كتب واصدارات وقراءات ورسائل جامعية

"مرافىء العمر" لمحمد علي الصالح

shaker faredhasan"مرافئ العمر" هو عنوان الديوان الشعري الصادر حديثاً عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، للشاعر الفلسطيني محمد علي الصالح، الذي رحل عن الدنيا في العاشر من آذار العام ١٩٨٩، وهو والد الشاعر الوطني الكبير عبد الناصر صالح وكيل وزارة الثقافة الفلسطينية، ويعد من شعراء الرعيل الأول الذي ناضل وكافح ابان الانتداب البريطاني على فلسطين، فسجن وعذب ونفي سنوات عدة . وكان قد اشغل مديراً لمدرسة نور الدين زنكي في طولكرم .

ويضم الديوان بين دفتيه مجموعة من القصائد التي كتبها عبر مراحل مختلفة، وتناولت العديد من المحاور والمرتكزات والقضايا والأحداث السياسية والاجتماعية والموضوعات الانسانية والوطنية والوجدانية .

وهي قصائد رقيقة تعبر عن احساس مرهف وشاعرية مطبوعة تصل مرتبة اليقين . ومن جميل شعره اخترت هذه الأبيات من قصيدة " سيروا خفاقاً" :

هذي فلسطين العزيزة أصبحت

                 مغلولة والغل يسبي الغيدا

حكموا عليها أن تموت أسيرة

                 حكماً ينافي الشرع والتلمودا

وسعوا بتفرقة الروابط كلما

                 لاح اتفاق أظهروا تهديدا

يا قوم هل من سامع يصغي الى

                 شعر يغرد في الورى تغريدا

 

من شاكر فريد حسن

 

الرفاعي والظمأ الانطولوجي: حداثة المنهج وأصالة الدين

801-jabarطالما شاغلني سؤال تاريخي متجدد هو "كيف ندعوا إلى الله؟"، وضمن قراءاتي ومتابعاتي لمخرجات المؤسسات الدينبة من جهة، والحداثة من جهة أخرى، كان القلق عنوان مراحلي في السؤال والبحث، فكلاهما غالبا يغردان في صندوقهما المغلق، الذي لا يفهم أطروحاته ونقاشاته ومشاغلاته إلا النخب، بل يبتعد بمسافات ليست قليلة عن هم الناس ومشاغلاتهم اليومية التي تشكل لهم عوائقا للتفكير خارجها.

ومع التطور السريع الخطى الذي نعيشه في كل لحظة من لحظات عصرنا، كان السؤال يتعمق والقلق يزداد، بل بات السؤال يتشعب لفروعه البديهية حينما البحث عن إجابة في مظانها وحقولها، خاصة في حقل المعرفة الدينية ومن يشتغل عليها، لفحص المناهج وما تحويه من معارف، فهل فعلا هكذا ندعوا الناس بكل أطيافهم ومراتبهم إلى الله؟

801-jabarهل المنهج بسيط واللغة كذلك؟ وهل هو جاذب غير مباشر؟ وهل فعلا يمكن للجميع أن يهتدي به؟ وهل هو وعظي تقليدي أو ماذا؟

(الدين والظمأ الانطولوجي) عنوان كتاب علمت أن مؤلفه هو الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وللأسف لم أتمكن من الحصول عليه في معرض الكويت الدولي للكتاب، بسبب المنع الذي بات شعار المعرض دون معايير ضابطة، وإنما بعشوائية يغلب عليها المزاج تارة والتعصب الطائفي تارة أخرى.

ولكن في معرض بيروت الدولي للكتاب وجدت ضالتي، وبعد تصفحي للكتاب زاد اندهاشي من منع الكتاب في الكويت، فهو بعيد عن الايديولوجيا والمذهبيات، بل يتمحور حول الحب والإيمان والتسامح، وتفكيك الايديولوجيا والتفكير الديني المغلق.

في أنطولوجيا الدكتور الرفاعي لمست منهجا حداثيا، لكنه بأصالة دينية حوزوية عميقة، لم أقرأ في الكتاب لغة حوزوي، بل وجدته مفكرا إشراقيا بعمق حوزوي، حافظ على أصالته الدفينة في إيمانه، الذي غرسته وغذت جذوره والدته، وعمقه وكرسه بتجربته الدينية، التي تراوحت بين العمل في الحركات الإسلامية، ثم الالتحاق بالحوزة التي أصلت تلك التجربة بمعارف تأسيسية، مكنته من إدراك الأصول وتثبيتها كثوابت لا يمكن أن تمسها حداثة ولا عصرنة،كونها ترسخ له إيمانه وتعمق له عبادته لله التي ملهمها الحب، وساقيها شوق الوصل.

الدين والظمأ الانطولوجي كتاب تميز بمنهج زاوج بين الحداثة في المنهج والأصالة في الفكرة، استطاع من خلاله أن يمارس دوره الدعوي كرجل دين، لكن بأدوات عصرية جاذبة طرحها بأسلوب الرواية، وبلغة أدبية ملهمة، لها وقعها الخاص في العقل والقلب.

في طيات الأفكار تجد أحكاما فقهية، لكنها لم تلبس ثوب كلمات الفقهاء ( يجوز، لا يجوز، واجبا، مكروها، فيه تأمل .. الخ )، بل تجد ضمن روايته عن تجربته الدينية والمعرفية وقفات نقدية تارة، وخبرة ذاتية تارة أخرى، حيث يجعل من الموقف التاريخي الخاص بتجربته ملهما ينتزع منه أسسا أخلاقية وحقوقية، يرفدها لذهن القاريء دون أن يستشعر القاريء أنه يقرأ لرجل حوزوي، بل لرجل حداثي ملهم استطاع أن يجعل الفكرة حكما شرعيا، وحقا إنسانيا، وموقفا أخلاقيا، ويدمج بعضها بالقيم. بل زاوج بعض الأفكار بالمعايير والمبادئ، وكأنك هنا ترتبط بكل وجودك بالله، دون أي أسلوب وعظي أو إرشادي.

ما ميز الكتاب أنه خطوة جريئة من شخصية دينية لم تكتب كما اعتاد على كتابته الشخصيات الدينية، فقد خرج عن مشهور وإجماع ومألوف الحوزة، دون أن يحول خروجه إلى صدام معها، بل جعل من هذا الخروج منهجا يخترق اختراقا أدبيا أدبيات التابو والدوغما، وكل أطر الممنوع في الجسد الديني.

نقد المؤسسة الدينية، لكنه نقد لا تستشعره مباشرة، بل تنتزعه من بين السطور، فالكاتب فلسفي إشراقي، متصوف عقلي، تمرس ثقافة البرهان العقلي ومارسها في كتابه، ليؤسس لمنهج نقدي تقييمي غير صدامي، ممزوجا بحداثة مقننه أداتيا ومنهجيا.

قد يكون هناك من طرح الدين بثوب غير الثوب الديني المألوف، ولكن أن يطرحه بثوب الرواية الأدبية الفلسفية، التي تتحدث عن التجربة الدينية لشخصية دينية تروي حكايتها مع الحركات الإسلامية والأحزاب، ومع الحوزة والمحيط النخبوي، نقدا وتقييما وتثويرا، فهذا لا يسلكه كمنهج إلا من هم غالبا خارج جسد الحوزة.

فكون الكاتب حوزويا وحركيا جعل للتجربة قيمتها نقدا وتقييما، بل جعل لها وزنا يمكن أن يلقى صداه في سماء النقد والتقييم في داخل المؤسسة الدينية.

وكون الشخصية هنا هي شخصية تاريخية إسلامية علمائية فتصبح تجربتها خلاصة لتاريخ مزج به العقل بالوحي بالوجدان بالحس، وخلص عملانيا لتجربة ميدانية تطبيقية لكل ما اعتقده واستلهمه من كتاب الله وسنة نبيه وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين.

وهنا تأصيل لدور التجربة الدينية، وتثبيت لها في جسد مصادر المعرفة نظريا وتطبيقيا، خاصة أن التجربة الدينية كمصدر للمعارف ما زالت لا تمارس عملانيا كمصدرا من المصادر، بل هي كما مهملا في طيات الكتب فقط، لم تأخذ طريقها كقناعة يمكن النظر فيها وتوظيفها باسلوب ينعكس على القراءة للدين ولله والكون والإنسان .

ما ستجده في دين الدكتور عبد الجبار الرفاعي وظمأه الانطولوجي هو المنهج الجديد في الدعوة إلى الله من رجل دين حوزوي، استطاع أن يخرج من صندوق المألوف، ليزاوج بين أصالة الطرح وحداثة المنهج.

 

ايمان شمس الدين

الكاتب المغربي محمد الهجابي يصدر "نُواسٌ" (قصص)

809-hujbiصدر للروائي والقاص المغربي برسم سنة 2015، وعن دار النشر "ديهيا" بالمغرب، مجموعة قصصية جديدة تحمل عنوان: نُواسٌ. وقد سبق للكاتب أن أصدر مجموعتين قصصيتين موسومتين ب"كأنّما غفوتُ" (2007) عن المطبعة السريعة بالقنيطرة، و"قليلٌ أو كثيرٌ أو لا شيءٌ" (2013) عن منشورات اتحاد كتاب المغرب بالرباط. هذا عدا إصداره لأربع روايات: بوح القصبة (2004) و"زمان كأهله" (2004) و"موت الفوات" (2005) و"إناث الدار" (2011) و"بيضة العقر" (2015)، فضلاً عن أعمال أخرى. ونقتطف من مجموعته الجديدة "نُواسٌ"، وبالضبط من قصة "حذاء   Russo Gianni !" (ماي 2013)، ما يلي:

809-hujbi«سدّدتُ ثمن الفنجان وزايلتُ المقهى. لم أرُمْ ورشة المطالة رأساً، فكّرت في جولة إلى المكتب أولاً. يوم سبت من كل أسبوع تقريباً أطلّ على المكتب. إطلالة خفيفة، لا تحرج أحداً، ولا سيما من حراس وشرطة الباب الرئيس للبناية. أجري مكالماتٍ من هاتف المكتب، واهتمّ بأمر حذائي. في نيّتي، هذه المرة، أن ألمعَ عنق الحذاء بكريم فازلين متميّز، اقتنيتُه من زنقة كاستيغليون بقلبِ باريس. لا أترك الحذاءَ لفراشي ماسحي المقاهي تعبثُ بنعومة جلده. أغتنمُ لحظات في المكتب وأُخرجُ الأدوات منْ سفَط المكتب، ثمّ أشرع في دهنه وتلميعه ومسحه بمحرمة من قماش صوفي رطب. وقد أرشّه بالورنيش. أفعل ذلك بحرصٍ وانتظامٍ. في المنزل، وقت المساء، أرشّه بقدر من البيكينج صودا. ولا أتوانى في استعمال مواد أحذية نسائية، جلبتُها من باريس كذلك لفائدة امرأتي، كي أطردَ من حذائي الروائح الحامزة التي قد تنكمي فيها، وأنعّمه وألطّفه. وأفعلُ ذلك في الفيلا من غير أن أعيرَ كبيرَ انتباه للتعاليق، فهذا الحذاء مفخرتي بامتياز. أجدُ المتعة، كلّ المتعة، في هذا التّماس الجسدي مع الحذاء. ولكُم أنتم أن تأوّلوا هذا التصريح كما تبغون، فلست معنٍ بالتأويلات التي قد تتفصّد من عقولكم. وأجهرُ القول أيضاً إنّني لو أستطيعُ لكنت كتبت يوميات حذائي من لحظتما رمقه بصري في قدم بطلي القدير Gianni Russo.».

الرثاثة في العراق.. أطلالُ دولة.. رمادُ مجتمع

nabil alrobaeiالرثاثة في اللغة مصدر الفعل رثَّ، أي الرديء المتاع وسقط البيت، ولا تحدث بفعل القدم بل بسبب اضمحلال شروط الحياة السليمة،وما تلحق بروح الإنسانية من رثاثة الحياة والمكان وتطبع السلوك الفردي والاجتماعي في سياق التاريخ والمؤثرات البيئية الاجتماعية والخطوات الرديئة للسياسيين بسبب رثاثة العقل السياسي السلطوي.

صدر عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر للكاتب فارس كمال نظمي كتابه الموسوم (الرثاثة في العراق.. أطلالُ دولة .. رمادُ مجتمع) حجم الورق من القطع الوزيري ، الكتاب يحتوي على 376صفحة ومبوب على فصلين ،الأول ما يخص رثاثة الدولة والسلطة والفصل الثاني يخص رثاثة المجتمع والفرد،والكتاب عبارة عن مجموعة نصوص لنخبة من الباحثين والكتاب العراقيين بلغوا أكثر من (30) كاتب وباحث، ساهموا في أرشفة الحقبة الرثة من تاريخ العراق، كما أكد الأستاذ نظمي في مقدمة الكتاب إذ قال الكتاب:«يستهدف أرشفة هذه الحقبة الرثة في تاريخ بلادنا،عبرَ مقاربات علمية متنوعة غايتها التوغل تشريحياً في الجسد العراقي المعتل للخروج باشرافات ورؤى إصلاحية وإشفائية تستند أولاً وأخيراً إلى التفكير النقدي المتمسك بموضوعية المنهج وحيادية الافتراضات»، إن السبب بما يحصل في العراق بسبب الفكر القومي سابقاً والتطرف الديني الطائفي في الوقت الحالي، فالسلطة الحالية قامت بأصنمة الدين وجعلت منهُ كائناً استعلائياً روحياً مقدساً لا يمكن إرضاءه إلا بوساطة رجل الدين وأداء بعض الطقوس.

بعد إثني عشر عاماً من سادية الصراع على السلطة نجحت الفئة الرثة من ساسة الصدفة بتفتيت الهوية البشرية وإعادة صياغتها وفق سياستها وطائفيتها ،ففي صفحة 33 من الكتاب أكد البروفسور كاظم حبيب أن«مصطلح الفئات الرثة ينطبق على الجزء الأكبر من النخبة السياسية العراقية الحالية، سواء أكان هذا الجزء في السلطة التنفيذية أم في السلطة التشريعية أم السلطة القضائية،أم من يجلس منهم على مقاعد وثيرة في بقية أجهزة الدولة والقوات المسلحة»،وهذا ما يعني أن النخب السياسية المنحدرة من فئات اجتماعية هامشية هدفها استنزاف موارد الدولة العراقية وفق أساليب المافية من خلال الرشا والنهب والسلب، فهي لا تعرف الوطن ولا الدين الذي تتبناه شكلياً،فالوضع القائم في العراق أصبح يخدم الفئات الرثة ذات النعمة الحديثة التي لا يهمها تطوير البلاد من الجانب الاقتصادي وإنما همها سرقة المال العام وتعظيم ثروتها على حساب الاقتصادي الوطني وقوت أبناء العراق، مما آلَ إليه العراق بسبب سياسات الفئات الرثة إلى تفتيت الأرض العراقية ووحدة البلد والشعب إذ سمحت باجتياح داعش واحتلال مسلحيه لما يقارب ثلث مساحة العراق.

وفي مقال للباحث فارس كمال نظمي في صفحة 44 تحت عنوان«اختراع الهوية الطائفية واستنسال الرثاثات»أكد نظمي «أن المجتمع العراقي لكل ما حدث ويحدث اليوم،إذ جرى تزييف وعيه، وهدم ثقافته السياسية، وشفط أمواله عبر تعميته بخلافات فقهية سطحية عمرها عشرات القرون، لينكفء على نفسه فاقداً أي فاعلية في التأثير في الأحداث»، وهذه كارثة مصيرية عصفت بالعراق بعد عام 2003م، فأغلب المثقفين باتوا اليوم يتحدثون عن مظلومية الشيعة وأخرون يتحدثون عن مظلومية السُنة، حتى بات المجتمع العراق في صراع تعدد الهويات المذهبية والأثنية، وأصبحوا وقوداً دينياً طائفياً بخساً لآلة التطرف الديني والفساد السياسي، فالمتأسلمين هم سبب هذا البلاء في العراق وما أصابه من إرهاب دموي واغتصاب لمستقبل العراق، فمزيفي الدين والسياسة والتاريخ احترفا السرقة والتزوير وشرعنة الطائفية وسرقة حُلم الشعب بمستقبل أفضل بعد ذهاب حكومة البعث.

أما مقال الدكتور مهدي جابر مهدي «الرثاثة السياسية في العراق بعد 2003»،فقد أكد في صفحة 52 أن «الإرث الطويل للاستبداد والقمع والعنف الذي عاشهُ العراق منذ تأسيس الدولة الحديثة سنة 1921م سواء في الأنظمة الملكية أو الجمهورية»، مما ميَّز الحكومات المتعاقبة على العراق قد شكلت التخلف والتبعية والاستبداد طوال 85 عاماً من فشل النخب السياسية في بناء الدولة المدنية الوطنية ، وارباك الاستقرار وتوظيف الحكومات من خلال التلاعب بالرموز الدينية والقومية ، وشيوع ثقافة اللامبالاة وانتشار الغيبية بين أفراد المجتمع، والعلاقات غير المتكافئة بين السلطة والمواطن، وتبعية المواطن للسلطة على مدى ثمانية عقود،وأصبحت المدن العراقية كانتونات تحتمي خلف الجدران الأسمنتية، وكرست ثقافتها داخل المجتمع من خلال التمايز والكراهية، والابتعاد عن ثقافة التسامح والمحبة بين مكونات الشعب العراقي.

أصبح الشعب العراقي يمتاز بالتمسك بالهويات الفرعية بعد عام 2003م، وقد أكد ذلك الدكتور صالح ياسر في مقال تحت عنوان«التحولات الرثة في خريطة العلاقات الطبقية-الاجتماعية في العراق بعد 2003» في صفحة 74 أصبحت«بعض مناطق بغداد مثلاً مجرد جزر منعزلة من الغنى في محيط كبير من الفقر والحرمان ، هذا يكون دور النظام الحاكم لحماية من يملك ممن لا يملك! وبذلك يصبح المالكون أسيري البيروقراطية الحاكمة عندما تهددهم بثورة الجياع»،فالمهمشون هم فقراء المجتمع وثورة الفقراء أصبحت الفزاعة التي يهدد بها الحاكم الطبقة البرجوازية والبيروقراطية ،فنظرة سريعة إلى الأحزاب الحاكمة يتبين لنا أنهم يمثلون الرأسماليين الجدد من خلال سرقة المال العام بعدة وسائل منها عقود المقولات من خلال مقاولين ثانويين للقطاع الحكومي وفي عقود التجارة الخارجية التي كانت العمولة تشكل نسبة كبيرة من قيمتها الإجمالية .

أما ما يخص الجانب الصحي بعد عام 2003 ، فقد ذكر الدكتور كاظم المقدادي في مقاله «الإدارة الرثة لنظامي الرعاية الصحية والبيئة في العراق»حول واقع الأطباء العراقيون في العراق الذي أصبح صعب جداً،ففي صفحة 85 ذكر الدكتور المقدادي أن المجلة الطبية البريطانية نشرت مقال لها ذكرت:«حتى الآن من الصعب للغاية العثور على أطباء عراقيين لديهم الاستعداد للعمل في مناطق معينة لأنهم يخشون على حياتهم..كما أظهر مسح شبكة معرفة العراق IKN لسنة 2011م أن جميع الأسر العراقية تقريباً (96،40%) ليس لديهم تأمين صحي على الإطلاق، وأن 40% من السكان يرون خدمات الرعاية الصحية في مناطقهم سيئة أو سيئة جداً، ونتيجة لذلك يسعى العديد من العراقيين الآن للحصول على الرعاية الصحية في الخارج، ويلجأون بشكل متزايد إلى بيع منازلهم وسياراتهم وممتلكاتهم الأخرى لكي يتمكنوا من تحمل نفقات تلك الرعاية.. فضلاً عن ما كشفت عنه لجنة النزاهة النيابية في شباط 2012 عن وجود أكثر من (11) ألف وثيقة مزورة في وزارة الصحة، فضلاً عن (40) ألف كتاب مزور تم الكشف عنها في وزارات ومؤسسات الدولة من بينها وزارة الصحة»،الجرائم الإدارية ارتكبت في حكومات تدعي الإسلام هو الحل، وتتاجر بصحة أبناء العراق بغياب الرقابة الحكومية الصارمة ، فقد دخلت الأدوية المنتهية الصلاحية المراكز الصحية والمستشفيات، منها السامة والقاتلة، وتباع بعض الأدوية المسروقة في مذاخر وصيدليات بعض الصيادلة أو من خلال الأرصفة والباعة المتجولين، وهل تعلم وزارة الصحة أن من خلال دراسة عراقية رسمية بأن أكثر من (400) موقعاً ملوثاً بمستويات عالية من الإشعاع وسموم ديوكسين، وأن أكثر من (143) موقعاً ملوثاً باليورانيوم، وبعلم الحكومة العراقية التي اطلعت على تقرير فريق الكشف عن الآثار المشعة للمخلفات العسكرية في آب 2010م.

السياسة كما نعرفها من خلال متابعتنا لما لها هي «نشاط إنساني يهدف إلى تحقيق المنفعة العامة المشتركة»، يعني دخول الأخلاق لعالم السياسة هو انسجام العملية السياسية مع حرية الاختيار، لكن ما يحدث في العراق حالياً غير هذا ، وهذا ما أكده الدكتور شيرزاد أحمد أمين النجار في مقاله «رثاثة التحول الديمقراطي في العراق بعد 2003م »،ففي صفحة 117 ذكر الدكتور شيرزاد أنما يحدث في العراق بعد عام 2003م من ظاهرة«هي نتاج الرثاثة السياسية التي خيمت على العراق، فبدلاً من تحقيق الديمقراطية دخلت البلاد في نفق معتم من الصراعات الطائفية والجهوية. وعوضاً عن إقامة الديمقراطية ،بدأت ملامح إعاقة الديمقراطية أو بدقة إسقاط الديمقراطية، تلقي بظلالها عليه، وتزامن كل هذا مع تشكيل مجلس حكم يعكس الطوائف والمكونات الأثنية والقومية في العراق» ، لذلك تم تسييس الهويات الأثنية والمذهبية وبروز التصدعات الاجتماعي/ السياسية، مع العلم إن عملية الانتقال إلى الديمقراطية تحتاج إلى مستلزمات ثقافية فكرية اجتماعية، لذلك لم تنجح الديمقراطية في بلدنا وسببت النكوص والتراجع بسبب انحراف العملية الانتخابية عن أهدافها مصداقيتها وصعود المتطرفين الطائفيين إلى السلطة، وأصبحت الانتخابات مجرد شعارات فارغة ومفرغة من محتواها.

وهناك رأي للدكتور مظهر محمد صالح في مقال تحت عنوان «الطبقة الرثة والاستبداد الشرقي في العراق» حول الطبقة الرثة بعد عام 2003م في صفحة ص135قال إن«انهيار العقد الاجتماعي الثنائي أو المزدوج، وانهارت الدولة صبيحة التاسع من نيسان 2003 وصارت الحياة فوضى تكتسحها جحافل من الجيوش الأجنبية، وشاع الخوف بين الناس...انقضاض فئات من سكان الأكواخ والعشوائيات ...على الممتلكات العامة عشية سقوط النظام السياسي السابق، قد جاء بمثابة الثار من السلطة المركزية المهزومة، مارسته طبقة لا تمتلك مشروعاً وطنياً بحق،إنها الطبقة الرثة وليدة العقد الاجتماعي الرث!»، مما أصبح جل اهتمام الطبقة الرثة اليوم الاقتتال والاستحواذ على الريع النفطي وتقاسم الثروة النفطية بعد أن تبددت آمالهم في حكم العراق بنظرية الخوف، فضلاً عن إهمالها البنية التحتية الزراعية والجانب الصناعي والتجاري.

أما رأي الدكتور لؤي خزعل جبر في مقالته«الدولة الفاشلة في العراق.. قراءة تحليلية في مؤشرات الرثاثة الدولية» إذ أكد الدكتور جبر في صفحة 149 أن العراق على مدى عشر سنوات (2005-2014)«وقع ضمن الإنذار في قائمة العشرين دولة الأكثر فشلاً في العالم» وفشل الدولة تؤكده ما حصل لضياع ثلث مدن العراق في حزيران عام 2014م وعدم قدرة الحكومة المركزية من حماية مواطنيها من العنف والدمار الذي طوق المدن العراقية في ظل حكومة الدكتاتور نوري المالكي.

كانت لديمقراطية المحاصة السبب الرئيسي في انتشار الطائفية والأثنية في العراق ، الدكتور حسين الهنداوي أكد ذلك في مقاله «ديمقراطية المحاصصة الطائفية في العراق ورثاثة البراديغم .. الأنموذج» وتجربة انتشار الفكر السلفي الداعشي الرهيب في بعض مدن المنطقة الغربية مما ساعد على أعمال القتل الجماعية وهذا ما أكده الدكتور الهنداوي في صفحة 161 إذ قال «ما يقترن به من أعمال قتل جماعية في دير الزور وتلعفر، وسبي النساء في سنجار، وسرقة ممتلكات المسيحيين كغنائم، ونحر رقاب صحفيين أجانب في حلب والحسكة ،وإعدام آلاف الجنود الروافض ذبحاً بعد السيطرة على قاعدة سبايكر في تكريت، فيما أعتبر أكبر مجزرة في تاريخ العراق كله»، كانت هذه الأعمال الجرمية مسوغة تحت الغطاء الشرعي والديني وبفتاوى التكفير لإنزال حالات الرعب في قلوب أبناء العراق المسالمين .

أما الأكاديمي والباحث الدكتور صادق إطيمش في مقالته «رثاثة الشعار ووهم الدولة في فكر الإسلام السياسي .. العراق تطبيقاً» فقد أكد في صفحة 184 على ضرورة فصل الدين عن الخطاب الديني «عبرَ الإلمام الفكري بهما..الهادف إلى مواجهة الإسلام السياسي عبر تفكيك بنيته المصطنعة القائمة على دمج قسري للغايات الغيبية الغامضة بالتفكير السياسي الدنيوي»، كثيراً ما يجري الخلط المتعمد بين الدين والخطاب الديني في المؤسسة الدينية التي لا تعبر بالضرورة عن جوهر الدين، لذلك الكثير من المثقفين كانت دعوتهم الأخيرة إلى التظاهرات والاحتجاجات الجماهيرية لمقاومة الرثاثة والدعوة للدولة المدنية بعيداً عن الاستغباء الطائفي والابتزاز الديني التي يمارسها الإسلام السياسي خلال العقد الأخير داخل إطار الحكومة العراقية، لذلك نتمنى تظافر الجهود جدلياً لعودة الحياة المدنية لبناء مستقبل الوطن العراقي.

أصبح العراق بؤرة خطرة للأمراض النفسية والاجتماعية والبدنية هذا ما أكده الدكتور عبد جاسم الساعدي في مقال تحت عنوان«الأمية في العراق.. رثاثة التعليم وضحالة تشريعاته» ،في صفحة 191 ذكر الدكتور الساعدي«إذ تفاقمت أشكالها وبواعثها منذ الاحتلال الأمريكي 2003م حتى الآن، فتضاعفت الفئات الاجتماعية المتضررة من التهجير القسري والتوترات الطائفية والحملات الأمنية والاغتيالات والتصفيات السياسية والمذهبية والتفاوت الاجتماعي والطبقي وانتشار ظاهرة الفساد المالي والإداري والسطو على وظائف الدولة من دون شروط ومعايير إدارية نزيهة» مما أصبحت الأزمات في العراق السرطان الذي من الصعوبة استئصاله ،وقد جاء في تقرير برنامج الغذاء العالمي وصندوق الأمم المتحدة للأطفال عام 2010 موضحاً أن 19% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10-14 سنة لا يذهبون حالياً إلى المدرسة، وأن نسبة الأمية بين العراقيات تبلغ 24%، وهذا يعني أن مجمل عدد الأميين في العراق يبلغ 6 مليون إنسان ، لذلك نجد أن المؤسسات التربوية لا تمتلك التمويل الكافي لبرامج محو الأمية ،ولم تعي الحكومة العراقية وأحزابها حجم الكارثة ومضاعفتها بسبب هذا الكم الهائل من الأميين في وسط النساء والأطفال بعد أن أعلنت الحكومة السابقة عام 1991 خلو العراق من الأمية.

في الفصل الثاني من الكتاب تناول الباحث فارس كمال نظمي مقال تحت عنوان «سيكولوجيا إنتاج الرثاثة في المدينة العراقية» إذ ذكر في صفحة 204 واقع المدن العراقي «انحساراً مريراً في الطابع الحداثوي للمدينة العراقية في الجزء العربي من البلاد، إذ يجري كل يوم تجريف قدرتها على إنتاج الأنسنة، بل تقويض هويتها حد التصحر» بسبب الصراع المذهبي المناطقي مما أدى إلى جسامة الخراب في الحياة العراقية المدنية ، حيث اختلت هذه المدن التدين الزائف وتراجع تحضرها وتطورها الحداثوي عبر تهشيم الرموز للهوية المدنية وإحلال محلها المظهر اللاهوتي أو القبلي ، وقد أصبحت اليوم بغداد بحالة مأساوية يرثى لها ، بسبب عداء المتأسلمين اليوم للجمال والتمدن والتحضر والنظافة والمستقبل، واهتمامهم بكرنفالات الطقوس وميثولوجيا الماسوشية للفكر الديني، فأصبحت الأسلمة طاردة للوطنية مستغرقة في عصابها الحضاري والسياسي المشوه.

كما احتوى الكتاب مقالات حول الثقافات الرثة لكتّاب عراقيون ، منهم «الدكتور سيار الجميل،والدكتورة أسماء جميل رشيد والباحث سعد محمد رحيم والدكتور المعماري خالد السلطاني والباحث الدكتور رشيد الخيون والدكتور حميد البصري والدكتور لؤي خزعل جبر والدكتور ضياء الشكرجي والكاتب جاسم محمد المطير والإعلامي عماد جاسم»، حيث ذكر الإعلامي عماد جاسم في مقال له تحت عنوان «المال السياسي ورثاثة التجربة الإعلامية بعد 2003م.. شهادة حية من الميدان»،حيث أكد في صفحة 361 «باتت رثاثة المشهد العراقي في السنوات الأخيرة أمراً لا تخطئه العين... فقد شهدت الأعوام الماضية ولادات مشوهة لعلاقات مبطنة بين شخصيات سياسية مقربة من زعامات الإسلام السياسي مع مسؤولي مكاتب إعلامية لصحف وقنوات فضائية، الأمر الذي أنتج سماسرة دخلوا ميدان العمل الإعلامي كمحللين سياسيين أو تبوؤوا مناصب في الحكومة تمكنّهم من لعب دور الوسيط بين السياسيين والمؤسسات الإعلامية»،مما يعني هذا انحدار المهنية الإعلامية نحو التدني والابتذال وانعدام المصداقية والمعايير المهنية، وكل هذا بسبب ارتباط الإعلام بالمال السياسي.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

كيف تكون علمانياً.. دعوة لعمل بنّاء تجاه الحريات الدينية

hatam hamidmohsinفي بداية عام 2012 اتهم مرشح الجمهوريين للرئاسة (Mitt Romney) باراك اوباما بشن "حرب على الدين" والرغبة "بتأسيس دين في امريكا يُعرف بالعلمانية". المفارقة هي ان اوباما ذاته، حتى قبل دخوله البيت الابيض، أعلن صراحة عن احتقاره للعلمانية. في كتابه (جرأة الأمل)، القى اوباما باللائمة على الديمقراطيين لمساواتهم بين "التسامح والعلمانية". الديمقراطيون في اعتناقهم العلمانية،"يكونون قد فقدوا اللغة الاخلاقية التي يمكن ان تملأ سياساتنا بمعاني كبيرة ".

من الواضح ان العلمانية كلمة خطيرة وسامة في سياسة الولايات المتحدة. ولكن لماذا؟ وكيف يمكن لنا تنقيتها من هذه الخطورة؟ هذان السؤالان هما جوهر كتاب السوسيولوجي Berlinerblau Jacques (1) . تكمن المشكلة الاساسية لدى الكاتب في ربط العلمانية بالالحاد. الدراسات اوضحت ان الملحدين هم الجماعة الامريكية الاقل جدارة بالثقة. احدى الدراسات توصلت الى ان الملحد هو رمز لإنسان "يرفض اسس التضامن الاخلاقي". بكلمة اخرى، الملحدون لا يمكن ان يكونوا " من بيننا".

ان المفارقة في الفكرة المعاصرة للعلمانية هي ان فصل الكنيسة عن الدولة بدأ تاريخيا كمشروع ليس للملحدين وانما للمؤمنين. يلاحظ المؤلف ان الرؤية العلمانية، تعود في جذورها ليس الى التنوير وانما للاصلاح ايضا. هو يرسم تاريخ تطور العلمانية، خاصة في التقاليد الانكلوامريكية.

المؤلف Berlinerblau وهو مدير برنامج جورج تاون للحضارة اليهودية، يدافع بحماس عن العلمانية التي يعرّفها كفلسفة تحاول"ايجاد توازن بين حاجة المواطن الفردية للحرية الدينية والتحرر من الدين من جهة وحاجة الدولة للحفاظ على النظام من جهة اخرى". هو يرى ان العلمانية، رغم مكانتها كمظلة للفكر الامريكي، لكنها تخسر في الحرب الحالية للافكار السياسية. المسألة هي ليست الحاجة لجعل الحكومة منفصلة كليا عن الدين، وهو الهدف الذي يراه المؤلف غير قابل للتحقيق،وانما هي المقدرة لتقليل تأثير الدين (ويعني به الصحوة المسيحية) على سياسات الحكومة. لتحقيق هذا الهدف، وفي ظل مشهد يعتقد فيه السياسيون انهم في الحكومة لخدمة المسيح وليس لناخبيهم، يعلّق المؤلف آماله على تحالف سياسي بين المعتدلين الدينيين ويعرض خطة من 12 نقطة تبدأ بحملة لتوضيح اهداف العلمانية، وعزل المتشددين الدينيين والانفصاليين الراديكاليين. الكاتب ينجح في ابراز التهديدات الحالية للعلمانية ويطرح خطة منطقية لحركة علمانية منظمة لإستعادة قوتها السياسية.

 

محتويات الكتاب

- ماهي العلمانية وما هي غير العلمانية؟اين المؤسسون العلمانيون؟،هل العلمانية مساوية للفصل التام بين الكنيسة والدولة؟، هل العلمانية مساوية للالحاد؟ كيف ان لا نكون علمانيين.

- الصعود والسقوط الغريب للعلمانية الامريكية. صعود العلمانية الامريكية والعلمنة، سقوط العلمانية الامريكية، هل الديمقراطيون علمانيون؟، المسيحيون والحزب الجمهوري.

- اعادة احياء العلمانية الامريكية. من هو العلماني؟ كيف تكون معلمنا (في الثناء على اليهود العلمانيين والكاثوليك الانتقائيين)

يقدم الكاتب تاريخا متماسكا للعلمانية في امريكا ودفاعا عن فضائلها في الوقت الذي هاجمها المحافظون المسيحيون كشر اخلاقي حين رفضوا امكانية ان يكون المرء دينيا وعلمانيا في وقت واحد. الكاتب يجادل بان انتعاش الدين في الولايات المتحدة منذ سبعينات القرن الماضي قاد الى صعود اليمين المسيحي والى تدمير العلمانية. المؤلف يقتبس امثلة عن الطرق التي انتُهكت فيها الحدود التقليدية، بما في ذلك ايجاد مكتب في البيت الابيض لشراكة قائمة على الايمان والجيرة، وتهديدات متكررة من جانب المسؤولين المنتخبين لتأسيس المسيحية كدين قومي. الكاتب يدعو لتقوية العلمانية لضمان كل من الحرية الدينية والتحرر من الدين في الحياة الامريكية. في تعقبّه لجذور الرؤية العلمانية الامريكية، يشير الكاتب الى العقيدة المشتركة لمارتن لوثر وروجر ويلمز وجون لوك وتوماس جيفرسون وجيمس ماديسون. رغم الاختلاف بينهم، كل واحد حذّر من مزج الدين مع سلطة الحكومة،والى احترام الحريات الدينية والتأكيد على الحاجة لنظام اجتماعي، كما جادلوا بان جميع الجماعات الدينية يجب ان تكون متساوية امام الدولة. المؤلف يصف صعود العلمانية والدعم الشعبي الواسع لها في القرن الثامن عشر وحتى اواسط القرن العشرين، حينما اصبح الفصل هو السياسة العلمانية المفضلة لدى المحكمة الامريكية العليا.

ومنذ الستينات بدأ المحافظون المسيحيون الهجوم على العلمانية مما جعلها في حالة انهاك شديد. ولكي نضمن مستقبل العلمانية وفضائلها في التحديث والتسامح، يجب على الملايين من الامريكيين،كما يقول الكاتب، ان يعلنوا صراحة عن علمانيتهم، سواء كانوا من المؤمنين الليبراليين او من الاثنيات الدينية الاخرى.

وفي القرن الماضي، وبالذات مع ظهور ما سمي "الملاحدة الجدد"، تعرّض الداعمون الاساسيون للعلمانية للتآكل حين اصبحت الفكرة مرتبطة ببساطة مع الالحاد. يقول الكاتب ان وجود معارضة مفرطة للايمان تحمل راية علمانية،"اثّرت سلبا"،وعزلت المؤيدين المحتملين للدين. وبدون اعادة احياء السند الانتخابي الاصلي للعلمانية،ودون الوصول الى المؤمنين المعتدلين، فان المحافظين الدينيين سوف يستمرون باذابة الفروق بين الايمان والدولة. يعرض الكاتب دليلا مقنعا لإعادة التفكير بطبيعة العلمانية وبالغطاء الانتخابي الضروري للدفاع عنها. ملاحظته بان العلمانية في امريكا تطورت من خلال النشاطات القضائية بدلا من خلق حركة شعبية هي فكرة ثمينة تكشف عن الكثير من المشاكل التي تواجه العلمانيين اليوم.

الدفاع الحقيقي للكاتب لم يكن للعلمانية بقدر ما هو للتعددية . هو يريد ان يرى العالم تزدهر فيه آلاف الزهور الثقافية والدينية . ولكي يحمي هذه التعددية هو يبدو يرغب في التخفيف من حدة علمانيته. لكي نبني تحالفا اوسع ما يمكن يجب علينا "وقف الفصل المفرط بين الكنيسة والدولة" ونقبل بدلا من ذلك بسحب اعتراف الدولة بالكنيسة كاقل شيء ضروري للمجتمع العلماني.

البرجماتية يمكن ان تكون اداة مفيدة لبناء التحالف السياسي مع انها قد تحمل مبادئ تلفيقية. هناك طريقتان لبناء التمثيل الانتخابي لمشروع التغيير الاجتماعي. الاولى امكانية كسب الناس لموقف هم الآن معادون له . او القبول بان المعارضين لايمكن اقناعهم ابدا، ولكي نبني حملة يجب على المرء التقليل من حدة مبادئه. معظم التغيير الاجتماعي، بدءاً من حق الاجهاض الى المساواة العرقية، حدث عبر كسب الناس تجاه الرؤية التي كانوا بالاساس يعارضونها، وليس عبر التسوية مع التفضيلات القائمة.

الكاتب يرفض ذلك النوع من الالحاد الذي ينكر كل الاديان ويمحو اي فرق بين المؤمنين الليبراليين والاصوليين.

يقترح الكاتب بان الملحدين الذين هدفهم عالم متحرر من الدين لا يمكن ان يكونوا علمانين لأن اي فصل بين الايمان والدولة يتطلب وجود الدين. المرء لا يحتاج للاعتقاد بان الدين هو اصل كل الشرور، ولا الاعتقاد بان الدين مثير للإشكال بشكل او بآخر. العالم سيكون مكانا افضل حين لا ينظر فيه الناس للدين كطريق للرشاد. كذلك يمكن القبول بان العلمانية هي جيدة في عالم يوجد فيه الدين بالفعل .

وبينما الكاتب غير متشدد بشأن التآكل في الخط الفاصل بين الايمان والدولة، لكنه اقل تفاؤلا بشأن الناس الذين يعبرون هذا الخط الفاصل بين الايمان والسياسة. الكنائس يجب ان تبقى بعيدة عن السياسة، كما يعتقد، والسياسيون يجب ان لا ينقلوا العقائد الى التشريع. انه جدال يثير اسئلة عميقة حول ما نعنيه بالحرية الدينية وبالحرية من الدين. هل الحرية من الدين حقا تتطلب استبعاد الايمان من الميدان السياسي؟ هل يمكن لهذا الاستبعاد ان يتفق مع الدفاع عن حرية الاديان؟

يذكر الكاتب ان "النظام والحرية" "هما النصفان المكملان للرؤية العلمانية". كل مجتمع علماني "لابد ان يضع توازنا وظيفيا بين الاثنين". المشكلة هي ان الميزان لدى الكاتب يبدو يميل جدا نحو صيانة وديمومة النظام. "لا تقللوا ابدا من رغبة العلمانيين بالنظام"، كما يصف هو. هذا يقود المؤلف الى رؤية غير ديمقراطية للعلمانية . هو يتبنى رأي جون لوك بان العلمانية لا يمكن ان تكون موضوعا للرغبة الديمقراطية. هنا ربما لا يجب "وجود مؤسسة للدين حتى لو رغبت الغالبية بذلك". يقول المؤلف للجماهير الغاضبة :"حين تتركون الدين خارج الحكومة، والمدارس والاماكن العامة الاخرى سيكون افضل لكم جميعا. نحن نعرف هذا من التجربة،الجميع يجب ان يقرأوا عنها بانفسهم . الآن ارجعوا رجاءا بهدوء الى بيوت العبادة".

         

...............

الهوامش

(1) كتاب (كيف تكون علمانيا، دعوة لإتخاذ موقف معين تجاه الحرية الدينية)، للكاتب Berlinerblau, Jacques صدر عام 2012 عن دار Boston, Houghton Mifflin Harcourt

المعاناة الإنسانية في نصوص الأديبة د. عبير خالد يحيي

abdulrazaq alghalibiعرفتها أديبة رائعة من سمة غريبة تكمن بين سطورها وتحتل ثنايا نصوصها المثقلة بالألم والمعاناة، أراها تكتب من خلال ثقب في باب موصد عليها بأقفال من إرهاصات لا حصر لها، تعرّفت عليها لأوّل مرّة من خلال نص عثرت عليه على إحدى صفحات الفيسبوك، جلب كل انتباهي بشكل غريب فهو مكتوب بحرفنة أدبيّة راقية وبكرم حاتمي من إحساس مرهف وكأنّ صاحبه عاش تفاصيله حقيقة دامغة لا لبس فيها، أخذت هذا النص وقمت بكتابة قراءة نقدية بسيطة له ونشرها بالمواقع العالمية وأرسلت نسخاً لها من تلك القراءة النقدية على صفحتها الخاصة، يظهر أنّ ذلك الفعل، دون القصد مني الا للفائدة والاحترام الأدبي، قد هزّ غصون شجرة إبداعها الوارفة والمثقلة بالأدب الرفيع والموهبة الراقية، فانطلقت بكم ّهائل من الرّوائع النّصّيّة الرّاقية شعراً ونثراً.....

تابعتها بشغف غير محدود فكتاباتها تثير فيّ الحسّ الوطني والحماس الأدبي بشكل غريب و لذيذ وأنا لا أعرفها لحد الآن شخصيّاً ولم أرها أو أقابلها حتى الساعة .. أرسلت كتابها الالكتروني الموسوم (لملمات) على بريدي الإلكتروني الخاص تطلب مني كتابة مقدمة له.....بدأت الغوص في نصوص كتبت بمعاناة وبقلم يقطر إحساساً ودماً وضحكات، فهمت من نصوصها أنّها تعيش إرهاصات وآلام لا حدود لها تكتبها بتحفظ من خلال ثقب صغير يكمن في باب موصد يستحي أن يخرج للنور ... وبدا لا يحتمل تلك الآلام والعزلة وظلّ يتّسع ويتّسع قسراً وعناداً فيها وكأنّه يقول لها:

- " كفى خوفاً إنّك لا تؤذي أحداً....لما تخافين...؟"

أظنّ أنّها سمعت ذاك الصوت الخفي حتى انطلقت في سماء الأدب الملوّنة حين صار ذاك الثّقب بوابة كبيرة لها بحب النّاس والوطن ....

ويعيش الوطن فيها كبيراً، عالماً ضخماً لا حدود له، حين تكتب في وطنها ينهمر غيث دموعها فوق أوراقها دما ودمعا وبين ضحكاتها المتقطّعة من ذكريات مرّت ، تبكي فيها مرّة وتضحك أخرى حتى ظنّ من يلامسها عن قرب انها مجنونة بحب الوطن والامة المستديمة والمظلومين من الناس خصوصا الاطفال،فهي تكره الظّلم كثيراً و تصرخ بصمت حين تسمع خبراً عن خنجر اخترق قلب طفل أو غرق نال حياة آخر أو شظيّة حوّلت أحدهم إلى أشلاء أو جوع مزّق جوف رضيع فبكى وبكت قبله، دموعها تحتلّ رأس قلمها .... تبكي ويبكي قلمها معها، حين تقرأ لها تظنّ أنّك تسمع نشيجها ونشيج من تكتب عنهم بوضوح بين حروف كلماتها و السطور....!

تسكن نصوصها الطفولة وتحتل طفلة في الثانية عشرة من العمر كل كيانها المهموم وأحياناً أخرى تجد في داخل نفسها امراة تحمل حكمة الأنوثة والأمومة والحب، وآلام ثرّة من إرهاصات إنسانيّة لا تتحمّل ثقلها فتبكي لتخفف ذلك الألم، تظنّ أنّ البكاء سينفض من ظهرها المتهالك هذا الحمل الثّقيل .. أقرّ أنّها ترسم في كتاباتها لوحة فنية أشكّ أحياناً أنّها تكتب بفرشاة وألوان وليس بكلمات .. هي طفلة في نص وامرأة ناضجة بنص آخر...

عرفت أخيراً أنّها طاقة أدبيّة شموليّة لا حصر لها ... اعرف كلّ شيء عنها وأنا لا أراها أو أقابلها ... يا لعظمة الأدب وجماله فهو يصنع الجمال ويهذب العلاقات الانسانية ...!

 

الكاتب عبد الرزاق عوده الغالبي

..................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

 

لَمْلَمات.. مجموعة من القصص القصيرة جداً / د. عبير خالد يحيى

 

عن المواجهة الفكرية للتطرف.. كتاب "السراب" أهم ما قرأت

hamdybasheerإن تزايد انتشار الجماعات المتاسلمة وانتقالها وتفشيها، على اختلاف ألوانها وأطيافها ومسمياتها، اخوانية وسلفية وجهادية، جعلها محط انظار الكثير من المفكرين المعاصرين، وكان من بينهم الدكتور جمال السويدى، مفكر وأكاديمى اماراتى، قاده شغفه ونهمه الذى لا يمل من العلم والبحث الى اختراق حواجز الصمت لدراسة ظاهرة الاسلام السياسى، و لاتزال محل جدل واهتمام العديد من المؤسسات الاكاديمية والبحثية ومؤسسات صنع القرار على مستوى العالم . وهو مفكر عربى يتمتع بخبرة سياسية واسعة، وهو مدير مركز الامارات للدراسات السياسية والاستراتيجية، الذى أصبح بفضل جهوده ترسانة فكرية وعلمية راسخة فى العالم العربى، انهى دراسته للماجستير والدكتوراة فى العلوم السياسية، ثم عمل استاذا زائرا فى جامعة وسكونسن 1992، وقام بتدريس مساق عن النظم السياسية فى الشرق الاوسط وشمال افريقيا، ولديه رصيد معقول من المؤلفات والدراسات السياسية، التى نال عنها العديد من الجوائز العالمية والعربية . كرسها جميعها لمعاينة القضايا العربية المعاصرة، فجاءت معبرة عن عمق التحليل والرؤية الاستشرافية للمستقبل،والقراءة التاريخية المعاصرة للظواهر السياسية فى سياقها الدولى والاقليمى المتغير .

و كتاب "السراب"هو اثراء للنقاش البحثى وشحذ للفكر العربى ودعوة للتفكر والتبصر والاعتدال والوسطية، فبرغم أن الجماعات الدينية تدعى أنها تمتلك حلولاً سياسية واقتصادية اسلامية للواقع العربى والاسلامى، الا انها تمثل أزمة سياسية مستحكمة فى خطابها وممارساتها . فهى تثير فى الاذهان ما عاشته أوربا خلال فترة العصور الوسطى. لذلك انطلق المؤلف من رؤية ذاتية بأن الصراع الذى تخوضه دول عدة فى العالمين العربى والاسلامى ضد الفكر المتطرف وجماعاته وتنظيماته،ليس محصوراً فى نطاق أمنى وعسكرى، بل هو حرب ممتدة ذات طابع فكرى بالأساس، يتطلب شقها الفكرى تخطيطاً بعيد المدى لاتقل أهميته، بل ربما تفوق، أى معالجات خططية على الصعد الأمنية والعسكرية .

وقد جاء عنوان الكتاب "السراب" كاشفاً للفكرة الرئيسية التى يدور حولها مضمون الكتاب،و هو أن الخطاب الذى تقدمه هذه الجماعات وأطروحاتها السياسية عن الدولة والدين هى " وهم "، وأن كل ما تروج له وتعد به من أفكار مغلوطة حول الدين والدولة هو " سراب" . ويؤكد على هذا المعنى فيقول :"أن حال من ظنوا فى الجماعات الدينية خيراً، كحال من خدع بظاهرة السراب التى يخيل للناظر أنها شىء وهى ليست شىء.فهذه الجماعات ترفع شعارات مراوغة، لايمكن اخضاعها للتدقيق والقياس المنهجى" .

فمضى فى تحليله لأهداف هذه الجماعات الضالة، ويؤكد أنها اتسمت بطبيعتها المرحلية والتدرجية، ويعد ذلك أحد مكامن مقدرتها على التسلل إلى الوعى الجمعى للشعوب والسيطرة على اليات التنشئة الاجتماعية والتربوية . فهى تحاول العودة بالمجتمع إلى ماضى التاريخ الاسلامى وهو ما يجعل فكرها يتسم بالجمود والهروب من الواقع .ويؤكد على استغلالها للاحدث السياسية من أجل تحقيق أهدافها، فيرى أن الشعور بالاحباط والاهانة بعد هزيمة 1967 كان عاملاً مساعداً على انتشار الجماعات الدينية السياسية فى العالم العربى .بينما لعب سيد قطب دور الضحية خلال فترة عام 1954 ما أسهم فى انتشار فكره المتشدد، ويضيف أن هذه الجماعة تشعر بغربة وانعزالية فكرية عن الواقع السياسى العربى المعاصر، اذ تتجاهل التعددية الاثنية والدينية التى تتسم بها الدول العربية والاسلامية و مبادىء المواطنة وما تستوجبه من مساواة فى الحقوق والواجبات بين المواطنين .

ويعتبر من أهم المحطات الهامة فى الكتاب وهى مناقشة المؤلف لفكرة "الحاكمية "، حيث أكد على أن أغلب رجال الدين يتفقون على أن هذا المبدأ لم يرد فى أى اية فى القراءن الكريم أو الأحاديث النبوية الشريفة، وهو يثير العديد من الاشكاليات المفاهيمية والفقهية لهذه التفسيرات محدودة الأفق وضعيفة المرجعية لبعض أيات القراءن التى تستخدهام هذه الجماعات الضالة، والتى تتعارض مع الآيات الاخرى التى تدعو إلى السلام والتسامح والحوار قبول الاخر، كما أن تطبيق مبدأ الحاكمية بهذا المعنى سوف يؤدى إلى ظهور حكم ثيوقراطى مستبد (دينى مستبد) ويضفى نوع من القداسة على سلطة الحاكم الذى سيزعم عندئذ انه يطبق شرع الله ويستمد أحكامه منه، وأعتقد أنه يستدعى فى ذاكرة نظرية "الحق الالهى المقدس " وهى أحد نظريات الفكر السياسى التى حاولت أن تبرر استبدادية الحكم الثيوقراطى باعتبار أن الحاكم هو خليفة الله فى أرضه .ولا اختلاف أن تطبيق مبدأ الحاكمية بهذا المعنى يؤدى إلى جمود الفكر وانتشار التخلف فى العالمين العربى والاسلامى .

ثم ينتقل الى مناقش فكرة " دولة الخلافة" باعتبارها من أهم القضايا الشائكة فى فكر الاخوان المسلمين، التى يعتبرونها البديل الوحيد للدولة المدنية، دون البحث فى صيغة عصرية تناسب العصر وما توصل إليه البشر من تقدم انسانى وعلمى فى مختلف الميادين، ويرى المؤلف أن فصل الدين عن السياسة والاقتصاد والاجتماع كان سبيل القارة الاوربية نحو التقدم العلمى والارتقاء الانسانى، فالمدنية ليست كفراً او الحاداً، فالدولة المدنية قد تكون حلاً للعديد من المشكلات الاجتماعية والصراعات الطائفية والمذهبية .ويستند إلى رفض بعض الرموز الدينية مثل الشيخ الشعراوى ترشيح الأحزاب الدينية على أساس أن الوازع الدينى دون حسابات العقل معتبراً أن الدين لا علاقة له بالأحزاب التى تمثل الفكر السياسى لأصحابها وليس للمسلمين .

وقد توصل المؤلف الى نتيجة هامة وهى أن دمج الدين فى السياسة يكرس الشقاق والفرقة بين المسلمين أنفسهم بمذاهبهم ومعتقداتعم المختلفة، وبينهم وبين العالم غير الاسلامى،ولذلك فان بعض الدول العربية والاسلامية تعيش ظلامية جديدة تشبه ما حدث فى اوربا ابان القرون الوسطى . فالاشكالية الأساسية فى معظم الدول العربية والاسلامية لاتكمن فى العلاقات بين الدين والسياسية ولا فى انفصالها او ارتباطها بل هى بالأساس فى توظيف الدين لخدمة السياسة .

وفى نهاية الكتاب، حاول المؤلف أن يقدم رؤية استشرافية للمستقبل معتمداً على تحليله للمؤشرات والمعطيات السياسية الراهنة مثل فشل تجربة حكم الاخوان المسلمين فى مصر، فمن المتوقع أن تبقى الجماعات الدينية السياسية على هامش الحياة السياسية فى العالمين العربى والاسلامى خلال المدين المتوسط والقصير على أقل تقدير، ويرى أن عودة هذه الجماعة إلى صدارة المشهد السياسى يتوقف على شروط أهمها الاخفاق فى إيجاد البديل الأفضل تنموياً الذى يخرج الدول من مشكلاتها التنموية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتراكمة عبر عقود طويلة من الزمن . ويبرر وجهة نظره بانه فى ظل الامكانات المتاحة وتطلعات الشعوب إلى ى مستويات معيشية أفضل، وفى ظل التنافس الدولى على التنمية، فمن المتوقع أن تؤدى عثرات محتملة فى بعض الدول إلى عودة هذه الجماعات الى صدارة المشهد من جديد .والنقطة الاهم هنا، هى أن المؤلف قدم بعض الحلول التى يقترحها لمحاصرة هذا الفكر المتطرف وأهمها الانفتاح على الاخر بدلا من الانغلاق ورفض الاخر، والتحرك نحو الحداثة والابداع والابتكار والاجتهاد الفقهى الذى يجعل الدين باعثاً للنهضة وليس عائقاً لها .

 

د. حمدى بشير

باحث ومفكر سياسى مصرى

الرفاعي يبحث عن الظمأ الأنطولوجي للدين

801-jabarلم يتوقف الدكتور عبد الجبار الرفاعي عن الدعوة لإخراج الإنسان من جماعاته التي ضاع في نسيجها، والعمل على البحث عن إنسانيته، قبل التفكير ببناء مجتمع تكون كلمته الواحدة هي القوة المغيرة فيه. فالرفاعي يؤكد على أن قوة صوت الإنسان لوحده من الممكن أن تعيد بناء هذا المجتمع، خصوصاً إذا تمكن الفرد من إيجاد نفسه قبل ضياعها وسط الحشود.

في كتابه الجديد (الدين والظمأ الأنطولوجي) يكشف الرفاعي عن أسباب اختياره لهذا العنوان أولاً، ومن ثم كيفيه البحث عن الذات بعد مسخها ضمن جماعات آيديولوجية، يسارية أو يمينية، فالجماعة واحدة، مهما اختلفت توجهاتها.

يعني الرفاعي بالظمأ الأنطولوجي؛ الذي كان عنوان كتابه، الظمأ للمقدس، أو الحنين للوجود، مبيناً أنه ظمأ الكينونة البشرية، بوصف وجود الإنسان وجوداً محتاجاً إلى ما يثريه، وهو كائن متعطش على الدوام إلى ما يرتوي منه.

ويضيف الرفاعي: ولو استعرنا لغة الحكماء والمتصوفة والعرفاء، فإن الشخص البشري لا ينفك عن نقص في كينونته، وهو توق وشغف أبدي يطلب كماله الوجودي. وليس الإنسان فقط هو ما يعتريه النقص في عالم الإمكان، بل النقص حقيقة هذا العالم الوجودية، إذ لا كامل إلا الواجب.

موضحاً أن لكل موجود نمط كماله الذي هو من جنس كينونته، ويتسق مع سنخ وجوده. الظمأ الأنطولوجي إنما هو الفقر الوجودي، وارتواء هذا الظمأ هو الغنى الوجودي. أي أن هذا النقص لا يكتمل إلا ببلوغ الكائن البشري طوراً وجودياً جديداً، يضعه في رتبة أعلى سلم التكامل الوجودي.

 

الله والحب

سنوات طويلة من العمل الحزبي أضافت للرفاعي تجربة فريدة، وجعلته يبحث عن الله والحب والذات الإنسانية؛ بعيداً عن الجماعات الآيديولوجية، ومن أهم ما خرج به هو قوله: إن حب الله والإنسان والعالم يبدأ بحب الذات. نسيان الله في الذات نسيان لله في العالم. غياب الله في الذات غياب لله في العالم. حضور الله في الذات حضور لله في العالم. من لا يلتقي الله في ذاته لا يلتقيه في العالم. من لا يرى الله في ذاته لا يراه في العالم. معرفة الله في الذات معرفة لله في العالم. "من عرف نفسه فقد عرف ربه"، كما هو مروي عن النبي (ص). وذلك ما يصوره قول النفّري: "من سألك عني فسله عن نفسه، فإن عرفها فعرّفني إليه، وإن لم يعرفها فلا يعرّفني إليه، فقد غلقت بابي دونه".

ويضيف: هناك صوت دفين في باطن الذات، هو حوار الذات مع ذاتها، إنه مونولوج باطني. يستفيق لهذا الصوت بعض الناس، فيجده يكرّر: أنا لست أنا، صورتي مرآة هويّتي، فائض هويّتي يصادر ذاتي، مثلما يصادر حرّيتي. لا أسمع صوتي أبداً، صوتي صدى قبيلتي وطائفتي. يفرض عليّ انتمائي لهويّتي ألا أكون أنا، كي تتطابق صورتي مع ما تنشده هويّة جماعتي، لكني لو خلوت ونفسي فسرعان ما تباغتني ذاتي، فتتمزّق الأقنعة وكل ما طمس ذاتي، فأخفي شخصيّتي، التي لا أكاد أراها إلا حيث تكون ذاتي في مواجهة ذاتي.

وربما يتوهّم الإنسان أنه سيجد ذاته في كل ما هو خارج ذاته، وهو لا يدري أنه لن يجد ذاته إلا في ذاته. بل يفتقد المرء ذاته لو حاول أن يعرف نفسه بغيره؛ ذلك أن نهايته غداً نهايته، وموته غداً موته. لا تتجلى إرادتك وثقتك بنفسك وشجاعتك وحريّتك وهويّتك الشخصية، إلا في أن الكون أنت.

ويخلص الرفاعي إلى أن الإيمان خلافاً للفهم والمعرفة لا يتحقق بالنيابة؛ ففي عملية الفهم يمكن أن يتلقى الإنسان معارفه من شخص آخر، أو يقلّد غيره في آرائه، لكن الإيمان تجربة ذاتية تنبعث في داخل الإنسان، إنه صيرورة تتحقق بها الروح وتتكامل، ونمط وجودي يرتوي به الظمأ الأنطولوجي للقلب، إنه مما تضيق به العبارة، ولا تشير إليه إلا الإشارة. أعمق المعاني هي تلك التي نتذوقها، لكن تضيق كلماتنا عن استيعابها، ويتعذر على قوالب ألفاظ البوح بها. وهو من جنس الحالات، و"قوالب الألفاظ والكلمات لا تتسع لمعاني الحالات"، حسب تعبير محيي الدين بن عربي.

كلام الرفاعي هذا لا يعني ذلك الدعوة لتصوف مقنّع، ذلك أنه يصرح: "لست مع تصوّف الخلاص الفردي، الذي يُخرج الفرد من العالم. فإن العزلة والانفصال عن المجتمع منجم الأوهام. الآخر مرآة الذات، بل الذات عينها لا تتجلى صورتها إلا في الآخر".

 

الدين والفن

801-jabarوبالعودة لهذا الظمأ، فإن الدين هو ذلك السلم الذي يرتقي عبره هذا الكائن صعوداً للكمال، ويرتوي من خلاله ظمؤه الوجودي. فالدين هو ما يقدّم تفسيراً وتبريراً لتأبيد الحياة، واستمرار وجود هذا الكائن على الدوام. يشرح الدين الموتَ بالشكل الذي يغدو فيه مجرد تحول من طور وجودي إلى طور وجودي آخر، أو تبدّل من نمط وجود إلى نمط آخر، أو من نشأة إلى نشأة أخرى. صحيح أن الطور الثاني يكتنفه إبهام وغموض، غير أن الدين يقدّمه كمعطى نهائي ناجز لا نقاش فيه، ويصوّره بنحو يتبدّى فيه مقنعاً لمعتنقيه، بوصفه شكلاً من التطور والصعود والتجرد والتسامي في رحلة تكامل الكائن البشري.

غير أن الرفاعي يقدم ثنائية أخرى، وهي الدين/الفن، ساعياً إيجاد الفروقات الروحية بين الاثنين.. مشيراً إلى أن الدين والفن كل منهما ضروري لحياة الإنسان، لكن لا يمكن إهدار الدين، والاكتفاء بالفن، ذلك أن الدين خاصة، هو: ما يروي الظمأ للمقدس، ويشبع الحاجة للخلود، بوصف الكائن البشري ينزع للكمال، وهو في توق أبدي للخلود، ولا يشبع الشغف بالكمال والخلود سوى الحق تعالى، وهو ما يحدد الدين السبل للوصول إليه.

وعود الدين تلتقي مع وعود الفن أحياناً، غير أنهما لا يتطابقان في كل شيء. الفن ينشغل بتصوير عوالم الموت والحياة، إنه يهتم برسم ما نتخيل، أي يبتكر لأحلامنا وأوهامنا وآلامنا عالمها المتخيل، مما ننشده وما لا ننشده منها، من صور الخير وصور الشر، وما يبهجنا وما يحزننا.

وفي هذه الحالة، فإن الدين مثلما يحكي لنا ما ينبغي أن ننشده في هذا العالم، يهتم أيضاً برسم صورة ممتدة رحبة للحياة. تمديد الحياة وتخليدها، وإشباع توق البشر للتكامل والأبدية، كلها خارج حدود الفن، فهي ليست من وعوده. نعم، الفن يخلّد الذاكرة، لكنه لا يقدّم تفسيراً يبرّر تخليد الحياة.

 

حفلات المسوخ

بَحْثُ الرفاعي عن إيجاد الذات في بيئة مختلفة، جعله يطرح تساؤلاً مهما، وهو: ما الذي يسوق الشباب في الغرب وغيره، ممن هم في كفاية معاشية، وبعضهم يعيش ترفاً مادياً، للهجرة إلى ولائم الذبح، وحفلات الرقص على أشلاء الضحايا في بلادنا. والتسابق على الانخراط في وحشية عبثية، تتلذذ بالدم المسفوح، وتتهافت على مغامرات مهووسة في العمليات الانتحارية؟

وفي سعيه للإجابة عن تساؤل كهذا، يقدم الرفاعي فرشة مهمة لأسباب ربما تكون غائبة عن عقولنا، موضحاً أن الشباب يتساقطون في ولائم الذبح، ويتلذذون بالدم المسفوح، كالفراش المتهافت على لهب الشمعة في ليلة مظلمة، بسبب ما يعانون من ظمأ أنطولوجي للمقدس، وبسبب رتابة الحياة، وذبولها، وتكرار كل شيء فيها، وانطفاء المتعة التي تمنحها لهم الملذات الحسية، فمهما كان شغفهم بالملذات الحسية، فإنهم يصلون به حدّاً يفتقد فيه كل شيء معناه في حياتهم، بل يبلغ غرقهم بكل ما هو مادي من متع جسدية درجة الغثيان، عندما تتخشب فلا تبوح لهم بأي معنى. لذلك يتهافتون على ما يتوهمون أنه منبع المعنى، الذي يفتقدونه في عالمهم، فيحسبون هذه الدروب الخاطئة المظلمة التي تقودهم إلى تناقض المعنى، وكأنها مسار يوصلهم إلى معنى المعنى.

الاغتراب ربما يكون سبب مهم حسب ما يرى الرفاعي، لهذا فإن كل ذلك ينشأ من قلق الشباب الوجودي، وتفاقم اغترابهم في مجتمعاتهم، وتلاشي الوشائج العضوية للانتماء لأوطانهم، وشعورهم المرير بالعزلة وسط محيط عدائي، وتفاقم إحساسهم الموجع بعدم الأمان، لأن كل شيء ضدهم: الحياة ضدهم، المجتمع ضدهم، الثقافة ضدهم. إنهم لا يعلمون أن مسار المعنى في حياة الإنسان لا تبتكره إلا الأحلام الكبيرة، لا تنجزه إلا الأرواح المتوثبة، لا يراكمه إلا الصبر الطويل، لا يشبعه إلا الإيمان.

 

أدبيات تبسيطية مغلقة

الرفاعي كان عضواً في حزب الدعوة الإسلامية الذي تأسس في العام 1959، غير أنه بعد أن خاض تلك التجربة الحزبية والسياسية، قرّر المغادرة والانفراد بنفسه عام 1985، هارباً بنفسه قبل ضياعها ضمن جماعات وأدبيات لا تعنى بالإنسان وفردانيته. مشيراً إلى أن أدبيات الجماعات والأحزاب تتجاهل فردية الكائن البشري، ولا تتحدث عن الهوية الشخصية عادة. وهو ما يبدو ماثلاً في أدبيات الأحزاب اليسارية، والقومية، والجماعات الإسلامية، التي تتعاطى مع الفرد بوصفه عنصراً يذوب في مركَّب هو الجماعة، ليس له وجود حقيقي مستقل خارج إطارها، وتشدّد في مقولاتها وشعاراتها وتربيتها على أن مهمة كل شخص في الحياة هي: الامتثال لما يؤمر به، والتنكر لذاته، والذوبان في المركّب، والكف عن أية محاولات لاستبطان الذات، واكتشاف فضاءات ومديات عالمها الجوّاني. أما قيمة الفرد، ومكانته، وحاجاته الذاتية، الروحية، والعاطفية، والوجدانية، والعقلية، فلا أهمية لها، إلا في سياق تموضعها في إطار هذا المركّب، الذي هو الجماعة ومتطلباتها.

وبعد تجربته مع جماعات حزب الدعوة الإسلامية، يخلص الرفاعي إلى أن أدبيات الجماعات الإسلامية تحرص على مناهضة ورفض الثروة الفلسفية، ومدونة التصوف والعرفان في الإسلام، وتتهمها بالهرطقة والخروج عن الدين، وتحذّر أتباعها من الاطلاع عليها والنظر فيها، وهو موقف تتضامن وتلتقي فيه الجماعات بأسرها، لا تشذّ عنه أية واحدةٍ منها؛ ذلك أنها تدرك ما تنطوي عليه الثروة الفلسفية من الحث على: بعث العقل، والنظر والتدبّر والتفكير والتأمّل. كما تعلن هذه الجماعات موقفها المناهض لما تفيض به مدوّنة التصوّف والعرفان، من: التوغّل في فضاء الذات، واستكناه أسرارها، وإيقاظ الروح، وإشعال القلب، وإثراء الوجدان، وإثراء الوجدان، وتكريس التجربة الروحية الفردية، والحثّ على سبر أغوار الحياة الشخصية، واكتشاف طبقات النفس، واستبطان عالمها الجوّاني، والحفر في سراديبها وانفعالاتها وتوتّراتها وعنفها وبراكينها.

 

تجربة مثيرة

السنوات التي قضاها الرفاعي ضمن حزب الدعوة الإسلامية، أعطته تجربة مغايرة، فقد تدرب حينها على العمل السياسي السري، والترويض على الطاعة والانقياد والولاء، والتعاطي مع الأدبيات الحزبية كنصوص جزمية يقينية، لا يمكن التفكير بنقدها فضلاً عن نقضها ورفضها.

وهي أدبيات في معظمها: وعظية، تبجيلية، تعاليم مبسطة، بمستوى لا يتفوق على مستوى تلامذة الإعدادية، لا تتضمن رؤية فسيحة للحياة، ولا تغور في عوالم الكائن البشري الجوانية الغاطسة، ولا تشي بفهم للحقوق والحريات والمواطنة والدولة الحديثة. الكثير منها كتابات ينهكها فائض لفظي، لا تخلو من طوباوية خيالية في تفسير الواقع، تستغرق في الحديث عن أحلام وربما أوهام، تغذي خيال الضحايا المعذبين، وأشواق أرواحهم للأمن والعدالة والسلام والسعادة.

وبعد هذه التجربة، يعترف الرفاعي أنه في العمل الحزبي افتقد ذات، بل كان يرى إلى بعض رفاقه كما هو، "كلنا تائهون، لم يعبأ أحد منا بذاته، وحياته الروحية الأخلاقية، وكأننا في سكرة يتعذر علينا الاستفاقة منها".

فالتربية في الأحزاب والجماعات تتمحور عادةً على تنميط الذات، وتحويل كل الأعضاء إلى نسخ متماثلة، رؤيتهم للعالم واحدة، آراؤهم واحدة، مفاهيمهم واحدة، مواقفهم واحدة، مزاجهم واحد.. بنحو تضيع معه لديهم كافة الملامح والهوية الشخصية للذات.

 

خريجو الجماعات

أغلب زملاء وأصدقاء الرفاعي أصبحوا سياسيين في الحكومي العراقية الحالية، غير أنه ينظر إلى هؤلاء من منظور آخر.. المشكلة التي تواجهه الآن هو افتقاره للأرشيف المدوّن لمسيرته وتجربته الشخصية، وهو ما يمنعنه من الحديث التفصيلي عن جميع الظروف والملابسات والمواقف التي عاشها، فضلاً عن ذاكرته التي تخذله.

من جانب آخر، فإن من أهم شروط الجماعات الإسلامية عدم البوح كما كان يحدث، وهذا أيضاً من تقاليد التكتم والسريّة، وغياب النقد والمراجعة في تقاليد الاعتراف في مجتمعاتنا، ومزاجه الشخصي الذي يحرص بطبيعته على أن يعيش بهدوء، بعيداً عن ضجيج الحياة الاجتماعية وصخبها، والهروب من البشر الذين يحترفون تشويه الغير وانتهاك خصوصياتهم، وتشديده على سلوكه الذي ينزع إلى الحياد ما أمكنه ذلك، والابتعاد عن التحيز لأي شخص أو جماعة أو حزب، ويسعى للاحتفاظ بعلاقات على مسافة واحدة منهم، مع اعتزازه برؤيته وتفكيره واجتهاده المستقل، فهو "يتفق مع الجميع ويختلف مع الجميع"، بنحو جعل شعاره "أسير مع الجميع وخطوتي وحدي".

اكتشفت الرفاعي في وقت مبكر أشخاصاً من زملائه الإسلاميين "مات الإنسان في داخلهم"، ثم هتكت تجربة السلطة في العراق عورات بعضهم فـ"مات الله في داخلهم". إنهم ممن: "نسوا الله فأنساهم أنفسهم". فوظفوا كل ما وهبهم الله من ذكاء ومهارات في الكيد والغدر، واستهداف البشر، والنيل منهم، والتآمر عليهم. يشدد الرفاعي: "أدركت أنه لا مختبر للأخلاق في مجتمعاتنا كالسلطة. لم تتبدل شخصية الكائن البشري على كرسي السلطة- كما يظن البعض- وإنما يتفجر كل ما هو مترسب في أعماقها، من: رغبات مكبوتة، عدوانية، عنف، انتقام، تسلط، ثرثرة.. مجموعة ممن عاشرت من الأصدقاء قبل السلطة؛ فضح ظفرهم بالكرسي كل ما هو رديء مختبئ في داخلهم، من: هشاشة الشخصية، هذيان الذهن، هذر اللسان، تبلد الشعور، موت الضمير، نرجسية الذات، وانطفاء الروح".

 

قراءة لكتاب: الدين والظمأ الأنطولوجي، د. عبد الجبار الرفاعي، سلسلة تحديث الفكر الديني، دار التنوير، بيروت/ ومركز دراسات فلسفة الدين بغداد، 2016، 270 صفحة.

 

أربعة كتب جديدة للدكتورة شكرية رسول

jawdat hoshyarصدرت مؤخراً في أربيل وفي يوم واحد أربعة كتب جديدة للأستاذة الدكتورة شكرية رسول، وعلى نفقتها الخاصة، وربما كان السبب في إصدار هذه الكتب دفعة واحدة، هو أختصار ما يلاقيه المؤلف الكردستاني من متاعب في متابعة اعداد نتاجاته للنشر، ومن ثم بذل جهود كبيرة في توزيع ثمار عمله المضني وعصارة فكره، حيث لا توجد في العاصمة أربيل، دار توزيع للكتب سواء كانت حكومية أو تابعة للقطاع الخاص، مما يشكل عقبة حقيقية ومأزقاً للمؤلفين، الذين يضطرون للبحث عن منافذ لتوزيع نتاجاتهم . ونادراً ما بسترجع المؤلف ولو جزءاً يسيراً مما أنفقه على طبع أعماله، في حين نرى دور النشر والتوزيع في الدول الأخرى، تسعى للتعاقد مع المؤلفين وتدفع لهم أتعابهم مقدماً مع جزء من الأرباح المتحققة بعد البيع، وهي أرباح تتصاعد مع أصدار طبعات جديدة للكتاب . لذا فأن ما أقدمت عليه الدكتورة شكرية رسول من تضحية مادية والأهم من ذلك، هذا النشاط الأبداعي جدير بالأعجاب حقاً، في زمن يشهد تدني مستويات القراءة، ويلوذ فيه الناس بالوسائط المتعددة، هرباً من متاعب الحياة، ليس في الأقليم وحده، بل في الدول (النامية) عموماً .

الكتب الأربعة تضم أنماطاً أدبية وفكرية عديدة (قصائد شعرية، وقصص، وبحوث مترجمة، ومقالات وخواطر) . وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على سعة أفق وتنوع إهتمامات المؤلفة . ولكن ثمة خيط يربط هذه الأنماط جميعً وهو الأبداع بصوره المختلفة .

الكتاب الأول الموسوم " مجموعة قصص أجنبية " يضم 23 قصة وحكاية قصيرة، أغلبها مترجمة من اللغة الروسية في أوقات مختلفة. بينها قصص وحكايات لثلاثة من عمالقة الأدب الكلاسيكي الروسي والعالمي (ليف تولستوي، ايفان تورغينيف، أنطون تشيخوف) . وبعضها موجه للأطفال والشبيبة ليس للتسلية وتطوير ذائقتهم الأدبية فحسب، بل استخلاص الدروس والعبر وتأمل معنى الحياة

إن الترجمة الأدبية من اللغة الروسية الى أي لغة شرقية، عملية شاقة وشائكة – أقصد الترجمة المكافئة للنص الأصلي -، وذلك بسبب الثراء الباذخ للغة الروسية، ووجود كلمات لا يمكن ترجمتها بدقة لعدم وجود كلمات متطابقة المعني في اللغتين المنقول منها والمنقول اليها، وإن كانت قريبة المعنى، وذلك لوجود فوارق دقيقة جداً فيما بينها، وخاصة الكلمات التي تدل على مفاهيم معنوية وروحية . وثمة تعابير وأقوال سائرة لا يمكن ترجمتها ولا نظير لها في أية لغة أخرى.

سألتُ د. شكرية، كيف تترجمين؟، أجابت بأنها تستوعب روح النص أوّلاً، وفكرتها الأساسبة قبل الشروع بالترجمة، وهذا هو أهم شيء في الترجمة عموماً ومن اللغة الروسية خصوصا ً، وأضيف على ذلك ربما شرطاً آخر هو الأحساس بأيقاع النص، والحفاظ عليه في العمل المترجم من البداية وحتى النهاية .وقد جاءت الترجمة معبرة عن روح النص وايقاعه، ولغة في منتهى الفصاحة والجمال .

أما الكتاب الثاني (خفقات فلب) فهو ديوان شعر يضم 25 قصيدة كتبت بين عامي (1971- 1992). وفي المقدمة القصيرة التي كتبتها المؤلفة تقول : " هذا الذي تقرأه أيها القاريء، كله أسرار وتطلعات أمرأة كوردية كتبتها من أعماق القلب ".

قصائدها متنوعة المضامين (غربة الروح، والغربة عن كردستان، مأساة الهجرة المليونية في ربيع عام 1991، التغني ببطولات البيشمركة)، والحب (بتنويعاته واشكاله المختلفة وفي مقدمتها حب الوطن وليس المعنى الدارج للكلمة حصراً) .

مسحة حزينة وحميمة تغلب على معظم قصائد الديوان . وهي تقول بأنها لا تعتبرنفسها شاعرة، ولكن كل الكتّاب والأدباء جربوا في مقتبل الشباب كتابة الشعر،للتعبير سواء عن معاناتهم وأحزانهم أو سعادتهم وأفراحهم، قبل أن ينصرفوا الى كتابة الرواية أو القصة القصيرة أو النقد الأدبي . وهي تكشف لنا سر لجوئها الى عالم الشعر للتعبير عما يختلج في نفسها أحيناً من مشاعر وأحاسيس جياشة، وهي أن الشعر قد يكون أنسب أداة للتعبير عنها . وهي تتساءل الى أي نمط شعري تنتمي قصائدها، هل هي شعر منثور أم شعر حر؟

نحن نعرف من تأريخ الأدب أن الشعر قد ظهر قبل الفنون الأدبية الأخرى، وكالسابق يتقدم على تلك الألوان الأدبية التي ظهرت بعده ويتطور بخطوات أسرع . الشعر وسع حدوده وامكاناته، عندما حطّم تلك الجدران التي كانت قد بنيت حوله في الماضي . كيف يمكن دفع هذا الفن الذي لا تتسع له أية حدود، الى داخل إطار التعريف الكلاسيكي، فالشعر ليس كلاما منظوماً أو موزونا ومقفى، لأن الشكل لا يجعل من أي كلام منظوم شعراً . الشعر هو التعبير بالصور، بغض النظر عن الشكل الذي يتخذه هذا التعبير، والتجارب الشعرية الحديثة تثبت صحة ما نقول . قصائد الشاعرة شكرية رسول هي شعر حقيقي، وليس المهم أن نلصق بها صفة معينة، وان كانت أقرب الى قصيدة النثر .

الكتاب الثالث يحمل عنوان (خريف القل )، يتضمن مجموعة متنوعة من المقالات والخواطر والأنطباعات التي كتبتها المؤلفة في فترات مختلفة من حياتها، وأعتقد أن قسما منها منشورفي الصحف والمجلات وبعضها مثل الكلمة، التي ألقتها في أربيل عام 2006 في احدى الورش workshop وهي تحت عنوان "ما أنا ومن أنا"؟ ترجمت الى اللغة الأنجليزية. والتي تتحدث فيها الكاتبة بلغة شاعرية عن قضايا المرأة وعذاباتها ومتاعبها ونضالها في المجتمعات الشرقية المغلقة، المكبلة بالأعراف والتقاليد والعادات، التي لا تنسجم مع ما ما بلغته المرأة من مكانة في المجتمعات المتطورة، كما أنها تشيد بنضال المرأة الكوردية التي أقتحمت مجالات الحياة المختلفة في أقليم كردستان، لذي يسعى للحاق بركب الحضارة البشرية المعاصرة . وليست هذه الكلمة وحدها بل أن معظم مواد الكتاب تتناول قضايا المرأة من خلال تجاربها الشخصية ومشاعرها واحساساتها المرهفة كأمرأة معتزة بشخصيتها، ذات ملاحظة دقيقة لمظاهر الحياة وسلوك البشر وعلاقاتهم الأجتماعية في مجتمعنا الكردستاني .

وضمن المجموعة كلمة أو بتعبير أدق نداء وجهته المؤلفة في عام 1992 الى السيدة الراحلة دانيال ميتران "أم الكورد" تحت عنوان " ن أطفال كوردستان الى السيدة ميتران " تشكرها على دعمها المتواصل للقضية الكردية في المحافل الدولية وتدعوها لبذل المزيد من أجل انقاذ الأطفال الكورد ودعم الشعب الكوردي وصولاً الى تحقيق أهدافه في الحرية والحياة الكريمة والأستقلال . وفي مواضع كثيرة في الكتاب ثمة اشارات الى دور الحب في الحياة، وتقول أن الحب بمعناه السامي والشامل هو بداية الحياة ونهايتها ومصدر للسعادة ونهر للأحزان في الوقت ذاته .

ولا أريد الأسترسال في الأشارة الى مقالاتها وخواطرها المكرسة لقضايا المجتمع الكوردستاني، والمصاعب التي لاقتها من أجل حقها المشروع في الحصول على مرتبة " الأستاذية " في الجامعة . وهنا لا بد لي أن أقول ان التنافس والحسد موجودان لدى البعض في كل مهنة، وهذا أمر طبيعي في كل مكان وزمان، ولكن المؤلفة كأمرأة حساسة عانت معاناة رهيبة وصارعت وناضلت من اجل انتزاع حقها أسوة بالأساتذة الرجال الآخرين الذين نالوا مرتبة الأستاذية ومعظمهم ليس بأكثر منها عطاءاً وإنتاجاً ويشهد بذلك (32) كتاباً مطبوعاً لها قبل نيلها لقب البروفيسورة.

ولعل من أهم المقالات التي يتضمنها الكتاب مقال بعنوان " تطوير اللغة والثقافة الكردية من مهام برلمان وحكومة كوردستان " حيث تشيد المؤلفة بدور المثقفين الكورد في الحركة التحررية الكوردية وفي استنهاض الجماهير وخدمة المجتمع وتطوير الثقافة الكوردية، وتشدّد على ضرورة العناية بهم وباللغة الكردية وضرورة الحفاظ على نقاوتها من كل تشويه وتحريف . كتب هذا المقال في عام 1994، ولم تكن الأكاديمية الكوردية قد ظهرت للوجود بعد . صحيح أن قرارات البرلمان والحكومة مهمة في هذا المجال، ولكنني أعتقد أن هذه هي المهمة الأولى والأساسية للأكاديمية الكوردية في المقام الأول .

إن وضع الأسس للغة كوردية موحدة، لتكون لغة الآداب والعلوم والآداب، مهمة علمية مباركة وإن كانت شاقة . ورغم أن الأقليم شهد عقد مؤتمرات وندوات عديدة مكرسة لهذا الموضوع، الّا أن ذلك لم يؤد الى نتائج ملموسة على أرض الواقع . لذا فأن نداء د. شكرية رسول في محلها رغم مضي أكثر من عشرين سنة على صدوره، لأن المعضلة ما تزال قائمة ولم تحل حتى يومنا هذا . ولعل هذا النداء القديم – الجديد، يكون حافزاً لبذل المزيد من الجهد العلمي في هذا المجال .

وتختم المؤلفة كتابها ببحث قصير شيق عن الشعر ومسيرة تقدمه، تشير فيها الى أن الشعر من أقدم الأجناس الأدبية في كل آداب العالم وبضمنها الأدب الكوردي وأن للشعراء الدور الأهم في تطوره، وتشير إلى دور الشاعر الخالد بيره ميرد في تقدم الشعر الكوردي واللغة الكردية، وتورد المؤلفة طائفة من الكلمات والمصطلحات التي أدخلها الشاعر الى اللغة الكوردية منها ( به روه رده – التربية، سه ره تا – البداية، كريكار- عامل، كه مته رخه م – مهمل (مقصر)، وه ركيران – ترجمة، سووته مه ني – وقود، ئاكار – أخلاق) وغيرها كثير .

أما الكتاب الرابع فهو ترجمة لكتابنا " ذخائر التراث الكوردي في خزائن بطرسبورغ " الى اللغة الكوردية. كتابنا صدر باللغة العربية في أربيل عام 2011 ونفد خلال فترة وجيزة، وتؤكد د. شكرية رسول الى ان اهمية هذه المخطوطات - كما جاء في المقدمة - تكمن في أنها تعد حداً فاصلا في تأريخ الأدب الكوردي وتأريخ الكوردولوجيا، حيث أثبتت هذه المخطوطات الثمينة أن للكورد أدباً كلاسيكياً رائعا، في حين كان الأعتقاد السائد بين المستشرقين قبل ذلك، أن الأدب الكوردي يقتصر على التراث الشعبي بشتى ألوانه وصوره، ولم يكن أحد من المستشرقين يتوقع أن يكورد للكورد هذا الأدب الكلاسيكي الباذخ والقيم فكراً وفناً، إضافة الى الآثار الأخرى في العلوم الأنسانية .

يضم الكتاب (84) مخطوطة نفيسة محفوظة في مكتبات مدينة بطرس بورغ الروسية وتحليل مضامينها، ومقارنتها بما هو موجود من مخطوطات كوردية في كل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وكوردستان نفسها . كتابنا كانت نداءاً، بل صرخة للأهتمام بهذه المخطوطات وارسال فريق علمي الى روسيا لتصويرها في الأقل تمهيداً لدراستها وسد الثغرات في مسيرة العلم والثقافة الكوردية، بيد أن نداءنا ذهب أدراج الرياح .

لقد يأسنا من التفاتة الجهات المسؤولة عن العلم والثقافة في أقليم كردستان الناهض، (وزارة الثقافة، والأكاديمية الكوردية وإتحاد الأدباء الكورد" وغيرها، الى هذه الدرر، التي تشكل خير ما في التراث الكوردي من آثار أدبية ولغوية وتأريخية وأثنوغرافية وإجتماعية وفولكلورية . وقد جاءت الترجمة الكوردية للكتاب، بلغة كوردية رائقة وجميلة، وسلسة في آن واحد . كما كتبت البروفيسورة الدكتورة شكرية رسول مقدمة قيمة للترجمة الكوردية، وأرى من واجبي أن أشكرها على الجهد الكبير الذي بذلته سواء في الترجمة أو في إخراج الكتاب بحلة قشيبة . وأن اوجه اليها التحية من هذا المنبر الرصين .

 

جــودت هوشـيار

 

الحدود البحرية بين العراق والكويت.. كتاب جديد للدكتور محمد ثامر

806-mohamadصدر كتاب جديد للاستاذ الدكتور محمد ثامر السعدون استاذ القانون الدولي العام في كلية القانون جامعة ذي قار، الموسوم الحدود البحرية بين العراق والكويت دراسة في ضوء القانون الدولي العام،

806-mohamadيتناول الكتاب قرارات مجلس الامن الثلاثة التي تولت رسم الحدود البحرية بين البلدين الشقيقين ومواقف كل منهما ازاء تلك القرارات ويحلل طبيعتها القانونية في ضوء مبادئ وقواعد القانون الدوليي العام مقارنا ذلك بترسيم الحدود البحرية بين الدول وفق القرارات القضائية لمحكمة العدل الدولية ومحاكم التحكيم والمبادئ المستقرة فيها.

محاولة لإقتراب صحراوي من كتاب جون واتر بوري

almustafa abduldaem"أمير المؤمنين .. الملكية والنخبة السياسية المغربية"

لماذا ألاقتراب الآن من مؤلف الكاتب الأمريكي جون واتر بوري "امير المؤمنين ..الملكية والنخبة السياسية المغربية"؟ سؤال لماذا مرتبط بالظرفية التاريخية التي تجتازها القضية الصحراوية من جهة، ومن جهة أخرى مرتبط أيضا بالظروف العامة والخاصة المحيطة بانعقاد المؤتمر الرابع عشر لجبهة البوليساريو؟، ولأني شخصيا حسمت موقفي من هذا المؤتمر إنطلاقا من مقولة (مابني على باطل فهو باطل)، وهذا المؤتمر الرابع عشر (خرج من الخيمه مايل). لذلك فما يعنيني في الاقتراب من كتاب واتربوري الآن والآن بالذات هو سؤال نخبنا الصحراوية من جهة، وإلى أي حد يمكن إنطباق بعض او كل خلاصات واتربوري على مجتمعنا الصحراوي، وعلى الحكم الصحراوي والنخبة السياسية الصحراوية؟ أنا أتساءل فقط، رغم علمي أن الاقتراب من هذا المؤلف لعقد هكذا مقارنات يضعني في ورطة الاسقاطات . لكن دعونا نقترب من هذا المؤلف مع منح أنفسنا فرصة استحضار هذا التشابه الكبير بين المجتمعات العربية، مع الحرص على أن الكتاب "أمير المؤمنين .. الملكية والنخبة السياسية المغربية" كما يعلم الجميع صار مرجعيا اساسيا لفهم تاريخ الحياة السياسية بالمغرب، على الرغم من كونه في الأصل أطروحة دكتوراه في العلوم السياسية للطالب الأمريكي جون واتر بوري والذي أنجز في المغرب من سنة 1965 وانتهى منه سنة 1967 .

وبالتوقف عند تاريخ إنجاز هذا المؤلف / الأطروحة لنيل الدكتوراه، نكتشف عدة علامات بارزة نحن مجبرون على الاستعانة بها في تأطير هذا المؤلف، ومن هذه العلامات أن الطالب الأمريكي حل بالمغرب في الفترة التي عرفت في تاريخ المغرب " بحالة الاستثناء أو حالة الطوارئ "، وهي الجالة السياسية التي دخلها المغرب بعد فشل التجربة الدستورية لسنة 1962، والتي أعقبها أحداث الأطلس سنة1963، كما أنه يستحيل عدم التوقف عند العلامة الأبرز والمرتبطة بسنة انتهاء الطالب الأمريكي جون واتر بوري من مؤلفه/أطروحته، والمقصود هنا سنة 1967، وهي السنة التي شكلت سنة النكسة في التاريخ العربي .. لماذا كل هذا الربط بين الأحداث ؟ السبب في نظرنا (أنه في التاريخ الأحداث لا تقرأ معزولة عن بعضها البعض ..فلسنة 1967 ما سبقها وما سيليها طبعا ...) .

لابد قد التورط أكثر في الإقتراب من هذا المؤلف / الأطروحة، أن نشير أن الكتاب أثناء صدور نسخته الفرنسية (عرف بعض التعديلات والتنقيح وخضع للحذف والزيادة خصوصا باستحضار المعطيات المتعلقة بالمحاولتين الانقلابيتين بالمغرب لسنة 1971و1972 ..تلك المعطيات التي يمكن قراءتها كنتائج لا تتفق تماما ومقدمات جون واتر بوري) .

وإذا كان هذا الكتاب قد صدر في نسخته الانجليزية سنة1968، فإنه لم يصدر مترجما للعربية إلا في سنة 1982 في طبعته الأولى عن دار الوجدة ببيروت . ورغم ذلك فقد ظل الكتاب ممنوعا من التداول في المغرب، ولم يسمح بتداوله في المغرب إلا في نسخته الصادرة سنة 2004 عن مؤسسة الغني للنشر بالرباط .

نسخة 2004 التي ترجمها عن الفرنسية عبد الغني أبو العزم وعبدالأحد السبتي وعبداللطيف الفلق، هي ما سنحاول الإقتراب منها متجاوزين رغم الأهمية القصوى المقدمات الواردة في هذه النسخة، وأعني بذلك ديباجة شارل أندري جوليان وتوطئة المؤلف، ثم مقدمة للمترجدم عبدالغني أبو العزم، وهي كلها توطئات مؤطرة للكتاب وتروم تقريب مضامينه للقارئ .

وبتركيز شديد فكتاب جون واتر بوري " أمير المؤمنين ..الملكية والنخبة السياسية المغربية "، اهتم بالبنيات التقليدية للمجتمع المغربي في فترة زمنية محددة هي فترة الستينيات (من 1965 وإلى 1967)، وحاول رصد (تأثيرها في السلوك السياسي للنخبة، واستمرار سيادة عقلية القبيلة)، متوقفا عند مرحلة الحماية (من 1912 وإلى 1955)، وما استرعى انتباه المؤلف جون واتر بوري أن المغرب رغم التغييرات التي أحدثها ما أسماه (الإرث الفرنسي) لم يتغير فعليا وظلت حالته جامدة، خلافا لما عرفته أقطار شمال إفريقيا في عهد الإدارة العثمانية والتغلغل الإقتصادي الأوروبي فيها . ورغم إقرار المؤلف بالتغيير الذي أحدثه الإقتحام الفرنسي للنظام المغربي المغلق ولأساليبه التقليدية، ونجاح الإقتحام الفرنسي في فرض نظام إداري مركزي وتطويره لقطاعات إناجية مفيدة كالفلاحة والصناعة والتجارة والمعادن ...، وهو ما أسهم في تقليص النظام التقليدي السائد (القبائل والمخزن والزوايا والطرق)، فلم يفت المؤلف أن يتوقف عند مفارقة الحركة الوطنية التي انخرطت في النضال السياسي ضد الاستعمار الفرنسي منذ 1945، التي إعترف أنها حركة وطنية ولكن بقيادة برجوازية ومثقفة ومتنورة، تعتمد - هنا تكمن المفارقة أيضا - أرضية سلفية ودينية، وإنطلاقا من هذه المفارقة يستنتج جون واتر بوري أن هذه الحركة الوطنية (ورغم أن الاستعمار الفرنسي لم يستطع إحتواءها)، فإن هذه الحركة الوطنية فشلت من ذاتها بفعل الأسباب السالفة الذكر في تكوين نخبة سياسية متماسكطة وقادرة على ممارسة السلطة والمساهمة فيما بعد الإستقلال .

وعليه يؤكد جون واتر بوري أن المغرب وجد نفسه بين إرثين (إرث العادات والتقاليد في علاقتهما بالسلطة وطرق تدبيرها) وبين (إرث الإستعمار الفرنسي في شكل بنيات تحتية وآليات معقدة غير ملائمة في الغالب لواقع البلاد وحاجياته) .. وهذا التنوزع بين غرثين متناقضين هو ما رهن الحياة السياسية المغربية ب(عقدة المزج بين الإلتزام بالعصرنة والسوق الحرة وآليات التنظيم الجديدة كالأحزاب والنقابات والجمعيات وغيرها، في نفس الوقت الذي يتمسك فيه بما أسماه واتر بوري (خصوصيات الشخصية المغربية) .. هذه الخصوصية " التي تسمح مثلا أن ترتدي لاعبة التنس المغربية الميني جيب وتيشورت بدون صدرية، مع الحرص على وضع الحجاب " .

بعد هذين الفصلين ينتقل واتر بوري في الفصل الثالث من تحليله إلى تحديد أن التوتر الدائم في مستويات مختلفة، يعد من خصائص المجتمع المغربي منذ قرون، بحيث يبدو وكأنه موشك على الإنفجار، لكن الإنفجار لا يحدث لأن طبيعة المجتمع المغربي هي الجمود، ويعزو واتر بوري هذا الجمود إلى (كون قيم وأنماط السلوك السياسي المغربي ذات طابع قبلي) . وقد قام المؤلف في تحليله لسلوك النخبة السياسية المغربية، مستخلصا أن المجتمع المغربي مشكل من قبائل وزوايا وأسر وتنتظم كلها في مشاعر (الإنتماء للدين ولذواتها، وتنقسم تبعا (لأهاف مادية، كما تنقسم تبعا للبنيات التنظيمية الحديثة كالأحزاب والنقابات والجماعات الإقتصادية) . وقد أطلق واتر بوري عليها إسم (الفصائل الإنقسامية) وهي التي تحدد طبيعة الصراعات داخل المجتمع المغربي، وهذه الصراعات هي ما يمكن تتبعه في باقي فصول الكتاب والتي ركز فيها المؤلف على (جدلية التوتر والجمود) باعتبارهما كما يقول واتر بوري (طرفي نقيض تعايشا في فترة ما بين 1956 وإلى 1965) أي إلى الفترة التي اشتغل عليها المؤلف، وفي نظره فقد تجلى التوتر في الدعوات المتتالية للإصلاح في مواجهة الجمود السياسي، ولكن هذا التوتر يوضح واتر بوري (لا ينتج تحولات سياسية) .

وإذا كان تعريف واتر بوري للنخبة السياسية المغربية، هي الفئة المؤثرة في القرار من أحزاب وجمعيات ونقابات وقبائل وعلماء وأثرياء وشرفاء .. فلم يفته وبكثير من الذكاء إبراز هياكل كبرى أخرى للنخبة السياسية المغربية ممثلة (في البرجوازية الحضرية، واستراتيجية المصاهرات السياسية، هذا بالاضافة إلى التأثير الثقافي الفرنسي على المجال العسكري والإداري مما جعل السلطة الإدارية والسلطة العسكرية تشكل النخبة السياسية المغربية ..). وأبرز أن العوامل الإجتماعية والإقليمية أثرت بشكل في نشوء النخبة السياسية المغربية،ذلك أن السياسة التعليمية الإستعمارية النخبوية مكنت أقلية من المغاربة من بلوغ مستوى تعليمي جد مرتفع في وسط أغلبيته أمية وقدم واتر بوري كبرهان على هذه السياسة الإستعمارية النخبوية رقما صادما متعلقا بعدد الذين اجتازوا امتحانات الباكالوريا ما بين سنة1912 وإلى غايةسنة1954، أي منذ إعلان الحماية وإلى سنتين قبل الاستقلال فإن عدد المغاربة الذين اجتازوا الباكالوريا هو 530 تلميذا فقط .. معناه أنه في 44 سنة عدد التلاميذ المغربة الذين اجتازوا الباكالوريا هو 530 تلميذ فقط ..بمعدل تقريبا أكثر من 12 تلميذ في السنة .

ويسترسل واتربوري في رصد الرهانات المزدوجة المتمثلة في هيمنة الحكم واحتوائه للنخبة السياسية، كما تطرق للسياقات السياسية للحياة الحزبية المغربية في بداية الإستقلال في إطار ما أسماه (دينامية السيرورة الانقسامية للنخبة)، من خلال تفسير الإنشقاقات الحزبية (التي شهدتها الفترة التي شملها الكتاب انطلاقا من انشقاق حزب الاستقلال والحركة الشعبية وميلاد اليسار وجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية .

وقد خصص المؤلف الفصول الأربعة الأخيرة في تفصيل أدوات إحتواء الملكية للنخبة السياسية والتأثير عليها في أفق خدمة إستراتيجيتها، وهذه الأدوات هي :

-        البيروقراطية وهي أداة تمكن الملك من إمتلاك صلاحية توزيع المنافع السياسية والمادية للسلطة ومراقبة الإدارة والتحكم في دوران التعيينات والتغييرات في المناصب واستقطاب واستهلاك الطاقات والكفاءات .

-        وزارة الداخلية من خلال تحكمها في الإدارة الترابية ..عمال وولاة ووقواد ورجال أمن ودرك ووقوات مساعدة .ومن خلال كل هذا مراقبة أنشطة الحكومة .

-        الدعاية من خلال الرقابة الكاملة للدولة على الصحافة والاعلام والاتصال المباشر بالرأي العام من خلال الاذاعة والتلفزيون والتحكم فيهما فضلا عن المؤسسات الصحفية التابعة .

يقر واتر بوري أن بقاء نظام ما عموما (رهين بقدرته النخبة السياسية على بلورة ثقافة سياسية وطنية تستوعب القيم الأساسية وتحقق في نفس الوقت التنمية الاقتصادية) وبناء على هذا تصبح صيرورة الاستعاب والتنمية الاقتصادية بالنسبة للنظام مرتبطة (بمدى قدرته على إحتواء الأطر الوطنية وإرضاء حاجياتها المادية وتعطشها للنفوذ) . لكن واتر بوري يؤكد الاستثناء المغربي في علاقة النظام الملكي بالنتخبة السياسية المغربية، موضحا في هذا الصدد (أن الركود الإقتصادي لا يهدد إستقرار الملكية) ولا يكتسي الركود الإقتصادي أي خطورة على النظام الملكي بالمغرب إلا إذا (كانت هناك مجموعة من الطامحين وغير الراضين الذين يستعملون الوضعية الإقتصادية سلاحا سياسيا للإلتحاق بالطبقة الحاكمة وطرد النخب الحالية)، ويضيف واتر بوري أن هذه المجموعة لا يعني أنها تمتلك حلولا لتجاوز الركود الاقتصادي بل قد تسهم في استمراره، وهذا الأمر جعل إستعاب النخبة الجديدة لا يشكل مشكلا، وأراح النخبة الحاكمة من منافسة حقيقية .

لابد قبل التخلص من ورطة الاقتراب من هذا المؤلف، تأكيد ان نظرية واتر بوري مستلهمة من البراكديم الانقسامي، وهكذا فغن المجتمع المغربي يتشكل حسبه من ثلاث فصائل انقسامية أساسية، وذلك طبقا لإنتمائها للقبيلة أو الدين أو المجال الجغرافي .. المدينة او القرية او الحي . وتجدر الاشارة ان واتر بوري يتجاوز مقولة المخزن والسيبا وذلك في نطره لوجود حماة للقبائل داخل القصر يدمجونها في اللعبة السياسية وصراع المصالح حسب الظروف والمعطيات، في نفس الوقت الذي يستخدم فيه الدين لشرعنة السياسيات وتبريرها .

إن الملك حسب واتر بوري بوصفه أميرا للمؤمنين يعمق سياسة (تتفرق لكي لا تحكم)، إنه بذلك يستغل سلطته وصلاحياته ليحول التوتر الملازم للنسق السياسي المغربي آلية (للتحكيم) يجسد فيها دور حكم مباراة كرة القدم، مستغلا أي الملك حسب واتر بوري دائما (أن التصرفات السياسية للنخبة السياسية المغربية تتشابه كليا مع سلوكات القبائل) .

والخلاصة في نطر واتر بوري أن الجمود الملازم للنق السياسي المغربي يتضمن في ذاته التوتر والصراع (على الموارد وعلى السلطة والنفوذ، ويستدمجه في إطار سيرورة إعادة إنتاج متعالية على التاريخ، وهي الخاصية التي تتصف بها القبيلة كتنظيم إجتماعي وكثقافة) .

 

عبد الدائم مصطفى

أضواء على كتاب: يهود العراق والمواطنة المنتزعة للدكتور كاظم حبيب

nabil alrobaeiليهود العراق دور كبير ومتميز في جميع مجالات الحياة العراقية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كونهم فئة اجتماعية غنية من سكان العراق منذ العهود الآشورية والكلدانية/ البابلية، حتى أصبحت حياة اليهود التقليدية لا تختلف عن حياة المسلمين والمسيحيين العراقيين وأتباع بقية الأديان في علاقاتهم اليومية، فتطبعوا بطباع العائلات العراقية، وكانوا يشكلون جزءاً عضوياً من المجتمع العراقي بغض النظر عن الاختلاف في الدين والمذهب الذي كان يمارس في بيوت العبادة. كانت لغة الأم ليهود العراق هي اللغة العربية في المناطق العربية واللغة الكردية في المناطق الكردية، لذلك هم مواطنون عراقيون أصليون من أتباع الديانة الموسوية.

صدر للباحث والكاتب الدكتور كاظم حبيب عن دار المتوسط كتابه الموسوم (يهود العراق والمواطنة المنتزعة)، الكتاب يحتوي على (800) صفحة من القطع الوزيري، وغلاف متميز، وطباعة جيدة خالية من الأخطاء اللغوية والطباعية. يتكون الكتاب من جزأين، الجزء الأول يحتوي على سبعة عشر فصلاً يمثل تاريخ أبناء الديانة اليهودية في العراق منذ السبي الآشوري الأول (721ق.م) وحتى هجرتهم الأخيرة عام 1971م، أما الجزء الثاني فتضمن استطلاع من قبل الدكتور حبيب لرأي يهود العراق وأوضاعهم ممن هاجر من العراق واستقر في البلدان الأوروبية أو استوطن في إسرائيل، يشمل الاستطلاع إجاباتهم ممن أسقطت عنهم الجنسية العراقية، وقراءة مكثفة في أجوبتهم من قبل الدكتور حبيب. كما احتوى الكتاب على مجموعة صور مهمة لم تنشر سابقاً في المصادر ومواقع التواصل الاجتماعي أو المواقع الالكترونية، يعتبر هذا الكتاب الثاني للدكتور حبيب حول تاريخ يهود العراق .والدكتور كاظم حبيب كاتب وباحث وسياسي عراقي معروف صدر له أكثر من 20 كتاباً وكراساً في الفكر والاقتصاد والسياسة والمجتمع للفترة بين (1968-2015م) والكثير من الدراسات والمقالات المتنوعة.

804-habibالجزء الأول من الكتاب تضمن حال يهود العراق منذ بداية سبيهم من قبل الدولة الآشورية عام 721 ق.م وحتى هجرتهم عام 1971م، وقد أشار الدكتور حبيب إلى دورهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الحضارة الآشورية والبابلية، ودورهم في ظل الفتح الإسلامي، ومن ثم استمر وجودهم في العراق خلال حقبة الخلفاء الراشدين والدولة الأموية والدولة العباسية، وفي ظل الهيمنة الفارسية والعثمانية، وفي عهد المماليك فضلاً عن عهد الدولة العراقية الملكية والجمهوريات الخمس المتتالية، إذ ما تزال مجموعة صغيرة جداً منهم متواجدة في كنيس طويق لا يتجاوز عددها أصابع اليد .

ذكر الدكتور حبيب في ص28 إذ قال(خلال جميع هذه العهود تعرض اليهود أحياناً كثيرة للاضطهاد الديني والتمييز السياسي والاجتماعي، كما تعرضوا إلى الاستبداد والاضطهاد والقسوة مع بقية رعايا ومواطني هذه الدول، ومن قبل النظم السياسية التي سادت فيها، وتمتعوا أحياناً أخرى بالحرية الدينية والوضع الاجتماعي الاعتيادي والوضع المالي المتباين من فئة اجتماعية أخرى كبقية أبناء وبنات الشعب العراقي)، لذلك نستنتج أن يهود العراق خلال جميع المراحل السياسية قد تعرضوا إلى الاستبداد والاضطهاد إلا في النصف الأول من عهد الدولة العباسية، إذ كان هناك تسامح ديني إزاء الأديان الأخرى من غير المسلمين أكثر تسامحاً مما كان عليه الموقف مع أتباع المذاهب الدينية في الإسلام، لكن في العهد الأخير من الدولة العباسية مارس الولاة الاضطهاد والقسوة مع أبناء الديانة اليهودية وحتى مع بعض الفرق الإسلامية.

كما أكد الدكتور حبيب في ص31 على دور الوزير في الدولة العباسية علي بن عيسى في اضطهاد أبناء الديانة اليهودية بما يسمى (أهل الذمة)من مختلف الديانات عدى الديانة الإسلامية، إذ قال:" ويؤكد هذا النص الموقف الديني المتزمت للوزير علي بن عيسى إزاء أهل الذمة، إذ أنهُ وصفهم في طبقة تقع بين المسلمين والبهائهم بقوله (ليس بيننا خلاف في أن معالجة أهل الذمة والبهائم صواب)، كان هذا التمييز موجوداً وملموساً لدى الغالبية العظمى من المسؤولين و الكثير من علماء الدين والقضاة والقادة العسكريين في تلك العهود". كما بين الدكتور حبيب في ص53 إحصائيات السكان اليهود والمسلمين والمسيحيين وغيرهم من أبناء الديانات الأخرى خلال القرون المنصرمة في جميع مدن العراق وأشار في ص57 إلى دور يهود كردستان العراق في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والذي بلغ عدد نفوسهم في عام 1950 حوالي (13000) نسمة وهم من من أسقطت عنهم الجنسية العراقية وهاجروا إلى إسرائيل من مجموع (124826) مهاجر يهودي من العراق إلى إسرائيل.

كما تضمن الجزء الأول من الكتاب مدارس اليهود في العراق وتأثيرها على الواقع الثقافي والتعليمي على أبناء الديانة اليهودية والديانات الأخرى، ودور المثقفات والمثقفون العراقيون اليهود في الحياة الثقافية العراقية قبل الهجرة القسرية لهم، وقد ذكر الدكتور حبيب في الفصل الخامس من الكتاب مقارنة بين نموذجان متقدمان من مثقفي وكتاب يهود العراق المهجرين أو النازحين إلى إسرائيل، هم كل من الدكتور ساسون سوميخ وكتابه (بغداد الأمس)، والبروفسور سامي موريه وكتابه (بغداد حبيبتي –يهود العراق- ذكريات وشجون).

أمّا في ص91 من الكتاب فقد ذكر الدكتور حبيب موضوع المعهد التجاري إيجيبي في الحضارة البابلية، وهم عائلة تجارية اهتمت بالمعاملات والعقود التجارية المالية والسفاتج والسندات التي تخص تلك الحقبة، إلا أن الدكتور على معنى اسم إيجيبي اعتماداً على كتاب يوسف رزق الله غنيمة ( نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق)صفحة 73 أنه تصحيف لأسم يعقوب اليهودي وهذا ما أكده للدكتور حبيب البروفسور سامي موريه من خلال رسالة أرسلها الدكتور حبيب للبروفسور موريه، لكن الدكتور صباح عبد الرحمن في كتابه (النشاط الاقتصادي ليهود العراق) ط1. ص10، ذكر "أن إيجيبي تعني عندي أو بحوزتي" ولا أعرف مَنّ المصدر الصحيح الذي يجب أن نعتمد عليه لتعريف وترجمة مصطلح (إيجيبي) .

لكن من خلال إطلاعي على الكتاب وجدت هناك لبس وخلط من قبل الدكتور حبيب، وأرجو أن أكون صائباً في هذا الموضوع، ذكر الدكتور حبيب في ص125 حول دور الأدباء العراقيين في الواقع العراقي إذ قال"من هنا نشأ التشابه الفعلي والتقارب الكبير بين الأفكار التقدمية والديمقراطية التي يطرحها شاعر عراقي مسلم مثل جميل صدقي الزهاوي أو معروف الرصافي أو محمد مهدي الجواهري، وشاعر عراقي يهودي مثل أنور شاؤول أو مراد ميخائيل"، وفي التعريف للشاعر مراد ميخائيل في الهامش ذكر الكاتب حبيب عن تعريف لحياة ودور الشاعر والصحفي مراد العماري، مع العلم أن لكل منهم حياته وليس مراد ميخائيل هو نفسه مراد العماري، أرجو من الدكتور حبيب أن يراجع هذه الصفحة لغرض التصحيح في الطبعات المقبلة.

الكتاب يعتبر من المصادر المهمة في الوقت الحاضر لأنه طرح بعض الموضوعات والمقابلات التي لم يتطرق إليها أي كاتب وباحث في الشأن اليهودي في داخل العراق وخارجه، خلال العقود السابقة وما بعد عام 2003م. من الأمور التي طرحها الدكتور حبيب في الجزء الثاني من الكتاب بعض الأسئلة المهمة على يهود العراق المهاجرين ومن مختلف الطبقات الاجتماعية، كأسئلة استطلاعية لرأيهم عن أحوالهم حين كانوا في العراق وما حدث لهم من تميز معاشي وعملي واجتماعي، وما أصابهم من إساءات من قبل أجهزة الدولة أو من الناس كونهم يعتنقون الديانة اليهودية، ثم تطرق عبر الاستطلاع عن رأيهم في الحركة الصهيونية ومجزرة الفرهود، وتأثير الدعاية النازية حقبة الأربعينات من القرن الماضي (1933-1945)، وهل للدعاية النازية دور في مجزرة الفرهود في بغداد والسلب والنهب في مدينة البصرة؟، وما هي الدوافع الخارجية والداخلية لمجزرة الفرهود وتأثيرها النفسي على أبناء الديانة اليهودية في العراق؟ وهل جميع يهود العراق كانت لهم الرغبة في الهجرة عام 1951م أو قبل صدور قانون إسقاط الجنسية عام 1950م؟، وكيف تعامل العهد الجمهوري الأول مع يهود العراق؟ وهل يشعر يهود العراق بالمرارة لإسقاط الجنسية العراقية والنزوح من العراق؟ أسئلة كثيرة ومهمة تجاوزت (30) سؤال، كانت لها أهمية لمن يطلع على الكتاب ليخرج باستنتاجات وواقع حال اليهود وتمسكهم ببلدهم العراق، كانت إجاباتهم واقعية برفضهم للهجرة القسرية عام 1951م وكذلك الفكر الصهيوني، ومصداقيتهم ووطنيتهم وتحملهم الاضطهاد، وتقديمهم لعشرات الشهداء ومئات الضحايا أبان الحكومات السابقة، ومشاركتهم في التظاهرات الوطنية واليسارية، حتى تم إفراغ العراق من هذا المكون المهم، ثم بدأت الأعمال الإرهابية بعد عام 2003 من تفريغ العراق من المكونات الأخرى من المسيحية والشبك والأيزيدية والصابئة المندائية. مع هذا من خلال هذا العرض الموجز للكتاب المهم، يعتبر الكتاب مهم للطلبة والباحثين في شأن تاريخ يهود العراق.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

ديوان "معبر الأضداد" للشاعر أحمد بلحاج آية وارهام جديد منشورات أفروديت

najat zebayerعندما تلتقي لغة موليير بلغة الضاد الساحرة، نلمس عناقيد الجمال من خلال القصيدة / الديوان "معبر الأضداد" للشاعر الكبير أحمد بلحاج آية وارهام، وقد قام بالترجمة الشاعر والمترجم الذي أغنى الساحة الثقافية المغربية والعربية بإبداعات تستحق كل التقدير، المتميز دوما الأستاذ الطاهر لكنيزي.

   إنه نص "مركب تتقاطع فيه الإيقاعات والألم حسب حالات الجسد ومواقيتها، وتتناسج فيه أساليب السرد والحكي والرحلة والتشكيل مع هواجس الذات ومعاناتها أحابيل الوجود. فهو يخاصم زمنه وذات منتجه ويسعى إلى القبض على ياقوتة المجهول، وإلى مواجهة الموت عن طريق الزج باللغة في معركة البقاء، باعتبارها معادلا رمزيا للذات المهددة بالموت .

ومن هنا كان سياقه مأساويا وملحميا، فاللغة فيه تواجه ذاتها قصد الوصول إلى أغوار ميثيولوجية للموت، يتحول فيها فن الرثاء إلى فن للحياة .

فالنص في تركيبيته ودراميته يلامس ذرا غنائية الذات الصارخة تحت معاول الداء والانجراحات، والسائرة بخطوتين: خطوة في الأرض وخطوة في السماء، والجامع بينهما هو هذه الغنائية المقبلة من لوعة الشعر المختزل لكلمة الحياة".

نشير إلى أن الديوان قد صدر ضمن منشورات أفروديت، عن المطبعة الوطنية بمراكش، تحمل لوحة الغلاف توقيع الفنان التشكيلي Bruno De Nardi.

يقول الشاعر في مقطع تحت عنوان " تَحْتَ نُصْبِ دُوغُول ":

عِنْدَ نُصْبِ دُوغُولٍ

فَرَدْتُ قَمِيصِي

غَفَوْتُ …

تَسَاقَطَ مِنْهُ عَلَيَّ عَبِيرْ:

( كَانَ مَا شِمْتُهُ لَمْ تَشِمْهُ اٌلْحُلُومُ

أَضَاعَتْ سَلاَلِيمَهَا

حِينَ أَفْرَاخُها

أَدْخَلُوا حَرَمَ الْجَامِعَهْ

فَرَسَ الْإِحْتِيَالِ

تَنَادَوْاْ إِلَى رَقْصَةِ الْإِنْسِلاَخِ،

تَرَكْتُ لَهُمْ كُرْسِيَّ النَّارِ يَأْتمِرُونَ بِهِ

فَعَثَرْتُ عَلَى نَهْرِ ذَاتِي الَّذِي أَضْمَرَتْهُ الدَّسَائِسُ

دَوَّنْتُهُ مَوْجَةً مَوْجَةً

فِي لُغَاتِ الْحَيَاةِ

الْحَيَاةُ الَّتِي قَطَّهَا كُرْسِيُّ النَّارِ مِنِّي ،

فَكُنْ أَنْتَ ذَاتَكَ

لاَ تَنْزَعِجْ مِنْ جُحُودِ سِوَاهَا

وَكُنْ شَمْسَ نَفْسِكَ

لاَ شَمْسَ مَنْ يَنْعَمُونَ عَلَى كُرْسِيِّ اٌلنَّارِ

حَتَّى اٌشْتِعَالِ الْمَهَانَةِ فِي صَرْحِ أَيَّامِهِمْ.)

مَطَرُ الصَّوْتِ أَيْقَظَنِي

جَسَدِي لَمْ يُبَلَّلْ

وَلَكِنْ حَنَايَايَ بَلَّلَهَا فَيْضُ ضَوْءٍ جَلِيلْ .

 

Sous la statue de Gaulle

Auprès de la statue de Gaulle

J’ai déployé ma chemise

Je me suis assoupi

Il en est tombé sur moi un arôme :

(Ce que j’ai humé,

les cléments ne l’ont pas senti

Ils ont perdu leurs échelles

lorsque leurs oiseaux

ont rentré à l’enceinte de l’université

la cavale de la supercherie

Ils s’appellent les uns les autres

à la danse de la mue

Je leur ai abandonné la chaire du feu

aux ordres de laquelle ils obéissent

Et j’ai trouvé le fleuve de mon entité

qu’avaient caché les trames

Elles l’ont enregistré vague par vague

dans les langues de la vie

La vie que la chaire du feu a taillée de moi

Sois ton entité

Ne te tourmente pas de l’abjuration d’autrui

Et sois ton propre soleil

Non pas le soleil de ceux qui jouissent

sur la chaire du feu

jusqu’à l’embrasement de l’avilissement

dans l’édifice de leurs jours.)

La pluie du bruit m’a réveillé

Mon corps ne s’est pas trempé

Mais mes côtes étaient mouillées

par l’abondance d’une lumière imposante.

 

عروس الملح لنسرين بن لكحل.. في ثنايا الكتاب

moamar habarحين انتهيت من قراءة كتاب "عروس البحر"، كتبت على الفور عبر صفحتي..

على الساعة 23 و 05، أنتهي من قراءة كتاب "عروس الملح"، للأستاذة الأديبة نسرين بن لكحل. سجل القارئ على هامش كل صفحة تقريبا، ملاحظاته الشخصية الرقيقة منها والقاسية، وكثير من الحكم التي أعجب بها. بداية موفقة تحتاج لكل التشجيع والثناء، يسعى القارئ في الأيام القادمة بإذنه تعالى، أن يفرد لها أسطرا مما استطاع أن يقف على أسراره.

وها هو القارئ يفي بوعده، عبر الحلقة الثانية، وهو يتصفح 103 صفحة من "عروس الملح"، للأستاذة نسرين بن لكحل، الذي طبعته دار الروائع للنشر، سطيف، الجزائر، الطبعة الأولى 2015.

تتحدث الأستاذة نسرين عن نفسها، فتقول: "نسرين بن لكحل من مواليد1986 حاصلة على شهادة ليسانس في علوم الاعلام و الاتصال، شاركت في عدة أمسيات أدبية في دار الثقافة بمدينة تبسة، و لها عدة نصوص و مقالات نُشرت في مجلات و مواقع إلكترونية و جرائد ورقية جزائرية و عربية، بالإضافة إلى نصوص مذيلة باسمها ضمن كتاب وجدانيات المنبثق عن البرنامج الاذاعي حديث الوجدان، و أصدرت كتابها الأول بعنوان عروس الملح و يضم مجموعة نصوص و ومضات قصيرة متنوعة المواضيع.".

تطرقت الكاتبة لمواضيع شتى، يمكن حصرها في الحب بحلاوته وقساوته، وأثر فقدانها للأم، وقتل الجنود الجزائريين ليلة عيد العيد، ومعاناة فلسطين خاصة أيام القصف الصهيوني الذي لم تشر إليه صراحة لكن المتتبع للأحداث يومها يدرك ذلك جيدا، ومعاناتها مع الكتابة ودعوتها للكتابة مهما كانت الظروف، والصدق الذي تدعو إليه، والخيانة التي تحذر منها.

المواضيع التي تطرقت إليها الأستاذة عادية جدا، يتطرق إليها الكتاب يوميا وباستمرار، لكن اللغة العربية المستعملة، واختيار الكلمات ودقة الوصف، وحرارة الصدق، هي التي ميّزت "عروس الملح". فالخلاصة التي يقف عليها القارئ، كيف يمكنك أن تكتب عن موضوع عادي جدا، بلغة صافية قوية.

تتحدث بقساوة صادقة عن المرأة، وهي المرأة العارفة بشؤون النساء قراءة وممارسة ، فتقول في صفحة 23 "محال.. محال لهذا الضلع أن يستقيم.."، ونفس النظرة تنقلها في صفحة 79، حين تؤكد " والويل من حقدهن، لامأمن منه إلا هنّ..".

كتب القارئ على هامش صفحة 103 وهي آخر صفحة من الكتاب.. " تدل آخر صفحة على نظرة الكاتبة للكتابة. وفي الحقيقة النصائح التي تقدمها للقارئ، هي رسم لذاتها وممارستها للكتابة والنظر إليها"، واقرأ إذا شئت في نفس الصفحة، قولها: "نصّك أنت فميّزه بأسلوبك واجعل حرفك هويّتك" و "حين تكتب كن حرا من هواجس القارئ، واكتب بما تؤمن به..".

تتحدث كثيرا عن فقدانها لأمها، فتقول في صفحة 46: "عداها كلّ الأحضان صقيع". وتقول: "طالما هي معي فللقلب ذخر فخر، وحفنة أمنيات". وتخصّص فصلا لأمها بعنوان "مداد سكب لأجلها"، عبر صفحات 51-56. وهي لا تخفي تأثرها بالأم، بل تظهره كلّما استلزم المقام ذلك وتفتخر بتأثرها، وعبر عدّة صفحات من الكتاب. وكمثال على ذلك تقول في صفحة 78 " علّمتني جدّتي أن الذي لايربيه قلبه فلن تنفعه الوصايا ".

وحين وصل القارئ صفحة 27، كتب عبر صفحته: أنا الان في صفحة 27 من قراءتي لكتاب "عروس الملح"، للأستاذة الأديبة نسرين بن لكحل.. عبارات قوية مباشرة. بلاغة لسان. واختيار كلمات بدقة. وحزن شديد حتّى وهي تعبّر عن أرق أحاسيسها مع الطيف الذي يراودها، والأحلام التي تتمناها، وتخشى عدم تحقيقها.

وأجاب أحد المعجبين بأسلوب الأستاذة ويتمنى التعرف إليها أكثر، فقال له.. ماكتبته عبر كتابها "عروس الملح"، أقوى بكثير مما تكتبه عبر صفحتها. وفي نفس السياق، كتب القارئ على هامش صفحة 98 من الكتاب.. " أتابع الأستاذة عبر الصفحة، لكني أعترف أني وقفت على مستواها العالي لأول مرة وأنا أقرأ لها "عروس الملح" ".

لم يوفقها الحظ في استعمال مصطلح "لئيم" و "خسيس" عبر صفحة 61، وتمنى القارئ لو استعملت غيرهما وهي الأديبة الفصيحة، التي تحسن إختيار ألفاظها. وعذرها في ذلك يعود لكونها من مواليد 1986، وأنه أول كتاب ينشر، وكانت تكتب بانفعال شديد، ظهر جليا عبر صفحات الكتاب، خاصة وأن الكتاب ألفته في نفس تاريخ النشر جويلية 2015.

كتب القارئ على هامش صفحة 78.. "هذه الحكم تذكرنا ببداية المشوار، وهو ماشدني إلى الكتاب". والكتاب ضم جملة من الحكم المتناثرة عبر صفحاته، وزادها جمالا اللباس العربي الأصيل الذي ألبسته الأستاذة أحرفها، باختيارها للكلمة المناسبة واللغة السليمة، فكانت الحكم المتناثرة التالية..

17: الكتابة جرح نازف، ملح نذره على الذاكرة، فضاء فسيح وصرح لا تصله هامة الفزع.

19: للجبن أياد حين تخاف تمتد إلى بعضها فتخنقها حذر الموت.

20 الصدق في زمن الرياء بطولة

20 سنقول لفلسطين كل حديث عن سواك باطل

31 الحرف يصلح أن يكون شاهدا على الحياة بعد الموت

33 الحب حمائم لم تخلق للقنص

39 الحلم لايراود كل عين أغمضت الجفن

40 لاأخاف من الموت لأني أعيشه يوميا

45 إنّني مامتّ أبدا، بل أنا على قيد الحياة كذ كتبت عنّي.

49 حين نعجّل بالهمّ نكتشف أنّنا غادرنا الحياة قبل الأوان

60 جبروت المرء لا محالة، وسذاجته تسرّع في هلاكه

62 أتركه لحقده، إنّه يعجّل هلاكه

62 تقول الوردة للشوكة: لم يمنعهم وجودك من قطفي، وتقول الشّوكة للوردة: وجدت لأحمي نفسي

64 تحترق الجمرة لتدفئك، لكنها لا تمنحك قلبا دافئا

66 من وصايا اللّيل: لاتذنب نهارا

67 ينتعش العقل بالتفكير، ويتجمّد بالتفكير

71 لا يخاف الأعمى من العتمة، لأنه لا يعرف سواها

72 النبض أصدق

73 الحذاء الجيد لايمنعك من التعثر

73 لاتسأل عن طول المسافة، بل أحسن اختيار الرفيق

76 جرّب أن تسخر من همومك وامض

76 فقط كن أنت

80 تحرّر من هواجسك وانطلق

80 من يشارك الآخرين حياتهم يستحق ألف حياة

81 لايكفي أن تصنع طعاما طيّبا وتضعه في إناء متّسخ

82 لولا الكتابة لفقدنا بعد صوتنا القدرة على الحياة

85 الحب لايبني إنّه يهدم أيضا

96 بعض الحروف شفا

99 كن صادقا معي لأراك بوضوح

100 بعض العثرات لاتدمي القدمين لكنّها تربك الطّريق المستقيم

101 كل نبضة تضاف إلى رصيدك في الحياة هي مكسب وغنيمة

 

البيئة الجزئية في كتاب "الولائم في دولة المماليك" للبروفسور فاضل جابر ضاحي

saleh altaeiالمماليك لغة هم: هم أطفال سُبُوا ولم يُسْبَ آباؤهم ولا أمهاتهم. وهناك مرحلتان مهمتان أسهمتا في تكوين المماليك في المجتمع العربي، كانت الأولى قد بانت ملامحها بعد الخلاف الذي نشب بين الأمين والمأمون حيث اتخذ لفظ المماليك مدلوله الاصطلاحي الخاص تحديدا إبان حقبتي حكم المأمون (198ـ 218) هجرية، وأخيه المعتصم (218ـ 227) هجرية. فخلال هذه السنوات وبعد الاضطرابات التي حصلت وما تلاها من اصطفافات عرقية وعشائرية تهددت الدولة العباسية بالسقوط، وبعد فقدان الثقة بين الأطراف بسبب المؤامرات، والشد الذي سببه التقاتل على كرسي الحكم، جلب الخليفتان أعداداً ضخمة من الرقيق عن طريق الشراء، وبتمويل من بيت مال المسلمين، وكونوا منهم فرقا عسكرية اعتمدوا عليها في تدعيم نفوذهم. وفي هذه المرحلة كان المماليك قوة مسيطر عليها نوعا ما، هذا بالرغم من كونهم تحولوا في عصر المعتصم إلى قوة جبارة مما اضطره إلى إبعادهم عن بغداد وإسكانهم في سامراء، ثم بعده خضعت هيبة الدولة العباسية وخلفائها إلى سطوتهم، فأصبحوا القادة الفعليين، وكان الحكام والأمراء لهم تبعٌ.

أما المرحلة الثانية فبدأت مع بداية تأسيس الأيوبيين لدولتهم يوم قاموا باستقدام أطفال من بلدان غير إسلامية، تعود أصولهم غالبا إلى الأقوام التركية في آسيا الوسطى، وقاموا بتربيتهم وفق قواعد صارمة في ثكنات عسكرية معزولة عن العالم الخارجي، لضمان ولائهم التام لهم وحدهم، واعتمدوا عليهم في تدعيم قوتهم، واستخدموهم في حروبهم، وكانت لكل ملك مجموعة منهم تسمى باسمه وينتسبون إليه؛ فالمماليك الذين اشتراهم الملك الصالح يعرفون بالصالحية، والذين اشتراهم الملك الكامل يعرفون بالكاملية، وغيرهم يعرفون بالبحرية، وهكذا.

فضلا عن مصدر هؤلاء الأطفال كانت هناك مصادر أخرى للحصول على المماليك، منها بالأسر في الحروب، أو الشراء من أسواق النخاسة. ومع أن الغالبية العظمى من هؤلاء كانوا من أصول تركية إلا أن هناك بينهم من كانوا من أصول أرمينية، أو مغولية، أو أوربية شرقية، وعرف هؤلاء بالصقالبة. وإلى جانب المماليك كان هناك الخوارزميون الذين استعان بهم الملك الصالح نجم الدين أيوب في حروبه ضد الصليبيين، ثم انشقوا عنه.

كانت أعداد المماليك حتى هذه اللحظة لا تشكل خطرا حقيقيا، لكن بعد خروج الخوارزميين وانفصالهم عن الملك وتركهم الجيش، شعر الملك الصالح بالخطر المحدق به، فقام بالإكثار من شراء المماليك لتقوية جيشه، فازدادت أعدادهم بشكل كبير ولاسيما في مصر، وأصبحوا قوة عسكرية كبيرة وخطيرة، ومنهم نشأت سلالة من الجند الذين حكموا مصر والشام والعراق وأجزاء من الجزيرة العربية لأكثر من قرنين ونصف القرن (1250 إلى 1517)، هي الحقبة التي تناولها الدكتور فاضل جابر ضاحي في بحثه عن الولائم في زمن المماليك.

كانت بداية سيطرة المماليك على الحكم عن طريق مؤامرة خططت لها شجرة الدر زوجة الملك الصالح بعد أن مات زوجها، واستولى على العرش ولده من زوجة ثانية (توران شاه) الذي انشغل باللهو بعد النشوة التي حققها انتصاره على الصليبيين، فأساء معاملة قادة الجيش من المماليك، وأساء إلى زوجة أبيه؛ التي شعرت بالتهميش، فتآمرت مع قادة المماليك (فارس الدين أقطاي) و(ركن الدين بيبرس) و(قلاوون الصالحي) و(أيبك التركماني) على قتل (توران شاه)، فقتلوه سنة 648هجرية، بعد سبعين يوما فقط من اعتلائه عرش مصر، وبمقتله انتهى حكم الأيوبيين، واستولى المماليك على مقاليد الحكم.

مثل غيرهم ممن كتب لهم أن يحكموا عالمنا الإسلامي باسم الدين، تمتع المماليك خلال حقبة حكمهم بشرعية دينية لأسباب منها:

الأول: سيطرتهم على أراضي الحجاز والحرمين.

الثاني: استضافتهم للخلفاء العباسيين في القاهرة منذ سنة 1260م.

الثالث: تصديهم للغزوات الصليبية وانتصارهم على الصليبيين.

وبسبب هذه الخاصية فضلا عن طباعهم الخشنة، تركوا أثرا كبيرا في تاريخنا الإسلامي بعد أن حكموا باسم الإسلام، وكانت الحقبة التي سيطروا فيها على مقاليد الأمور من أكثر الحقب اضطرابا، ربما بسبب طبيعتهم الخشنة القاسية التي اكتسبوها من طريقة تربيتهم ونشأتهم، فضلا عن كونهم لا يحملون إرثا مجتمعيا بسبب انقطاعهم عن أصولهم، مع شعور مفعم بالدونية نتيجة المعاملة الخشنة التي عومل بها بعضهم، علما أن البعض الآخر منهم حظي بمعاملة لا تقل عن معاملة الأمراء والنبلاء.

وبسبب هذه الطبيعة المتطرفة قام المماليك بارتكاب جرائم تصنف من فعل الدواعش المعاصرين، وقد أورد المؤرخ القاضي ابن الصيرفي كتابه "إنباء الهصر بأبناء العصر" الشيء الكثير عن جرائم المماليك لدرجة أنه وصف الحكام وقضاة الشرع منهم بأنهم الأكثر إجراماً، وأن جرائمهم كانت تتحصن بالدين، قام بها أعوانهم وخدمهم والمقربون منهم وبعض أمرائهم.

الغريب أن الحديث عن تطرفهم بدا مثل جميع أمورنا الأخرى التي اختلفنا بشأنها، فانقسم المتحدثون بين ذام ومادح، لكن الغريب أن المادحين أنفسهم، ولاسيما الذين كانت دوافع مدحهم طائفية ممن تحدثوا عن الأيادي البيضاء للمماليك متمثلة بتصديهم للغزو الصليبي والمغولي، وبتركهم آثاراً عمرانية وعلمية، بالرغم من ذلك كان تحصيل حاصل لأن دفاع المماليك كان عن أنفسهم ووجودهم ودولتهم، أما الآثار التي أقاموها فكانت لخدمتهم ورفاهيتهم، لم ينجحوا في كتمان أخبار الجرائم التي ارتكبت، ولكنهم كعادتهم نسبوا ذلك إلى الطبيعة العسكرية التي صبغت دولة المماليك، والطريقة القاسية التي نشأوا عليها، ولاسيما وأن المؤرخين أفاضوا في الحديث عن جرائم المماليك، ومنهم المؤرخ المصري الذي كان منهم، وعاصر سقوط دولتهم على يد العثمانيين "ابن إياس" في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور".

لقد ابتدع المماليك أساليب تعذيب غريبة فيها الكثير من التوحش والقسوة مثل طريقة العصر: التي كان يتم خلالها عصر أعضاء الإنسان بالحبال وغيرها من أجل إجباره على الاعتراف. والتعرية: وكانت تستخدم لإذلال الضحية عبر تعريته، وخلع عمامته. والتجريس والتشهير: وفيها يركبون الضحية على حمار، ويجولون به في الشوارع، وينادون عليه بما فعل ليكون عبرة لغيره. والتعليق: حيث يعلق الضحية منكوساً. والضرب: وكان المماليك يتفننون بها. والتسمير: كان الضحية يسمر فيها على جمل بالمسامير، ويطاف به في الشوارع. والخنق: وكانوا يخنقون الضحية ويدعون أنه مات حتف أنفه. والصفع بالقباقيب: وقد تم قتل شجرة الدر بهذه الطريقة حتى ماتت، ثم سحبوها من رجلها، ورموها من فوق السور إلى خندق، وهي عريانة، فأقامت وهي مرمية في الخندق ثلاثة أيام. والتعليق بالكلاليب، والتوسيط: وكان يتم خلالها شطر الضحية بالسيف إلى جزأين بالعرض من منتصف الجسم.

والذبح: وهي الطريقة التي تمارسها داعش اليوم. والتغريق: وهي غمر الضحية بالماء إلى أن يموت

وهناك ثلاثة أساليب للتعذيب تبدو في منتهى السفالة والخسة وهي على التوالي: السلخ: وفيها يتم سلخ جلد الضحية وهو حي من الرأس حتى القدم. والرمي بالنشاب: حيث يبنون على الضحية حائطا أو يعلقوه بشجرة ويرمون عليه بالنشاب إلى أن يموت. والخازوق: حيث كانوا يُجلِسون ضحاياهم على رمح طويل يدخلوه في مؤخرة الإنسان إلى داخل جسمه، ويبقى الضحية معلقاً بواسطته حتى يلفظ آخر أنفاسه.

وهنا لابد وأن تكون لهذه الحقبة التاريخية أسرارها الخفية التي تبحث عمن يزيل غبار التاريخ عنها لتذكرنا بتلك الأيام السوداء التي مرت على أمتنا، ولابد من الحديث عن أصغر جزئيات هذه الحقبة لتبدو الصورة واضحة بلا رتوش. وربما لهذا السبب سعى الباحث البروفسور فاضل جابر ضاحي المتخصص بحقبة عصر المماليك من خلال بحوثه الكثيرة عن هذه الحقبة إلى دراسة جزئيات مهمة من عصرهم بل تفرد بالاهتمام بالبيئة الجزئية وأراد من خلالها أن يُسَوِّق لنفسه ولفكره،

أملا في أن يغير، أو يطور، ولو شرائح محددة من المجتمع عن طريق الإيحاء الذي توفره كتاباته التخصصية، وإن كان هذا السعي يحتاج إلى جهد كبير؛ فإن الدكتور نجح ليس فقط في التعامل مع البيئة الجزئية بعد ما أحس أنه يحتاج أن يهتم بالبيئة الكلية، وأقصد بها البيئة المباشرة للمجتمع من خلال الاستجابة لمطالبه والتكيف معه، أملا في التأثير فيه عن طريق تلك الجزئيات التي تناولها بالدراسة، وأنا هنا أتحدث عن البيئة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والتربوية، والتقنية، والنفسية، والقانونية، والطبيعية، وبمعنى أدق هي محاولة لترسيخ مفاهيم بنائية تقف بالضد من المفاهيم التوحشية التي بدأت تنتشر في مجتمعاتنا مرة باسم الدين وأخرى باسم المذهب وثالثة باسم القومية ورابعة باسم العقيدة.

في هذا المسعى، وبغية توظيف الجزئيات للوصول إلى الكلية، كانت للباحث وقفات مع أدق جزئيات المجتمع المملوكي المضطرب بدأً من الحديث عن "الزواج السياسي في عصر المماليك"؛ الذي خصه ببحث رائع، ثم "الرأي العام في عصر الممالك"؛ الذي خصه هو الآخر ببحث قيم، وبعدها تناول "شجرة الدر ونشاطها السياسي" ببحث آخر فيه إشارات إلى أسلوب المؤامرة الذي قامت عليه دولتهم لدرجة تآمر زوجة الملك المتوفى على أبن زوجها بالتعاون مع قادة الجيش والقيام بقتله، ليتناول في بحث آخر "الفساد الإداري ومحاولات الإصلاح في عصر المماليك"؛ الذي خصه ببحث، وآخرها الولائم في دولة المماليك؛ وهو الكتاب الذي نحاول معرفة أسلوب اشتغالات الباحث فيه.

يستوقفنا بداية في البحث الأخير تغير نمط العنوان الذي اختاره الباحث فهو بعد أن كان في كتاباته السابقة يركز على (عصر المماليك) بشكل عام نجده في هذا البحث يتحدث عن (الدولة) وليس العصر، بكل ما تمثله من خصوصية وتفرد وتميز في أنماط التفاعل والقيادة والسلوك، لكن بالرغم من هذا التبدل يتبين لك من المقدمة التي كتبها الباحث أنه لا زال يسعى خلف جزئيات عصر المماليك ليشبعها بحثا، فهو يقول: "لم تزل الكثير من المواضيع الخاصة بالعصر المملوكي لم تحظ بالمزيد من الدراسات والبحوث"(1)

 

تناول الباحث حقبة المماليك بالحديث عن ملامح الحياة السياسية والاجتماعية ليدخل من خلال هذه المقدمة التي شغلت الفصل الأول من الكتاب إلى التحدث عن مادة الكتاب (الولائم) وخص الفصل الثاني للحديث عن السماط بأنواعه ولاسيما بعد أن شاع مصطلح السماط كثيرا في العصر المملوكي(2) وتنوعت وتعددت أنواعه مثل سماط كسب الولاء؛ الذي كان أحد الوسائل المهمة في كسب الولاء وتهدئة النفوس وتذليل الصعاب التي تواجه السلاطين الجدد(3) وسماط المصالحة والموادعة، وسماط الزائرين، وسماط تولي السلطة، وسماط الاعتقال وتصفية الحسابات السياسية. أما الفصل الثالث فخصص للحديث عن الولائم الاجتماعية مثل وليمة المولد النبوي وولائم الأعراس والمواليد والنزهة وغيرها.

ويبدو من خلال البحث أن الولائم كانت نوعا آخر من أنواع الأسلحة التي استخدمها المماليك لتدعيم وتقوية سلطانهم، فهي إن لم تنجح في ترطيب الأجواء مع من يخالفونهم الرأي أو يختلفون معهم، كانت تحول إلى أداة للقتل بواسطة السم لتصفية الأعداء والمنافسين، أو طريقة للإيقاع بالخصوم واعتقالهم ومن ثم سجنهم أو قتلهم(4) وقد نجح المماليك في تحويل السماط من دلالة من دلالات الكرم إلى وسيلة ناجعة في تحقيق مآرب الساسة المتآمرين الذين يرومون القضاء على أعدائهم(5) بمعنى أنهم حولوا السماط على وسيلة من وسائل الغدر.              

وربما هي سخرية القدر التي رسمت صورة الإبادة الجماعية التي قام بها حاكم مصر محمد علي في قلعة صلاح الدين ضد المماليك عام 1809 بنفس أسلوب الغدر الذي كانوا يتبعونه ضد أعدائهم.

صدر كتاب "الولائم في دولة المماليك" عن دار تموز للطباعة والنشر السورية بمائة وثمانية وعشرين صفحة قطع نصف أي فور، وقامت أمينة صلاح الدين بتصميم صورة الغلاف.

الكتاب إضافة جديدة للدراسات التاريخية التي تناولت عصر حكم المماليك، وقد أجاد الدكتور فاضل جابر ضاحي في اختزال مادة الكتاب وتكثيفها ليصبح الكتاب في متناول الجميع دون أن يؤثر ذلك على مادة البحث.

 

صالح الطائي

.........................

الهوامش

(1)     فاضل جابر ضاحي، الولائم في عصر المماليك، ص9

(2)     المصدر نفسه، ص45

(3)     المصدر نفسه، ص47

(4)     المصدر نفسه، ص57

(5)     المصدر نفسه، ص64

"أن تكوني امرأة" كتاب جديد للأديبة سناء أبوشرار

803-hayshaصدر عن مؤسسة دار الأهرام للطباعة والتوزيع كتاب (أن تكوني امرأة) للكاتبة سناء أبو شرار.

ويقع الكتاب على مائتي صفحة من الحجم المتوسط . يتناول الكتاب مقالات حول المرأة والسياسة،والدين، والقانون، والحب، والاستهلاك، والحياة المعاصرة ومواضيع أخرى تخص المرأة.

 

مقتطفات من الكتاب:

(دخول المرأة للسياسة يشبه لحد كبير دخولها للحياة الزوجية، فلابد أن تحافظ على نزاهتها، استقامتها، وولاءها، وتفانيها، وتضحيتها، وعدم خيانتها، وأن تصبر على كل ما يقدمه هذا الزوج النهم أو ما لا يقدمه، وبذل كل جهد عقلي وجسدي في عالم يمتلكه الرجل. أما الرجل فدخوله للسياسة ليس كالزواج، بل هو يدخل صالون مفتوح له منذ قرون يمارس به هواياته وأفكاره ومبارزاته، أي أنه يستمتع بممارسة السياسة بينما المرأة تكدح بها.)

803-haysha(لن ينظر الرجل للمرأة بأنها متساوية معه في السياسة، فهناك دائماً ذلك الجانب الأنثوي الذي يُلح عليه، إلا إذا تجاهلت المرأة تلك الأنوثة التي لا مكان لها في السياسة، وإن استخدمتها سوف تمنحها امتيازات سطحية ولكنها تكون قد وقعت عقد النهاية مع الحياة السياسية. المشكلة أن تجاهل المرأة لأنوثتها أو تعاملها معها ليس سهلاً لأن ذلك التجاهل يستلزم وعي الرجال وتجردهم ولكن وقبل كل شيء أن تستطيع وبكل ثانية أن تنفصل عن أحكامها النسائية تجاه الأمور. وعليها ومنذ البداية أن تحدد في أي معسكر هي، هل هي بمعسكر الدفاع المحموم عن المرأة أم بمعسكر الدفاع عن حقوق الضعفاء في المجتمع حتى ولو كانوا رجالاً. لابد ان تحدد موقفها لأنها لن تتمكن من مجاراة كل التيارات، ففي السياسية المرأة مُطالبة بمواقف محددة واضحة أكثر من الرجل الذي قد يتذبذب وقد يغير الحزب الذي ينتمي إليه بل قد يغير كل مفاهيمه السياسية لأن هذه التغييرات الجذرية مسموح بها في عالم الرجل، ومُتفق عليها، ولكنها غير مسموح بها بالنسبة للمرأة وغير مُتفق عليها، فحين تم انتخابها كان لابد أن تُعلن مجموعة قيم ومفاهيم تحدد مسارها وهويتها السياسية، فإن تلونت هذه المفاهيم وتغيرت، سوف تكون دائماً تحت العدسة المُكبرة لكل الأخطاء ولكل التناقضات، وستقل فرصها في الجولات التالية، لأنها في عالم السياسة قد وقعت على عقد التزام حتمي بما تفكر به وبما تشاركه من أفكار مع من حولها ومع المجتمع أيضاً).

 

كتب: محمود سلامة الهايشة:

 

الدين والظمأ الأنطولوجي للمقدس

801-jabarيثير المفكر الاسلامي عبدالجبار الرفاعي في كتابه الجديد (الدين والظمأ الأنطولوجي) أكثر من قضية اشكالية في التفكير الديني اليوم، أهملها الكثير من كتّاب الأدبيات الاسلامية، إذ نجد المفاهيم والشعارات في هذه الأدبيات تتبادل الكلمات والعبارات ذاتها. وهي كلها كتابات مسكونة بالدعوة لتغيير العالم، في ضوء تفكير مبسط، يختزل المفاهيم المركبة بفهم وعظي مسطح، لا يمتلك أدوات ومهارات الحفر في طبقات المجتمع، ولا يستند الى كشوفات العلوم والمعارف البشرية الحديثة، ومعطياتها البالغة الأهمية في التعرف على طبقات النفس البشرية، ونسيج العلاقات الاجتماعية، وفاعليات التغيير، وعوامله المرئية وغير المرئية.

لكن كتابات الرفاعي خلافا لغيرها من كتابات زملائه، مسكونة يتفسير العالم وليس تغييره، انها تحاول تحليل طبيعة النفس البشرية، والتعرف على مدياتها وأغوارها، ودراسة الدين وتجلياته المختلفة في المجتمعات، والتعرف على أنماط التدين، عبر دراسته في ضوء الوقائع المجتمعية المتنوعة، والكشف عن العوامل المتعددة المنتجة له، وكيفية ولادة تلك الأنماط وتعبيراتها وتحولاتها وتطوراتها، كل ذلك يقوم به الرفاعي في سياق المعطيات الحديثة والراهنة للعلوم الانسانية، بدراية وفهم جيد.

يتحدث الرفاعي عن الدين، ويدافع عن أصالته ومكانته المحورية في حياة الكائن البشري، لكنه لا يكرر ما يقوله غيره من زملائه الاسلاميين. فلا نعثر في كتابه هذا على توصيات وأحكام قيمة، وصيغ جاهزة، وشعارات مبتذلة، بل حتى عنوان كتابه (الظمأ الأنطولوجي) هو عنوان مبتكر، لم أعثر عليه في الكتابات العربية، مضافا الى أن عناوين فصول الكتاب غير متداولة في الأدبيات الاسلامية، إذ يعالج الدكتور الرفاعي ما أسماه (نسيان الذات)، وهذا الضرب من النسيان من المنسيات في كل كتابات زملائه الاسلاميين، وكأنه هنا يستأنف البناء على القاعدة (اعرف نفسك بنفسك) التي صاغها الفيلسوف سقراط "469 – 399ق.م". كذلك يعالج الرفاعي في فصل آخر (نسيان الإنسان)، وفحوى معالجاته هذه تشير بما هو مهمل في التفكير الديني اليوم.

يشي مدخل الكتاب بمضمونه الذي تدور حوله موضوعاته، وهو: (الدين والظمأ الأنطولوجي للمقدس)، يضعنا الرفاعي في صورة ما يرمي اليه في فصول هذا الكتاب، فيشدد على أن هدف الكتاب يتلخص في اكتشاف مهمة الدين ومجاله في حياة الكائن البشري، وكيف تم التلاعب بذلك في هذا العصر، عندما عملت الجماعات الاسلامية على ترحيل الدين واخراجه من حقله الخاص الى فضاء آخر، تحوّل معه الدين الى وقود يحترق في صراعات الهيمنة والاستحواذ على المال والقوة والسلطة.

801-jabarيرى الرفاعي الى مهمة الدين المركزية بوصفها تتمثل في إرواء ظمأ الكائن البشري للمقدس، فحيثما كان انسان لا ينفك عن هذا الظمأ، وحيثما كان الظمأ للمقدس لابد أن يحضر الدين. كذلك يرى الرفاعي أن الدين يقدّم تفسيراً وتبريراً لتأبيد الحياة، واستمرار وجود هذا الكائن على الدوام. إذ يشرح الدينُ الموتَ بالشكل الذي يغدو فيه مجرد تحول من طور وجودي إلى طور وجودي آخر، أو تبدّل من نمط وجود إلى نمط آخر، أو من نشأة إلى نشأة أخرى.. ويضيف: صحيح أن الطور الثاني يكتنفه إبهام وغموض، غير أن الدين يقدّمه كمعطى نهائي ناجز لا نقاش فيه، ويصوّره بنحو يتبدى فيه مقنعاً لمعتنقيه، بوصفه شكلاً من التطور والصعود والتجرد والتسامي في رحلة تكامل الكائن البشري.

ولا تقتصر مهمة الدين على ذلك، بل أنه حسبما يعتقد الرفاعي، يمنح الانسان معنى لما لا معنى له، ذلك أن: الإنسان يبحث عمّا يتجاوز الوقوف عند سطوح الأشياء، والاكتفاء بظواهرها، ومفهوم أعراضها الحسية، فهو يفتش على الدوام عمّا هو أبعد مدى من المعنى البسيط. إنه في توق لاكتشاف "معنى المعنى". في رحلته مع الدين وبالدين يمكنه بلوغ "معنى المعنى"، ذلك أن الدين يمتلك جهازاً تفسيرياً يسمح بتعدد التأويلات وتوالدها، فكما أن الوجود لا متناهٍ، فإن الكائن البشري بطبيعته لا يكفّ عن ملاحقة التفسيرات والتأويلات اللامتناهية أيضاً،كي يعزز ذلك شعورَه بأنه ليس متناهياً.

أثار الفصل الأول موضوعا مهملا في أدبيات الاسلاميين، تناول فيه المؤلف (نسيان الذات)، بالشرح والتحليل، فأضح أن الإنسان يولد بمفرده، ويحيا بمفرده، ويموت بمفرده، ويتألّم بمفرده، ويشعر بالخطيئة بمفرده، ويستفيق ضميره بمفرده، ويؤمن بمفرده، ويلحد بمفرده. ويجتاحه بمفرده أيضًا: القلق، اليأس، والاغتراب، والضجر، والسأم، والألم، والحزن، والغثيان، وفقدان المعنى، وذبول الروح، وانطفاء القلب، والسوداوية، والعدمية، والجنون... إلخ.   وكشف عن أن عودة المرء لذاته تبدأ بالخلاص من عبودياته، واسترداد حرياته، ونبه إلى أن (أخطر أنماط العبوديةِ عبودية العقلِ، إنها هي الّتي تُفضي إلى عبوديةِ الروحِ والعواطفِ والضميرِ. الجبانُ عقلُه مشلولٌ، لا طاقةَ لديهِ للتفكيرِ، ذلك أنّ التفكيرَ شجاعةٌ، وأحياناً تكون ضريبتُه موجعةً، وفي بلادنا من يفكّر بحريةٍ لابدَ أن يكونَ مُستعداً للتضحيةِ بمقامهِ ومالهِ وانتمائهِ لجماعتهِ، بل ربما حياتهِ).

الفصل الثاني جاء بعنوان: (نسيان الإنسان)، والذي يغطي 70 صفحة من الكتاب، وهو كما وصفه المؤلف (محاولة أولية لكتابة سيرة ذاتية). ويشير الرفاعي في أول فقرة من هذه السيرة إلى (صعوبة الاعتراف)، بل يعترف بتعذر الحياد والموضوعية في (كتابة الذات عن الذات، ورواية الذات لسيرة الذات)، إذ يصرح بأنه: أمضى قرابة أربعة عقود من حياته في الحوزة العلمية، وانخرط في عمر مبكر في الجماعات الإسلامية، مضافا الى ولادته ونشأته في قرية جنوبية لا تنتمي الى العالم الحديث، وكل هذه المحطات يسودها التكتم وقلة البوح والاعتراف. ومن الجميل أن يعلن الرفاعي بصراحة: (لا أزعم أني أمتلك ما يكفي من روح المجازفة والمغامرة والشجاعة، لتدوين ما يخدش الحياء، أو ينتهك التابوات المتجذرة في عالمنا، خاصة وأني مازلت منتمياً للحوزة، ومتساكناً مع الإسلاميين بألوانهم واتجاهاتهم كافة، وحريصاً على حماية ذاكرتي المشتركة معهم، وعدم التضحية بعلاقاتي التاريخية، بل أعمل على تعزيزها، وعجزي عن الانفصال والخروج والانشقاق على المحيط الاجتماعي، ذلك أن من يعترف بخطئه في مجتمعاتنا يغامر بفقدان هويته، ويكون الطرد والنفي واللعن مصير كل من ينتقد قبيلته وطائفته وحزبه). لكنه مع كل ذلك لا يبخل باعترافات مثيرة في محطات حياته، تحكي الوقائع والظروف والأوجاع والبؤس والحرمان الذي كابده في طفولته، وانخراطه في بداية شبابه في حزب الدعوة، ودراسته وتدريسه في الحوزة التي بدأت سنة 1978 واستمرت الى اليوم. وهو لا يمر على تلك المواقف مرورا عابرا، وانما يحاول أن يقدم لنا في سياق كل موقف تفسيرات متنوعة، ورؤى فلسفية، وتأمل نقدي عميق، حتى أضحت وقائع حياته هامشا محدودا حيال ما صاغه من مفاهيم وآراء ونتائج لتحليل وتفسير تلك الوقائع والحوادث، التي تبدو لنا عادية بالنظرة الأولية. يختم الرفاعي سيرته بقوله: ( تعلّمتُ أن الحياةَ عبورٌ متواصلٌ... لا أتهيب المغامرة مهما كانت شاقة، ولو افتقدتُ أية وسيلة أستعين بأظفاري للحفر بين الصخور، والعض بأسناني لتفتيتها،كما هي عادتي، منذ مغادرتي بيت أهلي بعمر اثني عشر عاماً، واستقلالي في إدارة شؤون حياتي، وتجرّع مرارت أيامي).

نتمنى على الرفاعي كتابة هذه السيرة بشكل موسع، وطباعتها في كتاب مستقل، بعد تحريرها وتغذيتها بمحطات حياته، وتطور تجربته الروحية الاخلاقية الفكرية. انها سيرة ملونة لشخص ريفي، انخرط مبكرا في الجماعات الاسلامية ثم غادرها 1985، كما درس في الحوزة 1978 التي مازال يواصل انشغالاته التدريسية والفكرية في فضائها، وهي سيرة لا تغرق باليومي والعابر، إلاّ بقدر توظيفه لتشكيل رؤية للعالم، وبناء فهم للحياة، ورسم صورة تلتقي فيها ألوان متنوعة، تبدو كأنها لوحة ناطقة. يحتاج الشباب الاسلاميون لهذه السيرة قبل غيرهم، وأخال انها مرآة ترتسم فيه أحلامهم وأقدارهم، وربما مصائرهم، ذلك أن أحلامهم وأقدارهم هي أحلام وأقدار الرفاعي أمس، وان دروبه دروبهم، وان مآل الرفاعي اليوم يتطابق معهم في: ايمانه، واخلاصه لدينه، وتدينه، وأخلاقه.. وإن كان اشتق لنفسه دربا لا يتطابق مع كتّاب أدبياتهم، وسلوك الكثير من رجالهم.

تحدث الرفاعي في الفصل الثالث من كتابه عن: (المثقّف الرسوليّ علي شريعتي)، وهو يعني بمصطلح (المثقّف الرسوليّ) هنا (المثقّف النبويّ)، أي ذلك المثقف الذي يرى نفسه بمثابة النبي المرسل إلى أمته لهدايتهم. وأردف الرفاعي عنوان الفصل بتوضيح ينص على أن ما قام به شريعتي هو (ترحيل الدين من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا)، فشرح كيف عمل شريعتي على (أدلجة الدين والتراث). اتسمت هذه الكتابة عن فكر شريعتي بالتحليل النقدي، وتشريح مرجعيات فكر شريعتي، واحالته الى الروافد التي تغذى منها، ومحاكمة آرائه، بالاعتماد على نصوصه الفارسية. وبوسعنا القول ان هذا الفصل مرافعة نقدية جادة لأدبيات الجماعات الاسلامية، عبر اختيار مؤلفات شريعتي كنموذج، بوصف هذه الآثار ظلت ملهمة لأكثر من جيل من الشباب، وما زالت حتى اليوم واسعة الانتشار في البلاد العربية، بعد ترجمة معظمها مؤخرا. ولا تبوح بمحتواها الأيديولوجي إلاّ للخبير الذي يقوم بحفريات دقيقة لآرائه. وهي أول مراجعة شاملة تغربل أفكار علي شريعتي بالعربية.

تناول الرفاعي في الفصل الرابع: (التجربة الدينية والظمأ الأنطولوجي للمقدس)، فأوضح أن التجارب الدينية بمختلف مستوياتها وأنماطها هي منهلُ إرتواءِ الظمأ للمقدس. ومع أنها تختلف باختلاف البشر، وتمثلهم للالهي في البشري، لكن كلَّ شخصٍ يرتوي منها حسب استيعاب ظرفِ وعائه، وقدرتِه على المثول في حضرة الله. التجربة الدينية تمثل البعد الأنطولوجي في الدين، وجوهره وذاته وروحه وباطنه العميق. التجربةُ الدينية جوانيةٌ، غاطسةٌ في الذات، بل متماهيةٌ معها، لا يمكن بلوغُها بأدواتٍ ووسائلَ حسية، وربما لا تشير اليها ظواهرُ التدين إلخارجية، أو قد تشي بعكسها أحياناً، كما لدى بعض رجال الدين، الذين ربما يؤشر خطأ ما يمارسونه من قداسات وطقوس وشعائر، إلى عمق تجاربهم الدينية، رغم أن عالمهم الباطن بعيد عن الله.

في الفصل الخامس عالج المؤلف (تكفير الآخر المختلف) وكيف اننا جميعا نهرب من تسمية الأشياء بأسمائها، ونلجأ لحيل مفضوحة، تتكتم على ما تتضمنه المدونة الكلامية والفقهية، من أحكام: المشركين، أهل الذمة، الرق، الجزية.. إلخ. وتكفير الفلاسفة وذوي التفكير الحر، وأتباع الفرق والمذاهب.. فقد كفّر ابن تيمية مثلا من المسلمين: الفلاسفة، والمتصوفة، والجهمية، والباطنية، والإسماعيلية، والنصيرية، والإمامية الإثني عشرية، والقدرية.

ورأى الرفاعي أن مأزقنا يتلخص في أن العقل الإسلامي يكرّر ذاتَه باستمرار، ولا يني يستنسخ ماقاله الأوائل، ويستأنف قواعدهم وعباراتهم ومصطلحاتهم وآراءهم كما هي. ولم يخرج من نسَجَ على منوالهم واقتفى آثارهم عن تلك القواعد والآراء في الغالب، إلاّ بحدود بيان القاعدة وشرح العبارة، وشرح شرحها، والحواشي والتعليق عليها، وتوضيح المراد واستخلاص المضمون. ذلك "أن الأول لم يترك للآخر شيئا"، حسب القول الموروث، الذي سمعناه وقرأناه كثيرا، وأضحى قيداً على تفكيرنا، لايسمح لنا أن نفكّر كما فكّروا، ونتأمل مثلما تأملوا، ونصوغ قواعد بديلة لتفكيرنا الديني، في سياق عصرنا ورهاناته، والمعارف والعلوم والفنون المستجدة فيه، كما صاغ السلف قواعدهم التي تشكّلت المعارف بالتدريج في مرحلة بعيدة زمانياً عن عصر البعثة الشريفة، واستقت من المعطيات السائدة في عصرها، ولم يتخطَ أفقُ انتظارها من الدين المشروطيةَ اللغوية والسياسية والاجتماعية والنظام المعرفي والرؤيةَ للعالم المهيمنة فترةَ انبثاقها. ينبغي ألاّ نفتقر للحسّ التاريخي في دراسة الموروث الديني، ولا نتردّد في اكتشاف مواطنِ قصوره وثغراتِه المتنوعة، وعجزِه عن الوفاء بمتطلبات روح وقلب وعقل وجسد المسلم اليوم. فضلا عن ضرورة أن نتعرف على آفاق الحاضر، ونستبصر مديات المستقبل. وشدد الرفاعي على ضرورة الخروج عن المناهج والأسس وأدوات النظر الموروثة للتفكير الديني، بوصفها "أنساقاً عميقة" وحدوداً نهائية، يعاد انتاج الأسئلة والأجوبة ذاتها من خلالها كل مرة. انها تعطّل العقلَ، وتسجن عمليةَ التفكير الديني في مداراتها المغلقة، ولا تكف عن التكرار والاجترار، تبدأ من حيث تنتهي، وتنتهي من حيث تبدأ. تبدأ مثلا من أصول الشافعي ولاهوت الأشعري لتنتهي بهما، وتنتهي بههما لتبدأ منهما.. وهكذا.

هذه اشارات لبعض فصول هذا الكتاب، ولم نستوعب فصوله الأخرى، وهو كتاب تخطى ما هو مكرر في الكتابات الاسلامية المماثلة: إن من حيث عنوانه، أو مضامينه، أو عناوين مباحثه، أو جرأته على قول ما لم يقله غيره، أوكشفه عن حدود حقل فاعليات الدين وآثاره الايجابية البناءة، وكيف انه لو تم اقحامه في حقول أخرى تنقلب وظيفته الى الضد، اذ يصير اداة للهدم لا البناء، وتنضب كل فاعلياته وآثاره الايجابية، كما تبرهن على ذلك صورته المتوحشة اليوم في تدين داعش والسلفية الجهادية، وكما يدلل على ذلك اختباره في فشل وفساد تجربة اسلاميي السلطة في البلاد العربية.

 

هاجر القحطاني

قاصة وناقدة عراقية مقيمة في لندن.

 

صدور ديوان (ضفاف التوقد) للشاعر ياسر الششتاوي

800-difafصدر الديوان السادس للشاعر ياسر الششتاوي بعنوان (ضفاف التوقد) عن دار اقرأ، والديوان من شعر التفعيلة ، ويحتوي على خمس عشرة قصيدة، ومن أجواء الديوان من قصيدة (هي الأرض) يقول الشاعر:

هي الأرض

أضحت ظلاماً

تزغرد فيه الذئاب

بما يملكون

فكم مزقوا

في كتاب التعمق

كي ينتهي من مدانا

شروق الرشادْ

هي الأرض

ظل الجميع

فهل ستضيق بنا ؟؟

أم سنفعل

ما تستريح به أعينُ الوقت ؟

هل سوف نبلغ أنفسنا ؟

ربما نستطيع

فإن عناق الحقيقة زادْ

هي الأرض

أمّ المشاكل منذ هبطنا لها

والتواريخ تشهد

حتى الجمادْ

800-difafويذكر أن الشاعر ياسر الششتاوي قد حاز على العديد من الجوائز منها:

1ـ المركز الأول في الشعر من قصر ثقافة كفر الشيخ 2002م

2ـ جـائـزة مركـز رامتان الثـقـافي (متحـف طه حسين )في الشعـر أعوام 2009م و2010م و2012م و2013م و2014م و2015م

3 ـ المركز الأول في مسابقة (مظاهر الحياة في الصعيد) في الشعر من جريدة أخبار الأدب ومؤسسة المصري لخدمة المجتمع 2011م

4 ـ المركز الأول في مسابقة دردشه شعرية عن قصيدة (شمس العروبة) من موقع (دردشة ـ الجزيرة الخضراء ) 2011م

5 ـ جائزة مسابقة " كتاب الجمهورية " في الشعر عن ديوان (رحم الثورة) من جريدة الجمهورية 2012م

6ـ جائزة طنجة الشاعرة عن قصيدة " إلى ما لديك " 2012م

7ـ جائزة مركز رامتان الثقافي (متحف طه حسين ) في القصة القصيرة2012م

8 ـ جائزة مختبر السرديات في القصة القصيرة جداً من مكتبة الأسكندرية 2013م

9ـ جائزة مسابقة ملتقى الصعيد الثاني في أدب الطفل عن مسرحية (القردة ملكة الغابة) 2014م

10ـ جائزة أفضل قصيدة عن البطالة بعنوان (البطالة تخنق) من موقع (دردشة ـ الجزيرة الخضراء )2014 م

المعجم الروسي – العربي في كرة القدم

استلمت بالبريد المسجٌل الاعتيادي (القديم والجميل والنادر الآن حقا) نسخة من معجم كرة القدم الروسي – العربي، الذي أعدٌه التدريسي في قسم اللغة الروسية في كلية اللغات بجامعة بغداد أحمدعبد الكريم حميد والتدريسية في جامعة كورسك الروسية الحكومية سفيتلانا كيميافنا كانستانتينفنا، هذا الكتاب الفريد من نوعه، والمتميٌز بكل معنى الكلمة، وغير الاعتيادي شكلا ومضمونا، و الذي صدر في بغداد هذا العام (2015) عن مؤسسة ومطبعة العصامي .

لقد قرأت عن النية باصدار هذا الكتاب هنا وهناك في حينها ضمن أخبار قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد، والذي اتابع اخباره طبعا لانه بيتي الحبيب، واندهشت جدا من طبيعة عنوانه ومضمونه الدقيق والخاص بكرة القدم ليس الا، بل اني كتبت الى مؤلفه (وهو أحد طلبتي سابقا في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد، والذي كان متميزا بنشاطه العلمي آنذاك) ملاحظة سريعة وقصيرة في الفيسبوك مفادها، انني اخشى ان هذا الموضوع المحدد جدا لا يمكن ان يكون كافيا لاصدار معجم متكامل الاوصاف من الناحية العلمية ، وانه من الافضل – في رأي - التخطيط والاعداد لاصدار معجم يتناول مجمل الحركة الرياضية بانواعها واشكالها المختلفة، الا ان طالبي العزيز أحمد عبد الكريم حميد أجابني عندها، ان هذه اللعبة الرياضية والشعبية جدا في العالم تتطلب مثل هذا المعجم الخاص بها، وانه سيكون خطوة رائدة في مجال اللغتين العربية والروسية في العراق بشكل خاص، وفي العالم العربي بشكل عام، وفي روسيا ايضا، واعترف الان (وبكل روح رياضية)، بعد ان استلمت الكتاب مطبوعا واطلعت عليه بامعان، ان طالبي سابقا احمد عبد الكريم حميد كان على حق في دفاعه المتحمس عن فكرة مثل هذا الاصدار العلمي الرشيق والمتميز، و اصراره على تنفيذ تلك الفكرة، وقد انعكس هذا الرأي بشكل تفصيلي و علمي وموضوعي في المقدمة، التي جاءت في ذلك الكتاب .

لقد عاصرت اثناء عملي في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد على مدى (35) سنة عدة محاولات علمية متميزة ورائدة لاصدار معاجم روسية – عربية متخصصة، ومنها = على سبيل المثال وليس الحصر = القاموس الروسي - العربي للمصطلحات والمختصرات العسكرية، الذي قام بتأليفه واعداده الدكتور غالب عبد حسين (من اوائل طلبتي بالقسم في سبعينيات القرن الماضي ثم زميلي وصديقي بالعمل فيما بعد) واصدرته في حينه وزارة الدفاع، والذي كان اول محاولة عراقية جديٌة وعلمية في هذا المجال المهم آنذاك للعراق والاتحاد السوفيتي في آن واحد ، والمعجم الروسي – العربي السياسي الذي قمت انا بتأليفه واعداده بالاشتراك مع الدكتور صفاء محمود علوان- (طالبي ثم زميلي بالعمل في القسم المذكور)، واصدر المكتب الاستشاري لكلية اللغات ذلك المعجم بنسخ معدودة آنذاك، وكانت مساهمة الدكتور رؤوف الكاظمي كبيرة ومتميزة في هذا الشأن، اذ اصدر قاموسين مهمين جدا في مجال المصطلحات الاقتصادية الروسية – العربية ضمن امكانيات الكلية المتواضعة طبعا ، الا ان كل هذه المحاولات العلمية الرائدة بكل معنى الكلمة، (والتي كان يمكن لها ان تؤدي دورا كبيرا في مجال العلاقات الثقافية الروسية – العربية وبروز قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد علميا وعالميا)، قد تمت بمعزل عن مساهمة الجانب الروسي اولا، وهذا شئ سلبي جدا، ولم تستطع تلك المحاولات ثانيا – ومع الاسف الشديد – ان تتجاوز حدود العراق، وبالتالي، ان تنطلق الى العالم العربي – الروسي بسبب وضع العراق السياسي آنذاك من حروب عبثية وحصار دولي مقيت وجائروظالم، و كذلك - طبعا - نتيجة ضيق الافق الفكري والمحدود والساذج للمسؤولين الكبار عن التعليم العالي في العراق وعلاقتهم الحسٌاسة (وكدت أقول المرضية) تجاه اللغة الروسية وموقعها العالمي وارتباطها (بالنسبة لهم وحسب تفكيرهم غير الموضوعي بتاتا) بالايديولوجية السوفيتية ...الخ، ولا اريد الحديث تفصيلا هنا عن هذا التاريخ المؤلم، و الذي يثير الشجون، ولكني اود الرجوع الى موضوع معجم كرة القدم الذي تتناوله مقالتنا هذه، واقول، انه المحاولة العلمية الناضجة فعلا التي تمت بالتعاون العلمي المشترك والصحيح والموضوعي بين الجانبين العراقي والروسي (جامعة بغداد وجامعة كورسك، وهذا طبعا نتيجة طبيعية لجهود احمد عبد الكريم حميد – خريج تلك الجامعة)، وهذا بالذات ما يميزه (اي المعجم)عن كل المحاولات الكبيرة والمهمة السابقة، و التي أشرت اليها اعلاه . هذا اولا، اما ثانيا، فقد جاء هذا الاصدار بشكل فني متقن وجميل يليق به وباهميته، اذ لم يسبق للمطبوعات العراقية - الروسية في هذا المجال ان صدرت بهذا الشكل الملون والفخم، وانما صدرت بشكل بائس جدا ليس الا، وهذا عامل مهم جدا في الموضوع، ولا ادري من الذي تحمٌل تمويل طبع الكتاب بهذا الشكل البهي فعلا، اذ لا توجد اشارة في الكتاب الى ذلك، واتمنى ان يكون الامر غير مكلف للمؤلفين شخصيا .

ختاما لهذه الملاحظات السريعة، اود ان اشير الى ان ملحق الملاعب في نهاية الكتاب غير مكتمل بتاتا، وكذلك الامر – ولو بشكل أقل نسبيا - بالنسبة لملحق اندية كرة القدم في العالم، ولم أجد اي اشارة الى المصادر الروسية، التي اعتمدتها كانستنتينفنا بالنسبة للنص الروسي، وهذا شئ مهم جدا بالنسبة لاي معجم ثنائي، واود ان اشيد بالترجمة العربية الحرة، التي جاءت مرافقة للنصوص الروسية، والتي شعرت ان كاتبها يتفهم بعمق خصائص اللغة العربية المرتبطة بلعبة كرة القدم، رغم عدم اتفاقي مع بعض التسميات، التي جاءت هناك مثل – (الكافكاز) ص.59 بدلا من (القوقاز)، او – (المدفعجية) ص. 106 بدلا من محاولة ايجاد بديل عربي سليم لتلك التسمية مثل – فريق صنف المدفعية، او الاحتفاظ بنفس التسمية الروسية في الاقل باعتبارها اسم علم، اي (بوشكاري)... ولكن هذه الملاحظات البسيطة جدا لا تقلل بتاتا من اهمية وقيمة هذا العمل العلمي الرائد والطليعي في مسيرة اللغة الروسية في العراق، والتي ستفتح الآفاق امام المختصين العراقيين في هذه اللغة لاقتحام مجالات واسعة اخرى.

 

أ.د. ضياء نافع

 

الرائي والمرئي وما بينهما كتاب جديد لعبد الحسين شعبان

798-shabanصدر كتاب جديد للاكاديمي والكاتب العربي (من العراق) الدكتور عبد الحسين شعبان والموسوم "عبد الرحمن النعيمي: الرائي والمرئي وما بينهما".

ضمّ الكتاب في دفتيه مقدمة وأربعة أقسام، وكان القسم الأول بعنوان: هنا الوردة فلنرقص هنا. أما القسم الثاني فحمل عنوان "هل يغيب التاريخ"، وكان القسم الثالث بعنوان "اليساري الأكثر اعتدالاً" وبحث القسم الرابع في مسألة الهوّية وتوابعها لدى عبد الرحمن النعيمي.

798-shabanاحتوى الكتاب كذلك على 3 مساهمات لعبد الرحمن النعيمي أولها : الحوار حول الحركة الدينية وثانيها المقدمات الاقتصادية والاجتماعية للحركة الوطنية (البحرينية) وثالثها عن المصالحة الوطنية والميثاق والتغيير المنشود. وطعّم الكاتب كتابه بملاحق أربعة، احتوت على مداخلات لكل من خولة مطر وعلي الديري ورضي الموسوي وعبد النبي العكري . واختتم الكتاب بنبذة مختصرة عن النعيمي والكاتب وألبوم صور. أما صورة الغلاف الأخيرة فقد كانت لعبد الرحمن النعيمي عند عودته من منفاه حيث اجتمع جمهور غفير ليحمله على الأكتاف.

كتب في صفحة الغلاف الأخيرة صلاح صلاح المناضل القيادي الفلسطيني، كلمة جاء فيها "... شفافية النص وجماليته، ناهيك عن وجدانيته وصدقيته تجعل منه أقرب إلى قصيدة كتبها شعبان إلى النعيمي، لأن روحه وعقله تسابقا مع قلمه وعاطفته".

أمّا لوحة الغلاف فكانت بريشة الفنان عمران القيسي، والكتاب يتألف من 200 صفحة من القطع الصغير. وصدر عن دار الكنوز الأدبية، وسيتم توقيعه يوم 18/12/2015 في بيروت في ندوة منتدى عبد الرحمن النعيمي.

 

بيروت- المنامة: المحرر الثقافي

 

ثالث كتاب أكاديمي عراقي تنشره دار نشر ألمانية شهيرة للطبيبة تُقى بنت د. عبد الجبار الرفاعي

797-tuqaصدر عن دار نشر ألمانية معروفة رسالة الماجستير في علم الأمراض للطبيبة العراقية تُقى بنت د. عبدالجبار الرفاعي، وهذه الرسالة هي ثالث كتاب أكاديمي عراقي تنشره هذه الدار المشهورة .. لقد ظل التفوق حليف تقى الرفاعي في كل مراحل دراستها، فقد أكملت دراستها الثانوية في مدرسة المتميزين، وأحرزت المرتبة الأولى حين تخرجت من الثانوية. وتخرجت الأولى في الطب، وحازت تقدير امتياز على رسالتها الماجستير في علم الأمراض، وكانت هذه الرسالة حسب تقرير الخبراء من الجهود الجادة المتميزة الرائدة في حقل تخصصها.

797-tuqaلقد صدرت أطروحة الماجستير هذه في اختصاص الهستوباثولوجي (الفحص النسيجي) للدكتورة تُقى الرفاعي (طبيبة اختصاص الفحص النسيجي، هستوباثولوجست) المعنونة (تقسيم العينات العنق رحمية باستخدام نظام بثسدا) والتي نوقشت عام ٢٠١٢ ونالت درجة الامتياز في اختصاص علم الأمراض.

كُتبت الرسالة ونوقشت بالانجليزية في جامعة النهرين ببغداد 2012، يلاحظ على الغلاف أسماء المشرفين، كما هي التقاليد في دور النشر الاكاديمية، بظهور أسماء المشرفين تحت اسم الباحثة على الغلاف:

الباحثة د. تقى اجخيم، لان اسم جدها: اجخيم.1

أ.د. حسام علي، المشرف الأكاديمي في كلية الطب.2

أ.د. لقاء موسى، المشرفة العملية في المستشفى

 

همساتُ فجر ديوان جديد للشاعر عامر هادي

796-hamasatصدر للشاعر العراقي عامر هادي عن دار تموز للطباعة والنشر – دمشق ديوانه الثاني وبعنوان (همساتُ فجر) وصمم غلاف الديوان الشاعرة العراقية رفيف الفارس

796-hamasatيقع الديوان في (106) صفحة من القطع المتوسط ويضم بين دفتيه عشرين قصيدة، كتب اغلبها بأسلوب القصيدة العمودية

علما انه صدر للشاعر عن نفس الدار اعلاه ديوانه الاول المسوم بـــــ (عندما تتكلم الاشلاء)

 

كتاب أكاديمي جديد عن الروائي المغترب قصي الشيخ عسكر

adnan almshamshالرواية والمستقبل والنص الموازي كتاب من تأليف الدكتور الأردني أستاذ الأدب الحديث في جامعة جدارا ورئيس قسم اللغة العربية/ كلية الآداب في الجامعة نفسها عن روايتين للكاتب العراقي المغترب قصي الشيخ ، يتألف الكتاب من ١٢٠ صفحة من الحجم المتوسط ، وبحثين، البحث الاول هو في الأساس بحث محكم لنيل درجة الاستاذية حلل فيه الباحث رواية ،،آدم الجديد،، للكاتب عسكر تحليلا اكاديميا موضوعيا، وفكرة الراوية تقوم حول طبيب أمريكي يقوم بتجميع خلايا مخية وأعضاء بشرية لأشخاص ماتوا او قتلوا في أزمان مختلفة ،احدهم جندي قتل في حرب فيتنام والآخر أستاذ جامعي أرجنتيني توفي في الخمسينيات من القرن الماضي والثالث أمير عربي توفي في حادث سير في سبعينيات القرن الماضي وآخر يهودي قتل في حرب أكتوبر/ رمضان عند قناة السويس وهناك صيني متوفى في اثناء ما يسمى ربيع بكين المهم ان الشخص الجديد يستفيق ليجد نفسه عدة شخصيات تعيش في أزمان مختلفة ،فمن هو، سوْال يطرحه على نفسه هل يمكن ان نعده الوريث الشرعي للبشرية ام هل تتضارب العولمة مع نفسها؟ ان دراسة الدكتور مراشدة تبين ان هذه الرواية تتجسد فيها التقنيات والمواصفات العالمية الحديثة من حيث الفكرة وأسلوب طرح الموضوع .

اما القسم الثاني من الكتاب فهو جاء دراسة عن رواية ،،الساعة الثامنة والنصف،، وهي رواية قصيرة واقعية كتبها قصي الشيخ عسكر عن معاناة ثلاثة أكاديميين عراقيين يعيشون اياما صعبة قلقة زمن الحصار حيث كتبت الرواية بأسلوب واقعي حديث.

الجدير ذكره ان الناقد الدكتور عبد الرحيم مراشدة أستاذ واكاديمي وشاعر معروف له كثير من البحوث الجامعية التي أسهمت في رفد الحركة الأدبية والنقدية العربية سواء تلك التي افادت طلاب الجامعة ام التي أسهمت في بناء الذوق الأدبي للمتلقي.

 

بقلم: عدنان المشيمش

 

إضاءات في السرد العربي للدكتور باسم الياسري

794-basem(أضع بين يدي القاريء الكريم مجموعة من الإضاءات لبعض من السرديات العربية، حرصت على تنوعها، حيث سيجد القاريء نفسه أمام اسماء - ربما - لم يسمع بها من قبل، ولا اعزو ذلك الى قصور في الكاتب موضوع البحث، وانما لكثرة المنشورات وتنوعها، وعجز القارئ العربي عن الإلمام بكل ما ينشر.

وقد حرصت أن تكون قراءاتي لنصوص متنوعة لعدد من الأقطار العربية، للتعريف بتجاربهم، فمهمة الناقد التعريف وتسليط الضوء لما يجده يستحق ذلك، ولم ألجأ الى اسماء كبيرة دائما، فانا اتعامل مع النص المتاح والذي يستوقفني، دون اعتبارات أخرى، بعيدا - قدر الإمكان - عن التأثير الاعلامي المحابي أحيانا والقاسي أحيانا أخرى).

هكذا يفتتح الناقد الدكتور باسم عبود الياسري كتابه الجديد (إضاءات في السرد العربي ؛ قراءة لأعمال كتّاب عرب) (185 صفحة) والذي صدر مؤخراً عن دار ضفاف (الشارقة/ بغداد). وقد تقصّدتُ نقل هذا المقطع من مقدّمة الكتاب لتأكيد سمة أساسية في أسلوب الناقد في هذا الكتاب وهو "البساطة" التي سوف تمتزج بالعمق في متن الكتاب . هذه "البساطة" التي افتقدناها كثيراً بفعل موجة الحداثة الوافدة وصرعة "اللغة المتعالية – metalanguage" التي جعلت النص النقدي بحاجة إلى نص محايث يفسّره !

794-basemضمّ الكتاب خمس عشرة مقالة عن خمسة عشر كاتبا وكاتبة من مجموعة من أقطار الوطن العربي: من العراق زهير الجزائري (رواية الخائف والمخيف)، وارد بدر السالم (الهندوس يصعدون إلى السماء – كتاب رحلات)، حنان المسعودي (رواية: خمس نساء)، عمار السنجري (رواية: الأسير)، صادق الجمل (رواية خيال علمي: سفينة نوح الفضائية)، جابر خليفة جابر (رواية تخييل تاريخي: مخيم المواركة)، والراحل د. سلمان رشيد سلمان (رواية: شظايا الذاكرة). ومن مصر: محمد ناجي (رواية مقامات عربية). من السودان: أمير تاج السر (رواية مهر الصياح)، اليمن: محمّد عبد الولى (رواية صنعاء مدينة مفتوحة). قطر: حسن رشيد (مجموعة قصصية: الحضن البارد). الإمارات: علي أبو الريش (السيف والزهرة). تونس: علي الطرابلسي (مجموعة قصصية: النورس). المغرب: كريمة الإبراهيمي (قصّة: وقتلك البحر)، وأخيراً ربيعة ريحان من المغرب في قصّة "مؤازرة" (لم تتم الإشارة إلى مصدري القصتّين الأخيرتين، كما لم يحمل قسم (المحتويات) اسماء النصوص التي تم تناولها للكتاب الثلاثة الأخيرين).

وببساطة وهدوء يقلّب باسم الياسري النصوص التي يتناولها ليكشف للقارىء سماتها اللغوية والفنية، يقيّم الفكرة المضمونية وأهميتها وامتداداتها الاجتماعية والنفسية، ويلاحق بناء الشخصيات من قبل الروائي وقدرته على تصوير انفعالاتها والتعبير عن أفكارها ودرجة بعده منها أو التحامه بها، لغة الكاتب وعمقها ودرجة تعبيرها عن صراعات الشخصيات، الكيفية التي تعامل بها مع المكان ومكوّناته، ثقافة المؤلف (السينمائية خصوصاً) وانعكاساتها على بنائه للقصة والرواية .. وغيرها من مكوّنات العمل الأدبي التي راجعها الناقد ببساطة ولغة سلسة بعيدة من التعقيد وتحميل المقالة بالنظريات والشروحات المعقّدة .  

 

د. حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

 

أطفال الهند علموني وبدل رفو المزوري

badal raffowتعرفت إلى الشاعر بدل رفو أول مرة، ذات لقاء ثقافي هام جمعنا بالمغرب، سويا في مدينة تاهلة تحديدا، مارس فيه كل منا مواسم بوْحه مع الآخر، خلال يوم وليلة، في أمور شتى، بمشاركة ثُلة مُباركة من المبدعين الأصدقاء.فكانت نقطة التَّماسِّ إحساسا غريبا، أخذ يشدني إلى هذا الرجل شدا، ويجذبه إلي بنفس المقداروالدرجة أمدا، تجاوز حدود المناسبة المذكورة كواقعة محددة في الزمان والمكان، ليطول العالم الافتراضي على النت أيضا، بمزيد مودة وكبيراحْـترام.

- وقتها، أدركت أنني أمام كائن استثنائي، إنسان متوقد الشعور، شاعرمستنيرالفكر والإحساس.يحسن الإصغاء بكل حواسه، حتى عدسة كاميراهُ الباذخة تظل في أقصى حالات الاستنفار المطلوبة لمحاورة الأشياء، يشير عليها فتستجيب على التو، من غيرما نشاز أو تشويش على مناخ اللحظة...

- كان اللقاء مناسبة سعيدة بشهادة جميع المشاركين، ولم يكن بدل رفـو- الضيف العزيز- بدعا من بينهم، فقد عبرعن منتهى ارتياحه وسعادته بالتعرف إلى المغرب، بيئيا وحضاريا وثقافيا كذلك، من خلال نماذج من حَملة الأقلام في هذا البلد الواحد والمتعدد في آن. كان جلهم شعراء من مختلف الحساسيات الفنية، البعض منهم شعراء نقاد، والباقي نقاد أدب متفرغُـون لحرفتهم.ومضت أعوام وتوثقت الصلات، وتحقق ما سبق لي أن فاتحت به صديقي الشاعر رفو قائلا :> يا بدلُ، إننا بعد اليوم ما نبغي عنك بدلا، وكيف نستطيع ذلك جدلا؟> وسَرت العبارة مسْرى النادرة بين الأصدقاء في السر والعلانية منذ ذلك اليوم حتى الآن.

- كان عشق الكلمة هو البيئة الطبيعية التي تنفست فوقها أرواح الأدباء المتعبة، وكانت سماء الشعر قبة من صور، تظلل المبدعين بوارف ظلالها، وقد فاءت أرواح العباد إليها، وهبت الأجسام من جحيم الواقع وغطرسة المعيش تبتغيها.

تناجت الأرواح وتقاطعت الأصوات، وافترقت بينها السبل المؤدية إلى محراب الشعر، لكنها ظلت على طول الحرم الشعري مستوفزة، منسجمة ومتآلفة، تشرئب بأعناق الأمل إلى المستقبل، وتطرح عنها مشاغـل الحاضر وأعباءه.

- ومن بوثقة هذا التآلف خرجت جملة من صلات القربى بيني وبين أيقونة الترحال بدل رفو المزوري، لتدخل في مدارات أرحب من مجرد التواصل الشفهي العابر، إلى آفاق أخرى في الفكر والسياسة والفن والحياة، وما إلى ذلك...

و شِـيءَ لهذه الصلات أن تنْحُـوَ مناحي أخرى أكثرأهمية، عبر التجاوب المتبادل بين تجربتين، تجربتي أنا الخاصة في حقْـلَي ْالشعر والنقد من خلال ديواني البكْر>للصمت متسع للنظر> وبعض المقاربات النقدية المنشورة التي أمكن لصاحبي الاطلاع عليها، وتجربته الشخصية هو في مجال الشعر خاصة، من خلال ماتيسر له أن يقرأه علينا من قصائد في تلك المناسبة.ترتب عن هذا وذاك زواج فني على سُنَّة التجاوب، وشريعةالألفة والتقارب.ولا غرو أن اندلعت أيقونات التواصل بشكل أمبراطوري، لتشمل ديوانه الشعري المُوالي الممْهور ب >أطفال الهند علموني > بعد ديوانه السابق>وطن اسمه أفيفان>.فألف مرحى بالديوان وما حمل، وبالمزوري وما عمـل، ناهينا عن منجزه التوثيقي الباسق>أنطولوجيا شعراء النمسا> الذي ناولني نسخة منه مشكوراً، وكان ذلك من صاحبي عربون مودة لا تقدر بثمن تجاه الآداب والعباد، وما خلفت رحم الثقافة والفنون من بنين وأحفاد .

-أوسياخ - من الأدب الكوردي في المهجر هو العنوان الذي اختاره الشاعر الرحالة بدل محمد طاهر يونس لمجموعته الشعريةهذه، في بداية الأمر، قبل أن يعدل عن قراره إلى تسمية أخرى مقترحة من قِـبَل بعض اصدقاء الشاعرفي المهجر، هي >أطفال الهند علموني>.

وأيا ما كانت صيغة عنوان هذا المنجز الشعري الجميل، القديمة منها أو الجديدة، بسبب الجَـرْح والتعديل الذي طال تسميتَها، فإن ذلك العُدول الشكلي لم يزدها إلا رسوخا في الوفاء لمقاصد البرنامج الدلالي للمجموعة الشعرية، على صواعد عدة، طالما أن المادة الشعرية البانية لمعمار الديوان هي نفْسُها، واحدة لم تتغير، تُعنى بتدوين سيرة ذاتية للشاعر مع المكان، وأن الشاعر ذاته مصصمم على إذاعتها بين الناس تحت التسمية المذكورة، من غير زيادة ولانقصان.

 

الحسن العابدي

شاعر ونــاقــد- المغرب

 

نسمة كافية أو شواهد وجواهر تأريخية تونسية

793-rajaنسمة كافية هي رواية بل قل هي تاج مدبّج من عقيق التاريخ بأريج نسائم إبداعية

هي بورتريهات (*1) وادي السوانية أو (*2) كافية أو تونسية عربية..

هي جواهر ويواقيت تاريخية تأريخية بأسلوب روائي سلس .. ونفس شعري يحفظ الذاكرة الجماعية ويحافظ على كلّ ما فينا وكلّ ما في طيات العُرب خنس ..

تجمعنا بدسامة ماضينا وتوثقنا وجها لوجه بمرايا حاضرنا هي مدونة ومرجع للذات التونسية بحكمة وبدراية خارقة أبدع في توثيق أحداثها مبدعها الروائي "محسن إبراهيم الشابي" من أصول وادي السواني الكاف ومن جذور العربية الأصيلة (*3)" تيناس" وجعلها مترابطة كترابط حلقات العقد اللؤلئي الفريد لتفرده في تنميق ودبّج حقب زمنية ترجمت للمتلقي أحداثا عبر شخصياته التي عايشت الحربين العالميتين فأحداث الاستعمار إلى أحداث الاستقلال وصولا بنا لأحداث الرابع عشر من جانفي 2014 والربيع / الخريف / العربي ...

793-rajaاستقى الكاتب من مناهل التاريخ وسواقيه وأعد لنا طبقا ساخنا من فناجين حقائق نتذوق مرّها فنكتوي.. ونتحسس بوحها فنشتكي.. ونلتمس حلوها فننتشي.. هكذا هو تاريخنا الحافل بزخم الأحداث.. والزاجل بنيران الثورات والأعراس.. هي ترجمة مفصلة بدقة عن المعاناة الإنسانية النفسية ، المادية ، الاجتماعية والإيديولوجية من خلال " الفلاش باك" يمرّ أمامنا الشريط التوثيقي لأحداث خلت وأحداث نعيشها تؤكد لنا كم هو غائر الجرح العربي وكم هي مثخنة قروح الاحتلال المعنوية والمادية للذات العربية فإن نحن استرجعنا ذاكرة الكافي التونسي فإنّنا حتما نجول بالذاكرة العربية فالشعوب العربية قاطبة جرحها جرح واحد يوزع علينا الألم .. والخيانات العظمى تلوث أوراقنا منذ القدم ..

هي رواية غير منتهية ولن تنتهي للتسلسل الزمني المتعاهد مع الماضي، والمتعاضد مع الحاضر، والمتعاقد مع القادم..

بنى الروائي محسن إبراهيم الشابي روايته وهو يتدثر معمار الأمكنة ويلبس إزار الأزمنة ويُطوع الأحداث بكلّ انصهار وجودي ونفسي ومادي فنفخ في شخصياتها روحا تسيطر على لبّ المتلقي من حيث أدوارها ، أفكارها ، أعمالها ، وحتى أوصافها وأسماءها في مسايرة عجلة الزمن وانخراطها في لحظاته ومحطاته .. هو المولع بالمكان ألا وهو منبت الرهط والجمع والقبيلة .. مفتون بالزمان وهو منشأ الذات العربية الأصيلة .. بنضج روحي وفكري وبنفسٍ طويل وسعة قدرة ذاكرة أبدع في مُهادنة اللّغة ومُسالمتها وصاغ منجزه صوغا يتلذذ له القارئ وينساق سوقا عند تناوله لانسياب طرحه ونثر أفكاره في تدوين كمٍ هائل من الأحداث والتواريخ المهمة التي مرّت بها البلاد والعباد .. يدخل بنا في منعطفات ومنحدرات التدوين والتأريخ فننصهر لسلسالها ونتمعج لتأنّيها والتوءاتها فيصبح أقصانا يُفضي لأدناها وأولنا يتصل بآخرها لما ترجمه من وقفات إبداعية في غاية البساطة والجمال .. لوحات مقتبسة من الواقع لأحداث ووقائع بأسلوب يأسر القارئ ويزجه طوعا جنبا إلى جنب مع شخصيات وأبطال الرّواية بتقنية وبدراسة وبناء درامي ممتع وهذا وإن دلّ على شيء فهو يدلّ على اجتهاد الروائي محسن إبراهيم الشابي ابن وادى السواني الكاف في العمل على لوحته الإبداعية فالكاتب البريطاني صمويل جونسون يقول :" ما يكتب دون مجهود يقرأ عامة دون متعة " والحقيقة وهذه شهادتي أدلي بها لكلّ من لم يطّلع على هذه الرّواية المضمخة بنسائم كافية والمعطرة بجواهر تونسية والمدبّجة بأريج الدماء العربية والتي قسّمها مبدعها إلى 13 جوهرة أنني في كلّ جوهرة من هذه الجواهر احتسيت نسائم المتعة واستنشقت دعائم المؤانسة وحققت هذه الرواية المزج بين المؤانسة والإمتاع ..

فشكرا لابن موطني وادي السواني البار بفكره وأفكاره .. الكاظم الشاهر سرّ الحرف الوطن وأسراره..

أكرمك الله أخي محسن إبراهيم الشابي بالعفو والعافية وآخى بين طموحك والنّجاح ، وعملك الإبداعي والفلاح ، ومنجزك والصباح ..

أختكم في الله والوطن والقصيد

 

**الشاعرة التونسية رجاء محمد زروقي

................

(*1) وادى السواني = منطقة ريفية بولاية الكاف تمتاز بطبيعة خارقة الجمال

(*2) الكاف = ولاية تقع في الشمال الغربي للجمهورية التونسية

(*3) تيناس = = قرية بربرية تقع قرب قرطاج أشتق منها اسم تونس سكنها البربر قديما ثم الرومان

 

احتقار الحب .. مدخرات جلال الدين الرومي لداعش رواية جديدة للاستاذ عبد اللطيف الحرز

792-latifصدر عن دار الفارابي بيروت للأديب العراقي الاستاذ عبد اللطيف الحرز رواية بعنوان: (احتقار الحبّ .. مُدّخرات جلال الدين الرومي لداعش .. سيرة بنكيو فتى الخشب).

792-latif وهي أول رواية تتحدث (في 520 صفحة) عن مأساة الطائفة الأزيدية، وتناقضات الحشد الشعبي، عبر شخصيات متعددة القومية والدين واللغات. تبحث عن الجذور النفسية واللاهوتية لثقافة الموت في الشرط الأوسط. وتنتهي بجريمتي قتل بمنتهى البشاعة والشذوذ: إحداهما في استراليا والثانية في امريكا، وليكون ما بينهما موج من التاريخ العاصف لشخصيات التاريخ القديم كصورة نادرة غير معروفة لجلال الدين الرومي، وشخصيات حديثة ذات أقنعة متعددة مثل الدكتور علي الوردي.

فقه النوازل في الغرب الإسلامي .. نحو مقاربة تأصيلية

jamil hamdaouiيتناول بحثنا هذا موضوع (فقه النوازل في الغرب الإسلامي)، وهو موضوع فقهي مستجد وشائك ومهم، يتعلق بدراسة النوازل والوقائع والحوادث والفتاوى والمسائل والأجوبة الفقهية التي انتشرت في الغرب الإسلامي بصفة عامة، والمغرب الأقصى بصفة خاصة. ومن ثم، فقد ركزنا، في موضوعنا هذا، على تعريف فقه النوازل لغة واصطلاحا، مع ذكر مختلف المصطلحات والمفاهيم المترادفة أو المتماثلة أو المتقاربة.

وبعد ذلك، تناولنا أركان فقه النوازل بالإشارة إلى النازلة، والنوازلي، والتنزيل. ثم، استعرضنا مختلف المراحل التاريخية التي مر بها فقه النوازل في الزمان والمكان. كما أشرنا إلى خصائص فقه النوازل ومميزاته وأغراضه وأهميته وقيمته الفقهية والاجتهادية والعلمية، دون أن ننسى منهجية النازلة على مستوى التصور والتنقيح والاستنباط والاستدلال والتنزيل.

ومن جهة أخرى، فقد اقترحنا مجموعة من الخطوات العلمية والمنهجية لتأصيل فقه النوازل، بهدف بناء فقه معاصر يساير أهم المستجدات المعاصرة التي لم يرد فيها نص من الكتاب أو السنة.

كما أثبتنا أن حكم فقه النوازل فرض كفاية، وقد يتحول إلى فرض عين، عندما تكون الضرورة ماسة إلى أي نوازلي مهما كان بغية إيجاد الجواب المناسب للمسائل الفقهية المطروحة.

وعليه، فقد توصلنا إلى أن فقه النوازل إنتاج مغاربي متميز كما وكيفا، إذ ظهر في الأندلس وشمال أفريقية والمغرب الأقصى، ويعتمد على فتاوى الإمام مالك ومدونته ورواياته، وأقوال العلماء المشهورين في المذهب المالكي، مع تمثل علم الفروع في الدراسة والإفتاء والتنزيل، والاستعانة بمبادئ المذهب كسد الذرائع، وفقه عمل أهل المدينة، والمصالح المرسلة؛ عوض الاستدلال بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والرأي العقلاني أو الكلامي.

وقد أصبح لفقه النوازل أهمية علمية وأكاديمية كبرى في عصرنا هذا ؛ فقد أصبح من المواضيع المهمة التي تدرس في الجامعات المغربية، وخاصة في شعب الدراسات الإسلامية وكلية الشريعة، ومسالك التاريخ وعلم الاجتماع، عبر مستويات الإجازة والماستر والدكتوراه.

إذاً، ما فقه النوازل لغة واصطلاحا؟ وما مصطلحاته المترادفة أو المتماثلة أو المتقاربة؟ وما أركان فقه النوازل؟ وما شروط الفقيه النوازلي العلمية والخلقية ؟ وما آدابه العملية والسلوكية؟ وما تاريخ فقه النوازل في الغرب الإسلامي؟ وما خصائص النازلة ومميزاتها؟ وما قيمتها وأغراضها وفوائدها؟ وما منهجيتها النظرية والتطبيقية؟ وما أهم الخطوات العلمية التي يمكن اتباعها من أجل تأصيل فقه النوازل في مرحلتنا المعاصرة؟

هذا ما سوف نتناوله، بشكل عام ومختصر، في بحثنا المتواضع هذا، عبر مجموعة من المباحث والمطالب والفروع المتوالية.

وفي الأخير، أسأل الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع استحسانا لدى المتلقي. وأشكر الله وأحمده على علمه ونعمه وفضائله الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى.

 

د. جميل حمداوي

.............................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

فقه النوازل في الغرب الإسلامي .. نحو مقاربة تأصيلية / د. جميل حمداوي

 

قراءة في كتاب أثر النص المقدس في صناعة عقيدة التكفير للباحث الاسلامي الفاضل صالح الطائي

يُعدُّ كتاب (أثر النص المقدس في صناعة التكفير) من الكتب القيِّمة، لما له من أهمية على المستويين المعرفي والمحاكاتي، وهو يصور الدواعي والاستجابات التي آل اليه المجتمع الاسلامي ومن يعيش في أرض المسلمين واستغلال أعداء الاسلام حبائل الخلافات التي صنعها التأويل مرَّة، والقراءة مرة أخرى، وعدم التأكد من النقل لأسباب النزول مرَّات .

والاستاذ صالح الطائي بفكره النيِّر وقفَ عند أهم الدواعي التي تستنهض الحمية القاتلة لدى الانسان لاسيما الذي يعتنق الدين اعتناقاً دوغمائياً، فأزهقت الأنفس التي حرَّمَ الله قتلها ... فتكفير الآخر مُعلَن والساحة مشتعلة بسفك الدماء ولامن رأفة أو رحمة من الجاني، وكأنَّ الاسلام لاحياة تنبض فيه لدى مُدَّعي الاسلام .

لكن هناك بعض التساؤلات التي تنتاب القاريء لمتن الكتاب، منها: 1- إنَّ الباحث لم ينقل لنا حديثاً عن بعض الصحابة أوالتابعين ممن فهموا القرآن فهما صحيحا كذلك الأئمة المعصومين الذين مثَّلوا القرآن الكريم، و قد امتدَّ وجودهم الى نهاية عمر الدولة العباسية، فأين موقفهم من قضية التكفير، أم أنَّ سكوتهم هو رضىً للاسلام السياسي كما يدَّعي صموئيل هنتغنتن .

2- نسأل: هل إنَّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أوَّلَ النصوص القرآنية في الحكم الفقهي وغيره من الاحكام أم تبنَّى فهمه على ظاهر النص، إذ لابد للباحث أنْ يوضح ذلك ؛ لتتضح بعض الدواعي للمتلقي .

3- لم يتطرق الباحث الى دور الدول الكبرى المحيطة في سعيها لتهديم الاسلام أو دورها في تحجيم فكره، وهل يُعقل أنَّ الاسلام من الهشاشة ؛ كي تنطلي عليه هذه الخزعبلات وهو خاتم الاديان ؟ وقد قاد البلاد حكَّام كثر حكموا باسم الاسلام وهم مرتبطون بدولٍ تبحث عن مصالحها الاقتصادية والدينية وليس من مصلحتها نهضة الاسلام .

4 – أما بخصوص القراءات القرآنية، فقد لخص الباحث مشكوراً الاقوال التي تضمَّنت مفهومها، لكن هناك نقل لابد للباحث من دحضه، وهو الذي نقله أبو داود السجستاني بقوله : " أنّ الحجاج بن يوسف غيَّر في مصحف عثمان أحد عشر حرفاً " ص 92 . ثمَّ يعلِّق الباحث بقوله: (وبالتالي لانستبعد استغلال السياسيين الاختلاف بالقراءات لتمرير مشاريعهم ومنها مشروع التكفير) .. لكن لاننسى قوله تعالى: (إنَّا نزلنا الذكر وإنَّا له لحافظون) وفي الآية أكثر من مؤكِّد، وهو (إنَّ المؤكِّدة وردتْ مرَّتين، واللام في لحافظون) كما أنَّ القران لايدخله الباطل .

ونقول: يبقى الكتاب ذخيرة حيَّة لما فيه من أبعاد تنمُّ عن ثقافة الباحث من خلال تنويعه الموضوعات التي لها علاقة بثريَّا كتابه، إذ لاتنأى بعيداً عنها، كما اعتمد على مصادر ومراجع مهمة ؛ مما جعل البحث يتَّسم بالثراء في موضوعاته، الا ما انتابه من افتقار الى بعض الشواهد والامثلة التي تدفع بالطروحات الى رصانتها من خلال الحجج والبراهين التي توضح كنهها .

ونرى كما وصف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلَّم): (إنَّ الاسلام بدأ غريباً وسيعودُ غريباً)؛ كون التكفير أقبح وسيلة لتسقيط الآخر، وأنَّ السياسة إذا ما نأت بنفسها عن الدين، سنجد مجتمعاً خالياً من العنف والتكفير، فطالما هناك أحقاد وضغائن ليس سببه النص المقدَّس، إنما الغاية هو الطمع في ارتقاء عروش الحكم، فتقوم تلك الاطماع سفها في تغيير فهم النصوص القرآنية أو تطبيق الأحداث التاريخية التي لم تكن في كثير منها صحيحة النقل، أو أنَّ نقلها لم يكن دقيقاً .

شكراً لك أيها الباحث الاسلامي الكبير صالح الطائي المحترم لما بذلته من جهد يستحق الثناء والتقدير .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

هل ينجو العراق من التسونامي كتاب جديد للدكتور محمد الدعمي

791-damiصدر اليوم كتاب: (هل ينجو العراق من التسونامي: كرد وسنة وشيعة في صراع ذاتي التدمير) تأليف ا. د. محمد الدعمي

791-damiمستفزاً بالإرتجاعات المتواصلة الى حرب العراق (2003) في سياق إنتخابات الرئاسة الأميركية، والى نتائج تلك الحرب المحبطة المتبلورة في مشهد البؤس والإحتجاج الإجتماعي والتظاهرات التي تعصف بمدن العراق الرئيسة، يحاول محمد الدعمي أن يجيب على الإستفهام المهم حول جدوى ما حققته الولايات المتحدة لنفسها أو للعراق من تلك العملية العسكرية العملاقة، إذ تتم مراجعة هذه العملية بالمزيد من الإهتمام الآن أكثر من اي وقت مضى، آخذين بنظر الإعتبار سقوط أكثر من ثلث مساحة العراق، وأكثر منه من مساحة سوريا بأيدي الشبكات الإرهابية، زيادة على تمدد الصراعات الطائفية عبر حدود العراق، مع ما نتج عنها من هيمنة إيرانية متزايدة عبر إقليم الشرق الأوسط برمته. إزاء هذه الخلفية المرتبكة، يصطحب الأستاذ الدعمي قارئه نحو فهم للصدع الأساس الذي أصاب جسد العراق، والذي راح يستبق تفككه، مع إشارة خاصة الى الدور التقسيمي الذي تضطلع به القيادات السياسية التي جاءت بها القوات الغازية من خارج العراق، على سبيل إذابة الآصرة الوطنية والإستعاضة عنها بأواصر لولاءات ثانوية.

 

Will Iraq Survive the Tsunami: Kurds, Sunnis and Shi’is in Self-Destructive Conflict

Author: Muhammed Al Da’mi

Createspace Press

     عدد الصفحات   324

لإقتناء نسخة من الكتاب ، إذهب الى :

Amazon or Amazon Europe