كتب واصدارات وقراءات ورسائل جامعية

كتابي: "الجهود الأمريكية لتفكيك الدولة العراقية"

saieb khalilكتب أحد القراء معلقاً على مقالة لي: "لقد درس الغرب منذ أيام المستشرقين مفاصل و"صامولات" هيكل هذا المجتمع وصنعوا المفكات بالشكل والحجم المناسب لتفكيكه". ولقد برهنت الأحداث المتتالية دقة هذه المقولة والنجاح الساحق الذي حققه "الغرب" بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل، في تحطيم هذه البلاد وتمزيق شعبها.

616-saلاشك أن عملية تفكيك وتحطيم سيادة الشعب العراقي على وطنه لم تبدأ بالإحتلال الأمريكي، فسيادة الشعب على بلاده لا تسلب بواسطة الإحتلال فقط، بل أيضاً بواسطة الدكتاتوريات الداخلية ايضاً. لذلك فأن تلك العملية كانت في صميم نشوء الدولة العراقية، ثم تدرجت ونمت مع نمو الدكتاتورية التي وصلت أوجّها في عهد صدام حسين، والتي حظيت غالباً بالدعم الأمريكي، مثلما حظيت به معظم دكتاتوريات العالم الثالث لما بعد الحرب العالمية الثانية، بل أن معظمها كان قد تم إنشاؤه (أو إعادته حين يسقط) من قبل الولايات المتحدة. وهكذا تتعاون الدكتاتورية والإحتلال على سلب الشعب سيادته على وطنه. وإن كان هذا قد حدث بشكل أكثر وضوحاً في بلدان أخرى مثل شيلي وإيران مثلاً حين تعاون الأمريكان مع كل من دكتاتوريتي بينوشيت والشاه لإسقاط سيادة الشعب الشيلي والإيراني على بلاديهما، فإن ما حدث ويحدث في العراق، وإن كان لا يختلف في الخطوط العامة عن أية حالة مماثلة، إلا أن تفاصيلها المعقدة والمصممة للتشويش على تلك الخطوط العامة تؤخر الإدراك الشعبي لما يحدث، ومن هنا جاءت أهمية الكتابة العلمية المتابعة في هذا الجزء من تاريخ هذا البلد، والتي اعتبر هذا الكتاب جزءاً منها، والتي تشكف للشعب العراقي والشعوب التي قد تستفيد منها، الكثير من الدروس الهامة.

رغم أنه لم ينعم بالسلام يوماً، إلا أن العراق يمر اليوم بمنعطف خطير ليس على مستقبله فقط، بل على وجوده أساساً. فقد تم احتلال البلد من قبل جهة تتبنى أيديولوجية ذات طبيعة توسعية عدوانية شرسة ترى أن كل شيء في العالم ملك لها، وفوق ذلك فهي تلتزم منذ الخميسنات بتبني الإيديولوجية الصهيونية فيما يتعلق بالدول العربية والإسلامية عموماً بما يحمله ذلك من إرادة قصدية تحطيمية لجميع تلك الدول.

يتكون هذا الكتاب من مجموعات من المقالات جمعت في فصول حول مواضيع مختلفة لأشكال عمليات تفكيك وتحطيم الدولة العراقية ووضع العراقيل الضامنة بأن لا تتمكن هذه الدولة من أن تنفلت من براثن التخريب مستقبلاً. وقد كتبت ونشرت ونوقشت هذه المقالات أثناء الحدث وهو مازال ساخناً، وهو ما يعطيها قيمة أرشيفية مهمةً لما فيها من تفاصيل حية وتحاليل كتبت ضمن "السياق" التاريخي للأحداث والواقع الذي حدثت فيه، مما يتيح إعطاء صورة أدق لتلك الأحداث ضمن المحتوى الزمكاني الصحيح لها، ويجنبها إلى حد بعيد خطأ الإجتزاء المفتعل للأحداث، الذي يميز بعض التحليلات التاريخية التي تكتب بعد فترة طويلة من الحدث. ولتجنب التشتيت الذي قد يعاني منه الكتاب فقد تم تصنيف ووضعها في فصول مناسبة مع مقدمة تلملم الخطوط العامة لموضوع الفصل وتهيء القارئ لقراءة التفاصيل التي احتوتها مقالاته. كذلك فقد تمت مراجعة المقالات وتحديث نصوص المقالات بحيث لا تؤثر على روحها الآنية، وبالحد الأدنى اللازم لوضوح المعنى لقارئ يطلع عليها بعد زمن يصل احياناً إلى ما يقارب العقد ليخرج القارئ برؤية أوضح للصورة العامة لما جرى في العراق والدور الأمريكي فيه.

وقد تمكن الإحتلال الأمريكي من تحقيق الكثير من أهداف إسرائيل في العراق، والتي يبدو أنه تبناها بشكل كامل، مستغلاً تعطش الشعب إلى الحرية من دكتاتورية صدام حسين إلى درجة أن العراقيين كانوا يرفضون رؤية علامات الخطر رغم وضوحها وتزايدها مع السنين. كذلك عجز الغالبية الساحقة من مثقفي الشعب العراقي عن بذل الجهد اللازم لغلق تلك الثغرة من خلال المتابعة الموضوعية الجريئة للأحداث وقراءة التاريخ اللازم لربطها مع بعض وتكوين فهم صحيح لما يجري وتأسيس رد فعل سريع ومناسب عليه، والتصدي للمؤامرات التي لا تحصى التي حيكت لتحطيم بلادهم. ولم يقتصر هذا الخلل على الأفراد، بل أن جميع الأحزاب الوطنية العراقية بدت ضائعة متخبطة وغارقة بدرجة أو بأخرى، أما بأنانيتها أو في الأوهام التي بثها الإعلام "العراقي" الذي أسسته أميركا وسيطرت عليه مؤسساتها بالكامل.

لقد تم إكمال الكتاب والعراق يمر بلحظة تاريخية ويناقش بعد اختراق قوات "داعش" للموصل واحتلالها له إثر خيانة عسكرية كبرى لقواد القوات المرابطة فيه، قرار انقسامه إلى ثلاثة اقسام كما أرادت إسرائيل وعبر عنه مشروع الصهيوني الأمريكي بايدن، ودخوله دهاليز مظلمة قد لا يخرج منها أبداً. وقد صار من الواضح للجميع الآن المعنى الذي كان رجل الأمن الإسرائيلي المخضرم آفي دختر يقصده في إشارته إلى أن إسرائيل حققت في العراق أكثر مما كانت تحلم به.

وطبيعي أن أي كتاب لن يتمكن من تغطية جميع المحاور التي تم تفكيك المؤسسات العراقية فيها، فاكتفينا بتغطية محاور محددة هي: السياسة والإقتصاد والإنتخابات والسعي لإعادة بقايا النظام السابق، وتركنا الكثير من المحاور الأخرى مثل الإعلام والإرهاب والطائفية بأمل تناولها في كتب أخرى مستقبلاً، رغم أنها جميعاً ترتبط بشكل حيوي في عملية التحطيم تلك.

لقد ركزت في الفصل الأول على الفعاليات الأمريكية للسيطرة على الإقتصاد العراقي والمؤسسات الإقتصادية العراقية. وكانت بعض تلك الفعاليات والأدوات مكشوفة وعلنية مثل بعض النصوص الدستورية المصممة خصيصاً لهذا الغرض، وأخرى خفية او شبه خفية، تكشفت للعراقيين تدريجياً ومن خلال الصدف وحدها. كذلك تم تكبيل العراق من خلال معاهدات متعددة مثل "العهد الدولي"، ومعاهدات الصداقة والتي تضمن وضع العراقيل والصعوبات أمام أية محاولة للتفكير بتحرير اقتصاده من الهيمنة الرأسمالية العالمية، وتركه ضحية مباشرة لألاعيب المصارف العالمية وأزماتها.

وفي الفصل الثاني الذي يركز على الضغط الأمريكي على الساسة والمؤسسات السياسية للسيطرة عليهما، فنكتشف بوضوح أن كل الإدعاءات التي يسوقها دعاة الإحتلال الأمريكي وصداقته عن "الديمقراطية" ليست سوى أوهام ضرورية لتمرير سيطرة تامة على القرار السياسي العراقي من الخارج، وأن تزوير إرادة الشعب والسعي الحثيث لفرض عملاء أميركا والساقطين الآخرين المرشحين لعمالتها على قمة المؤسسات السياسية ، أمر لا يقبل الشك. لقد بلغ الأمر أن يتحدث قادة الولايات المتحدة عمن يفضلون وفي أي منصب يفضلونه لحكم العراق، وبصراحة يكشفها أحد الكتب الأمريكية ("نهاية اللعبة: الصراع من أجل العراق، من جورج بوش إلى أوباما") والذي لا يبقي فرصة لأية أوهام عن الديمقراطية الأمريكية.

ونظراً لطول الفصل الثاني، فقد تم تقسيمه إلى ثلاثة أجزاء، يركز الجزء الأول على السعي الأمريكي لتزوير الإنتخابات بشكل مباشر من خلال السيطرة على منظومة اتصالات المفوضية العليا للإنتخابات، من قبل شركة "ناشطة" المرتبطة بمنظمة مجاهدي خلق المرتبطة بشكل عضوي بالموساد والسي آي أي. وكذلك كشف حقيقة أن برامج الحاسبة التي تقرر عدد الأصوات النهائي، مجهولة المصدر! وهو لا يعني في مثل هذه الحالات إلا أنها في يد تلك الجهات المشبوهة ذاتها. وهذا بحد ذاته يفند أية ادعاءات بإمكان إجراء إنتخابات ديمقراطية والوصول إلى نتائج حقيقية ولو بالحد الأدنى. ولقد كشفنا في هذا الكتاب تفاصيل كثيرة جداً حول هذا الموضوع، حيث كان كاتب السطور، الصوت الوحيد في حينها الذي تابع تلك الثغرات الهائلة في منظومة الإنتخابات وحذّر منها كثيراً ونبه البعض إلى ما يجري من تحتهم من "مياه" آسنة، بينما كان الإعلام في العراق وخارجه يشيد بالإنتخابات ويدعو إلى احترام نتائجها وينقل الآراء الغريبة للمحتال الذي وضعوه على رأس تلك المؤسسة الخطيرة، فرج الحيدري، الذي كان يرتجف من مجرد ذكر المطالبة بإعادة عد الأصوات.

وجدير بالذكر أن كاتب هذه السطور قد نشر مؤخراً مقالة حول اعترافات قضائية بعملية تزوير الإنتخابات الأمريكية ببرمجتها لقلب الأرقام بتكليف من قبل مسؤولين كبار في الحزب الجمهوري. وتشير الدلائل الكثيرة إلى أن تلك الأدوات قد استعملت لحرف الأصوات وتأمين فوز جورج بوش في المرتين التين خاض فيهما الإنتخابات.

وفي الجزء الثاني من الفصل الثاني تم بحث موضوع "الضغط على الساسة" والذي كان ينفذ بشكل مباشر وشخصي من قبل السفارة الأمريكية في بغداد، وتبين الأمثلة في الفصل، كيفية قيام الأخيرة بالإتصال مباشرة بكل من يقف بوجه إرادتها في مجلس الوزراء أو غيره، في عملية ابتزاز وتهديد مكشوفة هدفها الضغط على القادة العراقيين ودفعهم إلى تجاوز مصالح البلد وتجاوز البرلمان والدستور من أجل تنفيذ أجندة الإحتلال الامريكي ومصالحه.

وفي الجزء الثالث والأخير من هذا الفصل (ساسة العراق والتملق للمحتل) نسلط الضوء على تأثير الضغوط التي شرحناها، على بعض الساسة العراقيين ومظاهر خضوعهم لإملاءات الأمريكان بالضغط وأحياناً لمجرد وعود أمريكية بدعم ترشيحهم لمناصب قيادية، وجميع تلك الأحداث موثقة بالأسماء والتواريخ وروابط مواقع الإنترنت التي نشرتها.

وخصص الفصل الثالث لكشف وهم "الصداقة" الذي جرى تسويقه من قبل الإعلام الأميركي في العراق ومن تمكن من شرائهم من الإعلاميين العراقيين. وقد تم تفنيد ادعاءات هؤلاء وكشف أكاذيب "المصالح المشتركة" التي تحدث عنها أوباما والمالكي في "مؤتمر واشنطن".

وركز الفصل الرابع والأخير بكليته لفضح المساعي الأميركية لإعادة بقايا البعث الصدامي إلى السلطة، لكثرة التفاصيل الخطيرة التي أحاطت بذلك الموضوع، وهو ما يفند حجج دعاة أميركا والقائلة بأن لها الفضل في تحرير العراق من هؤلاء وأن هذا كان هدفها الذي يجب أن نشكرها عليه. حيث تبين مقالات هذا الفصل أيضاً بوضوح ومن خلال المقارنة التاريخية أن الخطة الأمريكية في إعادة السلطة إلى الحكومات الدكتاتورية التي ادعت أنها حررت البلاد منها، خطة قديمة واستراتيجية ثابتة طالما اتبعتها في مستعمراتها الأخرى في أميركا الجنوبية والوسطى، وتاريخها الدموي الإرهابي.

يمكننا في النهاية أن نرى اليوم، أن الأحداث التي مرت منذ كتابة المقالات الأولى، أكدت صحة الغالبية الساحقة مما جاء فيها من توقعات استندت إلى التحليلات والحقائق في حينها، وهو ما يدعم صحة تلك التحليلات وبأهمية الحقائق التي اختيرت من بين أكوام الأحداث، واعتبارها العلامات الحاملة لأهم الدلالات على ما يحمله الحاضر من أحداث المستقبل، وهو ما يعطي الكتاب أهمية أخرى إضافة إلى الهدف الأرشيفي الأساسي منه، تتمثل في الفائدة المرجوة منه لاستشفاف أحداث المستقبل القريب، والشديد الخطورة. يبلغ عدد صفحات الكتاب 382 صفحة، وأضيف في نهايته فهرس موسع بالكلمات والمصطلحات الواردة فيه، خدمة للباحثين والكتاب، ورغبة في تشجيع إدخال مثل هذا التقليد المفيد في الكتاب العربي.

 

صائب خليل

http://saieb.blogspot.nl/

https://www.facebook.com/saiebkhalil

نستغل فرصة نشر هذا الكتاب لاستخدامه بتجربة جديدة في التسويق، ومن خلالها يمكن الحصول على الكتاب بشكله الإلكتروني مجاناً بتنزيله من الرابط أدناه، أو دفع مبلغ ترونه مناسباً له لدعم جهود النشر، ودعماً لعوائل شهداء مجزرة "سبايكر" (50%) على الرابط التالي:

http://saieb.blogspot.nl

يمكن الحصول على الكتاب الورقي بسعر رمزي من مكتبة الاديب في شارع المتنبي، أو من مكتبة الملّاك في شارع المغرب (داخل قيصرية) ، أو من خلال رقم تلفون (الأستاذ عدنان) 07707779922. لأغراض التوزيع، الرجاء الإتصال بمكتبة الملّاك.

 

قاسم الياسري أطلق السهم الصائب على المجتمع بحثا عن الصدق المفقود

قبل أيام انتهيت من قراءت كتاب جديد لفت نظري بعنوان (صديقنا الكذب بين الموروثين .. الاجتماعي والبيولوجي) للكاتب والباحث والصحفي قاسم محمد الياسري .. وهو بحث ودراسه نقديه تاريخيه .. لمجتمع يبحث عن الصدق المفقود لمجتمع لم يهدا تاريخه من الازمات والحروب والانقلابات والخيانات .. قبل وبعد الاسلام وحتى عصرنا الحديث ...واشار في احد فصول البحث في ثنائيته البيئيه (الريف والمدينه) وانتشار ظاهرة الكذب حيث ان مجتمع الريف اكثر صدقا من المدينه ..متناغما مع ثنائيه عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي في ثنائيته الاجتماعيه (البدو والحضر) .. والبحث في فصوله ابتدأ ها بمقدمة لدراسته البحثيه عن مجتمع اليوم الذي يبحث عن الصدق المفقود وبقول الله سبحانه وتعالى (يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وكونو مع الصادقين) .. وقول نبي الرحمه محمد (ص) (ان الصدق يهدي الى البر وان البر يهدي الى الجنه وان الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا .. وان الكذب يهدي الى الفجور وان الفجور يهدي الى النار وان الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا) واشار الى ان المجتمع الذي يمجد كلمة الكذب والعناد وتزييف الحقائق والنفاق والرياء والمراات .. كيف يكون هذا المجتمع وكيف اذا كان هذا الكذب عند جارك وعائلتك .. ويذكر الباحث للاسف نحن نعيش في مجتمع يبحث عن الصدق المفقود يصلي في الجامع ويبكي بين يدي ربه ويخرج للشارع ونسى نفسه وبكائه وسرق اخاه في الميزان وأقسم كذبا ..واشار الى اننا جميعا نكذب .. والكذب افه مرضيه مزمنه ابتلى بها مجتمعنا منذ القديم لاننا مجتمع الحروب منذ فجر الاسلام وقبل الاسلام وحتى يومنا هذا .. حيث جاء الاسلام ونزول الوحي .. فحرم الكذب وانتهى ..وبعد وفاة النبي ظهر الكذب من جديد ونشط الكذب في معركة صفين وحتى يومنا هذا في حربنا مع الدواعش .. فالضغوط والاضطرابات جعلتنا اكثر المجتمعات كذبا ..وازداد الكذب وازدواج الشخصيه والنفاق بلا خوف في زماننا هذا وعصرنا الحديث حيث نرى الكذب بين قدوات المجتمع من السياسيين والدجالين رغم تشدد المراجع الدينيه في تحريم الكذب والتنافس السياسي .. ويتسائل الباحث اين نجد الصدق والانسان الصادق .. واشار الى نفسه بانه ابتلى بمرض مزمن اسمه الكذب لا يستطيع الخلاص منه .. ويجبره المجتمع على الكذب .. فاذا صدق في عمله وسلوكه مع الاخرين سيعرض نفسه وعائلته للهلاك وتلسق التهم به.. والكذب كما يتعلمه الابناء من ابائهم ويعتادوا عليه في سلوكهم اليومي بعد أن تلوثت البيئه بمرض الكذب الذي صنعته الحروب والاطماع والسياسات الخادعه.. ويقول الباحث الكذب سلوك انتهازي يستعمله الانسان مع ربيبه النصب والاحتيال للحصول على حاجيات لا تدخل في صميم المستحقات .. حيث يكذب التاجر والبقال .. حيث بضاعته المغشوشه .. باثمان باهضه ..ويزداد الكذب انتشارا اثناء الحروب لان المحارب يستخدمه في مخادعة العدو فيتعود عليه المجتمع فيعم المجميع وكذالك في المنازعات حيث الشرطه تشجع المعتدعي الشكوى المضاده على صاحب الحق المدعي .. ويؤكد الباحث ان حقل السياسه اليوم هو اكبر مستنقع لانتاج الكذب الاجتماعي .. ويخاطب القارئ ... اما أن تعيش في مجتمع الصادقين أو مجتمع الكاذبين اختر بنفسك .. لانك انت اللذي سيبدأ بنفسه .. فان ترغب بأن تكون صادقا عليك ان تضحي خالف المجتمع الكذاب ولا تخالف الله ورسوله الصادقين واهل بيته الميامين الذين تعرضوا لشتى الافتراأات من الكافرين الغشاشين الذين نصبو العداء لاهل البيت (ع) ... وتحدث عن تاريخ الكذب في علم الانسان وبيئته .. وكيف منع كتابة الحديث بعد وفات النبي ومعظم احاديث رسول الله احرقت وحرفت ..كذالك تناول الباحث الكذب في عهد الامويين وحكم معاويه وابنه يزيد .. والتزوير والكذب عند العباسيين وكيف يوضف الحاكم الكاذب العباسي لاشباع نزواته ويشجع على الكذب في مسابقاته الشعريه.. وتناول الباحث الكذب وعلم البيئه والتقليد وكيفية تكيف الموروث الجيني حسب البيئه وكيف التقليد والمحاكات في انتشار ظاهرة الكذب عند الاطفال كما تدرب القرود والحيوانات ..وعرف لنا ان الموروث البيالوجي الوراثي .. والموروث الاجتماعي البيئي .. وولادة الكذب من رحم الموروثين والعلاقه والتفاعل بينهما وبين لنا ايهما تاثيرا على السلوك الاجتماعي العام .. واشار الى التشابه في تصرفات الانسان والكمبيوتر في الفصل الرابع.. وكذالك تاثير الدوافع الاجتماعيه لانتشار ظاهرة الكذب وكذالك استشهد ببعض الظواهر والسلوكيات في مجتمع اليوم منها .. الكذب في تزير الانساب الذي عم المجتمع هذه الايام تاثرا بطاغية العراق الذي زور نسبه .. وذكر لنا ما قاله السيد محمد باقر الصدر (ق) عن الكاذبين والمرائين .. وتاكيد الباحث على ان الكذب كموروث وراثي ومكتسب يصعب علاجهه .. وصنف الكذب الموروث والمكتسب والصناعي والكذب المعماري الحديث واستشهد بمصطلح علي الوردي في ازدواج الشخصيه .. والكذب وكيفية صراع الفكر والروح .. وكذالك الكذب عند المسيحيه واليهوديه محرما.. لا تسرق .. لاتكذب .. لا تغدر بصاحبك ..وعفويه الاطفال واكتسابهم للكذب (امي وأبي يكذبان) .. والخوف وعدم الامان والحرمان عند الاطفال يولد الكذب ..والكذب الخيالي عندهم .. ومنادات الطفل ياكذاب .. حيث أطلق الباحث مصطلح باننا (نحن جيل الفشل وابنائنا جيل الكذب) وتحدث عن كذبة نيسان وجهلنا لاسبابها ومصدرها ..وكذالك كذبة حقوق المراه عند الحضارات والغرب .. وتحدث عن اكتشافات العلم الحديث عن مركز الكذب عند الانسان في الفصل التاسع حيث ثبت ان الناصيه التي تحدث عنها القران وحذر منها سبحانه وتعالى ولم نتعظ ..وهي معجزه قرانيه فقد اثبت العلماء عام 2003 بالتصوير بواسطة الرنين المغناطيسي ان المنطقه المسؤوله عن الكذب هي منطقة اعلى مقدمة الدماغ وهذا الجزء نسميه في العربيه ناصية الانسان أي (الجبين او الكصه) لذالك سبحانه وتعالى جعلها هي مكانا للسجده وهنا اثبتت تجارب العلم الحديث ..ان معجزة القران .. حيث انه اول من اشار الى مقدمة الراس في تصميم الدماغ على اساس الصدق .. وهو مركز الكذب والخطا كما حدده القران .. ووضع الباحث استبيانا لقياس انتشارظاهرة الكذب وفق نموذج قياس معتمده من قبل الانثربولوجيين الامريكيين مترجمه ومعتمده من قبل جمعية الانثربولوجيين العرب حيث ظهر بعد جمع النتائج ان الكذب عند (عمر 9سنه الى 45 سنه) 96,9% اي هذا العمر هو الفئه العمريه لجيل الحروب الصداميه والدواعش وهنا تاثيرات الحروب على المجتمع والاضطرابات والضغوط في هذه الفئه العمريه افرز لنا جيل ارتفاع نسبة الكذب ..ويذكر الباحث ان الكذب كما اكد علماء النفس انه يمرض القلب ..وكما اكد ديننا الحنيف ان الكذب يزيل البركه ..وأوضح ابرز اقسام الكذب المعروفه والرياء والمرائين والمنافقين وشهادة الزور وحب الظهور وتحدث عن علم النفس ودلالات الكذابين والعلامات التي تظهر على الكاذب وانواع الكذب .. وأوضح الباحث كيف نكتشف الكذب وكيفيةادراك الكذب بين الوعي الشعوري واللاشعوري .. واوضح مناطق الاتصال بينك وبين الكاذب .. والمواقف الدفاعيه للكذابين وكيف تكتشف الكاذب .. وكيف يكون موضع الراس عند الكذابين والراس المهتم بالعين ... واستشهد الباحث بما قاله الشعراء عن الكذب وما قاله المفكرين والفلاسفه الغربيين والعرب .. وكما ذكر لنا المصادر التي استعان بها في دراسته هذه .. فان بناء الوعي لا يتم إلا من خلال آليات فهم جديدة ومسح وثائقي شامل أو نقد في الحجج وإقامة الأدلة والبراهين من أجل كتابة صفحات نظيفة متخلصة قدر الإمكان من الشوائب لمجتمع ذات تاريخ له تعقيداته وخفاياه يستوجب ألا تخفي أي من جوانبه، ولا تهمّش أي من مساحاته الحقيقية تحت دعاوى خاطئة أو مسميات وشعارات ماكرة أو أكاذيب لم تعد تنطلي علي أصحاب العقول من الباحثين المتنورين المنتمين للجيل الجديد... جميل منك أيها الباحث والصحفي قاسم محمد الياسري هذا الرأي وهذا البحث .. وأنا أباركه بكل جوانحي وأتمنى الالتزام به أسلوباً نظيفاً وأميناً في كتابات كل النقاد في علم الاجتماع لتصحيح السلوكيات الاجتماعيه الخاطئه . فلقد أطلقت السهم الصائب لمجتمع اليوم الذي كثرت فيه السلوكيات الخاطئه والمحرمه دينيا .. اللهم اجعلنا من الصادقين واحشرنا في مع الصادقين يارب العالمين

وطلقنا القراءة

saleh altaeiيبقى مستوى القراءة في المجتمع أحد أهم المؤشرات على رقي وتجدد ثقافة الشعوب، فالشعب الذي لا يقرأ يحكم على نفسه بالموت ركودا. والغريب أن الشعب العراقي من دون كل شعوب الدنيا قرر الانتحار ركودا بعد أن طلق القراءة بالثلاث ولم يتعب نفسه في البحث عن (محلل) يجيز له إعادتها إلى عصمته، وكأنه ارتاح بفراقها له، ولذا تتكدس الكتب في المكتبات، ولا تجد من يطلبها، ويأكل التراب كتب المكتبات العامة التي لا تجد من يقلبها، أو من يعتني بها.

وهناك عشرات الآراء التي تعزو مقاطعة العراقيين للقراءة إلى أسباب ترتبط غالبا بالوضع السياسي غير المستقر، وبسبب مخلفات الحصار الاقتصادي الذي أنهك المواطن ماديا ومعنويا، ولكنها برأيي لم تصب كبد الحقيقة، فهي تدور حول المشكلة ولا تدخل إلى صميمها، ولذا تعذر علينا إيجاد الحل الحقيقي لهذه المأساة التي باتت تتهددنا بالجهل والأمية، والظاهر أن الحكومات المتعاقبة مرتاحة لهذه النتيجة، ولذا لا تشغل نفسها بالبحث عن حلول مهما كان نوعها.

سقت هذه المقدمة بعد أن وقع في يدي مصادفة كتاب بعنوان "موسكو عاصمة الثلوج" للمرحوم صالح مهدي عماش، الظاهر أنه وضعه بعد أن جرد من صلاحياته الحزبية، وعين سفيرا للعراق في الاتحاد السوفيتي، وهو المنصب الذي شغله للمدة من عام 1971 ولغاية عام 1974. حيث أتاحت له هذه السنوات الإلمام بكثير من المعلومات عن روسيا التي كان يعيش فيها. وبالرغم من مرور أكثر من أربعين عاما على هذه المعلومات والإحصائيات، فضلا عن تفكك الاتحاد السوفيتي، مما يعني أنها لم تعد صالحة إلا للمقارنة، إلا أني وجدتها ممتعة ومدهشة.

جلب انتباهي في هذا الكتاب حديث السيد عماش عن الثقافة عامة وعن إحدى أعظم المكتبات العالمية، "مكتبة لينين" الأسطورية، وهي من مخلفات العهد القيصري، تأسست عام 1862 باسم "مكتبة رومانتسوف"، وأبدل أسمها عام 1925. وكانت هي و360 ألف مكتبة أخرى، تنتشر في الاتحاد السوفيتي مركز الإشعاع الفكري. وأرى أن العلوم التي حصل عليها المواطنون من هذه المكتبات، وارتفاع درجة الوعي لديهم؛ هي التي أسهمت في تفكيك الإتحاد، فضلا عن البيروسترويكا، والحرب الباردة، والمؤامرات، وأمور أخرى.

ومع أن السيد عماش تحدث في كتابه عن تاريخ فارقنا منذ أربعين عاما إلا أني أراه لا زال جميلا، يصلح أن يكون أنموذجا للبلدان التي تتطلع إلى مستقبل أفضل، ولاسيما حديثه عن مكتبة لينين العظيمة، ربما لأننا لم نمر بمثل هذه الحالة عبر تاريخنا الطويل، وقد لا نصل إليها مستقبلا؛ مع ما يحيط بنا من مشاغل ومؤامرات وتقصير حكومي.

لقد أورد السيد عماش قبل أن يكتب عن المكتبة معلومات قيمة عن الحراك الثقافي في الإتحاد، حيث هناك (134) ألف ناد ودار ثقافة، و(445) مؤسسة ثقافية وفنية ثانوية، و(1144) متحفا و(360) ألف مكتبة تضم (3) مليارات مطبوع متنوع. ونتيجة ذلك كان هناك: 40% من الخريجين من المهندسين. نجح الاتحاد في تدريب (25) مليون أخصائي ذي تحصيل علمي عال أو متوسط في فروع الاقتصاد والثقافة منذ عام 1917 ولغاية 1972، كان من المتوقع في عام 1975 أن يكون واحد من بين كل ثمانية من المواطنين السوفيت حاصل على التعليم العالي أو الثانوي الخاص.وان يبلغ عدد الأطباء أكثر من (840) ألف طبيب بمعدل طبيب واحد لكل (300) مواطن.

أما في حديثه عن مكتبة لينين فيذكر السيد عماش أن الحكومة السوفيتية أتاحت لها من المسببات ما يسمح لها بتقديم أفضل الخدمات، ومنها حرية العمل بدون قيود مالية أو ميزانية محددة، وهو الأمر الذي أطلق يدها حرة للحصول على كل نافع ومفيد. فالحرية وحدها تسمح للإنسان وللمؤسسات أن تؤدي دورها الإبداعي، ولا أدري لماذا لم ينتبه الزعماء السوفيت إلى ما حققته الحرية لهذه المؤسسة للإفادة منه في رفع القيود عن الشعب لكي ينطلق ويبدع، إذ لو كانت المؤسسات الأخرى والحياة العامة في الإتحاد تحضى بمثل هذه الحرية لكان الإتحاد اليوم القوة العظمى التي تمثل المعادل الموضوعي لسطوة القطب الواحد.

ومما يذكره عن المكتبة أن هناك دار نشر كبيرة ألحقت بالمكتبة فأتاحت لها طباعة ونشر آلاف الكتب سنويا، وتوزيعها عبر منافذها في العالم كله. وفي علاقتها مع العالم كانت المكتبة تتعامل مع أربعة آلاف مؤسسة أجنبية، ولديها اشتراكات بأكثر من (14) ألف مجلة ودورية من خارج الاتحاد، وأنا أتحدث هنا عن السنوات التي كان فيها السيدات والسيد عماش سفيرا.

أما المواد الفكرية بكل اللغات، فكانت ترد إلى المكتبة عن طريق الشراء فضلا عن ذلك يلزم القانون السوفيتي كل المؤلفين السوفيت بتسليم المكتبة ثلاث نسخ من أي كتاب يصدر في الاتحاد، حيث كان فيها كتب بمائة لغة من لغات جمهوريات الاتحاد ومائتي لغة عالمية، عبارة عن (27) مليون كتاب منها (10) ملايين كتاب أجنبي،

وتمتاز مكتبة لينين بعدد روادها الكبير جدا الذي يشكل النسبة الأعلى في العالم، حيث يتراوح عدد روادها في الدقيقة الواحدة بين 2600ـ2700 ويبلغ معدل عدد القراء (10) آلاف قارئ يومي، واثنين ونصف مليون سنويا.

ومثل هذه الأعداد الكبيرة من الرواد لابد وأن يكون هناك كادرا متخصصا قادرا على تلبية جميع الطلبات، ولاسيما وأن الاستعارة الخارجية ممنوعة، ولذا زاد عدد العاملين في المكتبة من موظفين ومستخدمين على الثلاثة آلاف عامل، وأكثر من (400) باحث علمي في مختلف العلوم والتخصصات يقدمون خدماتهم للرواد ويجرون البحوث التي تطلبها الدولة منهم.

إن الوضع المزري الذي تمر به أمتنا اليوم يوجب على السياسيين قبل غيرهم أن يفكروا جديا بالثقافة وروادها، وان يفيدوا من تجربة الأمم الأخرى، ويعملوا على تنمية القدرات الفكرية، لأن الفكر والثقافة وحدهما لهما قدرة القضاء على الحركات السياسية والدينية المتطرفة التي تعمل على تدمير بنى الثقافة والفكر وتستقطب الجهلاء والسذج وذوي التحصيل العلمي المتدني.

إن الإرهاب والطائفية لا تحارب بالسلاح وحده وإنما يجب أن يدعم السلاح بمنهج فكري متطور، يصلح خراب النفوس ويحصنها من الانجراف إلى مستنقع الرذيلة السياسية والطائفية.

 

"انفلونزا الوحدة" للكاتب الأردني ابراهيم العامري .. اشتباك الشخصيات القصصية مع الراهن

615-kalafعادة ما يحمل النص السردي العربي اشتباكا وصراعا بين الشخصيات السردية التي تتضارب مواقفها وإراداتها وخططها فتنتشر المؤامرات والعداوات والخدع التي تنمي الأحداث وهو ما سوغ الحديث عن شخصية معتدية وأخرى ضحية وعن شخصيات مساعدة وأخرى معرقلة ولكن الكاتب إبراهيم العامري اختار أن يحول وجهة هذا الاشتباك ليجعله في الغالب بين الشخصيات وواقعها اليومي حيث يندر في مجموعته القصصية أنفلونزا الوحدة التصارع والتصادم بين الشخصيات فليس ثمة شخصيات تكيد لأخرى أو تعرقلها...

فالشخصيات تعيش صراعها الحياتي اليومي ذلك أن انتماء هذه النصوص إلى الأدب الواقعي جعلها تلامس هموم الإنسان اليومية وتصور صراعاته ومعاركه وهواجسه المتعددة في ظل هذا الزمن الصعب...أنه صراع مستمر يأخذ أشكالا مختلفة منها المعنوي والنفسي فالبعض يدافع عن وجوده والأخر عن مكانته وقيمته وأحاسيسه...

615-kalafفثمة دفاع عن الوجود مثلما نجد ذلك في قصة" المجنون "الذي تم دفنه ثم استفاق وعاد ألي الحياة يبحث الفتى عن اعتراف الناس بأنه لازال على قيد الحياة:

"وبعد أن ذهبوا استيقظت، خرجت، أخذت أسال الناس إن كنت حياً أم ميتاً، لم يجبني أحد. كل يوم أخرج من منزلي أمشي في كل الأمكنة، أتفقد دجاجات الجارة، أعد أبقار أبو مصطفى، أنتظر الفتيات العائدات من مدارسهن، أمتهن الكتابة على جدران البيوت، ولكنى لوقت قريب لم أتأكد أنني حيّ أم ميت. وحين رأيتك صفعتك كي أعرف إن كنت قادراً على فعل شيء، لأشعر أن موتي كان كاذباً.. فسامحني..! "

وإذا كانت الشخصية المذكورة سابقا تبحث عن الاعتراف بوجودها فثمة مجموعة أخرى من الشخوص تبحث عن الاعتراف باحاسيسها وعواطفها مثلما يظهر ذلك في قصة السارق حيث يختطف الموظف حقيبة فتاة طمعا في العثور على صورتها وسطها حتى ينعم بالنظر إليها بعد أن فشل في التعبير لها عن حبه وإيجاد منافذ تواصل معها""اقترب منها، وبخفة لص انتشل الحقيبة وولى هاربا تحت صياح الفتاة. إنَّ ثمة لصّاً سرق حقيبتها. وتراكض شبان بشهامة للحاق به يركض ويركض يختلط لهاثه بصورتها التي سيحتضنها في القلب والتي ستوقف صحوه مبكرا كي يراها فقط. يركض أكثر وتتسع المسافة بينه وبين اللاحقين خلفه وصوت الفتاه التي يبلل قلبه. الرجل الوحيد الذي يصحو باكرا قرر أنْ ينادى بالسارق لمجرد رائحة يخبئها في القلب أو ملامح قابلة للمس، وتوقظه كل صباح..."

كما تعيش شخصيات أخرى صراع إثبات مكانتها وقيمتها ففي قصة "شيبس جون سينا " يضطر الأب للنزول والمشاركة في المعركة رغبة في الحفاظ على مكانته لدى ابنه الذي يعتقد أن رجلا قويا من المارينز هو الأقوى منه" في تلك اللحظة غلت الدماء في رأسي، وشعرت أن الصبي يسخر مني، وأنني لن أعود أقوى رجل في نظره، فهناك من يقاسمني ذلك من رجال المارينز. وتراءت لي صور تتكرر في شاشة التلفاز يوميا؛ صور لمغاوير حاملات الطائرات وهم يمارسون شغلهم في حلبات متعددة، ولا أعرف لِمَ تخيلت هذا الـ"جون سينا" خصما لي، فلا بد أنه قتل آباءً في الكرخ أو الكاظمية من أبناء جلدتي. ألا يمكن أن يكون ممن نهبوا متحف بغداد، أو ممن هدموا مسجدا أو كنيسة، أو حتى ممن عرّوا رجالا بكامل ضعفهم من أجل صورة للذكرى!"

إن هذه الشخصيات تعيش صراعات نفسية معنوية تتعدد مظاهرها في هذه المجموعة القصصية ولكن للصراع وجه آخر وهو الوجه المادي حيث تصارع بعض الشخصيات الفقر وتتعب من اجل توفير لقمة العيش فهم بعضهم تنفيذ رغبات الأطفال أو توفير لقمة العيش ومصروف العائلة من ذلك سائق الحافلة " كان سائق الحافلة يحاول أن يبتسم كلما سنحت الفرصة، فاليوم هو اليوم الأخير من أيام الشهر سيذهب إإلى صاحب هذه الحافلة العملاقة ويتقاضى أجرة شهر كامل ابتلعت فيه حافلته مئات البشر وسافرت بهم حيث الوجهة"

هذا الصراع مع اليومي يتخذ شكلا آخر حينما يرتبط بأماكن الألم العربي حيث الحروب والقتال المستمر فيصبح خوفا من المجهول الذي تخفيه الأيام بسبب الحروب والتفجيرات المتعاقبة مثلما نجذ في قصة انتظار فالزوجة العراقية تنتظر زوجها المتواجد في جبهة القتال بخوف شديد"حين أتى، اقترب منها وهمس بتلك الأذن التي تختبئ خلفها خصلة الشعر التي نهرتها للتو: "لن أغيب طويلاً هذه المرة".

نظرت إليه وكأنها توصل المسافة القصيرة بينها وبينه ثم قالت: "لا أريد أن أخسرك".

وضع يده الكبيرة على كتفها ثم قال: أعدك أن تكون المرّة الأخيرة التي سأذهب بها إلى هناك، سوف أترك العمل على الحدود العراقية وسأبحث عن عملٍ هنا، لقد وعدني صديق أن أتسلم عملاً على إحدى الحافلات هنا."

وفي قصة الطفل يعيش الطفل الفلسطيني اليتيم في انتظار الرغيف الصعب ويجد نفسه في عمق المعاناة اليومية:"كان قلبه شجاعاً لدرجة أنه لم يخف منظر الدبابات، ولا الجنود الحاقدين، ولا دوي الانفجارات، ومشاهد القتل. الطفل في هذا اليوم لم تتغير تفاصيل حياته قبل أن تقصف الطائرات حيه بشكل مركز، وتحيله إلى مساحة من الركام ملطخة بالدم. قذائف تهطل على الحي من كل صوب، أناس يتناثرون، تنفصل أعضاؤهم أمامه"

إننا أمام شخوص تشتبك مع الواقع لتنقذ أيامها...أنه الصراع مع الزمن الراهن الذي رافقه حنين إلى الأمس الجميل فاسترجاع الماضي أو التمسك به يلوح عند الكثير من الشخصيات فنعثر على استرجاع ماضي الطفولة والدراسة مثلما نجد ذلك في قصة عصا الهارمونيكا حيث يذكر الراوي زمن الدراسة"

في الصف الأول كان معلمي يدعى يوسف, والمعلم يوسف كان شابا وسيما في الثلاثين وكان يملك هارمونيكا لامعة يخبئها في درج طاولته الصفية ويكافئنا بمعزوفة جميلة ونجوم ملونة كلما حفظنا حرفاً أو نشيداً. كنت أحبُّ أنشودة عمي منصور النجار أحبها لدرجة أنني أحفظها للآن وأنا ابن الثلاثين ..."

ويعبر وهو في سن الكبر وقد أصبح مدرسا عن حلمه باستعادة تلك الأجواء:

""وتتراوح آمالهم الصغيرة بين العادي والأكثر اعتيادية. ينقذني جرس الحصة فأتركهم بغصة وصمت منتظرا انتهاء الدوام كي أعود للبيت منهكا ومتمنيا سماع هارمونيكا معلمي يوسف تبلل اليوم الجاف وغبار الطباشير."

ومن أمثلة هذا الحنين تذكر سائق الحافلة لأيامه الأولى في العمل

"في ذلك الحين بدأت الذكريات تمر بمخيلته. أحس بأن أيام العمر تكومت أمامه باهتة ورخوة وحدّة ذاك اليوم الذي دخل فيه المجمع حين تسلّم مفاتيح الحافلة للمرة الأولى، بدا جديداً كصرخة مولود، ربما لأنه اليوم الوحيد الذي أحس به بسعادة كاملة، سعادة تمده بالقوة والأمل وتشعره بقدرته على جلب لقمة العيش، حتى لو كانت من فم الوحش..."

فالشخصيات تستلذ الماضي هروبا من الراهن رغبة في العودة إلى مرحلة الأحلام قبل الاصطدام بالواقع المزعج...

صفوة القول ان الشخصيات القصصية في هذا العمل غالبا ما ينتهي صراعها السردي بنوع من الانكسار والخيبة والفشل والقلق وهو ما يدفع إلى الحديث عن حالة من الوجع يبثها الكاتب في أقاصيصه .. ذلك أنها تميط اللثام عن هاجسين رئسيين أولهما اجتماعي يتعلق بتبدل نمط الحياة وتصاعبها وتزايد همومها من حاجة مادية و أمراض كبرى وثانيهما يتعلق بحالة العرب ومعاناة الإنسان العربي في الأماكن التي تعيش حالة حرب وغزو حربي وثقافي... فالكتابة القصصية عند إبراهيم العامري بدت في هذه المجموعة القصصية تصويرا هادئا للواقع وشخوصه دس بين ثناياه الكثير من هواجس الإنسان العربي وآلامه...

 

بقلم رياض خليف(تونس)

 

الاحساس بنبض الإيناس بلآلي الجناس

nadheer khazrajiلا تختلف مفردات اللغة من حيث المشابهة والمشاكلة عن مفردات سفرة الطعام، ولكن الاختلاف يقع في التذوق والقدرة على التنوع وتطويع المفردة اللغوية ومثلها الغذائية في أطباق شهية، كلنا يمر على مفردات اللغة قراءة أو سماعاً أو مشاهدة، وكلنا يمر على السوق والبقال والمزارع، ولكن قلة قليلة من المارة من له القدرة على تحويل المفردة اللغوية الى ابداع لغوي، والمفردة الغذائية الى طبق شهي، وشتان بين الطبقين، فالأول ينادي هل من مزيد، والثاني يدق ترهل الجسد خطر الإنذار لصاحبه، وتقريب المعنى يدعونا الى ضرب الأمثال، والأمثال تضرب ولا تُقاس.

وعلى مائدة اللغة ومحسناتها وبدائعها يبرز طبق الجناس، الذي يترك أثراً محموداً طرباً عند السماع أكثر منه عند القراءة، ليس أقل هذا ما أشعر به وأحسه، حيث يصدق هنا بعض قول الشاعر العراقي بشار بن برد العُقيلي (96- 168هـ):

يا قوم إذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا

أقول "بعض" لأن سماع الجناس كله طرب واحساس لمن يدرك معنى الجناس، في الشعر العربي القريض منه والدارج، وفيه يصدق قول الشاعر العراقي المعاصر المقيم في مالمو (السويد) الأديب فائق الربيعي المولود عام 1958م:

وعذرا قوافي الشعر، والشعر كلّه ... هبابٌ، إذا لم يُعطِ من نفسه الشعرُ

وأظن أن الجناس القائم على الإحساس هو من القوافي التي تعطي من نفسها الشيء الكثير لتطرب النفس قبل الأذن إن سمعت، والروح قبل البصر إن قرأت، ويأتي المحقق والأديب الدكتور محمد صادق الكرباسي ليدغدغ مشاعرنا وأحاسيسنا بديوانه الجديد "الإيناس بلآلي الجناس" الصادر في بيروت حديثا (2014م) عن بيت العلم للنابهين في 166 صفحة من القطع الوزيري، وقدّم له وعلّق عليه الشاعر الجزائري الدكتور عبد العزيز مختار شَبِّين، وضمّ خمسين قصيدة جناسية توزعت على جميع حروف اللغة العربية الثمانية والعشرين من الهمزة إلى الياء.

 

غناء اللغة

لا توجد لغة على وجه الأرض أغنى من اللغة العربية من حيث المفردات الأصيلة ومولداتها، ليس هذا ادعاءً فضفاضا ولكن قواميس اللغة ومعاجمها هي الحاكية عن هذه الحقيقة والدالة عليها، وزاد من غنائها شعاع بلاغتها ونور بدائعها ومحسناتها اللفظية التي تكاد تتميز بها اللغة العربية التي حفظها الإسلام وزاد من رونقها وله كل الفضل عليها، بل كان ولازال عامل توحيد للعرب والمسلمين، ولهذا تداعى على الأمة الإسلامية الأعداء والجهلة لتمزيقها عبر تضعيف هذه اللغة ومحاولات البعض تقديم اللهجات المحلية أو احياء الموات منها ليس رغبة في التراث وإنما في فصل الأمة عن مصدر قوتها، ولهذا يرى الأديب الكرباسي: (إنّ الأمة العربية والإسلامية جسد واحد وإن تقطعت أوصالها من قبل أعداء المسلمين بالاحتلالات وبمحاولات تغيير اللغة ودعم اللهجات المحلية للابتعاد عن لغة القرآن التي قوّمت اللغة العربية وجعلتها حيّة إلى يومنا هذا، فلولا القرآن لم تبق للعرب والعربية قائمة، فعلى العرب أن يدركوا أهميّة القرآن، وعلى المسلمين أن يسعوا الى تعلم لغة القرآن من أي قومية كانوا لا على حساب لغاتهم الأم ولكن حرصا على العقيدة والحضارة وبالتالي ففي هذا مقاومة للعدو والغازي لأرضنا وعقيدتنا وفكرنا).

والجناس الذي هو في أبسط تعريف له: اتحاد الكلمتين في رسم الحرف واختلافهما في المعنى، يمثل واحداً من البدائع اللغوية الثرية في اللغة العربية، مثل قوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ) سورة الروم: 55، فالساعة الأولى هي القيامة والثانية هي الساعة الزمنية، وهو من الجناس المماثل، وإذا تم استخدامه في الشعر، يخرج البيت في أبهى صوره، أما إذا تشكلت قافية القصيدة كلها من الجناس المحبب الى الذائقة السمعية والبصرية والنفسية، فذلك لعمري الإبداع بعينه، لأن الشاعر تمكن حينئذ من صياغة محكمة لقصيدته عبر تشكيلها من الجناس من أول البيت إلى آخره، فيكون لكل بيت معناه الخاص وبالتقاء الأبيات يبرز المعنى العام لمراد الشاعر من القصيدة، وهو أشبه بحي سكني من مجموعة بيوت ذات طراز واحد تسكن فيه عوائل مختلفة، بمجموعها تعطي للحي رونقاً وللحياة ألفة وسكينة وتعكس نبض سكانه، وبتعبير الدكتور عبد العزيز شبين في تقديمه على الديوان: (وما الشعر إلا التقاط لنبض الحياة عبر الحواس، يترجمه الخيال تشكيلا، وترسمه اللغة كتابة، وبالتقاء اليواقيت والدرر في نثر البيان ومنظومه تتجلى شخصية الكتاب أو الكاتب أو الشاعر في أسلوبه، ولذلك قيل: روح صاحب الكتاب أو الديوان كامنة بين حروفه، يجسّدها المنهج، فكراً وبلاغة).

وفي نهر الإبداع، يجري زورق جناسات الكرباسي في "الجناس بلآلي الجناس" التي تجانست قوافيها مع تجانس خطوات الكرباسي اليومية من داره الى حيث محبرته في المركز الحسيني للدراسات وبالعكس، وهي حركة يومية ضمن نطاق أدب الطريق يستغلها في نظم الشعر في الأغراض المختلفة، وهذه ميزة تحسب لهذا الديوان وصاحبه. وحسب تعبير الناشر في مقدمته: (وميزة هذا الديوان أنه من أدب الطريق، كما يحلو للشاعر الكرباسي أن يسمّيه، لأنه كان ينظم قصائده وهو متنقل بين بيته ومكتبه، ليقدم حجة للناس للاستفادة من الوقت المهدور، فالوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك)، نعم كان الكرباسي ولا يزال ينظم الشعر من حركة الطريق اليومية بين البيت والمركز حتى تكونت لديه أكثر من أربعة عشر ديواناً في آلاف الأبيات الشعرية المتنوعة المقاصد.

والجناس في واقعه دال على المجانسة والمؤالفة، ففي الأغلب الأعم لا تستسيغ الأسماع توارد الكلمات القريبة المخارج، ولكنها تطرب للكلمات التي من جنس واحد ومختلفة المعاني، لأنها تشعل لدى سامعها فتيل الفضول لمعرفة المعنى والمراد خاصة إذا جاء الجناس في المنظوم من الكلام. وكما هي اللغة العربية الممتدة بجذور مفرداتها في عمق الأدب العربي وتراثه، فإن الجناس في جانبه اللفظي له تنوعاته الكثيرة المتشعبة، صنفها أبو الفتح البستي المتوفى عام 401هـ في كتابه "جواهر البلاغة" على النحو التالي: المماثل، المطلق، المستوفي، المشابه، المركّب، المفروق، المشتق، المختلف، المضارع، المطرّف، المذيّل، اللاحق، المكتنف، المحرَّف، المصحّف، المقلق، الملفّق، القلب الناقص، القلب التام، والمستوي. وكلها من الجناس اللفظي غير التام، حيث يختلف ركنا الجناس في نوع الحروف وعددها وهيئة حركتها وترتيبها في مقابل الجناس اللفظي التام المتفق فيها اللفظان المتجانسان في الأمور الأربعة، وعموم الجناس اللفظي في مقابل الجناس المعنوي وهو على قسمين: جناس الإضمار وجناس الإشارة.

فمن أمثلة الجناس اللفظي غير التام المركّب قول الشاعر إسماعيل صبري الباشا المتوفى عام 1341ه من بحر الوافر:

طرقتُ البابَ حتى كلَّ متني ... فلمّا كلَّ متني كلّمتني

فقالت: أيا إسماعيلَ صبري ... فقلتُ لها: أيا أسما عِيلَ صبري

فكلّ متني الأولى والثانية من تعب المتن واعيائه لكثرة طرق الباب والثالث من التكلم والحديث، واسماعيل صبري الأول هو اسم الرجل والشاعر والثاني مركب من "أسماء" اسم المعشوقة و"عيل" التعب والإرهاق، و"صبري" من الصبر.

 

الجناس الخمسون

وبشكل عام فإن الجناس وأمثاله من فنون الأدب هو جزء من الإبداع يظهر قدرة الناثر او الناظم على استخدام المفردة الواحدة في اتجاهات مختلفة، وبتعبير الأديب الكرباسي: (أما استخدام مثل هذه المجازات والاستعارات من قبل الأدباء فهو أمر مطلوب لأن من قوة الشاعر وإبداعه أن يتمكن من التلاعب بالألفاظ وبالاستخدامات)، وتاريخ نشأته قديم، فالأديب الناظم أو الناثر باللغة العربية حرص على التميّز من أجل أن يكون علماً بين قومه، وربما أرجع البعض نشأة الجناس الى العصر الجاهلي، وقد رصد المؤلف استخدام امرئ القيس المتوفى عام 80 قبل الهجرة استخدام المشترك اللفظي في القافية في إحدى قصائده، من الطويل، يقول فيها:

ألا أنعم صباحاً أيها الطلل البالي ... وهل ينعمن مَن كان في الزمن الخالي

ديار لسلمى عافياتٌ بذي خالِ ... ألحّ عليها كلُّ أسحَمَ هطّالِ

كُذبت لقد أصبى على المرء عِرسُهُ ... وأمنعُ عرسي أن يزَنَّ بها الخالي

ثم ينتهي الشاعر في الأبيات التي بعدها بمفردة الخال المتنوعة المعاني، وأما الخال الأولى في الأبيات الثلاثة إشارة الى من خلا ومضى، والثاني اسم موضع والثالث الغريب والمتوهّم.

وأما الجناس الذي تكون فيه القصيدة ذات مفردة واحدة من أول القصيدة الى آخرها، متجانسة اللفظ مختلفة المعنى، فإن ما توصّل إليه المؤلف أنه: (بدأ في عهد هارون العباسي "170- 193هـ" في بغداد ولكنه تطور فيما بعد حتى ظهر بحلته هذه في القرن الحادي عشر الهجري، ونظن أن ابن معتوق "1025- 1087هـ" هو من الأوائل الذين استخدموا الجناس بشكله المتواضع المقتصر على البيت والبيتين).

والجديد في هذا المضمار أن الأديب الكرباسي الذي يسعى الى التجديد في كل حقل من حقول المعرفة، غاص في بحر الجناس واستخرج 49 حبة لؤلؤ ضمت كل لؤلؤة قصيدة من عشرة أبيات أو أكثر توج مسبحتها بشاهود من خمسين بيتاً جلست على أريكة كل بيت قافية من قوافي اللآلي التسع والأربعين.

وجاءت القصائد الجناسية حسب الحروف الهجائية، على أن بعض الحروف نظم فيه الأديب الكرباسي أكثير من قصيدة، وهي حسب عناوينها وحروفها: "النشءُ"، "الفتى السكب"، "الصليب"، "الحاجب"، "الغربة والغرب"، "حب أهل البيت"، "الجث"، "الهمجُ"، "ولد المصطفى الوضحُ"، الذِّيخُ"، "الندى يا ندى"، الوردُ المورد"، "عليٌّ يدُ"، "النجدِ"، "العمودِ"، "العهدِ"، "الخنذيذ"، "السرُّ"، "النشر للنشر"، "أنا والغمر"، العصفورِ"، "مرمرْ"، "الوتيرة"، "عجوز في عجوز"، "الحلسُ"، "ربُّ العرشِ"، "البوص"، "العَرْض"، "السَّمْطُ"، "الجُواظ"، "الريع"، "الوَتَغْ"، "معاني العُرف"، "هو الحقُّ"، "الخيفقِ"، "الرَّوْقِ"، "الطبق"، "العَتْكِ"، "أهلاً"، "الخال"، "الهلال"، "الهوجل"، "العَلجَم"، "الركنُ"، "العينِ"، "الدينُ"، "الوجه"، السهوة"، و"الوحيُ، وأخيراً قصيدة "ختام الجناس" التي حملت الرقم (50)، وهي سنام الابداع في هذا النمط من الجناس، فهي من بحر الرجز المسدس ومطلعها:

جنِّسْ جنيساً بالجناسٍ الأجنَسِ ... مجنوُسُكُمْ جِنسُ الجِناسِ المُجنَسِ

فمفردة "جنِّسْ" أي وحِّدْ، والجنيس: الأصيل، الأجنس: الأكثر تجانساً، المجنوس: اللفظ الذي وقع عليه الجناس. الجنسُ: ماهية الشيء ومادته، الجناس: التآلف، المُجْنَس: المتآنس. ومعنى البيت:

وحّد أصيلاً بالأفضل تآلفاً ... عملكم بتوحيد الأشياء هو نوع من التآنس.

ومن الإبداع في جناس الكرباسي أنه أدخل اسم المعلق والمقدم في إحدى الجناسات كجزء من التوثيق، مخاطباً اياه من بحر المسدس المديد المقطوع وهو من مولدات الكرباسي في القصيدة الخامسة والثلاثين بعنوان "الخيفق"، ومطلعها:

أفصح يا صاحبي عن معنى الخيفقِ ... خذ يا شبِّينُ منِّي هذا خَيْ فَقِ

وفي آخرها:

زَمْزمْ عبد العزيز الهادي من جنا ... سٍ فيكمْ قد بَدا ضرباً من خيْفَقِ

ولأنّ الخطاب موجه الى المعلق والمقدم الدكتور شَبِّين، فإن جوابه أتى عبر شرح للكلمات فكتب عن الخيفق الأولى كمفردة لغوية قامت عليها قافية القصيدة في أحد عشر بيتاً، والثانية مركبة من "خي+ فقِ" فالأولى أمر من وخى يخي بمعنى تحرّى وتوجّه، والثاني أمر من وقى يقي بمعنى احفظ والفاء حرف عطف (أو من خي مخفف الأخ). وخيفق الثالث في آخر القصيدة بمعنى السريع.

في الواقع، إن ما جاء به الأديب الشيخ محمد صادق الكرباسي في هذا الديوان، قد لا يكون جديداً من حيث الجناس نفسه، ولكن أن تكون أبيات القصائد الخمسين كلها جناس فهو الجديد، وكما يؤكد الشاعر الدكتور عبد العزيز شَبِّين: (إن ديوان الجناس هذا يُعتبر فتحاً أدبياً وشعريا لم تَجُد به قرائح الشعراء منذ فجر التأليف الى يوم كتابة هذه السطور، ويُعدُّ رائعة لا نظير لها .. إن الشاعر الكرباسي بعمله المتفرّد قد وضع بصمات فارقة في سجل الشعر العربي .. ويُظهر الديوان من حيثُ معجمه تمكُّن صاحبه من اللغة وتبحّره فيها، كاشفاً بذلك عن إحكامه لأهم أدوات العملية الإبداعية في صناعة الشعر .. وبقصائده في الجناس يخطو صاحب الإيناس على درب الإبداع الشعري شامخاً بعمل يبقى وحيداً لا مثيل له في موضوعه وبابه).

تمهيد لدراسة فلسفة الدين اعداد وتحرير: د. عبدالجبار الرفاعي

614-jabarعن مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، وبالتعاون مع دار التنوير ببيروت، صدر الجزء الأول من "موسوعة فلسفة الدين"؛ بعنوان: "تمهيد لدراسة فلسفة الدين"، في 500 صفحة ..اعداد وتحرير: د. عبدالجبار الرفاعي.

الجزء الأول تم اعداده من أجل أن اعتماد موضوعاته للتدريس في الدراسات العليا في فلسفة الدين. ويمكن القول انه أول مرجع متخصص بالعربية في فلسفة الدين يجري اعداده بغرض اعتماده مقررا في التعليم الجامعي لفلسفة الدين. المشكلة انه ليس هناك مرجع منهجي متخصص لفلسفة الدين بالعربية. رغم ان فلسفة الدين هي الأفق البالغ الراهنية والاهمية في الدراسات الدينية اليوم.

مع الأسف؛ ان معظم من يتحدثون عن فلسفة الدين بالعربية يلتبس في تفكيرهم المفهوم، ويغرقونا في فائض لفظي، ربما تكون له صلة بكل شئ الا فلسفة الدين. وغالبا ما يجري خلط بين فلسفة الدين والفلسفة الاسلامية، او المسيحية، او اليهودية. ولم يدركوا ان فلسفة الدين هي "التفكير الفلسفي في الدين"، و هي الأفق الفسيح في الدراسات الدينية، الذي ينقذنا من دين داعش وشقيقاتها.

تتألف "موسوعة فلسفة الدين" من أجزاء عدة؛ يتناول كل منها القضايا الرئيسة في فلسفة الدين. الجزء الأول الصادر قبل أيام ببيروت، هو عبارة عن: "تمهيد لدراسة فلسفة الدين". ويتضمن نصوصا متنوعة تعالج؛ علاقة الدين والفلسفة، مفهوم فلسفة الدين، موضوعاتها، مجالاتها، مفهوم الدين، علاقة الدين والعقل، الايمان والعقل، وما له علاقة بذلك.

أنجز هذه النصوص فلاسفةُ دين ومفكرون وباحثون خبراء في فلسفة الدين؛ تتعدد مواطنُهم اللغوية وأديانُهم ومذاهبُهم، لكنهم يلتقون في مقاربة المسائل الدينية من منظور فلسفي، ويفكرون فيما هو مشتركٌ في الأديان، وعابرٌ للحدود الاعتقادية والإثنية والتاريخية والجغرافية والرمزية.

تتسع "موسوعة فلسفة الدين" في الأجزاء القادمة لموضوعات؛ التجربة الدينية، الهرمنيوطيقا، لغة الدين، المعرفة الدينية، الدين والعلم، التعددية الدينية، علم الكلام الجديد، الدين والأخلاق.

614-jabarيستهل محرر الموسوعة الدكتور عبدالجبار الرفاعي هذا الجزء ببحث يتناول: تمهيدا تاريخيا لفلسفة الدين، تحدث فيه عن العلاقة بين الفلسفة والدين في الغرب الحديث، وتوظيف العقل في التفكير اللاهوتي، ونشأة اللاهوت الطبيعي منذ القديس توما الاكويني 1224 – 1274، الذي يؤكد على امكانية الاستدلال العقلي على كافة المعتقدات اللاهوتية، من دون حاجة للاستعانة بالوحي. ويشدد الرفاعي على أن حضور ما يتصل بالله والدين كان لافتا في الفلسفة الحديثة، لكن الفيلسوف إيمانويل كانت 1724 – 1804 كان أول من قدَّم صياغةً فلسفية معمقة هامة للدين. وانه بالرغم من استدلاله على عدم امكان معرفة الله نظريا. لكنه دافع عن الأساس الأخلاقي للدين والاعتقاد بالله، في كتابيه: "نقد العقل العملي"، و"الدين في حدود مجرد العقل". وحين نفى كانت الاعتقادَ النظري بالله، رأى الاعتقادَ الأخلاقي راسخا لا يتزعزع. ذلك انه يعتقد ان: "مفهوم الله لا ينتمي أصلا الى الفيزياء، أو الى العقل النظري، بل الى الأخلاق". بل الايمان عند كانت يتأسس على الأخلاق، التي يحكم بها العقلُ العملي. بمعنى؛كما يقول كانت:"إن الأخلاق انما تقود على نحو لابد منه الى الدين.. الأخلاق مؤسسة على مفهوم الإنسان، الأخلاق لا تحتاج أبدا فيما يتعلق بذاتها الى الدين..بل، بفضل العقل المحض العملي، هي مكتفية بذاتها". الانسان لا يتحلى بالأخلاق لأنه متدين، وإنما يتدين لأنه أخلاقي. لذلك فليس من الخطأ توصيفُ فلسفة كانت بمجموعها بأنها "فلسفة دين".

اما جورج ويلهم فردريك هيغل 1770 – 1831 فقدم تفسيرا آخر، ترتكز فلسفته للدين فيه على "ان أساس الأشياء هو الحياة، أما الدين فهو رفع الحياة النهائية الى مستوى الحياة اللانهائية". ويشير الدكتور الرفاعي الى تنوع الآراء حيال فلسفة هيغل الدينية، فوصفها البعض بأنها "لاهوت مقنّع"، أو "صورة مقنّعة من صور الفلسفة المسيحية". ولعل تفسيرَه للروح المطلقة في فلسفته يشي بتطابقها مع وحدة الوجود الصوفية. وكان هيغل أول من اتخذ "فلسفة الدين" عنوانا لسلسلة محاضرات على تلامذته، في السنوات 1821 ، 1824 ، 1827 ، 1831 .وصدرت سنة 1832 ؛ بعنوان: "محاضرات في فلسفة الدين".

ثم يستعرض الرفاعي آراء لودفيغ فويرباخ 1804 – 1872 ، وكارل ماركس 1818 – 1883 ، في الدين، وكيف ان ماركس استعار من فويرباخ مفهومه للاغتراب الديني وإلحاده، إلاّ أن ماركس وجه نقدا قاسيا له، في كتابه: "أقوال تتعلق بفويرباخ" 1845.

كذلك أدان ماركس الروحَ المطلقة الهيغلية. وربطَ الدينَ ميكانيكيا بالاقتصادِ، ونمطِ تطور وسائل الانتاج وطبيعةِ الملكية والعملِ والصراعِ الطبقي. ورسمَ موازنةً "بين الدين والملكية الخاصة؛ الأول يؤلف الاغترابَ النظري للإنسان، والثاني يكون اغترابَه العملي، أو انشقاقَه مع واقعه الخاص".

لكن الرفاعي ينبه الى انه لم يتحقق حلم ماركس باختفاء الدين، مع تطور وسائل الإنتاج والتحولات الكبرى في شكل الملكية، ونمط الانتاج. بل ان ما تحقق هو انبعاث للدين في المجتمعات المعاصرة، و"انتقام الله لنفسه"، بعد أكثر من قرن من وفاة ماركس. ويعود ذلك - حسب الرفاعي - الى نضوبُ المعنى، وتفشي العدمية، وشيوعُ التشاؤم، وانطفاءُ التفاؤل والأمل، وذبولُ جذوة الحياة، وفشلُ المتع الحسية في إرواء الظمأ الأنطولوجي العميق للروح..وهي بمجموعها تحيل الى المتطلبات العميقة للروح البشرية، وحاجاتها الأبدية للوصال مع المطلق. كذلك يؤكد الدكتور الرفاعي على اختفاء الذاتُ الفردية في الماركسية، وكأنه ليس هناك سوى المجتمع، من دون ان تتنبه الماركسية الى ان الذات البشرية بطبيعتها؛ باطنية، داخلية، عميقة، تنطوي على أسرارها، وتتخصب وتغتني بمنابع إلهامها، وديناميكيتها الجوانية، وتتحقق على الدوام حين تشرع بوجودها وتجاربها الخاصة.

وذكر الرفاعي ان ظهور مصطلح فلسفة الدين للمرة الأولى في التفكير الغربي، يعود الى نهاية القرن الثامن عشر.

أما ما تعنيه فلسفة الدين، فإنها نوع من الفلسفة؛ تعتمد العقلَ في بحث وتحليل المقدسات والمعتقدات والظواهر الدينية وتفسيرها. ولا تتوخى الدفاعَ عن هذه المعتقدات وتبريرها، مثلما يفعل اللاهوتيون والمتكلمون، وإنما تهتم بشرح وبيان بواعث الدين ومنابعه في الروح والنفس والعقل، ونشأةِ المقدس وتجلياته في حياة الإنسان، وصيرورته وتحولاته في المجتمعات البشرية. ويوجز الرفاعي تعريفها بقوله: فلسفة الدين هي التفكير الفلسفي في كل ما يتصل بالدين؛ شرحا وتفسيرا وبيانا وتحليلا، من دون ان تتكفل التسويغ او التبرير أو الدفاع او التبشير.

ثم يصنف الاتجاهاتِ الأساسيةَ في فلسفة الدين، حتى أواخر العقد الثامن من القرن الماضي، في خمسة اتجاهات، تتناول: اتجاه الوجود - معرفة الله. اتجاه نقد الدين في الفلسفة التحليلية. الاتجاه المتأثر بالعلوم الإنسانية، وهو ايضا على ثلاثة مسارات مهمة: المسار المتأثر بتاريخ الأديان المقارن، المسار المتأثر بالعلوم الاجتماعية، المسار المتأثر بعلم النفس بشكل عام، وبالتحليل النفسي بشكل خاص. اتجاه الفنون اللغوية وفعل الكلام الديني، المتأثر بفيتغنشتاين المتأخر. اتجاه هرمنيوطيقا لغة الدين.

بعد ذلك شرح الرفاعي القضايا المشتركة بين الأديان التي تبحثها فلسفة الدين، مثل: ماهية الدين، وجود الله، مشكلة الشر، حقيقة الايمان وبواعثه وأنماطه، الوحي والإيمان، التجربة الدينية، المعجزات والكرامات والخوارق، الخلود والبعث والقيامة، التعددية الدينية، الدين والعلم، المعرفة الدينية، الدين والأخلاق، لغة الدين، الهرمنيوطيقا..

وأخيرا يتحدث الرفاعي عن البواعث التي دعته لإصدار هذه الموسوعة، فيكتب:

"في هذا العصر صدرت بعض الموسوعات ودوائر المعارف العربية العامة والمتخصصة، بجهود جماعية وفردية. لكن لم تظهر حتى اليوم موسوعة تهتم بـ"فلسفة الدين"، رغم ضرورة تدشين الدراسة والبحث في هذا الحقل البالغ الأهمية والراهنية في الدراسات الفلسفية والدينية . ولاشك ان "فلسفة الدين" حقل لم يتعرف عليه معظمُ دارسي الفلسفة والدين العرب الا قريبا، وحتى الآن لا نعثر الا على كتابات محدودة فيه، وتفتقر المكتبة العربية الى المراجع الأساسية في هذا الحقل، اذ لم تترجم النصوص الأساسية لفلاسفة الدين الغربيين في فلسفة الدين، من الألمانية والفرنسية والانجليزية. من هنا أخذ "مركز دراسات فلسفة الدين"، على عاتقه؛ بإمكاناته المادية الشخصية المتواضعة، اعدادَ وتحرير "موسوعة فلسفة الدين"، بالعربية؛ وهي محاولة أولية، وخطوة على الطريق الطويل. تضم هذه الموسوعة مجموعة بحوث ومقالات وحوارات جادة في قضايا فلسفة الدين، مترجمةً عن الألمانية والفرنسية والانجليزية والفارسية، بموازاة مساهمات قليلة مما هو مدون بالعربية. ولم نشأ اللجوءَ للنصوص المترجمة، لولا عدم توافر كتابات عربية في هذه الموضوعات حتى هذه اللحظة".

وختاما يشير الدكتور الرفاعي الى طبيعة البحوث والمساهمات المنشورة، فيقول: "انه بوصفه محررا لموسوعة فلسفة الدين، لا يذهب الى وجود كتابة تتحرر من أفق انتظار كل إنسان ورؤيته الكونية، وكينونيته الوجودية، كما تقول الهرمنيوطيقا، الا ان تكوينَ وموهبة المفكرين والباحثين المنشورة مساهماتهم في الموسوعة، ونمطَ عقلانيتهم التي تنتمي الى العالم الحديث، ومنطقَ تفكيرهم، وأدواتِ بحثهم، ومنطلقاتِهم، ووجهتَهم في البحث، وحريتَهم..كلُّ ذلك يجعل النصوصَ المنشورة في هذه الموسوعة معبرةً عن رؤية علمية، تصدر عن عقلانية الحداثة، ورؤياها الحرة الفسيحة، الجسورة، ومغامرتها في المراجعة والنقد، بل شجاعتها في تقويض وإبطال مفاهيمها ومواقفها، وعبورها؛ لحظة اكتشاف تهافتها".

ويضم الجزء الأول من الموسوعة، والذي يشكل مدخلا للموسوعة وتمهيدا لدراسة فلسفة الدين، الموضوعات التالية:

فلسفة الدين: تمهيد تاريخي، د. عبدالجبار الرفاعي. الفلسفة الدينية أو الدين الفلسفي، د. فضل الرحمن . بين الإيمان والفلسفة، اسبينوزا. عن جوهر الدين، شلايرماخر.

عن الدين: خطابات لمحتقريه من المثقفين لشلايرماخر، رودلف أوتو. الدين والعقلانية، مصطفى ملكيان. العقل والإيمان: دراسة مقارنة بين إبن عربي وكيركگورد، د. محسن جوادي. ثلاث قراءات في عصر الحداثة، محمد مجتهد شبستري. قوى الدين المتعددة، كريغ كالهون. الدين في العالم المعاصر، د. عبد الكريم سروش. الدين في العالم المعاصر، محمد خاتمي. فلسفة الدين: المجال والحدود، مصطفى ملكيان. مفهوم فلسفة الدين، د. محمد لغنهاوزن. فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، محمد رضا كاشفي. فلسفة الدين عند سبينوزا، د. قيس هادي أحمد. فلسفة الدين عند كيركگورد، د. حسن يوسف. فلسفة الدين عند برجسون، د. قيس هادي أحمد. الإلهي؛ المقدس والدين في فلسفة هيدغر، د. إسماعيل مهنانة. فلسفة الدين من منظور الفكر الإسلامي، د. أبو يعرب المرزوقي. الإنسان بين المقدس والدنيوي، روجي كايوا. كيف نضفي القداسة على حياتنا؟، عبد النور بيدار. حين يلتقي الديني بالثقافة، أوليفييه روا.

من أعماق السجون .. نقرة السلمان قيود تحطمت

صدر في بغداد كتاب بعنوان (من أعماق السجون .. نقرة السلمان قيود تحطمت) من تأليف السيد عبد القادر أحمد العيداني، وهو مجموعة من الحكايات تروي الكفاح الملحمي للشيوعيين العراقيين في سجن نقرة السلمان الشهير حيث الصمود والبسالة والاصرار على التضحية للفترة (1963 ــ 1968) وهي الفترة التي قضاها المؤلف العيداني في ذلك السجن الرهيب. مقدمة الكتاب هي قول للإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) مخاطبا هارون الرشيد من سجنه (لن ينقضي عني يوم من البلاء حتى ينقضي عنك يوم من الرخاء) ورغم ما للقول من دلالة ومعنى وتحدي للطغيان ولكن موقعه هنا يشير الى مدى تمسك الشيوعيين العراقيين بأديانهم ورموزهم الدينية وذلك عكس ما يشاع عنهم من خصومهم، وبالمناسبة فان السيد العيداني ادى مناسك العمرة قبل فترة ويطمح الى حج بيت الله الحرام وهو كان ولا يزال من عتاة الشيوعيين العراقيين. بعد المقدمة اهدى العيداني جهده هذا الى الأم العراقية التي انجبت خيرة المناضلين حيث تنتقل بين السجون والمواقف والمعتقلات طول البلاد وعرضها ومنهن والدته (فهيمة خضير الاسدي) وما عانت من الطغاة في سبيل زيارة ولدها في السجون، كذلك يهدي الكتاب الى اخويه وزوجته واولاده وأحفاده ورفاقه في الحزب الشيوعي العراقي والى كل المناضلين العراقيين ممن دخلوا السجون ومنهم رفاقه سجناء نقرة السلمان .

بعد الاهداء ينتقل الكاتب الى التوطئة التي تتضمن سيرة ذاتية موجزة، ولادته في محافظة البصرة قرية (كوت السيد)، نشأته، دخول المدرسة، انتفاضة عام 1952 وبواكير الوعي الفكري والسياسي مع أول منشور للحزب الشيوعي الذي أثار ذعره فرماه في قارعة الطريق ليأتي بعده مشوار النضال الشاق والعسير وصولا الى ثورة 14 تموز 1958 حيث نضوج وعيه السياسي ليصبح العيداني عضوا في اتحاد الطلبة العام في العراق وينشط مع رفاقه في تطبيق سياسة الحزب في مدينة البصرة، وصولا الى الانقلاب الاسود في 8 شباط 1963 واثناء عودته من مهمة حزبية يلقى القبض عليه من احدى مفارز الحرس القومي وبتشخيص من زملائه في المدرسة لتبدأ رحلة المعاناة والتعذيب انطلاقا من الفلقة وحتى التعليق بالشبابيك الى حد الاغماء مرورا بالعديد من المعتقلات والسجون ومراكز التحقيق مع نماذج منحطة من المحققين والسجانين لينتهي به المطاف بالترحيل الى سجن نقرة السلمان على أثر انتفاضة البطل حسن سريع بقافلة يطلق عليها العيداني قافلة الموت تشبها بقطار الموت الذي انطلق من بغداد الى السماوة في نفس الفترة، اما قافلة الموت فكانت من البصرة الى سجن نقرة السلمان بعد جمع عدد كبير من مناضلي مدينة البصرة ومن مختلف السجون والمعتقلات وحشرهم في سيارات خشبية مستهلكة في جو قائض من حرارة الصيف واعاصير رملية في مسيرة استمرت لأكثر هن 36 ساعة، ثم يدرج لنا الكاتب نبذة عن قضاء السلمان وسجنه الرهيب سجن نقرة السلمان. لينطلق نحو الموضوع الاصلي للكتاب وهو تفاصيل الحياة اليومية لسجناء نقرة السلمان مرورا بكل صغيرة وكبير وبالتفصيل وما يتخلل ذلك من مواقف ظريفة رغم قساوة السجن والسجانين، بالإضافة الى مراسيم الاحتفالات بالأعياد الوطنية والاممية في السجن ونشرة الاخبار السجنية وفريق اعدادها وطريقة الاعداد كذلك التقاط اللاسلكي والمخابئ والبريد الحزبي. ثم يوثق لنا العيداني عمليات هروب المناضلين الشيوعيين من سجن نقرة السلمان لتوجيه لطمة للطغاة واساليبهم القذرة والالتحاق بالحزب ومواصلة النضال، فخلال فترة الحكم الملكي يدرج لنا الكاتب تفاصيل عملية الهروب الناجحة للشهيد الخالد محمد حسين ابو العيس وهو تحت الاقامة الجبرية في قرية السلمان وبالقرب من السجن بعد انتهاء مدة محكوميته. وهنالك ثلاث محاولات هروب حصلت في الفترة (63 ـ 68) التي عاصرها الكاتب ويرويها لنا بشخوصها. ثم يسرد لنا نماذج من مهازل المحاكمات الجائرة التي لا مثيل لها في التاريخ واشهرها بطلها الحاكم عبد الله النعساني ومجالسه العرفية العسكرية في العهد الملكي. ثم ملف بعنوان شهداء ومناضلون من سجن (نقرة السلمان)، تتخلله صورة لكل شهيد او مناضل وبعضها صور نادرة، يفتتح الملف بالشهيد الخالد صلاح الدين احمد واستشهاده الذي يفوق التصور بعد هروبه من السجن وهو محكوم بالإعدام وينتظر التنفيذ، ويليه الشهيد الخالد هندال جادر العامل البصري وسيرة نضاله واستشهاده، ثم المعلم والمربي يحيى (ق) ويكتب عنه تحت عنوان رجل لا يخاف في اشارة الى عبارته المأثورة امام مسؤولي السجن وبلهجته الموصلية (يحيى ق . . يحكي وما يخاف) يعرج بعدها على ابطال الموانئ في محافظة البصرة وهم يتحدون المشانق ليروي لنا حكايتهم، والمحطة الخامسة من الملف بعنوان : ابو سرحان .. المناضل والشاعر والشهيد والتي تسرد لنا سيرة الشاعر الشهيد ذياب كزار المكنى بأبو سرحان، ويسترسل العيداني في سرد سيرة رفاقه في السجن مرورا بالقائد العمالي صادق جعفر الفلاحي وابن الناصرية الاسطوري طعمة مرداس والرجل الاممي عبد القادر اسماعيل البستاني ويختمها بالسجين المثالي والقائد المتميز سامي احمد العامري .

بعدها يعرض لنا المؤلف مواقف رجولية وتحد للطغاة لسجناء نقرة السلمان ابطالها هم عبد الكريم علي الشذر الرجل الذي لم يدخل اليأس الى قلبه، وجوهر صديق شاويش ابن الجبل الاشم، وقدوري .. العظيم ونبله الانساني، ليستعرض سيرة رجل (عبد القادر العزاوي) من ابطال قواتنا المسلحة لا يقرأ ولا يكتب دخل السجن بسبب دفاعه عن ثورة 14 تموز ومكتسباتها، فتعلم القراءة والكتابة بطريقة رفيقه السجين يحيى ق لتبرز لديه بعد شهور موهبة شعرية تفوق التصور متأثرا ومولعا بالسياب، اصدر قدوري بعد اطلاق سراحه مجموعة شعرية أثارت الكثير من النقاد وعمل في الصحافة العراقية .

وقبل الختام يحاول العيداني ان ينصف رجلا كان احد رواد الفكر القومي التحرري وهو المرحوم عبد الرحمن البزاز ليخصه بملحق بعنوان (عبد الرحمن البزاز .. في معتقل قصر النهاية) يستعرض فيه بعضا من خصل ومميزات شخصية البزاز من خلال رفقته في معتقل قصر النهاية ومحاورته، والتي بعضها اخذت شكل المشاكسة او المزاح والتي تركت انطباعا جيدا عن البزاز لدى العيداني ودفعته ليستعرض لنا اهم مؤلفات البزاز، وكذلك تغيرت نظرة وموقف البزاز من الشيوعيين بعد مخالطتهم عن قرب ومواقفهم الانسانية معه ولعل تلك واحدة من ايجابيات السجون والمعتقلات .

ينهي المناضل العيداني كتابه الممتع هذا بالملاحق والصور، الملاحق حول المراسلات بينه وبين جاسم المطير في مرحلة اعداد المطير لكتابه حول نقرة السلمان، فيشير العيداني الى جملة من الملاحظات منها المرور السريع والخاطف للمطير على موقفه الضعيف امام اللجان التحقيقية بعد اعتقاله على اثر انقلاب 8 شباط الاسود وهو الذي كان على قمة الهرم القيادي في البصرة، وكذلك ادعاء كونه احد المساهمين في تحرير الجريدة السجنية، فينفي العيداني ذلك من خلال الكثير من المواقف والقرائن التي تنفي ذلك، وكذلك مروره السريع على ما يسمى بقافلة الموت لنقل مناضلي مدينة البصرة من السجناء والمعتقلين الى سجن النقرة بعد انتفاضة معسكر الرشيد في تموز 1963، في حين وصف العيداني تلك الحادثة بالتفاصيل في بداية الكتاب ليعود ويوثق اسماء كل او غالبية ركاب تلك القافلة من المناضلين خلال رده على المطير في الملحق، وعليه نقول لقد اعتاد المطير على التستر او الابتعاد عن اخطاءه او سلبياته وحتى سقطاته او المرور عليها مرور الكرام، مع التشبث بالمواقف الحسنة والبطولية ومحاولة ركوب موجتها وعملقة دوره فيها وتقزيم أدوار الآخرين والكتابة عنها بعد ان يكتب الاخرون ويجف حبر اقلامهم وسلفنة كتاباته تلك بأسلوب أدبي روائي مستغلا قلمه السيال في محاولة مكشوفة لاستغفال القارئ والمتابع المستجد. أما صور العيداني فما اكثرها واندرها في ارشيفه القيم، لتأرشف للكثير من الاحداث والشخوص والمناسبات واغنت كثيرا الكتاب ومواضيعه، الكتاب جاء بـ (256 ) صفحة من القطع المتوسط ومن اصدارات مؤسسة السجناء السياسيين / السلسلة الذهبية لأدب السجون، الاصدار العاشر .

تحية للمناضل عبد القادر احمد العيداني على جهده الرائع هذا في أرشفة وتوثيق وتصوير المواقف والاحداث السجنية مرورا بكل رفاقه وزملاءه في النضال والعمل الحزبي في السجون وخارجها دون ان ينسى الجنود المجهولين منهم الذين تجاوزتهم عربة الزمن والتاريخ لسبب او آخر .

 

بغداد / 28 ـ 9 ـ 2014  

حول كتاب "مدارات صوفية" للمؤلف هادي العلوي

تقديم: يرى الباحث المفكر هادي العلوي، من الناحية النظرية، أن سبب انتكاس التجربة الإشتراكية المعاصرة في أوربا يرجع إلى عدم توفر القاعدة الشيوعية المناسبة لها؛ وأن سبب إنتكاس التجربة المشاعية القديمة في آسيا يرجع إلى عدم إكتشاف المشاعيين المنهج العلمي، لإدارة الصراع الطبقي، واستلام السلطة.وانطلاقا من تعليله هذا، يبني نظريته، دامجاً بين تراث الفكر المشاعي المحلي (الشرقي)، والفكر الماركسي الإجتماعي (الغربي)، معتبرا الأول نسخة الشيوعية الأصلية، والثاني نسختها الحديثة.ولهذا لا يحسب الشيوعية فكرة وافدة من أوربا للشرق، بل هي اسم جديد لمسمى قديم.وقد عرض هذه النظرية التدامجية، على الشيوعيين العراقيين لمناقشتها، تحت عنوان:"التنظيم المشاعي للمجتمع" (انظر مجلة الثقافة الجديدة، العدد217، لشهري آب وأيلول 1996م.)...

وتراث الفكر المشاعي المحلي (الشرقي) في بحوث هادي العلوي يتكون من جزئين:تراث الحكمة الصينية الذي ألف فيه كتاب "التاو"في1995م، وتراث التصوف الإسلامي الذي ألف فيه كتاب "مدارات صوفية"في1997م. وبهذا المؤلف الأخير تكتمل أجوبته على الأسئلة الملحة التي تثيرها الأزمة المحلية والعالمية، كاسرا الصمت ، لزحزحة العوائق الثابتة ، في طريق الإنسان المعذَّب في الأرض ، بحثا عن خلاص. لذا رأيتني، بدافع المسؤولية الإجتماعية ، لا الترف الثقافي، أتناول كتابه "مدارات صوفية"، بالتحليل لعرض محتواه ، وكشف دلالتيه: الظاهرة والباطنة، مساهمة في عملية التغيير المشتركة، وتجديدا لذكر فقيد الفكر الإنساني، والوطنية العراقية العلامة الراحل هادي العلوي الذي ستصادف ذكراه السنوية السادسةعشرة في اليوم السابع والعشرين من شهر أيلول الجاري لسنة 2014م ...

 

الفكرة الرئيسة:

تدور فكرة الكتاب الأساسية حول النضال من أجل "الخلق"، أي من أجل الجنس البشري كله، من حيث جوهره الإنساني، بغض النظر عن اللون أو العرق أو الدين، انطلاقا من تراث التصوف الإسلامي كمحور رئيس يتداخل مع الحكمة الصينية، والماركسية الإجتماعية، لتحقيق العدالة الإنسانية اجتماعيا، بإشراف "المثقفين الكونيين" ، كما يصطلح عليهم العلوي، أي المشاعيين الفعليين (مدار النون :ص11- ص30).وقد بني محتوى الكتاب في جملته على وحدتين متعارضتين، تتصارعان فيما بينهما حول الإنسان.الأولى تريد أن تشبعه وتعزّه، وهي تتكون من ثلاثة عناصر: المتصوفين المسلمين- وهم جوهر البحث-، والحكماء الصينيين، والماركسيين الإجتماعيين.والثانية تريد أن تفقره وتذلّه، وهي تتكون من ثلاثة عناصر أيضا: الحكّام ، والأغنياء، ورجال الدين.وعناصر كل وحدة تترابط فيما بينها، وتتداخل في علاقة شبكية لتكوين بنائها العام المتضاد مع بناء الوحدة الأخرى المترابطة عناصرها فيما بينها، والمتداخلة في علاقة شبكية كذلك.ولأن العلوي يرى أن الحقيقة الصوفية ظاهرة فردية من فعل "الأقطاب" أطلق على موضوعه مصطلح" التصوف القطباني"وليس التصوف مطلقا.وبوصفه "القطباني" يكون قد قصره على كبار التصوف، وأخرج منه صغاره الذين لا يعبرون عنه (مدار الميم: ص53- ص102). ولأن هذه الحقيقة الصوفية تشوهت في الفترة العثمانية، حدد نهايتها الزمنية في القرن التاسع الهجري، لإخراج الدروشة منها.. ولكي يعيد إلى التصوف صورته، كما هي، أسقط عنه الشوائب التي علقت به من الدخلاء عليه، أو ممن كتبوا عنه من المستشرقين، والكتّاب العرب المعاصرين. وصنّفه إلى ثلاثة أصناف: الأول التصوف الإجتماعي. والثاني التصوف المعرفي- الفلسفي.والثالث التصوف الإهتيامي.ثم ألحق به التصوف الكردي، ونصوصا شعرية قديمة وحديثة، وبيانا عن"تشكيل الهيئة المشاعية للشعب العراقي"(المدار الأخير:ص227- ص262)...

 

أولا- التصوف الإجتماعي:

وهو يمثل الجانب العملي من التصوف في الصراع الطبقي، والعنصر الفاعل؛ لأنه حركة نضالية تاريخية في الساحة الآسيوية. يرافقها حكماء الصين والمسيح، ضد سلطة الدولة وسلطة المال اللتين تتحملان مسؤولية المأساة الإنسانية، ويتأسس مذهب هذا الصنف التصوفي في معارضة السلطتين المذكورتين على المبدأ الآتي: إن تراكم الثروة الإجتماعية لدى فئة الحكّام ، وفئة الأغنياء، يؤدي بالضرورة إلى نتيجتين: حرمان الأكثرية وترف الأقلية. وحرمان الأكثرية يؤدي إلى إفقارها وإذلالها.فالفقر يمنع الإنسان من حقه الطبيعي في الحياة. والذل يمسخ جوهره البشري.كما أن ترف الأقلية يؤدي إلى فساد المترف، وإفساد غيره.ولذلك تكون سلطتا الدولة والمال مصدرين أساسيين للطغيان، يوجبان معارضتهما دفاعا عن حقوق الخلق (الناس). والمتصوفون الإجتماعيون، كما يرى هادي العلوي، يتفاوتون في درجة النضال الإجتماعي. وحين جرب "الحلاج" مشروع الثورة المباشرة على السلطتين آنفتي الذكر، لإقامة الدولة المشاعية، ، وانتهت به ثورته إلى الصلب، انحصر نضال الآخرين من بعده على الثورة غير المباشرة التي اعتمدت على تطبيق السلوك الفردي المعارض.مثل: (عدم جواز العمل مع الحاكم، وخدمته، ومشاركته في أي فعل، وعدم جواز القبض منه لأن ماله حرام، وعدم جواز الأخذ من مال الصدقات لأنها تفضّل الأغنياء بينما يجوز الأخذ من مال الزكاة لأنها واجبة ومنتزعة بالقوة، وعدم جواز معيشة الصوفي من مصدر غير مصدره الشخصي، كالعمل اليدوي، لأن العمل فريضة واجبة، وتحريم اكتناز الأموال وتحريم منعها عن الفقراء...) إلى آخره. (مدار الميم: ص33- ص102). ومن أهم المتصوفين الإجتماعيين بعد "الحلاج" هو"عبد القادر الجيلي" أو(الكيلاني) الذي كان يرى أن أصحاب السلطة لصوص، والذي أصدر دعوة لنهب أموال الأغنياء وتوزيعها على الفقراء، متمنيا لو أن الدنيا في يده ليطعمها الجياع. ومنهم "النفِّري" الذي وضع مشروع الدولة المشاعية قيد العمل منتظرا فجرها المرتقب..والتصوف الإجتماعي ، في رأي العلوي، ليس عقيدة، وإنما هو موقف إجتماعي معارض.يبدأ بـ "إبراهيم بن أدهم"حتى "عبد القادر الجيلي"ويلتقي مع حركة المسيح المشاعية التي انطلقت نضالا إجتماعيا وانتهت بعد صلبه ديناً.والموقف، على رأي العلوي، هو الذي كان يحدد درجة العلاقة بين الدولة الشرقية والمثقف سلبا أو إيجابا.لأن سلطة الدولة لم تحارب الثقافة لأنها ثقافة، بل حاربت المثقف المنحاز طبقيا ضد مصالحها.وعلى الرغم من اعتقاد المثقفين المعاصرين أن الموقف الإجتماعي قد فشل، فإن جوهره باقٍ مع الحياة، يأتي بين حين وآخر بأعراض جديدة كما عادت روح المسيح وأهل التاو وأهل التصوف بأجساد البلاشفة الروس، والشيوعيين الصينيين، في العصر الحديث.ويدعونا العلوي إلى التجريب، وعدم الإستسلام إلى اليأس قائلا:" نحن الآن في نقطة الصفر.. ويمكننا أن نبدأ بداية قوية وصحيحة بعد أن جربنا وسقطنا وجربنا وسقطنا وجربنا و.. وقد نجرب ولا نسقط".ويقدم لنا أمثلة نموذجية من الأعلام الإنسانية التي تتباين مكانا وزمانا، وتتماثل موقفا وأخلاقا، للإقتداء بسلوكهم الأممي العالمي في اختيار الموقف وثباته. وقد أفرد لهم معظم "مدار الباء" (مدار الباء: ص103- ص158) في كتابه، وسماهم "الأبدال" وهم:"لاوتسه، أبيقورس، موتسه، منشيوس، تشوانغ تسه، يسوع الناصري، مزدك، أبوذر الغفاري، روزبه الأصفهاني(سلمان الفارسي)، عامر العنبري، إبراهيم بن ادهم، الحلاج، النفَّري، أبو العلاء المعري، عبد القادر الجيلي، شاويونغ، غوته، كارل ماركس، لينين، تولستوي، ايغارلويوها نسون"...

 

ثانيا- التصوف المعرفي (الفلسفي)

إذا كان التصوف الإجتماعي يمثل الجانب العملي، فإن التصوف المعرفي يمثل الجانب النظري الذي يدعمه في الصراع الطبقي.وإذا كان التصوف الإجتماعي يتعارض مع سلطتي الدولة والمال؛فإن التصوف المعرفي يتعارض مع سلطة الدين، ويتميز باقتصار أقطابه على التنظير دون الإنخراط الفعلي في ساحة النضال باستثناء "الحلاج"..وهو يبدأ، أي المعرفي، بـ"أبي يزيد البسطامي"ممهِّدا، ثم يبلغ ذروته المعرفية مع الفيلسوف "ابن عربي"، مرورا بـ"أبي بكر الشبلي" و"الحلاج"، واستمرارا بـ"عبد الحق بن سبعين"، واختتاما بـ"عبد الكريم الجيلي"...

تتعارض نظرية الصوفية معرفيا مع الدين في مفهوم الألوهية، وفي مفهوم النبوة، وفي علاقة الإنسان بهذين المفهومين:إن العلاقة بين الله والإنسان، كما يصورها الدين، هي علاقة عبودية بين عابد ومعبود.تتأسس على الترغيب والترهيب؛والصوفية تريد أن تسمو بها، من المستوى العبودي إلى المستوى الندَّي.فالبسطامي، مثلا، حين يخاطب الله قائلا:" كل العالم عبيدي غيرك" ينكر العلاقة العبودية بين الخالق والمخلوق، فالوجود علاقة تبادلية بين الله والإنسان:وجود الله بوجود الإنسان، ووجود الإنسان بوجود الله، كما يقول "ابن عربي": نحن جعلناه بمألوهيتنا إلهاً".و"الحق" أي الله كالماء الذي يأخذ لون الإناء"المتجلّي" فيه.فوجوده مفتقر إلى الموجودات لأنه موجود بها، ووجود الموجودات مفتقر إلى وجوده لأنها موجودة به.فالمخلوق هو الخالق، والخالق هو المخلوق؛كما يصور البيتان الشعريان التاليان هذه العلاقة الجدلية في الوجود:

"فيحمدني وأحمده = ويعبدني وأعبده/لذاك الحق أوجدني = فأعلمه وأوجده"...

ووحدة الوجود في تدامجها بين الموجود والموجد عند "ابن عربي"، هي وحدة تضادية.فليس من شئ في الوجود إلا هو ضدّه. وتلتقي هذه الضدية الصوفية (الإسلامية) مع الضدية التاوية (الصينية) ومع الضدية الديالكتيكية (الماركسية).ويفرق المتصوفة بين إله الأديان والإله المطلق.فإله الأديان ليس جوهره واحدا بل هو متعدد.وإله المتصوفة هو ذات مجردة.هي روح الكون كله.والكون عند "ابن عربي" يديره قانونه الداخلي، وليست القوة الخارجة عنه، والإله الذي يعبده المؤمن هو المحدود وليس اللامحدود. ولعدم محدودية اللامحدود فأنه لايدخل المحدود (أي قلب المؤمن). ويبدو أن في وحدة الوجود نفيا لمفهوم الخالق.ولكن هذا النفي لايعني المادية الصرفة، لأن في حيوية الروح الكونية التي يؤكدها المتصوفة تمييزا بين المادية الصوفية والمادية الصرفة. وإله المتصوفة الذي هو "الحق" يتوزع على جميع الأديان السماوية والوثنية. فليست هناك من حقيقة دينية، يستأثر بها دين دون آخر.والآلهة تختلف.ولكن إله كل مُعتقِد به هو إلهه الحق، ولا يجوز تكفيره.لذا يفضل المتصوفة مصطلح "الحق" بدلا من الله، ومصطلح"الخلق" بدلا من المسلمين. وحول العلاقة بين الحق والخلق، وبين الخلق أنفسهم، يقول:"ابن عربي": "الكل مشهود وشاهد.والكل فاضل ومفضول.فإن قال أحدهما: أنا.قال الآخر له:أنا. وإن قال أحدهما: أنت. قال الآخر له: أنت". والمتصوفة ربوبيون كلهم، ولكنهم ينكرون النبوات.فالنبوة باطلة عندهم من حيث هي واسطة تتعارض مع التوحد الوجودي المباشر بين المتصوف وإلهه المطلق الذي هو عينه وفيه.ولكنهم لا يحسبونها كذبا وإنما هي تخيّل. ووحيها من الداخل لا من الخارج. ويقول أحد المتصوفة في معنى الإستغناء عن الوحي: "إن الرسل طوّلت الطريق إلى الله" قاصدا كثرة الفرائض، والتكاليف الدينية. وجعل المتصوفة "الولاية"تكافئ النبوة. وقد يكون الوليّ هو الأفضل. لأن علاقة النبي بالله هي علاقة عابد ومعبود؛ وعلاقة الولي بالله هي علاقة محب ومحبوب.وشتان بين العبودية والمحبة علاقة. ويبرز التعارض الصوفي معرفيا مع الدين في أعلى درجاته، حين يصرح المتصوفة بعدم العدالة في تفاوت الرزق بين الخلق في الدنيا، وعدم العدالة في تعذيبهم في الآخرة تعذيبا لا يتناسب في أبديته مع نوع خطاياهم.وهم يريدون من هذا الإحتجاج تعديل صورة الدين لكي ينفوا عن "الحق" صفة الجلاد، وصفة التاجر، كما يقول العلوي، وصفة الإله المجسم الذي يبدو صنماً للوثنيين، وإمبراطوراً يجلس على العرش للسماويين؛قاصدين إراحة "الخلق" من المتاعب، ومساواتهم في العيش والكرامة الإنسانية (مدارالميم: ص57- ص102)...

 

ثالثا- التصوف الإهتيامي(الرومانسي)

عرفه المؤلف العلوي انه:"هو الذي يدور حول الحب والجمال. إلهيا كان أم بشريا" وجوهره المحبة. والمحبة هي محور التصوف بأصنافه الثلاثة، ورابطة أقطابه كلهم؛ لأنها أساس الوجود بالنسبة إليهم، وسبب الجذب فيه.ويراها "ابن عربي" هي الدين الذي يمكنه أن يوحد البشر جميعا على الخير.والمحبة عند المتصوفة أقسام:حسية ونفسية وقلبية وعقلية وروحية.والحسية هي أدنى مراتبها.والروحية هي أرقاها:المحبة الحسية هي التي يحب بها المؤمن الله لإحسانه إليه.والمحبة الروحية هي التي يحب بها المتصوف "الحق" لذاته المجردة لا لأفعاله، لأنه لا يرجو فيها من محبوبه ثوابا، ولا يخشى منه عقابا.وحين يبلغها تزول الحجب بين المحب والمحبوب.وقارن العلوي في هذا الصنف من التصوف بين حب الشعراء وحب المتصوفة.وبين حب المرأة وحب الرجل.وعزا الإنحراف في الحب المعاصر، في الغرب وفي البلاد العربية، إلى تقدم المدنية..ثم مرَّ بأعلام التصوف الإهتيامي.ووقف عند "رابعة العدوية" من النساء، وعند "ابن الفارض" من الرجال.ولم يستغرق في هذا الصنف، كما استغرق في صنفي التصوف الإجتماعي والتصوف المعرفي، وهو صنف غزير المادة، ولعله لم يرد أن ينأى عن غايته التي حددها.وهي التصوف الإجتماعي الذي اكتشف فيه "النضال من أجل الخلق"، وما أورد هذا الصنف إلا لتكتمل صورة التصوف في البحث.(مدار الهاء: ص159- ص176.)...

وبعد أن قدمت لكتاب"مدارات صوفية"، وعرضت أهم مضامينه الأساسية باقتضاب شديد؛ أحاول الآن أن اكشف ما يدل عليه هذا الكتاب ظاهريا وباطنيا، لإستكناه أهميته الفكرية والإنسانية في عصرنا الحالي...

 

الدلالة الظاهرة والدلالة الباطنة:

كتاب "مدارات صوفية" هو من أخطر ما ألف هادي العلوي من مؤلفات.وفيه خطورتان:الأولى مباشرة. سمَّيتها: الدلالة الظاهرة.لأنه يضاد سياسيا ودينيا واجتماعيا جميع مراكز القوى المحلية التي تبدو منقسمة بتناقضاتها الثانوية شكليا، ولكنها متوحدة بمصالحها الرئيسة المشتركة ضد أي مثقف جرئ يتمرد على ثوابتها المقدسة ، لتصفيته جسديا أو فكريا.والثانية غير مباشرة.سمّيتها الدلالة الباطنة.لأنه يضاد مركز القوة العالمية التي تدير المجتمع بواسطة تثبيت تلك القوى المحلية لتحقيق مصالحها، واستمرار نفوذها في المناطق الغنية اقتصاديا.إن الدلالة الظاهرة في كتاب "مدارات صوفية" تكمن في ربط الحاضر بالماضي، بصورة منفتحة على التجربة الإنسانية الكونية، انطلاقا من تراث التصوف الإسلامي، وتركيزا على منحاه الإجتماعي المناضل، في معارضة سلطة الدولة وحكامها، وسلطة الدين ومدعيه، وسلطة المال ومترفيه؛لتحقيق غايتين: أولاهما: تحويل الأموال الخاصة إلى أموال عامة، لحفظ قيمة الإنسان ماديا ومعنويا. وثانيتهما: تكوين شخصية ثقافية فاعلة مبنية على الموقف الإجتماعي لا العقيدة. الغاية الأولى تتعلق ببناء الشيوعية من القواعد الشعبية الى القمة.وليس العكس الذي أدى إلى فشل تجربتها الإشتراكية.والغاية الثانية تتعلق بالثقافة المحلية المعاصرة: فالمثقفون الحاليون، كما يصفهم هادي العلوي، منعزلون تماماً عن القاعدة الشعبية في المجتمع .يطالبون بحقوقهم الثقافية الخاصة ؛ معتبريها حقوق الشعب، ويقيسون وطنية الدولة على مقدار رعايتها الثقافة، مستمدين هذا المفهوم من مصادر الثقافة الغربية المترجمة، والناتجة عن ظروف مختلفة عن ظروفنا الخاصة.فهم مشغولون بالنظرية الثقافية، لا بالإلتزام الإجتماعي، وبذواتهم لا بالآخرين.وقد يحمل بعضهم عقيدة إنسانية ولكنه لا يحمل قلبا إنسانيا. وأرجع العلوي فساد الثقافة المعاصرة إلى عاملين: عامل نفطي، وعامل ثقافي غربي.ثم طرح الصورة الثقافية النموذجية المرتجى ظهورها بديلا للثقافة الحالية. وسمَّى مثقفيها الجدد بـ"المثقفين الكونيين". ووصفهم بأنهم شعبيون عمليون، وملتزمون اجتماعيا ، ومعارضون سياسيا وطبقيا ودينيا، وزاهدون أحرار لا يخضعون لحسابات الربح والخسارة.يقودون حركة الصراع الطبقي لتخليص الإنسان من سيطرة الإنسان، ويعتمدون في مصادرهم الثقافية، على التصوف الإسلامي، وعلى الحكمة الصينية، وعلى الأفذاذ من حكماء الغرب.أما الدلالة الباطنة في الكتاب، فتكمن حضاريا بتأكيد شخصيتنا الخاصة، وتجربتنا الخاصة أيضا، من خلال التحرر من قيدين مزدوجين، خارجي وداخلي: القيد الخارجي يتمثل بالسيطرة الأجنبية علينا منذ خمسة قرون.بدءا بالإحتلال العثماني وانتهاء بالإمبريالية الغربية الحالية، التي لا تحكمنا مباشرة، وإنما بواسطة حكامنا الذين تصنعهم إرادة الغرب الأور- إمريكي لا إرادتنا.والقيد الداخلي يتمثل بالقيم التقليدية الموروثة التي تمارس فعلها باسم الدين، انفصالا عن الحاضر والمستقبل؛وبالقيم الأجنبية الدخيلة التي تمارس فعلها باسم الديمقراطية والتحرر، انفصالا عن حاضرنا وماضينا الخاصين، إضافة إلى ذوي المال المتحالفين مع كل من يخدم مصالحهم.هذان القيدان يتلاحمان فيما بينهما مصلحيّاً، رغم التناقضات الثانوية، ويشكلان عائقا كبيرا أمام حركة المجتمع، يعرقل نهوضه ويوقف تقدمه. ومسؤولية المثقف الفاعل تبدأ من مواجهة هذا العائق، ومعارضة جميع سلطاته الداخلية والخارجية لتغيير الإنسان من حال استغلاله واستعباده، إلى حال المساواة الإجتماعية والحرية الإنسانية.إن هذا المثقف المخاطر ضد جميع سلطات القمع من أجل الإنسان المضطهد، هو الموصوف بـ"المثقف الكوني" ، كما مرّ ذكره، والمعبر عن إرادته المفكر الراحل هادي العلوي في كتابه الموسوم بـ"مدارات صوفية"، والطامح لإستمرار نوعه، وتكاثره، أملا بالخلاص وبناء المستقبل الإنساني السعيد...

 

مدارات صوفية : تراث الثورة المشاعية في الشرق

المؤلف : هادي العلوي

عدد الصفحات : 264

الناشر: دار المدى للثقافة والنشر/دمشق/1997م

 

تحليل :عبدالإله الياسري

...........................

أهم المراجع عن العلوي:

1- مدارات صوفية- هادي العلوي - دار المدى - 1997م

2- كتاب التاو - هادي العلوي - دار الكنوز - 1995م

3- المرئي واللامرئي - هادي العلوي - دار الكنوز - 1998م

4- ديوان الوجد - هادي العلوي - دار المدى - 1998م

5- المستطرف الصيني - هادي العلوي - دار المدى - 1994م

6- محطات في التاريخ والتراث - هادي العلوي - دار الطليعة1997م

7- شخصيات غير قلقة في الإسلام - هادي العلوي - دار الكنوز1995م

8- من قاموس التراث - هادي العلوي - الأهالي1988م

9- المنتخب من اللزوميات - تقديم ودراسة - هادي العلوي - مركز الدراسات الإشتراكية1990م

10- هادي العلوي:إعداد خالد سليمان وحيدر جواد - دار الطليعة1999م

11- الظاهرة الطائفية في العراق:هادي العلوي وعلاء اللامي - مخطوط نشر جزء منه في الثقافة الجديدة

12- جريدة نداء الخلق - لسان الحركة المشاعية - الأعداد1- 2- 3- 4 - 5

13- رحيل هادي العلوي – الطبعة الأولى1999م

14- فصول عن المرأة –الطبعة الأولى1996م- دار الكنوز الأدبية- بيروت- لبنان

15- فصول من تاريخ الإسلام السياسي – الطبعة الأولى 1995م- نيقوسيا- قبرص

16- مجلة الثقافة الجديدة – أعداد مختلفة

 

طه جزّاع يبتسم من الألم!!

zayd alheliعنوان كتاب د. طه جزّاع الجديد (إبتسم أنت في بغداد) يجرك الى غابة من الأسئلة، فمن خلال فعل الأمر (إبتسم) يشعرك بان بغداد تدعوك للأبتسامة القسرية، وهي اعلى صيحة في عالم العجب والتعجب، وفي واحة الأدب الساخر البديع الخالي من الهمزواللمز الذي يستمرؤه البعض لأنتزاع بسمة من قارئ ساذج .. وحين تبحر في سطور الكتاب سرعان ما تكتشف زيف المحيط الذي تعيش ضمنه، فتسارع الى الابتعاد عنه الى نفسك، فلا تجد إلاّ صدى مخيف، مرعب، تحاول ان تطرده بضحكة جهور بلهاء !

الكتاب يضحكك من القلب .. ولكنه يؤلم قلبك في ذات الوقت، وهذا اسلوب في الكتابة لا يقدر عليه سوى من عرف السخرية المرّة الضاحكة، وهي لؤلؤة في بحار بعيدة، ومن يصل اليها فهو صياد ماهر، كون السخرية الواعية المسؤولة هي أداة من أدوات التوجيه والنقد، وهي ارفع قدرا من التجريح والتهريج .. والكتابة الساخرة لا يجيد قيادتها او يمتطي صهوتها، إلا من كان فعلاً ذو روح ساخرة، ففاقد الشيء لا يعطيه، وشتان بين الأسلوب الساخر والأسلوب الشاخر ..!

مجموعة من الأعمدة الصحفية المنشورة، اختارها الكاتب لتكون محور كتاب انيق، ضم مقالات تبعدك عن التشاؤم لحظة قراءتها، لكنها تغرقك فيه حال الانتهاء منها .. كتبها بأسلوب ساخر حينما وجد نفسه حرا تجاه اللحظة وتجاه الظرف الذي عاشه .. انيق العبارة، عميق الرؤى، سريع البديهة ذلك،ان الثوب الذي يرتديه قلم الصديق طه جزاع المتمثل بالسخرية المرّة التي بنى لنفسه فيها واحة يفيء إليها، قوي كالفولاذ، احمر كالجمر، باق كالسنديان، عميق كنخل العراق .. ربما تكمن هذه القوة، لإنه دعا قراءه ان يفهموا من كتاباته ما يريدون !!

ان التجوال في ازقة الحياة ودروبها، علّمت الزميل طه جزاع النفاذ الى عمق الاشياء واكتشاف معانيها الخفية، وتلك خصلة لمستها عنده منذ ان توطدت شباك علاقتنا، لتصبح اوتدة قوية في سفرصداقة امتدت لنحو 40 عاما، اقتربنا في بعض اوقاتها الى حد اللقاء اليومي، في عمل صحفي مشترك، فوجدته زميلاً لا سلطان عليه سوى نفسه، ولا رقابة عليه سوى ضميره .. ربما هذه الرفقة الطويلة هي التي دفعته الى ان يهدي لي كتابه الجديد بعبارة تبعها بذكر اسمي (الى فحل الصحافة العراقية الخ).. وهي دلالة على عمق الفهم المهني الذي ترسخت اواصره بيننا .

اخي طه، كتابك ناعم كالوردة، حاد كالموسى لا تفيد معه الفحولة ابداً..

 

قراءات في كتاب تاريخ الكوت السياسي ..المدينة بين احتلالين

raed sodaniصدر مؤخرا كتاب تاريخ الكوت السياسي، المدينة بين احتلالين، للكاتب رائد السوداني وقد كتب عدد من السادة الكتاب تعليقاتهم وقراءتهم لصفحاته وما وجدوا فيه من أثر سواء وافق آرائهم أم لم يوافقها ومن بين هذه القراءات،قراءة الدكتور رحيم الغرباوي،إذ لنا عليها فيما بعد آراء بما يليق بها وبصاحبها .

 

كتاب تاريخ الكوت السياسي ( المدينة بين احتلالين) للمؤرخ السياسي رائد السوداني بين الجرأة والتحفُّظ

بقلم: د. رحيـم الغربــاوي

 

الباحث والكاتب رائد عبد الحسين السوداني ذلك العقل الواثب، والقلب النابض بالطراوة والقوَّة ... إنَّه محلل سياسي من طراز خاص، والموثِّق للحقيقة التي لامناص عنده من قولها، نراه يدلو بشهادات تكاد تكون عين ثريا كتابه، ولا بأس من أنَّه أطال السرد عن معارك الأتراك والانكليز منذ عام 1914 في العراق ؛ ممَّا جعل ذلك يشغل ثلث الكتاب تقريباً، بيد أنَّ الباحث في هذه الإطالة يشير بها الى الاحتدام الحربي الدائر حولَ مدينة الكوت (مدار الحديث عنها ) مع إشراك العشائر بهذا الإوار الملتهب الذي نال من الأرواح والأموال، مازجاً بين الدين والسياسة، فلفَّتْ السياسةُ النزعة َالدينية لدى باحثنا الفاضل، وغاب عنده الدور الديني الفطري لدى العشائر الذي يمثل الكفاح الشرعي والأبوة الوارثة عطاءها الجهادي لثورة العشرين، مقدِّماً السياسة عليها . ولا يخفى أنَّ الدين لا يتعطَّر بعطر السياسة المثقل بالخبطات الصناعية غير الأصلية التي تأنفها الذائقة الشميَّة للدين ؛ كي لا تتعفَّن بواطنه منها، بيد أنَّنا لانعدم القول من أنَّ بعض السياسيين الذين يرجون من الدين ما يغذِّي مساعيهم وتخرصاتهم لهذا المطمع، أو ذاك المترع، أنْ يتزيُّوا زيَّه ويرتدوا جلبابه ... ويمكن أن نقول : إنَّ رؤساء العشائر بعدما حصلوا على الهبات والعطايا من آلآف الدونمات من الأراضي بدأت تداعب خواطرهم أغلال السياسة، كي يحافظوا - وعلى حساب مطامح الفقراء من أبناء قراهم - على ما صار بأيديهم من مقاطعات من الأملاك .

ولعل القارئ للكتاب يرى أنَّ الباحث اعتمد مراجعه لاسيما في الصراع الدائر بين الأتراك والانكليز على مذكرات طاوزند، و مس بيل، وكتاب حرب العراق لشكري محمود نديم، ممَّا جعل المبحث يكتظ بالأحداث التفصيلية والكثيرة ؛ لما للمذكرات من سرد قصصي دقيق .

إنَّ مدينة الكوت ذات الحجم الصغير آنذاك، كأنَّنا نراها هي من شهَرتْ السيف بوجه الانكليز، إذ كانت لاتتجاوز الزقاقات، ولعلَّ الباحث منحها ذلك نيابة عن محافظة واسط، كما يطلعنا الباحث على الأحداث المتاخمة لتلك المدينة الصغيرة التي يقطنها موظفو الدولة وبعض العطارين والبقالين، وبعض الحرفيين البسطاء، فهو يَسِمُها بعنوان كتابه: (المدينة بين احتلالين). أما العشائر، فهم الذين يسكنون بعيداً عنها بأميال، ولبعضها امتدادات واسعة تشمل محافظات أخرى، وإلى التسعينيات كان الحراك السياسي ، ينبع ليس من سكنة الكوت الأصليين، وإنَّما من أبناء تلك العشائر الذين سكنوا مناطق حول مركز مدينة الكوت الأصلية . ولو كان عنوان الكتاب تاريخ واسط السياسي لكان أدق .

والباحث على الرغم من شجاعته وشراسة جرأته التي يعرفها عنه قرَّاؤه، إلا أنَّه يبدي تحفظه عن بعض الأحداث، إذ لم يعلن عنها مباشرةً، لكن القراءة المتأنية تكشف لنا إشاراته هنا وهناك ؛ لما لايريد الباحث قوله مباشرةً، كما نراه يمجِّد جميع رؤساء القبائل، لكن نجد (مس بيل) تشير الى رشوة الأتراك لأحد رؤساء القبائل الكبيرة – لربما ادعاء باطل – جعلت من الانكليز من خلال حكومتهم أنْ تمنح الهبات والعطايا لمعظم رؤساء القبائل ؛ مما نشأ جرَّاء ذلك الإقطاع الذي بدوره ولَّدَ الأحزاب المعارضة في العراق لاسيما الحزب الشيوعي والأحزاب الوطنية والقومية آنذاك، الغاية منها خلق بؤرة أزمة في الحكم، وهذا من أهداف الدوائر الاستعمارية، كما يرى الباحث في كتابه الموسوم (حكم الأزمة) والذي جعل أبناء العشائر ولاسيما المعدمين منهم أن ينضووا تحت مظلة تلك الأحزاب أيَّاً كان توجهها، وإنْ تعارضت أفكارها مع الدين للدفاع عن حقوقهم، وقد وجد الحزب الشيوعي قاعدة نشيطة له في ظلِّ فوضى الحياة، وهدر الحقوق جهاراً، وقسوة المذلة والعبودية التي استاءت منها أغلب شرائح المجتمع العراقي إبان الحكم الملكي .

وقد مجَّد الباحث كثيراً بقيادات الحزب الشيوعي العراقي ونحن معه، نكنُّ لهم الاحترام، لكنه بالغ بها لاسيما شخصية المرحوم (فهد) الذي فضَّل البقاء في الحبس على الهروب منه بدعوى أنَّه يريد أن يقوِّي من شكيمة الحزب من داخل السجن، كما يرى الباحث !!! وهل يصير الحزب قويَّاً داخل سجن منقطع، وفي مدينة صغيرة منقطعة عن العالم آنذاك ؟ وكيف يتسنى للباحث أنْ يؤكد ذلك ؟ وهو الذي أشار في أكثر من مرَّة : من أنَّ الكوت هي مدينة منقطعة عن المدن العراقية، وأنَّ اختيار السجن فيها ؛ لأنَّها لم يكن فيها مراقد دينية، كالنجف وبغداد وسامراء وكربلاء ؛ مما يجعل الاحتكاك بأخبار السجناء ومعرفة أحوالهم بمنأى عن الجماهير . ولمَّا كان الأمر كذلك، فلابد لـ (فهد) أنْ يهرب مادامت الفرصة مواتية بدلاً من الجحيم الذي يعيش فيه، هو وزملاؤه، كما أنَّه القائد وبمستوى (فهد) عليه أن يقرأ المستقبل ؛ ليري رفاقه المخايل . والذي حدث أنَّه سيق الى مقصلة الإعدام، فخسره الحزب، وهي الخسارة الفادحة للتنظيم ؛ لذلك إنِّي اعتقد أنَّه لم تتح له فرصة الخلاص من السجن ، فالعمل في الخارج، وبين آلآف الناس لكسبهم الى صفِّ حزبه، هو أفضل بكثير من أنَّه بين أناس منظَّمين ومؤمنين بالأهداف مع قلَّة عددهم، بيد أنَّ مصيرهم في غياهب المجهول .

أمَّا ما سَرَدهُ لنا الباحث عن بسالة أهالي الحي ونضالهم المشرِّف ضد الحكم آنذاك كان واضحاً، فصوَّرلنا القتال الشعبي بخروج نيران الأسلحة من المنازل دليل قاطع من إيمان الناس العالي بقضيتهم .

وقد كان السوداني جريئاً عندما تحدث عن قسوة الحكم الملكي وبعض مؤيدي هذا الحكم، بعضهم الآن يتسنمون سُدَّةَ الحكم، ومنهم من يدعو للعودة إليه، لكن مواجع الآباء أزاءه الى الآن تدمي قلوبنا من الحكم الملكي وأتباعه من الاقطاع والمالكين، فهو سيان وحزب البعث، كما لاننسى تاريخ أحزاب كانت تقود الجماهير، وما إن ارتقت سُدَّة الحكم، نراها تقنَّعت الوجه الآخر، مذكرِّين الأستاذ رائد السوداني أن لاينـسى صخب تلك الأحــداث

في جزء الثاني من كتابه الذي مابخل علينا بمعلومة إلا وأظهرها جلية مائزة، أمَّا الذي تحفَّظَ عليه، نراه قد نثره بين سطور كتابه ، ولعل القراءة الدقيقة قادرة على لَمِّ أشتات الصورة، وإنْ لم تتكامل، إذ إنَّ هناك فراغات يمكن إملاؤها، وبقع غموض تستطيع القراءة المتأنِّية تأويلها .

اعتزازنا بإستاذنا القدير رائد السوداني الكاتب والمؤرخ عطائه الفياض، وهو يمنح الكلمة حقيقتها في معظم جوانب الدراسة ؛ لأنَّها نابعة من صلب الحقيقة المعاصرة والحدث الآني، وعلى الرغم من أنَّه يتحدث عن أحداث في الماضي في كتابيه: (تاريخ الكوت السياسي، وحكم الأزمة) إلا أنَّه يشير من ذلك التاريخ لسياسة الحاضر وكأنَّ الوحدة الموضوعيه، هي حاضرة دفعة واحدة لديه، فمنهجه من الدقة، وهو يمسك بخيوط دراساته بوصفه باحثاً منهجياً أصيلاً .

كتاب فن المسرح والإنسان الحديث للكاتب بنيحيى عزاوي

nabil alrobaeiالكتاب بحث جديد في دراسة المسرح وتطبيعه للكاتب والدراماتورج المغربي (بنيحيى علي عزاوي) الذي يمتلك خبرة طويلة في التمثيل المسرحي والتدريب والتعليم والدراسة العميقة للمسرح الاوروبي، حيث يمتلك الكاتب موهبة فريدة في فهم وتطبيق النظريات الحديثة من المسرح العالمي .

الكتاب صادر عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر لعام 2014 ذات (232) صفحة من القطع المتوسط، احتوى الكتاب على ثمانية مباحث ومقدمة للبروفسور واستاذ اللغة العربية (سامي موريه) حيث اكد مورية في المقدمة انهُ (لم ينكر وجود مسرح عربي من نتاج الحضارة العربية، وقد عرفت العرب هذه الفنون المسرحية في موانيء البلاد التي تسمى اليوم بالعربية (الخيال)، فقبل ظهور الإسلام شاهدت وشاركت الشعوب في الشرق الاوسط المسرح اليوناني والروماني)، الكتاب مصمم وفقاً للأبواب و المباحث بطريقة حداثوية ممتازة يحتوي شكلاً ونظماً منسقاً تنسيقاً علمياً جميلاً،أما المضمون فقد كتب بطريقة ممسرحة تسهل على القارئ الغير ممارس فهم قوانين الكتابة المسرحية التي أبدعها الفيلسوف (أرسطو)في كتابه (فن الشعر)، ثم يسهل الكتاب معرفة الظوابط الموسيقية والمقامات الدرامية بطقسية خشبة المسرح.

الكتاب يعتبر من اهم كتب النقد الحداثية برؤية دراماتورجية الباحث (بنيحيى عزاوي) الممارس لعقود بين البحث والتجريب والتنقيب المتواصل من عمق خشبة المسرح، فهو من مواليد المغرب عام 1950 عمل ناقد وصحفي ومخرج مسرحي في النشاط التربوي، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الاخراج من جامعة فانسسين بباريس عام 1973وليسانس في الحقوق .

يعتبر الكتاب قفزة نوعية تضاف إلى مصادر المسرح العالمي، يؤكد الكاتب وبانصاف علمي لأهمية كتاب ارسطو (فن الشعر) الذي ترجم للعربية من قبل د. عبد الرحمن بدوي، وقد استفاد من هذا الكتاب عشرات المبدعين العالميين، يقول لين كوبر إن كتاب (فن الشعر) هو واحد من اكثر الكتب التي انتجها العقل البشري تنويراً وتأثيراً، لكن الكاتب عزاوي يرى ان كتاب (فن الشعر) يحتاج إلى إعادة كتابة حداثوية جديدة حتى يتيسر الاطلاع عليه والاستفادة منه بسهولة، لذا يعتبر كتاب ارسطو من نصوص (علم الفيلولوجيا)، فهو الرجل العبقري الذي وضع اسساً علمية لعالم الخطاب والعرض وليس لكتابة المسرحية فحسب.

كما يؤكد الباحث عزاوي في ص26على اهمية الثالوث للصناعة المسرحية وهي (الاستيعاب . الادراك. الاستنتاج)، اضافة إلى أن (المسرح المغربي والعربي نام في غفوة سبات عميق لأن الدول العربية وضعت للمسرح متاريس التهميش والاحباط المبين ونكران جميل المبدعين في كل حقول الفنون )، مع هذا نأمل أن يصحو المسرح صحوة الإنسان الحديث مع رجال وطنيين يتدبرون شؤون المصلحة المعرفية لعقل الإنسان العربي.

لا ننسى ان سبب تراجع النص المسرحي في البلاد العربية أن اغلب الأكاديميون اصبحوا يغالون بمقالاتهم المنقولة عن كبار الصناع المسرحيين العالميين، فيها الحشو والركاكة وتشتت الأفكار وعدم ضبط وفهم بعض المصطلحات عبرَ كتبهم، إضافة إلى اهمال وزارات الثقافة العربية التي غربتنا في دهاليز الاغتراب لكون فن المسرح دخيل على ابنية فكر الأعراب، إلا أن في المغرب وكما يذكر الباحث عزاوي ص28( حصحص الحق وزهق الباطل بفضل الرواد الصناع للثقافة الفرجوية الممسرحة، أشرقت شمس المعرفة العلمية في المغرب وذلك بخلق أول معهد أكاديمي للمسرح في المملكة المغربية). لكن فيما ذكره الباحث في ص31 أن (عالم المسرح دخيل على بنية الفكر العربي وهو عالم سحري فلسفي روحاني عجائبي الصناعة الاحتفالية)، انا اختلف معه في هذا الوصف للمسرح العربي لأن البروفسور سامي موريه يؤكد في رسالة الدكتوراه التي حاز عليها في فن المسرح عند العرب، ان العرب كانت لهم اهتمامات مسرحية قبل الميلاد وما يسمى بالخيال، اضافة إلى ذلك ان المسرح قد ولد في اليونان وتربى وترعرع في اوروبا وبلدان أخرى اوروبية، صحيح تعددت المدارس وتطورت الافكار وخاصة في عصر المدارس المذهبية من الرومانسية على الواقعية في اوروبا والقارة الامريكية وانتشرت الافكار في باقي دول العالم .

ساهم الباحث بنيحيى عزاوي باشراقات ابداعية في تأسيس الحركة المسرحية المغاربة التي اصبحت تزخر بفعاليات مبدعة لها استبصارها الخاص على مستوى الفعل الدرامي بشتى انواعه واشكاله، فقد تعلم الباحث عزاوي من الراحل الكبير (كاتب ياسين) ومن داخل اعماله المسرحية اشياء واشياء قد فتحت بصيرته وزادته شغف البحث في جوهر المسرح العظيم، كما استنارت فكره وتعلم منه فن صناعة الكتابة الممسرحة المستوحاة من فن مسطرة الديالكتيك الجدلي الماركسي ومسطرة التباعد في المسرح الملحمي البريختي المستنتج من نظرية التغريب، واشياء اخرى من خلال العروض المسرحية الكثيرة التي كانت تنظمها فرقة كاتب ياسين وقد شارك الكاتب بنيحيى فيها منها (محمد خذ حقيبتك، حرب اللفي سنة، الكاهنة، عمي هوشيمين الحو) .

الكتاب دراسة نقدية ونقلة حداثوية برؤية انسان وباحث مسرحي ممارس بالطقوس الروحانية طيلة عقود من خلال البحث والتطبيق والتجريب والتنقيب المتواصل من داخل خشبة المسرح، لذلك نثمن هذا الجهد للمبدع الممارس للكاتب والباحث بنيحيى عزاوي .

 

إقتصاديات الإعلام كتاب الشجيري الجديد

613-sohamالإعلام صناعة لا يختلف احد على هذا التوصيف، ولاشك ان موضوع اقتصاديات الإعلام خرج الى الوجود مع ثورة الاتصال، والنمو السريع لصناعة الإعلام، ولم يكن الموضوع مثارا في أشكال الإعلام القديم، لان تكلفة الإعلام قبل اختراع الطباعة ثم اختراع الراديو والتلفزيون لم تكن شيئا يستحق البحث، لقد كان الاهتمام بالشكل المثالي او بمحتوى الرسالة في الإعلام القديم يغلب على ما عداه، اما اليوم فان الاهتمام بالشكل المادي، وبتكلفة الرسالة الإعلامية يقف الى جانب الاهتمام بمضمونها كتفا بكتف إذ أن اصطباغ نشاط وسائل الإعلام بصيغة صناعية متزايدة، رافقه تطور تكنولوجي عارم واتساع في رقعة السوق وانفتاحها مما زاد تعقدها وحركيتها على المستوى العالمي، وهو ما فرض إعادة النظر في النظام الاقتصادي لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة والالكترونية في البلدان الصناعية نفسها وفي كثير من البلدان النامية، في اتجاه مزيد من التنوع وتحرير المؤسسات العمومية والخاصة من اجل تمكينها من تلبية الطلب والتصدي لمتطلبات التطور الذي فرضته تكنولوجيات الاتصالات الحديثة، باعتبار ان الرهانات التي ينطوي عليها التطور تكتسي طابعا استراتيجيا بمستقبل المجموعات الدولية التكنولوجي والثقافي، ويتطلب ذلك تحرير السوق والسماح لرأس المال الصناعي بدور هام، من جهة، وبدعم من السلطات العمومية، ومن الهيئات الدولية والإقليمية، وضخامة الاستثمارات في الاعلام تنبأ بالكثير خاصة وان الدول والحكومات استثمرت فيه، من هنا اهتمت زميلتنا الإعلامية والأكاديمية المبدعة بإقتصاديات الاعلام ومنافذ تمويل المؤسسات الاعلامية، فقد صدر عن دار الكتاب الجامعي في (لبنان والامارات) للدكتورة (سهام الشجيري) كتاب بعنوان (اقتصاديات الاعلام)، ضمن اصدارات السنة 2014، والمؤلفة أستاذة بكلية الإعلام في جامعة بغداد، والكتاب جاء بـ 484 صفحة من القطع المتوسط، وضم مقدمة وتسعة فصول، الفصل الاول أتى بعنوان (اقتصاديات الاعلام:المفهوم، الاهمية، الوظائف)، وتناولت فيه المؤلفة اقتصاديات الاعلام مفهوما، والمؤسسة الاقتصادية مفهوما وخصائص وأنواعا، وعلاقة وسائل الاعلام بالنظام الاقتصادي، والعملية الاعلامية من منظور اقتصادي، والاهداف الاقتصادية للمؤسسات الاعلامية، والمنظور الاقتصادي لوسائل الاعلام، والمنطق السياسي والاقتصادي والصناعي لوسائل الاعلام، والفروق بين صناعتي النشر والبث، والبنيتين الصناعية والتنظيمية لوسائل الاعلام، والاسس الاقتصادية لوسائل الاتصال الجماهيرية، والخصائص الاقتصادية للمنتجات الاعلامية، واقتصاديات الاعلام المعولم ووظائفها والاتجاهات الحديثة في هذه الصناعة، واقتصاديات الاعلام العربي وتأثيرها في العملية الاتصالية.

613-sohamوتناول الفصل الثاني (تمويل المؤسسات الاعلامية) ركزت فيه على مفهوم التمويل وأنواعه من عدة زوايا ووظائفه، ومصادر تمويل وسائل الاعلام، والعوائد المالية وعلاقتها باقتصاديات الاعلام، والتمويل في المؤسسات الاعلامية من مؤسسات صحفية ونظم اذاعية وقنوات فضائية سواءً الغربية أم العربية أم العراقية، واعداد الموازنات في المؤسسات الاعلامية، واثر الركود الاقتصادي على المؤسسات الاعلامية، أما الفصل الثالث فقد تناول (ملكية المؤسسات الاعلامية)، تحدثت فيه المؤلفة عن هذه الملكية في العالم والبلاد العربية ومنها ملكية وادارة الإعلام في العراق بعد نيسان 2003، وعن هذه الملكية وعلاقتها باقتصاديات المؤسسة الاعلامية، وهيكلية هذه الملكية ونمطها وعلاقتها بحرية وسائل الاعلام وملكية هذه الوسائل من قبل المنظمات الدينية والسياسية، وتناولت في الفصل الرابع (ادارة المؤسسات الاعلامية) مفهوم الادارة وأهدافها وأدواتها والمستويات الادارية في المؤسسات الاعلامية ومسؤوليات هذه المستويات، والمبادئ الاساسية لتطوير الادارة الاعلامية عن طريق وظائف الادارة والتخطيط والتنظيم واتخاذ القرارات والتوجيه والرقابة والقيادة فضلا عن التحديات الاقتصادية التي تواجهها الادارة الاعلامية اليوم، وأبعاد السياسات الاتصالية والإعلامية في اقتصاديات الإعلام، وفي الفصل الخامس تناولت (التطورات التكنولوجية وتأثيرها في اقتصاديات الاعلام) وماهية تكنولوجيا المعلومات والاتصال ومفهومها وخصائصها ووظائفها وأهميتها للمؤسسات الاعلامية وحجم الافادة منها وأثرها على تطوير عملية التحرير الصحفي، وآليات اعادة هيكلة صناعة الصحافة تقنيا، وعوامل استمرار صدور الصحافة التقليدية وفق مستحدثات التكنولوجيا، وتأثيرات تطور التقنيات على الصحافة المكتوبة، وتأثير تكنولوجيا الاتصال على الوسائل الإعلامية، وتناول الفصل السادس (التسويق واقتصاديات صناعة الاعلام) يتحدث عن التسويق مفهوما عاما وفي المؤسسات الإعلامية، وأسواق وسائل الإعلام والتسويق والترويج وأدواتهما وأساليبهما وعلاقتهما باقتصاديات صناعة الإعلام من حيث طبيعة التكاليف والتسويق، وأهمية دراسة تكاليف التسويق الإعلامي ومفهومها على مستوى المؤسسة الاعلامية وعناصرها وطبيعة تكاليفها، وبنية سوق وسائل الاعلام وخصائصها، ومفهوم الطلب على وسائل الاعلام والعوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية المؤثرة في هذا الطلب، واستراتيجية التسويق الإعلامي، وتدويل سوق الاعلام وسوق برامجه، فيما جاء الفصل السابع بعنوان (الاستثمارات في المؤسسات الاعلامية) متناولا الصناعات الاعلامية والاستثمارات، وضخامة الاستثمارات في صناعة الاعلام وفي المدن الاعلامية، وحركة الاستثمار في الاعلام في العالم العربي من مكتوب ومسموع ومرئي، واستثمارات أباطرة الاعلام العربي، والفصل الثامن (الاندماجات في المؤسسات الاعلامية) فقد تناول الاندماج مفهوما لغويا ومراحله التاريخية ونظرياته ودوافعه وأسبابه وفوائده وطرقه وأنواعه ومزاياه وعيوبه وآلياته ومراحله، وسلبيات الاندماج بالمؤسسات الإعلامية، والاندماج الاقتصادي في مجال الفضائيات، والاندماج بين الاعلام والاتصالات، وتكنولوجيا الاندماجات والتحالفات، فيما فصله التاسع تناول (اقتصاديات المعرفة) ومفهومها ومكونات الاقتصاد المعرفي وعناصره وفوائده وخصائصه وسماته، وتقنياته الحديثة، بقي ان نقول ان كتاب الشجيري اضافة جديدة ومتفردة للمكتبة العربية وللإعلام العربي، نظرا لأهمية اقتصاديات الاعلام في الوقت الحاضر.

شذرات الحنين للشاعرة لمياء عمر عياد

ali zagheeniصدر مؤخرا للشاعرة التونسية لمياء عمر عياد عن دار(هرمنوتيك) للنشر والتوزيع في طهران المجموعة الشعرية الثانية شذرات الحنين ئكين اي اشتياق بالفارسية بالعربية شذرات الحنين وهي من ترجمة الدكتور جمال نصاري و قامت بتصميم الغلاف وداد سيف السادات.

وتقع المجموعة الشعرية شذرات الحنين ب 150 صفحة من الحجم المتوسط وتضمنت المجموعة في صفحاتها الخمسين الاولى دراسة نقدية للمجموعة وماتضمنته من نصوص شعرية وومضات .

ومن الجدير بالذكر ان شذرات الحنين هي المجموعة الشعرية الثانية للشاعرة (لمياء عمر عياد) بعد مجموعتها احبك جدا .

وقد تضمنت المجموعة الشعرية عدد من النصوص الشعرية والومضات

صحراء على ضفاف ذاكرة

أبقيْتُك كأسا في يدي

وسبحتُ في أحلاميَ سَكْرى

ومازلتُ حتى رأيتُ نزْفي

وتشقَّق الكأس من قبضة عشقي.

قطرات ذُلّ تجمّدت في فمي

وتمطَّط الصّمتُ بين صراخ جُرْحي

وبين أنين يدي

وتمزَّقَت أقنعة بلون الرّبيع تفوح كذبا

وتَصلّب الوهم أطلالا يؤرّخ صحراء --على ضفاف الذاكرة

...................

 

حبك غفوة حلم

حُبك غفْوة حُلم باغَتت أوجاعي

أوقَفت أمواجي عند ضفافك شغفا

غفوة بلا إداراك لكل إدراك

نسيت الواقع وكلّ محطاته

وسافرتَ في دمي تعبث اختلاطا

وتناقضات

غفوة أغلقت أبواب العقل

وسدت دُرُوبَه

وابتعْتُ عنوانا إليك أرسم عليه اسمك

وارتديتُ رداء الرغبة بلانهاية

حين غفوتُ في حبك

تلبستني قيودا إليك تدق نواقيس أعياد ميلاد

ورقصت على شُرفات انتظارك أسكب

خمر الاشتعالفتوقد فيّ كل الجمال

فحبك أَنْطق جَمالي

حين تقوْقعتُ في حُضنك طفلا

بل كلّك احتواني

حبك غفوة أنستني الزّمان والمكان

فهل تراني إن صحوت منها

كم نزْف سأنزف

أم أنّ النّزف من فَرْط حبك المسافر فيه

قد جفّ وأَ نْهاني

مَ لا أنتهي منك ... ؟؟

لِمَ لا يزال ليلي يحاصر خاصرة فجري

ولا يكتفي ...

ويكتب طلاسم حبك عند خيط الأفق

فيتدلى لا إلى ليل ولا إلى فجر

كأن زمني بات شرنقة

تنتظر الخروج المستحيل ... ؟؟

 

خارطة طريق لشباب الوطن بديوان "الرحيل المحتوم" للشاعر ماهر عبد الواحد

mahmod salamaalhayshaصدر مؤخراً ديوان "الرحيل المحتوم" للشاعر ماهر عبدالواحد، عن سلسلة أدب الجماهير التي يشرف عليها الأديب الكبير/فؤاد حجازي، وجاء الطبعة الأولى عن دار الإسلام للطباعة والنشر بالمنصورة، تحت رقم إيداع بدار الكتب والوثائق 16378/2013، وترقيم دولي I.S.B.N: 978-977-732-100-6 ، ويقع الديوان في 219 صفحة من القطع الصغير.

ويحتوي ديوان "الرحيل المحتوم" (قصائد وخرائد) على الآتي:

1- في بداية الكتاب الإهداء وقد أهدى الشاعر ديوانه لأبنته أميره ماهر عبدالسميع عبدالواحد.

2- مقدمة المؤلف المؤرخة في 15/6/2013.

3- تقديم وتقدير بقلم الدكتور/ محمد السيد موسى – أستاذ بقسم اللغة العربية – كلية التربية-جامعة المنصورة.

4- تمهيد للمؤلف والمؤرخ 25/6/2013.

5- دراسة تذوقية بقلم الشاعر/ وحيد عبدالخالق راغب –عضو اتحاد كُتاب مصر، بتاريخ 16/6/2013.

6- عدد 52 قصيدة عمودية فصحى، نظمها الشاعر بأسلوب تربوي تثقيفي تعليمي وجداني.

7- وفي نهاية الديوان ملاحق التراجم، وقد قسمها الشاعر إلى خمسة ملاحق وهي:

7-1- ملحق المصطلحات.

7-2- ملحق التفاعيل العروضية.

7-3- ملحق مفاتيح البحور.

7-4- ملحق الدوائر العروضية.

7-5- ملحق الزحافات والعلل.

8- الفهرس.

9- التعريف بالشاعر.

وشاعرنا هو العميد مهندس متقاعد/ ماهر عبد السميع علي عبد الواحد، من مواليد 6 أغسطس 1949م بمدينة بيلا محافظة كفر الشيخ، من ضباط الجيش المهندسين الذين شاركوا في حرب أكتوبر المجيد، حصل على درجة الماجستير في هندسة القوى الميكانيكية من كلية الهندسة جامعة المنصورة عام 1983م، شارك في كثير من الندوات العلمية والأدبية والدوريات، صدر له حتى كتابة تلك السطور أربعة مؤلفات: رواية للطلائع (فتى المظلات المصري)، قصة للأطفال (حكاية أصدقاء الغابة)، قصص قصيرة (مُستنبح)، والديوان الذي بين أيدينا (الرحيل المحتوم).

 

هل هذا ديوان شعري أم عملا أدبيا يتخطى حدود الديوان؟!:

لأول مرة في حياتي أشاهد وأقرأ ديوان شعر، يكتب الشاعر الفهرس بهذه الصورة التي كتب بها الشاعر ماهر عبدالواحد ديوانه، فقط قام بكتابة الفهرس على شكل جدول مكون من أربعة أعمدة، في العمدة كان المسلسل "لكتابة رقم وترتيب القصيدة"، وفي العمود الثاني "عنوان القصيدة"، وفي العمود الرابع "رقم الصفحة"، إلى هذا الحد لا يوجد أي شيء مختلف أو غريب عن أي فهرس ديوان آخر، ولكن جاء العمود الثالث "باسم البحر"، أي البحر الشعري المستخدم في كتابة كل قصيدة، فبعد كل قصيدة داخل الديوان قام المؤلف بتعريف بحرها الذي بُنيت عليه، وكيفية دراسته تقطيعيا لينهل منه كل متذوق ودارس في المرحلة الجامعية أو ما قبلها، خاصة بلاغة وعروضا، وقد أردف بعض قصائده بمعاني كلمات تعين القارئ على الإيغال في المعنى.

وعليه جعل الشاعر من ديوانه كتابا في الشعر العربي الفصيح، يحتوي على القصيدة الشعرية وعلى معني الكلمات المعجمية المستخدمة داخل أبياتها، والبحر المستخدم وتقطيع الأبيات عروضيا، وتراجم لأسماء الشخصيات والأماكن والأحداث الواردة في القصيدة، مما يعني أننا لسنا أمام ديوان شعر عادي بل ديوان موسوعي، يقوم فيه الشاعر بكتابة الشعر وتفصيل معانيه، وكيفية وطريقة كتابته، وشرح المعلومات العلمية والأدبية والتاريخية والجغرافية الواردة فيه، بما تخطى حدود كتابة الشعر وفقط، أو كتابة النقد الأدبي وفقط، أو شرح لعلم العروض وفقط، أو التراجم وفقط، أو حتى أسلوب كتابة الكتب التعليمية الدراسية التي تٌألف وتطبع خصيصا لتلاميذ وطلاب مراحل التعليم الأساسي ككتاب للنصوص الأدبية تدرس في مادة اللغة العربية، فالديوان عملا موسوعيا أدبيا، من الواضح جدا أنه أخذ وقتا وجهدا غير عادي من الشاعر الرقيق/ ماهر عبدالواحد، الذي جمع بين العلم والأدب، وبين الحياة العسكرية والمدنية، وبين لغة العلم ولغة الأدب، والتمكن من اللغة العربية واللغة الشعرية، وهذا واضح جدا من عدم وجود أخطاء إملائية أو نحوية أو عروضية داخل الديوان، وكذلك تشكيله ووضع علامات التشكيل فوق كلمات القصائد الشعرية وحتى على باقي ما جاء داخل هذا الديوان القيم.

لذا فقد سهل شاعرنا المهمة جدا على مؤلفي الكتب المدرسية في النصوص العربية، حيث قدم لهم 52 نصا شعريا جاهزا من حيث الجو الذي أحاط الشاعر عند كتابته للقصيدة، ومعاني ومفردات الكلمات داخل النص، وتوضيح البلاغة وتقطيع بعض أبيات القصيدة، ذكر البحر المستخدم بالقصيدة وشرح هذا البحر بشك مبسط ميسور للدارس والمتذوق والمتخصص.

ولأن المؤلف يجيد فن القص والسرد القصصي، فقد قام بكتابة قصة القصيدة، أو قصة الحدث الذي دفعه لكتابتها، أو كما يقال كواليس القصيدة، مما يعني أن الشاعر يضع القارئ أمام حالته النفسية والإنسانية التي دفعته لكتابة تلك الأبيات وهذه القصيدة، مما يعطي فكرة جيدة للمتلقي عن شخصية الشاعر وطريقة تفكيره وتوضيح صورة وجانب من حياته، مما يضيف جانب آخر لهذا الكتاب، ألا وهو السيرة الذاتية أو الشخصية للأديب، فإذا قمنا بتجميع قصص ومواقف القصائد داخل الديوان فسوف نجمع جزء من سيرة الشاعر الأديب المهندس الضابط/ ماهر عبدالواحد.

 

مواضيع وعناوين قصائد الديوان وبحورها:

يقول الشاعر/ وحيد راغب-في دراسته التذوقية المنشورة داخل الديوان: "قد لاحظت أن حوالي 40% من قصائد شاعرنا من البحر الكامل ومجزئه بما يتماشى مع الفكر الحديث، حيث أن بحر الكامل يحتل الآن المرتبة الأولى، وقد أسعدني كثيرا فكرة الملاحق التي أثرت الديوان وأعطته بُعدا تعليميا تربويا هاما" (ص19).

ويكتب الأستاذ الدكتور/ محمد السيد موسى، في تقديمه وتقديره للديوان: "تمر السنون وتمضي الأعوام، وتنقضي الأجيال، ويبقى الشعر والشعراء عبر القرون في تواصل الحس والنبضات، وشاعرنا – العميد مهندس/ ماهر عبد الواحد- أحد الشعراء الموهوبين الذين أنعم الله عليهم بالمشاعر الفياضة والفكر الجياش، فطوف بنا عبر الحدائق والبساتين ليقطف لنا من كل بٌستان زهرة، ومن كل حديقة ثمرة، فلم ينس الحديقة والنظافة أو فتى الكشافة وشقائق الرجال وحنان الأم، أو الطالب والكتاب والمٌعلم فقد قصد كلاً بقصيده ودق على صدره بعبيره" (ص7).

وعناوين القصائد بترتيبها داخل الديوان: عداءُ الغرب، أيها العرب حرام، هيا نغرس شتلة، أبطال العبور، وطنك العربي، أبناء الحجارة، مشروع عنصري، مرثية ضياع العراق، ثورات الشعب، تمسك الطاغية بالحكم، أسباب فشل مبارك، محكمة الثورة، الرئيس المنتخب، في ذكرى 25 يناير، قنص العيون، النظافة، الإعلام، المكتبة، كتابي، مدرستي، مُعلمة المكتبة، الحصة الأولى، الحصة الثانية، الحصة الثالثة، حديقة الطفل، صلاتي، طفل سقيم، أصوات، في الحديقة، منزل الطير الجميل، دار بن لقمان، شقاق الرجال، مشاكل زوجية، الرحيل المحتوم، يا من أضأت البرلمان، أمي، حديقة أمام منزلي، منزلي، فتي الكشافة، الرياضة البدنية، شم النسيم، يا نيل، يا شباب النيل، همسة عتاب، في معرض الأجهزة، طائرة فوق السحاب، دراجتي، حقيبة المدرسة حان انتهاء العقد، ضفائر منف، قطار الإبداع الأدبي، سرقة ثورة.

وقد استخدم الشاعر عدة بحور في كتابته لقصائد ديوانه، موزعة كالتالي: بحر الكامل (11 قصيدة)؛ مجزوءُ الكامل (10 قصائد)؛ بحر الوافر (3 قصائد)؛ مجزوء الوافر (4 قصائد)؛ بحر المتدارك (11 قصيدة)؛ بحر المتقارب (3 قصائد)؛ بحر الرمل (1 قصيدة)؛ مجزوء الرمل (3 قصائد)؛ مجزوء الرجز (2 قصيدة)؛ مُخلع البسيط (1 قصيدة)؛ بحر الطويل (1 قصيدة)؛ مجزوء الخفيف (1 قصيدة)؛ بحر الهزج (1 قصيدة) = 52 قصيدة (مجموع قصائد الديوان). بالفعل إذا قمنا بحساب عدد القصائد التي كتبها الشاعر على بحر ومجزوء الكامل سوف نجدها 21 قصيدة وهي تمثل ما نسبته 40% من مجموع قصائد الديوان، يليها في الترتيب القصائد التي كتبت على بحر المتدارك وهي تمثل 21% من قصائد الديوان.

وإلى هنا نكون بهذا الجزء قد قمنا بوصف أهم ما جاء بديوان "الرحيل المحتوم" للشاعر ماهر عبد الواحد، وسوف نقوم بمشيئة الله تعالى في الأجزاء القادمة بقراءة ودراسة أكثر عمقا لهذا العمل الكبير.

 

بقلم: محمود سلامة الهايشة

كاتب وباحث وأديب مصري

فلسفة بريغوجين الكايوسية النشأة والتطور .. دراسة تحليلية لعلم اللامتوقع

ali zagheeniصدر مؤخرا في العاصمة بيروت للاستاذ الدكتور علي حسين الجابري الطبعة الاولى من كتاب (فلسفة بريغوجين الكايوسية النشأةوالتطور – دراسة تحليلية لعلم اللامتوقع) عن دار ومكتبة البصائر للطباعة والنشر والتوزيع , يقع الكتاب في   232 صفحة .

الاهداء

الى الباحثين عن جديد العلوم والفلسفة والحضارة المزدهرة من اجل حياة كريمة للانسان وبمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة فليسوف الكايوسية ايليا بريغوجين اقدم هذه الصفحات.

اخترت اليكم جزء من المقدمة

لم تتوفر للفلسفة الكايوسية في مكتبتنا العربية دراسة تاتي على حقيقتها ومفهومها ومنطوياتها ورجالها على الرغم من حضورها المكثف في   حضارتنا المعاصرة او بنسختها المعولمة طوال عقدين من الزمن ما تركنا نهباً للتصورات واجتهادات وقراءات جزئية اخذت السلبي من المصطلح والسيئ من الفكرة ولا سيما الخطاب السياسي المقترن بالفوضى (الخلاقة) ومنطق القوة والقطبية الواحدية ومفهوم الدول ناقصة السيادة تحت تاثير متغيرات العصر الهائلة ومنطق الاقوياء في كل شئ لا قوة المعرفة فحسب بل قوة التقنية والجريمة والسلطة والجاه والمال والعسكر لتضاف الى قوة الطبيعة الهائلة .

وجاء في جزء من التمهيد

ان الحياة بصورها المتنوعة هي عبور دائم وتخط مستمر للمراحل والعقبات والمطبات والعراقيل ومواجهة للعواصف   والهزاهز والاعاصير والتقلبات الحيوية والجوية الارضية والنفسية على قاعدة التحدي والاستجابة فليس بالعلم وحده يتقدم المجتمع او يعبر ولا باجتياز الازمات التي تنشا عن لحظة المواجهة مع المشكلات والمعظلات والتحديات والاختبارات والمعيقات انما عد اكتشاف الاخطاء واحدا من اهم شواهد العبور من وضع الى وضع ومن مستوى الى مستوى اخر ومن مرحلة الى مرحلة ثانية .

الانسان بطبعه يبتهج بقطاف ثمار جهده ونجاح مشروعاته وجني حاصل مزرعته ونجاح مشروع صيده ولعل الذين يعشقون الصيد ويحترفونه يجدون في صيدهم هواية وتكسب فهم في عبور دائم من فرصة قنص الى اخرى ومن محطة شباك الى ثانية ومن موقع صيد في البر والبحر والنهر , هكذا اريد لحياتنا ان تكون اجتيازا دائم النجاح مثلما هي تداولية النهار والليل او من ضفة الى اخرى في مسيرة عبورنا المتواصل للانهار والعقبات والعراقيل والكمائن ولا عبور من غير جهد ومشقة ووعي وتدبر وارادة وقرار بتحمل المسؤولية     وبلوغ الغاية هناك في الضفة الاخرى ولاتوقع للعبور اوتحقق امكانياته من غير عدة واداة واستعداد على الصعيدين الذاتي والموضوعي وعلى المستويين النفسي والمادي .

وقد تضمن الكتاب 7 فصول

الفصل الاول

(سهم الزمن في نظرية بريغوجين الكايوسية (مدخل اولي) لحوار الانسان مع الطبيعة في ظل العولمة

الفصل الثاني

(الاحيائية الجديدة والدفاع عن الطبيعة وقراءة فلسفية اجرائية (وظيفية )

الفصل الثالث

(مربع العلوم الذهبي بين الفلسفة والتكنلوجيا عند بريغوجين في ضوء معطيات الحضارة المعاصرة)

الفصل الرابع

(جدل الفوضى والنظام والانسان في ظل العولمة ,قراءة في نظرية بريغوجين الكايوسية)

الفصل الخامس

(الديناميكا الحيوية بين برجسون وبيرغوجين دراسة في جدل الوجود والعدم)

الفصل السادس

(دراسة مرأوية لفلسفة بريغوجين الكايوسية في عيون دارسيه قبل وفاته عام 2003

الفصل السابع

(ايليا برغوجين في منظور دارسيه بعد وفاته بين 2003 – 2012)

العلاقات الايرانية الامريكية في عهـد محمد رضـا شــاه .. دراســة تـاريخية

يحظى تاريخ ايران باهتمام الكتَّاب في مختلف انحاء العالم , وخصوصا تاريخ ايران الحديث والمعاصر وبالتحديد مرحلة حكم محمد رضا شاه لما لهذه المرحلة من اهمية في تشكيل الكثير من الاحداث التي مرت بها منطقة الشرق الاوسط والتي لازالت تداعياتها قائمة حتى يومنا هذا .

 

نذير هـارون الزبيـدي

............................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

العلاقات الايرانية الامريكية في عهـد محمد رضـا شــاه .. دراســة تـاريخية / نذير هـارون الزبيـدي

قراءة في كتاب تاريخ اليهود القرائين للدكتور جعفر هادي حسن

مقدمة: صدر عن مؤسسة العارف للمطبوعات في بيروت، 2014، الطبعة الثانية1 لكتاب (تاريخ اليهود القرائين، منذ ظهورهم حتى العصر الحاضر)، من تاليف الدكتور جعفر هادي حسن، وهو أستاذ جامعي عراقي مختص بالدراسات اليهودية واللغة العبرية واللغات السامية الأخرى. حصل جعفر هادي حسن على الماجستير من جامعة بغداد وعلى البكلوريوس والماجستير والدكتوراه من جامعة مانشستر(University of Manchester) في بريطانيا. ودرس في العديد من الجامعات العربية والغربية. وهذا الكتاب هو مؤلفه الرابع في الدراسات اليهودية، حيث سبقه ثلاث دراسات مهمة عن اليهودية، وهي:

1- اليهود الحسيديم، نشأتهم، تاريخهم، عقائدهم، تقاليدهم.

2- الدونمة بين اليهودية والإسلام.

3- قضايا وشخصيات يهودية.

 

أهمية الكتاب في اللغة العربية

أكد المؤلف في مقدمته للكتاب على أهمية الكتاب في اللغة العربية قائلا: لقد مر أكثر من عشرين سنة على الطبعة الأولى من كتابي هذا عن اليهود القرائين، وقد رأيت من المفيد إصدار طبعة جديدة له، بعد مرور هذه الفترة الطويلة. ومما شجعني على إصدارها، هو ان الكتاب ما زال متفرداً في موضوعه... وكذلك ظهور الكثير من الدراسات والكتب عن القرّائين باللغات الأجنبية، سواء مما حقق من مؤلفاتهم، أو التي أصدرها غيرهم من الباحثين والمختصين. وقد استفدت من هذا كثيراً في هذه الدراسة، لما احتوته هذه الدراسات من معلومات جديدة، تلقي الضوء على جوانب مختلفة من حياتهم. وكان للمخطوطات والوثائق التي عثر عليها في نهاية القرن التاسع عشر –بداية القرن العشرين- في حنيزة القاهرة،2 ولمثلها مما كان قد جمعها أبراهام فرقوفتش، أثر كبير في تقدم هذه الدراسات، واتساع جوانبها إثرائها، وكشف ما لم يكن معروفا عن القرائين فيها.ويعتبر هذا الكتاب جديدا في موضوعه ورائدا في حقل هذه الدراسات،إذ ليس هناك كتاب باللغة العربية-حسب ما نعلم- يرس هذا الموضوع.

واليهودية القرائية هي تيار في اليهودية وحركة ويسمون أيضا القرائين ، ويُعرف أتباع هذا التيار باسم العنانيين أو القرائين، ويرتبط ظهور القرائية كحركة دينية بشخصية الحاخام "عنان بن داود" في العراق، في القرن الثامن الميلادي- الثاني الهجري، حيث الظهور الأول للقرائين على مسرح التاريخ في العراق وتحديداً في مدينة بغداد أيام أبي جعفر المنصور. ويختلف اليهود القراؤون عن اليهود الربانيين(الذين يسميهم المؤلف التلموديين ،لتقديسهم التلمود) في كثير من المسائل، ولكن أهمها أنهم رفضوا قدسية التلمود والتقاليد الأخرى التي تسمى "الشفوية" لأنها منقولة بطريقة الرواية واعتمدوا في عقيدتهم وأحكامهم على التوراة وحدها التي تسمى "المقرا" بالعبرية (ومنها أخذ اسمهم).وكذلك رفضوا سلطة الحاخامين المطلقة.

 

نشأة اليهود القرائين

يرتبط ظهور القرائين كحركة بشخصية الحاخام عنان بن داود في بغداد كما ذكرنا سابقاً. فوفقاً للأثر- سواء لدى القرائين أو لدى الربانين- فإن القرائية لها أصل، وأن القرائين هم فصيله من الشعب اليهودي، وعنان وحد الطوائف الموجودة في الشعب اليهودي التي عارضت التوراة الشفوية وصلاحيات الجاؤنيم (Gaon) في بابل، خلال الفترة التي بدأوا فيها تقديس التلمود ككتاب مُلزم. وكانت فترة العصور الوسطى بمثابة مرحلة ازدهار بالنسبة للإنتاج القرائي، في العالم بوجه عام وفي أرض فلسطين بوجه خاص، في مجالات التفاسير وقواعد اللغة والأدب والفلسفة. ويبدو أن عددهم في أرض فلسطين كان أكبر من عدداليهود الربانين .

 

انتشار اليهود القرائين

في هذه الفترة نشطت حركة "الحزانى" على خراب بيت المقدس القرائية، التي دعت للهجرة إلى أرض فلسطين وكان أعضاؤها يقومون بمراسم حداد على خراب الهيكل. وقام حاخامات قرائين مثل دانيال بن موشيه الكوميسي، وسهل بن متصلياح هكوهين، وسلمون بن يروحام، ويعقوب القرقيساني، بالعمل بشكل حثيث من أجل نشر القرائية في أنحاء فلسطين ونجحوا في تحقيق ذلك، حيث انتشرت الطائفة القرائية في كل أنحاء فلسطين ومناطق أخرى غيرها.

في تلك العصور انشغل القراؤون بجدال عاصف مع الربانين مثل الرابي سعديا بن يوسف الفيومي الشهير بسعديا جاءونGaon (ت943م)، مؤلف كتاب(الامانات والاعتقادات)، الذي يقال عنه أنه لولا نشاطاته لتمكنت القرائية من ازاحة اليهودية الربانية تماماً. وبسبب هذا الجدال العنيف، حدث انفصال بين القرائين وبين المؤمنين بالتوراة الشفهية. مع احتلال القدس(أورشليم) على يد الصليبيين في عام 1099 م، قضي في هذا البلد على أكثر أتباعها وهاجرت بقية منهم إلى خارجها وأعادت تكوين نفسها مرة أخرى بعد فتح صلاح الدين الأيوبي لفلسطين في عام 1187م.

وقدأدى احتلال أرض فلسطين إلى انتقال مركز الثقل القرائي إلى مملكة الخزر والإمبراطورية البيزنطية، حيث قامت هناك طائفة قرائية حتى قبل المذابح الصليبية بالقدس. وفي بيزنطة واصل حكماء القرائين العمل أمثال يعقوب بن راوبين، ويهودا بن الياهو هدسي ،وأهرون بن يوسف الطبيب وأهرون بن الياهو الأخير مؤلف "شجرة الحياة" و "جنة عدن" والياهو بشيتسي مؤلف كتاب شرح الوصايا الشامل "عباءة الياهو"، الذي يُعد حالياً كتاب شرح الوصايا الأكثر انتشاراً بين القرائين. وبشيتسي يُعد احدى الشخصيات الهامة جداً في تاريخ القرائين. فالثورة التشريعية التي قام بها، والتي أثارت خلافات شديدة وسط أبناء طائفته، تضمنت تعديلات بعيدة المدى وقربت بشكل كبير أرائهم من أراء الربانين.

تجدر الإشارة إلى أن المركز الذي كان موجوداً في كوشتا (استطنبول حالياً) ضعف في نهاية العصور الوسطى، وانتقل المركز إلى مناطق وبلدان أوروبية شرقية أخرى. وفي النصف الثاني من القرن السابع عشر كان هناك ما يقرب من 30 طائفة قرائية في شرق أوروبا. وكان قرائي أوروبا الشرقية يتحدثون بلغة خاصة بهم – اللغة الكرايميت ("لغة كدر"). وابتداءاً من القرن التاسع عشر ظهرت في شرق أوروبا الحركة القومية القرائية التي زعمت أن القرائين ليس لهم جذور يهودية. ونتيجة لأنشطتها لم يتعرض عدد من الطوائف القرائية للمحارق النازية. وفي أعقاب الحكم السوفيتي ضعفت بشكل كبيرالحركةالقرائية في شرق أوروبا.

في المقابل شكلت الطائفة القرائية المصرية مركزاً قرائياً هاماً على مر الأجيال حيث استمر لأكثر من ألف سنة. وبعد قيام دولة إسرائيل، وزيادة معاداة السامية في مصر، هاجر العديد من اليهود إلى إسرائيل ومنهم القراؤون، على الرغم من أنهم وجدوا صعوبة في أخذ ممتلكاتهم وثرواتهم معهم.

 

مواصفات الكتاب

الكتاب يتالف من 431صفحة من القطع المتوسط، احتوى على تاريخ عام للقرائين وأفكار ونصوص خاصة بهم وعن نشاتهم في بغداد وغيرها من المراكز، وتاثر القرائين بالثقافة الإسلامية وبالتحديد الفكر المعتزلي في ذلك الوقت.

الكتاب يتألف من مقدمتين، للطبعة الأولى والثانية وثلات أبواب، ولكل باب عدة فصول، وفي النهاية يحتوي الكتاب على قائمة من المصادر والمراجع باللغة العربية والعبرية والإنكليزية، قديمااًوحديثاً.

جاء في الباب الأول (نشأة اليهود القرائين وتطور حركتهم) عدة فصول منها:

- عنان بن داوود ومن جاء بعده.

- رأي التلموديين بالتلمود ورد القرائين عليهم.

- نقد الجاءون سعديا الفيومي لعنان وردّ القرائين عليه.

- تاثير الثقافة الإسلامية على اليهود القرائين.(فصلان حيث يتحدث في الفصل الثاني عن تأثرهم باصول الفقه الإسلامي)

- تشكيل نص التوراة وقراءتها وتفسيرها.

أما في الباب الثاني (مراكز القرائين قديماً وحديثاً) فقد جاء في بعض فصوله:

- القراؤون في فلسطين.

- القراؤون في مصر.

- القراؤون في بيزنطة.

- القراؤون في شبه جزيرة القرم.

- القراؤون في إسرائيل وتاثير القرائين بالوضع العام في إسرائيل.

والباب الثالث والأخير الذي جاء تحت عنوان(من قضايا النزاع والاختلاف الفقهي بين القرّائين والتلموديين)، فقد جاء في بعض فصوله:

- من قضايا النزاع بينهما في العراق، في فلسطين، في مصر، في عدن، في الاندلس، في بيزنطةو...

- والفصل الأخير هو بعنوان من قضايا الاختلافات الفقهية،ويذكر المؤلف في هذا الفصل عشرات الإختلافات الفقهية بين المجموعتين

 

عماد الهلالي

ماجستير في الأديان الابراهيمية.

.................

1 - الطبعة الأولى صدرت عن مؤسسة الفجر، بيروت – لندن، عام 1989، تحت عنوان: فرقة القرائين اليهود، دراسة في نشأ الفرقة وعقائدها وتاريخها الى العصر الحاضر.

2 - تعني كلمة جنيزة بالعبرية: مخبأ أو تخبئة أو مخزن، وهي من الجذر العبري، أي جنز=خزن. وقد وردت الكلمة في التوراة بمعنى: خزينة أو بيت المال. وفي سفر أستير 3-10 جائت بصيغة( جنز) بدون تاء التانيث.

 

مع رابط مجاني لتحميل الكتاب .. بحث علمي أوروبي يدحض خرافة العنف الدموي العراقي بالأرقام (9-9)

alaa allamiسنحاول في هذه الوقفة، وستكون الأخيرة، حول خرافة "العنف الدموي العراقي" استعراض نتائج بحث علمي أوروبي شهير سبق لنا أن أشرنا إلى العالمين المتخصصين في علم النفس المجتمعي والجماعي اللذين قاما به وهما الزوجان إيفو و روزا فايرابند لما لهذا البحث من أهمية نظرية وعملية خاصة. ولكننا قبل ذلك، سنودع كتاب "تاريخ العنف الدموي في العراق" بملاحظة ذات علاقة بالمنهجية البحثية التي اعتمدت فيه. إن مؤلف هذا الكتاب في سعيه لترسيخ أوهامه كبديهيات يقوم أحياناً بتوظيف الباحثين الآخرين لأداء مهامه وانشغالاته الخاصة، فعلى الصفحة 46 يقتنص الكاتب ملاحظة وردت في كتاب الأستاذ ثروة عكاشة (سومر وبابل وآشور) ليوظفها توظيفاً عجيباً لخدمة منهجية (اللامنهجية) التي يعتمدها فقد كتب عكاشة (إن الآشوريين كانوا أسبق شعوب المنطقة في الحصول على معدن الحديد فعاشوا عصر الحديد بكل ما تحويه هذه الكلمة من معنى وكان هذا مما قـَسّى قلوبهم وجعلهم جفاة غلاظ الأكباد فاتجهت كل إرادتهم لتحقيق الانتصارات بكل وسيلة). إن ثروت عكاشة، وكباحث يحترم كلماته ومنهجيته يضع يده هنا على مغزى عميق وعلى علاقة سببية لها دلالاتها بين اكتشاف الحديد والأسلحة الحديدية التي صنعها واستعملها الآشوريون وبين طابع القسوة التي تفرد بها تاريخهم الحربي، هذا الطابع أو المظهر لما أسميناه كيف العنف والذي يختلف عن عموم التراث الحربي السامي هو الذي جعل باحثاً مرموقاً في التاريخ هو يوسف سامي اليوسف يشكك في أن الآشوريين ساميون أصلاً، ولكن لا عكاشة ولا اليوسف كانت لهما الخفة أو الطيش التنظيري الذي يجعلهما يعتبران الآشوريين، وهم الشعب الذي انقرض حضارياً، وتبقت منه أقلية سكانية تنتسب إليه، عراقيين، لا بل هم شعب العراق وعلى سن و رمح، كما يفعل المؤلف. إن هذا الأخير يعلق على ملاحظة ثروت عكاشة بفرح وكأنه عثر على كنـز ثمين بالقول (وإذا أردنا أن لا نهرب من الحقيقة فإن الوصف الآنف الذكر الذي اشتمل عليه النص السابق إنما هو في أحد جوانبه وأشكاله وصف لميزات الشعب العراقي لأن الآشوريين كانوا هم الشعب العراقي في الألف الثاني قبل الميلاد وما بعده.. ص47) ولن نقول نحن شيئاً بل نقترح على القارئ أن يتأمل المعاني المهينة واللاعلمية والهاجية التي تنطوي عليها عبارة (وما بعده) التي قد تتاخم في الامتداد الزمني المفتوح يوم القيامة!

إن ما قد يبدو مضحكاً للإنسان العادي وغير المتخصص بعلم معين هو كذلك فعلاً بالمنظار العلمي. فالعراق ليس اسماً فقط يدل على كيان سياسي وتاريخي قائم و متكرس في هذا اللحظة، إنه أيضاً الكيان الجغرافي المحدد الذي يدل عليه ويحتويه. وفي جدل العلاقات بين الكيان الجغرافي والآخر السياسي والحضاري التاريخ ثمة الكثير مما ينبغي فهمه وإدراكه.

إن العراق الحالي (الكيانية السياسية التاريخية التي ندعوها العراق) هو في الوقت نفسه الإقليم الجغرافي الذي يمتد بين الموصل شمالاً وعبادان جنوباً و هذه هي حدود أقليم العراق عند الجغرافيين العرب المسلمين ضمن الإمبراطورية العباسية.

أما في العصور القديمة فقد كانت حدود "بلاد الرافدين" الجنوبية تشمل الخليج العربي كله، و الشمالية تمتد إلى هضبة الأناضول وكانت مدينة (قرقميش) شمال الحدود السورية بعدة كيلومترات وتحت السيادة التركية، كانت هذه المدينة رافدانية ويرد اسمها في الكثير من المدونات والخرائط البابلية. ولكنه ليس الإمبراطورية الآشورية التي ضمنت بين حدودها في عصر من العصور بلاد الشام ومصر كما إنه ليس الإمبراطورية العباسية مترامية الأطراف بين الأطلسي غرباً وأسوار الصين شرقاً.

أما في العصور القديمة التي يصول ويجول في مادتها التاريخية صاحب (تاريخ العنف الدموي في العراق) فقد كانت هناك ثلاثة أقاليم جغرافية لثلاث دول.و بعبارة أخرى، ثلاثة كيانات سياسية على ثلاثة أقليم جغرافية وهي سومر جنوباً وبابل في الوسط وآشور شمالاً. وقد تمكنت الكيانية الثانية وكذلك الثالثة من الامتداد على عموم ما نسميه وادي الرافدين في فترات تاريخية معينة، ونتج عن هذا الامتداد أو التوحيد كيان سياسي تاريخي واحد ذو سمات امبراطورية. ثم كفَّت (بلاد الرافدين) عن الفعل التاريخي المستقل وأمست إقليماً محتلاً من قبل الفرس الساسانيين حتى حروب الفتح والتحرير العربية الإسلامية فعادت إلى دورها في الفعل والعطاء الحضاري بعد أقل من قرن مليء بالاضطرابات هو عمر الدولة الأموية والتي كان العراق في عهدها مجرد إقليم محتل لا يكاد جيش أموي مكلف بضبطه يغادره إلا ليعود إليه من جديد حتى تم تدمير الدولة الأموية وبضربة جاءت تحديداً من العراق المتحالف مع خراسان تحت راية العباسيين. إن ما نقدمه هنا ليس إلا مفاتيح أولية نحاول من خلالها تبسيط جدلية الكيانيات لكي نفهم وعلى نحو أعمق الظاهرة موضوع البحث. وسننهي بحثنا هذا بما توصلت إليه الدراسة العلمية التي ألمعنا إليها في بداية هذا النص حول ظاهرة العنف في عدد من بلدان العالم من بينها العراق :

أقدم الثنائي (إيفو وروزا فايرابند) على إجراء دراسة تطبيقية شبه (مَسْحيـّة/ إحصائية من منظار علم النفس المجتمعي في دراستهما المعنونة "السلوك العدواني للدول 1948 – 1962 "، المنشورة ضمن كتاب سيكولوجية العدوان ص219 ، وعلى أساس نظرية (الإحباط – العدوان) التي سلفت الإشارة إليها حيث العدوان كما يقول دولارد هو دائماً نتيجة الإحباط. إن أول شيء فعله الثنائي (فايرابند) هو جمع المعطيات السياسية والتغيرات البيئية المتعلقة بعدم الاستقرار السياسي وسلوكيات الصراع الداخلي لأربع وثمانين أمة (دولة) وعلى امتداد خمس عشرة سنة ومن تلك الأمم (الدول) العراق.

لقد جمعت كميات هائلة من المعلومات والمعطيات واستخدم سُلَّم خاص من ثمانية مؤشرات هي:

-الناتج الوطني العام.

-الاستهلاك الحروري.

-توفر أو عدم توفر الهواتف .

- عدد الأطباء قياسا إلى أعداد محدد من السكان .

-استهلاك الصحف .

-أجهزة المذياع .

 

-نوع ومستوى التعلم .

- مستوى التحضر .

وتمت دراسة خمسة آلاف حادثة عنفية، ثم، تم احتساب علامات الاستقرار على ضوء تلك المعطيات لتحلل وتصنف على أساس سُلَّم من ست درجات كنتائج بحثية وبعد ذلك درس العالمان (فايرابند) العلاقة بين الإحباط المنظومي ودرجة الاستقرار السياسي ليتم الخلوص فيما بعد إلى تصور مستوى العلاقة بين الحداثة والاستقرار.

مهما كان رأينا بدقة هذا النوع من الدراسات ومهما كانت تحفظاتنا، وهي كثيرة في الواقع، على خطوات البحث الإجرائية ومنطلقاتها النظرية لا بد لنا أن نسجل لهذا الجهد العلمي الجديد قدرته التحليلية وحياده العلمي ورصانته فيما يتعلق بالحيثيات والتفاصيل وبالنتائج والتعميمات التي انتهى إليها.

وقبل الاطلاع على بعض نتائج تلك الدراسة نذكر بأن العراق في السنوات بين 1955 و1966 الداخلة في مدة الدراسة البحثية عاش فترة من الأحداث الجسام منها ثورة 14 تموز 1958 التي أخرجت العراق مؤقتاً من دائرة النفوذ والاستعباد البريطاني ومن ثم انقلاب 8 شباط 1963 الذي قام به القوميون والبعثيون وأحداث سياسية أخرى، ومع ذلك يخبرنا سلم الثنائي (فايرابند) المؤلف من ست درجات والذي خلاصته هي :

كلما زاد عدد النقاط المسجلة مقابل الحاجات غير الملباة في البلد موضوع الدراسة ارتفع الاحباط المنظومي وكثرت حوادث العنف واقترب هذا البلد من حالة ـ لا استقرار ـ أكثر.

يخبرنا العالمان " إيفو وروزا فايرابند " إن العراق آنذاك وبحوزته (579) كان:

1ـ أكثر استقرارا سياسياً من مجموعة كبيرة من الدول منها: لبنان (581) والهند (599) والأرجنتين (995) تركيا (584) هنغاريا (652) كولومبيا (581) ودول أخرى عديدة.

 

2ـ أقرب كثيراً من دول متقدمة ومستقرة ويخلو حاضرها السياسي من ظاهرة العنف مثل فرنسا (499) واليابان (453) إيطاليا (433) بلجيكا(432).

أما في دراسة علاقة الإحباط المنظومي ودرجة الاستقرار فإن العراق:

1ـ يعتبر ضمن قائمة الدول ذات الإحباط المنظومي العالي .

 

2ـ تضم تلك القائمة إلى جانب العراق البلدان التالية : إيران وإيطاليا واليابان وتركيا وسورية والهند ومصر واليونان.. الخ.

يطول الكلام لو شئنا ذكر جميع أو معظم النتائج والدلالات التي انتهى إليها عالما النفس (فايرابند) في هذه الدراسة التطبيقية والتي تصلح لتكون آخر حفنة تراب تهال على قبر "خرافة العنف الدموي العراق" التي تكف مع كل هذه الشواهد عن أن تكون رأياً أو نظرية وتنكشف عن كونها ـ للأسف ـ حمام شتائم وأحكام مسبقة مهينة. ورغم كل ما تقدم فكاتب هذه السطور وقد قال رأيه في هذا الكتاب يكرر مرة أخرى رفضه لكل أنواع القمع الفكري وكمِّ الأفواه على اعتبار مبدئي يؤمن به عميقاً هو: إن الخلافات والتناقضات الفكرية والنظرية تحسم ويتم التعامل معها بالأسلوب الفكري والنظري فقط وليس عن طريق القمع والتكفير والإرهاب الفكري وغير الفكري كما إنه لا يدعو إلى منع الكتاب موضوع نقدنا من التداول والصدور. لقد ألَّف باقر ياسين وأصدر كتابه (تاريخ العنف الدموي في العراق) وعليه أن يتحمل المسؤولية الفكرية والأخلاقية الكاملة عن ممارسة حقه التأليفي بهذا الشكل وهذه الطريقة وتقبل النقد والتقويم.

                                   انتهت الدراسة.

 

ملاحظة: يمكن تسجيل نسخة مجانية "بي دي أف " من الكتاب الذي يتضمن هذه الدراسة كاملة ودراسة أخرى بتسعة أجزاء نشرت قبل فترة وهي بعنوان ("دماء على نهر الكرخا" لحسن العلوي: فكر عنصري فج ومقدمات لاعلمية ). الكتاب بعنوان (نقد التأليف الاعتباطي في علوم التاريخ والمجتمع: باقر ياسين وحسن العلوي كمثالين) من الرابط التالي:

ttp://www.4shared.com/office/it4zX7pXce/______.html

مشاهدات من ايران بعيون عراقيه

musa faraj(غداً بظهر الغيب واليوم لي .. وكم يخيب الظن في المقبل)

عندما قرأت هذا من رباعيات الخيام انتبهت لحالي وقررت اعطاء نفسي فسحة للابتعاد عن أجواء المحاصصة والعراك على المناصب خصوصاً بعد إن تأكدت من أن موضوع الولاية الثالثة قد عفى عليه الزمن ...

طبعت من الحاسوب ترجمتين لرباعيات الخيام الأولى لأحمد رامي والثانية لأحمد الصافي النجفي واستصحبت معهما ديوان الملا عبود الكرخي القائل: (هم هاي دنيا وتنكَضي وحساب أكو تاليها .. والله لكسر المجرشه وأنعل أبو راعيها ..)..

بدأت رحلتنا من مهران الى محافظات: كرمنشاه، همدان، قزوين، زنجان، تبريز، أردبيل، رشت، طهران، اصفهان، شيراز لتنتهي بالشلامجه .. قطعنا ما يزيد على 4000 كم لم نركب خلالها طائرة انما فقط بسيارات التاكسي ..

على ذكر التاكسيات فقد ركبنا مع احد سواق التاكسي من قزوين قاصدين (قلعة الموت) وهي قلعة حسن الصبّاح أمير الحشاشين الذي كان يقذف بضحاياه من تلك القلعة الى بطن الوادي .. وكانت تفصلنا عن القلعة منطقة جبلية يصل ارتفاع بعض الجبال فيها ـ وفقاً للسائق ـ الى 5000 متر .. كانت سيارته سايبا ومنهكه ولا تقوى على الصعود وبسبب ذلك كانت الخشية من (الجنوح الى بطن الوادي لا تفارقنا) .. عند قمة أحد الجبال إلتفت إليّ مضيفنا سائق التاكسي بشكل مفاجيء وهو يشير الى أن جفونه جد ثقيله .. قلت له ماسبب ثقل جفونك ..؟ قال: الترياك ..! قلت له: يعني أنت هسا أمتريك . ؟ قال: نعم .. قلت له: بأقرب مجال لوف ورجعنا .. في طريق العودة سألت سائقنا وكنت اجلس الى جواره: اشكلت بالله شسمك انته ..؟ قال: علي القزويني .. قلت له: صدكَ تحجي بالله ..؟ قزويني وتشتغل سائق تاكسي وجماله سايبا تعبانه ..؟ شتكَول تروح وياي وبس تكَول آنا قزويني شوف إذا ما استحدثوا لك درجة النائب الرابع لفخامته .. يمعود .. القزويني .. يصير المرشد الأعلى عدنا خصوصاً بالحله .. أتمنى عندي هيجي لقب وانطيك عدنان وقحطان .. (مشاهدة رقم1): اللغة. .

حسب تقديري ومن خلال ما قرأته وسمعته فقد توصلت الى نتيجة مفادها: ان 50./. من مفردات اللغة المكتوبة والمحكية في ايران هي مفردات عربية حتى انك لا ترى لافتة او قطعة تعريفية دون ان تعرف المقصود منها لكنها تُنطق بشكل مختلف فيصعب فهمها .. وأقل من 10./. بقليل مفردات اوربية وخصوصاً الانكليزية والفرنسية فـ :

مدر بالايراني تعني أم وفذر تعني اب وبردر تعني اخ وبليس تعني بوليس ونو تعني جديد ومريسي تعني شكراً .. أما ما تبقى من المفردات فهي مفردات فارسية .. .

(مشاهدة رقم 2): مفردات فارسية كثيرة متداولة عندنا لكن معناها مختلف .. الذي لفت نظري هو ان مفردات ايرانية تستخدم على نطاق واسع من قبل الأوساط الشعبية في العراق ولكن دلالاتها ليست الأصلية انما مغالى فيها وقد يفيدنا المختصون بعلم اللغة وعلماء النفس في هذا مثلاً : .

ـ مردانه: تطلق عندنا على الرجل الكريم، الشهم، المضياف .. في حين انها عندهم تعني الذكر من البشر .. يعني (رجل لا فوقه ولا تحته) سواء كان شهم أو زنيم، كريم أم بخيل، مضياف أو عكه .. حتى أنهم يكتبون على باب الـمرافق الصحية المخصصة للرجال مردانه وتلك المخصصة للنساء زنانه ..

ـ زنانه: عندنا تطلق على الرجل الميال في سلوكه الى النمط الأنثوي يعني (أنسيواني) في حين انها عندهم تعني المرأة فقط وكما أسلفت فإن الباب المخصص لدخول النساء في المرافق الصحية العامة مكتوب عليه: زنانه ..

ـ بياده: عندنا تعني قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام ويغلب على ذلك الاشارة الى التعب في حين انها عندهم تعني: المشي (لا فوقه ولا تحته ..) فعندما تقول لأحدهم هل أن الوصول الى المكان الفلاني يحتاج التاكسي . ؟ يقول لك : نا .. نا .. بياده .. فهو قريب ..

ـ المغازه: تعني عندنا السوبرماركت قبل عصر السوبر ماركت يعني: المحل الضخم أوالمزود بالجامخانات عادة مثل: القمّاش ومحل بيع الملابس والساعات المستورده في حين أنها عندهم تعني مجرد الدكان صغير أم كبير ويشمل حتى الكشك ..

ـ تنبل: معروف ماذا تعنيه هذه المفردة عندنا من فعل مقصود رغم توفر متطلبات السلوك النشط .. في حين أنها تعني عندهم : الشخص الضعيف، الواهن .. وعادة ما تطلق على المريض او كبار السن ..

ـ خربوطه: عندهم تعني بطيخه ..

ـ ابو جهل: عندهم تعني ثمار الحنظل .. ـ ريش : تعني عندهم لحيه .. فالملتحي ريش إيست وغير الملتحي ريش نيست ..

مشاهدة رقم 3:المرأة ..

ـ جمال النساء عندهم لا يقاوم وخصوصاً موضوع الرشاقة فالمرأة عندهم تنلظم بأبره .. ما أدري ليش المرأة عدنا شهرين زواج وتصير رمانة متنها 37 كيلو .. ؟.

ـ عندهم شخصية المرأة هي الطاغية في البيت ولهذا الجانب فوائد جمه من بينها أن جميع افراد الأسرة محظور عليهم إدخال الأحذية للبيت انما تُخلع الأحذية خارج البيت وما إن تعبر عتبة الباب الرئيسي حتى تجد شبشب أو زنوبه خاص بالبيت ولا يتعداه مما يوفر على المرأة متاعب التنظيف ويبعد الروائح الكريهة .. ما أدري ليش عندنا الأفندي رغم سعة مساحة البيت فان المكان المناسب للحذاء هو ذاك الذي تحت الجربايه .. والمسكينه ترش عطور وبخور وريحة القندره تعط من تحت الجربايه .. ؟ طبعاً المراة عندنا شريك فعال في وجود هذه الظاهرة فهي تعرض احذيتها في معرض مكشوف بجانب ميز التواليت لتتابعها بنظراتها بتودد وكانها طيور الحب .. ! حتى النجارين عندنا فانهم يصنعون كوميدي القنادر ملحق بميز المرآة في أثاث غرفة النوم .. !. .

 

مشاهدة رقم 4: التماثيل والنصب في ايران ..

 

تمثال رقم 1: .

. ـ هذا يؤشر علينا .. أتذكر في السابق ان عدد من النصب تصطف بجانب تمثال السياب على ضفة شط العرب في البصرة لضباط عراقيين وهم يشيرون بسباباتهم باتجاه ايران وتعني: أن البلاوي تاتينا من هناك .. لكن تلك النصب رفعت بعد عام 2003 .. في حين هذا التمثال وجدته في مدينة أردبيل وسبابته موجهة باتجاه العراق ليقول: ان البلاوي تجيهم من العراق .. .

 

تمثال رقم 2: .

هذه الشريحه من الناس عندهم كما عندنا ما ادري ليش يعتقدون اننا (فاتين كَلوبهم) .. هذا التمثال وجدته في إحدى الساحات العامة فاعجبني وقررت تصويره .. فوجئت أن سائق تاكسي يصيح خلفي :آغا .. آغا .. هازي (وهو يشير الى عمامة صاحب التمثال) .. فتنه .. ! قلت له أعرفها .. . ..

يتبع في الحلقة القادمة ..

تبصرة الغرب لدفع عدوانه

abdulaziz khaylيسود سوء تفاهم كبير العلاقات الإسلامية الغربية على المستوى الديني والفكري والايديولوجي يستلزم عملا تنويريا جبّارا من الطرف الإسلامي لا يملّ من التوضيح والشرح وتجلية الحقائق ودحض الشبهات في سعي متواصل جادّ لإعادة طرح الإسلام – دينا وتاريخا وحضارة – على الغرب بكل مكوناته و أوجهه، أي الغرب الإنسان والمثقفون ودوائر صنع القرار.

وهناك مشكلة عويصة لا بدّ من الإشارة إليها ابتداء هي أنّ العلمانية العربية تتبنى أطروحات الغرب المثيرة للشبهات حول الإسلام فيجد الغربيون أنفسهم أمام تناقض صارخ جوهري عميق في الصف الإسلامي ويسارع أكثرهم إلى احتضان الطرح العلماني المؤيد لتصوّرهم ويستبعدون الطرح الأصيل بحجة السلفية والأصولية والدوجماتية، وهكذا أصبحت القراءة العلمانية للإسلام عاملا مؤجّجا للعداوة بيننا وبين الغرب الذي نطمع في تبصيره بالحقائق.

ولئن كانت نقاط الالتباس التي يجب توضيحها للغربيين متعدّدة ومتشعّبة فإنه يمكن إجراء تصنيف للأولويات تأتي على رأسه قضايا قديمة جديدة تسترعي الانتباه وتحتاج إلى البيان الواعي، فمسألة علاقة الإسلام المتأزّمة – حسبهم - بالعلم ما تفتأ إلى اليوم تثير الجدل ويعدّها خصوم الإسلام حجة كافية لسحبه من مجال الفكر والفلسفة والحضارة ، وقد صرح كاتب من بلد مسلم أن الدين شيء جيّد والعلم كذلك لكن ما دخل أحدهما في الآخر؟ إذا قال ذلك وهو خرّيج البيئة العربية الإسلامية فما ظنّنا بالغربيّين؟

فلا مفرّ من الاجتهاد في التأليف والكتابة الصحفية والجدال والنقاش والحوار على كل الأصعدة لبيان أن المصادمة بين الدين والعلم لا تعني الإسلام في شيء لا من الناحية المبدئية ولا على مستوى الانجاز الميداني بل هي مشكلة مسيحية – أي غربية – تحديدا من مخلّفات الثقافة القرون الأوسطية قام المفكرون الغربيون- ومعهم العلمانيون العرب – بتعميمها على كل الأديان وفي مقدمتها الإسلام ، بل زادوا على ذلك فأصدروا حكما نهائيا مفاده أن لا دين في عصر العلم لاعتقادهم أنّ المخترعات العلمية الحديثة قد أعلنت نهاية التاريخ بل أعلنت موت الله كما يقول نيتشه، ومناقشة هؤلاء بمنطق العلم نفسه والتاريخ ليست أمرا صعبا ليتبيّن الفرق بين الإسلام في أدبياته وإنجازاته وبين الكنيسة وموقفها من المعارف والاكتشافات، ولا بدّ هنا من جهد كثيف فعال لإعادة كتابة تاريخ العلوم الذي أجحف المسلمين بشكل فجّ لأن معظم من ساهموا في كتابته غلبت عليهم الذاتية المغرورة الموجَّهة ، وبقيت قلّة متمسّكة بالموضوعية التزمت المنهج العلمي وأبرزت بوضوح إسهام المسلمين في العطاء المعرفي الحضاري عبر العصور وأسبقيَّتهم في الكثير من العلوم والمنجزات المعرفية والاستكشافية.

بالإضافة إلى هذا فنحن لا نطالب فقط بالاعتراف بندّيّتنا في المجال العلمي ولكن بانفرادنا بالمزاوجة بين العلم والأخلاق التي انعكست إيجابا على جميع مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والقانونية بينما لا تعير المنظومة الغربية ذلك اعتبارا كبيرا لاهتمامها بالغاية وتساهلها في الوسيلة.

وبعد العلم تأتي قضية إيجابية الإسلام، فالغربيون– ومعهم العلمانيون العرب – يصوّرون الدين انسحابيا سلبيا لا يبرح دائرة الوجدان والغيبيات والمعارك الكلامية، في حين أنّ تاريخ الجهاد والمقاومة ردّ كافٍ على هذا التصوّر، فمنذ حملات الصليبيين والمغول إلى موجة الاستعمار الحديث كان الإسلام وراء حركات التحرّر والجهاد والمقاومة في طول البلاد الإسلامية وعرضها.

وانطلاقا من صفة السلبية على الإسلام سحبت الثقافة الغربية وصف الجمود على الشريعة ممّا يجعلها تراثا قديما تجاوزه الزمن، لكن الباحثين المتضلّعين يعرفون التمييز بين الثبات والتطوّر في المنظومة التشريعية الإسلامية، والتفريق بين الأصول والقواعد التي يقوم عليها البناء التشريعي وبين الفروع والجزئيات المتّسمة بالمرونة للاستجابة بيُسر للجديد الطارئ على حياة الأفراد والدولة والمجتمع، مع الاستفادة من كلّ إضافة إنسانية ثبت نفعها مهما كان مصدرها، ويجب الاعتراف هنا بجناية المدرسة الحرفية على صورة الإسلام ودورها من فزع الشعوب منه، لأن مغالاتها في النصوصية وجمودَها على الفُهوم القديمة لمجرّد أنها قديمة ورفضَها لتعدّد الآراء وللاجتهاد، كلُّ هذا يُنسَب إلى الإسلام ذاته و يُحسَب عليه.

وبناء على ما تقدم فإن الإسلام دين حياة نابضة بالحيوية والحركة والبحث والرقي المادي والروحي، يمتدّ اهتمامه واشتغاله إلى مجالات العلم والتجارة والصحة العامة والمال والقوة العسكرية والزراعة والعلاقات الدولية والفنّ وحماية البيئة، بخلاف ما تصوّره الرؤية الغربية والتغريبية التي تلخّصه في الحدود الشرعية التي هي جزء من الإسلام من غير شكّ لكنها ليست وحدها الإسلام، ولا التشريع وحده هو الإسلام.

وبهذا التنوّع والشمول والتكامل الفكري والخُلقي والتشريعي والإنساني يبني الإسلام في هذا القرن- كما فعل في القرون الأولى – الدولة الإسلامية لا الدولة الدينية، فدولته يؤسّسها أتباعُه على قواعد الحرية والعدالة والشورى الملزمة والاختيار الحرّ للحكام والتداول السلمي على السلطة، مع التزام الضوابط الشرعية لتحقيق الغايات النبيلة في إقامة المجتمع المتميّز الذي يتبنّى الحداثة ويرفض التغريب ويتمسك بالأصالة وهو بعيد عن الجمود، المجتمع الذي يفجّر طاقات رجاله ونسائه وكلّ طبقاته وأطيافه لصناعة الحياة التي تمزج الرباني بالإنساني لإقامة حضارة الإبداع والأخلاق والرقيّ والتديّن، وهو أبعد شيء عن المجتمع الساكن المتّصف بالتخلّف والهامشية والانغلاق، ليس صحيحا أبدا تلخيصه في تلك الصورة النمطية القاتمة المتداولة عند خصوم الإسلام والتي مفادها أن الرجال – في هذا المجتمع – في المساجد والنساء في الحريم، والدين منحصر في اللحى الطويلة والوجوه العابسة والنشاط القليل، بينما الجلاّد منهمك في جلد الظهور وقطع الأيدي، ومحاكم التفتيش تنتهك خصوصيات البيوت والضمائر وتلاحق الناس في مكنونات قلوبهم وعقولهم، تفرض عليهم التديّن قسرا وتوجّه تفكيرهم بل تلغيه أصلا، وإذا تحرّك المسلمون فمن أجل إعلان " الحرب المقدّسة " وسفك الدماء وتحطيم معالم الآداب والفنون ومظانّ الجمال ... فما أبعد هذه الصورة عن دين الله تعالى.

يجب أن نجرّ الغرب جرًّا إلى القرآن والسنة ليطّلع على حقائق الوحي التي شوّهتها حملات الاستشراف والتنصير والاستعمار مع مساهمة ضافية من بعض المدارس الإسلامية التي شوّهت الدين بغلوّها في التفكير والتطبيق وجنوحها إلى القراءات الشاذة للإسلام إلى درجة إلغاء عنصر أساسي فيه وخصيصة من أكبر مناقبه هي البُعد الإنساني الذي يفسح الطريق واسعا للأُلفة ومدّ الجسور مع عباد الله ودعوتهم إلى الدين الحقّ بأرقى وسائل الدعوة مع الترحيب بكلّ ما هو نافع وصالح من التراث البشري مهما كان مصدره.

إنّ من شأن هذا الطرح للإسلام في إطار خطّة ممتدّة في الزمان والمكان يقوم عليها خبراء في الفكر والفقه والعقائد والاتصال أن تكثّر أصدقاءنا بدل أعدائنا وأن تكسبنا وُدّ أطراف شعبية ومثقّفة في الغرب يمكنها أن تؤثّر في المدى الطويل على سياسات بلادها لصالح الإسلام، وأن تقلّص النفوذ الصهيوني في أوروبا وأمريكا، ذلك النفوذ الذي يؤجّج نار العداوة ضدّنا ويكاد يكون خلف كلّ عدوان على ديننا وبلادنا، وهذا الطرح الأصيل غير الدخيل أفضل لنا ولديننا ولقضايانا القومية من ثقافة الأحقاد والتفجيرات التي لا يجوز أن تطال إلا من يقاتلنا ويحتلّ أرضنا ويكيد لأمتنا، وعلى رأس هؤلاء العدوّ الصهيوني الذي لا يتردّد الإسلام أبدا في دفع عدوانه بكلّ وسيلة ممكنة.

 

عبد العزيز كحيل

 

حوارات ذاكرة عبد الحسين شعبان .. قراءة لكتاب المثقف في وعيه الشقي

abdulhusan shaabanعن دار بسيان للنشر والتوزيع بيروت صدر للصحافي المبدع الاستاذ توفيق التميمي كتابه الخامس في مشروعه (سلسة توثيق الذاكرة العراقية) والذي بدأه في كتابه (ذاكرة الرصيف) الصادر عام 2010، والكتاب الجديد عنوانه (المثقف في وعيه الشقي، حوارات في ذاكرة عبد الحسين شعبان)، وكتاب التميمي هذا بــ442 صفحة مع ملحق صوري بـــ142 صورة مثلت هذه الصور محطات مختلفة من سيرة وحياة الباحث والسياسي والمفكر الكبير الحقوقي الدكتور عبد الحسين شعبان في مدونة سردية تناغم فيها الموثق والراوي بتداخل جميل بين الخاص والعام موضحا فيها الدكتور شعبان التحولات والانقلابات والاوجاع .

 

   كتب الاستاذ توفيق التميمي مقدمة للكتاب يقول فيها:

(كان امام مقابلتي الدكتور شعبان ثمة صعوبات لا يستهان بها ابدا، في مقدمتها ماتركه شعبان حتى هذه اللحظة من مؤلفات ومقالات وشهادات توزعت في مؤلفات مطبوعة أو مقالات على مواقع الانترنيت ومقابلات لا حد لها شغلت هذه المساحات المكشوفة أمام الجميع) ص6

ويتابع الاستاذ التميمي المؤرشف للثقافة العراقية في مقدمته قائلاَ: (ومن خلال أجوبته المتدفقة والمستفيضة، سنعرف من شهادته الوافرة بأنه تحدى الاخرين مثلما تحدى نفسه في هذه الشهادة بأكثر من موضوع أو استذكار وهو يعلم تماما انه كما في الانسان والحياة عموما مواطن قوة واحتمال، هناك أيضا مواضع ضعف وخور، ولهذا السبب لم يتوان من كشف ذلك، قد يحسبها البعض نوعا من الجلد الذاتي للفكر والممارسة يخشاه أو يحاول تجنبه أو التستر عليه، لكن روح التسامح التي تلبسته جعلته ينصرف خارج دائرة الاستقطابات والتقاطعات، ويجري جرده حساب من الاخر ومع النفس بكل اريحية وشفافية)ص9.

 

بعدها يتحدث التميمي عن سردية شعبان ووعيه الشقي قائلا:

(وفعلا كنت اجد نفسي مغمورا بمتعة لا حدود لها وانا اتصفح اوراق هذه الذاكرة لدرجة انسى فيها دور المحاور والمحرر والمراجع، لكي لا اتطفل على تدفقها السردي ولا اخدش عذوبتها الشعرية ولا اختزالاتها المكثفة، لاني امام شخصية تراكمت خبراتها عبر مسارات متشابكة في السياسة والقانون والادب والصحافة واصبحت القدرة البارعة على مزجها كلها في صياغة لغوية لا تخل بأمانة الرواية ولا تزوق حقائقها المريرة حتى تعلق الامر بالمساس به شخصيا)ص14.

   قسم الاستاذ التميمي كتابه على ستة عشر قسما اعطى لكل قسم عنوانا يتناغم مع حديث صاحب الذاكرة، فكان القسم الاول (حفر في الذاكرة) الروافد الروحية والبحث عن الحقيقة، وهنا يسأل الاستاذ التميمي الدكتور شعبان عن مواكبته لكل المسيرة وما رافقها من تحولات تقدما ونكوصا وهل ستجد الشهادة التي تدلى بها ستكون مجدية؟ يجيب الدكتور شعبان وكله ثقة بالنفس عن هذا السؤال المهم: (ستكون الشهادة التاريخية مفيدة ونافعة بقدر صدقيتها وصراحتها أولا، وثانيا تعتمد على مدى قدرتها في قراءة التاريخ برواية اساسها النقد والمراجعة والبحث عن الحقيقة، بهدف التبرير والتسويغ واخفاء الاخطاء، ولعل هدف اية قراءة ارتجاعية هو استفزاز الذاكرة لاستعادة تشكيل الاحداث والوقائع والافكار، لاسيما المسكوت عنها او الساكن منها او المنسي او أي استيقاظ للذاكرة سيقضي الى شرعية العودة المثابرة والمستمرة للتاريخ لاعادة قراءته لاعتباره مفردات او وقائع منفصلة، بل كسياقات اجتماعية تحتاج الى استعادة نقدية برؤية الحاضر) ص19.

انها نظرة رائعة وجميلة قدمها الدكتور شعبان وهو يرى ما خزنته الذاكرة في بدايات حياته وتكوينه في مدينة احبها ومازال مدينة النجف الاشرف والتي يتنفس اهلها الشعر كالهواء، ويستمر الدكتور شعبان في سرده للذكريات قائلا: (لقد قرأت الماركسية قارئا وقرأتها مبشرا وقرأتها كاتبا واقرأها اليوم ناقدا ومشاكسا، وهي القراءة ذاتها للتجربة التاريخية الوطنية العراقية، بعيدا عن الايديولوجيا والافضليات وادعاء احتكار الحقيقة والتعالي على الاخرين، قراءتي الجديدة ليست اعادة تركيب وشرح وتفسير للوقائع، بقدر ماهي نقد سوسيوثقافي في اطار منهجية جديدة لتأكيد صيرورة الاجتهاد)ص23.

   بعدها ينتقل الاستاذ التميمي بذكاء الصحافي الباحث عن المعلومة فيسأل صاحب الذاكرة عن الملامح المتبقية في ذاكرته عن نشأة صبي شغف باليسار وافكاره مبكرا في مدينة تعد عاصمة دينية للعالم الاسلامي والشيعي منه على وجه الخصوص، متى حصلت عندك شرارة الوعي بهذا اليسار، فيجيب الدكتور شعبان قائلا: (ما بيني وبين النجف علاقة سحرية وسرية يتعذر تفسيرها، هي مما تراه العين أو تتخيله، ترتبط بالذكرى والذاكرة والرغبة المستمرة والصيرورة والحلم المتصاعد، لذلك ظلت النجف تسكن مخيلتي كقصيدة متواصلة الابداع، لغتها غير قابلة للانقطاع، كنص شامل تعانقت حروفه وتكاثرت معانيه، الحوار بيني وبين النجف يتواصل منذ عقود من الزمان بوتيرة مستمرة تارة، ومنقطعة تارة اخرى، لكن هذا الحوار العفوي لم يكن بلا نظام، انه يأتي أحيانا مكثفاَ بصور متناسقة، واحيانا اخرى مفاجئا بصور متنافرة، لكنها منسجمة فكرا ولونا متجانسة حتى باختلافها وتنوع طيفها الادبي والفني والاجتماعي)ص26.

والحديث عن النجف في ذاكرة الدكتور شعبان ممتع جدا فيقول: (متعتان للجمال في النجف، متعة العقل ومتعة الشعر، حيث يتنامى الفكر المنفتح في مجتمعها المنغلق حسب تعبير السيد مصطفى جمال الدين والانغلاق الظاهري يحمل تحت ثيابه انفتاحا وتطلعا للتغيير والتجديد وحركة تمرد وانعتاق وتوق للحرية بلا حدود، ولعل هذا التجلي ليس سوى ما تختزنه النجف من طاقة ابداعية - عقلية خلاقة، ووهج شعري متدفق مثل شلال، لا استطيع اغلاق ابواب النجف في رأسي فقد ظلت مشرعة تدخلها الريح من كل الاتجاهات، فعند كل قراءة نقدية وضعية، تتجاوز الآني الى المستقبلي، والماضي الى الحاضر، وهي قراءة أبعد من حدود السلطة والسياسة بمعناها الديني - الثيوقراطي والآيديولوجي، ويخطأ من يتوهم ان بامكانه حصر النجف بقالب او مجموعة اوفئة او طائفة، فالنجف هذا المعهد الدراسي المفتوح، ظلت تتوالد فيها لاكثر من الف عام منصات الفقه والفكر والفلسفة واللغة والادب والشعر بشكل خاص )ص27 انه وصف جميل لمدينة أثرت فيه تأثيرا كبيرا فيقول ايضا: (وقد تركت المدرسة النجفية تأثيراتها العلمية والثقافية والادبية على مختلف الاوساط والحقول والفئات وكانت ملتقى الاعراق والقوميات فيها تتفاعل الثقافات وتتداخل الحضارات في اطار انساني وبعد اسلامي وهوية عربية، وفيها يتعايش المتدين واللا متدين، اليساري واليميني ولكل رافده ولونه وطيفه الذي اضفى على النجف هذه الفسيفساء المتحدة - المتناسقة- المختلفة في اطار مؤتلف)ص27 .

 

اسلوب ادبي

ويتحدث المفكر الدكتور شعبان عن وعيه الاول حديثا صريحا وباسلوب ادبي جميل عن المدينة وعائلته واقاربه وكيف تأثر بهم وانخرط في المواجهة في الخمسينات والستينات . بعدها انتقل الاستاذ التميمي الى القسم الثاني والذي اعطاه عنوان (العراق: الدولة والهوية) يتحدث الدكتور شعبان فيه عن النظام الملكي وذكرياته مع بعض سياسته، اما القسم الثالث كان بعنوان (الثورة وانفراط العقد ) بدأه الاستاذ التميمي بسؤال مهم عن قضية ارتباط الشيوعيين العراقيين بحكومة قاسم منذ ايامها الاولى، من المسؤول عن تقويض هذه العلاقة؟ ما الذي تحمله الشعب العراقي من جراء هذه العلاقة التي تفاوت في مناسيبها تقدما وانحسارا؟

اجاب الدكتور شعبان عن سؤال التميمي اجابة لا تنقصها الصراحة قائلا: (اطاحت ثورة 14 تموز النظام الملكي واعلنت العراق جمهورية، وكان الحزب الشيوعي من الاحزاب التي هيأت للثورة او شاركت في التحضير لها، مثله مثل الاحزاب الاخرى، على نحو مباشر او غير مباشر وبدرجات متفاوتة بالطبع مع نفوذ كل حزب ودوره، وكان كادره القيادي قد اطلع على بيان صادر عن الحزب يوم 12 تموز يلوح الى احتمال قيام احداث مهمة ويوصي بالاستعداد لها ورفع درجة اليقظة، وعندما اندلعت الثورة وجد الحزب نفسه سباقا الى تأييدها في الشوارع والساحات، وكان لمثل هذا التأييد الشعبي ان يؤدي الى قطع الطريق على رجالات العهد الملكي ومنعهم من القيام بحركة مضادة، كما انه قطع الطريق امام التدخلات الخارجية، على الرغم من انزال القوات الامريكية في لبنان والقوات البريطانية في الاردن، لكن التفاف الشعب، وفيما بعد دعم حكومة الجمهوية العربية المتحدة وحكومات البلدان الاشتراكية، لاسيما الاتحاد السوفيتي، أحبط اية امكانية للانقضاض على الثورة)ص52.

ومن ثم يستمر شعبان في شرح مفصل عن مواقف الشيوعيين في ازاء ثورة تموز وما جرى من احداث خلال تلك الفترة. اما القسم الرابع (احلام واوهام)تحدث الدكتور شعبان عن الدور الطلابي والحركة الطلابية اليسارية اذ كان احد قادتها منذ العهد الملكي حتى مجيء البعثيين عام 1968، وفي القسم الخامس والذي كان عنوانه (صداقة الكرد دائما ولكن….) بدأه باللقاء مع البارزاني الكبير والذي يؤكد فيه الدكتور شعبان ان البارزاني الكبير كان عراقي الهوى كردي الانتماء، ثم يتحدث بوصف جميل عما واجهه في كردستان والاحداث فيها، ويتناول الدكتور شعبان في القسم السادس (مفارقات الحرب العراقية- الايرانية) تحدث فيه عن مواقفه الصريحة من الحرب وعن مواقف الدكتاتور صدام لمعارضي نظامه وعن الحصار الذي كان الدكتور شعبان يدعو الى رفعه عن الشعب العراقي .

وتحدث الدكتور شعبان في الاقسام الاخرى عن حكم الاخوين عارف وماشهدته الساحة السياسية العراقية والثقافية ايضا، كذلك تحدث عن الجبهة التي عقدها حزب البعث مع الحزب الشيوعي العراقي كي يخرج من المحلية الى العربية والعالمية، وكيف ضلل الحكم البعثي الشعب العراقي بكثير من التفاصيل، وكذلك تحدث الدكتور شعبان عن ماركسيته وعروبته التي يفتخر بها موضحا الفرق بين العروبية والقومية، ويبقى مستمرا في شرح قضية الطائفية السياسية ومافعلته السياسة البعثية بالاحزاب الاخرى واستمر في الحديث الدكتور شعبان عن الدين والتدين وحقوق الانسان بين السلطات والمعارضات وعن الشيوعية بلا جناح تحدث فيها عن السياسي المخضرم عزيز محمد وكيف كتب رسالة الى حميد مجيد موسى في 25 ايلول 2002ومن ثم تحدث الدكتور شعبان عن حركة المنبر الشيوعية التي اسست في اوائل الثماننيات وما نشرته صحيفة المنبر عن وثائق ومقالات مهمة عن الحزب الشيوعي العراقي وموقفه من الحرب العراقية - الايرانية والاختلاف بين المنبر والقيادة الرسمية للحزب الشيوعي وكذلك موقفها من السياسة السوفيتية والبريترويكا، وفي القسم الرابع عشر يكتب الدكتور شعبان عن علاقاته الواسعة والدروس التي تعلمها وعلمها وعنوان هذا القسم (شبكة علاقات ودروس شعبان) فكتب عن انحيازاته وازواجية المعايير ومنطلقات مختلفة، ومن ثم يكتب عن منصور الكيخيا وحيثيات حكايته واسهامه في تأبين الكيخيا في ليبيا بالقاء كلمة في التأبين، ولان الدكتور شعبان حقوقي وسياسي رأى الاستاذ التميمي في قسمه السادس عشر من الكتاب ان يسأل عن التداخل والالتباس والتفاعل والتواصل بين شعبان الحقوقي والسياسي، فيجيب الدكتور شعبان على السؤال قائلا: (اذا كان ثمة اشتراطات لمهنة الاعلامي والاعلام الحر بشكل عام فان مثل هذه الاشتراطات تنطبق الى حدود كبيرة على الحقوقي بشروطها المهنية ومواصفاتها الوجدانية، والشرط الاول: قول الحقيقة والشرط الثاني: على الحقوقي ان يتحلى بالشجاعة والثالث: عليه ان يتمتع بالموضوعية والتوازن، والرابع هو التواضع)ص314 .ويشرح الدكتور شعبان هذه الشروط موضحا اهمية هذه المهنة في خدمة المجتمع وفي نهاية الكتاب ينقلنا الاستاذ التميمي الى الذاكرة البصرية أي البوم الصور الذي اعده الدكتور شعبان وفيه تاريخ لهذا الرجل في شبابه ونضاله وعلمه ومناصبه التي تسنمها اضافة الى المئات من المؤتمرات والندوات التي حضرها، ما كتبه الاستاذ توفيق التميمي من مقدمة جميلة وما اعده من اسئلة ومشاكسات اخرج بها كنوزا لرجل خبر الحياة وعاش احداثها اولا باول، الكتاب ممتع وادعو القراء جميعا الى قراءته والاستمتاع به لانه يحمل تاريخا ناصعا لرجل خدم العراق والانسانية.

الطامعون بالشهد في نهاية الشوط السابع

nadheer khazrajiالانضباط في السلوك الاجتماعي، الانضباط في العمل، الانضباط في المواقيت، الانضباط في الحركة، الانضباط في النوم واليقظة، الانضباط في كل جزئية من جزئيات الحياة اليومية للفرد والأسرة والمجتمع والأمة، كل هذه الأمور الحيوية التي تدخل تحت مسمى "الانضباط" تشكل قيمة حضارية وبها تُعرف الأمة المتقدمة في ركب الحضارة والمدنية عن المتأخرة، ومعظم الناجحين من أعلام البشرية إذا ما دخلت الى بواطن خصوصياتهم ستجد أن التنظيم أو الانضباط هو أحد أسرار النجاح إذا لم يكن على رأس تلك الأسرار وسنامها، لأن الانضباط أولى الخطوات السليمة في طريق الألف ميل نحو الرقي والنجاح والفلاح.

ولأن الاسلام دين الحياة، فإن التنظيم دخل في كل تفاصيل الإنسان في مجالي المعاملات والعبادات، وفيه أوصى الإمام علي(ع) الأمة بقوله للحسن والحسين(ع): (أوصيكما، وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي، بتقوى اللَّه، ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم)، ولأن العبادات عبارة عن شعائر ومناسك وأعمال وحركات وممارسات، فإنه بالامكان ملاحظة الانضباط في مراتب الأداء، ففي الوضوء انضباط، وفي الغسل انضباط، وفي التيمم انضباط، وفي الصلاة انضباط في الزمن وفي مراحل الصلاة الواحدة نفسها، وفي الحج انضباط، بل وتظهر أهمية التنظيم في العبادات في الحج ومراحله من حيث الزمن والمكان والحركات، وكل منسك من مناسك الحج يقود الانسان الى الانضباط والتقيد بالتعاليم كافة وبكل حذافيرها، حتى لا يدخل الخلل منسكاً فيضطر الى الإعادة أو بطلانه، واذا كان الحج من فوائده خلق الارادة الذاتية في مواجهة وساوس شياطين الإنس والجن الذين يكثرون في مطاوي هذه الشعيرة، فإن من فوائده السلوكية هو خلق الانضباط في حركة جسم الإنسان، وهذا ما نلحظه بشكل جلي في الطواف حول الكعبة سبعة أشواط، الذي يشكل واحدة من أهم مراحل الحج والعمرة، فالحركة دورانية بحيث يكون الكتف الأيسر باتجاه الكعبة انطلاقاً من ركن الحجر الأسود والبصر الى الأمام دون الالتفات الى الخلف بكامل الجسم مع باقة من الأدعية التي تقرب الإنسان الى رب الكعبة.

شعيرة الطواف، تناول مسائلها بالتفصيل الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في كتيب "شريعة الطواف" الصادر حديثا (2014م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 104 صفحات، فيها 274 مسألة شرعية مع 48 تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، الى جانب مقدمة الناشر ومقدمة المعلق وتمهيد الكاتب، وتوزعت المسائل على العناوين التالية: أحكام الطواف (1- 59)، المستحبات المقدمة على الطواف (60- 231)، مستحبات الطواف (232- 240)، الأدعية المأثورة (241- 243)، مكروهات الطواف(244)، ومسائل صلاة الطواف (245- 274).

 

الرمزية في الطواف

كلما تحاول مغريات الحياة إبعاد الإنسان عن قطب العبودية لله، يظل رب العباد يمد بحبل الوصل لعبده استنقاذاً له مما هو فيه، فهو يريد له الحياة وسلامة السلوك، وكل شعيرة واجبة الأداء أو مستحبة أو ممارسة عبادية فيها لله رضا، هي محبوبة في ذاتها تزيد من العلقة بين الخالق والمخلوق، ومنها الطواف حول الكعبة، فهي كما يقول الفقيه الغديري في تعليقه: (والطواف كسائر الأعمال العبادية يزيد في الحب من الجانبين، من جانب العباد بالطاعة والتسليم، ومن جانب المعبود المحُب والمحبوب، منَّ عليهم بالتوفيق للطاعة في الدنيا ووعدهم بالرضوان في الآخرة)، وبتعبير الفقيه الكرباسي إنَّ الطواف: (بغض النظر عن معانيه اللغوية فإنه حركة تنبع من صميم الإنسان بل من صميم الأحياء بأشكالها المختلفة وحيويتها المتنوعة، إنه نابع من الشعور وربما قبل العقل، إنه حالة عاطفية منبثقة من الحب، وهو تعبير عن الحب سواء كان لمزيد الالتفاف حول المعشوق والحبيب أو للحفاظ عليه أو لكسب ودّه، وأيّاً كان الغرض المباشر فإنه نابع عن ذلك الحب وإن شئت سمّه الانجذاب المجبول مع خلقة المخلوقات ربما جميعها أو جلّها).

ولأن الطواف من الناحية اللغوية: (مصدر طاف يطوف أي بمعنى دار يدور، تقول طاف بالمكان وحوله إذا دار حوله، وفي الفقه هو الدوران حول الكعبة الشريفة بالشكل الذي فرضه الله على عباده سبع مرات)، فإن مفردة الحب في الطواف شاخصة بشكل كبير، ويذهب الفقيه الكرباسي في تقريب معنى الطواف الى التشبيه: (فالانسان عندما يُحب الشيء يحوم حوله، وإذا أحبّه ووجد المخاطر متجهة نحو حبيبه فإنه يجد من واجب الحب أن يحوم حوله ليحافظ عليه ويدرأ عنه المخاطر .. إنّ الحبيب إذا قلاه وأراد كسب ودّه بدائيا أو استمرارياً أو مزيداً على ما فيه أو إعادة العلاقة حامَ حوله، وهذا لا يختص بالانسان بل بكل الأحياء من الملائكة والجن، وحتى الحيوانات هي الأخرى كذلك)، ويضيف الفقيه الكرباسي: (فالطواف جاء التجاءً الى رمز صاحب القرار وكسب ودّه وردّ الاعتبار اليهم بالاستغفار لله الواحد القهار حبيب قلوب المؤمنين وملجأ الموحدين، وعليه فمنذ ذلك اليوم أصبح العرش مطافاً لحملة العرش والملائكة الكرّوبيّين، وأنشأ في قباله السماء السابعة الضُّراح مطافاً لسائر الملائكة، وتسهيلاً لملائكة السماء الرابعة المختصة بأمور الكرة الأرضية أنشأ البيت المعمور، ولمّا كانت الأرض أصبحت الكعبة مطافاً للملائكة والجن والإنس).

فالإنسان المخلوق من تراب الأرض بطبعه يميل الى الرمز، فكانت الكعبة الشريفة الرمز الذي يطوف حوله كمنسك عبادي، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (الكعبة لها رمزية دينية، حيث ان الانسان بشكل عام يريد شيئاً ملموساً على أرض الواقع يمثل تلك القدسية التي يعتقد بها، وبالكعبة أُمِّنَت هذه الرمزية).

فالعبادة لله وحده لا شريك له، والكعبة أو الحجر الأسود إنما هو رمز، ولذلك فإن من واجب الطواف حول الكعبة كما يذكر الفقيه الكرباسي: (القُربة: شرط عبادي، فمن لم يقصد التقرّب الى الله تعالى لا يتحقق الطواف الذي هو أمرٌ عبادي فلا يُقبل منه)، وهذه القربة لازمة في كل عبادة أو منسك أو شعيرة أو ممارسة واجبة أو مندوبة.

 

مطافات جديدة

لاشك ان تطور حركة المواصلات وتنوعها وسهولتها بشكل عام لمن يستقل الخطوط الجوية، أحد عوامل ارتفاع أعداد الحجاج والمعتمرين الذين يرغبون في أداء مناسك الحج والعمرة، ولكن الكثرة بطبيعة الحال بحاجة هي الأخرى الى زيادة سعة الرقعة الجغرافية لاستقبال الحجاج، ولما كان خصوص الحج محكوماً بمساحة جغرافية معينة لا يستطيع المحرم تجاوزها أثناء الحج، فإن الإزدحام بات هو السمة البارزة للحج في العقود الأربعة المنصرمة، وتزداد المشكلة على وجه الخصوص في الطواف حول الكعبة لأن الحاج عليه خلال أداء أشواط الحج السبعة أن لا يخرج عن مدار الطواف وهو داخل باحة المسجد الحرام قدر المستطاع، ذلك: (أن المدار الاول للطواف لا يتجاوز من جميع أطرافه أكثر من 12 متراً)، ولكن: (مَن لم يتمكن من الطواف في هذا المدار لعُذر والذي منه الزحام وكثرة الحجيج، صحّ الطواف خارج هذا المدار من مراعاة الأقرب فالأقرب)، ولما كان الطواف يتحقق في زمان واحد لجميع الحجاج وخاصة يوم العاشر من ذي الحجة، فإن البيت يضيق بحجاجه وتطول فترة الطواف لشدة الزحام وقلة الحركة واتساع مدار الطواف وابتعاده عن جدار الكعبة.

ولما كان الفقيه الكرباسي قد أدى الحج والعمرة منذ عام 1975م لأكثر من عشر مرات وعاش التجربة بنفسه، فإنه تقدم باقتراح: (طرحته على بعض المسؤولين على الديار المقدسة أيام إقامتي في بيروت بأن يُنشئوا حول الكعبة مطافاً منحدرا من الأعلى، بحيث يبدأ من الحجر الأسود ويدور حول الكعبة وينتهي به، مكمّلا بذلك سبعة أشواط ويخرج من القبو، وعندها يتمكن الجميع من الطواف حول الكعبة بيُسر دون أن يوجب السهو أو الخطأ أو الزحام، ويكون هذا المطاف متحركاً بحيث يمكن أن يُزال بعد عشرة أيام الزحام مثلاً).

وفي الإطار نفسه، يقول الفقيه الكرباسي الذي خط هذا الكتيب في لندن يوم 25/5/1429هـ (30/5/2008م): (إذا بُني طابق للمطاف، جاز الطواف حول الكعبة من الطابق الثاني، بل الى عنان السماء، والعكس أيضا صحيح بأن يطوف في الطابق تحت الأرض)، وقد تحقق هذا الأمر ولأول مرة حيث تم عام 2012م وضع حجر الأساس لبناء مطافات عائمة حول الكعبة تنتهي في العام 2016م وقد تم افتتاح المطاف المؤقت في حج عام 1434ه (2013م)ـ، ومع انتهائه سيكون بامكان المطافات الأرضية والعائمة استيعاب 130 ألف حاج في الساعة الواحدة بدلاً من 48 ألف حاج في الساعة خلال الذروة.

وعلى عكس ما نجده في المطارات العالمية من شريط متحرك يقف عليه المسافر مع حقيبته تكفيه مؤونة الحركة، فإن الله في الطواف يريد من الإنسان الحركة بنفسه ليرى مدى قربه وحبه، ولذلك يرى الفقيه الكرباسي: (إذا وُضع حول الكعبة حزام متحرك، لا يصح الطواف لأنه بذلك يفقده إرادة الحركة، وإذا قادت الطائف قاطرة أو سيارة، لا يصح أيضا إذا لم تكن بقيادته، إلا مع عدم القدرة على ذلك كالمريض)، نعم: (لا يجب أن يكون الطواف مشياً على القدمين حتى على القادر، بل يجوز أن يركب الدابة ويطوف أو يركب دراجة ويسير، ولكن المشي أفضل لأنه أكثر ثواباً)، كذلك: (إذا كانت هناك آلة معدة لطواف العاجزين، صحّ ذلك، ومن المفروض أن يقدّم القدرة على قيادة الطائف على أن يقوده آخر).

وفي الواقع فإن للطواف طعما عبادياً خاصا يتذوقه الطائف والذي ينتهي بلمس الحجر الأسود وتقبيله إن أمكنه ذلك، ويتلمسه بقلبه وبصره الناظر الى الطائفين من على سطح المسجد الحرام وبخاصة في الليل، حيث يرى أمواجاً بشرية تتحرك عكس عقارب الساعة وهي تلهج بذكر الله، من الشرق باتجاه الشمال ثم الغرب ثم الجنوب، وهي حركة متطابقة تماماً مع حركة الأجرام والذرات، فكل ما خلق الله يدور من اليمين الى اليسار، ويأتي الطواف منسجماً تماماً مع البيئة القريبة والبعيدة، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (إن حركة الطائف حول الكعبة هي في اتجاه الجريان، حالها حال الذي يسبح مع تيار الماء وجريانه، فإنه يسبح بكل سهولة وراحة، فإن السير بخلافة يوجب له المتاعب، والطواف مع جريان الكون يكون مريحاً وإن لم يشعر به بشكل ملموس، إلا أن تناغم حركة الكترونات الجسم والأرض والكون تساعده على الحركة وتتلاءم معه في كيان بدنه، فلا تسبب له خللاً وإن خفيت عليه، ومن جهة أخرى فإن الله أراد أن تكون حركته وفق سنّته في الحياة، وعندها تتطابق الأحكام الشرعية مع القوانين الفيزيائية المستخدمة في الكون).

في الواقع ان المسائل الشرعية التي تداولها الفقيه الكرباسي حول الطواف وما يلحقه من ركعتين خلف مقام إبراهيم كثيرة ومتشعبة، ولكن ما يلفت النظر في بعضها تقدم العامل الاجتماعي على العامل الفردي حتى في مجال الانشغال بالعبادة والارتباط مع الرب، وذلك للأهمية الكبرى التي يوليها الإسلام للمجتمع وشد لحمته، ورغم أن الطواف بأشواطه السبعة يقتضي فيه التوالي العرفي غير المخل، فإنه: (يجوز قطع الطواف واجباً كان أو مستحباً للضرورة ولا يبطل طوافه إذا أتمّه أربعاً ثم يعود ويتمه)، ومن ذلك: (يجوز قطع الطواف بعد اتمام الشوط الرابع إذا أراد تلبية حاجة مؤمن أو مراقبة مريض أو جواب على مسألة أو ما شابه ذلك ثم العودة لإكمال طوافه). بل ومن مستحبات الطواف كما يضيف الفقيه الكرباسي: (أن يدعو للمؤمنين والمؤمنات ويطلب حاجته وحوائجهم).

في حقيقة الأمر، مهما قيل عن الطواف أو عموم الحج أو العمرة، فمن ذاق شهد الحج وحلاوة العمرة وتذوقهما بلسان التقرب الى المحبوب يطمع بالمزيد في قابل الأعوام ولو بعد حين، والتجربة أحسن برهان.

حين يتكلم الجسد مجموعة قصصية للقاص نشأت المنداوي

611-nashatعن دار ميزوبوميا صدرت المجموعة الجديده للقاص نشات المندوي المقيم في امريكا بعوان: حين يتكلم الجسد.

تحوي المجموعة ستة عشر قصة قصيرة مع تسع قصص قصيرة جدا.

611-nashatوتتضمن المجموعة ايضا دراسه نقديه عن القاص والقصه بقلم البروفسور الاستاذ عبد الاله الصائغ الذي سبر اغوار رحله القاص واسلوبه في البناء والتكثيف عبر مجاميعه القصصية وبشكل فني وعميق.

كتاب جديد للناقد "حسين سرمك حسن" عن "أدب الشدائد الفاجعة"

610-husan(ناطق خلوصي وأدب الشدائد الفاجعة) هو عنوان الكتاب الجديد للناقد الدكتور حسين سرمك حسن، والذي صدر مؤخرا عن دار ضفاف (الشارقة / بغداد) للطباعة والنشر هذا الأسبوع .

أهدى الناقد كتابه إلى:

(روح المبدع الكبير "فؤاد التكرلي"

إعترافا بجهوده الريادية الفذّة في إرساء ملامح القصة القصيرة الحديثة في الأدب العراقي) (ص 7) .

ثم قدّم الناقد في "مقدّمة" الكتاب لمحات موجزة عن مسيرة القاص والروائي ناطق خلوصي قائلاً :

(بدأ القاص والروائي "ناطق خلوصي" كتابة القصة ونشرها منذ ما يقارب النصف قرن . وصدرت أول مجموعة قصصية له وهي "الهجير" في عام 1978، في حين أصدر أول رواية له وهي "منزل السرور" في عام 1989، بعد أن أنجز كتابتها في ما يقرب من ثلاث سنوات، ولم تصدر ألّا بعد ست سنوات من انجازها ، فقد نامت على رفوف دار الشؤون الثقافية طوال خمس سنوات دون سبب مقنع مع أن الناقد الكبير الدكتور علي جواد الطاهر (رحمه الله) كان الخبير الذي اعتمدته الدار، وأبدى اعجابه بها، وأوصى بنشرها) (ص 9) .

ثم يحاول المؤلّف تحديد سمات منهج خلوصي في الكتابة القصصية والروائية بالقول:

(ومنذ خطواته الأولى وحتى هذا اليوم، ظلّ خلوصي مخلصاً للمنهج الواقعي في كتابة القصة. ولا نقصد به المنهج الواقعي الفج الوصفي، ولكن المُحدث القائم على رؤيا مخلصة لآلام الإنسان العراقي المسحوق، ورؤية ثاقبة تستند إلى فهم حاد لدور الحبكة وعوامل التوتر الدرامي في إنضاج حكاية مؤثّرة، ولأهمّية المكان كمكوّن فاعل في البناء االروائي خصوصاً، والتحرّك على متصل الزمان بمحاوره الثلاثة المعروفة، واستثمار التقنيات الحديثة من تناص، واسترجاعات فنّية - flashbacks، وتوظيفات ماوراءنصّية – metafiction، وتعدّدية أصوات وضمائر ساردة، ولغة شعريّة منضبطة، بالرغم من أنه – كما يقول - لا يجرؤ على الإقتراب من الشعر في كتاباته النقديّة (2) . وكل ذلك يستظل بثراء معرفي موسوعي هو المترجم والناقد بالإضافة إلى موهبته السردية الكبيرة، هذا الثراء المعرفي الذي يعدّه شرطا لأداء فنّي مقتدر يعزّزه بالقراءة المستمرة كما عبّر عن ذلك بقوله :

(لقد تعرّفت على الاتجاهات الفكرية وطبيعة الفلسفات التي تحكمها، واستلهمت الفكر الماركسي دون تزمت أو تعصب . قرأتُ إلى جانبه في الأديان والنظريات الفكرية والاجتماعية والاقتصاد وعلم النفس والسياسة ، مثلما قرأتُ في الأدب والفن والنقد بحكم تعدد اهتماماتي . لقد تنوعت مصادر قراءاتي وتعددت حتى توفرت لدي ذخيرة معرفية أعانت تجربتي على التطور وجعلتني أعتمد عليها بثقة وأنا أتنقل بين المجالات الابداعية المختلفة . ولأنني أرى ان المبدع يظل في حاجة إلى ذخيرة معرفية حيّة ومتجددة باستمرار، فانني أجد في القراءة نسغاُ حيّاً يمد هذه الذخيرة بروح التجديد . لقد كانت القراءة وماتزال أحد هواجسي الرئيسة . فقد ارتبطت بها برفقة حميمة جعلتني أجد فيها ملاذاً آمناً أركنُ اليه) (9) .

أمّا عن محتوى الكتاب، وسبب تسميته بأدب الشدائد الفاجعة، فقد قال الناقد حسين سرمك حسن:

610-husan(وقد اطلعتُ على كل نتاجات ناطق خلوصي السرديّة من قصّة ورواية، وتعايشت بدقّة وتعاطف ووضوح كاف مع القدر الكبير من الجهد والعناء والمصداقية العالية التي تطفح بها نصوصه، قصّةً ورواية . وقد آثرتُ – في هذا الكتاب – أن أقدّم للقرّاء الكرام تحليل نماذج قصصية وروائية من أدب خلوصي السردي في السنوات العشر الأخيرة من عمره الإبداعي المديد بإذن الله، لأنني تعمّدت وضع القارىء أمام الصورة التطوّرية الفنّية الأخيرة، والمستوى الحكائي الخلّاق الراهن الذي بلغه هذا الحكّاء المُقندر . وفي النماذح القصصية والروائية التي اخترتها، حاولت أن أقدّم أمثلة وافية عبر التحليل الشامل للنصوص على ظاهرتين مهمّتين وبارزتين في المنجز الإبداعي لخلوصي : الأولى هي ما يرتبط بما أسميته بـ "أدب عصر المحنة" أو "أدب الشدائد الفاجعة"، وهو الأدب الذي يتناول المحنة الجهنّمية التي مزّقت المجتمع العراقي، إنساناً ومكاناً ومفاهيم، والتي أوقعت المبدع العراقي في مأزق خطير يسبق فيه الواقع الجحيمي المُرعب المخيلة المبدعة، بخلاف ما تعارفنا عليه في أزمان وأماكن سابقة ومعاصرة يحاول فيها المبدع شحذ مخيّلته كي تسبق الواقع وتجعله يلهث خلفها . وفي هذا الإختبار العصيب الذي اشتعلت ألسنته بعد الإحتلال الأمريكي القذر لوطننا، قدّم خلوصي نماذج قصصية في غاية الإقتدار : بنية ووظيفة، مبنى ومعنى، في التعبير عن هذا العالم العراقي الأسفل الذي طفح وصار عالماً أعلى ترى الناس فيه سكارى وما هم بسكارى) (ص 10) .

وقد تكوّن الكتاب (184 صفحة من القطع الكبير) مقدّمة وقسمين ومُلحقين . ضم القسم الأول فصلين هما: وسط ظلام الآثام، ونوبة شبق مرعبة، وقام فيهما الناقد بتحليل نصّين قصصين للكاتب . أمّا القسم الثاني فقد تكوّن من فصلين أيضاً قام الكاتب فيهما بتحليل روايتين للروائي ناطق خلوصي هما : تفّاحة حواء، وأبواب الفردوس.

في الملحق الأول عرضٌ لتجربة ناطق خلوصي، بقلمه، من خلال مقالة عنوانها (تجربة: رفقة حميمة مع الكلمة) كتبها الروائي خلوصي نفسه مستعرضاً فيها المسار التاريخي لتجربته ونتاجاته وانشغالاته الإبداعية ووجهات نظره في الكتابة السردية، وهي عبارة عن عرض مركّز، ورحلة وافية مع تجربته في عالم السرد والنقد والترجمة .

وفي الملحق سيرة شخصية للناقد حسين سرمك حسن تضمنت أيضاً عناوين مؤلفاته النقديّة والعلمية والفكرية، ومنها نرى أنّ هذا الكتاب هو الثاني والأربعون في مسيرة الناقد الدكتور حسين سرمك حسن .  

 

الفاتحون العرب المسلمون يصابون بـ"داء العنف العراقي"! (8-9)

alaa allamiإن مؤلف كتاب " تاريخ العنف الدموي في العراق" وسيراً على دأبه، لا يقيم أي اعتبار معرفي أو فرق بحثي بين الكيان السياسي التاريخي وبين الآخر الجغرافي "الخام". أكثر من هذا، فهو يعتبر أي تجلٍ تاريخي للكيانية السياسية المحددة بزمنها، يعتبرها أبدا أو سرمدا غير قابل للتحديد والمحايثة، فالعراق في أيام عبد السلام عارف، في بصره وبصيرته، هو نفسه العراق أيام هارون الرشيد. وهو نفسه أيام حاكم صغير في لكش قبل عشرات القرون، وقد سردنا أمثلة عديدة على نظرته تلك. أما الأكثر غرابة فهو إن الكاتب، ولإعطاء حكمه المسبق والتشنيعي بحق العراق تبريراً أو غطاء تاريخا، يلجأ أحياناً إلى "قصقصة" الكيانية الجغرافية مع الاحتفاظ بمظهر الكيانية التاريخية ليحصد الكثير من الأمثلة على العنف الدموي "العراقي"، وهاكم مثالاً واحداً من جملة أمثلة أتخم بها كتابه ( ففي معركة "أليس" وهي إحدى المعارك التي قادها خالد بن الوليد ".." كانت قوات الفرس تقاتل بشدة وضراوة ومعها عدد من القبائل العربية الموالية، وكانت حاقدة وموتورة لأن خالداً كان قد سبق له أن قتل بعض أبنائها في صدامات سابقة ".." ويبدو أن خالد بن الوليد وجيشه قد تعرض إلى مأزق شديد جعله يقسم على نفسه يميناً إلى الله أن يجري نهر الفرات بدماء أفراد الجيش المعادي ".." ثم جاء الفَرَج ومالت الكفة لصالح المسلمين ".." فأقبلت الخيول بهم أفواجاً يساقون سوقاً وقد أوكل بهم رجالاً يضربون أعناقهم في النهر) وبعد أن ينتهي الكاتب من وصف مشاهد القتل يعلق بالقول (كانت تلك المطحنة البشرية هي ما أسفرت عنها معركة واحدة من بين المعارك الضارية التي جرت من أجل فتح العراق. ولننظر الآن إلى ما فعله خالد بن الوليد ذاته في مدينة دمشق خلال فتح الشام بعد أن حاصرها مدة ستة أشهر..) وتتمة القصة متوقعة فقد كتب خالد بن الوليد عهداً بالأمان لأهل دمشق سمح لمن أراد منهم الالتحاق بالروم أن يفعل فخرج منهم موكب ضخم (وقد مرَّ ذلك الموكب الغني بكنوزه و موجوداته الثمينة ونسائه الجميلات أمام مرأى الجيش الإسلامي المحارب القادم من الصحراء الذي اصطف أفراده يراقبون بانضباط تام ما يجري أمامهم ملتزمين بأوامر وتعليمات خالد الصارمة ".." إن القائد العسكري واحد ـ والكلام هنا لباقر ياسين ـ لكن الفارق كبير جداً بين هاتين الواقعتين بين ما جرى في العراق وما جرى في الشام، حتى لكأن خالد بن الوليد في الشام هو شخص آخر غير خالد بن الوليد في العراق. ص88).

قد يذهب الظن بالقارئ أن باقر ياسين ربما يُعرِّضُ بالحالة النفسية والعقلية للقائد خالد بن الوليد كما يشير إلى ذلك قوله (حتى لكأن خالد بن الوليد في الشام هو شخص آخر غير خالد بن الوليد في العراق) فالقصة، وتعليقات الكاتب، تصب في مصب احتمال إصابة خالد بالفصام "الشيزوفرينيا"، ولكن قصد الكاتب مختلف. فهو إنما أراد إدانة أهل العراق مقارنة بأهل الشام المسالمين الذي صالحوا العرب المسلمين فسمحوا للراغبين منهم بمغادرة الشام والالتحاق بالروم. ترى أي اجتراء مريب على الحقائق التاريخية فعله المؤلف هنا تحديدا! سنحاول تفنيد هذا المونتاج الانتقائي الذي صنعه ياسين تفنيداً تاريخياً وسنعود فيما بعد لموضوع الكيانيات.

ـ في إقليم الشام كما في العراق، حدثت مواجهات دموية رهيبة بين "قوة فتية طازجة" كما وصفها المؤرخ يوسف سامي اليوسف هي الجيش العربي تحت رايات التوحيد الإسلامي وبين إمبراطوريتين عريقتين ومنخورتين بالفساد والظلم هما الفارسية والرومانية. وإذا كان المؤلف يشهر بوجوه العراقيين "عار الدماء" التي سالت في معركة (أليس)، لا لسبب إلا لأنها جرت على أرض ذلك الإقليم، فثمة ما يقابل ذلك في معارك فتح إقليم الشام وهي موقعة قنسرين. وخلاصتها أن أبا عبيدة أرسل خالد بن الوليد ذاته بعد فتح حمص إلى قنسرين وتواجه مع جيش الروم بقيادة "ميناس" وهَزمَ العربُ الرومَ وقتلوا "ميناس" وجميع جنوده وأما أهل المدينة فقد أرسلوا إلى خالد وقالوا إنهم عرب ويريدون الصلح وإنهم ( إنما حشروا ولم يكن من رأيهم الحرب) بعبارة الطبري، (ولكن خالد ما كان رجع عن رأيه وسار حتى نزل قنسرين فتحصنوا منه وطالبوه بأن يصالحهم بشروط صلح حمص فأبى خالد بن الوليد إلا على إخراب المدينة فأخربها واتطأت حمص وقنسرين. ص99 مج 3 تاريخ الطبري أحداث 15هـ)

ـ في إقليم العراق كما في إقليم الشام تصالح السكان في بعض المناطق وكانوا في غالبيتهم عرباً أو من بقايا الأقوام السامية مع الفاتحين والمحررين العرب المسلمين، أو أنهم رحلوا إلى أماكن أخرى في الإقليم. ولم يكن ذلك حكراً على الشام ومن أمثلة الإجلاء والترحيل السلمي في العراق ما ورد بعد الصفحة عينها التي وردت فيها أخبار وتفاصيل موقعة "أليس" حيث يخبرنا الطبري بأن مدينة (إمغشيا) في العراق فتحت دون قتال بعد موقعة "أليس" وقد دخلها خالد وجيشه وجلا أهلها وتفرقوا في "السواد" وهو واحد من أسماء إقليم العراق آنذاك.

ـ هناك أيضاً، خبر عن صلح مع أهل الحيرة (في إقليم العراق) يذكره الطبري ( وقد كتب أهل الحيرة عن خالد كتاباً: إنا قد أدينا الجزية التي عاهدنا عليها خالد العبد الصالح والمسلمين عباد الله الصالحين على أن يمنعونا "يحمونا" وأميرهم البغي من المسلمين وغيرهم. ص574 مج 2 أحداث 12) وثمة كتاب مشابه بين خالد وصلوبا بن نسطونا صالحهُ فيه على بلدتيْ "بانقيا" و "بسما" وضمن له ما عليها وعلى أرضها من شاطئ الفرات جميعاً. ص570 م.س)

ما الذي يتبقى إذن من المقارنة التمييزية التي قام بها الكاتب؟ لا شيء طبعاً سوى الإنشاء الهجائي والأحكام المسبقة. وبالمناسبة فالكاتب يشرح لقارئه أن (اسم مدينة "كربلاء" مشتق من الكرب والبلاء دلالة على كم وكيف العنف الدموي العراقي أما جلولاء فقد سميت هكذا لكثرة الجثث الآدمية التي جللت وجه الأرض ص91). إن الكاتب الذي يأخذ بتفسيرات الروزخونية والبسطاء من الملالي و رجال دين يعلن من حيث لا يدري أنه لا يختلف عنهم منهجياً. فالمعروف لدى المتخصصين أن مدينتي كربلاء وجلولاء لم يسميا بهذين الاسمين بعد المعارك التي حدثت على أرضهما، بل هما مدينتان قديمتان جداً، واسماهما من الأسماء الآرامية القليلة التي ظلت حية. وقد ذكر المفكر الراحل هادي العلوي بأن كلمة "كربلا " والتي تزاد همزة غالباً، مؤلفة من كلمتين آراميتين هما (كرب) أي قُرب و(أيلا) أي الله، ومثلها بابل (باب أيل وتعني باب الله) وكذلك أربيل أو (أربع أيل) أي الألهة الأربعة ولم يبلغني رأيه رحمه الله بجلولاء الذي اعتقد أنه يجري مجرى ما تقدم من أسماء وقد تكون بمعنى "جلَّ الله" بمعنى تعالى وسما .

نعود إلى موضوعة الكيانية ملخصين: إن الكاتب يلغي الدلالات، هذا إذا افترضنا أنه يعلم أصلاً بهذا الموضوع، تارة ويخلط في أخرى بين الكيان السياسي التاريخي الحاضر وذاك المنتهي تاريخياً ويوحد في ثالثة بينهما، فعراق عبد السلام عارف في نظره هو نفسه بلاد آكاد وملكها سرجون. ثم إنه يخلط بين الكيان السياسي التاريخي وتعبيره الحقوقي والقانوني (الدولة) وبين الكيان الجغرافي ولا يميز أو ينتبه لكون الثاني لحظة من تاريخ الثانية فالدولة العباسية هي نفسها بلاد الرافدين عنده وهي نفسها الجمهورية العراقية القائمة اليوم. وأحيانا يتحول الكيان الجغرافي على يد الكاتب إلى سبب تاريخي وحيد وخالق خرافي للحدث التاريخي والظاهرة التاريخية وبهذا الكيف والكم المعينين لا بغيرهما، فخالد بن الوليد وحروب الفتح والتحرير على جغرافية اسمها العراق ليس هو خالداً وليست هي الحرب نفسها في جغرافية مجاورة هي الشام.

إن الكاتب بخلطه بين التاريخ والجغرافية وبجهله لديالتكتيك العلاقة بينهما يخرب الاثنين معاً ولا يخرج سوى بأوهام صيغت بإنشاء هجائي مقذع يمت بصلة قوية للرائج من أحكام و(نظريات المقاهي والحانات) والشائعات الشعبية أكثر مما يمت بصلة للعلم.

وأخيرا فالكاتب يفصل عن عمد الكيانية السياسية الواحدة أو تلك التي في طور التوحد والتحقق، ومثالها هنا الدولة العربية الإسلامية الآخذة بالتكون والنشوء في فترة حروب الفتح والتحرير العربي الإسلامي، فهو يشطر أو يفصل بين العراق وبين الشام مع أنهما جزآن في صيرورة تاريخية واحدة. ولتسهيل عملية الفصل القسري السابقة، يلجأ الكاتب إلى عملية مشابهة ولكن على صعيد الكيانية الجغرافية في تلك الفترة التاريخية دون سواها، وهوفي كلتا الحالتين، للأسف، يَعْتَسِفُ العلم ويزيف الحقائق التاريخية والجغرافية.

في الجزء القادم وهو الأخير سوف نستعرض ونناقش نتائج بحث علمي أوروبي شهير سبق لنا أن أشرنا إلى العالمين المتخصصين في علم النفس المجتمعي والجماعي اللذين قاما به وهما الزوجان إيفو و روزا فايرابند لما لهذا البحث من أهمية نظرية وعملية خاصة ولأنه أورد العراق من ضمن مجموعة من الدول التي تناولها البحث وستكون تلك الخلاصات التي انتهى إليها الباحثان الأوروبيان آخر حفنة تراب تهال على قبر خرافة "العنف الدموي العراق" التي فبركها السيد باقر ياسين في كتابه فاتحين الباب أمام قراءة ظاهرة العنف المجتمعي والاجتماعي في العراق أو سواه بموجب شروطها وسياقاتها الاجتماسية والنفسية و وفق منهجية عملية صارمة تنأى عن الإنشاء السطحي و"تصفيط الكلام" وتلوذ بالطرائق التحليلية والحيثيات الموثقة كالأرقام والوقائع والشخصيات القابلة للتفكيك ليتم وضع الفروض العلمية و استنباط التعميمات منها.

 

علاء اللامي

كاتب عراقي

 

ما وراء السحب .. إدانة للحروب وخساراتها

jasim alayffصدر للقاص عبد الجبار الحلفي، دار رند للطباعة والنشر – دمشق- مجموعته القصصية "ما وراء السحب"، الغلاف للفنان" صفاء مرزة ". القاص عبد الجبار الحلفي أهدى مجموعته حباً واشتياقاً إلى: " ولده الشاب ثائر وابنته الشابة لونا .. الذين غادرا في وقت مبكر ". ضمت"ما وراء السحب" عشر قصص قصيرة هي "ما وراء السحب وغدٌ آخر وتلول المنفى وسيدة السلم الحجري والمقبرة والكهل وريح يوسف وإذلال والطبل والطفل وحلم الفراش، وقد وقعت المجموعة على (90 ) صفحة من القطع المتوسط. في قصة (ما وراء السحب)، التي تحمل مجموعة الحلفي اسمها، الراوي يصادف أثناء القصف الأمريكي على العراق في الشهر الأول عام 1991امرأة تحمل طفلاً وهي متكئة على سياج ومتهالكة. ويعمد الراوي إلى حمل الطفل بعد ما طلبت منه المرأة ذلك بصعوبة .. لكنه لا يعرف أين سيتجه به خاصة، بعد مقتل الأم، بفعل الطائرات التي تلقي حممها على المدينة وسكانها، ويقرر،الراوي، أن يحتفظ بالطفل المجهول بالنسبة له:"تناولتُ الطفل الذي لم يتجاوز السنة من عمره. وكان ينشب أصابعه بعباءتها صارخاً. فأفلتت هي أصابعه الصغيرة المتصلبة من عباءتها. وكانت تحشرج بكلمات.. هنا نفترق..أنا ..أنت.. لو كنت.. نذرتُ.. صعب عليّ.. لو تأخذ ثديي.. من تحت عباءتها، انساب سائل احمر فاقع ببطء فوق الرصيف الأسمنتي"(ص 8 )." المرأة، المحها كتلة سوداء تنكمش لصق الجدار. والطفل يضج عويلاً. ويسعل من فرط صراخه. وعيناه الحمراوان ترصدان تلك الكتلة التي راحت تصغر.ويدفع صدري بكفيه إلى الخلف..كانت عينا الطفل تتطلعان نحو ذلك الأفق المضطرب.. حتى خلتُ أنها تستشفان ما وراء السحب" (ص 9 -10). قصة" ما وراء السحب" شارك فيها الحلفي بمسابقة اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين- بغداد سنة 1994، والخاصة بالقصة القصيرة، وفازت بجائزة تقديرية، وقد نشرت جريدة (الجمهورية) جميع القصص الفائزة، باستثناء هذه القصة التي مُنعت من النشر مع فوزها كونها كانت تدين حرب النظام المنهار. لكن القاص الحلفي علم أنها نشرت خارج العراق في صحيفة عربية تصدر في لندن بتاريخ 1999، ولم يعرف حتى اللحظة مَنْ أرسلها إلى تلك الصحيفة؟! . يعمد الحلفي في قصص أخرى لموقف الإدانة للحرب، فقصة "غد آخر" (ص14) تتجه،كذلك، لوصف الحروب بالرعونة والهمجية من خلال (جندي) يستغرب سكوت المدافع والنيران التي اعتاد عليهما دائما. أما قصة"سيدة السلم الحجري" (ص19) فنلاحظ اهتمامها بالمكان الذي كلما ننأى عنه،نستعيده، ونسقط على بعض مظاهره، الإحساس بالألفة والأمن اللذين يوفرهما لنا. وكذلك بوصفه دلالة في الرمز.وبما أطلق عليه "بارت" اثر الواقعي الذي لا تفك شفراته في العمل التخيلي إلا بعلاقته ببقية الخطاب. بحدود إطلاعنا البسيط،ربما لم يكتب احد عن مقبرة (الغري أو دار السلام)،وهي أكبر مقبرة في العالم، كما روى الحلفي عنها في قصة "المقبرة" (ص27 -44 ) والتي يرد فيها: " ليس ثمة باب لهذه المدينة كي ما تدخلها.. تضيع كأن طائراً ضخماً تلقفك وهوى بك في منخفض سحيق" فثمة رجل يدخل مدينة الموتى هذه باحثاً عن امرأة عشقها في يوم ما، وبقيت حية في روحه مع غيابها المادي، وبعد عناء البحث المتواصل من قبل الرجل في اكبر(مقبرة) في العالم، تنتهي جولته في قبر مجوف مجهول لا شاخصة عليه. أما قصة (الكهل) المهداة إلى الروائي إسماعيل فهد إسماعيل فهي تتناول ثيمة رجل عجوز، مشرد، يبتاعه صاحب عربة يجمع ويبيع العتيق،زمن الحصار: " طوق الرجل رقبتي بسلسة فرس أرهقتني ما دام الليل والنهار وربطني إلى عمود من حديد ينتصب جنب سياج الدار. عندما رأتني زوجته ذات الملابس السود المتسخة، عبست وأمسكت بيديها قبضتين من شعر رأسها وأسدلتهما على وجهها المتضرس حاجبة عينيها. وقد استدارت برأسها إلي يغمرها الضجيج .. أما هو، فقد امسك بحزمة من شعرها ومررها بين السبابة والوسطى، ثم أزاحها عن طريقه، نافضاً ذراعيه العاريتين" (ص47). وفي قصة "ريح يوسف" (ص 51) ثمة امرأة تأتي لزيارة قبر ولدها، الشاب، الذي قتل في الحرب العراقية- الإيرانية وهي بمثابة استرجاع يصور الأمهات العراقيات اللواتي فقدن أولادهن في تلك الحرب العبثية. أما في قصة " إذلال" فيتحول فيها مخيال القاص، بشكل غريب ولا تبرير له، إلى الانتقام من شخصيات قصصه. وتتناول قصة" الطبل والطفل" (ص61) طفل أصم وأبكم يدخل بصحبة والده مخزناً كبيراً للتبضع، لكن الطفل يطلب شيئاً ما يجهله البائع فيعمد، الطفل بواسطة الإشارات لطلب سيارة صغيرة تعمل بالبطارية، لكن البائع يجهل تلك الإشارات الخاصة بـ (الصم والبكم) فيعرض عليه طبلاً، عندها يردد الأب لنفسه: ماذا يسمع الأصم من الطبل؟!. أما قصة "حلم الفراش" فهي تراجيديا مفعمة بالخيال والبناء السردي الذي يتيح للمتلقي للحدث المركزي في القصة وتقبلها بتعاطف كونها كتبت بتيار الوعي مرة ومساهمة الراوي الواعي للحدث مرة وبالواقعية الرمزية مرة أخرى. مجموعة القاص عبد الجبار الحلفي وغيره من القصاصين العراقيين الذين يعيشون ويصدرون كتبهم في الهوامش تواجه بالتجاهل،غالباً، من قبل النقاد ومحرري الصحف الثقافية مع إنها تكشف، عن مبادرات متميزة في الحداثة القصصية العراقية من خلال تقديمها للمتلقي متعة التخيل والواقعية المرتبطة بالفانتزيا والغرائبية. القاص عبد الجبار الحلفي نشر الكثير من القصص في الصحف والمجلات العراقية والعربية، ويحمل شهادة الدكتوراه في اقتصاديات النفط ومن الخبراء المعروفين في هذا الجانب، وتأهل لنيل جائزة الدراسات الأكاديمية المعاصرة في لندن بصفته رئيساً لقسم الدراسات الاقتصادية بمركز دراسات الخليج العربي- جامعة البصرة، وله بحوث عدة منشورة في مجلات محكمة عراقية وعربية وأجنبية تخص النفط والطاقة. كما صدر له كتاب عن مركز العراق للدراسات- بغداد 208 وبعنوان " الاقتصاد العراقي- النفط- والاختلال الهيكلي والبطالة"، وكذلك صدر له في دمشق عام 2012 كتابه المعنون" دراسات في القصة العراقية". وصدر له كذلك كتاب " دراسات في الفكر الاقتصادي للسيد محمد باقر الصدر"- دمشق-2012،كما وأصدر كتاباً مشتركاً مع الدكتور نبيل جعفر عبد الرضا، عن المركز العلمي العراقي- بغداد- دار ومكتبة البصائر- بيروت ط1 -2013 بعنوان "نفط العراق.. من عقود الامتيازات إلى جولات التراخيص"، سبق وعمل في الصحافة وكان مسؤلاً عن القسم الثقافي في صحيفة "الخليج " خلال عقد الستينات وساهم ضمن جماعة (12 ) قصة بصرية بحلقتيها، التي صدرتا في عامي 1971-1972.

 

طقوس الانتحار الجماعي الملكي السومري وخرافة العنف العراقي (7-9)

alaa allamiهناك مجموعة من أحداث العنف التي جرت خلال العصر السومري والبابلي، حاول مؤلف كتاب" تاريخ العنف الدموي في العراق / باقر ياسين" أن يقدم لها قراءة تحليلية خاصة فجاءت محاولته للأسف تسجيلا اعتباطيا لا حظ له من العلم والعلمية. وقبل أن نلقي ضوءا تحليليا على هذه الباقة المنتقاة والمرتبة من الأحداث، ونورد رأي بعض العلماء المتخصصين فيها، سنقتبس بعضها كما وردت حرفيا في الكتاب مع الاختصار:

(كانت تلك "الدول/ المدن" في جنوب وادي الرافدين تتصارع فيما بينها على النفوذ وتلك كانت أولى النشاطات المبكرة في تاريخ البشرية للعنف المنظم ص29) وفي الصفحة التالية نقرأ (الملك سرجون الأكدي أزاح الملك السومري أور زبابا بعملية تتسم بالغدر والعقوق ص30) ثم (تعرضت مدينة أور إلى الاحتلال على يد العيلاميين الذين دمروها تدميرا شديدا. إن أعمال العنف والتدمير وسفك الدماء هذه يمكن تدوينها بين الشواهد المبكرة في ممارسات العنف الدموي في أرض الرافدين ص33).

علما بأن المؤلف ينشر خريطة آثارية قبل صفحة واحدة، تبين لنا أن بلاد العيلاميين تقع شرق بلاد الرافدين أي في جنوب إيران الحالية أو في ما يعرف بإقليم عربستان والذي يسمه القوميون الفرس " خوزستان، فالعيلاميون إذاً كانوا مجرد غزاة طارئين، فلماذا يُحَمَّل الشعب المغزو مسؤولية عنف الغزاة؟ ويضيف المؤلف (كان الرجال والنساء من الحاشية الملكية. في مدينة أور يقتلون أو يجبرون على الانتحار عمداً إذا مات الملك ليقوموا بخدمته في الحياة الآخرة ص33). ثم يعلق على ما ظنه اكتشافا مهما بالقول (نكون قد وضعنا أيدينا على أولى بصمات العنف الدموي في حياة بلاد ما بين النهرين..وفي كل الأحوال فإن إنهاء حياتهم كان يتطلب إخضاعهم لعملية عنف قهرية كالتخدير أو الخنق أو غيرهما). إنه يقول هذا الاستنتاج، مع أنه، وقبل سطر واحد، يذكر احتمالاً، من بين احتمالين، يقول بأن هؤلاء الضحايا ربما يكونون قد (تطوعوا للموت عند وفاة الملك ص43).

إن هذه استنتاجات لا تعدو كونها هراء محضاً حين نتفحصها في ضوء آخر ما توصل إليه العلماء المتخصصون بعلوم الآثار والإناسة والتاريخ. فأستاذ السومريات في جامعة بغداد د.فاضل عبد الواحد علي يذكر في كتابه "من سومر إلى التوراة ص 62 وص63" إن أهم ما يلفت النظر في مقابر أور كونها مدافن جماعية. ففي القبر رقم (800) الذي يعود إلى الملكة "بو آبي" عثر على 59 جثة للأتباع نساءً ورجالاً. وفي القبر المرقم 1237 وجدت 73 جثة من بينها 68 جثة لنسوة جرى دفنهن مع كامل زينتهن وحليهن ويفترض بعض الباحثين أن هذا النوع من الدفن الجماعي كان يتم وفق طقوس معينة. فهم يعتقدون أنه بعد أن توضع جثة الملك أو الشخص الرئيس الذي من أجله شُيّدت المقبرة، يقام احتفال طقوسي يشارك فيه عازفون على الآلات الموسيقية. وفي هذا الوقت يكون الأتباع وأغلبهم من النساء قد دخلوا إلى المقبرة وخلفهم مركبات تجرها الثيران أو حُمر وحشية والتي ربما استخدمت لنقل جثة صاحب المقبرة وحاجياته الخاصة. وبعد إتمام مراسيم الاحتفال يعطى لكل فرد من الأتباع شيء من السم أو المخدر فيشربه، ثم يجري بعد ذلك نحر الحيوانات التي تجر المركبات والتي وجدت جثثها ساقطة فوق جثث سواقها. ولا بد من التأكيد هنا على أن كل الأدلة تشير إلى أن أفراد الحاشية هؤلاء كانوا قد لاقوا حتفهم بهدوء، فليس هناك أي أثر للعنف إطلاقاً، وأن جثثهم وجدت ممدودة على هيئة خطوط مستقيمة، وأن قلائد النسوة وحليهن وجدت على حالتها ومثلما كانت موضوعة قبل الموت. ومن القائلين بهذا الرأي السير "وولي" مكتشف المقبرة، والذي يعتقد بأن الملك في بلاد سومر كان يتمتع بقدسية ترفعه إلى مصاف الآلهة، وأنه عندما يموت فإنّ أفراد حاشيته وأتباعه يضحون بأنفسهم في سبيله من أجل أن يصاحبوه في رحلته إلى عالم الأموات. يجيب أصحاب هذا الرأي على التساؤل عن عدم تكرار مثل هذه المقابر الجماعية في مدن أخرى من العراق، بأن ذلك محض مصادفة، وأن مثل هذه المقابر يكون عادة هدفاَ للصوص، وأن معالمها أزيلت في العصور القديمة. وأخيراً فإنهم يسوقون عدة أمثلة على وجود عادة تضحية الأتباع لأسيادهم في أماكم عديدة من العالم القديم.

في السنوات الأخيرة، طرح رأي جديد بخصوص مقابر أور، ملخصه أن الشخصيات الرئيسة المدفونة في هذه المقابر، كانوا من كبار المحاربين في الجيش. فقد لا حظ د.واتكنس أن أعداداً من الأسلحة المعدنية الثمينة كالرماح والخناجر والفؤوس كانت من ضمن النفائس التي احتوتها القبور الغنية بآثارها الذهبية والفضية. ولكن د.واتكنس لاحظ أيضاً، استناداً إلى مشاهد الجند المصورة على المنحوتات من عصر فجر السلالات ، أن الجنود السومريين كانوا ينحدرون من الطبقة العامة. ولذلك فهو يرى أن الأشخاص الذين دفنوا في المقبرة الملكية في أور ومعهم السلاح لا يمكن أن يكونوا من الجند الاعتياديين بل ينتمون إلى طبقة ارستقراطية ذات امتيازات خاصة ونفوذ كبير وثراء. وفي حالة موت أحد هؤلاء المحاربين الكبار، فإن الأمر كان يتطلب دفنه وسط مظاهر الأبهة، وتجهيز قبره بنفائس التحف والمصنوعات والأدوات بالإضافة إلى السلاح. وكان الأمر يتطلب أيضاً تضحية من أتباعه ليصاحبوه في رحلته إلى العالم الآخر. ويضيف د. واتكنس إلى ذلك قوله بأن هذا التفسير لمقابر أور ينسجم مع ما كشفت عنه التنقيبات في مناطق أخرى من الشرق الأدنى القديم حيث تشير الدلائل إلى وجود طبقة من الرجال المحاربين كانت تتمتع بمنزلة خاصة، وأنه إذا ما مات أحدهم يكون سلاحه الرفيق المناسب الذي يدفن معه.

يواصل ياسين صولاته وجولاته لمراكمة أكبر قدر ممكن من الأحداث التاريخية العُنيفة والتي لا يخلو منها تاريخ أية أمة، فيورد الأمثلة التالية :

تعرضت مدينة لكش إلى غزو مدمر شنه ضدها الملك السومري لوكال زاكيزي ملك أوما فلم يترك بها معبداً إلا هدمه ولا أثراً من آثار الحضارة إلا أزاله وكما فعل بالمعابد والآثار فعل بالأهلين فقد تركهم بين قتيل وجريح غصت بجثثهم الطرقات. ص34) ثم يقتبس الكاتب قصيدة رثاء لمدينة لكش ورد فيها بيت يقول: (ما أشد ما يعني الأطفال من بؤس) ليعلق فوراً: (في هذه القصيدة يتحسر الشاعر السومري على أطفال لكش العراقيين المساكين الذي يعانون البؤس الشديد في عام 2365) هكذا إذاً، فقد أصبح الأطفال (السومريين)، وهم الشعب الذي انقرض حضارياً وذاب بشرياً في الشعوب السامية التي استوطنت بلاد الرافدين بعد زواله وقبل أن تولد الكيانية السياسية أو الجغرافية العراقية، نقول، أصبح هؤلاء الأطفال عراقيين رغم أنوفهم وأنف التاريخ.

يتابع المؤلف مصير الملك "لوكال زاكيزي" الذي أسره سرجون الأكدي ووضعه في قفص أمام معبد "إنليل" ثم يضع الاحتمال العجيب التالي (إذا كان هذا الملك قد قُتَلَ في آخر أيامه فإنه يكون أقدم حاكم عراقي في سلسلة الحكام الذين انتهوا بالقتل في العراق منذ 2340 قبل الميلاد وحتى عبد السلام عارف عام 1966 بعد الميلاد) وليس ثمة مثال على الخلط والجهل بموضوع الكيانية أوضح من هذا، دع عنك إن الرئيس العراقي الراحل، عبد السلام عارف، قتل في حادث سقوط طائرة عمودية في البصرة خلال عاصفة ترابية، ولكن هذا الواقع لن يساعده على الإفلات من لعنة العنف الدموي العراقي، لأن أقوالاً وشائعات ترددت حينها تقول بأن الحادث قد يكون مدبراً.

يكتب المؤلف، كان (الملك سرجون الأكدي من أب غير معروف حملت به أمه سراً أي سفاحاً ووضعته في صندوق القصب ورمته في نهر الفرات الذي حمله إلى "إكي" الساقي، أصبح ساقياً للملك أور زبابا، ثم انقلب على سيده وثار ضده عندما خسر هذا الملك إحدى معاركه الحربية. ص37). ثم يذكرنا الكاتب بوسواسه الدائم حول روح الغدر والخيانة لدى العراقيين فيقول بعد ما تقدم مباشرة (وهنا لا بأس من الإشارة إلى سلوك الغدر والعقوق الذي انتهجه سرجون) إنها الوصمة ذاتها التي يريد الكاتب إلصاقها بجبين العراقي والتي سيكررها في العديد من الصفحات كالصفحة 332 حيث يكرر الكاتب قائمة (الغدر والعقوق والعصيان والتخاذل والتبدل السريع في المزاج وخيانة العهود والتصفيات الجسدية وسمل العيون) ومتى؟ بعد ثلاثين قرنا على زمان "الغادر العراقي" سرجون الأكدي، وبالتحديد في أيام الحاكم الانكشاري التركي "العراقي رغم أنفه" بكر الصوباشي، فأي علاقة تربط هذا الكلام المهين بالبحث التاريخي العلمي الرصين؟

في الجزء القادم " الثامن" سنتابع قراءة باقر ياسين لأحداث العنف الدموي في فترة الفتح العربي الإسلامي للعراق وبلاد الشام وكيف بذل جهدا خارقا ولكنه عبثي وخبط عشوائي لإثبات ما لا يمكن اثباته بهذا الصدد، حتى أنه جعل - بقصد أو بدونه - شخصية القائد التاريخي خالد بن الوليد وكأنه "خالدان"، الأول هو خالد العراقي العنيف والدموي والثاني خالد الشامي المسالم والحكيم وسوف نثبت وبالأدلة التاريخية الموثقة أن ما يقوله مؤلف كتاب "العنف الدموي في العراق" محض هواء في شبك.

 

*كاتب عراقي

ملف خاص عن المرحوم عبد الرحيم مودن في جديد مجلة "الكلـمة"

إنها التفاتة تستحقّ، حقّا، كل الشكر والتنويه تلك التي أقْدَمَتْ عليها مجلة "الكلمة" الإلكترونية المعروفة بإفرادها ملفَّ عددها الأخير (شتنبر 2014) للفقيد الدكتور عبد الرحيم مودن (1948 – 2014م)، وقد ضَمَّ بين دفتيه شهادات وقراءات نقدية في أعماله، وهي كثيرة ومتنوعة كما نعلم؛ إذ إنه كتب في القصة، والمسرح، وأدب الرحلة، والنقد الأدبي، ونحوها من الميادين. كما أعادت المجلة نشْر جملة من أبحاث د. مودن ومقالاته، لاسيما وأنه كان من كُتابها المُكْثرين، الذين آمنوا بمشروعها وسُمُوّ أهدافها؛ فلم يتوانوا عن الإسهام في أعدادها بمقالاتٍ تتابِعُ جديد الأدب المغربي، أو تتطرق إلى قضايا ومواضيع مختلفة. وقد أشرف على إعداد هذا الملف المُميَّز، فعلا، الكاتب والصِّحافيّ عبد الحق ميفراني، تحت عنوان "عبد الرحيم مودن: الانتصار لقيم الكتابة"، وأسهم فيه، كذلك، بمقال وافٍ عن أديبنا الراحل حاول، عبر محاوره الأربعة، تتبُّع مسار د. مودن في البحث والكتابة والانتصار لقضايا المجتمع. ونطالِعُ، في الملفّ، بعد هذه المقالة الافتتاحية قراءاتٍ في مُنْجَز الفقيد الأدبي قدّمها ناقدون وباحثون ذوو وزن في مشهدنا النقدي المعاصر، وهم: مصطفى يعلى ("أرخبيل الذاكرة" .. أرخبيل حياة)، وحميد ركاطة (القصة القصيرة بين المفهوم النظري والنص القصصي)، وأحمد بلخيري (معجم عبد الرحيم المؤذن)، ومحمد أقُضاضْ (عبد الرحيم مودن: المثقف المتعدد)، ومحمد نجيم (محمد باهي يرحل في فضاء باريس بمَعالمها الثقافية والتاريخية). ونشرتِ "الكلمة"، عقيب ذلك، سِتّاً من دراسات مودن في مجال السرد عموماً (مثل: اتجاهات البحث الرِّحْلي بالمغرب (خطاطة أولية) – الرحلة الأخيرة لهشام شَرَابي: الرواية والرحلة – الرحلة: المفهوم والجنس الأدبي...)، وتسْعَ قراءات أو متابَعاتٍ نقدية أنجزها حول أعمال أدبية وإبداعية عدة (مثل: بين "الفتوة" و"البلطجي" في قصص نجيب محفوظ – قراءة في ببليوغرافيا قصصية مغربية – رجل الكراسي أو كرسي سيزيف – مجموعة "كلكنّ عذراوات": الانتصار للقصّ المتجدِّد...)، وتسعَ مقالات كذلك تناولت مواضيع مختلفة (مثل: الرحلة العربية في ألف عام: اكتشاف الذات والآخَر – تحية إلى مجلة "الآداب" – ذاكرة الغياب.. – حول الثقافة الرقمية...)، وسبعةَ نصوص إبداعية له في ميادين القصة والرحلة والمسرحية (مثل: الرحلة الباريسية – قصة "أيام العرب" – ابن بطوطة وتابعه ابن جزي؛ وهي مسرحية من ثلاثة مَشاهِد...)، عِلاوةً على كلمة/ نداء خَطَّه بمناسبة الدعوة التي أطْلقها قصّاصون مغاربة من أجل اعتماد "28 أبريل" يوماً وطنيا للقصة المغربية القصيرة، وعلى حوار مُجْرىً معه، سابقاً، أكّد فيه أننا "نمتلك تراثاً ضخماً في أدب الرحلة، لكنّ الكثير من نصوصه يظل في حاجة إلى تحقيق علمي". والواقع أن هذا الملف، بهذا الغِنى والتنوع، يعدّ مرجعاً مهمّا للباحثين في تراث د. مودن الأدبي والفكري. ولا بد من الإشارة إلى أن جملة وافرة من موادّه سبق نشْرها، ورقيّاً، في مَلاحِق ثقافية وفي دوريات عديدة.

وحافظت المجلة على أبوابها الأخرى الثابتة التي يَعْرفها مُتتبِّعوها جيداً، ويشتمل أولها على دراسات جادّة ورصينة لثلة من الكتاب المتميزين، تطرقت إلى بحث إشكالات وقضايا وموضوعات متنوعة، وهي كالآتي:

- زَمَكان الحداثة الخاوية السّرْمدي (صبري حافظ، وهو رئيس تحرير "الكلمة"، ومُديرها).

- تنمية قناة السويس .. مشروع لمستقبل مصر (أحمد السيد النجار).

- النظريات المُفسِّرة لنُشوء الكون (محمد الفاهم).

- إيديولوجيا الفرجة (يحيى بن الوليد).

- تخييل البنى العميقة للعُشَرية السوداء (عبد الله شطاح).

- الديمقراطية السودانية: المفهوم، التاريخ، الممارسة (محمد شاويش).

- النص الرقمي (مصطفى الغرافي).

ونشر العدد 89 من الكلمة، في باب "نقد"، مقالات لكلٍّ من: سلامة كيلة (القضية الفلسطينية في سياق الحرب على غزة)، ومصطفى يوسف اللداوي (غزة تحت النار)، ونبيل عودة (أوشفيتش غزة: "أمواتاً يمشون" حتى متى؟!)، وصبحي حديدي (شاعر الخطاب والحماسة)، وسعيد بوخليط (سيرة جاك ديريدا)، ومراد ليمام (قراءة في الصور المجازية للولادة المزدوجة لمصطلح "لوغوس")، وسفيان عبد الستار الفاروقي (حادثة 11 سبتمبر في "الإرهابي 20" لعبد الله ثابت السعودي)، ورائد وحش (زكي نداوي لا يزال حيّاً)، ومأمون شحادة (عالم الانترنت .. بين الاغتيال والتشهير والضبابية).

ونقرأ في العدد نفسِه قصائدَ للشعراء والشواعر: إبراهيم زولي (صاحب "ديوان العدد")، وفرات إسبر، وسعيد الشيخ، وسعيد تاقي، وماجدة غضبان، وأمجد الحريزي، وميداني بن عمر، ومريم سليمان، ومَناش باتاشارجي. كما نقرأ فيه نصوصاً سرديةً للكُتّاب: خضير فليح الزيدي، وعمر الحويج، وباقر جاسم محمد، ومحمد فطومي، وأنا ماريا مَطُوطي، ووفاء شهاب الدين، وحسن يارتي.

وأسْهَمَ، في باب "علامات"، نبيل سلامة بمادّة أدبية عن "خير الدين الأسدي؛ عاشق حلب"، وفي باب "مواجهات/ شهادات"، الكاتب إلياس فركوح بكلمةٍ عن "علاقة الأحزاب بالمثقفين والفنانين". وتضمّن العدد، كذلك، ستَّ مُراجَعات أو قراءات في كتبٍ منشورة، قدّمها الباحثون: علاء الديب، وشوقي عبد الحميد يحيى، وحميد لغشاوي، وحسن المودن، وفراس حج محمد، وسعيد أصيل. فضْلاً عن جملة من الرسائل والتقارير عن فعاليات ثقافية وأنشطة وندوات علمية وأدبية ومهرجانات...؛ كموسم أصيلة في دورته الأخيرة، التي حَضَرَتها البحرين بوصفها ضيفة شرف.

 

تقرير: فريد أمعضشو – المغرب.

 

قراءة في كتاب: المنسي والمسكوت عنه في تأريخ المسلمين للباحث مصطفى الكاظمي

609-khadomiالمراجعات التاريخية التي تحدث دائما هي عملية ليست باليسيرة كما يظن البعض بل هي جهد يحتاج إلى صبر لا يتوفر لأيا كان بسبب البحث الجاد في المدونات والأثار التاريخية التي لا تحصى وبعضها نادر وتنقيتها وتحليلها وفق مناهج البحث العلمي المجرد من الأهواء والرغبات والضغوط في سبيل أعلاء شأن علم التاريخ مما لحق به من تشويه وتدليس وتزييف أدى إلى مسخ العقول على مدار حقب زمنية كاملة وأيضا نصرة الحق والعدل وإعادة الاعتبار لكل من ظلمه التاريخ المروي من خلال إعطاء الأجيال اللاحقة صورة جديدة لتاريخهم الذي جرى تزييفه لأهواء ورغبات دول وجماعات وشخوص متنوعة سادت ثم بادت! هذا بالإضافة إلى الدور الهام في تشكيل البنية التشريعية والعقائدية لدى مختلف الفرق الإسلامية.

مسألة إعادة كتابة التاريخ تختلف عن المراجعات التاريخية لان الأولى وان اشتركت مع الثانية في وجوه معينة فأنها تبقى قائمة وفق أسس عقائدية وسياسية منهجية تهدف إلى ترويض التاريخ كي يلائم العقيدة والفكر والمنهج السائد زمنيا ومن هنا فشلت كل المحاولات لإعادة كتابة التاريخ سواء من قبل الأنظمة الشيوعية والقومية بالدرجة الأولى لأنه منهج يقوم على انتقائية الحوادث وتحليلها وفق منهج حديث لا يتوافق مع التاريخ القديم الذي هو نتاج لفترة زمنية بعيدة عن المستوى الحاصل الأن...نعم هنالك بقايا خطوط وتواصل مع الماضي ولكن ليس بالضرورة قياسه وفق الحاضر الأكثر تطورا واختلافا أو العكس أيضا كما يرغب السلفيون كمثال سائد!.

التاريخ يستند على نصوص وآثار مدونة وبالتالي فأن الأثار المحسوسة هي الأندر والعوارض البسيطة هي التي تمحي تلك الأثار فما بالك بالتزييف والتشويه المتعمد، من هنا جاءت وظيفة الباحث التاريخي في استخراج ما يمكن لبناء علم يستند على اليقين ولو بدرجات نسبية بدلا من التكهنات والتخمينات التي توصل إلى نتائج متعارضة لا تمت للأصل بصلة فضلا عن التحول وتلك الكارثة إلى قدسية حتى أنها تصبح دينا جديدا أن لم يكن مذهبا متشددا...! .

الكتاب الذي نتناوله الأن هو أحدث ما أنتجته العقول النيرة في هذا المجال لإعادة الوعي الغائب من خلال استعراض وتحليل الحوادث والسير التاريخية وتقييمها وفق مبادئ ونظريات البحث العلمي المجرد ولو من باب المحاولة بغية تنبيه قراء التاريخ وعبدة الشخصيات والرموز فيه دون أن يكون هنالك محاولة جادة للتقييم الموضوعي لديهم حتى يكون المرء على دراية مما حدث ويعيد وعيه المفقود الذي يضعه في خلاف مع الزمن والأخر المختلف، ويمتاز الكتاب بالنقد الموضوعي لما كتب على يد اتباع السلطات الزمنية التي حكمت آنذاك ومازال اتباع مدارسها يحكمون اغلب البلاد الإسلامية بنفس المنهج المتخلف القديم القائم على ألغاء العقل والمنطق لأنها سوف تسبب أرباك لواقعها وسلطتها!.

الكتاب: المنسي والمسكوت عنه في تأريخ المسلمين.

تأليف: كامل(مصطفى) الكاظمي، يتألف من 494ص من القطع الوزيري في طبعة أولى فاخرة عام 2014 في قم/إيران.

الطبعة الأولى للكتاب غالبا ما تحتاج إلى مراجعة بغية تحديثها في طبعة لاحقة تكون خالية من الأخطاء سواء المطبعية أو تصحيح المعلومات الواردة سهوا فيها مع إضافة أو حذف ما موجود حتى يتوافق مع السياق العام للكتاب وتلائمه مع المنهج الموضوع وأيضا رغبات القراء في تطويره بما ينسجم مع المهمة الشاقة التي يحاول أن يبلغ الهدف المراد منها، وكم من كتاب تحول إلى موسوعة بفعل الإضافات المتكررة أو تحول إلى متحف النسيان بعد الإهمال! وهذا الكتاب لا يختلف عن غيره في كونه يحتاج إلى طبعات لاحقة، تحذف وتضاف وتصحح الكثير مما تضمنه المتن حتى تصل إلى الغاية المثلى.

هذا الكتاب ليس الأول في هذا المجال كما انه لن يكون الأخير بأي حال، ومجال البحث التاريخي واسع ولا ينحصر ضمن نطاق ضيق وهو مفتوح للجميع حتى تشوه بدرجة كبيرة بسبب استغلاله من قبل أصحاب السلطان والأيديولوجيات المتنافرة والتي يحاول أصحابها انتقاء الحوادث التاريخية ووضعها في مجهر خاص بهم لا يسمح بمناقشة حرة بل تقييد التاريخ لصالحهم خدمة لأهدافهم المعلنة والسرية! .

يبدأ الكتاب بتقديم للعلامة البحراني، والذي ذكر فيها أن أكثر أبناء الزمان لا يفحص ولا ينقب في التراث ولا يقرأ ما سرده من أحداث فضلا عن المقارنة والتتبع، وهذه هي الحقيقة الساطعة مع الأسف وعليها نجد هذا القطيع الهائل من العوام والذين يسيرون في دروب الجهل والتبعية ولا يحسنون المناقشة والتحليل والنقد للوصول إلى الحقائق الناصعة ويقودهم دعاة الفتنة والتبعية والوعظ السلطاني المجرد من الروح العلمية الخلاقة التي ينبغي أشاعتها بدلا من وأدها في المهد أن هي قامت أصلا! .

609-khadomiأما مقدمة المؤلف فقد كانت بديعة ومحكمة وأظهرت بلاغة عالية وثقافة متميزة وسعة وعي ورحابة صدر يتسع لكافة الآراء لا يمكن تجاهلها، اظهر فيها الأسباب التي أدت به إلى كتابة هذا السفر التاريخي المحقق في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها العالم الإسلامي التي تعصف به الفتن والصراعات الدموية الخالية من العقلانية التي يتصف بها دين الإسلام وشريعته الخالدة.

من تاريخ المقدمة يظهر السنوات الطويلة التي قضاها المؤلف في بحثه القيم هذا حتى وصل إلى أيدينا مقرا بصعوبة المجال لان التزييف والتدليس في التاريخ الإسلامي وصل إلى درجة أصبح من الصعوبة حذفه وأبداله بحقائق نقية من تلك الشوائب التي شوهت أجيال بكاملها حتى أصبحنا نرى النتائج المرعبة ولمسها العالم اجمع بفظائع مبررة من التراث! .

وكما وصف المؤلف النقد للموروث بموضوعية لا يعني مهاجمته والانتقاص من مزاياه بل لاستخلاص الصحيح لأنه يعني ببساطة الغربلة، وتلك هي البداية الواجبة، ومن فوائد هذا النقد والبحث انه يرد على بعض مدارس الحداثة في إشكالياتهم على الإسلام لأنها بنيت على مقدمات مغلوطة بالاعتماد على مصادر منتقاة من مدرسة واحدة وهي الغالبة بلا شك في المصادر المتوفرة أو بدافع الحقد المؤسس لتلك التوجهات.

أن الاعتماد على مدرسة واحدة من مدارس المسلمين المتعددة، هو خطأ كبير يقع فيه غالبا من يدرس التراث الإسلامي بمختلف فروعه لان هذا الموروث في اغلبه ناتج من مؤلفين يتبعون مذاهب لنظم حكمت تلك البلاد وبالتأكيد تحاول منع الآراء الأخرى المخالفة لهم وبالتالي جرى تشويه متعمد لصالح الأيديولوجيات الحاكمة من هنا جاء الموقف الصحيح في ضرورة البحث في مصادر المدارس الأخرى والتي هي مع الأسف اقل حجما من الأولى ولكنها الأكثر دقة وجرأة لأنها جاءت من فئات تعرضت إلى ظلم وطغيان وصل إلى درجة الإبادة دون رحمة! .

ليس غريبا أن يجد المؤلف هذا الكم الهائل من المتناقضات في التراث الإسلامي وهو ينافي المعقول بلا شك خاصة انه جرى في ظل عملية تدوين تأخرت كثيرا ولا تخضع لمراقبة من قبل جهات محايدة بل وفق تصورات دول تستخدم العنف والاضطهاد وسيلة للحكم وتبحث عن الشرعية الدينية لأعمالها من جراء دعم وعاظ السلاطين ومثقفي الحكومات لتثبيت السلطة بوجه كل من يحاول الاقتصاص منها، وهذه هي الإشكالية المستمرة في طبيعة العلاقة الممتدة خلال التاريخ بين السلطة وبين المعارضة والتي انبثق منها كم هائل من المذاهب والأفكار والعقائد التي تتناقض فيما بينها، ومحاربة الخصوم تستلزم عادة خلق ما يتوافق مع الرؤيا ولو كانت باطلة ومنع الأخر ولو كان على حق ،وقد راينا ذلك في ظل التطورات التكنولوجية الحديثة في تلاعب كبير بمصائر شعوب بأكملها من خلال استغلال الوسائل الحديثة في عملية إخضاع الرعايا وتحطيم الخصوم! .

استند المؤلف على المصادر السنية المعتبرة حصرا للتنبيه على التناقضات المروعة وكذلك التبيان على تجاهل مما ورد فيها من حقائق مجهولة ومتناثرة بين السطور لا يهتم بها الكثيرون بسبب سطوة بعض النظريات والآراء والفروع عليها، مثل نظرية عدالة الصحابة التي ثبت للجميع مدى هشاشة أسسها من الصمود أمام النقد البسيط المستند على قواعد عقلية ونقلية ثابتة ومجمع عليها من قبل الباحثين.

لم تكن هنالك هوامش تبين تراجم الشخصيات المتداولة في الكتاب، فهي تسهل للقارئ وبخاصة الغير متمرس معرفة بعض جوانب الشخصية المثار حولها الجدل والغموض، من خلال ذكر تاريخ الولادة والوفاة من أدق المصادر والتي تظهر ثبوت الرواية من عدمها من خلال وقت الحدوث والأسماء الواردة فيها والتي قد لا تكون موجودة أصلا في الوقت ذاته، وقد يكون السبب في العدم هو الرغبة في اختصار حجم الكتاب.

منهج المؤلف الكاظمي في البحث استند على اختيار وقائع وحوادث وشخوص ثبت أثرها على المراحل التاريخية اللاحقة، ولم يبدأ منذ بداية تاريخ المسلمين والصراع الداخلي فيما بينهم، لان تلك المهمة صعبة على الفرد وتحتاج عادة إلى قدرات جماعية وفترة زمنية طويلة للتمكن منها بدقة وسوف تؤدي في النهاية إلى تأليف موسوعات محققة ولكن مع كل تلك الجهود فأن الموانع الكثيرة التي تؤدي إلى عجز وقصر في استيعاب ما جاء فيها وتجاهل تقدير الجهود المنجزة بسبب الأنانية والحسد وعدم التقدير وهيمنة القوى المناوئة وتوارث الأجيال لتراث فاقد للموضوعية وعجزها عن تحرير نفسها منه يسبب ألما مروعا لعدم نجاح تلك المحاولات ألا لأثبات الحقائق والتأكيد عليها لمن يرغب وهم عادة فئات قليلة العدد وضعيفة التأثير، ولذلك وجدنا فشل اغلب المحاولات الإصلاحية سواء في العلم أو في داخل المجتمعات كمصداق للقول بأن طريق الإصلاح صعب جدا بالمقارنة مع طريق التطرف المبني على الخرافات والدجل وتهييج الغرائز والعصبيات! وكما وضح في موقع آخر بأن الفكر المعتدل سيختزل الوقت والإمكان ويرتقي بالمسلم إلى مستقبل الدين وخير الأنسان لان الاعتدال يتقاطع مع مشاريع التفرعن ومناهجه ويرفض التعاون وان سلمته مفاتيح خزائن الأرض.

الحوادث التاريخية التي حققها المؤلف هي ليست جديدة بل متناثرة في أمهات الموسوعات والكتب القديمة ولكن أضاف اليها هوامش تحليلية وفق مناهج النقد التاريخي التي يعرفها بغية الوصول إلى أسباب ما يحدث من كوارث في العالم الإسلامي اليوم، ومن الواضح أن مشكلة تأخر تدوين التاريخ الإسلامي وفقدان غالبية المدون من خلال الصراعات والإبادة والقمع والتي أدت إلى أتلاف ذلك الخزين الحضاري الكبير قد سبب نكبة علمية مازلنا نعاني منها بالرغم من مرور قرون على حدوثها...! وقد ذكر المؤلف بأن الأثارة العلمية في التاريخ ضرورة من ضرورات تحصيل اليقين ومتابعة الحدث بدقة تؤدي إعطاء القيمة الحقيقية له، على العكس من الأثارة المعاكسة التي تكون حصنا لبقاء الضلال...وأثارته هي من النوع الأول بعيدة عن تقصد استهداف عقائد الأخرين، فمن واجبات المسلم أن يحاكي مواريثه ليتعرف على صحيحه فيأخذ به وسقيمه فيلفظه بعيدا وعلى الدسيس فيه فيركمه في سلة المهملات إلى الأبد حسب وصفه...! .

أعاد المؤلف سرد بعض الروايات والوقائع من مصادر متعددة وبصورة متكررة للدلالة على الثبوت والشهرة، وكان من المستحسن أن يختار واحدة فقط مع ذكر مصادر راوية آخرى للواقعة بصورة مختلفة أو اكثر تفصيلا حتى يبعد القارئ عن التفصيل الذي يمل منه ويختصر من حجم الكتاب أو يوسعه في ذكر قضايا أخرى تركها بسبب الحاجة إلى الجمع ضمن مجلد واحد، هذا من ناحية ومن أخرى فأنه لم يحلل مختارات تاريخية أخرى بل فضل سردها فقط وترك للقارئ التحليل وفق ما يتوافق عليه من سعة ثقافة ومقدرة على النقد والتحرر، وهي وان كانت مستحسنة في بعض أوجهها ألا أنها تبقى اقل من شمولها بالتحليل المناسب حتى لا يفوت القارئ المبتدأ بالأساس من بعض نكات وأسرار النتائج أو الاستفادة من العلم الغزير الذي ادركه الأستاذ المؤلف وقرر البدء بنشره ضمن ما تسمح به الظروف! .

لم يترك الباحث الكاظمي وسيلة البحث اللغوي أو تفصيل الأصول اللغوية للروايات أو الألفاظ وهي تعتبر مهمة للباحث المتتبع وعليه فأن هذا يثري البحث ويقطع الشك أحيانا في التفسيرات المحتملة للألفاظ والمعاني من خلال الاستناد إلى المراجع اللغوية المعتبرة وأبراز الأثر اللغوي في تقرير الكثير من المسائل والإشكاليات التي يجادل بها الكثيرون ضمن نطاق اللعب على الألفاظ بغية ترويض المعاني للتفسيرات الموضوعة! .

لم يقف أو يتردد المؤلف في البحث عند بعض الشخصيات المقدسة لدى جمهور عريض أو بعض الروايات والوقائع التي تضعف من قدسيتها ومكانتها لدى الأخر بل استمر في منهجه حتى لا يتأثر بالموروثات أو المحاذير الشائعة...نعم أن ذلك يثير الأخر خاصة إذا كان المتعصب من طبقة رجال الدين أو المثقفين المتمسكين بالتراث ولو كان اسودا، وهم في نفس الوقت لا يتورعون عن الهجوم على الأخر تحت ذرائع شتى، من هنا يكون الرد عليهم ولو من باب الدفاع أو الرغبة في الوصول إلى حلول للمشاكل الشائعة وفق الأقوى في المجال العلمي المجرد والذي تحسمه ساحات الصراع العلمي بدلا من الاستناد على طغيان السلطة التي لا تعترف ألا بقوتها وبمصالحها الأنية التي لا تعير أهمية للقيمة العلمية الواضحة التي غالبا ما تعاكس آرائها وتوجهاتها...!

أجاد المؤلف البارع في اختياراته المتنوعة حتى يطلع الجميع على مقدار التحريف والتزييف والتقديس المخترع...ومن بينها:

تناول سيرة المنحرف حريز بن عثمان صاحب مقولة: القاطع راس أجدادي بالفؤوس، ويقصد به الأمام علي(ع)! بالرغم من انه راوي لدى الكثيرين(ص47)، كما طالب بنهوض المؤسسة الدينية في تفكيك النصوص لان جميع المباني الدينية والمسائل العقيدية المتوارثة والمستحدثة تحتاج إلى ادله وقرائن مشفوعة لأثبات صدقيتها وفق دراسة موضوعية تستند إلى اللغة والتأريخ والسند والأسباب ومسار النصوص وغيرها من المسانيد التي يحتاجها عادة الباحثون المخلصون...وفي تبيان لمصدر بعض روايات حريز الغريبة السند ومن بينها قول منسوب للوليد بن عبد الملك، وهو أحد طغاة بني أمية وذكر المؤلف خطأ انه قال للقرآن هذا فراق بيني وبينك(ص50) والحقيقة هذا القول لوالده عبد الملك بن مروان الذي كان متدينا قبل الخلافة ولم يكن والده خليفة ألا لسنة واحدة لذلك عاش فترة في المدينة بينما تربى الوليد ضمن بيئة مختلفة والالتباس الأخر في الاسم المتشابه مع الوليد بن يزيد المشهور بفسقه ومجونه والثابت عنه رميه للمصحف الشريف بسهم وقول شعر مخالف بعد فتحه القرآن وظهرت له آية واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد...!

تناول سيرة بعض الخلفاء سواء الأولون أو الأمويون والعباسيون واظهر من خلال المتون التاريخية المعتبرة لدى مقدسيهم أو مواليهم مدى التناقضات المروعة التي تنتاب سيرتهم أو الأثر الذي أحدثوه من بعد ذلك والذي ظهر أثره المدمر لاحقا، وبالرغم من انه لم يكن أول من تناول سيرة هؤلاء والصراعات الدموية التي أحدثوها وفق مجهر النقد الصارم ألا أن حاجة البحث الملحة تحتاج إلى تنوع بغية جمع الحوادث والشخوص لتبيان وقائع منسية أو يتم إخفائها لغايات متعددة وإعطاء البحث حقه في النتيجة المؤدية...!

تناول المؤلف بعض مظاهر الغلو والتقديس لدى أهل السنة والذين يتهمون الطوائف الأخرى بالغلو والتقديس واظهر نماذج معينة تحتاج إلى توقف وإعادة الوعي لمن لا يدركه التدقيق للوصول إلى بر الأمان، وهذا الغلو والتقديس لم يخضع للنقد الكافي بسبب ارتكاز أصحابه على القوة والهجوم الفكري على الأخرين دون أن يستروا حتى عيوبهم الفاضحة، ومن المعلوم انه هنالك غلو وتقديس لدى أصحاب المذاهب الأربعة يفوق ما لدى خصومهم وعلى أساس هذا الغلو والتقديس ارتكب المتعصبون منهم مجازر لا يمكن وصف بشاعتها فضلا عن انتشارها بل وديمومتها لكونها لم تتوقف ألا في حالات نادرة، وعليه فأن الجرأة المفقودة لتهديم هذا الغلو والتقديس ضعيفة مثلما لدى أصحاب المعتقدات الأخرى ولكن الضعف الأكبر قد يكون ناشئ من ضعف الاجتهاد والنقد في مواجهة الطبقات العليا المدعومة من الأنظمة المختلفة التي ترتبط المصلحة معهم بإشاعة الغلو والتقديس لمنع الحوار والنقد البناء للقضاء على تلك الظواهر التي يبنى عليها أعمدة التخلف! .

ناقش المؤلف بعض مؤلفات وأفكار الأخرين المتناقضة أو التي تدعم آرائه ومنهم الأديب محمد حسين هيكل (1888-1956) (وليس محمد حسنين هيكل الصحفي) كما ورد في الكتاب (ص342) وهو خطأ شائع بسبب الالتباس في تشابه الأسماء، في كتابه الصديق أبو بكر(1942) حسب طبعة 1982 والذي يدرس بمصر، واظهر حجم التناقضات فيما ورد وتجاهل المؤلف هيكل للكثير من الحقائق الثابتة بسبب رغبته في إظهار تلك الشخصية المقدسة خالية من الالتباسات والأخطاء التي عرف عنها واعترف بها في الكثير من المصادر المعتبرة! وهذا منهج شائع لدى اغلب الباحثون المصريون المعاصرون والذين يدعون الوسطية والجرأة في العرض والتحليل ألا أن وقوفهم عند الحوادث التي تجرح أصحابها أو إعطاء التبريرات الواهية حول أسباب الوقوع يؤدي إلى ضعف في نصوصهم والخطأ المتوقع في النتائج.

ذكر المؤلف في مبحث عن جملة من النواصب الرواة والمحدثين بحسب مراجع معتبرة عند أهل السنة ولكنهم يعتبرون ثقات وجب ذكر ما يروى أو يكتب عنهم مع ما يشاع عنهم ذلك وهو يؤشر لكارثة مروعة على التاريخ المروي أو العقائد والأفكار الموروثة التي ظهر ضعفها أو التناقضات المبنية عليها والتي لا تؤسس لعقيدة راسخة وصالحة.

تناول المؤلف بشيء من التفصيل سيرة منظر التكفير الأبرز ابن تيمية والمنهج المنحرف الذي سار عليه ومن ثم تلميذه ابن الجوزية والوريث التالي لهما محمد عبد الوهاب في نجد، واظهر أن هؤلاء كانوا مرفوضين حتى من أصحاب مذاهبهم وأسرهم بسبب التطرف الشديد والذي أدى إلى تأسيس مناهج دموية تستند على القوة والإرهاب في سبيل أثبات وجودها وليس على القوة العقلية والمنهجية المشروعة والتي يعترف الجميع بحاكميتها...! .

تناول المؤلف بتفصيل أكبر عن سيرة معاوية وأعمال أعوانه المقززة والتي هي ثابتة ومؤكدة في التاريخ إلى درجة اليقين بسبب شيوعها في اغلب المصادر المعتبرة والتي تظهر مستوى الانحراف المروع عن الإسلام إلى درجة الكفر! ومع ذلك نجد أن نسبة كبيرة من الأجيال اللاحقة مازالت تقدس هذا الطاغية وأعوانه وتبرر أعمالهم بوقاحة غير متناهية وتستند إلى وقائع وأحاديث لا تمت للواقع بصلة استطاع تمريرها خلال حكمه البغيض والتي شاع عنه ذلك، في ظل غياب كامل للأصول الفكرية المستندة على مصادر وأسس صحيحة تفرز مناهج لا تتبع الأهواء والرغبات بل الحق المجرد الذي لا يقبل التأويل الهزيل الذي استخدمه هذا الطاغية وغيره في التلاعب بمصير الأمة الإسلامية.

استطاع المؤلف الكاظمي ببحثه هذا، إظهار الكثير من الحقائق التي تدين الأخرين بدلا من اتهامهم الجاهز للخصوم تحت ستار الهجوم اقوى من الدفاع للتغطية على الضعف!، وذكر بعضا منها وبخاصة مسألة سب الأمام علي (ع) على المنبر لفترة طويلة والتي تم تجاهلها والتركيز على سب الصحابة المنافقون الذين ذكرهم القرآن الكريم والنبي (ص) والتاريخ بمفاسدهم وجرائمهم التي تركت لنا جروحا لم تندمل لحد الأن وأيضا طريقة الاستخلاف والتي ظهر عدم حياديتها في الاختيار لكون العلاقات والروابط والميول بين الصحابة هي الفيصل في الحكم مما يعني ابتعاد عن الادعاء بالشورى...! .

الحضارة الإسلامية وان ازدهرت كثيرا ألا أنها لم تبنى على العدالة والحرية بشكل كافي بسبب هيمنة القوى المتسلطة على شعوبها والتي لها اذرع دينية تستند على شرعية زائفه يتولى الأشراف عليها وتوجيهها وعاظ سلاطين لهم باع طويل في العلم الديني وتطويعه للحاكم حسب متطلبات المرحلة الزمنية، وهذا يعني انه حان الوقت لإعادة الاعتبار لتلك الأسس المهمة المفقودة التي تبنى عليها عادة الحضارة، والممالك الإسلامية التي تأسست وفق قاعدة التزاحم قد جعلت العنف الوسيلة المثلى لتثبيت قواعد الدولة حتى ولو خالفت قواعد وأصول الدين الإسلامي المتعارف عليها، واستخدمت الدين كسلاح فعال لوضع الشرعية على أعمالها اللاأخلاقية ، ودائما يحاول المصلحون سلب تلك الشرعية المزيفة منهم بوسائل نقدية معتبرة ومنحها لم حارب لأجلها في سبيل أحقاق الحق.

هذا الأثر التحقيقي القيم يجب أن يكون بادرة لحث الأخرين ومنهم المؤلف أيضا في بذل المزيد من البحث والتنقيب في المدونات والأصول التاريخية المتوافرة وبخاصة المخطوطة أيضا حتى يتم إظهار كافة الحقائق التي حذفت وزيفت ووضع مكانها أكاذيب خالدة أصبحت أساطير لا تقبل التأويل والتفسير لدى مدارس لديها قوة زمنية تدافع عنها باستمرار بسبب التلاحم فيما بينهما...! .

فقد العالم الإسلامي نتيجة للصراعات الدموية التدميرية وأيضا لضعف وسائل الحفظ والصيانة الدورية والنشر، مؤلفات ومخطوطات ونصوص وأوراق كان من الممكن أن تحدث ثورة علمية أو على الأقل تحدث تغييرا كبيرا قد يصل جزءا منه إلى بعض المعتقدات الدينية أو الفكرية السائدة، ومع ذلك فمازال الباقي اليسير ومعظمه مخطوطا متناثرا في كل مكان وبحاجة إلى المراجعة والتدقيق والتحليل بغية عرضه للنشر للاستفادة منه في كافة فروع البحث العلمي المتنوع والمعرفة والذي سوف يعطي ثمارا إيجابية في تغيير الكثير من الأدلة والاستدلالات المتعارف عليها من النصوص المنشورة والتي من الممكن أن تكون ضعيفة وغير دقيقة ولكن عامل النشر قد ساهم في الشهرة والتصدر، وعليه فأن الواجب على المؤرخين والباحثين القيام بعملية البحث في المخطوطات واستدراك ما فات من الأدلة والبراهين لتوسيع دائرة الأسس النقدية للمدونات التاريخية وكسر الجمود.

علينا قراءة التاريخ بصورة موضوعية لا بقدسية متزمتة وان نتحرى الصحيح من الخطأ عن طريق النقد الفعال، فكم من الجرائم والمفاسد والألآم تقع نتيجة الاعتقاد الخاطئ بأن حدثا تاريخيا هو صحيحا ويتبين لنا بعد فوات الأوان انه كان خطأ... التاريخ هو سجل لتراثنا والنبيه من يدرس التاريخ بعمق كي يمنحنا البصيرة في الاختيار الأدق حتى لا نقع في نفس الأخطاء التي وقع أسلافنا بها...!

 

مهند السماوي

 

د. علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي (1)

ali shryatiمن خلال قراءة اولية وبسيطة في التاريخ نستطيع التوصل الى ان جميع الاديان تقريبا ومنها (السماوية) كان كل منها في بداياته دينا واحدا، ولكن لم تمر الا سنوات ليست بالطويلة على نشوئها وموت مؤسسها او (نبّيها) ونتيجة الصراع على السلطة من قبل اتباعه، وهو وجه من اوجه الصراع الاجتماعي – الاقتصادي على مر العصور، حتى أنقسم ابناء الدين الواحد بسبب هذا الصراع سياسيا الى جماعات وشيع تتناحر فيما بينها. وغالبا ما كان هذا الاختلاف السياسي الذي هو من اجل التنافس على الغنائم والسلطة والهيمنة، يتحول الى صراع دموي وحروب طويلة وقاسية بين ابناء الدين الواحد، كالحروب الدموية وحتى فترة قريبة بين الكاثوليك والبروتستانت والحروب التي خاضها المسلمون ضد بعضهم البعض. اما في التاريخ القريب فقد شهدنا معارك مذهبية طاحنة بين الفرس الصفويين والاتراك العثمانيين والتي دفع فيها العراقيون دماءا كثيرة نتيجة خوض الدولتين معاركهما على ارضهم. كما لا يجب علينا ان نغفل الصراعات والحروب التي جرت بين ابناء الديانات المختلفة والتي كان ظاهرها نشر الدين ونواياها الحقيقية السيطرة على البلدان الاخرى ونهب ثرواتها، إلاّ أن الدين لم يكن إلاّ الوسيلة الامثل لحشد جموع المؤمنين البسطاء في جيوش تحتاجها تلك الدول لتتوسع فيها على حساب البلدان الاخرى، ابتداءا من ما سمي بالفتوحات الاسلامية ضد بلاد فارس (الزرادشتية) وبلاد الروم البيزنطية (المسيحية) وضد الهند (البوذية والهندوسية) بذريعة نشر الاسلام. وسارت الكنيسة الأوربية في قرون لاحقة على نفس الدرب في إشعال الحروب الصليبية من أجل احتلال اراضي الشرق بحجة حماية القدس ونشر المسيحية. وتضاف إلى ذلك الحروب التي كانت تدور بين العثمانيين والاوربيين، والتي كان فيها العامل الديني حاضرا متمثلا بالمؤسسة الدينية ورجالها.     

لقد ادت الخلافات السياسية بين رجالات المسلمين الاوائل والتفاف المؤمنين حولهم الى نشوء حركات سياسية والتي سماها العرب شِيَع، والتي تعني حسب اللغويين فرقة وصنف. ويقول الزَجّاجْ (ان الشيع فرق وكل فرقة شيعة وأصله من المشايعة وهي المتابعة يقال شايع فلان فلانا على امره اي تابعه عليه ومنه شيعة علي وهم الذين تابعوه على امره ودانوا بامامته) (1) . وقد وردت كلمة شيع باشتقاقاتها العديدة في آيات مختلفة من القرآن مثل " ولقد ارسلنا من قبلك في شيع الاولين) (2)، وجاء ذكرها في سور الصافات والقصص والروم ومريم وغيرها. وكانت هذه الشيع بحاجة الى برامج لم تكن تمتلكها في حينها كي تستطيع من خلالها رسم سياساتها لان العرب كانوا حينها حديثي العهد بالاسلام، وكانت الصراعات فيما بينهم ولازالت تحمل طابع صراع ما قبل الاسلام وامتداداً لتلك العصبية القبلية التي حاول محمد القضاء عليها ولم تنتهي إلى اليوم.

إن اسباب الصراع الذي بدأ برحيل النبي كانت كامنة في حياته او وبشكل أوضح في اعقاب الفتوحات الاسلامية وما تركته من غنائم تركت آثارها السلبية على شخصيات لها ثقلها مثل الامام علي واصحابه وشيعته من الفقراء ومواليه و على بني أمية وشيعتهم ومواليهم. ويؤكد هذا الصراع كما اثبت تاريخ الامويين والعباسيين لاحقا على انه كان صراعا طبقيا وقبليا في آن واحد بين الفقراء الذين يمثلهم علي الذي انحاز الى معسكره الفقراء من امثال عمار بن ياسر وابو ذر الغفاري وبني هاشم وغيرهم، وبين الاغنياء الذين كان يمثلهم الامويون بشخص عثمان بن عفّان الذي انحاز اليه أو أستقطب معاوية بن ابي سفيان وابيه وعبد الرحمن بن عوف وبني أمية وغيرهم. أما الصراع بين الامام علي وبين ابو بكر وعمر فكان سياسيا ومن أجل السلطة والأستئثار بها ولا كما يحاول البعض أعادته الى المذهبية التي لم تكن قد تحققت وقتها بعد. إن الصراع السياسي يحتمل، علاوة على الاختلاف، التوافق في بعض الامور اذا كانت في صالح المجموع (الجماهير) وهذا ما كان قائماً بين الزعماء الأربعة. إن هذه الأحداث التي أثارت الفرقة بين المسلمين وأدت بعد عقود إلى بروز المذاهب الدينية جاءت بالاساس نتيجة لصراع اقتصادي وسياسي مما افرز افكارا مختلفة ومتباينة ليس من حيث تفسيرها للقرآن او قبولها ونفيها بما نقله الرواة من احاديث عن محمد وتفسيرها فقط، بل البحث عن المصالح والموقف السياسي من السلطة. وبعبارة أخرى، فمنذ اجتماع السقيفة وانعقادها اثناء دفن محمد وغياب علي وصحبه وبني هاشم عنها، فإن هذه الافكار او المذاهب المتصارعة لا زالت مستمرة منذ ان نشأت وحتى اليوم. وليس هناك في الافق ما يشير الى حسمها لصالح جهة طائفية او مذهبية محددة ومعينة، بعد ان لم يتم حسمها منذ ما يقارب الالف واربعمائة عام بالرغم من الحروب الطاحنة والقمع المنظم الذي مارسته احداهما ضد الاخرى

ان المذاهب السنية الاربع نشأت بعد القرن الاول الهجري، حيث كان الامام ابو حنيفة النعمان الذي ولد في سنة 80 للهجرة صاحب اول مذهب سني عند أهل السنّة والجماعة على الرغم من عدم ذكر أي شيء عن السنّة كطائفة في تراثه. ونشأ آخرها على يد احمد بن حنبل المولود سنة 164 للهجرة. أما المذهب الجعفري فقد بلوره وصاغه الامام جعفر بن محمد الملقب بالصادق وهو الامام السادس عند الشيعة الامامية الاثني عشرية، والذي تتلمذ على يديه كل من النعمان ومالك بن أنس. الا ان المؤرخين يعتبرون أن "السقيفة" هي بداية التشيع والتسنن، حيث اعتبر كل من ابي بكر وعمر وعثمان ومن حضر معهم في السقيفة ومن شايعهم من "السنّة، واعتبر الامام علي ومعه العديد من المهاجرين والانصار وبني هاشم ومن شايعهم "شيعة"، وأطلق عليهم منذ ذلك الحين وحتى اليوم "شيعة علي". وهذا يدل على ان الخلاف الفقهي لم يكن له دورا في نشوء التشيع والتسنن في البداية بقدر ما كان للدور السياسي وما تمخضت عنه نتائج "السقيفة" والتي مازالت وحتى اليوم موضع خلاف الطرفين .

لقد تعرض الشيعة "كتيار سياسي" للأضطهاد حالهم حال غالبية التيارات السياسية المناوئة لحكم عثمان بن عفان الأموي، الذي يعتبر اول حاكم مسلم يعتمد على اقرباءه في ادارة شؤون الدولة حتى وإن لم يكونوا مؤهلين لاشغال مناصبهم تلك. وهذا ما ادّى في النهاية الى تنامي المعارضة ضده لتنتهي بمقتله الذي تلاه معارك كبيرة بين المسلمين انفسهم واهمها معركتي "الجمل" و"صفين". الا ان الاضطهاد الحقيقي للشيعة بدأ بمقتل الامام علي وتنازل الامام الحسن عن الخلافة الى معاوية بن أبي سفيان، الذي لاحق شيعة الامام علي في كل مكان يستطيع رجاله الوصول اليه. وقد توج ابنه يزيد سلسلة المطاردات والتنكيل والقتل بحق الشيعة ورموزهم بقتل الامام الحسين ومن معه في كربلاء في العاشر من محرم سنة 61 للهجرة وسبي نسائه. واستمر الذين جاءوا من بعده من ملوك بني أمية بأستثناء عمر بن عبد العزيز وملوك بني العباس بأستثناء المأمون، وغيرهم من الملوك على مدى التاريخ الاسلامي المليء بالقتل والدسائس والدماء بمطاردة الشيعة والتنكيل بهم مع حفظ مقام أئمة الشيعة الأثني عشرية وأحترامهم خصوصا في العهد العباسي لكونهم لم يشكلوا خطراً يذكر على السلطة في حينها. ولذا أمسى التشيع مأوى لكل الناقمين على سلطات الاستبداد ومن الباحثين عن العدالة الاجتماعية والحرية ومركز جذب لهم. إننا لو القينا نظرة على غالبية الثورات والانتفاضات في تلك الفترة العاصفة من تأريخ الاسلام لوجدنا فيها نفس شيعي أو كاريزما شيعية، وهذا ما كان قائماً اثناء ثورات الاسماعيليين والقرامطة على سبيل المثال .

فهل استمر التشيع العلوي هذا بنفس الروحية والعنفوان؟، ام توقف في منعطف تاريخي معين ليفقد تلك السمة "الثورية" عندما إنحاز رجل الدين الشيعي إلى صف الفقراء وضد أقطاب السلطة الظالمة الجائرة؟.

في الواقع أن المؤسسة الدينية الشيعية قد تبنت تشيعاً جديداً وغريباً في طقوسه منذ العام 1501 م مبتعدا عن جوهر التشيع السابق بعد أن اصبحت المؤسسة المذهبية الشيعية ورجل الدين الشيعي جزءا من السلطة التي تستحوذ على المال والجاه وتنكل بالفقراء.

يقول المفكر الاسلامي الإيراني علي شريعتي : (وهكذا يتبين ان التشيع العلوي لم يكن مجرد حركة ثورية استمرت على مدى ثمانية قرون - الى اوان العهد الصفوي -. ولم يقتصر على إعلان الجهاد فكرا وممارسة بوجه الأنظمة ذات الطابع الأستبدادي والطبقي، وهو الأستبداد الذي كان يمثّل قاسما مشتركا بين أجهزة الخلافة الأموية والعباسية والسلطنة الغزنوية والسلجوقية والمغولية والتيمورية والأيلخانية والتي أتخذت المذهب السني مذهبا رسميا للبلاد حينها) (3) . وهنا ينتهي التشيع العلوي بنظر شريعتي ليحل محله التشيع الصفوي، ولكن الذي ينفي صفة الثورية بشكل مستمر عن المذهب الشيعي لحين سيطرة البويهيين على بغداد على الاقل حسب ما جاء به الكاتب اسحاق نقاش في كتابه "شيعة العراق"، هو عدم تنصيبهم حاكما شيعيا على بغداد مع عدم مطالبة رجال الدين الشيعة منهم ذلك. وبذلك استمر الحكم العباسي المناوئ للشيعة ولطقوسهم من خلال ابقاء الملك العباسي الضعيف مكانه.

وقبل الخوض في قراءة هذا الاثر الكبير والمهم للدكتور علي شريعتي؛ اي كتابه الموسوم بـ (التشيع العلوي والتشيع الصفوي)، علينا ان نتعرف على سيرة هذا الرجل الذي تعرض لانتقادات وهجوم تيار كبير من رجال الدين المتعصبين الايرانيين وحتى اليوم، بسبب آرائه الاصلاحية الجريئة عندما وصف التشيع الصفوي بالتشيع المليء بالخرافة والابتعاد عن نهج الامام علي وأخلاقه ومطالبته بإصلاح المؤسسة المذهبية الشيعية وغيرها الكثير والتي سنتناولها لاحقا .

 

علي شريعتي والعائلة

ولد شريعتي، واسمه الكامل علي محمد تقي شريعتي عام 1933 م في مزينان وهي قرية صحراوية صغيرة تابعة لمدينة سبزوار في محافظة خراسان وعاصمتها مدينة مشهد حيث يوجد ضريح ولي عهد المأمون العباسي الامام الثامن للشيعة علي بن موسى الرضا. كان والده محمد تقي شريعتي من كبار المفكرين والمجاهدين الاسلاميين وأسس في مدينة مشهد مع عدد من رجال الدين المناضلين مركز الحقائق الاسلامية (كانون حقايق اسلامى). وعمل علي شريعتي في بدايات نشاطه السياسي في شبيبة الجبهة الوطنية. وبعد سقوط حكومة مصدق انظم الى حركة المقاومة التي اسسها آية الله زنجاني وآية الله طالقاني ومهدي بازركان سنة 1958. وبعد قمع المقاومة اعتقل شريعتي ووالده لمدة سنة ونصف. وانهى بعد خروجه من السجن دراسته الجامعية في كلية الآداب بدرجة امتياز ليرسل في بعثة الى فرنسا، حيث نال شهادتي دكتوراه احداهما في علم الاجتماع والثانية في تاريخ الاسلام. وفي فرنسا واصل نشاطه السياسي حيث اسس حركة تحرير ايران فرعي اوربا و امريكا التي كان بازركان والطالقاني وزنجاني قد أسسوها عام 1961 م. وبعد وصوله إلى باريس، كان على صلة وثيقة بمجموعة من الناشطين الايرانيين الذين تسّلموا مواقع رسمية مهمة بعد نجاح الثورة الايرانية عام 1979 من امثال ابراهيم يزدي (وزير خارجية في وزارة مهدي بازركان " معتقل لمرات عدة ") وابو الحسن بني

صدر (اول رئيس جمهورية في ايران (الآن لاجيء في فرنسا) وصادق قطب زاده (مدير الاذاعة والتلفزيون الايراني ووزير خارجية سابق (اعدم) ومصطفى جمران (وزير دفاع ومن مؤسسي حركة امل (قتل اثناء الحرب العراقية الايرانية)، كما كان رئيسا لتحرير صحيفة (ايران الحرة) الناطقة بالفارسية والتي كانت تصدر في اوربا في عهد الشاه .

 

علي شريعتي في معتقل الشاه

وعند عودة علي شريعتي الى ايران في منتصف الستينات تم اعتقاله عند الحدود ليسجن لفترة ويطلق سراحه وتم تعيينه كمدرس بجامعة مشهد . وكانت محاضراته ودروسه مشاكسة للسلطة الشاهنشاهية، مما ادى بالسلطات الى فصله من الجامعة ليعين معلما في احدى المدارس الابتدائية في احدى القرى النائية. وبسبب عدم توقفه عن نشاطاته، تم نقله الى طهران ليعمل مدرسا في جامعتها وليكون تحت نظر السافاك الايراني . وفي العام 1969 افتتحت حسينية الارشاد التي ستلعب دورا مهما في كونها مركزا للاشعاع الديني العقلاني المتجدد، ومنها بدأ شريعتي محاضراته المنتظمة عن الاسلام وتاريخ التشيع . وراح ينتقد رجال الدين ووعاظ السلاطين وبدأ باستخدام مصطلح "التشيع العلوي" الذي اعتبره غريبا وقد طواه النسيان مقابل "التشيع الصفوي" الذي اعتبره تشويها للتشيع الحقيقي. سمح لشريعتي ان يغادر إيران إلى لندن في عام1977، ووجد مقتولا في شقته بعد ثلاثه اسابيع من وصوله إليها، الا ان تقرير مستشفى ساوثهامبتون قد ذكر ان سبب الوفاة هو نوبه قلبية قاتله عن عمر بلغ 43 سنة. و كان الرأي السائد أن الوفاة تمت على يد مخابرات الشاه. دفن الدكتور علي شريعتي في مقام السيدة زينب في دمشق .

إن شريعتي يمثل أحد أبرز التيارات الاصلاحية للمذهب الشيعي الذي غرق - كما يشير إلى ذلك شريعتي - في دهليز الخرافات والشعوذة والطقوس الغريبة. لقد حاول بعض الاصلاحيين تحقيق هذه المهمة منذ ثورة "المشروطة" في إيران عام 1905، وهي أول ثورة ديمقراطية في القارة الآسيوية. ولكن المؤسسة الدينية الايرانية المحافظة وانصارها وخاصة في الريف الايراني المتخلف وبدعم خارجي أحبطت كل محاولات الاصلاح الديني. وكانت المؤسسة الدينية حجر عثرة على طريق تحديث المجتمع وارساء دعائم الديمقراطية، وتجلى ذلك بشكل واضح في وقوف المؤسسة الدينية إلى جانب الانقلاب الذي دبّرته المخابرات المركزية ضد حكومة الزعيم الوطني الدكتور"مصدق" في آب عام 1953، ومن أجل ارجاع الشاه إلى كرسي العرش بعد هروبه خارج البلاد. ولكن ومنذ الستينيات من القرن الماضي، بدأت حركة جديدة للإصلاح الديني خاصة بين الشباب والمتعلمين وبدعم من القلة الاصلاحية لرجال الدين وعلى رأسهم المرحوم سيد محمود الطالقاني. ولقد تبلور هذا التيار الاصلاحي لأسباب عديدة. فقد حصل تغيير في البنية الاجتماعية في المجتمع الايراني جراء تنامي دور الطبقة الوسطى والبرجوازية الوطنية والطبقة العاملة وكل الفئات المرتبطة بالانتاج الحديث في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية التي تركت آثاراً فكرية واقتصادية على المجتمع الإيراني. وهذا ما أوجد الأرضية لنمو جديد للتيار اليساري في عقد الستينيات، وخاصة في صفوف الشباب. وكان ذلك بمثابة انذار للتيار الديني كي يفكر في عملية اصلاحية من شأنها الحد من انتشار التيار اليساري.

وهكذا تبلور هذا التيار الاصلاحي الذي سعى إلى تحرير المذهب الشيعي من الشوائب التي علقت به خلال القرون السابقة. وكانت أولى بدايات ذلك هو سعي هذا التيار الى التلفيق بين العلم والدين. وظهرت على سبيل المثال مؤلفات تشير إلى أن القرآن قد عالج "نظرية التطور" قبل أن يطرحها العام داروين في بريطانيا، بالاستناد إلى آيات قرآنية في مؤلف "التطور في القرآن" (تكامل در قرآن) الذي ألفه الدكتور يد الله سحابي أحد المقربين إلى شريعتي ومهدي بازركان والطالقاني. هذه النزعة في الحقيقة تماثل النزعة التي جرت لاحقاً في العالم العربي ضمن موجة "الاعجاز في القرآن". ولقد اعتبر هؤلاء الاصلاحيون الايرانيون أن لا مجال لهم في السير بعملية الاصلاح دون نقد المؤسسة الدينية التي هيمنت على المجتمع فكرياً وسياسياً وحتى مادياً، والتي تعتبر امتداداً للتشيع الذي فرضته السلسلة الصفوية على ايران منذ نهاية القرن الخامس عشر، وسارت عليه السلسلة القاجارية منذ 1779 وحتى سقوطها عام 1925. وتبنت أوساط واسعة من الشباب المؤمن وخاصة مجاهدي خلق الترويج لهذا التيار الاصلاحي الذين راحوا يروّجون لمؤلف الدكتور علي شريعتي "التشيع الصفوي والتشيع العلوي" وأصبح بمثابة المادة الفكرية الأساسية لهؤلاء الشباب. ولكن هذا التيار اصطدم بالتيار المحافظ المذهبي الذي سيطر على الحكم بعد الثورة الايرانية ليتولى هجوماً قاسيا ضد التيار الاصلاحي وضد كل افكار التنوير والحداثة.

لقد تحول الكتاب إلى موجز لعمل مسرحي في فصله الاول، وإلى خطبة قد القاها في حسينية الارشاد على امتداد ثلاث ساعات في فصله الثاني.

في الكتاب، أكد شريعتي مراراً على الفرق بين ما يطلق عليه لفظ الروحانيون (ومفردها روحاني " من الروح " وهو لفظ وتسمية جديدة في الفكر والادب الشيعي) و لفظ علماء الدين (مفردها عالم دين) كبير جدا، بل هما على تضاد حسب رأيه حين يقول :(انا لا اساوي بين الروحانيون وعلماء الاسلام، بل اراهما على تضاد). فلا (يوجد لدينا في الاسلام طبقة او فريق باسم الروحانيين. وهذا المصطلح جديد جدا. في الاسلام لدينا العالم مقابل غير العالم، وليس الروحاني ضد الجسماني، السيد روحاني، طيب ما هو وجه الاستفادة منه ؟. هل هو مفكر اسلامي ؟ الجواب لا . هل هو عالم اسلامي ؟ الجواب لا. هل هو خطيب اسلامي؟ الجواب لا . هل هو كاتب او مترجم اسلامي؟ الجواب لا . اذن ما هو، انه.. نور بالكامل، ومقدس، وشخصية دينية، انه ماء وجه الدين !). واستنادا إلى اقوال وافعال شريعتي هذه علل مهدي بازركان اسباب عداء بعض رجال الدين له قائلا ان: (الروحانيون وفي مختلف الاديان ومن خلال مختلف الادوار لهم دليلين في عدم توافقهم مع اشخاص من امثال علي شريعتي، احدهما رؤيتهم للتجديد والتحديث من انه يتنافى واصالة وتقوية الدين، ولخوفهم من تزلزل افكار ومعتقدات الناس " العامة " المبنية على التحجر والعادات والافكار البالية الى حد كبير. والسبب المهم الآخر هو انهم لا يريدون اي شخص من خارج المؤسسة الدينية " المقدسة " ان يدخل منطقة الوساطة بين الله وعباده غيرهم) (4) .

يتبع

 

زكي رضا - الدنمارك

25/10/2014

.......................

(1) "ويكيبديا بالعربية"

(2) "سورة الحجر"

(3) " التشيع العلوي والتشيع الصفوي، علي شريعتي ص 29 "

(4) "ويكيبديا بالفارسية"

 

 

معلومات إضافية