كتب واصدارات وقراءات ورسائل جامعية

علي المؤمن: الإنشقاق الكامن في حزب الدعوة (43)

ali almomenحل المجلس الفقهي: نذكر هنا بقية محطات الإنشقاق في حزب الدعوة الإسلامية خلال أكثر من 58 عاماً من عمره؛ استكمالاً لما مرّ في الحلقة السابقة:

13- الانشقاق الذي نتج عن قرار مؤتمر الحوراء زينب الذي عقده حزب الدعوة عام 1988 بحذف مادة «المجلس الفقهي» من النظام الداخلي للحزب، وهو المجلس الذي كان يرأسه آية الله السيد كاظم الحائري، وأعضاؤه آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي (الناطق الرسمي) وآية الله الشيخ محمد علي التسخيري وآخرون. ونتج عن ذلك اعتزال عدد من كوادر الحزب، وشكّل بعضهم «حزب الدعوة - المجلس الفقهي»، ولم تكن في هذا التنظيم شخصيات قيادية؛ وما لبث أن انحل بالتدريج. وسبق لمؤتمر الزهراء الذي عقده حزب الدعوة في عام 1984 أن حذف منصب «فقيه الدعوة» من النظام الداخلي بعد قرار السيد كاظم الحائري الإنسحاب من القيادة العامة ومن عضوية الحزب؛ لأن موقع الفقيه - كما يقول - يجب أن يكون فوق القيادة العامة وليس جزءاً منها، وإثر ذلك تم تشكيل «المجلس الفقهي» بشكل جديد (وكان يسمى منذ تشكيله عام 1979 بمجلس الفقهاء)؛ تطويراً لأطروحة «فقيه الدعوة»؛ بهدف تكريس حالة الإشراف الشرعي على قرارات الحزب وعمله؛ وهو ما نص عليه التعديل الذي أجري في النظام الداخلي على مادة “فقيه الدعوة”.

وما لبث الخلاف أن دبّ بين رئيس المجلس الفقهي السيد كاظم الحائري والقيادة العامة في الفترة التي أعقبت تشكيل المجلس؛ فالسيد الحائري يرى أن المجلس الفقهي ليس مرجعية دينية يرجع إليه الحزب عند الحاجة للحكم والفتوى والأذن الشرعي؛ بل هو القيادة الحقيقية العليا للحزب، وأنها ولاية فقهية خاصة بحزب الدعوة؛ يستعاض بها عن تطبيق الولي الفقيه العام لولايته؛ بسبب انشغاله بشؤون الأمة والدولة، وعدم إمكانية تفرغه لشؤون الحزب، ويقصد بالولي الفقيه العام قائد الجمهورية الإسلامية. بينما كانت القيادة العامة ترى أن المجلس الفقهي ليس ولاية فقهية؛ بل مرجعية فقهية يعود اليها الحزب ويحتكم اليها؛ بالنظر لوجود ولاية الفقيه العامة. وانتهى الخلاف إلى توقف المجلس عن أعماله، بسبب اعتراض السيد الحائري على طبيعة تعامل القيادة العامة مع المجلس الفقهي، ولحل هذا الخلاف؛ اقترح السيد الحائري والشيخ الآصفي ربط الحزب بقيادة الإمام الخميني مباشرة، وهو ما كانت ترغب فيه القيادة العامة أيضاً للتخلص من شبهة عدم إيمانها بولاية الفقيه ومن صعوبة تنظيم علاقتها بالمجلس الفقهي، وقد طرحت القيادة العامة هذا الموضوع على السيد أحمد الخميني (نجل الإمام الخميني) خلال لقائها به عام 1985، ولكنه أكد لقيادة الحزب بأن الإمام الخميني لا يتدخل على هذا النحو، وأنه لا يعين ممثلين له في الأحزاب، واستمر الخلاف حتى إصدار مؤتمر حزب الدعوة قراره بحذف مادة المجلس الفقهي من النظام الداخلي، واستعاض عنه بهيئة علمائية شرعية.

 

انشقاقات التسعينيات وخروج الآصفي

14- انشقاق بعض كوادر وأعضاء الحزب عام 1991 على خلفية رؤاهم السياسية والفكرية الليبرالية؛ ولاسيما المرتبطة باستقلال قرار حزب الدعوة عن الجمهورية الاسلامية الإيرانية، وتكريس البعد الوطني فيه، والقبول بفكرة الديمقراطية، وانتهى الانشقاق الى تأسيس «كوادر حزب الدعوة العراقي»؛ الذي كان محمد عبد الجبار الشبوط والشيخ خير الله البصري أبرز الفاعلين فيه. وقد غيّر التنظيم اسمه الى حركة الكوادر الإسلامية؛ والتي مالبثت ان انحلت بعد فترة وجيزة.

15- انشقاق في تنظيم الحزب في أهوار العراق الجنوبية عام 1992؛ بسبب شح الدعم الذي كان يصل إليه، وهو تنظيم مسلح غالباً؛ موزع بين لجنتين؛ إحداهما «لجنة الطف» الناشطة داخل العراق قبل إنحلالها. وكان أبرز الفاعلين في الانشقاق مسؤول تنظيم الأهوار زهير الوائلي.

16- تجميد الشيخ محمد مهدي الآصفي نفسه في قيادة "الدعوة" خلال عام 1998، ثم خروجه من الحزب نهائيا عام 1999. وقد ظل الآصفي ناطقاَ رسمياً للحزب والقيادي الأبرز فيه طيلة ثمانية عشر عاماً (1980 – 1998)، وكان وجوده الميداني المهيمن في الحزب يماثل وجود عبد الصاحب دخيل قبل عام 1971، ومحمد هادي السبيتي قبل عام 1979، وابراهيم الجعفري بعد عام 2003، ونوري المالكي بعد العام 2007.

 

تأسيس تنظيم العراق

17- الانشقاق العددي والنوعي الكبير؛ والذي بدأ بعقد مجموعة من قياديي وكوادر الدعوة مؤتمراً تحت اسم مؤتمر الإمام الحسين (عليه السلام) عام 1999؛ امتداداً لخلافات داخلية حادة. وانتهى المؤتمر الى تأسيس تنظيم جديد حمل اسم حزب الدعوة الإسلامية أيضاً؛ مع تمييزه عن التنظيم الأم بعبارة «مؤتمر الإمام الحسين»، ثم سمي فيما بعد بـ «حزب الدعوة الإسلامية - تنظيم العراق»؛ الذي انتخب السيد هاشم الموسوي أمينا عاماً له بعد عام 2003، وهو قيادي مخضرم وأحد أبرز مفكري الحزب. وليس لهذا الإنشقاق أسباب فكرية أو سياسية أو تنظيمية؛ بل هو نموذج للانشقاق بسبب الأمزجة وأساليب العمل، ولم يكن سيحصل في أي حزب آخر غير «الدعوة»؛ بل كان سيبقى خلافاً طبيعياً داخل الحزب الواحد. وكان محور الإنشقاق كوادر متقدمة في الحزب؛ أبرزهم الدكتور خضير الخزاعي وعبد الكريم العنزي؛ اللذين التفا حول السيد هاشم الموسوي، وشكلا كتلة منسجمة من كوادر الحزب المنتظمين وأعضائه السابقين (المنقطعين)،  وكان يتعاطف معهم أيضاً القيادي المخضرم عبود آل راضي.

 

خروج الجعفري وتأسيس تيار الإصلاح

18- الانشقاق الذي تمخض عن نتائج مؤتمر حزب الدعوة عام 2007، والذي تم فيه انتخاب قيادة جديدة، واستحداث منصب الأمين العام للحزب لأول مرة في تاريخه، وانتخاب نوري المالكي لشغله؛ بحصوله على أعلى الأصوات؛ بعد أن كان متوقعاً فوز الدكتور إبراهيم الجعفري بالمنصب؛ الأمر الذي أدى الى  خروج إبراهيم الجعفري ومعه عدد من كوادر الحزب؛ أبرزهم عضو المكتب السياسي للحزب فالح الفياض، وبادر الى تأسيس “تيار الإصلاح الوطني”، وأعلن عنه في عام  2009، وشغل الجعفري موقع رئيس التيار؛ بينما يعد الفياض أمينه العام.

19- الانشقاق في «حزب الدعوة - تنظيم العراق»؛ بسبب الخلاف في الصلاحيات وأساليب العمل، وأسفر عن انفصال عدد من كوادر التنظيم وأعضائه؛ يتزعمهم عبد الكريم العنزي، وعقدوا مؤتمراً أعلنوا فيه عن تأسيس «حزب الدعوة الإسلامية - تنظيم الداخل» عام 2009.

20- انشقاق في "حركة الدعوة الإسلامية"؛ في أعقاب اغتيال أمينها العام عز الدين سليم؛ انتهى بتأسيس "حركة الشهيد عز الدين سليم".

وهناك انشقاقات أخرى؛ فردية وجماعية؛ أسس أعضاؤها جماعات تحمل اسم «الدعوة» أو أسماء أخرى؛ لم تشكل تيارات فكرية أو سياسية أو تنظيمية؛ بل سرعان ما انتهت أو عاد أعضاؤها للتنظيم الأم.

 

الإنشقاق الكامن

لقد ارتكزت الانشقاقات في حزب الدعوة الى خلافات منهجية ومكاسب تنظيمية غالباً، مع خلافات ذات طابع فكري أو شخصي أحياناً؛ كما يحدث في كل التنظيمات الايديولوجية. ولم يكن أي منها خلافاً في إطار السلطة والحكم؛ إذ لم تنزل قطرة دم من أنف أحد من الدعاة طيلة 58عاماً من التصدعات والإنشقاقات في الحزب؛ بل لم يتخلل أي انشقاق لوناً من الصراع العنيف؛ بل لطالماً عاد المختلفون والمتنافسون، أصدقاء وحلفاء غالباً. ولكن الإنشقاق الذي نبتت بذرته في 13 آب/ أغسطس 2014؛ هو انشقاق كامن خطير بسبب السلطة؛ بصرف النظر عن الحقائق والملابسات والتفسيرات، وهذا الانشقاق يحمل في داخله طاقة تدميرية؛ ليس على مستوى الدعوة وحسب؛ بل ستشمل الجبهة الشيعية الداخلية والجبهة الشيعية الخارجية أيضاً.

 

قواعد كبح التشظي

لعل من المهم في حالة حزب الدعوة الذي تتوافر في بنيته العوامل المحفزة على التصدع والخروج والانشقاق؛ تفكيك الأسباب السبعة التي سبق ذكرها؛ في إطار آليات ستراتيجية عملية؛ أهمها:

1- التأسيس لقواعد تفاهم داخلي تحول دون أية انشقاقات جديد؛ والتي من شأنها تعميم ثقافة الإختلاف وترسيخها داخل الحزب والعقل الحزبي. ومن هذه القواعد ما يرتبط بوعي أهمية أن تحمل الخلاف في مجال المتغيرات والعمل السياسي والتقنيات والرؤى التنظيمية وأساليب العمل؛ مهما بلغ حجمه، والقبول بوجود أجنحة داخل الدعوة؛ ككل أحزاب العالم، والقبول بأدوات الفرز الديمقراطي للمؤتمر والقيادة والشورى ولجان العمل؛ مهما كانت نتائجه؛ بصرف النظر عن توجهات أعضائها، إضافة الى إعادة تدوين صلاحيات هيئات الانضباط الحزبي والإشراف والرقابة والمحاسبة في النظام الداخلي للحزب.

2- تنظيم علاقة الحزب بالشرعية الدينية العليا؛ سواء المرجعية النجفية العليا أو ولاية الفقيه؛ لتكون قوة عليا ضاغطة تمنع أي تصدع وتفكك.

3- تنظيم علاقة الحزب وقيادته وأعضائه بالسلطة والحكم والدولة العراقية، ووضع ضوابط ضاغطة في هذا المجال تحول دون تكرار ما حصل في آب/ أغسطس من العام 2014.

4- التأسيس لإطار تنظيمي مشترك يجمع التنظيمات والأجنجة الخمسة التي تنتسب لمدرسة حزب الدعوة شكلاً ومضموناً؛ وصولاً الى إعادة اندماج بعضها أو التنسيق الكامل بينها سياسياً وإعلامياً. 

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

علي المؤمن: أهم الإنشقاقات والتصدعات في حزب الدعوة (33)

ali almomenنقدم هنا توصيفياً لمظاهر الخروج والانشقاق في حزب الدعوة، مع التأكيد على أن معظم أسبابها وعللها لا تزال قائمة ومهددة كما ذكرنا سابقاً:

1- أول خروج رأسي من الحزب كان عام 1959؛ هو خروج محمد صادق القاموسي أحد المؤسسين، ولم يكن بسبب خلاف فكري أو سياسي؛ بل بسبب تفضيل القاموسي التفرغ للعمل في إطار جمعية «منتدى النشر» في النجف الأشرف.

2- أول خروج شبه جماعي عام 1961؛ هو خروج ثلاثة من المؤسسين: السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الحكيم.

3- أول انشقاق كان يهدد وجود الحزب هو انشقاق السيد طالب الرفاعي والشيخ عبد الهادي الفضلي والسيد عدنان البكاء وجماعة معهم؛ عامي 1963 و1964؛ بعد خروج السيد مرتضى العسكري من قيادة الحزب وإعادة هيكليتها. وتقرر أن تكون القيادة مؤلفة من: عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي والشيخ عارف البصري والشيخ عبد الهادي الفضلي، إلّا أن الأخير كان يصر على أن يكون علماء الدين في القيادة ثلاثة وليس اثنين. وكان الشيخ الفضلي يمثل تنظيم النجف ويعبر عن توجهات الاجتماع الديني النجفي، ويدعمه عدد من علماء الدين من تنظيم النجف؛ أبرزهم السيد طالب الرفاعي والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد عدنان البكاء، بينما كان الثنائي القيادي السبيتي ودخيل يعبِّران عن فعل حزبي صرف؛ لا يفرق بين عالم دين وغيره. وجرت محاولات من الطرفين لإقصاء بعضهما من القيادة بعد أن تحول الى المنشقون الى تنظيم مستقل لحوالي عام تقريباً؛ إلا أن تدخل السيد محمد باقر الصدر بمساعدة السيد مرتضى العسكري؛ وضع نهاية للخلاف، والتئم شمل التنظيمين؛ إلّا أن الفضلي لم يلتحق بالقيادة وفضّل البقاء ضمن تنظيمات النجف.

 

ضغط الإجتماع الديني النجفي

4- الانشقاق في تنظيم الحزب في منطقة الكرادة الشرقية ببغداد؛ الذي قاده السيد سامي البدري في عام 1966؛ بسبب خلافه مع مسؤوله الشيخ عارف البصري، ورغبته في صلاحيات داخل تنظيم جامعة بغداد، وفي تعميق الجانب العقيدي المذهبي في فكر "الدعوة". وائتلف جماعة البدري بجماعة بغدادية تدعى الحركة الإسلامية تضم أعضاء منشقين من منظمة العقائديين، وانتهى الإئتلاف الى تأسيس مجموعة جديدة تبلورت عام 1979 بتنظيم "جند الإمام" .

5- خروج عدد من مؤسسي وقيادات وكوادر الدعوة في الفترة من العام 1969 وحتى العام 1971؛ أبرزهم السيد طالب الرفاعي في العام 1969؛ إثر سفره الى مصر ممثلاً المرجعية الدينية النجفية، والشيخ عبد الهادي الفضلي في العام 1971؛ إثر استقراره في بلده الأصلي السعودية، والسيد عدنان البكاء في العام 1971؛ إثر موجة الإعتقالات التي شنها النظام البعثي ضد حزب الدعوة.

وبخروج الرفاعي من الحزب؛ ثم اعتقال عبد الصاحب دخيل واعدامه العام 1972؛ يكون ستة من المؤسسين قد غادروا الحزب حتى عام 1972؛ أربعة منهم أصحاب الفكرة الأولى: السيد محمد مهدي الحكيم، السيد محمد باقر الصدر والسيد طالب الرفاعي وعبد الصاحب دخيل، وبقي من المؤسسين داخل التنظيم أربعة فقط من مجموع عشرة: السيد مرتضى العسكري، صالح الأديب، السيد حسن شبر والدكتور جابر العطا، وهي ظاهرة غير مسبوقة في الأحزاب؛ أن يخرج من الجماعة أصحاب الفكرة المؤسسة لها؛ ولكن إذا وعينا ضغوطات الاجتماع الديني النجفي؛ الذي ينتمي اليه خمسة من مجموع الستة المغادرين؛ سنفهم أن خروجهم يشكل حدثاً طبيعياً ينسجم مع طبيعة انتمائهم الأصلي للاجتماع الديني النجفي، وكون انتمائهم للحزب هو انتماء فرعي أو مكمل، وبالتالي لم يكون خروجهم من التنظيم خروجاً على الحزب وفكره وسياسته وسلوكه؛ بل تحت ضغط عامل خارجي يمثل انتماءهم الأصلي.

 

الإنشقاق الأهم وهيمنة خط الفقهاء

6- الانشقاق الفكري والسياسي الذي بقي متفاعلاً طيلة عامي  1980و1981، وهو الأهم في تاريخ حزب الدعوة، والذي انتهى بالانتخابات الحزبية التي جرت في مؤتمر الشهيد الصدر في طهران في عام 1981، ولم يحضره القيادي التاريخي محمد هادي السبيتي ومن يمثل خطه من قياديين وكوادر؛ أبرزهم الشيخ علي الكوراني. وكان الحزب خلال مرحلة الإنشقاق قد توزع بين ثلاثة أجنحة:

الأول؛ عرف بـ «جماعة الكوراني» أو «خط البصرة»؛ لانتماء الغالبية الساحقة من أعضائه لتنظيم الحزب في البصرة، ومن أبرز قيادييه الى جانب الشيخ علي الكوراني: عز الدين سليم (عبد الزهرة عثمان ) والدكتور كاظم التميمي والسيد عبد الأمير علي خان. وهم امتداد خط محمد هادي السبيتي في حزب الدعوة.

الثاني؛ عُرف بـ «جماعة الآصفي»، ويضم الى جانب الشيخ محمد مهدي الآصفي مجموعة الفقهاء؛ ولاسيما السيد كاظم الحائري والشيخ محمد علي التسخيري، ويدعمهم السيد مرتضى العسكري والسيد محمد حسين فضل الله ومعظم علماء الدين من تلاميذ السيد محمد باقر الصدر والسيد الخوئي.

الثالث؛ كان على الحياد تقريباً؛ وفيه شخصيات تاريخية؛ كمحمد صالح الأديب والسيد حسن شبر وعبود آل راضي والسيد هاشم الموسوي، وكوادر شابة سطع نجمها حديثاً كالدكتور إبراهيم الجعفري وعلي الأديب، إضافة الى القيادات غير العراقية؛ ولاسيما اللبنانية.

ويمثل هذا الانقسام امتداداً للخلاف الفكري والتنظيمي القديم في مرحلة الكويت بين القياديين القويين في الحزب الشيخ محمد مهدي الآصفي الذي يمثل منهجية (الدعوة ) وخط الفقهاء، والشيخ علي الكوراني الذي يمثل منهجية (الحزب) وخط محمد هادي السبيتي وغير المعممين.

وعلى الرغم من أن الأجنحة الثلاثة قد دعيت لمؤتمر الدعوة العام ( مؤتمر الشهيد الصدر)؛ إلّا أن جناح الشيخ الكوراني لم يحضر ولم يشارك في المؤتمر ولم يعترف بنتائجها ولا بقرارات المؤتمر؛ بما ذلك الإنتخابات؛ بينما كان جناح الآصفي فاعلاً في المؤتمر؛ فضلاً عن اشتراك جميع شخصيات وكوادر الجناح الحيادي. وأسفر المؤتمر عن تسمية (12) شخصاً للقيادة العامة؛ بينهم سبع شخصيات تم انتخابها انتخاباً مباشراً؛ هي: السيد كاظم الحائري ( فقيه الدعوة؛ بالتزكية حسب النظام الداخلي)، الشيخ محمد مهدي الآصفي والسيد حسن شبر ومحمد صالح الأديب والسيد هاشم الموسوي والدكتور إبراهيم الجعفري وعبود آل راضي، وخمس شخصيات أخرى من الأقاليم الأخرى التي لا تزال تعيش حالة السرية ولم تشترك في الإنتخابات؛ كالشيخ صبحي الطفيلي والشيخ عيسى قاسم؛  ليكون العدد اثني عشر شخصاً، وهي أول قيادة منتخبة في تاريخ الحزب.

ومثّل تشكيل القيادة الجديدة نهاية واقعية للجدل الكبير المزمن داخل «الدعوة»؛ ولا سيما بعد كتابة القيادة الجديدة لأول نظام داخلي في تاريخ الحزب وإقراره عام 1982. وبموجبه أصدر فقيه الحزب السيد كاظم الحائري حكماً شرعياً يحرم بموجبه استخدام اسم حزب الدعوة الإسلامية إلّا من التنظيم الذي يتبع القيادة الجديدة المنتخبة حصراً ويعمل على وفق النظام الداخلي الجديد.

ونتج عن ذلك تجميع جناح الكوراني أو خط البصرة لعناصره في إطار تنظيم جديد؛ أسموه فيما بعد بـ «حركة الدعوة الإسلامية» التي ظل عز الدين سليم (عبد الزهرة عثمان) يقودها حتى اغتياله عام 2004، وانكمشت الحركة وتعرضت للانشقاق بعد ذلك. وقد جرت عدة محاولات لرأب الصدع بين الطرفين؛ كان يقودها غالباً السيد مرتضى العسكري وغيره، وكاد بعضها ينجح؛ بل تم استئنافها حتى بعد عام 2003؛ إلّا أنها انتهت الى طريق مسدود.

 

انشقاقات إقليمية

7- انشقاق إقليم حزب الدعوة في لبنان في عام 1981؛ وهو انشقاق إشكالي مهم يختلف عن أسباب حل تنظيمات الدعوة في البلدان الأخرى، وانتهى الانشقاق الى تأسيس حزب الله؛ الذي قادته وشكّلت كيانه التنظيمي قيادات وكوادر حزب الدعوة السابقين؛ كالشيخ صبحي الطفيلي والسيد عباس الموسوي ومحمد رعد وحمود الخنسا ومحمود قماطي والشيخ حسين كوراني والشيخ محمد يزبك والشيخ نعيم قاسم والسيد حسن نصر الله وآخرين.

8- انشقاق في تنظيم حزب الدعوة في البحرين عام 1981؛ تبلور فيما كان يعرف بـ "خط  الإمام".

9- انشقاق في تنظيم حزب الدعوة في المنطقة الشرقية بالسعودية في عام 1981؛ انتهى الى تأسيس "حزب الله الحجاز"

10- انشقاق في لجنة الكويت الخاصة بتنظيم الدعاة العراقيين، وفي تنظيم حزب الدعوة في الكويت الخاص بالدعاة الكويتيين خلال عامي 1981 و 1982، وشكّل بعضهم تنظيم "حزب الله" الكويت، وهو انشقاق خطير؛  تسبب في إشكاليات كبيرة أُقحم حزب الدعوة فيها؛ ولا سيما ما يتعلق بسلسلة التفجيرات التي طالت المصالح الكويتية خلال عامي 1983 و1985، وهي تفجيرات لم يكن حزب الدعوة مسؤولاً عنها، ولاتعلم بها قيادته، ولكنها نسبت الى حزب الدعوة بسبب اتهام بعض أعضاء الدعوة المنشقين فيها. وقد انحل تنظيم "حزب الله الكويت" بعد بضع سنوات.

 

تأسيس "قوات بدر"

11- انشقاق قياديين وكوادر في الجناح العسكري؛ بعد فشل المحاولة الانقلابية التي قادها حزب الدعوة عام 1981 انطلاقا من منطقة «جيزاني الجول» بمحافظة ديالى، وكان أبرز المنشقين عضو القيادة التنفيذية المنحلة مهدي عبد مهدي (أبو زينب الخالصي)، وانتهى الإنشقاق الى تأسيس تنظيم "مجاهدو الثورة الإسلامية في العراق"، ثم التحاقهم بنواة تأسيس "قوات بدر"، ثم تأسيس «قوات سيد الشهداء» ثم " الحركة الإسلامية في العراق" وجناحها العسكري "كتائب الإمام علي".

12- انشقاق عدد من كوادر الجناح العسكري للدعوة ( قوات الشهيد الصدر ) في نهاية 1982 ومطلع 1983؛ بينهم عدنان ابراهيم (أبو علي البصري) أول قائد لـ "فيلق بدر" والتحق بهم هادي العامري ثالث قائد لـ "بدر"، ثم جمال جعفر الإبراهيمي (أبو مهدي المهندس) الذي انشق مع مجموعة من الدعاة في الفترة نفسها عن تنظيم الحزب في الكويت. وكذلك التحق بهم مهدي عبد مهدي الذي سبق أن انشق مع آخرين عام 1982.

جدير بالإشارة الى أن الانشقاقات المذكورة من 7 الى 12؛ لها علاقة بقناعات سياسية فكرية مستجدة للدعاة الخارجين على الحزب؛ تتركز حول منهجية العلاقة بالجمهورية الإسلامية وتبني مبدأ ولاية الفقيه، ورافقت هذه القناعات تأثيرات العامل الخارجي المتمثل ببعض الأجهزة الثورية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتحديداً قوات الحرس الثوري.

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

علي المؤمن: ظاهرة الإنشقاقات في حزب الدعوة الإسلامية (32)

ali almomenالأسباب العامة للإنشقاق في الجماعات: الأسباب العامة للانشقاقات والتصدعات في الجماعات عموماً، و كيان حزب الدعوة الإسلامية، وكل الكيانات التي تشابهه في المنهج الفكري والنظمي خصوصاً؛ هي أسباب إنسانية ومنهجية عامة. ومن فرضياتها:

1-  إن الانشقاق والتمرد والخروج والتساقط ظاهرة انسانية طبيعية؛ بدأت مع وجود البشرية على الأرض، وكان أول انشقاق هو الذي حصل في بيت آدم (انشقاق قابيل).

2- إن الانشقاقات تكثر في الجماعات الايديولوجية (إسلامية، عنصرية، ماركسية...)، وتزداد كلما ارتفع منسوب الايديولوجيا؛ لأن الايديولوجيا تنطلق من مفهوم احتكار الحق والحقيقة (دوغماتيزم)، بينما تقل الانشقاقات في الجماعات الليبرالية والمصلحية؛ لأنها تتعامل مع مفهوم الحق بوصفه نسبياً ومتعدداً (بلوراليزم)، وتتحمل الخلافات الداخلية ووجود الأجنحة والتكتلات داخلها، وتضيق الجماعات الايديولوجية ذرعاً بالخلافات الداخلية ولا تتحملها، وتحولها الى صراعات ومعارك وانشقاقات؛ لأن كل مجموعة فرعية داخل الجماعة الايديولوجية تدعي امتلاك الحق المطلق الذي يسوغ لها التمرد والتشهير والتهجم والخروج والدم وانتهاك الحرمات؛ فاختلافها تعارضٌ يمنع الاجتماع، ومثال ذلك الانشقاقات الهائلة في صفوف المسلمين منذ وفاة الرسول (ص) وحتى الآن، والتي تفوق كل الأديان والعقائد الأخرى؛ لأن الإسلام هو أكثر العقائد حزماً في الجانب الايديولوجي؛ رغم أن العقيدة الإسلامية هي عقيدة تآلف قلوب وأنفس ووحدة أفكار وتضامن مجتمعي، وكونها تنطوي على كوابح قوية تمنع الارتداد والتمرد والانشقاق.

وبالنتيجة؛ فإن نسبة الايديولوجيا في الأحزاب سيف ذو حدين؛ فكلما ارتفع منسوب الايديولوجيا ارتفع منسوب الخروج على الحزب، ولكن في الوقت نفسه فإن الايديولوجيا المنظمة فكرياً والمدونة بمنهجية استدلالية؛ كفيلة باستمرار حياة الحزب وديمومته، ونرى هذه الظاهرة بوضوح في الأحزاب العراقية الايديولوجية الثلاثة: الحزب الشيوعي، حزب البعث وحزب الدعوة؛ فهي أكثر الأحزاب العراقية تعرضاً للانشقاق منذ تأسيسها؛ ولكنها استمرت بفاعلية ولا تزال قوية في حواضنها الاجتماعية؛ بالرغم من أن متوسط عمرها هو سبعون عاماً.

واللافت أن أعضاء الأحزاب الايديولوجية هم أكثر شعوراً بالمسؤولية تجاه أحزابهم قياساً بأعضاء الأحزاب الليبرالية والنفعية، وأكثر تضحية من أجلها ومن أجل أهدافها.

3- تتشظى الجماعات الايديولوجية في ظل عدم وجود قيادة كارزمية قوية تمسك بخيوط الجماعة، وتشكل عقلاً مركزياً جامعاً، أو في ظل عدم وجود مرجعية عليا روحية تتدخل وتردع وتوجه.

 

الأسباب الخاصة للإنشقاقات في حزب الدعوة

أما الأسباب التفصيلية الخاصة بظاهرة الانشقاق والإنقطاع والتصدع والتساقط في حزب الدعوة الإسلامية؛ فيمكن تلخيصها بما يلي:

1- إن حزب الدعوة الإسلامية هو حزب ايديولوجي تنطبق عليه الفرضيتان السابقتان (2 و3)، والعامل الايديولوجي هو عامل ذاتي بنيوي أساس، وتأثيره في الانشقاق أقوى من العوامل الخارجية. ومن أهم مخرجاته مزاعم الأفراد والمجموعات المنسجمة فكرياً ومزاجياً ومصلحياً داخل “الدعوة”؛ تمثيل الحزب وفكره وسلوكه، واحتكار هذا الحق.

2-  إن حزب الدعوة الإسلامية - من وجهة نظر علم الاجتماع الديني - نشأ في بيئة ضاغطة على أعضائه وطاحنة لانتماءاتهم الفرعية، وتعتمد معادلات معقدة وصعبة، وهي البيئة النجفية الخاضعة لمعادلات المرجعيات والبيوتات والبرانيات والشأنيات، فكان الانتماء لحزب الدعوة يشكل انتماءً فرعياً لعلماء الدين من أبناء الاجتماع الديني النجفي، وليس انتماء أصلياً؛ على عكس انتماء غير المعممين أو المعممين من خارج الاجتماع الديني النجفي؛ فعندما يوضع عالم الدين المنتمي الى الإجتماع الديني النجفي؛ بين خيار الانتماء للحزب وخيار الإنتماء لاجتماعه الديني الأصلي؛ فإنه يختار الأخير؛ لأنه انتماؤه الأصلي والأساس، وهي حالة لا تزال قائمة؛ أي أنها ليست ظاهرة تاريخية في حزب الدعوة.

ولم يتخلص حزب الدعوة من الضغط الهائل للاجتماع الديني النجفي إلّا حينما انتقلت القيادة الى بغداد؛ وتحديداً حين هيمن عليها غير علماء الدين بعد عام 1963. ولو بقي الحزب في النجف قيادة وفكراً وسلوكاً؛ فسيبقى محاصراً بقواعد الاجتماع الديني النجفي؛ ولتحجّم قبل أن يبلغ عامه الخامس؛ لأن الصدام في المساحات المشتركة كان سيأتي لا محال. ولكن في الوقت نفسه؛ حمل التخلص النسبي للحزب من ضغط الاجتماع الديني النجفي؛ حمل معه بذور انشقاقات جديدة، وخلق حالات من الضبابية في انتماء شخصية الحزب الى تفاصيل عقيدة أهل البيت؛ استمرت حتى عام 1975؛ وهو العام الذي جهر فيه حزب الدعوة بانتمائه لكل تفاصيل مذهب آل البيت. ثم عاد الحزب بعد سقوط نظام البعث عام 2003 الى ضغط الاجتماع الديني النجفي، والذي لن يتخلص منه إلّا بتنظيمه وتقنينه؛ بما ينسجم والمنظومة الإجتماعية الدينية الشيعية الأصلية؛ سواء في ظهورها المرجعي أو الولائي.

 

غياب القيادة المهيمنة

3-  طبيعة القيادة الجماعية ونوعية الهيكلية التنظيمية، وعدم وجود قيادة كارزمية ضاغطة مهيمنة؛ في ظل منظومة نفسية اجتماعية عراقية عربية شرقية؛ تعيش رواسب البداوة والريف؛ ظلت ثغرة تنفد من خلالها عوامل الانشقاق والتصدع؛ بينما تقل هذه الظاهرة في ظل وجود قيادة ضاغطة مهيمنة تستمد قوتها من طبيعة البيئة المجتمعية التي تتماهى مع هكذا قيادة وتذعن لها.

4- عدم وجود مرجعية عليا للحزب وقيادته؛ تعمل على حل الخلافات وتردع المخطئين؛ كأن تكون ولاية فقهية أو مرجعية دينية، أو على أقدر تقدير هيئة إرشادية تحكيمية عليا تكون خارج إطار قيادة الحزب والدولة؛ شبيهة بالهيئة الشرعية في حزب الله لبنان، او المجلس العلمائي الراعي لحركة الوفاق في البحرين، وهو ما ينسجم مع طبيعة النظام الاجتماعي الديني الشيعي.

5-  تأثير الفكر التربوي لحزب الدعوة على الداعية، وأساليب صقل شخصيته كـ (قائد في الأمة)؛ وصولاً الى تحوله لواحد من قادة الأمة بوصفه من نخبة الدعوة القائدة للأمة، وخلق حالة المسؤولية لديه تجاه "الدعوة"؛ كونه (دعوة تمشي على قدمين)، وغيرها من مفاهيم كبيرة ومصطلحات أكبر؛ ربما تحفز الداعية على الفعل وتدفعه للعمل والإنتاج والعطاء؛ ولكنها في الوقت نفسه تتسبب في حالات انتفاخ وتعالي لاشعورية ولا إرادية؛ لا ينفع مع بعضها أساليب التهذيب والإرشاد ومواعظ التواضع. ومن جانب آخر فإن الداعية حين يتفاعل وينشط ويقدم؛ ثم يريد ممارسة دور القائد والمسؤول داخل الحزب؛ فإنه يكتشف أنه ليس قيادياً ولا مسؤولاً، ولا يمثل "الدعوة"، ولا (دعوة تمشي على قدمين)؛ بل أن “الدعوة” هي مجموعة القيادات والكوادر التاريخية حصراً، وهذا ما يجعله يتمرد وينشق ويتكتل؛ أما حفاظاً على تاريخه وحضوره في حزب الدعوة من الضياع، أو شعوراً بالمسؤولية تجاه "الدعوة"؛ جراء ما يعتقده أخطاء لدى القيادة.

 

مصالح وتفسيرات

6- الاختلاف في المصالح الشخصية وفي أساليب إدارة المواقع وتسنمها؛ سواء على مستوى المواقع الحزبية أو مناصب الدولة، ويلعب اختلاف الأمزجة وعدم القدرة على تطويعها دوراً مهماً في هذا المجال. ثم في مرحلة الدولة برزت ظاهرة التداخل والجمع بين المسؤوليات التنظيمية والمسؤوليات الحكومية لتلعب دوراً سلبياً أيضاً في الخلافات الشخصية؛ ولاسيما أن الأغلبية الساحقة من الدعاة دخلوا في دوامة العمل الحكومي في العراق بعد عام 2003.

7- التفسيرات والقراءات المـختلفة والمتعارضة للأفكار والأحداث والوقائع المستجدة، وتبني بعض الدعاة أفكار جديدة تتعارض مع الفكر التاريخي للدعوة أو ما نستطيع أن نسميه بالثوابت والتابوات؛ بصورة إفراط وتفريط وعدم توازن. ومن هذه الأفكار المتعارضة: التمسك بقيادة علماء الدين والالتزام بأوامر المرجعية الدينية والذوبان في مؤسسات ولاية الفقيه، أو ما يعاكسها في الاتجاه؛ أي تبني الانتماء الوطني حصراً، والإيمان بالليبرالية والديمقراطية (كفلسفتين وسلوكين سياسيين)، والابتعاد عن قيادة علماء الدين، وظل هذا العامل فاعلاً منذ عام 1979 وحتى الآن؛ بسبب عدم حسم حزب الدعوة موقفه الفكري والسياسي في كثير من الملفات، وتركها لعنصر الفعل ورد الفعل.

8- العامل الخارجي المهم، الذي برز بعد قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو عامل مهم جداً؛ تسبب في تصدعات وانشقاقات عديدة؛ سواء في تنظيم «الدعوة» العالمي أو تنظيم «الدعوة» العراقي، وكان هذا العامل يجد بيئات ملائمة داخل الحزب؛ تتماهى مع النموذج الفقهي والفكري والسياسي والسلوكي الذي تطرحه الأجهزة الثورية في الجمهورية الإسلامية، وقد خفّ تأثير هذا العامل كثيراً بعد عام 2003.

وقد ظلت هذه العوامل (الثمانية) الخاصة؛ تتحوّل بسرعة من القوة الى الفعل بسبب عدم تحمل الخلاف في الرأي والموقف والقراءة داخل الحزب؛ بل يؤدي الخلاف غالباً الى صراع داخلي وتراشق متبادل بالتقصير، ثم انشقاق او خروج فردي او جماعي.

 

أجنحة حزب الدعوة الحالية

هناك ثلاثة أنواع من الانشقاقات الحزبية؛ الفردية والجماعية:

الأول: خروج على القيادة والتنظيم.

الثاني: خروج على النظرية والفكر.

الثالث: خروج على التنظيم والفكر والمنهج معاً.

وقد شهد حزب الدعوة عدداً كبيراً من حالات الخروج الفردية منذ تأسيسه؛ على خلفية تغيير المسار الفكري أو العملي لهؤلاء الأفراد، أو الخلاف مع القيادة، إضافة الى سبع حالات انشقاق؛ لا يزال أربعة منها قائماً الى جانب الحزب الأم.

ويتوزع "الدعاة" حالياً على خمسة تنظيمات؛ تمثل أجنحة مدرسة حزب الدعوة الإسلامية:

1- "حزب الدعوة الإسلامية"؛ أمينه العام نوري المالكي، وهو الحزب الأم؛ أي التنظيم الأكبر حجماً والأهم نوعاً، والذي تجتمع فيه معظم قيادات الحزب التاريخية ورعيله الأول وكوادره الأساسيين. وينتمي اليه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي ورئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، ويترأس أمينه العام نوري المالكي "ائتلاف دولة القانون"، الذي يعد أكبر ائتلاف سياسي حكومي في العراق منذ تأسيسه عام 2009،  كما يترأس القيادي في الحزب علي الأديب كتلة ائتلاف دولة القانون في البرلمان العراق الذي يضم حوالي ( 103) نائباً، وهي الكتلة الإئتلافية الأكبر في البرلمان بعد عام 2014،  ويمتلك الحزب أكبر كتلة حزبية في البرلمان هي "كتلة الدعوة" التي تضم ( 56 ) نائباً يرأسها عضو مجلس شورى الحزب الدكتور خلف عبد الصمد.

وقد تعرض حزب الدعوة (الأم) الى تصدع خطير في أعقاب قضية استبدال قيادة الحزب مرشح الحزب لرئاسة الحكومة نوري المالكي بقيادي آخر هو حيدر العبادي، وتسبب ذلك في بروز ثلاثة توجهات (لم تبلغ مرحلة تحولها الى أجنحة) في الحزب:

أ‌- توجه الأكثرية الذي يقوده الأمين العام نوري المالكي.

ب‌-  توجه الأقلية الذي يقوده رئيس الوزراء حيدر العبادي.

ت‌- التوجه المحايد الذي يبرز فيه علي الأديب.

كما تعرضت "كتلة الدعوة" الى التصدع والإنقسام الميداني بعد الإعتصامات البرلمانية المطالِبة بإقالة رئيس مجلس النواب العراقي، ووقوف جزء من أعضاء الكتلة الى جانب المطالبين بالإقالة وتشكيلهم ماعرف بـ "جبهة الإصلاح" التي تضم مايقرب من (100) برلماني من جميع الطوائف والقوميات؛ بينما كان الجزء الآخر من الكتلة خارج صفوف المعتصمين ولم ينضموا الى جبهة الإصلاح وبلغ هذا الإنقسام الرفوف العليا للحزب أيضاً؛ فكان رئيس "كتلة الدعوة" خلف عبد الصمد مع المعتصمين وضمن جبهة الإصلاحات، بينما لم يقف القيادي في الحزب علي الأديب رئيس "كتلة ائتلاف دولة القانون" في البرلمان مع المعتصمين. وكذلك لم يكن القيادي في الحزب ورئيس الوزراء حيدر العبادي مؤيداً للمعتصمين وجبهتهم؛ سيما وأن جزءاً منهم كان يدعو الى إقالة رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية أيضاً الى جانب رئيس البرلمان (الرئاسات الثلاثة).  وفي الوقت نفسه؛ عدّت "جبهة الإصلاح" نفسها قريبة من توجهات أمين عام الحزب نوري المالكي؛ الأمر الذي سمح للمالكي بالدخول وسيطاً بين الفرقاء وتطويق الإنقسامات.

2- "حزب الدعوة الإسلامية - تنظيم العراق"؛ أمينه العام السيد هاشم الموسوي، وهو ثاني أكبر تنظيم كماً ونوعاً بعد التنظيم الأم. ومن أبرز قادته الدكتور خضير الخزاعي نائب رئيس الجمهورية السابق، وهو جزء من "ائتلاف دولة القانون"، ولديها كتلة برلمانية ضمت بعد عام 2014 عشرة نواب ووزيرين في الحكومة.

3- "حزب الدعوة الإسلامية - تنظيم الداخل"؛ أمينه العام عبد الكريم العنزي؛ وزير الأمن الوطني الأسبق، وهو إنشقاق عن تنظيم العراق، ولديه عضو واحد في مجلس النواب بعد عام 2014، وهو جزء من "ائتلاف دولة القانون".

4- "تيار الإصلاح الوطني"؛ يرأسه الدكتور إبراهيم الجعفري؛ رئيس الوزراء الأسبق ووزير الخارجية الحالي، ولديه ستة أعضاء في البرلمان. ومن أبرز قادته فالح الفياض عضو المكتب السياسي لحزب الدعوة سابقاً ومستشار الأمن الوطني بعد عام 2009.

5- "حركة الدعوة الإسلامية"؛ التي كان يتزعمها عز الدين سليم؛ رئيس مجلس الحكم الإنتقالي الذي اغتيل في عام 2004. وهي أقل تنظيمات مدرسة الدعوة فاعلية على المستوى السياسي والحكومي بعد رحيل أمينه العام. لدى الحركة أعضاء في بعض مجالس المحافظات؛ ولاسيما في البصرة.

والتنظيمات الثلاثة الأولى التي تحمل اسم "الدعوة" متحالفة في إطار "إئتلاف دولة القانون"، وذات منهج فكري وتنظيمي واحد، وقريبة من بعضها سياسياً. أما تيار الإصلاح فمتحالف معها في إطار ائتلاف دولة القانون على مستوى مجالس المحافظات ( البرلمانات المحلية) فقط.

(يتبع)...

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

الأدب الرقمي بين النظرية والتطبيق (1)

jamil hamdaouiعرف الإنسان، عبر مساره التاريخي، أربع مراحل أو براديغمات (Paradigmes) فكرية أساسية، ويمكن حصرها فيما يلي:

- المرحلة الأسطورية: كان الإنسان القديم يفسر الأشياء ومظاهر الطبيعة تفسيرا خرافيا وميتولوجيا وأسطوريا لا أساس له من الصحة العلمية لغياب فكرة السببية والعلية المنطقية ؛

- المرحلة اللاهوتية: تتعلق بهيمنة الدين والتفكير اللاهوتي على ذهن الإنسان. وتتوافق هذه المرحلة بالضبط مع فترة العصور الوسطى التي عرفت بالتوفيق بين الدين والفلسفة، وتفسير كل شيء باسم الدين اللاهوتي.

- المرحلة الوضعية أو العلمية كما يسميها أوجست كونت (À. Comte) : تنقسم هذه المرحلة، بدورها، إلى المرحلة العلمية اليقينية المطلقة كما عند نيوتن (Newton)، وديكارت (Descartes)، وسبينوزا (Spinoza)، وليبنز (Leibniz)، ورواد العقلانية الكلاسيكية؛ والمرحلة العلمية الاحتمالية النسبية مع إنشتاين (Einstein)، وماكس بلانك (Max Blanc)، وهيزنبرج (Heisenberg)، وتسمى هذه المرحلة العلمية أيضا بالعقلانية المعاصرة التي ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر.

- المرحلة المعلوماتية أو الرقمية: رافقت هذه المرحلة اختراع الحاسوب أو الكومبيوتر الذي أحدث ثورة كوبيرنيكية مقارنة بالمراحل السابقة على مستوى تنظيم المعلومات وتحصيلها وتخزينها رقميا. وقد حققت هذه الثورة قطيعة وسائطية أو ميديولوجية (Médiologique) مع الثقافة الورقية ووسائلها التقليدية منذ منتصف الخمسينيات من القرن العشرين.

ومن هنا، يتناول كتابنا هذا مفهوم الأدب الرقمي وتطوره في الحقلين الثقافيين الغربي والعربي، بالتوقف عند مصطلحات الأدب الرقمي ومفاهيمه وتعاريفه المختلفة، مع تحديد مقوماته ومرتكزاته الأساسية. ولم ننس سياقه التاريخي الذي يستلزم منا تقديم فرش زماني ومكاني، يتتبع مختلف مراحل هذا الأدب ومساراته المختلفة من منتصف القرن الماضي إلى سنوات الألفية الثالثة، بتقديم مجموعة من التصورات النظرية والإجرائية التي رافقت تطور الحاسوب والوسائط الإعلامية والتفاعلية الرقمية والإلكترونية.

وبعد ذلك، قدمنا نظرة شاملة إلى الأدب الرقمي في إطاره الغربي من جهة، وفي إطاره العربي من جهة أخرى. والهدف من ذلك كله هو معرفة مكونات الأدب الرقمي وسماته وخصائصه ومميزاته الجوهرية والثانوية، و تحديد ما هو ثابت، وما هو متغير.

وقد طرحنا مقاربة نقدية عربية جديدة من أجل دراسة النصوص الأدبية والفنية والتخييلية ذات البعد الرقمي سميناها بالمقاربة الرقمية (Approche numérique)، أو المقاربة التفاعلية (Approche interactive)، أو المقاربة الوسائطية (Approche médiologique)، وقد وضعنا لها مجموعة من المبادئ والقواعد النظرية والإجرائية.

ونرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في هذا الكتاب المتواضع، و يسدد خطانا، ويرشدنا إلى ما فيه صالحنا، ونستغفره عن هفواتنا وكبواتنا وأخطائنا وزلاتنا.

 كما نستسمح القراء الأفاضل عما في هذا الكتاب من نقص وتقصير ونسيان، فالكمال والتمام من صفات سبحانه وتعالى جل شأنه وعلا، وما توفيقي إلا بالله.

 

د. جميل حمداوي

.......................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

 

الأدب الرقمي بين النظرية والتطبيق / د. جميل حمداوي

 

إصدار جديد للكاتب المغربي سعيد بودبوز

920-saedصدر حديثا عن دار الأيام للنشر والتوزيع بالأردن، كتاب "سيميائية المركز والهامش في الأدبي العربي المعاصر" للكاتب المغربي سعيد بودبوز. ويتكون الكتاب من 461 صفحة، ويقوم على دراسة أعمال 12 كاتبًا وكاتبة من مختلف الدول العربية، منها: المغرب، تونس، مصر، سوريا والعراق، في إطار تقييم الأدب العربي المعاصر، ويأتي الكتاب بعد إصدار الكاتب كتابًا منذ أشهر بعنوان "مورفولوجيا القصة الحديثة" عن "دار اليازوري" الأردنية للنشر والتوزيع.

 

عن الكاتب:

سعيد بودبوز كاتب وناقد مغربي من مدينة أكنول. أصدر كتابا في مجال النقد السيميولوجي بعنوان "بين ضفة السراء وضفة الضراء" في أواخر تموز 2011920-saed عن مطبعة سجلماسة بمكناس/المغرب، ولقد كتب الدكتور جميل حمداوي عنه دراسة قيمة بعنوان "النقد السيميولوجي بالمغرب-سعيد بودبوز نموذجا" نشرت بالعدد 9 من مجلة الرقيم العراقية. وكتب عنه الكاتب السوري عمران عز الدين أحمد مقالا بعنوان "هم الآن يكنسون الرذاذ على محك السيميائيات"، نشرتها جريدة "العرب" الصادرة بلندن. 

نُشرت لسعيد بودبوز العديد من النصوص والمقالات في العديد من المجلات والصحف المغربية والعربية، منها مجلة "العربي" الكويتية، مجلة "الهلال" المصرية، مجلة "الجوبة" السعودية، مجلة "الإمارات الثقافية"، "المجلة العربية" السعودية"، مجلة "حسمى" السعودية، مجلة "سيسرا" السعودية، مجلة "إشراق المصرية"، صحيفة "القدس العربي"، مجلة "رؤى" الليبية، مجلة "الرقيم" العراقية، جريدة "المستشار" العراقية، "مجلة الرافد"الاماراتية، صحيفة "الزمان" الدولية، مجلة "روز اليوسف" المصرية، جريدة "أكراو أمازيغ" المغربية، جريدة "تاويزا" المغربية، جريدة "الخبر" المغربية، جريدة "سايس أخبار" المغربية، جريدة "العرب " الصادرة بلندن (بريطانيا)، صحيفة "الثورة" السورية، صحيفة "المجلس الثقافي" الليبية، جريدة "الجريدة"، وصحيفة "بيان اليوم" المغربية. وعبر العديد من المواقع الرقمية.

ترجم له الشاعر الفلسطيني "منير مزيد" قصيدة بعنوان "قصيدة من الشعير" إلى اللغتين؛ الإنجليزية والرومانية، وهي القصيدة التي تم إدراجها في أنطولوجيا عربية تحمل عنوان "قلائد الذهب الشعرية".

***

 

 

صدور رواية المنسي لغريب عسقلاني

917-samihصدر حديثا عن دار كل شيء رواية "المنسي" للكاتب الروائي غريب عسقلاني، وتضم الرواية 160 صفحة من القطاع المتوسط، صمم غلاف رواية المنتسي الفنان الدكتور شفيق رضوان.

والمنسي رواية فيها نمط تجديدي حيث تعتمد على اللغة الشعرية والفنتازيا من خلال لجوء الكاتب إلى عدد من الحبكات يولفها لخدمة نص الرواية.

917-samihويقول الكاتب أن المنسي هو الفلسطيني الذي يعيش الغربة منذ غادر مسقط رأسه لاجئا الى بعض وطنه في غزة، ويعود إلى حكاية تغريبة الفلسطيني، للتراسل الفكري والوجداني مع ظله رضاء الخزامي، والرواية تتمرد على البنية التقليدية لاسطرة الحكاية مستندة الى مفردات الواقع والعمل على توليد ضفيرة روائية باستلهام حكايات الماضي.

يذكر ان غريب عسقلاني هو كاتب روائي فلسطيني يقيم في قطاع غزة صدر له عشرات الروايات والمجموعات القصصية، وقلده الرئيس محمود عباس وسام الثقافة والعلوم والفنون" مستوى الابتكار" ويعتبر الروائي غريب عسقلاني من الجيل الثاني من الأدباء الفلسطينيين منذ النكبة، وقد أثرى الحياة الثقافية الفلسطينية عبر مسيرته النضالية والثقافية الطويلة.  

 

الطفل والصورة: أية علاقة؟

jamil hamdaouiيعتبر العصر الذي نعيش فيه عصر الصورة بامتياز. والدليل على ذلك كثرة الصور التي تهيمن على حياتنا الخاصة والعامة، سواء أكانت صورا ثابتة أم متحركة. وقد أصبحت حضارتنا حضارة الصورة بكل المعاني، بما تحمله من ثقافة مرئية وبصرية تسم جميع مرافق الحياة الإنسانية من الأسرة حتى المؤسسات العمومية الصغرى والكبرى.

وقد تطورت الصورة كثيرا في مرحلة (مابعد الحداثة)، وقد رافقت تطور وسائل الإعلام، فأصبحت الصورة البصرية علامة سيميائية تشهد على تطور فلسفة مابعد الحداثة. ولم تعد اللغة هي المنظم الوحيد للحياة الإنسانية، بل أصبحت الصورة هي المحرك الأساس للتحصيل المعرفي، والوصول إلى الحقيقة النسبية. ولاغرو أن نجد جيل دولوز (Gilles Deleuze) - مثلا- يهتم بالصورة السينمائية ؛ إذ يقسمها إلى الصورة - الإدراك، والصورة - الانفعال، و الصورة - الفعل، ويعتبر العالم خداعا كخداع السينما للزمان والمكان، مادامت تخدع حواس الرؤية والإدراك والتبصر، ويبدو ذلك واضحا في كتابيه: (الصورة- الحركة) (1983م) ، و(الصورة- الزمان)  (1985م) .

ويعد الطفل أكثر الكائنات البشرية الحالية استهلاكا للصورة، في عالم تجاوز الحداثة إلى مابعد الحداثة. وقد هيمنت الصورة، بشكل طاغ، على الإنسان على جميع الأصعدة والمستويات. ومازالت هذه الصورة، إلى يومنا هذا، تمارس، بمختلف أنواعها، تأثيرا حقيقيا في سلوك الطفل وتصرفه ونمط تفكيره، سواء أكان ذلك التأثير سلبيا أم إيجابيا.

إذاً، ما مفهوم الصورة؟ وما أهمية الصورة بالنسبة للطفل؟ وما أنواع الصورة التي يتعرف إليها الطفل عبر مراحله العمرية؟ وما وظائف الصورة التي يتعامل معها الطفل؟ وما  علاقة الطفل بالصورة؟ وما أهم المقاربات التي تناولت علاقة الطفل بالصورة؟ وما أنواع الصورة التي يتعامل معها الطفل؟ وما إيجابيات الصورة وسلبياتها؟ وما أهم التوصيات والمقترحات التي يمكن الخروج بها للحد من آفات الصورة وسلبياتها الشائنة؟

هذا ما سوف نتعرف إليه في كتابنا المتواضع هذا، على أساس أن الصورة هي المحرك الفعلي لحضارتنا الراهنة. وهي كذلك وسيلة للتسلية والمتعة والفائدة. وبتعبير آخر، الصورة هي أداة للتأثير، والإمتاع، والإفادة، والحجاج، والإقناع، والحوار، والاقتناع...

و نرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في هذا الكتاب المتواضع، و يسدد خطانا، ويرشدنا إلى ما فيه صالحنا، ونستغفره عن هفواتنا وكبواتنا وأخطائنا وزلاتنا. كما نستسمح القراء الأفاضل عما في هذا الكتاب من نقص وتقصير ونسيان، فالكمال والتمام من صفات سبحانه وتعالى جل شأنه وعلا، وما توفيقي إلا بالله.

 

د. جميل حمداوي

.........................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

الطفل والصورة: أية علاقة؟ / د. جميل حمداوي

 

صدور كتاب: صفحات شباب بلا قيود وعذابات بلا حدود شواهد وشهود لسعد الأعرجي

916-salamصدر مؤخرا وعن دار اديان للطباعة والنشر، السماوة - العراق كتاب: (صفحات شباب بلا قيود وعذابات بلا حدود شواهد وشهود) لمؤلفه سعد نعيم حسن بهية الاعرجي، مواليد 1960 - السماوة

الكتاب يحتوي على 366 صفحة من القطع الوزيري

وقد بين مؤلفه ان الكتاب ينقل مشاهداته التاريخية التي عاصرها وعايشها والتي تنقل لاول مرة في تاريخ السماوة، وقد اعتبر الكتاب وثيقة يتحدث بكل تفاصيل ودقة لمرحلة التنظيم والجهاد والاستشهاد لحقبة من الزمن المرير الذي عاشته المدينة زمن النظام المباد والتي لم يطلع عليها اي شخص اخر او سمع بها من قبل، معززا بالشهادات والشهود .

916-salam وقد اوضح المؤلف وكما مبين في غلاف اصداره، انه رافق قادة الحركة الاسلامية في درب جهادهم وشاركهم محنتهم ومعاناتهم لم يشأ الله ان يرتحل ضمن صفوف قوافلهم ليبقى شاهدا يروي للاجيال عظمة وعنفوان اولئك الصحب لعل القادم من الانسان يتخذهم قدوة ويتعلم من ارواحهم، كيف يبني الارواح وكيف يؤسس لدولة العدل الالهي ارضية الاسوار الشامخة .

ولذكراهم كتب صفحات عن سيرتهم الجهادية وتنظيماتهم الحركية بانتماءاتهم المختلفة وارتباطاهم المتعددة وعن تضحياتهم ومعاناتهم وشراسة عدوهم وتحديهم لاساليبه الجهنمية وبيان مواقفهم الشجاعة ونشاطاتهم من السبعينيات وحتى مابعد سقوط الطاغية وبحسب الترتيب الزمني للاحداث مرورا بمحطات السجناء وترهيبهم وبابناء الشعبانية وبطولاتهم ومحتجزي رفحاء ومعاناتهم والاضرار التي لحقت بذويهم معززا بشواهد وشهود فاضحة ....

 

سلام البهية السماوي - ملبورن

 

  

 

فشل الإسلام السياسي وأحلام التيار العلماني العراقي (31)

ali almomenأود الإشارة هنا الى موضوع فرعي يتعلق برؤية الجماعات العلمانية للأحزاب الإسلامية الحاكمة وعلاقتها بفشل الدولة العراقية بعد عام 2003، هذه الحركات التي تعبر عن نفسها غالباً بالحراك المدني؛ هي خليط من الشيوعيين والقوميين العرب والعلمانيين المستقلين وبقايا النظام السابق وبعض المرتبطين بالكتل العلمانية السياسية الطامحة للمشاركة في البرلمان والحكومة، ولكل منه خلفياته ودوافعه وأهدافه الفكرية والسياسية في اتهام الإسلاميين بالفشل في إدارة العملية السياسية والدولة والحكومة، وفي المطالبة باستبدالهم بالعلمانيين والمدنيين والتكنوقراط؛ لأن هؤلاء أقدر على إنهاء أزمات العراق، ويضعون لافتة عريضة لهذه المطاليب عنوانها: «فشل الإسلام السياسي»؛ بسبب الايديولوجية الدينية المغلقة للإسلاميين، وانعدام خبرتهم بالحكم وإدارة الدولة، وفسادهم المالي، وارتباطهم بإيران.

 

تناقضات ووقائع

أرى أن هناك تناقضاً بين مطالب التيار العلماني المذكورة وبين مزاعم انتماء مكوناته الى الفكر الديمقراطي؛ فالعملية الديمقراطية تستند الى نتائج صناديق الاقتراع، وليس الى فعل العنف أو الاعتصامات أو التحريض على الاستبدال بالقوة. كما إن اتهام الإسلامي بالفشل، والعلماني أو التكنوقراط المستقل بحتمية النجاح لا يستند الى أي معيار علمي. أما الفساد فلا علاقة له بالايديولوجيا؛ لأنه حالة إنسانية عامة لا تقتصر على جماعة دون أخرى؛ مهما كان نوع انتمائها. ولكن يبقى من حق العلماني أن يحكم؛ كما الإسلامي، وهذا يرتبط بثقة الشعب وأصواته؛ بصرف النظر عن دوافع هذه الثقة وخلفياتها. وقد جربت جميع الجماعات حظوظها في الانتخابات؛ فكانت النتيجة دائما فوزاً ساحقاً للإسلاميين الشيعة؛ فإذا أخذنا الانتخابات البرلمانية

عام 2014؛ سنجد أن ائتلافين إسلاميين شيعيين عمودهما الفقري حزب الدعوة الإسلامية والمجلس الأعلى الإسلامي والتيار الصدري الإسلامي؛ حصدا أكثر من (170) مقعداً في البرلمان؛ بينما لم يحصد العلمانيون الشيعة من المنتمين الى عشرات التحالفات والائتلافات والكتل ذات الأسماء الكبيرة؛ أكثر من عشرة مقاعد.

 

خيارات العلمانيين لاستبعاد الإسلاميين

فما هو الإجراء في هذه الحالة ليُستبعد الإسلاميون عن الدولة والحكومة والوزارات ودوائر الدولة، ويستبدلون بالعلمانيين أو التكنوقراط المستقلين؟!.

هناك أربعة خيارات:

1- خيار استبدال الشعب العراقي والمجيء بشعب آخر؛ علماني التوجهات؛ لينتخب العلمانيين أو من يطلقوا على أنفسهم المدنيين، وهذا خيار مستحيل.

2- خيار تغيير معادلات الاجتماع الديني والثقافي والسياسي سلمياً لصالح التيارات العلمانية؛ فيتبعه تغييراً تلقائياً في توجهات الشعب العراقي، وهذا الخيار ممكن؛ لكنه يحتاج من العلمانيين الى عقود طويلة من العمل الشاق، بالتزامن مع توقف الإسلاميين عن أي فعل ثقافي واجتماعي وسياسي. وبالتالي فهو خيار بطيء وصعب التحقق وغير مضمون النجاح.

3- خيار تحالف العلمانيين مع قوة إسلامية شيعية كبيرة؛ سواء أحد الأحزاب الكبيرة الثلاث: حزب الدعوة، المجلس الأعلى والتيار الصدري، أو إحدى قوى المقاومة المسلحة الكبيرة الثلاث: منظمة بدر، كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق؛ تحت شعار الإصلاح والقضاء على الفساد ورفض المحاصصة وحكومة التكنوقراط. وبعد نجاح هذا التحالف في اكتساح الساحة السياسية بقوة الشارع وفرض الأمر الواقع؛ وصولاً الى استلام السلطة؛ تقوم الجبهة العلمانية بما تمتلكه من خبرة تراكمية ورثتها من العهد الجمهوري؛ بالانقلاب على الحليف الإسلامي واجتثاثه أسوة بالأحزاب الإسلامية الأخرى المجتثة سلفاً. وهذا الخيار ممكن أيضاً؛ ولكن تحققه في غاية الصعوبة؛ لأن الحركات الإسلامية لا يمكن أن تُستغفل أو تدخل في تحالفات تخسر من خلالها كل شيء، كما لا يمكنها الخروج ـ طوعاً أو كرهاً ـ عن خيمة المرجعية العليا وولاية الفقيه. وقد جرب العلمانيون حظوظهم في التحالف الميداني مع التيار الصدري في تظاهرات واعتصامات الأشهر الستة الأولى من عام 2016، واستطاعوا جر بعض جماهير التيار الصدري الى سلوكيات غير مقبولة قانونياً وسياسياً وإجتماعياً؛ إلّا أن العلمانيين اكتشفوا أنهم أقلية في العدد والعدة وسط أكثرية ساحقة من أنصار التيار الصدري؛ الذين يمثلون أكثرية مذهبية بالفطرة؛ لأن إنقيادهم للسيد مقتدى الصدر هو بدوافع مذهبية. كما اكتشف العلمانيون أن تأثيرهم ينتهي في الميدان ولا يرقى الى قطف الثمار سياسياً، وأن ركوب موجة التيار الصدري؛ ثم الإنقلاب عليه بعد تحقيق أهداف الإطاحة بالإسلاميين والعملية السياسية برمتها أمرٌ مستحيل؛ بل العكس هو الصحيح؛ إذ كانت نتائج التظاهرات والإعتصامات يحصدها التيار الصدري حصراً؛ إن كانت هناك نتائج.

4- خيار القوة والعنف. ويتمثل بحالتين:

أ- الانقلاب العسكري، والعودة الى عهود انقلابات العلمانيين في الأعوام 1958 و1963 و1964 و1968، وخلال ذلك يقوم الإنقلابيون العلمانيون بمنع جميع الإسلاميين من ممارسة العمل السياسي، واعتقال كثير منهم، وإعدام عدد مهم من رموزهم، وإغلاق باب المرجعية الدينية النجفية ومنعها من أي تدخل في الشأن العام؛ وصولاً الى إعادة العمل بالقرار 449 لعام 1980 الموقّع من صدام حسين، والقاضي بإعدام كل من ينتمي الى حزب الدعوة ويروج أفكاره ويعمل على تحقيق أهدافه، وبمعني آخر «اجتثاث الإسلاميين» وحاضنتهم الدينية.

ب-  الاحتلال العسكري الأجنبي والعودة الى عام 1921 حين استورد الإنجليز أميراً علمانياً سنياً غير عراقي ليحكم العراق ذا الأغلبية الشيعية المتدينة بدستور علماني؛ رداً على ثورة الشعب العراقي الوطنية الإسلامية في عام 1920 ومطالبتهم بحكم وطني إسلامي، ثم جاءت الحكومات العلمانية الطائفية الواحدة تلو الأخرى وهي تطبق تعاليم الإنجليز بالصيغ العلمانية الطائفية التي تكشف عنها قوانين وسلوكيات ياسين الهاشمي وساطع الحصري وغيرهما.

 

الإرث الدموي للعلمانيين

وأرى أن الخيار الأخير؛ أي خيار العنف؛ بحالتيه الانقلابية والإحتلالية هو الخيار الممكن الوحيد، لأن الأحزاب والجماعات العلمانية؛ سواء الليبرالية أو الماركسية أو القومية؛ لا تزدهر ولا تنمو ولا تستطيع فرض سيطرتها على الواقع السياسي والسلطة إلّا عبر سلطة القهر؛ سواء في ظل الإحتلال؛ كما حدث بعد العام 1917؛ حين هيمن العلمانيون الليبراليون (المحليون والمستوردون) على الحكم بالطائفية والتغريب والعمالة، أو في ظل الأنظمة العسكرية؛ كما حصل خلال الحكم العسكري القاسمي بعد عام 1958؛ حين هيمن العلمانيون الشيوعيون على الساحة السياسية بالعنف والترهيب وسحل الجثث، أو خلال الحكم العسكري العارفي حين هيمن العلمانيون القوميون الطائفيون على السلطة بالقمع والقتل وحروب الشوارع، أو خلال الحكم العسكري البعثي بعد عام 1968 حين تسلط العلمانيون البعثيون الطائفيون على مقدرات العراق بأبشع أساليب الإرهاب والإفساد والقتل الجماعي والتدمير الشامل للبلاد.

ربما يستطيع العلمانيون والمدنيون الحاليون الإستناد الى خياري الإحتلال والقهر المسلح الذين يمثلان إرث العلمانيين والمدنيين السلف؛ خلال مطالباتهم بإزاحة الإسلاميين عن الحكم، واستبدالهم بحكومة علمانية مدنية مستقلة؛ وإلّا فإن العملية الديمقراطية السلمية والانتخابات الحرة ستبقيان تدفعان الإسلاميين الشيعة الى قيادة الدولة والحكومة؛ لأنهم ثمرة معادلة الاجتماع السياسي والثقافي والديني العراقي، فالحركات الإسلامية العراقية؛ كحزب الدعوة والمجلس الأعلى والتيار الصدري وحزب الفضيلة ومنظمة بدر وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وغيرها؛ هي حركات لصيقة بالاجتماع الديني والسياسي والثقافي العراقي، وهي جزء أصيل منه، وليس طارئاً؛ بصرف النظر عن أدائها وممارساتها وسلوكيات أعضائها، وهذا الأداء هو ـ في الحقيقة ـ إفراز للواقع الاجتماعي؛ بكل سلبياته وإيجابياته.

 

الوجود الأصيل والطارئ

ومن هنا فإن وجود الحركات الإسلامية الشيعية والسنية، والحركات القومية العربية والكردية (في إطار المكون السني تحديداً)؛ هو تمظهر سياسي طبيعي للاجتماع العراقي، ولا علاقة لذلك بوجودها في السلطة أو عدمه، أو ما تقدمه للناس من خدمات وإنجازات؛ على العكس من الأحزاب الليبرالية والعلمانية غير الإسلامية وغير القومية؛ فهي طارئة على الإجتماع السياسي والثقافي العراقي، ومنفصلة عنه، ولا تهيمن إلّا في ظروف استثنائية؛ كالاحتلال والانقلاب العسكري.

وإذا كان هناك تفكير في إيجاد بدائل لحزب الدعوة والمجلس الأعلى العراقي والتيار الصدري ومنظمة بدر في الوسط الشيعي؛ فلن تكون البدائل غير أحزاب من النوع نفسه والشكل نفسه والمضمون نفسه والممارسة نفسها، ولن يكون البديل ليبرالياً وعلمانياً. وهكذا الأمر بالنسبة لحزب البعث وجماعة الاخوان المسلمين في الوسط السني العربي، والحزب الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني في الوسط السني الكردي؛ فهي أيضاً أحزاب لصيقة بالإجتماعين السياسيين العربي السني والكردي السني. ويمكن المقارنة في النفوذ السياسي لهذه الأحزاب في حواضنها الاجتماعية؛ من خلال نتائج الانتخابات المحلية والبرلمانية منذ 2003 وحتى الآن، وهو نفوذ طبيعي لا يرتبط بموضوعة السلطة واستغلال أدوات السلطة أو النفوذ الإيراني. ربما يكون لاستثمار هذه الأدوات وهذا الدعم دورٌ في رفع منسوب أصوات هذه الأحزاب؛ ولكنه ليس علة نفوذها أو سبباً له، وهذا ما تحدده توجهات الإجتماع السياسي والديني والثقافي العراقي بكل تفاصيله.

 

الواقع الشيعي

فالناخب الشيعي العربي والكردي والتركماني والشبكي يحمل توجهات مذهبية في الغالب، ويدين بالطاعة الى رمزيات دينية مذهبية؛ على رأسها المرجعية الدينية النجفية والحركات الإسلامية، ولا يمكن تغيير هذه الثقافة الأصيلة مطلقاً، والدليل أن اثنين وثمانين عاماً من ثقافة القهر التي مارسها الحكم الطائفي العنصري للدولة العراقية، وخمسة وثلاثين عاماً من ثقافة الاستحالة التي مارسها الحكم الشوفيني البعثي؛ سقطت كلها في لحظة واحدة من آذار عام 1991 (الانتفاضة الشعبانية)، ثم في نيسان عام 2003 (سقوط نظام صدام)؛ لأن بنية الاجتماع السياسي الشيعي العراقي قائمة على ركيزة دينية ثقافية نفسية تاريخية؛ أي أنه ليس تمظهراً سياسياً صرفاً؛ لكي نتوقع مجيء بدائل ليبرالية وعلمانية؛ بل هو خليط من الاجتماع الديني والاجتماع الثقافي والاجتماع السياسي.

 

بين السنّة والكرد

وهو ما ينطبق على توجهات الناخب السني العربي؛ فهي توجهات قومية مذهبية مركبة؛ ولذا تتوزع خياراته غالباً بين الجماعات الإسلامية والجماعات القومية. أما الناخب السني الكردي؛ فتوجهاته قومية غالباً؛ فلا يمكن أن ينتخب غير الأحزاب القومية الكردية؛ بل حتى الأحزاب الإسلامية والماركسية الكردية يتوزع انتماؤها بين العقيدة والقومية. ومن هنا يمكن للحركات الايديولوجية القومية العلمانية أن تنجح بقوة في الوسط السني العربي والكردي والتركماني؛ ولكنها لن تنجح في الوسط الشيعي العربي والكردي والتركماني. وبالتالي فإن الحديث عن بدائل عابرة للاجتماع السياسي الشيعي أو الاجتماع السني العربي أو الاجتماع السني الكردي؛ هو حديث تمنيات ورغبات لا أكثر.

ولا تقتصر مظاهر الاجتماع السياسي الشيعي على العراق وحسب؛ بل هي قائمة في كل البلدان الأخرى؛ من الهند وباكستان وأفغانستان وحتى ايران والبحرين والكويت ولبنان، ولا يمكن أن يكون العراق استثناء؛ لاسيما أنه يتصدر الاجتماع الديني الشيعي منذ أكثر من 1400 عاماً؛ هو عمر الإسلام في العراق.

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

قراءة استعراضية في كتاب الخلفية النصية الاسبانية والشعر العربي المعاصر .. بحث في التفاعل النصي

akeel alabodمدخل الى الكاتب والكتاب: المفكر الدكتور محمد عبد الرضا شياع، استاذ الادب المقارن وتحليل النص في الجامعات العربية، يستنبط علاقة الخلفية النصية الاسبانية بالشعر العربي المعاصر من خلال استقرائه لنصوص رموز مهمة في الادب العربي، ذلك على نمط البياتي، محمود درويش، السياب، وغيرهم، على أساس علاقة الدال والمدلول في السيميولوجيا، حيث يقترن الرمز اللوركي بمعناه الثوري في القصيدة العربية بمفهوم الثورة، والشهادة، والتضحية، ذلك وفقا لابعادها الزمانية والمكانية. الكتاب من تقديم الدكتور والمفكر سعيد يقطين، أستاذ التعليم العالي في جامعة محمد الخامس في مدينة الرباط، والكتاب باربعة فصول، وعدد صفحاته أربعمائة، وسبعين صفحة من الحجم الكبير ، اضافة الى الخلاصة، والملحق، ثم المصادر والمراجع- ذلك ما تستدعيه ضرورات الإضافات المهمة في البحث العلمي.

والكتاب من مطبوعات دمشق، تموز، لعام ٢٠١٣.

 

حول عنوان الكتاب:

  عنوان الكتاب يرتكز على ثلاثة مسميات مترابطة ومتلازمة، من خلالها، يفهم القاريء المحتويات، وما يريد المؤلف ان يقول، وهذه المسميات هي الخلفية النصية الاسبانية، الشعر العربي المعاصر، وبحث في التفاعل النصي. والذي تنوقش من قبل جيرار جينيت الذي أسس لمعناه،  كونه مفردة ومقولة مهمة اشتغل عليها المعنيون في الادب المقارن في"علم النص....جوليا كريستيفا المبتكرة الاولى لمصطلح التناص"ص١٣سطر١٢-١٣، ومصطلح التناص ورد في الأنماط الخمسة التي يرتكز عليها التفاعل النصي، وهي"١-التناص،٢- المناصة،٣- الميتانصية،٤- التعلق النصي،٥- معمارية النص".[1].

هنا يصبح من الضرورة الإشارة الى ان هنالك نصا، وتناصا بين نصين وتعاليا نصيا، وتفاعلا نصيا، والتفاعل يعني التعلق بنص اخر، من دون سرقة او احلال، كما ايضا يجب إعطاء القارىء فكرة واضحة عن أشكال التفاعل النصي من حيث الأبعاد الثلاثة" التفاعل النصي الذاتي، والتفاعل النصي الداخلي والتفاعل النصي الخارجي" [2].

وضرورة البحث في هذه الأشكال يدلنا على حيثيات التفاعل من حيث المستوى والمستوى الخاص، حيث كلاهما يخضعان الى لغة الكاتب وثقافته وارتباطه مع ثقافات نصوص اخرى وهذا مهم للناقد كونه يساعده على استدراج جوهر النص ونقاط التقائه مع النصوص الاخرى. [3].

 

بداية الكتاب

استهل الكاتب مؤلفه بالآية ١٣من سورة الحجرات" يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير"

والمقصود بحسب اختيار الآية الكريمة، ان المؤلف أراد ان يوظف النص القراني للبحث في موضوعة التفاعل النصي، بناء على نظرية التنوع الثقافي بين الشعوب، بمعنى انما اريد لهذه الشعوب ان تحكي تواريخ ابطالها ورموزها وفقا لهذه العلاقة المقدسة التي بها تتجاذب وتتأثر وتتفاعل رابطة الانتماء الإنساني.

اما إلاهداء، فقد كتب على شاكلة هذه المرارة التي بين جوانحها يصرخ الصبر؛ يستغيث بحثا عن فضاء امن بموجبه يتحول المغترب الى بطل، يبحث عن رفيق درب، به يستعين لمواصلة هذا الشوط الطويل من الالم- بهذه الصورة من الشقاء يكتب شياع لغته التي عنوانها هذه الأبجدية الموسيقية التي ترنيمتها مقولة اسمها الصبر، لذلك يصرخ بها بلوعة في اول الكتاب، لعله يستنجد برفيق غربته ليحيا متواصلا هكذا حاملا معه مناجاة مغترب في صحراء ليل طويل: "الى التي كانت تجرح أوتار الغربة بريشة الصبر".[4].

والسؤال هو من الذي جعل المؤلف يبحث في تناص هذه العلاقة التي أمواجها تعانقت، لتتشرنق في ابجدية هذا النوع من التلاحم بين النص الإسباني والشعر العربي، كيف استطاع صاحب البحث ان يكاشف حقيقة هذا النوع من التداخل، ينصت اليه، بكل تفاصيله، كيف استطاع محمد شياع ان ينقل لنا حيثيات هذا النوع من الأدلجة في الوعي الشعري بطريقة خاشعة منصتا الى ينبوع هذه الأيقونة التي من أقانيمها نشيد لوركا النموذج، والرمز ؛ ما هو الطريق الذي اعتمد عليه للكشف عن مفردات هذا النوع من التمازج والتلاقح بين الشعر الإسباني والقصيدة العربية؟

"يكشف الانتقال الى قراءة النموذج عبر تيماته الشعرية عن نقلة نوعية على مستوى الأداء الشعري، اذ يتحقق هذا الأداء في ممارسة العبور الذي وسم القصيدتين الاسبانية والعربية بميسمه، فهو عبور مرسوم بنياشين التجربة والمعاناة والتحول، عبور ممهور بدماء وجوع وقهر، انه المعادل الموضوعي للتجربة الإبداعية، فالواقع العربي يمر بمرحلة خطيرة، والشاعر ينزف ويحذر من السقوط والانهيار، وكذلك كان الإسباني"[5].

الموضوع يستقي ملامحه الحقيقية من المدخل الذي أراد المؤلف بحثه عبر مفهوم" علاقة الذات بالاخر" الذي نوقش من قبل الجابري محمد عابد في المعنى "الابستمولوجي"[6].

 اما المعنى الابستمولوجي فقد انطوى على كيفية توظيف مفردات الواقع بحسب التجارب الشعرية المتداخلة بين اسبانيا والعرب، باعتبار ان هنالك طريقا مفتوحا للسفر، هذا الطريق يحمل في بذوره لغة التوظيف الجغرافي والتاريخي للنص" هي تيمة عبور على الصعيدين الفردي والجماعي .. فالحياة كلها في حالة عبور دائم، هذا ما يتوئم الغجر والفجر: فالأول يمثل طفولة شعب، الحالة البدائية المندورة بالعبور الى زمن اخر، ووعي اخر، والثاني يمثل بداية يوم جديد"[7].

في التقديم الدكتور سعيد يقطين يتناول معنى التناص بناء على مفهوم التداخل بين النصوص؛ فهنالك ارتباطا بين النصوص على اساس مقتضيات ما تفرضه الحاجة الى القراءة، وعليه يصبح من الضروري التمييز بين النص، التناص، التأثير والتأثر بين الآداب والثقافات. "والتناص" معناه بحسب المقدم العلاقات بين النصوص، وعليه وبحسب "جيرار جينيت" نوقشت فكرة "المتعاليات النصية" لكي يتم إفراز وطرد شبح مخيف استحوذ كان له دور سيء في ارتكاس الابداع الأدبي- وهي قضية السرقات التي تعرض النص الى التهشم والإقصاء، كونه يمس حرمة وقدسية الابداع. ولذلك تجنبا للاختلاط كان لأطروحة الدكتور شياع أثر جميل في تعريف القارىء  بمعنى التفاعل النصي، والتي اعتمدت الترابط بين" الشعر العربي المعاصر بنظيره الإسباني"[8].

حيث ابتدأ المؤلف مقدمته عن الادب المقارن لكي يعطي فكرة عن مقدمة اشكالية، منها اختلفت الآراء، اوا نطلقت لتبيان المنحنيات المتماسة بين الآداب والثقافات المختلفة- موضوعة التناص، والتفاعل النصي التي تم تحديدها بحسب جنيت

على لسان المقدم بخمسة أنماط وهي:  "التناص، المناصة، الميتانصية، التعلق النصي، معمارية النص". والمقدمة ملخص واضح للفصول المتتالية للكتاب؛ حيث بها أعطى الدكتور شياع الملامح الموجزة والمفصلة للقاريء بما يتناسب وعنوان أطروحته.

الفصل الاول الذي عنوانه الرئيس التفاعل النصي: نحو مقاربة نظرية، موضوعاته بحسب التسلسل: سؤال الكتابة، ماهية النص، حركية العناصر النصية، انسجام النص، التناص، تعدد المقاربات التناصية، القيم التناصية، التفاعل النصي، أنماط التفاعل النصي، التناص، المناصة، الميتناصية، التعلق النصي، معمارية النص، أشكال التفاعل النصي، التفاعل النصي الذاتي، التفاعل النصي الداخلي، التفاعل النصي الخارجي، مستوى التفاعل النصي، المستوى العام، المستوى الخاص.

 

هنا قبل الولوج عبر بوابات المقدمة، كونها ملخص بفصول الكتاب، وما انطوى عليه المعنى التفصيلي للعنوان، لا بد من تبيان ان الفصل الاول من الكتاب لا يخلو من مناقشة "معنى الكتابة" باعتبارها تشبه في كينونتها لغة الإلهام الذي يلد من النفس، فيحرك لواعجها، لتصبح لغة الشاعر أشبه بمكنون إلهامي، يعيش، بل يحيا مع المشاعر، لعلها "الذات الكاتبة" تستخلص الذائقة ؛ ترتقي من خلالها الى طقوس الحكمة ومراتب الابداع. لذلك يقول المؤلف" لعل الفكرة العالقة في الاذهان تجسدت في ملفوظ" الإلهام" الذي يرجع تاريخه الى "هوميروس"[9].

   

ملخص الفصل الاول

من اهم مفاتيح الفصل الاول هو هذه العلاقة الترابطية التلازمية المتواترة بين الذات كمادة تحمل في كتلتها الفيزيائية صفة الوجود البشري من جانب، وارتباطها الوجداني مع الفعل الذي يحمل بين جوانحه لغتين من التفاعل، الاولى ترتبط مع الوعي،  والثانية ترتبط مع اللاوعي، والتاريخ مساحات متصلة تتفاعل في فضاءاتها التباسات الذات، صراعها مع الواقع وكينونتها التي عبرها تتجسد لغة النص. إذن لغة النص تتفتح آفاقها لترتبط مع مفردات الواقع ومكوناته هنا في هذا المكان، او ذاك، وتلك من بذورها تنبت ما يسمى بذرة النص، اي ماهيته الفيزيقية والميتافيزيقية؛ بمعنى عالمها الملموس الذي يتحاور مع مفردات الواقع عبر هذه الديمومة من التفاعل تارة، وعالمها اللاملموس الذي يتحاور مع مفردة الوعي التي بدورها تستبطن حركة التاريخ وانتماء لغة النص الى هذه الحركة. لذلك "علم النص" انطلاقا من "السيمائيات، كان قد نوقش من قبل "جوليا كريستيفا [التي تعد] من المع الباحثين في ماهية النص"، "ومقولة النص" بحسب سعيد يقطين " لا يمكن ان تحدد فقط على مستوى واحد، بل ان يحلل على مستويات عديدة مورفولوجية وتركيبية ودلالية وتداولية... وهذا يتطلب نظرية مركبة تستفيد من السوسيو-لسانيات والسايكولسانيات وغيرها"[10].

والسايكو مشتقة من سايكولوجي، بينما السوسيو من سوسيولوجي، بمعنى علم الاجتماع، وهذا البحث مهم في استكشاف الخلفيات النفسية والاجتماعية، والأخلاقية للشعوب، حيث عبر الثورات والمآثر ، يتم استكشاف الجانب الأسطوري للتضحيات، وهذا ما أشار اليه الباحث وهو في طريقه الى ربط الأنماط الخمسة للتفاعل النصي كما ورد.

ففي موضوعه أنماط التفاعل النصي  يؤكد شياع المعنى الخاص والعام لهذا التفاعل- "خمسة أنماط" ص٥٨ سطر ٥-٧"التناص، النصية المصاحبة، التوالد النصي، الميتانصية والمعمارية النصية"

بينما هنالك" يحدد جيرار جينيت-على قول سعيد يقطين-خمسة أنماط من التعاليات النصية وهي: التناص، والمناص، والميتانص، والنص اللاحق(التعليق النصي)، ومعمارية النص"[11].

 

قبل الانتقال الى الشطر الثاني من العنوان؛ الخلفية النصية الاسبانية،  أودّ الإشارة الى ان المؤلف استعان، اي بنى مؤلفه بناء على ترابط هذه الحيثيات مع بعضها على اساس مبدأ التفاعل بين ثقافة العصر من جانب وتاريخ التشكل النصي من جانب اخر، ذلك على اساس التفاعل الزمكاني، الذي يضاف اليه طريقة الوعي الفني لصاحب النص الجديد، والمعنى يشير الى رمزية البناء المعماري للقصيدة العربية وهي تستحضر مكونات الفن الأدبي للقصيدة الاسبانية كما هو مبين ومفصل في الفصل التالي.

الفصل الثاني، ومدخله الخلفية النصية الاسبانية وآفاق تفاعلاتها. وتتضمن بحسب السياق العصور الوسطى، أناشيد المفاخر، اغاني الميوثيد، مدرسة طليطة للمترجمين، النهضة، العصر الذهبي، العصر الباروكي، اللاثاريو والمقامة العربية، دون كيخوته، النزعة الانعزالية، البحث عن الذات، الاتجاه الحديث، جيل ١٨٩٨، الطلائعيون، جيل ١٩٢٧، السمات المشتركة، فيديركو غارثيا لوركا، غارثيا لوركا: افاق كونية، والشعر العربي المعاصر.

هنا لا بد من الضروري البحث في موضوع آفاق التفاعل بالنسبة الى الخلفية النصية الاسبانية، ما هي هذه الآفاق؟

يقصد بالآفاق؟ الأحقاب الزمنية التي تناسلت أحداثها مع لغة الثقافة الخاصة في اسبانيا انذاك، حيث هنالك عصور ومدارس ازدهرت في ظلها، وايضاً هنالك مفكرون ومعنيون بدراسة وتشجيع النصوص التي ظهرت وقد ذكر المؤلف العصور الوسطى اللغة القشتالية الاسبانية، أناشيد المفاخرة، اغاني الميوثيد، مدرسة طليطلة للمترجمين، النهضة، العصر الذهبي، العصر الباروكي، اضافة الى احداث وتفاصيل لها علاقة بتلبية ارادة النص، تمثيل صيرورته الحسية والنفسية، ناهيك عن تلبية الرغبة السياسية  للنص، الدون كيخوته في زمنه، "ترعرعت احضان الثقافتين الاسبانية والإيطالية"  وبهذا ظهر الاتجاه الحديث يرافقه فلسفات وبنى وتيارات فكرية متعددة-النزعة الانعزالية مثالا.

هنا من الضروري ان نذكر أهمية الموسيقى بالنسبة للشعر، باعتبارها من مكوناته الروحية، فماهية الشعر تفقد الوهيتها لولا هذا الترابط الذي يعد بالنسبة للمؤلف من اقانيم القصيدة، حيث كما جاء: " يبدأ الشاعر كرنفاله الشعري بالفلامنكو الذي يستجمع حضوره معجم اللغة الشعرية اللوركية في كل ظهور"[12].

 

ملخص الفصل الثاني:

من المناسب الذكر ان موضوع الانتقال "من الأسطورة  الى التاريخ"  مهم في فهم وتحليل المكونات الاساسية للأدب الإسباني، ذلك بغية الوقوف على العوامل والمؤثرات الاساسية، اي الحيثيات التاريخية والأدبية لهذه المكونات، هذا ما أريد التوصل اليه بحسب المؤلف؛ فمثلا من العوامل الاساسية لهذه المكونات كما ورد،

"مدرسة طليطة للمترجمين"ص٧٤، المحور الثاني، ذلك باعتبار ان هنالك اثارا دينية، باعتبار ان للمعتقدات الدينية التي جاء بها الشارحون انذاك

دورا بين الثقافة العامة والمعتقد الديني، وما جاء به القديس توما الأكويني كان نموذجا لذلك.

بالمقابل  فللأسطورة دور اخر في تفاعل ما ورد في نصوصها مع الادب الاسباني، كما جاء في ص [13].

ما ورد في نهاية الفصل يعد خاتمة احتوت ما تم بحثه في الفصل اعلاه " فالنصوص/ الافكار ليست نتاجات معزولة، بل هي إنجازات تستعاد بأساليب مغايرة تؤطرها احوال العصر وظروف المكان، انها كائنات حية تعيش تحت قبة سماء واحدة في أزمنة مختلفة تفرض السابقة سلطتها على اللاحقة..."[14]. 

"التقطت الحرب الأهلية الاسبانية(٣٦-٣٩) غارثيا لوركا بطلقات غدر خائنة جعلت اسمه خيوط نور تغطي ارض الابداع الانساني بصمت وألم" ص ١٠٧ مقتل لوركا"....لذلك "أنشده شعراء العالم... والسؤال مطروحا من خلد من؟ الموت خلد لوركا ام لوركا خلد الموت...شهرة لوركا الكونية"

هذا ناهيك عن ان هنالك قراءات من خلالها يصبح الباحث ملما بطرق التفاعل، وهذا يلهمه مشاهد ومحاكاة جديدة... أدونيس مثلا: "فقراءة بودلير هي التي غيرت معرفتي بابي نواس"[15].

هنا من الضروري الاشارة الى علاقة النوع الثاني من الأنماط الخمسة للتفاعل النصي، باعتبارها أنتجت صيغة جديدة ومعادلة جديدة، بل حتى قواعد جديدة للكتابة الأدبية وسياقاتها القديمة، لذلك الميتانصية واحدة من الموضوعات التي اشتغلت عليها نارك الملائكة" اذا ما نظرنا الى الامر من خلال الميتانصية، ينجز آراء نارك الملائكة نفسها تدلل على يقينية هذا الراي... ان الشعر العربي، يقف اليوم على حافة تطور جارف عاصف لم يلقي من الأساليب القديمة شيئا، فالأوزان والقوافي والأساليب والمذاهب ستتزعرع قواعدها جميعا، والألفاظ ستتسع حتى تشمل آفاقا جديدة" وهذا يدخل في علم التداوليات، وعلم التداوليات له علاقة باشتقاقات لغوية لها معانٍ جديدة، ارتبط بعضها ب الفلامنكو[16].

يعد الانتقال الى ما جاء في موضوعة المكان الإسباني بحثا نوعيا، باعتباره يعتمد على متابعة الشفرة اللغوية التي يستأنف فيها صاحب النص الجديد اشراقة ما تم تلاوته في النص القديم وتلك مهمة شائقة، حيث على اساسها تتسق مسارات الزمن بناء على مشيئة الزمن الحاضر، اذ المزارات، كما أيقونات تترنم بها الأجيال استحضارا لواقع انساني مشرق، وهذا ما يتجلى واضحا في جميع العناوين الخاصة بالفصل اللاحق.   

 

الفصل الثالث

موضوعاته تندرج تحت عنوان المكان الإسباني نسق في الشعر العربي المعاصر وهي على التوالي: تقديم، المكان الإسباني، الأندلس، قرطبة، إشبيلية، غرناطة، طليطلية، مدريد، الوادي الكبير، النسق المكاني، المتن الشعري، عبد الوهاب البياتي ظاهراتية الوجود، مدريد: الجرح الشعري، غرناطة المكان الضرورة، قرطبة الألفة المفتقدة، محمود درويش القراءة الابيسية، اسبانيا ثوب الحداد، الأندلس :جدلية الداخل والخارج، قرطبة هاجس الرحيل، غرناطة اغتصاب الجسد، محمد علي شمس الدين: الرؤية البسيكولوجية، غرناطة جغرافية الداخل، الأندلس كربلايية المشهد، احمد الطريبق احمد: الحس الصوفي، غرناطة قرطبة الأندلس: سمو الأعماق واستجلاء اصوات الغياب، طليطلية. مدريد: عشق الجذور، على سبيل التركيب.

 

نموذج لنص البياتي - قصيدة الكابوس

"عدت الى جحيم "بيكاسو" وليل الزمن الموغل في قصائد العشق على قبر ملوك الحجر الساحر والألوان

وبهلوانات حريق الصمت في اللوحات".

وفي قراءة اخرى

كان على بوابة الجحيم"بيكاسو" وكان عازف القيثار في مدريد

لملكات المسرح المغتصبات يرفع الستارة

يعيد للمهرج البكارة

يخبئ السلاح والبذور في الارض الى قيامة اخرى وفي منفاه [17].

 

ملخص الفصل الثالث

ان قراءة سريعة لما ورد تحت عنوان المتن الشعري، تعطي انطباعا كاملا للقارئ  بحسب تعبير شياع عن" حقيقة استحواذ الخلفية الاسبانية على نصيب الأسد في تفاعل الشعر العربي المعاصر مع الاخر، وفي هذا التفاعل تسكن العناصر المكانية الاسبانية بوصفها منظومة ثقافية ومرجعية نصية انغمست بها الذات الكاتبة بوعي منها وبدون وعي في مشهد يتفاعل فيه الواحد مع الكل، والمحلي مع الكوني"[18].

"نص محمود درويش...مدخلا للمقاربة المكانية الباحثة عن الخلفية الاسبانية بوصفها نسقا دالا وفاعلا في شعر درويش". هنا بلحاظ الدال والمدلول، اسبانيا-لوركا، تلتقي مع درويش الارض المكان؛ والأرض، والحزن، وبموجب هذه العلاقة التلازمية التوافقية آلاتساقية بين الدال والمدلول، رمز الارض يتم انفتاحها وحضورها مع مواقع تكاد ان تكون اكثر موائمة من النص القديم عند حضورها مع المشهد الجديد، وبهذا يصبح لتجسد الأشياء عنوانا ذَا مؤثرية حماسية، لذلك ورد في الأندلس كربلائية المشهد مع محمد علي شمس الدين، وهنا يصبح للصورة ارتباط مع أمكنة تكاد ثقافاتها تختلف في اللغة والتصور، لكنها تتشابه رموزها من حيث التفاعل" وكمثل أغاني لوركا العميقة-لوركا ذي القبر الضائع والنجوم الدامية على الصدر". هنا المشهد لقطة ما زالت مفرداتها تعوم بِنَا في صحراء من العطش يمتزج الرمل فيها مع الدم، لتصبح كربلاء في مشاعر النص مثل ترنيمة تتأجج فيها لغة الثورة، والقرينة في تعلقها مع "المناصة ... اسبانيا اندلسنا-كربلاؤنا"[19]. 

هنا كخلاصة الى ما جاء به الفصل الثالث، وكمدخل للفصل الرابع، أودّ الإشارة الى ان الارتباط يكاد ان يكون وثيقا بين الفصلين، بطريقة من خلالها يريد المؤلف ان يقول ان المكان الإسباني قد انتقل بكيانه المتجسد عبر ملامح ابطاله المتمثّلة بلوركا، ليرتبط بكينونته؛ متناغما كما أوتار آلة موسيقية، نغماتها تعيش مع القلوب، لتصدح بها الحناجر، لهذا محتويات الفصل الرابع مخصصة لمؤازرة ما جاءت به 'مدرسة' فيديريكو غارثيا لوركا-المدرسة الثورية الشعرية'، لكي يتم على اساسها استقراء الملامح الحقيقية للشعر العربي الثوري كما جاء على نهج محمود درويش، عبد الوهاب البياتي، محمد علي شمس الدين، احمد الطريبق، وبهذه القافلة من الشعراء، يمكن القول مجازا، انه تم إنجاز 'منمقات' ترتبط بذائقتها الفنية مع ما جاء في 'منحوتات' المنمقات الأسبانية والأندلسية الشعرية 

 

الفصل الرابع

ومدخله فيديركو غارثيا لوركا نموذج رمزي في الشعر العربي المعاصر، وفصوله النموذج الرمزي، الدلالة الشخصية، محمود درويش: صور النظام الليلي، عبد الوهاب البياتي: تجليات مشهد الموت، محمد علي شمس الدين: كثافة المشهد الابتهالي، احمد الطريبق احمد: كتابة نشيد البحر، التيمات الشعرية، التعلق النصي، المحاكاة، البدائية والصراع الكوني، الحرية المصادرة وأشباح الموت، الغابة الضائعة والبحث عن الذات، العبور ومخاطر الرحلة، التحويل، نداء المدائن، وشاح الليل، الضدية والتجانس، ميلاد البوح وسوسنة الأسرار، المعارضة، تقاطع اصوات الابداع، قداس الموت بين زمنين، التناقض الظاهري، الزفاف الدامي في ذاكرة التاريخ، التركيب، وأخيرا الخلاصة، وملحق، والمصادر والمراجع.

 هنا بغية توظيف بعض الأمثلة القريبة الى ذهن المتلقي، ولغرض غلق ملف هذه العلاقة بين الخلفية النصية الاسبانية والشعر العربي المعاصر، يستعرض المؤلف فكرة طرحها الجابري، ليتابع من خلالها صيرورة الخط البياني بين النص العربي والإسباني ذلك عبر تثبيت النقطة الدالة لوركا ابتداء من البياتي وانتهاء بشمس الدين، متصلا مع تداعيات الصراع العربي، حيث تنشأ معمارية جديدة للنصوص بطريقة الترجمة الوجدانية والحسية التي يمتلكها المثقف. وما يؤكد هذا الكلام، هو موضوعة الارتباط بين القديم والجديد من النصوص، ما يسمى في بعض المقاطع بالتحويل" استدعاء المادة الشعرية، جزئيا أوكليا، من النص السابق وتحويلها لصالح النص اللاحق...وبما ان التحويل عنصر من عناصر اشتغال التعلق النصي" وهذا كما يبدو مهم في عملية استقراء النصوص، هنا باعتبار ان هنالك ثقافة مركبة تجمع بين المشتغل على النص الحديث، وصاحب النص القديم، ولضرورات آلامانة العلمية وبغية الابتعاد عن السرقات، يجب الإشارة الى مصدر النص الأصلي قبل الاشتغال به، فلا يمكن للأديب اوالمثقف ان يكون أمينا، ما لم يشر الى أصل وعنوان النص الذي اشتغل عليه. 

لهذا نوقش هذا الموضوع في مقدمة الكتاب.

لقد حدد الجابري "نسبة المفكر الى الثقافة" وبهذا التفاعل النصي يتناوب من لغة الى اخرى" لقد اعتمد البياتي في خلق نموذجه اُسلوب القناع...محمود درويش...يوظف به التقنية ذاتها التي اعتمدها البياتي في خلق نموذجه"[20].

 

ملخص الفصل الرابع

هنا بلحاظ استخدام استشهاد لوركا، الرمز يصبح عنوانا للثورة والشهادة، هذا الرمز هو نفسه ينطبق في استخداماته على الواقع للعربي، هذا الواقع المغموس بالتحدي الفكري؛ "هيباتيا" نموذجا سلطة الكنيسة أطلقت عليها النار في القرن الرابع الميلادي، باعتبارها مروجة بحسب تلك التعاليم للفلسفة اليونانية التي تتعارض في قوانينها مع ألمبادىء  التي أثنت عليها الفلسفة آنذاك، حتى صارت رمزا للتعبير الرمزي في القصص والنصوص والكتابات المتنوعة في القرن الثامن على عهد "ديدرو وفولتير في "فرنسا وتولانا في إنكلترا"[21].

بهذه اللغة، وتحت هذه المؤثرات من التجاذب،  الاداب تلتقي والشعر الإسباني نموذجا حيّا لهذا النوع من الالتقاء والتجاذب.

 

الخلاصة:

يقول الباحث"لقد توصلنا....ان نصوص الشعراء العرب قد تفاعلت مع الخلفية الاسبانية من خلال الأنماط الخمسة للتفاعل". ذلك باعتبار ان القصيدة العربية اتخذت من النص الاسباني نموذجا، قرينة للموضوع بحسب الدال والمدلول، فكان الانتماء العربي لخلفية النص الاسباني قد تجلت فكرة التفاعل النصي فيها على المستويين" الخاص والعام"[22].

 

ملحق التعريف بالشعراء [23].

احمد الطريبق احمد، شاعر مغربي، بدر شاكر السياب، الشاعر العراقي، حسن توفيق، شاعر مصري، عبد الوهاب البياتي، الشاعر العراقي، فيديركو غارثيا لوركا، شاعر إسباني، محمد علي شمس الدين، شاعر لبناني، محمود درويش، الشاعر الفلسطيني.

هنا في هذا الباب أودّ ان استعرض بعض نصوص لوركا كونها في واقعها الماساوي تتطابق مع واقعنا الذي نعيش؛ سيما وان الصراع بمفرداته منذ الازل يتسم بمسارين؛ الاول يتعلق بالضحية، والثاني يتعلق بالطاغية، وبين الضحية والطاغية فصول، تتبعها مساحات دموية، هذه المساحات بها تتجلى عظمة الرموز، وبها ترتسم الأبعاد الحقيقة لثقافات الامم. وهذا ما يتفق مع جاء به المؤلف في هذا الصدد تحت عنوان عبد الوهاب البياتي: تجليات مشهد الموت ص٣١١، حيث ورد: "سجل لوركا في شعر البياتي دور الدافع الشعري، حتى انه وسم الشاعر العربي بميسمه، فبدا يتدرج في نتاجاته، وعبر مراحله الشعرية المختلفة" 

والنص أدناه نموذجا على ما قلناه:

"الموت في مدريد

والدم في الوريد

والأقحوان تحت أقدامك والجليد

أعياد اسبانيا بلا مواكب

احزان اسبانيا بلا حدود

لمن تدق هذه الأجراس

لوركا صامت

والدم في انية الورود

وليل غرناطة تحت قبعات الحرس الأسود والحديد"[24].

 

عقيل العبود

....................

المصادر والمراجع.

القران الكريم، النصوص الشعرية العربية القديمة، والحديثة، الدراسات العربية القديمة، والحديثة، الدراسات المترجمة، الأجنبية وتشتمل على: النصوص الشعرية والمسرحية، الدراسات النقدية، المعاجم [25].

 [1] راجع المقدمة ص١١-١٨، ص١٣

[2] راجع٥٦، ٦، ص٦٦، أشكال التفاعل النصي

[3] راجع مستوى التفاعل النصي، ص٦٨

[4] الاهداء، ص٥

[5] راجع التركيب ٤٣٦-٤٣٩،ص٤٣٩

[6] راجع ص ٤٣٦

[7] راجع ص٤٤٠-٤٤١

[8] راجع التقديم(٧-٩).

[9] راجع ص ٢٠ السطر ٨، راجع المقدمة (١١-١٩) سطر١٥-ص١٣

[10] راجع التفاعل النصي نحو مقاربة نظرية(١٩-٦٩). سطر٥،٦-ص٢٥،١٩،٢٧

[11] راجع ص ٥٧، ٥٨ ،٥٩-٦٩،التفاعل النصي، أنماط التفاعل النصي سطر٥-٧

[12] راجع الخلفية النصية الاسبانية وآفاق تفاعلاتها (٧٢-١٣١) العصور الوسطى،اغاني الميوثيد-الادب الاسباني للعصور الوسطى. راجع ص١٢٨-١٣٠،نهاية الفصل الثاني.

[13] راجع، ص٧٣ سطر ٩-١٠، ص٧٦- الادب اليوناني، سطر١-٣

[14] راجع ص ١٠١سطر١٣-١٧(٩٩-١٠٢).

[15] راجع غارثيا لوركا آفاق كونية، ص١١١ (١١٠-١١٤).

[16] الشعر العربي المعاصر، راجع ١١٢،١١٥،١٢٨

[17] المكان الاسباني نسق نصي في الشعر العربي المعاصر(١٣١-٢٨٤) راجع ص١٧١، المتن الشعري(١٥١-١٩٩)،

[18] راجع المتن الشعري ص ١٥١ 

[19] سطر ١٥-١٧ ص ٢٢٤، ص٢٢٤، راجع الأندلس: كربلائية المشهد، ص ٢٦٢-٢٦٣، نفس الصفحة، سطر٣.

[20]ص٣٧٥سطر٣، راجع ايضا فيديريكو غارثيا لوركا نموذج رمزي في الشعر العربي المعاصر ٢٨٦-٤٣٦، ص ،٤٤٢-٤٣٨سطر (٥،٦،٧،٨،١٤،١٥،١٦).

[21] راجع النموذج الرمزي ٢٨٦-٢٩٦،ص٢٨٩

[22] راجع الخلاصة، ص٤٤٥، ص٤٤٦

[23] راجع ملحق التعريف بالشعراء ص٤٤٧-٤٥٦

[24] ص٣١٣-٣١٤- راجع  عبد الوهاب البياتي: تجليات مشهد الموت ص٣١١-٣٢٨،

[25] راجع المصادر والمراجع ٤٥٧-٤٦٥

 

الإصلاح الترقيعي والإصلاح المنهجي للواقع العراقي (30)

ali almomenلقد كان التعويل بعد عام 2003 على الزمن والمخططات العلمية لحل أزمات العراق المستعصية، وكان كلامنا كأصحاب الاختصاص يتمحور حول خطة ستراتيجية استشرافية؛ أمدها المناسب هو 50 عاماً؛ تتوزع على عشر خطط خمسية أو خمس خطط عشرية؛ أي أنها تنتهي في عام 2053، ولكن منذ اللحظة الأولى؛ برزت الأزمات وأخذت تتراكم بشكل مرعب بسبب انشغال الحكومة بنفض ركام الخراب الرهيب والأنقاض الموروثة الهائلة التي خلفها النظام البعثي؛ ولما تنتهي بعد.

في الجهود البحثية التي طرحناها في فترة ما بعد عام 2003؛ تم التأكيد على ضرورة الإلتصاق بالواقع، والانطلاق من الواقع في إيجاد المعالجات؛ وإن كان هذا الواقع خطيراً ومرعباً، والحديث فيه يثير الحساسيات والأوجاع؛ لأن هذا هو مقتضى معالجات الأمراض المستعصية، وبالتالي تجاوز الشعارات الفضفاضة والمقولات السطحية في النظر الى مشاكل العراق وأزماته. ورغم مرور أكثر من 12 عاماً على تغيير نظام الحكم في العراق؛ إلّا أن شعارات الوحدة الوطنية واللحمة الوطنية وعشق العراق وحب الوطن؛ لم تنفع في معالجة مشاكل العراق وحل أزماته؛ لأن كل فريق ينظر الى العراق من زاويته، وكل مكون يريد عراقاً مفصلاً على مقاسه كما ذكرنا سابقاً.

قد يرى بعض المعنيين أن الدراسات الحفرية لا ضرورة لها؛ لأنها تكشف عن المشاكل والعقد والأزمات، وتشنج الأوضاع وتثير الحساسيات، فضلاً عن أنها لون من التنظير والترف الفكري كما يقولون. ومثل هؤلاء الناس يفضلون حقن الواقع العراقي بالمسكنات والمهدئات، وعدم معالجته علاجاً حقيقياً، وعدم الإفصاح عن حقائق الأمراض المزمنة الصعبة التي يعاني منها؛ أما بدافع الإبقاء على بنية الدولة العراقية كما كانت عليه قبل 2003، أو بدافع الحرص على الوضع النفسي للشعب كي لا تثار مخاوفه. وكلا هذين الدافعين غير واقعيين، ولا يحلان مشكلة ولا يعالجان مرضاً.

 

مقاربات العلاج

في مقاربات العلاج ربما من المفيد اعتماد "فرضية عامة"، والاستناد الى "قاعدتين أساسيتين":

الفرضية: إن أزمات العراق ليست مميتة وقاتلة وميؤوس منها؛ بل هي أزمات مزمنة صعبة؛ بالإمكان إيجاد العلاجات والحلول لها؛ وإن كانت هذه العلاجات موجعة ومرّة وخطيرة وطويلة الأمد.

القاعدة الأولى: قبول الزعماء السياسيين والدينيين والاجتماعيين للمكونات الدينية والمذهبية والقومية في العراق بحقائق العراق الثابتة، وبالوقائع الجديدة التي أفرزها سقوط السلطة التاريخية التقليدية العراقية عام 2003، والقبول باستحقاقاتها وتبعاتها، وعدم تجاوزها والعبور عليها؛ لأن في تجاوزها إصرار على إبقاء العراق مشتعلاً وسط نيران الأزمات، ومن هذه الحقائق:

1- إن العودة الى عراق ما قبل عام 2003؛ بايديولوجيته وثقافته وسلوكياته الطائفية العنصرية بات مستحيلاً، وإن حزب البعث وأمثاله من الجماعات الشوفينية الطائفية؛ أصبح جزءاً من هذا الماضي المؤلم، وإن اجتثاث هذا الفكر العنصري الطائفي ورموزه هو العلاج الطبيعي؛ حاله حال النازية في المانيا والشوفينية في ايطاليا والفرانكوية في إسبانيا، ومن غير الواقعية الطلب الى ذوي الضحايا المصالحة مع القتلة المصرين على ايديولوجيتهم؛ بل ومن غير الجائز بكل المعايير الأرضية والسماوية الطلب الى القتلة والإرهابيين والطائفيين الشوفينيين؛ العودة الى وضعهم السياسي والثقافي والعسكري؛ كما كانوا.

 

التركيبة الاثنية

2- إن العراق يتألف من ثلاثة مكونات رئيسة؛ بنسبها المعروفة، وما يترشح عن هذه النسب من استحقاقات طبيعية؛ يفرضها الواقع والقانون:

أ‌- الشيعة العرب، ويشكلون حوالي 56 بالمئة من سكان العراق. ولذلك فمن الطبيعي أن يكون للشيعة العرب حضورهم المتناسب مع نسبتهم العددية في الدولة وسلطاتها.

ب‌- السنة العرب ويشكلون حوالي 16 بالمئة.

ت‌-  السنة الكرد ويشلكون حوالي 14 بالمئة.

ث‌-  إن الشيعة بعربهم وكردهم وتركمانهم وفرسهم وشبكهم يشكلون حوالي 65 بالمئة من سكان العراق؛ أي أنهم الأكثرية السكانية المطلقة.

ج‌- إن الكرد ليسوا سنة وحسب؛ بل أن الكرد الشيعة تصل نسبتهم الى حوالي 5 بالمئة من نفوس العراق، وبذلك تكون نسبة الكرد السنة والشيعة حوالي 19 بالمئة من نفوس العراق، ويترتب على هذه عدم استفراد الكرد السنة باستحقاقات المكون الكردي.

3- إن السنة العرب لم يعد باستطاعتهم احتكار السلطة وقرار الدولة؛ كما كانوا طيلة مئات السنين، كما لم يعد الشيعة هم المعارضة التقليدية للسلطة العراقية، ولم يعد الكرد متمردون كما كانت تصفهم الدولة العنصرية السابقة، ولم يعد الشيعة الكرد والتركمان والشبك مواطنون من الدرجة الثالثة؛ بل بات الجميع مشاركون مشاركة واقعية في إدارة الدولة والحكومة والسلطة؛ مع الأخذ بالاعتبار استحقاق كل مكون بصورة عادلة في قرار الدولة والحكومة، وفي حجم تشكيله لهوية العراق.

4- إن عقيدة الجيش العراقي لم تعد عقيدة طائفية عنصرية؛ هدفها حماية السلطة، وضرب مكونات الشعب العراقي، وتنفيذ رغبات السلطة في الاعتداء على دول الجوار؛ بل عقيدة وطنية محضة، وإن مهمته هي حماية سيادة الدولة وحدودها.

إن المناهج التعليمية؛ ولاسيما مناهج التاريخ والجغرافيا والتربية الدينية والوطنية؛ لم تعد تكتب وفقاً للبنية الطائفية والعنصرية للسلطة العراقية السابقة؛ بل وفقاً لآلية علمية، وآلية التوازن بين التوزيع المذهبي والقومي للسكان، وهو ما ينطبق على وسائل إعلام الدولة والحكومة أيضاً، وعلى المؤسسات الدينية والإفتائية والوقفية التابعة للدولة والحكومة.

 

مفهوم التعايش الوطني وشعار الوحدة الوطنية

القاعدة الثانية: استبدال الشعارات المفاهيم والسلوكيات التقليدية المتوارثة الفضفاضة؛ بالمفاهيم الواقعية التي تنسجم مع حقائق العراق، وفي مقدمها تنوعه القومي والمذهبي والثقافي، وأول هذه االشعارات؛ شعارالوحدة الوطنية، وتقريبه من مفهوم التعايش المشترك؛ لأن شعار الوحدة الوطنية شعار ضبابي وعائم وملغوم، ويحمل تفسيرات متعارضة؛ فالنظام السابق كان يفسر الوحدة الوطنية  بأنها الوحدة الجغرافية والسياسية القسرية القهرية للمواطنين العراقيين تحت هيمنة السلطة الأحادية الايديولوجيا الشديدة المركزية، وليس الوحدة النفسية والمجتمعية والسياسية في ظل الوطن؛ كما هو الممكن في البلدان التي لا تعاني من التركيبة القومية والمذهبية السكانية التي لا يحسد عليها العراق.

و شعار الوحدة الوطنية بدلالاته الموروثة من النظام السابق؛ شبيه بشعار وحدة الخلافة الذي قتلت الدولة العثمانية تحت لوائه ملايين البشر المنتمين الى أعراق ومذاهب شتى، والخاضعين لسلطتها العنصرية الطائفية قسراً. وهو ما ظل يحصل في العراق دائما؛ حيث قتلت دولة البعث أكثر من مليون ونصف المليون شيعي وكردي عراقي تحت شعار الوحدة الوطنية. وقد أثبت شعار الوحدة الوطنية خلال مرحلة ما بعد عام 2003 أنه شعار نظري وغير عملي؛ إذ أنه لم يحقق وحدة واقعية بين أبناء الوطن الواحد.

أما مفهوم التعايش الوطني فهو شعار واقعي وينسجم مع حقائق العراق؛ حتى وإن ترشح عنه التخفيف من مركزية الحكومة الاتحادية، وتشكيل أقاليم جديدة، أو ربما انفصال إقليم كردستان، أو استحداث ضوابط إدارية في العلاقة بين المحافظات. والهدف من كل ذلك فسح المجال أمام أبناء الجغرافية الواحدة أو الدين والمذهب والقومية الواحدة أن يقرروا مصيرهم في الوحدة من عدمها، وليس إجبارهم على العيش قهراً في ظل واقع سياسي وثقافي ونفسي لا يريدونه.

وهذا هو سلوك الدول الديمقراطية التعددية؛ فهي دول تطبق مفهوم التعايش المشترك بين أبناء المذاهب والأديان والقوميات المتنافرة المتصارعة؛ الذين يعيشون حالة المواطنة الحقيقية في ظل دولة واحدة؛ ولكنها تترك لهم حق تقرير المصير؛ فيما لو فشلت الدولة في جعلهم يتعايشون بسلام وانسجام.

 

حلول التعايش المشترك

وعليه؛ يكون التطبيق الواقعي لمفهوم التعايش المشترك في العراق التعددي الجديد؛ متمثلاً بما يلي:

1- تعديل الدستور تعديلا شاملاً؛ يشمل الجانبين الفني والمادي، ويضع خاتمة لكل الثغرات التي تسببت طيلة الفترة الماضية بتعميق الخلافات السياسية بين المكونات العراقية والفرقاء السياسيين.

2- تغيير النظام السياسي البرلماني الحالي الى النظام الرئاسي- البرلماني؛ على غرار النظام السياسي الفرنسي أو المصري؛ فيكون هناك رئيس جمهورية منتخبٌ انتخاباً مباشراً من قبل الشعب؛ يتمتع بصلاحيات تنفيذية يحددها الدستور، ويكون القائد العام للقوات المسلحة في الوقت نفسه، كما يكون هناك برلمان منتخبً شعبياً، ويقوم رئيس الجمهورية المنتخب باختيار مرشح الكتلة النيابية الأكبر التي يحدد الدستور مواصفاتها بدقة؛ ليكون رئيساً للوزراء؛ بعد التصويت على كابينته في مجلس النواب، وفي هذا النظام تكمن فلسفة التعايش الحقيقي بين مكونات الشعب العراقي.

3- العمل بمقتضى ما تفرضه الأنظمة الديمقراطية من وجود حكومة منسجمة سياسياً، ووجود معارضة داخل البرلمان وخارجه، ويتم تشكيل الحكومة المنسجمة سياسياً التي تحظى بأغلبية برلمانية؛ من جماعات وأعضاء يمثلون التنوع العراقي؛ أي حكومة أغلبية؛ فيها تمثيل واقعي متوازن للعرب والكرد والتركمان والشبك؛ بشيعتهم وسنتهم، فضلاً عن الأقليات الدينية القومية، وتذعن هذه المنظومة الحكومية الى حقائق الديمغرافيا العراقية في نوع المشاركة وحجمها، وينطلق تشكيل هذه الحكومة من نقطة تشكيل تيارات منسجمة سياسياً؛ تتصدرها أحزاب تنتمي الى الأكثرية السكانية، وينضوي تحتها جماعات وأفراد من كل الطوائف والقوميات، وتدخل الانتخابات كقوائم وطنية وليس قوائم مذهبية أو قومية، أما الائتلافات والأحزاب التي لا تحقق الأغلبية؛ فإنها تبقى في المعارضة؛ وإن زعم بعضها إنه يمثل مكوناً معيناً.

4- تقنين واقع دولة التعددية القومية والمذهبية والجغرافية؛ التي تحقق التعايش المشترك بين المختلفين؛ على قاعدة قناعتهم بهذا العيش المشترك؛ من خلال الدولة العادلة الإنسانية.

5- إعطاء المحافظات الشيعية الثماني حقها في استعادة توازنها النفسي والاجتماعي والسياسي والعمراني؛ على وفق نسبة الإرباك الذي تسبب فيه ظلم النظام البعثي السابق لها، وأخذ استحقاقاتها من المناصب المركزية، ومن الثروات والتعليم والاعمار والبنى التحتية؛ على حسب ما تكتنزه أرضها من ثروات طبيعية، وعلى وفق حجمها السكاني.

6- إن من حق المحافظات السنية الثلاث استعادة توازنها واخذ استحقاقها من البناء والثروات والمناصب؛ على وفق حجم الدمار الذي لحق بها جراء عبث الجماعات الإرهابية فيها بعد 2003، وعلى حسب حجمها السكاني وما تتمتع به من ثروات، بل أن من حق أية محافظة أو مجموعة محافظات؛ تشكيل إقليم؛ وفقاً لما نص عليه الدستور.

7- أما إقليم كردستان الذي توحدت فيه المحافظات الكردية الثلاث؛ فإن من حقه العمل وفقاً لآلية تقرير المصير؛ وصولاً الى إقامة دولة مستقلة؛ إن أراد مواطنوه ذلك؛ لأنه حق يكفله القانون الدولي، ولو بادر أي إقليم أو مكون قومي وديني ومذهبي الى إجراءات قانونية ودستورية تتعلق بشكل العلاقة بالحكومة المركزية؛ فإن الأخيرة ليس من حقها إجبار ذلك الإقليم أو المكون على العمل وفق إرادتها السياسية.

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

سطور منسية من طومار اختيار الصديق واختبار الرفيق

nadheer khazrajiكان لي صديق .. كان من خلّص أصدقائي .. أربعون سنة من الصداقة ولكنه نسي كل شيء .. غريب أمره في موقف واحد باع كل صداقتنا منذ الطفولة .. كان ..، وكان ..، وكان، فعل ناقص لا يستقيم أمره ومراده من غير خبره المقموع، ولا يكتفي بعزلة اسمه المرفوع.

كلمات وعبارات من هذا القبيل نسمعها على لسان هذا أو ذاك والحسرة تشبك بأصابعها على صدورهم، كلمات وعبارات أسْمَعَتْ أنفسُنا أذنيها ونحن نتأسف لصديق كنّا نظنه من أصدق الأصدقاء وأوفاهم، لم يتحمل موقف صدق فرمى كأس الخلَّة على أرض القطيعة مولّيا متأففا لا يعقب على بقايا صبابة من ذكريات كنا نظن أنها تجذّرت في أرض الوداد كزرع أخرج ثمره فآزره فاستغلظت وشائجه فاستوى على سوق الصداقة المتين يعُجب الأصدقاء والمحبين ليغيظ بهم العذّال والحاسدين.

قبل أعوام دعاني صديق من أيام الصبا، إلى مجلس تحكيم ومصالحة في لندن لحل مسائل مالية عالقة مع قريب له بالنسب اختلفا بينهما على عقار مشترك، وكنت وشريكه على صداقة أمدها قصير أفرزها واقع الهجرة، ولأن الصداقة تحيى بماء الصدق والوفاء، قبلت الدعوة مع إحساس غريب بأنَّ قارب الصداقة ربما لا يصمد أمام أمواج عالقة خلف مجلس التحكيم، وبعد ساعتين من النقاشات بوجود حكم بينهما، شعرت دون أن أنبس ببنت كلمة أن الحق يجانب صديق الطفولة ويميل بجانب قريبه، وقد أذعن مكرهًا إلى ما انتهى اليه الحكم، ثم جعلوني دون رغبتي وسيطا لتسلّم وتسليم ما تبقى من حق القريب في جيب الصديق، ولكن الصديق بعد أن انفضّ المجلس مال عنده قبان الصداقة فمال عليّ توبيخًا لتقصيري عن نصرته، فليس لم يف بما وعد للحكم وإرجاع ما تبقى من حق لقريبه، وإنما عبس وبسر وأزبد وأرعد، وقال والمركب بعد في أول الطريق هذا فراق بيني وبينك!

قد نأسف لانفصام عروة الصداقة قالوا أنها أقوى وأشدة عقدة من الأخوة، ولكن الأسف يلفنا عندما نرمي كمّا هائلا من الأدبيات والمرويات عن فضيلة الصداقة خلف أظهرنا، وكأن القرآن لم يحدثنا عن (صديق حميم)، وكأن نبي الإسلام محمد (ص) ما قال لنا: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)، وكأن خليفة المسلمين علي بن أبي طالب (ع)، لم يمحض لنا النصيحة وأكّد: (عليكم بالإخوان فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة)، وأكد تارة أخرى: (الرجل بلا أخ كشمال بلا يمين)، واليد الواحدة لا تصفق.

هذه النصوص وغيرها، تابعها آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي بعين الفقهاهة في كتاب "شريعة الصداقة" الصادر حديثا (2016 م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 55 صفحة من القطع المتوسط ضم 75 مسألة فقهية صدَّر لها بتمهيد يستوعب بشكل جزل معنى الصداقة،  و53 تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري قدّم لها بتعليق يحيط بشكل موجز بموضوع الشريعة.

 

صدقٌ وصداقة وتصديق

لعلَّ واحدة من الإستشارات التي يقدمها الوالدان للأبناء هو اختيار الصديق وانتخابه، كونه بوصلة مستقبل الفرد، ولهذا شاعت العبارة (قل لي مَن صديقك أقل لك من أنت)، فالصديق هو مجلبة للخير إنْ صاحب المرء خيار الناس، ومجلبة للشر إن وضع يده بيد الشيطان، والحوادث اليومية والإحتكاك بالواقع هي التي تكشف معادن الناس، فلحرارة الظروف أن تصهر الصداقة في بوتقة المحبة والوئام، ولها أن تصيبها بالحمى فيخرج الصديق المفترض من كنانته ما أخفته تقلبات الزمان من سهام شر وشرار ونبال خبث وعوار.

والصداقة في حقيقتها متجذرة لغة في (الصدق)، ومن مقتضيات الصدق قول الحقيقة بأمانة، ومن دواعي الصادق في فعله وقوله وسلوكه وسريرته حب الخير للآخر قبل نفسه، ومن نتاج هذا الحب أن يصدقَ الصديقُ القولَ لصديقه فيما له وما عليه، فيكون له عونًا وهو مظلوم ومُصدِّقا لدعواه وظلامته، وعونًا له وهو ظالم فيصدّه عن الوقوع فيما لا ينبغي الوقوع فيه ومُصْدِقًا له الرأي والمشورة، لأن الصديق حق الصديق من أصدق القول وصدّقه في الخير وردعه عن الشر، والصدق في حقيقة الأمر هو المعيار في الحياة الدنيا، وبتعبير الفقيه الكرباسي في التمهيد: (إن الإسلام بشكل عام يعتمد في كل تفاصيله وتطبيقاته وشعائره على مادة الصدق الذي لا يؤسَّس شيء إلا عليه ولذلك يكون النجاح حليفًا له حتى أن النصوص القرآنية وصفت المؤمنين بالصادقين في إشارة إلى أن المؤمن لا يمكن أن يكون كذلك إلا أن يكون صادقا، فالصدق هو الركيزة المحورية التي يعتمدها الإسلام)، ومن آثار هذا الفهم لحقيقة الصدق والصداقة كما يؤكد الغديري في مقدمة التعليق أن: (الصداقة المبتنية على الصدق تضمن الراحة في النفس والسلامة في العقل والصلاح في العمل، ويبتعد الصديق الصادق من جميع الصفات السيئة غير الملائمة بمقتضى الفطرة السليمة كالتنافر والتحاسد والتباغض والتفاحش والإغتياب والخيانة ونحوها من الصفات الرذيلة والخبيثة)، وهذه المضامين كان الشيخ الكرباسي قد مهّد لها بقوله: (إن الصداقة توجب السعادة وتدفع الغم والهم والكآبة وتريح النفس وتخلق مجتمعًا صالحًا وبيئة صالحة للعيش ومن خلالها تُنجز الأعمال وتُيسَّر الأمور وتربى الأجيال وتكوّن الأسر).

ولم يذهب القائل بعيدا في نصيحته: (خالط العطار تنال الشموم وخالط الحداد تنال الحموم وخالط السلطان تنال الهموم)، لأن الصداقة في واقعها معاشرة يومية، وربما يرى الصديق صديقه أكثر مما يرى أمَّه وأبيه أو بنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه، وهذه حقيقة راكزة، وإن كانت في بعض البيوتات نقمة وشؤم بخاصة إذا انشغل صاحب الدار بأصدقائه وتقاعس عن حقوق أهل بيته، ولهذا عرّف الكرباسي الصداقة في المسألة الأولى من باب أحكام الصداقة بأنها: (الخلالة والمصاحبة والمرافقة بصدق، فالصديق هو الخليل والرفيق والصاحب)، ومقتضى الصداقة والصدق، كما يؤكد الغديري في تعليقه يتحصّل: (تطابق القول بالفعل والظاهر بالباطن والسرّ بالعلن، بل وأكثر من ذلك هو الإقدام والإهتمام بالخير من قبل واحد بالنسبة إلى الآخر).

 

الصداقة فن وحياة

لا يمكن للإنسان أن يعيش في هذه الدنيا من دون خلّ أو صديق أو رفيق، لأن الحياة قائمة على التعايش والتآلف والتعارف والتحالف، وهذه المصطلحات هي من باب (تفاعل) الدال على الحركة المثمرة والتعاطي المنتج مع الوسط المجتمعي، فالصداقة هي حياة فاعلة بذاتها يدرك حقيقتها المتفاعل معها، وفي المقابل فإن الوحدة هي في حقيقتها موت وفناء للإنسان وهو على قيد الحياة، وعليه يؤكد الفقيه الكرباسي أنه: (تُحرم الوحدة إذا كانت تؤدي إلى الكآبة والأمراض النفسية)، شرط أن يكون الصديق من أهل الصلاح، ولكن: (إذا دار الأمر بين الوحدة وجليس السوء كانت الوحدة أولى، ولكن الجليس الصالح خير من الوحدة)، ويزيد الغديري على الثنائية معلّقا: (ولكن لا تبيح اتخاذ جليس السوء لأنه أسوأ من الكاذب فيجر إلى المعصية)، وهي حقيقة مجربة، فالوحدة الإيجابية المكتنفة بالعمل والتفكير والتخطيط خير من التسكع مع رفيق يأخذ بالإنسان إلى متاهات غير محمودة العواقب.

وقد تفرض الظروف، من جيرة وعمل وهجرة وسفر وأمثالها، على المرء صديقًا لم يختره لنفسه، ولكن الحكمة تقتضي اختباره، وهذا جزء من قدرة المرء على التمييز بين الصالح والطالح من الأصدقاء، وقد أحسن الفقيه الكرباسي عندما اعتبر الصداقة في التمهيد فنّا من فنون الحياة وعنده: (الصداقة نوع من أنواع الفنون الأخلاقية ذات الواقعية ولا تقبل الدجل وإلا أصبحت نفاقا)، ولأن الصداقة فن، فإن الكرباسي في الحكم العاشر يؤكد: (على المرء أن يختار صديقه ويختبره أهو أهلٌ للصداقة أم لا)، ولكن أيهما يقدم الإختبار أو الاختيار؟ هذا التساؤل علّق عليه الفقيه الغديري بالقول: (الإختبار قد يكون مسبوقًا على الإختيار، قد يكون بعكسه، وقد يكون أثناء التعامل، ولذلك طرق وأساليب خاصّة، ولا يجوز اتخاذ أساليب سلبية).

في هذا الإطار إذا ما فرضت الظروف مصادقة الفاسق، فإن فن الصداقة تستدعي الحكمة في التعامل: (إذ لا تحرم صداقة الفاسق إلا إذا أوجب التأثر به)، ولكن: (يجب النهي عن المنكر بالنسبة إلى الصديق الفاسق مع شروطه بل فيه أكثر من غيره)، ويزيد الفقيه الكرباسي: (إذا كان النهي عن المنكر يستوجب أن يصادق الفاسق ربما يجب ذلك إذا كان ممكنًا ولا يضر بحاله).

ولكن الفاسق غير الظالم والمشرك والملحد والعاهر والمحارب، إذ لا يجوز مصادقتهم، بخاصّة: (إذا كانت صداقة الفاسق أو الفاجر أو العاصي توجب تأييدًا له، حُرِّمت)، نعم: (تجوز صداقة الظالم إذا كانت صداقته هذه توجب التخفيف من ظُلمه على الناس، ولكن شرط أن لا يتأثر هو بظلمه ولا توجب إعانة له).

ولما كانت الصداقة واكتسابها فنًّا لا يجيدها كل إنسان، فإن العجز كل العجز ليس في اكتساب الصديق وإنما في افتقاده وهو حي يتنفس، ولهذا ورد عن أمير الحكمة علي بن أبي طالب (ع): (أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه مَن ضيَّع من ظفر به منهم)، وإلى هذه الحقيقة يؤكد الكرباسي في التمهيد (إذا اختار امرؤ صديقًا بكل دقةٍ وتأنٍّ فإنه يكسب كنزًا عظيمًا، وعليه أن لا يدعه بل يحافظ عليه).

 

مَن نُصادق؟

لقد أخذت الصداقة مساحة واسعة في دعوات الرسل والأنبياء والأوصياء وتنظيرات الصالحين وأهل العرفان والفلاسفة، للعلاقة الوثيقة بين الصداقة والأخلاق، وأهمية الثانية في بناء شبكة متينة من العلاقات السليمة داخل الأمة لها مدخلية كبيرة في كل نواحي الحياة من إجتماع واقتصاد وسياسة وغيرها، ولهذا تواردت التوصيات وتواترت الإرشادات في وصف المطلوب من الصديق مع بيان الضد النوعي منه، ولهذا جاءت التأكيدات على أن: (أسعد الناس مَن خالط كرام الناس) كما يؤكد رسول الإنسانية محمد بن عبد الله (ص)، وأن (خير من صاحبت ذو العلم والحلم) كما يقول وصيّه الإمام علي (ع)، ولمّا كان الصديق يعود الى الصدق جذرًا، فإنه عليه السلام يعود ليؤكد: (عليك بإخوان الصدق فإنهم زينة في الرخاء وعصمة في البلاء)، ويرشدنا الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) إلى مواصفات جليس الخير والشر فيؤكد: (لا تجلسوا إلا عند مَن يدعوكم من خمس إلى خمس، من الشك إلى اليقين، ومن الكبر إلى التواضع، ومن العداوة إلى المحبّة، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الرغبة في الدنيا وأمورها إلى الزهد)، ويعود خليفة المسلمين المرتضى (ع) ليرشدنا بلسان الوصية لابنه: (يا بني إياك ومصادقة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة البخيل فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتّافه، وإياك ومصادقة الكذّاب فإنه كالسراب يُقرِّب عليك البعيد ويُبعّد عليك القريب).

وبالنظر الى الكم النافع من الروايات، فإن الكرباسي يخرج بحصيلة فيمن يستحب مصادقته إذ: (يستحب أن يختار المؤمن لصداقته مَن فيه إحدى الصفات التالية، فإن جُمعت فهو آكد: العلماء، الحكماء، العقلاء، الزهاد، الأخيار، الأوفياء، أصحاب الخلق الرفيع)، وفي المقابل: (يكره مصادقة مَن فيه إحدى الصفات التالية فإن جُمعت كلها فهي الأشد كراهة: الأحمق، البخيل، الفاجر، الكذّاب، الماجن، الحسود، السفيه). ولما كانت الصداقة هي بمثابة المحراب الذي يفتح عنده العبد أسراره لرب العباد، فإن خير الأصدقاء من إذا أباح المرء بين يديه عما يجيش في صدره، فأزاح عنه الهموم والغموم وحفظه في حضوره ومغيبه، وحيث يعمر المرء قلبه بالمناجات يعمره عند تناول أطراف الحديث مع الصديق المؤتمن، ولهذا أسمعنا علي بن أبي طالب (ع) درَّته: (عمارة القلوب في معاشرة ذوي القلوب).

وربما يتساءل المرء: كيف لي أن أعرف موقف الصديق مني؟

الجواب وببساطة يتوفر في قاعة إمتحان الفؤاد النابض خلف الأضلع من غير رقيب: (إمتحن قلبك فإنْ كنت تودّه فإنه يودك) كما يؤكد الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) بناءً على حديث جدّه الرسول الأعظم (ص): (الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ)، وأفضل أوقات الإختبار ومعرفة واقع الصديق هو عند حمرة الغضب وصفرة الدينار وعسرة السفر، وبتعبير الإمام جعفر الصادق (ع): (لا تسمِّ الرجلَ صديقًا سمةً معروفةً حتى تختبره بثلاث: تغضبه فتنظر غضبه يخرجه من الحق إلى الباطل، وعند الدينار والدرهم، وحتى تسافر معه)، وحتى تُمحِّضه الود والمحبة وتكشف سريرته وما في داخله فإن الصادق (ع) يدعونا الى إغضاب من نعتقده صديقًا مخلصا، ذلك: (إذا أردت أن تعلم صحة ما عند أخيك فأغضبه، فإنْ ثبت على المودة فهو أخوك وإلا فلا).

وإذا تحققت الصداقة الحقّة، فإن المبعوث رحمة للعالمين (ص) يرشدنا الى الحقوق المتبادلة: (لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ ثَلَاثُونَ حَقّاً لَا بَرَاءَةَ لَهُ مِنْهَا إِلَّا بِالْأَدَاءِ أَوِ الْعَفْو: يَغْفِرُ زَلَّتَهُ، وَيَرْحَمُ عَبْرَتَهُ، وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَيُقِيلُ عَثْرَتَهُ، وَيَقْبَلُ مَعْذِرَتَهُ، وَيَرُدُّ غِيبَتَهُ، وَيُدِيمُ نَصِيحَتَهُ، وَيَحْفَظُ خُلَّتَهُ، وَيَرْعَى ذِمَّتَهُ، وَيَعُودُ مَرْضَتَهُ، وَيَشْهَدُ مَيِّتَهُ، وَيُجِيبُ دَعْوَتَهُ، وَيَقْبَلُ هَدِيَّتَهُ، وَيُكَافِئُ صِلَتَهُ، وَيَشْكُرُ نِعْمَتَهُ، وَيُحْسِنُ نُصْرَتَهُ، وَيَحْفَظُ حَلِيلَتَهُ، وَيَقْضِي حَاجَتَهُ، وَيَشْفَعُ مَسْأَلَتَهُ، وَيُسَمِّتُ عَطْسَتَهُ، وَيُرْشِدُ ضَالَّتَهُ، وَيَرُدُّ سَلَامَهُ، وَيُطِيبُ كَلَامَهُ، وَيَبَرُّ إِنْعَامَهُ، وَيُصَدِّقُ إِقْسَامَهُ، وَيُوَالِي وَلِيَّهُ، وَلَا يُعَادِيهِ، وَيَنْصُرُهُ ظَالِماً وَمَظْلُوماً، فَأَمَّا نُصْرَتُهُ ظَالِماً فَيَرُدُّهُ عَنْ ظُلْمِهِ، وَأَمَّا نُصْرَتُهُ مَظْلُوماً فَيُعِينُهُ عَلَى أَخْذِ حَقِّهِ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَيُحِبُّ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَ يَكْرَهُ لَهُ مِنَ الشَّرِّ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ).

وهناك مسائل متنوعة عرضها الفقيه في هذا الكتيب، وأبان رأيه الفقهي فيها، من قبيل الصداقة بين الجنسين وعدم جوازها من غير المحارم، وجوازها اضطرارًا لغير المحارم بشروط، والصداقة مع الجن وجوازها إن أمكن تحققها، وصداقة المسلم مع غير المسلم إذا لم يؤثر فيه تأثيرًا سلبيًّا، وغيرها من المسائل الفقهية ذات العلاقة المباشرة بالحياة اليومية المختلفة للإنسان، طرق الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي أبوابها حتى بلغت نحو ألف عنوان طُبع منها حتى اليوم 55 كتيباً.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات – لندن

 

حزب الدعوة وإشكالية حكم العراق بعد عام 2003 (29)

ali almomenمشكلة خصوم حزب الدعوة: تكمن مشكلة الفرقاء السياسيين المنافسين لحزب الدعوة في أنهم لا يرون في الدعاة وأجنحة الدعوة إلّا المظاهر والظاهر، ولا يعرفون بعمق حقائق حزب الدعوة ومنهجه وسلوكياته، وطريقة تفكير الدعاة. وبالتالي؛ يتعاملون مع حزب الدعوة من منطلق التحدي والمواجهة العشوائية والعناد، فضلاً  عن الرهان على إسقاطه وتشقيقه وتفتيته، والحال أن الدخول مع حزب الدعوة في خصومة وتنافس خاضع لأساليب التحدي والتهديد بالعدة والعدد، أو الاحتراب الإعلامي والسياسي والمسلح، أو الاتهام العقيدي والايديولوجي؛ لا ينفع الخصم مطلقاً؛ بل أنه يضر بالخصم وبالساحة المشتركة التي تجمعهما وبالمجتمع الواحد الذي ينتميان اليه، صحيح أن التنافس مع حزب الدعوة أمر مشروع وطبيعي من قبل الفرقاء السياسيين أو الأضداد النوعيين؛ ولكن لهذا التنافس شروطا موضوعية؛ تراعي سمعة حزب الدعوة التاريخية في الوعي الشعبي الشيعي، وسمعة مؤسسيه ورواده، ومستوياتهم ومواقعهم العلمية والدينية والفكرية، ومسيرته الطويلة المتخمة بالصراعات والتحديات والتضحيات والكفاح، وخبرته التراكمية الممتدة، وقدراته التوالدية الذاتية، ومنهجه الايديولوجي المتقن الشامل، وامتداداته التنظيمية والمنهجية في البلدان الأخرى، و”لوبيات” التأثير المعمِرة التي تدعمه في الوسط السياسي الشيعي خارج العراق.

هذه الحقائق؛ تجعل حزب الدعوة يرى في نفسه أنه الأحق موضوعياً في تصدر المشهد السياسي الشيعي بشكل خاص والعراقي بشكل عام، وفي الحصول على المساحة الأوسع من مواقع القرار، وأنه الأقدر ذاتياً على الوصول اليها؛ إذ يرى أن بينه وبين الآخرين فوارق كبيرة في المسيرة التاريخية، وفي حجم الهيمنة التقليدية على الساحة الشيعية، وسنين طويلة من الخبرة التراكمية الشاملة.

 

الحركة الأم

ولا نتحدث هنا بمنهجية معيارية؛ لكي لا نذهب بالبحث نحو إيجابيات حزب الدعوة وإنجازاته، أو سلبياته وأخطائه؛ فهذه ليست مهمة الباحث ومنهجه الوصفي التحليلي، بل ما نريد قوله هو أن حزب الدعوة؛ سواء أحبه الحلفاء أو كرهه الخصوم؛ فإنه قَدَر موجود وراسخ وكبير في الساحة العراقية والشيعية العالمية، وهو الحركة الأم في الساحة السياسية الشيعية العراقية والعربية؛ ولا يمكن التعامل معه إلّا بمقدار حجمه ونوعه وقدراته وتاريخه؛ حاله حال كل التيارات والوجودات الأخرى الراسخة في الساحة العراقية؛ كالحزب الديمقراطي الكردستاني؛ الحركة الأم للساحة السياسية والاجتماعية الكردية في العراق وخارجه، والحزب الشيوعي العراقي؛ الحزب الأم للحركة الماركسية العراقية؛ وصولاً الى المجلس الأعلى الإسلامي والتيار الصدري وغيرهما. هذه التيارات هي أيضا قدَرٌ لا يمكن تجاوزه؛ لأنها ليست تيارات سياسية وحسب؛ وإنما وجودات ايديولوجية واجتماعية كبيرة. و ينجم عن الصراعات السياسية فيما بينها؛ صراعات مجتمعية خطيرة. وقد تسبب عدم التعامل الموضوعي الواقعي الذي ينسجم مع حقائق كل منها؛ تسبب خلال سنوات ما بعد تأسيس العراق الجديد الى نتائج سلبية تعود على الطرف الذي يجهل أو يتجاهل قدرة خصمه وحجمه المعنوي وغير المحسوس.

 

نظرة خاسرة

ولذلك يبدو أن معظم الفرقاء السياسيين لا يدركون حقيقة القدرة المعنوية وغير المحسوسة التي يمتلكلها حزب الدعوة والدعاة، ولهذا أخذ هؤلاء الفرقاء يستخدمون منذ عام 2003 أساليب الخصومة التي لا تراعي المعايير المذكورة؛ مما جعلهم يخسرون دائماً جولات التنافس مع “الدعوة”، وبلغ الأمر ببعضهم الاستخفاف بعدد الدعاة وعدّتهم؛ وبأنهم لا يمتلكون من العدد ما يوازي أصغر جماعة شيعية في العراق. وهذه النظرة الى حزب الدعوة هي نظرة خاسرة؛ فليس المعيار في اختبار قدرة “الدعوة” هو العدد؛ بل النوع والقدرة غير المحسوسة؛ إذ أن لدى الدعاة خبرة تراكمية هائلة تستطيع تغيير كل الموازين خلال فترة قصيرة؛ فيما لو تحركوا تحركاً جماعياً. مثلاً؛ كان معظم المنافسين والخصوم السياسيين خلال سنوات السقوط الأولى؛ يقول: (( لم يعد لحزب الدعوة وجود؛ بل هناك دعاة أفراد وتنظيمات صغيرة متناحرة تنتسب الى “الدعوة”، وهي لا حول لها ولا قوة ))، كما كان بعضهم يراهن على اضمحلال “الدعوة” في غضون سنوات قليلة. وهذا المنهج غير الواقعي في النظرة الى خصم ومنافس مثل حزب الدعوة؛ مكًن الأخير من الإمساك برئاسة الحكومة والقيادة العامة للقوات المسلحة منذ عام 2006 وحتى كتابة هذه السطور؛ دون أن يستخدم العنف والسلاح؛ بل من خلال الممكن السياسي وفن بناء المعادلات واستثمار العلاقات والفهم الحقيقي لقدرة الفرقاء السياسيين، وصولاً الى استثمار أخطاء الخصوم بحقه وانفعالاتهم معه.

 

المالكي والبديل المشابه

إن أكثر ما أدهش المراقبين هو شعور الفرقاء السياسيين المناوئين لنوري المالكي بالنصر بعد تكليف حيدر العبادي بتشكيل الحكومة؛ بل تصور خصوم العملية السياسية في العراق والواقع الشيعي تحديداً؛ بأن وصولهم الى بغداد بات وشيكاً؛ فأخذت عصابة “داعش” الإرهابية توزع الحلوى في الموصل، وأخذ أقطاب حزب البعث وقادة الجماعات المسلحة المقيمين في أربيل وعمان يتبادلون التهاني. وأكثر ما كان يشد المراقبين هو ظهور متكرر على الفضائيات لمسؤولين في بعض الجماعات الشيعية العراقية؛ وهم يتحدثون بنشوة وزهو عن نصر مبين، ويضعون أمام نوري المالكي خيارات ملزمة، ويحددون مستقبله السياسي في ضوئها؛ وكأنهم هم الذين اكتشفوا حيدر العبادي وصنعوا قدره الجديد. والحقيقة أن الخصوم لم يحققوا انتصاراً على الأرض؛ إلا في حدود النجاح في إزاحة شخص نوري المالكي عن رئاسة الحكومة، وهو شعور مؤقت زال مفعوله بعد انقشاع غبار المعركة، وهو ما ينطبق على أنظمة دول معادية للعراق؛ كالسعودية وتركيا وقطر والأردن وغيرها. والسبب هو أن حيدر العبادي قيادي في حزب الدعوة الذي يحتل نوري المالكي أمانته العامة، وعضو في ائتلاف دولة القانون الذي يترأسه المالكي، وأن منهجه الفكري السياسي هو منهج المالكي نفسه؛ لاسيما ان العبادي كان مقرباً من المالكي، وكان من منفذي سياسات حكومته، ودخل الانتخابات البرلمانية الأخيرة تحت شعار (حكومة الأغلبية السياسية) التي كان متحمساً لها، وتحت البرنامج الحزبي والسياسي والانتخابي نفسه الذي يتبناه نوري المالكي، وكان يقول بعد ظهور نتائج الانتخابات البرلمانية في نهاية نيسان عام 2014؛ رداّ على خصوم حزب الدعوة: (إن المالكي خيارنا الوحيد في تشكيل الحكومة الجديدة، ولا بديل للمالكي إلّا المالكي نفسه) .

 

صانع القرار

والأهم؛ أن نوري المالكي احتفظ بتأثيره المباشر في صناعة قرار الدولة والحكومة؛ لأربع دلالات:

1- المالكي هو أمين عام حزب الدعوة الذي ينتمي اليه رئيس الوزراء ووزراء ومسؤولون آخرون.

2- المالكي رئيس ائتلاف دولة القانون الذي ينتمي اليها رئيس الوزراء، وهي التي رشحته للمنصب، إضافة الى وزراء ومسؤولين ينتمون الى كتلة “الدعوة” والى الائتلاف؛ الذي يضم جماعات سياسية كبيرة نافدة ومؤثرة الى جانب حزب الدعوة الإسلامية؛ كحزب الدعوة ـ تنظيم العراق، ومنظمة بدر، وكتلة مستقلون.

3- يمتلك المالكي علاقات وتحالفات مع الفصائل الرئيسة في الحشد الشعبي؛ وهي الفصائل القريبة من الوجدان الشعبي العراقي، وصاحبة التأثير في سير مخطط مكافحة الإرهاب.

4- إنه يسهم في اختيار كبار مسؤولي الدولة؛ ولاسيما من كتلة “الدعوة “ وائتلاف دولة القانون والقريبين منهما.

5- إن أعضاء مجلس النواب من "كتلة الدعوة" وائتلاف دولة القانون يرتبطون به مباشرة، وكذا الحال مع المحافظين والمسؤولين المحليين المنتمين الى حزب الدعوة وائتلاف دولة القانون.

لقد أسس الفرقاء السياسيون؛ في خضم الصراع مع المالكي؛ أسسوا لموضوعة التغيير على كونها تغييراً لشخص رئيس الوزراء وأسلوبه في الإدارة؛ وليس التغيير على أساس معالجة الخلل في مضمون الدولة ودستورها وإدارتها، وشكل النظام السياسي ومضمون العملية السياسية، وسلوكيات الأحزاب والفرقاء السياسيين، وطريقة تشكيل الحكومة واختيار الوزراء وأسلوب إدارتهم لوزراتهم، وما نقصده هنا؛ مضمون التغيير الجذري بفلسفته الشاملة التي تتحدث عنها المرجعية النجفية العليا؛ منذ منعت جميع السياسيين العراقيين من زيارتها دون استثناء، وكانت تشير بذلك الى أن مضمون التغيير هو مسؤولية جميع التيارات السياسية المشاركة في العملية السياسية، وليس رئيس الوزراء وحسب.

 

حكومة العبادي

ولم يخف كثير من المواطنين تفاؤلهم بمشهد رئيس الوزراء حيدر العبادي في جلسة مجلس النواب مساء 9 أيلول/ سبتمبر 2014، وهو يعلن عن تشكيلته الحكومية، التي جمع فيها الفرقاء السياسيين العراقيين في مساحة مشتركة من التوافقات التي أدت الى دخولهم التشكيلة الوزارية؛ بالرغم من صعوبة العملية؛ بالنظر للشروط التعجيزية ـ أحيانا ـ التي أراد بعض الفرقاء فرضها على متبنيات الحكومة الجديدة وطبيعة تكوينها وعملها؛ وفي مقدمة ذلك حجم تمثيل “اتحاد القوى الوطنية”؛ الذين يطرح نفسه ممثلاً للمكون العربي السني، وإلغاء القوانين المبدئية التي قامت عليها الدولة العراقية بعد العام 2003، إضافة بعض شروط “التحالف الكردستاني” ومطالباته الجغرافية والمالية والسياسية، وهذا يعني إن تفاؤل المواطن العراقي تقابله شكوك السياسيين والمراقبين في قدرة الفرقاء السياسيين على الاستمرار في حالة التوافق المرحلية؛ لأن أزمات العراق السياسية والتاريخية لا علاقة لها بالنجاح في تشكيل حكومة جديدة، فستبقى قوى الاتحاد السني تنظر الى رئيس الوزراء الجديد على أنه قيادي شيعي إسلامي ينتمي الى حزب الدعوة الذي كان يعمل على إسقاط نظام البعث الطائفي العنصري؛ وبالتالي إسقاط السلطة الطائفية التي تمتد الى مئات السنين، كما سيبقى حضور نوري المالكي ماثلاً أمامها؛ لانتماء حيدر العبادي الى الحزب الذي يقوده نوري المالكي؛ الذي يتحمل وزر ما أسموه بتهميش السنة؛ وهو ما يعني لديهم غياب الشكل وبقاء جميع المضامين الايديولوجية؛ وهي نقطة خلافهم الجوهرية الحقيقية مع عراق ما بعد 2003.

أما “التحالف الكردستاني” الذي يمثل المكون الكردي السني؛ فعلى الرغم من سقف مطالبه العالية؛ إلا أن نقطة الخلاف الجوهري المذكورة مع السنة العرب لا تعنيهم بشيء؛ بل على العكس؛ فقد كانوا ولايزالون يعانون من النظرية الشوفينية التي قامت عليها الدولة العراقية بعد عام 1921؛ وهي نقطة التقاء أساسية بحزب الدعوة والمكون الشيعي برمته؛ إذ ان خلافاتهم مع الحكومة المركزية ظلت خلافات مطلبية ولا تتعلق بالصدمة التاريخية التي حدثت عام 2003، وإذا ما أخضعنا الخلافات بين الفرقاء السياسيين الشيعة الأعضاء في “التحالف الوطني” الى مقياس الخلافات الجوهرية مع اتحاد القوى السنية والخلافات المطلبية مع التحالف الكردي، فإن خلافات الكتل الشيعية مع بعضها تصل الى حدودها الدنيا؛ باعتبارها خلافات ترتبط بجانب الصلاحيات والممارسات.

 

الفوضى الشاملة

وقد طفت مظاهر هذه الإشكاليات على سطح الواقع السياسي العراقي خلال السنتين اللتين اعقبتا تشكيل حكومة العبادي، وعادت خصومات الجماعات السنية والكردية والشيعية مع حكومة العبادي كما كانت عليه خلال حكومة المالكي؛ وبالخطاب والقضايا الإشكالية نفسها. وتجلت هذه الخصومات في أوضح صورها في فوضى الشعارات والتصريحات والتجاذبات السياسية والمظاهر المجتمعية التي شهدها العراق منذ مطلع عام 2016؛ تزامناً مع دعوات الإصلاح؛ والتي كان كل فريق ينظر إليها من زاويته المتعارضة مع وجهات نظر الفرقاء الآخرين. لأن كل فريق ينظر الى الوطن والدولة والحكومة؛ كما يريدها هو وكما تنسجم مع بنيته الفكرية وقراءته التاريخية ومصالحه السياسية. فمثلا يكون الإصلاح الذي يدعو اليه بعض الجماعات السنية؛ تخريباً من وجهة نظر جماعات شيعية مقابلة. وحتى داخل المكون الواحد؛ يكون الإصلاح الذي تدعو له حركة التغيير الكردية؛ تخريباً لدى الحزب الديمقراطي الكردستاني، وكذا الإصلاح الذي يدعو له التيار الصدري؛ تخريباً لدى جماعات شيعية أخرى. ولذلك كادت أحداث الشارع البغدادي خلال الأشهر الستة الأولى من العام 2016 أن تؤدي الى حرب أهلية شيعية ـ شيعية؛ ولاسيما بعد اقتحام أنصار السيد مقتدى الصدر المنطقة الخضراء، ثم مبنى البرلمان العراقي ورئاسة الوزراء خلال ايار/ مايو. وقد تخللت مرحلة الفوضى الشاملة؛ إجراءات عاجلة لتغيير الواقع الحكومي؛ بادر اليها حيدر العبادي؛ أهمها: استبدال معظم الوزراء وكثير من وكلاء الوزراء والمدراء العامين ورؤوساء الهيئات المستقلة؛ فضلاً عن تغييرات في بعض السياقات الإدارية؛ تحت عنوان القضاء على المحاصصة الطائفية والحزبية، وعلى الفساد الإداري والمالي.

ولم تقف الفوضى الشاملة عند هذا الحد؛ بل أدت الى إنهيار التحالف الوطني الشيعي عملياً، والى تصدع العلاقات بين الجماعات الشيعية نفسها، ولا سيما بين التيار الصدري والجماعات الشيعية الأخرى عموماً، وبين التيار والدعوة خصوصاً. كما أبرزت ضعف الأداء الحكومي في مواجهة التهديدات اليومية لبعض الجماعات المتظاهرة. أما المظهر الأهم؛ فقد تمثل في تزعزع بنية الكتل السياسية داخل البرلمان، وانشقاق كثير من أعضائها، وتأسيس جبهة برلمانية يقول أعضاؤها أنها عابرة للطوائف والأحزاب، وتضم أكثر من 100 برلماني؛ معظمهم من ائتلاف دولة القانون الذي يترأسه نوري المالكي، وبينهم أغلبية أعضاء "كتلة الدعوة" التي تضم دعاة ومستقلين، والتي يترأسها خلف عبد الصمد، الى جانب أعضاء من جماعات شيعية وسنية وكردية وتركمانية. وقد كرّس هذا الإنشقاق البرلماني تصدّع الوضع الداخلي في حزب الدعوة، وأضاف اليه محوراً جديداً يقوده علي الأديب؛ الى جانب المحورين اللذين يتصدرهما نوري المالكي وحيدر العبادي. وفي النتيجة؛ فإن حجم أزمات العراق ونوعها وتجذرها تسببت في تصدع حزب الدعوة وانكشافه، وفي تصدع الجماعات الشيعية عموماً؛ لأن هذه الجماعات ـ غالباً ـ لاتنظر الى أزمات العراق نظرة علمية عميقة؛ لتكتشف حقائقها التاريخية والجغرافية والبنيوية؛ بل أنها تنظر الى الأزمات باعتبارها أزمة سياسية يمكن حلها بالتوافق والتراضي، أو أنها أزمة خدمات وبنية تحتية يمكن حلها بحكومة "التكنوقراط".

 

التغيير الجوهري

إن التغيير والاستقرار في العراق لا يرتبطان بتغيير الحكومة ومجيء رئيس وزراء جديد أو بتشكيل حكومة خبراء أو بالإصلاح السياسي؛ بل يرتبطان بالصراع التاريخي للإرادات على هوية العراق وبنيته الايديولوجية وتكوينه القومي والمذهبي. ولا شك؛ إن معرفة عمق هذه الإشكالية والإذعان لحقيقتها؛ كفيلان بإيجاد الحلول الجذرية لأزمات العراق ومعالجتها، أما الإصرار على عدم الاعتراف بهذه الإشكالية والتغطية عليها، والاستمرار قدماً في وهم تغيير الوجوه والأسماء والصلاحيات والسلوكيات؛ وكونه جوهر التغيير والاستقرار؛ فإنهما سوف يبقيان العراق مشتولاً في أرض الأزمات.

 

حزب الدعوة وإشكالية حكم العراق بعد عام 2003 (28)

ali almomenفي مرحلة البناء الفكري والتنظيمي التي عاشها حزب الدعوة بسرية طيلة 22 عاماً؛ نظّر كثيراً للحكم العقائدي العادل الذي ينشد تطبيقه، وكان تنظيراً مثالياً تنقصه التجربة، ولكن مرحلة المعارضة العلنية والصراع مع حكم البعث الذي استمر من عام 1979 وحتى 2003؛ ومعايشة الحزب لنشوء الدولة الإسلامية الإيرانية ومساراتها، ثم معايشته القريبة لتجربة حزب الله المنفتحة في لبنان، وكذا تعرف الدعاة عن قرب على واقع الديمقراطيات التقليدية في أوروبا، وتجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا؛ دفعت حزب الدعوة الى  تنظيرات جديدة؛ أسدلت الستار على كثير من أفكار ما قبل 1979، وكان هذا التنظير أكثر قرباً الى الواقع، ويتلمس تجارب التطبيق في أكثر من بلد.

وحين دخل حزب الدعوة الإسلامية معترك المشاركة في حكم العراق دخولاً مباشراً ومفاجئاً؛ دون تحضيرات فكرية وفقهية كافية، ودون استعدادات سياسية وتنظيمية مناسبة؛ فإن مشاكل تثبيت السلطة، وأزمات إدارة الحكومة والدولة، ومقاومة المد الإرهابي المضاد؛ أخذته بعيداً عن التنظير لحل أزمات العراق حلاً علمياً حقيقياً؛ مستمداً من نظريته الإسلامية؛ وصولاً الى بناء الدولة الإنسانية المؤمنة العادلة؛ التي نادى بها منظرو الدعوة الكبار: السيد محمد باقر الصدر وعبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي ومحمد مهدي الآصفي. وبقي "الدعاة" منذ وصول السيد إبراهيم الجعفري وعز الدين سليم عام 2004 الى رئاسة مجلس الحكم الانتقالي، ثم قيادة نوري المالكي البلاد في دورتين حكوميتين من 2006 وحتى 2014، وحتى تشكيل حيدر العبادي حكومته عام 2014؛ منشغلين بالواقع اليومي الصعب والمأزوم.

والحقيقة إن تجاوز الدعاة لأوجاع تنازل نوري المالكي عن رئاسة الحكومة العراقية، ومخاضات تشكيل حيدر العبادي حكومته، وما كشفه الحدثان من صور ومشاهد؛ فرضت عليهم التأمل والتفكير العميق في سلوكياتهم السياسية، والمراجعة الحقيقية لفكر حزب الدعوة ونظريته وواقعه، والعلاقات بين أجنحته، والتنظير لمبادئ الحكم والدولة؛ كما تراها نظرية “الدعوة”، وكما يفرضه الواقع العراقي الجديد وتنوعه الفكري والمذهبي والقومي، وإيجاد مقاييس ومعايير للتوازن بين ممارسة الدعوة الدينية الإسلامية، وممارسة السلطة السياسية؛ أي بين الدعوة كمنظومة دعوية تبليغية دينية، وبين الدعوة كحزب سياسي يمارس السلطة العامة؛ كيلا يرتفع منسوب السياسة وينخفض منسوب الدعوة. ويخرج هذا الجهد بصورة بحوث ذات تخصص دقيق في نظرية الدعوة وفكرها، وفي العقيدة والفقه السياسي الإسلامي، وأخلاق الحكم، وفي علوم الاجتماع و القانون والسياسة والاقتصاد والإعلام. ولعل المبادرة الفكرية الجادة الوحيدة في هذا المجال؛ هي التي طرحها أمين عام حزب الدعوة نوري المالكي عبر دراساته الثلاث التي نشرها خلال عام 2015: “حزب الدعوة الإسلامية والقدرة على المراجعة المستمرة” و”العودة الى الدعوة” و”الحركات الإسلامية وتجربة المشاركة في الحكم”.

 

تنحي ابراهيم الجعفري

بعد أن نجح خصوم حزب الدعوة في إجبار السيد إبراهيم الجعفري على التنحي عن الترشح لرئاسة الوزراء في عام 2006، وترشيح “الدعوة” نوري المالكي بديلاً من قيادتها؛ بتشكيل الحكومة العراقية؛ تصوّر الخصوم أن حزب الدعوة دخل في نفق مظلم، وأنهم نجحوا في إضعافه ووضعوه على مشارف الانهيار، ولكن هذا التصور لم يكن مبنياً على فهم عميق لمنهجية حزب الدعوة وأساليب عمله التي تمكنه؛ ككل مرة؛ من الخروج من مشاكله وأزماته ببطئ ونجاح. وكنا كمراقبين متخصصين بحزب الدعوة والحركات الإسلامية؛ نتوقع أن يؤدي تولي مرشح حزب الدعوة رئاسة أول حكومة منتخبة دائمة الى صعود أسهم الحزب جماهيرياً وسياسياً بنسب غير مسبوقة؛ وهو ما حصل بالفعل؛ حتى بعد خروج القيادي الأبرز الدكتور إبراهيم الجعفري من الحزب. كما تحول نوري المالكي خلال حكومته الأولى الى الشخصية السياسية الجماهيرية الأولى في العراق، والقيادي الأبرز في حزب الدعوة؛ ولا سيما بعد انتخابه أول أمين عام لحزب الدعوة في مؤتمر الحزب عام 2007، وكسب الجولة السياسية والعسكرية في عمليات صولة الفرسان في البصرة عام 2008، ثم الجولة المشابهة في الموصل بعد فترة قصيرة، وانعكس هذا النجاح على انتخابات مجالس المحافظات عام 2009 والانتخابات البرلمانية عام 2010؛ إذ تمكن خلالهما حزب الدعوة وحلفاؤه المنضوون تحت “ائتلاف دولة القانون” برئاسة نوري المالكي؛ من اكتساح أصوات الكتلة الشيعية الناخبة؛ وذلك بفعل قوة حضور المالكي في الشارع الشعبي العراقي.

 

شخصية نوري المالكي

ومارس الخصوم السياسيون، وتحديداً أطراف التحالف الكردستاني وفي مقدمهم مسعود بارزاني، والفرقاء السنة المتخندقون في “ائتلاف العراقية” برئاسة أياد علاوي، وبعض الجماعات الشيعية والسنية؛ كالمجلس الأعلى الإسلامي؛ الذين سبق أن أجبروا إبراهيم الجعفري على التنحي؛ الدور نفسه ضد نوري المالكي في عام 2010. ثم انضم التيار الصدري الى المعارضة في محاولة سحب الثقة عن المالكي قبل ذلك بسنتين. ولكن حزب الدعوة تمكن من دفع مرشحه نوري المالكي مرة أخرى نحو تشكيل الحكومة العراقية الجديدة؛ بدعم من المرجعية النجفية العليا والقيادة الإيرانية؛ اللذين طلبا من الأطراف الشيعية تشكيل التحالف الوطني؛ بصفته الكتلة البرلمانية الأكبر؛ الأمر الذي أسقط في يد ائتلاف العراقية السني؛ بعد أن سعى بمختلف الطرق الدفع بمرشحه الشيعي أياد علاوي لتشكيل الحكومة، وبذلك بقي منصب رئاسة الحكومة بحوزة حزب الدعوة للمرة الثالثة على التوالي.

 

وتكرر الأمر في الانتخابات البرلمانية عام 2014؛ حين اكتسح النتائج حزب الدعوة وحلفاؤه في ائتلاف دولة القانون؛ وهي الانتخابات التي حصد فيها نوري المالكي نتائج تاريخية على المستوى الشخصي وعلى مستوى ائتلافه. وأجمع خصوم حزب الدعوة هذه المرة على تجريد حزب الدعوة من امتياز رئاسة الحكومة بأي ثمن؛ لأنهم باتوا مدركين بأن مشكلتهم ليست مع الأشخاص؛ وإن أعطوها غطاءً شخصياً؛ بل أن مشكلتهم مع المنظومة الفكرية السياسية التي أفرزت إبراهيم الجعفري ونوري المالكي وعلي الأديب وحسن شبر وهاشم الموسوي وعبد الحليم الزهيري وطارق نجم وحسين الشامي وخضير الخزاعي.

وكانت خطوتهم الأولى تتلخص في حرمان نوري المالكي من حق تشكيل الحكومة؛ وهي الخطوة التي نجحوا فيها. ولكنهم اضطروا الى القبول مؤقتاً ببقاء رئاسة الحكومة في حوزة حزب الدعوة؛ في أعقاب خطوتين استباقيتين قامت بهما قيادة الحزب ( أغلبيتها ):

الأولى: ضمان تأييد الإمام السيستاني لإبقاء رئاسة الحكومة في حزب الدعوة؛ والتي أفصحت عنها ضمناً رسالته الجوابية لقيادة الحزب في آب 2014؛ والتي طلب فيها من قيادة “الدعوة” اختيار رئيس وزراء جديد.

الثانية: اتفاق أغلبية القيادة على مرشح بديل عن نوري المالكي هو القيادي في الحزب الدكتور حيدر العبادي.

وفي الخطوتين قطعت قيادة الحزب على الخصوم الطريق لتجريدها من حق تشكيل الحكومة. صحيح أن الخطوة الثانية تمت دون موافقة أمين عام الحزب ومرشحه الأصلي نوري المالكي وقياديين آخرين؛ إلّا أنها حققت للحزب في النتيجة احتفاظه بموقع رئاسة الحكومة.

 

منصب رئاسة الوزراء

ولم يستغرب المراقبون المتخصصون قدرة حزب الدعوة الإسلامية على تجاوز هذه الأزمة؛ رغم عسر المخاض والتباس النتيجة، فقد حصل الحزب على منصب رئاسة الوزراء في عام 2005 وهو يمتلك 15 مقعداً فقط؛ على الرغم من وجود كتل شيعية لديها عدد أكبر من النواب. ثم حصل على المنصب بعد أن حاز على خمسة أضعاف مقاعده في انتخابات عام 2010، ثم سبعة أضعاف العدد في2014 ؛ الأمر الذي يجعل دور الفرقاء السياسيين الداخليين واللاعبين الدوليين الخارجيين؛ تحديداً أميركا وإيران؛ متلخصاً في ترجيح داعية على آخر؛ ليكون رئيساً للحكومة؛ ربما حتى انتخابات عام 2022 .

وقد ظن معظم الفرقاء السياسيين العراقيين أن حزب الدعوة سيتشظى ويتآكل بعد ترشيح حيدر العبادي لرئاسة الحكومة على حساب المرشح الأصلي نوري المالكي؛ ولاسيما أن لكل منهما من يدعمه في قيادة الحزب. ولكن؛ كما فاجأت قيادة الحزب الجميع بترشيح العبادي؛ فإنها فاجأتهم بالاجتماع التاريخي في مساء 13 آب 2014 الذي تنازل فيه نوري المالكي عن حقه القانوني في الترشح لرئاسة الحكومة؛ لمصلحة محازبه حيدر العبادي؛ لينزع بذلك فتيل أزمة كبرى كانت ستطيح بكل شيء.

 

خصوم “الدعوة”

لسنا هنا بصدد شرح تفاصيل المنظومة الايديولوجية والمنهجية والسلوكية لحزب الدعوة الإسلامية؛ والتي تجعله سباقاً الى تحقيق أهدافه، ودقيقاً في معالجة العقبات ومواجهة التحديات، ولسنا أيضاً بصدد شرح طريقة تفكير "الدعاة" كما تفرضها تلك المنهحية؛ ولكن نوضح باختصار طبيعة هذه المنهجية وقواعد تكوينها وكيفية التعامل معها. وهذا الجانب المعرفي مهم جداً في فهم الفرقاء السياسيين لحزب الدعوة؛ سواء كانوا متحالفين معه أو خصوماً له؛ لأن سوء تنظيم العلاقة بين حزب الدعوة والآخرين؛ يؤدي دائماً الى أزمات ومشاكل مستعصية. وقد لاحظنا بعد عام 2003 أن معظم الجهات السياسية تعاملت تعاملاً انفعالياً وارتجالياً مع الدعاة، وظل هذا النوع من التعامل يزيد من أسهم حزب الدعوة ويساعده في الوصول لأهدافه بأسرع وقت؛ مما يزيد من غضب هذه الجهات وتشنجها، ولاسيما الجماعات التي تنتمي الى الحالة الإسلامية الشيعية، وتواجه تحديات مشتركة كبرى.

 

خبرة تاريخية وعالمية

باختصار وبمنهج توصيفي؛ إن حزب الدعوة هو أول حزب إسلامي شيعي عالمي، يمتلك ايديولوجيا شاملة في العقيدة والفكر والثقافة والسياسة والتنظيم والسلوك الجمعي والفردي، ويمتلك منهجا في إدارة المجتمع واستلام السلطة وقيادة العمل السياسي. وقد بلغ عمر حزب الدعوة أكثر من 58 سنة، وهذا العمر مليء بالتحديات والصراعات والتضحيات؛ منذ اليوم الأول لتأسيسه؛ بدءاً بالصراعات والتنافس والتجاذب داخل الحوزات العلمية وعلى تسميات المرجعيات وعلى استقطاب علماء الدين والمثقفين الشيعة من كل دول العالم؛ مروراً بالصراعات مع الأحزاب الشيوعية والقومية والبعثية، وانتهاء بالصراعات المصيرية الوجودية مع السلطات في العراق وإيران ولبنان والبحرين والكويت وغيرها.

أي أن "الدعاة" بطبيعتهم يولدون من رحم الصراعات الفكرية والثقافية والسياسية، والجدل الايديولوجي، والخطر الدائم الداهم، والمعاناة اليومية؛ حتى بات عنوان “عضو في حزب الدعوة” يعني الإعدام والقتل لدى السلطة العراقية قبل عام 2003، ويعني الانحراف الفكري والعقيدي لدى بعض الجماعات الدينية والسياسية الشيعية، ويعني الطائفية والصفوية والمجوسية لدى بعض الجماعات السنية. وظلت استقلالية حزب الدعوة في منهجه وفكره سبباً في معظم انشقاقاته وكثيراً من مشاكله الداخلية والخارجية؛ وإن ظلت بعض سلوكياته وسلوكيات أعضائه توحي بالتولي لإحدى المرجعيات الدينية النجفية أو القمية أو البيروتية أو الطهرانية، أو للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وبالتالي؛ فهو يعد نفسه منذ أن تأسس وحتى الآن؛ كياناً سياسيا دينياً مستقلاً قائماً بذاته.

وقد خلقت الأجواء الصعبة المتفاعلة المتخمة بالغليان الفكري والسياسي طوال 58 عاماً من عمر حزب الدعوة؛ وفي أكثر من بلد؛ خبرة تراكمية سياسية وفكرية كبيرة، وقدرة هائلة على الجدل والفعل لدى “الدعوة” و”الدعاة”، وهذه الخبرة التراكمية التي يمتلكها حزب الدعوة ليست خبرة عراقية وحسب؛ بل خبرة مزيجة فريدة لا تشبه أي من التنظيمات السياسية العراقية أو الشيعية؛ بالنظر لانتماء مؤسسيه وكوادره الى عدة بلدان؛ ولاسيما العراق ولبنان وإيران؛ وهو المثلث الشيعي الأكثر خبرة ونضوجاً سياسياً.

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

الجزائر كما يصفها فرنسي سنة 1911

moamar habarكتاب ARNOLD VAN GENEEP, « EN Algérie » Paris, 220 pages، يتطرق لحال الجزائر إبان الاستدمار الفرنسي، أثناء زيارته للجزائر سنة 1911 – 1912، ولمدة خمسة أشهر.

تطرق الكاتب إلى الحياة اليومية للجزائري، من أكل، وشرب، ولباس، وسهر، وزراعة، وسلوك تجاه العمل، ونظرته للإسلام، وجوع، وفقر، وأمية. وأعطى نظرته المبنية على البعد الاستدماري التوسعي، منها..

يتحدث في صفحة 11 بإعجاب شديد عن الطبيعة الخلابة لتلمسان ويسميها بحزام الطبيعة، وعن شلالتها وأوديتها، ثم يقول الطبيعة الخلابة ليست في تلمسان وحدها، بل في الجزائر كلها.

يستهزئ من قتال الجزائريين والعرب، .ويصفه بأنه قتال لا يعرف التراجع أبدا، ويقول في صفحة 26 .. سيطر العرب على إسبانيا وهيمنوا كلية على الأرض. لكن الله منحهم النصر ليختبرهم. وحين رأى أن هذه الهيمنة تبعدهم عن الله، بيّن بعد ذلك للأوربيين الطريق الأفضل للمقاومة. لنحارب نحن بالطريقة التي إرتضتها دولتي.

ويقول في صفحة 20.. " الأهالي ياسيدي، لا يلتقون إلا من خلال العمل الذي نمنحهم إياه، ومن أجل الأموال التي يجلبونها لك" . أقول:

هكذا نحن بالنسبة لفرنسا منذ 1830 إلى يومنا هذا.. عضلات تخدمهم، وعقول تتودد إليهم، ومشاريع تنقذهم من الإفلاس، وأموال تزيدهم غنى وتحميهم من البطالة. وفوق هذا وذاك، فنحن في نظرهم.. أهالي، لم يرتقوا بعد إلى مصف البشر.

ويتحدث في صفحة 34 عن أبو إسحاق الطائر التلمساني، فيما ينقله يومها عن جزائري ويصفه للفرنسي، قائلا.. ظل 24 سنة دون نوم، يقضي نهاره صائما وليله يقظا، وأحيانا يطير في الهواء كالطير. منذ 1300 سنة من وفاته، أعداد لاتحصى تأتي هنا للحج، يتوسلون إليه ويشربون من العين المقدسة التي يحرسها إلى الأبد، ويضمن القدرة الرائعة الخارقة.

أقول.. هذه عيّنة من القابلية للاستدمار الفرنسي، وهي التي ساهمت وما زالت تساهم في بقاء الاستدمار.

يتحدث في صفحة 45 عن اليهودي الذي تعلم التلمود والطب، وأنه داوى ابنت السلطان فطلب منه أن يسمح له بأن يحضر أصحابه من إسبانيا وأغادير ليقيموا بتلمسان، ويقيموا بها، ثم ينالون الجنسية الفرنسية التي لايملكها الجزائري.

يتحدث بإسهاب شديد وتفصيل ممل عن إعتقاد اليهود في الكاهن، وممارستهم للطقوس المذلة للحصول على الولد الذكر خاصة، وهي تشبه تماما الطقوس التي يمارسها رجال وخاصة النساء الجزائريات، حين يزورون القباب للحصول على مبتغاهم خاصة الولد الذكر. حتى أني تساءلت وأنا أتابع الفصل كله الخاص بسرد المرأة اليهودية للحصول على الولد الذكر. هل اليهود أخذوا عنا هذه العادات، أم نحن الذين أخذنا عنهم هذه العادات؟.

تحدث عن معاناته للحصول على الفخار الجزائري الأصيل من منطقة القبائل، وهو يجوب جبالها وشمسها في وسط الظهيرة، وبردها ليلا، والجري من دار لدار، والمشقة في حمل ما قدر على حمله، والصعوبة الشديدة في تمييز الأصيل منها طيلة أيام طوال دون أكل ولا شرب، سوى بعض ما يسد به رمقه ويطفىء به عطشه. وفي الأخير تحصل على 7 قلل أصيلة، ذات رسم أبيض وخيوط حمراء وسوداء من توجة.

يتحدث في صفحة 101، عن إحدى الجلسات الجزائرية، فيقول.. جلست فوق مقعد من حجر قرب العرب، وجودي لم يثر إنتباههم ولا فضولهم، ثم واصلوا حسابهم .. زوج دورو، 3 فرنكات. أقول..

الفرنسي يومها لم يكن يثير إهتمام الجزائري، رغم فقره، وأميته، وجوعه، وعريه، وبأسه.

يتساءل في صفحة 110. هل المكان الوحيد، حيث الانسان المجهول هو العدو المطلق، الذي يجب قتله قبل أن يقتلك؟.

يتحدث عن قساوة الصحراء وكيف قضى 18 يوما، عبر رمالها، ويقول إن الرجل الصحراوي لا يشتري ولا يبيع الغزال، ولا يصطاد الغزال لأجل الربح، إنما يتعب لأجلها ثم يهديها من يحب ومن يريد. و اندهش الكاتب كثيرا من هذا السلوك الحضاري الراقي من جزائري بسيط إتخذ من رمال الصحراء، الصدق، والوفاء، والعطاء.

والصحراوي يوصي الفرنسي في صفحة 111، بأن لا يترك أبدا بندقيته، فإن ذلك غير مرغوب فيه.

ويعترف الفرنسي في صفحة 115-116، أن أهل الصحراء يعيشون بمحصول قليل، لكن دون نقص ولا عوز.

ويصف الفرنسي في صفحة 117-120، إسباني زار الجزائر في تلك الفترة، رفقة زوجه وأبنائه، قائلا.. " عاد يجر من ورائه زوجة هزيلة وأطفالا أكثر وحشية من أطفال العرب والبربر ". ثم إستمر في الوصف..

جاء الإسباني إلى الجزائر وهو في حالة يرثى لها من الفقر والعوز والحاجة. بالتدريج إستولى على أراضي الجزائريين ومياههم بالقوة واستصلحها لنفسه، ثم استولى عليها بشهود زور أمام القضاء الفرنسي، مدعيا زورا أنها له منذ سنوات طوال، وأن الأرض لم تكن لأحد من الجزائريين، ولم يقم أحد باستصلاحها إلا أنا، بدليل حالتها الزاهرة حاليا.

وفي الأخير سجلت الأرض والهكتارات العديدة باسم الإسباني، وباسم القانون الفرنسي .ثم إستولى على قطع الأراضي للجزائريين المجاورين "لقطعته !". ما أدى إلى هجرة الجزائريين أرضهم، والباقي رضي مجبرا أن يكون تحت سطوة هذا الإسباني. وفي عشرين سنة أصبح الإسباني هو المالك الوحيد لهذه الأراضي. ثم تبعته في ذلك أجناس أخرى إستولت على الأراضي الجزائرية، بدعم من الجيش الفرنسي و(شهود الزور).

يتحدث الفرنسي عبر صفحات 121-137،عن الصناعات التقليدية بإعجاب شديد جدا، إلى درجة أنه يتبرأ من العودة لفرنسا، وذكر أن..

هذه الصناعات تحمل لونا محليا تميّز كل منطقة عن الأخرى، مستشهدا بالصناعات التقليدية في وهران، والقصبة، ومنطقة القبائل، وقسنطينة، ومركزا على الأنامل الجزائرية المبدعة، ذات الجمال الخلاّب والخيال الواسع. وبيّن أن هذه الصناعات التي لا تدر إلا بعض الفرنكات القليلة جدا، لكن تعيش من وراءها عائلات جزائرية ذات 12 فرد. ويتأسف لكون هذه الصناعات التقليدية غير موجودة في فرنسا، ويوصي بالاهتمام بها، لجلب السواح الأجانب، وتدر بالتالي أموالا على فرنسا الاستدمارية في الجزائر يومها.

سؤال يطرحه القارىء المتتبع.. لماذا إندثرت كل هذه الصناعات التقليدية بعد إسترجاع السيادة الوطنية؟. ولماذا لم يعد لها أثرا؟. ولماذا لم تعد عاملا من عوامل جلب المال والسياح؟. ولماذا أصبح الجزائري حين يزور دولا عربية، ينبهر بصناعات تقليدية عربية هي في الأصل جزائرية، كانت في عهد الاستدمار الفرنسي رائجة نشطة، وذات جمال خارق، وإبداع يجلب الأنظار.

يتطرق في صفحات 139 - 156، لأمر غريب جدا يتمثل في حشرة البرغوث وأثرها على الجزائري العربي، من خلال نظرته العنصرية الاستدمارية، فيقول..

وما يجعل الأهالي أكثر عنفا ليس الإسلام، إنما البرغوث المعروف. وهذ ليست مزحة، إنما حقيقة. منذ 3 سنوات وفي أحد أحياء فرنسا، شهدنا غزوا للقمل، وكل منه يتهم الكلب، أو القط، أو أدواتي، أو الطابق الأرضي. والفرنسيون الذين كانوا يعانون ممن كانوا يتظاهرون كانوا يتظاهرون بأنهم ليسوا مصابين بالقمل. ولا يتحدثون عنها للأصدقاء والأحباب. ثم تبيّن أن كل الحي مصاب بالقمل، وعمت الفرحة حين علمنا أن الجرائد ذكرت، أن أحياء أخرى أصيبت بعدوى القمل.

سرير أبنائي الصغار كان يوميا مملوء بالقمل، وأبنائي الكبار لايعرفون النوم بسبب. وكنا لانعرف اليوم، حتى بعد أن رحلنا إلى منطقة أخرى لاتعرف البراغيث، تضررنا منها بسبب بعض البراغيث التي لصقت وتم نقلها عبر الملابس والأثاث. بينما في الجزائر بمجرد ما تدخل الخيمة أو البيت البربري يغزوك البرغوث، ولا ينكر أحد من الجزائريين، هذه الأولى. أما الثانية فإن إنتشار وتواجد البرغوث حسب المناطق. المهم حيث يوجد الأهالي يوجد البراغيث، ليست البراغيث الموجودة في الكلاب، إنما تلك الموجودة في القطط، وتطير.

الجزائري أشد مقاومة للبرغوث من الأوربي، لذلك لاتراه يقوم بحركات حك، ويكفي ضربة من برنوسه. القوم الذين لاينامون إلا قليلا بسبب البرغوث، سيبقون طيلة حياتهم في حالة غضب، ناهيك عن آثار ذلك على سلوكاتهم اليومية. كأن يقتل الجزائري زميله من أجل بعض الفرنكات. وقد إشتكى الأوربيون في المدن الأوربية من سرعة رد فعل الجزائري، ثم قال..

علينا أن نعترف أن في الجزائر يوجد البشرة البيضاء، مثلها مثل تلك الموجودة في أوربا، بل أحيانا تضاهي تلك الموجودة في إسكندنافيا، ويوجد أيضا البشرة السمراء، وأقل من تلك الموجودة في البرتغال. إذن كل شعوب البحر الأبيض المتوسط، يتشابهون في اللون. ضف لها تأثير الطقس المتقلب جدا على الغضب الذي يتميز به الجزائري. وأطالب الأطباء بدراسة تأثير الطقس على الإفرازات التي يفرزها الجزائري، والمتعلقة خاصة بظاهرة الغضب الشديدة. والقدرة الجنسية المفرطة هي نتاج الغضب الشديد الذي يمتاز به الجزائر، ثم يوصي الفرنسيين المستدمرين من أمثاله..

إجعلوا الأهالي من الجزائريين يهدِؤون، حتى يتقبلوا بسهولة حضارتنا. وما يجعل الأهالي يرفضون حضارتنا ليس الإسلام، إنما البرغوث. البرغوث الذي لايتركهم ينامون جيدا، ولا يفكرون غير في الحك. مايجعل الأهالي (الجزائريين) يرفضون حضارتنا ليس الإسلام، إنما البرغوث.

ويعترف بأنه حيث يوجد الأهالي (الجزائريين) يوجد البراغيث، وليست البراغيث الموجودة في الكلاب، إنما تلك الموجودة في القطط وتطير إلى مسافات. وقد إشتكى الأوربيون من سرعة الغضب الجزائري، التي تؤدي إلى القتل أحيانا، ويرى أن القدرة الجنسية التي تميّز الجزائري مردها لهذا الغضب المفرط.

هذه خلاصة ما توصل إليه الكاتب في مقدمة الفصل وخاتمته. فالبرغوث في نظر الفرنسي، هو الذي يسكن الجزائري يحرمه من النوم، ومن التفكير في فضائل الحضارة الغربية، ويجعله في حالة غضب شديد تحرمه من التمتع بفضائل فرنسا. ويوصي الأساتذة المختصين بجعل الجزائري أكثر هدوء ليقبل الحضارة الغربية.

طبعا، الكاتب يتعمد عدم ذكر مساوىء الاستدمار الفرنسي على السلوك الجزائري، وكيف أنه كان عاملا من عوامل الغضب الجزائري ضد أوضاعه المزرية، فيحصرها ببساطة وحقد وكره شديد في البرغوث. هذه هي حضارة الغرب واستدمار فرنسا، تريد أن تعالج غضب الجزائري، ليس بالحد من البرغوث، بل ليقبل بالاستدمار الفرنسي، والقابلية للاستدمار.

ويرى في صفحة 157، أن الإسلام قوة موت وليس قوة حياة. أعترف أن الإسلام عائق بالنسبة لنا. وأعترف أن حماقتنا هي السبب في هذا العائق. وتتمثل هذه الحماقة في أننا لانعرف الظروف الداخلية. لقد أسلمنا شمالنا الإفريقي، ونحن الآن بصدد إسلام إفريقيتنا الغربية. لم نكون قوة سياسية، إنما كونا حالة فكر معارضة تماما لمصالحنا.

 

معمر حبار

 

أزمات العراق وموقع حزب الدعوة في دائرة الحل (27)

ali almomenقبل الدخول الى بوابة الحلول الصعبة لأزمات العراق المستعصية؛ لابد من تشخيص طبيعة هذه الأزمات وعمقها وامتداداتها؛ فالعلاج الحقيقي لا يُعطى للمريض إلّا بعد اكتشاف طبيعة المرض أو الأمراض ومراحلها واستفحالها وتجذرها في جسد المريض، وربما يكتفي الطبيب بالمسكنات أو العلاج بالعقاقير، ولكنه قد يقرر إجراء العمليات الجراحية الخطيرة؛ وصولاً الى عمليات الاستئصال المؤلمة؛ من أجل إنقاذ حياة المريض.

 

تراكم تاريخي

ابتداءً؛ من الخطأ الفادح الاعتقاد بأن أسباب الفشل والأزمات في العراق هي حكومات ما بعد عام 2003؛ بدءاً من إدارة الاحتلال بقيادة غارنر ثم بول بريمر، مروراً بحكومتي اياد علاوي وإبراهيم الجعفري، وانتهاء بحكومات نوري المالكي وحيدر العبادي. وليس صحيحاً أيضاً الاعتقاد بأن العلمانيين إذا حكموا وتنحى الإسلاميون عن الحكم، أو أمسك التكنوقراط بالوزارات وابتعد السياسيون والحزبيون؛ فإن أزمات العراق ستنتهي، بل لو عاد حكم صدام حسين؛ بكل ما كان لديه من قسوة وجبروت وتفرد، وقدرة على القهر وكتم الأنفاس وقطع الألسن والقتل وقمع أي تحرك معاد للسلطة، وافتعال الحروب الداخلية والخارجية؛ لما استطاع فعل شيء؛ سوى إخماد بعض النيران؛ ليبقى الجمر كامناً تحت الرماد، لأن أزمات العراق ليست طارئة أو مفتعلة، أو نتيجة احتلال وحروب وسوء إدارة؛ بل أنها أزمات متوارثة متراكمة مزمنة لها علاقة بماضِ سحيق؛ يستحيل التخلص منه بالقوة القاهرة أو بالمصالحات السطحية بين الفرقاء وصفقات الترضية، أو بالشعارات الرنانة والمهرجانات الخطابية التي تصرخ  بالوطن والوطنية.

 

عراق سايكس-بيكو

إن أزمات العراق لصيقة بتكوينه الخاطئ بعد معاهدة سايكس- بيكو؛ التي أورثت العراق كل موبقات السلطنة العثمانية الطائفية، ثم بقيام ما عرف بالدولة العراقية العام 1921 وما ترشح عنها من مركب سلطة طائفية عنصرية؛ تحمل الإرث العثماني والأموي في مضمونها، ولون الإحتلال والاستعمار في شكلها، ويحكمها ملوك مستوردون من الخارج، وبإفرازات ما عرف بأفكار الثورة العربية، وتشكيل الدول العربية الحديثة والمعاصرة على أسس قومية عربية، ثم ظهور أفكار الجماعات العنصرية؛ وأبرزها حزب البعث.

وقد تبلورت الأزمات بأفقع ألوانها؛ بتأسيس نظام حزب البعث العراقي بعد انقلاب العام 1968، واستدعائه لكل مفاسد الموروث الطائفي العنصري؛ بدءاً بالموروث الأموي، وانتهاءً بفكر وزير المعارف في العهد الملكي ساطع الحصري، وعنصرية حكم عبد السلام عارف وطائفيته، وايديولوجيا مؤسس حزب البعث ميشيل عفلق. ونتج عن كل ذلك ثقافة مجتمعية مأزومة، وثقافة سلطوية قمعية، ونظم سياسية وقانونية مولِدة للأزمات، ومراكمة لها، ومفككة لبنية المجتمع، ومدمرة لوحدة الدولة، ومثيرة للحروب والصراعات الداخلية بين مكونات الشعب العراقي.

وكان نظام البعث بارعاً في قمع أعراض هذه الثقافات المأزومة والمناخات النفسية المريضة التي أنتجها الموروث التاريخي العراقي وأنتجها فكره وممارساته، ويغطي على بؤر النيران؛ بقوة السلاح والحروب والقتل وخنق الانفاس، وكل أنواع القسوة والطغيان والجبروت، فكان يقضي على أعراضها بعلاجات تفاقِم الأمراض وتؤصِّلها؛ لأنه كان يعتاش على هذه الأمراض ويتغذى بها؛ بل هي سبب استمراره في السلطة. وبذلك بقيت تلك الثقافات والأمراض المزمنة والصراعات المتجذرة ناراً تحت الرماد؛ حتى سقطت سلطة القمع عام 2003؛ لتنطلق هذه الثقافات والصراعات بقوة الى العلن.

 

إنهيار دولة البعث

وبعد انهيار دولة البعث عام 2003؛ بفعل مشروع الاحتلال الذي كان معنياً بمصالحه، وليس معنياً بحل أزمات العراق؛ فإن تلك الثقافات والأزمات النفسية وتبعات الموروثات التاريخية والبيئة النفسية الحاضنة لكل أنواع الأزمات؛ تحررت فجأة، وانطلقت بقوة تدميرية هائلة؛ لتملأ الواقع العراقي بالتناقضات والتعارضات والصراعات، حتى أصبح الشغل الشاغل للحكومات المتوالية ذات الأغلبية الشيعية؛ هو حل التناقضات بين الفرقاء السياسيين، وتفكيك العقد بين مكونات الشعب العراقي، ومقاربة إشكاليات النظام السياسي، وتنظيم صلاحيات الحكومة المركزية وحكومات الإقليم والمحافظات؛ فضلاً عن المهمة اليومية الروتينية المتمثلة بمكافحة الإرهاب وأسبابه المتراكمة، وجميعها مشاغل متشعبة جدلية؛ تجد جذورها بالكامل في ممارسات الأنظمة العراقية السابقة وأعرافها وأفكارها وسلوكياتها، وترافقها أزمات متفجرة أخرى تتعلق بالخدمات والبنى التحتية؛ بما في ذلك الكهرباء ومياه الشرب والمجاري. وتبيّن أنها أزمات موروثة أيضاً؛ لأن نظام البعث ظل طيلة 35 عاماً يقوم بحلول ترقيعية لهذه الأزمات؛ للحيلولة دون ظهورها الى العلن.

الذي نريد قوله باختصار؛ إن عراق ما بعد 2003؛ ورث بلداً ليس فيه مساحة صالحة للعيش الحقيقي، بلداً مدمراً منكوباً، وشعباً شديد الإرهاق؛ بفعل 1350 عاماً من التمييز الطائفي والتهميش العنصري، والقمع الفكري والثقافي، والحرب النفسية، والقتل والاعتقال والتهجير والاضطهاد للأكثرية المذهبية الشيعية في العراق؛ على يد الأمويين والعباسيين والأيوبيين والسلاجقة والمماليك والعثمانيين؛ ثم على يد بقايا العثمانيين والقوميين العروبيين الجدد في العهدين الملكي والجمهوري؛ وأخيراً بفعل 35 عاماً من حكم البعث الذي تميز بالحروب المتواصلة والقتل الجماعي وجرائم الإبادة، والاضطهاد الشامل والتهجير والهجرات المليونية، والخسائر المادية الهائلة، والدمار الاقتصادي المرعب وانهيار البنى التحية.

 

حكومات ما بعد 2003

وهذا لا يعني إن نوع الحكومات التي توالت على العراق بعد عام 2003 غير مسؤولة عما وصل اليه الواقع العراقي؛ بل أنها تتحمل وزر رفض حل عقد العراق وأزماته؛ حلاً علمياً واقعياً، ولا أقصد بالحكومات هنا؛ التشكيلة الوزارية أو رئاسة الحكومة؛ بل كل الفرقاء السياسيين الذين شاركوا في الحكم. هذه الحكومات تضم عشرات الأحزاب والجماعات والكتل والائتلافات المختلفة دينياً ومذهبياً والمتعارضة سياسياً وثقافياً، وكل منها يفرض على الدولة العراقية شروطه وقوانينه ومرشحيه ونسبته من المسؤوليات والمناصب؛ بدءاً برئيس الجمهورية وانتهاء بمدراء الدوائر، ثم تتحول الوزارات الى مراكز يديرها ـ عادة - الحزب الذي ينتمي اليه الوزير، وبالتالي؛ يتحول نظام الحكم الى مهرجان من الثقافات والايديولوجيات والموروثات النفسية المتعارضة والانتماءات السياسية غير المنسجمة. وقبالة هذا الوضع؛ يكون من الطبيعي تسلل كل ألوان الفساد الإداري والمالي والأخلاقي والقانوني والثقافي والإعلامي الى الجسد الحكومي والوطني الذي يتصارع أعضاؤه، ويُفشل بعضها الآخر، ومن الطبيعي أيضاً أن ينخفض منسوب الإنجاز لدى الحكومة الى حده الأدنى.

 

كارثة الفرقاء السياسيين

والأنكى من ذلك؛ إن بعض الفرقاء السياسيين الذين يشاركون في نظام الحكم؛ يضع قدماً في الحكومة، وقدماً آخرى في المعارضة السياسية، بل يستعير آخرون قدمين ثالثة ورابعة؛ ليضعوا أحداها في الجماعات المسلحة التي تقاتل الدولة علناً، ويضعوا الأخرى في واشنطن؛ وهم يلعنونها يومياً. هذا التعارض الغريب بين الفرقاء السياسيين؛ له مسوغاته الضاربة بعمقها في أزمات العراق التكوينية والبنيوية؛ أي أن كل فريق يعطي لنفسه الحق في رؤية العراق من زاويته، ويتغنى بالوطن الذي يعتقد بشكله ومضمونه؛ وهو شكل ومضمون يختلف من فريق لآخر، وهو ما ينطبق أيضاً على المفاهيم أيضا ودلالاتها وتطبيقها، فكل الفرقاء ينادون بحب الوطن والتضحية من أجله، وبكرامة المواطن وبالعدالة والمساواة والحقوق والحريات والمشاركة؛ ولكنهم يختلفون في ماهية الوطن الذي يضحون من أجله ونوعية هذه التضحية، ويختلفون في دلالات المواطنة والكرامة والعدالة والحقوق والمشاركة والمساواة وتطبيقاتها. وفي النتيجة تكون ممارساتهم متعارضة بالكامل؛ وهم يحملون المفاهيم والشعارات ذاتها ويشتركون في إدارة الدولة والسلطة ذاتها. وأبسط مثال على ذلك هو أن معظم الفرقاء السنة يعتقدون ان عراقهم هو عراق ما قبل 2003، وإنهم يقاتلون ـ غالباً - من أجل العودة اليه. أما عراق ما بعد 2003 فهو ليس العراق التقليدي الذي يعتقدون به وينتمون اليه؛ لأنه بات عراق كل المكونات التي يتقدمها المكون الشيعي، وليس عراق المكون السني لوحده؛ كما كان طيلة مئات السنين. بينما يقاتل الشيعة من أجل الإندفاع قدماً للتخلص من عراق ما قبل 2003؛ لأنهم وجدوا الوطن الذي ينصفهم الى حد ما بعد عام 2003. وحيال ذلك يكون الوطن غير الوطن، والتضحية غير التضحية، والعدالة غير العدالة.

وهكذا فرقاء متضادون في دلالات المفاهيم وتطبيقاتها ومصاديقها؛ لا يستطيعون الاشتراك في بناء دولة وحكومة وسلطة منسجمة متوازنة؛ إلّا إذا أذعنوا للواقع الجديد واعترفوا بحقائقه واستحقاقاته.

 

صدمة تاريخية

إن أزمة العراق هي مجموعة أزمات مركبة كبرى، وإن ما حدث في عام 2003 هو صدمة تاريخية؛ ربما لا تعرف جوهرها حتى الدول الكبرى التي أسقطت نظام صدام حسين؛ وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية؛ فتتصور أنها أسقطت دكتاتوراً اسمه صدام؛ كما أسقطت غيره من دكتاتوريات؛ من أميركا اللاتينية وحتى شرق آسيا، ولكن دول الاحتلال لا تعلم أنها أسقطت في العراق تاريخاً عمره 1350 عاماً. والكشف عن هذه الصدمة كان هو دافع تأليفنا كتاب “صدمة التاريخ” الذي نشرناه عام 2010 حول هذا الموضوع تحديداً. ولذلك فأن أزمة معقدة عمرها مئات السنين؛ لا يمكن حلّها بخمس أو عشر سنوات؛ بل أن العراق بحاجة الى 50 عاماً حداً أدنى ليصل الى النتيجة المطلوبة؛ شرط أن يكون الطريق الذي يسلكه العراقيون هذه المرة طريقاً علمياً وواقعيا وسليماً في المنهج والفرضيات. ولا نطرح هذا الرقم من باب التخمين العابر؛ بل من منطلق علمي ورؤية استشرافية. ويبقى أن هكذا مشروع بحثي استشرافي ستراتيجي؛ هي مهمة حكومية كبرى؛ ينفذه عشرات المتخصصين العراقيين والعرب والأجانب؛ ممن يعون عمق الأزمات العراقية وأعراضها، وقد  يطول تدوينه خمس سنوات جداً أدنى.

 

“الدعوة”.. بداية التغيير

لقد نشأ حزب الدعوة على أسس إيجاد تغيير جذري في الواقع الشيعي العراقي والإقليمي والعالمي؛ فهو حزب إسلامي شيعي حضاري؛ قائم على قواعد فقه مذهب الإمام جعفر الصادق؛ على الرغم من حمله مبادئ الوحدة الإسلامية والتلاحم الوطني، و استقطابه أعضاء سنة عرب من لبنان والأردن والعراق وغيرها في فترة السبعينيات. وهذه العناصر تعضد فلسفته في التغيير وبنيته العقائدية والفقهية والسياسية القائمة على أساس وصوله الى السلطة وتأسيس حكم إسلامي وتطبيق الشريعة الإسلامية.

وبصرف النظر عن الماهية الفقهية للنظام الذي يطمح الحزب الى تأسيسه؛ فإن مجرد وصول أعضاء حزب الدعوة الى الحكم في العراق؛ يعني تغيير هوية الدولة العراقية تلقائياً لمصلحة الشيعة؛ أياً كانت شعارات الحزب في مرحلة الدولة، وكيفما كانت ممارساته، وبالتالي؛ فهو انقلاب تاريخي في البنية المذهبية القومية للسلطة العراقية؛ والتي يبلغ عمرها 1350 عاماً، فأعضاء حزب الدعوة الشيعة؛ فيهم عرب وكرد وتركمان وفرس وشبك، وبإمكان أي عضو أن يكون رئيساً للجمهورية أو الحكومة، وهذا هو نوع الصدمة التاريخية الذي صنع جذورها حزب الدعوة؛ منذ البدء بالتفكير بتشكيله عام 1956؛ وحتى تبلور فلسفته وايديولوجيته الانقلابية التغييرية على يد المنظرين الأوائل؛ وفي مقدمهم السيد الشهيد محمد باقر الصدر، ثم عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي، وصولاً الى السيد محمد حسين فضل الله والشيخ علي الكوراني والسيد كاظم الحائري والشيخ محمد مهدي الآصفي، ثم دخوله معترك العمل الحكومي على يد السيد إبراهيم الجعفري وعز الدين سليم والسيد هاشم الموسوي ونوري المالكي وعلي الأديب وخضير الخزاعي وحيدر العبادي والشيخ عبد الحليم الزهيري وطارق نجم.

 

دولة العدل

إن أصول التغيير الجذري الانقلابي في الواقع الطائفي العنصري للدولة العراقية؛ تعود الى تأسيس نظرية حزب الدعوة وانتشارها وتنفيذ مشروعها، فقد كان منظرو الدعوة يرون أن التغيير الحقيقي في العراق واستقراره هو بتأسيس الحكم الإسلامي الإنساني العادل الذي يحترم القوميات والمذاهب والأديان المكونة للعراق، ويتعامل معها على وفق القواعد المتوازنة التي تعطي لجميع المكونات حقوقها الإنسانية الطبيعية وتكفل لها حريتها. وهذا اللون من التغيير الجذري الهادف الى التأسيس لدولة العدل والحقوق والحريات والإنسان والقانون؛ يتعارض كلياً مع البنية الايديولوجية للسلطة العراقية التقليدية ومساراتها التاريخية وسلوكياتها منذ مئات السنين.

ومن هنا ظلت نظرية حزب الدعوة تمثل خطراً كبيراً على هذه السلطة؛ فكان القمع الدموي الرهيب الذي تعرض له حزب الدعوة منذ وصول حزب البعث الى السلطة وحتى سقوطه؛ لا يهدف الى القضاء على جماعة سياسية معارضة؛ بل يهدف الى تدمير نظرية “الدعوة” التي تهدد بنية السلطة العراقية التاريخية، وقاعدتها الطائفية العنصرية

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

إشكالات المنشقين على حزب الدعوة الإسلامية (26)

ali almomenفي داخل حزب الدعوة؛ كان بعض الدعاة يتهم القيادة والمنظومة الحزبية؛ بأنها غير ذائبة في ولاية الإمام الخميني أو أنها لا تطيع فقيه الدعوة؛ سواء السيد الصدر أو السيد الحائري من بعده؛ بناءً على المعطيات التالية:

1- إن بعض أعضاء القيادة العامة لحزب الدعوة (التنظيم العالمي للدعوة)؛ والذين يقيم معظمهم في الخارج؛ يتقدمهم القيادي المتنفذ محمد هادي السبيتي؛ كانوا يرون أن “الدعوة” غير مهيأة لدخول مرحلة العمل العسكري ضد النظام العراقي في العام 1979؛ بالشكل الذي يريده مؤسس الحزب السيد محمد باقر الصدر في تفجير الثورة ضد النظام، وكانوا يعتقدون أن هذا الأسلوب في الاندفاع المسلح سيقضي على المؤسس الصدر نفسه وعلى الدعوة في العراق أيضاً، ولكن في الوقت نفسه بايعت قيادات الدعوة في داخل العراق السيد الصدر على الموت بين يديه، كما كان المجلس الفقهي للحزب منسجماً في حركته وفتاواه وبياناته مع توجهات الصدر، وتسبب هذا في اتهامات بتخلي قيادة الخارج عن السيد الصدر.

 

طاعة فقيه الدعوة

2- عندما اختير السيد كاظم الحائري فقيهاً لحزب الدعوة وعضواً بالتزكية في قيادته العامة عام 1982؛ حدثت إشكاليات في الصلاحيات بينه وبين قيادة حزب الدعوة؛ فقد كان الحائري يرى ضرورة ممارسة نفس صلاحيات الإمام الخميني في قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ فيعين له ممثلين في كل لجان الحزب ومكاتبه وفروعه؛ يكون لهم حق النقض الشرعي؛ وهو ما رفضته قيادة الدعوة؛ لأسباب تقنية كثيرة، وقد سألت السيد الحائري في عام 1984 خلال تحضيري لكتاب “سنوات الجمر” عما وصلت اليه علاقته بقيادة الدعوة؛ فقال: (إنهم لا يسمعون كلامي)، وهو تعبير عن عدم طاعتهم الكاملة له، ونتج عنه خلافات على الصلاحيات وتفسير النظام الداخلي؛ فتم التوافق على حل الخلاف بإلغاء منصب “فقيه الدعوة” من النظام الداخلي خلال عام 1984، والعودة الى صيغة “المجلس الفقهي”، وتجدد الخلاف على الصلاحيات بين المجلس والقيادة مرة أخرى؛ ما دعا مؤتمر الحزب في عام 1988 الى إلغاء مادة المجلس الفقهي من النظام الداخلي، وتسبب ذلك في خروج بعض الكوادر من الدعوة؛ واتهموا القيادة بعدم طاعة الفقهاء.

 

العلاقة بقيادة الإمام الخميني

3- كان بعض كوادر حزب الدعوة يفسر وصية الشهيد الصدر: (ذوبوا في الإمام الخميني بقدر ما ذاب هو في الإسلام)؛ بأنه ذوبان في أجهزة الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ بما في ذلك القوات المسلحة، وبأنه ارتباط مباشر بالإمام الخميني، ثم بآية الله الخامنئي بعد وفاة الإمام الخميني، وكان هذا التفسير الذي اعتبرته قيادة حزب الدعوة غير واقعي؛ بل لم يكن يرغب به الإمام الخميني والسيد الخامنئي أساساً؛ لأسباب واقعية أيضاً؛ مدعاةً لخروج بعض الدعاة والكوادر من الحزب، واتهامهم القيادة بعدم الالتزام بوصية الإمام الصدر، وعدم التمسك بولاية ولي الأمر، ومن أبرز هؤلاء -كما أسلفنا-  المجموعة التي مثلت نواة قوات بدر في معسكر الشهيد الصدر، ومجموعة القيادي الجهادي السيد مهدي عبد مهدي.

 

دعم مرجعية فضل الله

4- توجه بعض قياديي حزب الدعوة في أواسط التسعينيات الى التعاون مع مرجعية آية الله السيد محمد حسين فضل الله، ووجد الدعاة أنفسهم في مواجهة اتهامات مشتركة تطال الطرفين، وكان بعض امتدادات “الدعوة” في كثير من البلدان؛ ولاسيما لبنان وإيران والكويت والبحرين والإمارات وسوريا وأوربا وأميركا يشكل حاضنة لمرجعية السيد فضل الله، وتسبب هذا في خلافات بين حزب الدعوة وبعض المرجعيات في قم والنجف، وفي تركيز اتهام حزب الدعوة بالتنصل عن الالتزام بقيادة السيد الخامنئي ومرجعيته من جهة، وعدم التبعية لمرجعية النجف من جهة أخرى.

 

المثلث المرجعي بعد سقوط البعث

5- بعد سقوط النظام البعثي عام 2003؛ دخل حزب الدعوة في إشكالية جديدة؛ فقد بات يعيش تحت تأثير مثلث مرجعي ضاغط: مرجعية السيد السيستاني التي شكلت أمراً واقعاً جديداَ وأساساً، ومرجعية السيد الخامنئي وقيادته النافذة في العراق، ومرجعية السيد فضل الله؛ وما تمثله من التزام أخلاقي مستمر للدعوة، ولكن بعد وفاة السيد فضل الله؛ اقتصرت المعادلة المرجعية الدعوتية على طرفين: السيستاني والخامنئي، وظل موقف حزب الدعوة هو التوازن بين طرفي المعادلة، ومن حسن حظ “الدعوة” هو ان مرجعيتي السيد السيستاني والسيد الخامنئي؛ منسجمتان في التوجه وفي النظرة الى الواقع العراقي ومستقبل مكوناته؛ ولاسيما المكون الشيعي، وهذا التوازن العملي في العلاقة بمرجعيتي السيد السيستاني والسيد الخامنئي هو قرار كل أجنحة مدرسة الدعوة (حزب الدعوة الذي يتزعمه نوري المالكي، وتنظيم العراق بزعامة السيد هاشم الموسوي، وتيار الاصلاح بقيادة السيد ابراهيم الجعفري، وتنظيم الداخل بقيادة عبد الكريم العنزي)؛ وهو نفسه الموقف التقليدي لحزب لدعوة من المرجعيات والقيادات المرجعية.

 

التصاق "الدعوة" بالمرجعية

لسنا هنا بصدد مناقشة الجدليات والملابسات المفهومية والمصداقية التي توجه لحزب الدعوة في موضوع علاقته بالمرجعية الدينية؛ ولكننا ذكرناها لمجرد كونها مفارقات ومتعارضات، وكونها تضع “الدعوة” دائما بين خيارات محيرة، وفي دائرة محاطة بعدة نيران؛ ذلك أن جميع الإشكالات الواردة على حزب الدعوة من خصومه وأصدقائه السياسيين والدينيين الشيعة في النجف وقم وطهران وبيروت؛ تدور حول الاختلاف على تبعية حزب الدعوة لهذه المرجعية وتلك، وبالتالي؛ فإنها تؤكد متلازمة حزب الدعوة والمرجعية، وبأن تكوين حزب الدعوة ومساحة حركته لصيقان بالفضاء المرجعي، ولا يمكنهما فكرياً وواقعياً الانفكاك منه، صحيح أن الدعوة لم يكن يوماً حزباً تابعاً لمرجعية معينة؛ ولكن ايديولوجية حزب الدعوة لا يمكن أن تعمل بمعزل عن منظومة المرجعيات الدينية؛ لأنه حزب ديني شيعي، وفيه فقهاء وعلماء دين، وأعضاؤه متدينون ومقلدون للمرجعيات، ومساحة حركته هي المساحة الشيعية الدينية نفسها التي تمسك بها المرجعية الدينية، وإنه بحاجة دائماً الى الإذن الشرعي؛ أي إجازة الفقيه؛ في ما يرتبط بالحقوق الشرعية والأموال والدماء وكثير من الأمور الحسبية.

 

ولاية المرجع

أما الالتزام بقرارات المرجعية وتوجيهاتها وارشاداتها؛ فهو موضوع شائك جداً، ولا يجوز أن يخضع للمزايدات السياسية والمصالح الآنية والكلام الدعائي، وليس مادة للتصريحات الإعلامية والشعارات الشعبوية؛ لأن التبعية للمرجعية تستبطن أبعاداً فقهية وواقعية كثيرة؛ ترتبط بطبيعة التوجيه؛ فيما لو كان ولائياً أو إرشادياً أو رأياً سياسياً أو تكليفاً فردياً خاضعاً للتقليد، كما يرتبط بمبنى المرجع نفسه في موضوعة مساحة ولاية المرجع ونوعية إعماله لهذه الولاية، وتصديه أو عدم تصديه للشأن العام، وهو ما يختلف فيه الفقهاء والمراجع أنفسهم، ومن هنا يتعامل حزب الدعوة مع مبدأ الالتزام والتبعية للمرجعية وفقاً للأسس الفقهية المتعارفة، والمداخل الواقعية ذات العلاقة بتعدد المرجعيات، ومن منهم يجب أن يُتبع ومن لا يجب، ومصداق المرجع الأعلى مبسوط اليد؛ فضلاً عن تنوع التقليد بين الدعاة، وترك موضوع التقليد لكل داعية؛ باعتباره موضوعاَ شخصياً صرفاً؛ بل وعدم فرض مبنى فقهي محدد على الدعاة الفقهاء والمتفقهين؛ في موضوعة الولاية.

وربما تكون مفارقة تحتاج الى تأمل؛ أن تتهم حركة؛ كحزب الدعوة؛ بعدم التبعية للمرجعية ولعلماء الدين؛ بالرغم من أن أكثر من خمسة مراجع دين وأكثر من ثلاثين مجتهداً كانوا يوماً أعضاء فيه؛ ولا يزال فيه مجتهدون وعلماء دين ومفكرون، وإن معظم علماء الدين ومشايخ حزب الدعوة هم وكلاء للمرجعيات الدينية، وإن الحوزات العلمية في النجف وقم كانت ولا تزال مليئة بالأساتذة والطلبة الدعاة، وإن الدعاة جميعاً يرجعون بالتقليد الى المرجعيات الدينية. ولكن خصوم “الدعوة” يرددون التهم والملابسات والشبهات في هذا المجال؛ كجزء من المناكفات السياسية والتنافس على كسب المجتمع الشيعي؛ دون أخذ مصلحة الأمة والوحدة المجتمعية وتآلف أبناء المذهب والمكون الواحد بنظر الاعتبار.

 

رئاسة الحكومة العراقية 2014

الحديث السابق يمهد لفهم جدلية علاقة الدعوة بالمرجعية الدينية في مرحلة ما بعد عام 2003. ونطرح هنا نموذجاً تطبيقياً لهذه الجدلية؛ يلخص طبيعة متلازمة حزب الدعوة والمرجعية، ويرتبط برؤية المرجعية النجفية العليا لموضوعة رئاسة الحكومة العراقية في عام 2014، والتي تمخض عنها ترشيح القيادي في حزب الدعوة حيدر العبادي لرئاسة الحكومة، وسحب أمين عام حزب الدعوة نوري المالكي ترشيحه لمصلحة محازبه.

لقد طرحت المرجعية النجفية العليا المتمثلة بالإمام السيستاني مشروعاً عميقاً في نوعه وكبيراً في حجمه خلال عام 2014؛ تلخًص عنوانه بـمفردة (التغيير)؛ من أجل إخراج العراق من أزماته المتجذرة في أعماق التاريخ العراقي وموروثاته، وجغرافيته، وديمغرافيته، ونظامه القانوني، ونظامه السياسي، واقتصاده، وسياسات الدولة والحكومة والفرقاء في العملية السياسية، والبيئة النفسية الاجتماعية والفردية، وثقافة الدولة والمجتمع.

ولم تكن رؤية الإمام السيستاني تقصد التغيير على تغيير الوجوه الحكومية وحسب؛ فبيانات مكتبه وخطب أئمة الجمعة من وكلائه قبل الانتخابات البرلمانية عام 2014 وأثنائها وبعدها؛ وصولاً الى الرسالتين التاريخيتين المتبادلتين بين قيادة حزب الدعوة الإسلامية وشخص الإمام السيستاني؛ تدل على أن مشروع التغيير عند الإمام السيستاني يستوعب كل أزمات العراق وموروثاته؛ بما في ذلك رئاسة الوزراء.

وتلقف الفرقاء السياسيون مفردة التغيير، وأخذ كل منهم يفسره وفقاً  لمصالحه وأهدافه، وكان ائتلاف دولة القانون الذي يرأسه نوري المالكي؛ يرى أن التغيير الحقيقي الذي يدعو له الإمام السيستاني ليس تغييراً شكلياً؛ بل تغييراً في السياسات والأساليب والمضامين، وعليه؛ رفع شعار (حكومة الأغلبية) التي من شأنها توحيد قرار الدولة والحكومة؛ وصولاً الى القدرة على التغيير الحقيقي.

 

أصوات المالكي

وأفرزت الانتخابات عن حصول ائتلاف دولة القانون وحلفائه على 103 مقاعد؛ أي ما يعادل ثلثي أصوات الكتلة الناخبة الشيعية في العراق، بينما حصل جميع منافسي المالكي من الجماعات الشيعية على ثلث أصوات الكتلة الناخبة الشيعية. كما حصل نوري المالكي شخصياً على أعلى الأصوات على مستوى العراق، هذه النتائج بينت بما لا يقبل الشك أن الناخب العراقي صوّت لنوري المالكي، وأنه يرغب في تحقيق الاستقرار السياسي عبر وحدة قرار الدولة والحكومة. ولم يحصل المالكي على هذه النتائج بسهولة؛ بل انتزعها من خلال عمق نفوذه الشعبي؛ وهو النفوذ الذي لم يتأثر بالفتاوى التي صدرت ضده، أو الحراك السني والكردي والسعودي والتركي والأميركي الذي استهدفه بقوة؛ لأسباب يطول شرحها.

وبعد إعلان نتائج الانتخابات؛ جرت الأمور منذ اليوم الأول في مسار الاختلاف على تسمية الكتلة الأكبر؛ فكان ائتلاف دولة القانون يعد نفسه الكتلة الأكبر داخل البرلمان وداخل التحالف الوطني الشيعي الذي يضم ائتلاف دولة القانون وائتلاف المواطن وكتلة الأحرار وكتلا صغيرة أخرى؛ بينما كانت أطراف أخرى في التحالف الوطني ترى أن التحالف هو الكتلة الأكبر؛ في حين يشكل ائتلاف دولة القانون وشركائه حوالي 64 بالمئة من مقاعد التحالف الوطني؛ أي أن التحالف هو الأكبر بوجود ائتلاف دولة القانون فيه، ولم ينته السجال بين أطراف التحالف؛ في الوقت الذي كانت مواقف أكثر أطراف الكتلتين السنية والكردية تدعمان استبعاد ائتلاف دولة القانون من تسميته الكتلة الاكبر، واستبعاد  السيد نوري المالكي من الترشح لرئاسة الوزراء.

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

أنصار ولاية الفقيه ومعيار العلاقة بحزب الدعوة (25)

ali almomenكان كثير من الإيرانيين الولائيين؛ أي علماء الدين المؤمنين بمبدأ ولاية الفقيه وبالإمام الخميني مصداقا لها؛ وتحديدا الذين عاشوا في النجف؛ يعتمدون مؤشرات أساسية في اتهامهم حزب الدعوة بعدم الإيمان بولاية الفقيه؛ أهمها:

1- إن حزب الدعوة ومنذ تأسيسه؛ كان تابعا من الناحية الواقعية والفكرية لمرجعية السيد محسن الحكيم؛ وإنه تأسس في كنفه وبرعايته، وبما أن مرجعية الإمام الحكيم هي مرجعية إصلاحية وليست ثورية، وإنها كانت على خلاف مع مرجعية الامام الخميني في النجف، وعلى علاقة إيجابية بشاه إيران؛  فإن حزب الدعوة هو ابن هذه المدرسة بكل تفاصيل حركته، فضلا عن أن ثلاثة من أولاد السيد محسن الحكيم هم من مؤسسي حزب الدعوة والدعاة الأوائل: السيد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الحكيم والسيد علاء الدين الحكيم، وإن تمويل حزب الدعوة كان من السيد محسن الحكيم، كما كان كثير من علماء الدين من قادة “الدعوة” هم تلاميذ ووكلاء وممثلون للسيد محسن الحكيم؛ وأبرزهم السيد مرتضى العسكري والشيخ عارف البصري في بغداد، والسيد قاسم شبر في النعمانية، والشيخ علي الكوراني في الكوفة، والشيخ محمد مهدي شمس الدين في الديوانية، والسيد محمد حسين فضل الله في لبنان، والسيد طالب الرفاعي في مصر وغيرهم كثير، وكان الدعاة يديرون غالبا مشروع المكتبات العامة الذي رعاه السيد الحكيم.

 

فتوى العسكري ضد شريعتي

2- إن اثنين من مؤسسي حزب الدعوة وقادته كانا ضد بعض رموز الثورة في إيران، وعلى علاقة ببلاط الشاه كما يشيعون؛ وهما السيد مرتضى العسكري والسيد محمد مهدي الحكيم، فالسيد العسكري أفتى بانحراف الدكتور علي شريعتي مستعينا بفتوى الإمام الخوئي، وكانت فتوى العسكري تلقيها طائرات جيش الشاه بشكل منشورات على المتظاهرين الثائرين في العام 1978؛ لتثبيط عزيمتهم وبث الخلافات بينهم؛ على اعتبار أن علي شريعتي كان إسلاميا تنويريا، وقد قتله السافاك (مخابرات الشاه) في باريس العام 1977، وكان كثير من الثوار الإيرانيين الاسلاميين التنويرين يعتمدون أفكاره، أما السيد مهدي الحكيم؛ فقد كان متهما بأنه عاش في كنف الشاه حين أقام في إيران؛ بعد إفلاته من يد السلطة البعثية في العام 1969، وكان وهو في طهران؛ يعمل مع معارضين عراقيين آخرين على الإطاحة بنظام صدام بإشراف سلطات الشاه.

 

تبعية "الدعوة" لمرجعية الخوئي

3- اتبع حزب الدعوة مرجعية السيد أبي القاسم الخوئي بعد وفاة السيد محسن الحكيم، وكان معظم تمويل حزب الدعوة يأتي من السيد الخوئي عبر وكلائه ومعتمديه من الدعاة، ولاسيما الشيخ محمد مهدي الآصفي والشيخ مهدي العطار والسيد عبد الله الغريفي والسيد محمد حسين فضل الله، إضافة الى أربعة من كبار التجار الشيعة الكويتيين والإماراتيين من معتمدي السيد الخوئي، كما كان أكثر علماء الدين من قادة حزب الدعوة هم تلاميذ السيد الخوئي؛ كالسيد كاظم الحائري والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد علي التسخيري والشيخ محمد مهدي الآصفي والشيخ مهدي العطار وغيرهم كثير جدا، وإنهم متأثرون بأفكار السيد الخوئي، أو وكلائه؛ حتى كانوا يقولون بأن الشيخ الآصفي رفض ترجمة أو تصحيح كتاب {الحكومة الاسلامية} للإمام الخميني؛ حين أرادوا طباعته في النجف، وقد نفى الشيخ الأصفي ذلك عندما سألته حول هذا الموضوع؛ بل قال إنه واظب على حضور دروس الإمام الخميني في {الحكومة الإسلامية} مدة سنتين، كما أن حفيد الإمام الخوئي السيد موسى الخوئي؛ ظل حتى الثمانينيات من القرن الماضي في قيادة حزب الدعوة، ونقل لي السيد موسى الخوئي بأنه كان خلال عقدي الستينيات والسبعينيات أهم رابط بين {الدعوة} والإمام الخوئي، وكان ينقل أخبار الحزب وشؤونه واحتياجاته الى جده المرجع الأعلى.

وفي السياق نفسه نقل لي القيادي في حزب الدعوة الشيخ عبد الحليم الزهيري بأنه حصل في عام 1985 على وكالة جديدة من الإمام الخوئي سلمها له نجله السيد محمد تقي الخوئي في موسم الحج؛ وهو لقاؤهما الثاني بعد لقائهما في مدينة هامبورغ بألمانيا في عام 1984؛ بالرغم من خطورة هكذا لقاءات على مرجعية السيد الخوئي؛ في ظل حالة القمع والإرهاب التي كان يمارسها نظام صدام ضد الحوزة العلمية والحركة الإسلامية، وتصفية كل من يشتبه بعلاقته بحزب الدعوة؛ فكيف إذا كان نجل المرجع يلتقي بالشيخ الزهيري الذي كان معروفا لدى السيد الخوئي بأنه من قادة الجناح العسكري للحزب حينها، وفي اللقاءين كان السيد محمد تقي الخوئي يعبر عن اهتمامه واهتمام والده المرجع الأعلى في النجف بعمل حزب الدعوة في داخل العراق وضرورة تطويره وتصعيده، كما جدد الإمام الخوئي -عبر نجله- إجازته لوكلائه السيد فضل الله والشيخ العطار والسيد الغريفي والشيخ الآصفي والشيخ الزهيري وغيرهم بالصرف من الحقوق الشرعية على مختلف نشاطات حزب الدعوة؛ بما في ذلك العمل العسكري.

وكان معظم فقهاء حزب الدعوة لا يوافقون على العدول عن تقليد السيد الخوئي؛ عندما يستفتيهم الدعاة في العدول الى تقليد الإمام الخميني، في الوقت الذي كان الدعاة الذين يقلدون الإمام الخوئي يعيشون حيرة كبيرة وازدواجية شرعية؛ بين تقليدهم لمرجع لا يستطيعون تقليده في الشأن السياسي ومسألة الصراع المسلح مع السلطة البعثية والخوض في الدماء من جهة، وتبعيتهم العملية للإمام الخميني في قضية الصراع والشأن السياسي ودعم الجمهورية الإسلامية من جهة أخرى، وبين فقيه الدعوة السيد كاظم الحائري؛ الذي يفتي لهم بالخوض في الصراع المسلح بكل تبعاته وخواتيمه من جهة ثالثة.

 

تصريحات الكوراني ضد الإمام الخميني

4- ثمة تصريحات صدرت في الكويت من أحد قادة {الدعوة} وهو الشيخ علي الكوراني؛ ضد الإمام الخميني خلال الثورة؛ ومنها تصريح حول استغلال الشيوعيين للإمام الخميني؛ وبأن اليساريين من شيوعيين و{جماعة خلق} يركبون موجة الثورة وسيمسكون بالسلطة بعد سقوط الشاه، وقد نقل لي السيد حسن شبر بأن الشهيد الصدر عبر له خلال لقائهما في 17 أيار عام 1979 عن امتعاضه الشديد من تصريحات الشيخ علي الكوراني ضد الإمام الخميني وضده شخصيا.

 

تعاون التسخيري مع مرجعية شريعتمداري

5- إن بعض قادة {الدعوة} وكوادرها المقيمين في إيران في عهد الشاه؛ كانوا يتعاونون مع مرجعية السيد كاظم شريعتمداري؛ ولاسيما الشيخ محمد علي التسخيري والشيخ محمد سعيد النعماني والشيخ قاسم الحائري والشيخ محمد هادي الغروي وغيرهم؛ وكانوا يصدرون في بداية سبعينات القرن الماضي مجلة الهادي (باللغة العربية) التي تمثل مرجعية السيد شريعتمداري وتروج لنشاطاته.

 

صلاة الرفاعي على الشاه بهلوي

6- إن أحد مؤسسي حزب الدعوة؛ وهو السيد طالب الرفاعي؛ والذي كان وكيلاً لمرجعيات النجف في القاهرة؛ هو الذي صلى على جنازة  شاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوي عام 1980، وكان ذلك من الاحراجات التي تعرض لها حزب الدعوة؛ على الرغم من أن السيد طالب الرفاعي لم يكن حينها على أية علاقة بالحزب وقيادته وتنظيماته؛ بل إنه ترك {الدعوة} في وقت مبكر بعد تأسيسها؛ أي في حدود عام 1964 تقريباً، وقد نقل لي السيد طالب الرفاعي بأنه لم يكن مخيّراً في هذا الأمر؛ بسبب ضغط النظام المصري وأنور السادات عليه شخصياً.

 

عدم تفاعل "الدعوة" مع الثورة الإسلامية الإيرانية

7- إن تنظيمات حزب الدعوة وقادته وأعضاءه في إيران لم يشتركوا في الثورة ضد الشاه ولم يكونوا يساهمون في المظاهرات، ولم تصدر عنهم بيانات تدعو الى الثورة وتدعمها، وهذه الشبهة نفاها الشيخ محمد علي التسخيري؛ حين أكد لي في لقاءات متعددة بأنه وقادة حزب الدعوة في ايران وكوادره وتنظيماته ظلوا يواكبون حركة الثورة ويشاركون فيها في جميع المدن الإيرانية التي يتواجدون فيها؛ ولاسيما طهران وقم ومشهد، وهو ما أكده أيضاً الشيخ محمد سعيد النعماني والسيد حسن شبر؛ الذي يقول بأنه كان شاهداً على مشاركة حزب الدعوة في ثورة الإمام الخميني منذ عام 1963؛ لأنه كان منذ بداية الستينات رابط تنظيم الدعوة في إيران مع القيادة.

8- إن حزب الدعوة لم يكن ينفذ أمر الإمام الخميني بالدخول بكل ثقله وعناصره في جبهات الحرب العراقية الإيرانية؛ وإنه يدخر عناصره الى المستقبل؛ أي لمرحلة تسلم الحكم في العراق، بينما كان حزب الدعوة يتعامل بكل جدية مع هذا الموضوع؛ ولكن وفقاً لإمكاناته المتاحة، ويذكر انه قدم في هذا المجال ما يقرب من (500) شهيد ومئات الجرحى والمعاقين.

9- إن حزب الدعوة يعد نفسه كياناً مستقلاً عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولا يذوب في مؤسساتها المدنية والعسكرية والمرجعية، ويتصرف باستقلالية في كثير من الملفات؛ على العكس من الشخصيات والمجموعات العسكرية التي انشقت عن حزب الدعوة؛ ولاسيما المجموعة التي كانت نواة تأسيس قوات بدر التي يقودها اليوم السيد هادي العامري، والمجموعة التي كان يقودها القيادي العسكري التاريخي في حزب الدعوة السيد مهدي عبد مهدي (أبو زينب الخالصي) التي عرفت بقوات سيد الشهداء.

 

اتهامات ومفارقات

المفارقة هنا؛ إن الجماعات الشيعية العراقية المتخاصمة مع حزب الدعوة؛ كانت تسهم بقوة في تغذية هذه التهم ضد حزب الدعوة؛ وتركز على تجميع أي تفصيل؛ مهما كان بسيطا؛ وتنقله الى المسؤولين الإيرانيين؛ لتثبت لهم أن حزب الدعوة يعارض ولاية الفقيه، وهي تهمة تثير حساسية الإيرانيين؛ على الرغم من معرفة الإيرانيين التفصلية بخلفيات الأحداث وطبيعة الخلافات بين "الدعوة" وخصومها، والمفارقة الأخرى هي ان حزب الدعوة كان يدفع ثمن مقولة تبعيته لمرجعية الإمام الحكيم والإمام الخوئي ومرجعية النجف عموما، وعدم ذوبانه في مرجعية الإمام الخميني وولايته؛ في الوقت الذي أصبح بعض العراقيين من أبناء مرجعية النجف المتمسكين بها؛ من الذائبين بولاية الفقيه أكثر من الإيرانيين أنفسهم، ويكيلون التهم الى السيد الخوئي والى ما يسمونه بالمرجعيات التقليدية، ولكن حين برزت مرجعية السيد محمد محمد صادق الصدر التغييرية في النجف في أواسط تسعينيات القرن الماضي؛ بادروا أيضاً الى ضربها وتشويه سمعتها عند الإيرانيين، بينما أيد حزب الدعوة السيد محمد الصدر ومرجعيته، وكان يحاول التنسيق معه، وحماية أنصاره في الخارج، ولم يكن يرى مسموغا لضرب السيد محمد الصدر ومرجعيته من بعض الأطراف العراقية المتواجدة في إيران.

وبذلك؛ ظل حزب الدعوة منذ وفاة المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم؛ يرفض أن يكون طرفا في التنافس المرجعي؛ كيلا يدفع ضريبته، فضلا عن أن هذا التنافس هو شأن داخلي حوزوي، ومظهر طبيعي من مظاهر الاجتماع الديني النجفي منذ قرون، وتدخل فيه عناصر متعددة؛ بعضها شديد التعقيد؛ ويرتبط بالأعلمية ومساحات التقليد والنفوذ الديني.

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

لسانيات النص بين النظرية والتطبيق

jamil hamdaouiيتناول هذا الكتاب لسانيات النص بالدرس والتأريخ والتحليل والمناقشة والاستقراء، على أساس أن لسانيات النص هي فرع من فروع اللسانيات العامة التي وضعها فرديناند دوسوسير (F.De Saussure). وإذا كانت اللسانيات تدرس الجملة ضمن مستويات صوتية، وفونولوجية، وصرفية، وتركيبية، ودلالية، وتداولية، فإن لسانيات النص تجاوزت هذه الجملة إلى النص أو الخطاب.

ومن ثم، فقد طبقت اللسانيات النصية مجموعة من المقاييس لتحليل النصوص وتفسيرها، سواء أكانت تلك النصوص شفوية أم كتابية، عادية كانت أم تخييلية، مثل: الاتساق، والانسجام، والتناص، والسياق، والمقصدية، والارتباط، والدينامية، والتأويل، والتفاعل، والذكاء الاصطناعي، والتوليد، والتحويل، والزمان، والفضاء، والبؤرة، والعنونة، والتشاكل، والنسيج النصي، والحوارية، والتناسل، والصراع، والبناء النصي، والبنية الدلالية العامة، والموضوع الدلالي، والتغريض، والنص المركزي، والنص الفرعي، وتنميط النصوص...

ومن هنا، فلسانيات النص هي التي تدرس انبناء النص، وكيفية تركيبه وتوليده وتحويله من جملة نووية صغرى إلى خطاب نصي مسهب وممطط. بمعنى معرفة كيف تتوسع البؤرة المحورية دلاليا وتركيبيا وسياقيا لتتحول إلى فقرات ومقاطع ومتواليات حتى تصبح نصا متسقا ومنسجما.

إذاً، ما النص؟ وما الخطاب؟ وما مفهوم لسانيات النص؟ وما أهدافها؟ وما نشأتها التاريخية؟ وما أهم الكتابات في هذا المجال؟ وما أهم القضايا التي تتناولها لسانيات النص؟ وما أهم منظوراتها واتجاهاتها؟

هذا ماسوف نرصده في كتابنا هذا الذي عنوناه بـ(محاضرات في لسانيات النص)، على أساس أن هذه اللسانيات النصية أو الخطابية لها أدوار مهمة على الصعيد المعرفي والبيداغوجي والديدكتيكي واللساني والأدبي؛ لأنها تعرفنا بمختلف الطرائق والآليات التي يبنى بها النص ويشيد، مهما كانت طبيعته الخطابية. وتسعفنا أيضا في التمييز بين النصوص وتنميطها وتجنيسها وتصنيفها، وفق مقاييس وقواعد لسانية ولغوية ونقدية. كما تعرفنا بمختلف المميزات والسمات التي يتميز بها النص عن اللانص، وما يميز النص عن الخطاب.

وعليه، فقد اتبعنا، في كتابنا هذا، منهجية تحليلية وتاريخية استقرائية تجمع بين النظرية والتطبيق، وتجمع بين ما هو أصيل في التراث العربي الإسلامي، وماهو حداثي معاصر في الثقافة الغربية، بغية تقديم كتاب يعرف الطلبة والباحثين والمدرسين بنظرية لسانيات النص، في مختلف تعاريجها التاريخية والنظرية والتطبيقية والمفاهيمية، بأسلوب تعليمي واضح وبسيط. ولم يقتصر كتابنا اللساني هذا على ماهو نظري فقط، بل تجاوزنا ذلك إلى التحليل والإنجاز والتشخيص، بتمثل المنهج عمليا وإجرائيا وتطبيقيا.

ونرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في هذا الكتاب المتواضع، ويسدد خطانا، ويرشدنا إلى ما فيه صالحنا، ونستغفره عن هفواتنا وكبواتنا وأخطائنا وزلاتنا. كما نستسمح القراء الأفاضل عما في هذا الكتاب من نقص وتقصير ونسيان، فالكمال والتمام من صفات سبحانه وتعالى جل شأنه وعلا، وماتوفيقي إلا بالله.

 

د. جميل حمداوي

.......................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

لسانيات النص بين النظرية والتطبيق / د. جميل حمداوي

 

هل هناك حرب عادلة؟

jamil hamdaouiيتناول هذا الكتاب المتواضع الذي بين أيديكم موضوعا فلسفيا ودينيا ولاهوتيا وسياسيا، يتعلق بمفهوم الحرب العادلة، أو الحرب الأخلاقية (La guerre juste ou morale) ، بل أصبح هذا المفهوم مصطلحا سياسيا أساسيا في أدبيات العلاقات الدولية، والعلوم السياسية المعاصرة، أو مبحثا رئيسا في علم السياسية الخارجية، منذ السبعينيات من القرن الماضي إلى يومنا هذا، وخاصة بعد صدور كتاب (الحروب العادلة وغير العادلة) للفيلسوف الأمريكي مايكل وولزر(Michael Walzer) سنة 1977م .

وبعد الحادث الإرهابي الذي تعرضت له الولايات المتحدة الأمريكية في 11سبتمبر2001م، ظهر جدل كبير حول الحرب العادلة، وأحقية الدولة المتضررة في مواجهة الإرهابيين والمتطرفين، وتعقبهم أينما حلوا وارتحلوا، ومحاكمتهم قضائيا وجنائيا وعسكريا.

ولا يعني هذا أن مفهوم الحرب العادلة مفهوم سياسي معاصر، بل له جذور قديمة تعود إلى مفكري الفلسفة واللاهوت في العصور الوسطى، ولاسيما المسيحيين منهم، كالقديس أوغيسطينيوس (St. Augustin) وتوما الأكويني (Thomas D’Aquin) على سبيل المثال.

ومن ثم، يهتم هذا الكتاب بتعريف الحرب العادلة وغير العادلة، ورصد مقومات هذه الحرب، واستجلاء مرتكزاتها النظرية والتطبيقية، مع الإشارة إلى السياق التاريخي لهذه الحرب العادلة، وذكر مختلف التصورات النظرية المتعلقة بها. ثم، عرض مختلف دلالات هذه الحرب في الإسلام. دون أن ننسى موقع الحروب المعاصرة من نظرية الحروب العادلة.

وتأسيسا على ما سبق، تعد الحرب من المفاهيم الأكثر ترددا في الخطابات الفلسفية والسياسية والعسكرية والدينية والإعلامية... وغالبا، ما تحضر الحرب في مقابل السلام، والأمن، والحرية، والقانون، والعدالة، والحق. وإذا كانت الحرب مرتبطة بماهو عسكري، فإن السلام مرتبط بما هو مدني. ومن ثم، فالحرب أنواع عدة، فهناك الحرب العادية، والحرب الإرهابية، والحرب العادلة، والحرب الجهادية، والحرب المقدسة، والحرب الشريفة، والحرب الخادعة، والحرب الحكيمة، والحرب الباردة، والحرب الأهلية، والحرب الطائفية، والحرب الصليبية، والحرب الاستنزافية، وحرب الإبادة، والحرب الاستباقية، والحرب الثقافية، والحرب الحضارية، والحرب الإعلامية، والحرب الشاملة (نابليون بونابرت، وهتلر)، والحرب من أجل التدخل الإنساني...

ويمكن اختزال هذه الحروب كلها في نوعين كبيرين: الحروب العادلة وغير العادلة، أو ضمن ما يسمى أيضا بالحروب الدفاعية والحروب الهجومية.

وغالبا، ما كانت الحروب تشتعل بين الدول  لدوافع سياسية، واقتصادية، ومجتمعية، وديمغرافية،ودينية، وثقافية، وحضارية، وعرقية، وإعلامية...

وفي الوقت نفسه، كانت هناك مؤسسات دولية حاضرة، من حين لآخر، هدفها نشر ثقافة السلام، و الحد من الحروب البينية، وكانت تنطلق من مقترب أخلاقي وإنساني وقانوني، كعصبة الأمم، والمنظمة الدولية للصليب الأحمر، والمحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية بلاهاي، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. إضافة إلى مواثيق جنيف، ومواثيق هيئة الأمم المتحدة،...

وقد أضحت الحروب العادلة، اليوم، موضوعا ثريا للجدال والمناقشة في مجال الصحافة، وموضوعا أكاديميا يدرس في الجامعات والمدارس العسكرية الأمريكية. وقد ارتبط هذا الموضوع بكثرة بظاهرتي الإرهاب والتطرف.

وثمة عدة مقاربات لتناول نظرية الحرب العادلة، منها: المقاربة الفلسفية، والمقاربة اللاهوتية، والمقاربة الدينية، والمقاربة القانونية، والمقاربة السياسية، والمقاربة التاريخية، والمقاربة الوصفية، والمقاربة التحليلية، والمقاربة التأويلية...بيد أنني اخترت المقاربة التاريخية للتعريف بالحرب العادلة وفق سياقيها: الزماني والمكاني، مع استعمال النقد التحليلي في الفصل الثالث.

إذاً، ماذا تعني الحرب العادلة؟ وما مقوماتها النظرية والتطبيقية؟ وما السياق التاريخي للحرب العادلة؟ وما أهم التصورات النظرية حول الحرب العادلة؟ وهل توجد حروب عادلة وغير عادلة؟ وهل يمكن الحديث عن حرب عادلة في الإسلام؟ وما أوجه التشابه والاختلاف بين الإسلام والأنظمة الوضعية في تعاملها مع الحرب العادلة؟

هذا ما سوف نتعرف إليه في كتابنا هذا، على أساس أن الحرب العادلة هي الحرب الوحيدة المشروعة أخلاقيا وقانونيا من أجل إحقاق الحق، وإبطال الباطل.

وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، ويعود عليهم بالنفع والفائدة، داعيا لنفسي بالمغفرة والتوبة من أي تقصير، أو ادعاء، أو نسيان، أو خطإ، أو سهو.

 

د. جميل حمداوي

.........................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

هل هناك حرب عادلة ؟ / د. جميل حمداوي

 

"همس الأقدار" إصدارٌ روائيّ جديد للكاتب عبد العزيز بلفقير

915-bolfakirصدر حديثًا عن دار مكتبة سلمى الثقافية بتطوان رواية "همس الأقدار" للكاتب عبد العزيز بلفقير، وهو عملٌ يسلط الضوء على العلاقات الإنسانية المعقدة، والصراعات القائمة في المجتمع. كما يبين العمل مدى قدرة الأقدار في قلب مجرى الحياة وتغيير مسالكها. فالأقدار تحوم فوقنا، بل تهمس لنا كثيرُا بما هو آتٍ، لكن لا نفقه قولها إلاّ قليلاً أو بعد فوات الأوان.

915-bolfakirوجدير بالذكر أنّ هذا العمل هو العمل الثاني للكاتب بعد مجموعته القصصية "الأرض البعيدة" التي لقيت رواجًا كبيرًا بين المثقفين وعموم القراء.

يبقى هذا العمل الروائي مفتوحًا على كثير من التساؤلات الفكرية والفلسفية والدينية والقانونية التي تفضي إلى ضفاف المعنى، والتي لن تنالَ – طبعًا - إلاّ بقراءة العمل.

 

 

تقديم لديوان بوح الغريب: للشاعر نور الدين المتوكل

ridowan alrokbiالشعر غوص في أعماق الذات الإنسانية، واستنطاق لمكنوناتها الباطنية، فهو الحقيقة في أسمى تجلياتها وأبهى صورها، يأسرك ليسافر بك الى عوالم خفية، بحثا عن المجهول الذي يسكننا. فالشعر بهذا المعنى هو القوة الاصلية بما هي ذات الحقيقة التي تصدر عن العمل الفني، وهي في نفس الوقت الهاجس الذي يسعى الى التعبير عنه كطبيعة روحية. فهو بهذا المعنى لا يتحقق الا بوصفه عملا شعريا ما دامت القوة التي يصدر عنها هي روح الحقيقة ذاتها بما هي طبيعة شعرية وما دامت غايته التعبيرية كحقيقة فنية، هي ان يصل الى الامساك بما يجعل من كل ممارسة فنية قولا شعريا. لا يهم عند هذا الحد ان تختلف الاساليب والممارسات الفنية وتتعدد، وانما الذي يهم ان ما يشكل قوام الحقيقة لا يقال الا على نحو شعري.

الشعر مسكن الوجود، يغوص في أعماق الذات الإنسانية، ليكشف مجاهلها، ويفك طلاسم هذا الكائن المجهول في عمق كينونته. فهو لا يتطابق إلا مع الأفكار اليقظة الشغوفة بالمجهول، والمنفتحة على الصيرورة، فليس هناك من شعر إلا حيث يكون ثمة خلق وإبداع مطلق، يكشف عن الحركة الباطنية لروح الأشياء وعمقها. فالشعر كما يقول Novalis تمثل لعمق روح العالم الباطني في كليته.

فالشعر هو القوة الأصلية الضاربة في أعماق روح الإنسان والطبيعة المطمورة تحت رماد الجهل المكدس في باطن الناس، والذي لا يكف عن التكتم والاختفاء باعتباره قوة سرية، وعليه يحاول الإبداع/ الشعر الكشف عن هذا المستور والغوص في باطن الذات الإنسانية، ليترجم قلقها وألمها وأملها في لوحة تصويرية بلغة صادقة، بعيدة عن التيه الخطابي، وعن التصنع والتزخرف اللفظي، الذي يلوي عنق التجربة ليحولها إلى زيف لفظي ووهم شعري. 

فالكتابة الشعرية تعني محاولة قول حقيقة الوجود، بما هو حقيقة مقدسة، بل إن هذه الحقيقة هي أكثر من ذلك ما تكمن فيه ماهيتها من حيث هي الموطن الأصلي للروح والعمق الذي ينبجس منه الأصل نفسه، كما يؤكد ذلك هيدجر. فهذه الحقيقة هي الأساس أو العمق الذي يطبعه القلق والتوتر، إن العمق الكئيب وكآبة الأعماق هي مصدر غناء الشاعر وانجذاب الفنان... ومن ثمة كان ديوان بوح الغريب، محاولة لفهم طبيعة هذا القلق الإنساني الذي ينتابني في كليته، لذلك جاءت هذه النصوص الشعرية لتترجم هذا الإحساس العميق بالغربة والضياع في غياهيب هذا العالم المليء بمعاني الظلم والاستبداد والقهر...

ديوان بوح الغريب، هو باكورة تجربة شعرية صادقة تترجم عمق الاكتواء برمضاء الغربة، راجيا أن يجد فيه القارئ بعض لإجاباته وأسئلته التي تؤرقه في سيرورته الوجودية. وأن يكون – الديوان – قد لامس بعض الجراح وحاول تضميدها عبر القصيد.

ديوان بوح الغريب للشاعر نور الدين المتوكل، هو باكورة اعماله الفنية، وبوح بمكنونات الذات المكتوية برياح التغيير على واقعها المزري، وتامل في واقع فتنوي انسلخ فيه الإنسان عن فطرته، وهو استجابة طبيعية لادراكات الشاعر المهوس بالكتابة بما هي ممارسة نقدية لمقاربة الواقع ومحاورة له في لوحة شعرية تتسم بالعمق وبحسن التصوير، وبما هي استشراف للمستقبل ورسم لبعض معالمه التي يتصورها الشاعر. فكان البوح للغريب في زمن الاغتراب الوجودي والحضاري، مسكونا برؤية شعرية متميزة هي بمثابة المنظور الفلسفي كوعي بالكتابة وبحقيقتها.

وعلى العموم فديوان بوح الغريب هو تعبير صادق عن عمق المأساة الإنسانية، وعن التيه الوجودي لهذا الكائن في زحمة أسئلة انطولوجية تؤرق الشاعر المبدع نور الدين المتوكل، فيبحث لها عن أجوبة في عالم الشعر الموسوم بأسلوب فني يتميز بالكثيف والاختزال واقتناص اللحظة الزمنية العابرة، وبلغة شاعرية أخاذة، تمتزج فيها ضراوة ومرارة الواقع المعيش للشاعر، بتطلعات استشرافية إلى غد يحفر في الذاكرة معاني الإنسانية الخالدة.

ديوان بوح الغريب هو سنفونية شعرية تتراقص على إيقاعات التشكيل اللغوي والتصويري الذي يعكس جرح وكلوم الأمة الإسلامية، وفي الوقت ذاته يتطلع إلى تقديم إشراقات. فالخيط الناظم بين جميع قصائد الديوان، يتجلى في طبيعة اللغة المائية المتسمة بقصر دفقاتها الشعورية، التي تحمل في طياتها مشعل الابداع الفني في زحمة مختلف الحساسيات الشعرية الجديدة. وكذا على مستوى الإيقاع الشعري المتجلي في الاختزال الدلالي والتكثيف الإيحائي، الذي يختزل جوهر العملية الإبداعية عند الشاعر، الحاملة لرؤية خاصة تميز كتاباته الشعرية. فالشاعر المبدع نور الدين المتوكل مهووس إلى حد الجنون بسحر الإبداع والتخييل يصور ما لا يراه الإنسان العادي في سيرورته الوجودية.

إن القارئ لديوان بوح الغريب سيستمتع بلا شك باللغة الإيحائية الراقية المفعمة برؤية فلسفية، وبجمالية الحبك الشعري المأسور بعالم الدهشة والتخييل الشيء الذي سيجعل المتلقي يرقص.. ويسافر.. ليرسو في جزيرة شعرية تربتها حفر في الذاكرة الموشومة بالضياع والتيه الهيدكري، وأشجارها نصوص شعرية، عميقة الدلالة والمعنى، وأغصانها لغة رمزية إيحائية مشحونة بأبعاد ودلالات متعددة، وثمارها نفس جديد في الكتابة الشعرية.      

 

رضوان الرقبي - اكادير 

 

تعليقات على ما ورد في كتاب جاسم الحلوائي: موضوعات سياسية وفكرية معاصرة (3)

السيدة ثمينة ناجي يوسف كتبت هذا للتاريخ حتى لا يأتي مزوري التاريخ ليتلاعبوا بماضي الحزب الشيوعي؟ تقول السيدة ثمينة ناجي يوسف في كتابها سلام عادل صفحة 68 والقول لسلام عادل: ان أخطاء الحزب عام 1959 التي هي في جوهرها ترتكز على الفهم الخاطئ لطبيعة البرجوازية الوطنية بما في ذلك عدائها للشعب، وكذلك لوزنها آنئذ في الحياة السياسية في البلاد. نقول لتتعكز عليها السلطة لتستر حقيقة اغراضها المعادية للشعب وحقوقه وحرياته الديمقراطية .

- اليس هذا المقطع رد على دعوى الحلوائي الافتراضية في - و- (فالثورات عبر مراحل التاريخ البشري) ليجعل منها مرحلة البرجوازية الوطنية.

- تشير السيدة ثمينة ناجي يوسف في كتابها (سلام عادل) صفحة 105 : فقد اصدر الحزب الشيوعي في الثاني والعشرين من اب 1961 بيانا بعنوان (حول الوضع في كردستان) نقتبس من البيان ما ورد في صفحة 107 من كتاب السيدة ثمينة:

- وهي تعلم (جماهير كردستان) جيدا بان حقوقها القومية هي جزء من الحقوق الديمقراطية المهضومة للشعب العراقي بأجمعه، ولا يمكن تحقيقها دون كفاح مشترك وثيق ضد الاستعمار وضد الاقطاع وضد السياسة الدكتاتورية التي تفرض الان على البلاد، وهي تعلم كذلك بان الأزمنة الراهنة في كردستان هي جزء من الازمة السياسية والاقتصادية العامة في البلاد .

- هل بعد هذه الوثائق المبينة أعلاه والتي تصف الحكم القاسمي (دكتاتورية عسكرية فردية معادية للشعب العراقي) هل لديه شيء يحتج على بيانات الحزب الشيوعي؟ ثانيا - يقول الحلوائي في - هـ - في مقاله (فهناك من لا يكتفي بتحميلها مسئولية الحكم العسكري الفردي الذي انتهى بانقلاب شباط الفاشي في عام 1963 فحسب)

- يلاحظ القارئ الكريم بان الحلوائي يتجنب تسميتها دكتاتورية عسكرية فردية معادية للشعب، حسب بيانات الحزب الشيوعي العراقي الواردة في الجزء الثاني من كتاب السيدة ثمينة ناجي جاء ما يلي : سلام عادل يقيم انقلاب 8 شباط قدم سلام عادل تقييما لانقلاب شباط في اخر رسالة كتبها حملت عنوان (ملاحظات أولية الى لجان الناطق والالوية):

ان انقلاب (الردة) في 8 شباط قد بدأ فكريا وسياسيا واقتصاديا منذ أواسط 1959 حينما تصرف قاسم بما يشبه الاستسلام للقوى السوداء التي اخذت تسترجع المواقع واحدا بعد آخر، في الجيش والدولة وفي الحياة الاقتصادية والمجتمع ومنذ ذلك الحين فان الخط البياني لتفاقم التهديد الرجعي وتفاقم أخطار الردة، وقد تموج لعدة فترات صعودا ونزولا، ولكن كخط عام بقي يتصاعد، وفي 8 شباط 1963 اسقطت الرجعية الفاشية السوداء حكم قاسم واستولت على الحكم .

- وللحقيقة فان الحلوائي، ثبت تقييم سلام عادل عن انقلاب 8 شباط 1963 ولكن في الصفحة 123، في ذيل مقال اخر بعنوان (انقلاب 8 شباط الفاشي - 1963 ) كالاتي:

اخر ما كتبه سلام عادل

(بعد أيام قليلة من الانقلاب، قدم سلام عادل تقييما اوليا للانقلاب، وزع على لجان المناطق واللجان المحلية ودعاه (ملاحظات أولية) وكانت هذه اخر رسالة يوجهها الى الحزب، ويقول سكرتير الحزب فيها ما يلي:

- ويورد نفس المقطع الأول الذي ذكرناه أعلاه من تقييم سلام عادل أعلاه، ليس لدينا على المصدر الذي ذكرناه كما سلف، ولم يذكر الحلوائي مصدره، وليس هذا مهما - ولكن لماذا يتجنب ذكر المقطع الذي يلي المقطع الأول - ونثبته كما ورد في الصفحة 168 و 169 من الجزء الثاني من كتاب السيدة ثمينة ناجي (سلام عادل) وكالاتي:

ان قاسم الذي أعاد الروح للقوى الرجعية وغذاها، ودافع عنها، اتهم كل من ينبهه للتآمر ولخطر الرجعية بالخيانة، ولذلك فان الكثير من قواه الخاصة قد فقدت تدريجيا الامل في إمكانية استمرار حكمه وفي جدوى الدفاع عن ذلك الحكم، بحكم عقليتها البرجوازية المتساومة، وفي اللحظات الحاسمة سلمت أجهزتها وسلمت نفسها لقوى التآمر السوداء متخاذلة جبانة وأعلنت الولاء للمتآمرين .

- انتهى المقطع الثاني - ليلاحظ القارئ - ان قاسم الذي أعاد الروح للقوى الرجعية وغذاها، ودافع عنها، اتهم كل من ينبهه للتامر ولخطر الرجعية بالخيانة، ولذا فان قواه الخاصة فقدت الامل في استمرار حكمه ... الخ

- هذا المقطع الغاه الحلوائي من تقييم سلام عادل لانقلاب 8 شباط .

لماذا ؟ لان قاسم أعاد سلوكه الانقلابي العسكري، حيث يريد الحلوائي جعله ثورة وليس انقلابا كما ورد في - أ - مكرر - من مقالة موضوع البحث .

- وبعد ان ادرج المقطع الثالث مباشرة بدمجه مع المقطع الأول من تقييم سلام عادل وكالآتي:

واستولت على الحكم (الى نهاية المقطع الأول) .. وعندما انفجرت جماهير الشعب الكادح للوقوف بوجه المتآمرين بعزم وإصرار ووعي عظيم، اصطدمت لا بالعناصر الرجعية المتآمرة من أجهزة الجيش والدولة فحسب، بل جابهت قمع عدد غير قليل من أعوان قاسم نفسه ممن كان يعتمد عليهم والذين فضلوا الركوع امام الرجعية وتسهيل مهمتها في استلام الحكم والوقوف ضد المقاومة الشعبية الباسلة .

ثم يهمل الحلوائي المقطع التالي المهم جدا في تقييم سلام عادل كالآتي:

- ان مشكلة قاسم واجهزته والقوى التي تدين له بالولاء هي مشكلة البرجوازية الوطنية كطبقة، ونقاط ضعفه المدمرة هي نقاط الضعف المدمرة في الطبقة التي ينتمي اليها ويمثلها .

ولقد ظهرت هذه الصفات تبعا لوضع القوى الاجتماعية في بلادنا ولشروط النضال فيها، ونقصد بذلك بالضبط عمق واتساع الوعي الجماهيري الديمقراطي الثوري والقوى النسبية التي تتمتع بها الرجعية وضعف البرجوازية الوطنية .

- ان هذا المقطع يفند ما يريد ان يبني عليه الحلوائي من تنظيرات عن دور البرجوازية الوطنية كطبقة، وان مرحلتها بعد ثورتها في 14 تموز 1958 مستمرة - لهذا رفعه من ما أورده من تقييم سلام عادل .

ويلخص بقية المقال متجنبا ذكر أي شيء يعيق مشروعه الفكري المنهار سلفا .

ثالثا - نورد المقابلة التي اجراها طالب الدراسات العليا، والدكتور لاحقا عبد الفتاح علي مع وزير داخلية (قاسم) العميد الركن (احمد محمد يحيى) سنة 1994 والواردة في صفحة 11 من كتابه الصادر في أربيل عام 2010 بعنوان (من أرشيف جمهورية العراق الأولى - الحركة الشيوعية في تقارير مديرية الامن العامة 1958 - 1962) لأهمية المقابلة وتخص موضوع - الانقلاب العسكري ــ وكالاتي:

لماذا كان (قاسم) واثقا من نفسه حتى أواخر أيامه ويصرح بان اقدامه ثابتة جيدا وانه سيضرب بسرعة وبشدة عند مواجهة الخطر؟ أجاب احمد محمد يحيى: يا اخي هذا شأننا نحن العسكريون، (وبصوت منخفض) نحن خربنا العراق نخفي ضعفنا ونستر عليه، ولا نقبل التنازل او نعترف بهزيمة، وفي كل تصرفاتنا نعتقد اننا في ساحة المعركة، والله تفكيرنا لا يخرج عن بزاتنا العسكرية، واذا كان (قاسم) قد صرح فعلا هكذا في أواخر أيامه، فهو غبي، لم يكن يزن ويقدر الأمور وهو يدري بالذي كان يدور من حوله، فقد كانت وزارة الداخلية من أوائل من حذرته بوجود مؤامرة لقلب نظام حكمه، واخر تقرير حملته له بهذا الخصوص كان قبيل 8 شباط 1963 بأيام . انتهى .

هل من تعليق لتوضيح ما بينه وزير داخلية قاسم مما حل بهذا الشعب وتخريب العراق وبعد ان رأى بعينه مجازر شباط 1963 وحروب صدام واحتلال الكويت والحصار الجائر ليقوم بتقييم ما جرى حتى 1994 تاريخ المقابلة، فهل للحلوائي بعد هذا ان يدعي انها (ثورة).

رابعا - ان الحلوائي يناقض نفسه بنفسه في مقاله ( أثورة كانت ام انقلابا عسكريا؟)

- في القسم - د - يذكر (والسبب في ذلك يعود الى شكل الحدث الذي اخذ شكل انقلاب عسكري، وتحول الى ثورة شعبية في لحظة تاريخية واحدة) نقبل هذا التحول في شكل انقلاب عسكري الى ثورة شعبية في لحظة تاريخية واحدة - ورغم كل التحفظات على هذا التحول .

ولكن كيف عادت لتصبح (حكم عسكري فردي) كما في - هـ - من مقال الحلوائي: (فهناك من لا يكتفي بتحميلها مسؤولية الحكم العسكري الفردي الذي انتهى بانقلاب شباط الفاشي في عام 1963 )

- يلاحظ حول الانقلاب الى ثورة في لحظة واحدة ولم يذكر الزمن ثم أعاد (مسؤولية الحكم العسكري الفردي) اليس هذا كلام متناقض ثم يوقع نفسه في شرك عندما يقول في - و - (خلافا للانقلاب العسكري الذي لا مشروعية له) .

فاذا لم تكن للانقلاب العسكري مشروعية، فكيف جعلت من شكل الانقلاب العسكري، في لحظة تاريخية واحدة - ثورة شعبية ؟ اليس هذا نفيا لكل ما قمت من بناء يا حلوائي ؟ الخلاصة - نأخذ كل ما جاء به الحلوائي في القسم - و - من مقاله ولا نعيده بالكامل بل (الحدث - تحديد طبيعة (ثورة ، انقلاب عسكري) ليس خلاف شكلي، وانما جوهريا، فالثورات عبر مراحل التاريخ) ومن يريد ان يعيد النص - و- بالكامل فليس هناك مشكلة لدينا

- المهم اصبح جوهريا - وثورات عبر مراحل التاريخ - يقول لينين : (ان الديالكتيك بالمعنى الدقيق هو دراسة التناقض في جوهر الأشياء نفسها) عن (يوجين فارغا في كتابه القضايا الاقتصادية السياسية للرأسمالية ) تعريب احمد فؤاد بليغ - دار الفارابي بيروت / صفحة 23.

فما هي قوانين الديالكتيك الماركسية - العمومية الثلاث:

- قانون تحول الكم الى كيف والعكس بالعكس

- قانون تداخل الاضداد

- قانون نفي النفي

هذه القوانين عملت في جوهر 14 تموز 1958 الى أواسط 1959 مجتمعة او منفردة والتي أدت الى تفجير جوهر - الثورة - أواسط 1959 لتتحول الى انقلاب .. حسب تقييم سلام عادل أعلاه وأيضا أصبحت مشكلة البرجوازية الوطنية كطبقة .

 فهل للحلوائي ان يضيف من شيء على ما اوردناه من تفاصيل ليعيد لنا بعد اكثر من نصف قرن - ليجعلها (ثورة البرجوازية الوطنية) أليس الأفضل له ولأمثاله ان يسكت ويترك هذا الشعب لمصيره المؤلم .

 

خالد حسين سلطان - بغداد 

 

الف عام.. للكاتبة العراقية شذى سلمان

914-shadaصدر مؤخرا عن مؤسسة ثائر العصامي للطباعة والنشر والتوزيع رواية "الف عام" للكاتبة  العراقية (شذى سلمان)، وتقع الرواية في 274 صفحة من القطع المتوسط.استغرق العمل فيها اربع سنوات واربعة وعشرين يوما بالتحديد .. حاولت فيها الكاتبة ان تنتصر للإنسان، ضد الحرب وضد الحاجة وضد انتهاكات الضعفاء ولم تكتفِ الكاتبة باستعراض احداث سنوات الحرب ومحاولة وضعها أمام القارئ بل راحت تفتش عن أسئلته الخاصة فجعلت الرواية تبحث عن إجابة على سؤال من الرابح في الحروب؟ وما هي تأثيراتها على الناس والمجتمع والتعايش والأخلاق؟. رواية تريد أن تثبت أن الحروب هي نتاج عقل سلطة والخاسر هو المواطن الذي لا يذكره التاريخ ،الذي يدون ما تقوله السلطة وما فعلته وهو تاريخ اعور وصاحب فتنة.

914-shada.."الف عام" قصة حب ووطن تشكلت بدون دوافع وانتهت بخذلان الواقع..، قصة يعبر فيها المرء بشدة عن طموحاته، احلامه، رغباته، عاطفته، وما يحمل قلبه وعقله من هموم ومشاعر بالفطرة وبالأكتساب

..الجدير بالذكر..ان الكاتبة شذى سلمان تتميز بقدرة عالية على تصوير  الاحداث ووصفها باسلوب ممتع  يشدك الى عدم مغادرة النص ما لم تكمله..

هذا وللكاتبة اصدار قيد الطبع يحمل عنوان (ورد نيسان) وهو عبارة عن مجموعة نصوص تتحث فيها الكاتبة عن مواضيع مختلفة الهدف منها ايصال رسالة للقاريء ملؤها الحب والايمان بوجود اله رحيم مهيمن على شوؤن هذا الكون الفسيح.

 

كتب: محمـد ثابت

 

 

قناصل فرنسا بالجزائر: أسرى فرنسيين وهدايا فرنسية وحملات صليبية

moamar habarيواصل صاحب الأسطر عرض الحلقة الثانية من الكتاب، بعدما سبق له أن عرض الحلقة الأولى بعنوان " قناصل فرنسا بالجزائر.. غزو واستدمار".  " LES CONSULS DE FRANCE A ALGER , AVANT LA CONQUETE 1579-1830" . EUGENE PLANTET .. ومما جاء في الكتاب..

38 ليس من الضروري التذكير، بأن تكاليف الحملة الفرنسية لغزو الجزائر وصلت إلى 43.610.000 فرنك، تم تغطيتها وببساطة بـ 48.680.000 فرنك،  الموجودة في خزينة القصبة. والاسطول الفرنسي الذي توجه للجزائر بتاريخ 1830.5.25، كان يضم 38.000 عسكري، و4500 حصان، و103 سفينة.

41 تصف فرنسا عظمة الجزائر، فتقول.. كل يخضع أمامهم، وبواخرنا تنحني حين تلتقي بسفنهم. يقيمون الضريبة على البحار وكأنها أملاكهم. الاستيلاء على كل السفن. الاستيلاء على السلع. بيع العتاد والأشخاص. طلب حاجات خارجة عن المألوف. إستغلال التبريرات لاستعباد البحارة الفرنسيين.

44 أسرى أوربا وفرنسا لدى الجزائر: عدد الأسرى الفرنسيين والأوربيين الذين ألقت عليهم القبض البحرية الجزائرية، ويعاملون معاملة العبيد، كبير جدا. ما تطلب من فرنسا التوسط لدى الجزائر لإطلاق سراح العبيد بأموال باهظة جدا كلّفت الخزينة الفرنسية الكثيروأرهقت القناصلة الفرنسيين بالجزائر، وحرمتهم من التمتع بمزايا القنصل، لأن الأموال الفرنسية كانت تذهب لتحرير العبيد الفرنسيين بالجزائر، منها..

سنة 1578: كان في الجزائر حوالي 25000 أسير فرنسي، وإيطالي، وإسباني أو مالطي. سنة 1635: كان 30000 أسير فرنسي وأوربي بالجزائر. سنة 1691: كان 36000 أسير فرنسي وأوربي بالجزائر. سنة 1750: كان 7000 أسير فرنسي وأوربي بالجزائر. سنة 1830: كان 500 أسير فرنسي وأوربي بالجزائر.

وما يجب ذكره، أن كل من تستولي عليه البحرية الجزائرية يعامل معاملة العبد. والفرنسي ذكر أن هناك 06 أسواق للعبيد بالجزائر، و14 سوق عبيد بتونس التابعة يومها للجزائر. ويباع الرأس الواحد ما بين 150 و6000. وتدفع لأجله الضرائب.

وذكر الكاتب أنواع المهن المهينة التي تسلط على العبيد الفرنسيين والأوربيين. بل هناك من القناصلة الفرنسيين من تعرّض للأسر. وكلما كان العبد  ذا قيمة، كلما إرتفع سعره.

وواضح جدا أن الغزو الفرنسي للجزائر مرده تعامل الجزائر مع الأسرى الفرنسيين على أنهم عبيد من جهة، والأموال الطائلة التي كانت تصرف لأجل تحرير هؤلاء الأسرى العبيد، ناهيك عن الإهانة التي كان يتعرض لها القناصلة الفرنسيين. والكاتب يذكر بالتفصيل أنواع الإهانة والذل، لمن أراد أن يعود إليها.

51 – 52 هدايا فرنسا للجزائر: بمجرد ما يصل قناصلنا في الجزائر، يقدمون هدايا ثمينة غالية للداي خصيصا، تصل قيمتها إلى 5000 جنيه إسترليني. والهدية المقدمة، كانت ترتفع قيمتها وثمنها، عبر الزمن..

6400 جنيه إسترليني سنة 1742 .. 13200جنيه إسترليني سنة 1763 .. 16600 سنة 1774 .. 48500 جنيه سنة 1791.. 80000 جنيه سنة 1805.. 160000 جنيه سنة 1811 .. 113000 جنيه سنة 1814

بالإضافة إلى قائمة طويلة من الهدايا الثمينة، ذكرها الكاتب فيما نقلها عن القناصلة الفرنسيين، تقدم لحاشية الداي ومعاونيه. ومن المعنيين بالهدية، المكلف بتنظيف الطرقات، ويقول..

وفي المقابل ورغم كل هذه الهدايا الثمينة الغالية، لا نتلقى من الجزائريين كلمة شكر. وغالبا ما يصرخون في وجوهنا بشأن قيمة وجودة الهدايا، ما نضطر لتلقي الإهانة من جديد. ولا يقدمون لنا سوى بعض الأحصنة العربية التي ندفع ثمنها مسبقا، مع بعض جلود النمر، ومناديل مطرزة. والهدية الوحيدة التي تسلمها الجزائر للمبعوثين الفرنسيين، تقديم الطعام لمدة 3 أيام لطاقم السفينة.

ويتحدث الكاتب عن أن هدايا بريطانيا للجزائر، تفوق بكثير مثيلاتها الفرنسية، ما يجعلها أكثر حضوة عند الجزائر من فرنسا.

ويتطرق الكاتب عبر صفحات الكتاب إلى الحقد الفرنسي على الإنجليز، لأن لهم مكانة لدى الجزائريين، ويسعون لكي يقطعوا الطريق أمام الإنجليز تجاه الجزائر. ويذكرون في مراسلات القناصلة الفرنسيين، وسائل منع التقارب الانجليزي الجزائري والحد منه، ويصفون بحقد كيف أن الانجليزي يتقرب للجزائري.

53 -55 الحملات الصليبية ضد الجزائر: الحملات المسيحية الأوربية ضد الجزائر بدأت سنة 1518. ثم توحدت أوربا ضد الجزائر تحت رابطة الامم المسيحية، منها ..

سنة 1541 حملة بقيادة إسبانيا، وبدعم من البابا بول الثالث. تبعتها 5 حملات إسبانية. ثم حملة سنة 1560. وحملة سنة 1775. وحملة سنتي 1783 و1784، التي قصفت الجزائر مرتين، وحطمت 400 منزل. وحملة سنة 1509، غزو وهران من طرف الاسبان، لكنهم فشلوا في الحفاظ عليها سنة 1792. وحملة بريطانيا سنة 1671 لاحتلال بجاية. وحملة بريطانيا من جديد سنة 1816، محملين بالقنابل و32 سفينة حربية. وحملة بريطانيا سنة 1824، لكن الحملة لم تنجح في ما أقدمت لأجله. والحملة الهولندية سنة 1662 و1770 و1772 و1767.

البابا بنوا XIV، وفي سنة 1750، يجتمع بقادة أوربا لغزو الجزائر، وضمت الحملة 12000 جندي للنزول في وهران. وبعد 30 سنة البابا بيي VI، يطالب بحلف دول المتوسط لغزو الجزائر.

الحرب الصليبية الاولى كانت سنة 1541، وبرعاية البابا الثالث. والثانية سنة 1664، و1682 و1683، و1688،  و3 اخرين. ثم تبعتها الحملات البريطانية، والحملات الهولندية. وكانت كل محاولة تقوي الجزائر وتزيدهم كراهيتهم لنا. ويتأسف الكاتب الفرنسي بكون فرنسا خاضت 15 حملة صليبية ضد الجزائر فقط. 

56 كل الدول الاوربية المسيحية كانوا مخيرين بين الحرب أو الضريبة. وذكر الكاتب الدول باسمها. والكثير منهم إشترى غاليا حياده المطلق، بعدما لم يستطع تلبية مطالبه بمفرده، فاستعان بالجزائر. وأجبر مبعوث نابليون على دفع 160.000 فرنك سنة 1815، طبقا لقائمة وضعها الداي بنفسه لأنه لم يمتثل لتعاليم الجزائر.

57 اشترت سردينيا معاهدة سلام مع الجزائر بمبلغ 216000 سنة 1764. وذكر الكاتب دول أوربية اخرى. وفي سنة 1799 تحالفت فرنسا مع روسيا لضرب الجزائر. وفي سنة 1814 طرحت المسألة الجزائرية في مؤتمر فيينا للقضاء عليها نهائيا من طرف تحالف القوى المسيحية.

58 بتاريخ 1816.6.4، نادت الدول الأوربية بتحرير العبيد البيض فقط، دون العبيد السود.

59 سنة 1817، الزمت أوربا في مؤتمر اكس لاشبيل، بوضع حد للجزائر وغزوها نهائيا.

60 الدول الأوربية التي ساهمت في الحملة ضد الجزائر هي.. فرنسا، وبريطانيا، وبروسيا، وروسيا، والنمسا، وإسبانيا، والبرتغال، ونابل، وسردينيا، وطوسكان، وسردينيا، والولايات الرومانية، والدنمارك، والسويد، وهانوفر، والدول الأوربية المنخفضة. وفي سبتمبر 1819، استقبل الداي المبعوثين الاوربيين ليعلموه بالتهديد الاوربي الموجه له إن لم يخضع لطلباتهم. فأجابهم بأنه لايستطيع تلبية رغباتهم والتخلي عن وظيفة تفتيش السفن، ليعرف العدو من الصديق. وقد خرج الداي من التهديد قويا.

61 قال جنرالات فرنسا يومها: فرنسا لم تكتفي بمعاقبة الجزائر بل محتها من الوجود. وخلال 20 يوم، إحتلت فرنسا الجزائر، وهذه خدمة للمسيحيين.

مايجب ذكره في نهاية عرض الكتاب، أن المؤلف الفرنسي كتب كتابه هذا بمناسبة الاحتفال بمرور 100 عام على إحتلال واستدمار الجزائر، أي كتبه سنة 1930. وكأن الكاتب يهدي كتابه هذا للمستدمرين الفرنسيين، ويشكرهم ويزيد في عزمهم على احتلال الجزائر والتمسك بها، كما جاء في آخر صفحة من الكتاب، صفحة 62.

وما يؤلم النفس وهي تنهي قراءة الكتاب، أن فرنسا كانت تتهافت لتقديم الهدايا الثمينة والغالية، ويعاقب القنصل الفرنسي من طرف الجزائر، لأنه تأخر في تقديم الهدايا. وترد الهدايا حين لا تعجب الجزائر، وكل هذا دون أن تتلقى فرنسا كلمة شكر، وذلك باعتراف قناصلة فرنسا بالجزائر.

واليوم، تقدم الجزائر الحصان البربري الأصيل، والسرج المطرز باليد، والبرنوس العربي الأصيل ليشتمنا فيما بعد .. العشيق والسكير.

 

معمر حبار

 

صدور كتاب أشكال من الخطاب الفلسفي العربي

913-zuhar"ما يحتاجه الإنسان المعاصر اليوم ليس تطبيق الإسلام بحذافيره وإنما بذل الجهد لفهمه على ضوء ثقافة العصر ومعرفة أين يبدا الديني وينتهي السياسي ورسم الحدود الفاصلة والواصلة بينهما"1

ظهر للعيان كتاب "أشكال من الخطاب الفلسفي العربي" الذي صدر عن دار ومكتبة البصائر ببيروت بعد تقديم ايداعه ببغداد من طرف المركز العلمي العراقي سنة 2014 وبعد طبعه بلبنان سنة 2015 وقد جاء في طبعة أنيقة ضمت قرابة 400 صفحة وقد قام بالإخراج الفني المبدع ليث عباس علي ولقد انقسم إلى بابين: الأول يهتم بورشة "عالم النص اللامحدود" ويتناول الثاني مسالة "آفاق الكينونة الجديدة".

لقد حاول المؤلف رصد حركية الفكر في التجربة الفلسفة لحضارة إقرأ والناطقة بلغة الضاد وركز جهده التأصيلي على سرد تجارب من الكتابة المختلفة ولقد أهدى عمله إلى كل منحاز إلى الشعب ومرابط على الرأي المخالف والى كل ملتزم بالحقيقة الثورية في كل موضع نظر وموقف والى كل مساهم في المراجعة النقدية ومتصالح مع الثقافة الوطنية والى كل مرافع على أولوية المقاومة والصمود والاسترجاع.

913-zuharوالحق أن هذا التأليف يندرج ضمن برنامج عمل اصطلح على تسميته من طرف المؤلف بتشريح العقل العربي الإسلامي ويأتي في مرحلة لاحقة على مقابسات النظر والعمل وكونية القول الفلسفي عند العرب.

من المعلوم أن الكاتب الفلسفي يحاول تسليط الضوء على التراث الفلسفي العربي بصورة جديدة وذلك من خلال السعي إلى الإفلات من ضيم القراءة الاستشراقية التي تري في الفلسفة الإسلامية مجرد ترجمة عربية للتراث الإغريقي ويريد القطع مع النظرة الافتخارية التي دأبت على تمجيد الذات الجمعية وفق نرجسية حضارية مغالية ونقد الخطاب المدحي الذي وقع ضحية التمركز على الذات وأعاد إنتاج الفشل.

لقد تطرق المؤلف في هذا الكتاب إلى قضايا حساسة وأحداث مصيرية تفجر حولها سجال تأويلي كبير وحاول رأب الصدع وإيجاد مصالحات سردية وبحث في المناطق المظلمة حاملا فانوس التنوير والعقل.

كما مارس التفكير الهرمينوطيقي مع شخصيات فلسفية معروفة وانتهى إلى نتائج واستخلاصات غير معهودة ونفض الغبار على أسماء مغمورة وتفطن إلى أهمية بعض الكتب النادرة وبلور مقارنات بين معارف متباعدة وأجرى حوارات بين نظريات غير متعاصرة وأطلق حركة الجدل بين الأنساق الساكنة.

لقد ربط بين عودة التفلسف إلى حضارة اقرأ وقيام فلسفة المستقبل من خلال إحياء العقل والسؤال عن الإنسان وفتح آفاق الكينونة وتشغيل حركة تأويل النص بصورة لامحدودة والمر بالصداقة كقيمة ايتيقية.

لقد أعلن المؤلف في هذا الكتاب الحرب على الجهل والخرافة وشرع الصراع مع الباطل والزيغ واعتصم بالحكمة والنقد وشجع التجديد بتحقيق المواءمة بين الفكر والشعر وبين العلم والدين وبين الفلسفة والشعب.

لكن "لا يمكن للشعب أن يخلق ذاته ويهتم بالأجيال إلا تحت الآلام المبرحة والمخاض العسير وكذلك لا يستطيع أي شعب أن ينشغل بالفلسفة إلا في هذه الوضعية القصوى كحالة المعاناة والتدهور والحرب."2 فهل من ضرورة لكي نمنع الفلسفة ونمتنع عن التفلسف نحن العرب اليوم؟

 

د زهير الخويلدي -  كاتب فلسفي

..........................

الإحالات والهوامش:

[1]  الخويلدي (زهير)، أشكال من الخطاب الفلسفي العربي، دار ومكتبة البصائر ، بيروت، طبعة أولى، 2015، ص18.

[2]  الخويلدي ( زهير)، أشكال من الخطاب الفلسفي العربي، مصدر مذكور،ص378.

 

 

أسئلة الدين والظمأ الأنطولوجي

801-jabarيمكن أن نضع كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي (الدين والظمأ الأنطولوجي) في سياق أسفار البحث عن المعرفة العميقة، تلك التي تخص الذات وكينونتها، والوجود وأسئلته، والفكرة وحمولاتها، الجسد وعلائقه بالحياة والموت، والدين وجوهر الايمان.

يضعنا الرفاعي أمام فضاء هذه الثنائيات، عبر كشوفاته واعترافاته وقراءاته، إذ يجوسُ عبرها عوالم شخصية ومعرفية وتاريخية، وعبر تصورات تدخل في إطار رؤاه الإيمانية العميقة، وأسئلته النقدية المفتوحة على مفاهيم التجديد والإصلاح، والنزوع الى استكناه سرائرها، وجدالها ومثقفاتها التي تمسُّ العقل والحدس والميتافيزيقيا..

الإنسان- بوصفه- هو هاجس الكتاب، بوصفه أكثر أسرار الوجود غموضا، مثلما هو الجوهر الوجودي للفكرة الدينية، فهو صانع العمران والمعرفة، وهو خليفة الله في الأرض، هو المؤمن والعابد، مثلما هو الخطّاء والقاتل والعبد والباحث والمُستبد، وهو المشغول بالحدْس والعرفان والميتافيزيقيا التي تقوده جوهر(لدّني) في الاشياء والمعارف خارجة عن المنطق والواقع، إذ هي تخص سرَّ علاقته بالدين، والدين كما يقترحه فهمه الرفاعي ليس المُدوّن، والمكشوف في الكتب، وفي الرسائل فقط، بل هو جوهر السؤال المتعالق بشغف الذات المؤمنة وهي تبحث من خلال (الظمأ الأنطولوجي) عن المعنى الغائب وعن الخلاص، ف(عبر البعد الأنطولوجي يمكننا العبور الى جوهر الدين، وبه يرتوي ظمؤنا للمقدس، وبه نتذوق الأبعاد الجمالية فيه، وندرك مايفيضه الدين في عالمنا) ص11

الظمأ الأنطولوجي يتحول هنا الى شفرة موجهة في كتاب الرفاعي، فهو مصدر للتحفيز، مثلما هو مجال تبئيري للكشف والإفاضة، ولعل التقاطع في النظر الي حمولات هذه الشفرة هو ما يؤدّى الى توليد الكثير من الاشكاليات الوجودية وحتى المعرفية، فالطريق العرفاني للدين يقود الى التلذذ بمعرفة الذات الانسانية عبر مقاربة الذات الالهية، وحتى الطريق البرهاني يُفضي الى أسئلة تتعلق بمعرفة الوجود والذات الرائية وكل الثنائيات التي يتعالق بها الإنسان، لكن البعض يَقْسرُ بحثه عن الظمأ الأنطولوجي من خلال القسْر الأيديولوجي، حتي يُغلق مفهوم الإيمان في حدود العُصاب، والكراهية والتكفير والتأثيم والتبعية للجماعة ولفقهها العدمي. 

يتمحور كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي(الدين والطمأ الأنطولوجي) والصادر عن مركز دراسات فلسفة الدين/ بغداد، ودار التنوير للطباعة والنشر/ بيروت/ 2015 حول ست عتبات مقترحة للقراءة.. 

801-jabarتبدأ العتبة الأولى(نسيان الذات) من توصيفات هذه الأنا بوصفها القوة المحركة لجوهر الأشياء، فهي (الأنا الخاصة) الأنا الذاتية التي تعي وتلتذ وتشارك وتفكّر، إذ( لاتبدأ الحياة الإنسانية الحقيقية إلّا عندما تتحقق وتوجد الذات الشخصية، وهذه الذات لاتتحقق دون الفعل، فالوجود الإنساني لايصل الى الامتلاء الّا بالفعل وحده) ص16

ونقيض هذه الأنا هي(الشخصية المستعارة) كما يرى الرفاعي، تلك التي الشخصية الغارقة بعُصاب الجماعة، وضعف قدرتها على التفكير الحر، وممارسة أنويتها بحرية وإرادة، وهذه الشخصية المُسطّحة هي نواة فكرة التابع والخاضع وصناعة الجماعة العنفية وسيادة روح القطيع، كما أن هذه الشخصية هي المجال الذي تتشكل فيها ملامح تنميط الكائن وتجريده من قوة الفعل والمغامرة والنقد والاختلاف والاحتجاج والثورة، لأن هذه المظاهر تتقاطع مع مهيمنات الجماعات التي تشرعن فكرة الشخصية التابعة، ومن هنا(تحرص أدبيات الجماعات الاسلامية على مناهضة ورفض الثروة الفلسفية ومدونة التصوّف والعرفان في الاسلام، وتتهمهما بالهرطقة والخروج عن الدين، وتُحذّر أتباعها من الإطلّاع عليها والنظر فيها، وهو موقف تتضامن وتلتقي فيه تلك الجماعات بأسرها) ص19

العناوين الفرعية في هذه العتبة والتي تخص موضوعات (الانسان كائن عميق، الإيمان خيار شخصي، الحق في الاختلاف) تنحاز الى فكرة ماتكشف عنه الذات الواعية، والتي تجد فرادتها وأنستها في فعل الممارسة والموقف والخيار، إذ هي جوهر التعبير عن النزعة الانسانية في الإسلام، والتي اشتغل عليها الرفاعي في أطروحاته كثيرا..

في العتبة الثانية (نسيان الإنسان) يضعنا الباحث الرفاعي أمام سيرة وعيه الشخصي والعائلي، وطبيعة مكوناته المعرفية، والتجذّر الايماني الفطري في شخصيته، ومكابداته التي عاش يومياتها في بيئة اجتماعية وتعليمية صعبة وفقيرة، فضلا عن التعرّف على التحولات الفكرية الصادمة والتي غمرته بأسلتها، وحقائقها وضروراتها واشكالياتها، فهو يعترف بوجوده وسط عالم تُصارعه الأفكار والأوهام والأنماط، وأن قوة حيازته للوعي والحدْس المُبكّر جعلاه ينأى بالنفس عن الشطط والانحيازات غير الواعية..هذه السيرة هي ذاتها سيرة وعيه القلق، سيرة شكّه العميق، ذلك الذي جعله أكثر توقا البحث عن المعرفة والحقيقة، رغم رهابه من تدوين هذه السيرة، لانها تعني مواجهة مع عالم مُتشيء وغائر في مدونات التاريخ، وفي مهيمنات مركزياته السياسية والفقهية، وأحسب أن تسميته للسيرة ب(الاعتراف) يجعلنا أمام قراءة مفارقة، وأمام كشوفات فيها من الجرأة الحذِرة، أكثر ما فيها من المغامرة غير المحسوبة النتائج، فهو يضع الجرأة بوصفها نقدا لكل مظاهر القبح، بما فيه قبح الحاكمية، وقبح العزلة عن الحياة والعمل والمعرفة والجمال وفهم الواقع.. يقول الرفاعي: أدركت أنه لايلذ العيش إلّا بالخلاص من الفهم التبسيطي للواقع، وأن رؤية الوجود بعين واحدة تحجب جماليات الوجود، وأنّ الحياة لاتطاق من دون تذوق جماليات الوجود ص81.

فلسفة الاعتراف كما نقترح تسميتها رهينة بالاسئلة الوجودية التي بدأ يطرحها وعيه مبكرا، إذ أدرك الكثير من المفارقات والأوهام والالتباسات التي يعيشها الناس، وتسود في اوساطهم الاجتماعية، وداخل مجالاتهم العبادية والطقوسية، وعلائقهم داخل الجماعات المقهورة بوعي استلابي واخضاعي.

العتبة الثالثة في الكتاب (المثقف الرسولي علي شريعتي، ترحيل الدين من الأنطولوجيا الى الأيديولوجيا) تنحني على مقاربات لأفكار شريعتي وأطروحاته حول الثورة والخطاب الديني والإصلاح، يستهلها الرفاعي بتقديم إيجاز عن التيارات الدينية في إيران، ليضع أطروحات شريعتي في سياقها الفكري والتاريخي، إذ يجد في مقولات الحداثة واللسانيات والفيللوجيا وفلسفة التاريخ مجالا رحبا للحديث عن(دعوته الحماسية للعودة الى الأصالة، والهوية الحضارية، والذاتية) ص110

علي شريعتي أنموذج للمثقف الثوري الذي يسعى الى تقديم قيم المضمون الثوري للإسلام، من منطلق دعوته لمواجهة كل مظاهر الفساد والتردي والمنكر، وأنّ هذه المواجهة هي مسؤلية اخلاقية وثقافية وشرعية تخص رجال الدين مثلما تخص المثقفين الآخرين..

قراءة الرفاعي لأطروحات شريعتي تبدّت أكثر في مقارباته حول موضوع الأيديولوجيا، لأنه من الذين ينحازون للتفسير الثوري، والذي( يتطلب قراءة ايديولوجية للدين أو» أدلجة الموروث الديني» والموروث كما يرى يفتقر الى مثل هذه القراءة) ص119لكن شريعتي -كما يرى الرفاعي-(يغالي بوظيفة الايديولوجيا) ويغفل عن تمثلاتها وتحولاتها، والتي تحولت الى مصادر لتوليد الدوغمات القومية واليسارية والسلفية، كما أنّ (النسق المغلق) للأيديولوجيا يجعلها بعيدة عن التفاعل والقبول بالأفكار الأخرى وبتنوع مرجعياتها، بما فيها المرجعيات الدينية والطائفية، كما أنه يعني التقاطع مع تحقيق العدالة التي يهدف لها الدين، فالرفاعي يرى أنّ (الطريق الى العدالة لا يمرّ من خلال أدلجة الدين، لأن الأدلجة تُفسد الدين)123-124

العتبة الرابعة (التجربة الدينية والظمأ الأنطولوجي للمقدس) تنطلق من وعيٍ فلسفي لهذه التجربة، ولإدراك فواعلها على مستوى معرفة الله وتحسس حضوره عبر هذه المعرفة، والتي يجد فيها الرفاعي باعثا لتوصيف إيمانه الديني، الايمان الذي تتجوهر فيه تلك المعرفة واهتماماتها بتفسير التجربة الدينية، وكشف آثارها ب(في بناء الحياة الروحية، وبيان العلاقة العضوية للتجارب الدينية بإرواء الظمأ الأنطولوجي) ص154

العتبة الخامسة(أية دولة بلا حياة روحية وقيم أخلاقية) تنفتح على مقاربة ظاهرة الإرهاب الإسلاموي الذي أثارته داعش بوصفها تعبيرا سياسيا وتاريخيا وشرعيا في أزمة فهم النص الديني، ومحنة تكفير الآخر وتأثيمه وأخضاعه الى فقهيات الاستعباد والاستغلال من منطلق القسر الفقهي في النظر الى مفاهيم الايمان والكفر والسبي والشرك وغيرها، والتي أسهمت في تكريس قيم العنف والكراهية والقتل تحت يافطة الفتوى الملتبسة بالعودة الى مايُطلق عليه تضليلا بالاسلام النقي..

أحتوت العتبة السادسة على حوار مع الدكتور الرفاعي سلّط الضوء فيه على أطروحات مثيرة للجدل حول الدين والتدين والايمان والدولة والأيديولوجيا والسلف الصالح، فضلا عن قراءاته العميقة للعديد من الكتّاب المعنيين بالخطاب الإسلامي، واشاراته لمخاطر أدلجة الدين وتغييب القيم الروحية، إذ أنّ مظاهر العنف والتصلّب والتطرف هي جزء من غلوِ وتضخم هذه المخاطر التي باتت تهدد البنى المجتمعية وقيم الأخلاق والتعايش والمحبة وتشوه النزعات الإنسانية لأي ظمأ أنطولوجي للمعرفة والجمال والإيمان

 

 

حقيقة إتهام حزب الدعوة بعدم طاعة المرجعية الدينية (24)

ali almomenحزب البعث يتهم الصدر والدعوة بالعداء للمرجعية

في العام 1979؛ بالتزامن مع تحرك الإمام السيد محمد باقر الصدر؛ كانت عناصر الأمن والمخابرات وحزب البعث في النجف الأشرف؛ تستند الى مصطلحات ومعايير دينية مدروسة في نصحها للشباب المؤمن الناشط، تنصحهم أن لا يتورطوا مع جماعة الصدر العملاء المعادين للمرجعية الدينية؛ لأن الصدر هو ضد المرجعية، ولديه حزب يحارب المرجعية، وهؤلاء خطر على الشيعة، وإن الصدر عميل أميركي وعميل للخميني، وإن الخميني هو عميل أميركي أيضاً.

ولم يكن هذا النوع من آلتهم المدروسة بعناية في الغرف المظلمة لأجهزة المخابرات العراقية والإقليمية والعالمية؛ بعيدة عن مسامع الناس في الأوساط الدينية أو القريبة منها اجتماعياً؛ فقد كان يتحدث بها بعض المعنيين وغير المعنيين؛ متدينين وغير متدينين؛ كأنها أمر بديهي غير قابل للنقاش، كما كان الحديث عن عداء (جماعة الصدر) للمرجعية والحوزة وخطورتهم على الشيعة؛ هو الشائع الذي يركز عليه رجال الأمن والمخابرات والبعثيون أكثر من غيره؛ بهدف التنكيل بالدعاة وتعميق الفرقة بينهم وبين الاتجاه العام في الحوزة العلمية والمتدينين التقليديين.

في هذه الفترة؛ لم يكن السيد محمد باقر الصدر وحزب الدعوة الإسلامية؛ المستهدَفين الوحيدين من هذه الهجمة؛ بل كان كل التيار الإسلامي السياسي الشيعي متهماً بهذه التهم أيضاً؛ تزامناً مع اندلاع الثورة الاسلامية في ايران بقيادة الإمام الخميني؛ الذي كان يمثل قيادة هذا التيار؛ بل كان بعض المتدينين المحافظين الشيعة يقولون: (الخميني يريد إسقاط الشاه الذي هو الملك الشيعي الوحيد في العالم).

 

هجمات المهجر الإيراني

وفي مرحلة المهجر الإيراني؛ بدءاً من عام 1979؛ تطورت تهمة عدم إيمان حزب الدعوة بالمرجعية الى تهمة أخطر؛ وهي عدم إيمان الحزب بولاية الفقيه، وإن الدعاة هم ضد مبدأ ولاية الفقيه، ولا يوالون مصداقها، وهذه التهمة تعني؛ وفقا لمبدإ ولاية الفقيه؛ خروجا نظرياً على ولي الأمر مبسوط اليد، وكان المناوئون لحزب الدعوة من الفرقاء السياسيين الشيعة العراقيين المتواجدين في إيران يغذون هذه التهمة؛ على خلفيات مليئة بالمفارقات والتناقضات؛ فكانوا يقولون للجمهور العراقي في إيران: بأن حزب الدعوة لا يؤمن بالمرجعية الدينية، ويقولون للإيرانيين الحكوميين: بأن حزب الدعوة لا يؤمن بولاية الفقيه، وبالتالي؛ لم يكن بعض الإيرانيين المتشددين يتهمون حزب الدعوة بعدم الإيمان بالمرجعية؛ بل العكس؛ يقولون: بأن حزب الدعوة تابع لمرجعية النجف؛ وبأنهم (جماعة الخوئي)، ولا يؤمنون بولاية الإمام الخميني، فكان الدعاة يواجهون نيران تهمتين متعارضتين؛ وهي مفارقة تستند الى شبهة واقعية؛ لأن حزب الدعوة هو ابن مدرسة النجف بالفعل، ونتاج نظرية السيد محمد باقر الصدر الفقهية السياسية، وتأسس في كنف مرجعية الإمام الحكيم وتأثر بها، وإن كثيراً من قيادات الدعوة وكوادرها وأعضائها يقلدون الإمام الخوئي؛ وإن أكثر علماء حزب الدعوة هم من تلاميذ السيد الخوئي، ولكن في الجانب الفعلي كان حزب الدعوة في حالة حرب دموية شاملة مع نظام البعث، ويتماثل فقهياً وفكرياً ومنهجياً وميدانياً مع نظام ولاية الفقيه.

 

اتهامات المدرسة النجفية

بين تهمة عدم إيمان حزب الدعوة بالمرجعية الدينية الى تهمة عدم الإيمان بولاية الفقيه؛ كانت تبرز حزمة المفارقات التي تخلقها ثلاثة أطراف معنية؛ تنتمي الى البيئة العراقية الدينية بشقيها التقليدي والسياسي، والبيئة الإيرانية المؤمنة بمبدأ ولاية الفقيه، وبعض الدعاة الذين تركوا التنظيم.

في إطار المدرسة النجفية وامتداداتها خارج العراق؛ التي ترمز عادة الى توجهات الوسط الديني الشيعي بشقيه التقليدي والإصلاحي؛ ظلت تهمة عدم إيمان حزب الدعوة بالمرجعية الدينية،وعدم الالتزام بأوامرها؛ تستند الى المعطيات التالية:

1- إن حزب الدعوة هو حزب سياسي ديني؛ يعتمد ايديولوجية غير مسبوقة في الوسط التقليدي الديني والحوزوي؛ فهو يؤمن بإقامة دولة إسلامية في عصر غيبة الإمام المهدي؛ وهي نظرية غير مقبولة ـ غالباً ـ في هذا الوسط؛ لقول بعضهم بحرمة قيام راية ودولة إلا على يد المعصوم أو اذنه؛ وفق جزء من الموروث الفقهي الشيعي، ولكن السيد محمد باقر الصدر أسس نظرية فقهية جديدة قام عليها حزب الدعوة؛ قلبت موازين الفقه السياسي الاسلامي لمدرسة الإمامة، فكانت نظرية السيد الصدر تعتمد الشورى في قيادة العمل في أول أربع سنوات من عمر الدعوة (1957 ـ 1961)، ثم طوًر نظريته بعد ذلك؛ حين اعتمد نظرية ولاية الفقيه؛ بالمضمون نفسه الذي طرحه الشيخ محمد رضا المظفر في كتاب “عقائد الإمامية”  والإمام الخميني في كتاب “الحكومة الإسلامية”، وفي النتيجة؛ كان من البديهي أن تتعارض نظرية حزب الدعوة في العمل الاسلامي السري وفي تأسيس الدولة الاسلامية في عصر الغيبة مع النظرية الموروثة الحاكمة في الحوزة العلمية، وبالتالي؛ ظهور نوع من عدم الانسجام مع هذا الوسط؛ وصولاً الى ما أسماه خصوم الدعوة بعدم التبعية للمرجعيات الدينية.

2- إن حزب الدعوة كان يريد تنفيذ منهجه ومشروعه في التحرك الخاص؛ بعيداً عن تأثيرات مكاتب المرجعيات؛ لأن هذه التأثيرات وخصوصياتها تتعارض مع مشروع “الدعوة” وخصوصيته، وكان هذا مدعاة لتهمة أكبر؛ هي العداء للمرجعية.

3- إن حزب الدعوة لم يتبن مرجعية بعينها؛ بل حرّر أعضاءه من ضغط تقليد مرجع بعينه؛ بالنظر لتعدد المرجعيات واختلاف رؤاها الفقهية أحياناً، وتوجهاتها ومواقفها السياسية والاجتماعية والفكرية أحياناً أخرى.

4- في الفترة التي أعقبت وفاة مرجع الطائفة الإمام الحكيم؛ انقسمت المرجعية النجفية العليا بين الإمام الشاهرودي والإمام الخوئي، وحدث فراغ نسبي في قيادة الشأن العام؛ أي قيادة الواقع الشيعي التي كان يمسك بها الإمام الحكيم؛ في الأبعاد الاجتماعية والإصلاحية والسياسية؛ الأمر الذي دفع الثنائي القيادي لحزب الدعوة؛ عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي؛ لطرح فكرة ((الساحة لمن يتصدى لها)) و ((القيادة لمن يتقدم))؛ على اعتبار أن القيادة فعل وليس منصباً؛ كما كانا يثقفان عليه الدعاة، أي ان المرجعية؛ من الناحية المصداقية الواقعية وليس المفهومية؛ إذا تصدت للشأن العام أو قيادة الأمة؛ كما كان في مرحلة الإمام الحكيم؛ فإن “الدعوة” ستسير خلفها، وتكون قيادة الأمة للمرجع المتصدي المبسوط اليد، وإذا لم تتصد المرجعية الدينية للشأن العام ولقيادة الواقع الشيعي، وحصرت نشاطها في الشأن الخاص؛ أي البعد العلمي والديني المحض؛ فإن حزب الدعوة سيضطر لملء الفراغ والتصدي للشأن العام؛ أي لقيادة الأمة، و كانت هذه الفكرة من أهم المؤاخذات النظرية التي استثمرها خصوم «الدعوة» في الوسط الديني ضد الحزب.

5- حين تبنى حزب الدعوة مرجعية السيد محمد باقر الصدر؛ بعد أن طرح رسالته العملية (الفتاوى الواضحة) في منتصف السبعينيات؛ أصبحت الأغلبية الساحقة من وكلاء الصدر هم من علماء الدين الأعضاء في حزب الدعوة؛ بواقع 80 وكيلاً داعية من مجموع وكلاء السيد الصدر الـ 100 في داخل العراق وخارجه، ولكن لم تفرض قيادة الحزب على أعضائها تقليد السيد الصدر؛ بل كانت تروج لمرجعيته في أوساط الدعاة والمناصرين؛ في وقت كان معظم الدعاة يقلدون السيد الخوئي، وبذلك أصبح هناك خروج على المألوف الراسخ؛ والمتمثل في عدم تقليد الدعاة للمراجع الأكبر سناً والأشهر في الأعلمية؛ ولاسيما المرجع الأعلى السيد الخوئي، لصالح تقليد السيد محمد باقر الصدر، وهو فقيه شاب في بداية أربعينيات عمره؛ وهو ما تم تصنيفه أيضاً عدم تبعيته للمرجعية العليا، بل هناك مقترح طرحه الثنائي القيادي محمد هادي السبيتي وعبد الصاحب دخيل في عام 1971 على السيد محمد باقر الصدر؛ بأن يعلن الصدر عن مرجعيته، وتروج لها «الدعوة» وتنشرها؛ لملء الفراغ القيادي في الساحة الشيعية، وكان السيد الصدر حينها بعمر 36 سنة، وهو خروج كبير على المألوف؛ رغم ما كان السيد الصدر قد بلغه من المستوى العلمي والفقهي العملاق، ولكن فكرة إعلان المرجعية اكتملت عند السيد الصدر في العام 1974.

6- حين أعلن المرجع السيد محمد باقر الصدر عن مشروع الثورة؛ بايعته قيادات حزب الدعوة في إقليم العراق على الموت في طريق مشروعه، وأصدر المجلس الفقهي للدعوة الذي يضم: آية الله الحائري، آية الله الآصفي، آية الله التسخيري، آية الله العسكري، آية الله فضل الله وغيرهم؛ فتوى شرعية في عام 1979 بالانتقال الى مرحلة العمل المسلح، وكان من البديهي أن يتعارض التحرك الثوري للسيد الصدر والعمل المسلح لحزب الدعوة مع التوجهات المعلنة للمرجعية النجفية العليا؛ وهو ما يمثل عدم التزام بمواقف المرجعية.

7- إن حزب الدعوة دخل في مشروع الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ وأصبح جزءاً من منظومة ولاية الفقيه التي لا تؤمن بها المرجعية النجفية كمبدإ فقهي.

( يتبع ..)

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

ثوابت المرجعية الدينية وولاية الفقيه وموقف حزب الدعوة (23)

ali almomenالمرجعية الدينية في مدرسة أهل البيت؛ تمثل نيابة الإمامة في عصر غيبة الإمام، وما يترتب على ذلك من مسؤوليات وواجبات وحقوق ترتبط بالجوانب العلمية والدينية والمالية والاجتماعية، وعلى أساسها تكون للمرجع الديني ولاية أو قيمومة حصرية على جملة من شؤون المجتمع الشيعي؛ كالولاية على إصدار الفتاوى والأحكام الشرعية، والولاية على الحقوق والأموال الشرعية؛ جباية وتوزيعاً؛ كالخمس والزكاة والصدقات ومجهول المالك وغيرها، والولاية على القضاء والتحكيم بين أفراد المجتمع، والولاية على الأمور الحسبية ذات العلاقة بالجانب النظمي الإجتماعي. ويتوسع بعض الفقهاء في إعطاء مساحة أوسع للفقيه؛ لتشمل الولاية على الحكم والدولة. ومرد الاختلاف بين الفقهاء بشأن ولاية الفقيه هي هذه المساحة فقط؛ أي الولاية على الحكم، ولايختلفون على باقي مجالات ولاية الفقيه.

وعليه فإن المرجعية الدينية وولاية الفقيه مصطلحان مرادفان؛ فكل مرجع هو ولي فقيه أيضا؛ بناء على إجماع الفقهاء، ولكن هناك وليا فقيها ذا مساحة مقيدة تقتصر على الفتوى والأموال والقضاء والحسبة، ولا تشمل الحكم، وكذلك هناك ولي فقيه ذو مساحة عامة مطلقة؛ تشمل ولاية الحكم أيضا. وهذه الشمولية لا يختارها الفقيه بناء على رغبته الشخصية أو رؤيته السياسية؛ بل هي قضية علمية فقهية؛ يتوصل اليها الفقيه عبر الاستدلال والاستنباط العلمي الفقهي، وخلال هذا الجهد العلمي قد يتوصل الى شمول ولاية الفقيه على الحكم أو لا يتوصل، وحينها يحدد موقفه الواقعي حول نوعية تصديه للشأن العام؛ أي بناء على قناعته العلمية

الفقهية.

 

آراء الفقهاء بشأن مساحة الولاية

ومن الفقهاء المعاصرين القائلين بولاية الفقيه العامة: الإمام الخميني والسيد محمد باقر الصدر والسيد محمد محمد صادق الصدر والسيد علي الخامنئي. أما

الفقهاء المعاصرون القائلون بولاية الفقيه الخاصة؛ فمنهم السيد الخوئي والسيد علي السيستاني. وبصرف النظر عن القول بالعموم والخصوص؛ فإن المرجعية

الدينية أو ولاية الفقيه ظلت منذ أكثر من 1100 عام (أي منذ غيبة الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر) تقف على رأس النظام الديني الاجتماعي الشيعي، وهي التي أوجدت هذا النظام بالتدريج وبلورته وحفظته من الضربات المتوالية والإنهيار. وتشكل الحوزة العلمية الشيعية مركزاً لهذا النظام، وهي ليست جامعة لتدريس العلوم الإسلامية وتخريج علماء الدين وحسب؛ بل هي مركز النظام الديني الإجتماعي الشيعي، ولذلك يقف المرجع الأعلى على رأس الحوزة العلمية ويقودها على كل الصعد.

 

بين الخامنئي والسيستاني

وعلى مستوى المصاديق فإن المرجعيتين الدينيتين الشيعيتين الأبرز اليوم هما مرجعية السيد علي الخامنئي؛ القائل بولاية الفقيه العامة، وهو المرجع الأعلى

والولي الفقيه في إيران، ومرجعية السيد علي السيستاني؛ القائل بولاية الفقيه الخاصة، وهو المرجع الأعلى في النجف الأشرف. وتستحوذ هاتان المرجعيتان على ما يقرب من 75 بالمئة من مساحة النفوذ الديني في الوسط الشيعي في كل العالم؛ وهو الوسط  الذي تبلغ كتلته السكانية نحو ( 400 ) مليون مسلم شيعي.

 

فرضيات الواقع الشيعي

وبما أن حزب الدعوة الإسلامية تأسس في وسط هذا النظام الاجتماعي الديني ولا يزال يعمل في إطاره؛ فهو جزء منه، ويخضع لمعادلاته. وكان عدم الالتفات الى بعض هذه المعادلات أو تصور القدرة على تغيير بعضها الآخر؛ يتسبب في حدوث توترات بين “الدعوة”؛ كحزب إسلامي شيعي دعوي تغييري سياسي، وبين منظومة المرجعية الدينية؛ بصفتها رأس هرم النظام الديني الاجتماعي الشيعي، وعليه؛ فإن النظرة الى المرجعية الدينية تتجاوز القناعات الفكرية والاجتماعية والسياسية؛ لتندك بالواقع ومتطلباته، وأهم فرضيات هذا الواقع:

1- إن المرجعية الدينية العليا ليست مرجعية علمية فقهية وحسب؛ بل هي منظومة دينية اجتماعية؛ تقف على رأس النظام الديني الإجتماعي للطائفة الشيعية الإمامية في العالم، ولهذه المنظومة معادلات ثابتة وسياقات عمل ونظم فرعية وتقاليد؛ أقلها أهمية هو الموضوع العلمي المرتبط بالدراسة والفتوى، وأكثرها أهمية هو أسلوب إدارتها للشأن العام. وعمر هذه المنظومة أكثر من أحد عشر قرناً، أي أن المرجعية وحوزتها هو الوجود الأصيل والثابت الوحيد في النظام الديني الاجتماعي الشيعي. أما حزب الدعوة؛ الجماعة الدعوية السياسية؛ فهو وجود عارض متغير يعمل في إطار النظام الديني الاجتماعي الشيعي، ولم يتجاوز عمره ستة عقود. وبالتالي فحزب الدعوة والمرجعية الدينية ليسا متساويين في الشأنية الدينية الاجتماعية (الاجتماع الديني الشيعي) ولا مساحات العمل والتصدي، ولا التأثيرات المعنوية، ولا هما متشابهان في الوظيفة والماهية، ولذلك لا يمكن القول بوجود علاقة متكافئة، أو علاقة ندية، أو إمكانية تبادل مواقع إدارة النظام الاجتماعي الديني الشيعي؛ بل هي علاقة المتغير بالثابت، والفرع بالأصل، والتابع بالمتبوع.

2- بصرف النظر عن الأسانيد الروائية والعقلية لمبدأ المرجعية والحاكمية والولاية، وتطبيقاته وتحولاته وتطور منظومته؛ فإنه قبل كل ذلك يمثل أمراً واقعاً قائماً ضاغطاً، وينبغي لحزب الدعوة التعامل معه تعاملاً واقعياً لا تعاملاً معيارياً؛ أي التعامل مع منظومة المرجعية العليا كما هي كائنة، لا كما ينبغي أن تكون من وجهة نظر الحزب، وأن لا يتعارض عمل الحزب مع سياقات ونظم منظومة المرجعية العليا؛ سواء قبِل بتفاصيل هذه المنظومة أو لم يقبل، وسواء كانت صحيحة برأيه أو خاطئة. صحيح أن مدرسة "الدعوة" هي مدرسة السيد محمد باقر الصدر التغييرية النهضوية؛ ذات المنهجية المعيارية النقدية؛ ولكن ليس من شأن حزب الدعوة ووظيفته الحديث عن إصلاح منظومة المرجعية وسلوكياتها؛ لأن إصلاحها شأن داخلي خاص بالمنظومة نفسها، ويمكن لعلماء الدين "الدعاة" من الصف الأول (المجتهدون والفضلاء) المساهمة في عملية الإصلاح والتقويم، والاستفادة من آراء الدعاة (أكاديميين ومثقفين وباحثين) ودراساتهم ونقودهم وتقويماتهم الداخلية الخاصة، وتكون مساهمة هؤلاء العلماء بصفتهم الحوزوية وليست الحزبية. وفي المقابل تمتلك المرجعية العليا ومنظومتها الحق في الحديث عن إصلاح “الدعوة” وتقويم فكرها وسلوكها؛ بل أن هذا جزءاً من وظيفتها الدينية الإجتماعية.

3- من أجل أن يكون تعامل حزب الدعوة مع المرجعية العليا تعاملاً واقعياً ومنتجاً ومثمراً؛ ينبغي للدعاة فهم منظومة المرجعية وسياقات عملها وحركتها ونظمها الفرعية وتقاليدها؛ فهماً توصيفياً دقيقاً؛ بدءاً بمدخلية البيوتات، وأساليب تدوير الحقوق الشرعية، ودور الأصهار والأولاد، وأساليب اختيار المرجعية العليا، وطرق الاعتراف العرفية بمرجعية ما، وطبيعة عمل الكيانات غير العراقية وغير العربية في الحوزة، وانتهاء بالفرق بين المعمم والآخوندي، ولهجة التخاطب والتدريس في الحوزة. وينبغي القبول بها جميعاً والتعامل معها كما هي؛ لا كما ينبغي أن تكون من وجهة نظر الدعاة كنخبة واعية مثقفة تغييرية؛ كما سبق أن ذكرنا. علما إن ما يعيه الدعاة في هذه المنظومة هو الأقل تعقيداً فيها؛ كالجانب العلمي والفتوائي والتبليغي؛ لأنه الجزء الطافي من جبل الجليد.

4- إن منظومة المرجعية الدينية بطبيعتها هي منظومة تقليدية في بناها وأساليب عملها وحركتها، أما المحاولات الاصلاحية في الحوزة فلم تلامس ثوابت هذه المنظومة يوماً، ولن تستطيع ملامتسها؛ بل تلامس التفاصيل والمتغيرات. وما حركات المراجع المصلحين المعاصرين في الحوزة؛ وأهمها حركة السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد محمد صادق الصدر؛ إلا موجات وتيارات تأتي وتؤسِّس، ثم يبقى منها ما يتوافق مع ثوابت المنظومة المرجعية التقليدية. وحتى منظومة ولاية الفقيه المتمثلة بالإمام الخميني ثم السيد علي خامنئي؛ بالرغم من قوتها المعنوية والمادية، وكونها أكبر مرجعية دينية في ايران، ومشاريعها لإصلاح الحوزة القمية؛ ولكن تدخلها اقتصر على التنظيم ومأسسة النظم الفرعية، ولم تتدخل في الثوابت التقليدية لمنظومة المرجعية؛ فبقيت المنظومة تقليدية في ثوابتها، ومنظمة ومؤسَسِية في متغيراتها، بل لم يكن تدخل الولي الفقيه بصفته سلطة الدولة؛ ولكن بصفته المرجعية، وكونه رأس هرم النظام الديني الاجتماعي الشيعي، وهي الصفة التي تجد قبولاً غالباً لدى الحوزة العلمية ومنظومة المرجعية.

5- إن المرجعية تمثل دائما الأبوّة لكل الوجودات الثقافية والسياسية والاجتماعية الشيعية؛ وإن كان بعضها ناقداً للمرجعية أو متمرداً على جزء من ثوابتها ومتغيراتها، أو كانت المرجعية لا تتوافق منهجياً مع هذه الوجودات المتغيرة العارضة، فحزب الدعوة –مثلاً- كوجود تغييري إصلاحي ناقد؛ يمتلك منهجيات قد لا تتطابق مع منهجية المرجعيات التقليدية؛ فإنه ظل يحظى منذ تأسيسه بحماية ودعم المدارس الرئيسة في الحوزة النجفية: مدرسة السيد محسن الحكيم الإصلاحية ومدرسة السيد أبي القاسم الخوئي التقليدية ومدرسة السيد محمد باقر الصدر التغييرية؛ رغم الاختلاف المنهجي بين هذه المدارس من جهة، واختلاف منهجيات حزب الدعوة مع بعضها من جهة أخرى، وكانت هذه المدارس بشخوص مراجعها الثلاثة حاضنة لحزب الدعوة ومدافعة عنه وداعمة له مادياً ومعنوياً. وبالتالي فالمرجعية العليا هي (أم الولَد) التي تستوعب أبناءها وتحتضنهم وتخشى عليهم الضرر؛ وإن أخطؤوا بحقها أو بحق الواقع الشيعي.

 

الدعوة" ليست مدرسة فقهية "

6- إن حزب الدعوة غير معني بترجيح مرجع ديني على آخر في جانب التقليد، ولا ترجيح مبدإ فقهي على آخر ترجيحاً فقهياً؛ لأن “الدعوة” ليست مدرسة فقهية أو مرجعية علمية أو جهة خبروية لكي ترجح ـ مثلاً - مبدأ ولاية الفقيه العامة (المبدأ السائد في الدولة الإيرانية)، على مبدأ ولاية الفقيه الخاصة (السائد في الحوزة النجفية)، أو العكس. قد يكون هذا الترجيح طبيعياً من الفقهاء وعلماء الدين "الدعاة" من الصف الأول (المجتهدون والفضلاء)؛ بصفتهم العلمية الدينية كخبراء، وليس بصفتهم الحزبية؛ ولكن ـ في الوقت نفسه ـ لا مسوغ للمجتهدين الدعاة لفرض آرائهم على الحزب ليتبناها رسمياً. أما اختيار حزب الدعوة غطاءً شرعياً يتفق ومتبنياته الفكرية ومدرسته التغييرية؛ مفهوماً ومصداقا؛ فسيكون ضرورياً لترشيد موقفه الشرعي وإخراجه من حالة الإحراج في الالتزام بجميع الآراء الفقهية ومصاديقها، وللتخلص من التجاذبات الداخلية والنقاش المستمر بين الدعاة. فالدعاة متعارضون في مواقفهم الشرعية حيال ثنائية المرجعية والولاية، ويخرجون أحياناً على الاعتدال والتوازن في القول والتفسير والتطبيق؛ فهناك من يرى ان المرجعية الدينية مؤسسة دينية علمية تبليغية تنتج معرفةً وفقهاً، ولو أنتجت رأياً في الشأن العام فهو رأي إرشادي غير ملزم لغير مقلدي المرجع، وهناك من يعطي المرجعية النجفية العليا (مرجعية السيد السيستاني تحديداً) ما لا تريده ولا تعتقد به؛ فيقول أنها قيادة الأمة، وأن آراءها أحكاما ولائية ملزِمة، وهناك من الدعاة من يؤمن بولاية الفقيه بمصداقها السيد علي خامنئي ويدافع عن هذا الخيار بشدة. ولذلك فإن خلاص “الدعوة” من التبعات السلبية للتجاذبات بين المرجعيات أو الخلافات داخل الحزب حول المرجعيات؛ يكمن في النأي بالنفس عن التدخل في الشأن المرجعي والحوزوي، وعدم ترجيح مرجعية على أخرى؛ باستثناء من أجمعت الحوزة على مرجعيته العليا.

7- هناك رواسب فكرية وواقعية؛ رغم انتهاء مفعولها؛ إلّا أنها لا تزال تشكل شبهات حول حزب الدعوة بخصوص علاقته بالمرجعية؛ كفكرة “تصدي شورى المؤمنين لمشروع إقامة الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة وقيادتها”، وفكرة “الساحة لمن يتصدى لها” أو “الساحة لمن يتقدم”، ونبرة “قالت القيادة وقالت المرجعية”، والمنهج النقدي للدعاة حيال النظم العرفية للمرجعية والحوزة وتقاليدهما. ولعل حسم “الدعوة” موقفها من هذه الأفكار والشبهات سيجعل العلاقة النفسية والواقعية بين حزب الدعوة ومنظومة المرجعية أكثر نجاحاً وإنتاجاً.

8- إن حظوة حزب الدعوة لدى المرجعية العليا النجفية ولدى ولاية الفقيه في ايران في مرحلة ما بعد سقوط نظام البعث العام 2003 وحتى الآن؛ هي حظوة متميزة ومتفردة عن جميع الجماعات الإسلامية الشيعية العراقية الأخرى؛ كالتيار الصدري والمجلس الأعلى ومنظمة بدر وحزب الفضيلة وحركة العصائب وكتائب حزب الله وغيرها؛ فهناك أسباب موضوعية كثيرة جعلت حزب الدعوة هو الأقرب الى السيد السيستاني وبيته من جميع الحركات الشيعية العراقية الأخرى، وظل خياره الأول في الدفع باتجاه إدارة الدولة وقيادة الحكومة، وكذا الحال بالنسبة للسيد الخامنئي؛ الذي يعدّ حزب الدعوة خياره الأول أيضاً في هذا المجال. وحتى خلال ملابسات الترشح لرئاسة الحكومة العراقية عام 2014 وتشكيلها؛ فإن قرار السيد السيستاني كان مع مرشح بديل لنوري المالكي؛ على أن يكون من حزب الدعوة تحديداً، وأن يختاره نوري المالكي نفسه، وهي ثقة كبيرة توليها المرجعية العليا لحزب الدعوة ولشخص أمينه العام، لاتحظى بها الجماعات الأخرى. أما السيد الخامنئي فكان يرى الإبقاء على نوري المالكي رئيساً للوزراء لدورة ثالثة، وفي حال كانت هناك ظروف قاهرة تحول دون ذلك؛ فإن البديل ينبغي أن يكون من حزب الدعوة أيضاً. ورأي المرجعين السيستاني والخامنئي لا يزال هو نفسه منذ العام 2005 وحتى الآن. ولذا يرى الدعاة المقربون من مركز القرار المرجعي في النجف وإيران بأن التخطيط المنهجي لاستثمار هذه الأسباب وتحويلها الى برامج عمل؛ ستنتهي دائما لما فيه المصلحة المشتركة للمرجعية العليا وحزب الدعوة والواقع الشيعي.

(يتبع)...

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

تاريخ الفلسفة اليونانية وخصائصها

jamil hamdaouiهذا الكتاب الذي بين أيديكم عبارة عن دراسة فلسفية استطلاعية ومسحية ذات طابع نظري وتاريخي. ومن ثم، فهي تروم دراسة الفلسفة اليونانية تحقيبا ونشأة وتطورا وتمذهبا ، مع تحديد أعلام هذه الفلسفة ، واستجلاء سياق ظهور هذه الفلسفة ونشأتها، وتبيان طبيعة كتابتها الأسلوبية والمنهجية، ورصد مواضيعها المتنوعة، واستكناه إشكالياتها المختلفة، وتحديد خصائصها.

ولم تكتف هذه الدراسة بآلية التعريف والرصد والتفسير والتحديد، بل قدمت فرشا تاريخيا للفلسفة اليونانية في نشأتها التاريخية، ورصد تطورها عبر العصور التاريخية، بالانتقال من فلسفة ما قبل سقراط، إلى عهد سقراط الذي يضم فلسفة السوفسطائيين من جهة، وفلسفة سقراط من جهة أخرى.

ثم، تناولنا فلسفة أفلاطون في الفصل الثالث، وفلسفة أرسطو في الفصل الرابع. ثم خصصنا الفصل الخامس بالمدارس الفلسفية التي ظهرت بعد وفاة أفلاطون وأرسطو، كالمدرسة الأبيقورية، والمدرسة الرواقية، والمدرسة الكلبية، والمدرسة الميغارية، والمدرسة القورينائية، والمدرسة الشكية، والمدرسة الإسكندرية.

وأخيرا، حددنا مجموعة من المميزات والسمات والمواصفات التي تطبع الفلسفة اليونانية من حيث الموضوع، والشكل، والمنهج.

ثم، أنهينا كتابنا هذا بخاتمة شاملة موجزة ومقتضبة تضم أهم الخلاصات والنتائج التي انتهينا إليها في كتابنا هذا.

هذا، و يتخذ الكتاب طابعا تاريخيا من جهة ، وطابعا تعليميا وبيداغوجيا من جهة ثانية. وبالتالي، يمكن لهذا الكتاب أن يكون مرجعا علميا مفيدا للباحثين في مجال الفلسفة في الجامعات العربية بصفة عامة، والجامعات المغربية بصفة خاصة.

وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، ويعود عليهم بالنفع والفائدة، داعيا لنفسي بالمغفرة والتوبة من أي تقصير، أو ادعاء، أو نسيان، أو خطإ، أو سهو.

 

د. جميل حمداوي

...................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

تاريخ الفلسفة اليونانية وخصائصها / د. جميل حمداوي

 

 

فاتحة مرشيد تصدر روايتها الخامسة تحت عنوان "التوأم"

911-mrasheedعن المركز الثقافي للكتاب، بيروت/الدار البيضاء، 2016، صدر العمل الروائي الخامس للدكتورة فاتحة مرشيد، تحت عنوان "التوأم".

الرواية تحكي قصة مخرج سينمائي يتأرجح بين الواقع والخيال، بين الذاكرة والنسيان، بين السر والعلانية.. بين توأمين وامرأتين.

تنهل فاتحة مرشيد من بحار الشعر وفضاءات المعرفة، من هشاشة الإنسان وقوته القاهرة، من خبايانا وأسرارنا، من جراحنا المشتركة وأزماتنا الوجودية لتقدم لنا رواية فائقة العمق والتأثير.

نقرأ على ظهر الغلاف:

"هناك مكان بداخلي، بعمق أعماق ذاتي لا يستطيع أحد الوصول إليه، مكان مُحصّن، أهرب إليه كلما شنّت الحياة حربها علي ولفتني بالضياع المضاجع.

911-mrasheedمكان آمن كأنه حضن أمي، أو قسط من الفردوس. عماده الجمال والحب غير المشروط لذاتي.

مكان محفور بين النُّدب الدفينة، أحس فيه بالأمان وبالحرية.

أعيد فيه ترتيب مسودة حياتي، أنقحها، أشطب على فصول منها وأضيف أخرى وفق مزاجي...

هذا المكان ارتطمت به في غمرة انزلاقي نحو الجنون كما يرتطم من يهوي من أعلى سقف عمارة بسيارة على الرصيف تنقذ حياته.

كان آخر باب يفتح لي قبل باب الجحيم.  ومن ذاك الحين وأنا أحفظ مفتاحه بين الرموش لأن أمكنة كهاته لا تقبل أكثر من ذات."

إنها رواية البحث عن هذا المكان/ الملاذ الذي يوجد في أعماق كل منا.

البحث عن توأمنا، على اعتبار أن "لكل توأمه وحظه من الحنين" كما جاء في ديوانها "ما لم يقل بيننا" الحائز على جائزة المغرب للشعر.

تقع رواية "التوأم" في 176 صفحة من القطع المتوسط، وهي الرواية الخامسة للأديبة الطبيبة فاتحة مرشيد بعد أعمالها السردية الناجحة: "لحظات لا غير"2007، "مخالب المتعة"2009، "الملهمات" 2011 و"الحق في الرحيل" 2013.

 

 

مالكوم إكس والثورة الجزائرية

moamar habarكتاب "مالكوم إكس، سيرة ذاتية"، للأستاذ اليكس هالي، ترجمة ليلى أبو زيد، بيسان للنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 2000، من 362 صفحة، يتحدث فيه عن حياته الشخصية، ورحلته، وعلاقته بساسة الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض قادة العرب وإفريقيا، وتأثره الشديد بما رآه ولمسه في الدول العربية، ويعطي صورة قاتمة صادقة عن مستوى العنصرية التي بلغتها الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف الستينات فقط،  ومما جاء في الكتاب..

تحدث في الفصل الثامن عشر، ابتداء من صفحة 263، عن رحلته في منتصف الستينات لبعض الدول العربية منها الجزائر، وبعض الدول الإفريقية، وفرحته الشديدة جدا بلقاءه بالمجتمع الإفريقي وقادته  حتى أنه قال، إن أفضل هدية تلقيتها من إفريقيا هي لقاءه بنكروما.

وتمثلت مهمته وهو يزور إفريقيا وبعض الدول العربية، في عرض الصورة القبيحة والحقيقية التي يعيشها الأمريكي الأسود، من عنصرية واضطهاد وتعرضه لكل ألوان الإهانة والإذلال، ويعطي لذلك أمثلة. ويطلب العون والمدد من الدول الإفريقية لمحاربة التمييز العنصري الذي يعانيه الأسود الأمريكي، ويطالب بشدة التعاون في إطار ما يسميه الأفرو أمريكي.

ويتحدث أيضا عن النفاق الأمريكي، الذي يتظاهر أمام الأفارقة بأنه معهم ويناصرهم، وهو في الحقيقة يستغل خيراتهم الطبيعية أبشع إستغلال.

ويقول للأفارقة، إن الأمريكيين الذين يتوددون إليكم الآن، هم أنفسهم الذين يمارسون أبشع أنواع التمييز ضد إخوانكم السود في الولايات المتحدة الأمريكية.

ويقول لهم، وأنتم تتحدثون عن الميز العنصري في جنوب إفريقيا، تحدثوا عن التمييز العنصري في الولايات المتحدة الأمريكية، وحاربوه بشدة.

والخلاصة أنه يعرض على الأفارقة التمييز العنصري الذي يعيشه الأمريكي على يد الأمريكي، ويطلب منهم مساعدة الأمريكيين السود للتحرر من العبودية والتمييز العنصري، والرفع عن كاهله كل أشكال الذل والهوان.

أريد أن أقول من خلال هذه الإطلالة، أن الأمريكي الذي عانى من العنصرية مدة 400 عام، والأحداث العنصرية التي تطرق إليها صاحب الكتاب تعود لسنة 1964، أي بعد نصف قرن، حين كانوا يترجون الأفارقة لإزالة الميز العنصري، يصبح للولايات المتحدة الأمريكية..

رئيسا أسودا، وكان لها وزيرة خارجية سوداء، ووزير دفاع أسود، ومندوبة لدى الأمم المتحدة الأمريكية سوداء، ومرشحة للرئاسيات بدعم من رئيسها الأسود.

فماذا إذن عن العرب بعد 15 قرنا؟.. هل فيهم أسود يحكم؟. وأسود يقاضي؟. وأسود يؤم الناس؟. وأسود سفير؟. وأسود وزير؟.. وهم أمة طغت عليها والسمرة السواد.

وصف مالكوم إكس الجزائريين حين زار الجزائر، في صفحة 278،  وبتاريخ 19 ماي 1964 .. "كان الجزائريون ثوريين حقا عايشوا الموت عن قرب فلم يعودوا يرهبونه.

وقال في صفحة 284، وهو يفتخر بالثورة الجزائرية.. " الثورة تحطيم نظام وإقامة نظام آخر مكانه كما حدث مع الثورة الجزائرية التي أخرجت الفرنسيين الذين كانوا هناك منذ مائة عام "..

يرى مالكوم إكس في صفحة 288، أن.. اليهود كانوا عاملا من عوامل تهجير السود في الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في الأحياء التي يسكنونها. وكانوا عاملا من عوامل العنصرية المسلطة على السود يومها.

ويواصل قائلا.. "والمهزلة أن هؤلاء اليهود أنفسهم يجدون صعوبة كبرى في جعل البيض يقبلونهم".

 

معمر حبار

 

نحو نظرية تربوية جديدة (البيداغوجيا الإبداعية)

jamil hamdaouiجرب المغرب بصفة خاصة، والعالم العربي بصفة عامة، نظريات تربوية عدة، كنظريات التربية الحديثة، ونظرية الأهداف السلوكية، ونظرية الجودة، ونظرية الشراكة، وبيداغوجيا المجزوءات، ونظرية الكفايات والإدماج... وما زال البحث مستمرا لإيجاد نظريات تعليمية أخرى موجودة في الساحة التربوية الغربية من أجل تجريبها في مدارسنا ومؤسساتنا الوطنية تقليدا واستيرادا واستنباتا، قصد تطبيقها وممارستها رغبة في التحقق من نجاعتها وفعاليتها.

والهدف من هذا البحث الدؤوب عن المستجدات التربوية النظرية والإجرائية هو تجديد الوضع البيداغوجي والديدكتيكي، وإيجاد الحلول الممكنة للمشاكل التي يتخبط فيها تعليمنا من المستوى الابتدائي حتى المستوى الجامعي . والسبب في ذلك أن تعليمنا يخرج أفواجا كثيرة من الطلبة الحاصلين على الشهادات العليا كل سنة. بيد أن هذه الشهادات تبقى دون مردودية عملية أو واقعية ؛ إذ سرعان ما يجد هؤلاء الطلبة أنفسهم، بعد التخرج مباشرة، عاطلين عن العمل، أو يتخرجون بدون كفاءة أو مهارة أو حرفة أو مهنة وظيفية، تساعدهم على تدبير شؤون حياتهم، على الرغم من حاجة المجتمع الماسة إليهم. وهذا ما دفع الكثير من الدول العربية، ومنهم المغرب، إلى استيراد النظريات التربوية الغربية التي وضعت في سياق غربي له خصوصياته المميزة، بتكييف تصوراتها النظرية والتطبيقية مع أوضاعنا المحلية، واستنباتها بشكل تعسفي لا يراعي خصوصياتنا، مع السعي الجاد إلى زرعها في تربة تأبى الاستجابة؛ نظرا لاختلاف بيئة المصدر عن بيئة المستورد الذي يرى في هذه النظرية المستنبتة حلا سحريا لإنقاذ الوضع التعليمي المتدهور تطبيقا للمقولة الرائجة:" يتأثر المغلوب دائما بالغالب".

وندعو في هذه الدراسة المتواضعة إلى تطبيق نظرية تربوية جديدة في العالم العربي، سميناها بالنظرية الإبداعية أو البيداغوجيا الإبداعية (La pédagogie créative).

إذاً، ما البيداغوجيا الإبداعية؟ وما سياقها الظرفي؟ وما فلسفتها وغاياتها وأهدافها؟ وما مرجعياتها النظرية؟ وما أهم مرتكزاتها المنهجية والتطبيقية؟ وكيف يتم تنزيل هذه النظرية ديدكتيكيا تخطيطا وتدبيرا وتقويما؟

هذا ماسوف نرصده في كتابنا هذا الذي عنوناه بـ(نحو نظرية تربوية جديدة: البيداغوجيا الإبداعية)، على أساس أن البيداغوجيا الإبداعية تصور تربوي عربي جديد، يجمع بين الأصالة والمعاصرة على مستوى المرتكزات النظرية والتطبيقية.

وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، وأشكر الله شكرا جزيلا على نعمه الكثيرة، وأحمده على علمه وصحته وفضائله التي لاتعد ولا تحصى. وأستغفره عن أخطاء اجتهادي في هذا الكتاب. وقد صدق الله العظيم: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"

 

د. جميل حمداوي

.....................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

نحو نظرية تربوية جديدة (البيداغوجيا الإبداعية) / د. جميل حمداوي

 

إنهيار التنظيم العالمي لحزب الدعوة (22): حزب الدعوة يخلق محورية عالمية للعراق

ali almomenبعد أن كان العراق تابعا من الناحية السياسية طيلة قرون من عهود الاحتلال المتوالية؛ فإنه استحال محورا عربيا وإسلاميا بفعل مؤسستين سياسيتين ايديولوجيتين عابرتين للحدود؛ هما:

1- الجناح اليميني لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي حول العراق منذ عام 1968 الى محور للحركة القومية اليمينية البعثية في جميع البلدان العربية.

2- حزب الدعوة الإسلامية الذي حول العراق منذ اوائل الستينيات الى محور للحركية الإسلامية الشيعية في كل البلدان التي يتواجد فيها الشيعة بسبب امتداداته التنظيمية والفكرية في هذه البلدان.

والمحورية العراقية التي خلقها حزب الدعوة وحزب البعث؛ تقابلها المحورية المصرية التي خلقتها جماعة الإخوان المسلمين والقيادة الناصرية، والمحورية السورية التي خلقها الجناح اليساري لحزب البعث، ولذا فقد أضاف حزب الدعوة للعراق إضافة نوعية في هذا المجال، ولو كان حزب الدعوة قد تأسس في بلد آخر غير عراق البعث، وزمان آخر غير زمن صدام؛ لكافأته الدولة على عطائه هذا؛ إلّا أن الدولة التي لا تحترم علماءها وعظماءها وتعدمهم، وفي مقدمهم المفكر الإنساني العالمي الكبير السيد محمد باقر الصدر؛ فإنها لا تتردد في تدمير عشرات التنظيمات الفكرية التأسيسية العابرة للحدود من أمثال حزب الدعوة؛ من أجل حماية نفسها من أي خطر محتمل مهما بلغت قيمته الإنسانية.

 

عوامل إنحسار التنظيم العالمي للدعوة

وقد أثرت عوامل ذاتية وخارجية على فقدان حزب الدعوة بريقه العالمي، بدءا من أوائل الثمانينيات، وذلك بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتفاعل الشيعة في كل العالم معها، وتمدد نفوذها الديني والثقافي والسياسي في جميع الأوساط الشيعية الإسلامية الحركية والمتدينة في العالم، ومن بينها تنظيمات حزب الدعوة في معظم البلدان، وقد تزامن ذلك مع التنحي التدريجي لمعظم الفقهاء وعلماء الدين الكبار عن قيادة حزب الدعوة؛ سواء بوفاتهم أو تصديهم للمرجعية الدينية أو تسنمهم مواقع قيادية في مؤسسات غير عراقية، أو اختلافهم مع توجهات حزب الدعوة السياسية والفكرية الجديدة، ومن أبرزهم: السيد مرتضى العسكري والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله والسيد كاظم الحائري والشيخ محمد علي التسخيري والشيخ محمد مهدي الآصفي، وكذلك خروج معظم القيادات غير العراقية من التنظيم؛ كالشهيد محمد هادي السبيتي والشيخ علي الكوراني، ثم بروز العامل الموضوعي المتمثل بانهيار تنظيمات حزب الدعوة في البلدان الأخرى؛ والتي فقد إثرها حزب الدعوة قيادات تاريخية بحرينية ولبنانية؛ كالشيخ صبحي الطفيلي والشيخ محمد يزبك والشيخ حسين الكوراني والشيخ نعيم قاسم والشيخ عيسى قاسم والسيد عبد الله الغريفي والشيخ عبد الامير الجمري وغيرهم، في حين أن وجود القياديين والكوادر غير العراقيين، ولاسيما اللبنانيين وذوي الأصول الإيرانية؛ بالنظر لتنوع خبراتهم الاجتماعية وكفاءاتهم الثقافية؛ كان سببا أساسيا في سطوع حزب الدعوة وانتشاره وقوته.

ومن جانب آخر؛ أسهم البعد الذاتي المتمثل بانحسار الشخصيات العلمائية النجفية في القيادة والكادر المتقدم؛ بدور مهم في انحسار الهم العالمي لحزب الدعوة، وتحوله الى حزب عراقي وطني، مع احتفاظه بقواعده العقادية النظرية الإسلامية الأخرى، ولاسيما بعد سقوط النظام السابق وتسلم الحزب للمفاصل الأساس في الحكومة بعد عام 2003، وهنا تعامل حزب الدعوة تعاملا واقعيا مع من تبقى من أعضائه وأنصاره من غير العراقيين؛ فقد ألغى ارتباطهم به؛ بهدف دفع الضرر عنهم في بلدانهم؛ كي لا يتهموا بالارتباط بحزب حاكم في دولة أجنبية، وكذلك الحيلولة دون ضرب الواقع العراقي الجديد؛ بحجة وجود أجنحة غير عراقية لحزب الدعوة، وكونه حزبا غير وطني.

 

الحاضنة النجفية

جدير بالإشارة إن حزب الدعوة عاد مندفعا إلى النجف بعد عام 1979 خلال تحرك السيد محمد باقر الصدر؛ بعد فترة برود بدأت عقيب وفاة الإمام السيد محسن الحكيم عام 1970. ثم أبعدته الظروف الضاغطة عن النجف بعد إعدام الإمام السيد محمد باقر الصدر عام 1980، واستمر الإبتعاد الجغرافي حتى عام 2003؛ حين عاد الحزب بهدوء وانسيابية الى حاضنته النجفية. ولكن لا تزال هذه العلاقة غير مؤصلة فقهيا وفكريا، كما لم يتمظهر هذا التأصيل سياسيا؛ وإن كانت العلاقة وطيدة وتاريخية منذ عام 2005؛ حين تسلم ممثلو الحزب رئاسة الحكومة العراقية، ولا تزال هذه العلاقة محكمة وقوية، وإن تخللتها ملابسات خلال تشكيل الحكومة العراقية في عام 2014؛ على اثر إبلاغ المرجعية العليا النجفية قيادة حزب الدعوة باختيار رئيس وزراء جديد؛ الأمر الذي أدى الى تنحي نوري المالكي عن استحقاقه الانتخابي لمصلحة محازبه حيدر العبادي.

وظل حزب الدعوة بعد عام 2003 يوازن سياسيا في علاقته بين المرجعية النجفية العليا وولاية الفقيه في إيران؛ وإن كانت توجهاته العامة نحو المرجعية العليا النجفية، وهذا التوازن يعود الى وجود تيارات فكرية متعددة في حزب الدعوة بهذا الشأن؛ فهناك تيار يؤمن بولاية الفقيه ومصداقها الإمام الخامنئي، وهناك تيار يعود بالتقليد والتبعية الى الإمام السيستاني، وهناك تيار لا يزال يؤمن بالفكر السياسي للسيد محمد حسين فضل الله.

 

إلغاء التنظيم العالمي

لقد بدأ تاريخ حزب الدعوة في فجر أحد أيام عام 1956، وانطلق في ضحى أحد أيام عام 1957، وأخذ يسجل أولى مراحله في ظهيرة عام 1958، وحمل اسم “الدعوة” في عام 1959، وكانت هذه السنوات الأربعة مثل مرحلة بزوغ “الدعوة” وشروقها، ومثل عقدا الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي مرحلة السطوع بالنسبة لحزب الدعوة، واستمرت مرحلة سطوع “الدعوة” في لبنان حتى عام 1982؛ وهو العام الذي غرب فيه حزب الدعوة اللبناني، وكذا حزب الدعوة الإيراني في العام نفسه؛ ثم حزب الدعوة الكويتي في عام 1983، وحزب الدعوة البحريني في عام 1984، وفي السعودية وعمان والإمارات في أواسط الثمانينيات، وفي باكستان أواخر الثمانينيات، وفي افغانستان في عام 1988، ثم توالي انهيار باقي تنظيمات “الدعوة”في الأقاليم والمناطق؛  حتى تم إلغاء القيادات الإقليمية ولجان المناطق غير العراقية، ثم إلغاء القيادة العامة (قيادة التنظيم العالمي)، وإفراز قيادة عراقية فقط؛ عرفت بـ ((قيادة الحزب))، ولم يبق من تنظيمات حزب الدعوة سوى التنظيمات العراقية؛ التي تمكنت بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003؛ من إعادة بناء نفسها ولملمة خطوطها داخل العراق، بعد عودة قيادات الحزب وكوادره من المنافي، والظهور كأبرز الأحزاب الحاكمة.

 

فروع الحزب والبلد الأم

لقد انحل التنظيم العالمي لحزب الدعوة وهو في أوج سطوعه وقوته، وبظاهرة لا مثيل لها في أحزاب العالم العابرة للحدود الجغرافية، ولكن اللافت أن انهيار التنظيم العالمي للحزب لم يؤثر تأثيرا مميتا على جسد الحزب في بلده الأم؛ العراق؛ لأن الانهيار لم يكن ناتجا عن صراعات فكرية وسياسية وقومية داخل “الدعوة”؛ وإنما ناتج عن الظروف السياسية التي أحاطت بتنظيمات الحزب داخل البلدان التي كانت تتواجد فيها؛ وأبرز مظهر لهذه الظروف هو العلاقة الإشكالية بأنظمة هذه البلدان.

وبشأن صعود وهبوط تنظيمات حزب الدعوة في البلدان الأخرى؛ لديّ مشروع كتاب أعمل عليه منذ فترة؛ عنوانه “الحركية الشيعية العالمية: إرث حزب الدعوة الإسلامية في لبنان والكويت والبحرين”، وفيه تفاصيل عن انتشار تنظيمات حزب الدعوة في خارج العراق واستقطابها الكثيف والنوعي للنخب الشيعية، وأسرار الانهيار المفاجئ لهذه التنظيمات؛ وهي في ذروة قوتها.

 

خلاصة ثنائية العالمية والمحلية

1- إن حزب الدعوة الإسلامية ليس حزبا عراقيا بالأساس ولا محليا أو إقليميا؛ بل حزب عالمي؛ وإن كان العراق هو جغرافيا التأسيس والانطلاق والقيادة، وتستند “الدعوة” نظريا في عالميتها الى عالمية الإسلام.

2- تأثر حزب الدعوة الإسلامية واقعيا في بناء نظرية العالمية بوجود أحزاب وتيارات قوية في العراق عابرة للحدود؛ كالحزب الشيوعي وجماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير والتيار الناصري وحزب البعث.

3- الذي مكن حزب الدعوة من تطبيق مبدأ العالمية في نظريته هو انتماؤه للاجتماع الديني والثقافي والسياسي النجفي؛ إذ تعد النجف عالميا الأنموذج الأبرز للحاضرة العابرة للحدود في تأسيسها وبنيتها الاجتماعية والدينية وتأثيرها المعنوي والسياسي؛ باعتبارها العاصمة الاجتماعية الدينية للمسلمين الشيعة في العالم.

4- يعد حزب الدعوة التنظيم الأم للحركات والجماعات الإسلامية الشيعية في البلدان العربية.

5- بدأ التنظيم العالمي لحزب الدعوة بالانهيار ابتداءً من عام 1982؛ حين استحال تنظيم لبنان الى حزب جديد حمل اسم حزب الله، ثم انحلال أقاليم ايران عام 1982 والكويت عام 1983 والبحرين عام 1984 وأفغانستان عام 1989، وكل الأقاليم والمناطق والمحليات التابعة.

6- تمثلت أبرز أسباب انهيار التنظيم العالمي لحزب الدعوة في قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتمكن قيادة الإمام الخميني من اجنذاب معظم الإسلاميين الشيعة الحركيين، وقمع الأنظمة الحاكمة، والتجاذبات الفكرية والتنظيمية داخل الحزب.

تحول حزب الدعوة الإسلامية خلال عقد التسعينيات وما بعده الى حزب عراقي، واستبدل اسم قيادته من القيادة العامة الى قيادة الحزب؛ بعد إلغاء القيادة العامة والقيادات الإقليمية، وتكرست عراقية “الدعوة” بعد عام 2003، واستحال حزبا إسلاميا وطنيا كما حدد النظام الداخلي لعام 2008 هويته السياسية.

7- كانت طريقة انهيار هيكلية القيادة العامة للحزب وتنظيماته غير العراقية وحجمها؛ يندر نظيرهما عراقيا وعربيا وإقليميا وعالميا.

(يتبع)...

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

تجربتا حزب الدعوة في البحرين وإيران: الشروق والغروب (21): حزب الدعوة في البحرين

ali almomenحظي تنظيم حزب الدعوة في البحرين بأهمية كبيرة؛ بالنظر للطبيعة الديموغرافية والتوزيع المذهبي؛ إذ يبلغ عدد الشيعة حسب تقديرات عقد الخمسينيات من القرن الماضي نحو 80 بالمئة من عدد السكان، ويغلب عليهم التدين؛ فضلا عن معاناتهم الشديدة من الحرمان والتمييز الطائفي، ولذلك كان الدخول الى الساحة البحرينية سهلا جدا ومرحبا به عند النخبة الشيعية البحرينية، وقد وصله عبر علماء الدين البحرينيين الذين كانوا يدرسون في النجف الأشرف، أو البحرينيين من خريجي جامعة بغداد، وكان الرجل الذي حمل معه أمر تأسيس فرع للدعوة في البحرين هو عالم الدين البحريني الشيخ سليمان المدني القادم من النجف الأشرف؛ بعد أن أقام فيها حتى عام 1967، ودرس في حوزتها وتخرج من كلية الفقه، وهو أول بحريني ينتمي الى الدعوة، والتحق به فيما بعد الشيخ عبد الأمير الجمري والشيخ عيسى قاسم والسيد عبد الله الغريفي والشيخ العريبي وآخرون، وهم دعاة الجيل الأول في البحرين.

 

تجربة النخبة البحرينية

وبالرغم من أن دخول الدعوة الى البحرين كان في حدود العام 1965؛ إلّا أن لجنتها القيادية تأسست في العام 1968 على يد الشيخ سلمان المدني، وسرعان ما استقطب الحزب عدداً كبيراً من النخبة الشيعية المثقفة، وبلغت ثقة الحزب بنفسه كبيرة الى مستوى دفعته لدخول الانتخابات البرلمانية عام 1972، وفوز عدد من أعضائه وتشكيل كتلة برلمانية تحت اسم « الكتلة الدينية» برئاسة القيادي الداعية الشيخ عيسى قاسم، كما حصل نائب آخر من أعضاء حزب الدعوة هو عبد الله المدني على منصب أمين سر المجلس الوطني البحريني، كما أسس الأخير مجلة باسم «المواقف» الأسبوعية؛ كانت تعبر عن آراء الدعوة وكتلتها في البرلمان، وهي الوسيلة الإعلامية الوحيدة في العالم التي ذكرت خبر إعدام الشيخ عارف البصري وإخوانه الأربعة في العام 1974، وانتهى الأمر برئيس تحريرها الداعية عبد الله المدني الى الاغتيال طعناً بالسكاكين في العام 1976. وكان الدعاة يمتلكون عدداً من المؤسسات الدينية والخيرية؛ أهمها جمعية «التوعية الإسلامية» التي ترأسها الشيخ عيسى قاسم؛ لتكون إحدى أهم واجهات حزب الدعوة. وعلى الرغم من كل هذه النشاطات فقد ظل اسم الحزب سرياً وتنظيمه بالغ السرية، وينشط من خلال الواجهات فقط.

 

أحرار البحرين

وفي لندن كان التنظيم المعارض الأهم للنظام البحريني هي حركة «أحرار البحرين»؛ التي كانت إحدى الواجهات السياسية لحزب الدعوة، وترأسها منذ نشوئها العام 1981 الداعية الدكتور سعيد الشهابي عضو قيادة الدعوة في بريطانيا، والذي أسس فيما بعد مجلة «العالم» في لندن، وضمت الحركة جميع الدعاة البحرينيين المقيمين في بريطانيا وأوروبا، ومعظمهم من الطلبة الجامعيين والخريجين. ولكن حل حزب الدعوة نفسه في البحرين العام 1984 على اثر الاعتقالات في صفوفه والتهديد بإعدام أعضائه. وكان الفقهاء البحرينيون الثلاثة الأبرز: الشيخ عبد الأمير الجمري والشيخ عيسى قاسم والسيد عبد الله الغريفي؛ قياديين في حزب الدعوة؛ حتى حله العام 1984. بيد أن مسؤولية التنظيم الرئيسة تحملها الشيخ عيسى قاسم بعد تنحي الشيخ سليمان المدني عن القيادة وتفرغه للعمل رئيساُ للمحكمة الجعفرية العليا. وقد حقق تنظيم الدعوة في البحرين إنجازات سريعة خلال ثمانية عشر عاماً من عمره؛ فقد كان معظم أعضاء البرلمان من الاسلاميين الشيعة في السبعينيات، ثم بعض الوزراء؛ أعضاء في حزب الدعوة. وحتى بعد حل الحزب؛ بقيت تركة حزب الدعوة غنية وكبيرة؛ فكان معظم قادة وأعضاء المجلس العلمائي الشيعي، ثم كثير من مؤسسي حركة «الوفاق» وقادتها وكوادرها؛ أعضاء سابقين في حزب الدعوة؛ فضلاً عن عدد كبير من نواب حركة «الوفاق الوطني» وبعض الحركات والجمعيات الأخرى في داخل البحرين وخارجه.

 

حزب الدعوة والكفاح المسلح في إيران

وعلى مستوى إيران؛ كان الداعية الشاب الشيخ مهدي علي أكبر العطار يسهم في دعم تنظيم «حزب ملل إسلامي» بشراء السلاح من بادية النجف في أوائل ستينيات القرن الماضي؛ وهو الحزب الذي أسسه الداعية الإيراني المهاجر من النجف السيد محمد كاظم الموسوي البجنوردي العام 1960، وكان يحمل أفكار حزب الدعوة ومنهجيته، وهو الذي فجر الكفاح المسلح ضد نظام الشاه، بعد انهيار حركة السيد نواب صفوي. وكان جهاز المخابرات الإيراني (السافاك) يعد «حزب ملل اسلامي» الفرع الإيراني لحزب الدعوة، وهو ما قرأته أيضاً في منشور صادر عن حزب «توده» الشيوعي الايراني العام 1962، فكان الشيخ مهدي العطار يذهب بالسيد كاظم البجنوردي الى بادية النجف لشراء السلاح من عشائر المنطقة، ثم ينقل السيد كاظم السلاح الى ايران. وفضلا عن «حزب ملل إسلامي» المستقل عن قيادة «الدعوة»؛ فقد كان لحزب الدعوة تنظيم آخر في إيران يرتبط بقيادته في العراق مباشرة، وكان رابطه مع القيادة السيد حسن شبر، وقد تأسس في أوائل ستينيات القرن الماضي أيضاً، ومن قيادييه السيد محمد حسين الطهراني أحد علماء الدين في طهران وإمام جامع القائم، وقد اسهم الحزب في «انتفاضة 15 خرداد» في ايران العام 1963 (ضد الشاه) وغيرها من الأحداث؛ وصولاً الى أحداث الثورة الإسلامية.

 

 

خصم «الدعوة» اللدود

وتوسع تنظيم «الدعوة» في ايران مع موجات الهجرة والتهجير من العراق الى ايران بدءاً من العام 1969؛ تزامناً مع الإجراءات القاسية التي اتخذها نظام البعث ضد الحركة الإسلامية في العراق. ولكن القيادة العامة لحزب الدعوة أصدرت أمراً في العام 1982بحل التنظيمات الإيرانية للحزب ؛ لإيصال رسالة إيجابية الى الجمهورية الإسلامية؛ وهي الفترة التي كانت فيها علاقة حزب الدعوة متوترة مع بعض أجهزة الجمهورية الإسلامية، ولاسيما قسم «حركات التحرر» في قوات الحرس الثوري؛ وهو القسم الذي كان يترأسه مهدي هاشمي، الخصم اللدود لخط السيد محمد باقر الصدر وحزب الدعوة، وقد أعدم العام 1983 بتهمة ممارسة القتل قبل الثورة وبعدها، والتخابر مع دولة اجنبية ( ليبيا).

 

عالمية " الدعوة" نتاج عالمية النجف

عندما بدأت تنظيمات «الدعوة» تنتشر في البلدان الأخرى في أواسط الستينات؛ دخل في الحزب أعضاء لم تكن تربطهم بالنجف أو العراق غير رابطة الولاء الديني للمرجعية النجفية، ولكن تحول ولاء هؤلاء الدعاة الى النجف من ولاء ديني محض الى ولاء سياسي وفكري أيضاً؛ إذ أصبحت المرجعية الفكرية والدينية للسيد محمد باقر الصدر هي بوصلتهم، فضلا عن بوصلتهم التنظيمية والسياسية المتمثلة بقيادة حزب الدعوة الموزعة بين النجف وبغداد.

والحقيقة أن تنوع الانتماءات الاجتماعية الأصلية للدعاة لم يؤثر في خلق اتجاهات وميول متباينة في إطار «الدعوة»؛ لأن البيئة النجفية التي أوجدت حزب الدعوة الإسلامية؛ هي بالأساس بيئة صاهرة  للأعراق والانتماءات الاجتماعية؛ إذ ظلت البيئة النجفية طوال مئات السنين قادرة على صهر جميع الوافدين في بوتقتها؛ سواء كانوا من العراقيين الحضر من المدن الأخرى، أو العراقيين أبناء الريف، أو بدو نجد والأردن والشام، أو الإيرانيين الفرس والأذربيجانيين، أو أبناء شبه القارة الهندية، أو الهزارة والطاجيك في أفغانستان؛ فضلاً عن العرب من البلدان الأخرى، وفي مقدمهم اللبنانيين والخليجيين؛ فتراهم بعد فترة يتحولون الى أبناء للبيئة النجفية بكل تفاصيلها، وهذه الخاصية التي تتميز بها النجف ربما تكون فريدة من نوعها عالمياً من زاوية علم الاجتماع، وهي القدرة على صهر الآخرين؛ أي أن النجف هي بالأساس مدينة عالمية وليست عراقية محضة في بعدها الإجتماعي، فضلاً عن الديني. وحين نتحدث عن النجف فلا نقصد بها المدينة والإدارة المحلية والشوارع والأزقة والمباني؛ بل نقصد النجف الحاضرة العلمية الدينية والعاصمة المعنوية الشيعية، وهي مواصفات استثنائية ليست مصطنعة؛ بل تمثل تراكماً تاريخياً طبيعياً بدأ قبل نحو ألف سنة، ولا تشبه أية مدينة في العالم. وهكذا حين نقول بأن حزب الدعوة بدأ نجفياً وبقي هكذا في مرحلة انطلاقه وانتشاره؛ فإننا نقصد طبع الحزب بطابع الحاضرة النجفية في اجتماعها الديني والسياسي والثقافي وفي أنساقها الانثروبولوجية؛ وهو طابع عقائدي وعابر للحدود الجغرافية:

 

عوامل تحول عالمية حزب الدعوة من تنظير الى واقع

وقد ظهرت هذه الحقيقة في حزب الدعوة بشكل واضح؛ فلم تكن عالمية حزب الدعوة نتاجا لنظرية مؤسسيه وحسب؛ بل انعكاسا لعالمية البيئة النجفية التي تأسس ونشأ فيه حزب الدعوة، ولو تأسس حزب الدعوة في مدينة أخرى لما تحققت هذه القاعدة النظرية والعملية في بنائه. وفضلاً عن هذه العوامل الموضوعية؛ فإن هناك ثلاثة عوامل ذاتية ترشحت عن عالمية البيئة النجفية؛ كان لها التأثير الأساس في نقل عالمية حزب الدعوة من النظرية القائمة على أساس عقائدي متمثلا بعالمية الإسلام الى التطبيق الواقعي:

1- وجود علماء الدين في صدر قائمة مؤسسي حزب الدعوة وقيادييها وكوادرها، والمعروف أن عالم الدين يكون البعد الاسلامي العالمي في شخصيته قوياً جداً، وينعكس على حركته بشكل طبيعي، فضلاً عن أن معظم هؤلاء العلماء الدعاة تنقّل بين بلدان متعددة، وكان وكيلاً للمرجعيات الدينية.

2- صعود قياديين وكوادر غير عراقيين لقيادة حزب الدعوة ومفاصله التنظيمية الأساس، ولاسيما اللبنانيون وذوو الأصول الإيرانية؛ بل كان تأثير البيئات اللبنانية والإيرانية والكويتية يوازي ـ في بعض المراحل ـ تأثير البيئة العراقية في توجيه مسارات حزب الدعوة.

3- التأثر بعالمية التنظيمين الإسلاميين السنيين الكبيرين: جماعة الأخوان وحزب التحرير، والتنظيمات الشيوعية العالمية والتنظيمات القومية العربية، وهو تأثر اجتماعي بديهي؛ لأن الأخوان والتحريريين والشيوعيين والقوميين كانوا يعيشون في ضمن مجتمع واحد مع المتدينين.

(يتبع)...

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

حزب الدعوة في لبنان: تجربة فريدة (20): ثنائية الوطنية والعالمية في نظرية حزب الدعوة

ali almomenأكدت أدبيات حزب الدعوة الإسلامية على أن المرحلة الرابعة من مراحل حركة “الدعوة” هي حاكمية الإسلام، أي تأسيس الدولة الإسلامية في أحد الأقاليم، ومنها يقوم الحزب بالانطلاق الى بناء الدولة الإسلامية الكبرى التي تضم الجغرافيا الإسلامية دون حدود. ومن هنا تنطلق نظرية حزب الدعوة في عالميتها؛ باعتبارها نظرية إسلامية؛ وكون الإسلام دينا عالميا ودعوته عالمية، فكانت هذه الركيزة هي الثانية بعد ركيزة العقائدية، أو هي من أهم مظاهرها.

 

نظرية عالمية

كما أن انتماء مؤسسي “الدعوة” وأعضائها الأوائل الى عدة بلدان إسلامية؛ يؤكد طبيعة تحرك حزب الدعوة ومساحته الجغرافية والاثنية؛ إذ أنهم لم يكونوا يطرحون “الدعوة” كحركةً عراقيةً أو عربية؛ وإن كان العراق يمثل محور هذه الحركة وركيزتها؛ بل يطرحونها حركةً إسلاميةً عالميةً؛ انسجاماً مع نظرية عالمية “الدعوة”، وشأنها شأن الحركات الاسلامية الكبرى، أو الحركات الايديولوجية العربية والعالمية. وقد عمل حزب الدعوة؛ ربما دون تخطيط منه؛ على تكريس العراق قاعدة ومحورا للتحرك التنظيمي الإسلامي الشيعي؛ في مقابل الحركة السلفية التي ترتكز الى مرجعية العربية السعودية، وجماعة الأخوان المسلمين التي ترتكز الى محورية مصر. وبذلك شكّل هذا البعد العالمي للدعوة إضافة نوعية للعراق؛ الذي أصبح مركزاً للأطراف التنظيمية الشيعية في المنطقة. وقد امتد حزب الدعوة الى خارج العراق؛ منذ أوائل الستينيات، وأصبحت له فروع قوية في معظم البلدان التي يتواجد فيها الشيعة، وهي ظاهرة جديدة بالكامل لم يعرفها التاريخ الشيعي من قبل.

 

تحول «الدعوة» الى مدرسة حركية عالمية

وأصبحت الشخصيات التي أسست حزب الدعوة أو انتمت اليه في مرحلة من المراحل بمرور الزمن؛ النخبة الإسلامية الشيعية العربية التي تقود الواقع الإسلامي الشيعي في البلدان العربية؛ على الرغم من أن كثيراً من هذه الشخصيات قد ترك العمل التنظيمي والحزبي؛ ولكنه يبقى في النتيجة خريج مدرسة “الدعوة”؛ والتي أصبحت في ما بعد تمثل التيار المنظم في مدرسة السيد محمد باقر الصدر. فعلى سبيل المثال؛ إذا أخذنا المرجعيات الدينية؛ فسنجد أن أربعة من مراجع الدين المشهورين كانوا أعضاء في حزب الدعوة الإسلامية؛ هم: السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد محمد صادق الصدر من مراجع النجف، السيد محمد حسين فضل الله من مراجع لبنان والسيد كاظم الحائري من مراجع قم. كما أن عشرات الفقهاء والمجتهدين وأساتذة البحث الخارج في الحوزات العلمية؛ كانوا أيضاً أعضاء في “الدعوة” .

 

الدعاة تعاقبوا على قيادة العراق

ثم إذا أخذنا العراق ولبنان والبحرين كنماذج جغرافية؛ سنجد أن معظم قادة الحركات الإسلامية وكوادرها وناشطيها الإسلاميين كانوا من الدعاة، ففي العراق نرى أن معظم القادة السياسيين الإسلاميين الشيعة بعد سقوط نظام صدام عام 2003؛ كانوا أعضاء في حزب الدعوة؛ فالإسلاميون الأربعة الذين تعاقبوا على رئاسة مجلس الحكم؛ ثلاثة منهم كانوا في مرحلة ما أعضاء في “الدعوة”: الدكتور ابراهيم الجعفري والسيد محمد بحر العلوم وعز الدين سليم، وكذا الشخصية السياسية الإسلامية الأبرز بعد السقوط؛ أي السيد محمد باقر الحكيم؛ كان من مؤسسي “الدعوة” وأعضائه المهمين. ثم تعاقب على حكم العراق منذ عام 2005 وحتى الآن (2016 ) ثلاثة من الدعاة: ابراهيم الجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي، وهكذا عشرات الوزراء ومئات النواب وكبار المسؤولين.

 

حركة موسى الصدر

وعلى مستوى لبنان؛ فقبل مبادرة السيد موسى الصدر الى تأسيس حركة المحرومين في عام 1974 وجناحها المقاوم حركة “أمل” في عام 1975؛ كان حزب الدعوة هو العنوان الإسلامي الشيعي السياسي الوحيد في لبنان، وبقي على قوته ونموه المطرد حتى في ظل حركة السيد موسى الصدر ومؤسساته التي اكتسحت الساحة الشيعية اللبنانية، وكان السيد موسى الصدر لا يرى في حزب الدعوة منافسا لحركته؛ بل مكملاً فكرياً وداعماً عقائدياً لها؛ لاسيما أن كثيرا من الكوادر العقائدية في حركة “أمل” كانوا أعضاء في حزب الدعوة، كما كان بعض مسؤولي “المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى” هم كوادر وقياديون في حزب الدعوة، ولاسيما نائب رئيس المجلس الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وكان ذلك يعضد الخط المؤمن العقائدي في حركة أمل والمجلس الشيعي، وهو ما كان يطمح اليه السيد موسى الصدر؛ على اعتبار أن الحزب والحركة يستوعبان جميع أبناء الطائفة الشيعية على مختلف اتجاهاتهم ومشاربهم وأفكارهم وسلوكياتهم.

 

المجلس الشيعي الأعلى في لبنان

وقد كان السيد موسى الصدر في أجواء التحضير لتأسيس حزب الدعوة منذ اليوم الأول، وقد طلب منه ابن عمه السيد محمد باقر الصدر في عام 1957 أن ينضم الى جهود تأسيس الحزب؛ إلا أنه فضل وهو في طريق استقراره في لبنان أن يمارس عملا تنمويا عاما مفتوحا ينسجم مع ظروف الحرمان الشديد الذي تعاني منه الطائفة الشيعية في لبنان بسبب التمييز الطائفي والفقر الاقتصادي والإقطاع السياسي، ولذلك لم يكن يرى في حركة ابن عمه السيد محمد باقر الصدر وصديقيه الشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله سوى مكمل لحركته وداعم لها، ولذلك كان يعلم بتفاصيل عمل حزب الدعوة في لبنان، وبوجود الدعاة في داخل حركة “المحرومين” وحركة “أمل” و”المجلس الإسلامي الشيعي”. صحيح أن بعض قياديي حزب الدعوة وفي مقدمتهم السيد محمد حسين فضل الله اعتذروا للسيد موسى الصدر بعدم الانضمام للمجلس الشيعي الأعلى الذي أسسه السيد موسى الصدر؛ إلّا ان ذلك لم يؤثر في طبيعة العلاقة والتنسيق بين الطرفين.

وقد كان تنظيم حزب الدعوة في لبنان ثاني أهم تنظيم دعوي بعد العراق؛ فقد كان الدعاة اللبنانيون؛ بحكم تميزهم العددي والنوعي هم الأكثر تأثيراً في عمل الحزب بعد الدعاة العراقيين؛ بل تجاوز تأثيرهم الدعاة العراقيين في الفترة من عام 1971 الى عام 1979؛ حين أصبح القيادي اللبناني محمد هادي السبيتي هو الرجل الأول في قيادة الحزب.

 

تأسيس “حزب الله” في لبنان

وحين قررت أجهزة الجمهورية الإسلامية الإيرانية احتضان الإسلاميين اللبنانيين الذي كانوا يتوافدون عليها منذ العام 1979 بهدف المبايعة والتنسيق وطلب الدعم؛ وكان كثير منهم من الدعاة؛ فإن هذا التنسيق انتهى في العام 1981 الى قرار تأسيس حزب إسلامي جماهيري علني مقاوم يؤمن بولاية الفقيه ومصداقها فكراً وعملاً؛ أطلق عليه اسم “حزب الله”؛ فكان تنظيم حزب الدعوة هو العمود الفقري لهذا الحزب الناشئ عام 1982، حتى ان معظم مؤسسي “حزب الله” كانوا قياديين في إقليم حزب الدعوة اللبناني، كما كان جميع الأمناء العامين الذين تعاقبوا على قيادة الحزب: الشيخ صبحي الطفيلي، السيد عباس الموسوي والسيد حسن نصر الله؛ من أعضاء حزب الدعوة الإسلامية القدامى؛ فضلاً عن رئيس شورى “حزب الله” الشيخ محمد يزبك ونائب الامين العام الشيخ نعيم قاسم والقائد العسكري لـ “حزب الله” عماد مغنية ورئيس المجلس السياسي السيد ابراهيم امين السيد ورئيس كتلة “حزب الله” في البرلمان محمد رعد، ومعظم وزراء حزب الله الذين دخلوا الوزارات المتعاقبة، وكثير من أعضاء المجلس السياسي وأعضاء البرلمان، وكثير من القادة الأمنيين والعسكريين،  بل كان الشيخ صبحي الطفيلي أول أمين لـ “حزب الله”؛ عضوا في القيادة العامة لحزب الدعوة ومشرفا على الخطوط العراقية لحزب الدعوة في سوريا، والمسؤول المباشر للأمين العام الحالي نوري المالكي بعد هجرته الى سوريا في نهايات عام 1979.

 

الثنائية الشيعية الحاكمة في لبنان

وبعيدا عن “حزب الله”؛ فإن كثيرا من قيادات حركة “أمل” (قبل تشكيل حزب الله) كانوا أعضاء في حزب الدعوة. أما الشخصيتان الدينيتان والفكريتان الأبرز بعد السيد موسى الصدر؛ فكانا - قبل اعتزالهما التنظيم مطلع ثمانينات القرن الماضي- من قيادات حزب الدعوة؛ وهما: رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين والمرجع الديني السيد محمد حسين فضل الله؛ بالرغم من أنهما متعارضان في مجمل المواقف داخل الساحة اللبنانية. وانتهت علاقتهما بالقطيعة الكاملة منذ أواخر الثمانينيات؛ وتحديداً في عام 1988 عند اندلاع الحرب الأهلية الثانية بين حزب الله وحركة أمل، بل حتى الشخصيات المعارضة التي برزت ضد ما يعرف بـ (الثنائية الشيعية) التي حكمت الواقع الشيعي اللبناني، ويقصد بها ثنائية حركة “امل” و”حزب الله” الحاكمة؛ فقد كانوا أعضاء في “الدعوة”؛ كالشيخ صبحي الطفيلي والسيد علي الأمين وغيرهما.

 

الجناح العسكري لحزب الدعوة اللبناني

وكان حزب الدعوة في لبنان قد أسس جناحا عسكريا تحت اسم “قوات الصف المجاهدة” في نهاية سبعينيات القرن الماضي؛ لحماية شيعة لبنان، وكان من أبرز قادته عماد مغنية؛ الذي كان ينشط مع حركة “فتح” الفلسطينية في الوقت نفسه، وطلب ممثلون عن قيادة حزب الدعوة في لبنان وجناحه العسكري من القيادة العامة لحزب الدعوة في عام 1980 تمويل هذه القوات وتسليحها؛ ولكن القيادة لم تكن تمتلك لا المال ولا السلاح لكي تعطيها لتنظيمها في لبنان؛ سوى خمسة آلاف دولار؛ قالت القيادة إنها تستطيع تقديمها له؛ فكانت تلك من المسوغات الواقعية لتوجه قيادة حزب الدعوة اللبناني الى الإيرانيين لطلب دعمهم ومساعدتهم؛ وصولاً الى حل الحزب في لبنان؛ وتأسيس “حزب الله” بديلاً عنه.

 

أجيال الدعاة اللبنانيين

وأبرز الجيل الأول من الدعاة اللبنانيين: السيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين ومحمد هادي السبيتي والشيخ مفيد الفقيه والشيخ حسن ملك والشيخ عبد المنعم المهنا والسيد علي الامين ومهدي السبيتي وحسن شري والشيخ علي الكوراني والشيخ صبحي الطفيلي وغيرهم، وهم جيل الدعاة الرواد الذين انتموا الى الحزب في الفترة من عام 1958 وحتى عام 1965، وهذا يعني أن حزب الدعوة دخل لبنان في وقت مبكر؛ ربما لا يتجاوز السنة الأولى من عمر الحزب. أما الجيل الثاني فأبرز دعاته: السيد عباس الموسوي والشيخ نعيم قاسم ومحمد رعد وعماد مغنية ومحمود الخنسا والشيخ حسن عبد الساتر والشيخ حسين الكوراني والشيخ محمد يزبك ومحمد فنيش ومحمود قماطي وهاني قاسم وحسن حدرج والشيخ راغب حرب والسيد ابراهيم امين السيد وغيرهم، وهو الجيل الذي انتمى الى الدعوة في نهايات عقد الستينيات والى منتصف عقد السبعينيات من القرن الماضي. ويضم الجيل الثالث مئات الدعاة اللبنانيين؛ لعل الأبرز منهم: الشيخ محمد كوثراني والدكتور علي فياض والسيد حسن نصر الله وغيرهم، وهو الجيل الذي التحق بالدعوة بعد العام 1975.

(يتبع)...

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

كتاب: رسائل إلى الله .. استطلاع عفوي جسور ومؤشرات نفسية خطيرة

husan sarmakيحمل كتاب "رسائل إلى الله" للكاتب "وجيه عبّاس" (263 صفحة) (بلا دار نشر وبلا تاريخ نشر) أهمية خطيرة آنية ومستقبلية. ننتهي من الأهمية المستقبلية أولا بالقول أننا جميعا – حتى من لا يدرك هذه الحقيقة منّا – نكتب للتاريخ الذي سوف يحتفي بما نكتبه بعد زمن على طريقته التي يراها مناسبة لما كتبناه – مُكبرا أو لاعِنا، مبتهجا أو آسيا .. إلى آخره – واحتفاء التاريخ تعبير مجازي فمن يحتفي هم الناس ولا قيمة لأي شيء من تاريخ وعلم وفلسفة وفن وسياسة واقتصاد من دون الإنسان؛ هذا الإنسان – وهنا نأتي إلى الأهمية الآنية الخطيرة لهذا الكتاب – الذي حاول وجيه عبّاس "استطلاع" جوانب من ردود أفعاله المختزنة على محنته التاريخية عبر عمله الجسور هذا. فآنيّا، يرسم وجيه عبّاس صورة سوداوية مُنذرة يبدو أن لا أحد من المعنيين بالتسبّب في هذه المحنة التاريخية الخانقة وإدارتها  قد اطلع عليها ليلتقط درسها الأهم في مجاله وهو أن الاحتقانات النفسية والاجتماعية والدينية – وحتى اللغوية المعبّرة عن هذه الاحتقانات – في داخل المواطن العراقي قد بلغت الزبى وأنها تُنذر بطوفان من الانفجارات العاصفة التي ستأتي على الأخضر واليابس ولن تبقي ولن تذَر. وقد يكون في هذه الإحتقانات جانبا من تفسير سمة "الفرهود" وسمة "العنف" التي ميّزت مراحل كثيرة من تاريخ هذه الأرض (هناك عشرات من قصائد رثاء الفرهود الدموي للمدن السومرية والبابلية !) . فحين "ينكص – Regressed  " المواطن بالمعنى النفسي التحليلي ويرتد إلى مراحل مبكرة من الاستعانة بالقوى الماورائية لمواجهة إحباطات وتعدّيات واقعه، فإن من معاني ذلك انه علامة مُنذرة على قرب تحوّل هذا المواطن إلى سلوك عنفي – ثأري – عشوائي – عنفي – ساحق قد تشتغل فيه أدواته "الحيوانية" المختزنة في لاوعيه، وهي الأدوات الأولى التي يرتد إليها حين تتوقف سلطة العقل الرادعة القامعة – المكروهة لاشعوريا – فالحضارة إبنة القمع والتضحية بالحرية الفردية ذات المضمون "الطفلي" من أجل طرف مقابل اسمه "الآخر" وتحت التهديد بشخصية اجتماعية قامعة اسمها "القانون" . واستطلاع وجيه عباس هذا يعلن ذلك بوضوح – على لسان اصحاب الرسائل العفويين البسطاء الذين لا يحسنون التمنطق والاستثقاف فيفلتون مشاعرهم عارية صادمة .. وهؤلاء – وهنا مكمن من مكامن الخطورة – هم "مادة" التشكيل الجمعي الناكص الذي يُسمّى "الحشد – Crowd" المخيف الذي – مثلا - أهار سجن الباستيل المرعب بأظافره في الثورة الفرنسية. ومن الطريف والخطير الإشارة إلى أن الثورة الفرنسية بدأت بمقدمة سلوكية نفسية اجتماعية لم يلتفت إليها الملك ولا مستشاره وتمثلت في قيام أهالي باريس وبحماس غريب بحملة هائلة لقتل الفئران والجرذان. وكان هذا التصرف "استطلاعا" سلوكيا حركيا له دلالاته النفسية التحليلية (هل هناك مسؤول عربي لديه مستشار نفسي؟.. طبعا لا، لأن المسؤول العربي منزّل من السماء ويفتهم في كل شيء في حين أنه مرعوب من الداخل ويخشى السلطة الأبوية للطبيب النفسي!).

وكتاب "رسائل إلى الله" هو استطلاع نفسي أدبي إذا جاز الوصف لعيّنة من الشعب العراقي (390 رسالة إلكترونية تقريبا) تطوّع أفرادها (أو طلب منهم وجيه) لنقل رسائلهم الإلكترونية الموجّهة إلى الله سبحانه بعد أن ضاقت بهم السُبُل وصار من اليسير عليهم – وهذه مفارقة سياسية واجتماعية كبرى – أن يخاطبوا الله الرؤوف الرحيم بعد أن عجزوا عن توصيل صوتهم إلى الساسة المُحصّنين (فأمراء الحروب آلهة جديدة لم تتعرف عليك (على الله)، وعلينا نحن اللانسمّى أن نكون بطاقات التعريف بينكما – ص 10). وبروحه التحرّشية شبه المجنونة – وفق الفهم النفسي العلمي والإبداعي الخلّاق للجنون و "اللاطبيعية – Abnormality" المعروفة يلخّص وجيه جوهر مشروعه :

(إلهي . هذه اصوات عبيدك العراقيين يضجّون إليك بالدعاء والشكوى تبرعتُ أن اوصل اصواتهم إليك. اخترنا أن يكون علي بن أبي طالب حامل بريدنا إليك لأنه رسول أمين وقريب من محمّدك الغريب بين يدي المطاوعة فلا أحد يستطيع الدنوّ منه إلّا بعد أن يأكل (طن كَتِل) . لهذا اخترنا أبا الأيتام ليوصل الرسائل مختومة إليك – ص 10).

والرسائل هذه ليست مختومة، بل مفضوحة ومعلنة بأقصى الاصوات الجارحة المجروحة؛ أصوات تحمل حرقة أرواح موجوعة مألومة مختنقة، الختم الذي تحمله هو ختم اليأس القاتل الجاثم على القلوب المتعبة. واليأس خصوصا حين يكون عاما شاملا ينفض فيه الإنسان يديه من كل شيء هو المقدّمة المنذرة بالإنفجار الشامل الصاخب العاصف:

 مصطفى أومن: الغوث الغوث ...

مرتضى الكعبي: ليش هيج؟... مو تعبنه

سارا احمد: صبرت هواي علينا يارب ... كلش هواي

ابو هاشم: الهي امشي عليك العباس ارحم العراقيين

هذا اليأس يصل اقسى مستوياته وأقصاها حين يرتد العدوان على الذات فيتمنى المرء الموت أو الإنتحار :

 يعقوب الخزاعي: الشعب العراقي يريد الموت وﻻ العيش مع هكذا سياسيين دمّروا البلد.. لولا ان الانتحار حرام لانتحر جميع الشعب....

واليأس يرافقه عادة "دوار عقلي" يعبّر عن انشلال القدرات الإدراكية الموصلة للتأويل الدقيق وتفسير الأحداث بعيدا عن عبودية المُقدّر . يظهر هذا الدوار والإنشلال في "الصيغة التساؤلية" التي طغت على أغلب الرسائل، فالمواطن العراقي وصل إلى حدّ لا يستطيع معه تفسير "مصيره" وما بلحق به من فجائع ومحن يومية متصلة ومتواصلة منذ فجر التاريخ :

منتظر علي مجيد: سؤالي :الم يكتفي البرزخ من اموات العراق؟؟

الم تكتفي الجنة من شهداء العراق؟؟الى متى واين وكيف ولماذا؟؟؟؟؟؟؟؟؟

Haidar Basim :رسالة إلى الله مالك الملك وحاكم الكون الرحمن الرحيم . والجبار العظيم .. ألم تكتفي سمائك من وجعنا؟ ألم ترتوي أرضك من دمائنا؟ ألم يحن الوقت ليعود الوضع آمن ويخضع الناس لحكم القانون؟ أما أكتفيت من دماء علي والحسين وأولاد الحسين وأصحاب الحسين؟ أما أكتفيت من جثث الحروب التي كتبتها على هذا الشعب؟ أما أكتفيت بالمقابر الجماعية؟ بالاعدامات؟ بحرب ايران؟ باحتلال الكويت؟ بأحتلالنا؟ أما كفاك تعذيباً لنا؟ إما أن تهدها فوق رؤوسنا أو تفرجها سريعاً فأنت صاحب الفرج العالي بلا درج .....

ولا صلة للجهة التي يخاطبها أصحاب الرسائل بمصائبهم من الناحية الموضوعية التاريخية والاجتماعية .. إنها جهة محايدة إذا دق الوصف. وما يقوم به هؤلاء الأفراد هو  نوع من العدوان المُزاح أو المنقول – Displaced Aggression"  حيث يوجّه الفرد شحنات نقمته الحارقة نحو الأب الأكبر المتعالي بعد أن أعمى الدوار العقلي المؤسس على اليأس بصيرته الناقدة فلم تعد ترى الطغاة الفعليين من الآباء الأرضيين الصغار. لعل في هذا جانبا من تحليل نفسي لمعاني الآية الكريمة التي يدعونا فيها الله إلى أن نذكره كذكرنا لآبائنا : "اذكروني كذكركم آبائكم" :

Kassam Hassan :يا الله أهلنه الطيبين العراقيين الفقرة الهم عتب وياك،،، ليش نسيتنه وتاركنه بيد الحرامية والمجرمين.

Ödâý Albably : اتمنى اتغيّر مقولة" كيفما تكونوا يولى عليكم"، لاننا سنبقى هذا الشعب سليل ذاك الشعب الذي بافعالنا توالت علينا الظلمة لظلمنا انفسنا، فارجوا تغييرها..

ووجه عملة هذا العدوان الآخر هو العدوان المرتد على الذات كما قلنا والمعبّر عنه بهذه الروح المازوخية السوداء التي تبخس الذات وتمزق الإعتبار الذاتي وتسحق القدرات والإرادة وتمعن في الإدانة الذاتية والجمعية حدّ الإهانة المضمرة والمعلنة :

Ammar Painter :طبنه مرض احنا مو خوش اوادم جان ماء صار بينه هيجي

ابو عادل الكيتب :رسالتي يا رب انت تعلم.... لماذا ﻻ نتعلم..!

 الكاتبة مروة البغدادي :أنا حسنة الظن به، مايحدث وسيحدث مقرر في كتابه لكن لي سؤال يثيرفضولي :هل نحن نستحق ذلك أم نحن أستحققناه بما تعج به قلوبنا؟

Haider A Abass :شوكت تتغير انفسنا لان احنا مكادرين نغيرها..فقط نريد نتغير نريد من نمشي بالشارع منذب الكلينس لو كطف الجكارة من جامة السيارة نريد نصير اوادم بدون قوانين بس غيّرنا ...ترة مبينا خير نغير نفسنا.

Caesar Ali: اللهم شتسوي بينة,نستاهل

Hassan AL Musawi :اللهم طيح حظنه خلصنه واخلص لاأحنه عباد ونرتجي الجنه من انموت ولا أحنه من الكافرين ..خلصنه ياربي واخلص

Dhiaa Jaber :اللهم ان اهل العراق لايستحقون العيش على هذه المعمورة لان فيهم المنافق وفيهم من يرضى بالذل وفيهم الساكت عن الحق وفيهم من يقتل باسم الدين وبأسمك وفيهم من ينشر الفاحشة وفيهم الساسي الناهب لاموال الشعب وفيهم من ينظر بعين واحدة ليأخذ الحق له ويغض الطرف عن حقوق الاخرين اللهم واسألك ان تعفو عن الاطفال لانهم ابرياء لم تتلوث ايديهم بوباء ابائهم ... اللهم امين

إن هذا الدوار الذي يعاني منه العراقيون هو في الحقيقة "دوار تاريخي" يمتد منذ فجر خليقة هذه الا{ض حتى هذه اللحظة، وكل القرائن والمممكنات تشير إلى أنه سوف يستمر لدهور مقبلة . إنّ مشاعر كتّاب الرسائل الطافحة – والعاطفة طاغية على العقل في المخاطبات كلّها – تعكس عجزا حقيقيا عن تفسير سرّ لعنات هذه الأرض الذي يشبه "القدر" المُلغز العصي على الفهم والتأويل. لم يبق أمام الجميع، وفي ظل هذا "الدوار التاريخي" سوى التسليم بالميتافيزيقا .. هناك لعنة مُقدّرة على هذه الأرض التي تُسمّى العراق .. وعلى هذا المواطن الذي يُسمّى "العراقي" وخلاصة هذا الفهم "شعار" مكتنز وشائك يقول :

"العراقي حيوان مُذنب"

مثلما صاغ أرسطو شعارته الشهيرة "الإسنان حيوان اجتماعي" و"الإنسان حيوان سياسي" .. يلتقط وجيه عباس هذا المفتاح الذي تستغلق الأمور في ظله فيقول في مقدّمته :

(حين أوجدتني في العراق يا سيدي علمتُ أنك لم تطرحني في الأرض اعتباطاً؛ العراق وطن لتكفير الذنوب . وهل هناك ذنب أكبر من أن أكون عراقيا يحيط بي هذا العالم وأنا مشدوه عنه بذنوبي الحقيرات؟ - ص 8) .

سلام الجمل: الهي الى متى ندفع ثمن الخطيئة التي اقترفها جدنا الاكبر " قابيل "؟؟ للعلم فقط، هو ليس جدنا وحدنا وحسب، وانما جد كل البشر، لماذا ندفع نحن الثمن منذ ان دخل " قورش " ارض بابل والى اليوم؟ارجوكَ اجبني ! ان كنتَ تسمعُ وترى، و انتَ تسمعُ وترى ! كما قلت لـ عبديكَ هارونَ و موسى ..!

سلمان الدراجي: من لايرحم لايرحم احنا اللة سبحانة وتعالة لا ينضر لنا لكثرت ذنوبنا نرى الباطل ونحن ساكتين

وفاء العبيدي: الهي وربي وسيدي عشت سنين عمري لم ارى في بلادي غير لون الدم اﻻحمر واخاف ان اموت وما زال هذا اللون يغطي ارضي

الهي اصلح حال بلادي باصلاح اهله وارني سماءه وارضه ومائه بالوانها الحقيقية.

 

بلاد اللونين : الأحمر والاسود هذه حملت أغرب اسطورة خليقة في الكون فيها يُخلق الإنسان العراقي من طين ودم في النسخة البابلية، وفي النسخة السومرية يحصل تطرّف أشد فيُخلق الغنسان العراقي من دم فقط في حين يُخلق الإنسان في كل اساطير الخليقة في الكون من طين وماء . ومِن أين أخذ الدم الذي مزجته الإلهة "مامي" بالطين؟ أُخذ من جسد إله متمرّد مزّقوا شرايينه !! ولمزيد من التفصيل راجع كتابنا الأخير "ليلة تسليم جلجامش لليهود" الصادر مؤخرا عن (دار ضفاف - الشارقة/عمان) - 2016).

ومن نتائج هذا الدوار هو "البحث" الدائم المدوّخ عن مخرج من هذه المحنة العصيبة . هذا ما يطبع أغلب الرسائل، فالكل "يبحث" و "يفتش" عن منفذ للخلاص ولكن في صيغة تساؤلية تعبّر عن اهتزاز اليقين والشكّية الممزقة . هذا يبحث عن تفسير .. وهذا عن وطن بديل .. وهذه عن قائد .. وهؤلاء عن "منقذ" .. والكل يفتش عن "الفرج" .. وكلهم – أو أغلبهم – غير متأكدين من أن هذا الاختيار هو الحل الناجع . إنّهم يشكّون في خياراتهم نفسها ويُحاصَرون بأحاسيس مؤرقة من المخادعة الذاتية . ولو راحعت تاريخ العراق الطويل لوجدت أن من سمات الواقع العراقي هو أن مواطنه "يبحث" و"يفتش" عن "شىء" ضائع منذ فجر التاريخ . ولهذا كانت هذه الأرض أول من قدّم فلسفة "المنقذ" إلى البشرية :

علي الخشاتي: الهي..... هل يوجد حل للعراق ام نبحث عن بلد آخر

مصطفى الحسيني: نحمدك ونشكرك يا رب على كل ما ابتليتنا وعجل لوليك الفرج وسهل له المخرج يااااااا الله......

Abeer Almussawi :ربي اسألك الامان للعراق ربي اسألك رئيس عادل للعراق

فاضل الماجدي: ربي ارزقنا بدكتاتورعادل

 

ولكن وسط كل هذا الدوار يتفق المُرسِلون على الشكوى والنقمة على جهتين محدذدتين هما : السياسيون ومزوّرو الدين :

Mashtaq Al Khdree :رسالتي.... هي دعاء اليك يا رحمن يارحيم....

خلصنا من حثالة البشر وهم السياسيين الارهابيين بعبوه ناسفه بسكته قلبيه باي شي انت المحيي المميت والاسباب كثيره لديك .

Tariq Nizar: رباه رفقاً بعُبَيدِك العراقي .. الذي تاه بأرضِك... وحاربه عبدكَ العربي قبل الاجنبي .. وسرق نفطاته قطيع من السياسيين الانتهازيين .. قطيع احلَ لنقسهِ الخدمة الجهاديه وشرعنها إنصافاً لنفسه عند جهاده في بارات الغرب الكافر وحفلات المجون الصاخبه .. وحَرَمَ على الشعب المهتلف ... قانون تقاعدهِ ...وميزانيته البائسه ... رباه لك المشتكى ....

قيس الاسدي: اللهي خلصنا من كل سياسي غير شريف ولا يحب وطنه فهؤلاء من جلب البلاء علينا فارحمنا منهم

Mohanad Naji :سبحانك ربي انجنا من القوم السياسين انهم انتهكوا حرماتك واحلوا الحرام وحرموا الحلال اللهم اخسف بهم الارض الاهي انهم فرقوا شملنا ..سبحانك ربي اجب دعوتي وخرجنا من هذا المحنه .

Abdullah Laith Alkhfajee : اللهم خلصنا من مدعين الدين وصل على الحبيب محمد وآله اﻻطهار

فايق أموري ألشيخ :انت اعرف بمن ظلمنا وسرقنا ومن كان يلبس ثوب الدين والوطنية وهما منهم براء اطلب منك يالله ان نراهم وهم مخزيين مفظوحين يتبرا منهم ذويهم ويصبحون عبره للاولين والاخرين.

Mohamed Al-Qasier : الهي ....خلصنا من العمائم الزائفة و اللحى العفنه و الاحزاب الاسلاموية النفعية اصحاب المفخخات و الخلافات و ابدلنا اسلاميين عارفين و صادقين و معتدلين ....اللهم عرف الجميع ان تربية العقول اولى من تربية اللحى

ويبقى مسار البحث الأخطر والذي عنده سوف يشيب الولدان هو حين يتأخر الجواب الإلهي وهو أمر معتاد ومتوقع لأن الله سبحانه لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، وهي ثقافة تتطلب التضحيات المؤسسة على الدقة في التشخيص والإمساك بعروق المحن لاقتلاعها من جذورها، وهذا ما لا يمكن توفيره في ظل حالة الدوار التاريخي والآني . وعندها ستكون ردة الفعل عاطفية عنفية عاصفة خصوصا عندما تراهن جهات على مطاولة مثل هذا التأخير، فتفاقم اليأس، فالانفجار .. فالحريق .. فالفرهود من جديد والذي سيخفي آثار الجريمة ووثائقها:

علي باسم : اختتم رسالتي بكلماتي .. إلهي خصم الحجي .. نرجو تدخلك الشخصي في العراق لأن ميحلها غيرك لو يحضر الحمزة ..

 

خاتمة شعرية

قد يكون من التعسف القول إن الشعر خسر شاعرا مهما مثل وجيه عباس، وأن الأخير خسر الشعر – ولو وقتيا – مقتنعا بأولوية النزول إلى ساحة المواجهة المباشرة بعيدا عن مجازات اللغة وألعابها الساحرة. لكن الشعر سيبقى يلاحقه ويشدّه مذكرا إياه بمضمار مجده التاريخي. ويمكنك سيّدي القارىء أن تقارن بين رسائل الاستطلاع و"الاستطلاع" الشعري التالي لتعرف الفارق الشاسع بين الآني والتاريخي. كان جلجامش يكرّر ويلهح باستمرار :

-أريد أن أجعل لي اسماً .. أريد أن أجعل لي اسماً ..

ضاع كل ما بناه من الحجر واللازورد وبقيت الكلمة .. الملحمة .. الشعر ..

من قصيدة عصماء لوجيه عنوانها "في حضرة النبي" أختم بهذه الابيات :

 إيهٍ أبا الزهراءِ حسبُ مواجعي

إنّي أتيتُ إلى ثراك مشرّدا

وأنا العراقُ ودون قبرك وحشةٌ

تلد المنافي الليل حزنا سرمدا

يا أول الغرباء حسبك أننا

غرباء دينك لو يُقال تهوّدا

سبعون طائفة تفرّق بينها

دمك الغريب فأيّ ساريها حدا

وطني قتيلٌ بين ألف محمدٍ

ومحمدٌ وطني القتيل تشرّدا

وطنٌ من الموتى، وألف عمامةٍ

تفتي بموتك لو أتيتك مولدا

يفتون أن يد الطغاة كريمة

إذ تُفتدى، ويد الجياع هي الفدا

مدّوا رقاب الساجدين معابرا

لخليفة الرحمن حتى يقعدا 

................ 

هل كان دينك ركعة وسجودها

ولحىً ومسبحة تُدار ومرقدا؟

أم كان دينك في الكتاب مذاهبا

شتّى وأربابا وربّاً أوحدا؟

 

حسين سرمك حسن

 

مفكرو حزب الدعوة الإسلامية من الروّاد إلى المعاصرين (19)

ali almomenإن إعادة بناء نظرية حزب الدعوة الإسلامية وفكره وهيكله التنظيمي؛ ليست عملية ارتجالية، أو إجرائية مرهونة بالانفعالات السياسية اليومية؛ بل هي عمليات معقدة بحاجة الى دراسات معمقة وحوارات موضوعية هادئة؛ يقوم بها أصحاب الاختصاصات؛ المنظرون والمفكرون والباحثون؛ وبينهم فقهاء وسياسيون؛ بعيداً عن التجاذبات السياسية والمصالح الشخصية والمزايدات والجدل والتصريحات الإعلامية.

وهذا الموضوع يقود الى استفهام مهم حول الفئة التي تناط بها هذه العملية المعقدة، التي تكمن صعوبتها في أن إعادة البناء النظري والتطبيقي لا تبدأ من الصفر، ولا تقوم على أرض منبسطة؛ بل على بناء قائم عميق وقوي ومتجذر في العقول الظاهرة والباطنة للدعاة، ولذلك تكون مواصفات هذه الفئة خاصة وصعبة أيضاً، ولعلها لا تكون من فئة المنظرين والمفكرين التقليديين في “الدعوة”؛ الذين اعتاد الدعاة على قراءة كتبهم ودراسة أفكارهم والاستماع الى محاضراتهم، في حين أن توصيف المفكر الحزبي والمنظر الدعوي في مرحلة السلطة والتطبيق السياسي وميدان العمل تختلف عن توصيفه في مرحلتي البناء والمعارضة، ولذلك ليس هناك تعريف متجدد وعصري محدد للمفكر أو المنظر الحزبي الإسلامي؛ لكي يكون معياراً دقيقاً يمكن تطبيقه؛ بل هناك معايير نسبية، وتطبيقها نسبي أيضاً، وتخضع لزواية نظر كل باحث أو مؤسسة بحثية. 

 

المنظرون الإبداعيون

وربما ينطبق على المفكر والمنظر الذي يحتاجه حزب الدعوة؛ معيار من يمتلك نظرية إبداعية في مجال معين، ولكن لا يشترط به أن يدون نظريته أو إبداعه الفكري في كتاب أو دراسة، بل هناك من المنظرين والمفكرين الشفاهيين الذي يعتمدون الكلمة والمشافهة والتدريس والميدان في التعبير عن نظرياتهم، وهؤلاء كانوا ولا يزالون موجودين في حزب الدعوة. ولكن على مستوى المفكرين المدونين؛ فأعتقد أن مرحلة أجيال الرواد من مفكري “الدعوة” ومنظريها البارزين محلياً وإقليمياً ودولياً؛ لم يعد لها وجود غالباً؛ ولاسيما أن مرحلة العمل السري (مرحلة البناء التي استمرت من 1957 وحتى 1980) والسنوات العشر التي أعقبتها؛ أفرزت الكثير من المفكرين والمنظرين الذين يندر مثيلهم الآن، ويندر وجودهم في أي حزب اسلامي في العالم، إذا ما استثنينا جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وأبرز هؤلاء: السيد الشهيد محمد باقر الصدر والسيد مرتضى العسكري والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين والشيخ محمد علي التسخيري والشيخ محمد مهدي الآصفي والسيد كاظم الحائري والشيخ عبد الهادي الفضلي والشيخ أحمد الوائلي والشيخ عارف البصري وعبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي والدكتور داود العطار والسيد هاشم الموسوي وغيرهم. ويمكن القول إن السيد هاشم الموسوي هو الآن آخر الأحياء ممن لا يزال في حزب الدعوة من ذلك الجيل، أما الأحياء الآخرون؛ كالحائري والتسخيري؛ فلم يعودوا في تنظيمات “الدعوة”؛ بل تغيرت اتجاهاتهم العملية غالبا.ً

 

كوكبة المفكرين

ومن أبرز الفقهاء والمفكرين الذين يستند أعضاء حزب الدعوة الى أفكارهم وكتاباتهم في موضوعات الفكر العام، ويدرسونها ويشرحونها في حلقاتهم: السيد محمد باقر الصدر، السيد محمد حسين فضل اللَه، السيد مرتضى العسكري، الشيخ عبد الهادي الفضلي، الشيخ محمد مهدي الآصفي، السيد كاظم الحائري، الشيخ محمد علي التسخيري وآخرون. كما ظل الدعاة منفتحين على الفكر السياسي والحركي للمفكرين الإسلاميين السنة؛ سواء المستقلين أو المنتظمين في الجماعات الإسلامية، ولاسيما جماعة الأخوان المسلمين. ثم انفتحوا على النتاج الفكري الإسلامي الإيراني بعد العام 1979؛ ولاسيما فكر الإمام الخميني والشيخ مرتضى المطهري، أما في الفكر الداخلي الخاص بالدعاة؛ فإن أهم من كتب فيه: السيد محمد باقر الصدر ومحمد هادي السبيتي وعبد الصاحب دخيل والشيخ محمد مهدي الآصفي والسيد هاشم الموسوي وآخرون.

 

محطات قاسية

وحزب الدعوة؛ كغيره من الأحزاب الفكرية التأسيسية هو حزب نخبوي في فكره وأعضائه، وجماهيري في تأثيراته وامتداداته الثقافية والسياسية، ومن الطبيعي أن يكون في صفوفه عدد كبير من المنظرين والمفكرين والكتّاب، إلّا أن أربعة عوامل أساسية اسهمت في ضمور هذا النوع المتعارف من المفكرين والمنظرين في صفوفه بعد العام 1972:

1- مرحلة الانكشاف النسبي للسلطة منذ العام  1971 وما بعدها؛ أكلت نخبة مهمة من مفكري حزب الدعوة وشخصياته التنظيرية؛ ممن أعدمهم نظام البعث أو طمرهم في السجون، وأبرزهم: عبد الصاحب دخيل والشيخ عارف البصري وعدنان سلمان النعماني والشيخ حسين معن ومحمد بداي السالم وهادي شحتور وعبد الأمير المنصوري ومحمد هادي السبيتي وغيرهم.

2- خروج نخبة مهمة من المفكرين والشخصيات التنظيرية من الحزب في مرحلة المهجر؛ وخاصة في عام 1981 وما بعده؛ لأسباب متعددة، وأبرزهم: السيد مرتضى العسكري والشيخ علي الكوراني والشيخ محمد علي التسخيري والسيد كاظم الحائري ومهدي عبد مهدي والشيخ محمد مهدي شمس الدين والشيخ صبحي الطفيلي والشيخ حسين الكوراني والسيد موسى الخوئي وآخرون.

3- وفاة كثير من الشخصيات في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي؛ كالدكتور داود العطار والسيد عبد الأمير علي خان وغيرهما.

4- وفاة آخرين من شخصيات الدعوة أو خروجهم من الحزب بعد سقوط نظام صدام العام 2003. وأهمهم: عز الدين سليم والشيخ مهدي العطار والدكتور إبراهيم الجعفري وغيرهم.

 

مرحلة الباحثين والكتاب

ويمكن القول؛ إن مرحلة أفول المفكرين والمنظرين في حزب الدعوة الإسلامية التي بدأت بعد منتصف ثمانينيات القرن الماضي؛ أعقبها بروز ظاهرة جديدة أو مرحلة جديدة تنسجم وطبيعة الظرف التاريخي الموضوعي والتجاذبات الذاتية التي عاشتها “الدعوة”، وهي مرحلة الباحثين والكتاب؛ والتي لم يعرفها حزب الدعوة من قبل بالكم والنوع الذي أصبحت عليه في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، ومن أبرز هؤلاء الباحثين الدعاة: الدكتور داود العطار، السيد هاشم الموسوي، عز الدين سليم، الشيخ عبد الزهرة البندر،  السيد حسين الشامي، غالب الشابندر، محمد عبد الجبار الشبوط، السيد عبد السلام زين العابدين، حسن السعيد، ياسين مجيد، السيد محمد الحسيني، عبد الجبار الرفاعي، السيد علي المؤمن، عادل رؤوف، جواد كسار، علي التميمي، صلاح عبد الرزاق، الشيخ فؤاد المقدادي، السيد سليم الحسني، ابراهيم العبادي، شلتاغ عبود، وغيرهم. وإذا ما استثنينا السيد هاشم الموسوي وعز الدين سليم والدكتور عبد الزهره البندر؛ الذين اسهموا في كتابة الفكر الداخلي لحزب الدعوة وفكره الحركي؛ فإن من تبقى من هذه الأسماء عملت في حقول فكرية أخرى لا تدخل في صلب فكر “الدعوة” ونظرياته الخاصة؛ بل عملوا ـ غالباً ـ في إطار الفكر الإسلامي أو الفكر السياسي العام، وكانت لهم نتاجاتهم الكمية والنوعية الملحوظة، وبالتدريج؛ لم يبق من هؤلاء الباحثين أيضاً منتظماً في حزب الدعوة إلّا القليل.

 

معايير واعتراضات

وإذا طبقنا معيار الإبداع النظري والفكري والميداني؛ بصرف النظر عن التدوين؛ فلا يمكن استبعاد أسماء كثيرة؛ كان لها حضورها أيضا؛ أمثال مهدي عبد مهدي والشيخ مهدي العطار والسيد عبد الأمير علي خان ونوري المالكي والدكتور ابراهيم الجعفري وعلي الأديب والسيد حسن النوري والشيخ عبد الحليم الزهيري والدكتور خضير الخزاعي والدكتور طارق نجم وغيرهم.

ولعل الإشارة الى هذه الأسماء ستثير كثيراً من الاعتراضات وعلامات الاستفهام؛ بدافع القرب والبعد النفسي والسياسي للمعترضين؛ ولكنني لم أذكرها إلّا استناداً الى معايير علمية معتمدة في كثير من مراكز الأبحاث والدوريات العالمية،  ولعل من الدوريات المهمة التي تعتمد مثل هذه المعايير: مجلة “فورين بوليسي” الأميركية العلمية المحكمة؛ التي تنشر سنوياً قائمة بأهم مئة مفكر على مستوى العالم، وتذكر أسباب اختياراتها. وهي معايير مقبولة ومعقولة، وأنا أعتقد بصحتها؛ رغم عدم إيماني بخلفيات اختيار كثير من مصاديقها. هذه المعايير على نحوين:

1- الإنتاج الفكري الإبداعي؛ سواء كان مكتوباً أو شفاهياً.

2- الفعل الفكري والميداني الإبداعي؛ سواء كان فنياً (الإخراج السينمائي مثلاً) أو سياسياً أو عسكرياً أو إعلامياً أو صناعياً.

 

معايير "فورين بوليسي"

فمثلاً في قائمتها لعام 2012؛ وضعت دورية “فورين بوليسي” شخصية مثل قائد المعارضة الميانمارية “آنغ سان سوشي” في المرتبة الأولى، كأهم مفكر في العالم لعام 2012، ووضعت مدير الموساد السابق “مائير داغان” في المرتبة الرابعة عشرة، و”رجب طيب أردوغان” في المرتبة 28، وصاحب شركة مايكروسوفت “بيل غيتس” في المرتبة 32، ولكن المفاجأة تأتي عندما نرى أنها وضعت الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني الشهير “يورغن هابرماس” في المرتبة 88، وهابرماس ( مواليد  1929) هو أهم مفكر الماني حي على الإطلاق، بل أحد أهم فلاسفة الاجتماع السياسي على مستوى العالم خلال العقود الأربعة الأخيرة، ويعتبر بمصاف “كارل ماركس” و”مارتن هيدغر”، أما الفيلسوف السياسي السلوفيني العملاق “سلوفاي جيجيك” فقد جاء في المرتبة 92، ولو كانت مجلة “فورين بوليسي” قد اعتمدت المعايير التقليدية المتعارفة في ساحتنا لوضعت “هابرماس” و”جيجيك” في احدى المراتب العشر الأولى قطعاً.

 

مرحلة الحصاد التاريخي

ومن هنا؛ فإن مدرسة “الدعوة” تضم اليوم عدداً غير قليل من النخب دون شك، ولكن؛ في الوقت نفسه؛ يجب الإذعان بأن مرحلة المفكرين والمنظرين التقليديين الرواد قد انتهت، وأن مرحلة الباحثين الذين برزوا في عقدي الثمانينيات والتسعينيات؛ آخذة بالأفول أيضا؛ بسبب خروج معظمهم من التنظيم، وفي المقابل يعيش حزب الدعوة اليوم مرحلة مفكري الفعل السياسي والميداني، وهي مرحلة مصيرية جديدة بدأت بالتبلور بعد دخول الحزب معترك الدولة والحكم عام 2003، ولا تزال تفرز شخصيات مهمة، وهي في الواقع مرحلة إثبات الذات والحرص على استمرار التجربة أكثر من أي مرحلة اخرى، ويمكن تسميتها بـ “مرحلة الحصاد” التاريخي، رغم كل ما يكتنفها من ملابسات وإشكاليات وأخطاء، وهي المرحلة الأهم في تاريخ حزب الدعوة؛ بل وفي تاريخ مدرسة أهل البيت في العراق.

 

تلخيص النظرية والفكر

يمكن تلخيص نظرية حزب الدعوة الإسلامية وفكره وعقائديته وعالميته وتحولاته الفكرية والواقعية في النقاط التالية:

1- إن حزب الدعوة ليس حزباً سياسياً، بل حزب عقائدي ايديولوجي؛ وإن كان يمارس العمل  السياسي؛ إذ إن العمل السياسي ليست وسيلته الوحيدة؛ بل إحدى وسائله، وإن الوصول الى السلطة ليس هدفه النهائي؛ بل أداته لتحقيق أهدافه وغاياته النهائية؛ والمتمثلة بتأسيس الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية؛ وصولاً الى غاية تعبيد طريق دنيا المسلمين باتجاه الآخرة.

2- إن المرحلة الفكرية التغييرية السرية لحزب الدعوة استغرقت في اقليم العراق ما يقرب من 22 عاما، وهو وضع لم تألفه التجارب الحزبية، وكانت هذه المرحلة تنطوي على متغيرات وأفكار تأسيسية وتحركات ووقائع نوعية.

3- إن التضحيات البشرية التي قدمها الحزب في العراق، وقوانين وأساليب تصفيته؛ لا نظير لها في التجارب الحزبية المحلية والعالمية.

4- إن حزب الدعوة هو أول حزب إسلامي شيعي عربي يصل الى السلطة في بلد عربي، ويستحوذ على رئاسة الحكومة فيه سنوات طويلة؛ إذ لم يسبق لأية جماعة شيعية في البلدان العربية أن ترأست الحكومة في أي بلد عربي.

5- إن التحولات الفكرية وبروز جدلية العلاقة بين النظرية والتطبيق التي رافقت مسيرة حزب الدعوة ظلت تحصل بفعل ضغوطات الواقع الخارجي المحيط بالدعوة، وهي ضغوطات عميقة ونوعية تفوق قدرة الدعوة على الصمود والاحتفاظ بنظريتها كما هي في مرحلة التأسيس.

6- إن إعادة بناء حزب الدعوة الإسلامية نظرياً وفكرياً وهيكلياً؛ باتت مطلباً ملحاً ومصيرياً لا يختلف عليه الدعاة المنتظمون وغير المنتظمين؛ بهدف الخروج بصيغة تأصيلية متجددة تحافظ على أهم ثوابت “الدعوة”، وتوائم الواقع العراقي بكل تعقيداته.

(يتبع)...

 

إصدار جديد: علي بن أبي طالب الحاكم الديني للدولة المدنية

saleh altaeiعجزت الحضارات القديمة والحديثة عن بناء الدولة المدنية خارج نمطها التقليدي المعهود، بعد أن عجزت عن احتواء مشروعها الرائع بصيغته النظرية، وإذا ما كانت الحضارات القديمة معذورة لأنها لم تستوفي عناصر البناء، لا أعتقد أن هناك من يقبل العذر من الحضارة المعاصرة، فهي بالرغم مما وفره لها العلم من آليات، تبدو أكثر عجزا عن أمس، وأكثر بعدا عن حقيقة الدولة المدنية، فالإنسان الذي هو رأس مال الدولة المدنية لا زال في حضارتنا المعاصرة مجرد سلعة كمالية مثل جميع السلع الأخرى، لها سعرها وقيمتها ومعدل طلب عليها؛ لا حسب اختلاف البلدان جغرافيا وسياسيا واقتصاديا فقط، وإنما حتى داخل البلد الواحد والمدينة الواحدة!

وبذا يبدو الحديث عن فكرة أو مشروع بناء دولة مدنية في الأيام الأولى لبدء التاريخ الهجري، ثم تتكرر التجربة في أواخر العقد الهجري الثالث، وتحديدا في زمن خلافة علي بن أبي طالب(عليه السلام)، يبدو مجرد سفسطة فارغة لا معنى لها، ولاسيما وأن هذا الدستور سرعان ما انهار، وسرعان ما تحولت علاقة السلم المقترح بين المكونات إلى نزاعات حربية دموية،  انتهت بجلاء اليهود عن جزيرة العرب، وخسران الدولة لأحد مقوماتها.

910-salihبمعنى أن التجربة الأولى، فشلت ولم تنجح في التماهي مع مشروع دولة الإنسان! كما أن عليا (عليه السلام)؛ صاحب التجربة الثانية، لم يحظى بوقت للراحة والتفكير بعد أن شغلوه بالرد على الحروب الكبرى الثلاثة التي كتب عليه خوضها، لتأخذ جل وقته، وتغطي كامل مدة حكمه تقريبا وتعرقل مشروعه بالكامل، فضلا عن أن الدولة المدنية المقترحة لم تر النور، لا في التجربة الأولى، ولا في التجربة الثانية، ولم تترك أثرا بعدها، يستدل بواسطته عليها، ولم يفكر أحد بإعادة تجربة البحث عنها وإحيائها؛ خلال الأربعة عشر قرنا المنصرمة من عمر الإسلام!

هكذا يبدو الموقف من خلال الصورة المتخيلة، وهو موقف يبدو طبيعيا ومتساوقا مع ما حصل بالفعل على أرض الواقع، لكن هل ينكر أحد ما أن ملامح الدولة المدنية تبدو ظاهرة بشكل جلي في بنود دستور المدينة المنورة، الذي اقترحه النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، أي العهد الذي كتبه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مع أهل الكتاب والمشركين وغيرهم ممن كانوا في يثرب حينما دخلها؟

إن ملامح الدولة المدنية تبدو واضحة من خلال فقرات الدستور النبوي؛ الذي أكد على وجود المكونات المختلفة، بما أطلق عليه اسم (أمة) مثل: "وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم" وتبدو أوضح من خلال تأكيد المشروع على الرابطة التي تربط كل مكون(أمة) بالمكونات الأخرى، فالأمة وفق هذا المنطق لا يراد منها الرمز إلى توحد في الانتماء الديني مثلا، بل يراد منها الرمز إلى التوحد في المشروع السياسي، مكانيا وكيانيا، وهذا ما تهدف إليه الدولة المدنية تحديدا. إذ جاء عن أنصار الدولة المدنية المعاصرة قولهم: "فالدولة المدنية تعرف على أنها اتحاد من أفراد يعيشون في مجتمع يخضع لنظام من القوانين مع وجود قضاء يطبق هذه القوانين بإرساء مبادئ العدل، فمن الشروط الأساسية لقيام الدولة المدنية أن لا يخضع أي فرد فيها لانتهاك حقوقه من قبل فرد آخر أو طرف آخر، فثمة دائما سلطة عليا هي سلطة الدولة يلجأ إليها الأفراد عندما تنتهك حقوقهم أو تهدد بالانتهاك"

نعم قد لا يكفي أن يكون هناك نجاح في تطبيق بعض مباني الدولة المدنية لإطلاق اسمها حرفيا على ما حدث في صدر الإسلام، لكن من المستحيل بل من المجحف أن لا يتم الاعتراف بمباني الدولة المدنية حينما نجد عهدا آخر يكتبه علي بن أبي طالب(عليه السلام) إلى واليه مالك الأشتر(رضوان الله عليه) ينضوي على جميع مباني الدولة المدنية المعاصرة حرفيا!

قتل مالك الأشتر قبل أن يصل مصر للعمل بالعهد، وانشغل علي (عليه السلام) في تلك الحروب العبثية التي أثاروها لعرقلة مشروعه الإصلاحي، وقتل صاحب المشروع غيلة، وتحول نظام الحكم إلى ملكية كسروية قيصرية، ليتحول الإسلام بعد مرور (40) عاما فقط إلى دين دولة لا دين أمة، ويتحول نظام الحكم إلى دكتاتورية وراثية عشائرية، لا ديمقراطية وتداول سلمي للسلطة، فضاعت كل تلك المشاريع العظيمة، لكننا لا نعدم وسيلة التمكن من رؤيتها في عقول الرجال العظماء الذي خططوا لها! وهي إن فشلت عمليا في ترسيخ وجودها فإنها أثبتت نظريا أن مشروع دولة الإنسان كان قائما وسائرا نحو التطبيق.

هذا ما أردت التحدث عنه في كتابي الجديد الموسوم "علي بن أبي طالب الحاكم الديني للدولة المدنية" الصادر عن منشورات دار الفكر اللبنانية؛ والذي تناولت فيه

تفكيك الرؤية الإسلامية للعلاقة بين المواطن والدولة والسلطة والمواطنين الآخرين؛ من خلال الثقافة العلوية للدولة المدنية وبمنظور جديد. فالدولة الوطنية الدستورية القائمة على التعددية الحزبية والسياسية وتنوع التيارات الفكرية والثقافية لم تكن غائبة عن المشروع العلوي؛ الذي نجد فيه مفاهيم غاية في الرقي، تتزاحم لكي تحول الإنسان من رقم مهمل إلى كائن سام مملوء بالكرامة والسعادة والسلام، ولكن السياسة العربية التي عرقلت المشروع الإسلامي برمته، هي التي عرقلت نمو هذه الدولة المدنية العلوية، وعرقلت تحولها إلى أنموذج رائع للدولة اليوتيبية التي يحلم بها الإنسان على مر التاريخ.

يقع الكتاب في (132) صفحة حجم النصف، وهو الكتاب الأول من سلسلة كتب تبحث في بعض المشاريع المشتركة بين الدين والعلمانية.

 

صالح الطائي

 

رؤية فقهية في حقيقة الشهادة والعمليات الإنتحارية

nadheer khazrajiالحياة هي الحياة .. مسرح مليء بالمشاهد والحوادث والتجارب والتحديات، تعلق بأغصان الذاكرة بعضها وتذوب في تيزاب النسيان كثيرها، وما علق منها تتساقط أهدابها كلما تقادم الزمن، وبعض الذكريات شهدية المذاق وأخرى أشد من العلقم، ولكل ذكرى دورها الخفي في حياة صاحبها.

بين يدي كتاب "شريعة الشهادة" للفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر حديثا (2016 م) في 47 صفحة من القطع الرقعي عن بيت العلم للنابهين في بيروت، أعادني بالذاكرة الى آذار مارس 1982 م وحينها كنت أمتهن العمل الصحفي، وكنت في مهمة إعلامية أثناء الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988 م) لتغطية عمليات تحرير شوش ودزفول أو ما عُرف عنها من الجانب الإيراني بعمليات (فتح المبين) التي انطلقت بنداء (يا زهراء)، تنقلت حينها مع عدد من أقراني من الشباب بين الجبهات الخلفية والإمامية مسجلا ما تراه العين ليكون مادة إعلامية، وبعد أن انتهت العمليات العسكرية التي استمرت ثمان أيام (9-17/3/1982م)، سمحوا لنا بالتقدم الى الخط الأمامي ومشاهدة الأرض الحرام، وكنت حينها وأنا خلف الساتر الترابي ألحظ على البعد حركة بعض القطع العسكرية العراقية، وزحفت قليلا الى المواقع العسكرية العراقية المهجورة والتقطت بقايا صحف بغدادية كانت تتحدث عن انتصارات عظيمة ومطاردة فلول الفرس المجوس(!) .

ومما سجلته عدسة العين وبقيت مخزونة في ذاكرة الأيام، مشاهد الفرح الكبير الذي غمر الشباب الغض من الحشد الشعبي (البسيج) الذين كانوا يتسابقون على الموت من أجل استعادة مدنهم التي أقحم فيها نظام صدام حسين الجيش العراقي لاحتلالها لتحقيق أجندات خارجية لازال العراق يعاني من ويلاتها حتى يومنا هذا، وحيث كنا نتحرك خلف الساتر الترابي لا نملك سوى عدستنا وقلمنا وبقايا أوراق، كان بعض الشباب يسير على الساتر فرحا نشوانا بكامل بدنه أو بنصفه، ولقد أنستهم فرحة الإنتصار حقيقة الطرف الآخر الذي لازال يمسك بالبندقية رغم أنه فقد أكثر من خمسين ألف جندي بين قتيل وأسير في حرب طخياء لا طائل منها، وبلغة فارسية ضعيفة مفهومة مصاحبة للغة البدن، توجهت الى بعضهم بالنصيحة طالبا منهم النزول من على الساتر لتفادي القنص من بعيد أو تشخيص المنطقة للهاون أو المدفعية، فردّ علي أحدهم والحبور أخذ من جناحيه مأخذا: (برادر مَن، نه ترس، با يك گلوله شربت شهادت را مي نوشم) (لا تخف يا أخي، إنها رصاصة واحدة وبعدها أتناول كأس الشهادة)، لم يُقتل هذا الشاب في تلك اللحظة، ولكن قذيفة هاون جاءتنا وانفجرت بالقرب منا لاحت شظاياها سيارتنا، ثم انطلقنا الى موقع آخر خشية أن يبللنا بقايا كأس لا ينبغي سقوطه فوق الساتر.

كلمات الشاب المتطوع لتحرير أرضه، هي في ذاتها معبرة وذات دلالات عميقة على حب الاستبسال وعدم الخوف من الموت، ولكنها في معيار الشرع وحسابات العرف العسكري مردودة على صاحبها، إذ لا يصح شرعا وعرفا أن يعرض المرء نفسه لخطر الموت وهو يستطيع تفاديه، كما من العبث اطلاق العيارات النارية دون جدوى إن كان في المعركة أو خارجها.

 

مفهوم الشهادة

لا شك أن التبادر هو الحبل السري بين المفردة اللغوية ومفهومها، فالصلاة هي الدعاء من الناحية اللغوية ولكن الذي يتبادر الى الذهن عند سماعها هي هيئة الصلاة اليومية من نية وتكبير وقيام وركوع وسجود وتشهد وسلام، والشهادة مفردة أثيرية والمتبادر منها عند الذهن هو الموت قتلًا في سبيل الله، ولكن كلمة الشهادة من الناحية اللغوية تعني الحضور والشهود، ولم تأت في القرآن صراحة بمعنى القتل، وإنما القتل في سبيل الله هو الشهود بذاته، ولذلك يُقال للمقتول في المعركة الحقّة بأنه شهيد لأنه يشهد بدمه على أحقية ما هو عليه وبطلان ما عليه الطرف الآخر، وشهوده هذا حجة على غيره في تولي أولياء الله والتبري من أعدائهم، وعززت الروايات والأحاديث مفهوم الشهادة عندما سمّت المقتول في سبيل الله شهيدا.

هذه المفردة التي تهفو إليها أفئدة المضحين تناولها الفقيه الكرباسي في التمهيد وفي 75 مسألة فقهية مع 14 تعليقا للفقيه آية الله حسن رضا الغديري، الذي اعتاد أن يقدم لكل (شريعة) جديدة بمقدمة ضافية من سنخ موضوع الشريعة.

 فالشهادة كما يعرفها الفقيه الكرباسي في التمهيد بأنها: (مصدر شَهِد بفتح أوله وكسر ثانيه ومضارعه يشهَدُ مفتوح العين وهو القتل في سبيل الله، وأصل المفردة تعيين الحضور والإخبار عما شهده وحضره، واستُعير القتل في سبيل الله باعتبار قيامه بشهادة الحق في أمر الله جل وعلا، والشهيد إسم مفعول كما في قتيل بمعنى المقتول، والمشهد بفتح الميم اسم مكان استشهاد الشهيد، والمُستشهد بضم الميم هو المقتول في سبيل الله)، ويضيف الكرباسي مؤكدا: (ولم تُستخدم المفردة في مختلف صياغتها في القرآن الكريم بمعنى القتل في سبيل الله ولكنها استخدمت في روايات الرسول (ص) وأهل بيته الأطهار)، فالآية 169 من سورة آل عمران جاء فيها: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)، وفي الآية 4 من سورة محمد (ص): (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ)، وفي الآية 154 من سورة البقرة: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ)، و في الآية 74 من سورة النساء: (وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)، وغيرها من الآيات، نعم هناك آيات أربع كما يضيف الكرباسي في التمهيد لها دلالات على معنى القتل في سبيل الله، وهي: (النساء: 69، النساء: 72، الزمر: 39، والحديد: 19) وهي إشارات غير مباشرة إلى الموت شهيدا، حيث أن المؤمنين بأجمعهم هم شهداء بالمعنى اللغوي، كما في قوله تعالى في الآية 143 من سورة البقرة: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً).

وأما الروايات التي تشخّص الشهادة بالقتل في سبيل الله فهي كثيرة، ومنها قول الرسول الأعظم محمد (ص): (ما من أهل الجنّة أحد يسرّه أن يرجع إلى الدنيا وله عشرة أمثالها، إلا الشهيد فإنه يود أن يردّ الى الدنيا عشر مرات فيستشهد لما يرى من فضل الشهيد).

 

الشهادة وتنوعاتها

يرى الفقيه الكرباسي أن: (الشهادة الشرعية هو الذي يُقتل ضمن حرب قائمة بين المسلمين وأعدائهم، سواء كان في ساحة القتال أو على جنباتها، إذا كان ضمن معادلة الحرب)، وحصر الشرعية بالشهادة بلحاظ مراسيم ما بعد الموت لأنه: (مَن ثبت شهادته فإنه لا يُغسّل ولا يحُنّط ولا يُكفَّن بل يُدفن بثيابه ودمائه)، وبخلاف ذلك: (إذا لم تكن الحرب شرعية أي دون إذن المعصوم (ع) أو المجتهد الجامع للشرائط في حال غيبته، فالمقتول في مثل هذه الحروب لا يُعد شهيدا شرعيا، ولا يمكن أن يسقط عنه الغسل والحنوط والكفن ولا يصح وصفه بالشهيد).

ولكن هل اقتصر مفهوم الشهادة على الموت حصرًا، وهل أجر الشهادة مقتصر على المقتول في سبيل الله، وهل اختصت الشهادة بالذكور دون الإناث وبالبالغين دون القاصرين، وهل اختصت الشهادة بالمسلم فقط؟ هذه الأسئلة وغيرها يجيب عليها الفقيه الكرباسي في طي المسائل الفقهية التي يتناولها، ليخلص إلى أن للشهادة مصاديق أخرى غير الذي يُقتل في ساحة المعركة، ومن أمثلة ذلك، حراس الثغور: (إذا كانت فرقة من المسلمين يحرسون الحدود أو أن فرقة يداوون الجرحى أو يؤمّنون المؤونة للجيش المقاتل فهاجمهم العدو وقتلهم فهم شهداء في نظر الشرع وإن لم يُقتلوا في ساحة المعركة)، وموت الغدر شهادة: (فلو قتل العدو أحد المقاتلين غدرا فالمقتول شهيد)، وموت حرب المدن شهادة: فـ (في الحروب الحالية التي تكون فيها الأمة كلها في خطر لأن العدو يهاجم بالقنابل والصواريخ سواء يكون إطلاقها من منصات أو من الطائرة على المدن والسكان فإن من يُقتل منهم شهيد)، والكل يدخل تحت خيمة الشهادة إذ: (لا يشترط في الشهيد الذكورة والأنوثة، ولا العقل والجنون، ولا البلوغ والتكليف ولا شيء آخر)، من هنا فإن (المرأة وضع عنها القتال ولكن لو قُتلت في المعركة من خلال قيامها بأمور أخرى كتضميد الجرحى وتصليح السلاح وإيصال المؤن، أو اضطرت الى الدفاع عن النفس أو كانت في حرب دفاعية فقُتلت فإنها شهيدة شرعية)، وأهل الكتاب والذمة شهداء: (إذا كان في دولة إسلامية أهل ذمة من النصارى واليهود والمجوس فقُتلوا من قبل العدو وإن كانوا على عقيدتهم فهم شهداء إذا كانوا مع المسلمين مدافعين عن الوطن أو في حروب الصواريخ والقذائف، فلا يُغسّلون ولا يُحنّطون، ولا يكفّنون)، وإن اختلف معه الفقيه الغديري في تعليقه وفيه: (قد يصعب إطلاق "الشهداء" عليهم، بل هم ينالون ثواب الشهداء أو التخفيف في العذاب، والله العالم)، وقتيل التفجير شهيد: (إذا قُتل المحارب وهو في طريقه إلى القتال ولو بسبب التفجيرات فهو شهيد)، وقتل الحادث شهيد: (مَن قُتل وهو في طريقه الى القتال بسقوط طائرته أو سيارته من شاهق، فالظاهر أنه شهيد أيضا).

وهناك من يتصف بالشهادة وينال أجر الشهيد وفقا لما ورد في عدد من الروايات والأحاديث: (بمعنى أن أجره أجر الشهيد ولكن يُغسّل ويُحنَّط ويُكفَّن)، مثل: (طالب العلم متى ما مات وهو في طلب العلم مات شهيدا)، وكذلك (ورد في حق مَن كان في انتظار الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف)، أو (مَن مات على حب آل محمد (ص))، أو (مات على الطهارة)، أو (مَن جاهد نفسه)، أو (مات في حالة مداراة الناس)، أو (مات بعد الحج أو العمرة في غضون سنة)، أو (مات على وصيةٍ حسنة)، أو (مات بعد إقامة بعض الصلوات المندوبة أو تلاوة بعض السور القرآنية أو قراءة بعض الأدعية)، أو (مات في الكدّ لعياله أو في غَرَق أو تحت جدار أو ما شابه ذلك فإنه في حُكم الشهيد)، أو (من مات بالسم غيلة من قبل العدو) فهو في حكم الشهيد، أو (من جُرح في المعركة ولم يمت ومات بعد ذلك بسبب ذلك الجرح) فهو بحكم الشهيد، أو (المرأة النفساء إذا ماتت في حكم الشهيدة)، أو (من توفي في سبيل الوالدين)، أو (مَن مات عن مرض عضال)، أو (مَن مات في يوم الجمعة وليلتها)،  ومما يحسب في عداد الشهداء من يموت حرقا، ولكن أجر الشهيد مشروط بـ: (أن يكونوا ملتزمين بالعقيدة والأحكام الشرعية فلا يكونون من العاملين بالمحرمات ولا من التاركين للواجبات، ومن الموالين للرسول (ص) وأهل بيته (ع))، وإلا فهو ميت كغيره من الأموات.

 

انتحار لا استشهاد

لا شك أن الإبتعاد عن منهج (الراسخون في العلم) يوقع المرء في أخطاء قاتلة وإن تلبّس بلبوس الإسلام، فالموت حقّ لا مناص منه (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) سورة الرحمن: 27، ولا يمكن للإنسان أن يخرج من مملكة السماء إلا باذن رب السماء (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) سورة مريم: 95، ولكن لا ينبغي له أن يذهب برجله الى الموت من غير عذر شرعي، وفي استحصال العذر الشرعي لابد من الاحتكام الى الراسخين في العلم أو من ينوب عنهم من الفقهاء الصائنين لأنفسهم والحافظين لدينهم والمخالفين لهواهم والمطيعين لأمر مولاهم، وإلا سقط المرء في وحل أنصاف الفقهاء ومن دونهم من المتفيقهة الذين يقدمون صكوك الغفران وجنة ورضوان لمن يقدم على قتل عشرة من المسلمين على غير مذهبه، أو يفجر المفخخات في الأسواق والمحال العامة أو يتمنطق بحزام ناسف بين السكان، بدوافع مذهبية ملؤها الحقد والكراهية، حتى يعجل على نفسه تناول الطعام مع نبي لهم لا يعرف من الدنيا الا الموت والسيف وليس هو الذي قال فيه رب الخلائق: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) سورة الأنبياء: 107.

فالموت المشروع في سبيل الله من أجل الوطن والعرض والمال والدين يتحقق فيه (الشهادة) ولأهل الشهيد أن يفتخروا به وهم مرفعو الرأس، كما (إنَّ تمنّي الشهادة في سبيل الله أمر محبوب شرط أن لا يكون هدفا بل لنيل الجزاء)، كما يؤكد الفقيه الكرباسي، أما الموت تحت عنوان (العمليات الإستشهادية) فليس على شيء وإن تصور البعض أنه فيه غرضا نبيلا، ذلك أن: (العمليات التي تُعرف بالاستشهادية حتى وإن كان الهدف منه نبيلا لا تجوز، وتعد انتحارًا)، لأن (الشهادة ليست هدفًا، فمن ذهب للقتال لأجل الشهادة ففي شهادته إشكال)، و(إذا سئم امرؤٌ من حياته والتحق بالجيش ليموت فهو إنتحار مبطّن)، ثم إن: (الإنتحار محرّم مهما كانت الظروف)، إلا (إذا أقدم استشهاديٌّ على عملية انتحارية فإن كان غافلا عن حرمتها بل تصور جوازها فلربما لا يُعد من المنتحرين، ولا يُعاقب)، نعم (إذا أجاز حاكم الشرع القيام بعملية استشهادية في ظروف معينة وبشروط دقيقة فلا يجوز إشاعتها بل تختص بموردها)، وحتى في حالة الشهادة فهناك مستحقات لا تسقط عنه فـ (الشهيد تُمحى ذنوبه التي بينه وبين الله ولكن لا تسقط من ذمّته حقوق الناس فلابد من أدائها).

إنّ النتيجة المستخلصة من (شريعة الشهادة) تتمحور في الفهم الحقيقي لمعنى الحياة التي ينبغي أن تقود صاحبها الى إعمارها وبنائها، فكل الأديان والشرائع منذ أبينا آدم (ع) إلى خاتم الأنبياء والرسل محمد (ص) نادت بالبناء والعمران، وأن الفوز برضوان الله وجنانه يتأتى من خلال إحياء النفوس وقيادة الناس إلى ما فيه خيرها في دنياها وأخراها، ومن يطلب الشهادة فليطلبها من معينها بعد أن يكون قد بلغ من العمر عتيّا في خير نفسه وصلاح عباده، فالموت عندها هو بداية مرحلة جديدة من الفوز العظيم والنعيم المقيم، مثلما قال أسد الله الغالب علي بن أبي طالب (ع) عندما ضربه الخارجي عبد الرحمن بن ملجم على رأسه بالسيف وهو صائم يصلي في محراب الكوفة ليلة القدر 19 شهر رمضان عام 40 هـ (فزت وربِّ الكعبة).

 

د. نضير الخزرجي