كتب واصدارات وقراءات ورسائل جامعية

مآخذ نقدية ما فات أوانها على كتاب "من نحنُ؟"

hashem mosawi(عودة لقراءته من جديد وتفهم ما يجري بأوطننا في هذه الأيام) .. عرض كتاب صموئيل هنتغتون "من نحنُ؟" الجدل الكبير في أمريكا

"Who Are we" America's Great Debate الصادر عام 2004م التغييرات التي طرأت على بروز الهوية الوطنية الأمريكية وجوهرها. أما بروزها أو تفوقها Salience فهو الأهمية التي يوليها الأمريكان لهويتهم الوطنية مُقارنةً بهوياتهم المتعددة، وأما الجوهر فيُشير إلى ما يعتقده الأمريكان أنهم يملكونه بشكلٍ جماعي ويُميّزهم عن سائر الشعوب الأخرى. ويُقدّم هنتغتون في هذا المُصنّف ثلاثة أطروحات (أو أدلة رئيسية) على ذلك:

أولاً: تغيّر مظهر الهوية الوطنية لدى الأمريكان عبر التاريخ. ففي القرن الثامن عشر بدأ البريطانيون المستوطنون على الساحل الأطلسي تعريف أنفسهم لا كمقيمين في مستعمراتهم كلٌ على حده فحسب بل كأمريكان. وعقب الاستقلال بدأت فكرة القومية الأمريكية تترسخ تدريجياً ثم توطّدت بشكلٍ نهائي في القرن التاسع عشر. وبعد الحرب الأهلية، أصبحت الهوية الوطنية مُبجّلة ومُفوّقة مُقارنةً بالهويات الأخرى. ثم تنامى الشعور القومي الأمريكي في القرن الموالي، وفي الستينات من القرن العشرين (أي 1960م) بدأ تيار الهوية الفرعية والمزدوجة، والأممية في منافسة الهوية الوطنية ومنافستها لدحر تفوقها. وقد تسببت الأحداث المأساوية في الحادي عشر من سبتمبر في إعادة مسألة الهوية الوطنية إلى السطح. فما دام الأمريكان يرون قوميتهم مُهدّدة، من الوارد جداً أن يُصاحب ذلك الشعور حسٌ كبيرٌ بالهوية لديهم. أما في حالة تلاشي إدراكهم للخطر، فإن هويات أخرى ستشق طريقها للصدارة من جديد على حساب الهوية الوطنية.

ثانياً: عرف الأمريكان، عبر التاريخ، وبدرجات مختلفة جوهر هويتهم حسب العرق والأثنية، والعقيدة، والثقافة. أما العرق والإثنية فقد اندثروا بشكلٍ كبير، فالأمريكان يرون بلدهم متعدد الأثنيات والأعراق، مجتمع متعدد الأجناس. و"العقيدة الأمريكية" كما صاغها في البداية توماس جيفرسون، وبلورها آخرون من بعده، تُعتبر بشكلٍ كبير العنصر الحاسم المحدد للهوية الأمريكية. وقد كانت العقيدة نتاج ثقافة أنكلو-بروتستانتية مختلفة كانت عند المستوطنين الأوائل الذين أسّسوا أمريكا في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

وتشمل العناصر الرئيسية لتلك الثقافة حسب رأي هنتغتون: اللغة الإنكليزية، والمسيحية، والالتزام الديني، والمفاهيم الإنكليزية المتعلقة بسيادة القانون، ومسؤولية الحكام، وحقوق الأفراد؛ وقيم البروتستانت المنشقين فيما يتعلق بالفردية، وأخلاقيات العمل، والإيمان بأن للبشر قدرة، ومن واجبهم، خلق جنة على الأرض (مدينة فاضلة). وتاريخياً، جذبت هذه الثقافة والفرص الاقتصادية التي ساعدت في إتاحتها ملايين المهاجرين إلى أمريكا.

ثالثاً: لقد كانت الثقافة الأنكلو-بروتستانتية أمراً جوهرياً للهوية الأمريكية طوال ثلاثة قرون، وهي ما يشترك فيه الأمريكان، وكما لاحظ العديد من الأجانب، فهي ما ميّزهم عن سائر الشعوب الأخرى. في أواخر القرن العشرين تأثر تفوّق (وبروز) هذه الثقافة بسبب موجة جديدة من المهاجرين من أمريكا اللاتينية وآسيا، وذيوع وانتشار معتقدات ومذاهب التعددية الثقافية والتنوّع في الدوائر الفكرية والسياسية، وانتشار الأسبانية كلغة ثانية، وتيارات "الهسبنة" Hispanization في المجتمع الأمريكي، وتأكيد هويات المجموعات اعتماداً على العرق والأثنية والجنس، وتأثير الجاليات وحكومات أوطانهم الأصلية، والتزام النخب المتنامي بالهويات الأممية ومتعددة القوميات. واستجابة لهذه التحديات، كان بإمكان الهوية الأمريكية أن تتطور باتجاهات مختلفة:

1. أمريكا عقائدية، يعوزها الجوهر التاريخي الثقافي، ولا يوحّدها سوى التزام مشترك بمبادئ العقيدة الأمريكية.

2. أمريكا مشتركة، ذات لغتين: الأسبانية والإنكليزية، وثقافتين: الأنكلو-بروتستانتية والهسبانية Hispanic.

3. أمريكا العازلة (المبعدة) والتي تُعرّف من جديد بالعرق والأثنية، والتي تُقصي و/أو تُطوّع الملونين (غير البيض والأوروبيين).

4. أمريكا المفعمة بالحيوية تؤكد من جديد ثقافتها الأنكلو-بروتستانتية التاريخية، والالتزامات والقيم الدينية المرتكزة على صدام مع عالم مناوئ ومُعادٍ.

5. مزيج من هذا وذاك، واحتمالات أخرى.

وقد جاء الكتاب في أربعة أجزاء، تتخللها فصول ومباحث وهي:

قضايا الهوية، وأزمة الهوية الوطنية ومكونات الهوية الأمريكية، والثقافة الأنكلو-بروتستانتية، والدين المسيحي، والبروز والنصر والتآكل، وعرض في الجزء الثالث مخاوفه من تفكيك أمريكا، وفي الجزء الرابع، فقد تناول حدود الخطأ القديمة والجديدة، وأمريكان القرن 21 وقابلية التأثر والعطب. ولا يعنينا كل ذلك إنما يهمنا هنا مسألة الكشف عن طروحاته المنبثقة من قناعاته التي سبق وأن كشف عنها في كتابه السابق "صِدام الحضارات" والتي أوردها من جديد في هذا المؤلف.

مآخذنا النقدية على هذا الكتاب:

لقد أثار هذا الكتاب "من نحنُ؟" جدلاً كبيراً في أوساط المثقفين والسياسيين داخل أمريكا وخارجها. فأما في الداخل فقد نُعت بـ"رهاب الأجانب" xenophobia بسبب ما ذهب إليه من أن الهجرة تمثل تهديداً حقيقياً للمجتمع الأمريكي، وقد تتسبب في "انقسام الولايات المتحدة الأمريكية إلى شعبين، وثقافتين، ولغتين" إلى جانب تأكيده على أن أمريكا تستمد هويتها من التاريخية والثقافية من كونها بلد أنكلو-ساكسون بروتستانتي. وقد تعامى عن إيجابيات تعدد الثقافات والأعراق وما كسبته أمريكا نتيجة ذلك من تنوع في القيم، مثل التسامح، وروح المبادرة والثقة بالنفس، والإيمان بالمساواة وغيرها من القيم التي ميّزت الثقافة الأمريكية عن سائر الثقافات، وميّزت الشعب الأمريكي عن سائر الشعوب، ونسى أن التنوّع مصدر قوة إيجابية تنبع من تعدد الهويات والثقافات، ومن "الحلم الأمريكي!" الذي سحر الشعوب وجذب عدداً كبيراً منها عبر المحيطات.

وأما فيما يتعلق بفصول الكتاب القليلة التي تناول فيها علاقة أمريكا بالعالم الخارجي، وخاصةً في مواجهاتها الحالية مع الإسلام السياسي، فإن النقاد يرون أن هذه الأفكار لا تعدو أن تكون اجتراراً لمقولاته في "صِدام الحضارات" الذي اتفق جميع النقاد والمحللين السياسيين في الغرب والشرق على أنّه "دسيسة لتجبير العدوان والحروب التي يشنها الغرب بزعامة أمريكا على دول العالم الثالث ووضعها تحت "الوصاية والمراقبة" لمنع اقتصادياتها من النمو. وهو بذلك يُشجّع سياسة التدخل في شؤون الغير بحجة نشر ديمقراطية العالم الحر وتحرير الشعوب من الدكتاتوريات، حيث يعتقد "أنّ الغرب لم يفز بالعالم بسبب تفوق أفكاره وقيمه أو دياناته بل بتطبيق تفوقه في استخدام العنف المُنظّم.

كما اتهم هنتغتون باتخاذه مواقف عنصرية ومعادية للإسلام. ومن أهم المآخذ المُسجّلة على نظريته هو ضبابية تعريفاته وعدم موضوعية مقارناته. فهو تارةً يضع الإسلام السياسي (الدين) إزاء الثقافة الأمريكية، وتارةً أخرى يضع الغرب إزاء الشرق، وينسى أن الغرب ليس أمريكا فحسب بل أوروبا (الثقافية والدينية والإيدولوجية)، ويتناسى أن الشرق منه اليابان وغيرها من الدول التي اعتنقت الرأسمالية الغربية. وهو يرصد الحروب التي انخرطت فيها بعض الدول (أو الفصائل والأقليات) الإسلامية، ويتناسى أن معظم الدول الإسلامية تعتنق إسلاماً معتدلاً، وتنعم بالاستقرار وتتوق للسلام، كما يتناسى ويرفض أن يُبيّن الفرق بين ما يُسمّى بالإسلام السياسي والإسلام كدين مُسالم وأسلوب حياة. ويرفض التمييز بين الأعمال الإرهابية والحق في المقاومة وتقرير المصير. ويُندّد بأعمال إرهابية متفرقة في حين يدعو إلى مزيد من العنف (أو الإرهاب) المُنظّم.

وحتى لا يخفى على المثقف تاريخ هذا الباحث النيتشوي وهو أستاذ بجامعة هارفرد، ولا يستغرب طروحاته، لا يفوتنا أن نذكر بأن صمويل هنتغتون هو باحث في العلوم السياسية اشتهر بتحليلاته في العلاقة بين الجيش والحكومة المدنية في كتابه "انقلابات عسكرية" وطرحه الذي مفاده أن الكتل السياسية المتصارعة في القرن الواحد والعشرين لن تكون الدول الوطنية بل الحضارات، وهو يعمل حالياً من خلال كتابات جديدة على تحليل التهديدات المُحدقة بالولايات المتحدة الأمريكية في الداخل والخارج. وهو في ذلك يُشكّك في قوة الهوية الأمريكية، وإمكانية صمودها، كما يخدم مصالح المجمع العسكري الصناعي الذي لا يرى العالم سوى ساحة للوغى يُسوّق فيها ترسانته العسكرية، ويُجدّد من خلالها أسلحته ويُبدّد في شعوبها ذخائره الكاسدة. فلا تستغربوا إذا سمعتم يوماً ما أنّه مُرشّح لنيل نوبل للسلام.

 

حقائق جريئة كاشفة جريئة لتاريخ مزرٍ

638-colinقراءة في كتاب التّشيّع والتّحوّل في العصر الصّفويلـكولن تيرنر، وترجمة: حسين علي عبد الساتر

قليلة هي الكتب التي تحاول تهدف إلى تغيير مفاهيمنا بدرجة مئة وثمانين درجة، فتكشف حقائق عن قضيّة من قضايا التّزييف والخداع التّاريخي، الذي يعمّر عقولنا، مشيرة إلى تصرفات شاذّة إلى بعض من يدعي الإيمان، وبخاصّة الإسلام، بحيث يصبح الفكر الإسلاميّ في نظر البعض نظريّات مبنيّة على أكاذيب مختلقة، تقود بالضرورة إلى تشويه مبادئ الإسلام، وتنزل به إلى دركة من السّوء والانحطاط لا مثيل له. إماطة اللثام عن صفحة سوداء مزيفة يتطلب جهداً جباراً، ودراسة عميقة تأخذ سنين طويلة، وهذا ما فعله كولن تيرنر، إذ كشف معتقدات راسخة مبنيّة على زيف لا علاقة لها بالدّين، وأسسه، وأركانه، ومبادئه التي جاء به محمّد "ص". لا علاقة لها مطلقاً بأيّ مبدأ من مبادئه، وبعيدة عن نضاله في سبيل الإسلام، وبما جاهد لتحقيقه، هو ورفاقه الذين التفّوا حوله.

ابان لنا المؤلف كيف بنى هذا التزوير صرحاً هائلاً، وظلّ ينمو يوماً بعد يوماً ليثبّت منهجاً للعمل، منهجاً اقتبسه غوبلز، وساسة العالم في كلّ مكان وزمان، ويجري تثبيته إلى حدّ الآن في غير مجتمع تدّعي إسلاماً لم يجئ به محمّد مطلقاً، ولا علاقة له بالإسلام إلّا بالاسم فقط.

638-colinمن هذه الكتب كتاب التّشيّع والتّحوّل في العصر الصّفوي. فمن يقرأ الكتاب يهمّه أن يفهم كيف حدث التّحول في إيران وكيف انقلبت المفاهيم عند الشّعب الفارسي مئة وثمانين درجة. كان الشّعب الفارسيّ مسلماً كباقي الشّعوب الإسلاميّة، ملتزماً بمذهب الأكثرية المتسامحة، لكنّها بعد تسلّم الصفويّين زمام الحكم انقلبت إلى شيعيّة. حدث هذا لأن الحكام الجدد قاموا بموجة إبادة هائلة لمعارضيهم، واستئصال كامل لكلّ من يعتنق مذهباً غير مذهبم. جرى ذلك في خضم حملات هدم وتدمير وحرق وتهجير واغتيالات بدأت منذ ذلك الوقت ولم تنتهِ حتى الآن، فقد طبّقت السّلطات الإيرانيّة خطّة تجويع الشّعب البلوشيّ منذ 1980 وحتى الآن، ولم تقدّم له سوى 30% من حاجته للطّعام، فانتشرت أمراض فقر الدّم، وسوء التّغذية، وتدهورت المناعة، وكثّرت الوفيّات، وأصيب الأطفال بالتقزّم، وأخذ الكثير منهم يبيع أطفاله لمقتنعي مذاهب أخرى وقوميّات أخرى، وبدأت المقاومة وكثرت الإعدامات .

لا تكشف الكتّب القديمة حقائق ذلك التّحول الرّهيب في الفترة الصّفوية، ولا تفصح عن عدد الضّحايا الحقيقيّ أو التّقريبي، ولا الوسائل التي اتبعت بالإبادة، والإرغام بالتّفصيل. وما ورد عبارة عن نتف قليلة جداً لا تغني القارئ، ولا تطلعه على مجريات تطور الأمور . كلّ ما ذكر جمل قصيرة في كتب متعدّدة ضمن موضوعات بعيدة، ولهذا فمن يقرأ هذا العنوان يتلهّف لمعرفة حقيقة إحداثيات ذلك العصر الرهيب المفزع، ويتوقع أن يسدّ الكتاب فراغاً في المكتبة العربيّة..

والغريب أن العنوان الأصليّ للكتاب هو "إسلام بدون الله" واعترف المترجم بأنّه استبدله إلى العنوان الحالي ذاكراًِ سبباً لا يطمئن إليه القارئ، ولا يرضيه، وهو "نبو الذّوق العربي عن هذا العنوان". وهي حجة لا تبدو مقنعة مطلقاً، العنوان الأصلي الذي وضعه المؤلف ينطبق على معنى الكتاب قلباً وقالباً، واستبداله بالعنوان الحالي لا يعبر عن حقيقة الكتاب بأي شكل. فالكتاب لم يتناول التّشيع الصفوي ّكتاريخ، وحوادث تفصيليّة كما يوحي العنوان، ولا يضيء من تلك الفترة المظلمة التي طبعت عصرها بطابع القسوة والفتك، كما لا يتحدث الكتاب عمّا رافق ذلك التّحول من قسر وإكراه وحوادث دمويّة ووحشيّة ولاإنسانيّة مؤلمة ومدمّرة معاً، ولم يدرس طبيعة المجتمع في إيران قبل وبعد ذلك الانقلاب، لا، لم يتطرّق إلى ذلك. كان همّ الكاتب فكريّاً عقائديّاًً في الدّرجة الأولى، وهو كشف زيف العقائد والأفكار التي غزت عقول الفقهاء وشططهم وانحرافهم عن الإسلام، والطرق المزيّفة التي اتبعوها، لإقناع ملوك الصفويين لتنفيذ الانقلاب وتصفيّة معتنقي المذاهب الأخرى، وتزيّين العمليّة لهم بما لفقوه من أحاديث نسبوها إلى الرّسول. وأخرى يتسلّسل رواتها إلى بعض "المعصومين"، وفلسفوها وتعمّقوا بها، ووسعوا دئرتها بحيث أصبحت عالماً واسعاً بحدّ ذاته لا يمت إلى أيّ أصل مطلقاً، سواء أكان ذلك إسلام محمّد أو صورة أخرى لأيّ نوع من الإسلام يرتبط به. هذا العالم الواسع تمّ فرضه على الشّعوب الأخرى.

ركّز المؤلف على دور محمّد باقر المجلسيّ على هذه الانحرافات وانتهازيّته وشغفه بالمادة وطموحه إلى التّقرّب إلى الشّاه، من خلال رسالة "جهارده حديث" وهي "وسيلة تقرّب بها المجلسيّ إلى الحاكم الجديد. تلك الحيلة غاية في الذّكاء، فقد آتت أكلها سريعاً، كأحسن ما يكون. "ص344".

أهمّ خطوة اتّخذها المجلسيّ هي تزلّفه للحكام، من خلال تعظيم الصّفويين وتنزيههم ووضعهم في مرتبة تعلو على اقرانهم من ملوك فارس السّابقين، والملوك الآخرين المعاصرين، المتواجدين حول فارس، وفي العالم الإسلاميّ، وبالتالي إعطاءهم نوعاً من الكاريزما وإلباس حكمهم لبوس الحتميّة" والرّشاد وكانت تلك الحيلة بالغة الذّكاء حيث تمّ إدراجهم في "سيناريو" آخر الزمان، ليصبحوا مقدّسين، محترمين، أقرباء للمهدي. كلّ ذلك من أجل "الفوز بالحظوة لديهم مهما كانت أفعالهم." "الصّفحة نفسها"

لم يكن المترجم المذنب الأوّل بطبيعة الحال إذ شاركه بهذا التّزييف المتعمّد كاتب المقدّمة، والنّاشر على حدّ سواء، في عمليّة تبديل العنوان وتزييفه أيضاً، واستغفال القارئ، فبعد أن أشار مقدّم الكتاب "بتحليل خاطئ إلى تطوّر الفكر الشيعيّ إلى العقلانيّة والصوفيّة" عاد فوصف مختلق الأحاديث ومزيّف الأفكار المنحرفة "المجلسيّ" بالعلّامة.

تمكّن المجلسيّ من هندسة وصناعة سلّم ذهبٍ ليرتقي إلى غايته تمثّلت باختراعه كلمتين: "جوّاني وبرّاني"، والتعّمق في تحليلاتهما، والتّفلسف في مدياتهما، عازياً ورودهما في حديث للرّسول "ص". ظهر هذا الحديث المزيّف أوّل مرّة في أمالي الشّيخ الطّوسي، ويبدو أنّ الأخير هو مخترع الحديث: "ما من عبد إلّا وله جوانيّ وبرانيّ، فمن أصلح جوانيّه أصلح الله برّانيّه، ومن أفسد الله جوّانيّه أفسد الله برّانيّه" "91". وتفسير الحديث أنّ الجوانيّة هي الإيمان الكامل، أما البرانيّة فلا تعني إلّا التّظاهر بالاسلام من دون فهمه، بعيداً عن الحقيقة. ويُتبع المترجم عمليّة التّزييف بقوله "أمّا صحة إسناد الحديث، فتلك مسألة أخرى". وكأن الحقيقة غير مهمّة إطلاقاً، لأنّ المهمّ هو قيادة قطيع ماشية في اتجاه معيّن، مهما كانت أخطار ذلك الاتّجاه وانحرافه عن الطّريق الصّحيح. ويبدو أن المجلسيّ لم يكن يهمّه أن يُتهم بالتّزييف بتاتاً، حتى لو جاء بافتراء واضح مكشوف. ولست أدري كيف لم يفطن، أو يتنبّه من درس كتب "العلامة" المجلسيّ، إلى حقيقة أنّ كلمتي جوّاني وبرّاني لا يمكن أن تصدرا عن الرّسول "ص" بأيّ شكل من الأشكال، لسببين شديدي الوضوح أولّهما أنّهما "الكلمتان" ليستا كلمتين عربيّتين صحيحتين مطلقاً، ولا تندرجان في أيّ قاموس صحيح فصيح في اللغة العربيّة المكتوبة، منذ صدر الإسلام وحتى الآن. ولم يذكرهما أيّ معجم معتبر، وثانيهما أنّهما لم تظهرا إلّا بعد ظهور الإسلام بقرون طويلة، وأقتصر استعمالهما على اللّهجة لدّارجة في العراق وبعض الشّعوب العربيّة الشّرقية، وهنا تبرز شخصيّة المجلسيّ الذي لا تهمّه الحقيقة مطلقاً، فما يهمّه تقربّه للسّلطة وملء جيوبه حتى لو تسبّب ذلك بإبادة مئات آلاف الضحايا، حتى لو خاض بالدم حتى الحزام، وربما كان ذلك أجرأ موقف ضد الإنسانيّة لا يعادله سوى موقف رجال الدين المزّيفين الذين تعاونوا مع المغول لاجتياح الشرق الأوسط.

لو كان لـ"العلامة" المجلسيّ ذرة من العقل لما بنى فلسفته، واجتهاده، وحكمته على حديث بيّن التّزوير، ولو كان له ذرة من العقل لما بنى فلسفته على وهم لا أساس له. وينطبق الشّيء نفسه على من روى الحديث، أي الشّيخ الطّوسي الذي يقترن اسمه عادة بـ"قُدّس سرّه" ولعل المراد بسره قابليته على اختلاق الأحاديث، وبتشجيع من السّلطة انغمس معظم الفقهاء في ابتداع ما يتنافى مع العقل من دون الالتزام بالدّليل، فالمفسر أبو القاسم الشّريفي شرح ثلاثمائة آية يدعي انّها نزلت في المعصومين الأربعة عشر ص197، الأمر الذي جمع رأي الفقهاء "آنذاك" فأصدروا الحكم بأنّ السّنة كفار نجسون،ص198، وكان وتجرأ أحد الفقهاء، وتغوط في موضع صلاة الأحناف في مكة، وقتل بسبب ذلك.ص198. أما الفقيه علي العامليّ الشاميّ فتغوّط على قبر "معاوية سنة كاملة، وكان يظهر بركة ذلك العمل للنّاس ص991.

ولعل تزوير حديث عن الرّسول لا يلفت نظر النّاس العاديّين، إلّا ما ندر، ولا يهمّ المتديّنين كذلك، لأنّ آلاف الأحاديث اختلقت، وإسيئ تفسيرها، بحيث اضطر الفقهاء إلى استحداث نهج يكشف ذلك "علم الجرح والتّعديل، لكنّ اعقب هذا الحديث تأويلات متطرّفة ذات طابع خبيث، تطعن بعقائد معظم السكان، وتّتهم ولائهم لمصلحة الحاكم، والدّولة، والمجتمع، والحكم على الأكثرية بالخيانة، مما أدى إلى موجات إبادة جماعيّة، مرّة بعد مرّة، في متوالية بدأت في العصر الصفويّ واستمرت حتى العصر الحاضر، وراح ضحيتها عشرات الملايين. وكانت قبل ذلك تكتفي بالسب واللعن، بالرغم من أنّهما محرمان عند معظم المسلمين.

استثمر المجلسيّ نجاحه في إيران، فأراد توسيع الرّقعة، فكما أنّ الإباداة في هذا البلد بدأت في السبّ واللعن فلماذا لا تبدأ بكل بلد؟ وكان سنده الرئيس أن علي بن أبي طالب بدأ بالسّب واللعن، فلماذ يتوقّف هو وغيره؟ لذا انبرى مجموعة كبيرة من المتأثرين به، إلى التّشجيع لهذا العمل المشين، فألّفت كتب كثيرة في تبريره فهذا شمس الدين محمّد الخفري الشيرازي يفتي لمن يتلكأ بلعن الخلفاء الثلاثة الأول: "هلمّ والعنهم، ففي نهاية المطاف، هم ثلاثة من أرذل العرب."ص171      

لم يكتف المجلسيّ بسنّ هذه السّنة المسعورة بل تجاوزها إلى لعن أعلام مسلمين شعراء، علماء، صوفيين مشهورين كالغزاليّ، وجلال الدين الروميّ، ومحي الدين ابن العربيّ، والحلاج، ثم طوى صفحة أخرى أسوأ حيث نسب بعض أحاديث الرسول إلى علي، ص294 . ذلك الجهد العظيم جعله لا مقرباً من السّلطة والحكام حسب بل من أثرى أثرياء إيران أيضاً، فحصل على مزارع وبيوت وثروة هائلة جعلته من مترفي عصره ليس هو حسب بل أولاده وإخوته وأقاربه جميعاً. ولعل ما نشاهده اليوم من غلوّ وتجاوز للمحرمّات واقتراف التّخريب والتّدمير والسيطرة على ممتلكات الغير تعود جذوره إلى ما اجترحه المجلسيّ وأمثاله مع الأسف الشّديدّ.

 

حول القاموس الروسي – العربي المعاصر الكبير

استطعت الحصول على القاموس الروسي – العربي المعاصر الكبير، الذي صدر في موسكو عام 2012 باشراف الدكتور جابر ابي جابر، وهو اول محاولة مهمة و جدية وحقيقية وكبيرة فعلا في تاريخ القواميس الروسية – العربية منذ نهاية القرن التاسع عشر ولحد الان بشكل عام، والتي جاءت من قبل المتخصصين العرب بالذات في مجال تأليف واعداد هذه القواميس الروسية - العربية، اذ ان القواميس السابقة قام بها المتخصصون الروس حصرا، رغم وجود محاولات قليلة هنا وهناك من قبل العرب في هذا المجال، لعل ابرزها ما قام به الباحث الفلسطيني الذي درس في روسيا القيصرية وبقي فيها واصبح بروفيسورا في جامعاتها وهو بندلي صليبا جوزي ( 1871 – 1942 )، تلك المحاولة الجريئة وهي - اصداره القاموس الروسي – العربي الكامل في مدينة قازان عاصمة تتارستان بالامبراطورية الروسية عام 1903 (والذي أشاد به المستشرق الكبير وعضو الاكاديمية الروسية كراتشكوفسكي في مقدمته التي كتبها لقاموس بارانوف العربي - الروسي)، وهو قاموس رائد فعلا بالنسبة لذلك الزمان وانجاز علمي كبير حقا، ولكنه لم يحظ بالشهرة والنجاح الذي كان يستحقه واقعيا مع الاسف نتيجة عوامل خارجية كثيرة لعل اهمها الاحداث السياسية الهائلة التي حدثت بعد صدورهذا القاموس مثل الحرب العالمية الاولى وقيام دولة الاتحاد السوفيتي وانعزال العالم العربي عن روسيا ..الخ، وعندما عادت العلاقات العربية - الروسية هذه بعد الحرب العالمية الثانية بشكل او بآخر، اصبح ذلك القاموس منسيا مع الاسف لانه كان يحمل سمات القرن التاسع عشر بالطبع بمفرداته وخصائصه، ولم يعد ينسجم او يتلائم مع متطلبات العصر الروسي السوفيتي ومصطلحاته التي طرحها، وهكذا ونتيجة لذلك بدأ المتخصصون الروس السوفيت باصدار القواميس الروسية العربية على وفق تلك المتطلبات الجديدة، وابرزهم طبعا المستشرق الروسي الكبير بوريسوف الذي اتحفنا بقاموسه الروسي – العربي في الستينات من القرن العشرين (42 الف كلمة)، هذا القاموس الذي شغل مكانه المتميز جدا عند كل العرب المرتبطين بدراسة كافة الاختصاصات باللغة الروسية منذ ذلك الحين الى الوقت الحاضرتقريبا . لقد تم اصدار هذا القاموس بعدة طبعات في الاتحاد السوفيتي نفسه وعلى مدى الاربعين عاما الاخيرة من القرن العشرين وكان الطلب عليه من قبل العرب الذين يدرسون ويتعاملون باللغة الروسية و كذلك من قبل الروس الذين يتعاملون باللغة العربية كبيرا جدا و دائما، لدرجة ان تلك الطبعات العديدة في الاتحاد السوفيتي لو تكن كافية لتلبية تلك الاحتياجات،ولهذا السبب فقد تم استنساخه في بعض البلدان العربية استغلالا ومن اجل الربح التجاري ليس الا طبعا وحتى دون سماح الجانب الروسي او مشاركته، وشاهدته انا شخصيا يباع في مكتبات بغداد ودمشق وبيروت وباسعار باهظة جدا، ولا يزال هذا القاموس لحد الان مهما وحيويا وضروريا للعرب الذين يتعاملون بشكل او بآخر باللغة الروسية، الا انه لم يعد كافيا بلا شك لكافة الاحتياجات المطلوبة نتيجة لمسيرة الحياة وتطورها وتشعباتها المتنوعة، مما حدى بالكثيرين من المتخصصين الروس والعرب الى اصدار قواميس اخرى روسية – عربية كل حسب امكانيته واختصاصه ومن ابرز المتخصصين العراقيين في هذا المجال الدكتور داود كرومي المنير والدكتور عبد السلام الشهباز والدكتور رؤوف موسى الكاظمي وغيرهم، ولا مجال في اطار هذه المقالة للتطرق والحديث عن تلك القواميس طبعا، اذ اننا نود التوقف عند القاموس الروسي – العربي المعاصر الكبير هذا وحسب عنوان مقالتنا .

يقع هذا القاموس ب 1328 صفحة من القطع الكبير، وتوجد في كل صفحة من صفحاته ثلاثة اعمدة كاملة من الكلمات الروسية والتعابير المرتبطة بها مع معانيها العربية، ويحتوي القاموس كما تشيرصفحته الاولى على حوالي 110 ألف كلمة، والرقم هذا يعني انه اوسع من قاموس بوريسوف الروسي – العربي الذي ذكرناه اعلاه بمرتين ونصف تقريبا، واكبر ملاحظة في هذا القاموس واروعها تكمن – من وجهة نظرنا المتواضعة – في انه لا يرتبط باسم شخص واحد كما هو الحال بالنسبة لقاموس بوريسوف وبقية القواميس، وانما جاء – (تحت اشراف الدكتور جابر ابي جابر)، وهذا يعني انه جهد جماعي كبير ساهم فيه آخرون، وان هناك مشرف علمي لكل تلك الجهود، وهذا مفهوم موضوعي وعلمي صحيح وسليم فعلا، وعلى الرغم من اننا نرى دائما في مقدمات القواميس الاخرى اشارة الى مساعدة الاخرين ومساهمتهم بشكل او بآخر في اعدادها، الاان تلك القواميس تثبت – مع ذلك - مبدأ الشخص الواحد بتأليفها او اعدادها بشكل عام، اما في هذا القاموس فانه حتى في المقدمة والتي لم يكتبها المشرف وانما رئيس دار نشر(بيبلوس كونسالتينغ) الدكتور سليم أسعد علي، التي اصدرت هذا القاموس، وجدنا اشارة واضحة وصريحة الى ان هذا القاموس هو – (حصيلة جهد سنوات عديدة تفانى بها كادر بيبلوس كونسالتينغ بحثا وتمحيصا للحصول على قاموس يلم بالتطورات اللغوية التي مرٌت بها كلتا اللغتين الروسية والعربية في ضوء التغيرات التي شهدتها وتشهدها البشرية في كافة المجالات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والثقافية ..)، ويمكن لنا ان نقول – وبكل ثقة – ان هذه الكلمات صحيحة وتتطابق مع واقع هذا القاموس الكبير والشامل فعلا، والذي استخدم معدٌوه 15 مصدرا روسيا و 19 مصدرا عربيا وانكليزيا وفرنسيا، والتي ضمٌت معظم القواميس الروسية المشهورة مثل قاموس اوشاكوف او شفيدوفا او اوجيكوف و القواميس الروسية – العربية مثل قاموس بوريسوف و القواميس العربية – الروسية مثل قاموس بارانوف والقواميس الروسية – الانكليزية مثل قاموس كوزنيتسوف والقواميس العربية مثل المنجد والمعجم الوسيط والمورد والقواميس العربية – الانكليزية والعربية – الفرنسية وفي مختلف مجالات المعرفة من علوم صرفة وعلوم انسانية متنوعة، وقد بلغ هذا التنوع (استنادا الى قائمة الاختصارات المستعملة والتي ثبٌتها المعدون في بداية القاموس) اكثر من 220 مختصرا . هذا وقد جاء في نهاية القاموس ملحق خاص ضٌم قائمة بالتسميات الجغرافية في العالم .

شكرا جزيلا على هذا الجهد العلمي الرائع لدار نشر بيبلوس كونسالتينغ ورئيسها الدكتور سليم اسعد علي وكافة العاملين معه وشكرا للدكتور جابر ابي جابر على اشرافه الدقيق على هذا القاموس الكبير والمعاصر حقا وللمشاركين معه في وضعه واعداده واللذين تم تثبيت اسميهما في الصفحات الاولى للقاموس وشكرا لكافة المؤسسات الروسية التي ساندت وساعدت على اصدار هذا المصدر المهم والكبير والذي سيشغل حتما مكانه اللائق والجدير به في تعزيز العلاقات الثقافية والفكرية بين روسيا والعالم العربي وتطويرها لاحقا .

قراءه في كتاب ثوره في بورصة وول ستريت " الصندوق الاسود ومبادلات الخوارزميات (1)

الكتاب الذي نعرضه للقارئ العربي والموسوم فلاش بوي .. ثوره في الوول ستريت حاول كشف انماط جديده في تعاملات الاسواق المالية، كما تناول بعض قواعد اللعب الجديدة المبتكرة فيها وما اطلق عليها "الخوارزميات " او تداول التردد العالي، وهي عباره عن مجموعه انظمه من المعادلات الرياضية، منطقيه، متسلسله هادفة من اجل جني ارباح من تحركات السوق، احيانا يطلق علي هذه المعادلات لقب (الصندوق الاسود) لمدي سريتها .

ما يميز التداول هذا سرعه تنفيذ الصفقات حيث تقوم مثل هذه الشركات الاستثمارية(التي يطلق عليها شركات الخوارزميات) بعقد كم هائل من الصفقات خلال يوم التداول الواحد ليكون معدل حياة كل صفقه اقل من ثوان، وهي بالطبع عمليات يصعب علي المتداول البشري العادي من متابعتها او الدخول في تنفيذها . فسرعه الاتصال وثبات العمليات يلعبان دور هام جدا في جني الارباح بواسطه تداول ما يطلق عليه " تجاره التواتر او التردد العالي" ونظرا لا هميه السرعة وهوس هذه الشركات العاملة في هذا المضمار، قامت شركات وبنوك استثمار بأنشاء بني وهياكل تحتيه في غايه التطور، كله بهدف تحقيق ميزه نسبيه، بل ربما مطلقه علي حساب منافسيها، وهكذا عمدت مثل هذه الشركات الي زرع عامليها الذين يمتلكون " الصناديق السوداء" علي مقربه من المبني الرئيسي من البورصة التي تم انشاءها قانونيا(يوجد في الولايات المتحدة الأميركية اكثر من 45 سوق خاص وان 44 من هذا العدد لا يعلم احدا عنه شيئا او لديه فكره واضحه عن نشاطه) حيث يجري بداخله تعاملات تبدو رصينة لكنها موهومة لصالحي مجموعه متنفذه حاولت ان تطلق علي نشاطها" تداولات التردد العالي "، بالتالي تحول النشاط " الاستثماري" الي مجرد عمليات مبادلات هدفها الوحيد فقط رفع سرعه اتمام الصفقات بعيدا عن المنطق والعرف التجاري المعتاد بحيث اصبح وقت الصفقة بواحده من الف جزء من الثانية . هكذا اشتعلت حرب حاميه بين هؤلاء، الفرقاء حيث نجح البعض منهم وبطرق غير معلومة غلفت بالعلم والتقنية او عبر طرق فنيه ولربما حذقه الي ايصال سرعه تنفيذ الصفقات المبرمة في البورصة الي وحدات من مليون جزء من الثانية، وهي بلاشك سرعه تفوق الخيال البشري، او ربما تعتبر من غير الممكن، بل ايضا من غير المستحيل تصوره .

من هنا اثيرت تساؤلات عديده حاول الكاتب كشف ابعاد ها خصوصا وان عديد من مثل هذه العمليات قد ترقي الي اعمال احتيال وتزوير امكن تغليفها عبر ادوات قانونيه وشرعيه وجعلها ممارسات اعتياديه تبدو كأنها صفقات ومبادلات صرفه ضمن نشاط البورصة، هكذا اصبح يطلق عليها " تجاره الخوارزميات " بدورها عمقت سمات اساليب الكازينوهات في بورصات المال وابعدت العمل التجاري من محتواه الفعلي، كما حولته الي لعبه لا غير،خصوصا حينما تمكن رعيل مبدع استخدام

معادلات رياضيه منطقيه متسلسله(يطلق عليها الخور زمانيات) هدفها جني الارياح من تحركات السوق .

اعد الكتاب الصحفي الاقتصادي السيد مايكل ليفز من مواليد عام 1960 اتم دراسته في جامعه برونكتن ومدرسه لندن للاقتصاد . اكد في مقدمه كتابه التي عنونها " نافذة علي عالم مال جديد " ان دافعه الاساس في تحرير الكتاب، سماعه لأول مره عن حادثه السيد سيرجي اليناكوف المبرمج الروسي الذي عمل في بنك الاستثمار جولد مان ساكس، استقال منها في ر بيع عام 2009،بعد ذلك بقليل م اعتقاله من قبل الشرطة الاتحادية بسبب الادعاء سرقته برامج تعود للشركة التي يعمل بها. من هنا اراد الكاتب تقصي هذه الحقائق والدخول في كشف السبب الحقيقي لهذا الاعتقال وعدم قبول السلطات القضائية اخلاء سبيله بكفالة ماليه كما هو معتاد في عديد من هذه القضايا المشابهة،بذات الوقت تم غض النظر عن توجيه اتهامات او استجوابات قانونيه لقمه الإدارة في البنك حول الدور الحقيقي والفعلي الذي سببه البنك في خلق الازمه المالية، وباعتباره من احد الاطراف المهمة في خلق هذه النكبة الدولية .

فمثل هذه الحقائق وقضيه اعتقال المبرمج الروسي وعدم المساس في النخب العليا في البنك والتركيز فقط علي موظف عادي احتل مركز متواضع لفتره زمنيه قصيره لم تتجاوز السنه ونيف، كله دفعت الكاتب الي نقصي حقيقه ليس فقط النشاط الفعلي لهذا المبرمج، وما قام فيه من اعمال، خصوصا في حقل ما اطلق عليه مبادلات التردد العالي (الخوارزميات)، بل استهدف عبر كتابه محاوله الكشف عن النشاط الموهوم والغريب الذي لا يزال غامضا وغريب وغير واضح الدلالة لما يطلق عليه" تجاره المبادلات التردد العالي (الخوارزميات) خصوصا وان هذا النمط من التعامل او الممارسة ولغايه صيف عام 2009 حيث لم تكن معروفه في روقه الوول ستريت او غيرها من البورصات العالمية .

من هنا اثار الكاتب جمله تساؤلات حول ماهيه هذا النمط من المبادلات " التردد العالي " وهل هي فعلا نمط نزيهة في تعاملات السوق ؟ لماذا اعتبرت البرامج المستخدمة من قبل بنك جولد مان ساكس من الأهمية بحيث دفعت احد العاملين فيها الي استنساخها وقادته الي قضبان السجن ؟لماذا كانت هذه البرامج قيمه وخطره علي الاسواق المالية ؟كيف وقعت بأيدي هذا المبرمج الروسي الذي عمل في البنك لمده قصيره ؟

ما يميز التداول هذا سرعه تنفيذ الصفقات حيث تقوم شركات الخوارزميات بعقد كم هائل من الصفقات في يوم التداول الواحد ليكون معدل حياة كل صفقه اقل من بعض ثوان، عمليات يصعب عليها المتداول البشري لا بل اصبحت هذه الظاهرة بمثابه البديل للمتداول البشري في المستقبل، هذا وان سرعه الاتصال وثباته يلعبان دور هام جدا في جني الارباح بواسطه تداول ما يطلق عليه التواتر العالي، ونظرا لا هميه السرعة وهوس هذه الشركات قامت في انشاء بني وهياكل تحتيه في غايه التطور، كله بهدف تحقيق ميزه علي حساب منافسيها لتحصد ارباح اكثر . وهكذا قامت وسعت هذه الشركات الي زرع خادميها الذين يمتلكون " الصناديق السوداء "علي مقربه من المبني الذي يجري بداخله ادعاء عقد الصفقات او تتم فيها عمليات التداول لكنها عملت فقط في رفع سرعه تنفيذ الصفقات بواحده من الف اجزاء من الثانية وهكذا تصاعدت حرب حاميه بين الشركات المتنافسة،حيث تمكنت بعضها الان من تسريع سرعه عقد تنفيذ الصفقات في السوق وجعلها وحدات من مليون جزء من الثانية وهي سرعه تفوق الخيال البشري .

عليه تسيطر الان تساؤلات كثيره في محيط عالم البورصات العالمية ذاتها حول نزاهة مثل هذا التداول.

كما معروف في سياقات عمل البورصات التقليدية وجود وسطاء يعملون تحت ضغط الوقت كما يحاولون شراء اشياء لا جل بيعها ثانيه . هذه الصورة الهلامية تحولت اليوم الي تاريخ ماضي عتيق ... الممارسات في البورصة الأميركية اليوم تشير الي امور اخري غير ذلك بتاتا، حيث تتحكم في اروقتها قواعد عمل جديده لا يمكن للمستثمر من استيعابها او متابعه كيفيه ابرام الصفقات فيها .

حاول الكاتب طرحها كما اعتبر هذا التحول بانها ثوره او زلازل عارم غير كافه مقاييس التعامل التجاري الرصين البحت، من خلال كشفه رواية مجموعه من العملاء " الدخلاء" علي السوق يحملون صناديق " سوداء" وتمكنوا من خلالها التلاعب شرعيا بالأسواق لصالح مضاربين فعلين خارج مبني البورصة من دون ان يتحملوا مخاطرة من جراء هذه المضاربات ... انها رواية غريبه قد لا يمكن تصديقها او استيعاب ابعدها الحقيقة . بعد نشر هذا الكتاب بأسبوع قررت وزاره العدل الأميركية والشرطة الاتحادية في التحقيق بالادعاءات الواردة وفحص طبيعية ما يطلق عليه بتجاره التردد العالي . كما قام مجلس الشيوخ لاحقا في استجواب المدير التنفيذي لشركه غولدمان ساكس السيد ليود بلا نكفاين وخلال ذلك طرح احد اعضاء المجلس قضيه هامه حينما اشار الي قضيه تحول شركات الوول ستريت الي كازينوهات مشابهه لما يحدث في لاس فيجاس فاحتج سيناتور اخر وقال ان ذلك ظلم لكازينوهات القمار في لاس فيغاس . فهناك يحدث اللعب علي المكشوف وفيه تسليه، اما شركات الوول ستريت فتلعب بشكل غير نزيهه وتغير قواعد للعبه باستمرار علي هواها، فهذه شهاده من اهل البيت علي ما الت اليه اسواق المال في الولايات الأميركية المتحدة راعيه الاقتصاد الحر والديمقراطية بالطبع وما جلبته تحت حريه الاقتصاد الحر من خراب وتدمير للضعفاء في العالم الذين امنو بهذا النموذج البائس، اضافه لذك اوردت صحيفه الوول ستريت جرنال حقائق هامه حيث اشارت الي وجود منظومه خاصه من انظمه التبادلات في السوق " اطلق عليه التردد العالي،التي تم تطويرها من قبل بنك غولدمان مان ساكس تم طرحها في التداول بالأسواق بشكل اوتوماتيكي، حيث تمكن البنك من خلالها تسجيل ارباح خياليه بلغت ر 3.2 مليار دولار و3.4 مليار دولار خلال الربع الثاني والثالث من عام 2009 علي التوالي (2).

عموما يبدو ان نشاط البورصات في الولايات المتحدة الأميركية والذي ساهم لحد بعيد في تجذير ازمه الاقتصاد العالمي تحول الي لعبه محكمه فرضها الاقوياء في السوق، حيث يتم عبرها حشر الضعفاء للتمتع في فضلات ما يسمح لهم بها ضمن اللعبة القاسية، وهكذا تم عبر تعويذات حريه السوق تشجيع شرائح واسعه من المستثمرين من البلدان المتطورة والنامية سواء الحكومات او الصناديق السيادية او غيرها للولوج الي هذا المجهول، حيث كان من الافضل ان تظل هذا الاطراف بعيدا عن ذلك وان يصار الي توجيه جهودها وامكاناتها المالية ومدخرات بلدانها العامه والخاصة خارج هذه اللعبة الوهمية، مهما بدت مغريه في تحقيق الارباح الانيه والسريعة،والتركيز فقط في التنمية الحقيقة والمستدامة وعدم الايمان بمنافع القمار العالمي الذي هندسته بورصة الوول ستريت عبر ثورتها الجديدة، ودعمته اقاويل ساسة اقتصاد السوق واليات الاقتصاد الرأسمالي غير المنضبط

 

د. محمد سعيد العضب

........................

(1)     1. نشر الكتاب باللغة الإنكليزية وترجم الي الألمانية وعنوانه

Flash boys_ revote a der

Wall Street by Michael Lewis

.info2. @ bfx Arabia.org.2

حسن حجازي والانتقاء المبدع للنصوص

637-hijaziيستمر المترجم والشاعر حسن حجازي فى تقديم مشروعه المهم فى الترجمة سواء من الإنجليزية إلى العربية أو العكس ، ويقدم ترجمات عن الهندية والرومانية عبر لغة وسيطة (الإنجليزية) .. ولعل من اللافت للنظر فى النصوص المترجمة فى هذا الكتاب تتلاقي فى أبعادها الإنسانية التى تنطلق منها ، فها هو الشاعر الإنجليزي (جون كيتس) يقدم فى قصيدته المرأة الفاتنة بلا رحمة مجموعة من اللوحات الرومانسية الحالمة التى تتشبث بالحلم رغم أن الحياة بها الكثير من الصعوبات فيقول : أوه ! ما الذي ألَمَ بكَ

أيا الفارس المغوار وحيداً متثاقلَ الخطى /

تتسكعُ في الدروب , يضنيكَ المرار ؟ /

فقد ذبُلَت أوراقُ البردي /

وهجرت البحيرة البهجة واختفى شدوُ الطيور .

ويختتم القصيدة أيضا منتهجا فكرة التدوير فنيا .. نقطة الانطلاق هى نفسها نقطة النهاية ..

 

وتنتهج كريستينا روسيتي نفس النهج الرومانسي الحالم فى قصيدتها عيد ميلاد فتقول:

قلبي مثل شجرة التفاح/

637-hijaziأغصانها منسوجة من ثمرة شهية /

قلبي مثل صدفة من قوس قزح /

تتهادى   في بحرٍ وديع /

قلبي أكثر سعادةً من كل هؤلاء/

لأنَ حبي قد عادَ لي/

لعل القاموس المستخدم يدل على طبيعة الاتجاه الذى ينطلق منه النص ، ولعل نصوص سارة تيسدال وسوزانا هياساكي وعماد قطرى ورضا عطية تتلاقى مع هذا الاتجاه .. كأن المترجم والشاعر حسن حجازي قد اختار مجموعة من النصوص القريبة إلى بعضها سواء من العربية أو الإنجليزية وغيرها ليؤكد على مجموعة من الأفكار وهنا تصادفنا فكرة الانتقاء .. لماذا هذا النص دون غيره؟

ومن الأفكار التى يقدمها حسن حجازي عبر ترجماته لنصوص هذا الكتاب نبذه للعنف والإرهاب والدعوة للحوار والسلام .. ويتجلى ذلك فى نصوص - وليم برونك – جريجوري أور - - ماريوس كلاريو - د/ يندلوري سودكار – وغيرهم)

يمكن تصنيف الكتاب على أساس الجنس الأدبي حيث توجد نصوص شعرية لشعراء عرب وإنجليز وأمريكان ورومان وهنود ، وكذلك نصوص قصصية لكتاب وقصاص عرب ..

كما يمكن تصنيف الكتاب على أساس اللغة .. فهناك نصوص مترجمة للعربية وأخرى من العربية إلى الإنجليزية ...

المساحة التى أمامي ضيقة لقول ما أريده عن هذا الكتاب الباذخ .. لذلك أدعوك عزيزي القارئ أن تقرا هذا الكتاب لتتكشف أمام عينيك ما يطرحه من جمال إبداعي وأفكار حية قادرة على محاورة العقل والمشاعر والنفس .

تحية للمترجم المثابر حسن حجازي على جميل ترجمته وتحية للشاعرة الكبيرة الشيخة أسماء بنت صقر القاسمي على دعمها الكبير لهذا المشروع الكبير .

هذا وقد ضم الكتاب إبداعت لكل الأحبة من الشرق والغرب وهم:

1- جون كيتس .... شاعر انجليزي

2- كريستينا روسيتي .... شاعرة انجليزية

3- جون دَونْ ...... شاعر انجليزي

4- بيرسي شيلي .... شاعر انجليزي

5- جون ولموت ...... شاعر انجليزي

6- آني برادستريت ...... شاعرة انجليزية

7- سارة تيسدال ..... شاعرة أمريكية

8- إيملي ديكنسون ..... شاعرة أمريكية

9 - وليم برونك ...... شاعر أمريكي

10 - شيل سيلفرستين ..... شاعر أمريكي

11 – د/ جريجوري أور .... شاعر أمريكي

12- سوزانا هياساكي .... شاعرة أمريكية

13- د/ ألكسندر نديرتو.... شاعر أفريقي

14- د / ماريو كلاريو......شاعر روماني

15- د/ يندلوري سودكار ...شاعر هندي

16 – د.مدحت الجيار – بداية العام – الطمي - مصر

17-محمود الديداموني / صبح / مصر

18- عماد قطري / المطارات / مصر

19- رضا عطية / يـتـيـــــم - بــــــدر / مصر

20- د/عزة رجب / مُعلَّقة عَلى جـِـدارِ الرُّوح / ليبيا

21- د/ أحمد قران الزهراني / القصيدة / السعودية /

22- إلى رجل استثناء / ذكرى لعيبي / دولة الإمارات

23- د/ أسماء غريب / كنت َ بالأمس أصيلا ً /المغرب - إيطاليا

24- حبيبة حيواش/ لكَ التمر والحليب /المغرب

25- عباس المالكي / المرايا / العراق

26– ورود الموسوي / مدينة بلا اضلاع / /العراق - انجلترا

27- بارقة أبو الشون عبد / أميرة الموصل / العراق

28- بهيج مسعود / لحظة وفاء / سوريا

29- حسن حجازي /–عصيان -لأنكِ عذبة كالحلم - مصر هبة النيل - ورق

30 -هايل على أحمد المذابي / اليمن / قصايد وردية

31 - نجلاء محرم / مصر / ترويض

32- عادل جلال / مصر / لوحتي – حالتي

33- حكيمة جمانة جريبيع / الجزائر / مــــونــالــبزا

34- إبراهيم درغوثي / تونس / الصندوق

35- بدور سعيد / السعودية / عرض

36- نبيل مصيلحي / مصر/ كش ملك

37- داليا جمال الدين طاهر / مصر

38 – نهى جمال الدين طاهر/ مصر

 

بقلم : محمود الديداموني

 

ظلال العروض يحلق بالأديب في فضاءات شعرية رحبة

nadheer khazrajiاشتهر العرب بالشعر نظما والقاءً، وجدران الكعبة دالّة على معلقات الشعراء، وسوق عكاظ شاهد على المباراة الشعرية إنشاءً وانشاداً بين فحول الشعر وفطاحله، وجاء الإسلام ليعزز من ساحة الأدب العربي عبر الترويج للخطابة لتكون جزءاً لا يتجزأ من حياة العربي بخاصة والمسلم بعامة، عبر خطبتي صلاة الجمعة وصلاة العيدين، وخطب المناسبات العامة والخاصة حسب متطلبات الظروف، وبجناحي الشعر والنثر ارتفع طائر الأدب العربي في فضاءات رحبة.

وإلى جانب الأدب المنطوق الذي كان يخضع في كثير منه الى الحفظ، برز الأدب المكتوب عبر تشجيع الإسلام على تعلم الكتابة والقراءة كمرحل متقدمة تنقل الأدب من الحفظ في الصدور الى الكتابة عملاً بالأثر الشريف: (قيّدوا العلم بالكتابة)، فالصدور مهما كانت حاذقة وحافظة فإنها تتعرى بالنسيان، في حين أن الأوراق تحفظ من اسقاطات القلم صغائر الأمور وكبائرها. ومع المرور الزمن صار للشعر رواده وللخطابة أمراءها، ففي حين يعتمد الأول على الموهبة والقريحة والقراءات الأدبية الكثيرة وسعة الأفق والتصورات، صارت الخطابة مهنة الى جانب الموهبة تصقلان بالقراءة والممارسة، ومنهما نشأت مهنة الكتابة فصار لها أعلامها، وتنوعت المهن والفنون ذات الصلة، منها مهنة الوراقين والنساخين كبديل عن الحفظ فيما مضى والطباعة فيما بعد.

والأدب بجناحيه، حاله حال الأمم والمدنيات يخضع لمؤشرات الصعود والنزول، فيرتفع تارة سنام المجد وتارة يهبط حفرة الانحطاط، وقليل من يحافظ على مستوى عال من الإبداع والمهارة والحرفية، ولذلك بارت أسماء كثيرة واندثرت أو كادت، ومكثت قلّة قليلة للغاية، يتداول الأدباء والشعراء والكتاب أسماءهم ونتاجاتهم.

وحيث أن الشعر بحور وأوزان ومقاييس خاضعة للزحافات لمن لا يملك ناصية الشعر ولم يدخله من أوسع أبوابه، فقد مال كثيرون في العقود الستة المنصرمة، الى الشعر الحر او شعر التفعيلة او النثر المقفى، هروبا من تعقيدات الشعر العمودي وتعجيزاته، حسب قول كثيرين منهم، وبتعبير بعضهم أن النثر المقفى هو من باب السهل الممتنع، وربما يكون الأمر كذلك لمن يهوى نظم الشعر حيث يرى أن بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي (100- 175هـ) هي دوائر تضيّق من حركة الشاعر، فيميلون الى تسور جدران الدوائر وعبور البحور الى أنهر الشعر الحر وروافده من أجل الوصول الى المتلقي من أقصر الطرق.

 

دوائر الحل المتنوع

وظل الجدال قائماً بين أرباب الشعر العمودي والحر على أشده منذ عشرات السنين ولازال، كل يعتز بحدوده والمساحة التي يتحرك فيها وعليها، لكن الأديب الشيخ محمد صادق الكرباسي استطاع بما اكتشفه من أوزان وبحور شعرية أوصلها الى 210 أبحر أن يكسر من حدة الجدل الأدبي، وأعطى فسحة كبيرة للشعراء للتحرك في الدوائر الشعرية المقفاة دون الاضطرار الى اللجوء الى الشعر الحر هروباً من الشعر العمودي، وكتبه الثلاثة الأخيرة (بحور العروض) و(الأوزان الشعرية العروض والقافية) و(هندسة العروض من جديد) الصادرة كلها عام 2011م تمثل فتحاً أدبياً في هذا الباب.

وحتى تكتمل الصورة الشعرية للدوائر المكتشفة، أعقب الكتب الثلاثة بديوان من ثلاثة أجزاء أسماه (ظلال العَروض في ظئاب المطالع والملاحق)، صدر في بيروت عن بيت العلم للنابهين الجزء الأول منه حديثا (2014م) في 360 صفحة من القطع الوزيري، فيه نماذج شعرية للأبحر المكتشفة في قصائد كاملة الغرض، اعتمد فيها على ذكر المطالع فاتحاً الطريق أمام الأديب الجزائري الدكتور عبد العزيز مختار شبين للنظم على ذات التفعيلة والبحر، مع تعليق ثري بقلم الأديب اليمني الدكتور محمد مسعد العودي.

ولا يخفى أن مقام "العَروض" من الشعر مقام القبان من الميزان، يضبط الكفتين فتأتي الحسابات سليمة، فإن العروض يضبط ميزان الصدر والعجز من البيت ويلاحظ عيوبه، فيما الظئاب في معناها اللغوي تعني زواج الرجل من شقيقة زوجته المتوفاة أو المطلقة، ومن هنا جاء عنوان الكتاب للإشارة الى تلازم الملحق، وهو من نظم شاعر، بالمطلع وهو من نظم الشاعر الأول، بعد تنقيح العروض، وبتعبير الدكتور محمد مسعد العودي في تعليقه: (أبدع الكرباسي شاعراً في إنشاء المطالع، وقديماً قال نقّاد الشعر: جمالُ القصيدة في مطلعها، ولذا نجد أشهر القصائد في شعرنا العربي ذات مطالع رائعة رائقة، وعمل الشاعر الموهوب الدكتور عبد العزيز بن مختار شبّين على نظم الملاحق من كل قصيدة لتلحق بالمطالع، كما تلتحق الأغصان بأشجارها التي تهبها القوة والحياة، فتحنو القصائدُ بعدها ظلالاً دانية قطوفها، لمحبّي الشعر وقارئيه).

في الواقع أن عنوان الديوان كباطنه، وملاحقه كمطالعه، فالإبداع سمة واضحة فيه، فضلا عن الإبداع نفسه في اكتشاف الدوائر الشعرية وبحورها ومثلما يضيف الدكتور العودي: (أما "ظلالُ العروض في ظئاب المطالع والملاحق" فديوان شعر ليس كباقي الدواوين، وسفرٌ من الأشعار ليس كسابقيه، ولا أظن كتاباً سيأتي مما هو آت، قد يُضاهيه جِدَةً وفنّاً وابداعاً وفكراً، فهو يختصر في طياته نوادر فريدة لمعت في سماء شعرنا العربي، تلألأت مواهبُها بدُرر القول، وبديع المعاني، وشذرات البيان، فتغنّت في صنوف الكلام، فأتت بالغريب المعجب، والمليح الطيّب، لم تدع باباً من أبواب الفنون إلاّ وفتحته على مصراعيه، إبحاراً في التجديد، وتبياناً للإعجاز، فجزّؤوا أوزان القصائد، ونوّعوا في قوافيها الروي، التزموا فيها بما لا يلزمُ الشاعر، فأتوا بما لم تستطعهُ الفحول، ولم تدرك شأوه العقول، هكذا يُركب بحر الشعر من أعنف أمواجه، وأرحب آفاقه، لا من أضيق خلجانه، وأسلس شطآنه).

وليس من عذر لمن أبحر في الشعر الحر بسفينة أدبه، مبتعداً عن الشعر العمودي هروباً من بحوره القليلة، فمكتشفات الدوائر الشعرية والبحور الجديدة فتحت قنوات كثيرة سهلت للشعراء حركة أشرعتهم إن أرادوا ركوب البحر والقوافي العمودية، وبتعبير الدكتور المسعودي: (ولعلّ أبدع ما في ظلال العروض تفردُه بين دواوين الشعر العربية باحتوائه على أوزان جديدة، لبحور تجاوزت المائتي بحر باختلاف اشكالها، تامّة ومجزوءةً ومشطورة، ويكون الكرباسي بهذا الإبداع الفريد قد فتح في علم العروض آفاقاً جديدة لم يألفها شعراء العربية من قبل، وبذلك يُقيم الحجة على مَن بعده من أجيال الشعراء الذين تضيق بهم السبل في ارتياد فن الشعر وأصنافه، ويلومون الخليل على قلّة أوزانه، وعدم قدرتها على احتواء المواهب، ومعها تجد الشعراء محاصرون بالضيق والقلّة فيضطرون الى ارتياد أوزان أخرى ليس فيها إيقاع أو تنغيم، ويركبون موجة التحرر من الموزونات بحجة النقص والجمود، ولكن الكرباسي بكتابه هندسة العروض من جديد أبطل هذه الحجة الواهية، واعتبرها عجزاً لا يكون إلا في التجارب الضيّقة الضعيفة التي لا تستطيع صياغة الشعر في إيقاع جميل). لكن الأديب الجزائري الدكتور عبد العزيز شبّين الذي نضّد عقد الملاحق، كان في تقدمة الكتاب قاسياً بعض الشيء مع غير شعراء النظم العمودي، فاعتبر أن ما: (جاء في كتاب "هندسة العروض من جديد" وديوانه "ظلال العروض في ظئاب المطالع والملاحق" حجّة دامغة في فتح أدبي مُعجز تُبطل مزاعم المتشدقين بقصيدة النثر، القائمة على الكلمة المنغّمة، أو إيقاع اللفظة في سياقها التعبيري، بمعزل عن منظومة إيقاعية معيّنة، تستمد طبيعتها من موروث الذات الشعرية العربية)، وحيث أن الشاعر المجيد هو من ملك ثلاثية اللغة والخيال والوزن كما يؤكد الأديب شبين، فهو يدعو أقرانه الى تبنيها بصورة جادة لأن: (الشاعر الفذ من امتلك أدوات الشعر، ولا تتم أدواته إلا بالتحكم في اللغة، وامتلاك الخيال، واتقان الوزن).

بالطبع لم يأت الخليل الفراهيدي بالأوزان من عنده، إنما أجهد نفسه في اكتشافها من خلال ما وصل إليه من الشعر في العصرين الجاهلي والإسلامي، ووضعها في دوائر عروضية خمس في ستة عشر بحراً، وكان اكتشافه فتحاً كبيراً في عالم الأدب أنار للشعراء الطريق، لكن الأديب الكرباسي في كتبه الثلاثة وفي هذا الديوان جاء بالجديد المستجد في سياق التفعيلات الخليلية، وبتعبير العودي، لقد: (جاء الفتح على يد الشيخ الفاضل العلامة آية الله الكرباسي لا ليكتشف في الشعر أوزاناً جديدة بل ليضع للأمة أوزانا جديدة لم يسبقه اليها أحد، فوضع لها ميزاناً لا يختلف عن ميزان الخليل إلا أن ميزان الخليل يزن ما هو كائن، وميزان الكرباسي يزن ما سيكون). ويرى أن البحور التي أوجدها الكرباسي كثيرة، ويعقد مقارنة بين الكرباسي والفراهيدي، فيشبّه ما اكتشفه الخليل بسكة القطار التي تقيد العربة وتضع السائق الشاعر على منوال واحد، فيما بحور الكرباسي المستحدثة، يشبهها بطرق السيارات توفر للسائق الشاعر حرية الحركة والمناورة، ولهذا: (أبدع لنا الكرباسي في كتابه هذا أكثر من ستمائة وزن لأني أنا أفرق بين الوزن والبحر بينما لا يُفرّق الكثيرون بين ذلك، فالبحر عندهم هو الوزن، والحقيقة أن البحر التام يُمثل وزناً مختلفاً عن وزن المجزوء والمشطور والمنهوك، وعلى كل حال فتلك الأوزان موزعة على بحور الشعر مجزوئها ومشطورها ومنهوكها في مائتين وعشرة أبحر موزعة على ثلاث وأربعين دائرة).

 

نظم وفنون

يمثل الديوان تطبيقا شعريا لما ورد في كتاب "هندسة العروض"، وقد حرص ناظما المطالع والملاحق على الجِدَة والحداثة في كل شيء لينسجم مع الجديد في الأوزان والبحور، ففي كل قصيدة تجد الإبداع، فمطلع قصيدة تضم كل الحروف الهجائية، وقصيدة ثانية خالية من الحروف الشمسية، وثالثة خالية من حروف العلة، ورابعة تضم مطلعها كل الحروف الشمسية، وخامسة خالية من حرف بعينه، وهكذا دواليك، فعلى سبيل المثال فإن القصيدة رقم (149) وهي بعنوان "الأسد والظبا" وهي في الدفاع عن المظلوم، احتوى مطلعها على كل الحروف الهجائية، والقصيدة من بحر الضريب التام الذي استحدثه الأديب الكرباسي، ووزنه: (فاعلاتن مُتفاعلن فاعلاتن ... فاعلاتن مُتفاعلن فاعلاتن)، وفيه:

قاصدٌ نحو عرين أُسْدٍ غَزَتْ في خطلِ الظِّبا ... مُذْ شهدتُ الثَّكَلى ضُحىً جلْجَلَ الثأرُ مُجرِّباً

ويواصل الأديب شبّين مطلع القصيدة الى ملحقها من تسعة أبيات قائلاً:

مُظلمٌ دربُ طريدةٍ ضيَّعتْ سِلْمَ ربيعها ... أين ما كانَ مَسارحاً للخيالات وملعبا

وفي القصيدة رقم (182) بعنوان "جفاءُ الحُكْمِ"، وهي في نقد الحَكَم الذي ليس أهلاً للحكومة كما جرى في صفين، جاء المطلع خالياً من الحروف الشمسية ومتضمناً لكل الحروف القمرية، والقصيدة من بحر الكمول التام، ووزنه: (متفاعلن متفاعلن فاعلن فاعلن ... متفاعلن متفاعلن فاعلن فاعلن)، وفيه:

حَكَمٌ جفا بحقوقكم فاهماً خائبا ... أوَما كفى بعفيفكم عاكفاً غائبا

فيما يواصل الأديب شبّين مطلع القصيدة بملحق من تسعة أبيات وفيها:

صَلفاً تكبّر لم يجد مانعاً رادعاً ... وغدا يصبُّ رجومَهُ آيباً ذاهبا

وبالعكس فإن القصيدة رقم (185) وهي بعنوان "ثُلَلُ نَشْرِ السُّمِّ"، وهي في الجماعات التي لا يهمّها سوى الإخلال والإضلال، احتوى المطلع على جميع الحروف الشمسية، والقصيدة من بحر مجزوء اللاحق، ووزنه: (متفاعلن متفاعلن مفعولات ... متفاعلن متفاعلن مفعولات)، وفيه:

نَذَرَتْ لِنَشر تَسَلْسُلٍ صلِّ تُنْضِ ... ثُلَلٌ ظَرَتْ لَيَزلَّ طردٌ لَنْ تُرضِ

فيما يواصل الدكتور شبّين مطلع القصيدة بملحق من تسعة أبيات، وفيها:

عثيَ العَجاجُ بأفقنا، فالأنسامُ ... بنفوسنا اختنقت، وضاقت في الأرض

ومن الأمثلة على الإبداع الشعري قصيدة "الكذبُ المُستذْلَبُ" برقم (133) وهي في الكذب بوصفه مفتاح الذنوب، وقد دخل حرف الذال في كل كلمة من كلمات القصيدة كلها، وهي من بحر مجزوء الصافي، ووزنه: (فعولن مستفعلن مستفعلن ... فعولن مستفعلن مستفعلن)، قال الأديب الكرباسي في المطلع:

بذورُ الذَّنب الذي يُستذربُ ... فذاك الكذبُ الذي يُستَذْلَبُ

ويواصل الدكتور شبّين في الملحق في قصيدة من عشرة أبيات، يقول فيها:

ذُبالٌ ذو روذَةٍ يَذوي قذىً ... بَذاذُ الأرذالِ حَوْذاً يُجْذَبُ

وتستمر القصائد في معظمها على هذا السياق، وبتعبير الأديب العودي: (التزم الكرباسي في جلّ المطالع من قصائد الديوان بلازمة لم يعهدها الشعراءُ من قبل في تعاملهم مع القريض، كأنْ يلتزم بذكر حرف من أحرف الهجاء دون آخر في كامل القصيدة، أو أن يُقصي بعضها أيضاً، والإلتزامُ هنا يكون على مستوى اللفظة والجُملة معاً، ولم يعرف هذا الا عند النوادر من أعلام الادب العربي كعلي بن أبي طالب أمير المؤمنين (ع) والوزير الصاحب بن عباد، والشاعر أبي العلاء المعرّي وآخرين لم يتكرروا على مدى التاريخ).

ولقد تشكّل الجزء الأول من "ظلال العَروض في ظئاب المطالع والملاحق"، من 199 قصيدة في 75 بحراً من مجموع 210 أبحر استحدثها الأديب الكرباسي، وكل بحر في ثلاثة أقسام: التام والمجزوء والمنهوك، وألغيت الأشكال المتقاطعة شبهاً مع بحور الخليل وتوابعها، والبحور حسب الحروف الهجائية هي: الأبسط، الأخف، الأدق، الأطول، الأغرب، الأقرب، الأكمل، الأنقى، الأوفر، البديع، البسيط، التابع، التبع، الثمل، الثمول، الجامع، الجديد، الجميل، الحديث، الحميد، الحليف، الخاص، الخصوب، الخصيب، الخفيف، الخلاط، الخلوص، الخليط، الخليع، الدارك، الدرك، الدقيق، الذلق، الذليق، الذليل، الرجز، الرجيز، الركوب، الرمل، الزلق، الزلوق، السالم، السريع، السليم، الشبيع، الشذب، الشَرِنْ، الصالح، الصافي، الصدح، الصدوح، الصديح، الصريم، الصلوح، الضريب، الطروس، الطريف، الطليق، الطويل، الظريف، العزيز، الغريب، الفصيل، القاسم، القريب، القسيم، الكامل، الكمول، اللاحق، اللحوق، المبسّط، المبسوط، المتئد، المتبسّط، والمتبوع.

في الواقع ان التحليق في أجواء ظلال العَروض، متعة ما بعدها متعة لمن يتذوق الشعر قراءة وسماعاً دون نظمه، أما لمن ينشد الشاعرية ونظم القريض أو تحبير النثر المقفى فهو له خير دليل ومرشد، بما فيه من تطبيقات وشواهد شعرية على هندسة العروض والأبحر الجديدة، وبتعبير الشاعر عبد العزيز شبين: (ليكون مجمل ما شمله سفرُ الشواهد دليلاً شعرياً، ونبراساً يهتدي به الأدباء والشعراء، والمشتغلون بالأدب العربي في مشارق الأرض ومغاربها)، ومن شأن الكتاب أن يجد سبيله الى كليات الآداب ومعاهدها ليكون مادة تستحق التدريس أو مرجعاً رئيساً للطلبة والباحثين والدارسين، ناهيك عن أولوية الشاعر أو من هو على سبيل الشاعرية في التتلمذ عليه.

نظرة في كتاب موسوعة اللغة العامية البغدادية للدكتور مجيد محمد علي القيسي

mati nasirmaqdisiإستلمتُ بتلهف كتاب مع سي دي المعجم الذي أرسله لي المؤلف المحترم مشكوراً.يواجهك أول ما تفتحه، بدايةً، أُغنية عذِبَة للمطرب الوطني المعروف والطيب الذكر عزيز علي:يا جماعة والنبي...ثم يبدأ صفحات الكتاب بإهداء، غير إعتيادي، معتزاً بتاريخ وطنه، إلى: العراقي ألأصيل

"الذي نقش أول حرف على الصلصال وتفرد بنطق حروف البشر"

وبألإعتزاز، أيضاً، بمكانة بغداد تاريخياً يروي على لسان ألإمام الشافعي لصاحبه يونس، " قال يا يونس أدخلت بغداد، قال لا، قال يا يونس ما رأيت الدنيا ولا رأيت الناس." ثم يُؤكد القيسي حبه وتعلقه بمدينته التي عشقها في قصيدته التي مطلعها:

   بغداد كم هانت عليكِ محبتي   أفلا سألتِ الليلَ حين يعودُ

   قد كان وعداً أن نكون لعشقنا   أبد الدهورِ وزادُنا التنهيدُ

   ........... وأخرها

   عهدٌ علي حبيبتي، أللا أرى     دار السلام يسوسها النمرودُ

يتناول القيسي مفردات اللغة العامية البغدادية من ناحية أصولها وأبنيتها ومعجم ألفاظها. لكنه في مدخله "لنشأة اللغة العامية" يُقدم لنا تاريخاً موجزاً، لكن متكاملاً، للعراق منذ ألفين سنة قبل الميلاد وحتى ألأزمنة الحديثة من خلال إستعراض اللغات السامية التي مرت على العراق وبغداد بشكل خاص... لذلك فإن القيسي تناول الكلمات العامية وأرجعها إلى أُصولها التاريخية قبل حدوث ألإعلال والإبدال بها.ويشير ان الحديث عن مفهوم اللغة لابد ان يقودنا على "اصولها ..وجذورها وتاريخها الموغل في القدم كألأوغاريثية والفينيقية والعبرانية والأرامية" والمؤلف يستنتج من دراسته أن اللغة العربية هي ألأخت الكبرى لكل تلك اللغات السامية، ويشير إلى أن العراق سكنته منذ القدم قبائل عربية هاجرت إليه من الجزيرة العربية وأسست فيه ممالك او إمارات في مناطق مثل الحيرة والانبار وهيت وعين التمر وغيرها ومن اشهر الممالك التي انشأها العرب في العراق هي المناذرة في الحيرة ومملكة الحظر او حطرا..ويسرد القيسي الكثير من هكذا تفاصيل تاريخية مفيدة جداً لكل مثقف.

من ناحية أُخرى فهو يُقدم للقارئ جغرافية بغداد بالنسبة لمجاميع سكانها القدامى مثل مناطق اليهود والمسيحيين والوارديٍن إليها من القبائل والمدن ألأُخرى من العراق، مثل السوامرة والدوريين والتكارتة والعانيين ..إلخ وحتى أين كان يسكن ألأغنياء والفقراء .ويعزو سبب تنوع لفظ كثير من الكلمات إلى هذا الفسيفساء ألأجتماعي.

كما ويبدو واضحاً من أسهاب القيسي في تبيان ألإختلاف في نطق القبائل العربية لبعض حروف الكلمات مثل (ججاحة) بدلاً من (دجاجة) و(دياكل) بدلاً (جاي ياكل)، أن ألإختلاف في لهجات المدن العراقية، يعود إلى القبائل المختلفة التي هاجرت إلى الموصل وتكريت وعانة مثل تغلب ونمر وأياد وغيرها ولهذا تختلف لهجتها عن بغداد.

ومما يثير ألإنتباه أن تحليل القيسي لبعض الكلمات العامية أن البغدادي لتسهيل كلامه أخذ يدمج فعلين أو أكثر ليتحولا بعد تحويرات وإستبدالات لبعض ألأحرف لتكوين فعل واحد جديد، مثال على ذلك: أن ذكاءالبغدادي مزج الفعلين (شَبَكَ)و(إشترك) وأعاد تشكيلهما بألإبدال وألإحلال ليكوِن منهما كل من الفعلين شربك أو تشربك.ويذكر أمثلة أُخرى لامجال لها هنا وهو يحلل كيف تم التحول بنظرة بحثية ثاقبة. ويلاحظ القيسي أن البغدادي أضاف لبعض ألأفعال حرفاً لتسهيل النطق مثل: دَهربَ، ودحَس وتنعَوص ومرغل التي هي درَب ودسَ ونوَصَ ومرَغَ على التوالي.

ثم أن هدفه كان تحليل الكلمات من ناحية قواعدها النحوية والتغيرات في الحروف التي حدثت عليها.وكيف تحورت القواعد النحوية في اللغة العامية التي حدثت خلال مختلف الحقبات التاريخية الممتدة من العهد السومري وإلى يومنا هذا، أقول ذلك لأن المفردات ألإنكليزية التي دخلت إلى ألإستعمال منذ 1920 - إضطرارا- مثل أسماء قطع السيارة ومصطلحات التكنولوجيا الحديثة أضافت كلمات كثيرة، كمثل الكلمات المصنفة في حرف " أ "، ولكن المؤلف يُترجمها ويجد المرادف اللائق لمعناها، فهو هنا يقوم مقام المترجم الحكيم، وكذلك في باقي مفردات الحروف الأُخرى، قد يُلاحظ القارئ، بتعجب، أن نسبة كبيرة من الكلمات أُصولها غير عربية إذا أضفنا التركية أو الفارسية وقليل من ألأرامية (السريانية) والمندائية وألأكدية والسومرية، وأعتقد لو أن المؤلف لديه معرفة باللغة ألأرامية أو نظيرتها السريانية لأرجع كثير من الكلمات العامية العربية إلى اللغة ألأرامية وحتى ذات ألأصول التركية أو الفارسية. لأن ألأرامية تمتد جذورها عند قبائل شمال الجزيرة العربية إلى أكثر من ألفي سنة ق.م.ثم هاجر قسمٌ منهم في النصف الأول من ألألف الثاني قبل الميلاد إلى مابين النهرين وقد أخذت اللغة ألأرامية وشقيقتها السريانية بألإنتشار واصبحت اللغة المحكية بالمنطقة.ويشير القيسي بشكل خاص الى التماثل الواضح بين اصول القواعد العربية واللغات الأكدية(البابلية وألأشورية) وألأرامية.وأن الدولة البابلية الحديثة قد أسسها الملك ألأرامي نبولاصر (627-539 )ق.م.وجاء بعده إبنه المشهور نبوخذ نصر.

وبهذا الصدد فإن القيسي ليس مجرد باحث في الكلمات ولكنه بذلك يتناول التسلسل التاريخي للغة البغدادية فيغور في بطون التاريخ فهو يعرض للقارئ من خلال اصل بعض الكلمات والمصطلحات العامية ليس فقط تاريخ بغداد واسلوب وحياة المواطنين اليومية فيها وحسب ولكن يعكس طبيعة الحياة والمداعبات اليومية في الشارع وبين الناس ووسائل حياتهم وصنائعها.فهو لم يكتفي بتوضيح معنى كلمة "ربل" وهو "عربانة " يجرها حصانان تستعمل لنقل المواطنين بدل السيارات اليوم، ولكنه يشير إلى طابع الحياة اليومية التي لا تخلو من طرائف، فيذكر أشهر حوذي عرفته بغداد يُدعى شيخان العربنجي كان ذلق اللسان ويُدعى أبو عفطة وعفطته تًسمى ب "زيك شيخان" وكان يعفط سواءً ركب معه وزير أو خفير!!! وفي مكان أخر، أن ألأطفال كانوأ يتعلقون بألربل من الخلف ويصرخون على الحوذي أن لا يضرب بسوطه بقوة حتى لا يُؤذيهم!!!

وبنفس الوقت يًؤرخ القيسي في ما يتناوله من كلمات معالم بغداد وطابعها الحضاري فمثلاً في كلمة "قهواتي" يُشير إلى المقاهي الشهيرة التي كان يرتادها الشعراء وألأُدباء المشهورين ومواقعها في بغداد مثل الشابندر وحسن العجمي وغيرها .وحتى ألأكلات الشعبية ومشروبات العصائر فهو يشرحها ويشيرإلى أشهر محلاتها وطرق عملها.

كما يتناول القيسي كل المهن وكيف تصنع المواد التي يستعملها ليس البغداديون ولكن كل العراق.فمثلاً "التنكة" وبغدادياً "قًلَة" يكتب عنها مايلي:

وعاء للماء من الفخار..وللعراقيين عن التنكة وصلتها بالتيغة اوستارة السطح ايام الصيف الحارة حيث توضع فوق التيغة لتبريد الماء فيها....ولكن القيسي تحاشى ذكر الغرام الذي كان يحدث من تيغة إلى تيغة!!

إن هذه ألإنسكلوبيديا العجيبة، ليست قاموساً إعتيادياً فهي تُفيد جميع الباحثين اللغويين وألأكاديميين من ناحية أصل الكلمات التي يستعملونها. فمثلاً يتناول كلمة " أكو" المعنى العادي لها "موجود"، لكنها في الحقيقة كلمة سومرية بصورة "أكا" وموجودة " أكو" بأللغة ألأكدية.

من ناحية الكلمات ألإنكليزية الكثيرة والفرنسية، والتي أدخلها المؤلف وإعتبرها عادية– حسب إعتقادي- كثير منها يُنتَظر إستخدامها عندما يزداد مستوى الثقافة والتعليم فكلمات مثل uptodate ، approach، apartment ، prestige، ممكن أن يستعملها ألأكاديميون فقط وإلى حد ما خريجوا الثانوية، ومع ذلك، يبدو لي أن أستعمال هكذا مصطلحات مفيد لتسهيل وتقريب المعاني، فهو يكون بهذا قد سبق الزمن!!!، أما اللغة التركية والفارسية تحتل أيضاً من ناحية العدد ما يُقارب المصطلحات ألإنكليزية والفرنسية. من هذا يمكن أن نقول أن اللغة العامية البغدادية بحكم الظروف التي مرت على عزيزتنا بغداد أضعف طابعها المتميز في اللغة العامية.

حتى الطابع المتميز لها ربما ما كان عربياً مئة بالمئة عندما أسسها أبو جعفر المنصور- بحكم شعبها كان خليطاً من العرب والسريان واليهود والفرس .

ولهذا من يريد أن يفهم تاريخ وتفاعل ألأقوام التي عاشت فيها يجب أن يدرس لغتها العامية ونسبة تغلغلها في الكلام الدارج.لذلك يرينا القيسي أن جميع اللغات السامية هي شقائق للعربية بحكم مرورها في تاريخ العراق، حيث ضمنهن حضن اللغات السامية وحسب ما يُطلق عليها الجزرية.

.إذن اللهجة البغدادية بالرغم من أخذها الكثير من الفصحى هي خليط محور بألإبدال وألإعلال .

يذكر القيسي أن اللغات ألأكدية والأرامية والعربية تواصلت واخذت الواحدة من ألأخرى وتبلورت في اللهجة البغدادية، وسويت بعض كلماتها لتعبر عن معنى واحد لكل اللغات السامية أو بعضها بكلمة محورة بغدادياً!! ويبدو ذلك واضحاً في الضمائر، مثلاً: أنتم ، إنتو، آتون، أتَم ، أتونو هي على التوالي العربية الفصحى، العامية، السريانية، العبرية، وألأكدية، وعلى نفس التسلسل الضمير: نحن ، إحنا، حَنن، نحن، نينو

ولكن هل كان ممكن أن يكون لبغداد الطابع المتميز لها ؟ لأنه منذ البدء ما كان عربياً مئة بالمئة عندما أسسها أبو جعفر المنصور- بحكم شعبها كان خليطاً من العرب والسريان واليهود والفرس .

ومما يثير ألإنتباه أن ما يبتغيه القيسي من جهوده في البحث في اللغة العامية وإصالتها أبعدْ كثيرأ مما قد يتبادر للذهن، حيث أخذ على عاتقه هدفاً عملاقاً، فعند تصديره الكتاب ص)1(1، أشار إلى هدفه وهو الخروج بلغة كلام وكتابة موحدة لجميع البلدان العربية، أولاً: من خلال " ما يُقابل الكلمة العامية في اللغة العربية الفصحى من معنى وهو يقترح عدداً من المترادفات لإختيار ما يناسب حاجاتهم، " وثانياً، لقد اقترح لكل كلمة أجنبية حديثة أو قديمة أكثر من بديل واحد باللغة العربية الفصحى حتى يمكن أن يُتفق على إحداها. في حالة قررت مجامع اللغة العربية توحيد مفردات نطق العامية مع الفُصحى، سترى "المجامع" طبخة "قيسية" جاهزة أمامها!! ويتفائل القيسي حيث يرى " أن العربي اليوم يقترب رويداً رويداً من صورة اللغة العربية الموحدة أو الوسطية للعاميات العربية المختلفة لتصبح لغة الحديث والكتابة للعرب ورمزاً لوحدتهم المنشودة".

من ألأمثلة على ذلك، "هول" تعني قاعة أو صالة، و"هيبي" تعني متصعلك، أو "وتر كولر" تعني مبردة ماء، و"تيغة" تعني سور او سياج، و "زقفل" تعني قفل أو أغلق، أو أكو يوجد أو موجود وهكذا لاتوجد كلمة عامية أو أجنبية ليس لها مرادف يمكن ألإتفاق عليه.....

لنعود ألأن إلى الموسوعة، لقد عكست الموسوعة الموروث الفكري الإجتماعي والثقافي والسياسي من ناحية نسبة كلمات كل من حكم بغداد ولا اقول العراق لأن لهجة الموصل والبصرة ومدن الجنوب تختلف إلى حد كبير.

إن موسوعة القيسي ذكرتني بكتاب "الحياة اليومية في بلاد بابل وآشور" تأليف جورج كونشينو وترجمة سليم طه التكريتي وبرهان عبد التكريتي.لأن في هذا الكتاب أُستُنتِجت الحياة اليومية من مفردات المصطلحات والقطع ألأثارية لتلك الفترة، ولأن القيسي يشرح كل كلمة أو مُصطلح عمله او حتى تفاصيل صنعه، فمن الممكن أن يٌستدل منه على الحياة اليومية في بغداد.فمن يريد أن يدرس الحياة اليومية في بغداد خلال تاريخها عليه أن يرجع إلى هذه الموسوعة الفخم حيث يلقى الشرح لكافة معالم الحياة في بغداد.

وأنا أقف إجلالاً لهذا العمل المتميز  

 

أ.د. متي ناصر مقادسي

 

 

 

نقد كتاب (نقض أوهام المادية الجدلية- "الديالكتيك") للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي. (3 -5)

adnan oayeedما هي نتائج فهم البوطي للجدل الهيجلي؟

من خلال فهمي المتواضع لهذه المقتبسات الفلسفية –الأحجية -لهيجل التي قدمها لنا البوطي، أجدها تفتقد كما رأينا إلى الوضوح المعرفي والتوثيقي، وبالتالي المصداقية، بل إن بعضها منقطع تماماً عن سياقه العام في النص، بحيث أن ما خفي منه قد لا يدل على ما توصل إليه فهم البوطي من نتائج، ومع ذلك فقد توصل البوطي حسب فهمه هو لها، أو كما أراد في فهمه لها، أن يقرر قضايا لا يريد هيجل ذاته أن يقولها، أو هو قَوَلَ هيجل ما لا يريد قوله، اما النتائج التي توصل إليها البوطي من خلال فهمه لهيجل وجدله بالرغم من أن بعض هذه النتائج لا تخلوا من الغموض أيضاً. فهي التالي:

1- إن بين الفكر والوجود المطلق وحدة حقيقية تتسامى على كل ما يبدو من مظاهر التغيير بينها.(19) .

2- إن حقيقة الشيء الموجود إنما تبرز إلى ساحة التشخيص، خارجة عن عالم الفكر – الوجود المطلق – عن طريق تلاحق الذرات الصغيرة للمادة أو الشيء هاربة من العدم، لاجئة إلى الوجود، وهو تلاحق مستمر. (20) .

3 - يترتب على ما سبق أن جميع الوقائع والموجودات الحسية المتناثرة حولنا، بكل ما قد يكتشفه الإنسان فيها من التحليلات والقوانين الطبيعية، ليس في حقيقته أكثر من ظواهر سطحية متناثرة، وقد تبدو متناقضة لها من ورائها جذور كلية عامة هي في الحقيقة روحها وباعثها والجامع المؤلف بين أشيائها، وهي كامنة فيه حيث يكمن "الوجود المطلق". أي في أعماق الفكرة. (21).

4- إن أبرز ما يمتاز به منطق هيجل، هو (الديالكتيك)، في كل من

المنهج والحقيقة، في الوسيلة والغاية. إن الديالكتيك يساوي عند

هيجل كما يراه " البوطي"، (الحركة المتغيرة)، ممتدة من أعمق أعماق الشعور ودنيا المجردات ... لتنتهي عند علاقة ما بين الماهية والجوهر...فالديالكتيك إذاً، قانون لا بد من اعتباره في (القول)، ولا بد من اعتباره في حركة الفكر والروح، ولا بد من أخذه بعين الاعتبار بصدد فهم الطبيعة. (22).

5- إن رحلة الكشف عن أي حقيقة تكمن في ساحة الطبيعة، أو تتجلى في علياء الروح، إنما تبدأ بنظر هيجل كما يرى البوطي من أطروحة مجردة تنشأ في أعماق الفكر "الوجود المطلق"، وتلك هي مرحلة نظام الشيء في ذاته – أي نظام الشعور – ثم تنعكس إلى الواقع لتتحول إلى (ماهية)، و تلك هي مرحلة نظام الشيء من أجل ذاته. إذ يتولد من ذلك الوجود المطلق حقيقة ذات حدود وتعيينات خارجية تتشخص وتستبين بوساطة نقائضها التي تلامس أو تحتك بأقصى حدودها المحيطة بها من سائر أطرافها، ثم ترتد هذه الماهية إلى الفكر لتتركب مع الوجود الذهني، فتغدوا "مفهوماً". وتلك هي مرحلة نظام الشيئ من أجل ذاته وفي ذاته معاً.(23) .

6- يتساءل :البوطي" ما الذي نصل إليه إذا ما فهمنا جيداً هذا المنطق الذي ينادي به هيجل؟. فيجيب: نصل إلى نتيجة هي : إن

الفكر الإنساني عامل كبير – بنظر هيجل - في إقامة بنيان متماسك للحقائق بأشكالها الطبيعية وفي إقامته روح الحركة والنمو في الموجودات، غير أن هذا الفيلسوف لا ينكر وجود الموضوعات الخارجة عن وعي الإنسان ... بل ليشدّ على تقرير أن الطبيعة موجودة وجوداً حقيقياً بذاتها. والفيزياء التي تنشئها علماً هي من نظام الموضوعية.. وبهذه الملاحظة يظهر جلياً بين مثالية هيجل، والمثاليين الذاتيين، وهم الذين يرون أن الموجودات إنما توجد في إحساس الإنسان. فإذا لم يدركها الإنسان بحواسه، فلا وجود لها. (24). إن البوطي في الحقيقة يريد القول هما: بأن هيجل من أصحاب التيار الذي يقول بالمثالية الموضوعية، وهي المثالية التي تقول إن العالم ينشأ أو يخلق بفعل قوة موضوعية خارج نطاق الوجود المادي المحسوس أو المعاش، أي ما وراء الطبيعة. أي الخالق هو الله. وهذا ما قرره أخيراً بقوله:

7- ( ومن هنا، فإن هيجل مؤمن بالدين، ومؤمن بالله تعالى ولا ريب، ولكنه يؤمن به على طريقته الخاصة التي اكتشفها في منطقه وحدسه الفريدين.). (25)..

إذاً إن كل الذي توصل إليه الدكتور البوطي أو فهمه من قراءته لتلك المقتبسات الغامضة عن فكر هيجل التي جئنا عليها قبل قليل، هو أن "هيجل" رجل مؤمن بالله، وإنه استخدم فكرة جدله المعروف في المثل الذي أعطاه لتوضيح هذا الجدل وهو مثال (حبة القمح وساقها ثم ثمارها)، هذا الجدل الذي قسمه في حركته (نفي النفي) إلى الأطروحة والطباق والعرض، للوصول عبر الاستنتاج المنطقي (لفهم البوطي) لعلاقة المادة والفكر وفقاً لهذه الأطروحة والطباق والعرض، التي قرر البوطي أن هيجل قد توصل من خلال عرضها إلى أن هناك فكرة مطلقة هي "الله"، فالخلق عند هيجل كما يراه البوطي يأتي من العدم ، أي أن الواقع بكل مفرداته المادية والفكرية هو ناتج من العدم بقدرة الله.

عموماً لا أريد هنا أن أعلق كثيراً على نظرة هيجل تجاه العلاقة القائمة ما بين الواقع والفكر. أي ما بين الوقع والفكرة المطلقة، فكل الذي استطعنا معرفته في هذه المسألة، أن هيجل ينطلق من الفكر إلى الواقع، وهذا ما اقره البوطي وغيره الكثير ممن درس الجدل الهيجلي، بينما الحقيقة الهيجلية في هذه المسألة غير ذلك.

لا شك أن هيجل هو مؤسس الجدل "الديالكتيك" منهجياً، وأهم عنصر في هذا الجدل هو "الحركة"، والحركة تعني نفي للثبات، أي المطلق (الثابت)، وبالتالي هذا يدفعنا للتساؤل هنا رداً على ما توصل إليه البوطي: كيف تتوافق الحركة مع الإطلاق عند هيجل؟. وهذا السؤال يفضي بنا بالضرورة إلى تساؤلات عدة آخري إذاً هي: ماذا يعني هيجل بالفكرة المطلقة التي جعلت البوطي يتوصل إلى أنها الله؟. هل هي فكرة مجردة خارج التاريخ؟. أم هي الله جل جلاله؟. أم هي هويّة الوجود، التي يصبح الوجود ذاته يُعرف بها؟، أي هي صورة هذا الوجود بكل معطياته.

فإذا كانت "الفكرة المطلقة" فكرة مجردة محض... فكرة خارج الوجود المادي للإنسان والطبيعة، وهي من يتحكم بتاريخ هذا الوجود كما فسرها البوطي، فهذا أمر لا يقره هيجل نفسه، الذي خرج من عباءته كما أشرت في موقع سابق، (الهيجليون الشباب مثل شتراوس وشتيرنر وفيورباخ وماركس ..) وغيرهم الكثير، ممن أسسوا للفلسفة المادية.

أما إذا كانت الفكرة المطلقة هي "الله"، فإن قانون الحركة في الجدل الهيجلي ذاته ينفي عملياً ونظرياً هذا الرأي أيضاً. أي: (إن الله يتطور ويتبدل دائماً كـ "فكرة مطلقة" وبتطوره وتبدله (أي تطور وتبدل الفكرة المطلقة) يتطور ويتبدل الواقع في كل مرة. فهذه الرأي ينافي حقيقة مسألة ثبات الله الذي (ليس كمثله شيء الذي يقول به التيار السلفي ومنه الأشاعرة الذين ينتمي لهم البوطي). هذا بالرغم من أن (اليمين الهيجلي) أي من درس هيجل على أساس الرؤية المثالية التي تبناها البوطي، حاول تفسير تعاليم هيجل بروح مسيحية أرثوذكسية كما فعل "فرانسوا شاتليه" الذي اعتمد عليه البوطي في رؤيته هذه، مستفيداً –أي فرانسوا شاتليه – من التناقضات وعدم الاتساق بين الفلسفة والدين في المذهب الهيجلي، وهذا ما اشتغل عليه "البوطي" ليخرج منها بتأليف بين العقل المطلق والدين. (26)

إن من يتابع فكر هيجل بوعي عقلاني مجرد، يجد أن الفكرة المطلقة) هي شيء آخر عنده، ربما نستطيع الوصول إلى حقيقتها في مقولة هيجل التالية :

(ليس الوجود والماهية إلا لحظتين من لحظات الفكر...ومعنى ذلك أن الفكر هو حقيقتهما، وهو أساسهما، لأنه الهوية التي تجمعهما معاً، ... ومعناه أيضاً، أن الوجود والماهية تتضمنا البذور الأولى للفكرة الكلية. بمعنى آخر أن الفكرة الكلية ظهرت ضمناً في صورة الوجود، ثم تطورت في صورة الماهية، وبعد ذلك ظهرت في صورة الفكر. والفكرة الكلية في النهاية تظهر في صورة الفكرة المطلقة، والفكرة المطلقة وجود، وهي الطبيعة .).(27)

إذاً إن الفكرة المطلقة وفقاً لرؤية هيجل ذاته ليست هي (الله كما قرر اليمين الهيجلي ومن بعدهم (البوطي). بل هي الطبيعة بعد أن انعكست فكرة كلية (صورة)، ثم راحت الطبيعة وفكرتها (صورتها) تلتحمان مع بعضهما لتشكلان ماهية الأشياء الموجودة في الطبيعة، وأخيراً لتظهر الفكرة الكلية في صورة الفكرة المطلقة التي هي الوجود، أي الطبيعة. ولكي نوضع هذه الفكرة بمثال مدرسي بسيط نقول: البرتقالة وجود طبيعي. والبرتقالة تنعكس في ذهن الإنسان لتشكل فكرة (صورة البرتقالة) وهي الفكرة الكلية. والبرتقالة كوجود مادي تلتحم مع فكرتها الكلية (صورتها) لتشكل الماهية، التي تعني أن كلمة برتقالة إذا ماذكرت أمامنا يخطر في ذهنا مباشرة صورتها حتى لو لم تكن موجودة، وأخيرا فإن مجموع (الماهيات) التي تعبر عن مفردات الكون (الطبيعة والمجتمع) تشكل الفكرة المطلقة..

أما بالنسبة لمثالية هيجل التي اعتقد بها الكثير من قراء هيجل، فهناك الكثير من الآراء والأفكار التي طرحها هيجل نفسه، تدحض هذه المثالية.

يقول هيجل في "فينومينولوجيا الروح" عن الحرية: ( إن حرية الفكر لا تأخذ سوى الفكر المحض على أنه حقيقتها، وهذا ينقضه الامتلاء العيني بالحياة، ومن ثم ، فإن حرية الفكر هي مجرد فكرة الحرية، لا الحرية نفسها.) (28)، لذلك جاءت الحرية عنده بأنها (وعي الضرورة) أي وعي حاجات الإنسان المادية والروحية... أي معرفة القوانين الموضوعية للوجود المادي (الطبيعة والمجتمع) التي تتحكم بحياة الإنسان وتعيق مسيرة تقدمه الحياتية. وهذه الفكرة قد أخذها عن "سبينوزا".

ثم يقول أيضاً في "فلسفة الحق" عن الإرادة : ( هذه الإرادة ليست مجرد إمكانية وقدرة، بل هي إلا متناهي في الواقعية.) (29). ويقول أيضاً في " محاضرات في فلسفة الدين": إن حرية الإنسان لا

تقوم إلا بمعرفة إرادة الله ، أما الله فهو سعينا الأبدي نحو تحقيق

الاكتمال وتجلي الحقيقة الكلية في خاتمة البشري، مع سقوط كل قيد وقسر وجور وظلم واستلاب واغتراب.)، (30). وهو بهذا المقولة قد وضع برأيي النقاط على الحروف أخيراً في مسألة الفكرة المطلقة، وتعريفها.

إذاً إن الله هنا وفي هذه المقولة أيضاً، ليس الفكرة المطلقة التي عناها البوطي، أو اليمين الهيجلي وإنما هو سعينا الأبدي الذي يصل فيه الإنسان (البشرية) إلى تحقيق العدالة المطلقة للإنسان .. فالله هو الخير المطلق الذي يحققه الإنسان بنفسه عبر وعيه لنفسه وما يحيط به وعبر ممارسته أيضاً. طبعاً بغض النظر هنا إن اختلفنا أو اتفقنا على مفهوم الله كما ورد عند هيجل، إلا أنه ليس الفكرة المطلقة بصورتها الإسلامية الأشعرية التي يريدها البوطي. مثلما تؤكد هذه المقولات مادية هيجل وتنفي مثاليته وإطلاقيته التي حاول اليمين الهيجلي تشويهه بها، وربما هناك من حاول تشويهه أيضاً من بعض تلامذته الفلاسفة من الهيجليين الشياب، وعلى رأسهم ماركس ذاته، محاولين ادعاء الجدل المادي لهم، بعد أن لمسوا عنده بعض الغموض في توضيح مسألة الجدل ذاته، بسبب شدّة ضغط سلطة الكنيسة في ألمانية التي كانت تحارب الفكر المادي وتقمع مناصريه ومنتجيه من الفلاسفة.

 

كاتب وباحث من سورية

....................

19- المرجع نفسه. ص 20.

20- المرجع نفسه. ص 21.

21- المرجع السابق. ص 22

22- المرجع نفسه – ص 25.

23- المرجع نفسه. ص 25.

24- مرجع سابق. ص 27.

25- المرجع نفسه. ص

26- عدنان عويّد- رأسمالية الدولة الاحتكارية- دار التكوين –دمشق- 2009 ص 140

27-. (راجع مجلة الطليعة - العدد - /9/ أيلول 1970 – ص 141.

28- الطليعة – المرجع السابق. ص 146.

29- الطليعة – المرجع السابق. ص 146.

30- الطليعة – المرجع نفسه –ص143

 

باسم فرات .. وامرأة الى المنافي البعيدة

basem furatيطل من جديد باحزانه وتوتره الشعري الملفت ومن منفى غير تلك المنافي السالفة التي عرفها.. لكنه هذه المرة يحمل معه امرأة بقيت هناك في ذاكرته كالبلد الذي ضمهما اليه أيام الطفولة والصبا لكنه ابتعد عنه مرغما الى أقاصي الارض.

يطل عليك الشاعر العراقي باسم فرات هذه المرة من أكثر من مكان واحد: رسالته التي احتوت مجموعته الشعرية التي صدرت في القاهرة أرسلت من عمان وهو يقول انه الان انتقل من الاكوادور للعيش في الخرطوم بعد اقامات في أماكن منها نيوزيلندا واليابان وبلدان أخرى.

المجموعة الجديدة التي حملت عنوانا هو "اشهق باسلافي وابتسم" تعيدك بالذاكرة الى تلك المجموعة السابقة التي كانت قد وصلتك منه من مدينة هيروشيما اليابانية ذات الذكرى التاريخية السوداء.

 جاءت المجموعة في 111 صفحة متوسطة القطع وبلوحة غلاف للفنان صدام الجميلي وقد صدرت عن دار الحضارة للنشر في القاهرة. قصائد المجموعة كلها هي من نمط قصيدة النثر الحديثة. ولباسم فرات أعمال بالعربية والانجليزية صدر بعضها في عمان وفي اسبانيا ونيوزيلندا.

الشاعر في هذه المجموعة ممتليء بالفقد والألم والحنين الى أيام مضت ومطارح أفلت يحملها معه وفي ثناياها صورة المرأة التي أحب والتي ترافقه في كل أزمنته الى جميع الأماكن وجميع النساء والتي تشكل أحيانا نوعا من العلاج النفسي له في غربته.

يكتب باسم فرات بذلك التوتر والايقاع الحزينين وكأنه في مأتم يمتد من أعماق الماضي إلى آخر هنيهات الحاضر ويبدو أنه سيبقى طالما كتب البقاء للشاعر.

إنه بكّاء تاريخي كأنه أخذ وقفة الجاهليين على طلل لكن الطلل عنده تحول الى وطن غارت في ارجائه قصة حب لم يسعه نسيانها. وهو يكتب شعرا رمزيا حافلا بالصور وبموسيقى كيفما قلبت السمع والنظر فيها وجدتها أنينا في أنين.

قبل القصيدة الأولى يفتتح باسم فرات المجموعة بسطرين يهديهما الى الحبيبة فيقول "انت سفينة النجاة / بانوثتك تحرسين ايامي."

القصيدة الاولى عنوانها "انتباهة طفل" تشكل عودة من الحاضر بعد رحلة العمر الى الماضي والبكاء على الراحلين الكبار الاولياء الذي طبع نفس الشاعر من خلال ذكرياته.

يقول في القصيدة التي تجمع الرمزي الى الواقعي "المزار المبتل بانين الأرامل / حيث طفولتي تسابق اللهو / والجنائز تمر /نشيج يخترق براءتي / اراه يطوف في الايوان والردهات / يعانق التراب / بكاء مكتوم لكنه شامخ أحييه بانتباهة طفل / تضرعات على جدرانه تزيدني خشوعا / رأيت شهقاتها / تتململ في بئر الكوابيس / وفي نظراتها أمهات غسلن العمر بالنواح".

ويتحدث عن المزار الذي يرقد اسلافه في باحاته "وبطولاتهم حكايا تجيد تزيينها النساء بالدموع."

في قصيدة "موجوع بحبك" رمزية وصور متحركة تسيل حزنا ووحشة ومرارة وخيبة بل تفيض بكل ذلك. يقول "أتكيء على حائط قديم ترك ضحايا زنازين ذكرياتهم عليه / فتصطاد العناكب صرختي / أجدني في شباك مليئة بقتلى / برّوا بقسمهم لحبيبات / يجلسن على ضفة النهر يمضغن غرورهن / وهن يمزقن قصائد كتبها مجانين مثلي."

 وفي جو من الأسى المهادن الهاديء الذي تخلى عن اللهب والفوران وفي قصيدة بعنوان "طين الأيام" يقول الشاعر "سأجمع الكلمات القديمة / تلك التي عتقها الفقد / أجللها بالسواد / وأضع عليها آسا وزهورا / أعطرها بماء الورد / ثم أغلفها بالنهر / لعل موجة نزقة تحملها / حيث محبون تواروا تحت شجرة السدر / يطفئون نارا وقودها طين أيامي."

وفي قصيدة "حمى الفقد" الأسى نفسه والأنين ذاته في صور ورمزية لا تبتعد. يقول "صوتك هو ذكرياتي الوحيدة / أتدفأ عليها في غربتي ../ حين أغلق جوالي أرى ضحكتك قد سبقتني الى السرير."

وفي "حلم مغتصب" يقول باسم فرات "عشرين سنة لم أبل ريقي بنبع شفتيك.../ كل منفى يطردني الى آخر / وكنت أستقوي على كل هذا بمنديل مسحت دمعك فيه / يوم طاردنا العسس غبت في مدلهمات الحياة / آويت غربتي في أسمالي / وفي غمرة تشردي بقي صوتك / دليلي على أنك حلم اغتصبه مني الرحيل."

وفي قصيدة "صوتك" يخاطبها قائلا "في المنفى / حملت صوتك / هو تعويذتي / كلما استفز عراقيتي رجال الحدود / واستفردت عزلتي بي / ايقونة / تطرد عني تيه القبائل / في بحثها عن دمي."

 ويختم المجموعة بقصيدة مغرقة في الرومانسية عنوانها "يتنفسك حتى بهذيانه" متحدثا عن مرور الزمن والذكريات العتيقة التي تعيد الى النفس جوا من أيام الشباب وعن الموت الزائر النهائي فيقول "وانت ترين حفيدتك هذا الكتاب / تتباهين باهدائي المميز / وان قصائده منقوعة بعطرك / تحمر وجنتاك تبخترا .../ ويتقدم الصبا فيك / مبعدا شيخوخة خجولة / تسللت فزادتك القا...

 "ومع تنهيدتك / رجال البلدية يعثرون على جثة في ركن مهمل من المدينة / على شاهدة القبر سيكتبون / هنا يرقد شاعر تفرد بشعره وحياته ..والى آخره / تغلقين الكتاب فيهيلون التراب عليه."

 رويترز / (إعداد جورج جحا للنشرة العربية - تحرير أميرة فهمي)

"فجر النهايات إصدار أول للشاعر العراقي أوس حسن"

636-aosصدر في بغداد عن دار يوتوبيا للدراسات والنشر ديوان "فجر النهايات" للشاعر أوس حسن. يقع الديوان في 104 صفحات من القطع المتوسط وهو الإصدار الأول للشاعر، وتضمن 34 قصيدة مع رسالتين ضمهما الكتاب للقارىء، والإهداء (إلى روح الشاعر العراقي الكبير كاظم السماوي ، إلى الغائبين عنا جسداً وحضوراً ،الخالدين في وهج الذاكرة تحرير السماوي، رياض السماوي وإلى كل الأحرار الذين توهجت أرواحهم لتضيء حرفا من حروف هذا الكتاب). لوحة الغلاف للفنانة العراقية إيمان الوائلي

تنوعت القصائد في بعدها الفكري والمعرفي وبلغة انسيابية بليغة ومتينة ذات بناء متكامل ..اضافة إلى وحدة الموضوع والتشكيل الجمالي والتكامل الصوري والسرد الحكائي في بعض القصائد .تميز الديوان بلغته الخاصة ذات الطابع الإنساني والجمالي وتطرق إلى إشكالات عميقة في فلسفة العدم والوجود وأزمة الهوية الإنسانية وتشظيانها في العالم .

636-aos 

من قصائد الديوان نقرأ:-

(ظلٌ مفقود)

عندما يجرح الظلُ نفسه..تسيل منه عصارة من دم الليل

الليل المعتق بفجر أغانينا الأولى

وعندما تجرح الدماء نفسها..تسيل منها أقمار سوداء..ظلال خرساء

ظلال العالم المسكون بالموت والانطفاء الأخير.

هكذا كان يكتب مرثيته كُلَّ يوم..بكامل يقينه وبياضه

يمتطي جناح طائره النحاسي ويبحث عن صدى ظله

في ملكوت النور ..

ظله الضائع منذ أزمنة .. وأزمنة بعيدة ....

 

ما هكذا يا حلوائي تورد الإبل

نشر جاسم الحلوائي القيادي السابق في الحزب الشيوعي العراقي 5 حلقات في مواقع الانترنيت اطلق عليها اسم دراسة نقدية لكتاب (الحزب الشيوعي العراقي في عهد البكر (1968- 1979)) لمؤلفه د. سيف عدنان القيسي، نظرا لسعة ما كتب الحلوائي وكونها تصب لتغذية هدف ونهج واحد، نعقب هنا حول ما جاء في الحلقة الثالثة منها لما فيها من طابع هجومي ومغرض حاد في محاولة للاساءة لمؤلف الكتاب د. سيف عدنان القيسي والذي هو بالأصل اطروحة دكتوراه وكذلك للأستاذ الفاضل د. اسامة الدوري المشرف على الاطروحة وكاتب المقدمة للكتاب مع اشارات او مرور سريع لبعض عن ما ورد في الحلقات الاخرى .

في بداية نقده يكتب الحلوائي عن عدد كبير من المصادر التي اعتمد عليها القيسي في بحثه الاكاديمي والتي تجاوزت الـ (400) مصدر ويصنفها حسب نوعها، ولكنه يشير الى ان بعض تلك المصادر غير معروفة، وهذا ما يثير الاستغراب فلا نعلم عن اي عدم معرفة يشير الحلوائي، ويبدوا انه يعتبر اي مصدر لم يقرأه او يطلع عليه او يسمع به يعتبر غير معروف وبالتالي فهو لا يصلح ان يكون مصدر لأي بحث علمي اكاديمي، لا اعلم كيف سمح الحلوائي لنفسه للخوض في هكذا موضوع وهو غادر العراق منذ 35 عاما ويقيم حاليا في الدنمارك ويحمل جنسيتها ولم يزور العراق الا بعض المرات القليلة بعد الاحتلال الامريكي في 2003، وهي زيارات غالبا ما تكون خاطفة وسريعة لقضاء مصلحة ما، وبالتالي فانه كيف تمكن من تشخيص المصادر المعروفة عن غير المعروفة وهو منقطع عن الشارع الثقافي والمعرفي العراقي كل تلك الفترة واطلاعه يعتمد الانترنيت وعلى ما يصله من ادبيات حزبية وبعض الكتب القليلة التي تصل للدنمارك وبنسخ قليلة قد يطلع عليها او لا، ومع هذا يجعل من نفسه مشككا في مدى مصداقية مصادر بحث علمي اكاديمي اطلع عليه بين مشرف ومناقش ومدقق علمي ولغوي خيرة الاساتذة في العراق. وبالتالي فان اشارة الحلوائي تلك هي مجرد محاولة جوفاء للاساءة للباحث والمشرف على البحث رغم ثناءه في نهاية الفقرة على الباحث لمجهوده في الوصول الى تلك المصادر واعتمادها .

في الفقرة اللاحقة يتناول الحلوائي مدى حيادية وموضوعية الباحث وبشكل مرتبك ومشوش وبالتالي لم يتمكن من ايصال اي فكرة للقارئ سوى الاستمرار في محاولة الاساءة والتنكيل، فنجده يستشهد بمقدمة المشرف وينتقل الى رأي د. عقيل الناصري في مقال له حول نفس الكتاب، ثم يعتبر الباحث لم يكن موفقا في موضوعيته وحياده ويلقي بالسبب على الاستاذ المشرف، ليردد لازمة اثقل بها قراءته النقدية تلك وكررها في الحلقات الخمس ولعدة مرات ليستتر ويتخندق بها حينما يجد نفسه يلف ويدور حول نفسه، تلك اللازمة اقتطعها الحلوائي من مقدمة الاستاذ المشرف وعلى طريقة (ويل للمصلين) والتي تنص على : " كسب احترام الجميع لمضمون ما يكتبه ". لقد اعتاد الحلوائي في كتاباته الى ترديد مثل تلك اللازمة ليغطي على اخطاء وهفوات ما يكتب، فمثلا عند الكتابة عن موضوع ما حول الحزب الشيوعي لا بد من ترديد عبارة (مؤتمر الديمقراطية والتجديد) وبشكل ممل في اشارة الى ما يسمى المؤتمر الوطني الخامس للحزب الشيوعي العراقي، لكونه يدعي المساهمة في كتابة بعض وثائق ذلك المؤتمر، ويالها من ديمقراطية بائسة وتجديد اجوف انتهت بالحزب الى احضان الامريكان وحلفاءهم من الاحزاب الشوفينية الكردية .

ينتقل بعدها الحلوائي الى عنوان الكتاب ويعتبره خاطئ استمرارا لمنهجية المشرف الخاطئة دون ان يحدد لنا ما هو الخطأ في العنوان ومدى مسؤولية الاستاذ المشرف عن ذلك، علما ان عنوان الكتاب (الحزب الشيوعي العراقي في عهد البكر 1968 ـ 1979) يختلف عن عنوان الاطروحة (الحزب الشيوعي العراقي وموقفه من التطورات الداخلية والخارجية 1968 ـ 1979) التي ساهم المشرف في صياغتها، دون علم الحلوائي ان اختيار مواضيع الأطاريح وعناوينها من اختصاص رئاسة القسم في الكلية، وهذا يعني ان الاستاذ المشرف د. اسامة الدوري لا علاقة له بعنوان الكتاب. ثم يقترح الحلوائي عنوانا للكتاب ( الحزب الشيوعي العراقي في ثلاثة عهود 1958- 1979) ، ومن خلال هذا العنوان المقترح يظهر مدي سطحية وسذاجة قراءة الحلوائي للكتاب فهو يختار فترة تاريخية 58 ـ 79 خارج الفترة التي يتناولها الكتاب .

في محطة لاحقة يخوض الحلوائي في طرح عقيم وممل حول اهم مرحلة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي معتبرا ان مرحلة ما بعد ثورة الربع عشر من تموز واقتراب الحزب من استلام السلطة هي اهم مرحلة في تاريخ الحزب في محاولة لتخطئة رأي الباحث القيسي، الذي يعتبر مرحلة البحث (1968 ـ 1979) اهم مرحلة في تاريخ الحزب وقمة الانفتاح في العمل العلني السياسي والفكري والتنظيمي، ونرى ان تلك مسألة نسبية لا تقدم ولا تؤخر ولا تحتاج الى كل هذا العناء من الحلوائي لتبرير اختياره لتلك المرحلة كاهم المراحل في تاريخ الحزب لو لم يكن هنالك نوايا مسبقة لوضع حجر فوق حجر ضد الكتاب والمؤلف والمشرف، فهنالك من يرى ان مرحلة ما قبل ثورة تموز 1958 ودور الحزب الشيوعي في قيادة وتأجيج الشارع السياسي العراقي من خلال قيادة المظاهرات والاضرابات والانتفاضات الجماهيرية هي اهم مرحلة في تاريخ الحزب بما حققت من مد وحس وطني جماهيري وشعبي مهد لاندلاع ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة ولا يزال الحزب يتعكز على تلك المرحلة وامجادها وشخوصها للكسب الجماهيري بعد انحداره نحو المستنقع الانكلوامريكي .

في محطة اخرى يتهم الحلوائي الباحث بالانتقائية في استشهاداته حول فشل مقاومة الحزب لانقلاب 8 شباط لكون الباحث يتطرق الى رأي الفقيد زكي خيري حول ذلك : [ ... كان من الاجدر، عند الحديث عن فشل مقاومة انقلاب شباط، الاستشهاد برأي قائد الحزب وليس برفيق لم يكن في القيادة آنذاك.] وبذلك يطلب الحلوائي من الباحث التقيد بالراي الرسمي للحزب في تقييم الاحداث، في حين مبادئ البحث العلمي الرصين تدعوا الى تناول كل او غالبية الآراء من داخل وخارج الحزب ودراستها وتمحيصها دون الاعتماد على موقف قمة الهرم القيادي، وهنا ايضا يحاول الحلوائي ضمنا الاساءة والتقليل من اهمية ومكانة الفقيد زكي خيري لغرض في نفس يعقوب وليذكرنا انه كان خارج قيادة الحزب . يشير الحلوائي الى اطناب الباحث في ذكر الشيوعيين المعترفين والمنهارين وشرح اعترافاتهم وتنازلاتهم دون الاشارة الى بطولات الاخرين وصمودهم. وتلك اشارة اخرى مجحفة بحق الباحث سيف وجهده كونه كان حياديا وموازنا بين بطولة وصمود البعض واعتراف وانهيار آخرين دون اسفاف وتضخيم، في حين يحاول الحلوائي طلاء طروحات الباحث بطابع تشهيري، لذلك اجد نفسي مضطرا الى اخبار الحلوائي ان كراس (الكتاب الاسود) الذي اصدره انقلابيي 8 شباط الاسود ويتناول اعترافات بعض قادة وكوادر الحزب الشيوعي العراقي ورسائلهم الموجهة الى ما يسمى بمجلس قيادة الثورة، لاتزال تعرض نسخ منه للبيع في شارع المتنبي ويمكن الحصول على نسخة منه لأي شخص كان. فعن اي اطناب يكتب الحلوائي، وهل يحتاج الى تذكيره بعدد الرفاق الذين ذكرهم في كتابه (الحقيقة كما عشتها) ممن انهاروا او اعترفوا في مرحلة (1978 ـ 1980) وبصموا على تعهد الاعدام الشهير بعدم ممارسة العمل الحزبي ثانية او اي صيغة مشابهة في حين تستر على اخرين بحكم العلاقات والاحقاد الشخصية، هذا هو الاطناب والتشهير بعينه يا حلوائي .

اكتفي بهذا القدر حتى لا تتحول تلك الملاحظات الى محطة لنشر الغسيل . في الختام لا بد من الذكر ان الحلوائي خريج الدراسة الابتدائية وما يدعيه من تخرج في سيرته الذاتية (تخرج من معهد العلوم الاجتماعية في موسكو عام 1973) ليوحي للآخرين على حصوله شهادة الدبلوم او البكلوريوس هو مجرد ادعاء ووهم فهذا المعهد خاص للدراسات الحزبية (مدرسة حزبية) مختصة باعداد وتهيئة القادة والكوادر للأحزاب الشيوعية بغض النظر عن تحصيلهم العلمي والدراسي السابق، يدرس فيها الاقتصاد السياسي وتاريخ الحزب الشيوعي السوفياتي وتجربة السوفييت بالتعاونيات الفلاحية وفصول مبسطة من الماركسية ـ اللينينية وما شابه ذلك، بعيدا عن اي ضوابط اكاديمية أو علمية وبامتحانات شكلية، وبالتالي فهي دراسة حزبية خاصة غير معترف بها، ولا يزود الدارس باي وثيقة او شهادة لأي جهة. ولا اعرف كيف يسمح الحلوائي لنفسه (وهو خريج الدراسة الابتدائية) ان يقيم ويناقش اطروحة دكتوراه في التاريخ الحديث حاصلة على درجة الامتياز من جامعة بغداد / كلية الآداب / فسم التاريخ باشراف ومناقشة ومتابعة خيرة الاساتذة الأفاضل ممن خرجوا اجيال من طلاب الماجستير والدكتوراه ليكونوا اساتذة اكفاء في اختصاصهم

جماليات القصة القصيرة جدا عند المبدعة الكويتية هيفاء السنعوسي إصدار جديد للدكتور جميل حمداوي

635-jamilصدر مؤخرا للباحث المغربي جميل حمداوي، عن مطبعة رباط نيت، كتاب جديد عنوانه (جماليات القصة القصيرة جدا عند المبدعة الكويتية هيفاء السنعوسي). ويندرج الكتاب ضمن منشورات جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون بالناظور .

635-jamilويتناول الكتاب ثلاث قضايا أساسية هي: مكونات القصة القصيرة جدا وسماتها عند المبدعة هيفاء السنعوسي، وبنية الجملة وأنواعها في قصيصاتها، وسيميوطيقا علامات الترقيم في القصة القصيرة جدا عند المبدعة.

 

الاشتغال الجمالي للمعنى الأخلاقي كتاب للباحث عبد الفتاح شهيد

634-jamaliأصدر الباحث المغربي عبد الفتاح شهيد، أستاذ النقد الأدبي في الكلية المتعددة التخصصات بخريبكة، كتابه: "الاشتغال الجمالي للمعنى الأخلاقي"، عن دار الحامد للطباعة والنشر بالأردن. حيث يندرج هذا العمل في سياق مشروع عام ينبني على ثلاثة أسس مهمة. الأول موضوعاتي؛ تختار خلاله الدراسة قصيدة المديح النبوي والأشعار ذات النزوعات القريبة لاختبار فرضيات الاشتغال الجمالي. أما الأساس الثاني فهو فني خالص يجد في الجمال امتدادا فنيا يرنو إلى تعميق ثقافة الإحساس بالجمال وخصوصا فن الشعر الذي يراهن على اللغة في تشكيل آفاقه وعوالمه الجمالية. بينما الأساس الثالث يتخذ طابعا إجرائيا يجد في الشعرية طريقة أو جملة آليات للتحليل والمقاربة...

634-jamaliويروم الباحث من خلال هذه الأسس الثلاثة – كما جاء في مقدمة الكتاب- مقاربة إشكالية العلاقة بين الفن والأخلاق، وهي إشكالية شغلت الفكر الإنساني وتغلغلت في الكثير من قطاعاته الثقافية. ولا زالت إلى الآن تجتذب بدرجات متفاوتة اهتمام المتخصصين وغيرهم. ومن رحمها تولدت في الأدب والنقد العربيين إشكالية الإسلام والشعر. بينما تلفي في هذا العمل امتدادها في أثناء قراءة النصوص ومقاربة أسئلتها الملحة، وعند رصد المواقف النقدية في تجاذباتها وتدافعاتها الموحية.

نقد كتاب (نقض أوهام المادية الجدلية- "الديالكتيك") للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي (2 -5)

adnan oayeedالجدل الهيجلي كما يراه البوطي: إذا تركنا جانباً موقف الشيخ البوطي ألتوصيفي الإنشائي لـ (هيراقليط)، كأول فيلسوف مادي كما يراه هو، (من الصفحة 17 إلى 18 من كتابه)، وانتقلنا إلى رؤيته النقدية لمفهوم الجدل (الديالكتيك) عند هيجل، يلفت انتباهنا هنا عدة مسائل منهجيه تتعلق أولاً، بطبيعة مصادره التي استقى منها معارفه، والتي على أساسها بني أحكامه أو رؤيته، ثم ثانياً، طريقة توثيقه، وأخيرا موقفه الْقَبْلي (المُسَبَقْ) تجاه (الفكرة المطلقة) لهيجل، التي استطاع من خلال ليّه لعنق النص الهيجلي أن يصل إلى ما يريد تأكيده، وهو:

إن هيجل يريد بالفكرة (المطلقة) كما يقرر البوطي بأنها (الله). وإن كل شيء في هذا الوجود هو من خلق الله. وإن معرفة هيجل لله هي معرفة منطقية وليست حسية. وهذا ما ينسجم في الحقيقة مع العقلية السلفية بعمومها ومنها الأشعرية، التي يؤمن بها البوطي وفقاً لرؤية أبي حسن الأشعري وغيره من الأئمة والمشايخ السلفية.

من خلال متابعتنا لمصادر البوطي في نقده للجدل الماركسي مقارنة للجدل الهيجلي، نجده قد اعتمد بشكل واسع على كتاب (هيجل) لـ (فرانسوا شاتليه)، وكتاب (المنطق) لهيجل، و(فيومنيولوجيا الروح) من وجهة نظر "فرانسوا شاتليه" ذاته ايضاً، أي، إنه لم يعتمد على كتب هيجل المشار إليها هنا مباشرة وإنما كما رآها ودرسها فرانسوا شاتليه. وهذه المصادر في الواقع لا تشكل أرضية صلبة لفهم هيجل وجدله لما سنشير إليه في موقع لاحق من هذه الدراسة النقدية. ثم على أي دارس لهيجل أو أي مفكر بهذا المستوى، لا بد له من فهم حالات التطور الفكري لهيجل ذاته عبر مراحل حياته. فنحن نعلم أن هيجل في رؤاه الفكرية قبل إقامة الدولة الألمانية كان ذا نزعة (مثالية موضوعية)، بسبب الضغط الذي كانت تمارسه الكنيسة على الكتاب والفلاسفة آنذاك. ومع ذلك فهو لم يعلن تدينه المباشر. هذا إضافة لكونه راح يشتغل فكرياً على المسألة القومية عندما حقق "بسمارك" وحدة ألمانيا، وفيما بعد تعددت المواضيع الفلسفية التي تناولها، على مستوى الحرية وعلم الجمال والدولة وغيرها من قضايا الإنسان، حيث تتلمذ على فكره كما هو معروف، (الهيجليين الشباب)، مثل ماركس وفيورباخ وفورباخ وغيرهم الكثير. ومن يكن تلامذته هؤلاء، لا أظن أن فكره وجدله الذي فهمه الشيخ البوطي سيوصله إلى أبي حسن الأشعري مثلاً.

أما بالنسبة مسألة التوثيق،فمن خلال إطلاعي على طريقة توثيقه، فلم أجد عنده المصداقية العلمية في التوثيق الكاديمي، وهذه المسألة لها أهميتها في تأكيد مصداقية المصدر أو المرجع الذي يجب أن يشار فيه بالضرورة إلى إسم الكاتب، ودار النشر ومكانها، وتاريخ النشر، وأخيرا رقم الصفحة. فبالعودة إلى مراجعه رغم ندرتها، إلا أنها تفتقد إلى مصداقية التوثيق. فمثلاً نجد توثيق مراجعه جاءت مدونة على الشكل التالي:

1- (هيجل- لفرانسوا شاتليه- ص 47 . والنص الذي بين قوسين لهيجل من كتاب علم المنطق- 1/71/) .(6) .

2- (من كتاب علم المنطق لهيجل القسم الأول ص 72 ). (7)

3- (المرجع السابق – وليلاحظ القارئ أنما أحرص على وضع صورة دقيقة وأمينة لتصورات هيجل، ولست بصدد تقويمها لا

بتصويب ولا بخطأ.). (8)

4- (علم المنطق لهيجل ترجمة برمان). (9)..

5- (فينومنيولوجيا الروح لهيجل – نقلاً من هيجل لفرانسوا شاتليه ص149). (10).

6- (مقطع لهيجل من كتابه دروس في التاريخ .). (11).

أعتقد كأي باحث، أن مثل هكذا توثيق لدكتور أكاديمي، له سمعته وشهرته في التأليف، سيقف كثيراً أمام هذه الطريقة في التوثيق التي ستدفعه إلى الشك بكل معلومة قد جاء بها الباحث او الكاتب.

أما بالنسبة لرأيه في الجدل الهيجلي، فبعد أن يأخذ بعض المقتبسات لهجيل (التي لا يعلم إلا الله ما هو المقصود منها) ووفقاً لطريقة توثيقه الفاقدة للمصداقية، نجده يقرر التالي:

أولاً: إن الوجود المطلق (مساو لنفسه فحسب، كما أنه ليس غير

مساو لشيء آخر....إن تعييناً ما، أو مضموناً يدخلان عليه فوارق أو يضعانه مختلفاً عن شيء آخر، لن يحافظا عليه في نقائه الأصلي.) (12).

ثانياً: أما العدم المطلق شأنه برأي البوطي كما فهمه عند هيجل،

وحسب رأي هيجل ذاته فهو ( خواء....ولا تعيين وانعدام مطلق للمضمون...إن الفرق بينه وبين الوجود المطلق ليس أكثر من الفرق بين الفكر في شيء والفكر في لاشيء..) (13).

ثالثاً: (الحقيقة ليست لا الوجود ولا العدم. بل هي كون الوجود وقد انتقل إلى العدم ، والعدم انتقل إلى الوجود. ). (14).

رابعاً: (إن الحس العام إذا كانت تمزقه التناقضات، فذلك لأنه يعكس شتات الظاهرات وغموضها وبلبالها الأساسي. فلا بد إذا من فرض وجود عالم آخر غير هذا العالم، ألا وهو، ما وراء الطبيعة ... موضوع القول الكلي، ينصرف إليه الإنسان تجريبياً عندما يتخلص من أهوائه. غير أن ما يجعل وجود ذاك العالم ضروريا،هو سعي ومطلب لا تجربة ولا تطبيق. ففي وراء هذا الواقع الذي يتدنى بسهولة مفرطة، لا بد من وجود واقع ثابت منتظم، الوصول إليه عسير، وكثافة وجوده تمنح القول الفلسفي قوامه. وإن لم يكن الأمر كذلك، فلا يبقى سوى الاستسلام للظلم والعنف.). (15) .

خامساً: (إن في الروح أغواراً يستله من صميمه ليدفع بها خارجاً، ولكنه في عملية الدفع هذه يبقيها عند حدود الشعور تصوراً. هذه الأغوار وجهل الشعور فيما يتعلق بما يقوله حقاً، هي شيء واحد مع تواصل السامي والوضيع الذي تعبر عنه الطبيعة بسذاجة في العضوية، عندما تربط بين جهاز الكمال الأسمى، جهاز التناسل

وبين جهاز التبول. فالحكم اللامتناهي بوصفه لا متناهياً، قد يكون اكتمال الحياة المدركة ذاتها. ولكن عندما يبقى الشعور بالحياة في نطاق التصور، فإنه يتصرف تصرف ووظيفة البول.). (16)

سادساً: ( إن الحقيقة هي الحركة من ذاتها وإلى ذاتها، في حين أن المنهج هو المعرفة المستقلة عن الذات.). (17)

سابعاً: (أن يكون التاريخ الكلي هو هذا النحو، أن يكون سيرورة الروح الحقيقية في شكل حركات تاريخية مبتذلة، وذلك هو العالم الإلهي الحق، وتسويغ وجود الله في التاريخ. إن هذا النور وحده هو الذي يستطيع أن يوائم بين الروح وبين التاريخ الكلي، والواقع معناه

أن ما حدث ويحدث كل يوم ليس قائماً بمعزل عن الله، بل هو جوهرياً من صنعه هو ذاته). (18).

إن هذه الآراء أو المقولات الفلسفية التي قدمها لنا البوطي كحقائق لا يأتيها الباطل من فوقها او تحتها، والتي لا يستطيع إلا الله وحده جل جلاله فك طلاسمها او تبيان دلالاتها المعرفية، والتي تذكرني بتعريف المنطق (في مدرسة المشاغبين)، تدفعنا للتساؤل: ما هي النتائج التي توصل إليها الشيخ البوطي من كل هذا الذي طرحه هنا؟.

وهذا ما سأبينه في المقال الثالث من هذه القراءة النقدية .

 

كاتب وباحث من سورية

 

..................

6- نقض اوهام المادية الجدلية – المرجع نفسه. ص 20.

7- المرجع نفسه- ص 21.

8- المرجع نفسه- ص 21

9- المرجع نفسه ص 21

10- المرجع نفسه ص 27

11- المرجع نفسه ص 29

12– المرجع السابق ص 20

13- المرج نفسه ص 21

14- المرجع نفسه – ص 21

15- مرجع سابق. ص22

16- المرجع نفسه . ص 27.

17- المرجع نفسه. ص 28

18- المرجع نفسه. 29

 

الشاعر المغربي مصطفى الشليح يُصدر وصاياه التي لا تلزم أحدا

633-mustafaعن مطبعة الأمنية بالرباط، صدر للشاعر المغربي مصطفى الشليح ديوانٌ جديد تحت عنوان " وصايا ... لا تلزم أحدا".

الديوان الجديد، الذي جاء في 250 صفحة من الحجم المتوسط، تتصدّره إضاءات شعرية عميقة لكل من: ريلكه، بوإيلوار، فريناندو بيسوا ومحمود درويش، ما يكشف عن العوالم الجمالية والفنية لواحد من أهم شعراء القصيدة المغربية الحديثة، الذي درج على إغناء متنها ليس الشعري فحسب، بل والنقدي كذلك.

انسجاما مع روح العنوان، الذي لا يكتفي بتصدر المجموعة الشعرية، ولكنه ينسلّ إلى ثنايا العمل الشعري، نقرأ:

633-mustafaلا تصدق وصايايَ

للشعراء انسيابٌ بلا جسد؛

لغة تتوسّد جمر البحيرة

عند انتشاء؛

لغة

يتقنع إيقاعها

بالوصايا إلى الجسد.

لا تصدق وصاياك

أنت، و إن كنت منها امّحاء.

لا تصدق

سوى الماء يحبو

على الماء يقفو وصاياك بالزبد

 

صدر للكاتب مصطفى الشليح، في الشعر:

" عابر المرايا"، " وماء العراق يشربه القصف"، " سيدة البهاء"، " ثم تلقي علي كل أسئلتي شالها"، " القصيدة من خطايا اللغة"، " في ألف رباعية ورباعية"، " كأن النهر امرأة لاتنام"، " لك الأوراق … وكل الكلمات لي"، " هو العابر الرائي".

وفي الدراسات النقدية، صدر له:

"في بلاغة القصيدة المغربية"، "محمد المختار السوسي"، " المعرفة / المؤسسة / السلطة في الثقافة المغربية بسلا"

تجدر الإشارة إلى أنّ الشاعر مصطفى الشليح يعمل أستاذاً للتعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية.

قراءة في كتاب "في آفاق النص القصصي .. مقاربات في الهوية والنص والتشكيل عند فرج ياسين

saleh altaeiمر أكثر من عام على وصول هذا الكتاب إليَّ؛ بعد أن تفضل الأخ والصديق العزيز الدكتور فرج ياسين بإهدائه لي، وفي كل مرة أبدأ بتصفحه تتكالب علي المشاغل، فتحول بيني وبين إتمامه، ومع كل قراءة جديدة كنت أبدأ من الصفحة الأولى لأربط بين المواضيع التي إنسانيها فارق الوقت، إلى أن قررت أخيرا أن أتحدى الظروف وأنجز ما بدأت، ووفقني الله لذلك.

لا أبالغ إذا ما قلت أن تجربة فرج ياسين الأدبية ابتدأت في عام 1945، في نفس السنة التي ولد فيها، من خلال تراكم المعرفة المرحلية، وبقيت تنمو معه حينما ينمو، وتتفاعل مع الواقع على مدى أكثر من أربعين عاما، أسهم في إنضاجها وبلورتها نيله درجة الدكتوراه في الأدب الحديث والنقد، وهي خلال هذه السنين الطوال تجددت نوعيا، حيث دنيا الشعر في أواسط سبعينات القرن الماضي، تلك البداية التي رسمت أمامه آفاقا أخرى في الأدب، وربما يكون هو الذي رسمها حينما وظف ملكة الشعر ليدعم ملكة السرد، فتحول شعره إلى سرد، وسرده إلى شعر، وتحولت بعض سردياته إلى قطع من شعر النثر، فقال نثرا ما كان يريد أن يقوله شعرا.

إن لهذا التصاعد القممي مؤثرات يجب توفرها مجتمعة أو توفر قسم كبير منها لدى الأديب، وتضافرها مجتمعة أو كلا منها على انفراد بدون منغصات لتخلق التفرد، وإلا فالتجربة تبقى ناقصة النضج من دون تلك المعاناة، وقد كانت النشأة لدى فرج ياسين واحدة من هذه المؤثرات، تلتها الدرجة العلمية التي حولت الموهبة الفطرية إلى موهبة مؤدلجة محكومة بقوانين الصرامة العلمية.

ثم جاءت بعد ذلك خبرات العمر المكتسبة خلال الانتقال من الطفولة إلى المراهقة والشباب، ومنها إلى مرحلة النضج والرجولة، لتكون مؤثرا يترك بصمته بصمت على التجربة، إن مخاض الأربعين عاما طور رؤاه الفكرية وصقل أدوات صنعته، فازداد مهارة، ولذا جاءت مجاميعه القصصية التي ابتدأها بـ(حوار آخر) التي أصدرها عام 1981 و(عربة بطيئة) التي أصدرها عام 1986 و(واجهات براقة) التي اصدرها عام 1995 و(رماد الأقاويل) التي أصدرها عام 2006 و(ذهاب الجعل إلى بيته) التي أصدرها عام 2010، جاءت وهي مملوءة ببوح النضج الفكري الذي تطلقه تهويمات ما بعد الأربعين، عمر الحيرة والحكمة.

فضلا عن ذلك نصبته تلك الخبرة شاهدا على إحدى قمم التفرد، ليدخل عالم النقد من بابه الواسع، ليكتب فيه: (توظيف الأسطورة في القصة العراقية الحديثة) سنة 2000 و(أنماط الشخصية المؤسطرة في القصة العراقية) سنة 2006 وعددا كبيرا من المقالات النقدية والكتابات الخاصة بالتجربة القصصية، وإذا بك تقف أمام أديب ناقد أو ناقد أديب.

ومن المؤثرات المهمة الأخرى؛ المكان، وقد كانت للمكان حصته في تنمية تجربة فرج ياسين، فسطوة المكان تبان ملامحها من خلال الصور الفكرية التي يكتبها الأديب، والظاهر أن المدينة التي عاش بها فرج ياسين بعاداتها وتقاليدها وسننها وعلاقة أهلها بعضهم ببعض أسهمت من جانبها في صقل موهبته، وهو ما قال عنه: "مكثت في مدينة العلم أربعة عشر موسما دراسيا. وكانت أوقاتا زاهرة خصبة؛ تألقت فيها تجربتي مهنيا وإنسانيا وإبداعا. وسأذكر ما قلته قبل عشرين عاما في برنامج أدباء من تلك المدن التلفازي بحقهم: "إنهم كرماء وطيبون وأوفياء وأنا سعدت بالعمل في ديارهم".

 

حولت هذه المؤثرات تجربة فرج ياسين إلى مدرسة تفيض بالخبرة، كما فرضت تجربة وأخلاق وقيم فرج ياسين نفسها بقوة على بساط البحث والنقد الأدبي، فالصور المرسومة فيها، وأنماط الكتابة المشوبة بلغة الشعر، وانتقاء المفردات بعناية، والاهتمام بأدق شعيرات الحياة، والتدقيق الشديد في أدوات الصنعة ابتداء من العنوان مرورا بمساحات التوتر، والهوية وآليات التشكيل السردي، وجماليات الوصف والاهتمام الشديد بصياغة الحكايا نصوصيا. كلها خلقت من فرج ياسين أنموذجا للأديب المشاكس بلطف، العنيف بطيبة، جعلت الآخرين ولاسيما النقاد منهم ينتبهون إلى تجربته، فيشبعونها بحثا من خلال المؤلفات الكثيرة عن تجربته القصصية، ومنها:

• المغامرة السردية، جماليات التشكيل القصصي، رؤية فنية في مدونة فرج ياسين القصصية. للدكتورة سوسن ألبياتي.

• الرؤية السردية في قصص فرج ياسين، رماد الأقاويل أنموذجا، لكوثر محمد علي صادق.

• الغرائبية والطفولة في قصص فرج ياسين، رسالة ماجستير للطالبة ثمار كامل البيضاني، نوقشت في جامعة واسط 2011.

• رماديات، رؤى الخيال والماضي والغياب، قراءة في مجموعة فرج ياسين القصصية رماد الأقاويل، لمصطفى مزاحم.

• الفضاء السردي في قصص فرج ياسين، رسالة ماجستير للطالب صلاح نبو، كلية التربية، جامعة تكريت .

• في آفاق النص القصصي مقاربات في الهوية والنص والتشكيل عند فرج ياسين، مجموعة نقاد، تحرير الدكتور فيصل غازي النعيمي

وما يزيد على ستين بحثا ودراسة ومقالة نقدية بأقلام باحثين ونقاد عراقيين وعرب تناولت منجزه القصصي.

أما الكتاب الأخير (في آفاق النص القصصي مقاربات في الهوية والنص والتشكيل عند فرج ياسين) الذي صدر عن منجز فرج ياسين، والذي نحن بصدد الحديث عنه فهو كتاب في النقد الأدبي، أسهم بتأليفه مجموعة من النقاد من عدة محافظات وجامعات عراقية وعربية، قام بتحرير وجمع مادته الدكتور فيصل غازي النعيمي، وصدر عن دار تموز السورية بمائتين وتسع وسبعين صفحة؛ كتبت مواضيعه بأقلام نقاد لهم باع طويل في دنيا النقد، تناولوا من خلالها القصة السيرية في واجهات براقة، ومساحة التوتر والانتظار والخيبة، وأسلبة الطفولة، وبينة العنوان، وبنية الصراع، وشعرية الخاتمة والمكان والهوية وعنف المكان، وآليات التشكيل السردي والوصف وجمالياته ومستويات صياغة الحكاية في النص السردي. فغطوا بذلك جانبا مهما من تجربة هذا الأديب الكبير ربما تكون فاتحة خير لنقاد آخرين، ليتناولوا تجربة الدكتور فرج ياسين الثرة الغنية بالمتابعة والدرس.

إن النقد العلمي المسؤول البعيد عن التهريج والضوضاء يفتح آفاقا فكرية أمام الأديب ليعيد النظر بتجربته ويعيد تقييمها، فيبدأ بالطرق على تلك الأبواب التي استفز وجودها النقاد أكثر من غيرها، وهنا تكمن متعة التفاعل مع التحدي، لكن هل تتاح لفرج ياسين تجربة الاستفزاز من جديد؛ وهو الذي اقتلعته الأحداث الأخيرة التي مر بها العراق من جذوره وألقت به في مكان قصي لا تربطه به ذكريات وصحب وأقران وأماكن وقصص حب؟ سؤال صعب، بصعوبة الغربة التي يعيشها الأديب في وقت كان يتمنى فيه أن يركن إلى الدعة والسكون، وما أصعب أن تسجن شخصا مع قوم من غير جنسه حتى ولو كان يحبهم ويحبونه.!

تحية للأديب العراقي الكبير فرج ياسين وهو يعيش أيام التهجير والبعد القسري عن كل ما أحب، ودعوات بحجم العراق أن يعود العصفور إلى عشه ليعود تغريده يطربنا في دنيا الخبال التي نعيشها مجبرون.

 

 

نقد كتاب (نقض أوهام المادية الجدلية- "الديالكتيك") للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي (1-5)

adnan oayeedأود بداية أن أشير هنا إلى أنني في نقدي هذا للآراء الواردة في كتاب الدكتور البوطي (نقض أوهام المادية الجدلية) لم يأت من باب الكره لشخصه أو لأفكاره أولاً .. ثم أنا في دفاعي عن الجدل الماركسي، لم يأت هذا الدفاع أيضاً من باب أو جهة أنني شيوعي ثانياً .. فأنا لست شيوعياً، ولم أنتم يوماً لأي تنظيم شيوعي، وهذا ليس من باب الفخر، فهناك الكثير من الشيوعيين العرب الذين ضحوا بحياتهم من أجل قضايا هذا الوطن، وفي مقدمتها، حرية وعدالة ومساواة أبنائه، من أجل أن يكونوا مواطنين لا رعايا .. ومن أجل سيادة العقل على كل ما هو امتثالي واستسلامي وجبري.

لذلك أقول : إن ما دفعني لهذه القراءة النقدية الأولية لهذا الكتاب، هو إيماني بدور العقل وحرية الإرادة الإنسانية، وأن من حق الإنسان أن يكون سيد نفسه ومصيره من جهة، ثم دفاعاً عن العقل والعقلانية (الحقيقة) التي طالما حاول الكثير من الكتاب والباحثين طمسها بإسم الدين من جهة ثانية.

عندما قرأت كتاب الدكتور البوطي (نقض أوهام المادية الجدلية "الديالكتيك") أول مرة في عام (1995)، شعرت يومها وكأن ماركس وإنجلز ولينين هم علماء فيزياء، وأن الماركسية عندهم قد وجدت لتشتغل على (الذرة) وعالم حركتها وانشطاراتها وتحولاتها، وأن قوانين المادية الجدلية التي تقول بها (الماركسية)، هي متعلقة إلى حد كبير بهذه الذرة، وليس بالمجتمع وصراعاته الطبقية، وتطوره وحركته، وطبيعة العلاقة بين بنائيه الفوقي والتحتي والعمل على تنميته. وذلك بسبب تلك الحفاوة التي أولاها البوطي للذرة في نقده للجدل الماركسي وفقاً لمقارنته بالجدل الهيجلي، بهدف تحقيق ما يريد الوصول إليه. كما لفت انتباهي أيضاً في موقف البوطي النقدي للمادية الجدلية، إضافة لإقصائه (المادية التاريخية) عن عنوان كتابه من جهة، هو ابتعاده عن تناولها وتطبيقها بما تتضمنه من قوانين على المجتمع بشكل موضوعي كما تناول مسألة الذرة في مقارنته بين الجدل الهيجلي والماركسي، من جهة ثانية. علماً أن (المادية الجدلية والتاريخية) كلاهما يشكلان (الأسلوب) الذي تتعامل به الماركسية في تحليلها للموضوعات الحياتية بشقيها الطبيعي والاجتماعي، ووضع الحلول المناسبة والمتاحة لإشكالاتها بشكل عام. أو بتعبير آخر: إن قوانين المادية الجدلية ومقولاتها التي تختص بدراسة الطبيعة، هي بمعظمها التي تشتغل عليها المادية التاريخية في دراسة قضايا الإنسان والمجتمع.

أقول : إضافة إلى ما أشرت إليه هنا، وجدت الشيخ البوطي قد ركز كثيراً في كتابه منذ البداية على دراسة نظرية الجدل (الهيجلي)، محاولاً بكل ما يملك من فكر ديني (سلفي)، وبمكر معرفي عن سابق إصرار وترصد، أن يضرب الجدل الماركسي بالجدل الهيجلي، من خلال تركيزه على أن الجدل الهيجلي ينطلق من (الفكرة) في الحركة والتطور والتبدل التي تصيب الطبيعة والمجتمع، وليس من (الواقع) كما يقول ماركس. وبالتالي فجدلية هيجل المثالية التي تُوصِلِنَا – وفقاً للبوطي – إلى أن الكلمة كانت في البدء، وأن مصدرها "الله"، ومن هذه الكلمة فاضت المادة.وهذا ما يجعلنا نعتقد بان الدكتور البوطي قد توصل في رؤيته هذه إلى أن هيجل ليس إلا تلميذاً نجيباً (لأبي حسن الأشعري). وبالتالي، هذا ما يوصله بالنتيجة إلى أن ماركس وإنجلز ولينين وكل من اشتغل على مسألة الجدل الماركسي، هو كافر وملحد وزنديق، وليس من الفرقة الناجية. وبناءً على هذا الموقف، سأركز في دراستي النقدية هذه على نقد أوهام (البوطي) حول الجدل الهيجلي وعلاقته بالجدل الماركسي، مكتفياً في هذه الدراسة النقدية على هذه المسألة أولاً، وذلك انطلاقا من القاعدة الفقهية التي تقول : (ما بني على باطل فهو باطل.). وثانياً توضيح قوانين ومقولات (الجدل) ودورها في دراسة المجتمع الإنساني الذي جاء الفكر الماركسي أصلاً من أجله.أي دراسة الاجتماع الإنساني في علاقاته ووجوده وما يرتبط بهذا الوجود من قضايا مادية وفكرية أو روحية.

دعونا بداية أن نسلط الضوء على بعض الأفكار التي جاءت في مقدمة كناب البوطي (نقض اوهام المادية الجدلية)، قبل أن ندخل في صلب موضوعاته المتعلقة بنقض أوهام المادية الجدلية. وبخاصة علاقة الجدل الهيجلي بالجدل الماركسي، والفرق بينهما.

لقد جاء في الصفحة (7) من كتابه، وفي العبارة الأولى من المقدمة : (ينفرد المذهب "الشيوعي" من دون المذاهب الأخرى بأن له جذوراً في الفلسفة الشاملة التي تتبنى تفسيراً معيناً للوجود والحياة بأسرها، وفروعاً من التطبيقات الاقتصادية والاجتماعية التي تنهض على أسس من تلك الجذور.). (1)

 

إن نظرة أولية إلى عبارة (المذهب الشيوعي) التي أوردها في هذا المقطع، و(الملغومة) قصداً من قبله، تجعلنا نسأل مباشرة: لماذا ربط البوطي الشيوعية بالمادية الجدلية؟. علماً أن المادية الجدلية وحتى التاريخية كقوانين ومقولات ليس لها في ظهورها أي ارتباط تاريخي مع الشيوعية، أي هي ليست وجهها الآخر الملازم لها منذ ظهور النظرية الماركسية كما يقرر البعض، فقوانين الجدل المتعلقة في الحركة والتطور والتبدل وغيرها، وجد بعضها أو أكتشف منذ بدأ الإنسان يفكر ويبحث عن ذاته. فهذا الحكيم "أوتنابتشيم يقول لـ"جلجاميش" في ملحمته بعد أن عجز"جلجاميش" في بحثه أن يحصل على نبتة سر الخلود، مجسداً في هذه المقولات قوانين الحركة والتطور والتبدل:

(هل نشيد بيوتاً لا يدركها الفناء؟.

وهل نعقد ميثاقاً لا يصيبه البلى.

فمنذ القدم لا تُظهر الأمور ثباتاً.).(2)

وهذا "هيراقليطس" يقول في "الحركة" قولته الشهيرة، وهي أهم قانون من قوانين الجدل: (كما أنك لا تستطيع أن تستحم في مياه النهر مرتين، فكذلك هي الحياة). هذا دون أن ننسى المادية المبتذلة أو الساذجة لـ (فيورباخ وفورباخ) مثلاً، وغيرهما ممن لم يكن ينتمي لأي فكر اشتراكي أو شيوعي. مثل ابن خلدون مثلاً، و ما طرحه من قوانين ومقولات الجدل في مقدمته المشهورة قبل أن يفكر فيها ماركس وإنجلز، فهي برأي من أهم المواقف الفكرية ذات الطابع الجدلي التي استطاع من خلالها أن يدرس مسألة العمران البشري بكل معطياته في عصره. حيث جاء في هذه المقدمة قوانين الحركة والتبدل ونفي النفي وتأثير العلاقات الاقتصادية (المعاشية) على حياة الناس العملية والفكرية..إلخ. (3) الأمر الذي جعل لينين يقول عن ابن خلدون: (ألا يوجد لدى العرب مفكرون آخرون كابن خلدون؟.).

أما لجهة قول البوطي بأن الشيوعية (مذهب)، فهذا في الحقيقة ينم عن جهل معرفي فاضح في تفريقه بين المذهب و(النظرية) التي تشكل في تطبيقاتها العملية والفكرية نظاماً اقتصادياً اجتماعياًسياسياً وثقافياً، كالنظرية البرجوازية أو الاشتراكية أو الشيوعية. فمن المعروف لدى دارسي الاشتراكية والشيوعية، أن الاشتراكية هي نظام اقتصادي اجتماعي سياسي وثقافي، والشيوعية هي المرحلة العليا من الاشتراكية، وهي المرحلة الحلم التي لم يستطع أي مجتمع أن يحققها وجوداً حتى الاتحاد السوفيتي سابقاً قبل انهياره. أما المذهب – أي مذهب – فهو جزء من نظرية عامة أو إيديولوجية، والمذهب أكثر انغلاقاً على بنيته الفكرية من النظرية، كأن نقول على سبيل المثال لا الحصر: (العقيدة) الإسلامية نظرية أو أيديولوجية يتفرع عنها مذاهب وطوائف دينية إسلامية كالمذهب الشافعي والحنفي والحنبلي والجعفري والمالكي. أو الطائفة الإسماعيلية أو الموحدين..إلخ

أما علاقة الشيوعية مع الماركسية في هذا السياق - أي مدى علاقاتها مع الماركسية، أو المادية الجدلية - وكما أراد لها البوطي، فهذه معطيات التاريخ تشير إلى خطأ رؤيته في هذا الاتجاه، حيث تبين تاريخياً أن الكثير من النظريات الشيوعية قد طرحت قبل الماركسية، كالشيوعية المشاعية التي طرحتها الديانة (التاوية) في الصين على سبيل المثال لا الحصر. وهذه الاشتراكية وهي المرحلة الدنيا من الشيوعية كما هو مقرر، فهناك الاشتراكية التي طرحت من قبل القرامطة. وهناك الاشتراكية الخيالية لـ"سان سيمون وروبرت أوين"، وهناك أيضا الاشتراكية الفابية...وغيرها الكثير. فكل هذه الاشتراكيات لم يكن لها أية علاقة في الحقيقة مع الماركسية أو جدلها. وهذا يدل على أن الشيخ البوطي بربطه ما بين الشيوعية والمادية الجدلية ومحاولته تفنيد معقولية الديالكتيك الماركسي، يريد القول: بأن تبني المادية الجدلية سيؤدي إلى الكفر والإلحاد والإساءة للإسلام والقيم الإنسانية، وهذا ما توصل إليه كما سيمر معنا.

أما علاقة الماركسية بالمادية الجدلية والتاريخية، فهي علاقة ذات طبيعة منهجية... الماركسية ليست نظرية أو مذهباً، فالماركسية في تبنيها للمادية الجدلية والتاريخية، أصبحت منهجاً في التفكير، وغالباً ما استفاد من هذا المنهج المفكرون البرجوازيون المعادون للماركسية، وذلك من أجل تلافي الكثير من العقبات والأزمات التي تصيب النظام الرأسمالي.

إن الشيخ البوطي في موقفه النقدي هذا من مسألة ربطه مابين الجدل الماركسي والشيوعية، يدل على جهل أو مكر معرفي في هذا الاتجاه أولاً. ثم إطلاق أحكام تقريرية مسبقة تجاه الماركسية أو الشيوعية عندما ألبسهما الثوب الذي يريده هو، بناءً على قناعة مسبقة لديه ثانياً. وهذا ما أكده بقوله:

( إن مبعث الخطورة في المذهب الشيوعي أنه يجر كثيراً من الناس ذوي الثقافة المحدودة بدافع نفسي مجرد... لقد كانت ثمرة قراءاتي الدقيقة لجذور هذا المذهب، أنني لم أعد منه إلا بخفي حنين، وأنا أحمل معي جعبة العقل والمنطق فارغة .. ). (4) .

وهنا أنا أسأل الشيخ البوطي: عن أي عقل ومنطق هذين اللذين حملهما معه عبر إبحاره في عالم الشيوعية والماركسية؟، ونحن نعرف أن الفكر الذي يحمله البوطي هو الفكر السلفي الأشعري الاستسلامي ألامتثالي الجبري الذي يحارب حرية الإرادة والعقل على حساب النقل؟!!.

وهذا ما يؤكده بنفسه بقوله: ( عدت لأجد يقيني بالله وصفاته أتم رسوخاً، وأقوى ثباتاً، في تربة المنطق الموضوعي الصافي الذي يستعلي على كل عصبية أو تقليد .. والله يعلم ويشهد الموازين نفسها التي استعملتها ذات يوم للبحث في القيمة العلمية الموضوعية لليقين بوجود الله وخلقه للكون.). (5).

متناسياً هنا - البوطي طبعاً - عصبية الفرقة الناجية التي يقول بها مذهبه الأشعري، وتكفيره للمختلف معه من الفرق والمذاهب الإسلامية الأخرى كما نرى على الساحة العربية، حيث راحت الدماء تسيل بإسم الدين بسبب من يحاربون بإسمه زوراً اليوم ضد كل من يؤمن بدور العقل، وعلى رأسهم من يؤمن بقوانين ومقولات الجدل.

 

كاتب وباحث من سورية

..................................

1- د.محمد سعيد رمضان البوطي- نقض اوهام المادية الجدلية- دار الفكر ط1- 1978- ص 7

2- قراءة في ملحمة جلجاميش- فراس سواح- ط1 – العربي للطباعة والنشر والتوزيع- دمشق ص 203

3- في علمية الفكر الخلدوني- مهدي عامل- مجلة الطريق- عدد خاص عن مئوية ماركس – شباط 1984. ص 182

4- نقض اوهام المادية الجدلية- المرجع السابق. ص10

5- نقض أوهام المادية الجدلية- المرجع السابق- ص 10.

 

قراءة في كتاب معالم في الطريق لـسيد قطب (4-4)

adnan oayeedالجهاد في سبيل الحاكمية: يظل القتال أو الجهاد في سبيل حاكميه الله عند الإخوان كما يراه سيد قطب أمراً مشروعا ومقرراً من قبل الله عز وجل، وهو فرض عين على كل مسلم مؤمن عليه أن يؤديه بالشكل الذي يستطيع تأديته. وبالتالي فالجهاد ليس بحاجة لمبررات أدبية أكثر من المبررات التي حملتها النصوص القرآنية التالية كما ازردها سيد قطب في كتابه:

(فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة. ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً. وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها. واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً. الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ، فقاتلوا أولياء الشيطان، إن كيد الشيطان كان ضعيفاً.). (النساء 74 -76).

وكذلك في قوله تعالى: (قل للذين كفروا: أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف، وأن يعودوا فقد مضت سنة الأولين. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير، وإن تولوا فاعلموا إن الله مولاكم، نعم المولى ونعم النصير.) . ( الأنفال- 40).

وكذلك في قوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون باله ولا باليوم الآخرة، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدهم وهم صاغرون. وقالت اليهود عزيز ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله. ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنى يؤفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً، لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون. يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون.(. (التوبة- 29-32).

إذاً هذه هي مبررات القتال عند الإخوان المسلمين، هذا القتال الذي يقوم على معطيات وشروط وأساليب قننها سيد قطب في كتابه معالم في الطريق حيث جاءت عنده وفق التالي:

أولاً : الجهاد (القتال) ليس حالة عرضية أو مؤقتة أو تهدف للدفاع عن النفس والمال والعرض أو الوطن. وإنما هو قتال دائم (مستمر) لا توقف فيه، هدفه الدفاع عن حاكميه الله والعمل على تطبيقها في كل زمان ومكان.

ثانياً: الجهاد هنا ضد كل ما يعيق تطبيق أمر هذه الحاكمية، بدءاً من جهاد النفس، وهو الجهاد الأكبر ضد كل ما يعيق في نفس وضمير وعقل المسلم المؤمن الوصول إلى الإيمان بإلوهية الله وتطبيق أوامر حاكمتيه، من جهة، ثم الجهاد ضد كل من يحاول أن يقف أمام الإيمان بهذه الإلوهية الحاكمية من الخارج، ممثلاً بعالم الجاهلية وما يتضمنه هذا العالم من سلطات للطاغوت أو نظريات معرفية أو علاقات اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية يراد فرضها بالقوة أو بدونها على الناس كافة، بغية إبعاد تطبيق منهج الله الذي جاء في كتابه المبين.

إن المؤمن المسلم يقاتل هنا كونه يؤمن بأن الله ابتعثه كي يخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. ومن ضيق الدنيا إلى سعتها. ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. وإن الله أرسل رسوله بدينه إلى خلقه فمن قبله منا قبلنا منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه، ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر. (1)

ثالثاً: الجهاد وحرية الإنسان، حيث يقول سيد قطب في الأسباب العميقة للجهاد بأنها تحقيق حرية الإنسان: إن من حق الإسلام أن يتحرك (أي يجاهد)، فالإسلام ليس نحلة قوم ولا نظام ولا وطن. ولكنه منهج لإله، ونظام عالم، ومن حقه أن يتحرك ليحطم الحواجز من الأنظمة والأوضاع التي تغل من حرية (الإنسان) في الاختيار. وحسبه أن لا يهاجم الأفراد ليكرههم على اعتناق عقيدته، إنما يهاجم الأنظمة والأوضاع ليحرر الأفراد من التأثيرات الفاسدة، المفسدة للفطرة، المقيدة لحرية الاختيار. فالإنسان لا يتلقى التشريع لحياته من العباد وإنما من الله فقط. (2)

رابعاً : (لا إكراه في الدين). يرى سيد قطب في هذه الآية موقفاً آخر يختلف تماماً عن الفهم السائد أو المنتشر عند من سماهم السذج، حيث يقول : من السذاجة أن يتصور الإنسان دعوة تعلن تحرير (الإنسان) في كل الأرض البشرية أن تقاتل باللسان والبيان فقط!!. إنها تقاتل باللسان والبيان فقط حينما يخلى بينها وبين الأفراد تخاطبهم بحرية، وهم مطلقو السراح من جميع تلك المعوقات التي تحد من تطبيق الحاكمية.. فهنا (لا إكراه في الدين)، أما حين توجد تلك المعوقات والمؤثرات المادية، فلا بد من إزالتها أولاً بالقوة، للتمكن من مخاطبة قلب الإنسان وعقله، وهو طليق من هذه الأغلال. (3).

خامساً: أما مسألة القول بأن الإسلام يسعى إلى (السلم) ، فهذه الرؤية عند قطب مختلفة أيضاً في دلالاتها، عند الآخرين. فالإسلام حين يسعى إلى السلم لا يقصد ذاك السلم الرخيص في دلالاته، وهي الإيمان بالرقعة الخاصة التي يعتنق أهلها العقيدة الإسلامية. إنما المقصود بالسلم، هو السلم الذي يكون فيه الدين كله لله، أي أن تكون عبودية الناس كلهم لله، وبالتالي فالقتال الذي أمر به الله هو قتال من أجل تحقيق هذه الغاية، وهذه الغاية لا يحد منها زمان أو مكان، أو أية ظروف أو معوقات مادية كانت أم روحية (4)

سادساً : الجهاد هنا يقوم على مستويين : المستوى لأول هو الجهاد بالبيان، والمستوى الثاني الجهاد الحركي.

أما جهاد البيان: فهو الجهاد الذي يقوم على نشر مفهوم الإلوهية بين الناس كافة من أجل تنقية نفوسهم من الداخل وإيصالهم إلى حالة الإيمان المطلق بهذه الإلوهية وتطبيق أوامرها دون تلكؤ أو اعتراض، وذلك بعد تخليصها من معطيات الجاهلية التي يعيشها الناس بكل معطياتها.

أما الجهاد الحركي: فهو جهاد (السيف) ضد كل من يحول دون الوصول إلى إلوهية الله (حاكمتيه) في كل زمان ومكان. وقد اتكأ سيد قطب في فهمه لحالة الجهاد الحركي هذا على (ابن قيم الجوزية) في كتابه " زاد المعاد " الذي حدد فيه أسس هذا الجهاد في التالي:

1- جهاد أهل الصلح وأهل الهدنة. حيث أقر فيه، بأن يتم لهؤلاء عهدهم، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خانوا العهد فعلى المسلمين مقاتلتهم.

2- جهاد أهل الحرب. وهو جهاد أمر به الله مقاتلة الكفار والغلظة عليهم بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان.

3- جهاد أهل الذمة. وقد أقر فيه مقاتلة أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام.(5) .

هكذا نرى من خلال قراءتنا لقضية الجهاد عند سيد قطب بان الجهاد واجب ديني (عقيدي) على كل مسلم مؤمن، وهو فرض عين يقاتل فيه المؤمن وفقاً لإمكانياته، قد يكون بالمال أو السلاح، ولكن ما يهمنا هنا، انه قتال للآخر مهما يكن دينه أو مذهبه أو عقيدته، طالما هو لا يؤمن أو يطبق مفهوم الحاكمية والإيمان بإلوهية الله. ومن هذا المنطلق تأتي راية الجهاد (السوداء ) بشعارها (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، هي الراية التي تحت مظلتها يتم القتال من أجل تحقيق (الحرية) التي تختلف في دلالاتها عن حرية الإنسان وعقله وتحقيق مصيره بيده كما بينا أعلاه، وإنما هي حرية الإنسان من كل ما يقف أمام تشبعه بالعقيدة الإسلامية وإلوهية الله وتطبيق حاكمتيه على هذه لأرض. إنها حرية من نوع آخر، حرية يراد بها تحويل عقل الإنسان وعواطفه وضميرية وكل ما يمت إليه بصلة من إنسان له ارض ووطن وقومية ومجتمع خاص به، إلى إنسان "عقيدي" فاقد لكل هذه القيم الحياتية، ومرتبط فقط بهذه العقيدة التي حددت له كل مسار حياته ومماته وما يصيبه من خير أو شر، بل وكيف يفكر، بشكل مسبق.. إنسان ليس له أية إرادة إلا إرادة الانتماء لعالم الغيب.

 

المراجع:

1-   - سيد قطب – معالم في الطريق – مكتبة وهبة – القاهرة – دون تاريخ نشر. ص 57

2- المرجع السابق – ص80

3- المرجع السابق ص 66

4- المرجع السابق – ص66.

5- المرجع السابق ص55

 

د. علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي (7)

قراءة في كتاب "التشيع العلوي والتشيع الصفوي"

الحيلة الشرعية .. خدعة على الله

تُعَرَّف الشريعة على أنها ما شرّعه الله لعباده من قوانين ونظم واحكام وقواعد لتسهيل أمورهم في مختلف المجالات كالصوم والصلاة والحج والنكاح وغيره. وتستمد الشريعة أحكامها من القرآن والسنّة النبوية عند السنة، مضافا اليها ما جاء به الأئمة المعصومين عند الشيعة الامامية الأثني عشرية. أما مفردة الحيلة في اللغة فهي أسم مشتق من الاحتيال، فالأحتيال مصدر والحيلة أسم. وتعرف الحيلة في معاجم اللغة على أنها "الحِذق وجودة النظر والقدرة على دقة التصرف". أما المعنى الشرعي لها فهو الوصول الى المراد بطريق غير جلي أي خفي. وهذا يعني أن الحيلة لا تتناغم وتتناسب مع الشرع ومشتقاته اللغوية كالشريعة، وهي بهذا المعنى تعتبر من المحرمات. ولكن رجل الدين الصفوي أستطاع بفذلكته أن يجد طريقا لدخول الشيعي الامتحان الألهي وتجاوز ما حرّمه الله في ذلك الامتحان بنجاح. ولكننا إذا أردنا توخي الدقة فأن الحيلة الشرعية ليست من أنتاج التشيّع الصفوي لوحده مثلما قال شريعتي، بل هي موجودة أيضا عند أهل السنة. ويبدو ان شريعتي لم يذكرها لكونه يناقش في كتابه هذا التشيّع الصفوي مقارنا اياه بالتشيّع العلوي. ولكن هذا لا يمنعنا هنا من أن نتطرق الى الحيلة الشرعية عند أهل السنة بعد أن نتعرف على الحيلة الشرعية عند التشيّع الصفوي وفق شريعتي، والتي نراها اليوم موجودة بقوة في عهد يفترض أن يكون التشيّع الصفوي قد أنزوى الى ركن مهمل بعد أن أصبحت للحوزات الشيعية سلطة دنيوية أضافة الى سلطتها الدينية.

يعتبر الربا من المحرمات في الشريعة الاسلامية كما في الاديان التي سبقته. أما من حيث مقارنة الربا بالذنوب فأنه يعتبر من كبائر الذنوب. فقد جاء في الكتاب المقدس (العهد القديم):"إن أقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي لا تضعوا عليه ربا" (1) . أما في العهد الجديد فقد جاء :"اقرضوا وأنتم لا ترجون شيئا فيكون أجركم عظيماً" (2) . أما الربا في "القرآن فقد جاء في أربع سور. وقد تدرّج القرآن في تحريمه قبل الهجرة الى يثرب. إن السور التي ورد فيها تحريم الربا هي في سورة الروم:"وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ" (3) . و كما جاء في سورة النساء:"فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (161)" (4) ، ليستمر القرآن في تحريمه للربا في سورة آل عمران وسور عديدة كالبقرة لينهيها بـالآيات التالية:" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون . وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون . واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " (5)، ليكون التحريم مطلقا الى يوم القيامة.

وعلى الرغم من تحريم الربا الذي هو تلبيس الحق بالباطل بنصوص قرآنية واضحة وجلية، الا أن رجل الدين الصفوي ألتف على نصوص القرآن بشكل يوحي بالضحك على الله من خلال ما يسمى بالحيلة الشرعية والمستخدمة حتى يومنا هذا، معتمداً على تفسيرين بائسين من أجل تحليل ما حرّمه الله شرعاً في قرآنه، أولهما أن المبادلات التجارية في عهد محمد ومن خلفه من الملوك كانت بالدينار والدرهم، وكانتا بالذهب والفضة حينها. أما اليوم فأن المبادلات التجارية تجري بالاوراق المالية وهي ليست بالذهب والفضة. وثانيهما هي تحويل نية المرابي من اقراض الطرف الاخر ما يحتاج من مال وتغيير صيغة القرض من ربا الى بيع مشروط، وهو أضافة مثقال من الملح، مثلا كما يقول شريعتي، الى اصل المبلغ بقيمة يتم تحديدها من المرابي بمبلغ معين. وعندما يحين موعد السداد فأن الطرف الاخر يعيد نفس المبلغ الذي أقترضه من المرابي علاوة على المبلغ المتفق عليه "كربا" ثمنا لمثقال الملح أي الفائدة الربوية كما في حالة المصارف اليوم!.

أما في الجانب السنّي فيعتبر المذهب الحنفي هو أول المذاهب الاربعة السنية التي أفتت بجواز الحيل الشرعية. ويعتبر محمد بن الحسن الشيباني وهو حنفي أول من ألف كتاباً في هذا الباب أسماه "المخارج في الحيل". وقد حدد العديد من الفقهاء والباحثين في الشريعة الاسلامية تاريخ العمل بالحيلة الشرعية والتي سمّوها بدعة بعد 100 عام على الاقل من هجرة محمد. وهذا يدل على عدم جوازها والعمل بها في عهد محمد وخلفاءه الاربعة ولسنين طويلة من الحكم الاموي، حتى ان هناك حديثاً عن لسان محمد يقول فيه :"لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلون محارم الله بأدنى الحيل". ومن هذه المحارم أضافة الى الربا هو نكاح التحليل "بعد الطلقات الثلاث". وقد أفتى العديد من صحابة محمد ومنهم ابن عباس والامام علي وابن عمر بتحريم هذا الشكل من النكاح، وهناك من روى عن عمر قوله :"لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما". أما ما دون الربا ونكاح التحليل على ما يبدو، فأن العديد من الفقهاء ومن مختلف المذاهب الاسلامية وعلى الاخص الحنابلة والمالكية قد أفتوا وفقا لتفسيرات بعض الآيات القرآنية أشكال من الحيل سمّوها الحيل المحمودة!

حاول شريعتي من خلال بحثه في الحيل الشرعية وكذلك في ظاهرة الرّق التي سنتناولها بعد قليل أن يحمّل التشيّع الصفوي مسؤولية تفشي الظاهرتين، على الرغم من انهما ليستا من أنتاجه قط. وقد تناولنا قبل قليل ظاهرة الحيل الشرعية عند المذاهب السنية والتي لازال العمل بها قائماً لليوم . لكن شريعتي وهو الذي يعيب على فقهاء المسلمين تأخرهم في نيل شرف تحرير العبيد تاركين هذا الشرف الانساني الرفيع للعالم الغربي العلماني، ينتابه شعور بالألم والحسرة ليقول :"أن شرف تحرير العبيد صار من نصيب العالم الغربي، وأن فتوى تحريم الاسترقاق يصدرها الرئيس الامريكي أبراهام لينكون، وليس مرجعاً من مراجع المسلمين"، ليؤكد أنه لو كانت الحكومة الاسلامية قد سارت على المنهج العلوي لكانت قد منحت فقهاء الشريعة الأسلامية فرصة لأستنباط الأحكام التي كانت ستقضي على ظاهرة الرّق بشكل تدريجي خلال مئة عام!. هنا علينا أن نقف مع وجهة النظر هذه وأقصد فسح المجال للفقهاء المسلمين لألغاء أو تعديل ظاهرة جاءت من ضمن نصوص مقدسة في القرآن وأمكانية تحقيقها. فهل كان بمستطاع فقهاء ذلك العهد ومن جاء بعدهم أو فقهاء اليوم ألغاء أو تعديل أو تشذيب الآيات القرآنية التي تبيح القتل والرجم وقطع اليد والجلد والتي تركها العالم المتمدن منذ عقود طويلة على أقل تقدير كونها شكل من اشكال الهمجية وعدم احترام الانسان وحقوقه!؟. أعتقد أن شريعتي بأعتباره مفكراً أسلامياً وجّه انتقادات لما أسماه بالتشيّع الصفوي الذي نرى له اليوم أمتدادات واسعة وبينّة في الفكر والممارسة الشيعيتين، وقد غرّد خارج سرب الكثيرين ممن سبقوه وعاصروه والى اليوم بل وفي المستقبل غير المنظور أيضاً بجهره في أنتقاد العديد من رجالات الدين الشيعة من الذين لا زال الغالبية منهم يتحاشون الاصطدام بالملالي الصغار، الذين يستغلون المنابر "الحسينية" لحشو أدمغة العامّة من جمهور الشيعة البسطاء بقصص خرافية عن مواقف وهمية لأئمة الشيعة لا تمت بصلة الى العقل فحسب، بل لكونها بعيدة عن المنطق، وتسيء الى أولئك الأئمة أساءة بالغة دفعت شريعتي إلى أن ينفجر بوجوههم بعد أن حوّلوا الامام علي الى مجرد بطل أسطوري وزوجته فاطمة الى أمرأة لا يشغل بالها الا أرض "فدك"، أما الحسن، فأستحي أن أقول... وفق ما كتبه شريعتي، وليضيف أنه لا يطيق الكلام بشأن ما ورد عن الحسين في الكيمياء الصفوية على حد تعبيره.

لقد حاول "شريعتي" في تناوله لظاهرة الرّق أن يبريء الاسلام كدين من العمل بها، على الرغم من أن الشريعة الاسلامية تناولت هذه الظاهرة وسنّت لها القوانين التي يقول المسلمون عنها أنها جاءت لخدمة العبيد وعتقهم من العبودية !. فتحرير رقبة مثلاً وما ملكت ايمانكم واللتان وردتا في أكثر من آية قرآنية تدّلان بما لاشك فيه على وجود عبيد وجواري وجواز أمتلاكهما في الدين الاسلامي. وحاول مفسرو الشريعة لاحقاً وعلى الرغم من امتلاك جميع الصحابة تقريباً لعبيد وجواري، حتّى ان محمداً كان قد أهدى الصحابة ومن بينهم أقرب الصحابة اليه جواري من أسارى غزوة حنين على سبيل المثال لا الحصر، ليتمتعوا بهنّ. على أن الاسلام كان يشجع على تحريم الرّق، وان الحكومة الاسلامية لو سارت على نهج الامام علي لعملت على ألغاء الرّق خلال مئة سنة مثلما جاء أعلاه، بالرغم من أن ذلك يصطدم بنصوص قرآنية وأحاديث نبوية تبيح هذه الظاهرة. ولو ذهبنا مع أصحاب هذا الرأي الى ما يريدون، فعلينا طرح سؤال حول أحترام الاسلام للمرأة مثلاً. عندها نرى أن الأسلام ساوى بين الرجل والمرأة في أمور كثيرة منها على سبيل المثال المساواة بالتكاليف الشرعية والمساواة بالعقوبات والتعليم والمساواة بالحقوق والواجبات الزوجية وغيرها. ولكن هذا الاسلام نفسه لم يستطع أن يساوى المرأة بالرجل في حق الميراث على الرغم من ان الاسلام خطا خطوات كبيرة في هذا الجانب مقارنة مع الاديان التي سبقته. فقد جاء في القرآن :"للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً" (6). وجاء أيضا: "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ" (7).

أن أمثال شريعتي لو ظهروا اليوم حاملين جزءاً من أفكاره في النظر للتشيّع كفكر ديني والترويج لها في ظل الثقافة الشيعية السائدة حالياً والتي غلبت عليها السلبيات والافكار غير المنطقية وغير العقلانية، والتي لم تكن جزءاً من هذه الثقافة حتّى لعقود قليلة مضت، لتمت محاربتهم بل وقتلهم من قبل الغوغاء المتسلحين بصمت رجال الدين الكبار بل وبفتاوى منهم ايضاً خوفاً من عاقبة نفس الغوغاء. وهذا ما حصل لشريعتي بالفعل أثناء كتابة مادته القيّمّة هذه من خلال هجوم عنيف شنّه عليه كبار علماء ورجال الدين في وقتها. أن موقف شريعتي من التشيّع الصفوي لو وجدت له اليوم سوق رائجة وسط جمهور الشيعة، وقابلها موقف سنّي مواز له من التسنن العثماني "الأموي" وتفريخاته، لكان الأسلام اليوم بعيداً عن كل الاتهامات الموجهة اليه كدين يروّج للقتل ويساهم بنشر ثقافة التجهيل، والتي سمّاها شريعتي بحق "الاستحمار"، والذي يشكل مع الأستبداد والأستغلال مثلثاً للتحكم بالناس. فالأستبداد يُفقد الانسان ثوريته عن طريق القمع والأرهاب، والأستغلال يقوم بسرقة أموال البسطاء بمختلف الحيل التي يجيدها المعمّمون. أمّا "الاستحمار" مثلما يقول شريعتي، فهو حقن المؤمن البسيط بالترياق وتخديره بحجّة الصبر لأن آلام المؤمن هنا في الأرض ليست سوى قصورا منيفة بعد الموت!.

من خلال ما يقارب الـ30 صفحة من الكتاب "175 – 205 "، يرحل بنا شريعتي برحلة مشوّقة في العديد من الاحاديث التي وردت في العديد من المصادر الشيعية كـ"جواهر الولاية في الخلافة والولاية" للكاظمي اليزدي، و"بحار الانوار" للمجلسي، و"مستدرك الوسائل" للطبرسي، و"بصائر الدرجات" لمحمد بن الحسن الصفّار، و "الارشاد" للديلمي، و "الكافي" للكليني، وغيرها العشرات من المصادر التي تروي حوادث عديدة نقلها شريعتي بمرارة. فقد وصف ما جاء في هذه الكتب على أنها تشكل أهانة لأئمة الشيعة وتلويث لتراثهم الانساني. ولعل أبسطها كي لا أطيل الحديث عنها، ويستطيع القاريء مراجعتها في كتاب شريعتي او في الكتب التي ذكرناها، ما ورد في هذه المصادر أن الأمام الصادق خرج مع مجموعة من أصحابه إلى البيداء وأصابهم العطش. فما كان من الامام الا وضع عصاه المباركة في حلقه فجرى الماء!. وهناك رواية أخرى عندما طلب علي الاكبر من أبيه وهو بالمسجد أن يأتي له بشيء من العنب، فمدّ الامام الحسين يده الى احد أعمدة المسجد وأخرج منه عنقود عنب!. ولكن الراوي نسي على ما يبدو أن الامام الحسين لم يستطع توفير شربة ماء لولده الذي كان يقاتل عطشاناً رغم وجود الماء بالقرب منهم في واقعة كربلاء!. ونشير إلى رواية ينقلها هؤلاء عن الامام علي حين طلب من عمار بن ياسر مرّة أن يأخذ حفنة من التراب ويقرأ عليها أسم الامام علي فتتبدل الى ذهبّ.

ونأتي على آخر هذه الروايات لننهي هذه الصفحة السوداء من صفحات "الاستحمار الصفوي" بما جاء في "جواهر الولاية" (*) حين يُشار إلى أنه :"كان الله واحدا في وحدانيته، ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمة ومكث الف دهر ثم خلق الاشياء كلها". وهذا الحديث وفق شريعتي يتعارض مع الآية القرآنية التي تقول " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ " (8).

أن شريعتي هنا، وهو المتألم لحال أئمته جراء ما ورد في أدبيات وتراث أقطاب التشيّع الصفوي وتبعيتهم وخنوعهم للملوك الامويين والعباسيين، رأيناه يتحدث بوجع وألم مزجهما بسخرية من كل الموروث الصفوي الذي تفنن في رسم نهاية محزنة للفكر العقلاني الشيعي، ليرسله الى متاهات الدجل والشعوذة والضحك على ذقون البسطاء ليس من أجل سرقة ونهب أموالهم فحسب، بل من أجل هدف سياسي لا غير. لأن رجل الدين الذي تماهى مع السلطة حينها لم يكن بحاجة الى هبات ومساعدات من بسطاء الشيعة مطلقاً، بعد أن اصبحت مفاتيح خزائن الدولة وقتها بمتناول يده حاله حال أي شاه أو مسؤول كبير في البلاط.

 

زكي رضا - الدنمارك

15 / 11 / 2014

........................

(1) " سفر الخروج ص 22 "

(2) " إنجيل لوقا الأصحاح الساس ص 94 – 35 "

(3) " قرآن كريم سورة الروم آية 39 "

(4) " قرآن كريم سورة النساء آية 160 "

(5) " قرآن كريم سورة البقرة، الآيات 278 – 279 "

(6) " قرآن كريم سورة النساء آية 7 "

(7) " قرآن كريم سورة النساء آية 11 "

(*) جواهر الولاية لليزدي ص 98 .

(8) " قرآن كريم سورة يس آية 83 "

د. علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي (6)

قراءة في كتاب "التشيع العلوي والتشيع الصفوي"

الشعوبية الصفوية

لقد أُطلق مصطلح الشعوبية لاول مرة على حركة ظهرت بوادرها ابّان العصر الاموي، وظهرت للعيان ابّان العصر العباسي. إذ كان معتنقيها يرون ان لا فضل للعرب على غيرهم من العجم، مستندين إلى آيات قرآنية صريحة كما جاء في سورة الحجرات :" جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم "، وحديث النبي محمد :"لا فرق بين عربي أو اعجمي الا بالتقوى". وناضل معتنقو هذه الحركة دوماً من أجل الغاء الفوارق بينهم كشعوب مضطَهَدة تحت حكم الاحتلال الاسلامي " العربي " الذي عاملهم كرعايا في بلدانهم، على خلاف ما جاء في القرآن او على لسان محمد. واختلف المؤرخون والمفسرون العرب في تعريف الشعوبية، فمنهم من عرّف الشعوبية بأنها حركة "تبغض العرب وتفضل العجم" كالقرطبي ، او"هم الذين يصّغرون شأن العرب ولا يرون لهم فضلا على العجم" كالزمخشري في اساس البلاغة. وقد جاء في القاموس المحيط :"الشعوبي بالضم محتقر امر العرب وهم الشعوب". اما الموسوعة البريطانية فأنها عرّفت الشعوبية من انها كل اتجاه مناوئ للعروبة. ويعتبر شريعتي من اوائل المفكرين الايرانيين بل وابرزهم في تحديد اسس دعائم الحكومة الصفوية، عندما اشار الى تزاوج المذهب الشيعي بالقومية الايرانية، عن طريق توظيف المشاعر والشعائر الشيعية واستثمارها في تعزيز الروح القومية الايرانية، والتي ادت حسب رأي شريعتي الى اخراج ايران من الجسد الاسلامي ، الذي كان يمثله العثمانيون باسم الاسلام، لتخوض بعدها الدولتان معارك ضارية .

لقد عمل الصفويون جاهدين على ربط الاسرة الصفوية بالاسرة الهاشمية وتحديدا آل البيت. ولم يجدوا مدخلا لهذا الانتماء (القسري) الا من خلال معركة القادسية ليربطوا من خلال نتائجها، كما سنرى لاحقاً، مصيرهم بمصير الامامة عند ثاني اكبر طائفة في الاسلام وذلك عن طريق المصاهرة بين العائلة الساسانية الفارسية حسب قول للنبي محمد كما يدّعون : "اختار الله من العرب قريش ومن العجم فارس"!!، او قولاً للامام السجّاد يقول فيه:"انا ابن الخيرتين"، بل وحتى شعراً ينسب إلى الاسود الدؤلي يقول فيه مادحاً الامام السجّاد:

وان غلاماً بين كسرى وهاشم      لأكرم من نيطت عليه التمائم  (1)

لنأتي الان الى البحث عن اساس هذه المصاهرة مستخدمين المنطق والتاريخ في الوصول الى نتائج تقرّبنا من الحقيقة. ولا يهمنا هنا ان كانت هذه الحقيقة مقبولة من البعض دون الاخر، لان من ابرز سمات البحث العلمي في التراث الشيعي وفق شريعتي هو كثرة النقد والاشكال والاعتراض على الافكار المختلفة عند البعض، كما وان التاريخ علّمنا دوماً ان البحث المستمر والعلمي يصطدم باستمرار باراء وافكار تعيش على نكرانها للحقائق او زوغانها عنها.

لقد اثبتت جميع المصادر التاريخية تقريباً على ان ولادة الامام الحسين (ع) كانت في 3 شعبان سنة 4 للهجرة، وان معركة القادسية جرت في 13 شعبان سنة 15 للهجرة في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. وهذا يعني ان سن الامام الحسين كان يوم المعركة تلك 11 عاماً و10 أيام حسب التقويم الهجري القمري. وقبل ان ندخل في حيثيات زواج الامام وولادة ابنه علي (ع) الملقب بالسجاد والذي عن طريقه امتزج الدم الهاشمي مع الدم الساساني الفارسي كما يُروى، دعونا ان نعرف شيئاً عن "عروس المدائن كما يسميها شريعتي"؛ اي جهان شاه بنت يزدجرد الثالث" آخر ملوك فارس.

يروي العلامة المجلسي في (بحار الانوار) اخباراً مثيرة للغثيان (حسب شريعتي) حول زواج الامام الحسين (ع) من ابنة يزدجرد. فهو يدّعي أن الامام الحسين قد اعجب بالاسيرة الفارسية وتزوجها وهي التي انجبت له الامام السجاد، وهو الوحيد من الذكور الذين نجا من معركة كربلاء، ومن خلاله استمرت الامامة حتى الامام الثاني عشر. ولكن شريعتي وهو الباحث عن الحقيقة نراه هنا مستخدماً اسلوب الشك والمحاججة المنطقية للوصول الى تلك الحقيقة. فالمجلسي يقول ان ابنة يزدجرد كانت من سبايا القادسية اللواتي جاء بهن الجيش المنتصر الى المدينة، وما ان رأت الفتاة الخليفة عمر بن الخطاب حتى سبّته وشتمته فسبّها هو ايضاً وأمر ان تباع في سوق الجواري ليعترض الامام علي (ع) عليه بالقول ان بنات الملوك لا تباع وتشترى وان كانوا كفاراً. واشار علي إلى عمر ان يزوجها رجلاً من المسلمين ويدفع صداقها من بيت المال. وبعدها يروي المجلسي رواية منقولة عن الامام الصادق حول حوار جرى بين الامام علي والاسيرة الساسانية اضافة الى حضور فاطمة الزهراء لادخال كنتها الى الاسلام بعد ان دخل الرسول محمد (ص) قبلها القصر الساساني ليعقد بين الاميرة الساسانية وابنه (الامام الحسين). كل هذه الامور هي غير منطقية وغير مقبولة جاء بها المجلسي والكافي وغيرهما. وقد اعترض شريعتي على ما نقله المجلسي وغيره بأسئلة اعتراضية استخدمت المنطق والشك ليتساءل ونحن معه عن جملة من الامور سنلخصها بالتالي :

بداية يطالب الامام علي (ع) الخليفة الثاني بتزويح الاميرة الساسانية لرجل من المسلمين. ولكن الزواج تم للامام الحسين (ع)، علماً ان الامام كان حينها غلاماً. ولو قبلنا يهذه الواقعة فاننا سنكون امام اشكالية اخرى "وفق شريعتي" وهي ولادة الامام السجاد (ع) والتي جاءت في الخامس من شعبان سنة 38 للهجرة؛ اي بعد ما يقارب 23 عاماً، 20 عاماً عند شريعتي" من زواج الامام. وهذا يعني ان الاميرة لم تنجب ابنها الا بعد مضي ما يقارب 25 عاماً. الا ان المجلسي كما يقول شريعتي حاول ترقيع هذه المشكلة بالقول "انّه ليس من المستبعد ان تكون كلمة (عمر) الواردة في الرواية تصحيفاً لكلمة (عثمان) فيكون الزواج قد تم في عهد عثمان وليس في عهد عمر!) (2) . وفي الواقع، وفق شريعتي، فان هذه الادعاء اذا تم القبول به فاننا سنكون امام اشكالية اخرى اكثر احراجاً من ذي قبل، وهو طول الفترة الزمنية بين اسر البنت وزواجها. فهل كلمة القادسية مصحفة ايضاً؟!. وفي مكان آخر يعمل التراث الشيعي الصفوي على غاية واضحة هي اقحام الامام علي (ع) في حوار لا يقبله المنطق ولا العقل ولا حتى الغيب. كيف؟...

يقول المجلسي في "بحار الانوار" نقلاً عن الامام الصادق (ع) ان حواراً جرى بين الاميرة الاسيرة وبين الامام علي (ع) على الشكل التالي :  (3)

فقال الامام علي (ع) چه نام داري اي كنيزك؟ يعني ما اسمك يا جارية؟!

قالت: جهان شاه.

فقال: بل شهربانويه.

قالت : تلك اختي.

قال: " راست گفتي" صدقت...!

يقول شريعتي في رده على هذه الفرية ان ناقل الخبر ولو فرضنا معرفة الامام للغة الفارسية قد فاته ان الامام "حسب الحوار اعلاه" كان يتحدث الفارسية باللهجة الدرية وهي لهجة محلية لاهالي خراسان وهي التي يتحدث بها اليوم الافغان الناطقين بالفارسية، في حين ان الاسيرة كانت تتحدث باللغة الفارسية البهلوية. كما وان كلمة "كنيزك"، حسب شريعتي كانت من الاصطلاحات الرائجة في زمان الراوي لا في زمان الحدث. كما يبدي شريعتي دهشته حول الحوار، فلماذا كان الامام "عربي" يتحدث الفارسية الى الاميرة " فارسية " التي تجيبه بالعربية؟!!.

هنا قد يبرر البعض طريقة الحوار بدعوى ان الاسيرة وهي اميرة وبنت ملك، وتعيش في عاصمة مملكة ابيها (طيسفون - المدائن) التي تقع على تخوم اراض يعيش فيها العرب المناذرة. وربما أن الاميرة قد تعلمت اللغة العربية وهذا ليس ببعيد، وان الامام علي يعرف الغيب "حاشا الامام" وبذلك أحاط باللغة الفارسية، وهذا ممكن ايضاً!. ولكن الاشكالية التي سنقع فيها بسبب أصحاب هذا الرأي هو اذا كان الامام يعلم الغيب وتعلم اللغة فلماذا اخطأ باسم الصبية قائلاً لها شهربانويه بدلاً من جهان شاه!؟. اعتقد ان الهدف من كل هذه المحاورة هو حشر الاسرة الساسانية في علاقة نسب ومصاهرة مع الهاشميين، وما لهذه المصاهرة من أثر كبير سيترجم لاحقاً بولادة شاه جهان لصبي واحد هو الامام السجّاد والذي من خلاله سيبقى الدم الساساني خالداً مع حفيد السجّاد حتى إلى المهدي المنتظر. هذا الشكل من اشكال الشعوبية يطلق عليها شريعتي مصطلح الشعوبية الصفوية. لقد تمكنت الصفوية من توظيف المشاعر الصادقة للشيعة في ايران لترسيخ حركة شعوبية عزلت ايران عن باقي العالم الاسلامي بواسطة "رجال دين" كانوا على استعداد لتنفيذ كل ما يطلبه الحكام منهم لانتاج التشيّع الصفوي من المادة الخام الاصلية والنقية اي التشيّع العلوي. ولم يكن الاتراك ببعيدين عن هذا التوجه وتغذيته عن طريق "رجال دين" تدفعهم السلطات في اتجاه انتاج تسنن تركي يشوّه قاعدة التسنن المحمدي الاصيل لتحقيق الاهداف القومية التوسعية للأتراك.

لقد حرص الصفويون، كما يقول شريعتي، على تضييق دائرة المشتركات وتوسيع دائرة الخلافات لعرقلة اجتماع المسلمين - شيعة وسنة- حول شعيرة واحدة، وقاموا في الوقت نفسه بتحريك ماكنتهم الدعائية ضد التسنن التركي حتى وصل الامر بهم باتهامهم للتسنن غير المحمدي طبعاً ، باخفائه عمدا آيات من القرآن الكريم فيها مدح للامام علي. وهذا يعني ان القرآن الذي بين ايدينا، هو قرآن ناقص ومحرّف "حسب شريعتي"، وان القرآن الاصلي كان بحوزة الامام علي ليورثه من بعده باقي الائمة المعصومين، وهو الان بحوزة الامام المهدي. وعلى غرار الصفويين فان وعاظ سلاطين الباب العالي كانت لهم فتاواهم التي تنال من الشيعة وتنتقص من اسلاميتهم، عندما كانوا يفتون بجواز زواج المسلم بالمرأة "الكافرة" من اهل الكتاب، وتحريم زواجه من المرأة الشيعية !!.

أن الصراع السياسي والعسكري بين الصفويين والعثمانيين كان بحاجة إلى آيديولوجية مذهبية لمواجهة كلاً منهما الاخر. وهذا ما دفع بالصفويين الى تأسيس وتبني تشيّعا بعيداً كل البعد عن التشيّع العلوي؛ أي التشيّع الصفوي. واعتنق العثمانيون تسنناً خاصاً بهم أيضاً وبعيداً كل البعد عن التسنن المحمدي حسب وجهة نظر شريعتي. وهكذا أفرزت المواجهة بين الدولتين من الدين الاسلامي الواحد ديانتين مستقلتين متخاصمتين. وخير دليل على صحة وجهة نظر شريعتي في هذا الجانب هو أستمرار الصراع الشيعي الصفوي والتسنن العثماني وما نتج عنهما من كوارث خلال العقود اللاحقة، هذا الصراع الذي اتخذ لاحقاً منحى أكثر قسوة على طريق صراع لا نهاية له على المدى المنظور. ومما كرس هذا المنحى هو وجود نصوص قرآنية قد تم تفسيرها حول حتمية أستمرار الصراع بين الفرق الاسلامية. فقد قام غالبية مفسري القرآن بتفسير الآية التي تقول: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون) لصالح هذه الفكرة. إذ أن النبي قال عندما وصل جبرائيل بالآية الى "عذابا من فوقكم" أعوذ بوجهك، وعندما وصل جبرائيل الى قوله " أو من تحت أرجلكم " قال النبي ثانية أعوذ بوجهك، وعندما وصل جبرائيل  الى "أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض "فقال النبي حينها هاتان أهون؟. من الواضح أن تفسير هذه الآية بهذا الشكل، قد أعطى ويعطي مادة دسمة وزادا لاينضب الى المتشديين من مختلف المذاهب الاسلامية وعلى الاخص الشيعة والسنة في أن يستمروا بصراعهم هذا حتى قيام الساعة.

في حديثه عن الحركة "الشيعية الشعوبية"، يحاول شريعتي كشيعي ملتزم أن يفصل مذهبه الديني عن المذاهب الاخرى، حيث يقوم بذلك عند تناوله نضال الشعوب المختلفة خصوصاً في العالم الثالث لنيل حريتها وترسيخ مفاهيم المساواة والعدالة متأثرة بالثورة الفرنسية وثورة أكتوبر ونضالها السياسي الاجتماعي في محاولة منها لوضع نهاية لمعاناتها المتجسدة بنظام الاستغلال الطبقي، وذلك من خلال وضع مفهومين شيعيين هما "الأمامة والعدل" بأعتبارهما ركنان اساسيان في هذا الصراع، متهماً المذاهب الاخرى بأنها غارقة في "عالم الروح وما وراء الطبيعة"، بعد أن يتهم طبقة من رجال الدين بمحاولتهم "سلب البعد الاجتماعي والتقدمي والحياتي" للأديان والمذاهب وذلك من أجل ضمان مصالحهم الطبقية وتأمين مصادر أرتزاقهم من السلطات الحاكمة" حسب وصفه. ومهما حاول شريعتي تبرئة المذهب الشيعي ورجال دينه من التهم التي طالت المذاهب الاخرى ورجال دينها، فأن المستقبل الذي لم يراه شريعتي أثبت بطلان أعتقاده هذا بعد أن أصبح المذهب الشيعي كما المذهب السني، مذهب دولة لها سلطة تعتمد أعتماداً كبيراً على رجال الدين الذين كما زملائهم السنة يحتكرون لأنفسهم فقط مهام تفسير الدين لصالح الطبقة السياسية الحاكمة التي يرون أنفسهم جزءً منها بل في مقدمتها. إن وجود رجال الدين هؤلاء في السلطة أو قرباً منها، جعلتهم أن يبتعدوا ومعهم مريديهم الذين يقودونهم لصالح مصالح سياسية عن أسلام علي وتشيّع علي ودين علي القائم على العدل والامامة كما يقول شريعتي. أن يأس شريعتي من ضياع عليّ الامام والانسان من خلال ممارسات التشيّع الصفوي جعلته أن يصرخ قائلاً: "أنت يا من تشم رائحة الخبز في يد الجياع كما تشم رائحة الله في المحراب، اليك أنت فقط ، أصرّح برغبتي العارمة بأن تعرف حقيقة ماذا يعني "عليّ" (5) . ويتحول يأس شريعتي هذا الى أحباط كبير عندما يجزم قائلاً :"ولكن هيهات، فأن أكسير الأستحمار الصفوي المشؤوم أستطاع أن يصنع من (الدم) (ترياقا) ومن (ثقافة الاستشهاد) (ترنيمة نوم)" .

 

زكي رضا

الدنمارك

12 / 11 / 2014

....................

(1) " التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي ص 124 "

(2) " المصدر السابق ص 125 "

(3) " المصدر السابق ص 126 "

(4)] " قرآن كريم سورة الأنعام ص 65 "

(5) " التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي ص 149 "

 

 

مملوك ومؤرخ وسيرة

saleh altaeiقراءة تحليلية لكتاب "الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر ططر" للمؤرخ بدر الدين محمود بن أحمد العيني، الذي حققه ودرسه الأستاذ الدكتور فاضل جابر ضاحي

 

بين الأحاديث النبوية والرواية التاريخية

لابد أن نتنبه بداية إلى أمر في غاية الأهمية، وهو: أنه يجب التفريق بين رواية (الحديث) ورواية (الخبر)، فالحديث يتصل مباشرة بأصول التشريع، وعليه تبنى الأحكام وتقام الحدود، ولذا تحرز العلماء كثيرا في شروط الرواية والراوي، ونشأ علم الجرح والتعديل. ولكن بالرغم من ذلك مرت مجموعات كبيرة من الأحاديث التي ما كانت لتصمد لو وضعت في ميزان جرح حقيقي، فضلا عن تهاون وتكاسل العلماء بشأن أحاديث الفضائل باعتبار أنها لا تتصل بأحكام التشريع.

وكان قصدهم من التساهل إمرار أو قبول رواية من ضعف ضبطه بسبب الغفلة أو كثرة الغلط، أو التغّير والاختلاط، ونحو ذلك، أو عدم اتصال السند كالرواية المرسلة أو المنقطعة، ووفق هذه القاعدة جوّز بعض الفقهاء العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب والرقائق، مع وجوب التنبيه على ضعف الحديث، وهو الأمر الذي تغافله الرواة عمدا أو سهوا. فمرت من خلال هذا التهاون والتساهل سيول من غث الحديث والإسرائيليات والموضوعات التي أسهمت فيما بعد في تلوين مشارب الأمة، ولاسيما بعد أن تقصد وتعمد بعضهم إيراد هذه الأحاديث.

 

أما الرواية التاريخية ، فهي مع كبير أهميتها، إلا أنها لا تتعلق بإثبات أمر شرعي أو نفيه، سواء كان لذلك صلة بالأشخاص أو الأحكام، ولذا لم تخضع لما خضع له الحديث، وتحولت بالتالي إلى ساحة مفتوحة ينزل إلى اللعب فيها كل من تتاح له فرصة، أو كل من يُكلف بهذا الواجب من الموظفين الحكوميين أو الأُجَراء، ولذا وضعوا قاعدة تقول: "يجوز للمؤرخ أن يروي في تاريخه قولاً ضعيفاً في باب الترغيب والترهيب والاعتبار مع التنبيه على ضعفه" وبعد أن تسللت تلك الروايات إلى بطون كتب تاريخنا وكونت لوحدها ما يمكن أن نسميه: "كتب الهوة"، بات من المستعصي بل من المستحيل التحكم بها؛ لأن أي إجراء يتخذ بحقها سوف يترك في هيكل تاريخنا فضاءات من الفراغ القاتل، وهو ما قال عنه الدكتور أكرم ضياء العمري: "أما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التاريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه تعسف كثير، والخطر الناجم عنه كبير، لأن الروايات التاريخية التي دونها أسلافنا المؤرخون لم تُعامل معاملة الأحاديث، بل تم التساهل فيها، وإذا رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستمثل هوّة سحيقة بيننا، وبين ماضينا مما يولد الحيرة والضياع والتمزق والانقطاع .. لكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية ، فهي وسيلتنا إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة ، كما أنها خير معين في قبول أو رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخ أمتنا، ولكن الإفادة منها ينبغي أن تتم بمرونة آخذين بعين الاعتبار أن الأحاديث غير الروايات التاريخية، وأن الأولى نالت من العناية ما يمكنها من الصمود أمام قواعد النقد الصارمة".(1)

 

كتب الهوة

من هذا المنطلق وحرصا منه على ردم الهوة بادر الدكتور فاضل جابر ضاحي إلى اختيار أحد "كتب الهوة" ليدرسه وفق منهجية علمية، سارت باتجاهين، الأول: تبيان المزالق التي وقع بها المؤرخ، تلك المزالق والهنات والتدليس الذي وهّن قيمة الكتاب، وذلك لكي لا يتخذ الكتاب مرجعا دراسيا. والثاني: الحفاظ على هذا الكتاب كجزء من الموروث أو كلبنة من لبنات حائط التاريخ، يؤثر قلعها على تناسق الأجزاء. أي الاحتفاظ بالكتاب كصورة لا كمضمون.

ولكي ينجز هذه المهمة الصعبة كان عليه أن ينتهج الطرائق العلمية التي ترشد طلابه إلى أساليب ومنهجية التحقيق، ولاسيما وأن هناك في موروثنا ملايين المخطوطات القديمة والحديثة التي تحتاج إلى التحقيق وفق منهجية علمية، وقد يكون من ضروريات تكاملنا الفكري والثقافي والعلمي أن يدخل علم تحقيق المخطوطات في مراحل الدراسات الجامعية، وينبه الطلاب على أهمية هذا العلم حتى لا يبقى هذا التراث العظيم حبيس النسيان، بل ينبغي أن يفاد منه علميا، كما نرى؛ ويرى ذلك معنا الدكتور عمار بن أمين الددو رئيس قسم المخطوطات بمركز جمعة الماجد بدبي في محاضراته التي ألقاها.

 

مهمة التحقيق

إن كلمة مَنهَج لغة هي: الطريق الواضح، ومثلها كلمة (منهاج) قال تعالى : "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً"(2)

والتحقيق اصطلاحا: يعني مجموع الخطوات العملية التي يسلكها الدارس للوصول إلى حقيقة معينة .

أما كلمة تحقيق منهجا، فتعني: التصحيح والإحكام. وتعني اصطلاحا، ما يقوم به طالب العلم من إخراج نصوص المخطوطات القديمة في صورة صحيحة متقَنة، ضبطاً وتشكيلاً، وشرحاً وتعليقاً، وفق أصول متبَعة معروفة لدى الذين يتعاطون هذا العلم، ويعرف التحقيق على أنه: علم بأصول لإخراج النص المخطوط على الصورة التي أرادها صاحبها من حيث اللفظ والمعنى، فإن تعذّر هذا كانت عبارات النص على أقرب ما يمكن من ذلك. أي هو الاجتهاد في جعل النصوص المحققة مطابقة لحقيقتها في النشر كما وضعها صاحبها لفظا ومعنى. وكأننا أمام مهمة تسعى إلى تصحيح وتقويم اعوجاج أثر ما، ووضعه على الطريق الصحيح، لينهل منه ذوو الاختصاص ما يروي ظمأهم.

 

مؤهلات المحقق

وعليه يتوجب على من يروم القيام بهذه المهمة الصعبة أن تتوفر فيه صفات خاصة، مع وجوب تمتعه بمؤهلات عامة وخاصة، تؤهله القيام بمثل هذا العمل الخطير، فالمؤهلات العامة المطلوبة، هي: أن يكون عارفًا باللغة العربية ملما بها. وأن يكون ثقة لا غبار على أمانته. وأن يكون عارفا بأنواع الخطوط العربية، وأطوارها التاريخية. وأن يكون على دراية كافية بالمراجع والمصادر وفهارس الكتب. وأخيرا أن يكون عارفا بقواعد تحقيق المخطوطات، وأصول نشر الكتب.

أما عن المؤهلات الخاصة، فيفضل أن يكون موضوع الكتاب المحقَّق مطابقا لما تخصص به المُحَقِق، فمن أراد تحقيق مخطوطٍ في النحو، عليه أن يكون نحويا، ومن أراد تحقيق كتاب في الرياضيات، عليه أن يكون رياضيًّا، ومن أراد أن يحقق كتابا التاريخ عليه أن يكون متخصصا في التاريخ. والكتاب الذي بين أيدينا كتاب تاريخي، والمحقق هو أستاذ أكاديمي للتاريخ، ويقع تحقيق هذا الكتاب ضمن اختصاصه.

فضلا عن ذلك لابد للمحقق أن يستعين بمجموعة من الكتب التي تساعده في مهمة تحقيق المخطوطة، منها ما له علاقة بموضوع التحقيق، ومنها ما له علاقة بموضوع المخطوطة المراد تحقيقها، فضلا عن ما له علاقة بالخط العام لموضوع المخطوطة أي المصادر والمراجع التي تتفق مضامينها مع موضوع المخطوطة.

وسنجد من خلال هذه القراءة أن الأستاذ الدكتور فاضل جابر ضاحي أفاد كثيرا من ممارسته التدريس الأكاديمي، ومن تمرسه في فن التحقيق، ومن خبرته في التأليف والنشر، فسار على أصول منهجية التحقيق العلمية بدأ من اعتماده على أكثر من مخطوطة للكتاب، ثم اعتماده أكثر من 26 مصدرا ومرجعا للدراسة، و147 مصدرا ومرجعا للتحقيق، وصولا إلى اعتماد الفهارس العامة والدقيقة، ومنها: فهرس الآيات القرآنية، فهرس الأحاديث الشريفة، فهرس الأقوال، فهرس الأعلام، فهرس القبائل والأمم والشعوب، الدول والأسر الحاكمة، الفهرس الإداري، الفهرس الجغرافي، الفهرس الاقتصادي، الفهرس العلمي، فهرس المؤلفات.

إن الكتاب الذي اعتمده الدكتور فاضل ليس من الكتب التي يتقبلها المتخصصون دونما اعتراض، فهو كتاب مثير للجدل؛ سواء من حيث المضمون أو المنهجية أو الوقائع التاريخية، ما يعني أن العمل عليه لن يكون سهلا يسيرا، فمتى ما وجدت الفوضى والمخالفات، لابد وأن ترافقها المشاكل والتعقيدات؛ التي تضع في طريق المحقق الكثير من العثرات، والتي سنجد لاحقا أن المحقق نجح بتجاوزها من خلال المقدمة التحليلية التوضيحية التي وضعها للكتاب والتي نافت على الخمسين صفحة

 

الكتاب منهجا ومضمونا

بالرغم من كون المنهجيات وأسسها قننت وعُرّفتْ حديثا، إلا أنه ليس من الإنصاف الاعتقاد بأن المؤرخين الأوائل كانوا يجهلونها، وان علماء الغرب هم الذين وضعوها، ففي تاريخنا المئات من المؤلفات التي تبدو وكأنها وضعت وفق أسس المنهجيات المعروفة المتداولة، بما يعني أن الأوائل كانوا يكتبون وفق منهجيات غير مسماة؛ بسليقة التقليد وان هذه المنهجيات كانت فطرية بدائية لا تعتمد الأسس العلمية التي اعتمدت بعد تقنين المصطلحات الذي فشا خلال القرنين المنصرمين. علما أن الغربيين أفادوا من هذا التقنين فادعوا أنهم هم الذين وضعوا أسس مناهج البحث، "ومن هنا يبدو لنا خطأ الفكرة المنتشرة على أنها حقيقة لا مراء فيها، وهي أن المنهج التجريبي ولد ونضج في الغرب على يد البيكونين "روجر وفرنسيس" و"جون ستيوارت مل"(3)

علما أن هناك بينهم من أكد خطأ هذه الفكرة مثل "كلود برنارد" الذي قال: "إنني أعتقد أن كبار المجربين قد ظهروا قبل أن توجد القواعد العـامة لفن التجريب، ومن ثم يبدو لي أنه لا يحق لأحد أن يقول في حديثه عن بيكون إنه اخترع المنهج التجريبي، ذلك المنهج الذي استخدمه "جاليلو" و"تورشيلي" على نحو جدير بالإعجاب عجز عنه بيكون"(4) ومع ذلك لم يكن رأي هؤلاء كاملا لأنهم اغفلوا جانبا مهما من الحقيقة وهو أن الكثير من علمائنا ومؤرخينا سبقوهم في استخدام المنهج التجريبي، مثل: أبو بكر الرازي، جابر بن حيان، ابن الهيثم، البيروني، وآخرون غيرهم.

وبالرغم من ثراء هذا الموروث لا نجد في كتاب العيني ـ حسب رأي المحقق ـ أي منهجية تذكر، فمع أن هذا الكتاب وضع كسيرة شخصية أكثر منه كتابا للتاريخ، إلا أنه لم يعتمد أي منهجية من المناهج المعروفة في كتابة السير.! حيث قال المحقق: "إذ قمنا بالتعريف بمؤلف الكتاب بدر الدين العيني، وعرفنا بالسلطان "ططر"... كما ودرسنا نص الكتاب دراسة نقدية وفقا للمنهج العلمي في النقد التاريخي.. وفضلا عن ذلك قمنا بتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأبيات الشعرية والأمثال والأقوال وعرفنا بالشخصيات والقبائل والأمم والأماكن المختلفة، وكل ذلك بالاعتماد على المصادر المتخصصة في أبوابها.. وقدمنا شرحا وافيا للمصطلحات المذكورة في المتن"(5) ولتوضيح ذلك أجد من الضرورة بمكان الحديث بشكل موجز عن مناهج كتابة السير.

 

منهج كتابة السيرة

كتابة السير المعروفة اليوم تكاد تكون من أقدم الفنون الأدبية المعروفة، ففي موروث العصر الجاهلي هناك عشرات السير التي كانت تروى شفاها، ويتداولها الناس كنوع من تراثهم. وبعد البعثة المشرفة، منذ بدايات الطور المدني تحديدا ولغاية النصف الثاني من القرن الهجري الأول كانت قصص السيرة تروى شفاها، ثم بعد هذا التاريخ أصبحت كتابة السيرة جزءً من علاقة المسلم بالغزوات التي قام بها أهله، وبشخصية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ولذا نجد هناك عدة أقوال عن كتب في السيرة النبوية أسهم في كتابتها مجموعة من المسلمين الأوائل، منهم: عروة بن الزبير بن العوام، الذي كتب السيرة عام 92 هجرية, وأبان بن عثمان كتبها سنة 105للهجرة, ووهب بن منبه، كتبها سنة 110 للهجرة, وشرحبيل بن سعد كتبها سنة 123 للهجرة, وابن شهاب الزهري كتبها سنة 124 للهجرة, وعبد الله بن أبي بكر بن حزم الذي كتبها سنة 135للهجرة.

وهي بمجموعها سير مجتزأة محدودة، ولكنها بالرغم من ذلك اعتمدت أساسا لكتابة كتب السيرة الكبيرة الأخرى، مثل كتاب السيرة الذي كتبه موسى بن عقبة سنة141هجرية ويعرف باسم "المغازي", وكتاب السيرة الذي كتبه معمر ابن راشد سنة 150 هجرية. وأشهر كتب السيرة، كتبه محمد ابن إسحاق سنة 125هجرية، وشذبها ولخصها ابن هشام سنة 218 للهجرة. وكتاب السيرة الذي كتبه زياد البكائي سنة 183 هجرية, وسيرة الواقدي صاحب المغازي التي كتبها سنة 207 هجرية, وسيرة محمد بن سعد صاحب الطبقات الكبرى التي كتبها سنة 230هجرية. وكثيرون غيرهم مثل ابن حبان (270 هـ - 354هـ) الذي وضع كتابا أسماه: "كتاب السيرة النبوية وأخبار الخلفاء" أرخ فيه لغاية المطيع بن المقتدر العباسي، بويع له بالخلافة عند خلع المستكفي سنة 334هجرية، وظل بالخلافة حتى سنة 363هجرية. وابن كثير المؤرخ (ت774) الذي وضع كتابا في السيرة، وابن تيمية.

هذا وقد تداخل هذا الاهتمام مع اهتمام آخر وهو كتابة سير الخلفاء، الذي تزامن مع ولادة الحكم الوراثي في الإسلام، وكانت بدايات نشوءه في العصر الأموي، وهو الأساس في كتابة سير الخلفاء والملوك والسلاطين، الذي جاء متأثرا بما كتب عن السيرة النبوية من جانب، وبتأثير الميثولوجيا الشعبية الموروثة من جانب آخر، وكانت تلك السير تكتب إما لحقبة كاملة مثل حقبة حكم الخلفاء الراشدين وحقبة الحكم الأموي وحقبة الحكم العباسي وحقبة حكم المماليك، مثل كتاب "الجوهر الثمين في سير الخلفاء والملوك والسلاطين"، وكتاب "النفحة المسكية في الدولة التركية من كتاب الجوهر الثمين في سير الخلفاء والملوك والسلاطين : من سنة ٧٣٦ حتى سنة ٥٠٨ ھ"، وكتاب "الشفاء في مواعظ الملوك والخلفاء" لابن الجوزي، وكتاب "روضة الصفا في سيرة الأنبياء والملوك والخلفاء"، وكتاب "تحفة ذوي الألباب فيمن حكم دمشق من الخلفاء والملوك والنواب" وغيرها. أو تكتب لأشخاص معينين من هذه الحقب كل منهم على انفراد، مثل كتاب مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لابن الجوزي (510ـ 597 هـ).

ومع ذلك لا نجد المؤرخ العيني يأبه بالموروث أو يتبع منهجه وإنما نراه بلا منهج لا يهمه سوى كيل المديح الفارغ وتسطير الأكاذيب وفضائل ما انزل الله بها من سلطان، وهو ما قال عنه المحقق: "وفي كل ذلك يتضح أن أحد الأسباب الأساسية التي دفعتنا لتحقيق الكتاب ونشره، كونه خال من تلك الإفادة، وتقديم معلومات وافية ومتنوعة من خلال الشرح والتعريف، والتعليقات التي فصلنا فيما جاء فيها مقتضبا أو مبهما في متن الكتاب، والسبب الآخر هو تقديم نقد للكتاب ولمؤلفه وبيان الأهداف الحقيقية التي دفعت بالعيني لتأليفه"(6)

وبالرغم من كون العرب كانوا في جاهليتهم وإسلامهم مولعون في تضخيم الأمور لأسباب كثيرة منها طلبا للمكسب والربح، أو تزلفا للحاكم، أو مدحا للقبيلة والأهل، أو دعما لمعتقد وفكر، إلا أن المؤرخ العيني تجاوز كل تلك السنن، ووضع كتابا محشوا بالأكاذيب والتضخيم فاق ما كان عليه الأوائل

 

المؤلف العيني

ولد العيني سنة 762هجرية بمدينة عينتاب، ثم عين سنة 788 خادما في المدرسة الظاهرية، ثم طرد منها سنة 790، طرده الأمير "جركس الخليلي" منها على وجه شنيع، وكان السبب وراء ذلك حسب قول المقريزي: "أمور اتهم بها والله اعلم"(7) ثم ترقى بالمناصب من خلال التقرب من الأمراء والحكام والتزلف لهم، وردا لجميلهم كان يكتب لهم سيرا، فقد كتب سيرة للشيخ المؤيد، ووأخرى للظاهر ططر، وثالثة للأشرف برسباي(8)، كلها فضائل مختلقة، يختلف مضمونها مع ما حدث على ارض الواقع.

 

منهج التدليس

حينما كتب العيني سيرة "المؤيد" أوغل في مدحه إلى أقصى الحدود، بالرغم من كونه لا يستحق هذا العناء، وكان المؤيد حينما مرض قد جعل "ططر" وصيا على ابنه ولي العهد، ولكن ططر خان الأمانة وقتل جمعا كبيرا من القادة والوزراء واستولى على العرش لنفسه، ومع أنه لم يحكم أكثر من ثلاثة أشهر إلا أن العيني نسى ما كتبه للمؤيد وشمر عن ساعده فكتب لططر سيرة أسماها "الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر ططر" جعله فيها أنموذجا للحاكم العادل الرءوف المحب للخير والعلم والعلماء المصلح المهتم بشؤون الرعية، بمعنى انه جعل ططر سيد الأوصاف الجميلة والأخلاق الفاضلة، في حين نقرأ في ترجمته عند مؤرخين آخرين معاصرين أو قريبين من عصره أقولا تصطدم بأقوال العيني، حيث أكد المقريزي(ت 845هـ)

أن في ططر طيشا وخفة وتعصبا شديدا، وأكد ابن تغرى بردي (ت874) أن ططر بالرغم من قصر فترة حكمه لكنه كان منتقما جائرا سفاكا للدماء، علما أنهما من المؤرخين الذين ينتمون إلى طبقة المماليك ذاتها التي ينتمي إليها السلطان ططر(9).

فضلا عن ذلك كتب العيني مؤلفه على عجل في الأيام الأولى لسلطنة ططر، بمعنى أن الصفات التي أسبغها عليه لا يمكن أن تتضح للعيان خلال وقت قصير جدا، إذ لا يمكن لأي حاكم مهما علت همته وعظمت كراماته أن يأتي بكل تلك الصفات التي أسبغها العيني على ططر في مدة لا تتجاوز الشهرين.

وهذا ما أشكله عليه المحقق الذي قال: "إن ما نريد أن نؤكده في هذا البحث أن المؤرخ العيني ومن خط خطه من المؤرخين أنما ضربوا عرض الحائط بشروط الكتابة التاريخية التي سجلها المؤرخون الذين عاشوا في عصر المماليك مثل السبكي وابن خلدون والسخاوي، ومن أهم تلك الشروط الحيادية وعدم التحيز وقول الحقيقة والتزام الأمانة"(10)

 

المحقق

آخر ما أريد الإشارة إليه هو أن الأستاذ الدكتور فاضل جابر ضاحي الذي أخذ على عاتقه تحقيق كتاب "الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر ططر" أنجز بحثا عمليا علميا في أسس تحقيق المخطوطات يمكن أن يكون منهجا لطلاب الجامعات والباحثين عن الأساليب العلمية في التحقيق، فهو فضلا عن اختيار الصعب ركوبا،والصعب يتعب في الركوب، جاء بأسلوب جديد لا يفطن إليه إلا من له قدرة تفكيك التاريخ، ومتابعة الجزئيات بدقة وفطنة، وهو ما فطن إليه الأستاذ المحقق وأبانه في مقدمته التي وضعها للكتاب، والتي أتمنى أن يجتزئها منه ويوزعها على طلبته لتكون معينا لهم في سعيهم المعرفي.

كان المحقق موفقا في دراسته التي جعلها مقدمة للكتاب وفي تحقيقه للكتاب، وهو عمل لا يسعنا إلا أن نهنئه عليه وندعو له بالتوفيق والسداد.

صدر الكتاب عن دار تموز للطباعة والنشر في دمشق بطبعة جميلة، بواقع 180 صفحة من القطع الوزيري، وهو بحث لا غنى عنه لكل مهتم بالتاريخ ولاسيما تاريخ عصر المماليك.

 

.......

الهوامش

(1) دراسات تاريخية، الدكتور أكرم ضياء العمري، ص 27

(2) المائدة:48

(3) ينظر: مناهج البحث في العلوم الإسلامية، الدكتور مصطفى حلمي، ص 57

(4) المنطق الحديث ومناهج البحث، الدكتور محمود قاسم، ص 38

(5) كتاب الروض الزاهر، أ.د. فاضل جابر ضاحي، ص9

(6) المصدر نفسه، ص10

(7) المصدر نفسه، ص13

(8) المصدر نفسه، ص14

(9) المصدر نفسه، ص27ـ28

(10) المصدر نفسه، ص28

 

 

الردّ على "الكتاب الأسود"

souf obidعندما بدأ محمد المنصف المرزوقي الكتابة على صفحات جريدة ـ الرأي ـ التونسية اِستبشرتُ مثل كثير من الأدباء التونسيين بمقالاته التي تنتصر إلى الهوية التونسية الأصيلة مع الدعوة إلى القيم الإنسانية الخالدة خاصة أنها بقلم ذي لغة عربية فصيحة ومن معين علمي يرشح بثقافة عالمية واسعة فاِعتبرناه مكسبا ثم توالت إصداراته تباعا وقد صدّر إحدى مقالاته في بعض كتبه وقتذاك بمقطع من قصيد لي عن التعذيب وأذكر أني أهديته قصيدا من مجموعتي الشعرية ـ صديد الروح ـ عربون صداقة وتقديرخاصة وأن المرزوقي أضحى عضوا معنا في اِتحاد الكُتّاب التونسيين الذي أمضى على ـ الميثاق الوطني ـ مع أغلب الأحزاب والمنظمات والشخصيات السياسية وقتذاك تلك بعض التفاصيل البسيطة والمهمة في تاريخ تونس وكي يتذكر بعض الذين يريدون محو التاريخ والتنصل من مواقفهم...وعندما حدث السابع من نوفمبر 1987 اِعتبرناه إنجازا مُهمّا بعد كوابيس السنوات الصعبة التي مرت على تونس وقد اِنخرط بعد ذلك في الكتابة عن أماني تونس الجميلة وأحلامها وفي كثير من المنابر عديد الأقلام الطامحة إلى الأفضل منهم قلم الدكتور محمد المنصف المرزوقي الذي أوغل أحيانا في المديح السياسي المباشر لبن علي فلماذا لم يذكر نفسه في الكتاب الأسود مع جملة الذين كتبوا والذين أيّدوا في فترة من الفترات؟ أين الحقيقة الكاملة وأين النزاهة وأين الشفافية؟

أمّا وقد ورد اِسمي في الكتاب فالجدير بي أن أوضّح أنني كنتُ حقا من الذين اِستبشروا بحدوث التغيير فساهمتُ من خلال اِتحاد الكتّاب وغيره من الفضاءات الثقافية في كثير من الأنشطة الأدبية المَحضة التي ساهمت في إبراز الأدب التونسي على الساحة الوطنية والتعريف به مشرقا ومغربا وفي العالم وأغلب تلك الأنشطة كانت تدعمها وزارة الثقافة مباشرة أو من خلال هياكلها وقد رشحتني وزارة الثقافة مرتين لنيل الوسام الثقافي والتي تحصلت ـ مع غيري من المبدعين ـ من خلالها وبفضل قانون ـ رخصة مبدع ـ على التفرغ ستة أشهر لإنجاز مشروع أدبي يتمثل في جمع أشعاري وإنجاز موقع ألكتروني خاص وهو الطموح الذي نادى به المبدعون على مدى سنوات عديدة وبخلاف هذا وذاك أصرّح أنني لم أتحصل من رئاسة الجمهورية ولا من سواها على أيّ منصب أو ترقية أو اِمتياز أو هبة أو منحة فليت السيّد محمد المنصف المرزوقي ـ وقد بحث في أرشيف القصر ـ أن يعمل على أن أسترجع الثمانية عشر يوما تلك التي خُصمت لي من أجرتي ومن ترقيتي ومن جراية تقاعدي إلى اليوم...لعل ذلك كان بسبب أنني لم أكن من المناشدين لترشيح بن علي للاِنتخابات سنة 2014

ختاما لا يسعني إلا أن أقول ـ إنّ المنصف المرزوقي قد خسرته الثقافة ولم تربحه السياسة...ليته ظل كاتبا مدافعا عن القيم الجميلة فقط!؟

 

 

مراثي غيلان نبش في ذاكرة السنين .. قراءة في كتاب لم ينشر بعد

saleh altaeiبالرغم من كل المصاعب التي أحاطت حياتنا، وأثقلت كاهلنا بأحداث جسام تركت آثارها واضحة؛ ليس على سلوكنا فحسب، بل وعلى وجودنا ذاته، فلونتنا بألوانها، وسحبتنا عنوة مرة إلى دنيا الخيال بحثا عن ألق حلم جميل، وأخرى إلى دنيا الخبال هربا من دنيا قاسية، بالرغم من كل ذلك، عشنا وتجاوزنا المحنة الكبيرة بل وضحكنا وفرحنا واحتفلنا وكأننا نرفل بعز نحسد عليه، يراه الآخرون ولا نشعر به.

كل تلك التراكمات الكبيرة صغيرها وكبيرها رسخت في ذاكرتنا كطعم الشهد المشوب بمرارة الحسرة، وبنت تاريخنا المثقل بالأحداث، فبتنا حينما يأخذنا الحنين إلى زمن ولى من غير رجعة، حينما تسحقنا ضغوط الحياة، حينما نشعر بالتيه بالحيرة بالضيق بالضياع بالوحدة القاسية، بالغربة في الوطن، ننبش دياجير ذاكرتنا بحثا عن لحظة فرح مرت بنا بالأمس، عن ساعة سعادة دغدغت وجداننا، عن حدث لا زال طعمه عبقا في مخيالنا، لا للمقارنة بين ماض وحاضر، إذ لا وجه للمقارنة بينهما؛ ولكن هروبا من واقع مر علقم؛ إلى ماض كنا نراه جميلا، طغت عليه الطيبة الساذجة والبساطة والانفتاح بعد أن تداخلت مكوناته رفضا للمكون الأوحد، وبحثا عن المكين الأخ والصديق والشقيق والجار، فتفتت جزئيات هوياتنا وذابت في أتون هوية اسمها العراق، لا يظهر في هيكلها أثر للجزئيات لأن الكلية كانت أعمق وأجمل وأحلى وأطيب وأكثر إنسانية من الانزواء في آفاق ضيقة، تبدو ملامحها باهتة أمام وهج أفق الإنسانية الجميل.

من هنا جاءت مراثي غيلان للأديب والإنسان الطيب الدكتور سعد الصالحي الذي يعتز بسنيته بشيعيته بعروبته بكرديته ببغداديته بمصلاويته بتكريتيته، ولكنه يعتز بلا حدود بعراقيته، لتعيدنا إلى تلك الأجواء، أجواء الطيبة والوحدة والمحبة والإنسانية والوطنية بأسلوب ساحر جذاب ممتع بسيط.

لقد بادر الدكتور الصالحي إلى نشر ومضات من هذا الكتاب الكترونيا في عدة مواقع، وكنت كلما أقرا واحدة منها، أشعر بحميمية افتقدها، وبنشوة أشتاق إليها، أشعر وكأن الأمس الذي عشته أشكو همومه؛ لم أكن وحيدا فيه، فقد عاشه عراقيون آخرون مثلي، لم أكن اشعر بوجودهم مع أنهم كانوا اقرب إلي من ظلي، فإذا كان أثر المأساة ضبابيا في روحي؛ فلأنهم أسهموا معي برفع بعض الحيف ولم احمله وحدي فخف علي حمله.

ومع كل مقطوعة ينشرها، كنت ألح عليه لكي ينشر هذا العمل الرائع لأنه لا يمثل سعد الصالحي وحده، ولا يمثل منطقة بعينها، ولا مكونا بذاته، وإنما يرسم صورا لواقع عشناه جميعا، ومررنا في تجاربه السعيدة والحزينة سوية مع بعض الفوارق التي لا يؤثر وجودها على الخط العام.

مراثي غيلان، ليست مراث لحقبة زمنية ولا مراث لأناس عاشوا المأساة وقاسوا مرارة وضنك العيش، بل هي مراث لتلك الحقبة التي فقدناها ولا زالت ذكراها عالقة في خيالنا، مراث لواقعنا المر الذي نعيشه، مراث لنا جميعنا لأننا لم ننجح بالحفاظ على تلك الصور الجميلة ولم ننجح في رسم صور مثلها.

مراثي غيلان أغنيات وضع كلماتها أهلنا القدماء، ولحنها الدهر القاسي، وغناها كل منا على ليلاه، فلكل واحد منا ليلى تقبع في مكان ما من الذاكرة تعيدها إلى الوجود صورة أو كلمة أو حالة تمر، ولذا ليس مستبعدا أن تتذكر أخته المثقفة زوجة الأكاديمي لهجة (فرحة) المعيدية في تسمية الأشياء فتردد كلمة: (بعارين... بعارين) بجذل وفرح غامر وكأنها طفلة ترى البعير لأول مرة.!

أما البطل الذي جازف بجرأة قل نظيرها للحديث عن أدق الأسرار خصوصية وأكثر التفاصيل كتمانا؛ فإنه كان يشعر بشمولية تشتت التركيز ربما لأنه عاش بأكثر من مكان أسماهن (حاراتي المندثرة) تتوزع بين بدرة وأربيل وكنعان وبعقوبة وبغداد وتكريت، لدرجة انه بات لا يقوى على تجميع صورة ما لطفولته. ولكنه مع ذلك نجح في لم شتات ما تذكر، وسطره على ورق ينتظر انفراج الأزمات لكي يتحول إلى كتاب مقروء يتاح للجميع معرفة كنهه والاطلاع على طلاسمه.

لقد تفضل عليَّ الدكتور سعد الصالحي وفاء منه، فأرسل لي نسخة من منجزه على عنواني البريدي في الانترنيت محبة بي، وربما لكي لا أبقى ألح عليه بضرورة الاستعجال بطبع الكتاب، فوجود نسخة على حاسبتي يصبرني في انتظار صدوره، وقد قرأته مرات، وفي كل مرة أشعر بسعادة غريبة وكأني أقرا نتفا من عمري الذي مضى، أو كأن كاتبا حول بعض ما عشته، بعض ما عشناه جميعنا إلى عمل تلفزيوني، مثله ممثلون لا نعرفهم ولكننا نعرف أنهم يتحدثون عن قصصنا، يروون ضحكاتنا ونشيج بكائنا وهذرنا وحكمنا، ويرسمون خطوط حزننا.

هذه ليست قراءة لهذا المنجز الكبير، ولا عملية نقد أدبي له؛ بقدر كونها تأملات وجدانية، أعبر من خلالها عن المشاعر التي انتابتني بعد قراءة العمل الفريد من نوعه، وسأكتفي بهذا، منتظرا صدور الكتاب رسميا لتكون لي وقفة طويلة معه

د. علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي (5)

قراءة في كتاب "التشيع العلوي والتشيع الصفوي"

وعلى الرغم من النقد المباشر لعلي شريعتي للحالة الطائفية والسياسية لتلك الفترة ، الا انه كشيعي اثني عشري لا يستطيع الخروج من قالب أحقية الشيعة ليس بالخلافة فقط ، بل وبأحقية فهمهم للاسلام ايضا ليستمر قائلا :(ان الخلاف بين الشيعة والسنة هو في الاساس خلاف فكري وعلمي وتاريخي يرتبط بطريقة فهم حقيقة الاسلام، وكل ما يدّعيه الشيعة في هذا المجال – وهو ادّعاء وجيه – انه ينبغي لمعرفة حقيقة الاسلام الاقتداء بأهل بيت النبي وعلي " ع " لاجل ان تكون المعرفة مباشرة ومن دون واسطة، وهذا بحدّ ذاته كلام معقول . وكما يدّعي الشيعة ان مواصلة طريق الرسالة وروحها بعد النبي مرهونة بأتباع علي (ع) والاعتراف به خليفة بعد النبي دون غيره ممّن عجزوا عن مواصلة الرسالة بروحها حتى آل امر المسلمين الى ما آل اليه مما يعرفه الجميع) (1). وهنا يعيدنا شريعتي الى المربع الاول متناسيا عذابات قرون من القتل والسبي طالت الملايين من البشر، ليقطع الشك باليقين مرة ثانية، وليستمر وهو المطالب بتقريب المذاهب، بضرب اولى الخطوات التي قد تذيب القليل من جبال الجليد بين المذهبين والطائفتين، بمطالبته الاعتراف بالامام علي كأول خليفة بعد وفاة محمد، بل يذهب شريعتي الى ابعد من ذلك عندما يصف الاخرين (ابي بكر وعمر وعثمان) بالعجز عن مواصلة الرسالة !.

ان التراشق والمهاترة هو الذي سيطر على مناخ الخلاف الفكري والعقائدي بين الشيعة والسنة ولا يزال، على حد قول شريعتي، وليتحول إلى سباب وشتائم وتهم مقززة، ومنها تهم اخلاقية طالت وتطال رموز اسلامية، استغلها ويستغلها معمّمو الطرفين لحقن مريديهم بأفيون رخيص الثمن طويل التأثير، دون ان يلتزم هؤلاء المعمّمون ( بالقرآن الناطق وفق شريعتي ) المتمثل بالامام علي وهو يُنهي عن السباب والشتائم. فقد خاطب علي اصحابه في حرب صفين قائلا :"أني اكره لكم ان تكونوا سبّابين" (*). ويذهب هؤلاء المعمّمون الى ابعد من ذلك وهم يعصون امر ربهم الذي قال في سورة الانعام وهو ينهي المسلمين حتى سبّ المشركين قائلا " ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله ". ان رجل الدين الشيعي الصفوي لا يكتفي باللغة السوقية والالفاظ المبتذلة والافتراءات والاقاويل المقززة بحق الخلفاء، بل يعمد كما يقول شريعتي الى اختلاق فضائل وكرامات فارغة للأئمة توجب استغفال " استحمار " عقول الناس ليبقوا اسارى أغلال الجهل والمذّلة ، بدلا عن تعريفهم بالامام علي ليس كأمام فقط بل وكأنسان، له مواقف ثابتة حيال الظلم والتملق والزور والتزوير والفقر والسرقة واغتصاب الحقوق واثارة الفتنة (2). ومن الفضائل والكرامات الفارغة التي يستشهد بها شريعتي على لسان رجال الدين الصفويين، هو تمكن الامام علي من تحويل الرجل المنافق الى كلب على الفور!!، أو أن (علي وبنفحة واحدة حوّل رجل الى امرأة تزوجت وأنجبت لزوجها وسكنت معه تحت سقف واحد لسنوات مديدة ومن ثمّ عادت الى حالتها الاولى، كل ذلك في طرفة عين)!!. وهنا بنظري يبدأ مفعول الترياق الصفوي وهو يخدر الشيعي البسيط ، كي لا يسأل عن السبب الذي لم يجعل الامام علي ان يحوّل معاوية الى كلب او انثى، بدلا من الدخول معه في حرب صفين وما نتج عنها من نتائج، ادت في النهاية الى استقلال معاوية بحكم الشام واسرعت في مقتل الامام علي واستشهاده في محراب الصلاة في مسجد الكوفة على يد احد الخوارج، وهو احد افرازات معركة صفين، وليصل الاسلام كدين من ساعتها الى مفرق طرق دفع وسيدفع الملايين من البشر حياتهم ثمنا لصراع الفريقين" الشيعة والسنّة".

ان شريعتي يستخدم جميع ادوات التجميل عند حديثه عن التشيّع العلوي الذي يقف ضد الظلم والجهل والتخلف والفقر والاذلال، وهو (جميل اصلا مقارنة بالتشيّع الصفوي حسب وصفه). كما يقف شريعتي بقوة ضد التشيّع الصفوي المؤمن بالخرافة والمنغلق على نفسه بعيدا عن المنطق والجدل الموسوعي الذي يستند عليه التشيّع العلوي، ليقول ان منطق الدفاع عن الامام علي "ع " ومهاجمة خصومه السياسيين من مغتصبي الخلافة بأسلوب السب والشتم هو القبح بعينه:"اذ أن المسافة بين وجهي التشيّع العلوي والصفوي هي عين المسافة بين الجمال المطلق والقبح المطلق" (3) . وفي معرض دفاعه عن البيانات والخطب والكتب الصادرة من مؤسسة الارشاد، وتناوله للتهم الموجهة لشخصه من قبل رجال الدين الصفويين بدعوى عدم ايمانه بولاية الامام علي وتنكره لاهل بيت الرسالة وانه سنّي ووهابّي، بعد اتهامه من قبل الحركة الوهابية كونه شيعي مغالي في العام . يقول شريعتي في وصفه لرجل الدين الصفوي قائلا :"ان رجل الدين الصفوي – ولا اقول العالم الشيعي – متعصب تعصبا اعمى، بمعنى انه غير قادر على تحمل رأي المخالف وليس لديه أدنى استعداد للاصغاء اليه وفهم ما يقول. وليس المراد من " المخالف " هنا بالضرورة أن يخالف الآخرين في الدين او المذهب، بل حتى من يخالفه في نمط التفكير وطبيعة المزاج، فهو لا يتورع عن تكفيره بدون تردد. وعند تمييزه العالم الشيعي ليس عن رجل الدين الصفوي فحسب، بل وعن علماء الاديان من المذاهب الاخرى، وفي محاباة واضحة يقول شريعتي:"إن (العالم) في التشيّع العلوي مستثنى من هذه القاعدة من بين جميع علماء الاديان وحتى المذاهب الاسلامية" (4).

واستمراراً لمقارنته التي اشرنا اليها، فان شريعتي يشير الى ان احد اهم الاسباب التي ادت الى انفتاح العالم الشيعي وتحرره في مجال البحث والمحاججة العلمية، هو وجود الاجهزة الاعلامية بيد المذهب المخالف ( السنّة ). وهذا التحرر منح العالم الشيعي مساحات اكبر في التفكير والنقاش الفكري والعقائدي لاثبات احقية المذهب، على عكس رجل الدين الصفوي والذي وان تزيّا بنفس زيّ العالم الديني ( من التشيّع العلوي)، فاننا نراه – والقول لشريعتي – يتهرب من مواجهة العلماء واهل التخصص ، مع انه يزعم بكونه عالم شيعي ويدّعي انه مرجع للعوام في معرفة امور دينهم، إلاّ أنه في الحقيقة مقّلد لعوام الناس وليس سوى أداة رسمية لاصدار الاحكام على ضوء ما استنبطه مريدوه تبعا لاهوائهم ومزاجهم) (5) . ويستشهد شريعتي بأحد هؤلاء الصفويين وهو السيد العسكري الذي يقول في وصفه لعمر بن الخطاب وتوهينه (6)، رداً على بيان مؤسسة الارشاد " متى كان عمر بن الخطاب شريف بني عدي، أما نسبه ففي كتاب الدرر باسناده عن الحسن بن محبوب عن ابن الزيات عن الامام الصادق (ع) انّه قال: "كانت صهاك جارية لعبد المطلب، وكانت ذات عجز، وكانت ترعى الابل وكانت من الحبشة، وكانت تميل الى النكاح فنظر اليها نفيل جد عمر في مرعى الابل فوقع عليها. فحملت منه بالخطاب، فلمّا أدرك البلوغ (الخطاب) نظر الى امه صهاك فاعجبه عجزها فوثب عليها فحملت منه بختمة، فلما ولدتها خافت من اهلها فجعلتها في صوف والقتها بين احشام مكة فوجدها هشام بن المغيرة بن الوليد فحملها الى منزله وسمّاها ختمة. وكانت شيمة العرب أن من يربي يتيما يتخذه ولدا ، فلما بلغت ختمة نظر اليها الخطاب فمال اليها وخطبها من هشام فأولد منها عمر وكان الخطاب أباه وجدّه وخاله وكانت ختمة أمّه وأخته وعمته ، وينسب العسكري الى الصادق في هذا المعنى شعراً:

من جده وخاله ووالده               وامه واخته وعمته

أجدر أن يبغض الوصي وان       ينكر في الغدير بيعته

ويقول شريعتي هنا ، من انه يكتفي بنقل هذا المقدار من الهوامش "العلمية لهذه الشخصية العلمانية الصفوية" (7). ولو تركنا كل ما جاء به السيد العسكري كرجل دين صفوي من ترّهات يقبلها الكثير من عوام الشيعة، فهل علينا ان نقبل بان ينزل الامام الصادق وهو الامام المعصوم عند الشيعة والمنزّه عن الخطايا وحفيد الامام علي الذي يعتبر الكلام الفاحش تعبيرا عن هبوط شخصية المتكلم قبل السامع، الى هذا المستوى من سب ولعن وشتم، بل واستخدام اكثر العبارات بذاءة!؟. الجواب بالتأكيد لا، ولكن التشيّع الصفوي يغرر بالبسطاء من الناس ليجعل الاسود ابيضا والابيض اسودا خدمة لمؤسسته الدينية وديمومتها وخدمة للسلطان الصفوي او من جاء بعده لتحقيق مآربه السياسية ومن ثم المالية .

لقد تداخل، بنظري، العشرات من علماء التشيّع العلوي ومنطقهم العقلاني ومحاولاتهم سوية مع العشرات من اقرانهم من علماء مذاهب اهل السنة والجماعة من أجل العمل على حصر الخلاف الفقهي بأضيق حدوده، او على الاقل الابتعاد عن اعتبار الخلاف سببا للعداء والبغضاء. فكما يقول الشيخ كاشف الغطاء في "التشيّع العلوي بالتشيّع الصفوي":"بعد وصول الشيعة الى السلطة في ايران جرى الاستفادة القصوى من رجال الدين الصفويين على حساب علماء الدين لتعزيز مواقع السلطة. هذا التداخل والتماهي في حدود معينة صعّب امر علماء الدين امام رجالات الصفوية البارعين في دغدغة مشاعر البسطاء من الناس والضحك على ذقونهم، مما عقّد ويعقّد مهمة التقارب بين المذاهب، عدا الوهّابية المرفوضة من قبل العديد من المذاهب الاسلامية". وهذا يحتاج كخطوة اولى الى تنقيح الكتب الدينية عند الطائفتين، ومنها المئات من الكتب الدينية " الصفوية " مما تحويه من أمور لا يقبلها العقل البشري ولا تمت بشيء الى تراث أئمة الشيعة الزاخر بالعطاء الفلسفي الديني. وسنأتي لاحقا على نماذج من هذه الامور التي تسيء للتشيع بدلا من تعزيز موقعه كمذهب حمل راية الثورة ضد الطغيان السلطوي لقرون قبل ان تخمد آواره. ومثلما أصبح الحقد والكراهية والغاء الاخر هو من صفات التشيّع الصفوي باعتقاد شريعتي، فان نفس الحقد والكراهية والغاء الاخر هو من صفات التسنن الاموي كما يعتقد الشيخ شلتوت. ولا اظن ان هناك شخصيتين اسلاميتين استطاعتا وصف الصراع الشيعي السني غير العقلاني بهذه الدقة ومن خلال جملتين لا غير، كما وصفهما شريعتي وشلتوت. أما الشيخ محمد تقي القمّي سكرتير عام دار التقريب فيقول:" .. لو امعنّا النظر في جذور تسمية المذهبين السنّي والشيعي، لاكتشفنا أنّ جميع المسلمين هم شيعة لأنهم جميعا يحبّون أهل بيت النبي الاكرم (ص)، وهم أيضا سنّة لأنّ جميع المسلمين يعتقدون العمل بكل ما ثبت من طريق موثوق أنّه صادر عن النبي الاكرم (ص) .. وفي ضوء ذلك فنحن جميعا سنة وشيعة وقرآنيون ومحمديون ". ولو بحثنا في تاريخ الصراع الشيعي السني عن عقلاء ومفكرين كشريعتي وكاشف الغطاء والقمي وشلتوت لوجدنا العشرات، وخصوصا منذ بداية النصف الثاني من القرن السابق .

 

...................

(1) " المصدر السابق ص 77 "

(*) "المصدر السابق 78 الهامش ” يتحدث شريعتي عن ترجمة نهح البلاغة الى اللغة الفارسية من قبل أحد المترجمين وتأويله للسب والشتيمة ليكونا مقبولين من الناطقين بالفارسية فيقول "شريعتي" (أن هذا الرجل "المترجم" عندما وصل  الى مقولة علي لأصحابه "إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين" ووجد أنها لا تنسجم مع التوجه العام لدى علماء التشيّع الصفوي لجأ كالعادة الى التأويل وهي الحرفة التي تتجلى فيها المهارة الفائقة للتشيّع الصفوي في قلب معاني التشيّع العلوي وتجريدها من مضمونها الحقيقي)، فقال: (ليس المراد من هذه العبارة هو عدم جواز شتم المخالف واللعن عليه بل على العكس هذا واجب وتكليف، غير أن المنع جاء هنا من أمير المؤمنين بخصوص سبّ بني أمية وذلك خشية أن يسبّوا بالمقابل أمير المؤمنين فيكون السّاب لبني أمية متسببا في سبّ أمير المؤمنين "ع" وهو أمر غير جائز طبعا)!!. نهج البلاغة، ترجمة فيض الاسلام. ويقول شريعتي هنا (لاحظوا هنا كيف حوّل المترجم كلام أمير المؤمنين الى قاعدة مقلوبة، ومفادها أنّه لا يجوز السبّ الّا أذا كان الطرف المقابل مؤدبا لا يرد بنفس الطريقة!!).  وهنا سأستعير جملة لشريعتي وأقول " يا له من أنتصار صفوي ساحق لا يقبل الا بالاستحمار كمنهج لأدامة هذا الشكل المشوّه من التشيّع.

(2) " للأستزادة راجع المصدر السابق ص 79 "

(3) " المصدر السابق ص 80 "

(4) " المصدر السابق ص 82 "

(5) " المصدر السابق ص 85 "

(6) " أحدى وسائل أهانة عمر بن الخطاب كانت ظاهرة ما يسمى بـ "عمر كشون" حيث يحرق العوام لعبة تمثل عمر بن الخطاب في التاسع من ربيع الاول من كل عام وهو يوم مقتله، لأدخال الفرحة الى قلب فاطمة الزهراء وذلك بحضور بعض المعممين من الروزه خونيه، وكان يصاحب الاحتفال بهدذه المناسبة الفرح الغامر والموسيقى وتوزيع الحلوى. وقد عارض العديد من علماء الدين الايرانيين كالمرعشي النجفي والخميني وغيرهم الكثير مثل هذه الطقوس. وقد أنحسرت هذه الظاهرة بشكل كبير جدا في أيران بعد الثورة. ونفس هذا الطقس بالعراق يسمى " فرحة الزهره" وكان في وقت ما قبل أن ينحسر هو الاخر يوم حبور وسرور عند عوام الشيعة.

(7) " التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي ص 120 "

 

زكي رضا

الدنمارك

8 / 11 / 2014

قراءة في كتاب "الأدب الرقمي" أسئلة ثقافية وتأملية مفاهمية دراسة

faysal roshdiيعتبر كتاب “الأدب الرقمي”للباحثة زهور كرام من أهم الكتب داخل الساحة المغربية خاصة والعربية عامة.يتكون هذا الكتاب من مئة صفحة،طبع مرتين،الطبعة الأولى سنة 2009 والطبعة الثانية 2013.منشورات دار الأمان المطبعة الأمنية بالرباط. عرف هذا الكتاب إقبالا واسعا ولاسيما أن الفترة التي تربط الطبعة الأولى والطبعة الثانية فترة عرف خلالها العالم العربي عدة تحولات، خاصة على المستوى السياسي والاجتماعي،ولعبت وسائل التكنولوجيا دورا كبيرا في تحرر وسائل التعبير وبذلك تحرر الأفراد من الوسائط التقليدية التي تعيق وصول الآراء والأفكار،حيث شكل الموقع الاجتماعي للتواصل “الفايس بوك” دورا هاما في انتقال المعلومة بشكل سريع وتفاعلت هذه السرعة مع الأحداث والأفراد ونجد هذا في دول الربيع العربي مثل(مصر،تونس،ليبيا). أثرت التكنولوجيا في الواقع الذي يعيشه الأفراد وخاصة في طريقة تفكيرهم وفهمهم .ومع انخراط الأفراد في الثقافة الرقمية،أصبح الإيقاع متسارع،توطدت صلة بين الفرد والتكنولوجيا في يومنا هذا ،فأصبح الفرد والتكنولوجيا وجهان لعملة واحدة. تطرح الباحثة إشكالات تريد الإجابة عنها ،إشكالات تتعلق بالكيفية التي نقرأ بها النص الرقمي وكيفية انتقال القارئ من قارئ ورقي إلى قارئ رقمي إضافة إلى موقع الأدب الرقمي في نظرية الأدب كل هذه الإشكالات تطرحها من أجل الوصول إلى إجابات تلائم الواقع الذي نعيش به ،إن الباحثة في هذا الكتاب تشتغل على نموذج في تحليلها لبعض أعمال الكاتب الرقمي الأردني محمد سناجلة الذي يعتبر رائدا في هذا المجال. تقدم الباحثة في كتابها بحثا أكاديميا يتكون من شقين شق نظري وشق تطبيقي،وبهذا تجمع الحسنين معا لتعطي للعلم حقه.فالتطور الذي عرفه العالم نتيجة لطرح الأفراد للأسئلة تؤرقهم يريدون أن يحصلوا على إجابة تشبع نهمهم المعرفي، فالإنسان هو الأخر يتطور بفكره ويرتبط هذا التطور بشكل موازي بالتطور التاريخي.طرحت الباحثة في الفصل الأول المعنون “بالأدب والتجلي الرقمي سؤالا في تعيين المصطلح”الذي يحدد النص التخيلي في الأدب الرقمي ،ليس فقط في التجربة العربية لكن في التجربتين الناجحتين في هذا المجال الأمريكية والأوروبية.هناك إشكال في تسمية المصطلح هل هو تفاعلي أم مترابط أم رقمي أم الكتروني أم معلوماتي.وهي مسألة مرتبطة بتحديد كل نوع أدبي جديد والذي يصطدم بسؤال التعريف الاصطلاحي ،بعض منظري النص المترابط يعتبرونه على أنه عبارة عن علاقة استمرار بين الأدب الرقمي والأدب في شكله المطبوع ورقيا من خلال البحث في الروابط والعلائق التي توجد بين الأدب ومفهوم النص المترابط مثل مافعله جورج لاندور الذي يعتبر من أهم المنظرين الأوائل لمفهوم النص المترابط. فالنص الرقمي المؤسس لتجربة الأدب الرقمي يظهر مع قصة الظهيرة للمؤلف الأمريكي مخيائيل جوسي قام بتأليفها سنة1985ونشرت سنة1987وفي هذه الفترة بالذات ظهرت نظريات نقدية تهتم بالقارئ أثناء عملية القراءة. وفي تناولها للأدب بين رهان التخييل وسلطة التكنولوجيا ننطلق من اقتناع إبداعي أكدته مختلف التجارب للعملية الإبداعية،وهي إما أن يكون النص التخييلي إبداعا أو أن يكون شيئا أخر غير الإبداع فإن ما يحدث مع النص الرقمي في علاقته بالتكنولوجيا شبيه بالتجريب في الرواية مع فارق تقني. والأساس من هذا هو فهم التجريد باعتباره مجرد لعبة لتكسير الحكاية والزمن والفضاء والشخصيات. فعلى المؤلف أن تتوفر فيه الشروط الآتية: أن يكون مستثمرا في وسائط التكنولوجيا الحديثة / أن يوظف أشكال الوسائط المتعددة وأن لا يعتمد على فعل الرغبة في الكتابة والإلهام الذي يرافق عادة زمن التخييل في النص المطبوع أو الشفهي. فالقارئ لنص الرقمي يتفاعل مع النص ،بل حتى مؤلف النص نفسه يتفاعل مع القراء وهذا ما حدث للكاتب الفرنسي جون بيار بالب،الذي علق عليه أكثر من 500 قارئ وعبروا عن انطباعاتهم حول الرواية التي كتبها.فالباحثة إعتمدت على الدعامة التقنية كمكون نصي وتجليات النص الرقمي وتخييلي وكذلك المؤلف ووضعية النص المقروء،وقد ظهر مصطلح الأدب الالكتروني في 80 من القرن الماضي. الشق الثاني: الشق التطبيقي. تتناول فيه الباحثة تحليل أدبي رقمي للنص المترابط والتخييلي المعرفي إذ تتحدث عن الأدب الرقمي الذي يشمل مختلف تعبيرات الأجناس الأدبية من قصة مسرح…).وحينما نتحدث عن النص المترابط نجد أعمال الكاتب الأردني محمد سناجلة في نصوصه “شات وصقيع″ يحضر فيهما النص السردي المترابط في عناصره.في نص “شات” يندرج ضمن جنس الرواية والجديد في هذه التجربة هو دخول تعبير التأليف الذي يعتبر تعبيرا أساسيا في الأدب الرقمي. لابد من للمؤلف من شروط من بينها (اللغة، برمجة، ملفات، وثائق) سمعية وبصرية. تستخلص الباحثة في الأخير على أن الأدب الرقمي هو موضوع يأتي في سياق تكنولوجي يعطي انطلاقة جديدة للشعوب العربية في تعبير عن أفكارها وآرئها.

 

حائطيات طالب المقعد الأخير اصدار جديد للشاعر نوزاد جعدان

632-nozadصدر حديثاً عن دار فضاءات للطباعة والنشر، المجموعة الشعرية الثانية للشاعر السوري نوزاد جعدان، بعنوان "حائطيات طالب المقعد الأخير"، جاء في الإهداء "رافقني كلامكما كمفتاح البيت؛ أجمل القصائد تلك التي تلتقطها من الشارع كأي ورقة نقدية تجدها وأنت مفلس "، تقع المجموعة بـ158 صفحة من القطع المتوسط بواقع 72 قصيدة مقسمة إلى ثلاث لوحات مسميا كل واحدة منها بالحصة المدرسية الأولى والثانية والفرصة والحصة الثالثة، وبلوحة غلاف للفنان التركي إسماعيل جوبان.

632-nozadيذكر أن نوزاد جعدان ، شاعر وكاتب من سورية، يقيم في الإمارات العربية المتحدة، حاصل على جوائز عربية وعالمية عدة منها جائرة كاستيلو دي دونيو في إيطاليا وأرت أتاك الشعرية في كرواتيا وجائزة نعمان للثقافة في لبنان"، له مجموعتان شعريتان "سعيد جدا من إصدارات دار نينوى" و"أغاني بائع المظلات من إصدارات دار الفرقد" ومجموعة قصصية خزانة ترابية عن دار الياسمين للنشر والتوزيع الإمارات ورواد السينما الهندية الذي صدر مؤخرا عن دار الياسمين للنشر ،والعديد من النصوص والمقالات المنشورة في الصحف والمجلات العربية. ويتم توقيع الديوان يوم غد الاثنين الساعة الثامنة في ركن التوقيعات بمعرض الشارقة للكتاب.

أدب الحرب النسوي العراقي المعاصر..

mohsen aldahabiنالت الباحثة العراقية أنغام عبد الرزاق عبدالله مؤخرا شهادة الدكتوراه من مركز الدراسات النسوية بجامعة يورك في المملكة المتحدة، بأطروحتها المعنونه " أدب الحرب الروائي العراقي النسوي المعاصر" فقدمت بحثا عن مجموعة من الروايات والقصص، التي كتبتها نخبة من الروائيات العراقيات في أثناء الحروب الثلاث التي شهدها العراق: الحرب العراقية الايرانية (1980-1988)، حرب الخليج الأولى (1990-1991) وما تلاه من غزو امريكي ودولي للعراق في عام 2003 . تتناول أطروحتها وصفا للظروف السياسية التي أحاطت كل من هذه الحروب وتظهر للقارىْ الاوروبي مدى تأثير هذه الظروف على الحياة بشكل عام وعلى وضع المرأة العراقية بشكل خاص ثم مدى تأثير هذه الحروب على النتاج الأدبي بشكل عام ونتاج المرأة الكاتبة والمبدعة بصورة خاصة.

أذ تقدم نقدا تحليليا وترجمة لقصص (الاخر في المرآة) لابتسام عبدالله و(أسرى) لأرادة الجبوري وروايات (العالم ناقصاَ واحد) لميسلون هادي و(مابعد الحب) لهدية حسين و(شباك زبيدة) لأقبال القزويني و(سيدات زحل) للطفية الدليمي. وتظهر الباحثة من خلال تحليلها لهذه الاعمال الادبية ان النهايات المفتوحة لهذه الأعمال لا تعكس فقط سلسلة الحروب المتصلة على مدى ثلاثة عقود بل تعكس معاناة الانسان العراقي التي لم تتوقف منذ وقت طويل. كما أن هذه الحروب قد ساهمت في قلب المفهوم النمطي الذي يصف المرأة باعتبارها ضحية ضعيفة في الجبهة الداخلية والرجل على كونه مقاتلا مغوارا في جبهة القتال . تظهر النصوص أن معاناة الفقد عند المرأة لم تحدها من تأدية دورها في الحياة كأم وزوجة وحبيبة وفية. ان المرأة نجت من الحروب لتكون شاهدة حية على فقدان الزوج والابن والاخ والحبيب . ولتكون شاهدة على محاولات محو الذاكرة ومحو التاريخ وتساهم في تدوين كل شهاداتها للأجيال القادمة أملا في أحياء بغداد من جديد.

وتتخذ الباحثة من نظريات التحليل النفسي لكل من (فرويد) و(كاثي كاروث) المتعلقة بالصدمة التي تحدث في الحروب والمعروفة بال (تروما) أساسا نظريا في تحليل النصوص بالشكل الذي يظهر قدرة الادب على نقل الاحساس بالصدمة من خلال التقنيات الادبية كأسلوب التداعي وغيرها من اساليب السرد. كما تتخذ من نظريات (فيلمان ولوب) أساسا نظريا تظهر معه الأديبات العراقيات شاهدات على ماسي وصراعات عصرهن ليكون القارىْ شاهدا على شهادة تلك الكاتبات الناجيات من الحروب ومن الموت واللواتي يدون شهاداتهن ليعبرن عن رفضهن للحروب ومقاومتهن لقمع المرأة ومحاولات طمسها التي توازي طمس هوية بغداد.

وقد ناقش الرسالة باسهاب كل من الدكتورة نادية العلي استاذة دراسات الجندر في سواس/ جامعة لندن والدكتور زياد المرصفي أستاذ الأدب المعاصر في قسم اللغة الأنكليزية وأدابها /جامعة يورك، والرسالة تعد مرجعا أساسيا لفهم روح الابداع القصصي والروائي العراقي النسوي المعاصر خلال الحروب من قبل المتلقي والباحث الاوربي .

 

محسن الذهبي - مانشستر

 

د. علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي (4)

قراءة في كتاب "التشيع العلوي والتشيع الصفوي"

ان الشر الكبير الذي يواجه الحركات والنهضات السياسية والقومية والاجتماعية ( الدينية – المذهبية) والثوار والثورات هي وصولها الى نقطة الحد الأقصى (Maximum) في الخط البياني منذ النشوء حتى النمو على حد تعبير شريعتي. وعند الوصول الى هذه النقطة، تكون تلك الحركة او النهضة قد تجاوزت العقبات والعراقيل التي عادة ما تعترض طريق اية حركة جديدة وبعد ان تكون قد حطمت اثناء فترة نضالها الكثير من المفاهيم والقيم لتأتي بدلا عنها بمفاهيمها وقيمها ورؤاها عند وصولها للسلطة. وعندها تكون الحرب، حسب قول، شريعتي، قد وضعت اوزارها وانطفأت جذوة التغيير ولم يعد ثمة ما يقف في طريق الثائرين، حينها تبدأ الحالة الثورية بالضمور تدريجيا الى ان تتلاشى نهائيا بعد ان يترك الرجال (خندق المعارضة الى فندق السلطة) (1). وسيمارس هؤلاء ومن أجل الحفاظ على امتيازاتهم الجديدة نفس اسلوب النظام الذي سبقهم في قمع المعارضين لهم وان كانوا في خندق المعارضة سابقا، ويتهموهم بالخيانة اذا ما اختلفوا معهم في الرؤى. وتبقى الديموقراطية كنظام للحكم هي العلاج الحقيقي الذي لم يتطرق اليه شريعتي لانها تتقاطع مع الرؤية الاسلامية للحكم الذي يعتبر الاسلام مصدر التشريعات والحاكمية لله. فالرؤية الاسلامية هي على نقيض من الديموقراطية حيث الشعب مصدر التشريعات والسلطات.

وبعد ان يورد شريعتي بعض الامثلة ومنها انهيار الزرادشتية بعد ان تطورت من دين ضعيف اثناء العهد الاشكاني الى دين سلطة اثناء العهد الساساني، وبعض الامثلة عن الحركات التحررية في العالم قبل انهيار الاتحاد السوفيتي الذي اصبح نظام حكم يمارس القمع ضد مناوئيه، يصل الى التشيّع كحركة تحولت الى نظام مشيرا الى ان مقارنته للتشيّع مع الامثلة التي اوردها وتناولها من الناحية الاجتماعية فقط وليس من الجوانب (الفلسفية والكلامية والفقهية والاصولية ، وغير ذلك) (2) ، ليقول: "اذن للتشيّع حقبتان تاريخيتان، بينهما تمام الاختلاف. تبدأ الاولى من القرن الاول الهجري، حيث كان التشيّع معبراً عن الاسلام الحركي في مقابل الاسلام الرسمي والحكومي الذي كان يتمثل بالمذهب السني. وتمتد هذه الحقبة الى اوائل العهد الصفوي، حيث تبدأ الحقبة الثانية والتي تحول فيها المذهب الشيعي من تشيّع حركة ونهضة الى تشيّع حكومة ونظام" (3). وعندما تكون هناك حكومة ونظام ومصالح نخب سياسية يجب الحفاظ عليها، تكون هناك وسائل قمع جسدية وفكرية وتكرس الحكومة والنظام الجديد كل الامكانيات في المجتمع من اجل غسل ادمغة الناس، وهي بذلك لا تختلف في ممارساتها عن السلطة التي سبقتها بشيء، بل قد تكون اسوأ نتيجة تطور ادوات القمع والتضليل في عهدها عن سابقه .

لقد تحوّل التشيّع بعد ان كان مضطهدا ولا يمارس اتباعه طقوسهم بحرية، بل وكانوا يتعرضون للقمع اذ ما مارسوها بشكل علني، الى قوة كبرى بعد قيام الدولة الصفوية في العام 1501، حيث اصبح التشيّع مذهب الدولة ويمسك بزمام السلطة ليتحكم بالاجهزة الرسمية وغير الرسمية. وأصبح الحاكم الذي كان يقمع الشيعة ويلاحقهم ويقتلهم في الامس، من اكبر المدافعين عن التشيّع والولاء لأهل البيت (حتى انه يفتخر باعتبار نفسه "كلبا للأمام رضا"- "سگ امام رضا". ويا له من انتصار كما يقول شريعتي . ويضع هذا الحاكم نفسه نعليه على رقبته ويقصد على قدميه للزيارة من اصفهان الى مشهد حيث ضريح الامام الثامن عند الشيعة. يا له من انتصار . وهو نفس الحاكم الذي يشيّد مراقد ائمة اهل البيت بأبهى صورة حيث القبة من الذهب، والضريح من الفضة والمأذنة من السيراميك ... يا له من انتصار. إن الزيارة التي كانت حلما عند الشيعي اصبحت مظهرا رسميا تشجعه الدولة وتكرم فاعله كما لو كان قد حج بيت الله الحرام وربما افضل من ذلك .... يا له من انتصار. أما العلماء ورجال الدين فهم معززون مرفهون مكرمون يعيشون في ظروف جيدة للغاية ويجلسون جنبا الى جنب السلطان على مقعده الوثير. وقد يستشيرهم في كثير من الامور المتعلقة بمستقبل البلاد. بل ان السلطان لا يرى في نفسه القدرة والسلطة الا بمقدار ما يخوّله رجل الدين بالنيابة عن الامام صاحب الزمان .. يا له من انتصار.(4)

من هنا برأي شريعتي، بدأت هزيمة التشيّع وتحوّلت الحركة الى نظام اجتماعي رسمي مرتبط بمصالح النخبة السياسية والدينية ارتباطا وثيقا حيث لا يمكن الفصل بينهما. وهنا يكمن الخطر عندما يتحوّل "التشيّع" من ثورة على صعيد الفكر والايمان الى دراسة احكام الشك في الصلاة والوضوء والحيض وليقضي الشيعي نصف عمره في التمرن على القراءة الصحيحة مع ضبط مخارج الحروف حسب رأيه .

يعتبر علي شريعتي من المفكرين والسياسيين الايرانيين القلائل الذين نظروا الى الصراع العثماني الاوربي نظرة مغايرة مقارنة ليس بمعاصريه فقط ، بل وبالذين سبقوه ولليوم ايضا. فقد تجاوز شريعتي الحالة المذهبية التي صبغت هذا الصراع منذ نشوء الدولة الصفوية حتى الغاء نظام الخلافة بقرار من اتاتورك في آذار / مارس عام 1924، من خلال اعتباره الصراع العثماني الاوربي ، صراعا بين الاسلام والمسيحية. ولذا ومن خلال هذه الزاوية كان على الدولة الصفوية، حسب اعتقاد شريعتي، ان تقف الى جانب العثمانيين في ذلك الصراع، او على الأقل التزام الحياد في أسوأ الحالات من وجهة نظره .

لقد كانت الدولتان الصفوية والعثمانية ولعقود طويلة تخوضان صراعاً مستمراً ان لم عسكريا ففكريا. ووظفت كلتا الدولتان الكثير من المال والجهد لاثبات احقيتهما في الحكم على اساس الدين الاسلامي. ولا زال وحتى اليوم ينظر الكثير من الشيعة الى الدولة العثمانية كدولة طائفية ساهمت مساهمة كبيرة في قمع الشيعة ومذهبهم، خصوصا في المناطق التي كانت تحت سيطرتهم ، وهذا ما نستطيع ان نلمسه في قراءة محايدة لتاريخ الدولة العثمانية وكيفية تعاملها ليس مع الشيعة فقط بل ومع ابناء الشعوب والقوميات غير التركية وكذلك اتباع الديانات الاخرى من غير المسلمين من الذين كانوا يعيشون تحت حكمها. الا ان شريعتي لم يكن يهمه ذلك الصراع المذهبي بين الشيعة والسنة متمثلا بالدولتين الصفوية والعثمانية، بقدر ما كان يهمه الصراع العثماني الاوربي الذي هو صراع بين الاسلام والمسيحية، معتبرا الدولة العثمانية مركز الثقل الرسمي للمحور الاسلامي بينما يتركز مركز الجبهة المسيحية في اوربا ؟، فيقول:"لقد تمكنت الامبراطورية العثمانية من توحيد مختلف الاقوام والاجناس تحت راية الاسلام وشكلت منها كيانا سياسيا عسكريا منسجما، وأخذت بزمام ذلك الكيان العظيم . ولا ينبغي الشك هنا في ان الحكومة العثمانية كانت حكومة فاسدة ولم تكن تليق بحمل وسام الحكومة الاسلامية، اذا ما قارنا ممارساتها بمباديء الاسلام وقيمه الرفيعة، إلاّ اذا كان القياس والمقارنة ينطلقان من منظار كونها دولة تقف بوجه الاستعمار الغربي المسيحي الطامع بابتلاع الامة الاسلامية"(5) .

أن شريعتي اعتبر مهاجمة الصفويين للعثمانيين ومباغتتهم من الخلف حينما كان العثمانيون يحققون الانتصارات المتتالية لدحر القوات الغربية ، بأنها كانت (لحظة لهجوم غادر).(6)

واعتقد ان التطرق الى نشوء الدولة الصفوية قبل السفر مع شريعتي في كتابه هذا امر ضروري ، خصوصا وان اصل العائلة الصفوية قد شابه الكثير من الشك. فهناك من اعتبرهم من اصول تركية وأخرين من اصول كردية فيما يحاول بعض المؤرخين الشيعة اعتبارهم عرب من اهل البيت!! .

يعتبر القوميون الايرانيون الدولة الصفوية التي تأسست في العام 1501م اهم دولة ايرانية جاءت بعد الاحتلال العربي "الاسلامي" لايران خلافا لدول تأسست قبلها كالصفاريين والسامانيين وآل بويه والسربداران. فالدولة الصفوية هي الدولة الوحيدة التي استطاعت ان تبسط نفوذها ولاول مرة بعد الاحتلال العربي "الاسلامي" قرابة 500 عاما على كامل التراب الايراني ولتصل الى الحدود التي كانت عليها الدولة الساسانية. كما وانها قامت رسميا بتبني المذهب الشيعي كمذهب للدولة.

يقول الباحث الانكليزي Roger Savory في كتابه "ايران في العصر الصفوي"، أنه ليس هناك اي شك من ان للعائلة الصفوية جذور ايرانية وليس تركية مثلما يقال. وهناك احتمال كبير من ان العائلة جاءت من كردستان، وهاجرت بعدها الى مقاطعة آذربيجان حيث تعلمت التركية بلهجة تلك المنطقة قبل ان تستقر في مدينة اردبيل. فيما يقول المستشرق الروسي فلاديمير مينورسكي ان منطقة آذربيجان تحوّلت الى مركز للصفويين القادمين من مدينة اردبيل، الا ان العائلة الصفوية جاءت من مناطق اخرى تتحدث احدى اللغات الايرانية.

وحاول البعض من المؤرخين ارجاع اصل العائلة الصفوية الى جذور عربية وتحديدا هاشمية، معتمدين على كتاب صفوة الصفا لابن بزّاز وهو من مدينة اردبيل. وهناك العديد من الباحثين يعتقدون ان الكتاب المشار اليه تم تأليفه في عهد الشيخ صفي الدين اسحاق، وهو الجد الخامس لاسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية. وعليه فان الشكوك لازالت قائمة حول تكليف الكاتب لربط اصل العائلة الصفوية بآل البيت خصوصا بعد تشيّع الايلخانيين المغول في تلك الفترة. ويكمن السبب في محاولة تعريب الاسرة الصفوية واختيار الامام موسى الكاظم كجد اعلى لهم هو صبغهم بصبغة دينية تمنحهم الحصانة بين مريديهم في عالم السياسة لانهم من سلالة آل البيت، تماماً كمحاولة صدام حسين رسم شجرة عائلته وادّعاء انحدار نسبها من آل البيت. ولازال الكثير من علماء ومؤرخي الشيعة يصرون على عربية وهاشمية العائلة الصفوية، ومنهم الشيخ محمد جواد مغنية اذ يعرّف اسماعيل الصفوي على انه : (اسماعيل بن حيدر بن جنيد بن صفي الدين الذي ينتهي نسبه الى الامام موسى الكاظم) (7).

وعودة لبداية تأسيس الدولة الصفوية ومواجهتها للدولة العثمانية سياسيا وطائفيا وكرد فعل للمظالم التي تعرض لها الشيعة لقرون عديدة، فقد شَهَر الصفويون سيوفهم منادين بالثأر من السنة. وكان (القزلباشية) الصفوية يجولون في الشوارع والطرقات منادين باللعنة على ابي بكر وعمر. وكان على المارة ترديد اللعنة هذه والا فان الحراس يغرزون حرابهم في صدر من يرفض " لاخراجه من حالة الشك والتردد " (8) . وقد قتل خلال تلك الفترة الالاف من الابرياء نتيجة الجهل والتعصب الطائفي، الذي استثمرته المؤسسة الدينية والقوى السياسية التي تناغمت معها، وليتحوّل الصراع الفكري الى صراع سياسي بين فئتين كامتداد لصراع سياسي قديم. ولكن هل أن ظهور نزعة الانتقام من السنة في ايران ، قد رافقها ظهور نفس النزعة في الاناضول ام لا ؟. الجواب نعم ، فالملالي السنة ووقوفا ضد الحركة المنادية بإبادة السنة في ايران، كانوا يجيّشون البسطاء من الناس للدفاع عن الاسلام وسنة نبيه!، حيث يرتقي احدهم المنبر "ويشّمر عن ساعده الى المرفق ويغمرها في قارورة مملوءة بـالشيرة (سكر مذاب في الماء باللغة الفارسية)، ثم يخرجها ليغمرها في قارورة اخرى مملوءة بالذرة ويخرجها مرة ثانية ويتوجه الى مخاطبيه بالقول كم من الذرة علقت في يدي هذه ؟". وعندما تنتاب الحيرة الحاضرين في الجواب لكثرة العدد، يضرب صاحبنا ضربته بعد ان نجح في التأثير نفسيا عليهم فيصدر فتواه (بأنّ من يستطيع أن يحظى برافضي ويقتله فأن نصيبه من الحسنات سيكون بقدر الذي علق بساعد الملا). وعلينا ان نتخيل هنا مدى الوحشية التي غرزها الملالي في نفوس البسطاء، والتي اخذت طريقها في حملات ابادة يندى لها الجبين من قبل الطرفين تجاه بعضهم البعض .

 

زكي رضا

الدنمارك

5/11/2014

........................

(1) التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي ص 56 "

(2) " المصدر أعلاه ص 63 "

(3) " نفس المصدر ص 63 "

(4) " نفس المصدر ص 64 "

(5) " المصدر السابق ص 67 "

(6) " المصدر السابق ص 72 "

(7) " الشيعة في الميزان ، محمد جواد مغنية ص 346 "

(8) " التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي ص 75 "

 

قراءة في كتاب معالم في الطريق لـسيد قطب (3-4)

adnan oayeedطبيعة المنهج القرآني: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)

يعتبر المنهج القرآني عند سيد قطب قد حقق وجوده الفعلي لأول مرة في المرحة "المكية" من تاريخ حياة المسلمين كما بينا سابقاً. هذا المنهج الذي جاء أساساً لمعالجة قضية أولى وكبرى وأساسية في هذا الدين الجديد، هي قضية (العقيدة)، ممثلة في قاعدتها الرئيسة (الإلوهية والعبودية وما بينهما من علاقة). (1) .

إن الله وفقاً لهذا المنهج، كان يخاطب الإنسان بما أنه إنسان، يستوي فيه العربي مع العربي في كل زمان ومكان، كما يستوي فيه العربي مع غيره في كل زمان ومكان أيضاً. إنه إنسان "العقيدة" بغض النظر عن مرجعيته العرقية أو الوطنية. وهي قضية وجوده أيضا في هذا الكون، وقضية مصيره، وعلاقته بالكون وبهؤلاء الأحياء، وكذلك قضية علاقته بخالق هذا الكون وخالق هذه الأحياء. وهي قضية وجوده التي لا تتغير.

يقول سيد قطب : عن هذا القرآن (المكي): بأنه كان يفسر للإنسان سر وجوده، ووجود الكون من حوله، كان يقول له من هو؟، ومن أين جاء؟، ولماذا جاء؟، وإلى أين يذهب في نهاية المطاف؟، ومن ذا الذي جاء به من العدم المجهول؟، ومن ذا الذي يذهب به، وما مصيره هناك؟.

كما كان يقول له: ما هذا الوجود الذي يحسه ويراه، والذي يحس وراءه غيباً يستشرفه ولا يراه؟. ثم من أنشأ هذا الوجود المليء بالأسرار؟، ومن ذا الذي يدبره ويجدد فيه ويغيره على النحو الذي يراه؟. وكان يقول له كذلك: كيف يتعامل مع خالق هذا الكون ومع عباد الله من أمثاله.

إذاً هذه هي القضية الكبرى التي يقوم عليها الوجود الإنساني، والتي حدد المنهج القرآني مساراتها كلها لهذا الإنسان الذي لم يعد له أي دور في كشفها أو كيف يتعامل معها، لأن كل شيء قد حُدد له بشكل مسبق وما عليه إلا الاستسلام والامتثال والتنفيذ لأوامر هذا المنهج.

بيد أن المسألة الأكثر أهمية عند "قطب" هي أن الجيل الأول (المكي) قد استوعب هذه القضية الكبرى بكل معطياتها التي جئنا عليها، واستقرت استقراراً مكيناً ثابتاً في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان التي قدر الله أن يقوم هذا الدين آنذاك عليها وبها، وأن تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا الدين. متناسياً قطب هنا بطبيعة الحال أن هذا الإنسان المثالي الذي جرده من كل خصائص الإنسان الواعي، هو ذاته من كان وراء الفتنة الأولى والثانية وحرب صفين وظهور الصراعات الدامية على السلطة، كما نسي تلك الاختلافات بين أفراد ذاك الجيل حول تفسير القرآن وحتى خروج لعض الصحابة أو التردد عن طاعة الرسول، او وغير ذلك من خلافات في قضايا العقيدة ذاتها التي اعتبرها "قطب" ذاك المنهج الذي على الإنسان أن يستسلم له كلياً، حيث عم الخلاف بينهم حول: هل الإنسان مسير أم مخير، وهل هناك تجسيد للصفات أم ليس كمثله شيء ، وهل الخلافة بالوصية أم بالانتخاب.. وغير ذلك من قضايا خلافية ورثها لنا الجيل الأول لم نزل نعيش نتائجها الوخيمة حتى هذا التاريخ.

ثم ينتقل سيد قطب في هذا السياق إلى مسألة "الإلوهية" حيث يرى بأن حكمة الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تتصدى لها الدعوة منذ اليوم الأول للرسالة، وأن يبدأ الرسول منذ خطواته الأولى بدعوى الناس أن يشهدوا: (أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، وهو بدعوته هذه يريد إقناعهم أو ترسيخ فكرة أن الإلوهية تعني " حاكميه الله"، التي تعني كما اشرنا في موقع سابق نزع السلطة أو السلطان الذي يزاوله الكهان ومشايخ القبائل والأمراء والحكام، وإقرارها لله وحده، السلطان الوحيد على ضمائر الناس وشعائرهم وواقعيات حياتهم ومالهم وقضائهم وأرواحهم وابدأنهم. أو بتعبير آخر إن (الإلوهية) ودور الرسول محمد (ص) في تطبيق دلالاتها ممثلة بـ (لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، كما يراد لها، بان لا حاكميه إلا لله، ولا شريعة إلا لله، ولا سلطان لأحد على احد إلا سلطان الله، وأن ما يقوله الرسول هو ما يريده الله ويأمر به .(وما أتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا).-الحشر – 7 . وان الجنسية الخاضعة لهذه الحاكمية معرفةً وتنفيذاً أوامريا هي (جنسية العقيدة)، التي يتساوى فيها البشر جميعاً تحت راية الله. (لا إله إلا الله).

إن الدعوة الإسلامية بصيغتها التي جئنا عليها كما يراها قطب، ليست دعوة اجتماعية ترمي إلى نشر العدالة فحسب، أو هي دعوة أخلاقية ترمي إلى الخلاص من الأخلاق الجاهلية أيضاً، وإنما هي دعوة دينية تتولى شؤون الحياة الإنسانية كبيرها وصغيرها، وهي تنظم حياة الإنسان في الدنيا والآخرة وعالم الغيب، لقد جاءت هذه الدعوة لتتعامل مع عالمه المادي وأعماق ضميره ودنيا السرائر والنوايا عنده .. إنها مؤسسة ضخمة هائلة شاسعة مترامية كما يراها قطب.(3) .

إن هكذا عقيدة (لا إله إلا الله)، تمتاز بهذه السمات والخصائص لا يمكن أن تتحقق عبر الواقع ما لم تستقر في أعماق الإنسان المعتنق لها، وهذا الاستقرار لا يأتي إلا مع استسلام النفوس لنظامها، وحتى قبل أن تمر عليه تفصيلاتها وتشريعاتها. فالاستسلام ابتداءً هو مقتضى الإيمان.. وبمثل هذا الاستسلام تتلقى النفوس فيما بعد كل تلك التفصيلات والتشريعات بالرضا والقبول، دون اعتراض أو تلكؤ عن أي شيء عند صدورها إلى المسلم .

أما القضية الأخرى من جانب هذا الدين كما يراها سيد قطب، فهي اعتبار المنهج الديني منهجاً حركياً، حيث يرى: (بأن هذا الدين جاء ليحكم الحياة في واقعها ويواجه هذا الواقع ليقضي فيه بأمره...ويقره ..أو يعدله.. أو يغيره من أساسه.. ومن ثم فهو لا يُشرع إلا لحالات واقعة فعلاً، في مجتمع يعترف ابتداءً بحاكميه الله وحده.). (5).

فالدين عند قطب إذاً ليس نظرية تتعامل مع "فروض" كما يقول سيد قطب، بل هو منهج يتعامل مع "واقع" وفقاً لحاكميه الله، وهذا يعني أن الدين يرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه الحاكمية أو يعتمد على أوامرها الواردة في (القرآن). وبهذا تُلخص مسألة الحاكمية هنا تطبيقاً وفقا للواقع الملموس المتحرك المتبدل الذي وجدت حلوله بشكل مسبق في هذه العقيدة . فالمجتمع عندما يقوم فعلاً كمجتمع إسلامي تكون له حياته الواقعية، وهذه الحياة تحتاج إلى تنظيم وتشريع، وعندئذ فقط يبدأ هذا الدين في تقرير النظم وسن الشرائع لقوم مستسلمين أصلاً للنظم والشرائع المقررة بشكل مسبق في القرآن، ورافضين لغيرها من النظم. أما السلطان الذي يفرض تطبيق هذه الشرائع فهو العقيدة التي استقرت في قلبه وضميره ووجدانه واستسلم لها أصلاً . لذلك نرى سيد قطب في هذا الاتجاه يعيب على الذين يريدون من المسلمين أو غيرهم من الكفار أن يغيروا أو يجعلوا من العقيدة ومنهجها ما يداري أو يناقش أو يقارن معرفياً ما بينها وبين النظريات الوضعية (الجاهلية)، كي تلبي هذه العقيدة رغبات وقتيه لديهم أو في نفوسهم. فهذه الرغبات عند قطب، تشكل في حال قبولها هزيمة داخلية روحية أمام أنظمة بشرية صغيرة، يريدون منها صياغة نظريات وفروض تواجه مستقبلاً غير موجود. (6) . وبالتالي فإن الدعوة لإنشاء هذا الدين وفقاً لسيرته الأولى النقية، يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة حتى ولو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادة الميلاد بأنهم مسلمين، يجب أن يعلموا أن الإسلام هو (أولاً) إقرار عقيدة: (لا إله إلا الله)، بمدلولها الحقيقي، وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله، وطرد المعتدين على سلطان الله بإدعاء الحق لأنفسهم، وإقرارها في ضمائرهم وشعائرهم وأوضاعهم وواقعهم. (7) .

يقول سيد قطب في مسألة نشأة المجتمع المسلم وخصائصه معتمداً في ذلك عل كتاب "مبادئ الإسلام" لأبي الأعلى المودودي: إن الناس محكومون بقوانين فطرية من صنع الله في نشأتهم ونموهم وصحتهم ومرضهم وحياتهم وموتهم، كما هم محكومون بهذه بالقوانين في حياتهم الاجتماعية وعواقب ما يحل بهم نتيجة لحركتهم الاختيارية وهم لا يملكون تغيير سنة الله في القوانين الكونية التي تحكم هذا الكون وتصرفه،. وبالتالي عليهم أن يثوبوا إلى الإسلام في الجانب الإرادي من حياتهم فيجعلوا شريعة الله هي الحاكمية في كل شأن من شؤون حياتهم، تنسيقاً بين الجانب الإرادي في حياتهم والجانب الفطري. وتنسيقاً بين وجودهم كله بشطريه هذين وبين الوجود الكوني. (8).

إن موقف سيد قطب من قضية حرية الإرادة كما جاءت هنا تذكرنا بموقف الأشاعرة من هذه المسألة في نظرية (الكسب)، التي تقول إن الله قد أعطى الإنسان حرية الاختيار والممارسة، إلا أن هذه الحرية مقدرة من عند الله بشكل مسبق في اللوح المحفوظ. وهذا هو الجبر بذاته وإقصاء حرية وعقل الإنسان.

يقول سيد قطب أخيرا في مسألة طبيعة المنهج القرآني: (إن التصور الإسلامي للإلوهية ، وللوجود الكوني، ولحياة الإنسان، هو تصور شامل كامل، ولكنه تصور واقعي إيجابي، وهو يكره – بطبيعته – أن يمثل في تصور ذهني معرفي، لأن هذا يخالف طبيعته وغايته، ويجب أن يتمثل وينمو في أناسي، وفي تنظيم حي، وفي حركة واقعية.. وطريقة في التكوين..) (9) .

إذاً إن ما يرمي إليه هنا سيد قطب هو وجود تنظيم (حزب) له حوامله الاجتماعية (الصفوة) المؤمنة إيماناً مطلقاً بالحاكمية، وتعمل على تطبيقها وتحمل مشاقها وعنائها وكل ما يمكن أن تتعرض له من الطاغوت وحياة الجاهلية المترسبة في نفوس الناس. وهذا التنظيم وصفوته هو حزب (الإخوان المسلمون). الذي يعوّل عليه سيد قطب بناء الدولة الإسلامية أو المجتمع الإسلامي الذي أجد في توصيفه من قبل سيد قطب توصيفاً يقترب كثيراً من توصيف الشيوعيين لمجتمعهم الذي يحلمون بإقامته.. فسيد قطب يجد أن المجتمع الإسلامي المتفوق (ألأممي)، الذي لا يميز بين العربي والفارسي والتركي والصيني والهندي والروماني والإغريقي والاندونيسي والأفريقي.. هؤلاء الذين سيجتمعون كلهم على قدر المساواة وبآصرة الحب، وبشعور التطلع إلى وجهة واحدة. فسيبذلون جميعهم أقصى كفاياتهم، ويبرزون خصائص جنسهم، ويصبون خلاصة تجاربهم الشخصية والقومية والتاريخية في بناء هذا المجتمع الواحد الذي ينتسبون إليه جميعاً على قدم المساواة، وتجمع بينهم آصرة تتعلق بربهم الواحد، وتبرز فيها إنسانيتهم وحدها بلا عائق،وهذا ما لم يجتمع قط لأي مجتمع آخر على مدار التاريخ.

أما الفرق بين هذا المجتمع الإسلامي المثالي المتصور من قبل سيد قطب والمجتمع الشيوعي المتصور من قبل الشيوعيين فهو المجتمع الذي يختلف فقط برأيي في رؤية سيد قطب للمجتمع الشيوعي الذي يقول عنه:: (إن الشيوعية تريد إقامة مجتمعها على أسس طبقية من جهة. ومن جهة ثانية هو مجتمع لا يبحث إلا عن الطعام والمسكن والجنس).. (10) وسيد قطب هنا في مسألة رفضه للمجتمع النظيف طبقياً - بغض النظر عن إمكانية إقامته أو عدمها – فهو ممن يؤمن بوجود الطبقات في المجتمع، وهذا يتنافى مع مسألة العدالة والمساواة المطلقة التي ينادي بها، أو إقراره بأن هناك عدلاً آخر في المنهج الإلهي الذي يطالب به يختلف عن عدل مجتمعات الجاهلية. أما قضية أن المجتمع الشيوعي الذي يقول عنه بأنه مجتمع لا يبحث إلا عن (الطعام والملبس والجنس)، فهذه مسألة فيها الكثير من التجني على التصور الشيوعي لعالم إنسانه القادم (الحلم)، كما جاء في أدبيات الأحزاب الشيوعية.

هكذا نجد هنا التنظير لبناء دولة فاضلة، لا ينتمي شعبها لأي مرجعية قومية أو وطنية أو فكرية كانت... التنظير لبناء دولة لم يزل شعبها أو إنسانها يعيش حالات من الجاهلية المشبعة بظلم الإنسان واستلابه وضياعه، تقوده سلطات جاهلية ظالمة، تحكم بأنظمة ونظريات تشرع لقوانين وتشريعات جاهلية. والحل الوحيد لخروجها من هذه المتاهة هو العودة إلى التمسك من جديد بالنهج الإلهي القائم على إلوهية الله (لا إله إلا الله)، الذي أقره القرآن في المرحلة المكية من حياة الإسلام، وبالركن الثاني من أركان الإسلام وهو شهادة (أن محمداً رسول الله)، المعني بتبليغ هذه الحاكمية. هذه المرحلة التي يعتقد فيها سيد قطب أن الصحابة من الجيل الأول قد تمثلوا هذا المنهج القرآني فكراً وممارسة بعد أن استلهموه واستسلموا له كلياً برضا، وتخلوا عن جاهليتهم وكل ما يتعلق بحياتهم المادية والفكرية السابقة، وجذروه في أعماق ضميرهم ووجدانهم وفكرهم، وجعلوا من حاكميه الله المصدر الوحيد الذي سيحدد لهم كل مسار حياتهم حاضراً ومستقبلاً، وما تتخلله شؤون حياتهم الإنسانية كبيرها وصغيرها.. إن المنهج ذاته، أي – الحاكمية – هي بدورها من ستظل تنظم حياتهم في الدنيا والآخرة وعالم الغيب، وذلك عبر قيادة صفوة ممن وجدوا في أنفسهم القدرة على تمثل قيم الحاكمية والصبر على نشرها وتحمل تجسيدها في الواقع، وهم (الأخوان المسلمون).

 

....................

1- - سيد قطب – معالم في الطريق – مكتبة وهبة – القاهرة – دون تاريخ نشر. - ص 20

2- المرجع السابق-ص 32

3- المرجع السابق ص 33

4- المرجع السابق ص 35

5- المرجع السابق ص 35

6- المرجع السابق ص 47

7- المرجع السابق ص41

8- المرجع نفسه ص 41

10- المرجع السابق –ص 54

 

همسات لمدينة العشق مجموعة جديدة للشاعر حسن عبد الغني الحمادي

صدر عن دار تموز للنشر والطباعة مجموعة همسات لمدينة العشق للشاعر حسن عبد الغني الحمادي

ضمت المجموعة 19 قصيدة وكان الإهداء:

إلى مدينتي التي أحبها

حبا جما ...

الناصرية .

كتب الشاعر قصائده بحب مدينته .. يقول في قصيدته "همسات لمدينة العشق "

كان العشق عشبا وماء

صار العشق

تراتيل، تتغنى بلغة الحناء

لقد تحول هذا العشق بعدما كان عشبا وماء صار تراتيل ولتكن تراتيل الفرح فالحناء هنا في الجنوب تستخدم عند الفرح .إلا تفرح هذه المدينة التي تنجب كل هذا الجمال.

في قصيدته "مكاشفات متأخرة "كتب الشاعر:

عاشقان لا يتوهمان

أحداهما مات في خاصرة الشوق

والآخر قيده الحرمان

الشعر كان سلوه لهما

هوى وحرقة

وحزمة من الأشجان

نعم هذا هو حال العشاق .. يقتلهم الشوق أو القيد هما لم يكونا على وهم هما الحقيقة، لكن لا مفر من الموت شوقا ..ما أروع عشقنا نحن أبناء الناصرية لمدينتنا .

"للناصرية ...

تعطش،

وشربك ماي

باثنين ايدية ."

في قصيدته "صور من أمس المدينة ""تحف المدينة

التحف المسالمة تبعث فيك البهجة والتأمل، ربما تمنحك من أنينها ومضة .

قال مرة أحد الحكماء :"المجانين جواهر المدن، لا أستطيع أن أتصور المدينة خالية من المجانين "لكننا نقول "أنهم ليسوا بمجانين ...أنهم تحف مسالمة "

هم تحف مسالة أولئك الشعراء المجانين الذين يطعمون أيامهم ويجعلونها وقودا للكلمة هم المجانين وهم العشاق وهم الفلاسفة وهم تحف المدينة النفيسة .

ينود بألم

لأنه فقد سره

صورة جميلة رغم ما تحمله من الألم .

وفي القصيدة نفسها كتب الشاعر حسن عبد الغني الحمادي

اسمه "مصباح "

لكنه لم يضيء مثل المصابيح

أنطفأ

يا ترى لماذا؟! ويا للمفارقة هذا الذي سمي مصباح لم يضيء كان منطفئا .. أليس هذا ما نحن عليه ..

قصائد عشق للمدينة التي تصمت، تاركة مبدعيها يخوضون بدروب الإبداع ليس لهم الا القلم والورقة يسطرون آلامهم أشواقهم عشقهم ولوعتهم يتذكرهم التراب والهواء وأحاديث السمر ..

أنها الناصرية .

وأخير تأملوا هذه الصورة المعبرة من قصيدته "علي السباعي .. حلم وأحزان " يقول الشاعر:

فبين صمتك

والناصرية

سحر يظللنا بعيدا هناك

صوب النهاية .

خطت القصائد بمفردات جميلة فللشاعر لغته العاشقة التي تميزت بها نصوصه، ضمت المجموعة القصائد: هوية، همسات لمدينة العشق، عاشق، مكاشفات متأخرة، صور من أمس المدينة، انتماء.، ثلاثية الحزن، من وجع الحروف، وجع الانتماء ومضة، اعترافات عاشق، آهات من وجع المدينة، تراتيل عشق على بوابة مدينتي، حلم وأنين، يغادرون عمدا، حكاية المدينة والشارع، ولادة مدينة، علي السباعي حلم وأنين .

........خلود البدري

معلومات إضافية