كتب واصدارات وقراءات

صدور الطبعة الثانية من كتاب "كنز الحكايات" للكاتب احمد الحلي

545-holiعن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة وبالتعاون مع المركز الثقافي للطباعة والنشر بالعراق صدرت مؤخراً طبعة ثانية من كتاب "كنز الحكايات" للكاتب والباحث العراقي أحمد الحلي.

يوفر كتاب (كنز الحكايات) المتضمن حكاياتٍ منتقاة بعناية شديدة معاد صياغة غالبيتها من قبل مؤلفة الضليع بالمأثورات الشعبية ، لمتلقيه متعةً جمالية أخّاذةً قلما يوفرها كتابٌ آخر في أيًّ من فروع المعرفة الإنسانية ، من هذا الكتاب القيّم أن يأخذ بيديْ قارئه عبر أزمنةٍ من عصورٍ مختلفة ، أزمنةٍ كانت متوافرةً ومتاحةً فعلياً على أرض الواقع ، وأخرى ربما تكون من صنع ونسج الخيال ، بما يتيحه هذا الخيال المجنّح من ممالك سحريةٍ غرائبية واسطورية تعوّض الأشخاص والشرائح الاجتماعية المقهورة عن كثيرٍ مما فقدوه وافتقدوه في واقعهم المعاش ، حكايات تغوص عميقاً في خلجات النفس البشرية ، وتحلّق عالياً في أجواء الأمنيات والرغائب المستحيلة عبر حبكةٍ متناغمة وسلاسة تبدو للوهلة الأولى بسيطة وأحياناً سطحية ، ولكن المتلقي النابه لو تمعّن قليلاً لوجد أنها محتشدةٌ بالرؤى الدفينة مكتنزة بالمعاني العميقة والمشاعر الجيّاشة .

545-holiبوسع قارئ هذا الكتاب، أن يساوره الإحساس بعد انتهائه من قراءته ، إنه قد وقع فعلياً وعملياً على كنز ثمين .

تكمن أهمية هذا الكتاب الاستثنائية ، في إمكان قراءته واستيعابه من كافة المستويات والشرائح ، على صعيد توفّره على متعة الفن الروائي والمتعة العادية الخالصة أيضاً . من شأن هذا الكتاب أيضاً أن ينمّي القدرات الذهنية لدى الناشئة ويسمو بذائقتهم ويفتح الآفاق الرحيبة أمام عقلياتهم ومدركاتهم الغضة .

إنه بحق الكتاب الضروري الذي لا غنى عنه لكل مكتبة شخصية ولكل بيت .

ومما جاء في مقدمة الكتاب؛

"تمتلك الحكاية الشعبية من المزايا والسمات ما يجعلها تتنقل بحرية شبه مطلقة عبر حواجز اللغة والجغرافيا والزمن، ولعل من أبرز مقوماتها أن جميعها يجنح نحو السهولة والسلاسة بالإضافة إلى عمق المعنى ورسوخ الدلالة للتعبير عن الفكرة المراد إيصالها، وربما لا نجد على الإطلاق شعباً من الشعوب أو أمةً من الأمم لا يعتز أفرادها بحكايات أسلافهم ومروياتهم الماضي البعيد أو القريب، يتلاقفونها جيلاً بعد جيل، ثم لتصبح بعد ذلك جزءاً ومكوّناً أساساً من الذاكرة الجمعية ، يختزن ما تواضع عليه الناس في مراحل زمنية معينة من قيم وأخلاقيات وأفكار وتطلعات ورؤى بل وحتى خيال خصبٍ أيضاً

وبهذا المعنى، فإن الحكاية الشعبية من شأنها أن تحمل ملامح اتمعات عبر عصورهم المختلفة، وما يحيط بهم من تضاريس بيئية وجغرافية ومناخية ".

 

عقيدة اليهودي "هلدبراند" في اثر اليهود في حركة الانشقاق الديني المسيحي

adnan alsahtriظهرت عقيدة اليهودي التائه في أورشليم (القدس) حيث كانت محكمة قد عقدت فيها محاكمة السيد المسيح بطلب من اليهود. واصدر الحاكم الروماني (بيلاطس البنطي Pontius Pilate) حكمه - دون رغبة منه – بصلب المسيح نزولا على إرادة اليهود و كانت العادة أن يحمل المحكوم صليبه على كتفيه من المحكمة حتى ساحة الصلب. فحملوا المسيح صليبه و كان ثقيلا فناء به و عندما وصل الى باب المحكمة تباطأ قليلا ليستريح و صادف وقوفه قرب رجل يهودي اسمه (كارتافيلوس Cartaphilus) يعمل بوابا في قاعة المحكمة. فما ان رآه متباطئا حتى ضربه على ظهره يستحثه على الإسراع و قال له (اذهب لا تتأخر) فنظر المسيح اليه و أجاب (أنا ذاهب و اما انت فستنتظر حتى أعود) Ency.Br.Vol.23 P.187))

و ذهب المسيح فصلب في المكان المسمى بالجمجمة أو (الجلجثة Gilgotha). إما كارتافيلوس اليهودي فقد حل عليه دعاء المسيح بالخلود و بقى حيا ينتظر عودة السيد و موعدها يوم القيامة (TheLast Judgment). و راح يجول في الآفاق كئيبا ذليلا رجيما كإبليس يتمنى الموت ليستريح فلا يدركه. و في كل مائة عام أو نحوها يصاب بمرض عضال و يروح في سبات عميق يفيق منه شابا قويا ليعاود التجوال مائة عام أخرى و هكذا دواليك. (ديورانت/26/130)

عقيدة اليهودي التائه هذه توظفها الدكتورة ريا رياض حمود السعدون في أطروحتها الموسومة (اثر اليهود في حركة الانشقاق الديني المسيحي)، لكنها تستشهد برواية موجزة وتفيد إن السيد المسيح وأثناء عملية صلبه ضربه يهودي فتنبأ له المسيح بأنه سيطول عمره حتى يظهر من جديد ويعلن توبته ويتحول إلى المسيحية وهي من ابرز علامات اليهود عند المسيحيين وقد استغلها اليهود فنشروا آنذاك فكرة ظهور ذلك الشخص في أديرة ايطاليا وألمانيا وفرنسا مما أثار ضجة كبيرة خصوصا بعد أداء قساوسة تلك الأديرة القسم بأنهم رأوا وتناولوا معه العشاء.

وهذا يؤكد وكما تقول "د.ريا" على ان اليهود حرصوا على ترسيخ مفهوم الظهور ومزامنته مع تلك الحملة الصليبية وهيئوا لذلك بواسطة عقيدة اليهودي التائه المذكورة في الإنجيل والتي تعني قرب الظهور.

في العصور الوسطى ظهرت في أوربا قوة إقطاعية ذات ايديولوجيا كنسية وترتكز على ركيزتين هما الكنيسة الكاثوليكية والإمبراطورية الرومانية المقدسة نبذت اليهود ومارست معهم جميع أشكال الاضطهاد والاستلاب لأنها تعد فرض العيش المهين على اليهود وسقوط أورشليم وشتات اليهود عقاب من الله لليهود على صلبهم المسيح .

فاختارت هذه القوة الإقطاعية الكنسية عائلة البيرليوني،وهي أسرة يهودية تعد من أشهر العوائل في روما للتغلغل في المسيحية لإيجاد فجوة في جدارها الديني وتوظيف الأصولية اليهودية في البناء المسيحي وغوص الفلسفة العبرانية في الدين المسيحي .

سيطر أفراد البيرليوني على كنيسة روما واعتلاء الكرسي البابوي فكان اخطر اختراق يهودي للكنيسة الكاثوليكية وصعود شخصية من البيت البيرليوني اليهودي الى الكرسي الفاتيكاني وهو جراتيان بيرلوني وكان تحت اسم البابا غريغوري السادس الذي قرر التنازل عن كرسي البابوية بسبب أحداث ترويها الباحثة القديرة، فيختار من المانيا مكانا لاستقراره الجديد بدلا من الأديرة والأراضي الايطالية حاملا معه أشهر شخصية في التاريخ الأوربي والأكثر غموضا على الإطلاق، حيث كان الغاية من مرافقته لتلك الشخصية هي إعدادها لما يناط بها من مهام مستقبلية، تلك الشخصية هي هلدبراند الذي أصبح فيما بعد البابا غريغوري السابع.

وبالرغم من التساؤلات والغموض التي أحاطت بتلك الشخصية وأشارت احد المصادر إليها بأنه ليس يهودي وليس من عائلة البيرليوني الا ان د.ريا السعدون مع يهودية هلدبراند وترى انه فعلا ابن ذلك الرباني لما تمتع به من دهاء قيل انه ورثه عن والده .

كان هلدبراند وبامتياز سفاح الفاتيكان الأول وهو ماثبت ضده في مؤتمر بروكسن عام 1080 عندما أعلن القساوسه في ذلك الاجتماع اتهامهم الصريح لهلدبراند بقتل البابوات الخمسة السابقين لتوليه الكرسي البابوي.

وظف هلدبراند جميع تناقضاته لتنفيذ خططه بدهاء،ففي الوقت الذي حرم فيه على رجال الدين حمل السلاح قام بإعداد ميليشيات مسلحة في روما كان الغاية منها الدفاع حين اللزوم عن الخطط الهلدبراندية وهو ما كان يتوقع حدوثه ومن خلفه أسرة البيرليوني.

ومع اعتلاء البابا فكتور الثاني الكرسي البابوي وكان ارتقائه ينذر بسوء الطالع،فقد عادت الوصفة الهلدبراندية بالقتل فوقع "فكتور الثاني" صريعا ذلك السم الخاص بالبابوات مما ترك فسحة لهلبراند لإظهار مدى سيطرته على البابوية وعدم فسح المجال للمناوئين في انتهاز الفرصة وسحب البساط من تحت قدميه .

وعلى اثر أحداث تذكرها الباحثة القديرة وجدا هلدبراند ضرورة إحكام السيطرة على البابوية والارتقاء بتلك السلطة وإخراجها من سيطرة الإمبراطورية التي لطالما كان لها الحق في اختيار البابا وليجعل من السلطة الدينية سلطة أعلى من السلطة الزمنية .

ثمة ظروف وأحداث ومجريات ترويها دكتورة ريا السعدون في أطروحتها عن اتجاهات هلدبراند الكنسية ذات السلوك المنحرف، حيث توفرت بيئة ملائمة له جعلته أن يعتقد إن الأوان قد آن لارتقاء منصب البابوية فسقى البابا نفس الكأس الذي سقا منها سابقيه ولم يطرح اسم آخر لارتقاء الكرسي البابوي بل رحب بذلك المنصب وقبل باعتلاء الكرسي البابوي عام 1037 باسم "جريجوري السابع" بعد أن دفع المسيحيين أرواحهم ثمنا لكل المخططات التي وضعها للسيطرة على عرش البابوية المسيحية الذي لاقى منها اليهود الأمرين في القرون السابقة .

النزوع الانفرادي في السيطرة دفعت هلدبراند الى اتخاذ قرار يحرم فيه عمل رجال الدين من المتزوجين وعزلهم عن الوعظ في الكنائس مالم يقوموا بالانفصال عن زوجاتهم، وهذا القرار المتعلق برجال الدين والذي صدر عام 1074 أجج ضده اعتراضات منقطعة النظير في كافة انحاء العالم المسيحي حتى ان بعض الكنائس رفضت الانصياع وهو بذلك اوجد انقسام داخل الكنيسة الكاثوليكية .

وانفصال الكنائس هذا لم يمنعه عن التمادي عن قراراته فاصدر قرارات أخرى وأضاف إليها مرسوما يمنح فيه لنفسه الحق والقدرة خلع الحكام في حين ان الآخرين لا يملكون الحق في خلع البابا لان سلطة البابا مستمده من الله على حد زعمه في حين سلطة الإمبراطور ممنوحة من البابا،وقد خانه ذكائه في ذلك المرسوم واظهر نفسه كدكتاتور علماني يطمح الى السيطرة على العالم .....

هذا موجز يمثل جانبا من اطروحة الدكتورة ريا رياض حمود السعدون والموسومة (اثر اليهود في حركة الانشقاق الديني المسيحي) وهي اطروحة ممتعة ومفيدة وجديرة بالقراءة .      

 

قراءة وعرض : عدنان طعمة

 

صدور كتاب: الديمقراطية المتعثِّرة: مسار التحركات العربية الراهنة من أجل الديمقراطية

صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب "الديمقراطية المتعثِّرة: مسار التحركات العربية الراهنة من أجل الديمقراطية". وهو يضم أعمالاللقاء الحادي والعشرون لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية الذي عقد في جامعة أكسفورد في أغسطس 2013.

يبحث هذا الكتاب في حصيلة الحراك الذي شهدته البلدان العربية واستطاع إسقاط أنظمة الحكم في كلٍّ من تونس ومصر وليبيا واليمن، في حين أدخل المغرب في مسار إرادي للإصلاح في ظل الحكم القائم. كما يحلل الكتاب ويناقش الدساتير والمؤسسات الجديدة التي كان من المفترض أن تؤسس أنظمة حكم ديمقراطية في هذه البلدان، غير أن تطورات الأحداث فيها شهدت انتكاسات بات من الصعب معها الحديث عن تحقيق إنجازات مأمولة.

ساهم في هذا الكتاب نخبة من الباحثين العرب المتخصصين في حقول مختلفة من العلوم السياسية والاجتماعية، الذين نجحوا في تقديم قراءات جديدة لـ"الثورات" العربية لم تقتصر على تفسير أسبابها وظروفها التاريخية وقواها وآلياتها... بل أجرت تقييماً نقدياً لمسارها الانتقالي بعد مرور نحو ثلاث سنوات على انطلاقها.

 

اضغط هنـــا لزيارة صفحة الكتاب في موقع الجماعة العربية للديمقراطية.

 

محتويات الكتاب

صفحة الكتاب في موقع مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت.

قسم مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية على موقع الجماعة العربية للديمقراطية.

 

صدور الترجمة الكردية لروايــة هولير حبيبتــي للروائي عبد الباقي يوســـف

543-arbilصدرت عن مكتب التفسير للنشر في أربيل الترجمة الكردية لرواية هولير حبيبتي للروائي السوري عبد الباقي يوسف التي صدرت سنة 2013 عن الناشر ذاته ، وهي تُعنى برواية السيرة الذاتية لمدينة أربيل، وترصد بجرأة التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي مرّ بها إقليم كردستان العراق .

543-arbilقام بترجمة الرواية من اللغة العربية إلى اللغة الكردية علي صالح ميران .                          

 

 

"دماء على نهر الكرخا" لحسن العلوي:طه حسين يدفن ابن سبأ وأئمة السُنة يوثقون الغدير (7- 9)

alaa allamiفي هذا الجزء من الدراسة سنلقي نظرة، أولا، على قضية عبد الله بن سبأ التي أوردها مؤلف كتاب" دماء على نهر الكرخا" وبعدها نعرج على حديث الغدير:

إنّ شخصية عبد الله بن سبأ مشكوك فيها، ومختلف بقوة على حقيقتها قديما وحديثا. و قد نُقضت وفُندت هذه الشخصية كأسطورة ملفقة حين درسها علميا في العصر الحديث علماء ومتخصصون منهم مثلا العلامة طه حسين المعروف بسعة ثقافته التراثية الإسلامية، و بكونه يعتمد منهج الشك الديكارتي في أبحاثه مستندا على البراهين والأدلة التالية: (أولا: إنّ كل المؤرخين الثقاة لم يشيروا إلى قصة عبد الله بن سبأ ولم يذكروا عنها شيئا.

ثانيا: إن المصدر الوحيد الذي تكلم عنه وعن حكايته هو سيف بن عمر وهو رجل معلوم الكذب، ومقطوع بأنه وضّاع يؤلف الأحاديث ويضعها على لسان النبي أو أصحابه) .

ثالثا: إن الأمور التي أسندت إلى عبد الله بن سبأ تستلزم معجزات خارقة لفرد عادي كما تستلزم أن يكون المسلمون الذين خدعهم عبد الله بن سبأ وسخرهم لمآربه وهم ينفذون أهدافه بدون اعتراض في منتهى البلاهة والسخف.

رابعا: عدم وجود تفسير مقنع لسكوت الخليفة الثالث عثمان وعماله عنه مع ضربهم لغيره من المعارضين كمحمد بن أبي حذيفة، ومحمد بن أبي بكر، وعمار وغيرهم.

خامسا: قصة الإحراق وتعيين السنة التي تعرض فيها ابن سبأ للإحراق تخلو منها كتب التاريخ الصحيحة ولا يوجد لها في هذه الكتب أثر.

سادسا: عدم وجود أثر لابن سبأ ولجماعته في واقعة صفين وفي حرب النهروان. وقد انتهى طه حسين إلى القول الحرفي التالي: إن ابن سبأ شخص ادخره خصوم الشيعة للشيعة، ولا وجود له في الخارج / الموسوعة الحرة مادة عبد الله ابن سبأ).

ومن المستشرقين والمؤرخين الأجانب الآخذين بالمنهجيات الحديثة الذين توصلوا الى ذات النتائج التي توصل إليها طه حسين نذكر العلماء الأوروبيين والعرب التالية أسماؤهم: برنار لويس، فريدلندلر، كايتاني، وفلهاوزن و علي الوردي وكامل الشبيـبي، وأخيرا أحمد عباس الصالح.

إضافة إلى ما سبق فقد آثرنا عدم التطرق إلى كتاب مهم في هذا المضمار للسيد مرتضى العسكري عنوانه "عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى" ويقع في 940 صفحة، لم نتطرق لهذا الكتاب رغم أنه مكتوب بمنهجية و موضوعية عاليتين، وتوثيق احترافي ممتاز لأن مؤلفه مفكر إسلامي شيعي، قد تعتبر شهادته مجروحة في موضوع ابن سبأ، وربما نكون قد ظلمناه بإغفال كتابه، ولكننا نجد مندوحة في ذلك للحفاظ على المنهجية التي نختطها في الكتابة. نقول هذا مع أن الكتاب و مؤلفه لا يحتاجان لإنصافنا بعد أن أنصفهما مفكرون عديدون من الجهة المقابلة منهم مثلا المصري د. حامد حفني داود وأطراهما الأزهر الشريف في مجلته الرسمية في مناسبتين. هذا بخصوص اليهودي عبد الله ابن سبأ فماذا بخصوص حديث الغدير وهل هو من مخترعات "الفرس المجوس بعد أن وضعوا العمائم الشيعية على أهدافهم القومية السرية" كما توحي أقوال حسن العلوي؟

يعتبر حديث "غدير خم"، في كتب الحديث والمساند والصحاح السُنية حديثا نبويا صحيحا لا غبار عليه، وبهذا فلم يخترعه الشيعة الفُرس و لا مَن هم أقدم منهم في التشيع كعرب العراق والجزيرة الذين تشيعوا قبل الإيرانيين بما يقرب من الثمانية قرون، إذا اعتبرنا أن التأسيس والتبلور المجتمعي للطائفة الشيعية بين عرب العراق بدأ مع إمامها محمد الباقر المتوفى سنة 732 ميلادية، فيما بدأت إيران بالتشييع القسري في عهد الشاه إسماعيل الصفوي (الصفويون إذريون أتراك وليسوا فرسا كما قلنا) المتوفى سنة 1524 ميلادية، بل أورد هذا الحديث أئمة وعلماء ومؤرخون ثقاة من أهل السنة في مساندهم وكتبهم من بينهم مائة وعشر صحابي يبدأون بالإمام علي بن أبي طالب ذاته وينتهون بيعلى‏ بن مرّة بن وهب الثقفي. و رواه من التابعين (الجيل اللاحق لصحابة النبي) سبعة وعشرون تابعيا يبدأون بأبي راشد الحُبراني الشامي وينتهون بأبي يسار الثقفي، نذكر من هؤلاء وأولئك النماذج والمناسبات التالية على سبيل المثال لا الحصر:

- مسند أحمد، رقم الحديث 915 .

- مسند أحمد، رقم الحديث 906 .

- مسند أحمد، رقم الحديث 1242 .

- مسند الترمذي، كتاب المناقب ـ رقم الحديث 3646 .

- سنن بن ماجة، رقم الحديث 118 .

- خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب / للحافظ النسائي: 176 حديث رقم 94 و95 .

- ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق 2 لابن عساكر: 53 .

- الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتي: 122 .

- ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 4 - ص 113 .

- ابن حزم: الفصل - ج 4 - ص 148 .

- صحيح مسلم: ج 7 - ص 122 - 1

- النسائي: الخصائص - ص 39 - 40 - 41 .

- المحب الطبري: ذخائر العقبى - ص 67 .

- ابن المغازلي: المناقب - ص 29 - إلى ص 36 .

- الشهرستاني: الملل والنحل - ج 1 - ص 163 .

- ابن حجر العسقلاني: الإصابة - ج 2 - ص 15 - وأيضا ج 4 - ص 568 .

- المقريزي: الخطط - ج 2 - ص 92 .

- الإمام أحمد في مسنده: ج 1 - ص 331 ط 1983 .

- البيهقي: كتاب الاعتقاد - ص 204 - وأيضا 217 ط بيروت - 1986 .

- السيوطي: الجامع الصغير - ج 2 - ص 642 .

- السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 169 .

- المحب الطبري: الرياض النضرة - ج 2 - ص 172 .

- ابن خلكان: وفيات الأعيان - ج 4 - ص 318، 319 .

- الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد - ج 7 - ص 437 .

- ابن قتيبة: الإمامة والسياسة ج 1 - ص 109 .

- وحتى الفقيه السلفي المتشدد ابن تيمية، المعدود من ألد أعداء الشيعة والتشييع، أورد هذا الحديث نقلا عن صحيح مسلم الذي قال فيه ( حديث صحيح لا مِرية فيه / كتاب حقوق أهل البيت ص 13 ). وهناك المزيد من المصادر الأمهات ولكننا سنكتفي بهذا المقدار من المراجع لئلا نثقل الدراسة بما هو ليس من انشغالاتها الرئيسة. وهكذا يتضح لنا أن ادعاء حسن العلوي أن حديث الغدير حديث موضوع أو مخترع ليس أكثر أو أقل من ادعاء لشخص يجهل حقيقة الموضوع.

ولكي لا نطيل ونحمل هذه الدراسة أكثر من طاقتها وإطارها المنهجي سنعمد الى ذكر عناوين الموضوعات المهمة الباقية في الكتاب متوقفين عند ما يبدو لنا مهما وغير مكرر:

- تحت عنوان " المجوس يلبسون العمامة" يهاجم المؤلف " أول بذرة إمامية ممثلة باليهودي عبد الله بن سبأ" وقد أعطينا هذه الشخصية حقها من التمحيص والدراسة في ما سلف، ثم ينظم جردا مختصرا بالفرق والبدع التي يقول بأن زعماء غالبيتها من الأعاجم ويذكر أن عدد هذه الفرق هو( اثنان وثمانون فرقة منها: 34 فرقة إمامية و 12 كيسانية و ثماني فرق للزيدية والغلاة المتطرفين / ص 39 وما بعدها) وقد توزع (سوء النية والمغالاة) كما يقول حسن على هذه الفرق إلا فرقة أو فرقتين صفتهما الاعتدال.

- ثم يذكر أمثلة على هذه الفرق ويبدأ بالحنفية وهم اتباع محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بمحمد بن الحنفية، ثم فرقة الحسينية نسبة إلى الإمام الشهيد حسين بن علي بن أبي طالب، فالزيدية فالإسماعيلية وغير ما تقدم. ويختم حسن العلوي جرده لهذه الفرق بالحكم الباتر والقاطع التالي التالي (هذه فرق الإمامية وحدها، وإلى جانبها فرق انسلخت عن المرجئة والخوارج لكنها تتفق على هدف مركزي واحد هو كما جاء في رسالة شقيق المازيار إلى الأفشين، أن يعود الدين إلى ما لم يزل عليه أيام العجم/ ص 41).

- أي أن العلوي يتهم هذه الفرق الإمامية صراحة وعلنا وبكلام غير قابل للتأويل بأنها تريد العودة الى بسط الديانة المجوسية التي كانت سائدة أيام العجم و القضاء على الإسلام. ومن الطبيعي ألا نجد أي توثيق رقمي مباشر أو غير مباشر أو معلومات عما دعاه حسن "رسالة شقيق المازيار" ومن هو هذا المازيار، وهل هو نبات أم حيوان، سائل أم غاز أم جماد؟ فلا جواب بهذا الخصوص، ولكننا لن نتركه ونترك "مايزياره" وسنعود إليهما عما قريب لنكشف هذا الفرية التاريخية.

- إنما يكفي "صاحبنا" جهلا بالتراث العربي الإسلامي ليحكم عليه السامع أو القارئ بأنه يقول كلاما لا يقوله إلا أهبل أو فاقد، يكفيه جهلا أنه جمع أجزاءً من المرجئة والخوارج في أقنوم واحد هو التشيع الإمامي. والخوارج أشهر من نار على علم، فهم فرقة جذرية و ثورية انشقت وخرجت على الخليفة الرابع، الإمام علي بن أبي طالب، وحاربته لأنه وافق على التحكيم مع بني أمية ولم يقاتلهم ويقضي على انفصالهم بإقليم الشام عن الدولة الإسلامية، وانتهى الخوارج بأن اغتالوا الخليفة علي غدرا وهو يؤدي صلاة الفجر في جامع الكوفة بسيف أحدهم هو عبد الرحمن بن ملجم المرادي. أما المرجئة فهم فرقة إسلامية أخرى، هي على النقيض تماما من الخوارج ومبادئهم وسلوكهم، لأنهم قالوا بالإرجاء "تأجيل الحكم الى يوم القيامة" فمالوا إلى التهدئة والانتهازية و رفض اتخاذ أي موقف منحاز بعد "الفتنة الكبرى" ومقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان وحرب صفين، فقالوا بالإرجاء أي تأجيل إصدار أي الحكم معياري على المتصارعين إلى يوم القيامة لتولاه الله تعالى يومئذ. وأصبحت فكرة الإرجاء فيما بعد الفلسفة الرسمية للدولة الأموية ولجميع الدول الظالمة التي جاءت بعدها والتي تحاول استغفال المظلومين وتسويغ الاستعباد والخنوع وعدم الثورة بقولها بالإرجاء .. أما "العبقري" حسن العلوي فقد مزج الثلج والنار في وعاء ذكائه وجمع بين بعض الخوارج الثوار الجذريين والذين كانوا - إذا جاز لنا استعمال مصطلحات عصرنا الحاضر- على يسار يسار قائدهم علي بن أبي طالب، وبين بعض الانتهازيين وعديمي الموقف كالمرجئة الذي صاروا لاحقا صوتا وخطابا " ليمين اليمين" ممثلا بدولة أمراء وتجار ومتغلبي بني أمية.

- بخصوص " المازيار" الذي حشره حسن العلوي في كتابه ضمن أعمدة التآمر الفارسي المجوسي الصفوي، وبمراجعة المصادر التاريخية، نعلم أنه كان موظفا عباسيا مكلفا بجمع أموال الخراج، و قد يكون فارسيا وقد لا يكون، وكان يعمل لدى آل طاهر حكام ولاية خراسان في عهد الدولة العباسية زمنَ المعتصم، وأنه رفض تسليم الأموال للوالي عبد الله بن طاهر وكان يفضل تسليمها للخليفة المعتصم نفسه. ثم ثار المازيار على آل طاهر وقاد جيشا كبيرا ودارت الحرب سجالا بينه وبين أعدائه، ثم هزم وأسر، وأرسله ابن طاهر الى بغداد دون أن يرسل معه ما غنمه من أموال وكنوز هائلة! فسأل المعتصم المازيار عن رسائله الى الأفشين (والتي أشار إليها حسن العلوي ونسبها إلى شقيقي الرجلين واعتبرها حقيقة ثابتة لا تقبل النقاش)، و الأفشين متمرد آخر ضد دولة بني العباس ولكن من منطقة تسكنها غالبية غير مسلمة أو أنها حديثة العهد بالإسلام، وقد حارب الأفشين المتمرد ضد الدولة العباسية بابك الخرمي وانتصر عليه واستباح مدينته. وقد أنكر المازيار أمام المعتصم تلك الرسائل فضرب بالسياط حتى مات بأمر من الخليفة العباسي نفسه رافضا أن يعترف بها، وصلب على جسر ببغداد إلى جانب متمرد آخر سنتطرق له لاحقا هو بابك الخرمي. وتجدون المزيد من التفاصيل عن هذا الموضوع في "البداية والنهاية /ج10" لابن كثير ..

وسنواصل استعراض هذه المحاور في كتاب "دماء على نهر الكرخا" في الجزء القادم وهو الثامن ونتوقف عند عدد افتراءات حسن العلوي في طوره الصدامي ومنها أن الفرس قتلوا من العلويين أكثر ممن قتلهم بنو أمية، وعن موقفه من الثورة البابكية الخرمية وكيف شطب بسطر ونصف عليها وعلى على كتاب الباحث الراحل د. حسين قاسم العزيز عنها إضافة إلى تفاصيل أخرى .

 

صدور موسوعة أعلام الكوفة للسيد مضر الحلو

544-modarموسوعة تعنى بتراجم أعلام الكوفة منذ تأسيسها سنة سبع عشرة للهجرة إلى نهايات القرن الرابع الهجري

صدر عن "دار المؤرخ العربي" في بيروت موسوعة "أعلام الكوفة" للمؤرخ السيد مضر الحلو، في تسعة مجلدات. وقد افتتح المجلد الأول بمقدمة للمؤرخ العلامة السيد حسن الأمين رحمه الله، قال فيها إن الكوفة "جديرة بالدراسات الكثيرة والمؤلفات العديدة التي توضح تاريخها وتجلو ماضيها" وأنها ازدهرت "بالعلم والعلماء والشعر والشعراء والشهادة والشهداء"، واعتبر أن السيد مضر الحلو "مؤرخ الكوفة الذي سيخلد خلود الكوفة".

تحدث المؤلف في مقدمته عن الكوفة وأهلها وعلاقتها بأمير المؤمنين (ع) والمراحل الأولى من تأسيسها وعلاقتها بالقادة والخلفاء الذين تعاقبوا عليها. وبعد أن يوجز دورها السياسي والثقافي والعلمي، ينتقل إلى الحديث عن وضع معجمه هذا، فيشير إلى أنه نهج الاستيعاب والإيجاز في التراجم، وأشار إلى أنه في إحصائه، اعتمد على البحث في أمهات المصادر من كتب التراجم والرجال والتاريخ والأدب، كما لم يقتصر على من كان كوفي الأصل، بل كل من ورد الكوفة، وكان له أثر من سماع حديث أو رواية أو نشاط علمي أو ثقافي أو أدبي أو سياسي أو اجتماعي، مسلماً كان أم غير مسلم، لكنه استثنى من كان أصله كوفي وولد في بلد آخر.

544-modar

وقد حدد الفترة الزمنية التي عمل عليها: منذ تأسيس الكوفة سنة 17 للهجرة وإلى نهايات القرن الرابع الهجري. ونوّه بأن هذا الكتاب ليس مشروعاً رجالياً، بل كتاب تراجم تجاوز فيه مسألة الجرح والتعديل. وجعل المؤلف لكل حرف تسلسلاً خاصاً، واعتمد في ترتيب الاسماء النظام الهجائي. وأورد الكنى في آخر الكتاب، وذكر بعد الكنى أسماء النساء الكوفيات وبرر القصد من افراد النساء ابرازاً لدورهن في الحركة العلمية والثقافية والادبية والسياسية في الكوفة. وقد جاء المجلد التاسع شاملاً للأعلام التي وردت تراجمها في المجلدات السابقة، حيث يمكن اعتباره كتاباً معجمياً مستقلا بذاته، وفقاً للمنهجية التي اعتمدها المؤلف في وضعه، وقد وزّعه بحسب موضوعات الرجال وما عُرفوا به، وأحصى عددها: الأئمة: 7 . الصحابة: 462 . التابعون: 997 . العلماء والمحدثون: 6734 . المفسرون: 11 . المؤرخون: 11 . المصنفون: 852 . الشعراء والأدباء: 3840 . اللغويون والنحاة: 80 . القراء: 125 . الأطباء: 5 . المغنون والملحنون:27 . الخلفاء والولاة: 167 . القضاة: 750.

قيمة هذه الموسوعة أنها موثقة بالمصادر بشكل منهجي، وقد بذل المؤلف أكثر من عشرين سنة من وقته لاتمامها واكمالها. ويمكن اعتبارها أول عمل موسوعي يتناول الكوفة بالطريقة التي دون فيها تاريخ بغداد للخطيب، وتاريخ دمشق لابن عساكر.

دار المؤرخ العربي بيروت ـ حارة حريك ـ قرب جامع الحسنين ـ فوق صيدلية دياب ـ طابق ثاني هاتف: 01/544805 ـ تلفاكس: 01/541431 صندوق البريد : 124/24 موقع الدار على الانترنت www.al-mouarekh.com

March 7th, 3:31pm

March

هل العالم بحاجة لثورة اكاديمية؟

541-hatamيعاني عالمنا اليوم من فلسفة بائسة. الجامعات في كل دول العالم أقامت هيكلها الفكري والمؤسسي وعلى نحو خطير على فلسفة معيبة هي فلسفة-التحقيق philosophy of inquiry التي ورثناها من الماضي. اساس هذه الفلسفة هو اننا لكي نعزز الرفاهية الانسانية، يجب على الاكاديمية ان توجّه ذاتها للسعي وراء المعرفة. بمعنى، يجب اولاً اكتساب المعرفة، ومن ثم وبعد ان تُكتسب المعرفة،يمكن تطبيقها لحل المشاكل الاجتماعية. هذا النوع من فلسفة التحقيق المعرفي يخون كل من العقل والانسانية.

ان النجاح الاستثنائي في تعقّب المعرفة والمهارات التكنلوجية كانت له فوائد عظيمة، حيث انه جعل العالم الحديث ممكنا. وهو ايضا مهّد لبروز جميع مشاكل العالم الحالية. العلوم والتكنلوجيا الحديثة أوجدت لنا الصناعة الحديثة والزراعة والطب وعلم الصحة، والتي بدورها خلقت لنا الاحتباس الحراري العالمي، الحرب الحديثة المدمرة، النمو الانفجاري السكاني، تدمير البيئة الطبيعية والانقراض المتسارع للكائنات الحية،تلوث الارض والبحر والهواء والتفاوت الصارخ بالثروة والسلطة في جميع انحاء العالم.

لكي نواجه مشاكل العالم سنحتاج لإحداث ثورة هيكلية كلية في الاهداف والطرق الفكرية والمؤسسية للتحقيق الاكاديمي. هذا التحقيق يحتاج للتغيير لكي يصبح الهدف الاساسي هو البحث وتعزيز الحكمة. وبدلاً من ان يكرس نفسه لحل مشاكل المعرفة، يحتاج التحقيق الاكاديمي لإعطاء الاولوية الفكرية لمهمة اكتشاف حلول ناجحة لمشاكل الحياة. العلوم الاجتماعية بحاجة لتصبح فلسفة اجتماعية،او ميثدولوجيا اجتماعية تسعى لإيجاد حلول عقلانية للصراعات ومشاكل العالم. وبهذه الطريقة سيصبح التحقيق الاجتماعي اكثر جوهرية من العلوم الاجتماعية. الفلسفة تحتاج ايضا لتصبح استكشافاً عقلانياً دائماً لمعظم مشاكلنا الاساسية في الفهم، انها تحتاج لتتولى مهمة اكتشاف كيفية تحسين اهدافنا الذاتية والمؤسسية والعالمية وطرق الحياة،لكي يمكن بلوغ كل ما هو ذو قيمة في هذه الحياة. التعليم من جهته يجب ان يتغير لكي تصبح مشاكل الحياة أهم من مشاكل المعرفة. الهدف الاساسي للتعليم هو تعلم كيفية اكتساب الحكمة.

 

من المعرفة الى الحكمة

ان المشكلة هي في هذا التحقيق المعرفي اللاعقلاني والشديد الضرر. ما نحتاجه هو نوع من التحقيق الاكاديمي الذي يضع مشاكل الحياة في جوهر العملية، ويكون مصمماً بشكل رشيد ويهتم بمساعدة الانسانية في تعلّم كيفية التقدم نحو عالم الخير والحكمة . الهدف الفكري الاساسي يجب ان يكون البحث عن الحكمة وتعزيزها، التي تُفهم باعتبارها المقدرة على ادراك قيمة الحياة، للفرد وللآخرين، وبهذا تنطوي الحكمة على المعرفة والخبرة التكنلوجية، ولكن الى جانب اشياء اخرى كثيرة ."تحقيق-الحكمة" Wisdom-inquiry سوف يختلف جذريا عما لدينا حالياً من اكاديمية منظمة طبقا للإملاءات الزائفة لفلسفة التحقيق المعرفي.

541-hatamان الاكاديمية القائمة اليوم هي نتاج ثورتين فكريتين عظيمتين. الاولى هي الثورة العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر التي ارتبطت بغاليلو وكبلر وديكارت و بويل و نيوتن والعديد من العلماء الاخرين الذين كانوا السبب في خلق العلم الحديث. الطريقة الشهيرة التي جرى اكتشافها في اكتساب المعرفة كانت الطريقة التجريبية للعلوم.

اما الثورة الثانية كانت التنوير، خاصة التنوير الفرنسي في القرن الثامن عشر. فولتير و ديدروت وكوندرسيه وفلاسفة اخرون امتلكوا وبعمق فكرة هامة بانه بالإمكان التعلم من التقدم العلمي حول كيفية انجاز التقدم الاجتماعي نحو عالم تنويري. هم لم يمتلكوا فقط الفكرة وانما قاموا بكل شيء من اجل وضع الفكرة في مجال التطبيق. هم كافحوا السلطات الدكتاتورية والخرافات واللاعدالة باسلحة لا تتعدى النقاش وقوة العقل. هم أعلنوا دعمهم لأخلاق التسامح والانفتاح على الشك، والاستعداد للتعلم من النقد والتجربة. وبشجاعة وحيوية مفعمة هم عملوا لتكريس العقل والتنوير في الحياة الفردية والاجتماعية.

 

اخطاء التنوير الفادحة

لسوء الحظ، ان الفلاسفة ارتكبوا اخطاءاً في تطويرهم الفكري لفكرة التنوير. هم لم يتقنوا المهمة. حيث اعتقدوا ان الطريقة الصحيحة لتطبيق البرنامج التنويري للتعلم من التقدم العلمي وانجاز التقدم الاجتماعي نحو العالم التنويري هي بتطوير العلوم الاجتماعية جنبا الى جنب مع العلوم الطبيعية. فاذا كان من المهم اكتساب المعرفة بالظاهرة الطبيعية لتحسين حظ البشرية، كما يصر فرنسيس باكون، اذاً (وكما اعتقدوا هم) يجب ان يكون من المهم جداً اكتساب المعرفة بالظاهرة الاجتماعية. المعرفة يجب ان تكتسب اولاً، ومن ثم تطبق هذه المعرفة المكتسبة لحل المشاكل الاجتماعية. وبهذا هم بدأوا بخلق وتطوير العلوم الاجتماعية مثل الاقتصاد والسايكولوجي والانثربولوجي والتاريخ والسوسيولوجي وعلوم السياسة.

هذه الصيغة التقليدية لبرامج التنوير، رغم انها معيبة كثيراً، لكنها كانت هامة و مؤثرة بشكل كبير. انها طُورت طوال القرن التاسع عشر من قبل رجال امثال سانت سيمون و كومت وماركس ومل واخرين،وبُنيت في صلب البناء الفكري للتحقيق الاكاديمي والمؤسسي خلال الشطر الاول من القرن العشرين و تكللت بخلق اقسام العلوم الاجتماعية في كل جامعات العالم. وهكذا فان التحقيق الاكاديمي المكرس اليوم لمتابعة المعرفة والخبرة التكنلوجية ،هو حصيلة لثورتين: الثورة العلمية وثورة التنوير المعيبة بشكل خطير. هذا الموقف هو الذي يستدعي وبشكل عاجل احداث ثورة ثالثة لتصحيح الخلل الهيكلي الذي ورثناه من التنوير.

ولكن ما هو الخطأ في برنامج التنوير التقليدي؟ تقريبا الخطأ في كل شيء. لكي نطبق وبشكل صحيح الفكرة الاساسية للتنوير في التعلم من التقدم العلمي وكيفية انجاز تقدم اجتماعي نحو العالم المتحضر، من الضروري ان تكون الاشياء الثلاثة التالية صحيحة.

1- تحديد وبشكل صحيح طرق العلوم في انجاز التقدم.

2- هذه الطرق بحاجة للتعميم الصحيح لكي تصبح مثمرة وقابلة للتطبيق على اي محاولة انسانية ذات قيمة،مهما كانت الاهداف،وليست قابلة للتطبيق فقط على محاولة اكتساب المعرفة.

3- الطرق التعميمية الصحيحة لانجاز التقدم بحاجة للاستغلال بشكل صحيح في محاولة الانسان العظيمة لخلق التقدم الاجتماعي نحو عالم تنويري حكيم.

لسوء الحظ ان فلاسفة التنوير اخطأوا في جميع النقاط الثلاث اعلاه. وبالنتيجة فان هذه الاخطاء الفادحة غير المكتشفة وغير المصححة، بُنيت في صميم الهيكل الفكري والمؤسسي للاكاديمية التي نراها اليوم.

ان تحقيق- الحكمة يعطي اولوية فكرية للمشاكل التي هي بحاجة عاجلة للحلول اذا اردنا خلق عالم افضل، نعني بذلك مشاكل الحياة – فردية، اجتماعية، عالمية. المهام الفكرية المركزية لتحقيق الحكمة هي:

(1) الاهتمام الصريح والواضح بمشاكل حياتنا وتحسين سبل معالجتها، و(2) اقتراح وتقييم نقدي للحلول الممكنة – افعال ممكنة، سياسات، برامج سياسية،فلسفة للحياة. ان ملاحقة المعرفة والخبرة التكنلوجية تنشأ من هذه النشاطات الفكرية الجوهرية وتعود اليها.   العلوم الاجتماعية المتحولة، المكرسة لمساعدة الانسانية في معالجة مشاكل الحياة بطرق رشيدة وبتعاونية عالية، هي فكرياً اكثر جوهريةً من العلوم الطبيعية. تحقيق- الحكمة يسعى لمساعدة الانسانية لتتعلم ما هي مشاكلنا العالمية، وماذا نحتاج للعمل تجاهها. المهمة الاساسية للجامعة هي ان تساعد الناس في اكتشاف القيمة الحقيقية للحياة وكيف يمكن بلوغها.

لا شيء من هذا يمكن عمله طالما جامعاتنا يسيطر عليها تحقيق- المعرفة. ان إعطاء الاولوية لمعالجة مشاكل المعرفة يستبعد معالجة مشاكل الحياة من العالم الفكري للتحقيق – و يدفع المهمة الى الحدود الهامشية فيُضعف من اهميتها. ان ما تحتاجه الجامعات لمساعدة الانسانية في الرقي نحو عالم اكثر حكمة هو شيء لا يمكن انجازه ابداً – او يمكن عمله فقط دون اي نتائج واضحة. المحاولة الجوهرية لمساعدة الناس في تعلم كيفية حل الصراعات او مشاكل الحياة بطرق حكيمة وبروح تعاونية عالية ورشيدة لا يمكن انجازها من قبل الجامعة لأن الجامعة لكي تتبنّى مثل هذا البرنامج السياسي، و طبقا لما يفرضهُ تحقيق- المعرفة، سوف تخرّب موضوعية التحقيق الاكاديمي وتفسد السعي نحو المعرفة.

المسؤولية خطيرة جداً. الفلسفة البائسة تكمن في جوهر مشاكل عالمنا الحالي. هي في اصل عجزنا الحالي لمعالجة تلك المشاكل بفاعلية وحكمة. ربما يتصور احد ان الفلاسفة سيكونون متلهفين اما لكي يبيّنوا الخلل في هذا الجدال، ان كان هناك خلل، او- اذا كان الجدال صائبا- ان يعلنوا للاكاديميين والسياسيين والرأي العام بان مستقبلنا مهدد بالفلسفة السيئة التي بُنيت عليها الجامعات في كل العالم، واننا نحتاج بشكل عاجل لإحداث ثورة اكاديمية.

غير ان هذا لم يحصل ابداً. الحاجة الملحة لثورة اكاديمية، بدءاً من المعرفة وصولاً الى الحكمة، لم يؤخذ بها ولم تُعلن او تُنتقد او تُهاجم . انها جرى تجاهلها كلياً في صمت مطبق.

هل نمتلك ذلك النوع من التحقيق الاكاديمي الذي نحتاجه فعلا؟ هل تحقيق- المعرفة هو حقا ضار وغير رشيد ، وهو اصل العديد من كوارثنا الحالية، ام على العكس، هو احسن ما يمكن ان يكون لدينا؟ ما هو الاساس للإدعاء ان تحقيق- الحكمة يخدم اهتمامات العقل والانسانية بشكل يتفوق كثيراً على ما ينجزه تحقيق- المعرفة؟ ما نوع التحقيق الاكاديمي الذي نحتاجه حقا والذي يحقق لنا افضل تقدم نحو العالم؟

هذه الاسئلة يجب ان تكمن في قلب الفلسفة. حاليا جميعها جوبهت بالتجاهل . الفلاسفة يجب ان يبدأوا بدراسة جدية لإمكانية ان الفلسفة الرديئة للتحقيق، الموروثة من الماضي، والتي بنيت في صلب الهيكل الفكري والمؤسسي للجامعات في العالم، هي اس العديد من المشاكل في عالمنا الحالي. يجب على الفلاسفة ان يأخذوا هذه الإمكانية بنظر الاعتبار- ان لم تكن الفلسفة المعادل الفكري لتفاهة نيرو وهو يرى روما تحترق.

.

.....................................

مجلة الفلاسفة The Philosophers Magazine،عدد 10 مارس 2014.(Does philosophy Betray Both Reason and Humanity?).

Nicholas Maxwell استاذ في الكلية الجامعية في لندن، درّس فلسفة العلوم لمدة 29 عاما، وهو مؤلف كتاب (من المعرفة الى الحكمة) الذي صدر لأول مرة عام 1984 عن دار بلاكويل ومن ثم عام 2007 عن دار بينتاير بريس.    

 

ناظم السعود في كتابه السابع: (حافة الكلمة) مؤلّف خاص بالثقافة الكربلائية

540-nadomاصدر الكاتب الصحفي ناظم السعود مؤخرا كتابه الجديد تحت عنوان (حافة الكلمة) وهو كتابه السابع في سلسلة كتبه المنشورة، وهذا الكتاب الجديد يجمع كتاباته وأعمدته وحواراته الخاصة بالثقافة الكربلائية منذ عودته إلى مدينة كربلاء المقدسة أواخر عام 2006 وإقامته فيها حتى الآن،

وجاء الكتاب ضمن مبادرة معالي وزير التعليم العالي السيد علي الأديب لرعاية الإبداع في المحافظات كافة وهي الأولى منها في العراق التي تهتم بآثار المبدعين من خلال إنشاء سلسلة ثقافية شهرية تصدر عن المؤسسة الوطنية للتنمية والتطوير .

540-nadomوصدر الكتاب بجمالية مثيرة وحلة قشيبة وقعت في 272 صفحة من القطع المتوسط عن إحدى مطابع بيروت في لبنان،وكتب المقدمة القاص والناقد المعروف علي حسين عبيد تحت عنوان "ناظم السعود .. بعيدا عن الحافة" شرّح فيها عنوان الكتاب وأعلن عدم رضائه عنه وخاصة بعد معايشة لسنين طوال مع مؤلف الكتاب وتقلبات ظروفه ومما فاله " .. كان أدباء المحافظات البعيدين عن الضوء الإعلامي، يجدون في ناظم السعود منفذا لهم للنشر والظهور في الصحف الأسبوعية، وبعض المجلات الشهرية، ولم يكن صديقنا يدخّر جهدا في هذا المجال، وقد كلفني شخصيا أكثر من مرة لإعداد ملفات أدبية لشعراء وكتاب من كربلاء، فكان النافذة الأمينة التي يطل منها هؤلاء الشعراء والمبدعين على القراء، وكان السعود يقترب ويقرّب الأصوات التي تحاول أن تتميز بإبداعها .." في حين كتب مؤلف الكتاب كلمته تحت عنوان " توطئة " وقد حملّها مضمونا غريبا غير مسبوق بالنسبة للقارئ ومما ذكره فيها (.. لكن ما أشاعه الكثيرون (بقصد او بدونه) كان خطأ فاحشا يدل على جهل مركب في الشخصية العراقية قوامه أنها تردد أكثر مما تبحث وتشيع أكثر من حرصها على حقيقة ما تشيعه وهذا ما عانيت منه طوال حياتي، ففي ذلك العام (1956) كانت عائلتي تواصل زحفها الى العاصمة هربا من الإقطاع النافذ هنا وأساليبه البغيضة، تاركة ارض الإقطاعي خلفها، وكان عليها ان تمر على أكثر من محطة تقابلها أثناء زحفها المذكور حتى وصلت الى منطقة (شيشبار) وهي من أعمال ناحية (أللطيفية) الآن وكانت والدتي رحمها الله حاملا بي وهكذا قدر لي ان أولد هناك من دون تدبير سابق وواصلت العائلة زحفها غير المقدس لبغداد ! ...) .

وقد جاء فهرس الكتاب ضخما بعنواناته وثريا بالاسماء التي احتوائها بين جنبيه والتي صاغت فصول المؤلف هذا, ولا بد من التنويه على تنوع المشاركات ودقة الاختيارات التي تضمنها الفهرس وهي :

1 – المقدمة / ناظم السعود..بعيدا عن الحافة/ علي حسين عبيد

2 – التوطئة / العودة الى جذوري الكربلائية / ناظم السعود

أ – المقالات :

1 – (محمد علي الخفاجي) .. صرخة قبل الفقدان !

2 – (محمد علي الخفاجي) .. مات يا حكومة !

3 – علي القتال : الناشط الحيوي على حافة الثمانين !

4 - الفتّال :هكذا الوفاء لصاحب الشاهر !

5 - علي حسين عبيد: عذرا للاحتفال .. المتأخّر!

6 - جاسم عاصي : أفضّلك ناقدا!

7 - كيف تمثّل أدبنا واقعة (ألطف)؟

8 – (عودة البطاط): (دوار) بين الرواية والإذاعة !

9 - عودة البطاط يبحث عن طناطل الليل والنهار !

10 – عودة البطاط : اصبر .. تحمل .. شد الحزام !

11 - موعد مع النورسية !

12 – أدباء بلا حركة ادبية !

13 – يا هادي الربيعي : أنت برومثيوس جديد !

14 – هادي الربيعي وكتابه (مرايا جديدة)

15 – هادي الربيعي : اكتب عنك بذاكرة عاطلة !

16 – هادي الربيعي : بالوفاء ستنتصر على السرطان!

17 – وصية شكسبير: حافظوا على بدري حسون فريد!

18 – احلام (فارس الحلبات)

19 – الشاعر احمد ادم : قتلوك في غابة الخناجر !

20 – السندباد الشعري وصل .. الإكوادور !

21 – السندباد الكربلائي الشعري .. باسم فرات !

22 – السندباد الشعري / لوحة مسرحية

23 – مشروع لنصرة (المسرح الكربلائي) على النسيان

24 – عودة ضاحي التميمي : ألف شهريار آت !

25 – ذاكرة الجحيم .. قصيدة بمناسبة الزيارة !

26 – التشابيه : (مسرح ام .. طقوس؟!)

27 – علاء مشذوب عبود : الغريب في بلده !

28 – الرؤيا وفق مقياس المحبة / الى عدنان الغزالي

29 – عقيل الخزعلي : هدفان في مرمى الثقافة !

30 – شعر جديد ام .. رؤية انقلابية؟!

31 – طه خضير الربيعي : مغامر ام .. ناشط ثقافي؟!

32 – ميثم ألعتابي يكشط التاريخ عن الألواح !

33 – قرأت العدد الماضي من مجلة (المسرح الحسيني)

34 – محمد زمان: راحل لم .. يرحل !

35 - في كتاب فراس الاسدي :

الأدب الشعبي في دائرة الرصد والسؤال !

36 – الشعر بضمير الغائب : نظر في ديوان علي ألعبادي!

ب: الحوارات

الشاعر كاظم السعدي / الروائي عودة البطاط /

القاص علي حسين عبيد / القاص علي لفتة سعيد / الكاتب والباحث   عبد الهادي ألبابي / الشاعر د . عمار المسعودي / التشكيلي إبراهيم حسين / الكاتب والصحفي عبد عون النصراوي يحاور ناظم السعود /

ج : الشهادات

الشاعر عبد الحسين خلف ألدعمي / القاص علي حسين عبيد / الباحث

د . عبد الحميد الفرج / الكاتب حسين محمد فيحان / الشاعر علي ألعبادي/

الباحث عبد الهادي ألبابي / الشاعر والصحفي سلام محمد البناي /

الباحث علاء ألكتبي / الصحفي زهير الفتلاوي / جريدة "الهدى" /

الكاتب عودة ألكعبي .

ومن الجدير بالذكر ان كتاب "حافة الكلمة" قد استهل مبادرة (علي الأديب) لرعاية الإبداع وحمل الرقم (1) للسلسلة الثقافية الصادرة عن المبادرة المذكورة وهو يمثل الإصدار السابع للكاتب ناظم السعود بعد كتبه السابقة المنشورة وهي: الآخرون أولا .. الذي صدر بطبعتين / مدار الأسئلة / الريادة الزرقاء/ سحر الإيقونة / جاسم المطير قاصا / الرائي .

 

مالك بن نبي من خلال كتابه العفن

moamar habarمقدمة: القارئ لكتاب "العفن"، للمفكر مالك بن نبي، رحمة الله عليه، الجزء الأول 1932 – 1940، ترجمة الأستاذ نور الدين خندودي، دار الأمة، الجزائر، الطبعة الأولى 2007، من 197 صفحة، يقف على جملة من الملاحظات الجديدة والمثيرة، تستوجب الانتباه والإعلان عنها، والتدقيق فيها قدر ماأمكن، فقد تصدم القارئ الذي يطلع عليها لأول مرة، ومن بين هذه النقاط التي وقف عليها من قرأ كل سلسلة مالك بن نبي..

حمودة بن ساعي المنسي: يتحدث مالك بن نبي عن زميله الأستاذ حمودة بن ساعي، بإعجاب شديد، وتقدير لامثيل له، واحترام واضح بيّن. ولا يوجد عالم، أو مثقف، أو رجل سياسة، أو زميل طفولة أو دراسة، لاقى هذا الإعجاب والتقدير من بن نبي، مثل مالاقاه حمودة بن ساعي. ويكاد القارئ يجزم وهو يعتمد على ذاكرته، أن حمودة بن ساعي هو الوحيد الذي شكره وامتدحه وأثنى عليه بن نبي في كتابه هذا، دون أن يتغيّر أو يتبدّل.

ويتضح من خلال القراءة للكتاب، تأثر بن نبي تأثرا بالغا بحمودة بن ساعي، وافتخاره بهذا التأثر، وذكره وإعلانه على صفحات الكتاب.

هناك أفكار كنت أعتقد أنها من أفكار بن نبي، إذ به يعلن وبافتخار أنها لزميله حمودة بن ساعي، وتبناها بن نبي، ثم طوّرها فيها بعد، حتى أصبح يعرف بها ..

مالك بن نبي، يعلن أنه تأثر بحمودة بن ساعي، فيما يخص دراسته للتاريخ الإسلامي، والتي تبدأ بموقعة صفين. ومعروف عن بن نبي، أن تأريخه بموقعة صفين، مذكور في كتبه، وظل يعتمد على هذا التقسيم طيلة حياته. ويمكن للقارئ أن يقارن بين كتبه الأولى وآخر كتبه، يرى اعتماد بن نبي على تقسيم موقعة صفين. وضمن قراءاتي لسلسلة مالك بن نبي، أقرأ لأول مرة أنه استمد موقعة صفين في فهم وتقسيم المراحل التاريخية الإسلامية على يد زميله الأستاذ حمودة بن ساعي.

وكمثال على ذلك في صفحة 66، يعلن بن نبي الحرب على العقبي، ويصفه بالدناءة والغيرة، لأنه اتّهم حمودة بن ساعي، بالسرقة الأدبية، حين ألقى محاضرة. لأن بن نبي يرى أن زميله حمودة، لايمكنه أن يسرق، لما أوتي من علم وفكر وتحليل ثاقب، ونظرة بعيدة عميقة. فالقارئ يدرك جيدا من خلال هذا الموقف، أنّ بن نبي أعلن الحرب على العقبي، لأن هذا الأخير اتّهم حمودة بن ساعي بالسرقة الأدبية.

يتّضح مما سبق، أنه يستوجب على القارئ المتتبع، ولكي يعرف زوايا أخرى عن مالك بن نبي، وتلك التي لم يستطع ذكرها، عليه أن يقف مطولا على شخصية حمودة بن ساعي، وعلاقته الوطيدة به.

حمودة بن ساعي، يعتبر مفتاحا أساسيا لفهم مالك بن نبي، وسرا من أسراره، ولابد من تسليط كافة الأضواء على حمودة وما ترك وإعادة نشره، ووضعه بين يدي من يعرفون قدره ويقدرون علاقته الوطيدة بالمفكر مالك بن نبي. وقد ذكر المترجم بعض المحطات عن حمودة بن ساعي، لكنها غير كافية، رغم أهميتها.

وأتذكر جيدا، الحوار الأخير الذي أجراه الأستاذ فضيل بومالة مع حمودة بن ساعي، عبر الرائي الجزائري، سنة 1998، وكيف تحدّث عن زميله المفكر مالك بن نبي، وهو ملقى على السرير، لايستطيع الحركة. فتحدث فيها عن كبار فلاسفة الغرب الذين قابلهم وراسلهم، وتبادل معهم الأفكار وانتقدهم. وأوصى في نفس الحصة بالاهتمام بتراثه وكتبه ومقالاته. ثم راح فضيل بومالة يعرض العلب الكثيرة والمختلفة الشكل والحجم، التي تضم آثار الأستاذ حمودة بن ساعي. وفي الأسبوع القادم، لم يتم التحاور مع حمودة، لأنه توفى خلال ذلك الأسبوع، فما كان من صاحب الحصة إلا أن أعاد الحصة السابقة، وأعلن أمام الجمهور، أنه سيتكفل بتراث وفكر ونشر حمودة بن ساعي. ولا أعرف ماذا حدث من يومها، ونسأل الله أن يسخّر عباده، لقراءة ونشر ماخطّه وقاله حمودة بن ساعي.

كتب ماقبل "العفن": لقراءة كتاب "العفن" لبن نبي، يستوجب الوقوف على الكتب التي ذكرها ضمن هذا الكتاب، وهي كتابه "شروط النهضة"، الذي ألفه باللغة الفرنسية سنة 1948. وكتاب "الظاهرة القرآنية"، الذي كتبه باللغة الفرنسية سنة 1946، ثم تداولت فيما بعد الترجمات العربية.

وتكمن أهمية هذه الملاحظة في كون الكتابين، يعتبران من أعظم ماألفه بن نبي في بداية حياته، وظهر من خلالهما الإبداع والتميّز، بالنسبة لمن قرأ كل السلسلة. والكتب التي جاءت فيما بعد، كانت عبارة عن تأكيد المواقف، وتثبيتها وتكرارها، دون أن يفقد من إبداعه.

وفي نفس الوقت لايتحدث إطلاقا عن روايته الأولى والأخيرة" لبيك"، التي كتبها باللغة الفرنسية، سنة 1947.

كتاب "العفن"، يعتبر جردا لأحداث شخصية، ومذكرات عابرة، وتسجيل لأسماء وأمكنه، تعمّد ذكرها، ويريد من خلالها، توضيح مواقفه واختلافاته مع من خالفه من الأشخاص.

يندرج "العفن" ضمن المذكرات الشخصية للكاتب، التي تعتبر فيما بعد، وثيقة تاريخية لمعرفة المواقف والأسباب والنتائج، ومقارنتها فيما بعد بمذكرات أخرى لأشخاص آخرين، قد يؤكدون أو ينفون ماجاء في هذه المذكرة أو تلك.

ففي كتابي "شروط النهضة"، و"الظاهرة القرآنية"، يلمس القارئ الفكر والتنظير والتجريد، بينما في كتاب "العفن"، يجد القارئ البساطة والمباشرة والتشخيص، وعبارات وألفاظ، قاسية نابية، لم يتعود عليها من قرأ كل كتب مالك بن نبي.

أسئلة محيرة: هناك أسئلة كثيرة، تراود من طالع سلسلة مالك بن نبي، ثم يقرأ بعدها كتاب "العفن"، وهي..

لماذا كتاب "العفن"، لم ينشر في حينه سنة 1951، وانتظر الجميع ترجمته سنة 2006؟. هل السبب يعود للكاتب؟. أم لعائلته؟. أم لظروف الاستدمار التي عانى منها؟. أم الأشخاص الذين ذكرهم بالاسم والوصف؟. أم أسباب أخرى، لم يُكشف عنها بعد، وما زالت طي الكتمان والنسيان؟.

هناك سؤال آخر، يحيّر القارئ المتتبع، يتمثل في كون "مذكرات شاهد القرن"، تنقسم إلى قسمين، "الطفل" و "الطالب". وحسب هذا التسلسل، فإن عنوان الكتاب المعني بالتعليق والتحليل، يكون "الكاتب"، وليس "العفن". وربما انقسم "الكاتب" إلى أقسام، كالمحن التي تعرّض لها مع الاستدمار والقابلية للاستدمار، بشأن مواقفه وأفكاره وكتبه.

كتاب "مذكرات شاهد القرن" في جزئيه "الطفل" و "الطالب"، وكتاب "العفن"، يتطرق لثلاثة مراحل، ذكرها بن نبي في مقدمة للكتاب، وهي:

حياته كطالب: 1931 - 1936. حياته كمنبوذ هائم: 1936 – 1945. حياته ككاتب: تبدأ من 1946. والسؤال لماذا تكرار لمرحلة الطالب؟.

واضح أن مرحلة "الكاتب"، لم يوفها حقها، لأنها انتهت حسب الفترة الزمنية للكتاب سنة 1951، وبن نبي عاش إلى غاية سنة 1973، مايوحي أن كتاب "العفن"، بحد ذاته يحتاج لجزء آخر، ألا وهو مرحلة الكاتب، بشكل مفصل، لأن "العفن"، لم يعطي مرحلة الكاتب حقه.

إذن توجد حلقة مفقودة، حين يجمع القارئ المذكرات الثلاث. فمذكرات شاهد القرن التي تتطرق للطفل والطالب، لاتتطرق للكاتب، رغم أن الجزء الأول، كتب سنة 1966، وكان عمره حينها 61 سنة. وفي بداية السبعينات شرع في كتابة الجزء الثاني سنة 1971، أي سنتين قبل وفاته حين كان عمره 66 سنة. بينما في سنة 1951، حين كان عمره 46 سنة يتحدث عن مرحلة الكاتب، ولم يتمها. إذن أيّ المذكرات أسبق؟. وأيهم تبع للآخر؟.

تفاصيل بن نبي: ذكر بن نبي عبر كتابه "العفن"، تفاصيل كثيرة عديدة، بعبارات عنيفة قاسية. وذكر أشخاصا بأسمائهم وأوصافهم، وانتقدهم بشدة وعلانية، وخاصمهم حول مواقف معينة. وسبّب له هذا الموقف الحاد الصارم، النابع من فكره الحاد الصارم، خصومات مع جميع الأطراف وعلى جميع الأصعدة، وطيلة حياته، ومع مختلف الشخصيات.

"العلماء" و «الوطنيين": حين يقرأ المرء سلسلة مالك بن نبي، يرى انتقاده لأعضاء جمعية العلماء الجزائريين، ليتساءل بعدها عن سرّ هذا الانتقاد، وهذا الجفاء.

لكن في كتابه "العفن"، أعلن بصراحة مدوية، نقده ومخالفته للجميع، بل ذكر الأسماء والأماكن وكل التفاصيل. وحين يتحدث عن جمعية العلماء يكتب العلماء بين شولتين "العلماء"، لايستثني أحد منهم، بما فيهم الذين أعجب بهم في البداية، كابن باديس، والإبراهيمي، والورتلاني، رحمة الله عليهم جميعا، وهي ملاحظة تبيّن بوضوح العلاقة المتردية بين مالك بن نبي، وجمعية العلماء.

وحين يتطرق للعربي تبسي، يصفه بأشنع الأوصاف وأقبحها، فهو في نظره .. منافق، يسعى للظهور والبروز. لايهمه الدفاع عن الوطن. صاحب نية سيّئة، وصلت به الدرجة إلى أن استغلّ أوضاع مالك بن نبي داخل أسرته، ليؤجج الصراع والنزاع فيما بينهما، ويستغل هفوات حدثت في بيت بن نبي، وظروفه القاسية الصعبة التي مرّ بها. ولعلّ وصف بن نبي في صفحة 172 للعربي تبسي بقوله: "صاحب الجسم الممتلىء"، تبيّن بوضوح درجة العداوة والاختلاف الشديد فيما بينهما. فالمفكر بن نبي، حين يستعمل هذه الألقاب، فهو يدل على أن العلاقات السيئة التي بينهما، أفقدته الصواب، والتحكم في الأعصاب، وجعلته ينزل إلى هذا المستوى من الألفاظ.

وحين يتحدث عن العقبي، فيصفه بأنه يحب الظهور والبروز، ولا تعنيه الدعوة إلى الله، مستشهدا في ذلك بقانون منع المساجد الذي أقرته فرنسا. فالعقبي عارض القانون، لأنه يمنعه من الظهور، ولم يعارضه لأن القانون منع دعوة الله في المساجد، حسب نظرة ن نبي.

وكل أعضاء جمعية العلماء، يصفهم بهذه الأوصاف، قد تقل حدة، وقد ترتفع حسب الموقف الذي يتخذه بن نبي ويتخذه غيره، وحسب الأفكار المتلاطمة فيما بينهم، فهم في نظره .. حمقى، ومغرورين، ولهم قصور في الفكر والنظر، ويسعون للتفرد بالرأي والزعامة.

ونفس الألفاظ والعبارات يستعملها مع "الوطنيين"، وبين شولتين، من أمثال مصالي الحاج، وفرحات عباس. فهم في نظره خونة، وأصحاب قصر في الفكر والنظر، وهمهم البروز والظهور، وتقديم الحقوق على الواجبات. وأن الجزائر ابتليت بهم، فهم أقل من أن يدافعوا عنها.

ثم يخلص إلى أن "العلماء" و "الوطنيين"، لايختلفون في شيء، وهم أخوة في الصفات المذكورة، ويوبّخ كثيرا "العلماء"، لأنهم انساقوا وراء "الوطنيين"، واستغلوا الدين، فاستغلهم "الوطنيين".

مؤتمر 1936: المتتبع للكتاب، يرى كأن الكتاب كان لأجل مؤتمر 1936، لأن بن نبي يؤرخ بالمؤتمر، ويتحدث عنه طوال الصفحات، بل إن المؤتمر يعتبر نقطة انطلاق لعلاقاته مع بعض الأطراف، خاصة جمعية العلماء.

ومن النقاط المهمة التي يجب التطرق إليها، هي فهم موقف مالك بن نبي من جمعية العلماء من خلال الفهم الجيد لمؤتمر 1936.

يفرق الكاتب بين جمعية العلماء قبل مؤتمر 1936، وبعد مؤتمر 1936.. فهو ينتقد ذهاب الجمعية إلى المؤتمر، وينتقد نزولها للفندق بعينه، رغم علمها أنه سيّء السمعة من الناحية الأخلاقية، وينتقدها في التنازلات العديدة التي قدمتها للاستدمار الفرنسي. وينتقدها في أنها لاتصلح لمعالجة القضايا السياسية. فهي في نظره أضعف من معالجة مثل هذه القضايا، بالطريقة والأسلوب الذي تتبعه. ويقول في صفحة 118، "لقد كبرت على "العلماء" أربعا وأقمت عليهم الحداد منذ 1936، واعتبرتهم أعجز من فهم فكرة ناهيك عن انجازها وتنفيذها". وقال في صفحة127، "المؤتمر بلغ القمة لكنه هوى سنة 1936"

ويبدو من خلال القراءة المتأنية للكتاب، أن تدهور العلاقة بين بن نبي وجمعية العلماء، كانت بسبب موقف كل منهما من مؤتمر 1936.

موقف بن نبي من الجمعية، كان مبنيا على أساس نظرته لموقف الجمعية من مؤتمر 1936، والذي لم يتغيّر طيلة حياته. ومن قرأ أواخر كتب بن نبي، يلاحظ ذلك.

ثورة بن نبي: كانت مقدمة الكتاب سنة 1951، أي 04 سنوات، قبل اندلاع ثورة 1 نوفمبر 1954. ولا يبدو من خلال القراءة ، أن الثورة ستندلع. لكن من خلال تدخلات مالك بن نبي وأفكاره، المعارضة خاصة لطريقة "العلماء" و"الوطنيين"، حسب تعبيره، فإن هناك أسلوبا وطريقة للإعداد للثورة، حسب كل فريق وما يحمله من ماضي، وتكوين ورؤية مستقبلية وطريقة في الرؤية والتحليل.

خلاصة: كتاب "العفن"، وثيقة تاريخية، تبيّن علاقة بن نبي بأطراف عديدة، وسبب تدهورها. والمرارة التي عاشها مع الاستدمار الفرنسي، والمعاناة الشديدة القاسية التي تلقاها في سبيل البحث عن أصغر الوظائف ولم ينلها، وهو المتخرج من كلية الهندسة سنة 1935. والخيانات المتعددة التي تلقاها من بعض مقربيه، كلها عوامل ساهمت في دفع مالك بن نبي ، لاتّخاذ المواقف التي ذكرها عبر الكتاب، وأعلن عنها بصراحة وقسوة نادرة، لم يعهدها القارئ لكتبه بهذا الشكل من الوضوح والقوة.

الفقيد عامر عبد الله في ميزان عبد الحسين شعبان

صدر في بغداد كتاب بعنوان (عامر عبد الله النار ومرارة الأمل ... فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية) من تأليف الدكتور عبد الحسين شعبان، الكتاب هو محاولة وبجهد متميز من الباحث والمفكر شعبان لتوثيق سيرة المناضل الشيوعي العراقي المعروف عامر عبد الله، السيرة السياسية والفكرية والثقافية مرورا بعامر عبد الله الانسان والسياسي والمفكر والوزير والمفاوض والقائد، ومن خلال الكثير من المواقف الحرجة والمنعطفات الحادة.

يقول شعبان عن منجزه: [ ... الكتاب مزيج من الانطباعات والذكريات والحوارات والقراءات والنقد التاريخي، أردت من خلاله رسم صورة شخصية لعامر عبد الله في ديناميكيته وأهميته الجوهرية في الحركة الوطنية والشيوعية العراقية والعربية ...] وقد أجاد شعبان في لوحته الفنية تلك، وريشته تعلن بهدوء عن التهامس العاطفي بين الرسام وصاحب الصورة، وهو لا يخفي ذلك، حيث يشير في اكثر من محطة الى انحيازه الشخصي والعاطفي نحو الفقيد عامر عبد الله المستتر بالتأييد والتنديد والنقد الموضوعي .

الكتاب مكون من مقدمة وخمسة اقسام وملحق بالصور.

القسم الاول: مفتتح تمهيدي، عامر عبد الله صورة قلمية

القسم الثاني: الجوهر وجدلية الأمل والقنوط

القسم الثالث: عامر عبد الله بقلمه

القسم الرابع: عامر عبد الله في أطروحة ماجستير / كلية الآداب جامعة بغداد

القسم الخامس: عامر عبد الله في وثائق سياسية وحزبية

بالإضافة الى ذلك الكتاب يعتبر توثيقا لمراحل مهمة من تاريخ الحركة الشيوعية في العراق ولا سيما تلك التي عاشها او شارك بها وصنعها الفقيد عامر عبد الله. الكتاب جاء بـ (336) صفحة من الحجم المتوسط .

وختاما لابد من تقديم التهنئة والتحية للأخ الكبير والصديق ابو ياسر على هذا الجهد المميز والذي يقترب كثيرا من حالة الاتساق والتكامل .

بغداد / 28 ـ 3 ـ 2014

      

(كنز) و(هايك) مفكران للحاضر ايضاً

538-hatamفي مارس من عام 1944،وفي مثل هذا الاسبوع، نشر الفيلسوف والاقتصادي النمساوي فردريك فون هايك (1899-1992) كتاباً اصبح من اعظم الكلاسيكيات في الادب الاقتصادي للقرن العشرين. الافكار الاقتصادية الجديدة لجون مايرند كنز كانت هي الطراز السائد لتلك الفترة، لكن هذا الكتاب الجديد حكم على تلك الافكار بقساوة.

كتاب فردريك فون هايك ،الذي عارض افكار كنز كان بعنوان"الطريق الى العبودية"Road to Serfdom 1، فيه جادل هايك بان زيادة التخطيط المركزي من قبل الدولة هو بداية القيود على الحرية الفردية،والتي ستقود حتماً الى ظهور الانظمة الاستبدادية، شيوعية كانت ام فاشية. الكتاب جاء بعد عدة عقود و تتويجاً لأربع سنوات من العمل يتحدى فيه العديد من افكار ونظريات كنز الاقتصادية الجديدة، خاصة فيما يتعلق بما يجب ان تقوم به الدولة في فترات الركود.

538-hatamهذا العمل وُصف مؤخراً كأنه معركة بين اثنين من الاقتصاديين الجبابرة. في السبعينات من القرن الماضي،كان يُنظر الى هايك كمعارض لكل شيء يرمز للكنزية وللاجماع على الافكار الكنزية. ومؤخراً،اصبح العديد من الناس يرون الاتجاه نحو المزيد من افكار حرية السوق منذ الثمانينات كانتصار لأفكار هايك ضد كنز- وهي العملية التي جاءت كرد فعل للركود الكبير آنذاك. هذه المعركة الاكاديمية من الافكار اتخذت طريقها ايضا الى الميديا الشعبية، في اليوتيوب،هناك سلسلة من اشرطة فيديو الراب الساخرة عن المعركة الاكاديمية بين كنز و هايك.

ولكن كنز ذاته في الواقع لم يكره معظم الافكار الواردة في كتاب هايك (الطريق الى العبودية) بل،على عكس ذلك هو قام بشكل غير مباشر بمساعدة هايك في الكتابة. عندما انتقل هايك ومعه العديد من الاقتصاديين في مدرسة لندن للاقتصاد الى كامبردج عام 1940 هرباً من الهجمات الجوية المفاجئة على لندن،أوجد كنز لهايك مكاناً للعمل وللاقامة في كلية كنك التي يعمل بها، والاثنان بقيا على اتصال دائم حتى وفاة كنز عام 1946.

ايديولوجياً،هما ايضا عزفا نفس النشيد: كلاهما كانا ليبراليين ويكرهان الانظمة السلطوية مثل الشيوعية والفاشية. وافق كنز مع هايك على ان الفاشية ليست شيوعية مفيدة، كما اعتقد بذلك العديد من المعاصرين البريطانيين، وانما كانت تشكل نفس الخطورة على الليبرالية. كنز رفض التفسير الشائع لحجج هايك بان اي زيادة في تخطيط الدولة هو الخطوة الاولى نحو الاستبداد، لكنه وافق على الرؤية العامة القائلة بان القيود على تدخل الدولة تحتاج لتعريف واضح (اكثر وضوحاً مما فعله هايك في الكتاب) لكي تبقى الديمقراطية الليبرالية آمنة . وبعد ان استلم كنز شخصيا نسخة من كتاب هايك، كتب كنز جوابا له مثنياً على الكتاب . لكن كنز اعتقد ان على هايك ان يكون اكثر وضوحا حول اي نوع من الخطوط الحمر ستكون ضرورية لكي لا يهدد التدخل المتزايد للدولة قيم الليبرالية :

"انت تعترف هنا وهناك بان هناك تساؤلاً لمعرفة اين يُرسم الخط. انت توافق بان الخط يجب ان يُرسم في مكان ما، وان المنطق المتطرف لسياسة عدم تدخل الدولة كليا هو غير ممكن. لكنك لم ترشدنا اين يُرسم الخط ... طالما انت تعترف ان التطرف غير ممكن وان الخط يجب ان يُرسم،فانت تكون وضعت نفسك في مأزق لا تستطيع الدفاع عنه".

باختصار، اتخذ كنز من دروس هايكك كتحذير بان تدخّل الدولة يجب ان يكون محدوداً والسياسيين يحتاجون لمعرفة اين يتوقفون – وهو الامر الذي يقبل به دون تردد. ورغم انه اعتقد ان المزيد من سيطرة الدولة في بعض المجالات قد يكون مبرراً، لكن الحكومات دائما تعيد رسم الخط الذي لن تتجاوزه. ذلك ربما درس مناسب ليس فقط لتلك الفترة وانما لزماننا الحالي ايضا.

 

Keynes and Hayek Prophets for today, The Economist, Mar 14th 2014.

 

......................

الهوامش:

(1)     فردريك هايك في كتاب "طريق للعبودية" رفض فيه الرؤية السائدة بين الاكاديميين البريطانيين بان الفاشية هي رد فعل رأسمالي ضد الاشتراكية، بدلاً من ذلك يؤكد هايك ان الفاشية والاشتراكية لهما اصل مشترك في التخطيط الاقتصادي المركزي وفي سلطة الدولة على الفرد. يرى هايك ان التخطيط المركزي هو بطبيعته غير ديمقراطي لأنه يفرض على الناس رغبات اقلية صغيرة. الفرد في ظل التخطيط المركزي سيصبح مجرد وسيلة لتحقيق الاهداف المخطط لها، وبذلك يحطم حكم القانون والحرية الفردية. كذلك تحتاج انظمة التخطيط المركزي الى بروبوغندا قوية لكي يؤمن الناس بما يُخطط له، اعتقد هايك ان جذور النازية موجودة في الاشتراكية. كتاب الطريق الى العبودية هو من اكثر الاعمال شهرةً وتأثيراً في الدفاع عن ليبرالية السوق والذي لازال صداه واسعا في الخطاب المعاصر. بيع من الكتاب حوالي 2 مليون نسخة.

 

ماجد الغرباوي والضد بين ثقافتي الذبح والرحمة

saleh altaeiتولد الأفكار العظيمة عادة من صراع الثقافات السرمدي تماما كما ولد التدين من الصراع بين الخير والشر، والظلمة والنور، والحرية والعبودية، والانفتاح والاستبداد.

وما بين ثقافتي "جئتكم بالذبح" و"إنا أرسلناك رحمة للعالمين" بون شاسع وتباعد؛ بعد المشرق عن المغرب، وتنافر وصل إلى حد ثبات التوازي بما لا يتيح ولو مجرد فرصة لتلاق مهما عظمت الجهود، وعليه لا يمكن لشخصٍ ما مهما عظمت منزلته وقويت مقدرته أن يجمع بين الاثنين أو يوحد المنهجين، فالتوحيد أمر خارج سياقات المنطق ، والجمع أمر خارج سياقات العقل، ومن يدعي انه يمكن أن يجمع بينهما كاذب أو مغرور بنفسه لأن معنى ذلك أنه قادر على الجمع بين أشد الأضداد تنافرا في الكون كمن يريد الجمع بين النار والماء في إناء واحد.

 أما الإنسان هذا الكائن الفريد الغريب الذي تحدى عبر تاريخه الطويل كل المعوقات، ووقف بوجه كل الصعوبات ونجح بحكمته ورجاحة عقلة بالصمود والثبات والبقاء حتى بعد فناء الوحوش والديناصورات التي هي أشد منه قوة بمئات المرات فإنه أثبت ويثبت أن المستحيل قضية نسبية ممكن أن نستغفلها أو نستدرجها أو نلتف حولها بما حبانا الله به من فكر وقوة شكيمة وعقل مدبر، فإذا ما كان التوحيد بين الضدين مستحيلا فإن تقوية أحد الضدين على الآخر قد يحول دون وقوع النزاع طالما أن احد الطرفين سوف يشعر بأن الكفة ليست متساوية، وأنها ليست في صالحه، وأن هزيمته ممكن أن تكون خيارا أوحدا.

istebdad

 من هذه الاستحالة المعجزة، إستحالة الجمع بين الضدين الإنسان والوحش ولدت الحاجة إلى المنطق والحِجاج لإثبات أي من المنهجين أصدق وأكثر موائمة للنًفًس الإنساني، وأقرب إلى طبائع الإنسان العاقل السوي، ومثل هذا العمل الكبير بمضامينه ورؤاه لا يمكن أن يتم إلا بتفكيك أدق الجزئيات والنزول إلى أعمق أعماق الجذور، بل النزول حتى إلى طبقات التربة تحت نهايات الجذور لاستكشاف كل المناطق المعتمة والمظلمة والمسكوت عنها وتسليط الأنوار الكاشفة عليها لكي لا يبقى هنالك مجالا للشك.

وبحكم علاقتي بالأستاذ ماجد الغرباوي، ومن خلال متابعتي لنشاطاته الفكرية وقراءتي لبعض مؤلفاته وبحوثه وكتاباته عرفت أنه احد الذين نذروا أنفسهم للغوص في لجة وأتون هذا الأمر غير ملتفت إلى المخاطر التي تحيط به من كل صوب، وأدركت أنه خلال مسيرته النضالية الطويلة الشاقة عمل بجد ومثابرة ليكون أحد أبرز الناشطين في هذا المضمار الأشد تعقيدا وتحسسا، فترجم وألَّف وأنجز مجموعة من الكتب والبحوث القيمة التي أغنت المكتبة العربية برؤى كانت تحتاجها وأفكار كانت متعطشة لها، وبالرغم من كونه أصدر وترجم مجموعة كبيرة من الإصدارات الرائعة إلا أن ما نجحتُ بالإحاطة به لا يمثل إلا أنموذجا صغيرا من كم كبير.

ومع ذلك، ومن خلال هذا الأنموذج أتيحت لي فرصة الإطلاع على منجزين أو ثلاثة فقط وجدتها تشترك سوية بأنها تدعو الإنسان ليكون قريبا إلى إنسانيته؛ بعيدا عن روح التوحش التي لا يريد البعض مفارقتها، أو روح الاستحمار التي حبس البعض نفسه في أجوائها وعالمها. وما يدعو للدهشة والاستغراب أنه بالرغم من وجود ونشاط وفاعلية هذين المؤثرين بسبب مرافقتهما للإنسان منذ الأزل إلا انه لا التوحش نجح في تغيير مسار الكون وحول جميع البشر إلى وحوش ضارية أو طبًّعهم بطباع الوحوش، ولا الاستحمار نجح في كشف المؤامرات التي تحاك ضد الإنسان أو نجح في سلب عقل الإنسان وتحويله إلى كائن بليد مستحمر، ولكن لا ينكر أنهما نجحا سوية أو كلا على انفراد في التأثير في شرائح بعينها من المجتمع لا يستهان بعددها وقوتها، ولاسيما حينما نجح أحدهما أو كلاهما في بعض الأحيان بفرض قيمهما على بعض المجتمعات أو الجماعات حقبة من الزمن بسبب المنافسة بين القيم الدينية أو المذهبية أو المجتمعية الموروثة للجماعات البشرية.

وهنا بالضد من تلك المعادلة فرض المنطق نفسه بعلمية وواقعية ليثبت أن التوحش والاستحمار قوتان ممكن للإنسان أن يتحداهما بيديه العاريتين وبفكره النير الذي أخرس كل الأسلحة الفتاكة عبر التاريخ، والظاهر أن الأستاذ الغرباوي كان واحداً من الذين أستهوتهم لعبة التحدي؛ فشمر عن ساعده وبرى قلمه وتوكل ليزرع فحرث حقله وألقى حبوبه ونقل الماء عبر المفازات فأزهر الحقل وأثمر الزهر وفاح الضوع في الأجواء ثمرا يسر الناظر ويجبر الخاطر، ومع أني عاجز عن تتبع كل أشكال ذلك الثمر إلا أن ما نجحت بالإحاطة به:

إشكاليات التجديد

تحديات العنف

التسامح ومنابع اللاتسامح: فرص التعايش بين الأديان والثقافات

العنف أسبابه وأشكاله

الضد النوعي للاستبداد

الدين والفكر في شراك الاستبداد - جولة في الفكر السياسي للمسلمين.

وبهذه المناسبة أعلنها دعوة صادقة بأن يمن الله على الأستاذ الغرباوي بالصحة ليتم مشروعه الكبير، ويا حبذا لو تكون هناك قائمة بمؤلفاته مع خلاصات عن كل واحد منها تعرض في موقع صحيفة المثقف.

 

صالح الطائي

  

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2360 الاربعاء 20 / 02 / 2013)

"دماء على نهر الكرخا" لحسن العلوي: تفريس الصفويين وإحياء ابن سبأ (6-9)

alaa allamiقبل أن نواصل قراءتنا في الفقرات التي وعدنا القارئ في الجزء السابق من هذه الدراسة بمناقشتها نود أن نتناول بالتحليل والدحض المبتسرَين قضيتين: الأولى، هي تلك الخلطة البلهاء التي تجمع الفُرس والمجوسية والتشيع والصفوية في سُبة سياسية واحدة، كررها حسن العلوي في كتابه هذا حتى السأم، ويكررها اليوم جميع المصابين بـ "فوبيا إيران" في العراق وخارجه إذ أن هؤلاء، وفي مقدمتهم صاحب "دماء على نهر الكرخا"، بجهلهم وحقدهم القومي الذي أعمى بصائرهم يسيئون إلى العراق ويضرون أفدح الضرر بعملية الدفاع عن مصالح شعبه الحيوية وإلحاق الهزيمة بالأطماع الإيرانية ومحاولاتها للهيمنة المستمرة والمتفاقمة وخصوصا في عهد النظام الطائفي القائم اليوم في طهران.

وإذا تجاوزنا كلمة "المجوسية" وهي شتيمة تكفيرية تستهدف شعبا مسلما بكامله، بشيعته وسنته، وتخرجه من دينه لأسباب تتعلق بالتحريض السياسي المتبادل، فستبقى لدينا الكلمات التالية: الفرس، الشيعة، والصفويين. ولنبدأ بالصفويين: تاريخيا وسلاليا لا علاقة على الإطلاق للفرس بالصفويين. فالصفويون، كمؤسسين وزعماء لدولة وفئة حاكمة عرفت بهذا الاسم هم سلالة إذرية آسيوية من عائلة الشعوب التركية، وأصلها من شمال شرقي الصين الحالية وتمثل أقلية "الإيغور" اليوم بقاياهم العرقية هناك. والصفوية نسبة يشتقها البعض من أسرة "آل صافويان" والبعض الآخر من اسم الشيخ صفي الدين الأردبيلي مؤسس طريقة صوفية عرفت بهذا الاسم في مدينة أردبيل بإذربيجان وليس في إيران بداية، أو من كليهما؛ وحتى حين سقطت الدولة الصفوية في بلاد فارس سنة 1736 فإن قيادة الدولة التي خلفتها بزعامة نادر شاه القاجاري هي تركمانية أيضاً ومن قبيلة "القزلباش أي ذوي العمائم الحمراء" الذين حكموا إيران حتى سنة 1925 حين سقطت دولتهم وزالت من الوجود بانقلاب قاده رئيس الوزراء آنذاك رضا بهلوي وخلع الشاه التركماني القاجاري أحمد ميرزا واتخذ لنفسه صفة ولقب الشاه وبقيت الأسرة البهلوية في الحكم حتى سقوطها إثر الثورة الإيرانية سنة 1979.

هؤلاء هم الصفويون، الإذريون، الأتراك، الآسيويون، الأسرة المالكة و النخبة الحاكمة و الدولة التي حكمت إيران لعدة قرون. أما الفرس "البرسيس" فهم شعب آري (من عائلة الشعوب الهندوآرية) كما بينا في جزء آخر من هذه الدراسة، وهم ضحايا الصفويين الأوائل والذين نالوا أكبر الأذى والاضطهاد والقمع منهم حيث أجبروهم على تغيير مذهبهم الديني الطائفي السني وكانوا مسلمين سنة على المذهبين الشافعي والحنفي بالقوة، وقمعوهم بعنف بلغ إبادة السكان الفُرس في عدة مدن وقد صمدت منهم أقلية مهمة ما تزال تعيش في بلادها حتى اليوم في ظروف تمييز طائفي صعبة. هذا على الصعيد السلالي والأسرة الحاكمة ونخبتها، أما على صعيد المضمون إذْ قد يعتبر البعضُ أن التشيع الصفوي صار يشمل الفرس وغير الفرس في إيران والعراق فالأمر لا يشمل التشيع العراقي العربي أيضا ولتوضيح ذلك نقول :

مضمونيا نعرِّف "التشيع الصفوي" بأنه ذلك المذهب الطائفي الذي يُمأسس المذهب الشيعي الجعفري (يجعل المذهب ورجاله ومرموزاته مؤسسة بين المؤسسات التي تتشكل منها الدولة) وهذا أمر ليس جديدا بل أوجده الإسلام السُني بعد انفراط عقد السلطتين الدينية والزمنية"الدنيوية" اللتين كانتا مجتمعتين في شخص الخليفة الراشدي فالأموي فالعباسي حتى ابتكار منصب السلطان إلى جانب الخليفة في عصور التراجع والانحدار الحضاري والذي تكرس في السلطنة العثمانية أيضا فاختص الخليفة بالسلطة الزمنية وشيخ الاسلام أو مفتى الديار بالسلطة الدينية الجزئية أو الشكلية. وحتى هنا، إذا اتفقنا على أن التشيع الصفوي هو بهذا المعنى "المؤسساتي" فهو لا علاقة له بالتشيع العراقي العربي الذي استمر رافضاً للتمأسس والاندماج بالدولة أو الرضوخ لها وقد فصلنا القول في هذا الموضوع في مقالة بعنوان (التشيع العراقي نقيض التشيع الصفوي / "الأخبار" البيروتية العدد 1988 في 24 نيسان 2013 )"1" وخلاصتها الجوهرية هي رفض أي شكل من أشكال التوحيد النوعي أو حتى المماثلة والمشابهة بين تجربتي التشيّع في العراق وإيران. فالخلافات بين التجربتين تتصل بالعوامل والآليات والنتائج والمديات الاجتماعية ومستوى اندماج الخصوصيات المجتمعية المختلفة تماما بين العراق وإيران. وقد بلغ الخلاف ذروته بين التشيّع العراقي القواعدي الرافض للدولة البرانية بشكلها الكسروي، وهو المبدأ الجوهري في التشيّع العراقي. وهو مبدأ لا يزال ساري المفعول إلى يومنا هذا، رغم محاولات الساسة الشيعة المعاصرين زجّ المرجعية النجفية في شؤون الحكم والسياسة.

يمكن اعتبار الشيخ إبراهيم القطيفي "توفي 1543 م" القادم من القطيف في الجزيرة العربية إلى عاصمة التشيّع العالمية النجف خير ممثل سجالي لهذا التشيّع "الضد صفوي"، أما التشيّع الصفوي شبه الكهنوتي المشابه نوعياً لتمثيل التسنّن في تجارب الخلافة العباسية والأموية، حين تحول رجل الدين وجماعته إلى مؤسسة من مؤسسات الحكم المنفصل عن المجتمع، فيمكن اعتبار الشيخ علي الكركي العاملي "توفي سنة 1533 م" القادم من جبل لبنان إلى أصفهان عاصمة الدولة الصفوية والمعين من قبل الشاه الصفوي إسماعيل بمنصب "شيخ الإسلام" ثم بمنصب "وكيل الإمام" في عهد الشاه طهماسب الممثل الأوحد له. وبهذا فلا علاقة للتشيع العراقي والشيعة العراقيين بالتشيع الصفوي حتى بهذا المعنى المضموني، وهكذا تنكشف تهمة أو سُبة (الفرس، المجوس، الشيعة، الصفويين) وخصوصا بنسختها الموجه الى الشيعة العراقيين العرب، عن كونها خلطة شتائمية بلهاء و هراء محضاً ليس إلا!

القضية الثانية التي آثرنا التوقف عندها هي ضرورة التفريق بين أمرين مهمين لنكون، ومعنا القارئ، على بيّنة من أمر مهم لئلا نخلط النقد الصحيح والضروري والموضوعي لأمور مهمة في إطار موضوع التشيع وأصوله وما هو أصيل أو مضاف وطارئ فيه بالهجاء الطائفي والعنصري الذي يستعمل هذه المبررات النقدية الصحيحة وعلى منوال " كلمة حق يراد بها باطل" لتحقيق مآرب أخرى كما يفعل حسن العلوي في كتابه هذا. ومن هذا المنطلق يمكن لنا أن ننظر بنقدية وطرق تحليلية تتوسل المقاربات العلمية لا الإنشاء والعواطف الجياشة إلى حقيقة الإضافات التي جاء بها بعض الفقهاء الشيعة من فُرس وغير فُرس، أي بعد أن تكرس وجود التشيع ككيان مجتمعي هو الطائفة في زمن إمامها محمد الباقر وليس قبل ذلك، مسجلين أن هذه الإضافات قد حدثت فعلا وتكرست بالتدريج في فترة القرون الست الخوالي التي استغرقها تشيع إيران ولكننا آثرنا عدم الخوض في الجانب الفقهي من هذه الإضافات أو الاجتهادات لأنه ليس من مشمولات هذه الدراسة النقدية. إن هذا الموضوع لا يمكن القفز أو المساومة عليه علميا وتاريخيا وفقهيا، ولكن يجب الفصل بينه كهم وانشغال تراثي علمي بحت تنبغي دراسته بالمنهجيات العلمية المعروفة، وبين خطاب النزعة العنصرية الطائفية التي يلهث خلفها حسن العلوي لتفسير تاريخ الشيعة و التشيع بل والتاريخ الديني الطائفي برمته على أساس عقلية تآمرية ظلامية جاهلة يتبنها. بعد هذا الاستدراك الضروري نعود الآن لمواصلة قراءتنا في الفقرات الخاصة بهذا الجزء من الدراسة:

شكك حسن العلوي بحديث الغدير نصاً وواقعاً، وهو الحديث النبوي الذي اعتبره الشيعة دليلا على أحقية الإمام علي بن أبي طالب في خلافة النبي، والأحقية هنا يمكن أن يُنظر إليها بطريقتين : الأولى، كتأكيد لواقعة تاريخية لا أكثر وهذا ما يفعله غالبية الفقهاء والعلماء السنة والشيعة فلا أحد ينكر وقائعية هذا الحديث ونصه. والثانية، هي التي ينظر بها الأشخاص ورجال الدين الشيعة الأكثر تعصبا على اعتبار الحديث دليلا على وقوع خطأ تاريخي بحق الإمام علي بن أبي طالب لم ينته وينبغي تصحيحه في الحاضر، وهؤلاء هم حاملو رايات الطائفية السياسية الذين يجعلون من وقائع التاريخ المنصرم مرموزات إيمانية وطائفية سياسية غير قابلة للنقاش مع الآخر الطائفي في الحاضر الزمكاني.

ولكننا نفهم من كلام حسن العلوي أنه يعتبر هذا الحديث ضمن الأحاديث الموضوعة أي أنه لا يعترف حتى بحقيقته كواقعة تاريخية ثابتة ويضعه في مصاف الآيات القرآنية المفسرة تفسيرا سياسويا فقد كتب (فقد طالب بعض الصحابة بالخلافة لعلي فظهرت مشكلة الولاية وحيث النص على خلافة علي وهو ما يسمى بحديث الغدير. وقد أدى الخلاف على الخلافة الى تأويل آيات قرآنية واختراع أحاديث وأوجد أحزابا متنابذة تتراشق بالتهم وتنشر التأويلات"..." وظهرت من نتائج المعركة السياسية الأولى هذه، فكرة الإمامة، إذا " إذْ ؟" لم يجد أتباع الإمام علي " ع" سوى فكرة الإمامة يطلعون بها ويردون بها على خصومهم وهي أعظم عندهم من الخلافة الزمنية وأوسع منها صلاحية ومقاما.. ص 37) وفي موضع آخر من كتابه يعتبر حسن العلوي اليهودي عبد الله بن سبأ هو غارس أول بذرة في حقل الإمامة، مكررا ما راج في عهد بني أمية من خرافات وأساطير وأحاديث موضوعة، وضعها شخص واحد لم يسبقه إليها أحد سيف بن عمر التميمي (مات هذا الأخير بعد 160 عاما من وفاة الإمام علي بن أبي طالب ولكنه روى حديثه المشهور عن عبد الله بن سبأ وكيف قتله الإمام علي وأحرق جثته، وهي الرواية التي لم يسبقه أحد إليها، سوى نتف صغيرة رواها الطبري في أحداث الثالث الهجري، ومنها نشأت هذه الشخصية الأسطورية).

وسيف بن عمر معروف بكذبه، ومتهم من قبل أغلب علماء وفقهاء وأئمة السنة بأنه وضّاع ( يضع أي يؤلف الأحاديث وينسبها إلى النبي) ومطعون في روايته وزنديق، فهذا محمد بن حبان السمرقندي يقول عنه (يروي الموضوعات ويضع الأحاديث واتهم بالزندقة) أما الحاكم النيسابوري فقال عنه ( سيف بالرواية ساقط ومتهم بالزندقة)، ابن عدي قال عنه (بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها). ويقول عنه ابن معين (ضعيف الحديث فليس فيه خير). وقال ابن أبي حاتم (متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي). وقال عنه السيوطي إنه وضّاع . وقال محمد بن طاهر بن علي الهندي عنه (سيف بن عمر متروك، اتهم بالوضع والزندقة وكان وضاعا)، أما أبو داود صاحب السنن فقال (ليس بشيء). وقال عنه النسائي إنه ضعيف، وهؤلاء كلهم من أئمة وعلماء أهل السنة. ولكن ماذا قال المعاصرون بخصوص شخصية ابن سبأ؟ نستكمل الكلام في هذا الموضوع في الجزء القادم من هذه الدراسة وهو السابع.

تصويب: ذكرت في الجزء السابق، الخامس، من هذه الدراسة أن مرقد الإمام علي الرضا في مدينة قم والصواب هو أن قبر شقيقته السيدة فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر والمعروفة بفاطمة المعصومة هو الذي يوجد في قم، أما مرقده هو ففي مدينة مشهد "طوس قديما". شكرا للصديق محمد عبد الرضا شياع الذي صوّب لي هذا الخطأ.

 

...................

1-رابط بمقالة " التشيع العراقي نقيض التشيع الصفوي" :

http://www.al-akhbar.com/node/181872

 
 

الإستدلال، الترجيح، والإقتراح .. منظومة فكرية متقدمة للباحث ماجد الغرباوي / سلام كاظم فرج

salam kadomfarajقراءة في كتابه: (التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الاديان والثقافات)

 

جاسم العايف .. و(مقارباته في الشعر والسرد)

jasim alayffصدر للكاتب والصحفي (جاسم العايف) كتاباً جديداً حمل عنوان "مقاربات في الشعر والسرد"*. يتكون الكتاب من أقسام ثلاثة بواقع (152) صفحة. افتتح (العايف) كتابه بإهداء شعري، إلى زوجته:

زينب حسين عبود

ووضع المتن الشعري بين قوسين مزدوجين وكان من شعرٍ للشاعر (مجيد الموسوي) جاء فيه:

" لماذا تركتِ يدي ومضيتِ

لماذا تركتِ قميصي المُدمى ببيتي

لماذا، وقد بحَّ صوتكِ من وحشةٍ،

بحَّ صوتي.

.....

.....

أي شيء تبّقى إذن

غير هذا الأسى يتربص بالروحِ، واهنةً،

و بياض الكفن!".

احتوى القسم الأول من الكتاب الموضوع التالي: (مهدي محمد علي: شجرة مثمرة .. ومنجز غمرته الظلال) ذكر فيه المؤلف الرابط الأخوي الوشيج مع الشاعر الراحل (مهدي) في بداية مطلع عقد الستينات من القرن الماضي وكيف اشترك معهما في هذا الرابط المقدس الشاعر (عبد الكريم كاصد) وكيف لمهدي أن كتب قصيدة حملت عنوان (صديق) والتي نشرها في عدن من دون ذكر اسم المُهدى إليه - وهو جاسم العايف - خشية منه عليه حينها . وقد علم (العايف) بعد مدة طويلة، وذلك من خلال رسالة مطولة أرسلها الشاعر(عبد الكريم كاصد) له، ووصلت من (عدن) مهربة، وقد تم تأكيد هوية الإهداء من خلال لقاء العايف مع مهدي محمد علي في عام 2005 في زيارته الأولى والأخيرة للبصرة، وجاء في القصيدة:

صديق

" اعرف الباب

والعتبة الحجرية

والممر الصغير

والشجرة نحو اليمين

.........

أذكر الآن قهوته مُرة

وابتسامة مُرة

وهو يجهد ان يستضيء الكتب

وكلام الصديق"

وقد ذيلت القصيدة بالتالي: (الكويت 1979 - (رحيل

عام 78).الموضوع الثاني كان عن الشاعر حسين عبد اللطيف و " متوالية الهايكو" وفيه تحدث الكاتب عن مسيرة عبد اللطيف واعتباره شاعراً ارتباطياً بسلسلة شعراء الستينيات وإثارته لنقاد مهمين جداً في الوسط الأدبي إضافة إلى شعراء نذكر أبرزهم (أدونيس) ونشره عدد من قصائد عبد اللطيف في مجلة " مواقف" كانت قد أرسلت بالبريد له، ومن خلال تأكيده وتعريفه" بعبد اللطيف "ان العراق بشبابه الشعراء يضيف نكهة خاصة متميزة لبيت الشعر العربي الممتد عميقاً في مكان واسع الأفق في التاريخ والزمان" وكيف اهتم عبد اللطيف بشعراء وأدباء شباب عموماً ودفع بهم إلى بر الأمان على

الرغم من خجل بعضهم ..لكن كان يغمرهم بعطفه الأخوي .وقد استعرض في فصله هذا عن الشاعر حسين عبد اللطيف لكثير من المحطات الأدبية التي مر بها قطاره الأدبي، كان أهمها إجراء حوار مع الشاعر" محمود البريكان"، يعد أول حوار للبريكان – على حد قول العايف – ونشر في مجلة " المثقف العربي" بتاريخ 2/آذار /1970 وقد أعيد نشر هذه المقابلة المهمة في مجلة (أسفار) عدد 14/ 1992 . ولولا اقتراح عبد اللطيف عنوان " المملكة السوداء" للقاص محمد خضير لكانت حملت احد العناوين التالية: المتجول الجنوبي أو سعفات القلب وكان الاسم الأنف الذكر هو أخر الاختيارات فأختاره الشاعر و وافق عليه القاص محمد خضير دون تردد. وفي العودة إلى مجموعة " متوالية الهايكو" والتي تحوي الكثير من التحديات كون " الابتعاد عن هذه المعايير تعني فض المواجهة (التحدي) بين ما نكتب - نحن العرب - وبين ما يكتبه "اليابانيون" حسبما ورد في دراسة للأستاذ (نجاح عباس رحيم)والمنشورة على حلقتين في جريدة الصباح الجديد العراقية .وقد نشرتُ في جريدة العرب اللندنية مقالاً بمناسبة صدور هذا الكتاب حمل عنوان (هايكو بروح عراقية) في يوم الاثنين 19/11/2012 .

(أغنية حب.. تبتكر لعبة للغرق) عن الشاعر

الشاب القتيل مهدي طه، و (على جناح ليلكه...ذاكرة الحب بعد المذبحة) عن المجموعة الشعرية الثانية للإعلامية الشهيدة (أطوار بهجت)والتي اشتملت بعضا من قصائدها التي كانت حبيسة حاسوبها الشخصي وقد صدرت بكتاب أواسط عام 2007 .هذا وقد أشار الكاتب(العايف) إلى ان " الشاعرة تعتمد في قصائدها على تقديم صورها الشعرية بنوع من الكشف العلني والمفارقة (العاطفية) دون مواربة مع إحساس متعاظم بخذلان (وجدانها) من الأخر ...وثمة في قصائدها (إيجاز) مبعثه عدم القدرة في التواصل لخلق عالم قائم بذاته داخل القصيدة الواحدة" ويعتبرها

العايف قريبة جداً من كونها: "مدونات يومية شعرية".تلاها موضوع عن عبد الخالق محمود حمل عنوان: (فجائع.. عازف آخر الليل) عن مجموعة شعرية لعبد الخالق و كانت من تقديم الناقد جميل الشبيبي وهي من إصدارات اتحاد أدباء وكتاب البصرة - دمشق عام 2012 .وثم موضوع " بداية البنفسج البعيد .. سيمياء مدينة جنوبية" وهو موضوع عن مجموعة شعرية للشاعر ثامر سعيد وقد احتوت مجموعة (بداية البنفسج البعيد) على 23 قصيدة حاول فيها " الشاعر ثامر سعيد"على حد قول العايف " رصد العالم الذي حوله عبر المحاكاة والتلميح والاستعارة من خلال استبطانه عالم مدينته البصرة، التاريخي والشعبي.أما جدلية الشعر والرسم في كتاب الرسام والناقد التشكيلي خالد خضير الصالحي فكانت هي الموضوع الذي دمج فيه الكاتب بين الشعر والرسم وهي من ضمن كتاب الصالحي الذي حمل عنوان (قيم تشكيلية ..في الشعر العراقي).والذي يحوي في طياته دراسات عن كتب شعرية صدرت حديثاً أو قديماً لمجموعة من الشعراء جمعتهما صفة الشعر والتشكيل - الصوري، في أسلوبهم الشعري، يلحق هذا الموضوع موضوع أخر عن "قصائد النثر العربية: مشاهد ورؤى متعددة " وفيه يتطرق إلى تاريخ ظهور مصطلح قصيدة النثر في الأدب العربي وذلك من خلال مجلة (شعر)سنة 1960 باعتباره شكل شعري جديد.إما الموضوع

ما قبل الأخير في هذا القسم فهو قراءة جديدة لأنشودة المطر للشاعر بدر شاكر السياب وتطرقه إلى الكتاب الذي ترجم حديثاً عن هذه القصيدة وهو للمؤلفة "تيري دي يانغ"حمل عنوان " قراءة جديدة لأنشودة المطر" وقد قامت بترجمته السيدة "سحر احمد"والموضوع الذي ختم فيه القسم الأول من هذا الكتاب كان عن الشاعر الأمريكي (براين تراينر.. ينقب في الجرح العراقي).أما القسم الثاني وهو عن الرواية والقصة فبدأ بموضوع (كوكب المسرات):شهادة جارحة..تعدد التجنيس وهو عن كتاب محمد سعدون السباهي والذي حمل العنوان السابق والذي صدر عن دار اراس - اربيل-2012 وهو ضمن سرد التجربة الشخصية للراوي / السباهي كونها من مجريات الحياة اليومية:السجن /الحياة .وتأتي الموضوعات تباعاً وهي تحمل العنوانين التالية:

   - أفراس الأعوام:تاريخ وطن - تحولات مدينة..عن رواية زيد الشهيد

   روايات غائب طعمه فرمان - برلمان الحياة العراقية

أوراق جبلية:تجربة ذاتية وتنوع المنظورات الإدراكية: كتاب الإعلامي: زهير الجزائري

   كتاب الناقد: جميل الشبيبي مدن الرؤيا- قراءة مجاورة

   انكسارات مرئية للقاص ياسين شامل.. اختزال المألوف والشائع

والقسم الثالث والأخير فكان مخصصاً لحصة المسرح،فقد جاء في ثلاث مواضيع فقط،حيث تطرق إلى جماليات المسرح بين الانثرولوجيا الوصفية والعلوم الاثارية، والموضوع الثاني عن التدوير الدرامي: المفهوم والمعنى- عن كتاب الناقد المسرحي الراحل حميد مجيد مال الله، والموضوع الأخير عن كتاب الباحث الراحل خليل المياح:استقلالية العقل أم استقالته؟. ويذكر إسهامات المياح في الكتاب النقدي الذي صدر عن إتحاد الكتاب والأدباء العراقيين في البصرة عام 2007 وحمل عنوان " الأدب والفنون الأخرى " ومن الجدير بالذكر ان " استقلالية العقل أم استقالته" قد صدر للمياح مطبوعاً نهاية عام 2010 عن دار الينابيع - دمشق ضم الكتاب في محتواه خمسة عشر مقالا متنوعاً،محورها الأساس هو المحاولة لفهم جوهر المعنى الفلسفي، وقد قرأ (العايف) كتاب الراحل (خليل المياح) وما جاء فيه باستفاضة، مؤكداً وجهة نظره، والتي يختلف فيها مع الراحل الكاتب (خليل المياح) حول ما تطرق إليه- المياح- في كتابه، عن(هاملت) وهل كان فعلاً رواقياً؟!. معتمداً في هذا الأمر على مصادر عدة فلسفية وفكرية قديمة وحديثة.

* اصدارت مجلة(الشرارة) - النجف- ط1 - الغلاف: للفنان هاشم تايه

 

عباس محسن

 

اضاءات على عالم أدونيس (دراسات) للكاتب والباحث علا عيسى

hyam qabalanهدية قيّمة وصلتني من الكاتب والباحث علا عيسى من كفر قاسم، كتابه المطلّ على عالم الشاعر أدونيس، لم تمهله الحياة بل رحل مبكّرا قبل أن يتمّ باقي انجازاته وأبحاثه،،كنت قد وعدته بقراءة هذا الانجاز الكبير والتوجّه للقارىء به .

كتاب علا عيسى (اضاءات على عالم أدونيس) طبع في مكتبة الشعب في كفر قاسم عام 1998 والطبعة الثانية عام 2003 , يفتتح الناشر بقوله " لم يشهد شاعر أو ناقد عربي في الأربعين سنة الأخيرة هجوما على كتاباته ومواقفه مثل الشاعر والناقد والمفكر السوري علي احمد سعيد (أدونيس) مع اعتراف الكل بأنّه أسهم في اثراء الشعر والفكر والنقد العربي اسهاما لا يستهان به، ويعتبره الكثير وبحق أكبر المنظّرين للشعر العربي والنقد العربي صاحب مدرسة الأدنسة حيث تخرّج على يديه كبار الشعراء والنقاد العرب ".

في الكتاب يحاول علا عيسى أن يضع بين يدي القارىء بعض الدراسات المصغّرة حول أدونيس الذي رشّح لجائزة نوبل للآداب سابقا في الفترة التي حصل على هذه الجائزة الأديب نجيب محفوظ، هذه الدراسات تلقي بعض الضوء على كتابات وعالم هذا الشاعر والناقد ونرجو أن يسهم هذا الكتاب باثارة قرائح النقّاد والكتّاب لمزيد من الكتابات المتعمّقة حول أدونيس الذي لم ينصفه البعض في الحكم على كتاباته ومواقفه والبعض الآخر يبتعد عن كتاباته لأنها من وجهة نظره معقّدة وغامضة وفيها من الغرابة .

يقول علا عيسى: "انّ التاريخ لدى أدونيس عبارة عن ذاكرة (ماضي) أو ذكرى على اعتبار أنّه جزء منه ويسكن فيه،وهو فقط في ذاكرته ولن يقبله ولا يستطيع تقبّله الا في هذه الحالة أي ذاكرة، أو يحوّله الى ذكرى وذاكرة : انّ هذا التاريخ الشبح، الاله، الذي يطوّق الانسان العربي بذراعين خائفتين وبأذرع ممدودة، تحت رأس المكان هو تاريخ كالثوب المفتوق". يحاول ادونيس رتقه بشعره ولا يدري ان كان باستطاعته فعل ذلك أم لا " تاريخ ثوب مفتوق هل يقدر شعر ترتيقه، هذا يقوده الى الاحباط ويعتقد أنّ هناك أياد خفية تمزّق جميع أوراقه وتحرق كتبه وتحت ثيابه موت يتحرّك في كل خلية من جسده أو كما يقول : " كأنّ بين أوراقي جيوشا ومعارك وأنقاض".

مشروع أدونيس الأخير (الكتاب) بأجزائه الثلاثة ينفتح على المخزون الثقافي العربي والغربي اذ أنّه ليس مجرد مجموعة شعرية وانما هو مشروع متعدّد اللغات تتمازج فيه لغة الرؤية الشعرية ولغة الرؤية الفكرية والرؤية التاريخية عبر العلاقة الغامضة المعقّدة بين الفكر العربي والغربي وبين الانسان والكون، وفي حوار لأدونيس في جريدة " السفير 1998 " في حوار مع عباس بيضون يقول :"ربما أردت أن أجعل من الكتاب صورة للانسان العربي في تناقضاته بين ماضيه وحاضره أو لا، وفي تناقضاته الأخلاقية والفكرية والتعبيرية على نحو خاص".

في (الكتاب) لأدونيس، الصّمت هو سيّد البلاغة، الصّمت هو باب الدخول الى عوالم نجهلها ولا نرتقي الى القبض على اللذة فيها والامكانات المفتوحة لرؤية هذه العوالم كما نراها نحن، وانما كما يراها الواقف بانبهار أمام متعة الكتابة والكلام.

في باب" هل المتنبي قناع" لأدونيس يقول علا عيسى في دراسته:" حاول الكثير من الشعراء سابقا استعمال الاسطورة أو الشخصيات الأدبية كقناع أو كصوت الاّ أنّ الكثيرمنهم لم ينجح في التماهي مع شخصياته أو تقمّصها وتجاوزها في نفس الوقت، لقد كانت الشخصية التراثية لديهم بمثابة المراة أي نقل الصورة مثلما هي " ويضيف أدونيس عن محاولات البعض في الماضي، أنهم كان بامكانهم محاكاة المتنبي على مستوى اللغة والمضمون، الاّ أنهم ظلوا بعيدين عن الصوت أي صوت المتنبي، ويضع أدونيس المتنبي في مصاف الحداثة وما فيه من مميزات الحداثة ووصفه أنّه موجة لا شاطىء لها دائما في حركة،، شعره للحركة للحرارة للطموح للتجاوز وبأنّه جمرة للثورة في شعرنا، انّه طوفان بشري من هدير الأعماق لذلك تقمّص أدونيس شخصية المتنبي في الكتاب بحيث يتداخل صوت المتنبي وصوت أدونيس ويصبحان صوتا واحدا .

في كتاب اضاءات على عالم أدونيس لعلا عيسى أبواب أخرى عن : حياة أدونيس، مجلة الشعر، مجلة مواقف، أدونيس ومصادر تأثيره، أدونيس ومحمود أمين العالم، أدونيس والانعزالية، أدونيس والغموض، قصيدة الفر اغ الفراغ أدونيس، الصراع بين القديم والجديد في الأدب، الحركة النقدية وأزمة الشعر والنقد .

كتاب شيّق وممتع تركه لنا الكاتب والباحث والناقد الجميل علا عيسى، كان لزاما عليّ أن أفي بوعدي لقلم ساهم في خلق جو ثقافي أدبي ونقدي ليس في الأدب الفلسطيني المحلي انما تخطّت كتاباته فضاء الأدب الرحب، هذا الكتاب واطلالته على عالم أدونيس يستحق القراءة،، كتاب أضاف للمكتبة العربية رونقا وثراء.. ستبقى في الذاكرة والوجدان الراحل علا عيسى .

 

التسامح ومنابع اللاتسامح لماجد الغرباوي / هيام الفرشيشي

heyam fershishلعل اختياري لهذا الكتاب مبرره ما نعيشه من تحولات اجتماعية وسياسية، بعد الثورة وظهور عنف جديد

يتمثل في بروز الفكر الجهادي، وبعض نواتات الإرهاب. وهو في الحقيقة نتاج دكتاتورية استبدادية. لذلك ارتأى الباحث أن الخطوة الأولى تقتصر على ضخ سيل من الثقافة النقدية القادرة على النفاذ إلى أعماق اللاوعي لتفكيك البنى المعرفية القديمة وتأهيلها لاستقبال نمط فكري وثقافي جديد يعمل في إطار قيم التسامح. وأن يطال الخطاب النقدي جميع البنى الاجتماعية وعلى كافة المستويات.

فالنقد يتوجه نحو تفكيك مفاهيم اللاتسامح والاستبداد المتجذر في اللاوعي، بدءا من تفكيك مفهوم الأب لكي لا يبقى أب الأسرة / رجل الدين/ المفكر / السياسي / المثقف يفترض لنفسه سلطات اجتماعية وأخلاقية غالبا ما تكون قمعية استبدادية. فالخطاب النقدي مدعو للتوغل داخل هذه المفاهيم لتفكيكها بعد تحديد الأسس التي قامت عليها ومعرفة المرجعيات التي استندت اليها. هل مصدرها بشري أم الاهي ؟ اجتماعية أم سياسية؟ أعراف وتقاليد أم مصاديق دينية أو غير ذلك. وذك لكي لا يقبع النظام الأبوي في كل زاوية وكل مكان. كما أن تلك السلطات تفاقمت حتى أصبح المجتمع وفق بعض الرؤى الأبوية أفرادا قاصرين بحاجة إلى الرعاية والأبوة، ويجب إدارتهم وتدبيرهم، ويفرض عليهم الأمر والطاعة والامتثال، وإلا فالعقاب في الدنيا واللعنة في الآخرة لكل من يتمرد على سلطة الأب.. وبالتالي يجب العمل على استتباب قيم تقوم أساسا على رفض القمع والاستبداد والاعتراف بالآخر وإن كان مختلفا..

كيف نتصور قيام مجتمع متسامح في ظل خطاب تكفيري يعتبر المجتمع الإسلامي الراهن مجتمعا جاهليا تجري عليه أحكام الجاهلية؟ هذا النمط من الخطاب ينتج حركات إسلامية متطرفة تبيح قتل المسلمين. لنفهم أن كل خطوات قيام مجتمع متسامح تبدأ من العقل، تبدأ من نقد الأنساق المعرفية، تبدأ من نقد العقيدة، والفكر، والثقافة ليصار إلى فهم بديل للدين والحياة والمجتمع يساعد على استتباب قيم التسامح. إذ السلوك والأفعال الخارجية والمواقف لا تصدر إلا عن فكر مؤسس داخل العقل، ولا تنطلق إلا في ضوء المفاهيم ومقولات متجذرة في اللاوعي.

ويرى الباحث بأن إرساء أسس التسامح يؤهل المجتمع لاحتضان قيم التسامح وتبدأ من حقوق المواطنة، قإذا كان المجتمع غير مهيء نفسيا وفكريا وثقافيا للاعتراف بالآخرين لأي سبب كان، فإن قبول الآخر وقبول التعايش معه تفرضه وحدة الوطن، من أجل استتباب الأوضاع واستقرار الأمن والسلام. من هنا تكون حقوق المواطنة إحدى الأسس الكفيلة بإرساء ثقافة التسامح داخل المجتمع ولو بشكل مرحلي. ولكن كيف يقع استخلاص بين الولاءات بحيث يبقى الولاء للوطن متقدما للحفاظ على وحدته وانسجامه وتجانسه في إطار المواطنة.

 

ولاء الوطن، بمعنى الولاء إلى قوانين البلد إذا كانت قوانين تعبر عن إرادة الشعب وتضمن حقوق الجميع بشكل متساو. كما تستطيع النخب السياسية والدينية التوافر على قواعد شعبية تصل من خلالها إلى فرض إرادتها بشكل قانوني، لكن لا يحق لأي أحد التمرد على القانون واستخدام العنف للوصول إلى أهدافه، لأنه كما هو مفترض قادر على تحقيق ذلك بالطرق السلمية دون اللجوء للقوة والعنف. ولتكريس قيم التسامح لا بد إذن من سيادة القانون فهو الأساس الثاني لقيم التسامح بعد المواطنة.

وإذا اقتضت مصلحة الوطن تشريع قدر من الحرية الشخصية يتنافى مع قيم الدين الحنيف فما هو العمل؟ وهل يبقى وفيا لقرارات الدولة أم يتخلى عنها لصالح الدين وأحكامه الشرعية؟ ..إذا كان الحكم منتخبا فإن القانون هو الذي يوجه حركة المجتمع والسلطة وينظم الحريات ويوفر الأمن ويحمي المواطنين على تنوعهم واختلافهم. وحينما يسمح القانون بهذا الحجم من الحرية، يسمح بها وفقا صلاحيات ممضاة من قبل الشعب نفسه، فيكون هو المسؤول عن ذلك وعليه أن يتحمل تداعيات اختياره.

 

 نشر في صحيفة السفير التونسية ايضا

 

تابع موضوعك على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

 ............................

 الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2172الخميس 05/ 07 / 2012)

 

مختارات مترجمة للإنكليزية للشاعرة قمر صبري الجاسم

536-qamarمن إصدارات رابطة الكتاب الأردنيين صدر حديثاً كتاب:

Since The Blow Of The First Alphabetical Letter

536-qamar(منذ هبّة أول حرف) للشاعرة السورية قمر صبري الجاسم باللغتين العربية والإنجليزية. وهو العدد السابع من سلسلة "شعراء عرب معاصرون" ترجمة وتحريرالشاعر نزار سرطاوي. الكتاب من الحجم الوسط يقع في 53 صفحة وهو مختارات من عدة دواوين للشاعرة حملت العناوين (الحب يفصح عن نواياه الخبيثة –مرثية الطفولة وصفر الحساب – من وجهة نظر البحر – ديمقشعرية – نذرت كتاباتي – أسئلة – صورتي) والإهداء إلى القصيدة حيث كتبت الشاعرة: سرُّ القصيدة أنها انثى بكت .. منذ استباحت حلمها الأقدارُ

وقد صدر للشاعرة (وريقات مبعثرة – للعاطلين عن الأمل – نياشين على صدر قبري – دعوة للرفق بالكلمات –أمواج عارية وشيء من هذا القليل)

 

"التسامح ومنابع اللاتسامح: فرص التعايش بين الأديان والثقافات" لماجد الغرباوي .. قراءة في تركيبة المجتمع العربي وآثار قرون من القمع

heyam_fershishصدر كتاب "التسامح ومنابع اللاتسامح" عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد في 182 صفحة للباحث العراقي ماجد الغرباوي، رئيس تحرير صحيفة المثقف الالكترونية باستراليا .

يجوز من الأنس وما لا يجوز في شريعة الجنس

nadheer khazrajiيجد المرء في بعض الأحيان حرجاً كبيراً من الإقتراب من ما يُعتبر شأناً خاصأ، لا سيما عندما يتعلق الأمر بخصوصيات الفراش او ما يُعبر عنه بالمواقعة والاتصال الجنسي وأمثال ذلك من مسميات تعتمدها المجتمعات حسب ثقافاتها، فالخوض في مثل هذه المسائل يعد في بعض الثقافات من الخطوط الحمر، مع أن الحديث فيها وعنها في كثير من الأحيان في إطار الطب والشرع الطريق السليم الى حل معضلاتها أو الحد من آثارها السلبية والسيئة، نظراً لتحقق الرفض والقبول في العملية الجنسية وثنائية الخير والشر. فالاتصال الجنسي يتحقق في الزواج والزنى، فالأول مبارك وخير، وفي الإعلان عنه مبلغ البهجة والسرور، والثاني مذموم مجتمعيا يحرص الطرفان فيه على الكتمان وبسط السرية، لأن في الإفشاء مبلغ الفضيحة إلا في حدود معينة وضعتها بعض البلدان للذة الحرام المدفوعة الثمن لأغراض الضريبة والكسب الحرام لملء خزينة الدولة، وهو ما عليه عدد غير قليل من الدول الغربية.

ومن المفارقات، أن المرء قد يسمع بين الفترة والأخرى عن اعتقال عصابة للمتاجرة باللحم الحرام أو الهجوم على أوكار المتاجرة بها في هذا البلد أو ذاك، كما تطالعنا الصحافة البريطانية بين الفينة والأخرى، وقد يحسن القارئ الظن بالحكومة وإجراءاتها، وقد يذهب به بعيداً إلى أن الحكومة تمارس وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنّ نشر الفضيلة هو الدافع وراء عمليات الدهم والاعتقال والإبعاد للعصابات القادمة من أوروبا الشرقية سابقاً، ولكن عندما يقترب المرء من أصل الخبر سيكتشف أن تجارة اللذة الحرام - بعيداً عن أعين دائرة مصلحة الضرائب- هو أحد الدوافع الرئيسة وراء الاعتقال، حيث تدخل مثل هذه المهنة المشينة في باب التجارة السوداء التي تؤثر على عمل المومسات المسجلات لدى السلطات واللواتي يدفعن الضريبة السنوية، وبالتالي فمن واجب السلطات التنفيذية منع مثل هذه التجارة أو تقنينها ضمن أطر معينة وأماكن معينة حتى لا تفقد مصلحة الضرائب مورداً مالياً، والحد من السوق السوداء.

بالقرب من دائرة اللذة بوجهيها الحرام والحلال يقترب الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي كعادته في سلسلة (الشرائع) من هذه الدائرة، واضعاً الخطوط العريضة وبرؤية فقهية لما يجوز ولا يجوز في إطار كتيب (شريعة الجنس) الصادر حديثا (2014م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 72 صفحة من القطع الصغير مع مقدمة وتعليقات للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري.

 

غذاء كباقي الأغذية

ليس للإنسان، وبقية المخلوقات الأرضية، إلا أن يتناول الطعام، إن كان بغريزة الغذاء أو بغريزة البقاء سيان، وليس له إلا أن يشرب، فتناول الطعام والشراب أمر تكويني فطري، ويختلف من إنسان لآخر، وتتعدد المأكولات وطرقها حسب الأجواء والمجتمعات والبلدان والثقافات والأديان والمعتقدات، ولكن بالمحصلة الحتمية ان الطعام والشراب قرينا الكائن الحي لا يتخلف عنهما أبداً ما دام له عرق ينبض بالحياة.

والغريزة الجنسية لا تختلف من حيث الحاجة والاحتياج عن الطعام والشراب، فهي طاقة متولدة باستمرار ينبغي للإنسان من ذكر وأنثى تصريف شحناتها وإلا أصبحت وبالاً جسديا ونفسيا، ولأنها طاقة متولدة فإن العازب يصرفها بالاحتلام رغماً عنه فيكون في دائرة الحليّة، وقد يصرفها بالاستمناء مع سبق الإصرار "العادة السرية" فيقع في الحرمة وارتكاب الإثم، وقد يصرفها الإنسان في الزواج وهو الأمر الطبيعي فيكون عمله ذا قيمة عظيمة وصحة للمجتمع وسلامة، وقد يصرفها المتزوج والعازب خارج إطار الزوجية فيكون لتصرفه جنحة كبيرة ونقمة للمجتمع وندامة، فبالمجمل كما يؤكد الفقيه الكرباسي: "إن الشهوة الجنسية نعمة إلهية لابد أن يستخدمها الإنسان في سبلها الصحيحة ويسعد بها حياته كما هو الحال في الأكل والشرب وغيرهما، وهذا الإنسان القادر على أن يلجم إرادته قادر على أن يخلق المعجزات في الاتجاهين وقادر على أن يطور سبل الوجهتين ويخترع الوسائل في لجم نفسه أو تركها حسب تلك الإرادة، ويسهل له مركبها نحو التكامل أو التراجع". فالشهوة الجنسية إذن هي طاقة وحاجة ولذلك كما يؤكد المعلق الفقيه الغديري فإنَّ: "الممارسة الجنسية هي أحد الأسباب لتسكين النفس، فالسكون والمودة والرحمة من النعم الإلهية العظيمة التي أعطاها للإنسان".

وإذا كانت الغريزة الجنسية نعمة تكوينية وهي كذلك، فإن أقل الشكر على هذه النعمة أن يتم صرفها في الاتجاه السليم، والاقتران العلني المؤطر بالشريعة والعرف الاجتماعي السليم هو الشكر بعينه، والجحود يكون بسلوك الطرق الحرام في صرف الطاقة واشباع الرغبة، والوبال الاجتماعي ما ينتج عن هذه العلاقات المحرمة التي يزينها الشيطان للإنسان من ذكر وأنثى فيقع في حباله وهي من الطرق القصيرة وأوهن الحبال التي أذلت الصغار والكبار وقت الاختبار، والتي ينبغي للمرء أن يستعيذ بالله من شرور الشيطان وجنوده النارية والفخارية، فالزواج هو الحد الفاصل بين المشروع واللامشروع، وبتعبير الفقيه الكرباسي: "فكل ما كان في إطار الزواج الشرعي باركه الله وسمح لعباده أن يمارسوه إلا ما يضرّهم، وكل ما خرج عن نطاق الزواج فقد نهى الله عنه وأنزل عليه نقمته".

 

ثمار اللذة الحلال

لا يمكن تصور حياة على وجه الأرض بعيدا عن غريزة الطعام والشراب واللذة الحلال، فإعمار الأرض يتحقق من خلال هذه الغرائز وغيرها، فلو لم تكن قائمة لما صار الزرع والضرع ولما جرت المياه في الأنهر والسواقي، ولما قامت المجتمعات والمدنيات والحضارات، ولما ماتت أمم وقامت أخرى، ولما توارث الناس وتعاقبت الأجيال.

الفقيه الكرباسي الذي يتابع في 127 مسألة فقهية حول موارد صرف الطاقة الجنسية، يسجل مؤشرات عدّة على فلسفة الشهوة واللذة:

أولا: التكاثر، فلا حياة على الأرض من غير تكاثر، ولا تكاثر من غير اتصال جنسي، ولا اتصال جنسي من غير رغبة، ولا رغبة من غير طاقة وغريزة تكوينية كامنة لدى الذكر والأنثى، فلو انعدمت الأخيرة انعدمت الأولى.

ثانيا: التآلف، لا يمكن تصور حياة أليفة وتآلف بين بني الإنسان من غير تحقق العلقة الجنسية.

ثالثا: تحريك عجلة الحياة، فمن لا يجد من يصرف عليه كزوجة أو أولاد أو أجداد، لا يجد الوازع للعمل، فتموت الحياة وتتوقف عجلتها.

رابعا: تنشيط الاقتصاد، ومن لا يعمل وضع العصي في عجلة الاقتصاد، فلابد للحياة من كد وتعب، والعمل مدعاة لتنشيط الاقتصاد على مستوى الفرد والمجتمع والأمة، والأمة الناجحة الراشدة هي التي تأكل مما تزرع وتصنع وما تصدره للآخر.

خامساً: تطوير الحياة، ومن الطبيعي ان الذي يتكاثر ويتآلف وينتج ويأكل يسير في الاتجاه الصحيح على طريق تطوير الحياة بما يصلح أمر دينه ودنياه ويوفر الخير له وللأجيال.

سادسا: راحة النفس، فالإنسان السوي يجد راحته وسكنه في منزل الزوجية، فالزوجان لبعضهما سكن ومسكن، ومن راحة النفس تتحقق المودة بكل معانيها المعجونة بكيمياء الحب.

سابعا: الأمن، فالإنسان بطبعه يميل الى السلام والأمن، والعلقة الجنسية المتحققة بالزواج تحقق جانباً كبيراً من الأمن المجتمعي.

ثامناً: حب البقاء، فلا أحد يرغب في الموت، فهو حق يصعب تصوره، ولكن عزاء المرء في خلفه، فحب الخلود غريزة، وهي تتحقق في دار الدنيا بالذرية المتحققة من الزواج والرغبة الجنسية، وفي الآخرة باعمار الأرض بما فيه رضا الرب وصلاح المربوب فيحصد في الآخرة جزاء ما زرع في الأولى.

تاسعاً: الامتحان الإلهي، فالإنسان مهما بلغ من القوة والمكانة لا يستطيع أن يخرج من مملكة الله أينما كان على الأرض أو في الفضاء الخارجي، والغريزة واحدة من مقامات الامتحان والاختبار في الدنيا ولها تبعاتها في الحياة الأخرى، ولذلك فهي تجعله في حالة اختبار على الدوام بين أن يميل الى صرف الطاقة الجنسية في مواردها الطبيعية أو خارجها.

 

ثنائية الصلاح والطلاح

ولما كانت الأشياء تُعرف بأضدادها، فإن من الطبيعي أن مخالفة السنن الكونية تؤدي الى شيوع الأمراض المزمنة القاتلة لسلامة الفرد والمجتمع، ويؤشر الفقيه الكرباسي في المقدمة المستفيضة لشريعة الجنس على عدد من التوابع السيئة للغريزة الجنسية وتصريفها، في ثنائية متعارضة، منها:

أولا: المرض والسلامة، فالشهوة المحرمة خارج أسوار الزوجية مدعاة الى أمراض جنسية لا يختلف عليها اثنان، في حين أن الزواج مدعاة الى السلامة الجسدية والنفسية والروحية.

ثانيا: القلق النفسي والطمأنينة، فعش الزوجية يبعث الدفء والطمأنينة، ومن يمارس الحرام يعيش في قلق نفسي، ويقطع عن المجتمع أمصال الطمأنينة.

ثالثا: السلوك الصالح والطالح، فالشهوة المحرّمة مثلها كمثل اللقمة الحرام والشراب الحرام، مدعاة للجريمة والسلوك الطائش المخل بأمن المجتمع، وفي المقابل فإن الزواج يقضي على الكثير من أمراض المجتمع وينتج بشكل عام رجالا أسوياء النفس والسريرة لا يميلون الى الحرام كما يميل في سريرته ابن السفاح وإن صلُح.

رابعاً: الإعاقة والسلامة، فالممارسة الجنسية القائمة على النفس المطمئنة وبالأسلوب السليم نتاجها سيكون سليما، والعكس صحيح.

خامساً: الخلق الوضيع والرفيع، فالسلامة الجنسية دلالة على الخلق الرفيع والسلوك السوي، ومن يمارسها بغير محلها في الزواج وخارجه دلالة على السلوك الوضيع.

سادساً: الجهل والمعرفة، وفي الأعم الأغلب ان الذي ينجرف الى اللذة الحرام ويكوّن أسرة خارج رباط الزوجية، لا يميل الى العلم، ويصبح الجهل ملعبه، في حين أن الأسرة السليمة تسعى ما أمكنها الى تعليم أبنائها، فرغبة الأب أن يكون ابنه أفضل منه في هذه الحياة.

سابعاً: الانفلات والانضباط، من الثابت أن اللذة المحرمة مدعاة الى الانحراف، والأخير بدوره يفرز الانفلات والانزلاق في وحل المخدرات والاعتياد على الخمر وأمثالهما.

ثامناً: القُبح والحُسن، بالإضافة الى قبح الشهوة الحرام وحُسن حلالها، فإن الممارسة الجنسية الخاطئة مدعاة الى فقدان نضارة الوجه، ونظرة بسيطة الى المومسات والمنحرفين تقطع الشك باليقين.

تاسعاً: الخسارة والربح، ولا غبار أن اللذة الحرام من الناحية المادية تفضي الى خسارة مادية، في حين أن الأسرة السليمة تحقق التوازن المادي.

عاشراً: الحياة والموت، ولا يشك أحد بأن الممارسة الجنسية المخالفة للفطرة والطبيعة الإنسية منتجة للأمراض الجنسية التي تقضي على الإنسان في وقت مبكر، وعكسها الممارسة السليمة التي تخلق الراحة الجسدية والنفسية للجنسين معاً.

 

ممارسات خاطئة

وعلى الرغم من أهمية النقاط التي أشار إليها الفقيه الكرباسي، يمكن تصور سلبيات وايجابيات أخرى ناتجة عن الممارسة الجنسية في الزين والشين، داخل إطار الزوجية وخارجها، لأن الممارسات الخاطئة في اشباع الرغبة الجنسية لا تقتصر على اللذة الحرام كما قد يشي الأمر، فهناك من يمارس الحرام وهو على فراش الزوجية كما يشير اليه الفقيه الكرباسي، كمن يمارس الجنس مع زوجته بشهوة غيرها أو أن تمارس الزوجة الدور نفسه، فهو من المحرمات، وله تأثير غير مرئي ولاسيما على الوليد وسلوكه.

وقد ثبت بالتجربة ومن خلال الطب الحديث ان بعض الممارسات الجنسية التي تدخل من الناحية الشرعية في إطار الكراهية، لها صفة حيوانية وتحط من كرامة المرأة وتخل من رونق الحياة الزوجية، وهو ما يشير الى بعضها الفقيه الكرباسي في عدد من المسائل، من قبيل الوطء من الخلف وبخاصة لمن يرى الحرمة او الكراهية الشديدة ومن دون رضاها، وقد تؤدي مثل هذه الممارسات الخاطئة أو المرفوضة الى تقليل العمر الافتراضي للرغبة الجنسية لدى الرجل، وهو ما ينتهي الى خلق مشاكل اجتماعية أقلها أن تدعو المرأة الرجل الى طلاقها، وإذا رفض الرجل اعطاء مرادها مع وجود الرغبة الجنسية لديها، فهو طريق غير آمن لأمراض جنسية وجسدية ونفسية تتمركز في الزوجة فضلا عن افراز عواقب وخيمة مرفوضة اجتماعياً، من هنا فإن الفقيه الكرباسي يرى انه: (إذا لم يتمكن الزوج من تلبية حاجة الزوجة يجب عليه طلاقها إن لم تصبر على ذلك).

ومن الأخطاء الاجتماعية في هذا المجال هو امتناع الرجل عن المعالجة الطبية اذا أصيب بضعف جنسي، لأن العرف الاجتماعي في بعض البلدان، يرى في مراجعة الطبيب انتقاصاً من الرجولة، مثلما لا يراجع المريض نفسيا الطبيب خشية أن يتهمه المجتمع بالجنون والخبل، مع ان الأمراض تتحقق في الأجساد والأبدان سيان، ويحضرني هنا قول أحد الأطباء الأخصائيين لصديق يعالج من ضعف جنسي، بأن عدداً غير قليل من الطلاقات تحصل وبخاصة في المجتمعات الشرقية بسبب الضعف الجنسي وإحجام المريض عن مراجعة الطبيب المختص والاستسلام لما يراه مرضا مزمنا وقاتلا للرجولة، مع ان الضعف الجنسي هو الآخر مرض جسدي أو نفسي أو كلاهما معاً له علاجاته مع تطور العلوم، ولكن الثقافة المجتمعية الخاطئة لا تتعامل مع الضعف الجنسي كمرض قابل للعلاج، مما يعرض الزوجية الى الطلاق والأسرة الى التفكك، وخاصة مع رغبة الزوجة بالاستمتاع كحق من حقوقها الزوجية لا تجدها عند شريكها، وقد يعمد الزوج لسد النقص الى استخدام أقراص خارج استشارة الطبيب مما يعرضه لأضرار صحية ربما تكون قاتلة.

في الواقع إن كتيب "شريعة الجنس" الذي يدخل ضمن سلسلة (الشرائع) من ألف عنوان طبع منها العشرات، يؤسس لثقافة جنسية مؤطرة بالشرع الحنيف على قاعدة "لا حياء في الدين"، وهو ما تحتاجه البشرية التي تعيش القفزة العلمية في مجال المواصلات والاتصالات، بحيث أصبحت الثقافة الجنسية لازمة حياتية لحماية الفرد والمجتمع من الأعراض السلبية الماحقة.

 

فشل سياسات التقشف الاقتصادي

يشهد العالم اليوم نقاشات سياسية ساخنة حول موضوع التقشف. المدافعون عن التقشف يعتبرونه الدواء الشافي الذي يوفر الأرضية للاستقرار والنمو في المستقبل. اما النقاد يصرّون على ان التقشف سيعجّل من الدورة المخيفة للانحدارالاقتصادي، والذي ربما يقود الى انهيار سياسي. لكن الفكرة بان الامتناع عن الاستهلاك يجلب المنافع للدول والمجتمعات او للافراد هي ليست جديدة. هذا الكتاب يضع النقاش الدائر حالياً ضمن اطار يستطلع فيه الكاتب التاريخ الطويل للتقشف.

يبيّن الكاتب ان الحجج المؤيدة للتقشف كانت – كما هي اليوم- ترتكز اساسا على اعتبارات سياسية واخلاقية، بدلاً من الارتكاز على تحليلات اقتصادية. يؤكد الكاتب ان جميع محاولات التقشف قد فشلت فكريا وفي لغة الاقتصاد ايضا في جميع الاوقات التي مورست فيها . توقّف المؤلف مع المفكرين الذين اثّروا في افكارنا حول التقشف بدءاً من ارسطو ومروراً بالمفكرين الاقتصادين المحدثين مثل سمث وماركس وفيبلين وويبر وحتى هايك وكنز بالاضافة الى دراسة الدوافع الكامنة وراء جهود التقشف الخاصة بالقرن العشرين. يستنتج الكاتب ان استمرارية المفهوم لا يمكن توضيحها من منظور اقتصادي، وانما فقط عبر الاحتكام المقنع للافكار السياسية والاخلاقية التي ارتبطت به.

كتاب (التقشف: الفشل الكبير) صدر عن مطبوعات جامعة يال للدكتور Florian Schui في الرابع من شهر الماضي 2014.

حينما يناقش الاقتصاديون التقشف، هم يستخدمون مصطلحات مثل "المضاعف المالي" او "الميل الحدي للاستهلاك". لكن القضية حول ما اذا كان يتوجب على الناس الانفاق ببذخ او بحكمة، لم تكن ابداً قضية اقتصادية. انها تعود تاريخيا الى النقاش القديم حول الكيفية التي يجب ان يعيش بها الناس حياتهم.

الكاتب والاستاذ فلورين، المتخصص في التاريخ الاقتصادي بجامعة St Gallen بسويسرا، يشير في كتابه الانيق الى ان كلمة تقشف مشتقة من المصطلح اليوناني القديم "جفاف اللسان" dryness of tongue. في ذلك الحين كان ارسطو اول من حذّر من خطورة الاسراف والانغماس المفرط في الملذات، وكانت الموضة الفكرية السائدة هي ان الحياة الاخلاقية هي حياة الزهد. التركيز على استهلاك الحاجات المادية – الطعام، الخمر، الجنس سيقود الافراد الى إضعاف جانبهم الروحي. المسيحية لا تزال تحترم القس St Francis of Assisi لبساطته في اسلوب الحياة.

حتى الآن، هناك صدى لهذه الفلسفة في نقاشات جماعة الخضر الذين يعتقدون ان الناس يجب ان يمتنعوا عن الاستهلاك لإنقاذ الكوكب. التقرير الشهير "حدود النمو"الذي اشرف على إعداده نادي روما ونُشر عام 1972، تنبأ بالكارثة ان لم تتم السيطرة على النمو السكاني، وكان كل فصل من التقرير يتصدره اقتباس من الانجيل ومن الفلاسفة القدماء.

الكثير من الرياء والنفاق يحيط بهذه القضية. السخرية السائدة في القرون الوسطى ان الرهبان، بينما هم يصدرون المواعظ للناس باعتماد الزهد في الحياة لكنهم كانوا يمتّعون انفسهم خلف جدران الكنائس والاديرة. ارسطو بدا هادئاً تجاه الطريقة التي ينفق بها الارستقراطيون نقودهم، اهتمامه كان منصباً على ان كل شخص في المجتمع يجب ان يعرف مكانه. حتى اليوم، هناك الكثير من القيم الطبقية حول الطريقة التي يمتّع بها الفقراء انفسهم، سواء كانوا يدخنون، ام يشربون، او يشترون احذية راقية او يذهبون في رحلات سياحية ممتعة.

السيد Schui يعتقد ان الحجة الاخلاقية من هذا النوع أثّرت سلباً على النقاش الحديث حول التقشف، مردداً في ذلك صدىً لجون مايرند كنز، في ان العديد من السياسيين كانوا عبيداً لبعض الفلاسفة الذين لم يعد لهم وجود الآن. حين تقوم الحكومات بخفض الانفاق، فان الفقراء هم الذين سيعانون. وبالتالي ستقع الكارثة على السياسيين: سياسات التقشف التي اتبعتها الحكومة الالمانية في بداية الثلاثينات قادت الى صعود هتلر. المؤلف ايضا يأخذ بالخط الكنزي الذي يرى التقشف مهزوم ذاتيا، إنفاق شخص ما هو عبارة عن دخل شخص اخر."لا توجد هناك حجة مقنعة للتقشف بشكله الحالي"كما يذكر.

هنا يصبح جدال الكاتب مفتقداً اكثر للتفاصيل. الكتاب لم يذكر شيئاً عن ازمة ديون الاتحاد الاوربي، ولا عن محاولة التمييز بين الدول التي اختارت طوعا وضع برامج للتقشف (مثل بريطانيا) وتلك الدول التي اُجبرت على التقشف لأنها لا تستطيع الوصول الى الاسواق (مثل اليونان). احد اسباب عدم القدرة على الانفاق وراء امكاناتك المالية، سواء كنت فرد او دولة، هو انك بالنهاية تتخلى عن السلطة لدائنيك.

الكاتب يشتبك فكرياً مع فردريك هايك حول فكرة ان الانفاق بعجز يقود الى حكومات كبيرة وبالتالي خسارة الحرية،مجادلاً بان معظم الناس الآن هم اكثر حرية مما كانوا قبل 100 سنة، رغم توسع الدولة. لكن المؤلف لم يعالج ابداً السؤال حول ما اذا كانت الدولة المتضخمة تسحق في النهاية النمو الاقتصادي، كما حصل تحت حكم السوفيت الشيوعية. هو يورد الكثير من النقاشات عن بريطانيا تحت حكم السيدة تاتشر ولكن لا شيء عن نجاح السويد في تقليص دور الدولة في العقدين الاخيرين، وما تبعه من انتعاش في النمو الاقتصادي للبلد. كذلك لا ذكر لدول مثل الارجنتين واليونان، وحيث قاد الانفاق الحكومي غير المقيد فيها الى مشاكل.

كتاب السيد Schui جاء تذكيراً في الوقت المناسب للالتباس الاخلاقي الذي يحوم حول مسألة التقشف؟ لكنه في الواقع لم يجب على السؤال الاكثر الحاحاً حول المستقبل: هل ان اوربا بما لديها من 7% من سكان العالم، و 25% من الناتج المحلي الاجمالي للعالم و 50% من التكاليف الاجتماعية، تمتلك التوازن الصحيح بين الدولة والقطاع الخاص؟

 

..................................

كتاب (Austerity: The Great Failure) للدكتور Florian Schui، صدر في 4 فبراير 2014، Yale University press في 219 صفحة.

 

عامر عبدالله .. النار ومرارة الأمل .. كتاب جديد للدكتور عبد الحسين شعبان

534-shabanعن دار ميزوبوتاميا صدر للكاتب والحقوقي العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان، كتاب جديد عن أحد أبرز الشخصيات الفكرية العربية الماركسية وحمل العكتاب عنوان "عامر عبدالله – النار ومرارة الأمل" مع عنوان فرعي مثير وله دلالة خاصة والموسوم "فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية" .

534-shabanيتألف الكتاب من 342 صفحة القطع الكبير وضم عدداً من الوثائق، التي تنشر لأول مرة، كما كشف من خلال حوارات ومساجلات أجرى الكاتب مع عامر عبدالله عن خفايا وخبايا وأسرار، لا تهمّ الشيوعيين وحدهم، بل تهم مجموع الحركة الوطنية التحررية في العراق والعالم العربي بشكل عام، وعلى النطاق العالمي، لما كان للراحل عامر عبدالله من علاقات متميّزة مع عدد من قادة الدول الاشتراكية وحركات التحرر الوطني.

الكتاب مساهمة جديدة لتسليط الضوء على واقع الحركة الشيوعية في الماضي والحاضر بما فيها ما حصل لديها من التباسات، خلال العقود الثلاثة الماضية.

بغداد- بيروت/خاص- المحرر الثقافي

طائفيات من أوراق كامل الجادرجي (2)

raed sodaniنصل اليوم مع المرحوم كامل الجادرجي وأوراقه إلى رأيه في عدد من الساسة العراقيين وسنركز على شخصيتين شيعيتين لصلة الحديث بما تحدثنا عنه في الحلقة الأولى ،والشخصية الأولى التي سنتناولها بالحديث طبقا لما رواه كامل الجادرجي هو رئيس الوزراء والسياسي العراقي المعروف (صالح جبر) وبغض النظر عن موقفنا بهذا السياسي الموالي لبريطانيا والذي كان ينافس نوري السعيد في ولائه لها إلا إننا نتناول الموضوع من جانب آخر وهو نظرة الجادرجي الطائفية لسياسي علماني لكنه شيعي ينحدر من الناصرية وفي صفحة 66يعدد صفات صالح جبر بقوله "إن من أبرز صفات صالح جبر ذكاؤه واعتداده بنفسه وتحزبه القوي ونزاهته أثناء توليه المناصب القضائية الصغيرة ثم عند توليه المناصب الإدارية الكبيرة .

وكان تحزبه القوي يستهدف طائفته الشيعية وأصدقاءه .كما برزت فيه هذه الصفة بمعاداته القوية لخصومه مما جعله من أصحاب الشخصيات القوية نوعما"

وفي الصفحة التالية أي صفحة 67 يذكر "ربما يكون الانكليز قد اعتقدوا بأن صالح جبر قد يكون أكثر فائدة لهم من نوري السعيد لو إنهم هيأوا له الوسائل اللازمة " وما هي هذه الوسائل بنظر الجادرجي ، يذكرها هنا بقوله وبنفس الصفحة"لأن صالحا معروف كموظف إداري حازم – بالنسبة للغير- ولم يكن يزاحمه في كونه شيعيا غير سعد صالح ولكنه كان مؤيدا من قبل فئة كبيرة من الشيعة من الذين سبق وصفهم وممن كانوا يعتبرون خميرة للتزعم الطائفي بصورة اوسع إذا ما سلك صالح جبر سلوكا دقيقا في هذا الشأن" ويعني بالتعبير بالدقيق السلوك الطائفي والخوض فيه ،ثم يتحول في صفحة 68 إلى ارتباط صالح جبر بإحدى بنات عداي الجريان قائلا "فبينما كان صالح جبر قبل هذا الزواج مضرب الأمثال في نزاهته كموظف إداري وإنه كان يحمل آراء شبه تقدمية أصبح بعد هذا الزواج من ذوي المطامح المادية "وإلى هنا هذا الكلام لا نستطيع أن نتأوله أو نحمله ما لا يحتمل أو يئول لو توقف عنده صاحبه لكننا لا نستطيع أيضا إلا أن نقف عند الكلام الذي نقرأه في الفقرة الأخرى التي يؤكد فيها إن صالح جبر أخذ يسند أقارب زوجته الإقطاعيين ومن ثم يسند الإقطاع نفسه و"إلى جانب تكوين حاشية من شباب الشيعة المتعلمين من النوع الذي أعد نفسه لتصيد المناصب في الدولة باسم ضرورة تحقيق (العدل الاجتماعي) وهو تعبير خاص يقصد به رفع الحيف عن الشيعة "ونحيل القاريء إلى الحلقة الأولى التي ذكر فيها الجادرجي بأن الانكليز لم يجدوا من الشيعة مهيئا لتولي منصبا في حكومة عبد الرحمن النقيب مما اضطرهم إلى تنصيب أمي وشبه أمي في مناصب حساسة وعندما تعلم شباب الشيعة ووجدوا أنفسهم مؤهلين للعب دورهم المهم في بناء البلد يصفهم الجادرجي بأنهم صيادي مناصب .والشيء الأكثر وضوحا إنه في هامش الصفحة ذاتها وتفسيرا لفقرته أعلاه يؤكد إنه هذا التفسير "لا يمكن أن ينطبق إلا على الأشخاص اللامبدأيين الذين تكون نزاهتهم عفوية غير مستندة على أسس مبدأية أو أخلاقية" والحقيقة أنا لا أعرف هناك نزاهة عفوية أو غير عفوية ولا أعرف بأن النزاهة تنقسم إلى قسم يستند على أسس مبدأية وأخلاقية وآخر لا يستند عليها إلا في مفاهيم كامل الجادرجي ويطبقها على الشباب الشيعي الراغب في بناء بلده .ثم يصل إلى نتيجة مفادها "ولطبيعة صالح التحزبية أصبح عدد غير قليل من هذا النوع من طائفة المتعلمين الشيعة وعدد غير قليل من الإقطاعيين يسندونه على شرط الانتفاع منه انتفاعا ماديا وعلى شرط عدم إغضاب الإنكليز والبلاط نتيجة لانتسابهم إليه" ولماذا يغضب الانكليز ونحن نعرف إن (صالح جبر) هو المنافس القوي لولاء نوري السعيد لهم إلا إنه يريد أن يصل إلى نتيجة إنهم ينظرون إلى الإنكليز (أي الشباب الشيعي المتعلم) وكذلك الإقطاعيين بأنهم الرعاة ويجب عدم إغضابهم وإذا كنا لا نختلف مع الجادرجي في ذلك المفهوم حول الإقطاعيين لكننا نسأله كيف يجزم بذلك حول الشباب الشيعي ؟ وهنا يجيب الجادرجي بنفسه "ومهما حاول صالح جبر أن يثبت بمختلف الوسائل الظاهرية بأنه لا يشجع إعطاء صبغة معينة لهذا التكتل حوله فإن هذا لم يغير من عقيدة الناس في إن ذلك التكتل كان ذا صبغة طائفية" والصبغة الطائفية الشيعية كما وجدنا في الحلقة الأولى تتحرك بأصابع إنكليزية .أما موقف الجادرجي من حزب الأمة الاشتراكي بقيادة صالح جبر أعده بحق أغرب موقف وبنفس الوقت ظهرت رغبة الجادرجي في أن يكون ميدان السياسة لطيف واحد من الشعب العراقي وإلا هي الطائفية فيذكر في صفحة 73"وقد افترض (يقصد من قبل الانكليز والبلاط والفئة الحاكمة) إن حزب الاتحاد الدستوري لا يفي وحده بالغرض بالنظر لصبغته الرسمية البحتة وعدم وجود سند شعبي له فأريد أن يوجد حزب آخر موال للوضع القائم مع صبغه بصبغة طائفية لإيجاد سند جماهيري له" والصبغة الطائفية والسند الشعبي له هنا يقصد بها (الشيعة) الذين سيدخلون في هذا الحزب لأن زعيمهم (شيعي) وهو صالح جبر ،ويذكر في نفس الصفحة " وفي تلك الظروف الخاصة تكوّن حزب الأمة بزعامة صالح جبر ولكن تكوينه الظاهري كان يبعده عن الصبغة الطائفية كل البعد فاختير له نائب رئيس سني وأدخلت فيه عناصر سنية أخرى" والسؤال هل الذين دخلوا الحزب من السنة مغفلين أو غافلين عما يجري حولهم في الحزب أم هم غير مؤهلين للعب دور سياسي لما دخلوا كغطاء فقط لحزب (طائفي) بعيد عن أهدافه المعلنة وبعد ذلك يذكر المرحوم الجادرجي "إلا إن ذلك الحزب كانت له في الواقع لجنة إدارية معلنة ولجنة إدارية خفية تؤلف قيادة الحزب الحزب الحقيقية .

وقد كان (الكامو فلاج) هذا واضحا بدرجة زال معه الغرض منه وكشف الحزب للجمهور بصورة أوضح مما لو كان قد ألف من دون هذا الكامو فلاج .والسبب في ذلك كله أن حزب صالح جبر كان طائفيا بالمعنى المصلحي النفعي فضم النفعيين والانتهازيين غير المؤمنين بالطائفية بحد ذاتها وإنما كانوا يعتبرونها أداة للوصول إلى المنافع .وكان من ضمن هؤلاء النفعيين صالح جبر نفسه وجماعته الاستشارية التي كانت تكون قيادة الحزب.

وكان صالح جبر وهؤلاء الملتفون حوله يعلمون إن الطائفية ذات نفع لهم بالنسبة للمناصب التي ظلت بتشجيع الوضع القائم تقسم حسب الطوائف من جهة ويعلمون من جهة أخرى إن الانكليز على استعداد لسند الحزب إذا ما اصطبغ بالصبغة الطائفية .ولكنهم في نفس الوقت يعرفون إن الكشف عن طائفية الحزب يحطمه في أعين الجماهير وينفر منه المثقفين من كلا الجانبين ".

وفي أغرب تفسير لأهداف الحزب الذي أسسه صالح جبر ينم عن رغبة في إلغاء الآخر وإبعادهم عن ميدان السياسة فيتلاعب بالألفاظ حسبما يؤمن في دواخله دون دليل أوبينة، فيذكر في صفحة 74إنه "وقد كان من نتيجة ذلك أن صيغت مباديء الحزب في منهجه صياغة خاصة أريد بها أن تعني غير المعاني اللفظية لها فالاشتراكية أو ما يشبه الاشتراكية مثلا كان يقصد بها مشاركة الشيعة في الحكم وفي المنافع وربما قصد بها إعطاء الشيعة حصة الأسد باعتبار إن الشيعة هم الأكثرية في البلد .وهذا هو ما أغرى الانتهازيين وأصحاب المصالح الكبيرة وكبار الاقطاعيين على الانضمام إلى الحزب وتكوين غالبية أعضائه" ثم يتساءل وبشكل مستغرب بقوله "ولكن ما أثار التساؤل هو ضم عنصر كردي إلى حزب صالح جبر بشكل يلفت النظر ومحاولة صالح جبر توسيع عضوية الحزب في المناطق الكردية" وكأن هذه الخطوة قد أغاضته ذلك إنه يريد أن يثبت طائفية الحزب ويريد أن يثبت إن الشيعة أو المتعلمين من الشيعة وبدفع انكليزي يتحركون سياسيا فلماذا ينضم كرديا لهذا الحزب .ويعود كامل الجادرجي ليستدرك ويعزو أسباب دخول الكردي لحزب صالح جبر إلى ما حدث في 1934أثناء الحراك العشائري ضد حكومة علي جودة الأيوبي وتحالف الكرد مع الشيعة في تلك الأحداث وعقدهم الاجتماعات لأجل توحيد كلمتهم فيذكر في نفس الصفحة "وتمت دراسة الوضع بين المجتمعين وذكر إن الحكومة قادرة دائما على قمع كل ثورة عشائرية في الجنوب أو الشمال إذا كانت الثورة محلية معزولة أما إذا حصل اتفاق على قيام ثورات واسعة النطاق في الجنوب والشمال في آن واحد فإن الحكومة لن تكون قادرة بطبيعة الحال على قمعها وعندئذ يكون في إمكان الطرفين من الجنوب والشمال فرض إرادتها على الحكومة والحصول على امتيازات كبيرة .تلك المداولات وإن لم تثمر في حينها تركت أثرا مهما في نفسية الاقطاعيين والانتهازيين من الجهتين مما تطور إلى أن تكون نظرة الشيعة والأكراد إلى بعضها ليست نظرة شيعية أو عنصرية متعصبة مما أدى فيما بعد إلى ظهور فكرة المزج هذه في حزب صالح جبر " ومرة أخرى نجده يعرب عن عدم رضاه لحالة صحية تؤدي إلى بناء أمة تنبذ التعصب ذلك إن الشيعة يكونون طرفا رئيسيا مع الأكراد وليس غيرهم ،ثم يخلص إلى نتيجة أولى من هذا الاتحاد في حزب واحد بين الشيعة والأكراد بقوله في صفحة 75"وهكذا تكون حزب صالح جبر من الخميرة الانتهازية من متعلمي الشيعة ومن الإقطاعيين الذين لم يتمكنوا من الانخراط في حزب نوري السعيد ومن عدد من صغار البرجوازيين الذين اعتقدوا بإمكانية القفز من طبقتهم إلى الطبقة الحاكمة ومن جماعات حاقدة على الفئة الحاكمة ولكنها تخشى الانضمام إلى المعارضة الوطنية .

ثم من الاقطاعيين الكرد الذين لم يجدوا لهم محلا في حزب نوري السعيد ،ومن عناصر متفرقة أخرى ".

أما النتيجة النهائية التي خلص إليها الجادرجي هي "ومهما حاول صالح جبر وأصحابه التستر على نواياهم الحقيقية ومهما لجأوا إلى المبالغة في الكومو فلاج (ويقصد به الغطاء) فإن نواياهم كانت مفضوحة حيث كان الطابع الحقيقي للحزب واضحا فقد كان حزبا سداه الطائفية ولحمته الانتهازية والاقطاعية ولونه لون العلم البريطاني " في حين إن سامي شوكة مؤسس حزب الإصلاح وهو سني المذهب ويعد أحد منظري الاتجاه القومي العربي في العراق وجد وجوب الاتحاد مع حزب الأمة الاشتركي الذي أسس بعد حزبه فقد تأسس حزب الإصلاح عام 1949وسامي شوكة في الهيئة المؤسسة ومن ثم أصبح رئيسه وحسبما جاء في كتاب الأحزاب والجمعيات السياسية في القطر العراقي 1908- 1958لعبد الجبار حسن الجبوري ص 187"كان يهدف لاستقلال العراق وإصلاح الاوضاع الداخلية وتوثيق الروابط القومية بين العراق والاقطار العربية وتوسيع مجال التضامن السياسي والاقتصادي والثقافي والعسكري فيما بينها بحيث يؤدي ذلك إلى الوحدة العربية التي يعتبرها الحزب من أقدس أهدافه وفي نفس الكتاب ص197" فهل الأقطار العربية الأخرى فيها أغلبية سنة أم شيعة حتى يدعو إلى وحدتها صالح جبر والملتفين حوله في حزبه الذي "يدعو إلى توطيد كيان العراق الدولي وتعزيز استقلاله وتنظيم العلاقات بين العراق والدول العربية الأخرى على أساس اتحاد فدرالي على أن يشملها جميعا" وإذ لا ننكر روابط صالح جبر مع البريطانيين لكننا ننكر في نفس الوقت على المرحوم الجادرجي أن يلصق تهمة الرابطة مع الانكليز على متعلمي الشيعة لمجرد إنهم دخلوا ميدان السياسة وطالبوا بإصلاحات وكأنه يقول ونستخدم مفردة كأنه بسبب بناء مواقفه على الربما أو على نوايا القائمين على حزب الأمة الاشتراكي، فكأنه يرفض دخولهم هذا المعترك لعدم وجود حق لهم فيه . وسنستعرض في الحلقة القادمة موقفه من شخصية شيعية أخرى .

 

رائد عبد الحسين السوداني

الدّكتورة أسماء جمّوسي عبد النّاظر تقدّم مجموعة "وعلّم الإنسان .. " للشّاعرة :زهور العربي

zohor alarabi"وعلّم الإنسان" عنوانٌ لافتٌ ومتجذرٌ في ذاكرة المسلِم. إنها الكلمة والاسم ينشئان الأكوان ويرسمانه. وهي أيضا الرّيشة وهبها الله للإنسان وميّزه بها عن بقيّة المخلوقات.

نحن إزاء شعرٍ لوحةٍ جمعت لوحاتٍ من بدائع ما تعلّم الإنسان شرقا وغربا، مما انتقته العين الشاعرة عين زهور العربي، فانتقتها معها كلِمتُها الشّاعرة. لوحات لشهداء الفكر والهائمين في الفِكَر، والغائمين في ألغاز الكون وأسرار الجمال وبدائعه. طافت بنا الذّات الشّاعرة بين لوحات تشكيليّة للفنّان التّشكيلي العراقي شوكت الرّبيعي وأخرى للرّسامين التّونسيين خالد ميلاد و عبد الحميد حنفي ولوحاتٍ لدلشاد كويستاني العراقي الكردستاني وأخرى لأحمد حمودي ماهود العراقي وأخرى للرّسامين المغربيّن أم البنين سلوم و المختار بن دغة وغيرها للرّسام المصري عبد الرّزاق عكاشة ثم للرّسام التّونسي سالم الشّعباني، وأتحفتنا العين الشاعرة لزهور العربي بلوحة الموناليزا الرائعة للفنّان ليونارد دافنشي.

بين العين الشاعرة والذات الشاعرة تشكّلت أمامنا لوحة الكلمة/الشّعر في هذه المجموعة الرائعة من قصائد زهور العربي، لوحة أزاهير امتزجت ألوانها في تناغم وتناسق، رغم جمعها بين سواد وخضرة، وتدافعت داخلها رموز الكون ومكوّنات الهواء وغازاته.

إنّها لوحة من الكلام/الشّعر تتحرّك داخلها ريشة الكلمة المبدعة متزامنة مع ريشة الذّات البديعة في تفاعلها النفسيّ والعقليّ والوجدانيّ مع الحياة بجميع أبعادها. فقد تواصلت تواصلا تفاعليّا العوالِم التي لا تلتقي في التجربة الحسّيّة الضيّقة، ولا الاجتماعيّة ولا حتى في التّجربة الغيبيّة الميتافيزيقية. فالسّماء في هذه اللّوحة مدعوّة إلى فتح أبواب المقابر، والمآتمُ إلى فتح أبواب المآدب .. فإذا اللّوحة انعتاقٌ من حدود اللّغة وتجاوز لمضايق سجن الوطن الموصدة أبوابه، وإذا بالذّات الشّاعرة الشّهيدة المكلومة المهزومة التي صدمتها مشهديّة الموات تنشئ قصائد من لوحاتٍ فاجعة تتحدّى الفاجعة ودمار العبثيّة.

كان كلّ ما في التّجربة من معنى في بدء الحركة قد اندثر في دياجير الأيدي الآثمة الظّالمة الهادِمة التي تهدّم نفسا وعقلا وفكرا وعلما .. وتحجُب عن الأفق نورا وعن السّمع صدى للحياة ورغبتها وبالمقابل ترسِّخ فيها جهلا ونعيقا مؤذنا بكل خراب. فكلّ ما في الكون الشّعري في هذه الحركة سديمٌ حيث تفقد الأشياء وظائفها التي خُلقت من أجلها. فالأفواه قد كُمّمَت والعيون قد فُقِئت والألسن قد بُتِرت والأفكار قد هُجّرت وإذا الامتلاء خواءٌ والكونُ عَراءٌ .. بل إن الأكسيجين تحول إلى غاز خانقٍ .. فلا توازن ولا تواضع.

تهيمن في هذه الحركة على اللوحة معضلة أنطولوجيّة تفقد فيها الذّات الشّاعرة هويّتها فإذا بالصّرخة مدوّيةٌ: "مَن أنا"؟ وقد طفقت الكلمات تبحث عن "الأنا" الضّائعة وعن الفردوس المفقود. وكانت الأصوات خافتة أحيانا مدوّية أخرى.

لكنّ الحياة لم تنضب لأنّ اللغة لا تنضب ولم تجفّ منابعها ولم تجتثَّ منابتها إذ أنّها "شيطانيّة الجذور عنيدةٌ". فالحياة ألوانٌ في هذه اللّوحة المتحرّكة، والتّجربة ثنائيّات. ففي خِضمّ هذا السَّديم يتعلّم الإنسان في ذات المبدِع الفنّان المزهرة في زهور العربيِّ. وصُلبَ الأمواج العاتية المتلاطمة لا يتوقّف السّؤال ولا يستكين البحث عن مفاتيح تلك الأبواب الموصدة التي تسمع وراءها حفيف الأفاعي ومع ذلك كان لا بدّ من فتحها وفضحها وفكّ مغالق ما وراءها. فوراء السّموم غيوم ووراء الغيوم غيث أبيض وقوس قزح وإذا الطّلبة "بؤبؤ عين الطّهر". إنها فتنة الموناليزا التي تستمدّ منها زهور العربي علما، فتصبح هي ذاتها "موناليزا" جامعة في كلِمها "حلما" و"شحوبا" "شروقا" و"غروبا" "فرحا" و"حزنا" "أنسا" و"وِحشةً" ..

في هذه الحركة المفتونة الفاتنة تتدفّق "فحولة" الشاعرة منتصرةً للذّات وللحياة. إنها الذات المنكسِرة منبعثة، صارخة في صمتها، قاهرة في قهرها تحترقُ لتحرق أنفاس القهر، فتهزم الهزيمة في "احتراق البقاء" فإذا الشّدّة انفراجٌ والجهل علم ، وقد "علّم الإنسانَ" ..

في هذا المستوى تنغلق اللّوحة بفتح الباب فسيحا أمام خضرة الفصول إذ اخضلّ الفنّ باخضرار الإدراك الشّاعر داخل لوحة زهور الأزاهير. فإذا بنا إزاء "سنديانة شامخة لا تشتكي" "راسية كجبل الشعانبي" .. وإذا الإرادة انتصارٌ وإذا البداية لا تنتهي بدايتها ..

بين الانغلاق والانفتاح تجربةٌ شعريّة عايشتها الذات الشّاعرة وعشناها معها في لغة/شعر لا ينضب معينها ، وقراءتها مغرية بالقراءة ولذّة تجاوز الوقع إلى التحليل والتأويل فالصّورة الشّعرية ثراءٌ وغَناءٌ وغِناءٌ .. فلتقبل معي أيها القارئ الكريم ولتتقبّل هذا الشّعر/اللّوحة بأحضان التجربة ..

 

دكتورة أسماء جمّوسي عبد النّاظر

سوسة في 10 جانفي 2013

 

كتب الغرباوي تدخل دائرة المحظور من باب النقاش .. تساؤلات عن الضد النوعي للاستبداد

zayd_alheliثلاثة كتب جريئة في طروحاتها، جديدة في رؤيتها، جدلية في أفكارها، هي مثل ماء او ريح لا تستقر بأرض، لكنها تناقش العقل بثبات ودراية، قضيت معها عطلة عيد الأضحي، فكانت نعم الرفيق والأنيس، اثارت بي شجوناً فكرية،

كتابات ساخرة واخرى في هموم الناس والوطن كتاب جديد للدكتور قاسم حسين صالح

533-qasimعن دار ضفاف (الشارجة- العراق) صدر الكتاب الخامس والعشرون للأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح بعنوان:

(كتابات ساخرة واخرى في هموم الناس والوطن)

533-qasimيقع الكتاب بـ(280) صفحة

العنف أسبابه وأشكاله .. كتاب لماجد الغرباوي / صالح الرزوق

5-tahadyataفي كتابه (تحديات العنف) (1) يحاول الباحث ماجد الغرباوي أن يقدم موضوعه بأبسط وأوضح شكل ممكن، وكأنه يكتب رواية أو مجموعة من القصص الشيقة، ولذلك لجأ لتقسيم الكتاب إلى 3 محاور .

صدور كتاب: صورة الصحابي في كتب الحديث" للباحث التونسي نادر حمامي

532-momnonصدر حديثا عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث بشراكة مع المركز الثقافي العربي كتاب "صورة الصحابي في كتب الحديث" للباحث التونسي نادر حمامي.

532-momnonيتطرق الكتاب إلى أخبار الصحابة وفضائلهم في كتب الحديث، وكيف صاغت لهم المرويّات والأخبار صوراً تنأى بهم عن إكراهات السياسة والاجتماع، يقبلها الضمير ويستسيغها، فلا يتمّ التطرّق إلى ما يخدش صورة الصحابة المثاليّة، تلك الصورة التي انبنت عليها المؤسّسة الدينيّة، بما يروى عن سلوك الصحابة وأخلاقهم ومعاملاتهم وعلمهم وكلّ ما يتعلّق بهم

 

حدائق الشعر قراءة في تجربة محمد بنعمارة الشعرية إصدار نقدي جديد للكاتب محمد دخيسي

531-dkhisiعن مطبعة عين بوجدة، صدر مؤخرا للكاتب المغربي محمد دخيسي كتاب نقدي بعنوان: "حدائق الشعر قراءة في تجربة محمد بنعمارة الشعرية"، يقع الكتاب في 162 صفحة من الحجم المتوسط، تزين غلافه لوحة الفنان يحيى دخيسي، ويضم الكتاب بين دفتيه أربعة فصول: 1) التجربة الشعرية وتحولاتها، 2) الجهاز المفاهيم، تقديم وتعريف، 3) التجربة الشعرية وسمات التحول، 4) البنيات الدالة وابدالاتها.

وقد جاء في تقديم الكتاب «.. حاولت من خلال هذه الدراسات أن أقدم تجربة محمد بنعمارة من خلال أعماله ومسيرته واقتربت أكثر من الدلالي فتحولت معها وحولتها إلى سيمات واضحة المعالم، تجلو كثيرا غبار الغموض وتنمو معها آفاق البحث والدراسة ..».

531-dkhisiوالكاتب المغربي محمد خيسي، ناقد وباحث وشاعر من مدينة وجدة، عضو في بعض الجمعيات الثقافية والتنموية. نشرت له مقالات وشعر في العديد من الجرائد والمواقع الإلكترونية، شارك في ملتقيات أدبية محلية وجهوية ووطنية، قدم لدواوين شعرية (منشورة وقيد النشر..)، صدر له: "مقاربات نقدية، قراءة في إبداع الجهة الشرقية"، (2012)، و"مسيرة شاعر، رحلة مع الشاعر محمد علي الرباوي"، (2012)، ديوان شعري مشترك من منشورات المقهى الأدبي بوجدة (2013) وكتابان بالاشتراك مع كتاب وشعراء من المغرب وخارجه: "عيون الأدب العربي" النسخة الأولى (الشعر وتحولات العصر، منشورات وزارة الثقافة يوليوز 2010). و"عيون الشعر العربي" النسخة الثانية (القصيدة المغربية المعاصرة بينة الإيقاع والدلالة- دورة سيبدي محمد الداه):2011.

"التسامح واللاتسامح" لماجد الغرباوي .. لئلاّ يكون الجهد سوى في المحلّ العالي

shaweqi_moslmaniجوهر الردّ على إسلام يأكل كبد إسلام حاضر يمكن العثور عليه بيُسر في القرآن الكريم، إلاّ أنّ الذين يكرهون الآخر ولا يقرّون وجوداً له لا طائفيّاً ولا مذهبيّاً يرون لمسافة محدودة أنّ آية القتال،

معلومات إضافية