حوارات عامة

حوارات "العرين": عرين الشاعر الريفي الموهوب عبد الرحيم فوزي

maymon harashعبد الرحيم فوزي صوت ريفي أصيل، يعترف له النقاد والمهتمون بالإجادة في نظم الشعر، يحبونه لأنه "شاعر" ينظم شعراً (أقول شعراً) .. هو شاعر بداخله تربة خصبة لتضاريس الريف الجميل، تنبتُ فيها شجرةٌ يانعة، وارفة الظلال، ويُرجى جناها، والشعر الأصيل أحد فروعها.. يتميز عن غيره بالجودة، و العطاء، والحضور، وقبل كل هذا بالغيرة على هذا الفن الذي يؤمن بأن من يقترب منه عليه أن يفهم بأنه فن مقدس لا مجرد كلمات متراصة..

نقرأ شعر عبد الرحيم بشغف، وحين نستمع إليه (وهذا أمر يُجمع عليه كلُّ من يعرفه خاصة) تُستثار في داخلنا أحاسيسُ نعجز عن ترجمة وقْعها على النفس، وتوحي لنا بأن الرجل ليس عادياً أبــداً.

ليس عادياً لأن به مساً من الشعر، تحس معه بالمتعة الخالصة حين يتناول موضوعات دقيقة عن الريف، وعن شخصياته، وناسه؛ لذلك يُعد شعره "ديواناً ريفياً" بامتياز، ومرجعاً يمنح المعلومة، ومعها المتعة؛يأخذ فوزي بيدنا نحو عوالم مفقودة، في الريف، تحرضنا لنعرفها ما دمنا من أهل الدار.. هي حالمة، يريدها كذلك، لكن واقعية تماماً ..

إنه الشاعر المحبوب الموهوب عبد الرحيم فوزي..

س - الشاعر عبد الرحيم فوزي، أهلا بك في "العرين".. منْ أنت بعيداً عن الشعر؟

ج - أنا عصفور يغرد أغنية الصمود لكل الأمازيغيين، إنسانٌ عادٍ، أكابد كما غيري يفعل، في هذه الحياة..

 

س- لماذا الشعر بالضبط، وليس فناً آخر؟

ج- ليس اختيارياً، إنما الصدفة كان لها سلطتها في هذا الشأن، ولطالما استمتعتُ، في صغري، بـِ "إزران" يُؤديها الرجال والنساء على السواء بشكل جميل في الأعراس الريفية، كانت تأخذني رجفة وهزات وأنا أستمع إليها؛ كما لوالدتي، يرحمها الله، دور كبير في تكويني الشعري، كانتْ تُحسن التعليق شعراً على مواقفَ حياتية كثيرة تقع في أسرتي، أو خارجها، وفي مناسبات عدة، كنتُ أصغي إليها، وفي النفس سؤال مُحير: "متى هيأت هذا، وهل كانت تعرف قبْلا ..."؛لم أكن أجيد شيئاً في صغري غير مهارة حسن الإصغاء فكانت تُستثار، في داخلي، طاقة لأن أقول أنا أيضاً مثل ما أسمع من أمي، أو من إزران..

والشعر هو الجنس الوحيد الذي يمنحني طاقة على التحليق عالياً..

يقول الشاعر أحمد مطر: " كلما ركبتني القصيدة يخف وزني ."

وأنا وزني خفيف رغم جثتي (يضحك)..

 

س- لشعرك المتميز دور في شهرتك، وأظن أن قصيدة "يناير" أول غيث هذه الشهرة؟

ج- الحديث عن قصيدة "يناير" هو حديثٌ عن القضية الأمازيغية برمتها، هي مرجعيتي في الشعر، وللتذكير فقط فالقصيدة هي بعنوان " ثَحَرْيَات " / عاصفة عام1984، ولكنها اشتهرت بِـ "يناير" لأن هذا الشهر، في ذاكرة أهل الريف، راسخ لا يُنسى بسبب الأحداث الرهيبة التي حدثت في أيامه السوداء الــ 17 و18 و19 ..وكما يقول الشاعر محمود درويش:" القضية الفلسطينية أكلت شعري."؛والهَمّ الأمازيغي فعل نفس الشيء معي، وللأمانة أقول بأني أكرس شعري لكل الموضوعات التي لها صلة بالإنسان بشكل عام، إلا أنَّ لقصيدة " ثَحَرْيَات "أو" يناير" كما يحب جمهوري أن يسميها وقعاً خاصاً ليس معي فقط إنما بالنسبة لكل الأمازيغ، هي جرح المنطقة ككل، ولهذا فالتعامل معها يأخذ منحى خاصاً جداً لدرجة أن جل مشاركاتي الشعرية، في ملتقيات ومهرجانات أكون ضيفاً فيها، يطالبني الجمهور وبإلحاح عجيب من أن أقرأ على المسامع قصيدة "يناير"/ ثَحَرْيَات،

وحين أرددها بطريقتي أمام الجمهور أحس بأني لسان الريف:

 

يناير، يناير

ماني شَكْ غَنايـــرْ

مانْ آسْ ذي شْغَانيذَارْ

حِيما شْذايَسْ نْخايَـــــرْ

ذِينِي يَفروري وَكسومْ

يجين دَمْ اسِيّـــــر

كْسينْ موحنْد زي ثواثْ

لا يِجْ ما يسيوَرْ

يُوحَرْ ما ذْينّجْبَــــــذْ

لا يِجْ ما ثِغـــــــــــــاوَرْ

يناير، يناير

ماني شَكْ غَنايـــرْ

ثفوشتْ ثَرْنِي ثَــــغْري

غَا تَسيجْ أتـــذْوَرْ

ثيرو إِزَرْمان نَـــــــسْ

زكْجَنا أَتـــــاوَرْ

طــْرَمَا غَنَتــّى يَرنِّي ذِرَهْـــــــوَرْ

ثَمَدّيثا تْحَديقْ

عَمّاصْ ما تَمْرَرْ

يناير، يناير

مَانِي شَكْ غَنايـــرْ

زّاثْ يذورْ ذَفار

ذَفّارْ و سّي مانــِي يَذوَرْ

رامي يَذورْ الناظور

ذِرخفيفْ إفَتــــــــــر

أيا زمانْ سْــــرايِ

أرّدْ خــَـافي سِـــــوَرْ

غاري أطاس إسقسانْ

كورشا ماني يُويَــــــرْ

مِنْتَﯕى تاويمة

ثِخْذاتَثْ ديجْ أونـــدرْ

ينايــــر، ينايــر

ماني شَكْ غَنايـــرْ

 

س- فضلا عن شعرك الأصيل تمتلك صوتاً جهورياً رناناً، وكثيراً ما ترمي بالميكروفون جانباً، وتنخرط في " القول".. صوتك ثورة، صرخة مسموعة، لماذا ترفع صوتك، حين تقرأ شعرك، بهذا الشكل؟

ج- إن الأداء مكون من مكونات القصيدة، عنصر أساس فيها، وأنا بطبعي أحسب حساباً لهذه القضية، أمنح %30 للصور الشعرية وغيرها، و% 70 كله للأداء، وعبر قناته أتمكن من إيصال ما أحب من رسائل.. وهناك من الشعراء العرب من استوعب هذا، فتراهم لا يؤدون قصائدهم أبداً لأن الإلقاء عندهم سيء، ويتولى عنهم غيرهم قراءة أشعارهم.

 

س- في لقاءات كثيرة جمعتني بك، تحدثنا فيها عن "تأخرك في طبع ديوانك الأول"، ولأني لُمتك كثيراً على هذا سيما أنت، في الريف، الشاعر المعروف الأصيل، كنتَ تجيبني بحدة، وبحسرة..أحب أن أشرك معي القارئ العزيز وأطرح عليك السؤال من جديد..لماذا لم تطبع كتابك لحد الآن؟

ج- لي وجهة نظر في هذا الموضوع تتمثل في أن الهرولة المحمومة وراء طبع الكتب دون امتلاك ناصية " الكتابة" نتائجها وخيمة، هذا أولاً، وثانياً، وهذا هو الأهم، ليس معياراً أبداً كثرة الكتب حتى نضمن صفة "شاعر"، فالمجاطي له ديوان واحد، وهو شاعر كبير، وغيره لهم عدة دواوين، ولا يزالون في مَهمة البحث عن" الشاعر " فيهم، ولا يعثر عليه من يقرأ لهم ممن يعشق الشعر ويفهمه، وعموماً صفة شاعر لها معاييرُ أخرى..

ومع ذلك هذا لا يعني أني ضد طبع ديواني الذي سيرى النور قريباً.

 

س- " الريف" واسطة عقد شعرك.. حدثنا عن التيمات التي تشغلك حين يسمح شيطان شعرك؟

ج- أقِرُّ أولاً بأني أتعب شيطاني متى زارني، وفي لقاء جمعني بالشاعر الكبير محمد علي الرباوي قال لي بالحرف: "تْـــهَلا فيك شيطانُك".. يومها علقتُ مداعباً بأن السبب في هذا " التاهلو" هو أن لي شيطانة لا شيطان.. ليس ضرورياً أن تكون موضوعاتي مستقاة من الريف"، إنما كل ما له صلة بالإنسان في صراعه مع الحياة..

 

س- بعضهم، إذا أراد أن يتحدث عن الريف، تراه يحصر شعره في محمد عبد الكريم الخطابي، أو ما له صلة بهذا المقاوم الفذ أو غيره.. لدرجة أصبح بعض الشعراء عندنا نسخًا متعددة لموضوع واحد يتكرر كثيراً.. كيف ترد؟

ج- الشعر أسمى من أن نحصره في موضوع واحد، ومحمد عبد الكريم الخطابي رمزنا، وهذا صحيح ونفخر به، لكن التقيد به، وتكريره كتيمة شعرية عند شعراء أمازيغ كثيرين لا معنى له سوى سوء الفهم لدور الشعر في نصرة كل القضايا.. ثم إن اللعب على حبل واحد يمنحنا شعراء كثيرين لكن القصيدة واحدة في النهاية.

 

س- يتحدث الشعراء عن "شيطان الشعر".. لا تعدمه أنت أيضاً، فمتى يزورك؟ وهل يتحدث الريفية؟ههه..

ج- لا وقت لدي محدداً حين أنظم قصائدي، وشيطانتي لا شيطاني تزورني دون استئذان، وتتحدث معي اللغة الريفية، أحياناً تستفزني وتوقظني، في أوقات متأخرة، فينام الليلُ على جفوني ويجفوني،، وأحياناً أخرى تظل صامتة تحلق في عيني اللتين تظلان مفتوحتين على قصيدة جديدة تلوح لي في الأفق، ومتى اطمأنت بأني أمسك بتلابيبها تركتني، وانسحبت دون ضجيج..

 

س- أعني ما أقول حين سألتك عن شيطانك ما إذا كان يتحدث " الريفية" لأن بعض الشعراء يترجمون أقوال "شياطينهم" التي تتحدث لغة عربية لا ريفية، فنعدم في شعرهم ذلك الحس الأمازيغي الأصيل.. ألا توافقني؟

ج- في هذا أشاطرك الرأي، هناك شعراء كثيرون يترجمون أشعاراً عربية أو فرنسية فينقلونها إلى تربة أمازيغية فيسقطون في " الزيف"، وتصبح الحمولة الثقافية الريفية التي من المفروض أن تُستمد من الأصالة الأمازيغية، منعدمة تماماً..

 

س- أنجب الريفُ شعراء كثيرين من طراز رفيع أمثال سعيد الموساوي، وأحمد الزياني، وخالد هرفوف، وفاظمة الورياشي، وسعيد أقوضاض، و(...)، ما الذي يميزك عن هؤلاء؟

ج- منْ ذكرتَ في سؤالك هم شعراء جُبلوا من طينة ريفية خاصة، ولكل واحد منهم تكوينه، ورصيده، وحمولته الثقافية، ولا أدعي أي تميز لي عنهم مقارنةً بهم، ولكنَّ لي لوناً خاصاً بي، "فوزياً" بامتياز، ولا أحد يشبهني فيه، بل ويمكن أن أسجل بفخر بأن الشعراء الذين ذكرتَهم في سؤالك هم عالميون، ومشهورون، لهم وزنهم مثل سعيد الموساوي، وعمر بومزوغ فهما شاعران بكل ما تعني الكلمة من معنى.

 

س- باعتبارك شاعراً تحضر ملتقيات كثيرة، تنظمها جمعيات في مدينتك الناظور، ماذا تضيف للمشهد الثقافي برأيك؟

ج- إن المهرجانات التي تقام هنا وهناك المفروض أن يُكرس البرنامج المسطر لها لخدمة التنمية على اعتبار أنها إضافة نوعية- أو هكذا يجب أن تكون- لتسليط الضوء على أهم ما يُستحدث في المجالات الثقافية، إلا أني أسجل، كمتتبع ومبدع، أن بعض هذه المهرجانات تلبس أثواب السياسة، فتخفي في تلابيبها الجوهر منها وهو خدمة الثقافة، مما يعني أن الظاهر فيها كما جبل الجليد، ليس ما هو مستور أبداً، وطبعاً الحصاد في النهاية سلبي مما له علاقة بالمشهد الثقافي بالمنطقة..ومع ذلك لا نبخس حق من يُحَكم ضميره، ويضع نصب العين الثقافة وليس شيئاً آخر، وهؤلاء كثيرون والحمد لله..أشد على أيديهم بحرارة.

 

س- أنت مبدع أمازيغي، ولكنك تشارك في برامجَ لجمعيات تنتصر للتعدد اللغوي، وأقصد هنا اللغة العربية.. ما موقفك من هذه المعادلة..؟

ج- أنا شاعر أمازيغي صحيح، ولكني لا أجد حرجاً في المشاركة إلى جانب إخوتي المبدعين مهما كان لسانهم، ولساني، إن اختلف عنهم، لا يعني ألبتة إدارة الظهر للثقافة، هذه تتحدث كل اللغات، وأنا أفهمها والحمد لله..

ودعني أخبرك أمراً طريفاً قد يسعفني في إيصال ما أود قوله..لي مشاركات كثيرة في مدينتي، وفي المغرب كله، وحين يأتي دوري وأتلو شعري بالأمازيغية ألحظ، وأنا فوق المنصة، سهومَ الحاضرين، وفي أعينهم أسئلة كثيرة، ومتى انتهيت تتأكد لي ملاحظتي حين يحاصرني الجمهور، ومنهم شعراء عرب مشهورون فيقولون لي:" نحن، صحيح، لم نفهم لغتك، ولكن رسالتك وصلت، أداؤك مُذهل.."

وبعض الجهات المنظمة، والقائمون على " أعراس " الشعر عليهم أن يفهموا أن للإبداع فماً واحداً، ويتكلم اللغات كلها، أبوابه مشرعة للجميع..

 

س- شباب في عمر الورد سكنهم الشعرُ، وآسرهم، سجلوا حضورهم ونَظَموا قصائدَهم الأولى، وربما طبعوا دواوينَ أيضاً.. لمن تقرأ من هؤلاء؟

ج- أقرأ الشعر كثيراً، ولي اطلاع مما ينظمه شبابنا، وأتابع مسيرتهم الإبداعية، سواء ما تعلق منها بالعربية، أو الفرنسية، أو الأمازيغية، وأشهد بأن هناك تجارب تستحق أن تُصان، وأن يلتفت إليها المُهتمون، كما ألحظ على آخرين تسرعاً لا يليق بالشعر، وعليهم أن يقرؤوا كثيراً قبل الكتابة، أو أن يقرؤوا فقط دون كتابة .. والهدف ليس في النهاية هو تلبية نداء رغبة محمومة لطبع ديوان، بقدر ما هو حرص على خلق بصمة أدبية تليق بأسمائنا حتى تترك أثرها.

 

س- لبعض الشعراء طقوس غريبة في نظم قصائدهم.. تواتيهم "مواقفُ غريبة"..حدثنا عن طقوسك؟ كيف تواجه قصائدك؟.. كيف تنظمها؟

ج- لا طقوس لدي، ولكن هو نوع من " أمنوس" لا بد منه، يصيبني في مقتل، ويدعوني لأن أبحث لقصائدي عن ينبوع يتفجر منه ماءٌ زلال، فُرات لكل ظمآن.

 

س- ألم يحصل مثلا أن مدتْ لك قصيدةٌ ما لسانَها ساخرة منك قائلة:

" أنت سخيف.. لقد بخستني حقي"؟

ج- مراراً (يضحك عالياً).

 

س- وما رأيك في شعر الهايكو؟

ج- هي قصيدة لذيذة ملائمة لعصر السرعة..

أحلم بالهايكو الأمازيغي، وحالياً أشتغل على تجربة في الهايكو الأمازيغي ...

 

س- ما هو رصيدك من الجوائز الأدبية؟

ج- بنك الجوائز لدي عامر، ورصيدي منه كثير والحمد لله، على المستوى المحلي فزتُ بالجائزة الأولى لمدة ست سنوات على التوالي (1997- 1998- 1999- 2000- 2001- 2002) في مسابقة خاصة بمهرجان الشعر العربي والأمازيغي، المنظم من طرف "جمعية التنمية الثقافية"، و كذك نلتُ جائزة القاضي قدور التي تشرف عليها جمعية " إلماس"..

وهذا كله يُغنيني لكنه يثقل كاهلي بمسؤولية كبيرة.. علي أن أكون شاعراً أمازيغياً شكوراً، وقبل الشكر لا بد من العمل والمثابرة حتى أضمن للريف المكانة اللائقة التي يستحق في جنان شعر الدنيا.. حينها فقط أفخر بكل الجوائز التي نلتها.

 

س- ما هو العنوان الذي تختاره لديوانك القادم؟

ج- "عاصفة"/ ثَحَرْيَات..

 

س- ماذا تقول في: "مجموعة إثران"- الدكتور عبد الله شريق- الإبداع - الحرية- عبد الرحيم فوزي.

ج-

- "إثران": سفير الأغنية الأمازيغية عبر العالم..

- الدكتور عبد الله شريق: من أوائل الأساتذة الذين تنبهوا لموهبتي، وشجعوني على نَظم الشعر، شكري الحار له.

- الإبداع: ضوء خافت في ظلام دامس.

- الحرية: نطمح إليها.

- عبد الرحيم فوزي: علامة استفهام مُمتدة من عمق الأرض إلى عُلو السماء.

 

س- كلمة أخيرة شاعري الغالي سي فوزي

ج- شكري الحار لمُحاوري المشاكس ميمون حرش، وتحية "للعرين"، وأزف باقة ورد لكل زُوّاره، وقرائه..

 

حاوره الكاتب ميمون حِــرْش

 

حوار مع الناقد السوري عصام شرتح (3)

esam shartah1- ما هو معيار القيمة الجمالية في الحكم على النصوص الشعرية التي تتناولها بالدراسة؟ هل ثمة معيار أو رائز فني تقيم فيه النص؟ وما هي النصوص الإبداعية التي تثيرك وتحرك فيك اللذة والقشعريرة الإبداعية في تلقيك النص الشعري بوصفك ناقداً من الطراز الرفيع في هذا المجال؟!! والدليل على ذلك احتفاء المجلة الثقافية على الشاشة الصغيرة بقراءتك النقدية على الكثير من الدواوين الشعرية من  (عام 2005- 2010)، كان لك زاوية خاصة بعنوان (قراءات نقدية، أو قراءات أسلوبية في الحداثة الشعرية) كنت في كل حلقة تعلق أسلوبياً على ديوان من دواوين الشعر الحديث في تلك الفترة الناصعة في حياتك. ما هو معيارك النقدي؟وكيف تقيم نفسك إبداعياً في هذا الخصوص؟!! ولماذا لا تنتقد أعمال الشاعر سعد الدين كليب الشعرية وهو من المساهمين في تدميرك في أهم مفصل من مفاصل حياتك النقدية لتنال منه كما نال منك باستصداره للقرار الجائر بشطب أطروحتك قبل أيام من مناقشتها؟!!.

- لا روائز محددة في الإبداع، الإبداع الحقيقي هو- دائماً- فوق كل المعايير، والقواميس، والأطر، الإبداع حركة دائبة لا تستقر. مغامرة تبقى بحاجة إلى اكتشاف، وبحاجة إلى امتلاء. ولهذا، لا اعتمد مقياساً علمياً دقيقاً لقياس شعرية النص أو قيمته الإبداعية كمقياس الضغط أو مقياس الحرارة لأزن دقائق الأشياء.. هذا - باختصار- يصلح في الأعمال العلمية أو التجارب الفيزيائية... الإبداع هو هذا الأفق الممتد المتنامي الذي ينأى عن القياس، أو التحديد، والتقييد، والتقعيد، وأنا لا اعتمد الذائقة الأدبية فقط في تلقي النص الإبداعي، هناك عمل مكثف أقوم فيه حتى يمكنني تلقي النص، وفك شفيراته المستعصية التي تبدأ، وتنطلق أساساً من حبي للنص المنقود، من خلال استفزازه لي لإملاء النص، بالرؤى، والتقنيات، والمؤثرات الإبداعية التي تتسع، وتتسع، لتجعلني دائماً اكتشف جديداً به ؛ولهذا أنا أعشق النصوص الإبداعية الصعبة التي تتطلب قوة في الطرح، والتفافاً في الرؤية، وكثافة في تنويع الرؤى، والدلالات، والرموز، وأرى في كل رمز اكتشفه تحدياً لمهارتي، وإبرازاً لها، ولهذا أنا أحتفي بكل ما يحرك في الحساسية الجمالية، ومهارة الاكتشاف، ولذلك، أنا لا أنظر إلى النص المنقود على أنه نص أحادي.. في رؤاه، ومنظوراته، ومحاوره، .. أنا أراه غابة متشعبة الرؤى، والدلالات، والاتجاهات؛ ولهذا أخوض فيه، وأنا أعلم أن اكتشافاتي على النص ينبغي أن تضيف ما هو جديد للنص، وإلا لا قيمة لكل ما كتبت، ولا قيمة في كل ما اكتشفت. ومن هنا لا يمكن أن يحقق الناقد رؤية نقدية خلاقة إن لم تكن ثمة إضافات مهمة على النص، وما من ناقد أو قارئ مهم إلا وكانت له إضافاته المميزة في الرؤية، والاكتشاف، ودقة الحكم النقدي، ولهذا، فإن من يشتغل في حقل النقد التأسيسي المؤثر يعي أن النقد مجازفة ليست رابحة على الدوام، وليست خاسرة على الدوام كذلك، إنها دائماً صراع بين ا (لقارئ المبدع) و (النص)، ومتى وصل الناقد إلى أحكامه الدقيقة التي تكون مستخلصة من عمق النص لا مسقطة عليه من الخارج؛ فمعنى ذلك أنه حقق قيمة نقدية قرائية تضيف إلى النص، ولا تكون عائقاً أمام تلقيه، وإنما تخلق متعة التلقي، لأن القراءات التي تضيف هي التي تثري النص، وتغنيه، وتغذيه للاستمرار في ركب الحياة المتصاعد، وتمنحه الخصوبة دوماً، ومن يبحث عن الإضافات المهمة على النصوص الإبداعية المؤثرة فلن ينسى الإضافات المبتكرة لصلاح فضل خاصة كتابه  (أساليب الشعرية المعاصرة)، واللمسات النقدية الساحرة من الناقد محمد العبد في كتابه  (إبداع الدلالة) وغيرهم كأمثال: وشكري عياد، محمد لطفي اليوسفي، وحاتم الصكر، وعلي جعفر العلاق. ولا ننسى لمسات المبدع الخلوق محمد صابر عبيد، وحساسية المبدعة الناقدة الجليلة بشرى البستاني- ودرتنا الأنثوية في النقد الجمالي السوري خلود ترمانيني.

وأعتقد بأن ما قدمته من إضافات جديدة في أعمالي النقدية المتتالية عن نصوص الشاعر السوري الكبير بدوي الجبل ما شكل إضافة قد تكون مهمة على فضاء نصوصه الشعرية. وباعتقادي أن الناقد الحقيقي لا يضيف إلى النص فحسب؛ وإنما يولد فيه بذرة الشعرية الخامدة في باطنه من جديد. ولهذا، أنا أعتز وأفخر بما قدمته من إضافات ورؤى جديدة لقصائد حميد سعيد، ويحيى السماوي، وعلي جعفر العلاق، وجوزف حرب، وأعتقد أن القارئ العربي المنصف سيعي ذلك ويقدره يوماً ما؟!!

أما عن سؤالك فيما يخص النصوص الإبداعية التي تثيرني فهي- بالتأكيد- تلك النصوص التي تحفر في العمق، ولا تقف حدَّ التنميق الصوتي، وجسدها اللفظي، فهذه النصوص ذات فقاعات سرعان ما تتلاشى، كرغوة الصابون، أو كغثاء السيل، وأنا أعتقد أن من يشتغل على هذا الجانب اللفظي في شعريته هو شاعر الطبقة الدنيا، أو شاعر الجمهور الساذج الرائج هذه الأيام، الذين يتهافتون إلى الرقص، والغناء، والنمذجات الموسيقية التي تلبي جنون الحالة الشعورية، دون وعي إبداعي وحفر فكري في العمق، أو دون الولوج إلى عمق الإبداع ورحمه الحقيقي، والشعر ليس متعة جمالية فحسب، وإنما ثقافة روحية ممزوجة بجمالية التخييل، والفكر الخصب في إنتاجها والمنفتح في أفقه الإبداعي، وما يهم دائما وأبدا ليس الإيقاع الصوتي المموسق أو المصطنع، وإنما روح الإبداع والموسقة الفكرية التي تُحَمِّل النص أبعاداً، وفضاءات جديدة مبتكرة، ورؤى، ودلالات لا تنفد، وأنا أعجب بالنصوص التي تتعدد فيها الرؤى، والمعاني، والدلالات وقد أقف مهزوزاً أمام النصوص السهلة، أو المتداولة بكثرة، وأجد نفسي عاجزاً عن إضافة كلمة واحدة إليها، لأن أدواتي - كما أدعي- تغوص في بواطن الأشياء، ولا تهتم بالمظاهر والظواهر السطحية التي يرتادها غيري بسهولة ويسر، في حين فإني أرى أن البحث عن رؤى جديدة، ومداليل عميقة تحفزني دائماً للحفر، والكشف، والارتياد الدائم لهذه النصوص المغلقة أوالنصوص التي يكتنفها الغموض لدرجة كبيرة .فمثلاً في كتابي الموسوم::  (شعرية الاغتراب في شعر حميد سعيد) هو كتاب مخطوط اكتشفت قضايا ودلالات في نصوصه مهمة تبدت لي في هذا الجانب، وما اكتشفته في هذا الخصوص قد يجعلني من أبرز من تحدث عن هذا الجانب في الإبداع، لكن رغم ذلك فما زالت أبحث عما هو كامن في روحي تجاه النصوص الإبداعية التي أرتادها، ودائماً تغريني التجارب المتطورة، تلك التجارب التي تتطور، وتتنامى كثيراً: كتجربة الشاعر حميد سعيد، ولا أبالغ بأن نصوص هذا الشاعر العراقي الكبير تحفزني للكتابة فيها على الدوام وقد أكرمنا الله بكتاب جديد وطرح متجدد في كتابنا:  (سيميولوجيا اللغة والفن في شعر حميد سعيد) وهو خلاصة ما قدمت من رؤى جديدة حول تجربة هذا الشاعر العراقي المهم.

أما احتفاء التلفاز بما أنقد فهو حفزني إلى الاشتغال على أدواتي بعمق ودراية فيما بعد، ملَّكني الثقة بنفسي وأدواتي.. خاصة في أوج الهجمات الشرسة على كتاباتي في تلك المرحلة العصيبة.. فقد ردَّ إليَّ الروح، والثقة بالنفس، وعلى الرغم من أن النقد على الشاشة الصغيرة كان يصب في مجرى النقد الأحادي أو النقد الانطباعي الذي تجاوزته إلى العمق فيما بعد، وأرغب دائما أن اكتشف ذاتي ومهارتي وقدراتي الإبداعية، ولهذا تصادمت مع الكثيرين مما نقدت أعمالهم شفهياً، ولم أحاول أن اتجه إلى الغث من الشعر لئلا أجرح أحداً، وأنال بأدواتي الجارحة الصارمة بعض التجارب، فتموت وتتلاشى. وأعتذر من أولئك، لأني لا أستطيع أن أتفاعل نقدياً مع النصوص التي لا تثيرني إبداعياً، وأنا أحب الاشتغال على أعمال شعراء أحياء لأني أحب أن أعاشرهم على الصعيد الشخصي لأكتشف هل هم كنصوصهم الإبداعية في مستوى جمالها وتحليقها الروحي.. فإن كانوا غير ذلك لا أستطيع أن أتفاعل مع نصوصهم الشعرية.. فأنا لا أدرس النصوص الإبداعية التي تأتي من نفس متخمة بالنرجسية المرضية في تصرفاتهم الإنسانية، أو نوازعهم المرضية كالحقد، والحسد، والكره، والضغينة، ولهذا، لم أستطع أن أتفاعل مع القميئين أو الدنسين في الوجود.وأكره ذكرهم فكيف معاشرتهم.. أو حتى النظر في شأن إبداعهم. وهذا شأني في النقد وشأني في تلقي الإبداع، والحفر، والكشف فيه.

أما بشأن النقد . لنتاج الشاعر سعد الدين كليب فأقول لك: النقد أمانة، وليس سلاحاً ننال به خصومنا، نطعن في هذا ونمجد ذاك . إن ركيزة الناقد المبدع أو الناقد الحصيف المخلص لأدواته هي قيمة النتاج الأدبي الماثل بين يديه إبداعياً، ولهذا، ابتعدت عن نتاجه مسبقاً؛ لإيماني أن الجمال الداخلي أهم بكثير من النتاج الإبداعي، لأن الإنسانية قيمة وجوهر.. وجوهره يكمن في قيمه الإنسانية النبيلة، وخلقه القويم. وإخلاصه لرسالته الإبداعية، وقد حاز عندي سعد الدين كليب درجة الصفر إنسانياً وإبداعياً ولو- على سبيل المثال- مجده شيخنا في النقد صلاح فضل، لأنه ارتضى لنفسه أن يكون من شلة المدمرين، والقتلة، والمجرمين، وأمثال هؤلاء لا يستحقون النظر إليهم فكيف إلى نتاجهم الأدبي أو النقدي.. وإن الالتفات إليهم- ولو كلمة- فمعنى ذلك أن هذه الكلمة فقدت قيمتها وفقدت وجودها وجوهرها الإنساني. واعترف أن سعد الدين كليب كان المدية التي طعنني بها الدعي المجرم أحمد محمد ويس من الخلف، بمساعدة عميد الكلية المبجل أحمد محمد قدور- بجَّله الله بسوط من نار الجحيم. . وكنت أقول في سري: واخجلاه من بلد لا ينصف مظلوميه من ظالميهم.

وأكرر وأقول: سواء صدق معاناتي القارئ أم لم يصدق.. لا يهمني الأمر كثيراً.. المهم أن أعلن صرختي إلى الملأ في وجه أولئك الظالمين .. وأقول لكل من له قلب أو ألقى السمع وهو بصير: إن الطائر الجريح لا ينتفض إلا من شدة الألم.

 

2- هل ستعود إلى سوريتك إذا أنصفتك يوماً؟ ومنحتك حقك المسلوب؟!!

- أنا قلت إن سورية هي بمثابة الأب الظالم أو الأم الظالمة مهما اشتد ظلم الأب على ابنه لا يستطيع هذا الابن البار إلا الانحناء لهما احتراماً... ودماء حبي لوطني وسوريتي يغلي في عروقي، لكن.. بعدما أيقنت أن أبي سيستمر بظلمه وأمي كذلك. سأحمل صرة ملابسي وأحزاني على ظهري وأبحث عن وطن وأهل وحبيبة، وأقول وداعاً يا أبي الظالم ويا أمي الظالمة، وداعاً يا سوريتي وغرفتي الوحيدة سأبحث عن بلد حنون يهبني غرفتين، وحبيبة تمنحني ودادها، وأكتب بقطرات دمائي  (سوريا).

 

3- ما هو موقفك من مسألة النص المفتوح والمغلق؟ وهل يمكن أن نقول إن ثمة إبداعاً منفتحاً أو مفتوحاً وإبداعاً مغلقاً أو منغلقاً على نفسه رؤيوياً أو مقفلاً فكرياً؟!! وهل تتحقق هذه المعادلة في الإبداع الحقيقي عموماً؟!!

 - الإبداع مفتوح كانفتاح الحياة.. والنص الإبداعي الحقيقي هو النص المفتوح، أو النص المنفتح؛ والنص المنفتح بحاجة إلى قارئ منفتح .. وهذا القارئ المنفتح هو الذي يتفاعل مع النص، ويحلل النص تبعاً لأفقه المفتوح المتنامي دوماً، والانفتاح لا يكون في الفكر والرؤية فحسب؛ وإنما بالمرجعيات الرؤيوية والثقافية التي يختزنها، والتي يفجرها، وقارئ النص الفعال هو الذي يحيي النص، ويهبه استمراريته، وتجدده- على الدوام – وباعتقادي: إن (أمبرتو إيكو) أول من طرح هذه المسألة المهمة عالمياً (النص المفتوح/ والنص المغلق) في النظرية الأدبية الحديثة.

وبتقديري: إن مواجهة النص مواجهة فعالة لا تتحقق بفاعليتها القصوى إلا عندما يستطيع المؤول أو القارئ المنفتح أن يضيف أبعاداً رؤيوية ودلالية وجمالية جديدة إلى النص؛وهذا يعني أن القارئ الناجع هو الذي يحقق للنص الأدبي الماثل بين يديه خلاصة معارفه، وخبراته المكتسبة، وتظهر هذه الخبرات مجتمعة بمقدار فاعلية الإضافة، وأهميتها في إثراء النص، وتناميه جمالياً، ولهذا، تبقى مسألة النص المفتوح والنص المغلق مسألة نسبية في الإبداع؛ ولا نبالغ في قولنا: تبقى في حجم الإبداع ذاته والرسالة المتعلقة به أو المخصصة له، فالقارئ الفعال هو الذي يطور رؤية النص، بل هو الذي يغني دلالات النص، ويثريه برؤى جديدة، ومدلولات خبيئة مستكنة في أعماقه.

 وبمنظورنا: بمقدار سموق النص الإبداعي، ودرجة حساسيته الرؤيوية والإبداعية يحقق درجة عليا من الجمالية، والخلق الفني، والعمق الفكري، والرؤيوي بشكل يؤكد قيمته الإبداعية، وانفتاحه، وحراكه الإبداعي الفني والجمالي المستمر، ولهذا؛ لا يحلق النص في إبداعه وسموقه الجمالي إلا بانفتاحه على القارئ من خلال قوة الرؤية التي يمتلكها القارئ، أو المؤول الناجح، وكم من النصوص الشعرية الإبداعية لم يخلدها إلا انفتاحها الرؤيوي، وتقبلها لعددٍ لا متناهٍ من القراءات، ولهذا، فالقارئ الخلاق المبدع هو الذي يغني النص بأفقه، ورؤياه، ومنظوراته الإبداعية الخلاقة، ويحقق المتعة الجمالية، ولهذا، لا يحقق النص الإبداعي سموقه واستعلاءه الجمالي إلا بانفتاحه الرؤيوي، وحراكه الدالي والمدلولي المفتوح على الدوام، ومن هذا المنطلق، يخطئ من يظن أن الانفتاح النصي هبة تعطى لأي نص إبداعي، إنها قيمة تنبع من باطن النص، من جوهره الإبداعي، وليست مسقطة عليه من الخارج، لا من قريب أو بعيد .

 وبتقديرنا، لا يمكن أن يحقق النص رؤيته الانفتاحية إلا من خلال الفكر المنفتح، والرؤية الخلاقة المتوهجة؛ وبمنظورنا: إن النصوص الإبداعية المغلقة هي النصوص التي لا تقبل الانفتاح، ولا تنفتح برؤاها .. وتبقى في عزلتها الإبداعية؛ وهذا يفقدها الكثير من بريقها الإبداعي، إن لم يفقدها رصيدها الفني لأن ما هو فني اليوم قد يفقد هذه القيمة بمرور الزمن لتحل قيماً أخرى ورؤى مغايرة في مضمونها ومكنونها الإبداعي. وكما قلنا لا يمكن أن تتحقق معادلة العزلة على الفن الإبداعي الحقيقي لأن الفن سيبقى منقوصا بانعزاله عن قارئه ومؤوله الفعال الناجع. وكم من النصوص الإبداعية لم ترتقي إلى درجة من الفكر والخلق الفني إلا بفضل انفتاحها وخلقها الفني الجمالي المؤثر، وبتقديرنا إن الفكر المنفتح هو الذي ينتج النص المنفتح، والفكر المنغلق هو الذي ينتج النص المقفل المنطوي على ذاته، وهذا ما يوقع القارئ في حيرة وتساؤل مفتوح كيف يكون الإبداع مفتوحاً؟!!، وكيف يكون مغلقا؟!! لا يمكن أن يكون الإبداع مفتوحاً ومغلقا في الآن ذاته، فالإبداع هو خلق دائم وحراك إبداعي مستمر، وصيرورة دائبة من الوعي، والرقي الإبداعي، ولهذا، تبقى هذه المسألة الشائكة في تشابك وتداخل مع تطور كل تجربة إبداعية؛ وبمقدار تقبلها للقارئ بنجاعة وفعالية مؤثرة تسهم في إغناء الرؤية، وتخليقها جماليا .

 

4- ما هو مفهومك للحرية والالتزام في الإبداع؟!! ومتى يكون الإبداع حرا؟!! ومتى يفقد الإبداع سمة الحرية؟!.وقد طرحت هذا الموضوع في حوارك للكثير من الشعراء في كتابك  (ملفات حوارية في الحداثة الشعرية)؟!! كيف تنظر إلى الحرية في الإبداع قبل الحرية في الحياة؟ وهل عشت الحرية فعلاً وواقعاً ممارساً أم أنك مضطهد، ومستلب عشت الحرية في أحلامك ومخدة عشقك الحياة في مرحلة من المراحل؟ هل تنفست الحرية وشممت عبقها؟!! ومن هؤلاء الذين يستحقون الحرية وهل يمكن أن يكون الإبداع حراً من منظورك؟!! ومتى يفقد الإبداع هذه الحرية؟!!

- أقول بصراحة: الحرية متنفس الوجود كله، وليس فقط متنفس الإبداع، ومن لا حرية له لا قيمة وجودية أو إنسانية له. وأرى أن الحرية ليست فقط حرية فكرية، وإنما حرية وجودية.. أن تعبر عن الحياة والوجود بعيدا عن الإيديولوجيات، والقوانين، والأعراف، والمعتقدات، أي حرية نابعة من إنسانية الإنسان وتكريس هذه الإنسانية؛ ولاشيء سواها؛والمبدع الحر هو المبدع القادر على التعبير عن شتى المواقف، والأحداث دون حواجز أو قيود، وهنا؛ تختلف طريقة ممارسة كل مبدع لحريته، فالحرية هي التي تولد الإبداع المؤثر، أو الإبداع الخالد، أو المواقف الاستثنائية؛ ومن لا حرية له لا إبداع. وهذا يدلنا على أن الحرية في الإبداع مسألة تبقى في قيد الطرح، وتبقى في قيد التداول، وتبقى في قيد الإحساس، وفي قيد الشعور، والمبدع الحقيقي لا يكتب إلا من فكر حر منفتح في رؤاه، وخصائصه، ومواقفه، وأحاسيسه الوجودية، والمجتمع الحر هو الذي يؤهل التربة الحقيقية للإبداع، وهذا يعني أن الإبداع حرية في الممارسة، والإحساس، والموقف الفكري، وللتحديد أكثر نضع ثلاثة ركائز للحرية في الإبداع أو للحرية في خلق الإبداع أو في خلود الإبداع، وهي:

1- الحرية ممارسة وفعل لا رؤى خارجية ومواقف رؤيوية هشة:

- الحرية في الإبداع ممارسة إيجابية لا مواقف سطحية عائمة أو خارجية، وهذا يعني أن الفكر الإبداعي المؤثر فكر منفتح في المواقف، والرؤى، والإحساس، والشعور، ولن يرقى الإبداع إلا بالسموق الفكري، والإحساس التأملي، والموقف الوجودي، والحرية التعبيرية.. وممارسة الحرية في الإبداع تعني أن يكون الإبداع رهين فكره، وحضارته، وإحساسه وجوديا، والحرية ليست في شكل الموضوع المطروح وإنما بالكيفية التعبيرية، والحساسية الجمالية في طرح الموضوع، والارتقاء به فنياً أو جمالياً.

 

2- الحرية خلق عوالم وفضاءات مبتكرة. لا فضاءات مرتادة

إن الفكر الإبداعي الحقيقي فكر حر، وطريقة التعبير عنه تكون جديدة وحرة كذلك، وتكون متاخمة لكل ما هو مؤسس، وواع، وقادر على التغيير، والحرية في الإبداع ليست جرياناً وانفتاحاً في القول على غاربه، وإنما هي حيازة لعوالم مبتكرة؛ والشاعر الحر، ليس هو الشاعر الفوضوي العبثي في رؤاه، وأفكاره، وعوالمه الوجودية، إن الفكر الحر هو الفكر المتنامي في حركته، وتحليقاته الإبداعية، وهو من مثمرات الرؤية الفنية المحلقة في سماء الفن، ولولا الفكر المتقدم المنفتح لما شهدنا الحضارات المزدهرة والفنون المتطورة؛ ونكرر دائماً، الحرية في الإبداع والفكر من ضرورات الوجود، ومن ضرورات صناعة الحياة وخلق الإبداع المنفتح المتطور.

 

3- الحرية متنفس وجودي إبداعي حر في الابتكار والتخييل الفني الجمالي:

الفن الإبداعي الأصيل لا يأتي إلا من فكر منفتح في خياله، ووجوده، وكيانه، وجسده المبدع، وهذا يعني أن الفن في عمومه حركة كونية منفتحة في حركتها، وخيالها، وتخييلها الذي ترتقي به فوق حدود الممكن والمحتمل إلى فضاء رؤيوي مفتوح. والحرية هي مختبر الإحساس بالجمال، والوعي الجمالي، أو الفكر الجمالي، وهذا الفكر لا يأتي إلا منتوج خيال خلاق وإحساس شعوري دافق بالحساسية، والشعور، والوعي الإبداعي الخلاق المنتج.

ووفق هذا التصور، فإن المختبر الإبداعي الخلاق أو المثمر لا يأتي إلا منتوج روح خلاقة مبدعة تسعى إلى اختراق الحدود الجزئية إلى فضاء عميق، في الحساسية، والرؤية، والخيال، وأنا من عشاق النصوص التي تجري متكاملة في فكرها وإحساسها وخيالها الجموح الذي ترتاد به الأفق بعمق ووعي ودراية، وهذا هو باختصار الفن الحر الذي لا ينتج إلا عن نفس مشبعة بالحساسية والوعي والجمال والحرية في أوج تألقها الفني الخلاق في النص.

وصفوة القول: إن الحرية هي شرط من شروط الإبداع المحلق (الخالد)؛ وهذه الحرية ليست حرية سياسية أو اجتماعية، وإنما حرية إحساس جمالي، وحرية التعبير الجمالي عنه، و الفكر الجمالي المنفتح في رؤاه ومشاعره.. الحرية ليست ماثلة إلا في جوهر الإبداع وشكله وقيمته ولا يمكن أن يكون الإبداع حراً مؤثراً؛إلا إذا كان فاعلاً في تحريك الفن وإثارة جماليته.

 

5– المرأة في حياتك هل لها تأثير سلبي على إبداعك أم تأثير إيجابي؟ وهل أنت سعيد مع الأنثى أم إنك قتيلها أسى ومرارة وظلماً. وما هي الصفات المثالية في المرأة التي تأمل أن تعيش بقية فترات عمرك معها؟!!

- للأسف المرأة في حياتي كانت قاتلتي في كل شيء.. فهي في وجودي كانت مع ألد أعدائي، خاصة زوجتي التي عشت معها فترة من الزمن نلت منها شتى أنواع الضنك والظلم والقهر؛ وكانت دوماً تشدني إلى الوراء فهي مجرمة. كإجرام أولئك السفلة المذكورين؛ فهي تنال مرتبة الشرف الأولى في الغباء . تكرر الخطأ (1500) مرة، وتطمح إلى المزيد. وباعتقادي أن المرأة الصالحة المحبة تزيد من درجة إبداع المبدع، ومن تحليقه الإبداعي، ولا أبالغ في قولي: المرأة الحنونة النابضة بالأنوثة، والخصوبة، والجمال هي لوحة فنية - بحد ذاتها- ، وللأسف كانت لوحة مشوهة في حياتي. ودائماً أقول في سري: ملعونة دنيا لا تسكنها امرأة جذابة تسكرك بحنوها، وتمتص ببريق عينيها ضنك الأيام، وعجاف السنين. وأجمل ما في المرأة خفة الروح، والذكاء، والغنج، والدلال، والرهافة، والحساسية والخلق القويم... ولا أخفيكِ رسمت صورتها في قلبي مراراً.. لكنها للأسف لم تأتِ.. انتظرتها طويلاً حتى جف قلبي، وجفت محبرة دموعي بحثا عنها. لكنها مع الزمن تحولت إلى رماد ... وقلبي صار أسطوانة قديمة مشروخة لا تصلح إلا للعنين، والنغم المشروخ من الأعماق.

 وباعتقادي: إن المرأة أهم مشروع في الوجود والحياة؛ لدرجة تساويها . فمن ظفر بامرأة حلمه . نال الوجود بأسره. ويشعر من يمتلك هذه المرأة، وكأن العالم بأسره طوع بنانه، ومن خسرها خسر الحياة، وخسر وجوده، وإحساسه الجمالي، وللأسف أنا خسرت أهم مشروعين في حياتي  (الزوجة الصالحة)، ودرجة الدكتوراه. وكما قال أحد العظماء: امنحوني امرأة أمنحكم فكر العالم وحكمته. ولذلك، أعلم أن اشتغالي النقدي المبدع مازال بعيدا عني . لأني خسرت المرأة الحلم، أو المرأة الذكية المثقفة التي تشاطرني الحياة، وخصوبة الإبداع . وأنا أؤكد صحة المقولة الشائعة : (وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة وأضيف وراء كل مجتمع فاشل امرأة فاشلة,, وأكثر ما يميتني في المرأة الغباء، والكذب، والخيانة، وأكثر ما يغريني فيها الذكاء، والأناقة، والغنج، والتمنع، والدلال، والفطنة. وفي ظني: إن المرأة التي أبحث عنها – بالتأكيد- ليست مما رأيت أو صادفت في حياتي إلى الآن .

ودائماً أكرر مقولتي الشائعة: ندخل عالم النساء لنرتوي فنخرج من هذا العالم أكثر ظمأً من الأول، والنساء بستان ورود ما إن تشم عبير امرأة حتى يغريك عبير امرأة أخرى برائحة مختلفة وعبق جذاب آسر، وهكذا، يحيا الفنان أو المبدع رحلة عذاب واغتراب دون أن يُحَصِّل من الورود إلا الأشواك، ومن النساء إلا الأطياف، والأحلام، والأخيلة.

 

6- هل المرأة- الآن- مثبطة لإبداعك أم محفزة له؟

- المرأة ليست مثبطة لي، بل قاتلة لنبض الجمال في وجودي، وإحساسي، وأنا خاسر في هذا الشق المهم من الحياة... وأعترف – وأقول بصراحة - أخاف على قارئي من مصيبتين مريرتين لدرجة العلقم، هما الزوجة السيئة، وضنك المرض، كلاهما لا يرحمان .وكلاهما مميتان (لعنت الله عليهما، وسلم قارئي منهما).

 

7- متى يكون الشعر فناً خلاقاً؟ ومتى يكون غير ذلك؟!! أي متى يكون الإبداع فناً جمالياً؟!! ومتى يفقد فنيته؟!!

-  الإبداع لا يحقق فنيته، وخصوبته الجمالية إلا عندما يمتلك قوته الإثارية وتقنياته الفنية، المتوالدة على الدوام، ونقول: إن الكثير من النصوص الإبداعية ساكنة في تقنياتها أو سكونية في هذه التقنيات، وهذا يعني أن الإبداع قد يكون سكونياً؛ في بعض مؤثراته؛ وقد يكون متحركاً في بعضها الفني الآخر؛ تبعاً للقيم الجمالية التي يفرزها كل نص يملك قيمه الفنية العظمى، وأقول: ليست كل النصوص الإبداعية متحركة في فنياتها، وأكرر: إن الكثير من النصوص الإبداعية رهينة زمنها دون أن تتجاوزه إلى أزمنة أخرى، وهذه الأعمال هي الأعمال السكونية، أو الأعمال اللا متطورة في تقنياتها؛وشتان مابين الأعمال الإبداعية المتطورة التي تتزيا بالتقنيات الفنية التوالدية على الدوام، والأعمال السكونية التي تبقى في حيز زماني آني لا تتجاوزه بقليل؛ والنصوص الفنية الإبداعية الخالدة هي نصوص متطورة في تقنياتها، أو هي نصوص، منتجة لهذه التقنية، ومحركة لإيقاعاتها كافة، ومن هنا؛ يمكن القول: إن الفنون المبدعة أو الخلاقة في إبداعها، هي المتغيرة في تقنياتها الفنية، والمحركة لإيقاعاتها التشكيلية، وإن أي فن من الفنون لا يستمر ولا يخلد إن تحددت تقنياته، وظلت ثابتة راسخة، فالنصوص المبدعة التي تتجاوز نطاق أزمنتها - دوماً- هي نصوص خلاقة متغيرة؛ وهي نصوص متطورة، باختصار هي نصوص حداثوية في الجوهر، والقيمة، والرؤية، والفن المتآلق هو الفن الخالد في جميع قيمه، ومرتكزاته الرؤيوية، ولهذا؛ لا يسمو النص الشعري، ويحقق قيمه إن بقي رهين لحظته، وتقنياته المنتهية، أو تقنياته الموضوعة لزمنها، وهذا يعني أن النصوص الفنية المبدعة هي التي تسبق زمنها إلى أزمنة أخرى، وتتحرك على أكثر من محور، وتزدان بالرؤى، والقيم المتوالدة على الدوام . ولهذا، شتان ما بين النصوص الإبداعية التي تقبع في زمنها متحجرة به، والنصوص الإبداعية التي تتجاوز أزمنتها إلى أزمة أخرى بفضل توالدها التقني وحراكها الرؤيوي والفني على الدوام، ولذلك، تبقى مسألة الإبداع الخالد، والإبداع المتلاشي أو المنتهي بحسب طاقة التخييل العالية، والقيم الفنية المتوالدة على الدوام، والتي لا تنتهي أو تشيخ.

 

8- أنت تشتغل على نفسك كثيراً لدرجة الإرهاق ما هي خواطرك ورؤاك النقدية في ظل هذا النشاط المكثف المحموم الذي نراه على صفحات المجلات الإلكترونية؟!!أي نلحظ أنك تنفق جهدك كثيراً فيما لا طائل منه على المستوى المادي؟!! وأنت كناقد سوري تعاني ظروفاً مريرة من الضنك والعسر خاصة بعد دمار منزلك ومكتبتك؟!!

- أنا أرى النقد رسالة .. وأعيشه ممارسة.. وأضحي بالغالي والرخيص لأداء هذه الرسالة، وأنا قلت ليس لدي أي مطمح في مكسب مادي أو معنوي ينالني من مؤسسة ما أو دولة، أو منبر ثقافي.. أنا أكتب للقارئ المثالي الذي وقف معي من سابق في قمة العاصفة الهوجاء التي شنت ضدي في جامعة حلب، وأعترف أن ثمة أسماء ساندتني للتماسك والصمود، فكانوا أخوة وأصدقاء وأحبة أبرزهم الناقد العظيم العلامة خليل موسى والناقد عبد الله أبو هيف والناقد ياسين الأيوبي، والناقد محمد صابر عبيد، والناقد علي جعفر العلاق، ولا أنسى كلمات الدكتور جودت إبراهيم المشجعة وغسان غنيم، وعبد الكريم الناعم.. فهذه الأسماء أدركت قيمة ما أكتب، وشجعوا ما كتبت عن تجاربهم، من حيث القيمة، والأهمية، ولهذا، صمدت أمام هؤلاء الظلمة، وجعلتهم ورائي ومضيت، وأعلم الآن أنهم أشد خزياً، وانهياراً، وخنقاً من ذي قبل؛ لأنهم ظنوا أنهم قضوا علي بادعاء اتهم المخزية على الشبكة الالكترونية، وأكدت صمودي سدا منيعاَ في وجه مؤامراتهم، طيلة عشرة سنوات ماضية أصدرت خلالها الكثير من الكتب التي نفدت طبعتها الأولى في غضون ثلاثة أشهر، نظراً لقيمتها، وأذكر من هذه الكتب: بدوي الحبل بلاغة القصيدة وتشكيلها البصري التي نفدت في غضون شهور قليلة. وكتاب القباني وثقافة الصورة.

أنا أشتغل دائما على نفسي، لأني ما عدت أطمح سوى أن أمضي بقية عمري مع صاحبي قلمي ودمعتي، لأكتب للقارئ كل ما حصلته من خبرة معرفية في سبر أغوار النص الشعري، وقد قلت من سابق لو تعاطف معي العالم فرداً فرداً لن يردوا لي زمني الضائع وأحلامي التي دفنت في صدري، ولو اجتمع ضدي العالم بأكمله فرداً فرداً لن يثنوا من عزيمتي، وجسارتي، وإصراري على تقديم بصمتي للقارئ؛ بصمة الإخلاص، والود، والمحبة، وكل ما أنشره على النت من مقالات في مجلات مختلفة: هي مجانية ولا تمنح أية مكافأة لأحد.وأذكر من هذه المنابر هي: (ديوان العرب) ومجلة (الكاردينا) ومجلة  (بصريانا)، وأفتخر بالنشر فيها، لأنها تنشر الكلمة الصادقة المبدعة دون أن تأبه إلا بالإبداع، ولا تهتم بالشائعات، والهجمات العدائية من هنا وهناك، وأتمنى من جميع المنابر الثقافية المحترمة أن تنظر إلى المواد النقدية وقيمتها، وسويتها الإبداعية؛ فهي الفصل في الحكم على جودة الناقد، وقيمته، وليست الإشاعات المغرضة من أولئك السفلة الذين يضربون في هذه الموهبة أو تلك كشلة الويسي، والقدوري والكليبي ..لا بارك الله في هذه الشلل التي لا تمت إلى الثقافة بأية صلة، ولا تمت للإبداع الحقيقي بأي رابط أو دليل.. ورحم الله من عرف إمكانياته فطورها، وفجرها في اللحظة الحاسمة، ولم يستسلم للمثبطين الذين لا يشتغلون إلا في الظلام، ولا يعيشون إلا على ضحالة الأشياء وقمائتها كنفسهم القميئة المريضة التي استكانت لبهرجة الأنا المفخمة، دون رادع أو وازع من ضمير.

 وأنا أقاوم شتى الظروف القاسية لإيصال كلمتي للقارئ، بصدق، وشفافية، وقوة تعبير، ومن أجل ذلك، عمدت إلى تكثيف نشاطي في التحليل النصي، وتركيز أدواتي صوب القضايا والظواهر الأسلوبية الفاعلة في تحريك الشعرية من كل الجوانب.

 

9- متى يكون الناقد مبدعاً ومتى يكون مقلداً أو تقليدياً؟ وهل ثمة نقاد مبدعون كإبداعهم الشعري، ومن أهمهم؟!! وأين أنت منهم بوصفك شاعراً كثبت قصائد كثيرة لدرجة أن الإبداع الشعري لديك لا يقل أهمية عن إنتاجك النقدي.. لماذا أغفلت إبداعك الشعري الخلاق في هذا الجانب؟ واكتفيت بالنقد؟!!بمعنى أدق : لقد ضيقت أفق إبداعك المحموم؟ ولو أردفته بنتاجك الشعري لكنت أكثر شهرة وأعمق تأثيراً في قارئك؟!.

- أنا أتنفس الشعر، وأعيش معه لدرجة أن إنتاجي الشعري يفوق في سويته الإبداعية النقد الشعري الذي أمارسه؟!! ولن يظهر للقارئ في هذه الآونة لأن ثمة قضايا أدبية ونقدية تستفزني وتجرني إلى عوالمها وفضاءاتها النصية المغرية، وكل ناقد إبداعي مؤثر؟!! لابد أن يسكن في أعماقه شاعر أخرس، هذا الشاعر لابد أن ينطق في حينه، وأنا ولدت كشاعر، وعشت التجربة النقدية كشاعر، ولست كناقد فحسب، وهذا ما يدركه المبدعون الأذكياء الذين تناولت قصائدهم بمبضع شعري، وإحساس شاعري، فأنا منذ السنوات الأولى في الجامعة قدمتني الجامعة كشاعر وليس كناقد، ونظراً لمحبتي وإخلاصي للنقد، جرني إليه، وأبعدني عن عالمي الروحي، وكان عشقي للفتاة المصرية (شيرين) نقطة تحول في حياتي، وكتبت في عينيها أجمل القصائد وأصدقها، وأهديتها كتابي النقدي عن  (أدونيس)؛ وعلى الرغم من أن عشقنا لم يكن إلا بتبادل النظرات، في رحلة لم تدم أكثر من عشرة أيام ... ولهذا؛ تفجرت ينابيع الشعر لأكتب ديواناً ضخماً، وكلما أقرأ قصيدة أستعيد نظراتها، ويفيض نهر الشعر..

باختصار، كل النقاد المؤثرين عربياً هم شعراء، مارسوا الشعر وأحسوه كما أحسوا النقد ومارسوه.. والأمثلة على ذلك كثيرة، وللتدليل على ذلك سنعدد الأسماء النقدية- الشعرية المهمة التالية:

أدونيس ناقد كبير وشاعر عظيم

علي جعفر العلاق شاعر وناقد

محمد صابر عبيد شاعر وناقد

بشرى البستاني شاعرة وناقدة

نازك الملائكة شاعرة وناقدة

خليل موسى شاعر وناقد

عز الدين المناصرة شاعر مهم وناقد أهم

نزار بريك هنيدي شاعر وناقد

غسان غنيم شاعر وناقد.

وليد مشوح شاعر وناقد

ياسين الأيوبي شاعر وناقد

إذا، النقد والإبداع صنوان لا يفترقان، وأنا أرى أنهما متصلان لا منفصلان، فالشاعر في داخله ناقد أخرس، والناقد في داخله شاعر أخرس، ولهذا، نجد أن الكثير من النقاد هم –بالأصل- شعراء، لأن النقد لا يأتي إلا من ناقد مبدع حساس متمرس يعي مداميك الكلم، ومواطن استثارتها وإثارتها.. ومن فهم هذه المعادلة فهم حقيقة الإبداع، وقيمه، ومتغيراته الوجودية ؛وفهم كذلك كيف يكون النقد مبدعاً؟ وكيف يكون تقليدياً، ومن نفسه مشبعة بالحساسية الإبداعية فلابد أن يأتي نقده مبدعاً كذلك، وأنا أرى النقد الحقيقي هو النقد الذي تفرزه نفس مشبعة إبداعاً وإحساساً جمالياً، وهذا الإحساس لا يأتي إلا من ينبوع التجربة الإبداعية ورحيقها ومنهلها العذب.

 

10- ما هي رؤيتك للاغتراب الفني؟ وهل الفن بمنظورك لا ينتج إلا عن قلق واغتراب؟!! ومتى يكون الفن مغترباً؟ وأدواته مغتربة؟!!

أولاً أشكرك يا أختاه- على هذا السؤال الذكي وأشكر فهمك لهذه المسألة الحساسة في الإبداع.

- لا يكون الفن فناً – بالأساس – إلا إذا كان مغترباً في رؤاه، وتقنياته الفنية، وحسه الإبداعي المميز، والفن الحقيقي هو منتوج روح حساسة مغتربة في فكرها المنفتح، وعالمها الإبداعي الخاص، وبهذا التصور، فإن النص المغترب – بالتأكيد- أدواته ورؤاه وأحاسيسه ومنظوراته مغتربة كذلك، والفن المتألق لا يحيد عن تميزه واغترابه وحسه الجمالي، وفكره المنفتح المحلق في فضاء التخييل الإبداعي الخلاق الأصيل؛ والاغتراب ليس هو المفجر للإبداع، وإنما هو المنتج للفكر؛ وهو الذي يولَّد النفس الوثابة القلقة المتسائلة عن وجودها، وعالمها الخلاق؛وكل فن هو حصيلة اغتراب ما نفسي، أو شعوري، أو فكري، أو تأملي، والفن الذي لا ينتج، ولا يغيِّر، هو فن ساكن أو فن آني، حبيس لحظته الآنية، وزمنه الراهن المنقضي، والفن الخالد هو الفن المغترب – في جوهره- ونبضه الداخلي، وحساسيته الجمالية، لهذا فإن اغتراب الفكر الجمالي عند المعري هو ما جعل مؤلفاته خالدة إلى الآن، وقصائد المتنبي مازالت تعيش في عصرنا، وتسكن في ضمائرنا، نظراً لاغترابها الفني ونبضها الوجودي وحساسيتها الجمالية.

وصفوة القول:

لا يكون الفن فناً إلا إذا كان مغترباً في جانب من جوانبه، وهذا القول ينطبق على كل الفنون الإبداعية الجميلة في هذا العالم المتغير الذي يؤذن كل يوم بجديد ما، على صعيد الإبداع، والفكر، والابتكار التقني الخلاق، وكم من النصوص المؤثرة لم تخلق إبداعها إلا من اغترابها بالتقنيات الفنية، والمؤثرات الإبداعية التي انمازت في الشكل الفني، والحساسية الجمالية.

 

 11- هل بمنظورك أن عجلة النقد التأسيسي المبدع تسير إلى الأمام  أم تتراجع القهقرى؟!! ومتى يرتقي الإبداع ويحقق ثمرته اليانعة؟!!.

- الإبداع النقدي لا يرتقي، ويحقق ثمرته الإبداعية اليانعة إلا بوجود الكفاءات الخلاقة التي تمتلك الخبرة، والممارسة، وزهو الإبداع، والنقد لا يتطور إلا في ظل الخبرات العظيمة الخلاقة التي ترتقي بسماء الإبداع، والفن الخلاق المثمر؛ويكفي ما قدمه النقد العراقي من طاقات فنية ومواهب خلاقة بالإضافة إلى النشاط المحموم في الفكر النقدي في مصر وتونس والمغرب والجزائر؛ والحق يقال: إن النقد العربي يسير في منزلق خطير، وهو تراجع سوية الدراسات التطبيقية، لاسيما في نقد الشعر، وهذا التراجع نتيجة عدم استثمار ما ننظِّر له، وما يتم تطبيقه بالإضافة إلى البون الشاسع بين المستوى الخلاق في التنظير، والنشاط المحموم في هذا الجانب وعمق التطبيق الذي لا يرتقي إلى جزء يسير من هذا الجانب، ونأمل للنقد العربي مزيداً من التطور، والوعي، والنقد المثمر البناء.

 

12- ما هي نصيحتك لكل قارئ، سواء أكان قارئاً لك؟ أم لسواك؟ وما هي أمنياتك له؟!!

- نصيحتي لكل قارئ أن يكون موضوعياً، وأن يكون صادقاً في ورؤاه، وتأملاته الوجودية؛ وألا يحترم إلا النص النقدي الخلاق الذي بين يديه، فإن تفاعل معه فهذا يدل على أنه حرك لديه القشعريرة الجمالية في التلقي، وهذه هي الثمرة التي يجنيها الفن الممتع، وهي المعيار الجمالي الدقيق في الحكم على جودة الناقد، وجودة أدواته النقدية، ونصه الإبداعي المنقود.

 

13- ما هي أمنياتك لكل إنسان على الصعيد الإنساني والوجودي؟!!

- أتمنى أن لا يعيش حياة كحياتي المعذبة، وأن تتحقق كل أمانيه، وأن لا يبتلى بالظلمة، وأن يتنفس عبق الأنثى الودودة الذكية، التي تهبه قبلات الحياة، وأرجوه ألا يَظلم. وأن يكون إنساناً في كل المواقف، وأن يضحي بالغالي والرخيص للمحافظة على إنسانيته، فبالمحبة تشبعنا لقمة، وفي الإيثار قمة النشوة، والدفء، والسعادة، والمحبة، والسلام.

 

حوار القاصة والكاتبة فداء شرتح

 

حوار مع دكتور أفنان القاسم حول مشروعه عقد مؤتمر عربي عالمي

nabe  odaللتوقيع على معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل لم يكن هناك أقوى من مناحيم بيغين زعيمًا لليكود وتحت قلنسوته اليمين من أقصاه إلى أقصاه، وهذا ما يحصل اليوم مع بنيامين نتنياهو بعد استقالة موشيه يعلون وزير دفاعه، وترشيح أفيغدور ليبرمان بدله للتوقيع على معاهدة السلام بين فلسطين وإسرائيل وبين إسرائيل وكل الدول العربية كما يرتأي أفنان القاسم في مشروعه "المؤتمر العربي العالمي"، وهذه إشارة ثانية هامة وحاسمة بعد رفضه المبادرة الفرنسية التي لا تقدم ولا تؤخر شيئًا، بينما المبادرة الأفنانية تقدم حلاً لكل شيء، حلاً يرضي كل الأطراف، ويضع حدًا لكل المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية إلى الأبد، وليس هذا كل شيء، فالإشارات الأمريكية كثيرة دعمًا للمؤتمر العربي العالمي وما يرمي إليه من أهداف تنهي حالة الحرب في المنطقة، وتؤسس لحالة سلم دائم، أولى الإشارات الخطوات الجادة لأمريكا نحو حل سلمي للمسألة السورية كما يقترحه المؤتمر على أساس لا غالب ولا مغلوب، وأخير الإشارات لا آخرها من تونس، وحزب النهضة الإسلامي يريد تبني فصل الدين عن الدولة، كما يدعو أفنان في كل مشاريعه التنويرية، كمقدمة لا بد منها وكمحفز من أهم المحفزات لكل الحركة الإسلامية في المنطقة لأجل التأسيس للعلمانية معًا وفاتيكان مكة والمدينة كما يدعو أفنان كذلك، والذي تُرشح أمريكا راشد الغنوشي لرئاسته. مع تسارع دقات الساعة في الساحات العربية والإسرائيلية والعالمية يجيء هذا الحوار المستفيض مع المفكر العربي والمواطن العالمي، وكعادته كان واقعيًا وبراغماتيًا وسحريًا في كل أجوبته، كله أمل، الإحباط لا يعرفه بعد أن تطعم ضده، وكله ثقة.

 

أفنان القاسم لك مكانتك الفكرية والثقافية، أديب وناقد ومفكر فلسطيني بارز، طرحت فكرة مؤتمر عربي عالمي أسوة بالمؤتمر اليهودي العالمي الذي انطلق لإقامة دولة يهودية في فلسطين. ما هي نقاط التماس بين المشروعين، وما هي نقاط التناقض؟

* إقامة دولة يهودية في فلسطين للمؤتمر اليهودي العالمي كانت الهدف الذي تأسس عليه، والمؤتمر كمؤسسة كان يتكون من منظمات يهودية في شتى أرجاء العالم، نحن لمؤتمرنا إقامة دولة فلسطينية هدف من بين أهداف ترتبط عربيًا ارتباطًا وثيقًا بالمشروع الأعظم الذي هو مشروع الحريات في العالم العربي، ومؤتمرنا كمؤسسة سيتكون من أفراد لا من منظمات، كل فرد في العالم عربيًا أم غير عربي يمكنه المساهمة في تأسيسه، فالعروبية كمفهوم غير العروبة كقومية، العروبية كالشيوعية كالليبرالية كالبوذية كالتاوية كالكونفوشيوسية كالصوفية كالوجودية كالدادائية تقوم على الكونية، فتنفي الانتماء الديني والعرقي والسياسي، نحن هنا على النقيض من الصهيونية التي تسعى لتأطير اليهود ثقافيًا ودينيًا واجتماعيًا، نفتح ذراعينا لكل البشرية حتى لليهود أنفسهم.

 

لاحظت أن مشروعك أثار اهتمام المثقفين العرب، لكنه لم يثر انتباه رجال السياسة العرب؟ ونحن نعلم أن واقع الثقافة والمثقفين العرب لا يحمل أي تفاؤل أو أي تأثير على نهج السياسة في مجتمعاتهم. كيف يمكن تحقيق هذا المشروع في مجتمعات تعيش كما أرى خارج التاريخ؟

* مشروعي أثار اهتمام المثقفين العرب وغير العرب من المحيط إلى الخليج، وخاصة أحرار بلدان الخليج وأحرار السعودية الذين روجوا لأهدافه، وجعلوا منها أهدافهم في الحرية والتحرير، حرية المرأة وتحريرها قبل حرية الرجل وتحريره، لأنه المشروع البديل لعقود من القهر والحرمان، مشروع الحياة بعد كل هذا الموت الذي ينيخ بالكلكلة علينا منذ عقود طويلة، وأنا دومًا ما أحاول النهوض من الموت، وكأن الموت شرطي الميتافيزيقي، لهذا كان المؤتمر العربي العالمي وليد هذا الشرط، قدمت له بسلسلة من المقالات رافقتها سلسلة من مقالات لكتاب يجمعنا تفاح الأمل، الذي قضمناه معًا، تحت استعارة مقالاتنا التي أتت أُكُلُها، فاستجاب النظام السعودي لنا عندما أنهى أعمال هيئة الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، واستجاب النظام الحماسي لنا عندما حول الأنظار عن انتهاك القدسيات (أنا هنا أعكس كما عكست مع الهيئة) بالاهتمام بالأسرى، واستجاب النظام المصري لنا عندما أوقف تمادي بلطجيته في إشعال النار بين أقباط ومسلمين وإرهاب يصنعه، واستجاب النظام الأردني لنا عندما اهتم لأول مرة في عمره السياسي الطويل بمدينتي الصامدة معان، إلى آخره إلى آخره. الساسة العرب أرعبهم المشروع (أنا لا أتكلم عن الصحفيين السياسيين العملاء لأسيادهم في الحكم)، فتحركوا بخجل، لكنهم تحركوا، اكتفوا بإشارات صغيرة، رغم أني واضح كل الوضوح عندما قلت أكثر من مرة وفي أكثر من مكان إننا لا نريد أن نعمل انقلابات على أحد، نحن نريد أن يتركنا الحكام العرب نعمل عنهم، الله يعطيهم العافية منذ عشرات السنين وهم هنا، ونحن لن نمس امتيازاتهم، وستكون لهم قصورهم كما كانت دومًا. أثَّرَت إذن مقالاتي ومقالات المحبين للمؤتمر على نهج السياسة في مجتمعاتنا، وعن الآخرين، مثقفي الخمسة ملاليم كما يدعوهم بريشت، نحن لا نريدهم، نريد من يريدنا، ونلفظ من لا يريدنا، هم وأفكارهم يقبعون خارج التاريخ، ومعهم مجتمعاتنا كما تقول، لكن هذا لا يمنع تحقيق مؤتمرنا وأهدافه في الحرية والتقدم واللحاق بباقي الأمم، على العكس حافزنا كبير بِنيويًا، لينين ارتقى بشعوبه ومذهبه الارتقاء شعوبه التي كانت في أوضاع أوسخ من أوضاعنا، وماو تسي تونغ، ومانديلا، ومصطفى كمال أتاتورك، ومصطفى كامل باشا، الرافد الثقافي إن لم يكن تصنعه دينامية التغيير، ولا تنس أن الثقافة في عصر التكنولوجيا اليوم ليست حكرًا على أحد.

 

هل يملك المثقف العربي القوة الدافعة لفرض رؤيته على مجتمع ما زال يعيش أبرز مثقفيه في المهجر؟

* المثقف العربي لن يفرض أية رؤية على مجتمعاتنا، المؤتمر العربي العالمي سيفرض كل شيء على مجتمعاتنا، فهو كمشروع حياتي للتقدم والحرية يقوم على عدة برامج ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية ونفسية وحُلمية، وكما كانت المنظمات اليهودية في العالم عماد المؤتمر اليهودي العالمي، سيكون المثقفون العرب وغير العرب في العالم العربي والعالم –أضيف دومًا غير العرب لكونية وإنسانية مؤتمرنا- عماد المؤتمر العربي العالمي، جَذْبُهم كل ما نحتاج إليه، وَجَذْبُهم يتوقف على النجاحات التي سيحرزها المؤتمر أولاً بأول.

 

لا بد من ملاحظة، المؤتمر الصهيوني اعتمد على حالة يهودية مميزة، مستوى ثقافي داخل مجتمعاتهم، مستوى تعليم هو الأبرز بنسبته، مفكرون وعلماء ورجال سياسة لهم مكانتهم المميزة في مجتمعاتهم أولاً وعلى مستوى العالم ثانيًا، هذه الحالة يفتقدها العرب بهذه الكثافة وهذا التميز، ألا يؤثر ذلك على التحديات التي سيطرحها هذا المؤتمر؟

* صحيح ما تقول بخصوص المؤتمر الصهيوني، من ناحية الكم ومن ناحية الكيف، هم متقدمون عنا في زمنهم، وليس في زمننا المفتوح على كل الثقافات من كل الجنسيات، جون لو كاريه الروائي البريطاني الأشهر من نار على علم اعتبر نفسه أول عروبي، حسب المفهوم الكوني الأممي الإنساني الذي أوضحته، نحن نعيش اليوم في زمن، العالم مفتوح على بعضه حضاريًا، فالحضارة التي ترتدي ثوب العولمة العسكرية وتفعل ما تفعل في بلداننا تقابلها حضارة ترتدي ثوب العولمة الإنسانية التي هي العولمة كما نصنعها نحن التواقون إلى الحرية الظامئون لماء العلم القادرون على أن نكون كالآخر الذي هو مثلنا في أحلامه وأفعاله، هذا واحد من تحديات المؤتمر، وبِنيويًا هذه التحديات من السهل تحقيقها، لأنها تتداخل ما بينها وتتداخل ما بينها وبين تحديات لأمم أخرى سبقتنا إلى تحقيق كل ما تصبو إليه. سأقول لك شيئًا هامًا: يجب أن نأتي بالظروف الملائمة إن لم تأت بمحض إرادتها، وهذا ما سيفعله المؤتمر.

 

كيف تلخص فكرة المشروع اليوم، من مختلف الجوانب وردود الفعل التي تراكمت منذ طرحت مشروعك؟

* المشروع عدة أفكار مترابطة: السلام في العالم يمضي بالسلام بين الدول العربية وإسرائيل، والسلام في العالم يعني اقتصاد سلمي، وتقدم سلمي، ومجتمع سلمي، وكل هذه الكلمات ليست مجانية، لأنها ترتبط بواقع دولي اقتصادي واجتماعي وسياسي لن يكون في مصلحة أحد من أسياد اللعبة في الوقت الراهن سنة 2050، يعني على بُعد رمية حجر. وأنا شخصيًا لا أظن أن أعضاء مجلس الأمن القومي الأمريكي أغبياء إلى هذه الدرجة، وكذلك لا أظن أن حكام دولة إسرائيل فقدوا بوصلتهم، لا أظن أن الحكام العرب مختلون في عقولهم، كل ما هو قائم حاليًا سيزول بحكم التطورات الاقتصادية وبالتالي موازين القوى، وخلال بضع سنين بخصوص العالم العربي بضعة أشهر لن تبقى الأمور على ما هي عليه، تفلت الأمور اليوم من أيدي المخططين لها جيوسياسيًا وجيوعسكريًا، عندنا وعندهم، في فرنسا المظاهرات يومية، والنظام يتخبط، سيسقط النظام في الانتخابات القادمة عام 2017، لكن هذا لا يعني إنقاذ النظام الرأسمالي في فرنسا وفي أوروبا وبالتالي في أمريكا، ومن يقل أمريكا يقل كذلك إسرائيل ابنتها، النظام الرأسمالي الكلبي سيتمزق حلقه من النباح، لأن هذا كل ما سيقدر عليه، النباح، وقد أفلتت الأمور من براثنه. السلام عندنا يعني استثمارات على كل مستوى، يعني الغرب في ورشتنا، وهذا ما سينقذ الغرب اليوم، وما سينقذ الغرب غدًا اعتمادًا منه علينا كقوة اقتصادية لا كقوة حميرية، وفي اعتقادي أن أمريكا وإسرائيل بدأتا تفهمان مشروعي يإشارتين أوليين قبل استقالة وزير الدفاع الإسرائيلي أرسلتاهما إليّ عندما لم يؤيد كيري المبادرة الفرنسية -مبادرة عجل بها المؤتمر إذا كان البعض يرفض سرقة فرنسا للفكرة مني- وعندما رفضها نتنياهو وبين يديه مبادرتنا السحرية، مبادرة فرنسية ترمي إلى تجميع جُثَثي لحل المسألة الفلسطينية-الإسرائيلية على شاكلة الرباعية الدراكولية أو مثل الدكتاتور الفلسطيني العجوز على صورة نظامه العجوز الذي حان الوقت لتبديله. وعربيًا كان رد الفعل السعودي أهم الردود، عندما اقترح الأمير محمد خطة للتحول، بينما هو يعرف جيدًا أن هناك لن يكون تحول فعلي في السعودية إلا عن طريق المؤتمر وما يقترحه من بدائل تبدل بشكل جذري النظام، فالنظام الحالي لا يمكن تحوله، النظام الحالي غير قابل لأي تحول لأي إصلاح. لهذا يقترح المؤتمر ما يلي: فصل الدين عن الدولة في كل الدول العربية، وهذا لا يعني على الإطلاق مهاجمة الدين، ففصل الدين عن الدولة لن يكون بفصل الدين عن المجتمع، وليحتفظ رجال الدين بكل امتيازاتهم سنؤسس لفاتيكان مكة والمدينة. النظام العلماني العربي سيؤدي بنا إلى حل كل المشاكل الوطنية الأخرى –أو حل الواحدة سيؤدي إلى تثبيت النظام العلماني لأن المسألة بِنيوية- بخصوص فلسطين الحل بإبقاء كل شيء على ما هو عليه، اعتراف متبادل، قدس موحدة وعاصمة واحدة تحت علم بلديتها، التعويض والعمل والسكن أينما أريد، المستوطنون جنسية مزدوجة. بخصوص سوريا تثبيت نظام التوريث، فحافظ بشار الأسد تحت الوصاية يعني لا غالب هناك ولا مغلوب، انتخابات ديمقراطية، واستلام المعارضة للحكم. بخصوص العراق المواطنة بدل المحاصصة ودولة كردية على الطريقة الفلسطينية. بخصوص مصر عودة العسكر إلى ثكناتهم وحكم مصر من طرف ثلاثية علمانية لثلاث سنوات تتم خلالها كتابة دستور حداثي لمصر، والتحضير لانتخابات تكون بالفعل ديمقراطية. بخصوص اليمن حرية القات كباقي الحريات، وهكذا بخصوص كل بلد عربي، لا توجد في قاموسنا كلمة مستحيل. نريد أن نجعل من الملك سلمان، وهو مرتاح في قصره، ملكًا لكل السعوديين بدلاً من ملك النفط السعودي. الإخلاص والطاعة لطاغية، لبرنامج سياسي لا إنساني، لحزب فاشي، يُفرغ الإخلاص ويُفرغ الطاعة من معناهما.

 

طبعًا لا بد من سؤال بصفتك مثقفًا فلسطينيًا بارزًا، وابنا لشعب النكبة، أين تقع فلسطين في إطار مشروع المؤتمر العربي العالمي؟ هل يمكن سحب صلاحيات المنظمات الفلسطينية المسيطرة اليوم على مقدرات الشعب الفلسطيني؟

* قلتُ أين موقع فلسطين في إطار مشروع المؤتمر، كيف موقع فلسطين شيء آخر: سبق وأكدت أننا لن نقوم بانقلابات على أحد، وهذا يخص فتح وحماس وباقي الفصائل، نحن نريد نقل السلطات، تحت صورة كررتها: تسليمي مفاتيح الضفة ومفاتيح غزة لأسلمها بدوري المؤتمر، القادة الفلسطينيون لن نمسهم أو نمس امتيازاتهم، سنقول لهم الله يعطيكم العافية، فشلتم بعد كل هذا السنين، والآن جاء دورنا. معهم الأزمات من كل نوع، أزمات تتطلب تغيير الطبقة الحاكمة. حكام رام الله سيذهبون بإرادة المحتل الذي أحضرهم، وحكام غزة سيذهبون بإرادتهم بعد اتفاق بين المؤتمر وبينهم. ونحن على أي حال سنحل كل التنظيمات باسم الشعب الذي لم يعد يريدهم، وسنفتح الباب واسعًا لكل الأحزاب ولكل التيارات السياسية بدون أية بطاقة دينية. سنشكل حزبنا، حزب التقدم والحرية، الذي عماده القيم لا الإيديولوجيات، حزب عصري بأتم معنى الكلمة.

 

 هل يمكن إحداث نقلة نوعية تعيد القضية الفلسطينية إلى مقدمة الاهتمام الدولي؟

* المؤتمر سيحدث نقلة نوعية للعالم العربي كقوة حضارية، لا ينقصها أي شيء غير رفع يد التخريب عنها، وسيركز على قضية القضايا، القضية الفلسطينية، لأن كل ما يجري اليوم من مآس للتعتيم على مأساتها، ولكن ليس إلى الأبد، هذا ما يعرفه الحكام الإسرائيليون تمام المعرفة، هذا ما يعرفه الحكام الأمريكيون، هذا ما يعرفه الحكام العرب، هذا ما يعرفه كل حكام العالم، لهذا كفى عذابًا للشعبين ولباقي شعوب المنطقة، اتفاقنا سيكون في كل الأحوال غدًا، إذن لِمَ الانتظار والشمس هي الشمس التي تشرق كل يوم.

 

هل من دور مثلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية التي اعتمدتها الجامعة العربية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني؟

* لن يكون هناك أي دور لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد نقل السلطات إلى المؤتمر، بما في ذلك نقل كونها ممثلاً شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني، فنحن لن نبدأ من الصفر، نحن سنكمل على طريقتنا المشوار، بشكل يتلاءم مع عصرنا، وبإملاء مما سيستجد على الساحتين العربية والدولية. وعلى العكس، سيكون للعرب في إسرائيل أكبر دور يلعبونه بين مواطنيهم اليهود، فهم سيكونون النموذج الأمثل للمؤتمر في كل شيء، الحقوق المتساوية، الواجبات المتساوية، الأخوة المرجوة، العدالة، الحرية، الحُلم، سيكونون الدينمو لكل شعوب المنطقة، سيضعون حدًا للذُّهان وللهواس هواس الحرب أول هواس، فيزول الحذر من الآخر بفضلهم، والكره، والعداء.

 

ما هو دور النظام العربي في هذا الواقع المأساوي الذي تجتازه المجتمعات العربية؟ هل من مكان لفلسطين في عالم عربي ممزق وينزل إلى الحضيض الإنساني الأسفل؟ هل بقي شيء من فلسطين في ضمير الإنسان العربي أو في ملفات الأنظمة العربية؟

* النظام العربي كما هو عليه الآن لا دور له، النظام العربي العلماني الجديد نعم سيكون له أكبر دور، سبق وقلت دور النظام الواحد يؤثر في أدوار كل الأنظمة، وأدوار كل الأنظمة تؤثر في دور النظام الواحد، هناك تداخل بِنيوي هو شرط الصعود من الحضيض الإنساني الأسفل. وكما هو مصير النظام الأوسلوي بيد إسرائيل مصير النظام العربي بيد أمريكا، إذن تبديل هذا النظام أو ذاك من أسهل الأشياء عندما يكون المؤتمر الضامن لمصالح الغرب بما فيها مصالح إسرائيل مقابل حاجاتنا الحضارية الوجودية وتحقيق رغائبنا في التحرر والتنفس، إرضاء رغائبنا الحضارية يجعل منا قوة اقتصادية قادرة على حماية أمريكا (وإسرائيل) من الانهيار عام 2050، أنا أتكلم بكلام علمي وأزن تمامًا كلامي، ولا علاقة لكلامي بالوطنية وما غيرها، فالوطنية هي الكيفية التي ننقذ فيها الوطن من الضياع، من الزوال، وأنا لهذا أول وطني. العمل يجعلنا أحرارًا! أي عمل؟ لقهر الآخر؟ أين الحرية إذن؟ الأنظمة العربية لم تبق شيئا لفلسطين ولبلدانها في ملفاتها، لهذا يجب إحراق كل الملفات، وفتح ملفات جديدة للبناء لا للهدم وللرخاء لا للنهب. وعن فلسطين في ضمير الإنسان العربي، اليوم سوريا هي فلسطين، العراق هو فلسطين، اليمن هي فلسطين، البحرين هي فلسطين، فنزويلا هي فلسطين، نيجيريا هي فلسطين، أفغانستان هي فلسطين، أيرلندا هي فلسطين، حتى في الزمن القديم كنعان هي فلسطين، لم يكن هناك أي غزو يهودي حسب علماء الآثار الإسرائيليين، كانت هناك انتفاضات للكنعانيين على حكامهم، فاليهود هم كنعانيون مثلنا، نحن وهم فلسطين، هناك تبديل الاسم فقط، يهود، عرب، فلسطين كانت في الحرب وستكون رمزًا لعذابات البشرية تحت هويات مختلفة، وفي السلم مغناة لفرح الإنسانية. لهذا تعود فلسطين بنا إلى الزمن الحديث، وتقترح على أوباما جائزة نوبل للسلام وهو في آخر فترته – ما فيش إشي متأخر- دخول التاريخ من بابه العريض.

 

.......................

تعريف: أفنان القاسم، من مواليد يافا 1944، عائلته من برقة قضاء نابلس، له أكثر من ستين عملاً بين رواية ومجموعة قصصية ومسرحية ومجموعة شعرية ودراسة أدبية أو سياسية تم نشر معظمها في عواصم العالم العربي وفي موقع الحوار المتمدن، وتُرجم منها اثنان وثلاثون كتابًا إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والروسية والعبرية و و و... دكتور دولة في الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة السوربون ودكتور حلقة ثالثة في الأدب العربي من جامعة السوربون كذلك ودكتور فخري من جامعة برلين، أستاذ متقاعد عمل في جامعة السوربون ومعهد العلوم السياسية في باريس والمدرسة المركزية الفرنسية وجامعة مراكش وجامعة الزيتونة في عمان والجامعة الأردنية، تُدَرَّس بعض أعماله في إفريقيا السوداء وفي الكيبيك وفي إسبانيا وفي فرنسا وفي وفي وفي... قام منذ عدة سنوات بمبادرة سلام حياها الرئيس الفرنسي السابق نيقولا ساركوزي والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورؤساء وزراء كندا وإسبانبا والسويد وبلدان أخرى أوروبية.

 

 

حوار مع الناقد السوري عصام شرتح (2)

esam shartah10- هل وقفت عاجزاً أمام نص من النصوص؟ استعصى عليك كشفه نقدياً؟!!

- الناقد الحقيقي هو القادر على ترويض أي نص مهما تعددت طبقاته، واختلفت رموزه، ومؤشراته الدلالية، وأهم إجراءات الترويض النصي الناجح امتلاك الأدوات النقدية المؤثرة، والفاعلة في اكتشاف النص، ومضمراته الخفية، وبتصورنا: إن الناقد الحقيقي يستطيع ترويض كل النصوص بسهولة ويسر خاصة إذا امتلك الرؤية النقدية الوهاجة، والخبرة المعرفية والجمالية المؤثرة، ولا أبالغ في قولي: لم يقف أي نص في وجهي، ولا أدع نصاً يتغلب علي لدرجة يشكل كل نص أمامي أدرسه أو أحلله، تحدياً أو استفزازاً من نوع ما، لفك جموحه، وإن بدا النص معقداُ، متعدد الرؤى، والطبقات الدلالية، وهذا الهاجس يرافقني دوماً لأكتب عن قصائد معقدة، وقد أغرتني نصوص أدونيس، لأنها متعددة الرؤى، والدلالات، ولهذا، اشتغلت كتابين متواضعين عن هذا الشاعر هما (أدونيس شاعر التجريد والاغتراب في الشعر العربي المعاصر)، و (تحولات الخطاب الشعري عند أدونيس بين (فلسفة الجزئيات/ وتجريد الكليات)، وسبب اشتغالي على نصوص هذا الشاعر جسارتها الرؤيوية، وصعوبة ترويضها، وتعدد طبقاتها الدلالية؛وبصراحة أقول: إنني أنفر من النصوص البسيطة، لئلا تعتاد أدواتي النقدية النصوص السهلة البسيطة، فتضعف مهارتي، وخبرتي النقدية، وقد تتحجر أدواتي عند حد معين فأسقط كما سقط غيري من النقاد وكانوا أبرع مني كشفاً، وأعمق رؤية، لأنهم ركنوا إلى أدواتهم المعتادة، ونصوصهم ذات الطبقات السطحية العائمة ولم يتغوروا الأعماق، و يخوضوا في فضاءات النصوص القوية المتأبية على التنميط أو الترويض.

باختصار: إن قوة الناقد وجسارة أدواته هي الرائز في الحكم على قيمة المبدع، ومهارته في الكشف النصي. ولا يمكن أن تتحقق المعادلة النقدية الناجعة إلا وهي: براعة الكشف، ودقة الاستدلال إلا إذا خاض الناقد في النصوص الملغومة، أو النصوص المشبعة بالدلالات المحتدمة والمعاني المكثفة المتوالدة واللاملتقطة.

وصفوة القول الذي أريد الخلوص إليه" أن الناقد المبدع هو الذي لا يركن إلى نص ويهادنه، عليه أن يروض النص بمهارة أدواته، وقوة كشفه، ومتانة قدراته المعرفية، وهذا لن يتحقق بدون وعي معرفي، ومهارة إبداعية فائقة لا يستطيعها إلا القلائل من نقادنا العرب المعاصرين

وآمل أن أكون منهم. وبودي أن أكون ضمن دائرتهم.

 

11- لقد لاحظنا توجهاتك النقدية من المضمار الأسلوبي إلى الدراسات الجمالية؟!! ما سبب هذا الانجراف الكاسح صوب تلك الدراسات ونذكر منها دراساتك النقدية التالية: (رؤى جمالية في شعر عبد الكريم الناعم) و (فضاءات جمالية في شعر حميد سعيد) والآن كتابك (الفكر الجمالي عند شعراء الحداثة المعاصرين) و (علم الجمال النصي) و (ماهية الجمال في شعر نزار قباني) هلا وضعت القارئ في صلب هذا التوجه المخصوص بقوة صوب هذه الموضوعة البحثية التي استحوذت على عالمك النقدي في مرحلتك الراهنة الآن؟ّ!

-  أولاً- الجمال هو القطب المحوري الذي تدور حوله مختلف الأقطاب، وأنا أعد أن أية ظاهرة أسلوبية لا تشكل قيمة جمالية، أو تحقق قيمة فنية لا أهمية في وجودها، وتكون عبئاً على النص لا مظهراً من مظاهر جماليته، ولهذا أقول: إن بحثي المتواصل في المتغيرات الأسلوبية قادني إلى الينبوع أو المصب النهائي الذي هو الجمال أو الإفرازات الجمالية التي تحققها البنى الأسلوبية في المضمار النصي.

ثانياُ- أنا أرى أن الأسلوبية يجب أن تكون من أهم مكتشفاتها البحث عن المحفزات الجمالية النصية، وأرى أن من مهام الأسلوبية أن تحرك المحفزات أو القوى الجمالية الكامنة في النص الشعري، فلا قيمة لأي متغير أسلوبي إن لم يحقق قيمة جمالية، ولذلك أعد فن الشعر تحديداً فن المتغيرات أو المتحولات النصية المحمومة التي لا تقف عند حد معين، أو تعتمد مظهراً أسلوبياً محدداً، إن كل ما يحقق تحولاً قيمياً في الأسلوب، سواء في ارتفاع قوة الدافع الجمالي، أم انخفاضه هو ديدان كشف الباحث الأسلوبي، وطبيعي أن تتجه الأساليب رغم اختلافها وتنوعها إلى المصب النهائي لتنهل منه معينها الخالد ألا وهو الجمال، وكل متغير أسلوبي لا يصب في هذا المصب لا يدخل نطاق الشعرية.

وأنا في دراساتي النقدية أبحث في كل ما يثير الشعرية من قيم جمالية تصب في هذا الجانب أو ذاك، لأن إيماني المطلق بأهمية هذا الجانب، كإيماني بأهمية الإبداع ذاته، ومصدر جماليته، وجاذبيته الإبداعية، ولهذا، توجهت دراساتي الأسلوبية مؤخراً إلى ما يحقق جوهر القيمة الشعرية ألا وهو الجانب الجمالي الذي اعتبره القطب المحرقي للإبداع كله، ومركز ثقله الفني.

 

12- ما هو منظورك للمشهد النقدي المعاصر في ظل التغيرات الوجودية والإبداعية التي تشهدها بلادنا العربية، على المستوى المعرفي والإبداعي؟ وكيف تقيم الحركة النقدية محلياً وعربياً؟!!

- سبق أن حدثتك في حواري السابق أن النقد السوري يعيش في أزمة، لأنه لا يملك البديل، ولا أحد يسد الثغرات، فرحيل خليل الموسى عن عالمنا النقدي ترك فجوة وفراغاً لا يستطيع غيره أن يسده، أو يردم هوة هذا الفراغ الذي خلفه رحيله إلا الموسى نفسه، وهكذا دواليك على نعيم اليافي، من النقاد، وبدوي الجبل، محمد الماغوط وآخرين وقد قلت في أكثر من محفل ثقافي إننا في سورية نعيش الشللية واقعاُ مفروضاً شئنا أم أبينا لا نبني النقاد المبدعين، ولا نؤسس لولادتهم، خاصة السلك الجامعي الذي يئن تحت سطوة أسماء قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، ويكفي ما دمره المجرمون سعد الدين كليب، وأحمد محمد قدور، وأحمد محمد ويس من الكفاءات والمواهب ما يندى الجبين حياء وخزياً وعاراً، ويكوي القلب كمداً، وحزناً؛ إن أمثال هؤلاء دنسوا الوجود وشوهوا الحياة، وباتوا عبئاً على الثقافة، والأدهى والأمر من هذا وذاك أن الوسائل الإعلامية ترفع أنصاف المواهب في مختلف المجالات، وتخرب المواهب الحقيقية، وبدوام الحال على ما هو عليه نخسر الرهان، ونبقى في الميدان منعزلين إبداعياُ وثقافياً نلوك التخلف والخذلان، ..للأسف- وبحرقة أقول- هكذا حال نقدنا ونقادنا.. وحال إبداعنا في جل مراحله كذلك.

 

13- كيف تنظر إلى المبدعين، وما هو منظورك للمبدع المؤثر ناقداً أم شاعراً؟!!

- المبدعون كواكب مشرقة في تطور المجتمعات، وزهو حضارتها، ورقيها الثقافي، وزادها الفكري في النمو، والتطور، والازدهار، وأنا أحزن لرحيل كل ناقد، أو أديب عن عالمنا، لأن الفراغ الذي تركه لا يسده غيره، وأفرح كثيراً عندما يولد شاعر مهم أو مؤثر، وهذا ما احتفيت به في كتابي الموسوم ب (المحفزات الجمالية في شعر تميم البرغوثي)، وهو شاعر فلسطيني شاب موهوب شعرياً وإبداعياً، ولهذا، شرفني بتأليف كتابي النقدي المتواضع عن تجربته، الذي طبع في دار الصفحات دمشق، 2012.وكما أحتفي بالشعراء أُسَرُّ وأبتهج عندما أجد من الناقدات والنقاد الشباب ما يملكون ناصية الإبداع، والموهبة الخلاقة، ويشرفني ذكر الأسماء النقدية الشابة، وأشيد بمهارتهم، وتندى شفاهي بذكرهم: خلود ترمانيني، وهايل الطالب، ومحمود الضبع، وأحمد طعمة الحلبي، وقصي حسين، وغيرهم كثير من نقادنا الشباب، وأعتز بتجارب النقاد المؤثرين المهمة التالية أسماؤهم: [ محمد العبد، وغسان غنيم، وفايز الداية، ومحمد لطفي اليوسفي- وبشرى البستاني- ومحمد صابر عبيد- وصلاح فضل – وعبد الملك مرتاض- و أخص بالذكر (عز الدين إسماعيل وخليل موسى رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته) ]؛ ولهذا أعتبر أن ولادة ناقد أو مبدع حقيقي مكسباً حقيقياً للثقافة العربية، وقد سبق أن أشرت في دراسات نقدية سابقة أن المبدع الحقيقي هو الذي يخوض في قضايا نقدية جديدة، وينأى عن القضايا المكررة أو المستعادة، وأفخر بما أنجزته في هذا الجانب من إثراء في كتابي النقدي الموسوم ب (الاغتراب في الشعر العربي المعاصر) من تناولي لبعض الأشكال الاغترابية الجديدة، التي لم تنلها أقلام نقادنا ودارسينا كالاغتراب اللغوي والفني والجمالي والأسلوبي، ونأيت عن الاغتراب الفكري أو الاغتراب الزماني والمكاني، نظراً لاجتراحهما الزائد من قبل نقادنا الأكارم. وبهذا أحاول دائماً أن أطرق أبواباً جديدة، وأفتح نوافذ جديدة لمواضيع بكر.. آمل أن يسعفني العمر، وتهبني الحياة بعض طاقتها لأنجز ما بدأت، وأعمل لما حلمت.

 

14- ما هو منظورك للجمال خاصة (علم الجمال النصي)، فلسفياً وإبداعياً خاصة قد أنجزت كتاباً مهماً في هذا المجال؟!!!

- إن الجمال النصي يتبع الشكل الجمالي، والمضمون الرؤيوي الخلاق؛ولهذا، تزخر بعض النصوص الإبداعية بطاقة خلاقة، تنعكس على وهج استعاراتها، وصورها، وإيقاعها الرؤيوي المثير في توجيه الرؤى، واكتنازها بمضمونها الجمالي، ومن هنا، فإن القارئ الجمالي للنصوص الإبداعية هو الذي يحقق قيمها الجمالية، ويكتشف محفزاتها الإبداعية المستكنة في كل عبارة، أو جملة، أو تركيب، ويخطئ من يظن أن الجمال مجرد شكل فني، أو قالب لغوي جذاب؛ إنه كلٌّ متحرك يجري كما يجري الدماء في الجسد، ومن أبرز مقومات أو محفزات التفعيل النصي الجمالي، ما يلي:

 

1- الرؤية الخلاقة:

لاشك في أن قيمة المنتج الفني الشعري الجذاب، تكمن في رؤيته الخلاقة التي تهب المعنى توهجه، وألقه الجذاب، والنص – في المحصلة- كلٌّ متفاعل، مظهراً لغوياً، ورؤية خلاقة، وهذه الرؤية لا تتشكل بمعزل عن شعرية المنظور، وحساسية الرؤية، وقوة تفعيلها للبنى الدالة المحركة للمتن النصي.

وبتقديرنا: إن قيمة أية بنية فنية - في النص- تتشكل من تضافرها وتفاعلها الخلاق مع فاعلية البنى النصية الأخرى المحركة لبقية الأنساق النصية، بقوة اقتضائية بلاغية تؤسس حركتها على كل ما يولد في النص لذة جمالية مقتنصة من هذا الشكل النسقي الجذاب أو ذاك، ولاغرو إزاء هذا التفاعل، والانسجام، والحراك النصي أن نلحظ تفاعل البنى، وتضافرها، لتشكيل قوة فنية نابعة من إحساس جمالي، وحراك شعوري متواشج مع المظهر اللغوي في بثه لهذه الرؤية الخلاقة التي تؤكد بصمة النص الإبداعية التي لا يرتقيها النص الآخر، دهشة، وقوة، وإزاحة بلاغة فنية، وهذا التميز في التشكيل النصي هو الذي ينماز فيه المبدع من سواه، أو يتميز في تخليقه إبداعياً عن غيره من النصوص، فكما أن أبناء البشر متفاوتون في الفكر، والأداء، والذكاء، والقيم، والبصمات الشخصية، فإن النصوص الإبداعية كذلك متفاوتة في قيمها، ورؤاها، ومحركاتها، ومضمراتها النصية، وهذا ما يجعل لكل نص شعري قيمة ما تميزه عن غيره، وتؤكد جدارته، وقيمته الإبداعية. وهذه القيمة غالباً ما تكون مرتكزة على بلاغة الرؤية، أو بلاغة المحفزات النصية الخلاقة المنتجة التي تنتجها النصوص الإبداعية وتنماز بها عما سواها.

 

2- الجاذبية اللغوية:

إن لكل نص شعري قيمه الجمالية، وفاعليته الرؤيوية الخلاقة، التي تعود إلى شكل اللغة، ومظهرها الفني الجذاب، أو لنقل: جسدها اللغوي المميز، فكم من النصوص الإبداعية لا يتجلى إبداعها و مكمن جوهرها الإبداعي إلا عبر جسدها اللغوي الخلاق، ومنتوجها الإيحائي المثمر، ولا نبالغ في قولنا: إن الكم الغفير من نصوصنا الحداثية ما يشفع لها على الصعيد الفني والجمالي ارتقاؤها اللغوي، ومظهرها الشاعري الخلاق، الذي يثير الحركة الجمالية، ويبتعث إيقاعها الفني المتوهج، وهذا القول يصلنا إلى حقيقة جوهرية جد مهمة هي: إن الإمتاع اللغوي جزء رئيس لا ينفصل عن جوهر البناء النصي، بل إن قيمة البناء تعود للزخرفة اللغوية، والحنكة في تظليل الكلمات إيحائياً، لتسمو بشكل إبداعها، ولهذا، أكد الكثير من مبدعينا ونقادنا ضرورة الالتزام بتطوير المنهل اللغوي في قصائدهم، لترتقي تجاربهم، وتسمو إبداعياً، فالنص الذي يمتاح من منهل واحد سرعان ما يذبل، وتضمحل قنواته الواصلة إلى نبع الحياة، وجوهر الفن؛ فالتنوع اللغوي، وتطوير الحقول الدلالية، يتطلب انفتاحاً واسعاً على ثقافات عديدة، ولغات متعددة، وهذا ما يجعل المبدعين ينمازون في شكل إبداعهم، من مرحلة إلى أخرى، بل من قصيدة لقصيدة، ومن مضمون نصي لآخر، وكم من النصوص الإبداعية لم يكن المحرك الإبداعي لها في تحقيق شعريتها إلا شكلها اللغوي، وحساسية الرؤية، وقيمة الفكر الجمالي في تطوير مثيرها الجمالي وتلقيها النصي الفعال.

 

3- قوة المحركات النصية الجمالية الفاعلة:

إن لكل نص شعري مؤثر إبداعياً قوى خلاقة في تناميه الجمالي، وهذه القوى هي بمثابة المحركات النصية الجمالية المحركة لمحمولاتها الدلالية، وبتصورنا: إن قيمتها تزداد بمتحولاتها النصية، التي ترتقي من محمول دلالي إلى آخر، ومحمول نصي إلى محمول نصي آخر أكثر غنى، وفاعلية، ومدلولية نصية من المحمول النصي الأول؛ ومن هنا، فإن قيمة الفواعل الدلالية مرتبطة بطاقة الفواعل النصية الأخرى، وطبيعة العلائق والفواعل الدالة في مجريات الرؤى والأحداث التي تثيرها القصيدة، ووفق هذا التصور، فإن كل قيمة دلالية لا ترتقي إلا بمحمولاتها النصية المرتبطة بها، برابط اقتضائي، فني فاعل، إما بمقضى لغوي صرفي فاعل، أو بمقتضى لغوي بصري محرك للشعرية، أو بمقتضى نصي علائقي نحوي فاعل، أومقتضى علائقي محرك للروابط العلائقية الأخرى، أو بمقتضى دلالي رابط لحركة الأنساق، ومن مجموع فواعل هذه المقتضيات تنماز البنى النصية، وترتقي الرؤى الشعرية.

وبتصورنا: إن المحركات النصية الجمالية هي بنى فاعلة في تلوين الأنساق، واستخلاص محركاتها النصية، التي تثير الرؤية الشعرية، ومدلولاتها المراوغة. ولعلنا لا نبارح الحقيقة الشعرية إذا قلنا: إن الفواعل النصية الجمالية المحركة للبنى النصية الفاعلة ترتبط بقوة الأنساق اللغوية ومحركاتها البؤرية المنشطة للشعرية، والباعثة على تحريك الدلالات، وإبراز ملمحها الجمالي، ولهذا، لا قيمة لمثل هذه المحركات إن لم ترتبط بالرؤية النصية، ومنبع ثقل البؤر الدلالية الأخرى، وبناءً على هذا، فإن المنتوجات النصية ترتقي بفاعلية مثيرها الدلالي، ومحركها النصي الفاعل ضمن بنائها الكلي.

وهذا يعني – بالتأكيد- أن شعرية المحركات النصية في القصيدة ترتقي بسوية توجهاتها الرؤيوية واقتضائها النصي المراوغ، ولهذا، فعلم الجمال النصي يختلف من نص لآخر، ومن مدلول بؤري محرك للشعرية، والباعث على إنتاجها البؤري الفاعل في البنى داخل نصية لا البنى الخارج نصية المسقطة من القارئ على النص. ومن هذا المنطلق، تعد، قوة المحركات النصية الفاعلة من مؤسسات شعرية النص، والركائز المحورية في تأسيس ما أسميناه (علم الجمال النصي) .

 

4- فاعلية البنى الدالة، وقوة اقتضائها الجمالي:

إن لكل نص مؤثر فنياً بنى دالة في قوة اقتضائها الجمالي، وهذا يعني أن فواعل النص الإبداعي الخلاق المؤثر فواعل محركة ببنى واقتضاءات جمالية مؤثرة، لا تركن إلى شكل ثابت، أو رؤية مقننة، وهذا يعني أن فواعل البنى الدالة في قوة اقتضائها، وتناغمها في خلق رؤية نصية متكاملة؛ ترتقي بمحفزاتها النصية، ومحركاتها الجمالية، تبعاً لقوة المقتضى، وتفعيله لمقتضاه الفني، ووفق هذا التصور، فإن فاعلية البنى اللغوية الدالة تتأسس على فواعل مقتضياتها، ومحركاتها الجمالية، وهذا ما يضمن لها قوة التأثير، والحراك المضموني الجمالي الفعال، ومن هذا المنطلق فإن علم الجمال النصي يرتقي بفاعلية المقتضيات النصية الأخرى، وحراكها الرؤيوي الخلاق عبر قوة الاقتضاء الجمالي ومحركاتها النصية الراقية.

وصفوة القول: إن فاعلية البنى الدالة في النص تتأتى من قوة اقتضاء الدوال لمداليلها، ومحركاتها الجمالية، وهذا ما يضمن للنص شعريته، ويحقق فاعليته التحفيزية المؤثرة.

 

5- الدهشة الجمالية/ والتبئير الجمالي:

إن لكل نص جمالي خلاق، أو فاعل دهشته الجمالية التي يثيرها في هذا النسق أو ذاك، وهذا يعني أن علم الجمال النصي يتأسس على مقدار تفعيل هذه الدهشات عبر المداليل المواربة في حركتها، والمنزلقة في رؤاها، ومدلولاتها، ومحركاتها الشعورية؛ فالقارئ المبدع ينمي الرؤى الفاعلة في القصيدة، ويحقق منتوجاتها المؤثرة، بقوى محرقية مواربة في شكلها، ومنحاها الإبداعي، ومن هذا المنطلق، فإن أولى ركائز النص الإبداعي تتجلى في تنامي جماليته، عبر الدهشة الجمالية، وتبئير الدلالات صوب محرقها الجمالي المؤثر، الذي يرقى بالشكل النصي، ويرتقي بمحركات الرؤية، ومحفزاتها النصية، ومن هنا لا يرقى النص، ويرتقي فنياً، وإبداعياً إلا بمقدار المحركات الجمالية التي يثيرها في ثناياه، ومحركاته الشعورية.

ووفق هذا التصور، فإن المتعة الجمالية لا تتحقق إلا بالتفاعل النصي المثير الذي يؤسس أو يتأسس على القيم المحرقية لهذه المحاور في تبئير رؤاها، وإبراز مثيراتها النسقية الفاعلة على مستوى مثيرها ومستثيرها الجمالي.

 

6- الرؤية المتكاملة:

 إن لكل نص شعري رؤية متكاملة، ومحفزاً بؤريا مهندساً لمداليلها، ورؤاها، ومنظوراتها البؤرية الخلاقة، ومن هذا المنطلق، فالرؤية المتكاملة هي جوهر علم الجمال النصي، وفاعليته البؤرية المحركة لمداليلها، ومحركاتها النصية المحفزة للشعرية، وبهذا التصور، فإن الرؤية المتكاملة هي جوهر علم الجمال النصي الفاعل للرؤى، والمحفز للمداليل الشعرية، ولا أبالغ في قولي: إن مصدر جمالية أي نص شعري يكمن في رؤيته المتكاملة، وفواعله المؤثرة، ورؤاه المحفزة للشعرية، وهذا ما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال نص بؤري، متكامل الرؤى، والمحفزات الجمالية، ومن هذا المنطلق يمكن القول: إن علم الجمال النصي يبقى علماً مفتوحاً على رؤى ومستجدات متجددة تتسع لكل ما هو جديد من رؤى نصية وفضاءات رؤيوية عميقة، وهذا ما يضمن للقصيدة حراكها الجمالي، وقوة دفقها الشاعري.

وفي الختام، فإن الفواعل الرؤيوية المتجددة لعلم الجمال النصي تبقى في توالد مستمر، لا تكاد تنتهي، وهذا ما يضمن لعلم الجمال النصي الإضافة وتقبل المزيد من الرؤى والمقترحات المحركة للذهنية الإبداعية، وللأشكال المبتكرة في التشكيل النصي، ولهذا، تبقى الدارة مفتوحة لكل التقبلات والإفرازات الإبداعية في شكلها النصي الجديد، تبعاً لكل مرحلة من المراحل وتجربة من التجارب الساخنة على الدوام

 

15- ما هو منظورك لجدلية الزمان والمكان في الإبداع؟!!

- العلاقة بين الزمان والمكان علاقة فاعل ومنفعل، مؤثر ومتأثر، وهذه العلاقة تلازمية، فلا انفصال للمكان عن الزمان، ولا انفصال للزمان عن المكان؛ فكلاهما يطلب الآخر، وكلاهما لا قيمة له بمعزل عن الآخر، ووفق هذا المنظور، فلا قيمة لأحدهما منفصلاً عن الآخر في دورة الحياة وماهية الخلق والوجود، وما ينبغي الإشارة إليه أن الزمن في الإبداع زمن إبداعي، وليس زمناً فيزيائياً، والمكان في الإبداع مكان شعري، وليس مكاناً فوتوغرافياً أو مكاناً فيزيائياً، وإن بدا المكان مشاكلاً للواقع، أو مشابهاً له يبقى المكان في الشعر فضاءً شعرياً، ويبقى الزمن في الشعر زمناً شعرياً، ولهذا تبقى القضايا في الشعر قضايا إبداعية، فالزمان والمكان في الشعر قضايا إبداعية لها أجواؤها الخاصة، ورؤاها المغايرة، وهذا الأمر ينطبق على الأنثى، فالأنثى في الإبداع هي معجونة بطاقة الخيال وطاقة الإبداع، ولذلك، يصعب على المرأة في الشعر أن تكون المرأة ذاتها التي صادفها الشاعر أو التي كانت ماثلة أمام ناظريه، هي محصلة من العواطف، والخيال والمؤثرات الوجودية اللامتناهية، وهذا ما ينطبق على الشخصيات التاريخية، والرموز، والأساطير المستحضرة في الشعر، وهذا يعني أن للشعر بانوراميته الخاصة، وقوانين لا يحكمها إلا الفضاء النصي الجمالي الذي اتخذته على هذا الفضاء النصي المشكل على بياض الصفحات الشعرية.

ولهذا تبقى القضايا في الإبداع قضايا لاتمس الإ الإبداع، فليس من مطلب الصورة الشعرية أم تكون مرئية، وليس من مطلب الفن أن يكون واقعياً حتى يصبح فناً، الفن هو الفن وهو الفضاء الذي ينأى بحركته عن الرقام المحسوبة والمعادلات الرياضية المقيسة، إنه الأفق الذي يمتد بلا حدود صوب عالم المطلق.

 

16- ما هو إنجازك القادم، وما هو أملك في نجاحه؟!

- إنجازي القادم بحث (الاغتراب في الشعر العربي المعاصر)، و (منظورات حداثوية في حداثة الحداثة)، آمل النجاح في نشرهما للقارئ.

 

17- ما هي رغبتك في الحياة؟!!

- أن أهب الناس الابتسامات والأفراح، وأمسح دموع التعساء بمحارم من نور، وامتص من قلوبهم مرارة الألم، وأمنحهم علمي على طبق من حب، ونقتسم رغيف المحبة، والود، والسلام.

 

أجرته القاصة والروائية فداء شرتح

 

حوار مع الناقد السوري عصام شرتح (1)

esam shartah1- لقد صدر لك هذا العام عدداً من الكتب النقدية حتى وصلت مؤلفاتك في هذا المجال ما يربو على ثلاثين كتاباً، جلها يصب في مجال التطبيق باستثناء بعض الدراسات القليلة في مجال التنظير. لماذا هذا الانجراف الجامح صوب الدراسات التطبيقية؟!! وقد تكون الناقد السوري الوحيد الذي صدر له هذا الكم من الدراسات التطبيقية، لدرجة تضعك في موقع المواجهة وجذب الأنظار والأحقاد إليك من قبل ظلامك و منافسيك؟ خاصة أولئك النقاد العجز عن الخوض كما خضت؟!

- أولاً- أنا أعد النقد رسالة وأمانة، يجب أن تؤدى على أكمل وجه، والناقد الحقيقي هو الذي يؤدي الرسالة على أجمل حلة، وأبهى صورة، لأن الذي يبصم في النهاية هو الذي يصدق مع نفسه، وقارئه، وخالقه، ووجوده، وأرى في الدراسات التنظيرية الفحولة الجوفاء الفارغة، التي لا تصنع نقداً، ولا تصنع مجداً، إنها مجرد أقوال تسبح في الفراغ، أو مجرد أحلام وأمانٍ لا متحققة. وأنا قلت وناقدنا الفذ الجليل خليل موسى قال إن من يُنَظِّر هو أشبه بمن يتكلم عن الفحولة وهو عنين، لذلك، كثفت نشاطي في هذا المضمار، واشتغلت على نفسي كثيراً لمواجهة ظُّلَّام أشد تزمتاً، وشراسة، وعدوانية من أعتى السفاحين، والقتلة، والمجرمين، وللأسف أسعفتهم مناصبهم في السلك الجامعي في جامعة حلب تعطيل حياتي، وليس فقط متابعة تحصيلي في درجة الدكتوراه، ونظراً لإيماني المطلق بأن الوجود زفرة حياة، ما عدت أطمح سوى أن أعيش بقية أنفاسي مع الكتاب، أشاكسه ويشاكسني، أكتب بحرقة المظلوم أن أهب القارئ ما يفيده، عسى، ولعله يحقق أحلامه، و يعيش قدرا من الطمأنينة في عالم لم أذق فيه غير المرارة، والحرقة، والألم، ولذلك، عندما أكتب للقارئ أحس وأشعر أني أكتب لنفسي الجريحة لتستعيد شيئاً من كبريائها المجروح، وتماسكها الصلب لتستمر في الحياة و لو على فُتَاتِها، وبشاعة أناسها وقمائتهم.. وكنت أقول في سري: ما أصعب الانكسار للظالمين.. و أسعى دائما أن أمنح كلي للقارئ، ليشق طريقه في ركب الحياة، ويحقق أحلامي التي دفنوها أولئك الظالمون في صدري، ويمضي في عالمه الجميل محلقاً في سماء الحياة.

ومن هنا، انطلق مشروعي وانطلقت صرختي في وجه أولئك الظالمين فأصدرت بعض المؤلفات المتواضعة التي تركت أثرها في وجدان القارئ العربي، وأولئك الظلمة ادعوا أن كثرة إنتاجي من الدراسات، والبحوث، والكتب بدافع مادي بحت، أو مطمع بهرجي من أجل شهرة ما.. ولم تكن بدافع علمي واندفاعي في فترة من الفترات للحياة، وأنا أقول كلمتي من نبض الروح قبل دفق القلب: أقسم أن جل مؤلفاتي طبعت على نفقتي الخاصة لدرجة أن منزلي غرفة واحدة، ولم أنل من مؤلفاتي أي مكسب مادي، بل قسمت ظهري، وزادتني عوزاً وفقراً، وهذا إخلاصاً لرسالتي العلمية، ولمشروعي الذي أسسته بالدموع والزفرات والأحلام، والأماني المنكسرة أن أحقق نصري على أولئك الظلمة الذين جندوا أقلاماً لم تطلع على نتاجي النقدي، ولا تعرف معنى النقد، متبعين المثل الشعبي (العيار اللي ما بصيب بيدوش)، خلطوا الأوراق، وقلبوا الأمور رأساً على عقب، ليقللوا من شأن ما أكتب، وأعترف أنهم نجحوا في كل ما خططوا له، ونالوا نصرهم الساحق في فترة من الفترات، تلك الفترة السوداء؛وهي (مرحلة ضعفي وتأمر مشرفي المجرم سعد الدين كليب الذي انضم إليهم مع المجرم الآخر أحمد محمد قدور- لا بارك الله فيهما ولا سلمهما- بتوجيه من رأس الأفعى وزيلها الدعي (أحمد محمد ويس) الذي خطط بمكر ودهاء، وهؤلاء السفلة نفذوا بإتقان ما خطط له الدعي المجرم، باستصدار قرار جائر يقضي ب (شطب أطروحتي في الدكتوراه) قبل مناقشتها بأيام قليلة، وفعلاً نفذت الجامعة القرار، ودفنت قضيتي لتسجل جامعة حلب عاراً عليها يلزمها إلى أبد الآبدين، وكما قلت : إن وزارة التعليم العالي المبجلة في سورية هي التي مهدت السبيل إلى تمادي بعض أساتذة الجامعات المدمرين... ليدمروا مشروع هذا أو ذاك لأنها بالأساس منحت الأستاذ الجامعي الحصانة، وكأنه النبي المعصوم من الخطأ أو الزلل.. والإجرام الأكبر أن وزارة التعليم العالي لا تحاسبهم حتى ولو أخطأوا؟!!. وحفظك الله يا شاعرنا السوري نزيه أبو عفش الفذ بقوله الشهير (أيها العالم الكلب أبصق على شرفك)، وأنا أقول: ..... وفهمكم كفاية .

أعود وأقول يا أختاه: يكفيني نصراً أن الله أمدني بالجسارة، والقوة على الكتابة رغم ظرفي الشاق، والظلم، والأسى المرير الذي نلته على أيدي أولئك الظالمين، وفخري الوحيد أني أحب قارئي، وأخلص له، ولن تزحزحه تلك الوثبات الجسورة من أولئك الذئاب الشرسة، لأن قارئ كتبي لابد أن يكون حساساً، وشهد لي في الماضي، ويشهد لي اليوم، وسيشهد لي غداً، وشهادته وسام شرف على جبيني، وتاج عز على رأسي، خاصة قارئي العربي في المغرب، وتونس، والجزائر، وقد نشرت كتباً فيها، فأنا عربي ولست سورياً، ولم أكتب لسوريتي التي ما جرعتني إلا كأس المرارة والجحود والنكران والإهمال.

وأعود إلى الشق الثاني من سؤالك؟ أنا لا يهمني إن كنت الناقد الوحيد في سورية في عدد مؤلفاتي أو الناقد الأخير، النقد ليس بالكم، وإنما بالكيف، أي بالقيمة، والجودة، وبراعة الاكتشاف، فالناقد رائي قد يبصر في كتب، ويحلق فيها، وقد يخفق في كتب، وينحدر في تأليفها إلى أسفل السافلين.

وأنا أعترف أن هذا الكم من الكتب قد يكون مأخذاً علي، لكن ما يشفع لي الكتب المتواضعة التي اشتغلتها على شاعرنا السوري الكبير بدوي الجبل، و الشاعر العراقي الكبيرحميد سعيد ونزار قباني و جوزف حرب، فما زالت كتبي عن هؤلاء الشعراء تطلب، وسنعيد طباعتها أكثر من مرة.

 أما الكتب التي شرفني الله بطبعها هذا العام 2016 فهي:

1- مفاتيح الشعرية في قصائد حميد سعيد، دار الصفحات، دمشق.

2- جدلية الزمان والمكان في شعر حميد سعيد، دار البدوي، تونس.

3- تحولات الخطاب الشعري في شعر جوزف حرب، دار الصفحات، دمشق.

 

2- ما رأيك في النقاد السوريين؟ وهل تعتقد أنك تجاوزتهم؟!

- أنا قلت لكِ –يا أختاه- أنا ناقد عربي لا أنتمي لسورية لهذه الرقعة الضيقة، انتمائي لعروبتي أولاً وأخيراً، فكل قطر عربي هو وطني، وكل فتاة عربية، هي أختي، حبيبتي، أمي، عمتي، خالتي، قلبي النابض بالدفء والأمان... وصدقيني أن قارئي المحب ليس سورياً لأن الإنسان يكره البلد الذي يظلم فيه، وأنا بصراحة لا أرغب أن يكون قرائي سوريين على الإطلاق، والدليل على ذلك كل المنابر الثقافية التي انشر فيها أبحاثي ومؤلفاتي في السنوات الأخيرة عربية، وليست سورية. فكيف أنتمي إلى بلد لم ينصرني، وأترك تلك الأوطان التي أغدقت علي بفضلها .. تلك الأوطان التي أكرمتني وأحبتني وقدرت نتاجي النقدي حق قدره.. فكيف لا أنتمي إلى بلدي الأردن وقد نشرت لي ثلاثة كتب على نفقتها، ومازالت تطلب المزيد، وكيف لا أحب تونس، وقد نشرت لي كتابين، وكيف لا أحب المغرب وستنشر لي كتاباً، وكيف لا أحب السعودية وقد نشرت لي أبحاثاً عديدة هي والإمارات، والكويت، وعمان، والبحرين، .. هؤلاء هم أهلي، وهم أوطاني الآن، فكيف أكون سورياً، وظلامي الذين شربوا من دماء حلمي حتى الثمالى، مازالوا يتربعون على عروش مناصبهم، ويترقون درجة تلوى أخرى.. وأسفاً على وطن لا ينصف مظلوميه من ظالميهم، وطني الحقيقي هو من يقدرني ويحبني ويرعاني لأكبر معه ويكبر معي. ولهذا، أنا أفتخر بعروبيتي، وإنسانيتي وليس بسوريتي الظالمة. فكيف يفخر ابن بأب ظالم؟!!، وأم ظالمة، هكذا سورية بالنسبة لي، وستبقى إلى أن تأخذ حقي من أولئك الظالمين..وتزيقهم المرارة والخزي كما جرعوني إياها في مرحلة من المراحل.

أما جوهر سؤالك فلا يعنيني أني تجاوزتهم أم لا؟ ولا يهمني هذا الأمر، ولا أفكر به إطلاقاً .. أنا أكتب للنقد العربي، وليس للنقد السوري . أنا لا أعترف في المحلية على الإطلاق، ولا أركن إليها، ولا أقف عندها، فصلاح فضل عربي.. وليس مصرياً، ومحمد صابر عبيد عربي، وليس عراقياً، انتماء النقاد للإبداع وليس للمحلية، وأنا قلت مراراً وتكراراً: الناقد الحقيقي يبصم بصمته الخاصة، ويسد ثغرة ما لا يسدها غيره على الإطلاق، ولا يهمني إن كنت الناقد الأول عربياً، أو كنت الناقد الأخير ما يهمني أن أبقى مع أدواتي النقدية أجدد فيها وأشحذها كل يوم عسى أن أظفر بصيد جديد، ورأي سديد في قضية من القضايا النقدية، وكما أشرت من سابق: ليس لدي من طموح سوى أن أعيش مع أدواتي النقدية أحفر في هذه التجربة أو تلك عسى أن أظفر بالدرة أو الجوهرة الخبيئة بين الركام، لأقدمها إلى من هو أتعس مني لأزف له فرحة طالما اشتهيتها في زمني الماضي والحاضر والمستقبل.

 

3- كيف ترى النقد بين الحقيقة والمجاز؟ أين أنت منهما؟!!

- النقد قوة خلاقة في الروح، تجري في شرايين القلب كجريان الدماء في الجسد، ويخطئ من يظن أن النقد يقف في المرتبة التالية بعد النتاج الإبداعي، النقد الحقيقي إبداع مركب أو إبداع متعدد المرجعيات، والرؤى، والطبقات، والنقد إن لم يكن إبداعياً ليس بنقد حقيقي، وأنا ضد النقد الانطباعي، لأني أعد هذا النقد لا مرجعياً، أو نقداً بلا ثوابت أو جذور، ومن لا جذر لا له بالتأكيد لا قيمة له.

 

4- ما موقفك الشخصي ممن ينتقدون كتبك ودراساتك؟ .

- أنا أحترم الناقد الموضوعي وأقدره، وأعترف بجميله، وفضله إن كان مطلعاً يعي المسالة النقدية المطروحة، ويسبر أغوارها، فيكون شريكي في الإبداع، وصنوي في الفكر، وليس ندي كما قد يرى البعض، ولهذا لا أحترمه فحسب، وإنما أطأطأ رأسي احتراماً له واعترافاً بجميله، ولكن عندما يخوض هذا المخاض من يجهل في القضية المطروحة، ولا يعي من أمرها شيئاَ، ويكون بعيداً في رؤاه عما أقصد أحزن على جهله، وأحزن على ضيق أفقه، أكثر بكثير مما أحزن منه، ولهذا، لا أدقق في الانطباعات السطحية، ولا التفت إليها، وأهتم وأفرح عندما أجد من يفوقني في رؤيته، ومنظوره، ويصوب رؤيتي، ويرشدني.. هذا هو القارئ الذي أحبه وأطلبه في كل ما أكتب.. عسى ولعلني أفد منه بمعلومة جديدة تمدني بطاقة إضافية أو طاقة مكبوتة في داخلي قد يفجرها هذا الناقد في قريحتي، لتفيض من جديد.

 

5- هل ستسامح ظالميك أولئك الذين سلبوا حلمك؟ ونهشوا بأنيابهم جهدك يوماَ ما؟!!.

- أنا قلت من سابق وأكرر: هؤلاء بالنسبة لي مهما تجبروا، وأسرفوا في ظلمي لا يزنون عندي ذبابة، لأن الأمر قضي وانتهى .. إنهم يعيشون على الرماد.. وإن الالتفات إليهم للحظة يؤخرني سنوات، إنهم مجرد دمى متحجرة عمياء.. وهذه الدمى ميتة القلب، والشعور. فكيف تسامح من لا يملك قلباُ أو شعوراً.. إنهم أموات عندما أسرفوا في التشهير، وأسرفوا في التلفيق والتزوير والظلم.. والدليل القاطع على ذلك أن نيران حقدهم أكلتهم ولم يبق منهم إلا الرماد. وحتى رمادهم لن أسامحه وأتمنى أن أدوسه بقدمي.

 

6- هل تعتقد أنك قدمت للنقد السوري أو العربي ما هو مهم وضروري واستثنائي؟

- أنا قلت لك - يا أختاه- وأكرر ليس على سبيل الكبرياء والنرجسية وقنزعة الأنا- لو اجتمع كل نقاد الأرض يمجدون ما أكتب لن يفرحني ذلك كثيراً، ولن يزيدني كبرياء وعظمة، ولا حتى نشوة وسروراً، ولو حدث العكس لن ينقصني رأيهم قوة وجسارة وثقة فيما أكتب؛ لأني لا أكتب لمجد، ولا لشهرة، ولا لحظوة عند امرأة أو حبيبة، أو عند دولة، أو مؤسسة إعلامية.. إن هذه الأمور الساذجة شخنا – يا أختاه- عليها، وما عادت تروقنا. أنا أكتب لله، وللوجود، وللإنسان، ولدافع ضغط الموهبة التي تفتقت بداخلي يوماً من الأيام، ويا ليتها لم تتفتق.. وهذا ما يعرفه كل من عاشرني وخالطني خاصة بعد عام (2007)، والكثير من الاتصالات باركت جسارة طرحي في كتابي الموسوم ب (فضاءات جمالية في شعر حميد سعيد) لكن هذا الإطراءات لم تغير فيَّ شيئاً، فانا ما زلت أبحث عن عمل جديد، وبإحساس أكثر تواضعاً، وأكثر مسؤولية، وهذا ما أكدته الآن في كتابي (الفكر الجمالي عند شعراء الحداثة) الذي آمل أن ينشر عام 2017.

 

7- هل تختار قارئك أو الناقد الحصيف لكتبك النقدية؟! ومن تفضل أن يقرأ نقدك؟!!

- أنا أحترم كل من يقرأ كتبي، وأعده توأم روحي سواء أكان قارئاً عادياً أم قارئاً أكاديمياً، وأرى أن مجرد الالتفات لي ولو بقراءة كلمة، أو جملة في كتبي هو بمثابة إكرام لما أكتب، وأنا أقدر كل من أشار إلى كتبي بملحوظات سلبية أم إيجابية، وأنا أعتز بالملحوظات التي قدمها الناقد إبراهيم خليل على كتابي: (فضاءات جمالية في شعر حميد سعيد)، وهي رغم إجحافها وقسوتها للكثير من القيم الجمالية إلا أنها دفعتني إلى المشاركة بهذا الكتاب لجائزة أهم كتاب نقدي صدر عربياً، وأنا مرفوع الرأس، بدافع التحدي فيما اكتب وثقتي بالمستوى النقدي الذي وصل إليه، وأعتقد أنه سيجد من ينصفه في المستقبل القريب أو البعيد.

 

8- ما رأيك في النص المبدع الحقيقي وهل يستقطب النص المبدع الحقيقي الناقد الحقيقي ومتى تتكامل هذه العلاقة وتحقق ثمرتها في نظرية التلقي الجمالي من منظورك؟!

- لاشك في أن علاقة النص بالمتلقي من العلاقات المهمة التي طرحتها النظريات الأدبية والنقدية الحديثة على خارطة التداول النقدي في أكثر من محفل أو مؤتمر؛وهذه العلاقة، مرجعها الكثير من المتحمسين إلى سلطة النص، أو سلطة القارئ أو المتلقي؛ فكثير من المبدعين يتحمسون إلى النص بوصفه المدونة الأولى أو القطب الأول في نظرية التلقي، وإذا انعدم الأول فقد الآخر قيمته وأهميته، في حين أن البعض الآخر يتحمسون إلى المتلقي، لأن الرسالة الإبداعية موجهة إليه، ولولا وجوده وفاعليته لفقدت المدونة الإبداعية قيمتها؛ فهو الذي يحييها ويهبها الحياة من جديد؛ ومن هنا؛ اختلفت المنظورات وتعددت، بين مؤيد للنص وقيمته وسلطته المطلقة، وبين متحمس للقارئ أو المتلقي الذي تنعقد عليه الآمال في فك شفيرات النص؛ وعلاماته، وبؤره الدلالية؛ ليبث فيه نبض الحياة من جديد، ومن المعلوم أن الكثير من النظريات، والآراء الغريبة وقفت على قضية انفصال النص عن منتجه ومؤلفه بما أسموه (موت المؤلف) ؛ للإعلاء من سلطة النص فوق قارئه ومبدعه في آن؛ وهذا يعني أن الكثير من الدراسات اتجهت إلى الشق الأول، والكثير من الدراسات اتجهت صوب الشق الثاني؛ ومازال الحماس يذهب إلى كلا الجانبين؛ لكن ما نود إضافته في هذه الرقعة القرائية أن للنص سلطته من جهة مدونته الإبداعية؛ أو وثيقته الإبداعية التي تمثل الطرف الأول في جمالية التلقي، إذا ما أهملنا المبدع أو المنتج، في حين يمكن اعتباره الطرف الثاني إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المؤلف، ليأتي المتلقي الطرف الأخير بعد الأول والثاني؛ لكن ما يهمنا نحن أيهما يملك السلطة الأقوى في هذه النظرية أو العامل المستقطب لبقية الأطراف، وهنا نقف على نقط مفصلية في نظرية التلقي نجملها في المفاصل الرؤيوية الحساسة؛وفق ما يلي:

 

 فاعلية النص من فاعلية المتلقي:

ما من شك في أن فاعلية النص ترتقي بفاعلية المتلقي بصيرورة إبداعية كل منهما يؤثر في الآخر؛ وكل منهما يرتقي بارتقاء سوية الآخر؛وهذا يعني أن النص بارتقاء قارئه يرتقي إبداعياً؛ ويسمو فوق قدراته أحياناً؛ وهذا الارتقاء ناتج تفاعل إبداعي خلاق أو مؤثر بين النص والقارئ؛ وبمقدار حساسية هذه العلاقة التفاعلية بين النص وقارئه، تزداد درجة أسهم النص الفنية أو طاقته الإبداعية الخلاقة. ولا نبالغ في قولنا: يرتقي النص بفاعليتين متضافرتين أو قوتين خلاقتين لا غنى لإحداهما عن الأخرى: (طاقة النص الإبداعية الخلاقة)، و (طاقة المتلقي وفاعليته) التي ترتقي بالنص ودرجة شعريته وفاعلية تلقيه الإبداعي؛ ولهذا؛ فإن جاءت مقولتنا النقدية: (تنبثق فاعلية النص من فاعلية تلقيه أومن فاعلية المتلقي في تلقي النص إبداعياً) صائبة أو تملك شرعيتها من خلال التجارب الإبداعية الكثيرة؛ فمعظم النصوص الإبداعية العظيمة لا تظهر جماليتها إلا من خلال فاعلية تلقيها؛ وهذه الفاعلية تزداد قوتها بفاعلية الطرفين، وقوة الدافع الجمالي الساكنة في كليهما.

 

فاعلية المتلقي من فاعلية النص:

إنه لمن المسلم به في النظرية الأدبية الحديثة أن فاعلية المتلقي ترتقي بفاعلية النص؛ فكما أن فاعلية النص ترتقي بفاعلية المتلقي؛ فإن فاعلية المتلقي ترتقي بفاعلية النص؛ وهذه العلاقة التفاعلية لا يمكن إهمالها أو التقليل من شأنها في جمالية التلقي أو فاعلية التلقي؛ وهذا يعني أن ازدياد جمهور التلقي الجمالي للنص الإبداعي يرتبط بفاعلية النص الإبداعية وقيمه الجمالية، وبمقدار تنامي هذه القيم وازديادها بمقدار ما تزداد الشريحة المتلقية ويزداد غنى النص إبداعياً.

 

فاعلية النص وفاعلية المتلقي:

- يخطئ من يظن أن النص الإبداعي مكتفٍ بذاته، بعيداً عن متلقيه أو قارئه؛ ومهما سما النص الإبداعي فنياً وجمالياً، فإنه سيبقى منقوصاً من أهم عنصر في ثرائه وغناه ومحفزه الإبداعي؛ فالقارئ هو التربة الخصيبة أو هو ماء الحياة الذي يمنحه للنص، ليستمر ضد التقادم الزمني؛ أو التصحر الوجودي، ولا قيمة لأي نص إبداعي مهمل مهما بلغ من الإثارة والدهشة الإبداعية، ليبدو النص كتمثال جمالي لا نبض فيه ولا حياة.

- وقد يتساءل القارئ ألا يمكن أن يخلد النص الإبداعي بقوته الإبداعية ولاشيء سواها بعيداً عن قوة القارئ وفاعليته؟!!

- نقول: إن خلود النص بقوته الإبداعية الجامحة لا يمكن أن تتجذر وتثبت بعيداً عن دائرة التلقي الجمالي، لأن النص الإبداعي الحقيقي لا يثبت ولا يترسخ إلا في الوسط الثقافي والبيئي الذي أنتجه؛ وهذا الوسط مهما كان ضحلاً فإنه يؤثر في فاعلية المنتج الإبداعي ويرتقي به؛ومن هنا، لا يسمو النص ويرتقي بعيداً عن وسطه الذي أنتجه إلا بالمتلقي الخلاق الذي ينقل النص من مستواه البيئي أو الثقافي الضحل إلى مستويات سامقة في التميز، والإثارة، والإبداع؛ولا يمكن لأي نص إبداعي أن يتجاوز إطاره الزمني إلا بالتلقي الفاعل الذي يحقق أقصى فاعلية في نقل النص إلى زمن جديد ووسط إبداعي أرقى من وسطه الذي أنتجه؛ ولذلك تبقى مسألة التلقي الجمالي من المسائل المهمة في نظرية الأدب التي اشتغلت على الأطراف الثلاثة في فاعلية التلقي هي: [ (النص) و (المبدع) و (المتلقي) ]؛ولكل طرف من هذه الأطراف قيمته، وتأثيره في الطرف الآخر لدرجة لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر؛ وإن حاولت بعض النظريات النقدية التقليل من شأن أحد الأطراف على حساب الطرف الآخر ؛ فإنه يبقى لهذا الثالوث قدسيته في النظرية الأدبية الحديثة.

- وصفوة القول: إن قيمة النص لا تنفصل عن قيمة المبدع (خالق النص الأول والمنتج الشرعي له)، والمتلقي الذي يفكك النص وينفث فيه روح الحياة من جديد؛وهذا يعني أن للنص طاقة ما، وسلطة جزئية محدودة في ذاته لا يتعداها إلا بالقارئ الذي يمنحه هذه القوة، والثبات، والتطور، والنمو والازدهار؛وبهذا؛ تتنامى فاعلية النص بتنامي العلاقات الرابطة بين (المبدع والنص) من جهة، و (النص والقارئ) من جهة ثانية، ولا يمكن أن يثبت النص كمدونة إبداعية خالدة أو وثيقة إبداعية مؤثرة إلا بتعاور هذه الأطراف الثلاثة في نظرية التلقي التي تأسست عليها المناهج الحديثة في نقل مدونتها المعرفية إلى عالمنا النقدي المعاصر.

 

9- ما مفهومك للحداثة المعاصرة وتياراتها الحديثة؟ كيف تقيم حركة الحداثة في عالمنا العربي المعاصر؟!!

 

- إن (الحداثة هي الحداثة في كل شيء) ؛وما من حداثة دون تحديث؛ وما من تحديث دون فكر حداثوي متغير ومتطور؛ فالحداثة هو المفهوم الذي يتوالد ولا يشيخ، ولهذا؛ يقول الكثير من المبدعين (الحداثة) هي الفكر الحداثوي، والرؤية الحداثوية، والمنظور الجديد، وهذا الطرح الذي بحث فيه الكثير من نقادنا ومنظرينا لا يمكن استنفاد رؤاه ومدلولاته المتغايرة مع فجر كل يوم جديد، إنه المفهوم الرائج الذي لا يشيخ، وكما قلنا؛ من سابق ونؤكده الآن: إن هذا المفهوم هو الذي يتنامى ويتطور تدريجياً مع كل إفراز إبداعي جديد، ويخطئ من يظن أنه حداثوي (مائة بالمائة)، لأن ما هو حداثوي الآن متقادم غداً، هكذا دوران الحداثة كما دورة الحياة؛ والمبدع الخلاق هو الذي يتطور في شكله الإبداعي، ومنظوره الرؤيوي المتجدد، ولا يتوقف على رؤية، أو شكل، أو مستوى، فالإبداع بمقدار ما يتجدد بمقدار ما يتقادم وهذا الصراع الدائب بين التقادم والحداثة مستمر في أبجدية الإبداع ما استمرت الحياة، ولعل المدقق لهذه الحركة من بدايتها يلحظ أن الكثير الكثير من مبدعينا ونقادنا العرب المعاصرين فهموا الحداثة فهماً مغلوطاً أو مشوباً بالغموض، فخلطوا الأوراق، وضاعت الحدود، وتداخلت الرؤى، والأفكار، والمنظورات، فأصبح الذي يتحدث عن الحداثة أكثر جهلاً ممن لا يعي منها شيئاً، وأصبح كل من يخوض في الحداثة متقادماً لأن ما يصل إليه اليوم سيذهب أدراج الرياح في الغد، لأن إفرازات الحداثة متغيرة، ومتطورة ؛إنها كل يوم تؤذن بجديد، وتبشر برؤى جديدة، ولهذا لن تتوقف الحداثة على تيار أدبي أو جيل أدبي، إنها تنفتح على مختلف الأجيال، وكل المستجدات الإبداعية، ولهذا، تتنامى هذه الحركة بالتوازي مع تنامي الفكر الإبداعي أو الثقافي؛وللوقوف على بعض المقترحات والرؤى والمنظورات التي تبنتها حركة الحداثة سنقف على بعض من هذه المنظورات التي تنبتها حركة الحداثة في تاريخها الطويل، وهي:

 

1- الحداثة شكلاً أم معنىً:

 لقد ظلت مسألة الحداثة شكلاً أم معنى من المسائل الجدلية الشائكة عند جمهرة النقاد حول مشروعية هذا الطرح والتداول النقدي (الحداثة/ شكلاً أم معنى؟!!) ؛، وهذه المسألة شغلت الكثير من النقاد العرب المعاصرين، لاسيما أولئك النقاد المعاصرين الذين ظنوا الحداثة في الشكل دون المعنى، أو المعنى دون الشكل، وهذه المسألة بالغة الأهمية في تراثنا النقدي المعاصر؛ فالكثير من النقاد فهموا الحداثة في الشكل، وروَّجوا للكثير من الكتابات الإبداعية في إثبات ذلك، ومن أبرز أولئك، شكري عياد، وكمال أبو ديب وغيرهم، ومنهم من ظنوا الحداثة في المعنى، واعتبروا أن الحداثة في شرارات المعاني وإشعاعاتها المتوالدة على الدوام، وهؤلاء احتفو ا بالمعاني أكثر من احتفائهم بالشكل، فضحوا في شكل الإبداع، فبدا الشكل ضحضاحاً لا نبض فيه ولاحياة، وقضوا على روح الحداثة من الصميم؛ونشير إلى أن هذا الفصل بين الشكل والمعنى قضى على سمة الإبداع الحقيقية التي تنطلق من جوهر الرؤية، منبعثة إلى السطح اللغوي جمالاً وغنجاً وتفاعلاً واندماجاً لدرجة لا انفصال فيما بينهما؛ وهذا القول يدعونا للتأكيد: إن جوهر الحداثة ماثلة في الشكل والمضمون فلا يمكن للنص الشعري أن يكون حداثياً في الشكل ضحلاً في المضمون، ولا يمكن أن يكون حداثياً في المضمون رثاً تقليدياً في الشكل .. إن الحداثة هي تلاحم الشكل مع المضمون، والمضمون مع الشكل لدرجة التكامل والالتحام والانصهار التام في كينونته النصية، ولذلك لا حداثة في الشكل بمعزل عن المضمون ولا حداثة في المضمون بمعزل عن الشكل، فالكل في تلاحم وتضافر وتآلف وانسجام، وهذا يؤكد مقولتنا النقدية من سابق الحداثة في الوحدة والتفاعل والانسجام والتضافر التام الذي لا انفصال فيما بينها على مستوى الشكل والمضمون ومن يفصل بينهما في القيمة والدرجة لا يفقه الإبداع ولا الحقيقة الإبداعية.

 

2- الحداثة رؤية أم رؤيا؟!!:

الحداثة هي ناتج رؤيوي موقظ إبداعياً، ولا حداثة بلا أحلام ورؤى، وهذا يعني أن الحداثة ليست رؤية، وإنما رؤيا موقظة منتجة محولة متغيرة، ولأنها كذلك فلا قيمة للإبداع بمعزل عن رؤيا حداثوية خلاقة منتجة للتغيرات، مشبعة برغبات الخيال، وتطلعات الفكر، وكما يقال: المبدع الخلاق هو من يحلق في رؤياه، ويولد ما يشبه المستحيل، أي هو الذي لا ينتج الفكر فحسب، وإنما ينتج الحس الجمالي، والفني في الأشياء.. إن الحداثة، إذن، ماثلة في هذا التكامل بين (التجريد/ والتجسيد)، بين (المدرك /و اللامدرك)، بين (الخيالي/ والواقعي)، ومن أجل أن تتكامل الرؤى، والمنظورات بحداثويتها المتكاملة لابد من تخليق الآفاق الرؤيوية الخصبة من خلال التداخل بين ما هو بصري، وما هو خيالي، ولهذا، فالحداثة في ثوبها الإبداعي نشاط محموم بين الحس والخيال، بين الواقع والمجرد، وبهذا؛ تنصهر القيم الفنية في بوتقة واحدة، ومحك واحد هو الإبداع ذاته، ولاشيء سوى الإبداع، ولهذا لا يمكن فصل الواقع عن الخيال في العمل الفني، فالواقع قد يصح خيالاً والخيال قد يصح واقعاً، ولهذا يخطئ من يظن الحداثة في ركوب المتخيلات الماورائية البعيدة، أو في إبراز المحسوسات في قالب بصري، الحداثة هي غنى معرفي متطور ينصهر فيه الحسي بالخيالي، والخيالي بالحسي بتفاعل، وانسجام، وتضافر لا انفصام بينهما، وهذا ما يجعل الحداثة هي النافذة المشرعة على أفق الانفتاح على ما هو مجرد وما هو مجسد، ومن خلال فواعلهما ترتقي حداثوية النص، وترتقي رؤيته المتجددة وتجذره الإبداعي المتطور.

 

3- الحداثة ليست في المعاصرة:

يخطئ من يظن أن الحداثة معاصرة، الحداثة ليست في المعاصرة، وإنما في جذر الحداثة ذاتها،

 فأي حديث عن المعاصرة لا يقتضي الحداثة، ما هو حداثي يبقى في حقل الحداثة سواء في معاصرته لعوالمنا؛ أو في تجاوزه لهذا العالم الذي نعيشه، أو تخلفه عنا، فالحداثة ليست زينة توشى بها النصوص الإبداعية، إنها قيمة نتجية تنبع من صميم المنتج الفني، وليست منفصلة عنه أو مسقطة عليه من الخارج، إنها هذا الحراك المتنامي المستمر الذي لا ينقطع ولا ينفصل عن روح الحداثة من الصميم. ولهذا يخطئ من يظن أن المعاصرة حداثة، أو أولئك الذين يقيسون الحداثة بالمعاصرة، فالحداثة قيمة لا تُعطَى ولا تُوهَب بالمجان، إنها كائنة في روح المنتج الإبداعي من الداخل، ولهذا يمكن القول: الحداثة جوهر، فكما لا ينفصل الجوهر عن نبض الكائن، وروحه فكذلك لا تنفصل الحداثة عن صميم النص، وجوهره الإبداعي، وهذا ما يجعل الحداثة قيمة ليست متغيرة في النص، فهي راسخة فيه لا تنفصل عنه مدى الحياة، ولهذا لا يمكن اكتساب هذه القيمة من نص آخر، لأنه قيمة ثابتة فيه غير مكتسبة على الإطلاق، ومن يفعل ذلك يكون كمن يحاول أن يهب رأساً لجسد ميت ليحيا فيموت الاثنان.

 

4- الحداثة انفتاح (على الماضي، والحاضر، واستشراف للمستقبل)

 يخطئ من يظن الحداثة انقطاع عن التراث، أوانفصال عنه، ويخطئ كل من يظن أن التراث لا يمكن تحديثه أو ينفي صفة الحداثوية عنه، فالتراث حداثة راكدة، أو جامدة، فهي ليست رهينة بالتخلف والجمود دائماً على نحو ما ذهب إلى ذلك الكثير من النقاد، ولهذا، نقول الحداثة هي لبنة الانفتاح على التراث، والاغتناء به، ولا يمكن أن تتجذر الحداثة على الفراغ، ولا يمكن اعتبار الحداثة انقطاعاً تاماً عن الماضي والتراث؛ فالتراث كان ومازال رافداً للتغيرات الحداثوية في الفكر الإنساني، وهذا يعني أن الحداثة هي انفتاح على الماضي، والحاضر، واستشراف للمستقبل، والنص الحداثي نص مفتوح في قيمه ورؤاه وعوالمه الوجودية، فهو يتفاعل مع التراث ويتجاوزه، ويتفاعل مع الحاضر، ويتجاوزه، ويستشرف المستقبل، ويخلد فيه، ولهذا، تبقى النصوص الحداثية في انفتاح دائم وتغاير مستمر في البنى، والرؤى، والمتغيرات، فلا يركن لزمان أو مكان محددين، وإن نشأ في زمان ومكان محددين، إنه تجاوز، وانفتاح، وارتقاء فوق القيم المألوفة والمعتادة في القول. ليحلق في فضاء الإبداع الحقيقي الذي يرتقي ولا يقف على مرحلة زمنية، أو رقعة مكانية، وهذا دليل أن الكثير من النصوص المبدعة في القديم مازالت تثيرنا، وتنمي فينا اللذة، والاستثارة، والتأثير.

وصفوة القول: إن الحداثة هي حركة مستمرة متغايرة تبقى في انفتاح دائم، وتواصل مستمر طالما مازالت المكتشفات الإبداعية قائمة وصيرورة الإبداع متغيرة، ومتطورة على خارطة الوجود الحضاري الفكري المتطور في عالمنا المعاصر.

 

حوار شامل مع وزير الدفاع في عهد صدام: سلطان هاشم أحمد (6)

ali saediسلطان هاشم: لأعددها لك، أملك منزلاً في الموصل مازالت عائلتي تسكنه حتى اليوم، كذلك منزلاً في بغداد منطقة القادسية أستمر بناءه 8 سنوات قبل أن أتمكن من إتمامه، وقد سمعت إنه الآن يسكنه عبد الكريم العنزي، كما اشتريت قطعة أرض في الموصل وذلك بعد أن بعت عشرة دونمات حصلت عليها من وسامين نلتهما وهما من درجة (وسام الرافدين) وكان المتبع إن كل وسام من هذا النوع يمنح من يناله خمسة دونمات من الأرض، لذا بعت القطعتين معاً واشتريت بثمنهما قطعة أرض في الموصل كما ذكرت لك .

 

علي السعدي: هل هذا كل ماحصلت عليه من أوسمة؟

سلطان هاشم: بل حصلت على 28 نوطاً للشجاعة في مراحل مختلفة من حياتي العسكرية، لكن وسام الرافدين يعتبر ذو ميزة خاصة .

 

علي السعدي: كم كان راتبك حينما كنت وزيراً؟

 سلطان هاشم: الراتب الإسمي للوزير كان يبلغ (100) مائة ألف دينار، لكن المخصصات والمكافآت، تصل به الى حوالي مليونين وسبعمائة ألف دينار، وكان هذا راتبي الفعلي .

 

علي السعدي: ما رأيك أن ننتقل الى الوضع الحالي الذي يعيشه العراق، سؤال شخصي، هل تزورك عائلتك؟ هل تلتقي في السجن بالقادة المسجونين معك؟

سلطان هاشم: نعم تزورني زوجتي والبنات بين حين وآخر، أما القادة من السجناء، فنعم نرى بعضنا دائماً .

 

علي السعدي: كيف ترى سقوط الموصل بيد داعش؟ وهل لديك تصور معين حول خطة لتحريرها؟

سلطان هاشم: نعم أملك تصوراً يتلخص في مجموعة من النقاط التي أراها ضرورية، مما هو معروف إن حرب المدن هي الأصعب بالنسبة للجيوش النظامية، لذا حينما سقطت الموصل بيد داعش، كان اداء الجيش العراقي هناك سيئاً، لم يستعد لهذا الإحتمال وطريقة مواجهته .

أما اليوم، فينبغي إتباع الوسائل التالية:

1- قطع جميع طرق الإمداد وإغلاق الحدود نقاط العبور حتى لو تطلب الأمر تلغيم المعابر والجسور .

2- إيجاد نقاط تجمع آمنة لانطلاق القوات المكلفة بالتحرير، وأرى مخمور مناسبة على أن لايقتصر التجمع عليها فقط .

3- توزيع الواجبات بين الشرطة والجيش والحشد الشعبي

4- ضرورة أن تفصل معركة مركز المدينة عن معركة تحرير الأقضية .

5- إذا دخل الجيش من الشمال، فعلى الحشد أن يتقدم من الجنوب، ليقوم بعزل المناطق واحد تلو الأخرى وجعلها نقاطاً منعزلة بحيث لاتعطي العدو حرية الحركة .

 

علي السعدي: دعني أستفسر منك، ذكرت هنا دوراً للحشد الشعبي، هل ترى مشاركته ممكنة أو ضرورية؟

سلطان هاشم: أنا أتحدث هنا من الناحية العسكرية البحتة، ولا يعنيني جانبها السياسي، وفي التقييم العسكري، يعتبر الحشد الشعبي قوة أكتسبت مهارة ميدانية في القتال، صحيح أني أتحفظ على تدخل العقائد في العسكر أو ما كنا نسميه الجيش العقائدي، فذلك ما دمر الجيش، لكن الحشد الشعبي يتكون من مقاتلين متطوعين ومتحمسين للقتال، لذا من الضروري استخدامهم شرط عدم تركهم في المدن، أي يتم تكليفهم بمهام محددة ثم يجري سحبهم بمجرد إنجاز المهمة الموكلين بها، وهذه مسألة ضرورية أيضاً، فلكل حالة إيجابياتها وسلبياتها، فلنستفيد من إيجابيات الحشد ونتجنب سلبياته .

الجيش وأية قوات مسلحة، لم تخلق للتماس مع المدنيين، ولم تدرب على ذلك، صحيح إننا قاتلنا الكرد 30 عاماً وتعلمنا من التجربة، لكن جيشنا الحالي لم يتعلم منها في الموصل قبل سقوطها بيد داعش.

 

علي السعدي: يحكى عن تدخل قوات سعودية وخليجية في العراق، هل تراها تنجح في ذلك التدخل إن حصل؟

سلطان هاشم: لا أعتقد إن أية قوات تدخل العراق ستنجح، الإ إذا توفر لها غطاء جوي أمريكي، لكن حتى لو حققت نجاحات أولية، فلن تنجح لأنها ستتعرض الى خسائر كبيرة، لكني لا أتوقع تدخلاً سعودياً، فلايمكن القبول بأي جيش آخر بديلاً عن الجيش العراقي.

 

علي السعدي: وماذا عن داعش؟؟ماهو تقييمك لأدائها القتالي؟

سلطان هاشم: عصابات الإرهاب، هي نمط جديد وتحديات لم يعرفها الجيش العراقي من قبل ضمن هذه الأساليب الإرهابية التي يمارسونها، خاصة حينما كانوا يتحركون بسرية، لكن داعش ارتكب خطأ استراتيجياً قاتلاً جعل هزيمته حتمية، وهناك قاعدة عسكرية تقول (أخطاء السَوق، لا تعالجها اتجاهات التعبئة)

لقد اعتقد تنظيم داعش إنهم في موقع باتوا فيه أقوى من الجيش العراقي، لكن على الصعيد الاستراتيجي، لم يكن ذلك صحيحاً، فقد نظمت المعارك اللاحقة، وسجل الجيش نجاحات، والجندي العراقي صاحب نخوة ومرؤة، وهذه الصفات جعلته يكتسب احترام الناس، على أن لايطيل الإحتكاك معهم كما أسلفنا .

 

علي السعدي: ماهي المعارك التي تتوقع أن يخوضها العراق في المستقبل؟

سلطان هاشم: ذات يوم، ذهب ضباط عراقيون لحضور أحد المؤتمرات العسكرية في أمريكا، وكانت الندوات تابعة للحلف الأطلسي، ومما جاء في أحدى المداخلات سؤال للمندوب التركي مفاده (ماهي حصة تركيا من انهيار العراق؟) يمكننا معرفة انهم منذ ذاك الوقت يخططون لاحتلال مناطق من شمال العراق، لكن تركيا لديها نقاط ضعف كثيرة، وأهمها الأكراد في تركيا وهم يزيدون عن 18 مليوناً، لذا فهي ليست بلداً آمناً كما تتصور، كما انها لاتحب العرب ولا العرب يحبونها كذلك – خاصة العراقيين –

لكن رغم ذلك على العراق الحفاظ على علاقات جيدة مع دول الجوار، فقد اجتمعت مع اليوغسلافي ميلوسيفيتش، فقال لي إن خطأه الأكبر كان بعدم عمله على كسب دول الجوار، فلا تقعوا أنتم العراقيين في هذا الخطأ .

 

علي السعدي: ماذا تتوقع لمستقبل العراق؟ هل سيطاله التقسيم كما نسمع من بعض الأصوات؟

سلطان هاشم: لست متشائماً من هذه الناحية، أراهن على أن وعي العراقيين كفيل بالحفاظ على وحدة بلدهم، وذلك ما يجعل العراق يستطيع تحدي أي قرار أو مخطط لتقسيمه .

 

علي السعدي: هل من دوريمكن أن تلعبه المرجعيات الدينية في هذا الصدد؟؟

سلطان هاشم: في العراق نموذج خاص للمرجعيات الدينية، فهي تتكلم بمباديء وقيم وتوجهات عامّة، وتترك للعراقيين حرية التصرف، وهذا موقف لايرضي الجميع، وهناك من لايحب هذه الصفات، تابعت الخطبة الأخيرة التي أعلنت فيها المرجعية عدم تدخلها في السياسة، وذلك موقف في محله .

 

علي السعدي: ماذا عن السعودية؟ هل ترى مصلحة لها في تقسيم العراق؟

سلطان هاشم: أرى العكس تماماً، فتقسيم العراق سينعكس بشكل سلبي على السعودية، إذ إن مجتمعها كذلك متنوع في مذاهبه بين شيعة وسنّة وزيدية، وإذا حدث تقسيم طائفي في العراق، فحتماً ستجد السعودية نفسها في المطب ذاته .

 

علي السعدي: وإيران؟ كيف يمكن للعراق إقامة علاقة متوازنة معها؟

سلطان هاشم: منذ كنت وزير الدفاع ربطتنا مع ايران علاقة تعامل رسمي وتبادل الإحترام والمصالح، وأذكر إن بعض الشخصيات الإيرانية زارتني للبحث في موضوع الأسرى والقتلى ومنهم قائد في الحرس الثوري أسمه على ما أذكر (ترابي حسن ترابي)، وأعتقد ان العراق تجاوز آثار حرب الثمان سنوات، ولا مصلحة له في معاداة دولة مثل إيران .

ملاحظة: في نهاية اللقاء، تركت الجنرال سلطان لدقائق يكتب انطباعاته عن اللقاء، وذهبت لاستئذان مدير السجن كي يسمح لنا بأخذ صور تذكارية مع ضيفي سلطان هاشم، فوافق المدير، وأعطى جهازه الشخصي (موبايل) الى أحد المنتسبين لالتقاط الصور، لكنه طلب أخذ موافقة الوزير أولاً قبل أن يرسلها لي لاحقا .

ما وجدته ورأيته، إن وزير الدفاع الأسبق، وأحد أبرز الشخصيات العسكرية التي عرفها الجيش العراقي، لم يتغير كثيراً، فما زال يحتفظ بالكثير من ايمانه بالعراق موحداً عزيزاً، وهو يتحدث كعراقي بذاكرة حاضرة، لم تأخذ منه الطائفية جانباً، كذلك كان واضحاً نزوعه العراقي على حساب الآيديلوجي القومي، لم يمدح رئيسه السابق، ولم يذمه كذلك، فقد طرح الوقائع بموضوعية، من دون حماسة، ومن دون انكساركذلك، لكن من المؤكد إن وضعه كسجين محكوم بالإعدام يؤلمه كثيراً، ليس خوفاً من تنفيذ الحكم، إذ يبدو إنه بات مطمئناً من عدم التنفيذ، لكنه يعتبر نفسه لم يرتكب ما يستحق محاكمته والحكم عليه، كان جندياً أدى واجبه بإخلاص، وما كان يجب أن يعاقب على ذلك، لكن قضيته جزء من مآس كثيرة شهدها العراق، وكان سلطان هاشم شاهداً عليها، وضحية لها كذلك .

 

سلطان هاشم احمد الطائي

28/2/2016

 

حوار شامل مع وزير الدفاع في عهد صدام: سلطان هاشم أحمد (5)

soltan hashim1- ان الشخصية العراقية المفاوضة، لابد ان تكون برتبة أدنى من قائد أركان الجيش، أي مساوية لرئيس الوفد الأمريكي الجنرال شوارسكوف قائد القوات الأمريكية في المنطقة وليس رئيس الأركان .

2- كنت متواجداً في البصرة، ومن ثم قريباً من المكان المحدد للتفاوض .

كان وقف إطلاق النار قد أعلن من قبل وزراء الخارجية السوفيتية والأمريكية والعراقية، لذا كانت المهمة تقتصر على أمرين:

1- تثبيت وقف أطلاق النار ميدانياً

2- الإيعاز بتبادل الاسرى

كذلك تسليم الخرائط والتنسيق اليومي حول مشكلات الإنسحاب .

في اليوم المحدد رافقني وفد مكون من ستة ضباط أذكر منهم:

- الفريق صلاح عبود

- العميد بحري لؤي كرم

- اللواء الركن خالد حسين مدير التخطيط

- اللواء ركن محمد عبد العزيز

- اللواء ركن طه المشهداني

كانت هناك خيمة وضع داخلها طاولة على مصطبة، وكان بانتظارنا شوارسكوف وخالد بن سلطان بن عبد العزيز، ومترجمان

كان على الداخل الى مكان الإجتماع أن يتعرض للتفتيش، وقد طلب مني شوارسكوف أن أدخل قبله، لكني رفضت خشية أن يكون التفتيش مقتصراً عليّ فقط، لذا طلبت منه أن يدخل أولاً كي يفتش، وفعلاً لم يعارض وتقدم قبلي ليخضع للإجراءات تبعه خالد بن سلطان ثم دخلت أنا وتبعني صلاح عبود، وكل منا تعرض للتفتيش ذاته، جلست مقابل شوارسكوف فيما جلس صلاح عبود مقابل خالد بن سلطان .

 

علي السعدي: عجرفة المنتصر مقابل كبرياء المهزوم، هل لاحظت في تصرف شوارسكوف مايشير الى ذلك؟

سلطان هاشم: أتعرف، لم ألحظ في تصرفه أيما شعور بالتفوق، وبصراحة (يقولها مبتسماً) لو كنت مكانه، لطلبت منه أن يدخل الخيمة ويتعرض للتفتيش دون أن افعل مثله بالمقابل، لكنه تصرف بلباقة، كذلك لم تجر عملية استسلام ولم يتم التوقيع على أية وثيقة من أي طرف، تبادلنا الخرائط واتفقنا على تسليم الأسرى ومعالجة أية خروقات، وقد اكد لي إثناء الحديث بأن أمريكا لا تطمع بشبر واحد من الأرض العراقية، أما خالد بن سلطان، فقد سأل عن الأسرى السعوديين والكويتيين، لكني لم أرد عليه، بل توجهت بالرد لشوارسكوف بأن الأسرى السعوديين قد تم تسليمهم .

لم يستغرق اللقاء طويلاً، وحين خرجنا، طلبت نسخة من التسجيل الصوتي للقاء وكان الرد بالقبول، لكنه طلب أن ننتظر لحين الإنتهاء من النسخ، ثم خرجنا من الخيمة فرأينا شاشة عملاقة تظهر فيها مشاهد المعركة كاملة بما فيها خريطة العراق تفصيلياً، فقلت لصلاح عبود: أنظر بأية وسائل يقاتلوننا، وكيف نقاتلهم .

 

علي السعدي: ما كان شعورك وأنت تتجه الى هناك؟ فأيا تكن الطريقة التي تم فيها الإجتماع، والأسلوب الذي تعامل به الجنرال الأمريكي، الإ ان ذلك لايخفي الحقيقة .

سلطان هاشم: سأذكر لك حادثة، عام 1989- على ما أذكر-

ذهبت على رأس وفد بدعوة من الإمارات العربية، وجاء المكان المخصص لي، الى جانب مكان شوارسكوف، لكني طوال فترة المناسبة، لم أبادله كلمة واحدة، وقيل بانه سئل لاحقاًعن سلطان هاشم فاجاب: أليس هو من جلسنا الى جانب بعضنا فلم ينتبه إلي؟

من الطبيعي انها لم تكن لحظات مريحة بالنسبة لي، ويمكن قول الكثير عن تلك الأوقات الصعبة، لكني حاولت أن أفعل كل ما أستطيعه .

 

 علي السعدي: لنخرج من تلك المرحلة، كي ندخل في المرحلة الأهم التي ماتزال مستمرة، أي الغزو الأمريكي للعراق وإسقاط النظام – بداية متى تسلمت مهمة وزير الدفاع؟ ولماذا تم اختيارك؟

سلطان هاشم: كنت عام 1995، في منصب رئاسة الأركان، وكنت منهمكاً في إعادة هيكلة وبناء الجيش العراقي بعد الكارثة التي شهدها، ولم يكن لدينا أي شيء، منع علينا حتى طلقات البنادق، فكنا نعتمد على أنفسنا في إصلاح ماتوفر لنا من دبابات ومصفحات وآليات، كانت أصعب السنوات في تاريخنا العسكري، أبلغني صابر الدوري أن الرئيس يطلبك، وحين حضرت أمام الرئيس وكان ذلك في تموز من العام المذكور، أبلغني برغبته في تعييني وزيراً للدفاع .

لم أكن راغباً بذلك المنصب، لأنه منصب سياسي أكثر من كونه عسكرياً، ورئاسة الأركان أكثر قرباً من روحية العسكري وأكثر أهمية كما رأيتها، لذا كنت ارغب في بقائي رئيس اركان الجيش، لأن صلاحياته أكثر من الوزير كما في النظام الداخلي، لكن القرار قد صدر وتسلمت ذلك المنصب لثمان سنوات متتالية، أي حتى التاسع من نيسان 2003 .

 

علي السعدي: هل كنت شخصياً تتوقع أن يدخل العراق حرباً جديدة؟

سلطان هاشم: بل كنا نطمح أن يعود الجيش قوياً معافى كما كان، لكن الواقع لم يكن كذلك، لقد عانينا نقصاً في كل شيء، وفوق ذلك عزلت وزارة الدفاع عملياً عن الإشراف على الجيش وأصبحت مهماتها تقتصر على التعداد العام والشؤون الإدراية، ولم يكن من صلاحياتي كوزير للدفاع تحريك أية قطعات أو نقلها، لقد قسم العراق الى 4 جبهات رئيسة تشكلت على الشكل التالي:

- قائد الجبهة الجنوبية - علي حسن المجيد

- قائد الجبهة الوسطى - الفريق الأول عزة إبراهيم

- قائد الجبهة الشمالية - قصي صدام حسين

- أما الجبهة الغربية، فكانت بقيادة مزبان خضر هادي

وهكذا، لم يبق لوزراة الدفاع ماتفعله، حيث ربطت الصلاحيات كل ضمن جبهته والقوات التابعة له .

 

علي السعدي: ذكر إنك توقعت إن العراق سيهزم في أيام قليلة – بل أعلنت ذلك فعلاً؟

سلطان هاشم: نعم توقعت إن الأمريكان سيدخلون بغداد في خلال أسبوع، لم أكن أحمل أوهاماً، كنت أعرف إن قدراتنا متواضعة بحيث لا يمكن الحديث عن صمود طويل، وقد أبلغت رأيي للرئيس، فقال بإمكان التصريح بذلك، وربما كان تقديره إن ذلك سيرفع من التحدي ويوضح المخاطر أمام العراقيين .

لكن ذلك لم يمنع من تقديم مقترحات في خطة لحماية بغداد تتكون من ثلاثة أنساق، وقد زرت المطار قبل ذلك ورأيت كيف إن الدفاعات لم تكن جيدة، وكنت قد توقعت إن المطار سيكون الهدف الحيوي الأول، كما قد اقترحت عليه تدمير بعض الجسوركجزء من الخطة الدفاعية عن بغداد، فكان رده: كيف ندمر مابنيناه.

 

علي السعدي: كيف تقيم زملاءك من القادة العسكريين؟ ولنأخذ ممن عرفتهم جيداً أو خدمت معهم – عدا من ذكرتهم أعلاه:

-1- سعدي طعمة

2- اياد فتيح الراوي

2- وفيق السامرائي

سلطان هاشم: هؤلاء جميعاً مازلت أحفظ لهم الكثير من التقدير والإحترام، فكل منهم يتمتع بما يستحق ذلك، فسعدي طعمة قائد مهني متدين، يتمتع بنظافة ضمير وأخلاق عالية، وهذا الوصف ينطبق كذلك عن أياد فتيح الراوي بمهنيته العسكرية وكفاءته .

أما وفيق السامرائي، فكان ضابط استخبارات جيد ومتميز في هذا الجانب، وفي معارك الفاو كان يخدم بالفيلق السابع، بصفة ضابط أركان، فيما كانت إدارة المخابرات بقيادة محمود شكرشاهين، وقد أعيد وفيق بعدها الى المخابرات، وبقي فيها حتى عام 2000حينما شعر بأنه بات مستهدفاً فخرج من العراق، هذا ما أعرفه عنه .

 

علي السعدي: قابلت الكثير من الضباط الذين خدم بعضهم تحت أمرتك – خاصة في حرب الثمان سنوات، وقد اجمعوا على إنك من أكثر القادة إحتراماً لجنوده ورأفة بهم، لكنهم ذكروا إن ماهر رشيد هو الأقسى بين القادة .

سلطان هاشم: يبتسم وعلائم الرضا والإرتياح بادية عليه .

 

علي السعدي: هل فكرت يوماً بالانقلاب على النظام لتخليص شعبك مما كان يعانيه؟

سلطان هاشم: هذا أمر لم أفكر به يوماً، ولم يخطر ببالي أن أقدم عليه، فلا أحب خيانة ما أقسمت عليه .

 

علي السعدي: هل كانت لك اتصالات بالأمريكان؟ هل وعدوك بشيء معين؟

سلطان هاشم: بعد أن سقطت بغداد، انسحبت الى الموصل، وبقيت مختفياً هناك، وحين صدر إسمي مع قائمة ال55 – قام الأمريكان بتكليف أحد شيوخ العشائر(تحفظ عن ذكر إسمه) بالوساطة معي كي أقوم بتسليم نفسي لهم طوعاً، مع وعد بضمان سلامتي وعدم تعرضي لأي أذى، وهكذا كان، لكني ندمت على ذلك، فليتني لم أسلم نفسي، إذ لم يصدقوا بما وعدوني به.

 علي السعدي: بعد مايقرب من أربعين عاماً في مراتب عسكرية مختلفة وصولاً الى وزير دفاع، ومما كان معروفاً إن صدام حسين يصرف بسخاء على المخلصين له، فما مقدار ثروتك بعد هذا كله؟

 

حوارات "العـرين": عـــرين القاص الشاب محمد حمو

maymon harashطه حسين، قبل أن يصبح عميدَ الأدب العربي، شق طريقه كأي شاب مبتدئ، كان يدفعه طموحه، ويسوق أحلام مراهقته بالكتابة والقـراءة إلى أن حقق الهدف، لم يخلق وهو" كبير" في الأدب، وكذلك الشأن بالنسبة لنجيب محفوظ، ودستويفسكي، ومحمد شكري، والطاهر وطار، ومي زيادة، وبنت الشاطئ، وأحلام مستغانمي، ومكسيم جوركي، وجوته، وحنا مينة، وعبدالرحمان منيف، وبوشكين، وليرمنتوتف، وشارل ديكنيز، وستاندال، وعلاء الأسواني، ويوسف زيدان، وفلوبير، وجيمس جويس، وفراز كافكا، وإميل حبيبي، وعباس محمود العقاد، وحيدر حيدر، ويوسف ادريس، وعبد الكريم غلاب، و(...)، من هؤلاء من كان محظوظاً حين وجد إلى جانبه من أخذ بيده، ومنحه الرؤية وأنار له الدرب، ومنهم من تخرج من جامعة " الطريق" فعلمتهم الحياة، فكانوا عصاميين، وحققوا شهرة، وخلدوا أسماءهم في عالم الأدب..مرحلة الشباب مر بها كل الأدباء، ولم يخلقوا مشاهير أبداً منذ البداية..

 من شبابنا، اليوم، من يشق طريقه بالوهج نفسه، البداية صعبة، لكنها مرحلة ضرورية، منهم من يعشق كرة القدم، وربما ينتصر للبارصا، أو مدريد أو لأيِّ رياضة أخرى، لكن منهم من ينتصرون أيضاً للأدب قراءةً وكتابةً..

محمد حمو، شاب مغربي، عمره اثنتان وعشرون سنة، طالب جامعي، عاشق للأدب، يكتب القصة القصيرة، شارك في أربع مجموعات صدرت على الصعيد المحلي وهي "شتلات زعـرور"، ثم" سنابل تريفة"، وعلى صعيد الجهة ّموكب "الهزارات"، وعلى الصعيد الوطني " تقاسيم"، حاز في الصويرة، في بحر هذه السنة، جائزة "مليكة مستظرف" في مسابقة للقصة القصيرة ضمن فعليات المهرجان العربي للقصة القصيرة، التي نظمتها " جمعية التواصل للثقافة، والإبداع" لفائدة طلبة العاهد العليا، والكليات..

أهلا بك سي محمد، أرحب بك في "العرين"..

 

س- قدم نفسك للقراء بما تُحب ..

ج- شكراً لكم بداية على الاستضافة في العرين، محمد حمو22 سنة من مواليد مدينة أبركان، طالب جامعي، سلك الإجازة تخصص القانون الخاص، أعشق إلى جانب القراءة والكتابة كل ما يتعلق بجديد التكنولوجيا والفوتوغرافيا، إلى جانب القليل من الرياضة طبعاً..

 

س- غيرك، في مثل عمرك، مهووس بكرة القدم، أو بأي رياضة أخرى، وأنت تنتصر للكلمة والكتابة، وتعشق الأدب، هذه الرغبة في الكتابة متى اقتحمتْ عالمَك الصغير؟

ج- قبل سنتين ونصف أعتقد، كانت أول تجربة لي في اعتناق بحر الكتابة لا لشيء إلا لرغبة في اكتشاف عالم يمكن الآخر من الغوص بعالمك.

 

س- في المدرسة مثلا هل لاحظ أستاذتك هذه الموهبة؟..هل سمعت من أحد بأنك منذور للكتابة الأدبية؟

ج- في المرحلة الثانوية كنا مجرد عاشقين للإبداع فأسسنا هناك نادي للقراءة وكان الفضل لأستاذ رأى فينا شعلة أمل دفعنا للاحتكاك بأسماء وطنية، أعتقد أن النبوءة ستتحقق لشبابنا بأن نكون شعلة مستقبل للأدب.

 

س- من كان يقرأ، في البداية، ما تكتبه؟

ج- غالبا الأصدقاء، نظرا للخجل ربما وكذلك لسماع رأي صريح منهم.

 

س- طيب لماذا كتابة القصة القصيرة تحديداً؟

ج- القصة القصيرة رغم التفاصيل التي تحمل إلا أنها تظل مختزلة كفاية لإعطاء القارئ فضاء إبحار تكون بدايته القصة ونهايته أفكاره الخاصة واستنتاجاته .

 

س- لمن تقرأ من الرواد في هذا الجنس؟

ج- اللائحة طويلة، طبعا بداية بسندباد القصة القصيرة الأستاذ أحمد بوزفور، محمد العتروس، محمد مباركي، محمد الشايب وأسماء أخرى..

 

س- مدينة بركان حيث تعيش تحتضن تظاهراتٍ في الشعر والقصة تشجيعاً للشباب، واكتشافاً لمواهبهم تُشرف عليها جمعياتٌ لها حضورها في المشهد الثقافي الوطني والمحلي، ويشرف عليها أدباء كبار من أمثال الأديب محمد العتروس، وغيره ..ماذا تضيف لكم، كشباب، هذه التظاهرات الثقافية؟

ج- هذه التظاهرات تضيف لنا كشباب الكثير خاصة وأنها تكسبنا الشجاعة لتقديم ما لدينا وأخد نصائح من أصحاب الاختصاص ورواد هذا الجنس، حيث نعتبرها سبيلاً لتطوير الذات.

 

س- لابد وأنك شاركت في ملتقى أبركان لأدب الشباب تحت شعار"الشباب.. حرية وإبداع" في غشت من عام 2015، ولقد تخللت هذه التظاهرةَ الثقافية ورشاتٌ تكوينية أطرها الأساتذة الأفاضل: حسن بنمونة، وأحمد اعليلو، وميمون حرش..ما هي أهم القضايا الخاصة بالقصة القصيرة التي طرحت في الورشة التي حضرتها؟

 ج- طرحت الكثير من النقط والقضايا في الورشة التي حضرتها لكن النقطة التي أسالت حبراً كثيراً هي مسألة الكتابة بحرية، وهل يجوز في الإبداع التخلص من أي رقابة كانت والكتابة بقلم حر أو العكس أي وجب أن نجعل الإبداع في حدود معينة لا نتجاوزها.

 

س- نلت جائزة "مليكة مستظرف" في مسابقة للقصة القصيرة ضمن فعليات المهرجان العربي للقصة القصيرة، التي نظمتها " جمعية التواصل للثقافة، والإبداع" لفائدة طلبة المعاهد العليا، والكليات..قصتك الفائزة بعنوان " القاتلة".. هل هي الجائزة الأولى لك، وما هو شعورك وأنت تُتوج في الصويرة؟

ج- هي أول مشاركة لي وأول جائزة، صراحة كانت تجربة رائعة بمدينة النوارس خاصة بحضور الأصدقاء وأيضا بشهادة من كتاب من طينة محمد الشايب، شعور جميل ينذر بأنك اتخذت أول خطوة في شق طريق الإبداع..

أعيد نشر قصتك الفائزة بالجائزة هنا في العرين لقيمتها، ثم أواصل معك حوارنا:

القاتلة

 أمام الساقي جلست . تداعب حافة كأسها، تمرر أناملها فوقها في شكل دائري لا نهاية له.وبين الدائرة والأخرى ترتشف بعد أن تحرك الكأس مؤججة الثلج داخله . رشفتان متتاليتان وضحكة خجولة مع الكأس . لا تهتم لأحد في الحانة الفاخرة، فهي الشقراء بينهم بقوام ممشوق وعينين سوداويْن وشفاه تلمع كلما انعكس النور الخافت عليها. تداعب الكأس مراقصة ذهنها على إيقاع عازف البيانو . الساقي يراقبها وينتظر أن يسكب لها كأساً آخرى... هي تعشق ما يدور حولها، تعشق زحف الثلج لشفاهها، أعينهم التي لا تنفك تطاردها رغم وجود غيرها من بني جنسها في الحانة. آخر رشفة.. بسرعة أنهتها وابتسمت للنادل آذنة له بالسقي، بابتسامته المعهودة نحوها اقترب وأخد يسكب ويتأمل أحمر الشفاه في جنبات الكأس ولسان حاله يتمنى لو نال قبلة أو اثنين بدل الكريستال بيدها..سكب نصف الكأس مرة أخرى . وضعت الكأس ذا الساق الطويلة بين أصابعها وقد لفت خنصرها حوله كما تلتف الحية بالضحية . وقفت ذات الكعب العالي وانتقلت نحو عازف البيانو بخطوات مثقلة وسمفونية كعب أنست ذكور الحانة أنغام العازف، فالفرق لم يتغير بين النقرة والأخرى مؤلفاً مزيجاً موسيقياً جديداً بين آلة البيانو وآلة هي الأبرع في استخدامها، الكعب العالي. في طاولة قريبة منها يجلس الرجل الغريب، يطل من الزجاج أحياناً، يتأمل مطر الربيع وغالب الوقت يحدق فيها ويحاول فك طلاسمها ككل نهاية أسبوع. يرتدي بذلة رسمية، ربطة عنق كلاسيكية عنبية اللون وحذاء. يحرك عينيه يراقب خطواتها نحو العازف يتأمل تضاريس جسمها تعابير وجهها وابتسامتها، لكنه في بحثه لا يجد جواباً عن ماهية شعورها . يتساءل، هل تراه هي أيضاَ؟ يجيب نفسه بالنفي دون أن يكمل ماراً لسؤال آخر، ما سر سعادتها؟ في الحانة خدعت الجميع، تلك الابتسامة التي من ورائها جرح لم يصله أحد، الكل يراقبها إناثاً وذكوراً.اليوم يرتشف من بقايا كأسه شجاعةً، ويتقدم نحوها، سيسألها أن تراقصه في محاولة الاقتراب منها لعله يفوز بها الليلة . ارتشف، وقف، تقدم نحوها وعينه لا تفارقها . لم يحادثها بل اكتفى بمد راحة يده نحوها فقط، ابتسمت، في خجل وضعت الكأس على أقرب طاولة..أمسكت يده وبدأت بالرقص، تمايل الجميع بتمايل خصرها لكنه لم يحرك ساكناً، يمسكها من ظهرها وهي تتراقص ثارة ويطلقها حرة تارة أخرى مكتفياً بثوبها. وفي خضم الرقصة يسألها : - ما اسمك؟

 اقتربت هامسة في أذنه: " لندع الأسماء جانباً فلنا وقتها بعد انجلاء الليل "، . ابتسم رغم أنه لم يفهم من كلامها شيئاً وهو من اتخد السؤال فقط لمعرفة الطريق نحو إنارة ماضيها . الماضي الذي سيقتله. دقائق رقص انتهت لترافقه نحو الطاولة. تجلس دون مساعدة منه، يرفع يده مشيراً للنادل . تسأله كأساً كالتي اعتادتها دائما، وقبل أن يسأل رفيقها تقاطعه "سنشرب من ذات الكأس " في ذهنه يتساءل لم نفس الكأس؟لكنه لا يجيب بل يستمر باحثاً عن آثار شفتيها ليشرب من نفس المكان كما يفعل العشاق، رغم أن مرتبة العشق بعيدة عن موعدهما الحالي إلا أنه يقترب بصورة أسرع فقد كان منها أن بادرت الشرب من نفس الكأس وهو عليه اقتفاء آثارها . أدار الكأس ببطء، تأمل جيداً الآثار على الحافة، كم هي متجلية وواضحة تنير طريقه وتشجعه للآت. أنهيا الكأس سوياً . ولم يتحدثا أبداً بل اكتفيا بالنظر لبعضهما، وهو يراقبها، فتحت حقيبتها، قصاصة ورق وقلم، كتبت عليها شيئاً ما. ثنت الورقة ومدته إياها ثم غادرت . نادى على النادل قصد الدفع. فتح القصاصة لعله يجد عنوانها لكنه كتبت له " لا شيء شخصي، قد يعيد الماضي نفسه لكن الحية أبداً لن تموت بسمها.." لم يفهم شيئاً، أعاد الورقة لجيبه، هم بالمغادرة على أمل رقصة أخرى الأسبوع المقبل.

هي تقف أمام نافذة غرفتها المقابلة للحانة تراقب خروجه. على بعد خطوات من الحانة وتحت زخات المطر سقط جسده الفارغ من الروح دون أن يراقصها مرة أخرى. أغلقت ستائرة النافدة.. اتجهت نحو السرير وهي تردد " لا شيء شخصي.."

............................

 

س- القصة بوليسية، أنيقة حقاً، وتستحق الفوز، وعنوانها" القاتلة" يحيل على الجريمة، فهل الفعل من القوة بحيث يُبرر للبطلة جريمة القتل تلك؟

ج- لا شيء يبرر جريمة قتل مهما كانت الدوافع، بل جريمة القتل تلك عبارة عن ضعف لم تستطع البطلة الهروب منه إلا عن طريق ارتكابها لفعلها، هروباً من ضعفها بداية، ومن شيء لم تستطع التخلي عنه، أو ربما عن عقدة نفسية تدفعها لذلك.

 

س- ألمس تأثرك بالروائية البوليسية الشهيرة أجاثا كريستي .. هل تقرأ لها؟

ج- أولى الروايات التي اطلعت عليها كانت لأغاثا كريستي، وأيضاً في نفس المجال سلسلة رجل المستحيل لنبيل فاروق، لا زلت أقرأ لها أحياناً.

 

س- في قصتك الفائزة لازمة جميلة تتكرر " لا شيء شخصي"..وكنتُ أود لو كان العنوان هوذاك، لأن "القاتلة" إحالة على مضمون القصة، وكلما وضعنا النص على منضدة التشريح يفقد ألقه، على عكس لو تركنا القارئ يجهد فكره، ويكتشف بنفسه أشياء نريده أن يصل إليها بعد أن يتعب، أنت بعنوان "القاتلة"تكشف عن جريمة ستقع .. ما رأيك؟

ج- صراحة، اقترح علي بعض الأصدقاء نفس العنوان، الذي أجده صراحة جميلاً. لا أعتقد ذلك، القاتلة أجده عنواناً يجذب انتباه المتلقي، أما سير أحداث القصة فهو غالباً رومانسي درامي إلى حد ما، يقولون :"ومن الحب ما قتل"، القارئ لن يدرك ما نوع القتل الذي تورطت فيه 'داليا' إلى أن يصل آخر سطور القصة، لدرجة أنه قد ينسى العنوان في مرحلة ما اعتقاداً منه أنه بعيد نسبياً عن الأحداث.

 

س- من هو شيخك في القصة القصيرة جداً؟

ج- يصعب التحديد، فلكل أسلوبه ومميزاته في هذا الجنس.

 

س- ما هي آخر رواية قرأتها؟ ولمن تقرأ من القصاصين في الجهة الشرقية؟

ج- آخر رواية كانت "جميلة" للكاتب الروسي جنكيز ايتماتوف، ترجمة هافال يوسف ..

صراحة أقرأ للكثير بداية بالأصدقاء وصولاً إلى القصاصين مثل محمد العتروس، محمد مباركي، بديعة بنمراح، محمد عزوز، ميمون حرش واللائحة لا تحصر.

 

س- في الملتقيات، يصفق " الكبار" للشباب دون أن يقرؤوا لهم بدعوى، ربما، أن أعمالهم لا ترقى لأن يخصصوا بعض وقتهم الثمين للقراءة لهم..ما رأيك في هذه الملاحظة؟

ج- إن الذي يؤمن بفكرة سيدافع عنها وعن متبنيها سواء كان 'كبيرا' أو شاباً، والدفاع عن هذه الفكرة هنا لا يكون إلا بالقراءة لهم وإرشادهم لسبيل الإبداع، الوقت الثمين غالبا ما يخصص للدفاع عن الأفكار التي يتبناها الشخص.

 

 

س- ما هي مشاريعك المستقبلية؟

ج- مشروع مجموعة قصصية كأول إصدار لي، تحمل عنوان "لا شيء شخصي.." والتي ستصدر طبعاً في مدينة بركان ضمن فعاليات ملتقى أبركان لأدب الشباب في نسخته الثالثة والذي تنظمه جمعية الشرق للتنمية والتواصل ونادي القراءة والإبداع وأيضا منتدى إبداع أبركان، وأيضاً العمل على كتابة رواية بدايتها كانت "القاتلة"..

 

س - الله المُعين أيها الأديب الصغير، سعيد لأني استضفتك، وأرجو أن تحقق كل ما ترجوه إن شاء الله، كلمة أخيرة من فضلك؟

ج- شكراً على الاستضافة، حقاً كانت جميلة وممتعة، وشكراً على زيارة عريني وكذلك الالتفات للمبدعين الشباب.

 

حاوره الأديب ميمون حِــْرش..

 

حوار شامل مع وزير الدفاع في عهد صدام: سلطان هاشم أحمد (4)

ali saediفي زيارة أخرى، كان هناك مقترح بتجميع الضباط من عدة أماكن بشكل تطوعي للقيام بمهام خاصّة محددة، وفعلاً تطوع عدد من الضباط وضباط الصف لتلك المهمة، وقد سألني الرئيس عن رأيي في أمر كهذا، فقلت أن هذا يحدث شرخاً بين الضباط المتطوعين وبين زملائهم، فالذين لم يتطوعوا سيشعرون بالتقصير، والذين تطوعوا سيشعرون بالتميز، وهذا قد ينعكس سلباً على نفسياتهم، فقال: وماذا تقترح؟

قلت: أقترح أن يتم تكريم هؤلاء ثم يوزعون على التشكيلات أو إعادتهم الى وحداتهم من دون جعلهم وحدة خاصة، وفعلاً تم الأخذ بالمقترح – وكنت حينها قائد فيلق.

أما في مناسبة أخرى وقعت عام 1986، فحدثت عندما كنت قائد الفيلق السادس، وكان الرئيس قد استدعاني بعد أن تخلى عن قراره بتغييري، يوماً طلب مني الذهاب بإجازة ((روح إجازة لأن الوقت عيد اقضيه عند عائلتك) ثم أمسكني من يدي قائلاً: محتاج شي)) وكنت قد سمعت من بعض القادة انه يحب أن نطلب منه، لكني قلت: سيدي (إذا أحتاج شي اكَلك سيدي) ثم سألني: ((شلون أمور الحرس الجمهوري اللي يمك؟)) أجبته: هناك نوعان، القديم المنضبط والفاعل بقيادة (ابراهيم عبد الستار) والآخر غير الفاعل بقيادة (فوزي لطيف) فقال ((وين الخلل برأيك؟)) فقلت: الثاني ليس مدرباً جيداً وتنقصه الكثير من مستلزمات التهيئة والتدريب وأقترح أن يحولوا الى مدرسة قتال للتدريب، وفعلاً تم الأخذ بالمقترح .

 

علي السعدي: هل كانت أوقات اللقاء صعبة عليك؟هل كنت تخشى أن تخطىء بكلمة ما مثلاً؟

سلطان هاشم: كنت أشعر بالقلق ازاء صدام حسين في المقابلات، وذلك للحفاظ على نفسي وعلى سمعتي الاجتماعية والعسكرية وممكن أن أصف شعوري بأني كنت حذراً جداً.

 

علي السعدي: لننتقل الى حرب أخرى أكثر كارثية، حرب الخليج الثانية، أو حرب الكويت، ماذا جرى قبل حدوث غزو الكويت؟ هل كانت هناك خطط تناقش؟وتحضيرات تجري؟؟

سلطان هاشم (مبتسماً): هل تصدق لو قلت لك إني سمعت بها من الإذاعة كأي مواطن؟؟ كنت يومها معاوناً لرئيس الأركان، وكنت مجازاً في الموصل، فاتصل بي رئيس الأركان وقال لي هل رأيت الأخبار؟؟ لقد دخلنا الى الكويت، ثم طلب أن أقطع إجازتي والتحق.

 

علي السعدي: سمعت ما يشبه ذلك من الفريق ركن رعد الحمداني، فرغم انه كان قائداً لقوات الحرس الجمهوري التي دخلت الكويت، الا إنه أمر بالتحرك نحو الحدود من دون أن يبلغ بطبيعة المهمة حسب قوله .

سلطان هاشم: من قام بدخول الكويت هو الحرس الجمهوري فقط ولم يكن للجيش دور يذكرعند حصول المعركة، كما إن القرار كان مفاجئاً لنا كقادة عسكريين .

 

علي السعدي: هل كنتم تتوقعون النجاح بضم الكويت؟

سلطان هاشم: بل شخصياً كنت أتوقع إننا مقبلون على كارثة، خاصة بعد التحشدات الأمريكية ضدنا، لكننا مع ذلك أصبحنا كبعيرالبيت (جمل المحامل) نتصور إننا يمكننا تحميله كل شيء، ونبقى نفعل ذلك حتى ينهار .

لقد فعلنا في معركة الكويت كل مانستطيعه وكل ما تتطلبه العلوم العسكرية ولم نقصر بأي شيء، لكن ذلك لم يكن ليجدي في منع حصول الكارثةحيث تعرضت قواتنا للتعرية من دون غطاء جوي كما عانينا من نقص خطير في المعدات، لكن نفذنا الأوامر بحرفيتها لكن ذلك لم يكن مجدياً في ظل تفوق أمريكي كبير.

 

علي السعدي: من كان وزير الدفاع يومها؟ وماذا فعلتم بالضبط؟

سلطان هاشم: كان وزير الدفاع (سعدي طعمة) وقد سألني((اشكَد نحتاج من وقت لسحب الجيش)) فقلت: من عشرة الى خمس عشر يوما، فطلب وضع الخطة لعرضها على الرئيس .

وقد وضعنا خطة للإنسحاب في مدة أقصاها 8 أيام ، وقدمناها الى القيادة، لكن الرد ّ لم يأتنا سوى بعد عشرة أيام من تاريخ تقديم الخطة، وكان الأوان قد فات، فالوقت لم يكن يقدر بثمن وقواتنا تحت القصف.

 

علي السعدي: هل تعتقد إن الهدف الأمريكي كان تدمير الجيش العراقي أيا تكن المبررات؟

سلطان هاشم: كنت أعتقد إن الغاية الأمريكية تتركز في طرد الجيش العراقي من الكويت أولاً، لكن حينما إجتمعت مع القائد الامر الأمريكي شوارسكوف في خيمة سفوان، سألته لماذا قصفوا الجيش العراقي المتمركز داخل الأراضي العراقية وعلى بعد 40 كم من الحدود، وذلك بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار؟

أجابني قائلاً: لو بقينا نناقش ذلك أشهراً، فلن نتوصل الى نتيجة، لذا دع ذلك السؤال للتاريخ .

 

علي السعدي: لكن الأ تراه غريباً أن الأمريكان ساندوا صدام حسين في قمع انتفاضة المناطق الجنوبية بعد الهزيمة في الكويت؟

سلطان هاشم: المناطق الجنوبية كانت قد حدثت فيها حركات احتجاج واسعة، وفي الحقيقة لم يبق للحكومة سوى مناطق محدودة بعد أن خرجت عن سيطرتها معظم المناطق العراقية، لكن القوات المنسحبة من الكويت كانت قد تجمعت في البصرة وجوارها، كما إن هناك قوات لم تدخل الكويت أصلاً وبقيت في مواضعها، لذا سهل استعادة السيطرة على تلك المناطق، أما لماذا وافقت أمريكا على ذلك، فلا أعلم الأسباب بالضبط .

 

علي السعدي: كنت أنت في موقع نائب رئيس الأركان في ذلك الوقت، فلماذا أنتدبت الى خيمة سفوان دون غيرك من القادة؟

سلطان هاشم: لا اعرف بالضبط لماذا اخترت لذلك تحديداً، لقد بلغني صابر الدوري إن الرئيس صدام حسين اختارك لترأس وفد العراق، وأعتقد ان ذلك تم لسببين: 

 

حوار شامل مع وزير الدفاع في عهد صدام: سلطان هاشم أحمد (3)

soltan hashimكانت تلك مفاجأة مفرحة، فأصدرت أمراً بجمعهم في بناية نادي السليمانية العسكري، وتم أبلاغهم بقرار العفو، ثم منحت لكل منهم إجازة لمدة 10 أيام، على أن يتعهدوا بالعودة الى وحداتهم فور الانتهاء من الإجازة، وفعلاً عادوا جميعا ً دون أن يتخلف منهم أحد.

 

 علي السعدي: لقد تعدينا هنا تسلسل الأحداث، فما رأيك لو عدنا الى بدايتها، هل كان الجيش مستعداً للدخول في حرب كهذه؟ هل كنتم تتوقعون حصولها؟ وأنت شخصياً ماذا كنت تشغل يومها؟

سلطان هاشم: عام 1979- تسلمت آمرية الفوج الخامس مشاة جبلي، وبقيت فيه الى 1980، قبيل اندلاع المعارك، حدثت اشتباكات عنيفة في النقاط الممتدة من العمارة الى خانقين، شملت القصف المتبادل بالمدفعية، ثم أجريتْ مناورات مفتوحة للجيش العراقي على الحدود، لكن لم تكن هناك تهيئة نفسية مسبقة لإمكانية حصول الحرب، لذا جاءت مفاجئة.

كان سبب الحرب في البداية، عدم تنفيذ إيران لاتفاقية الجزائر، التي تنصّ على استعادة أراض عراقية لم تنسحب منها إيران طبقاً لبنود الإتفاقية المذكورة، ومنها (زين القوس) و(سيف سعد).

 

علي السعدي: ثمان سنوات من الحرب المتواصلة لابد انها شهدت الكثير من المعارك البارزة التي تركت صداها في نفسك أكثر من غيرها، فماهي تلك المعارك؟سواء من حيث عنفها وشدتها أو في نتائجها؟

سلطان هاشم: قبل أن أجيبك، سألخص المراحل التي مرت بها سنوات الحرب، في بداية الحرب التي ابتدأت فعلياً في أيلول 1980 كما هو معروف، كانت قواتنا في موقع الهجوم، وقد اخترقت الدفاعات الإيرانية ومن ثم توغلت في العمق الإيراني، لكن ومع نهاية العام المذكور وتحديداً 1981، جمع الإيرانيون قواتهم وبدأوا بشن هجوم مضاد، ورغم ان القوة الإيرانية اعتمدت بشكل رئيس على المتطوعين من (الحرس) الثوري، وهم قوات غير نظامية، الإ انهم كانوا مقاتلين يمتلكون روحاً معنوية عالية ربما بسبب عقيدتهم الدينية .

المرحلة الثانية بدأت مع معركة شرق البصرة في تموز 1982، كذلك معارك كَيلان غرب التابعة الى منطقة كرمنشاه، وهذه المرحلة جعلت الحرب تشهد نوعاً من التوازن، وصولاً حتى معركة الفاو التي احتلها الإيرانيون بخطة جيدة وحركة مباغتة استخدموا فيها المناورة حيث حشدوا با تجاه قوات الفيلق السادس في جبهة ميسان، ليموهوا على استهداف الفاو، ثم قاموا بمهاجمة أقصى الجنوب أي شبه جزيرة الفاو، وحين احتلوها، أقاموا فيها تحصينات قوية وأغرقوا طرق الوصول اليها بالمياه، لذا استمر احتلالها لمدة سنتين قبل التمكن من استرجاعها .

أما المرحلة الثالثة، فقد بدأت مع معركة استرجاع الفاو، وكانت الفترة الزمنية الموضوعة لإنجازها، مقدرة بشهرين، رغم ان المعركة كانت معقدة جدا، لكن الخطة كانت محكمة كذلك وجرى تدريب القوات المشاركة في ميدان تم أعداده خصيصاً لهذه الغاية، بما فيه كيفية تجاوز الأرض الرخوة المحيطة بأرض الفاو، وبعد الإستعداد التام، بدأ تنفيذ الخطة في 16-17/4/1988، وبعد نجاحنا في استعادة الفاو، شنت قواتنا هجوماً كبيراً في الشمال لاسترجاع كافة الأراضي التي احتلتها القوالت الإيرانية، وصولاً إلى توقف الحرب وفيها استعدنا زمام المبادرة، أما أهم معارك التحرير في تلك المرحلة فهي:

1- الفاو

2- الشلامجة

3- مجنون

4- العمارة / زيدان

5- محور خانقين

6- محمد رسول الله

أما أكثر المعارك دموية، فكانت نهر جاسم والشلامجة، فلم تكن تلك معارك، بل مطحنة لم تشهد لها الحروب مثيلاً، تصور جيشان ضخمان يزجان بأعداد كبيرة من المقاتلين وتستخدم فيها كافة أنواع الأسلحة في بضع كيلومترات مربعة .

 

 علي السعدي: طبعا هذه أحداث باتت معروفة، لكن مانود معرفته، أين سلطان هاشم في تلك المعارك؟مادوره فيها؟

سلطان هاشم: في العام 1983كنت قائد الفرقة الخامسة في البصرة، التي شاركت في (معركة الشيب) وهي من المعارك الكبيرة ذات النتائج الجيدة وقد استمرت حوالي شهر، كذلك معارك شرق البصرة في شباط 1984، بعدها أصبحت قائد فيلق، وقد تسلمت أكثر من فيلق منها الفيلق السادس والفيلق الأول، وفيه وقعت معركة الأنفال الأولى عام 1988م.

 

علي السعدي: ماهي الأنفال بالضبط؟ ولماذا أخذت كل تلك الشهرة؟ أعتقد أنك حكمتَ بالإعدام بسببها؟

سلطان هاشم: الأنفال منطقة تقع شمال شرق السليمانية وتحديداً بين السليمانية ودوكان، وكانت منطقة (موت) أي لايوجد فيها أية قرى أو تجمعات مدنية، فقد كان المدنيون قد هجروا قبل ذلك بسنوات أي 1979، لذا حينما حصلت المعركة كان البيشمركة هم من يتواجدون في تلك المنطقة، وكانوا متعاونين مع القوات الإيرانية .

 

علي السعدي: وهل أصدرت أمراً باستخدام الأسلحة الكيماوية ضدهم؟

سلطان هاشم: لم أصدر أمراً باستخدام أي سلاح غير تقليدي لأن السلاح الكيمياوي لم يكن بعهدتي ولا تحت أمرتي، كان بيد القيادة العليا والتصنيع العسكري حصراً .

كان الهدف هو إلحاق الهزيمة بالبيشمركة لتعاونهم مع القوات الإيرانية، لكن بالنسبة لاستخدام الكيمياوي لا أستطيع اثباته، كما لا أستطيع نفيه .

كنت أقود الفيلق السادس إضافة الى منطقة الأنفال المبينة أعلاه، وهي منطقة محدودة في الشمال، وكانت مهمتي تقتضي تحرير كل المناطق المحتلة من قبل إيران، من سدّ دربندخان جنوباً، الى قلعة دزة شمالا- تلك المعارك أطلق عليها (محمد رسول الله) وقد بدأت في شهر أيار 1988 واستمرت الى نهاية الحرب.

 

علي السعدي: ماذا عن حلبجة؟ ما الذي حصل هناك بالضبط؟

سلطان هاشم: أشير هنا أن برئت من موضوع حلبجة، فلم تكن في المنطقة التي تقع تحت أمرتي، كانت متمركزة هناك الفرقة 44 تحت قيادة (كامل ساجت عزيز) فتعرضت لهجوم من قبل البيشمركة والقوات الإيرانية، فسقطت بأيدي المهاجمين الذين توغلوا بعمق حوالي 30 كم، وهددوا بالوصول الى (سيد صادق) أما استخدام الكيمياوي في تلك المنطقة، فقد سمعته من خلال الإتصالات بين الكرد، ولم ابلغ رسمياً بذلك، كما لم أطلّع على أية وثيقة حول المصدر الكيمياوي والجهة التي أمرت باستخدامه.

 

علي السعدي: هل من علاقة خاصة ربطتك بالدائرة المقربة من صدام حسين؟ كولديه عدي وقصي، وحسين كامل حسن، وعلي حسن المجيد؟

سلطان هاشم: ليس هناك من علاقات خاصة أو معرفة مقربة ربطتني بأي منهم، ولم اجتمع معهم بشكل خاص، فقط كانت الإجتماعات معهم تتم بصفة رسمية ضمن إجتماعات اعتيادية .

 

علي السعدي: هم كانوا في الصف الأول والتقرب منهم لاشك له فوائده .

سلطان هاشم: كنت أعتقد وما أزال، إن العسكري دائماً ضحية السياسي، لكن الكلام في ذلك على المستوى الخاص، لابد إنه يشكل خطراً وقتذاك.

 

علي السعدي: مما هو متداول أن هناك الكثير من الدول ساعدتكم في حرب الثمان سنوات، هل كان هناك مستشارون عسكريون من دول أجنبية؟

سلطان هاشم: شخصياً لم أر أي خبراء أو مستشارين عرباً أو أجانب من أية دولة كانت، خاصة في جبهات القتال، أما دول الخليج، فكانت هي الممول الرئيس في الأموال لشراء الأسلحة والمعدات، وكان السلاح الذي بحوزتنا مصدره روسي فقط .

 

علي السعدي: هل من دور لعبته(مجاهدي خلق) في المعارك؟

سلطان هاشم: كنّا نبلّغ بتسهيل مهماتهم بالدخول الى العمق الإيراني، فكنا نفتح لهم ممرات في حقول الألغام ونتركهم يمرون، وحين ينفذون مهمتهم ويعودون جالبين أسرى أحياناً، نقوم بغلق الممرات مرة أخرى .

 

علي السعدي: ماذا عن الجيش الشعبي؟هل لعب دوراً في الحرب؟ ومن كان يقيم مفارز الإعدام للهاربين؟

سلطان هاشم: الجيش الشعبي لم يلعب دوراً بارزاً في المعارك، ولم يتم استخدامه بشكل فاعل، وكان معظمه من كبار السن، أما المفارز الخلفية لمطادرة الهاربين، فكانت تتشكل من الحزبيين، ولم يحدث ضمن قاطعي أن وقعت حالة إعدام واحدة بيد مفارز التفتيش .

 

 علي السعدي: بعد خوض كل هذه المعارك منذ بدء حياتك العسكرية، هل أصبت بجراح؟؟

سلطان هاشم: نعم أصبت خمس مرات (رفع قميص بيجامته ليريني شقاً طويلاً في الجانب الأيسرمن بطنه) إثنان منها بالرصاص، وذلك في معارك الشمال وكنت يومها آمر سرية، أما الثلاث الباقية فكانت بشظايا مدفعية على جبهة ميسان .

 

علي السعدي: كيف تصف طبيعة علاقتك مع صدام حسين؟ هل لك ذكريات خاصة معه؟ هل كان يستمع الى مقترحاتك وآرائك كقائد عسكري؟؟

سلطان هاشم: كانت علاقة رئيس بمرؤوس بطبيعة الحال، لكن حدث أكثر من مرّة أن ألتقيه بمفرده وبناء على استدعاء منه، كان إنطباعي عنه من الناحية العسكرية باعتباره قائداً أعلى، إنه يراقب ويتابع كل ما يحصل، ويستمع جيداً للإجابة عما يسأل عنه، لكن إذا أراد شيئاً فهو صاحب قرار لا نقاش فيه، أذكر إن هناك أمراً صدر بإخلاء لواء مدرع وإحالته الى المشاة، وفعلا تم تنفيذ الأمر، وحين اللقاء شرحت له أن تحويل لواء مدرع بكل ضباطه ومنتسبيه وبكل ما اكتسبه من خبرة وتدريب على سلاح الدروع، لا يخدم الجيش تحويله الى مشاة، وشرحت له الأسباب واقترحت أن يتم جمعه مجدداً واعادته كلواء مدرع، وفعلاً أخذ الرئيس بالمقترح وتم تحويل اللواء المذكور الى لواء 17 حرس جمهوري مدرع.

وفي مثال آخر على استماع صدام حسين للقادة: 

 

حوار شامل مع وزير الدفاع في عهد صدام: سلطان هاشم أحمد (2)

ali saediأخي الدكتورعلي السعدي

كنت مسروراً بلقائك هذا اليوم 28/ شباط 2016 في سجن الناصرية المركزي، وكان الحديث الذي جرى بخصوص مواضيع مختلفة في الجوانب العسكرية وفي مراحل مختلفة والحروب التي خاضها الجيش العراقي طيلة هذه الفترة بايجابياتها وسلبياتها وكان الحوار جيدا وكانت تعليقاتك اللطيفة التي كان لها تأثير جيد على سير الحوار بيننا وكنت مرتاحا جدا لأني تحدثت بكل صراحة عن أرائي بهذا الخصوص، اتمنى لك التوفيق في مسعاك في ايصال الحقائق التاريخية وتثبيتها بكل امانة وإخلاص واتمنى للعراق العزيز المجد ولشعبه الرفاه والأمان وادعو العلي القدير ان يحفظ العراق وشعبه الأصيل .

 

سلطان هاشم احمد

28/شباط/2016

............................

سلطان هاشم: الأفضل أن يكون أصل الحوار هو كتاب بعنوان سلطان هاشم، هكذا بدأ لقاؤنا بطلبه بعد قراءته مقتطفات مما كتبته عنه شخصياً وكما ورد أعلاه .

 

علي السعدي: سيكون لسلطان هاشم نصيب كبير في الكتاب الذي أنوي تأليفه عن الجيش العراقي في العقود الثلاثة الأخيرة التي سبقت انهيار نظام صدام حسين في التاسع من نيسان 2003 بفعل التدخل الأمريكي، وهي العقود التي شهدت أطول حرب عرفتها المنطقة عبر تاريخها، أي حرب الثمان سنوات بين العراق وإيران وماتبعها ونتج عنها، فمن ترشح أن يشاركك الكتاب؟؟

سلطان هاشم: هناك قادة كبار كان لي شرف معرفتهم والعمل معهم مثل الفرقاء (صلاح عبود) و(محمد عبد القادرالداغستاني) و(عبد الواحد شنان) و(أياد خليل زكي) و(نزار الخزرجي) وغيرهم .

لكن ما أود قوله إني سوف أجيب عن الأسئلة التي تخصّ ماعشته وشهدته وكنت جزءا منه، أما حول مالا أعرفه شخصياً، فسوف اذكر عمن رواه ، لذلك سنركز اللقاء فيما يعرفه (سلطان).

 

علي السعدي: نعم وهذا ما نريده تحديداً، إذ نريد أن نستفهم من سلطان هاشم شخصياً عمّا جرى، لكننا أولاً بحاجة الى معرفة من هو سلطان هاشم؟وعلى لسانه، فهل تسرد لنا عن حياتك، المدنية أو العسكرية؟

سلطان هاشم أحمد: من مواليد الموصل عام 1945 كما هو مذكور في السجلات الرسمية، أما في الحقيقة فمواليدي هي 1944 .

أنا من عائلة بسيطة تعتاش على تربية الجمال ورعيها، وحين عرف أبي عن نيتي التطوع في الجيش لأكون ضابطاً، نصحني بأن لا أفعل وأبقى مدنياً، وكأنه كان يشعر بأن العسكرية ستكون عبئاً كبيراً وإن نهايتها لن تكون جيدة .

 

علي السعدي: ومن كان يستطيع مقاومة إغراء أن يكون ضابطاً في الجيش، حيث الهيبة والموقع المتميز والمكانة الإجتماعية البارزة ومحبة البنات؟

سلطان هاشم: ربما، لأني في كل حال، لم أكن بوارد الإستماع الى نصيحة الوالد، لذا ما أن حصلت على الشهادة الإعدادية، من الإعدادية المركزية في الموصل ، حتى تقدمت بطلب الإنتساب الى الكلية العسكرية، فقبلت في الدورة (43) عام 1963 ثم تخرجت منها برتبة ملازم عام -1966 م.

 

علي السعدي: وماذا عن ذكريات الشباب وزهوه خاصة بعد أن أصبحت ضابطاً؟؟

سلطان هاشم: لقد تزوجت من ابنة عمي في العام 1970 بشكل عائلي، فنحن من قبيلة طي كما هو معروف، وقد أنجبت منها عشرة أبناء – إبنتان وثمانية ذكور- أكبرهم أحمد مواليد 1975، وأصغرهم هاشم مواليد 1995، وهم الآن يعملون في مهن مدنية مع أعمامهم ولم يدخل أي منهم السلك العسكري أو الوظيفة الحكومية رغم أن خمسة منهم اكملو الدراسة الجامعية، أحدهم ماجستير بايلوجي.

 

علي السعدي: ربما بعد أن شهدوا مصير والدهم، لم يرغبوا بتكرار التجربة، لكن لنتابع معاً سيرتك العسكرية، التي لاشك إنها حافلة مليئة بالتفاصيل .

سلطان هاشم: تدرجت في الجيش من آمر فصيل، ثم آمر سرية ثم مساعد آمر فوج، وفي سنة 1995 دخلت كلية الاركان وكنت برتبة رائد وتخرجت منها بعد سنتين عام 1977 .

حين تخرجي من كلية الأركان، عينت آمرفوج تابع للواء الخامس/ الفرقة الرابعة، بعدها تسلمت آمرية لواء، ثم قائد فرقة، حيث قدمت كل من الفرق التالية: 18 - 15 - 5 - 4 والفرقة 8 .

بعد قيادة الفرق، تم تعييني رئيساً لأركان فيلق عام 1985، ولم يطل الأمر لأتسلم بعدها قيادة فيلق لأبقى في هذا المنصب لمدة خمس سنوات أما الفيالق التي قدتها، فكانت على التوالي الفيلق السادس ثم الفيلق الأول، نقلت بعدها الى معاون شؤون الميرة، ثم مناقلة أخرى كرئيس شؤون العمليات، بعدها تسلمت منصب رئيس أركان الجيش ثم وزيراً للدفاع من 1995إلى 2003 .

قبل تعييني وزيراً للدفاع، أرسل الرئيس صدام حسين بطلبي، وقد كان وحده باستثناء مرافقه الدائم عبد حمود، وحين أخبرني بقراره، رجوته أن أبقى كرئيس للأركان، لكن الأمر قد صدر، وليس هناك من إمكانية لتغييره .

 

علي السعدي: دعني أستفسر حول هذه النقطة، أليس وزير الدفاع أعلى منصباً من رئيس الأركان؟؟ ألا يعد ذلك بمثابة تكريم لك؟

سلطانم هاشم: رئاسة الأركان هي الأقرب الى ما يحصل في الجيش والأكثر قدرة على تقدير الموقف وتحريك القطعات وسواها من القضايا التي تخصّ القوات المسلحة، في رئاسة الأركان كنت أرى الرئيس مرة كل بضعة أشهر، أما حين أصبحت وزيراً للدفاع، فكنا نجتمع معه أسبوعياً كمجلس وزراء .

 

علي السعدي: هل كانت رؤية الرئيس تثير في نفسك الخوف؟

سلطان هاشم: ليس خوفاً بل حذراً، كنت حذراً على سمعتي الشخصية والعكسرية أن تمسّ من خلال اتهامي بالخيانة أو ماشابه .

 

علي السعدي: هل كانت لك هوايات معينة؟

سلطان هاشم: نعم، كنت رياضياً بارزاً في مسابقات الركض، أما الجيش، فلم يكن حرفتي وحسب، بل هوايتي الكبرى كذلك .

 

علي السعدي: كيف كانت علاقتك برجالات الحزب أو بالشخصيات المقربة من صدام حسين كعدي وقصي وقيادات الحزب؟

سلطان هاشم: قد تستغرب إذا قلت لك أن معرفتي بالسياسيين تكاد أن تكون معدومة، فليس هناك ما يمكن وصفه عن علاقتي برجال السياسة، بمقدار علاقاتي بالقادة العسكريين التي تكاد تقتصر عليهم .

 

علي السعدي: على هذا يمكن القول إنك لابد تأثرت ببعض أولئك القادة من العسكريين؟ هل يمكن ذكرأمثالهم عمن ترك منهم أثراً في حياتك العسكرية؟

سلطان هاشم: هناك كثيرون مازلت أحمل لهم الإعجاب واعتبرهم بمثابة معلمين ومربين، يأتي في مقدمهم شخصية (سعيد حمو) فقد كان قائداً يعيش حياة العسكري المحترف بمناقبية عالية وكان مربياً بحقّ، كذلك عبد الجبار شنشل الذي يمثل ضابطاً نموذجياً، وأذكر كذلك عبد الجواد ذنون وهو جميل في التعامل والسلوك وكان أعلى مني رتبة، أما نزار الخزرجي، فكان مثلي الأعلى، وعن الذين عملت معهم، هناك أياد خليل زكي - حسين رشيد - عبد الستار المعين، أحمد ابراهيم عماش - أياد فتيح الراوي - سعدي طعمة فياض،

وكان وزيراً للدفاع.

 

علي السعدي: من كل هؤلاء أو غيرهم، هل كان لك أصدقاء مقربين؟ بمعنى أن تبوحوا لبعضكم بعض معاناتكم؟ خاصة في سنوات الحرب الطويلة مع إيران مثلاً أو ما تبعها من وقائع؟

سلطان هاشم (مبتسماً): إلا هذا، لم يكن من الوارد أن يبدي أحد منا تذمره أو انتقاده أمام أي ّ كان، تلك حالات لم تكن مأمونة، لذا كان الحذر وارداً في كل حال .

 

علي السعدي: ذكرت ان علاقتك بالسياسيين لم تكن وثيقة، ألم يكن لك دور في حزب البعث؟

سلطان هاشم: هل تصدق بأني لم أكن أميل للحياة الحزبية؟ لذا بقيت حتى عام 1975، قبل أن أنتمي للحزب وبتأثير شخصي وإلحاح من عدنان خير الله طلفاح، كذلك لم أنل العضوية في حزب البعث العربي الاشتراكي إلا عام 1982، وبعد حصولي على أنواط شجاعة، جاءت ترقيتي الى عضو قيادة فرقة 1989، من دون المرور بالترشح كما هو معتاد، ثم في 1996-1997 أصبحت عضو شعبة بعد أن عينت وزيراً للدفاع، لأني أساسا لم أكن أميل أن أكون حزبياً، كانت ميولي تتمحور حول الجيش والعمل العسكري وحسب، وكان طموحي أقصى طموحي أن أنجح في الجانب العسكري ولولا الحياء من عدنان خير الله طلفاح، فربما لم أصبح عضواً حزبياً.

 

علي السعدي: هل تعتبر إن انتماءك كان خطأ؟ أو هل كانت لديك أخطاء ندمت عليها وتمنيت لو أنها لم تحصل؟

سلطان هاشم: ليس هناك من إنسان دون أخطاء، لكن معظمها كانت أخطاء ميدانية، ربما كان خطأي الأبرز إني لم أستمع الى نصيحة والدي الذي لم يكن راغباً في دخولي العسكرية، وإلا لما كنت تعرضت الى ما أنا فيه الآن .

 

علي السعدي: لكن لا تنس إنك كذلك عشت أيام عزّ ومجد ونفوذ، ألم يكن ذلك كافياً كي لاتندم عليه؟

سلطان هاشم: لم تكن حياتي العسكرية دونما فائدة للآخرين، أذكر إني في سنوات الحرب العراقية/ الإيرانية، تمكنت من انقاذ حياة العشرات من الإعدام، يومها نُقلت من قيادة الفيلق السادس الى قيادة الفيلق الأول وكان ذلك في منتصف العام 1988 م، أي قبل أشهر قليلة من انتهاء الحرب، فوجدت أمامي أضابير لمايقرب من (60) عسكريا برتب مختلفة بين ملازم أول وملازم وضباط صف، سجل عليهم الهروب من الجيش فأحيلوا الى المحاكم وحكم عليهم بالإعدام، ثم جاء الأمر بتنفيذ الحكم .

أرسلت آمر لواء ومشاور قانوني اسمه (علي) لدراسة أوضاعهم، وكانو معتقلين بقاعة تابعة للفيلق، فقدم لي تقريراً إن أكثرهم لديه شهيد أومعاق من ذويه، يومها كنا نخوض معركة بنجوين وكانت النتائج جيدة بالنسبة لقواتنا، لذا اتصلت بعدنان خير الله طلفاح بشكل خاص، ورجوته التدخل مع الرئيس لايقاف التنفيذ أو اصدار عفو بعد أن شرحت له أحوالهم، وبعد ساعتين تقريباً، جاء الرد بأن العفو قد تم.

967-ali

حوار شامل مع وزير الدفاع في عهد صدام: سلطان هاشم أحمد (1)

soltan hashim- سلطان هاشم يضع تصوره لخطة تحرير الموصل

- مشاركة الحشد ضرورية –على أن يستخدم بطرق خاصة

- قلت للرئيس: قد تتطلب الحرب أن نهدم مابنيناه

- وضع صدام يده في يدي قائلاً: هل تطلب شيئاً؟

- تقسيم العراق سينعكس سلباً على تركيا والسعودية

- دولتان من الجوار هما الأخطر

- التدخل العسكري السعودي في العراق سيتعرض للهزيمة

- ماحدث في سفوان كان إجتماعاً تقنياً

- رافقني الى خيمة سفوان ستة ضباط برتب عالية هم كل من:

- المقاتل الإيراني كان يتمتع بمعنويات جيدة .

- لم يكن في الأنفال مدنيون

- لا أنفي استخدام الكيمياوي، ولا أؤكده كذلك

- ماحدث في نهر جاسم والفاو كان مطحنة وليس معركة

- عدنان خير الله هو من نسبني لحزب البعث

- نصحني ميلوسوفيتش: إكسبوا جواركم

- شوارزكوف يرد على سؤالي: اتركها للتاريخ

- ندمت لأني سلمت نفسي للأمريكان

- لم يف الأمريكان بوعودهم لي

- ليتني سمعت كلام أبي مربي الجِمال

- صدام حسين كان يحب أن نطلب منه، وأخذ برأيي مرات عديدة

- أنقذت 60 ضابطاً من الإعدام

- طلبت من الرئيس ابقائي رئيساً للأركان بدل تعييني وزيراً للدفاع

- وضعت خطة للإنسحاب من الكويت في 8 أيام

- لم تكن وزارة الدفاع تمتلك قراراً بتحريك القطعات

- ابلغتُ بقرار تنفيذ الإعدام، ولم أبلّغ بتأجيله .

- بدء غزو الكويت سمعته من الراديو

- أخبرت الرئيس صدام بأن الأمريكان سيكونون في بغداد خلال أسبوع .

- أعجبت بشخصية سعيد حمو .

- منزلي في بغداد أكملته بعد 8 سنوات .

 

قصتي مع سلطان هاشم

بدأ اهتمامي بقضية الفريق أول ركن سلطان هاشم احمد الطائي، في مقال كنت قد نشرته على موقع صحيفة (المثقف) العراقية بتاريخ 12/ 6/ 2011، مشتقّ من دراسة عن الجيش العراقي ودوره في الدولة العراقية الحديثة مثبتة في كتابي (العراق الجديد – قلق التاريخ وعقدة القوة) ص184، وقد ذكرت فيه قضية وزير الدفاع الأسبق بعد الحكم عليه بالإعدام وما إثارته من لبس .

ومما جاء في بعض فقرات المقال مايأتي:

((من الفصول النادرة في تاريخ العراق الحديث، الذي يكاد يجمع فيه العراقيون ـ أقله في مكونهم العربي بشقيه الشيعي والسّني ـ على إظهار تعاطف بهذه التلقائية مع شخصية عسكرية، إذ ان قصّة العراقيين مع عسكرهم، لا تسودها في الغالب صفحات ودّ كثيرة، نظراً لما في سجل ذلك العسكر من دماء ومجازر، لكن الجنرال سلطان هاشم وزير الدفاع في عهد "صدام" إخترق الذاكرة العراقية ليصل الوجدان، والأغرب انه الوحيد الذي شذّ عن قاعدة العداء لقادة نظام البعث الذي يحملها أغلب العراقيين))

وكان تفسير ذلك التعاطف برأيي، ربما يعود في بعض وجوهه إلى إنه (واحد ممن نالوا رتبتهم بكفاءته الشخصية وبإستحقاق تراتبيته العسكرية)

وقد ذكر المقال ان الجنرال المذكور ونظراً لما (عُرف عنه من الهدوء والإتزان، وكان نادر الكلمات، يميل الى الصمت والإختصار، وفيما كان القادة الآخرون يكيلون المديح لصدام ويعدونه بالنصر، أدلى الجنرال سلطان هاشم برأي أكد فيه استحالة الصمود، وقد صحتّ تقديرات الرجل التي حسب فيها أن العراق سيهزم في بضعة أسابيع وان زمن صدام قد انتهى لامحالة)

(لقد تبيّن ان الجنرال هاشم عسكري محترف، يجيد قراءة الوقائع، كما انه صادق الكلمة قد يضطر للصمت في المواقف الحرجة، لكنه لا يلجأ إلى المراوغة والخداع، أما التحول الأكثر وضوحاً، فتمثّل بما ذُكر عن موقف المرجع السيد علي السيستاني الذي كان قد نصح الحكومة بإيجاد مخرج قانوني لقضية سلطان هاشم، يمكنها من تخفيف حكم الإعدام بحقه))

وقد خلص المقال إلى نتيجة مفادها إن الرجل إذا صحّ فيه العفو، فيمكن الإستعانة بخبرته العسكرية لإعادة بناء وتأهيل الجيش العراقي الجديد، آخذاً بنظر الإعتبار مقياساً لما كان يتداول عن نسبة (الضباط) غير الكفوئين ممن أفرزتهم الأحزاب والقوى السياسية من محازبيها، دونما أي إعداد وتهيئة كافيين لما تتطلبه المهمة الصعبة للعمل بصفة ضابط، كذلك مفصلية المرحلة التي كان يمرّ بها العراق.

بعد نشر المقال، تعرضت لانتقادات شديدة تخللتها اتهامات وطعونات قاسية، لكن ذلك ما كان ليوقفني عن عزمي في تأليف كتاب عن الجيش العراقي في مرحلة هي الأصعب والأكثر دموية في تاريخ العراق، خاصة تلك الممتدة منذ عام 1970 – ولغاية 2003- وقد وضعت في اعتباري أن أقابل القادة من الضباط الكبارالذين لعبوا دوراً محوريا في معارك مصيرية فاصلة، ومن ثم فعلى رأسهم سلطان هاشم الضابط الأكثر شهرة وألمعية من بينهم – أقله فيما ارتسم عنه في أذهان الكثير من العراقيين والعرب - .

لكن الطريق الى لقائه لم تكن ميسرة، فالرجل سجين مهم ومحكوم بالإعدام، لذا فمقابلة من هذا النوع لإجراء حوار شامل معه، هي سابقة لم تحدث من قبل، لافي العراق، ولافي بلد آخر .

لكن قيض لي أن أجد من يتعاطف مع طلبي، بل ويشجعني عليه، فبصرف النظر عن الموقف من النظام السابق وما ارتكبه بحقّ العراقيين، إلا ان ما حدث أصبح جزءاً من تاريخ ما زال ينعكس بكل ثقله على العراق وشعبه، لذا فمن حقّ أجيال العراق أن تعرف ماحدث، وهكذا بدأ المشوار الطويل لترتيبات اللقاء مع سلطان هاشم.

وكان أول المستجيبين النائب الدكتور ابراهيم بحر العلوم، الذي تحدث شخصياً مع وزير العدل حيدر الزاملي، ثم تقدم بكتاب رسمي يطلب فيه من الوزير المعني، مساعدتي في إجراء الحوار مع سلطان هاشم بكوني باحثاً يكتب عن تاريخ الجيش العراقي السابق .

استجاب وزير العدل للطلب وفق الضوابط والاجراءات المتبعة، وكانت تتضمن الحصول على موافقة النزيل كشرط مسبق، فضلا عن شروط محددة منها عدم استخدام أية وسيلة لتسجيل اللقاء سواء بالصوت والصورة أو بالصوت وحده، ومن ثم كان الشرط أن أدخل وحدي على أن تنتدب لي ادارة السجن من يتولى تدوين اللقاء .

ولأن الموضوع أمانة تاريخية ينبغي أن تذكر فيها الحقيقة وحدها، وكي لايفسح المجال لأيما تشكيك في ما ذكره الفريق أول سلطان هاشم حرفياً، لذا حاولت أن يكون اللقاء بالصوت والصورة كي تبقى وثيقة قاطعة في صدقيتها، ومن أجل ذلك، قمت بزيارة خاصة لوزير الخارجية الدكتور إبراهيم الجعفري الذي رحب بالفكرة واتصل مباشرة مع وزير العدل حيدر الزاملي في محاولة لاقناعة باللقاء المصور لسلطان هاشم وصابر الدوري محافظ كربلاء السابق، وقد ذكر له مثلاً بأن وفداً من كربلاء جاء لمقابلته حينما كان رئيساً للوزراء، وذلك كي يتوسط بتخفيف الحكم عن محافظهم السابق صابر الدوري الذي يحفظون له الكثير من المواقف الطيبة لصالحهم.

لكن وزير العدل أصرّ على الإلتزام بالإجراءات المتبعة، وهكذا كان.

بعد المخاطبات الرسمية بين الدوائر المختصة، جاء اليوم الموعود في 28/2/2016 – التاسعة صباحاً .

خصص لنا المكتب الخاص لمعاون مدير السجن، وحين دخلت، كان الفريق أول ركن ووزير الدفاع الأسبق، يجلس بانتظاري وهو يرتدي بيجامة بنية اللون، مورد الوجه مبتسم، وقد بدا عليه الانشراح في معرفته بأني جئت لأجري معه حواراً شاملاً، لذا رحب بي أكثر بعد أن اهديت له كتابي (العراق – غمد السيف أم درب المعبد) الصادر في بيروت عام 2012 وأريته ما كتبته عنه .

وما أن قرأ قليلاً عن ذلك، حتى قال مبتسماً: عليك أن تكتب عني كتاباً بإسم سلطان هاشم، فأخبرته بأني فعلاً أنوي تأليف كتاب عن الجيش العراقي، سيكون له فصل كامل إضافة الى بقية القادة – وذكرت له بعضهم مثل صلاح عمر العلي والفريق رعد الحمداني .

قرأت عليه محاور اللقاء والأسئلة الموضوعة لكل محور، كي يستعيد ترتيب ذاكرته كما قال، ثم بدأنا رحلتنا التي تواصلت دون انقطاع، من العاشرة الإ ربع صباحاً، حتى الساعة الثانية بعد الظهر، أي أكثر من 4 ساعات، وقد تركته يتحدث كما يشاء، ولم أتدخل سوى في عنونة وترتيب المحاور كي يأتي اللقاء وفق التسلسل الزمني للأحداث .

وفي نهاية اللقاء، طلبت منه أن يكتب أذا شاء، إنطباعه عن هذا اللقاء، فاستجاب مشكوراً وكتب ما يأتي: 

 

مبدعون من بلادي: حسين كولي

عدسة أجادت إقتناص الظل والضوء واللحظة فأنجبت إبداعا عراقيا حلق في سماء العالمية

يقول الناقد الأدبي الروسي الشهير، فيساريون بلنسكي " الإبداع ليس لهواً، والمؤلف الفني ليس ثمرة وقت فراغ أو نزوة، إنه يكلف الفنان عناءً وجهداً، والفنان نفسه لا يعرف كيف استقر جنين المؤلف الجديد، إنه يحمل بذرة الفكرة الإبداعية، كما تحمل الأم صغيرها في أحشائها " وانطلاقا من رؤية بلنسكي للإبداع فقد حفلت الساحة العراقية الولادة بمئات الأسماء اللامعة التي حفرت في صخر الواقع بعد ولادتها من رحم المعاناة أعمالا خلدتها الذائقة الفنية والتشكيلية والشعرية العربية والعالمية، ولعل المصور الشاب، او فنان الظل والضوء، حسين كولي، واحدا من هؤلاء المتميزين ممن ينتظرهم مستقبل واعد ليضع اسمه وإبداعاته في سجل طويل بين القامات العراقية السابقة واللاحقة.

 

*حصل الفنان الشاب، حسين كولي، على جائزة أفضل مصور في مهرجان الأفلام القصيرة الذي أقامته وزارة الشباب والرياضة وهذه ليست الجائزة الأولى التي تحصل عليها في مشوارك الإبداعي، هل لك ان تجمل لنا حصيلة الجوائز التي حصدتها داخل العراق وخارجه؟

-  ما يخص الجوائز فلدي جوائز طلابية وأخرى محلية وواحدة عالمية، اما الطلابية فعلى مدار خمس سنين وانا احصل على الجائزة الاولى في معهد الفنون الجميلة لحين تخرجي من المعهد في المرحلة الخامسة وبعد دخولي الى كلية الفنون الجميلة ومشاركتي بالمعرض السنوي الفوتوغرافي حصلت على الجائزة الاولى بالفوتوغراف ولمدة ثلاث سنين ولكن وللأسف قد منعت من المشاركة في السنة الرابعة من دون سبب يذكر " ربما خشية الفوز بها للمرة الرابعة على حساب الآخرين " اما ما يتعلق بالأفلام فقد حصلت على جائزة السيناريو لفيلم من تأليفي بعنوان (الكلاب) وحصلت على افضل عمل متكامل لفيلم (وتصرخ حواء ) وهو بمثابة اطروحة تخرج في معهد الفنون الجميلة .

اما في كلية الفنون الجميلة فلدي مشاركات كثيرة في السينما اذ حصلت على ثلاث جوائز، جائزة افضل تصوير وجائزة افضل عمل متكامل، وصورت 25 فيلما قصيرا على مدار 4 سنوات، حصلت 20 منها على جوائز.

 

*هل هناك انجازات خارج المؤسسات الأكاديمية والنشاطات الطلابية؟.

-  نعم هناك نشاطات اخرى بعيدة عن الطلابية تتعلق بالفوتوغراف تحديدا، وكانت اول مشاركة لي في الجمعية العراقية للتصوير في المعرض السنوي الذي ضم مصوري العراق كافة في الداخل والخارج عام 2011 وكنت يومها اصغر المصورين المشاركين سنا وحصلت على الجائزة البرونزية وبعدها في العام الذي يليه حصلت على الجائزة الاولى التقديرية وبعدها حصلت على الجائزة الثانية الفضية بالرغم من ان الصورة الحاصلة على المركز الأول كانت مسروقة لمصور من الناصرية وبعد علم اللجنة تم حجب الجائزة الاولى .

 وفي عام 2014 حصلت على 6 جوائز من بين كانون الثاني -  حزيران وكانت جميعها في المركز الاول، في مسابقات نظمتها الجمعية العراقية للتصوير واخرى مراكز متخصصة بالفوتوغراف، تم اختياري بعدها ضمن لجنة التحكيم في الجمعية العراقية للتصوير وفي هذه الاختيار اكون اصغر مصور في لجنة تحكيم الجمعية منذ عام 1972 حتى 2016 وكنت قد توفقت في هذا المجال كوني معاصر لجيلين.

لدي معرض شخصي في بغداد بعنوان " محاكاة " عام 2009 وبعدها معرض شخصي بأشراف الـ UN اقيم في النرويج وأستراليا.

أما فيما يخص الجائزة العالمية فكانت كأفضل مدير تصوير في مهرجان عالمي يقام سنويا في العديد من الدول الأوربية والشرق الاوسط تحت شعار " العنف ضد المرأة" الفيلم الذي فاز بالجائزة كان بعنوان "زهرة " ودخل في منافسة حامية الوطيس مع افلام اوربية وايرانية .

حصلت على جائزة افضل تصوير لفيلم " حالة رقم " في مهرجان بغداد السينمائي الدولي عام 2013، وجائزة افضل تصوير في مهرجان وزارة الشباب في العراق لذات الفيلم، كما حصل الفيلم على جائزة افضل فيلم متكامل في مهرجان كلكامش للأفلام القصيرة، وجائزة افضل تصوير في مهرجان ستوكهولم للفيلم العراقي، كما شارك في مهرجان " فجر" الإيراني مع انهم استعاروا الفيلم من دون علمي ولا إذني من مهرجان بغداد السينمائي وقد ابلغوني قبل العرض ولذلك فلم اذهب لحضور المهرجان .

 

* أشرت في احدى لقاءاتك الى ان التصوير (السلوت) يعد واحدا من اصعب أنواع التصوير بالنسبة للمصور المحترف، ما ذا تعني بالسلوت وما هي مكامن الصعوبة التي يشكلها بالنسبة للمحترفين؟

 -  صعوبة السلوت تتبلور في ان المصور يجب ان يدرك الماهية الجمالية التي تظهر في الشيء المراد تصويره وعليه ان يمتلك ثقافة عامة وخاصة وأعني بالثقافة الخاصة هنا هو ذلك التمكن من الادوات التي يستخدمها للتصوير اما العامة فعليه ان يكون على دراية بالرسالة والرؤية والهدف التي يظهرها للمتلقي والمختص على سواء.

"السلوت " هو احد محاور الفوتوغراف تكون فيه اشعة الشمس او الضوء امام العدسة ما يحدد او يضلل الاشياء التي تقبع بين الضوء والعدسة ولهو جمالية وموضوعية مع ان هناك وللأسف الشديد من يظن واهما أن تصوير الغروب يعد احد محاور " السلوت" وهو ليس كذلك .

 

* حصلت على جائزة افضل تصوير عن فيلم (بقايا) ضمن فعاليات مهرجان السماوة السينمائي الثاني للأفلام القصيرة، حدثنا عن الفيلم وعن أي شيء يتحدث؟ .

-  فيلم بقايا هو مشروعي الذي حصل على ثاني افضل عمل متكامل في كلية الفنون الجميلة وحصل على جائزة التصوير في مهرجان السماوة وبصراحة ولكوني اعده فيلما طلابيا لذا فأنا لم اشارك به في مهرجان آخر غير السماوة .

فكرة الفيلم تدور حول شخص يفقد حياته بدون سبب ليرى في العالم الافتراضي ارواحا من مختلف الازمنة في العراق وهي معلقة ومنها اربع حقب مر بها العراق اصبحت مؤثرة في حياة الأجيال الحالية نحو حقبة الحرب الايرانية العراقية احداث الطائفية عام 2006، فيضان بغداد عام 1952، ومنها غير معاشة نحو مجاعة الموصل قديما وماشابه .

 

* الضوء والظل يشكلان ثيمة تفرد بها حسين كولي في مجمل أعماله الفوتوغرافية حتى ان الجمعية العراقية للتصوير في معرضها السنوي بدورته الأربعين منحتك الجائزة الفضية عن صورتك “الضوء والظل” بمشاركة نحو 600 مصور من داخل العراق وخارجه في المعرض الذي ضم أكثر من 1900 صورة، ما سر الضوء والظل الذي ابدعت عدستك اقتناصهما؟

- الموضوع المثير بالنسبة لي كون الفوتوغراف يصنف كفن فردي وشخصي تابع للانطباعات والبيئة التي يعيش فيها المصور وبناء على ذلك فقد كان لطفولتي دور فيها، تلك الطفولة التي عانيت فيها من مرض مزمن اقعدني لفترة من الزمن، وبت ارى جميع الاشياء منذ ذلك الحين سوداء معتمة لا جمال فيها ووظفت ذلكم الانطباع السائد على صوري وكنت مميزا به .

وعلى هذا الاساس فأن اغلب المصورين باتوا متأثرين بي وبالأسلوب الذي اتناوله مع ان الظل والضوء وقراءته ليست بالأمر الهين وعلى المصور ان يهتم بالموضوع والمضمون والشكل فيما اغلب المصورين غير مهتمين بالرسالة لهذا المحور، نعم انا لا اقلل من اهمية الجمال في الصورة إلا ان الموضوع والمضمون شيء مهم جدا فالمتلقي يبحث عن شيء لما تراه العين المجردة .

 962-ahmad

*سبق ان نوهت ولأكثر من مرة الى إن إقبال الشباب على تعلم الفوتوغراف ناتج عن التطور التقني إلا ان ما يؤسف عليه حقا هو تلاشي رواد الصنعة من الفوتوغرافيين المحترفين أمام التطور التقني، مقابل دخول عدد هائل من الشباب الى هذا الفن، لماذا برأيك مرد هذا الإحجام من قبل الرواد، عدم القناعة بالتصوير الديجتال خارج السياقات التي تربوا عليها مثلا ام الفجوة التقنية بين الأجيال؟ .

- لدينا انانية في هذا الفن والمصور غالبا ما يتصور نفسه بأنه هو الافضل واخص الرواد منهم، مع ان التقنية شيء مهم يساعد المصور على التمكن من اظهار النتيجة الافضل وانا قد صورت في الكاميرا الفيلم لسنين، نحن الان نعيش فوضى فوتوغرافية فالشاب اليوم يبحث عن شيء يوصله الى النجومية ليكون شيئا وليس رقما في هذا العالم والفوتوغراف يمكنه من تحقيق ما يصبو اليه ليكون لهم متابعين واصدقاء كثر وعلى هذا الاساس كان الاقبال على الفوتوغراف من قبل الشباب.

اما بالنسبة للرواد فلو اطلعنا على CV الكثير منهم لم نشاهد مصورين لديهم شهادات تصوير فوتوغرافي بمعنى ان معظمهم ليسوا اكاديميين ومن لديه شهادة منهم فهي من خارج العراق وهم منزعجون من الشباب ليس بسبب الديجتال وانما حتى في المعالجة ودقة الصورة والتقنيات المتوفرة.

 

* بماذا تنصح المصورين الفوتوغرافيين الشباب وانت مدرب ومشرف على عدد من الدورات التي اقيمت لهذا الغرض .

 - انصح المصور بأن يهتم بالبيئة التي يعيش فيها فهو الوحيد الذي يعبر عنها وهو الوحيد الذي يظهرها للعالم، وعليه الاهتمام بالقراءة ودراسة كتب علم النفس لأن علم النفس هي طريقك الى إثارة العاطفة لدى المتلقي وعلى الجمعيات المختصة ان تعزز مؤسساتها بدماء شابة لأنهم على دراية بالتقنية والدروس الحديثة.

 

* اي من انواع الكاميرات تفضلها وهل الكاميرا هي التي تصنع الإبداع أم من يقف خلفها؟ .

-  أفضل كاميرا بالنسبة لي هي NIKON بالرغم ان الكاميرا مجرد آلة وانت الذي تصنع جمالها من خلالها، وعدسة النيكون هي العين الثالثة بالنسبة لي.

 

* كتاب لا تمل قراءته؟

-  كتب دكتور ابراهيم الفقي جميعها.

 

*صورة أفرحتك كثيرا وأخرى أحزنتك .

-  جميع الصور التي التقطها اثارت بي العاطفة واحزنتني والصور التي تفرحني هي التي تتغلب على اقرانها وتفوز بجائزة.

 

المثقف تحاور من بغداد: ديمة الشعر د. سجال الركابي

sijalalrikabiالمثقف تحاور اليوم من بغداد ديمة بيضاء تزين سماء بغداد العاصفة، تلك المربية الفاضلة الحنونة الرقيقة، رمز المراءة العراقية التي اجتازت الكثير من صعاب الحياة، جمعت بين البحوث العلمية البحتة والاعمال الفنية والادبية، تجيد اللغة الانكليزية وتهوى الرسم وكتابه الشعر . وصفت مؤخرا بقلادة بابلية تزين انوثة الادب العراقي، بداءت حياتها المهنة معيدة في جامعة البصرة، حاصلة على الماجستير والدكتوراه في آن واحد من جامعة ريدنج المتحدة في بيولوجية الخلية والفطريات المائية ١٩٨٠، عرفتها رائعة الرقة والانوثة منذ سنين طويله (تدريسية في الجامعة المستنصرية) تدريسية لعلم الخلية ذلك العلم الذي بات قريب من انفسنا لان من يدرسه لنا دكتورة سجال مؤلفة كتاب علم الخلية .

عملت معاون مستشار ثقافي ثم مستشار ثقافي (وكالة) لجمهورية العراق في استراليا من العام 2006 للعام 2010، حيث برزت حضورها ومشاركاتها في مجالات عدة، ورغم مسؤولياتها الدبلوماسية إلا أنها لم تركن علميتها وانسانيتها وروحها المرهفة على رفوف المكاتب الباردة، عملت استاذا مشاركا فخريا في جامعة جنوب كوينزلاند، شاركت الكثير من المؤتمرات خارج وداخل العراق ولها العديد من الندوات العلمية والادبية تملك نتاج علمي مكون من 30 بحث منشور بمجلات علمية عالمية وعربية ومحلية، حازت على براءة اختراع واشرفت على الكثير من رسائل لطلاب الماجستير والدكتوراه، وشغلت منصب عضو في العديد من الجمعيات العلمية، قالت الركابي في احدى نصوصها الادبية عبارات عميقة المعنى::: ينظرون .. يحدقون... عمياء انا ولكني ابصر السراب الذي لا يرونه . تلك الكلمات التي هزتني انا شخصيا مجسدة بها هواجس المراءة .

كتبت عنها دراسات نقدية كثيرة من قبل نقّاد العراقيين منهم: داود سلمان الشويلي، د أنور غني الموسوي، د. صباح عنوز. وترجمت بعض قصائدها ونتاجها الادبي الى الانجليزية والكردية وهذا ما يفتخر به حقا .

شهد شارع المتنبي اصبوحات الركابي، بينما تسلطن المركز الثقافي في لندن بامسيات عراقي شعرية رقيقة للركابي سجال، حظيت بجمهور انيق يتذوق الشعر والفن ويتحسس الكلمات الترفة لذا دعيت لمهرجانات في الكثير من البلدان منها الدنمارك والهند والمغرب .

 

اهلا بك د. سجال الركابي ضيفة المثقف لهذا الاسبوع الادبي من استراليا ونهديك احلى باقات الورد.

- د. سجال الركابي: اهلا بكم . يسعدني التواجد على صفحات هذه الصحيفة الرصينة (المثقف/ استراليا) تحياتي لكادر الصحيفة وأخص بالذكر الرائعة الدكتورة أصيل حبة (ايات حبه) والتي كانت طالبتي يوماً ما في الجامعة المستنصرية. والف تحية لقراء المثقف.

 

- حدثينا عن بدايات الشاعرة سجال الركابي، كيف كانت بداياتك الشعرية؟ هل هيه هواية ترعرعت بداخل الدكتورة سجال الركابي ام هي فطره وبصيرة روح بشرية ترفه؟.

- في الحقيقة أظنّها فطرة فأنا مغرمة باللغة العربية والقراءة منذ تعلمت الحروف الأبجدية كانت لي محاولات شعرية لكنها اقتصرت على الصديقات المقرّبات ثم انقطاع في فترة الدراسة والعمل وتأسيس العائلة ثم طرقت بشدة قبل حوالي اربع سنوات .

 

- ماهي حصيلة العمر الادبي لدكتورة سجال؟

- نشرت مجاميع شعرية منها ترنيمات امرأة عراقية وصوب بستان النخيل لسنة ٢٠١٣ صدرت الاولى عن منشورات ضفاف وتضمنت 28 نصا اما صوب بستان النخيل صدرت عن الدار العربية للعلوم بيروت /لبنان وتضمنت 57 نصا، لم يأتِ القمَر ٢٠١٤، حديث الياسمين وكان مشترك مع نخبة من الشعراء العرب سنة ٢٠١٥، وايضا مجموعة صدى الفصول وكان مشترك مع نخبة من الشعراء سنة ٢٠١٥ ومجموعة الوردُ يبكي والبارودُ يبتسم كان نتاج بداية هذه السنة 2016 وصدر عن دار كتاب في المصريون وتضمن 227 نصا .

 

- ماذا تقول سجال مجسدة مشاعر وترنيمات المراءة العراقية في نصوص من اختيارك لمجموعة ترنيمات أمراءه عراقية للمثقف؟

- لاتبكِ حين ينفكُ قيدي

 غدا ...سأتحرر من جسد يكبلني

اصير لونا في ورقة خريفية

في غابة ما ...او ندى في غيمة خجلى لاتبلل اليمشون

في صيف بغدادي قائظ

غدا ...اتسلل لارقب لوحات مونيه

بعد ان يغلق الحراس الابواب

غدا ...اتهادى موجة كسلى في شط العرب

 

- بماذا اتسمت قصيدة الارض وانا وانت؟

- هذه القصيدة من مجموعة صوب بستان النخيل، عندما ينشر الحرف يصبح ملك المتلقي كل يفكر حسب ما يشعر

عموماً يسكنني هاجس الوطن حتى وانا اتكلم عن العواطف الاخرى أراها متلازمة وايضاً مع حب الطبيعة الكون . اليكم مقطع من قصيدة الارض وانا وانت

تشققت الأرض

ظمئي إلى قطرة مطر

المرآةُ نبذتني...عُيون أذبلها السهر

ووجه فقد ملامحه ...ظاميّ إلى قطرة مطر

الأرض عطشى ...تكاد تميز غيضا

أحشاؤها تتلظى ...ظمئي إلى قطرة مطر

 إنسانيتي خلعتني … فرَّت نحو أرضٍ

مازال يسقيها المطر

 

 - أتوقُ إليكَ قصيدة لدكتورة الرقيقة سجال باتت تقفز بين صفحات التواصل الاجتماعي الفيس بوك .ما قصتها؟

- اتوق اليك قصيدة كتبتها الى حبيب الروح ورفيق الدرب وصديق الطفولة زوجي الراحل كانت فعلا مناجاة له بعد رحيله الكابتن سمير ناصر الركابي .

أتوقُ اليكَ لعينيكَ

نجمتين ...في عُتمة حيرتي

صخرتين ....تتكأ عليها وحدتي

ليديك ....دليلي لهويتي

لصوتكَ ....عطرٌ رجولي يؤجج صبوتي

ياسهيلاً ...يُخفق في ليل وحشتي

يارجلاً .....إحتكر شوقي ولهفتي

 

- اي من الشعراء قديما وحديثا مقرب لشخصية وروح الادبية لسجال الركابي؟

- العديد من الشعراء منهم بدر شاكر السياب، فدوى طوقان، محمود درويش، ارجوان طاغور

 

- من بين مجموعة الشعرية الأخيرة الورد يبكي والبارود يبتسم ممكن نقرا همسات شعرية من الركابي

- نعم . من مجموعتي الشعرية الاخيرة .. هيمنة

إمنحني مافي قلبَكَ ......بلا مُقدّمات

حنان آفاقٍ لا متناهية... لاتُجزّئني

لا تقُل ... عيناكِ شلّالُ قُبَل

مُترعة بالغَزَل ....ناغِ روحي

مُغرَمةٌ أنا ....بالغيمِ الضوء الورد الشجر

بشَجنِ اللَحنِ بوحِ التأمّلِ ....وبها معاً

أنتَ...لا تسطُ على ذاكرتي

يخنقُني الإحتكار ...يمامةُ حريرٍ أطير .....في حقلِ رِقّة

فراشاتُ ابتسامتي ...مُندّاةٌ شَغَفاً .....هارباً مِن تصحّرِ السَطوةِ

لا تُهيمِن... الهيمنةُ ترديني .....فأغدو...! لستُ أنا

وَلَن أراكَ أنتَ كأنتَ

 

- كلمة اخيره للمثقف ولجميع قراء د. سجال الركابي في الوطن العربي؟

- ممتنة لك د أصيل ولكم جميعاً كادر صحيفة المثقف، تحياتي للقراء والمتابعين في انحاء العالم . دمتم والعالم بسلام ومحبه . احب اهديكم قصيدة " لا ترحل"

ليتَ القطارَ أخرسٌ ...باحَ منديلُ الوداع... فارتَعَشتْ الأُذنُ

لإندلاعِ العَطَشِ ....سالَ عِطرُ المواعيدِ

على تُفاحِ شَغَفٍ

ليتَ المراكبَ لاتبوحُ بإقلاعها

يُسفَحُ الحنينُ لتأوّهِ المرساةِ

 

يبتلعني الرصيفُ ....وحشةَ خُطىً

 

يكتنفني البحرُ أسودَ التقلّبِ ...فحمةً أغدو

ليتَ مُحرّكُ السيّارةِ ينتابهُ الزكام ...يشيرُ له الفراق أن

أخلِد للنوم...لترنَّ أجراس جذلٍ زهريّة

(بسكوتة) روحي يفتّتها الفراق ...لا تَرحَل ...قضيتُ عُمري في وداع

 

حوار مع الكاتب جورج كتن حول سوريا

gorge coten1 - بعد دخول الثورة السورية عامها السادس، كيف يمكن قراءة الحدث السوري بتكثيف؟

- الثورة الشعبية السورية كأي ثورة في العالم ظاهرة اجتماعية متطورة لا تحتفظ بشكل واحد، فقد مرت خلال الخمس سنوات بمراحل عدة اولها مرحلة ثورة الشعب السلمية، تلاها مرحلة حمل السلاح كرد على بربرية النظام في مواجهة المتظاهرين السلميين حيث استمر الشعب المنتفض بلعب الدور الرئيسي من خلال التنسيقيات والمجالس المحلية كمؤسسات قيادية ابتكرها. المرحلة الثالثة بدأت مع تسرب الجهاديين للعمل المسلح من خلال الفجوات التي تركها انحسار سلطة النظام، وخاصة تنظيم "الدولة الاسلامية" المعادي للثورة، الهادف مع النصرة وكتائب اسلامية من اسقاط النظام اقامة دولة دينية. اصحاب الثورة الاصليين في مناطق النظام قمعوا بشدة قتلا وتشريدا واعتقالا وتعذيبا ونهبا وتدميرا. اما في المناطق التي خرجت عن سلطة النظام فمسلحو التنظيمات الاسلامية تكفلوا بقمع اي حراك شعبي، بحيث وقع الشعب المنتفض بين مطرقة النظام وسندان امراء الحرب الاسلاميين، ولم يبق من مؤسسات الثورة سوى جيوب للجيش الحر والمعارضة في الخارج.

في المرحلة الرابعة تحول الصراع مع النظام لشبه حرب اهلية تتخذ طابعا طائفيا بعد استقدام النظام لميليشيات شيعية من بلدان عدة. رغم ذلك فقد اختل التوازن لصالح المسلحين المعارضين رغم عدم قدرة اي من الطرفين على حسمه لصالحه. اما المرحلة الخامسة فبدأت مع تدخل التحالف الاميركي ضد داعش، حتى التدخل العسكري الروسي.

الوضع السوري حاليا دخل في مرحلة جديدة هي النجاح النسبي لوقف القتال رغم الخروقات، وهي هدنة نتجت عن توافق اميركي روسي جزئي لم يصل الى حد التوافق على طبيعة النظام السياسي للمرحلة الانتقالية، وهي مسالة خاضعة للتفاوض بين وفدي النظام والمعارضة في جنيف ولن تصل لنتيجة بدون التوافق الروسي الاميركي حولها.

تطور التدخل الخارجي في الصراع لدرجة ان القوى المسلحة للطرفين لم تعد تملك قرارها المستقل ولا تستطيع ان ترفض توجيهات الدولتين الكبريين اللتين تضعان مصالحهما في سوريا والشرق الاوسط فوق مصلحة السوريين، وهي بحد ذاتها مصالح متضاربة وليس من السهل وصولها لتوافقات مشتركة تفرضها مخاطر انتشار الارهاب في العالم، وازمة المنطقة واوروبا مع تدفق ملايين اللاجئين، اضافة لتبادل مصالح بين الدولتين قد تكون فيها سوريا جائزة لطرف مقابل تأمين مصالح الطرف الآخر في منطقة اخرى من العالم.

وقد عاد الحراك الشعبي من جديد بعد الهدنة في مظاهرات المناطق الخارجة عن النظام، دون التمكن من استئناف الانتفاضة الشعبية في مناطق سيطرة النظام، فهل يكون ذلك بداية لمرحلة جديدة تعود فيها الثورة الى احضان الشعب الذي بدأها؟ لا احد يستطيع الجزم.

                  

2 - هل كان سيتحقق لمسار الثورة السورية إطار أفضل لو توفرت شروط معينة، وماهي هذه المناخات؟

- لا اظن ان هذا ممكنا فاندلاع الثورة كان عفويا لا يمكن لاحد ان يتحكم بالظروف الموضوعية التي احاطت بمسارها .. ال "لو" غير واردة في هذا المجال، ف"لو" تدخلت اميركا والغرب لدعم الثورة كما فعلت في ليبيا لربما امكن اسقاط النظام مبكرا، و"لو" ان التنسيقيات والمجالس المحلية تحولت الى سلطة جديدة موازية للنظام تخضع لها كافة النشاطات بما فيها العمل العسكري، لما تعملق امراء الحرب السلفيين وعطلوا الحراك الشعبي وحرفوا الثورة نحو اهدافهم الخاصة ، و"لو" ان المعارضين للنظام لم يحملوا السلاح اصلا ضده رغم فتكه بالمتظاهرين، لربما انتهت الثورة لتندلع من جديد في ظروف افضل، فمسار الصراع تحكمه ظروفه الخاصة التي من المستحيل تغييرها بارادات ذاتية. 

 

3 – ألا يمكن القول أن المعارضة السورية لم تكن بمستوى تضحيات السوريين، ولم تستطع أن تلاقي عظمة هذه التضحيات؟

- نعم يمكن قول ذلك، ولكن برأيي جرى تضخيم الحديث عن فساد مزعوم للمعارضين السياسيين وخاصة في الخارج، ولم يتحقق بشكل كاف، توحيد المعارضين في تكتل واسع يتجمع حول اهداف مشتركة ويترك الخلافات حول مسائل اخرى لما بعد التغيير لتحسمها صناديق الاقتراع. الائتلاف الوطني نجح اكثر مما سبقه، ولكن ما زال ينقصه الكثير ليصبح قيادة سياسية تقود الثورة نحو الانتصار.  

 

4 - سوريا صارت اليوم ملعباً لتصفية الحسابات الدولية بين اميركا وروسيا وايران وتركيا، من المسؤول عن هذه الفوضى؟ وكيف يمكن الخروج من هذا المأزق الكبير؟

- في عالم اليوم لم يعد من الممكن ان تعزل قضية اي بلد عن بلدانه الاخرى، فتدخل الدول الكبرى كاميركا وروسيا والاتحاد الاوروبي، والدول الاقليمية كدول الخليج تركيا وايران، امر لا يمكن تجنبه، فمصالح دول المنطقة والعالم متشابكة وتتعدى حدود بلدانها. ولكن الشكل الواسع الذي وصل اليه التدخل الخارجي في الصراع السوري يكاد يكون غير مسبوق ويتحمل مسؤوليته الاساسية النظام الذي منعا لانهياره، استقدم قوى مسلحة من دول متعددة، بل اطلق نظرية ان "سوريا ليست لسكانها بل لمن يدافع عنها مهما كانت جنسيته"، مما يفسر جوانب من استراتيجية النظام لتغيير التركيب الديمغرافي السوري. ولا يمكن ان يكون مبرر ذلك الرد على مجيء الجهاديين لدعم الثورة السورية اذ انهم تسللوا كافراد رغم اجراءات منعهم من قبل دول الجوار.

لا يمكن الخروج من المأزق، بدون توافق اميركي روسي حول حل سياسي يفرض على طرفي الصراع لتنفيذه. وهو توافق لم يحصل بعد رغم كثافة الحراك الدولي الدبلوماسي، لكنه ليس مستحيلا في المدى القريب، فلا تزال السياسة الروسية والاميركية تتجنب صراع مباشر، رغم سياسة بوتين لمحاولة استرجاع دور الدولة العظمى المفقود بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. في ظل هذا المناخ جاء الانسحاب الجزئي الروسي، ليوقف فقط الغارات على المعارضة المسلحة المعتدلة، لتتحول روسيا لضرب اهداف ادعت انها جائت من اجلها، ويظهر ذلك في مشاركتها الكثيفة في معركة تدمر ضد داعش.

ايقاف عملياتها ضد المعارضة المعتدلة بعد اعادة التوازن المختل، تهيئة لامكانية تسوية سياسية من خلال التفاوض بين النظام والائتلاف في ظل تفاهم محتمل على اسس الحل بين اميركا وروسيا. ليست روسيا على درجة من الغباء لتظن مثل النظام بانه يمكن الحسم عسكريا. فرغم تقدم النظام الاخير شمال حلب، روسيا تدرك ان داعمي المعارضة السورية اقليميا ودوليا لن يتركوها تنهزم نهائيا، ويمكنهم دعمها مما سيطيل الصراع، في مثل هكذا وضع محتمل، روسيا تعرف من تجربتها انها ستقع في مستنقع، لا تتحمله اوضاعها الاقتصادية المأزومة بسبب المقاطعة الغربية وازمة اسعار النفط.      

 

5 – كتبت مقالات عديدة تنتقد النظام الايراني، هل من أجل تدخله المباشر في الشأن السوري؟ أم أن للمشروع الايراني خطورة على المجتمع الدولي؟

- انتقادي للنظام الايراني لم يبدأ مع التدخل المباشر في الشأن السوري، بل يعود لما يزيد عن عقدين عند بدئي بكتابة مقالات سياسية، بل اني اصدرت كتابا بعنوان "خيارات ايران المعاصرة، تغريب،اسلمة،ديمقراطية"- 2002- الذي عكس اهتماما بالثورة الشعبية الايرانية ضد الشاه التي تحمسنا لها قبل ان يركب رجال الدين موجتها ليقيموا الحكم الديني للولي الفقيه كبديل لنظام ديمقراطي يلبي طموح الشعب الايراني. كما عكس الاهتمام في ذلك الوقت، رغبة في متابعة نموذج لثورة قد يصلح لدول عربية كانت شعوبها تتوق للتحرر من ربقة انظمتها المستبدة. ولتشابه نسبي في انه تلا اسقاط حكم ديكتاتوري استيلاء التيار الاسلامي على السلطة وهو ما يتكرر حاليا في بلدان عربية. الكتاب صدر في فترة كان فيها الاصلاحي خاتمي رئيسا يسعى لاصلاحات تلبي طموح الشباب والنساء في التحرر.

ولكن بعد تبين فشل التيار الاصلاحي لاصطدامه بالحكم المطلق للمرشد، انعكس ذلك في مقالات لاحقة للكتاب عندما اصبح الامل في انتفاضة شعبية للتغيير، تحققت في الثورة المليونية الخضراء 2009 والتي رغم فشلها فقد كانت تدريب عام لقطاعات واسعة من الشعب لانتفاضات قادمة تسقط حكم المرشد الذي اطلق عليه المتظاهرون اسم "الشيطان الاكبر".

         

6 - تيارات سياسية فلسطينية للآن مع النظام، وباعتبارك كاتباً فلسطينياً- سورياً، كيف تقرأ الوجود الفلسطيني في اللوحة السورية؟

- التياران الاساسيان السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية بالاضافة لفتح ومنظمات اخرى، وسلطة حماس في قطاع غزة. الاخيرة وقفت مع الثورة السورية يحكم انتمائها للاخوان المسلمين المشاركين في الثورة السورية. في الجانب الآخر فان السلطة الفلسطينية تتبع مصالحها وتبقي على علاقة مع النظام السوري ولكنها لم تشارك في اي نشاط حسب علمي مؤيد للنظام. منظمات اليسار الفلسطيني هي الاكثر تحمسا للدفاع عن نظام تصدق انه "ممانع ومقاوم"، كجزء من يسار محلي وعالمي لا زال يؤمن بخرافة معاداته "التاريخية" لما يسميه "الامبريالية"، ترويجا لمفاهيم الحرب الباردة المنتهية الصلاحية.

فيما عدا ذلك فهناك منظمات مثل جبهة جبريل والصاعقة وغيرها منبوذة فلسطينيا بصفتها واجهات للاجهزة الامنية للنظام. لم تفترق عنه طوال مسيرتها فقد ايدت التدخل السوري ضد المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية في السبعينات. كما قاتلت الى جانب النظام في حرب المخيمات اللبنانية التي انتهت بطرد المنظمة الفلسطينية من لبنان، كما وقفت مع حزب الله في مواجهة انتفاضة الارز ضد الاحتلال السوري عام 2005 وما بعدها. فموقفها ليس جديدا في تأييد نطام هي عميلة له.  

 

7 – أوساط من المعارضة والنظام عارضت إعلان حزب الاتحاد الديمقراطي فيدرالية جغرافية لا قومية. لماذا؟ ما التخوف من هذا الإعلان؟

- من الطبيعي ان ترفض كافة اوساط المعارضة اعلان الحزب الاوجلاني لفيدرالية على الاراضي التي سيطر عليها بقوة السلاح وبتسهيل وتسليم من النظام الذي يتعاون معه. ولكن بعيدا عن المظاهر الاعلامية فالاعلان يكاد يكون "زوبعة في فنجان" لم يغير شيئا على ارض الواقع فالاساس هيمنة ميليشيات الحزب المطلقة على كل ما يتعلق بالشان العام في مناطقه. وسبق ان اعلن "الادارة الذاتية" للفت النظر عند انعقاد جنيف 2 دون دعوته، كما اعلن عن "مجلس قوات سوريا الديمقراطية" عندما لم يدع لمؤتمر الرياض، لتأتي الزوبعة الاخيرة "الفيدرالية" لتجاهل دعوته لمؤتمر جنيف3. هو مجرد اعلان لم يغير شيء من هيمنة الحزب في مناطق تواجده، سوى تسميات وتشكيلات وتجمعات وهيئات واحزاب اتقن الحزب لعبة تشكيلها وابرازها كدمى تتحرك باوامره. لذلك لا داع للتحوف من الاعلان، فالفيدرالية كشكل من اشكال الحكم الذاتي اللامركزي ليست مرفوضة مبدئيا من قبل المعارضة، بل متروكة لمشروع الدستور الجديد الانتقالي او الدائم الذي يقر باستفتاء عام. فيما ان اي حزب جاد من حقه ان يدعو للفيدرالية في سوريا المستقبل، ولكن ليس من حقه فرضها بقوة السلاح دون استفتاء الشعب المرجع الوحيد. اما النظام فلن يقبل على الاطلاق بفيدرالية حقيقية بحكم انه نظام استبدادي مركزي كل السلطات فيه محصورة بيد الحاكم المطلق، وما تصريحه الخجول عن رفض اعلان الحزب سوى مناورة، لا تغير شيئا من التعاون الراهن القائم مع الحزب.

 

حاوره: عمر كوجري

 

المثقف تحاور من بغداد المهندس نبيل ابراهيم

956-nabilأهــلا "وسهلا بالمهندس نبيل ابراهيم / ميكانيك عام ضيفا بجريدة المثقف / استراليا ويسعدني تواجدك معنا، تقبل ترحيبي فيك وكلي أمل بتواصلك و بمشاركتك ذات الفائدة و لنحظى بكل ما هو جديد ومفيد. محور حوارنا اليوم عن التلوث الاشعاعي في عراقنا الحبيب م. نبيل وما يواجه الإنسان من خطراً كبيرا يتمثل في تعرضه للعناصر المشعة وما تسببه هذه العناصر من مخاطر صحية قد تكون ذات أثر كبير على حياتنا جميعا كما يمكن أن تنعكس على أجيالنا القادمة. ارجو التوضيح لهذه الكارثة البيئية؟

 م. نبيل ابراهيم: اهلا وسهلا بك دكتورة ايات، يسعدني تواجدي معكم،شكري وتقديري لك اولا ولكادر المثقف ثانيا ، ان تعرض الانسان للإشعاع يندرج ضمن مفهوم التلوث الاشعاعي الذي ينقسم الى تلوث ثابت لا يمكن ازالته من الاسطح وتلوث سطحي غير ثابت يمكن ازالته بسهولة وقد يسبب تلوث الاشخاص او المعدات نتيجة التلامس .. اما اخطر انواع التلوث فهو المحمول جواً اي ان المادة المشعة تكون على هيئة غبار ينتقل بالهواء وتكمن خطورة هذا النوع كون مساحة انتشاره واسعة. و في الحقيقة نظرا للتطور التكنولوجي لمنظومات الكشف والتفتيش في المنافذ الحدودية العالمية كالمطارات والموانئ والنقاط الحدودية الفاصلة بين مختلف بلدان العالم و نتيجة للظروف الامنية التي يعيشها العراق لجأت القيادات الامنية ومن قبلها القوات الامريكية وحلفاؤها الى استخدام منظومات اختصاصية للمساعدة في عمليات تفتيش المركبات والشاحنات المنتقلة من والى العراق او التي تنتقل بين المحافظات .. احدى هذه المنظومات هي آليات الكشف باستخدام الاشعاع التي تعمل بواسطة المصادر المشعة (عناصر مشعة طبيعية Gamma او مصادر مشعة صناعية X- Ray). حيث توفر هذه المنظومات الدقة المتناهية والسرعة الفائقة في الكشف والتفتيش للمركبات والشاحنات والحقائب والامتعة بغية مكافحة الجريمة الاقتصادية وكشف الاجسام الغريبة المخفية في زوايا ومخابئ المركبات. وكما هو معروف ان للمصادر المشعة تأثير بالغ الخطورة على الكائنات الحية حيث تتأيّن الخلية الحية عند تعرضها لجرعات العالية من الاشعاع .

 

- طيب ماهي إلية التعامل الآمن مع هكذا انظمة اشعاعية التي تكون في تماس مباشر مع الصحة العامة للعاملين على هذه المنظومات والمتواجدين في منطقة الفحص بالإشعاع؟

- دكتورة ايات طرق الوقاية من الاشعاع تعتمد بالدرجة الاولى على وعي المستخدمين والمشغلين لمنظومات الكشف بالإشعاع من خلال التوعية واقامة البرامج التدريبية المكثفة للكادر وتجهيزه بالمتطلبات الوقائية الخاصة بالسلامة المهنية مثلا دكتورة معدات قياس الجرعات الاشعاعية المتراكمة (باج فيلم) الذي يعلق على صدر العاملين في المنظومة ومعدات الكشف عن التسرب الاشعاعي في حال حصوله وهي اجهزة استشعارية محمولة تعلق في احزمة العاملين، كل هذه الوسائل تقي الكادر الفني الذي يقوم بتشغيل منظومات الكشف بالإشعاع من الخطر.

 

- م. نبيل ماذا عن الأغذية المستوردة وبالآونة الاخيرة اصبحنا نستورد حتى الخضار والفواكه وكلها خاضعة للفحص بالإشعاع على المعابر الحدودية؟

 - نعم دكتورة يجب ان تتم عملية فحص المواد والبضائع الغذائية بمعايير امان غذائي على اعلى مستوى كون هذه المواد في تماس مباشر مع المستهلك اذ تختلف درجة تأثير الاشعاع المنبعث من منظومات الكشف على المواد الغذائية باختلاف العناصر والمعادن الداخلة في تراكيب المواد .. مثال على ذلك يعتبر عنصر الكالسيوم من العناصر التي تتحول الى عناصر مشعة عند تعرضها للإشعاع وكما نعلم دكتورة ايات ان الكالسيوم متوفر في الالبان والبيض ومعظم الخضروات لذا فأن عملية فحص وتفتيش هكذا انواع من البضائع يجب ان تتم بطرق اخرى لا اشعاعية حفاظا على سلامة المواد الغذائية وبالتالي سلامة المواطن .

 

- ممكن توضيح بالنسبة للضرر الذي قد يصيب جسم الإنسان من جراء تعرضه للمواد المشعة على ماذا يعتمد؟

- يعتمد على عدة عوامل منها الزمن حيث تتناسب الجرعة الاشعاعية المكتسبة طردياً مع زمن التعرض للإشعاع. ٢- المسافة بين جسم الانسان والمصدر المشع حيث تتناسب المسافة بين الجسم والمصدر المشع عكسياً مع الجرعة المكتسبة .. كلما بعدت المسافة عن المصدر المشع كانت الجرعة المكتسبة من قبل الجسم اقل. ٣- وجود حواجز خاصة (مادة الرصاص) تقلل من تأثير الاشعاع حيث يتناسب سمك الحاجز (الدرع) عكسياً مع الجرعة المكتسبة. ونوع الاشعاع ومقدار الجرعة التي يتعرض لها الجسم من هذه لمواد المشعة .

 

- مهندس نبيل بمختصر بسيط عن مصادر التلوث الاشعاعي؟

- بالبداية تصنف المصادر المشعة الى مصادر مشعة طبيعية كالإشعاع المنبعث من الانحلال الطبيعي للنوى في باطن الارض او الاشعاع الكوني (نيوترونات، بروتونات، جسيمات الفا) او الكاربون المشع C14. ومصادر اشعاع صناعية كمولدات الاشعة ( السينية، اجهزة التصوير المقطعي، المعجّلات الخطية ) او العنصر المشع (كمصدر) او المواد النووية ( وقود المفاعلات - نواتج المفاعلات - النفايات النووية ).

 

- ماذا عن الاثار الجسيمة المتسببة من جراء التعرض للإشعاع؟

 

- آثار جسدية (ذاتية) Somatic effects of radiation وهى المخاطر أو الآثار التي تصيب كافة أنواع الخلايا الجسمية. أي أن أعراضها أو أثارها تظهر في الكائن الحي نفسه الذي تعرض للإشعاع و آثار وراثية Genetic effects of radiation: وهى الآثار التي تظهر أعراضها في ذرية الكائن الحي الذي تعرض للإشعاعات نتيجة تلف أعضائه التناسلية. ومن الآثار الصحية للتعرض الإشعاعي هي التحول السرطاني لبعض الأنسجة التي تتواجد فيها المواد المشعة لفترات طويلة نسبيا .

 

- بعض الخبراء يعتقدون أن التعرض لنسب ضئيلة من الاشعاع ربما يكون مفيدا للإنسان، حيث يقولون إن التعرض لجرعة ضئيلة من الاشعاع مثل ما يحدث خلال فحوصات أشعة إكس والفحوصات الطبية الأخرى قد يكون له تأثير إيجابي على الجسم إضافة إلى تشخيص الأمراض . ما صحة ذلك؟

- صحيح د.ايات لا أشك في أن التعرض لنسب ضئيلة من الاشعاع مفيد منها التطبيقات الشائعة المفيدة والمهمة للمصادر المشعة هي التطبيقات الطبية حيث ينقسم استخدام المصادر المشعة في الطب الى استخدامات كشفية تشخيصية كالاشعة السينية او الملونة ( التكنيسيوم Tc- 99m ) واستخدامات علاجية ( سيزيوم Cs- 137 علاج السرطان، اليود المشع I- 131 لعلاج الغدة الدرقية، مستحلب اليود المشع I- 125 لتحديد نسبة هرمون الثايروكسين في الدم ) ..وبالفعل أن الاشعاع يثير جهاز المناعة . اما عن التطبيقات الصناعية للمصادر المشعة فهي كثيرة اهمها التصوير الصناعي ( مصدر مشع نيوتروني Am- Be ) او الفحوص اللااتلافية او فحص المركبات والحاويات وكذلك تستخدم المصادر المشعة للأغراض البحثية والعلمية والزراعية.

 

- من وجهه نظرك م. نبيل ما هي الكيفية الوقائية من التلوث الاشعاعي؟

- من وجهه نظري يجب ان تتولى الجهات الحكومية والهيئات المتخصصة بالسيطرة على المصادر المشعة عملية التوعية والتدريب وتأهيل الكوادر التي تعمل على تشغيل جميع المنظومات التي تعمل بواسطة الاشعاع من خلال اقامة الدورات التدريبية ومتابعة النشاطات وتنظيمها .. ولا ننسى الدور الكبير الذي تقوم به الهيئات الحكومية المعنية بالنشاط الاشعاعي ومتابعة عمل الاجهزة وحركتها داخل العراق وتخزين المصادر المشعة بالطرود الآمنة .. كما يجب التأكيد على ان اجهزة الفحص والكشف بالإشعاع هي من مناشئ عالمية متميزة وحديثة تنطبق عليها جميع المواصفات الدولية فيما يخص معايير السلامة والاستخدام الامن.

  

- في الحقيقة حوار شيق، نتشرف بوجودك معنا ضيفا ونكرر الترحيب بك وتقبل شكر وتقديري. ولنا حوار متجدد وللكلام بقية .

- شكرا جزيلا د.ايات يسعدني ذلك .

 

أستاذ ومجتمع: حوار مع ا. د. لاهاي عبد الحسين

lahayabdulhousanضمن محاولة لمعرفة ونشر انجازات وافكار علماء واساتذة العراق، تم اجراء اول حوار مع الاستاذة الكتورة لاهاي عبد الحسين في قسم الاجتماع- كلية الاداب- جامعة بغداد.

 

* الاسم الثلاثي والدرجة العلمية  

أ. دة. لاهاي عبد الحسين الدعمي  

 

* المؤلفات المنشورة والتي ستنشرمستقبلا.

كتابان منهجيان: 1. مقدمة في علم الأجتماع (2006)؛ 2. نصوص ومصطلحات إجتماعية باللغتين العربية والأنكليزية (2006).

كتاب المرأة والتنمية (2006) صادر عن دار الشؤون الثقافية، العراق وكتاب ملامح إجتماعية في أعمال عدد من الفلاسفة العرب المسلمين: الكندي، الفارابي، إبن باجة، إبن طفيل وإبن رشد

عدد من البحوث العلمية المنشورة في مجلات علمية محكمة مثل مجلة شؤون إجتماعية (الأمارات العربية المتحدة) ؛ مجلة إضافات (الجامعة الأمريكية، بيروت) ؛ مجلة نقد وتطوير (الكويت)، إبتداءاً من 1996 وحتى اليوم.

كتابان مترجمان: القومية والعرقية: وجهة نظر أنثروبولوجية (عالم المعرفة، الكويت، 2012)؛ تاريخ النظرية الأنثروبولوجية (منشورات ضفاف، 2013)؛

تحرير كتاب: علي الوردي: منظورات متنوعة بالأشتراك مع د. محمود عبد الواحد القيسي (2016)

وهناك أعمال أخرى في الطريق

 

* الجوائز الحاصلة عيها.

جائزة الفلبرايت للعمل كأستاذ مقيم في كلية دكنسون الأمريكية، ولاية بنسلفانيا، 2007

جائزة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في مجال العلوم الأجتماعية، 2015

 

الحوار

* كيف بدأت رحلتك مع علم الاجتماع؟

أعجبت مثل كثير من العراقيين بكتابات علي الوردي منذ سن مبكرة فكان أنْ سعيت لدراسة علم الأجتماع رغم رغبتي بالعمل الصحفي

حصلت على البكالوريوس في علم الأجتماع، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1977

حصلت على الماجستير في علم الأجتماع من جامعة ولاية يوتا الأمريكية، 1985

حصلت على الدكتوراه في علم الأجتماع من جامعة يوتا الأمريكية، 1991

 

* هل لدراستك خارج الوطن دور كبير في تنمية امكانياتك وقابلياتك؟ ام العكس كان من الممكن ان تكوني كما انت عليه الان بدون دراستك خارج البلد.

- بالتأكيد كان للدراسة بالخارج دوراً مهماً وحاسماً إبتداءً من تعلم اللغة الأنكليزية بطلاقة ومروراً بالعيش في مجتمع مختلف والدراسة في مؤسسة أكاديمية ذات مقاييس علمية عالية وراسخة.

 

* كيف تقسمي مراحل حياتك العلمية؟ واي المراحل تعديها ناضجة وناجحة؟

- مرحلة الشباب بعد التخرج من قسم علم الأجتماع، كلية الآداب، جامعة بغداد والعمل صحفية في صحيفة رئيسية يومية

مرحلة الدراسة بالولايات المتحدة في الثمانينات

مرحلة العودة والعمل في قسم علم الأجتماع، كلية الآداب، جامعة بغداد منذ عام 1992 تخللها العمل في كلية الآداب والعلوم بالمرج التابعة لجامعة قاريونس الليبية للفترة من 1998 الى

2001

كان لكل مرحلة أهميتها ومتعتها وصعوباتها.

 

* المهام المؤكلة لك كتدريسية في قسم الاجتماع.

- تدريسية ومشرفة على مستوى الدراسات الأولية والعليا في علم الأجتماع

 

* هل من حق الاستاذ الجامعي ان يرفع صوته عاليا ضد العنف والفساد والظلم؟ ام ان دوره ينحصر في التدريس والحياة الاكاديمية؟

- ليس من حقه فقط وإنّما من واجبه لأنّه يفترض أنْ يكون مهتماً بالشأن العام ومشاركاً فيه

 

* لو اعطيت زمام الامور في منهجة وتعديل الاختصاصات فأين سيكون موقع علم الاجتماع من ذلك؟

- أضع علم الأجتماع في مقدمة العلوم الأنسانية مع التأكيد على الأهتمام بدعم الدراسات الميدانية والتشديد في فرض المقاييس العلمية المهنية المتعارف عليها.

 

* ما هو رأي حضرتك بالاحتجاجات المتواصلة للتيار المدني وألية الظهور والاختفاء للتيار الصدري وجمهوره في التظاهرات الحالية؟

- أقف موقفاً حيادياً وأراقب المشهد راجية أنْ تلقى الأحتجاجات الشعبية آذاناً صاغية لأنّها تطالب بالمشروع

 

* ما مقدار التفاؤل الذي تحمليه عن مستوى الطالب الجامعي وطموحاته المستقبلية؟

- أعتقد أنّ المشكلة ليست في الطالب وإنّما بمستوى تأهيل الملاكات التدريسية والمؤسسة الأكاديمية التي يفترض أن تحافظ على مهنيتها وإستقلاليتها عن المؤسسة السياسية والدينية

 

* كيف تقضي وقت الفراغ؟ وهل انت مع التخطيط لكل شيء ؟

- أقضي وقتي بالكتابة في مشروعاتي العلمية الى جانب تأدية واجباتي العلمية الأخرى على صعيد الأشراف والتقويم الفردي والمؤسسي

 

* هل هناك شخص اثر ايجابا في مسيرتك الشخصية والعلمية؟

- (Lee L. Bean) أبي رحمه الله وأستاذي لمرحلة الدكتوراه

وزوجي الراحل السيد عبد الحميد الصافي.

 

حواروترجمة: فوزية موسى غانم

................................

 

الحوار باللغة الانكليزية

 

A Professor and Society

Written and translated by Fawziya Mousa Ghanim

 In an attempt to know and spread the accomplishments and ideas of Iraqi scientists and professors. The first dialogue has been done with Prof. Dr، Lahay Abd Al- Hussein Al- Damai

* Full Name: Dr. Lahay Abd Al- Hussein Al- Damai

 

* The published and unpublished works:

 

1- Two curriculum books Introduction to Sociology (2006)

2- Social Texts and Terms in Arabic and English language (2006)

Woman and Development (2016)

Social Characteristics in the Works of Many Arabic Islamic Philosophers : Al- Kandai، Al- Farabi، Ibin Baja، Ibin Rashid.

Some of published Scientific Researches in firmed scientific magazines as the Magazine of Social Affairs(AUE)، the Magazine of Adhafat (American University- Beirut ) ، Magazine of Criticism and Development(Kuwait) ، beginning from 1996 till now.

  Two translated books; Ethnicity and Nationalism: Anthropological Perspectives (2012)، and the History of Anthropological Theory (2013)

Editing book: Ali Al- Wardi : Various Perspectives ، sharing with Dr. Mahmoud Abdul Wahad Al- Qassyi(2016)

 

* The Awards:

The award of Fulbright as a resident professor in the College of Dickinson at Pennsylvania ، 2007.

The award of The Ministry of Higher Education and Scientific Research in the field of social sciences 2015.

 

* How did you start your journey with sociology?

 

 As most of Iraqi people I admired the works of Ali Al- Wardi since early time ،so as I chose to study sociology in spite of my wish to work in journalism field.

 Got the B.A. sociology ، College of Arts (1977)

 M.A. Sociology ، the University of Utah(1985)

Ph.D. sociology ، the University of Utah (1991)

 

 

* Did the study abroad become the source of developing your abilities and capabilities ?or you could be as you now without going abroad?

 

 Definitely، the study abroad had a crucial role ، beginning with learning English language ، lived in a different society and studied in a highly stander college.

 

* How do you divide the stage of your scientific life? and which of these is the mature and successful one?

 

- The stage of youth after the graduation from the department of sociology، college of Arts ، Baghdad university ،and worked as a journalist in a daily journal.

- The stage of study at the United State of America in the eighties.

- The stage of return to home and working at the college of Arts ، department of sociology since 1992. Each stage had its importance، pleasant and difficulties.

 

  * What are the responsibilities that you have in the department of sociology?.

 

A Teacher and supervisor  of the undergraduate students، and the students in higher education.

* Does  a professor or a teacher have the right to high his/her voice against corruption and oppression ? or she/he should concern with the academic life only?

 

  It doesn’t a right only but a duty ، because the teacher should be interested in the public affairs.

 

* If you have a chance to articulate the educational curriculum and fields of study، where will you put the sociology and why?

 

  I will put it in the beginning of the human sciences with focusing on and supporting the field studies and adapting the scientific standers .

 

* What is your opinion about the protest and demonstrations of Civil Movement and the technique of appearing and disappearing Al- Sadr Movement and his followers?

 

  I am neutral towards the scene and hoping that the popular protests can achieve their goals.

 

* What is the rate of hope that you have towards the level of student ' s university and his/her future ambitions?

 

 I think the problem isn't the student's problem ،but it is the problem of the qualification level of our teaching staffs and academic institutions. I think they should be independent from the religious and political institutions.

* How do you spend the free time ? and are you with planning for everything ?

 

  I spend my time in writing my scientific projects and my other duties in supervising and evaluating.

 

* Is there a person who has a positive effect on your personal and scientific life ?

My father mercy be upon his soul، my teacher in PhD stage Lee L. Bean، and my dead husband Abd Al- Hameed Al- Safaa.

 

الشاعرة بشرى البستاني: الفنون وسيلة لتبديد قهر الإنسان

bushra albustaniيمكنني القول أن من يجالس الدكتورة بشرى البستاني فكأنه جالسَ مكتبة، ويمكنني القول أن من يجالسها يشعر وكأنه أمام امرأة قوية، أو أمام امرأة جميلة ورقيقة، أو أمام فيلسوف محنك، أو حكيم صيني كبير.

هكذا هي كما عرفتها منذ أن كنت طالباً في الماجستير سنة 1996م. كنت أحضر مناقشات رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه التي كانت تترأسها، كنت أتابع أسئلتها. تعلمت منها الكثير.

كانت إحدى أعضاء لجنة مناقشة أطروحتي الصراع في مسرحيات عبد الرحمن الشرقاوي سنة 2003م. أثارت أسئلتها في نفسي الفضول أن أقترب من منجزها الإبداعي أكثر، اطلعت على دواوينها، كانت العناوين تثير في نفسي جدلاً وفضولاً يدفعني للولوج إلى أعماق النص.

جالست تلك الدواوين ما بعد الحزن» أنا والأسوار» زهر الحدائق» البحر يصطاد الضفاف» مكابدات الشجر فكنت أشعر وكأني أخوض في بحرٍ من الأحاسيس تارة، أو كأني أقرأ حكايةً تارة أخرى، أو كأني أمام بنية نصية عميقة تارة ثالثة، أو أمام نص عصيٍّ زلق……..، وهكذا تعددت عندي قراءتي لها في كل مرة. أثارت عندي الفضول، أردت أن أعرف هل هي امرأة قوية؟ أم امرأة رقيقة؟ أم فيلسوف؟ أم حكيم كبير؟

أعددت لها أسئلتي، لأدخل معها محنة النص ولأعرف منها مَن أنتج الآخر.

 

1ــ من هي بشرى البستاني؟

- إنسانة مهمومة بالظلم السائد في العالم، ومذبوحة بحضارة مادية اعتدت على روح الإنسان، وحرمته أبسط أمانيه في العيش الآمن، وفي توفير متطلبات حياته الأساسية ليتمكن من تحفيز أقصى طاقاته كي يحقق ما يبغي من منجزات قيمه الخيرة، وزادت بأن أهدرت دمه عبر حروب ظالمة لا نهاية لها.

 

2ــ هل أنت أنتجت الشِعرَ أم أن الشِعرَ أنتجك..؟

- أنا أنتجت الشعر بهبة ولدت معي وجهد وسهر لا يحدهما وصف لأسباب فنية نقدية لا مجال للحديث عنها هنا، أسباب يعرفها كل شاعر حق يجيد اللعب باللغة ومعها ويدرك مراميها، المبدع هو من ينتج الشعر، وسيلته الفاعلة في ذلك الموهبة واللغة المنحرفة والمنزاحة عن المعيار، تلك اللغة التي يبدعها خياله الموهوب وجهده المعرفي القادر على التحليل والتركيب والدمج من خلال تقانات عدة تعتمد الترميز بكل أنواعه، وفي إنجاز عملية الإبداع تتم معادلة تعتمد التوازن بين الطرفين حيث يكون الشاعر منتج الشعر والشعرُ منتج الشاعر من جديد لأنه سيقدمه للقارئ من خلال نصوصه وتأويلاتها، أما الذين يرون أن الفضل في عملية الإبداع للغة وحدها لأنها هي التي تشكل الكتابة وما المبدع إلا قناة تمر عبره اللغة الشعرية فتلك رؤية سلبية للدور الذي يقوم به المبدع في عملية الإبداع من كونه فضاءً تمر عبره الكتابة كما ادعى كلود ليفي شتراوس الذي عدَّ المبدع لا يمتلك الشعور بأنه يكتب، بل يمتلك شعورا بان الكتب تكتب من خلاله، وتلك هي المعضلة التي كمنت وراء إشكالية موت المؤلف، وهؤلاء يتناسون قضية مهمة هي أن الوعي والمشاعر الإنسانية وهما يشكلان الفنون ما هما إلا الإنسان المبدع ورؤاه ومكابداته، وأنه هو الذي يفعّل اللغة ويشكلها ويرقى بها ويهيمن على تقنية التناص فيها لتكون اللغة الأدبية ليس وسيلة حسب، بل هي غاية أهم وظائفها إنتاج الجمال مندمجا بالقيمة.

 

الطغاة لصوص العالم

3ــ وجدت الفارس يحتل مساحة واسعة في شعرك، من هو الفارس..؟

- الفارس يعيش تحولات شتى في القصيدة حسب قراءاتها وأفق التوقع لقرائها، فهو على الأغلب المخلص والخلاص، وهو الوطن وأخرى هو الملاذ، وثالثة هو الحبيب ورابعة هو الحلم الذي تفعله الإرادة ما بين الرغبة وبؤس الواقع، والإرادة تلك النار الأزلية التي تمتلك القدرة على تفعيل روح الطاقة الإنسانية ليتحول المأمول الغائب والمفتقد إلى واقع، وعليه فإن كل رمز من رموز الشعر لا يمكن إدراجه في خانة دلالية ثابتة، لأن الرمز بطبعه متحول ومشاغب ومشوش معا ما تعددت القراءات، وغموضه وتشويشه يمنح الشعر بعده الأعمق والأرقى، ولذلك كان حضوره في الشعر يعني الغنى والثراء ويمنح النص مستويات تفتح له على العالم والوجود نوافذ شتى وأبوابا ومسارات تتيح للقارئ البحث عن المعنى الذي هو مهمة الآداب والفنون الجوهرية.

 

4ــ متى تشعرين بالقهر..؟

- شعوري بالقهر دائم كلما أحسست بالقسر الذي يمارس ضد الإنسان في كل مكان، وكلما رأيت ذبح ووجع المستضعفين وحاجتهم وفقرهم ومرضهم وحرمانهم من التعليم والمعارف بينما وكلما رأيت عذاب الطفولة البريئة وهي تفتقد الأمان والسلام والكفاية، بينا الأرض تزخر بخيرات الله، لكن الطغاة سخروا قواهم الظالمة لسرقتها ونهب كنوزها، ولو كانت أجساد الأبرياء لهم طريقا لذلك الهدف الشرير.

 

5ــ هل بدد الشعر قهرك..؟

- نعم، الشعر والفنون كلها وسيلة مهمة من وسائل تبديد حجم لا بأس به من القهر والعذاب لدى الطرفين، الشاعرة من جهة والمتلقي الذي يتمكن من معايشة تجربة الإبداع، وقد قلت في جواب سابق لهذا الحوار، أن هناك قصائد لولا كتابتها لذبحني العذاب؛ لأنها تمكنت من تحويل النار الداخلية إلى كتل لغوية فيما أطلق عليه اليوت المعادل الموضوعي؛ ولذلك أعدُّ الفنون بأنواعها هبة من هبات السماء للإنسان كي تخفف عنه مكابدة الحياة وشقاء عصر منح الإنسانية الكثير من التقدم لكنه انتزعها أهم مقومات حياتها في الشعور بالطمأنينة والفرح والانتماء ..

 

6ــ متى تشعرين بالسعادة..؟

- كثيرا ما تقترن السعادة لدي بالانجاز، ولذلك أعدُّ نفسي محظوظة في كثير من اللحظات التي أرى فيها منجزي متحققا على المستويات كافة إنسانية وإبداعية ومعرفية، وأشعر بالسعادة حينما أحس بفرح من حولي ورضاهم، فالسعادة شعور بالرضى وإحساس بالاعتزاز وثقة بطاقة الروح على العطاء، ويقين بأن الزمن لا يجري في فراغ، ولذلك كان علينا أن نفكر بتخطيط مدروس كي نحول زمننا من زمن تقليدي يجري بانسيابية الليل والنهار إلى زمن إبداعي تملؤه الوقائع الخلاقة وإرادة الفعل.

 

7ــ ماذا يعني الأمل لديك..؟

- الأفق الحياتي أمامنا يتجلى بنوعين، أفق مغلق هو اليأس والسواد أو الرمادي في أحسن الأحوال، وأفق مفتوح هو الأمل الحركي المتوهج بإشراقه، الأمل طريق الفعل، والفعل منجَز الحياة ومنتِجُها معا، الأمل هو الغد بكل تفاصيله المشرقة، وأنا لا أتهيأ للنوم إلا ومعي حزمة من الآمال وحلم بأن الغد سيكون أفضل مهما كان الواقع شديد العتمة، فمادام الزمن يجري فإن الوقائع تتغير، وأظل بانتظار المستحيل الممكن، وبانتظار المفاجأة التي تنهض بالبعيد مؤمنة بقوله تعالى {إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا}…المعارج، 6 7

 

8ــ من هي الأنثى..؟

- الأنثى منجبة الحياة، ولذلك فهي مخلوقة قوية بهية بالغة الذكاء ونتيجة لقوتها النفسية وتماسكها الداخلي فهي مؤثرة مضحية تمتلك شجاعة مبهرة على العطاء والاحتواء، احتواء حتى من هم أكبر منها سنا من الرجال، فالأمومة لديها ليست بيولوجية فحسب، بل هي شعور أصيل نابع من طبيعتها الفطرية في القدرة على تشكيل الفرح للآخرين، وإذا كان الظلم التاريخي الذي مورس عليها قد حد من تمكين طاقاتها على التحقق فإنها بالعلم والمعرفة اليوم قادرة على تعويض ما فاتها، وسيرى الرجل أن عطاءها سيكون ثرا في الميادين كلها، وأنها مؤازرة له وليست منافسة ولا مصارعة، لأنهما معا من أروع الثنائيات الأساسية المؤتلفة في الحياة.

 

9ــ ما الذي يعنيه الحب بالنسبة لك..؟

- الحب بكل ألوانه وأشكاله وتمثلاته هو الخلاص من عزلة الروح وسجن الجسد، خلاص من الواحدية الخانقة ومن الانكفاء وذبول النفس في كون غامض كبير ومعقد، ووسط عصر يختنق بإيديولوجيات متناقضة ملأت الحياة بالضوضاء والفوضى وقتلت روح الإنسان. وهو انفتاح على الآخر في حوارية حميمة، الحب وحده علاج الاغتراب وانطواء الذات على ذاتها؛ كونها تعيش مع الآخر لحظة الحرية التي تقول فيها ما لا يمكن أن تقوله إلا لذاتها وقد صارت آخر محبوبا في نقاء وصفاء فريدين، الحب مصدر فرح وقوة واقتدار؛ لأنه أرقى مظاهر الإبداع في القدرة على مغادرة الذات والتحرر من أسر القيد والكيد، الحب إبداع؛ لأنه يرفض الاشتغال داخل معايير الجماعة ورتابة زمنها وقوانينها النفعية؛ فهو يتسم بمنطقه الخاص وقوانينه التي لا تنبع إلا من صميمه ومن تفتح الحرية الداخلية التي تمنح الإنسان كرامة روحه ليمتاز عن رتابة الجموع وعن السائد والمعتاد الزاحف نحو مصيره المحتوم في موت بلا أثر. إن الحياة بحب حتى لو كان متوهما لهي خير وأروع من حالة اللا حب السكونية؛ لأن الأولى فاعلة، منحازة ومنجزة بينما الثانية هامدة ومحايدة وتقليدية رتيبة.

 

دور الاسرة

10ــ هل شعرت بالإحباط يوما ما..؟

- لم أذكر أني شعرت بالإحباط ولا مرارة الفشل يوما، ليس لأني امرأة فولاذية كما يُقال فلا وجود لإنسان فولاذي ما دامت المشاعر هي المحرك لجوانب متعددة من حياته، بل لأني أدرك أن الحياة سلسلة من التجارب وعلينا أن نعي وعيا علميا وإيجابيا أنه من غير الممكن أن تكون كل التجارب ناجحة وملهمة وكما نريد وإلا كنا آلهة وليس بشرا، ولما كنا بشرا واعين فعلينا أن نفيد جيدا من التجارب التي لم تستطع أن تدرك التوفيق المطلوب، كما علينا ألا نضع كل المسؤولية في غياب نجاح ما على الآخرين مبرئين أنفسنا، لأن هذه الحالة فيها نوع من الهروب وابتعاد عن تأمل التجربة الدقيق والفاحص وتغييب لدرس التجربة وأسباب سلبيتها البالغة الأهمية في العمل على معالجتها ومقاومة أسبابها من أجل العبور للنجاح .

 

11ــ ما هي الخصال التي تحبين أن تجديها في الصديق؟

- وعي القيم وأهميتها في ترصين الحياة هو أهم الخصال التي لو توفرت بالإنسان لكفته فضيلة وصدقا وحبا ووفاء، القيم هي الصفات التي تحمل مزاياها بذاتها وليس بالمصالح والذرائع التي تنجم عنها، ولذلك كان الإيمان بها جديرا باحتواء رصانة العلاقات الإنسانية كلها..

 

12ــ من ترك في حياتك بصمته اجتماعية، ثقافية، عاطفية….؟

- لعل من الغبن للكل أن نعزو بصمة حياتنا لجزء واحد منفرد من الحياة بكل موروثها وعطاءاتها وتجاربها، فنحن نولد وحولنا كون كبير أوله الأسرة ودورها التأسيسي المهم، فالمدرسة، فالكتب والمجتمع والعالم، كون يحيط بنا ويضخ إلينا ويعلمنا بوسائل مباشرة وغير مباشرة معارف وتجارب شتى تترك فينا آثارها من الطفولة المبكرة حتى الموت. أما الحدث الأكبر الذي أعده أداة تشويه في حياتي وحياة شعبي وأمتي وحياة الإنسانية جمعاء فقد كان الحرب، الحرب هي الإكراه، إكراه من أمامك على اعتناق رؤيتك قسرا وقهرا وهي تنشب حين يفشل الحوار الذي يُديره العقل والفكر، والذي أعدّه ماء الحياة وضرورتها الإنسانية، الحرب كارثة الإنسانية الكبرى وقاهرة أحلامها. الحرب قاتلة الأبرياء ومروعة الطفولة وذابحة الجمال، الحرب هادمة البنيان والمدن ومخربة الطبيعة المعطاء ونافثة السم في الماء الزلال، ولن يكون للإنسان حياة محترمة إلا بزوال هذا الشبح الهدام ليكون احترام الحياة حقيقة تُعاش وليس كلاما سُلعيا يُقال كسبا للمواقف الذرائعية العابرة .

 

هاجس الموت

13ــ الكل يبحث عن الصدق ولكنهم في تعاملهم لا يصدقون، فهل هذه العبارة صحيحة..؟

- لا يمكن الحكم على القيمة بهذا الشكل العمومي، الأدق باعتقادي ألا ترتبط القيم بالمصالح الشخصية لأنها حال ارتباطها بالذريعة ستكون نسبية، وسيقيسها كلٌّ على مقاسه وحسب ما يجنيه من فوائد، القيم الأصيلة كما أسلفت في جواب سابق هي الناهضة بذاتها فالصدق قيمة بذاته حتى لو تعارض ومصلحتي، قد يبدو هذا الكلام مثاليا في مجتمع المصلحة ولكنه حقيقي في مقياس القيم السامية، وحينها سترتبط القيم بالجمال، بل بأسمى قيم الجمال لما فيها من رقي وسمو ورفعة وحب للإنسان والبناء والعمل من أجل حياة أفضل .

 

14ــ أينما نصل في التعلم، فإننا لا نشعر بتحقيق ذاتنا..؟

- الإنسان مفطور على القصور من أجل أن يبقى ساعيا نحو الاكتمال. فتحقيق الذات لا يكون دفعة واحدة ولن يكون كاملا أبدا وهذه سنة الحياة، وهي سنة التطور القائم على نمو الشخصية الإنسانية بالمعارف والتجارب والأحداث والوقائع على مر الزمن، والناجح الحقيقي هو وحده الذي يجد نفسه بحاجة للمعرفة كلما نهل منها أكثر، لأن الوعي يظل في جدل دائم مع المعارف يتسع بها مدركا سعة مداها، ولذلك يسعى للمزيد لعله يصل مبتغاه، والإنسان عالمٌ ما طلب العلم فإن ظن أنه علم فقد جهل؛ ولذلك كان حديث الرسول الكريم منسجما والتكليف الذي أنيط به بنو آدم في الاستخلاف على الأرض حين فتح فضاء العلم من المهد إلى اللحد ليظل الإنسان مواكبا لضرورة تطور الحياة، وكلما أدرك العالِمُ عظمة الكون وغموضه وما يحيط به من أسرار وعجائب في الخلق ازداد طلبا للعلم من أجل الكشف . ألّا نشعر بتحقيق ذواتنا يعني أننا واعون بأهمية الاستمرار في طريق المعرفة، وأننا سائرون في طريق التطور الدائم، لأننا سنتوقف حين نشعر بالرضى عن معارفنا، وذلك هو الخطر والعقم بعينه.

 

15ــ كيف تتعاملين مع آخر لديه شعور بالنقص مفروض عليك..؟

- نحن جميعا نقابل في مشوار الحياة ألوانا شتى من الأمزجة، وأناسا مختلفي الطبائع والمشاعر والفضائل والعيوب، والقاعدة النبيلة أن يتسع القلب الكبير لكل من يرى وما يرى وان يتسع العالِم للجاهل والقوي للضعيف والمتماسك شخصيةً لغير المتماسك، ولكل مقام مقال، المهم أن نكون واعين لأهمية تبادل الأدوار في الحياة، وأن نسارع للنهوض ببعضنا من حالات الضعف الإنساني الذي فُطرنا عليه، لا بل علينا احترام هذا الضعف ما دام مقدرا على البشرية وخلق الإنسان ضعيفا.. النساء، 28 وهذا الضعف لا يتركز في جانب معين، بل قد يبدو لدى كل إنسان في جانب أو جوانب مختلفة عما هو لدى الآخرين، فهو شعور بالنقص مرة، وانكفاء أخرى، وتضخم بالذات ثالثة، واغتراب رابعة وأنواع من الاكتئاب والمكابدات مرات.

 

16ــ قرأت في موقعك مقولة الشعر أولا وأولا وأولا، فأين يكمن الشعر في عملك الأكاديمي..؟

- الشعرية انزياح عن التقليد وخروج على المألوف والاعتيادي، وشعرية الأكاديمية لا تكون إلا كذلك، إنها الحركية الفاعلة التي تنتج طلبة يتساءلون وباحثين جيدين وبحوثا مبدعة، والتي تعتمد الحوارية لا التلقين والاستسلام، ولاسيما في التعامل مع التراث من جهة ومع الفكر والمناهج والنظريات الوافدة من الغرب من جهة أخرى. 17ــ لو قدر لك وتقلدت مقاليد الأمور في العراق فما هي أولويات عملك.؟

مع أني مؤمنة بأن الشرط هنا غير عامل، وأن لو هي حرف امتناع لامتناع، إلا أنه لو حصل مثل هذا الأمر المستحيل لقمت بالعمل الوحيد الذي سيحتوي كل ما سواه من خير وبناء، وهو تشريع قانون لمحو الحقد والكراهية والعمل على درء العداوات ومنع رصد الأخطاء والحث على إزاحة الشرور بكل أنواعها لإحلال الحب والتسامح وروح الإخاء والمودة ونثر الورد في الحياة والانتماء للعراق الجميل وطنا وشعبا بدل الانتماءات الطائفية والعرقية الضيقة فالمجتمعات المتقدمة هي تلك التي تقودها الكفاءات المخلصة والأمينة والخبرات الجادة وليس المحاصصات المشينة والمنهمكة بنهب وسرقة وتوزيع ثروات وطنها غنائم يندى لها الجبين، فالسياسة علم وفن واحتواء وقدرة على خلق الانسجامات ودعوة للتكيف، وفن في مغادرة الإكراهات وحل الأزمة بالأزمة، لأن معالجة الأزمة بالأزمة سيعمل على خلق أزمات جديدة، لكن ابتكار حلول الأزمة بروح التأني والمحبة والحرص على حياة الجميع سيخلق مجتمعا نبيلا مهيئا للبناء وتوفير الأمن والاستقرار وروح العدل والحرص على حقوق الإنسان.

 

18ــ هناك مقولة مفادها من منا ينام ولا يروي لنفسه حكاية. فما هي حكاياتك قبل النوم.؟

- لا حكاية لي قبل النوم غير الصفاء والدعاء والنجوى والاستعداد لرحلة مجهولة قد أنهض منها صباحا وقد لا يأتي الصباح، أما الحكايا الجادة فقد أنجزتها جميعا خلال نهار مثابر بالعمل والمتابعة.

 

19ــ هل داهمك هاجس الموت مرة؟

- هذا هو سؤال الأسئلة، نعم، فكرة الموت معي منذ طفولتي المبكرة وحتى يحين موعده، الموت معي دوما وأنا في عزّ صحتي ونشاطي وفاعليتي المعرفية والإبداعية والحمد لله، الموت كامن وراء قراءتي وكتابتي ومحاضرتي وحلي وترحالي، ولذلك تجدني رهينة البيت أسابق عملي حتى لا أترك لأفراد أسرتي عبء إكمال عمل لم أنجزه، وهذا الشعور بمداهمة الموت لا يزعجني، بل يحفزني على التواصل مع الحياة أكثر وأكثر، لكن الموت يرعبني من طرف آخر هو خوفي من الموت على من أحب، وتلك إشكالية لم أستطع تجاوزها بالرغم من مشوار الوعي والإيمان والمعرفة والخبرة، فالغياب وعذاباته واحد من أهم المعضلات التي أعيشها بأرقٍ ومعاناة ولعل لذلك أسبابا ومسببات

 

حاورها أحمد قتيبه يونس - الموصل

 

بوح هادر مع أفرو

afrouprazyأفرو برازي، أديبة كردستانية معرفية، عضوة في تجمع الحب وجود والوجود معرفة، ولدت في مدينة المقاومة كوباني، غرب كردستان (سوريا)  15 نوفمبر 1990، درست الأدب العربي لكن لم تتمكن من إكمال دراستها بسبب ظروف الحرب واللجوء، وهنا توجز ذاتها في سطور قائلة :(قادمة من بيئة كردية محافظة نوعاً ما، أؤمن بمقولة ماركيز : " إنّ البشر لا يولدون دوماً يوم تلدهم أمهاتهم، وإنّما تجبرهم الحياة على ولادة أنفسهم بأنفسهم ثانيةً، ولمرّاتٍ عديدة " ولذا ولدتني أمي مرة وولدتني الحياة مرة ثم استلمتُ دفّة إنجابي بيدي فبدأتُ بولادة نفسي كما أريد  وبمخاضٍ أكثر من عسير عكس المجتمع الذي أنسب إليه تماماً)

نشرت بعض قصائدها ومقالاتها في مواقع الكترونية وصحف دورية محلية، وفي تاريخ 17- آذار - 2016 كان لنا معها هذا الحوار :

*الأديبة المعرفية أفرو برازي نرحب بك في حوارنا هذا معك، ونود أن نتحيز الوقت لحوار هادئ وعميق،

ونبدأ  من هذا السؤال:

1- ما جدوى الكتابة ولمن نكتب؟، أهي كما قالت مستغانمي ، وسيلة لدفن من نود دفنهم وذلك بالكتابة عنهم، أم أن لها وظيفة تتجاوز الرغبة بمجرد أن تكون تنفيساً عن خيبات وأوجاع؟؟

- في الواقع مصطلح (ما جدوى) لم يرقني كثيراً، إذ أنّها ربّما توحي بتصغير الكلمة التي تليها، والتي هي (الكتابة) . حقيقةً ،أنا ممّن يمتلكون عادةً أكثر من إجابة لسؤالٍ واحد، وهذا إنّما ينجم عن انطلاقي في الأمور من مبدأ النّظر إليها قدر المستطاع من زوايا متعددة بغية الوصول للحقائق المعتّقة، تلك الأكثر قرباً من الأصح . قد يوحي التضارب أحياناً في الإجابات إلى التناقض في شخصيّة المتكلّم، إلّا أنّ هذا التضارب ما هو إلّا خادم مقصود لفكرة " الضد لا يظهر جماله إلّا الضد "، فللشرّ عندي مثلاً جماليّة حين يكون الخير مزيّفاً، بينما يتهافت الأغلبية للتصفيق للخير دون المحاولة للنظر إليه من زاويةٍ أخرى، ولأدمج ماسبق مع سؤالك : لمن نكتب؟ فإنّي بدوري أسألني أيضاً (لمن نكتب، ولمَ نكتب)؟ كما تفضّلت حضرتك في أنّ مستغانمي وصفت الكتابة بوسيلة لدفن من نودّ دفنهم بالكتابة عنهم، فإنّ حادثةً لبرناردشو استفزّتني هنا حيث أنّ أحد الكتّاب المغرورين قال له : أنا أفضل منك، فإنّك تكتب بحثاً عن المال وأنا أكتب بحثاً عن الشرف، فردّ برناردشو فوراً : صدقت، كل منا يبحث عما ينقصه . من هنا نطلّ على السؤال من زاويتين عبر إجابتين . لنقل أنّ أحلام كتبت عن مقارباتها الأدبيّة حيث لكل منّا مقارباته الذاتية ورؤية مختلفة من شخص لآخر، ما أودّ الوصول إليه أن هنالك فارق معرفي وزمني بين جيلٍ وآخر، وكلٌّ يمتاز بإسلوبٍ خاص . في الكتابة باب الأسباب (لمَ نكتب) والأشخاص والأشياء (لمن نكتب) مفتوحٌ على مصراعيه على كافة الاحتمالات، نكتب خيبةً، نكتب وجعاً، فرحاً، تنفيساً، بحثاً عن نقصٍ ما، إصلاحاً، دق مسمار في عرش شيءٍ ما، دفن شيء ربما، ولادة شيء، لكن دعونا لا نغفل عن أهم ما نكتب لأجله، إذ بدونه تغدو الأوراق عقيمة، ميّتة، وهو أنّ هنالك من يريد أن يقرأ، من يريد أن يسافر في كتاب أو قصيدة، من يريد أن يعرف، من يريد أن يتعلّم، من يريد أن يحسّ بوجوده، الكتابة وجود من نوعٍ آخر .

 

2- الزواج كمؤسسة اجتماعية لها جذورها التاريخية التي تشرعن الملكية بعقد بموجبه يتم العيش، كيف يتأقلم ذلك مع نفسية الزوج المبدع، أو الزوجة المبدعة، هل ستكون مخيرة بين رعاية تلك المؤسسة ونسيان الأدب ومخلفاته من عصيان وخروج عن المألوف، لعل الزواج يكون أحد المألوف المقدس، كيف يمكن التوفيق إن صح التعبير بين مؤسسة اجتماعية وأدب يحاول أن ينوب عن كل حالة مترسخة بحكم التقاليد والأعراف؟، وأي الخيار تختارين إن وجدت المؤسسة الزوجية  تقف عائقاً أمام أفكارك الخارجة عنها؟

2- الجواب على سؤالٍ كهذا لربّما يشطرني إلى نصفين، نصف يتحدث عمّا أراه أنا، ونصف يتحدث عمّا عليّ أن أكون عليه نسبةً للمعايير الأخلاقيّة التي سنّها المجتمع . أنا أتفق مع شكسبير حين قال : " أصعب معركة في حياتك عندما يدفعك الناس إلى أن تكون شخصاً آخر " . للأسف دوماً يُلبِسنا المجتمع ثوباً ليس على قياس ما نحن عليه بالفعل، أنا لن أقول أنّ الزواج مؤسسة اجتماعيّة فاشلة، إنّما الزواج في المجتمع الشرقي هو المؤسسة الفاشلة نظراً لأساس تلك المؤسسة . لن أدخل في إطار مناقشة الزواج بكليّته ترفّعاً عن الخلاف الأزلي الكاذب المدسوس بين آدم وحواء، ما يخصّني هنا هو الأديب والأديبة المتزوجين . واحدٌ من أهمّ عناصر الكتابة هو حريّة التعبير، أنا أرى أنّه في حال وجود شريك في حياة الكاتب أو الكاتبة فإنّ عليه أن يتمتّع بحسّ التقبّل والوعي بمدارك الكتابة والحالة الخاصة لروح الكاتب/ة، على سبيل المثال نرى الأديبة المتزوجة إمّا نادرة الكتابة عن الحبّ أو متّهمة إن كتبت عنه، ناهيك عمّا يلقيه المجتمع من قوانين صارمة غير قابلة للنقاش . واقعنا ليس مثاليّاً وليس عادلاً ولذا ليس بمقدورنا إضفاء جرعات من الألوان البرّاقة لنخفي الحقيقة المخيّبة، وجه مجتمعنا قبيح وفريق من أطباء الفكر لا يقوى على تجميله . كثيراً ما أواجه الأسئلة عمّا إن كنت متزوجة أم لا وإجابتي تأتي دوماً بقولي : الزواج هو المصيبة الوحيدة التي تمكنت من النجاة منها من جملة المصائب الأخرى التي لحقت ولاتزال تلحق بي في هذا المجتمع، مجرّد التفكير في الاختيار ما بين الفكر والمؤسسة الاجتماعية المتمثلة بالزواج محال، لو كنت سأختار لكنت متزوجة منذ سنوات، لقد جسّدت هذه الحالة بتجربة واقعيّة وذلك بوقوفي في وجه بيت عمي ما يفوق الثلاث سنوات، حيث كنت أعاني من تلك الحالة المترسخة في مجتمعي والمتمثلة بتمنّع ابن العم لابنة عمّه، وصلت لأعلى حالات المعاناة، سمعت الكثير من الكلام، لم أستسلم لحظة، وما أدراكم ماذا يعني هذا ضمن أوساط المجتمع. إن حدث وقررت الزواج فإنّي سأبحث عن عريس في المصح العقلي ربّما، وحدهم المجانين تمكنوا من غسل أوساخ العرف والتقليد والعادة، رجلٌ يقف عائقاً في وجه أفكاري سأركله كائناً من كان ومهما كان ثمن ذلك . وأركّز مرّة أخرى على خروجي عن أي عادة أو عرف لكن فيما يتعلّق بالأخلاق فإنّي ملتزمة بها .

 

3- ما الرجل في فكر أفرو برازي، أهو الهرم الذي في الخيال يسكن حيث ذلك البرج الذي لم يرتقي لصعوده أحد بعد، أم إنه ذلك الإرث المتراكم من ويلات الشهقات المتعبة، حديث الشجون والعتاب في نظرك؟

- قبل الآن ذكرتُ مرّة بأنّني أتمنّى أن تنجب النساء سلالة جديدة من الرجال، رجالاً على شكل عطفٍ وحنان (أباً كان أم أخاً، حبيباً أو ابناً) فقد جفّت تربتنا، وقد يظهر رجلٌ يقول لي : وأنا أتمنّى أن يتمّ إنجاب سلالة جديدة من النساء (حسب ما يعتقد أنّه يحتاجه)، هذا يعني أنّنا بالفعل بحاجة لتحسين طبيعة الرجل والمرأة على حدٍّ سواء . في الحقيقة أرى المرأة امتداداً للرجل والرجل امتداداً للمرأة، وأنكر تماماً قصة الخلق التي لم تعمل سوى على بثّ الخلاف ما بين الجنسين منذ الأزل وإلى الآن . ليس لي أيّ مشكلة مع الرجل، مشكلتي مع المجتمع، هذا الأمر يضعنا جميعاً تحت المجهر ويحمل المرأة والرجل معاً مسؤوليّة تحسين المجتمع . الرجل قصيدة لربّما مؤلمة أو مفرحة كما أنا، الرجل رواية كما أنا، حياة كما أنا، الرجل أنا، لكن هذا الرجل الذي أتحدث عنه هو ذاك الذي استطاع غسل نفسه من أساطير المجتمع المقيتة .

 

4- في لغتك إسهاب قصصي جميل، مع شاعرية واضحة، ماالرواية التي تستحق أن يُكتب عنها برأيك في هذا الزمن، ماذا تحتاج المرأة الأديبة للكتابة عنه برأيك حسب عالمها الشرقي، وأضف إلى ذلك إحساس المرأة في زمن الحرب والمنفى؟

- ليس لي صلةٌ مع الفرح ولذا إن قلت بأنّنا في زمنٍ يعجّ بالمعاناة والفوضى نحتاج أن نكتب عن الفرح فإنّي لن أكون صادقةً معك . هنا تتُرك الإجابة لمن يُكتَب لهم، للقرّاء، في زمنٍ أُهينت فيه الإنسانيّة هل يحتاجون لمسكنّات فكرّية، كأن يقرؤوا رواية أو قصيدة ملأى بالفرح، بالخيال، بالأساطير، أم أنّ القارئ يحتاج لتعتيق آلامه في كتاب؟ أيبحث عن الغرابة؟ أيسعى خلف جماليّات اللغة وزركشتها بعيداً عن الموضوع؟ أيفتقر للحبّ فيلاحقه بين دفتي كلام؟ أما ما تحتاجه المرأة الأديبة للكتابة عنه حسب عالمها الشرقي فإنّ الحاجة أرجعها لما ذكرته في بداية جوابي وتركيزي سأوجهه لمصطلح (عالمها الشرقي)، هنا لي كلمة فاصلة غير قابلة للنقاش، وهي أنها إن لم ترمِ بكامل كيانها على الورق فلتهجره، ليس هنالك من داعٍ لإهانة الفكر، فلتكسر قبل كل شيء مصطلح (العالم الشرقي)، نحن لا نبحث عن تقدير المجتمع ولسنا بحاجة لأوسمةٍ منه، نحن نعرّي الحالات الإنسانية كما هو الإنسان . أما فيما يتعلق بإحساس المرأة في زمن الحرب والمنفى فالمعاناة تحصيل حاصل للإنسان عموماً وللمرأة خصوصاً، مرّة أخرى أجرّم المجتمع والدين، أليس هم السبب بتشريعاتهم التافهة للحادثة المتمثلة ببيع نسائنا في أسواق النخاسة في القرن الواحد والعشرين؟ في المقابل نرى أخريات يقاتلنَ بشراسة في ميادين القتال، ولا أخفي عليكم كوني أعايش المجتمع بعمق بأنّه يرقص في حلقات الدبكة احتفاءاً بالانتصارات ويصرخ في المنابر في رثاء شهيدة، لكن لدهاليز المجتمع الحقيقية كلمةٌ أخرى، هنالك آلاف التهم الأخلاقيّة الملفّقة الجاهزة بانتظار المرأة التي تقرر ترك السلاح لترجع وتعيش مدنيّة، هنالك الكثير من يعتبر الالتحاق بساحات القتال عيباً، لازال تفكيرهم في العمق محصوراً بين فخذي المرأة والناموس انحصر هناك . هنالك أخريات عشنَ اللجوء بكلّ ذلّه، وأخريات حصلنَ على حياة لم تكن لتتوفر لهنّ في أوطانهن وهذه الشريحة هي أغلبية من استطعن الوصول للقارة العجوز، قلت لك منذ البداية، هنالك زوايا عديدة نستطيع رؤية الأمور منها

 

5- أنت كردستانية وتكتبين بلغة عربية، برأيك هل للكتابة بغير الكردية منعكسات سلبية تجاه إمكانية بروز أدب كردي وبلغة كردية، ما سبب عزوف غالبية الأدباء والأديبات الكرد عن اللغة الكردية، بخاصة وأننا نشهد في الأفق السياسي بروزاً واضحاً لتحقق الكينونة الكردستانية، ماذا يقع على عاتق الأديب والمرأة الأديبة بوجه خاص، كونها حاملة راية المقاومة، وملهمة لكل جديد على كل صعيد؟

- نحن نعلم أنّ الترجمة خيانة، لكن أحياناً للخيانة جماليّة خاصة وشهيّة، فليخونوا إذاً وليترجموا أدبنا المكتوب بالعربيّة إلى الكرديّة . ما دمنا في نهاية المطاف نكتب أدباً كردياً لكن الفرق أنّ الحرف الذي نكتب به كرديتنا عربي . لربّما الظروف التي عشناها من الحرمان من مرجعٍ ندرس منه اللغة الكرديّة لها الدور الأكبر في هذا الموضوع، ولا شك أنّ في داخل كلّ منا جمرة حسرة تتّقد على الدوام في الصدور تجاه أدبنا الكردي، وليس هنالك إلى الآن ملامح للرواية الكرديّة مثلاً . أقرّ أنّي حين أقرأ نصّاً عربيّاً لكاتبٍ/ة كرديّ/ ة أحسّ بنقصٍ ما ولو كان الموضوع كرديّاً بحتاً، هنالك أشياء لا يسعنا التغيير فيها تماماً كما هو ممنوع تحريف آيةٍ من كتابٍ مقدس . في الآونة الأخيرة شهدنا نشاطاً في اللغة الكرديّة مما يعني أن أملاً ما يلوح في أفق الأدب الكرديّ المكتوب بالكرديّة . الجيل الجديد متعطش للغته الأم خصوصاً بعد التحولات السياسية التي نشهدها الآن والتي توحي بتفتق برعم اللغة الكردية سواء رجلاً كان أم امرأة

 

6- ممن تأثرت أكثر من أدباء وأديبات عصرنا الحديث، وهل سنرى لك قريبا بروزاً أكثر منهجية في أحد حقول الأجناس الأدبية؟

- إنّ الرواية الحديثة بشكلٍ عام مغرية وذلك لامتيازها باللغة الشعريّة، لربّما يصحّ أكثر إن سألتني من أحببت أكثر وليس بمن تأثرت، ويسعني القول أنّي منذ الصغر أغرمت بماركيز كما أحببت ما كتبه جبران خليل جبران، أما في أدبنا الكردي فالرواية الكرديّة هي أنا هي أنت هي هو هي هم وهن، وتلك الرواية استلم رايتها الروائي الجميل العبقري جان باپير والروائي المبدع چان دوست . إن كنت سأبرز في أحد حقول الأجناس الأدبيّة فإنّي أراني في الرواية، لقد أوشكت لإصدار ديوانٍ شعري غير أنّي أجلته لأبرز أولاً في الرواية والتي بدأت بها فعلياً .

 

7- للألم مكانة بارزة في لونك الأدبي، ماسر الألم، أكامن في الحب، أم في أطوار الطفولة الأولى حيث التشبث بالحلم أمام واقع قاس في رحلة مكتظة بالوجع، .؟

- من أين تريد أن أبدأ بزفّ عرائس الألم لك؟ من وطنٍ لم أتمكن سوى من ضمّ شواهد قبوره؟ من واقعٍ لا يتقن سوى الطعن؟ من طفولةٍ لم تَنَم سوى في أحضان الشقاء؟ من رحلةٍ لم تعرف شقّ طريقها سوى في الحرمان؟ أم من حبٍّ أسأنا إليه لأنّنا كنّا عبيداً؟ حيث الحب لا ينمو سوى في تربة الحريّة، ومآسي عشاقنا الكرد أشهر من النار على العلم كما مم وزين، كما خجه وسيابند، كما فرها وشيرين أو كما أنا ورجلٍ آخر ! لن أجيب عن سؤالك هذا سوى بأسئلة كبرى، كل منها يصرخ بألف جوابٍ وجواب .

 

8- تجمع الحب وجود والوجود معرفة كتجربة افتراضية ضمن مناخ تسوده قيم استهلاكية تحاول أن تذهب منحى التشظي والتسطح باتجاه السخف، ما تقييمك لوجوده، ودوره في إنعاش المناخ الفكري والأدبي والفني عموماً؟

- للأسف، دوماً منابر الفكر هي الأقل جمهوراً، ربّما لعدم ارتدائها فساتين النفاق والكذب التي يسير خلفها الناس عندنا، حيث التأييد الأكبر لمنابر التحزّبات والشيوخ تلك التي لم تفضِ سوى للهلاك . تجمع الحب وجود والوجود معرفة ممن يحملون راية المعرفة مسؤوليةً على عاتقهم، أتمنّى أن يتم التفاعل معها أكثر ولنتعلم قليلاً التوجه نحو منابر الحقائق أو لنجرب مجرد تجربة .

 

- أفرو برازي، الأديبة المعرفية الكردستانية، سعدنا بالحوار معك، وصلنا للختام، كلمة أخيرة تودين قولها؟

- لا أحبّ الخطابات والكلمات الأولى والأخيرة، كلّ ما أستطيع قوله أنّني سافرت في رحلةٍ ممتعة ومفيدة وغير خالية من استفزاز مكامن الألم والمعاناة في شخصي..

 

أعد الحوار: ريبر هبون

 

المثقف تحاور من بغداد بان طالب الحبوبي اختصاص فسلجه تناسل

ayat habaاهلا وسهلا بالتدريسية بان طالب الحبوبي تدريسية في قسم علوم الحياة / كلية العلوم - الجامعة المستنصرية - بغداد، مواليد ١٥/ ١١/ ١٩٦٤، بكالوريوس زراعة ثروة حيوانية - جامعة بغداد ١٩٨٦ وماجستير فسلجه تناسل لعام ١٩٩٦. اول تعيين لها كان في مجلس البحث العلمي – مركز البحوث الزراعية عام ١٩٨٦ ومنذ تاريخ 1 / ١٢/ ١٩٨٦ ولغاية ١/ ١٢/ ١٩٨٧التحقت بدورة التمريض الالزامية في مدينة الطب اثناء هجوم الفاو آنذاك، وقامت من 2 / ١٢/ ١٩٨٧ ولغاية ١/ ١٢/ ١٩٨٩ بخدمة مجلس البحث العلمي وبعدها حُلَ مجلس البحث العلمي والتحقت بوزارة المالية ضمن شركة التامين الوطنية . باشرت العمل كتدريسية في كلية الزراعة – جامعة بغداد في 1993 وفي 1998 انضمت في الجامعة المستنصرية كعضو تدريسي ضمن الهيئة التدريسية الخاصة بعلوم الحياة ولحد الان . شاركت بالعديد من المؤتمرات والندوات وكذلك اقامات العديد من الندوات كمحاضر ولديها الكثير من البحوث المنشورة عالميا ومحليا.

 

اهلا بك مرة ثانية، شاكرين تعاونك معنا بنشر الوعي والثقافة العلمية، بعد تواصل المثقف واطلاعه على اطروحتك لنيل شهادة الماجستير والتي باتت غاية بالأهمية وتبلور فكرة حالات الاجهاض واسبابها وعلاقتها بنوى التمر . ممكن توضيح على ذلك .

بان طالب الحبوبي: اهلا وسهلا بالمثقف واهلا بك د. آيات حبه سعيدة بكم جدا، بخصوص دراستي لنيل شهادة الماجستير تبلورت باستخلاص المركبات الستيرويدية الاستروجينية من نوى التمر، حيث يعتبر نوى التمر waste products لصناعة التمور في العراق ويعتمد عليه المزارعين في تغذية حيواناتهم ولوحظ اجهاض النعاج الحوامل عند تغذيتهم على عليقة نوى التمر وهذه الملاحظة هي السبب في هذه الدراسة . وكانت دراستي متممة لدراسة مشرفتي سنة ١٩٧٨ التي لاحظت فشل الحمل للنعاج التي تم تغذيتها على نوى التمر الا انها لم تحدد مصدر الإجهاض اعتبرته Unknown factor الا اني قمت باستخلاص الستيرويدات الاستروجينية من نوى التمر وبعدها اختبرته مختبريا وحقليا وأكدت النتائج وجود الاسترون الذي هو شكل من اشكال الاستروجين في نوى التمر .

 

-   ماهي طريقه عمل التي تخللت البحث العلمي وما مراحل المتضمنة على ذلك الجهد العلمي؟

-   تتلخص مراحل العمل كما يلي: تضمنت الخطة البحثية عدد من المراحل ابتداءا من جمع نوى تمر الزهدي لأنه الأرخص والذي يعتمد في صناعة التمور في العراق وتم غسله وتجفيفه جيدا وطحنه في مطاحن متخصصة لقساوته . بعدها تم استخلاص الستيرويد من نوى التمر المطحون باستخدام طرق متخصصة ومعقدة بالاستخلاص تتلخص باختصار بصوبنة الدهون القابلة للصوبنة والدهون الغير متصوبنة هي الستيرويدات وبالتالي تنقيتها باستخدام المذيبات العضوية واختبر المستخلص بطريقة thin layer chromatography. تم اختبار المستخلص مختبريا على فئران مختبرية ولوحظ زيادة وزن الرحم للحيوانات المعاملة مقارنة بالكونترول وبعدها اختبر المستخلص حقليا على النعاج وكانت النتيجة زيادة وزن الرحم للنعاج المعاملة مقارنة بالكونترول .

 

-   هل من تأثيرات تسبب في تذبذب مستوى هرمون الاستروجين في حالات الاجهاض؟

-   علميا هورمون الاستروجين هو الهرمون المسؤول عن إظهار الصفات الأنثوية وهو المسؤول عن الرغبة الجنسية لدى إناث اللبائن اما الهرمون المسؤول عن الحمل وديمومته هو هرمون البروجسترون وارتفاع مستوى الاستروجين على حساب البروجسترون يؤدي الى فشل الحمل وهذا ما يحصل عند تناول النعاج الحوامل لنوى التمر الغني بالاستروجين .

 

- ماهي توصيات التي يمكن العمل بها والتي توصين بها مستقبلا لطلاب البحث العلمي؟

- أوصي باستمرار اجراء الدراسات والبحوث في هذا المجال لأهمية هذا الهرمون في العلاجات واستخدامه كأحد مصادر منع الحمل لدى النساء .

 

-   هل هناك مصادر حيوانية او نباتية اخرى لها علاقة وتأثيرات دوائية في تنظيم مستوى الهرمونات في جسم المراءة؟

-   بالتأكيد هناك مصادر نباتية وحيوانية كثيرة لها علاقة بالتأثير على العديد من الفعاليات الحيوية في جسم المراءة خاصة والإنسان بصورة عامة واكدت الدراسات هذا الكلام من خلال استخدام المستخلصات النباتية كعلاجات بديلة

 

-   في نهاية حوارنا الصحفي العلمي اشكر الاستاذة بان الحبوبي التي خرجت الكثير من طلاب علوم الحياة وغرزت بهم روح التعاون وحب العمل العلمي والنشاط وحيوية الابداع وبشهادة طلابها على مر سنوات السابقة. متمنين لها دوام الصحة والعافية والتألق العلمي

-   شكرا جزيلا لك د.ايات والف شكر للمثقف نيوز .