كتب واصدارات وقراءات

شاعر في المهجر .. يهرب من ثلوج نيويورك إلي شمس القاهرة

565-parخرج الشاعر المصري فرانسوا باسيلي من مصر لكن مصر لم تخرج منه، وتصف مقدمة ديوانه الجديد شمس القاهرة، ثلوج نيويورك الذي صدر عن دار سندباد للنشر بالقاهرة مؤخرا ما حدث للشاعر قائلة

حمل القاهرة وهاجر إلي نيويورك لتتفجر كتاباته منها شظايا تفتح الجسد والروح علي عوالم الغربة والرغبة في الشرق والغرب

وبين الديوان الأول للشاعر-  تهليلات إيزيس ( 1998)  - وديوانه الجديد ستة عشر عاما جرت فيها مياه كثيرة تحت جسر جورج واشنطون بنيويورك، مدينة هجرته، حيث يقيم حاليا بجسده، وإن كانت اقامته الروحية منذ دهور، وما تزال، في مدينة مسقط رأسه القاهرة. والديوان جسر يحاول به الشاعر مد تواصل يبدو مستحيلا بين عالمه القديم وعالمه الجديد، فالشعر هو حمامه الزاجل الذي يحمل رسائل عشقه وغضبه وعتابه ولهفته إلي وطنه الأصلي،  وهو في نفس الوقت قربان يقدمه الشاعر علي مذبح غربته بكل ما يحمل هذا من مشاعر تيهٍ وبترٍ وتضارب تختلط فيها الأوجاع الوجودية العامة بالأحمال الروحية الخاصة، ومن ناحية أخري فهذا الشعر شظايا متفجرة تتطاير لتشارك الآلام الهائلة التي مرت بها مصر.

 565-parوعن هذا كتب الناقد دكتور صبري حافظ، " منذ أن نشر الشاعر المصري قصائده الأولى في مجلة (الآداب) لفت الأنظار بقصيدته المتميزة، ويعود الشاعر المصري المرموق الى لحظة تاريخية فارقة أسست لأفق مغاير في مصر كما فتحت أمام النص الإبداعي إمكانات جديدة، ترهف الرؤية عن بعد بصيرة الشاعر المقيم في نيويورك، ولا يجد إلا القصيدة كي يعلن صرخة أنطولوجية عميقة وحبا للانتماء لبلده التي دخلت في دوامة، لأنها بلده الوحيد وأسرته الحضن الآسر لوجعه."

الشظايا الشعرية التي تتفجر في قصائد الديوان تأتينا محملة برائحة وثلوج وإثارة مشاهد نيويورك من ناحية، وبدفء إشعاعات شمس مصر الساطعة في قلب الشاعر وفي مدينته القاهرة من ناحية أخري، فتتنقل أحاسيس الشاعر الانسانية والوطنية المتأججة النازفة بين هذين القطبين المتضادين المختلفين في كل شيء، بل هي دائما موجودة في القصيدة الواحدة، مما يزيد من الزخم الشعري ويكثف من أمواجه وتوتراته العاطفية والفكرية، فيما يقدم لنا شرفة فريدة نطل بها علي مدي الإختلاف بين عالم الشرق وعالم الغرب، خاصة في وقت تلعب فيه الولايات المتحدة دورا ملتبسا تجاه ثورتي مصر، فينحاز الشاعر إلي حق شمس مصر في السطوع بقوة وطلاقة نجدها واضحة في قصائد الديوان،  فيقول في قصيدة زهرة اليورانيوم

كنت في القاهرة / نائما علي سجادة التاريخ حاضناً أمسي / ورأيت في رؤيةٍ / أن نيويورك شمس غدي / فمددت يدي / أفتح غيم الغيب والغياب / قلت هجرة بلا إياب / هل للعالم القادم بابٌ غير هذا الباب؟ / نيويورك جسدٌ  / رمي بنفسه علي جسدي / وأنا أخلع أجسادي وألبسها / نيويورك جسدٌ  / وأنا جسدي تائهٌ في اللامكان / جسدان لا يلتحمان / إلا علي فراش الريح والهذيان / نيويورك سيدة الزمان / تقطف مني الروح  / تتعري وهي تأتي علي جسدي وتروح / تأكل كل قطعةٍ  / وتشرب كل قطرةٍ من الجسد الطريح / حتي أصير خاضعا ولا مباليا / تسوقني مكبل القدمين للميدان / فأخلع ما بقي من جسدي / وأعود للبلاد / لأقصف شهرزاد في بغداد  / أو أقطع الطريق إلي دمشق / حيث يخرج المهجرون من بيوتهم عرايا / وتقول لي أنظر إلي التاريخ يهوي / والأساطير شظايا / وقد انتهت كل المعارك بالهزائم / لم يبق غيرك / تظل بقلبك الشرقي منكباً علي الأعلام / تريد رفعها علي التخوم عاليا / متشبثاً وباكيا / تريد إعادة الأيام للأيام / فانزع الأحلام عنك / واترك الأوهام تهوي / كالذبيح من الحمائم / أخرج من الأرض الكئيبة / واحصر علي الآي باد أعداد الغنائم / ماضيك سجنٌ / وأنا أفتح لك / أبواب عالمك الجديد فلا تقاوم/

لكن شاعرنا يتمرد في صراعه مع عالمه الجديد صارخا:

كم مرة أردت أن أهد المعبد / مثل شمشون علي رأسي وأعدائي / ولكني بلا أعداء / ولا أكره إلا / ما ترسلين من صحائف الكيمياء / وأرغفة اليورانيوم  / للجائعين في بلاد البسطاء / لماذا تحولينهم إلي أعداء / وتمزقينهم أشلاء / وهم رفاقنا وأهلنا / ثم تسألينني / لماذا يكرهوننا؟ /

نيويورك/ كم زهرة يورانيوم ستدفنين في جسدي / وكم صاروخٍ عابرٍ للقارات / ستطلقين علي بغداد أو دمشق أو قري بلدي / نيويورك يا روما الجديدة / كل يوم أطالع إنهيار مدينةٍ من مدني / ودمي يسيل علي صفحات الجريدة / كم أورشليم قد التهمت اليوم / يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين

ويقول في قصيدة دامغة يستدعي فيها الشاعر الأمريكي والت ويتمان بعنوان "شهوة والت ويتمان الأخيرة"

  مازال والت ويتمان / هوملس علي رصيف نيويورك / يلقي إليه المارة / بالدولارات والبيتزا / لا يفيق إلا ليسأل / عن أسعار القصائد في وول ستريت / وقد هبطت إلي معدلات خطيرة

تهدد بانهيار كامل / لإقتصاد ما بعد الحداثة / لا تقلق يا والت / قبل إنهيار البورصة بدقائق / سيعلن أوباما أو خليفته الحرب / في مكان ما في العالم / لنصرة الديمقراطية / فتضحك السندات في البورصة / ويرتفع سعر القصائد قليلا / قبل أن ينهار تماما / فلم يعد أحد يقرأ / سوي صفحات المال / والجريمة / والوفيات

  إما حين يتحدث عن مصر، فإن الشاعر المهاجر يستدعي لغة تقطر عشقا وألما ورغبة وأملا،  فيقول في زهرة لوتس تقوم من النوم..  دعيني أدخل التاريخ من أضيق باب / وعلى أسوارك العليا أخر مضرجا / من وطئة اللمسات، من أناملك المشعة بالعذاب / أو على عتبات هيكلك المدمى بالذبائح والمدائح / آتيك أحمل ناي قلبٍ مثخنٍ /  بالمحن الكبرى وآيات الغياب / فعلى أي ذراع أرتمي مستسمحا؟ / وبأي كفٍ أمسح الجمر الذي في وجنتيك / وأزيل عن قدميك أشواك الهضاب؟ / وعلى أي سحاب / أبصر الوحي الذي أوحى لقلبك بالتراتيل / وأقرأ سر بعثك في أي كتاب؟ / وعلى أي ضفافٍ أستريح وليس هذا النهر نهري / ولا أرض المنافي هذه أرضي / ولا المدن الغريبة والقباب / دعيني أعبر البحر الذي بيني وبينك واليباب / هل أبدأ التاريخ من حيث انقضى؟ / وأعيد ما عبرته أزمنةٌ وواراه التراب؟ / أيعود يوماً ما مضى؟! / سأمر من أضيق باب / للمخدع السري حيث رقدت دهرا / في حرير للأساطير العذاب / وأركع لامساً ثوب المحبة والرغاب / فتقوم زهرة لوتس من نومها في راحتيك / وتطل شمسٌ من ربى نهديك / ويسيل نيلٌ حاملاً طفلاً جميلاً كالشهاب / فأقول هذا وعدك الآتي / وسر الموت والبعث / انهضي / يا مصر / للفجر من أوسع باب

  يقول دكتور محمد سليم شوشة عن الديوان:

 فرانسوا باسيلى صوت شعرى مهجرى له خصوصية، صوت يناجى الوطن كما يناجي الصوفى ربه. حالة شعرية لا تختلف عن العشق الإلهى. إنه عشق الوطن فى غربة ليست لها ملامح، هو يحيا فى مصر برغم هذا البعد، غارق فى تفاصيل المكان والذكريات، يحيا فى مصر شعريا برغم أن المكان الآني هو أمريكا أرض المهجر. هنا يتبدى صراع بين أرض المهجر وبين الوطن، وهو صراع حسمت نتيجته لصالح الوطن. هذا خطاب شعرى يتسم بالإيغال فى الشاعرية والصدق، وله ملامح سردية تجعل قراءته ممتعة إلى أقصى درجات المتعة، ويجعل شعر المهجر نموذجًا ممتدًا فى الأدب العربى ونهرًا متصلا عابرًا للقارات وصلة بين الأمم والحضارات، فيغوص فيها بقدر ما يغوص فى الذات الإنسانية، وتمثل تجربته الشعرية مقاربة جادة وصادقة شائقة وجديرة بالاهتمام.

جاء ديوان "شمس القاهرة، ثلوج نيويورك في 160 صفحة وتوزعه دار سندباد في مصر والمكتبات العربية

 

 

الاتجاه المعاكس في كتابات صباح الأنباري

saleh alrazukعن دار ألف في دمشق صدر هذا الشهر كتاب د. صالح الرزوق (الاتجاه المعاكس في كتابات صباح الأنباري).

وفيه يتناول موضوعين أساسيين هما: الحدود بين الأنواع الأدبية والفرق بين الحداثة والتجريب.

بالنسبة للحدود يرى الناقد أن الأنباري مخلص لمفهوم الدراما وليس لشكل وأسلوب المسرح. فهو لا يعول كثيرا على الحبكة أو العقدة المسرحية ولكنه يتمسك بفكرة الأداء على الخشبة بحضور نظارة.

وأهم عناصر فن المسرح المفقودة في كتابات الأنباري هي الحوار في مسرحياته الصامتة والتسلسل في مسرحياته الناطقة. وعليه كان اهتمامه الأول بالحالة النفسية للشخصيات وبمشاعر الخوف والرهبة في جو من العنف والقسوة يذكرنا بمسرح القسوة لانطونين أرتو.

أما بالنسبة لفكرة الحداثة في مسرحيات الأنباري يرى الناقد أنه كاتب حديث ولكن خارج مفهومنا للحداثة الكلاسيكية. بمعنى أنه تجريبي ويلغي نفسه باستمرار.

أحيانا يلتزم بفكرة المسرح كعرض يفترض المشاهدة وأحيانا يقترب من كتابة مونولوجات واعترافات نفسية لا تختلف عن شكل ومضمون القصة الجديدة التي مهد لها الطريق في فرنسا بوتور وكلود سيمون.

بالإضافة لذلك يركز الكتاب على شكلين أساسيين اهتم بهما الأنباري: المونودراما و المسرح التاريخي. و يحاول الناقد أن يجادل موضوعة التاريخ.. هل هو تاريخ فعلي أم أنه تفكيك لأثر التاريخ وتراكماته في حياتنا كأفراد يمثلون جماعات نمطية.

وينتهي الكتاب بحوار ذي شجون يدور بين الناقد والأنباري يتحدثان فيه بصوت مرتفع عن علاقة الفن بالسلطة والمجتمع والذات الفنية.

ويؤكد الكتاب منذ البداية في (التمهيد) أنه مجرد ملاحظات حول المسرح بشكل عام وتجربة صباح الأنباري بشكل خاص. ويدعو النقاد للإدلاء بدلوهم في الموضوع. وبهذا المعنى يقول:

"لقد كانت الغاية من هذه القراءة الموجزة إثارة المزيد من التساؤلات وفتح المزيد من النوافذ على هموم المسرح المعاصر وعلاقته بالفكرة الفنية ثم بالأدوات أو القانون - وهذا عندي هو اللغة والأسلوب. وكلاهما من ممتلكات ومتاع الأب كما يرى روسو ومن بعده لاكان. فاللغة والشكل الفني هما اختراع أبوي. وهذا يعني أن لهما حصانة وحتى لا نقع بالتكرار يجب أن نقع بالخطيئة وأن نحمل وزر التفكير بتحدي القوانين المرعية. وهنا تبدأ المشكلة..

هل أزمع صباح الأنباري على قتل الدراما. وهل شحذ سكاكينه للطعنة القاتلة؟؟.."

 

مضافات أبوابها مشرعة على مدار الساعة

nadheer khazrajiلا يعرف حقيقة المال حق المعرفة إلاّ من أتاه خجلا متسربلاً ثياب الكد والتعب، وربما الفقير هو الأقدر على التشخيص عندما يتسرب إلى جيبه قليل من المال يفوق ما اعتاد عليه، والذي ينشأ في عائلة فقيرة ويشق حياته بعيدا عن الأجواء السابقة يتذوق طعم الغنى، حتى وإن لم يكن يملك ثروة كبيرة، وعلى الطرف الآخر من نهر الحياة فإن الذي يعيش بحبوحة الغنى المادي وبخاصة من الأبناء لا يملك ذلك الاحساس الذي عليه ابن الفقير في تشخيص معنى الغنى والفقر، فمن لم يذق مر الخسارة لا يتحسس حلو الفوز والظفر، ومن لم يذق علقم الفقر لا يقدّر شهد الغنى، ولذلك جاء في الأثر (ارحموا عزيز قوم ذل).

ولأن الأمر كذلك، فإن الإنسان بطبعه وفطرته يحدوه الأمل لأن يحسّن من وضعه المالي، فحتى المليونير لا يكتفي بملايينه ولا الملياردير، وأما محدود الحال والمفلس والمديونير (المديون) فهو دائم التفكير ودائب السعي للخروج مما هو فيه نحو الأحسن، ولعلّ طبقة العمال والموظفين وأصحاب الدخل المحدود من أكثر الطبقات الساعية الى تحسين الحال الاجتماعي والاقتصادي، من أجل بناء أسرة مستقرة ماديا توازن بين متطلبات الحياة الصعبة والراتب المحدود الذي يتصاعد سنويا بحركة سلحفاتية غير محسوسة ومرهقة في الوقت نفسه يتحسسها الأب عندما يكون مطالباً تأمين كسوة الصيف والشتاء وتوفير المعيشة المعقولة لأفواه لا تدرك معاناته، وهي غير معنية من أين يأتي المال، إذ لا حول لها ولا قوة.

وبقدر صعوبة الحياة لأصحاب الجيوب الخفيفة من العاملين والموظفين فإن وتيرة رغبتهم تتصاعد كلما ضاقت عليهم حلقة الحياة، ولذلك يكون السعي الجاد لاستحصال ساعات عمل اضافية او ابتعاث لدورات تدريبية أو تأهيلية من أجل راتب أفضل، بل يستعمل بعضهم وسائل غير نزيهة في هذا السبيل، ولعل من أسوأ اللحظات على الموظف هو عندما يحين موعد تقاعده، فتراه يسعى لتمديد عقد عمله لسنوات أكثر، فراتب التقاعد غير مجز عند الكثير وجلسة البيت قاتلة.

ولكن من أكثر الناس خسارة، مَن تتاح له فرصة العمل الإضافي وبأجور طيبة ولا يستغلها مستأنسا لما هو فيه من الحال متكئا على أريكة الخمول، وربما يشكو البعض من قلة الحال مع قدرته على تحسينها ولو بقدر ولا يسعى لها سعيها، فهذا من خيبة الأمل أيضا، وقد ساقنى الى هذه المقدمة كتيب "شريعة النوافل" للمحقق الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، الصادر حديثا (2014م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 64 صفحة، فالمسائل التي تضمنها وهي 116 مسألة فقهية وتعليقات الفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري وهي 14 تعليقة مع مقدمة للمعلق وتمهيد للكرباسي، كلها وفي مؤداها العام تحكي عن واقع الانسان الذي أتاح له رب الأرباب فرصة تحسين واقعه الدنيوي والأخروي نحو الأحسن والأفضل، دعوة مفتوحة أطلقها رب "قل اعملوا" لساعات أجر اضافية غير مقدرة بثمن وبعثات عمل الى فضاءات غير محدودة يصعب على عقل الانسان تثمينها، فسوح الحياة سوق مفتوح للاغتراف من عطاء الله مع قليل من العناء، بحاجة الى ارادة لا ينالها كل انسان.

 

الخير في النوافل

لا وجه للمقارنة بين عطاء البشر وعطاء رب البشر، ولكن التشبيه جاء من باب تقريب الفكرة التي يعايشها الانسان في حياته اليومية. فالعلاوة المالية والمنحة وبدل ساعات عمل اضافية وبدل الابتعاث والسفر، كلها موارد مالية في قبال الراتب الرسمي الذي يتقاضاه العامل والموظف، يتحسس فائدتها وإن قلّت، وهذه المسميات في جانب العطاء الالهي اللامحدود هو ما يطلق عليه بـ "النوافل" في قبال "الفرائض" فالأولى يؤجر الانسان على الاتيان بها والثانية يؤثم على عدم العمل بها وتنجيزها، والفاصلة كبيرة بين الأجر والإثم وبين الثواب والعقاب، واذا كان عطاء البشر في العلاوات محدوداً لعدد من الناس ولساعات محددة فان عطاء الرب مفتوح لكل البشر وبلا حدود، وهذا الفرق بين العطاءين، بل من الظلم الصراح المقارنة بينهما، ولكن من باب المقاربة في الأمثال.

فالعلاوة لدى البشر يقابلها "النفل" لدى خالق البشر، وهي من حيث اللغة كما يشير الفقيه الكرباسي في التمهيد: (الهبة والزيادة، والنافلة هي: ما يفعله الانسان مما لم يُفرض عليه ولا هو مما يجب عليه، والجمع نوافل، وفي مصطلح الفقهاء، النافلة هي: أعمال العباد التي رغّب الشرع الشريف في القيام بها دون إلزام، لكسب مزيد من القُربى والأجر والثواب، وقد اُطلقت النوافل بشكل أبرز في الصلوات اليومية المستحبة والتي عُرفت بالنوافل اليومية).

ولأنّ النوافل كثيرة وضعها الله رحمة لعباده، فإن كتيب "شريعة النوافل" خصصه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي لبيان أحكام النوافل اليومية، وهي عبارة عن صلوات وركعات وهي ضعف الفرائض اليومية في عدد الركعات أي 34 ركعة، ركعتان قبل صلاة الصبح وثمان ركعات قبل صلاة الظهر ومثلها قبل صلاة العصر، وبعد صلاة المغرب أربع ركعات، وواحدة بعد صلاة العشاء تُصلى من جلوس في ركعتين واحدى عشرة ركعة قبل طلوع الفجر الصادق.

فالنوافل كما يضيف الفقيه الكرباسي: (تزيد من بهاء الانسان المؤمن وتصقل نفسه، وتحلّ عليه بركات ربه الايمانية التي قد لا يحصل عليها في غيرها) وهي في مؤداها العام تسد النقص في الفرائض اليومية الواجبة التي لا يضمن المسلم قبولها عند الله، وقد ورد عن الامام محمد بن علي الباقر(ع): (إن العبد ليرفع له من صلاته نصفها أو ثلثها أو ربعها أو خمسها، فما يرفع له إلاّ ما أقبل عليه منها بقلبه، وإنما أمرنا بالنوافل ليتم لهم بها ما نقصوا من الفريضة)، بل من منن الله على عبده أنْ فتح له باب الاغتراف من معين خيره، وزيادة على ذلك أن الله يباهي بصاحب النوافل الملائكة، ففي الحديث عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع): (إنّ العبد يقوم فيصلي النافلة فيعجب الرب ملائكته منه، فيقول: يا ملائكتي، عبدي يقضي ما لم أفترض عليه)، فأية تجارة رابحة هذه، يأخذ المشتري البضاعة بعينها وريعها وربحها وإذا رغب بالمزيد أخذ حيثما يريد، وما أحوج الإنسان إلى مثل هذه التجارة في وقت تعصف به الحياة من كل جانب بخيرها وشرّها، فربما حرفته عن جادة الصواب فتأتي النوافل كما يؤكد الفقيه الكرباسي: (لتصحح مسيرة الإنسان وتصرفاته وتضعه في الجادة الوسطى للحصول على نتائج مادية ملموسة لها ارتباط بالنفس والجسم أيضا، بالاضافة الى القدرات التي يستخدمها الخبير اللطيف في انقاذ عبيده من الوقوع في الهاوية).

 

الوجه الآخر

وعلى الرغم من المغريات التي يقدمها رب الأرباب لدفع المسلم نحو التقرب اليه بالعبادة، فإن النوافل ليس الاتيان بها مستساغ كلها أو بعضها للكثير من الناس، فهي في الوقت الذي تعتبر منّة الله على عباده من باب اللطف بهم، فهي بحاجة الى توفيق منه سبحانه وبإرادة مباشرة من العبد نفسه، لأنه بطبعه يبحث عن المنفعة التي يراها بين يديه شاخصة، والثواب ليس بالشيء المرئي في عالم الدنيا، ولذلك لا يبحث عنه الكل، وإلا لو كان ملموساً لتوجه كل الناس بالفرائض ولم يتخلفوا عن الدرب فيدخلوا في خانة: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) سورة مريم: 59، من هنا يرى الفقيه الغديري في التقديم أن: (الذي يأتي بالنافلة مع الفرائض فهو يقصد بذلك وجه الله من غير الزام، فلعمله هذا مرتبة عالية ومنزلة عظيمة عند المعبود المطاع، وهذا من منن الله تعالى عليه أن منحه هذا التوفيق ليأتي بأعمال وأذكار باختياره التام من لدن نفسه فله أجر عظيم ومقام رفيع).

بالطبع لا ينبغي أن يكون جزيل ثواب النافلة مدعاة للتساهل والتهاون مع الفريضة، فتلك مستحبة وهذه واجبة، ويفترض في الواجبة أن تؤتى بكامل شروطها وضوابطها، وفي الحديث عن الإمام علي(ع): (إِنَّ لِلْقُلُوبِ إقْبَالاً وَإِدْبَاراً فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَاحْمِلُوهَا عَلَى النَّوَافِلِ، وَإذَا أَدْبَرَتْ فَاقْتَصِرُوا بِهَا عَلَى الْفَرَائِض)، ويقول الامام علي بن موسى الرضا: (إنّ للقلوب إقبالاً وإدباراً فإذا أقبلت بصرت وفهمت، وإذا أدبرتْ كلّت وملّت، فخذوها عند إقبالها ونشاطها، واتركوها عند إدبارها)، فالوسطية مطلوبة في كل شيء.

ولا يخفى ان المرور على المسائل الفقهية التي عرضها الفقيه الكرباسي تكشف عن أهمية النوافل اليومية في حياة الانسان، ولذلك هناك تسهيلات كثيرة وترغيبات، ربما لا يصح بعضها في تنجُّز الفرائض، تدفع بالانسان الى الاتيان بها، فعلى سبيل المثال: (يجوز إقامة النوافل من جلوس، ولكن إقامتها من قيام أفضل)، (يجوز الاكتفاء بقراءة بعض الآيات بدل السور الكاملة)، (يجوز إقامة النوافل ماشيا وعلى ظهر الدابة أو المركوب في السَّفر والحضر). ولكن في الوقت نفسه تبقى الشروط الوارد ذكرها في الفرائض اليومية واردة في النوافل اليومية، وهي كما أوردها الفقيه الكرباسي في المسألة التاسعة: (الطهارة، نية العمل، نيّة القربة الى الله تعالى، التقيّد بالوقت، طهارة الجسم والملبس ومحل السجود، التوجّه نحو القبلة، إباحة المكان والملبس، حليّة الملبس، والسِّتْر).

في نهاية المطاف حيث لا نهاية لمطافات الله ومضايفه، إذا عرفنا هذا النزر القليل عن مسائل صلاة النوافل، فلا عجب إذا ما سمعنا أن ولياً من أولياء الله الصالحين كان يصلي في اليوم ألف ركعة، وكذلك لا عجب إذا كان في متناول اليد الاتيان بها وتقصر الارادة عن تفعيلها.

 

الأديان الإبراهيمية قضايا الراهن

sohayla taybiرغم ما يلوح من قواسم مشتركة بين اليهودية والمسيحية والإسلام، يبقى التحدي يواجه جميعها، وهو كيف تعيش تلك الأديان شراكة الأوطان؟ وكيف تغدو حاضنة لبعضها البعض ولا تكون طاردة؟ ضمن هذا السياق أتت فصول هذا المؤلّف دانية من المعيش اليومي، ومُتابِعة لراهن أتباع تلك الأديان، في تآلفهم وفي تنافرهم. فالكتاب تأمّل في أوضاع الحاضر، وإن أملت الضرورة العودة إلى سالف التجارب، لفهم مجريات الواقع، فأحيانا تكون أُطر استيعاب الآخر مضلّلة، لا تفصح عما يتخلّلها من تناقضات. فالأديان الثلاثة تبدو مقبلة على مواسم تفوق قدراتها التقليدية، ما عادت المدونات الفقهية واللاهوتية الكلاسيكية كفيلة بحلها.

ومن المفارقات الكبرى في عصرنا، أن الدين المستضعَف المهاجر، بات يستجير بالعلمانية وبالدولة المدنية طلبا للمقام الآمن، ولا يجد ذلك المأمن والملجأ عند رفيقه في رحلة الإيمان، وهو حال الإسلام الأوروبي. في وقت يُفترض فيه أن يكون المؤمن "الإبراهيمي"، بين أهله وملّته، حين يكون في الحاضنة الحضارية لدين من الأديان الثلاثة، لكنه في الحقيقة لا يجد تلك السكينة، وغالبا ما يأخذ صورة الخصم القادم من وراء البحار، ولذلك تواجه دعاة الحوار اليوم تحديات كبرى، آثر مؤلف هذا الكتاب التطرق إليها دون لفّ أو دوران.

مؤلف الكتاب عزالدّين عناية أستاذ تونسي بجامعة روما متخصص في علم الأديان. نشر مجموعة من الأعمال منها: "الاستهواد العربي"، منشورات الجمل؛ "نحن والمسيحية"، توبقال؛ "العقل الإسلامي"، دار الطليعة. ومن ترجماته: "علم الأديان" للفرنسي ميشال مسلان؛ "علم الاجتماع الديني" للإيطالي إنزو باتشي؛ "السوق الدينية في الغرب" لمجموعة من الباحثين الأمريكان.

 

الأديان الإبراهيمية قضايا الراهن

عزالدين عناية

دار توبقال المغرب – 2014

 

صحفية جزائرية مقيمة في روما

 

الإسلام وحقوق الإنسان كتاب جديد للدكتور عبد الحسين شعبان

564-shabanصدر في بيروت عن دار بيسان (2014) للدكتور عبد الحسين شعبان كتاب عنوان "الإسلام وحقوق الإنسان" مع عنوان فرعي آخر "المشترك الإنساني للثقافات والحضارات المختلفة".

الكتاب من منشورات المركز الثقافي العراقي في بيروت، وصدر على نفقة وزارة الثقافة، وهو طبعة ثانية مع مقدمة جديدة لكتابه الذي صدر في العام 2001 على نفقة مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني (لبنان).

وقال الدكتور حبيب مالك في الكتاب" لك الحق أن تقبل ولك أن ترفض ما انتهى إليه الدكتور شعبان، لكن لا يسعك الاّ التسليم بشجاعة الطرح..." (مؤسسة شارل مالك) وكتب عنه د. فريد الخازن (الجامعة الأمريكية في بيروت) " لا يمكن الإحاطة بالتيارات الإصلاحية والتحديثية التي تنساب في أوساط المسلمين ما لم تعطِ كتابات الدكتور عبد الحسين شعبان قسطها".

564-shabanوجاء في كلمة الاستاذ سعد الدين بوّاب (مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني): من الإهداء حتى الصفحة الأخيرة من الملحق الأخير، يستعرّض القارئ وجهاً مشرقاً للإسلام، إلتقت مصلحة الأضداد في حجبه...

وبعد ذلك فالكتاب المؤلف من خمسة فصول يحتوي على 12 ملحقاً توثيقياً وهو يتألف من 296 صفحة من القطع الكبير ويقول عنه الناشر (دار بيسان) إنه " مصنّف يغترف من التراث الإسلامي ليقيم مؤلفه الأكاديمي والمفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان، الدليل على رفد الإسلام الفكرة الكونية لحقوق الإنسان، ويناقش فيه المرجعية الثقافية لحقوق الإنسان من خلال المشترك الإنساني، باعتباره الأساس الأول والأهم في الهوّية الثقافية، ويتوقّف عند الفصل والوصل بين الخصوصية والعالمية، والاختلاف والائتلاف، بين النص الدولي والنص " الإسلامي" مقدّماً قراءة جديدة تتجاوز التبعية والتغريب، فيما يتعلق بالتراث والحداثة، ويتوصل إلى التسامح من خلال أسئلة العقل والفطرة إلى الآخر فيبين معناه ومبناه دوليا وإسلامياً.

كيف نقرأ "حول الحرية" لجون ستيوارت مل؟

563-hatamفي عام 1859 نُشر العمل الفلسفي للفيلسوف الانجليزي جون ستيوارت مل(1806-1873) "حول الحرية" on Liberty، الذي قُصد به في الاصل كمقالة قصيرة سعى من خلالها لتطبيق نظامه الاخلاقي في النفعية على المجتمع والدولة. يحاول مل تأسيس مستويات للعلاقة بين السلطة والحرية. هو يؤكد على اهمية الفردية التي تصورها كشرط مسبق للرغبات العليا. انتقد مل اخطاء الماضي في محاولة الدفاع عن الفردية حيث رأى ان المُثل الديمقراطية ادت الى "استبداد الاغلبية". من بين المستويات التي اسسها في عمله هي ثلاث حريات اساسية للافراد، فيها يجيز معارضة التدخل الحكومي، ويضع مبادئ عامة لعلاقة الفرد بالمجتمع، جميعها تشكل العقيدة الكاملة لمل في مقالته.ان المُثل التي عرضها مل في "حول الحرية" بقيت الاساس في معظم الفكر السياسي الليبرالي الحديث. كان "حول الحرية" عملا راقيا ومؤثرا لكنه لم يسلم من الانتقاد.

يبدأ مل في مقدمته بمناقشة الصراع التاريخي بين السلطة والحرية. واصفا استبداد الحكومة، الذي حسب رأيه، يحتاج للتوجيه من خلال حرية المواطنين. هو يصنف هذا التوجيه للسلطة الى اثنتين من الآليات:حقوق ضرورية تعود للمواطنين، وتأسيس رقابة دستورية على افعال الحكومة .

وبما ان المجتمع في مراحله الاولى كان عرضة لظروف مضطربة (مثل الحروب المستمرة او قلة السكان)، فهو اُجبر على قبول حكم "السيد". غير ان تقدم البشرية جعل بامكان الناس حكم انفسهم.يعترف مل بان الشكل الجديد للمجتمع، بدا عصيا على الاستبداد . ورغم الامل الكبير في التنوير، يرى مل ان المُثل الديمقراطية ليس من السهل تطبيقها كما كان متوقعاً. لأنه في الديمقراطية ذاتها، الحكام ليسوا دائما نفس النوع من الناس كالمحكومين. وثانيا، هناك مخاطرة "استبداد الاكثرية"واضطهادها للاقلية التي هي حسب المثل الديمقراطية تتمتع بنفس الحقوق في الدفاع عن حقوقها المشروعة.

 

مشكلة فهم الماضي

563-hatamان التمكن والتعامل بنجاح مع الفكر الكلاسيكي الفلسفي الماضي هو كمن يحاول الحصول على معلومات من مسافر قادم من بلد غريب وبعيد، بلد يختلف كثيرا في عاداته وتقاليده عما لدينا. يتحتم علينا بذل الجهد اذا اردنا حقا فهم الرسالة التي يحملها ذلك المسافر، ولابد اولاً معرفة المكان الذي قدم منه. في حالة "حول الحرية "، سيكون الجهد ضروريا، وذلك لسببين : الاول هو ان نصوص مل كانت مصدراً غنيا للاقتباسات والاستعارات الفخمة :

"الغرض الوحيد لممارسة السلطة بشكل صحيح على اي عضو في الجماعة المتحضرة، وبالضد من رغبته، هو لمنع الاذى عن الاخرين".

"الحرية الوحيدة التي تستحق الاسم، هي في سعينا للخير وبطريقتنا الخاصة ".

"لو ان اي رأي اُجبر على الصمت، فان ذلك الرأي، حول اي شيء يمكن معرفته، سيكون صائباً. ولو اردنا انكار هذا، ذلك يعني اننا معصومون عن الخطأ".

"لو ان كل البشرية عدى واحد، كانت على رأي واحد، وهذا الشخص المنفرد كانت لديه فكرة معاكسة، فان البشرية سوف لا تمتلك المبرر في إسكات ذلك الفرد، اكثر مما لو كان ذلك الفرد لديه السلطة التي تعطيه التبرير في إسكات البشرية."

تلك فقط اربعة امثلة، ونستطيع التمدد بالقائمة لصفحة او اكثر. في اي وقت يُثار فيه الحديث عن تدخل الدولة او حرية الكلام، سنواجه مثل هذه العبارات الرنانة، التي يتداولها الصحفيون وغيرهم دون روية و بلا روح لأنهم لم يتمكنوا من مصادرها.السطور المنتزعة من سياقها قد تخون القصد الذي بُنيت فيه في الاصل. هناك خطر ان تتفسخ الى "دوغما ميتة"(حسب تعبير مل).

اما السبب الثاني، هو ثقافة مل الظرفية وعلاقتها الزمانية والمكانية بنا. مائة وخمسون سنة هي في الواقع ليست فترة طويلة، وان العالم الذي عاشه مل، ان لم يكن ليس بالضبط عالمنا، فهو العالم الذي تطورنا نحن منه. عالمه هو "ثقافتنا السالفة"، وان التشابه بين الحاضر و ذلك الزمن هو بدرجة تجعلنا من السهل تجاهل الاختلافات القائمة .

 

دكتاتورية الاكثرية

يرى مل ان استبداد الاكثرية هو اسوأ من استبداد الحكومات لأنه لا يقتصر فقط على الوظيفة السياسية . اذا كان بالإمكان حماية الشخص من المستبد، فمن الصعب حمايته من استبداد المشاعر والآراء السائدة، لأن الآراء السائدة في المجتمع ستكون الاساس لكل قواعد السلوك فيه. وهكذا لن تكون هناك حماية في القانون من استبداد الاكثرية. يضيف مل، ان رأي الاكثرية ربما ليس هو الرأي الصحيح . التبرير الوحيد لتفضيل الفرد لعقيدة معينة هو انها تفضيل ذلك الفرد. وفي حالات محددة يصطف الناس اما مع قضية معينة او ضدها. الجانب الاكبر حجما هو الذي سيسود، لكنه ليس من الضروري ان يكون صائبا . يقترح مل مستوى او معيار واحد يمكن فيه تقييد حرية الفرد، هذا المعيار الوحيد هو منع الأذى عن الآخرين. يشير مل الى ان حق الحرية لا ينطبق على الاطفال او على المجتمعات المتخلفة. الحرية تصلح فقط حين يكون الناس قادرين على التعلم من النقاش الذي توفره الحرية. يجب الاشارة ايضا الى ان مل لا يدّعي الحرية كحق مطلق، وانما هو يؤسسها على المنفعة وعلى المصالح الدائمة للناس.

 

موقف مل الارستقراطي

يتجلى موقف مل الارستقراطي في نقاشه حول "الحكومة الممثلة"، بان بعض الافراد يجب منحهم اصوات اكثر من الآخرين(اكثر من صوت للناخب). يقترح مل ان اعضاء "المهن الليبرالية" وخريجي الجامعات يجب منحهم اكثر الاصوات لكل واحد وان "المصرفيين والتجار والمصنّعين"يجب منحهم القليل من الاصوات، اما العمالة اليدوية يجب ان تُمنح صوت واحد لكل عامل. حجته كانت مرتكزة على افتراض ان اعضاء القائمة الاولى هم الاكثر ذكاءاً- كونهم انتفعوا من مزيد من التعليم ونجحوا في الامتحانات التي اثبتت ذلك- والمجموعة الاخيرة هي الاقل ذكاءا، وان الاكثر ذكاءا يجب ان يكون لهم التاثير الاكبر على الطريقة التي تدار بها البلاد. في حالة"العامل اليدوي"، يكون عمله روتيني، وطريقته في الحياة تتم عبر الاتصال بافكار وظروف وانطباعات بسيطة وغير متغيرة"، صوت العامل الواحد ايضا يؤدي وظيفة تعليمية بمنح العامل فرصة الاهتمام في الشؤون العامة والتي ما كان بالامكان الحصول عليها دون ذلك. مل ربما كان بطلاً لطموح الطبقة العاملة ولكن، وكما يتضح، هو ليس رفيقا او زميلا لها.

واذا كان من السهل وصف موقف مل بـ "النخبوي"، فهو من الواضح كان مناصراً قوياً لمبدأ المساواة. ولكي نرى ذلك، نحتاج فقط لقراءة "خضوع المرأة" The Subjection of Women، او "الكفاح في امريكا" The Contest in America. في تلك المقالة، هو يعلن عن دعمه الواضح للجانب الشمالي في الصراع ضد ولايات الجنوب الانفصالية، التي يطلق على افعالها بـ "ثورة مالكي العبيد". من الأصح وصف مل ليس بالنخبوي وانما بالمضاد للشعبية، والاثنين لا يحملان دائما نفس المعنى.

 

نظرية مل في النفعية Utilitarianism

ان اول رسالة في النفعية نشرها مل في ثلاث حلقات عام 1861 في مجلة Fraser’s magazine، بعدها اصبحت تلك الرسالة ركناً اساسيًا في الفكر الغربي، حتى الكنيسة بدأت تتبنّى عناصر من افكار مل في النفعية. يعرّف مل النفعية كنظرية ترتكز على مبدأ ان "الافعال تكون صحيحة طبقا لعلاقتها بتعزيز السعادة، وتكون خاطئة حين تنتج المعاكس للسعادة". يعرّف مل السعادة بالمتعة وغياب الألم. هو يرى ان المتعة تختلف في الكمية والنوعية، وان المتع التي تمتد بجذورها الى القدرات العليا هي اكثر وزنا من المتع الادنى قيمة. يرى مل ان انجازات الناس نحو الغايات والاهداف، مثل الحياة الاخلاقية، يجب اعتبارها جزءاً من سعادتهم. يقول مل ان النفعية تتطابق مع العواطف الطبيعية التي تنشأ من الطبيعة الاجتماعية للانسان. ولذلك، اذا اريد للمجتمع احتضان النفعية كاخلاق، فان الناس بطبيعتهم سيجعلون هذه المستويات جزءاً من وعيهم وستصبح ملزمة اخلاقيا. هو يرى ان السعادة هي الاساس الوحيد للاخلاق، وان الناس لا يرغبون اي شيء عدى السعادة.جميع الاشياء الاخرى التي يرغبها الانسان هي اما وسائل للسعادة او انها تدخل ضمن تعريفها . عاطفة العدالة هي في الحقيقة مرتكزة على المنفعة، وان الحقوق توجد فقط لأنها ضرورية لسعادة الانسان.

النظرية النفعية في الاصل تعرضت للنقد لأنها لا توفر حماية كافية لحقوق الافراد، وكذلك لا يمكن قياس كل الاشياء بنفس المستوى، فالسعادة اكثر تعقيدا مما جاء في النظرية.ان مقالة مل في النفعية هي محاولة للرد على تلك الانتقادات ولذلك هو يعرض نظرية اخلاقية اكثر تعقيدا.

نقاش مل في النفعية احتوى على خمسة فصول . الفصل الاول يأتي كمقدمة للموضوع. الفصل الثاني يناقش تعريف النفعية ويعرض بعض الالتباسات وسوء الفهم حول النظرية.الفصل الثالث فيه نقاش حول العقوبات والمكافئات النهائية التي يمكن ان تقدمها النفعية. الفصل الرابع يناقش طرق اثبات صلاحية النظرية النفعية. وفي الفصل الخامس يكتب مل عن الارتباط بين العدالة والمنفعة ويجادل بان السعادة هي اساس العدالة.

 

الطبقة الوسطى

لو نظرنا لخاصية اخرى في اتجاه مل، هي احساسه بانه عاش في فترة مثيرة وحافلة بالاحداث . وكما ان المراقبين في زماننا الحالي يميلون للتعبير عن دهشتهم بالتقدم الراهن للعولمة، كذلك مل اعتقد ايضا انه شهد تغيرات جوهرية . في رأي مل، ان الأعظم اهمية في هذه الاحداث كان ظهورحجم لا بأس به من الطبقة العاملة والطبقة الوسطى . ليس فقط ان الطبقة الاجتماعية الكبيرة اصبحت اكبر حجما، وانما هي تحولت في شخصيتها.لاحظ مل خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ان السلطة الاقتصادية والاجتماعية انتقلت من الأقلية الغنية الى الطبقة الوسطى. فكانت هناك زيادة كبيرة في ملكية وأعداد افراد الطبقة الوسطى في بريطانيا وفرنسا. هو اعتبر الطبقة العاملة كحليف مساعد للطبقة الوسطى، لأن اي منهما ليسا بالقوة الكافية لانتزاع السلطة ولأن الطبقة الوسطى تمثل مصالح العمال.كان مل متأكداً من حتمية الانتصار الليبرالي لأنه يرى ان الاحزاب ستنال الدعم القوي والمباشر من الطبقة الاقوى (الوسطى).هنا يختلف مل عن ماركس في تعريفه للطبقة الوسطى، اذ انه يهتم بكمية الدخل وليس مصدره.هذه الطبقة الوسطى/العاملة الجديدة يصف مل اعضاءها بانهم اناس وقورون، يعملون بمشقة واخلاص، غير متهورين في الانفاق، ينشدون الاحترام، ذوي ضمائر دينية، والأهم من كل ذلك امتثالهم التام للاكثرية.

يرى مل ان الانصياع او الامتثال الاجتماعي conformism جاء عبر عملية تدريجية، وهي نزعة لـ "المساواة في الظروف". انها نفس العملية التي وصفها الكس دي توكوفيل في كتابه "الديمقراطية في امريكا"، ("المساواة في الظروف"هي ما يعنيه توكوفيل بـ "الديمقراطية").يرى مل، بالرغم من وجود اختلافات بين امريكا وبريطانيا، لكنه بالإمكان العثورعلى نفس العملية تعمل في بريطانيا ايضا.

مل يتفق مع توكوفيل بان "الديمقراطية في العالم الحديث هي حتمية".غير ان هناك ظاهرة أقلقت كل منهما وهي ظاهرة "دكتاتورية الاكثرية". مل وصفها بسيادة الافكار والمشاعر، او نزعة المجتمع لفرض افكاره وممارساته كقواعد للسلوك على اولئك الرافضين لها. باختصار، هناك ضغط اجتماعي بعدم الخروج عن الخط. ولكن ما الخطأ في الامتثال الاجتماعي؟ مل يجيب على السؤال باثارة موقف الفرد. الذي يكمن في جوهر فلسفته الاخلاقية النفعية – رؤيته "للطبيعة الانسانية". كنفعي وهو كـ (بينثام)، اعتبر الرغبة بالسعادة هي الشكل الاساسي للحوافز الانسانية. ذكر مل "ان الطبيعة الانسانية ليست ماكنة تُبنى وفق نموذج تؤدي فيه بالضبط نفس العمل الذي وُصف لها، وانما هي كالشجرة التي تتطلب ان تنمو وتتمدد الى جميع الجوانب، طبقا لنزعة القوى الداخلة التي تجعل منها كائنا حيا".وبهذا فان رؤية مل هي ان، خير الفرد، بالنهاية هو مسألة رقي وممارسة لملكاته وقدراته.(في الحقيقة ان كلمة"سعادة"لا تبدو ملائمة للوصف هنا).

يمكن الآن القول ان جون ستيوارت مل الحقيقي يختلف عن الصورة الكاركاتيرية التي رسمها الصحفيون لليبرالي متطرف. اذا اردنا فهم حجج مل بشكل صحيح، نحتاج لمعرفة شيء عن المواقف والاهتمامات التي شحذت قواه، لأنه من هذه الزاوية يكتسب النقاش معناه، بما في ذلك نقاش"حول الحرية".

 

تلخيص

ولكي نلخص السمات الكلية لأفكار مل وكيفية الترابط مع بعضها نقول:

اولاً، اعتقد مل ان تغيرات اساسية كانت تجري في ارض الواقع. هناك مقالة"روح العصر"، فيها يذكر ان: "الانسان ربما لا يكون افضل او أسعد وهو في عمر الـ 20، مما لو كان في السادسة من العمر، ولكن نفس الجاكيت الذي كان يلائمه سابقا سوف لن يلائمه الآن. ملاحظة مل هي ان "البشرية نمت وتضخمت فيها المذاهب والمؤسسات القديمة، لكنها لم تكتسب بعد مذاهب ومؤسسات جديدة".

ثانيا، اعتقد مل ان التغيرات المذكورة – الحركة نحو "المساواة في الظروف"- نالت ترحيبا حذراً. كان هناك نطاق من التطور في الهيكل الاجتماعي والسياسي فيه استطاع الفرد التطور وممارسة قدراته بالكامل. ومن جهة اخرى، نحن انتهينا الى شكل من "استبداد الاكثرية". وهو الموقف الذي يتطلب التعامل معه. هذا الموقف كان مرغوبا، ولكن فقط في ظل ظروف معينة، تلك الظروف يمكن، بفعل عناية الانسان ورؤيته، بلوغها، لكنها ايضا قابلة للضياع. ولهذا هناك

ثالثا، الحاجة لضخ الذكاء ودور المبدعين في اللعبة وهو ما تحدثنا عنه انفاً.

في هذه المقدمة، يسمي مل بصراحة تبريره للحرية بالنفعي. هو يقول بدون تحفظ ان دفاعه عن الحرية لم يرتكز على الحقوق الطبيعية، كتلك التي اقترحها لوك، او على دعوات ميتافيزيقية، كتلك التي اقترحها كانط. بدلا من ذلك، يبني مل نقاشه على ما هو الافضل للبشرية، وهو بهذا العمل يقترح ان جداله يعكس المنافع الفردية والاجتماعية للحرية الانسانية"المنفعة بمعناها الاوسع" المرتكزة على المصالح الدائمة للانسان ككائن تقدمي. الرسالة التي يريد ايصالها مل في "حول الحرية" هي عن "حرية الفكر والنقاش"، هذه الحرية تسهّل النقاش في المسائل الفكرية ومن ثم اكتشاف حقائق جديدة."سعادة البشرية ربما تُقاس بعدد وثقل الحقائق التي بلغت نقطة اللاخلاف حولها"حسب قول مل . في الفصول الاخيرة، يقوم مل بعمل نقاشات نفعية موسعة للحرية، ويبحث عن مواقف يلجأ فيها الى حجج غير نفعية.

 

...............................

المصادر

1- The philosophers Magazine, Mill in our time, August 2009.

2- On Liberty, John Stuart Mill, chapter1, introduction, sparknotes philosophy study guides.

3- John Stuart Mill, social and political thought, critical Assessments, edited by G.W. smith ,Routledge 19 feb 1998.

4- On liberty- Wikipedia, the free encyclopedia.

 

قراءة في كتاب اعتقال العقل المسلم (1)

safaa alhindiفي توطئة كتاب "اعتقال العقل المسلم" يتساءل مؤلفه الاستاذ نبيل هلال: (إن الراصد لواقع أمة المسلمين اليوم لا يعرف على وجه اليقين ما إذا كانت هذه الأمة جادة في البحث لها عن دور فاعل يخرج بها من صفوف دول العالم الثالث المتخلف المفعول به دائماً، أم أنها اكتفت بهذا الانكماش والانبطاح طوال هذه القرون. فليس يعد حكيماً من لم يكن لنفسه خصيماً وحسيباً، لذا آن أوان النظر في أحوالنا كي نعرف أين نحن من السبيل إلى استرداد الاعتبار بعد أن صرنا إلى ما نكره. ترى هل لم يبق لنا من أمل إلا في زمن آخر وعلى يد جيل آخر؟ (منذ تشرذم الامة العربية والاسلامية وتفتيتها على يد الاعداء تارة، وعلى يد ابناءها تارة اخرى، لم تستطع امتنا مواكبة العصر ودول العالم الآخر والنهوض بمستوى واقعها الدولي والمحلّي سواء بمستوى التطور التكنولوجي او الاجتماعي او الثقافي او السياسي ...الخ، نظرا للضغوط وحالة الاستبداد والتجبّر والتسلّط السياسي والثقافي والفكري التي مورست على الشعوب العربية والاسلامية من قبل رموزها وحكّامها، حتى صنّفت عالميا وسُمّيت بدول العالم الثالث، الى ان آل حالها وعُرِفت مع مرور الزمن بالخنوع والانبطاح. فلم يعد لها دور في العالم ولا اهميّة تُحسب بين الشعوب والامم المتقدمة. ويعزّي المؤلف اسباب هذا التأخّر وهوان ومذلّة امّة المسلمين، وعدم الاندهاش: الى ان اعداء الأمة عملوا واجتهدوا، بينما نحن تكاسلنا وتقاعسنا عن اداء دورنا المفترض بنا أدائه تجاه امتنا وانفسنا: (ولا يحق لنا أن نندهش ونتساءل عن سبب هوان المسلمين ومذلتهم، فذلك أمر حتمي يتيسر فهمه في ضوء السنن والنواميس. فأعداؤنا عملوا واجتهدوا ونحن تكاسلنا وتقاعسنا. هم صنعوا أسلحتهم التي يقهروننا بها، ولم نقو على صنع شئ – أي شئ – لا الطائرة أو السيارة أو المدفع. هم يحسنون استثمار أموالهم، ونحن نودع أموالنا في بنوكهم، فيستثمرونها في تنمية اقتصادىم وتعظيم قوتهم، ويصادرونها إن عصينا أوامرهم. حكمهم ديموقراطي ولا يقوى حاكمهم على نهب أموال العباد ولا يعلو على القانون، وملوك المسلمين ينهبون أموال بيت المال لأنهم السلاطين والمماليك، ويودعونها في بنوك سويسرا وأمريكا.(لابد لهذه الامة ان بقي في وعيها وضميرها بصيص من امل الحرية والتغيير ان تتمرّد على هذا الواقع المتأزّم على رؤساءها وملوكها ومستبدّيها بثورة سلميّة حرّة وان تُعيد حساباتها وتُحاسب نفسها اذا كانت تسعى فعلا للرفعة التي تُنشدها بدءاً من تطبيق مفاهيم الرقي الانساني، وانتهاءاً بأستعادة مبادءها وقيمها الاجتماعية بين الشعوب. الى ان تأخذ دورها الحضاري بين الامم والحضارات. فمامِن استبداد واستعباد اكثر وقعا على الامم والشعوب من استبداد وتفرّد الرؤساء والملوك بمقدّرات البلاد واموالها وتقييد حريّة شعوبها. وعلى الامة ان تسعى دائما الى النهوض من هذا الواقع وتتقدّم نحو البناء الحضاري.

فأمتنا لازالت تعيش في كثير من قيمها الاجتماعية والثقافية على كلاسيكيا التأريخ ، وكأن هذه الكلاسيكية هي زادنا الدائم الوحيد في نظرتنا الى التقدم والبناء، فالجميع يعلم ان من البديهيات التي لا تسوغ المماراة فيها أن النظرة إلى الحاضر لاتستقيم إلا باستقامة النظرة إلى الماضي، ووضع كل شيء منه في محلّه ونصابه السليم وإعطائه حكمه اللازم، ولكن لايعني هذا ان نبقى متمسكين بالماضي لمجرّد انه من موروثاتنا، فأمتنا لازلت بعيدة بأشواط كثيرة عن اللحاق بأقل الدول تطورا وتقدّما فضلا عن الدول الاولى المتقدمة والمتطورة فعليا. فملوك ورؤساء الامة يكنزون الاموال ويحاربون العلم والبحث والتطوّر وكأن مردوده ظررا على البلاد والعباد، بينما الدول المتقدمة ترصد الاموال الطائلة لتدعم العلم والعلماء والاختراع والابتكار بكل اشكاله وكيفما يكون فهو اساس تقدمها وتطورها ورقيّها الحصاري. فصعدوا الى الفضاء وصنعوا الصواريخ والطائرات ...الخ. بينما نحن ملوكنا يكنزون الاموال في بنوك الخارج ولايهتمّون للعلم ولا للعلماء. (وصنعوا الصواريخ والأسلحة الفتاكة والأقمار الاصطناعية، ونحن بأموالنا الطائلة لا نمارس أي أنشطة بحثية جادة. وكأن البحث العلمي عبث والعلم نفسه ترف، فمازلنا نبحث في السماء عن هلال شهر رمضان بالأعين المجردة مثلما كان يفعل البدوي في البادية منذ 1400 سنة، ولا نثق في الحساب والعلم لتحديد أوائل الشهور القمرية، في حين أنهم صعدوا إلى القمر، وحددوا لسفينة الفضاء موضع هبوطها بدقة، فهبطت به ولم تتجاوزه. ومن بين علمائنا ووعاظنا المعاصرين من يتعجب مِمّن يقول بكروية الأرض، وينفى ذلك، بل يتندر عليه).

  

صفاء الهندي

 

عـن: قراءة في السَّردِ النّسوي العربي للناقد عبد الغفار العطوي

jasim alayff(ثقافة الجسد .. قراءة في السَّردِ النّسوي العربي) كتاب للناقد العراقي (عبد الغفار العطوي)* وهو دراسات نقدية في سبعة كتب، تنوعت بين روايات وقصص قصيرة لروائيات وقاصات عربيات معاصرات حاولن أن يضعن بصماتهن على المشهد الأدبي والثقافي النّسوي المُعاصر، منطلقات من أوضاعهن وحياتهن المحلية. وقد احتوى الكتاب على مقدمة وتمهيد و(6) فصول. اهتمّ الفصل الأوّل منها بـ(فضاء الجسد بين المذكر والمؤنث)، والثاني بعنوان (ضجيج الجسد وملامح المرأة)، أما الفصل الثالث فهو (غريبة فوق أهداب دمشق عذابات المرأة)، وعُنوِنَ الفصل الرابع (حلم الليلة الأولى ولغة الجسد عند المرأة العربية)، الفصل الخامس (مسك الغزال ولغة الجسد عند المرأة)، أما الفصل السادس فكان (حياة المرأة في ذاكرة الجسد)، وختم العطوي كتابه بما( يمكن أن تخلفه المرأة من ثقافة نساء المتعة)، وثمة ثبت بالمصادر والمراجع. والكتاب قراءات مختارة تتعلق بالمرأة وهمومها الخاصّة التي تقف حائلاً في عيشها بسلام دون تمييز جنسي وثقافي وبايلوجي يؤشر وضع المرأة العربية المعاصرة كما هي في الواقع العربي الذي تعيشه، وقد درس العطوي رواية (ثريا نافع) المعنونة (فضاء الجسد/ بيروت. وقصص القاصة (هيفاء بيطار) في مجموعتها القصصية (ضجيج الجسد) دمشق. وكذلك قصص القاصة وفاء عزيز أوغلي/دمشق. ورواية الروائية ليلى العثمان المعنونة(حلم الليلة الأولى) ورواية (مسك الغزال) لحنان الشيخ ورواية الجزائرية أحلام مستغانمي المعنونة (ذاكرة الجسد).وختم العطوي كتابه بدراسة عن رواية (نساء المتعة) للكاتبة البحرينية منيرة سوار. في المقدمة يؤكد العطوي على ضرورة مراعاة الدقة التي تطرحها الكاتبات في كتابه، لأن الصورة التي قدمها للمرأة كانت بمساعدتهن لكنها لم تكتمل لصعوبة الوصول إلى تمام الإيفاء بالغايات والأهداف التي أرادت أولئك الكاتبات توصيلها، وبتواضع تامٍ، يقر بعجز كتابه عن ذلك، لكنه يؤكد الاكتفاء بشرف المحاولة، فكتابات الكاتبات التي وردت في متن كتابه قد انصرفت في كليتها إلى عالم السّرد الذي قدمت عبره الكاتبات قضاياهن بحسب ما ورد في متون كتبهن من صور سردية، ولعلها أفضل طريقة يمكن أن تؤدي بالمرأة للدفاع عن وجودها وفعاليتها البشرية والإنسانية والثقافية في اللحظة ذاتها. من المهم أن نؤكد أن المتون السردية عامة وفي الراوية الجديدة خاصة تجذب مختلف الاهتمامات لموقعها السحري- الفني وقدراتها المترابطة بإمكانيات كتابها الخاصة وقدراتهم على استجلاء الظواهر الشخصية وكذلك التاريخية واليومية الاجتماعية.فالرواية جنس سردي بات منفتحاً على الحياة وتغيراتها وديناميكيتها، ولها القدرة على الاستعانة بكثير من المكونات الفنية والأدبية والثقافية التي تقع في منطقة موازية لها، ودمجها في متنها، وهذا ما جعلها حالياً في كل الآداب القومية- العالمية وبمختلف اللغات جالبة للاهتمام وكما تقول الكاتبة الأمريكية والناشطة المدنية والمصورة الفونغرافية، المنحدرة من أصول أفريقية، الراحلة سوزان سونتاج، الرواية: "تكافح الجفاف العاطفي الذي يشعر به البشر"، مهما كان زمن ومكان ذلك الجفاف. في التمهيد الذي قدمه العطوي في كتابه الذي استند فيه على مراجع كثيرة حديثة وفاعلة في النظر للكتابة النسوية وما يستتبعه من مفهوم "الكتابة النسوية" التي أنتجت بالضرورة "النقد النسوي" لما تتناوله المرأة في كتاباتها فلقد اتَّهمَتْ "فرجينيا وولف" و"سيمون دي بوفوار" وغيرهن الغربَ، بأنَّه مجتمعٌ أبوي يَحرِم المرأة من طموحاتها وحقوقها، وأنَّ تعريف المرأة مُرتَبِطٌ بالرجل، فهو "ذاتٌ" مُهيمِنة، وهي "آخَـر" هامشي وسلبي، وتشترك معهن في هذا الأمر في العالم العربي د.نوال السعداوي وبعض الكاتبات العربيات اللواتي ساهمن في هذا الأمر منذ بعد منتصف الستينات ومنهن ليلى بعلبكي وغادة السمان..الخ، ثم برز في العالم ما يسمى بالـ(كتابة النسَوية) و(النقد النسَوي). وكان"الصراع الاجتماعي قد تركز على الجسد عبر محاولة السيطرة عليه رمزياً أو مادياً بهدف إخضاعه، و قد تحول إلى ساحة صراع بين المرأة والرجل على امتلاكه، الأمر الذي جعله يحمل شفراته الخاصة وفقا لإستراتيجية الأهداف التي ينطلق منها كل من الرجل والمرأة في علاقته مع الجسد ورؤيته إليه"- مفيد نجم. وقد حذر من هذا الموضوع مبكراً، المفكر (ادوارد سعيد)، الذي أكد أن هذا الشأن: "غامض وغير محدد"، وأيًّا كان المقصود بالأدب النسوي، " فإنَّ النقد الذي يهتمُّ به يُركِّز على الاختِلاف الجنسي في إنتاج الأعمال الأدبيَّة شكلاً ومحتوى، تحليلاً وتقويمًا، ولا يتبع نظريةً واحدة أو إجراءات مُحدَّدة، فهو يستَفِيد من النظريَّة النفسيَّة والماركسيَّة، ونظريَّات ما بعد البنيويَّة عمومًا؛ لذا فهو مُتعدِّد الاتِّجاهات" - حلمي محمود القاعود. بالنسبة للمفهوم الديني عامة، وعبر نظرة الفقه المصنوع عن طريق الفهم البشري للنصوص الدينية أو الجهات التي تعمل على تأويل تلك النصوص، وفقاً لمصالحها الدنيوية، وقد استأثرت باهتمام الفقهاء وعلماء الكلام والفلاسفة والمتصوفة كذلك، وقد قدم كل منهم تصوراته حول هذا الموضوع وكانت الغلبة فيها لصالح الرجل عموماً، فعبر تاريخ الأديان ثمة تأكيد عام انه لا يمكن اكتمال صيغة ومكونات وفهم الجسد الأنثوي وتمثيله واقعياً و ثقافياً إلا من خلال قرن الجسد الأنثوي وقراءته بعيون الذكورة ومهيمناتها. عمد الناقد العطوي في كتابه إلى توضيح النظر السائد في العلاقات السيسيو- ثقافية في عالم المرأة من خلال مهيمنتها الدينية، ونظرتها إلى المرأة بوصفها وجوداً يثير إشكالية الرمز والجمال والثقافة ويحاول أن يواجه سلطة الفحولة بندية وسنصل إلى بعض ما قدمه العطوي من رؤى في ما قرأ من متون وفي مقدمتها الفصل الذي تناول فيه رواية ثريا نافع (فضاء الجسد). فالرُّاوية تعنى بالواقع العربي الحاضن لظاهرة التمييز والمصاحب للعنف فجميع نساء ثريا نافع في روايتها مهمشات ومقهورات ومنبوذات ومقموعات.وقد قرأ العطوي الرواية من خلال مهيمنات اكتشفتها الروائية في خلقها منحى ثقافوياً ودفاعها عن عالم المرأة الذي تقضمه الثقافة الأصولية المتسلطة على مقدرات رؤية المرأة العربية في القرن الواحد والعشرين . فالمرأة التي قدمتها القاصة تحمل الغربة الكونية بصفتها امرأة نهج معرفي وليس شخصية تاريخية. وهي تتسم بالإقصاء السايكلوجي الذي يحولها أيدلوجياً خارج مكونات شخصيتها وهويتها الأنثوية. ويرى العطوي أن القاصة في جميع متون قصصها قد سعت إلى أن تجعل النسوة (شهرزادات مستلبات) يمارسن حياتهن في عالم أبوي لا يرحم (ص 50). ومن الضروري أن نوضح ومن خلال المرويات في أن (شهرزاد) لم تكن مستلبة إطلاقاً فهي التي قررت ونفذت ثم انتصرت، عبر الروي الليلي، على السفاح والسياف، وبذا أمنت لنوعها( الأنثوي) ديمومة الاستمرار لحياة نوعها (النسوي- الإنساني)، وبذا فإنها انتصرت، لا كما عدها الناقد العطوي نموذجا للاستلاب النسوي. وفي قراءة مجموعة القاصة "وفاء عزيز أوغلي" "غريبة فوق أهداب دمشق" والتي احتوت على(9) قصص محملة بمكابدات المرأة جسدياً من خلال علاقتها بالرجل، لا حظ العطوي انه من خلال تلك القصص فأن المرأة تقف منعزلة وتنطوي على غربة مع زوجها وأولادها، وكان حتى المكان مساهماً في ذلك. وفي الفصل الرابع يقرأ (حلم الليلة الأولى) للروائية الكويتية ليلى العثمان، التي جالت في تضاعيف شريحة معينة اجتماعياً وهذه الشريحة تعتمد قيماً اجتماعية ومثلاً أخلاقية قارة لكنها- الروائية- لم تسعَ للتوغل في تلك العوالم مكتفية بما أطلق عليه بـ" الكلام الناطق والصامت". كما يتابع العطوي رواية " حنان الشيخ- مسك الغزال" بوصفها وثيقة اغتراب عند المرأة العربية. وفي الفصل السادس يكتب عن رواية" ذاكرة الجسد" للروائية الجزائرية"أحلام مستغانمي" مؤكدا أن مستغانمي معنية بتأكيد" هزيمة المرأة العربية في كل مجالات الحياة". وفي الفصل السادس يدرس رواية" نساء المتعة" للروائية منيرة سوار نموذجاً و نلاحظ أن متن الرواية يهتم فيها بأربع نساء، محاطات ضمن محيط ذكوري برؤى وأفكار حولتهن إلى مجرد كيان هامشي، يستقبل رغبات الرجال وشبقهم بلا حدود. كتاب الناقد عبد الغفار العطوي الذي يعود فيه إلى (33) مصدراً قد احتل فيه الجسد الأنثوي سردياً في الحركة الأدبية النسوية العربية مكان الصدارة، وما سعى إلى تحقيقه هو البحث والنظر في سلم القيم الاجتماعية والثقافية العربية السائدة، والتي تحولت من خلالها المرأة كائناً ضعيفاً ودونياً إزاء الرجل وفحولته مهما كان مستواه الفكري والأخلاقي والمادي. ثيمة الاختلافات الجسدية التشريحية بين الذكر والأنثى لا تنصب في أطر التمايز، بل أنها اختلافات في مهمة الواجبات الطبيعية لكل من جسد الأنثى والذكر، وان نظرية الخلق الميتافيزيقية تؤكد أن المرأة كائن ناقص، رغم اكتماله الجسدي، ومنها انبتت النظرة القاصرة تجاه الأنثى والتي تجسدت في أن لآدم امتياز السبق في الخلق، وتبعية حواء الجسدية التي قادتها إلى التبعية المعنوية، وان حواء لم تخلق لذاتها، وغواية الحية- لحواء، وعري آدم لم يكن معيباً لولا حواء، وحكم عليها بعقوبة التعب والوجع في الولادة لذا تعتمد النظرة الدينية بكل توجهاتها إدانة الأنثى والتوجس منها، ويلعب الخيال والعرف الاجتماعي المتواتر دور الموجه لاحتقارها، و التشكيك حتى في طهارتها الجسدية والمعنوية. والناقد يستشهد ببعض المصادر التي تقوم بتأكيد استنتاجاته فقط، دون النظر إلى الكلية العامة لتلك المصادر التي قد تختلف في متونها الكاملة مع استنتاجاته. كتاب الناقد العطوي على أهميته وموضوعه، قد خلا تماماً من أي دراسة أو إشارة ما، لما قدمته الروائيات والقاصات العراقيات عن هذا الجانب، وهو ما يثير الكثير من الدهشة والاستغراب، مع ثقتنا بحسن نواياه، وجهده في كتابه الذي يهديه أولاً إلى صديقه القاص والروائي البصري (ياسين شامل) عرفاناً، وكذلك إلى الكاتبات والروائيات اللواتي درس ما كتبن في كتابه.  

    

*مؤسسة السياب/لندن-2013.الغلاف:للفنان عبد الكريم الدوسري.   

إصدار جديد: الغيب في القرآن الكريم للكاتب د. مهدي الحسني

mustafa kadomiكتاب جديد قد يتبادر للوهلة الاولى أنه إجترار أو اعادة صياغة لتراكيب لفظية كتبت عن الغيب او عن محكية شأنها كلام لا علاقة له بالواقع وجنبته الروحية على حد لا يتسق مع الجوهر الحقيقي للقرآن الكريم وتكراره لمفردات الغيب فيه. فكثيرون كتبوا في الغيب. وبدءاً فإنه لا يخلو كتاب تفسير أو ترجمة مفسر وكتب عقدية من المصطلح. والغيب مادة في متناول جميع موارد اللغة وموسوعاتها الاصطلاحية.

بيد أن هذا الكتاب، وموضوعه الحساس، لا يعدم الجرأة الكبيرة في تناول الغيب من مسارات لها مساس أوكد بالعلم والفهم والادراك والتأريخ والسياسة والاجتماع والعقيدة والحكم وعلى ما عليه الانسان منذ إنقطاع الوحي عنه والى آخر لحظة من عمر الانسانية. كتاب تناول فيه المؤلف عشرة محاور، كل محور له تأملاته وتطلاعاته نحو المناقشة بعد اذ لم يتمسك المؤلف بما يطرحه كحقيقة لا تقبل النقاش انما يطرحه على بساط البحث والتحاور.

المؤلف شخصه – كما ناقشته في الموضوع قبل طباعة كتابه ومن بعد ظهوره في المكتبة- يرغب ويؤكد انه يكتب لإثارة مكامن العقل وتحريكه لترشيد فكرة الغيب وتفعيلها بالنقد والمحاورة لجني الثمرة وتعميم الفائدة.

الكتاب في مجمل محاوره يقرر ان الغيب مستمر مع استمرارية الحياة البشرية، لم يتوقف على لفظية المصطلح في القران الكريم باعتباره كتاب الرسالة الخاتمة التي انقطع الوحي بعد تمامية نزول آياته واكمال دين النبي الخاتم صلى الله عليه واله. هو مستمر باعتبار ان القرآن الكريم كتاب هداية منذ نزوله وحتى اللحظة الاخيرة من حياة الخلق العاقل في هذه الحياة (فيه تبيان لكل شيء) على الانسان المكلف استنطاقه بإعتباره تفصيل وتبيان لكل شيء ولاجل تحصيل الإرتقاء والتكامل على مرّ الأزمنة المتعاقبة بعد رحيل النبي الأكرم وانقطاع الوحي عن الانسانية.

بعد مقدمة تعريف الغيب ودلالاته، ينحى الكاتب منحى علمياً بتتبعه مفردات الغيب في القرآن الكريم، يسوقها بطرق الاستدلال العقلي وسبيل المقاربة البيانية النقلية. ويخلص ليجعل منها مؤازرة تعضد المعطى الكلي المستمر للغيب في الحياة الدنيا بعد إنقطاع الوحي. وهذا ما يثبت قداسة القرآن الكريم وأهميته في شؤون الانسان طولاً مع الله تبارك وتعالى- التشريع والتكليف العبادي- وعرضاً مع بقية البشر- ذاته وأسرته ومجتمعه وتعامله مع باقي الأجناس.

يستشهد المؤلف بمبدأ النبي سليمان عليه السلام في تعامله مع اصناف ثلاثة من الخلق: الحشرات، الطيور، عفاريت الجن. ويشدد على: اذا كان تعامل هذا النبي عليه السلام مع هذه الأحياء فلماذا لا يمكن التعامل مع الجميع؟

بهذه النظرة والقيمة المعرفية الى الغيب في القرآن، يوفق المؤلف الى مسائل عديدة كل واحدة بإرتباط وقيمة من حيث التشريع والحكم والسياسة ليصل الى العوامل السلبية التي جلدت أظهر الناس في القرن الاول والثاني من حياة الاسلام مستمرة لازالت تسود حتى اليوم والى قيام الساعة.

الكاتب يعتبر الغيب منبع المعلومات للانسان المستخلف في الارض، لكن كيف؟ وبأي آلية يتمكن المستخلف من استشراف المعلومة من الغيب في القرآن؟

هنا يتركز بحث الكتاب على موضوعة اللغة، حيث المجاز والتشبيه والحقيقة وحيث الظاهر والباطن والتفسير والتأويل وحيث المغزى والإشارة، وبالتالي اللغة التي من دون إدراكها بصورة واعية تطابق الواقع القرآني وانساق غيبياته التي يصرخ بها آناء الليل واطراف النهار فلا ولن يتم فهم الغيب.

ببيان آخر: لن يتسنى للانسان فهم الغيب واستشرافه لخدمة حياته من دون اللغة الواقعية التي عناها المؤلف في موضوع بحثه في الكتاب ومنها الحقائق العلمية التي تكفل الزمن ولازال بإكتشافها.

562-mahdiيقدم الكتاب امثلته – بحسب فهم المؤلف لها وبحسب تقديره انها المناسبة والمطابقة للواقع الحياتي المتخدام مع المسيرة الانسانية الطويلة، مع ما لدينا وربما للاخرين كذلك وقفة نقدية او مناقشة في مثل هذه الاراء- بيد ان المؤلف ذاته كما صرح لنا مراراً انه يرغب في تلقي نقداً حقيقياً موضوعياً لكل فكرة يطرحها موضوع الغيب، باعتبار أهميته القصوى التي يوقف المؤلف تطور الانسان واستمرارية حياته عليها باعتباره غيب يحويه القرآن الكريم فيما بين الدفتين.

لم تغفل صفحات الكتاب عن الاستشهاد بالكثير من الحقائق العلمية التي غفل البشر عنها ولم يكتشفها إلا بعد مرور أكثر من ألف سنة على إنقطاع الوحي. وهي حقائق ذكرها القرآن الكريم منها قصة غراب إبني آدم عليه السلام ، ومنها قصة أهل الكهف ( بذكرٍ جاء عليه المؤلف بتفصيل) وفيها التفاتة علمية قيمة تتعلق بجوانب كان الانسان يعتقدها على نحو مغلوط، فبيّنها القرآن ضمن غيبياته التي اكتشفها انسان اليوم ومنها علاقة النوم بحاسة السمع والأذن لا العين وغيرها كثير.

لا ننكر ان الكاتب لم يقطع بآرائه ولم يجعلها جزما بل ان البحث مدعاة لإثارة ذهنية القارئ في المناقشة ومدارسة محاور الاحتمالات.. لأجل جذب الرؤية المناسبة والدفع للمزيد من التأمل والتحقيق ومتابعة الغيب المذكور في القرآن الكريم.

القرآن الكريم عند الكاتب، دستور ومنهج مقدس. وبحسب تعبيره: مشروع حياة وان القرآن الكريم بما هو قداسة يعطي النظرية، ويلزم الانسان (فرداً وجماعة) العمل والتطبيق والممارسة الإيجابية مع مبانيه. فالقرآن الكريم يستخدم الحقيقة والمجاز والاشارة والمثال والتصريح وعلى الانسان التطبيق واكتشاف المراد الحقيقي الواقعي.

وبتقديري، فإن القارئ المهتم لن يترك عينه تمرّ بيسرٍ على الكثير من الموارد التي يطرحها هذا الكتاب، لأهمية تتعلق فتصل ربما الى الإعتقاد والمعتقدات. فمثلا إن الكتاب يستعرض مسائل الحكم والتسلط ومظلومية الناس وأنه يعود الى الصراع الاول الحاصل في فترة محددة ما بعد وفاة النبي الاكرم صلى الله عليه واله، ويقصد بها فترة الخلافة والصراع الشديد الحاصل، يجعله المؤلف في الفكرة لا في الشخوص. وانه في مرحلتهم لن يتعداها الى التالية وههنا حتما سيجد السيد الكاتب من يخالفه في هذا التوجه رغم ان القرآن الكريم يصرح: (تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون)، ورغم ان المؤلف يسوق امثلة وأدلة تعضد رؤيته بيد ان رؤيتنا أيضاً قد يساندنا فيها الكثير من القراء في: ان الآية الشريفة حق، وان: لتلك الأمة ما كسبت ولنا ما كسبنا ولا نسأل عما فعلوه، لكن يبقى الاثر ويبقى المتوارث الذي ألغى او كاد يلغي هويتنا كأمة اسلامية وما نحن نعيشه اليوم من كارثة يبقى كله يتطلب مناقشات وأدلة واقعية لمعالجته.

الكتاب بصفحاته ال 160 لا يدعي إدراكه لكل معاني الغيب الموجود في القرآن الكريم ولا يدعي استشرفه معاني الغيب ومغازيه وجمع اسراره.. بل المؤلف يعلن عجزه وعجز البشرية حتى اليوم عن درك تلك الاسرار التي في باطنها اسرار وألغاز كلها تنتظر من يفككها ويستشرفها ويقدمها لخدمة الانسانية.

سرّ الأسرار في القرآن الكريم ومغيبات الغيوب فيه وهي كلها بقدرته تعالى جعلها قاب قوسين أو أدنى من إدراكنا وفهمنا، لا تحتاج إلا الى من يعرف كيف يستخدم مفاتيح اقفالها. ولهذا نعثر على تصريح للكاتب في ص 74 من كتابه يقول:

(من خلال تجربتي مع القرآن الكريم التي مضى عليها ما يقرب الخمسون عاماً وأنا أقرأ القرآن، أمرّ بآيات كأني لم أقرها منذ ولدتني أمي والمشكلة لا تكمن في عدم الانتباه أو الاصغاء أثناء القراءات السابقة، بل تكمن في الإلتفات الى معنى أو مفهوم جديد أثناء القراءة لهذه المرة الأخيرة، ولو عاش الانسان عمراً طويلاً وهو مستمر على قراءة القرآن لمرّت عليه آيات جديدة في كل قراءة. والسرّ يكمن في المفاهيم والمصاديق والافكار والرؤى التي يستلها القارئ من الآية أو السورة). هذه حالة تدلل على الغنى القرآني.

يذهب الدكتور الحسني الى مسألة التطور وترقي الانسان في سيره بهذ الحياة. فيعتقد أن الأمم السابقة على غير ما نحن عليه من الفهم والادراك وطبيعة التعقل. ولذلك لم ينقطع عن سلالاتها الوحي بل تركز في دورات مكثفة فبعث الله تعالى اليهم اكثر من مائة الف نبي، في حين ان مجتمع ما بعد انقطاع الوحي أي بعد وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلغت الأمة مرحلة الاستيعاب والنضج كضرورة ميدانية لم تقتض غير تعهده تعالى بحفظ القرآن الكريم. طبعاً مع مشروطية التعاطي الواقعي مع تبيان القرآن الكريم./ هكذا يرى المؤلف.

لنا كمتابعين وقراء أن نسأل عن مدى تطابق الرؤية أعلاه مع واقع الأمم السالفة ومع واقعنا كأمة ما بعد الوحي؟

هذه احدى النقاط الجوهرية التي تعرّض لها الكاتب وتستحق البحث باستمكان الدليل والشواهد التأريخية والحضارية والعلمية، سواء كان الدليل يعاضد الرؤية هذه أم يخاصمها، فالنتيجة تصبو الى اعطاء جواب تام عن مسألة انقطاع الوحي عن الانسانية.

في الكتاب أيضاً: تلاحظ إشارات وشواهد اتى بها المؤلف كمقدمات في محاوره العشرة لم تهمل السياسة والدولة ونظرة القرآن لهما. وبذات الحال يستفهم الكاتب عن معان ربما تشكّل في ذهنية قارئ القرآن نوع تناقض كما في آية: (إن الحكم الا لله) و:( وأمرهم شورى بينهم). أو في أمثال آيات القتل والقتال والجهاد المتعارضة مع روح دعوة القرآن السلمية ودعوة الهداية والجدل البناء باللتي هي أحسن واقوم وبالحكمة وبسبل الرحمة الكثيرة التي تروم المودة وتشيع الخير والصلاح والسؤدد بين الناس.

خلاصة مذهب الكاتب ههنا، تكمن في ان التأريخ ورجاله لم ينقلوا الحقيقة، حقيقة ان القرآن الكريم ودعوة الوحي سلمية وخير وان حروب النبي صلى الله عليه واله انما كانت دفاعية عن النفس ونابعة من معتقد ومبادئ النبي المقدس.

وههنا ايضاً يستشهد المؤلف بأقوال وفعال النبي وكذلك لأقوال الإمام علي عليهما السلام تبين المنهج القرآني الكريم في الحياة.

في محور حساس، يتطرق الكتاب الى الصراع بين هوية السنن والمصلحة الضيقة. أو ما يطلق عليه المؤلف صراع بيولوجيا الهويتين فيثير أمثلة تؤدي الى تنافس العمليتين (عملية الهدم وعملية البناء) في الحضارات الانسانية. ثم يستدل من القرآن الكريم على ان الانسان هو صاحب الخطوة الاولى في العمليتين اي في الهدم وفي البناء. وكله – الانسان – أثراً في حركته في العمليتين يمكن استنباطه من الغيب القرآني كما يشدد المؤلف باعتبار ان الغيب بنص القرآن يؤثر على الانسان.

من الامور الهامة ايضاً التي يثيرها المؤلف موضوع تعدد العوالم في المكان والزمان المحددين،،! والعالم عنده يتحمل اكثر من وجود واكثر من عالم..!

قراءتي تشخص أن فكرة المؤلف هذه تؤدي الى رفض فكرة وحدة الوجود، رغم ان الكاتب يسعى جاهداً لتسيير اكبر قدر من الآيات القرآنية التي تعضد فكرته في التعدد. لكن الملاحظ على ان للنظرية العلمية اثرها البالغ في ذهن المؤلف مما تدفعه للقول بالتعددية الوجودية. وهذا ما يلمسه القارئ في اقتباس المؤلف للفكرة من الويكيبيديا في صفحتي 88 و89 من كتابه.

في محور اخر يشبع الكاتب بحثه دون إسهاب بأدلة تتسق لإختياره الأنسب لموضوعة التسالم وهدف الانسان في اعمار الارض بالمودة والسلم، وفي ههنا يقدم الآيات المبرهنة على وجود الحل الناهض دوما لمشكلة الانسان مع اخيه الانسان والتعايش معه في انماط الحياة التي تفرضها السنن.

في جديد هذا الكتاب: محور فكري شيق خصصه الكاتب مستقلاً برهافة متميزة حينما يتكلم فيه عن لغة الإشارة في القرآن الكريم. فلغة الاشارة التي يطلق عليها المؤلف (لغة الجسد) يوضح من خلال بحثه مديات اثرها حتى في اللاشعور. ومن ثم ليُمثّلها بتاثيرات الشخص المتكلم على السامع ويُرجع الفضل في اغلبها الى لغة جسده. بمعنى آخر: التواصل غير اللفظي المسند بلغة الكلام وتاثيرهما معا على المتلقي.

يخلص المؤلف كنتيجة أخرى من نتائج بحثه الى مسألة ان القتال مصطلح يفرق عن مصطلح الجهاد الذي سقط في التفريق بينهما الكثير من الخلق، فبات القتل وجلجلة الحروب منطقاً يحسبونه جهاداً يغنيهم في الدنيا وسينجيهم يوم الآخرة.!

يؤشر المؤلف على جملة امور لها أهمية كبيرة منها فساد الافهام واستخدامها السيف والاحتراب ويبين اسباب اؤلئك مذكراً بأداء النبي الاكرم صلى الله عليه وآله ودعوته المسالمة المنافية والمتقاطعة مع دعوة السيف والقتل ومنطق العنف.

يختم الباحث كتابه في تشخيص أهم العوامل التي أبعدت القرآن الكريم عن قيادته للدولة وأداء مهمته وغايته في سعادة الانسان وتنظيم حياته في مناحيها كلها.

تبقى المسألة أهم من الكتابة ومن المطالعة فقط، في ان تبدى الملاحظات ويمارس النقد ونكت المتلابس فيه ومحاولة استنهاض الادلة اللازمة كي نرى: هل اننا نفهم قرآننا حين نقرأه؟

 

الكاظمي/ ملبورن- مايس

2014

رواية مجانين بيت لحم للكاتب والروائي اسامة العيسة

رواية مجانين بيت لحم للكاتب والروائي المرموق اسامة العيسة، كشفت لنا بعض الستر عن احداث وقعت في المدينة الفلسطينية التاريخية بيت لحم، احداثا لم يكن ليعرفها المواطن البيت لحمي او القارئ لو لم يقرأها في فصول الرواية، لانها كانت مخبوءة، رواية استطيع أن اقول كتبت بسرد ادبي فني لايرغب القارئ في انهائها، لما تحتوي من قصص قصيرة بامتياز بلغة ادبية جميلة، سلسة، متينة، متسلسلة، قوية النصوص متماسكة المتن..انها بناء روائي مشوق قد تصل بأخذك الى نهايات اقرب الى الكلاسيكية لكل قصة.

رواية تتناول قصصاً متنوعة، فهي تحكي تأريخ لاشخاص ومعالم وأحداث بمشاهد مشوقة، حكايات لاشخاص برع الكاتب في سردها بلغة ادبية قد استطيع أن اقول عنها "إنتلجنسيا" ادبية واعدة بعيدا عن الخطابة والتمجيد، انا لاازعم بأني ناقدا بل انا متذوقاً للأدب الجميل والذي هو بناءً معقدا جدا، يجذبك ويجعلك تنهم ونغرف منه ما استطعت لتغذّي به الروح

والتي كثيرا مايعتريها اليباب، لكني هنا وحسب صديقة قارئة ":ساق لنا الراوي العيسة فصول الرواية بشكل ممتع واستطيع أن أقول أخّاذ، ولن أبالغ إن قلت هذه هي الكتابة مابين المنولوجية_والمنودرامية

اللانمطية والذي نحن نفتقرها كما نفتقر الكاتب العضوي المتمكّن، وهذا ما آل اليه أدبنا المحليّ

وأخيرا لايسعني هنا الا ان أقول ومن وحي المناسبة: ايها الكتاب والرواة لاتقتلونا بلزوّدونا  دائما بالجميل من الأدب كي نملأ به جعبنا الثقافية، المقاومة لنقاوم الجراد ألذي يستهدف التهام ادبنا وثقافتنا ليخرجنا من الجغرافيا والتاريخ عراة امام العدو المتربص بنا

ماذا سنجد غير الدهشة .. رحلة مع مسافر مقيم للرحالة باسم فرات

saleh altaeiأدب الرحلات، هذا المسمى الواسع، يطلق عادة على ما يدون عن المشاهدات والسماع والقراءة أثناء رحلة أو مجموعة رحلات يقوم بها الكاتب شخصيا، حيث يسجل ملاحظاته عن تلك الرحلات، ثم يعود ليوثقها حسب أسلوبه وخلفيته الثقافية والعلمية وتخصصه، فتأخذ صورتها من صورة تخصصه، فما يوثقه الشاعر يختلف عما يوثقه عالم الحفريات أو عالم النبات أو عالم الجيولوجيا، ويتحول مثل هذا النوع من الكتابة عادة إلى مصدر مهم من مصادر علوم الجغرافية والتاريخ والاجتماع بسبب معايشة الحدث واقعيا والنقل مشاهدة لا سماعا، مع أن للسماع دورا لا ينكر، وعليه تجد فضلا عن الفوائد الكبيرة لمثل هذا النوع من الأدب، نوعا من التسلية والمتعة لدرجة أنك تشعر أحيانا وكأنك تتجول في المكان الذي يتحدث عنه الرحالة وتعيش معه مغامرته؛ لأن النفس الإنسانية مجبولة على حب الاستطلاع.

جاء أدب الرحلات من خلال تسجيل الرحالة ملاحظاتهم ورؤاهم؛ سواء كانوا مستكشفين أم جغرافيين أم هواة سفر أم موفدين لأغراض سفارة بين حكومتين أم بدوافع سياسية أم جمع معلومات عن منطقة ما، لما تقع عليه أعينهم أو يصل إلى آذانهم بما فيه من  الأساطير والخرافات.

ومع أن التجوال سمة لازمت الإنسان عبر تاريخه الطويل، وحالة فرضتها عليه أنماط الحياة التي كان يعيشها، إلا أن العراقيين القدماء قد يكونون أول من أهتم بأدب الرحلات، ربما من خلال سرد كلكامش البابلي للمخاطر التي واجهته أثناء رحلته بحثا عن ماء الخلود، وكأنهم أرادوا القول أن السفر عبر المسافات بما فيه من تعب ومخاطر يأتي دائما للبحث عن هدف عظيم، فهو عند كلكامش بحثا عن ماء الحياة وعند عنترة بحثا عن مهر الحبيبة. وهو على العموم بحث عن هدف ما يجعل الحياة أكثر جمالا وروعة، ومن العراقيين القدماء أخذ الإغريق هذه الصنعة فكتبوا ملحمة الأوديسا الإغريقية، وجالوا في البلدان. وفي مرحلة من مراحل التاريخ العربي كانت هناك رحلات من نوع آخر مثل ملحمة أبو زيد الهلالي وملحمة الزير سالم أبو ليلى المهلهل ورحلة عنترة العبسي، وغيرها.

ثم شاع بين العرب حب السفر بحثا عن جديد بعد أن فتح الإسلام أقفال قلوبهم وزرع فيهم حب العلم والتعلم. لكن الغريب في الأمر أن أكثر الرحالة المسلمين كانوا من أهل شمال أفريقيا وبلاد الأندلس، مع قلة قليلة من المشرق العربي، وأغلبهم كانوا مكلفين بمهام رسمية، وقلة منهم كانت مهتمة بالعلم والإطلاع. وكأنموذج لهاتين الخاصيتين، نأخذ:

1ـ البيروني: وهو أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني (ت 440 هـ)، كان فيلسوفًا وفلكيا وجغرافيا وجيولوجيا ورياضياتيا وصيدليا ومؤرخا ومترجما، دخل الهند برفقة السلطان محمد الغزنوي عند فتحها، فلبث فيها أكثر من أربعين عاما يكتب عن جغرافية وثقافة وتاريخ وعقائد ولغات وأصول هذا البلد، فترك ثروة فكرية عظيمة، منها مدونة رحلته (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة)

2ـ سلام الترجمان: الذي قام برحلة إلى حصون جبال القوقاز، والأصقاع الشمالية من قارة آسيا، سنة 227 هجرية، بحثاً عن سد ذي القرنين ويأجوج ومأجوج، بتكليف من الخليفة العباسي الواثق باللّه؛ الذي رأى في المنام أن السد الذي بناه ذو القـــرنين قــد نُقِبْ، فـــــأفـــــزعه ذلك، وهي الرحلة التي روى قصتها "الإدريسي" في كتابه (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق)، ورواها "ابن خرداذيه" في كتابه (المسالك والممالك)، والتي اعتبرها المستشرق "دي خويه" واقعة تاريخية جديرة بالاهتمام، وأيده في هذا الرأي مجموعة خبراء منهم خبير الجغرافيا التاريخية "توماشك"

3ـ ابن بطوطة: محمد بن عبد الله بن محمد اللواتي الطنجي (703 - 779هـ) وهو مؤرخ وقاض وفقيه من مدينة طنجة في المغرب، ابتدأ رحلته سنة 725 هجرية لأداء مناسك الحج، ثم استهواه السفر طاف في البلاد.

4ـ لسان الدين بن الخطيب: من غرناطة، كتب عن المغرب التي مكث فيها منفيا كتابين، الأول (خطرة الطيف في رحلة الشتاء والصيف) والثاني (نفاضة الجراب في علالة الاغتراب)

5ـ ابن خلدون: مغربي رحل إلى بلاد الأندلس وأقام فيها ضيفا على ملك غرناطة من بني الأحمر، وأشبيلية حين أوفده الملك في سفارة إلى حاكمها المسيحي، ثم مصر التي أقام فيها قرابة ربع قرن متقلِّبا بين مناصب التدريس والقضاء. وله في أدب الرحلات، (نفاضة الجراب في علالة الاغتراب)

 6ـ أحمد بن قاسم الحجري المشهور بأفوقاي، وهو رحالة موريسكي هرب سنة 1597ميلادية من بلاد الأسبان، ضواحي غرناطة، خوفا من محاكم التفتيش وسكن بلاد المغرب وعينه سلطانها زيدان الناصر بن أحمد سفيرا له في بلاد أوروبا، فجمع المغامرات في كتابه.

7ـ أحمد بن المهدي الغزال: فقيه وسياسي ودبلوماسي وأديب مغربي، كان الكاتب الخاص للسلطان محمد بن عبد الله، أرسله السلطان سفيرا لدى ملك إسبانيا بين سنوات 1766 - 1767م، فصنف كتاب (الاجتهاد في المهادنة والجهاد)، دَوَّنَ فيه رحلته إلى إسبانيا.

8ـ المكناسي: أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب بن عثمان المكناسي (توفي 1799م) أصله من مكناس في المغرب، وهو رحالة ومؤرخ ووزير السلطان سيدي محمد بن عبد الله، الذي بعثه سنة 1193 هجرية سفيرا إلى إسبانيا، بدلا عن السفير أحمد بن المهدي الغزال، وألف المكناسي (الإكسير في فكاك الأسير) و (البدر السافر لهداية المسافر إلى فكاك الأسارى من يد العدو الكافر)، الذي دون فيه مشاهداته خلال تلك السفارة

9ـ ابن جبير الأندلسي الذي ابتدأ سنة 585 للهجرة أولى رحلاته.

10ـ الإدريسي الأندلسي: محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس يرجع نسبه إلى الإمام الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب(ع)، ولد في مدينة سبتة في المغرب سنة 493 هـجرية، وسكن غرناطة، ولقب بالصقلي لأنه اتخذ جزيرة صقلية مكاناً له بعد سقوط الأندلس، ألف كتابه المشهور (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) والمسمى أيضًا (كتاب روجر) أو (الكتاب الروجري) وذلك لأن الملك روجر ملك صقلية هو الذي طلب منه تأليفه

قبالة ذلك نجد أن أشهر رحالة المشرق، هم:

1ـ ابن فضلان، هو أحمد بن العباس بن راشد بن حماد البغدادي، عالم إسلامي من القرن العاشر الميلادي، أرسله  الخليفة العباسي المقتدر بالله سفيرا إلى ملك الصقالبة (بلغار الفولجا) سنة 921م.

2ـ المقدسي: محمد بن أحمد البشاري المقدسي صاحب (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم)، وهو من بيت المقدس في فلسطين.

أما المسعودي مؤلف (مروج الذهب): وهو أبو الحسن علي بن الحسين بن علي، فيشك في أصله، قيل أن مسقط رأسه بغداد، وقال ابن النديم: إنه من المغرب، وربما جاء الاختلاف من كونه كان نزيل مصر، وتوفي بها سنة 346

المهم أن هؤلاء الرحالة العرب المسلمون هم المؤسسون الحقيقيون لأدب الرحلات وللدراسات الانثروبولوجية، وإذا ما كانت القواميس قد عرفت الدراسات الانثروبولوجية بأنها: دراسات علم الإنسان الطبيعية والاجتماعية والثقافية، فإن ما قام به الرحالة العرب وما دونوه في مدوناتهم يكاد يكون الأصل الأول لهذا العلم.

الرائع في أدب الرحلات انه لم ينقرض مع ما انقرض من متعارفات إنسانية عبر التاريخ، لأنه بقي إحدى مناطق التوهج التي يبحث فيها العقل الإنساني عن ذاته، وأحد أكبر أسرار العالم المجهول، الذي يبحث الإنسان فيه عما خفي عنه من وسائل إشباع غريزة البحث عن الجديد والمدهش. وإذا ما كانت الرحلات القديمة قد جرت غالبا بأمر السلطان فإن كثيرا من الرحلات المعاصرة جاءت هروبا من السلطان الجائر، ولنأخذ على سبيل المثال الشاعر العراقي الكربلائي باسم فرت، هذا الفرات العذب من أنهر العراق التي تحصى عددا ولا تعد عذوبة، الذي قادته صعوبة الحياة في العراق ومحاولات الدكتاتورية تكميم أفواه الجماهير إلى الهجرة بعيدا لأنه لم يطق أن يغلقوا فمه؛ وهو الشاعر المفوه، هكذا بقليل من الحسابات ودون أن ينظر إلى الوراء حمل بعضا يسيرا من حاجياته الشخصية، ويمم وجه شطر المجهول، ورحل بعيدا، ثم كتب له أن يعيد تنميط الآخر في مخيلتنا من خلال الصور التي رسمها خلال خطوط رحلته من العراق إلى الأردن ثم نيوزيلندا فاليابان فلاوس في كمبوديا، ليضع رحله ويلقي عصاه في أمريكا اللاتينية، وفي الإكوادور تحديدا، وليبدأ من هناك تسطير رؤى مدهشة من عوالم السحر والخيال الممزوج بالحقيقة والفانتازيا من عالم أمريكا اللاتينية السحري متداخل الأعراق والثقافات والأصول، تلك الأقوام التي تقاتلت بوحشية قل نظيرها ثم أعادت ترتيب أولوياتها وتشكيل نفسها. حيث يرى أن السفر حاجة لا غنى عنها [ص90]

ولقد نجح باسم لأنه كان يهدف إلى نقل هذه التجربة إلينا قبل غيرنا، فالرحالة في نظره كطالب العلم يبحث عن مطلبه في أنسب الأماكن، فهو يرى الطبيعة كتابا يقرأ فيه ليتجاوز الامتحان[ص169] وهو في الواقع رحل بحثا عن قصيدة أو ذكرى تكون رصيدا له في قابل الأيام[ص204]

وهو من النوع الذي يكره أن ينقطع ذكره أو يمحى أثره، فطالما أنه يرى الحياة هي الأبدية، فلابد له حتى لو رحل أن يترك ما يذكر الآخرين به: "ففي شيخوختي التي أرجو أن تكون بعيدة سوف يرتد طرفي إلي فلا أرى ما استند عليه سوى هذه الرحلات والمشاهدات والمعايشات فهي عصاي وزوادتي لكن لا مآرب لي فيه[ص204]

كانت الهمسات التي سطرها باسم في كتابه (مسافر مقيم) بأسلوب جديد في أدب الرحلات قد اعتمدت على شاعريته وخياله الخصب وملكته الأدبية وقراءاته العميقة لتاريخ العراق، والإفادة التي حققها من هذه القراءة، بما مكنه من التوغل في امتدادات التاريخ: اللغات والديانات والثقافات والأقوام والإثنيات، وأخير فلسفته التي يؤمن بها، والتي لخصها بقوله: "فشعاري دائما: يجب أن ابتسم حين أواجه الموت لأجعل الابتسامة آخر ما افعله في هذه الدنيا الرائعة، كم احبك أيتها الحياة فأنت أبديتي الحقيقية[[ص49]]

ولذا اختار مكانا قد لا يكون عراقيا آخر قد سبقه إليه، أو ـ في الأقل ـ أقام فيه، وهي الإكوادور، فهو يبحث عن أماكن لم تفك عذريتها خطوات شعراء وأدباء قبله، "فلا قيمة للاماكن التي سبقني إليها شعراء وأدباء ومجانين ومغامرون،لأنها تشعرني بذات الرايات في تراثنا وما ارخص ذوات الرايات" [ص78]

في رحلته الطويلة ربط باسم رؤاه عن البلد الذي أقام فيه، مع رؤاه عن البلدان الأخرى التي مر أو أقام فيها، ثم ربط ذلك كله بالعراق بأسلوب المقاربة والتذكير وكأنه يحث المسؤول العراقي أو يذكره بقصوره وتقصيره، وكان إذا رأى مكتبة قارب ذلك مع بلدان أخرى ثم عاد إلى العراق، وإذا رأى متحفا عمل الشيء نفسه، وإذا رأى متنزها أو حديقة عامة أو مهرجانا تراثيا أو طريقا مزروع الجانبين، ولذا تراه حينما يتحدث عن نيوزلندا التي يقل عدد نفوسها عن أربعة ملايين نسمة يقول: "كل مدينة وبلدة مهما صغرت لابد من مكتبة ومتحف فهما إيقونة البلدة"[ص57]

وحينما يتحدث عن كيتو يقول:"وجدت في كيتو عاصمة الإكوادور عدة متاحف رغم أن نفوس كيتو لا تزيد عن 35% من نفوس بغداد... وقد زرت مستوطنات وقرى للسكان الأصليين هي عبارة عن متحف حي"[ص57] وحينما يتحدث عن لاوس هذه الجمهورية الشيوعية التي تعد احد أفقر عشر بلدان بالعالم، يقول: "ففيها قدر لي أن احضر نشاطات ثقافية هائلة"[ص96] ليربط ذلك بالعراق محاولا الإفادة مما رآه وليقف بوجه ثقافة الإقصاء والكراهية التي تحكم البلد اليوم، ليقول: "فكنت أتساءل ما المانع مقارنة بنيوزلندا وسواها أن يكون لنا في كل محلة بغدادية وموصلية وبصرية ونجفية وكربلائية وكوكوكية متحفا يضم تاريخ المحلة وحرفها وصورا لمشاهيرها... ألا يستحق الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان تمثالا بل متحفا في الكوفة يضم كل ما كتب عنه وهو احد أهم ما أنجبته المنطقة وأكثرهم تسامحا وانفتاحا؟"[ص58] أو كما يقول في مكان آخر متحدثا عن لاوس: "حيث الفقر المدقع والنظام الشيوعي وتعدد مذهل بالتنوع الاثني يربو على مائتي اثنية في بلد تعداد نفوسه ستة ملايين"[ص 82]

إن بغداد بالنسبة إلى باسم فرات بالرغم من جراحها تبقى (مدينة السلام) فلماذا لا نترجم هذه الحقيقة ونذكر الناس بها؟ يقول باسم فرات في حديثه عن ميناء لوبيز أن فيه يافطة مكتوبا عليها كلمة (سلام) بأغلب لغات الدنيا بما فيها العربية"[ص61] فلماذا لا نعمل يافطة مثلها في بغداد؟!

في رحلته الطويلة كان باسم فرات يحمل العراق بين جوانحه وهو يتنقل في أصقاع الدنيا، ولطالما ذكرته صورة ما مهما كانت بسيطة بالعراق، فهو حينما يسمع باعة السمك أو الباعة المتجولين ينادون على بضاعتهم يتذكر مدينته ويتذكر العراق ربما لأنه، وكما يقول: "وأنا الشغوف بمناداة الكسبة حيث انتمائي لهم"[ص62]

لقد اثبت باسم فرات أن السفر لا يمكنه لوحده أن يخلق رجالا، فالثقافة والعلوم العامة جزء مهم في هذه المهمة الكبيرة والصعبة، لأنها تتيح إجراء المقاربات بين الرؤى والمرئي، وما موجود من ذكريات في خزين العقل يستفزه أكثر من منظر تربطه به وشيجة تخلق تحديا، ولمَ لا فعقلاء العالم يبدأون من انتهى الآخرون، ونحن بعد ان تأخرنا كل هذه القرون ممكن لنا أن نفيد من تجارب الآخرين في بناء بلداننا ومستقبل أجيالنا.

انطلقت أضواء هذه الرحلة الشيقة والمدهشة والغريبة في يوم 23 تموز 2012 لتصل بعد ساعات البوح ومحطات الدهشة والخطر في يوم 8 حزيران 2013 إلى نهايتها، ثم جمع باسم حصيلتها في إيقونة، وتقدم بها إلى مسابقة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة في موسمها 2013ـ2014  فحققت الفوز بالمرتبة الأولى، وطبعت بشكل أنيق لتأخذ مكانها في صدارة كتب أدب الرحلات المعاصرة، ولتحقق للعراق مكسبا جديدا لم تسلط عليه الأضواء، إن فوز (مسافر مقيم) لباسم فرات في مسابقة ابن بطوطة، وفوز رواية (فرنكشتاين في بغداد) لأحمد السعداوي في البوكر وكثير من التألق العراقي الذي لم يأخذ مكانه الحقيقي بين العراقيين، لا يمكن أن يسكت عنه، وأنا أرى أن من واجب الحكومة العراقية أن تقوم بتسليط الأضواء على هذه المنجزات الكبيرة، وتكريم الرجال الأفذاذ الذين حققوا هذا النصر العراقي الكبير، تكريما يليق بمنجزاتهم الكبيرة.  

 

د. خير الله سعيد يصدر كتاب: دراسات في الموال العراقي

561-kharعـن (مؤسسة الثقـافـة الشعبية في البحرين - وبالتعاون مع المنظمة الدولية للفـن الشعبي I O V) صدر في مستهل شهر أبريل – نيسان 2014م ، كتاب الباحث العراقي د. خيرالله سعيد (دراسات في الموال العراقي) وهو أوّل دراسة نقدية في هـذا الإطار ، من الناحية الأكاديمية ، أخضعها الباحث الى مسارات تاريخية ورؤية نقـدية تخضع الى المعيار المعرفي – الفني في عملية تحـديد مفاهيم الرؤية النقدية لدراسة فـن الموال العراقي، من حيث النظم وشكل التعامل معه، بوصفه أدباً شعبياً ، انتقل من الفصيح الى العـامي، في سلسلة متطورة تاريخياً، خضعت الى مفاهيم عصرها الأدبية، ومن ثم أصبح هـذا الفـن واحداً من أبرز عـلامات الأدب الشعبي في العـراق، ثم انتقل منه الى بقية الأقطار العربية .

الدراسة ، تقع في 112 صفحة من الحجم الكبير، قُسّـمت الى الأبواب والفصول التالية:

آ- المقدمة .

ب- الباب الأول – وشمل الفصول التالية:

1- الفصل الأول:

561-khar* تمهــيد منهجي .

* تعـريف المـوّال .

2- الفصل الثـاني:

* إشكالية التسمية .

* وزن المـوّال .

* نشـأة المـوّال وولادتـه .

3- الفصل الثالث:

* المــواليـا .

ج – البـاب الثـاني: (أنـواع الموال العراقي) .

1- الفصــل الأول: المـــوّال الربـاعي .

2- الفصل الثـاني: المـوال الخماسي – الأعـرج .

3- الفصل الثالث: المـوال السداسي – الأعـرج (النعمـاني) .

د – البـاب الثالث: المـوال الزهـيري .

1- الفصـل الأول:

* تسمية الموال الزهيري .

* وزن المـوال الزهيري وزحـافاته .

2- الفصل الثـاني:

* استقرار النظم في الموال الزهيري وظهـور الجناس .

3- الفصل الثالث:

* التفـنّـن في نظم الموال الزهيري .

4- الفصل الرابع:

* توشـيحة المـوال الزهيري

هـ - البـاب الـرابع: تطورات النظم في المـوال الزهيري .

1- الفصل الأول:

* المـوال العشيري .

2- الفصل الثـاني:

* المـوال المشـط .

و – البـاب الخامس: دراسات قصيرة عن بعض الموالات المختـارة.

ز – البـاب السادس: نمـاذج من المـــوال العراقي .

ح – الإحـالات والهـوامش .

إن هـذه المحاولة في دراسة الموال العراقي، تكشف عن مقدار الجهـد التاريخي الذي بذله المبدع العراقي لهـذا الفـن البديع، حيث ان دأبـهِ لتطوير شكل الموال ومضمونه وبناءاته استغرقت أكثر من ثمانية قـرون، وهي ملاحظة تستوقف الباحث عن مـدى شغف العراقيين بهـذا الفـن الشعري المتميّز في المجتمع العراقي.

والدراسة تقـدّم كشفاً منهجياً لمعرفة أسرار الوعي عند (المواطن العـادي) وشكل تحسُّسِـهِ للفـنون والآداب التي يعبّـر بها عن أحاسيسه وانفعالاته، بحيث يخلق (المناخ الأدبي الخاص بـه) رغم الأميّـة التي يعيشها في هذه البيئة أو تلك ، من مناطق العراق المتعددة ، والمختلفة بلهجاتها وقوميّـاتها وفولكلورها وعاداتها وتقاليدها، إلاّ انها تتوحّـد في (نظم الموال العراقي) من حيث شكل الممارسة الكتابية في هـذا الأدب الشعبي، التي يكتبها (قاموس) كل منطقة شعبية، له حضوره في مفردات الموال الخاصة ببيئته.

شريعة المُثلة تؤسس للرفق بالإنسان والحيوان حيّا وميتا

nadheer khazrajiبعد ربع قرن من الهجرة اعتدت في كل زيارة الى العراق منذ عام 2003م أن أتجول في العاصمة العراقية بغداد أتمتع بمناظرها وشوارعها وآثارها واستأنس بحركة الناس ذات اليمين وذات اليسار، كل منشغل بالحياة اليومية، وفي العام 2008م وبعد أن تراجعت بشكل كبير عملية الخطف والقتل على الهوية الطائفية بفضل الاجراءات الحكومية، طفنا في شوارع بغداد كعادتنا، وعند مرورنا بشارع "أربع شوارع" في منطقة اليرموك، استوقفتنا مشاهد محلات بيع السمك المسقوف المشوي على الفحم، فأبدى زميلي انبهاره بالمنظر وبعفوية طلب مني الدوران بناظري والتمتع بمشاهد شوي الأسماك في الهواء الطلق، فابتسم السائق وعرف انني وصاحبي لسنا من أهل بغداد، فقال وبنبرة الخارج للتو من معركة رابحة: أتدرون ماذا كانوا يشوون هنا بدلا من الأسماك؟ تساءلنا بنبرة الجاهل بالأمر ونحن نعرف بما سيخبرنا به؟ أجاب: كانوا يشوون البشر المخطوفين بدلاً من الأسماك.

 كان هذا الشارع الذي ننعم بالمرور به الآن من الشوارع الخطيرة والمحظورة في الأعوام 2006- 2008م لكثرة عمليات الخطف والذبح والتنكيل والمثلة وشوي الأجساد، وراح محدثنا ينقل صوراً من عمليات القتل والفتك والتنكيل التي جرت في شوارع بغداد خلال هذه الفترة بدفع من جهات سياسية ومؤسسات دينية عراقية وغير عراقية وجدت في الحرب على الهوية المذهبية ضالتها للكسب الحرام على حساب النفس المحترمة، ومحاولاتها الحثيثة لتغيير الهوية السياسية التي تشكلت بعد عام 2003م كأمر طبيعي لما أفرزته صناديق الاقتراع، ولما هو عليه حقيقة الواقع الديموغرافي والسكاني لبغداد نفسها بخاصة وعموم العراق بعامة.

وتزاحمت في الذهن صور قتل الإنسان والتنكيل به التي جرت في تلك الفترة العصيبة من تاريخ العراق الحديث، وتداعت الذكريات المرّة وأنا أتصفح كتيب "شريعة المُثلة" للفقيه المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، الصادر حديثا (2014م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 48 صفحة متضمنة لمقدمة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري مع 22 تعليقة على 75 مسألة فقهية تعرض فيها الفقيه الكرباسي إلى جريمة "المُثلة" وأحكامها.

 

إنسانية الإنسان أولا

من الواضح ان التشريعات، إنما وضعت لتنظيم حياة الإنسان والإنسانية، ولا يخلو مجتمع، صغر عدد أفراده أو كثر، من التشريعات إن كانت دينية أو قانونية أو عرفية أو مجتمعية أو أسرية، وإذا كان الغموض يلف بعض التشريعات وهي بحاجة الى تفسير وتوضيح من خبراء التشريع أو القانون، فإن هناك من الأمور ما هي واضحة لا تتعلق بدين أو تشريع بعينه، يتفهما الإنسان بانسانيته، وإن كانت هي الأخرى بحاجة الى تشريع، ولعلّ مسألة "المُثلة" والتنكيل بالإنسان من الامور التي يستقبحها العقل الإنساني ويرفضها رفضا قاطعاً، لتعارضها تماماً مع انسانية الإنسان إن كان موحدا أو غير موحد.

فالمُثلة التي تعني كما يعرفها الفقيه الكرباسي: (التنكيل بجسم الميت بقطع شيء منه أو ما شابه ذلك)، مرفوضة في ساحة الحرب، فمن باب أولى مرفوضة في خارجها، وبتعبير الفقيه الغديري في المقدمة: (فإن المُثلة من أسوأ الأعمال وأقبحها عند الشارع الحكيم والخالق الكريم، فهي نوع من السبوعية، فعلى هذا لا يجوز للمُقاتل في المعركة أو خارجها أن يمثّل بعدوِّه وإن كان كافراً، فهذا يدل على حرمة الإنسان في الإسلام، هذا الدين الالهي العظيم لا يسمح بأيّة إهانة لأبناء البشر مهما كان الشخص طالحا وعمل عملاً غير صالح، فاحترام الإنسان مُقدَّم على كل شيء، وأقوم من كل ما دونه). فإنسانية الإنسان عند التشريعات مأخوذة بنظر الاعتبار بشكل جدي لا لبس فيه، ولهذا كما يضيف الفقيه الغديري: (والعقيدة لا تسوّغ ما ينافي أصل الإنسانية بأي حال من الأحوال وبأية صورة من الصور حتى مع الكفار والمشركين وعبدة الأصنام وأعداء الإسلام، فالتمثيل بما هو غير مسموح به لما فيه وَهنٌ لأصل الإنسانية بغض النظر عن معتقد الشخص وأعماله)، من هنا فإن الفقيه الكرباسي يؤكد أن حرُمة المُثلة لا تقتصر على المسلم، إذ: (لا فرق في حُرمة المُثلة بين أن يكون المجني عليه مُشركاً أو كافراً أو غير ذلك).

بل ولتعزيز إنسانية الإنسانية، فإن المشرع الإسلامي شدّد على الحرمة في ساحة الحرب نفسها، ولهذا فإن من تعاليم الإسلام ما ورد على لسان النبي الأكرم محمد(ص) من وصاياه للجيش: "سيروا باسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله، ولا تغلوا ولا تمثّلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبيّا ولا امرأة، ولا تقطعوا شجراً إلا أن تضطروا إليها"، ومن وصاياه(ص) أيضا: "قاتلوا من كفر بالله ولا تمثّلوا".

 ولا تقتصر الرأفة التي بشّر بها الإسلام على ذات الإنسان نفسه، بل تعداها الى الحيوان، وقد اشتهر عن النبي محمد(ص) قوله: "إياكم والمُثلة ولو بالكلب العقور". وإذا كانت المُثلة محرّمة على الحيوان ومحرمة على الإنسان الميت لحرمته حيّا وميتاً، فمن باب أولى لا يجوز التنكيل والمُثلة به وهو حي، وفي ذلك يرى الفقيه الكرباسي أنه: (كما لا تجوز المُثلة بالأموات، فإنه لا يجوز الموت صبراً للأحياء حتى وإن كان الحي يستحق الموت)، بل حتى في مجال ذبح الذبيحة ينبغي استحضار الرحمة والاحسان، فقد ورد عن نبي الإسلام(ص): "إن الله كتب الاحسان على كل شيء .. وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحدَّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته"، وعن حفيده الإمام محمد بن علي الباقر(ع): "فليحذر أحدكم من المُثلة وليحد شفرته، ولا يعذب البهيمة".

والتنكيل أو المُثلة أو تقطيع أوصال الإنسان صابراً وهو حي يكشف عن معدن الإنسان الجاني، وعن ماهيته وطينته، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (إن المُثلة إن تمّت فتدل على الحقد والكراهية التي يكنّها طرف لآخر) والتاريخ القديم والوسيط والحديث يحتفظ في ذاكرته بصور بشعة عن المثلة مارستها المجتمعات البشرية أفرادا ومجموعات بالضد من الآخر، ولأن الفعل تنفر منه الفطرة الانسانية، فإن الجناة ينسبونه لهذا الدين تارة ولذاك تارة أخرى تنصلاً من المسؤولية الذاتية، مما يخلق الانطباع لدى الآخر بأن الدين يميل الى العنف ويشجع على التنكيل والتعذيب، في حين ان الدين وبخاصة الاسلام يهدف في تشريعاته حياة الإنسان وخيرها في الدارين، ولذلك اعتبر القرآن قتل الإنسان بغير وجه حق قتلاً للإنسانية وان احياءها إحياء للبشرية، قال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) المائدة: 32.

 

بين القصاص والمُثلة

ربما تقفز الى الذهن شبهة المُثلة على تشريعات القصاص التي سنّها الإسلام، حيث يقتضي في القصاص كما هو مسنون به العمل بالمثل، فمن قطع اصبع انسان عامداً متعمدا فحكمه المثل، وكذا في بقية أجزاء البدن، فحرمان الإنسان من جزء من أجزاء بدنه يقتضي العمل بالمثل مع الطرف الجاني ضمن شروط خاصة مرجعها القانون وحاكم الشرع، إلا ان يعفو المجني عليه أو ولي الدم في حال القتل، فكما تحرم التشريعات المُثلة بالانسان حياً وميتاً تحكم عليه بالمثل إن أساء للآخر، فالقصاص ليس من المُثلة، فكما ان إحياء النفس إحياء للإنسانية فان القصاص في الموارد التي يحكم بها حاكم الشرع هي الاخرى حياة فيها ردع وتخويف عن الاتيان بمثلها، وكما قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة: 179.

وإذا كان القصاص يتحقق فيه العمل بالمثل، فإن أحراز المثلية لا تتحق في المُثلة حتى وإن كان المعتدى عليه مسلماً، فالتنكيل تعبير آخر عن انحراف في السلوك وانعدام للأخلاق، والانحراف لا يُقابل بانحراف مثله حتى وإن بدا الأمر من باب "رد الحجر من حيث أتى"، وهذا ما يؤكد عليه الفقيه الكرباسي بالقول: (والاحتجاج بالمعاملة بالمثل ليس دليلا شرعيا ولا هي قاعدة اسلامية لتُعتمد في مثل هذه الموارد، وإن ذهب اليه بعض الفقهاء من المذاهب الاسلامية)، ولذلك كان صبر النبي محمد(ص) على التمثيل بعمِّه حمزة بن عبد المطلب في معركة أحد هو صبر مقدرة، ولم يفعل بالمثل مع تمكنه من ذلك، من هنا فإن الفقيه الكرباسي يؤكد: (إذا مثّل العدو بالمسلمين فلا يكون مسوغاً لأن يعاملوه بالمثل، بل على المسلم أن لا يمثِّل بهم)، كما: (إذا حُملت رؤوس قتلى المسلمين إلى أمرائهم، فلا يجوز للمسلمين المعاملة بالمثل في ذلك)، ولا يمكن الاستدلال بالحلية على تصرفات بعض قادة المسلمين على فرض صحة أصل الحدث، وهنا يؤكد الفقيه الكرباسي وهو الذي يحقق في النهضة الحسينية عبر موسوعته الكبيرة (دائرة المعارف الحسينية) التي بلغ المطبوع والمخطوط منها نحو 900 مجلد طُبع 86 مجلداً: (وأما ارسال المختار برأس ابن زياد إلى الامام السجاد(ع) أو محمد بن الحنفية فعلى فرض ثبوته لا يدل على صحّة عمله، بل الذي يُستشف أنّ حمل الرؤوس كانت عادة جاهلية استهواها البعض ومارسها على خلاف ما أمر به الرسول-ص-).

بل من رحمة الإسلام أنه نهى عند قصاص الموت العمل بالمثل (فلو أنه ثبت القصاص أو الحدّ على مجرم بالقتل فلا يجوز أن يُقتل تصبّراً، بل الواجب أن يُقتل بما يريحه حتى وإن كان هو فعل ذلك)، فإن كان النهي قائما عند قتل البهائم تصبّرا، فمن باب أولى نهيه عند قتل الانسان حتى في مجال القصاص.

يا ترى في مقابل صور الرحمة الإلهية، والرفق بالحيوان والإنسان في الروح والأبدان، بأية خانة يمكن وضع الصور المؤلمة والمقرفة والمقززة للتنكيل والمُثلة بالآخر حيّا أو ميّتاً التي تجري اليوم في بعض البلدان العربية والإسلامية، على خلفية الضد الديني والمذهبي تحت لافتة نصرة الدين والمذهب!!

بالتأكيد .. ما حرّمته الفطرة الإنسانية، وما حرّمه الشرع الإسلامي، لا يحلله أدعياء الدين والمتطفلون على الشرع، والمتفيقهون الذين يجدر بهم أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله.

 

صدر لعبد الحسين شعبان: الانتخابات والتغيير .. الثورة في صندوق الاقتراع

559-shabanتحت عنوان "الانتخابات والتغيير" مع عنوان فرعي "الثورة في صندوق الاقتراع"، صدر كتاب جديد للأكاديمي العراقي – أستاذ فلسفة اللاعنف والقانون الدولي، وذلك عن مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية في بغداد (آذار/ مارس 2014).

الكتاب يتكون من سبعة أقسام وملحقين، بحث في القسم الأول – ديناميات التغيير والطريق إلى صندوق الاقتراع، والثاني تناول موسم الانتخابات العربية، وخصص الثالث للانتخابات والمعايير الديمقراطية، وكان عنوان القسم الرابع " الانتخابات والأمم المتحدة" وناقش في القسم الخامس الانتخابات والبلدان النامية، أما القسم السادس فقد خصصه للأنظمة الانتخابية وأنواعها.

وشمل القسم السابع إضمامات – الأولى خاصة بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة حول تعزيز الديمقراطية وتوطيدها لعام 2000. أما الإضمامة الثانية، فهي مقالة للباحث بعنوان" الانتخابات وتجربة أمريكا اللاتينية".

559-shabanوجاء في تقديم مركز حمورابي أنه عني بالشأن الانتخابي سواء أكان ضمن التجربة العراقية أم على مستوى " ديمقراطيات" العرب الجديدة، ويعدّ هذا المنجز من أهم مخرجات المركز التي نريد أن تكون أمام بصيرة القارئ العربي والعراقي، لنتعرّف بدقة وتحليل، كما نحته المؤلف بالكثير من الأناقة والشمول والتحليل للمصطلح وآفاقه المختلفة التاريخية والإجرائية والسياسية، لاسيّما وأن الكاتب فارس من فرسان الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان ومعلّم دولي للبناء الديمقراطي.

الكتاب صدر في بغداد وبيروت، وعن مركز حمورابي ودار التوزيع: المحجّة البيضاء، بيروت، ويحتوي على 182 صفحة من القطع المتوسط.

 

"زورق على شاطئ الانتحار" .. شِعرٌ لجورج شامي

557-najiصدر عن مؤسسة ناجي نعمان للثقافة بالمجان كتاب جديد للروائي اللبناني، والشاعر، جورج شامي، بعنوان "زورق على شاطئ الانتحار"، تزيِّن غلافه لوحة بريشة الفنان منير أبو دبس، زميل الكاتب على مقاعد الدِّراسة.

إهداء الكتاب: "إلى روح غزالة أحلامي، أليدا، التي ركع لها المجوس، وصلّوا". ويوضح الكاتب: "كتبتُ هذه الشَّذرات على دفعتَين، الأولى عام 1949، والثَّانية عام 1955، وأنا في قمَّة المراهقة؛ فجاءَت مشحونةً بالقلق والإحباط واليأس. وقد رفضَتْها آنذاك زوجتي لأنَّها خاليةٌ من أيِّ بريق بعيد الرُّؤية والأمل بمستقبل زاهر... ولكنَّني لم أتخلَّص منها، بل حافظتُ عليها في أدراج الرِّياح العاتية، تعصفُ بها وتطير، كلَّما عصفَت عواصفُ الحنين إلى الذِّكريات... وأنا، اليومَ، أنشرُها على المَلأ، من دون أيِّ تحريف، غيرَ هَيَّاب في غياب مَن كانت غزالةَ أحلامي".

557-najiومن الكتاب:

1

أنا مَيْت، تحدَّيت الزَّمان

أقدامي مائعة

تغرسُ في العَدم

حياتي بياضٌ باهت

مريض.

حركتي انتهاءٌ وتلاشٍ.

وهمي ارتجافٌ ومحبَّة.

تكاملٌ ونار.

***

تابوتي سرعة نسبيَّة؛

دورانٌ أعمى.

خطٌ مستقيم، عليه جثَّة

نفسٌ فارغة مخيفة.

***

قبورٌ معتنة، يحياها جسد

ملَلٌ أخرس يملأ الفراغ

***

على ظهري تمدّدتُ

عينايَ آفاقُ... اسوداد

روحي خريفٌ...

ذبولٌ، تفكّكٌ وارتماء.

 

2

جامدٌ تُحدِّقُ بي رمال،

عليها خيال...

سأزوي وتبقى، تحدِّقُ بعدي.

نزوي ألوفًا

نزوي مئات

نزوي جميعًا

وتبقى، رمالاً عليها خيال!

 

3

غابتِ الشمسُ عن واديَّ.

أين أنا...؟ في أيِّ غروب...؟

تهدَّلت الظُّلمات

تظلِّل شحوبي...

فأيُّ كهفٍ يرجِّع صداي؟

***

إنشلَّت بي رؤيتي

انمسَحَت الأبعاد

فأيُّ بدايةٍ هي نهايتي...؟

 

4

على شفير الكون

تمتدُّ هوَّة حمراء.

أعصابي تتجمَّد...

***

تكاملٌ أصفر...

خطوطٌ محدَّدةٌ في غيب

مضعضعة بالأسود.

خيالي يتطاول،

يصدُمُه فراغ.

قدمٌ في العَدم

كفٌّ في البَدءِ.

قمر صبري تصدر: ديمُقشعرية

558-moonصدر حديثاً للشاعرة السورية قمر صبري الجاسم ديوان شعري بعنوان (ديمُقشعرية) وبدأته بإضاءات على لسان الشارع ومدخل ثم انقسم إلى فصول معنونة تحت كل فصل مجموعة قصائد (مشاهد مشوهة – الشخصيات حسب الشعور – أحوال الطقس النفسية – فنون – في فلك الشعر – إعلا...مات – برامج شعرية) فتبدو تلك الفصول كما لو أنها قناة تلفزيونية شعرية. لتشكل قصائد مُتكاملة تتمم بعضها بعضاًعلى تميز كل واحدة منها على حدى وتطرقها لموضوع بطريقة مختلفة وأسلوب مختلف كعادة الشاعرة منذ أول ديوان لها بعنوان (للعاطلين عن الأمل) حين جعلت منه يبدو على شكل

كما تنوعت القصائد بين الشطرين وقصيدة التفعيلة .. وتواريخ كتابة القصائد بين 2003 و 2012 .

المجموعة جاءت ب 124 صفحة من القطع الوسط صدرت عن دار فضاءات في الأردن .

الإهداء جاء إلى لعبتي مها . وكما جاء في الهامش مها من قصيدة لعبتي للشاعر سليمان العيسى .

558-moonوقد صدر للشاعرة: وريقات مبعثرة عن دار النور في دمشق2002

– للعاطلين عن الأمل فاز بجائزة المزرعة عام 2004

– نياشين على صدر قبري عن اتحاد الكتاب العرب 2005

- دعوة للرفق بالكلمات عن دار الحقائق 2007

–أمواج عارية وشيء من هذا القليل عن أكاديمية الشعر في هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث 2010.

- وعن رابطة الكتاب الأردنيين ضمن سلسلة (شعراء عرب معاصرون) مختارات من قصائدها باللغتين العربية والإنكليزية بعنوان (منذ هبّة أول حرف) 2014.

هذا وسيكون حفل التوقيع في جناح دار فضاءات 9G30 خلال معرض أبو ظبي الدولي للكتاب وذلك تمام الساعة السادسة من مساء يوم الأحد الموافق 4 أيار 2014.

 

فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية في العراق .. عامر عبد الله .. النار ومرارة الأمل

zayd alheliكتب الكثير عن عامر عبد الله، القائد الشيوعي العراقي الكبير، والسياسي اللامع، والوزير المتمكن .. وربما هو ابرز من اثير حوله غبار التساؤلات، وهي تساولات مشروعة في احايين كثيرة ، لكن في احايين اخرى تغلفها ستائر النميمة والحقد والحسد !!

صحيح جدا، ان شخصية مهمة مثل عامر عبد الله، لابد ان تحيطها الأسئلة، ومحاولات الغور في استفهامات عديدة، فهو شخصية عامة، تأثرت بالمجتمع العراقي، وأثرت فيه، وأستمر اسمه بالتردد منذ ان شاع صيته كشخصية شيوعية مثقفة، متوازنة الطروحات والرؤى وحتى فجيعة وفاته في ظروف يسودها الغموض في غربته اللندنية ..

وقد تسنى لي الإلمام بجوانب عديدة من هذه الشخصية، لكني اعترف انني، لم ارس على شاطئ امين بصدده، حيث كانت الآراء فيه متباينة، بل متنافرة الى حد عجيب، وتلك في رأيي حالة عراقية بأمتياز، مع الاسف !! .. فما حدثني عنه الاستاذ (ماجد عبد الرضا) يختلف تماما عما ذكره لي الاستاذ حسن العلوي، وما فاض به قي جلسة (عمارتلية) ودودة قبل ثلاثة عقود الاستاذ همام عبد الغني المراني، يناقض ما كلمني الاستاذ عبد الحميد الصافي، ويستمر الحال مع الاستاذ يوسف متي ومالك منصوروالشاعر عبد الرزاق عبد الواحد وغيرهم .. وخلال عملي الصحفي التقيت مرة واحدة بالاستاذ عامر عبد الله، حيث اجريت معه لقاءا مطولاً نشرته في جريدة " الثورة " منتصف سبعينيات القرن المنصرم، وهذا اللقاء اليتيم لم يرسم صورة، لأتمكن من خلالها اعطاء رأي قاطع بهذا الرجل الذي قرأت عنه الكثير ..

 

سدادة الرأي

واظن ان المفكر الكبير، صديقي د. عبد الحسين شعبان، شعر بحدسه المعروف، مدى شغفي بشخصية عامر عبد الله، فأخذ يحدثني في معظم لقاءآتنا، وهي كثيرة، عن صديقه عامر، كاشفاً صفحات غير معروفة، بعقلية راقية، يرافقها الاتزان دائما، فالعقل عند د. شعبان، بمثابة حارس الذات الذي يصوّب خياراتها، يضبط ايقاعها، يكبح جماحها ويقوِّم مسارها ليبقى حراكها في دائرة المنطق والاحساس الواقعي... وإذا كان الإحساس عنده لغة الروح، واذا كان المنطق لغة العقل، فالحديث عن شخصية هامة ومهمة كشخصية عامر عبد الله يستوجب اتقان اللغتين وإلا سوف لن نفهم الحياة وشخصياتها ولن تفهمنا... لذلك اشعر بالاطمئنان وانا استمع الى حديث ابا ياسر د. شعبان.

ووفق ذلك، ليس غريبا على د. شعبان ان تحتفظ ذاكرته بمعلومات دقيقة، غير مسبوقة عن شخصية عامر عبد الله، لاسيما انه ارتبط معه بصداقة عائلية، وذكريات نضالية اتاحت له، ان يحتك بأدق الامور وتفاصيلها ما يجعله، اهم مصدر يمكن الاعتداد به في الحديث عن عامر عبد الله ... انسانا ومناضلا ومفكرا..

يقول د. عبد الحسين شعبان : يُعد عامر عبد الله من أهم الشخصيات الشيوعية العراقية، والعربية، ليس بحكم المواقع التي تولاّها وهي كثيرة بل لما تركته من تأثيرات فكرية وسياسية على مجمل الحركة الشيوعية بشكل خاص والحركة الوطنية بشكل عام، فهو لم يكن شيوعيا " مسلكيا متقوقعا " في منصبه الحزبي، بل كان سياسيا بارعا وصاحب نظرية ثاقبة، جمع بين الصلابة الفكرية والمرونة التكتيكية، وتمكّن من فن الحوار والسجال والجدل، وامتلك قدرة كبيرة على الاقناع، وكانت صفاته القيادية تتجلى في معرفته ومبادراته..

 

النار ومرارة الأمل

وحين صدركتاب (عامر عبد الله / النار ومرارة الأمل) الذي يتحدث عن فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية من خلال القائد الشيوعي، وبدء توزيعه في بغداد (دار"ميزو بوتاميا" بشارع المتنبي) كنتً اول المقتنين .. قرأتً الكتاب بصفحاته 336 من القطع الكبير، واطلعت على وثائق وصور غير منشورة ... جهد كبير من مفكردؤوب، اغنى المكتبة العربية، بعشرات الدراسات والكتب ..

الكتاب مزيج من الانطباعات والذكريات والحوارات والقراءات والنقد التاريخي، اراد الباحث د. شعبان، من خلاله رسم صورة شخصية لعامر عبد الله في ديناميكيته وأهميته الجوهرية في الحركة الوطنية والشيوعية والعربية .. مع حرص واضح على التمييز بين التأييد والتنديد وبين النقد الموضوعي والانحياز العاطفي، ولعل المتبحر في قراءة ما بين سطور الكتاب يكتشف دون معاناة، خشية الكاتب من ضياع حقائق داخلية وانطماس دورها ومنجزها التاريخي في خضم صراعات وخصومات وادعاءات، وما ينجم عن ذلك من آراء متضاربة تستبد بها النوازع الذاتية والدوافع المصلحية والانحيازات الخاصة ..!

وجميل، ان يشير د. شعبان، الى جزئية مهمه، بالقول انه لم تكن العلاقة الشخصية والصداقة والرفقة وحدها، وراء دوافع الكتابة عن عامر عبد الله، بل " انه يستحق ذلك، فهو واحد من المثقفين الماركسيين العرب الذين امتلكوا فكرا جوّالاً عميقاً، وخصوبة معرفية وثقافية واسعة، ولولا استغراقه في العمل السياسي والحزبي اليومي، لكنّا كسبنا مفكرا او اديباً اضاف إلى المكتبة العربية بشكل عام والماركسية بشكل خاص، رفوفاً من الكتب الرصينة "

اذاً، هذا رأي الباحث د. شعبان، في عامر عبد الله وهو رأي شديد الخصوبة بهذا المناضل الممتلئ طموحاً، وكان هذا " الطموح " ظل، ملازما له، ولربما لايتقدم عليه اي شئ آخر، فلم يكن يرتضي المواقع الدنيا او الثانوية، فقد كان يشعر أنه ينبغي ان يكون في الصدارة وفي المواقع الاولى، وإذا كان لايميل لأحتلال الاول، إلاّ انه كان يسعى ليكون " أصحاب المواقع الاولى " تحت تأثيره، او في الأقل لايقفون حائلاً امام طموحه، وهكذا كانت علاقته مع سلام عادل، فترة توافق وانسجام كبيرين، برز فيها عامر عبد الله مفكرا ومجتهدا ومبادرا وسياسيا لامعا، ولكن في فترات الاختلاف والصراع، انطفأ عامر عبد الله ولحقته التهم والاشاعات التي وصلت حدّ الشكوك !

 

تناقض في الرؤى !

وفي قول، يصل مرحلة الجزم، يؤكد د. شعبان ان فترة استيزار ومن ثم استقالته او تنحيته، جمعت تناقضا حادا في النظر اليه، ومنذ العام 1972 وحتى العام1978 كان عامر عبد يمثل " ثقل الحزب" المحاور مع سلطة البعث، صاحب الحظوة والكلمة المسموعة لدى الرئيس احمد حسن البكر ونائبه صدام حسين، المفاوض بأسم العراق مع السوفيت ولاسيّما في صفقات الاسلحة، والموفد الرسمي الى اليمن لحل الخلافات بين شماله وجنوبه، والمفوّض الرسمي مع السوريين بخصوص نهر الفرات، والمبادر بتقديم مقترحات للقيادة البعثية بخصوص حرب تشرين 1973 والضاغط بإتجاه المشاركة العراقية فيها، ولحماية دمشق، ولم يكتف بذلك بل ذهب بعدها الى الجبهة المصرية للاطلاع على خط بارليف و(ثغرة الدفرسوار)

على هذا المستوى كان عامر عبد الله، خلال تلك السنوات التي تدفقت فيها مواهبه وقابليته كرجل دولة، وكان الشيوعيون ينظرون اليه بإعجاب، على الرغم من الكثير من الحسد والغيرة التي كانت تعتري الكثير من ادارات الحزب المقرّبة او من القشرة الفوقية في المواقع العليا او المواقع الأدنى من تلك التي كانت تنتهز الفرصة للانقضاض على مواقع الحزب العليا، ولكن حين شنت قيادة "البعث" الحرب على الحزب الشيوعي العراقي، وحدّدت العام 1980 تاريخا نهائيا لتصفيته، واضطرّت إدارات الحزب الى التراجع غير المنظم، بعد ان أحرقت جميع سفنها، بل ومراكبها الصغيرة أيضاً، كان اول من وصلهم اللوم والتنديد هو عامر عبد الله، وجرى التذكير بـ (يمينيته واندفاعه في الخط العروبي متواطئاً مع البعث تارة، إضافة الى مواقفه في الترويج لخط آب تارة اخرى، وبعضهم كان يغمز إلى ابعد من ذلك، ولربما يصل الأمر إلى تقرير العام 1956 وهو التقرير الذي يعتزبه عامر عبد الله كثيرا) !

تساءلت وانا اقرأ هذا الكتاب : ماهو هدف الصديق د. شعبان من كتابه؟

لقد وجدتُ اجابة عن هذا التساؤل في مكان ما من الكتاب، حيث قال د. شعبان " ليس هدفي من هذه القراءة تدوين تاريخ الحركة الشيوعية العراقية او حتى جزءّا منه، فمهمة المؤرخ لها حقل آخر، اضافة الى ضرورة التوقف والتدقيق للعديد من الوثائق، ليس من اليسير توفيرها او الحصول عليها في الوقت الحاضر، تلك التي تخص السياق التاريخي لما قبله وما بعده .. كما ان مهمتي ككاتب وناقد ليست الدفاع عن عامر عبد الله بحكم الصداقة والرفقة، على الرغم من انني لم أخف محاولتي إضاءة الجوانب المشرقة والمضيئة في شخصية عامر عبد الله، وازالة الكثير من الالتباسات ومحاولات التشويه التي تعرّض لها، لاسيما من " ذوي القربى " الذين كان ظلمهم اشد مضاضة من وقع الحسام المهّند، وفي الوقت نفسه، نقد الجوانب السلبية وبعض نقاط الضعف لدى عامر عبد الله وخصوصا في مرحلته اللندنية .. ان هدفي في هذه الكتابة، هو اجلاء بعض الحقائق وازالة الكثير من الغبار الذي علق بشخصية عامر عبد الله وإعادة الاعتبار للجدل والنقد العلميين ازاء واحدة من الشخصيات الشيوعية المؤثرة والتي تركت بصماتها اينما حلت، لاسيما في تاريخ الحركة الشيوعية العراقية والعربية، ليس هذا فحسب بل على التاريخ العراقي وربما العربي ككل ".

اذاً، عامر عبد الله، لم يكن شخصاً عابراً او أصبح مسؤولاً او عضوا في اللجنة المركزية والمكتب السياسي حسب، بل هو الذي كان قد ملأ هذه المواقع وأعطاها معنى، في حين ظلت فارغة حتى بمن شغلها لسنوات ولفترات اطول، لدرجة تعتّق فيها او اصبح الناس لا يعرفونه إلاّ بصفته تلك دون سواها، وبفقدانها يطويه النسيان أحيانا، ولذلك ترى التشبث بالمواقع لدرجة الاستقتال، ولا غرو أن الاحزاب الشيوعية، وجميع الاحزاب الشمولية لم تعرف إلاّ نادرا ثقافة الاستقالة وجميعها شهدت مؤامرات وحيكت فيها دسائس وصلت احيانا الى درجة الجريمة بسبب الصراع على المواقع والسلطة الحزبية، سواء في ظروف العمل السري او في ظل إدارات الدولة عند الوصول الى الحكم !!

 

جامع الصفات وتناقضاتها ..

ويتبين، لقارئ كتاب الباحث القديرد. عبد الحسين شعبان، مدى مساهمة المناضل الشيوعي عامر عبد الله، في تشكيل وعي نحو جيلين من الشيوعيين، وصارع وجادل واتفق ونجح وأخطأ وأصاب وأخفق ، وتحدّى وساوم، وتقدم وتراجع وتشخصن وتفانى وجلب من المريدين والخصوم ومن الاحبة والاعداء، بل الأخوة الأعداء الكثيرون.. كان الكثيرون يتمنّون ان يقترن أسمهم بأسم عامر عبد الله، حتى من باب النقد او الشتيمة، لكنهم في لحظة معينة كانوا يتمنون ايضا لو لم يكن عامر عبد الله موجودا او حاضراً، لأن وجوده وحضوره سيغطّي عليهم، بل على جمهرة منهم، ولهذا كان عامر عبد الله يسبب لهم غصة كبيرة، حتى وإن كان فردا واحداً وهم حتى لو أجتمعوا بالجملة، فكفته قد تكون الأرجح، ولاسيما لدى أوساط غير حزبية، وجهات عربية كثيرة ..

اعجبني كثيرا تواضع د. شعبان، حين قال في مقدمته، انه لايقدم الوقائع والاحداث في كتابه كمسلمات غير قابلة للنقض او للإضافة او الحذف او التعليق او التعديل او التصحيح، فقد تكون هناك تقديرات وتصوّرات اخرى مغايرة نقدرها، ولهذا (يقول د. شعبان) فأن هدفي هو دفع القارئ والمعني بشكل خاص إلى التفكير والتأمل في وجاهة ماهو معروض من افكار عامر عبد الله، وتقليب وجوه الرأي بالمقارنة والنقد، فالمسألة لا تمس من يؤيد او يخالف، ففي الاولى قد تكون محاباة، وفي الثانية قد تكون تحاملاً !

 

طموح بلا حدود

وحال الانتهاء من قراءة الكتاب، يخرج المرء بأنطباع مفاده، ان عامر عبد الله لم يأخذ حقه، ولم يقّيم التقييم الصحيح، بل تعرّض خلال حياته الحزبية والسياسية إلى الكثير من الإساءات والتشويهات، دون ان يعني ذلك أنه لم يرتكب العديد من الاخطاء، لاسيّما طموحه الذي لاتحده حدود، وكان من ابرز ما تعرّض له حملتان ظالمتان كبيرتان الاولى، العام 1959 وما بعده وصولاً إلى تنحيته من إدارة الحزب، والثانية بعد انهيار التحالف مع حزب البعث في إطار الجبهة الوطنية والقومية التقدمية في العام 1979 وما بعدها والتي كانت كان احد أكباش الفداء فيها حيث تمت تنحيته وتعرّض لأتهامات وضغوط كثيرة ..

 

اخيرا ...

الكتاب قدم مشهدا عاما للحركة الشيوعية من خلال عامر عبد الله، لجيل نهض بالمهمة النبيلة، تابع الكاتب فصولها في لقاءات واحاديث خاصة، وجال مع عامر في منابره، وما ساهم به من كتابات وآراء، واستقصى تفوهاته النقدية لما يُقال او لايقال، واستجلى حساسيته ومواقفه المعلنة وغير المعلنة، لاسيّما لأبرز مظاهر التحول فيها دون ان يغفل متابعة ما أعقبها من تطورات وتغييرات، بعضها دراماتيكية، واضعا ذلك في مشغل خاص، لفلترة ما هو مناسب منها ومفيد للجيل الحالي وللأجيال القادمة.. وبالخصوص خلاصات تجربة كردستان والكفاح المسلح بما لها وما عليها، وكذلك تجارب المنافي القاسية خلال ربع قرن، وقد استوجب الامر من د.شعبان الإشارة الى عشرات الاسماء والى التوقف عند بعضها بالارتباط مع عامر عبد الله، وكذلك إجراء مقارنات مع جهات سياسية اخرى، عزفت على الوتر ذاته في الصراعات الحزبية والسياسية، سواء كانت في السلطة او خارجها، وكبرت في حجمها اوصغرت ..

كتاب من المهم قراءته .. بانوراما لتاريخ عراقي معاصر ..

 

أرواح هائمة" مجموعة شعرية للشاعرة الفلسطينية وداد عبدالله

556-sabahعن مركز ميزوبوتاميا الثقافي في بلغراد صدرت اليوم الاربعاء 30.04.2014 المجموعة الشعرية الأولى للشاعرة الفلسطينية وداد عبدالله حملت عنوان"أرواح هائمة" ...

هذا وتضمّ المجموعة التي جاءت في 125 صفحة 80 نصّاً شعرياً .

والجدير ذكره أنّ الشاعرة وداد عبدالله قد فازت بالجائزة الثانية في مهرجان يوم ميزوبوتاميا الدولي للشعر 2012 والجائزة الثالثة في نفس المهرجان لعام 2013 والذي تم تنظيمة من قبل مركز ميزوبوتاميا الثقافي في العاصمة الصربية بلغراد .

تجدر الاشارة ان الديوان طبع في بلغراد – صربيا / مطبعة غورا برس – بلغراد

556-sabahرقم الايداع في المكتبة الوطنية الصربية ببلغراد :

821.411.21'06(569.4)-1

COBISS.SR-ID 206935308

الترقيم الدولي للكتاب : ISBN 978-86-89695-02-1

ومن منشورات مركز ميزوبوتاميا الثقافي في بلغراد.

sabahalzubeidi@yahoo.com

*****

بلغراد / صباح الزبيدي / خاص

 

رواية (فرانكشتاين في بغداد) تتوج بالبوكر

alkabir aldasisiتوقفت أنفاس عشاق الراوية العربية مساء يوم الثلاثاء 29 أبريل 2014 وهم ينتظرون إعلان الفائز بالجائزة العالمية للرواية العربية المعروفة بجائزة البوكر، بعد اقتصار الصراع على المرشحين الستة ضمن اللائحة القصيرة وهم:

1. لا سكاكين في مطابخ المدينة للروائي السوري خالد خليفة

2. فرانكشتاين في بغداد للعراقي أحمد السعداوي

3. طائر أزرق نادر يحلق معي للمغربي يوسف فاضل

4. طشاري للعراقية أنعام كجة جي

5. تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية للمغربي عبد الرحيم لحبيببي

6. الفيل الأزرق للمصري أحمد مراد

وبعد متابعتنا للروايات المرشحة ومسابقة الزمن لقراءة كل الروايات والكتابة عنها قبل إعلان إسم الفائز جاء الإعلان بعد انحصار التنافس بين أربع روايات عقب فوز رواية (لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة) بجائزة نجيب محفوظ، ورواية (طائر أزرق نادر يحلق معي) بجائزة المغرب للكتاب انحصر التنافس بين الروايات الأربع الأخرى...

جاء موعد الحسم مساء يوم الثلاثاء و تم الإعلان عن الفائز إذ (كشف سعد البازعي، رئيس لجنة التحكيم - المكوّنة من الناقد والأكاديمي السعودي سعد البازعي، رئيسا، والصحافي والروائي والمسرحي الليبي أحمد الفيتوري، والأكاديمية والروائية والناقدة المغربية زهور كرّام، والأكاديمي والناقد العراقي عبدالله إبراهيم، والأكاديمي التركي المتخصص في اللغة العربية وترجمة الأدب العربي إلى التركية محمد حقي صوتشين - عن إسم الفائز بالجائزة في حفل أقيم في مدينة أبوظبي مساء اليوم الثلاثاء 29 أبريل 2014. بإعلان رواية (فرانكشتاين في بغداد) للروائي العراقي أحمد سعداوي فائزة بالجائزة التي تقدر بما قيمته 50,000 دولار أمريكي، و ترجمة الرواية إلى اللغة الإنجليزية مع ما يمكن أن يعود على المؤلف من فوائد مادية ومعنوية بعد هدا الفوز....

الرواية صدرت طبعتها الأولى عن دار الجمل في 352 صفحة من الحجم المتوسط تحكي عن حكاية هادي العتاك (المعروف في الرواية بالكذاب) بائع المتلاشيات في حي من أحياء العاصمة العراقية التي تعرف عمليات تفجيرية من حين لآخر عقب سقوط نظام صدام حسين ودخول الأمريكان إذ تبدأ أحداث الرواية في ربيع 2005، استغل هادي العتاك هذه التفجيرات وتناثر أشلاء الضحايا في جمع هذه الأشلاء ولصق بعضها لبعض، وكانت فرحته كبيرة عندما عثر على أخر عضو (الأنف) وتشكيل جثة كاملة لا روح فيها، حلت فيها روح لا جسد لها، فتشكلت شخصية (الشُّسْمَهْ) وتعني بالعراقية الذي لا إسم له، لينطلق هذا الكائن الغريب في عملية انتقام من كل الذين ساهموا في قتله، وأمام تعدد جرائمه، أطلقت عليه السلطات لقب (المجرم أكس) فيما سماه آخرون "فرانكشتاين" ورافق عملية قتله للذين قتلوه عملية قتل الأجزاء المكون له

فكرة الرواية وعنوانها يحيلان إلى الفيلم الأمريكي الشهير المقتبس عن رواية فرانكنشتاين (Frankenstein) للمؤلفة البريطانية ماري شيلي والصادرة سنة 1818..

بعد الإعلان عن الفائز جاء في تصريح الناطق باسم لجنة التحكيم أن هذه الرواية جرى اختيارها (لعدة أسباب، منها مستوى الابتكار في البناء السردي كما يتمثل في شخصية (الشسمه). وتختزل تلك الشخصية مستوى ونوع العنف الذي يعاني منه العراق وبعض أقطار الوطن العربي والعالم في الوقت الحالي. في الرواية أيضاً عدة مستويات من السرد المتقن والمتعدد المصادر. وهي لهذا السبب وغيره تعد إضافة مهمة للمنجز الروائي العربي المعاصر)

هذا وقد تكونت الرواية من تسعة عشر فصلا كل فصل مكون من مشاهد إضافة إلى تقديم من صفحتين ونصف اختار له الكاتب عنوان: التقرير النهائي وعنوانا ثانويا (سري للغاية) اختلفت هذه الفصول التي تدرج عبرها سرد أحداث المتن الحكائي من حيث الحجم، وهذه الفصول هي :

الفصل الأول : المجنونة من الصفحة 11إلى ص 24

الفصل الثاني : الكذاب من ص 25 إلى ص 42

الفصل الثالث : روح تائهة من ص 43 إلى ص 48

الفصل الرابع : الصحفي من ص 49 إلى ص 62

الفصل الخامس : الجثة من ص 63 إلى ص 78

الفصل السادس :الحوادث الغريبة من ص 79 إلى ص 100

الفصل السابع : أوزو وبلوديميري من ص 101 إلى ص 122

الفصل الثامن : أسرار من ص 123 إلى ص 139

الفصل التاسع : تسجيلات من ص 140 إلى ص 155

الفصل العاشر : الشِسمه من ص 156إلى ص 180

الفصل الحادي عشر: تحقيق من ص 181 إلى ص 202

الفصل الثاني عشر : في زقاق 7 من ص 203 إلى ص 225

الفصل الثالث عشر : الخرابة اليهودية من ص 226 إلى ص 246

الفصل الرابع عشر: متابعة وتعقيب من ص 247 إلى ص 259

الفصل الخامس عشر:ه روح تائهة من ص 260 إلى ص 278

الفصل السادس عشر: دانيال من ص 279 إلى ص 299

الفصل السابع عشر: الانفجار من ص 300 إلى ص 322

الفصل الثامن عشر : المؤلف من ص 323 إلى ص 239

الفصل التاسع عشر : المجرم من ص 240 إلى ص 250

وقد انتهت الرواية ببعض الإشارات وفهرس للفصول

هذا وقد جاء في تصدير الرواية التعريف التالي لمؤلفها: (أحمد سعداوي روائي وشاعر وكاتب سيناريو عراقي من مواليد بغداد 1973. صدر له :" عيد الأغنيات السيئة" شعر ورواية البلد الجميل الحائزة على الجائزة الأولى للرواية العربية في دبي 2005 إضافة إلى رواية (إنه يحلم أو يلعب أو يموت) الحائزة على جائزة هاي فيستفال 2010 .. كما يعمل في إعداد البرامج والأفلام الوثائقية وسبق له أن شارك في عام 2012 في "الندوة" - ورشة الإبداع - التي تنظمها الجائزة العالمية للرواية العربية سنويا للكتاب الشباب الواعدين.

بهذا تكون رواية "فرانكشتاين في بغداد" قد فازت بأفضل جائزة عربية باعتبارها أفضل عمل روائي نُشر خلال الإثني عشر شهرا الماضية، بعد اختيارها من بين 156 رواية مرشحة ضمن اللائحة الطويلة تتوزع على 18 بلدا عربيا.

وبالإضافة إلى تتويج الفائز يتم خلال الحفل الذي نظم على هامش معرض أبو ضبي للكتاب تكريم الروائيين الخمسة الآخرين المرشحين ضمن اللائحة القصيرة بجائزة 10.000 دولار أمريكي لكل مرشح، بدعم من "مؤسسة جائزة بوكر" في لندن، وتمويل "هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة" .

وخير ما نختم به هذا المقال ما جاء على لسان ياسر سليمان، أستاذ كرسي الدراسات العربية بجامعة كمبريدج، ورئيس مجلس أمناء الجائزة العالمية للرواية العربية، بقوله: (لقد أبدع أحمد سعداوي في روايته "فرانكشتاين في بغداد" التي جاءت زاخرة بشخوص تتجاوز الواقع وتلتقي به وجها لوجه في آن واحد٬ مثيرة في رحلتها هذه قضايا الخلاص من إرث طاحن لا خلاص لأحد منه على مستوى المسؤولية الفردية والجمعية. وتتألق الرواية بسرد أخاذ وغرائبية جاذبة تستنطق النفس الإنسانية في أحلك ساعاتها. ساحة الرواية بغداد وموضوعها في آخر المطاف يتعدى هذه المدينة ليشمل الإنسان أينما وُجد.) على أن نعود في قراءة تحليلية لهذه الرواية في القريب العاجل

 
 

صدور العدد الجديد من مجلة تشكيل العراقية

ahmad alhiliعن دائرة الفنون التشكيلية التابعة لوزارة الثقافة العراقية صدر العدد الجديد (14) من مجلة " تشكيل"، المتميزة بموضوعاتها ورؤاها الحاذقة، تضمن العدد موضوعاتٍ حيوية متفاعلة مع حركية الزمن والحداثة، من بينها موضوع جاء في صدارة الموضوعات بعنوان (الكرافيكي مظهر أحمد) للكاتب د. جواد الزيدي وهو يتحدث عن تجربة هذا الفنان العراقي المغترب، ومما جاء فيها؛ " إن الفنان مظهر أحمد تلتقي عند لوحته وفي رؤيته مجموعة المتعارضات والأضداد، التعبيري والمجرد، الرسموي والكرافيكي، الحداثة وما بعد الحداثة، الشرقي والأوربي، بوصفها مرجعيات فكرية وأسلوبية، لأنه درس في بغداد وتخرج في معهد الفنون الجميلة وتتلمذ علي يد شاكر حسن آل سعيد ورافع الناصري وأكمل شوطه الأكاديمي في وارشو ويدير حالياً ورشة كرافيكية تجريبية في مدينة فالون بسويسرا.

هناك مقالة مهمة للكاتب والناقد حسن عبد الحميد عن الرسام حسن عبد علوان المتوفى في العام 2013 بعنوان "حكايا وأساطير لونية" وبعنوان فرعي ؛ الرسم على ضفاف الطفولة ومباهج أحلام اليقظة.

أشار الكاتب إلى ما تحمله لوحات علوان من معاني عميقة تستمد ديمومتها من الارث المجتمعي، بما " تفيض فيه من أنهار حب وأشجار تطير، نساء غافيات حالمات بفرسان أحلامهن، طيور ديكة، قباب منائر وشناشيل تنمو وتتداخل بتموجات اللون وغبطة أفراح أبطال هذه الأساطير .."

ومن ضمن المساهمات الأخرى، جاءت المساهمة اللافتة والمطوّلة لـلباحث الأكاديمي د. زهير صاحب، والتي حملت عنوان "الرسوم الآشورية"، دراسة في المضامين الفكرية، ومما جاء فيها ؛ " تغوينا جمالية الرسوم الآشورية بـ (التوضيح)، وتنال اهتمامنا في أحيان أخرى بـ (التجريد)، وفي كلتا الحالتين فإننا لا نرى فيها إلا السطوح، في حين وجد الآشوريون جماليتها عند النقطة التي يندمج فيها التوضيح بالتجريد ..."

ساهم الكاتب والناقد مؤيد البصام بمقالته المعنونة " فنتازيا الحلم وروح الفطرة في أعمال هادي كاظم"، "هذا الفنان الفطري الذي ظهر في سكون وفي غير افتعال، واستطاع أن يكسب اعجاب الذين شاهدوا أعماله التلقائية والنابعة من إحساس عفوي وبساطة في التعبير، مع ما تحمله من التعبير الذاتي لما اكتسبه من الحكايات والقصص الشعبية، أعمال نحتية من الخشب الذي كان يتعامل معه في ورشة النجارة التابعة لكلية الفنون الجميلة في بغداد لبناء ديكورات المسرحيات، ومن ثم لقاؤه بالفنان فاضل خليل الأستاذ في نفس الكلية ..."

ننتقل بعد ذلك إلى مقالة شيّقة للناقد المتمرّس عادل كامل عن الفنان هيثم فتح الله بعنوان " مشفّرات الفوتو- رسم وتدشيناته"، ومن بين مكتشفات عادل حول هذا الفنان والنحات المرموق أنه " لا يقدم نصوصاً فنية بمعزل عن نسق أنها تتضمن اندثارها، جذع شجرة مكسور، صخرة تعرضت لعوامل التعرية، طيور في حالة نشوة، بيوت مكتنزة برائحة سكانها ... إلخ، إنما لم يغفل أن أكثر الأسئلة استحالة على الايضاح، لا تكمن في النص الذي تضمن موته ن بل في الموت الذي تضمن استحالة حدوثه ؛ الومضات، مرة بعد مرة تسمح للزمن أن يشكل علاماته ..."

تطالعنا مقالة مطوّلة للناقد موسى الخميسي بعنوان " الفن التشكيلي والخراف ن الغيبي واللاعقلاني في العمل الفني "، وفيها تحدث عن التجارب الفنية العالمية ضمن هذا الاطار وكذلك تفسيرات وتأويلات مدارس التحليل النفسي .

الكاتب والفنان العراقي المقيم في السويد علي النجار سجّل حضوره أيضاً في هذا العدد، عبر مقالته المعنونة (عمار سلمان ومزاجه العربي) حيث قدم لنا دراسة عن هذا الرسام .

أسهمت الكاتبة زينب أكرم بمقالة بعنوان( لوحات بعبق الماضي) وهي عن الفنانة سوسن عبد الحميد .

الناقد والقاص المعروف جاسم عاصي ترك بصمته أيضاً عبر مقالته الفلسفية ( جدار العين والعقل) حيث تطرّق إلى جذور هذه الثيمة ؛ الجدار عبر العصور والفترات الزمنية المختلفة في تجارب الشعوب والأمم وكذلك في تجربة الفنانين العراقيين ولا سيما جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد .

الفنان ستار لقمان كان له حضوره البهي المزدان بصور رائعة للوحاته عبر مقالة بعنوان؛ (لحظة القبض على ملامح الحياة اليومية) لرئيس التحرير الناقد المعروف صلاح عباس، منوهاً إلى أن ستار لقمان نأى بمواضيعه عن الواقع اليومي المستفز والمضطرب وحلّق بعيداً، وكأنه يروم لغاية أبعد تمهد له صناعة مدينة فاضلة مزدهية ببريق ألوانها، تلك هي مدينة الحنين للماضي الجميل ...

حفل هذا العدد مقالات أخرى، "التجريد، لماذا " للطيب الفنان برهان جبر حسون

تأويل البعد التشكيلي في اللقطة السينمائية، للكاتب حسين السلمان، أصوات المكان، للكاتب الأكاديمي أسعد غالب، و(الاستغراق في معرفة النحت ودلالاته الجمالية/ منحوتات صادق ربيع أنموذجاً) للكاتب خضير الزيدي، كما أن هناك مقالة قيمة للكاتب خالد خضير الصالحي مكرسة عن الفنان عبد الرحمن الساعدي .

وللحروفيات نصيب أيضاً في هذا العدد عبر مقالة بعنوان (لذة الحضور والغياب .. تمائم وحروف ومدن في رسومات هاشم الطويل)، وهي للكاتب د. شوقي الموسوي

الفنان التشكيلية فردوس حبيب، تم تسليط الضوء على تجربتها الغنية عبر مقالة بعنوان( شفافية الرؤية وقيم فن التخطيط) للناقد والخطاط المعروف طه البستاني .

وعند مشارفتنا على الانتهاء من قراءة العدد تطالعنا مقالة مهمة للكاتب عبد الكريم سعدون عن الفنان قحطان الأمين، وهي تحدثت عن أقنعته المتعددة .

ثمة مقالة أخرى تحمل زخماً من الأفكار والرؤى عن فنان الكاريكاتير التجريدي عبد سلمان البديري .

ثم نتوقف لبرهة مع مقالة الكاتب رعد كريم عزيز، التي تحدث فيها ضمن إطار الحلم عما أسماه "المتحف الافتراضي للفن ؛ سقف آمن يلم شتات الفن العراقي"

نشير هنا إلى أن هذا العدد من مجلة تشكيل جاء مزداناً بأوراقة الزيتية والصور الصقيلة بألوانها الخلابة، كانت صورة الغلاف من رسم حسن عبد علوان وهناك وازدان الغلاف الأخير بصورة فوتوغرافية بعنوان (زقاق) بعدسة الفنان هيثم فتح الله .

نستطيع أن نتلمس من خلال هذا العدد والأعداد التي سبقته مقدار الجهد الكبير المبذول من حيث انتقاء المادة الغنية وكذلك في إخراجه وطباعته المميزة، ومما لا شك فيه فإن هذه المجلة الفصلية الرصينة أثبتت وتثبت لنا عدداً بعد آخر بأنها من خيرة المجلات المتخصصة بهذا الشأن، ليس في العراق فحسب وإنما في البلاد العربية بوجه عام ...

 

"جنائن الهستيريا" للكاتب الفلسطيني سعيد الشيخ .. قصص الحطام الإنساني

553-saidعن “مؤسسة شمس للنشر والإعلام”، بالقاهرة، صدرت مجموعة قصصية بعنوان “جنائن الهستيريا”، للأديب والإعلامي الفلسطيني المقيم في السويد سعيد الشيخ. المجموعة الجديدة تقع في 92 صفحة من القطع المتوسط، وتتضمن 12 قصة قصيرة. وسبق للشيخ أن أصدر “دماء على الظلال” (1985) و”كما تفكر صحراء” (1998) و”أقصى الحب .. أقصى الموت” (2000) و"أرى صورتي في الغمام"(2010) و"ما يضر الكون لو أبقى حيا"(2012) ومجموعة شعرية باللغة السويدية بعنوان "قصائد بحدس الأمل" عام 2013.

وسعيد الشيخ، كاتب وشاعر فلسطيني، وصحفي مستقل يكتب في عدة صحف عربية ومواقع إلكترونية، وعمل في عدة مؤسسات إعلامية فلسطينية في بيروت ودمشق وقبرص.

“جنائن الهستيريا” قصص ترصد مشاهد مشحونة بالألم والمعاناة في ظروف مختلفة خارجة عن المألوف الاجتماعي. هي واقعية مرة وتخييلية مرة أخرى، بحيث لا يُستبان خيط في هذه النمطية السردية وهي تستشرف عالما من الغرائبية مثيرا للاهتمام.

 

أعماق اللحظة

يمضي الكاتب في مجموعته الجديدة “جنائن الهستيريا” بعملية السرد إلى حيث المصائر المتشابهة عند نقطة الهستيريا، ويتوغل في تفاصيل أعماق اللحظة المرتبكة للحالات النفسية المضطربة اجتماعيا وإنسانيا وحتى سياسيا، ليكشف لنا عن عمق أزمة الكائن الإنساني مع قضايا عصره.

لا توجد قصة بعنوان “جنائن الهستيريا” بين قصص الكتاب، ولكن مجموع القصص هي عبارة عن باقة قطفت من عالم الجنون الذي يتكوّن على إثر الصدمات. وهذه الصدمات تختلف حسب اختلاف الأمكنة، واختلاف الوظائف الاجتماعية، من صدمات الحروب، إلى صدمات الحرمان والفقدان والاعتقال والمنفى، صدمات تحيل الإنسان إلى حالات من التمزق والتشوّش الذهني حيث تتنازعه المشاعر والأفكار التي تفقده توازنه وتجعله يشعر بنفسه غريبا وضعيفا في لجّة بحر عميق تلاطمه الأمواج، وأحيانا يتحوّل هذا الكائن إلى ريشة تتطاير في مهب الريح كما انتهت أحداث قصة “زهرة الجنون".

553-said 

الحضيض الإنساني

قصة “عريٌ في ظلال الدبابات” تظل الأكثر تعبيرية عن الحضيض الإنساني الذي تجلبه الحروب، فعندما تنهار المقاومة أمام همجية الغزاة، ويجد بطل القصة نفسه بلا وعي أمام موت جماعي يلمّ بأفراد عائلته من قذيفة سقطت على البيت، لا يسعه أمام هذا التمزق إلا أن يعلن جنونه أمام تقدم الدبابات إلى داخل مخيم اللاجئين الفلسطينيين في لبنان إبان اجتياح عام 1982، وذلك بخروجه عاريا من بين الدمار وكأنه بالجنون يعلن التحدي أمام أدوات العدم.

قصة “غادرنا خضر ونحن نيام”، يمكن اعتبارها تنتمي إلى أدب السجون مع تسليط الكاتب الضوء على معاناة المعتقلين أمام شدة شروط الاعتقال التي يفرضها السجّان الإسرائيلي. والهستيريا في هذه القصة لا تظل من نصيب المعتقل الذي اختفى بشكل غرائبي وفي ظروف غامضة من خيمته المنصوبة تحت الشمس، إذ أن هذه الهستيريا تنتقل إلى الجنود الذين راحوا يبحثون بلا جدوى عن آثار المعتقل المفقود، كما في حمّى التعذيب الذي سوموه لبقية المعتقلين من أجل الاعتراف بظروف اختفاء زميلهم التي يجهلونها هم أيضا، ولكن حديث الاختفاء يظل يشغلهم ويأتي إليهم بالدهشة والتحريض بالاختفاء من جحيم المعتقل.

في القصة الاجتماعية “المرأة التي أشعلت الجحيم” انهيار عصبي لامرأة لم تحمل خلال سنين زواجها، امرأة يكويها الحرمان ويدفعها إلى أن تترك بيت زوجها لتنتهي في قسم الأمراض العصبية. وتطلب من إدارة المستشفى منع زوجها من زيارتها بما يبدو كعقاب له. الزوج يعاني أيضا لأجلها ولأجل نفسه حيث ظروف الحرمان من البنين واحدة، وبقدر ما يظل هو يمتلك الإحساس بمعاناتها تقع هي تحت تأثير غياب هذا الإحساس حتى تنفصل عن الواقع. وحين يزورها عنوة في المستشفى لا تتعرف عليه، ويجدها تتخيل نفسها عزباء، وأنها على علاقة عاطفية مع سائق الإسعاف الذي نقلها من بيت أهلها إلى المستشفى.

 

غيبوبة وهذيان

الدرجة صفر للجنون، شكّلها الكاتب في تلك الفانتازيا التي لا تقوم على مسوغات منطقية، وهو الجنون الذي لا يعترف به الطب النفسي، ذلك المعجون بخلطة سحرية تآمرية في أكثر الأحيان، يجعل الكائن الإنساني على اتصال بقوى غيبية تسد عليه منافذ الاتصال بالواقع، كما عبّرت عنه قصة “أنا الشيخ عبد الواحد”. وما هذا إلا واحد من الجن تسلل إلى جسد إنسية وسيطر على وعيها، مما أحالها إلى حالات من الغيبوبة والهذيان، ورؤية كائنات لا أحد يستطيع رؤيتها سواها.

لا أبطال يقومون بأعمال شجاعة أو يتركون بصماتهم بالحكمة بين شخوص هذه القصص. الجنون هو البطل الوحيد الذي يتماهى مع مرايا الواقع الاجتماعي الذي يبدو غرائبيا وخارجا عن المألوف.

تتعدد أساليب السرد من قصة إلى أخرى، وإن غلب على أكثرها الأسلوب التقليدي، إلا أن للكاتب بعض المحاولات التجديدية تتصل أيضا بالفكرة، كما فعل في قصة “طيف رامبو” التي أراد منها أن تكون نصا نقديا يحمل في دلالاته الرمزية الإدانة للسياسة الأميركية تجاه العالم العربي.

نبضُ ذاتٍ يفسّخها الأنين والتأوّه، يوميات محطمة تحت مظلة اليأس، وسِيَر أفراد مشحونين بالألم والقلق والخيبة، مما أوصلهم إلى الحضيض. أرواح منشطرة أمام مرآة تنقلب على الواقع والمنطق وتلعب بالعقل، لتقوم أحداث تزلزل الإحساس الإنساني بما يجعل الحياة تميد تحت أقدامهم.

في “جنائن الهستيريا” اشتغال حريص من قبل الكاتب سعيد الشيخ لتقديم عالم قصصي متكامل، لم يسمح به للعفوية الاقتراب من المناخ العام للقصص، أو لعوالم أخرى من غير عالم الجنون أن تحتل حيّزا في الكتاب، كي يتفرد بهذه التحفة الأدبية المشغولة بكل تقنية وحرفية، تظل جديرة بالقراءة والدراسة.

إن قارئ هذا الكتاب لن يجد صعوبة في التعاطف مع شخصيات القصص، إنهم مجرد ضحايا جديرين بالتعاطف!

د. هاشم عبود الموسوي يصدر: فن العمارة في الحضارة العراقية القديمة

555-hashimعن دار الثقافة والنشر الكردية التابعة لوزارة الثقافة العراقية وضمن فعاليات بغداد عاصمة الثقافة العربية صدر كتاب جديد للدكتور هاشم عبود الموسوي بعنوان

555-hashim(فن العمارة في الحضارة العراقية القديمة)

استعرض فيها تسلسل اهم الحضارات في بلاد الرافدين وانجازاتها الفكرية والثقافية والعمرانية وذيله بصور المباني

والمنحوتات واللقى التي تركتها تلك الحضارات

 

صدور كتابي الأخير في الولايات المتحدة: Faiz Al-Hadad and I: His Divine Trilogy- English Translation

inaam hashimiصدر في الولايات المتحدة الامريكية كتابي  الأخير بعنوان

Faiz Al-Hadad and I: His Divine Trilogy, English Translation

 553-inaam

الإعلان يحدد تاريخ االإصدار في  (Feb 6, 2014) ولكنه بسب اشكالية احتوائه على العربية والانجليزية والتعديلات المتعلقة بذلك  تأخر إطلاقه الى يوم  (April 22, 2014)

ويرافق الإعلان عن الكتاب التعريف  (باللغة الانجليزية) ما يترجم  كالتالي:

بالألوان الكاملة، وباللغتين، الإنجليزية والعربية، والكتاب يتضمن مزيجاً من الشعر، والتحليل الأدبي، مع  الصور المختارة بذوق من اللوحات لمشاهير الفنانين العالميين تتعلق بموضوع من القصائد . وهو يشتمل على ترجمة إلى اللغة الإنجليزية  لثلاث قصائد ملحمية معاصرة فريدة بعنوان " الثلاثية المقدسة لفائز الحداد "، مع قراءة تحليلية مفصلة لقصائد الثلاثية باللغتين الإنكليزية والعربية..

الشاعر العراقي المعروف فائز الحداد يقود حركة التحديث الأدبي في العراق اليوم.  وقد نقش شعره علامة مميزة فريدة من نوعها في الشعر العربي المعاصر مع رؤيته الخاصة بـ " الإختلاف " في عالم الأدب اليوم.

ويحمل  الكتاب من الفائدة للقراء الذين يريدون إلقاء نظرة على الشعر العربي الذي يتسم بعمق الأفكار والمعاني، المجاز، والأساليب التي تمثل نقلة نوعية في حقبة جديدة من الحداثة. وهذا يتم تقديمه عبر جسور الترجمة ليتخطى حواجز الاختلافات الحضارية  والأدبية  واللغات. كما يحمل الكتاب  فائدة خاصة للمستشرقين لانه إضافة إلى الترجمة  يتضمن النص العربي للقصائد  الأ نه يضع امامهم وجهي المرآة. وكذلك يهم الكتاب الأكاديميين ذوي الاختصاص الأدبي من المهتمين بالاطلاع على الأدب خارج حدود حضارتهم وما يجري في العالم الأدبي والحداثة وما بعد الحدائة وما يأتي بعد ذلك. 

إنعام الهاشمي هي أستاذ فخري "Emeritus Professor" لإدارة الأعمال والاقتصاد، جامعة ولاية نيويورك، بروكبورت، الولايات المتحدة الأمريكية. بعد تقاعدها عن التدريس عادت إلى  هوايتها القديمة في الكتابة بلغتها الأم العربية . كتبت الشعر والقصة القصيرة والمقالات النقدية والمقالات الأدبية، كما أجرت العديد من الحوارات مع الشعراء والكتاب العرب باللغة العربية. ولمد الجسور بين الأرض التي شهدت  ولادتها، وطنها الأم العراق، وو طنها بالتبني الولايات المتحدة الأمريكية قامت بترجمة  الشعر من اللغة العربية إلى الإنجليزية ومن الإنجليزية للعربية.

يتكون الكتاب من 148 صفحة من قطع (9 انج في 6 انج)  (½ 22 سم في 15 سم)  على ورق فاخر ابيض وبالألوان. الصفحة الداخلية  للكتاب تتضمن العنوان باللغتين العربية والانجليزية.

 553-inaam2

يأتي بعدها الإهداء التالي   مذيلاً بتوقيع حرير وذهب (إنعام):

 

To my friend and partner in the word and the letter...

The first on the trail of distinctive creativity

Faiz Al-Hadad

And to

All who march on his trail and mine

Let’s go, together,

To where eagles build their nests

Our rendezvous is in

The eye of the hawk!

Gold N Silk (Inaam(

~

يليه مقطع من قصيدة المجدلية مذيلاً بتوقيع فائز الحداد :

 

My Magdalene

I will hold on to you

As I would the Golden Gate of Jerusalem...

I will let the poems flow down your cheeks

As honeysweet spring water

And let the kiss take me

To the hidden and the

unknowwwwwwwwwwwwn!

(Faiz Al-Hadad)

~

ويظهر الاهداء باللغة العربية في الجزء العربي كذلك.

إلى شريكِي في الكَلِمَةِ والحَرف

السائرِ على دَربِ التَفَرّدِ بالإبداع

إلى العَرّاب فائِز الحدّاد

وإلى كُلِّ السائِرينَ  بِرِفقَتِنا على دَربِهِ

ودَربِي

لِنَمضِ إلى حَيثُ النسورُ تبنِي أعشاشَها

ومَوعِدُنا

في عَينِ الصَقر.

 

حرير وذهب(إنعام)

الولايات المتحدة

~

 

مجدليّتي..

سأمسكُ بكِ كرتاجِ القُدس

لينهالَ الشِعرُ على خدِّكِ سَلسَلَ شَهدٍ..

وتأخذُنِي القُبلَةُ للخَفايا

والمَجاهِيييييييييييييييييل !!!

 

(فائز الحداد)

~

 فالكتاب يتكون من جزئين .. انجليزي يقرأ من اليسار لليمين وعربي يقرأ من اليمين لليسار .. بعد الإهداء والمقدمة يتكون الكتاب  من ثلاثة ابواب إضافة الى المدخل، وكلٌّ منها يجيب على سؤال مع تحليل تفصيلي.كما يلي :

 

مقدمة الكتاب: الفحوى ومن هو فائز الحداد ومن هي إنعام الهاشمي

المدخل:  كيف بدأ مشواري مع فائز الحداد والثلاثية المقدسة

الباب الأول:  أين بدأت الثلاثية، وكيف نقشَت أثرَها في ذهني

الباب الثاني:  ماهي الأثافي الثلاث التي تقف عليها الثلاثية..

 الباب الثالث:  نصوص قصائد الثلاثية

يوسُف.. والمَجدَلِيَّة.. وكأنِّي أقَبِّلُكِ في الصَلاة.

 

وهذا التبويب يظهر أيضاً باللغة الإنجليزية.

كما يتضمن الكتاب 29 لوحة عالمية لها صلة تعبيرية عن محتوى الكتاب  بالألوان وبجودة عالية.

 553-inaam3

Figure 15: The Old Old Story (1903)

John William Godward (1861 –1922), English

Private Collection

 

يتم انتاج وطبع الكتاب وتسويقه في الولايات المتحدة الأمريكية  عن طريق أمزون (Amazon

ويمكن تصفح   بضع صفحات على الرابط التالي وحين يتم تجهيز صفحات التصفح من قبل أمزون:

 

http://www.amazon.com/Faiz-Al-Hadad-Trilogy-English-Translation/dp/0615966608/ref=sr_1_1/177-7954667-6535440?s=books&ie=UTF8&qid=1398393292&sr=1-1

 

وطن جديد في خريف العمر للمترجم والشاعر المغترب بدل رفو

552-badalصدر للاديب المغترب بدل رفو انتلوجيا جديدة لشعراء وشاعرات النمسا تحت عنوان وطن جديد عن مطبعة خاني في مدينة دهوك\كوردستان العراق على نفقة حكومة اقليم شتايامارك النمساوي.

يضم الكتاب بين دفتيه 25 شاعرة وشاعراً من النمسا في 143 صفحة من القطع المتوسط بطباعة جميلة، حمل الغلاف الاول لوحة للفنان النمساوي (فرديناند بامبيرغر) وهي الساحة الرئيسية لمدينة غراتس النمساوية (المدينة التي يعيش فيها المترجم منذ عام 1991)واما على الغلاف الثاني كلمة شكر من المترجم بالالمانية للقسم الثقافي في حكومة اقليم شتايامارك النمساوي على طبعهم للكتاب على نفقتهم ومساندتهم دوماً في دعم المترجم بدل رفو في مد جسور الادب النمساوي بالعالم.

تم تصميم الغلاف والكتاب من قبل الفنان الكبير عصام حجي طاهر حيث قال:يشرفني ان اصمم كتب الاديب بدل رفو ولاننا نتعلم من هذا الانسان كيف يعشق الانسان بلاده ويخدمه من دون مقابل وهذا الكتاب الرابع الذي اصممه للاديب بدل رفو وسبق ان صممت بوسترات مهرجانه التكريمي في دهوك عام 2010من دون مقابل وهذه اقل خدمة اقدمها للانسان والاديب بدل رفو والذي يحتل مكانة كبيرة في قلوب عشاق الادب الانساني في العالم.

مقدمة الكتاب بقلم استاذ المترجم والذي استمرت اواصر الصداقة والادب الانساني بينهما الاديب والاستاذ الجامعي:أ.د. ضياء نافع مدير مركز الدراسات العراقية الروسية في جامعة فارونيش في روسيا وقال عن بدل رفو: كان بدل (ولا يزال) يجسٌد روح وطنه، واصبح بعد ان استقر في النمسا جسرا ثقافيا وحضاريا شامخا، ينقل ثقافة وحضارة العراق الى النمسا وثقافة وحضارة النمسا الى العراق، ويا له من دور حضاري وثقافي متميز. وانا على ثقة، ان الشاعر يبدع عندما يترجم الشعر من لغة الى اخرى.

ترجمة الشعر مغامرة يخوضها الشجعان، وقد ينجحون، وقد لا ينجحون، ويكفي ان (الشجاع) بدل قد ترجم لنا هذه المقاطع –

552-badalعيناك

تقتلان الظلام ببريقهما،

وتنهيان الشوك والموت..

+++++++

ونحن نرتشف نورك

ونهديه لقلوبنا..

واما المترجم بدل رفو قال في اهدائه للكتاب شعرا:

ما بين البياض والبحر

         وجع زمانك،

وما بينك وبيني كان الوطن.

يعد كتاب وطن جديد الكتاب الرابع عشر في مسيرة بدل رفو الثقافية والتي انطلقت من ازقة مدينة الموصل العراقية والتي يعدها باجمل مدن التاريخ في اعماله.وطن جديد اشراقة واضافة جديدة الى المكتية العربية لاعمال شعراء دولة النمسا وسبق للمترجم رفو ان اصدر 4 كتب اخرى حول الادب النمساوي للمكتبة العربية والكوردية ومن شعراء المجموعة (الويس هيركويت، ارما فولتا، بربارا كاتز، رودولف هينزفرانس سوبان، كونتير فينتر، ماركوس ياروشكا، مارتين كوتل، ماكسيميليان هيندلر، انغيبورك اورتنر، يوسف فينك، هرمان ماسر، يوخيم غونتر همر، هيلموت باخوليك واخرون) وللاديب بدل رفو مجموعة كتب معدة للطبع حول الادب الكوردي والنمساوي واستطلاعات مصورة وادب الرحلات.يقيم حالياً في النمسا وقد غدت اعماله المترجمة مادة للطلبة والباحثين عن الادب الكوردي والنمساوي وادب الرحلات.

 

وطن جديد

شعراء وشاعرات من النمسا

ترجمة واعداد: بدل رفو

المقدمة:أ.د.ضياء نافع

تصمميم الغلاف والكتاب:عصام حجي طاهر

لوحة الغلاف الاول:فرديناند بامبيرغر

مطبعة خاني\كوردستان العراق

الطبعة الاولى 2014

 

قدرات الدماغ البشري الفائقة .. وعلم (الباراسيكولوجي)

jasim alayffعمد الباحث (الـبارسايكولوجي) محمد جاسم عيسى في كتابه "قدرات الدماغ البشري الفائقة"* إلى استقاء المعلومات (الـبارسايكولوجية) والأفكار والتجارب العلمية، من مصادر متعددة، اطلع عليها بجدية ودقة، وكذلك ممارسات وتجارب شخصية له في هذا الجانب، ومن ثم أجرى عملية ربط وتفاعل بينها، ولعل بعضها لم يكن جديداً على الساحة المعنية بهذا الشأن، وبالإمكان عدّ ما يرد في بعض أطروحاته، ما يثير الاختلافات بين المعنيين بهذا الأمر ولعلها افتراضات ترقى إلى المستوى النظري والعملي بشأن علم (الـبارسايكولوجي) وآفاقه. يفتتح القاص والروائي العراقي(حميد المختار) الكتاب، بمقدمة عنوانها (أبو ايفان)، يكشف فيها أن (محمد جاسم عيسى) ترك كتابه مخطوطاً أمانةً لديه، قبل أن يرحل في البصرة، صباح الخامس والعشرين - شباط عام 2013، و:"لعله قد أدى الأمانة لأستاذه وصديقه، محمد جاسم عيسى، من خلال نشر كتابه"(ص7). (محمد جاسم عيسى)، منذ منتصف الستينات، كانت له نشاطات ثقافية وأدبية وفنية،في مدينة البصرة، ونشر شعره وبعض دراساته في الصحف والمجلات العراقية، وتربطه علاقة وطيدة مع بعض الأدباء والكتاب والفنانين، وبعض الشخصيات الاجتماعية المعروفة في البصرة وكذلك بعض الكتاب والأدباء العراقيين والعرب.بالنسبة للقراء الكرام لمَنْ يرغب حضرتهم الاطلاع على السيرة الحياتية والاجتماعية والنضالية والمهنية والثقافية-الفنية لـ(محمد جاسم عيسى) مراجعة مقالي المنشور عنه في صحيفة (المدى/ العراقية) الغراء، وهذه الصحيفة اليومية-الالكترونية الكريمة- المعنون (الدُّرالنَفيسْ). كتب (محمد جاسم عيسى) عدداً من المسرحيات وأخرجها عندما كان طالباً في كلية الحقوق، جامعة البصرة. وكذلك كتب السيناريو السينمائي، وتعرف على المخرج السينمائي (قاسم حول)، وعمل معه في دمشق، في فيلم (اليد)، بدعم "مؤسسة السينما السورية"- دمشق ولصالح" "منظمة التحرير الفلسطينية". يذكر القاص والروائي (حميد المختار) في كلمته مقدمته للكتاب: (محمد) ابن عمه قد رآه في حداثة سنه، حين كان يزورهم في مدينة (الثورة) في الستينات، وكيف كان يقص عليهم قصصه الغرائبية عن الموتى وأشباحهم وحكاياتهم المخيفة، فكان أول مَنْ غرس في داخله حب القصص السحرية ذات المنحى الغرائبي الادهاشي (ص6). مقدمة الكتاب، للبارسايكولوجي،الأستاذ (محمد صالح حبيب / أمين سر رابطة البارسايكولوجين العراقيين). أكد فيها: أن (محمد) بالنظر لثقافته الغنية العامة، وفي علوم (الباراسيكولوجي) بالذات، ومحاضراته المتعددة الأصيلة الجادة، المثيرة، وتوجهاته العلمية في هذا الشأن، والتي قدمها في (رابطة البارسايكولوجين العراقيين - بغداد)، انتخب رئيساً لـلرابطة، كما لـه باع طويل في مجال الاستشفاء (البارسايكلوجي) وهو على درجة عالية من التواضع وكُره الشهرة، ولهذا نراه لا يعالج إلا برجاء من المعارف والأصدقاء ولم يقبل أجراً عن عمله الإنساني مطلقاً، وأنه كان يوثق كل حالة من هذه الحالات في سجل من القطع الكبير ويحتفظ به لنفسه، ولا يسمح بالإطلاع عليه، لأي كان، وقام بتوثيق بحوثه بسرية تامة، وأشار لمن عالجهم(باراسيكولوجياً) من الرجال والنساء، وبمختلف الأعمار، بالرموز الأولى لأسمائهم دون الكشف أو الإعلان عنها نهائياً، وحتى في أحاديثه الخاصة مع خلص معارفه. (محمد) رجل قانون ومشاور قانوني كبير، وهذا التخصص ساعده كثيراً لغربلة ما يطرح من أفكار وفرز كل ما هو مغشوش وخادع وكاذب، ويقع في منطقة الهرطقة والدجل والشعوذة، انطلاقاً من فكره المحايد المستقيم ومسؤوليته التربوية والأخلاقية ونزعته الإنسانية وثقافته العلمية، فجاءت بحوثه تحمل كل ما هو جديد وممتع وموثق. وكون الأستاذ (حبيب) أمين سر (رابطة البارسايكولوجين العراقيين / بغداد) فقد حضر معه، جلسات عدة لأمراض ميؤوس منها، وكانت النتائج ناجحة ومدهشة، وهي موثقة (بالرموز) في الرابطة.ويضيف:" أن رابطة (البارسايكولوجين العراقيين) لا يعنيها مَنْ يصدقَ أو لا يصدق ما يجري فيها، من تجارب علمية موثقة، لأنهم ليسوا طلاب شهرة ابتداءً، ولولا مناسبة صدور هذا الكتاب لما تطرق لذلك"(ص11-12 ). ولـ(محمد جاسم عيسى)، مراسلات خاصة مع جمعيات وشخصيات دولية متخصصة في علم (الـبارسايكولوجي) باللغتين الانكليزية والألمانية، حيث أوفد إلى (المانيا الشرقية سابقا) للحصول على الدبلوم العالي في التعاون، موفداً من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، بترشيح (مديرية التعاون) في نينوى- الموصل- التي عمل فيها باحثاً ومشاوراً قانونياً في الأعوام 72-2004.وكذلك له مراسلات ولقاءات مع شخصيات مهتمة بهذا الشأن في العالم العربي. الملاحظ أن الباحث الـ(الباراسيكولوجي) (محمد جاسم عيسى) وفي مجال دراسته لـقدرات الدماغ الإنساني، يرسم صورة مستقبلية للبشرية، ويتنبأ بان الإنسان في المستقبل ليس بحاجة لوسائل الاتصالات والمواصلات وكذلك لا يحتاج المركبات الفضائية لاستكشاف الفضاء بل سيتمكن من أن يسبر أغوار الكون اللامتناهية بقدرات(باراسيكولوجية) ودون حاجة إلى بناء قواعد وإطلاق مركبات فضائية بعد أن يكتشف انه يحمل أعظم قاعدة إطلاق في داخله، وهذه القاعدة بإمكانها إطلاق موجات خاصة. وقد أطلق عليها في كتابه بـ(الموجات البايكترونية)، والتي، كما ذكر، بإمكانها الوصول إلى أي نقطة في الكون بزمن يقترب كثيراً من الصفر، ومن ثم تزويدنا بأدق المعلومات عن هذا الكون الذي نعيش فيه(ص82 ). قسم الكتاب على(23 مبحثا) نظرياً وعملياً ومنها: جهاز مركزي وثلاثة أنظمة، والإثارة والكف من قدرات الدماغ البشري، وقابلية المخ البشري، وتحفيز المراكز الحساسة في لحاء المخ، وإعادة توازن الأداء الوظيفي لمركز حسي معين، وأساليب معالجة الاضطرابات الوظيفية، والتحيز والقدرات الفائقة، والصراع الخفي، والحدس والاستشفاف، والفكرة حالة حركية، ونقطة التحول والتفكير، ونظام الكلام والفكرة، وقوانين الكون والفكرة، والألم والخوف، والإحساس والألم..الخ. وبعض المباحث اشتملت على أقسام فرعية عدة. يعد علم (البارسيكلولوجي) من العلوم العصرية والحديثة وهو يسعى،حسب المختصين والعاملين في هذا الجانب، للكشف عن الإمكانات والطاقات الخارقة في الفكر البشري، ومحاولة صياغة التفسير العلمي المقبول لهذه القدرات، والتي لا تحد وقد حيرت كثير من المفكرين والعلماء والباحثين. كما يحتوي الكتاب في مبحث: (حالات ودلالات...ص 135 -154 ) على تجارب موثقة أجراها (محمد) على بعض الذين استعانوا به، نساءً ورجالاً، وفي مختلف الأعمار، ومن كل أنحاء العراق، ومنهم مرضى(السرطان)، وكانت النتائج ناجحة ومبهرة، بعد أن اكتسبت الحالات المُعالجة الشفاء التام من خلال العلاج باللمس والموجات الفكرية والحسية المشفرة. يصل الباحث (البارسيكلولوجي) (عيسى)، في بحوثه، التي تضمنها كتابه، والذي تألف من (174 ) صفحة من القطع المتوسط، إلى أن تفاعل العقل الإنساني مع الوجود الكوني قائم على التوصل " لما هو غير مُدرك" من خلال "ما هو مُدرك". ويتطرق في أبحاثه إلى وجهات نظر وكشوفات، خاصة به، يؤكد فيها أن ثمة:" حالة تفاعلية بين الخبرات الحسية عند الإنسان ونظام الكلام، ينتج عنها ترجمة للأحاسيس، وتعدّ عنصراً فاعلاً في عملية التفكير عند الإنسان". ما يلاحظ في الكتاب أن الباحث(محمد جاسم عيسى) قد اعتمد كلية على دراسات وأطروحات العالم الروسي "بافلوف" خاصة في نظرية" الانعكاس والانعكاس الشرطي" إلى درجة التبني المطلق، متجاوزاً، أن بعض طلاب ومريدي نظرية "بافلوف" قد أضافوا لها،وبعضهم قد تحفظ،دون الإعلان العلني على بعض أطروحاته وفي( الاتحاد السوفيتي) السابق ذاته، أما في العالم الرسمألي فقد تم مهاجمة بعض تلك الأطروحات بشراسة وبعضها لأسباب لم تكن لأمور علمية بحتة بل سياسية، في زمن ما كان يسمى بـ"الحرب الباردة". لعل الأفكار والآراء والأطروحات الواردة في الكتاب، ستحظى باهتمام وفحص جاد، من قبل المعنيين في (البارسيكلولوجي)، الذي يعد من العلوم العصرية الحديثة، وربما ستثير أطروحات واجتهادات الباحث البارسيكلولوجي (محمد جاسم عيسى) جدالاً متواصلاً، ألان أو مستقبلاً، بين مَنْ يؤيد، أو يضيف إلى ما ذهب إليه وطرحه بوضوح موثق في كتابه، أو مَنْ يعارضه ويسعى لتفنيده، لكن لا يمكن الاستهانة أو التشكيك بألمعية وجدية وإخلاص وتنوع ما طرحه ووثقه في كتابه.

 

*مكتبة عدنان- شارع المتنبي- بغداد - بالتعاون مع دار(صفحات) للدراسات والنشر- دمشق- 2014- ط1.

 

صدور كتاب جديد للدكتور هاشم عبود الموسوي

551-hashimصدر عن دار حوران في دمشق بسوريا كتاب جديد بعنوان (سيمياء العمارة) للأكاديمي العراق "الدكتور هاشم عبود الموسوي" .. وهو المعماري والأديب والباحث والدراس في علوم التاريخ واللغة والشعر .

وقد إحتوى هذا الكتاب على ثلاثة فصول حاولت بشكل مركز أن تربط بين اللغة والعمارة، ففي الفصل الأول تم التعريف بالعمارة والعماري ومجالات تخصصه، وفي الفصل الثاني تم التعرض إلى نظرية العلامات ومفاهيمها. وفي الفصل الثالث والأخير، تم الربط بين العمارة ونظرية العلامات

551-hashimويذكر الكاتب في مقدمته بأن الحكم على كافة النتاجات المعمارية والعمرانية سيبقىمتأثراً بعملية الإدراك، (Perception) وربط مُدخلاتها وتأثيراتها على الحكم والتقييم والتقبل وكل إنسان يجنح إلى تفسير الظواهر القابلة للتأويل والتفسير وفق منظور خاص مخالف لمنظور سواه من الناس، ومرد هذا التباين إلى عملية الإدراك المركبة لدى البشر إلا أنه بشكل عام يمكن أن يُقال بأن التمييز بين العصور المختلفة لتاريخ العمارة يأتي من خلال المواقف السائدة فيها ازاء النواحي العلاماتية، وذلك مثل تقبل الناس أو رفضهم للإشارات أو الدلائل - ليس التمييز العلاماتي أقل أهمية من وصف حقبة ما أو طراز ما من حيث مواد البناء أو الأساليب الإنشائية أو الأنماط البنائية، والأبعد من ذلك إن التحليل العلاماتي يمكن أن يُساعد على تفسير التطورات التاريخية التي تستعصي على التفسيرات الأخرىٰ.

يحتوي هذا الكُتيب على ثلاثة فصول تحاول بشكل مركز أن تربط بين اللغة والعمارة، ففي الفصل الأول تم التعريف بالعمارة والعماري ومجالات تخصصه، وفي الفصل الثاني تم التعرض

في الأحوال والأهوال .. المنابع الاجتماعية والثقافية للعنف للباحث فالح عبد الجبار

nabil alrobaeiصدر عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر كتاب (في الأحوال والأهول .. المنابع الاجتماعية والثقافية للعنف) للباحث د. فالح عبد الجبار، الكتاب يحتوي على 165 صفحة من القطع المتوسط، تضمن الكتاب ثلاث مباحث وملحق يتضمن ثلاث نصوص فلسفة في التسامح الديني والسلام ونبذ العنف السلبي .

تناول الكاتب أزمة الهوية العربية وحلول المؤسسة المنتجة للخطاب الثقافي بدل الفرد المثقف المتشظي والمتجزئ، أي حلول استبداد المؤسسة قبل بروز الفرد والمنتج، إضافة إلى تعدد مضمون مفهوم الثقافة أو تبعية المثقف، مع العلم إن الثقافة تعتبر البناء المنطقي أو السلوك العارف، وبوجه عام ثمة إمكانية   لتعيين مفهومين للثقافة الأول تعرف الثقافة كنظاما معرفيا يشتمل على انتاج المعاني أو منتجات العقل والثاني فهو نظام معرفي يتوخى تحديد موقع الجماعة أو المجتمع في الزمان والمكان.

يؤكد الكاتب عبد الجبار ص 27 "إن هناك عدة محاولات لتقسيم الثقافة إلى عصور أو أنماط، ويرى كثرة من الباحثين أن هذا التقسيم المجرد، التقريبي، يعد   لدراسة تباين اشكال أدراك آلعآلم وتوليد المعاني "ثم يعقب لما طرحه دريدا من فرضية وجود تباينات جذرية بين" الثقافات الأسطورية والثقافات الأبجدية والحضار الألكترونية ما بعد الأبجدية "ينطوي علي نمط من أنماط الثقافة   المذكورة أعلاه، عالم معرفي وبنية خاصة. فالثقافة الميثولوجية التي سبقت عصر التدوين احتفظت بالكثير من معالمها في بوادي وأرياف العالم، فالبداوة فى رحلة أفول، والأرياف تفقد عذرية الأنغلاقات السرمدية السابقة . لكن نجد أن العصور الكلاسيكية قد أنتجت لنا حقولا أكثر غنى في مجال الأدب والفن والفلسفة حتى وجد هيغل صداه، الذي قسم تطور الروح المطلق لعل ما آل سقراط إليه في أثينا أو معركة الغزالي وأبن رشد، إضافة إلى ظهور الفقيه والفيلسوف والمتصوف في الثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكية على التعامل مع هذه الأنماط المعرفية.

لكن الأنهيار العقلي والفلسفي مما عزز إلى حروب الحضارات وما واكبها من دمار وزعزعة الأستقرار بفعل التعاقب المدمر للسلالات، لذلك أن أهم معلم ص 31 "يميز التحول الثقافي في هذا العهد هو انقسام الحقل الديني إلى ثقافة عليا، ثقافة الفقيه والمتكلم، اي ثقافه النص والاستنباط وثقافة   دنيا، وثقافة الطقس الصوفي "لكن الواقع الثقافي في العراق وبعد سقوط الدولة العثمانية ومجيء فيصل الأول إلى العراق قد طالب إلى محاولة إبعاد التمايز الديني والأثني مما أثر ذلك ص 46" احتجاجات البعض من أنهم لم يعودوا يتبينون اليهودي عن المسيحي والشيعي من السني والجنوبي والريفي عموما من أبن المدينة ".

لذلك أنتجت الحقول الثقافية المتمايزة ثلاثة أنماط من التخيل الثقافي للهوية القومية ص 54:

"يقيم التخيل الأول هوية الانتماء الحضاري علي   الدين الإسلامي أساسا للحدود الثقافية .. أما التخيل الثاني فيبنىي هوية الانتماء علي الأثنية جاعلا   إياها حاملا والدين محمولا بالضرورة "وتضطر التخيلات القومية إلى البحث عن عنصر تمييز بأي ثمن، حتى لو كان خارجيا على ثقافتها.

لقد نمت سبل عدة للنظر إلى الثقافة، النظرة الارتقائية التاريخية التي ترى أن الثقافة البشرية أو التاريخ البشري واحد سوى أنه يمر بمراحل متدرجة، وأن تباين ثقافات شعوب المعمورة، إن هو إلا درجات في سلم التطور الأرتقائي، فكل نظام معرفي كما نعلم ينمو ويتطور في إطار نظام لغوي خاص، وثقافة محلية خاصة، وتنتج هذه الثقافة مقولاتها كتنظيم العالم انطلاقا من أشكال التنظيم الاجتماعي نفسه.

يرى الكاتب فالح عبد الجبار من خلال طرح موضوع العولمة ومسارها البنيوي الجديد وأحد خصائصها، الخاصية الثانية (المواطنة والقومية) ص 82 "إن الدولة القومية تشهد أنفصال المواطنة عن الانتماء القومي، فالعولمة بحكم منطقها، أفضت على مدى القرن العشرين كله إلى حركة هائلة للسكان غيرت وجه المجتمعات المتقدمة "مما أدى هذا الحال إلى أنفصال المواطنة كحق مكتسب عن الانتماء الثقافي الأثني كحق موروث، وهو ينطوي على نزاع من شأنه أن يعم العالم، بين البنية الثقافية والبنية المتجانسة الوجوه   المتعددة الثقافات.

أما المجال السياسى القومي لللل   فقد أدت التحولات الوصول خفوت الفوارق بين الاشتراكية الديمقراطيه والليبرالية، وتضاؤل الهامش النقدي لليسار الماركسي لا ريب ص 83 "آن سقوط الاشتراكية القائمه   ونهاية الحرب الباردة، من جانب وضمور قوى النقابات من جانب آخر، أنشأ تحولا في نمط الحركات الاجتماعية "أما الخاصية الأخرى في ظل انطلاقة العولمة فهو أحتدام التوتر الثقافي على نطاق كوني، فثورة الاتصالات والمعلومات تفتح صندوق باندورا، كما يقال، الضاج بكل أنواع الثقافات.

يقسم الباحث فالح عبد الجبار المذاهب إلى ثلاث توجهات ص 88 "التوجه الأول هو الليبرالية المسلحة التي ترجح كفة الصراع، أما التوجه الثاني فهو ليبرالية السوق، أما التوجه الثالث فهو الأتجاه الديمقراطي الإجتماعي الساعي الوصول   لجم الإقتصاد   الكوني الطليق بإنشاء حكومه عالميه، تنجي العالم من أنفلات قوى السوق "، لكن اقتصاد السوق بدأ   زحفه البطيء منذ الثمانينات ليتحول الوصول تيار قوي يخترق الاقتصادات الأوامرية، إختراقه لعالم اقتصاد الكفاف البالي.

آن   اللائمة الأولى علي هذآ الغرب باعتباره المسؤول عن استمرار هذآ التخلف فى المقابل ص 90 "نشهر كل أسمالنا الفكرية إذا ما عز لأحد من الغرب أن يضغط باتجاه الإصلاح .. دون أن نقر بفشلنا". يختم الباحث كتابه بمقالات للاسكتلندي يونيو لوك وعمانوئيل كانط ومقال اللاعنف اقتراحات للالعنف السلبي للمهاتماغاندي وقصيدة   للشاعر السويسري آلان روشا (نواح المدن القتيلة) مضت مضت هذه النصوص هى خلاصة تجربة اوروبا فى الخروج من محنة الحروب الدينية والتعصب المذهبي وتقلب الحكام   بين مذهب واخر   تبعا للأهواء والمصالح.

 

متغيرات المكان الجغرافي في كتاب الجغرافيا الطبية .. قراءة تحليلية

naser alasadiصدر عن دار السياب في لندن كتاب الأستاذ الدكتور آمال   صالح الكعبي الأستاذة في قسم الجغرافيا بكلية الاداب والموسوم بالجغرافيا الطبية .

ينطوي الكتاب على تسعة فصول ومقدمة سلطت المؤلفة الضوء فيها على ماهية الجغرافيا الطبية في مائتي وأربع صفحات تجلى ذلك في الحيثيات المهمة التي ينطلق منها علم الجغرافيا البشرية كونها تسلط الضوء على مشكلات الانسان الصحية في البيئات المختلفة , والجغرافيا تعد عنصرا مساهما وفاعلا في ميدان التخطيط والتقصي الصحي الذي من خلاله يمكن رصد الواقع الصحي وتفادي الوقوع في كوارث بشرية تؤدي بالإنسان الى الفناء بسبب سوء التقدير وقلة المعلومات عن تحرك البؤر المرضية على مستوى المكان والعجز عن اتخاذ الوسائل الناجعة للحيلولة دون وقوع المرض وذلك لايمكن أن يتجسد إلا من خلال الرؤية الشاملة لعناصر المكان الذي يتفرد به الجغرافي كمعادل موضوعي بدلائله المتوافرة التي تقدم توصيات مركزية ذات ابعاد حركية للكثير من المشكلات البيئية التي تعرض الانسان للمخاطر الصحية .

تتشكل قيمة الكتاب في مزاوجته بين المكان وبين الاثر الكائن الذي ترصده الجغرافيا ككائن متحرك في المكان ينظم لنا عملية الفهم الانساني من خلال المقاربة بين البيئة والمرض لان المجتمع بحقيقته ابن البيئة الجغرافية ومن ثم فإن الآثار السلبية التي تداهم الانسان وليدة تراجع في قيمة المكان ينتج عنها اشارات دالة لمتغيرات استثنائية تحدث في نمطية تلك الامكنة المتاخمة لحدود التحول البيئي كحاضنات ناقلة في الداخل والخارج . والجدير بالذكر أن دراسة هكذا نوع من الموضوعات لايخلو من صعوبات ترافق العمل لقلة المعلومات المتوافرة رقميا كون المكتبة الرقمية الافتراضية عاجزة لحد الان عن مواكبة النمو الحاصل والمضطرد لجيوش الكائنات المتخفية في عوالمنا من جراثيم وبكتريا وبؤر سرطانية تمد اذرعها في حواضن ارضنا الجغرافية الممتدة على طول المحيط الارضي . تلك المعلومات بإمكانها إحصاء قيمة المتواليات العددية في نشأتها الافتراضية في ظل مفاهيم يتحدد اتجاهها برابط التفاعل الانساني المتحرك والمتوازي لحركة الارض في حركتها نحو الكمال والانتظام .

وللبيئة متغيرات سيكولوجية واستقرائية تنطوي على اصول في التكوينات البشرية وعلاقتها مع المكان المولد لحالات انفعالاتها ودرجة التأثر بطقوسها الجغرافية من حر وبرد وهو انجرار طبيعي مابين حركة الانسان وحركة الارض كونهما يستلهمان ديمومة حركتهما من القطب الشمسي الذي يحرك فيهما نوازع الارتقاء والتجدد .

إن الدكتورة امال الكعبي تدرك تماما الرابط الموضوعي في مؤلفها المتميز لضرورة إيجاد قرائن توافقية تخدم الوصول إلى نقطة الكشف عن العلاقات المترابطة بين البيئة والمرض . وما ظاهرة المرض التي نتعرض اليها إلا عملية ضمور في عملية التواصل مع الطاقة الموجبة التي نحصل عليها من قطبي الشمس والأرض .

إن كتاب الجغرافيا الطبية انطولوجيا تفاعلية مع الحدث المتحرك بين الانسان وسيرورة الجذب الكائن في المكان الذي يعد حاضنة لكل الحراك الفعلي في مسيرة العمر ألارتكازي لأنها تنبع من ثالوث اسمه المكان – الإنسان – المرض .

والجغرافيا الطبية متأصلة في رحم التاريخ البشري ومنذ عصور ماقبل الميلاد 3000-2500 ق. م إذ ان هناك دلالات تؤكد هذه العلاقة من خلال الاثار التي عثر عليها في حضارات وادي الرافدين ووادي النيل , وأول من انتبه إلى البيئة هم البابليون الذين أسهموا إسهاما فاعلا حينما وائموا بين البيئة والمرض ومعرفة المتغيرات الكونية التي تنشأ من جراء ذلك .

والكتاب يعرض بين دفتيه البيئة البشرية للمرض إذ يعد الإنسان جزءا من النظام البيئي وثمة المتغيرات المرتبطة بذاته كالوراثة والمناعة والعمر والجنس والعرق و الحركة المكانية للسكان وعاداتهم السلوكية والعوامل الاقتصادية التي يندرج من خلالها المستوى ألمعاشي والمهنة والتعليم ومن ثم تسليط الضوء على نمط الغذاء والبيئة الحضرية والتلوث ، كما عرجت المؤلفة على جغرافية الرعاية الصحية وكل مايتعلق بمستوياتها الصحية ومكونات نظامها الصحي بل حتى العناصر الطبية من أطباء وممرضين ورحلات العلاج والأمكنة المفترضة لتناول العلاج ومنها إلى المجال الجغرافي للظاهرة المرضية لثلة من الأمراض الخطيرة وأهميتها الوبائية وعوامل الخطورة فيها من الإشعاع والتربة ونوعية المياه والتعرض المهني والتلوث البيئي وكذلك العادات الغذائية كما تناولت المؤلفة البعد التاريخي في الجغرافيا الطبية وانتشار الأوبئة والتعريف بها مفصلة وعوامل انتشارها وكذلك درست الأنماط الجغرافية لبعض مشكلات الصحة العالمية مثل مرض الايدز أنموذجا واهتمت أيضا بالفكر الجغرافي الطبي في بعض مصنفات الأطباء العرب . مع الاهتمام بالدراسات المحلية ودراسة المركب السكاني لأمراض فقر الدم وغيرها.

نخلص للقول: إن كتاب الدكتورة آمال الكعبي كان قد وضع النقاط على الحروف في موضوعة قل متناولوها من الكتاب وهي بذلك قد وفرت للمكتبة العلمية جهدا واضحا ومهما تشكر وتقدر عليه نأمل من الدكتورة الفاضلة مواصلة هذا الجهد الكبير والعروج على أكثر الموضوعات المهمة في دراسة الجغرافيا الطبية وتسليط الضوء على المتغيرات المتجددة على الدوام .

 

الناقد الدكتور ناصر الاسدي

 

"امرأةُ آلرّساله" للأديبه والتّشكيليّة رجاء بكريّة بحلّة جديدة

550-rajaaعن دار الجندي الدوليّة للنّشر والتّوزيع، القدس صدرت الطبعة الجديدة من "امرأة الرّسالة" للأديبة الفلسطينيّة رجاء بكريّة

رجاء بكريّة: منذ صدور الرّواية في بيروت، وحضورها اللافت كرواية تشتغل على المكان الفلسطيني، واحتلالها قائمة الأكثر مبيعا,08 احتكرت طبعاتها جماعة من المزوّرين المتمهنيّين في الدّاخل الفلسطيني، رام الله وعمّان، ودار الآداب خارج الصّورة!

بعد غياب سنتين تجدّد إمرأة الرّسالة وعدها وعهدها، وتصدر بحلّة جديدة عن دار نشر فلسطينيّة بتوزيع عربي. تستعيد الرّواية شرعية حضورها وتوزيعها على النّحو الّذي يتمنّاه قرّاؤها. وكانت الرّواية قد تعرضّت لتزوير مهني من قبل عدّة دور نشر، مركزها الرّئيسي عمّان، وداخليّا القدس، حاولت خلالها الكاتبة الحد من مستوى الطباعة الهابطة لنسخها دون جدوى.

550-rajaaومن الجدير ذكره أنّ الرّواية الصّادرة عام 07 عن دار الآداب، بيروت، قد احتلت حضورا لافتا في الدّاخل الفلسطيني وخارجه. وضمن حبكتها المركزيّة يحتل غسّان، مخرج مسرحي فلسطيني دور البطولة المطلقه فيها، لكنّهُ يُتَّهم جِزافاً بالضّلوع في تفجير حافلة الركّاب المتّجهة من الكابري إلى عكّا، ويعتقل. على الخطّ الآخر تضيء "نشوة" باحثة في المسرح الفلسطيني أبعاد غسّان المعتمة في المعتقل ضمن سياق سردي حسيّ تؤطّره حكاية عشق عاصفة. والملفت في الرّواية سيطرة الخطاب السياسي على أحداثها ضمن لغتها الحسيّة العالية، وتنجح بتسليط الضّوء على الواقع الفلسطيني لفلسطينيّي أل 48 في مدنها العريقة، عكّا، يافا وحيفا. وبإثارة حضورهم على خارطة الواقع السياسي كأقلية صاحبة حق في فلسطين التّاريخيّة.

 
 

"دماء على نهر الكرخا" لحسن العلوي: الفرسُ هم قتلة العلويين والبابكية إباحيون! (8-9)

alaa allamiبهدف الاختصار سنمر مرورا سريعا على ما تبقى من فصول الكتاب المتشابهة والمكررة من حيث المضامين، لاعتقادنا بأننا حاولنا كفاية كشف جذور هذا الكتاب والفكر الذي يحمله ولا ضرورة بالتالي للتوقف عن كل شاردة و واردة على ما في ذلك من ضرورة منهجية لا تسمح بها طبيعة هذه الدراسة النقدية السريعة، ولكننا سنواصل الإشارة الى بعض العناوين التي نحسبها مهمة في الفصول الباقية للتذكير بها والتعليق عليها سريعا وسنختار منها للدراسة المفصلة واحدا أو ثنين :

- يُحمل حسن العلوي الفرس في قيادة الحركة العباسية ودولتها لاحقا مسؤولية المجازر التي ارتكبت ضد الأمويين خلال الثورة التي قادها الهاشميون من بني العباس التي أطاحت بهم ويأتي بمثال أخرق تماما هو ما حدث لسليمان بن هشام بن عبد الملك الذي توسل الى أبي العباس السفاح أن يعفوا عنه، وكاد السفاح أن يعفو عنه لولا تدخل شاعر يدعى سديف الذي قال بيتين خطرين من الشعر هما:

لا يغرنكَ ما ترى من رجالٍ ... إنَّ تحتَ الضلوعِ داءً دويا

فضعِ السيفَ وارفعِ السوطَ ... حتى لا ترى فوقها أمويا .

فقال له هشام قتلتني يا شيخ! وفعلا، أمر السفاح به فقُتل. ولكن حسن يُحمل الفرس المسؤولية لأن الوزير أبا مسلم الخراساني هو الذي سمح له بالدخول على السفاح ليعفو عنه، و ينسى أن الشاعر الذي حرَّض على قتله، أي سديف بن إسماعيل بن ميمون، هو شاعر عربي وليس فارسي و تقول سيرته إنه ( سديف بن إسماعيل بن ميمون شاعر حجازي من أهل مكة كان إعرابيا بدويا متعصبا لبني هاشم ضد بني أمية وكان شاعرا مفلقا وخطيبا مصقعا).

-يحمل حسن العلوي الفُرس مسؤولية قتل 170 قائدا علويا مقابل 36 قائدا علويا قتلهم الأمويون، وطبعا لا وجود للتوثيق والأدلة المنهجية وقوائم الأسماء مع هذه الأرقام. وحين تقرأ التفاصيل تجد أن العلويين الذين يقول حسن إنهم قتلوا بأيدي الفرس في عهد الدولة العباسية إنما قتلوا بأوامر مباشرة من خلفاء بني العباس ولكن المؤلف يحمل الوزراء الذين كانوا في الغالب من أصول فارسية مسؤولية مقتل هؤلاء العلويين، وعلى افتراض صحة هذه المعلومة بخصوص وزير أو وزيرين فهل يعني ذلك تحولها إلى ظاهرة خلاصتها أن الوزير - وليس الخليفة - هو الامر الناهي في دولة بني العباس والذين لم تنكب أسرة حاكمة أخرى وزراءها كما فعلوا؟ يأتي المؤلف بمثال على ما ذهب إليه هنا و هو حين قتل المهدي أربعة من أولاد الإمام علي في عهد وزيره الفارسي إبراهيم بن دكوان وأمثلة مشابهة كهذا المثال على ص 56 . إن المؤلف بعقليته هذه، يريد إقناعنا أن رئيسه السابق صدام حسين ليس هو المسؤول عن إعدام عشرات الآلاف من الزعماء والساسة و رجال الدين العراقيين المعارضين له وحتى عن إعدام العشرات من القياديين في حكمه ومن المواطنين العاديين في جرائمه الشهيرة كالأنفال وحلبجة والأهوار والمقابر الجماعية وغيرها بل المسؤول هو نائب الرئيس "الكردي" طه محيي الدين معروف، أو وزير خارجيته "النصراني !" طارق عزيز، وهذا يكفي لتبيان تهافت هذه العقلية. ويمكن إثبات تهافتها أكثر بإجراء دراسة إحصائية علمية عن أصول وزراء الدولة العباسية القومية وعدد الضحايا لنكتشف الكثير من الأسماء والمفاجآت وهذا ما لا تسمح به طبيعة هذه القراءة النقدية المكثفة ولكننا نشير إلى مثال كبير الدلالة هو ما يعرف بنكبة البرامكة الأسرة الفارسية التي احتكرت الوزارة للعباسيين وما أصابهم من قتل وتشريد ومقتل أبو مسلم الخراساني بتدبير من الخليفة العباسي المنصور ومقتل كبار أسرة الوزير الفضل بن سهل السرخسي وهو فارسي المولد أيضا، وغيرهم عديدون، ما يؤكد ضعف وهوان هذه الأسر الفارسية في مواجهة خلفاء بني العباس خصوصا في طور ازدهار وصعود دولتهم، وعموما فوزراء الدولة العباسية البالغ عددهم سبعة وتسعين وزيرا ليسوا كلهم أو حتى غالبيتهم من الفرس بل ربما تثبت لنا دراسة أنسابية متخصصة أن أغلبهم كانوا من العرب"1" وهذا ما يقول حسن عكسه تماما على ص 61 تحت عنوان " الخلافة للعرب والوزارة للفرس" دون دليل أو توثيق كعادته.

وأخيرا، ألا يكفي بني أمية، الذين يفاخر حسن العلوي بكونهم عربا أقحاحا، أنهم قتلوا الحسين بن علي سبط النبي العربي الكريم وأكثر من سبعين من صحبه وآل بيته في موقعة الطف بكربلاء، وسبوا نساء وأطفال الأسرة النبوية وقادوهم وهم في حالة يرثى لها نحو عاصمتهم دمشق حاملين رؤوس الشهداء على الرماح؟ وعطفا على ما سبق، فحسن يسجل على الفرس "جريمة" أخرى في ص55 وهي أنهم (ابتدعوا الاحتفال بشهيد كربلاء عليه السلام ومن استشهد معه في العهد الأموي)!

- يهاجم المؤلف الثورة البابكية ويكرر الأوصاف التي قالها بحقها كتبة ومؤرخو البلاط العباسي الرسميون بأنها حركة إباحية مجوسية تستهدف ضرب الإسلام، ويهاجم صاحب" دماء على نهر الكرخا" الباحث الماركسي العراقي الراحل د.حسين قاسم العزيز الذي كشف النقاب للمرة الأولى عن هذه الثورة المساواتية في كتاب صدر له في السبعينات فيقول عنه (إن الدكتور حسين قاسم العزيز يمثل المنهج الأممي في تحليلاته الذي يستخدم في البلاد العربية ضد التيار القومي فيها وكان كتابه عن البابكية نموذجا صارخا لهذا الاتجاه الشعوبي/ ص 77). فيا للخفة والطيش ! بسطرين فقط يشطب حسن العلوي على مؤلف د. حسين قاسم العزيز الضخم والذي يقع في ما يقرب من 400 صفحة ومدعم بآلاف، نعم، آلاف المصادر والوثائق والخرائط حول هذه الثورة الكبرى في تاريخ الشرق، وهو على الأرجح أطروحته لنيل شهادة الدكتوراة.

إن د. العزيز – طابت ذكراه - والذي تشرف كاتب هذه السطور بالتتلمذ على يديه في كلية الآداب / جامعة بغداد في السبعينات من القرن الماضي، قد حاول في كتابه ذاك إنصاف تلك الثورة الفلاحية المساواتية الشجاعة، الرافضة للاستغلال الطبقي والضرائب الثقيلة على الفلاحين والتي بلغت مناصفة المحصول أي 50% مع الدولة العباسية زمن المنصور ثم ارتفعت الى ثلاثة أخماس، وكان الفلاحون الهاربون من قراهم لعدم قدرتهم على دفع الخراج يعادون إليها مقيدين وتسجل أسماءهم على أقراص رصاصية تعلق في أعناقهم ومن كان يتخلف عن سداد ضريبة الخراج يعذب عذابا شديدا / ص 81 "البابكية الانتفاضة ضد الخلافة العباسية"، و قد نجح د.العزيز في ذلك نجاحا باهرا، فأزال عن سيمائها الكثير من الافتراءات والتشويهات والأكاذيب ومنها ما يكرره ببلاهة حسن العلوي كالإباحية الجنسية – والبابكية الخرمية هم الأكثر توقيرا واحتراما يداني التقديس للمرأة بين جميع الفرق والنحل المسلمة وغير المسلمة كما يكشف لنا د.العزيز في كتابه – و القسوة والدموية ( ولعل عملية إعدام قائد الثورة بابك الخرمي في سامراء بأمر من المعتصم لم يسبق أن اقترفها ملك أو سلطان عربي ولا أعجمي في تلك العصور حيث أمر المعتصم السياف بقطع أيدي وأرجل بابك ثم ذبحه ثم شق بطنه وقطع رأسه وتعليقها في خراسان وصلب جسده في سامراء) وهذه الاتهامات لم يتأخر السائدون وكتابهم عن إلصاقها بجميع الثورات والثوار في جميع الأزمنة، ولكن حسن يكررها جاهلا أصلا بأن هذه الثورة وثوارها وقائدها بابك - العراقي الأصل فقد ولد في المدائن ورحل مع أمه الإذرية إلى موطنها لاحقا- إنما حدثت في أصقاع بعيدة في إذربيجان الحالية، و كانت تخضع لولاة غرباء وقساة علاقتهم كانت مع الإقطاعيين وأصحاب الأراضي وليس مع الناس الذين عليهم أداء ضريبة الخراج الباهظة إضافة الى الجزية التي تؤخذ من غير المسلمين وأحيانا حتى من الذين أسلموا، كما يسجل البلاذري في " فتوح البلدان/ص 374" لدولة الخلافة ليعيش أهل البلاد الفقراء على الكفاف أو يموتوا بالآلاف جوعا.

ثم لماذا يقفز حسن وأمثاله على أن هذه الثورة الاجتماعية و الطبقية التي استمرت عشرين عاما تقاوم ظلما فادحا وتحاول بناء مجتمع عادل مساواتي شبيه بالمجتمع المساواتي القرمطي في العراق الجنوبي وشرق الجزيرة العربية، وأن هذا المجتمع المسلح صمد عشرين عاما بوجه جيوش الدولة العباسية وربح جميع المعارك العسكرية التي خاضها ضدها ماعدا المعركة الأخيرة التي قاد الجيوش العباسية فيها الغلام التركي الأفشين ولحق به الغلام الثاني الوصيف بغى الكبير بجيش آخر فحاصرا قلعة "البذ" مركز الانتفاضة البابكية لفترة طويلة انتهت بتدميرها.

إن الأفشين هذا الذي انتصر على بابك وغدر به ثم أرسله الى المعتصم في سامراء ليصلبه ويمثل بجسده، الأفشين ذاته سيواجه المصير نفسه وسيصلبه المعتصم لاحقا بتهمة الزندقة وإخفاء المجوسية أيضا، إذ لم ينفعه ويشفع له كما يبدو أنه قاد المجاهدين تحت راية بني العباس ضد "المجوسي" بابك! ولكنّ مؤرخين آخرين من بينهم ابن الأثير في " الكامل في التاريخ" قالوا بأن سبب إعدامه يتعلق بخلافات على الغنائم بينه وبين خليفته المعتصم !

إن صاحب" دماء على نهر الكرخا" بتعريضه بالباحثين المرموقين من أمثال د. حسين قاسم العزيز - و قد لا يفلت من هذا التعريض زميله الباحث فيصل السامر وهو أول من تناول بالبحث المنهجي ثورة الزنج في البصرة، في كتاب صدر باكرا في سنة 1954 والذي دفع ثمن خياراته الفكرية الحداثية غاليا حين أسقط نظام البعث عنه الجنسية العراقية لاحقا ولكن السامر لم يخضع أو يتراجع عنها-   إن حسن يفهم السجلات والمناظرات البحثية والأكاديمية بين المفكرين على طريقة البلطجية أي بوصفها معركة بالقبضات والسكاكين يفوز بها من كان الأقوى والأكثر كذبا وافتراء وأفحش لسانا من غيره.

في الجزء القادم، التاسع، والأخير من هذه الدراسة نستكمل هذه القراءة النقدية مركزين على ماهو مهم وضروري وليس عند ما هو مكرر وإنشائي وهو الغالب، خاتمين ذلك الجزء بمجموعة من الخلاصات والاستنتاجات ذات الصلة.

 

................

1- رابط على النت يحيل الى قائمة تقريبية بأسماء وزراء الدولة العباسية وسنوات استيزارهم :

http://www.islamichistory.net/forum/showthread.php?t=7044

 
 

معلومات إضافية