثقافة من قبيل المثقف بين الاستقلالية والتبعية، والمثقفون والجماهير الشعبية، والمثقفون ومجتمع المهرجان، والمثقفون والإعلام، والمثقف ومشروع الحرية والتحرر، والجغرافيا السياسية لأدوارالمثقف ليختم الكتاب بمحور مهم يتجلى في تنمية الرساميل الكبرى لمجتمع التنمية.

    وكما يوضح المؤلف من خلال خلفية الغلاف، فالكتاب في العمق منخرط في المساهمة في الإجابة على الانشغالات والاهتمامات التالية: ماهي معايير ومحددات مفهوم المثقف؟ أين يتموقع المثقف في العلاقة الجدلية بين السلطة والمعرفة؟ ما هي حدود العلاقة بين النخبة المثقفة والمجموعات المهمشة؟ ما الثابت والمتحول في مواقع المثقف من التحولات السياسية والمنعطفات التاريخية الكبرى؟ وما هي الأدوار الطلائعية التي يمكن للمثقف أن يضطلع بها؟  تلك بعض الأسئلة الملحة والحرجة التي تتغيى هذه الدراسة تسليط الضوء عليها من أجل المساهمة في هذا الموضوع المألوف والمعقد والمتشابك في آن واحد، وذلك من خلال مساءلة للنقاش الدائر حول فكر وخطاب وتاريخ المثقفين على مستوى الرؤية النظرية والممارسة العملية.

 

صدور كتابين للباحث العراقي عبد اللطيف الحرز

816-latifصدر في بغداد عن دار نورس كتابان للباحث العراقي عبد اللطيف الحزر، الأول تحت عنوان (الظمأ الأنطولوجي، مقدمة تفسيرية نقد رغبات الجموع ونقضّ أخلاقيات التماثل (قراءة تمهيدية لتكوين عبدالجبار الرفاعي للمصطلح)، جاء فيه حزمة من المعالجات في بيان تكوينات تاريخية وفكرية لتكوين المصطلح الفلسفي الاسلامي منذ الكندي وحتى ما بعد ملا صدر الشيرازي، للدخول في اسئلة اشكالية من قبيل: ما هي حكاية "طيور بلاد الحجاج والحلاج" في تكوين حلقة نقدية في مدينة قم الإيرانية؟!. وهل ثمة أقنعة رمزية تحجب السيرة الفكرية لعبد الجبار الرفاعي في تنقله بين أفقين متعارضين من رؤية الحياة والدين، وانتقاده لعلي شريعتي؟ وبأي آليات يمكن الغوص والكشف عنها، كي نصل إلى التكوين الخِطر لنحت مصطلح الظمأ الأنطولوجي؟! . ما هي حكاية "الجيل الأخلاقي الأخير"، وأي علاقة لهم بدخول الحرب زمن الخراب الشامل؟! وكيف ظهر المصطلح الفلسفي عربياً، وكيف تطور 816-latifمن البصرة والمغرب وشيراز وأصفهان، وبأي مرجعيات وأسلاف ولّد ملا صدرا الحكمة المتعالية؟! وأي تناقض لعلماء الفقه المعاصرين في موقفهم السلبي من العرفان والفلسفة؟!. وبأي معنى تمت القطعية الأبتسميولوجية في معنى الواقعية بين فلسفة الوجود وفلسفة الذات؟! وبأي أنتاجيات جديدة ظهرت الحركة النقدية بين الإسلاميين المثقفين حينما انتقلوا من الأديولوجيا على الهرمنيوطيقا وفلسفة الدين؟! وبأي وعود جديدة تم طرح انتقادات جديدة لعلي شريعتي وما هي مصائر الدفاع عنه برؤية وقراءة جديدة؟! وهل هناك مضمرات نقود جديدة لخطابات الإلحاد المعاصر وفق رؤية إيمانية مركزيتها الذات وتقلب وجوه النقاش الفكري المشترك بين الكندي وابن رشد، وتوما الأكويني وصدر المتألهين الشيرازي؟! وأين هي الثغرة التي تم طمسها في منجز الحكمة المتعالية، وهل يمكن اليوم عرض طرق أخرى في الدفاع عن الله وإنهاض آمال المُقدَّس؟!)

 

بينما الكتاب الثاني حمل عنوان (الحُسن الفائق، مباحث صوفية في اشراقات الخير وخلاص الفروقات المذهبية) تحدث فيه الحرز عن قراءات طباقية بين الشيخ الكيلاني ومتصوفة آخرين وقراءات جديدة عن ابن تيمية والعلامة الالوسي وبعض البحوث الروحية المتعلقة بابن سينا. والكتب حمل ذوقيات صوفية جديدة

حذام يوسف والحب وأشياؤه الأخرى

ali zagheeniصدر مؤخرا عن دار سطور للنشر والتوزيع المجموعة الشعرية الثاني (الحب وأشياؤه الأخرى) وتقع المجموعة ب 67 صفحة من الحجم المتوسط وصمم الغلاف والمخطوطات الداخلية الفنان فهد الصكر وتضمنت المجموعة اكثر من خمسين نصا، وقدم المجموعة الأستاذ الناقد علوان السلمان .

وقد جاء في الإهداء

الى أجمل روحين ..

الى أبي وأمي مع الاعتذار ..

وهنا لابد من ان نتطرق الى جزء من المقدمة التي كتبها الأستاذ الناقد (علوان السلمان) الشعر فلسفة الحياة تعبر عن الوجود .. واسلوب للتجاوز عبر الانحراف والانزياح عن المألوف وتقاطعاته مع الواقع والذاكرة والحلم .

والشاعرة حذام في قصائدها (الحب وأشياؤه الاخرى) التي تتشكل من مقاطع قصيرة بمثابة زوايا نظر او مرايا متعددة تعبر عن لمحات فكرية او رؤى حليمة تسعى الى تحقيقها الشاعرة متعمدة فيها الضربة الادهاشية مع تكثيف وإيجاز العبارة واقتصاد في اللغة ..

اعلم انك غادرت ..

منذ الف وهم

وانت ليس هنا

تشكل حروفا من اللا معنى

يا ااااااااااا انت

ستبحث عني كثيرا

ولن تجدني ...

فالنص يحمل في طياته عمق الدلالة النفسية بقوة تعبيرية مكتنزة في روح التمرد للخروج الى الحلم والحرية من داخل التجربة الذاتية لتعرية الواقع .. بدءا من عتباتها النصية المتميزة بقصر جملها التي تتراوح مابين الكلمة او الكلمتين غلب عليها المجاز والمفارقة في اشتغالاتها الشعرية التي تثير التأويل والدهشة بوساطة الانزياحات اللغوية المتعاقبة والتشكيل البصري والحسي ..

ومن الجدير بالذكر ان للشاعرة حذام يوسف قد أصدرت مجموعتها الاولى (لك مبتدأ الحروف) عام 2012 ومجموعة شعرية مشتركة صادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين بعنوان (رفيف الثريا)

والشاعرة حذام يوسف عملت في مجال الأعلام منذ عام 2005 ولا تزال وهي:

عضو نقابة الصحفيين العراقيين

عضو مؤسسة النور للثقافة والأعلام

عضو النقابة الوطنية للصحفيين العراقيين

عضو منتدى نازك الملائكة

عضو منتدى الإعلاميات العراقيات

وقد حصلت على عدد من الجوائز والدروع خلال مسيرتها الادبية والاعلامية وكما لها دور فاعل ونشط بالمشاركة في جميع الانشطة الانسانية والمشاركة في جميع التظاهرات السلمية في ساحة التحرير وشارع المتنبي، وهي ناشطة في مجال حقوق الانسان والمراة، وكما اجرت العديد من الحوارات الثقافية مع عدد كبير من الادباء العراقيين، وهي محررة للصفحة الثقافية في جريدة كل الاخبار ومعدة ومقدمة برامج في اذاعة المدى .

 

مستطرق

815hotheamايها المار من ساحة التحرير

تذكر .. ان اصوات الشباب

غردت كثيرا هنا ..

قبل ان تخنقها تهديدات الغربان !

ايها البائع المتجول

لا تنسى ان تترك بضاعتك

لتكون فداء لك حين تمر قوافل الجرذان

حذام ..

تذكري انك الى الان لم تكتبي سطرا على عتبة الوطن

...........

 

لوم

اشعر بالاسف..

عندما اتذكر

ان جسدي اشتاقك كثيرا

ويداي سعت اليك

لكن صوتا بداخلي

سحبني الى الخلف

اشعر بالاسف

لاني عندما كنت معك

لم اكن انا

............

انحناءة

اغصاني تدنو منك

تسجد .. تتلمس احلامي

تدعوك لرسم حكاياتي

تدعوك لتكون الاقرب

في حرفي

في لحني

وفي الواني

...........

الحب وأشياؤه الأخرى

اعلم انك غادرت ..

فمنذ الف وهم

وانت ليس هنا

تشكل حروفا من اللا معنى

يااااااا .. انت

ستبحث عني كثيرا

ولن تجدني

ستكتب عني كثيرا ..

ولن تقرأني

س ....... تبقى تحبني

لكن الذي في داخلك

سيبقى يلعنك

ايها البدوي المتحضر

لم تكن الا انت

تغادر حروفنا الاولى

وتقتل أغنية على عتبة الوهم

ارجوك

لا تبحث عن جدائل حروفي

فلن تجد سوى .. احرف العلة

.........

 

حتما

على حافة الموت

سلسلة من الأجساد

مطأطأة جماجمها الى المجهول!

على حافة الطريق..

تتزاحم الوجوه

وتتساقط الملامح فوق بعض

على حافة الحياة

هناك دوما ... ولادة

 

علي الزاغيني

 

 

ليلة تسليم جلجامش لليهود.. كتاب جديد للدكتور حسين سرمك حسن

ع814-sarmakن دار ضفاف (الشارقة / بغداد) للطباعة والنشر، صدر مؤخراً كتاب جديد للدكتور حسين سرمك حسن عنوانه: (ليلة تسليم جلجامش لليهود -  فضح مغالطات التناص بين الفكر العراقي القديم والفكر التوراتي) (287 صفحة من القطع الكبير).

افتتح الكتاب بعيارة للعلّامة العراقي الآثاري الراحل "طه باقر" يقول فيها:

(ملحمة جلجامش، التي يصح أن نسميها اوديسة العراق القديم يضعها الباحثون ومؤرخو الأدب المحدثون بين شوامخ الادب العالمي . ولعلني لا أبالغ اذا قلت انه لو لم يأتنا من حضارة وادي الرافدين، من منجزاتها وعلومها وفنونها شيء سوى هذه الملحمة لكانت جديرة بأن تبوّأ تلك الحضارة مكانة سامية بين الحضارات العالمية القديمة . إن ملحمة جلجامش أقدم نوع من أدب الملاحم البطولية في تاريخ جميع الحضارات، وإلى هذا فهي أطول وأكمل ملحمة عرفتها حضارات العالم القديم، وليس هنالك ما يُقرن بها أو ما يضاهيها من آداب الحضارات القديمة قبل الإلياذة والأوديسة في الأدب اليوناني (جاءت بعد ملحمة جلجامش بثمانية قرون) .


814-sarmakثم جاء إهداء الكتاب على الشكل التالي:

إلى "قارىء الطين"

العلّامة العراقي الراحل

الآثاري الفذّ

" طه باقر "

تقديراً لجهوده الرائدة في ترميم الذاكرة العراقية، ولكونه أوّل من قدّم جلجامش العظيم ليكون أنموذجاً للشخصية العراقية المبدعة في الفكر والبناء .

في المقدّمة يبيّن المؤلف الحافز الذي دفعه إلى وضع هذا الكتاب بالقول:

(تصاعدت في الثقافة العربية منذ أكثر من عقدين – وبوتائرَ سريعةٍ وخطىً واسعة - ظاهرة كشف ومراجعة ما يُسمّى - وفق المصطلح الحداثي - بـ "التناص" بين التوراة من جانب، والتراث الأسطوري للشرق الأدنى القديم من جانب آخر، وتحديداً أساطير مصر والعراق وسورية القديمة بما عُرف عن امتلاك هذه البلدان من تراثٍ أسطوريّ هائل هو بمثابة الكنوز المعرفيّة التي لا تٌقدّر بثمن، ومن ريادات مؤصّلة ومشهودة في مجال الفكر الميثولوجي، خصوصاً في ما يتعلق بالجانب الديني) .

ويبيّن أن هذه الظاهرة ليست جديدة:

 (وهذه الظاهرة ليست جديدة، حيث أشار إليها الآثاريون والباحثون في مجال الأسطورة  منذ أن بدأت الإكتشافات الأركيولوجية لمنجزات حضارات الشرق الأدنى القديمة، وبشكل خاص الحضارات العراقية (السومرية والأكدية/البابلية والآشورية)، والحضارة المصرية الفرعونية، ثم الحضارة السورية لاحقاً، فقد تنبّه هؤلاء إلى وجود تشابهات تصل أحياناً حدّ التفاصيل الدقيقة والتعابير اللغوية التصويرية المتطابقة، بين ما جاء في التوراة من أسفار، والنصوص الأسطورية العراقية والمصرية القديمة، حتى أننّي قرأت ذات مرّة أنّ الباحث الآثاري البريطاني "جورج سمث" (1840 – 1876 م) وكان يقوم بتدقيق لوح أُرسل من مكتبة الملك آشور بانيبال عام 1872، ووجد أنه يتضمن أسطورة خليقة بشكل أكثر دقة ووضوحاً من قصة الخليقة التوراتية، قد قفز من كرسيّه وخرج من مكتبه واندفع في القاعة، وقد انتابته حالة من الإثارة الشديدة، حتى أنه بدأ يتجرد من ملابسه، وسط ذهول الحاضرين . كان منفعلاً ومنهوساً بالتشابه، الذي شاهده بأمّ عينه، بين أسطورة الخليقة البابلية وقصّة الخليقة التوراتية)

لكنه يرى إن هذه الظاهرة قد اتسعت وصارت أكثر خطورة على الثقافة العربية عموماً والعراقية خصوصاً، وإن من الواجب على الباحثين العرب استنفار إمكانياتهم للتصدي لها، لأنها ستصبح واحدة من المعاونات على توفير المناخ النفسي والعقلي لتقبّل أطروحة "الدولة اليهودية":

(أمّا الآن، فقد اتسعت دائرة هذه الظاهرة، واشتدت خطورتها، لأنّ الباحثين – بحسن نوايا الباحث العلمي، أو بالتخطيط المقصود والغايات المسبقة لبعض دور النشر – قد استسهلوها، وصاروا يعمّمونها على كل شيء، حتى صرنا نقرأ الكتب عن "التناص" بين جلجامش العظيم بطل الملحمة العراقية الشهيرة، التي هي أول نص ملحمي مكتوب في تاريخ البشرية، وبين يوسف التوراتي !! أو بين الإله البابلي مردوخ خالق الأكوان حسب أسطورة الخليقة المعروفة ويوسف التوراتي أيضاً .

ولأنني مؤمن – بحدود طبعاً - بـ "نظرية المؤامرة – conspiracy theory" التي تُطبّق على أرض الواقع كلّ يوم، ونلمس نتائجها المؤذية ضد هذه الأمّة في كل لحظة وعلى المستويات كافّة، خصوصاً الثقافية منها، التي تمسّ عقل الأمة وشخصيتها، فإنني أعتقد أن اتساع هذه الظاهرة، وبهذه الدرجة من التصاعد، سوف يتأجّج مع إصرار الكيان الصهيوني على إعلان دولته في "إسرائيل" اللقيطة كدولة ذات هويّة دينية يهودية . فتأسيس حركة "التناص" بين الفكر التوراتي الذي يستند إليه هذا الكيان، وفكر المنطقة – الشرق الأوسط تحديدا بدوله العربية الأساسية الثلاث: العراق ومصر وسورية التي تمتلك أعظم كنوز هذه المنطقة الأسطورية، وببعدها الديني المميّز، ودورها في بناء شخصيّة الأمّ’ الحضارية - يهيّْء الأرضية الثقافية، ثم الإستعداد العقلي والنفسي لاستقبال وجود هذه الدولة االيهوديّة بفكرها التوراتي .

ولهذا أعتقد أنّه قد آن الأوان لأن يتصدّى الباحثون العراقيون والعرب – وبصورة علمية وموضوعية محكمة – للردّ على هذه الظاهرة المؤذية التي صار باحثون معروفون يسقطون في شباكها، بفعل الإنسياق مع عدواها النفسية وصخبها الفكري أولاً، والسعي النرجسي لتحقيق "الإكتشافات" الجديدة في إطارها ثانياً، والإنبهار – رابعاً - بطروحات الحداثة ومصطلحاتها مثل التناص والإزاحة والقلب والزحف والمهيمنات وارتحال المفاهيم، والإخصاء والسلطة القضيبية البطرياركية والسلطة المترياركية وتراجيديا الألوهة الشابة القتيلة وغيرها من المفاهيم والمصطلحات التي صارت توظّف في غير مواضعها حتى وصل بنا الحال أن نقرأ أن النبي يعقوب التوراتي "متناص" مع البطل الأسطوري العراقي العظيم "أنكيدو" . ولا ننسى – خامساً – دور بعض دور النشر في تشجيع هذا الإتجاه من خلال تيسير سبل النشر والمكافآت المغرية للكتب التي تؤلّف في هذا الإطار) .   

 وعن أهميّة كتابه هذا يقول المؤلف:

(قد يكون كتابنا هذا هو الردّ الجاد الواسع والشامل الأوّل على أطروحات هذه الظاهرة، وضعناه بعناء وسهر وملاحقة تفصيلية لأدق الأفكار والفرضيات المطروحة، وغوص تحليلي في عمق المرتكزات التي تقوم عليها هذه الظاهرة، متوخّين بساطة الأسلوب وبعده عن المصطلحات المعقّدة واللغة المتعالية لتحقيق أفضل فهم لدى أوسع قاعدة من القرّاء، ومنطلقين من الإيمان بحقيقة أنّ التردّد أو التأخّر في مواجهة هذه الظاهرة، سيجعلها تستشري، وتستفحل، وتسوق بفعل تيارها المغري باحثين آخرين من الشباب العرب خصوصا، لنصحو يوماً، ونجد أن جلجامش العظيم قد تمّ تسليمه لليهود وفكرهم التوراتي الكهنوتي) .

ثم جاء الكتاب في فصلين رئيسيين يتضمنان عشرات العناوين الفرعية:

 الفصل الأول: التناص المُدمّر

الفصل الثاني: ليلة تسليم جلجامش لليهود

مع ثلاثة ملاحق:

# الملحق رقم (1):

تناص آخر يعيد أسطورة "شعب الله المُختار" إلى الحضارة السومرية !! (أسطورة إله الدمار "إيرّا")

# الملحق رقم (2):

حول قميص يوسف

ملحق رقم (3):

هل هذه التوراة هي توراة موسى ؟

مع عيّنة من أخطاء وتحريفات وتناقضات التوراة !

هذا الكتاب هو الرابع والأربعون في سلسلة نتاجات الباحث والناقد حسين سرمك حسن

 

 

 

الكاتب المغربي محمد بنلحسن يصدر مجموعة قصصية بعنوان: حب فايس بوكي

813-marأصدر الكاتب المغربي الأستاذ محمد بنلحسن مجموعته قصصية: "حُب فَايْس بُوكِي، الطبعة الأولى دجنبر2015، تتألف من تسع وثلاثين نصا؛ متنوعا بين القصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا.

المجموعة تناول جديد لأحداث وقضايا مختلفة عن تلك التي عهدها الناس في حياة الواقع، واستغوار مغاير لأمزجة وسلوكات شخصيات وهمية ذات أسماء مستعارة، وهويات غامضة، يعرضها السارد على القارئ مستعملا قلما  كالعاكس الضوئي، من أجل تسجيل شرائح بوحها في لحظات انفلات من رقابة العقل، والسلط المحايثة في عالم الحس والمحاسبة.

813-marإنه ببساطة ما يشبه النقل غير المباشر لبعض ما يقع  بين الرجل والمرأة، على ركح العالم الافتراضي، خلال الدردشة الحميمية؛ التي تحتضنها شبكات التواصل الاجتماعي، خلف الحواسيب الغارقة بين الخيوط الملتبسة والمتشابكة للشابكة العنكبوتية ...

إنه نمط من الكتابة التسجيلية للعلاقات الثنائية الافتراضية على مساحات غامضة في محيط الفضاء الأزرق؛ حيث تتعدد الأصوات والأصداء، وتلتبس الهويات البيضاء الشفافة، بالهويات المقنعة ذات الوجوه المترعة بالزرقة الحالمة !! حيث لا مكان للالتزام والمسؤولية المباشرة..

كما أن المجموعة انفتحت على معاينة علاقات الذكر والأنثى؛  كما تتبدى ظلالها ومخلفاتها في مسرح الحياة، وعرج على مخاضات الربيع العربي موثقة الشخوص التي قدحت شراراته الأولى، مع الانخراط في استكشاف التحولات التي شهدها الوطن، ورصد المواقف والمواقع التي أثثها تموجات الفاعلين الجدد....دون السهو عن إسدال الستار عن الأقاصي الحميمية  للذات الساردة، وتدوين ما يعتمل في دروب الباطن وشعابه زمن التفاعل مع نوع حرج من الأخبار والأحداث والوقائع...

والمجموعة الجديدة محاولة لالتقاط صورة  معبرة ودالة عن حقيقة الذات الإنسانية في تموجاتها النفسية والاجتماعية؛ لاسيما حين تورطها في شبكة العلاقات البينية والغيرية حيث تحضر النرجسية والأنانية بثقل مضاعف ....

 

مع ديوان "همسات او قصائد لا فرق" للشاعر كاظم ابراهيم مواسي

shaker faredhasanاهداني الصديق الشاعر كاظم ابراهيم مواسي ديوانه الجديد "همسات او قصائد لا فرق"، الذي يضم باقة من قصائده في الحب والوطن والجمال والحياة والطبيعة والانسانية . وهو الاصدار السابع بعد دواوينه الشعرية " من حديقة القلب، وحديقة الوطن وحديقة الروح، وهنا في زمن آخر، ووشوشات الزيتون، ومتأملاً في الكون، وغناء في الفضاء ".

وكاظم مواسي شاعر مرهف الاحساس، مشرق الديباجة، اثبت حضوره في المشهد الأدبي والشعري المحلي بين نخبة من الشعراء الموهوبين .  والقصيدة بالنسبة له بمثابة الشراع الذي يحمله ويفرغ على متنه عصارة فكره ومشاعره واشجانه . وهو يغذي كلماته من همس السواقي ورعشة الكواكب والنجوم واختلاجات الغمام وحفيف اجنحة فراشات الربيع وخرير المياه في الوديان .

ونرى في ديوانه هذا حدة احساسه وعفوية كلماته وقوة تعبيره عن انفعالاته  .

وهو يعالج موضوعات شعره معالجة غير تقريرية، فينقل تجربته على الورق كما نضجت في عقله وقلبه ونفسيته بوحدة عضوية متماسكة الصور وباسترسال جميل محكم .

تتسم اشعار كاظم مواسي بالطابع الرومانسي الذي لا يخلو من الطوابع الرمزية والوجودية والواقعية . وتتصف قصائده بصدق التعبير وفوران العاطفة وجزالة اللفظ ومتانة النسج وروعة الموسيقى وايقاعها الجميل، فلنسمعه يقول في قصيدة " عيون البلاد" التي يتغنى فيها بالمدن الفلسطينية :

سلام لحيفا لأحلى مزار

تطل على البحر حتى تغني

سلام ليافا حبيبة قلبي

وقلبي بيافا رهين لعيني

الى القدس آتي حبيباً وفياً

أحبك يا قدس يا وحي فني

لرملتنا في الفؤاد مكان

جميل كرمل البحار بكوني

وعكا تظل تبين بنومي

فتاة تهز الوجود بغصن

 

وهو يجمع في قصائد ديوانه ما بين تجارب الحياة الواسعة المنوعة وبين عواطفه الدافئة الحارة واخيلته الواسعة، ويصب كل ذلك في قالب من شعره الوجداني التأملي الوجداني :

رماني الهوى في مهب الرياح

وشع فؤادي بعشق الملاح

احن الى صوت امي وبسمة امي

تزيل الغشاوة عني ويذهب همي

سلام الى والدي في الغياب

وهذا الحنين سيكسر بابي

 

ومن القصائد ما هو ملتزم بحور الشعر التقليدية، ومنها ما هو ملتزم التفعيلة، ومنها ما جاءت قصائد حرة، ونستشف ذلك خلال قراءتنا للديوان .

في المجمل، كاظم مواسي شاعر رومانسي مرهف وناعم يعيش اجواء قصيدته، وتذكرنا قصائده الحزينة الشجية الباكية، وقصائده في الطبيعة والوطن بالشعراء المهجريين .

وانني اذ ابارك لكاظم باصداره الجديد اتمنى له المزيد من العطاء والابداع في خدمة ادبنا وحركتنا الثقافية، وبانتظار الاصدار الشعري القادم .

 

شاكر فريد حسن

 

كتاب جديد عن الرواية العربية المعاصرة

812-kibirصدر عن دار الراية للنشر والتوزيع بعمان الأردن كتاب جديد للأستاذ الكبير الداديسي حول الرواية العربية المعاصرة، وهو يشكل الجزء الأول من مشروع متكامل جزؤه الثاني جاهز للنشر... والكتاب يأتي بعد عدد من المؤلفات التي تعامل فيها الكاتب مع دار الراية التي أصدرت له سنة 2014 ثلاثة مؤلفات هي: تحليل الخطاب السردي والمسرحي، وكتاب الحداثة الشعرية العربية بين الممارسة والتنظير، وكتاب شعر المدح في العصر المرابطي

يتضمن هذا الإصدار الجديد تقديما نظريا عن الرواية العربية وتطورها حتى استقرت على النموذج الذي هي عليه الآن، ليقف على سمات الرواية العربية مع مطلع الألفية الثالثة، من حيث الأسئلة والقضايا المطروحة في النص الروائي العربي المعاصر، وطبيعة الأبطال وتكييف الرواية مع واقع العرب والظرفية التاريخية الراهنة التي (هـُمِّشت فيها القضايا الوطنية القطرية و القومية والإنسانية الكبرى لحساب القضايا الذاتية، فكان لكل شخصية روائية قضيتها الذاتية تبحث لها عن مخرج في واقع متشرذم فاسد يعمه الدمار والعنف) وما كان لهذا التشرذم من تأثير على انتعاش الرواية العربية كما ونوعا، فأضحى النص الروائي المعاصر متمردا على قواعد الكتابة الكلاسيكية ملائما لما يعيشه العالم العربي جاعلا من الرواية اليوم (النوع الأدبي الأكثر نموذجية لواقعنا العربي) بل غدت (ديوان العرب المعاصر)

812-kibirبعد التقديم النظري الواصف للرواية العربية المعاصرة فُصِّل الكتاب تسعة فصول:

1 ـ خصص الفصل الأول لمقاربة تيمة الجنس والدين بين المقدس والمدنس في الرواية العربية المعاصرة مع تحليل نموذج من المشرق العربي، ونموذج من المغرب العربي

2 – وفي الفصل الثاني تمت معالجة قضية (شعرية الرواية وأزمة المدينة) من خلال قراءة في أحد أهم النصوص الروائية المعاصرة

3 - واخترت تيمة المرأة محورا للفصل الثالث، بالإشارة إلى الدور الهام والحضور اللافت للمرأة في الرواية العربية ليتم الوقوف على قراءة صورة المرأة في مشروع يوسف زيدان الروائي والنبش في رواياته التي جعل قضية المرأة بؤرتها الأساس

4- وفي المبحث الرابع كانت إطالة على الخليج كمركز روائي فرض نفسه في السنوات الأخيرة منافسا للمراكز الروائية العربية التقليدية (الشام ومصر..) مع محاولة النبش في ما يميز الرواية الخليجية، والوقوف على موضوعة (الرواية الخليجية وجلد الذات ) بالغوص في رواية ( ترمي بشرر) ليوسف الخال التي سلخت عن السعودية جلدتها الدينية، ورواية (رواية ساق البامبو) لسعد السنعوسي التي غاصت في قضية البدون بالخليج و الخوف من مجتمع هجين..

5 – وفي الفصل الخامس تم الوقوف على استمرار حضور أدب الرحلات في الرواية العربية المعاصرة من خلال الوقوف على نموذج (تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية) للروائي المغربي عبد الرحيم لحبيبي

6 - وخصص الفصل السادس للرواية والتاريخ المعاصر، وكيف تمكنت الرواية المعاصرة من الاستفادة من أحداث تاريخية بتسليط الضوء على تجربة ربيع جابر في رواية (دروز بلغراد)

7 – وأمام تعدد النماذج الغرائبية في الرواية العربية المعاصرة كان لا بد من تخصيص فصل للرواية العجائبية وعلاقتها بالواقع المعاصر من خلال غرائبية الواقع: في رواية (فرانكشتاين في بغداد)، وغرائبية المتخيل في رواية (ضريح أبي) لطارق إمام

8 - وعلى الرغم من تراجع الكتابات الأيديولوجية فلا زال للسياسة حضور في الرواية، لذلك خصص الفصل الثامن للرواية السياسية في الفترة المعاصرة، مع الوقوف على تجربة الاعتقال السياسي في رواية لمعتقل سابق من المغرب، و كيفية توظيف المرأة في السياسة من خلال رواية نموذج روائي سوري

9 – واختتم العمل بإطلالة على ا لرواية العربية المكتوبة بلغة أجنبية والمترجمة إلى العربية والتي تظل عربية ما دام كاتبها يفكر عربيا ولتقريب الصورة للمتلقي تم التركيز على تجليات المحلي في نص روائي روائي كتب في الأصل بالفرنسية وأعيد ترجمته في السنوات الأخيرة

وقبل إسدال دفتي الكتاب خصصت الخاتمة للخلاصات و أسئلة مستقبل الرواية العربية

ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الكتاب ليس إلا جزءا أولا سيصدر جزؤه الثاني في القريب

 

قَدَرٌ علَى مَطَر اصدار جديد للشاعر د. عبد الرحيم كنوان

811-kanonصدر للشاعر والباحث المغربي الدكتور عبد الرحيم كنوان عن دار القرويين للطباعة والنشر في مدينة الدار البيضاء المغربية ديوان شعري تحت عنوان: "قَدَرٌ علَى مَطَر"، وهو الديوان التاسع له بعد دواوينه الصادرة بَدْءاً بـدوانه " شظايا من الوجدان" سنة 1989م و"صـرخـة المــاء" سنة 2003م و"حَــرٌّ في ذاكرة الشجر" 2004م

 811-kanonو"أمطـار مالحــة" 2005م و"ربــوع الصمت" سنة 2007م و"بِنَـفْحِـكَمُعانـقــة النَّخيل" سنة 2007

 

"مرافىء العمر" لمحمد علي الصالح

shaker faredhasan"مرافئ العمر" هو عنوان الديوان الشعري الصادر حديثاً عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، للشاعر الفلسطيني محمد علي الصالح، الذي رحل عن الدنيا في العاشر من آذار العام ١٩٨٩، وهو والد الشاعر الوطني الكبير عبد الناصر صالح وكيل وزارة الثقافة الفلسطينية، ويعد من شعراء الرعيل الأول الذي ناضل وكافح ابان الانتداب البريطاني على فلسطين، فسجن وعذب ونفي سنوات عدة . وكان قد اشغل مديراً لمدرسة نور الدين زنكي في طولكرم .

ويضم الديوان بين دفتيه مجموعة من القصائد التي كتبها عبر مراحل مختلفة، وتناولت العديد من المحاور والمرتكزات والقضايا والأحداث السياسية والاجتماعية والموضوعات الانسانية والوطنية والوجدانية .

وهي قصائد رقيقة تعبر عن احساس مرهف وشاعرية مطبوعة تصل مرتبة اليقين . ومن جميل شعره اخترت هذه الأبيات من قصيدة " سيروا خفاقاً" :

هذي فلسطين العزيزة أصبحت

                 مغلولة والغل يسبي الغيدا

حكموا عليها أن تموت أسيرة

                 حكماً ينافي الشرع والتلمودا

وسعوا بتفرقة الروابط كلما

                 لاح اتفاق أظهروا تهديدا

يا قوم هل من سامع يصغي الى

                 شعر يغرد في الورى تغريدا

 

من شاكر فريد حسن

 

الرفاعي والظمأ الانطولوجي: حداثة المنهج وأصالة الدين

801-jabarطالما شاغلني سؤال تاريخي متجدد هو "كيف ندعوا إلى الله؟"، وضمن قراءاتي ومتابعاتي لمخرجات المؤسسات الدينبة من جهة، والحداثة من جهة أخرى، كان القلق عنوان مراحلي في السؤال والبحث، فكلاهما غالبا يغردان في صندوقهما المغلق، الذي لا يفهم أطروحاته ونقاشاته ومشاغلاته إلا النخب، بل يبتعد بمسافات ليست قليلة عن هم الناس ومشاغلاتهم اليومية التي تشكل لهم عوائقا للتفكير خارجها.

ومع التطور السريع الخطى الذي نعيشه في كل لحظة من لحظات عصرنا، كان السؤال يتعمق والقلق يزداد، بل بات السؤال يتشعب لفروعه البديهية حينما البحث عن إجابة في مظانها وحقولها، خاصة في حقل المعرفة الدينية ومن يشتغل عليها، لفحص المناهج وما تحويه من معارف، فهل فعلا هكذا ندعوا الناس بكل أطيافهم ومراتبهم إلى الله؟

801-jabarهل المنهج بسيط واللغة كذلك؟ وهل هو جاذب غير مباشر؟ وهل فعلا يمكن للجميع أن يهتدي به؟ وهل هو وعظي تقليدي أو ماذا؟

(الدين والظمأ الانطولوجي) عنوان كتاب علمت أن مؤلفه هو الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وللأسف لم أتمكن من الحصول عليه في معرض الكويت الدولي للكتاب، بسبب المنع الذي بات شعار المعرض دون معايير ضابطة، وإنما بعشوائية يغلب عليها المزاج تارة والتعصب الطائفي تارة أخرى.

ولكن في معرض بيروت الدولي للكتاب وجدت ضالتي، وبعد تصفحي للكتاب زاد اندهاشي من منع الكتاب في الكويت، فهو بعيد عن الايديولوجيا والمذهبيات، بل يتمحور حول الحب والإيمان والتسامح، وتفكيك الايديولوجيا والتفكير الديني المغلق.

في أنطولوجيا الدكتور الرفاعي لمست منهجا حداثيا، لكنه بأصالة دينية حوزوية عميقة، لم أقرأ في الكتاب لغة حوزوي، بل وجدته مفكرا إشراقيا بعمق حوزوي، حافظ على أصالته الدفينة في إيمانه، الذي غرسته وغذت جذوره والدته، وعمقه وكرسه بتجربته الدينية، التي تراوحت بين العمل في الحركات الإسلامية، ثم الالتحاق بالحوزة التي أصلت تلك التجربة بمعارف تأسيسية، مكنته من إدراك الأصول وتثبيتها كثوابت لا يمكن أن تمسها حداثة ولا عصرنة،كونها ترسخ له إيمانه وتعمق له عبادته لله التي ملهمها الحب، وساقيها شوق الوصل.

الدين والظمأ الانطولوجي كتاب تميز بمنهج زاوج بين الحداثة في المنهج والأصالة في الفكرة، استطاع من خلاله أن يمارس دوره الدعوي كرجل دين، لكن بأدوات عصرية جاذبة طرحها بأسلوب الرواية، وبلغة أدبية ملهمة، لها وقعها الخاص في العقل والقلب.

في طيات الأفكار تجد أحكاما فقهية، لكنها لم تلبس ثوب كلمات الفقهاء ( يجوز، لا يجوز، واجبا، مكروها، فيه تأمل .. الخ )، بل تجد ضمن روايته عن تجربته الدينية والمعرفية وقفات نقدية تارة، وخبرة ذاتية تارة أخرى، حيث يجعل من الموقف التاريخي الخاص بتجربته ملهما ينتزع منه أسسا أخلاقية وحقوقية، يرفدها لذهن القاريء دون أن يستشعر القاريء أنه يقرأ لرجل حوزوي، بل لرجل حداثي ملهم استطاع أن يجعل الفكرة حكما شرعيا، وحقا إنسانيا، وموقفا أخلاقيا، ويدمج بعضها بالقيم. بل زاوج بعض الأفكار بالمعايير والمبادئ، وكأنك هنا ترتبط بكل وجودك بالله، دون أي أسلوب وعظي أو إرشادي.

ما ميز الكتاب أنه خطوة جريئة من شخصية دينية لم تكتب كما اعتاد على كتابته الشخصيات الدينية، فقد خرج عن مشهور وإجماع ومألوف الحوزة، دون أن يحول خروجه إلى صدام معها، بل جعل من هذا الخروج منهجا يخترق اختراقا أدبيا أدبيات التابو والدوغما، وكل أطر الممنوع في الجسد الديني.

نقد المؤسسة الدينية، لكنه نقد لا تستشعره مباشرة، بل تنتزعه من بين السطور، فالكاتب فلسفي إشراقي، متصوف عقلي، تمرس ثقافة البرهان العقلي ومارسها في كتابه، ليؤسس لمنهج نقدي تقييمي غير صدامي، ممزوجا بحداثة مقننه أداتيا ومنهجيا.

قد يكون هناك من طرح الدين بثوب غير الثوب الديني المألوف، ولكن أن يطرحه بثوب الرواية الأدبية الفلسفية، التي تتحدث عن التجربة الدينية لشخصية دينية تروي حكايتها مع الحركات الإسلامية والأحزاب، ومع الحوزة والمحيط النخبوي، نقدا وتقييما وتثويرا، فهذا لا يسلكه كمنهج إلا من هم غالبا خارج جسد الحوزة.

فكون الكاتب حوزويا وحركيا جعل للتجربة قيمتها نقدا وتقييما، بل جعل لها وزنا يمكن أن يلقى صداه في سماء النقد والتقييم في داخل المؤسسة الدينية.

وكون الشخصية هنا هي شخصية تاريخية إسلامية علمائية فتصبح تجربتها خلاصة لتاريخ مزج به العقل بالوحي بالوجدان بالحس، وخلص عملانيا لتجربة ميدانية تطبيقية لكل ما اعتقده واستلهمه من كتاب الله وسنة نبيه وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين.

وهنا تأصيل لدور التجربة الدينية، وتثبيت لها في جسد مصادر المعرفة نظريا وتطبيقيا، خاصة أن التجربة الدينية كمصدر للمعارف ما زالت لا تمارس عملانيا كمصدرا من المصادر، بل هي كما مهملا في طيات الكتب فقط، لم تأخذ طريقها كقناعة يمكن النظر فيها وتوظيفها باسلوب ينعكس على القراءة للدين ولله والكون والإنسان .

ما ستجده في دين الدكتور عبد الجبار الرفاعي وظمأه الانطولوجي هو المنهج الجديد في الدعوة إلى الله من رجل دين حوزوي، استطاع أن يخرج من صندوق المألوف، ليزاوج بين أصالة الطرح وحداثة المنهج.

 

ايمان شمس الدين

الكاتب المغربي محمد الهجابي يصدر "نُواسٌ" (قصص)

809-hujbiصدر للروائي والقاص المغربي برسم سنة 2015، وعن دار النشر "ديهيا" بالمغرب، مجموعة قصصية جديدة تحمل عنوان: نُواسٌ. وقد سبق للكاتب أن أصدر مجموعتين قصصيتين موسومتين ب"كأنّما غفوتُ" (2007) عن المطبعة السريعة بالقنيطرة، و"قليلٌ أو كثيرٌ أو لا شيءٌ" (2013) عن منشورات اتحاد كتاب المغرب بالرباط. هذا عدا إصداره لأربع روايات: بوح القصبة (2004) و"زمان كأهله" (2004) و"موت الفوات" (2005) و"إناث الدار" (2011) و"بيضة العقر" (2015)، فضلاً عن أعمال أخرى. ونقتطف من مجموعته الجديدة "نُواسٌ"، وبالضبط من قصة "حذاء   Russo Gianni !" (ماي 2013)، ما يلي:

809-hujbi«سدّدتُ ثمن الفنجان وزايلتُ المقهى. لم أرُمْ ورشة المطالة رأساً، فكّرت في جولة إلى المكتب أولاً. يوم سبت من كل أسبوع تقريباً أطلّ على المكتب. إطلالة خفيفة، لا تحرج أحداً، ولا سيما من حراس وشرطة الباب الرئيس للبناية. أجري مكالماتٍ من هاتف المكتب، واهتمّ بأمر حذائي. في نيّتي، هذه المرة، أن ألمعَ عنق الحذاء بكريم فازلين متميّز، اقتنيتُه من زنقة كاستيغليون بقلبِ باريس. لا أترك الحذاءَ لفراشي ماسحي المقاهي تعبثُ بنعومة جلده. أغتنمُ لحظات في المكتب وأُخرجُ الأدوات منْ سفَط المكتب، ثمّ أشرع في دهنه وتلميعه ومسحه بمحرمة من قماش صوفي رطب. وقد أرشّه بالورنيش. أفعل ذلك بحرصٍ وانتظامٍ. في المنزل، وقت المساء، أرشّه بقدر من البيكينج صودا. ولا أتوانى في استعمال مواد أحذية نسائية، جلبتُها من باريس كذلك لفائدة امرأتي، كي أطردَ من حذائي الروائح الحامزة التي قد تنكمي فيها، وأنعّمه وألطّفه. وأفعلُ ذلك في الفيلا من غير أن أعيرَ كبيرَ انتباه للتعاليق، فهذا الحذاء مفخرتي بامتياز. أجدُ المتعة، كلّ المتعة، في هذا التّماس الجسدي مع الحذاء. ولكُم أنتم أن تأوّلوا هذا التصريح كما تبغون، فلست معنٍ بالتأويلات التي قد تتفصّد من عقولكم. وأجهرُ القول أيضاً إنّني لو أستطيعُ لكنت كتبت يوميات حذائي من لحظتما رمقه بصري في قدم بطلي القدير Gianni Russo.».

الرثاثة في العراق.. أطلالُ دولة.. رمادُ مجتمع

nabil alrobaeiالرثاثة في اللغة مصدر الفعل رثَّ، أي الرديء المتاع وسقط البيت، ولا تحدث بفعل القدم بل بسبب اضمحلال شروط الحياة السليمة،وما تلحق بروح الإنسانية من رثاثة الحياة والمكان وتطبع السلوك الفردي والاجتماعي في سياق التاريخ والمؤثرات البيئية الاجتماعية والخطوات الرديئة للسياسيين بسبب رثاثة العقل السياسي السلطوي.

صدر عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر للكاتب فارس كمال نظمي كتابه الموسوم (الرثاثة في العراق.. أطلالُ دولة .. رمادُ مجتمع) حجم الورق من القطع الوزيري ، الكتاب يحتوي على 376صفحة ومبوب على فصلين ،الأول ما يخص رثاثة الدولة والسلطة والفصل الثاني يخص رثاثة المجتمع والفرد،والكتاب عبارة عن مجموعة نصوص لنخبة من الباحثين والكتاب العراقيين بلغوا أكثر من (30) كاتب وباحث، ساهموا في أرشفة الحقبة الرثة من تاريخ العراق، كما أكد الأستاذ نظمي في مقدمة الكتاب إذ قال الكتاب:«يستهدف أرشفة هذه الحقبة الرثة في تاريخ بلادنا،عبرَ مقاربات علمية متنوعة غايتها التوغل تشريحياً في الجسد العراقي المعتل للخروج باشرافات ورؤى إصلاحية وإشفائية تستند أولاً وأخيراً إلى التفكير النقدي المتمسك بموضوعية المنهج وحيادية الافتراضات»، إن السبب بما يحصل في العراق بسبب الفكر القومي سابقاً والتطرف الديني الطائفي في الوقت الحالي، فالسلطة الحالية قامت بأصنمة الدين وجعلت منهُ كائناً استعلائياً روحياً مقدساً لا يمكن إرضاءه إلا بوساطة رجل الدين وأداء بعض الطقوس.

بعد إثني عشر عاماً من سادية الصراع على السلطة نجحت الفئة الرثة من ساسة الصدفة بتفتيت الهوية البشرية وإعادة صياغتها وفق سياستها وطائفيتها ،ففي صفحة 33 من الكتاب أكد البروفسور كاظم حبيب أن«مصطلح الفئات الرثة ينطبق على الجزء الأكبر من النخبة السياسية العراقية الحالية، سواء أكان هذا الجزء في السلطة التنفيذية أم في السلطة التشريعية أم السلطة القضائية،أم من يجلس منهم على مقاعد وثيرة في بقية أجهزة الدولة والقوات المسلحة»،وهذا ما يعني أن النخب السياسية المنحدرة من فئات اجتماعية هامشية هدفها استنزاف موارد الدولة العراقية وفق أساليب المافية من خلال الرشا والنهب والسلب، فهي لا تعرف الوطن ولا الدين الذي تتبناه شكلياً،فالوضع القائم في العراق أصبح يخدم الفئات الرثة ذات النعمة الحديثة التي لا يهمها تطوير البلاد من الجانب الاقتصادي وإنما همها سرقة المال العام وتعظيم ثروتها على حساب الاقتصادي الوطني وقوت أبناء العراق، مما آلَ إليه العراق بسبب سياسات الفئات الرثة إلى تفتيت الأرض العراقية ووحدة البلد والشعب إذ سمحت باجتياح داعش واحتلال مسلحيه لما يقارب ثلث مساحة العراق.

وفي مقال للباحث فارس كمال نظمي في صفحة 44 تحت عنوان«اختراع الهوية الطائفية واستنسال الرثاثات»أكد نظمي «أن المجتمع العراقي لكل ما حدث ويحدث اليوم،إذ جرى تزييف وعيه، وهدم ثقافته السياسية، وشفط أمواله عبر تعميته بخلافات فقهية سطحية عمرها عشرات القرون، لينكفء على نفسه فاقداً أي فاعلية في التأثير في الأحداث»، وهذه كارثة مصيرية عصفت بالعراق بعد عام 2003م، فأغلب المثقفين باتوا اليوم يتحدثون عن مظلومية الشيعة وأخرون يتحدثون عن مظلومية السُنة، حتى بات المجتمع العراق في صراع تعدد الهويات المذهبية والأثنية، وأصبحوا وقوداً دينياً طائفياً بخساً لآلة التطرف الديني والفساد السياسي، فالمتأسلمين هم سبب هذا البلاء في العراق وما أصابه من إرهاب دموي واغتصاب لمستقبل العراق، فمزيفي الدين والسياسة والتاريخ احترفا السرقة والتزوير وشرعنة الطائفية وسرقة حُلم الشعب بمستقبل أفضل بعد ذهاب حكومة البعث.

أما مقال الدكتور مهدي جابر مهدي «الرثاثة السياسية في العراق بعد 2003»،فقد أكد في صفحة 52 أن «الإرث الطويل للاستبداد والقمع والعنف الذي عاشهُ العراق منذ تأسيس الدولة الحديثة سنة 1921م سواء في الأنظمة الملكية أو الجمهورية»، مما ميَّز الحكومات المتعاقبة على العراق قد شكلت التخلف والتبعية والاستبداد طوال 85 عاماً من فشل النخب السياسية في بناء الدولة المدنية الوطنية ، وارباك الاستقرار وتوظيف الحكومات من خلال التلاعب بالرموز الدينية والقومية ، وشيوع ثقافة اللامبالاة وانتشار الغيبية بين أفراد المجتمع، والعلاقات غير المتكافئة بين السلطة والمواطن، وتبعية المواطن للسلطة على مدى ثمانية عقود،وأصبحت المدن العراقية كانتونات تحتمي خلف الجدران الأسمنتية، وكرست ثقافتها داخل المجتمع من خلال التمايز والكراهية، والابتعاد عن ثقافة التسامح والمحبة بين مكونات الشعب العراقي.

أصبح الشعب العراقي يمتاز بالتمسك بالهويات الفرعية بعد عام 2003م، وقد أكد ذلك الدكتور صالح ياسر في مقال تحت عنوان«التحولات الرثة في خريطة العلاقات الطبقية-الاجتماعية في العراق بعد 2003» في صفحة 74 أصبحت«بعض مناطق بغداد مثلاً مجرد جزر منعزلة من الغنى في محيط كبير من الفقر والحرمان ، هذا يكون دور النظام الحاكم لحماية من يملك ممن لا يملك! وبذلك يصبح المالكون أسيري البيروقراطية الحاكمة عندما تهددهم بثورة الجياع»،فالمهمشون هم فقراء المجتمع وثورة الفقراء أصبحت الفزاعة التي يهدد بها الحاكم الطبقة البرجوازية والبيروقراطية ،فنظرة سريعة إلى الأحزاب الحاكمة يتبين لنا أنهم يمثلون الرأسماليين الجدد من خلال سرقة المال العام بعدة وسائل منها عقود المقولات من خلال مقاولين ثانويين للقطاع الحكومي وفي عقود التجارة الخارجية التي كانت العمولة تشكل نسبة كبيرة من قيمتها الإجمالية .

أما ما يخص الجانب الصحي بعد عام 2003 ، فقد ذكر الدكتور كاظم المقدادي في مقاله «الإدارة الرثة لنظامي الرعاية الصحية والبيئة في العراق»حول واقع الأطباء العراقيون في العراق الذي أصبح صعب جداً،ففي صفحة 85 ذكر الدكتور المقدادي أن المجلة الطبية البريطانية نشرت مقال لها ذكرت:«حتى الآن من الصعب للغاية العثور على أطباء عراقيين لديهم الاستعداد للعمل في مناطق معينة لأنهم يخشون على حياتهم..كما أظهر مسح شبكة معرفة العراق IKN لسنة 2011م أن جميع الأسر العراقية تقريباً (96،40%) ليس لديهم تأمين صحي على الإطلاق، وأن 40% من السكان يرون خدمات الرعاية الصحية في مناطقهم سيئة أو سيئة جداً، ونتيجة لذلك يسعى العديد من العراقيين الآن للحصول على الرعاية الصحية في الخارج، ويلجأون بشكل متزايد إلى بيع منازلهم وسياراتهم وممتلكاتهم الأخرى لكي يتمكنوا من تحمل نفقات تلك الرعاية.. فضلاً عن ما كشفت عنه لجنة النزاهة النيابية في شباط 2012 عن وجود أكثر من (11) ألف وثيقة مزورة في وزارة الصحة، فضلاً عن (40) ألف كتاب مزور تم الكشف عنها في وزارات ومؤسسات الدولة من بينها وزارة الصحة»،الجرائم الإدارية ارتكبت في حكومات تدعي الإسلام هو الحل، وتتاجر بصحة أبناء العراق بغياب الرقابة الحكومية الصارمة ، فقد دخلت الأدوية المنتهية الصلاحية المراكز الصحية والمستشفيات، منها السامة والقاتلة، وتباع بعض الأدوية المسروقة في مذاخر وصيدليات بعض الصيادلة أو من خلال الأرصفة والباعة المتجولين، وهل تعلم وزارة الصحة أن من خلال دراسة عراقية رسمية بأن أكثر من (400) موقعاً ملوثاً بمستويات عالية من الإشعاع وسموم ديوكسين، وأن أكثر من (143) موقعاً ملوثاً باليورانيوم، وبعلم الحكومة العراقية التي اطلعت على تقرير فريق الكشف عن الآثار المشعة للمخلفات العسكرية في آب 2010م.

السياسة كما نعرفها من خلال متابعتنا لما لها هي «نشاط إنساني يهدف إلى تحقيق المنفعة العامة المشتركة»، يعني دخول الأخلاق لعالم السياسة هو انسجام العملية السياسية مع حرية الاختيار، لكن ما يحدث في العراق حالياً غير هذا ، وهذا ما أكده الدكتور شيرزاد أحمد أمين النجار في مقاله «رثاثة التحول الديمقراطي في العراق بعد 2003م »،ففي صفحة 117 ذكر الدكتور شيرزاد أنما يحدث في العراق بعد عام 2003م من ظاهرة«هي نتاج الرثاثة السياسية التي خيمت على العراق، فبدلاً من تحقيق الديمقراطية دخلت البلاد في نفق معتم من الصراعات الطائفية والجهوية. وعوضاً عن إقامة الديمقراطية ،بدأت ملامح إعاقة الديمقراطية أو بدقة إسقاط الديمقراطية، تلقي بظلالها عليه، وتزامن كل هذا مع تشكيل مجلس حكم يعكس الطوائف والمكونات الأثنية والقومية في العراق» ، لذلك تم تسييس الهويات الأثنية والمذهبية وبروز التصدعات الاجتماعي/ السياسية، مع العلم إن عملية الانتقال إلى الديمقراطية تحتاج إلى مستلزمات ثقافية فكرية اجتماعية، لذلك لم تنجح الديمقراطية في بلدنا وسببت النكوص والتراجع بسبب انحراف العملية الانتخابية عن أهدافها مصداقيتها وصعود المتطرفين الطائفيين إلى السلطة، وأصبحت الانتخابات مجرد شعارات فارغة ومفرغة من محتواها.

وهناك رأي للدكتور مظهر محمد صالح في مقال تحت عنوان «الطبقة الرثة والاستبداد الشرقي في العراق» حول الطبقة الرثة بعد عام 2003م في صفحة ص135قال إن«انهيار العقد الاجتماعي الثنائي أو المزدوج، وانهارت الدولة صبيحة التاسع من نيسان 2003 وصارت الحياة فوضى تكتسحها جحافل من الجيوش الأجنبية، وشاع الخوف بين الناس...انقضاض فئات من سكان الأكواخ والعشوائيات ...على الممتلكات العامة عشية سقوط النظام السياسي السابق، قد جاء بمثابة الثار من السلطة المركزية المهزومة، مارسته طبقة لا تمتلك مشروعاً وطنياً بحق،إنها الطبقة الرثة وليدة العقد الاجتماعي الرث!»، مما أصبح جل اهتمام الطبقة الرثة اليوم الاقتتال والاستحواذ على الريع النفطي وتقاسم الثروة النفطية بعد أن تبددت آمالهم في حكم العراق بنظرية الخوف، فضلاً عن إهمالها البنية التحتية الزراعية والجانب الصناعي والتجاري.

أما رأي الدكتور لؤي خزعل جبر في مقالته«الدولة الفاشلة في العراق.. قراءة تحليلية في مؤشرات الرثاثة الدولية» إذ أكد الدكتور جبر في صفحة 149 أن العراق على مدى عشر سنوات (2005-2014)«وقع ضمن الإنذار في قائمة العشرين دولة الأكثر فشلاً في العالم» وفشل الدولة تؤكده ما حصل لضياع ثلث مدن العراق في حزيران عام 2014م وعدم قدرة الحكومة المركزية من حماية مواطنيها من العنف والدمار الذي طوق المدن العراقية في ظل حكومة الدكتاتور نوري المالكي.

كانت لديمقراطية المحاصة السبب الرئيسي في انتشار الطائفية والأثنية في العراق ، الدكتور حسين الهنداوي أكد ذلك في مقاله «ديمقراطية المحاصصة الطائفية في العراق ورثاثة البراديغم .. الأنموذج» وتجربة انتشار الفكر السلفي الداعشي الرهيب في بعض مدن المنطقة الغربية مما ساعد على أعمال القتل الجماعية وهذا ما أكده الدكتور الهنداوي في صفحة 161 إذ قال «ما يقترن به من أعمال قتل جماعية في دير الزور وتلعفر، وسبي النساء في سنجار، وسرقة ممتلكات المسيحيين كغنائم، ونحر رقاب صحفيين أجانب في حلب والحسكة ،وإعدام آلاف الجنود الروافض ذبحاً بعد السيطرة على قاعدة سبايكر في تكريت، فيما أعتبر أكبر مجزرة في تاريخ العراق كله»، كانت هذه الأعمال الجرمية مسوغة تحت الغطاء الشرعي والديني وبفتاوى التكفير لإنزال حالات الرعب في قلوب أبناء العراق المسالمين .

أما الأكاديمي والباحث الدكتور صادق إطيمش في مقالته «رثاثة الشعار ووهم الدولة في فكر الإسلام السياسي .. العراق تطبيقاً» فقد أكد في صفحة 184 على ضرورة فصل الدين عن الخطاب الديني «عبرَ الإلمام الفكري بهما..الهادف إلى مواجهة الإسلام السياسي عبر تفكيك بنيته المصطنعة القائمة على دمج قسري للغايات الغيبية الغامضة بالتفكير السياسي الدنيوي»، كثيراً ما يجري الخلط المتعمد بين الدين والخطاب الديني في المؤسسة الدينية التي لا تعبر بالضرورة عن جوهر الدين، لذلك الكثير من المثقفين كانت دعوتهم الأخيرة إلى التظاهرات والاحتجاجات الجماهيرية لمقاومة الرثاثة والدعوة للدولة المدنية بعيداً عن الاستغباء الطائفي والابتزاز الديني التي يمارسها الإسلام السياسي خلال العقد الأخير داخل إطار الحكومة العراقية، لذلك نتمنى تظافر الجهود جدلياً لعودة الحياة المدنية لبناء مستقبل الوطن العراقي.

أصبح العراق بؤرة خطرة للأمراض النفسية والاجتماعية والبدنية هذا ما أكده الدكتور عبد جاسم الساعدي في مقال تحت عنوان«الأمية في العراق.. رثاثة التعليم وضحالة تشريعاته» ،في صفحة 191 ذكر الدكتور الساعدي«إذ تفاقمت أشكالها وبواعثها منذ الاحتلال الأمريكي 2003م حتى الآن، فتضاعفت الفئات الاجتماعية المتضررة من التهجير القسري والتوترات الطائفية والحملات الأمنية والاغتيالات والتصفيات السياسية والمذهبية والتفاوت الاجتماعي والطبقي وانتشار ظاهرة الفساد المالي والإداري والسطو على وظائف الدولة من دون شروط ومعايير إدارية نزيهة» مما أصبحت الأزمات في العراق السرطان الذي من الصعوبة استئصاله ،وقد جاء في تقرير برنامج الغذاء العالمي وصندوق الأمم المتحدة للأطفال عام 2010 موضحاً أن 19% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10-14 سنة لا يذهبون حالياً إلى المدرسة، وأن نسبة الأمية بين العراقيات تبلغ 24%، وهذا يعني أن مجمل عدد الأميين في العراق يبلغ 6 مليون إنسان ، لذلك نجد أن المؤسسات التربوية لا تمتلك التمويل الكافي لبرامج محو الأمية ،ولم تعي الحكومة العراقية وأحزابها حجم الكارثة ومضاعفتها بسبب هذا الكم الهائل من الأميين في وسط النساء والأطفال بعد أن أعلنت الحكومة السابقة عام 1991 خلو العراق من الأمية.

في الفصل الثاني من الكتاب تناول الباحث فارس كمال نظمي مقال تحت عنوان «سيكولوجيا إنتاج الرثاثة في المدينة العراقية» إذ ذكر في صفحة 204 واقع المدن العراقي «انحساراً مريراً في الطابع الحداثوي للمدينة العراقية في الجزء العربي من البلاد، إذ يجري كل يوم تجريف قدرتها على إنتاج الأنسنة، بل تقويض هويتها حد التصحر» بسبب الصراع المذهبي المناطقي مما أدى إلى جسامة الخراب في الحياة العراقية المدنية ، حيث اختلت هذه المدن التدين الزائف وتراجع تحضرها وتطورها الحداثوي عبر تهشيم الرموز للهوية المدنية وإحلال محلها المظهر اللاهوتي أو القبلي ، وقد أصبحت اليوم بغداد بحالة مأساوية يرثى لها ، بسبب عداء المتأسلمين اليوم للجمال والتمدن والتحضر والنظافة والمستقبل، واهتمامهم بكرنفالات الطقوس وميثولوجيا الماسوشية للفكر الديني، فأصبحت الأسلمة طاردة للوطنية مستغرقة في عصابها الحضاري والسياسي المشوه.

كما احتوى الكتاب مقالات حول الثقافات الرثة لكتّاب عراقيون ، منهم «الدكتور سيار الجميل،والدكتورة أسماء جميل رشيد والباحث سعد محمد رحيم والدكتور المعماري خالد السلطاني والباحث الدكتور رشيد الخيون والدكتور حميد البصري والدكتور لؤي خزعل جبر والدكتور ضياء الشكرجي والكاتب جاسم محمد المطير والإعلامي عماد جاسم»، حيث ذكر الإعلامي عماد جاسم في مقال له تحت عنوان «المال السياسي ورثاثة التجربة الإعلامية بعد 2003م.. شهادة حية من الميدان»،حيث أكد في صفحة 361 «باتت رثاثة المشهد العراقي في السنوات الأخيرة أمراً لا تخطئه العين... فقد شهدت الأعوام الماضية ولادات مشوهة لعلاقات مبطنة بين شخصيات سياسية مقربة من زعامات الإسلام السياسي مع مسؤولي مكاتب إعلامية لصحف وقنوات فضائية، الأمر الذي أنتج سماسرة دخلوا ميدان العمل الإعلامي كمحللين سياسيين أو تبوؤوا مناصب في الحكومة تمكنّهم من لعب دور الوسيط بين السياسيين والمؤسسات الإعلامية»،مما يعني هذا انحدار المهنية الإعلامية نحو التدني والابتذال وانعدام المصداقية والمعايير المهنية، وكل هذا بسبب ارتباط الإعلام بالمال السياسي.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

كيف تكون علمانياً.. دعوة لعمل بنّاء تجاه الحريات الدينية

hatam hamidmohsinفي بداية عام 2012 اتهم مرشح الجمهوريين للرئاسة (Mitt Romney) باراك اوباما بشن "حرب على الدين" والرغبة "بتأسيس دين في امريكا يُعرف بالعلمانية". المفارقة هي ان اوباما ذاته، حتى قبل دخوله البيت الابيض، أعلن صراحة عن احتقاره للعلمانية. في كتابه (جرأة الأمل)، القى اوباما باللائمة على الديمقراطيين لمساواتهم بين "التسامح والعلمانية". الديمقراطيون في اعتناقهم العلمانية،"يكونون قد فقدوا اللغة الاخلاقية التي يمكن ان تملأ سياساتنا بمعاني كبيرة ".

من الواضح ان العلمانية كلمة خطيرة وسامة في سياسة الولايات المتحدة. ولكن لماذا؟ وكيف يمكن لنا تنقيتها من هذه الخطورة؟ هذان السؤالان هما جوهر كتاب السوسيولوجي Berlinerblau Jacques (1) . تكمن المشكلة الاساسية لدى الكاتب في ربط العلمانية بالالحاد. الدراسات اوضحت ان الملحدين هم الجماعة الامريكية الاقل جدارة بالثقة. احدى الدراسات توصلت الى ان الملحد هو رمز لإنسان "يرفض اسس التضامن الاخلاقي". بكلمة اخرى، الملحدون لا يمكن ان يكونوا " من بيننا".

ان المفارقة في الفكرة المعاصرة للعلمانية هي ان فصل الكنيسة عن الدولة بدأ تاريخيا كمشروع ليس للملحدين وانما للمؤمنين. يلاحظ المؤلف ان الرؤية العلمانية، تعود في جذورها ليس الى التنوير وانما للاصلاح ايضا. هو يرسم تاريخ تطور العلمانية، خاصة في التقاليد الانكلوامريكية.

المؤلف Berlinerblau وهو مدير برنامج جورج تاون للحضارة اليهودية، يدافع بحماس عن العلمانية التي يعرّفها كفلسفة تحاول"ايجاد توازن بين حاجة المواطن الفردية للحرية الدينية والتحرر من الدين من جهة وحاجة الدولة للحفاظ على النظام من جهة اخرى". هو يرى ان العلمانية، رغم مكانتها كمظلة للفكر الامريكي، لكنها تخسر في الحرب الحالية للافكار السياسية. المسألة هي ليست الحاجة لجعل الحكومة منفصلة كليا عن الدين، وهو الهدف الذي يراه المؤلف غير قابل للتحقيق،وانما هي المقدرة لتقليل تأثير الدين (ويعني به الصحوة المسيحية) على سياسات الحكومة. لتحقيق هذا الهدف، وفي ظل مشهد يعتقد فيه السياسيون انهم في الحكومة لخدمة المسيح وليس لناخبيهم، يعلّق المؤلف آماله على تحالف سياسي بين المعتدلين الدينيين ويعرض خطة من 12 نقطة تبدأ بحملة لتوضيح اهداف العلمانية، وعزل المتشددين الدينيين والانفصاليين الراديكاليين. الكاتب ينجح في ابراز التهديدات الحالية للعلمانية ويطرح خطة منطقية لحركة علمانية منظمة لإستعادة قوتها السياسية.

 

محتويات الكتاب

- ماهي العلمانية وما هي غير العلمانية؟اين المؤسسون العلمانيون؟،هل العلمانية مساوية للفصل التام بين الكنيسة والدولة؟، هل العلمانية مساوية للالحاد؟ كيف ان لا نكون علمانيين.

- الصعود والسقوط الغريب للعلمانية الامريكية. صعود العلمانية الامريكية والعلمنة، سقوط العلمانية الامريكية، هل الديمقراطيون علمانيون؟، المسيحيون والحزب الجمهوري.

- اعادة احياء العلمانية الامريكية. من هو العلماني؟ كيف تكون معلمنا (في الثناء على اليهود العلمانيين والكاثوليك الانتقائيين)

يقدم الكاتب تاريخا متماسكا للعلمانية في امريكا ودفاعا عن فضائلها في الوقت الذي هاجمها المحافظون المسيحيون كشر اخلاقي حين رفضوا امكانية ان يكون المرء دينيا وعلمانيا في وقت واحد. الكاتب يجادل بان انتعاش الدين في الولايات المتحدة منذ سبعينات القرن الماضي قاد الى صعود اليمين المسيحي والى تدمير العلمانية. المؤلف يقتبس امثلة عن الطرق التي انتُهكت فيها الحدود التقليدية، بما في ذلك ايجاد مكتب في البيت الابيض لشراكة قائمة على الايمان والجيرة، وتهديدات متكررة من جانب المسؤولين المنتخبين لتأسيس المسيحية كدين قومي. الكاتب يدعو لتقوية العلمانية لضمان كل من الحرية الدينية والتحرر من الدين في الحياة الامريكية. في تعقبّه لجذور الرؤية العلمانية الامريكية، يشير الكاتب الى العقيدة المشتركة لمارتن لوثر وروجر ويلمز وجون لوك وتوماس جيفرسون وجيمس ماديسون. رغم الاختلاف بينهم، كل واحد حذّر من مزج الدين مع سلطة الحكومة،والى احترام الحريات الدينية والتأكيد على الحاجة لنظام اجتماعي، كما جادلوا بان جميع الجماعات الدينية يجب ان تكون متساوية امام الدولة. المؤلف يصف صعود العلمانية والدعم الشعبي الواسع لها في القرن الثامن عشر وحتى اواسط القرن العشرين، حينما اصبح الفصل هو السياسة العلمانية المفضلة لدى المحكمة الامريكية العليا.

ومنذ الستينات بدأ المحافظون المسيحيون الهجوم على العلمانية مما جعلها في حالة انهاك شديد. ولكي نضمن مستقبل العلمانية وفضائلها في التحديث والتسامح، يجب على الملايين من الامريكيين،كما يقول الكاتب، ان يعلنوا صراحة عن علمانيتهم، سواء كانوا من المؤمنين الليبراليين او من الاثنيات الدينية الاخرى.

وفي القرن الماضي، وبالذات مع ظهور ما سمي "الملاحدة الجدد"، تعرّض الداعمون الاساسيون للعلمانية للتآكل حين اصبحت الفكرة مرتبطة ببساطة مع الالحاد. يقول الكاتب ان وجود معارضة مفرطة للايمان تحمل راية علمانية،"اثّرت سلبا"،وعزلت المؤيدين المحتملين للدين. وبدون اعادة احياء السند الانتخابي الاصلي للعلمانية،ودون الوصول الى المؤمنين المعتدلين، فان المحافظين الدينيين سوف يستمرون باذابة الفروق بين الايمان والدولة. يعرض الكاتب دليلا مقنعا لإعادة التفكير بطبيعة العلمانية وبالغطاء الانتخابي الضروري للدفاع عنها. ملاحظته بان العلمانية في امريكا تطورت من خلال النشاطات القضائية بدلا من خلق حركة شعبية هي فكرة ثمينة تكشف عن الكثير من المشاكل التي تواجه العلمانيين اليوم.

الدفاع الحقيقي للكاتب لم يكن للعلمانية بقدر ما هو للتعددية . هو يريد ان يرى العالم تزدهر فيه آلاف الزهور الثقافية والدينية . ولكي يحمي هذه التعددية هو يبدو يرغب في التخفيف من حدة علمانيته. لكي نبني تحالفا اوسع ما يمكن يجب علينا "وقف الفصل المفرط بين الكنيسة والدولة" ونقبل بدلا من ذلك بسحب اعتراف الدولة بالكنيسة كاقل شيء ضروري للمجتمع العلماني.

البرجماتية يمكن ان تكون اداة مفيدة لبناء التحالف السياسي مع انها قد تحمل مبادئ تلفيقية. هناك طريقتان لبناء التمثيل الانتخابي لمشروع التغيير الاجتماعي. الاولى امكانية كسب الناس لموقف هم الآن معادون له . او القبول بان المعارضين لايمكن اقناعهم ابدا، ولكي نبني حملة يجب على المرء التقليل من حدة مبادئه. معظم التغيير الاجتماعي، بدءاً من حق الاجهاض الى المساواة العرقية، حدث عبر كسب الناس تجاه الرؤية التي كانوا بالاساس يعارضونها، وليس عبر التسوية مع التفضيلات القائمة.

الكاتب يرفض ذلك النوع من الالحاد الذي ينكر كل الاديان ويمحو اي فرق بين المؤمنين الليبراليين والاصوليين.

يقترح الكاتب بان الملحدين الذين هدفهم عالم متحرر من الدين لا يمكن ان يكونوا علمانين لأن اي فصل بين الايمان والدولة يتطلب وجود الدين. المرء لا يحتاج للاعتقاد بان الدين هو اصل كل الشرور، ولا الاعتقاد بان الدين مثير للإشكال بشكل او بآخر. العالم سيكون مكانا افضل حين لا ينظر فيه الناس للدين كطريق للرشاد. كذلك يمكن القبول بان العلمانية هي جيدة في عالم يوجد فيه الدين بالفعل .

وبينما الكاتب غير متشدد بشأن التآكل في الخط الفاصل بين الايمان والدولة، لكنه اقل تفاؤلا بشأن الناس الذين يعبرون هذا الخط الفاصل بين الايمان والسياسة. الكنائس يجب ان تبقى بعيدة عن السياسة، كما يعتقد، والسياسيون يجب ان لا ينقلوا العقائد الى التشريع. انه جدال يثير اسئلة عميقة حول ما نعنيه بالحرية الدينية وبالحرية من الدين. هل الحرية من الدين حقا تتطلب استبعاد الايمان من الميدان السياسي؟ هل يمكن لهذا الاستبعاد ان يتفق مع الدفاع عن حرية الاديان؟

يذكر الكاتب ان "النظام والحرية" "هما النصفان المكملان للرؤية العلمانية". كل مجتمع علماني "لابد ان يضع توازنا وظيفيا بين الاثنين". المشكلة هي ان الميزان لدى الكاتب يبدو يميل جدا نحو صيانة وديمومة النظام. "لا تقللوا ابدا من رغبة العلمانيين بالنظام"، كما يصف هو. هذا يقود المؤلف الى رؤية غير ديمقراطية للعلمانية . هو يتبنى رأي جون لوك بان العلمانية لا يمكن ان تكون موضوعا للرغبة الديمقراطية. هنا ربما لا يجب "وجود مؤسسة للدين حتى لو رغبت الغالبية بذلك". يقول المؤلف للجماهير الغاضبة :"حين تتركون الدين خارج الحكومة، والمدارس والاماكن العامة الاخرى سيكون افضل لكم جميعا. نحن نعرف هذا من التجربة،الجميع يجب ان يقرأوا عنها بانفسهم . الآن ارجعوا رجاءا بهدوء الى بيوت العبادة".

         

...............

الهوامش

(1) كتاب (كيف تكون علمانيا، دعوة لإتخاذ موقف معين تجاه الحرية الدينية)، للكاتب Berlinerblau, Jacques صدر عام 2012 عن دار Boston, Houghton Mifflin Harcourt

المعاناة الإنسانية في نصوص الأديبة د. عبير خالد يحيي

abdulrazaq alghalibiعرفتها أديبة رائعة من سمة غريبة تكمن بين سطورها وتحتل ثنايا نصوصها المثقلة بالألم والمعاناة، أراها تكتب من خلال ثقب في باب موصد عليها بأقفال من إرهاصات لا حصر لها، تعرّفت عليها لأوّل مرّة من خلال نص عثرت عليه على إحدى صفحات الفيسبوك، جلب كل انتباهي بشكل غريب فهو مكتوب بحرفنة أدبيّة راقية وبكرم حاتمي من إحساس مرهف وكأنّ صاحبه عاش تفاصيله حقيقة دامغة لا لبس فيها، أخذت هذا النص وقمت بكتابة قراءة نقدية بسيطة له ونشرها بالمواقع العالمية وأرسلت نسخاً لها من تلك القراءة النقدية على صفحتها الخاصة، يظهر أنّ ذلك الفعل، دون القصد مني الا للفائدة والاحترام الأدبي، قد هزّ غصون شجرة إبداعها الوارفة والمثقلة بالأدب الرفيع والموهبة الراقية، فانطلقت بكم ّهائل من الرّوائع النّصّيّة الرّاقية شعراً ونثراً.....

تابعتها بشغف غير محدود فكتاباتها تثير فيّ الحسّ الوطني والحماس الأدبي بشكل غريب و لذيذ وأنا لا أعرفها لحد الآن شخصيّاً ولم أرها أو أقابلها حتى الساعة .. أرسلت كتابها الالكتروني الموسوم (لملمات) على بريدي الإلكتروني الخاص تطلب مني كتابة مقدمة له.....بدأت الغوص في نصوص كتبت بمعاناة وبقلم يقطر إحساساً ودماً وضحكات، فهمت من نصوصها أنّها تعيش إرهاصات وآلام لا حدود لها تكتبها بتحفظ من خلال ثقب صغير يكمن في باب موصد يستحي أن يخرج للنور ... وبدا لا يحتمل تلك الآلام والعزلة وظلّ يتّسع ويتّسع قسراً وعناداً فيها وكأنّه يقول لها:

- " كفى خوفاً إنّك لا تؤذي أحداً....لما تخافين...؟"

أظنّ أنّها سمعت ذاك الصوت الخفي حتى انطلقت في سماء الأدب الملوّنة حين صار ذاك الثّقب بوابة كبيرة لها بحب النّاس والوطن ....

ويعيش الوطن فيها كبيراً، عالماً ضخماً لا حدود له، حين تكتب في وطنها ينهمر غيث دموعها فوق أوراقها دما ودمعا وبين ضحكاتها المتقطّعة من ذكريات مرّت ، تبكي فيها مرّة وتضحك أخرى حتى ظنّ من يلامسها عن قرب انها مجنونة بحب الوطن والامة المستديمة والمظلومين من الناس خصوصا الاطفال،فهي تكره الظّلم كثيراً و تصرخ بصمت حين تسمع خبراً عن خنجر اخترق قلب طفل أو غرق نال حياة آخر أو شظيّة حوّلت أحدهم إلى أشلاء أو جوع مزّق جوف رضيع فبكى وبكت قبله، دموعها تحتلّ رأس قلمها .... تبكي ويبكي قلمها معها، حين تقرأ لها تظنّ أنّك تسمع نشيجها ونشيج من تكتب عنهم بوضوح بين حروف كلماتها و السطور....!

تسكن نصوصها الطفولة وتحتل طفلة في الثانية عشرة من العمر كل كيانها المهموم وأحياناً أخرى تجد في داخل نفسها امراة تحمل حكمة الأنوثة والأمومة والحب، وآلام ثرّة من إرهاصات إنسانيّة لا تتحمّل ثقلها فتبكي لتخفف ذلك الألم، تظنّ أنّ البكاء سينفض من ظهرها المتهالك هذا الحمل الثّقيل .. أقرّ أنّها ترسم في كتاباتها لوحة فنية أشكّ أحياناً أنّها تكتب بفرشاة وألوان وليس بكلمات .. هي طفلة في نص وامرأة ناضجة بنص آخر...

عرفت أخيراً أنّها طاقة أدبيّة شموليّة لا حصر لها ... اعرف كلّ شيء عنها وأنا لا أراها أو أقابلها ... يا لعظمة الأدب وجماله فهو يصنع الجمال ويهذب العلاقات الانسانية ...!

 

الكاتب عبد الرزاق عوده الغالبي

..................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

 

لَمْلَمات.. مجموعة من القصص القصيرة جداً / د. عبير خالد يحيى