كتب واصدارات وقراءات ورسائل جامعية

قراءة نقدية في كتاب "الحزب الشيوعي العراقي في عهد البكر (1968- 1979)". للدكتور سيف عدنان القيسي (3)

jasim alhalwaniيقع كتاب القيسي في 686 صفحة من القطع الكبير. ويحوي مقدمة وأربعة فصول وخاتمة وملحقين أحدهما لبعض الوثائق والآخر لبعض الصور. تناول الفصل الأول بمباحثه الثلاثة نشاط (ح.ش.ع) للفترة 1958-1968. وجاء تقسيم المباحث على الحكومات الثلاث في تلك الفترة وهي: قاسم والبعث والأخوين عارف. أما الفصل الثاني فيتضمن مبحثين متداخلين يغطي الفترة الممتدة من الانقلاب البعثي الثاني17 تموز 1968 حتى 1971. كما يتضمن الفصل الثالث أيضاً مبحثين، يتناول الأول منه نشاط (ح. ش. ع) منذ 1971 وحتى عقد الجبهة الوطنية والقومية التقدمية في السابع عشر من تموز 1973. أما المبحث الثاني فيتناول نشاط ومواقف (ح ش ع) منذ انعقاد الجبهة حتى انعقاد المؤتمر الثالث أيار 1976. أما الفصل الرابع، فإنه يتضمن كذلك مبحثين، الأول من المؤتمر الثالث 1976 حتى آذار 1978، والمبحث الثاني من آذار 1978 حتى انهيار الجبهة التام في تموز 1979.

لقد اعتمد القيسي على كم كبير من المصادر المتنوعة، بلغت أكثر من 400 مصدر، من بينها وثائق حكومية وأخرى حزبية وكذلك مخطوطات غير منشورة، وبعض هذه المصادر غير معروفة . هذا فضلا عن مراجعة حوالي 200 كتاب من الكتب العربية والأجنبية، بما فيها أكثر من خمسين كتاباً من المذكرات الشخصية. وقام المؤلف بإجراء 20 مقابلة مع قادة الحزب الشيوعي العراقي وأعضائه بمن فيهم الرفيق عزيز محمد السكرتير السابق للجنة المركزية والرفيق حميد مجيد موسى السكرتير الحالي للجنة المركزية. وبصرف النظر عن مدى وكيفية استفادة الكاتب من تلك المصادر، وهذا ما سنتطرق إليه لاحقاً، فان مجرد الوصول إليها واعتمادها في البحث تطلب بالتأكيد جهداً كبيراً، يستحق القيسي الثناء عليه.

يذكر الأستاذ أسامة الدوري في مقدمته آنفة الذكر بأن سيف القيسي " لم يكن متعاطفاً مع أي طرف سياسي" أما الدكتور عقيل الناصري فيشير في مقاله المرفق بالحلقة الأولى بأن "القيسي لم يتعاطف مع الرؤية الفلسفية ﻠ(ح. ش.ع)". مهما يكن من أمر، فان القيسى الذي سعى لكي يكون موضوعياً، فأنه توفق في ذلك أحياناً، وأخفق أحيانا أخرى، متأثراً بمنهج أستاذه الخاطئ، ألا وهو: "كسب احترام الجميع لمضمون ما يكتبه". وكيف لا يتأثر وهو القائل بحق أستاذه، في مستهل الكتاب وتحت عنوان "شكر وتقدير،ما يلي: "أتقدم بجزيل الشكر والامتنان، إلى أستاذي المشرف الدكتور أسامة عبد الرحمن الدوري لرعايته الأبوية ولدوره في التوعية والتوجيه والنصح السديد، وحرصه على تعلم المنهجية العلمية والدقة في الأخذ بالمصادر، والتأكد من المصدر ومنهجيته قبل الأخذ به أدعو الله أن يحفظه ويجعله لنا ذخراً أبا وأستاذا نقتدي به، وأن يبقى نبعاً صافياً أنهل منه العلم والصدق وحب العلم". وسأذكر فيما يلي أهم ما جلب انتباهي في ما يتعلق الأمر بتأثر القيسي بمنهج أستاذه الخاطئ.

إن عنوان الكتاب هو: "الحزب الشيوعي العراقي في عهد البكر" (1968- 1979). واختير هذا العنوان ضمن إطار منهجية الدكتور الدوري، أستاذ القيسي، الخاطئة.

يشير القيسي في مقدمته للكتاب إلى أن الفترة (1968- 1979) "أهم المراحل في تاريخ العراق بالعموم، والحزب الشيوعي العراقي بالخصوص لما تركته من مردودات ايجابية وسلبية له" و "كون المرحلة (1968- 1979) تعد قمة الإنفتاح [الانفتاح] *[1] العلني السياسي والفكري والتنظيمي بالنسبة (ح.ش.ع)".

سوف لا نناقش خطأ اعتبار هذه المرحلة "أهم المراحل في تاريخ العراق" تجنباً لتشعب الموضوع، فإن ما يهمنا تأكيده هو أن الفترة المذكورة لم تكن أهم مرحلة في تاريخ (ح. ش. ع)، ولم تعد قمة الانفتاح العلني والسياسي والفكري والتنظيمي بالنسبة له. وليس هناك شيوعي واحد لديه حد أدنى من المعرفة بتاريخ حزبه يؤيد هذا الرأي الخاطئ. وهناك معطيات في كتاب القيسي نفسه تؤكد بأن الفترة التي أعقبت ثورة 14 تموز 1958، والسنة الأولى منها تحديداً هي المرحلة الأهم في تاريخ (ح.ش.ع). فقد كان الحزب قاب قوسين أو أدني من استلام السلطة. وهذا ما أثار الرعب لدى الدوائر الامبريالية رغم محاولات (ح.ش.ع) لتبديد، كما يشير القيسي في كتابه، مخاوفها. (48)

وكان بإمكان الحزب أن يملأ الشوارع بالجماهير بنداء واحد منه، والمظاهرة التي اعتبرت مليونية في بغداد في الأول من أيار 1959، عندما كان نفوس العراق لا يتجاوز الستة ملايين، والتي طالبت الزعيم عبد الكريم قاسم بإشراك الحزب بالسلطة، مشهورة، وقد أشار إليها القيسي أيضا. (ص47) وقبل هذا بصفحة واحدة يقول القيسي ذاته عن تلك الفترة ما يلي"وهكذا أصبح واضحاً للقاصي والداني، هيمنة (ح.ش.ع) على إدارة شؤون البلاد، بعد انحسار دور القوميين". إذن ليدلنا القيسي في أي يوم من أيام مرحلة (1968- 1979) يمكن أن ينطبق عليها الوصف المذكور على لسانه. وبعيداً عن خلط الأوراق،ومن أجل توضيح الأمور، نتساءل هل حصل ما يشابه ذلك في الفترة الممتدة من ربيع 1970 حتى خريف 1971 حينما تعرض (ح.ش.ع) إلى القمع الوحشي وتحطمت منظماته في طول البلاد وعرضها، كما جرت الإشارة إلى ذلك آنفاً؟!

صحيح أن الحزب تمتع في فترة الجبهة بالعلنية نسبياً، ولكن من غير الصحيح القول بأنها كانت" قمة الانفتاح العلني السياسي والفكري والتنظيمي بالنسبة (ح.ش.ع)"؟ فخلال تلك"القمة" وفي عهد البكر أُجبر (ح.ش.ع)" على حل منظماته الديمقراطية تحت تهديد حزب البعث باعتقال أعضائها. واضطر الحزب على حلها، لتجنيب أعضائها الملاحقات والاضطهاد ولتجنب الاصطدام مع البعث وتعريض استقرار البلد للاهتزاز وتعريض الحزب للقمع. *[2] وهل هناك وجه للمقارنة بين هذه الحالة وبين ما يشير إليه القيسي في كتابه عن طبيعة علاقة (ح.ش.ع) بالمنظمات الديمقراطية في السنة الأولى من ثورة 14 تموز، حيث بدا للقيسي وعلى حد تعبيره ﺒ"أن (ح.ش.ع) أخذ زمام الأمور على صعيد المنظمات المهنية والاجتماعية، سواء العمال أم الفلاحون والمعلمون والطلبة، حتى هيمنت كوادر (ح.ش.ع) على أكثر من (700) جمعية ونقابة ومؤسسة اجتماعية". (ص49)

وفي "قمة الانفتاح المزعومة" تلك كنّا نتهامس في مقراتنا بالأمور السياسية الحساسة. ونستخدم أجهزة الراديو في اجتماعاتنا للتشويش على أجهزة الإنصات التي زرعتها الأجهزة الأمنية في مقراتنا.

ومن خلال عنوان الكتاب أيضا، يريد الكاتب أو المشرف أن يوحى للقارئ بأن "قمة الانفتاح العلني السياسي والفكري والتنظيمي بالنسبة (ح.ش.ع)" كانت في ظل حزب البعث وفي عهد البكر. وثُبت هذا العهد في خلاف صريح لمحتوى الكتاب الذي يحوي ثلاثة مباحث من مجموع تسعة مباحث تغطي عهدي ثورة 14 تموز والأخوين عارف. وكان الأجدر أن يكون عنوان الكتاب، على سبيل المثال، "الحزب الشيوعي العراقي في ثلاثة عهود 1958-1979".

وبصدد مقاومة انقلاب شباط الأسود فاجأنا القيسي برأي غريب وهو ما يلي: "ومن الأمور المثيرة للانتباه أن قادة (ح. ش. ع) من الكرد، تنصلوا عن فكرهم الأممي وتراجعوا إلى القومية وما يؤكد ذلك أن مكتب لجنة الفرع الكردستاني ﻠ (ح. ش. ع) قرروا [قرر] الإيعاز [الايعاز] الى منظمات الفرع في المدن التوجه الى الريف والإلتحاق [الالتحاق] بالثورة الكردية". (ص86) . ليس هناك علاقة للفكر الأممي بمثل هكذا موقف، يبدو أن القيسي يقصد الفكر الوطني. فبصرف النظر عن هذا وذاك، فان مبعث استغرابنا هو أن القيسي يذكر، ما هو خلاف ذلك تماماً، في كتيبه المعنون "قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العراقي- بغداد 2014"، وهي حوارات أجراها القيسي في عام 2012 واستشهد بها مراراً في كتابه موضوع هذه القراءة، ما يلي:

"في صبيحة انقلاب الثامن من شباط 1963 كنت في كركوك. ولما سمعنا خبر الانقلاب، قمنا بتنظيم عدد من المظاهرات ضد الانقلاب. ووجهنا نداءً إلى الضباط الشيوعيين من أجل التوجه صوب المقرات العسكرية للمقاومة ومنع سيطرة الانقلابيين على الوضع. ولكن الضباط مُنعوا من الدخول إلى معسكراتهم بعد سيطرة الضباط الموالين للانقلاب على الوضع. ويضاف إلى ذلك أن منطقة كركوك لم تكن منطقة متعاطفة بشكل كبير مع الشيوعيين بعد أحداث تموز 1959. وبالرغم من ذلك نظمنا جيوب للمقاومة، وشرعنا ببناء الربايا، واستمرت مقاومتنا لثمانية أيام. وبعد انتهاء المقاومة في بغداد والمدن العراقية الأخرى، وجدنا أنه من الضروري الانسحاب بعد أن حسم الموقف لصالحهم".[3] وبناء على ذلك فان ما ادّعاه القيسي لا أساس له من الصحة.

يشير القيسي، في خاتمة أطروحته إلى أن الشيوعيين حملوا السلاح ضد انقلاب شباط 1963 "لإدراكهم أنهم سيتعرضون للانتقام عن مواقفهم إبان حكم عبد الكريم قاسم". هذا الرأي غير دقيق، فقد حمل الشيوعيون السلاح، أولاً وقبل كل شيء، لإدراكهم أن أي انقلاب ضد الحكم الوطني، سيكون وراءه الاستعمار والرجعية، وسيهدد منجزات ومكاسب ثورة 14 تموز 1958 الوطنية، وتعهدوا للشعب بمقاومته. وكان الشيوعيون على إدراك بأنهم مستهدفون لوطنيتهم وتقدميتهم، ولأنهم يقفون عائقاً أمام مآرب الاستعمار والرجعية والقوى المغامرة. وكانت المنظمات مدعوة للنزول إلى الشارع فورا لمقاومة أي انقلاب.

ومع الأسف الشديد فإن القيسي يجنح إلى الانتقائية في استشهاداته، أحياناً. فبصدد انقلاب شباط، يذكر في كتابه ما يلي: " والأهم من كل ما تقدم، يرمي (ح.ش.ع) بالسبب الرئيسي [لفشل مقاومة انقلاب شباط] على التنظيم الشيوعي في الجيش".[4] كان من الأجدر، عند الحديث عن فشل مقاومة انقلاب شباط، الاستشهاد برأي قائد الحزب وليس برفيق لم يكن في القيادة آنذاك. فبعد أيام قليلة من الانقلاب، قدّم سلام عادل تقييماً أولياً للانقلاب، وُزع على لجان المناطق واللجان المحلية، ودعاه "ملاحظات أولية"، وكانت هذه آخر رسالة يوجهها إلى الحزب. ويقول سكرتير الحزب فيها ما يلي: "إن السبب الرئيسي الذي أدى إلى سيطرة الانقلابيين على الحكم هو العزلة التي أصابت تدريجياً دكتاتورية قاسم عن الشعب وعن القوى الوطنية. ولكن الانقلاب الرجعي الراهن يبدأ بعزلة أشد من تلك العزلة التي انتهت إليها دكتاتورية قاسم. ولابد لمثل هذا الحكم المعزول أن يجابه نهايته السريعة جداً.."[5] وهذه الرسالة كاملة موجودة في مصادر القيسي، ومع ذلك فإنه يتجاهلها. إن عتبنا على القيسي ليس لتجاهلها لكونها المصدر الأقوى فحسب، بل لمعقولية ومنطقية حجتها أيضاً.

لم يشأ سلام عادل الإشارة في ملاحظاته الأولية إلى مسؤولية الحزب وسياسته في هذه الرسالة. ولكن يقال بأنه عندما استمع إلى ما قاله الشهيد جمال الحيدري، وهما في السيارة يوم 8 شباط في شوارع بغداد: "إن الانقلاب كما يبدو قد بدأ منذ الصباح"، علق سلام عادل قائلاً: "كلا، لقد بدأ الانقلاب في منتصف تموز 1959، وسهلت الكتلة [اليمينية في قيادة الحزب] مروره" [6]

ويطنب سيف القيسي في ذكر الشيوعيين الذين انهاروا تحت التعذيب ويشرح اعترافاتهم وتنازلاتهم. ولكن لم يشرح لنا القيسي ولا صورة واحدة من صور الصمود البطولي لقادة الحزب وكوادره وأعضائه أمام أساليب تعذيب وحشية، فعدد من مصادره تحوي ذلك. لنر ماذا جاء في أحد مصادره:

"بيد أن البعثيين لم ينقلوا لنا في مذكراتهم صور الصمود البطولي، الذي قابل به قادة الحزب الشيوعي ما صُب عليهم من ألوان التعذيب وأفانينه إلا النادر منها. إلا أن ما نقل عن هؤلاء القادة عن طريق من نجا من المعتقلين من الموت بصورة من الصور، يكفي للتعريف بالشجاعة الهائلة التي واجه بها سلام عادل الجلادين وهم يجربون معه كل ما أتقنوه من فنون التعذيب. فهل يتجرأ ممن بقي من سلطة الانقلاب، على الحديث عن هذا الإنسان الكبير وما جرى له من تعذيب يفوق قدرة البشر دون أن يتفوه بشيء؟ وأية كلمة يمكن أن تقال وهم يتلذذون بقطع أوصاله، أو ضغط عينيه، حتى تسيلا دماً وتفقدا ماء البصر.أو كيف قطعوا أعصابه بالكلابين أو كيف واصلوا ضربه على الرأس حتى لفظ أنفاسه؟ والصمود الأسطوري ذاته يتكرر مع عبد الرحيم شريف، ومع محمد حسين أبو العيس وهو يكابد العذاب أمام زوجته الشابة والأديبة الموهوبة سافرة جميل حافظ التي كانت تعّذب أمامه هي الأخرى حتى لفظ أنفاسه أمامها".

"... والثبات الذي لا يعرف الحد للدكتور محمد الجلبي، وهو يتجرع الموت قطرة فقطرة..والحديث يطول عن صلابة نافع يونس أو حمزة السلمان أو حسن عوينة أو صاحب الميرزا أو صبيح سباهي أو طالب عبد الجبار أو الياس حنا كوهاري (أبو طلعت) أو هشام إسماعيل صفوت أو إبراهيم الحكاك أو الصغيرين الأخوين فاضل الصفار (16سنة) ونظمي الصفار (14 سنة) اللذين عُذبا أمام أمهما التي كانت "تتسلى" عنهما بالضرب الذي تتلقاه وهي حامل، وفضّل فاضل الموت على أن يدل الجلادين على الدار التي يسكنها زوج أمه جمال الحيدري. لم يكن بوسع أي كاتب، مهما أوتي من براعة التصوير، أن يعرض القصة الكاملة لما جرى في (قصر النهاية) و(ملعب الإدارة المحلية) و(النادي الأولمبي) وبناية (محكمة الشعب) وغيرها من الأماكن التي جرى تحويلها إلى مقرات للتحقيق والتعذيب". [7]

لم يكتف القيسي بعدم ذكر أية صورة من صور هذا التعذيب الوحشي، فذهب في تقصيره أبعد من ذلك عندما سخر، بصيغة انتقادية، من انهيار الشيخ الجليل الدكتور إبراهيم كبة، العالم الاقتصادي المعروف، بقوله: " ويبدو أن الخوف والقلق والرعب الذي ولدته أساليب التعذيب أوصلت إبراهيم كبة أن يكون ملكياً أكثر من الملك.." !! (ص95).

والتزاماً بمنهج المشرف أسامة الدوري، "مساواة الضحية بالجلاد"، وضع القيسي التجاوزات التي حصلت من قبل الشيوعيين في عهد قاسم، وأغلبها كانت ردود فعل على الانقلابات العسكرية المشبوهة ضد الحكم الوطني، في سلة واحدة مع الجرائم البربرية التي ارتكبها حزب البعث في انقلاب شباط الفاشي، واعتبرها "ثأر وانتقام متبادل".(ص 87) وعزز ذلك بقوله: "وهكذا أعطى الحزبان الشيوعي والبعث صورة التحزب الأعمى في المشهد السياسي العراقي وهوس الحزبية القاتلة والأنانية الحمقاء.."!!(ص118)

 

....................

[1] يستخدم القيسي الهمزة التي تقع في أول الكلمة، حسب مزاجه، وليس وفقاً لقواعد اللغة العربية. هناك كُتّاب يساوون همزة القطع بهمزة الوصل، ويتجنبون بذلك كتابة الهمزة على حرف الألف في بداية الكلمة، ويهملونها حتى في كتابة حرفي إنّ وأنّ. لأن حذف الهمزة لا يحدث التباساً في المعنى، وجرياً على قول الموسوعي العربي الكبير أبو عثمان الجاحظ: "خذ من النحو ما يجنبك فاحش الخطأ"، وأنا أفهم ذلك ولكن لا أتبعه. أما أن تُستعمل الهمزة بشكل خاطئ وفي كتاب أكاديمي، ينبغي أن يتعلم الآخرون منه، فلا يجوز السكوت على الخطأ. لذلك فإنني مُجبر على تصحيحه، حيثما أعثر على خطأ في المقتبسات التي أستشهد بها. ومن اللافت للنظر هو أن مقدمة الدوري اعتمدت تجنب همزة القطع ولم تستعملها إلا نادراً، ومع ذلك لم يخل هذا النادر من الخطأ! فقد جاء في نهايات المقدمة: "لا أريد إستعراضاً" والصحيح أن تكتب بدون همزة، لأن الاسم من ماضي سداسي.(جاسم)

[2] إنني عندما أتطرق إلى مواقف الحزب وخلفياتها في ذلك العهد، لا أقصد تبريرها، وإنما أعرض صورة الحال كما هي آنذاك. وللحزب تقييمه الذي أقر في مؤتمره الرابع المنعقد في عام 1985، والذي ينتقد فيه كل تنازلاته في ذلك العهد. والتقييم المذكور وكذلك تقييمات الحزب السابقة تحتاج إلى مراجعة في ضوء فكر الحزب الذي تجدد في مؤتمره الخامس المنعقد في عام 1993. وعند مراجعتي النقدية لهذه القضية توصلت إلى ما يلي: " هو: "إن تحالف إي حزب سياسي مع حزب حاكم في نظام لا يقوم على أسس ديمقراطية مؤسساتية، هو خطأ مبدأي يرتكبه الحزب غير الحاكم، لا بسبب عدم توفر تكافؤ الفرص فحسب، بل لتعذر ضمان استقلال الحزب سياسياً وتنظيمياً وفكرياً، وهو مبدأ أساسي في أي تحالف سياسي". وقد نشر الحزب دراستي التي تتضمن هذا الاستنتاج في جميع وسائل إعلامه المركزية: مجلة "الثقافة الجديدة" وموقع الحزب الالكتروني وجريدة "طريق الشعب". وهي موجودة في مكتبة التمدن تحت عنوان "تجربة الحزب الشيوعي العراقي في مجال التحالفات السياسية ودروسها (1934-2014)". (جاسم)

[3]- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العراقي- بغداد 2014"، ص45.

[4]- القيسي، ص92. إن صفحة كتاب زكي خيري التي يستشهد بها القيسي ليست 248 وإنما 241. وإذا توخينا الدقة فإن زكي خيري لم يقل"السبب الرئيسي" بل قال: "كنا نعول"!

[5]-عزيز سباهي،عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، الجزء الثاني، ص552.

 [6]- ثمينة ناجي يوسف ونزار خالد. سلام عادل ، الطبعة الأولى ص 153. (المصدر موجود لدى القيسي). نقل الحديث إلى ثمينة، كاظم الصفار،الذي كانت له علاقة حزبية بجمال الحيدري وهو نسيبه. ونقله إليّ أيضاً عندما التقيت به في بغداد في بداية كانون الثاني 1964. (جاسم)

[7]- سباهي، مصدر سابق، ص 552.

الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية في تشريع الكفارات

nadheer khazrajiعند مقابلة قوله تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) مع بقية الآية نفسها في قوله تعالى: ( وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) المائدة: 32، نجد أن كلمة القتل تقابل الإحياء، والقاسم المشترك بين نصي متن الآية الكريمة هو "نفس الإنسان" المعادل لـ " الناس جميعا" في القتل والإحياء، وهذه المقابلة تقدم دليلاً قاطعاً أن النفس الإنسانية لها قيمة تعادل قيمة الناس جميعاً، والتعامل معها في السلب والإيجاب هو تعامل مع البشرية كلها، وعندما يقرر رب الخلق هذه المعادلة الخطيرة، فإنه تعالى يضع للإنسان خصوصية في هذا الكون تتمحور حول حياته ذاتها واحيائها في الخير لا في الشر، فسبحانه وتعالى يريد، في الدارين، حياة الإنسان لا موته ولا عذابه.

ولأن حياة الإنسان مسرح تتفاعل على خشبتها قيم الخير والشر، فإن الخطأ أمر وارد مهما بلغ الإنسان من الإيمان والتقوى مرتبة إلا المعصوم، ولأن الحياة الدنيا دار ممر الى دار مقر، فإن تعاليم الإسلام تنحو نحو الإستفادة منها وزرعها بالخير حتى يحصد الزارع ثمارها في جنة الخلد وملك لا يبلى، ولمن أخطأ مع نفسه جعل الإستغفار باباً للدخول الى رحمة الله، ولمن أخطأ مع الغير بنحو من الأنحاء جعل الاستغفار دليله الى جانب افراغ ذمته من الآخر حسب نوع الخطأ أو الجنحة، سعياً وراء تطهير نفسه من الذنب في الحياة الدنيا عبر الاستغفار القولي، أو الفعلي بدفع الفدية أو الكفارة بمفهوم الشرع الإسلامي.

الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، كما عودّنا في سلسلة الشريعة، يوقفنا في كتيب "شريعة الكفارات" الصادر في بيروت حديثا (2014م) عن بيت العلم للنابهين في 80 صفحة، على الكفارات التي ينبغي للإنسان أن يؤديها من أجل التكفير عن ذنوبه في الحياة الدنيا حتى يذهب الى قبره وربه سليم السريرة مستفرغاً للذمة من أية تبعة، وهي مسائل شرعية ومدنية معاً ينبغي للإنسان الإطلاع عليها ليس فقط من أجل معرفة الكفارات وأنواعها وأقيامها، وإنما الاطلاع على الحالات التي تستوجب الكفارة والفدية في سبيل تجنب الوقوع في مزالقها، فهناك عدد من الممارسات الخاطئة التي يستقلها المرء ويستصغرها، وهي بحاجة الى مسحها من سجلِّه وكتابه، وقد أفرد الفقيه الكرباسي 159 مسألة شرعية مع تمهيد يضع فيه النقاط على الحروف، إلى جانب مقدمة و27 تعليقة أوردها الفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري.

 

الكفارة عبادة

للكفارة وجهان يبدوان على تضاد مع بعضهما، وإذا أنعمنا النظر فيهما، نجد التداخل بينهما المؤدي الى فائدة الإنسان المذنب نفسه، والتعريف دال على ذلك، فالكفارة اسم للتكفير بمعنى الستر، ويضيف الفقيه الكرباسي: (فقولهم كفّر عن ذنوبه أي سترها بأمر ما، قد يكون بالتوبة أو بالصوم أو ما شابه ذلك)، وبتعبير المتشرعة: (مجازاة عمّا ارتكبه المكلَّف من قول أو فعل غير محبوب لدى الله جل وعلا)، وبشكل أخص: (هي مجازات وغفران عن ارتكاب ما لا ينبغي فعله أو تركه) فهي تشمل ترك ما حقه الفعل وفعل ما حقه الترك.

فالذنب من حيث هو ذنب متعلق برقبة المذنب، ولكن متعلقاته تتجاوز المذنب نفسه، فلها: (أربعة حقوق: حق الله، وحق النفس، وحق الناس، والحق العام، وأقلّ الذنوب ما تعلق بها حقّان: حق الإنسان نفسه، وحق الله)، ومثال الأول جريمة القتل ومثال الثاني ترك الصلاة، وقد يتعلق بالذنب ثلاثة حقوق ومثاله الزنى في الخفاء الذي فيه ظلم للنفس (حق النفس)، وتعد على حق الآخر (حق الناس)، وتعد على حرمات الله (حق الله) الذي لا تخفى عليه خافية، على أن حق الناس مقدم على حق الله، بل انه رهن تحقق الحق الأول، فلا يسقط حق الله حتى يُسقط المذنب حق الناس، فلو أدى الإنسان ما عليه من الحق تجاه الآخر فتح لنفسه باب التوبة والغفران، ولا تراتبية بين حق الناس والحق العام كما يؤكد الفقيه الكرباسي فأيهما نفذ انتهى منه.

ولا يخفى أن الكفارات درجات وهي تبع للذنب، فذنب كفارته الغفران وآخر حقه عتق رقبة وثالث حقه الصوم ورابع حق اطعام المساكين، وخامس الإكساء أو التصدق، وبشكل عام فإن الكفارات على ثلاث صور: مرتبة ومخيّرة والجمع، فالكفارة المرتبية هي: (الكفارة المعيّنة، فإن عجز عن القيام بها انتقل الى غيرها وهكذا) والكفارة المخيّرة: (هي الكفارة التي يُخيّر المكلّف بين عيّنات مختلفة)، وكفارة الجمع: (هي الكفارة التي يتعين على المكفِّر أن يقوم بها جمعيها)، ومدار الكفارات الثلاث هو تحرير رقبة وصيام ستين يوماً وإطعام ستين فقيراً، وقد تكون الكفّارة المعيّنة: (لا هي مخيّرة ولا مرتّبة ولا هي من الجمع بل يجب الاتيان بها حصراً).

وتقوم الكفارة على أربعة أركان: المكفِّر (الشخص الذي فعل أو ترك ما يوجب الكفارة)، ويشترط فيه: البلوغ والعقل والعقيدة والقصد والعلم. والمكفَّر عنه (الذنوب التي تستوجب مجازاة الإنسان عليها)، والتكفير (عملية التزام المكلَّف بالعمل على مقتضى الكفّارة) ويشترط فيه النية والقربة. والكفارة (المادة التي يكفّر بها المذنب) كتحرير رقبة أو الصوم أو الإطعام أو الأكساء أو الصدقة، وفي جميعها يقتضي النية والقربة، وبهذا تكون الكفارة هي العبادة بذاتها، فكما تحتاج الصلاة أو الصوم أو الحج الى نية وقربة، فإن الكفارة من لوازمها النية والقربة، ولا تتحقق بدونهما حتى وإن اعتق المكفّر الرقاب وصام وأطعم، فكما لا تقبل الصلاة من غير نية وقربة لا يسقط الحق في الكفارة من دونهما، وبتعبير المعلق الفقيه الغديري: (ففي كل واحدة من الكفّارات جهتان، جهة مادية وجهة معنوية ولكن الأساس في الجهتين هو توجه العبد الى طاعة الله وترك معصيته، والتجنّب عن كل ما فيه سخطه)، ومع تعدد فوائد الكفارة كما يضيف الشيخ الغديري، فهي: (تنتهي الى جذب العبد المذنب الى طاعة الله سبحانه وتعالى وسوقه الى ما يرضيه من الأعمال المقرّبة إليه جلّ شأنه).

 

أغراض متعددة

لا شك أن الكفارة تدخل في جزئيات سعادة الإنسان في الدارين، وإن بدا أن في الطريق عقوبة أو فدية أو غرامة، فهي تردع المذنب عن العودة الى مثل الذنب القديم وتخلق في نفسه قوة الردع الذاتي لاسيما وأن الكفارة بقدر الذنب، كلما كان كبيراً ارتفعت الفدية والغرامة، وهذا ما يجعله أكثر حذراً من الوقوع في الزلل، وحسبما يعبّر الفقيه الكرباسي: (إن حركة دفع الكفّارات- الغرامات- تولّد في المجتمع حالة من المناعة من العمل الفوضوي وتُصلح المجتمع، لأن المجتمع الصالح ذلك المجتمع الذي يدرك الأخطاء ويتفاداها).

ولعلّ من أهم أغراض الكفارة ومقاصدها هو شد لحمة المجتمع وتقوية شبكة علاقاته، وخلق مجتمع سليم قادر على تحمل مسؤولياته تجاه نفسه والمجتمعات الأخرى، لاسيما وأن الشرع الإسلامي وجّه بوصلة الكفارات باتجاه قلب المجتمع نفسه، عندما طالب المذنب بتحرير الرقبة أو اطعام الفقراء واكسائهم أو التصدق وأمثال ذلك، وبتعبير الفقيه الكرباسي انها: (تعد من الموارد الاقتصادية للدولة أو المؤسسات الاجتماعية، وهي كفيلة لتحمّل جزء كبير من العجز الاقتصادي الذي تشكله الشريحة التي تعيش تحت خط الفقر، ففي هذه الحالة نجد أن الكفارة لها تأثير اصلاحي في نفس وسلوك المذنب، ومن جهة أخرى فإن فيها إصلاحاً للحياة الاقتصادية بل والحركة الاقتصادية بشكل عام). وحيث كان سوق العبيد عامراً قبل الإسلام بسبب الحروب، فإن الكفارات هي واحدة من السبل الظريفة التي أوجدها الشرع للقضاء على سوق النخاسة.

وإذا كانت مرحلة العبيد قد أنهاها الإسلام بتشريعاته الحكيمة، فان الكفارات كذلك تدخل عاملا كبيرا للقضاء على الفقر الملازم للبشرية مادامت هناك نفوس جشعة تحتكر وتغتني على حساب الآخر، ومادامت هناك أياد ظاهرة وأخرى خفية تشعل الحروب هنا وهناك، ومادامت هناك حكومات تخلق سياساتها العامة الفجوة العميقة بين الغني والفقير، فالفقر كان ولازال آفة كل عصر ومصر، والكفارات واحدة من الأوجه السليمة لمواجهة هذا المرض الإجتماعي، وقد أولاه الشرع الاسلامي أهمية كبرى، فجعل ذبح الأنعام واطعام الفقراء جزء من الكفارة التي قرنها بالعبادة، ولذلك لا يتحقق الإطعام الا بالنية الصادقة والقربة إلى رب الفقراء.

واشترط فيه أموراً كثيرة منها: إشباع الفقير ولذلك يقول الفقيه الكرباسي: (لا يجُزي الإطعام عن الكفّارة إذا لم يُشبع بشكل عُرفي)، ولابد أن يكون عن طيب خاطر بلا منّة ولا أذى ولا سمعة ولا رياء، ولهذا: (إذا أطعم الفقراء رياءً لا يكفيه عن الكفّارة)، إلا لغرض أسمى كما يعلّق الفقيه الغديري وهو: (إذا كان إظهاره وتبليغه وإعلانه بقصد الترويج لطاعة الله وارشاد الآخرين نصيحةً وهدايةً فيكون له الأجر والثواب شرط أن يكون خالصاً لمرضاة الله). بل وعمد الشرع الى احترام الفقير من خلال دعوة المكفّر صاحب الطعام إلى الإمساك عن أخباره عن الغرض من الإطعام، إذ: (لا يجب إخبار الفقير بأنه أطعمه لأجل الكفّارة)، وبتعبير المعلق: (بل وقد يُستحب إخفاء ذلك عنهم حفظاً لحرمتهم، وقد يُحرم ذلك إذا كان يوجب الإهانة في حقِّهم)، وأن لا يكون المكفّر ضنيناً بالطعام ونوعه، ولهذا كما يشير الكرباسي: (يُستحب أن يُطعم الفقير مما يأكله وعائلته)، كما: (يجوز أن يسلّم الطعام الى المحتاج ولا حاجة إلى إطعامه)، فالغرض من الإطعام هو احترام الفقير وادخال السرور على قلبه والرفع قدر الإمكان مما هو فيه واشعاره بقوة شبكة العلاقات الاجتماعية، وهذا التراحم في واقعه يزيد من العطاء والخير من حيث يحتسب الإنسان أو لا يحتسب، ويقلل بشكل كبير من الأمراض الإجتماعية والنفسية.

إذن فالكفارة عن اقتراف الخطأ أو ترك ما ينبغي فعله، ليست مدعاة لغفران الذنوب فحسب، فأبعادها الاقتصادية والاجتماعية هي المنشودة في الشرع الإسلامي، وقد التفتت المحاكم الغربية الى هذا الأمر، فعمدت في بعض الجنح الى استبدال السجن بالغرامة المالية أو الخدمة الإجتماعية، أو كلتاهما معاً فيأمر القاضي المذنب على سبيل المثال، بالعمل لمائة ساعة أو أكثر أو أقل، في مؤسسة اجتماعية أو خيرية أو دار للمسنين أو الأيتام أو المشردين وأمثالها، أي التكفير عن الذنب بالعطاء المادي أو بالعمل الاجتماعي.

وفي اعتقادي أن المرء، من ذكر أو أنثى، عليه أن يطلع على موارد الكفارات من أجل تلافي اقتراف الذنب والخطأ، فهناك ممارسات غير سليمة تُمارس دون أن يدرك المرء خطأها، وتلزمه الكفارة لرفع تبعاتها، تبدأ من فراش الزوجية ولا تنتهي عند عتبة الدار، وكتيب "شريعة الكفارات" يشير الى موارد الكفارات، والوقوف عليها يغني المرء عن الوقوع في وحل الأخطاء والزلات.

 

إصداران جديدان للناقد د. جميل حمداوي

abdulnaby dakirخُصِّص العددان 41 و42 على التوالي من سلسلة شرفات التي تصدرها "منشورات الزمن" المغربية لكتابين هامين في نقد الرواية والقصة القصيرة:

1 ـ بلاغة الصورة السردية في القصة القصيرة...نحو مقاربة بلاغية جديدة للصورة السردية.

2 ـ بلاغة الصورة الروائية أو المشروع النقدي العربي الجديد.

بعيدا عن مقاربة النصوص السردية القصصية في ضوء الصور البلاغية التقليدية، يحاول الإصدار الأول رصد اعتماد الصورة السردية الموسعة على صور أخرى مستنبطة من داخل النصوص الفنية والجمالية. وهي صور لا تتوقف عند البعد الفني والجمالي، بل تتجاوزه إلى تخوم التصوير الموضوعي والوظيفي. ولعل هذا المنظور الجديد ـ الذي يراعي مستجدات الصورة في الحقل الثقافي الغربي تنظيرا وتطبيقا ـ هو الذي أفضى بالباحث إلى اقتراح تصنيف جديد وترتيب مخصوص للصور البلاغية في القصة القصيرة.

 

أما الإصدار الثاني المتعلق بدراسة الصورة الروائية وتحليلها، فينطلق من اعتبار الصورة الروائية معيارا لإجراء نقدي ناجع في تحليل النصوص فهما وتفسيرا وتأويلا، بغية رصد فنيات التصوير اللغوي في مجال السرد. وهذا المعيار ـ حسب الباحث ـ يدرس الصور الروائية أو القصصية أو الحكائية في إطار كلي وعام، من خلال التوقف عند مجموعة من السياقات: الذهني، الأجناسي والنوعي، النصي، اللغوي، البلاغي. وبالتالي، يستند إلى مفهومين مركزيين:

أ ـ مفهوم المكونات: وهي عناصر ثابتة في الصور الروائية أو السردية، مثل:

الموضوع، الشخصيات، الفضاء، الوصف، المنظور السردي، اللغة.

ب ـ مفهوم السمات: وهي عناصر تتسم بالحضور والغياب، كالواقعية والرومانسية والشاعرية والتعجيب والدرامية والتكثيف والامتداد والإيقاع والتصوف...

 

مقامة العطش لجابر السوداني

627-habirبالقرب من تمثال شهريار في ذلك المساء البغدادي الجميل الذي احتضن الجميع خلال مهرجان (انا عراقي انا اقرا)، افترش الارض الشاعر جابر السوادني من اجل توقيع مجموعته الشعرية مقامة العطش / شعر حر،

627-habir تقع المجموعة الشعرية مقامة العطش في 396 ضفحة من الحجم المتوسط و تضمنت المجموعة اكثر من 250 نص شعري .

وقدم المجموعة كل الاستاذ عبدالله عبد الكريم والاستاذ عبد القتاح المطلبي والاستاذة عزيزة الخزري .

 

 

المعجم الكيميائي الجامعي تأليف الدكتور مجيد محمد علي القيسي

bahjat abaasلا غرابة إن كانت المعاجم العلمية العربية قليلة أو نادرة، ولا عجب إن احتوت على مصطلحات أو كلمات يجدها القارئ عسيرة الفهم، ذلك إنّ الكلمات الأصلية أو بعضها قد يكون أسرع للفهم لتداولها ولتكرارها في الكتب الأجنبية المنتشرة والمتوفرة في المكتبات أو على الإنترنت. ثم إنّ دراسة العلوم تكون عادة باللغة الإنكليزية في الجامعات العربية، وتحديث هذه العلوم وترجمتها إلى اللغة العربية ليس أمراً سهلاً. ولكنْ في بعض الأحيان يعسر على القارئ العربي فهم كلمة علمية بلغتها الإنكليزية وقد يُدركها بسرعة عندما يعرف معناها بلغة الأم. هذه الكلمات العلمية لا توجد في المعاجم العربية الاعتيادية. لذا يكون المعجم العلمي ضرورة في هذه الحال.

ولكنّ تأليف مثل هذا المعجم العلمي يتطلّب جهداً أو جهوداً ووقتاً ليس بقصير للقيام بمهمة هذا التأليف. ومن هنا جاء الباحث والعالم الكيميائي والأديب الدكتور مجيد القيسي بمعجمه الرائع (المعجم الكيميائي الجامعي) بعد تتبّع وبذل جهد وصبر ومثابرة أخذتْ منه عشرات من السّنين، ليُصدره باللغتين الإنكليزية والعربية وليشتمل على منهجية التسميات الكيميائية الدولية والعربية وليضمَّ اثني عشر ألف مصطلح تقريباً في 685 صفحة من الورق الأبيض الصقيل ذي حجم متوسّط، ومسجّل أيضاً على سي دي لقراءة ما فيه على الحاسوب.

لا يحتوي المعجم على الكلمات الإنكليزية المترجمة وحسب، بل ثمة شرح وافٍ لمفاتيح الرموز والاشارات والكلمات المنتهية بلواحق مثل: -ase و –ite و – meter وأسماء الأمراض الناجمة عن الخلل

الأيضي والمنتهية بالرموز المصدرية مثل –emia و –ism و –sis أو الكلمات المسبوقة بــ hypo- و per- وغيرها. وأخذت كتابة الهمزة (ء) والـ (لا) النافية للجنس المستخدمة مقابل الكلمات الإنكليزية a, in, an, non والمشتقّات العربية الكثيرة مقابل نظيراتها الإنكليزية ومعانيها المتعدّدة، والرموز الكيميائية، إنكليزياً وعربياً، والكتلة والعدد الذريّ، وتراكيب المواد الكيميائية ومكوّناتها، وتسمية الأيونات والجذور، والقواعد النتروجينية، والأطوار البلّوريّة Crystalline Phaseوالحوامض على أنواعها، والأملاح البسيطة والمزدوجة والثلاثية، والتراكيب العضوية، ووحدات القياس الأساسية الدولية ورموزها وغيرها حيزاً كبيراً من الكتاب وفي الصفحات الأولى من المعجم حيث تجاوزت المائة والأربعين صفحةً، وهي دراسة متقنة مما تكون دراسة مفيدة شاملة لدارسي الكيمياء العضوية وغير العضوية والحيوية. هذه المعلومات التي تنمّ على علم غزير ومعرفة لا حدود لها في مجال البحث والتأليف في اختصاصه الذي واظب عليه الدكتور مجيد القيسي منذ الخمسينات من القرن العشرين.

ولا غرو في ذلك، فالدكتور مجيد القيسي أنهى دراسته في كلية الصيدلة والكيمياء الملكية (فرع الكيمياء) عام 1952 وحصل على شهادة الدكتوراه في الكيمياء الاشعاعية التحليلية من جامعة (كْوينزْ – بلفاست)عام 1962. ومُنح زمالة الوكالة الدولية للطاقة الذريّة في مختبرات (أوكْ رجْ ) الوطنية في الولايات المتحدة Oak Ridge National Laboratory عام 1966. عمل أستاذاً (بروفيسور) في كلية العلوم جامعة بغداد، ومن قبل عميداً لها، وكان خبيراً في المجمع العلمي العراقي عام 1978 وعضواً في لجنة الكيمياء ومناصب حيوية أخرى كثيرة لا مجال لتعدادها.

كما قام بتأليف بتأليف ونشر معاجم متخصصة في الكيمياء الجامعية، وكما لا يأخذكم العجب إذا عرفتم أنه ألف معاجم في اللغة العامية البغدادية والعراقية، فهو موسوعة حقّاً.

أمّا هذا المعجم الكيميائي الجامعي، فهو بحر عميق الغور، ولا يمكنني أنّ أخوض في غماره بغير هذا الاستعراض البسيط أو التعريف الموجز به. احتوى هذا المعجم على ألوف من الكلمات العلمية التي لا يوجد معظمها في المعاجم الإنكليزية/العربية المألوفة والمتداولة في الأسواق، لذا يكون متمّماً لها. وقد حاول الدكتور الفاضل مجيد القيسي أن يعرّب أسماء بعض الخمائر ذات التراكيب المعقدة والمتكونة من أسماء عدة، فنجح في الكثير منها. إنَّ ذكر الترجمة العربية لأسمائها بجانب الاسم الأصلي باللغة الإنجليزية، تكون فائدة للقارئ في حال تتبّعه إيّاها باللغة الإنكليزية. وكمثال على هذا، مادة Glucosylceramide التي ترجمها بـ (سيراميد سُكريل العِنَب) وبجانبها (سيراميد الكَلوكوزيل).

غير أنّ بعض المصطلحات العلمية تتعقّد عند ترجمتها العربية وقد يتعذّر على القارئ هضمها، وخير مثال ترجمة Glucose -6 – phosphate dehydrogenase (خميرة يسبب نقصانها تلف كريّات الدم الحمر ومن ثمّ فقر الدم – خلل جيني يكثر عادة في الأمريكان السّود) التي جاءت : (خميرة هِدروجين 6 – فُسفات سُكرِ العِنَب النازعة)، فهي تُزيح ذرّة هيدروجين. ففي رأيي، لو كُتبتْ في العربية كما هي في الانكليزية (خميرة كلوكوز -6-فوسفات ديهايدروجينيس) لهضمها القارئ أكثر حيث يستطيع تـتـبُّـعَها من لغتها الإنكليزية. الواقع إنّ كثيراً من أمثال هذه الأسماء من الخمائر و المركبات الكيميائية تُكتب في اللغات الأجنبية كالألمانية والفرنسية والأسبانية وغيرها بأسمائها الأصليّة أو ما يقرب منها حسب طبيعة اللغة . على أنّ هذا لا يؤثّر على قيمة المعجم فنيّاً وعلميّا. وأجمل ما في هذا المعجم أنّ فيه معانيَ عدّةّ للكلمة العلمية المُترجَمة، وللقارئ اختيار ما يراه ملائماً.

ألف شكراً للصديق العالم الباحث الدكتور مجيد القيسي على رفده الثقافة العربية والمكتبة العربية بهذا المعجم النفيس وعلى إهدائه أيّاي نسخة منه سأعتزّ بها دوماً.

 

المعجم الكيميائي الجامعي (إنكليزي – عربي) – المؤلف الدكتور مجيد محمد علي القيسي

دار الكتاب الجامعي –العين – الإمارات العربية - الطبعة الأولى – 2015.

عدد الصفحات 685 – متوسط.

 

كتاب للقراءة .. أطروحة صائب خليل عن السياسة الأمريكية

saleh alrazukفي مقالتي السابقة (نحن وأمريكا - المثقف وجريدة العالم ، ١٩- ١٠ - ٢٠١٤) عن كتاب الأستاذ صائب خليل (الجهود الأمريكية لتفتيت الدولة العراقية) تكلمت عن رؤيته الكئيبة لأمريكا. ولكنه قدم لنا المعطيات والحقائق على طبق من ذهب. وكان بكل كلمة يعبر عن رأي الإنسان بمعناه المطلق، ليس العربي فقط، أي إنسان يمقت الدمار وغبار الحروب المفتعلة. وفي نفس الوقت كان الكتاب لا يخلو من الظلال الخفيفة التي تدين التكنوقراط (المتوافقين مع إسقاط صدام بيد أمريكية وليس بإنضاج الداخل كحال الباحث عبدالخالق حسين ولطيف الوكيل - ص ٣١٨).

و لو استشرنا ذاكرة الشاعر يحيى السماوي لتكلم عن الحركات التي أجهضها صدام لأن أمريكا ورطتها قبل الأوان بما لا طاقة لها به.

و هذه فكرة معروفة، أن تكون ثائرا قبل الأوان (و التعبير للمرحوم فائق المحمد رئيس تحرير العروبة، الجريدة المحلية لمدينة حمص وريفها، ومؤلف كتاب دراسات في الرواية الصادر عن جامعة الدول العربية). لقد دفع الرجل حياته ليس ثمنا لأفكاره فقط ولكن لوضعه الوجودي الطائفي، فهو من ريف حمص، ومن عائلة علوية كريمة.

و في الواقع لم ينتبه القاتل إلى أن فائق المحمد هو صوت من أصوات إصلاح العمل بالنظام، لقد كان ثوريا مثل قاتله. وإن اختلف معه بالتفاصيل. ولا أستغرب لو استمر على قيد الحياة أن يكون خلف القضبان لجرأته ولتبنيه الأفكار الليبرالية.

طبعا ضمن الحدود التي يفرضها صوت العقل والمنطق في تلك الفترة.

***

إنه من الأفكار الثابتة في الكتاب أن أمريكا هي وراء صعود البعث للسلطة (الفصل الرابع /ص 267 وما بعدها). وأعتقد أن هذه تهمة جائرة. فكل موبقات البعث في العراق وغيره لا يمكن أن تجر أمريكيا واحدا للتعاطف مع حزب إيديولوجي.

و لا يوجد في أمريكا كلها داعم واحد للخطاب القومي والإثني الذي شيد صدام مملكته عليه. لقد دارت الأيام وها هي الشعارات العروبية تتحول لمفتاح ذهبي بيد الإسلاميين. وبالأخص الميليشيات الإسلامية المسلحة. وقبل ذلك بيد اليمين البارد أو المحافظين. ممن لا يعرفون شيئا عن الزهور والورود ولكنهم يبشرون بـ " الربيع العربي".

و لكن من الوارد أن الجهات التي استفادت من نظام صدام لأكثر من ثلاثة عقود، لا تزال ممنونة له. وقد لا تكون الاستفادة عينية أو مباشرة، وإنما تدخل في باب التهيئة وتمهيد الطريق. فقد لعب صدام دورا استراتيجيا في ضرب الثورة الإيرانية. وإعاقة كل من يرفع رأسه مع المد الروسي (لن أخطئ وأقول السوفييتي، فهي إيديولوجيا المائة عام وليست حقيقة الدورة التاريخية والوطنية الثابتة).

وفاز صدام بالنتيجة بلقب بروليتاري مضحك وهو حارس البوابة الشرقية. ولا أعلم من أين واتاه هذا التواضع الجم وقبل هذا العمل، الذي يذكرني بلقب شبيه وبروليتاري أيضا حمله عدو البروليتاريا: خادم الحرمين الشريفين.

إن الخيوط الأمريكية التي قدمت للبعثيين الدعم بعد إسقاط صدام هي أوهى من بيت العنكبوت. وهي أقل شأنا من دبيب النملة في الربيع تحت الشمس.

و لو تحرينا الدقة إنها عاطفة مبيتة لمن كان يلعب بالخفاء ضد صدام. على أن يكون السيناريو انقلاب قصر وليس تحويلا شاملا وعميقا بهذا التوسيع (انظر مقالات مشعان الجبوري في جريدته الاتجاه الآخر).

و لا يدانيني الشك أن هؤلاء المعتدلين هم غير الصقور في أمريكا. ويرغبون بحماية خلاياهم النائمة التي وقعت كل الأوراق من بين يديها. ويدعم رأيي أن أمريكا ليست رجلا واحدا ولكنها قلب واحد.

بمعنى أن أدوات وأساليب الوصول لتحقيق المطامع والأهداف العليا تختلف، من التهدئة والحوار إلى دق طبول الحرب.

و يمكن أن تقرأ التفاصيل في كتاب (حرب آل بوش السرية). وفيه نظريات مدعومة بالأرقام والرسائل والبرقيات عن دورة رأس المال في شركات بوش الابن والأب بالتزامن مع العواصف التي تهب على منطقة الخليج (الكويت والعراق وإيران).

إنما أرى أن الكاتب لم يجانب الصواب حين أدان التفريط بالقرار السيادي والاحتكام للأمريكان (انظر: لذة الحلول المسمومة ، ص ٢١٥). لقد كانت الحكومات المبكرة بعد سقوط النظام في ٢٠٠٣ تشبه تركيبة حكومة فيشي في فرنسا. وهذا إن لم يؤلب المقاومة الشعبية ضدها (للأسف كانت ذات طابع طائفي وجهادي) فقد أوجدت بؤر توتر وضغائن ضمن الطاقم السياسي.

إن دهاليز السياسة لا يمكن قراءتها بمنطق أسود وأبيض. وهناك تدرجات في مدلول المصطلحات من الخطأ إلى الذنب إلى الحماقة وحتى العمالة....

و يكفي أن نشير هنا للتجاذبات التي حملت علاوي على بساط الريح إلى سوريا ثم حولته لرمز من الرموز المعادية لها.

و هذا لا يختلف بشيء عن حرب سوريا ضد ميشيل عون في لبنان ثم عودته إلى أحضانها من خلال حزب الله.

نقطة أخيرة، البعث بذاته كتلة غير متجانسة مع جيش عرمرم من المنتفعين والدجالين. فهو مجموعة تيارات وأحزاب في إطار حزب للدولة. ونعلم أنه أصلا يتألف من جماعة حزب البعث العربي وجماعة الحزب العربي الاشتراكي ومن خلف ستار عصبة العمل التي دخلت في اللعبة بعد عام ١٩٧٠. وإذا كانت الظروف تستدعي التعاضد في الستينات وما بعدها فقد أملت نفس الظروف العودة لنقطة الصفر بعد عام ٢٠٠٠.

ويمكن أن أقرأ عودة البعث للحياة السياسية (و ليس للسلطة) بنفس الإطار الذي دمج الحزب الشيوعي بقيادة زيغانوف في جسم الدولة الروسية الناشئة. ولكنها عملية تبديل جينات ستستغرق أمدا طويلا، حتى يعمل الفلتر في تنقية السياسة من تسلط العسكر. وطبعا هذا غير وارد في ظروف الطوارئ الحالية.

إن التمايز في الحياة السياسية والانقلاب على البدايات بـ ١٨٠ درجة ثم إعادة الارتباط ليس شيئا غريبا على منطقة غير واضحة المعالم. حتى الحدود وأسماء البلاد تتغير أو ترسمها قوى خارجية (بمعنى أنه ليس تبديل أسماء فقط - صص٣٠٩). ففائز إسماعيل رئيس الاتحاد الاشتراكي في سوريا كان بعثيا (اقرأ كتابه البدايات وكله تبشير بالبعث قبل وصوله للحكم). وحزب الإرادة الشعبية حاليا بقيادة قدري جميل (الروسي بصور سورية) هو دائرة من الشيوعي السوري. وتشكل بعد أزمة بين الصف الأول وعائلة خالد بكداش (اقرأ ذكريات سحبان السواح - موقع ألف الإلكتروني).

و مسألة التناقض بسبب نمو وتفاعل في الداخل حصل في مؤسسات لا نشك بديمقراطيتها مثل حزب العمال البريطاني الذي تفرعت منه كتلة social worker ولاحقا كتلة social democrats.

***

و إن مثل هذا النمو غير المقنن في الحياة السياسية انعكس على الديمقراطية المولودة حديثا. لقد كان صائب خليل محقا فيما يقوله: أنها ديمقراطية مشلولة وقبيحة (ص ٢٨١)، كما هي الحكومة عسكر بثياب مدنية. ومع بعض التحفظ أمريكان بأقنعة عربية. إنها إن صحت العبارة حكومة معربة.

و يكفي مبدأ الرئاسات الثلاثة. فهو توزيع لا يعبر عن الحراك السياسي بقدر ما يحمل مدلولا اجتماعيا له خلفيات مذهبية. وهذا لا يختلف بشيء عن ميثاق ١٩٤٣ اللبناني الذي وزع الكراسي بالتوافق وليس بمقتضى الدستور.

و بظني إن هذه الديمقراطية المشروطة هي التي تتسبب بفراغ دستوري وحكومي.

متى كان للديمقراطية نسب ومحاصصات. إنها نصف أو ربع ديمقراطية تقيدها شروط غامضة لا يمكن فهمها سياسيا. فتوزيع الكراسي لا ينص عليه الدستور. وهو كذلك توزيع أعرج. لا يغطي القوميات ولكنه يحسب حساب المذاهب والطوائف. وكأننا أمام إعادة اعتبار لعصر الانحطاط الذي سميناه بعصر ملوك الطوائف. إنها ديمقراطية ذهنية تقف على رأسها بتعبير ماركس. فالسياسة هي أسلوب في الحكم وليست قيمة روحية.

***

و لكن، كلا. أنا مائة بالمائة أوافق صائب خليل فيما ذهب إليه (في عدة مواضع، المقدمة، ثم ص ١٩٥ وما بعد) أننا أمة كلام لا نعرف ماذا نفعل. لسان طويل ويد قصيرة ومشلولة. وهي معادلة تغمرني بالخزي والعار.

من أعتى مظاهر التخلف والتأخر في الحضارة اللسان السليط الذي لا يعبر عن واقع الحال. ولا تتوقف سياسة الحرب الكلامية (التي تشبه بكاء الأطفال بعد تلقي لطمات من الكبار) على البعثيين. فالتبجح وما يسميه الأنغلو ساكسون big mouth ظاهرة تراها عند كل العرب. وخلال النكسة عام ١٩٦٧ كان الغوغاء في الشارع يهتفون بإسقاط إسرائيل في البحر بينما جنودنا وطائراتنا تلتهب بالنار عيانا جهارا.

إن تزييف الواقع صفة تخلف ذات وليس تخلف موضوع.

بمعنى أن الادعاء بما هو غير موجود لا يعالج المشكلة ولا يردم الهوة. بالعكس يوسع من الفجوة بين ما نراه وما نسمعه إلى أن تنعدم الثقة بالنفس تماما.

و لو شئت العودة للتفاصيل تجدها في كتاب صادق جلال العظم (النقد الذاتي بعد الهزيمة) وفي كتابات علي زيعور عن التحليل النفسي للشخصية العربية.

إنها شخصية مطبوعة على النشاط البلاغي والشعري. والتفاخر إحدى سماتها. من منا ينسى قول عمرو بن كلثوم في معلقته:

إذا بلغ الفطام لنا رضيع

تخر له الجبابر ساجدينا

في الوقت الذي كنا فيه تحت أمرة الروم أو ملك الحيرة الفارسي.

إنه تفاخر فارغ بلا رصيد ويعبر عن فراغ نفسي وعن حماقة. فهذه الماشيزمو إن صحت التسمية خاصة بالنزاعات البينية (بين القبائل - الخصومات على الكلأ والماء والأرض) ولا علاقة لها بالدولة أو بنية المجتمع. يعني أنها ليست تفسيرا لشرط الحرية المفقودة ولكنها تشبه شتائم وسباب فتوات الحارات.

هذه العنتريات (التبجح) ليست وقفا على أنذال (!!؟؟) البعث. وعلى جلادي الكلمة. ولكنها تنسحب على كل أنظمتنا " الديمو - بيروقراطية)، التي تقرأ معنى الحرية بشكل معكوس. وتحول مبدأ: تنتهي حريتك حينما تبدأ حرية الآخرين، إلى المقولة التالية: تنتهي حريتك في اللحظة التي تكون بحاجة لها.

لقد تحولت هزيمة حزيران النكراء في مصر إلى دراما. وفي بقية الممالك والإمارات إلى التباكي على فلسطين والاتجار بها في سوق النخاسة الشرق أوسطية.

و حتى الآن لا أفهم كيف أن التناحر الطائفي والمذهبي نقرأه كأسلوب لتحرير الأرض. أو لإطلاق سراح طاقات الإنسان المكبوتة.

***

لا أريد أن يفهم القارئ أنني ضد الكتاب جملة وتفصيلا. فهو مكتوب بلغة رشيقة وحكائية. ولكن حاولت أن أقلل من أهمية أمريكا وإسرائيل والمخابرات في صناعة مصير الشعوب. إن التآمر موجود وحياكة الدسائس شيء لا مناص منه. وما دام هناك طمع ونهم وأنانية فالتكالب على الثروات (التي تتناقص مع زيادة الاستهلاك والنمو الصناعي) سوف يوغل بعدوانيته وضرره.

و لكن كما تعلمنا في مبادئ الميكانيكا لا شيء يزول ولا شيء يفنى ولكنه يتحول. وإذا كان لدى أميركا مخابرات (سي آي إي) يوجد لدى روسيا مخابرات (كي جي بي)، ومثلها الصين . ولا أنسى هنا الباسيج الإيراني. كلها تلعب على المكشوف في منطقة مشتعلة. ولو أن أمريكا هي من يمسك بزمام التاريخ لوحدها لما دار هذا الصراع الدامي على مصادر الثروات. ولما كان هناك موضوع عن دور أمريكي أصلا. وحبذا لو يوسع الكاتب موضوعه لاحقا ليشمل الدور الصيني والروسي. هكذا يمكن أن نفهم الأبعاد الحقيقية للسياسة الأمريكية في العراق.

هل هي لخلق سلم تصعد به إلى روسيا. أم لخلق منطقة عازلة بين إيران وإسرائيل؟؟!!...

وشكرا.

للاطلاع

نحن وأمريكا .. قراءة في كتاب لصائب خليل / د. صالح الرزوق

قراءة نقدية في كتاب "الحزب الشيوعي العراقي في عهد البكر (1968- 1979)" للدكتور سيف عدنان القيسي (2)

jasim alhalwaniكانت سياسة البعث، قبل قيام الجبهة وبعدها، قائمة على إبقاء (ح. ش. ع) في دائرة محددة والسعي إلى إعادته إلى هذه الدائرة بالقوة ولو بالحديد والنار. وقد رسم طه الجزراوي بيده دائرة على ورقة ليوضح مقصدهم للرفيقين عامر عبد الله ورحيم عجينة وذلك في وقت مبكر، وتحديداً عقب الهجوم على عمال الزيوت النباتية والتجمع الجماهيري في ساحة السباع في بغداد في تشرين الثاني 1968، كما يشير إلى ذلك رحيم عجينة في مذكراته (الخيار المتجدد، ص97). أما بعد ما يقارب عشر سنوات من التاريخ المذكور، فقد تحوّلت تلك السياسة إلى نهج يستهدف التخلص من (ح.ش.ع)، أما بإخراجه من الساحة كلياً أو تحويله إلى حزب كارتوني لا حول له ولا قوة ، ينفذ ما تطلبه منه سلطة البعث إرضاءً للرجعية العربية، وخاصة العربية السعودية وإرضاءً للغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

فقد صرّح صدام حسين، كما يشير إلى ذلك رحيم عجينة في مذكراته المذكورة (ص134) عن الوجهة السياسية الجديدة لحزب البعث في أحد اجتماعات اللجنة العليا للجبهة آنذاك بقوله : "إن تحالفهم مع الحزب الشيوعي العراقي لا يشكل قوة لهم وإنما يشكل عبئاً عليهم، فدول المنطقة والدول الغربية غير مرتاحة من هذا التحالف". فلا غرو من أن يحمل عزة الدوري معه 500 نسخة من صحيفة "الراصد"، أخذها من المطبعة بنفسه، عند سفره إلى السعودية ليقدمها عربوناً للحلفاء الجدد. وقد وصلت إلى الحزب الشيوعي في حينها رسالة تتضمن الخبر المذكور من عامل يعمل في المطبعة التي طبعت الصحيفة المذكورة وقرأها كاتب هذه السطور.

كان على اللجنة المركزية أن تدرس تدهور الأوضاع وقد قامت بذلك، ولو أن الدراسة جاءت متأخرة لبعض الوقت، ففي اجتماعها الكامل المنعقد في آذار 1978، وضعت اللجنة المركزية النقاط على الحروف في أهم القضايا الملتهبة، واقترحـت المعالجات الضرورية بما في ذلك المطالبة بإنهاء فترة الانتقال وإجراء انتخابات لجمعية تأسيسية تضع دستوراً دائماً للبلاد. وكان كل ما طالبت به اللجنة المركزية وارداً في ميثاق الجبهة الوطنية والقومية التقدمية.

كان رد فعل حزب البعث على تقرير اللجنة المركزية عنيفاً، بالرغم من أن معالجاته كانت في إطار الحرص على ديمومة الجبهة الوطنية والقومية التقدمية. وجنّد حزب البعث صحيفة "الراصد" للتهجم على التقرير سياسياً وفكرياً. وظل البعث يطالب الحزب الشيوعي بسحب التقرير والتراجع عنه. إلا أن طلب حزب البعث قوبل بالرفض من قبل قيادة الحزب الشيوعي.

ولم يكتف البعث بالهجوم السياسي والفكري على الحزب الشيوعي وملاحقة أعضائه بل وأردف ذلك بعمل استفزازي وإجرامي خطير وذلك باعتقال وإعدام 31 شاباً من رفاق وأصدقاء الحزب العسكريين والعاملين في القوات المسلحة بتهمة التآمر على نظام الحكم. وهذه التهمة ملفقة فهناك شروط ومستلزمات للانقلابات العسكرية يعرفها البعثيون جيداً. ولم يكن لهؤلاء الشباب أي نشاط سياسي في الجيش وكانت علاقات الشيوعيين منهم فردية بتنظيماتهم المدنية. وهذه الصيغة لوضع الشيوعيين في الجيش كانت باتفاق الحزبين، الشيوعي والبعث، ويمكن اعتبار الإعدامات "القشة" التي قصمت ظهر تحالف حزب البعث و(ح.ش.ع). وأدى إلى نهاية الجبهة، "لينفرد حزب البعث بإدارة البلاد والعباد بعد أن استطاع أن يتبع شتى الأساليب من قتل وتشريد وإبعاد وسجن وتعذيب...الخ" كما ورد في نفس مقدمة الدكتور أسامة عبد الرحمن الدوري بالذات.

ويؤكد كل ما مر بنا، خلال الفترة من سيطرة حزب البعث على السلطة ثانية عام 1968 حتى انهيار الجبهة في عام 1979، بأن الحزب الشيوعي العراقي، الذي لم يمس شعرة واحدة من أي بعثي، والذي دعم كل إجراء لصالح الشعب وصالح حركة التحرر الوطني العربية وكذلك الحركة القومية الكردية، ولم يستخدم أية وسيلة عنفية لفرض آرائه، كان الضحية وحزب البعث كان الجلاد. وإن رأي الدكتور الدوري "وكلاهما يريد أن يفرض إرادته الفكرية والسياسية" هو تجني صريح على الحقيقة والواقع، ودليل على فشل منهجية كسب احترام الجميع، أو بعبارة أخرى منهجية مساواة الضحية بالجلاد،

أما تبعات هذه المنهجية الخاطئة وخطورتها فسأتناولها من زاويتين. الأولى خطورتها على الوضع السياسي الراهن في العراق، والثانية تأثيرها السلبي على أطروحة سيف القيسي.

يذكر الدكتور الدوري في مقدمته للكتاب ما يلي" وللأسف الشديد إن القوى السياسية الجديدة في العراق التي اعتلت صهوة الحكم في العراق بعد عام 2003، والتي تحمل شعارات الديمقراطية والحرية، ظلت مرة أخرى تتناحر حتى وقتنا الحاضر وظلت دماء العراقيين تسيل بغزارة وظل الخوف بين مكونات الشعب العراقي هو العامل المسيطر، وكأن هذه القوى التي عانت لعشرات السنين لم تستفد من تجارب الماضي القريب، ولهذا سيبقى العراق ضعيفاً يئن من جراحات تمزقه وتناحره ولا يستطيع اللحاق بركب الحضارة الإنسانية، على الرغم من كل إمكانياته البشرية والمادية الكبيرة، ما دامت القوى السياسية تؤمن بقيم الثأر والانتقام والعداوات وعدم الثقة".

في إطار مسعى الدكتور أسامة الدوري لكسب احترام الجميع، فأنه يخلط الأوراق في الفقرة المشار إليها أعلاه، فهو يخلط بين الصراعات التناحرية العنيفة التي لا يمكن أن تنتهي إلا بانتصار أحد طرفي الصراع، وبين الاختلافات والصراعات السياسية بين القوى السياسية المساهمة في العملية السياسية والتي يسميها الدكتور " القوى السياسية الجديدة في العراق التي اعتلت صهوة الحكم في العراق بعد عام 2003، والتي تحمل شعارات الديمقراطية والحرية"

هناك صراع دموي أحد أطرافه المنظمات الإجرامية، القاعدة وفلول البعثيين، أسلاف الداعشيين، من جهة، وكل مكونات الشعب العراقي من الجهة الأخرى. فقد شرع الإرهابيون بإجرامهم منذ آب 2003 عندما فجروا سيارة مفخخة قرب السفارة الأردنية في بغداد، مما أدى إلى مقتل نحو 11 شخصاً على الأقل. ثم تفجير سيارة مفخخة بالقرب من مقر الأمم المتحدة في بغداد، مما أدى إلى مقتل 22 شخصاً أكثرهم أجانب، من بينهم المبعوث الدولي الخاص للأمم المتحدة البرازيلي سيرجي دي ميللو. وكلا التفجيرين لم تكن لهما علاقة ﺒ"القوى السياسية الجديدة". وتبع ذلك عشرات الآلاف من تفجيرات السيارات المفخخة والعبوات الناسفة والاغتيالات والسطو المسلح وخطف الناس للحصول على الفدية وغيرها من الاعتداءات المسلحة والتجاوزات على حرية الناس وأموالهم وأعراضهم ومقدساتهم. وراح ضحية الأعمال الإرهابية مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء من جميع مكونات الشعب العراقي بدون أدنى استثناء، بينهم الكثير من النساء والأطفال.

وجرياً على منهج كسب احترام الجميع لم يشر الدكتور الدوري في مقدمته المؤرخة في شباط 2014، لا من قريب ولا من بعيد، إلى منظمة القاعدة ونشاطاتها الإرهابية، فهو لم يسمها لكي يخلطها بصراعات "القوى السياسية الجديدة في العراق التي اعتلت صهوة الحكم في العراق بعد عام 2003"؟! وهذه أخطر نتيجة لمنهجية كسب احترام الجميع. فالصراع هنا صراع مصيري، فأما انتصار قوى الإرهاب وأما انتصار الشعب العراقي بكل مكوناته. ولا يجوز خلط هذا الصراع بصراعات " القوى السياسية الجديدة" بصرف النظر عن أخطائها في إدارة الصراع رغم أهميتها، وهي تتعلق بفشل قيادة الحكومة قي إدارة الصراع مع الإرهابيين بشكل صحيح، وتحملها قسطاً وافراً من مسؤولية تكاثر حواضن الإرهابيين وإخفاقها في حل مشاكلها بتلبية مطالب سكانها المشروعة. وعدم مكافحة النزعات الطائفية، بل وتشجيع غلوائها عملياً. وفشلت الحكومة في معالجة استشراء الفساد المالي والإداري وغيرها من المظاهر السلبية والإخفاقات التي كانت ولا تزال تصب لصالح الإرهابيين. مع ذلك ينبغي عدم الخلط بين شكلين من الصراع مختلفين نوعياً، الأول رئيسي والآخر ثانوي، ومن المفروض أن يخضع الثاني لمصلحة حل الأول بنجاح. والمشهد السياسي الراهن يؤكد ذلك. فعندما استفحل خطر الإرهابيين وأصبح يهدد الجميع لاحظنا انحسار الصراعات بين قوى العملية السياسية وميلها إلى الالتقاء، بهذا الشكل أو ذاك، في خندق واحد.

فالصراعات والخلافات بين "القوى السياسية الجديدة في العراق التي اعتلت صهوة الحكم في العراق بعد عام 2003" هي ليست تناحريه، و نابعة بالأساس من مصالح اجتماعية واقتصادية متباينة، ولا يغّير من طبيعتها غير التناحرية كونها مشوبة بنزعات الثأر والانتقام والطائفية والشوفينية بجانب ضيق الأفق القومي، ولا باحتدامها وشدتها وخروجها عن المألوف أحياناً. ولا يمكن التخلص من هذه الصراعات بالمواعظ، ولكن من المكن ومن الضروري تنظيمها وتجنب احتدامها واشتدادها. ولم تجد البشرية لحد الآن من وسيلة لإدارة هذه الصراعات وتجنب انفجارها أفضل من النظام الديمقراطي المؤسساتي. فاختلافات هذه القوى يجب أن تحل وفق الدستور، رغم نواقصه الجدية، وداخل مجلس النواب أما بالتوافق أو بالأغلبية.

ورغم أن الديمقراطية في العراق لا تزال تحبو وتعاني من المحاصصة الطائفية والفساد الإداري والمالي والتدخل الخارجي، ومن عدم قناعة بعض القوى التي بيدها دفة الحكم بالديمقراطية، بل ترى فيها مجرد وسيلة للوصول إلى الحكم، فإنها تمكنت من تجاوز أزمات الحكم نسبياً وخاصة الأزمة الأخيرة، عندما تشبث رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بالكرسي. فقد تمكن مجلس النواب إجراء تداول في هرم السلطة، أدى إلى فتح بعض الآفاق الواعدة بالتغيير الايجابي. وعلى القوى الحريصة فعلاً على تجنيب "القوى السياسية الجديدة" من الاصطدام والاحتراب والحريصة أيضاً على إقامة نظام ديمقراطي، شحذ الهمم والكفاح من أجل إحراز النصر في الصراع التناحري، الانتصار على الداعشيين أحفاد القاعدة وفلول البعث من جهة، والسعي لتغيير توازن القوى ووجهة العملية السياسية سلمياً، بما يضمن إقامة نظام وطني ديمقراطي مزدهر، من الجهة الأخرى، بدلًا من نشر اليأس والقنوط وفقدان الأمل، الذي يشيعه الدكتور الدوري بعد خلطه للأوراق، عندما يشير في مقدمته إلى القول: "ولهذا سيبقى العراق ضعيفاً يئن من جراحات تمزقه وتناحره ولا يستطيع اللحاق بركب الحضارة الإنسانية، على الرغم من كل إمكانياته البشرية والمادية الكبيرة، ما دامت القوى السياسية تؤمن بقيم الثأر والانتقام والعداوات وعدم الثقة"

لقد لاحظنا خطورة منهج كسب احترام الجميع على الوضع السياسي الراهن وسنشير إلى تأثيره على كتاب سيف القيسي من خلال قراءته.

20 تشرين الأول 2014

قراءة نقدية في كتاب "الحزب الشيوعي العراقي في عهد البكر (1968- 1979)". للدكتور سيف عدنان القيسي (1)

jasim alhalwaniصدر الكتاب عن دار الحكمة- لندن-2014، وهو بالأصل أطروحة أكاديمية نال عليها القيسي شهادة الدكتوراه في فلسفة التاريخ من كلية الآداب - جامعة بغداد، وبإشراف الأستاذ الدكتور أسامة عبد الرحمن الدوري. وتعتبر هذه الأطروحة مكملة لأطروحته السابقة لنيل شهادة الماجستير والمعنونة " الحزب الشيوعي العراقي 1948-1958" والتي صدرت في كتاب عن دار الحصاد - دمشق في عام 2012 بعنوان : "الحزب الشيوعي العراقي من إعدام فهد إلى ثورة 14 تموز".

لقد تناول الكثير من الباحثين تاريخ الحزب الشيوعي العراقي (ح. ش. ع). فقد كتب في هذا الموضوع أنصاره وخصومه وأعداؤه وكتاب آخرون محايدون. وألقت مذكرات وذكريات بعض قادته الضوء على مراحل مختلفة من تاريخه. ويعد كتاب الأستاذ عزيز سباهي "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي"(ثلاثة أجزاء)، الذي كتبه بتشجيع ودعم من قبل قيادة الحزب، أشمل دراسة لتاريخ الحزب . فهذا المؤلف يغطي تاريخ الحزب منذ تأسيسه في عام 1934 حتى نهاية القرن الماضي. ويعد هذا الكتاب والكتاب المكمل له "محطات مهمة في تاريخ (ح.ش.ع)- قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي الصادر في عام 2009 لكاتب هذه السطور، هما الأقرب لوجهة نظر الحزب وهو الذي قام بطبعهما وتوزيعهما.

وتواصلت الكتابات عن تاريخ الحزب، وقد اتسعت بعد سقوط النظام الدكتاتوري، حيث توفرت الفرصة للطلبة في الجامعات العراقية بتقديم البحوث التي تخص الأحزاب السياسية العراقية والمنظمات الديمقراطية ورموزها القيادية والبارزة، وبالأخص تلك التنظيمات ذات المنحى اليساري. وكان للحزب الشيوعي العراقي حظ وافر منها. فلدينا، بحدود معرفتي، بحوث حول د. نزيهة الدليمي وسلام عادل وعامر عبد الله وكذلك أطروحة مؤيد شاكر الطائي الموسومة "الحزب الشيوعي العراقي 1935-1949" ورسالة مناف الخزاعي الموسومة " الحزب الشيوعي العراقي 1959-1963" كذلك رسالة بديع السعدي المعنونة: "الحزب الشيوعي العراقي 1963-1968". وأخيراً، وليس آخراً، رسالة ذكرى عادل عبد القادر بعنوان: " رابطة المرأة العراقية ودورها في الحركة النسوية العراقية 1952-1975". والتي دافعت عنها في يوم 12. تشرين الأول 2014. ونالت عنها شهادة الماجستير بامتياز.

فلا غرو في هذه الكثرة من البحوث وهي ليست أمراً عرضياً، ﻓ (ح.ش.ع) هو أقدم حزب سياسي عراقي ما يزال ينشط حتى الآن. وناضل هذا الحزب ويواصل النضال من أجل حرية العراق وسعادة شعبه ومن أجل الديمقراطية طيلة ثمانية عقود من تاريخ العراق المعاصر. وترك الحزب بصماته، المتفاوتة في القوة والتمييز، على كل الأحداث المهمة التي شهدها العراق خلال المدة المذكورة، حيث كانت مشاركته فيها جدية ومخلصة. فقد ساهم الحزب بفعالية في نضالات شعبنا وكادحيه وخاصة العمال والفلاحين وفي انتفاضات شعبنا قبل ثورة 14 تموز 1958 الوطنية الديمقراطية، وكانت مساهمته بارزة في التهيئة لهذه الثورة ونجاحها وتحقيق إنجازاتها.كما لم تكن الانجازات التي تحققت في سبعينيات القرن الماضي بمعزل عن نشاطه. وقدم الحزب تضحيات جسيمة على هذا الطريق.

وإلى جانب النجاحات الكبيرة عبر مسيرته، فقد كانت للحزب كبواته التي يعترف بها، وقد اعتاد على تقييم سياساته بين مرحلة وأخرى ولم يبخل بالنقد الذاتي لأخطائه والذي وُصف أحياناً، من قبل بعض المراقبين، بالجلد الذاتي. وقد مارس الحزب عملية إعادة النظر ببعض المنطلقات النظرية التي بدت خاطئة ولم تصمد أمام التجربة التاريخية. واستطاع الحزب من تجديد نفسه في مؤتمره الخامس (مؤتمر الديمقراطية والتجديد- 1993). وعلى الرغم من الأخطاء التي ارتكبها، فقد لعب الحزب الدور الطليعي في توعية وتنظيم العمال والفلاحين وأوساط واسعة من المثقفين حول المطالب الاجتماعية الكبرى في الحقل الاجتماعي وناضل من أجل تحقيقها. ودعم طموح الأكراد في نيل حقوقهم المشروعة، ودافع عن مصالح الأقليات القومية واحترام حق كل المكونات الدينية في ممارسة حقوقها وشعائرها. ورفض الحزب بثبات التمييز الطائفي والعنصري ودافع عن النظرة العلمية والتقدمية في شتى الميادين وعن حقوق المرأة وإعلاء دورها في المجتمع. ولم يبخل الحزب خلال تاريخه بالتضامن مع نضال الشعوب العربية وكل شعوب العالم من أجل الحرية والديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية. وقام الحزب بكل ذلك منذ اليوم الأول لتأسيسه، ولم ينحرف عن تأدية مهامه النبيلة تلك طوال مسيرته إطلاقاً. وهذا ما يُفسر لنا، استمرارية الحزب ونهوضه وظهوره على المسرح السياسي مجدداً، رغم كل كبواته ورغم تعرضه للقمع الوحشي مراراً ولفترات طويلة جداً من حياته وبشكل لم يتعرض له أي حزب سياسي عراقي، وهذا ما يفسر لنا أيضاً إقبال الشبيبة على الانغمار في دراسة تاريخه.

لقد قام د.عقيل الناصري بتقديم عرضً للكتاب في مقاله المنشور في موقع الحوار المتمدن (رابط المقال مرفق)، مع مقدمة موجزة وجميلة عن تاريخ (ح.ش.ع). لقد أشار الناصري في نهاية عرضه إلى اعتقاده ﺒ"أن الكتاب سيثير العديد من التحفظات سواءً على منهجيته الأكاديمية الصارمة.. أو على تحليل الأبعاد الخلفية لقرارات (ح.ش.ع).. والتي تعكس ماهية التبدلات في سياسة الحزب المتأثرة بالظروف الذاتية داخل الحزب والموضوعية المتعلقة بموقف السلطات منه".

وفعلا، فقد أثار الكتاب لدي ملاحظة جدية ومهمة تتعلق بالأساس بمنهجية البحث، وليس لصرامتها، التي سنعود إليها، بل لخطلها، حسب قراءتي. ومنهجية البحث يتحمل مسؤوليتها بالدرجة الرئيسية المشرف على البحث. لذلك سأتوقف عندها أولاً.

لم يوجه الدكتور أسامة الدوري الطالب سيف القيسي الوجهة الصحيحة في البحث فهو بدلاً من توصيته الالتزام بالموضوعية وذلك بالتحري عن الحقيقة وتثبيتها بعد توثيقها، بصرف النظر عمن يحترمها أو لا يحترمها، فانه يوصيه بأن يكون مضمون كتابه محترماً من الجميع! فماذا ستكون نتيجة هذه المنهجية عندما يكون هناك طرفان في الصراع أحدهما ضحية والآخر جلاد؟ فكيف يمكن كسب احترام الجلاد؟ لا يمكن كسب احترامه إلا بالتستر على جرائمه أو بالتخفيف منها وإلصاق تهم زائفة بالضحية. ونتيجة ذلك ستكون عدم احترام الضحية للمنجز وبالكاد كسب احترام بعض أعوان الجلاد السابقين. والنتيجة المضّرة في هذه المنهجية،هي تشويه الحقيقة التاريخية ، شئنا أم أبينا. وعندما تشوه الحقيقة التاريخية فلا يمكن استخلاص دروس التجربة التاريخية بشكل صحيح وتوظيفها لخدمة الراهن والمستقبل، كما سنرى ذلك مما يلي من هذا المقال.

يقول المشرف الدكتور أسامة عبد الرحمن الدوري في مقدمته للكتاب ما يلي: "... ولهذا فقد أوصيت العزيز سيف، هذه المرة أيضاً، وأثناء إشرافي عليه بمرحلة الدكتوراه، إننا قضاة التاريخ، وهو أمر أوصيه لكل طلبتنا الأعزاء، فعلينا أن نبتعد عن الميل والهوى لننجز عملاً علمياً يبقى أثراً تاريخياً موزوناً يأخذ مكانه في المكتبة العربية ويحترم مضمونه الجميع".

أعتقد بأن منهجية الدكتور الدوري خاطئة وإن نتائجها خطيرة، لأن السعي لكسب احترام الجميع لمضمون الدراسات والبحوث، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تتعارض مع مقولات الابتعاد عن الميل والهوى ولا تنجز عملاً علمياً حقيقياً. فالأحداث التاريخية تكتنفها صراعات تقف وراءها طبقات وفئات اجتماعية مختلفة المصالح وبالتالي مختلفة في الاتجاهات السياسية والفكرية وكذلك مختلفة في السلوك والأفعال وهذه الاتجاهات فيها الصحيح وفيها الخطأ، وبدون الالتزام الصارم بما هو صحيح، وتأشير الخطأ وإدانته عندما يتطلب الأمر، لا يمكن انجاز عمل علمي ومفيد.

لقد طبق الدكتور الدوري منهجه هذا في مقدمته المذكورة، فلنر إلى أين أوصلته، فهو يذكر ما يلي: "واللافت للانتباه ان من يطلع على علاقة البعثيين والشيوعيين يجد انها كانت لهما اهداف مشتركة عديدة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، اسقاط النظام الملكي، والتخلص من التبعية للاستعمار، ولكن بعد نجاح ثورة 14 تموز 1958 نجد ان التناحر سرعان ما دبَّ بينهما، والمشكلة انه لم يكن تنافساً فكرياً سياسياً من أجل خدمة العراق والعراقيين بل كان صراعاً دموياً التزم كل منهما توجهاً مناقضاً للآخر وكلاهما يريد ان يفرض إرادته الفكرية والسياسية بدل أن تتلاقح الافكار من اجل بناء وطن مزدهر، فسالت الدماء غزيرة دون ان يحقق اي منهما اهدافه، وفي مجتمع شرقي يكون الانتقام والثأر هو العامل الطاغي أكثر من التسامح سارا على طرفي نقيض وتعمقت العداوات وعدم الثقة بين الطرفين".

إن التنافس الفكري والسياسي لا يتعارض مع فرض الإرادة الفكرية والسياسية. ففي أعرق النظم الديمقراطية في العالم عندما لا يحصل اتفاق بين الأحزاب السياسية ولا تتلاقح أفكارها فإنها تلجأ إلى التصويت في البرلمان وتتغلب إرادة الأغلبية. فالمشكلة في عراق ذلك اليوم، الذي كان يمر بفترة انتقال حيث لا وجود للبرلمان (مجلس النواب)، لم تكن في فرض الإرادة وإنما في أسلوب فرضها، سلمي أم عنفي. فمن الذي اختار الطريق العنفي لفرض إرادته؟

لكي لا ندخل في متاهة التفاصيل، سنتوقف عند قضية السلطة فهي القضية الأساسية لأي حزب سياسي. فمن المعروف أن جميع الأحزاب التي كانت مشتركة في جبهة الاتحاد الوطني تمثلت في الحكومة التي تشكلت بعد ثورة 14 تموز 1958 ما عدا (ح. ش. ع)، رغم أنه كان أكبر الأحزاب جماهيرية وأكثرها تضحية. فالغالبية العظمى من السجناء السياسيين الذين أطلق سراحهم في إثر الثورة كانوا شيوعيين. ولم يكن عدم تمثيل (ح. ش.ع) في الحكومة من مصلحة الثورة والوطن، فسعى الحزب لمعالجة هذا الخلل بمختلف الطرق السلمية وقد تتوجت بالمظاهرة السلمية المليونية في الأول من أيار 1959 والتي طالبت بإشراك الحزب في السلطة. لم تستجب السلطة، فكف الحزب عن المطالبة وواصل نضاله السلمي من أجل تحقيق هدفه المركزي ألا وهو إرساء الحكم على أسس ديمقراطية.

أما حزب البعث فخرج ممثلوه من الحكومة ولجأ إلى العنف لتحقيق هدفه المركزي، وهو إسقاط حكم الزعيم عبد الكريم قاسم وتحقيق الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة، ثم ساهم في جميع المؤامرات الانقلابية وحاول اغتيال عبد الكريم قاسم وقام باغتيال مئات الشيوعيين وأخيراً جاء بقطار أمريكي إلى الحكم، باعتراف علي صالح السعدي (أمين سر القيادة القطرية)، عندما نفذوا انقلاب 8 شباط المشؤوم. لم يخل سلوك الشيوعيين من تجاوزات هنا أو هناك والكثير منها رد فعل تجاه المؤامرات على الحكم الوطني والجمهورية الفتية دفاعاً عن النفس، ولكن هل من الإنصاف والموضوعية مساواة الشيوعيين والبعثيين في مسؤولية الدماء الغزيرة التي سالت في تلك الفترة؟! ولماذا لم يشر الدوري، عندما يتطرق إلى انقلاب شباط الأسود، إلى قتل مجموعة كبيرة من قادة وكوادر وأعضاء (ح. ش.ع) تحت طائلة التعذيب الوحشي من بينهم قائد الحزب سلام عادل وجمال الحيدري ومحمد صالح العبلي ومحمد حسين أبو العيس أعضاء المكتب السياسي؟!

ويتجسد خطل منهجية كسب احترام الجميع، أو بعبارة أخرى منهجية مساواة الضحية بالجلاد عندما يسحب الدوري حكمه عن مسؤولية الدماء التي سالت بعد ثورة 14 تموز على فترة ما بعد انقلاب 17تموز 1968 وتحالف الحزبين في سبعينيات القرن الماضي، فيذكر الدوري في نفس المقدمة ما يلي: "وحتى عندما استلم حزب البعث الحكم ثانية عام 1968 وإعلانه إنه يريد التعاون مع الحزب الشيوعي لم تستمر العلاقة طويلاً للأسباب التي ذكرناها آنفاً،..." والمقصود بالأسباب المذكورة آنفاً، هي: "وكلاهما يريد أن يفرض إرادته الفكرية والسياسية". فهل حقا كان (ح. ش. ع) في وضع يمكن أن يفرض إرادته في تلك الفترة؟! أنظر إلى أي مستوى من تشويه الحقائق تؤدي منهجية كسب احترام الجميع!

إن (ح. ش. ع) يُلام في هذه الفترة على المبالغة في مرونته وعلى تنازلاته تجنباً للاصطدام مع حزب البعث، وليس العكس، لاعتقاده بأن الاصطدام لم يكن بأي حال من الأحوال في مصلحة الوطن والشعب العراقي، وبدافع هذه المصلحة، أولاً وقبل كل شيء، مسك الحزب بيده اليسرى جرحه الغائر بجسده في عام 1963 وجرحه الندي من الحملة الإرهابية التي بدأت في ربيع 1970 وتوقفت في خريف 1971، واعتقل خلالها آلاف الشيوعيين وتعرضوا للتعذيب الوحشي، واستشهد العديد منهم تحت التعذيب أو الاغتيال، من بينهم محمد الخضري وعلي البرزنجي عضو اللجنة المركزية وماجد العبايجي وشاكر مطرود وكاظم الجاسم وعزيز حميد وحسين نادر وأحمد رجب وعبد الله صالح ومحمد حسين الدجيلي وعبد الأمير رشاد وجواد عطية. واعتقل عضو المكتب السياسي ثابت حبيب العاني وتعرض إلى تعذيب وحشي. وقبل هذه الحملة جري اغتيال ستار خضير عضو اللجنة المركزية واستشهد تحت التعذيب الكادر العمالي عبد الأمير سعيد. ودمرت منظمات الحزب في طول البلاد وعرضها ولم يكن نهج الحزب السياسي المعتمد سوى المعارضة السلمية لسياسات الحكومة الخاطئة. أجل مسك الحزب جراحاته التي لا تطاق بيده اليسرى ومد يده اليمنى لحزب البعث.

أما حزب البعث فقد غدر بالحزب الشيوعي بعد إعلان قيام الجبهة الوطنية مباشرة، ففي اليوم التالي لتوقيع ميثاق الجبهة الوطنية والقومية التقدمية، "وزعت تعليمات على الجهاز الحزبي، تطلب فيه القيادة القطرية تقديم أفكار ومقترحات لتفتيت الحزب الشيوعي العراقي وكان اخطر تلك المقترحات التي أخذت طريقها إلى التنفيذ، أن يجري تلغيم الحزب الحليف بزرع أفراد مندسين من أجهزة الحزب الحاكم والأمانة العامة في صفوفه، وإذا أقتضى ذلك تركهم أعمالهم والتحاقهم بإعمال أخرى في محافظات ثانية".1  

وبودنا التوقف عند تعامل سيف القيسي الخاطئ مع هذا النص وسنواصل مناقشة المشرف في الحلقة القادمة. إن القيسي يستشهد أيضا بالمقتبس المذكور وبالشكل التالي:"فما أن وقع اتفاق الجبهة بين الطرفين حتى شرع حزب البعث في اليوم التالي بالتحديد بالتعميم على جهازه الحزبي طالب [طلب] القيادة القطرية تقديم مقترحات وأفكار لتفتيت (ح.ش.ع)". 2 من الملاحظ أن القيسي اكتفى بهذا الجزء ولم يذكر بقية النص الذي أشير فيه "وكان اخطر تلك المقترحات التي أخذت طريقها إلى التنفيذ، أن يجري تلغيم الحزب الحليف بزرع أفراد مندسين من أجهزة الحزب الحاكم والأمانة العامة في صفوفه، وإذا أقتضى ذلك تركهم أعمالهم والتحاقهم بإعمال أخرى في محافظات ثانية". وهكذا لم يذكر القيسي الأمر الأخطر، والذي أخذ طريقه للتطبيق العملي، وهو توجه حزب البعث للاندساس في صفوف (ح.ش.ع) وقبل أن يجف حبر المواثيق والعهود المتبادلة. وبدلاً من ذكر هذا الغدر بالحليف وإدانته باعتباره سلوكاً لا أخلاقياٌ، فان القيسي تجاهله تماماً؟ّ!

 

جاسم الحلوائي

أواسط تشرين الأول 2014

.................

رابط مقال د. عقيل الناصري

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=418045

1 - حسن العلوي، العراق دولة المنظمة السرية، 1999، ص88).

2 - سيف عدنان القيسي، "الحزب الشيوعي العراقي في عهد البكر ( 1968- 1979)، ص 540.

 

من معجم الادباء الروس في القرن العشرين

اعمل - ومنذ فترة طويلة نسبيا - على اعداد دليل بيبلوغرافي واسع وشامل قدر المستطاع باللغة العربية يضم الاسماء اللامعة والكبيرة في عالم الادب الروسي في القرن العشرين – من وجهة نظري وحسب معلوماتي المتواضعة - وتعريفا عاما بنتاجاتهم الرئيسة وخصائص ادبهم ودورهم الفكري واهميتهم في مسيرة هذا الادب الثري المشهور عالميا، وارتأيت الآن – كخطوة اولى ليس الا - نشر فهرس هذا الدليل للقراء كي يطلعوا عليه ويتعرفوا على تلك الاسماء من اعلام هذا الادب، وارجو، واتمنى ان اعرف الآراء تجاه هذه الاسماء، وهل انها شاملة فعلا لتلك الفترة وتغطيها، وهل توجد اسماء اخرى جديرة ان تكون بينهم ولم نستطع الاشارة اليها او نسينا التذكير بها ليس الا ، واتمنى ان اعرف ايضا افكار القراء حول هذه المحاولة الجديدة والضرورية – كما نرى - بشأن دراسة الادب الروسي في القرن العشرين، الذي لا يزال – بشكل او بآخر – غير معروفا كما يجب للقارئ العربي نتيجة احداث مصيرية كبيرة وهائلة جدا حدثت في ذلك القرن بروسيا (والتي يمكن تلخيصها كما يأتي - انهيار الامبراطورية الروسية في نهاية الحرب العالمية الاولى وظهور دولة الاتحاد السوفيتي بعد ثورة اكتوبر 1917، ثم انهيار هذه الدولة نفسها في نهاية ذلك القرن عام 1991 وتاسيس دولة جديدة حلٌت محلها وهي - روسيا الاتحادية)، اذ توجد هناك اسماء وظواهر ادبية كبيرة ومهمة ترتبط بمسيرة تلك الاحداث الجسام في روسيا ، ولكنها – مع ذلك - تكاد ان تكون مجهولة كليا (او جزئيا) لهذا القارئ، وتوجد ايضا ظواهر واسماء معروفة للقارئ ولكن من وجهة نظر محدودة وضيقة جدا، وبالتالي فان تلك المعرفة تكون غير شاملة او – بعض الاحيان – حتى غير موضوعية بتاتا، وتوجد ايضا اسماء اخرى شبه معلومة ليس الا، وهي تحتاج الى تكملة تقديمها للقارئ والتعمق في تحليلها والاستمرار بدراسة جوانبها الابداعية المتنوعة، خصوصا بالنسبة للادباء من الشعوب السوفيتية الاخرى غير الروسية، والتي ساهمت بشكل مهم وكبير في مسيرة هذا الادب وتاريخه، وباختصار، فان هذا الدليل البيبليوغرافي – كما نرى – سيكون مفيدا جدا في هذا المجال، بل وحتى يمكن القول انه سيكون مصدرا مهما وضروريا – بشكل او بآخر - بالنسبة للقارئ العربي المهتم والمتابع للادب الروسي الحديث وتوثيقه العلمي اولا، وتعميق وتوسيع المعرفة الصائبة في مسيرة هذا الادب ثانيا، وهو في كل الاحوال خطوة ايجابية - من وجهة نظرنا – يمكن ان تضاف الى الخطوات والمحاولات الجديٌة الاخرى لزملائنا الباحثين العرب في مجال دراسة الادب الروسي في مرحلة القرن العشرين باللغة العربية وظواهره المتنوعة والمتميزة وتاريخه واعلامه وتقديمه للقارئ العربي بشكل صحيح وسليم وموضوعي في هذا الزمن المعقد والمتشابك، والذي اختلطت فيه – مع الاسف الشديد –المفاهيم الايجابية مع المفاهيم السلبية بشكل أخذ يؤثر في النهاية على الموقف الصحيح تجاه الاشياء والظواهر الموضوعية السليمة .

....................

 

حرف الالف

ابدولايف / اخماتوفا / اخمدولينا / اداموفيتش / ادايفتسينا / اربوزوف / استافييف / استروفسكي / اسكاندر / آسييف / اكسيونوف / اكودجافا / اليخيم / اليشكوفسكي / اليف وبتروف / اندرييف / آنينسكي / ايتماتوف / ايروفييف / ايفانوف / ايرنبورغ .

 

حرف الباء

بابل / باغراميان / باغريتسكي / باسترناك / بالمونت / باكلانوف / باوستوفسكي / بروخونوف / برودسكي / بريشفين / بريوسوف / بلاتونوف / بلوك / بوغانوف / بوغومالوف / بولغاكوف / بوليفوي / بوليكوف / بوندريف / بونين / بيتروشيفسكايا / بيتوف / بيرغولتس / بيللي / بيليفين /

 

حرف التاء

تريفونوف / تسفيتايفا / تشوكوفسكي / تشوكوفسكايا / تفاردوفسكي / توكاريفا / تولستوي / تولستويا / تيخونوف / تيفي .

 

حرف الحاء

حمزاتوف .

 

حرف الخاء

خارمس / خاريتونوف / خليبنيكوف / خوداسيفتش .

 

حرف الدال

دانييل / درونينا / دوفلاتوف / ديمينتيف .

 

حرف الراء

راسبوتين / روجديسفينسكي / روزانوف / روزوف / ريباكوف .

 

حرف الزاي

زاليغين / زامياتين / زايتسوف / زوشنكو .

 

حرف السين

سالووخين / ستروغاتسكي / سكولوف / سوروكين / سوريكوف / سولجينيتسن / سولوغوب / سولوفيوف / سيمونوف / سيميونوف / سينيكيفتش / سينيافيسكي .

 

حرف الشين

شاخوفسكايا / شالاموف / شميليوف / شولوخوف / شوكشين / شكلوفسكي.

 

حرف الغين

غاردانوف / غارشين / غانيجيف / غايدار / غرانين / غروسمان / غوركي / غوميليوف / غيبيوس / غينزبورغ

 

حرف الفاء

فادييف / فاسيلييف / فامبيلوف / فورمانوف / فوروبييف / فوزنيسينسكي / فوينوفيتش / فيدين .

 

حرف اللام

لافرينيف / لوتشوتين / لوغوفسكي / لوناتشارسكي / ليبيديف – كوماج / ليمونوف / ليونوف .

 

حرف الكاف

كاتايف / كازاكوف / كازاكوفا / كافيرين / كريموف / كليموف / كوبرين / كورولينكو / كيم .

 

حرف الميم

مارشاك / ماكارينكو / ماكانين / ماكسيموف / ماملييف / ماياكوفسكي / مندلشتام / موسى جليل / ميخالكوف / ميرزكوفسكي .

حرف النون

نابوكوف / ناغيبين / نوسوف / نيكراسوف .

 

حرف الياء

يسينين / يفتوشينكو .

د. هاشم عبود الموسوي يُصدر مجموعة قصصية بعنوان: عندما رحل القطار

626-hashimصدر عن دار حوران في دمشق - سوريا للدكتور هاشم عبود الموسوي مجموعة قصصية جديدة بعنوان: عندما رحل القطار

تضمنت المجموعة الجديدة: ثمان قصص قصيرة

وقد ذكر الكاتب والناقد المسرحي د. فيصل إبراهيم المقدادي بعد قراءته لنصوص هذه المجموعة الآتي:

أن قصص (عندما رحل القطار) القصيرة جامعةٌ سرديةٌ مركزةٌ لتجربة ثقافة الكاتب (د.هاشم عبود الموسوي) الاجتماعية والفكرية، فعن هذهِ بالذات أيضاً يُمكن للقارئ أن يَفهم الكثير، ويتمتع بما هو معقول من أحداث وصراعات وتحديد المواقف، وأن يكتشف أصول وجوهر الفكر المتقدم وأن يقوم على أسرار ومضامين البشر الآخرين (ألمان، يونانيين وعرب) بالعلاقة مع فعل المؤلف (الشاعر العراقي) في خيالاتهِ وفهمهِ ومعالجاتهِ، فالقصة القصيرة هي الأُخرى تكشف مدى صدق أو كذب الأـديب في إبداعهِ، لذا يقال بأن تأليف (عندما رحل القطار، الحلم الضائع، رجوع الشيخ إلى صِباه، ريتا وحضارة وادي الرافدين) مثلاً تكشف شروط بلاغتها وأحكامها الاجتماعية أيضاً، فالأحاديث السردية (المفتوحة والمغلقة) مثلاً بصياغة أفكارها وأحداثها الأدبية-الفنية، المستقبلية والمُتخيلة مع شيئٍ من الإنتقاءات الجمالية، إنما صارت حكايات واقعية.

626-hashimأن عملية إنتقاء القاص موضوعاته وشخصياتها بنجاح تدعوه بالتأكيد لملامسة نبض الحياة أدبياً-فنياً بكامل وجودها، وأخيراً تحاول أن تُحقق معناها الاجتماعي المُعبر بوضوح عن كيانها الوجودي والمستقبلي بآمالهِ وأحلامهِ، بأفراحهِ واتراحهِ، وبالرغم من أن بعض الذكريات في سردياتهِ وتداعياتهِ يصعب رصها مع -المفهوم القصصي- إلا أنها تبقى حكايات حافلة بثقافة المجتمع، وهي ليست مجرد حبكات وصراعات –بأنا- المؤلف جُمعت اعتباطاً بذروات مشوقه كيفما اتفق، وأنما هي تعبير حي عن موضوعات حيوية بشهقات أحزانٍ "وأفراحٍ" جرى تحقيقها بذكاءٍ في حبكات حوارية مُعبرة بوقائعها فهي كما يقال: كالشعرِ حين يكون: (موسيقى النفس ولحن الزمن وقيثارة الوجود) ذات رسالة للتطهير الروحي (كاثارسيس)، وتُلخص من زاوية أُخرى أهدافاً في الترفيه والتسلية من خلال الفرح والحزن والتأمل الروحي الذي تثيره فيهم كما في الموسيقى والرسم والمسرحيات.

فالحكايات جاءت هنا لتملأ فضول المتطلبات الحياتية الآنية والمستقبلية المتحققة والمتخيلة بطريقة جمالية حلوة بين الوعي واللاشعور معاً.

وحين يسترسل في سردياته لبعض المفارقات اللامعقولة أو العبثية المؤلمة لا يسرح في في السمو حتى السخرية من المعايب شاهراً ذاته –الرافيدينة- المثقفة –فوق الجميع الألماني- أو أي شيئ من هذا القبيل بل بشعورٍ موسوي عراقي مثقف بالمسؤولية تجاه الآخر وحتى في نهايات حكاياته يبقى مثيراً لتساؤلات تدعوا للوعي والموقف السليم والسمو في العلاقات الإنسانية لبديلٍ إنساني معقول.

 

صدور رواية أسود دانتيل للكاتبة حرية سليمان

625-alamaتحولاتها النفسية وعالمها المزدحم وكل ما بينهما من تقاطعات بالذاكرة هو موضوع الرواية التي صدرت عن دار " نون" للنشر والتوزيع للكاتبة حرية سليمان، والتي جاءت في 317 صفحة وتعد العمل الخامس للكاتبة.

تكشف "أسود دانتيل" بجرأة مناطق صادمة في حياة البطلة حيث يلعب الماضي دور الشريك الأساسي بحياة صحفية متطلعة تبحث عن مستقبل بينما يلاحقها الأمس بكل خباياه وأزماته.

وأضافت سليمان أن الثورة لم تكن هدفا وقت كتابة الرواية بينما تمت الاشارة لها بشكل عابر لصلتها بالتطور الحاصل بالرواية عموما وبشخصية البطلة بشكل بالغ الخصوصية .

625-alamaتثير الرواية حقيقة غاية في الصعوبة فكلنا بالفعل متورط ولابد لأحد أن يدفع للنهاية .. وتضيف أن الرسالة التي تمررها للقارئ ليست غير دعوة للتحرر من الذات المجهدة والتي ربما تدفعنا للتقوقع بينما يضج الكون بأشياء أكثر قسوة من صخب ترهقنا به الذاكرة.

صدر للكاتبة حرية سليمان " بطعم التوت" عن " إبداع" ورواية " سهر" عن دار " أكتب" ومجموعة قصصية بعنوان " ربما يكون مغلقا" ، ونصوص نثرية " عناقيد ملونة" عن نفس الدار .

 

المظالم والتمييز بحق المرأة الكردية في سوريا .. كتاب جديد للكاتبة نالين عبدو

لعل دائرة البحث الاجتماعية والقانونية واسعة، وقد كان اختياري وتفضيلي للمظالم و التمييزالمحاق بالمرأة الكردية في سوريا كمحور لهذه الدراسة انطلاقاَ من:

-أولاً: كوني محامية راغبة من حيث موقعي في تطوير بلادي بحيث اسهم في تطوير ولو جزء بسيط من قوانينها المجحفة بحق المرأة لتنطلق المرأة الكردية نحو واقع تشريعي واجتماعي أفضل

- ثانياً: كوني امرأة أتشارك بنات جنسي أوجاعهن وآلامهن المنبعثة من تسلط الرجل، وقمع السلطات، وتحجر القوانين ونكرانها لحق المرأة في حياة متساوية الشروط مع الرجل

-ثالثاً: كوني امرأة كردية عانت كما غيرها من الكرديات من الاضطهاد والتمييز بسبب هويتها القومية

-إن أي امرأة بإمكانها أن تكون جزءاً فاعلا ًمن نسيج مجتمعها، ويجدر بها التطلع دوماً نحو الأفضل والسير بخطى واثقة ونفس عازمة على التغيير، والعيش بكرامة دون انتقاص لأي قدر من الحقوق مهما كان بسيطاً

- إن قضية المطالبة بالمساواة مع الرجل لاتعني بأي حال من الأحوال تعصب النساء للنساء ومعاداة الرجل بأقصى المستطاع، وهضم حقوقه كما قد يفهم البعض، وإنما مكافحة التمييز السلبي والاستعاضة عن ذلك بالتمييز الإيجابي، وحفظ ذات المرأة المصانة أصلا ً في الشرائع السماوية، دون التحجج بعادات وتقاليد وأعراف مجتمعية بالية عفى عليها الزمن، ومضى ودون التذرع بتفاسير وشروحات ضيقة ومغلوطة لآيات قرآنية كريمة فالإسلام دين يسر وليس عسر، وتحقيق المساواة بين الجنسين هي قمة العدالة الاجتماعية التي طالما نادت بتحقيقها الشرائع السماوية، والمذاهب الفكرية والأيديولوجية

كنت صغيرة و كان يريعني ركود وهبوط الحالة المعنوية الارتقائية لأغلب النساء ممن حولي، دون تطويع لمهاراتهن، وبغياب أي مؤسسات تعمل على إطلاق القابليات الإبداعية والاحترافية لهن، كان يستفزني أكثر الخوف المتأصل في نفوس بعضهن ممن تخال أن مجرد الحديث معهن عن قضايا المرأة فيه اقتحام صارخ لعالمهن الأسري الذي يجب أن يبقى بنظرهم عصياً على أي أحد يحاول اقتحام أقبيته ودهاليزه .

-أريد التنويه إلى أن دراستي هذه ليست سبرية بالمعنى الكامل للكلمة أردتها بانورامية موجهة في جانب منها للعالم الآخر المحيط بنا ككرد، ومن جانب آخر موجهة للمرأة الكردية كإشعار بمدى دائنيتها ومديونيتها لوطنها الكردي

- تناولت في دراستي بشكل رئيسي المرأة في المدن والأرياف الكردية من سورياالواقعة في الشمال الشرقي منها وهي : قامشلو و ديرك وسري كانييه وعامودا وكوباني وعفرين وو...بالإضافة إلى الكرديات المقيمات في باقي المدن السورية، وكذا الكرديات السوريات المغتربات في جميع بلدان العالم  

-في ختام استهلالي هذا أود الإشارة إلى ما قد يبدو توجه عنايتي أكثر نحو السنوات من 1990الى 2012 لم أبغي من ذلك وضع إطار زمني للدراسة بقدر ما أردت تسليط الضوء على كم التحول الذي حصل في حالة المرأة الكردية خلال الفترة الفاصلة بين العامين المذكورين، والتقديرات بالنسبة المئوية جميعها جزافية أقرب للواقع

 

للاطلاع على الكتاب في مكتبة المثقف

المظالم والتمييز بحق المرأة الكردية في سوريا / نالين عبدو

 

درويش تائه وعاشقة يهودية في "قواعد العشق الأربعون"

mulehim almalaekaبجرأة القرن الواحد والعشرين، دلفت أليف شفق الى عالم المتصوفة من القرن الثالث عشر ميلادي. الرواية تحكي تفاصيل من حياة المتصوّف الأفغاني، الإيراني، التركي، جلال الدين الرومي. زمن الحكاية قبل وبعد سقوط دولة الخلافة العباسية على أيدي المغول حيث تنتهي الوقائع سنة 1260 ميلادية.

الى " مولانا " الخطيب المفوه، سعى الدرويش المشرد شمس الدين التبريزي، وحين التقيا، سلب شمس لبّ وعقل مولانا الرومي، فاسكنه الأخير بيته بين افراد اسرته ، وانشغل عن العالم كله بهذا الدرويش التائه. شمس يقول" في نهاية المطاف، ماذا يهم في أي مدينة أمكث، مادام الرومي ليس بجانبي، فحيثما يوجد، توجد قبلتي".

هما يفسران هذا الوله بينهما باعتباره عشقا معرفيا صوفيا، لكن الكاتبة أليف لا تسعى ان تقنع القارئ المعاصر بهذا الانطباع.

 

"الكفر الحلو" نص يخلط حدود الزمن

تكنيكيا، يصلنا النص من خلال مسودة رواية" الكفر الحلو" التي أُرسلت الى اليهودية الامريكية إيلا روبنشتاين الساكنة في بوسطن لتقيّمها، فتقع في حب كاتبها العولمي الشخصية، عزيز ز، المتحول من ملحد يساري الى مسلم متصوف والساكن في امستردام.

تنمو علاقتهما رغم أّنّها ام لثلاثة ابناء كبراهم جانيت في السابعة عشرة تريد ترك البيت، فيما زوجها ديفيد لا يفتأ يخونها. من خلال سرد الكفر الحلو ومراسلتهما نعرف قواعد العشق الاربعين تباعا، فيلخص عزيز مفهوم مولانا عن العالم بالقول" كما ترين يا إيلا، كل ما يمكنني أن أمنحك إياه هو اللحظة الراهنة، هذا كل ما املكه، وفي الحقيقة لا أحد يملك أكثر من ذلك". وهو بهذا يردد تصور الرومي عن العالم وتنكشف للقاري تفاصيل علاقة غامضة بذلها المتصوف الخطيب مولانا للدرويش التائه، وتصل الى الأمور الى حدود قصوى، حين تسير الأحداث باتجاه تزويج شمس الدين من ربيبة مولانا الساكنة في بيته " كيميا" العذراء ذات الخمسة عشر ربيعا، ليضمن بقاء الدرويش الى جنبه.

تدريجيا ينمو الهاجس الحسي لدى القارئ ، هاجس محموم يفترض أن علاقة الايميلات بين إيلا وبين عزيز" كريغ" بدأت تنمو باتجاه التماس الجسدي، كما كانت العلاقة الصوفية الغامضة تثير لدى محيط الرجيلين هواجس حسية غامضة.

 

لماذا عاف الدرويش التائه عروسه اليانعة؟

وبنفس المقدار، وقبل 8 قرون ينمو هذا الشعور لدى القارئ، حين يعجز شمس الدين عن مقاربة عروسه الجميلة ليلة زفافهما، ويبقى بعيدا عنها بعد تلك الليلة رغم محاولاتها التي تعلمتها من المومس السابقة "زهرة الصحراء" ربيبة مولانا الأخرى لإثارته وتحريك فحولته. ولن يتمكن أي قارئ نبيه الا أن يفترض أنّ ما بين الرجلين هو الذي يحول دون مضاجعة شمس لامرأته. علاقة الرجلين قد يفسرها قول الرومي الشهير" كل الأشياء تصبح أوضح حين تفسر، غير أنّ هذا العشق يكون أوضح حين لا تكون له أي تفسيرات".

بنفس المستوى، تتحدى علاقة إيلا بالمصور الكاتب التائه "عزيز" مستوى التفسير، فهي ترحل اليه مجذوبة بسحر علاقة الرومي بشمس ، لتجده يُعلن لها انه مريض لم يترك له مرض السرطان سوى 14 شهرا ، وبذا فإنه لا يريد ان يخرّب حياتها لأجل نزوة.

التشابه بين الحالتين يكتمل، حين يتآمر أهل قونية على قتل شمس التبريزي، كما تآمر السرطان على قتل عزيز- كريغ!

 

علاقات تتجاوز الزمن وحدود الأديان

قواعد العشق الأربعون تتخطى حدود الأديان، والاستقطاب الطائفي الديني العالمي السائد في يومنا هذا، فمولانا متزوج من "كيرا " المسيحية ، وقبلها كانت زوجته "جوهر" بهائية، وهو لا يهتم أن تختلف الأديان ما دام المعشوق" الله" واحد، وينطبق هذا الى حد بعيد على شمس، فهو لا يهتم لحدود الاسلام، ويطلب من مولانا ان يشتري قناني خمر، ويشربها في الحانة ليفقد احترام الناس له، فيكون حبه خاليا لله، وليس حبا للثواب المنتظر من الله!

ففي القواعد الأربعين جاء أنّ " الاسلام يعني السلام الداخلي وضمنا الاستسلام، والاستسلام لا يعني أن يكون المرء ضعيفا أو سلبيا ، ولا يؤدي الى الأيمان بالقضاء والقدر، بل على العكس تماما". وهو بهذه الطريقة يختلف مع كل ما ذهب اليه فقهاء الاسلام من المذاهب كافة

بنفس المقاربة، فإن إيلا اليهودية لم تمانع أن تقيم علاقة حب بملحد- مسيحي-متحول الى الإسلام الصوفي، ولم تمانع أن تتحدى ضوابط الديانة الموسوية الصارمة التي تحرّم ارتباط اليهود بآخرين أو أخريات من خارج ملّتهم بشكل قاطع. لكن تلك التضحية الجسيمة، ومثلها هجرانها لدفء أسرتها الميسورة في "نورثامبتون" ، تفتت على صخرة عجز فرضه مرض العصر السرطان، ولم تتفتت على صخرة علاقة غامضة تربط ديفيد بطرف ثالث. شخوص الرواية الاخرى، بقيت في الظل، في ضوء تنامي العلاقة رباعية الأطراف عبر القرون.

 

ملهم الملائكة

......................

* أليف شفق: كاتبة تركية ولدت في فرنسا، و تكتب بالتركية والإنكليزية، وقد ترجمت اعمالها الى 30 لغة كما تشير الموسوعة الشعبية ويكيبيديا . نشرت روايتها " قواعد العشق الاربعون " عام 2010 في الولايات المتحدة الأمريكية ، وقام بترجمتها عن الإنكليزية خالد الجبيلي ونشرت عن دار طاوي سنة 2012.  

 

أدم سميث في بكين

يعتبر الكتاب الموسوم (ادم سميث في بكين) اول محاوله رائدة في تفسير نظرية ادم سميث حول التطور الاقتصادي واختبار مدي امكانية اعتمادها في تفسير التحولات الجارية في السياسة والاقتصاد والمجتمع العالمي واسقاطها لتحليل ابعاد تطوران هامان يطبعان عالمنا المعاصر وهما اولا: مشروع المحافظون الجدد للقرن الاميركي الجديد وثانيا بزوغ الصين كقوة رائدة للنهضة الاقتصادية .   عموما تمحورت نظرية ادم سميث في ان التوسع في المبادلات التجارية والاقتصايةبين بلدان العالم ستؤدي الى بزوغ ما يطلق علية تحالف اقتصاد السوق القائم علي المساواة بين الحضارات المختلفة.

يتألف الكتاب من اربعة اجزاء:اعتمد الجزء الاول بفصولة المختلفة التحليل النظري في حين اتسمت أجزاءه الثلاث الأخرى علي الملاحظة والاختبار والمعالجات التجريبية. شكلت فصول الجزء الاول الخلفية النظرية للبحث حيث بداء الكاتب بتوفير نظرة عامة حول اكتشاف الجديد بما يتعلق بأهمية ودلالات نظرية ادم سميث حول التطور الاقتصادي لفهم وادراك ما اطلق علية الانعطاف او الانحراف الكبير الحاصل في الاقتصاد الكوني بعدها حاول اعادة بناءها ومقارنتها بنظرية ماركس و شمي بوتر.

فمن خلال الافتراضات والتوكيداتلواردة في الجزء الاول نراه توصل الى ادعاءات هامة منها:

اولا:لايعتبر ادم سميث منظرا او داعية للتطور الرأسمالي

ثانيا: يمكن الاستفادة من نظريته حول الاسواق ودورها الحاكم والموجة للاقتصاد وتطوره واسقاط ذلك لفهم الية اقتصاديات البلدان غير الرأسمالية مثل الصين .. كما معلوم خضعت الصين واندمج اقتصادها سابقا بالاقتصاد العالمي في اطار نظام البلدان الاوربية . هذا ومن المحتمل ان يعيد الاقتصاد الصيني اندماجه بالاقتصاد العالمي خلال الالفية هذه لكن تحت ظروف سياسية محلية وعالمية تاريخية مختلفة..

تابعت فصول الجزء الثاني مسالة الاضطرابات الكونية...وهنا تم الاعتماد ايضا على منظور ادم سميث حولها بعد تطويره في الجزء الاول من الكتاب. يرجع الكاتب بدايات الاضطرابات الكونية الى عاملان: الاول فائض التراكم الرأسمالي العالمي.الثاني:تصاعد التمرد والانتفاضات الثورية في الجنوب ضد الغرب بالنصف الاول من القرن العشرين. برزت محصلة الاضطرابات الكونية هذه في تفاقم ازمة الهيمنة والسيطرة الاميركية علي العالم اواخر الستينات والسبعينات . حاولت الولايا ت المتحدة الاميركية مواجهة تحديات الازمة هذه في هجومها العنيف والمكثف علي الاسواق المالية العالمية بهدف تعبئة استغلال رؤوس الاموال المتاحة واخضاعها لمصالحها الاقتصادية السياسية والامنية، كما تصاحبت هذه الهجمة مع تصعيد التسابق العسكري الاميركي مع الاتحاد السوفيتي اثناء الحرب الباردة. .

فعلي الرغم من نجاح ردود الفعل هذه في انعاش الآمال الوردية لدعاة الترويج والمفاخرة بالمهارات السياسية والاقتصادية الاميركية الاانها ولدت تبعات سلبية جانبية فاقمت بدورها الاضطرابات بالاقتصاد الكوني من ناحية وعمقت تبعية الولايات المتحدة للأسواق المالية العالمية كما رهنت قوالا قتصاد والرفاة الاجتماعي للشعب الاميركي لدي دوائر المستثمرون الاجانب وحكومات بلدان العلم المختلفة صاحبة الادخارات الفائضةالوفيرة.

استهدف الجزء الثالث تحليل مشروع القرن الاميركي الجديد وتبني ادارة بوش لةكرد فعل لاحداث 11 سيبتمبر عام 2001 من ناحية والنتائج الثانوية غير المقصودةلتطبيقات المشروع من قبل الرؤساء السابقون من الناحية الاخري. .. فبعد تحليله الجوانب الهامة لانهيار المشروع وهزيمته الساحقة تم تسليط الضوء علي الترابط العضوي بين منظور ادم سميث الشامل الذي تم تطويره في الجزء الاول والثاني من الكتاب من جانب وبين تبني وهزيمة مشروع القرن الاميركي الجديد. علاوة علي ذلك هدف الكاتب اثبات وجود علاقة بين حصيلة مغامرة اميركيا الفاشلة في العراق والاستنتاجات والعبر المستخلصة من حرب فيتنام مؤكدا علي حقيقة نهاية التفوق الغربي وظهور علامات تفجره الداخلي...فكافة الاستنتاجات المستخلصة من حرب فيتنام او العراق تشكل وحدة كاملة بل انها حلقات متصلة تكمل بعضها الاخر.

ففي حين دفعت الهزيمة في فيتنام ان تقوم الولايات المتحدة الاميركية في تكثيف جهودها لا عادة الصين الى مسرح السياسة الدولية لا جل تقليل الاضرار التي لحقت بهامنا جراء هزيمتها العسكرية، في حين قاد فشلها الساحق لمغامراتها في العراق الي تعاظم الصعود الاقتصادي الصيني بالتالي اعتبر الكاتب الصين الرابح والمستفيد الاول من حرب الولايات المتحدة الاميركية ضد الارهاب.

تناولت فصول الجزء الرابع من الكتاب ديناميكية الصعود الاقتصادي الصيني وهنا تم تناول الصعوبات التي تواجه الولايات المتحدة الأميركية محاولتها احتواء وكبح التوسع الاقتصادي الصيني او علي الاقل جعل الصين تدور في فلك النفوذ الاميركي،مؤكداعلي جملة اسباب في فشل هذه المحاولات حيث ان الصين ليس بلدا تابعا كاليابان كما انها ليست دولة –المدنية مثل هون كونك. بعد ذلك طرح احتمالات السياسة الصينية وسلو كهار سواء اتجاه الولايات المتحدة الاميركية او اتجاه بلدان الجوار او اتجاه العالم بأجمعه. عموما يعتقد الباحث بان الخبرات واصول وقواعد الممارسات السياسية الصينية السابقة مع النظام الكوني للبلدان الغربية تظل تتحكم بهذه السلوكية،الا ان التغيرات الهائلة في وظائف التوسع الكوني للنظام الغربي سيجعل كثيرا من تلك التجارب الماضية غير مناسبة لفهم التحولات الجارية ومواجهة الجاحدات المستقبلية المتوقعة خصوصا بعد التراجع المحتمل للهيمنة والتفوق الغربي واحتمالات صعود قوة جديدة تتمثل بالنظام الاسيوي ومحورة المركزي الصين. هذا ويتوقع الكاتب ان يشهد العهد الاسيوي الجديد –ان تحقق- حملة صلبية بين ارادة وقوة اسيا الناهضة والارادة الغربية وقوتها المتقادمة .

لخصت خاتمة الكتاب التساؤلات حول اسباب قيام اميركا في كبح قوي الجنوب ومساعيه لامتلاك القوة وانجاز الحداثة بل ربما التفوق. ولدت اخفاقات و فشل هذه المحاولات الاميركية ليس فقط ازمة جديدة للهيمنة الاميركية اطلق عليها ازمة الجولة الاخيرة، بل قد تساعد علي خلق الشروط والظروف المناسبة لولادة اتحاد المجموعة السوق العالمي ذات المصالح المشتركة في ظل حضارات مختلفة كما تصورها ادم سميث قبل (230) عاما.

بلاسك ان بناء وتطوير هذا الكيان العالمي لايزال بعيدا في المنظور القريب حيث ان السطوة الغربية يمكن اعادة استنباطها باشكال ماكرة كما في الماضى اضافة الي قدرتها على الديمومة والبقاء لفترات طويلة من خلال تصعيدها استخدام وسائل القهر والعنف وتأجيج الاضطرابات والفوضى الخلاقة و غياب النظام علي الساحة الدولية. مع ذلك تظل احتمالات النجاح لتأسيس مثل هذا الكيان مرهونا باتفاق وتحالف الجنوب خصوصا بين البلدان ذات الكثافة السكانية كالصين والهند في التمهيد لطريق تطور اقتصادي اجتماعي عادل ومستديم.

بعد عرض مكونات هذا الكتاب القيم يمكن استشفاف خلاصة مركزة لاهم الافكار والتصورات الواردة في الفصل الختامي من الكتاب منها:

 

اولا: اجماع بكين مقابل اجماع واشنطن

يدور الكتاب كما اشرنا سابقا حول سؤال محوري هام: هل تتمكن الصين وتحت اي ظروف-رغم بعض الصعوبات والانتكاسات المحتملة في المستقبل- ان تتبوأ موقعا رياديا او تتحول الى بشيرا للمساواة والاحترام المتبادل بين شعوب ودول العالم المختلفة كما روج لمثل هذا النظام العادل(جماعة او اتحاد السوق العالمي)ادم سميث قبل (230) عاما. فالباحث وعبر تحليلاته وتأكيداته المسهبة علي قناعة في امكانية تحقق ذلك رغم أشارته لبعض التحفظات . .

تمكنت الصين حسبما تبين جليا في الفصل السابع والتاسع من الكتاب ليس فقط تحقيق منافع ضخمة من حرب الولايات الاميركية ضد الارهاب واعتبرت المستفيد و الرابح الاول منها، بل قادت المغامرات الاميركية ومنها حربها الفاشلة في العراق الى حصول تحول في مواقع النفوذ وموازين القوي الكونية لصالح الصين والبلدان الاسيوية كالهند وبلدان جنوب شرق اسيا.تجلت سيماء التحول هذا فيما يطلق علية (اجماع بكين) وتعزيز الطريق الصيني للتطور الاقتصادي الاجتماعي الذي قد يمكن تكييفه من قبل بلدان وشعوب العالم المختلفة لتسهيل عملية تحديثها وتطويرها واندماجها في اطار نظام عالمي عادل يسمح لها باستقلالية قراراتها السياسية والاقتصادية المصيرية والمحافظة علي خصوصيات واسلوب حياة شعوبها بالإضافة الى تمتعها بكامل ارادتها وتقاليدها التاريخية الثقافية والحضارية.

يتميز اجماع بكين بسمتان اولهما التوكيد علي الخاصية المحلية لكل بلد او امة او اقليم او مقاطعة مما يعني الاهتمام في التطوير المستند على الحاجات الحقيقة والفعلية لها من دون اقحامها في انماط استهلاكية غريبة عنها تحت يافطة التحديث. فهذه الخاصية المتميزة لا جماع بكين تختلف كليا عن عقيدة ترتيبات الوحدات الضخمة المزيفة وتريجات نمط الحياة الاميركية الواردة في اجماع واشنطن. ثانيها التعددية... اي الاعتراف

بتعدد القطبية الدولية والتعاون من اجل بناء نظام دولي عادل ومستديم يستند على الاندماج والاعتماد المتبادل واحترام كافة الاختلافات السياسية والثقافية للشعوب. يختلف هذا التوجه أيضاهما يدعو ويهدف له اجماع واشنطن الذي يؤكد علي حتمية انفراد الولايات المتحدة في قيادة العالم وفرض سياستها الخارجية على كافة بلدانة .علية يشكل اجماع بكين قوة جذب هائلة كما يمكنه ان يمهد الطريق الى ولادة شكلا جديدا لتحالف بلدان الجنوب كما حصل في عقد الخمسينات والستينات اي ظهور باندونج جديد يأخذ بنظر الاعتباء ركما يراعي مستجدات عهد الاندماج الاقتصادي الجديد الذي ليس له مثيلا في التاريخ . علية يتطلب ان ينطلق تحالف باندونغ الجديد ليس فقط من ضرورات تعبئة الموارد البشرية والمادية في الجنوب واستخدامها الكفوء من ناحية، بل لابد من اعتماده علي له الية اقتصاد السوق الكوني وتحويلها الى اداة لحسم الاختلال في ميزان القوى بين الشمال والجنوب والعمل علي تطويعها لتحقيق التماثل او المقاربة المطلوبة والضرورية . علية تختلف هذه التوجهات عما ساد في باندونج القديم حينما تم آنذاك التركيز على الجوانب السياسية والأيديولوجية مما سهل عملية الالتفاف علية وتدميره .. تأكيدا لحقيقة الاختلاف بينهما اورد الباحث ما صرح به وزير خارجية الهند عام 2003 حينما قال(في الماضي قامت معظم روابط الهند مع اسيا وبالأخص مع بلدان جنوب شرق اسيا علي تصورات مثالية و علي معطيات التاريخ المشترك كالأخوة والتضامن كرد فعل لعهد الاستعمار....اليوم تحدد ايقاعات التناغم في العلاقات بين بلداننا عبر المبادلات التجارية والاقتصادية والاستثمار والانتاج علاوة علي التاريخ والثقافة) علية تشكل الاعتبارات والدوافع الاقتصادية والمصالح المشتركة اسس وخلفيات باندونج الجديد مما قدتجعلة يساهم عند استغلالها بكفاءة وبنيات مخلصة في تحسين اوضاع الفقراء والمهمشون في العالم بأجمعه شمالة وجنوبه، شرقة وغربة.

 

ثانيا: استراتيجيات المحافظون الجدد لاحتواء الصعود الاقتصادي للصين

تعرض الكتاب لثلاث استراتيجيات ترمي احتواء الصين وتحجيم قوتها الاقتصادية والسياسية. تعتمد تصورات الاستراتيجية الاولي التي يطلق عليها الضاحك الثالث على ممارسات ومعطيات النصف الاول من القرن العشرين الذي شهدت فيها اميركا ذروة قونها ا واوج عظمتا ورخاءها كما مارست خلالها سياسة تاجي الاضطرابات الكونية لخدمة مصالحها القومية الانانية.تتمحور الاستراتيجية الثانية التي بلورها وزير الخارجية السابق كيسنجر الامساك بتلابيب التعاون مع الصين ضمن نظام اميركي عالمي يضمن استمرار السيطرة الاميركية والغربية علي العالم ويحقق ابقاء التفوق التاريخي للغرب. اعدت الاستراتيجية الثاء لثة من قبل كابلان وتفضل استخدام ادوات الحرب الباردة القديمة مع تغيير محور التركيز من واربا الي اسيا مع ضرورة تجنب المخاطر والكلف وعلي ان يتم تحميل كافة أعباءها دول وشعوب اسيا. علية تسعي هذه الاستراتيجية تشجيع الانقسامات بين البلدان الاسيوية وتصعيد مخاوف الهولوكوست النووي . مع ذلك ستضطر الولايات المتحدة الاميركية احترام كينونة حلفاءها في الجنوب كما عليها تقديم بعض التنازلات واخذ الحيطة والحذر لتحاشى الانزلاق او المساهمة المباشرة في هذه الحروب الاسيوية المحتملة.

فكل من هذه الاستراتيجيات تحمل في طياتها إشكاليتها حيث جميعها قد تدفع الولايات المتحدة اعتماد سياسة خارجية هشة غير متماسكة كما الحال الان رغم تمكنها من احكام قبضتها العسكرية على منطقة الشرق الاوسط.هذا ومن المحتمل ان تستمر مثل هذه السياسة الخارجية غير المتماسكة في المستقبل بغض النظر عمن يتحمل المسؤولية في البيت الابيض .بالتالي يتوقع ان تخفق هذه الاستراتيجيات والسياسة الخارجية المعتمدة عليها لا سباب عديدة منها

* نشوة القوة العسكرية ومغامرات الحروب الاستباقية التي غيبت عنها حسابات الكلفة- المنفعة والاعتبارات الاخلاقية

*غياب الوعي والادراك في عدم واقعية شعارات ترويج الديمقراطية ونموذج الحياة الاميركية والاصرار علي تصديرها الى كافة بقاع المعمورة

*عدم الاقرار باحتمالات تغيير موازين الفوة الاقتصادية السياسية والاجتماعية الدولية لصالح بلدان الجنوب او امكانية ولادة باندونج جديد يستهدف بناء نظام عالمي جديد عادل ومستديم

*التراجع في النشاط الاقتصادي الحقيقي في الولايات المنحدرة الاميركية وتدهورا وضاع القوى البشرية الصناعية الماهرة من ناحية وتعذر الاستمرار في الاعتماد على عقيدة الاقتصاد النقدي والمضاربات الورقية والنشاطات الوهمية .هذا وستظل هزيمة الولايات المتحدة في العراق تشكل قيدا اضافيا في الحفاظ او استمرار هيمنتها وسيطرتها علي العالم او التحكم بالجنوب او قدرة الشمال في الردع المستمر لتمرد الجنوب وانتفاضات شعوبه.

 

ثالثا: الازمات المالية وتراجع نفوذ صندوق النقد الدولي

1.شكلت الازمة المالية الاسيوية عام 1987-1988نقطة تحول حاسمة في ميزان القوة الاقتصادية ما بين الشمال والجنوب. فعلي رغم التشخيص الصائب لا بعاد وتبعات الازمة المباشرة والمعالجات قصيرة الامد فقد اهملت متابعة اثارها بعيدة الاجل سواء المتعلقة بقضية العلاقة بين الشمال والجنوب او المسائل المرتبطة بقدرات وامكانات صندوق النقد الدولي لا جراء التسويات وحسم مشكلات المنازعات او التنازلات المالية الضرورية اللاحقة سواء للملاك في بلدان الجنوب او للمستثمرين من بلدان الشمال . علية ظهرت لاحقا مفارقات عجبيه تجلت ليس فقط في العجز الكبير بموازين مدفوعات بلدان الشمال والفائض الضخم في موازين بلدان الجنوب بل في محدودية السلع والخدمات الذي يستطيع الشمال عموما واميركا خصوصا انتاجها بكلف منخفضة وتنافسية مقارنة مع بقية بلدان العالم.. علية اخذت تتدفق اجزاءا من الفائض المتحقق في الجنوب نحو بيوتات الواسطة المالية الاميركية التي استخدمتها ليس فقط في شراء سندات الخزانة الاميركية بل استثمارها في بلدان العالم المختلفة بما في ذلك بلدان الجنوب . مع ذلك حاولت عديد من البلدان الالتفاف اوتجنب التعامل مع مثل هذه البيوتات المالية واخذت توجه فوائضها المالية سواء لتعزيز احتياطها النقدي الاستثمار ها مباشرة في بلدان العالم المختلفة بما في ذلك بلدان الجنوب . علاوة علي قيام بعض بلدان الجنوب اعادة شراء ديونها الخارجية. كلة قاد الى تراجع ملحوظ في ارصدة حقيبة ديون صندوق النقد الدولي حيث سجلت ادني مستوي لها منذ عقد الثمانيات. علاوة علي اضطراره شطب واهلاك بعض ديونه او مستحقاته من الفوائد المتراكمة مما ادي الي تراجع موارد دخلة. . ساهمت هذه المتغيرات ليس فقط اضعاف نفوذة وتقلص سطوته في املاء او التحكم بالسياسات الاقتصادية للبلدان المختلفة والاقتصاد الكوني، بل أجبرته ايضا علي تغيير أساليب عملة والتخلي عن صيغ الاوامر، ووضع العراقيل واستبدالها بوسائل المشاورات والاقناع المتبادل .

2. تمتلك الصين كما معروف احتياطات نقدية ضخمة تقدر بما يعادل 1.5 ترليون دولارتم توجيه حوالي 65% منها الى شراء سندات الخزانة الاميركية*. ببداءة الصين تغيير هذا التوجة واخذت تعمل علي تنويع استثمار فوائضها سواء في تقديم عروض صفقات سخية بشروط ميسرة في مجال التجارة والاستثمار او زيادة مساعدات التنمية لبلدان الجنوب . تتميز القروض والصفقات الصينية مع بلدان الجنوب بشروط ميسرة وتكاليف استشار رات واطئة جدا ومشروطات سياسية محدو حيث يتم معظمها مقابل تمكين الصين النفاذ للموارد الطبيعة في هذه البلدان ولتمكين قيام مؤسسات الاعمال الصينية في تنفيذ مشروعات التنمية وبناء البنى الارتكازية في المناطق النائية بأسعار تنافسية قد تصل الي 50% من اسعار الشركات الغربية. علاوة علي ذلك تقوم فنزويلا وغيرهما من بلدان العالم الثالث الغنية في لعب دورا رياديا في مجال تقديم مساعدات التنمية مما سيقود الي تغيير جغرافية هذه المساعدات مما سيعمل علي تقليص او تقويض نفوذ بلدان الشمال ومؤسساته المالية بما في ذلك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي .اكد الحقيقة هذه ممثل الفلبين الدائم لدي صندوق التنمية الاسيوي بعد اعلان الصين خبر تقديمها رزمة قروض بمبلغ قدرة(2)بليون سنويا لمدة 3 سنوات الي القلبين مما جعل سوآءا عرض صندوق النقد الدولي البالغ (200) مليون دولاراو عرض اليابان البالغ(1) بليون دولار مبالغ هامشية نسبيا مقارنة بالسخاء الصيني.

استكمالا لهذه المبادرات قامت ايضا عديد من بلدان النفط الغنية في توجيهيا من فوائضها ا المالية الناجمة عن فورة اسعار النفط الاخيرة نحو بلدان الجنوب، فمثلا قامت فنزويلا تقديم قرضا بمبلغ (2.4) بليون دولار إلى الارجنتين عندما قررت انهاء عضويتها في صندوق النقد الدولي كما منحت عديد من بلدان اميركا الجنوبية القروض والمساعدات بهدف تمكنيها من فك تبعيتها للولايات المتحدة الاميركية ومؤسساتها المالية بما في ذلك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.. بذات الاهمية يمكن للسعودية وغيرها من بلدان غرب اسيا الوفيرة الفوائض ان تلعب دورا هاما في هذا المجال ان رغبت وتمكنت من تدوير فوائضها انطلاقا من مصالحها الذاتية وباستقلالية. مع ذلك اكد الكاتب احتمالات حدوث مثل هذا التوجه حينما اورد تصريحات عديد من رجال المصارف الذين يؤكدون عبرها حصول قفزة ضخمة في تدفق الصفقات والاموال من بلدان الشرق الاوسط الي مشروعات التنمية في البلدان الاسيوية مثل الصين وبلدان جنوب شرق اسيا. لعبت جملة عوامل في هذا التحول وتراجع استثمارات البلدان المنتجة للنفط الغنية في السوق الاميركي منها علي سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

* اعتبارات سياسية 1. عدم شعبية الحرب الاميركية في العراق 2. ردود الفعل الانتقامية الاميركية الحكومية والشعبية اتجاه الاسلام و العرب بعد احداث 11 سبتمبر عام 2001. 3. التصرفات التميزية والقيود المفروضة علي نشاطات الشركات العربية او من بلدان الجنوب منها مثلا اعاقة صفقة شركة ميناء دبي لا دارة وتشغيل المرافئ الاميركية .

* اعتبارات اقتصادية حيث اصبح مردود الاستثمار في المشروعات الاقتصادية بالبلدان الاسيوية الراغبة في النفاذ لمورد النفط وغيرها من مشروعات التنمية يتجاوز عائد الفوائد المتحققة من الاستثمار في مجال سندات الخزانة الاميركية.

فمثل هذا التحول يجعل من تصاعد توجيه الفوائض المالية المتحققة لدي بلدان الجنوب نحو مشروعات التنمية المجزية في أساو بلدان الجنوب عوضا عن تكنزيها بالمصارف ومؤسسات المال العالمية من ناحية وحرية التصرف بالاحتياطات النقدية دون سطوة صندوق النقد الدولي من الناحية الأخرى ليس فقط نذيرا ومبشرا لنهاية سطوة الدولارات بل قد يشكل اداة فاعلة للانعتاق والتحرر . بالتالي تصبح مسالة الاستمرار في استخدام في عمليات التبادل العالمية لهذه البلدان امرا ثانويا .. تاريخيا استمر العالم يستخدم الباوند الإسترليني كعملة تبادل دولية لمدة 30-40 عاما بعد خمور وانحسار سطوة الامبراطورية البريطانية هكذا بما يظل الدولار يلعب دورا في المستقبل ايضا .

3. توافرت ظروف تاريخية اثناء ما يطلق عليها الكاتب الثورة المضادة لعقيدة الاقتصاد النقدي كما نضجت مستلزمات بزوغ باندونج جديد وجماعة السوق العالمي التي روج لها ادم سميث، الا ان عدم ادراك ابعادها واستغلالها بكفاءة أعاق تحقيق هذا الهدف . مع ذلك يظل التعاون بين بلدان الجنوب يشكل الطريق المحتمل للوصول لهذه الغايات والتصدي لمحاولات الشمال في الحفاظ علي هرم الرفاهية السائد حاليا بسماته الاساسية التي تتمحور في تعاظم الفجوة في الدخل او القوة. فالاتفاق او التحالف بين الصين والهند– (بتعداد سكان يربو عن 2.3 بليون نسمة او ما يعادل 33% من سكان البشرية). لابد ان يقود ليس فقط الي ظهور معايير ومقاييس دولية جديدة تحدد مسارات الانتاج والاستهلاك العالمي، وربما يكون مواطنا صينيا او هنديا ورثيا شرعيا لعديد من منتجات التكنلوجيا المتطورة المتواجدة حاليا في الاسواق مثل ما ميكروسوفت او غيرها . هكذا سيشهد العالم يوما بعد اخر انحسار قدرات نادي الاغنياء (الولايات المتحدة الاميركية والاقتصاديات القوية في واربا واليابان) ليس في تحديد سرعة واتجاهات النمو والتطور في بلدان العالم المختلفة، بل سيصبع عاجزا في فرض أوامره وتوجيهاته علي الجنوب وتحديد مدى لياقة او اداء هذا الاقتصاد وذاك بموجب معاييره الخاصة. بل يمكن لمثل عذا التحالف توفير الشروط للانعتاق والتحرر ليس لشعوبها بل العالم برمثة وتخليص البشرية من التدمير والتخريب الاجتماعي والبيئي الذي لحق بها من جراء التطور الرأسمالي الغربي.

 

رابعا: النموذج الغربي للتطور وتحديث الجنوب

ضمن هذا السياق يؤكد الباحث علي ضرورة الادراك والوعي الكامل بحقيقة عدم امسكا نية انجاز التطور والتحديث لأغلبية سكان العالم عند استمرار بلدان الجنوب بالاعتماد او تبني النموذج الغربي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية من ناحية واصرار الشمال في عدم تغيير مسارات توجهاته او التنازل عن بعض مكتسباته ورفضة مقاربة طريق تطوره ونموه مع الطريق الاسيوي للتطور والنمو الاقتصادي والاجتماعي.

يقول الباحث ان هذا ليس اكتشافا جديدا... ففي ديسمبر1928كتب المهاتما غاندي" ربنا احمينا من ان لا تسلك الهند في تصنعيها طريق النموذج الغربي...فالإمبريالية الاقتصادية لجزيرة المملكة الصغيرة- بريطانيا- تمكنت من الامساك برقاب العالم بأجمعه فماذا سيحصل ان توجهت الامة الهندية البالغ تعداد نفوسها (300) نسمة (عدد سكان الهند آنذاك )في طريق تصنيعها النموذج الغربي فلابد انها ستفترس العالم كالجراد النهم " علية كان غاندي ليس فقط واعيا لأهمية الانعتاق بل تمني ان يتعلم قادة الجنوب ذلك ولا يتجاهلون الحقيقة هذه.

.تمكن الغرب تحقيق نجاحاته و قطف ثمار الثورة الصناعية لوحدة ليس فقط عبر أعاقته غالبية سكان البشرية من النفاذ للموارد البشرية و المادية و حرمانها من التمتع بمنافع التصنيع الكوني بل تم تحميلها اعباء ونكالي نهضته وتقدمة وتفوقه. علية يعتبر طريق التصنيع الانبساطي الذى سلكته الثورة الصناعية مجرد ظاهرة جانبية وعاملا مساعدا لتعظيم نجاحات الغرب.ا ن افكار وتصورات بعض المنظرون في التأريخ والاجتماع حول منافع وخسائر تطوير سوق الصين في القرن الثامن عشر تدلل سخف الاطياف الايولوجيةالسائدة. فالصين البلد الكبيركان يتمتع بإمكانات رحبة لقسمة العمل الاجتماعي تفوق تلك الامكانيات المتاحة في اقتصاد بلد صغير مثل بريطانيا . ففي ما بين 1741 وحتي بداية عام 1770 تضاعفت مستوردات صناعة الغزل والنسيج البريطانية من القطن الخام ثلاث مرات مما يعني كان يمكن للصين وخلال الفترة ذاتها ان نزيد من استهلاكها من الاقطان الخام بأحجام ربما تجاوزت مجموع ما كان يمكن للعالم انتاقه خلال القرن الثامن عشر برمثة . علاوة علي ذلك وخلال الفترة ما بين

1785-1833 استوردت مقاطعة كونج توتك لوحدها من القطن الهندي سنويا ما يعادل ستة اضعاف مجموع ما استهلكته بريطانيا سنويا من القطن منذ اختراع ريتشارد اركروغ مكائن النسيج المحركة بالقوة المائية. هكذا كان يمكن للصين ان تتوسع في صادراتها من منتجات الغزل والنسيج بكميات نفوق القوة الشرائية المتاحة في العالم مقارنة بسوق بريطانيا الصغير نسبيا.

.عموما يمكن القول ان نجاح ا لثورة الصناعية في بريطانيا ارتبط بحجم بريطانيا واقتصادها من الناحية المطلقة والنسبية . فالحجم الصغير للاقتصاد من الناحية المطلقة يعني ان الزيادة في استيراد القطن من ناحية وارتفاع صادرات منتجات الغزل والنسيج من الناحية الأخرى يؤديان بالضرورة الى تحقيق معدلات نمو مرتفعة في الاقتصاد. يعني الاقتصاد الصغير نسبيا مقارنة بالاقتصاد العالي ان يقوم بقية العالم تجهيزه باحتياجاته من المواد الاولية الطبيعية بذات الوقت يشتري منتجات كافية منة للمحافظة علي معدل نمو مرتفع للاقتصاد . بالطبع عجزت الصين ان تحقق مثل هذه المعدلات المرتفعة في النمو الاقتصادي . فلو تبنى حكام الصين آنذاك خطي الثورة الصناعية في بريطانيا لاضطرتها ارتفاعات اسعار المستوردات وتصاعد الاضطرابات الاجتماعية والانتفاضات الشعبية والفوضى الى العودة الي صوابها وحكمتها قبل ان تتمكن من افتراس سكان العالم كالجراد النهم . .بعد قرنان من ذلك التاريخ تقف اليوم الصين والهند امام المشكلة والتحديات ذاتها . فمع ازاحةامبراطورية الجزيرة المملكة الصغيرة من قبل قائد الثورة الصناعية الجديد - الولايات المتحدة الاميركية- تصاعد تكثيف انتاج واستهلاك الموارد الطبيعة وتم ذلك ايضا عبر حرمان الاكثرية من سكان العالم من الاقتراب او النفاذ لأصوليات المعايير القياسية للإنتاج والاستهلاك الاميركية. علية تأكدت مصداقية أفكار غاندي حصوصا عند تمكن اقلية من سكان الصين ونسبة اقل منها من الشعب الهندي اختراق هذه الاصول والنفاذ جزئيا لهذه المعايير والمقاييس . هكذا اعترف الجميع بهذه الحقيقة باستثناء حفنة المدافعون عن خلود اسلوب ونمط الحياة الامريكية . فالعالم بكافة مواردة غير قادر تحمل تطور بلدان كبيران مثل الصين والهند عند اعتمادهما طريق التطور الرأسمالي الاميركي سواء بسبب الاوضاع البيئة او بسبب شحة الموارد العالمية المتاحة . من هنا تولد ت

اشكالية اطلق عليها الكاتب المأساة او(التراجيديا) حينما اخذت الصين تسلك طريقا مغايرا كما ببداءة تقدم الجيد بكافة المقاييس لسكانها والعالم بأجمعه . ففي الصين يستهلك الفرد حاليا معدلات منخفضة من اللحوم ويقوم في تدفئة أكواخه المتواضعة لكنة بذات الوقت يرسل البناءة للمدارس فهو بالتأكيد يحاول تجنب الانماط المتطرفة والمتهورة للاستهلاك في اميركا حيث يستهلك الفردية من الطاقة تسعة اضعاف ما يستهلكه الفرد الصيني وفقط لأغراض تبريد وتدفئة قاعات ممارسة الهويات وتشذيب حدائق منزلة بمساحة تزيد عن 2000 مترا مربعا ويأكل الطاطا المستوردة بالطائرات من شيلي.

ان زيارة خاطفة للصين تجعل الانسان قادر اعلي تخمين اهداف البلاد للقرن الحادي والعشرين، بذات الوقت يمكنه الخروج بقناعةحتميةبل ضرورة الحد من تطوير المناطق الغنية لا جل تطوير المناطق الفقيرة . مما يعني ان البلدان الغنية خصوصا اميركا لابد ان تعمل علي تخفيض استهلاكها من الطاقة لا جل ان يتمكن الفرد في الصين وغيرة من البلدان الفقيرة ان يزيد استهلاكه من اللحوم . ان حصل ذلك و توافرت مثل هذه القناعة السياسية في اميركا والشمال عموما فلابد ان تتصاحب هذه القناعة مع الاقرار بحق الجنوب في ولوج طريقا مخالفا لا سلوب ونمط حياة الغرب عموما واميركا خصوصا . فمثل هذا النمط الاستهلاكي الاميركي المتطرف الذي نشاء او أنجزته ظروف مرحلة تاريخية معينة واعتبر حقا مكتسبا للتفوق لا يمكن ان يشكل معيارا صحيحا او حقا شرعيا يجب فرضة علي كافة الشعوب .

تجلت التراجيديا وحددت بدقة في اعلان بوش الاب في طريق رحلته الى مؤتمر القمة في ريو لتوقيع معاهدة كوتيور ان اسلوب الحياة الاميركية موضوعا غير قابل للمناقشة. في الوقت نفسة ابرزت فصول مسرحية العراق عجز القوة الاميركية وباستخدامها الردع العسكري في تنفيذ الحق الشرعي لنمط واسلوب الحياة الاميركية هذا مما وجب علي البلاد دفع ثمن ادامة هذا الحق و المحافظة علية. مع ذلك تظل الحقيقة ناصعة في ان نسبة 25% من سكان الصين والهند غير راغبة غي تقليد نمط الانتاج والاستهلاك الاميركي لا يمانها المطاف بان اللير في هذا الطريق سيقودها والعالم برمثة الى الدمار.. لهذا ادركت القيادة الصينية الجديدة المشكلات البيئة الناجمة عن النمو الاقتصادي المعتمد على استخدام الطافة الكثيف وعمدت الى تأسيس مدن نموذجية مع التركيز الخاص على توفير مستلزمات حماية البيئة كما استهدفت الخطة الخمسية2006-2010 تخفيض كثافة استخدام الطاقة بنسبة20%.لاجل تحقيق هذا الهدف تم تبني سياسة صناعية جديدة تسعي الى ايقاف نشاط (399) فرعا صناعيا وتقليص فعاليات (199) فرعا صناعيا اخرا .. رغم كلة تظل مسالة ايقاف تدهور الميزان البيئي او المحافظة علي نمط بيئي مناسب يضمن نقاوة الهواء والماء امرا صعبا ويواجه التحديات خصوصا وان الخطة ذاتها استهدفت اعادة توطين (300)مليون نسمة من الارياف الى المدن مما قد يخلق مشكلات بيئية اضافية.يتطلب التصدي لها. إيجازان استمرار الصين في التعويل علي طريق التصنيع المعتمد علي استهلاك طاقة كثيفة و الذي حقق لها في الماضي نموا اقتصاديا سريعا يتعارض مع توجهات حماية البيئة مما قد يقود ليس فقط تعرض المعجزة الاقتصادية الصينية للخطر بل ربما يسارع من نهايتها.

علاوة علي فقد تجلت بوقن واحد اسباب وتائح تزايد فجوة الدخل في المجتمع حينما تمكنت شرائح من السكان ان الانتفاع بسرعة من النمو الاقتصادي في حين ظلت غالبية عظمى مهمشة تتحمل فقط اعباء وكلف التطور هذا. بين الفصل (12) من الكتاب تفاصيل اتساع هذه الفجوة وما قادته او سببته من اضطرابات اجتماعية عنيفة .. اخيرا يشير الكاتب على ان محصلة عملية اعادة التوجهات التنموية الجديدة سوية مع تقاليد التطور المعتمد على الية اقتصاد السوق و التراكم الرأسمالي من دون تأميم الملكية و التركيز علي تطوير الرأسمال البشري علاوة علي تواجد حكومة تعتمد المشاركة والمبادرات الجماهيرية جميع ذلك يمكن الصين في المساهمة الفعلية لولادة الجماعة الحضارية التي تحترم الاختلافات الثقافية بين شعوب العالم المختلفة. ان اخفاق عملية التكيف واعادة التوجه التنموي قد يحول الصين الى مركز سطحي يحوم فوق بؤرة بركان من الفوضى السياسة والاجتماعية مما يقوي محاولات الشمال لا عادة هيمنته المنهارة. ولإعادة صياغة فكرة شم وبيتر مجددا فان البشرية التي عاشت لحظات العنف المتزايد (او ربما السعادة) لا نهيرا النظام العالمي للحرب الباردة لربما تتعرض مجددا للإبادة اوان تتمتع بالراحة والاطمئنان .

في نهاية مطاف رحلتنا عبر هذا الكتاب القيم لابد من تسطير كلمة ختامية. فعلي الرغم من احاطة بعض تحليلاته،الكارة وتصوراته مشحات التفكير الربوي تظل معظمها تؤكد مصداقية اطروحات ومقولات حركة التحرر الوطني في ان السبب الحقيقي للتخلف الاقتصادي والاجتماعي وتهميش بلدان الجنوب يرجع بالدرجة الاساسية للعلاقات الرأسمالية الغربية والإمبريالية العالمية...فمن دون ازالة السبب سيظل العالم يدور في فلك الظواهر ودوامة التشرذم بين شريحة صغيرة غنية متهورة وكثرة فقيرة مهمشة.

 

.............

*استلت الارقام من:

A V Raj wade : The Dollar Dilemma Dec>2003 http://www.business-standard.com   (1(

نشر الكتاب باللغة الانكليزية والالمانية تم عرض الكتاب من الطبعة الالمانية الموسومة:

Giovanni Arrighi

Adam Smith in Beijing

Genealogie des 21 Jahrhundert

الكاتب استاذ علم الاجتماع في جامعة جونز هوبكنز بالولايات المتحدة وتتركز ابحاثة علي تاريخ علم الاجتماع المقارن،تحليل الانظمة العالمية واقتصاديات المجنمع

www..vsa.verlag.de vsa-verlag 2008 st. georgs kirchhof6<220099 hamburg

 

 

مركب التباريح لاستكشاف دول المسلمين عبر التاريخ

nadheer khazrajiوَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ.. جزء من نصّ الآية 140 من سورة آل عمران، هو في واقعه عنوان كبير، عرضه عرض الحكومات والممالك والإمارات والمدنيات والحضارات التي قامت منذ أبينا آدم (ع) وتقوم مادامت السماوات والأرض، وكل أمة تدرك معنى الآية الكريمة، فهي تعيش مضامينها الظاهرة والباطنة بكل مقاطعها، وتعايشها بكل وجدانها، فهي منها وفيها ومثالها، فكل جيل من الأمة في هذا البلد أو ذاك يعيش دهره، تحكمه سلطة قائمة، وقد يراها تبور وتنهض أخرى، فتلك الأيام دول بين الناس وهكذا هي صروف الدهر.

وقراءة تاريخ الأمم والدول، ليس فقط يكسب الجيل تجربة وخبرة وينير له الدرب ويطلعه على أيام الهزائم والقهر لكي لا يقع فيها وايام الانتصارات والظفر حتى يستن بها، بل ويجعله مستحضراً لنقاط القوة والضعف على الدوام بما يجعله متماسكاً يسابق الأمم الأخرى، هذا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، من هنا فإن بعض الحكومات بقيت لسنوات وأعوام وبعضها لعشرات الأعوام وبعضها لعصور وقرون.

وأجمل ما في تاريخ الأمم هو أن يقف الإنسان على آثارها، على أن الأجمل من ذلك هو أن تحافظ الأمة على تاريخها أو بقاياه، وخلال زيارة قصيرة مع العائلة للمملكة المغربية في الفترة 2-7 اكتوبر تشرين الثاني 2014م تجولت في أربع مدن هي الدار البيضاء ومراكش والقنيطرة والرباط، فضلا عن مدن عديدة مررنا بها ونحن في رحلة يومية بواسط القطار أو (التران) حسب تعبير المغاربة، أخذنا من محطة المسافرين في الدار البيضاء الى مراكش، ومن محطة الميناء الى القنيطرة والرباط، فكنا نخرج صباحا ونعود مساءً في وقت متأخر من اليوم نفسه.

الملفت للنظر في زيارة المدن المغربية، وبخاصة العواصم التاريخية والحديثة، مثل مراكش يوم 4/10/2014م، والرباط يوم 6/10/2014م، أن الزائر لها يستحضر تاريخ الممالك والحكومات القديمة بعد أن حافظت الحكومات المتعاقبة على حدود تلك الممالك ومعالمها بجدرانها المتسامقة وأبوابها الخشبية الكبيرة وبقايا مدنية قامت واندثرت، فحين يتحرك المرء في مراكش باستطاعته وهو داخل أسوار المملكة القديمة أو خارجها أن يستعيد التاريخ وأدواته ومفرداته، وعندما يتجول في شوارع العاصمة الرباط بامكانه أن يشاهد حدود مملكة المرابطين ومملكة الموحدين، وله أن يتجول في الأزقة الجديدة، والأزقة المتمادية في التاريخ مثل أزقة حي الوداية المطل على المحيط الأطلسي والمحاذي لنهر أبي رقراق الذي تنتصب على الجهة الثانية منه مدينة سلا، وفي هذا الحي يقف الزائر عند أول مسجد بني في دولة الموحدين ويعود الى العام 544 هجرية، فالمسجد مع منارته وقصر بانيه الملك عبد المؤمن بن علي الكومي (487- 558هـ = 1094- 1163م) لازالا قائمين حتي يومنا يقرأ الإنسان من سطور جدرانهما التاريخ بجزئياته، ويقدمان الدليل تلو الآخر على أن الحكومات والممالك دول، ولو دامت لفلان لما وصلت لعلان.

مشاهد الرحلة الثانية الى الدار البيضاء بعد الأولى في كانون الثاني عام 2011م، أعادها من ساحل الذاكرة القريب، الأستاذ علي التميمي وأنا أتصفح كتابه "دول المسلمين عبر التاريخ" المستل من دائرة المعارف الحسينية للكرباسي، الصادر حديثاً (2014م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 391 صفحة من القطع الوزيري.

 

قامت ثم دالت

تعد الحكومة الإسلامية التي أسسها نبي الإسلام محمد بن عبد الله (ص) في المدينة المنورة في العام الأول من الهجرة هي باكورة الدول التي بدأ بها الكتاب فيما تعتبر الجمهورية الإسلامية في إيران التي أسسها السيد روح الموسوي الخميني عام 1979م آخرها، وما بينهما 254 دولة ومملكة وإمارة، وكلها حكمت باسم الإسلام، منذ مطلع القرن الأول الهجري وحتى مطلع القرن الخامس عشر الهجري، وهي مجموع الحكومات التي ورد ذكرها في أجزاء دائرة المعارف الحسينية لمؤلفها المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، تقصاها الأستاذ التميمي وجمعها في هذا الكتاب، حيث اعتمد في وضع تسلسل الدول على تاريخ النشأة متقيداً بذكر مؤسس الدولة أو المملكة أو الإمارة أو الجمهورية، وعاصمتها، وسلسلة الحكام حتى آخرهم، وسنة انقراضها والجهة التي أسقطتها، وما كانوا عليه من مذهب اسلامي، على ان المذهبية دخلت كركن أساس في قيام حكومات وسقوط أخرى، وعدد غير قليل مما ذكره المحقق الكرباسي في الموسوعة الحسينية وقيّدها التميمي في الكتاب إنما قامت على أساس مذهبي طائفي، وتحت حد المذهبية قُتل الكثير من المسلمين، وتداعيات هذه الحرب الخؤون لازالت الى يومنا هذا قائمة يغذيها الغلاة والجهلة من كل الفرق والمذاهب الإسلامية.

ولعل واحدة من الدروس المستقاة من ثنايا الكتاب، أن ذاكرة الإنسان ذات ألوان متعددة، تسودّ مع الحكومة الفاسدة وتخضّر مع الحكومة الصالحة، والآثار التي تتركها الأمم السابقة يتوقف طبيعة ذكرها في النفس تبعاً لطبيعة الحاكم أو الحكام، فيتحقق عندها مفهوم العبرة والاعتبار، فالواقف على الأطلال بين دائرتين، فإما أن يترحم على الحاكم أو يلعنه، والأمر عائد لما يتركه من أثر خير أو شر، مثلما هو المرء المحكوم، حصير ما يترك من عمل وافرازاته إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشرٌ، ومن أمثلة ذلك هو الحجاج بو يوسف الثقفي (40- 95هـ) الذي حكم العراق، لكن ذكره يبعث على الاشمئزاز والنفور تتبعه اللعنات، وتولى مالك بن الحارث الأشتر (25 ق.هـ- 38هـ) حكم مصر، وذكره مدعاة لذكر الخير تتبعه الرحمات، فالأول كان يحكم في دولة يُقال لها دولة اسلامية والثاني حكم بالعنوان نفسه، لكن الأول مثال الشر والثاني مثال الخير، فالأول عمل بشعار: (إني لأرى رؤساً قد أينعت وحان قطافها، وإني صاحبها، وكأني أنظر الى الدماء بين العمائم واللحى) والثاني عمل بوصية الإمام علي(ع): (أنصفِ الله وأنصفِ الناسَ من نفسك ومن خاصّة أهلك ومَن لك فيه هوًى من رعيتك، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده)، وبجملة مفيدة وكل جمل أمير الفصاحة والبلاغة مفيدة: (استصلاح أهلها وعمارة بلادها)، ولهذا يدخل المرء مدينة واسط (الكوت) في العراق ولا يجد للحجاج قبرا ولا ذكراً سوى اللعنات، فيما تتراءى أمام ناظريه مراقد لعلماء أجلاء أطاح برؤسهم الحجاج ظلماً وعدواناً، ويدخل المرء مصر ويقصد مدينة الخانكة (الخانقاه) في القليوبية لزيارة مرقد مالك الأشتر وقراءة الفاتحة عند قبره، ويغادر مرقده على أمل العودة ثانية، تلك صورة وهذه صورة، وهي تحكي حال الدول والممالك وما ينطوي عليه قول الله تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس).

ولا يذهبن الظن بأحد بأن الطغيان هي صفة خاصة بالحاكم الظالم دون بقية الناس، فالطغيان صفة مذمومة تتحقق في كل انسان حاكما كان أو محكوماً، لأنه تعبير عن الانفلات عن مركز القيم والمفاهيم الحقة، وهو يجري في أي مجتمع صغيراً كان أو كبيراً، كأفراد وكمجتمعات، لكن مثاله الأبرز في الحاكم الذي يتخذ مال الله دولا وعباده خولا ودينه دغلا، فيحتكر المال ويمنعه عن عباده ويتخذهم عبيدا ويحكمهم باسم الدين الذي أدخل ما ليس فيه واستحدثه، وأمرهم به كدين وآية منزلة.

من هنا فإن قراءة الكتاب وما فيه من أسماء حكومات وزعماء وملوك وأمراء، هو في واقعه عبرة، فمهما شمخ الإنسان بأنفه فإن تراب القبر سيرغمه، ولهذا جاء في الحديث النبوي الشريف: (لولا ثلاثة في ابن آدم ما طأطأ رأسه شيء: المرض والفقر والموت، وكلهّن فيه، وإنه معهنّ لوثّاب)، وهذه الثلاثية هي التي غيبها الشيطان عن الإنسان فغوى، عندما منّاه بالخلد وملك دائم كما أشار القرآن الكريم: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى) سورة طه: 120، ولولا هذه الثلاثية كما يشير التميمي في المقدمة: (لا تجد للإنسان خضوعاً وانقياداً) وهو كذلك.

 

ببلوغرافيا الدول الاسلامية

ينطوي الكتاب على معلومات مهمة، وهي بمثابة خطوط عامة لكل دولة اسلامية (ببلوغرافية)، فقد تجد دولة إسلامية تقوم على ملكين أو أميرين ثم تنقرض، وأخرى على عشرات الملوك ولقرون عدة، فعلى سبيل المثال فإن الدولة الزنگية الثانية في سوريا في الفترة (541- 577هـ) قامت على الملك العادل نور الدين محمود الزنگي والملك الصالح اسماعيل بن نور الدين الزنگي وانقرضت على ايدي الأيوبيين، في حين أن الإمارة اللوهانية في الهند استمرت 613 سنة في الفترة (771- 1383هـ) وانقرضت على يد البريطانيين عام 1964م في عهد ديوان مهاخان إقبال خان بهادر، وكانوا من الشيعة الإثني عشرية، وحكم فيها 29 أميراً، أولهم مالك خرّم خان، وهم أقرب الى الدول العثمانية من حيث مدة الحكم، التي بدأت ولايتهم عام 680هـ على يد عثمان الأول ابن أرطغرل الأقزي ودالت عام 1342هـ على يد دول التحالف الغربي، وكان آخر سلاطينهم عام 1924م هو عبد العزيز الثاني الذي حمل الرقم 41، وكانوا من السنة الأحناف.

ومما يمكن ملاحظته من خلال قراءة أسماء الحكومات ونوعها وقادتها، أن الدول القائمة على الأسرة يطول، بشكل عام، عمرها ويقل عدد حكامها، لاسيما مع وجود نظام الوصاية، فالملك أو الأمير يتولى سدة الحكم حتى وإن كان طفلا ضمن نطاق الوصاية، ولذلك يكبر وتزداد سنوات حكمه حتى يخرج من نظام الوصاية الى الحكم المباشر ولا ينتهي حكمه الا بالموت أو القتل أو الاغتيال، في حين أن الحكومات الجمهورية التي انتشرت في القرن العشرين الميلادي، يزداد فيها عدد الرؤساء والزعماء في مدة قصيرة، والأمر عائد لطبيعة الحكم الجمهوري القائم على الرئاسة المؤقتة والانتخابات، كما لا يخفى أن كثرة الانقلابات والثورات في النظام الجمهوري يساعد على تداول الحكومات وتنقلها بسرعة من يد الى أخرى طوعاً أو قهراً، فعلى سبيل المثال، فان الدولة الشيبانية الأولى في خوارزم وعاصمتها بخارى تولى حكمها 12 حاكما لمدة 98 عاماً في الفترة (1500- 1598م)، في المقابل فإن جمهورية جزر القُمر الاتحادية الاسلامية بدأت عام 1975م وحكمها حتى عام 2014م 12 رئيسا خلال 40 عاماً.

وحتى في بعض الحكومات الملكية أو الأسرية يتحقق الفرق في عدد الحاكمين قياساً للفترة الزمنية لكل حكومة، فعلى سبيل المثال، فإن الدولة القرمية في روسيا في الفترة (1428- 1793م) تناوب على رئاستها 71 حاكماً خلال 365 سنة، في المقابل نجد أن الدولة الهاشمية في الفليبين في الفترة (1450- 1898م) تولاها 32 حاكما خلال 448 سنة، وكانوا من الشيعة الاثني عشرية وانتهت على يد القوات الامريكية.

إنّ ما يثير الفضول فيما جاء في الكتاب، الرغبة في معرفة الدول الاسلامية التي قامت ودالت، عبر التاريخ، لأن كل مجتمع مسلم بشكل عام يعرف عن بلده وعن حكامه، واذا تجاوزت حدود معارفه حاجز القطرية فإنه سيعرف الحكومات الكبرى التي كانت تحكمه، ولكن اذا ازدادت معرفته بحكومات اسلامية في شرق الأرض وأقصاها فهذا هو الحسن، وهذا ما يوفره الكتاب الذي يعكس الجهد الكبير الذي بذله المحقق الكرباسي في استقصاء تاريخ نشأة الدول وانقراضها، ويعكس جهد المعد في تنظيم المعلومات الكثيرة المتوزعة في ثنايا الموسوعة الحسينية التي بلغ المطبوع منها 90 مجلداً من مجموع 900 مجلد مخطوط.

ولاشك ان الذي يعيش في المغرب العربي، على سبيل المثال، يعرف الكثير عن حكومات منطقته وكذلك الذي يعيش في المشرق العربي، ولكن القليل يعرف أن الهند حتى وقت قريب كانت تعج بالممالك والإمارات الإسلامية في شتى المذاهب والطوائف، فالكتاب يضم 32 مملكة وإمارة كانت آخرها الإمارة اللوهانيّة وعاصمتها پالنپور التي أسقطها البريطانيون عام 1964م.

إن ما يمكن الخروج به من خلال تتبعنا لكتاب (دول المسلمين عبر التاريخ) وأمثاله من الكتب الرصينة القائمة على المعرفة والبحث والتنقيب والتحقيق، هو مسيس حاجتنا الى إعادة قراءتنا التاريخية السابقة عن الحكومات والولاة ولاسيما ما تعلمناه أثناء الدراسة في المدارس الرسمية، المحكومة بالنظام المذهبي لكل بلد، فهناك تصورات رسمتها المناهج الدراسية للتاريخ والجغرافية عن كل دولة قامت ودالت، ليس بالضرورة أن تكون هي الحقيقة بعينها، وتخضع في بعضها أو كثيرها للأهواء المذهبية، وهو ما يخالف المنهج العلمي، والمرء بامكانه الخروج من أسر التاريخ المؤدلج عبر تنويع قراءاته، وهذا ما يحث عليه الإسلام وتدعو اليه الفطرة الإنسانية، وهو ما ينبغي أن يكون عليه عقلاء الأمة.

 

نحن وأمريكا .. قراءة في كتاب لصائب خليل

saleh alrazukفي كتابه (الجهود الأمريكية لتفتيت الدولة العراقية) الصادر عن دار الغد في عام ٢٠١٤ يتحدث صائب خليل عن المشروع الأمريكي الهادف ليس لتحطيم العراق ونهب ثرواته فقط، ولكن للسيطرة على العالم ووضعه تحت الوصاية.

و من أول صفحة لآخر صفحة يبدو أن الباحث يتبنى نظرية المؤامرة. فأمريكا هي الخادم الأمين لمصالح إسرائيل في العراق، (ص١١)، ولذلك عملت بشتى السبل لزيادة التوتر بين المكونات، ولرفع حرارة الجو، وتعميق التناحر بين الطوائف (ص١٢). وكان الرد هو وقوف الشعب أمام المحتل الأمريكي ومقاومة مشروعاته وأدواته (ص١٢).

و أستطيع أن أقبل أن أمريكا تنظر بعين الشك لشعوب المنطقة، وهي تجد في إسرائيل خاصرة طرية تستند لها. أو نافذة على الشرق الأقصى. أما شرقنا الأوسط فقد ابتلعته بالتدريج، حتى تحول إلى فراش وثير تنام عليه. ولم يعد يقلقها غير الحضارات الجريحة (بتعبير ف س نيبول) وهي الهند وإيران.

و لكن هل حقا إن التناحر بين المكونات في مجتمعنا ظاهرة حديثة.

هل كانت شعوب المنطقة بريئة من الصراع على المصالح ومنها السلطة ومكامن الثروات.

و كيف ننظر إذا للحروب الدموية التي بدأت منذ فجر الإسلام بين أتباع الإمام علي والأمويين، ولم تضع أوزارها بعد.

لقد تبدلت الأسماء وليس المسميات. فالشريحة التي أشهرت السلاح بوجه العراق الجديد هي نفسها من ناحية الدوافع والأهداف.

بماذا تختلف أساليب داعش عن أساليب بني أمية. سوى أنها لا تفهم معنى حركة التاريخ وتوالي العصور. بينما كان الأمويون في حينها يستوردون كل أساليب الحكم وبناء الدولة من روما وإسبارطة. فجسم الكنيسة قدم لميتافيزيقا بني أمية صورا تجريدية يمكن أن يعقلها الإنسان العادي. والجيش الإسبارطي زود الجيش الإسلامي بتكتيك واستراتيجيات لم يكن يعرف عنها شيئا خلال عصر الغزوات. ونحن نعلم جيدا أن الغزو غير الحرب. وأن فرسان القبيلة الأشداء ليسوا جيشا منظما يتبع الخطط الحربية.

دائما أرى أن أمريكا ضحية تقصيرنا وإلقاء ذنوبنا على الآخرين وفق حيلة فرويدية معروفة تسمى " التحويل".

فقد كان فرويد يعتقد أن التبرئة وتطهير الذات يكون بتحويل الموضوع من حامل لآخر. والانتقام من قهر وجبروت الأب يمكن أن يتم تصعيده لنوع من أنواع المقاومة ضد الحاكم أو الدخلاء الأجانب كسلطة الانتداب والوصاية وغير ذلك.

طبعا هذا لا يعني أن أمريكا نظيفة اليد وطاهرة اللسان. بالعكس إنها تعمل على حماية مصالحها العسكرية والاستراتيجية.

وهذا لا تخلو منه أمة. إنما تختلف عناوين وشعارات التبشير. فإذا كانت أمريكا تتوسع باسم الديمقراطية يتوسع الروس باسم توفير السلم العالمي وتحرير الشعوب من الماضي الجامد وتركته الثقيلة.

و قل نفس الشيء حتى على دول ناشئة توهمت أنها قادرة على صناعة حزام أمان قرب حدودها. من ذلك تفكير تركيا بإنشاء منطقة عازلة في شمال سوريا. بعد أن ضمت إليها لواء إسكندرونة وكيليكية. وكل من يعرف تركيا جيدا يعلم أن هذه المناطق لا زال تتكلم باللغة العربية. متى كان الأتراك حريصون على تقدم ورفاهية الشعب السوري. إن هذه الادعاءات هي أسهل طريقة لشراء ضمير البسطاء ولتأمين طريق آمن لتجارتها التي أصبح العرض فيها أكبر بكثير من قدرة الأسواق المحلية على الاستهلاك.أليست هذه هي دوافع الصليبيين خلال حملاتهم إلى المشرق بدعوى حماية الحجاج؟..

لا أريد أبدا أن أقلل من الخطر الأمريكي. ولكن ليست أمريكا هي صانعة المشاكل. إنها لم تخترع ما هو موجود أصلا. حتى أن روائيا مثل أمين معلوف يقول في إحدى اللقاءات الأدبية عن الربيع العربي، إنه فوضى لا داعي لأن تحركها كي تستفيد منها (مجلة مرآة الوسط، عدد ٢٠٤).

لا يمكنني أن أتصور كيف تربط ماكينة البروباغاندا بين داعش والنظام الأمريكي. فكل عناصر الحليف غير موجودة. إن ماكينة البروباغاندا تبدو لي أحيانا عمياء. فكما وضعت أمريكا وداعش في صف واحد وضعت السلفيين التكفيريين وقوات النظام السوري في نفس المربع.

إذا كانت أمريكا هي وراء صناعة الطوائف في العراق، من يقف إذا وراء الحرب الدموية التي دارت رحاها بين البروتستانت والكاثوليك طوال قرون. لا أظن أنك ستقول أمريكا.

لقد رسم الكتاب أمريكا بصورة فيل في حانوت للخزف الصيني. وهذا تشبيه له ما يبرره. وعليه لا أفهم كيف يمكن إقامة حوار بين أمريكا والعراق ( ص ٨٧). للحوار شروطه. أن يكون بين أطراف متعادلة. إلا إذا كانت الغاية هي تمرير رسائل لجهات تلعب من خلف الستار وأنا أرجح ذلك.

و هو ما يؤكد عليه الكتاب. فهو حوار مشروط ومعروف النتائج ويدور بين ضحية وجلاد.

إن مركز النهرين ( ص٨٦) الذي يشير له الكاتب ليس إلا مسمار جحا فعلا. وقبله وضعت أمريكا هذا المسمار في مصر باسم مؤسسة فرانكلين.

و إذا كانت هذه المعابد الفكرية ذات اتجاه توعوي وتثقيفي لماذا تشترط التخلي عن مبدأ التنوع في المصادر وتفرض ترجمة كل ما من شأنه نشر أخلاق رأسمالية تعزز من سلطة تفكير الأفراد مقابل نشاط الجماعات.

لقد افتقدت فرانكلين لشرط الديمقراطية. وهكذا كانت تبشر بإسلام بلا الشهادتين. إنه دين أركانه مفقودة. وبالعودة لثمرات مطابع فرانكلين ستلاحظ أن الاتجاه العام يساعد على تنمية الرعب والخوف من الذات. ويوسع من أثر الأمراض النفسية. بعكس مشروع الألف كتاب الذي تبنته إدارة يوليو على الرغم من أنها لسان حال نظام عسكري دكتاتوري غاشم. فقد كان أكثر توازنا ويعبر عن جميع مذاهب التفكير البشري.

و لم تكن هناك مساطر من حديد يجب الالتزام بها.

طبعا كانت الصحف هي المنابر التي تتكلم حسب الأوامر، وحتى الصحف لو قلبت الصفحة الأولى ستجد مائدة ثقافية وفنية متنوعة.

لقد تسببت رؤوس الأموال الغربية بسقوط أول مشروع حداثة نهضوي هو مشروع مجلة حوار. وكلنا نعلم بنهايته المأساوية. وهي انتحار رئيس التحرير وتلويث سمعة المشروع النهضوي بذاته.

ولذلك لا أعتقد أنه انتحار فردي. بل هو اغتيال لكامل المشروع. وكما نلاحظ اليوم تصب نفس رؤوس الأموال ( بمعنى القادمة من ماكينة إنتاج النقود نفسها) في تشجيع أفكار سلفية تركب الموجة وتستنفر عاطفة وعقول العامة بدعوى التأصيل.

و هذا ما دعى بمفكر تونسي هو محمد الطالبي ليرى أن رموز عصر النهضة قد أفل وقتهم وما لم يتخلص العقل الإسلامي من تلك الدعوات الهجينة والمبسطة لن يستطيع التحرر من الجمود والعقلانيات المزيفة. والروحانيات العلمانية. وباختصار من تناقضات تسبب له النكبة والتخبط.

من نافلة القول أن أمريكا تحولت لصداع في المنطقة.

و لبنان مثال سابق على العراق.

إذا لم يكن هناك فراغ حكومي (دولة بلا رئيس للحكومة) يكون هناك فراغ رئاسي ( دولة من غير رئيس).

و لا داعي لأن نقول أيضا أن الديمقراطية سلعة لأمريكا وحدها ولكنهاتتحول لكلام وشعارات في الدول المجاورة، ويمكن لأمريكا أن تنسى الديمقراطية لو وجدتأاصدقاء لا يختلفون عن هتلر بشيء سوى أن أسواقهم مفتوحة أمامها.

و في الشرق الأوسط أقرب صديق لأمريكا هي السعودية التي ليس فيها سياسة ولكن أسرة حاكمة فقط.

و باعتقادي أن نعزو لأمريكا قوة فذة في مسك زمام العالم مسألة تضعها في مقام إله خارق له قدرات أكبر منه.

هذا يفتح الباب لمساءلات غريبة عجيبة عن دور إسرائيل وأمريكا في تمهيد الطريق لعودة البعثيين. ولا أشك لحظة أن المشاعر الوطنية التي فاضت بأسلوب كهنوتي وتصوفي حتى وصلت لشعار قوة العرب في وحدتهم هي نتاج إعادة قراءة لأهداف الثورة العربية الكبرى التي انطلقت من الحجاز ووأدها مشروع سايكس وبيكو.

و ما نمر به اليوم من تجزيء المجزأ هو نتاج لإحياء ذلك الاتفاق القديم بعد إدخالات معجمية وحضارية على حدوده ومعناه. وبعبارة أوضح بعد أن دخلت أمريكا على الخط لوأد ما نسميه باليقظة العربية الثانية.

إن الزعم بمؤامرة أمريكية عبأت الجيش في العراق وقبله في سوريا لتوصيل البعث لسدة الحكم طرفة تستحق إعادة النظر.

ألا يذكرنا ذلك بالشائعة المضحكة التي تبناها الأخوان المسلمون ومفادها: أن جامعة الدول العربية مؤامرة من اختراع أمريكا لقطع الطريق على تطوير جامعة الدول الإسلامية؟!!..

و لا أحد ينكر دور نوري السعيد الدكتاتوري الغاشم والفاسد في تأسيس هذه الجامعة. والتي هي في خاتمة المطاف قصر من ورق.

و أظن أن إلقاء اللوم على أمريكا بإعادة ضباط الجيش السابق إلى مؤسسات الدولة العراقية (ص ١٤) يشبه الكلام عن النتائج وليس الدوافع ولا الأسباب. فعودتهم كانت بسبب الفراغ الأمني. أما أمريكا فلا يهمها من يحكم ولا كيف يحكم ولكن من يطيع ويستجيب.

و الجنرال البانامي نورييغا أقرب مثال. لقد كانت تدعمه بمقدار ما يضمن لها التسهيلات الملاحية في قناة باناما. ولم تكشف عنه الغطاء إلا بعد تفاقم الخلافات مع إدارته.

ناهيك عن رعاية ومباركة سفاحين وجزارين يندى لهم الجبين مثل شاه إيران وسادات مصر وملوك الأسرة الوهابية على اختلاف مشاربهم وتياراتهم.

لقد وقفت السعودية وراء كل حوادث العنف المدبرة في المنطقة وقدمت إمكانيات خرافية للإسلام السياسي المحظور على أراضيها، ومهدت الطريق للسلفيين ليلعبوا دور المرشد الاجتماعي ، أقله دور إذاعة تربوية وتعليمية. وقد كان أمير تبوك الحالي فهد بن سلطان هو المرشح والمزكي لتعيين سلطان العطوي (من قيادات جبهة النصرة) في نادي تبوك الأدبي. (جريدة السفير - ١٤-١٠-٢٠١٤).

و تسبب السادات بالقضاء على آخر بقايا الفكر التنويري والنهضوي لأسرة محمد علي. وتعهد بردم الديمقراطية المشلولة والضعيفة التي سادت قبل ثورة يوليو باسم القضاء على مراكز القوى.

و لكن لم تكن أمريكا من فعلت ذلك. لقد كانت مهمومة بتسهيل وتعبيد الطريق لإسرائيل وليس للسادات الذي يعبر عن فلسفة الأواني المستطرقة في حياتنا السياسية.

و مشكلة العراقية لا تختلف كثيرا. فهي خليط من الأصوات المنفردة والاتجاهات. وأعتقد جازما أنها حملت كل أوبئة سياستنا المريضة والفاسدة. واذا وجد السنة ملاذا لهم فيها (ص ١٨٥)، فهذا ليس خطأ التكتل ولكن خطأ المؤسسة. وفيما أرى هذا ما يحصل في سوق السياسة الداخلية في سوريا. لقد انفجر حزب البعث على نفسه. لأن سياسة الاستيعاب والتحميل والقسر لعبت نفس الدور الذي لعبته سياسة التسامح والرحمة في فجر الإسلام.

لقد وفرت فرصة ذهبية لمن يبحث عن جاه أو دور في المجتمع الجديد.

و اذا لم تنجح إعادة التأهيل والاندماج فهذا بسبب الفراغات بين السياسة والأفكار. أو بين الإمكانيات والتمني.

لقد رأت أمريكا أن المطبخ العراقي جاهز لتملي عليه شروطها، وقد حصل ذلك في ربيع براغ (شيكوسلوفاكيا سابقا) وفي أحداث التضامن (بولونيا ١٩٨٠)..و من منا لا يتذكر تدخل الأردن والعراق في أحداث سوريا الدامية عام١٩٨٠ أيضا. ليس للقضاء تماما على نظام الأسد ولكن لإحراجه وفرض الإملاءات عليه. ثم ألم يتحول ميثاق العمل القومي المشترك لمحاولة انقلابية أودت بنخبة من البعثيين العراقيين الشيعة إلى المشانق بتهمة التعامل مع سوريا. ومن ينسى تورط القوات السورية في أحداث أيلول الأسود في الأردن قبل انقلاب عام ١٩٧٠ واستبعاد اللواء صلاح جديد المعروف بقيادة ثلة من الحرس الحديدي.

وهل يمكن أن تقفز من فوق صفحة حرب عبد الناصر في اليمن؟؟!!...

إن السياسة العربية معقدة ومتشابكة مثل متاهة. وعرب أمريكا تلتقي مصالحهم معها ولكنهم ليسوا دمية تلعب بها. ولا هم صناعة أمريكية. لا يمكن أن نقول عن الكردي إنه made in USA صنع في أمريكا. لسبب بسيط. لأنه بدأ برسالة ذات مضمون تحرري وإثني تشابه في خطابها بنية منظمة تحرير فلسطين. ولا يخفى على أحد أن روسيا عملت على تغذية هذه الجيوب المسلحة لعدة عقود قبل أن تسقط في الفجوة الوجودية وتعيد النظر بهيكليتها وأساساتها.

و هنا تبدأ دراما الخصخصة (ص ٣٩ وما بعد). لا يوفر الكاتب فرصة دون أن يتوسع بسيناريو أمريكي يرفع رقابة الدولة عن الاقتصاد ويضعه أمانة في يد مجرم معروف ومصاص دماء شهير وهو صندوق النقد الدولي.

و لكن أعتقد أن الخصخصة في العراق ليست سياسة اقتصادية مدروسة وإنما هي انتقام سياسي من السلطة البائدة.

إنها محاولة للقضاء على البنية التحتية الفاسدة التي كانت تمسك بزمام الأمور. ويشير الكاتب لذلك بطريقة غير مباشرة حين يقول إن البرلمان ينظر للمسألة وكأنها مشكلة أخلاق وليس مشكلة اقتصاد (ص ٥٨).

و ساعد على ذلك الإجراءات التي تعيد ترتيب البيت الروسي والعقل الأمريكي الذي هو بلا منازع عقلية سوق حر وفضاء مفتوح تلعب به رؤوس الأموال وما نسميه بثورة المعلومات التي جعلت الأسرار سلعة نادرة وربما ممنوعة ومنقرضة تماما.

أضف لذلك الأحزاب الدينية التي قادت عملية التغيير والتي لها برامج إصلاح لا تخلو من خطاب تجاري وتوعوي. ويكفي أن نعلم أن الدكتور مهدي الحافظ، أول رمز من رموز الاقتصاد الجديد، شيوعي سابق يصفي حساباته مع حزبه.

إن التكافل الاجتماعي برأي هذه الأحزاب يعني الاعتماد على الجباية وليس الريع وعلى الزكاة وليس الضرائب. وعلى الأفراد وليس التبادل والاستهلاك.

بالفعل وقعت مذابح ضد مؤسسات القطاع العام. ولكنها مذابح انتقامية تحدوها الرغبة بإسقاط بقايا وعوامل بقاء النظام.

و يمكن أن يكون الانتقام مبررا نظرا للنهب المبرمج الذي حول شريحة كبار الموظفين لشريحة رأسمالية تلعب بالاقتصاد الوطني لمصلحتها الخاصة.

على وجه العموم الانتقام كان مزدوجا. ليرعى طبقة جديدة من السياسيين ترى في النظام السابق خطرا داهما على بقائها، ولينتهي من الأسطورة التي كان يبيعها السوفييت، ولحد ما وريثته روسيا الاتحادية.

إن أي إجراء اقتصادي له خلفيات سياسية وأمنية قبل التفكير بميزان الربح والخسارة أو النمو والتطوير.

و قد حصل ذلك في كل دول حلف وارسو السابق. عملية تحويل سياسي لا يبقي ولا يذر. وإذا خدمت هذه السياسة أمريكا فلا يعني ذلك أنها فعلت ما يحصل. لقد سهلت للناقمين ولخلاياهم النائمة العودة للحياة.

و هنا يتوارد في ذهني هذا السؤال: هل أمريكا السبب في الشرارة التي تسببت بوقعة الجمل ومعركة صفين. وهل إسرائيل هي التي أوعزت لابن الزبير للاستقلال بوسط الحجاز. أم أنهم الموساد أو السي آي إي .

كذلك لا أظن أن أمريكا تتحمل وزر التخلف والفوضى والخصخصة وانتقال الاقتصاد في العراق من مجال الخدمات لاقتصاد السوق (ص٢١). والمسؤول الأوحد عن ذلك عدم وضوح الرؤية والفساد واعتماد الأسلوب الأمني عوضا عن التخطيط وتحييد المؤسسات الخدمية.

أصلا لا يوجد في كل المنطقة العربية مؤسسات لها برامج وأهداف. وغالبا تكون المؤسسات مستقلة عن بعضها البعض. وإدارتها مزاجية. وتدخل في نطاق الصراع على المناصب وتوزيع الكراسي.

و إنه منذ انقلاب تموز وحتى عام ٢٠٠٣ لم يتوفر في العراق نظام اقتصادي متبلور. فلا هو مع الاشتراكية التي يفترض أنها إيديولوجيا السلطة ولا هي مع نظام الجباية أو الزكاة الذي تتبناه في السر مجموعات اقتصادية إسلامية تعمل بالاستفادة من قرارات تشجيع التكافل الاجتماعي.

إن احتضان نظام اشتراكي لمثل هذه الشركات الأهلية لا يثير الشبهات فقط ولكن يضع مصداقية المسؤولين الأمنيين على المحك. وكما أرى كانت هذه الشركات تعمل بشكل دولة داخل الدولة. وحتى إن اقتصر مجال النشاط على قطاع محلي فهذا يفتح الباب لمخاطر التفرد بصناعة القرار والتحكم بأرزاق السكان. تمهيدا لتحويل القطاع لكونتون له أهدافه وشعائره.

و بلا مواربة إن كان هناك ارتباط لإدارات مثل هذه الشركات بالخارج فهو ارتباط غير أجنبي. بمعنى أنه يستفيد من التسهيلات التي تمنحها الدول الديمقراطية لنشاط السوق ولكنها لا تستفيد على وجه التخصيص من استراتيجية الدولة ولو أنها ذات تاريخ استعماري.

و هذا يقودنا لموضوعنا التالي: ما هي القدرات الحقيقية للمخابرات العالمية في صناعة التاريخ. أين هي الحدود التي تفصل الأوهام عن الحقائق. والروايات الأسطورية عن الرموز.

لقد ألهمت المخابرات إيان فليمينغ شخصية العميل السري جيمس بوند. وأصبح أسطورة تدل على الحرب الباردة. وطبعا كانت البهارات ( بمعنى التهويل والمبالغة) هي الطبق الأساسي.

مسألة المخابرات بظني تشبه تحليل الأحفورات الدينية. وهكذا يصبح السؤال هل ما ورد في النص الديني عن الجحيم والجنة حقيقة مادية ملموسة أم أنها صور واستعارات لتقريب مفهوم الثواب والعقاب لذهن الإنسان العادي الذي يفتقر لنشاط نفسي ناضج.

و لنكون ضمن مصطلحات كتاب صائب خليل: هل أمريكا ومخابرات إسرائيل وجود لموجود (وهذا لعب بلغة سارتر) أم أنهما محض خوف ورعب نفسي نحن نرعاه حتى ينضج ويتحول لجزء من قطاعاتنا اللاشعورية المسؤولة عن تكوين آليات الدفاع عن الذات في علم النفس، وفي المقدمة الرهاب والحصر.

هنا أرى أنني مضطر للتفريق بين الخبرات والاستخبارات. فسياسة الاحتياجات الفنية لها أهداف نبيلة. ولا علاقة لها بالتجسس. ولكن سوء الظن كما ورد في الكتاب نقلا عن زرادشت لنيتشة هو ولادة الحقيقة ( ص ٤٣).

إن هذه الدوائر تتداخل بشكل متاهة. ولئن كنا سمعنا جميعا بمثالب مؤسسة الاستشراق فهي تبقى مثالب نظرية. وأخطارها أقل بكثير من مخاطر مؤسسات بحوث متعددة الجنسيات يمكنها أن تصل لمصادر المعلومات كي تقدم خدماتها الفنية المناسبة. ومنها مؤسسة cotton exchange التي تعمل على فض النزاعات في الشحنات التجارية بين البائع والمشتري. وغالبا يكون البائع دولة والمشتري مؤسسة أهلية. ويعني ذلك فيما يعنيه ضرورة وصول المؤسسة لمصادر معلومات مصنفة لدينا بسرية. فهي معلومات لها علاقة بالبرامج والخطط وبشكل عام بالتعبئة التنموية.

و لمن لا يعرف Cotton Exchange هي عبارة عن بناء قديم يعود للقرن التاسع عشر، أيام الماضي الذهبي للإمبراطورية البربطانية التي حكمت اليمن ووادي النيل والهند وباكستان. لقد كانت هذه البناية مقرا لتوجيه ورسم سياسات أهم سلعة في تلك البلدان وهي القطن، أو الذهب الأبيض، والذي تحرم الطبيعة الباردة بريطانيا من إنتاجه.

و في دراسة أعدتها جامعة إسيكس عن التبادل السلعي مع المستعمرات، رأت أن القطن يأتي في المقدمة. فبريطانيا تزرع وتربي القمح والذرة والشوندر ولكنها لا تستطيع أن تفعل بالمثل مع القطن. وهذا كان وراء سياسة إنتاج ثياب صناعية كالرايون والفسكوز. ومع ذلك هي صناعات تحويلية تحتاج لسيللوز القطن كمادة خام.

ومن هذه المؤسسات أيضا (وهي تعود لمنتصف القرن العشرين وما بعد، بمعنى أنها تعيش على ذكريات الماضي الإمبريالي، ولكنها لم تساهم في صناعته) أذكر international Institute For Cotton وICARDA

و International Wool Secretariat.

و إذا كنا لا نعول كثيرا على هذه الأمثلة لأنها أصبحت قديمة وطوى النسيان ملفاتها، أرى أن شراء التجهيزات للجيش والأمن، مثل الرادارات وأجهزة التنصت والقاذفات ترتبط بفروض وواجبات. دائما هناك طاقم من المستشارين يتحول في وقت الأزمة إلى لوبي ضاغط على طريقة الصندوق الدولي في منح القروض. وإلا كيف نفسر ارتفاع سعر صرف الدولار في حين تصل عائدات النفط من ٦٢-١٠٠ مليار دولار؟ (ص ٣٣).

إن تراكم النقود السائلة لا يعني بأية حال من الأحوال استقلال القرار الاقتصادي، وإنفاقه في التنمية وتطوير رأس المال الثابت.

و هذا شكل من أشكال التوسع الناعم. وخلفه (كما ورد على لسان الكاتب) عقود تستعمل الإنشاءات والتوريات (ص ٢٨) لتجميل وتمويه خططه.

إن الخطر الداهم لمثل هذه الشركات ذو حدين. أولا هي تضع القيود على إدارة منتجاتها. وثانيا تجد الفرصة المواتية لشراء ذمة كبار الموظفين ممن تسميهم الصين (ماندارين) وتسميهم روسيا (الطبقة البيروقراطية).

و للأسف في بلادنا لدينا أضلاع هذا المثلث الأوديبي كله الذي لا يرعى برامج التطوير بقدر ما يرعى نقاط التمفصل ضمن هيكل الدولة، أو ما يقول عنه فوكو articulation ، ويعني بلغة عربية فصيحة: ضمان نقاط ارتباط ضمن ذهنية لا تنتمي لها.

بوجيز العبارة لو أن المخابرات الأجنبية تستطيع فعلا القضاء على الدولة لماذا تأخرت كل هذا الوقت وتركت المجال مفتوحا لصدام حسين كي يبتزها ويتاجر بورقة إيران والورقة الكردية.

إن هذا الكلام يشبه عندي فكرة شبه ثابتة أن اللوبي اليهودي هو الذي يحرك عصب السياسة الأمريكية.

لماذا إذاً لم تحصل عملية تقشير وتحويل في عموم أرجاء أمريكا لتهويد الأمريكان. أليس هذا أدعى للزهو والمباهاة وأقرب لتسيير دفة المركب، كما فعلت روسيا في الاتحاد السوفياتي. لقد فرضت اللغة والأيديولوجيا والمعايير الروسية وشمل ذلك مسلمي آسيا والقوقاز. ولكنها لم تنجح إلا بأضيق الحدود.

إن خرافة اللوبي اليهودي تبدو لي من بنات خيال العصاب الجمعي. وهي لا تصمد أمام أطروحات لها علاقة بمنظومة التخلف وليس بالميتافيزياء (الطوائف والمذاهب)، وأشير بذلك لما نتداوله عن البعث العلوي في سوريا والبعث السني في العراق.

مثل هذه الظواهر إن دلت على شيء فهي تدل على بقايا التفكير العشائري. وبقليل من تخفيف المصطلحات لتلائم التطور: إنها دليل على حكم يعتمد على نظام الأسرة والقرابة. وشتان ما بين الطائفية والقبلية.

لقد حصل انقلاب عسكري عام ١٩٥٢ بمصر وتبدلت فيه كوادر الدولة من أبناء العوائل لأبناء الريف. وهذا لا يعتبر دليلا على وعي اجتماعي أو اقتصادي بقدر ما يرتبط بسياسة أهل الثقة وتفضيلها على أهل الخبرة.

إنه نفس اتجاه السهم في العراق.

***

لقد رسم الكتاب امريكا بصورة فيل في حانوت للخزف الصيني. وهذا تشبيه له ما يبرره. وعليه لا أفهم كيف يمكن إقامة حوار بين أمريكا والعراق (ص ٨٧). للحوار شروطه. أن يكون بين أطراف متعادلة. إلا اذا كانت الغاية هي تمرير رسائل لجهات تلعب من خلف الستار وأنا أرجح ذلك.

و هو ما يؤكد عليه الكتاب. فهو حوار مشروط ومعروف النتائج ويدور بين ضحية وجلاد.

و مركز النهرين (ص٨٦) الذي يشير له الكاتب ليس إلا مسمار جحا فعلا. وقبله وضعت أمريكا هذا المسمار في مصر باسم مؤسسة فرانكلين.

و إذا كانت هذه المعابد الفكرية ذات اتجاه توعوي وتثقيفي لماذا تشترط التخلي عن مبدأ التنوع في المصادر وتفرض ترجمة كل ما من شأنه نشر أخلاق رأسمالية تعزز من سلطة تفكير الأفراد مقابل نشاط الجماعات.

لقد افتقدت فرانكلين لشرط الديمقراطية. وهكذا كانت تبشر بإسلام بلا الشهادتين. انه دين أركانه مفقودة. وبالعودة لثمرات مطابع فرانكلين ستلاحظ ان الاتجاه العام يساعد على تنمية الرعب والخوف من الذات. ويوسع من أثر الأمراض النفسية. بعكس مشروع الألف كتاب الذي تبنته أدارة يوليو على الرغم من انها لسان حال نظام عسكري دكتاتوري غاشم. فقد كان اكثر توازنا ويعبر عن جميع مذاهب التفكير البشري.

و لم تكن هناك مساطر من حديد يجب الالتزام بها.

طبعا كانت الصحف هي المنابر التي تتكلم حسب الأوامر، وحتى الصحف لو قلبت الصفحة الاولى ستجد مائدة ثقافية وفنية متنوعة.

لقد تسببت رؤوس الأموال الغربية بسقوط أول مشروع حداثة نهضوي هو مشروع مجلة حوار. وكلنا نعلم بالنهاية المأساوية للمسؤول عنه. الانتحار.

و لا أعتقد أنه انتحار فردي. بل إنه اغتيال لكامل المشروع. وكما نلاحظ اليوم تصب نفس رؤوس الاموال (بمعنى القادمة من ماكينة إنتاج النقود نفسها) في تشجيع أفكار سلفية تركب الموجة وتستنفر عاطفة وعقول العامة بدعوى التأصيل.

و هذا ما دعى بمفكر تونسي هو محمد الطالبي ليرى أن رموز عصر النهضة قد أفل وقتهم وما لم يتخلص العقل الإسلامي من تلك الدعوات الهجينة والمبسطة لن يستطيع التحرر من الجمود والعقانيات المزيفة. والروحانيات العلمانية. وباختصار من تناقضات تسبب له النكبة والتخبط.

من نافلة القول أن أمريكا تحولت لصداع في المنطقة.

و لبنان مثال سابق على العراق.

إذا لم يكن هناك فراغ حكومي (دولة بلا رئيس للحكومة) يكون هناك فراغ رئاسي (دولة من غير رئيس).

و لا داعي لأن نقول أيضا أن الديمقراطية سلعة لأمريكا وحدها ولكنهاتتحول لكلام وشعارات في الدول المجاورة، ويمكن لأمريكا أن تنسى الديمقراطية لو وجدت أصدقاء لا يختلفون عن هتلر بشيء سوى أن أسواقهم مفتوحة أمامها.

و في الشرق الأوسط أقرب صديق لأمريكا هي السعودية التي ليس فيها سياسة ولكن أسرة حاكمة فقط.

***

يتألف الكتاب من أربع فصول في كل فصل محور يغلب عليه الشأن العراقي من الداخل، وكنت أتمنى لو أن الكاتب ربط فصول الكتاب بشكل مناقشات متسلسلة وليس بشكل تجميع مقالات. فقد أذن ذلك بتكرار بعض الأفكار والفقرات. وإعادة كتابة المناقشة بصيغ متعددة.

ناهيك أن بعض الأحداث الساخنة في حينها قد بردت وانتهى وقتها. مع ذلك لم يحاول الكاتب تفسير الأسباب أو دعم الأحداث المؤقتة بوقائع استراتيجية تندثر ثم تعود وفق مبدأ السكون والنشاط أو مبدأ الدورات التاريخية.

و مع ذلك تجد في أجزاء مهمة من الكتاب نوعا من التسلسل والإحكام الذي لا يجاريه في دفئه وتدفقه غير عاطفة الكاتب وحماسه لخروج العراق من مأرقه السياسي والاجتماعي.

و أعتقد أن تسويد صفحة أمريكا وتحميلها هموم وأشجان كل المنطقة يأتي من عاطفته وليس من عقله.

لدينا مثل معروف: ما حك جلدك مثل ظفرك. لو عرفنا كيف ندير أزماتنا هل يمكن لأمريكا أن تكون اللاعب الأساسي.

و لو حققنا سياسة الاكتفاء الذاتي، ولدينا كل الإمكانيات، بل هناك وفرة في الثروات الباطنية والطبيعية، هل يمكن لنا أن نتحول لأسرى عند سجون وزنزانات صندوق النقد الدولي؟...

 

تشرين الأول ٢٠١٤

صدور الترجمة العربية لكتاب تنبيه الأمة وتنزيه الملة للشيخ محمد حسين النائيني

624-tanbihصدر حديثا في سلسلة "تحديث التفكير الديني"، التي يصدرها مركز دراسات فلسفة الدين، كتاب الشيخ محمد حسين النائيني " تنبيه الأمة وتنزيه الملة". والنائيني فقيه وأصولي ومرجع شهير، واستاذ لجيل من الفقهاء والأساتذة المعروفين في الحوزة العلمية في النجف، ممن أضحوا مراجع للشيعة في مرحلة لاحقة، مثل السيد أبو القاسم الخوئي وغيره.

اشتهر النائيني بإجتهادات هامة في أصول الفقه، كما تميز بتجديده للفقه السياسي، لكن منجزه الأخير حجب إبداعاته البالغة الأهمية في أصول الفقه، واختُزل النائيني لدى الباحثين والدارسين خارج الحوزة بفقهه السياسي، بل برسالته "تنبيه الأمة وتنزيه الملة".

وهذه الرسالة أحد أهم رسالتين صدرتا خلال المشروطة، وعبرتا بوضوح لا لبس فيه عن الموقف الرافض والموقف المؤيد، لتدوين الدستور الحديث وبناء وإدارة الدولة على أساسه.

ألّف النائيني رسالته استجابة الى نقاشات وجدالات وتساؤلات ومعارك فكرية، وفتاوى فقهية متعارضة، بين أنصار المشروطة ودعاتها، ومناهضيها ممن يعبر عنهم: أنصار "المستبدة"، فيما يسمون هم أنفسهم "المشروعة".

«تنبيه الأمة وتنزيه الملة » هو النص الوحيد من كل تلك الكتابات الذي اخترق الزمان، وتحوّل فيما بعد الى نموذج إرشادي، ومنبع إلهام للكتابات والرؤى والآراء اللاحقة في الفقه السياسي الشيعي. يمكننا ملاحظة تأثيره في «دستور » جمهورية ايران الإسلامية، وبعض الآراء في الفقه السياسي للسيد محمود الطالقاني، والشيخ مرتضى المطهري، والسيد محمد باقر الصدر، والشيخ محمد مهدي شمس الدين، والشيخ حسين علي المنتظري، وأخيرا السيد علي السيستاني.

نظرا للمكانة الفقهية والأصولية المرموقة لمؤلفه، تعرض "تنبيه الأمة" لقراءات وتأويلات شتى منذ صدوره، ولعل أشد تلك التأويلات تحريفا هو ترجمة صالح الجعفري للمرة الأولى لهذا النص، ونشره على حلقات في مجلة العرفان اللبنانية عام 1935، وأعادت نشرها مجلة الموسم، في عددها الخامس سنة 1990. إذ إلتبست مصطلحات ومفاهيم وآراء النائيني في هذه الترجمة، بنحو أصبح النص مشحونا برؤى ديمقراطية، فقد تكرر هذا المصطلح لدى الجعفري في موارد متعددة من النص المُعرّب، في الوقت الذي لم يستخدمه النائيني أبدا في "تنبيه الأمة"، بل ان مفهوم الديمقراطية بفلسفتها المعروفة في الفكر السياسي الحديث، ونمط الحريات السياسية والاقتصادية والعقائدية والشخصية، والفردية ومركزية الشخص البشري في العالم، لم يكن مُفكّرا فيه وقتئذ في الحوزة العلمية في النجف.

مازالت ترجمة الجعفري مرجعا للكتابات العربية عن النائيني وفكره السياسي، واسقاط مفاهيم ومقولات ديمقراطية على تفكيره، وكأنه فقيه ليبرالي، من دون وعي للسياقات الاجتماعية والسياسية التي كُتبت فيها هذه الرسالة، ومنطق الفقه وأصوله وأفق الانتظار الذي كان النائيني يغوص في مدياته.

 624-tanbih

يقول المترجم: د. مشتاق الحلو، عن ميزات هذه الترجمة، مايلي:

1ـ من ميزات هذه الترجمة، المقدمة الموسعة لاستاذنا الدكتور الشيخ عبدالجبار الرفاعي التي تصدرت الكتاب، في أكثر من 50 صفحة. وعالجت تحولات "مفهوم الدولة في مدرسة النجف"، ورحلة هذا المفهوم في التاريخ القريب لمدرسة النجف، وتطور التفكير الفقهي في مفهوم الدولة، منذ مطلع القرن الماضي الى اليوم، من خارج مدونة الفقه النجفية الى داخلها، ثم العودة الى خارجها.

لغة المقدمة الرصينة، وحفرياتها في تاريخ القرن الأخير لمدونة الفقه النجفية، التي توكأت على تخصص الرفاعي في الفقه وأصوله، حالت دون انزلاقه في أوهام تقع فيها أغلب الكتابات المشابهة، بسبب عدم تمكن غالبية الكتّاب من استيعاب المدونة الفقهية ومصطلحاتها.

2ـ ركّزت دراسة الرفاعي على المناخات الفكرية وفضاءات التفكير السياسي، والأفق الذي انطلقت منه الحركة الدستورية. لهذا اضفت مقدمة مختصرة عن مجريات هذه الحركة في ايران، هي أشبه بالببليوغرافيا، حرصا على عدم خروج الكتاب عن كونه ترجمة لأهم نص صدر لفقيه في عصر المشروطة، والذي يعتبر حتى اليوم احد النصوص المؤسسة في الفقه السياسي الشيعي.

3ـ ترجم هذا الكتاب إلى العربية للمرة الأولى صالح الجعفري، وقد نشر ترجمته حلقات متسلسلة في مجلة العرفان اللبنانية، عام 1935، وأعيد نشرها في مجلة الموسم، العدد الخامس (1410هـ). كما ترجم من بعده أكثر من مرة. وحين قابلت الترجمات مع نص المؤلف كلمة كلمة، اكتشفت ان الترجمة الأولى لم تسلم من حذف بعض العبارات، وتحريف المصطلحات، وهكذا لاحظت ان الترجمات اللاحقة لها؛ ارتهنتها تحريفات لمصطلحات ولغة المؤلف الخاصة، التي كانت تعبيرا عن فقاهته وثقافة عصره، فضلا عن وقوعها في أفق رؤية الترجمة الأولى.

من هنا حاولت الابتعاد عن سياقات ونصوص الترجمات العربية، وتعاطيت مع النص الفارسي للمؤلف فقط، لئلا أقع تحت ظلال تلك الترجمات. وحرصت في هذه الترجمة أن أحافظ على اصل النص، وأنقله الى العربية كما هو، بحيث اقتربت بعض الاحيان من الترجمة الحرفية، كي ابقى وفياً للنص؛ شكلا ومضمونا، ولا أجيّر مفاهيمه وكلماته ومصطلحاته لصالح اي فكرة او توجّه. وبذلت جهدا كبيرا في حفظ أدبيات النص وصياغته، ذلك انه مرآة لملامح بيئة سياسية ثقافية اجتماعية، هي بيئة عصر المشروطة، وما تحفل به من نقاشات واشكاليات وصراعات، ونمط تعامل الفقهاء ورجال الدين معها.

4ـ الكتاب مدون بلغة فارسية تعود لأكثر من قرن مضى، صنفه فقيه كبير، وهو وان كانت لغته الأم الفارسية؛ لكنه لم يتلق تعليماً حديث بالفارسية، ولا عاش مناخات الثقافة والتحديث خارج الحوزة. و"تنبيه الأمة وتنزيه الملة" هو كتابه الأول والأخير بالفارسية، ومؤلفاته اللاحقة كانت عربية. لهذا فإن فهمه يتطلب معرفة بأساليب التعبير الفارسية، في تلك الحقبة من تاريخ ايران، ولغة الفقهاء واساليب تعبيرهم الخاصة. فكنت اكرر مطالعة بعض المقاطع عدة مرات، واحاول تفكيكها كلمة كلمة.

5ـ بعد الفراغ من الترجمة، قابلتها على الاصل كلمة كلمة، اكثر من مرة.كما خضعت الترجمة لاكثر من عملية تحرير ومراجعة.

6ــ كثير من القضايا او المفاهيم الحوزوية يشير لها المؤلف اشارة قد لا تكون مفهومة، لمن لا يتعاطى مع امثال هذه النصوص، لهذا وضعت تعليقة توضيحية في هامشها، وحاولت شرحها بشكل مختصر. جميع الهوامش التوضيحية في النص انا دونتها، بينما يخلو أصل الكتاب من أية إحالة مرجعية او هامش. الآيات والروايات المنقولة دققتها وضبطتها حسب ما جاء في مصادرها، لأن المؤلف في الغالب يذكر مفهوم الروايات لا نصها بالدقّة.

7ــ ترجمتُ رسالة "كتاب تذكرة الغافل وإرشاد الجاهل" المنسوبة للشيخ فضل الله النوري، وهي تترجم للمرة الأولى، وأوردتها بعد كتاب "تنبيه الأمة وتنزيه الملة". مع العلم انها متقدمة عليه زمنياً. وحتى لو لم تكن هذه الرسالة للشيخ النوري؛ كما يشكك البعض، فإنّ فحواها واستدلالاتها تعبر عن آراء النوري الموثقة في مجموع خطاباته وبياناته التي أصدرها. ومن يقرأ كلا النصين يعرف بأن "تنبيه الأمة" يرد على ما جاء في رسالة "تذكرة الغافل"، من هنا ينبغي مطالعة "تنبيه الأمة" ومحاججاته في سياق رؤى وفتاوى ومواقف "تذكرة الغافل".

 

تنبيه الأمة وتنزيه الملة

تأليف: الشيخ محمد حسين النائيني

ترجمة: د. مشتاق الحلو

مراجعة وتقديم: د. عبدالجبار الرفاعي

 

مكتبة د. حسين علي محفوظ بيد الدلالين

في ازقة مشهد لفت انتباهي محل لبيع الكتب القديمة، دخلت المكتبة وبدات اقلب في الكتب التي اغلبها حجرية، سالت صاحب المكتبة هل لديك مخطوطات؟ اجاب نعم، هل من الممكن ان اراها؟ نهض من مكانه وفتح قاصة تحت اكوام الكتب واخرج لي بعض المخطوطات منها للمجلسي مستنسخة في القرن السادس للهجري والصحيفة السجادية في القرن السابع للهجري وبقية المخطوطات لم اتصفحها، هنا سالت الرجل صاحب المكتبة كيف تحصل على هذه المخطوطات؟ اجابني من عدة اماكن ومنها النجف وكربلاء ....تذكروا هذه القصة

كثيرا ما يرحل العلماء ويخلفون ابناء لا يعلمون قيمة ما ترك ابائهم، وللاسف الشديد ما يؤلم عندما تقع اثار العلماء بيد اناس دلالين يعلمون قيمتها ولا يبالون بالحفاظ عليها، الدكتور حسين علي محفوظ، اشهر من نار على علم، ليس على مستوى العراق بل العرب والعالم.

رحل عنا قبل خمس سنوات، وكان معتزا بولده علي وهو الوحيد له، هذا الولد تم استغفاله من قبل احد الاشخاص(....)، (لا اذكر الاسماء صراحة لانني اتمنى ما قيل لي غير صحيح) فاستطاع ان يستغل علي ويشتري مكتبة والده بـ 750 مليون دينار وتعهد بانه يشتري بالنيابة عن جهة دينية، ولاجل ذلك وافق على البيع، المسكين علي تفاجا ان المكتبة بيعت بثمن اكثر من ثلاثة اضعاف سعرها خارج بغداد واستفاد هذا السمسار ولم تكن للجهة التي ذكرت له، ثارت ثائرة الاخ علي ذهب الى من يعتقد سيعطيه الحق الا انه تفاجا ان (1) وبحضور (2) يقول له لا يحق لك طالما انت بعتها و(1) له علاقة مع السمسار، وعاد يجر اذيال الخيبة.

هنا اسال رجالات الكاظمية، الا تعلمون بما يملك الدكتور حسين علي محفوظ؟ الم يتدخل احد منكم للنصيحة لابن الدكتور او حتى شراء المكتبة؟ اتمنى على امين عام العتبة الكاظمية و السيد اياد الشهرستاني المسؤول عن مكتبة الجوادين والسيد حسين الصدر، والشيخ حسين ال ياسين ومن يتمكن فعل شيء للحفاظ او استرداد هذه المكتبة .

غدا ساذهب الى مشهد لاجدها عند تجار المخطوطات تباع باسعار خيالية وهي ليست خيالية بل قيمتها العلمية خيالية، هذا ان لم ترسل الى تل ابيب او لندن او مكتبة الكونغرس الامريكي.

السيد شهاب الدين المرعشي رحمة الله عليه كان يتجول في الاسواق واراد ان يشتري جبن وبالفعل طلب من بائعة الجبن ان تبيع له الجبن اخرجت ورقة لتضع فيها الجبن فانتبه لها السيد، لانها مخطوطة، فقال لها انتظري اعطيني هذه الورقة كي اراها، فوجدها من مخطوطة من كتاب رياض العلماء وفي نفس الوقت كان شخص يهودي يتجول في السوق فانتبه الى هذا الكتاب، المهم ان السيد المرعشي اشترى الكتاب واعطاها ما يملك الا ان اليهودي قدم شكوى في مركز الشرطة على السيد بانه هو احق بالكتاب فتم استدعاء السيد وقد تجاوز ضابط الشرطة العميل على السيد ولكنه اخيرا لم يثبت حقه واستطاع السيد من الاحتفاظ بالمخطوطة .

هذه قصة ولكن ليست كل مرة تسلم الجرة فمكتبات ومتاحف العالم تزخر بالتراث الاسلامي المخطوط لان هنالك عقول اما مغفلة او متامرة كانت السبب في هدر تراثنا.

مكتبتان قيمتان للسيد عباس الكاشاني وللشيخ احمد الكاظمي تبرع بهما ورثتهما مجانا للروضة الحسينية بواسطة الشيخ احمد الحائري مثل هؤلاء هنيئا لهم مرضاة الله عز وجل على عملهم هذا.

 

قراءة في كتاب: داعش: اعلان الدولة الإسلامية والصراع على البيعة

623-jasimسيصدر قريبا جدا في الاسواق، عن دار النشر والتوزيع، المكتب العربي للمعارف ـ مصرـ القاهرة، كتاب بعنوان [داعش اعلان "الدولة الإسلامية والصراع على البيعة"] للباحث المتخصص في قضايا الارهاب والاستخبار، جاسم محمد. الكتاب تناول التنظيم مابعد اعلان "الخلافة" في مدينة الموصل العراقية يوم 10 يونيو 2014 ومابعد الاجماع والتحالف الدولي بمواجهة التنظيم في العراق وسوريا في اعقاب اصدار قرار الامم المتحدة ـ مجلس الامن منتصف شهر اوغست 2014. الكتاب بأربع ابواب:

 

الباب الاول: داعش من "امارة الفلوجة" الى اعلان "الدولة الاسلامية"

تناول الباحث نشاط وتركيبة تنظيم "داعش"الذي تحول مابعد 10 يونيو 2014 الى " الدولة الاسلامية" في اعقاب اجتياحه الى مدبنة الموصل في العراق ومدن عراقية اخرى في المنطقة الشمالية والشمالية الغربية من العراق مثل محافظة صلاح الدين وديالى والانبار. ناقش الكتاب تمترس "داعش" في الانبار وتوسعها من الانبار بعد تضيق الخناق الى اعلى الشمال عند مدينة الموصل كذلك عند جبال حمرين في محافظة ديالى. استعرض الكاتب كيف استطاع "داعش" من الحصول على الملاذات والحواضن في تلك المدن العراقية ويقول الكاتب بانه لولا هذه الملاذات والحواضن لمل تمكن هذا التنظيم من اجتاح تلك المدن. لقد حصل "داعش" على الغطاء السياسي ومن زعامات عشائرية سنية في العراق لفرض سيطرته على الارض واعلان دولته، واعتبر الباحث تحالف مقاتلي ابناء عشائر المنطقة الغربية والمجموعات المسلحة مع "داعش" منعطف خطير في مفهوم الوطن والمواطنة، ولايمكن تبريره تحت اي مبرر. واعتبر الباحث ان ظهور زعيم داعش لاول مرة يوم 3 يوليو 2013 من على منبر الجامع الكبير في الموصل كان بهدف الحصول على البيعة ويعتقد الكاتب ان ذلك يعني بداية انشقاقات ومواجهات جديدة مابين" الدولة الاسلامية" ومن يتحالف معها من التنظيمات والمجموعات المسلحة وزعامات عشائرية في المنطقة الغربية.

 

الباب الثاني: تمدد "داعش" وصراع "الجهاديين" على البيعة

623-jasimتناول الباحث تنظيم "داعش" والذي تحول الى "الدولة الاسلامية" وتمدده مابين العراق وسوريا ولبنان ومحاولته فتح فروع له في دول اخرى وتحالفاته ومواجهاته مع بقية التنظيمات "الجهادية" في سوريا. واعتبر ان الصراع على البيعة والزعامة هي ابرز سمات وملامح "الفكر الجهادي" العشوائي مابعد "الثورة السورية" عام 2011. واعتبر "الفكرالجهادي"خديعة تكفيرية. استعرض الباحث ايضا نظرية مكافحة الارهاب وردعه استخباريا مستغلا خبرته الاستخبارية في هذا المجال مؤكدا بان الامن القومي للدول لايعني فقط اتخاذ الاجرائات العسكرية ولكن يعني قدرة الدولة في حماية مواطنيها وثرواتها وامنها ضمن حزمة اجرائات تقوم على التنمية الاقتصادية والاجتماعية. واكد ان مكافحة الارهاب يعني ان لا ننتظره يتحرك على الارض بل استشعاره والحيلولة دون ظهوره.

 

الباب الثالث : فتوحات"الدولة الآسلامية"

تناول الكتاب "فتوحات" اي توسع الدولة الاسلامية بعد اعلان الخلافة، ومحاولة التنظيم من التوسع اكثر في سوريا، المناطق الشمالية والشمالية الشرقية وكذلك الشمالية الغربية عند حلب وادلب عند الحدود التركية والسيطرة على المعابر. ناقش ايضا اسباب توجه "الدولة الاسلامية" بأتجاه شمال العراق لتسيطر على قضاء وسد سنجار وتهديد اربيل عاصمة اقليم كوردستان وسيطرة التنظيم على المثلث العراقي السوري التركي بعد سيطرته على قضاء تلعفر وتلكيف ليضمن حدود "ولاية" الموصل، التي شهدت تهجير وقتل الى الطائفة الشيعية في تلعفر والمسيحيين والايزيدين، الذين فر اغلبهم الى جبال سنجار ومن سلم من داعش تعرض الى كارثة الجوع والموت في مرتفعات سجار. اثار الكتاب تسائولات عن سر الصمت الدولي والاقليمي من عدم اتخاذ خطوات عملية على الاض لمواجهة توسع"الدولة الاسلامية".

التزم الكاتب بالبحث والمنهج العلمي الاكاديمي، دون الترويج الى اي طرف او شخصية او فكرة سياسية، وممكن اعتبار الدراسات التي تضمنها الكتاب مصدر معلومات الى الباحثين في التنظيمات "الجهادية" خصوصا "داعش ـ الدولة الاسلامية" وفي مكافحة الارهاب.

 

الباب الرابع : مواجهة التنظيم دوليا واقليميا

تناول هذا الباب اخر التطورات في مواجهة تنظيم "الدولة الاسلامية" في العراق ثم سوريا، والتي تضمنت وجود اجماع دولي واقليمي ومحلي لدعم العراق بمواجهة تهديد التنظيم. الباحث تناول إستراتيجية اوباما وتفويض الكونغرس لخطته واستراتيجيته في مواجهة التنظيم مع الانتقادات التي وجهت لهذه الاستراتيجية ابرزها عدم الوضوح. استعرض الكتاب ايضا مؤتمر باريس وجدة والجامعة العربية في مواجهة "ألدولة الاسلامية" مع التحليل وتقدير الموقف. هذه الخطوات جائت مع التغيير في رئاسة الحكومة العراقية واستلام السيد حيدر العبادي رئاسة الحكومة في شهر سبتمبر 2014 والتي خلقت مناخ سياسي ايجابي لدعم العراق بمواجهة الارهاب. الكاتب تناول إستراتيجية بمواجهة "الدولة الاسلامية في سوريا والتي وصفها بالعقدة بالنسبة الى ادارة اوباما.

 

تعريف الكاتب

باحث متخصص في مكافحة الإرهاب والاستخبارات: الحركات ألجهادية، ألقاعدة "الدولة الاسلامية"ألاخوان، أنظمة وأحزاب إسلامية سياسية ومدير المركز الاوربي العربي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبار. مؤلف كتاب "صناعة الارهاب والارهاب السياسي"في العراق واليمن وافغانستان إصدار2012 عن دار الياقوت ـ عمان وكتاب "داعش والجهاديون الجدد" اصدار يناير 2014. تعتمد بعض وسائل أعلام أوربية وعربية وعربية خليجية، بعض دراساته. الكتاب أعتمد اساس البحث العلمي الأكاديمي دون ان يدعم اي طرف من اطراف البحث والنزاع.

 

يمكن الحصول على الكتاب بواسطة العنوان التالي

دار النشر والتوزيع ـ المكتب العربي للمعارف 26 ش حسين خضر- ميدان هليوبوليس – مصر الجديدة- القاهرة ت : 26423110 /01283322273   Email:Malghaly@yahoo.com

 

أربيل فى أدوارها التأريخية .. نقطة أنعطاف فى دراسة التأريخ الكردى

مصائر الكتب مثل مصائر البشر، حيث لا تقاس أهمية أى مفكر أو مؤرخ أو أى عالم بكثرة مؤلفاته، بل بمدى تأثيره فى جيله والأثر المعرفي، الذى يتركه بعد رحيله . ومؤرخ الكرد وكردستان الكبير زبير بلال أسماغيل ( 1938- 1998) م أحد أبرز رواد كتابة التأريخ الكردى فى النصف الثانى من القرن العشرين، كان له أبلغ الأثر فى تحديد مسار كتابة تأريخ الكرد وكردستان الحافل بالأحداث الجسام .. وفتحت مؤلفاته آفاقا جديدة للمؤرخين من جيله والأجيال اللاحقة . كان الراحل العظيم يخوض فى بحر من المجهول، حيث ان تأريخ الكرد وكردستان كان يكتنفه الغموض الى حد كبير . وما دونه (المؤرخون) العرب عن الشعب الكردى -عن بعد - كان مجرد أوهام وخرافات لا يصدقها أى عاقل . ولم يكتبوا شيئاً ذا قيمة، أضافة الى ان تلك الكتابات كانت عابرة ومشتتة فى ثنايا مؤلفاتهم المكرسة أصلا لتأريخ شعوب أخرى .

اليوم نتحدث عن أثر عظيم من آثار المؤرخ الجليل شكل نقطة أنعطاف وأنطلاق فى دراسة تأريخ الكرد وكردستان وهو كتابه الشهير "أربيل فى أدوارها التأريخية" على أمل ان نتحدث عن مؤلفاته الأخرى تباعاً .

صدر الكتاب فى النجف الأشرف فى العام 1971 وطبع على نفقة المؤلف الخاصة . وقد أثار الكتاب عند صدوره ضجة كبيرة فى الأوساط العلمية والثقافية الكردية، حيث كرست جريدة " التآخى الغراء صفحات عديدة للسجالات التى دارت حول الكتاب بين المثقفين الكرد . وقد وصفت الجريدة هذا الكتاب بأنه " موسوعة تأريخية " لا بستغنى عنها أى مثقف .

تكمن أهمية الكتاب فى أعطاء صورة عامة وشاملة عن تأريخ المنطقة المحصورة بين الزابين وبخاصة مدينة أربيل العريقة خلال أربعة آلاف عام أى منذ ان وجدت الكتابة وحتى العام 1917. وهذه الصورة كانت غائبة تماما قبل صدور الكتاب . كانت هنالك نتف وأشارات متفرقة فى بطون الكتب والمخطوطات القديمة عن أقليم الجبال وبضمنها منطقة أربيل، ولكن مؤرخنا الجليل هو أول من لفت الأنظار الى هذه الشذرات . وجاء الآخرون، من طلبة الدراسات العليا وتحت أيديهم المصادر والمراجع، التى أشار اليها الراحل الكبير .

حقاً كانت هنالك بعض الكتب والمخطوطات تحمل عنوان " تأريخ أربل " منها مخطوطة " تأريخ أربل (نباهة البلد الخامل بمن ورده من الأماثل) " للأديب والشاعر والوزير فى أمارة أربيل فى عهد السلطان مظفر "ابن المستوفى" وكانت هذه المخطوطة ضائعة الى أن تم العثور على أحد أجزائها الأربعة ضمن مخطوطات مكتبة جامعة " كمبرج " فى أواخر السبعينات من القرن الماضى وحققه وعلق عليه الأستاذ سامى بن السيد خماس الصقار وصدر فى كتاب من جزءين عن وزارة الثقافة والأعلام فى العام 1980، حيث تبين ان مخطوطة " ابن المستوفى" هى سير وتراجم لعدد كبير من الأدباء والشعراء والمفكرين ورجال الدين، الذين زاروا امارة اربيل فى أوج أزدهارها، حيث كانت اربيل قبلة لكل رجال الفكر والعلم والأدب والفقه الأسلامى من أنحاء العالم الأسلامى . وكتاب "ابن المستوفى" رغم أهميته البالغة ليس مؤلفاً فى الكتابة التأريخية، بل موسوعة كبيرة تعكس الأزدهار العلمى والفكرى والأدبى فى مدينة عريقة وعظيمة لعبت دوراً كبيرأ فى الحياة الفكرية للعالم الأسلامى .

وكان يتردد على ألسنة المثقفين فى أربيل بين الحين والآخر ان ثمة مخطوطة أخرى كتبها أحد القساوسة المسيحيين قبل عدة قرون، تحمل أيضاً عنوان "تأريخ أربل" وقد تم العثور على هذه المخطوطة مؤخراً ونشرها ورقياً وألكترونياً، وتبين أنها تتحدث عن أمور المعابد والكنائس ولا علاقة لها بتأريخ المدينة أو أنحائها .

و تبقى مخطوطة المحامى المرحوم عباس العزاوى، وهو استاذ جليل له مؤلفات عديدة قيمة . وكانت هذه المخطوطة ضمن الأرشيف الثرى الذى تركه بعد وفاته، وقد صدر فى كتاب فى العام 2001.

راجع الكتاب وعلق عليه وقدم له الأستاذ محمد على القره داغى – عضو المجمع العلمى العراقى .أى ان كتاب المرحوم العزاوى صدر بعد عشرين عاما من صدور كتاب المؤرخ زبير بلال اسماعيل. وكتاب العزاوى يحمل عنوان "أربل فى مختلف العصور – اللواء والمدينة" وهو كتاب قيم ولكن لم يتناول تأريخ أربيل القديم بشكل موسع ولم يشر الى مصادره وهذا ما لا حظه العالم الجليل محمد على القره داغى حين كتب يقول " لم يشر المرحوم العزاوى هنا – كنهجه غالبا ً فى هذا الكتاب – الى المصدر، الذى أستقى منه معلوماته تلك . ويبدو أنه لم يطلع على المكتشفات الأثرية التى تتكشف يوما ُ بعد يوم وتلقى الأضواء على مراحل (تأريخ اربل) قبل الأسلام فى عهودها السحيقة، وقد كرس الأستاذ المرحوم زبير بلال أسماعيل فصلاُ لهذا الموضوع أغناه بكثير من المدونات القديمة والمكتشفات الأثرية . راجع تأريخ أربيل، ص: 36 "

ونرى على هذا النحو ان المؤرخ الجليل زبير بلال أسماعيل كان وسيبقى رائداً كبيرأ من رواد المدرسة التأريخية الكردية وأبناً باراً لكردستان، التى عشقها وأفنى عمره باحثاُ عن ماضيها المجيد الحافل بالأحداث العاصفة وألقاء الأضواء عليها، فاتحاً بذلك الأبواب الواسعة التى مر منها المؤرخون الكرد الجدد جيلاُ بعد جيل ونهلوا من علمه الغزير الشىء الكثير .

ستحل علينا الذكرى الرابعة عشرة لرحيل مؤرخ الكرد وكردستان الجليل زبير بلال أسماعيل فى الخامس عشر من شهر كانون الأول الجارى . ومن حق مؤرخنا الرائد ان تحيى وزارة الثقافة والمؤسسات العلمية الكردستانية ذكراه العطرة، التى سوف تبقى حية فى ضمائر الأجيال الكردية المتعاقبة .

تحية الى روحك الطاهرة يا ابن كردستان البار وستبقى مؤلفاتك وجهادك نبراساً لكل المؤرخين من بعدك ولكل من يقدر العلم والعلماء ..  

 

صدر حديثا: نصوص ادبية وعلمية وتراثية مترجمة

621-masudiصدر حديثا عن دار صفاء للنشر والتوزيع في العاصمة الاردنية عمان كتاب جديد بعنوان (نصوص ادبية وعلمية وتراثية، مترجمة من الانجليزية الى العربية) والكتاب من ترجمة الدكتور حميد حسون بجية المسعودي الاستاذ في جامعة بابل .. وجاء بواقع 336 صفحة من القطع المتوسط، وتشكل من ثلاثة فصول، ضمَّ الفصل الاول موضوعات ادبية متنوعة في الادب والترجمة والفن نذكر منها:

621-masudi ملحمة المهابهاراتا الهندية .. واسطورة الاخوات الثلاث الاسترالية .. وتأثيرات الفلسفة الديكارتية في العالم المعاصر .. و الترجمة وادلجة النص .. والتفكيكية .. والرواية الانجليزية في القرن العشرين .. السريالية في الادب والفن .. هذا اضافة لمواضيع اخرى كثيرة شملت كتّاب وشعراء انجليز واوروبيين وآسيويين وامريكان . اما الفصل الثاني فضم موضوعات علمية تتحدث عن الطب والفلك والطبيعة والحيوانات، نذكر منها ظاهرة الاحتباس الحراري .. والثقوب السوداء .. وذكاء الحيوانات،، ونظرية الانفجار العظيم .. والثلاسيميا واعتلال الهيموجلوبين .. والعين وامراضها .. والكبد والكليتان .. والقتل الرحيم وغيرها من الموضوعات العلمية الطبية . اما الفصل الثالث فضم موضوعات تعنى بالعراق القديم وحضارته، نذكر منها : الانجازات العلمية التي حققها العراقيون القدماء .. والطب في بلاد الرافدين .. والادب الاشوري والبابلي واللغة الاكدية والسومرية ... والقصة في ملحمة كلكامش . وغيرها من الموضوعات في هذا المضمار . يُذكر ان خمسة كتب كانت قد صدرت للمؤلف وان هذا الكتاب هو سادس اصدار له ولديه العديد من المخطوطات التي تنتظر الطباعة، والعديد من الدراسات والبحوث المنشورة في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية . وهو عضو اتحاد الادباء والكتاب العراقيين .

د. علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي (2)

موقف بعض رجال الدين من شريعتي

نتيجة افكار شريعتي الجريئة والمتجددة وقف ضده العديد من رجال الدين أو "الروحانيون الصفويون" حسب تعبيره، ومن بين هؤلاء مرتضى انصاري قمي الذي طالب بسجن واعدام شريعتي، وحذر الحكومة والشعب والروحانيين قائلا:" خلال القرن الاخير، لم يواجه الاسلام والتشيع عدوا خطرا ووقحا كعلي شريعتي ". اما ناصر مكارم الشيرازي فكتب مقالة في مجلة " مكتب اسلام " بعنوان (هل الشورى هي اساس الحكومة الاسلامية؟)، خطأ فيها رأي شريعتي قائلا:" ان الشيعة لا يعتقدون بانتخاب الخليفة وفق مبدأ الشورى، لان الخليفة وفق مبدأ التشيع منتخب من الله ورسوله"[1].

  

علي شريعتي مع أنصاره في حسينية إرشاد

وفي احدى المرات زار وفد من طلبة قم كل من شهاب الدين المرعشي النجفي وشريعتمداري واخبروهما ان شريعتي انكر في احدى خطبه في حسينية ارشاد امام الزمان (المهدي المنتظر)، وان لا سند حقيقي لدعاء الندبة. فأجاب المرعشي من انه لا يعرف شريعتي ولكن اذا كان الذي نقلتموه عنه صحيحا فأنه كافر. اما محمد مطهري

فانه وبحضور كل من محمد بهشتي وسيد هادي خامنئي انتقد شريعتي قائلا:"بغض النظر عن افكاره غير الصحيحة واخطاءه وغروره فانه وّجه ضربة قاسية للعلاقات بين الروحانيين والشباب المتعلم وجعلهم ينظرون بعين الشك والريبة للرجال الروحانيين". وكتب ابو الحسن القزويني جوابا على احد المستفتين قائلا:" على الرغم من مرضي في الفترة الاخيرة وعدم مطالعتي للكتب، لكن استنادا الى مطالعاتي السابقة اعتبر كتب الشخص المذكور "شريعتي" غير مطابقة مع التشيع وهي انكار للنبوة اي انكار للاسلام". اما محمد حسين الطباطبائي فقد قال:"انا لم اوافق مطلقا على كتابات علي شريعتي، ان آراءه خاطئة، وهي غير قابلة للتصديق طبقا للمفاهيم الاسلامية". فيما حرّم كاظم المرعشي في اجابة للذين استفتوه بيع وشراء كتب علي شريعتي، واعلن علي اصفهاني ان كتابات شريعتي تشتمل على اباطيل مختلفة[2].

وقد استمر صدور الفتاوى بحق شريعتي حتى بعد موته، حيث اصدر كل من الخوئي و المرعشي النجفي والشاهروردي وعبد الله الشيرازي ومالك الحسيني وعلي نمازي وآخرين فتاوى مشابهة. وفي نفس الفترة جرت محاولات مع الخميني كي يصدر فتوى بهذا الشأن، ولكنه فضّل السكوت. وكتب محمد اليزدي في مذكراته حول اجتماع مدرّسي قم قبل الثورة لأتخاذ قرارا بحق شريعتي قائلا:" عقدت تلك الجلسة في منزل نوري الهمداني ووصل النقاش الى حدود الكفر والايمان عند شريعتي، وتوصل السادة المجتمعون بعد نقاشات طويلة الى ان اعلان كفر شريعتي لن يكون له أثر جيد وليس في مصلحة الاسلام والمسلمين بشكل عام . وكان للسيد مصباح يزدي وجهة نظر خاصة على الضد من الاخرين. وعلى هذا المنوال فأن البعض من الروحانيين القريبين من الخميني والذين اشتركوا بعدها في حكومة الجمهورية الاسلامية وبسبب المصلحة فقط لم يكفروا شريعتي .

اما مرتضى مطهري وفي رسالة للخميني اثناء الثورة قال :"أقل ذنب ارتكبه هذا الرجل هو اساءته لسمعة الروحانيين. وجعل العلاقة بين الروحانيين وأجهزة الظلم والجور" السلطة " ضد جماهير الشعب جزءا من الصراع الاجتماعي، وادّعى انالسلطة والحاكم والملا وبتعبير آخر السيف والذهب (المال) والعبادة كانوا الى جانب بعضهم البعض ولهم نفس الهدف" .

 

أقوال في علي شريعتي

ومن المناسب إيراد بعض ما قيل بحق علي شريعتي، فعلى سبيل المثال:  

يشير على خامنئي : "ان الاطار التأسيسي الذي يجعل الدكتور شريعتي في اطار الرواد الاوائل، يتمثل في قدرته البيانية الفائقة في اعادة طرح الاسلام بلغة حديثةتتناسب مع ثقافة الجيل يومذاك. واذا كان الكثيرون ولجوا قبله هذا المجال، فأن النجاح الذي حققه شريعتي لم يحققه سواه [3]".

الدكتور محمد حسين بهشتي : "لقد اوجد الدكتور علي شريعتي طوال السنوات الحساسة من عمر الثورة الاسلامية جوا حماسيا مؤثرا، وكان له دور بناء في جذب الطاقات الشابة المتعلمة نحو الاسلام الاصيل، واجتذب قلوبا كثيرة نحو الثورة الاسلامية. وعلى الثورة والمجتمع أن يقدران له ذلك الدور[4]".

محمود الطالقاني : "ان المرحوم شريعتي، تميّز بروح مستقصية شكاكة منذ بداية شبابه وأوائل عهده بالدراسة والتحصيل العلمي. كان يشك بكل شيء، حتى بدينه، فقد كان يشك بالدين السائد بين الناس، أي بذلك الاسلام الممسوخ، ذلك الاسلام الذي حوّل الى دكان للارتزاق، ووسيلة للاحتراف وتربية المريدين – اي الاتباع –. كان لابد لشاب واع مثل شريعتي أن يبدأ بالشك، لكنه لم يبق أسير الشك [5]".

احسان شريعتي : "هكذا رأينا ان شريعتي لم يستخدم قلمه من اجل تفنيد الشيوعية واسقاطها، وانما وّجه رماحه ضد الرجعية، التي سادت في بلادنا منذ العهد الصفوي، وكانت تمسخ الاسلام والتشيّع باظهارهما في صورتهما "الصفوية". لقد وقف شريعتي في وجه الرجعيين الذين تلبسوا الاسلام، ليدّعوا بان محاربة السلطة القائمة انما تخدم الماركسيين في النهاية [6] ".

 

التشيع الاحمر والتشيع الاسود  

جاء في مقدمة الطبعة الفارسية للكتاب من انه يتضمن قسمين، الاول بعنوان (التشيّع الاحمر والتشيّع الاسود)، وهو عبارة عن موجز كتبه علي شريعتي كمقدمة توضيحية لمسرحية "سربداران" (رؤوس على المشانق)، والتي عرضت لليلة واحدة فقط اثناء حكم الشاه، و تحوّلت الى مسلسل تلفزيوني بعد نجاح الثورة الايرانية. وتحوّل هذا البحث الى مقدمة لكتابه (التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي)، والذي كان بالاساس عبارة عن محاضرة للكاتب القاها ولمدة ثلاث ساعات في احدى ليالي رمضان في حسينة "ارشاد". وقد اجرى المؤلف بعض التعديلات عليها لينشرها في كتاب يتألف من 143 صفحة في ربيع عام 1972 . وقد فعل المترجم * خيرا وهو يؤكد على صعوبة الترجمة، لان مادة الكتاب كانت اساسا عبارة عنمحاضرة على اشرطة كاسيت حوّلت الى كتاب . ولكن المترجم اشار في كلمته بخصوص الترجمة [7] الى استخدام د. علي شريعتي كلمات عربية لا يستخدمها العرب في تلك المعاني الاصطلاحية، وانه لجأ الى مرادفات عربية شائعة الاستعمال أو اضطراره على ابقائها بنصها الاصلي رعاية على انسيابية النص وحرصا على دقة المعنى. واشار المترجم وهذا هو المهم هنا الى مصطلح " الروحانية الصفوية " والمقصود منها حسب قوله (طبقة رجال الدين عندما تمتهن الدين فتصبح أحياناً شبيهة بوعاظ السلاطين، وتنعزل أخرى عن الحياة فتصبح قريبة من الرهبنة، وتصبح فئة ثالثة خليطا من الحالتين). وفضّل المترجم ان يبقي الاصطلاح على حاله لكي يترك للقاريء الحرية في فهم المعنى من خلال السياق العام للكتاب على حد قوله .

يبدأ الاسلام (في مقدمة الكتاب) بـاثنتين من حرف "لا "، الاولى بدأ بها محمد الاسلام كدين توحيد واصبحت شعارا لدينه وهي (لا اله الا الله محمد رسول الله) التي كانت راية العرب في حروبهم واحتلالهم للبلدان الاخرى في حينها، وراية المسلمين لاحقا في معاركهم ضد الشعوب غير المسلمة لنهبها واسلمتها بحد السيف، اماالثانية فهي " لا " التشيّع والتي كما جاء في مقدمة الكتاب، هي التي (صدّع بهاعلي وارث محمد ومظهر اسلامالحق والعدالة. وقد اكتسب التشيّع هويته الحقيقية في التاريخ الاسلامي وتحددت ملامحه ووجهته من خلال كلمة الرفض التي اطلقها "علي" في الشورى جوابا على عبد الرحمن بن عوف الذي كان يمثل الجانب الاخر؛ أي اسلام الجاه والمصالح). وهذا يؤكد ما ذهبنا اليه على ان التشيّع والتسنن لم يكونا في بداياتهما صراعا فقهيا ومذهبيا، بل صراعا سياسيا و تحوّل الصراع منذ حياة الامام الصادق ولليوم الى صراع فقهي وطائفي وسياسي. حيث بدأ الصراع الفقهي والمذهبي في نهاية القرن الهجري الاول وليستمر لليوم . وكلمة الرفض " لا " هذه استمرت كنهج عند شيعة علي في شجبهم للظلم الذي مورس ضدهم، والذي تحوّل بمرور الوقت إلى أن يستقطبوا أكثر الشرائح الاجتماعية فقرا و أضطهادا "وان لم يتشيّعوا" بسبب رفضهم للطغيان الذي كانت تمارسه السلطات ضد الفقراء والمحرومين ومناهضي الحكم من مختلف القوميات التي كانت تئن من ظلم الحكام المسلمين لها، ورفضهم في نفس الوقت للتفسير الخاطيء للدين عند الحكام وابتعادهم عن جوهر الدين المحمدي وتبنيهم لدين وعاظ السلاطين. فكما جاء في كتاب علي شريعتي:" وبهذه الكلمة تحقق الفرز تاريخيا بين جبهتين وحزبين، حزب يؤسس قناعاته ومواقفه على ضوء ما يمليه القرآن والسنة المأثورة عن آل الرسول، وحزب يستمد هذه القناعات والمواقف مما يمليه عليه بنو أمية وبنو العباس أو الغزنوي والسلاجقة أو حتى أحفاد جنكيزخان وتيمورلنك وهولاكو"[8]. ومن خلال النص السابق نستطيع ان نرى نقطة خلاف كبيرة بين الطرفين، فالسنة يؤكدون على القرآن والسنة النبوية والشيعة يؤكدون على القرآن وسنة آل محمد في قراءتهم للنصوص الدينية وتفسيرها فما هو السبب؟ .

لو راجعنا الاحاديث النبوية التي يتداولها علماء الطائفتين سنرى امرا غريبا يجعلنا ان نشك في الغالبية منها لسببين، اولهما ان هذه الاحاديث تم جمعها بعد وفاة محمد بسنوات طويلة. وهذا ما يجعل القاريء الفطن والباحث أن يستشف منها المصلحة السياسية للسلطة آنذاك والسلطات التي تلتها، بالاضافة الى طول المدة التي قيلت فيها تلك الاحاديث وزمان جمعها وكتابتها. وثانيهما هو اعتماد الاحاديث على رواة لم يعايشوا محمدا لسنوات طويلة، ومع ذلك نقلوا عنه كم هائل من الاحاديث، في حين تركت واهملت بل ومن الممكن ان تكون قد ضيعت عمدا العديد من الاحاديث عن رجالعايشوا محمدا قبل النبوة وحتى وفاته. ومن هؤلاء الامام علي بن ابي طالب الذي ترّبى في بيت محمد منذ صغره وكان ابن عمه وربيبه وصهره واول من اسلم من الذكور. فلم تنقل لنا الكتب الا بضع عشرات الاحاديث عن لسان علي في احسن الحالات، مقابل المئات التي تم نقلها عن ابي هريرة مثلا. وهذا ما يجعلنا ان نشك في صدق هذه الاحاديث وصحتها. ويطرح سؤال هنا عن سبب عدم نقل الكثير من احاديث محمد منقولة عن الامام علي وهو الذي لازمه منذ ان كان فتى يافعا حتى مماته، في حين تم رواية المئات منها على لسان غيره بالرغم من عدم ملازمة البعض لمحمد او ملازمتهم له لسنوات قصيرة في احسن الحالات ولأشهر عدة أحيانا!؟. إن الجواب على هذا السؤال يكمن في مصلحة من يمسك بزمام السلطة في ذلك الوقت. فالامام علي وان كان قد نقل العشرات من الاحاديث عن محمد، إلاّ أنه يعد خصماً سياسياً، والخصوم السياسيين في أنظمة استبدادية يواجهون خيارين لا غير، فأما التصفية الجسدية أو الأهمال وتشويه السمعة. وهذا ما حصل للامام عليبالضبط، فبعد اغتياله تم شتمه على المنابر وتشويه سمعته من قبل ملوك بني أمية وبني العباس وغيرهم.

ولكن كل هذا لا يمنح الشيعة الحق (بنظر السنة) اهمال السُنّة المحمدية والاعتماد على سُنّة آل البيت بشكل أساسي. اننا لو دققنا النظر اليوم في الممارسات والاحاديث والطقوس والمناسبات الشيعية وحكمنا عليها بشكل حيادي، فاننا نرى فيها تراجعمحمد الى المقاعد الخلفية في دين كان هو نبيه لصالح ابنته فاطمة وزوجها الامام علي وابنائهما. ولكن هذا لا يمنع من سؤال السنة ايضا عن سبب اهمالهم لعلي وآخرون من أنصارهاثناء حديثهم عن الاحاديث المنقولة عن محمد في مذاهبهم. فهل من المنطق القبول بأن لا ينقل على لسان علي أحاديث لن تصل إلى عشر معشار الأحاديث المنقولة عن أبي هريرة وأمثاله، وهو الذي عايش محمدا مثل ما قلنا منذ الصغر حتى وفاته؟.

إن علي شريعتي، شأنه في ذلك شأن أي شيعي امامي مؤمن (اثني عشري)، يشعر بالمرارة في عدم تبوأ آل بيت محمد السلطة على مر التاريخ. لذا نراه ينبري قائلاً:" وهكذا طوى الاسلام مسارا تاريخيا غريبا عجيبا، حيث تمكن جميع المستكبرين وطواغيت الزمان وأصحاب البيوتات من العرب والعجم والترك والمغول والتتار من بلوغ سدة الحكم والاستواء على مسند خلافة النبي، ما عدا آل النبي وأهل بيته من أئمة الحق والهدى". وبهذا ينفي شريعتي شيعية تلك الدول الشيعية التي حكمت لفترات معينة كالدولة الفاطمية في مصر ودولة الادارسة والحموديين والدولة البويهية والحمدانية والزيدية وغيرها، لانها وببساطة لم تكن تدين بالمذهب الامامي (الاثني عشري). وبقي التشيّع رافضا للمسار الذي اختطه التاريخ لنفسه ومحتجا عليه لان التاريخ ركب وبإسم القرآن، امواج جاهلية كسرى وقيصر، وعمد بأسم السنة الى التنكيل بتلامذة مدرسة القرآن والسنة !) [9].

لقد قام الشيعة وعلى مر التاريخ بعشرات الثورات المسلحة والتي رفعوا خلالها شعارات تؤكد آهلية آل البيت في الحكم دون غيرهم، استناداً إلى نص مختلف على تفسيره حتى اليوم وهو آخر خطبة لمحمد في غدير خم. وعلى العموم فإن الشيعة أعرضوا " عن المساجد الفاخرة والقصور العامرة التي شيدها (خلفاء الاسلام)، ووجد الشيعي ضالته في بيت فاطمة المشيد من الطين ". ومن مطالبة فاطمة بحقها في قرية "فدك"، بدأت أولى بوادر الصراعات بين الطرفين السني والشيعي سياسيا كمتممة لنتائج السقيفة، ولتستمر حتى اليوم. فأصبحت فاطمة مظهر (الحق المهضوم) وعلي مرآة (العدل المظلوم) والحسن ممثلا لـ (آخر خطوط المقاومة في جبهة اسلام الامامة في مواجهة الخط الاول في جبهة اسلام الحكومات)، ومن بعده كان الحسين باعتباره (شاهدا وما يزال لكل شهداء الظلم والجور على طول التاريخ ووارثا لجميع احرار العالم ومن ينادون بتحقيق العدالة والمساواة من عهد آدم الى زمانه والى الابد، ورسولا للشهادة ومظهر نداء الثورة). وأخيرا أضحت (زينبالشاهدة على كل الاسرى العزل في ظل سطوة الجلادين، ورسول ما بعد الشهادة ومظهر نداء الثورة).  

ويتسلسل شريعتي بمسيرة نضال الشيعة (والذين يلوذون بهم من الطبقات المسحوقة) وادواتهم وافكارهم تاريخيا برفع شعار " ولاية علي " للتخلص من الجور والظلم والطغيان ورفع شعار (الامامة) لأماطة اللثام عن الوجه الحقيقي لنظام الخلافة، لان لفظ " امام " مثلما يقول حسين مروة يحمل المفهوم الالهي للخليفة عند الشيعة، أما لفظ " الخليفة " فيحمل مفهوم سلطة "الأمة" في مصطلح جمهور اهل السنة، ولاسيما الاشاعرة) [10]. ووقعت على عاتق الشيعة مهمة رفع شعار (العدالة) من أجل انهاء التمييز العنصري ضد القوميات غير العربية من مسلمين وغير مسلمين والقضاء على الفوارق الطبقية التي تعمقت كثيرا بعد اتساع رقعة الدولة الاسلامية واستحواذ العرب المسلمين على اموال الجزية والخراج والضرائب الاخرى والتيكانت من نصيب النخب السياسية والقبلية والدينية (الطائفية) خصوصا اثناء الحكم الاموي والعباسي. لقد سعى السلاطين (الحكام) ووعاظهم وحاشيتهم إلى صرف انظار الناس عن المظالم، حسب شريعتي:" عن طريق الفتوحات واقامة الفرائض وبذل الهدايا والنذور والاوقاف وتعظيم الشعائر والاهتمام بالمظاهر وكأن الامور تجري على خير ما يرام وعلى النحو الذي يرضي الله وعباده الكرام". وتوجب على الشيعيان ينبري لها ويفضحها من خلال رفع شعار " الانتظار "، ومن اجل تنسيق العمل ومركزية النهضة. وكان على الشيعي ان يلوذ بشعار (المرجعية) و (التقليد) لكي يعبئ الطاقات للتحرك بشكلمنهجي وموّحد بقيادة مسؤول هو (نائب الامام) [11] .ومن مقولةنائب الامام هذه نستطيع ان نشير الى التمايز الواضح والجلي بين الشيعة الامامية والسنة من ناحية تأمين الاموال والموارد لاستخدامها في المجالات المختلفة. فالمذاهب السنية كانت ولازالت مذاهب سلطة، وتسخر هذه السلطة مواردها المالية لتحقيق اهدافها بالفتاوى التي تحتاجها كلما انغمرت في نزاع ما سواء كان هذا النزاع سياسيا او فكريا او غيره. اما المذهب الشيعي فاعتمد ماليا على (سهم الامام) الذي هو سهم واحد من الخمس المتكون من خمسة اسهم في بعض الروايات وستة في اخرى لتسيير امور الطائفة حيث: " يقسم الخمس نصفين، نصف للإمام (عليه السلام) خاصة، ويسمى (سهم الإمام) ونصف للأيتام الفقراء من الهاشميين والفقراء وأبناء السبيل منهم، ويسمى (سهم السادة). ونعني بالهاشمي من ينتسب إلى هاشم جد النبي الأكرم (ص) من جهة الأب، وينبغي تقديم الفاطميين على غيرهم" *، أضافة الى تبرعات الميسورين والتجار الشيعة. ومن المهم الاشارة الى استمرار تحصيل هذا السهم حتى اثناء قيام دول شيعية في ازمنة واماكن مختلفة. اما الوسيلة المتبعة للتذكير بكفاح الشيعة على مر التاريخ والوقوف ضد حملات التحريف والتشويه لمساره هو ممارسة (مجالس العزاء) التي يشار بواسطتها الى حوادث الظلم والغضب والخيانة والخداع والكذب والانحطاط وفي الوقت نفسه استثمار مجالس العزاء هذه في أحياء ذكرى الشهداء". ويستمر شريعتي في تسلسله هذا ليصل الى حادثة الطف في كربلاء أي يوم عاشوراء والذي يطلق عليه (نداء عاشوراء)، اذ يعتبرها شعارا لتصعيد العمل المعارض لسلاطين الجور ورفض البيعة لهم، في حرب تاريخية مستمرة بين (ورثة آدم وورثة ابليس) ليصل الى توضيح الحقيقة التالية بنظره وهي ان:"الأسلام الحكومي هو اسلام القتلة متشحا بوشاح السنة، بينما الاسلام الحقيقي والواقعي ما زال غائبا يرتدي ثوبه المضرج بالدماء ! ".

وتوجب أن يستمر هذا الصراع بكل اشكاله ضد السلطة الغاصبة في ظل عدم تكافؤ ميزان القوى بين المعسكرين، ولوجود وعاظ سلاطين جاهزين لتنفيذ مطالب هذه السلطات بفتاوى جاهزة تصاغ على ضوء ما يشتهيه الحكم، ووجود العامل المهم جدا والذي يعتمد عليه نجاح الحكم في تمرير سياساته، اي الناس الجهلة او كما ينعتهم شريعتي بالمغفلين الجاهزين دوما وفي كل زمان ومكان وخصوصا في حالات غياب العقل وتجلياته للعمل لصالح الجهل والتخلف وما يترشح منهما من خزعبلاتواساطير، وأن يكونوا قاعدة للقتل وسحق النهضة. وعليه فمن أجل أن يستمر الشيعة في مشروعهم التغييري هذا وليواصلوا النهضة ويصّعدوها، فعليهم رعاية الضوابط الامنية وكتمان الاسرار، هذا المعلم من معالم المنهج العلوي أي (التقية) التي سنأتي على ذكرها لاحقا .

ان التشيّع العلوي ولمدة ثمانية قرون هجرية (الى اوان العهد الصفوي)، باستثاء فترة الامام جعفر الصادق الذي امتنع عن ممارسة العمل الثوري بالرغم من الضغوط التي مورست ضده واكتفى بالتنوير والفلسفة وممارسة العلوم التطبيقية والطب، كان عبارة عن ثورة مستمرة فكرا وممارسة ضد الانظمة الاستبدادية وعلماء الزيف والتزوير من الذين كانوا يستغلون عنوان المذهب السني لتمرير سياساتهم في فرض الهيمنة على الشعوب واشاعة الخوف في صفوفهم نتيجة الارهاب المنظم للسلطة، مما جعل الكثير من ابناء هذه الشعوب او حتى من العرب المسلمين انفسهم الذين كانوا يعانون من التمايز الطبقي الواضح أن ينظموا الى التشيّع وان لم يتشيّعوا مثلما قلنا سابقا. ولذا ونتيجة تغلغل الافكار الشيعية بين اوساط هؤلاء وخصوصا الفلاحين البسطاء والبؤساء، ظهرت حركات شيعية ذات طابع عنفي كحركة حسن الصباح (الاسماعيلية) وحركة القرامطة، فيما تمرد بعض اقطاب التصوف من ذوي الميول الشيعية ضد مظاهر التحجر والعنف الديني . وقد جاءت الامامية مثما يذكر شريعتي كمذهب معتدل غني بالمعارف، ليمثل قمة هذا التوجه (الثوري). وارتكز هذا المذهب الى ركيزتين اساسيتين هما العدل والامامة، وشعاره الثوري لم يكن سوى عاشوراء كي يستطيع من خلاله تعبئة الجماهير ضد الاوضاع السائدة انتظارا لظهور المهدي (الامام الثاني عشر عند الشيعة الامامية)، ليثأر وينتقم للمظلومين ويملأ الارض قسطا وعدلا ! .

 

...............

[1] " أن الخليفة يحكم بأسم الله لا بأسم الشعب، فيجب والحال، أن يختار من الله بلسان نبيّه، لا من الشعب بطريق الأنتخاب"، محمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان ص 39 .

[2] "ويكيبديا بالفارسية"

[3] " التشيع الصفوي والتشيع العلوي لشريعتي ص 5 "

[4] " نفس المصدر ص 6 "

[5] " نفس المصدر ص 9 "

[6] " نفس المصدر ص 16 "

[7] " المصدر السابق ص 23 "

[8] " المصدر السابق ص 25-26 "

[9] " المصدر السابق ص 26"

[10] " النزعات المادية في الفلسفة العربية - الاسلامية هامش 4 ص 37" حسين مروة.

[11] " التشيع العلوي والتشيع الصفوي ص 28 "

* " المسائل المنتخبة، العبادات والمعاملات " آيت الله الخوئي"

"صدى النسيان" إصدار جديد للشاعر خليل الوافي

622-wafiعن منشورات "رونق"، صدرت مؤخرا للشاعر المغربي مجموعة شعرية بعنوان: "صدى النسيان"، من الحجم المتوسط، تقع في 98 صفحة ،وتضم 11 قصيدة شعرية، هي كالتالي: "سماء الحلم العربي"، "يا صاحبي"، "قول على قول"، "عتبات البوح"، "مولاتي"، "عروس البحر"، "دثريني بالبياض"، "صدى النسيان"، "راحل يا أمي"، "صك الباب"، ها أنا.. بالعربي"، تتصدر غلاف المجموعة لوحة الفنانة الفلسطينية رانيا عقل.

622-wafi" صدى النسيان" ديوان آخر من ثلاثية الشاعر المغربي خليل الوافي، وهو يرسم معالم أفق شعري جديد، ويلتمس رؤيا تفاعلية إبداعية، سواء من خلال ديوانه الأول "ما أراه الآن" الذي جاء بتوليفة تزاوج الزمان بالمكان، واختزال كل المعاناة والانكسارات التي يعيشها الشارع العربي، فرحلة البحث في أغوار المسالك الوعرة التي التزم بها الشاعر في مقدمة ديوانه الأول استمرت مع "صدى النسيان" - الديوان الثاني - في حين ينضج الحلم في عين الماء، يستعصي النزول من ثقب الذاكرة، وتخطي عتبات البوح في اعتراف صريح، فهو يُلحم أجزاء الثلاثية في قصيدة: "هذا أنا بالعربي" التي تطل بقلقها على مشارف ديوانه القادم: "صرخة الطين" عسى أن يلمع في النفق المظلم بصيص ضوء.

والكاتب المغربي خليل الوافي، شاعر وقاص وفاعل جمعوي، عضو الراصد الوطني للنشر والقراءة، ساهم في تأسيس عدة أندية وجمعيات، بدأ النشر في الثمانينات من القرن الماضي، في العديد من المنابر الورقية، شارك في العديد من التظاهرات الثقافية والملتقيات الشعرية الوطنية، ويعتبر ديوان "صدى النسيان" الإصدار الثاني بعد ديوانه الشعري "ما أراه الآن" الصادر سنة 2013 عن دار القلم، وسيصدر له قريبا ديوان شعري بعنوان: "صرخة الطين".

كتاب بونين عن تشيخوف

هذا كتاب فريد ومتميز في مسيرة الادب الروسي وتاريخه، اذ لم يؤلف الادباء الروس الكبار كتبا مستقلة عن بعضهم البعض، بل ان البعض منهم قد كتبوا – ليس الا - مقالات مختلفة ومتفرقة هنا وهناك او رسائل الى الاصدقاء تضمنت ذكريات وانطباعات وملاحظات وأقوال... الخ عن بعضهم فقط، وتوجد كلمات وتصريحات سجلها صحفيون او مؤرخون او نقاد ادب حول هذا وذاك من الادباء الروس، اما ايفان الكسييفتش بونين (1870- 1953)، وهو أحد كبار الادباء الروس ضمن سلسلة الاسماء الكبرى في هذا الادب و التي تبدأ ببوشكين في القرن التاسع عشر، فقد أصدر كتابا خاصا حول تشيخوف و بعنوان واضح ودقيق وصريح وهو – (عن تشيخوف) (و يمكن ترجمة العنوان الى العربية ايضا – (حول تشيخوف)، وقد كتب بونين هذا الكتاب في فرنسا، حيث هاجر وأستقر هناك بعد ثورة اكتوبر 1917 في روسيا، وحيث توفي وتم دفنه هناك ايضا عام 1953، ولكن الكتاب المذكور صدر عام 1955 في نيويورك بالولايات المتحدة الامريكية، اي انه آخر كتاب لبونين، وصدر بعد سنتين من وفاته، وهذا يضفي على هذا الكتاب الجميل والمتميز في تاريخ الادب الروسي اهمية استثنائية جدا بالطبع، وقد اشارت دار النشر الروسية في نيويورك التي أصدرت هذا الكتاب الى ذلك في نهايته، حيث كتبت انها تنشر مخطوطة هذا الكتاب كما استلمتها من ورثة بونين دون اي تعديل اوحتى اي تصحيح احتراما وتقديرا للكاتب الروسي الشهير ايفان بونين وذكراه ومكانته في تاريخ الادب الروسي على الرغم من وجود ضرورة لذلك بشأن بعض النقاط، والتي اشارت دار النشر تلك الى ان بونين – في حالة لو كان باستطاعته مراجعة الكتاب هذا كان من المؤكد ان يقوم بتصليحها، ولهذا يطلقون على هذا الكتاب ايضا في مصادر النقد الادبي الروسي وتاريخ الادب الروسي ومسيرته تسمية – (مخطوطة غير منتهية، او غير نهائية) وهذا شئ صحيح ودقيق فعلا، وذلك لان وفاة بونين في باريس عام 1953 قد حالت – مع الاسف – من ان يضع مؤلف الكتاب المذكور – اي بونين - تلك اللمسات الاخيرة والنهائية لهذا الكتاب وان يقوم بتصحيحه نهائيا قبل طباعته واصداره عام 1955 في نيويورك من قبل دار النشر الروسية هناك .

لقد تم تعارف بونين بتشيخوف في الامبراطورية الروسية آنذاك عام 1895، واصبحا بعدئذ قريبين في علاقاتهما وصداقتهما مع بعض في بداية عام 1900، وهناك (14) رسالة من تشيخوف الى بونين في ارشيف بونين، و(17) رسالة من بونين الى تشيخوف في ارشيف تشيخوف، وصدرت مقالة حول ذكريات بونين عن تشيخوف في روسيا لاول مرة عام 1905(اي بعد سنة واحدة من وفاة تشيخوف) في كتاب يضم مجموعة مقالات بعنوان – (في ذكرى تشيخوف)، واعيد طبع هذا الكتاب في عام 1906، وقد دخلت تلك المقالة عن تشيخوف في مؤلفات بونين الكاملة، و التي صدرت عام 1915 في روسيا، ثم ظهرت مرة اخرى (منقحة ومزيدة) عام 1935 في مؤلفات بونين الكاملة و التي صدرت في برلين بالمانيا، ثم في كتابه الموسوم – (ذكريات) الذي صدر في باريس بفرنسا عام 1950، ثم في الكتاب الذي نحن بصدد عرضه هنا وهو – (عن تشيخوف) الذي صدر بعد وفاة بونين كما ذكرنا اعلاه.

مقدمة الكتاب كتبتها ارملة بونين السيدة ف.ن. بونينا، والتي أشارت الى ان الوضع الصحي لبونين عام 1952 لم يسمح له ان ينهض من السرير، ولكنه عندما كان يقدر ان ينهض ويتحرك، فانه يعود رأسا الى كتبه ونشاطاته الادبية ومنها بالذات كتابه الذي كان يعدٌه عن تشيخوف، والتي كان يسميها بشكل عام ودقيق وساخر ايضا – (طبعات ما بعد الموت) . لقد اطلع بونين – حسب مقدمة ارملته للكتاب - با لذات في تلك الفترة على كتاب بعنوان –(رسائل تشيخوف) والذي كتب فيه تشيخوف عن بونين ونتاجاته وافكاره لاصدقائه واقاربه، وتأثر بونين جدا باراء تشيخوف الايجابية والموضوعية عنه في تلك الرسائل، ثم قرأ كتابا صدر آنذاك في موسكو بعنوان – (تشيخوف في ذكريات معاصريه) (انظر مقالتنا حول هذا الكتاب وبنفس العنوان) واعجبته مقالة السيدة أفيلوفا في ذلك الكتاب عن تشيخوف والتي كانت بعنوان –(تشيخوف في حياتي)(صدرت هذه المقالة بالعربية في بغداد بترجمة كامران قره داغي، انظر مقالتنا بعنوان كامران قره داغي والادب الروسي في العراق)، وهكذا قرر ان يكتب عن حياة هذه المرأة وارتباطها بتشيخوف، ثم قرأ مقالة الناقد الادبي والفيلسوف الروسي المعروف في بداية القرن العشرين شيستوف بعنوان –(ابداع من لاشئ)، وهي مقالة مشهورة جدا في تاريخ النقد الادبي الروسي و أثارت ضجة كبيرة في حينها، والتي كتبها شيستوف ونشرها بعد وفاة تشيخوف، ثم بدأ بونين يطلب من زوجته ان تقرأ له كتبا اخرى بما فيها بعض نتاجات تشيخوف والتي حددها بونين نفسه او اشار اليها بقلمه عندما طالعها في حينه . لقد اشارت ارملته الى كل هذه النقاط العديدة وتحدثت عنها - وبالتفصيل الدقيق - في تلك المقدمة للكتاب المذكور والتي كتبتها بتاريخ 28/2/1955 كما اشارت في نهايتها، ويمكن القول - وبلا أدنى شك - ان هذه المقدمة تعد وثيقة مهمة جدا من وثائق تاريخ الادب الروسي ومسيرته .

الجزء الاول في الكتاب يتكون من معلومات وجيزة عن سيرة تشيخوف، والتي ذكرها لبونين شخصيا، ويتحدث الكاتب حتى كيف حصل على نسخة من شهادة ميلاد تشيخوف، ثم ينتقل الى تاريخ تعارفهما وبداية صداقتهما، ويتوقف عند اللقاء في يالطا مع تشيخوف وتولستوي وحديثهم عن الفن، وينتقل الى الحديث عن السيدة أفيلوفا ودورها في حياة تشيخوف وكيف تعارف معها هو شخصيا وعن تلك اللقاءات معها في موسكو عام 1915 وعام 1917 ومراسلاته معها في اوائل سنوات الهجرة في العشرينيات ثم انقطاع تلك المراسلات، ثم يتكلم عن الكلمة التي ألقاها في مسرح موسكو الفني عن تشيخوف بمناسبة مرور خمسين سنة على ميلاده، اي في عام 1910، وقد تحدٌث بونين عن كل ذلك باسلوب طريف وجديد ومبتكر، اذ انه وضع كل هذه الذكريات في نقاط منفصلة عن بعض، مما اعطاه الحرية المطلقة بالانتقال من موضوع الى آخر دون الضرورة لربط تلك المواضيع المختلفة في بوتقة واحدة او نص واحد متكامل، وهو اسلوب رائع وسلس ويشدٌ القارئ تماما، اذ ان هذا الانتقال السريع بين تلك النقاط التي يبدو وكأنها منفصلة عن بعض رغم انها تدور حول تشيخوف وشخصيته وتلك الآراء حول ابداعه، يجدد انتباه القارئ الى تلك النصوص دائما، وقد جاءت تلك المقاطع – بعض الاحيان – في جملة واحدة او جملتين لا أكثر، وأضرب هنا مثلا على ذلك ليس الا – (سألت والدة تشيخوف واخته – هل بكى تشيخوف يوما – ما ؟، أجابتا- كلا، ابدا وطوال حياته . ويعلق بونين على ذلك بكلمة واحدة فقط وهي – رائع) أو هناك قول لتشيخوف يكتبه بونين بايجاز دقيق ومحدد – (العبقرية – هي معرفة الحياة، العبقرية – هي الشجاعة)، وهناك الكثير من تلك الامثلة المشابهة لذلك . اما الجزء الثاني من ذلك الكتاب فتتضمن ملاحظات من دفاتر مذكرات بونين لعام 1914 ثم مقاطع مطولة من رسائل تشيخوف الى ادباء كثيرين وملاحظاته حول نتاجاتهم الادبية، وهم ادباء روس كبار مثل غوركي وكوبرين وفيريسايف وغيرهم، مع تعليقات ومداخلات من بونين نفسه طبعا بشأن تلك الملاحظات .

لقد رسم بونين في كتابه هذا صورة قلمية رائعة لتشيخوف، صورة يمكن ان تكون واحدة من أجمل لوحات المدرسة الانطباعية في الفن التشكيلي اذا امكن لنا التعبير هكذا، اذ انه رسم تلك الصورة لتشيخوف من عدة مواقع و زوايا مختلفة تمام الاختلاف وحسب الضياء الذي يسقط عليها، واعطى للقارئ حرية بلورة السمات الكاملة لتلك اللوحة في مسيرة النقد الادبي طبعا، اي انه رسم لوحة تشيخوف الفنية بكل ما يعني ذلك من معاني و احتمالات واجتهادات وحسب حزمة الضوء التي تسقط عليها كما في قوانين المدرسة الانطباعية في الفن التشيكيلي تماما. كم اتمنى ان يمتلك القارئ العربي ترجمة كاملة لهذا الكتاب المهم جدا حول تشيخوف – هذا الانسان الرائع والكاتب الجميل والرشيق والعميق فعلا قلبا وقالبا !

 

مظاهر الحياة الدينية في الجزيرة العربية قبــل الاســـلام

nadhir haronalzobaydiما تزال البحوث التي تناولت الديانة الوثنية في الجزيرة العربية قاصرة عن الايفاء بكافة جوانب تلك الحقبة التاريخية المهمة، ويعود السبب في ذلك الى ان مجيء الاسلام ادى الى طمس اثار تلك الحقبة ومحاربتها ومن ثم اهمال المسلمين الاوائل التحدث عن تلك المرحلة لأنها تذكرهم بكفرهم واشراكهم بالله وندمهم عن تلك الايام التي عاشوها بعيدا عن التوحيد . هذا من جانب ومن جانب اخر قلة البعثات التنقيبية في الجزيرة العربية وخاصة في المملكة العربية السعودية التي تطبق نظام اسلامي له وجهة نظر خاصة في محاربة الاثار، بالتالي ادى الى شحة في المصادر التي توثق لتلك المرحلة وخاصة الاثارية منها .

من هنا جاءت اهمية البحث، متمنيا ان يكون اضافة بسيطة ومتواضعة جدا لإلقاء الضوء على (الديانة الوثنية في الجزيرة العربية قبل الاسلام)

 

يتكون البحث من مقدمة وخمسة فصول وخاتمة موجزة:

تناول الفصل الاول شبه الجزيرة العربية من الناحية الجغرافية وحدودها،وشبه الجزيرة العربية في كتابات جغرافي اليونان والرومان والمؤرخين العرب .

اما الفصل الثاني فقد جاء فيه ذكر الحياة الاقتصادية في الجزيرة العربية والحج قبل الاسلام، والديانات السماوية في الجزيرة العربية

وتناول الفصل الثالث من هذا البحث عبادة الاوثان، والصنم والوثن من الناحية اللغوية، وكيفية ظهور عبادة الاوثان وانتشارها، ثم معنى الشرك في القران الكريم.

اما الفصل الرابع فقد خص بالذكر انواع الديانات الشركية في الجزيرة العربية ومنها: (عبادة الكواكب وعبادة الاسلاف وعبادة الشجر وعبادة الحيوانات والشفاعة)

اما الفصل الخامس والاخير فقد تناول هيئة الاصنام واشكالها واهم الاصنام التي كانت في الجزيرة العربية ومنها: (هبل ومناة والعزى وطاغوت وذو الشرى وود وسواع ويعوق ونسر ويغوث واساف ونائلة وذو الخلصة وبعل ودوار).

 

للاطلاع على الكتاب في مكتبة المثقف

مظاهر الحياة الدينية في الجزيرة العربية قبــل الاســـلام / نذير هارون الزبيدي

 

«نظرية الحِجاج عند شاييم بيرلمان» للحسين بنوهاشم

620-hehabiعن دار النشر الكتاب الجديد المتحدة ببيروت صدر حديثاً برسم سنة 2014 للباحث المغربي الحسين بنوهاشم كتاب جديد في حوالي 138 صفحة موسوم ب«نظرية الحِجاج عند شاييم بيرلمان٭». ومما ذكره المؤلف في تقديمه لكتابه ما يلي: «نُقدم فيه [الكتاب] نظرية الحِجاج عند شاييم بيرلمان (Chaim Perelmen). وقد اعتمدنا في ذلك على كتابه إمبراطورية الخطابة (L’empire rhétorique) الذي بسط فيه المفاصل الكبرى لهذه النظرية دون الإمعان في النقاشات والتفاصيل التي تشكل الخلفية الفلسفية لها، وهي نقاشات وتفاصيل حاضرة بإسهاب في كتاب: مُصنّفٌ في الحِجاج. الخَطابة الجديدة (Traité de l’argumentation. La nouvelle rhéto rique)»، ومبثوثة أيضاً في كتبه الأخرى التي تتناول بالتفصيل جوانب من نظريته. لذلك فاعتمادنا على كتاب إمبراطورية الخَطابة في عرض هذه النظرية لم يمنع من الرجوع إلى كتبه الأخرى (خاصة كتاب مُصنّفٌ في الحِجاج) كلما دعت إلى ذلك ضرورة الشرح والتوضيح والتوسيع.

620-hehabiونحن نعتبر هذا العمل مساهمة في مشروع تجديد البلاغة العربية بإدراج المكوّن الحاضر/ الغائب فيها: المكوّن التداولي الحِجاجي، وذلك من منظور يعتبر البلاغة علماً يَدرس جميع أنواع الخطابات الإنسانية القائمة على الاحتمال...».

وأشار الدكتور محمد العمري، من ناحيته، إلى أن هذا الكتاب تناول البلاغة الجديدة عند كبير روادها في العصر الحديث، بدون منازع: شاييم بيرلمان، وهي بلاغة مبنية على قراءة نقدية للخَطابة الأرسطية (الريطورية).

 

محمد الهجابي

.....................

٭شاييم بيرلمان (1912-1984) هو مؤسس البلاغة الجديدة وأحد رموز مدرسة بروكسيل. ولد في فارسوفيا، ثم هاجر إلى بلجيكا سنة 1925 حيث درّس بالجامعة الحرة لبروكسيل إلى غاية 1978 مواد المنطق والأخلاق والميتافزيقا. ولقد جرى إدراج أبحاثه ضمن مجالات القانون والبلاغة والحِجاج. وحصل شاييم بيرلمان، خلال مساره العلمي، على جوائز عدة، وخلع عليه الملك بودوان، ملك بلجيكا، سنة 1983 لقب البارون بالنظر إلى مكانته العلمية الرفيعة وإلى مستوى اجتهاداته الوازنة. ومن جملة مؤلفاته نذكر الآتي:

-        Rhétorique et philosophie, avec Lucie Olbrechts-Tyteca, Paris, Presses Universitaires de France, 1952.

-        Justice et raison, Bruxelles, Éditions de l'Université de Bruxelles, 1963

-        Droit, morale et philosophie, Paris, Librairie Générale de Droit et de Jurisprudence, 1968.

-        Le Champ de l'argumentation, Bruxelles, Éditions de l'Université de Bruxelles, 1969.

-        Logique juridique, Paris, Dalloz, 1976.

-        L'Empire rhétorique, Paris, Vrin, 1977.

-        Le Raisonnable et le déraisonnable en droit, Paris, Librairie Générale de Droit et de Jurisprudence, 1984.

-        Éthique et droit, Éditions de l'Université de Bruxelles, 1990

-        Modernité du libre examen, (avec Jean Stengers), Bruxelles, Éditions de l'Université de Bruxelles, 2009

-        Traité de l'argumentation : La nouvelle rhétorique, avec Lucie Olbrechts-Tyteca,

-        Bruxelles, Éditions de l'Université de Bruxelles, 2009                

 

موسوعة الحسين تذكر المصادر التي لم تعتمدها

قيمة الكتاب التاريخي وبالاخص الموسوعي هي من قوة مصادره التي يعتمدها وتزداد قيمة الموسوعة عندما يعمد المؤلف الى التدقيق في المصادر ومطابقتها مع غيرها ليصل الى افضلها، وينقل الاراء المختلفة ان لم يرجح احدها ويذكر سبب الترجيح ان رجح باسلوب منطقي وعقلي .

الشيخ محمد الريشهري له موسوعة عن الامام الحسين عليه السلام وحاول ان يجمع كل ماله علاقة بالحسين عليه السلام حتى تكون الموسوعة مصدر للباحثين عن ما يريدون البحث عنه في أي مجال يخص الحسين عليه السلام، في موسوعته هذه ضمنها ابواب قد تكون انفرد بها من دون غيره الا وهي انه ذكر في فصل خاص تحت عنوان "المصادر غير الصالحة للاعتماد"، وقبل الشروع بذكرها ذكر اسلوبه في عدم اعتماده لهذه المصادر وفي الوقت نفسه اشار الى انه ينتقد المصدر لا صاحب المصدر بل انه يثني عليهم ويذكر سبب عدم اعتماده عليها فيعزوه الى امور خارجة عن ارادة المؤلف او للخلل في طريقة جمع المعلومات .

من هذه المصادر التي لم يعتمدها مقتل ابي مخنف ويقول عنه المنسوب الى ابي مخنف، وحتى لا يساء الظن به فانه ذكر هوية المؤلف قائلا:" لوط بن يحيى بن سعيد ( ت158هـ) من المؤرخين الموثوق بهم " اذا يؤكد على وثاقته ولكنه برر عدم اعتماده على المقتل بان الاصل مفقود والموجود هو تجميع لروايات مبعثرة في بعض الكتب التي اعتمدت روايات ابي مخنف من غير التمعن في السند او المتن ولهذا جاءت كثير من الروايات لا تعبر عن ما جرى يوم الطف، ويؤكد الريشهري صدور كتاب مجهول تحت عنوان مقتل ابي مخنف لا يتوفر دليل على صحة نسبه للمؤلف.

مصدر اخر غير معتمد هو "نور العين في مشهد الحسين" المنسوب الى الاسفراييني الشافعي ت 417هـ وعند ترجمة حياة المؤلف لم تذكر المصادر القديمة ان له كتاب بهذا العنوان، ومن ذكره هو اسماعيل باشا وعليه اعتمد اغا بزرك الطهراني وعند العودة الى المصدر الذي اعتمده اسماعيل باشا نجده ذكر وفيات الاعيان، وعند العودة الى هذا المصدر لم يجد الريشهري هذا الكتاب كما وان اسماعيل باشا ذكر هذا الكتاب في مكان اخر بعنوان ايضاح المكنون دون ذكر مؤلفه، فالاسفراييني بريء مما نسب اليه .

"روضة الشهداء" للواعظ الكاشاني (ت910) وهو باسلوب قصصي ممتع حيث ان المؤلف يجيد سرد القصص التاريخية باسلوب ممتع وكان محب لاهل البيت وقد وضع قصصا عن واقعة الطف اختلط المعتبر بغير المعتبر وكانت غايته من التاليف ان يكون خاص لقراء المجالس وعليه لا يعتمد عليه،

"المنتخب في جميع المراثي والخطب" غاية مؤلفه فخر الدين الطريحي( ت1085هـ) ابكاء الناس فهو ليس تاليفا تاريخيا علميا وقد امتزج فيه الغث والسمين بما لاينسجم وطبيعة المؤلف.

"ناسخ التواريخ" للميرزا محمد تقي سيهر(ت1297هـ) المعروف بلسان الملك من شعراء وكتاب البلاط القاجاري وقد الف هذا الكتاب من قبل السلطان القاجاري بتاليفه عن تاريخ العالم لهذا عندما يتعرض لواقعة الطف فانه لا يدقق في المعلومة وقد وقع في اخطاء تاريخية وقد عد الشهيد الطباطبائي اشتباهات كثيرة فيه .

"اسرار الشهادة" لاغا عابد الدربندي (ت1285هـ) يرى الريشهري بانه يتضمن اخبار ضعيفة وغير صحيحة وقد علل ذلك بقول المؤلف أي الدربندي عن المبنى الذي اعتمده في التاليف هو علامات الكذب لا تمنع من النقل وان بلغت درجة الظن، ولا اشكال في نقل مثل هذه الاخبار في بيان السيرة والتاريخ . فيرى المحدث النوري ان المخطوطة لا اساس لها ومجهولة ولا يمكن الاعتماد عليها بل يحتمل انها ليست من مؤلفات عالم جليل مثل الدربندي .

هنالك كتب اخرى لم يعتمدها المؤلف منها "محرق القلوب" الملا مهدي النراقي ( ت1209هـ)، "عنوان الكلام" للملا محمد باقر الفشاركي (ت 1314هـ)، "تذكرة الشهداء" ( ت1340هـ)، و"معالي السبطين" لمحمد مهدي المازندراني(ت1385هـ)، وقد ذكر الاسباب .

وانا ارى ان هنالك سبب اخر سيؤدي الى ظهور كتب فيها اخبار غير معتمدة ساتطرق اليها في مقال قادم ان شاء الله .

 

الجزء الثاني من كتاب (الآخرون أولا) يصدر في بغداد .. ناظم السعود يكتب عن 31 أديبا عراقيا

nadom alseoudصدرت قبل اسابيع في بغداد الطبعة الاولى من كتاب (الاخرون اولا: قطوف من كتابات ساندة) وهذا هو الجزء الثاني من الكتاب الذي صدر بطبعتين منذ سنوات: الطبعة الاولى صدرت في مدينة كربلاء عام 2010 والثانية في مدينة الحلة عام 2011، الجزء الجديد هو من نشر وتوزيع " دار الفراهيدي للنشر والتوزيع " وهو يقع في 210 صفحة من القطع المتوسط وقد كتب مقدمته الشاعر والباحث العراقي الدكتور خزعل الماجدي تحت عنوان (ناظم السعود: سادن الثقافة العراقية المعاصرة) جاء فيها:

كم من المبدعين مثل ناظم السعود؟

كم من الناذرين أنفسهم لمتابعة معناة المثقفين وشؤونهم بلا تعب أو كلل؟

كم من الباذلين أعمارهم لغيرهم ؟

وقف ناظم السعود، مبكراً، أمام الثقافة العراقية المعاصرة فوجدها بحراً متلاطماً يفيض بالإبداعات والمبدعين ورأى لو أنه أصبح (ناقداً) فلن يقدم لها أكثر مما قدمه لها أكبر نقادها   المتهمين بالتقصير والعجز، ولو أنه أصبح (باحثاً) فإن مناهج البحث والأروقة الأكاديمية ستضعه في التيه ولن يستطيع ملامسة جراحها الحقيقية، ولذلك قرر أن يكون الحارس الأمين على وجعها وأنينها وجمالها وخوفها وتعبها، قرر أن يشحذ قلمه للدفاع عن ماتتعرض له من موت وخراب وتشويه وقسرٍ .

والذي يعرف ناظم السعود عن كثب يدرك تماماً أن هذه المهمة التي تصدى لها تتطابق مع شخصيته في الحياة، فهو الباذل المضحي الذي يقف في آخر الصف لينعم بفرح وراحة الذين يتقدومونه . الذي يعرف ناظم السعود شخصياً يدرك أنه أمام شخص يقدّس التضحية من أجل الآخرين ويراها منهاج عمل ينبع الي نهاية الحياة ولا ينضب . والحقيقة يجب أن تقال هنا أيضاً حول مفارقة ظهور باذلةٍ بهذا الشكل وسط طوفان من الذوات المنغلقة على نفسها وتأبى حتى التوافق مع محيطها المجتمعيّ؟ إذ كيف يظهر شخص بهذه الروحية المضحية في أفق عراقيّ تتجاذبه شهوات الأنانية والنرجسية والتملك والمركزية ؟، فكل عراقيٍّ، في هذا الزمان، يشعر أنه كوكبً يسبح الآخرون في مداره، ولذلك أتساءل باستغراب .. كيف يظهر في مناخ كهذا رجل مثل ناظم السعود؟ وأين؟ في معقل النرجسية العراقية الذي اسمه الثقافة والإبداع ! .

أعود فأقول أن ناظماً قد حزم أمره مبكراً لكي يصبح جندياً مضحياً في وطن الثقافة العراقية ..يحرسها ويرعاها ويضئ أغوارها وينقذ منسييها، قررأن ينسى نفسه ويدخل في أمواجها، سباحةً، فيكفن موتاها ويرفع من كاد يغرق ويدثّر من كاد يتوارى ويذهب هنا وهناك ليكون المطبب والمؤاسي لجراحها.وهكذا ترك ناظم طموحة الشخصي في أن يكون دارساً للفلسفة الوضعية في ألمانيا بداية ثمانينات القرن الماضي وأن ينصرف لشأن أكثر واقعية، من وجهة نظره، اسمه خدمة الثقافة العراقية.   بفطنته وذكائه عارض ناظم السعود الجملة الوجودية الشهيرة لسارتر (الآخرون هم الجحيم) وقدّم بديلاً إنسانياً عنها يخلو من الأنانية ويؤكد على التضحية فقال (الآخرون أولاً) وكان أن أصبحت جملته هذه عنوان كتابه الذي هو ثمرة تلك العناية والمراقبة الحنون لثقافة تكاد تحتضر.

في الجرء الأول من كتابه أضاء ب (139) مقالةً جوانب كثير من الثقافة العراقية وسلّط الضوء على الجانب الذي أصابه الحيف والأذى وانتصر لكثير من الأدباء الذين عانوا من التهميش والنسيان والإهمال والقهر المباشر وغير المباشر.

عندما تصفّحت عناوينه شعرت بالفخر، أولاً، أن في ثقافتنا كل هذه الأسماء المضيئة بإنجازاتها والتي يحق لنا الإنتصار لهم وهم يتوارون في أمواج التهميش والعزل والنسيان، وشعرت، ثانياً، بالجهد العظيم الذي بذله ناظم السعود وهو يكتب،دون تعب أو مللٍ، عن منجزاتهم ويضعها على مائدتنا .. شعرت كم أنه كان على حقٍّ في كل ماقاله . لقد قرر السعود أن يبدأ بنفسه هو أولاً في رفع الحيف عنهم ليحرك فينا رغبةً مشابهةً، ثم يكرر ذلك عشرات المرات لتتحرك أموج القدر الخفيّة التي سيكون بإمكانها وضع الأمور في نصابها، ليس في رفع الحيف الذي وقع، بل في تثبيت الجهد وتحويل الأسماء الصامتة المنسية إلى قناديل حيّة في حاضرنا ومستقبلنا .

لقد فعلها ناظم السعود أفضل من جميع النقّاد والباحثين العراقيين وأشار بيديه لهذه الثروة العراقية الباهرة، وربما كان الوقت بأمس الحاجة لما فعله في زمن الموت والتغييب والخراب فكان عمله أشبه بصرخة كبرى بوجه كل من خرّب وأهمل ثقافتنا العراقية المعاصرة ... ).

ويضم الجزء الثاني من الكتاب – اضافة للمقالات وللكتابات – مجموعة من الشهادات المنشورة عن سيرة الكاتب ودوره واثره وقد جاءت محتويات الكتاب غنية بالاسماء والتفاصيل مما يدل على ثراء عالم الكاتب وتوسع اهتمامه :

   ا – المقدمة بقلم خزعل الماجدي

2 – ارجوكم .. لا تهدموا بيت الجواهري

3 – علي جواد الطاهر .. سامحنا

4 – " عبدئيل " موفق محمد يسومنا بجمرات الشعر

5 – اشارات مشرقة بين طويريج ومونتريال

6- رسالة من مونتريال

7 – عيسى حسن الياسري بلا عيسى حسن الياسري

8 – اطلقوا سراح الياسري

9 – اربعة فتحوا عاصمة الثقافة

10 – كتاب مشبوه بأسم علي الوردي

11 – من يسعفني بخبر الشاعر المخضرم ؟

12 – محّي الدين زنكنة انت ترحل .. وانا حزين واتذكر

13 – احتفاء خاص بعودة حسين سرمك حسن

14 - حسين سرمك شخصية 2012 الثقافية

15 – محمد علي الخفاجي يموت يا .. حكومة

16 – خزعل الماجدي شخصية 2010 الثقافية

17 – رؤية في ريادات الشاعر العراقي مشتاق عباس معن

18 – اديب عراقي يناشد ملك المغرب

19 – مصر لم تفرط به .. ولكننا فرطنا بهم

20 – علي مزاحم عباس .. انه لنبأ

21 – كاظم اسماعيل الكاطع : كيف ترحل ومعك كتابين لرئيس الوزراء؟

22 – كاظم الحجاج : الكهرباء .. الاعتكاف .. ثم الرضوخ

23 – الناشط الثقافي محمد رشيد :مؤتمر القمة الثقافي مغامرة وجسارة

24 – لنتضامن مع د هاشم حسن

25 – لطفية الدليمي ... جدلية المعاصرة وشبعاد

26 – تحية متأخرة للدكتور امجد حميد التميمي

27 – عباس اليوسفي .. قلبي المجلوط معك

28 – ذياب الشاهين يقبض على 150 بحرا شعريا

29 – رشا فاضل ترد على المجزرة

30 – السندباد الشعري وصل الاكوادور

31 – الاديب في محنته .. الى عصام القدسي

32 – يا فؤاد العبودي انتظر رياح التطهير والتغيير

33 – ثلاثية محمد درويش علي :من غيبوبة الكبد الى غراب مدينة الطب

34 – خالد عبد الرضا السعدي ذكرى اغتياله ورؤية في شعره

35 – حان زمن الشعراء لآصلاح الكهرباء

36 – دعوة مربدية ام مهازل ثقافية ؟

37 – اعتذار للقاص نجم الاميري

38 – حسن الكاتب: عام على الوشم

39 – جرح ثقافي ينكؤه خبر بريدي

40 – سلمان داود محمد : قصيدتك اسقطت حسني مبارك

41 – من طرد العبقرية العراقية ؟

42 – عالم لغوي في كلية الصيدلة

43 – القاص عادل الصفار : لماذا سحبت " رؤياك الحزينة "؟

44 – فلتجب بغداد : هل مات فاضل الخياط ؟

45 – محمد رشيد .. يناشد الله

46 - شهادات :

زيد الحلي / د عبد الحميد الفرج / رباح آل جعفر / احمد الشيخ علي/

د مشتاق عباس معن / فؤاد العبودي / رضا المترفي / ابراهيم     زيدان / عبد الحسين خلف الدعمي / باسم فرات / عبد الهادي البابي / علي رحماني / احمد الثائر / حسين محمد الفيحان / انتصار السراي / نبيل حسين زايد / وليد حسين .

 

بلاغة الحِجاج - الأصول اليونانية .. إصدار جديد للحسين بنوهاشم

619-hehabiصدر حديثاً ببيروت في لبنان عن دار النشر الكتاب الجديد المتحدة، برسم سنة 2014، مؤلف جديد في حوالي 384 صفحة، بعنوان: «بلاغة الحجاج/ الأصول اليونانية» للباحث المغربي الحسين بنوهاشم، وهو في الأصل عبارة عن أطروحة جامعية لنيل الدكتوراه بكلية الآداب، جامعة محمد الخامس، بالرباط. الدكتور محمد العمري الذي أشرف على إنجاز الأطروحة وتابع عن كثب مراحل إعدادها قدم للكتاب، في صيغته الجديدة، بكلمة استهلها بقوله: «هذا الكتاب الذي أسعدُ اليوم بتقديمه للقارئ العربي لم ألتق به صدفة، ولم يُعرض علي لتقديمه مجاملة، بل سايرتُ مراحل تكوُّنه، واطلعت على فصوله فصلاً فصلاً حتى استوى بناؤه، وأينعت ثمرتُه (...) تناول هذا الكتاب المِهاد التاريخي والنظري لمبحث الحِجاج، ذلك المِهاد الذي ما انفكت الدراسات الغربية الحديثة تستنطقه، وتعيد النظر فيه، كُلما جدّ جديد في مجال البدائل المنهاجية. إنه حفرٌ في تربة بلاغة الحِجاج قبل أرسطو وأفلاطون، ثم عرضٌ مفصَّل لتصورهما..».

وعليه، فالكتاب إياه هو بحثٌ في أصولِ نظريةِ الحجاج التي تعود إلى ما أُنجز ما بين القرنين5 ق م و4 ق م في اليونان. فهي دراسة للأصول التي انبثقت منها هذه النظرية.

619-hehabiإن دراسة بلاغة الحجاج عند اليونان، كما يؤكد الباحث الحسين بنوهاشم، مطلبٌ مُلحٌّ في الدرس الحجاجي العربي، فأي طموح لتجديد البلاغة العربية وإدراج الجانب الحجاجي فيها يمر عبر دراسةِ بلاغة الحجاج تلك، بل إن فهم نظرية الحجاج الحديثة يفرض الاستيعاب العميق لمختلِف القضايا النظرية التي طرحها التراث الخَطابي اليوناني، والإحاطةَ بالنسق الذي وضعه لها أرسطو، بعد تاريخٍ طويل من الإسهامات التي قدّمها السفسطائيون ومعلمو الخطابية قبله. والحال أن الساحة الثقافية العربية تشكو فراغاً شِبهَ تامٍّ من الدراسات المنصبّة على هذا التراث. من هنا، فإن هذا الكتاب هو محاولة لسد الفراغ في هذا المجال.

«لقد عملنا في هذا الكتاب على تتبع المسار الذي عرفته بلاغة الحجاج عند اليونان، والمراحل التي قطعتها منذ أن نشأت في صقلية إلى أن استوت نسقاً نظرياً على يد أرسطو. قمنا فيه بتحليل ومعالجة القضايا النظرية التي طرحها بناء علمٍ للخطاب الإقناعي عبر المراحل التاريخية التي قطعها من ق5 إلى ق4 قبل الميلاد، والتي تناولت مُجمل الأسئلة والإشكاليات المطروحة على الخطابية في العصر الحديث. مما شكّل مناسبة لنا لطرح وجهاتِ النظر الحديثة التي ناقشت تلك الأسئلة والإشكاليات، دون إهمالِ وجهاتِ نظرِ القدماء ممن أتوا بعد أرسطو خصوصاً شيشرون Cicéron وكينتيليانQuintilien، وكذا الفلاسفةَ العرب: الفارابي وابنَ سينا وابنَ رشد.

وقد حددنا المراحل التاريخية المذكورة أعلاه في ثلاث هي:

-        مرحلة النشأة في صقلية التي شهدت المحاولات الأولى لتقعيد الخطابية القضائية،

-        مرحلة تبلورها ونموها على يد السفسطائيين ومعلمي الخَطابة الذين عالجوا القضايا المتعلقة بتحديد مجال الخَطابة والبحث عن الحجج وأجزاء الخطبة والأسلوب،

-        وأخيراً المرحلة الأرسطية التي ستنتظم فيها الخطابية نسقاً نظرياً.

قسمنا البحث، وفقاً لما سبق، إلى قسمين، خصصنا أوّلهما (أ) للمرحلتين الأُولَيَيْن، وثانيهما (ب) للمرحلة الأخيرة.»

تضمّن القسم الأول فصلين، الأول: نشأة الخطابية، والثاني: الخطابية الأثينية قبل أرسطو. وتضمّن القسم الثاني فصلين كذلك، تناول الأول التصور الأرسطي للخطابية، والثاني مضامين الخطابية الأرسطية.

واعتمد الباحث في معالجة القسم الأول من الكتاب، والمتعلق بالخطابية قبل أرسطو، على تقديم المعطيات التاريخية مع مقابلتها بما يخالفها، وعرضِ وجهات النظر المختلفة حولها وتحليلِها ومناقشتِها، قبل ترجيح ما يراه راجحاً منها. وقد تطلَّبَت منه بعض جوانب البحث، خصوصاً ما يتعلق منها بالسفسطائيين، استقراءَ مجموعةٍ من نصوصهم وتحليلَها قبل اتخاذ أي موقفٍ بخصوص طروحاتهم، وذلك حرصاً على تجنب الوقوع في الحكم المسبق السَّلبي السائد حولهم.

أما فيما يخص القسم الثاني الذي عرض فيه الباحث إلى نظرية الخطابية الأرسطية، فقد اتبع نفس المنهجية في فصله الأول، إذ كان يعرض نصوصه ويحلل مضامينها ويناقش وجهات النظر المطروحة حولها، ليرجّح في الأخير أحدها أو يقدم وجهة نظره فيها.

وحرص الأستاذ الحسين بنوهاشم في الفصل الثاني، الذي قدم فيه مضامين الخطابية الأرسطية، على الالتصاق بنص كتاب الخطابية، مع الرجوع إلى كتب أرسطو الأخرى، خاصة: الجدل والسياسة وأخلاق نيكوماخوس Éthique de Nicomaque، لإضاءة الغوامض وإزالة الالتباسات. وقد بذل جهداً كبيراً لتقديم مضامين الكتاب بشكل واضح وقريب ما أمكن من المعنى الذي يقصده صاحبه. واعتمد فيه، إضافة إلى الترجمة العربية القديمة وترجمة عبد الرحمن بدوي، على سبع ترجمات فرنسية، كان يعود إليها ويقارن فيما بينها، حرصاً على الفهم الدقيق لهذا الكتاب الذي يُعَدّ من أصعب كتب أرسطو، وعلى عرض مضامينه بشكل واضح وقريب من فكرة صاحبه. وقد لاحظ الباحث، في كثير من المواضع، أن ترجمة عبد الرحمن بدوي تختلف عمّا أجمعت عليه تلك الترجمات، وأنها تتضمن كثيرا من الأخطاء التي لا يؤكدها ما أجمعت عليه تلك الترجمات فحسب، بل كذلك تناقضها مع السياق الذي أتت فيه أو مع التوضيحات التي قدمها أرسطو حولها في مواضع أخرى. وقد توصل الباحث، من خلال ذلك، إلى أن المكتبة العربية ما زالت في حاجة إلى ترجمة عربية دقيقة لهذا الكتاب. هذا دون تبخيس ولا إنكار لفضل عبد الرحمن بدوي.

إن هذا الكتاب، كما يرى صاحبه، هو محاولة لسد الفراغ الذي تعاني منه المكتبة العربية فيما يتعلق بأصول نظرية الحجاج. فتطوير البلاغة العربية وإخراجُها من وضعية "التحنيط" التي ما زالت أسيرة لها، وتخليصُها من التصور الذي يرى فيها دراسة لطرق التعبير وأساليب القول والصور البيانية والمحسنات البديعية، مُركّزاً على الجانب التخييلي فيها، مهملاً لجانبها التداولي الحجاجي، يمر بالضرورة، في رأيه، عبر عمليةِ تأصيلٍ نظري للمكون التداولي الحجاجي في التراث البلاغي العربي. وهو أمر يتطلب من الباحث إعادةَ قراءةٍ لهذا التراث متسلحاً بما تحقق في نظرية الحجاج الحديثة التي تعود أصولها إلى نظرية أرسطو الذي استطاع أن يَجمع ما أنجزه سابقوه في نسق نظري ظل النسقَ النظري المتكامل الوحيد في تاريخ بلاغة الحجاج إلى حدود العصر الحديث.

لذلك، فإن الكتاب هذا يندرج ضمن مشروعِ تجديد البلاغة العربية منظوراً إليها باعتبارها دراسة لأشكال القول في شِقّيه الشعري التخييلي والتداولي.

 

محمد الهجابي

"ضمير مؤنث" إصدار جديد للقاص المغربي حميد الراتي

618-morabitعن منشورات "رونق"، صدرت مؤخرا للقاص المغربي حميد الراتي مؤخرا مجموعة قصصية بعنوان: "ضمير مؤنث"، والمجموعة من الحجم المتوسط، تقع في 82 صفحة وتضم 56 نصا سرديا، ومن نصوص المجموعة نجد: "مخبر"، "من أكون؟"، "بيني وبينك قصة عابرة"، "تشظيات من ورق"، "حينما يصرخ الصمت"، "رقابة"، "رنين صامت"، "شغب مؤجل"، "شيطان امرأة"، "عشاء من ورق"، "قماط"، "لن أعيش مرتين"...

"ضمير مؤنث" هي مجموعة نصوص سردية تكشف النقاب عن أسئلة وجودية مفعمة بالشك المطلق، وعمق المأساة وجراح الذات بسخرية من المجتمع وقضاياه وشخوصه بنوع من الجاذبية والتأمل والتوظيف المتعدد. حيث اعتمد القاص حميد الراتي في مجموعته - حسب تقديم القاص حميد ركاطة- على أسلوب كتابة نفسية رامت تعرية زيف الذات الممزقة المحبطة بفظاعة الاغتراب والتيه والتي من خلالهما يمرر سؤال الماهية بحثا عن القبض على سراب محكياته، حيث نلمس علاقة المبدع بشخوصه التي بقدر ما تبرز انشطارها، يعري عن إحباطاتها ضمن مؤثثات المكان تجتر خيباتها وأحلامها المجهضة، ما يجعل الذات بداية ونهاية لمسار مشوب بالقلق والتيه.

618-morabitوالكاتب حميد الراتي، قاص وشاعر وفاعل جمعوي من مواليد مدينة سوق أربعاء الغرب، عضو الراصد الوطني للنشر والقراءة، حصل على عدة جوائز وطنية وعربية، نشر نصوصه القصصية بمختلف الجرائد الوطنية والمواقع الالكترونية. "ضمير مؤنث" هي المجموعة الثانية للقاص حميد الراتي بعد "تنوء بحلمهم" الصادرة عن دار الوطن سنة 2012، كما شارك في مجموعة قصصية مع ثلة من المبدعين العرب سنة 2010، وفي مجموعة قصصية مشتركة بعنوان: "وللحروف صدى" مع ثلة من القصاصين والأقلام الناشئة، الصادرة عن نادي عكاظ بثانوية أبي بكر الصديق – ورزازات سنة 2014.

معلومات إضافية