حوارات عامة

عبد القادر كعبان يحاورالروائي المصري: أيمن سليمان

ayman sulaymanأيمن سليمان عبد الملاك مبدع شاب من صعيد مصر الشقيقة، يدخل الساحة الأدبية بباكورته الروائية "ألم النبي" بخطوات ثابتة، تعلن عن ولادة روائي له صوته الخاص يبحث عن أفق أوسع للتعبير عن أفكاره بحرية مطلقة. حول تجربته في عالم الكتابة الروائية وتشابكها مع يومياته كان لنا معه هذا الحوار:

 

أولا من هو أيمن سليمان الإنسان؟

- أيمن سليمان، من مواليد عام 1992، ولدت في مدينة أبوتيج بمحافظة أسيوط بجمهورية مصر العربية، كانت المرحلة الابتدائية في تعليمي في مدرسة الراهبات الفرنسيسكان، وهي مدرسة جيدة جداً من حيث التربية. وبعد الفصل الخامس الابتدائي دخلت ما يدعى بالمدارس الحكومية في المرحلتين الإعدادية والثانوية. وبعدهم التحقت بالمعهد الفني الصحي الذي وفر لي وظيفة حكومية بعد التخرج كأخصائي تحاليل طبية.

 

بمن تأثرت في بداياتك الأدبية محليا وعالميا؟

- كنت في عائلة مسيحية، ولكن قراءتي هذه لم تكن شيء طبيعي، حيث أني في عمر السابعة عشر تقريباً كنت على دراية كبيرة بسفر المزامير وأيوب وبعض الأسفار الشعرية القديرة جداً لغوياً وبلاغياً، ومن هنا كانت البداية ثم بعد ذلك الموضوع اختلف عندما قرأت في الثانية والعشرين من عمري بعض الروايات من باب المتعة ولكن كانت هذه الروايات بالصدفة البحتة هي "عزازيل، ومنافي الرب، والفيل الأزرق، ولا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" ولم أكن أعلم وقتها ما هي "البوكر" الأمر كان محض صدفة بحتة.

 

ما سر اختيارك لكتابة الرواية في بداية مشوارك دون غيرها من الأجناس الأدبية الأخرى؟

- الحقيقة أن رضاعتي وفطامي الأدبي كان على الرواية وحكاية القصص، والأمر جاء لي ليس في البداية أبداً لأني في بداياتي كنت أكتب شعراً، بل وشعراً حلواً، ولكني كنت على الدوام أتخلص منه لأني لم أجد أي أحد مهتم بأي كلمة مما أكتبها فكنت أكتب الشعر كنوع من فض المشاعر ومن ثم أتخلص من المشاعر والشعر معاً في سلة المهملات، ثم بعدما بدأت قراءة الروايات فطنت لكوني أمتلك الملكة للكتابة ولكني في الحقيقة لم أكن اعلم أني أستطيع أو لدي موهبة لكتابة القصص وحتى الآن أنا مصدوم من كوني قاص وروائي.

 

لماذا اخترت "ألم النبي" عنوانا لروايتك الأولى الصادرة عن دار المصري للنشر والتوزيع في العام 2015، وما هو مدلول هذه التسمية عندك؟

- في الحقيقة "ألم النبي" لم أستطع أن أجد اسم له مدلول أكثر من ذلك للرواية وخصوصاً أن الرواية ذهبت بي درباً نحو النبوة الإنسانية البعيدة تماماً عن نبوة الدين والعقائد، بمعنى أبسط وأوضح أن الكل إنسان ولكن ليس الكل له نفس الدين، الكل يتشابه في الصفات البشرية ولكن ليس الكل يتشابه في العقيدة ولذلك النبوة الإنسانية تختلف في نوعها عن النبوة الإلهية الرسولية، وهذا هو لب الرواية.

 

هل يمكن أن نقول أن "ألم النبي" رواية دينية كرواية "ألم ذلك الحسين عليه السلام" للمبدع العراقي كمال السيد؟

- الشق الإنساني هو المقصد والشق الديني هو الوسيلة.

 

كم كانت ذاتك حاضرة فيها أثناء عملية الكتابة؟

- سؤال رائع، لا أنكر أن مقصدي الأساسي من كتابة الروايات جزء منه أن أعبر عن ذاتي، وفي هذه الرواية كانت شخصية "رحيم" هي أقرب شخصية لم تتعبني لأني ببساطة قلت ما أفكر أنا فيه، أما الباقين فكان التقمص هو مشكلتي ولذلك وجدت صعوبة كبيرة جداً في الأمر نفسياً ولم أكن أعلم أن الموضوع بهذه الصعوبة.

 

كيف استقبل القراء والنقاد رواية "ألم النبي"؟

- الانطباع العام جيد جداً من القراء، ولم يصلني رأي نقاد بصورة مباشرة ولكن في المجمل ما يهمني هو رأي القراء وليس رأي أحد آخر.

 

ماذا عن حالة الكتابة عند أيمن سليمان بشكل عام؟

- سؤال صعب، لأن حالتي صعبة بالفعل في أيام ترتيب الحبكة وتوليف الخيال بالواقع بالقصة نفسها، أصير شبه مريض نفسي، والكوابيس لا تفارقني وغالباً ألعن الكتابة وألعن نفسي، الموضوع صعب وكئيب جداً ولا أحبه على المستوى الشخصي. بالطبع أحب أراء القراء والحوارات الصحفية وحفلات التوقيع ولكن عندما يأتي وقت كتابة رواية فعقلي يتقمص الرواية جداً وهذا غالباً يظهر في الكتابة لمن قرأوا لي.

 

كونك صعيدي، هل لهذا المكان أثر كبير على تحفيز مخيلتك للكتابة؟ وهل سنقرأ لك قريبا رواية عن الحياة في صعيد مصر؟

- بالطبع نعم الحياة هنا في الصعيد تعتمد فيها تماماً على نفسك من الصغر ليس هنا حُلم وطموح المدينة، ليس هنا الدعم أبداً، ولذلك أنا كبرت على أن أحقق كل شيء بنفسي لا أعتمد على أحد، وربما ذلك صعب في البداية حيث تكره الوضع أن لا أحد يفهمك ولا يفهم طموحك سواء أهل أو مجتمع محيط، ولكنه أفضل على المدى الطويل حيث أني صرت ناقداً ومعلماً وداعماً ومحفزاً وقارئاً وكاتباً بذاتي. ولذلك حينما أرسلت ملف الرواية لم أتوقع أبداً أن الرواية ستقبل وفيما بعد عندما سافرت لأمضي العقد لم أكن أعرف شيء عن المجتمع الثقافي وأن هناك كتاب كثر، ولكن مدير النشر ومحرر الدار قالوا لي أني جيد بالنسبة لمن هم في عمري من أبناء المدينة. وربما يرجع ذلك لبنياني الشخصي الثقيل الناتج من صعوبة الصعيد ولذلك قبلوا المجازفة مع عمل أول لكاتب صغير في السن ومجرد شاب.

 

ما هي القضية الرئيسة للمبدع أيمن سليمان؟ وإلى ماذا تطمح كتاباتك مستقبلا؟

- "اللي يخاف من العفريت يطلعله" هذا مثل مصري مشهور، دوماً في كتابتي أبحث عن الموت لا هو من يبحث عني وربما في ذاتي بهذه الطريقة أقول له ها أنا ذا، وبالتالي لن يخرج لي لأني لا أخافه.

ما هي نظرتك إلى الأجناس الأدبية الأخرى كالقصة والشعر والمسرح؟ وهل لك تجارب معينة لم تصدر ورقيا أو الكترونيا بعد؟

الشعر هو بداياتي وعشقي، وحتى الآن إلهامي عادة يكون من شعر الكاتب الفرنسي "شارل بودلير"، كلما شعرت أني نضبت وأشعر بفقدان الفكرة من عقلي أذهب لبودلير أفتح أي قصيدة بالصدفة وحتى الأن لم يخذلني أبداً في إلهامي. أما القصة القصيرة فهي أدب سهل جداً وممتع لأبعد حد، ولا أتفق لمن يهولون من تعب القصة القصيرة لأن لي تجربة جيدة جداً معها اسمها "الكلاب لا تموت" ستنشر في معرض القاهرة الدولي عام 2017 عن دار أكتب. ولأني كتبت الرواية والقصة القصيرة أقول وأنا مغمض العينين أن فن القصة القصيرة مثل تصميم الأزياء في متعته وعرضه، أما الرواية فهي مثل بناء برج خليفة في الإمارات من حيث الدقة والجمال والمجهود والتكلفة. بالنسبة لي، لا أمتلك أعمال في الدرج، الكل تعاقدت عليه مع دور نشر كبيرة، وهذا شيء عظيم جداً لمن هو في عمري ولا أخجل من أن أشهر امتناني بهذا.

  

كيف تنظر إلى حركة السرد في مصر اليوم؟

- حركة السرد في مصر لها ثقل الآن في حيز مصر ولكن للأسف الظروف الاقتصادية، جعلت الناس تهمل القراءة الأدبية، الكل يهتم بالقراءة السياسية والاقتصادية وللأسف من مصادر واهية وليست مصادر موثوقة. ولكن من حيث الأدباء المصريين، فأرى أن هناك منافسة ضروس وليست فقط شرسة، وخصوصاً بين شباب وكبار الأدباء، حيث في الأدب السن يتنحى جانباً والإبداع يحكم.

 

ما هو جديدك؟

- بإذن الله في يناير مع بدء فاعليات معرض القاهرة الدولي للكتاب 2017 سيتم نشر رواية لي باسم

 "إنها أنثى ولا تقتل" عن دار إبداع للنشر.

 وأيضاً مجموعة قصصية باسم

"الكلاب لا تموت" عن دار أكتب للنشر.

 

ما هي رسالتك لكل روائي شاب لا يزال في خطواته الأولى في عالم الإبداع؟

- الحقيقة لا أعلم كيف أجيب على هذا السؤال، لأني أشعر أني أنا هذا الروائي الشاب الذي يزال في خطواته الأولى. فكلما كتبت تطورت وكلما تطورت فهمت أن أمامي الكثير حتى أصل للجودة المطلقة، التطور الذي أجتاز به يجعلني أشعر أني أصغر وأن أمامي أكثر كي أتعلم، فكما تعلم في كثرة المعرفة الإنسان يفهم أنه أصغر من كل المعرفة أكثر وأكثر.

 

كلمة ختامية للقارئ؟

- إن كنت تحب الجنون فأهلاً بك في كتاباتي، أوعدك ستجن أكثر وهذا جيد لك، أنا أعلم ذلك، وشكرا لك أستاذ عبد القادر كعبان على إتاحة هذه الفرصة الرائعة للتواصل مع القارئ الجزائري والعربي عموما.

 

حاوره: عبد القادر كعبان/الجزائر

 

فريد أمعضشو: الناقد اليوم تخلّف كثيرا عن المبدع والكاتب

farid imadshoالحوار مع الناقد فريد أمعضشو يتطلب أكثر من حلقة، فهذا الأديب الذي خبر كتابة الشعر ودروب الأدب، قبل أن يلتحف بصرامة الأكاديمي في إنتاج نصوص وطروحاته النقدية، التي أغنت الكثير داخل المكتبة المغربية،

فريد أمعضشو ناقد متمرس، وهو إلى ذلك أحد من يتملكون أدواتهم المنهجية ويطورونها باستمرار، لهذا تجد أن المتتبعين والمهتمين بإصداراته تتسع رقعتهم يوما بعد أخر.

في هذا الحوار يطلعنا صاحب (دراسات في أدب الغرب الإسلامي) و(مسائلة النص الإبداعي العربي) على جانب مهم من اشتغاله، كما يفرد لنا أرائه عن واقع الساحة الثقافية المغربية، ورؤيته هو كناقد لجملة من القضايا والطروحات الأدبية الهامة.

 

كفاتحة لهذا الحوار، خبِّرنا عن بداياتك مع الكتابة؟

- بادئ ذي بدء، لا بد من أتوجه إليك بأجزل الشكر وأخْلَصِه على هذه الدردشة، التي نأمل أن تكون خفيفة، على القارئ الكريم، ومفيدة كذلك. بداياتي مع الكتابة يمكن أن أعود بها إلى أوائل الألفية الجارية.. أقصد البداية الفعلية الحقيقية، أما الكتابة دون الالتزام بضوابط أكاديمية منهجية دقيقة؛ أي الكتابة على سبيل الهواية، وتزجية وقت الفراغ، فتعود، بالتأكيد، إلى ما قبل ذلك. لقد كان نَشْري لدراسة عن المنهج السيميائي في مجلة “ضفاف” (2003)، التي توقفت منذ سنوات، والتي كان يديرها أستاذنا الشاعر والناقد د. عبد الرحمن بوعلي، نقطة بداية تجربتي في الكتابة حقا، وبعدها – في غضون سنوات – راكمْتُ مجموعة من الأبحاث والدراسات في مجالات النقد الأدبي، وعلوم التربية، والمجال القانوني، والفكر والترجمة… علاوة على محاولات في الكتابة الإبداعية.. في الشعر والقصة خاصة، نال بعضها استحسان قرائها؛ فتوّجت بجوائز داخل المغرب وخارجه كذلك. وبطبيعة الحال، فأمْرُ البدايات دائما يكون محفوفا بالزلاّت والهنات، وقد صدق أحدهم حين قال قديما: “البداية مزَلّة”، ولكنْ يتجاوز المرء تلك النقائص، ويطوّر أداءه، ويُجوّد كتابته، بالإنصات إلى الملاحظات النقدية البنّاءة، والعمل بها .. أما غير ذلك، فلا يزيد الكاتب إلا تقهقرا، وعيشا في الأوهام، وتماديا في الرداءة، التي تنتعش بوجود أصوات “نقدية” تُجامل و”تنافق” في إبداء رأيها، دون أن تقرأ المكتوب حتى، في بعض الأحايين!…

 

هل لك طقوس خاصة في الكتابة؟

- مسألة الطقوسية في الكتابة ليست بالموضوع الجديد علينا؛ فقد وصلتنا من التراث الأدبي حكايات عديدة عن طقوس مجموعة من الكتاب والمبدعين، يتسم بعضُها بغير قليل من الغرابة والطرافة؛ فتجد أن منهم من كان يدخل محرابه ليُبدِع وقتَ السحر؛ وقتَ يعمّ السكون والهدوء التام المكانَ، ومنهم من كان يقصد الخلوات معتزلا الناس، ومنهم من كان يأتي بسلوكات غريبة جدا؛ كأن يتمرغ في التراب، أو يُلقي بنفسه من مكان عال… وكانوا يعتقدون – كما تروي الميثولوجيا – بـ”شياطين الشعر”، وبأنّ وراء كل مبدع جنّيّاً يُلْهمه قول الشعر على البديهة والسجيّة… وغير ذلك من الطقوس، التي تحضر في ثقافات أخرى كذلك طبعا.

وأعتقد أن لكل كاتب طقوسَه الخاصة في الكتابة. وبالنسبة إليّ، فأنا أحتاج، عادة، لدى إرادة كتابة شيء، إلى أن أكون مستعدا له، فكريا ونفسيا؛ بحيث يلزم أن يقرأ الكاتب كثيرا ليكتب قليلا، وينبغي الاطلاع على كمّ مهمّ مما ألِّف في الموضوع لأخذ فكرة وافية، قبل العَمْد إلى الكتابة فيه؛ تفاديا لإهدار جهدٍ مُضْنٍ في قضايا أثير فيها نقاش مستفيض، وخلَصَ الدارسون فيها إلى خلاصات ذات قيمة تجعلها أحقّ بالاعتماد. كما ذلك الاطلاع يجعل الباحث/ الكاتب على بيّنة من مختلف الأقوال والآراء التي قيلت في الموضوع ليرى ما إذا كان سيُجاري رأيا سبق في مسألة ما، أو يعارضه، أو يتخذ موقفا آخر منها… ثم إني أحتاج، غالبا، إلى الهدوء، وإلى أن يكون أمامي مشروب ساخن، علاوة على موسيقى هادئة – أحيانا كذلك - ؛ ولذا أفضل، حين أعتزم الكتابة، أن آوي إلى مكتبتي ليلا، بعد أن يخلد الجميع للنوم؛ لأن ذلك يتيح التركيز، والتعمق في التناول، وعدم وجود ما يقطع عليك ذلك الانغماس الكلي في الذي أنت بصدده… وهذا يقتضي، بالضرورة، أن تُريح ذاتك نهارا بالقدر الكافي… لذا، يشبّهني بعض الأحبّة والمقرّبين، أحيانا، بـ”الكائن الليلي”، الذي يَسْلك في حياته مسلكا مخالفا لِمَا عليه الطبيعة الإنسانية! ولكنها الحقيقة .. وقليلا ما أكتب شيئا في النهار، اللهم إذا كانت كتابة لا تحتاج تركيزا كبيرا…

 

عندما تكتب نصا جديدا، هل تضع للقارئ اعتبارا؟.. أقصد: هل تمارس نوعا من الرقابة الذاتية على كتابتك تلك؟

- لعل الرأسمال الحقيقي لكل كاتب هو القارئ؛ لذا يلزمه الحرص على عدم تضييعه؛ وذلك بأنْ يقدّم له ما يفيد ويمتع، ويرْأف به من الرداءة المُسْتَشْرية في كتابات اليوم، ويحترم ذكاءه، ويراعي مشاعره، ويتجنب صَدْم أفق انتظاره، مع الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يزعزع ثقته في الثوابت التي عليها الإجماع. ومما يُؤسَف له حقا أن تجد كاتبا يكتب اليومَ شيئا يخدش به شعورا أو غيره، بتهوّر أو دون أن يحْسب له حسابه جيّدا، وتراه غداً يكتب خطابا يتبرّأ فيه ممّا كتب في الوقت الفلاني، أو يعبّر عن أسفه وندمه ممّا خطت يداه في مرحلة المراهقة ونزقية الشباب… وفي هكذا مقام، أقول إن الكاتب يجب أن يكتب بمسؤولية، وأن يتفادى نشر أي مادة لم يقتنع بها تمامَ الاقتناع، وأن يعرف جيدا أنه يكتب للقارئ، الذي قد يحاسبه ويعاقبه بأن يعزف بالمَرّة عن قراءة أي نص ينشره في حال فقْده الثقةَ في ما يكتبه.

أنا شخصيا أكتب مستحضرا على الدوام طَرَفَ المتلقي، بوصف فاعلية التلقي مما لا يكتمل الفعل الكتابي إلا به؛ فأحرص، ما أمكن، على أن أقدّم كتابةً تنطوي على أقصى ما أستطيع من الجِدّة والعمق والنفع .. كتابةً تراعي المتلقي، وتحترم ذكاءه ومؤهلاته القرائية، ولا تتهجم على أحد، بقدر ما تناقش الأفكار والتصورات، في منأىً عن أي شخصنة بعيدة عن العِلْمية والموضوعية.. كل هذا يستوجب من الكاتب أن يمارس ضرورةً، وباستمرار، رقابة على ما يكتبه، قبل أن ينشره ويتيح قراءته لعموم الناس، بدءا بضبط نصوصه فكريا ومعرفيا، وانتهاء بتنقيحها لغويا وإملائيا… وبذلك فقط يكسب الكاتب ثقة القارئ، ويضمن استمرار حبل التواصل بينهما… أما الذي يحلو له نشر أي شيء، ولو كان باديَ الرداءة والتسطيح والاجترار، وأحيانا السرقة والسطو من غيره، فهذا – بلا ريب – سَرْعان ما يَفقد ثقة القراء، ويُنَمَّط إنتاجُه، وهذا أقسى ما يمكن أن يتعرض إليه الكاتب؛ فتجد القارئ بمجرد ما يُبْصر أنّ العمل لفلان لنْ يُكلّف نفسه ولو عناء فتْحِه، فما بالك بقراءته ومحاورته!…

 

ما هي وظيفة الناقد اليوم؟

- لا يختلف اثنان في أن تطور الإبداع، والكتابة عامة، متوقف على العملية النقدية؛ فبها يُوجَّه الكاتب، ويرى طريقه لاحبة واضحةً، ويقف على مواطن القوة والضعف في كتاباته… لهذا، فإن وظيفة الناقد – ولاسيما في وقتنا الراهن، الذي تراجع فيه النقد بعض الخُطوات إلى الوراء، ولم يستطع بعْدُ مواكبة الكتابات المنشورة، أو الاقتراب من ذلك على الأقل – تبدو مهمة جدّا وواجبة أكثر من أي وقت مضى.

إن الناقد الحقّ مطالَبٌ اليوم بمتابعة ما يُنشر، وتقويم مسيرة الكاتب، ومرافقته باستمرار؛ لتوجيهه إلى ما هو أسلم وأصوب، وإنارة السبيل له ليبدع ويكتب عن بصيرة، متفاديا الهفوات والاختلالات التي اعتاد الوقوع فيها. مثلما أنه مطالب بالتمييز بين الجيد والرديء، السمين والغثّ، في الكتابات المنشورة؛ على غرار ما كان يفعله أسلافه في القرون الأولى مثلا (ابن سلام الجمحي، الآمـدي، حمّاد الراوية، القاضي الجُرْجاني، الأصمعي…).

ولكنّ الذي يُؤسَف له أن هذا الناقد تخلّف كثيرا عن المبدع والكاتب، فغاب معه – أو بالأحرى: ضعُف وتراجَع – دوره الحاسم في التوجيه والإرشاد والتصويب والتجويد؛ لذا كثر، على أيامنا خصوصاً، الغثّ والرّديء فيما يُنشر، إلى حدّ لا يُتصوّر، شجّعَ على ذلك النقد المجامَلاتي، وسيادة الإخوانيات في الكتابة النقدية؛ الأمرُ الذي كرّس منطق “عين الرضا عن كل عيب كليلة” (كما قال الشاعر قديما).. فإذا بك تقرأ نصوصا منشورة تحت يافطة الشعر، ولكنها بعيدة عن الشعر بُعْدَ الشمس عن الأرض، وإذا بك تقرأ ما يُنشر على أنه قصة، ولكنه لا علاقة له بهذا الفن من قريب ولا من بعيد، وهكذا… وهذا كله يُفقد الثقة في المنشورات، ويَجعل الكثيرين يضعون علامات استفهام كبيرة كثيرة على مدى عافية الأدب العربي عموما .. طبعا، فهذا الكلام لا يجب أنْ يحجب عنّا أنّ من الكتابات المنشورة ما هو راقٍ وناضج ومميّزٌ، لأسماء من شتى الأجيال والحَسَاسِيّات الإبداعية…

 

أنتَ من النقاد غزيري الملاحقة لجديد الساحة الثقافية؟ كيف تجدها اليوم؟ وهل تجد أن الحركة النقدية حققت وعدها الذي انبثقت لتحقيقه؟

- أشرتُ، قبل قليل، إلى أن ملاحقة جديد الساحة الثقافية من الأدوار الأساسية التي ينبغي أن يضطلع بها نقادنا اليوم؛ فمن خلال ذلك يستطيع هؤلاء معرفة ما يروج داخل الساحة الأدبية والإبداعية، وما يستجدّ فيها من أعمال وكُتاب واتجاهات ومواقف وإكراهات وغيرها. وبناءً على ذلك، يَقيسون درجة ذلك جودة ورداءة، جِدّة واجتراراً، ويقفون على مدى إتيانها بالجديد المبتكر، وبالإضافة النوعية، على صعيد الكتابات الواصفة والتحليلية خصوصا.

ومن خلال تجربتي المتواضعة في ممارسة الفعل النقدي الأدبي، أجد أن أدبنا المعاصر يشهد تراكما متزايدا في النصوص المنشورة، ورقيا وإلكترونيا، دون أن يعني ذلك انطباق صفة “الكتابة الأدبية”، ذات الخواصّ والشروط المعروفة لدى المهتمّين بالمجال، على كثير منها، مع تسجيل تخلّفٍ واضح للنقد على المواكبة والمتابَعة، ومع تسجيل أن كثيرا من المنشور على أنه نقد يُسِمه طابع المجاملة، والبعد عن العمق التحليلي، وعدم ملامسته جوهر المقروءات، وعدم اهتدائه إلى كشف جوانبها الجمالية والفنية والتعبيرية الكثيرة.. هذا أول ملمح يمكن لأيٍّ منا تسجيله. والأمر الآخَرُ أن الحركة النقدية المتحققة تبرز أن الساحة الأدبية عندنا يختلط فيها الأصيل بغير الأصيل، والجيد بغير الجيد، والناضج بغير الناضج… ويقتحم أسوارَها “الواطئة” كل من هبّ ودبّ، في غياب أي رقابة على الساحة الأدبية، وفي غياب أي استعداد لممارسة الفعل النقدي الحقيقيّ؛ من حيثُ التمكن من آلياته وأدواته، والتمرس الكافي بمجال الأدب، والاطلاع على أكبر ما يمكن من أفانينه، ومن أضْرُب الكتابة…

وبناء على ما تقدم ذكره، أرى أن الحركة النقدية عندنا لم تصل بَعْدُ إلى تحقيق رهاناتها وأهدافها الكبرى، ولم توفَّق بَعْدُ إلى بلوغ مطمح تطهير الساحة الثقافية من المتطفلين والمُدّعين… وبالتالي، فالحاجة ماسّة، وبإلحاحٍ، إلى أن تُضاعِف هذه الحركة جهودها، وتكثف مساعيها، وتُعِدّ فاعلين حقيقيين في النقد الأدبي، مؤهّلين للقيام بهذه المهمّة باقتدار وفاعلية. كما أنها مطالَبَة بأنْ تملك الجرأة الكافية لتقول لكاتب، وإن كان اسما مكرَّسا، إن كتابتك ضعيفة إذا كانت كذلك، وتقول لآخر مبتدئ، إذا أصاب في ما كتبه، إن كتابتك موفقة ناضجة؛ لأن الإبداع والكتابة الأدبية لم يكونا يوما حكرا على فئة دون أخرى، ولم يكن معيار الزمن والسبق فيصلا موضوعيا في مجال النقد الأدبي… وبهذا وحده يمكن للحركة النقدية أن تفيَ بما قامت لأجله منذ القدم…

 

كيف تنظر إلى القصة القصيرة جدا اليوم؟.. هل حققت رهانَها؟ وما تريد توضيحه لكُتّابها من الجيل الجديد؟

- القصة القصيرة جدا لون سردي جديد على أدبنا المعاصر، تأثرنا فيه – على الأرجح – بالآخَرين، وإنْ كان بعضهم يُتعب نفسه في تلمُّس جذور له في تراث العربية الحكائي الزاخر؛ ليُثبت، في المآل، أن له أصولا في ذاكرة أدب العرب، على غرار ما يفعله باحثون يجتهدون في إرجاع كل ما يستجدّ داخل الساحة الأدبية العالمية من فنون وألوان إبداعية إلى التراث العربي، وكأن هذا الأخير ينطوي على كل أنواع الكلام والتعبير الرمزي، وكأن الأغيار لا جديد أتوْا به في الأدب على الإطلاق! وهذا – في الحقيقة – “مرض” أصيب به بعضهم، وتُعْجبني عبارة وصفهم بها أحد الكتاب المعاصرين، هي “سبقناهم”؛ بمعنى أن أولئك يدافعون عن فكرة أن كل فنّ أدبي مستحدث، برز في الغرب خصوصا، ذو جذور في تراثنا العربي الإسلامي؛ فتجدهم يلتمسون جذور الرواية في حكايا “ألف ليلة وليلة” و”كليلة ودمنة”، وفي مؤلّف “حي بن يقظان”… ويلتمسون جذور القصة القصيرة في تراث المقامات، وجذور قصيدة النثر في كتابات تعود إلى عهد أحدث؛ مثل كتابات جُبران خليل جبران، وجذور المسرح في مجموعة من الأشكال الفرجوية القديمة… وبخصوص الق الق جدا يحلو لبعضهم أن يرجع بأصولها إلى تراث الخبر والأمثولة والنكتة والطُّرْفة!… وقد سجّل المشارقة، في سوريا والعراق، سبقا إلى كتابة هذا اللون القصصي، قبل أن يعرفه المغرب العربي، ويتألق فيه المغاربة، على وجه الخصوص، إبداعا ونقدا وتنظيرا.

إن الق الق جدا، في نظري، نوع سردي حديث، لا يرقى لأنْ يُوصَف بَعْدُ بلفظ “الجنس”؛ لأن ذلك يحتاج إلى تراكم أكبر، وإلى زمن أوفر، وإلى نضج أكثر، وإلى فرض الذات في ساحة التدافع الأدبي، لاسيما وأنه – كما نعرف – ما زال يُواجَه بمعارضة شديدة من قبل كثير من الفاعلين في الساحة النقدية العربية، الذين يَرَوْن فيه “سحابة صيف” سَرْعان ما تنقشع! والواقع أن هذا الرأي الذي أتبنّاه عن اقتناع، وبعد تأمل ودراسة للمتحقق من تلك القصة، سُبقتُ إليه بآخرين، وفي مقدمتهم دة. سعاد مسكين، في كتابها عن القصة القصيرة جدا بالمغرب (تصورات ومقاربات)، على أنّ من باحِثِينا مَنْ يدافع بشدّةٍ عنْ أنّ الق الق جدا جنس أدبي قائم الذات والصفات، وفي طليعتهم أستاذي د. جميل حمداوي. وتشترط كتابة هذه القصة حضور مجموعة من الميزات والمقوّمات، التي أفاض نقادها في تبيانها وتفصيل القول فيها، وهي شروط يتعيّن على القاص في هذا المجال ضبطها واستيعابها وتمثلها قبل الانتقال إلى إبداع نصوص في الق الق جدا، وهذه دعوتي إلى كل من يودّ الكتابة، في هذا الإطار، من مبدعي الجيل الجديد.. لا مناصَ من إدراك ماهية هذه القصة، وتبيّن الحدود الفارقة بينها وبين مجموعة من الأشكال التعبيرية القريبة منها (قصيدة النثر، الهايكو، الخبر، الأمثولة…)، والتعمق في شروطها وخصوصياتها وتقنياتها. ولكن - للأسف الشديد – حين نتابع ما يُنتج في هذا اللون الإبداعي نقف على كثرة الغثّ فيه، وعلى عدم ضبط قاصّين كثيرين آليات القص القصير جدا ومقوماته، بل إننا نستطيع التحدث عن حالة من “الإسهال” و”الاستسهال” في مجال كتابة هذا القصّ الوجيز.. وهذا – بلا شكّ – ممّا يسيء إليه، ويُعيقه عن السير قدُماً نحو فرض الذات في الساحة الأدبية العربية المعاصرة، ونحو تحقيق رهانه الذي من أجله يبدع المبدعون فيه…

 

كناقدٍ ما هي العوائق البنيوية التي تقوم حجر عثرة في وجه إشعاع فعلي للثقافة المغربية؟ وكيف يمكن تجاوزها؟

- أوافقك الرأيَ على حاجة الثقافة المغربية إلى عمل إضافي، وإلى تضافر مجهودات جميع الفاعلين في المجال الثقافي، على الصعيدين الرسمي وغير الرسمي؛ لضمان مزيد من الإشعاع لها إقليميا وقارّيا ودَوليا، ولتبويئها المكانة اللائقة التي تستحقها فعلا، لاسيما وأنها ثقافة راسخة متجذرة وغنية جدا، ولتقوية حظوظها في الحضور والتتويج في الملتقيات والفعاليات والمباريات المرموقة عربيا وعالميا. فهذه الثقافة تحتاج إلى تشجيع وإلى دعم أكبر، ماديا ومعنويا؛ لأن ما تخصصه وزارة الثقافة المغربية لها يظل غير كاف؛ كما لا يخفى على أحدٍ منا. كما أن النسبة العامة التي تُخصّص للبحث العلمي، من ضمن الناتج الداخلي الإجمالي، في بلدنا، تبقى ضعيفة جدا، لا تؤشّر على اهتمام جدّي بذلك القطاع الحيوي. وحين نقارنه بما لدى جيراننا الشماليين لا نجد، في الحقيقة، أي مجال للمقارنة للهُوّة السحيقة الملحوظة بينهما من حيث الاحتفالُ بالشأن الثقافي بمُختلِف تجلّياته. وينضاف إلى ذلك الإكراه المادي الذي يقف حجر عثرة في طريق كثير من الكتاب الذي يمتلكون مسوّدات ومشاريع كتب وإبداعات، ولكنهم لا يقدرون على توفير مصاريف نشرها، على نفقتهم الخاصة، أمام عدم ترحيب بعض الدور – لسبب أو لآخر – بنشر أصناف من الأدب. وكلنا يعرف أن كثيرا من الأبحاث الجامعية التي تُناقَش، وتنال رضا اللجان المناقِشة؛ فتوصي بطبعها على نفقة الكلية التي سُجلت فيها، ولكن ذلك لا يُفعَّل إلا لماما، والبقية من الدراسات الأكاديمية تبقى حبيسة رفوف مكتبات الكليات والمعاهد إلى أن يتجاوز أفكارَها وتصوراتِها الزمن؛ فتصير من العلم المتجاوَز إذا كانت مرتهنة بعامل الزمن طبعا! ونضيف كذلك مشكل التوزيع، وضعف المقروئية عندنا، وانتشار الأمية بين الكبار والصغار بنسب صادمة في بعض الجهات، مع أننا نعيش في القرن الواحد والعشرين الذي حسمت فيها كثير من الدول هذا الأمر، وصارت تتحدث عن تجاوز الأمية التكنولوجية، بخلافنا نحن الذين ما زلنا نرمي، بمخططاتنا الإستراتيجية، إلى تجاوز أمية الكتابة والقراءة!…

 

 

عبد الواحد مفتاح يحاور: فاطمة الزهراء الرغيوي

fatimtalzahra alrighawiالنصوص الجريئة تحقق شهرة مرحلية ما وهي شهرة لا تعنيني

فاطمة الزهراء الرغيوي قاصة متميزة، بأسلوبها وأدوات سردها الحكائي، الذي يعري عن تفاصيل كثيرة، ويخترق مواضيع اجتماعية وإنسانية، في شفافية واشتغال لا يلتفت للسائد والمتواضع عليه في الساحة الثقافية، ما يجعلها إحدى المبدعات اللواتي جُدْن على المكتبة العربية بأعمال وازنة ونفيسة.

صاحبة “جلباب للجميع” و”خمس رقصات في اليوم” تفتح لنا النوافذ مشرعة، في هذا الحوار في مكاشفة واضحة المعالم، حول وضعية المرأة الكاتبة، وضعف التلقي، في إضاءة لبعض الجوانب الهامة في سياق مشروعها الكتابي.

 

• كبداية لهذا الحوار، ما فاتحة النص الذي ورطك في عالم الكتابة؟ خبرينا قليلا عن البدايات؟

- يبدو الأمر بعيدا. ما أذكره تحديدا هو أنني أتيت إلى الكتابة لأنني أحببت الكتب. أحببتها كثيرا إلى درجة أن اصطفيتها رفيقة لعب وأنا صغيرة. كان ذلك قبل أن أتعلم القراءة والكتابة. ثم عندما تعلمت وضع الأسئلة، وقد كانت كثيرة وشائكة ولم تكن لي الجرأة لأطرحها على المحيطين بي تارة، ولم تكن لهم الجرأة لإجابتي تارة أخرى، بدأت أكتب. كان أول الكتابة قلقا صافيا، ويبدو أن جزءا كبيرا من هذا القلق ما يزال حاضرا فيما أكتبه. لنقل إذن إن ما ورطني في الكتابة، وربما هي ورطة جميلة على كل حال، هو القلق. أليس العالم، هذا العالم، مصدرا كبيرا للقلق؟

 

 لديك رغبة عارمة في الكتابة، ما يوضحه غزارة إنتاجك؟ ماذا عن طقوسك الكتابية؟

- ربما لا يمكنني نفي رغبتي التي تسميها عارمة، بالكتابة. إنها أقرب إلى الحاجة الملحة والضرورية أحيانا للبقاء قيد هذه الحياة البئيسة. لكنني لا أعتبر نفسي غزيرة الإنتاج. أكتب نصوصي القصصية ببطء شديد. ستصدر لي قريبا مجموعة قصصية ثالثة (بعنوان: أضع سري بين يديك) بعد خمس سنوات من صدور مجموعتي الثانية، خمس رقصات في اليوم. ولم أنجح بعد في إتمام أي من مشاريعي الروائية.

إذا كنت تقصد بالغزارة تلك النصوص الفايسبوكية شبه اليومية، فأنا لا أسميها كتابة حقا. لا أعرف كيف أسميها. إنها كتابة قلقة أيضا، وملحة، ولكنها لا تشبع رغبتي في الكتابة، وإنما تزيد الظمأ.

لا ألجأ إلى طقوس محددة لأكتب. كثيرا ما أفوت فكرة جيدة لأنني أشعر بالكسل، أو لأن الوقت غير مناسب للكتابة، أو لأن هناك أولويات أخرى. أن تكون لديك طقوس خاصة بالكتابة تفترض أحد أمرين: إما أنك تمارس الكتابة كرفاهية تمتلك إمكانياتها (المادية خاصة)، أو أنك قادر أن تتحلى بما يكفي من الأنانية لتجعلها تسبق كل شيء آخر… في حالتي قد يكون الكسل هو المسؤول حقا عن عدم تحلي بالأنانية الضرورية لخلق هذه الطقوس (الرفاهية هي أمر مستبعد في حالتي). الكسل الناجم عن اليأس؛ لماذا أكتب، ولمن أكتب، وبماذا تفيدني الكتابة؟ لذا أحيانا كثيرة أكتفي بالكتابة لنفسي. أقصد أنني أكتب في مخيلتي نصا كاملا وأنا أمشي أو أنتظر شيئا ما أو أدعي أني نائمة، ثم أمحوه.

 

كل عطاء فني مصدر استلهام فمن أي الينابيع تستلهم فاطمة الزهراء الرغيوي، كتابة القصة؟

- إذا نظرت إلى عالمنا اليوم، فستكون أمامك قصص كثيرة. إن نشرات الأخبار، وصفحات الانترنت، ونميمة الجيران، ووجهك صباحا الذي يقاوم انتكاسة جديدة… كلها أفكار ممكنة لتحويلها إلى نصوص أدبية. هناك تحولات درامية وتراجيدية وكوميدية، يكفي أن تفتح عينيك جيدا لتلتقطها. أحاول أن أفعل ذلك عادة. أنظر جيدا ثم أكتب. لكن الكتابة هي قبل كل شيء القراءة. إذا لم تكن قارئا جيدا فلا يمكنك أن تكتب.

 

كيف ترين القصة القصيرة التي تكتب في المغرب، ما لها وما عليها؟ وما هو حالها بين الرواية والشعر ..؟

- إنها بخير. تحتاج قراءً أكثر منه إلى كُتاب. القراء الحقيقيون يخلقون نقاشا حول الأعمال الأدبية ويفسحون لها المجال لتحيا، أو يتركونها لتموت. نحن لا نناقش ما يكتب. أصبح الكاتب/ة خطيبا يقول كلمته ويمشي، لا يَلتفِتُ إلى أحد ولا يُلتفتُ إليه. إنه حال القصة وحال الرواية وحال الشعر في المغرب. لا أجد فرقا كبيرا في تلقي كل الأنواع الأدبية من القراء المغاربة. يعاني أدبنا من لا مبالاة قاتلة، لا تكفي مجاملات النقد من انتشاله منها.

 

الكاتبة تكون في الواجهة وأكثر عرضة للنقد، فكيف تقبل القاصة فاطمة الزهراء الرغيوي النقد (خاصة أنك من الكاتبات غير المهادنات) وإلى أي مدى تتأثرين بالنقد سواء كان  سلبي أو إيجابي؟

- إذا كنت تقصد النقد (وحتى القراءات) الذي كتب حول نصوصي، فإنها لا تتجاوز عدد أصابع اليد. وقد كان كله جميلا ومشجعا على المواصلة. وإذا كنت تقصد الشفهي منه، فأحيانا يصلني النقد الذي يطال المرأة التي تكتب وليس الكاتبة. وهو نقد لا أهتم له، إنه نقد بائس وعاجز عن خلق حوار مع النصوص ومع الأفكار ومناقشتها… عندما يتعلق الأمر بنقد أدوات الكاتبة والكتابة والمواضيع والأسلوب وغيرها فإنني أستمع بانتباه. إنني أتعلم الكتابة كل يوم، وأحب أن أعرف مكامن قوتي وضعفي، وأن أبني تجربتي في الكتابة انطلاقا من هذا النقد أيضا.

 

نلاحظ وجود صور جريئة في عالم قصصك برأيك، هل هي عامل للنجاح ومصداقية الواقع، أم للفت أنظار القراء والتشجيع للقراءة والشهرة .

- أنا لا ألاحظها. لا أجد أي جرأة فيما أكتبه. إنها ما ألاحظه وما أفكر به. لا أجد أي بطولة فيما أكتبه، ولا أفتعل بالتأكيد أي شيء. أفاجأ عندما يقال لي إنني كاتبة جريئة وغير مهادنة. الكتابة هي دائما لعب بالحدود وحولها. محاولة لدفعها بعيدا أو اختراقها. ولكنني لم أخترق أي حدود، بالكاد أشير أحيانا إلى بعضها. لو استمعتُ إلى فاطمة الزهراء، لحملت مطرقة وكسرت كل تلك الحدود. إنها تقيدنا وتجعلنا منافقون أو يائسون وخاضعون.

إنني أحاول أن أكون كاتبة جيدة، ولكنني لم أنجح بعد في ذلك. ما زلت أحاول. وهناك رقيب، أراه بوضوح أحيانا ينظر من خلف رأسي. ينظر إلى ما أكتب، وأحيانا يمد يده ويشطب جملا وفقرات ونصوص حتى بينما أقف عاجزة أمامه. هذا الرقيب يلبس كل أنواع الأقنعة. ورغم كوني أعتقد أنني حرة تماما إلا أني أعرف أنني لست كذلك. لا يمكنني أن أكون حرة وسط مجتمع غير حر حقا.

هل النصوص “الجريئة” تشجع على القراءة فعلا؟ ربما تحقق شهرة مرحلية ما، وهي شهرة لا تعنيني. قد يعنيني أكثر العائد المالي من الكتابة، لكن أن يتعرف إليك قارئ ويحاول التشبه بك، كم هو أمر ممل. أنا ضد التشابه دائما ودائما… إن القارئ الذي يحتاج إلى ذاك القدر من “الجرأة” لكي يقرأ هو قارئ غير ناضج، لا يسعى إلى خلق حوار مع ما يقرأه. إنه متلق سلبي. وهل الكاتب في حاجة إلى هذا القارئ حقا؟

 

حاورها عبد الواحد مفتاح

 

 

صبري يوسف يحاور: الشّاعرة السُّوريّة نارين عمر حول السَّلام العالمي

narian omarأتابع الكاتبة والشَّاعرة نارين عمر منذ فترة عبر الشَّبكة العنكبوتيّة، وأعجبتني كتاباتها وإهتمامها بثقافة وأدب السَّلام. اقترحت عليها  إجراء حوار معها حول السَّلام العالمي، فاستجابت برحابة صدر لاقتراحي فولد هذا الحوار:

 

1. ما هي برأيكِ أهم أسباب تراجع السّلام العالمي بين البشر؟

- أسباب التّراجع تكمن في الأساس غير المتين الذي بني عليه السّلام منذ بدايته، والَّذي اختصّ به بناة مهرة تفنّنوا في هندسته طبقاً لمقاسهم ومقاس دولهم ومصالح شعوبهم وخداع الآخرين من شعوب المناطق والبلدان الفقيرة بها رسماً هيكليّاً فقط، يلتهون بزركشتها، يتغنّون بها دون فهمٍ لمضمونها.

 

2. لماذا إبتعد الإنسان عن السَّلام والوئام بين بني جنسه، سائراً نحو حقول الألغام الَّتي تنسف حيثيَّات السَّلام من جذوره؟

- الإنسان ومنذ أن فهم لفظة السّلام، وابتدعها، سارع إلى التّفكير بمفردة مرادفة لها، فكانت حقول الألغام خير مبتكر لفكرهم الخلّاق والذي جعلهم ينسفون بها حيثيّات السّلام متى ما أرادوا، ومن ثمّ الإسراع إلى تشييد بناء السّلام من جديد طبقاً لرغبات البنّائين المهرة الذي ما يزالون يتحكّمون بمصير البشر وسلامهم.

 

3. ما هي أسباب انكفاء الحسّ الأخلاقي والمعايير الرَّاقية عند الكثير من البشر في الوقت الرَّاهن؟

- لا أعتقد أنّ هذا الانكفاء هو وليد الوقت الرّاهن، بل هو نتيجة حتميّة لإرهاصات الماضي التي زادتها مخاضاً وألماً إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه، ولكن البشر يلامون في عدم تكيّفهم مع الإنجازات التي يبتدعها فكرهم وحسّهم، ويسيرون بها نحو الأفضل والأحسن لهم من القيم والخُلق، فلو فعلوا ذلك لعاش الجميع من دون استثناء بسلام وأمان.

 

4. يركّز الإنسان على العلاقات المادّيّة، وغالباً ما تكون على حساب إنسانيّة الإنسان، لماذا يتراجع الإنسان نحو الأسوأ في علاقاته مع بني جنسه: البشر؟!

- لأنّ جميع البشر لم يجتمعوا، ولم يتفقوا على وضع أسس متينة تبنى عليها القيم والمبادئ التي تسيّرهم نحو الحياة التي ينشدونها، والعالم الذي يرسمونه في مخيّلتهم وخريطة أحلامهم، وهؤلاء القلّة من البشر الذين يتحكّمون بمصير البشر هم الذين أوهموهم بتغليب كفة العلاقات الماديّة على كلّ العلاقات الأخرى، ولأنّ معظم البشر لا يحبّذون إرهاق فكرهم وتفكيرهم بالخلق والإبداع والبحث والتّنقيب عن المبتكر والجديد، فإنّهم يسيرون وفق مشيئة القلّة سير ومسير القطعان.

 

5. هناك تطوُّر كبير في تقنيات وتكنولوجيا العصر، يسير عصرنا نحو فتوحات كبرى في عالم التّقانة والتَّحديث، لكنَّه فقد الكثير من الحميميّات، كيف ممكن إعادة العلاقات الحميمة الرَّاقية بين البشر؟!

- مع الأسف، كلّ هذه الفتوحات والثّورات في عالم التّقانة والتّحديث لم تحدث ثورات وفتوحات في عقل وحسّ البشر نحو الأفضل والأحسن لأنّهم لا يريدون ذلك، ليس لديهم استعداد لتقبّلها، ربّما لأنّهم خائفون من أن يفشل عقلهم وحسّهم في برمجتها بشكل صحيح، أو أنّ تفكير القلّة الآخرين عوضاً عنهم قد راق لهم، أو أنّ فكرة السّير على منوال الأسلاف والأقدمين تهدهدهم.

إعادة العلاقات الحميميّة أسهل ممّا نتصوَّر، فما علينا إلا فتح ذهننا، ومكامن وعينا وحسّنا لها برويّة وطيب خاطر، بل والتّصميم على المشاركة فيها وقيادتها بأمانة وصدق وإخلاص، حينها سننتج علاقات بشريّة، إنسانيّة تسعدنا، وتسعد الأجيال التي تلينا إلى ما لا نهاية.

 

6. لا يتمُّ تأسيس الكثير من الدُّول الشَّرقيّة/ العربيّة وما يجاورها على أسسٍ ديمقراطيّة، غالباً ما تجنح نحو الحروب والدَّمار، متى ستتعلَّمُ هذه الدُّول أنَّ بناء الدَّولة يقوم على بناء المؤسَّسات الدِّيمقراطيّة وتطبِّق هكذا مؤسَّسات؟

- شعوب هذه الدّول اعتادت على هذا النّمط من العيش والمعيشة، وليس عندها استعداد لتغييرهما، لأنّهم بالأصل يفتقدون روح التّضحيّة، يفتقرون إلى ثقافة التّغيير والتّطوير والتّحديث، لذلك يساهمون بنسبة كبيرة في الإبقاء على حالة الدّمار والخراب والحروب، فنجد الحاكم والمحكوم في غالب الأحيان على سويّة واحدة من التّفكير؛ وخير مثال على ذلك ما تشهده مناطق الشّرق والعالم العربيّ من أحداثٍ كبيرة وهائلة لو تمكّنوا من استغلالها لوصلوا إلى قمّة الحضارة وسدّة الدّيمقراطيّة، ولكنَّنا وجدنا العكس تماماً؛ فالمحكوم الذي ثار ضدّ الحاكم باسم المعارضة أو الضدّ أو الرّافض حين أحسّ بلذّة القيادة والمنصب، فعل مثل الحاكم  تماماً، بل غلبه في السّوء والفساد أكثر ممّا ينبغي، وترك الرّعيّة يتوهون في مجاهيل الدّم والقتل والتّشرّد والاغتراب وغيرها من الآفات والمصائب.

إذاً لا بدّ من إعادة بناء إنسان هذه المناطق والبلاد بناء سليماً، قويماً ومستقيماً ليكون قادراً على بناء الوطن والشّعب والمجتمع بشكل سليم وقويم.

 

7. جاءت الأديان كلّ الأديان، لتقويم سلوك وأخلاق البشر، ولإرساء أسس العدالة والمساواة بين البشر، لكن واقع الحال نجدُ انشراخاً عميقاً بين المذاهب عبر الدِّين الواحد، وصراعات مميتة بين الأديان، إلى متى سيبقى هذا الصِّراع والتَّناحر مفتوحاً بين المذاهب والأديان؟

- نعم، صراعات مميتة كانت، وستظلّ إن لم يتسلّم أمر هذه الأديان أشخاص مؤهّلون دينيّاً وأخلاقيّاً وتربويّاً وثقافيّاً وإنسانيّاً، يتسمون بالتّسامح والطّيبة والإيمان الصّادق، والتّقرّب القويم إلى الله والنّاس.

المشكلة ليست في تعاليم وشرائع ومضامين الأديان بقدر ما هي في الأشخاص الذين يتحكّمون بها منذ سالف الأزمان وحتّى عصرنا هذا ومروراً بقادم العصور والأزمان الذين يخضعونها لمصالحهم ومصالح ورؤى المستفيدين منهم مثلهم، والأسوأ إخضاعها لمشيئة السّلطات التي تمارس من خلالها ومن خلال هؤلاء الرّجال الحكم المطلق على الرّعيّة والمجتمع؛ ولتكون الأديان ربيبة القوانين والدّساتير والنّظم التي تحكم البشر بعدل ومساواة وإنسانيّة، يجب أن يوكل أمرها إلى مَنْ يستطيع إدارتها وفهمها وتسخيرها لخدمة البشريّة والإنسانيّة، وعدم إخضاعهم لشرائع وقوانين دينهم للسّلطات والمتنفِّذين فيها، لأنّ إخضاع الدّين لسلطة الدّولة والحكم يعني إضعافه والإساءة إليه وإلى البشر جميعهم. 

 

8. سمِّي القرن التّاسع عشر بعصر القوميّات، نحن في بداية القرن الحادي والعشرين، وما نزال نتخبّطُ بالحقوق القوميّة وحقوق الأقلِّيات، إلى متى سنظلُّ نتصارع كأنَّنا في غابة متوحِّشة، لماذا لا نركَّزُ على بناء الإنسان وتأمين حقوق المواطن القوميّة والمذهبيّة والدِّينيّة بعيداً عن لغةِ العنف والعنف المضادّ؟!

- لأنّنا نحن البشر نرضع مع حليب أمّنا مفردات العنف والانتقام وعدم التّسامح وغيرها، فتنمو، وتكبر معنا حتّى تتلاحم مع كلّيتنا وكينونتنا، وطبعاً لا نملك ذرّة استعداد لتغيير ما اكتسبناه من عادات سيئة وسلبيّة، ونظلّ نمجّد بطولات أجدادنا وأسلافنا في الانتقام والعنف والكره، ونتغنّى ببطولاتنا، ونورّثها لأولادنا وأحفادنا بثقة وأمانة.

لا يمكن تأمين هذه الحقوق وغيرها إلا إذا اتفقنا نحن البشر على تقبّل بعضنا البعض بأريحيّة ومودّة وعقلانيّة، إلا إذا اعترف كلّ منّا بوجوب العيش المشترك المبنيّ على المساواة في الحقوق والواجبات، والتعايش الحميميّ القائم على التّسامح وقبول الآخر والاستغناء عن فكرة التّعالي أو الاستعلاء الدّينيّ والقوميّ والمذهبيّ.

 

9. تحاول الدُّول العظمى أن تنشبَ حروباً في الدُّول النَّامية كي تصنعَ حروباً، فتعيشُ الدُّول المتقدِّمة على حساب المزيد من التّعاسة في الدُّول النَّامية، إلى متى ستبقى هذه المعادلة المخرومة قائمة في أبجديات سياسات بعض الدُّول الكبرى؟

- ستبقى هذه المعادلة قائمة إلى أن تتوحّد شعوب هذه المناطق والدّول على وجوب إنهاء هذه التّبعيّة والعبوديّة لهم، وهنا أقصد الدّولة وكلّ ما يخصّها والشّعب بكلّ مكوّناته وأطيافه، فإن تمكنّوا من التّوصّل إلى صيغة توافقيّة بينهم، فإنّهم سيرسمون الخطوات الأولى في السّير نحو سبيل التّحرّر والانفلات من قبضهتم.

ليس بالضّرورة أن تنطلق، وتنتفض هذه الدّول والشّعوب مجتمعة أو معاً، بل بإمكان كلّ دولة مع شعبها القيام بذلك شرط أن تساند كلّها بعضها البعض في ثورتها وانتفاضتها؛ لأنّ هذه الشّعوب إن لم تفعل ذلك فإنّها ستظلّ تساهم في استمرار غطرسة وجبروت حكاّمها عليها، وهي مع حكّامها ستساهم في ازدياد غطرسة وجبروت الدّول الكبرى بها وعليها وعليهم معاً.

 

10. الإنسان هو المهم، هو جوهر الحياة، وهو العقل المدبّر لقيادة الكون، مع هذا لا أراه مهمَّاً في برامج الكثير من دول العالم، لماذا لا يتمُّ التَّركيز على بناء إنسان خيِّر وحكيم ومحب للسلام والعدالة وبناء الأوطان؟

- لأنّ مثل هذه الدّول بنيت على جماجم البشر، وارتوت بدمهم، أو أنّ حكّامها تولّوا أمرها وأمر شعوبها بالدّم والنّار والقتل والخراب، فكيف لهذه الدّول ولهؤلاء الحكّام أن يبنوا الإنسان الخيّر والحكيم، بل إنّهم يسعون إلى اغتيال الخيّر والحكيم أو المحبّ للسّلام والبنّاء للوطن، أو اغتيال هذه القيم والمبادئ في نفسه وقلبه ووجدانه وفكره، خوفاً وفزعاً منه وممّا يتمتّع به من صفات وخصال، بالإضافة إلى الدّور السّلبيّ لبعض الدّول المتحكّمة بحكّام هذه الدّول التي تُحْكم بالحديد والنّار، ومحاولتها الإبقاء عليها ذليلة، ضعيفة، مستضعفة.

 

11. عجباً أرى، كيف لا يفهم المتصارعون والمتحاربون أنْ لا منتصر، في الحروب، حتَّى المنتصر هو منتصر على حساب جماجم الآخرين؟ نحن بحاجة أن ننصر قيم الخير والعدالة ونحقِّق الدِّيمقراطيّة والمساواة للجميع من دون هدر الدِّماء!

- نعم، يجب أن يتمّ ذلك، وننصر هذه القيم والمبادئ، وأمر تحقيقها سهل، سلس لا صعوبة فيه، فقط برغبة حقيقيّة منّا كشعوب نستطيع تحويل المستحيلات إلى الممكنات، والخطوة الأولى تبدأ بأن ينطلق كلّ منّا من ذاته ونفسه، يقوّمها، يصوّب أخطاءها وأغلاطها، ومن ثمّ الانطلاق من الأسرة كنوّاة أولى للمجتمع، وبالتَالي سيستقيم المجتمع، وإن تمّ ذلك، ستتحقّق كلّ هذه القيم والمبادئ أتوماتيكيّاً وبأريحيّة تامّة.

 

12. أبحثُ عن إنسان حكيم، عاقل، جانح نحو السَّلام، خيّر يقود البلاد إلى دفءِ الوئامِ، متى سنرى قائداً بهذه الحيثيّات، يقود البلاد إلى أبهى واحاتِ الأمان والسَّلام؟!

- نستطيع أن نرى مثل هذا القائد إذا حقّقنا الخطوات التي ذكرتها في الإجابة السّابقة، بالإضافة إلى أن يتحلّى كلّ منّا بنوع أو أنواع من ثقافة القيم والخلق والتّعامل الإنسانيّ الرّاقيّ وغرس بذور المحبّة والألفة والتّسامح في القلب والضّمير بدل بذور الكره والشّر والحقد والانتقام، وبذلك سيصبح كلّ منّا هذا القائد الرّمز والحكيم المثاليّ والمثل، ونقود أنفسنا وبلادنا إلى واحات السّلام والأمن والأمان.

 

13. الحيوان المفترس يفترس الكائنات والحيوانات الضَّعيفة من بني غير جنسه، من أجل البقاء، بينما الإنسان، هذا الكائن (السَّامي)، يفترس بني جنسه ليس من أجل البقاء، بل بسبب البطر والنُّزوع الحيواني، كأنّه ينافس الحيوان المفترس افتراساً، إلى متى سيفترس الإنسان بني جنسه؟!

- سيظلّ يفترس طالما يفتقر إلى قيم ومبادئ التّسامح والتّعايش السّلميّ وتقبّل الآخر والألفة والمودّة وغيرها، وغيرها، ومتى تمكنّ من استيعابها، سيتمكّن من تحقيق ماهيّته القائمة على الدّيمقراطيّة والعدالة والسّلم والسّلام، وإذا حقّق كلّ هذا سوف يتفهّم وجوب وحتميّة احترام الإنسان للإنسان، والحفاظ عليه كما يحافظ على حياته هو.

يجب أن يخضع الإنسان نفسه وفكره وخلقه لرقابة الضّمير ومرصد الوجدان، فهما القادران على تهدئة وإضعاف الأنا الشّرّيرة والهادمة والظّالمة فينا وصولاً إلى إزالتها، وتغليب كفّة الأنا الخيّرة والبنّاءة والرّحيمة في نفسنا وقلبنا وفكرنا، وبذلك نستحقّ مسمّى الكائن العاقل والسّامي والواعي.

 

14. الإنسان حيوان اجتماعي بالطَّبع، أنا لا أرى فيه هذه الرّوح الاجتماعيّة، بل أرى فيه جنوحاً نحو البوهيميّة والغرائزيّة، كيف ممكن أن ننقِّي هذا النُّزوع البوهيمي وننمِّي فيه إنسانيّة الإنسان؟!

-عندما يبدأ كلّ منّا بتحرير ذاته من هذا النّزوع الخطير، ويتمكّن من التّغلّب على سلبيّات ذاته، وشوائب تفكيره النّتنة، وتطهيرها بشكل شبه تامّ، حينها سنتمكّن من تنقية بشرنا من هذا النّزوع وتنمية روح الإنسانيّة في كينونته كلّها.

 

15. كيف تنسجين خيوط بحوثكِ، وتترجمين أفكاركِ الإبداعيّة وأنتِ غائصة في لجَّة الأحزان المتفاقمة في هذا الزَّمن المفخَّخ بالتَّوهان عن الهدف، أم أنّكِ تزدادينَ ألقاً وعمقاً في صياغة أفكاركِ رغم إنشراخات هذا الزّمان؟!

- خيوط بحوثي أنسجها على نول عواطفي بمشاعرها وأحاسيسها بمواءمة ومجالسة فكري الذي يرفدني بأفكار مستوحاة من ذاكرة تعقّلي وجنوني معاً، وبعد أن تنهي العاطفة مع الفكر غزَلَهما وغزْلهما يتشاوران مع العقل والخاطر لصكّ مهره وختمه عليها، لذلك تعجز الأحزان والأشجان من بتر عرى الألفة والمودّة بيني وبينهم.

ولأنّ الإرادة بورودها، والصبر بزهوره دائمة العطر والنّضارة هماالخلّان الوفيّان لي فإنّ الزّمن بتوهانه المفخّخ، والزّمان بضبابته المثيرة للجدل لا يستطيعان النّيل منّي ومن قلمي الصّديق الصّدوق لي، وهذه أيضاً هبة أهدتها إليّ الحياة مع ربيبيها الكون والدّنيا منذ استضافتهما لي.

 

16. لا أرى أهدافاً عظيمة ممَّا يهدف إليها إنسان اليوم، غالباً ما تكون أهدافاً عقيمة من حيث فائدتها للمجتمع البشري، إلى متى سيغوصُ في ترّهات الحياة، تاركاً أسمى الأهداف بعيداً عن نصبِ عينيه؟!

- سيظلّ إنسان اليوم وإنسان الغد يتخبّط في عقم أهدافه إلى أن يحقّق ذاته كإنسان مجبول من المشاعر والأحاسيس، والقلب النّابض بالحياة، ويتأكّد من امتلاكه للعقل الذي يميّزه من باقي الكائنات الحيّة الأخرى، وتخصّصه بالضّمير والوجدان، فكلّ هذه مجتمعة أو معظمها ستجعله يسعى إلى أهدافه العظيمة، يحقّقها، وينعم بدفء معانيها هو والمجتمع البشريّ عامّة، ويقفز إلى الصّفوف الأولى في استمراريّة وديمومة البشريّة والإنسانيّة.

 

17. ما هو دوركِ مبدعةً، مثقّفةً، عندما ترين الإنسان يقتل بني جنسه بقلب بارد، من دون أن يرمشَ له جفن؟

- قبل كلّ شيء كإنسان أنتمي إلى المنظومة الإنسانيّة والبشريّة، وعندما أقلّب صفحات التّاريخ، وأسمع ما فعله النّاس ببعضهم البعض، والجرائم والمآسي التي أوقع بعضهم البعض فيها، أحتار في أمرهم، وأكاد لا أصدّق ما أقرأ عنه وأسمع، ولكن تلفّني الحيرة، وتزنّرني الدَهشة ممّا يفعله إنساننا بإنساننا الآخر في هذا الزّمان الموسوم بالإنجازات والاختراعات التي يبدعها، ويتفنّن في خلقها  والتي تدلّ على النّعم والفضائل التي يختصّ بها عن الكائنات الأخرى، بينما يسارع إلى مجاراة الجانب المظلم من عقله فيتفنّن في خلق أساليب ومخترعات تدمّره، وتهينه، وتنهيه.

منذ ولوجي إلى عالم الأدب والكتابة آثرتُ الجانب الإنسانيّ والوجدانيّ على الجوانب الأخرى، وأحاول أن أخطّ بعينيّ حسّي وبصيرة فكري كلّ ما يدعو إلى التّعايش السّلميّ والتّسامح الإنسانيّ والسّلم والسّلام.

 

18. كيف ممكن أن ننقذ فقراء وأطفال هذا العالم من الخراب والفقر والقحط الَّذي بدأ يستفحل في الكثير من دول العالم؟!

- الأخطاء الجسيمة والأغلاط الكبيرة التي تقع فيها الدّول والمنظّمات والمؤسّسات التي تمنح المعونات والمساعدات للفقراء والمحتاجين في العالم هي أنّهم يجمعونها، ويتباهون بها، ويعلنون عنها أمام وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئيّة  ويسلّمونها إلى الحكومات والأنظمة التي تسبّبت، وتتسبّب في تجويع وفقر وإذلال هؤلاء الأشخاص والعائلات، وهؤلاء بدورهم يجمعون ما شاء لهم من وسائل الإعلام والإعلاميّين الممجّدين لبطولاتهم وإنجازاتهم، ويجمعون بعض هؤلاء المساكين، ويوزَعون عليهم جزءاً بسيطاً منها، ثمّ يودعون الكميّات الكبيرة في سراديب جشعهم ونهمهم من دون وازع ضمير أو إنسانيّ.

بصراحة أحياناً أجزم أنّ هذه الجهات المانحة تفعل ذلك عن قصد وتعمّد؛ وهذا ما يحدث معنا خلال السّنوات الأخيرة من عمر الأحداث الجارية في الشّرق الأوسط والعالم العربيّ وفي الصّومال والسّودان والدّول الأخرى؛ فلو كانت هذه الجهات والدّول المانحة جادة في مسعاها، وصادقة في مبتغاها لشكّلت لجان محايدة من أشخاص معروفين بصدقهم وإنسانيّتهم وشبعهم الرّوحيّ والمعنويّ والغريزيّ ليوزّعوا المنح الماديّة والمعنويّة على الجميع من دون استثناء، وبذلك نتغلّب خلال أعوام قليلة على الفقر والعوز والقحط!        

                                                                                    

19. ما هي أفضل الطُّرق والأسس الَّتي تقودنا إلى تحقيق السَّلام العالمي بين البشر كلَّ البشر؟

- أفضل الطّرق برأيي تكمن في تكاتف وتعاضد كلّ الشّعوب المظلومة والمضطهدة ضدّ أنظمتها وحكّامها ولكن ليس بالقوّة والعنف، بل بالمطالبة السّلميّة، بالعقل والتّفكير والتّدبير، وأولى الخطوات تكمن في التّوافق والتّواؤم بينهم في الرّؤى والتّطلّعات والخطوات، وقبل كلَ شيء أن يوصلوا صوتهم إلى الرّأي العام العالميّ وإلى كلّ أنحاء المعمورة، وهذا لن يتطلّب منهم الكثير ونحن نعيش عصر التّقانة والابتكار والإبداع، ففيها أشخاص ومنظّمات وجهات قادرة على فعل الكثير لأجلها، وتقديم الكثير من الخبرة والعون والمساعدة لهم وإليهم.

 

20. لو قام كلُّ إنسان بأعمال الخير والسَّلام والمحبّة لتحقَّق السَّلام كتحصيل حاصل، ما هو دوركِ في تحقيق هذه الفكرة؟

- أرى أن يقوم كلّ منّا بهذه الأعمال ضمن إمكانيّاته الماديّة والمعنويّة، وضمن اختصاصاته ومؤهّلاته المختلفة، خلال مسيرتي في سلك التّعليم والتّربيّة لثلاثين عامّاً كمعلّمة ومدرّسة حاولتُ أن أخدم بصدق وإخلاص، وأزرع في نفوس التّلاميذ والطّلاب روح المحبّة والسّلام والتّسامح مع وجود بعض الهفوات هنا أو هناك نتيجة ضغط العمل، وفي مجال الكتابة أحاول أن أجعل قلمي في خدمة الكلمة المعبّرة والحسّ الصّادق، فليس مانح المال هو وحده مَنْ يقوم بأفعال الخير والسّلام؛ بل كلّ من موقعه يستطيع فعل ذلك، وأيّاً كان اختصاصه ومهنته وحرفته، فالأهمّ هو القيام بأفعال وأعمال تخدم البشر والبشريّة.

 

21. كيف ممكن أن نسخّر أقلام مفكِّري ومبدعي ومبدعات هذا العالم من أجل تحقيق السَّلام والكرامة الإنسانيّة؟

- أرى أنّ المفكّرين والمبدعين الحقيقيّين في مجال الثّقافة والأدب والفنّ والكتابة والمجالات الأخرى يسخّرون أقلامهم لتحقيق السّلام والكرامة الإنسانيّة، وتأثير هذه الأقلام في الكثير من الأحيان يفوق تأثير كلّ الوسائط والأدوات الأخرى، لأنّ القلم ينبض بالحسّ والوجدان، ويتغذّى من الفكر والنّفس، ويترجم أفعال الضّمير بعد أن يراقبها، ويحاسبها، ولكن إن تلقّى هؤلاء الدّعم والمساندة من الجهات المختصّة والرّسميّة ماديّاً ومعنويّاً فإنّهم قادرون على الكثير، ودفع الإنسانيّة والبشريّة نحو مرابع الأمان والسّكينة والسّلام.

 

22. ما رأيكِ بتأسيس تيَّار وفكر إنساني على مستوى العالم، لإرساء قواعد السَّلام وتحقيق إنسانيّة الإنسان، بإشراف هيئات ومنظَّمات دوليّة تمثِّل كل دول العالم، كي يكون لكلِّ دولة من دول العالم دورٌ في تحقيق السَّلام؟

- هذا حلم طالما حلمنا بتحقيقه في منامنا ويقظتنا، وأمنية سنظلّ نتمسّك بها، ونسعى إلى تحقيقها مهما طال بنا الأمد، وهذا ما أدعو إليه منذ ولوجي إلى عالم الأدب والكتابة، وناقشتُ الأمر مع الآخرين وفي مناسبات عدّة، ودعوت إليه في العديد من الأشعار والنّصوص المختلفة، وما يزال الأمل يحثّني على وجوب تحقيق ذلك عاجلاً أم في الأجل القريب.

 

23. ما هي أفضل الطُّرق لخلق رؤى تنويريّة، ديمقراطيّة، تقدميّة في العالم العربي والدُّول النَّامية في العالم، لتحقيق السَّلام والاستقرار، بعيداً عن لغة الحروب المميتة الَّتي دمَّرتْ وتدمِّر كلَّ الأطراف المتصارعة؟

- أعود ثانية وثالثة ورابعة إلى الشّعوب، نعم شعوب هذه المناطق يجب أن تخلع رداء المذلّة والمسكنة، تتفق، وتتوافق على وجوب تحريرها وتحرّرها، كلّ ضمن اختصاصه وإمكانيّاته، ورؤاه ومقترحاته، دون أن يتجاوز أحد اختصاص الآخر، وبالتّعاون مع شعوب العالم المتحضّر والدّيمقراطيّ، والتّناسق مع شعوب ومجتمعات الدّول المتقدّمة، وبكلّ تأكيد أنّها ستفلح في مسعاها، وتصل إلى مبتغاها في تحقيق السّلام والاستقرار، وتلتحق بالتّالي، وتلحق بالعالم المتحضّر فكريّاً وثقافيّاً وسياسيّاً وأمنيّاً وعلميّاً وفي مختلف الأطر والمجالات الأخرى.

 

24. ما رأيكِ بإلغاء وإغلاق معامل السِّلاح في العالم، والوقوف ضد صنَّاع الحروب والفكر القائم على الصِّراعات، ومعاقبة كل مَنْ يقف ضد السَّلام لتحقيق السَّلام بقوّة القانون العالمي، وذلك بمحاسبة الجّانحين نحو الحروب ودمار الأوطان؟!

- هو حلم لا أظنّه سيتحقّق لأنّ الدّول الكبرى والعظمى هي التي تتسابق في إنشاء معامل ومختبرات السّلاح محقّقة بذلك أقصى وأعلى المكتسبات الماديّة والماليّة والاقتصاديّة أوّلاً، ولتخويف بعضها بعضاً، وإخافة الدّول والأقاليم الأخرى الضّعيفة والنّامية والمتخلّفة، والإبقاء على ضعفها وتخلّفها، للتمكّن من السّيطرة عليها واستنزاف قواها لتكون مستعمرات لها على الدّوام.  وكيف يمكننا إغلاق معامل ومصانع السّلاح والذَخيرة بقوّة القانون العالمي وهذا القانون من صنعهم وتحت إشرافهم، فهم وضعوا أسسه وأهدافه، ويسيّرونه وفق مشيئتهم ومصالح شعوبهم وبلادهم؟! إذا أردنا القيام بذلك، علينا إقناع تلك الدّول أوّلاً، بالتّوجّه نحو شعوبها والتّأثير فيها وكسب واكتساب دعمها وتأييدها.

 

25. ألا ترينَ أنّه آن الأوان لتأسيس جبهة سلام عالميّة من خلال تواصل المبدعين والمفكِّرين من شتّى الاختصاصات، والدَّعوة لتأسيس دستور عالمي عبر مؤسَّسات وهيئات عالميّة جديدة، لتطبيق السَّلام عبر هذه التَّطلُّعات على أرض الواقع؟

- منذ زمن بعيد كان يجب أن يحضّر لتأسيس هذه الجبهة أو تشكيلها، ولكنّنا الآن بحاجة ماسة إليها، ومعك وتأييداً لك أدعو إلى التّحضير لها، وسوف أكون أوّل الدّاعمين لها والمساهمين فيها وضمن الإمكانيات المتاحة لي، فتحقيق السّلام العالميّ هو السّبيل الأوّل إن لم نقل الوحيد لإنقاذ إنسانيّتنا وبشريّتنا من المزيد من المآسي والويلات والنّكبات، وإن كان بتعاضد وتعاون المبدعين والمفكّرين والكتّاب سيكون ناجحاً ومتميّزاً، فكلّ واحد من هؤلاء يدعو إلى تحقيق ذلك والسّعي إليه.

الأستاذ والكاتب والفنّان المتميّز صبري يوسف، لك أكاليل الشّكر والامتنان على سعيك المتواصل للتّواصل مع الجميع، وورود التّقدير والاحترام على سعيك النّبيل لتحقيق السّلام العالميّ للبشر أجمعين.

 

أجرى الحوار صبري يوسف

 

احمد الحاج يحاور: جنة عدنان احمد عزت خطاطة الموصل الحدباء ومبدعتها

-  موصلية أذهلت العالم بلوحاتها المزاوجة بين المعالم والخرائط والآيات القرآنية

-  منحها الآمدي والمصري إجازة الخط بعمر 10 اعوام ويوسف ذنون بعمر الخمسين

خطاطة موصلية شقت طريقها بإرادة لا تلين وواصلت الليل بالنهار لتخرج من بين أناملها لوحات مذهلة ليست كبقية اللوحات أدهشت المختصين وعشاق الخط العربي في أرجاء المعمورة، تصدر وسمها عن مدينتها الجريحة، ام الربيعين،، بمنارتها الحدباء وخارطتها المطرزة بدعاء النبي يونس عليه السلام " لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين "، مواقع التواصل الاجتماعي منذ بداية الأحداث الأليمة هناك، خطاطة حظيت أعمالها بإعجاب المختصين وكبار الخطاطين والتشكيليين فضلا عن المتابعين، تميزت جنة بالخط على الخرائط الجغرافية ومعالم العراق ما شكل علامة فارقة في مسيرتها الواثقة فمن تكون :

 1103-jant

* حصلت الشقيقتان الموهوبتان (فرح عزت وجنة عزت) على شهادة في الخط العربي من الخطاط التركي الكبير، حامد الأمدي، في إسطنبول أعقبه حصولهما على شهادة مماثلة من عميد الخط العربي، سيد إبراهيم المصري، ولما يتجاوز عمر فرح 13 عاما وجنة 10 اعوام، متى بدأت هذه الموهبة لديك وكيف تم صقلها لتنال إعجاب ورعاية عمالقة الخط في الوطن العربي؟

-  والدي رحمه الله كان مولعا بالخط العربي وكان بيتنا يضم لوحات لعمالقة الخط أمثال حامد الامدي، كنت صغيرة لا أجيد الكتابة والقراءة الا انني ملت اليها وأحببتها الى درجة انني كنت أمسك الورقة والقلم واقلدها كأي لوحة رسم، لاحظ والدي عشقنا للخط فقرر ان يوجهنا التوجيه السليم واخذنا الطريق الى الاستاذ الموصلي" يوسف ذنون " حفظه الله، فكانت الانطلاقة من هناك، اضافة الى سفرات سنوية الى تركيا نتدرب خلالها على يد الخطاط حامد الامدي، وعندما بلغت العاشرة من العمر تأهلنا لنيل الاجازة من الامدي وسيد ابراهيم في مصر.

 

*انت القائلة " لولا استاذي الكبير الموصلي، يوسف ذنون عبد الله، في بداية مشواري لما وصلت الى ما وصلت اليه الان، لأن التعليم الصحيح منذ البداية هو الأساس "، حدثينا قليلا عن تلكم المحطة المضيئة والتقدير العالي الذي منحه إياك كبير الخطاطين العراقيين بما لم يحظ به أحد سواك .

– فعلا كانت محطة مضيئة فلولا اضاءتها تلك الفترة لما ازداد بريق اعمالي اليوم، اعتبر نفسي محظوظة لأني عاصرت حقبة العم يوسف ذنون الموصلي . وكل من تتلمذ على يديه اعده محظوظا لأن العم يوسف عندما يعلم الخط فانه يعلمه بكل أمانة وحرص وتفان وبعد مرور سنوات وفراق طويل معه بسبب الغربة، عاود ذاك الضوء لينير من جديد بحصولي على أعلى تقدير في تأريخ الخط العربي من العم يوسف، حيث لم يحظ بهذا التقدير العالي سوى العم يوسف والمرحوم هاشم الخطاط البغدادي من أمير الخط العربي حامد الامدي ومن ثم انا والحمد لله وبهذا اكون قد حصلت على ثلاث شهادات في الخط من عمالقة، وبعد ان منحني العم يوسف هذا التقدير العالي وانا في الخمسين الان،  وشاع الخبر، قال لي ان بعض الخطاطين طلبوا منه ان ينالوا هذه المرتبة وان يمنحهم ما منحني اياه، فقال لهم لن امنحها لأي أحد والذي يرغب بالحصول عليها فليأخذها من جنة!

 

* جنة الموصلية وفي سابقة من نوعها إتخذت من احدى الجوائز التي حصلت عليها قلادة لا تفارق جيدها أينما حلت وارتحلت، ما السر في ذلك؟

– هي ميدالية وليست قلادة ومن شدة تعلقي بها وبالخط الذي يحتويها بخط ذنون الموصلي والتي حصلت عليها منذ طفولتي احببتها جدا وعز علي رؤيتها وهي في محفوظة في صندوقها الى جانب ميداليات أخرى، فقمت بثقبها وحولتها الى قلادة ترافقني على الدوام .

* الأبعاد اللونية تشكل قاعدة اساس في لوحاتك المبتكرة، برأيك هل في المزج بين اللون والتشكيل والتعبير يكمن السر في حجم الإبهار الذي يشع من لوحاتك فيخلب الألباب أينما عرضت؟

– بصورة عامة انا اركز على الحرف وقوته اكثر مما أركز على ممازجة الالوان،، فتعبيري الوحيد هو قوة الحرف وكيفية صياغته لكي اعبر عنه كما فعلت في معظم لوحات الخرائط، ونظرتي الى أعمالي لا تكمن في بهرجة الألوان بل ببهرجة قوة الحرف وقوة تركيبه داخل الشكل المطلوب.

*اكثر ما يشد الانتباه الى أعمالك تلك الممازجة الرائعة بين الآيات القرآنية والخرائط الجغرافية حتى اصبحت مدرسة بحق ولعل من اشهر لوحاتك في هذا المجال، خارطة الوطن العربي التي خطت داخلها الآية القرآنية الكريمة " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا "، اضافة الى خارطة العراق التي يتوسطها دعاء ايوب عليه السلام، هل هذه مدرسة جديدة تفردت بها، ام انها حلقة وصل في سلسلة ابداعية سبقك اليها آخرون وسيواصل تقليدها لاحقون؟

– هذه مدرسة خاصة لجنة عدنان لم يسبقن احد الى فكرتها واعدها أيقونتي وهويتي عبرت عنها بهذا الاسلوب لكي اطرح فكرا فنيا واسلوبا متجددا له بعد آخر غير تقليدي ليكون انطلاقة يتتلمذ عليها الخطاطون، فالخرائط بحد ذاتها عبارة عن كراسة لخط (جلي الثلث) حيث تتوفر فيها كل انواع ربط الحروف وانواع التراكيب والجرأة في تركيبة الحرف ليقعد في محله داخل أشكال غير هندسية.

*أهم الجوائز التي حصلت عليها الخطاطة، جنة عدنان، في المحافل العراقية والعربية والدولية وأقربها بعد القلادة الى قلبها النابض؟

– اهمها كردانة من الذهب الخالص قدمت لي قبل عام 2003 عن طريق السفارة العراقية خلال اقامتي تلك الفترة في دولة الامارات العربية المتحدة وهي معي حتى الان واعتز بها جدا (اذا ردي فيه تحسس بسبب الاوضاع السياسة الحالية فهذا ليس ذنبي) انتم سألتموني وانا ارد بكل مصداقية.

* الخطوط العربية انواع فهناك الخط الكوفي، خط النسخ، الخط الديواني، خط الرُّقعة، خط الثُلث، الخط الأندلسي، الخط الفارسي، ترى في اي من هذه المدارس أوالخطوط تجد جنة الموصلية نفسها؟

– اجد نفسي في اصعب انواع الخطوط وهو (جلي الثلث) و(الطغراء) فمنذ صغري تأقلمت أناملي وعيني على هذا النوع الصعب والجميل جدا جدا، في ذات الوقت الذي ارى فيه خط (جلي الثلث) واحدا من اجمل الخطوط العربية .

* ماذا عن الخطوط السبعة الأخرى التي تندرج ضمن مدارس الخط العربي كخط الإجازة، المغربي؟

– اخترت منها خط (الطغراء) كونه خطا تربطه علاقة وطيدة بخط جلي الثلث فكل مخطوطاتي بالطغراء حروفها جلي ثلث اصلية .

* أي الأحبار والأوراق تفضلين في أعمالك؟ واي الأقلام تستخدمين، البلاستيكية، ام أقلام البوص المصري او الصيني؟

– الورق الابيض الصقيل هو المفضل عندي وفي بعض الاحيان أضيف إليه بعض المواد او الالوان من باب التجميل والتغيير،  فأما ان اطليه بالقهوة او بألوان بلاستيكية خفيفة او بالحبر المخفف، اما القصب فأنا عادة ما استخدم القصب البني والاصفر ولا أستخدم الاقلام .

* ماذا يمثل لك هؤلاء ببضع كلمات " ابن مقلة، ابن البواب، هاشم البغدادي، محمد صالح الموصلي، صادق الدوري، روضان بهية، عبد الكريم الرمضان، جاسم النجفي "؟

ج – نجوم ساطعة في سماء فن الخط العربي. رحم الله من رحل، وحفظ الباقين.

* مشاريعك المستقبلية؟

– قيد التفكير.

*كلمة اخيرة

كلماتي لجمهوري في العراق والوطن العربي جسدتها في الخرائط وهي رسالة لهم جميعا اكثر مما هي كلمة،

اما كلمتي او نصيحتي للخطاطين فأقول لهم، الخط العربي أمانة في أعناقكم وليس لعبة في ايديكم.

 

تجدر الإشارة الى ان الفنانة الموصلية خصت كل بلد عربي بخارطته التي تتوسطها آية كريمة تحاكي واقعه، بدأتها في نيسان 2014 وانتهت منها في نيسان 2016، خارطة العراق (رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين)، لبنان (كأنها كوكب دري)، فلسطين (ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين)، عمان (جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا)، السودان (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ..)، جزر القمر (الله لا إله إلا هو)، الكويت (و نزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين)، جيبوتي (جزاؤهم عند ربهم جنات عدن)، موريتانيا (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، اليمن (لقد كان لكم في سبأ آية ..)، الجزائر (وأشرقت الأرض بنور ربها..)، الصومال، (يسقون من رحيق مختوم)، البحرين (يخرج منها اللؤلؤ والمرجان)، تونس (و زيتونا ونخلا ..)، الأردن، (ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا)، المغرب (رب المشرق والمغرب وما بينهما ...)، مصر (و أوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا)، الإمارات (سورة الفاتحة)، ليبيا (و لا يؤوده حفظهما)، سوريا (و جزاهم بما صبروا جنة وحريرا)، السعودية (وطهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود).

 

 

ميمون حـِـرش: لقاء خاص حول التجـربة المدهشة للدكتور جميل حمداوي في التأليف..

jamil hamdaouiتوطئـــة: منذ فترة بدأ الدكتور جميل حمداوي  ينشر مؤلفاته المثمرة، والكثيرة، والمتنوعة والموزعة بين الأدب، والفلسفة، والتربية، والتكنولوجيا، وعلم الاجتماع، والتاريخ، والفن، ومقارنة الأديان؛ ويتركها رهن إشارة القارئ في الفضاء الأزرق حيث  تتقاطر، وتنساب مطراً خفيفاً، تخصب تربة المهتمين والسائلين والباحثين، يهديها لأصدقائه، وأحبابه، دون أن ينسى أحداً أبداً.. وأصبحت تتقاطر عليه، كلما نشر مؤلفاً جديداً، تعليقاتٌ كحبات الرمل شاكرة، ومنوهة، ومعبرة عن دهشة، أظهرها الكثيرون بكثير من الإكبار، ويخفيها الآخرون لسبب ما، وهم كثر أيضاً..

الدكتور جميل حمداوي عندما يرسم على وجهه ابتسامة وهو يتصفح كتاباً.. وعندما يقرأ عنوان كتاب ما، ويغرق في فك شفرته،...وعندما يقرأ المتن، ويحس أن جسده يتنمل كما الحشرات تخزه بسبب ما يقرأ،... وعندما يقف عند معارف الكتاب يسجلها، ويعلق عليها،وعندما يحس براحة رطبة تُستثار داخله بفعل وقع الكلام الجذاب الأنيق الشاعري على نفسيته وهو يقرأ... عندئذ يصبح الدكتور جميل حمداوي شخصاً آخر، يكبر أمام الكتاب، يصبح كما هو الآن كبيراً في مجال التأليف..

الرجل يرتاح حين يرى كتاباً، قد ينام ملء جفونه عن بعض ضرورات الحياة، لكن الكتاب، وحروفه، وكلماته تجعله في منتهى الصحو..

كتب عنه الأستاذ حسن الطويل معلقاً:

"الأستاذ الجميل، عطاؤك المتواصل هذا يثير فينا دهشة جميلة، دهشة الإكبار والإجلال. ألتمس منك أن تكتب عن تجربتك مع الكتابة؛ تعاملك مع الوقت، خطتك في الإعداد للموضوع، تعاملك مع التخصصات... أنت حقا لست كاتباً عادياً. تقديري"

مرحباً بك دكتور جميل  في حوارت " العرين " وفي لقاء خاص حول تجربتك في التـأليف..

 

س- تنشر مؤخراً كتبك بأريحية منقطعة النظير.. هذا الجود يعجز القارئ عن أن يفيك الشكر الذي يليق بك...

- صحيح أنني نشرت مجموعة كثيرة من الكتب الإلكترونية التي نشرت ورقيا. وهناك كتب تنتظر لحظة الطبع والنشر الورقي. والهدف من ذلك كله هو خدمة وطني وأمتي والإنسانية جمعاء. فهدف الإنسان العالم، في هذه الأرض، ليس هو احتكار المعرفة وتخزينها، بل لابد أن يشرك الآخرين في بنائها ومعرفتها والانفتاح عليها بغية توطيد الحوار الهادف، وتحقيق التواصل الحميم البناء، والسعي  الجاد إلى خلق نوع من التفاعل المباشر .

ومن هنا، فقد قدمت كل ما لدي إلى القارىء، بمختلف مستوياته ودرجاته العلمية، لكي يستفيد منه لتقوية مستواه المعرفي والمعلوماتي والفكري والمنهجي، دون تقتير، أو بخل، أو ضن، أو شح. وهذا كله في سبيل الله تكفيرا عن أخطائي وذنوبي وسيئاتي.

 

س- ما قصتك مع التأليف بهذا الزخم المتواصل في الآونة الأخيرة؟

- سؤال مهم. قد يفهم الكثير أن ذلك من أجل إثبات الذات، أو من أجل تحقيق الشهرة، أو من أجل الظهور، أو لميل نرجسي أو سادي أو مازوشي، أو  لهدف تنافسي، أو لإثارة الغير  من أجل الانتباه إلى هذا الباحث المسكين. فالدواعي والأسباب كثيرة كما يراها الآخرون. يمكن أن تكون تلك الدواعي صحيحة بحال من الأحوال، مادمنا ذواتا بشرية ضعيفة، قد ينخرها الإعجاب بالذات، أو تنساق وراء الغرور والتكبر والخيلاء، ونعوذ بالله من هذا كله...

بيد أن هدفي هو إخراج مجموعة من الكتب القديمة ونشرها بسبب قلة الإمكانيات لطبعها ورقيا. والهدف الثاني هو تقريب كتبي ورسائلي ودراساتي وأبحاثي من التلاميذ والطلبة والباحثين والمدرسين بأبسط الوسائل الممكنة.لذا، اخترت النشر الإلكتروني  وسيلة ناجعة لتعريف القراء بإنتاجي المتواضع. ويعد الفايسبوك - اليوم- أداة تواصلية فعالة لخلق نوع من التفاعل المباشر وغير المباشر مع الراصد المتقبل لتبادل الأفكار والمعارف والبيانات. وأكتب كذلك طمعا في صدقة جارية تنفعني بعد موتي، إذا رضي الله - فعلا - عن ذلك العمل.

 

س- أتخيلك كما لو كنت في حرب ضروس مع " الكتاب"، بين يوم وأخر كتابٌ جديد..هل هو حب، أم عناد، أم انتقام.. أم ماذا بالضبط؟

- لا يمكن للكاتب، أو الناقد، أو الباحث،  أن يثبت نفسه في زمن يتميز بشدة التنافس في جميع المجالات، بما فيها السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، والثقافية، إلا بفرض وجوده علميا وفكريا كما وكيفا. ويعني هذا أن التطور الذهني والمعرفي، وجودة الإنتاج، وتحسين المردودية، يتحقق ذلك كله بالكم والكيف معا.

وأكثر من هذا فقد كان علماؤنا القدامى، في العصر الوسيط، أكثر إنتاجا من حيث التراكم الكمي والكيفي. ومن ثم، لابد أن يكون الناقد، أو الباحث، أو الدارس،  دائم الوجود في المواقع والفضاءات والحقول التي يتواجد فيها القراء والمتصفحون والفايسبوكيون من أجل خلق نوع من التواصل والتفاعل والتبادل الهادف والبناء

 

س- عطاؤك، فعلاً، يثير فينا دهشة جميلة، هل تقصد أن تستثير القارئ بهذا العطاء المتواصل؟

ج-  يمكن أن يكون ذلك صحيحا. يقول المثل الشكسبيري: كن أو لا تكن، فذلك هو السؤال(To be or not to be.That is the question).

كلنا نتصارع ونتبادل ونتواصل من أجل إثبات ذواتنا. وهذا حق مشروع في زمن التنافسية والتغير والتبدل. ويمكن القول: إن الهدف من ذلك هو تجاوز مرحلة التنكير نحو مرحلة التعريف. وربما يكون الهدف كذلك هو خدمة الآخرين، كما وعدت الله بذلك في أدعيتي المتكررة والمتواصلة والمستمرة، والله شاهد على ذلك.

 

س- هل كتبك مقروءة دكتور جميل؟ وهل لهذا التأليف  المتنوع والمتواصل رجع صدى لدى القارئ، وما هي تجلياته؟

نعم كتبي مقروءة بكثرة. والدليل على ذلك إحصائيات موقع الألوكة الإلكتروني الذي يبين، مثلا، عبر مؤشر الكم،  ومؤشر التعليقات، مدى إقبال القراء على تلقي تلك المقالات والكتب. فعدد قراء كتابي (ميادين علم الاجتماع ) هو( 20.810). أما مقالي (المفاهيم السوسيولوجية عند بيير بورديو)، فعدد قرائه هو (39.992). وعدد قراء مقالي (أصول الإنسان الأمازيغي) هو (153.788).

وتتجاوز كتبي الورقية- كما أتثبت إحصائيات مكتبة سلمى بتطوان- ستمائة (600) نسخة في المغرب. وقد أخبرني صاحب مطبعة أفريقيا الشرق برواج كتبي النوعية، وتدفق القراء الخليجيين على شرائها في كل معرض تقيمه دولة من الدول العربية. أما مقالاتي الأضعف قراءة، فتتجاوز الألف مع مرور الوقت.

وتعني هذه الأرقام الصريحة أن ثمة إقبالا كبيرا من قبل القراء العرب. والدليل على ذلك أن هناك من يهاتفني ويراسلني ويدلي بإعجابه بإحدى مقالاتي أو كتبي.  ولذلك، تطبع كتبي في مصر، والجزائر، والأردن، ولبنان، والسعودية، والكويت، والإمارات العربية المتحدة، والعراق...وقد ترجمت مقالاتي إلى الكردية والفرنسية.

أضف إلى ذلك أن مقالاتي وأبحاثي ودراساتي أصبحت مراجع ومصادر مهمة، يعتمد عليها كثير من الباحثين في المعاهد والمؤسسات والكليات والجامعات المغربية والعربية على حد سواء.

 

س- كتبٌ كحبات الرمل تنشرها، وبل وتتكرم وتهديها للقارئ... وبالنظر إلى تنوع الموضوعات التي تكتب عنها،حدثنا عن تجـربتك في الكتابة، وكيف تنظم وقتك مع هذا التنوع، ألا تختلط عليك الأوراق حين تكتب وفي تخصصات مختلفة؟

أولا أشكر الله كثيرا على ما أمدني به من نعم ومواهب وقدرات وكفايات وملكات، وأحمده على ذلك بجزيل الامتنان والتبجيل والتعظيم.

وعليه، فقد بدأت تجربة الكتابة منذ 1996م. بل منذ أن كنت تلميذا في الإعدادي ؛ إذ نظمت مجموعة من القصائد الشعرية العمودية وفق الإيقاع الخليلي. وكتبت كتبا في فقه اللغة والنحو العربي .وبعد ذلك، انطلقت في التأليف في أثناء إعدادي للدراسات العليا، وتحضير الماجستير والدكتوراه.

ولكن أحسن فترة انطلقت فيها بسرعة هي تلك الفترة التي تمتد من 2007 إلى يومنا هذا. ولقد استفدت كثيرا من أخطائي الكثيرة والعديدة في مجال الكتابة ؛ لأن الذي يكتب كثيرا يخطىء كثيرا. وقد بدأت  حياتي الثقافية الحقيقية بمقال أعجب به الكثيرون، وقد نشرته في مجلة عالم الفكر سنة 1997م بعنوان (سيميوطيقا العنوان). وأنذاك، كنت شابا في أربع وثلاثين سنة.

وتأسيسا على ما سبق، أكتب معظم أبحاثي وكتبي ودراساتي في الصباح الباكر. في حين، أخص المساء بالتثقيف والقراءة والراحة والجلوس في المقهى مع أصدقائي الأعزاء في مدينتي الناظور وتطوان، أمثال: ميمون حرش، وجمال الدين الخضيري، وفريد أمعضشو، وعلي صديقي، وعيسى الدودي، وأحمد الكبداني، وأحمد أمحور، وعلي أزحاف، وأحمد المخلوفي، ومحمد حمداوي، ومحمد الفهري، ويوسف الفهري، وخالد البقالي القاسمي، ومحمد بنعياد، وغيرهم من الأصدقاء الأعزاء الأوفياء الذين غمروني بحبهم، وفضلهم، ونبلهم، وكرمهم.

ولا أنسى الأخ العزيز على قلبي عبد الهادي بنيسف وحرمه اللذين أسديا إلي معروفا كبيرا لن أنساه طوال حياتي.

وعندما أبدأ في التأليف، أستعمل الحاسوب مباشرة في الكتابة، وأخطط لكتابي، أو مقالي، وفق منهجية واضحة، تبدأ بالمقدمة، وتنتهي بالخاتمة وثبت المصادر والمراجع والملاحق، مع المرور - طبعا- بمجموعة من الأبواب، والفصول، والمباحث، والمطالب، والفروع. وأتبع منهجية أكاديمية منطقية واضحة وواحدة سهلة وميسرة. وبالتالي، أكتب بلغة سليمة معروفة ومألوفة لدى الناس، وبأسلوب بيداغوجي واضح وبسيط وسهل، كأنني أكتب لتلميذ في الابتدائي، أو الإعدادي، أو الثانوي، أو لطالب جامعي مبتدىء.

ولا أنزل جملة في كتابي، أو مقالي،  حتى أتبين من وضوحها وبساطتها وسهولتها، ومدى قدرة القارىء على استيعابها. لذلك، يفهم القراء كتاباتي بكل يسر وسهولة حتى في دراساتي المتخصصة في اللسانيات، والسيميوطيقا، والمناهج النقدية. ويجد الطلاب كذلك راحتهم الكبيرة في أبحاثي، فيستشهدون بها في بحوثهم وعروضهم ودراساتهم الجامعية ؛ لأنها ميسرة، ومركزة،  ومقتضبة، ومختصرة، وشاملة، تبدأ دائما بتعريف المفهوم لغة واصطلاحا.ثم، تشرع في التأريخ والتحقيب والتوثيق، وسرد الخصائص الموضوعية والفنية، واستعراض النظريات الغربية والعربية. وبعد ذلك، تنتقل إلى التطبيق والتجريب والاستنتاج .وهكذا دواليك.

وكثير من المتخصصين المتفيهقين يفهمون هذا الوضوح  على أساس أنه سطحية وبساطة وسذاجة في التفكير. في حين، أتعمد تلك الكتابة البيداغوجية من أجل التبليغ والتوصيل وتنوير المتلقي بأيسر الطرائق والسبل،  كما فعل ذلك علماؤنا وشيوخنا الأفذاذ  كمحمد عابد الجابري، وعباس الجراري، ومصطفى رمضاني، وغيرهم كثير...

وقد قال المبدع الفرنسي ستندال: إن الكتاب العباقرة هم فقط الذين يكتبون بأسلوب بسيط. ويقول الأسلوبي الفرنسي بوفون الكاتب هو الأسلوب نفسه. والحمد لله لدي بصمتي في الكتابة. وبالتالي، فكتاباتي معروفة بطريقتها المنهجية الواضحة والبسيطة التي تبتعد عن التعقيد، والغموض، والإبهام، والتجريد...

 

س- أقصد ألا تكرر نفسك .. هل تضبط، وأنت تكتب، المادة المُعالجة في مؤلفاتك؟ ما هي خطتك في الكتابة العجيبة هذه؟

يلاحظ - فعلا- نوع من التكرار في الكتابة التي أميل إليها. ولكن أرتاح إليها  بشكل جيد، مادامت تنطلق من توجهات بيداغوجية وتعليمية وديدكتيكية؛ لأني أوجه كتاباتي إلى تلاميذ وطلبة وباحثين مبتدئين. وتتوجه حتى إلى المتخصصين بهذه السهولة " النزارية"، أو "المطرية"، أو " الدنقلية". والتكرار- كما يقول المثل- يفيد الآخرين، ويقوي ذاكرتهم الذهنية والمعرفية .

وعندما أكتب أصحح كتبي ودراساتي ومقالاتي وأبحاثي مرات عدة. وعلى الرغم من ذلك، أسقط في الأخطاء مرات ومرات عندما أنشر ما كتبته، وألوم نفسي على ذلك وأتحسر. ويعني هذا أن الإنسان ناقص وقاصر عن الإحاطة بكل شيء.كما تؤثر أشعة الحاسوب كثيرا في قدرات العينين؛ مما يجعلها تسهو أو تغض الطرف عن أخطاء صغيرة أو كبيرة. وهذا شيء طبيعي لمن يكتب كثيرا. فالذي لايخطىء في الكتابة هو الذي لايكتب  إطلاقا.

بعد أن كتبت ماهو مألوف ومجتر من المواضيع عندما كنت مبتدئا في الكتابة، وكنت أعتمد على استشهادات الباحثين المغاربة والعرب، وبعد أن تتلمذت على كثير من الأساتذة والباحثين والدكاترة المتميزين، انتقلت توا إلى خوض تجربة الحداثة وما بعد الحداثة، بالاعتماد على المراجع الأجنبية، ولاسيما الفرنسية والإنجليزية والإسبانية منها. وقلما أعود فيها إلى الباحثين العرب إلا في حالة الضرورة القصوى.

وتعتمد فلسفتي في الكتابة على الكم والكيف معا، فبهما يتحقق التطور الجدلي، وتتحسن كتاباتي، وتتقوى ذاكرتي، وتعجبني مغامرة التجريب والتأسيس والتأصيل.

 

س- هل يمكن الحديث عن طقوس معينة للدكتور جميل في التأليف؟

- في البداية، كنت أكتب في الليل والفجر. وبعد كبري في السن، خصصت الصباح للكتابة. أما المساء، فخصصته للاختلاء بأصدقائي كما قلت ذلك من قبل. أدخل إلى مكتبي العامر بالكتب والمؤلفات النفيسة في شتى الميادين والمجالات المعرفية . أسمع الموسيقا وأنا أكتب، أو آكل وأنا أكتب، أو أشرب الشاي أو العصير وأنا أكتب. وأصحح مقالاتي وأضبطها وفق الأغاني السوسية، أو الأغاني العربية الكلاسيكية، أو أغاني الراي والركادة والواي واي . وبعد ذلك، أنشر ما كتبته رقميا وورقيا.

 

س-  ما هي الردود التي تثيرك حين تنشر كتبك إن إيجاباً أو سلباً..؟

- هناك ردود إيجابية وسلبية. ما يثيرني كثيرا هو وقوعي في الأخطاء المشينة كرفع خبر كان، أو نصب خبر إن، أو نسيان حرف جر مرتبط بفعل معين، أو نسيان عبارة، أو وضع علامة ترقيم في غير محلها. تثيرني - فعلا- هذه الأخطاء كثيرا . وتستفزني ألما  وحرقة ونصبا، وخاصة أني أكتب مقالا في عشرين صفحة أو أكثر، وكتابا في خمسين صفحة إلى خمسمائة صفحة. كما أكتب بسرعة كبيرة، وأكتب كثيرا، ولم أعد - الآن- قويا كما كنت في شبابي. ومن ثم، فإني أحس بالعجز عن تطويق الأخطاء من جميع جوانبها حتى أتفاجأ بخطئي، أو يفاجئني القراء أو الأصدقاء بذلك.

أما الردود المتعلقة بكثرة الكم، والموسوعية، وعدم التخصص في موضوع معين، أو الانسياق وراء النشر الإلكتروني بشكل لافت للانتباه، أو السرقة في بعض الأحيان كما يتهمني بذلك البعض، فهذا لايثيرني في شيء، بل أرد على أصحابها بأسلوب لبق شرحا وتوضيحا وتفسيرا.

لكن هناك من يهاجمني انتقاما عن سبق الإصرار والترصد ليفرغ علي حقده وحسده وبغضه. ولا يكون هذا الفعل المشين الشخصي إلا من الأقربين إلي في المكان والهوية. ولكني سامحتهم في الدنيا والآخرة.

 

س- لا أحد يشبهك في التأليف، أنت لا نظير لك في تعاملك مع "الكتاب"..من أين تأتي بهذه القدرة العجيبة، وبهذه الفصاحة كلها في الوقت الذي يتوه التعبير على فم الكثيرين؟

- هذا من فضل الله  سبحانه وتعالى. وأشكر الله الذي وهبني هذه النعمة بعد أن دعوت الله كثيرا فاستجاب لي.

بعد أن قال لي أستاذي الدكتور محمد الشامي ذات يوم، وأنا بصدد تحضير بحث في الإجازة في الشعر الأمازيغي، " أنت لاتعرف اللغة العربية كما يبدو لي من خلال بحثك".

وقد أحسست ذلك اليوم بشعور غريب وموحش، ينم عن ذلتي ومهانتي ونقصي وحقارتي. وقد كنت، في ذلك الوقت، أستاذا للغة العربية في السلك الإعدادي. وقد بذلت نوعا من الجهد في ذلك، لكني لم أستفد إلا من مؤطر كفء هو  أستاذي العظيم الدكتور مصطفى رمضاني الذي علمني آليات الكتابة من جهة، وعرفني بضوابط اللغة العربية من جهة أخرى. ومن ثم، سرت أحتاط كثيرا في كتابتي، وأتخوف من ذلك كثيرا، لا أكتب جملة حتى أفكر فيها مرات عدة، وأعود إلى مقالاتي مرات ومرات حتى أصححها وأجودها وأنقحها كما فعل زهير بن أبي سلمى من قبل. ولايعني هذا أنني، الآن،  لا أخطىء، بل مازلت أخطىء إلى يومنا هذا، ولكن ليس بالشكل الفادح كما كان في السابق.

 

س- هل هناك كاتب مثلك في الوطن العربي، في مثل امتلاك هذه " العصا" السحرية في التأليف، وفي ميدان مختلفة، وبهذه الغزارة اللافتة؟

- نعم هناك الكثير من الباحثين من يمتلك هذه الأداة. فهناك المفكر الكبير عباس الجراري، والعلامة محمد عابد الجابري، وعبد الفتاح كليطو، ومصطفى رمضاني، وجابر عصفور، وطه حسين، ومحمد مندور، وعزالدين إسماعيل، وإحسان عباس، وغيرهم كثير...

ويعد المصريون من أكثر كتاب العرب موسوعية، وأكثرهم خوضا في مجالات متعددة كما وكيفا، كأنيس منصور، وطه حسين، والعقاد، وغيرهم...

 

س- التأليف في ميادين كثيرة، ومتنوعة، وتخصصات متفرعة،كما هو الشأن معك،هذا الأمر هل يعينك على الغوص في امتلاك ناصية الجديد أم عامل على السقوط في الضحالة؟

- ساعدتني الموسوعية كثيرا على التميز من جهة أولى، والخوض في المواضيع التي كنت أجهلها من جهة ثانية، والتسلح بآليات جديدة لتطوير النقد الأدبي من جهة ثالثة. فقد ساعدتني العلوم الإنسانية والفلسفية والعلوم التجريبية في مناقشة مسائل معقدة ومتميزة، كالخوض في العوالم الممكنة، وتوظيف المنطق في الأدب، ودراسة الأنساق المتعددة، والتعمق في البيداغوجيا وفق مقاربات متعددة التخصصات. ومن ثم، لايمكن للباحث أن يمارس النقد الأدبي في غياب الفلسفة والمنطق واللسانيات والعلوم الإنسانية والتجريبية.

 

س- أنت صديق طفولتي، وأشهد أن أول كتاب ألفته، وأنت لا تزال تلميذاً، كان عام 1985، وفي فقه اللغة؟ ..أريد : كنتَ مرشحاً لما أنت عليه من الشهرة في التأليف؟   حدث قراءَك عن أول كتاب ألفته؟

- أول كتاب ألفته كان ذلك في السنة الأولى من الثانوي مع صديقي القاضي عبد الله سنة 1980م بعنوان (تاريخ الأدب العربي)، كنا نقلد فيه  حنا الفاخوري. وإن كنت قد نظمت قصائد شعرية قبل ذلك في السنة الثالثة إعدادي وفق العروض الخليلي، فقد أبدعت قصيدة شعرية وفق البحر المتقارب . وبعد ذلك، نظمت قصائد متعددة، ففازت قصيدة منها بجائزة الإبداع بمدينة الناظور، بالتباري مع مجموعة من المدرسين المصريين .

وبعد ذلك، ألفت كتابين في الجامعة: كتابا في فقه اللغة، وكتابا في النحو  الذي أثار إعجاب أستاذ المادة وأساتذة اللسانيات بكلية الآداب بوجدة في 1985م؛ لأني طبقت منهج القرائن لتمام حسان، أو ما يسمى أيضا بالبنيوية الوصفية، على درس الفاعل في اللغة العربية. وبعد ذلك، حولت تفاصيل الكتاب إلى بحث تربوي نشر سنة 1987م بالمجلة التربوية في الكويت بعنوان (تدريس النحو العربي في ضوء منهج القرائن).

وفي الجامعة بوجدة وتطوان، قدمت مجموعة من العروض في الرواية، والنحو، والنفس الإنسانية، والمناهج النقدية، والرواية اللغوية، والشعر الجاهلي...

 

س- التأليف مثل لذة الشراء كما يقول أحمد أمين، نحزن إذا اشترينا، ونحزن إذا لم نشترِ..هل يحصل معك هذا؟ هل أنت راض عما تكتبه؟

- لست راضيا على كتاباتي السابقة، وإن كانت كتابات تأسيسية وتمهيدية وتجريبية علمتني الكثير من الأشياء. ولا أريد عرضها في المواقع الإلكترونية؛ لأني أخجل من نشرها لكثرة أخطائها. لكني أرضى على بعض الكتابات، ولا أرضى على الأخرى. ويعني هذا أن ثمة مستويات مختلفة من حيث الجودة والجدة والتميز. بتعبير آخر، أكون مقلدا في بعض دراساتي، وأكون مجددا في دراسات أخرى.

 

س- ألم يحدث مثلا أن استيقظت يوماً، ونظرت في المرآة، ومدتْ لك صورتُك لسانَها قائلة : " ألم يئن لهذا الفارس أن يترجل؟ ويكف عن هذا الهراء/ أقصد التأليف؟

- فعلا، قررت مرات متعددة أن أتوقف عن الكتابة، فقد اعتبرتها مضعية للوقت والطاقة والجهد؛ لأنها دفعتني إلى الانشغال بأمور الناس والوطن والأمة على حساب أسرتي الصغيرة والكبيرة.

وأكثر من هذا أنني لم أستفد شيئا من هذه الكتابة ماديا ومعنويا. ولكن عندما أتذكر فضل الله ونعمه علي، أبعد عني كل الوساوس الشيطانية، ثم أتجلد لأنطلق مجددا كبروميثيوس، أو يوبا الثاني، لأخوض تجربة الكتابة والنشر والتأليف إلى أن تنشب المنية أظافرها في روحي.

وقد سعدت، الآن، بأجواء عالم الكتابة، وأحس بالسعادة المطلقة، وأستشعر النشوة الممتعة. ولا أستطيع التخلي عنها حتى أموت في رحمة الله وحبه وملكوته.

 

س- إذا كان الروائي السوري الكبير حنا مينة يعتبر الكتابة " مهنة حزينة"، فالدكتور جميل حمداوي، بسبب غزارة إنتاجه، يعتبر الكتابة مهنة تَسُر الكاتب والقارئ معاً... هل أنا مصيب في هذا؟

- الكتابة هي التي تعطي الحياة للمبدع، أو المثقف، أو الباحث. ويعني هذا أن الكتابة هي إكسير الحياة، وسر الوجود والأنس والحرية والاستقرار والسعادة والفضيلة والكمال. فهل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون. ولم يقل الله جل شأنه: هل يستوي الذين يملكون والذين لايملكون.

ويعني هذا أن الإنسان يتميز عن البهيمة الحيوانية  بالمعرفة والعلم والثقافة، بشرط أن يعطي منها للآخرين، ويسعدهم بذلك أيما سعادة. وفي المقابل، لاينبغي أن يكون الباحث،  أو المبدع، بخيلا أو شحيحا ينشر من أجل حفنة من الدراهم والدنانير، بل لابد من التضحية والإيثار والغيرة على الوطن والأمة والإنسانية جمعاء. فلابد أن يتسلح المبدع، أو الباحث، أو المثقف، بفلسفة الجود والعطاء والكرم، ويتمثل رؤية كونية متسامحة ومتعايشة وخيرية .

 

س- ما هو معيار الكاتب الناجح برأيك؟ وهل هناك معيار أصلا؟

الكاتب الناجح هو الذي يأتي بالجديد، ويكتب بأسلوب بسيط وواضح وسهل كما وكيفا، وينفع الآخرين بعلمه حسب طاقته وإمكانياته . ويبحث عن أسلوب يخصصه ويفرده ويميزه عن الآخرين،  أو يبحث عن صوته التعبيري الخاص به حتى يعرفه الناس بذلك الأسلوب. وعليه أن يجمع بين الأصيل والمعاصر في بوتقة فنية وجمالية واحدة.

 

س- كان حنا مينة يرفع شعاراً أحببته كثيراً منه وهو " اقتلوا العادية" في التأليف، والحياة بشكل عام ..هل تقتل أنت " العادية" فيما تكتب دكتور جميل؟

- ىبعد أن كنت كاتبا عاديا أجتر السائد والكائن، انتقلت، بعد ذلك، إلى التجريب والإبداع والبحث عن الجديد في كل شيء. فقد قدمت تصورات جديدة تتعلق بالمسرح والنقد والقصة القصيرة جدا. ثم قدمت نظريات في مجال التربية والتعليم والكتابة الشذرية .ومازلت أقدم الجديد في النقد الأدبي بصفة خاصة، باستلهام آليات العلوم الإنسانية والتجريبية لإغناء الكتابة النقدية والأدبية والبحثية.

 

س- مرات عديدة ألومك لأنك لا تملك سيارة، وطبعاً لا تعدم وسيلة في امتلاك أحسن الموديلات، لكنك  في جوابك  تدهشني وتقول : حسبي ولدي وصديقي وكتابي؟ أإلى هذا الحد تعشق الكتب؟ وهل تحتفظ بهذا الرأي رغم انحسار الكتاب، وعزوف الناس عن القراءة؟

- ما يهمني هو الاحتكاك بالناس قاطبة، والطمع في صداقتهم، والرغبة في التواصل معهم حتى أستفيد منهم، وأنغمس في مشاكلهم حتى تتعمق رؤيتي وتتضح أكثر فأكثر. فتجدني دائما أتتبع أخبار المجتمعات، وأهتم كثيرا بالسياسة والحروب والاقتصاد.

ومن باب العلم يعجبني الاقتصاد كثيرا نظرا لعلاقته الوطيدة بالسياسة، ضمن ما يسمى بالاقتصاد السياسي. لذا، أعطي الأولوية للكتاب والآخرين، ولاتهمني حياتي الشخصية إلا إذا كانت ستفيد الآخرين .

 

- تحية إجلال وإكبار دكتور جميل، كلمة أخيرة رجاء ..

ج-  أشكر المبدع القدير ميمون حرش الذي مازال يرافقني في حياتي العادية والثقافية، ويعرف سري وعلني، ويقف بجانبي في السراء والضراء. فميمون حرش نعم الرجل الإنساني، ونعم المثقف المتمكن، ونعم المبدع المتميز .

 

حاوره: ميمون حـِـرش

سلسلة حوارات العـرين

 

المهدي مستقيم يحاور المفكر عز الدين عناية: المسلمون والانسداد التاريخي.. لا عاصم اليوم إلا العقل

ezzeddine  anayaمنذ أن دشن الراحل محمد أركون مشروع نقد العقل الإسلامي في سبعينات القرن العشرين وهو يؤكد ويردد بأن الأمر يتعلق بمشروع كبير يحتاج إلى فتح عدة أوراش من أجل مباشرة عمليات الحفر والتنقيب في تلك الطبقات المتراكمة عبر عصور طويلة من تاريخ العرب والمسلمين. ورغم إدراكه لصعوبة المشروع فقد كان مقتنعا بأنه سيأتي الوقت الذي سينهض المثقفون العرب والمسلمون للقيام بهذه المهمة، فذلك هو السبيل الوحيد للخروج من مرحلة الانسداد التاريخي التي تعيشها الشعوب العربية الإسلامية في العصور الحالية.

وبالفعل ظهر جيل من الباحثين والمفكرين أخذوا على عاتقهم حمل المشعل والمضي في الطريق من أجل تحقيق الهدف. الأمر يتعلق بمجموعة من الباحثين تخرجوا من جامعة الزيتونة وعزموا على التخصص في الفلسفة و التاريخ وسوسيولوجيا الأديان من بينهم الأساتذة: عدنان المقراني وحسن سعيد جالو وعامر الحافي ومحسن العوني وعز الدين عناية، لكنهم وجدوا أنفسهم محاصرين ومحرومين –كما توقع ذلك أركون- من الدعم الكافي لممارسة عملهم بل أكثر من ذلك حرموا من الحصول على وظيفة تمكنهم من الإستمرار في العيش فكان أن غادروا البلد ولجأوا إلى بلدان مختلفة .

وهذا الحوار سنخصصه لباحث من هؤلاء  هاجر إلى الديار الإيطالية وحصل على الجنسية الإيطالية وأصبح مدرسا في جامعة روما لاسابيينسا. ألا وهو الدكتور عز الدين عناية.

كرس عزالدين عناية حياته العلمية لدراسة الظاهرة الدينية من خلال ترجمة بعض الأعمال وتأليف مصنفات أخرى تصب كلها في تيار نقد الفكر الديني نقدا علميا موضوعيا. حيث ترجم كتاب "علم الأديان: مساهمة في التأسيس" للعالم الأنتروبولجي الفرنسي "ميشال مسلان" (المركز الثقافي العربي2009). وكان هدفه من هذا العمل هو ملء حالة الفراغ العلمي في مجال الدراسات الدينية حيث يغيب علم الاجتماع الديني والأنتروبلوجيا الدينية وتاريخ الأديان وعلم النفس الديني وعلم الأديان المقارن، لتحل محلها العلوم الشرعية والفقهية التي تجعل من العقل غارقا بين أمواج  الملل فتستمر الانقسامات ذات الطابع المذهبي بين الفرق والمذاهب وليس بين الآراء والأفكار. إن هذه العلوم الجديدة  التي أصبحت اليوم ضرورية لفهم مجتمعاتنا التي يلعب فيها المقدس دورا كبيرا في حياة الناس ورغم أن الكتاب المترجم  يعتبر من كلاسيكيات هذه البحوث فإنه ساهم بشكل كبير في بلورة المنهج الشامل لعلم الأديان الذي يتطلع للإحاطة بالتجربة الدينية للإنسان.

في كتاب "الاستهواد العربي في مقاربة التراث العبري" (دار الجمل 2006) يحلل عزالدين عناية الإنتاج الفكري العربي الحديث عن اليهود واليهودية ويطلق عليه نعت "الاستهواد" مبينا بأن العلاقة الوطيدة بين النص القرآني والنص التوراتي في مجالات العقيدة والتشريع، بالإضافة إلى علاقة المسلمين واليهود في الجزيرة العربية، شكلت مصدرا غنيا للفكر الإسلامي الكلاسيكي والفكر الغربي الحديث في معالجة الظاهرة اليهودية. كما اهتم الفكر العربي الحديث باليهودية بعد قيام الدولة العبرية في فلسطين وهي الدولة التي تستلهم وجودها من النص التوراتي حيث اختلط البعد الإيديولوجي بالعلمي والبعد الديني بالسياسي . بعد جرده للدراسات العربية حول اليهود منذ كتابات عباس محمود العقاد إلى أبحاث السيد محمود القمني قام المؤلف بقراءة تحليلية لهذه الإنتاجات من منظور نقدي مصححا في نفس الوقت بعض التصورات والمغالطات التي نشأت من التعامل غير الموضوعي وغير العلمي مع التراث العبري اليهودي متطرقا كذلك للشخصية اليهودية محاولا النظر إليها نظرة جديدة فهي ليست شخصية جامدة أو ثابتة على مدار التاريخ، ولذا ينبغي التعامل معها ضمن التبدلات الاجتماعية ومتغيراتها مع ملاحظة التراث اليهودي وأثره في تركيب الشخصية اليهودية وتوجيهها.

أما  كتاب "نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم" (دار توبقال 2010) فهو عبارة عن إعادة قراءة المسيحية في تجلياتها المعاصرة وماتمثله من تحد للفكر العربي المعاصر، فالمسيحية لايمكن اختزالها في رسالة روحية ينقصها الجانب الدنيوي في غفلة عن التطورات الحاصلة في المجتمع كما هو شائع في أذهان عامة الناس وبعض المثقفين ، بل هي ديانة حية ونشيطة وحاضرة بشكل قوي في الخيارات المجتمعية والسياسية لكثير من البلدان.

وعموما فإن هذين الكتابين حول اليهودية والمسيحية وموقف الفكر العربي الحديث منهما يدخلان في إطار الدعوة إلى انفتاح الباحثين العرب على البحث العلمي الجاد النقدي والهادئ لمقاربة الظاهرة الدينية بصفة عامة من خلال هذين النموذجين وتنبيه العقل العربي والإسلامي إلى ضرورة التسلح بالمناهج الجديدة والفتوحات المعرفية الجديدة  التي من شأنها أن تفتح الباب أمام فهم جدي للدور الذي يلعبه الدين في الحياة الاجتماعية بعيدا عن التجييش الأصولي وعن التناول البسيط للظاهرة الدينية في الثقافة العربية المعاصرة.

وفي كتاب آخر بعنوان: "العقل الإسلامي: عوائق التحرر وتحديات الانبعاث" (دار الطليعة 2011) جدد عزالدين عناية الدعوة إلى تأسيس سوسيولوجيا لفهم الديني في المجتمعات العربية الإسلامية حيث يتصارع قطبان متضادان على احتكار الدين وتوظيفه لخدمة مصالحه وإيديولوجيته وهما : الإسلام السلطوي والإسلام الأصولي. حيث يلتقيان في رفضهما أية تأويلية مغايرة لرؤية كل منهما، وتحمى معركة احتكار ثروة المخيال الديني والروحي للجماهير باسم الشرعية والتمثيل الرسمي. فيبدو الإسلام الشعبي الجماهيري يتيما بين الإسلام السلطوي المدعوم بقوة السلطة وجهازها القمعي، والإسلام الأصولي المختزن لهياج متفجر، كل يريد أن يركب حصان الجماهير، وتوجيهها حسب مبتغاه، لما تستبطنه من طاقة ومشروعية. ولذلك يراهن الإسلام الأصولي على الفاكرة الشعبية المسكونة بالأحلام والطوباويات المتشكلة مع الإسلام التأسيسي، ويراود تلك المخيلة عله يسندها، ويتحاشى أن يعرض نفسه على الانتلجنسيا التي تمحص الأشياء معرفيا، لما يحمله في فكره من تناقضات. فتجده يتوجه إلى كتل العامة، التي بالكاد تخطت عتبة الأمية، وما امتلكت رؤى نظرية وفكرية تسمح لها بتمحيص المفاهيم، وحتى إن توجه إلى الجماعات المتعلمة تعليما راقيا، فغالبا مايجنح إلى تلك المنحدرة من التخصصات العلمية الصحيحة، الهندسية والطبية، التي يعرضها بكونها الكوادر المثقفة، وهي بالحقيقة كوادر مهنية لاثقافية.

 

•المهدي مستقيم: كيف تقدم نفسك للقارئ العربي؟

•عز الدين عناية: لعلّه ينطبق عليّ قول كارل غوستاف يونغ "أفكاري تدور حول الله كما تدور الكواكب حول الشمس"، فأنا "كائن متدين" متحرر من الباراديغمات، أجد في نفسي قدرة هائلة للتعايش مع كافة أشكال الإيمان واللاإيمان، فضلا عما لديّ من شغف بقضايا التديّن واللاتدين، أسعى من ورائها لاكتشاف سُنن الدين وتبدلاته، وإن بدا الأمر خارج الضبط. وأحمد الله على أني ابن ثقافتين إسلامية ومسيحية خلّفتا لدي قدرة على رؤية الظواهر والوقائع بمنظورين مختلفين قلّ أن يُتاحا للمرء.

 

•المهدي مستقيم: أين وصل مشروع نقد العقل الإسلامي الذي اعلن عنه الراحل محمد أركون؟

•عز الدين عناية: أيّ منشغل بقضايا الدين بحقّ هو في ورشة مشرعة على الزمان والمكان، ليس فيها بداية ولا نهاية، فقدرُ العقل الديني التاريخي أن يبني كيانه ثم يفككه، ثم يعيد بناءه في حركة لا تعرف التوقف. ومن وجهة نظري ليس ثمة مشروع لنقد العقل الديني بل ثمة مسعى لترسيخ العقلانية وهو مسار لا ينتهي. فاهتمامي بالعقل الإسلامي هو من ناحية النظر للأديان الأخرى، وهذا متأتّ من تخصصي في دراسات الأديان سواء في مرحلة الدراسة الزيتونية الأولى أو في جامعتي القديس توما الأكويني والغريغورية في روما لاحقا.

صحيح أن الراحل محمد أركون من أبرز المشتغلين في عصرنا على ما يُعرف بنقد العقل الإسلامي، ولكن بيني وبينه مسافة، فهو ابن السربون وأنا سليل الزيتونة، هو من أنصار التنوير العلماني وأنا من أنصار التنوير الإيماني، هو فرنكفوني الهوى وأنا مغاربي المشاغل، وإن كان بيتي على مرمى حجر من المسرح الروماني.

لا شك أن أركون عقل فذّ، مثل القديس أوغسطين، ولكن كلاهما نسي أصله الإفريقي، فالسابق تماهى مع "الرومانية" وتنكر للدوناتيين الأفارقة الذين قالوا نحن أفارقة أولا ثم مسيحيين ثانيا، واللاحق تماهى مع "الفرنكفونية" حتى بات علما من أعلامها وفارسا من فرسانها، فقد كان أوغسطين تجليا لعقل قرطاج المروْمن وأركون تجليا للعقل المغاربي المفرْنس.

 

•المهدي مستقيم: كيف جاءتك فكرة الانخراط في هذا المشروع الضخم؟

•عز الدين عناية: كان لدي شغف بالتوراة والإنجيل والقرآن منذ عهد الصبى، حين كنت أصغي إلى والدي وهو يرتل القرآن بُعيد صلاة العصر كل مساء تقريبا، وقد زاد ذلك الشغف مع تعرضي المبكر لتهمة سياسية دينية، وأنا في سنّ السادسة عشر، بالتشيّع لآل البيت وموالاة نظام الثورة الإسلامية في إيران، بقيت تبعاتها عقودا تلاحقني، صودر لأجلها جواز سفري ومُنعت من الشغل في بلدي وكنتُ عرضة للمتابعة الأمنية الدائمة وتفتيش محل سكناي، إنها إحدى عجائب الزمن العربي البوليسي والكل مبني على شبهة. ولذلك ما كان اختياري الهجرة رغبة بل بعد أن انسدت أمامي كافة السبل. لكن يبقى ذلك من جملة عوامل دفعتني للميل للمسائل الدينية. وهو ما تطوّر لاحقا إلى وعي علمي ومعالجة رصينة، إيمانا بأن ثمة حاجات ملحة في الثقافة العربية، ومن هذا الأمر بتُّ أحدّد مساري. وبصفة تكويني الديني المزدوج اللاهوتي والعلمي، والمتنوع، الإسلامي والمسيحي واليهودي، وجدت نفسي في خضمّ قضايا التراث الإبراهيمي. فكما تشغلني مسائل الإسلام تشغلني مسائل المسيحية أيضا، لذلك أجدني أحيانا مغرقا في قضايا المسيحية العربية أكثر ممن يدينون بهذا الدين، ربما لأن اهتمامي بالظاهرة الدينية ليس من زاوية الاعتقاد، بل بوصفها تجربة بشرية أسعى جاهدا للتملي فيها.

وبرغم أن دين الإسلام هو نابع من عمق التراث الإبراهيمي، أرى تفريطا في الاشتغال العلمي على تفرعات هذا التراث، لا سيما ركنيه المسيحي واليهودي، لذلك أسلّط اهتماما مكثفا على هذين المجالين، أسعى فيه لنقل الخطاب العربي السطحي والساذج بالمسيحية إلى خطاب علمي نقدي. لأن هناك خطابا كارثيا، مشبعا بالنحيب عن مصائر هذه الدين، يقابله خطاب فخري مداهن لا يذهب بعيدا في قراءة الوقائع. كما أن ثمة انحرافا منهجيا رهيبا في قراءة اليهودية في الثقافة العربية الحديثة حذّرتُ من تداعياته في كتابي "الاستهواد العربي".

 

•المهدي مستقيم: ما هي أهم الصعوبات والعراقيل التي تعترض مشروع جاد كهذا؟

•عز الدين عناية:  توجد عراقيل جمة تعترض مراجعة العقل الديني أو إعادة تفكيكه بوجه عام، منها افتقاد العاملين من داخل الحاضنة العربية إلى الأدوات، فما عادت قدرات العقل التقليدي -في المجال الإسلامي- كافية أو قادرة لتناول هذه المسألة وإدراكها. لعل جامعاتنا الدينية في البلاد العربية هي الأفقر في الإلمام بأدوات قراءة الدين اليوم، مع ذلك تصرّ على احتكار مشروعية النطق باسمه. لكن الخطورة الكبرى التي تتهدد مشروع نقد العقل الديني في الراهن العربي وهي الاصطفاف الإيديولوجي المتفشي بين المثقفين، والمثقف العربي لم يتحرر بعد ماديا حتى يتحرر فكريا في النظر إلى الظواهر وإعمال العقل بكل مصداقية.

لكن فضلا عن الافتقار للأدوات التي أشرت إليها توجد إشكالية عويصة تحاصر الدارس العربي، ألا وهي وقوعه رهن السياسة، فليس لدينا بحثٌ حرٌّ، هناك بحث مسيَّسٌ ومغشوش محكوم بالرهبة من السلطة وبالعداء الإيديولوجي المرضي بين العائلات الفكرية، وأقدِّر أنه عائد للأمر التالي: لدينا مكوَّن علماني، أو لا إيماني، أو إلحادي -سمِّه ما شئت- في مقاربة الدين في الثقافة العربية، لا زلنا نتعامل معه بالطمس والتغييب والمراوغة، والحال أننا ينبغي أن نصارح أنفسنا ونخرج من دائرة النفاق. أستحضر عناوين ثلاثة أعمال صادرة في إيطاليا تعبر عن ذلك الحوار العميق بين العقل العلماني والعقل الإيماني: الأول بعنوان "في ما يعتقد من لا يعتقد؟" يجمع بين أومبرتو إيكو والكردينال كارلو ماريا مارتيني؛ والثاني تلك المحاورة الشهيرة بعنوان "حوار العقل والإيمان" التي جمعت بين البابا راتسينغر والفيلسوف هابرماس؛ والثالث بعنوان "الكردينال والفيلسوف" جمع بين المفكر الفرنسي لوك فيري والكردينال رافازي. نحن ما زلنا خارج هذا الضرب من الحوار، بين العقل الإيماني والعقل العلماني، وجزء من مصائبنا جراء غياب هذا التعاطي المتكامل مع المسألة الدينية، فنحن أبناء وطن واحد وثقافة واحدة ينبغي أن نجلس جنبا إلى جنب ونبني طريقنا وإلا سقط السقف على الجميع، وهو ما بدأ يحدث بالفعل في جملة من البلاد العربية.

أضف إلى ذلك، وجود أمراض شائعة بين المشتغلين بالفكر في الساحة العربية، ولا سيما منهم الجامعيين، أنهم حوّلوا الجامعة إلى محل لصنع الثروة والوجاهة الزائفة بدل المعرفة والتنوير. في جامعة روما لاسبيينسا، وهي أكبر جامعة أوروبية على الإطلاق، عميد كلية الدراسات الشرقية يأتي إلى عمله على دراجة نارية، وأعرف أساتذة يأتون على دراجة هوائية، ولعل ذلك يمثّل فضيحة في الأوساط الجامعية العربية التي باتت تولي المظهر اهتماما يتخطى الجوهر.

 

•المهدي مستقيم: هل يمكن أن تحدثنا عن بدايات أبحاثك التي خصت "نقد العقل الإسلامي"؟

•عز الدين عناية: ما أتطرق إليه عامة هو تطوير التصور الإسلامي في النظر إلى العالم، لإيماني بأننا ما لم نغير مناهجنا فلن نعي العالم. كانت دراستي الجامعية الأولى في الزيتونة، وقد قضيت هناك زهاء العقد طالبا وباحثا، تقلبت الجامعةُ أثناءه بين مناخات فكرية متنوعة سلطوية وإسلاموية وصراعية، لذلك أقول: لا يعرف العشق إلا من يكابده ولا يعرف علل العقل الديني إلا من عاش داخل أحضانه. والخلاصة التي تراءت لي أن العقل الزيتوني قد غدا في عداد الأموات، فقد تلوثت المعرفة الدينية بالاغتراب وبالتحزب السياسي الانتهازي. لكن دراستي الثانية في وسط لاهوتي كاثوليكي  في روما بينت لي، ومن باب المقارنة، مدى حيوية الآخر في تناول قضايا الدين، فأجد نفسي مدفوعا دفعا لتنبيه العقل الإسلامي بما حصل لدى الآخر من تطور، وما لديه من ورشات مفتوحة مشرعة على شتى المجالات.

كان كتابي الأول الصادر بالعربية بعنوان "الاستهواد العربي"، أي علم اليهودية، هو في الواقع رصد لما كتبه العرب خلال النصف الثاني من القرن الماضي حول الدين اليهودي، والتمعن في تلك الأدبيات من ناحية نقدية وتحليلية. رصدتُ وَهَنًا علميا كبيرا في ما كتبه العرب تجاه هذا الدين، أنتجنا خلاله سبابا وليس معرفة، شيدنا حول عقلنا سياجا ونحن لا ندري، لذلك كان تأثير العرب في الدراسات اليهودية العالمية لا يُعتدّ به وخارج التاريخ. في كتابي المذكور دعوت إلى مراجعة منهجية صريحة في التعاطي مع الدين اليهودي، فمن العيب أن يبقى التلمود خارج اللسان العربي، أي في الآرامية إلى العام 2012، مع أنه تراث نشأ في حضن حضارتنا بين بابل وأورشليم، حتى رعى ترجمته زيتوني فلسطيني الدكتور عامر الحافي والفريق العامل معه، وهو كتاب ضخم في عشرين مجلدا صدر في الأردن، والحال أن كثيرا من رؤانا الفقهية والتفسيرية مستوحاة من هذا السفر. بينتُ أن هناك حاجة ماسة للخروج من سجن الصراع العربي الإسرائيلي إن أردنا أن نبني علما ومعرفة صائبين، فلا يمكن أن نذود عن مقدساتنا وتراثنا في فلسطين بالتعاطي اللاعلمي مع التراث اليهودي والتناول الإيديولوجي.

عنصر آخر من جوانب الاهتمام بالعقل الديني شغلني، ذلك المعني بالمسيحية، وقد كان لي الاشتغال على المسألة في ثلاثة مؤلفات صدرت لي: الأول "نحن والمسيحية" والثاني "الأديان الإبراهيمية: قضايا الراهن" والثالث "رسالة إلى أخي المسيحي"، فضلا عن ترجمات مثل "الفكر المسيحي المعاصر" صدرت في سورية، ذكّرت فيها أن البلاد العربية، بمفهومنا الجغرافي اليوم، هي الأصل في المسيحية ولكن تلك المسيحية قد صودرت من ذاكرتنا ومن عينا ومن أوطاننا، وهي كفلسطين خُطفت منا في غفلة من أعيننا. فهل لدى المغاربيين دراية بالقديس أوغسطين ابن مثلث سوق أهراس وعنابة وقرطاج، وقد كان الأحرى أن يدرَّس في الزيتونة والقرويين. فمن هذه الانجراحات الغائرة في الذاكرة الدينية أكتب عن المسيحية.

 

•المهدي مستقيم: من المسؤول عن الانغلاق والجمود الذي يطبع العقل الإسلامي؟

•عز الدين عناية: لدينا صناعة أكاديمية متطورة في الانغلاق والجمود، وقد تنبهتُ لهذا الأمر حين رحلت من تونس نحو إيطاليا. نظرة مقارنة بسيطة عن الأبحاث الجامعية التي تُنجَز في كليات الشريعة في البلاد العربية ونظيرتها التي تُنجز في الجامعات اللاهوتية الغربية، في الغرب ثمة التصاق بالأرض، بقضايا الواقع والراهن، ولدينا تعلق بقضايا السماء والغيب والماضي واللامعقول مفزع، ولا أدلّ على ذلك من عودة قضايا التسنّن والتشيّع ضمن وعي مقلوب رهيب يجتاح مجتمعاتنا الرخوة.

لذلك أقول كلنا مسؤولون عن الانغلاق والجمود، أو بلسان الراهن العربي، "الإسلامي" و"العلماني" على حد سواء، لأننا وقعنا في ضيق تصوري للدين لم نقدر على الخروج منه، وما لم يتعاضد الجميع فسيستمر هذا الانغلاق المولِّد للتطاحن والمؤدي للاندثار -لا سمح الله-. ولكن في ظلّ هذه الأزمة الحقيقية تتحمل الجامعات الدينية الوزر الأكبر، فمناهج التدريس فيها مدعوة إلى مراجعة جذرية والاستعانة بأناس علميين من خارج الوسط الإيماني ومن خارج المجال اللاهوتي الضيق. فدراسة الظواهر الدينية والكائن المتدين ليست حكرا على "كلية الشريعة"، بل هي من مشمولات أقسام الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والآداب والأنثروبولوجيا والاقتصاد، بهذا الشكل نُحدِث تحولا في دراسة الدين ووعيه. فانغلاق العقل الإسلامي هو نتاج انغلاق بنية تصورية وقع في أسرها العرب وليس ثمة سبيل للفكاك منها سوى بتضافر جهود الجميع.

 

•المهدي مستقيم: كيف تفسر بدايات هذا الجمود والتكلس؟ متى حصل؟

•عز الدين عناية: في اللحظة التي يغدو فيها التعاطي مع الظاهرة الدينية خارج نطاق العقل والمنطق يُطلّ التكلس. وفي الثقافة العربية ثمة تعامل لاهوتي مع الدين لم يتطور إلى تعاط علمي، اُنظرْ إلى حديثنا في التليفزيونات والصحافة والمساجد عن رمضان وعن الحج، هل هناك بصيص لوعي سوسيولوجي أو اقتصادي لهاتين الشعيرتين، في حين يقوم اقتصاد بأكمله يدور حول هاتين الشعيرتين ولكن المسألة غائبة عن الاقتصادي العربي وعن تحليله ورصده. من المستحيل أن تُترك الأمور على الغارب هكذا في الغرب فكل شيء خاضع للدرس والتحليل والمتابعة.

وبناءً على ذلك أقول لدينا دراسات جامعية وهْمية تصنع خريجين مضلَّلين، سواء في العلوم الدينية أو في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وكثير من جامعات البلاد العربية هي جزء من صناعة التخلف وإعادة تدويره، وبالتالي من الطبيعي أن يأكل الأجداد الحصرم والأبناء يضرسون. فيوم دخل الإسبان جامع الزيتونة (القرن السادس عشر) وحولوه إلى إسطبل لخيولهم كنا نتلهى بفنطازيا الغيبيات، ولا زلنا، ولذلك ترى ما يسمون بالدواعش يخترقون أمة من شرقها إلى غربها لهشاشة عقلها وعوز قدراتها. فعصرنا هو عصر انهيار سقف المعرفة الدينية التقليدية على أهله النيام. يسألني زملاء أوروبيون متضلعون في شؤون العالم العربي، أي شيء يعتمل داخل الوعي الديني لديكم حتى تحوَّلَ التديّن إلى مشكلة وأوصلكم إلى هذا الحد من التآكل الذاتي وأنتم في سكرة مما تكابدون؟ وعلى مَا تتقاتلون؟ فأُصاب بالدوار من هذا الهول الذي يجتاح العراق وسوريا وليبيا واليمن.

 

•المهدي مستقيم: هل يمكن القول إن رؤساء المذاهب الكبرى التي عرفها تاريخ الإسلام وأقصد مالك ابن أنس، الشافعي، ابن حنبل، أبي حنيفة هم المسؤولون عن هذا الإنغلاق والجمود؟

•عز الدين عناية: لا أبدًا، المسؤول الرئيس هم الأتباع الذين فقدوا تعاطيهم العقلاني مع فتاوى هؤلاء الأئمة وأقوالهم وآراءهم. إذ يحمّل كثيرون اليوم ابن حنبل والفكر الحنبلي الوزر الأكبر مما يجري في بلاد العرب، وهل البلدان التي تمذهبت بمذهب أبي حنيفة أو مالك حالها أفضل؟ هناك لامعقول في النظر العربي لتفسير الوقائع يشبه تفسير ذلك الرجل الذي علّل أسباب انهيار الدولة الأموية بقوله "ذهبتِ الدولة بِبوْلة"، نظرا لمقتل أحد قادة الجيش غيلة حين كان يتبوّل، والحال أن المسألة بنيوية معرفية وليست فردية.

أرتئي أنه لا بد من صُنع وعي سوسيولوجي وأنثروبولوجي بعلومنا الدينية (علوم القرآن والحديث والفقه وأصوله وعلم الكلام وغيرها) حتى نتنبه إلى بنية التصورات والباراديغمات، ولنتحرر منها ونصوغ معرفتنا المواكبة لعصرنا، ولكن من أين لنا بعلماء اجتماع لهم إلمام بالعلوم الدينية ومن أين لنا بفقهاء لهم إلمام بعلوم العصر، تلك هي المشكلة؟

 

•المهدي مستقيم: كان الهدف من وراء ترجمتك لكتاب "علم الأديان: مساهمة في التأسيس" للعالم الأنتروبولجي الفرنسي "ميشال مسلان" هو الإسهام في تأسيس وعي يقوم على ضرورة التقابل بين الإسلام والأديان الأخرى. هل لا زال العقل الإسلامي يفتقد إلى هذا النوع من التقابل والتواجه؟

•عز الدين عناية: ترجمت الكتاب المذكور حين كنت طالبا في تونس وأهديت الترجمة عمدا إلى الزيتونة والقرويين والنجف والأزهر أملا في لفت انتباه المدرسين والدارسين إلى وجود مقاربات أخرى للظاهرة الدينية صارت هي المهيمنة اليوم، وما لم يطّلع عليها الدارس فإن إلمامه بالعلوم الدينية يبقى منقوصا. وترجمت كتاب "علم الاجتماع الديني" لإنزو باتشي وسابينو أكوافيفا للغرض نفسه، أملا في خلق تعاط علمي مع الظواهر الدينية، لأن جامعاتنا الدينية تعيش داخل باراديغمات قروسطية مفصولة عن العصر، فهي جامعات تعيش على رأسمال كبير من الوهْم، لذلك يبقى إيماني أن جزءا كبيرا من أزمتنا الدينية عائد إلى الأفق المعرفي الضيق الذي نتحرك فيه.

يدور كتابا "علم الأديان" و"علم الاجتماع" المذكوران حول المناهج العلمية الحديثة في تناول الكائن المتدين وظواهر المقدس، وهما حصيلة الأدوات الخارجية التي ينبغي أن يتملكها الناظر في الدين اليوم، وحبذا لو يجمع المرء بينها وبين الأدوات الداخلية التي تندرج ضمن علم اللاهوت أو العلوم الشرعية.

الغرب تقدّمَ على مستوى المعالجة العلمية للظواهر الدينية، وعلى مستوى توظيف المناهج في دراستها، لكننا نحن توقفنا عند تناطح فعلي بين الإسلاميين والعلمانيين في النظر للمسألة، داخل نظرة سياسوية مقيتة، ولم نقلّب النظر بعيدا عن ذلك، لذلك أعمل بإمكانياتي المتواضعة على تحرير الوعي بالدين من براثن الإسلاميين والعلمانيين على حد سواء في البلاد العربية.

 

•المهدي مستقيم: ما هو إسهامك الشخصي الذي قدمته لإضاءة هذا الوعي؟

•عز الدين عناية: أنا بيدٍ أترجم وبأخرى أكتب عن قضايا الفكر الديني العربي والعالمي، لعلي أزحزح جامدا أو أنير سبيلا. فلدي إلحاح في ما أسطره سواء عبر البحث أو المقالة على أن المرء في وسعه أن يكون ربانيا وأن يكون علميا في الآن، فالأمران لا يتصادمان كما توهّمنا أو كما أراد كثيرون أن يوهمونا، كما أني أحذر دائما من الانخراط في التحزبات الضيقة لأنها قاتلة ومدمرة للمعرفة الدينية.

ولا أزعم أن مجال الدراسات العلمية للأديان يلقى حظوة في البلاد العربية، فما هو رائج هو بروباغندا "حوار الأديان" وهو في الحقيقة مفهوم مفخّخ، فحتى معمر القذافي في سابق عهده دعا إلى حوار الأديان في مؤتمره الشهير للحوار الاسلامي المسيحي سنة 1976.

وفي الواقع ثمة فروع ثلاثة رئيسة لعلم الأديان أحاول التركيز فيها بالترجمة والكتابة، ألا وهي علم الاجتماع الديني والأنثروبولوجيا الدينية ومقارنة الأديان، ولإدراكي ما عليه الدراسات الدينية العربية من فراغ ووهن وخلط، سواء في الأوساط الجامعية أو في الساحة الثقافية، أجدني منكبا على الإسهام في تطوير هذا المجال.

 

•المهدي مستقيم:كيف يساهم علماء الدين في تكريس الانغلاق اللاهوتي؟

•عز الدين عناية: صعبٌ أن نطلق "علماء دين" على صنّاع الانغلاق الديني، بل صُنّاع ذلك هم دراويش الدين أو ممن يُخيَّل إليهم أنهم علماءه. فالانغلاق الديني هو بمثابة الفيروس كلّما تمكن من عقل المرء كلما ضاقت رؤيته للوجود. والقائمون على الدين في بلاد العرب دعاةً ومدرسين وطلابًا اطلاعهم على الآخر الديني ضئيل، ولعل ذلك أحد أسباب الانغلاق. فعالم الدين بالمفهوم التقليدي قد تجاوزته التحولات في فهم الدين وفي الإلمام بقضاياه، وما عادت له سلطة معرفية، لكنه ما زال مقتدرا على تجييش عامة الناس بفعل رهان أنظمة سياسية على مقوله ومنحه منصّات دعائية لذلك، وإن كان تاريخيا انتهى دوره.

فلا سبيل للفكاك من أسر الانغلاق اللاهوتي دون إدخال تحوير في مقاربتنا للظواهر الدينية ويبدو هذا المجال غير مطروق في جامعاتنا التي يُفترض أن تكون السباقة في ذلك. أين علم الأديان وتفرعاته المتنوعة في جامعاتنا الدينية ونظيرتها المدرّسة للعلوم الإنسانية والاجتماعية؟ فنحن سجناء منظورات وأطر لاهوتية، العالم تغير في تعاطيه مع الظواهر الدينية إلا نحن. توبنغن أو الغريغورية أو اللاتيراني أو لوفان، كبريات جامعات الغرب اللاهوتية، لم تبق سجينة أوغسطين وتوما الأكويني، بل بات كبار فلاسفة الغرب وعلماءه يُدرَّسون فيها وانفتحت على كافة معتقدات العالم وحتى على التقاليد الدينية، فأين الزيتونة والقرويون من ذلك؟

سبق أن شاركت في مؤتمر للفقه الإسلامي تناول الآخر من خلال "رؤية العالم والعيش فيه: المذاهب الفقهية و التجارب المعاصرة" وقد حضره حشد كبير من فقهائنا، كان فيه تمجيد وحنين لمؤسسة أهل الذمة وتوق لبعثها. وكانت مداخلتي على نقيض تام مع ذلك، كونها مؤسسة تاريخية ولّدتها الحاجة والأوضاع التاريخية السائدة عصرئذ، وأما اليوم فلا خيار لنا إلا بالاندماج في هذا العالم على الطريقة اليابانية وليس مجابهته، لأننا لا حول لنا ولا قوة معرفيا أو ماديا. استشاط الفقيه الراحل وهبة الزحيلي غضبا من مقاربتي، ثم لما التقينا على هامش المؤتمر قلت له يا شيخ أنا أعيش في دولة كاثوليكية، والكنيسة قد عارضت موضوع حقوق الإنسان، منذ صدور إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي 1789 وإلى النصف الأول من القرن العشرين، ولكن في أعقاب ذلك رضخت إلى الأمر الواقع وسعت للاندماج في حركة العالم فلنكن عقلاء في التعاطي مع العالم ومع أنفسنا ولا نروّج وهمًا بين شعوبنا.

 

•المهدي مستقيم: ماذا يمكن أن تقول عن ذلك النظام الفكري العميق واللامرئي إذا تحدثنا بلغة ميشيل فوكو الذي يتحكم في الخطاب القرآني؟

•عز الدين عناية: الخطاب القرآني هو رأسمال رمزي هائل. ثمة أطر نظرية ورمزية وتصورية ذات طابع ديني تسجن المؤمن اليوم، لا بد أن نهشم تلك السياجات الدغمائية لنبني المؤمن الحر، فلدينا مؤمن سجين لمواقف فقهية وتصورات دينية، أو بلغة الإمام علي الكتاب وأهله طريدان منفيان.

ثمة رؤية مؤسطَرة تلفّ فهمنا للقرآن الكريم مع أنه كتاب مسطور بين دفّتين لا ينطق وإنما ينطق به رجال، كما يقال، فما إن يدنو المرء من النص المقدس حتى يفقد صوابه ويدخل في عالم غرائبي مؤسطَر يظن أنه يزيده قربا من الله. وتبعًا لهذا الوضع الآسر ينبغي أن نقرأ القرآن وكأنه يتنزّل علينا حتى نتجاوز ذلك الانفصام بين التاريخ والنص المقدس، وحتى نردم تلك الهوة الدلالية بيننا وبين الخطاب القرآني. ولا يمكن للمؤمن أن يملك تلك الرؤية المتحررة من الوعي الأسطوري ما لم يمتلك ثقافة عقلانية وأقدّر أن ذلك هو التحرير والتنوير الأكبر الذي نحتاجه.

فالنظام الفكري العميق واللامرئي، على ما ذكرتم، هو عبارة عن بنية تصورية تتحكم بمشاعر المؤمنين ورؤاهم وهي بنية متقادمة في كثير من مكوناتها، يقتضي الأمر أن نعمل على خلق بنية بديلة لها تستجيب لمتطلبات عصرنا. وهو تقريبا ما تنبّه إليه اللاهوتي هانس كونغ في ثلاثيته المتعلقة باليهودية والمسيحية والإسلام، وما سماه بالباراديغمات التي تتحكم بالأديان الثلاثة والتي يبدو الإسلام الأكثر معاناة بينها من باراديغم القرون الوسطى الذي يأبى التواري.

 

•ماذا تعني لك عملية "تأويل النصوص الدينية" في بلداننا العربية الإسلامية؟

•عز الدين عناية: بعبارة موجزة، تأويل النصوص الدينية هو استنطاق جديد للنص وفق حاجة العصر ووفق المطالب المطروحة، وهو ما يعني إعطاء النص حياة ثانية. ويتأتى "تأويل النصوص الدينية" جراء عوامل ثلاثة: شجاعة وجودية وإلمام علمي وشعور بالمسؤولية الحضارية، وهو التأويل المستند إلى شخصية كاريزمية فردية؛ لكن ذلك التأويل يبدو أنه غربت شمسه في الديانات الإبراهيمية الثلاث، فالعصر ما عاد يسمح بذلك، وبقي التأويل الجماعي المؤسساتي وهو على شاكلة ما حدث في الكاثوليكية مع مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965) باجتراح رؤى جديدة مع الذات ومع الآخر.

لذلك أقول إن التأويل اليوم ينبغي أن تتضافر له جهود متنوعة تشتغل بشكل جماعي حتى لا تُهدر طاقاتنا.

 

•المهدي مستقيم: كيف تفسر ظاهرة تكاثر الفتاوى التي بات يشهدها العالم العربي الإسلامي مؤخرا؟

•عز الدين عناية: تدلّ كثرة الفتاوى على أننا ما زلنا أمة أمّية على مستوى ديني، لم يحقق فيها المؤمن استقلالية معرفية واكتفاء فقيها ذاتيا، أي ما يسميه الفقهاء المعلوم من الدين بالضرورة. ما زال المرء يعوّل على الإمام والشيخ والقطب وليس على الذات في التعاطي مع إشكاليات دينية بسيطة. أعرف الكثير  ممن يعيشون في الغرب بقوا في انتظار فتوى الشيخ الفلاني وقطب الطريقة الفلانية حتى يشتري الواحد منهم بيتا بقرض، أو يدخل في مشروع استثماري فيه شبهة الربا، أو يأكل ذلك المأكل أو لا يأكله، أو يقدّم مطلب الجنسية، وهلم جرا من المسائل، ثمة طهرية ساذجة عابرة للبحار تجتاح عقل المسلم يعجز المرء أن يتدبر فيها حاله.

لكن عموما لم تبق مؤسسة الإفتاء في البلاد العربية خارج التجاذبات السياسية، بل هي جاهزة عند الطلب ما جعل للناس حساسية من فتاوى فقهاء السلطة جراء تزعزع الثقة بين الطرفين.

 

• ما الدور الذي يلعبه هؤلاء الفقهاء الذين أعطوا لأنفسهم حق النطق بلسان "الله"؟

•عز الدين عناية: نحن نعيش وضعا شبيها بأوضاع تفجر البروتستانتية في أوروبا وما خلفته من حروب دينية ضارية، ومن أصوليات مدمرة من الجانبين الكاثوليكي والبروتستانتي، أبرزها ما يُعرف بحرب الثلاثين سنة (1618-1648م). ففي سياق تلك الصراعات لم يحصل الإقرار بالتعددية الدينية كنضج داخل اللاهوت الديني، ولكن كواقع خارجي أملته الدولة بوصفها الحاضنة لجميع الطوائف والمذاهب. وبالتالي ليست التعددية الدينية السائدة في الغرب اليوم متأتية جراء لاهوت ديني منفتح، وإنما هي نتاج لتطورات سياسية.

وأما عن الفقهاء الذين أعطوا أنفسهم حق النطق بلسان "الله" فهم في المجمل امتداد لهيمنة سلطوية توجههم حيث شاءت، ولذلك ترى فقيه هذه الدولة يتصادم مع فقيه  تلك، رغم أن الفقيهين من مدرسة واحدة، وربما كانا في خندق واحد قبل الاصطفاف السياسي.

 

•المهدي مستقيم: ما هو السبيل المؤدي إلى الإطاحة بالأسلاك الدوغمائية الشائكة والصلدة التي تكبل العقل الإسلامي؟

•عز الدين عناية: السبيل إلى ذلك إعادة الدين إلى الناس بعد أن صودر منهم، تارة باسم السماء وأخرى باسم الأرض، وهي أشكال من الوصاية على ضمائر الناس وأرواحهم. ولن تتأتى الإطاحة بالأسلاك الدوغمائية إلا بحلّ المونوبولات الدينية المهيمنة على المقدس في بلاد العرب. لذلك أدعو إلى تحرير السوق الدينية من الاحتكار حتى يغدو الدين مشاعا بين الناس. لدينا الدين لم يتحرر بعدُ من هيمنة السلطة مع تنوعات ودرجات في القبض والبسط، وحتى في تونس التي شهدت تحولا معتبرا لا يزال الدين رهن السلطة، والحال أن الدولة الديمقراطية تتوارى فيها وزارة الشؤون الدينية ويحال وكلاء الدين على العطالة، باعتبار الأمر شأنا أهليا لأن الدين المدني يرعاه المجتمع المدني ولا دخل للدولة فيه.

 

•المهدي مستقيم: كيف تفسر هذا التفشي الخطير للسلفية في البلدان العربية الإسلامية المعاصرة؟

•عز الدين عناية: انتشار السلفية هو ترجمة أمينة لعجزنا عن التعاطي المتوازن والعقلاني مع الواقع الديني، فنحن إما مغرقون في طمس الدين وقهر المتدينين أو مغالون في موالاة الدين والمتدينين. ومجمل البلدان العربية افتقرت إلى رؤية رشيدة في المسألة. فنادرا ما نجد معالجة عقلانية للمسألة الدينية في الثقافة العربية فالسائد هو تعامل إيماني خال من العقل أو تعامل علماني نافر من الدين ولكن المطلوب هو التعامل الرصين. إذ كلما غاب العقل من التعاطي مع المسألة الدينية إلا وحل محله الفكر الدوغمائي.

والخطورة أن ضيق الأفق في التصورات السلفية والتمركز حول الذات مؤداه إلى إنتاج نوع من العنف المقدس، يتفجر كلما اشتد ضغط البنية الاجتماعية عليه. كان عالم الاجتماع الإيطالي إنزو باتشي قد قسمه إلى نوعين: تضحية بالآخرين وتضحية بالذات، أي القضاء المبرم على من لا ينتمي للتنظيم الديني، أو كذلك إماتة من ينتمي للتنظيم. وفي الحالة الأولى نحن أمام مختلف أنواع الأصوليات الدينية العنيفة، التي تقترف العنف لفرض مبدأ ديني بالقوة، تقدّر أنه مهدّد من عدوّ خارجي؛ وفي الحالة الثانية ندنو من حالة التحمّس للاسشهاد الفردي والجماعي، وهو بمثابة شكل لاختبار عمق الإيمان والانتماء. وليس اقتراف العنف نحو الآخرين أو نحو الذات عملًا عفويًا، بل يتطلّب انقلابا دينيا عميقا ومكثّفا، ينضُجُ في أعقابه اختيار طوعي للقيام بعملية القتل.

 

حاوره: المهدي مستقيم

 

ريبر هبون يحاور: ملك علو.. بوح ورؤى

malik alouالكاتبة المعرفية الكردستانية ملك علو، مواليد عفرين 2 شباط 1967م، كردستان الغربية (سوريا)، عضوة في تجمع المعرفيين الأحرار (الحب وجود والوجود معرفة)، درست الأدب الانكليزي في جامعة دمشق، شاعرة وإعلامية، صدر لها ديوان شعري سنة 2000 بعنوان (زفرات امرأة)

شاركت في العديد من الأمسيات والمهرجات الشعرية والندوات التربوية في دمشق وعفرين

كتبت ثلاث مسرحيات تتناول الهم النسوي الشرقي

وعملت كمحررة في قناة الجزيرة الانكليزية

 

وبتاريخ 18- 7- 2016م كان لنا معها هذا الحوار:

ملك علو، أهلاً بك ويسرنا أن نخوض حواراً ضارياً بإثارته، وحافلاً بمعانيه وأبدأ معك من هذا التساؤل، الذي يدور حول التشاؤم، ماسر التحافك به في مجمل نصوصك الشعرية، هل يعود ذلك أننا بطبيعتنا نستسيغ الكتابة التشاؤمية كونها باتت محور علاقة الإنسان بالوجود، هل التقنع بمفهوم الحل يتلخص في رغبتنا بالخلاص، أم الهروب؟، مالسعي، مالنتيجة ؟ لو تبادر لذهننا أن الكتابة الشعرية بمثابة تحايل على الواقع لا رصداً واقعياً له، بعكس رؤية الحالمين للانتفاضة بمعناها الفردي؟

- فيما يتعلق بالتحافي بالتشاؤم: مرد ذلك لمقومات واقعنا القاتم ذاك الذي عشنا فيه متحايلين عليه كما ذكرتم تارة بخلق فسحة للأمل للتخلص من ضيق العيش وجعل الوهم واحة نفسية إبان تصحر الحياة، إذا" قد نلجأ لاصطناع وهم جميل ولو في خيالنا لنستمد منه طاقة الاستمرارية . حيث إن واقع مجتمعاتنا الشرق أوسطية والاسلاموية يفرز معادلة تتحكم بكنه وجودنا الثقافة والوعي = تطلق نتاج كيمياءنفسية تتسم بالسوداوية والتشاؤم وكأنهما مرادفات لبعضها-(الواقعية والسوداوية) .

إنما حلاوة الروح التي زرعت في فطرتنا تمنحنا طاقة للمقاومةأحيانا" نجهل مصدرها،ولا تفسير لها سوى أنها من الآليات الدفاعيةالنفسية المستدعاة تحت الضغوط الحياتية.إنما إذ أن نفس الأديب المرهفة تتمكن من استثمار حتى تلك الطاقة السلبية وتحويلها لطاقة ابداعية من خلال الفعل الخلاق: (رسم –شعر-موسيقى الخ....).

أما مفهوم الحل فبتصوري ليس مطلوب منا كأصحاب مشاريع إبداعية؛ بل مطلوب منا فقط نقل تجربتنا للآخرين بمنتهى المصداقية من خلال التأمل في كوامن أنفسنا، فأسمى صور المصداقية تكون الصدق البالغ والبليغ مع ذواتنا؛ أما الرغبة في الخلاص من واقع يجهض فينا أرواحنا التي هي أثمن ما في الوجود فهي حق مكتسب بحكم مواثيق دولية (حق الحياة) إلى جانب وجود هذه الرغبة كنزعة فطرية بحكم غريزة البقاء وذلك من خلال الشكوى ؛الأمر الذي تعكسه كتاباتي من خلال إيغال عميق في ذاتي التي تغنيني في كثير من الأحيان عن التواصل مع العالم الخارجي، في حال استعصى علي التواصل والانسجام مع محيطي؛ وأعتقد أن هذه هي الحال مع معظم من يحملون هواجسا" إبداعية في وجدانهم . الهروب من الواقع بقناعتي جبن وتخاذل وضعف في إمكانيات الذهن والنفس على التكيف والتأقلم- فكما عرف هيجل الذكاء بقوله: هو القدرة على التأقلم، يتنج العقل البشري عامة والمبدع خاصة مخارجا" من حصار الواقع المطبق بسلبياته والنتيجة ستكون انبلاج الفجر من كوة نور مهما ادلهمت ظلمة الواقع، إنما لا يخفى على أحد أن ذلك يحتاج لمقومات نفسية وذهنية عالية قد نقضي العمر في سبيل تحصيلها، وتختلف نسب هذا المحصول من نفس لأخرى وذهن لآخر حسب درجة الوعي والثقافة وعوامل أخرى تساهم في التكوين الذاتي للفرد

 

ما لفتني في نصوصك الشعرية استحضارك للفلسفة ورصدك للاغتراب بمعناه النفسي، وذلك لعدم قدرة غالبية الكتاب الشرق أوسطيين والعرب على الايغال في جدلية الموت، الحياة، الانسلاخ عن المكان، ماذا يحتاج الشاعر الشاب في عصر الحب المؤتمت والكره المفرمت وفق تعبيرك، هل أضحى الضحية الخمولة لسطوة الرقميات والتقنيات وأسير الشاشة الافتراضية، أم إنه يمتهن العشق ويستخرج الكلمة من رحم الذاكرة، ذاكرة قراءته لبعض ما كان في ذروة صفاءه؟

- فيما يتعلق باستحضاري للفلسفة ورصد الاغتراب بالمعنى النفسي فإن ذلك بديهي؛ لأن المرء عندما يجوع المرء يلجأ لثلاجته، وبالمعنى الكلاسيكي: يفتح جعبته ليخرج ما يستحوذ عليه من ذخيرة إمدادا" لرفد جوع جسده ؛ كذلك هو الأمر حين يتعلق الأمر بتلبية الجوع الفكري فإن المرجعية تكون للمخزون الفكري صغر رصيده أم كبر، وقد أخبرتكم بأن رصيدي المعرفي تشكل بناء" على مطالعاتي في الفلسفة وسواها تلك المادة المعرفية التي هي بقناعتي أم العلوم ورأس الحكمة . وعلى الشاعر أن يستجمع العلم والمعرفة من مختلف مشاربها ومناهلها ؛ لأن الشعر هو أكثر الفنون شمولية وبالتالي أبعاده بانورامية الأفق تحتوي على: الصورة، الموسيقى والإيقاع، زركشة الخيال والكلام، والقدرة على استنباط مواطن الجمال في اللغة وقبل كل تلك العناصر الفكر الخلاق ولكي تكون القاعدة الفكرية في أي نص شعري متينة ينبغي الاستناد للفلسفة والمنطق التي هي بمثابة حجر الأساس في الفكر السليم. وبتصوري أن الفكر في الشرق الأوسط عموما" مصادر أو مهيمن عليه، إذ أن معظم المثقفين أو أصحاب المشاريع الإبداعية يتناولون وصفات فكرية،وقوالب مسبقة الصنع إما من قبل أرباب الشريعة الإسلامية المترعة بالمسلمات، أو من طرف الطغم الحاكمة في بلداننا ؛ من هنا يغدو طرح أي مفهوم من مفاهيم الفكر أوأركانه (الموت – الحياة – الدين - السياسة) بمثابة تطاول على سلم التابوهات اللامتناهي في شرقنا الموبوء بجرائم وموبقات بحق النفس والروح والفكر البشري . لهذا يكون السعي نحو التحايل والالتفاف على الهم المؤرق لفكرهم كما ذكرتم، علهم يبثون نتاج تفاعل الفكر المخنوق والروح المجهضة، بتلك الطريقة.وبتصوري عدم القدرة على الخوض في جدلية الموت والحياة لم تنبع من الا من الارتكاس الروحاني والذهني؛ فالانشغال أو الإشغال المفروض على الكائن البشري في شرقنا منذ تفتق الوعي والارهاصات الناتجة عن استنزافه؛ تجعله يشعر أن مفهومي الحياة والموت لديه وجهان لعملة واحدة؛ وسعيه وهو لاه بين دفتي البداية والنهاية أو المنطلق والمرجع هو ما يرصد وتلك هي أطروحته التي تعكس تلك الجدلية بين الموت والحياة .

نعم لقد بات الشاعر المحدث أسير الأتمتة بكل خمولها، وإتلافها للنهم المعرفي عبر ملامسة الورق وتصفح الكتاب، فجيل الشعراء المحدثين المنبثقين من سطوة الرقميات كما تفضلت محروم من نشوة استنشاق رائحة الورق، والغفوة وهم يغطون وجههم بدفتي كتابهم المفضل . وهذا الانجراف نحو التكنولوجية ناتج عن كوننا لم نساهم بتفعيلها، بل نحن منفعلين بها وننشدها بكل ما يقدم لنا دون قدرة على الاختيار، فنحن جيل الوجبات الجاهزة أو كما يطلق عليه جيل ال expresso - fast food. من هنا ولكي يبدع الشاعر المحدث فهناك حالتين لا ثالث لها:

 إما أن يكون ذو ذخيرة ثقافية جمة، أو منغمس في حالة عشق جارف تحرك عليه كل لواعجه .

وكلنا يعلم أنه اذا كان للألم والمعاناة إيجابية فهي تكمن في كونهم يشكلون جذوة الإبداع... ولدى الشاعر المحدث المحكوم بلسعة عصر السرعة المحموم لا متسع من الوقت لكلا الاحتمالين . من هنا يحرض رحم ذاكرته عساه يلد له فكرة جديدة أو وكنتيجة لغمامات الفكر المنبعثة من غموض الظواهر الحياتية لديه فإنه يلجأ لطلسمة الكتابة تحت مظلة الرمزية .

من هنا فإن قارئه يلف ويدور في حلقات مفرغة وفارغة إن حاول الإمساك بالمعاني الهلامية المطروحة.

 

التساؤل في صميم الذات المدركة المبدعة، وهو الواقي لنكبات وكبوات المبدع في الزمن، إلاما ترمز القصيدة الحية أمام الماضي بإطلالته الحادة على ذاكرة المرأة الشاعرة، هل الكتابة تعبير عن تواشج عنيف من الحنين بين المرأة والماضي، أم أشبه بمحاولة وأد لتعثر تحقيق الحلم الياسميني؟

- أما التساؤل لدى ذات المرأة المبدعة في زمن الانفتاح على الآخر والانغلاق على الذات،فهوبمثابة استشراق للمستقبل الزاهي الذي هو مادة حلمها ووأد لماضي سحيق سحق كل أمنياتها وأحلامها وجعلها حالة أو ديمة معلقة بين عطش تراب الحاضر وجدب الماضي واخضرار المستقبل بتوسم الأمل الفار مما تملص من بنان سنينها. المرأة بوصف تسميتها مانحة الحياة( خاصة باللغة الكردية:Jin jîyanê didê xwezayê) ) بمعنى: المرأة هي مانحة الحياة للطبيعة فهي الكائن البشري الأكثر حاجة للأمل والحلم،لتبلسم جراحها من ناحية ، ولتخضر القشيب من خريف مناها. أهمية الأمل بالنسبة لها ملحة لدرجة تجعل من ثرثراتها تويجات ياسمين على تربة حياة الأسرة. كيف لا ومن سواها يعكس الجمال والرقة والعطرعند تبلد ساعات العمر!!!....

 

يقول الكاتب الروسي دوستوفسكي:

(إن المرأة التي تقرأ، لا تستطيع أن تحب بسهولة، إنها فقط تبحث عن نظيرها الروحي الذي يشبه تفاصيلها الصغيرة)."

جدلية القراءة والحب، التي أصر الكاتب على بيانها إلى أي حد مهمة في عصرنا هذا والذي نشهد أمية الحرب التي تسطو على المرأة الشرق أوسطية حيث الحروب والتنافس الايديولوجي وطغيان المفاهيم الحزبية الاستهلاكية، ماذا تحتاج المرأة الشابة حتى تعي جوهر العشق عبر القراءة والتأمل والبحث ؟

في ظل هيمنة القمع الناعم إن صح التعبير في واقع مليئ بالإرهاصات ما بين البقاء في أتون الوطن الخراب والمنفى البارد ؟

- فيما يتعلق بمقولة ديستويفسكي تبنيتها بكل معنى الكلمة لمسار زمني تعدى القرون الثلاث لكنني ادركت أنها ضرب من الرومانسية وتكاد تصبح غطاءا" طوباويا" للفشل النسوي في التعاطي مع كافة الخامات النفسية لدى معشر الرجال .

علما" أن فقدانها لذلك القادر على رسم نمنماتها سيشقيها،لكن التغاضي عن هذا المطلب أرحم من قسوة الوحدة ؛ وبالتالي يجعلها تتمتع بقدر من البراغماتية يخولها لتسيير شؤون حياتها عسى أن تترافق وجهة رياحها مع رغبات قائد دفة سفينتها ذات إبحار.

في عصرنا الراهن الطاحن لكل شيء جميل ولكل رموز الحياة، العصرالمثخن بجراح أبشع الحروب ؛لعل المهمة الأكثر إجلالا" التي ينبغي على المرأة القيام بها القدرة على زرع القيم النبيلة في نفوس جيل قادم مترع باللا انتماء لأي من سلالم القيم الأخلاقية، جيل بلا جذور.

إذ ما من أحد من جيل المغترب متمسك بلغته تلك التي هي المرس الأمتن الذي يشده لجذوره. هو بالتالي بلا فروع لأنه ما من شجرة تتوازن كل مراحل وجودها اذا لم تتجذر مع ترابها بعلائق جدية و سليمة.

أما ماذا تحتاج المرأة الشرق أوسطية حتى تعي جوهر العشق،فمن وجهة نظري عشق المرأة للجنس الآخرضمن ظروف السطوة الذكورية الراهنة تكريس لفكرة الاستعباد وما الزواج والارتباط باعتباره التحصيل الحاصل للعشق سوى توثيق لصك العبودية تلك.من هنا أجد أن المرأة كي تتحول الى كائن مبدع حري بها أن توجه ذاك العشق لذاتها فبذلك تصبح معطاءة وغنية من الداخل عوضا" عن الشعور بالتقص والدونية، وكل تلك المفاهيم السلبية التي حاول الدين وبناء" عليه العادات والأعراف والتقاليد غرسها في شخصية المرأة هذاإن وجدت بالأصل. إذ غير مأذون لها أن تدعيها أوتمارسها. فبكاؤها وعري قدميها مباح لأن الله يرزق من يشاء إنما ضحكتها المنتزعة بشق الأنفس، وتنفس رأسها دون حجاب محرم ومكروه ، وجرم تعاقب عليه.

أما خيارها في ظل هيمنة القمع الناعم: فهو الوجه الآخر المظلم لقمر الحضارة وتختلف الأساليب في نقله ورسمه من متبني لآخر؛ إنما بالنهاية لطالما هو ناعم يبقى إيقاعه في النفس النسوية مقبولا" فكلنا يعلم أن الكلام الجميل نقطة ضعف المرأة، والغزل بالتالي هو عطرها. وربما من تصاريف قدرها وطبيعتها الجبارة هو قدرتها على التكيف مع أعقد الظروف حتى حينما يكون الخيار بتارا" حادا" تعلم بحدسها الواعي أن عليهاأن تختار بين أمرين حتى وإن كان خيرهما أمر.

فإما البقاء في الوطن الخراب مع انعدام أسباب البقاء من مأكل ومأوى ومشرب وإنارة وبالتالي لا عمل ولا مصدر للرزق،وفوق كل ذاك انعدام الحياة حيث يتربص الموت بك بين الفينة والأخرى، والخيار الآخر يكمن في لسعة قر المنفى الذي يجعلك تشعر وكأنك كتلة من وجود متحجر، لا أنت قادر على اقتحام مجتمع يطالبك بإعادة بناء نفسك وفق مقوماته ولا أنت قادر على استحضار طقوسك التي كونتك بعجائن الشرق بغثها وثمينها.

فحياتنا الراهنة نحن النساء والذكور على السواء في بلاد المغترب نقضيها بين ألم فكي كماشة فناء الوطن و جليد المنفى. المعضلة تكمن في أننا كنّا وما زلنا .نتوهم أننا في سعي لخلق حضن لأوطاننا علما" أننا ننتمي لوطن بلا حضن وإلا لما لفظناأصلا" .

فمعظمنا كان منفيا" ضمن وطنه، خاصة وأن لا ناقة لنا في إدارته ولا جمل. وتبقى تحكمنا هذه الجدلية التالية: أنناكلما اقتربنا من أوطاننا كلما ابتعدت هي عنا وكلما ابتعدنا عنها اقتربت هي أكثر لدرجة أنها تسكننا، والشطر الأول من معادلة هذه الجدلية ينطبق على إنسانا الشرقي فقط وقد يشمل الشطر الثاني حكمه يقع على إنسان الغرب والشرق على السواء. فعلاقة الوطن مع المواطن في شرقنا مثيرة لجدل عقيم لكونها بين طرفين متناقضين، في الوقت الذي هي في الغرب علاقة جدلية ومتبادلة التأثير وقائمة بين أطراف تسعى للتكامل فالمعادلة هنا كاملة العناصر،ما من طرف مغيب فيها.

أما موضوع كسر الطوق؛ فهي فعل تطورمعرفي شمولي وبانورامي يستدعي تكريس كل الفعاليات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في شتى مفاصل الهيكل البنيوي للمجتمع وهو فعل تراكمي يأتي عبر مسار زمني قد يطول أو يقصر حسب الشروط الموضوعية لكل مجتمع ؛فكلنا نرغب في كسر هذا الطوق إنما ذلك ليس باليسير ؛ هنا تلجأ المرأة للتحايل والمكر المشروع. للانفلات والانعتاق من هذا الطوق وأعتقد أن مقولة (إن كيدهن عظيم) ينبغي أن تجير لخدمتنا؛ إذ هي بطبيعة الحال مقرونة ولصيقة بسلوكيات المرأة الشرقية فلم لا تكون لصالحنا؟! وهذا ما قمت به بالفعل لأعبر عن إستقلالية كياني الفكري والمعرفي من خلال عملي في الإعلام والأدب على السواء فضلا" عن استثمار ما لدي من ملكات وإمكانيات ووثائق في التحصيل العلمي والمعرفي . أما أن أن يكون وجود الرجل كتعويض جزئي لهن عن الحلم؟! فبتصوري لا عزاء للنساء إلا في أنفسهن ووجود الرجل في حياتهن ما هو سوى لخلق التوازن النفسي وفق قانون صراع ووحدة وتصالح الأضداد في الفلسفة المادية الديالكتيكية.

 

هل يتوقف التفكير برجل الحلم لدى المرأة المبدعة برأيك ؟، وهل تجدين أنك كامرأة شاعرة وإعلامية نجحت في كسر الطوق المفروض من جملة تقاليد وعادات شرقية تعود لمخلفات السلطة الأبوية ؟، وأخيراً هل يصلح وجود الرجل كعزاء حقيقي للمرأة ومواكباً لحياتها بصورة تنصف ما تحلم به المرأة لو جزئياً ؟؟؟

- التفكير بالنصف الآخر المتصف بملامح الفارس أو عروس الحلم بتلك الصورة التي نشغل بهاأنفسنا ونشعل بها رغباتنا، ونلهب خيالنا،لا يتوقف ذلك التفكير لسبب بسيط: لاستحالة التطابق بين الحلم والواقع ؛ حتى وإن افترضنا جدلا" أن التطابق حصل فإننا بحاجة دائمة لخلق متجدد لمادة حلمنا إذ يشكل ذلك دافعا" ولو وهميا"لاستمرارية الحياة . والأمرذاته ينطبق على كلا" من الرجل والمرأة على السواء.

 

الوحدة إحدى تداعيات الإحساس بالموت، الحقيقة التي أرقت أدونيس، ومحمود درويش والمعري وعروة ابن الورد، وغيرهم الكثير فيما توحي لك،؟، أهي تعني تشبثنا بالبقاء كإبداع وأثر.؟، ما تجسيدها في ذاتك كشاعرة؟

- الوحدة والعزلة بالمعنى النفسي: هي ذلك الهم الكبير والجميل؛ تعني لي التأمل والتماهي مع نفسي والاعتناء وإعادة بناء الذات والاغتناء بالذات. أجيدها وأجسدها في نفسي كعلاقة محورية تدور حولها كتاباتي وأي فعل إبداعي(إن جاز التعبير) أنوي القيام به. هي الوئام السيكولوجي الذي أخفق في تحقيقه مع الآخرين الا ما نذر. وتشكل العزلة الارضيّة الخصبة لدراسة النفس البشرية التي هي منبع الإبداع منطلقا" ومرجعا".

 

ما سبب انكفاءك شعرياً، هل يعود ذلك لانشغالك بالإعلام والتحرير والمجالات الموسيقية، أم لحال المجتمع الاستهلاكي النفعي والتي أقصت منظومته الحاكمة الاهتمام بالقراءة والفكر الحر؟

- أما سبب الانكفاء الشعري الأساسي لدي فهو إحساسي أنه لا يغني ولا يسمن من جوع وفق منظومة المجتمع الاستهلاكي المادي فهو البضاعة الكاسدة في مستودعات زمن الجهل الروحاني والهيمنة التكنولوجية والماديةعلى القلب والعقل والروح على السواء.

ثم أن فظاعة الانتهاكات السافرة لقيمة الإنسان والروح الإنسانية، وقيمة حق الحياة كأسمى القيم الإنسانية ؛ تجعل الشعر مهما كان خارقا" وعبقريا" تجعله يبدو أخرقا" ومقزما" في وصف هول مجريات الحياة المعاصرة. نعم تبقى ! تبقى هناك بعض المحاولات التي هي كما أسميتها محاولات التشبث بالبقاء، فالشعر بالنهاية حاجة ونتاج يصدر عن تفاعلنا الضمني مع ذاتنا أومع ما حولنا. وإقصاء القراءة والفكر الحر يبقى مجرد خدش يجريه شوك وردة أمالنا في أناملنا، أمام الجرائم السافرة والفتاكة بحق النفس والروح البشرية التي تحيط بِنَا من كل حدب وصوب تحت مرأى ومسمع أبصار وآذان متفرجين مكتوفي الأيدي ليس لعجزهم بل لتعاجز لا يغتفر.

 

ماذا قدمت لك عفرين، المدينة التي خرجت منها في سن مبكرة، هل لها حضور شعري وفكري في ذاتك، لا سيما وإن هذا السؤال يحيلني لجملة أسئلة أقوم بتكثيفها بتساؤل وهو قضية المظلومية التاريخية للشعب الكردستاني الذي تنتمين إليه، كيف تتجلى لك القضية على ضوء تجربتك كإعلامية وشاعرة، أين وجدت موقع القضية من حيز اهتماماتك الابداعية ؟

- عفرين كمدينة ماذا قدمت لي؟: فقد منحتني للمرة الأولى في حياتي الشعور بالانتماء للمكان إذ أن إبتعادي المطول عنها في العاصمة دمشق ورغم ما ينيف على العقود الأربعة، فقدت هذا الشعوربالوصال بيني وبين المكان الذي أعيش فيه. في عفرين شعرت أني أعتاش بها ولا أعيش فيها فحسب. لأول مرة أشعر أن قدمي تمشي على أرض تخصني وكما يقال بالدارجة لا فضل لأحد فيها علي ولا منية أو ضربة لازمة .

هذا الشعور لازمني إبان إقامتي في دمشق منذ تفتق بذور وعيي هناك.

عفرين جعلتني أتذوق حلاوة العيش بالقرب من منبت الجذور، وجمال عبق تراب يخصني .فيها اكتشفت كم هو طيب شعبنا وكم هو راضٍ بأبسط ما تجود به الدولة من خدمات مرفقية فنحن شعب لا نجيد التذمر إلا فيما بين بَعضنا الآخر، يساعد في ذلك حالة الفراغ والترقب التي يعيشها المواطن العفريني في انتظارموسم الزيتون فحسب. الأمر ذاته الذي يفعله الكردي في كوباني والجزيرة بانتظار قطنه وقمحه. دواليك.....

القضية الكردية هي الهم الحاضر الغائب في وجداننا مهما نأينا بأنفسنا عنها لأنها هاجس إنساني وحق مشروع قبل أن تكون قضية سياسية وهنا أودّ الاستئناس برأي أحد المتاجرين بالسياسة في سوق السياسة السورية ذو المشهد الظلامي الشديد التعقيد المتخم بالنفايات البشرية؛ إذ يقول أن القضية الكردية قضية عادلة إنما محاموها ضعفاء وفاشلين وهنا لا أودّ إضفاء السوداوية على المسرح السياسي الكردي إذ لا إضاءات فيه أصلا" ومنعا" للغلو أقول إلا ما ندر من بقع ضوء هنا وهناك.

فموقع قضيتنا في صميم وجداننا شأني شأن كل وطني مخلص وشريف، إنما المشكلة هي أن نتساءل عن موقعها في حيّز اهتمامات نخبنا السياسية الذين المفروض هم متبنيها في محافل السياسة الدولية؟!.

 

الأديبة ملك علو، كل الشكر لك وصلنا لختام حوارنا معك، كلمة أخيرة تودين توجيهها، للقارئ؟

- كلمة أخيرة أدعو نساء الكرد والواعيات منهن بشكل خاص أن يتوقفن عن تسول شخصياتهن ممن هم حولهم، وأن يلتفتن بشكل جدي لدراسة وتبني خصائص شخصية المرأة الكردية بعناية وتركيز وشفافية عالية وبفكر نقدي بناء وتلافي التقمص والتبعية العمياء والنقد الهدام.

كما أشكر إتاحة الفرصة لفتح نافذة نيرة على نفسي وفكري، آملة المنفعة لي ولكم. مع تقديري لجهدكم البليغ في السبر. بالتوفيق والى لقاء آخر.

 

ميمون حرش يحاور القاص محمد العتروس في عرينه

maymon harashمحمد العتروس فنان، حكايته مع الثقافة نهر ينساب بدعة وأمان، يعرفه الشيوخ والولدان، وبفخر يُشار إليه بالبَنان، هنا، وهناك وفي كل مكان ..

أديب مغربي شهير، يحار المرء في وصفه، يكشف، في كل مرة، عن قدرة عجيبة في نصرة الثقافة، وتشجيع المبدعين.. في " الثقافة"هو ألوان لا لون واحد، و كقوس قزح يهب " كنز الربيع" ولا يسأل مقابلا . هو "عراب" العمل الجمعوي في بركان، و يحق لهذه المدينة المنسية أن تفخر به، وأن تقر عينها بابنٍ بار آل على نفسه أن ينتشلها من الخمول إلى جِنان الفكر عبر إلحافها بالعمل الثقافي الهادف تنويراً، ومعرفة..

محمد العتروس كاتب " يلوك الكلام"، فيصوغه ديباجة أنيقة في قصص شائقة، ترجمت أعماله إلى الفرنسية والإسبانية والإنجليزية..

له من الإصدرارت ":

" هذا القادم "1944، "رائحة رجل يحترق" 1998، "هلوسات" 2002، "عناقيد الحزن" 2002، "قطط تلوك الكلام" 2009، "ذاك الوجه" 2010، "أوراق الرماد" 2010، "ماروكان" 2012، "غالبا ًما" 2015، "وامرأة تقرع باب الله" 2015 .

أهلا بك أبا بهاء سي محمد في العرين ..

 

س- ورقة تعريفية عنك من فضلك تضيف فيها بعضَ ما تود أن يتعرفه القراء الكرام عنك؟

ج- النصوص دائماً تعرف كيف تقدم أصحابها لقرائها، وأتمنى أن تقدمني نصوصي كما يليق بها.

 

س- تُعتبر من الأدباء الشباب الأوائل الذين " لاكوا الكلام" حسب تعبيرك في إحدى قصصك الجميلة..حدثنا عن مرحلة البدايات؟

ج- البدايات دائما جميلة. رغم المعاناة والحاجة إلى دعم وتوجيه ورغم التهميش والإعاقة الجغرافية (الانتماء لجغرافية المغرب غير النافع) إلا أنه يمكنني أن أقول إن بداياتي كانت جميلة.. ربما هي نوستالجيا وحنين لفترة من فترات حياتي مرت وانقضت، وربما كانت حقيقة كذلك بما حملته من أحلام كبيرة وفورة شباب وأفكار وطموحات سابقة لأوانها ومبادئ وأخلاق مفتقدها اليوم. أتذكر ذاك الطفل والشاب الذي كنته يجري بين أزقة المدينة الصغيرة، وينطلق بحرية في الحقول، ويبحث في المكتبات على قلتها عن كتاب يشفي غليله ويجيب عن بعض الأسئلة الوجودية والعاطفية والفلسفية والروحية. أتذكره يقرفص في حلقات السوق ليستمع للحلايقي يقص حكاية سيدنا علي وما فعله بالأعداء، ويلازم جدته لتحكي له حكاية وينام في حضن أمه وهي تغني له بالأمازيغية التي لم يتقنها يوما ولكنه يعشقها أبداً. أتذكره يكتب قصصاً ويرسلها للمنابر الأدبية ويقتطع من مصروف جيبه أو مما يوفره من بيع النخالة ليشتري المجلة والجريدة أو ليقتني تذكرة سينما. أتذكره ينشر نصه الأول فيطير فرحاً ويدخل عالم الكبار والمشاهير في وسطه الضيق ثم في مدينته... أتذكر أمه تدس في جيبه قيمة طبع كتابه الأول ثم تقبله حين تذيع إذاعة الجزائر قصصه بين الحين والحين وتقدم مسرحيته للأطفال في التلفزيون... أتذكره... ويبدو أنني بدأت أشيخ لأنه لا يتحدث الشباب عادة عما يتذكرون بقدر ما يتحدثون عما سيفعلون.

 

س- قبل السؤال عن نصوصك دعني أتوقف معك عند الفعل الثقافي في الجمعيات، أنت بشهادة الجميع "عراب نُصرة الثقافة " في بركان خاصة، واسمك علامة فارقة في العمل الجمعوي، أسديتَ خدمات جلى للعمل الثقافي، تشتغل بصبر أيوب، وبدأب النمل..من أين تأتي بهذه القدرة العجيبة على العمل المستمر.. وماذا عن الرهانات والتحديات؟

ج- بداية أنا لبنة من لبنات هذا العمل، إنجازي فيه هو إضافة لإنجاز إخوة وأدباء ومثقفين سبقوني. ربما الفرق بيني وبين من سبقوني هو أنني وجدتهم قبلي، وتتلمذت على بعضهم واستفدت من خبراتهم، وأضفت إليها بعض خبراتي على الرغم من أن ظروف عمل ثقافي وجمعوي حقيقي وجاد غير متوفرة إلى اليوم، باعتبار ما تشهده الساحة الثقافية والجمعوية الحالية من تعويم. هذه القدرة العجيبة على العمل المستمر كما تقول أتيت بها بالعمل المستمر، لأنني ولدت في عائلة جمعوية وتربيت في أحضانها وانتميت لجمعيات منذ طفولتي وهذا ما ساعد على الاستمرارية الفاعلة والمنتجة.

أما رهانات العمل الجمعوي والثقافي وطموحاته فهي رهانات ذاتية وموضوعية ورهانات ضخمة وخطيرة وطموحاته أخطر. وأولها تنظيف الساحة من الطحالب.

 

س- معك فريق عمل، وجنود خفاء، كيف يتم التنسيق بينكم داخل الجمعية؟

ج- إذا كان من مزية لعملنا، فهي العمل الجماعي المتكامل المؤسس على الكفاءة والمصداقية والجدة والفاعلية والتشاركية. كنا في نهاية 2008 قد أسسنا جمعية "أبركان للثقافة والتراث" ورأينا أننا يجب جمع شمل مثقفي وجمعويي مدينة أبركان بدون إقصاء أي طرف، فكان في مكتبها اليمين واليسار والوسط والأعلى والأدنى، وكنا نعتقد أنه باستهدافنا للنخبة فقد تجاوزنا عقبات الانتماءات والولاءات على اعتبار أن الميثاق الذي يربطنا هو ميثاق مصلحة المدينة والثقافة والمثقفين. لكن لم تفهم رسالتنا وفشل المشروع.

في المقابل استفدنا من الدرس. المشكل كان في أننا لم نستطع أن نخلق جيلا لا يحمل معيقات الأجيال السابقة ويستفيد من إنجازاته. لهذا أسسنا إطاراً جديداً سميناه "جمعية الشرق للتنمية والتواصل" و"منتدى إبداع أبركان"، وركزنا في البداية على الورشات التكوينية في العمل الجمعوي والثقافي وفي الإبداع والقراءة وانفتحنا على الشباب. وقد أتى أكله على ما أظن.

 

س- أعراس ثقافية في ملتقيات عدة أبَنتم فيها عن تنظيم جيد، وقدرة على احتضان الضيوف، وتقديمهم، وكذا تكريمهم..ولعل ملتقى أبركان للسرد في نسخه الثلاثة خير مثال على كل هذا..دعني أسألك عن "الدعم" المادي.. هل أنتم راضون، وما هي المشاكل التي تعترضكم؟

ج- أكيد أنني غير راض بالمطلق على الدعم المادي لأنشطتنا ولا لجمعيتنا لأنها أنشطة وازنة ولأن للجمعية رؤية استراتيجية رائدة في المجال الثقافي المحلي والجهوي والوطني. وليس هناك تمويل حقيق مقدم لها في حين نجد جهاتٍ أخرى تحظى بكرم حاتمي، والأسباب واضحة طبعاً.

وأهم مشكل بالنسبة لنا هو انعدام البنيات التحتية في إقليم أبركان، وغياب بنية إدارية ثقافية يمكن محاورتها، وتعويم الساحة الثقافية بملتقيات ومهرجانات أشباح تأكل جهد وأموال المواطنين بالباطل. ونطالب بترشيد النفقات بالنسبة للجهات الداعمة مع توزيع عادل لها، ننشد الانعتاق من المركزية إلى الجهوية، والانعتاق من المركزية الجهوية ذاتها. بحيث لا نستقل على المركز الوطني من أجل مركز جهوي يستفرد بكل شيء.

 

س- حضور الشباب إلى جانبكم لافت، وتجربتكم في احتضانهم ناجحة تماماً.. كيف السبيل لحمل الشباب على الانخراط في العمل الثقافي، وبماذا تنصحون الجمعيات الأخرى في هذا المجال تحديداً؟

ج- السبيل إلى حمل الشباب على الانخراط في العمل الثقافي هو بالعمل معهم وإلى جانبهم بصدق. والتواصل معهم بلغتهم والإنصات لهم ودفعهم إلى أن يكونوا فاعلين بإعطاء النموذج بمعنى أن نكون نحن فاعلين. النصيحة الوحيدة التي يمكن أن أقدمها للجمعيات الأخرى، مع أني لسب في موقع من يعطي النصائح، هو الانفتاح على الشباب، والاشتغال على البساطة وبالبساطة.

 

س- مجموعتك القصصية "ماروكان"(Marocain) بديعة، واللافت فيها هو إلحاف نصوصها بإطلالة " مغربية" ساخرة حد الوجع..توقفتَ عند ماروكان11.هل للسلسلة تتمة؟

ثم لماذا يكشف هذا "الماروكان" فقط عن " القبح" بكل صوره؟ أو ليست في حياته كوى تُجمل بعض هذه الصور القبيحة؟

ج- طبعا للسلسلة تتمة فكل نصوصي تعنون بماروكان إلى ما لا نهاية، ولكن العنونة في مجموعة "ماروكان" بهذا الشكل كان اختياراً فنياً من بين عدد من الاختيارات الأخرى وأظن أنها أدت وظيفتها الجمالية والدلالية.

أما لماذا يكشف هذا الماروكان فقط عن "القبح" بكل صوره فلست أجد لهذا تفسيراً الآن ولكن أظن أن القبح الذي كان يجب أن يكشفه هذا الماروكان أكبر وأفضع مما كشف عنه، لهذا أظن أن ما تضمره النصوص أكبر مما تصرح به، والتفسير الوحيد الذي أقدمه لك اليوم هو أن المسألة شبيهة بما يحدث لنا حين ننظر إلى وجوهنا في المرآة، فنحن لا نكتشف مناطق الكمال بالأساس بل مناطق النقص لنملأها من أجل الاكتمال، ونسكت عن مناطق أخرى لا يدرك نقائصها إلا نحن و.. الله. لكن الله يرانا في المرآة كما يقول عبد الوهاب البياتي. وأريد أن نرى أنفسنا كما يرانا الله.. في المرآة.

 

س- أحببتُ منك، في بعض نصوصك، نزوعك لبسط قضايا الإنسان، والحديث عن ألمه باستخفاف مذهل .. وهذه طريقة معروفة عند مجموعة من الروائيين الكبار.. "ماروكان" مثلا ممهورة بهذا النزوع.. كيف تعلق على هذه الملاحظة؟

ج- يسعدني رأيك هذا. أنا مرتبط بشكل لا يمكنني تفسيره بقضايا الإنسان ولدي قناعة بأن الصدق والبساطة أحسن أسلوب يمكن أن يوصل إحساسك وقناعاتك ورؤاك إلى الناس، وإذا كان غلف كل هذا في قالب من السخرية "المذهلة" كما أشرت إلى ذلك فهذا أقصى ما يطلبه الكاتب.

 

س- الطابع الغرائبي أيضاً لافت في كتاباتك، البطل في كتاباتك إما حشرة، أو قط، أو ذبابة..بدايته تتَشكل بهذا المسخ، ثم شيئاً فشيئاً "يتحول" وفق مسار الأحداث، وصولاً إلى نتيجة معينة ومقصودة تماماً لذاتها .. هذا النزوع كيف يُعينك على أن تقول ما تحب، ألا يشوش على رسائلك للقارئ مثلا؟

ج- اليوم ليس هناك طابوهات، كل الطابوهات سقطت. تستطيع أن تقول أي شيء لكن أن تقوله بشكل جميل؟ هذا هو التحدي. الغرائبية وسيلة جمالية وبنائية ودلالية لقول ما أحب أن أقوله بشكل جميل محبب وقريب إلى القارئ.

 

س- تناولتَ "أزمة التعليم" في قصة" العفريت بين تلابيب الجدة" من خلال طفل يهرب من المدرسة .. كيف قاربت هذا الأمر؟

ج- بالشكل الذي وعيته حين ذهبت إلى المدرسة أول مرة..

المدرسة غول كنا نخاف منها للأسلوب القمعي الفوقي المتعالي الذي يسيطر عليها، اليوم نخاف منها وعليها من القائمين على تسطير سياساتها القريبة والمتوسطة والبعيدة المدى. نخاف على أبنائنا.

 

س- علاقة أبطال نصوصك بالمقهى وطيدة.. في نصوص كثيرة هناك حديث دائم عن المقهى، والقهوة السوداء.. لماذا هذه العروة الوثقى بين البطل والمقهى في قصصك؟

ج- في بداية التسعينات كانت تشغلني وما زالت لحد الساعة مسألة حضور المقهى الطاغي في القصة المغربية بحيث يحضر المقهى في أغلب النصوص القصصية المغربية. اكتشفت مع الأيام أن حياة المغاربة والأدباء فقيرة إلى الدرجة التي يتلخص يومهم في المقهى العمل والبيت. وبين كل هذا فراغ مهول لا قراءات مهمة، لا أسفار، لا فرح حقيقي، لا حزن حقيقي، لا مشاكل حياتية معقدة حقيقة. حتى مشاكلنا بسيطة بساطة المقهى؛ مقاعد وطاولة وسيجارة ومنفضة ونظرة إلى الخارج لرمق امرأة تمر، دون أن يمتلك شيئاً لا السيجارة التي تستحيل إلى دخان، ولا المرأة التي تذهب إلى حال سبيلها، ولا القهوة التي تبرد أكثر من اللازم...

 

س- مجموعة " امرأة تقرع باب الله" فريدة، ومختلفة تماماً عن أضموماتك السابقة..

ممهورة بالتشكيل، والرسم، والفلسفة و بعوالم مستقاة من حياة رسامين عالميين..

كيف استطعت أن تجمع كل هذا الكوكتيل كما لو كنا أمام لوحة فنية سوريالية تماماً؟

ج- هي فعلا مختلفة عما سبقها من مجموعات قصصية لكنها امتداد بشكل أو بآخر لها جميعاً. استفادت من التراكمات السابقة بل قد تتفاجأ بأن فكرة الاشتغال على اللوحة باعتبارها تيمة كانت حاضرة لدي منذ زمن بعيد، وبعض نصوصي السابقة إرهاص لهذا الاشتغال. المسألة أنني في كل مرحلة من مراحل كتابتي أشتغل على شيء ما، حالة معينة أو تيمة معينة أو صيغ جمالية معينة. في مجموعة "امرأة تقرع باب الله" اشتغلت على اللوحة والفلسفة واشتغلت بهما.

 

س- تتصدر نصوصَ " امرأة تقرع باب الله" رسوماتٌ لفنانين مشاهير.. لماذا هذا الحرص؟ وما القصد منه؟

ج- تتصدر الرسومات النصوص لأن اللوحة كانت سبباً أساسياً في ولادة النص. لولا اللوحة لما كان النص. طبعاً النص ليس ترجمة أو توصيف للوحة ولكنها محاولة قراءة ما بين اللون والحجم والعمق والشكل في اللوحة. أنا أحاول أن أقول في القصة ما غفل الرسام عن قوله في اللوحة.

 

س- يحرص غيرك من القصاصين على أن تتصدر أعمالَهم تقديماتٌ من نقاد معروفين..يبدو أنك استثناء في هذا الأمر.. ما قولك؟

ج- بالنسبة لي رأيت منذ البداية أن نصوصي يمكن أن تكون جواز سفر للوصول إلى جزيرة القارئ دون أن تحتاج إلى تأشيرة.

 

س- اللغة منسابة في كل نصوصك، وفي مجموعة " امرأة تقرع باب الله" تبدو لي مثل لوحة فنية زاهية، إطارها كلمات مورقة، وأساليب أخاذة.. من أي مشتل تنتقي لغتك هذه سي محمد؟

ج- من عدد من المشاتل قد لا أعيها الآن أو أحيط بها في هذا الحوار. لكن المطالعة والتواصل مع نصوص مؤسسة في الأدب القديم والحديث هو ما ساعدني على اكتساب بعض طراوة هذه اللغات بصيغة الجمع. دون نسيان أهم مصدرين وهما القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.

 

س- ورد على لسان أبطالك بعض الأحكام أبسُطها هنا على شكل سؤال :

- هل صحيح مثلا أن كثرة الأسئلة تورث القلب؟، وهل صحيح أيضاً أن "الكمين" هو أن تكتب قصة قصيرة جداً بهذه السهولة المبتسرة؟

ج- أكيد الأسئلة تورث القلب وأكثر من القلب.

أكبر كمين هو أن أكتب قصة قصيرة جداً بسهولة مبتسرة لأنني آنئذ سأكف عن أن أكون كاتباً بالمرة.

 

س- تكتب أيضاً القصة القصيرة جداً، هل كتابتها " كمين" حسب قولك؟ وهل أنت ممن يتوقع لها مسقبلا وردياً؟

ج- بالسهولة التي أرى أنها تكتب بها نعم هي كمين. ولكن بالمسؤولية والإبداع يمكن للقصة القصيرة جداً أن تكتسب مكانتها الطبيعية ضمن الكتابة القصصية الجميل. النص الجميل يبقى نصاً جميلا سواء كتب قصيراً أو قصيراً جداً. كل نص يحتمل فقط الشكل الذي يليق به كما أننا لا يمكن أن نلبس الرجل الطويل سروال الرجل القصير أو الرجل القصير سروال الرجل الطويل، فكذلك هناك نصوص لا تكتب إلا قصيرة جداً وأخرى لا تكتب إلا قصيرة وهلم جراً.

 

س- أعمالك مغرية، ومرشحة لأعمال نقدية.. هل أنت راض عما كتب حول إبداعك من نقد؟ ثم ألا ترى معي بأن " الزبونية" باتت تجتاح الأعمال الإبداعية لدرجة أن هوى بعض النقاد موجه نحو أسماء محددة دون غيرها؟

ج- المسألة أعمق ربما مما قد نتصور، طبعاً هناك أسماء معينة استأثرت بقراءات نقاد معينين، وهناك زبونية وهناك إجحاف مقصود من طرف عدد آخر وهناك... ولكن في المقابل ليس لدينا نقد مغربي يسائل النصوص المغربية، والكتاب المغربي لا يصل إلى العديد من المكتبات، ودور الجامعات المغربية انحسر بشكل كبير رغم جهود العديد من الأساتذة للانفتاح على النصوص المغربية...

 

س- أنت كاتب مرموق، أعمالك مقروءة، ومترجمة إلى أكثر من لغة ما شاء الله.. ما نصيبك من الجوائز الأدبية، وما هو أثر هذه الجوائز على المبدع عموماً؟

ج- أنا لا أشارك في الجوائز عادة، ليس موقفاً وإنما كسلا مني، فكلما أنوي أن أبعث بنصوصي أؤجل ذلك إلى الغد ويمر الغد دون أن أتذكره فيفوتني الموعد ولا أشارك. نلت جائزة وزارة الثقافة في ملتقى فاس في بداية التسعينات ومن حينها لم أعاود الكرة. ربما أن تأثير الجائزة على شاب مبدع تأتي أهم من تأثيرها على مبدع حقق ذاته وكتابته إلى حد ما. أما الكبار فأقترح أن يتم تكريمهم والاحتفاء بهم وبإبداعهم بنشر أعمالهم الكاملة ودعم مشاريعهم الأدبية لا الإساءة إليهم بمنحهم دروعا وزنها أكبر من قيمتها.

 

س- ما تقول في : بهاء الصغير- ملتقى أبركان للسرد- باريس..

ج- بهاء هو نور العين وبهاء القلب وأتمناه امتدادي الجميل.

وأتمنى أن يصبح ملتقى أبركان للسرد منارة من منارات القصة الجميلة.

باريس لي فيها جزء مني، ولها في قلبي جزء منها.

 

س- تشرفنا بك أبا بهاء .. كلمة أخيرة رجاءً

ج- أشكرك أولا أخي ميمون على هذا الحوار الشائق والعميق في ملامسته والغور في أعماق نصوصي القصصية، وأشكر "العرين" الذي فتح لي بابه واستضافني صاحبه دون أن يلتهمني الأسد الذي هو أنت عزيزي ميمون.

 

حاوره: ميمون حـرش

 

صالح الرزوق: أفكار روائية في لقاء مع قصي الشيخ عسكر

qusay askarلا يمكن أن تذكر أدب المهجر دون أن تتذكر اسم الشاعر والروائي العراقي قصي الشيخ عسكر. فلو نظرنا إلى قائمة أعماله التي تربو على 30 عملا موزعة على الشعر والقصة والرواية والنقد الأدبي تجد أنه بدأ النشر في دمشق عام 1990. وهذا يعني أنه من جيل المنفى بموجته الثانية. التي عانى أفرادها من مرارة الاغتراب والتشرد في وقت مبكر.

ناهيك أن عام 1990 هو تاريخ مؤثر.

فقد شهد حرب الخليج الثانية، ومهد للفوضى التي خربت الشرق الأوسط ووضعته أمام خيار لا ثاني له وهو إعادة التفكير بالواقع السياسي الناجم عن اتفاقيات سايكس بيكو المعقودة بين فرنسا وإنكلترا.

لقد حملت أعمال الشيخ عسكر هذه الأوجاع ولا توجد لديه رواية تخلو من موضوعين: الماضي المؤسف بما ينطوي عليه من استبداد وعذاب وحرمان. والحاضر الذي يعني بالنسبه له الرحيل دون توقف من عاصمة إلى غيرها بحثا عن الاستقرار والأمان.

قصي الشيخ عسكر من مواليد البصرة عام 1951. يحمل الجنسية الدانماركية. ويقيم حاليا في إنكلترا حيث يعمل ويكتب. نشرت قصائده وقصصه في مجلة العربي (الكويت)، الثقافة (دمشق)، الشرق الأوسط (لندن)، وغيرها.

ومن أهم رواياته المكتب، نهر جاسم، المقصف الملكي. وصدرت له من أسابيع رواية (رسالة) في سيدني عن مؤسسة المثقف العربي بالتعاون مع دار العارف في بيروت. هذا بالإضافة إلى كتابه (أساطير العرب قبل الإسلام وعلاقتها بالديانات القديمة). وهو يحمل شهادة الماجستير في الأدب العربي من جامعة دمشق. وشهادة الدكتوراة بنفس الاختصاص من لندن.

لتوضيح الخطوط العريضة لخلاصة أرائه في فن الرواية أجريت معه هذا اللقاء بواسطة الفايبير والبريد الإلكتروني.

 

س- ما هي أهم الروايات التي تأثرت بها؟.

ج- في بدايتي سحرتني الواقعية الروسية ولا سيما رواية (الأم) لغوركي. و(آنا كارنينا) لتولستوي. لذلك ستجد أن أول ثلاث روايات كتبتها وهي (المكتب) و(المعبر) و(المختار) تندرج في الأساليب الواقعية.

 

س- لاحظت أنك تعتمد على سيرتك الذاتية في أعمالك الأخيرة. وأفكر بجنان جاسم حلاوي. فهو يستفيد أيضا من سيرة حياته المقسومة بين الوطن والمنفى. ألا توجد علاقة بينكما؟.

ج- جنان صديق. وقرأت له (يا كوكتي). لكن لا أكتمك سرا لست مرتاحا للرواية الحالية في العراق. وأخبرته أن الرواية العراقية تشهد نكسة ملحوظة وهي ضعيفة. وصارحته أن أعمالنا في المشهد العام حاليا تعاني من التراجع.

 

س- أنت تتكلم هنا بشكل عام. أنا يهمني شكل السيرة تحديدا. تطرقت مع صديقي الناقد الأدبي المعروف الدكتور حمزة عليوي لرواية (يا كوكتي)، واتفقنا أنها عمل متميز ويستحق التنويه. لكن كنت في الواقع أشير بسؤالي إلى عمل آخر هو (ليل البلاد) لحلاوي نفسه. يعتمد هذا الروائي مثلك على تجاربه الشخصية ويعيد صياغتها. وهذا واضح أيضا في مجموعة قصص صدرت له في دمشق عن وزارة الثقافة بعنوان (ظلال الطيور الهاربة). وقد تركت في نفسي أثرا طيبا. إنما لا زلت أتهيب من (أهل النخيل) بسبب حجمها والشهرة التي رافقتها. هل ترى أن خصوصيات رواياتك هي نفس خصوصيات جنان حلاوي. بتعبير آخر: هل تعتقد أن هناك شيئا مشتركا بينكما غير أنه يعيش في السويد وأنت بجواره في الدانمارك ثم إنكلترا؟.

ج- لا توجد علاقة ملحوظة. أصدر جنان قصصا قصيرة جميلة جدا خلال حكومة البكر أو صدام لست متأكدا. وتبنتها وزارة الثقافة في بغداد. ولكن لا أذكر أنه أضاف شيئا بعد ذلك، فأنا لم أقرأ له الكثير بعدها. باختصار إنه يكتب القصص بأناقة ولا يمكننا أن ننكر ذلك. أما رواياته ففكرتي عنها محدودة.

 

س- لست في موضع الكلام عن كاتب أنت أقرب لتجربته. لكن (يا كوكتي) تشبه برأيي ما فعله يحيى يخلف في (نشيد الحياة) و(تفاح المجانين). يختلط الواقع بالخيال دون أن يفصل بينهما. أعتقد أن جنان موهوب وقادر على التعبير عن المخاض الفني للرواية العربية بلغة خاصة وموشورية. بمعنى أنه يحلل ألوان الطيف ويكتب في العمل الواحد بعدة مستويات.  إنما هناك اختلاف في لغته بين عمل وآخر. وهذا مفهوم بضوء التطورات الراهنة. حتى الأدب الفلسطيني تغير. قارن يخلف مع ربعي المدهون. الأول يقاوم ويقاتل بلا تردد. والثاني يتكلم بلغة الخلاص من خلال الألم والمعاناة والصبر الطويل. وشتان ما بين الاستراتيجيتين.

ج- يحتاج الموضوع لتأمل ودراسات أعمق. ولا أود أن أثير مزيدا من الحساسيات.

 

س- بلا حياء. من هو الكاتب الأقرب إلى قلبك؟.

ج- أجدني قريبا من فؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان. وأجد أن بعض ملامح بثينة الناصري ولطفية الدليمي تسعدني. هؤلاء الأربعة أرتاح لهم: رجلان وامرأتان.

أما من بلدكم الجميل سورية فلا أخفيك سرا أن شخصيات العجيلي تستحق التفاعل معها. بينما حنا مينة لم يمتلك كل قلبي. وباستثناء (الياطر) هو واضح وبسيط.

 

س- أنا في الحقيقة أفضل (بقايا صور) و(الثلج يأتي من النافذة). ومن أعماله المهاجرة (حمامة زرقاء في السحب) وهي عن رحلة علاج لابنته في لندن. إنها عمل جديد ورقيق ومحزن. وتفقّد به نفسه وماضيه. أما (الياطر) فهي نتاج وعي لغوي يكاد يلغي فكرة الرواية ويتحول إلى تصوير حالة عزلة نفسية وانسحاب من المجتمع إلى برج عاجي. لقد فتح حنا مينة نافذة لفكرة الفداء المسيحي عن طريق العذاب والصليب. وهذا يرفع السياسة إلى مصاف الإيمان الذي نحتاج إليه كشعوب مكبوتة وغير متطورة.

ج- في الواقع ما يستهويني بلا تردد هو الواقعية الروسية. ثم امتنعت عنها وانتقلت للروايات الرومنسية مثل (البؤساء) و(بائعة الخبز). وأرى أنها أثرت في كل الأعمال الكلاسيكية المعروفة في العراق وسورية.

وأضيف فوق ذلك الآن (ساحرات سالم) لآرثر ميلر. فلغتها الأخاذة لا تغيب عن بالي. وأحب أن أنوه بدور المرحوم غسان كنفاني. فقد كان يعرف كيف يعرب عن ألم المأساة وضرورة اختيار أن تكون فدائيا تدافع عن أرضك.

 

س- كنفاني هو الشيء وضده. لقد كتب عن الأدب الصهيوني وسبق غيره لكسر هذا التابو. وعالج الموضوع بانفتاح وجرأة ومسؤولية أحسده عليها في وقته. ولم يهادن الشكل الفني في سبيل المعنى. وكتب بتيار اللاشعور في وقت كان هذا الأسلوب مطاردا ومشكوكا به، بل متهما بمعادراة العربية، بنفس درجة الخطورة التي يتهم بها أوروبي غيره ويصفه بمعاداة السامية. ولكن لا يوجد لميلر عمل باسم (ساحرات سالم). وإنما كتب عن عرافات سالم مسرحية بعنوان (المحرقة).

ج- هي نفسها. وتركت أثرا عميقا في نفسي. وستجد هذه المعاناة في روايتي الواقعية (المختار) والتي صدرت لي في وقت مبكر.

 

س- وماذا عن المؤثرات الواقعية؟ ظروف حياتك في الغربة.

ج- أدين لها بأشياء عديدة. ورواياتي المهجرية استفادت من خبراتي العملية في الحياة. كل مدينة عشت فيها كتبت عنها رواية أغنت من حصيلة كتاباتي. لي رواية عن بيروت، وأخرى عن كوبنهاغن. ورواية عن الرباط. ورواية عن دمشق.

 

س- ألم تترك لديك هذه التجارب إحساسا مختلفا بثقافات متنوعة؟.

ج- هذه المسألة أقرب للنقد الأدبي. وأنا أنأى عنه بنفسي. أحيانا أكتب انطباعا بشكل خاطرة عن نص قرأته وحرك أشجاني. ولكن أركز على الرواية والقصة في معظم الأوقات. لي دراسة عن الأسطورة قبل الإسلام. ومعجم تعليمي بعدة لغات. لكن أجد نفسي في الرواية.

 

س- المعاج تحتاج لثقافة موسوعية ووقت ودأب. ما هي مصادرك وأنت كثير التنقل ومثقل بأعباء الحياة؟.

ج- الأسطورة هي نتيجة الماجستير في جامعة دمشق. وتلقيت فيها علومي على يد الأستاذ العلامة أسعد علي والدكتور عبدالكريم اليافي الباحث في التراث العربي من كل جوانبه. وأضيف تأثير الدكتور المستنير حسام الخطيب الذي كان يقرأ لي مخطوطاتي أحيانا ويرشدني بنصائحه وتعليقاته.

 

س- هذا قوس واسع من المؤثرات المتناقضة. فأسعد علي مؤسسة مستقلة. بينما اليافي يعمل ضمن دائرة التراث العربي الرسمية. أما حسام الخطيب فهو كتلة شائكة من الشد والجذب: بين الوجودية بصيغ الفكر القومي، ومشكلة فلسطين، وعلاقته بالأدب المقارن والحداثة.

ج- أنا معك. استفدت منهم جميعا وبنيت على مراجعي السابقة في العراق مثل جواد طاهر وغيره من مؤسسي الفكر الوطني الذي فتح له الباب الزعيم عبدالكريم قاسم. لكن خسارتنا له والانقلابات الدموية التالية وليل البعث الطويل هيمن على الساحة وكمم الأفواه. ولم يعد أمامنا مجال للتسامح. ودخلنا في مشكلة مزمنة مع الفساد الذي يلهب ظهورنا بسياطه حتى الآن. وأنا شخصيا خسرت والدي في المعتقل واضطررت لأن أنجو بجلدي بالفرار.

 

س- ما هو العمل الذي تصور فيه هذه المعاناة أكثر من غيره؟.

ج- المعاناة نوعان. عبرت عن نفسي في الداخل برواية ( نهر جاسم) وهي مهداة لمسقط رأسي وكيف تطور مع الزمن وظروف الحياة الصعبة التي نعيشها في مجتمع الندرة والقيود. أما المعاناة في المهجر فقد رسمت صورتها في رواية (وأقبل الخريف مبكرا).

 

س- أمضيت في نوتنغهام أكثر من 15 عاما. وهي مدينة مؤنثة عشت فيها شخصيا لثلاث سنوات. وأذكر أنها تحرك قلب الحجر. ولكنك لم تكتب عنها. لماذا؟.

ج- من قال لم أكتب عنها. لدي قصة طويلة منشورة وكلها عن نوتنعهام. وفي روايتي (الحبل والنار التي تسري) توجد عدة إشارات واضحة.

 

س- كنت أعني رواية أساسية بحجم (البصرة: قصة عائلة) التي سجلت فيها سيرة حياة الدكتور هادي نهر صديق فترة من أيام الشباب والصبا. خذ على سبيل المثال دي إتش لورنس أو ألان سيليتو. لورنس رحالة ولم ينس نوتنغهام وخصها بأهم رواياته مثل (نساء عاشقات) و(قوس قزح). وسيليتو مع أنه موزع في حياته بين آسيا خلال الخدمة في الجيش وبين لندن خلال عمله الحصفي لكنه كتب عن مسقط رأسه (الباب المفتوح) وهو أهم أعمال السيرة الأدبية التي أنفقت ساعات بقراءتها وتخيل شوارع وأزقة ميدنة لا تذهب من الذاكرة. هل لديك مخطط لرواية من هذا النوع. أو حتى رواية مغامرات تاريخية عن القلعة وروبن هود؟.

ج- منذ أول أسبوع وصلت إلى نوتنغهام تحركت الأفكار في رأسي وكتبت (الحبل والنار التي تسري). نعم العلاقة طفيفة وبعيدة، لكنها من وحي نوتنغهام. ولا يزال في الذهن أفكار تتحرك، هي مخاض لرواية أفكر بها، لكن لا زلت أتأنى بتنفيذها. الفكرة بسيطة: هي عن واحد من معارفي المغاربة الذي يسرق الحشيش. سأربطه بروبن هود. وفي نيتي أن تلقي الشرطة القبض عليه متلبسا وهو يسرق أشياء طفيفة في ولكنسون. لكن لا زلت مشوشا، وأحتاج لمزيد من الوقت.

أيلول 2016

 

* أديب من سورية/ حلب.

 

عماد كامل يحاور: بسمة الشوالي.. الظلام هو الليل والليل للكتابة والمطالعة.. الليل جنّة للعزلة

basma alshawaliبسمة الشوالي: قاصة خاضت تجربة الكتابة بقلب انثوي محب للحياة والجمال، عشقت الحروف فدخلت عالم الكتابة، حملت على عاتقها مسؤولية ان تكون انسانة تحمل هم الانسانية ولهذا فهي لا تكتب سوى ما تقتنع بأنه يحرر الانسان من اغلاله.

تواصل القاصة بسمة الشوالي تقديم أعمالها من القصة القصيرة، التى دائما ما تثير الجدل، لكشفها عن المسكوت عنه فى مجتمعاتنا، والخروج على آليات السرد المتعارف عليه، وتسجل وجهة نظرها عن العالم، وتمرر الحقائق عبر ما تكتبه، تكتب قصصا واقعية، رغم انتمائها إلى عالم الخيال أكثر من الواقع، وقد صدر لها العديد من الأعمال الأدبية التى لاقت استحسانا كبيرا منها "مزالق الحنين" الصادر عن دار الاطلسية للنشر والتوزيع عام 2008 و"قناديل المطر" الصادر عن دار التونسية للكتاب عام 2013. وبعد مسيرة حافلة نريد أن نعرف من هي بسمة الشوالي؟

 

 *من تكون بسمة الشوالي؟

- بسمة الشوالي كاتبة تونسيّة. أعمل مدرّسة للمرحلة الابتدائيّة. أمّ لرجل جميل في الثامنة عشر من عمره وفراشة في الثانية عشر. أقطن بمدينة صغيرة ترتاح على كتف أكبر أودية البلاد: وادي مجردة، هي مدينة "بوسالم" شمال غربيّ البلاد التونسيّة.

 

*من هو قدوتك؟

- ليس لي قدوة بعينها. أقتدي دائما بالجميل والنافع أنّى يوجد وعن أيٍّ يصدر.

 

*أين تشعرين بالحنان؟

- أشعر بالحنان أنّى تكون أمّي.

 

*أين تكمن سعادتك؟

- تكمن سعادتي في ابتسامة رضا وطمأنينة على وجه ولديّ طارق وتقى.

 

*متى تحزنين؟

- لا وقت للحزن. الحزن هو الوقت عينه. فاتحة الزّمن الأرضيّ كانت لحظة

حزينة: لحظة الغضب الإلهيّ على البشريّ وما استتبعه من عتاب ثم قرار بالطّرد من حياض القدس. ولد الحزن في الجنّة لذلك ظلّ مؤسّسا لكل ما هو خالد كالحب، كالفنّ، كالإبداع..

 

*ماذا تعني لك أمّك؟

- أمّي هي أوّل ورشة لكتابة القصّة تعلّمت عنها فنّ الحكي. كانت تصنع لنا الدّمى من فضلات الأقمشة والصوف والأعواد بينما تحكي لنا الخرافات أو تسرد علينا فصولا مدهشة من حياة الناس فترة الاستعمار وبعيد الاستقلال في أسلوب شيّق مُثرى بالأساطير والأمثال الشّعبيّة والحكم التراثيّة، يشدنا شدّا إلى قصصها بحبل الفضول المتين. لم أنتم إلى نادي للقصّة ولا حضرت ندوة عنها إلى بعد أن نجحتْ مجموعتي القصصية الأولى "مزالق الحنين" في جلب الانتباه إليها. كنت ولا أزال أقلّد والدتي في كتابة قصصي.

 

*ما هي الحكمة التي تؤمنين بها؟

- مثل تونسيّ شعبيّ مفاده: حديثك مع من لا يفهمك ينقص من عمرك.

 

*ما هو العدل؟

- العدل: جنّة مفقودة.

 

*ما هو السلام؟

- أن يكون كلّ إنسان مهما كانت ديانته أو طائفته أو عرقه أو لونه على أخيه الإنسان حراما دمه وماله وعرضه.

 

*أيّ لون يعجبك؟

- الأحمر في كلّ شيء تقريبا والأخضر في العشب اليانع.

 

*متى تشعرين بالراحة؟

- عندما ينقشع عن سماء النّفس القلق.

 

*ما هو الضّمير؟

- الضّمير محاسب محترف لدى مؤسّسة الإنسانيّة في الإنسان يجب أن يُدفع له من عملة المبادئ ليكون محاسبا أمينا.

 

*ماذا يعني لك الوطن؟

- الوطن هو المكان الذي نكون في "نحن" لا سوانا.

 

*أوّل حبّ في حياتك؟

- أوّل الحبّ هو أجمله دائما. إنّه الوردة الأولى التي تبشّر بالحديقة في المناطق المخصبة من العمر. وأجمل أجملِه فشل يتمخّض حزنا فيلد حياة جديدة أكثر نضوجا وأعمق فهما لسلالات الورود في الحدائق القادمة. هذا النّمط من الفشل هو أحد الأسباب الكبرى التي جعلت منّي كاتبة.

 

*خطأ ما ندمت عليه؟

- أنّي لم أجتهد بما يكفي لأواصل دراستي بعد التخرّج مدرّسة. لكن في هذه الحالة لم يكن من المؤكّد أنّي سأكون كاتبة. وجدت الكتابة دائما كدرب جانبيّة تتفرّع عن الطّرق الرّئيسية المستحيلة في حياتي.

 

*هل أنت ناجحة في عملك وحياتك؟

- أنا لم أُنْه بعد عملي، وحياتي ما تزال حتى هذه اللحظة مستمرّة، لذلك لا يمكن الجزم بنجاحي فيهما من عدمه. ويظلّ بالتالي النّجاح غاية أسعى نحوها باستمرار وكلّما تحقّق بعض منه طمحت إلى المزيد.

 

*ما الفشل؟    

- الفشل عندي هو أن لا أستطيع إنهاء نصّ قصصيّ بما يرضيني.

متى تلومين نفسك؟

- عندما أفوّت فرصة جميلة كانت ممكنة.

 

*ما هي الحلقة الضائعة بحياتك؟

- الطّفولة هي الحلقة الضائعة بحياتي. عند الثانية عشر من عمري تعرّضت إلى حادث مرور سقطت فيه على قفاي فنجم عنه فقدان لنسبة كبيرة من ذاكرتي البعيدة. بعد ذلك الحادث صرت كثيرة النسيان.

 

*ماذا يعني لك الظلام؟

- الظلام هو الليل والليل للكتابة والمطالعة. الليل جنّة للعزلة.

 

*ماذا يعني لك النور؟

- النور للحياة النّشيطة، للعمل، لتعبيد طرقات المستقبل.

 

*ما هي الحريّة؟

- الحريّة عندي أن أحبّ لغيري كلَّ ما أحبّه لنفسي وأرضاه لي. فإن كنت مثلا أتمسّك بحقّي في الاختلاف وبواجب الآخر في احترامي فيه، فعليّ بالمقابل أن أعترف له بحقّه في ذلك وبواجبي نحوه باحترامه في اختلافه عنّي.

 

*متى تشعرني بالذّنب؟

- عندما أظلم أحدا.

 

*متى تلتزمين الصّمت؟

- حين لا جدوى من الكلام. وحين يجب أن ينكفئ اللّسان في حجرته ليتقدّم الفعل بلا عراقيل لَغَويّة. (نسبة إلى اللّغْو)

 

 *ما هو هدفك؟

- أن أنجح في عملي وحياتي ومسيرتي الإبداعيّة.

 

*متى تحتاجين إلى البكاء؟

- لأسباب لا يمكن حصرها وأحيانا بلا أيّ سبب موضوعيّ.

  

*ما الذي لا تودّين أن تخسريه؟

- إحساسي العميق واليقيني بأنّ الله يحبّني.

 

أحمد الحلي يحاور: الروائي العراقي محمد حيّاوي

ahmad alhiliالرواية الحقّة لا تُكتب بقصديَّة مسبّقة ولا يمكننا التحكم بعملية الخلق..

من يستقريء الساحة الثقافية العراقية وحركتها، سيجد أن هناك العديد من الأسماء التي تظهر وتتوهج في وقت قياسي ثم تختفي أو يتلاشى حضورها وتخفت فاعليتها لأسباب مختلفة لسنا بصدد البحث فيها هنا، إلا أن هناك اسماء قليلة وقليلة جداً استطاعت أن تثبت جدارتها وتؤكد ذواتها من خلال العطاء الحقيقي الذي تقدمه بصبر وجلد ومثابرة قل نظيرها، يبرز لنا من بين هذه الأسماء اسم الروائي العراقي محمد حياوي، الذي اتحف المكتبة العراقية والعربية مؤخراً بروايته الجديدة اللافتة (خان الشابندر)، والتي نحسب أنها نجحت في استيفاء العناصر الضرورية في هذا الفن الصعب ونعني به فن كتابة الرواية . ونود أن ننوه هنا إلى أن هذه الرواية  كتب عنها لحد الآن أكثر من أربعين مقالة ودراسة كما رشحتها دار الآداب للمنافسة على البوكر المقبل وأصدر محمد جبير كتاباً عنها.. كما يتم الاستعداد لجمع أهم المقالات عنها في كتاب جديد يتضمن أسماء نقاد مهمين من العراق والدول العربية من أمثال د. صلاح فضل ود. جابر عصفور ود. محسن املوسوي وعبد الرحمن مجيد الربيعي وغيرهم ...

أتيح لي أن ألتقي الروائي عبر فضاء النت، فكانت هذه المحاورة ؛

 

س/1 ما سر اهتمامك بالشخصيات النسائية المستلبة أو المقهورة؟

- طالما ألهمتني النساء وتأثرت بعوالمهن الغامضة والآسرة في الحقيقة، فالمرأة من وجهة نظري الكائن الأكثر رقّة وهشاشة في هذا العالم، وهي في الوقت نفسه عالم من الأسرار والعواطف والكنوز المخبوءة التي لا تكشف عن نفسها إلّا في حالات نادرة جدّاً، والمرأة المستلبة أو المقهورة أو المقموعة لا تفقد انسانيتها بسهولة على العكس من الرجل، وهي على الرغم من رقّتها وهشاشتها تمتلك قوّة غامضة أكثر من الرجل بكثير. حتّى تلك التي تنحرف بطريقة أو بأخرى، أو يجبرها المجتمع على ممارسة الرذيلة نجدها تنزع لإنسانيتها بطريقة فطرية وتغدق عواطفها حتّى على الحجر، إن لم تجد من تغدقها عليه. وطالما ارتبطت الانوثة بالأمومة وبالتالي بالرحمة. فالمرأة كائن رحيم خُلق ليعطي الحنان والعاطفة، وإذا لم يجد ما يعطف عليه يبقى يفيض حناناً متسرباً. بطريقة أخرى لا نستطيع ان نطلب من الوردة الكفّ عن اطلاق العطر أو الشمعة عن إطلاق النور، تلك الكائنات فُطرت على هذه الأشياء، وثدي الأم مالم يجد فم الرضيع يبقى يدرّ حليباً حتّى يسربلها، هكذا هو قانون الطبيعة، وبالتالي فالمرأة محور عملي كله، بها أبتدئ وإليها انتهي وبواسطة غموضها العصي على الفهم أبني عوالمي في الحقيقة..

 

س/2 ما مدى ارتباط السيرة الشخصية الذاتية بعالم الرواية المتخيّل لديك؟

- من وجهة نظري تجربة الكاتب في الحياة وغناها هي ما يوفر له خزيناً ثرّاً لا ينضب، يقول راي برادبيري "إذا أردت ان تنجح أكتب عما تعرفه"، وأنا أصدّقه جدّاً في الحقيقة، لا يستطيع أي كاتب الكتابة عن أشياء لم يختبرها من قبل أو لم يعشها، وهذه قضية مهمة للغاية، ولا يمكنني ان اتخيل كاتباً يكتب عن المرأة وعوالمها وأسرارها من دون ان يختبر تلك العوالم في حياته الواقعية، كما لا يمكننا ان نكتب عن الحرب بطريقة صادقة وحقيقية ما لم نعشها ونخوض غمارها ونكتوي بنارها، هكذا هو الأمر ببساطة، أما ما يلي ذلك فهو اشتغال المخيّلة وطرقها الغامضة بالمزج بين صور الماضي والواقع المراد تخيّله، وبقدر تعلّق الأمر بي فان أيّة صورة خاطفة أو ومضة ما كافية لأن تلهب مخيلتي وتجعل الصور الارتدادية تنهال في الكتابة. على سبيل المثال شابّة متسوّلة تُظهر عيناً واحدة من فتحة في العباءة اخترقت المتنبي فألهمتني باختلاق شخصية "إخلاص" أو "لوصة" في روايتي "خان الشّابندر"، ممكن ان يراها المئات أو الآلاف يومياً، لكن نظرتي الخاطفة لها وتمكني من رصد خيط الحسن في نظرتها العميقة اختلف عن الآخرين، هكذا هي عين الكاتب الحقّ الراصدة وهكذا هي آلية عمل مخيلته في تخزين الصور، وهي في المحصلة مَلَكة خاصّة جدّاً.. 

 

س/3 هل هناك آلية فنية تتبعها لتخليق أبطال رواياتك؟

- تحدثت في جوابي السابق عن الومضة أو الصورة الخاطفة التي التقطها بطريقة خاصّة وسرّية جداً واخزنها في مخيَّلتي، هذه قضية مهمة للغاية بالنسبة لي، أنا لا أستخدم الكاميرا مثلاً، الصورة الخاطفة تبقى ناقصة ما لم اخزنها في مخيَّلتي، فهناك تنضج وتكتمل وتأخذ ملامحها بالتجسد، الكاميرا تقتل هذه الخاصّية وتجعل من الصورة الخاطفة جماداً، الفوتوغراف يعمل ضد المخيَّلة، بينما عمل المخيلة غامض ولا أحد يعرف آلياته أو كنهه. وما ان أبدأ بالكتابة حتى تبدأ المخيَّلة باستدعاء تلك الصور المخزّنة بطريقة لا واعية وعفوية وغير مخطط لها، المخيَّلة تعرف بالضبط متى وأين تستدعي الصورة المحدّدة دون غيرها، وهذا الأمر لا يقتصر على شخصيات رواياتي وحسب، بل يتجاوزه للأمكنة أيضاً، فصورة مكان ما تعلق بمخيَّلتي وتتمازج مع صور أمكنة رأيتها في الماضي. غالباً ما أقع في غرام بطلاتي من النساء، في الواقع ما لم أقع في غرامهن لا أستطيع تجسيدهن بطريقة صادقة، ثمَّة علاقة وجدانية غامضة تنشأ بيني وبين بطلاتي وما يتبقى هو نحت وصقل لتلك الشخصيات سواء بواسطة الحوار أو الوصف، والأمر نفسه ينطبق على أبطالي من الذكور، ما لم أحبهم أو أكرههم لا يمكن أن ان أجسد شخصياتهم بطريقة مقنعة وصادقة، خذ شخصيتي "هند" و"مجر" في رواية "خان الشّابندر" على سبيل المثال، فالأولى عشقتها بعمق واثرت في وجداني وتلاعبت بعواطفي وتركت في نفسي أثراً كبيراً كما لو كانت حيّة تعيش في مخيَّلتي وتوجعني، ولا أعتقد انّها ستفارقني ما حييت، ولا بدّ ان تظهر ثانية بطريقة أو بأخرى في رواية لاحقة، أما شخصية "مجر" فقد أحببتها واعجبت بغموضه وعمقه ونظرته للحياة وفلسفته وحكمته وزهده وأسطوريته وهو الآخر أثر فيّ كثيراً، وهكذا..

 

س/4 هل يمكن أن نعدّ روايتك هذه بمثابة مرثية لبغداد وما حل بها بعد العام 2003؟

- قد تتفاجأ لو قلت لك انّني لست معنياً برثاء بغداد أو تدوين مناحة ما على واقعها المرير الذي تعيشه هذه الأيام، وكل ما يعنيني هو انتاج قطعة فنيّة تترك أثراً عميقاً في نفس القارئ. الأدب، من وجهة نظري، لا يحتمل توجيه الرسائل مهما كان نوعها، وليس من شأنه توجيه المراثي أو قصائد المديح، لأنّك في اللحظة التي تقرر بها كتابة رواية ما عن موضوع محدّد اخترته سلفاً تكون قد أجهضت الرواية وصادرت عفويتها. الرواية الحقّة لا تُكتب بقصديَّة مسبّقة أو لأهداف معينة، لكنّها في الوقت نفسه هي انعكاس للواقع ومرآة موازية له، أعني ليس بطريقة الفوتوغراف، بل بطريقة عين الراصد وقراءتها المختلفة كليّاً عن الآخرين. لا يمكننا التحكم بعملية الخلق، ولو نظرنا إلى الحياة كيف تنبثق في الرحم لادركنا مدى عفويتها وعشوائيتها، فنحن لا نستطيع التحكم بجنس الجنين ولا بحجمة أو جماله أو درجة ذكائة، انّها عملية غامضة ومبدعة وتبعث على الدهشة، وإذا ما تدخل الانسان في تغييرها أو التأثير عليها أو توجيهها وجهة معينة غالباً ما يكون الجنين مشوهاً أو ناقصاً أو يعاني من خلل ما، هكذا هي الرواية أيضاَ والتخطيط المسبق لها أو تحديد هدف ما قبل الشروع بالكتابة يعد تدخلاً أو تغييراً في الخلق.

 

س/5 كيف تقيّم موجة الأعمال الروائية التي ظهرت ما بعد سقوط النظام؟

- في الواقع الناس من فرط المآسي والمعاناة التي عاشوها في حقبة النظام السابق واحساسهم بفضاء الحريّة الجديد أصبح لديهم رغبة في تدوين اختلاجاتهم والكتابة عن معاناتهم أو ما يعتمل في صدورهم، وهي حاجة وضرورة انسانية وليس بالضرورة فناً من نوع ما. الكتابة الروائية يلزمها اشتراطات قاسية في الحقيقة لا يمكن ان تتوفر لهذا العدد الكبير من الناس الذين كتبوا تلك الاختلاجات، لكنّنا من جانب آخر لا يمكن ان نمنع كل من لديه الرغبة في الكتابة عن فعل ذلك، لأنّها حاجة انسانية كما ذكرت. البعض يتحدّث عن مئات الروايات التي صدرت بعد العام 2003، لكن نتيجة لانفلات المعايير النقدية عندنا في العراق الجديد واستسهال النشر وتساهل دور النشر مقابل المال، هو ما ساعد على تبلور تلك الظاهرة، ولا توجد أمة في العالم يمكنها ان تنتج كل هذا العدد الهائل من الروايات في حقبة زمنية محدودة، وبالتالي حتّى النقد قد يعجز عن ملاحقة التجارب الجيّدة وسط هذا الركام كله، وهي ظاهرة هزال وليس دليل ازدهار كما يعتقد البعض، وفي المحصلة لم تعلق بذهني سوى بعض أعمال لا تتجاوز العشرين أو الخمسة والعشرين عملاً، وهذا لا يعني ان الكم الهائل الآخر ليس ذا نفع، بالعكس، فكما قلت لك، ثمة الكثير من التفصيلات التي تعتمل في صدور الناس ولا بدّ من التنفيس عنها أو تدوينها بطريقة أو بأخرى لتوثيقها، لكن ليس بالضرورة بطريقة فنية أو روائية..

 

س/6 قيل إن الروائي الناجح هو الذي يستطيع تكييف الواقع وصولاً إلى أسطرته، إلى أي حد يصدق هذا القول؟

- نعم، إلى حد ما، فكما تعرف الأساليب الروائية متعدّدة ومتفاوتة، وبعضها يعتمد الواقعية المباشرة وسبر أغوار المجتمع وطبقاته بعمق كما هو الحال في روايات نجيب محفوظ، بينما ينحو البعض الآخر نحو الخيال المجنّح أو المطلق، وهكذا، لكن ثمَّة تجارب مبهرة تبلورت نهاية القرن المنصرم تعتمد ما أسميته أسطرة الواقع واضفاء صفة السحرية المشوّقة عليه، وهو أسلوب فني صعب ويتطلب خيالاً خلّاقاً بحقّ أجترحه بعض أدباء أميركا اللاتينية نتيجة للواقع المتداخل في مجتمعاتهم، فحاول البعض تقليدهم بطريقة مباشرة وفشلوا لأنه أسلوب يعتمد بالدرجة الأساس على طبيعة المجتمع وحجم المتناقضات داخلة وينطلق من محلية خالصة، لهذا اعدّ الأمر صعباً للغاية في ان تضفي طابعاً أسطورياً على الواقع ما لم تكن ممتلكاً لأدواتك، كالمخيلة الخصبة واللغة الثرّة والأسلوب الشّيق، وبقدر تعلّق الأمر بي فقد حاولت أن أختط نهجاً مقارباً ومختلفاً في آن، مقارب كاجتهاد للوصول إلى تفرد في التجربة وعدم تكرار التجارب السابقة، ومختلف لجهة خصوصية المجتمع العراقي ومفرداته ومشكلاته، وهذا ما حاولت تجسيده في "خان الشّابندر" وروايتي الأخرى تحت الطبع "لا عذارى في حلب" وحتّى في روايتي المنشغل الآن بكتابتها "بيت السودان"، ويبقى الحكم على مدى نجاحي بذلك متروكاً للقارئ بالدرجة الأساس ومن ثمَّ للنقد لاحقاً.

 

س/7من الواضح من خلال مجريات أحداث الرواية أنك معنيٌّ بالحفريات المعرفية المتعلقة بسيرة المكان، هل لك أن تحدثنا عن ذلك؟

- المكان يلعب عندي دوراً محورياً مهماً، إن لم يكن المحور الأهم في الحقيقة، وغالباً ما تستفز الأمكنة مخيلتي وتستدعي الصور المخزنة منذ أشهر وسنوات، وعلى سبيل المثال، كانت زيارتي لخان الشّابندر المتروك والآيل للسقوط سبباً حقيقياً في إلهامي لكتابة الرواية. أقصد المكان كمناخ وحاضنة تصلح لتوالي الأحداث وانثيالها، يعتقد غاستو باشلار ان البيت هو عبارة عن قبو وعلية وما بينهما، لكن السؤال هنا أيّ بيت وأيّة علية أو قبو؟، العلاقة المتداخلة بين مكونات البيت أو مسرح الأحداث هي التي تفرض على الكاتب طريقة تصوره للأحداث وتحدد قدرته على الوصف، وكلما كان شكل المكان وتاريخه متجسداً في مخيَّلة الكاتب قبل الشروع بعملية الكتابة كلما كان دوره أكبر وتأثيره أعمق في الأحداث، لقد أجريت دراسة تفصيلية للخان تناولت التاريخ والوظيفة والأسطورة والمعمار، لهذا كان حضوره طاغياً في أحداث الرواية، كذلك هو الأمر مع أعمالي الأخرى في الحقيقة، فقد عشت في مرحلة من المراحل في شقة معزولة في حي صلاح الدين المسيحي في أطراف مدينة حلب هيأتني لاتخاذها مخيَّلاتياً كمسرح لأحداث روايتي "لا عذارى في حلب" وهكذا.

 

س/8 هل ينبغي للروائي أن يمر بتجربة كتابة القصة القصيرة؟

- ليس بالضرورة، ثمَّة كتّاب ولدوا ليكونوا روائيين، كما ان تكنيك القصة القصيرة مختلف كليّاً عن التكنيك الروائي، وغالباً ما يحول دون انفتاح الكاتب روائياً إذا كان معتاداً على التكثيف، لكن من جانب آخر ثمَّة الكثير من الكتاب من يجيد الفنين في آن واحد، شخصياً كانت بدايتي مع الرواية عندما أصدرت أولى رواياتي، وهي في الوقت نفسه أولى كتبي "ثغور الماء"، لكنّني بعد ذلك كتبت مجموعة كبيرة من القصص القصيرة التي اعتمدت من خلالها اللغة والأفكار المكثفّة، وهي في غالبها تصلح منطلقاً لروايات، أقصد لو كنت آنذاك بوعيي الحالي، أو نَفسي الروائي الذي أكتب به الآن، وفي المجمل يبقى فن القصة القصيرة فنّاً جميلاً ومستقلاً عن الفن الروائي، لكنّه ليس شرطاً ينبغي للروائي المرور من خلاله بالضرورة وصولاً إلى الفن الروائي لأن الفنين مختلفان كليّاً، ناهيك عن ما بات يطلقه البعض على عصرنا كعصر للرواية بامتياز.

 

س/9 لاحظنا أنه من بين الشخصيات الأكثر مفارقة في روايتك شخصية مجر، هل هو شخصية متخيّلة بالكامل أم له امتداد على أرض الواقع؟

- نعم لقد تحدثت في إجابة سابقة عن تلك الشخصية المحورية في الرواية، وهي شخصية متخيّلة بالكامل في الحقيقة، سوى أنّني وفي حومة دراستي عن خان الشّابندر والمناطق التي تحيط به التقيت بشخصية شبه أسطورية تشبهه إلى حد ما، كان رجلاً عجوزاً يبيع العتيق في سوق الهرج يتخذ من دكّانة صغيرة ومنزوية مكاناً لعرض بضاعته من الصور واللوحات القديمة والسيوف الصدئة وبعض التحف المتضررة، وكان يعصب رأسه بعصابة حمراء وله شارب كثّ أصفرّ من كثرة التدخين، فخزّنت صورته بمخيّلتي ورحت أستعيدها بين الحين والأخر وأسبغ عليها بعض الصفات المُضافة، لا سيما البعد المعتقداتي المتعلق بالديانة المندائية التي أكتشفت أن أغلب العاملين في الخان من المشتغلين بتجارة الفضَّة يدينون بها، وهكذا خرجت شخصية "مجر" ضمن الواقع الأسطوري المتخيَّل في الرواية، ومجر من الأسماء المندائية القديمة التي كانت شائعة في العراق مطلع القرن الماضي. 

 

س/10بقي في جعبتنا سؤال أخير، ورد في صدر روايتك مقطع وجداني مؤثر نوّهتَ أنه لشاعرة أفغانية اسمها؛ رحيلة موسكا، هل هذه الشاعرة  حقيقية أو متخيلة لمقتضيات الرواية؟

- في البنية التحتية لـ(خان الشّابندر) أفروز قادري (1973 - 2003) هي شاعرة أفغانية شابّة عُرفت باسمها الفني المُستعار (رحيلة موسكا)،  ويعني الابتسامة العابرة، عندما كانت تقرأ قصائدها على الهواء في برنامج قصائد مُحلّقة الذي كان يُبث من إذاعة سرية خوفاً من اكتشاف شخصيتها الحقيقية.. عُرفت بقصائدها الجريئة التي تنتقد طالبان والعنف ضد المرأة والحرب عموماً، حتى اخبرت عنها سرّاً زوجة أخيها بسبب الحسد القاتل، فاعتُقلت واغتصبت ثم قُتلت بطريقة بشعة..

رحيلة موسكا لروايتي (خان الشّابندر) التي افتتحتها بمقطع شعري لها يقول؛

جسدي مثل أوراق الحنّاء.. أخضر من الخارج لكنّه لحم نيء من الداخل .

 

سيرة أدبية مقتضبة للروائي العراقي محمد حياوي؛

* ولد في مدينة الناصرية جنوب العراق .

* اكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها .

* تخرج من معهد الإدارة ـ إدارة عامّة في العام 1984

* عمل في مجال الصحافة الثقافية كمحرر في القسم الثقافي لجريدة الجمهورية، ثم سكرتيراً للتحرير .

* بدأ بنشر كتاباته في القِصَّة القصيرة في العام 1983 في مجلة الطليعة الأدبية ومجلة الأقلام وجريدة الجمهورية .

* نشر العديد من القصص القصيرة في المجلات والصحف العراقية والعربية .

* فازت قِصَّته "الكائن الغريب" بجائزة القِصَّة القصيرة للعام 1983.

* شارك في أعمال مؤتمر القِصَّة الأوّل في العام 1985 في أربيل وقدّم بحثاً عن تأثير الحرب العراقية الإيرانية على مضامين وأساليب القِصَّة القصيرة في العراق .

* غادر العراق في العام 1992 وأقام في الأردن للفترة من 1992 حتى 1995 وعمل في المجال الصحفي ...

* غادر الأردن إلى هولندا كلاجئ سياسي في العام 1996 ودرس اللغة الهولندية وتخصص فيها .

* درس التصميم الطباعي والغرافيك ونال الدبلوم العالي والماجستير في البنية المعمارية للحرف اللاتيني .

* حضر أعمال مؤتمر القصة العراقية الثاني في لندن في العام 1997 وقدّم بحثاً عن الوسيط الحكائي والبديل الخيالي في ألف ليلة وليلة .

 * عمل مصمماً ومحرراً للسينما في جريدة De Telegraaf الهولندية من العام 2000 حتى العام 2010 .

* أختير عضواً في لجان التحكيم في مهرجان الفيلم الإيراني في أمستردام ومهرجان الفيلم العربي في روتردام

* رأس تحرير مجلة "سينما عالمية" الصادرة باللغتين الهولندية والعربية حتَّى العام 2010

* أسس بالتعاون مع جريدة طريق الشعب جريدة "الطريق الثقافي" وأدار تحريرها حتَّى العام 2014 .

 *عضو اتحاد الكتّاب الهولنديين .

* يعمل أستاذاً لمادّة الغرافيك والصحافة الجديدة في معهد غرافيك ليزيوم أمسترادم منذ العام 2010 حتى الآن، ومدرباً للتصميم والصحافة الجديدة "الكروس ميديا" في الأكاديمية الألمانية للتطوير الإعلامي.

 

الأعمال الأدبية

* نُشرت روايته الأولى "ثغور الماء" في العام 1983 عن دار الشؤون الثقافية ببغداد. وهي محاولة لرصد العلاقات الانسانية في ريف الجنوب العرقي ومنطقة الأهوار في أوقات المحنة والفيضان، حيث تتجسد معاني العشق الفطري المتمرّد على الاعراف والتقاليد الريفية الصارمة.

* فازت روايته "فاطمة الخضراء" كأفضل رواية عراقية في العام 1985 ومنعت من النشر لإدانتها الحرب. وتحكي قصة حب عاصف بين فتاة بدوية هاربة من بيت دعارة تديره أمها في الصحراء الغربية إلى مدينة البصرة حيث تتعرف إلى جندي صغير السن من أصول ريفية لا يعرف لماذا يحارب ومن أجل مَن.

* نُشرت مجموعته القصصية الأولى "غرفة مُضاءة لفاطمة" في العام 1986 عن دار آفاق عربية ببغداد، وتضمنت عشر قِصّص قصيرة كُتبت في الأعوام بين 1983 و 1986 تدور أحدثها في مدينة الناصرية جنوب العراق وتمثل دهشة الطفولة واكتشافاتها الأولى ازاء المرأة والجنس والحب العذري والعجز أمام موبقات البالغين.

* فازت روايته "طواف مُتَّصِل" بجائزة الرواية العراقية ونشرت في العام 1988 عن دار الشؤون الثقافية ببغداد. وهي رواية ترصد محنة الجنود الشبّان الذين داهمتهم الحرب في أعالي الجبال تحت رحمة الطبيعة القاسية والعزلة وموت الرفاق المتوالي والضياع في المجهول، حيث لا وطن يبدي امتنانه ولا حبيبة تنتظر.

* صدرت له سلسلة ألف ليلة وليلة للأطفال في العام 1990 عن دار أور للنشر والتوزيع في بغداد. وهي محاولة لتقطيع الحكايات وتخليصها من التكرار والاسفاف والعبارات الخادشة للحياء، مكتوبة بلغة بسيطة ومناسبة لليافعين، بواقع قِصّة واحدة لكل ليلة من الليالي.

 * تُرجمت مجموعته القصصية "غرفة مُضاءة لفاطمة" a Lightened Room for Fatimah  إلى الأنجليزية في العام 1996 ونشرت في أسبانيا

* صدرت له مجموعة "شكراً يا أُيّها الفيل"  Dank je wel Olifant للأطفال باللغة الهولندية في العام 2010 عن دار نشر Sillat في أمستردام. وهي مجموعة حكايات للأطفال بروح شرقية حاولت تقديم الحكمة بطرق بسيطة ومشوّقة للأطفال الهولنديين من الفئة العمرية بين 7 و10 سنوات.

* صدرت روايته الثالثة "خان الشّابندر" في العام 2015 عن دار الآداب للنشر والتوزيع في بيروت، وهي محاولة لاعادة اكتشاف الذات العراقية التي تبدّدت ملامحها بعد الحرب وسقوط الديكتاتورية. وتستند ثيمة الرواية إلى الفجيعة والانسحاق المجتمعي بين ممارسات الديكتاتورية وبشاعة الارهاب وانفلات الأمن في البلاد وانتهاك انسانية المرأة الهاربة من قسوة المجتمع والمفاهيم المُعابة لتقع ضحية للارهاب والعنف.

* انجز روايته الرابعة تحت عنوان "لا عذارى في حلب"، وهي محاولة لرصد مأساة جيل المثقفين العرب المنسحق تحت آلة الحرب المستعرة في سوريا، وتحديداً في حلب، حيث تُنتهك تطلعاته وتتبدّد أحلامه ويفقد هويته وذاكرته. وتحكي الرواية أيضاً قِصّة البسطاء من العرب، هؤلاء الذين أضاعوا بوصلتهم ووقعوا في لحظات نادرة من التاريخ في براثن الخديعة والعنف والرذيلة، من دون ان يفقدوا أرواحهم تماماً.

 

لمياء صغير تحاور الروائي مصطفى الكيلاني: علينا كسر التابوهات السياسية والدينية لتحسين ثقافة الفلسفة العربية

ألح  المؤلف الروائي  مصطفي الكيلاني على ضرورة تبني اديولوجية الفلسفة والتي تمثل عصب  المستقبل العلمي العربي وعلينا   نتخطى  ونتحرر من الطابو السياسوي والديني لمواكبة الفلسفة الغربية والرقي بالفلسفة العربية.

 

*من خلال مشاركتكم في عديد الفعاليات والملتقيات السابقة التي نظمتها الجمعيات العربية  والجزائرية للدراسات الفلسفية هل ترى أنها وفت الفلسفة حقها ؟

مصطفى الكيلاني:  أولا وقبل كل شيء أشكركم على الالتفاتة التي تبين اهتمامكم بواقع الفلسفة العربية وسبق لي أن شاركت في ملتقى الفلسفة الذي نظمته  الجمعية الجزائرية  وخاصة وانه أقيم ببلدي الثاني الجزائر وما هذا إلا دليل علي اهتمام الجزائر بازدهار ثقافة ومجتمعنا العربي الذي ننتمي إليه، ويمكن أنه بالرغم من عديد الملتقيات   لم نتمكن من إيجاد حلول واضحة غير أننا تمكننا من اكتشاف مواطن الخلل الذي تحكمه السياسة والوازع الديني حاليا وهذا بالطبع كفيل بقتل الفلسفة العربية ومن هذا المنبر نحن نحاول إعادة إحياءها من خلال هاته الملتقيات.

 

  * هل ترى كمؤلف لعدة روايات وأديب بان الفلسفة حاليا نلتمسها علي شاكلة الرواية المعاصرة؟

مصطفى لكيلاني:بطبيعة الحال الرواية هي الصنف الأدبي المتفوق حاليا مقارنة بالشعر العربي وتمثل لغة العصر بطابعها المتميز ، ومن هنا فان طرح إشكالية علاقة الرواية بالرؤية الفلسفية جد مترابطة ، وارجع العلاقة إلي إمكانية الأديب وهو فرد من دولة ما كسر الطابوهات السياسية والاجتماعية عن طريق الكتابة لتصوراته.والرواية الحداثية كما يتفق جميع الأدباء والنقاد العرب وبالأخص تلك القائمة   علي التفلسف أو ما يدعى بالفكر الفلسفي الذي يطرح لنا آليات وأفكار يتبناها المواطن للتاريخ لمستقبل أحسن.

 

 * قلتم أن التفلسف الروائي هو أساس التاريخ للتغير هل بإمكانكم ذكر بعض النقاط المهمة المساعدة علي ذلك؟

مصطفى الكيلاني: هناك الكثير من النقاط الفعالة والتي تبين احتوائية العلاقة المتبادلة ومن أهمها اذكر عنصر اللغة السردية الحكائية والتي توجه للنخبة المثقفة ، وهي تمثل فلسفة لأفكار من المجتمع تحاول تغيير الواقع لبناء غذ أفضل. من خلال العديد من روايات المعاصرة والحديثة المتخذة لنزعة إبداعية محاكية لمواقف عقلانية تمكنها من الوصول للهدف بصورة انطولوجية.

 

  *إذا تحدثنا عن مستقبل الفلسفة العربية ألا ينبغي أن نتخلص من هاجس الماضي لنتمكن من التغيير؟

مصطفي الكيلاني: كما يعلم الجميع أن نستورد فلسفة الغرب الأرسطية والأفلاطونية- السياسوية لكننا لم نصل لحد الساعة إلي تطبيقها علي ارض الواقع، ولسنا مجبرين علي تطبيقها باعتبار عاداتنا وثقافتنا المغاربية المحايدة للغرب طبعا .ما يمكن أن أصرح بكون الفلسفة الغربية والعربية علي اختلاف مقايسها من زمن لزمن آخر، وعليه وجوب تغيير المفاهيم العقلانية والفلسفية لمجتمعاتنا وخلاصة القول بعدم إمكانية التخلص من الماضوية بل علينا أن نعيد مفاهيمنا بما يتناسب والركب الزمني للمستقبل .

 

 *هل تعتبر الوازع الديني هو احد عناصر تخلف الفلسفة العربية وكيف تبرر ذلك؟

مصطفى الكيلاني: إن تحدثنا عن فلسفة الغرب نجد أنهم تجاوزوا الماضوية وتحولوا بالمفاهيم إلي المستقبل دونما قطع العلاقة الزمنية، ونحن كعرب ومفكرين مثقفين نجد دائما مسالة الدين والسياسة عائق يمنعنا من الحديث وقد تولد لدينا نوعا من التخوف الفكري جعلنا لا نريد التفكير في التغيير .

آو محاولة بناء فلسفتنا الثقافية الفكرية وما علينا فعله هو غرس فكرة الاستثمار في الفلس

فة لدى أجيالنا وقرائنا لتقبل فكرة التغيير باعتبار تكونها من عقل وتعقل ونقد وحرية مطلقة.

 * ختاما كروائي ومفكر عربي ما وصيتكم لشباب اليوم ؟

: مصطفى الكيلاني: أخر ما أقوله لكم أن العلم والثقافة تزدهر علي أسس فلسفية كما هي في المعطيات السياسية وواجبنا مع شباب  اليوم أن نستثمر في مفاهيمنا لمستقبل أفضل وناجح لنتمكن من قراءة  واستنباط اديولوجيات تساعدنا لرفع المستويات سياسية ثقافية مجتمعية-عربية  وعلمية راقية.

 

حاورته: لمياء صغير

ميمون حــرش يحاور: عرين الشاعــر المغربي بوجمعة الكريك

maymon harashبوجمعة الكريك شاعر مغربي أثير، أبان عن قدر كبير من الوهج في الساحة الأدبية، واستطاع أنْ يلفت الأنظار إليه، لاسمه سمعة، ولشعره حظوة، ولمقهاه الأدبية شهرة، وفضلا عن شعره الجميل راكم تجربة كبيرة في إدارة مقهى أدبي بتارجيست، ويعود له الفضل، صحبة الأوفياء من جنود الخفاء، في انتشال هذه المدينة المنسية من براثن اللامبالاة حتى أصبحت منتجعاً لحملة الأقلام داخل المغرب وخارجه، وجوهرة لتكريس الثقافة، ونصرة المبدعين والمبدعات، وبسببها قلتُ عنه في لقاء أدبي باذخ بالناظور بأنه أشهر من كوكاكولا، وإنه لكذلك..

 أصدر الكريك:

- "قراءات في ملامح وجه شاحب"، ديوان شعري، دار الوطن- 2014

- "سماء تظلنا " عن منشورات المقهى الأدبي لاميرابيل.

- " Plume ,Paix,Librté "إصدار دولي جماعي إلى جانب ممثلي عشرين دولة فرانكفونية.

وله قيد الطبع:

- " Jérada, Le phénix qui renait de ses cendres "/الفينيق الذي ينبعث من رماده"- رواية بالفرنسية.

- La complainte des muses- ديوان شعري بالفرنسية..

- "ترانيم "، ديوان شعر ..

- ترجمة "رواية غادة العامرية" لمولاي الحسن بن سيدي علي إلى اللغة الفرنسية.

إنه الشاعر المحبوب بوجمعة الكريك..

مرحباً بضيفنا الكبير، وبشاعرنا الأثير سي بوجمعة في " العرين"..

س - لك أن تقدم نفسك للقراء بما تحب؟

ج- بوجمعة الكريك من مواليد مدينة جرادة العمالية بتاريخ 19 غشت 1966 عشقت مدينتي حتى الوله فكتبت عنها شعراً ونثراً وأذكرها بكل اعتزاز كلما سنحت الفرصة. أنا عاشق للتصوير الفوتوغرافي والعمل الجمعوي.

 

س- دعني أقف معك عند ديوانك الجميل " قراءات في ملامح وجه شاحب"..

يقر الدكتور محمد أزلماط في تقديمه للديوان بأنك صنعتَ لنفسك بديلاً ثالثاً في الإبداع الشعري ..ما ذا يعني ذلك، وما هي تجليات هذا البديل؟

ج- بصراحة حين كتبت ونشرت ديواني الأول " قراءات في ملامح وجه شاحب" لم يكن يخطر ببالي بأنني سأرسم خطا أو بديلا ثالثا في الإبداع الشعري المعاصر، كان هوسي أن أكتب بصدق وبشدة عن المعاناة الموسومة بالشحوب فتفاعلت بألم وبحسرة مع كل معاناة رسمتها في قصائدي من دون البحث عن الإثارة وحينما اقترح علي الدكتور محمد أزلماط وضع تقديم للديوان تراءى له بأنني صنعت لنفسي بديلا ثالثا في الإبداع الشعري المعاصر قد يكون قد أصاب، ويفترض أيضا أنه قد أخطأ الحكم فعلى العموم يبقى باب النقد مفتوح والتصنيف لا يفسد للود قضية.

 

س- يهيمن على الديوان الشكلُ التناظري، والشكل السردي للحفاظ على الانسجام والوحدة..أوليست بعض نصوص " الوجه الشاحب" فيها خرق لهذا الانسجام؟

ج- من المؤكد أن الشكل التناظري يطغى على الديوان وكذا الشكل السردي لكن المتون الأولى من الديوان وأخص بالذكر الوجوه الشاحبة الثلاث بها خرق لهذا التناغم والخروج عن القاعدة يعدو إلى كون المواضيع الثلاث المثارة استدعت عدم الاعتماد على التناظرية في محاولة لإبعاد المتلقي ما أمكن عن شكل القصيدة وجذبه عنوة نحو المضمون وبهذا تصل الرسائل المشفرة التي تحتويها المتون الثلاث.

 

س- تنحاز في شعرك لقضية الإنسان الوجودية في حيرته ومتاهته، وتعبر في بعض قصائدك عن القلق النفسي، والمرض الداخلي، هلا مثلتَ لنا ببعض شعرك مما يؤكد هذا الطرح؟

ج- الشعْرُ شعور بالوجود وتفاعل الشاعر مع هذا الوجود وأنا لم أخرج عن هذا التعريف فعبرت في قصائدي عن همومي الذاتية، عن قضايا الإنسان الوجودية وعن مؤثرات شتى يرتبط بها الشاعر قسرا أو عن طواعية . أذكر مثلا قولي في قصيدة "خلوة" ص: 103

شعري يجلدني كل مساء،

أبياته سياط تقطب جلدي.

آه من عشق يتسلق شراييني

ليتربع على عرش فؤادي

.

.

.

أنت قِبْلتي ومحجي،

أنت الأرض الموعودة

بين شريان وشريان.

و في موضع آخر كتبت:

 

ويحك يا بحر

أتهجرني اليوم؟

أراك ساكن الأحضان

.

.

.

كأن لم أكن يوما

صديقا.

(جحود بحر، ص: 48)

و أخيرا قصيدة "جِنِيُّ الفؤاد" ص:107

بَلْهَاءُ

تِلْكَ الاِبْتِسَامَاتُ

الْمُعَلَقَةُ

عَلَىوُجُوهِكُمْ

تَحِيكُونَ مَالَذَّ

مِن ْقِصَصِ

التَجَاعِيدِ.

ثَمِلْتُ مِنَ نَظَرَاتِ

مَنْ كَانَ

حِينَ كَان َمَخْمُوراَ

والكأس إلى الأعلى

هَاوِيَة

تَتَنَاثَرُاشْمِئْزَازاً

فِي رَاحَةِ يَدٍ الْخَمَّارِ.

إِنَهَا رِسَالَتِي الأَخِيرَة

جِدوا لِي كَاهِنَاً يَصْرَعُ

جِنِيَّ الْفُؤَادِ

لَعَلِّيَ أَفْقَهُ تَرَاتِيلَ

الأَجْسَادِ.

الْمُقَلُ تَنْسَلُّ حَوْلَ

الْعُقَدِ

فَيَقُولُ اللِّسَانِ

وَيَتَقَوَّلُ

فَيُصِيبُ بِسُمِّ اللُّعَابِ

الْحَاضِر َوَمَنْ غَابْ

 

بَلْهَاْءُ تِلْك َالْعُيُونُ

تُغَازِلُ جَهْراً

الْمُدَّثَرَاتِ مِنَ النِسَاءِ

تُلاَمِسُ، فَرَضاً،

تَفَاصِيلَ الأَجْسَامِ.

 

س- الديوان أيضاً غارق في التأمل، تأمل الذات، وعاكس لتوتر الإنسان في الأزمنة الثلاثة (الماضي والحاضر والمستقبل).. من أين تأتي بهده القدرة العجيبة على استنطاق ذات الإنسان المتورمة؟

ج- بالفعل هذه الملاحظة في محلها الديوان غارق في التأمل، تأمل الذات وتوتر الإنسان في الأزمنة الثلاث ولا عجب في ذلك لأن الشاعر كما يشاع ابن بيئته وأنا كما أسلفت ابن بيئة علمتني استنطاق الأشياء التي تدور في فلكي وأكثر هذه الأشياء الإنسان بطباعه، ردود فعله وأحلامه.

أتأمل الوجوه، أسائل نفسي ومن حولي عن ما مدى جدوى التلفظ بكلمة "الحب"

و قد جردناها من بعدها الإنساني الذي جمعنا منذ الأزل وبعد أن أضحت النرجسية تنخر الذات الإنسانية.

هي كل تلك الأسئلة الوجودية التي تؤرقني وتمنحني القدرة على استنطاق الواقع ومن خلاله الذات الإنسانية على حد قولكم.

 

س: لهذين الشاعرين:

 Alphonse de Lamartine، وCharles Baudelaire:

تأثير ما على بعض شعرك، الأول رومانسي، والثاني سريالي ..هل تسعى إلى التنويع في موضوعات شعرك من خلال المزج بين المدرستين؟

ج- التنويع والتنوع الشعري مطلوب بل مرغوب فيه لعدة اعتبارات:

- لتجنب السقوط في النمطية وإشعار المتلقي بأنه يقرأ نفس الشيء.

- كل المواضيع لا تعالج بنفس الطريقة، المقاربات متعددة لكن يجب تفادي الوقوع في التصنع.

- التأثير معطى لا يمكن إغفاله لكن اللمسة الفنية الشخصية التي تصنع، كما قلنا سابقا الخط الإبداعي للشاعر، هي التي تميز الشعراء فيما بينهم. قد أكتب كما بودليير أو لامارتيين لكنني لست كأي واحد منهما. أنا بوجمعة الكريك وأكتب بطريقتي التي يمتزج فيها الواقعي بالرومنسي والسريالي وهكذا أكون "أنا".

س- " مدينتي..هويتي" قصيدة أخاذة، جميلة، ولافتة، بل وأعتبرها أيقونةَ الديوان، تصورُ فيها حزن نساء جرادة، ، ومآسيَ عمال " الرومبلي"/الجبل الأسود حيث أصيب الكثيرون منهم بأمراض مزمنة، بسبب سنوات العمل التي قضوها تحت الأرض بحثاً عن الفحم.. تقول في القصيدة:

     "نساء مدينتي لا يتكحلن،

     سواد العين خلق معهن،

وحين يبكين فراق حبيب تتدلى السيول السوداء

فتنحت الأخاديد العميقة

في الوجوه البريئة."

- حدثنا عن جبل "الرومبلي" في جرادة، وعن المآسي التي يسببها للأهالي هناك.

- تحدثتَ عن هذا الجبل بحرقة شديدة، ولولاها لما استمتعنا بهذه التحفة عن الرومبلي.. هل الألم، كما الحاجة، مؤشر على الابتكار؟

ج- الرومبلي بمدينة جرادة كأبي الهول بمصر يقبع هناك يتربع على عرش المدينة بسواده وحمولته المأساوية التي تؤرخ لمدينة جرادة، لصمود رجال أشداء سقوا جوف الأرض بعرقهم ودمهم ليزهر اقتصاد البلاد.

الرومبلي هو تراكم بلايين الأمتار المكعبة من الأتربة المستخرجة من باطن الأرض. الرومبلي جبل شامخ شموخ الرجال الذين كانوا وراء وجوده، الرومبلي أب اليتامى وزوج الأرامل... الرومبلي "أنا" وهو أيضا محمد العرجوني، السهلي أعويشي، عبد القادر بنهار، الزرزاي وآخرون.

الرومبلي عنوان المعاناة يذكرني بأبي رحمه الله وكيف كان يذبل أمام أعيننا وصدره المتهرئ المنخور بالسيليكوز يعزف سمفونية الموت البطيء، يذكرني بالأنابيب البلاستيكية التي كانت تربطه بمضخة الأوكسجين الباهظة الثمن التي كنا نستعيرها لساعات قبل أن تذهب إلى منزل آخر يوجد به رقم آخر يحتضر. فبالله عليك كيف لا تكون المعاناة في مثل هذه التجليات أماً للابتكار؟

 

س- " الحرف الجريح" قصيدة استرعت انتباهي في الديوان، كتبتَ بين قوسين للتوضيح ربما "قصيدة لن أتم كتابتها شفقة بها "..

- طيب، لماذا شفقة بها؟ألــم يكن من الأجدر إتمامها إجلالاً لها بدل هذه الشفقة..

- إكرام الميت دفنه، والحرف عكسه تماماً، لا بد من إحيائه وليس العمل على قهره وإقباره عبر البتر.. كيف ترد؟

ج- أوافقك الرأي، سيدي ميمون، إكرام الميت دفنه وإجلال القصيدة في إتمامها لكن قصيدة "الحرف الجريح" خرقت العادة ! هي قصيدة أعتز بها شديد الاعتزاز وهذا ما أرغمني على نشرها ولو أنها لم ولن تكتمل أبدا. هي بإيجاز جوهر تجربة إنسانية فاشلة تعود إلى عدد من السنين خلت كنت حينها قد قررت الانعزال والانفراد بنفسي فهممت بنظم القصيدة فإذا بشلال من الدمع الحارق ينهمر على الورقة فتوقفت وبقيت القصيدة على حالها.

 

س- عنوان الديوان فضلا عن أنه طويل، كلمة " قراءات " التي تتصدره تُحيل على عمل نقدي وليس ديوانَ شعر..هل أنا مصيب في هذا الرأي؟

ج- هو فعلا كذلك فلو فرضاً حذفنا كلمة "شعر" التي تصنف العمل من على الغلاف لتبادر للذهن بأنه عمل نقدي أو دراسة أدبية وقد تعمدت هذا لإيهام القارئ وليس لخداعه لأن عملي هذا، كما جاء في سؤال سابق، مسائلة للذات الإنسانية واستنطاق للواقع المعيش وأظن هذا كاف لإثارة البعد النقدي للديوان. لنأخذ على سبيل المثال الوجوه الثلاثة في أول الديوان، هي قصائد أثارت مواضيع شائكة وطابوهات مسكوت عنها أسالت مؤخرا الكثير من الحبر: الفقر، استغلال الفتيات القاصرات في الدعارة، الإدمان على المخدرات الصلبة ...إلخ

قصيدة "زووم على القذارة" أليست نقداً لواقع أغلب الحواضر المغربية والعربية. أظن أخي ميمون بأن هذه الأمثلة كافية وكفيلة لتبرر اختياري لهذا العنوان.

 

س- قصائد جميلة جداً مبثوثة في الديوان، ولكنك آثرتَ أن " تكرم" قصيدة " قلبي باحة استراحة" وجعلتها تتصدر الواجهة الخلفية للديوان..هل هذا التتويج من القوة بحيث يبرر هذا الاختيار؟

ج- في الحقيقة، حين تكون بصدد إعداد الإصدار لنشره تتردد كثيراً ومطولا عند اختيار ملامح الكتاب من لون وخط وصورة وغيرها وعندما وصلت إلى مرحلة تأثيث الغلاف الأخير للديوان بحثت عن القصيدة المناسبة لكن اختلطت علي الأمور وكنت يومها قد كتبت هذه القصيدة "قلبي باحة استراحة" طربت لها ولبعدها الإنساني الجميل فانتخبتها على رأس القصائد، بالرغم من أن الديوان لا يتضمنها، لتتربع على عرش الغلاف الخلفي للديوان.

 

س- نصوصك الشعرية اعتمدت فيها على أسطر حرصتَ أن تكون لغتها ماتعة، ومخملية.. لكن ماذا عن الموسيقى الشعرية، ما نصيب الوزن في أشعارك؟

ج- أذكر في هذا الصدد ما قاله الأستاذ الناقد عبد السلام الجوهري في إحدى القراءات للديوان عن الموسيقي الداخلية أو الشعرية: "الْإيقَاعُ فِي الشِّعْرٍ إِيقَاعُ الذَّاتِ الشَّاعِرَة، بِهِ تُنْشِئُ عالَمَها الشِّعْرِيّ، وَهُوَ مَفْتُوحٌ عَلى كُلِّ الْعَوَالِمِ، وتَعْتَمِدُ الذَّاتُ الشَّاعِرَةُ فِي ذَلِكَ إِيقَاعاً دَاخِلِيّاً بَعْدَمَا تَمَّ الابْتِعَادُ عَنِ الْإيقَاعِ الْخَارِجِي مَعَ مَوْجَةِ الْحَدَاثَةِ الشِّعْرِيَّةِ. ومِن ْأ َهَمِّ خَصَائِصِ الْإيقَاعِ الدَّاخِلِيّ الَّتِي تُمَيِّزُ الخِطَابَ الشِّعْرِيَّ وَتُخْرِجُهُ مِنْ دَائِرَةِ الْقَوْلِ الْعَادِيّ، التكرار بِمَا هُوَ تَرَدُّدٌ مُنْتَظِمٌ وغَيرُ مُنْتَظِمٍ لِوَحَداتٍ صَوْتِيَّةٍ كَالأصْواتِ والألفَاظِ والتَّراكِيبِ والوَزْنِ والقَافِية...وهِيَ مُوَزَّعَةٌ عَلى فَضَاءِ النَّصّ وَفَضَاءِ اللُّعْبَةِ الإيقَاعِيَّة."

بوجمعة الكريك متغير الهوى، لا يحب القيود ويأبى الأسر وإن كان في الكتابة الشعرية لهذا فلن يجدني المتلقي منضبطا للقوافي والأوزان وسيلاحظ حتما أنه يطرب لموسيقي داخلية تجذبه يخلقها التكرار والجناس الصوتي وغيرهما من الأدوات التي اعتمدتها في إيقاع القصيدة.

 

س- ما نصيبك من الجوائز الأدبية؟وما رأيك في كثير من الأدباء الرافضين تسلم مثل هذه الجوائز؟

ج- أنا لا زلت في أول الطريق والبداية ولله الحمد مشجعة. أخذ الديوان حظه في الإعلام السمعي البصري سواء بإذاعة الحسيمة الجهوية، كاب راديو أو على القناة التلفزية الثانية، وأيضا أخذ نصيبا ولو قليل في الإعلام المكتوب (أقصد الجرائد الورقية) وكان آخر ما نشر عنه هو قراءة في الديوان للمبدعة الشابة الأخت زلفى أشهبون بجريدة بيان اليوم.

أما بالنسبة للجوائز فأنا لا أطمح لها وإن كنت أريدها كالجميع طبعا ولم يسبق لي أن قدمت للتباري على جائزة معينة، يكفيني الآن التكريمات التي حظي بها عملي بسيدي قاسم، الناظور، وجدة وتارجيست أما الجائزة الكبرى بالنسبة لي هي حب الناس لعملي وتفاعلهم الإيجابي معه.

 

س- كيف حال النقد معك؟ هل أنت مرتاح من جهة النقاد؟ وهل نالت أعمالك نصيباً من اهتمامهم؟

ج- لحد إجراء هذا الحديث الشيق معك أخي ميمون حرش "الهدهد" كان ديواني "قراءات في ملامح وجه شاحب" محط العشرات من القراءات قام بها أساتذة أجلاء من مثل الدكتور أزلماط محمد، عبد السلام الجوهري، زلفى أشهبون، الدكتور السهلي اعويشي ...

لكن المقاربات النقدية للديوان فلا زالت جد محتشمة.

 

س- أنتقل بك إلى الحديث عن عملك الرائع في العمل الثقافي والجمعوي ..

يشار إليك بالبنان، ويعرفك القاصي والداني، وسيرتك تحضر بألق، في الملتقيات، كلما كثر الحديث عن العمل الجمعوي..

ماهي الوصفة السحرية لنجاحك في إدارتك للمقهى الأدبي بتارحسيت، وفي العمل الجمعوي عموماً..؟

ج- لا أخفيك سرا بأن نجاح المقهى الأدبي تارجيست والإشعاع الذي حققه ليس بالأمر الخارق للعادة بل هو نابع من التصميم على النجاح والتنظيم المحكم لكل المحطات التي مر بها وأهم سبب هو انني تعلمت من التجارب السابقة لبعض المقاهي الأدبية أو الثقافية فوقفت عند نقط قوتها وتجنبت هفواتها وطورت آليات الاشتغال فكان النجاح حليفنا.

التشاركية واستبعاد كل سبل الإقصاء في إدارة جمعية المقهى الأدبي تارجيست منحها مصداقية محليا، إقليميا، وطنيا ودوليا.

 

س- ضيوف كثيرون شرفوا "تارجسيت" نزولا عند دعوة المقهى الأدبي، وسجلوا اسمهم وحضورهم..حدثني عن أطرف زيارة، ومن هو الضيف الاستثنائي وما المثير في كل هذا..؟

ج- ضيوف كثر حلوا على المقهى الأدبي تارجيست أشاعوا في فضاءها الصغير نور وفتنة الإبداع فأنشدوا وأنصتوا لأصوات جميلة كانت دفينة العزلة وعدم الاهتمام. كل واحد ممن زارونا تركوا بصمة في رواد المقهى واعذرني سيدي ميمون يصعب علي تفضيل هذا عن ذاك لكن يبقى أن البعد الإنساني حاضر بقوة ننسج العلاقات، نتعلم من بعضنا البعض نرشد أقلاما شابة لتجد الطريق الصواب وهذا هو الفضل العظيم.

وأما الضيف الاستثنائي فكان هو الدكتور عبد الواحد الفقيهي الذي استضفناه في لقاء تفاعلي دام أكثر من أربع ساعات ونصف حول الذكاءات المتعددة ودون أن يبرح أحد مكانه. كان بالفعل نشاطا متميزا.

 

س- يُعاب عليكم، في المقهى الأدبي، أنكم تجاملون كثيراً حين تستضيفون أسماء "صغيرة" غير محسوبة على أهل الأدب رغم أنها أصدرت كتباً..كيف ترد؟

ج- والله يا أخي قد يعاب علينا هذا لكنني أعيد السؤال بصيغتي: ما العيب أو الخطأ في أن تجامل اسما جديدا فتيا يشق طريقه في مجال الإبداع الأدبي أو الفني؟ ومن يكون "أهل الأدب"؟ أليس جدير بنا كحملة مشعل الثقافة أن نشجع الأقلام الفتية؟ كيف لنا أن نمارس الإقصاء على تلك الأقلام؟

المقاهي الأدبية لا تملك حق الوصاية على المبدعين كبارا كانوا أو صغارا وهي لا تصدر الأحكام على الأعمال الإبداعية فلندع لكل ذي أمر أمره وهناك من ذوي التخصص والأكاديميين ما يكفي للحكم على الأعمال الأدبية والبقاء للأصلح .

 

س- حصدتَ ألقاباً عديدة منها: كروان الجبل- الأشهر من كوكاكولا.. هل أنت سعيد بها، ثم ما تضيف هذه الألقاب للأديب برأيك؟

ج- حقا أنا سعيد بتلك الألقاب لا لسبب إلا لأن من أطلقها علي أناس أكن لهم من الحب والتقدير ما لا يوصف وأنت على رأسهم أخي الجميل "الهدهد" ميمون حرش. قيمتها في من أطلقها عليك فبالتأكيد هذه الألقاب قيمة ويعتز بها أي أديب.

 

س- أحيت جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون بالناظور الملتقى الأول للقراءة والأدب في 25 يناير 2016، تحت شعار " اقرأ"..ولقد شرفتَ المركب الثقافي بحضورك، وقرأت شعرك الجميل، واحتدت الأكف لك بالتصفيق كما العادة.. ما تقييمك لهذا الملتقى الذي حضره شعراء كثيرون من مدن مغربية مختلفة؟

ج- بالطبع أحاول المواظبة على حضور كل التظاهرات التي تنظمها جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون بالناظور وكما أشرتم تشرفت بحضور الملتقى الأول للقراءة إلى جانب أسماء كثيرة من مختلف أرجاء الوطن، استمعنا لبعضنا البعض ولا يمكنني إلا التنويه بالعمل الدؤوب الذي تقوم به الجمعية من أجل الإرتقاء بالمشهد الثقافي بالمنطقة وبالمغرب ككل. كان الملتقى مجال التقاء بين مختلف التيارات والمشارب الأدبية التحمت حول شعار ورد في الكتاب الحكيم "إقرأ" ومن هنا أشد على يد القائمين على الجمعية وكل من يحمل هم الثقافة والمثقفين بالناظور.

 

س- كيف تقيم الحركة الشعرية بمدينة "تارجيست"، ومن هم شعراء مدينتك الذين يصيبون هوىً في نفسك؟

ج- تارجيست أدهشتني بطاقاتها الشعرية الدفينة التي كانت مرغمة على الاعتصام بين دفتي غلاف الكراس أو حبيسة لوح إلكتروني وتجربة المقهى الأدبي ضخت دما جديدا ونقيا في الحركة الشعرية بمدينة تارجيست فظهرت أسماء وازنة كالأستاذ أحمد اليعقوبي، آمال يوسفي، فريد المطوشي، مرزوق لفريع، مصطفى الشعرة، سعاد أحدوث، إيمان السكروحي، إسماعيل حبيب الله وغيرهم (التمس العذر ممن لم أذكر أسمائهم)

 

س- ما هي مشاريعكم في المستقبل تأليفاً، وعلى صعيد نشاطك في المقهى الأدبي؟

ج- فيما يخص شق التأليف فقد أشرتم في الديباجة إلى المؤلفات التي منها ما يوجد قيد الطبع ومنها ما هو في المراحل الأخيرة قبيل رؤية النور وبطبيعة الحال حبل الإبداع لا ينقطع. أما بالنسبة للشق الذي يهم نشاطات المقهى الأدبي المستقبلية فسنسير على نفس المنهج إن شاء الله مع تطويرات في الأداء وتنوع في الاستضافات وأكبر رهان للموسم القادم بإذن الله تعالى هو تنظيم المهرجان الأول للشعر والزجل وفنون أخرى بتارجيست وهذا تحدي جديد سنخوض غماره بكل الوسائل المتاحة لنخرجه إلى الوجود.

 

س- ماذا تقول في: شعر الهايكو- القصة القصيرة جداً- مولاي اسماعيل بلبكري ..

ج- بالنسبة لشعر الهايكو أنا دائم الاعتراض عن التسمية لآننا في العالم العربي لا نكتب "الهايكو" بالطريقة اليابانية التقليدية إنما، وهذا رأيي الخاص، نكتب "الومضة" وهي تقليد له في الشكل وأحيانا في الموضوع أما عن الغاية والدافع لكتابة "الهايكو" فالإختلاف واضح ولن ينكره أحد.

القصة القصيرة جدا أعتبرها من روائع الإبداع الحديث وكتابتها يتطلب إلماما كبيرا بكل أشكال الكتابة الإبداعية في خفتها، تناغمها وإيجازها. أن تقول كل شيء في سطور أقل فهذا ما أعتبره "سحر الكتابة".

ماذا أقول عن مولاي اسماعيل بلبكري؟

صعب أن تذكر بوجمعة الكريك دون مولاي اسماعيل بلبكري الذي أختزل فيه كل شيء: الصديق، التلميذ، الابن، حافظ السر... ما يجمعني به أكبر وأثمن من مجرد صداقة.

 

س- كلمة أخيرة شاعرنا الكبير بوجمعة ..

ج- محاورتكم سيدي أكثر من ممتعة وفي الأخير لا يسعني إلا أن أشكركم على هذه الالتفاتة الاكثر من رائعة وأن أشكر طاقم مجلة العرين ومن هذا المقام أوجه رسالة إلى كل مثقفين هذا الوطن بتوحيد الصفوف وخدمة الثقافة في بعدها الإنساني بعيدا عن الحسابات الضيقة من أجل أن نرقى ونرتقي حتى يكون النجاح والسداد حليفنا في كل أمورنا.

مرة أخرى شكرا لك، هدهد الناظور، الأستاذ المبدع ميمون حرش..

 

حاوره: ميمون حــرش

 

نور الطائي تحاور: الأديب العراقي محمد رشيد

mohamad rashedالأدب العراقي أصبح له شأناً كبيرا حينما بدء ينفتح على الأفاق العربية وبصورة ملحوظة كبيرة، كما أن الحراك الثقافي في العراق كان له اثر بارز في إعادة الهيبة للحراك التنموي العام في العراق وبالذات في الجنوب وبالتحديد في ميسان حيث برز العديد من الأدباء في ميدان القصة والشعر ولعل احدهم هو الأديب الأستاذ محمد رشيد مؤسس جائزة العنقاء الذهبية التي أصبحت مرسال أدبي ثقافي يمثل ثقافة وحضارة العراق في المحافل المختلفة، وأصبحت ثقافة متنقلة تحمل معها هموم المثقف العراقي المنشغل بالبحث عن مديات تجديد الخطاب الثقافي، وللتعرف على تلك الرؤى عن قرب كان لنا حواراً مع الأديب محمد رشيد ليجيبنا عن تساؤلات في خلد المتابع للمشهد الثقافي في جنوب العراق والعراق بصورة عامة....

 

• بداية كتبت الشعر والسرد ... كيف تعرف نفسك للقراء؟ وهل أنت قاص ام شاعر؟

ج/ لو أردت أن اعرف نفسي للقراء ... أفضل شيء أقوله هو: أنا (إنساني) نحتُّ اسمي في مجال الثقافة وطرزتُ أفكاري في قضايا حقوق الطفل... وصغتُ جملي القصصية بلغة شعرية .

 

• حدثنا عن فكرة جائزة العنقاء الذهبية كيف تأتت لكم الفكرة ...وأين وصلت الجائزة الآن؟

ج/ الفكرة استلهمتها منذ سنوات طويلة وحلمت بها كثيرا ولكنها تحققت عام 2003 وهي فكرة مستمدة من طائر العنقاء الأسطوري يقابلها (طائر الفينيق) عند الغرب...العنقاء تمثل العراق حيث كل فترة تمر الشدائد والصعاب والمحن من خلال الحروب و...و....لذا عليه أن يولد من رماده من جديد ليحلق في فضاءات أرحب، أما جائزة العنقاء إنها وصلت إلى العالمية من أول نشاط لها في اسطنبول عام 2003 من خلال لقاء وتكريم الأديب العالمي يشار كمال، وبعد تحقيق فعاليات متجولة وصلت إلى (143) نشاط متميز في أربع قارات (آسيا / أفريقيا / أوربا / استراليا ) من خلال (18) مدينة وعاصمة أولها كانت القاهرة عام 2003 مرورا بـ ( بيروت/ تونس/ اسطنبول/ طهران/الدوحة/ دمشق/ بغداد/ كركوك/سليمانية/ ميسان/ ذي قار/ اربيل/ لاهاي/ لندن/ أمستردام/ دنهاخ )وانتهاء في ولاية ملبورن في استراليا .

 

• ماذا عن تجربة برلمان الطفل؟ وانطلاقه كأول برلمان للطفل في العراق هل قدم للطفولة شيئا يذكر؟

ج/ برلمان الطفل العراقي هدفه تطبيق اتفاقية حقوق الطفل الدولية وبناء الإنسان العراقي الذي عاش طويلا بين مطارق الحروب وسندان الحصار وهو أول تجربة في العراق تأسس يوم 25 آب 2004 وهو رابع تجربة في الوطن العربي قدم للطفولة أشياء مثمرة من خلال معرفة حقوقهم ونبذهم العنف وزرع قيم التسامح والسلام والمحبة وبناء الوعي من خلال محاضرات التنمية البشرية .

 

• ما هو تقييمك لواقع الأدب العراقي بصورة عامة وواقع أدب الأطفال بصورة خاصة؟

ج/ لا توجد عندي رغبة في تقييم الواقع الأدبي ولو افترضنا أن يكون لي رأي أقول : أن الواقع الأدبي بخير على الرغم من التحديات الصعبة جدا... لكنه يحتاج إلى وقفة جادة من البرلمان العراقي لتشريع قانون ينصف الأدب العراقي بشكل عام وبعض شرائح الأدباء بشكل خاص. أما أدب الأطفال فانه يحتاج إلى عناية أكثر لغياب التخصص به كون الأغلبية يتصور وللأسف الشديد أن أدب الطفل بسيط وسهل والعكس هو الصحيح .

 

• ما الذي ينقص المؤسسات الثقافية في العراق لتكون فاعلة ومؤثرة؟

ج/ على المؤسسات الثقافية أن تخلع رداءها السياسي والحزبي الضيق لتحلق في فضاءات الإبداع لان بعض مؤسسات المجتمع المدني المستقلة حققت ما عجزت عنه وزارة الثقافة. هذه حقيقة يجب أن تصل إلى أسماع معالي وزير الثقافة .

• قمت بتأسيس  دار القصة العراقية..ماذا قدمت الدار للقاص العراقي؟

ج/ أسست (دار القصة العراقية) و(برلمان الطفل العراقي) و(جائزة العنقاء الذهبية الدولية) و(مهرجان الهّربان السينمائي الدولي المتجول) و(الجمعية العراقية للتسامح واللاعنف) و(مؤتمر القمة الثقافي العراقي) و(يوم المثقف العراقي ).  وقدمنا ما يمكن أن نحققه لبناء الإنسان العراقي من خلال إرساء قيم التسامح والمحبة والسلام على الرغم من التحديات القاهرة التي واجهت وستبقى تواجه المؤسسات المستقلة من قبل أصحاب القرار .

 

• بعض الأدباء يقول أن جائزة العنقاء الذهبية تفتقر للمعايير الفنية في اختيار الشخصيات المكرمة كيف ترد؟

ج/ نحن نحترم كل وجهات النظر ونتعامل معها بجدية واحترام ولكني أؤمن تماما بمهنية جميع اللجان وإذا يوجد عند حضرتك اسم أو أسماء من (الأدباء الذين قالوا ) أتمنى أن تخبريني عنهم حتى احصل على ملاحظات منهم بشكل خطي لكي تتم مناقشتها بأقرب اجتماع قادم لان اللجان عادة تناقش (الملاحظات المهمة) التي تكتب وليس (الأشياء التي تقال) في المقاهي... لان الأشياء التي تقال في هذه الأمكنة كثيرة وعادة تكون غير مسؤولة وفي نهاية المطاف لم ولن يتبناها أي شخص .

 

• جائزة العنقاء الذهبية الدولية للمرأة المتميزة ...كيف ترى انطلاقتها ومراحلها وانتم من قمتم بتأسيسها بمناسبة يوم المرأة العالمي؟

ج/ للتاريخ أقولها نعم أنا من فرضت هذا النوع من الجائزة وكنت المؤسس لها لأني وجدت ان المكرمين من المبدعين من الرجال أكثر من المبدعات من النساء لهذا اخترنا 8 آذار من كل عام هو اليوم العالمي للمرأة لكي نكرم به نساء مبدعات متميزات بهذه المناسبة بسبب احترامنا الكبير لدور المرأة في المجتمع وأيضا من اجل أن يكون توازن في منح جوائز العنقاء بكل أصنافها الـ(12) جائزة العنقاء للتسامح / جائزة قلادة العنقاء/ جائزة ميدالية العنقاء/ جائزة تاج العنقاء/ وسام العنقاء للإبداع الخالد/ وسام العنقاء للسلام و...و...الخ  بشكل متساو للرجل والمرأة معا .

 

• لنتكلم عنك كأديب ما هي ابرز الجوائز التي حصدتها كأديب جنوبي؟

ج/ أفضل الجوائز التي حصدتها بشكل اعتباري هو (حب الناس) لي و(احترامهم لجهودي الثقافية والإنسانية) أما لو تحدثنا عن الجوائز التي منحت لي بشكلها المعتاد هي (وسام الثقافة العراقية) من مؤسسة سومر للعلوم والآداب والفنون في هولندا ووجائزة دائرة السينما والمسرح من وزارة الثقافة كوني (مؤسس مؤتمر القمة الثقافي العراقي) و(جائزة الدفاع عن الطفولة) من هيئة رعاية الطفولة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية كوني مؤسس برلمان الطفل العراقي و(وسام سفير ثقافة وحقوق الطفل)، وهنالك بعض الجوائز التي منحت لي لم ولن اذكرها كونها منحت لي من خلال المجاملات لهذا لا تشكل عندي أي قيمة.

 

• منحت ذات مرة لقب سفير شعبي لثقافة وحقوق الطفل...ما الذي قدمته لحقوق الطفل في ميسان على الأقل؟

ج/ منحت هذا اللقب كوني أسست برلمان الطفل العراقي وعملي الجاد في مكافحة العنف ضد الأطفال في المدرسة والبيت والمجتمع.

 

• حدثنا بإختصار عن المجاميع الأدبية الصادرة وعناوينها؟

ج/ صدر لي (4) مجاميع قصصية هي (و.أ في 98) و( موت المؤلف) و(ساعة الصفر) و( للنهر مرايا مهشمة) واغلب قصصي تحدثت عن إدانة الحروب وإرساء السلام والمحبة والتسامح كون الإنسان خليفة الله على الأرض ومهمته الأساس هي زرع القيم الإنسانية النبيلة بين الناس ليعم الأمان.

 

• تم اختيارك ممثلا للعراق في لجنة حقوق الطفل في (جنيف)  كيف كان المؤتمر هناك وماذا استطاع المؤتمر ان يقدم لطفولة العراق؟

ج/ في الحقيقة هو ليس مؤتمر بل كان تمثيلا للعراق في اتفاقية حقوق الطفل الدولية لفترة 4 سنوات اعتذرت عن قبول الترشيح لان وقتها كان عندي ظرف عائلي خاص منعني من الذهاب وأكيد الذي ذهب بدلا عني كان بمستوى المسؤولية وأكن له المحبة والاحترام .

 

• ما هو تعليقك على مشاركتك في مؤتمر التأسيس لبرلمان الطفل العربي المقام من قبل الجامعة العربية؟ وهل ترون خطواته جادة من اجل بناء الطفل العربي بصورة سليمة وناجعة؟

ج/ مشاركتي مع (4) أطفال من العراق في هذا المؤتمر التأسيسي لبرلمان العربي للأطفال عام 2011 كان مهما جدا حيث شارك العراق و(12) دولة عربية لتأسيس هذا البرلمان المهم وتم اختياري ضمن أفضل (4) خبراء في البرلمان العربي للأطفال وقمنا بإدارة الجلسات لمدة يومين وهذا الأمر أسعدني كون العراق يبقى دائما يحمل علامات التميز في كل مجالات الحياة في الداخل والخارج .

 

• لديكم كتاب بعنوان (برلمان الطفل العراقي )  كلمني عنه؟

ج/ هذا الكتاب تمت طباعته (6) مرات وتم توزيعه للأطفال والمدارس من اجل إعمام الفائدة وهو يحتوي في مضمونه على اتفاقية حقوق الطفل الدولية ونشاطات برلمان الطفل العراقي والنظام الداخلي لبرلمان الطفل .

 

• كلمة الختام اتركها لك أستاذ محمد لتعبر بكلمات قصيرة عن رسالتك في الأدب وحقوق الطفل وفي الحياة؟

ج/ لا اعتقد أن ما أقوله سيكون ابلغ من الأفعال التي حققتها من عام 1982 والى الآن سواء في مجال الأدب أو في مجال حقوق الإنسان بشكل عام وحقوق الطفل بشكل خاص وإرساء قيم التسامح والذي يعرفني يعلم تماما ما قدمته وما سأقدمه حاليا ومستقبلا .إنها رسالتي الإنسانية والثقافية التي اعشقها حد الموت.

 

حاورته/ نور الطائي (بغداد) ايلول 2016

 

احمد شيخاوي يحاور: الشاعرة أحلام الحسن.. عندما تعزف القصيدة لحن الحياة

ahmad alshekhawiنحن في ضيافة شاعرة من طراز رفيع، قلّ نظيرها في زمن الغوغاء وهستيريا استسهال الممارسة الشعرية تحديدا . نقولها بحياد تام ودون محاباة أو اصطفاف.

قامة معها يعبق أريج الحرف متدليا من عوالم الانتماء للقصيدة ولا شيء عداها . للنصّ في حبله السرّي وصلته بثلاثية صياغة البوح تأوها بمكبوت الذات، و تفجيرا للحمولة في توليفة نادرة تحشد الوجداني والعرفاني والوجودي تزامنا.

نرحب بالشاعرة البحرينية الدكتورة أحلام الحسن الإنسانة والصوت القوي الصدّاح الذي استطاع أن ينقش له وباسم نون النسوة، هلامية واستثناء في مشهد الشعرية العربية الحديثة وأن يحصد جوائز عدة و يحضى بالصدى الطيب والمنزلة الخاصة لدى عموم الأوساط الثقافية.

 

*بداية، هل لأحلام الحسن أن تقرّبنا من تجربتها أكثر؟ بداياتك؟ الرموز التي سجلّت انطباعا فردوسيا في بياض ذاكرتك وأثرت فيما بعد على كتاباتك ؟ كم ديوانا أصدرت لحد الآن؟

- أوًلًا أتقدّم بالشّكر الجزيل لك أستاذ أحمد على ما تبذله من جهود مضنية لمواكبة صيرورة الحركة الأدبية العربية، محاولا التنقيب دون بكد ومن غير كلل، عن المواهب الجديدة الحقيقية، وإبراز أدبياتها وقيمة ما تنتجه فنيا ومعرفيا، عبر ما تجريه من مقارباتٍ وحواراتٍ تؤخذ بعين الاعتبار والأهمية لدى كلّ متعطّش للأدب العربي، من خلال ما يُكتب فيه من أصناف الشّعر الموزون بنوعيه، إضافةً إلى الشّعر الحرّ الجميل، والقطع النثرية الرائعة.

أمّا بالنسبة للشق الثاني من السؤال فقد كانت أولى تجاربي وأنا في مستهل العاشرة من عمري كتبتها في حبّ أمّي وتوالت كتاباتي وعرضها على مدرساتي بالمدرسة وكان التشجيع دائما حليفي إضافةً إلى الإعجاب .. واصلت رحلتي مع كتابة الشّعر النثري والمرسل حيث إنّي كنت صغيرة لم أعرف ما هي البحور الخليلية .. كانت أكثر قصائدي عرفانية واجتماعية ولم أتطرق خلال هذه السنوات لكتابة القصائد العاطفة .. حتى وفقني اللّه لدراسة علم الكتابة العروضية والبحور الخليلية على يد الدكتور محمود مدن طيلة أربع سنواتٍ متواصلة وحيث إنّي وللّه الفضل والمنّة ممن يجيد علم الصّرف والنّحو بدقّة ساهم هذا في دعم ذاك فانطلقت بقصائدي المتنوعة.

أمّا بالنسبة للشّق الثالث من السّؤال نعم هناك من تأثرت بكتاباتهم وقصائدهم مثل أبي فراس الحمداني ..عنترة من القدامى ..أمّا من المعاصرين فهناك الكثير لا يسعني ذكرهم كلهم وسأكتفي بالبعض الذي له التأثير الأكبر كالشاعر العملاق كامل الشناوي وإبراهيم ناجي وأحمد شوقي ونزار قباني وخليل مطران وغيرهم ممن أثروا الأدب العربي بقصائدهم الرائعة فهم لنا مدارس نقتفي أثرها.

للّه الحمد والمنّة لي خمسة دواوين منها مطبوع ومنها ما ينتظر دوره للطباعة حيث انشغلت في السنتين الأخيرتين بالدراسة.

 

*هل تجدين نفسك في كتابة القصيدة العمودية فوق غريمتهيا التفعيلية والمنثورة؟ أم أنك تؤثرين تدبيج القول الشعري بالفعل الإبداعي العابر لشتى هذه الأجناس و التمظهرات؟

- لا أرى بأنّ شعر التفعيلة غريمًا للشّعر العمودي فذاك من هذا .. ومن رأي بأنّ الشّاعر المعاصر عليه أن يجيد كافة أنواع الشّعر ولا يقتصر على العمودي والتفعيلة فقط ولا على الشعر الحر وقصيدة النثر فقط .. بل ينطلق ليعبر فما الشّعر إلّا المشاعر لكن ضمن الإبداع بشروط القصيدة العمودية وبشروط الشّعر الحرّ .. وبشروط قصيدة النّثر وإلاّ ضاع الأدب وأصبحت القصائد مجرد خربشاتٍ أو خواطر.

 

*هل تؤمن شاعرتنا بجدلية الأب الروحي وعقدة الابن في الحقل الأدبي إجمالا؟

- أنا شخصيا لا أؤمن بفكرة الأب الروحي بل بفكرة الاقتفاء لشتى الشخصيات الأدبية البارعة في الشّعر والاستفادة من خبراتهم ومدارسهم المتنوعة والمتضادة أيضا، وهذا ما طبقته في دراسة مدارس الشّعر والبحث والتنقيب عنها وعن ما تعارض وما تجانس وما تقارب منها .. فألفت مؤلفي الذي لم يطبع بعد (كيف أعدّ نفسي لكتابة الشعر) ولي فيه أكثر من عشرين حلقة تعليمية في الشبكة العنكبوتية.

 

*إذا ما تأملنا ألفيتنا أو قرن الجنون مثلما يحلو للبعض تسميتها، خلصنا إلى ما يفيد تصدع الهوية ويفصح عن شرخها الصارخ، مع رفع كلفة تأطير هذا المفهوم إيديولوجيا أو حتى ثقافيا تجنبا لأي انزلاق قد يقود إلى متاهات نحن في غنى عنها الآن . إلى أي حد أفلحت شعرية ما بعد الحداثة في مواجهة الفكر الشاذ وأصابت حظّا بشأن تقنين التعاطي مع الظاهرة باعتبارها عصب قضايا الأمة ؟

 - سؤالٌ وجيهٌ جدا وقبل الإجابة عليه علينا أن نقرَّ بأنّ الأدب العربي قد تصدّع أيّما تصدّعٍ في زمننا هذا فالكثير يكتب ما يحلو له من كتاباتٍ تخلو من الدّقة الأدبية، ومن سلامة النّحو والصرف، فضلا عن إتقان الشّعر ويسميها شعرا !! والوعي الأدبي للمسميات الأدبية غير واضح وبات عدم التمييز بين الشّاعر والناثر منتشرا جدا للأسف في ألفيتنا .. هذا من جهة ومن جهةٍ أخرى وهي الأهم أن البعض يحاول اكتساب الشهرة والجمهرة من خلال كتاباته الواضحة جدا والمثيرة للغرائز البشرية، وكان النصيب الأوفر من هذا الترهل الأخلاقي للأسف لبعض النسوة اللاتي يدّعين كتابة الشّعر !! .. بينما لدينا العشرات من الشاعرات المتمكنات من الشّعر والحاملات عبء رسالتهن الأدبية بكلّ عزيمةٍ وتفاني ودونما اللجوء إلى مثل تلك التجاوزات اللا أخلاقية.

 

*إبداعيا، هل لشاعرتنا شجرة نسب؟

- نعم هنالك في عائلة أمّي بعض الشعراء الأفاضل منهم من كتب الفصيح ومنهم من كتب العامي.

 

 *رسالة تودين توجيهها لمن يحلمون بأن يصيروا شعراء بحقّ لهم حضورهم الوازن في الساحة؟

- بالتأكيد هنالك رسالة أرغب بتوجيهها وهي تتلخص في عدة نقاط : أولا عليهم إجادة اللغة العربية جيدا من صرف ونحو وإملاء وما إلى ذلك . هذه قاعدة لأي كاتب أيّا كانت كتاباته شعرا نثرا قصصا مقالا كلها العمود الأساسي واللبنة الأولى في بناء لغة ناضجة ومكتملة وسليمة وخالية من الفجاجة والركاكة والعيوب .. أما لمن يحاولون دراسة البحور الخليلية عليهم التحلّي بالصبر والمثابرة، فعلم البحور الخليلية علمٌ كأيّ علمٍ به من الصعوبات قدر ما يحمل من الجمال، لذا ليس ثمة بد من تخطّي تلك الصعوبات بغية الوصول إلى مرحلة أو مستوى تقديم الإبداع على نحو لا يخلو من جماليات، بشأن هذا العلم.

 

*كلمة أخيرة.

 - أشكرك أستاذ أحمد مجددا على سائر هذه الجهود التي تبذلها وفي نيتك قلقلة ودفع عجلة الأدب العربي نحو الأمام، تحركك هواجس نفض الغبار عن المواهب وتعريتها حيثما تواجدت، وعلى امتداد الخارطة الإبداعية العربية، بل وتجاوزا إلى ديار المهجر، فجازاك اللّه عنّا خيرًا وعمّن لا يألون جهدا أو يذخرون طاقة في سبيل خدمة لغة الضاد.

 

أحمد الشيخاوي - كاتب مغربي

 

 

رشيد العالم يحاور: شرين خاكان أوَّل إمَامَة مَسْجد بكوبنهَاكن بـالدانمَارْك

alim2تعتبر (شيرين خاكان) مِن مواليد مدينة كوبنهاغن بـ(الدانمارك) سنة 1974 من أب سوري مسلم وأم فلندية مسيحية. درست اللغة العربية بدمشق والقاهرة، وحصلت على الماجستير من جامعة كوبنهاكن في الفلسفة وعلوم الدين والاجتماع، ولهَا ثلاثُ كتب إسلاميَّة. وهي متخصصة في الدراسات الإسلامية المعاصرة والتصوف بالمشرق العربي، وتعد أولُ إمامَة مسجد، وأول امرأة أسَّسَت منظمة (فيم-إمام)-( (Fimimanللدافع عن حق المرأة في الإمَامة في الصَّلاة، وفق مبدأ المسَاواة بين الرجُل والمَرأة، وذلك من أجل نشر إسلام حَدَاثي تقدمي يُسَايرُ العَصر ولا يتناقض مع مبادئ الدول الأوروبيَّة، كما تعد (شيرين خاكان) مُتخصصة في علم الاجتمَاع وعلم مقارنة الأديان، ومرشحة سابق للبرلمان الدنمركي، ولها منشورات ومقالات في الصحافة الدنمركية والدولية.

 

- كيف تنظرين إلى إمامة المرأة في السياق المعاصر؟

-إن العصر الحالي يختلف عن العصور السابقة، فكل شيء في تغير وتطور دائم، والأيديولوجيَّات والأديان ليست بمنأى عن هَذا التطور، بل إنه من الضروري أن نعمَل على إعادة قراءة الدين الإسلامي وفق منظور جَديد، منظور يعيد للمرأة كرَامتهَا ويضمَنُ لها حريتها، وفق مبدأ المساواة مع الرجل، فالذكورية والأبوية كانت طاغية على كل القرَاءاتِ الدينية والتفسيرية والفقهية والتأويلية والاجتهادية، وبالتي سيطرت على الحقل الديني والإرشادي فأنتجت لنا فكرًا دينيا ذكوريًا يقصِي المَرأة ولا يعترف بحقها واستقلاليتها، بل إنَّ بعض المَواضيع التي تهمُّ المَرأة، يتم الاجتهادُ فيهَا من طرف رجَال الدين دون اللجُوء إلى النساء، والأخذ بآرائهم وبالتالي وَجَب تأسيس قراءة معاصرة تنخرط فيهَا النساء، وهو ما تم بالفعل وهو ما نناضلُ من أجلهِ وهَذا هُوَ هَدفنا.

 

- ما هي الخدمات التي يقدمها (مسجد مريم) الذي أسسته والذي تعملين به كإمامة وخطيبة تلقين الدروس كل يوم جمعة؟

 - المسجد الذي أؤمه ليس مجرد مسجد فقط وإنما هو يقدم مَجموعَة من الخدمات، فهناك الكثير من النساء اللواتي يتوافدن على المسجد من أجل أداء الصلوات الخمس، و يقارب عددهن ما بين 60 و 80 مصلية، ويمكن للنساء أن يحضرنَ إلى المسجد، حتى اللواتي ليسُوا بمسلمات، وذلك من أجل تعريفهنَّ بدِين الإسلام وقيم التعَايش والتسامح والمحبَّة التي يدعُوا إليها، فكثير من النساء يتوافدن ويحضرن ليستمعن إلى خطبة الجُمُعة، وليتدارسن القرآن والتفسير..

وعلى غرار الصَّلوات الخمس، يقدِّمُ (مسجد مريم) خدمات مَجانية في  مَسألة عقد القران، وجَولات وزيارات ومُحَاضرات في المَسَاجد وتنظيم مراسم لزواج المسلمين، والنظر في أمور الطلاق ومسألة اعتناق الدين الإسلامي، كما تخصص فيه دُروسٌ فِي اللغة العربية، ودُروس في الدين والعقيدة الإسلامية والتصَّوف، كما تنظم مُحَاضرَاتٌ يشرف عليها عُلمَاء ومفكرين.

 

ما هي الأهداف التي تتوخين بلوغها من خلال هذا النموذج النسوي الذي أسست من خلال الإطارات والمنظمات المتعددة التي أنت عضو فاعلة بها؟

- من بين الأهداف التي نركز عليها هي دَعوَة النسَاء إلى المساجد. فمن المعلوم أن الإسلام في الغرب يُعَاني من قضية التسييس والشيطنة الإعلامية والمسلون أيضًا يعانون من تهمة الإرهاب والإسلاموفوبيا.. والنساء المسلمات بأوروبا لا يرتادون على المَساجد بشكل مكثف إلا يوم الجمعة، باعتباره فريضة فرضهَا الله سبحانه، ومن هناك جاءت هذه الفكرة، فكرة تخصيص أماكن خاصة للناس حيث يمَارسْن الصلوات الخمس، وهذا الأمر لا يناقض الإسلام كما يعتقد بالبَعض، بل في المقابل هو نشر للإسلام وحَث للنساء على المَجيء إلى بيوت الله من أجل أداء الشعائر التعبدية، ويستند مسجد مريم على العدالة الاجتماعية والعبودية والمعرفة وخدمة الإسلام والعمل على نشره، لا على خلق تمييز وفروقات بين الرجال والنساء، وإنما رد اعتبار لهذه المرأة التي عانت منذ قرون عديدة من الإقصاء بالاسم الدين، وعدم السماح لها بالانخراط في هموم المجتمع والأمة باسم الدين، والدين بريء من هذه التأويلات الأبوية  والمحتقرة للمرأة، براءة الذئب من ذم يعقوب ومن بين أهدافنا أيضا:

alim

 تشجيع القيم الإسلامية التقدمية.

 الدعوة إلى إشراك المرأة تعمل كإمامة وخطيبة داخل وخارج الدنمارك.

 العمل على القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة المسلمة.

 تحدي الإسلاموفوبيا المتزايدة في الدنمارك وأوروبا.

 تحدي الهياكل السلطة الأبوية في قيادة العبادة والتعليم والتوجيه.

 تحدي احتكار الرجال على تفسير القرآن، والاجتهاد الفقهي.

 تنظيم الحلقات الدراسية وتقديم الرعاية الروحية.

 تعريف الأجانب بالإسلام الحقيقي في ظل انتشار المد الوهابي و الإسلام المتشدد.

 

- ألا ترين أن أمر إمامة المرأة ليس من السهل تقبله خاصة عند الدول العربية، هل الأمر كذلك بالنسبة لأوروبا؟

- لا بالعكس، بعض الدول العربية بدأت تشهدت صحوة دينية وفقهية، وقد برَزَت ناشطات و نساء دين ومفكرات وعالمات، وبرزت تيارات نسوية من أجل تمكين المرأة في الشرق الأوسط. ففي عام 1923 بدأت أولى الحركات النسوية التي أسستها (هدى شعراوي) تحت اسم (الاتحاد النسائي المصري) عام 1923،  وقد ألهمت الحركات النسوية المصرية جيلا جديدًا في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. مثل عاَلمة الاجتماع المغربية والكاتبة (فاطمة المرنيسي) (1940-2015) التي أسست النموذج النسوي الإسلامي الجديد سنة 1980 جنبا إلى جنب مع (أمينة ودود) و عالمات بَارزَات.

وفي المقابل هناك صحوة أخرى بأمريكا شهدَت بُرُوز مساجد تؤمها نساء، كإحدى المَسَاجد في (لوس انجليس) الذي تؤمه امرأة، وقد حظيت هذه المبادرة بدعم من قبل الجاليات الإسلامية الكبرى ومجلس الأئمة في (لوس أنجلس). وفي (برادفورد) أيضا، وكذلك في (انجلترا) و(الصين) و(ماليزيا).. وغيرها،

 والمغرب أيضاً يتبنى هذا الانفتاح الديني على المرأة والعمل على تحريرها من الهيمنة الذكورية في كل القطاعات وذلك من خلال برنامج تكوين المرشدات الدينيَّات، وفي بعض الأحيان نرى أن المرأة تخطب أمَام الملك، الذي يعتبر أميرًا للمؤمنين بالمغرب، وهذه تعد قفزة نوعية وعلى الدول العربية أن تستفيد من النموذج المَغربي في إدماج المرأة في الحَقل الديني وإن كان نسبيا مقارنة مع الطفرة التي شهدتها دول آسيا وشرق أوروبا في هذا الميدان.

 

- هل هناك ما يشرعن إمامة المرأة في الإسلام؟

- علينا أولا أن نؤكد عَلى أمر مُهم، أن القراءات الذكورية للقرآن والسنة، أنجبت لنا تأويلات ذكورية لا تعترف بدَور المَرأة، بل في المقابل، تمعن في إقصاء المرأة ووصفها بأنها ناقصة عقل ودين، ولو كان يسمح للمرأة بتفسير القرآن إلى جانب الرجال لكان الأمر مختلفا تمامًا، وبالتالي فنحن في حَاجَةٍ ملحَّة لإعادة قراءة التراث الديني الإسلامي على ضوء الاجتهاد الذي يأخذ بعين الاعتبار دور المرأة الذي يؤكد عليه القرآن الكريم، فالقرآن الكريم يعامل المرأة على قدم المساواة مع الرجل. غير أن التأويلات التي كانت حكرًا على الرجال والمفسرين جعلت المرأة تعاني من الإقصاء والتهميش. 

فجواز إمامة المرأة للنساء قالت به: عائشة (رضي الله عنها) ، وقال له (ابن عمر) و(ابن عباس) و(أم سلمة) و(عطاء)  و(سفيان الثوري) و( الأوزاعي) و(الشافعي)  و(اسحاق) و(أبو ثور)...

وقد روي عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء وسطهن، وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن عائشة رضي الله عنها كانت تؤم النساء في شهر رمضان.

وأما عن إمامة الرجل للمرأة فقال بجَوازها، (أبو ثور) و(المزني)  و(الطبري).. قالوا بأنه يجوز للمرأة أن تؤم الرجال، والحجة لهم أن أم ورقة بنت عبد الرحمن بن الحارث قالت: [إن رسول الله جعل مؤذناً يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها] غير أن الأمر يبقى خلافا فقهيا بين العلماء، فهناك من يؤيد إمامة المرأة وهناك من يعارضها.

 

الحوار مترجم من اللغة الانجليزية إلى العَربّية

 

حَاورَهَا: الكاتب رَشيد العَالم

 

شمس الدين العوني: بعد 8 سنوات على رحيله: حديث نادر مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش

1060-auni- على العرب أن يفكروا بشكل أعمق في أزمتهم....

- القضية الفلسطينية هي مهمة شعرية بالدرجة الأولى..

- ادوارد سعيد ليس معروفا لدى الكثيرين من العرب بماهيته الحقيقية..

- المتنبي أسس بالشعر سلطة أدبية معادلة أو متجاوزة للسلطة السياسية..                                                        

- سقوط بغداد كان مشهدا جميلا في عيون الذين فقدوا ضمائرهم..

- الحاضر العربي لا يسمح لنا برؤية امكانية امل قريب على المستوى المرئي..

نحن نستهلك التلفزيون والكمبيوتر ولكننا لا نساهم في الانتاج، اي انسان لا يساهم في الانتاج سيبقى مستهلكا

كان الحدث الثقافي في تونس خلال مهرجان قرطاج الدولي لصائفة (2005)، حضور الشاعر محمود درويش لاقامة أمسية شعرية بفضاء الأكروبوليوم الذي تخيرته ادارة المهرجان للشعر، هذه الأمسية الشعرية حضرها جمهور الشعر في تونس يتقدمه الفنان مرسال خليفة ورؤوف بن عمر مدير المهرجان آنذاك ووزير الثقافة والمحافظة على التراث محمد العزيز بن عاشور... الأمسية ازدادت أهميتها بصدور كتاب دراسي حول تجربة درويش أراده التونسيون هدية الى ضيفهم الذي فرح بها.... بعد هذه الأمسية الحاشدة أخذنا شاعرنا في رحلة من الأسئلة ضمن هذا الحوار الذي ننفرد باعادة نشره..

مرة أخر تعود  لتونس لتقرأ شعرك.. كيف تقبلت هذا الحضور الاستثنائي من قبل جمهور الشعر؟

ـ أهم شيء أحدثته الزيارة هو تعميق احساسي بأن الشعر ـ بالفعل ـ لم يصبح هامشيا، قراء الشعر في تونس يمثلون قاعدة عريضة وهذا شيء مفاجئ حقيقة، فالاقبال على الشعر والتفاعل مع الحساسية الفردية والجمعية (معا) يدلان على انه غير صحيح، هذا الزعم بأن الشعر العربي يعيش في عزلة كما يدعي بعضهم او كما يخشى الكثير من النقاد والشعراء، فهو موجود في نسيج التكوين الاجتماعي للمجتمع التونسي وهذا فعلا شجعني على ان اجدد ايماني بجدوى العملية الشعرية وبامكانية تطويرها لقد اعادوا هنا تشكيل الوعي بمسؤولية الشاعر تجاه شعره وقراءة شعره ايضا فأستطيع أن أقول انني فوجئت بأن الشعر والشاعر مازالا حيين على مستوى المجموع، طبعا هناك افراد ونخبة محبة للشعر ولكن القاعدة  كانت عريضة والنخبة واسعة وليست ضيقة انا مدين للشعب التونسي بتجديد ثقتي بشعري وبنفسي وبالشعر بشكل عام.

 

 الرحلة  الطويلة.. ومحمود درويش.. كيف تنظر الى ذلك من خلال نصف استدارة الى الخلف؟

ـ أنظر بكثير من القلق، فأنا لست مطمئنا الى صواب هذه المسيرة  بالمعنى الجمالي وواثق من صوابها بمعنى التزامها بقضية الحرية والانسان ـ بالمعنى الواسع لكلمة الالتزام ـ واستجابتها لمتطلبات لحظات تاريخية شديدة التأثير، بهذا المعنى ربطت شعري منذ البداية بالتعبير عن ذاتي الخاصة وعن ذات جماعية ولكن المراجعة تتم على المستوى الجمالي اكثر من المستوى الفكري.

المستوى الجمالي يستحق التطوير والنقد والانقلاب على اسلوبية كانت تبدو لي ملائمة ولكن هذه الاسلوبية محتاجة الى تغيير لان الحساسية الشعرية في تغيير دائم وسرعة ايقاع العصر لا تترك الشاعر ينجو منها بسهولة ويجب الانتباه الى تغير الاذواق وتغير الشاعر نفسه فانا لم اجلس واقرر الاستجابة للتغيرات، انا بنفسي تغيرت، وعيي الشعري تغير وليس بمعنى الارتداد على النفس بل اني اتطور ولي حرص قوي على تخليص شعري مما هو  ليس بالشعر اي عدم ربطه بما هو احداث الراهن على الشاعر ان يكون ماكرا اكثر  في رؤيته للتطورات التاريخية وللزمن وان يعرف كيف يسكن القصيدة امكانية حياة في ظرف تاريخي اخر كما ان للقراءة تاريخيتها وامكانية ان تؤول بطريقة مختلفة في لحظة تاريخية مختلفة كذلك النص الشعري يجب ان يكون حريصا  كل الحرص على ان يحمل في ذاته تجاوزا لزمن الكتابة الى زمن قراءة مختلف اي ان يحمل حياة اخرى للنص الشعري بمعنى ان يكون يملك ذكاء الاستقلال النسبي عن  شرط كتابته انا شديد الانتباه لهذه المسألة والى الالتفات الى صوت الذات صوت الانا وليس بمعنى الانا الضيقة فالانا تحتوي في داخلها اكثر من انا فهي تتشظى وتصبح كاتبة للتاريخ، بهذا المعنى على الشعر ان ينطلق في اصغاء دقيق للانا في تفاعلها مع الانوات الاخرى وهنا يكمن حرصي على الانتباه الى الجوانب  الانسانية في الحياة الفلسطينية وليس فقط لجانب القضية، علينا ان نعلن ان الفلسطيني ليس مهنة، اولا هو كائن بشري وهوية وطنية وقومية وهو صاحب مشروع في التحرر والحرية ولكن اولا واخيرا هو انسان واهداف اي حركة او ثورة هي مساعدة الانسان في ان يتغلب على ظروف قاسية تحرمه من التعبير عن انسانيته لما فيها من انتباه لما يحمل الانسان من هموم صغيرة وجودية واحيانا ميتافيزيقية وعاطفية.

 القضية الفلسطينية هي مهمة شعرية بالدرجة الاولى ويجب ان تخفف من النظرة الى الفلسطيني كحالة نمطية مطالبة بكتابة شيء محدد سلفا مطارد بالموت وبالاستشهاد الدائم يجب الانتباه الى ان له حياة اخرى فهو يفرح بتفتح الزهور الاولى في الربيع المبكر يفرح بالحب وبجماليات الحياة وهذا يعني ان الاحتلال لم ينجح في كسر روحه الانسانية المتفتحة على روح الحياة هذا شاغلي الكبير وهذا الذي يجعل الشعر منطقة تقاطع بين كل الهويات ويتجاوز اطاره الوطني الى اطار انساني اوسع والشعر ليس وطنيا الا عند التعبير عن جغرافيا معينة او قضية محددة لكن الشعر اوسع في مجمله فهو صوت وايقاع الاسئلة الاولى في الحياة وللانسان حول وجوده وكيانه وهو  رحلة متشابكة من الثقافات والحضارات ومن هنا يتحول الى ما نسميه بالشعر الانساني هذا الشعر هو مجموع تجارب لشعوب مختلفة ويجب أن نكون شركاء  في التعبير عن الجانب الانساني من ادبنا وليس فقط ان نكون محاصرين بنمطية كتابية واحدة.

 

 ادوارد سعيد.. الفكرة.. القضية والعلاقة؟

تعرفت على ادوارد سعيد في تشرين الثاني (نوفمبر) 1974 عندما ذهبت مع المرحوم ياسر عرفات ليلقي خطابه الشهير في الامم المتحدة، هناك قيل لي بوجود نابغة فلسطيني وتعرفت عليه لنصبح منذ ذلك الوقت اصدقاء.

لم تنقطع علاقتنا منذ 1974 حتى وفاة ادوارد سعيد ودون تردد فهو  من مفاخر الامتياز الفلسطيني على المستوى العالمي، هو ليس كما صوره بعض العرب بانه نتاج ثقافة عربية استطاعت ان تجد ندية في حوارها مع الثقافة العالمية، لا ادوارد سعيد هو نتاج الثقافة الغربية واحد كبار نقادها في نفس الوقت وارتباطه بالقضية العربية والفلسطينية هو ارتباط حر بحكم موقعه كمثقف يشعر بالمسؤولية تجاه الضحية لقد كان صوت الضحية الفلسطينية بهذا المعنى، ليس لانه من اصل فلسطيني فلو لم يكن فلسطينيا لاتخذ نفس الموقف بحكم وعيه بدور المثقف النقدي والمثقف الذي لا يرضى بالمركزية الثقافية والهيمنة السياسية الدولية.

ادوارد سعيد ليس معروفا لدى الكثيرين من العرب بماهيته الحقيقية وهو مفكر ادبي كبير وليس معروفا فقط بمقالاته السياسية ودوره في النقد الثقافي وفي تطوير النظرية الادبية الغربية، اساسي ولا يمكن ان تنجو اية كتابة دون ان يكون فيها ا دوارد سعيد احد المراجع في النقد الثقافي بدرجة كبيرة نفخر به لانه يدافع بشكل انتمائي حر ولاختياراته الثقافية الحرة المعبرة عن توتر وانتباه الضمير المثقف لديه وليس لانه من اصل فلسطيني فحسب.

وبهذا كان ادوارد سعيد محاربا على جبهة  صعبة جدا، خصومه كثيرون  ولكنه انتصر بسلاح الفكر لثقافته الموسوعية والتزامه بقضايا العالم الثالث في التحرر وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

 

 يبدو ان العرب قد تموقعوا بين حالتين.. حالة شعرية واخرى تنبئ بالهامش.. رأيك؟

الحاضر العربي لا يسمح لنا برؤية امكانية امل قريب على المستوى المرئي واذا نظرنا  الى المستوى القريب والمستقبل من منظور  الحاضر والملموس فالصورة سوداء وبخاصة اننا منذ وعي جيلنا بالحياة وبالعالم نعتقد بهذه الاحوال السيئة ولكن هذا السوء يتطور باستمرار ونجد حالنا فيه ومن المؤكد في تاريخ جيلنا ا ن كل امس كان افضل من اليوم، فمنذ نكبة 1948 وغيرها الى تدمير واحتلال العراق واعادة احتلال فلسطين عدة مرات وتشتت الوعي العربي وعدم وجود مصطلح واحد يجمع العرب في مفهوم واحد، نجد هذا الوضع الصعب فنحن ننقسم بين عبادة الماضي وتيار آخر وهو عبادة امريكا اي ان من لا يعبد الامريكان لا مكان له على المنصة، طبعا التاريخ لا يتجمد ولا يصل الى اية نهاية، لا نهاية للتاريخ، بل الأمر يتوقف على مدى وعي العرب بمشكلاتهم ومتى حصل وعي العرب بهزيمتهم وانتبهوا الى قدراتهم الكامنة والتي لم يستعملوها واهم شيء كيف يقاربون الحداثة اي كيف نخرج من النظر الى الحلول في الاجابة عن الاسئلة الحالية والقادمة على انها موجودة في النصوص القديمة، ونذهب للبحث عن نصوص جديدة وكيف ننظر الى المستقبل من خلال ان نكون منتجين في الحضارة والثقافة  الانسانيتين وليس فقط ان نكون مستهلكين، اي ان نأخذ المنتج الغربي ونتخلى عن منظومة الفكر التي انتجت هذا المنتج يعني ان الحضارة الغربية لم تتطور الا من خلال منظومة افكار وقيم محددة انتجت هذا التفوق الحضاري نحن نستهلك التلفزيون والكمبيوتر ولكننا لا نساهم في الانتاج، اي انسان لا يساهم في الانتاج سيبقى مستهلكا لذلك على العرب ان يفكروا بشكل اعمق في ازمتهم دون ان يكون الماضي هو المرجع فنسبة المتعلمين والنخبة بدأت تتوسع في العالم العربي والعولمة كشفت عوراتنا فلم يعد النظام العربي يستطيع ان  يمارس ما كان يمارسه في الخفاء فنحن نستفيد ولن ينجو احد من العولمة وشتمها لا يحل المشكلة فيجب ان نشارك في الانتاج الى حد ما نستطيع واعتقد اننا لن ننجو من اثر ما يحدث في العالم فنحن لسنا  مشاركين فيه ولكننا معاصرون له، الهوة صعبة ولا يمكن للارادة ان تبقى الى هذا الحد مهانة، العرب محتاجون الى وعي وارادة جديدين ولكن في اللحظة الحالية لا نجد وصفا لهذا الوضع فكل واحد يعمل على تعميق اقليميته والحل الوحيد عنده هو ارضاء امريكا ولا طريق لارضائها الا بالعبور عبر بلاده، فهذا اصبح المقدس السياسي العربي الرسمي الحالي.

الشاعر لن  يبقى متفرجا مهما كانت اداة القمع القوية لدى السلطة هناك تغييرات ستحدث رغم الادعاء الامريكي بالديمقراطية وغيرها حتى وان كانت كذبة، هناك اشياء سوف تحدث لانهم سيتورطون في امتحان صدقية لعبتهم.

 

 كيف احسست لحظة سقوط بغداد؟

سقوط بغداد كان مشهدا جميلا في عيون الذين فقدوا ضمائرهم، هناك العديد من المثقفين الذين صفقوا لذلك ليس هناك اي وصف لهذا الامر اخلاقيا كما لا يمكن ان ننسى ان بغداد لم تسقط فقط بالعدوان الامريكي الذي لا مبرر له اصلا والذي فيه بعد اسرائيلي حيث ان القضاء على القوة الكامنة في العراق قد تهدد في شيء في نظر  الامريكان والاسرائيليين الاسترخاء والهيمنة  الاسرائيليين في المنطقة ومن هذا المنظور كان هناك بعد اسرائيلي في الحرب على العراق.

ولكن النظام السياسي في بغداد ايضا ساهم في اسقاط القلعة من الدخل، فالديكتاتورية لا يمكن ان تكون جوابا على تحدي العدوان الامريكي بهذه القوة، لا نريد ان نحاكم الاشياء اي تلمس صادق قد يوقعنا في تهمة مع بوش ام مع صدام.. مع اني لا مع بوش ولا مع صدام.. ولكن محصلة سقوط بغداد طرحت اشكالا من قدرة الهزيمة العربية على التناسل، وهذا حدث مؤلم تاريخيا وان كان بعض المثقفين قد صفقوا لهذا وصدقوا ان الامريكيين قادمون لكي ينشروا الحرية والديمقراطية على الدبابات، هناك تصديق لهذه المسألة.. لكن لا الامريكان انتصروا حتى الآن ولا العراق، القوة الكامنة هزمت.. هناك الكثير من الضحايا والمقاومة بعضها حقيقي ولكن تدخل فيها اختراقات، فتعريف المقاومة في الدفاع عن نفسها، مسألة تخص المقاومة العراقية، فهنا تختلط، وفي هذه المسألة ـ الجريمة المنظمة والمافيات والمقاومة الصادقة ولكن المقاومة حق مشروع للعراقيين ضد الاحتلال للعراق

 

كتّاب تونسيون  اشتغلوا على تجربتك منهم اليوسفي وبكار وصمود والمزعني والمنصف الوهايبي ورؤوف  الخنيسي ..و العوني و آمال موسى .. و أنت.. كان الكتاب هدية تونس اليك  كيف تقبلت الأمر؟

 

- بصراحة حين دعوني الى تونس قالوا ان  هناك مفاجأة (يضحك) ولم اكن اتصور ان المفاجأة كانت جميلة الى هذا الحد، يعني احسن تحية وهدية تقدم الى الشاعر هي ان يدرس شعره، ان ينقد ... فرحت كثيرا خاصة ان هذا العمل شارك فيه تقريبا معظم الشعراء والكتاب في تونس وكانوا كرماء واعطوني اكثر مما استحق من تشجيع ولا شيء يفرح الشاعر  اكثر من ان يجد اهتماما ما سواء كان ايجابيا ام سلبيا ويحس ان كلامه ليس صرخة في واد بل يجد استقبالا له واهتماما به.

اعتبر هذا الكتاب تكريما يفيض عن حاجتي وهو تكريم من اخوة الى شخص اصبحوا يعتبرونه واحدا منهم.

 

المتنبي.. هذا الزمن.. وسر الفتنة والافتتان الدرويشي معه وبه؟

- اعتقد ان اي قارئ للشعر العربي يصاب بالافتتان الذي اصبت به لقوته  الشعرية وقدرته على ان يكون عابرا للزمن فنحن نريد ان نجد وصفا لحالتنا في كل لحظة، ولا نجد اصدق من المتنبي في وصف حالتنا الراهنة، قدرته في انه يحمل تعبيرا عن المستقبل وان تسبق وتخترق اللغة عنده حاضرها وتأتي هذا الحاضر من المستقبل هذه عظمة لا يتمتع بها كثير من الشعراء.

المتنبي اسس بالشعر سلطة ادبية معادلة او متجاوزة للسلطة السياسية  في الزمن الذي عاشه، نحن لا تعنينا كثيرا اخبار بني حمدان ولكن الشيء الذي يثير دهشتنا هو لماذا لم يكتف المتنبي بهذه السلطة الادبية ولماذا كان مسكونا بهاجس الحصول على اي سلطة خارج هذه السلطة وهي سلطة سياسية ومدح الكثيرين بشكل مذل لماء الوجه طبعا نحن ننسى الان الجانب المذل وننظر الى الجانب المضيء والمشرق في هذا الشعر. اذن يبدو ان الشعراء تغفر لهم خطاياهم اذا كان شعرهم  جميلا فأحيانا نجد  تناقضا بين الاخلاق والجمال فكيف تكون جمالية هذا الشعر سببا في مغفرة تجاه سلوك المتنبي ومدحه.

اذن ربما كان الممدوحون كلهم عبارة عن ذريعة لدى المتنبي الذي كان مسكونا بارادة الحصول على سلطتين السلطة السياسية والسلطة الشعرية وقبل هذا وذاك فانك تقرأ في شعر المتنبي تلخيصا لتاريخ الشعر العربي.

فأنا مفتون به.. مثلي مثل كل القراء.. اي قارئ حقيقي للشعر العربي لا يستطيع القفز على ذلك.. على فكرة فكلما كثرت قدرات ومكانات المتنبي الشعرية، كلما ازداد اعداؤه، يقال ان الفا من الشعراء قد هجوه ولكن لا نعرف اين هم.. كان حوتا مثل سمك القرش يبتلع كل الحيتان.

 

 النقد العربي والشعر هل حظيت الحالة الشعرية الدرويشية بما يكفيها نقديا؟

- للاسف، انا قرأت العشرات من الدراسات الجامعية وكنت أشعر بالحرج لان فيها شرحا لمعاني الكلمات وتبويبا للاغراض الشعرية وهي دراسات لا تقترب من جوهر الشعر ولا تشكل مقاربة له او لجماليته او للغير مرئي من الشعر هناك كيمياء للشعر ارى ان النقد مطالب بالبحث فيها ولكن النقد العربي للاسف مع بعض الاستثناءات مازال نقدا شارحا، يشرح المعني ويعرب الالفاظ والمعاني ولا يقترب من روح وسر  العملية الشعرية، طبعا هناك بعض النقاد الجادين الذين يشكلون مقاربات مفيدة ليس مطلوبا من الناقد ان يشرح او يهجو او يمجد الشعر بل عليه ان يكون قادرا على ان يعلم الشاعر او ان يرى فيه جوانب لم يرها قبل ان يضيء له الناقد ذلك الجانب لكن ليس لي حق الشكوى والامر في اوروبا مختلف لان الشعر عندهم جزء من الحركة الثقافية الكبرى والفكر والفلسفة متقدمان بينما نحن لدينا وضع آخر، ليس لدينا فلسفة او فكر ادبي كبير. العمل الادبي دائما يسبق الحركة النقدية ومن رأيي فانّ  الابداع الادبي متقدم على الحركة النقدية في الثقافة العربية هناك تقصير قد ننسبه للجامعات وللمثقفين انفسهم او الى غياب استخدام مجمل المناهج النقدية في النقد العربي نقدنا مدرسي وليس بمتشرب من النظريات النقدية عند قدماء العرب، هو نقد انطباعي او تجريح او  مديح كما قلت. ونحن نتعرض الى عمليات تجريح كبير تصدر عن بعض الكتب وهي فظيعة وتقول انني لست شاعرا بل اكذوبة.

 

الوجدان الفلسطيني ودرويش وآراء الاخرين؟

- انا متهم بالتخلي عن القضية الفلسطينية ومتهم الى حد ما بخيانة جلدي عند بعض الناس، اما القراء فهم ابرياء. فلسطين ليست وظيفة وهي ليست شيئا.

 

أين ريتا.. او بالاحرى حدثنا عن الحب عند درويش؟

- لا وجود لقصة او مغامرة، اولا انا لست مجنون ليلى ولا اراغون الزا، ليست هناك امرأة تشكل لي مرجعية عاطفية او مرجعية ذكريات ليس هناك شعر الحب، انا ازور الحب (يضحك)، الحب لا يحتلني، بل تحتلني حاجتي اليه وليست هناك امرأة محددة هي ليلاي او لبناي او عزتي لا املك اسطورة حب بل اتذكر الحب بما هو حالة متنقلة ومترحلة ولا وجود لامرأة ابدية.. هي ذريعة.

 

 وأخيرا، نذهب مع حديثك الذي نعرف بعضه عن قصيدة النثر؟

- كنت اتصور او اتمنى ان ينتهي هذا البحث بخصوص قصيدة النثر وشرعيتها وصراعها مع ما ليس بقصيدة نثر. قصيدة النثر هي احد انجازات الشعر العربي في العقود الاخيرة وهي قد اصبحت الجزء العضوي من حركة الشعر العربي وفيها مبدعون كبار وعدة شعراء استمتع بالكثير منهم وارى انهم يقدمون شعرية جديدة بقصيدة النثر.

هناك التباس، كأن بيني وبينها مشكلة وخلافا، انا خلافي مع ادعاءاتها النظرية فالكثيرون يولدون وقد اكتملت نظريتهم الادبية عن الشعر بمعنى انه لا يكون موزونا وان يخلو من العواطف وان لا يأتي الايقاع الشعري على خارج النثر وان الحداثة لا يمكن ان تعرف الا عبر قصيدة النثر وبها هذه الادعاءات النظرية لا استطيع ان اقبلها، قصيدة النثر شرعيتها في مدى ما قدمت من شعرية جديدة وذائقة مختلفة وبالتالي ليس من حقها ان تنفي غيرها.

ربما كانت حاجتها للدفاع عن نفسها وعن شرعيتها قد منحت شعراءها هذا النفس العدواني باقصاء الاخرين اي بمنطق من ليس منا فهو خصمنا. عليهم ان يرتاحوا فقد انشؤوا دولتهم المستقلة ويجب ان يبحثوا عن مسألة المركز والضواحي والاطراف، عليهم ان يرتاحوا ويعملوا اكثر على تطوير تجربتهم الشعرية وعلى تقديم مبرر جمالي اكبر لاختيار هذا الشعر وان يعترفوا بنا اننا معاصرون لهم ومن حقنا ان نكتب بطريقة مختلفة. عليهم ان يكفوا عن احساسهم بالاضطهاد وان لا يتحولوا الى (مضطهدين، لنقم بمصالحة في هذا الزمن يضحك).

انا لا مشكلة لي معها بل مشكلتي الوحيدة انني لا اكتبها، اعرف شعريتها العالية.. النثر عمل راق وجنس ادبي نبيل اكتبه ولا اسميه شعرا، ولا ننسى ان القرآن نثر ويعجبني قول ابي حيان التوحيدي في تعريفه للشعر حين قال: احسن الكلام ما قامت صورته على نظم كأنه نثر وعلى نثر كأنه نظم، والوزن ايضا لا يحمي اللاشعر فهناك الكثير من الكلام الموزون وهو عبارة عن نظم ـ ما احبه في الشعر هو ذاك الصراع مع الصعوبة ومهارة التغلب على صعوبة النظم جزء من العملية الشعرية مثل النحات الذي يتغلب على صعوبة الحجر اذن البحث عن السهولة ليس بالعمل الشعري، ولا بالفن فاذا ازلنا عقبة اسمها قافية وبقيت العقبات ماذا تقول؟ هل قلنا كلاما لا يقال الا بهذه الطريقة؟

هذا هو امتحان قصيدة النثر، هل تقول بتحررها من كل هذه الاعباء، قولا لا يقال الا هكذا؟ بعضها نعم ولكن كثيرا منها لا، كما ان الكثير من الشعر الموزون ليس بالشعر، يجب ان لا نعبد التغلب على قيود الكتابة هي بالعكس شكل من اشكال تجليات جدارتنا بالحرية...

 

علجية عيش تحاور: حفيد أوّل إمام للجيش العراقي.. د. قصي الشيخ عسكر

1056-qusayالإعلامي والرّوائي العراقي المغترب قُصَيْ الشّيخ عسكر: قابلت الرئيس أحمد بن بلة في باريس ووجدته نادمًا على كثير من المواقف السابقة مع الشهيد عبد الكريم قاسم

(الشهيد عبد الكريم قاسم خصص 05 % من نفط العراق لثورة الجزائر)

(كُنَّا نخرج في مظاهرات لدعم الثورة الجزائرية ونهتف ( ديغول اطلع برَّه.. الجزائر صارت حرَّة)

 

في الساحة الأدبية العربية أقلام كانت سلاحا دافعت به عن الوطن، وردت به مظالم الأعداء، وكان لها وعي الأدب العربي بتمزقه وبأزمته الحادة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، لقبوا بأسماء عديدة ( الطيور المهاجرة، المغتربون.. اللاجئون..، المنفيون.. و..و..)، فلم يجدوا سوى القلم يعبرون به عن غربتهم وحنينهم إلى الوطن، ومن الأدباء العرب الذين يكنون حبًّا للجزائر ويعتزون بتضحيات شعبها، الإعلامي والروائي العراقي قصي الشيخ عسكر، والحديث مع الروائي قصي يشعرك وكأن كل شيء مجتمع حول هذا المغترب: الوطن والأهل والأصدقاء ..القيم والحياة المجتمعيّة بتفاصيلها كلها حاضرة معه في الغربة، وذلك على مبدأ أنّ الروائي قصي أخذ معه العراق، وهو القائل: " إن أي نجاح في الحياة يكمن في أن يواجه المرء مصاعبها بثبات الطير في ثورة العاصفة، التقينا بالروائي قصي الشيخ عسكر فكان لنا معه هذا الحوار الشيق

 

يريد القارئ الجزائري التعرف على شخصكم الكريم؟

- اسمي قصي عبد الرؤوف عسكر واسم الشهرة قصي الشيخ عسكر والشيخ عسكر هو جدي كان أول إمام للجيش العراقي في بداية تأسيسه في عشرينيات القرن الماضي، ولدت عام 1951 في قرية نهر جاسم من أعمال قضاء شط العرب، كان شط العرب ناحية حينذاك والتنّومة مركز الناحية، درست الابتدائية في شط العرب والثانوية في منطقة (العشار) حيث مركز محافظة البصرة في حين كانت دراستي الجامعية في جامعة البصرة كلية الآداب قسم اللغة العربية عام 1973- 1984 ثم أكملت الماجستير في جامعة دمشق والدكتوراه في الجامعة الإسلامية بلندن، عشت في الدنمارك وأحمل الجنسية الدنماركية وأعيش الآن في بريطانية مدينة نوتنغهام، أكتب الشعر والرواية والبحث الأدبي، لدي ثلاث مجموعات شعرية مطبوعة وعدد من الروايات وكتب في التراث منها معجم الأساطير الجاهلية وأساطير العرب قبل الإسلام وعلاقتها بالديانات القديمة.

 

العلاقات الجزائرية العراقية عريقة تعود إلى أيام الثورة الجزائرية، ما هو تقييمكم لهذه العلاقة؟

-  نعم لقد علمنا آباؤنا وأمهاتنا رحمهم الله حب الجزائر فكنا نخرج مع أهلنا في مظاهرات خلال فترة ستينيات القرن الماضي بدءا من عام 1959 في مظاهرات عارمة غاضبة ونهتف (ديغول اطلع بره والجزائر صارت حرة) يعني ديغول اخرج من الخراج فإنها حرة وفي المناهج الدراسية كنّا نحفظ شعر شاعر جزائري نسيت اسمه الآن يقول: "دمدم الرعد وهزتنا الرياح حطموا الأغلال وأمضوا للسلاح، حطموها واختفوا ملء الأثير يا فرنسا اشهدي اليوم الأخير"، وكنا في بيوتنا نزين جدران الغرف بصورة المناضلة جميلة بوحيرد، وقد قام الزعيم المحبوب الشهيد عبد الكريم قاسم بتخصيص 05 بالمائة من نفط العراق لمصلحة الشعب الجزائري وثورته العظيمة غير أن الانقلاب الذي حدث على الشهيد عبد الكريم قاسم واحتضان البعثيين والقوميين لأول رئيس جزائري وهو المرحوم أحمد بن بلا جعل تعاطف أهل الجنوب في العراق مع أحمد بن بلا ضعيفا نوعا ما، لعدائه للزعيم قاسم، وقد قابلته مصادفة في باريس نهاية الثمانينيّات من القرن الماضي فوجدته أي الرئيس بن بلا نادما على كثير من المواقف السابقة غير أن حب العراقيين بخاصة أهل الجنوب للرئيس هواري بومدين كان واضحا، لقد وجدوا فيه ذلك الشخص الوطني الشجاع العفيف النزيه الذي بني بلده على أسس علمية وأخلاقية، ولا ينسى العراق أن للرئيس بومدين يعود الفضل الأكبر في الضغط على شاه إيران لإيقاف حرب كردستان بين الجيش العراقي والأكراد المدعومين حينذاك من الشاه، وبقي حب أهل العراق وخاصة الجنوب لجبهة التحرير الجزائرية ورمزها بومدين، وتكللت مسيرة الجزائر بعد بومدين رحمه الله في محاولة الحكومة التوسط لإيقاف الحرب العراقية الإيرانية، فقدمت الجزائر وزيرها حينذاك شهيدا.

 

وماذا عن الجانب الثقافي؟

- أما الجانب الثقافي فأود أن أشير إلى أن هناك من العراقيين من جاءوا إلى الجزائر بعد الاستقلال عام 1963 بصفة مُعَلمين ومنهم ابن عمة أبي الذي كان يسكن في منطقة ناحية التنومة شط العرب أي منطقة سكننا، أما نحن فكنا نقرا لكتاب جزائريين منهم الشهير محمد ديب الذي مازلنا نحتفظ له برواية مترجمة إلى العربية هي النول وأُخرى أظن عنوانها عرس بغل، وهناك كاتب آخر اسمه مالك حداد الذي يقول عنه أحد شعراء المشرق خلال الثورة الجزائرية: سأكتب عنك يا مالك سأكتب بالعربية العطشى إلى تحقيق آمالك.

 

كل العالم يترصد الأحداث وتفاعلاتها على الساحتين العربية والعالمية، ما هي قراءتكم للوضع الذي يمر به العالم العربي؟

- بصراحة الواقع مؤلم جدا لقد انصرف العرب بصفة عامة والمسلمون عن القضية الفلسطينية التي هي لُب الصراع وجوهره مع الإمبريالية إلى حروب داخلية، نجد حربا في العراق هدفها التقسيم وحربا في سورية، مصر تعاني من اضطرابات وتونس تطارد الإرهابيين، لقد عانيتم انتم من مذابح اقترفها المتطرفون بحق الشعب الجزائري أسوأ مما اقترفه المستعمر، لم تكن الجزائر تعرف التطرّف الديني وكان هناك قادة طيبون من العرب والأمازيغ، كان المرحوم حسين آيت أحمد والمرحوم هواري بومدين يتقاتلان جنبا إلى جانب العرب من دون حساسية ما، لا دينية ولا قومية كان مالكيي المذهب لكنهما قاتلا من أجل الإباضي أيضا، لقد كانت الجزائر بعد نهاية حكم الشاذلي بن جديد أول بلد يسقط ضحية الإرهاب، الآن العالم يعيش المأساة نفسها، لقد تبنت الولايات المتحدة وحلفاؤها دعم الفكر المتطرف السلفي (الوهابي) لغرض محاربة السوفيت في أفغانستان، ثم انتشر هذا الفكر بالضبط مثل التجارب المخبرية التي تفلت من المختبرات لتدمر الآخرين، فكانت التجربة الأولى التي راح ضحيتها الجزائر، لكن وعي الشعب كان عظيما، لا ننكر أن الأمازيغ في الدول المغاربية لهم حقوق لكن لا يعني أن تقوم الحكومات بذبحهم، كما فعل الحسن الثاني عندما كان وليا للعهد حين قمع انتفاضة الريف، يقال أنه في الحسيمة لم يتوان عن ذبح البشر والدجاج، هذه جريمة وقد سجل التاريخ أن الأمازيغ في الجزائر والمغرب هم صِمَام الأمان من التطرّف الديني، أما أحداث سورية والعراق فما زالت تستأثر باهتمام العالم الوهابيون والمتطرفون يطلبون الحكم مهما كان الثمن، وقد انتقلت العدوى عدوى القتل والتدمير نفسها إلى أوروبا والولايات المتحدة ولا حل إلا أن يكون هناك اتفاق عالمي على تجفيف منابع الإرهاب وتخلي آل سعود عن الفكر الوهابي المتطرف، وتغيير المناهج الدراسية التي تبني فكرة العداء والتكفير في الذات البشرية منذ الطفولة.

 

كأديب مغترب كيف يرى الأستاذ قصي وضع الجالية العربية في المهجر؟ وما هي اهتماماتها والمشاكل التي تواجهها؟

- وضع الجالية العربية في المهجر؟ الآن..، لا أظن الوضع مريحا مادام هناك كابوس يغذي التطرّف، من قبل كانت الحكومات تبعث بأئمة مساجد والسفارات لها ملحقات ثقافية هناك المغرب تبعث إماما إلى الجالية المغربية والجزائر تبعث إماما إلى الجالية الجزائرية وكذلك تونس تبعث إماما إلى الجالية التونسية والحكومات دائما تبعث أئمة معتدلين وليسوا سلفيين، ما حدث هو أن التطرّف "الوهابي" اجتذب شعوبا مغاربية وأخرى عربية إليه، وانشقت الجاليات إلى متطرفة سلفية ومسالمة، نضيف إلى ذلك أن وسائل الاتصال الحديثة من (ستلايت وموبايل وانترنت وأي فون وأي باد) جعلت الجاليات العربية أقل اندماجا بالمجتمعات التي تعيش فيها وأكثر اتصالا بالشرق، ثم تأتي مسالة الإحباط النفسي التي يعيشها العرب في أوروبا وأمريكا، حيث تجدين هناك المعتدلين والمتطرفين مما سبب تغييرا في الرأي العام الأوروبي الذي عاد الخط السلفي وذكره بمصطلحات قديمة مثل الرّق والجزية والذمي والقتل وقطع الرؤوس وغير المسلم كافر نجس وعلى المرأة أن تغطي وجهها وكلها عورة ومكان المرأة في البيت وهن ناقصات عقل ودين إلى غير ذلك من الأفكار البالية التي لم تعد منسوبة والدين منها براء، هذه الأفكار يتم ترجمتها وترويجها يوميا من قبل المتطرفين في المجتمعات الغربية، وتذاع على الهواء مباشرة وتنشر في الصحف، إن الجالية العربية منشقة على نفسها والخطأ من الأساس لن يمكن إصلاحه ما لم يتم تطهير البلاد العربية من المتطرفين.

 

ماذا منحك المهجر وأنت بعيد عن الوطن؟ أم أن الوطن يسكنك في كتاباتك فلا تشعرك بالغربة؟

- هناك ثقافة جديدة يتعلمها المهاجر،لغة جديدة وعادات وتقاليد، أجواء مختلفة تماما غير التي كان يعيشها في بلده، سيجد المهاجر نفسه وسط مجتمع يختلف عن مجتمعه، فيما يخصني تعلمت اللغة الدنماركية فكانت المفتاح الذي جعلني اندمج بالمجتمع الدنماركي في الوقت نفسه زادني وجودي في بريطانيا معرفة أكثر باللغة الانكليزية واكتشفت شيئا أخر هو أننا في بلدان الشرق ندرس بعض المصطلحات والكلمات القديمة التي لم يعد يستخدمها أحد، إن عامل الثقافة مهم أيضا يمكن أن نفهم من خلال وجودنا في مجتمع ما أثر ذلك المجتمع فينا من خلال المهاجر الجزائري في فرنسا يعرف مقدار نفوذ الثقافة الفرنسية في بلده ومدى تأثير ثقافة بلده على بلد الهجرة، في الدنمارك مثلا الذي يقرأ تاريخ أهم معلم سياحي عندهم وهو مدينة الألعاب Tivoli يعرف أن سبب بنائها هو أن ابن السفير أو القنصل الدنماركي في القرن التاسع عشر في الجزائر عندما عاد إلى كوبنهاغن بعد انتهاء مدة عمله أصبح حزينا كئيبا، لأنه غادر الجزائر حيث الشمس والشرق فأراد أن يبني مكانا يشبه ألف ليلة وليلة فبنى مدينة الألعاب هذا بفضل أثر الشرق، وقد أثرت فينا ثقافة مجتمع الهجرة أيضا تأثيرا كثيرا بخاصة في نمط التفكير والسلوك، كنّا نعيش في فوضى في بلداننا، فكان هناك في المهجر النظام هذا ما يخص المهاجر نفسه.

أما الجيل الثاني والأجيال اللاحقة فلن تكون مزدوجة اللغة بل سيتكلم أي منهم لغة البلد الذي يعيشه لا لغة الأب أو الأم، على سبيل المثال عندنا في الشرق ابن العم وفق التقاليد العشائرية أحق من أي إنسان في الزواج من ابنة عمه في الوقت نفسه من الغريب أو الشاذ أن يتزوج ابن العم ابنة عمه في كل أوروبا حتى أوروبا المسلمة مثل ألبانيا والبوسنة، إذن هناك ثقافة أوروبية مشتركة بغض النظر عن الدّين، المهاجر الأول قد تكون بعض تلك الثقافة غريبة عنه لكن أبناءه وأحفاده يعدونها ثقافتهم لأنهم ولدوا على هذه الأرض، أما الشق الثاني من السؤال فأنا دائما أحمل وطني معي، الوطن، اللغة الأم، الثقافة التي فتح الإنسان عينية عليها من المحال أن يتجرد عنها، هي ليست لباسا يمكن أن يخلعه بل هي ذاته : "وطني أواريه بقلبي إن يمت.. إن القلوب مقابر الأوطان" او قولي: " لا تحزن يا وطنا بالدمع يشيعنا للمنفى لا تحزن فهناك نموت كبارا".

 

يُقالُ أنّ احتلال العراق على أيدي تنظيم " داعش" هو بداية سقوط الحضارات؟ ماذا تقولون في ذلك؟ وهل يمكن أن نقول أن واقع العراق اليوم أسوأ مما كانت عليه أيام حرب الخليج؟

- لا أظن ذلك، أولا لان داعش لم تجرؤ على الدخول إلى بغداد ولن تجرؤ قط، وقد احتلت بعض المحافظات بالعراق لأسباب منها أن محافظة الرمادي تجاور السعودية والأردن وسورية، أي أن الخط السلفي الوهابي وجد حاضنة له في هذه المنطقة، أما المحافظات التي تجاور دولا أخرى مثل البصرة وكربلاء فليست بها حاضنات تستقبل داعش، أما الموصل فهي قريبة من تركيا وتجاور سورية، ولنا عبرة في الجزائر الحركة السلفية الدموية لفظت أنفاسها لان المجتمع الجزائري ليس فيه حاضنة للسلفيين المتطرفين وهو بالأساس مجتمع ثوار (حزب جبهة التحرير) والثائر يفضّل أن يقدم خسائر على أن يحقق انتقامه، الأمر الأخر هو أن الحضارات العالمية وحضارة وادي الرافدين هي حضارات عريقة متطورة تؤمن بالسلم والتعاون والتقدم، فلن تسقط أمام داعش ومحال أن تسقط أمام مجموعة متطرفة، لقد كان هتلر أقوى بكثير من داعش بصناعاته وجيشه ومعداته لكنه أخيرا انهزم وتراجع، وقلمت المجتمعات الإنسانية المتحضرة مخالبه، أما واقع العراق فلا أقول انه ليس بسيئ، وليس فقط واقع العراق بل معظم البلدان العربية، نأخذ سورية ومصر وليبيا والى حد ما تونس، هناك فوضى وتشتت في الجهود وصراع، هذه الفوضى إما أن تنتهي بتقسيم هذه البلدان، أو أن تستعيد عافيتها، إن العراق جزء من كل من المنطقة والمنطقة نفسها في اضطراب غير أن الماضي في بعض الحالات النادرة يكون أفضلنا الماضي. كان العراق في حرب الخليج سيئا لكن كان هناك عامل الخوف داخل نفس الإنسان، أما الآن فالحال سيّء لكن الإنسان تحرر من عامل الخوف.

 

مؤخرا عقدت جامعة الأمة العربية مؤتمرها التأسيسي، البعض يرى أنه مشروع فارسي، ما رأيكم في ذلك؟ وهل ترون أنه بديل للجامعة العربية؟

- أنا لا أعول قط على تلك المؤتمرات التي يديرها حكام عاجزون يمنعون المواطن من ابسط حقوقه كيف تعيد للأمة حقوقها حكومة ترى المرأة عورة؟ تمنعها من قيادة السيارة، تعزلها بين أربعة جدران، حكومات تعتمد على استيراد كل شيء، بصفتي عربي أصلا أقول أن أهم نقطة ضعف نعاني منها نحن العرب هي أن منابع ماء دولتين مهمتين هما مصر والعراق تأتيان من الخارج النيل من إثيوبيا والعراق دجلة والفرات من تركيا فما علاقة الفرس بهذا وأنا لم أعالج من قبل قضية مهمة مثل "الماء"، آنا مسلم أكفر أخي المسيحي شريكي في الوطن، وأمَّنته من بناء كنيسة فما علاقة إيران والفرس بهذا؟، أنا انتمي إلى أكبر أكثرية في الإسلام سني مالكي أو حنفي أو شافعي أكفر أخي في الوطن فما علاقة الفرس؟، أنا عربي أنظر إلى أن أخي في الوطن الأمازيغي لا يحق له أن يتكلم لغته القومية وأنا العربي انظر إلى آخي المسلم السني العربي ( البوليساريو) مثلي إنه لا يحق له مبدأ التصويت حول تقرير المصير في الصحراء، فما علاقة الفرس؟

لقد اعتادت الحكومات على تفسيرات واهية جدا، فإذا كان الأمر كذلك فالأولى بالعرب أو بالأمة أن يرموا جانبا صحيح البخاري، لأن مؤلفه فارسي، لغته الأم الفارسية وليتبرؤوا من أبي حنيفة الفارسي يعني أن يلغوا كل تراثنا العظيم، هذا كمن يبحث عن أي سبب وما يحاوله الحكام من إلقاء تبعة هزائمهم المتتالية سوى إلقاء اللوم على الآخرين، أما المشاريع البديلة عن الجامعة فأقول أن أي تجمع آو مشروع لا تساهم فيه الجزائر والعراق وسورية هو مشروع غير ناجح وأعود واذكر دائما بأهمية تلك الدول فاضرب مثلا بقول السادات في خطاب له عن حرب أكتوبر يقول: احتجت إلى طائرات في حرب أكتوبر أظن أكثر من عشرين طائرة يقول بلهجته المصرية اتصلت بالرئيس بومدين الله يكرمه فأرسلها لي وساهمت في المعركة، هذا الكلام قاله السادات علنا، يعني أن من يؤسس مشروعا أو يدخل معركة عليه أن يكون مسلحا بالعلم أولا، ويكون شجاعا غير متردد وهذا ما يفقده الحكام العرب الآن الذين انصرفوا إلى زعزعة الأوضاع في سورية والعراق واليمن فلا خير في أي مشروع يؤسسونه.

 

الذين يعرفون الروائي قصي يعرفونه عن طريق صحيفة "المثقف"التي يرأسها الدكتور ماجد الغرباوي، يا ترى ما سرُّ هذه العلاقة ؟

- الحقيقة قبل المثقف نشرت في ثمانينيات القرن الماضي أولى قصصي في مجلة العربي،ثم نشرت بعض قصصي القصيرة في جريدة الشرق الأوسط اللندنية ثم عملت في تلفزيون الدنمارك، الشرق قناة كوبنهاغن مقدم برامج أما صحيفة المثقف فقد تأسست قبل عشر سنوات والأخ الأستاذ ماجد الغرباوي مؤسس المثقف رجل باحث وأديب يؤمن بحرية الرأي، وهو رجل مسالم له مؤلف قدير حول العنف وفق هذا الإطار توطدت علاقتي به، وواصلت النشر في صحيفته.

 

لكل كتابة مشروع أو فكرة، فهل يكتب الأستاذ قصي للوطن الصغير أم للوطن الكبير؟ وهل نعتبر هذه الكتابات مشروع أمّة تنشد التحرّر من الإرهاب.. الدكتاتورية.. والطغيان؟

- مشروعي هو الإنسان عموما بغض النظر عن جنسه ولونه وقوميته، والأدب والفن هما للجميع ويخصان الجميع، اضرب مثلا بالسيمفونيات العالمية الخالدة، فكل الإذاعات والتلفزة والأشرطة تقتبسها وتبثها، بيتهوفن مثلا ألف موسيقى معينة، لكنها أصبحت لجميع الكاتدرائيات في العالم، هي أثر مسيحي لكنها ملك للجميع، أنا عراقي والآخر جزائري لكن كل منا يشعر أن الأهرام ملكه مع أن الفراعنة بنوها، ولذا فالأدب مثل الهواء للجميع لذلك أجد أن أفكاري يجب أن تكون عامة، وأبطال قصصي وروايتي مختلفون وهي روايات وقصص تدين الإرهاب وتدعو إلى التقارب العمل الروائي بطله عربي وأوروبي يلتقيان ويتحاوران يمثلان تفاعلا بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، كيف نقبل بالدكتاتورية والله خلق لنا إرادة كيف يكفر المسلم غيره مع أن الخلق جميعا عيال الله، الإمام علي عليه السلام يقول : إما أخ لك في الدين أو الخلق هذه هي أفكار أعمالي، أنا أكتب بالطريقة التي أعرفها وبالأسلوب ذاته، ما أعلمه هو شيء واحد أنني أكتب وعلى المتلقي سواء كان متخصصاً أو قارئاً غير متخصص أن يحدد، يفرز مادة قراءته، الكاتب مثل الطائر لا ينتمي لأيّ حزب سياسي وتفكيره يجب أن يكون طليقا بشكل غير معقول، وأن تكون لمخيلته أجنحة يجوب بواسطتها الأماكن والأزمان.

 

يقال أن المبدع وليد المعاناة؟ إذا كان الأمر كذلك كيف يحقق المبدع الاستمرارية؟

- هذا حق،المبدع وليد المعاناة، والمعاناة هي التي تَخَلَّق الإبداع، المعاناة تفاعل وإحساس بالآخرين، ألام تعاني، تلد مرة ثم تلد مرة أخرى، وثالثة لكنها لا تتوقع عن الولادة المتأتية عن المعاناة الأولى، الأنبياء صلوات الله عليهم عانوا والمعاناة معناها الأمانة التي ألقاها الله تعالى على عاتق الإنسان فحملها وأنّت بها الجبال، ولا أظن أن هناك حياة من دون معاناة، لأنها بعبارة أدق تعني تفاعل الإنسان مع مجتمعه والعالم وكلما كان هذا التفاعل نقيا وقويًّا كان عمل صاحبه عظيما وأكثر إنسانية، وهذا يتوقف على أن تحمل نصوص المبدع لوعة البحث عن الإنسان الطاهر، العفيف والبحث عن الوطن الرحيم الذي لا يفرق بين الأبناء.

 

تحول "المثقف" إلى قضية، ماذا يقول الأستاذ قصي في ذلك؟

- المثقف هو لُب القضية المثقفون في أوروبا وأمريكا اللاتينية هم الذين غيروا مجتمعاتهم تغييرا جذريا، هم الذين نظّروا للمدارس السياسية والأدبية وهم من ضحى مثل المناضل الشهير جيغيفارا.

 

هل يمكن أن يحقق المثقفون العرب نهضة ثقافية عالمية؟

- نعم يمكن أن يحقق ذلك إذا تجرد عن عصبيته القومية والدينية والعرقية وأصبح موضوعيا وتجرد عن أنفته وغروره ونزل من برجه العاجي ليخدم بمجتمعه ولم يعزل نفسه عنه وضحى وأعود فاذكر أن يضحي مثلما فعل المثقف الأوروبي الذي عمل من قبل ضمن مجتمعه من أجل مستقبل بعيد تتمتم به الشعوب الأوروبية الآن.

 

نعود إلى مشواركم الإبداعي، ماذا عن إصداراتكم الجديدة؟ وهل هناك مشاريع في الأفق؟

- هذا العام صدرت لي رواية جديدة عنوانها ( رسالة) وهي رواية مهجرية وهناك ديوان شعر وثلاث روايات عن المهجر أيضا كذلك ألفت كتابا بعنوان (المنقلب والمتحول من الكلمات) ولدي قاموس عنوانه ( القاموس الثلاثي المشترك عربي دنمركي انكليزي).

 

كلمة أخيرة

- أقول للشعب الجزائري انتم في القلب دائما حفظكم الله رحم الله شهداءكم في حرب التحرير وشهداءكم الذين سقطوا ضحايا الإرهاب التكفيري وفقكم الله ورعاكم دائما.

 

حاورته من الجزائر علجية عيش

 

ميمون حرش يحاور في حوارات "العرين": المبدع حسن قرى

maymon harashهو مبدع أثير، له كاريزما خاصة تَأسر من يعرفه، فيحبه رغما عنه،وحين يعانق القارئ حرفه المخملي يغرف من الجمال وينهل، وفي عالم من الإنسانية يسبح ويرفل،وإذا عرفنا بأنه "مراكشي" يبطل العجب،ويظل الإعجاب به قائماً ..

يكتب القصة، ويقرض الشعر؛ لأول مرة عانقتُ نصوصه الأولى في موقع " الأقلام" العراقية،هناك كانيسجل حضوره الباذخ،ويحصد الإعجاب والتنويه،ومع كل نص من نصوصه في القصة القصيرة جداً تنداح الإطراءات وتترى.. وقد ناب عنا في "le groupe" القاص الكبير عبد الرحيم التدلاوي حين قال عنه قولته الشهيرة : " قد ملكتها ورب الكعبة.." معلقاً على إحدى درره في القصة القصيرة جداً.ً

باكورة أعماله اختار لها عنوان " الربيع الآخر"،وفي الشعر له " تراتيل"..

معنا القاص المغربي الأثير سي حسن قرى..

أهلا بك سيدي حسن في "العرين"..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرحبا بالمبدع الراقي سي ميمون حرش، وشكرا على هذه الالتفاتة التي تحسب لتميزمجهودكم واحتفائكم بالإبداع والمبدعين، وشكرا للعرين...

 

س- دعنا نتعـرف حسن المراكشي الإنسان بعيداً عن الأدب؟

ج- حسن ليس في الحقيقة مراكشي الأصل، بل مراكشي الهوى خريبكي الأصل. من تربة الفوسفاط نشأ، وفي ربيع مراكش ازدانت حدائقه بأزهار من ألق...

أستاذ للتعليم الابتدائي، يزرع بذوره بمشاتل الصغار، فتزهر أدبا واعدا..

يهوىمعانقة الكتاب في كل وقت، ويجد متعته في الجلوس إلى أوراقه...

 

س- أنت قاص وشاعــر، أين تحب أن يصنفك القراء؟

ج- للحقيقة، لا أهتم للتصنيفات، أحب العبث بالأوراق والقلم.أكتب مايعن ليوأشرك أصدقائي فيبعض خربشاتي، فما استحسنوه يسعدني ويحفزني، وما أهملوه أتعلم منهإخفاقاتي. أكتب لأحقق ذاتي وأسترد الزمن الضائع فقط...

 

س- بشهادة الدكتور الكبيرميمون مسلك تتميز نصوصك بِـ "السرد السريع المركز".. هل لهذا المنحى صلة بعشقك للقص الوجيزجداً؟

ج- جاء عشقي للقصة القصيرة جدا مصادفة، أو قدرا لا أدري!! كما جئت للكتابة صدفة أو قدرا. حينما اكتشفت هذا الجنس الأدبي،أغرمت به لأنه سيعالج علة لازمتني طويلا.. الثرثرة وكثرة الكلام والإغراق في التفاصيل، ربما اكتسبتها من تقمصي الطويل لدور الأستاذ في أحايين كثيرة، ودور الواعظ الديني لفترات قصيرة. سيجد من يحب التفاصيل ضمن "أوراق من مذكرات حمار" سيرة ذاتية روائية أشتغل عليها... وبالمناسبة، فللدكتور مسلك ميمون دور حاسم في المسار الذي سلكته نصوص المجموعة.كان لأشهر من الكتابة والتعديل والتنقيح وإعادة الكتابة أثرها في خروج المجموعة كما هي بين يدي قارئها. فشكرا له وأنا ممتن له كثيرا على ما منحني من وقت وصبر وتوجيه...

 

س- وتلتزم كذلك بـِ "الرؤية السردية"، بها تخلق نصوصاً عبارة عن ديباجة من التشكيل الجميل، بدءً من طرحك لما هو ذاتي وموضوعي، وانتهاء بمعانقة الرمز،والإشارة، والصورة،إلى أن يصبح في المنال تشكلات سيميائية بديعة...معظم نصوصك في " الربيع الآخر" من هذا التصنيف .. هل أنا مُصيب في هذا الرأي؟

ج- نصوص "الربيع الآخر " كلها كتبت تحت مظلة الربيع العربي، تفاعلت مع مجرياتة وأحداثه وتحولاته الدراماتيكية، هي نصوص زمن الأمل ثم الخيبة.. ثم الإنتكاسة...حينما يكتب الكاتب لا ينطلق دوما من رؤية وتخطيط مسبق واع كل الوعي بخط سردي صارم، بل يستضمر كل ذلك من خلال تجاربه وحرفيته وتكوينه...

 

س- مجموعة " الربيع الآخر" ممهورة بالتناص الديني، والتراث الأدبي،والحكي الشعبي وتوظيف التاريخ، واستعمال مصطلحات العصر الحديث ...هذا الغنى، والتنوع،والتوزيع الدقيق للتيمات في المجموعة أجده قطعة موسيقية لا نشاز فيها.. كيف يتأتى لك هذا " الإبحار" في القصة القصيرة جداً حيث التكثيف والإيجاز، والإضمار؟

ج- طبعا لما اكتشفت عرضا القصة القصيرة جدا، وأنا بصدد البحث عن هويتي الكتابية، أثارني قصرها وإيجازها وإضمارها...فانطلقت في البحث عن تقنيات الكتابة في هذا الجنس الأدبي وتعلم مختلف أساليبهمن خلال قراءة العديد من نماذح الأدب العالمي، وكان لأدب أمريكا اللاتينية هيمنته وسلطته ونكهته.وقد ساعد انتشار المواقع والصفحات والمدونات المهتمة، في سهولة الوصول إلى النماذج الرائدة...أما حضور الديني والسياسي والهم الاجتماعي في نصوص المجموعة، فذلك أمر طبيعي تفرضه مستلزمة التفاعل الحتمي بين الذات والمحيط...

 

س- نصوصك كذلك،وكما لاحظ ذلك الدكتور ميمون مسلك في تقديمه للمجموعة،تلتزم بوجهة نظر غير مُعلنة،ولا مكشوفة... ألا يشتكي القارئ من غياب " الإعلان عن وجهات النظر" هذه؟

ج- حين يكتب الكاتب فهو لايكتب بحياد، دائما هناك الأنا سواء مضخما أو خفيا، وقد تعلمنا من تقنيات الكتابة في القصة القصيرة جدا التورية والإضمار والتناص والحذف...حتى لا نصادر حق القارئ في إعادة كتابة نصوصنا، ونعطيها فضيلة الانفتاح على آفاق رحبة يجوبها قارئهابدون حجر ولا تسلط. الكتابة حرية، نمارسهاداخل قيود الجنس الأدبي...

 

س- دعني أقف معك عند نص " طفولة " ص 20 من "الربيع الآخر" :

/.../

-  إنها طفلة فقيرة يا صغيري...

- آه لا تملك إكس بوكس مثلي؟

- بل لا تجد خبزاً يا ولدي..

- يمكنها أكل البيتزا" !!

" يمكنها أن تأكل البيتزا" هذه قولة معروفة لماري أنطوانيت ملكة فرنسا وزوجة الملك لويس السادس عشر (مع تحوير بسيط ومقصود من عندكم)، حين سألت عن سبب إضراب الشعب الفرنسي، قالوا لها : لا يجدون الخبز الذين يأكلون "، فنُسب إليها قولتها الشهيرة : " فليأكلوا الكعك إذاً.."

الفرق هنا في قول الشاهد، في نصك الكلام لطفل صغير، وفي الثاني الكلام لزعيمة راشدة( سيدة فرنسا الأولى)..ما الفرق هنا برأيك..؟

ج- الحديث هنا يمكن أن يتقاطع مع التقنيات والمفاهيم المؤثثة للجنس الأدبي الذي نشتغل عليه، يحضر هنا بقوة مفهوم التناص والتلاص...التناص أمر مطلوب في الققح، أما التلاص فهو مدموم في كل الأجناس الأدبية. السؤال هنا ما الحدود الفاصلة بين المفهومين؟ قارئ النصوص المتمكن هو من يقيم الحد الفاصل بين التناص والتلاص...

 

س- نهايات قصصك حلوة، ولها نكهةخاصة، هل، وأنت تبدع نصوصك تتقصدها، أم تأتي عرضاً، أم الحدث هوالذي يسوقك إليها سوقاً؟

ج- في القصة القصيرة جدا يجب دائما العناية بضربة النهاية، فهيالتي تعطي النص جماليته أو ابتذاله. وفي كل كتاباتي أحاول تطريز قفلات متميزة، أنجح أحيانا وأخفق كثيرا.وغالبا ما تأتي النهايات تلقائية عفوية لا تصنع فيها يفرضها انسياب الحدث...

 

س- آخر نص في" الربيع الآخر" بعنوان " يُحكى أن".. وهذه مفارقة جميلة، كأن الحديث لم يبدأ بعد، وما النهاية هنا سوى انطلاقة.. هل النهاية بداية عندك أمالبداية بداية، والنهاية نهاية؟

ج- في القص القصير جدا هناك القفلة الدائرية، حيث تستحيل النهاية بداية، والبداية نهاية. وهذا مؤشر على أن الحدث قد يتكرر مرات ومرات وبنفس النتائج، مع اختلاف في الشروط، والقص الوجيز يحاكي الواقع حتى في تقنياته...

 

س- بعض نصوص " الربيع الآخر" تتداخل عوالمها التناصية والأجناسية لدرجة أن القارئ يرتاب في كونها قصة ويميل إلى كونها قصيدة،والعكس صحيح في ديوانك " تراتيل".. وفي العموم هي نصوص تتمدد فضاءاتها لتستوعب ما هو غرائبي،وتعانق شخصياتُها كائناتٍ من التاريخ ومن المحكي الشعبي،ويتشابك موضوعاتها فيكاد يلغي الموضوع نفسه من بعض نصوصك، فيصبح استخلاص " الحكاية" منها مستعصياً.. كيف ترد؟

ج- أعشق كثيرا "ألا موضوع" الذي يستحيل ذاته موضعا، يختلط عندي الشعر بالنثر، لم أكتشفه من ذاتي، بل من ملاحظات أصدقائي. تكررت عبارة، أنت تكتب الققج بنفس شعري، فكبرت في رأسي، فمارست تهوري، فأصبحت شاعرا بالقوة... وما "تراتيل" إلا خلاصة تهور شعري. لا أصنف نفسي في أي زاوية، سوى أنني أمارس غواية الكتابة تحقيقا للذات،واستدراكا للزمن الضائع...أما تداخل المواضع وتعددها وتباينها فهو ناتج عن غوايتي الدائمة في طرح الأسئلة، ومطاردة القضايا الشائكة والغريبة، ربما لتكويني الفلسفي دور في ذلك...

 

س- كثيرة هي نصوصك التي حازت الرتبة الأولى في مسابقات القصة القصيرة جداً في مواقع راقية ولها حظوتها، نحو: "تذكر"- "حصاد"- "طفولة"- "يحكى أن"- "ذا عش"... هل كنتَ تتوقع لمثل هذه النصوص هذا التتويج؟ وهل فاجأتك اللجنة وتوجَتْ نصاً لم ترشحه،ولم يكن في الحسبان أبداً؟

ج- كل النصوص التي فازت برتب متقدمة، لم أكن أتوقع لها ذلك، باستثناء نص واحد صدق حدسي فيه "ذا..عش؟!!" ربما لراهنيته ومجازية العنوان فيه، وقدأثار النص جدالا قويا وطويلا في رابطة القصة القصيرة جدا بالأردن، إن لم تخني الذاكرة في التسمية، وقد جمعت كل التعاليق حوله والردود احتفظت بها، كما هي عادتي، لأتعلم من هفواتي وأستنير برأي الآخرين...لكن البقية فازت دون أن أتوقع، بل فوجئت في أحايين كثيرة...

 

س- بعض النصوص في ديوانك الجميل " تراتيل" مكتوبة بخط مضغوط.. ما القصد هنا رجاءً؟

ج- للعلم كل إصداراتي أصممها وأصففها وأختار نوع خطوها وحجمها بنفسي، وأحيانا تفلت مني بعض الأخطاء والهنات والعيوب التقنية، رغم حرصي. لا أذكر في "تراتيل" سوى أننياخترت المزج بين الشذرات والنصوص الشعرية،وميزت بينها بخطوط مختلفة. أنا في مرحلة تعلم في الكتابة وفي التقنية...

 

س- وتحرص في "الربيع" على ضبط نصوصك .. لماذا؟

ج- المزاج الذي اشتغلت به في " الربيع الآخر" يختلف عن المزاج في "تراتيل ". في الأول حرصت على التميز والخصوصية، فاخترت خطا مغربيا برسم عثماني مع ضبط النصوص شكلا، لكن تخليت عن الرسم العثماني في الطبعة الثانية، مع تخفيف في ضبط النصوص، أما في "تراتيل" تخليت نهائيا عن ضبط النصوص. كان هذا اختيارا فحسبب...

 

س- في مجموعتك البديعة" الربيع الآخر" كررتَ كلمة "الربيع" ثلاث مرات في نصوص مختلفة، لكن حضور ما له صلة بهذا الفصل متنوع حقيقة ورائع،تذكرُ وبلغة شاعرية: الفراشات- الرحيق- الألوان- الأوراق- الياسمين- ورد- روضة- قطرةندى- البتلات- ورود- نرجس- النبع- عصفور- أزهار- أوكار- عبير- رحيقي- الجنة- إكسير الحياة- قبلة- الشتلة- الشجرة- الطيور- الظلال- ماء الزهرة...

عنوان المجموعة إذاً مناسب ورائع،دعني أسالك :

• هذا الاعتناء الباذخ بالربيع ما الغاية منه؟

• كلمة " الآخر" تورية،القصد منها التعبير عن موقفك مما يسمى بالربيع العربي..حدثنا عن هذا الموقف؟

ج- كما قلت سابقا، كتبت نصوص المجموعة تحت إكراهات الأحداث الصاخبة التي رافقت "الربيع العربي" فتفاعلت معه إيجابا وسلبا. كانت لي رؤيتي وانحيازاتي، وقد عبرت عنها بعض نصوص المجموعة، ونصوص أخرى لم يعتبرها أستاذي مسلك ميمون قصص قصيرة جدا، فاحتفظت بها لنفسي، نشرت بعضها بصفحتي على أنها خواطر، وبعضها الآخر لا زال بأرشيفي الخاص. وحضور اللغة الشاعرية بالنصوص كان حضورا عفويا غير مفكر فيه، ونبهني له بعض أصدقائي، فولد "تراتيل" من رحم الصدفة، واقتحام المجهول...

 

س-  تُلبس نصوصك غالباً غلالة شعرية لافتة عبر مقاطع مجازية، ورمزية، قوية التخييل،وتوظف الصور الدينية والحكي الشعبي لهذا المسعى، وتعمد إلى تفكيك بعض نصوصك، فتغرقها في غموض مثير،غموض يُنتجه خيالُك الخصب،وعقلك المتقد.. ظاهرة الغموض في القصة القصيرة جداً متفشية، ولافتة.. كيف تتعامل أنت كمبدع مع هذه الظاهرة اللافتة في معظم نصوصك؟

ج- أعتبر الرمزية الواعية والمفكر فيها جيدا، قيمة أساسية ومكون مطلوب في القصة القصيرة جدا وفي الشعر وفي الكتابة عموما. لأنها تمنح للنصوص عمقها واستفزازها لقارئها، ليجوب عالمها المشاكس في تحد متبادل، وهذا ما يسمى ب"متعة القراءة". والكاتب المتمكن من أدواته، هو من يترك أثرا يمجمع من خلاله القارئ خيوط الرمزية ويشبكها مع بعض في لعبة ذهنية ممتعة. أنا ضد الرمزية التي تحيل إلى الغموض والتخبط، وتبشر بكاتب يقول أي كلام، ويخفي عجزه في طلاسم لا تعني شيئا حتى في ذهنه...

 

س- ظاهرة فيسبوكية لافتة تتمثل في اقتراف بعض الأسماء،دفعة واحدة، لكتابةالقصة،والقصة القصيرة جداَ،والرواية، والسيرة، ونظم الشعر،والكتابة النقدية..ما رأيك في هذا المسعى.. هل هو صحي؟

ج- أنا أيضا أقترف هذه الخطيئة، وأعتبرها خطيئة لذيذة. أقول ذلك لأنني أكتب لأحقق ذاتي، وأستدرك الزمن الضائع. لا أكتب ليقال عني قاص أو شاعر أو زجال... اكتب فقط لأنني أحب الكتابة. وجداري على الفيسبوك، أمارس عليه خطيئتي، فمن استحسنها وأعجب أو علق، فذاك يسعدني دون أن يغريني. ومن مر دون أن يترك أثرا فله قناعاته واختياراته. الإبداع حرية، لايجب مصادرة حق الآخر في التعبيرعن أفكاره بأي جنس أدبي ارتآه لتجربته. فالبقاء للأصلح والأصيل والنوعي في نهاية الأمر...

 

س- في زوادتك زخم من التجربة في كتابة القصة القصيرة جداً..ما رأيك في النصوص التي تقرأها، وما هي الأقلام التي تستطيبها في هذا المجال؟

ج- في القصة القصيرة جدا، تستهويني بعض النصوص المنتقات من الأدب العالمي المترجم، للأسف لاأستطيع القراءة إلا بالفرنسية، وقليل من الإسبانية. لكن محليا وعربيا، قرأت لكثيرمن الإخوة، فتنت ببعض النصوص، واستحسنت بعضها، ولم أتفاعل مع بعضها. القصة القصيرة جدا لا تنقاد بسهولة لأي كان، حتى الكبار لهم نصوصهم الضعيفة. فالجيد يتوارى بين ركام هائل من العادي، لذا لم أعد أجرؤ على الاقترابمن الققج إلا لماما، ولا أنشرأي نص جديد، إلا بعد أشهرمن التمحيص وإعادة الكتابة،أو حتى التمزيق والإهمال.انشغلت قليلا بالقصة القصيرة على أمل إصدار مجموعة جديدة قريبا...

 

س- " الربيع الآخر" كتابك الأول لو قدرتْ له طبعة ثانية .. ما النصوص التي ستحذف، أو التي سيطالها تغيير أوتعديل؟

ج- في أي عمل هناك نصوص قوية وأخرى عادية، لأننا لا نكون دوما في أحسن حالاتنا، ونحن نكتب نصوصنا. لذا أعتبر نصوصي كأبنائي، لا أستطيع التخلي عن أي منها حتى لو كانت إعاقته بينة، فهو جزء مني في كل الأحوال ويحمل بصمة إخفاقي، أحب أن أرى عيوبي أمام عيني، لأتعلم منها...

 

س- لغتك الشاعرية .. من أي مشتل تقطفها؟

ج-  لغتي الشعرية ربما تشكلت من طبيعة نفسيتي الميالة الى السلم والمهادنة،وحب العطاء بدون انتظار مقابل، وحاجتي الكبيرة للحب، وشغفي بالرومانسية، التي فتنت بها من قراءاتي من سنين بعيدة لسلسة"هارلوكان" وأعمال ع الحليم ع الله وإحسان ع القدوس وغيرهم...

 

س- ماذا سنقرأ لك مستقبلا؟

ج- قريباً مجموعة قصصية قصيرة اخترت لهاعنوانا مؤقتا: "على ضفاف الحرمان"

و"أروراق من مذكرات حمار" سيرة ذاتية روائية (بلغت 10أوراق نشرتها على صفحتي بالفيس)

وأفكر من سنتين في رواية أشتغل عليها فترة ثم أتوقف طويلا، لاشيء أصعب من كتابة رواية ذكية...

 

س- ماذا تقول في:

الدكتور ميمون مسلك- مراكش- مهرجان الناظور للقصة القصيرة جداً..

ج- الدكتور مسلك ميمون أستاذي الذي علمني سحر كتابة القصة القصيرة جدا، والذي لا يمكن أن أوفيه من الشكر والعرفان مهما فعلت، فهو أستاذتنا الذي يفيض كرما وعطاء رغم جحودنا...

-  مراكش وما أدراك ما مراكش، مدينة كرهتها مرة،وأحبها الآن بجنون، فهي تحتضن كل أحلامي، وأتمنى أن يتوارى بترابها جثماني...(الفاصيل ب" أوراق من مذكرات حمار")...

-  مهرجان الناظور قيمة مضافة للقصة القصيرة جدا بالمغرب، وإشعاع ثقافي لمدينة تستحق أن يحتفي بها أهلها ليعانق صيتها الآفاق،وهي تملك كل المقومات، رجالها وطبيعتها وموقعها...

 

س- أسعدتنا في "العرين" سي حسن.. كلمة أخيرة رجاءً..

 

ج- أنا الأسعد أخي ميمون، كنت ذكيا، استخرجت مني أفضل ما أملك. وكانت أسئلتك بقدر استفزازها الإيجابي، أعمق وأشمل وأبعد عن المجاملة. دمت متميزا ومبدعا لك مكانتك وخصوصيتك. وشكرا "للعرين" على هذه الفرصة لمعانقة قراء الموقع، وفتحكوة للتواصل معهم، أتمنى أن أكون موفقا...

 

الصويرة بتاريخ:30/07/2016

حاوره : ميمون حـــرش