حوارات عامة

في حوار مع الروائي الكوردي حسن ابراهيم:

hasanibrahim- انا اعیش في حالة حرب دفاعاً عن الانسانیة.

- لیست هناك مؤسسة کوردستانیة تهتم بالمهجرین .. والادباء لیس افضل حالاً منهم.

مدينة نورنبيرغ..لها نكهة خاصة في احتضان الثقافات الانسانية والابداعات والفنون العالمية من خلال متاحفها وملتقياتها الثقافية ولكونها مزيج من التاريخ القديم والحديث والثقافات والانفتاح على الثقافات العالمية وفي هذه المدينة حيث الجالية الكوردية لها نشاطات كثيفة من خلال تقديمها للامسيات الثقافية والفنية.الروائي والقاص الكوردي حسن ابراهيم يعيش في هذه المدينة التاريخية قرابة عقدين من الزمن وفي هذا الحديث يتحدث عن الغربة والادب والاغتراب ولم ينسى بان يرسل عتاباته الى بلاده كوردستان من كثرة عشقه لها ومؤسساتها الثقافية وكان هذا الحديث:

 

ـــ كل اديب وفنان يشيد وطناً بديلاً في الغربة فهل قدرت ان تشيد وطناً من اوجاعك وآهاتك وحنينك للوطن الام؟

ــ ربما نتوهم احیاناً باننا نستطیع ان نشید وطناً او لنا وطن بدیل ولو في الفكر والمخيلة، لکن حين نستيقظ نری بانه كان الحلم .. الاوطان لا تبنی بالاهات والحنین والمكابدات،الاوطان تبنی بسواعد و ضمائر حية و تضحیات من دون حدود...فأرجو المعذرة فأنا لا اعترف بوطن بديل!!

 

ـــ كيف ترى واقع الرواية في كوردستان بصورة عامة وفي بهدينان بصورة خاصة؟

نحن نعیش فی دوامة، فی جمیع المجالات، ربما تکون الصورە نوعاً ما قاتمة، لکننا ماضون فی الاتجاه الصحیح، و السبب ليس لنا الحق بان نقیم اعمالنا وان قلت بان لنا فی کوردستان روائيون عالمیون، فستجاوبني این هم؟ سأرد عليك ترجم اعمالهم الى العالمیة سوف تری بأن لنا روائیین عالمیین.. نحن فی بهدینان بدأنا متأخرین لکننا لم نظل فی المؤخرة .

 

ــ هل استفاد الاديب الكوردي المغترب من الاداب العالمية في طرح قضيته ضمن اطار عالمي؟

اکید، ليس فقط فی مسالة طرح قضیته، بل تعدت الى الاستفادة من الاسلوب و التقنیة و الحداثة .

 

ــ عملك (خديجة البرلينية) مالذي تحاول ان تطرحة في هذا العمل!!أهو الوصف ام مأساة الكورد في المانيا؟

- روایتي (خدیجة البرلینیە) نعم انها ماساة و جزء من الحقیقة، عائلة کوردیة تعیش فی واقع وزمن واجواء غير ملائمة لبيئتها الحقيقية للعیش. وکانت کل همها ان يسقط المطر ویهطل الثلج لکي تثمر الاشجار و یزهو الربیع.

من جوف الوادی عمیقا الی اضواء برلین، فتصور اننا نزرع شجرة بلوط في صحراء قاحلة!! حتی اذا ما (نبتت) سوف تنبت نبتة اخری غیر البلوط.!

 

ــ ما سبب عتاباتك في الصحافة الكوردية على الملتقيات الثقافية في الرواية ،في كوردستان بانهم لم يتناولوا اعمالك الروائية!!ربما اعمالك غير جديرة من ناحية المستوى لتطرح في الملتقيات؟؟ وألا ترى بان الاديب الحقيقي اكبر من العتابات؟

- هنا اعتب علی المقيمين على هذه الملتقيات والمهرجانات، فعندما يعقد ملتقی حول الروایة والحدیث عن الروایة و لم یذکروني ويذكروا رواياتي التي تبلغ 10 روايات بالاضافة الى مجاميع القصص القصيرة فماذا اقول؟

وان فرضنا کما تفضلت بان اعمالي غیر جدیرة من ناحیة المستوی، فلماذا تحسب ضمن الروایات الکوردیة؟؟

صدرت عندنا فی منطقة بهدینان(دهوك) 53 روایة او ربما اکثر بقلیل، ومن هذا العدد لي وحدي 10 روايات. اذن علیهم ان لا یضیفوا اعمالي الی المجموع!!

 

ــ انت نهلت من ينابيع كوردستان وتسلحت بالثقافة الالمانية فما هو مركز الثقل الانساني ونقطة التقائه في اعمالك؟

- انا اعیش في حالة حرب دفاعاً عن الانسانیة ،اجل انا من کوردستان بلد الکوارث والحروب والتضحیات واعیش فی بلد الرفاه و العلم و المعرفة و الانسانیة. اعيش ثقافتان في وقت واحد واصعب شئ ان يعيش الانسان في هكذا موقف، ارجو ان اکون قد وفقت فی الاعمال التی حاولت ان اجمع فيها الثقافتین فی عمل واحد.  

 

ـــ ألا ترى بان القارئ الكوردي لا يحبذ الاعمال التي تطرق عوالما اخرى او بالاحرى حين يكتسي النص عالما اخر مثل قصتك القصيرة(العاهرة)؟؟

- لا.. بالعکس، هکذا اعمال لها قرائها بكثرة، لربما قلە قلیلە لهم آراء مختلفة، لکن الاغلبیة مع هذا النوع والاسلوب من الادب. وليس هناك في آفاق الادب الانساني ما يسمى بالخطوط الحمراء.

 

ــ كيف ترى الروائي الناجح وهل لنا رواية وروائيون نفتخر بهم في المحافل؟ أم هم فقط للمهرجانات؟

- کما قلت لیس لنا الحق بان نثمن ای شی،للاسف القرار لیس بایدینا.القرار لاصحاب اللغات الحیة، فهم من یقررون و هم من یثمنون. نعم لنا روائیون ناجحون لکنهم لیسوا فی حلبة الصراع. اکید وافتخر بان لنا روائيون واعمالهم تشهد لهم!!

 

ـــ هل تحتضن وزارة الثقافة في العراق وكوردستان والمؤسسات الثقافية في الاقليم ادباء المهجر؟

- لیست هناك مؤسسة کوردستانیة تهتم بالمهجرین . والادباء لیس افضل حالاً منهم. ربما هناك البعض من باب الصداقة و المحسوبیة او تبادل المنفعة یدعون بعضهم البعض . لکن کمؤسسة او وزارة ليس لها وجود .

 

ــ ماهي المراحل والاجواء التي تمر بها روايتك وتبصر النور؟

- احاول ان اعیش کل تفاصیل اعمالي، اکتب واعید کتابة العمل اکثر من مرة کمن یطبخ علی نار هادئة،عندها اتاکد بان العمل اصبح جاهزاً وقتها یکون لاصدقائي رايهم وتقييمهم في الاعتبار ایضآ.

 

ــ بصراحة لمن تكتب الرواية وهل لنا قارئ يعشق الادب؟

- هذا السؤال عمرە اکثر من عقود من الزمن، اما الآن فلنا قراء و ینتظرون علی احر من الجمر. اکتب لکل من یقرا اللغة الکوردیة، اکید هناك عشاق ومهتمون وخاصة طلاب الجامعات والباحثين في مجالات البحث الادبي والمقارن.

 

ــ ماهور دور النقد وارتباطه بالرواية وهل اعطاك النقاد حقك؟

- للنقد دور رئیسي ومهم فی تطور الادیب، النقد یضع الادیب فی مساره الصحیح، لربما انا اکثر حظاً من غیری فی هذا المجال، صحیح لم انل حقي من النقد لكن هناك محاولات لاباس بها.

 

ــ سبق ان ترجمت قصصك الى العربية من قبل المترجم الرائع سامي الحاج فهل هذا يكفي في حق روائي له 10 روايات؟

- اکید لا.. حتی فی مجال القصة لم احضی بالمستوی المطلوب، صحیح هناك اکثر من شخص ومنهم کما تفضلت الرائع سامي الحاج ترجموا قصصي الى العربیة ولکن روایاتي ظلت في الظلام الدامس.

 

ــ ما هو دور الصراع مع الذات والعادات والتقاليد في اعمالك؟

- هذە المواضیع تاخذ حصة الاسد فی اعمالي، احاول ان اعري زیف العادات والتقالید، فيولد الصراع مع الذات و المجتمع و احیاناً مع نفسي، ولکني سانتصر. !!

 

ـ هل تمكنت من ان تسافر ببلادك الى عوالم اللغات والاقوام والبلدان الاخرى؟

- هذە نقطە ضعفي الوحیدة. فلست ذلك الجندي الوفي في هذە المعرکة، فانا لا اكتب لغة اخری غیر الكوردیة..

 

ودعنا الروائي حسن ابراهيم على ان نلتقي تحت ظلال الوطن وظلال مهرجانات وملتقيات تحت اشراف اناس تهمهم الثقافة الكوردية وادباء المهجر بعيداً عن المنفعة والمصالح الخاصة.

 

الروائي في سطور:

ــ من مواليد 1966\قرية كيفلا التبعة لمحافظة دهوك في كوردستان العراق.

ــ تخرج من معهد الاتصالات السلكية واللاسلكية في بغداد عام 1985.

ــ تعود بدايته مع الكتابة الى منتصف الثمانينيات في جريدة هاوكاري.

ــ عضو اتحاد الادباء والكتاب الكورد\فرع دهوك.

ــ يعد احد مؤسسي المركز الثقافي في مدينة سيميل التابعة لمحافظة دهوك.

ــ اصدر لحد الان 16 كتابا وتوزعت ما بين الرواية والقصة القصيرة ومنها:

حدود الموت\قصص قصيرة 2000

الجحيم الابيض \ رواية 2004

الليالي الباردة\ رواية 2006

اغتراب الآمال\ قصص قصيرة 2007

امسيات براغ\ رواية 2008

خج البرلينية \ رواية 2010

المتيمة \قصص قصيرة 2013

مثلث الجريمة \ رواية 2014

بالاضافة الى روايات ومجاميع قصص قصيرة اخرى وقد شارك الاديب في العديد من الامسيات الثقافية داخل وخارج الوطن ويعيش حاليا ومنذ عام 1995 في المانيا.

 

اجرى الحوار: بدل رفو

 

الفنانة التشكيلية رنا الطائي وعلي الطبري في حوار خاص

ali altabariمن البيئة البغدادية تنفست أناملها الطرية ملامح بروزها الطموح وهي تخطو خطواتها الوئيدة في طريق عالم الفن الجميل. أدهشتها اللوحة بكل أشكالها وصاهرت الصورة حتى شقت طريقها بكل ثقة لتكون اسما لامعا في عالم الفن التشكيلي .. منذ هذه الخطى لليوم كان لها أكثر من خمسون معرضا مشتركا وخمسة معارض شخصية في داخل وخارج العراق، حصدت الكثير من الجوائز ولازالت تشعر إنها في بداية الطريق .. هي جميلة بكل شيء لذا تجدها ترنو لتحقيق كل أحلامها تحت قدسية أناملها التي شمخت ببراءة الانثى المجتهدة هي الفنان رنا الطائي .. التي كان لنا معها هذا الحوار ..

675-ali

ألفنانه والاكاديميه رنا الطائي، معروفة في الوسط الفني لكن المتلقي بحاجة ليعرف عنك الكثير بماذا تقدمين نفسك؟؟

- رنا الطائي فنانة تشكيلية عراقية ناشطة في الوقت الذي يمر فيه الفن العراقي بمرحلة سبات وهي تحاول أن ترحل معطياتها الإبداعية على مستوى عربي لتثبت للعالم هوية الفن العراقي .

 

شاعرة وإعلامية وفنانة تشكيلية وناشطة مدنية، أين تجدين نفسك ولماذا ؟؟ ..

- العمل مع المجتمع المدني وبالذات كمسئولة في مؤسسة ميزوبوتاميا للتنمية الثقافية تتطلب مني مهنية التعامل مع فنون الأدب والفنون التشكيلية والإعلام، وهي خطوط متوازية لاتقل أهمية بعضها عن بعض وفي نفس الوقت التخصص الدقيق يعطى أهمية كونه يمثل المعرفة الأولى التي احرص على ديمومتها ..

 

كثيرة هي المدارس الفنية، وجدتك تميلين للمدرسة الواقعية والخيال، ما سر ذلك؟؟..

- تشكل الاتجاهات الواقعية نتاجات كثير من الفنانين ولكن ما يميز هذه الاتجاهات أو يجمعها عنصر المحاكاة أو التقريرية ولكن ما يميز الاتجاه الواقعية الخيالية (السحرية) هو إنها تحاول أن تستلهم الموروث وتعطي للخيال فسحة في الانطلاق باتجاه المستقبل وهي تمنح خيال الفنان فرصة للسياحة عبر محطات الذاكرة ..

 

ماهو منجزك في فن الرسم؟ وهل كانت لك مشاركات في معارض داخل القطر أو خارجه ؟وهل حصلت على جوائز؟؟

- رنا الطائي معرفة بغزارة النتاج الفني وما يميز هذا النتاج أن يقع ضمن محاور وهذه المحاور تعد بمثابة عناوين لكثير من المشاركات على المستوى المحلي أو العربي أو العالمي وهذه المشاركات قد تكون ضمن معارض جماعية محلية أو معارض شخصية وقد تم ترحيل الكثير من معطياتي الإبداعية إلى معارض على المستوى العربي حيث اقيم لي معرض بعنوان رافدينيات في بيروت وكذلك تم ترحيل هذه المعطيات إلى مستوى عالمي من خلال إقامة ورش السمبوزيوم وكانت هذه ممازجة وانصها لكثير من الفنانين وفرصة أساسية للتعريف بهوية الفن العراقي ولي تجربة تستحق أن نقف عندها هي (سمبوزيوم ومجموعة معارض في تركيا) ..

 

ماذا حقق لك معرض الصندقجة ؟ وهل اضاف لك شيء من الشهرة؟ ؟..

- يعد معرض صندقجة هو البوابة الذهبية والانطلاقة الأكثر موضوعية والعنوان المغرق بالمحلية يعكس هوية البيئة العراقية الزقاق والشناشيل وسايكيولوجية المرأة العراقية في البيت البغدادي العتيق كذلك يتناول العمارة البغدادية والية اشتغالها وطبيعة الخامة التي تعكس هوية العمارة البغدادية الاصيله كما تناول كثير من إكسسوارات البيت العراقي لصيقة بالشخصية البغدادية .

 

هل الدراسة الأكاديمية طورت من قدراتك الفنية؟ أم اعتمادك على موهبتك وأسلوبك الخاص وتعاملك مع فرشاة الرسم ؟ ؟..

- الفطرة الفنية معروفة لدى رنا الطائي منذ الصغر لم ولن تبوبيها إلا بواسطة المدرسة والمدرسة بالنسبة لي الموجه الحقيقي لهذه ألفطره ممثلة بأستاذ مادة التربية الفنية ولكن عندما ترحل هذه الفطرة إلى طموح والرغبة في التخصص فبالتأكيد الدراسات الأكاديمية ومنها كلية الفنون الجميلة تعد بمثابة المدرسة الأم لتطوير دراسة الخط واللون والتكوين والتعرف على آليات اشتغال المدارس والحركات الفنية والتي تصب هذه المعرفة التطبيقية في المعرفة النظرية وكلاهما تساهم في نضج الشخصية الفنية ..

 

في عصر النهضة الايطالية برز الرسام رافاييل وقد تأثر برسمه سلفادور دالي ! ما سر هذه الفلسفة الفنية ؟ وهل ناثرتي بتجربته الفنية؟؟ ..

- تعد ايطاليا مركز عصر النهضة في القرن الخامس عشر ويمثل هذا القرن مثلث الإبداع ورأس هذا المثلث ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو ثم أصغرهم روفائيل تأثر سلفادور دالي بعصر النهضة وهذا التأثر ممثل بآلية الاشتغال حيث إن الكلاسيكية والسريالية يجمعهما تقنية مشتركة ولكن منهج السريالية مختلف فالكلاسيكية تقريرية واقعية والمشهد السريالي يمثل مجموعة من المفردات الواقعية يتم تقديمها بمشهد غير واقعي ..

 

ليوناردو دافنشي مهندس معماري وفنان شهير اشتهر في لوحاته الموناليزا ولوحة العشاء الأخير ولوحة عذراء الصخور، ماهي قراءتك وماذا تعني لك لوحة العشاء الأخير ؟؟ ..

- يعد عصر النهضة وكما أسلفت العصر الذهبي وعصر تحرير الفن من الكنيسة وهو عصر علماني كما إن الإنسان فيه محور الكون وهذا معرف في الفن الايطالي وحتى الالهه تتشبه بالإنسان فالموناليزا وغيرها من المعطيات الإبداعية لدى ليناردو دافنشي، تمثل ألطبقه الارستقراطية التي رعت الفن في ابرز المدن الايطالية لكن هذا الفن المتحرر، لم يخلو من بعض الموضوعات الدينية التي كانت الكنيسة حريصة على إبرازها ومنها كان موضع اهتمام ليناردو العشاء الأخير التي حرص على إبراز هذا المشهد بعد قراءة دقيقة ومتعمقة للكتاب المقدس . .

 

أي من الفنانين التشكيليين العراقيين لفت انتباهك و نال إعجابك وتأثرت بإعماله ؟ ؟..

- من خلال تفحصي لتاريخ الفن العراقي وجدت أعمال الفنانين الرواد تشكل موضع اهتمامي من ناحيتين الناحية الأولى الموضوعات تستلهم البيئة المحلية وتعكس الهوية العراقية، اما التعدد الاسلوبي فهو مختلف ولكن يشكل الفنان كاظم حيدر وهو من المحدثين في الفن موضع اهتمامي بالتجريبية في آليات اشتغاله واسلوبه الذي لم يقع في فخ النمطية . .

 

ما هي الرسالة التي أردتي إيصالها من خلال معرض تجلي امرأة ؟؟..

- تشكل المرأة حضور اجتماعي لا يقل أهمية عن الرجل وسايكيولوجية المرأة وتكوينها الفسلجي والبايلوجي مختلف، ولكن عقدة الصراع في مجتمع ذكوري ومتراكم نظم العادات والتقاليد يشكل نكوص للمرأة وتجلي امرأة هو محاولة لتقييم وتقويم هذه الشخصية الإنسانية . .

 

من خلال معارضك الفنية هل حققتي الطموح ؟ وأي معرض اشتهر فيه اسم التشكيلية رنا ؟؟..

- تشكل جميع معطياتي الفنية من خلال المعارض متراكم الخبرة لدى رنا الطائي وجميع هذه المعارض تشكل معرفة الفن ووسيلة لإبراز الاسم الفني ..

 

ماذا يعني لك الإعلام؟؟..

يعد الإعلام وسيلة وغاية أساسية لإبراز الفنان وتسليط الضوء على الأعمال الفنية من خلال دراسات نقدية ويفضل أن تكون أكاديمية محكمة وليس النقد الانطباعي الذي يمثله الإعلام ..

 

وجدتك ناشطة مدنية، ماذا قدمتي للمرأة العراقية وللطفولة معا ؟؟ ..

تعد ثقافة المجتمع المدني ثقافة أساسية وبالذات ما بعد عام 2003 ولا تقل أهمية عن الثقافات الاخرى التي ترتكز عليها الدولة والمجتمع المدني يمثل حضور معنوي استطعت من خلاله الاهتمام بالمرأة واستدعائها بشكل قصدي بحضور كثير من الورش الثقافية الأدبية والفنية وكذلك الطفولة المغيبة ومحاولة إيجاد لهما آلية اشتغال بمواد ووسائط صديقة البيئة ..

 

ما هي الرسالة التي توجهينها للفنانين الشباب ؟ ؟..

الرسالة التي ارغب بتوجيهها للفنانين الشباب هو الانطلاق نحو عالم الفن بموضوعية من خلال التعرف على تاريخ الفن النظري والتطبيقي . .

 

يقال انك مغرورة ومتكبرة، بماذا تدافعين عن نفسك ؟؟..

الشخصية الإنسانية والفنية تحديدا عبر التاريخ منذ نزول ادم وحواء ميالة إلى الارتقاء والرقي وعندما تكون هذه الشخصية الإنسانية مبدعة فبالتأكيد ستكون حريصة على الافتخار بنفسها كشخصية مفردة على المستوى النفسي، وكذلك موضع فخر اجتماعي، وسايكيولوجيا الفنان وعبر تاريخ الفن ولو تفحصنا السير الذاتية للفنانين لوجدنا إن هذه ألشخصيه محبة للإطراء وهذا الإطراء يعد بمثابة داعم حقيقي للفنان ورعاية لجهده الإبداعي، لابد للقيم الروحية من صرح مادي ولا بد للإبداع من دعم معنوي ..

 

ماذا تعني لك هذه الأسماء .. جواد سليم، نزيهه سليم، ليلى العطار، فائق حسن إبراهيم العبدلي؟؟ ..

- تشكل هذه الأسماء إيقونات مهمة في تاريخ الفن العراقي بل تقترن هوية الفن العراقي بهذه الشخصيات ..

 

ختاما يعد فن الرسم في العراق مدرسة لها عمق تاريخي من خلال الرسوم السومرية والبابلية والأشورية، والفنان العراقي مرهف الإحساس يتأثر بالطبيعة بالظروف الاجتماعية بالحرب بالتاريخ، مما انعكس ذلك على طبيعة منجزه الفني ..

 

حوار مع الروائية نرمين الخنسا

ariff almadiلم تكن منطقة ( الطيونه) وسط بيروت بعيده عن محل اقامتي في روشة بيروت، حيث الموعد المرتقب مع الكاتبه والروائيه نرمين الخنسا رئيسة اللجنه الثقافيه في النادي الثقافي العربي \بيروت، والتي حازت رويتها الاخيره (شخص آخر) على اعلى مبيعات في فئة الروايه في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، الذي اٌقيم مؤخرا.

فاليوم هو الاثنين التاسع من فبراير الحالي، وقبل ان ينصرم   وضَاحه، حيث اخبار الطقس تومئ باعصار مرتقب بصرده وريحه الوئيده الصاخبه، تمكن سائق تلك المركبه الصغيره ان يوصلنا في موعد الحوار، بالزمان والمكان المحددين مسبقاً،  حيث تؤشر عقارب الساعه الثالثه بعد الظهر وليبدأ الحوار الثقافي في استراحة وحلويات (البابا) الشهيره في بيروت

كانت باكورة اسئلتنا النمطيه لن تتحرر بعد عن مسلكية الحوار فجاء سؤالنا الاول:

674-arif 

من هي نرمين الخنسا؟

ج: بكل بساطة أنا إنسانة تنتمي الى كل فضاء حر خارج عن مسارالعنف والتطرف والتمذهب والطائفية والعنصرية. أؤمن بالإنسان وبحرية الفرد والفكر والمعتقد والتعبير عن الذات. وأنا مواطنة لبنانية تعشق وطنها وتخشى عليه من رياح الحروب والفتن التي تطل برأسها من حين إلى آخر. أحلم بالأمن والآمان وأمارس وطنيتي في إطار الإنتماء اللبناني والعربي معًا، ولم ولن أتخلى يومًا عن مبادئي الوطنية السليمة. كذلك أنا كاتبة وروائية تلتمس من رواياتها تغيير ما يمكن تغييره على أرض الواقع الإجتماعي من حالات إنسانية مهشمة ومهمشة في الوقت عينه، ومن قضايا إجتماعية بائسة، وكذلك من أمراض طائفية لا تزال تفتك بشرائح عمرية معينة، خدمةً لأجندات سياسية خبيثة. إضافة الى كوني رئيسة اللجنة الثقافية في النادي الثقافي العربي والمسؤولة عن البرنامج الثقافي لمعرض بيروت العربي الدولي للكتاب. وأحرص دومًا من خلال موقعي الثقافي هذا على أن أقارب مجمل القضايا الأدبية والفكرية في لبنان والوطن العربي، وأن أضيء عبر دور النادي على إبداعات الشعراء والأدباء والمفكرين والفنانين. هذه هي رسالتي في الحياة في بلد أتمنى أن يظل دومًا بلد الإبداع الفني والأدبي والموسيقي والعلمي.

 

ما هي أهم رواياتك المنشورة، وما هي الرواية التي ترينها أكثر تعبيرًا عما يدور في خوالجك؟

ج: لكل رواية من رواياتي أهميتها الخاصة. منها مرآة عشتروت وهذيان ذاكرة وساعة مرمورة ونصيبك في الجنة بالإضافة إلى روايتي الجديدة شخص آخر التي فازت بالمرتبة الأولى عن فئة الرواية في الإحصائيات النهائية لمعرض بيروت العربي الدولي للكتاب في دورته الأخيرة. كل رواية فيها جزء مني ومما يخالج ذهني من أفكار ومبادىء وإنطباعات ومواقف، وأحلام وخيبات. فشخصيات رواياتي هي من نبض الواقع الذي أعيشه وأتفاعل معه وأراقبه وأنتقده. وأعتقد أن الأهمية الكامنة في أعمالي الروائية تتأتى من غوصها الدائم في بحر النفوس والعلاقات العاطفية والعائلية والعامة. وتتأتى أيضًا من تداعيات الأحداث التي عشناها ونعيشها في منطقة تتهددها الحروب والصراعات من عقود وعقود. فالقلم هو برأيي مرآة حبرية للحياة لا يرى إنعكاساتها الشخص العادي، بل يراها الكاتب بشكل خاص ومن زاوية واسعة ومشبعة بالملامح والتفاصيل. وبصراحة لا يمكنني تحديد أي رواية من رواياتي هي الأكثر تعبيرًا عني، لأن كل رواية تحمل شيئًا مختلفًا مني.

 

هل تحاولين المعالجة أو التصدي للمشاكل التي تواجه المرأة اللبنانية والعربية؟

ج: أرى أن الروائي يجسد فعل قال الراوي، ولا يغيّر فعل الواقع على الأرض. من هنا أؤمن بأن ما أسوقه في رواياتي من حالات عصية على الحل، أو من ظلمات تتأمل الضوء، أو من تضحيات تقوم بها المرأة في موقع من المواقع، كلّ هذا يندرج في إطار التحفيز الفكري والعاطفي للقارىء. ومن هذا التحفيز السردي يمكن للمتلقي أن يعثر على مساحة نور، أو أن يكتشف خطأ في منهجه الإجتماعي، أو أن يعي حقيقة كان غافلًا عنها، وسوى ذلك من الإحتمالات المأمولة. من هنا أنا أترك للقراء حرية إكتشاف المغازي التي تحملها كل رواية من رواياتي. أمّا فعل التصدي أو المعالجة فأجده أقرب إلى الوجود الرمزي في العمل الروائي من الإيجاد الفعلي لعملية التغيير. فلو كانت الرواية التي هي فن أدبي عالمي تُغّير الواقع، للمسنا تغييرات أساسية في مسلكيات الشعوب.

 

كل نتاج أدبي أو علمي أوسياسي إن لم يكن له دور ما في عملية التغيير الإجتماعي نراه عملا عبثيا، أليس كذلك؟

ج: هذا سؤال إشكالي ويتطلب دراسات لامجرّد جواب في سياق صحفي. فثمة أبحاث ومراجع كثيرة سبرت أغوار العلاقة والتأثير بين الكلمة والعمل أو بين الرأي والواقع. وكل هذه الدراسات كانت ولا تزال تهدف إلى البحث عن كيفية جعل الثقافة ركيزة مهمة من ركائز التنمية الحضارية، وعن كيفية مساعدتها على تخطي مصطلح الماضي "الثقافة من أجل الثقافة" نحو التأكيد بأن ّللثقافة أهدافاً تنموية مهمة لا بدّ من رعايتها وإرساء دعائمها في المجتمع المدني العصري، من أجل إعداد الإنسان وبنائه بناء معنوياً. وهنا رأينا كيف بدأت الدول عبر وزارات الثقافة تخطط وتصنع السياسات الثقافية وتعمل على تنفيذها. فالثقافة تلعب دورًا حيويًا في حركة التغيير وتنمية المجتمع عن طريق بناء المواطن الواعي، لذلك لا يمكن لمجتمع اليوم أن يتطوّر إلاّ إذا تمكّنت المجتمعات من استيعاب كامل العلوم والتقنيات. وكلّ ذلك يتطلّب التفكير في المناهج الدراسية وفي المسارات الهادفة إلى ترجمة أهداف التنمية في الدول المعنيّة إلى خيارات حقيقية. وهنا يأتي دور ما يسمّى بالسياسة الثقافية. أما دور السياسة والعلم فله أربابه من المفكرين والباحثين الذين يدركون الطرق والوسائل التي لا ينتج منها غير العبثية.

 

كيف تفسرين ما يشهده الواقع العربي من أحداث خطيرة،هل هو ربيع أخضر أم دم أحمر؟

ج: لا شك أن المنطقة العربية تعيش اليوم مرحلة تحول كبير، ما زالت معالمه غير واضحة بعدما انحرف مسار ما سُمي "بالربيع العربي" عن خطه الأساسي. وما نشهده اليوم من تفتت وتطرف ديني وعنف ودمار وانتهاك مؤلم للإنسانية، يشي بأننا مقبولون على مرحلة قاتمة ومخيفة للوطن العربي، بعدما أخذ الحوار يتراجع لصالح هدر الدماء والتسامح والعقل يتراجعان لصالح الحقد والجهل. وأخشى ما أخشاه أن تفلت من يد الجميع زمام الأمور ونُورث أبناء هذا الوطن العربي أشلاء أوطان يُعمل بقوة على تغيبها عن الخارطة العالمية. ولكن ورغم كل هذا المشهد السوداوي، لدي قناعة بانه ما زال هناك مساحة للعقلاء والوطنيين والمثقفين والمعتدلين في هذا الوطن العربي، وأنا أعول كثيرًا على دورهم في مواجهة هذه الاعصار الأسود المخيف. وبرأيي سيأتي الربيع يومًا حاملًا معه طموحات الشعوب معززًا حقوق الانسان والحريات الديموقراطية إضافة إلى تمكين المرأة من لعب دورها الفاعل في المجتمعات .

وفي مسك ختام الحوار لا يسعنا الا ان نتقدم بالشكر والثناء الكبيرين لك ايتها الكاتبه الرائعه المبدعه، آملين مستبشرين ان تتكلل كل نشاطاتك وهذا النتاج الادبي الثري في العمل على ايقاف هذا التصحر الثقافي في الكثير من البلدان العربيه، ولكي يعود الخصب ماحقا بذلك الجدب.

 

الكاتب العراقي: عارف الماضي

 

في ضيافة الاديب علي الخباز

ali zagheeniعندما نكون في كربلاء لزيارة الامام الحسين واخيه الامام العباس لابد من ان نطرق باب زميلنا الرائع الاديب علي الخباز والذي طالما احتضن الجميع بقلبه النقي وابتسامته الجميلة لنكون في ضيافة اعلام العتبة العباسية المقدسة وصدى الروضتين لنكسب من ابداعه ونتعلم منه ومن تجربته الكبيرة ابجديات الابداعية ونستعيد ذكريات الزملاء ومحطات لاتزال عالقة في الذاكرة , وفي زيارتي الاخيرة لمدينة كربلاء المقدسة اجريت هذا الحوار مع علي الخباز الانسان والاديب .

 

س/ من هو علي الخباز؟

ج / علي الخباز انسان بسيط حاول ان يعوض خساراته الكثيرة بمثابرة عصامية لتكوين ثقافة تؤهله ليكون انسانا يمتلك الوعي الكافي لانسانيته، التقيت في صغري بمعلم يشجع طلابه على الممارسة النقدية بتناول كتاب خارجي شهريا والكتابة عنه، فكان حصتي طه حسين و كتابه الايام فكان الانطباع النقدي بشكل عام لوصفية او التركيب الوصفي لكتاب الايام واعتبرتها تعويض نفسي للكاتب فأشاد الاستاذ بالاعجاب بهذا التشخيص وبدأ ينمي القراءة مع الانطباع , فهذه المسالة يجب ان ينتبه عليها التربويون فاذا كان هناك عجز لصناعة شعراء على الاقل لنصنع متلقي يجيد القراءة , لذا بدأت بقراءة واعية منذ الصغر و كتابة الشعر بعد سن الاربعين من عمري واقصد هنا النشر في الصحف والمجلات , تركت المسافة الزمنية بين القراءة المبكرة والكتابة المتاخرة المجال للتامل (قرأت في سن13) وكتبت في سن (40) القراءات الكثيرة مطلوبة فالكثير من الكتاب يعتقد بنفسه مبتكرا لموضوع ما وفجأة يكتشف ان هناك من سبقه في هذا المضمار لكونه يجهل ما مكتوب قبله وهذه المساحة من الجهل سببها لكون كتاباتهم اكثر من قراءتهم .

 

س / كيف يقيم على الخباز واقع الثقافة اليوم؟

ج / الثقافة الان متهرئة للعديد من الاسباب ومنها غلبة صوت الرصاص على الحكمة وانعدام اهمية الحكمة في زمن المزادات وانشغال الناس بحياتهم المهددة جعلهم لايبالون بقيم جمالية كثيرة كانت تشغلهم من قبل و لغياب الرقيب) الادبي – الابداعي (اهمية حيث ساهم غيابه بضياع الكثير من ضوابط الكتابة الابداعية وهنا نحتاج الى تنامي الوعي النقدي , لان هناك انقسام الشارع، هل على الثقافة ان تنزل للناس من اجل الشمولية ام محاولة الارتقاء بمستواهم الثقافي العام من مسؤولية الكاتب المثقف اذن نحن بحاجة الى كتابات ثقافية مسؤولة وصحف متخصصة بالشأن الثقافي الثقافي دون انتماءات فرعية تسيس لنا العمل الثقافي , تكون معتمدة على تجارب ابداعية وعدم السماح للنشر الذي يسئ للثقافة وعدم المجاملة على حساب الابداع .

 673-ali

س / الشعر – القصة - النقد – الصحافة اين يجد علي الخباز نفسه؟

ج / عشت جيل ثقافي في كربلاء متنوع الابداع، قد نكون شعراء ولكن نكتب القصة ولسنا قاصين ونعرف حبكة القص واسلوبيته ونكتب الرواية والمسرح بالقدر الذي نستطيع ان نقدم ابداعنا من خلال هذه كلهن) الشعر والقصة والرواية والنقد والصحافة (ما دام لدينا قلم يكتب ولكن كتاباتنا مزجناها بواقعنا وهذا ما ولد نصا مفتوحا لكل انواع الكتابة .

 

س/ هل الاديب علي الخباز راض عن ما كتب؟

ج / الرضا بحد ذاته غرور وعدم فهم لمعنى الكتابة، وعدم فهم لمعنى ان يكتب بمساحة محددة في عالم مفتوح ودائما ما يصاب بالغرور . القضية ناتجة من باب جمال الرضا بسبب عدم اللاامان بالنص , كنا سابقا نفرح كثيرا عندما نجد نص منشورا لنا والان نفرح عندما نجد من يقرأ لنا ويبقى منقوشا بذاكرته .

 

س/ ماذا توجه للكتاب وخصوصا الشباب منهم من نصائح؟

ج / اليقضة من الغرور والنرجسية والقراءة باستمرار وذلك لمعاناة الادباء والمثقفين من امية الثقافة .

 

سنوات الفساد التي أضاعت كل شيء (1)

musa faraj*• لنتحدث في البداية عن تجربتك في هيئة النزاهة... كيف كانت المدة التي عملت فيها؟ وما الذي حدث حينها ليتم استبعادك والبحث عن بديل صامت عن الفساد؟..

ج: قبل عام 2003 لم تكن مفردة الفساد مسموح بتداولها في العراق لا على الصعيد الرسمي ولا على الصعيد الشعبي ..بعد عام 2003 نشرت مقالتين في صحيفتي الزمان والمؤتمر بتاريخ 14و15/9/2003 حول واقع الفساد في دوائر الدولة وأهمية مواجهته و تم تشكيل لجنة من أعضاء مجلس الحكم سميت بلجنة محاربة الفساد في دوائر الدولة وكنت أحد أعضاءها (طبعاً لم أكن عضواً في مجلس الحكم )، ومن ثم عينت مفتش عام في احدى الوزارات ومن ثم نائب رئيس هيئة النزاهة ورئيساً للهيئة وقد واجهتني جملة من التحديات :

. السفارة الأمريكية: تريد من الهيئة حديقة خلفية لها وللـمخابرات الأمريكية لتمارس من خلالها ممارسة الضغوط على الساسة وإسقاط من لايعجبها منهم ..

. رئيس الحكومة نوري المالكي والمحيطون به: يريدون هيئة النزاهة جهة تدور في فلكهم وتزكي أفعالهم ..

. والمتواطئون في البرلمان مع عصابات سرقة وتهريب النفط : يسعون لإيقاف ملاحقة الهيئة لأقاربهم وحواشيهم الذين يمارسون سرقة النفط من انابيب الضخ في البصرة على نطاق واسع وتهريبه عبر الفجيره الى دول عديده .. .

ولأن القضاء كانت رئاسة الحكومة قد فرضت سطوتها عليه، والبرلمان أضعف من أن يواجه الحكومة بسبب تشرذمه .. لم يكن أمامي إلا أحد خيارين: ان أكون جسراً يمر عليه الفساد أو مغادرة الهيئة .. وفي حينه كانت البيانات التي تصدرها الهيئة (وهي موثقة) ومن بينها مقابلة مباشرة مع صحيفة الحياة اللندنية قلت: أن الوزارة الأولى في الفساد هي وزارة الدفاع والثانية هي الداخلية تليهما النفط ثم الكهرباء فالتجارة فالصحة وآلاف الرواتب الوهمية (لاحقا سميت بالفضائيين) من بينها 50ألف في وزارة الداخلية، اما الأمانة العامة لمجلس الوزراء فقد وصفتها بـ بؤرة الفساد في الحكومة ..إستخلفوا رئيساً للهيئة كانت باكورة أعماله نفي أي وجود للفساد في الجهات المشار إليها ونفي أي ضغوط تمارسها رئاسة الحكومة على الهيئة..!، ومن يومه تحولت وظيفة هيئة النزاهة لملاحقة الرشوة في حافات الجهاز الحكومي وهو ما يطلق عليه: الفساد الصغير، وباتت وظيفتها تنحصر بإعداد استطلاعات صحفية شهرية لبيان فيما إذا كانت الرشوة في هذه الدائرة أعلى أم في تلك من الدوائر الفرعية، وهذا هو بالضبط ماتريده رئاسة الحكومة للهيئة .. في الأشهر والأسابيع الأخيرة الماضية تفجر الوضع وتبين الحصاد المر للفساد: إحتلال داعش للموصل ومحافظات عراقية أخرى، والفساد يقف في مقدمة الأسباب، عشرات الآلاف من الفضائيين في وزارتي الدفاع والداخلية وفي معظم أجهزة الدولة، تبديد 245 مليار دولار في مشاريع وهمية ورواتب الفضائيين خلال السنوات السابقة، ضياع 150 مليار دولار تمثل مرتجعات الموازنات خلال السنوات السابقة، عدم معرفة مصير 95 مليار دولار أرصدة نقدية في وزارة المالية ( بحسب اللجنة المالية في مجلس النواب) ..وفي ظل تدني اسعار بيع النفط فكانت الأزمة ..هذه هي تجربتي في مواجهة الفساد والتي مازالت مستمرة وإن من خارج الوظيفة الرسمية.

 

• كيف بدأت قصة الفساد في العراق..؟ ومن المسؤول الأول عنه في ظل وجود أكثر من قوة حينها، منها داخلية، كالقوات الأميركية، أو خارجية، كالدول المجاورة الداعمة للأحزاب العراقية؟

. الفساد في العراق لم يبدأ في عام 2003 ومن يقرأ ما نشره السيد عبد الجبار محسن (مدير التوجيه المعنوي للقوات المسلحة في عهد صدام) والذي نشره قُبيل وفاته في عمان في العام الفائت يقف على حقيقة الأمر ..لكنه إستشرى بعد ذلك بسبب الفوضى التي إجتاحت العراق وبسبب الإفتقار الى القدوة النزيه حكومي كان أو سياسي ..اما عن الأمريكان فأمر غريب أن يظن بهم العفه ..! صحيح هم يتقيدون بالقانون في بلدهم ولكنهم عندما يكونون محتلون فإنهم أقرب الى منظمات للتعذيب ودونكم ما حصل في (ابو غريب)، وللقتل (مذبحة ساحة النسور)، وللسرقة (عقود شركات دك تشيني ) ..ويكفي الإشارة الى أنهم خصخصوا إحتلالهم للعراق فتعاقدوا مع شركات أمنية مثل بلاك ووتر التي إستقطبت المرتزقة من كل بقاع العالم ..أما عن الدول المجاورة فالغريب انها تنكرت لك أصناف الدم التي تربطها بالعراق فلم تتذكر القومي ولا الديني ولا الجوار .. الذي ترسخ في عقولهم الباطنة هو صنف واحد فقط : الثأر من العراق ...وباتت عواصم تلك الدول مستودعات لغسيل الأموال المسروقة وتأمين سلامتها، واسواقاً عامرة لإستثمارها...

 

• هل يمكن إحصاء أنواع الفساد في الدوائر والحكومة العراقية؟ وما الذي يسمح لكل نوع من الاستفحال في الوقت الذي يدعي الجميع فيه أن الآخر فاسداً مقارنة بكتلته وحزبه الذي ينتمي إليه؟..

ج: في الدول المتمدنة فإن الشائع من الفساد هو الرشا وتحديداً الكوموشنات ومجاله قطاع الأعمال وتحديدا في مجال إحالة المقاولات وإبرام العقود حيث يحصل المرتشي على المال ويحصل الراشي بالمقابل على مزايا وأفضليات سواء في الإحالة أو في التنفيذ، ولكن في الدول المتخلفة يبدأ الأمر بالفساد السياسي حيث تحتكر الطبقة الحاكمة الوظائف والمخرجات الإقتصادية ومن ثم الفساد الإداري حيث يتم وخلافاً لأسس المواطنة الإستئثار بكل شئ في المناصب والوظائف دون مراعاة توفر عنصري النزاهة والمقدرة بعد ذلك تأتي مرحلة الفساد المالي حيث تُطلق أيادي الفاسدين لسرقة أموال الشعب.. وفي كل هذه المراحل يقف خلفها الساسة حيث يمارس القادة الحكوميون والسياسيون حماية الفاسدين وإعاقة جهود مكافحة الفساد وصنع العوائق في وجه أجهزة مكافحته، وزملائهم في البرلمان يسنون القوانين التي من شأنها تغليف ممارسات الفساد بغطاء قانوني تقف أجهزة مواجهة الفساد عاجزة أمامه .. كلهم يمارسون الفساد وكلهم ينشر غسيله على سطح بعضهم .. والسبب الأساسي وراء ذلك هو أنهم جميعاً ينظرون الى موضوعة الحكم بإعتبارها تقاسم مغانم وليس بناء دوله .. طبعاً الحكومات لا يضيرها مطلقا التوقيع على إتفاقات أممية ومعاهدات دولية ترمي لمحاربة الفساد لأن ذلك لا يكلفها سوى سويعات محدودة لممثليها بالحضور في المؤتمرات الدولية لكنها في حقيقة الأمر توظف توقيعها على تلك المعاهدات من أجل الظهور بمظهر المناهض للفساد ومحاربته، يحصل هذا لأن كل المعاهدات الدولية باستثناء معاهدت تحريم أسلحة الدمار الشامل لا يتم متابعة تنفيذ بنودها ومضامينها لأن المتابعة هنا تنطلق من وجود مصلحة للدول الكبرى او صنائعها في إجبار الدول على الإلتزام بها وتلك المصلحة غير قائمة إلا في معاهدة الحد من الانتشار النووي لتحتكره هي ..أما المعاهدات الدولية بشأن الحد من الفقر أو التعذيب أو العنصرية أو الاحتباس الحراري أو حماية الطفل وحماية البيئة وحماية المرأة فإنها أسماء دون مسميات ...

 

• ما التأثيرات التي يمكن تلمسها من قضايا الفساد في العراق على الأجيال الجديدة..؟ وما الذي يمكن فعله لترسيم خطوط مستقبل لأجيال بعيدة عن آليات هذا الفساد..؟. .

ج: إذا كنا قد فشلنا خلال السنوات الماضية من وضع حد للفساد في العراق لأسباب خارجة عن قدرتنا فقد نجحنا بأمر أخر مهم فقد خلقنا عند الجميع رؤية حقيقية لما ينطوي عليه الفساد من أخطار وأضرار ونجحنا في تعرية قبح الفساد والفاسدين الى الحد الذي بات فيه معياراً شعبياً للحكم على المسؤول الحكومي والسياسي والى الحد الذي بات الفساد فيه يسقط الحكام ويستخلف آخرين ..هذا بالنسبة للحاضر أما للأجيال القادمة فإننا نحاول أن نرسخ في معتفداتهم بأن المواطنة والمواطنة وحدها هي البيئة المثلى لمواجهة الفساد ووضع حد له أما الطائفية والمحاصصة فبيئات صانعة للفساد وحامية للفاسدين وحاضنة مستدامة له...

 

• في كتابك (الفساد في العراق.. خراب القدوة وفوضى الحكم)، أكدت على أن الفساد ليس خارجاً عن الطبقة الحاكمة، بل هم الذين يشرعنوه بقوانين يتفقون عليها، مستبعدين شمولهم بالعقوبات... كيف يمكن أن نعيد تشريع العقوبات التي تطال المسؤول كما تطال المواطن العادي الذي لا يقف وراءه حزب أو كيان سياسي..؟. .

ج: الفساد كان في أول الأمر يحتمي بقوة السلطة وليس بقوة القانون لأن الحكومة كانت تعيق ملاحقة الفاسدين وتعيق تطبيق القانون وتعيق تنفيذ قرارات المحاكم ومن ثم تم التحول لجعل هذا التوجه قانوني من خلال تقديم مشروعات قوانين الى مجلس النواب يصوت عليها وتتحول الى قوانين لايمكن المروق من بين ثناياها لمواجهة الفساد..على سبيل المثال : هيئة النزاهة المكلفة أصلا بمواجهة الفساد إن لم تكن مستقلة في أداءها تتحول الى سوط بيد الحكومة ضد مناوئيها فقط، أو تُدفع لممارسة وظيفتها في حافات الجهاز الحكومي دون غيرها في حين أن الفساد الكبير لا يكون في حافات الجهاز الحكومي وإنما في قمة الهرم فضخامة الفساد إنما ترتبط موضوعيا بحجم الصلاحية المناطة بالموظف وضخامة المقدرات الموجودة تحت سلطته ..ماذا حصل في النهاية ..؟ تم ربط هيئة النزاهة برئاسة الحكومة رغم أن الدستور ينص على أنها هيئة مستقلة فأُضعفت فاعليتها ..صدرت قرارات حكومية باعاقة الهيئة بالوقوف على وثائق وزارة الدفاع، منعت الهيئة من ممارسة واجباتها في الهيئات الرئاسية الا من خلال الحكومة، تم التعامل مع الهيئة من قبل القضاء بإعتبارها مجرد مخبر عن الفساد وليست ممثلة للحق العام في مجال محاربة الفساد،وأثقلت بمسؤولين تم إنتقائهم من الموالين للدائرة المحيطة برئاسة الحكومة.

 

• يرى أغلب المتابعين أن الفساد يعد الممول الأول للإرهاب، كيف هذا؟ وكيف يمكن إيقاف هذا الدعم والتمويل لوقف الإرهاب، إن كان ذلك ممكناً..؟. .

ج: الفاسد الصغير القابع في حافات هرم الدولة يمارس أفعال الفساد من أجل أن يحصل على أموال لم تكن من حقه للتمتع بإنفاقها بقصد تحسين وضعه المعاشي أو الحصول على مقتنيات يعجز عن تحقيقها براتبه المستحق له وفقاً للقانون.. تلك الممارسات هي أفعال فساد ولاريب في ذلك، لكنها في الوقت الذي تؤذي فيه المواطن لأنها تغتصب من جيبه مباشرة لكنها لن تقصم ظهر المال العام ولن تتسبب في إفلاس الحكومة ولذلك يطلق عليها الفساد الصغير ..لكن الفساد الكبير هو ما يمارسه الفاسدون الكبار.. وفي جو الصراع والإقتتال على السلطة فإنهم يمارسون الفساد لضمان حسم نتائج الصراع لمصلحتهم وأدوات الوصول الى تلك الغاية تبدأ بالاعلام ولاتنتهي بالسعي لإسقاط النظام برمته من خلال مد العناصر والجهات الارهابية بما يتطلبه نشاطها من أموال هائله .. بالنسبة لأطراف السياسة في العراق ليس لديهم في صراعهم على السلطة خط أحمر فتراه يوماً يقاتل الأمريكان وفي اليوم الآخر يحل في سفارتها أو في عاصمتها ضيفاً، وتراه يشتم القاعدة يوما وفي اليوم التالي يسرب لها اسلحة الدولة ومليارتها لتكسر له عضد الخصم، وتراه يوما يغير على المليشيات بوصفها جهات خارجة على القانون وفي اليوم التالي يضع مقدرات الدولة تحت تصرفها ..فعلاقة الفساد بالارهاب في العراق ليست بالصورة التي تسمع عنها في الغرب والتي تنحصر في تبييض الأموال وجمع التبرعات وتسهيل السفر ..في العراق اللعب على الطاولة ومكشوف ..حتى أن بعض الأطراف تسوق النفط الذي تستولي عليه داعش وتبيعه لحسابها بل أن البعض من تلك الأطراف تستغل عقود الدولة لتتعاقد مع دول مجهزة للسلاح لاستيراد الأسلحة باسمها وإيصاله لداعش .. أفبعد ذلك تسألني عن العلاقة بين الفساد والإرهاب في العراق ..؟.

 

• على الرغم من انتماء أغلب الكيانات السياسية في العراق إلى مؤسسات دينية، إن كانت مرتبطة بمراجع دينية أو أنشأت لنفسها قوانينها الخاصة المرتبطة بالدين أيضاً، غير أن هذه الكيانات لم تكن نزيهة رغم هذه الإنتماءات... هل تعتقد أن المؤسسة الدينية؛ بشقيها السني والشيعي، متورطة في قضايا الفساد..؟ وإذا لم تكن كذلك، فلماذا هذا الصمت تجاه الفاسدين والمفسدين؟.

. ج: الفساد موجود على إمتداد التاريخ وأيضاً على إمتداد الجغرافيا ولكن استشراءه أوتحجيمه يتوقف على البيئة التي يمارس فيها والثقافة المجتمعية السائدة، ففي المجتمعات المتحضرة تتقلص مساحة الفساد الى حدوده الدنيا في حين تتسع تلك الحدود لتغطي معظم المساحة في المجتمعات المتخلفة ..لاحظ أني قلت معظم ولم أقل كل ففي دراسة ميدانية أجريت في بريطانيا وجدوا أن 10./. من موظفي الدولة أية دولة فاسدون لايمكن إصلاحهم و10./. نزيهون لا يمكن إفسادهم و80./. بين بين ..فإن كانت الثقافة الجمعية تشجع على الفساد والبيئة المجتمعية توفر الغطاء لممارسته فإن معظم الـ 80./. ينخرطون في لعبة الفساد هذا الحال يحصل في حالة الفوضى السياسية والقيميمة وفساد الأعلى ..ولكن الحال لن يتمدد الى الـ 10./. الذين وصفتهم بـ نزيهون لايمكن إفسادهم وفي حالة النقيض يحصل العكس فالنزاهة والفساد خصال فردية تتوقف على ماهو أصيل عند الفرد وعلى ماهو مكتسب فالأصيل لايمكن زحزحته ولكن المكتسب يمكن التأثير فيه سلباً أو إيجاباً ..الدين رادع للفساد هذا ثابت ولكن الخطير في الأمر أن البيانات التفسيرية للدين تصدر عن أشخاص وهؤلاء تنطبق عليهم موضوعة الـ 10./. و10./. و80./.أيضاً، وحكومة المسلمين تسرب لها الفساد بالمعنى الذي نقصده اليوم أعني فساد الذمم والجيوب ولا أعني فساد مابين الوركين بعد غياب النبي (ص) مباشرة عندما قالوا ان الحكم ترثه العشيرة والسابقون وليس العادل والكفوء..وعندما تم تمييز الناس في موارد الدولة وعندما إتسعت بطانة الحاكم .. وهناك حالة يتيمة في تاريخ الحكم الإسلامي كانت استنقاذا لروحه من الفساد كان علي أبن أبي طالب القدوه الذي تنكر له أتباعه، وليس بعيداً عن منهجها عمر بن عبد العزيز.. .

 

• منذ أن تسلم الدكتور حيدر العبادي قيادة الحكومة وهو ينادي بتجريم المفسدين وتنظيف دوائر الدولة منهم... ما الآليات والطرائق التي يتمكن من خلالها إنجاح مهماته..؟ وكيف سيتمكن من تنفيذ وعوده رغم أنه ليس بعيداً عن الكيانات التي يطالب بمعاقبتها؟. .

ج: مهمة السيد حيدر العبادي في غاية التعقيد فمواجهة الفساد تعني مناهضة سلوك الفاسدين والفاسدون الكبار هم من يطبقون على النظام السياسي اليوم ومشكلة العبادي أنه ليس فقط ابن النظام السياسي المنتج للفساد انما هو أبن المحاصصة التي تشكل بيئة الفساد وحاضنته وحاميته وقد أحكمت آلياتها بحيث لا تحتاج الى إذاعة إعلان دستوري للإنقلاب على من ترى فيه تهديداً حقيقياً عليها فجلسة واحدة لسحب الثقة تكفي .. وفي نفس الوقت فإن مواجهته للفساد باتت مطلباً شعبياً وهو قد تعهد للشعب بذلك والشعب يضغط حالياً بشده .. والأيدلوجيات والمبادئ والسجايا الشخصية والتي يطلق عليها في عالم السياسة : شعارات..تتحول الى كمبيالات واجبة السداد وصكوك ملزمة الدفع حال بلوغ حاملها السلطه وإلا سمي (مقرباز) وهي مفردة من مخلفات العصملي في العراق تعني الشخص الذي يماطل في تسديده لديونه وهي مفردة موجعه ..ولذلك فإن الأمر يتطلب إصرار وحنكه من قبل السيد العبادي فالنويا الخيرة لا تكفي.. وليس من المنطق أن ينتظر تطبيقاً لمسعاه والحلقة الضيقة المحيطة به هم من تسببوا بتبديد موازنات العراق، ولا من المنطقي أن ينتظر وضع حد لنزيف العملة الصعبة من خلال غسيل الأموال واسع النطاق والمسؤولون عن ذلك يتربعون اليوم في البنك المركزي، ولا من المنطق أن ترتجي مواجهة حقيقية للفساد وجهاز القضاء مسيطر عليه من نفس المجموعة التي سفهت جهود مواجهة الفساد ومحقت استقلالية أجهزة مواجهته ..وفي هذه الحالة فإن أمامه سبيلين لا ثالث لهما: . ـ فإما الاستسلام أمام الفساد والنكوص عن تعهداته للشعب وفي هذه الحالة فإنه سيواجه برد فعل قاسٍ من قبل الأوساط الشعبية وستنظر اليه بوصفه إستمرار لمن سبقه وأنا شخصياً لا أتمنى له ذلك فقد حظي بما لم يحظَ به من سبقوه من تجاوب شعبي رغم أنه ينتمي لذات الطبقة السياسية ولنفس المحاصصة ولنفس الكتلة بل نفس الحزب إلا أن الرهان كان ينصب على خصاله الشخصية وتعهده في مواجهة الفساد ولو نكص عن ذلك سيفقد الكثير حتى على المستوى الشخصي.. .

ـ أو أنه أنه مصرعلى الوفاء بوعوده والطريق السليم لتحقيق ذلك ينطوي على سلوك طريق مركب يتم من خلاله إتخاذ الإجراءات التالية: .

1. العودة للدستور بإعلان إستقلالية هيئة النزاهة عن رئاسة الحكومة..

2. إختيار رئيس للهيئة قوي ومهني ومستقل في قراراته ولا يخضع لغير القانون . .

3. تشكيل لجنة قضائية من خارج مجلس القضاء الحالي وعلى غرار محكمة رموز النظام السابق تتولى البت في قضايا الفساد .. .

4. نقل مسؤولية مواجهة الفساد في العراق الى هيئة النزاهة والجهة القضائية المشار إليهما بالمواصفات المذكورة وجعلهما في مواجهة مباشرة مع الشعب والإكتفاء بمراقبتها وتقويم إجراءاتها .. .

5. في هذه الحالة فإن القيادة الجديدة القوية لهيئة النزاهة تجعل من باكورة أعمالها مواجهة فساد الدائرة الضيقة المحيطة برئيس الوزراء وبالملفات الضخمة تحديداً والتي لا يختلف عليها إثنان وتحديداً : مصير اموال الموازنات السابقة : التبديد 245 مليار دولار، فوائض الموازنات 185 مليار دولار، الكتلة النقدية التائهة 95 مليار، والفضائيون، وغسيل الأموال ..عندما تقوم بذلك فإنه يمنحها المصداقية والموضوعية ويلجم المعترضين وفي نفس الوقت يبعد العبادي عن المواجهة المباشرة مع كبار الفاسدين من كتلته ومن حزبه.. ولو كنت مسؤولاً عن هيئة النزاهة اليوم لفعلت هذا شرط أن لا يقيلوني بمجرد الهمهمة بذلك ... . في حال عدم مواجهة الفساد ومعاقبة كبار الفاسدين فإن المغفل فقط من العراقيين هو فقط من يسكت لأن موازنة العراق لهذا العام ورغم تدني اسعار النفط فإنها تفوق موازنات نصف عدد الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية مجتمعة بالتمام والكمال ..وتفضل أنظر : .

الأمارات العربية : 13,4 مليار دولار . الأردن : 11,4 مليار . سوريا : 7,5 مليار . لبنان : 13 مليار . تونس : 15,7 مليار . السودان : 9,1 مليار . فلسطين : 5 مليار . اليمن : 12 مليار . البحرين: 3,7 مليار. موريتانيا: 2,4 مليار . الصومال : 748 مليون . جزر القمر : 56 مليون ..( 94 مليار دولار ) هذا هو مجموع موازنات 12 دولة كاملة السيادة والعضوية في جامعة الدول العربية لعام 2015 في حين أن حجم موازنة العراق بلغ 103 مليار دولار وهي ثاني أضخم موازنة عربية بعد السعودية .. أحد العراقيون كتب مازحاً : أن موازنة جزر القمر البالغة 56 مليون دولار لا تكفي لتغطية عملية بواسير(؟؟؟),(اتحفظ على ذكر الإسم تلافياً للوقوع تحت طائلة القانون الذي يعاقب على القذف والشتم ..بس هو معمم ومن دولة القانون واسمه يبدأ بحرف سيف الله المسلول..)،وللعلم أيضاً فقد تجاوز برنت سقف الستين دولار للبرميل يوم الجمعه الفائت..

 

............

صفحات من كتاب تحت الطبع:

* مقابلة مع السيد صفاء ذياب مراسل القدس العربي اللندنية ...

لقاء مع المسرحيّ الجزائريّ محمد زعيتري .. المسرح والحياة والفكر والتّشكيل

sanaa alshalan*كان لي هذا اللقاء معه على أرض الجزائر العظيم، أرض المليون شهيد أرض الأبطال والإباء، أرض الجمال والعلم والزّهاد وزوايا الصوفيّة ومراقد الأولياء.كان الحوار معه في أرض مدينة معسكر حيث في الأفق يعتلي مرقد البطل عبد القادر الجزائري صهوة الجبل، ويناظر من مكانه أرض جهاده وحركات المجاهدين الأبطال ضدّ الاستعمار الفرنسيّ، وفي الأفق المقابل تنتصب أمامه على الرّبوة المقابلة جامعة معسكر باذخة بالعلم والمحبّة والعطاء.

وكان المسرحي محمد زعيتري على عادته التي يألفها كلّ من يعرفه،فهو يضجّ حماساً وإبداعاً ومحبّة، ويهدر بسيل من المعلومات في شتى العلوم،إذ هو طلعة مبتكر جريء روحه مزيج من خفة الدّم والابتكار والدّعم للآخرين وإنزال أفكار العلم لاسيما في حقول المسرح على أرض الواقع.هو باختصار رجل الاحتمالات التي لا تنتهي.

 

إطلالة على بطاقة التّعريفيّة: هو جزائري من مواليد الجلفة، مارس التّعليم الإبتدائي، ويمارس الآن التّعليم الجّامعي بعد أن نال عدّة شهادات في حقول الإعلام وأدب اللّغة العربيّة والأدب العالمي والسايكودراما، عمل كذلك في الإعلام المكتوب والمرئي، كما عمل رئيساً لمكتب الاتّصال والعلاقات العامة في المركز الثّقافيّ الإسلامي، كتب القصّة القصيرة والمسرح والسيناريو، وأخرج بعضاً من المسرحيّات والأعمال التّسجيليّة التّاريخيّة والوطنيّة، عضو في كثير من المشاريع الأدبيّة والسّينمائيّة والمسرحيّة، كما شارك في الكثير من ورش العمل والمهرجانات والمؤتمرات.

 

1- ماذا يقدّم تخصّص السّايكودراما للمسرح؟

- لكل ميدان من ميادين الفنون جوهر ولب يدور حوله ليكتسب نوع من الحياة والسيرورة التي تبعث في الاخر شعلة الانجذاب، والمسرح اساسا اذا لم يتعلق بالحياة النفسية للمتلقي فانه لا يعدو ان يكون مجرد عبث مقصود بعيدا عن الهدف الرئيس الذي وجد من اجله وهو التطهير وتقديم الرسائل الاجتماعية التي تكرّس الدستور الاجتماعي للرقي بالحياة الى الممارسة الاجتماعية الراقية، والسايكودراما هي عصب المسرح ومن خلال المصطلح فهي تعني بتعبير بسيط المعالجة النفسية (سايكو) و(درما) وتعني المسرح او العمل المسرحي او المسرحية في حد ذاتها ومن هنا نصل الى مفهوم كلي يأخذنا الى التفكير في كيفية توظيف المسرح نفسيا حتى يصل الى اعماق المتلقي ومنه يكون متنفسا للاحتقان الاجتماعي والفكري ومن هنا فما تقدمه السايكودراما للمسرح هو بث الروح فيه وجعله نبض جمعي يخدم القضايا الانسانية الكبرى

 

2- ماذا قدّم محمد زعيتري للمسرح عبر تخصّصه بالسّايكودراما؟

- محمد زعيتيري يخطو خطواته الاولى نحو عالم مليئ بالمفاجآت الا وهو عالم المسرح الذي يتشعب كلما غصنا فيه اكثر، وما يحاول تقديمه للمسرح عبر تخصص السايكودراما هو ترسيخ فكرة ان المسرح ليس ركحا لممارسة حركات واداء نصوص بقدرما هو فضاء ذاتي اناني يحتاج اليه كل فرد منّا في حياته اليومية دون الاضطرار للاحترافية، فكلنا يمارس المسرح يوميا من خلال تصرفاته اليومية، وكل منّا يلعب دور الممثل في اطوار مختلفة من يومياته حتى يستطيع التعامل مع مجريات الحياة ولذلك يحاول محمد زعيتري ان يلج ميدان الصحة النفسية من خلال توظيف السايكودراما في المسرح.

 

3- لماذا لجأ محمد زعيتري إلى المسرح؟

- المسرح بالنسبة لي عالم واسع لا يحده نص وركح، بل اعتبره مدرسة حياتية تسمح لنا بفهم الواقع من زوايا مختلفة والوصول الى خلق توازنات حقيقية لكل متناقضات هذا العالم، فالمسرح كان ولا يزال ذلك الفضاء الميتافيزيقي الذي من خلاله يحق لنا التحليق في ذات الذّات وسبر اغوار النفس البشرية بعيدا عن قيود العلوم الدقيقة ويمنحنا فرصة إعمال الفكر في مواجهة القضايا الانسانية والاجتماعية بفكر متفتح لا يتصلب للافكار الجامدة ولا ينحاز للنعرات القبلية، فمن يعود للمسرح منذ تاريخ الاغريق يفهم ان هذا الميدان كان ولا يزال الى يومنا هذا فن من فنون التنفيس عن المآسي الاجتماعية، فالمسرح انعتاق وتحرر .

 

4- ما هو العمل المسرحيّ الذي تحلم بإنجازه؟

- سؤال يصيبني بغصة، ليس لصعوبته بل لحرقة في نفسي مما حلمت به دائما وتحطم على جدار الواقع . حلمي بسيط جدا لكنه في ذات الوقت عميق ومهم، احلم بتقديم عمل مسرحي يخدم المسرح ذاته ويمحو الصورة السيئة التي التصقت به بسبب بعض المتطفلين وبعض الجهلة الذين شوهو صورته واصبح يعني الفوضى والعبث المقصود وليس العبث الذي اسس له صموئيل بيكت ومن هذه النظرة حلمت دائما ان انتصر للمسرح بكتابة واخراج مسرحية تستعرض تاريخ المسرح عبر العصور وما قدمه للمجتمعات على مر السنين من خدمة لقضاياهم العادلة

 

5- هل يمكن أن يغدو المسرح مدرسة للجيل ومستشفى من الأمراض النّفسيّة والفكريّة التي يعاني الكثيرون منها؟

- انا اثق كل الثقة بأن المسرح له دور كبير في بناء الذات الانسانية وصقل الخبرات الفردية من خلال ما يقدمه من تجارب الاخر والانفتاح على ثقافات متعددة فهو مدرسة حقيقة للاجيال لمد جسر بين الماضي والمستقبل مرورا بالحاضر وربط اواصر محبة بين المجتمعات من خلال الغوص في ثقافات بعضها البعض ومنه نستطيع ان نبني جيلا يفكّر بطريقة منطقية بعيدا عن العصبيات والعقد النفسية في اطار المفاضلة بين المبادئ والاخلاق وليس الاعراق والاجناس

جيل متفتح على العالم يتمتع بصحة نفسية متزنة بعيدا عن الافكار الضيقة التي يصاب بها بسبب التقوقع والتقليد الاعمى ، فالمسرح متنفس لكثير من الازمات النفسية لما يعالجه من قضايا قد تتيح للمتلقي فضاء رحبا وتفتح امامه ابواب الامل .كما ان المسرح ليس مأساة فقط بل اوجد الاغريق الملهاة لتختص بالترفيه عن المشاهد واعادته الى توازنه النفسي

 

6- ما رأيك بالمسرح الحداثيّ والتّجريبيّ؟

- المسرح الحداثي والتجريبي سلاح ذو حدين اما ان نحسن استعماله وامّا عمّ الهلاك ... لكن ما يجب التركيز عليه هو انّ من يمارس المسرح الحداثي ويحاول رسم خط سير في ميدان التجريب يجب عليه ان يكون ذا تكوين عال وثقافة واسعة حتى لا يقع في عقدة التقليد الاعمى وحتى لا يجني على المسرح بحجة التجريب فيسلخه عن مقصده الاساسي ويجعل منه مسخا فلا هو حافظ على الاصالة ولا هو وصل الى التجديد، وبمعنى آخر ان التجريب في المسرح لا يعني التشظي في اللغة والفكرة والصورة والاطناب في الاغراب بحجة الحداثة بل المقصود هنا ان نجد أليات جديدة لمسايرة الحياة الاجتماعية السريعة التي نعيشها، فالمسرح اليوم على غير العادة اصيب بثقافة السندويتش والاكلات السريعة وفي ظل العولمة لم يصبح لنا متسع من الوقت لعرض مسرحية في ثلاث فصول مثلا او ان تتجاوز مدتها بضع ساعات فالمتلقي في عصرنا هذا بحاجة الى مسرح حداثي يعتمد التكثيف وتوظيف ثنائية المخاتلة وتقديم الصورة والعبرة بصورة صحيحة غير معقدة وفي نفس الوقت لا يجب ان تكون سطحية فيضيع هدفها الاسمى

 666-sana

7- هل المسرح المدرسيّ والجامعي مطلب تربويّ مهمّ؟

- من بين القضايا التي دافعت عنها كثيرا هو التأسيس للمسرح في كل الاطوار وفي كل الميادين فاذا لم تحتضن المدرسة والجامعة المسرح وتهذبه وتصبغ عليه صفة الاكاديمية فأين يمكن ان نؤسس لمسرح يخدم القضايا التربوية والفنية ولقد كانت لي تجربة مع وزارة التربية الجزائرية انبثقت عن يوم دراسي حول دور المهاذب الجمالية في ترقية النتائج التحصيلية لدى تلاميذ الطور الابتدائي – أوصينا فيها بتأسيس لفقرة المسرح التعليمي باعتباره في ايامنا هذه نوع من انواع تقديم الدروس ووسيلة ناجعة لتقدم الطفل في التحصيل لانه يسهّل العملية التعليمية ويحولها من النمط الجاف الى النمط الترفيهي في نظر الطفل . والمتعلّم بصفة عامة، وقد اصبح من الضروري اليوم مسرحة بعض المناهج لتسهيل تلقينها خاصة ما يتعلق بالاطوار الاولى من التعليم باعتبار الطفل جاء الى المدرسة ليلعب لا أن يسجن –كما يتصور- ومن هنا ارى بأن المسرح ضرورة تربوية ملّحة في عالم التعليم من الابتدائي الى الجامعة وطريقة ناجعة لتثقيف وتعليم ابنائنا باسلوب راق وبسيط بعيدا عن القيود

 

8- كانت لك تجربة بتكوين فرقة المسرح الجامعيّ في جامعة الجلفة وجامعة المسيلة.فماذا تقول عن هذه التّجربة؟

- حقيقة هي تجربة رائدة ونقطة تحول بالنسبة لي خاصة بعد ان قطفت ثمارها في اقل من سنة بعمل كان له صدى كبير داخل وخارج الجامعة وحتى على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي ففكرة الفرقة المسرحية هي نوع من كسر حواجز الخوف من المسرح وكذا فضاء للمبدعين الشباب لممارسة فنون الكتابة والابداع خاصة اذا كان هؤلاء من الطلبة المبدعين اساسا وكانت أول تجربة في تأسيس فرقة مسرحية مع بداياتي في التعليم الابتدائي وكوّنت فرقة من تلاميذي كنت اسهم بهم في تنشيط الحفلات المدرسية والمناسبات الرسمية وكذلك الاستعانة بهم في تأدية بعض حصص المحادثة والتعبير وبقيت الفكرة معي الى الجامعة حيث أسست فرقة على مستوى جامعة الجلفة بمعية بعض الطلبة وكررت التجربة في جامعة المسيلة بصحبة الدكتور مفتاح خلوف الا أنّ المشروع توقف مؤقتا لحين اعادة هيكلة الفرقة .لكن تبقى هذه التجربة خطوة اولى في مشروع التأسيس لمسرح جامعي قوي وهادف يكون شريكا حقيقيا في المنظومة الجامعية ولسان حال المبدع داخل وخارج محيط الجامعة .............

 

9- ماذا تقول عن المسرح والحياة والفكر والتّشكيل عند محمد زعيتري؟

- تتكلمين عن رباعية جميلة جدا ومهمة في حياة كل مبدع فالمسرح والحياة والفكر والتشكيل عند محمد زعيتري هي معادلة بسيطة تختزل الى ثنائية الحب والموت فبهذه الرباعية احيا ومن دونها اموت

 

10- هل المسرح- وفق رأيك- هو حياة موازية للحياة المعيشة؟

- لا يجب ان يكون المسرح حياة موزاية للحياة المعيشة لانه بهذا سيفقد اهم ركن فيه ولا يصبح سوى مرآة عاكسة لما يحدث في المجتمع ولا فرق بينه وبين التقارير التي تحملها الجرائد في طياتها كل يوم، بل يجب ان يضطلع بمهمته الاصلية وهي التطهير والتغيير ونقد الواقع ليقدم للمجتمع البدائل والحلول وليس فقط اعادة اجترار ما يحدث فعلا . المسرح الحقيقي هو مسرح الثورة على الواقع في محاولة للتطوير الدائم للمجتمع وتحسين الاداء الجمعي في كل القضايا الانسانية

 

11- كيف ترى المسرح الجزائري في الوقت الحاضر؟

- على الرغم من واقع الركود العام الذي يتخبط فيه المسرح العربي اجمالا، الا ان الجزائر اليوم تعيش عصر تحولات -و الحمد لله- المبدعون الشباب اكتسحو الساحة بجدارة، وهناك اسماء لامعة تحاول جاهدة الرقي بالمسرح الى اعلى المستويات،   وذلك بانتاجها الغزير وبالاحتكاك بالتجارب المسرحية العالمية، سواء التاريخية او الحداثية .و بحكم قرب الجزائر من اوروبا، فإنّ حلقة الاحتكاك كبيرة جدا، ونشطة، والمسرح الجزائري يخطو خطوات جبارة رغم بعض العراقيل والحواجز - من حين لآخر- لكن المستقبل يبشر بالخير، شرط المثابرة واستمرارية العمل والتطوير ليصل الى مراحل متقدمة.

 

12- بماذا تصف المسرح العربيّ في الوقت الرّاهن؟

- سؤال يحتاج فعلا لدقيقة صمت .....فالمسرح العربي عرف نوعا من التقهقهر والركود وهذا عائد الى اسباب عدة قد يكون من اهمها ضياع الهوية العربية وفقدان الانتماء للقضية العامة لكن هذا لا يعني انه مات كليا فهناك بعض التجارب الراقية لكنها قليلة، ولا تكفي في ظل التحولات العالمية الكبرى التي تحاول طمس هويتنا العربية، والقضاء على الاجيال بترسيخ ثقافة التغريب .

 

13- لماذا ليست هناك إسهامات عربيّة مهمّة في تشكيل خارطة المسرح العالميّ؟

- حتى نكون حقا شركاء في صنع خارطة المسرح العالمية يجب اولا ان نتوقف لحظة لاعادة ترتيب الصفوف وفرض الذّات وتكوين جيل مثقف يحمل رسالة التغيير الحقيقي، والهادئ، بعيدا عن تكريس ثقافة الدمار التي يبثها فيه الغرب لتحطيم كل مقومات المجتمعات العربية، وتحطيم آخر حصن وهو الثقافة، ثم يجب علينا ان نؤسس لمسرح حقيقي يخدم قضايانا بكل خصوصياتها ولا نبق نجتر اعمال الغرب فقط والاعتماد على الترجمة والاقتباس، بل يجب فتح المجال واسعا اما الابداع الحقيقي وتقديم يد المساعدة لجيل الشباب ليستلم المشعل وحينها سيصبح للمسرح العربي مكانة حقيقة في خارطة المسرح العالمي وسيؤثر بشكل كبير في تغيير الفكر المحموم الذي يبثه الغرب من خلال السينما ووسائل الاعلام

 

14- أنت قد درست الإعلام.ماذا يقدّم الإعلامي للمسرحيّ؟

- المسرح فن، - والاعلام هو فن نقل المعلومة- . وكما يحتاج المسرحي الى نقل الفكرة الى المتلقي بطريقة صحيحة، فإن الاعلامي ايضا يحتاج الى تقنيات عالية للبحث عن المعلومة، وصياغتها، ونقلها، وهذا هو العامل المشترك بين الاعلام والمسرح . وقد ساهم الاعلام كثيرا في بلورة الكثير من الافكار المسرحية من حيث النص وكذلك من حيث المعالجة الدرامية، كما ان الاعلام هو القناة الناقلة للفنون الاخرى .

 

15- لقد درستَ اللّغة العربية واللّغة الفرنسيّة والانجليزية .ماذا تقدّم دراسة اللّغات للمسرحيّ؟

- اللغات هي النافذة الحقيقية لفهم العالم والاحتكاك الثقافي ولذلك فالمسرحي غير المتفتح على اللغات هو مسرحي متقوقع ولا يمكن ان يبدع اعمالا ترقى الى مستوى العالمية فاللغة مفتاح الفكر والمسرح يحتاج لمبدع مثقف ومتفتح

 

16- لقد درست الكثير من التخصصات، مثل العلوم السّياسيّة والعلاقات الدّوليّة والقانونيّة والإنجليزيّة التّقنيّة.فما سبب ذلك؟

- قد تكون الاجابة صادمة نوعا ولكن سأقول باختصار اني اؤمن بأن الانسان في هذا العالم لا يجب ان يكتفي بتخصص واحد لان الانسان مجموعة من العلاقات المختلفة وفهم القضايا الحياتية يحتاج الى فكر ناضج متفتح ويحتاج الى نظرة شمولية وانا كنت ادرس هذه التخصصات من باب التفتح على الاخر .

 

17- هل من المهم أن يكتب المسرحيّ نقداً حول المسرح؟

- ممارسة عملية الكتابة المسرحية او حتى الاخراج المسرحي هو نوع من النقد لذلك نجد كاتب النص او المخرج يبحث دائما عن نقطة الكمال وهذا في حد ذاته اسمى مراحل النقد سواء كتب ذلك في مدونة أم اكتفى بتطبيقه

 

18- متى يكتب محمد المسرحيّ النّقد المسرحيّ؟

- بالعادة انا لا اكتب نقدا بالمفهوم الاكاديمي، لكني أدوّن بعض الملاحظات طبقا لما تمليه علي الذائقة الفنية واكتفي بتدوين ملاحظات لصالح الرقي بالمسرح واعادته الى دوره المنوط به

 

19- ماذا قدّم المسرح العربيّ في تاريخ المسرح العالميّ؟

- نستطيع القول ان المسرح العربي كان في فترة من الفترات وخاصة المائة سنة السابقة – تاريخ ظهوره وازدهاره – لبنة اساسية في تكوين المسرح العالمي بتلقيه للحضارات السابقة وتوظيفها وكذا تأثيره في الحضارات المعاصرة له ولكن بعد ذلك وبكل أسف فإن المسرح العربي اجمالا يحتظر بغض النظر عن بعض التجارب الناجحة وبعض المحاولات هنا وهناك للنهوض به، ولكن الجو العام يبعث في النفوس الملل والركود خاصة بعد التوجه الكبير للسينما . واصبحت دور المسرح مناسباتية وليست كما عرفتها الحضارات السابقة منارات ادبية وثقافية صنعت اجيال قادرة على بناء مجتمعات قوية ومثقفة وضاعت الفلسفة الارسطية الداعية للتطهير وطمست النظرية البريختية للتغيير وبهذا اصبح المسرح العربي يعاني من فقر في الموضوعات بالرغم من توفرها وفقر في جوهر النصوص المختارة، وادى عزوف المتلقي الى فراغ رهيب .

 

20- ما خصائص مسرح الطّفل وفق رأيك؟

- مسرح الطفل هو مسرح بكل المقومات المعروفة في العملية المسرحية غير انه يختص بطبيعة النص الموجه لهذه الطبقة العمرية كما انه يراعي الهدف الموجه والرسالة الخفية من خلال العمل ككل باعتباره قناة تواصلية مع فئة الاطفال المباشرة وحتى غير المباشرة اي من الكبار البالغين الذين يتلقون هذه الرسائل ويترجمونها تصرفات حياتية سواء في البيت او المدرسة ويفهمون من خلالها مزاج الطفل وتفكيره، ومن هنا وجب علينا او نولي اهمية قصوى لهذا النوع من المسرح ولا يمكننا ان نتكلم على خصائص معينة بالمفهوم الحقيقي للكلمة ولكن يجب الانتباه الى جوهر الاعمال المقدمة من خلال مناسبة الموضوع للفكر الطفولي وكذا استعمال عناصر الشد والانتباه مثل تسخير الاضاءة وادراج الحركة باعتبار ان العملية التعليمية لدى الطفل ترتكز اساسا على الصورة البصرية

 

21- كتبت وأخرجت مسرحيات للطّفل.فماذا تقول عن هذه التّجربة؟

- تجربة الكتابة تجربة تمازج بين اللذة والالم، فالكتابة تشبه المخاض والاخراج يشبه عملية الولادة، فالعملية تكاملية وهي ثمرة لفكر راسخ عند محمد زعيتري الذي يؤمن بأن الطفل هو نواة المجتمع الذي ينبثق منه مستقبل الاجيال فاذا نحن لم نهتم بالطفل بغرس بذور الفكر السليم بداخله منذ البداية فلا يحق لنا ان نحلم بمجتمع راق .

وعملي في مجال مسرح الطفل كان من باب المسؤولية الاخلاقية في عالم انتهكت فيه كل الحقوق والحريات ونسينا في لحظة من اللحظات أننا نحن من اسس لهذا الفكر الضيق .

 

22- أين حدود السّخرية والحقيقة في (السبوت لايت شقلبة)؟

 

- بداية العمل كان فكرة انبثقت من نص كتبه صديقي الرائع الاديب الساخر مصطفى بونيف وهو نفسه الذي مثّل العمل، وكان لي مهمة الاشراف على هذا العمل واقتراح عنوان " شقلبة " الذي اعتمد في الاخير .

وفي هذا العمل تبدأ حدود السخرية من العنوان في حد ذاته، فعالمنا اصبح يفكر بالمقلوب الظالم مظلوم والمظلوم مجرم يجب معاقبته باعتبار عدم اذعانه للقوي ولو كان ذلك على حساب حريته وكرامته . انقلاب الموازين الحياتية واختلال المنطق الانساني الذي افرزه النظام الدولي الجديد وخاصة بعد احداث 11 سبتمبر، جعل الامور غير مفهومة وتعقدت الحياة بطريقة شوشت الرؤى الواضحة للقضايا الانسانية، فجاء هذا العمل "شقلبة " كردّة فعل صريحة ترفض ان تداس المقدسات وان تكسر نواميس الكون فحمل في طياته عدّة موضوعات تبدو مختلفة ولكنها تصب في هدف واحد، الا وهو حرية الرأي وحرية التعبير . والنظر الى القضايا العالمية بعين الحياد بعيدا عن التهويل الاعلامي الذي تفرضه القوى الكبرى، وتطبيل ضعاف النفوس .كما انه تناول قضايا مصيرية تخص مستقبل الشباب كالعمل والزواج وعالجها بطريقة ساخرة في ظل اتساع رقعة البطالة وتزايد نسبة العنوسة، أمّا حدود الحقيقة فالعمل كان بحق ترجمة بالصوت والصورة لما يحدث داخليا وخارجيا وللتطورات الاجتماعية والسياسية الراهنة .

 

23- ماهو المسرح الذي تسعى لترسيخ مفاهيمه؟

- ككل مثقف غيور على الثقافة العربية، احلم بمسرح يخدم القضايا الانسانية بجرأة تلغي كل الحواجز والاعراف الديبلوماسية، مسرح يحمل هموم البشرية ويقدمها في أصدق صورها دون مداهنة واذعان وهذا لا يتأتى الا اذا رسخنا قواعد صارمة للممارسة المسرحية تعتمد على الاكاديمية الصحيحة وتبتعد عن التجريب العبثي الذي يعتمد الفوضى مقياسا، وذلك باالاعتماد على عنصر الشباب وتسليمهم المشعل ليصنعو مستقبلهم بعيدا عن الوصاية القاتلة هؤلاء الشباب الذين لهم الحق في معالجة قضاياهم فهم الاحق بها وهم من يرسم معالم المستقبل والمسرح في ايديهم بأمان تام بداية من النص وصولا الى الاخراج .

 

24- عملتَ في الدّراما التّسجيليّة لشخصيّات تاريخيّة ووطنيّة.ما الذي حرصت على إبرازه في مثل هذا النّوع من الدّراما وفق رأيك؟

- الافلام التسجيلية ركيزة اساسية في المحافظة على التاريخ والموروث الثقافي الجمعي، فنحن اليوم في صراع حضاري خطير يحاول الغرب من خلاله طمس معالم هويتنا وتزييف حقائق تاريخية، فالافلام التسجيلية هي الخزانة الحافظة لهذا التاريخ وهي السجل الآمن لحفظ تاريخ شخصيات وحضارات سابقة وعملي في هذا الميدان كان نابعا من مسؤولية اخلاقية تجاه الماضي وقد حاولت ان ألج هذا العالم بتسجيل اشرطة وشهادات حية حول شخصيات معروفة في المنطقة ولها افضال كثيرة على اجيال متعددة بعدها، كما حاولت ان اعتمد الموضوعية في التأسيس لارشيف وثائقي قد يكون مرجعية في يوم من الايام .... التجربة مازالت فتية وتتطلب تفرغا واماكانات كبيرة جدا الا ان النتائج تستحق بذل الكثير من المجهود

 

25- لقد عملت في مشروع إحياء تراث منطقة الجلفة.ماذا تقول عن هذه التّجربة؟

- وهذه التجربة ايضا مرتبطة بصفة غير مباشرة بتجربة الافلام التسجيلية وقد حاولت من خلالها ان اجمع التراث الذي بدأ يتلاشى شيئا فشيئا في عرض الحياة المتسارعة . وكانت التجربة نابعة من تجربة سابقة كنت قد خضتها مع اعضاء مكتب النشاطات الثقافية بالمركز الثقافي الاسلامي -اين كنت اعمل سابقا - وحاولنا من خلالها جمع هذا الموروث الثمين وتصنيفه وتدوين ما هو شفهي واعتماد الاكاديمية في البحث، ولقد كانت تجربة مليئة بالاكتشافات والمغامرة وخاصة في عالم الزوايا *- التي تختص بتعليم القرآن والسنة وما تحتفظ به من رصيد ثقافي خاصة ما يتعلق بالمخطوطات ودواوين الاشعار والمتون .

 

26- بماذا تصفّ السّينما الجزائريّة؟

- السينما الجزائرية مرت بمرحلتين اساسيتين

المرحلة الاولى وهي مرحلة السينما الاكاديمية او السينما المحترفة (الواقعية) وقد قطعت فيها الجزائر اشواطا كبيرة وخطت خطوات جبارة وفرضت نفسها عربيا وعالميا من خلال الدراما الثورية خاصة والدراما الاجتماعية المنبثقة من روايات وسيناريوهات جزائرية مثل "الافيون والعصا" و" دورية نحو الشرق" و"سنين الجمر" وغيرها وكلها افلام تعتمد اللمسة التاريخية في مسيرة التحرر للشعب الجزائري وكل ما تعلق بقضايا السياسة والاقتصاد، ونجحت بشكل باهر كاد يصل الى مرحلة الكمال والجوائز العالمية خير دليل على ذلك

اما المرحلة الثانية فهي المرحلة الحالية وتعتمد فلسفة التجريب فتتراوح فيها بين النجاح احيانا والاخفاق احيانا اخرى الا انّ بعض التجارب الناجحة تبعث بصيص امل في صناعة سينما قوية ترقى الى مصاف العالمية

 

27- هل هناك فوضى في المصطلح النّقدي ّوالمسرحيّ في المشهد الإبداعيّ والفنّي والنّقديّ الجزائريّ؟

- فوضى المصطلح اشكالية يعاني منها العالم العربي برمّته والعالم الثالث عموما وذلك بسبب التأثير القوي للمدارس الغربية على الثقافة العربية وجنوح كثير من مثقفينا الى اعتماد الثقافة الغربية كمقياس للتطور والرقي وهو ما انعكس سلبا على المدونة العربية النقدية التي لم يتجشّم هؤلاء المثقفون عناء التأسيس لها، والجزائر كغيرها من الاوطان العربية ورغم محاولات منفردة هنا وهناك لبناء منظمومة نقدية عربية تعتمد المصطلح العربي الذي يتناسب والثقافة العربية، الا انها تبقى تعاني من نفس التبعية الثقافية .

 

28- حاضرتَ في الجامعة الأردنيّة في كلّيّة الفنون والتّصميم.ماذا تقول عن هذه التّجربة؟

- التجربة كانت رائدة بكل المقاييس لأن التبادل الثقافي والمعرفي يصنع ثقافة متفتحة ومتطورة، وروح العمل الجماعي والاحتكاك بخبرات مختلفة هو في حد ذاته نوع من صقل المعارف واثراء المنظومة المعلوماتية لدينا . وقد كانت ناقاشات الاساتذة الكرام والطلبة المحترمين ثرية جدا وسمحت لي بالتعريف بافاق تخصص السايكودراما خاصة في كلية الفنون والتصميم مما سمح للطلبة بولوج عالم جديد كما حاولت من خلالها نقل التجربة الجزائرية بما يختص بالمسرح والفنون الاخرى بمساعدة زميلي الدكتور مفتاح خلوف الذي حاضر بدوره في تخصص سيمياء المسرح

 

29- ماذا يمكن أن يقدّم المسرح للصّم ولذوي الاحتياجات الخاصّة؟ وهل يمكن أن يكون هناك مسرح خاصٌ بهم؟

- المسرح فن بصري تعبيري، والصم يحسنون المشاهدة لأنّ عيونهم هي آذانهم ومن هنا فالمسرح بالنسبة لهم منبر فسيح واداة تعبير قوية جدا لطرح قضاياهم ولغة الاشارة التي يستعملونها هي نوع من مسرحة الالفاظ بمعنى انها فن تعبيري حركي وهو الركيزة التي ينبني عليها الاداء المسرحي، كما ان الصم لهم باع كبير في الاداء المسرحي وقد اثبتت التجربة ذلك وهنا لا يفوتني ان اصف التجربة المسرحية الرائدة للصم في الاردن في المهرجان الثقافي المسرحي العربي الاول للصم والذي نظمته جمعية تنمية المرأة الاردنية للصم سنة 2013 تحت شعار "بلاغة الجسد وحديث الاصابع" أين شاركت في فعاليات هذا المهرجان بمحاضرة تحت عنوان " الصم وثقافة التواصل الاجتماعي " وشهدت ذلك التألق للعروض المسرحية التي قدمها الصم وكانت بحق رسالة واضحة تترجم مدى اهمية المسرح كفن تعبيري في ترجمة مكنون الذات مهما كانت لغة التواصل سواء المنطوقة ام الاشارية . فالمسرح فضاء فسيح امام الصم وذوي الاحتياجات الخاصة باعتباره قناة تبادلية سواء كانوا مؤدين أم متلقين – مشاهدين –

 

30- لقد شاركت في الكثير من الملتقيات والنّدوات الدّوليّة حول المسرح والنّقد.ماذا تقّدم هذه المشاركات لمحصّلة محمد زعيتري المسرحيّ؟

- هذه المشاركات أكيد هي نوع من الثروة المعرفية التي تسمح لي بالاستزادة في هذا الميدان والاحتكاك بالثقافات المختلفة وبناء رؤية واضحة وتفصيلية حول المشهد المسرحي والنقدي العربي والعالمي وهذا يساعدني كثيرا في بحوثي وتجاربي الابداعية كما انها قناة تفتح لي آفاق التعاون المستقبلي مع مختصين في المجال، وخبرات ابداعية لها رصيد معرفي كبير .

 

31- ما رأيك بالمهرجانات المسرحيّة العربيّة؟

- كثير من المهرجانات العربية المسرحية فقدت الهدف المنوط بها للرقي بالمسرح العربي ورفع مستوى الذائقة الفنية العربية والعالمية واهتمت بجزئيات صغيرة جعلت من المسرح آخر اهتماتها بترسيخ ثقافة السوبر ستار والتنافس على نيل الجوائز بمعايير بعيدة كل البعد عن فن المسرح ولكن رغم ذلك تبقى بعض المهرجان تحافظ على الحد الادني من روح المسؤولية لخدمة قضايا المسرح العربي

 

32- هل تعتقد أنّ السّياسات الثّقافيّة العربيّة تدعم المسرح كما هو مأمول؟

- لا استطيع ان اقول ان السياسات العربية تدعم او لا تدعم المسرح لأن الامر يتعلق بمسؤولية مشتركة بين السلطات والمثقفين فالدعم ليس فقط بناء دور مسرح وتمويل المشاريع لكنه ايضا مسؤولية اخلاقية في رسم مسار تكويني تختص به الجامعات والمسارح الوطنية لتخريج شباب ذوي كفاءات عالية وهذا لا يتأتى الا بمشاركة المختصين والمثقفين في بناء هذا الجيل الذي يحافظ على الاستمرارية ويستثمر المسرح كشريك حقيقي في العملية الثقافية الاجتماعية

 

33- هل المسرح في وجهة نظرك تجسيد للمجتمع أم مشروع إصلاحي له؟

- اذا اردنا ان نبني مسرحا يجسد ثقافة التطهير والتغيير فإنه حري بنا أن نؤسس لمسرح يحاكي – ولا يعكس – الحياة الاجتماعية بتلمّس القضايا المراد معالجتها وبلورة الافكار وفق ما تقتضيه هذه القضايا من اصلاح، فالمسرح ليس تجسيدا للمجتمع كما هو، بل هو اعادة تشكيل للمجتمع وفق ما تلميه المشروعات الاصلاحية .

 

34- ماذا تعني الكلمات التّالية لك:

أ‌- خشبة المسرح: فضاء الانعتاق

ب‌- الإضاءة المسرحيّة: شعاع الحقيقة

ت‌- الديكور المسرحيّ: فضاء الخيال وتفتح الافق

ث‌- المؤثّرات الصّوتيّة للمسرحيّة: الوتر الحساس عند المتلقي

 

* - الزوايا وهي جمع لكلمة زاوية وهو مكان يشبه المركز التعليمي يختص بتعليم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وتخريج الائمة ومعلمي القرآن الكريم ويؤطره مشايخ .

 

 

أجرى اللقاء الأديبة الأردنية د.سناء الشعلان

 

فاروق صبري وأمنية العمر

- المدعو ميثم السعدي سرق مشروعي وغطى سرقته بتعديلات بائسة

المسرح عالم غريب يملئها التناقض بين النص وأداء الممثلين ورؤية المخرج وقد نرى نصا مسرحيا قديما من زمن الاغريق ونتفاعل مع شخصياته كأننا نتعايش معهم اليوم. النصوص المسرحية الجادة قليلة وهي تلك الديناميكية منها اي التي تتخطى حاجزي الزمن والمكان فيمكن عرضها ومشاهدتها في اي زمان ومكان وحتى ان اللغة المكتوبة بها النص المسرحي لغة شفافة يمكن تطويعه وترجمتها الى اية لغة اخرى. بالتأكيد ان الجانب الانساني للنص هو السر في خلود النص بحد ذاته من ناحية ومن ناحية اخرى نرى ان عرض المسرحية يزيد من صقلها ويحسن جودتها الفنية. النصوص الخالدة كما ذكرت ليس لها اية هوية قومية فشكسبير وبرخت يمكن مشاهدتهم بكل لغات الكون وحتى بعد دهر من الزمان. حضارة العراق القديم كان مسرحا للعديد من النصوص وكانت المسارح منتشرة في مدنها الكبيرة في بابل و اشور و اور وللمسرح الحديث اي المسرح العراقي بعد اعلان الدولة العراقية عام 1922 حضور قوي لكن المؤسف ان الانظمة السياسية حاولت استغلال المسرح لمنافع السياسية الدعائية الضيقة ونشر افكارها وهنا اتسائل من ضيفي الفنان فاروق صبري كي يحدثنا عن تلك الفترات التاريخية ودور المسرح في نقل الافكار الايجابية في المجتمع والنقد البناء. تخرج من معهد الفنون الجميلة من قسم المسرح والسينما في العاصمة الحبيبة بغداد عام 1974 وهناك كانت انطلاقته وخطواته الأولى حيث قام بعدة أعمال متميزة داخل العراق وفي خارجه حتى أستقر في منفاه في نيوزلندا ولقد أجريت معه هذا الحوار في البدا

سألته عن رأيه بوضع المسرح حاليا في وطننا الحبيب العراق فأجاب قائلا:

- خلال عام قضيته في الوطن شاهدت بعض العروض المسرحية ودعيت لمهرجانات مسرحية واستمعت الى مسرحيين وهم يدلون بآرائهم وساهمت بندوات حول المسرح وعرضت مسرحيتي " الوردة الحمراء" في مهرجان أربيل المسرحي، هذا السفر المسرحي منحني فرصة جيدة لقراءة أولية لــ(وضع المسرح) وهذا الوضع بما له من سلبيات وإيجابيات، عثرات ونجاحات صورة من صور الواقع الثقافي الذي يذهب للأسف صوب الانغلاق والتشرذم والعصبويات والرعب من حرية التعبير، هذا الرعب لا يمارسه سياسيي سقط المتاع وإنما يمارس من قبل (مثقفين) حملوا سيف الطوائف وتخلوا عن سعفة المعرفة .

ومع كل ما قلت فإن هناك مبدعين مسرحيين عراقيين فرشوا فضاء المسرح بهذه السعفة المعرفية والجمالية وهم يتواصلون في إنتاج الجمال والتواصل مع ما هو جديد وراق في عالم المسرح.

وقبل أن ننتقل إلى تساؤل اخر اسمح لي أن أتوقف عند تجربتي في مسرحية " كولاله سوره / الوردة ألحمراء لأنها كانت بالنسبة لي غنية بلقائي بالفنانين المسرحيين الكرد وبوزارة اقليم كردستان وبمديرية المسرح الوطني والذين أعتز بمن قدم لي مساعدته وتشجيعه واريد الإشارة إلى أهمية مهرجان أربيل المسرحي الدولي وأدعو وزير الثقافة في الاقليم بتفعيل هذه التظاهرة المسرحية التي تلتقي خلالها تجارب إبداعية قادمة من بلدان العالم وتلك التجارب تغني الحركة المسرحية في الإقليم ..

658-faruq1 

وهل تعتقد أن المسرح الجاد التابع للمدرسة الواقعية أصبح معدوم في وقتنا الحاضر؟

- مع أنني قد طوّرت ذائقتي المعرفية عبر قراءة ومشاهدة تجارب مسرحية متنوعة التيارات والمدارس إلا أنني لا أميل بتأطير المنجز المسرحي على الأقل ما أنجزه أنا في خنق التسميات والتعريفات، فالعرض المسرحي أنشغل به وفيه دون التفكير بأنه (جاد) أو( واقعي)، احاول تأسيسه بتخيل منفلت وبطقس متحرر من القواعد والقوانين والتأطيرات، القانون الأسمى هو الخلق والدهشة وعمق المعرفة وفتح فضاءات جديدة يلعب التخيل فيها دورا مهما لكن يومياتنا لن تكون غائبة عنها وفيها .....

نرى انه يوجد في مصر مثلا المسرح التجاري الذي يعتمد على العروض المسرحية الهزلية والتي ليس فيها معنى والآن نجد أن المسرحيين في العراق يؤكدون على وجود هذه الظاهرة في عدد كبير من العروض المسرحية فما هو رائيك؟

هذا النوع طارئ وبليد ومعيب ولا علاقة له الا بالضحك على الوعي الهابط، تهريج ابطاله تواجدوا في ازمنة مختلفة لكن زمن الحروب جعل جيوبهم مثل كروشهم مثقلة بثمن اغتيال الذائقة!

 

هل يعتبر عقدي الستينات والسبعينات من هذا القرن من الفترات الذهبية التي عاشتها السينما والمسرح العراقي وكيف يمكننا بث الحياة والنشاط في جسد السينما والمسرح و هل تعتبر دائرة السينما والمسرح هي الجهة الوحيدة المسئولة عن تدهور وانحدار العمل المسرحي والسينمائي أم أن هناك من جهات أخرى تقع عليها أيضا المسؤولية؟

- دائرة السينما والمسرح صرح حضاري محتل الأن بالجهل والأدعياء وهتّافين، فإن تحررت فإنها سوف تعود إلى دورها الإبداعي، ننتظر هذا التحرير أن يبدأ مع خطوات الكاتب فريد راوندوزي وزير الثقافة والتي لا ان تشمل أيضا تصفية الوزارة من الطحالب واللصوص ومن ثم البدء إلى إعادة الهواء النقي للدائرة وتفعيل برامج فعّالة للعروض المسرحية والافلام السينمائية .

 

لدى المثقفين العراقيين في المنفى نشاطات كثيرة كمؤسسات مجتمع مدني يديرونها وصحف ومجلات ومواقع على الانترنيت إلا من ناحية السينما والمسرح فأن نشاطاته قليلة للغاية ولا توجد جهة حتى هذه اللحظة تمثلهم في الغربة لماذا؟

- مستحقات الغربة كثيرة ومؤلمة، فالكثير من مثقفي المنافي لم تهدأ حقائبهم ومتواصلة في التنقل والتوزع في المطارات واالمحطات والمدن ومع كل هذا أنجز المثقف العراقي والمسرحي العراقي المنفي الكثير من المنجزات الإبداعية التي حضرت بقوة في العديد من البلدان وعواصمها، وهنا اريد أن أتوقف عند تجربتي المتواضعة، ففي عامي 2004-2005 كنت احاول إنجاز عرضي المسرحي المنودرامي "امراء الجحيم " وبعد بروفات داخل صالون البيت الساكن فيه أردت الإنتقال إلى صالة مسرح لكني لم استطع لم أملك اجور الحجز وبدل أن اوقف فكرة العرض حولت كراج البيت إلى خشبة مسرح وعرضت جنرال بروفة فيه وجاء البعض من الاصدقاء وشاهد العرض والذين تشجعوا وذهبوا واستأجروا عبر نادي الجالية العراقية قاعة للعرض، لكني أحببت عرض الكراج والذي سميته بــ(Garage Theatre) ولقد أخذت هذه التسمية من (Garage sale) حيث هنا في نيوزلندا يجعل البعض كراجات بيوتهم محلات لبيع حاجياتهم الزائدة ....

 

أستاذ فاروق كل إنسان مبدع لديه حلم يريد يحققه في عمله فما هو حلمك الذي تسعى لتحقيق من ناحية المسرح والسينما؟

- هناك مقولة لا تهدأ في روحي وتتماوج مع نبض القلب، المقولة هي : لابد أن أن نحلم، وأنا أمارس الحلم كهواء أتنفسه وأحاول تحقيقه وهذا هو الأهم، وفي هذه الأيام حلمي أن أنفذ مشروعي " المنودراما التعاقبية" عبر ورشة فنية أنجر خلالها عرضاً مسرحيا وطبعا المشروع سيكون أرضية حرّة لكتابة النصوص وانجاز العروض المسرحية والحقيقة هذا المشروع بدأ كفكرة وتتطورت كمشروع في أعوام 2010 -2011 – 2012 وفي حينه تحدثت عنه- ولدي رسائل في البريد الخاص لا أتمنى أن اضطر نشرها- لبعض الأصدقاء ومنهم من صارت بيني وبينه ثقة لأنه قدم نفسه كــ(مسرحي) مظلوم، محارب من قبل مؤسسات رسمية وغير رسمية ووووولكن طعن هذه الثقة بخنجر جهله ودونيته وسرق المشروع بعد أن وضع بعض (التعديلات) الهامشية والبائسة عليه كتغطية على سرقته وإدعى أنه مشروعه هو وهنا أقصد شخص يدعى ميثم السعدي ومما يؤسف أن (إستاذ جامعياً) تبنى هذا التناص المسروق غير المشروع بعماء أو تعمد وصار يدافع عنه كأي متورط يكتشف السرقة متأخراً لكنه لا يستطيع التراجع عنه لحسابات ما وهنا أقصد الدكتور المصري سيد علي، لكن الأهم أنا سائر في تنفيذ هذا المشروع على خشبة المسرح رغم إدعاءات البعض بانه صاحب أو كتاب منشور أو تطبيق في هذا السياق .

 

لو تسلمت إدارة دائرة السينما والمسرح التابعة لوزارة الثقافة فما هو أول قرار تتخذه؟

- لو تسلمت كمدير لدائرة المسرح والسينما فسيكون اول قراري تعيين المبدع الخلّاق الدكتور الأكاديمي كريم عبود مديراً عاماً للدائرة ...وسيكون القرار الأخير لي لأن بعده سأتنفس صعدا هواء فضائنا وجنتنا المسرح...

 

اجرى اللقاء: د. توفيق آلتونچي

 

في حوار مع الباحثة والكاتبة د. مروة كريدية:

marwa  kreidiehمروة كريدية: مواجهة "التطرف" لا تكون في تقوية "تطرف ما " لاقتلاع "تطرف آخر" !

ترى د. مروة كريدية ان منابع الارهاب والتطرف هي فكرية بالدرجة الاولى وان معالجة الارهاب عبر الحلول الأمنية والعسكرية غير مجدية ولا تزيد المشهد الا دموية لانها تكرس العنف والعنف المضاد، وان جماعات العنف في العالم من ديانات مختلفة، ومصادرهم الفكرية والأيديولوجية متنوعة، وكل واحدة من هذه الحركات تمتلك منظومة عقائدية وأيديولوجية و"لاهوتية" خاصة بها، تبني عليها خطاباتها السياسية المؤدية للعنف .

وتشير كريدية الى ان تفكيك الارهاب يكون بتحليل الخطاب الأيديولوجي و"اللاهوتي" ونقده وتجديده والذي ينبغي ان يطال كل الأديان . داعية الازهر الى تحمل مسؤوليته الحضارية .

وترى ان "الحرب على الارهاب" الدائرة اليوم ليست الا إدارة لميزان القوى و تقوية "تطرف" لمواجهة تطرف آخر !

وتعد د. مروة كريدية واحدة من المهتمات بالقضايا الإنسانية واللاعنف وحقوق الانسان حيث تطرح العلاقات الاجتماعية والسياسية في المجتمع المدني من خلال رؤية وجودية تتجاوز الانقسامات الاثنية والدينية والجغرافية، وقد عملت في ميادين فكرية متنوعة، وهي ترقى بالسياسة عن عالمها الادنى الى تخوم الانسانية وهي ناشطة في الحقوق المدنية   نحاورها اليوم في محاولة لاستشراف الوضع في المنطقة في ظل الاوضاع الراهنة .

 650-marwa

كيف تقرأين عملية انتشار الحركات الاصولية او "الارهابية " وتمددها بهذا الشكل برغم ما تبذله الدول لاطفاء تلك الظاهرة ؟

- أثبتت الحلول الأمنية عدم نجاحها، وما الخراب الذي نعانيه اليوم الا نتاج سنوات من القمع ؛ ولنكن واضحين، فإن تفكيك بنى الحركات الأصولية يجب ان يبدأ بالفكر أولا، لأن قمع تلك الحركات بالقوة وعبر أجهزة الأمن وغيرها، ستبدو عملية غير مقبولة على المستوى الإنساني من جهة كما أنها ستؤدي إلي مفعول عكسي وعنف مضاد، وقد أثبتت التجربة ذلك، لأنها ستزيد من قاعدتها الشعبية وستعزز السلوك العنفي، وستمتد على حساب من يمثلون الإسلام المعتدل، الذين سيضطرون للرضوخ للتطرف مسايرة للضغوط الشعبية وهو ما يحصل حاليًّا في المناطق الساخنة، وقد أمست كل الدول العربية ساخنة ؛ فرجالات الإسلام السياسي المعتدل لا يتبنون أطروحات الإسلاميين النضاليين، لكنهم ينزلقون كثيرا إلى العنف تحت وطأة الضغوط العنيفة التي يعانونها من جانب الأنظمة. واليك سوريا نموذجا . المعارضة السورية لم تؤيد يوما "داعش" ولكن بعد اربعة اعوام على بداية الثورة لجأت بعض الفئات الى "داعش" ولك ان تعرف ان في الدول العربية اكثر من ثلاثمئة ألف سجين سياسي أكثرهم ممن يوصفون بأنهم إسلاميين. وقد سقط منهم عبر العقود الأربعة الأخيرة حوالي المائة ألف قتيل من القتال المتقطع الدائر، هذا اذا استثنينا ما سقط في الثلاثة الاخيرة حيث الاحصائيات متفاوتة والاعداد كبيرة للغاية .

 

اذن كيف يمكن لنا ان نعالج ظاهرة "انتشار الارهاب " ؟

- البداية تكون بتحليل المنظومة الفكرية التي "يؤمنون" بها وطرح النقاش في كل عنصر من عناصرها؛ فنحن الآن نُواجه مشاكل متعلّقة بالتأصيل ازدادت تعقيداً مع انتشار حركات الإسلام السياسي، الدّاعية إلى إعادة تطبيق الشريعة الإسلامية كما وردت وقُيّدت من قبل بعض الأصولويين" بفرض رأيهم عن طريق استلام السلطة السياسية، ثم تكييف التعليم مع ما يقتضيه التأصيل الموروث.

في مصر على سبيل المثال ؛ بداية الفكر الجهادي تعود ربما الى ما قبل ستينيات القرن العشرين او لنقل مع "سيد قطب" اي منذ ما يزيد عن نصف قرن، ماذا فعلت السلطات المصرية المتعاقبة كلها، اودعت "الجميع السجون " دون محاكمات عادلة ودون ان تفعل حوار جاد مع فئة الشباب لتفكيك البنى الفكرية للاصولية في ظل فساد اداري كبير مما دفع بفئة كبيرة من الشباب الى مزيد من التطرف وهنا تكمن النقطة المحورية .

وهنا اتساءل الم يكن نصف قرن كافيا لمعالجة ظواهر العنف عبر الحوار والتأسيس لمجتمع مدني حقيقي وحيوي ولماذا لا زال الحل الامني هو الحل الوحيد!؟

 

فمن اين تكون البداية؟

- تُعدّ عملية فهم نشأة الحركات الأصولية وبنيتها الأيديولوجية، وبنية عقليتها وطريقة اشتغالها الوظيفية، هي العملية الأولى والأهمّ قبل الدخول في أي عملية حوار حقيقية .

وقد شاركت في العديد من مواقف حوارية متنوعة مع أصوليين اسلاميين ومن ديانات أخرى وغيرهم، وفي أغلب المرّات كانت العملية أشبه ما تكون بحوار الطرشان.

والسبب الرئيس يعود إلى اختلاف المفاهيم والمنطلقات من جهة، و البنى الأيديولوجية التأسيسية من جهة أخرى، فعملية الخوض في الفروع أو السلوكيات المنبية على المعتقد والأيديولوجية غير مجدية بمفردها.

عملية الحوار هذه، يجب أن يقودها أناس متخصصون، لا يتقنون فن الحوار وحسب، بل يفهمون النصوص المُؤسِّسَة للأصول والعقائد، أي يمتلكون الوسائل التحليلية والاستنباطية للربط بين الأحكام الشرعية المنبنية عليه وكأنه حقيقة يقينية مقدسة، فحتى العلمانيين و مواقفهم المتشنجة حيال كل ما هو مسلم ينمّ عن نقص معرفي خصوصاً فيما يتعلق بالعلوم الإنسانية و الاجتماعية والمواقف المتطرفة التي يتخذونها تمنعهم من فهم الحاجة الدينية أو دراستها بشكل صحيح.

 

هل ترين ان ذلك مرتبط بدول ما شرق اوسطية بعينها؟

- المشكلة متفاقمة اليوم ومتشابكة لدرجة انها ربما تطال معظم الدول التي يعيش فيها المسلمون، وهي لا تُحلّ لا بشن حرب عسكرية على الإرهاب "السني " وحسب ، لأن محاربة الفكر الأصولي يجب ألا تقتصر على ما هو إسلامي "سني" او "سلفي"، فدولة ايران مرتبطة بولاية الفقيه اي على مشروعية مذهبية "شيعية"، ودولة إسرائيل قائمة على مشروعية لاهوتية يهودية... وان عملية التفحص النقدي لهذه الأيديولوجية يعني خلع المشروعية اللاهوتية عنها و"التجديد اللاهوتي " يعني نقده وهو امر ترفضه "الدول الاقليمية المتنفذة في الشرق الاوسط".

كما ان "البعع السني" يسوغ لايران انخراطها في الحرب على الارهاب، و"البعع الاسلامي" يسوغ لاسرائيل انخراطها في الحرب هنا وهناك !

فنحن أمام أصوليات متناحرة ... اصولية إسلامية تواجه أصولية يهودية، واصولية سنية تواجه اصولية شيعية ! وهكذا في دوامة من العنف، لذلك لا يمكن حل الأشكال مع الأصوليين كافة وفتح باب الحوار معهم والوضع حيال إسرائيل كما هو معروف، او ان نحارب "داعش " ونغض الطرف عن "الميلشيات الشيعية " في سوريا، وهذا الأمر يجب أن تعيه الحكومات العربية والإسلامية من جهة والإدارة الأمريكية من جهة أخرى ان مواجهة "التطرف" ينبغي ان تكون شاملة وجذرية وليس تقوية "تطرف ما " لاقتلاع "تطرف آخر" !

 

ماهي المسؤولية الملقاة على عاتق الدول العربية والغربية لمواجهة الفكر المتشدد الذي تشيرين اليه؟

- تأسيس معاهد حديثة لتدريس "الاديان "بطريقة جادّة ومسؤولة في كافة أنحاء العالم وهنا يجب تسليط الضوء على ضرورة استعادة الأزهر لمسؤوليته الحضارية كذلك جامعة الزيتونة عبر تحديث المناهج والتفكير في اللامفكر فيه من خلال طرح اجتهادات جريئة تتناسب والعصر لا الاكتفاء بتدريس مذاهب تعود الى الف عام خلت، والدول الغربية معنية ايضا بفتح كليات متخصصة في أكبر جامعات العالم تهتم بتعليم التاريخ المقارن للاهوت الأديان الثلاث على الأقل، لا أن تُرمى الدراسات االدينية في أقسام الكليات الاستشراقية، حيث تُدَرّس اللغات والآداب، ويجب أن تتناول دراسات في العمق ويتحمّل الباحثون مسئوليتها فكريًّا ويعيدون من خلالها فتح باب الاجتهاد، فنحن يجب أن نجدد في الآلية والمنظومة الفكرية لها فالتجديد متوقف منذ زمن وباب الاجتهاد أُغلق، الأمر الذي سبب قطيعة تاريخية، فوجود مثل هذه المعاهد سيساعد الأفراد على الخروج من حالة الفقر الثقافي والفكري، كما تُعتبر المكان الأمثل الذي يؤمّن البيئة الخصبة للحوارات المثمرة بين الأديان الحضارات .

اما على صعيد الممارسات وترجمة الفكر بالسلوكيات فهي مسؤولية الاعلاميين والمثقفين وكافة فئات المجتمع، لأن تحليل الخطاب الأيديولوجي و"اللاهوتي" ونقده، سيؤدي الى "تجديد لاهوتي"، وهذا التجديد يعني نقد "اللاهوت الموروث"، وعملية النقد ستطال كلّ الأديان، وهي رسالة المثقفين والاهل أيّا كانواو في أي وسط يعيشون في هذا العصر.

 

هل من أمثلة عملية ممكن طرحها كنموذج لما تقولين ؟

- هل يستطيع علماء الازهر بالافتاء مثلا بفتح باب الاجتهاد وليس في احكام النوازل وحسب ؟ هل بإمكانهم مثلا ان يتطوروا قانون الاحوال الشخصية بما يتلائم مع مقتضيات العصر وتحويله الى عقد مدني ؟ هل بامكانهم اعادة النظر فيمن يصفونه بالكافر و الا يكون من يعتنق اي عقيدة اخرى ليس بكافر ؟ هل بإمكانهم الاجتهاد بان الحجاب لا يعدو عن كونه زي يلائم ذاك العصر وانه ليس "فرض عين" ؟ هل يستطيعون التوصل الى صيغة حديثة لمفهوم السياسة والعمل بها؟ كلها اسئلة فكرية جادة يجب ان تناقش بشكل جذري .

لا بدّ من السعي الجاد والمتواصل إلي فتح آفاق العقل و اجتهاداته الناقدة و"التجديد " في الأمور التي يُدّعى عادةً أن لا تجديد فيها، لكي لا يستعبد الإنسان لعنف الإنسان، فعملية الحوار هامة جدا وهي الأداة الفاعلة التي يجب أن تطال كل التيارات الفكرية، ولا تقتصر على الأديان.  

 

حوار : وائل نيل

حوار مع الأديب الإنسان العراقي محمد رشيد:

mohamad rashedاحلم بسماء صافية لم تفض بكارتها طائرات الفانتوم، والاباتشي ..

منذ طفولتي شعرت بوجع وطني العراق وهو (جريح) وكلما كبرت وهو ينزف والآن هو (ذبيح) لا بسبب تعدد الأطياف او... او....

( ما يزال الاديب العراقي محمد رشيد ينظر إلى غده بتفاؤل .. معطياً كل ما يملك من وقت وجهد ومال من اجل وطنه مسخرٌ نفسه لخدمة الثقافة والسلام والتعايش والتسامح .. ونذر ذاته للطفولة كونه سفير لحقوقها لتصنع مستقبل خالٍ من الحروب .. يؤمن تماما بان الأدباء وأقلام المثقفين هم رسل السلام الحقيقيون الذين وهبهم الله للعراق وهم قادرون تماما على دحض الصراعات ولديهم القدرة على نشر المحبة والسلام والتسامح واللاعنف لو نصبوهم في هرم مراكز القرار لأنهم الأصلح وليس الأقوى.. إنسان وهو يشدو في حوار خاص مع الاعلامية أمة الله الحجي ليحلق بنا على اجنحة حبه لوطنه والانسان والادب ليرسم بالكلمة بسمة أمل على ثغر وطنه ..لتخفف آلام وأوجاع الناس .. فإلى الحصيلة :

 

س1: عرفنا اكثر عن محمد رشيد .. محمد رشيد .. القاص .. الشاعر .. الانسان والعطاء .. اين تجد نفسك اكثر ؟!

ج1: في مجال القصة دخلت بإحتراف وتميز ووضعت بصمتي في تاريخ القصة العراقية وصدرت لي(4)مجاميع قصصية (و.أ في 98)عام 1993 و(ساعة الصفر) 1997و(للنهر مرايا مهشمة)2002 و(جنس جديد) قدمته للقصة القصيرة (لقطات قصصية) صدرت عام 1996 في فترة الحصار بعنوان (قمة حلم) تضمنت اللقطة القصصية الواحدة مشهدين متضادين فيها صراع بين الخير والشر وقد اشاد بها بعض النقاد منهم،الناقد العراقي سليمان البكري حيث اعتبرها     {رؤية فلسفية تحمل الحداثة والتجديد في فن القصة القصيرة }في دراسة نشرت في الجريدة الرسمية القادسية عام 1996،والذي ُكتب عن تجربتي من قبل ُكتاب وأدباء متميزين أكثر مما كتبت من قصص منها (أنماط التعدية ولغة الفعل) دراسة أسلوبية وفق نظرية هاليدي للنحو الوظيفي عن (قمة حلم) للناقد سمير الشيخ \1997- سيمفونية الرماد ثقوب في ذاكرة الحرب للشاعر ماجد الحسن \1997 - (القاص محمد رشيد في مرأة النقد الأدبي) للناقد عبد الجبار داود البصري/ 1998 - معالجة موضوعة الجنون في قصة (ثقوب الذاكرة) للناقد د. حسين سرمك حسن   2001- (الآخرون هم الجحيم في قصص محمد رشيد) للناقد حسن السلمان \ تحت الطبع ) وأكثر من (20) دراسة نشرت في الصحف العراقية والعربية.  

وفي مجال الشعر كانت نافذتي لدخول عالم الكتابة ايام مراهقتي كتبته عاشقا لكي امنح حياتي ومن أحب طقوس مقدسة سحرية فيها جماليات عالية المستوى بحيث جعلتني الكتابة أعيش مع الزهور والموسيقى والعنادل والفراشات .

أما المجال الإنساني فهو طريقي الحقيقي الذي وهبني الله فيه هدايته وجعلني اشعر بألم المظلوم وجوع الفقير وحاجة اليتيم لكي اقدم لهم ما وهبني الله من نعم من خلال أصدقائي وأهلي ومن أحب .

 

س2: بصفتك مؤسس دار القصة العراقية وعدد من مؤسسات الثقافية والإنسانية ما الذي تشعر انك قدمته لوطنك ؟ وهل تؤمن ان القلم والادباء هم رسل سلام لدحض الصراعات خصوصاً في بلدكم العراق؟

ج2: لوطني العراق قدمت له ما يستحق من ديون كانت في رقبتي تضمنت (دار القصة العراقية )أسستها عام 1999 ووصفت من قبل أدباء مهمين بأنها" محج الادباء العراقيين" و(مهرجان جائزة العنقاء الذهبية الدولي الرحال) الذي أسسته عام 2003 و اعتبر أطول مهرجان دولي في العالم حيث أن فترة دورته 3 سنوات . و(مهرجان الهُرّبان السينمائي الدولي) الذي أسسته عام 2009 . و(برلمان الطفل العراقي )اول تجربة ديمقراطية للطفل في العراق ورابع تجربة في الوطن العربي الذي أسسته عام 2004 . و(مؤتمر القمة الثقافي العراقي) عام 2011 الذي يعتبر أول مؤتمر قمة ثقافي في الوطن العربي . و(الجمعية العراقية للتسامح واللاعنف) التي أسستها عام 2013 وغيرها .

أُؤمن تماما بان الأدباء وأقلام المثقفين هم رسل السلام الحقيقيون الذين وهبهم الله للعراق وهم قادرون تماما على دحض الصراعات ولديهم القدرة على نشر المحبة والسلام والتسامح واللاعنف لو نصبوهم في هرم مراكز القرار لأنهم الأصلح وليس الأقوى .

 

س3: العراق يمر بآلام افقده توهجه ..وتصنع حزنه خصوصاً بتعدد الاطياف المتصارعة على أرضه .. هل لدى محمد رشيد الأديب الإنسان آمال بالفجر من خلال رسالته الأدبية التي يقوم بها؟

ج3: منذ طفولتي شعرت بوجع وطني العراق وهو (جريح) وكلما كبرت وهو ينزف والآن هو (ذبيح) لا بسبب تعدد الأطياف او....،لم اسمع بحياتي أن الأطياف في بلدي تصارعوا على شيء بل كانوا إخوة متحابين على مر العصور لكن الإرادة الدولية هي من خلقت الانقسامات والصراعات من خلال منح الأموال وإعطاء المناصب والدليل أنا اسكن مدينة العمارة جنوب العراق فيها حزمة من الزهور العطرة من الالوان والاشكال الذي يسمونها (هم) الاختلافات (المسلم،المسيحي،المندائي، اليهودي، الشيعي،السني، التركماني، الكوردي) وغيرهم كلنا كنا ولازلنا إخوة متحابين نؤمن بالمحبة والسلام والتسامح والعيش المشترك. وأنا متفائل جدا أن الذي مر سيكتب ضمن حقب التاريخ الأسود الذي فرضه علينا من تلطخت أياديهم بدماء الأبرياء هؤلاء الذين قتلوا (عمر) وذبحوا (علي) بسكين واحدة.

 

س4:اسست برلمان الطفل العراقي .. لماذا ؟! وهل ترى من تأسيس برلمان للطفولة في اي وطن علاقة بنمائها وتوجيه اطفالها وحماية حقوقهم وتمكين الطفولة من لعب دور في صناعة مستقبلها؟

ج4: برلمان الطفل هو الحاضنة الحقيقية لاتفاقية حقوق الطفل الدولية بمعنى انه المستقبل الذي سينقذنا من الإرهاب والقتل والاختطاف والحروب، انه أملنا الوحيد جميعا .

 

س5: كتبت للمرأة وللوطن .. ما هي العلاقة بينهما ؟!

ج5: الوطن في نظري ليس بقعة جغرافية التي يسورها جبل او يمتد على حدودها بحر او تفصلها صحراء، الوطن عندي هو الأم التي أرضعتني حليبها.... والأخت التي وهبتني حنانها... والابنة التي أسعدتني بمستقبلها .... والحبيبة التي تعطرت بعشقها واستنشقت عبيرها والتي غطتني بشلالات شعرها

 

س6: أسست جائزة العنقاء الذهبية للمرأة العربية، ما هي فكرة الجائزة ولماذا تحديداً تُعنى بالمرأة ؟!

ج6:جائزة العنقاء الذهبية الدولية للمرأة المتميزة، هذه تمنح فقط للنساء المتميزات بمناسبة (يوم المرأة العالمي) 8آذار من كل عام ضمن احتفالية مركزية تقام أما في العاصمة بغداد او في مدينتنا العمارة ولكن توجد عدد من جوائز العنقاء الذهبية الدولية مثل(ميدالية العنقاء) تمنح للمبدعين الشباب تحت سن الاربعين و(قلادة العنقاء) فوق سن الاربعين و(تاج العنقاء) تمنح للمبدعين الرواد الذين اضافوا اغصانا لشجرة الابداع العالمية و(وسام العنقاء للابداع الخالد) للمبدعين الذين تسامت ارواحهم الى السماء و(جائزة العنقاء للتسامح) وغيرها هذه الجوائز كلها منحت للرجال والنساء في جميع الاختصاصات منذ عام 2003 والى الان اول مبدع منحت له هو (الروائي يشار كمال) في شهر تموز عام 2003 في اسطنبول كما منحت لسيدة المسرح العربي (الفنانة سميحة أيوب والموسيقار نصير شمه والفنانة فردوس عبد الحميد) في مصر عام 2008 و(الروائي محمود دولت آبادي) في إيران كذلك اسم الكاتب سعد الله ونوس في دمشق عام 2004 و(الكاتب جاسم المطير والفنان خليل شوقي وفنانة المقام العراقي فريدة والفنانة بيدر البصري والفنانة شوقية العطار) في لاهاي والفنانة (نادين والفنان ايمن زيدان) في دمشق والناشطة في مكافحة الاتجار بالبشر(مريم المالكي والفنان على ميرزه) في الدوحة و(الكاتبة سمر المزغني) في تونس و(الفنانة هند كامل والتشكيلية وداد الاورفلي والروائية بتول الخضيري) في الأردن والناشطتان في حقوق المرأة (رويدا مروه وجمانة مرعي ) و(المفكر د.عبد الحسين شعبان) في بيروت وغيرهم.

 

س7: هل تؤيد انضمام الأدباء والمبدعين لأي انتماء سياسي أو طائفي أو مذهبي ولماذا؟

ج7: ارفض هذا تماما لأنهم سيتجردون من إنسانيتهم .

 

س8: ما علاقة نشاطاتك المجتمعية بنشاطاتك الثقافية؟

ج8: النشاطات الثقافية هي بالأساس لب المجتمع واذا جعلت أي مجتمع يرتقي للثقافة والفنون والتنمية البشرية بمعنى إننا أسسنا مجتمعا راقيا من الطراز الأول.

 

س9: هل القلم سلاح يستطيع الكاتب ان ينازل به السلاح الناري؟

ج9: على الصعيد الفكري والثقافي نعم، ولكن في ساحة القتال كلا، لان الغلبة ستكون للأقوى وليس للأصلح .

 

س10: حققت أشياء كثيرة لوطنك وللإنسانية والطفولة والمرأة .. ما الشيء الذي تشعر انك تريد تحقيقه ولم يتسنى لك؟

ج10: في ذهني أحلام كثيرة لم أحققها خصوصا بعد تكريمي قبل شهرين بجائزة (وسام الثقافة العراقي) من قبل مؤسسة سومر للعلوم والآداب والفنون في هولندا، شعرت وقتها بأنني ولدت من جديد وأعلنت في الاحتفالية من خلال كلمتي ( ولادتي الثانية ) وقلت بان كل الذي قدمته من انجازات كان بمثابة تمرين ووعدت بأنني سأقدم الأفضل والأكثر فائدة لوطني وللعالم.

 

س11: كلمة اخيرة تود قولها؟

ج11: معا نُحّلق في فضاء الثقافة وحقوق الإنسان والتسامح من اجل ان نغير خارطة العالم للأجمل ...

احلم بسماء صافية لم تفض بكارتها طائرات الفانتوم .. والاباتشي...

احلم بسماء تحلق فيها سنونوات .. وعنادل .. وفراشات تمطر علينا ألوان أجنحتها .

 

اجرت الحوار أمة الله الحجي /اليمن

 

المثقف العراقي والطائفية

ibtesam yousifaltahirحوار مع كتاب وأدباء عراقيين حول الطائفية والانتماء للوطن قبل الطائفة والقومية:

الكثير من المثقفين العراقيين بشكل عام واليساريين بشكل خاص وظفوا فنهم من اجل المجتمع وقضاياه. والتزم الكثير منهم جانب الدفاع عن حق المجتمع في التطور والتقدم. ماعدا القلة ممن استماله النظام السابق الى جانبه!.

وغالبية المثقفين او المبدعين لم يعارضوا النظام السابق لأنه سني .. ونعرف ان الالاف من الشيعة منتمين لحزب البعث عن قناعة او خوف من بطشه. ومنهم من له ضلع في السلطة. كذلك اعتراضنا على السلطة الحالية بعيدة تماما عن منطق انها شيعية وهي ليست كذلك لان للطوائف الاخرى اضلاع فيها. وانما ما قدمته او تقدمه تلك السلطة أو هذا النظام للمجتمع والمواطن الذي هي مسئولة عنه. اعتراضنا على كفاءة تلك السلطة في ادارة الدولة وعدم تعريض الشعب والوطن للمخاطر كما حصل في الحروب المتواصلة. وما يحصل الان من كوارث امنية ودخول العصابات الارهابية.

كانت الخلافات بين السنة والشيعة عقائدية .. لكن صارت النزعة التنافسية حول السلطة ومغانمها هي الدافع الاول لتلك الخلافات، لاسيما بعد سقوط نظام البعث. حيث صار التمثيل البرلماني طائفيا بعيد عن تمثيل المواطن العراقي. فصارت السلطة كعكة تتقاسمها قيادات أغتصبت تمثيل المكونات الرئيسة من الشيعة والاكراد والسنة .. اي ان للسنة حصة في هذه الكعكة (السلطة) وليسوا مهمشين كما يدعي الكثير منهم. وبقي القسم الأكبر من الشعب بمختلف مكوناته فقيراً، يفتقد لأكثر مقومات الحياة اليومية في بلد غني بموارده الطبيعية مثل العراق.

في ظل هذه الفوضى ظهرت اصوات كثيرة تعزز الطائفية بكل اشكالها .. لكن المؤلم ان بعض هذه الاصوات من بين من كنا نعتبرهم رموز للثقافة العراقية. لاسيما من كانوا يسيرون في ركب المعارضة للنظام السابق .. ومنهم من طرح وجهات نظر كاريكتيرية مضحكة ومبكية بنفس الوقت .. فهذا يجعل من الشيعة عملاء لإيران وولاءهم لها اكثر من ولاءهم للعراق! وذاك يبتدع نظريات ويجعل من النبي محمد شيعي وانه ابن النبي ابراهيم! ولم يكتفي بذلك بل يجعل من النبي ابراهيم (شيعي) حسب رأي ذلك الفطحل في الفقه الديني!! والمشكلة بهذه المهاترات البعيدة كل البعد عن الثقافة والدين تنتشر على صفحات الانترنت. وتشكل خطورة حيث لها تأثير على البسطاء خاصة من باتوا يرون ان الوضع في ظل النظام السابق (السني) حسب ادعاءاتهم، هو افضل من الوضع الحالي المتردي امنيا واقتصاديا. على الرغم من ان من يقوم بالتفجيرات هم من مرتزقة النظام السابق الممولين من عائلة صدام وقيادات البعث المقيمة في الاردن والخليج. مع بعض من سموا بالقاعدة واليوم غيروا اسمهم لداعش! بعد ان بارت سلعة الماركة المسماة بالقاعدة. مستغلين غياب القانون وصراع الكتل الطائفية على مناصب السلطة من اجل منافع شخصية مما عرض البلد للتخريب والتدمير.

خاطبت بعض الكتاب والفنانين، وطرحت عليهم اسئلة تدور في هذا المضمار .. لإيصال وجهات نظرهم للقاريء المتلهف للكلمة التي تشحن الامل فيه.

 

1- ما هو رأيكم بتلك النزعات الطائفية بين المثقفين العراقيين؟ ..

2- وكيف ترون تأثيرها على الشارع العراقي .. بالوقت الذي كثير من الشباب في داخل العراق يطالبون بإلغاء المحاصصة وإلغاء المسميات (سنة وشيعة) من الوثائق الشخصية!؟

3- ما هو دور المثقف الآن في رفع معنويات الشعب وتعزيز روح المواطنة والولاء للعراق فقط قبل كل الولاءات؟ فتلك من وجهة نظري هي السبيل الاول لإنقاذ العراق من الفوضى السياسية. وإنقاذ الدولة سياسيا وأمنيا وإقتصاديا، بعيدا عن الطائفية التي جاءت بمسئولين لا كفاءة ولا خبرة لهم.

4- هل تعتقدون ان وراء تلك الاصوات بقايا البعث ذاته او امريكا التي يخدمها التقسيم وبقاء الفوضى السياسية تلك؟

5- لا شك ان صياغة الدستور بشكله الحالي اعطى فرصة للبعض للتعكز عليه وتعزيز التقسيم الطائفي للسلطة. هذا ما اعتقده. فهل بالإمكان تغيير هذا الدستور او على الاقل الغاء المواد التي تتبنى الطائفية او تبررها؟

 

الشاعرة والإعلامية حذام يوسف

1- المثقف جزء من مجتمع مربك وقلق، كما انه في حالة ترقب لكل شيء .. والمثقف بالضرورة جزء من كل هذا الارباك والقلق. لكن ما يؤسف له ان المثقف بدلا من أن يسهم في تقويم الانحراف ، انحرف هو معه ! واصبح يتحدث بذات اللغة الخشنة التي يتحدث بها من يحمل معه حزمة من التهم لكل المخالفين له. حتى ان صفحات الفيس بوك كشفت عن اقنعة كثيرة كان يلبسها بعض المحسوبين على الثقافة، ممن يدعون انهم مدنيين وعراقيين. لكن الحوارات المتواصلة على الفيس بوك كشفت انهم لاينتمون الى العراق بقدر انتمائهم للقومية والمذهبية!.

2- اعتقد ان تلك النزعات لها تأثير كبير على الشارع العراقي، لاسيما على الاشخاص الذين يمجدون القدوة المثقف. وينظرون له على انه قائد على مستوى محدود وبالتالي يقلدونه جدا من باب الاستعراض الاعلامي وليس من باب الايمان بفكره. بدليل في اماكن التجمعات الادبية والثقافية ومنها على سبيل المثال (شارع المتنبي)، نجد الكثير من الشباب اليوم يقلدون ممثلهم من الشعراء والمثقفين حتى في طريقة كلامه وطرحه للموضوع. وهنا سيكون الامر خطيرا جدا اذا لم يكن (المثقف واعي ومدرك لما يقول ويردد) .

3- أعتقد على مستوى ضيق هناك بعض المثقفين من الشباب والرواد من يحاول (ومحولاته متواضعة) أن يخرج من دائرة الطائفة والمذهب والقومية ويتحدث باسم العراق فقط ، انا مثلا احرص جدا عندما أكون مع اخرين بحوار حول الوضع عموما واشكاليات نظرتنا للمستقبل .. احاول قدر المستطاع ان اختار مفرداتي بعناية كي لا تؤول. وااروج لموضوع الولاء للوطن اولا واخيرا، عبر ما اكتبه في الصحف او على صفحتي في الفيسبوك .. ومن خلال الردود أجد هناك بعض التجاوب مع مايطرح من أهمية اعلان الحب والانتماء للعراق فقط .

4- بالتأكيد ان وراء تلك الاصوات بقايا البعث. فكيف يمكن ان نتخيل ان كل تلك الجيوش التي رافقت النظام السابق في رحلته العنيفة مع الشعب العراقي، من حرس خاص الى حرس جمهوري الى جيش شعبي الى الانضباط ، الى جيوش كانت مهمتها محصورة بتعذيب العراقيين في المعتقلات ، كيف يمكن لنا ان نتخيل ان كل هؤلاء اصبحوا ملائكة؟!

5- هناك مطالبات عديدة من بعض منظمات المجتمع المدني التي تعنى بالثقافة والمجتمع، وبعض الناشطين المدنيين، ينادون بين فترة واخرى بأهمية تغيير الدستور او على الاقل تعديله. لان هناك العديد من المؤاخذات على فقراته. لاسيما الفقرات التي تحتمل التأويل.

عموما اغلب الفقرات التي تهم المواطن مازالت حبر على ورق .. مثلا ما يتعلق بحق التظاهر او التجمع وغيرها من الحقوق. لم نر منها الا التنظير من قبل المسئولين في الحكومة. وهناك مطالبات تكررت لاكثر من مرة على صفحات الفيس بوك عبر حملات وعلى لسان افراد يطالبون فيها بالغاء فقرة اللقب. ربما لانها تتعلق بقرارات النظام السابق .. ولو ان اللقب يعني الاسم العائلي وهذا حق من حقوق المواطن ولا اهمية له .. الا اذا أتخذ كوسيلة للتفرقة الطائفية.

 

الكاتب صائب خليل

1- بالنسبة للسؤال الاول :الطائفية تم تأجيجها عن عمد، ومن قبل جهات خارجية، وتم تضخيم تلك المشاعر التي كانت بسيطة بشكل خاص من خلال الإرهاب، الذي هو أيضاً مجهول المصدر والإدارة، وأفترض أن إدارته الكفوءة جداً لا بد أن تكون من قبل دولة متطورة.

2- الحكومات العراقية المتتالية رغم كل ادعاءاتها، لم تقم بأبسط ما يفترض فيها تجاه مشكلة شديدة الخطورة مثل الطائفية، وهي أن تقوم بدراستها دراسة علمية إحصائية لتعرف ونعرف معها الأثر الحقيقي على الشارع العراقي، وبأرقام محددة، ونعرف مدى نموها وانحسارها لنحلل أسبابه ويتم اتخاذ الإجراءات الصحيحة التي تستند إلى تلك الدراسة. كل ما نملكه هو الإعلام، والإعلام أيضا مؤسسة مشبوهة مخترقة ومسيسة ولا يعتمد عليها، لذلك لن استغرب إن تبين يوماً أن الطائفية اقل انتشاراً بكثير مما يشاع عنها.

3- عن دور المثقف الان في رفع معنويات الشعب وتعزيز روح المواطنة والولاء للعراق قبل كل الولاءات؟ فتلك حقا هي السبيل الاول لإنقاذ العراق من الفوضى السياسية. وإنقاذ الدولة سياسيا وأمنيا واقتصاديا، بعيدا عن الطائفية التي جاءت بمسئولين لا كفاءة ولا خبرة لهم.

صدقت .. المعنويات المنهارة لدى الشعب هي من اخطر الأوبئة التي يمنى العراق بها اليوم، وقد كتبت عن ذلك عدة سلاسل من المقالات مازالت إحداها لم تكتمل بعد. يجب أن يرفع المثقف معنوياته هو اولاً ليقوم بعد ذلك باستنهاض الشعب وتذكيره بأنه مثل غيره من الشعوب وله مثل حقوقها.

4- بقايا البعث بذاتها أتفه من أن تقوم بأي تنظيم. من ينظم هذه الحثالات المتخلفة هو أميركا وإسرائيل بدون أي شك. أذكرك بأن رجل إسرائيل في العراق، مثال الآلوسي كان رئيس هيئة تأهيل البعثيين! وأن أشد المتحمسين إلى إعادة البعث صراحة إلى مؤسسات الأمن كان أياد علاوي، الرجل المفضل الذي اختارته أميركا كأول رئيس لأول حكومة عراقية، وكانت تأمل أن ينجح ويستمر.

5- أي تعديل في الدستور يصب في صالح جهة ويضر بمصالح او أجندات جهة أخرى. وما يصب في صالح الشعب يضر بالأجندة الأمريكية بالضرورة، وهذه الأجندة لها ممثلوها في البرلمان بما يكفي لمنع تغييرها، وكذلك في نص الدستور الذي يشترط أن لا تعترض أي ثلاث محافظات على التغيير، (محافظات كردستان) وبالتالي فأن أي تغيير مهم في الدستور أمر ميئوس منه في الظرف الحالي.

 

القاص يعقوب زامل الربيعي

كنت اتمنى ان يكون السؤال كألاتي: كيف نتحول ونحول المجتمع الى صرح مواطنة لبناء وطن يطمئن الانسان فيه على حاجات حياته الضرورية. ولما وجدت اسالتك تصب في نفس النهر فلا باس ان ادلو بدلوي.

خلال عقود من القهر وتهميش الواقع الانساني للإنسان العراقي. كنا كل يوم نصاب بالضرر والمحق وطنا ومجتمعا. بلا قدرة حاسمة لوقف تهتك نسيجنا الاجتماعي بفعل فاعل. اليوم وبعد عقد من الزمن اقل ما يقال عنه زمن تحولنا ولكن بصورة مشوهة بامتياز .. ارى ونحن مازلنا مقيدين بذات الاغلال القديمة في وقت يتسع الضرر ليصبح اكثر مما مضى والشق يأخذ بالاتساع الى حدود مرعبة. اشد ما يرعبنا كبشر اسوياء. هو تحكم الطائفية فينا وبالقانون وليس عشوائيا. حين نرتضي ان يتم تقسيمنا الى كانتونات ورطانات وشيع! ولكن بقانون يسميه البعض دستور او لبننة على اسوأ ما تكون عليه حياتنا المحلية والعالمية. حيث للشيعة حصة وللسنة حصة وللاكراد ..

لا اعرف كيف حلا للبعض من الساسة العراقيين ان يضع الاكراد فوق شبهات الواقع كطائفة ثالثة! كما لو هم ليسوا بعراقيين! اما بقية الاطباف الاصيلة الاخرى فلهم ما يسقط من فتات الاولياء.

لا انكر او اتغاضى ان لأيتام النظام السابق وحتى ما سبقه من انظمة طائفية من حصة (العث) لنخر النسيج العراقي. الذي كان منذ آلاف السنين نسيجا متماسكا بلحمته الوطنية مظفور جيدا بكل الحب والإخاء وصدق المشاعر .. رغم هفوات الزمن.

لا اتذكر اني احسست بأن (ناصر) الرجل الرقيق الذي يسكن جوارنا هو صابئي وعلي ان لا اشاركه طعامه حين يدعوني! كان اكثر من صديق لأنه عراقيا ومناضلا من اجل اسعاد مجتمعه وليس طائفته فقط! ولم افكر بان (مليحة) الماسيرة الجميلة في مستشفى حماية الاطفال حين كنت نزيل قاووشها وانا طفل، انها يهودية ولابد ان اسدل الستار على ذكراها بعد ان تم تهجيرها عنوة. فرائحة عبقها مازالت في خاطري. او صديقي المسيحي منير يلدا .. كل هذا يرعبني.

لكن ما يرعب قلبي اكثر هو انسياق بعض مما يسمى تجنيا (مثقفين) او اشباههم من ايتام النظام السابق او المرتزقة من هنا وهناك .. بعثيين او متاسلمين .. انسياقهم او مباركتهم ومساهمتهم بتمزيق لحمتنا.

اما فقرات الدستور فليس المطلوب وضع لمسات صغيرة او تغيير فقرات .. انما يجب الغاء بعض النصوص وتعديل اخرى من التي ساهمت بتمزيق نسيجنا الملون الجميل .. ويجب تثبيت فقرة (الدين لله والوطن للجميع .. وكل العراقيون لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات دون تخصيص عرق او طائفة او دين).

 

 

حوار مع الأديبة المعرفية المغربية زكية المرموق

zakiaalmarmokزكية المرموق، شاعرة معرفية مغربية، عضوة في تجمع الحب وجود والوجود معرفة

مواليد مدينة فاس،1973م

تكتب القصة إلى جانب الشعر ومن أعمالها:

(واخرج إلى النهار) *شعر*

وقيد الطبع (انشطارات) *ومضات*

تنشر في العديد من الدوريات والمواقع مثل مجلة الأثير العمانية وكذلك صحيفة الوحدة الالكترونية وغيرها من المواقع العديدة

وفي تاريخ 7-1- 2015م، كان لنا معها الحوار التالي:

 

• أرحب بك مليَّاً وبحرارة، الشاعرة المغربية زكية المرموق وفي حوارنا، نود التسليط أكثر حول تجربتك الأدبية عموماً والشعرية خاصة في المراحل الزمنية الأولى؟

ـ بحكم ثقافتي الفرنسية اذ كوني أستاذة آداب فرنسي واكتشافي لكتابات محمود درويش ونزار قباني و(بيرفير) وغيرهم الأثر الكبير في توجهي المعرفي وخطي الشعري

وبشكل عام نحن لا نختار خطاً معيناً في الكتابة بل نسقنا الفكري هو الذي ينحو بنا نحو اختيارات معينة

 

• يقول جان جاك روسو في مقدمة كتابه العقد الاجتماعي (ولد الإنسان حراً ومع ذلك فهو بالقيود في كل مكان) ما مفهوم الحرية في ظل القيد في ادب الشاعرة زكية المرموق

- كثيراً ما استهلك مفهوم الحرية لدرجة تبضيعها والحرية بالنسبة لي ذلك الهامش الذي أمارس فيه الكتابة حيث أنسلخ عن كل ما هو عرفي وثقافي وأعانق الحلم

 

• برأيك هل قطعت المرأة أشواطاً في سبيل خلق بيئة متحررة ووفاق مع الرجل سواء إن كان مبدعاً أو بعيداً عن الإبداع، أم أن هنالك مخاض قديم لايزال؟

- تبقى المراة جاهدة في كسب مسافة اكبر في هذا المخاض ويبقى الحلم هو المساواة بين النوع إلا أّنه لا يجب ان ننسى أن ساحة هذا المخاض هي ثقافة عربية اسلامية مشدودة إلى الماضي اكثر منها الى المستقبل

 

• الحزن غائر وله حكاية في شعرك، هل تشعرين أن التشاؤمية لغتك المفضّلة، والتفاؤل محض هراء في وجود يتخبط في العدم؟

- حقيقة إن خطابي الشعري يظل شقياً حين يحاول عكس واقع مهزوم ومهزوز لكن اتساءل هل هناك شاعر معرفي يحمل خطاب الفرح

 

• في قصائدك ملامح فلسفية ولغة ناضجة ومتينة إلاما ترجعين ذلك؟

- تكويني بالأدب الفرنسي واطلاعي على الأدب العربي وإدماني على القراءة اضافة الى تجربتي الحياتية كل هذا أنتج زكية المرموق

 

• ما أبرز الكاتبات أو المبدعات اللاتي كنّ أكثر قرباً من حياتك وأدبك عموماً؟

- قرات للكثير من الاديبات مثل سيمون دو بوفوار ناتالي ساروت فدوى طوقان وغيرهن، اعجبت بالبعض منهن ولكن يبقى عشقي الأكبر لدرويش والقباني ونجيب محفوظ وسارتر وكامي وغيرهم

 

• ما الهدف من الكتابة الشعرية برأيك، وما الخيارات التي قد تواجه المرأة المبدعة في بدايات ولوجها للأدب والكلمة الشاعرة؟

- أعتقد ان الكتابة الشعرية هي بوح أولاً، وتعالٍ عن الواقع الرمادي الذي يستهلكنا

التحدي يكمن في ولوج عام لطالما كان حكرا على الرجل

 

• ما تقييمك لحراك المرأة المغربية المعرفي والأدبي بصورة خاصة، وما القيود التي قد تعيق دورها في العطاء والإبداع؟

- أعتقد ان المرأة المغربية، أبرزت عن موهبتها المعرفية على الرغم من كل الصعوبات

يكفيني ان أذكر الشاعرة مليكة العاصمي وفاطمة المرنيسي كعالمة اجتماع واللائحة طويلة

 

• وفي النهاية يسعدنا الحوار معك، عضوتنا المتألقة الأديبة زكية المرموق، كلمة أخيرة تودين توجيهها لأسرة الحب وجود والوجود معرفة وللمتلقين عموماً؟

- ختاماً اشكركم على استضافتي في هذا المنبر المعرفي ويسعدني ان أنتمي الى أسرتكم ونحمل جميعا مشعل الحب والمعرفة وشعارنا دوما الحب وجود والوجود معرفة

 

أعد الحوار: ريبر هبون

 

 

حوار مع الأديبة والقاصة آسيا رحاحلية

asya rahahliaأسيا رحاحلية: أذكر قارئا قال لي يوما أخشى يا أستاذة أن نكون تحت القبر وروايتك لاتزال تحت الطبع، ذلك لأنه كُتب على الغلاف الخلفي لمجموعتي القصصية الأولى عبارة " لها رواية تنتظر الطبع

عرفتها من خلال كتاباتها المتميزة .. قصصها المحبوكة .. وأسلوبها المشوق .. رحت أتتبع نصوصها المنشورة على المواقع الالكترونية فاكتشفتُ روح الإبداع العالية التي تكتب بها .. واستمتعت بما أقرا لها من قصص جميلة تضمنها روحا خفيفة وآراء عاقلة

زهرة برية نبتت في حقول سوق أهراس تسقيها أمطار الحرية وتظللها غمامة الثورة التي التجأ إليها آباؤها الميامين .. ثورة أخرى تعيش في داخلها وكأنها من ذاك الزمن النوفمبري ومن جيل العنفوان ذاك

امرأة ذكية جدا تعرف كيف تلتقط بحسها الأنثوي موضوعات قصصها .. قاصة تعشق السرد وشهرزاد عصرية تجذبك إلى عالمها المليء بكل ما هو جميل .. تسجل ملاحظاتها في حينها .. ودون تردد .. تتحمل نتائج ما تكتب .. وكأنه مازال تمارس دورها كمربية .. وأي مربية؟؟ من جيل الأبكار الذي شرب من نبع الاستقلال الصافي فكانت روحها كالمرآة تعكس انتماءها ووفاءها وتميزها وسعيها الدؤوب لأجل أن تبدع أكثر

أستاذة بحس عال من المسئولية وسعة الصدر مع سعة الأفق والانفتاح على العوالم الأخرى بفضل تمكنها من اللغات

متقاعدة تملأ وقتها بكل ما هو جميل بدل الثرثرة والتحسر على ما فات وانتقاد ما هو آت

إنها الباسمة الحاسمة الأديبة آسيا رحاحلية التي أتمنى أن يستمتع القراء بمحاورتها التي استمتعت بها وأنا لازلت أجتهد في وضع الأسئلة .. وكان هذا الحوار

 

س1 في عالم منفتح على بعضه .. كثير المواهب .. كثير النجوم .. كيف تقدم لنا آسيا رحاحلية نفسها .. الأستاذة .. والكاتبة ..؟؟

- لقب أستاذة أدين به لمهنة التدريس النبيلة الشريفة .دخلت معتركها وعمري 24 سنة .. أخلصت لمهنتي ونجحت فيها والحمد لله .. درّست اللغة الإنجليزية لسنوات قبل أن أتّخذ قرار التقاعد المسبق لإحساسي بأنّي لم أعد قادرة على العطاء وأيضا لأن الحرف بدأ يشاغبني .

تفرّغت للكتابة وأصدرت سنة 2010 مجموعتي القصصية الأولى " ليلة تكلّم فيها البحر "، تلتها المجموعة الثانية " سكوت إني احترق " 2012، ثم الثالثة " اعتقني من جنتك " سنة 2014 .. و في انتظار الطبع مجموعة رابعة ومخطوط شعر ..

 

س2 متى اكتشفت موهبتك في الكتابة ومن الذي ساعدك على ذلك؟؟

- لا أدري متى بالضبط .. ثم أننا ونحن صغار لا ندرك فعلا بأنّنا موهوبون، لذلك يكون دور الكبار من العائلة أو المدرّسين مهما جدا في فترة الطفولة .. أعتقد عرفت بأنّني موهوبة في الكتابة حين كانت نصوصي في الانشاء في المدرسة مميّزة، تثير الإعجاب الكبير، وذلك منذ الصف الابتدائي ..

 

س3 هل تذكرين أول قصة قمت بتأليفها؟؟ .. ما هو موضوعها؟؟

- نعم أذكرها بالتفاصيل .. أول قصة، بمفهوم القصة، أقصد كل مقوّمات القص، كتبتها وأنا تلميذة في السنة الأولى ثانوي .. يعني سنة 1979 .. كانت بعنوان " من أجل صديقتي " .. تحكي قصة صديقتين تقعان في حب نفس الشاب .. وتقرّر إحداهما التضحية بمشاعرها من أجل الحفاظ على صديقتها .. أذكر أنني عرضت القصة على أستاذ الأدب العربي آنذاك، الأستاذ الفلسطيني غباين عبد المنعم، ذكره الله بالخير، ضمن مجموعة أخرى من النصوص النثرية التي كنت أعتبرها قصصا .. كانت كلها مدوّنة في دفتر ورجوته قراءتها وابداء رأيه .. وقد كتب لي على الدفتر بالحرف الواحد: (.. الجزائر بلد اشتراكي ثم هم الآن يشجّعون من يكتب بالعربية والجزائر اليوم هي البلد العربي الوحيد الذي يستطيع فيه الناشئ أن يبرز إلى الوجود .. من هذه الناحية فأنا أبشّرك بأنهم سيقرأون مقالاتك وقد ينشرونها وهي فرصة بالنسبة لك وتفيدك .. اكتبي قصتك " من أجل صديقتي" وارسليها إلى احدى المجلات الجزائرية ثم ارسليها إلى أية مجلة في المشرق،فأن نشرت لك أول قصة فاعلمي أن الطريق أمامك قد تيسّر .. إنّ الذين تقرئين كتبهم وقفوا طويلا أمام أبواب دور النشر حتى تعبت أقدامهم وسال العرق من جباههم ثم صفّق لهم المجتمع ودعوا إلى الاذاعة وأصبحت دور النشر تترجّاهم )

هذا ما كتبته لي أستاذي في 21 / 02/ 1980  

ولم أرسل القصة. وربما لو فعلت لكانت الأمور مختلفة اليوم .. ولكن الحمد لله على أية حال .

 

س4 ألاحظ في كتاباتك نقدا لاذعا وإن كان مهذّبا للأوضاع والمسئولين .. هل تعتقدين أن هذا من واجبك ككاتبة؟؟

- أكيد هذا واجبي. الكتابة في رأيي مهما كان نوعها هي رسالة .. حتى النكتة التي يُقصد بها التسلية والضحك تحمل رسالة .. الكاتب الحقيقي لا يعيش في برج عاجي ولا يحلّق في سماء الأحلام .. هو ابن الشعب، يمشي بين الناس ويحتك بهم، يعيش أوضاعهم وهمومهم ،يراقب معاناتهم اليومية لأنها معاناته أيضا . أنا أتأثّر بما يحدث حولي ولابد أن أحاول بقلمي تغيير الأوضاع أو على الأقل عرضها .أنا كاتبة مهمومة بأمور الناس .. وعلى رأي الشاعرة والإعلامية ابتسام ابراهيم الاسدي : الذي لا يكتب عن هموم الناس عليه أن يذهب الى كوكب آخر.

 

س5 باعتبارك من أسرة التعليم إلام يرجع سبب المشاكل التي يتخبط فيها هذا القطاع؟؟

- بصدق يحزنني ما آل إليه التعليم في بلادنا .. السبب الرئيس أعتقد هو النظرة إلى القطاع على أنّه كأي قطاع آخر .. بل هناك من يعتبره قطاعا مستهلكا لا منتجا . التعليم يمر بأزمة خطيرة .. هناك سوء التسيير والقرارات العشوائية الفردية، واللجوء إلى حلول ترقيعية بدل دراسة المشكلة وحلّها جذريا .. لن يتحسّن حال التعليم ما لم يكن هناك وعي بأهمية وأولوية المنظومة التربوية وعلى رأسها المعلم، وما لم تتوافر جهود الجميع : الجهة الوصية والمربّي والأولياء من أجل انقاد القطاع .

 

س6 لو طلب منك توجيه نصيحة للمعلمين ماذا تقولين لهم؟؟

- أقول لهم .. أحبّوا مهنتكم، اخلصوا لها واعتبروها مشروعكم الأسمى في الحياة والذي لابد أن ينجح مهما كانت الصعوبات .. أقول لهم لا تكونوا ملقنّين مدرّسين فقط، كونوا مربّيين وملهمين ومبدعين بالقدر الذي تستطيعون في مجالكم .

 

س7 أغلب المبدعين في بلادنا يشتكون من التهميش هل تعتقدين أن تهميشهم مقصود أم أن الأمر مجرد فوضى وإهمال؟؟

- التهميش والشللية وثقافة اقصاء الآخر والمركزية سوس ينخر جسد الثقافة .. كثير من المبدعين الشباب خاصة في الجزائر العميقة يعانون من الاهمال وعدم تكافئ الفرص وتمركز أهم النشاطات الثقافية في العاصمة والمدن الكبرى .. من المفروض أن يكوّن المبدعون أسرة واحدة ويكون لهم هدف واحد هو النهوض بالثقافة وخدمة الابداع .

 

س8 في غياب أي مشروع ثقافي في بلادنا هل يقوم المثقفون بدورهم؟؟ .. وما هو هذا الدور في اعتقادك؟؟

- لست من الذين ينظرون إلى الأمور من زاوية واحدة وبعين واحدة .نعم، هناك مثقّفون لا يقومون بدورهم .. لأسباب ما، ولكن هناك مثقّفون واعون بمهمّتهم، مجتهدون، يبذلون ما في وسعهم من أجل خدمة الثقافة وتحريك الركود الأدبي ، ربما هي مجهودات فردية هنا وهناك لكنها مثمرة ومباركة .

 

س9 هل يوجد في بلادنا ما يسمى ب(شعراء البلاط) وهل هم سبب تهميش المبدعين الحقيقيين؟؟

- أعتقد العبارة أو التعبير مبالغ فيه قليلا .. لأنّه اليوم لا البلاط بلاط ولا الشعراء شعراء ! الشعراء المتملّقون المنافقون الذين يتقرّبون بشعرهم من السلطة ويسعون إلى إرضائها، ويمدحون المسؤولين من أجل أغراض شخصية موجودون، في كل زمان وكل مكان .. لكن أن يكونوا السبب في تهميش الشعراء الحقيقين فلا أعتقد .

 

س10 أين أنت من النشر وما هي الصعوبات التي اعترضتك في هذا المجال؟؟

- عملية النشر والتوزيع في بلادنا اشكالية كبيرة .. وإذا رغبت في النشرعليك بإحدى الطرق الثلاث .. أن تنتظر تكرّم وزارة الثقافة من خلال مناسبة ما، وهذا أيضا ليس سهلا إذ عليك أن تكون لك علاقات قوية، أو أن تحفى قدماك جريًا إلى دور النشر والأمر شاق جدا خاصة لمن يقطنون مدن الهامش مثلي وسيطلبون منك الانتظار إلى أن تتم الموافقة على عملك من طرف لجنة قراءة، وقد يأخذ الأمر شهورا طويلة إلى أن تصاب بالملل والاحباط .. أذكر قارئا قال لي يوما أخشى يا أستاذة أن نكون تحت القبر وروايتك لاتزال تحت الطبع، ذلك لأنه كُتب على الغلاف الخلفي لمجموعتي القصصية الأولى عبارة " لها رواية تنتظر الطبع .. أو طريقة ثالثة .. أن تدفع من جيبك وتطبع كتابك، وطبعا ليس الأمر في مقدور الجميع .. و لكن هو ما كنت مجبرة على فعله .. كان السعر باهضا لكني لم أهتم، وطبعت مجموعاتي الثلاث .

 

س11 هل تعتقدين بوجود حركة نقدية في بلادنا خاصة وأن الكثيرين يجمعون على غياب النقد الموضوعي؟؟

- الحركة النقدية موجودة بشكل محتشم وفوضوي وغير كاف .. المشكلة أنّ النقاد يُعدّون على الأصابع بينما الانتاج الأدبي كثيف بغض النظر عن غثه من سمينه .. الناقد الكفء الذي يواكب الحركة الادبية وعلى تواصل مستمر مع الجديد غائب بصراحة ، لكن للأمانة هناك بعض الأقلام النقدية الجادة التي أشهد لها بالحيادية والمصداقية ..

" النقد وعي، وفعل مثقف " كما قال الناقد العراقي الدكتور "كريم المسعودي" ..

و لن يتطوّر إلا إذا اعتُبر موازيا للأدب وبنفس قيمته، ومارسه الناقد بنزاهة وحب وجدية وموضوعية دون محاباة أو مجاملة، وتقبّله الكاتب أيضا بكل روح أدبية دون اعتباره تهجّما .

 

س12 هل تعتبرين أن ما تكتبينه (أدبا نسويا) .. ولماذا؟؟

- أعتبر أنّ ما أكتبه .. أدبا .

 

س13 أعداء النجاح كثيرون (حتى لو كان هذا النجاح نسبيا) هل عانيت أو تعانين منهم؟؟

- بصراحة لا .ربما لأني بطبيعتي لا أشغل نفسي بأمر الأعداء أو العداوة، حتى أنّني لا أعتقد بأنّ لي أعداء أصلا .. الأدب بحر،واسع، عميق، والكل يستطيع أن يغوص فيه، كلّ حسب موهبته وقدرته ومهارته وجهده .. و البقاء للأجود والأجمل .. هذا هو إيماني .

 

س14 يعتقد الكثيرون أن النشر الالكتروني فسح المجال للكثير من المهمشين لكن البعض يرى أنه فتح المجال لمن هب ودب وأصبحت الكتابة مهنة من لا مهنة له فماذا تقولين؟؟

- كلا الاعتقادين صحيح .

كثير من الأقلام تدين للنشر الالكتروني بالظهور .. جميعنا يعرف بأنّه في ظل صعوبة النشر الورقي أصبح النشر الالكتروني هو البديل نظرا لمجانيته وسرعته وسهولة التفاعل بين الكاتب والمتلقي .. لكن أيضا أصبح من هبّ ودب يكتب وينشر .

أحيانا أشعر بالقلق وبخطورة الغثاء الذي أقرأه يوميا على النت وأرى من يصفّق له .. أشعر بالقلق لأنّ هذا قد يؤدي إلى تكريس الرداءة وتدنّي الذوق وانتشار وهم المبدع والابداع، لكن ما العمل؟ إننا لا نستطيع منع ذلك حتى لو أردنا، الأمر مفروض على الجميع . فقط لنكن متفائلين .. ربما في فوضى ما ينشر يعثر النقاد أو المهتمون على ما هو جيّد فعلا ويستحق الالتفات إليه .

 

س15 هل تؤمنين بالحظ؟؟ وهل كان له دور في حياتك؟؟

- لا أومن به فعلا . الايمان المطلق بالحظ والاعتماد عليه وحده يؤدي إلى التواكل والكسل، ويعمّق الاحساس بالخيبة والظلم حين لا تسير الأمور كما نحب .. بعض الحظ نصنعه نحن، بأنفسنا،لأنفسنا .. حين نشمّر على السواعد ونقرّر النجاح أو تحقيق الحلم .. لكن إذا كنت تقصدين الاحساس فأنا أحس بأنّي محظوظة والحمد له .

 

س16 لك شقيقة شاعرة هي سامية رحاحلية هل نستطيع أن نقول أنك من عائلة مولعة بالأدب؟؟ وكيف هي علاقتك بشقيقتك في هذا الميدان؟؟

- ورثنا حب اللغة العربية عن والدي رحمه الله فقد كان مدرّس قرآن ولغة وحتى حديثة معنا كان معظمه فصحى .. والدتي امرأة ذكية جدا، محدّثة لبقة وحاضرة البديهة،حثّتنا على النجاح في الدراسة وأثرت مخيّلتنا ونحن صغار بما كانت ترويه لنا من قصص في ذلك الزمن البعيد .. أخواتي حياة ومدينة وأخي ابراهيم كلهم يتذوّقون الأدب ويتقنون اللغات .. أما سامية فهي مبدعة حقيقية .. موهوبة ولغتها رائعة، تكتب باللغتين العربية والفرنسية .

سامية تطلعني على كتاباتها وأطلعها على نصوصي وكثيرا ما نتبادل الآراء والأفكار ..

 

س17 كيف تقضين أوقاتك وهل لك أوقات معينة للإبداع؟؟

- أهتم بأسرتي وبيتي، أقرأ وأكتب .. وليس لديّ أوقات معيّنة للكتابة .

 

س18 ماهي أمنيتك الجديدة للعام الجديد 2015

-أن تنتهي الحروب والأزمات .. أن يسود السلام ويعيش البشر في وئام ومحبة وتكافل .

 

س19 ماذا تقولين عن

زهور ونيسي .. أديبة جزائرية احترمها جدا

جميلة بوحيرد: فخر لنساء الجزائر .

أحلام مستغانمي: قرأت لها ذاكرة الجسد .. فقط .

هواري بومدين: رجل عظيم .

 

س20كلمة أخيرة نختم بها هذا الحوار الجميل

شكرا لك كثيرا لك على الحوار وعلى تقديمك الرائع لي والذي أرجو أن أستحقّه. .. تحياتي ومحبّتي لكل القرّاء .

المثقف العراقي والطائفية (2): مع د. عبد الخالق حسين

abdulkhaik husanحوار مع كتاب وأدباء عراقيين حول الطائفية والانتماء للوطن قبل الطائفة والقومية:

الكثير من المثقفين العراقيين بشكل عام واليساريين بشكل خاص وظفوا فنهم من اجل المجتمع وقضاياه. والتزم الكثير منهم جانب الدفاع عن حق المجتمع في التطور والتقدم. ماعدا القلة ممن استماله النظام السابق الى جانبه!.

وغالبية المثقفين او المبدعين لم يعارضوا النظام السابق لأنه سني..ونعرف ان الالاف من الشيعة منتمين لحزب البعث عن قناعة او خوف من بطشه. ومنهم من له ضلع في السلطة. كذلك اعتراضنا على السلطة الحالية بعيدة تماما عن منطق انها شيعية وهي ليست كذلك لان للطوائف الاخرى اضلاع فيها. وانما ما قدمته او تقدمه تلك السلطة أو هذا النظام للمجتمع والمواطن الذي هي مسئولة عنه. اعتراضنا على كفاءة تلك السلطة في ادارة الدولة وعدم تعريض الشعب والوطن للمخاطر كما حصل في الحروب المتواصلة. وما يحصل الان من كوارث امنية ودخول العصابات الارهابية.

كانت الخلافات بين السنة والشيعة عقائدية..لكن صارت النزعة التنافسية حول السلطة ومغانمها هي الدافع الاول لتلك الخلافات، لاسيما بعد سقوط نظام البعث. حيث صار التمثيل البرلماني طائفيا بعيد عن تمثيل المواطن العراقي. فصارت السلطة كعكة تتقاسمها قيادات أغتصبت تمثيل المكونات الرئيسة من الشيعة والاكراد والسنة..اي ان للسنة حصة في هذه الكعكة (السلطة) وليسوا مهمشين كما يدعي الكثير منهم. وبقي القسم الأكبر من الشعب بمختلف مكوناته فقيراً، يفتقد لأكثر مقومات الحياة اليومية في بلد غني بموارده الطبيعية مثل العراق.

في ظل هذه الفوضى ظهرت اصوات كثيرة تعزز الطائفية بكل اشكالها..لكن المؤلم ان بعض هذه الاصوات من بين من كنا نعتبرهم رموز للثقافة العراقية. لاسيما من كانوا يسيرون في ركب المعارضة للنظام السابق ..ومنهم من طرح وجهات نظر كاريكتيرية مضحكة ومبكية بنفس الوقت..فهذا يجعل من الشيعة عملاء لإيران وولاءهم لها اكثر من ولاءهم للعراق! وذاك يبتدع نظريات ويجعل من النبي محمد شيعي وانه ابن النبي ابراهيم! ولم يكتف بذلك بل يجعل من النبي ابراهيم (شيعي) حسب رأي ذلك الفطحل في الفقه الديني!!

والمشكلة بهذه المهاترات البعيدة كل البعد عن الثقافة والدين تنتشر على صفحات الانترنت. وتشكل خطورة حيث لها تأثير على البسطاء خاصة من باتوا يرون ان الوضع في ظل النظام السابق (السني) حسب ادعاءاتهم، هو افضل من الوضع الحالي المتردي امنيا واقتصاديا. على الرغم من ان من يقوم بالتفجيرات هم من مرتزقة النظام السابق الممولين من عائلة صدام وقيادات البعث المقيمة في الاردن والخليج. مع بعض من سموا بالقاعدة واليوم غيروا اسمهم لداعش! بعد ان بارت سلعة الماركة المسماة بالقاعدة. مستغلين غياب القانون وصراع الكتل الطائفية على مناصب السلطة من اجل منافع شخصية مما عرض البلد للتخريب والتدمير.

خاطبت بعض الكتاب والفنانين، وطرحت عليهم اسئلة تدور في هذا المضمار.. لإيصال وجهات نظرهم للقاريء المتلهف للكلمة التي تشحن الامل فيه.

استجاب البعض منهم مشكورا وبوقت قياسي..ومنهم من اغنى الموضوع بوجهات نظر مفصلة علمية ومنطقية.. الشكر والتقدير لهم جميعا.

الدكتور عبد الخالق حسين من الكتاب الذين اعتز بروح التفاؤل في كتاباته..اغنى الحوار بأجوبته القيمة:

 

1- ما هو رأيكم بتلك النزعات الطائفية بين المثقفين العراقيين؟..

عبدالخالق حسين: المثقفون هم نتاج المجتمع، ويشكلون شريحة منه، وما يصيبه يصيبهم. والمعروف أن المثقف هو مرآة المجتمع، تنعكس عليه صورة المجتمع. كما أود التوكيد أن الانقسام الطائفي في العراق ليس جديداً، بل قديم قدم الإسلام نفسه.

ثم القمع السلطوي ضد الشيعة خلال أربعة قرون من الحكم التركي العثماني المتخلف. والمشكلة أن الدولة العراقية الحديثة منذ تأسيسها عام 1921، تبنت الموروث التركي العثماني في عزل الشيعة عن المشاركة في حكم بلادهم. وكان هذا الصراع موجوداً ولكنه قوبل بالقمع والقسوة وخاصة في عهد حكم البعث الصدامي، عندما رفعوا شعار (لا شيعة بعد اليوم)، ونشروا دعايات ومفاهيم تسقيطية للحط من شيعة العراق، بأنهم ليسوا عراقيين ولا عرب، بل وحتى شككوا في إسلامهم، وأنهم خليط من الفرس المجوس، وهنود جلبهم محمد القاسم الثقفي مع الجواميس من الهند، وملأوا بهم المقابر الجماعية وشردوا أكثر من أربعة ملايين منهم إلى الشتات. أما بعد 2003، وإقامة النظام الديمقراطي، وتبني الانتخابات في التبادل السلمي للسلطة، فقد رفضها السنة العرب الذين أدمنوا على التفرد في حكم البلاد وصنع القرار السياسي، وعدم مشاركة الآخرين في الحكم إلا بمشاركة سطحية كديكور. لذلك رفضوا الديمقراطية ووصفوها بشتى النعوت البذيئة، وادعوا التهميش والعزل والإقصاء، وأن إيران هي التي تحكم العراق...الخ. وهذه الدعوى الزائفة لم تتوقف على القادة السياسيين السنة ومن يدعمهم في الخارج بل تعداهم وشمل حتى المثقفين من ذوي الخلفية الشيوعية منهم، مثل الشاعر المعروف سعدي يوسف الذي كان يلقب نفسه بـ"الشيوعي الأخير"، اعتبر شيعة العراق المشاركين في الحكم اليوم هم عجم. (سعدي يوسف: مصرُالعروبةِ عراقُ العجَم!)(1).

 

2- وكيف ترون تأثيرها على الشارع العراقي..بالوقت الذي كثير من الشباب في داخل العراق يطالبون بإلغاء المحاصصة وإلغاء المسميات (سنة وشيعة) من الوثائق الشخصية!؟

عبد الخالق حسين: تأثير المحاصصة على الشارع العراقي مدمر، خاصة وأن هناك القتل على الهوية الطائفية. أما مطالبة الشباب بإلغاء المسميات (سنة وشيعة) من الوثائق الشخصية فهي مشروعة وخطوة وطنية وعقلانية في الاتجاه الصحيح، ولكن هذه المسميات هي غير موجودة في الوثائق الرسمية أصلاً، ومع ذلك فالصراع الطائفي موجود ومنذ العهد الملكي ولو بدرجات مختلفة.

أما إذا كان القصد برفع المحاصصة السياسية من الكتل السياسية في المقاعد البرلمانية والوزارية، فهذا غير ممكن في الوقت الحاضر على الأقل، لأن هذه المحاصصة مفروضة بحكم الجغرافية والتاريخ والواقع الموضوعي، خاصة وأن جميع القوى السياسية المتنفذة هي موزعة على أساس الانقسام الديني والأثني والمدعوم جغرافياً، ولا أحد يستطيع أن يغير التاريخ والجغرافية. أما الأحزاب العلمانية العابرة للطوائف والأعراق، فهي ضعيفة ولا دور حاسم لها في التأثير على الشارع العراقي. وإذا كانت المحاصصة مفروضة بحكم الانقسام الطائفي والعرقي، ولا يمكن تجاوزها في هذه المرحلة، لذلك يجب أن يكون النضال من أجل وقف المحاصصة في التوظيف في دوائر الدولة على أساس القرابة والطائفة والمحسوبية والعرق. وحتى مناصب نواب الرئاسات الثلاث هي لإرضاء قيادات الكتل السياسية ولا حاجة بها لسير الأمور، وهي تستهلك واردات الدولة لدفع رواتب خيالية ضخمة لشاغلي هذه المناصب، إضافة إلى تكاليف حماياتهم الذين يعدون بالألوف، وخلق جهاز وظيفي متضخم لا لشيء إلا لتوظيف أقارب كبار المسئولين على أسس المحاصصة. وهذا سرطان يؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار الدولة العراقية.

 

3- ما هو دور المثقف الآن في رفع معنويات الشعب وتعزيز روح المواطنة والولاء للعراق فقط قبل كل الولاءات؟ فتلك من وجهة نظري هي السبيل الاول لإنقاذ العراق من الفوضى السياسية. وإنقاذ الدولة سياسيا وأمنيا وإقتصاديا، بعيدا عن الطائفية التي جاءت بمسئولين لا كفاءة ولا خبرة لهم؟.

عبد الخالق حسين: يجب أن نكون واقعيين، بمعنى يجب أن تكون الأمنيات قابلة للتطبيق، وإلا أضعنا العمر والجهد في طلب المحال. فكما بينتُ أعلاه، العراق في وضعه الحالي لا يمكن التخلص من المحاصصة في البرلمان ومجلس الوزراء، لأن الكتل السياسية مؤسسة على هذا الانقسام الطائفي والأثني والجغرافي، ومعظم الذين يدينون المحاصصة علناً يمارسونها عملاً ويرفضون زوالها. فالمثقف السني يطالب بالمزيد من المكتسبات للسنة، وكذلك المثقف الكردي، والمثقف الشيعي، وكلهم يشتمون المحاصصة، وما أسهل شتم المحاصصة. وبمجرد نظرة سريعة على عناوين التقارير والأخبار يومياً يكفي أن نعرف حجم الكارثة، وعلى سبيل المثال لا الحصر نقرأ ما يلي:

(مفتي العراق – الشيخ رافع العيساوي- يواصل من مصر هجومه على الحكومة والقوى الشيعية: لسنا أغبياء لنقاتل داعش كي تذبحنا المليشيات)، وعنوان آخر: (مفتي العراق يهاجم إيران والمليشيات الشيعية من القاهرة: مساجد السنّة تُحرق وتُرفع عليها صور خامنئي)(2). وهذ المفتي صرح قبل فترة من أربيل، أن السنة يرفضون أن يحكمهم شيعي. وكأن الشيعة هم وحدهم يحكمون، بينما تؤكد دراسة من أكاديمي لبناني أن السنة العرب يشكلون 19% من الشعب العراقي، ولكنهم يشغلون 26% من المناصب في الوزارة والبرلمان، فأين التهميش؟

لذلك فما تأثير دور الشباب إزاء حملة الشحن الطائفي الصاعدة والتي تتلقى الدعم المالي والإعلامي من جميع الحكومات العربية وبدون استثناء؟ ولكن مع ذلك، على المثقف التقدمي العلماني أن يلعب دوره في وضع حد لهذه الحملات المجنونة في الشحن الطائفي، ويعمل على نشر روح الولاء للعراق والوحدة الوطنية.

 

4- هل تعتقدون ان وراء تلك الاصوات بقايا البعث ذاته او امريكا التي يخدمها التقسيم وبقاء الفوضى السياسية تلك؟

عبد الخالق حسين: بالتأكيد، لقد ذكرنا مراراُ، أن البعث يستغل الانقسام الطائفي، وأي نوع من الانقسام، لصالحه وطرح نفسه الممثل الشرعي الوحيد للسنة العرب، ولم يتردد في استخدام أية ورقة، ومهما كانت قذرة، لخدمة أغراضه للوصول إلى السلطة، ولمصالح سياسية وفئوية مال أغلب القادة السياسيين السنة لدعم البعث، والآن يمارس فلول البعث الإرهاب باسم (داعش). ولذلك نلاحظ معظم مطالبات الكتل السياسية العربية السنية تركز على إلغاء قانون اجتثاث البعث، وقانون المساءلة، وإطلاق سراح جميع المعتقلين والسجناء المتورطين في جرائم الإرهاب وحتى المحكومين منهم باسم المصالحة !، بل وحتى إلغاء قانون مكافحة الإرهاب.

أما أمريكا، وكما بينا مراراً أيضاً، فإنها ليست مؤسسة خيرية، بل هي دولة تسعى وراء مصالحها في المنطقة، ولها الفضل في تخليص الشعب العراقي من أعتى نظام دكتاتوري همجي متخلف وجائر. ولذلك طالبنا الحكومة العراقية سواءً السابقة برئاسة السيد المالكي، أو الحالية برئاسة الدكتور العبادي، ببذل الجهود لكسب أمريكا إلى جانب العراق. ولكن مع الأسف وقعت نداءاتنا على أذن صماء، لذلك سمحوا لداعش باحتلال الموصل وبقية المحافظات الغربية للتخلص من المالكي بعد أن فشلوا في إزاحته عن طريق صناديق الاقتراع.

وأمريكا رغم أنها ضد تقسيم العراق علناً، إلا إنها مع التقسيم في سياستها المطبقة، فقد طرح نائب الرئيس الأمريكي السيد جو بايدن، مشروع تقسيم العراق قبل سنوات. ولما رفض أغلب العراقيين هذا المشروع ساهموا في تعميق الخلافات بين الكتل السياسية بدعم حكومة الإقليم الكردستاني، ودعم إدعاءات الكتل السياسية السنية بالتهميش والاقصاء. لذلك فما جرى من محاولات مؤخراً لحل النزاع حول النفط بين حكومة الإقليم والحكومة المركزية، فهو غير عادل بحق الحكومة الاتحادية المركزية، و تتلقى حكومة الإقليم الدعم من أمريكا على حساب الحكومة الاتحادية.

 

5- لا شك ان صياغة الدستور بشكله الحالي اعطى فرصة للبعض للتعكز عليه وتعزيز التقسيم الطائفي للسلطة. فهل بالامكان تغيير هذا الدستور او على الاقل الغاء المواد التي تتبنى الطائفية او تبررها؟

عبد الخالق حسين: نعم، كتب الدستور على عجل، وفيه الكثير من الثغرات التي تفسح المجال للتأويل والاجتهاد كما يشاء قادة الكتل السياسية وكل حسب هواه ومصالحه. ولنكون منصفين، لا توجد مادة في الدستور تتبنى الطائفية أو تبررها، ولكن الكارثة أنه من شبه المستحيل تعديل الدستور، إذ جاء في إحدى مواده مفادها ، أنه لا يجوز تعديل أية مادة من الدستور إلا بعد استفتاء شعبي وعلى أن لا يعارض التعديل ثلثا ثلاث محافظات. لذلك فالتعديل شبه مستحيل.

اذن المفروض ان يسعى المثقفون ومعهم السياسيين الوطنيين وكل من ينتمي للعراق قبل طائفته وعشيرته او قوميته..يعمل الجميع على الغاء هذا الدستور وصياغة اخر يتماشى مع طبيعة الامة العراقية بكل قومياتها واطيافها. ليكون اللبنة لخدمة المجتمع والشعب وتطوير البلد ليكون بمصافي البلدان المستقرة.

 

.......................

هوامش

1- سعدي يوسف: مصرُالعروبةِ عراقُ العجَم!

http://www.arabistan.org/newsdetails.aspx?elmnt=7041#.VIf5mtKsVIU

2- مفتي العراق يواصل من مصر هجومه على الحكومة والقوى الشيعية: لسنا أغبياء لنقاتل داعش كي تذبحنا المليشيات

http://www.akhbaar.org/home/2014/12/181429.html

 

المثقف العراقي والطائفية (1): مع الروائي والكاتب الساخر كريم كطافة

kareem ketafaحوار مع كتاب وأدباء عراقيين حول الطائفية والانتماء للوطن قبل الطائفة والقومية:

الكثير من المثقفين العراقيين بشكل عام واليساريين بشكل خاص وظفوا فنهم من اجل المجتمع وقضاياه. والتزم الكثير منهم جانب الدفاع عن حق المجتمع في التطور والتقدم. ماعدا القلة ممن استماله النظام السابق الى جانبه!.

وغالبية المثقفين او المبدعين لم يعارضوا النظام السابق لأنه سني..ونعرف ان الالاف من الشيعة منتمين لحزب البعث عن قناعة او خوف من بطشه. ومنهم من له ضلع في السلطة. كذلك اعتراضنا على السلطة الحالية بعيدة تماما عن منطق انها شيعية وهي ليست كذلك لان للطوائف الاخرى اضلاع فيها. وانما ما قدمته او تقدمه تلك السلطة أو هذا النظام للمجتمع والمواطن الذي هي مسئولة عنه. اعتراضنا على كفاءة تلك السلطة في ادارة الدولة وعدم تعريض الشعب والوطن للمخاطر كما حصل في الحروب المتواصلة. وما يحصل الان من كوارث امنية ودخول العصابات الارهابية.

كانت الخلافات بين السنة والشيعة عقائدية..لكن صارت النزعة التنافسية حول السلطة ومغانمها هي الدافع الاول لتلك الخلافات، لاسيما بعد سقوط نظام البعث. حيث صار التمثيل البرلماني طائفيا بعيد عن تمثيل المواطن العراقي. فصارت السلطة كعكة تتقاسمها قيادات أغتصبت تمثيل المكونات الرئيسة من الشيعة والاكراد والسنة..اي ان للسنة حصة في هذه الكعكة (السلطة) وليسوا مهمشين كما يدعي الكثير منهم. وبقي القسم الأكبر من الشعب بمختلف مكوناته فقيراً، يفتقد لأكثر مقومات الحياة اليومية في بلد غني بموارده الطبيعية مثل العراق.

في ظل هذه الفوضى ظهرت اصوات كثيرة تعزز الطائفية بكل اشكالها..لكن المؤلم ان بعض هذه الاصوات من بين من كنا نعتبرهم رموز للثقافة العراقية. لاسيما من كانوا يسيرون في ركب المعارضة للنظام السابق ..ومنهم من طرح وجهات نظر كاريكتيرية مضحكة ومبكية بنفس الوقت..فهذا يجعل من الشيعة عملاء لإيران وولاءهم لها اكثر من ولاءهم للعراق! وذاك يبتدع نظريات ويجعل من النبي محمد شيعي وانه ابن النبي ابراهيم! ولم يكتفي بذلك بل يجعل من النبي ابراهيم (شيعي) حسب رأي ذلك الفطحل في الفقه الديني!! والمشكلة بهذه المهاترات البعيدة كل البعد عن الثقافة والدين تنتشر على صفحات الانترنت. وتشكل خطورة حيث لها تأثير على البسطاء خاصة من باتوا يرون ان الوضع في ظل النظام السابق (السني) حسب ادعاءاتهم، هو افضل من الوضع الحالي المتردي امنيا واقتصاديا. على الرغم من ان من يقوم بالتفجيرات هم من مرتزقة النظام السابق الممولين من عائلة صدام وقيادات البعث المقيمة في الاردن والخليج. مع بعض من سموا بالقاعدة واليوم غيروا اسمهم لداعش! بعد ان بارت سلعة الماركة المسماة بالقاعدة. مستغلين غياب القانون وصراع الكتل الطائفية على مناصب السلطة من اجل منافع شخصية مما عرض البلد للتخريب والتدمير.

خاطبت بعض الكتاب والفنانين، وطرحت عليهم اسئلة تدور في هذا المضمار.. لإيصال وجهات نظرهم للقاريء المتلهف للكلمة التي تشحن الامل فيه. وحرصت ان ابعث رأيي ليكونوا على اطلاع على وجهة نظري..

 

استجاب البعض منهم مشكورا وبوقت قياسي..ومنهم من اغنى الموضوع بوجهات نظر مفصلة علمية ومنطقية.. الشكر والتقدير لهم جميعا.

الروائي والكاتب الساخر كريم كطافة أغنى الموضوع بوجهات نظره التي تستحق الوقوف عندها وتبنيها:

 

قبل الاجابة على الاسئلة اود ان أقول: ان مشكلتنا العويصة التي جعلت كثير من المثقفين يقعون في فخ السياسة ويستمرئونه إلى حد القناعة به أقصد أن المثقف قادر على تقديم الحلول محل السياسي في إدارة شؤون البلد. للأسف حصل هذا ويحصل الآن لأننا عانينا وما زلنا نعاني من سياسيين ليسوا بسياسيين البتة. بل كائنات يصعب وصفها إلى أي مجال حياتي تنتمي. ملفعة بالتخلف والجهل والأمية في ألف باء السياسة ومعادية بشكل صريح للثقافة والمثقفين، ديدنها مصالحها الشخصية وتالياً مصالح أحزابها أو عشائرها وعلى نطاق ضيق جداً. تمتاز بدناوة النفس تجاه المال العام وقلة الاكتراث بمصالح البلد العليا. ومما زاد الطين سيان أسود ومصخم هو دخول الدين والتدين الشعبي الساذج واعتماده من قبل هؤلاء اللصوص رافعة لاستحواذهم وتشبثهم بنظم الإدارة والقيادة في الدولة. لهذا السبب نجد مثقفينا لا يتوانون من التدخل في الشؤون السياسية ومن زوايا النظر الخاصة بهم التي تجعل ما يقولونه ويطالبون به من حلول عرضة للسخرية من السياسي اللص ومن المواطن المكتوي بفساد وإجرام هذا السياسي على حد سواء.

 

1- ما هو رأيكم بتلك النزعات الطائفية بين المثقفين العراقيين؟..

- لا استغرب ظهور نزعات طائفية بين الفئة المستهلكة للثقافة، حالهم هنا حال مجتمعهم المنقسم على نفسه إلى طوائف ومذاهب وأعراق بينها من الخصومة أكثر مما بينها من الود. لكني استغرب ظهور النزعات الطائفية داخل الفئة المنتجة للثقافة، فنانون وأدباء على اختلاف مجالات إبداعهم. استغرابي هنا يأتي من فهمي أن المبدع هو أكثر الناس بعداً عن النفاق، أو على الأقل هكذا عليه أن يكون، وذلك لامتلاكه حساسية خاصة تدفعه باتجاه الصدق سواء مع النفس أو مع الآخر.. ومن يكون صادقاً مع نفسه لا يمكنه أن يجد في المرض الطائفي حلاً لأي مشكلة.

 

2- وكيف ترون تأثيرها على الشارع العراقي..بالوقت الذي كثير من الشباب في داخل العراق يطالبون بإلغاء المحاصصة وإلغاء المسميات (سنة وشيعة) من الوثائق الشخصية!؟

- فيما لو أصيب قسماً من هذا الوسط الذي أشرت له قبل قليل أقصد منتجي الثقافة بفايروس الطائفية، فلحسن الحظ سيكون تأثيره أقل بكثير من تأثير شيوخ الدين بنوعيهم الأرضي (مساجد وحسينيات) والفضائي (قنوات الفتنة الفضائية). إذ لا أحد من الشباب أو حتى غير الشباب مستعد لقراءة كتاب أو قصيدة أو الاستماع إلى برنامج ثقافي. الصراع الطائفي البغيض جعل من المجتمع العراقي مجتمعات منغلقة على نفسها لا تجد الحق إلا عندها..

 

3- ما هو دور المثقف الآن في رفع معنويات الشعب وتعزيز روح المواطنة والولاء للعراق فقط قبل كل الولاءات؟ فتلك من وجهة نظري هي السبيل الاول لإنقاذ العراق من الفوضى السياسية. وإنقاذ الدولة سياسيا وأمنيا وإقتصاديا، بعيدا عن الطائفية التي جاءت بمسئولين لا كفاءة ولا خبرة لهم.

أعتقد يخطأ من يظن أن الدولة العراقية انهارت بعد الاحتلال المباشر في 2003، بل هي انهارت بعد غزو الكويت 1991. مذ ذاك التاريخ لم تعد هناك دولة في العراق. الأمر الذي دعى رأس النظام السابق إلى بدء الاهتمام بالعشائر وتهميش مؤسسات الدولة بدءاً من مركز الشرطة إلى أكبر الوزارات عدة وعدداً، وزارة الدفاع والداخلية. تُركت تلك المؤسسات لآلية التمويل الذاتي، كل يسعى لتمويل نفسه ومرؤوسيه بغض النظر عن الوسائل. الأمر الذي حول مؤسسات الدولة إلى ما يشبه مافيات مستشرسة. بما في ذلك حزب البعث نفسه. ولكي تكتمل عملية هدم وتدمير الدولة تماماً، أردف صدام سياسته تلك بما اسماه بالحملة الإيمانية، الحملة الشاملة التي كانت مفرخة مثاليةً لبروز النعرات والعداوات الطائفية التي كانت أشبه بالجمر تحت الرماد. وحين جاء الاحتلال ومن بعده حكومات المحاصصة الطائفية أكملت ذلك الدمار بتدمير لحمة المجتمع وتحويله إلى طوائف متناحرة. الأمر الذي يجعل من مشروع إعادة بناء الدولة العراقية على غاية الصعوبة والاستعصاء. الدولة بوصفها أرقى أشكال التنظيم الاجتماعي القادرة على إذابة كل الولاءات الفرعية في داخلها وإعطاءها عنواناً وحيداً هو الولاء للوطن. للأسف هذا المشروع ما زال في بدايته وهو مخترق بالطائفية وبالفساد وبالإرهاب وبتحديات كثيرة ليس أقلها مشروع تقسيم البلد إلى ثلاث أو أربع أو خمس دول ضعيفة كسيحة ليس أمامها سوى الاحتماء بهذا أو ذاك من جيران العراق. الدور الان للسياسي، بل هذا هو عمله. لكن السؤال المر كالحنظل: هل عندنا سياسيون ولاءهم الحقيقي للعراق وليس لطوائفهم وأعراقهم..؟ للأسف.. ما زالت أعداد هؤلاء الوطنيين قليلة وهم ضعفاء وبحاجة ماسة للدعم المجتمعي. هنا يأتي دور المثقف بنوعيه المنتج والمستهلك للثقافة في دعم وتقوية وترسيخ خيار هؤلاء الوطنيين، بما يمتلكه من منابر يحاول من خلالها الوصول إلى الجمهور الواسع.

 

4- هل تعتقدون ان وراء تلك الاصوات بقايا البعث ذاته او امريكا التي يخدمها التقسيم وبقاء الفوضى السياسية تلك؟

- قد اختلف مع من يقول أن وراء مشروع التقسيم امريكا والغرب. هؤلاء الملاعين ديدنهم الذي يبحثون عنه على الدوام والذي يدخلون الحروب ويفعلون الأفاعيل من اجله، هو السوق. نعم السوق بوصفه مستهلك ما ينتجون. وبالنسبة للسوق كلما كان مستقراً وآمناً كلما كان العمل فيه أفضل ويدر أرباح أكثر. لهذا ليس من مصلحة أمريكا تقسيم العراق. العكس تماماً من مصلحتها أن يعود العراق موحداً وسوقاً مستقراً وآمناً يحقق لهم ما يريدون، مصدر للمواد الخام وسوق لتصريف البضائع. أما التقسيم فلن يدر عليهم أكثر من بلاوي جديدة لها أول والشيطان نفسه لا يعرف آخرها، تلك الأقاليم المزعومة ستدخل حروباً جديدة وجديدة دائماً من أجل التطهير العرقي والمناطقي. أما السؤال القائل هل البعث وراء ما يجري، أقولها بالفم المليان وبكل ثقة، أن نعم. البعث هو البلاء الأول فيما حصل ويحصل للعراق. والبعث بالنسبة لي ليس حزباً أو كائناً له شكل وطعم ولون.. بل هو كالحرباء يتلون ويتشكل حسب الوظيفة الجديدة، ووظيفته الحالية تخريب كل عملية بناء مهما كانت متواضعة. كل التنظيمات الإسلامية المتحاربة الآن ومن المتراسين الشيعي والسني هم بعثيون وإن لم يعلنوا.

 

5- لا شك ان صياغة الدستور بشكله الحالي اعطى فرصة للبعض للتعكز عليه وتعزيز التقسيم الطائفي للسلطة. هذا ما اعتقده. فهل بالإمكان تغيير هذا الدستور او على الاقل الغاء المواد التي تتبنى الطائفية او تبررها؟

- على صعيد الدستور لدي اقتراح وحيد سيكون كفيل فيما لو جرى تبنيه وتنفيذه اقتراح قادر على أن يضع اللبنة الأولى لخلاص البلد من الصراع الطائفي، اقترح صياغة فقرة واضحة في الدستور ضمن فقرات المادة الأولى، تقول بمنع وتجريم عمل وتأسيس أحزاب وجماعات قائمة على أسس دينية. بهذا نكون وضعنا اللبنة الأولى لدولة المواطن وليس طولة الطائفة والمذهب والقومية.

 

 

حوار مع الشاعرة الكردستانية السورية نغم دريعي

naghamdorayeiالشاعرة السورية المتألقة نغم عبد الرحمن دريعي من مواليد مدينة عامودا كردستان الغربية1969م، عضوة في تجمع الحب وجود والوجود معرفة

https://www.facebook.com/groups/219490341406067/

خريجة كلية الآداب، دبلوم لغة إنكليزية، جامعة حلب، شاعرة وقاصة، ترعرعت وسط بيئة فنية أدبية، وتنشر في العديد من الدوريات المحلية والالكترونية مثل (باخرة الكرد، صوت كردستان) وفي 22- 12-2014م، أجرينا معها هذا اللقاء:

 

• نرحب بك بداية شاعرتنا الكردستانية نغم دريعي في حوارنا معك، ونرجو أن تحدثينا عن المراحل الأولى في مشروعك في الكتابة؟

- اهلا بكم ..يسرني التواجد بينكم كأسرة واحده وأصدقاء مثقفين واعين أنا من عائله غنيه بالفكر والسياسه والفن (شعر .. رسم .. موسيقى) فوالدي يعتبر من الفنانين التشكيليين والموسيقيين الاوائل في منطقة الجزيره ..نشأت في تلك البيئه فكان عبور الفن بكافة اشكاله سهلا لمعظم افراد الاسره .. واثناء دراستي الابتدائيه كنت اجمع النقود لاشتري بها قصصا قصيره او الغازا ًبوليسيه حتى تشكلت لدي مكتبه صغيره .. برعت بكتابة مواضيع الانشاء والتعبير الادبي وكتابة القصه القصيره وكنت رائده في مجال القصه القصيره على مستوى حلب ومدارسها بعمر ١٢م

 

• ما أثر والدك الفنان التشكيلي عبد الرحمن دريعي على شخصيتك وشعرك، بخاصة أن الفن التشكيلي يلامس المخيلة الشعرية عادة؟

- وطبيعي ان نتأثر بالوالد بالفطره ونحمل الكثير من جيناته .. والدي المربي ..التشكيلي وملك الناي كان كالنبع تنهل منه الاجيال القادمه .. من كل فروع الفن وروافدها .. وله الاثر الاكبر في تكوين شخصيتي وصقلها وهو من كان يشجعني على اقتناء الكتب او استعارتها من المركز الثقافي والمكتبه الوطنيه

 

• ماسبب ابتعادك عن الأضواء، وتأخرك عن النشر والتأليف، وتحقيق الانتشارية، هل يعود ذلك للظروف المادية، أم لعدم توفر الوقت لديك والتشجيع على البروز بشكل أكبر أدبياً وفي الساحة الأدبية؟

- دائما كان الشعر لي مناجاه مع نفسي كنت اقول كلاماً يشبه الشعر لشخص ما يسكن بداخلي الى ان تخليت عن صمتي ...لتتحول مناجاتي الى نثراً وخواطر وقصائد ..وتبوح بأحاسيسي وتشي ما بداخلي ..فالكتابه كانت دائما تمنحني التوازن ...الى ان شجعني اهلي واختي بشكل خاص التشكيليه سمر دريعي واصدقاء كثر عالنشر ....

 

• ما الذي أعطته عامودا لك وماذا تعني لك كمدينة كردية، وكيف تبدو الذاكر في حضرتها؟

- عامودا هي من حضنت طفولة ابي وشبابه ونايه الشجي ..والعاموديين يتميزون بخصوصيه كمدينتهم فهم شعب حي وحر ..لا يعرف غير الادب والفن والشعر والسياسه فأنا اعتز كوني ابنة عامودا ...كما كتبت عنها قصيده ..ووصفتها بطفلتي الصغيره ومدينة الكون ....

 

• تتمتع قصيدة النثر لديك بحس انثوي عال وعفوية بريئة وحالمة، إلاما تستدعين ذلك الشيء؟

- كما ذكرت انني سليلة الفن وقد رضعت الفن مع لبن أمي فليس غريباً ان تتمتع قصيدتي بذلك الحس والصدق بالتعبير ...

 

• هل تؤمنين بوجود أدب نسوي يخص المرأة وحدها أو أدب رجولي يخص الرجل وحده، أم لا يمكن تصنيف الأدب، لأنه لأجل الإنسان؟

- لا يوجد ادب خاص بالمراه وادب خاص بالرجل ...فالفن والادب هو التعبير دائما عن الاحاسيس البشريه والمكنونات الانسانيه .والكتابه لا تفرق بين نوع الجنس ..هي قضية تعبير عن احساس ومشاعر .

 

• سعدنا كثيراً بالحوار معك نغم دريعي، كلمة أخيرة تودين توجيهها للقراء والقارئات؟

- انا من سررت كوني معكم وضمن هذه المجموعه اشكركم اصدقائي واتمنى ان نكون دائما بلقاءات فيها منفعه لنا وللقراء كما اخص بالشكر الاستاذ الصديق ريبر هبون من دعاني للانضمام لهذه المجموعه اللطيفه وخلق فرصة للاجتماع بكم ومنحي هذا اللقاء ..شكرا للقراء والقارئات ولكم جميعا كل الود والتقدير

 

أجرى الحوار: ريبر هبون

 

 

حوار مع الكاتبة فضيلة الفاروق

fatimaalzahraa bolaarasفضيلة الفاروق: لست متسولة لرضى الناس .. أكتب كما أعيش .. ولا زلت أكتب نفسي لأن حياتي أغنى بكثير من مخيلتي

 

تقديم

فضيلة الفاروق من الكاتبات الجزائريات اللواتي فرضن وجودهن بقوة في عالم الكتابة .. كاتبة جريئة تتحمل نتائج ما تقول وتكتب .. تدافع عن آرائها بشراسة وتعتبر ذلك صدقا وحقيقة ينبغي ألا نداريها بالنفاق وادعاء الأخلاق

امرأة تشبه نفسها وتشبه أفكارها وتشبه مدينتها (أريس) .. نمرة من جبال الأوراس الشاهقة تستميت في الدفاع عن أفكارها .. عن رواياتها .. وحتى عن عناوينها الصادمة ..

فارسة ركبت صهوة مواهبها المتعددة .. لترسم بريشة الجمال وتكتب بمداد القلب وتصدح بعبير الروح .. يقول من عرفوها أنها بارعة في خلق أجواء الصداقة والألفة .. وقوية بثقتها في لغتها وموهبتها

هاجرت بموهبتها حيث النور والثقافة .. بيروت عروس الحلم عند المبدعين ففتحت لها صدرها .. لكن بعد جد واجتهاد وصبر جميل

تمتد جسور الحنين بينها وبين بلدها متينة قوية .. وتعود من حين لآخر في حواراتها وفي رواياتها إلى جذورها بما يؤكد شربها من منابع الحرية في بلدها .. وعدم قدرتها على الانفصام من حميميتها الشاوية مهما تكاثرت آراء المعاكسين

امرأة تصنع الحدث والرأي حين تتكلم وحين تكتب وحتى حين تصمت .. تهتم بالتفاصيل فتُعاتب .. وتغفلها فتُلام

لا زال أعداؤها الكثيرون يصنعون شهرتها دون قصد منهم في حين تؤكد هي ألا أعداء لها .. امرأة (فحلة) من جبال الأوراس كان يمكن أن تكون (فدائية) لو وُلدت قبل الثورة .. فهل أجد في محاورتها روح الجهاد بالقلم؟؟ ذلك ما تختلف عليه آراء القراء عندما يعرفون أجوبتها في هذا الحوار

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س1 رغم اعتقادنا بأننا نعرف الكثير عنك إلا أنني متأكدة أن هناك الكثير مما نجهله فهل تشبعين فضولنا يا فضيلة وتقولين نفسك بكل صدق

من هي فضيلة الفاروق .. الكاتبة .. الجريئة .. الشاوية ..

- هذا أصعب سؤال يطرح عليّ لأني أشعر بالغرور إن تحدثت عمّا يميزني، وأشعر من جهة أني لا أعطي نفسي حقها إن سكتت، لأننا في زمن من لم ينصف فيه نفسه لا أحد ينصفه، لكن مع هذا دعيني أشكرك على المقدمة التي قدمتني بها للقراء، إنها أفخم مما توقعت، وقد أعطيتني فيها أكثر من حقي.

ما أظنه حقيقة هو أن الجزائر تزخر بالمواهب، لكننا مجتمع مبدع في قمع مواهبه، مجتمع دمّر شبيبته، ويهوي نحو القاع، أنا متأكدة لو أننا نحضن أبناءنا كما تفعل مجتمعات البلدان المتطورة لكانت الجزائر اليوم في الصف الأول ..

أنا امرأة قلبها محروق على الجزائر، وتحضرني الجزائر حيثما حللت، وأتأسف كلما رأيت شعوب العالم تبني بلدانها ونحن ندمر بعضنا بعضا. هذا بالمختصر ما يدور في رأسي ومشاعري أغلب الوقت.

كاتبة؟ لأني تخليت عن مواهب أخرى وهبني إياها الله بسبب أعباء الحياة وكتبت من لوعتي.

جريئة؟ لأن هذه جينة من جينات الأمازيغ.

شاوية؟ نعم شاوية وأفتخر، أتقن لهجتنا جيدا، أتحدثها دون حرج سواء في الجزائر أو في الخارج.

 

س2 عشت في منطقة محافظة .. فمن أين اكتشفت هذه الجرأة في طرح آرائك وأفكارك بكل ثقة؟؟

- آريس منطقة إندلاع الثورة الجزائرية، ولمن يجهلها فهي منطقة ثورة وتمرد، علينا أن نفرق بين من هو محافظ وبين من لديه أخلاق، وسأخبرك سرا، أنا أشعر بالراحة حين أكون في آريس، الناس هناك لديهم أخلاق، لا يمكن لشخص أن يعتدي عليك هناك .. تربيت في عائلة متدينة، وتخاف الله، وعلمتني أن الكذب حرام، ولقنتني كل مبادئ الأخلاق، من إحترام غيري، ومحيطي، ولطف في الكلام ومساعدة الآخر، وو وو .. واجباتي الدينية أؤديها منذ كنت طفلة إلى يومنا هذا، وحسب هذا المفهوم أنا لا أزال محافظة، ولا أزال أتعامل مع كل الناس بأخلاقي العالية، أما الشجاعة فهذه فعلا جينة أملكها، لعلها من جدتي " العالية" رحمها الله أم أبي، كانت سيدة قوية وشجاعة ولا تخاف من الرجال، لا من رجال العائلة ولا من غيرهم، وكانت مستقلة ماديا، عمتي ربيعة رحمها الله أيضا كانت سيدة قوية، وضليعة في السياسة، وكانت مناضلة ومنتمية لحزب جبهة التحرير عند تأسيسه، وتدفع الإشتراك السنوي، وعائلة أمي أيضا فيها نساء بشخصية حديدية مثل خالتي عيشة، وأعتبرهن جميعا من اللواتي صنعن جزءا كبيرا من شخصيتي .. كل ما في الأمر أني أقول الحقيقة وكفى، وعلى ما يبدو قول الحقيقة صعب، يحتاج " لجرأة" أصبحت نادرة في مجتمعنا لهذا يراني البعض وكأني كائن نزل من الفضاء وأنا عكس كل تخيلاتهم، قروية من آريس .. لا أقل ولا أكثر .. !

 

س3: بحكم نشأتك في وسط (علمي) كيف اتجهت إلى الأدب بكل هذا الإصرار؟؟

- ميولاتي كانت كلها أدبية، وفنية،و أختي ليلى أيضا، توجهت للرسم، وهي خريجة مدرسة الفنون الجميلة، ولكنها تفرغت لبيتها وعائلتها بعد الزواج. أبي أيضا تمرّد على تقليد العائلة بالذهاب للطب، أحب الكاميرا، فحملها وصنع مسيرة حياته كلها، أرّخ للعائلة بالصورة الفنية الراقية بالأبيض والأسود، لديه أرشيف كبير من الصورتؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ الجزائر منذ مطلع الإستقلال إلى بداية التسعينات. بالطبع والدي لأنه عمل في حقل الإعلام، لم يكن يريد أن أذهب لمهنته لأسباب يضيق المقام لذكرها، إلا أني تأثرت جدا به، ووجدتني رغم إبعاده لي عن عالمه أتوغل فيه. وأظنه فشل في ردعي لأن " راسي خشين" لا استسلم بسهولة، ولا أتخلّى عن أحلامي دون أن أصارع من أجلها أولا.

 

س4 متى اكتشفت موهبة الكتابة لديك ومن كان له الفضل في إخراجها إلى النور؟؟

- إنها أجواء البيت، رفوف الكتب والقصص عندنا، القصص المصحوبة برسومات جميلة جدا .. التشجيع كان في البيت أولا، ثم في المدرسة، لأننا جيل كان لا يزال بخير، تخيلي أن مكتبة البلدية في آريس كانت عامرة يوميا بمن يستعيرون الكتب لقراءتها، وكنت مع مجموعة من الصديقات نتنافس من يقرأ أكبر عدد من الكتب خلال الأسبوع. اليوم المكتبة مغلقة، هذا التقليد لم يعد موجودا حتى في المدن الكبرى فما بالك في القرى والبلدات الصغيرة ..

القراءة هي التي جرتني للكتابة، ولعلي سردت قصصي حين كنت أكتب مواضيع إنشاء لصديقاتي وأستمتع برؤية العلامات .. كانت عملية غش لكن فيها متعة. أكثر من أستاذ شجعني على الإستمرار في الكتابة، لكن من وقف معي فعلا لأستمر هي أنا، الإنسان وحده يقرر مصيره ويحدد خياراته، وأنا اخترت الكتابة لأني عرفت قوة مفعولها، وأعرف سلفا أنها منحتني الكثير.

 

س5 كسرت الكثير من القيود الاجتماعية التي لم تستطع من قبلك من الكاتبات كسرها .. كيف تأتى لك ذلك وهل أنت عاتبة عليهن لعيشهن في شرنقة التقاليد البالية؟؟

- لا أعتب على أحد، لكني أعتب على اللواتي يفتحن النار عليّ بدل أن يعملن ليتقدمن، المؤسف ليس أن تختار المرأة بمحض إرادتها أن تعيش في الشرنقة، المؤسف حين تهاجم من خرجن من الشرنقة.

بالطبع أنا لست امرأة حديدية كما يردد عني، ولست المرأة التي تسلقت السلم بطرق غير شرعية لتحقق ما تريد، أنا ناضلت، وبلغت أحيانا مراحل ظننت فيها أني انتهيت، لكني كنت أقف في آخر لحظة وأواصل المسير. لم تكن طريقي سهلة، كل محطة كنت أبلغها كانت أتعس من سابقتها، إصراري هو الذي جعلني أستمر، وكما ذكرت في سؤالك، تلك " القيود الإجتماعية" كانت قيودا وكان يجب كسرها فقط. لم أكن بحاجة لشيء سوى الإستمرار، وهذا ما تحتاجه كل امرأة لتحقق ذاتها حين يقف الجميع ضدها. وصدقيني حين تنجح سترى أن الجميع تغيروا تجاهها، وحتى أولئك الذين حاربوها سيركضون وينحنون أمامها طالبين رضاها .. كلما كسرت قيدا، كلما انكسر أحدهم ممن يحاربونك.

 

س6 عناوين روايتك صادمة هل تتعمدين ذلك .. ولماذا؟؟

- أفكر دوما في عنوان مقنع ويختصر عملي، إنها رواياتي وأنا لا أسمح أن تأخذ أسماء تمر دون أن تستفز القارئ .. كل رواياتي اخترت لها أسماءها بنفسي إلا أقاليم الخوف طلبت من صديقي سليم بوفنداسة أن يختار لها إسما فكان هذا .. وقد اندهشت حين قرأته، كان بالضبط ما أبحث عنه.

 

س7 هل أنت في صراع داخلي مع الرجل الشرقي وازدواجيته .. أم أن آراءك عفوية ولاتدين أحدا؟

- في الغالب أنا لست في صراع معه، بل هو الذي لم ينسجم مع أفكاري، الرجل الشرقي يرفض أي محاولة للصلح، يرفض يدي الممدودة له، يرفض أن أحبه، يرفض أن أهتم به، يرفض أن نعيش بسلام ومحبة ورحمة، يرفض كل مشاريع السلام التي أقترحها عليه .. ما باليد حيلة، إنه عاشق للحروب واللااستقرار .. هناك حتى من يطلق نكتة أنه يريد أن يحصل على حقوقه التي أخذتها النساء، يقولون ذلك بدون خجل ولا حياء وكأنهم     " حريمات" .. إذا كان هذا النوع من الرجال هو الذي يجب أن نعتمد عليه فأنا لا أريده .. قلة هم الرجال الذين يعرفون معنى الرجولة ويمارسونها، وهؤلاء هم الذين يملأون عيني الآن.

 

س8 بعد أن تجاوزت فترة الانبهار بلبنان وبيروت والشرق ماذا تقولين لنا عن بيروت (أدبيا)؟؟

- تظل بيروت أفضل من أي مدينة عربية أخرى أدبيا وثقافيا، لأنها تملك تقاليد قديمة في الميدان، نحن للأسف لا نملكها، كان من الممكن أن تكون هذه التقاليد في الجزائر لو لم يحاربها الفرنكفونيون، لكننا دمرنا النخبة المثقفة بعد الإستقلال وأنتجنا نوعا آخر من أجل التعريب، لم يعرف أن يقود البلاد ثقافيا، نما كالطحالب لصيقا برجال السياسة وانتهينا إلى ما ترينه الآن، ملايين الدولارات تصرف عندنا من أجل تظاهرات لا يسمع بها حتى جيراننا في تونس والمغرب، هدر مبالغ فيه لأموال الدولة على مشاريع لم تحدث أي نقلة نوعية في مشهدنا الثقافي، وحتى كتابنا لا تزال قبلتهم الأولى للنشر هي بيروت، وقبلة جوائزهم كل من دبي والدوحة ..

نعم دبي مدهشة في التنظيم، واحتضان أي تظاهرة فنية أو أدبية أصبح عملية إبهار حقيقية،و هذا يعني أن هذا الدور سرق من بيروت، ذلك أنها وقعت ضحية سياسييها مجددا، فبعد حرب دامت 17 سنة لم تحض بيروت بالهدوء اللازم لتستعيد بريقها، وهذا مؤسف لأنها مدينة خرافية لا تشبه سوى مدن الأحلام.

 

س9 هل تعتقدين أن النشر في لبنان في حالة أفضل من غيره من البلدان وما هو السبب؟؟

- النشر في لبنان له تقاليده وتسهيلاته وهذا ما لا يتوفر في بلدان أخرى، لهذا لا يمكن أن يفقد لبنان دوره كعاصمة للنشر، فحتى في عز الحرب وتحت القصف لم تتوقف المطابع عن إصدار الكتب الجديدة . ثم سأخبرك بشيء مهم، اللبناني يبحث دوما على تطوير نفسه، ويسعى لذلك بكل قوته، وهذا ما لا يتوفر في غيره، ولأنه تاجر بالفطرة فهو يحسن دوما تجارته، وصورته لدى الآخرين، بعض العرب في هذا الميدان تعساء جدا، حد النفور منهم .. لهذا يبقى اللبنانيون متميزون في العالم العربي.

 

س10هل تعتقدين أنك مشهورة وماهو مفهوم الشهرة لديك؟؟ وهل تعتقدين أنك كذلك بسبب جرأتك أم موهبتك؟؟

لا أدري .. هل تظنين أني مشهورة؟ أنا أظن أني لست كذلك .. فقلة من يعرفونني، وأغلب من يتحدث عني لا يعرفني بل يؤلف أشياء يظن أنها تناسب شخصيتي .. الشهرة الحقيقية هي حين تخدم الشهرة صاحبها، ويصبح إسمه ماركة مسجلة. لا أظنني بلغت هذه المرحلة.

 

س11 ماالذي يلهمك كي تكتبين؟؟ .. الأشخاص؟؟ المدن؟؟الأحداث؟؟ الحوادث؟؟ .. أم ثورتك الداخلية؟؟

- أظنها ثورتي الداخلية، ومشاعري المعقدة في إحتواء الأشخاص، واستيعاب الأحداث التي نعيشها، لي رغبة دوما في البوح، ولي رغبة في السرد، ولي إيمان في قدرة الكتابة على التغيير، وبالمناسبة تبقى الجزائر ملهمة كبيرة لي لأكتب ..

 

س12 يقال بأن الكاتب يقول نفسه عادة في أول رواياته هل كتبت فضيلة نفسها باسم بطلة من أبطال رواياتها؟؟

- أنا أكتب نفسي، لكني لا أختفي خلف بطل بعينه، أحيانا أتواجد في كل شخصياتي، وهذا ليس بالأمر الصعب، فالإنسان لديه دوما وجهان، أو عدة أوجه، لكنه يرتدي القناع الأنسب للناس لإرضائهم، أما أنا فمتعتي الكبرى حين أواجه الناس بكل أوجهي الجميلة والبشعة منها، لا أتأسف حين يكرهني البعض لأنهم عرفوا حقيقتي، فلست متسولة لرضى الناس .. أكتب كما أعيش .. ولا زلت أكتب نفسي لأن حياتي أغنى بكثير من مخيلتي، ومليئة بالأسرار المدهشة والغموض اللازم للروايات .

 

س13 لو عاد بك الزمن إلى الوراء هل كنت ستغادرين الجزائر وإلى أين؟؟

- لو ظل الوضع كما كان طبعا سأغادر، ماذا أفعل في بلد يسمرك لتبقى مكانك؟ سأغادر طبعا إلى أي بلد يحضنني، ولعلي كنت سأختار أميركا لو سمحت لي الظروف، تعبت من العالم العربي .. تعبت جدا.

 

س14 هل أنت على اتصال بأديبات الجزائر وكيف تنظرين إلى كتاباتهن؟؟

- أنا فخورة ببنات بلادي، وكلما تسنت لي الفرصة أقتني كتبا لكاتبات جزائريات ولي علاقة جميلة مع أديبات أكبر مني، ومن هن أصغر مني ومن هن من جيلي ..

ودوما أشعر بالتعطش للأدب الجزائري باللغتين .. لدي صداقات لا يمكن حصرها، فأنا قارئة نهمة، وأحب أن أعرف أين نحن من غيرنا، لهذا لا تندهشي إن قلت لك أن الأقلام الجزائرية متميزة جدا، لكنهن لا يجدن التشجيع اللازم، ويحاربن أكثر من غيرهن .. للأسف مجتمعنا جد قاسي تجاههن، وهذا ينعكس في أدبهن من جهة أخرى ..

في الشعر هناك شاعرات متميزات جدا، ولا أريد أن أذكر الأسماء تفاديا لإثارة غضب بعضهن.

لنقل أننا بخيرو سنكون أفضل لو أن حروبنا الداخلية تهدأ قليلا.

 

س15 عدا الكتابة ما هي الأنشطة الأخرى التي تقوم بها فضيلة في حياتها اليومية؟

- يومي دائما مليء، أستيقظ فجرا، ولا أهدأ حتى تغيب الشمس، يصعب إذن أن أختصر لك إنشغالاتي اليومية، لكني حتما أحب الأعمال الخيرية، مساعدة الأيتام، أقوم بنشاطات مع المدرسة التي يدرس فيها إبني، وأهالي التلاميذ، أرسم حين يسمح لي الوقت، أنجز هدايا لأصدقائي من صنع يدي، أقرأ، وأخبرك أني مدمنة سينما .. لا يمر أسبوع دون أن أشاهد فيلما من الأفلام الجديدة في السينما، وعدة أفلام أستعيرها من محل قريب .. لا أدري ماذا أفعل أيضا، لكني أغلب الوقت مشغولة، ومساء أحب السكينة قبل أن أن أنام باكرا أيضا.

 

س16 مارأيك في الجوائز والمسابقات الأدبية .. هل تقوم بدورها في إخراج المواهب الشابة أم أنها مسيّسة ومفصلة على مقاسات معينة؟؟

- لم تحقق جوائزنا ما يجب تحقيقه، لأن الكتاب عندنا منفصلون عن المجتمع، الناشر لا يعرف بتاتا دوره، لا يروج للعمل الأدبي، لا ينظم لمؤلفيه لقاءات مع الإعلام، توقيعات ولقاءات في الجامعات .. يصدر الكتاب ويتحوّل الناشر إلى بعبع يقض مضجع مؤلفيه، حين يروج أن الكتاب لا يبيع، وأن السوق نائم، وأن القارئ العربي تافه .. وو و.. كل ذلك ينعكس على وضع الكتاب، حتى حين ننشئ جوائز .. ماذا يمكن للجائزة أن تفعل إذا لم يروج لها جيدا، ويحضر لها تحضيرا جادا لتطلق عدة عناوين دفعة واحدة؟ لن أقول أن جوائزنا مسيسة، ولا مفصلة على مقاييس معينة ولكن من يهتم بها لا علاقة له بالتسويق والترويج للأدب، لا علاقة له بما يحدث في العالم، لا علاقة جيدة له حتى مع المبدعين والإعلاميين فكيف نريد لهذه الجوائز أن تغير واقع مجتمعنا؟ يلزمنا فريق يذهب للتربص في الخارج ويرى كيف يحضر للجوائز المهمة وكيف تنشأ لجان التحكيم وكيف تطلق الجائزة وكيف تمنح؟؟؟ وإلا لن نتعلم أبدا لأننا لا نملك تقاليد لمهنة نشر الكتب والتسويق لها، نحن بلدان خرجت من استعمارات متتالية وحروب طويلة والعالم فيما كنا نحن منشغلون بهذه الحروب كان يتطور بشكل طبيعي، واليوم ليس من السهل أن نتسلّق سلم الحضارة بقفزة واحدة .. علينا أن نستعين في التنظيم بمن لهم خبرة فقط لا غير.

 

س17 هل ستكونين ضيفة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية .. وما رأيك في مهرجان الشعر النسوي الذي يقام بها كل عام؟؟

- ربما أكون ضيفة، حسب ما وصلني من بعض الأصدقاء إسمي موجود على قائمة المدعويين. أما عن مهرجان الشعر النسوي، فينقصه الكثير ليكون مهرجانا محترما، له وزنه بين مهرجانات الشعر العربية. أظنه مناسبة لتصفية حسابات نسائية كثيرة، وغارق في محليته رغم بعض الأسماء العربية التي تشارك فيه .. ثم أتساءل كيف يستضيف المهرجان شاعرات لسن نسويات، ويرفضن تماما أن يطلق عليهن إسم نسويات، ولا يعترفن بتاتا بأدب نسوي، ولا بأدب نسائي، ويشاركن في مهرجان تحت هذا العنوان الكبير؟؟؟؟ غير ذلك تساءلت لماذا لم يدعُ المهرجان من اهتم بدراسات مهمة حول الشعر النسوي أو النسائي في الجزائر والعالم العربي؟ هل تفادى المهرجان ذلك؟ أم هو جهل من أصحابه بما يدور في مطبخ الشعر النسوي؟ لماذا أيضا لم يمنح لدوراته أسماء لشاعرات عبرن ممر الشعر بجثامينهن مثل صفية كتو وهادية رجيمي رحمهما الله مثلا، أو إعادة الإعتبار لشاعرات فرنسيات ناضلن من أجل استقلال الجزائر أيام الإستعمار مثل آنا غريكا (كوليت غريغوار) وإبراز أسماء شاعرات جزائريات يكتبن باللغة الفرنسية والعمل على ترجمة شعرهن وجعله قريبا من القارئ المعرّب .. ملاحظاتي كثيرة بشأن المهرجان، وأرجو أن تؤخذ من باب غيرتي على وطني، وليس من باب آخر، لأن إقصائي من المهرجان ومن كل الملتقيات التي لها علاقة بالأدب النسوي في الجزائر قائم على كراهية لشخصي بدون سبب محدد، فعلى علمي لم أبادر بكراهية أحد، ولم أهاجم أحدا، ولم أشتم أحدا .. ولكن تحامل أغلبهم عليّ وتحامل على كل من يحبني فأقصيوا هم أيضا وهذا ما حزّ في نفسي ..

 

س18 ماذا تقولين للمرأة المبدعة في الجزائر خاصة الكاتبة؟؟

- عليها ألا تتوقف عن الكتابة حتى تموت .. هذا كل ما يجب أن تفعله لتترك بصمتها وتمنح الأمل لكثيرات مثلها، ولتغير حياتها نحو الأفضل. لتكن واثقة أن النجاح يأتي بالإستمرارية، ويحقق الكثير لمحققه. هذا كل شيء.

 

س 19 ماذاتقولين عن

الربيع العربي .. زهور ونيسي .. أحلام مستغانمي .. مصطفى بن بولعيد

الربيع العربي : عنوان إعلامي عربي .. لا علاقة للشعوب به، وهو لعبة سياسية إقتصادية أكبر مما تبثه وسائل الإعلام العربية وتملأ به رؤوسنا.

زهور ونيسي: أول نموذج جزائري يجب أن تحتذي به المبدعات، عنوان كبير في سماء مشهدنا الأدبي لا يمكن إختصاره في كلمة.

أحلام مستغانمي : المرأة الخارقة التي جعلت مجتمعات أمية تقرأ.

مصطفى بن بولعيد: بطل الجزائر الأول، ومن حسن حظي أني من بلدته وأحمل تمرده وثورته في دمائي. شكرا لله على هذه الهبة الفريدة.

 

س20 كلمة ختامك المسك ونص من إبداعك الجميل

- أحب أن أهمس لمن يحبني ولمن لا يحبني، أن النجاح قائم على خمس: المحبة، والعمل، وتفادي إرضاء الناس، ووتفادي طعن الآخرين من أجل الشهرة، حظ سعيد للجميع.

 

أج رت الحوار: فاطمة الزهرالء بولعراس

حوار مع الكاتبة جميلة طلباوي

fatimaalzahraa bolaarasجميلة طلباوي: لا بدّ من آليات جديدة للدول من أجل الاستثمار في الأفراد إن كانت تريد الخروج من التبعية والتخلّف والذوبان السلبي في الآخر.

 

تقديم

جذبني سحر لغتها في موقع أصوات الشمال .. استمتعت بقراءة إحدى قصصها وكتبت تعليقا .. جاء الرد يحمل روحها الجميلة وإنسانيتها

كنت لا أزال مبتدئة في عالم الشبكة العنكبوتية .. كتبت لها تعليقا آخر وقلت أنني أود نشر نص شعري في الموقع ولكني لا أعرف كيف .. نبهتني جميلة إلى قراءة أعلى الصفحة ففيها (أرسل مشاركتك) ضحكت من (جهلي) وأرسلت أول نص بمساعدة جميلة عن بعد .. لا زلت أذكر عنوان النص (بعدك أمي) فرحت جميلة بمراسلتي وعلقت على نصي وتواصل اللقاء الروحي والأدبي بهذه الجوهرة النادرة من جواهر الأدب والأخلاق والتفاني في جزائرنا الجميلة

هي جميلة ابنة بشار المخلصة التي تحمل لونها وترتدي بسمتها وتتحلى ببهائها النادر، هي المنشطة الإذاعية السمراء التي يتلعلع صوتها ويصنع الحياة من إذاعة بشار الجهوية

هي صاحبة المؤلفات .. شظايا .. وردة الرمال .. شاء القدر .. أوجاع الذاكرة .. كمنجات المعطف البارد .. والخابية ..

الساحرة بالكلمات جميلة هي الساحرة بالصوت صاحبة الحصص الإذاعية الناجحة بإذاعة بشار الجهوية .. حصص اجتماعية وأدبية تضع فيها جميلة كل حضورها الطاغي وثقافتها الواسعة ونشاطها وحيويتها

شدني إليها سحرها الغريب وتواضعها الجم وأحببت أن يعرفها القراء أكثر وكان هذا الحوار

 

س1: بعيدا عن التقديم المقتضب أعلاه ماذا تقول لنا جميلة طلباوي عن نفسها؟

- كاتبة .. مذيعة .. وناشطة في ميدان الأدب ..؟؟

جميلة طلباوي: ماذا عساي أقول سيدتي الفاضلة غير أنّني الثلاثة في الوقت نفسه وهذا التنوع يسعدني.

 

س2: لاشك أنك تحتفظين في ذاكرتك بأول ماخطّه قلمك .. وكيف تتابعت خطواتك في ميدان الكتابة؟؟

جميلة طلباوي: البدايات كما الفراشات نكتشفها هكذا بشكل مباغت كائنات تحلّق ، تقترب منّا وتبتعد، كلّما حطّت ننبهر بألوانها، وكلّما حلّقت وابتعدت نشعر بعجزنا عن اللحاق بها .. لعلّي هنا سأذكر أوّل ما دوّنه قلمي وأنا طفلة تحصّلت على شهادة التعليم الابتدائي وانتقلت إلى المرحلة المتوسطة ممتلئة بحكايا الوالد والوالدة المجاهدين عن ذكريات الجهاد وبطولات المجاهدين وتضحيات الشهداء فوجدت الطفلة في تكتب قصة عن الثورة التحريرية المجيدة، رغم بساطتها يومها إلا أنّها شدّت انتباه الأسرة التي كنت أصغر فرد فيها تحيطه بعناية خاصة، أسرة كانت تعدّني لأكون مهندسة لكنّها وفرت لي مكتبة تنوعت كتبها التي نهلت من منابعها قصصا وروايات وكتبا في الفكر والنقد، قرأت كلّ ما كان يجلبه أخي رحمه الله من كتب يدعّم بها مكتبة الأسرة، لكنّ عوالم جبران خليل جبران سحرتني في البداية وكانت ظلالها واضحة في الخواطر والقصص التي كتبتها في مرحلة الثانوية، شيئا فشيئا وبفضل الدربة وتعدّد القراءات وفي رحلة دراستي للهندسة الميكانيكية كنت دائما أهندس نصوصي الأدبية مستمتعة بهذا التنوع، مستمتعة أيضا بالوافد الجديد على حياتي وهو الميكرفون الذي بفضله جبت عدّة مناطق، نهلت من ثقافتنا الشعبية الأصيلة، كان احتكاكي بالإنسان في ظروفه القاسية، في حالات المرض والعوز، كان الاحتكاك بمختلف شرائح المجتمع، فكانت خيوط أخرى بدأت تتشكّل في نصي ترتكز على الفضاء الصحراوي لبناء عوالمها فيه تتجلّى رؤاي الخاصة المنصهرة مع أفكار هي وليدة صراع الإنسان عبر حضارات مختلفة، صراع الإنسان في ظلّ العولمة.

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س3 يعاني المبدعون عادة من حواجز معينة في البداية منها ما يتصل بهم ومنها ما يتصل بميدان الأدب الذين يريدون دخوله .. فهل وجدت جميلة طلباوي مثل هذا في مسيرتها وما هي نوعية هذه الحواجز؟؟

جميلة طلباوي: أعتقد أنّ الحاجز الوحيد في وجه الإنسان هو نفسه، عندما نؤمن بالفكرة لا شيء في هذا العالم يمكنه كبح انطلاقنا.

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س4 عملك كمذيعة يعطيك متنفسا للتواصل مع الجمهور .. هل أحسست أن قراءك من هذا الجمهور؟؟ .. أم أنّ الأمر مع القراءة مختلف؟؟

جميلة طلباوي: اسمحي لي بهذه المناسبة أن أبعث بتحية احترام وتقدير لكلّ المستمعين الذين أدين لهم بالكثير، بل أصبحوا يشكلون عائلتي الثانية باحتضانهم لي صوتا وقلما.

 

فاطمة الزهراء بولعراس:

س5 حدثيني عن أول كتاب نشرته وكيف كان شعورك .. خاصة وأن الكثيرين يشعرون بخيبة أمل لسبب من الأسباب بعد صدور كتبهم الأولى؟؟

جميلة طلباوي: أوّل كتاب صدر لي كان" شظايا" عن جمعية الجاحظية عام 2000م بتشجيع من الدكتور عبد الرحمان مزيان والدكتور علي ملاحي ، كان لصدوره طعم خاص ، فبفضله تعرّفت على الروائي الراحل الطاهر وطاررحمه الله، وبفضله خضت غمار تجربة حقيقية مع عالم الأدب، صحيح أنّ للبدايات دائما هفواتها، لكن بفضلها نتعلّم أن نكتب بوعي أكبر وبمسؤولية أكبر، نعرف ما ينبغي أن يكون عليه مسارنا الأدبي .

 

فاطمة الزهراء بولعراس:

س6: كامرأة مثقفة .. كيف تنظرين إلى الأوضاع المزرية التي يمر بها العالم العربي حاليا؟؟ ما هو السبب في نظرك وما هي مقومات النهضة والسير إلى الأمام؟؟

جميلة طلباوي: الحديث ذو شجون والأسباب متعدّدة ، لكنّني أجزم بأنّ بناء الفرد عامل مهمّ في الحلقة المفقودة في مجتعاتنا العربية التي يغلب عليها الطابع الاستهلاكي والسلبية والاستلاب والانبهار بقشور الآخر دون الاستفادة من التجارب الناجحة لشعوب استطاعت أن تحقق قفزة نوعية على مستوى الاكتفاء الغذائي والتقدّم التكنولوجي والوضع المعاش أعتقد بأنّه يعود بالدرجة الأولى إلى غياب مشروع حضاري ثقافي لشعوبنا العربية ، وفشل الأسرة في تعزيز الثقة بالنفس وروح الإبداع في أفرادها نتيجة وضع بائس لدولها.أعتقد بأنّ مقوّمات النهضة تبدأ من بناء الفرد ولا يمكن الإقلاع بدون الفرد المدرك لهويّته القادر على العمل والخلق والإبداع، لا بدّ من آليات جديدة للدول من أجل الاستثمار في الأفراد إن كانت تريد الخروج من التبعية والتخلّف والذوبان السلبي في الآخر.

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س7 قبل أيام وقفنا أمام اليوم العالمي للغة العربية .. هل أخذت اللغة العربية في الجزائر مكانها فعلا أم أن هناك ما تقوله جميلة في هذا الموضوع؟؟

جميلة طلباوي: لا ننكر بأنّ جهودا معتبرة ساهمت في إيجاد جيل يتحدّث باللغة العربية، والإحصائيات تشير إلى تراجع نسبة الفرونكوفونية في الجزائر، لكن بالمقابل نجد تناقضات كثيرة في التعامل مع هذه اللغة ، ابتداء من الإدارة التي لا زالت في أغلبها مفرنسة ، إلى إصرار بعض مسؤولينا على الحديث باللغة الفرنسية، ضف إلى ذلك أنّ حملة التعريب لم تعزّز بمشروع ثقافي هامّ يجعل اللغة العربية بالقوة التي ننشدها،أعتقد أنّ القضية تحتاج إلى إعادة النّظر في واقعنا الذي يعيش تناقضات كبيرة على مستوى اللغة.

فاطمةالزهراء بولعراس

س8 كمنشطة إذاعية ماذا تقولين لنا عن تواصلك مع المستمعين؟؟

وهل تفكّرين في مشروع برنامج آخر غير تلك التي نشطتها أو التي لازلت تنشطينها؟؟

جميلة طلباوي: علاقتي بالميكروفون علاقة خاصة جدا، وتواصلي مع المستمعين من خلال البرامج التفاعلية التي أقدّمها من أجمل الأشياء التي أستمتع بها وتأخذ من وقتي وتفكيري، هنالك برامج تعدى عمرها العشر سنوات وصارت جزء منّي ومن الإذاعة ومن مستمعيها مثل البرنامج الأدبي"ظلال الكلمة"، البرنامج الطبّي"طبيبك على الهواء"، البرنامج الموجه للمستهلك من أجل توعيته وإرشاده "نادي المستهلك"، والبرنامج الإجتماعي التفاعلي "لكم الكلمة"، قدّمت منذ التحاقي بالإذاعة برامج عديدة معظمها توقفت ، وأخرى أصبح يقدّمها زملاء لي، كلها برامج أحببتها، وعالم الإذاعة عالم متجدّد قد يجذبك إلى موضوع يكون اللبنة الأولى لبرنامج إذاعي لم تفكر في تقديمه من قبل

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س9 ألاحظ في كتاباتك نغمة حزن هادئة هل هي ناتجة عن معاناة شخصية أم إنسانية؟؟

جميلة طلباوي: حسب تعبير أندريه جيد : العاطفة تنتج الأدب الرديء، عندما أكتب أغمس قلمي في حبر الواقع الموجع بعيدا عن تجاربي الخاصة التي قد تلقي بظلاهلها بشكل ما في بعض نصوصي، لكن في الغالب أوظّف أنا الراوي للحديث عن معاناة الآخر، عن أوجاعه، أضع قلمي مكان صوته لتنطلق صرخاته في نصوصي، أنبش في ذاكرته فتتزاحم رؤاه في سطوري وتتجلى شخصيته في نبض الحكاية.

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س10 الحديث عن الثقافة في بلادنا حديثٌ ذو شجون هل تعتقدين أن الحركة الثقافية في بلادنا حقيقية وبناءة أم أنها جعحعة بلا طحين؟؟

جميلة طلباوي: في وطني يغيب المشروع الثقافي الذي نحلم به، والمثقف طرف مساهم في هذا الوضع البائس من حيث يدري أو لا يدري، رغم كلّ ذلك هنالك جهود لا بدّ من تثمينها على مستوى الفعل الثقافي، هي في كثير من الأحيان مبادرات فردية لكنّها مثمرة لو وجدت المناخ الثقافي الذي يتعهدها بالرعاية.

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س11 زرتِ مؤخرا الكويت هل من انطباع عن الحركة الأدبية في هذا البلد الشقيق؟؟

جميلة طلباوي: أعتبر نفسي محظوظة بزيارتي للكويت الشقيق الذي عرفته من خلال مجلّة "العربي " الرائدة في العالم العربي ، الكويت الذي كما ذكرت في مقال لي نشرته في أصوات الشمال بعد عودتي من هنالك بأنّ هذا البلد الشقيق يعنى بالإنسان قبل كلّ شيء، وجدت الإخوة في الكويت الشقيق منفتحين على الّلغات الحيّة مهتمّين بكلّ ما هو ثقافي وفكري، يكرّسون من وقتهم الكثير من أجل النهل من الكتب ومختلف مصادر المعرفة، كما لفت انتباهي بأنّ تمسكهم بأصالتهم لم يمنعهم من التمكن من التكنولوجيا، فلقد حققوا سبقا في مجال المعلوماتية وفي مجال الأجهزة الإلكترونية الذكية، ممّا سهّل حياتهم وقنوات تلقيهم للمعرفة.

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س12 في أي حالة وجدانية تكون جميلة عندما تبدع؟؟

جميلة طلباوي: في حالة صفاء، حالة أصل فيها إلى نقاط عميقة من روحي، أتوحّد فيها مع الأشياء.

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س13 من تعتقدين أنه فجر موهبتك؟؟ .. الأسرة .. أم المدرسة .. أم ماذا ..؟؟

جميلة طلباوي: الفضل بالدرجة الأولى يعود إلى أسرتي خاصة أخي الأكبر عباس رحمه الله وأختي، نشأت في أسرة تعشق اللغة العربية وتعشق المعلّقات والإبداع الأدبي، أسرة يعني لها الكثير وجود مكتبة في البيت، لقد كان أخي رحمه الله يحرص وهو يجلب كتبا للمكتبة أن يحضر لي ما يشبع رغبتي في القراءة كتلميذة في الفصل الإبتدائي، لقد احتضن خربشاتي الأولى، وجهني وهو المهندس،و ظلّ يحفزني على الكتابة من جهة ويذكّرني بضرورة أن أواصل دراستي حتى الحصول على شهادة مهندسة ، وبالفعل حققت حلمه بالحصول على شهادة مهندسة ، وحققت حلمي بالاستمرار في الكتابة، في المدرسة تعهدني الذين درسوني بالعناية والتشجيع وحفزوني وهم يتنبأون لي بمستقبل جميل في عالم الكتابة الأدبية.

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س14 أسماء لها معنى عند جميلة

لالة فاطمة نسومر: المرأة الرمز لقدرة المرأة على المقاومة من أجل قضايا كبرى في الحياة.

جميلة بوحيرد: هذه البطلة رمز النضال والتضحية.

هواري بومدين:هذا الرجل العظيم هو رمز الشموخ

الأمير عبد القادر: مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة ورمز من رموز مجدها التليد.

جميلة طلباوي

 

فاطمةالزهراء بولعراس

س15 نريد أن نقرأ آخر ما كتبت جميلة ونسمع كلمة الختام

جميلة طلباوي: رواية الخابية كان آخر ما صدر لي عن الوكالة الوطنية للاتصال النشر والإشهار في أكتوبر 2014م أقتطف لكم منها هذا المقطع:

كلمتي في الختام هي شكر عميق لك سيدتي وتحية لكل من سيطّلع على هذا الحوار.

 

فاطمة الزهراء بولعراس

أشكرك جميلة على هذا الحوار الهادئالممتع وأتمنى لك المزيد من النجاحات في حياتك

وقفت قبالة أطلال القصر لترتشف روحي من صدق المكان .. رمقني عيسى بنظرة حائرة ، ربّت على كتفي، قلت له:

- من هنا يجب أن تنطلق الحياة ، سأرفع سور هذا القصر عاليا ، كي لا يؤول مصيرنا إلى تلك. ..

ثمّ أشرت بيدي إلى الكراكر ، تلك الأكوام من الحجارة ، كانت قديما خيما من حجارة، عندما تنفذ المؤونة، يتخذّ رجل القصر القرار المصيري بوضع حدّ لحياته وحياة باقي أفراد أسرته .. يدخلون خيمة الحجر، يدفع بيد المستسلم لقدره الأعمدة الخشبية التي ترتكز عليها، فتتهاوى عليهم الحجارة ..

رجل القصر الذي زاوج بين النور والظلام، زاوج بين الحياة

و الموت أيضا. الفكرة كانت تحبس أنفاسي وتربكني كلّما حاولت استحضار صورة هذا الموت الاختياري ، قد يكون رجل القصر حفظ كرامته كما يقول عمّي عاشور ولم يمدّ يده يتسوّل المؤونة،

و قد يكون باطن الأرض أولى بنا حين نعجز عن إطعام أنفسنا. أمّا صديقي عيسى فالفكرة أضحكته ونحن نقف في محلّ نبتاع منه الأغذية ، قلّب الماركات الأجنبية في العلب المستوردة وهمس في أذني :

-لم تعد لنا القدرة على إطعام أنفسنا ، لنحضّر خيمة الحجر يا فاتح.

قهقه عيسى باستهتار ، ذهل صاحب المحلّ وتناثرت قهقهات عيسى حجرا تراكم فوق قلبي حد شعوري بالغثيان

مقطع من روايتي (الخابية)

حوار مع الأديب والمفكر المصري سامح سليمان حول قضايا المرأه ما بين التغطيه والتسليع والتدليس

samihsolaymanسامح سليمان، مفكر وأديب معرفي مصري، عُرف بمواقفه الصارمة تجاه الأشياء والقضايا الملتبسة والسجالات العديدة التي تمت مناقشتها بصدد المجتمع، المرأه، إشكالية الدين والعادات وقضايا أخرى انشغل بها في الآونة الأخيرة وبقوة، وفي تاريخ 24-12-2014م، قمنا بإعداد هذا الحوار معه:

أستاذ سامح مرحباً بك معنا مرة أخرى، ضيفاً في حوارنا المعرفي ونسألك السؤال التالي:

 

- ألا توجد برأيك الشخصي حدود فاصلة ما بين العهر كماهية أو صفة والتحرر كمفهوم وممارسة، مقابل مفهومي التخلف أو العفة وما بينهما من حدود رفيعة نستطيع التمييز فيما بينهما؟، وهل نعت الرجل للمرأة بالعاهرة هو ما معناه التعري والانحلال الجنسي، أم هو الاعتراف الضمني بتفوق المرأة عليه؟، أم ان العهر يعني بمفهومه الذي يشمل الرجل والمرأة على حد سواء ومعناه انعدام الأخلاق أو الشعور بالقيمة؟

ج : العهر هو أن يحيا المرء بلا مبادئ وأن يقبل بتسليع نفسه، وليس المقصود جسدياً ولكن المقصود فكرياً وأخلاقياً فى المقام الأول، ولكن مجتمعاتنا تحصر القيمه والشرف فى مهبل المرأه وحفاظها على غشائها وتحصر قيمة الرجل فى حجم قضيبه ومدى صلابته، لهذا نرى العديد من جرائم الشرف التى ينحصر ضحاياها فى الغالب فى النساء فقط كأن لا يوجد رجال مخطئين، وأيضاً صرف المليارات على المنشطات الجنسيه للرجال، فى مجتمعات تعانى من الجهل والمرض والفقر الشديد .

إن منع الحريه الجنسيه ليس الهدف منه أخلاقياً بتاتاً، فهى كانت متاحه حتى فى عصور الدوله الدينيه ويمكن مراجعة كتاب الشبق المحرم للدكتور إبراهيم محمود،

و لكن منع وتضييق الخناق على الحريه الجنسيه يتم بهدف حدوث ألهاء موجه الهدف منه التعتيم على قضايا وأحتياجات الأفراد فى مختلف المجتمعات، إن مجتمعاتنا مهووسه بتتدين وتجنيس كل شئ (أى بأعطاء بعد دينى وبعد جنسى) إن أكبر نسبة اغتصاب وتحرش جنسى حتى للأطفال، ومشاهده لأفلام البورنو والخيانه الزوجيه وهوس بترديد النكات والأحاديث الجنسيه هى فى المجتمعات العربيه وهذا بحسب العديد من الدراسات المعتمده، إن السماح بوجود حرية جنسيه بمختلف أشكالها تتزايد مساحتها بتزايد مساحة الرخاء الأقتصادى الحقيقى وحدوث نهضه ثقافيه سلوكية وفكرية شاملة، سيكون لها أعظم الفوائد فى مختلف الأبعاد حتى بالنسبة للبعد الأخلاقي، وأيضاً بخلاف ما سبق لا يوجد ارتباط حقيقي بين الجسد والأخلاق إلا فى القليل جداً .

وللأسف بعض مدعي التنوير يفسرون تحرر المرأة ويقولبوا هذا المصطلح بأنه التحرر من الملابس كما اعتقد الكثيرين فى الغرب ويتجلى هذا بشكل ما في ما يسمى بخطوط الموضة العالمية التى هدفها ليس الجمال فى الغالب ولكن التعري فقط

ارضاء لأذواق الرجال وشهواتهم، وأيضاً تسليع للمرأه ضمن دائرة التسليع الرأسماليه الذكوريه العالميه الفاسده والمفسدة لكل شئ بلا أدنى استثناء .

التحرر هو أن يكون المرء كما يريد أن يكون بلا خوف أو قمع أو قولبه مجتمعيه .

 

- هل تتحمل الأديان القسط الأكبر في انعزال المرأة وتخلف المجتمعات؟، ماذا عن اضطهادها باسم الحزب، والسلطة وحرب الاستخبارات؟

- ج : يتحمل مروجى الفكر الدينى الرجعى المقولب الغير إنسانى وأتباعهم ومن يؤمن بأفكارهم وأقوالهم ويدعمهم مادياً ومعنوياً واعلامياً وقانونياً أو حتى يتعاطف معهم ويبرر لهم أفعالهم وأقوالهم _ للأسف بعضهم من النساء المثقفات المنتمين لمختلف الشرائح الأجتماعيه والخلفيات الثقافيه _ مسئولية ما يقع على المرأة من تشويه وقهر نفسى وعنف لفظي وجسدي، وليس النص نفسه لأن النص يمكن تفسيره بطريقه إنسانية تخدم المجتمع ويمكن تفسيره بشكل غير أنسانى يدمر المجتمع، والمسؤوليه الأكبر فى مجتمعاتنا يتحملها كافة التيارات العلمانيه والليبراليه واليساريه وكل من هو تنويرى لأنهم لم ينجحوا فيما نجح فيه التنويريين فى الغرب من تحجيم لدور رجال الدين وتفسيراتهم فى ادارة المجتمع، نعم يوجد اضطهاد سلطوي ممنهج للمرأه إما بتقديمها كسلعة جنسية أو بتقييدها وقمعها وتدعيم واطلاق يد مختلف التيارات التجهيلية المضللة لتشويهها فى مختلف وسائل اعلامها وخداعها بتفسيرات فاسدة منتهية الصلاحية منذ انتاجها خوفاً من قدرة أتحاد المرأه والرجل على تحقيق المستحيل

وأذكر هنا حتمية تنقية الخطاب الدينى لما له من قبول وتأييد أعمى فى الغالب لا يستحقه ومراجعة كتب الفكر والتراث الدينى بأنواعه وحذف ما قد فقد صلاحيته،

ومنها كتاب (بستان الرهبان) وهو كتاب من التراث الدينى المسيحى المصرى الأرثوذكسى وهو يمتلئ عن أخره بعبارات تحتوى على كراهية وتحقير شديد للمرأة، وكذلك التعريف الأجتماعى _ المؤيد من قبل رجال الدين ارضاءً لرغبة من يديرون المجتمع وليس خوفاً على الأخلاق كما يدعون، فلا علاقة للجنس بالأخلاق إلا فى حالات نادرة_ المغالط للزنا بأنه العلاقه بين غير المتزوجين وليس بأنه الأغتصاب والعلاقه بين طرف متزوج وطرف أخر غير شريكه الأساسى وهذا هو التعريف الصحيح وعلى حد اعتقادى لا يتعارض مع أى دين، فمثلاً فى الوصايا العشر قيل لا تزن لا تشته أمرأة قريبك ولا بيته، قد تم النهى هنا عن اشتهاء ما للأخرين بهدف التنظيم وكذلك فى العهد الجديد قيل من نظر إلى أمرأه ليشتهيها فقد زنى بها فى قلبه

و لم يقل فتاه أو أنثى وهى نفس الكلمه المستخدمه فى الترجمه الإنجليزيه والنص الأصلى، هذا بخلاف ضرورة فحص وتنقية وتجديد الخطاب الدينى المكتوب وأيضاً الخطاب الثقافى والأعلامى والتعليمى، بل وحتى التراث الفلسفي، لوجود الكثير من الفلاسفة والأدباء الذين قد ساهموا فى تشويه صورة المرأة وتحقيرها، معاصرين وغير معاصرين بل وحتى إلى تلك اللحظة،مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو وأغسطينوس وترتليانوس والأكوينى وأرثر شوبنهور والعقاد وتوفيق الحكيم وعبد الحميد جوده السحار، يمكن مراجعة مجموعة الفيلسوف والمرأه للدكتور أمام عبد الفتاح أمام وكتاب عن المرأه للدكتوره نوال السعداوى وكتاب ثقافة الوهم للدكتور عبد الله محمد الغذامى .

يجب أن نعرف بوجود الدين الشعبى وهو ما هو سائد من سلوكيات وممارسات طقوسية ذات بعد دينى ومعتقدات ومفاهيم وتفسيرات شعبيه للنص الدينى، وأيضاً بوجود الدين الرسمى وهو ما تقدمه المؤسسات الدينيه المعتمده رسمياً من الدوله من فكر وتفاسير للنص الدينى تخدم أحياناً كثيرة المستفيدين من بقاء الأوضاع كما هى وتحفظ مصالح وبقاء سلطة من يديرون المجتمع،كما يوجد الدين الثورى ومنه ما هو اصلاحى تقدمى تنويرى سلمى ومنه ما هو تكفيرى مسلح ويوجد أيضاً الدين الأصلي وهو النص الديني الموجود فى الكتاب المقدس لدى من يؤمنون به، ودائماً النصوص تحتمل مختلف التفسيرات ونحن لنا أن نختار من التفسيرات ما يؤدى الى تقدم وصلاح مجتمعنا لأننا من سيحصد النتيجة أو نختار ما يؤدى إلى تخلف ودمار مجتمعنا ونحن من سيدفع الثمن، المسيح قال السبت هو لأجل الإنسان وليس الإنسان لأجل السبت، وهذا معناه إن النص موجود لأجل الأنسان وليس العكس، وعلى حد علمى قال الأمام على أن النص حمال أوجه، وقال ابن رشد أذا تعارض النص مع المصلحه وجب الأخذ بالمصلحه، والمقصود هنا بالمصلحه هو مصلحة المجتمع بل والبشريه بأكملها.

 

- روجت الكثير من الاديان والأحزاب الشمولية والمحافظة بتحرير المرأة حسب معاييرها البرّاقة، واختبأت تحت عدة يافطات مكبلة المرأة بأقسى القيود، ألا يتجلى الاضطهاد هنا بمختلف الاشكال؟، وماذا يحتاج العقل الإنساني والشرقي خصوصاً لأجل حل هذه الإشكالية التي يمكن أن نسميها إن صح النعت بإشكالية القرون؟

ج : ليس فقط من فسروا الدين ووضعوا مبادئ الأحزاب بحسب أهوائهم الذكورية، أيضاً المرأه تساهم فى كل ما يقع عليها من قهر وظلم برضوخها لتلك المعايير المخادعة وأحياناً كثيره تأييدها لتلك الأطارات بل والدعوه إليها، فالكثير من تلك الأحزاب تشارك فيها النساء، كما تدعوا الكثير من النساء ممن تمت أدلجتهن، ويدعوهنّ الأعلام بالمثقفات ذوات الفكر المستنير الثوري الاصلاحي !!!،لتبنى تلك المفاهيم الملوثة التى ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، بدايات الحل الجذري هو أن تتخلى المرأة عن سلبيتها الشديده جداً، وتتبنى بقوه أنطلاقاً من ثقافه إنسانية، ليس فقط ما يحقق مصالحها المادية ولكن ما يخدم مصالحها ومصالح مجتمعها والوجود بأكمله .

للأسف كثيراً ما كان المثقفين المدلسين المؤدلجين لاعقي أحذية السلاطين من يتجردون من قيمهم بحسب الطلب ثم يرقصون لمن يدفع أكثر، حجر عثره فى طريق الوصول لمجتمع إنسانى، خصوصأ المتمسحين منهم فى الدين خوفاً من فضح بلادة أذهانهم

و ضحالتهم وجهلهم المعرفى وضعف قدراتهم العقليه وعدم استطاعتهم استيعاب متغيرات العصر وضرورات اللحظه التاريخيه الراهنه،يجب علينا الإنفتاح على كافة الثقافات بلا أستثناء ليس فقط على الفكر والنظريات الفلسفيه والاقتصاديه والسياسيه ولكن أيضاً النظم الاجتماعيه والسلوكيه والخبرات التاريخيه والحياتيه المعاصره

.

- أليس بروز المعرفيين والمعرفيات عبر التاريخ أمثال (سيمون دي بوفوار، ليليان تراشر، نوال السعداوى، جمانه حداد، وآخرين وأخريات) مؤشراً على أن الصراع قديم بين قوى الجهالة والمعرفة حسب نظرية الحب وجود والوجود معرفة؟، وهل تحقيق رسالة المعرفة يمثل خلاص حقيقي للرجل والمرأة على حد سواء؟

ج : إن قضية العلاقه بين المرأه والرجل لها العديد من الأبعاد التراثيه الناتجه عن تراكم سنوات وسنوات من الجهل والتجهيل الممارس من القائمين على إدارة المجتمع وأتباعهم منذ تحول المجتمع من مجتمع أمومى إلى مجتمع أبوى فى مختلف مكوناته .

تتمثل فى تراث اجتماعى وتراث ثقافى مقروء ومسموع وتراث ديني وتراث سلوكي، وللأسف كافة مؤسسات المجتمع بلا أدنى أستثناء فى مختلف العصور بلا أستثناء وفى كافة المجتمعات بلا أستثناء، بدايةً بمؤسسة الأسره تسعى للإبقاء على كل ما سبق من تراث قمعي فاسد ملوث فاجر وعاهر فكرياً وسلوكياً بهدف الحفاظ على مواقعهم ومصالحهم ومكتسباتهم، ولا أستثنى فى ذلك من يصفق لهم كتاب ومثقفى المؤسسات ويدعوهم الاعلام بالرواد والمفكرين الكبار، اذا ما بحثت فى مؤلفاتهم

وأحاديثهم بتدقيق ستجد الكثير من العفن والروث الفكرى والقيم العنصرية المتخلفة الغبية البلهاء، بل وحتى العلماء لا يتحدث أى فرد منهم عن عدم تدريس نظرية داروين أهم النظريات العلمية فى العصر الحديث ورفضهم التحدث عن الأعضاء الجنسيه بنفس اسمها العلمي واستخدام مصطلح ذو مدلول وهو الأعضاء التناسلية .

نحن بحاجه شديدة إلى ثوره معرفية تقتلع ما هو سائد من منظومه فاسدة لتستبدلها بمنظومة جديدة،منظومه قائمه على العدالة والحرية،منظومة ذات وجود فعلي حقيقي

 

- ألا يلزمنا تحرير الرجل باعتباره المخاطب في الخارج وفي أغلب المراكز الرسمية، بمقدار عزمنا وحماسنا على تحرير المرأة باعتبارهما شريكين بدلاً من التطرق الاحادي نحو إشكالية المرأة؟، ألا يلزمنا تحرير الإنسان من تركة الجهل والخرافة والوهم؟

- ج : التطرق الأحادى بالطبع خاطئ يجب تحرير الرجل والمرأة كلاهما على التوازي وليس على التوالى، إن أحدهما لن يتحرر إلا بتحرير الآخر، المؤسسات النسوية _ البعض وليس الجميع _ تركز فقط على تحرير المرأة لأسباب بعضها عنصري وبعضها اقتصادي للحصول على المزيد من الدعم والتبرعات، فهى لا تريد حدوث تحرير حقيقي للمجتمع فهذا يعنى نقص الدعم المالى والشهره والشعبيه، فى مجتمعاتنا كلما كنت مزايداً متشدداً متعصباً عنصرياً بذئ اللسان داعياً للكراهية كلما كنت أكثر شعبيه وقدره على اجتذاب الأتباع فى مجتمع تسوده ثقافة وقيم القبيلة والعصبة .

 

- هل بقاء العائلة بهيكلها المؤسس على الدين والتقاليد يهدد الإنسانية أم يدعمها في مجتمعاتناالشرقية خاصة؟

مؤسسة الزواج بشكلها الحالى فى مختلف المجتمعات هى مؤسسة نفعية قبلية خصوصاً فى مجتمعاتنا لعدم وجود قوانين عادلة صحية وبسبب أن الزواج السائد فى مجتمعاتنا هو زواج ديني وليس مدني ويشترط أتحاد الديانة _ رغماً عن عدم وجود نص قطعي يفيد بحتمية اتحاد الديانة بين المتزوجين ولكن المفسرين انطلاقاً من قيم اقصائية عنصرية وطمعاً فى ازدياد أعداد المنتمين لقبيلتهم، ويؤكد ذلك أنه عندما يتحدث أى شخص عن الزواج بين مختلفي الديانات يصرخ أبناء كل ديانة وموظفي مؤسساتها الدينيه بالسؤال التالى: وماذا ستكون ديانة الأبناء؟، ادعوا كذباً وزوراً أن الدين يشترط ذلك، وللأسف أطاعهم الكثيرين كالأنعام لسيادة روح القطيع بسبب فساد وبشاعة كافة المؤسسات التعليمية والأعلامية بأنواعها ولم يتأكدوا من صواب تفاسيرهم _ ويفرض جبراً أنتساب الأبناء منذ لحظة ولادتهم إلى ديانة الوالدين، والتسميه فى الأوراق الشخصيه خاصةً بطاقة الهويه بأسم الأب ثم التسلسل التالى : الجد وأبو الجد ومنع التسميه باسم الأم _ إن تشريع ودعم وحماية الزواج المدنى بين متحدى الديانه ومختلفى الديانه هو أعلاء لقيم الحريه الشخصية والحب والمواطنة وبداية الانتقال من ثقافة وسيكولوجية القبيلة والدولة الدينية إلى ثقافة وسيكولوجية الوطن والدولهةالمدنية _ إن العالم بأكمله حتى فى أوروبا لم يصل إلى مرحلة النضج المتمثل فى الوصول إلى قيم الإنسانية الكاملة المتمثلة فى العداله والحريه وتحقيق أقصى جودة للحياة، وتقديس السعي نحو المعرفة ونحو الحب لأن الحب وجود والوجود معرفه،المرأه للأسف فى الغرب انتقلت بدرجةً ما من مرحلة العبودية والتغطيه والعزل والقمع إلى التسليع، وهذا ما نلاحظه فى السينما والاعلان والأعلام وهذا ما دفع بعض المؤسسات النسوية _ كرد فعل _ المهتمات بسينما البورنو (الأفلام الجنسيه) الى تقديم أفلام جنسية برؤيه أنثوية تقدم ما يسعد المرأة من ممارسات . قضية المرأة ليست جنسية فقط هى قضية الحياة منذ نشأتها لأن المرأه هى روح الحياه .

 

- أخيراً وقبل إنهاء الحوار يسعني شكرك عزيزي، كلمة أخيرة تود توجيهها للمرأة والرجل، ومثالاً المقاتلات الكرديات السوريات اللاتي حملن السلاح جنباً إلى جنب مع الرجل، ضد أشرس تنظيم أسلاموي همجي عرفه التاريخ، تنظيم داعش؟

أشكرك أستاذ ريبر على إعطائى فرصة التحدث بحرية، وأقول لكل رجل وأمرأة أن الإنسان الحر هو من لا يطيق رؤية إنسان مظلوم إلا ونصره، واحترامى لكل إنسان معرفى صادق محب لوطنه مضحياً فى سبيله بكل ما هو ثمين .

في برلين .. حوار صريح مع الباحثه والكاتبه الايزيديه علياء بايزيد

ariff almadiعلى هامش مؤتمر برلين لجمعيات ومنظمات حقوق الانسان العراقيه والذي عقد في الثامن والتاسع من نوفمبر الفائت، كنا قد التقينا بالعديد من الناشطات والناشطين المدنيين والسياسيين، بعد جلسات العمل حيث ناقشت العديد من الاوراق والتي تمحورت حول انتهاكات حقوق الانسان في العراق، وماتعرضت له مكوناته العريقه من قتل وتشريد وسلب واغتصاب، وكان للمكون الايزيدي حضور كبير، يتناسب مع حجم الجريمه التي ارتكبها بحقه تنظيم داعش الارهابي في سنجار وماحولها وبعد سقوط نينوى بايام قليله.

فبعد تبادل التحيه مع السيده المحاميه علياء بايزيد اسماعيل وهي البنت الكبرى للزعيم الراحل للطائفه الايزيديه في العراق والعالم ... قمنا باجراء لقاء سريع مع السيده بايزيد ولغرض الوقوف عن قرب لما تعرض له هذا المكون الاصيل من جرائم يندى لها جبين الانسانيه وكان الفاعلون الغاصبون طبعا هم جرذان ووطاويط تنظيم داعش الارهابي، فكانت باكورة الاسئله التقليديه:

 583-areef

س: من هي الباحثه علياء بايزيد؟

فاجابت: انا عاليه بايزيد اسماعيل خريجة كلية القانون والسياسه /جامعة بغداد عام 78_979 تخرجت كأول محاميه من المكون الايزيدي في العراق، عملت بالمحاماة بعد تخرجي من الجامعه فورا ولمدة سنتين قبل ان يتم تعيني في دوائر الدوله ولمدة اربعة اعوام بعدها عدت للعمل كمحاميه ولكن هذه المره في مدينة الموصل، واضافةً الى عملي المهني فقد كانت لدي اهتمامات ادبيه وتاريخيه، وتعمقت كثيرا بدراسة تاريخ الاديان وركزت في مطالعاتي على الديانه الايزيديه ولغرض ان تكون لدي اجابات كافيه حول الجدل الدائر على الديانه الايزيديه، وقد شاركت في مؤتمرات علميه واكاديميه اقامتها جامعة الموصل وكلية الحدباء الجامعه، ببحوث قانونيه نشرت في دوريات الجامعه الفصليه ومن ضمن افضل البحوث القانونيه المقدمه.

 

سؤال: طيب سيدتي كيف تصفين وضعك الاجتماعي باختصار؟

ج: انا من عائله ايزيديه تشجع التعليم والدراسه، كان جدي الامير اسماعيل بك اول من نادى بالتعليم لجميع الايزيديه ذكور واناث لما للتعليم من دور رائد في قضاءه على الجهل والتخلف وتشغيله لفكر وعقل الانسان وتفتح له افاق التقدم، وكان والدي الامير بايزيد ايضا اول من شجع بناته مواصلة تعلميهن الجامعي، وكما ذكرت فانا اول محاميه ايزيديه تعمل في المحاكم وتتعامل مع القضايا العدليه في العراق.

 

طيب: اذا انت من عائله ايزيديه متحرره، وهي تمثل القياده العرقيه والدينيه للطائفه، ولديك قراءه واقعيه لوضع المرأة الايزيديه، فكيف تصفين وضعها في المجتمع؟

جواب: عليَ ان اجيبك بنظرة ديانتنا الى المرأة الايزيدية، فالمرأة في النصوص الدينيه مقدسه ولدينا من الاقوال الدينيه وهي تتحدث عن نساء ارتقين الى مرتبة القديسات مثل(خاتونا فخرا) وهي الوليه الشافع للنساء في آلامهن وخاصه عند الولاده، اما مايخص وضعها الاجتماعي العام فنحن نتطلع الى امرأة فاعله لها حقوقها وعليها واجباتها.

 

سؤال: لقد اقترفت بعد سقوط نينوى افعال اجراميه بحق جميع المكونات العراقيه وخاصه في الاقضيه والنواحي والقرى التابعه لمحافظة نينوى، وكان لليزيدين النصيب الاكبر من هذه الاعمال الاجراميه والتي يندى لها الجبين، كيف تقيم الباحثه علياء بايزيد هذا الوضع المأساوي

جواب: لقد تعرض ابناء الديانه اليزيديه الى العديد من الانتهاكات الصارخه على مر العصور، فلقد مرت اكثر من 72 من حملات الاباده الجماعيه علينا ولغرض تحويل الايزديين الى ديانه اخرى، والتاريخ يذكر تفاصيل تلك الحملات وكيف كان يهرب ابناء سنجار الى الجبل للاحتماء والاختباء خوفا من بطش المجرمين والارهابيين، وفي خلال العقدين الاخيرين جرت حملات اباده جماعيه ففي 2007 تمت ابادة قريتين (سيبا شيخوري، ووكر عزير) وفي الشيخان تم الاعتداء على الايزديين وتم حرق العديد من المزارات والمحلات والسيارات، ولكن اكثر تلك الاعتداءآت وحشيه ودمويه وانحطاط، هو ماجرى لابناء سنجار من تشريد وتهجير وتجويع وقتل، كان اكثرها بشاعه خطف النساء والمتجاره بهن، حيث تعد هذه بحق(جريمة العصر)، لانتكشف عن حقيقة وجود اسواق لبيع النساء في الالفيه الثالثه، عصر الديمقراطيه والتحضر ولوائح وقوانين وعهود واتفاقيات اقرها المجتمع الدولي تدعوا جميعها على احترام حرية الانسان ومعتقداته وتضمن كافة حقوقه المشروعه!. فبأي حق يمكن لاي شخص ان يجبر غيره على ترك دينه والتحول الى دين اخر؟ وباي حق يمكن اجبار النساء على الزواج القسري لاكثر من شخص كما فعلت عصابات داعش حيث اغتصبوا النساءو تداولوا الفتيات لاكثر من شخص وبما شرعوه ( بنكاح الجهاد)

 

سؤال: هل لديكم احصاءيات دقيقه عن عدد النساء المختطفات من الايزيديات لدى تنظيم داعش الارهابي؟

جواب: للاسف ليس لدينا احصائيات دقيقه عن عدد النساء المختطفات ولكن هنالك تقديرات تقريبيه تؤكد ان مابين 2500_3000 امرأة تعرضت للخطف وكما تداولته مواقع التواصل الاجتماعي وبشهادات من بعض الناجيات من ايادي تلك العصابات، حيث اكدت المعلومات على ان في بيت مدير مركز شرطة الحدباء فقط والكائن في منطقة الطيران بالموصل احتجزت اكثر من 500 فتات ايزيديه وتم سلب كل مايمتلكن من ذهب واجهزة اتصال وقد تم تقسيمهن الى مجموعات، مجموعه مكونه من الشابات الجميلات، حيث تم توزيعهن على عناصر داعش، اما الاكبر سننا فقد تم بيعهن في الاسواق في الموصل ومدينة الرقه السوريه وللعمل في الخدمه في المنازل اما الاطفال اليتامى فقد تم حجزهم في مأوى خاص باليتام وليتم اسلمتهم ووفق التشريع الداعشي.

 

وفي مسك الحوار تقدمنا بالشكر والتقدير الجزيلين الى السيده عاليه بايزيد متمنين ان تنتهي معانات الايزيدين من نساء واطفال وشيوخ، وان يتمكن شعب العراق وبمساندة المجتمع الدولي الحر من القضاء على تلك التنظيمات الاجراميه، وانقاذ البلاد والعباد من اشرارها

   عارف الماضي\ برلين

 

رعد بركات: قدرة فنية لم تستطع كلُّ المسافات أن تُسافرَ بهِ بعيداً عن الوطن

raadbarakatتبقى ثقافة الموسيقى هي اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمان، هي اللغة التي ما إن دبت على بقاع الأرض إلا وملأتها حباً وسلاماً، وفي العراق كنوز من جميع المجالات وأخص منها محط اهتمامنا حالياً من فن الموسيقى، المعادل الحقيقي لما يُعانيه المجتمع من غزو للفكر الذي يشيع القسوة والتجلد فهي العلاج الفعال للقضاء على فيروس الفضاضة والغلظة اللتان هما حواضن الإرهاب الأولى والعراق زاخر بالأطباء الحقيقيين من خبراء الموسيقى الذين صقلتهم الغربة بشدة الحنين فأرهقوها بالانتماء والوفاء لجذورهم فعلى من حمل مسؤولية الثقافة في البلد أن ينظر إلى الثقافة بشكل عام كمقومٍ ايجابي للسياسة،وللموسيقى بشكل خاص كثقافة علمية وفنية لها دورها الفعال في تغيير المسار السياسي والاجتماعي إلى أفضل حالٍ وأتمِّ قوامة.

فبعد أن التقيته أول مرة سنة 1994 في بيت أخيه الراحل الفنان خالد بركات وهو يودع أحباءه وأهله في العراق متوجهاً إلى اليمن آن لان التقي به عند عودته إلى مدينته السماوة سنة 2013- 2014 حينها استمعنا سوية لأعماله أثناء الامسية التي أقامها له المخرج السينمائي هادي ماهود احتفاء به فكان لي معه هذا الحوار، انه عازف الكيتار الماهر والمطرب والملحن والموزع رعد بركات.

 

س/ ظهور عازف للعود أو للكمان أو للناي من مناطق الجنوب لا يُشكل غرابة لكن ظهور عازف على آلة الكيتار يثير الغرابة والاستفسار يا ترى ما سر ذلك؟

ج/ سؤال وجيه. البيئة فعلا تؤثر على نشوء الفنان وتحدد في أحيان كثيرة ملامح أسلوبه وتجربته. الحي الذي كنت أقطنه في منطقة معامل الأسمنت في مدينة السماوة حيث كان يعمل والدي كان يضم عوائل عراقية وأجنبية تقريباً أرستقراطية ومن ذوي الدخل فوق المتوسط انعكس على طريقة حياتهم واهتماماتهم فتعرفت على آلة الكيتار لأول مرة عندما شاهدت احد الموظفين الأجانب يغني ويعزف عليه في نادي الموظفين.. فاستهواني صوتاً وشمل الآلة أيضاً فكان العشق الأول لها.

 

س/ من الملاحظ في أعمالك الموسيقية من الأغاني التي قدمتها أن المسحة الغربية تغلب عليها بالرغم من أنها قُدمت بطعم عراقي وبشكل مختلف فهل جاء هذا التأثر من ميولك في الاستماع إلى الموسيقى الغربية أم ماذا؟

ج/عشقي لآلة الكيتار انعكس على أسلوبي بالتأكيد فان آلة الكيتار أسقطت عليّ اللون الغربي لأنها آلة غربية أو عالمية بالأصح فأصبحت متابعاً للأعمال الغربية والعالمية لأتعلم الكثير عن أسلوب العزف عليها ومدارسها وأكيد كان لها دور وانعكاس على تجربتي اللحنية المتواضعة.

 

س/ تقول نظرية موسيقية أوربية أن سبب ظهور النشاط الغنائي الجماعي قد يكون من جرّاء؛ أن الغناء الفردي لا يشكل أي عائق، فالمغني كان يختار الطبقة المريحة والمناسبة لاستقرار صوته أما في الغناء الجماعي من المحتمل عدم تآلف الطبقة الواحدة المريحة للمغني في عدة أصوات مشتركة فتظهر لا محالة النشازات... فعليه يكون علمياً وفنيا أن المطرب الذي يشرع بالغناء على أكثر من طبقة هو بالتأكيد صاحب حنجرة متمكنة لإحاطتهِ بأوسع مساحة للإبعاد الصوتية في الرقعة الموسيقية... ما هي رؤيتك الخاصة باستخدام التوافق الصوتي (الهرموني) في توزيعك وغنائك علماً انَّك المُتفرد بها محلياً ولم يسبقك احدٌ من قبل في العراق وخاصة في الغناء الهرموني، وهذا ما لاحظته في أغنية (يا واقفاً في قلب النور)؟

ج/ أنا أؤمن في مسألة التلوين الموسيقي كما يصنع الرسام بريشته لوحتَهُ فانا أؤمن أن الآلة هي بمثابة الريشة في يد الرسام وعليه كان استخدامي لها حتى انه بإمكاننا أن نسميها ب (الريشة الصوتية) لتلوين اللوحة الموسيقية بما يُـبهر المستمع ويُحدث عنده المتعة ليكتمل الهدف الفني المنشود إيصاله بالتعبير الموسيقي وقد سبقني في هذا المجال عربياً ( الرحابنه) بطريقة التوافق الصوتي في التوزيع والغناء.

 

س/ اشعر كمتلقي وأنا أستمع إلى أغانيك وخصوصاً الحديثة منها، أنها كونٌ ممتلئ بالصراعات الغريبة، حزنٌ وانتظار، أسى و أمل ما سرّ ذلك إن صحَّ التوصيف؟

ج/ إنها قصة غربة امتدت لأكثر من عشرين عاماً لم أفارق ولو للحظة معاناة شعبنا وآلامه والحرب والموت الذي كان يعصف بنا ولم يغادرنا منذ عقود. فماذا تتوقع من مُنتَجي الفني أن يكون !. الفنان بالتأكيد هو مرآة تعكس قضايا وهموم شعبه والفنان الذي يبتعد عن هذا الواجب الإنساني والوطني الكبير لا يسمى فناناً حقيقياً بل انتهازياً وأنانياً في الوقت نفسه ولن يحترمه لا شعبه ولا التاريخ.

 

س / السبب في اتجاهك لتنغيم القصيدة الفصحى هل هو غياب النص الشعبي أم هي محاولة لرفع المستوى الثقافي للمتلقي؟

ج/ الشق الثاني من سؤالك منه. كفنان عراقي اصطف مع من سبقني من فنانينا الكبار أصحاب المواقف الوطنية الثابتة والذين لم ترهبهم كل أنظمة القمع والظلم والممارسات المجحفة بحق الفنان والمثقف كالفنان جعفر حسن وكوكب حمزة وفؤاد سالم وغيرهم الكثير،الذين اضاؤوا مشعل الحرية بوجه ظلام الدكتاتورية كان يجب علينا نحن من ورث رواد الكلمة والموقف أن نكمل رسالة الحرية التي ابتدؤوها بنضالهم ونوصلهم إلى محيط أوسع من أن نكون محليين فالواجب باعتقادي استخدام عامل اللغة الأكثر وصولاً للمتلقي العربي وبهذا نكون قد حققنا أهدافنا. وناهيك عن جمال لغتنا العربية وأوزانها الموسيقية وصورها الفريدة.

 

س / ما هو شعورك وأنت هنا في مدينتك الأولى السماوة بعد هذه الغربة الطويلة وهل راودتك رغبة العودة والاستقرار؟

ج / العودة والاستقرار حلم راودني منذ مغادرتي الوطن وهذا حلم كل مغترب، وعودتي أصبحت وشيكة لمدينتي التي اعشق طيبة أهلها وجمال شواطئها وأمنها ونخلها. السماوة تلك الحمامة البيضاء النائمة على ضفاف الفرات، واني حالياً اخطط بجدية مع نخبة من مثقفي وفناني السماوة لتأسيس أستوديو فني ينهض من واقع مدينتنا الفني والثقافي ويساهم في النهوض بواقعها الموسيقي لأنقل تجربتي في مجال الموسيقى والتسجيل الرقمي إلى الجيل الجديد الذي يتولى إكمال الرسالة الفنية التي منحت لنا من أساتذتنا الذين سبقونا وبعدها نكون قد أدينا الأمانة ومنحنا الفرصة لعجلة التطور والنهوض بان تستمر بالدوران.

 

س/ عندما تُشرع في تنغيم أغنية معينة هل تقوم باختيار ما تعتقده مناسباً من المقامات لها أم ماذا؟

ج/ إن القصيدة غالباً ما تسقط علي اللحن وأحسه منسوجاً مع النص وبشكل منسجم هكذا تولد عندي الجملة الموسيقية دائماً تنبعث من ضوء القصيدة والتي هي مصدر الإلهام الرئيسي.

 

س/ منذ خروجك من العراق والى يومنا هذا لم اعهد منك أن استمعتُ لأغنيةٍ عاطفيةٍ لك ما السبب في ذلك أم هناك رؤية تتبناها؟

ج/ لا اعتقد بأنني أعيش بمعزل عن معاناة أهلنا وشعبنا الذي لم يتوقف نزفه كل هذه العقود فمن غير المعقول أن انشغل بما هو شخصي ومحدود.الوطن هو خيمتنا الكبرى هو الأم والحبيبة التي عاشت معنا كل هذا التاريخ الحافل بالمنتج الإنساني والإبداعي ناهيك عن واجبنا المقدس في الدفاع عنها والحفاظ عليها بأدواتنا ووسائلنا المتاحة، القلم وريشة الرسام والعازف هي سلاحنا الوحيد لتحريرها والدفاع عنها وبنائها أيضا. وانه عهد قطعته على نفسي بان لا اغني إلا للحب الأكبر والعنوان الأشمل.. (الوطن)

 

س/ شاهدت لك عدة أغانٍ قائمة على أسلوب الغناء الثنائي بمرافقة مطربات عراقيات هل كانت الرغبة مبنية على أساس فلسفة أصل الخلق ( رجل،امرأة) كما يتراءى لنا مثلاً أن جميع الآلات الموسيقية كواسطة لنقل أصوات الطبيعة عملياً أن تحتوي على نظامين اثنين الأول صوت القرار الذي يمثل صوت الرجل والثاني صوت الجواب الذي يُمثل صوت المرأة ونجدُ هذه الحالة جلية في آلة الكمان؟

ج/ نعم تفسيرك صحيح نحن مجتمع متكون من رجل وامرأة كلانا نصنع الحياة ونرسم مستقبلها المشرق أسرة واحدة تتبنى مواصلة طريق الحياة الوعر والذي تحملت منه الأم العراقية ما لم تتحمله أي أمٍ في هذا الكون وتستحق كل التحية والتقدير وأنها رمز إنساني كبير لكل البشرية بما تحملته وتتحمل من اجل الوطن والمبادئ الإنسانية. فصوت المرأة في اللوحة الموسيقية في رأيي يكمل الصورة الفنية من خلال ما عرف عن صوت المرأة من تأثير وشجن ولان صوتها أيضا يرمز إلى الأرض والوطن الأم.

 

س/ من الصعوبات التي يتعرض لها المغترب أن لا تتوفر له كل الأدوات الممكنة للعمل وابسط مثال لو أن عملا يحتاج اصواتاً لأطفال مُرددين.... متى خرجت من العراق وأين ذهبت في بداية الأمر؟

ج/ خرجت من العراق في سنة 1994 متوجهاً إلى اليمن لأنها كانت الملاذ الوحيد أن يكون العراقي فيه محترماً... فتسلمت عرضا أن ادرس الموسيقى في مدرسة أمريكية في اليمن فبقيت هناك لمدة أربع سنوات حتى عشقت اليمن بتراثه بناسه بموروثه الشعبي الجميل الذي أصبح مدرسة للخليج.

 

س/ خلال فترة وجودك كإنتاج فني، هل قدمت أعمالا من تلحين أو توزيع أم بقيت في مجال العمل والتدريس؟

ج/ بما أني خرجت بسبب موقفي من سياسة النظام السابق وطرقه المعروفة في حصر الفن وتقييده لشخص واحد ولنظام محدد كان ينبغي عليَّ أن اثبت بصْمتي الفنية وأواصل مسيرتي فسجلت أول عمل اسمه (غربة) ينتقد سياسة الداخل لكن لم أكن وقحاً جدا، حتى أحافظ على حياتي فكانت هناك مؤسسة ساعدتنا فكنا أنا وجعفر العلاق وعدنان الصائغ والراحل كريم جثير والشاعر عبد الرزاق الربيعي فسجلنا أكثر من عمل .. فكان شريطاً كله من الحاني ومن ضمنه كانت قصيدة (لأني غريب) من شعر بدر شاكر السيّاب.

 

س/ متى غادرت اليمن والى أين اتجهت وهل كانت هناك أسباب للمغادرة؟

ج/ غادرت اليمن متجهاً إلى أمريكا في سنة 1999 بسبب أعمالي الموسيقية التي كانت تنتقد السياسة الداخلية للنظام السابق بعد أن وصلتني رسائل، لان اليمن آنذاك كانت متعاطفة مع النظام السابق، فكان لي أصدقاء من أمريكا وفّروا لي سُبل الانتقال إلى هناك.

 

س/ كيف بدأت هناك في أمريكا مرة أخرى وما هو الشيء الجديد الذي قدمته؟

ج/ أول شيء أقدمت عليه ومن الشهر الأول هو إعادة تسجيل شريطي الذي بعنوان (غربة) بمساعدة صديقي الفنان حسن حامد فكان متفانٍ معي من أول مشواري إلى يومنا هذا في تصوير أعمالي ومنتجتها بمبلغ زهيد لأنه كان يؤمن بالعراق مثلي... فهذا الرجل كان له فضلٌ عليّ كصديق وفنان.. فبدأت أنفذ أعمالي القديمة لتوفر التقنية الحديثة في أستوديو الفنان حسن حامد ومنها سجلت (يا عراق) وبعدها شاركت في أمسيات مع مؤسسات ومنظمات مدنية..

 

س/ ما هي نصيحتك للمطربين الشباب فيما إذا لم تتوفر لهم سبل الظهور واضطروا لتوقيع عقود احتكارية لشركات تجارية تتبنى الفنان؟

ج/ انه أمر طبيعي تمر به كل المجتمعات خاصة التي لا تملك تحديات تواجهها كالحروب والطائفية والإرهاب لكن شعبنا يواجه كل ذلك فمن المخجل أن تأخذنا أنانيتنا ولامبالاتنا وندير ظهورنا على كل هذا النزف والموت والعنف... يجب أن نتضامن من شعبنا ومعاناته وجراحاته بما تستطيع من أعمال ذات قيمة فنية ومستوى يوازي فادحة الجرح لتطفئ الحزن وتدمل الجراح وتبتعد عن السذاجة والسطحية.

 

س/ ما هو شعورك وأنت بين أحضان بغداد هذه المدينة التي يُقبـلها الرافدان؟

ج/ تغيرت بغداد كثيرا جئتها وأنا في السادسة عشر وعشت فيها فترة السبعينات الذهبية من تاريخها بغداد لا تضاهيها عاصمة في الدنيا اسماً وتاريخاً غنياً عن التعريف.. ولتعود كما كانت تتطلب أن نمنحها الحب والاهتمام الذي فارقها منذ عقود. أنها مسؤوليتنا جميعاً شعباً وحكومة لإعادة النبض لها لتستعيد مكانتها التاريخية والثقافية والإنسانية.

 

س/ أغنية ( أضعنا الطريق) اتسمت بالتجريد في كل نواحي صناعتها، شعرا وتنغيما وأداء وحتى إخراجاً ما سبب هذا التحول في أعمالك التي كانت تنضوي تحت نظرية ( الفن للحياة ) إلى التجريد الذي هو من مدرسة ( الفن للفن ) هل هي محاولة لرفع ثقافة المستمع من حالة المتعة والسرور إلى حالة الطيران والإصرار في الغوص في مكنون الغرابة؟

ج/ في الحقيقة هو ليس تحولا في الأسلوب لكن القصيدة فعلا كتبت بأسلوب تجريدي يتحدث عن موضوعة الموت الذي يعصف بنا بشكل غير عادل وغير مبرر إذ يعتبر الشاعر أن الموت لو فُرض على بلادنا ولا نملك إلا أن نحيا فيه إذن فهو خيارنا (أضعنا الطريق إلى موتنا فالتفتنا إليك ) والموت الذي يصادفنا في الطريق يغتالنا بلا استئذان فهو يختار الوقت والضحية فليس هناك أي قيمة من هذا الموت كأن تموت دفاعا عن أرضك وعرضك ومالك مثلا أو أن تموت في غربتك بعيدا عن اهلك ووطنك وأهلك وبهذا يعز علينا أن نموت ميتة لا تشرفنا (نَخافُ على مَجدِ أسمائِنا أَن نَخونكَ في مَوتِنا مَرتين) فكرة العمل تجريدية وضعتها بمساعدة الفنان المخرج حيدر الشلال والفنان حسن حامد تتحدث عن نهوض عراقي عاش في الزمن القديم على ارض سومر ونهض كنهوض أهل الكهف ليصطدم بموت حضارة أمته على أيدي صناع الموت في هذا الزمن فيحاول أن يعمل شيئا ليمحي هذا الدمار ويقطعه من كتاب تاريخ العراق. وهو يرثي الوطن المحطم بكلمات هذه القصيدة الرائعة لحامد الراوي. اعتقد بأنني قد وفقت لحد ما بطرح تجربة الأغنية التجريدية والتي تعتبر جديدة على ثقافة الأغنية العراقية المحصورة بالإطار الإخراجي التقليدي.

 

س/ في الساحة الفنية للموسيقى والغناء هناك الجيد والرديء من الأعمال لكني في الحقبة الأخيرة رأيت غياب النقد الموسيقي برأيك ما هي الأسباب في ذلك؟

ج/ هناك حرب ضروس تصل لحد الاغتيال يقودها أصحاب شركات الربح السريع ضد أي ناقد أو كاتب يحاول أن يتهمهم بتدمير الجانب الأخلاقي والقيمي من خلال تسويق بعض الأعمال التي تخدش الحياء وتسيء للذائقة والقيم والتقاليد وحتى البناء الموسيقي الذي أصبح يعتمد على مفردات سطحية بإمكان أي شخص ان ينفذها اعتمادا على بعض البرامج الكمبيوترية حتى ولو مات بعيدا كل البعد عن الاختصاص. وهي مشكلة ليست محلية بل أصبحت عالمية نسف كل القيم الاجتماعية والحضارية بفايروس البرامج الرخيص.

 

س/ ما هو شعورك بعد أن غنيت بصحبة الفرقة السيمفونية العراقية؟

ج/ انه لشرف عظيم لي أن أقف لأول مرة بعد عشرين عاماً من الغربة أن أقف أمام جمهوري على خشبة المسرح الوطني ويجلس خلفي خيرة العازفين من أساتذتي وأصدقائي سعادة لا توصف وشرف ما بعده شرف. وبدوري اشكر كل من ساعدني على أن أقدم هذا العرض. أخص بالذكر د حامد الراوي راعي الفنان والمثقف الأستاذ عقيل عبد السلام والأستاذ علي الخصاف والأستاذ قيس حاضر على ما بذلوه من جهد في التوزيع والإشراف على التدريبات وكل موسيقي وقف خلفنا والشكر موصول أيضاً للفنانة أنيتا رفيقة الفن والدرب الطويل.

 

س/ كلمة أخيرة تود أن تقولها في نهاية هذا الحوار؟

ج/ احلم أن تعلو منارة الحضارة والفن والشعر والإنسانية من جديد لتنير الدرب للأجيال القادمة وللإنسان في كل مكان في هذا العالم. منارة بغداد الفن والعلم والحضارة.

 

حاوره / تحسين عباس

 

معلومات إضافية