حوارات عامة

اللغة العربية من منظار الواقع السياسي - الاجتماعي

nabe  odaلا اتعامل مع اللغة من منظار لغوي بل من منظار فكري وسياسي من رؤيتي ان مسالة اللغة، او التجديد والتقليد في اللغة، وكل ما يتعلق بإنجاز تطوير اللغة العربية وجعلها لغة معاصرة، يرتبط بشكل نسبي كبير (ولا اريد ان اقول بشكل مطلق، رغم ان هذا أقرب للحقيقة) بالواقع السياسي والاجتماعي والتعليمي والعلمي السائد في المجتمعات العربية.

بكلمات واضحة، اللغة لن تحظى باهتمام اجتماعي، ثقافي وعلمي واسع وحاسم، في ظل واقع لا تشارك فيه المجتمعات العربية بالنهضة الحضارية للمجتمعات البشرية، بل تكاد تبدو مجتمعات على هامش التاريخ!!

***

واجهت مرات عديدة عاصفة من التعليقات تتهمني بالاستهتار باللغة العربية وقواعدها ونحوها، وان العربية لغة في منتهى الكمال، لغة الجنة ولغة القرآن، قداستها من قداسته، وهي اللغة التي انزلها الله لأفضل عباده. بالطبع لا علاقة بما يسمى قداسة وايمان غيبي يردده حتى الأميين حول قداسة اللغة وهم بالكاد يفقهون اللغة الفصحى البسيطة التي تستعمل في وسائل الاعلام. لا بد من طرح فكري جديد ينقذ اللغة من الجمود والتحجر ورؤية متنورة حول اهمية ملاءمة اللغة للمناخ الثقافي السائد، وعدم فهم هذه الدعوة كمشاركة في "المؤامرة الاستعمارية - الصهيونية" على العرب، وهي الصيغة التي تستعمل أيضا في الساحة السياسية العربية، بجعل هذين التوأمين المكررين ببغاويا (الاستعمار والصهيونية) غطاء للفساد العربي، لماذا نحافظ على تخلفنا ؟ لأننا نقاوم "الاستعمار والصهيونية"(!!) كأن المقاومة تعني تجميد كل حركة التغيير الاجتماعي والسياسي.

هذا الغطاء السياسي الدعائي التافه روجت له الأنظمة الفاسدة للحفاظ على تسلطها ونهبها للثروات العربية وقمع الفكر التحرري، فكر التقدم الاجتماعي - الاقتصادي والعلمي للمجتمعات العربية، لذلك نجد تحالفا، علنيا وسريا، بين الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، لكلا المستبدين مصالح في وقف النمو والتطور والنهضة الاجتماعية – الاقتصادية والعلمية، وتخليد انظمة التسلط القبلية، العائلية والطائفية السائدة في العالم العربي.

ان التغيرات اللغوية التي حدثت كانت عكس التيار السائد ومعظم ما دخل لغتنا العربية وأضحى التعامل به ثابتا، مدان سلفا بالخروج عن القواعد والنحو. رغم ان كثيره أصبح مما يسمى "المتعارف عليه"، لكنه خروجا واضحا عن عقليات حراس اللغة.

كذلك لاحظت ان هناك مشكلة لدى الكثيرين، خاصة متوسطي الثقافة، في فهم المقروء النثري وخاصة القصصي، من منطلق الفهم البسيط للأدب القصصي، بانه جولة ترفيهية، بينما هذا الأدب يطرح الوعي الاجتماعي بأرقى صوره .

القصة في الأدب العالمي وبجزء كبير وهام من الأدب العربي، تشكل مادة فكرية أيضا يطرح عبرها الكاتب قضايا ملحة وبالغة الخطورة، دور الكاتب هنا لا يختلف عن دور المثقف الموضوعي المرتبط بواقع شعبه والناشط من أجل قضايا الانسان وقضايا الحرية والحقوق المختلفة.

باحث لغوي نشر مقالا يقول فيه: "لا بديل عن اللغة العربية الفصيحة المعيارية" عارضا أهمية اللغة العربية لأبنائها العرب، وقيمة هذه اللغة وحيويتها. وطرق تطويرها وتقريبها للقارئ . المقال يتحدث من منطلق عاطفتنا كلنا التي ترى بلغتنا جماليتها المميزة في النصوص الأدبية وخاصة الشعر... لكنها تعاني من حالة تكلس تشكل خطورة على مستقبلها ومكانتها بين اللغات الحية في العالم، هذا يبرز بغياب لغة علوم وتكنولوجيا، اذا وجدت فهي داخل قطر معين وغير مستعملة في اقطار عربية اخرى، اي لا اصطلاحات متفق عليها.

من الاشكاليات اللغوية التعويق في ملاءمة اللغة للمناخ الثقافي المعاصر، وما اوجدته مجامع اللغة غير مفهوم الا لمن صاغوه، لا يلائم الحياة العملية ولا ارى ان اصطلاحات مجامع اللغة مستعملة او قابلة للاستعمال، هذا يبرز في القطيعة الآخذة بالاتساع بين واقعنا اللغوي والثقافي عامة ومستوى الحالة الثقافية – الاجتماعية واللغوية السائدة في المجتمعات غير العربية.

ان بعض المشاكل التي لم تطرح، ربما ليس عجزا عن طرحها بقدر ما هو قصور في فهم واقع اللغة، في حالتنا واقع لغتنا العربية، تشكل عائقا في سبيل رقي لغتنا وتطويرها وملاءمتها لعصرنا.

أعرف انه حقل شائك بسبب المسافة الثقافية التي تفصل بين ابناء هذه اللغة، بظل سيطرة الكثير من الغيبيات والأوهام حول المقدس اللغوي والفهم الخاطئ لدى الكثيرين لكل دعوة الى ملاءمة اللغة للمناخ الثقافي السائد في عصرنا، باعتبار هذه الدعوة هي لنسف اللغة العربية، فورا تنطلق صرخات الاحتجاج والاستغاثة محولين النقاش الى صياغات ايمانية ونصوص غيبية ومقولات خاوية من المضمون، لا تسوى أكثر من الحبر الذي صيغت فيه، كأن العرب نصف الأميين، او من لا يرهقون انفسهم بالقراءة، (وهم نتاج الأنظمة الفاسدة) يعرفون مفردات اللغة الكلاسيكية وما شاء الله لا يتحدثون الا بمفردات النصوص الدينية ولغة الجاحظ وبنحو سيبويه.

لا اكتب من منطلقات لغوية. فانا لست لغويا ولكني أعيش أزمة اللغة بنشاطي الاعلامي والثقافي والسياسي ومن اطلاعي الفلسفي العام على تاريخ اللغات .

اللغة وسيلة وليست غاية ولا قداسة للغة. اللغة لا تعبد ولا يركع لها. هذا ما شرحه بعض الباحثين اللغويين بشكل ممتاز دون ان يكون بمثل وضوحي الذي سيرى به البعض فظاظة كبيرة.. خلافا لما سجله باحث موقر أميل الى تجاهل اسمه، لأن الأهمية للمضمون وليس للشخص، لا أرى أن "اللغة هي من أهم العوامل التي تكون هوية الأمة" كما كتب . هذا الطرح غير علمي تماما ومناقض للواقع..

اللغة بلا شك لها دورها في تكوين الهوية القومية ولكنها ليست من أهم العوامل، لا ارى ان للغة دورا مؤثرا ووزنا مقررا. الواقع العربي القائم يثبت ما أذهب اليه . ان ما يوحد الشعوب العربية أكثر من اللغة، هو واقعها السياسي والاجتماعي، واقع الأنظمة الاستبدادية الفاسدة المعيقة للتقدم وواقع الفقر والإملاق المرتبط جذريا بنوع الأنظمة .

يجب عدم التجاهل ان نسبة الأمية المرتفعة في العالم العربي، وتقدر على الأقل ب 150 مليون أمي ومصادر ترفعها الى 60% من المواطنين العرب (350 مليون نسمة)، والبعض يرفعها لأرقام فلكية... ونسبة كبيرة أخرى بالكاد تفك الحرف او تقدر على التعامل باللغة مع المؤسسات المختلفة .. الى جانب مستوى قراءة متدن (نصف ساعة، البعض يقول ستة دقائق هي مدة القراءة للمواطن العربي سنويا، للمقارنة: اليهودي في اسرائيل يقرأ 50 كتابا سنويا)، عدم فهم المقروء من أوساط عربية واسعة جدا لأسباب تعليمية تعتمد التلقين، هناك اسباب كثيرة أخرى كلها تجعل من لغتنا أداة لا تخدم قضية تكوين الهوية القومية او احداث نقلة ثقافية وتيار وعي قومي . لا ننسى أيضا ان العالم العربي مليء باللهجات المحلية التي لا يفهما العرب ابناء المناطق الجغرافية الأخرى. هناك عشرات اللهجات الغريبة عن فهم مواطني الدول العربية، أحيانا في نفس الدولة (حتى في فلسطين لغة الشمال الفلسطيني (الجليل) تختلف عن لغة الجنوب الفلسطيني، ابناء المثلث مثلا، بعض المفردات لا نفهمها ولا نستوعب طريقة لفظها، رغم ان المسافة بيننا نصف ساعة بالسيارة، لا اتحدث عن الجنوب الأبعد، النقب مثلا)، اي ان اللغة لا تشكل اداة تكامل قومي، بل في هذه الحالة تشكل أداة تباعد وتشرذم، خاصة بغياب روابط اجتماعية واقتصادية.

المواطن العربي الجائع للخبز لا يحتاج الى لغة وهوية قومية وانا اتحدث عن أكثر من 50% – 60 % من المواطنين في العالم العربي. في مصر مثلا، ما يقارب 80% من الشعب المصري يعيشون بدخل بين دولار الى 3 دولارات يوميا، و 20% أكثر من 3 دولارات يوميا، منهم 1.5% يعرفون بالقطط السمان يسيطرون على ما يقارب نصف الانتاج القومي المصري. يتبين من معلومات جديدة ان الجيش المصري يعتبر من اكبر المنتجين في مصر، يقدر انتاجه ب 25% من مجمل الانتاج ومعفي تماما من الضرائب. أي ان جنرالات هذا الجيش لهم مصالح اقتصادية ويتمتعون بوضع خاص من المميزات. هذا ينعكس سلبا على الربيع المصري. بعض المصادر تنبه الى ان المجندين المصريين يُسخرون في انتاج الجيش وليس في التدريبات العسكرية، وان هناك تراجعا في قدرات الجيش العسكرية، البعض يضيف اتهامات خطيرة: الجنود لا يعرفون استعمال الأسلحة الحديثة المتراكمة في المخازن وبالتالي المتنفذون في الجيش أصبحوا جزءا من القطط السمان ولكنه موضوع آخر.

هل ستصلح اللغة هذا الواقع المأساوي لتجعل المصريين ينتمون لهوية قومية واحدة؟ هل يفكر المصري أو العربي الفقير باللغة والهوية ام برغيف الخبز (العيش – أي الحياة) والعمل؟ هل يقلق الجنرالات تطوير اللغة وتعزيز الرابط القومي؟

الذي يؤثر على خلق هوية قومية متماسكة هو الاقتصاد، هذه نظرية طرحها أحد أهم فلاسفة ومفكري القرن التاسع عشر كارل ماركس وقد ثبتت صحتها . الدول الرأسمالية المتطورة تطورت فيها الهوية القومية والانتماء القومي واللغة القومية والقوة القومية أيضا لحماية مصالحها على قاعدة تطوير الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، النموذج الأقرب لنا هي دولة اسرائيل. البعض لا يحب هذه المقارنة، تشعره بالضيق، لكن أحببنا ذلك أم لم نحبه .. من مجموعة مهاجرين مختلفي الثقافة والانتماء القومي، بنوا دولة واقتصادا يعتبر اليوم من الأقوى والأكثر تنوعا وثباتا في العالم (انتاج اسرائيل القومي الاجمالي السنوي هو اكثر من انتاج كل الدول العربية المحيطة بإسرائيل)، تعتبر اسرائيل اليوم دولة ذات أكبر نسبة في العالم لحملة الشهادات العليا بين المواطنين . علميا من أكثر دول العالم تقدما وتصديرا لمنتجات العلوم والتكنولوجيا، وهي ثالث او رابع مصدر اسلحة في العالم من حيث الكمية، العلم بات جزء جوهريا من الاقتصاد (80% من صادرات اسرائيل يعتمد على الهايتك)، للمقارنة غير المرغوبة أضيف: تنشر اسرائيل معدل 12 بحثا علميا لكل 10 الاف مواطن (36 بحثا لكل 30 الف مواطن)، العالم العربي ينشر بحثا علميا واحدا لكل 30 الف مواطن. يترجم في اسرائيل الى العبرية 100 كتاب لكل مليون مواطن في السنة، حين تصل الكمية في العالم العربي الى 3 كتب لكل مليون مواطن . هذا عدا ان كل كتاب يباع منه في اسرائيل كميات كبيرة تصل أحيانا الى 70 او 90 الف نسخة وبعضها يتجاوز ال 120 الف نسخة او أكثر. ما عدا قلة نادرة من الكتب العربية وزعت 30 الف نسخة، فكمية التسويق للكتاب العربي لا تتجاوز 3 – 5 الاف نسخة من الكتاب. تخصص اسرائيل للأبحاث العلمية ما نسبته 4.7 % من منتوجها السنوي الاجمالي... ويقدر اكثر ب 15 مرة من كل مل يخصص للأبحاث العلمية في العالم العربي . بذلك تتفوق على العديد من الدول العظمى في عدد العلماء بالنسبة للمواطنين وفي كمية الأبحاث العلمية الهامة، لدرجة ان العلوم المتطورة في اسرائيل مطلوبة في دول عديدة ومنها دول كبرى، باتت تؤثر على مواقف الكثير من الدول من موضوع النزاع الفلسطيني اسرائيلي . بكلمات أخرى، هناك علاقة اندماجية بين السياسة والاقتصاد والرقي العلمي والتكنولوجي وواقع اللغة.

هذا ليس تحديا حضاريا فقط، حتى احياء اللغة العبرية التي كانت ميتة قبل نصف قرن، أضحت اليوم لغة علوم وتقنيات ومراكز أبحاث، مما يثبت ان الاقتصاد والعلوم يدفعون اللغة الى التطور وملاءمتها للنشاط العلمي والتكنولوجي. العلماء في اسرائيل ومنهم علماء عرب بارزين، يكتبون ابحاثهم باللغة العبرية السهلة الاستعمال والسهلة جدا للترجمة منها واليها. هذا دليل صغير على ان التطور الاقتصادي والعلمي للعالم العربي سيحدث نقلة لغوية سيكون لها ابعد الأثر على الفكر العربي أيضا وعلى اللغة بالتأكيد. أضيف ان كل نقاشنا اليوم حول التجديد والتقليد في اللغة العربية هو محاولة لجس النبض والتفكير بالآتي، في محاولة لاستباق الواقع، لجعل التحول اللغوي أكثر مرونة وقابلية للتجسد، لكن الأمر يحتاج الى نشر الوعي لأهمية اللغة في الانجاز الحضاري الحديث.. والأهم اصلاح جهاز التعليم العربي بناء على تجارب من سبقونا الى التقدم والتطور.

الانغلاق ستكون له اسقاطات سلبية قد تحول اللغة العربية الى لغة في طريق الاندثار، تماما كما اندثرت لغة المسيح الآرامية، التي كانت في وقتها لغة مقدسة سائدة في شرقنا، لغة ابن الله حسب أهل كتاب "العهد الجديد" ومن المفروض انها لغة الأب الذي في السماء أيضا!!

أعرف ان كلماتي لن تستسيغها بعض الآذان، لا أطرحها لأني أقبلها، انما لإثارة التفكير الواقعي بعيدا عن الغيبيات الايمانية المغلقة وتسجيل رؤيتي ومخاوفي من مصير اللغة العربية .

يقولون اني دائما عكس التيار، وأرد: فقط الأسماك الميتة تمشي مع التيار!!

اذن الموضوع يتعلق بالواقع الاقتصادي والعلمي والتعليمي ومستوى الجامعات وابحاثها والقضاء على الأمية ونشر التعليم بلغة عربية ميسرة متطورة، وجعلها لغة علوم وأبحاث وتقنيات، هذا ليس قرارا من فوق، بل تخطيطا للتطوير والنهضة الشاملة الاجتماعية والعلمية والتعليمية والاقتصادية، غيبته أنظمة الفساد والقمع، وآمل ان لا نواصل نومة أهل الكهف، حتى لا نستيقظ على لغة فات اوان تسويقها لأصحابها أيضا.

لا شك ان اللغة العربية هي جزء من الهوية القومية، ولكن بوضعها البائس اليوم هي هم قومي.

هل ستصمد في عالم لا ينتظر الخاملين؟

هل سيساعد كونها "لغة مقدسة" في الحفاظ عليها من الاندثار؟

الا يعلم الواهمين بقداسة اللغة ان كل الأبحاث العربية العلمية الهامة يكتبها علماء العرب باللغات الأجنبية، أهمها لا ينشر في العالم العربي بسبب هجرة العقول العربية واندماج العلماء المهاجرين بالمجتمعات الحاضنة؟

قديما قال ابن خلدون جملته العبقرية التي نعيش صحتها كل يوم:" لغة الأمة الغالبة غالبة ولغة الأمة المغلوبة مغلوبة". ما دمنا من الأمم المغلوبة امام التحديات في الشرق الأوسط، تحت تحكم أنظمة فاسدة تهدم ولا تبني، تحديات في العلوم والاقتصاد والتحديث الحضاري.. فلن تكون لغتنا الا على شاكلة شعوبنا، لغة مغلوبة لشعوب مغلوبة.

حان الوقت لفهم جديد لدور اللغة وأهمية هذا الدور في نقل العالم العربي من واقع الفقر والأنظمة الفاسدة، الى واقع التنوير والابداع الثقافي بكل امتداده المادي والروحي!!

 

في حوار مع الشاعر العراقي سعد جاسم:

saad jasem- الشعر يستحق ان يمنحه الشاعر حياة كاملة

- الشعرية العربية تعاني من خفّةٍ وإستسهال فاجعين

- الكتابة للطفل من اصعب فنون الكتابة الابداعية

 

يعتبرالشاعر العراقي سعد جاسم واحداً من الشعراء العرب الذين استطاعوا أن يحققوا حضورهم اللافت في الشعرية العربية، حيثُ انه وعلى مدى تجربته الشعرية التي تمتد الى اكثر من ثلاثة عقود زمنية، استطاع ان يحقق منجزاً شعرياً له خصوصيته وبصمته وصوته الشعري الذي يؤكد تميزه الواضح، وقد اصدر الشاعر جاسم اكثر من عشرة اعمال شعرية ابتدأها بمجموعته (فضاءات طفل الكلام) ومن ثم (موسيقى الكائن) و(طواويس الخراب)

و(قيامة البلاد) و(أرميكِ كبذرةٍ وأهطلُ عليكِ)

و(المُتلفّت في منفاه) وكان آخر اصدار له هو ديوانه (طائر بلا سماء).

وللشاعر جاسم اهتمامات في المسرح، حيث عملَ فيه ممثلاً ومخرجاً وناقداً .. ناهيكَ عن اهتمامه بأدب وثقافة الطفل، وقد انجز العديد من الاعمال الشعرية والقصصية والمسرحية للاطفال، وكذلك فقط قام بتأسيس ملحق مخصص لثقافة ونتاجات الاطفال .. هنا حوار معه عن الشعر وعوالمه والمسرح وأدب الطفل والمنفى – كونه يعيش في مغترباً في (كندا) البعيدة، وأفكار ورؤى غيرها:

 

* ماهو الشعر بالنسبة لكَ، وكيف تفهمه، وتنظر له؟

- انا لااستطيع ان أتصوّر حياتي خارج الشعر، وبعيداً عن الادعاءات فأنا اعتبرُ نفسي كائناً شعرياً بكل ماتحمله هذه الكينونة، حيث أن علاقتي مع الشعر هي علاقة روحية ووجودية وقد بدأت هذه العلاقة منذ تكويني الجنيني الأول .. وانا اعتبر الشعر والحب هما خلاصي ووجودي في هذا العالم الغرائبي . وقد قلتُ في نصي شعري لي (أيها الحبُّ يافيض روحي

وكتابُها الحنون

وأنتَ ياشعرُ ياضوء المخيّلة

أنتما الوحيدان

اللذان لااتعبُ منكما

لأنَّكما صاحباي

وكيونتي

وخلاصي الأكيد)

وأرى أن الشعر واحد مهما تعددت اشكال وطرائق كتابته ومهما اختلف جوهره ومعناه واشراقاته ورؤاه .. وأرى ايضاً ان الشعر مغامرة مدهشة ومحفوفة بالمباهج والمتاعب لايتجشم عناءاتها سوى المغامرين الحقيقيين والرؤويين والزهاد والحالمين والمجانين، والشعر يستحق ان يمنحه الشاعر حياة كاملة ويعيش من أجله ابداً .

 

* كيف تنظر الى واقع الشعرية العربية الآن؟

- أرى ان للشعرية العربية في راهنها - الآن – تجلياتها واشراقاتها وأزمتها ايضاً .. وتتجلى اشراقاتها في ديمومة الاشتغالات الشعرية لبعض شعرائها الكبار والذين كنا ننهلُ من ينابيعهم الشعرية المتدفقة، كما هو الحال مع سعدي يوسف وأدونيس وحسب الشيخ جعفر وغيرهم ..هذا بالاضافة الى بعض الشعراء المتفردين والمؤثرين من الاجيال الشعرية اللاحقة .. وكذلك تتعافى هذه الشعرية بالولادات الابداعية للاصوات الشعرية الجديدة في مختلف البلدان العربية .. وهذا لايعني ان شعريتنا لاتعاني من ازمة في عمقها وجوهرها، حيث ان ابرز جوانب هذه الازمة هي مانشهده من خفّة واستخاف فاجعين وإسهال وإستهال في كتابة الشعر وكثرة النشر وغياب هاجس الابتكار والتحديث في بعض مفاصل النص الشعري الذي ينبغي ان يكون متدفقاً ومدهشاً ومؤثراً .

 

* (فضاءات طفل الكلام) كانت انطلاقتك الشعرية الاولى، ماذا عنها كتجربة ومنطلق؟

- رغم ان تجربتي الشعرية قد بدأت في منتصف سبعينيات القرن المنصرم، إلّا أنني كنت متريثاً في اصدار نصوص وقصائدي في كتاب شعري، فقد كنت ابحث عن المختلف والمغاير في الشعر وعوالمه ..وكان معظم اقراني الشعراء –آنذاك - مهووسين بشكلانية النص والغموض والهروب من المعنى، الا انني كنت اشتغل في منطقة شعرية تختلف عنهم في الكثير من المحاور والرؤى، وقد كنت مشغولاً بتدوين عوالم وأسرار وشقاءات طفولتي وطفولات الاخرين الذين يماثلونني في هاجس الحفاظ والاحتفاء بطفلية ارواحهم ونقاء قلوبهم

حيث ان الطفل الذي يسكنني كان ولازال يرفض ان يكبرأبداً.. ومجموعتي هذه كانت قد صدرت في بداية التسعينيات حيث كان بلدي خارجاً للتو من حرب فنتازية طويلة كان من وقودها الشعر الردئ والعدواني المكرّس للخطاب السلطوي والحربي البشعين، وقد كانت قصائد ونصوص المجموعة هي طقوس واحتفاليات بالطفولة وعوالمها الساحرة وكذكل هي صرخات ادانة للحرب ومشعلي الحرائق .. ولهذا فقد نالت المجموعة اهتمام المتلقين والنقاد الذين كتبوا عنها عشرات المقالات والقراءات النقدية المهمة .

- مجموعتك الشعرية (موسيقى الكائن) تعتبر تجربة مختلفة تماماً عن مجموعتك الاولى .. فماذا عن هذه التجربة؟

- لقد كان هاجس البحث عن صوتي الشعري الخاص يشغلني دائماً وهو مصدر قلقي وبحثي الدائمين عن الاختلاف والمغايرة، ولذا أخذتُ ابحث عن منطقة شعرية تختلف كلياً عن اشتغالي النصي في مجموعتي الشعرية الأولى، وقد كانت روحيتي ومزاجي في تلك الفترة التي دخلت فيها بلادي في حرب فنتازية اخرى يميلان للعزلة والتصوّف والتجلي الروحي، ولذا رحتُ اشتغل على نصي تأملي وتكتنفه نزعة تصوّفية ..

ويمكنني ان اسمّي اشتغالي هذا بـ (الصوفية المعاصرة) حيث انني ارى ان النص الصوفي يتجلّى في اشراقات الروح وتماهيها مع جوهر العالم، وكان ولازال هذا الهاجس والاشتغالي النصي يراودني وأعود لكتابة نصوص فيه خاصة وذلك لأنني اعيش حالات عزلوية بحكم كوني منفياً وأميل الى الصفاء الروحي .

 

* انت شاعر منفي ومغترب عن بلادك منذ سنوات طويلة، فكيف تفهم المنفى؟ وماذا انجزتَ فيه؟

- الشاعر، وأعنيه كمثقف أيضاً يسعى جاهداً وبكل قدراته وطاقاته الجسدية والروحية لمواجهة منفاه، وكذلك فهو يجتهد في خلق حوار مع الآخر الذي يشاركه الوجود في المنفى، وبعكس هذا فستلفّه دوامات الحيرة والذهول والأرتباك وقد ينتهي مصيره الى متاهة قد تخرّبُ روحه وتربك وجوده، وأرى أن الشاعر الحقيقي قادر على تحويل منفاه الى مختبر، ولديه القدرة على التماهى مع مجتمعه الجديد بطريقة انتقائية او بالارتماء بقوة في قلب ومفاصل هذا العالم الشائك والغرائبي، ليحقق وجوده، ويحاول أن ينهل من ثقافة الآخر ويتمثلها ثم يطرح اسئلته الكونية غير معني بالجاهز والسائد من الاجوبة، وأنا لا أثق بالمثقف الهامشي رغم حبي له واعترافي به، حيث ينبغي على المثقف أن يكون عضوياً ليؤكد حضوره في الوجود، وأرى أن الشاعر الحقيقي صاحب مشروع مستقبلي وهو مبتكر وخلاق دائما، انه فينيق ينهض دائما من رماد الخسارات والانكسارات ليضئ ليل العالم . وانا أرى نفسيفي منفاي مثل ناقوس يطرق عالياً عالياً ولايخفت رنينه ابداً، دائما تشغلني الحقيقة لا الوهم، والشعر في حقيقته قلق واختلاف، وقد جبلت أنا على هذا القلق والاختلاف الذي يدفعني دائماً لأن أكون مغايراً ومشغولاً بالغور في مجاهيل الخفي والغامض والمسكوت عنه، وقد كتبت الكثير من النصوص الشعرية عن منفاي الذي كنت ومازلتُ سعيداً ومتوهجاً وفاعلاً فيه رغم قسوة وعناءات ماعشته في هذا المنفى .. وقد قمت في العام الماضي بجمع نصوصي عن المنفى وأصدرتها في مجموعة شعرية حملت عنوان (المتلفّت في منفاه) وقد صدرت في طبعة ألكترونية عن دار مخطوطات في هولندا .

 

* انت تشتغل على نصي عشقي له خصوصيته ودهشته، وقد تجلّى ذلك في كتابك الشعري(أرميكِ كبذرة واهطلُ عليك) فهل لك ان تحدثنا عن فهمك للحب وتجلياته وتجربة اشتغالك على هذا الديوان؟

- لاابالغ اذا قلت لك انني امتلك فهماً للحب اعتقده مختلفاً عن فهم الاخرين، حيث انني ارى ان الحب هو جوهر العالم ومعناه، فلولا الحب لما تمَّ خلق الوجود، ارى ان الوجود خلق للحب وليس للخطيئة بكل ابعادها .. والحب هو الذي يُطهّرنا ويضئ ارواحنا .. وبالحب نستطيع ان نبتكر كل ماهو جديد ومختلف .. والحب كشفٌ وأكتشاف لمكنونات الأرواح والقلوب واسرار الوجود .. وفيما يخصّني فانا عاشق ابدي .. اعيش عالمي بوصفه فردوساً من الحب حتى وإن اكتنفته بعض الخطايا الموجعة .

وبخصوص كتابي الشعري هذا، فقد كان تجربة ساحرة ومتوهجة

بالنسبة لي، حيث انه تجسيد لحياتي كعاشق بكل تجلياتي وجنوناتي واشراقاتي وحماقاتي .. وقد لمستُ حب وجماليات تلقي نصوص الكتاب من قبل معظم الذين قرأوا هذه النصوص ..وقد حظي كتابي الشعري هذا بإهتمام الكثير من النقاد ذكوراً وإناثاً، حيث كتبت عنه مجموعة كبيرة من القراءات النقدية التي اشادت بجماليات نصوصه .

 

* للطفولة عوالمها وحكاياتها واسرارها..هل لك ان تحدثنا عن طفولتك؟

- يمكنني القول: أنني كنت قد عشتُ طفولة حقيقية

تكتنزُ بالوقائع والمغامرات والفجائع والاشراقات

والاسرار، وطفولتي كانت ولازالت حاضرة حضوراً مشرقاً في القرى والمراعي والبساتين الغافية على ضفاف نهر الفرات حيث امضيتُ طفولتي في قرى

(الديوانية) مدينتي الأولى، وفي طفولتي كنت قد

عشتُ ايام الفقر والظلم والرعب والخوف .. وعشتُ في محطات وسكك القطارات .. وحكايات جدّتي العجيبة التي كانت معلمتي الحقيقية التي ارضعتني حليب الشعر منذ سنواتي الأولى .

* انت واحد من شعراء وكتاب ادب الطفل العرب، فماذا عن تجربتك في الكتابة للاطفال؟ وماهو فهمك لهذه الكتابة؟

- بدأ اهتمامي بأدب وثقافة الطفل في مرحلة مبكرة من حياتي، وكان ذلك في بدايات سبعينيات القرن المنصرم .. حيث كتبتُ الكثير من القصائد والقصص – آنذاك - وقد نُشرتْ لي اول قصيدة في جريدة طريق الشعب العراقية بصفحة (مرحباً يااطفال)، التي كان يديرها الاستاذ الشاعر (نبيل ياسين) ومن ثم اخذتُ انشر قصائدي وقصصي في معظم المجلات والصفحات المتخصصة بأدب وثقافة الطفل في العراق وأذكر منها: مجلة مجلتي وملحق تموز وصفحة الجيل الجديد وغيرها . وكذلك انشر في بعض الصحف والمجلات العربية مثل مجلة (أحمد) اللبنانية و(قطرة ندى) المصرية و(براعم عمان) الأردنية ومواقع الكترونية متخصصة بأدب وثقافة الطفل العربي .

لأن الطفل كائن فريد وعجيب في ذاته وفي طرق تفكيره ..حيث له انفعالات وميول خاصة، وله صفات عقلية وعاطفية وحسية وخيالية هي بمثابة

(عالم صغير) بكل معنى الكلمة .. ولذا اجد ان الكتابة للاطفال من اصعب فنون الكتابة الابداعية، وذلك لأنها تحتاج الى فهم عال ونظرة عميقة وخبرات وقدرات ومهارات كبيرة من اجل مخاطبة القدرات الوجدانية والعقلية واللغوية للاطفال برؤى وافكار واضحة وذات طاقات جمالية مفيدة ومؤثرة وومتعة

وأرى ان النصوص القصصية والشعرية والعلمية والفنية والرياضية .. الخ .. ينبغي ان تكون خاصة بالاطفال وبعالمهم وحيواتهم وليس عنهم او خارجهم بما يشعرهم انهم

كائنات هامشية وليست جوهرية .. وهذا مااشتغلُ عليه انا وبعض زملائي ادباء الاطفال الحقيقيين .

 

* انت الى جانب كونك شاعراً، فانتَ مسرحي . فماذا عن علاقتك بفن المسرح؟

- ان علاقتي بالمسرح قد بدأت في مرحلة مبكرة من حياتي، حيث كنت مسحوراً بمشاهدة الاعمال المسرحية التي تعرض على مسارح مدينتي، وقد تسنّى لي ان امارس التمثيل المسرحي منذ سنوات طفولتي الاولى، حيث اشتركتُ بتمثيل عدد من المسرحيات من خلال النشاط الفني والمدرسي، ونتيجة لحبي للمسرح فقد قررتُ ان ادرسه دراسة علمية ولذا دخلت الى معهد الفنون الجميلة في العاصمة الحبيبة (بغداد) ومنذ الايام الاولى لدراستي في المعهد بدأت اعيش عالماً آخر هو عالم الفنون الجميلة حيث الموسيقى والسينما والتشكيل اضافة الى المسرح ..وقد فكّرتُ – آنذاك – ان استثمر وجودي في المعهد استثماراً كلياً .. وكذلك فكّرت ان اخلق توازناً وثنائية بين حبي للشاعر وحبي للمسرح، بمعنى ان استمر بكتابة الشعر والتحليق في فضاءاته، وكذلك امثّل واخرج في المسرح ..

ثم تنامى اهتمامي بالفن المسرحي وخاصة في جانبي الاخراج والنقد، ولذا أخذت اكتب في النقد المسرحي اثناء فترة اكمالي لدراستي في أكاديمية الفنون الجميلة، ولاانسى ان وجودي في الاكاديمية قد ساهم في تعميق خبراتي وتجاربي المسرحية والشعرية أيضاً، وذلك بسبب تعايشي مع اساتذة فنانين ومبدعين كبار.. ومزاملتي للكثير من شخصيات الوسط الثقافي العراقي .

وقد تهئ لي ان اكون شاعراً في المسرح ومسرحياً في الشعر، حيث تمكنت من ابتكار طريقة ادائية خاصة بي تجمع بين هذين الفنين العظيمين .

 

- البعض يعتقد ان الكتاب الالكتروني اصبح اكثر حضوراً وفاعلية من الكتاب الورقي، فما هو رأيك أنت بهذا الاعتقاد؟ وكيف تتعامل أنت مع النشر الالكتروني؟

- ربما انا اختلف مع اصحاب هذا الاعتقاد، وذلك لأنني أرى ان للكتاب الورقي خصوصيته ووجوده وتاريخه السرمدي، وكذلك له قيمته وحضوره الجمالي ورائحته وجوهره المترسخ في الروح والذاكرة ..وأرى ان هذه الخصوصية ستبقى مادام هناك قراء ومتلقون ودارسون وباحثون يقرأون ويبحثون ويغورون ويولذون في اعماق وبطون الكتب كما هو معروف .. اما عن الكتاب الألكتروني فهو نتاج عصر المعلوماتية المعاصرة، وهو الآخر اصبح له وجوده وأصبحت لنا حاجتنا له كوسيلة تلقٍ ومرجعية لاغنى عنها .. وبالنسبة لي فقط أخذتُ وخاصة في السنوات الاخيرة اتعاطى واتعامل واستثمر الكتب الألكترونية، وكذلك فقد نشرت عدداً من اعمالي الشعرية كطبعات الكترونية، وأذكرُ منها:(طواويس الخراب) وقد صدر عن مركز الصداقة الثقافي .. وكذلك

(ارميكِ كبذرةٍ وأهطلُ عليك) و (موسيقى الكائن) صدرا ايضاً عن ذات المركز .. ومجموعتي الشعرية

(المتلفّت في منفاه) وقد صدرت عن دار مخطوطات في هولندا ..ولااستطيع ان انكر ان للنشر الألكتروني اهميته وجدواه .

 

* تُرى ماهو جديدك؟ وبماذا تحلم؟

- كنت ومازلتُ اشتغل بهدوء ودأب على نصي الشعري، وأسعى الى كتابة شعرية لها خصوصيتها وفرادتها .. وانا دائم البحث والتأمل والاشتغال والمثابرة .. واشتغل الان على أكثر من مخطوطة شعرية .. وكذلك اشتغل على اعمالي الشعرية الكاملة، وأسعى لطباعتها في الفترة القادمة .. وأنا بطبيعتي كائن حلمي ولاتفارقني الاحلام المجنّحة ابداً ..

وحلمي الاكبر هو ان يعيش العالم بسلام ويستعيد الانسان انسانيته وحريته الحقيقية، وأن ينهض بلدي وشعبي من رماد الخراب .

 

حاوره: عبد الناصر الدشناوي

اعلامي مصري ورئيس تحرير صحيفة بوابة الشرق في القاهرة


 

حوارمع الكاتب والصحفي التونسي حسونة المصباحي

hassounaalmosbahiمن بين أشهرالكتاب العرب أصدقاء المغرب الكاتب والصحفي التونسي حسونة المصباحي ، الذي لايركب الطائرة لمغادرة بلده الثاني حتى ليكاد يعود في نفس الطائرة إليه .. وهو من أغزرالكتاب التونسيين عطاءا وشغبا . صدرت له العديد من الكتب مجموعات قصصية مثل «حكاية جنون ابنة عمي هنية» تونس 1986، (جائزة القصة- وزارة الثقافة التونسية)، «ليلة الغرباء» تونس 1997، «السلحفاة» دار جلجامش باريس 1997، طبعة ثانية عن الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة 2000. - أصدرخمس روايات هي: «هلوسات ترشيش» دار توبقال، المغرب 1995، «الآخرون» دار تبرالزمان، تونس 1998، «وداعا روزالي» دار الجمل، ألمانيا 2001، «نواره الدفلى» الدار المتوسطية للنشر، تونس 2004، «حكاية تونسية» عن دار كليم للنشر في دبي 2008 وترجمت أعماله إلى اللغة الألمانية، وفازت «هلوسات ترشيش» بجائزة Toucan لأفضل كتاب للعام 2000 في مدينة ميونيخ كما اختيرت قصته «السلحفاة» التي نشرتها مجلة «بانيبال» بالإنكليزية، في القائمة القصيرة لجائزة «كين» للأدب الأفريقي وعن جديده من الإصدارات في الآونة الأخيرة وقضايا ثقافية أخرى يدورحوارنا التالي:

 

س: كيف حالك وحال تونس بعد الثورة؟

ج: تونس تغرق في الدم بسبب الغنوشي وعصابته نعم هذه مأساة كبيرة .

 

س: طبعا العالم العربي كله مع الأسف يغرق في الدم ، هل ستحضر مهرجان أصيلة هذا الصيف؟

ج: لم أتلق أية دعوة هذا العام .

 

س: طيب ما جديدك في عالم النشر؟

ج: هناك الكثيرمن الإصدارات .

 

س: إذن ماهو آخر إصداراتك؟

ج: عندي رواية ومجموعة قصصية وكتاب عن جيمس جويس ويوميات وكتاب عن كبار الشعراء في القرن العشرين ورسائل الى أصدقاء بعيدين وفلاسفة ومفكرون من خلال سيرهم .

 

س: وماهو عنوان عملك الروائي؟

ج: عنوان روايتي "أشواك وياسمين" أما مجموعتي القصصية فعنوانها "هذيان في الصحراء ."

 

س: هل تدورأحداثها حول ثورة الياسمين في تونس؟

ج: حول فصول من تاريخ تونس بما في ذلك كذبة ثورة الياسمين .

 

س: بمعنى أن ما يسمى بالربيع العربي عموما ليس إلا كذبة تاريخية تونسية وعربية كبيرة؟

ج: هكذا أنا أراه وهكذا رأيته منذ بداياته .

 

س: طيب أين إذن يكمن سبب هذه الكذبة وفشل الثورات العربية؟

ج: يكمن في تغلغل الإسلام السياسي الرجعي والجهادي في قسم كبير من المجتمعات العربية وفي فشل القوى الاخرى في أن تكون لها قاعدة شعبية عريضة وواعية بمعنى الديمقراطية والحرية .

 

س: لكن كما هو معروف القوى الديموقراطية في العالم العربي فرض عليها حصاررمزي ومادي بكل أشكاله؟

ج: على أية حال اليسار عندنا غبي الى درجة لا تتصور.

 

س: هذا كلام خطيريهدم كل الإرث النضالي لليسارالعربي الذي دفع الثمن باهضا على سبيل المثال في المغرب .؟

ج: أنا اتحدث عن اليسارالتونسي .

 

س: اليسار في تونس فاقد لتاريخ المحاككة مع النظام فكيف سيصنع قواعده النضالية من غيابه وتغييبه القسري؟

ج: هذا يتطلب كلاما طويلا وأنا أعلم بتاريخ هذا اليسار الفاسد والجاهل منذ زمن طويل .

 

س: طيب كيف هو حال الرواية في تونس اليوم؟

ج: أنا اكتب وما يعنيني هو حال تونس راهنا .

 

س: لابأس ، باعتبارك مثقفا وإعلاميا تونسيا مقيما بالخارج كيف يتفاعل المتلقي الغربي مع الإبداعات الأدبية العربية في المهجر؟

ج: لا يعنى بها الا فئة قليلة.

 

س: لنعد إلى إصداراتك الأخيرة حدثنا عن موضوع كتابك الذي أفردته لجيمس جويس؟

ج: هذا كتاب أرسم من خلال فصوله حياة جيمس جويس في منافيه أي في ترياست الايطالية وزيورخ السويسرية وباريس وعنوان الكتاب هو: "جيمس جويس في منافيه"

 

س: جميل من تقصد في إصدارك الآخرعن الأصدقاء البعيدين هل هوعمل نوستالجيا أم إحياء لعلاقات حميمية مع مثقفين في قارات أخرى؟

ج: الكتاب عبارة عن نصوص أدبية مكتوبة بنفس شعري وجميعها من وحي علاقتي بشعراء وكتاب ورسامين وفنانين عرب وتونسيين .

 

س: من دون شك أن علاقاتك بالكتاب والمثقفين في المغرب قد نالت حظا وافرا في هذا الإصدار؟

ج: بطبيعة الحال فالمغرب يمثل بالنسبة لي فضاء ثقافيا وروحيا في غاية ألأهمية ، وأصدقائي المغاربة لهم دائما مكان في جلّ ما كتبت الى حد هذه الساعة .

 

س: طبعا أنت من الأسماء المحبوبة ومن الأيقونات الثقافية العربية المشهورة في المغرب وخصوصا في مدينة أصيلا كيف تنظربعين المثقف العربي المغترب للثقافة المغربية بشكل عام.؟

ج: لقد أعطت الثقافة المغربية الكثير للثقافة العربية خلال القرن العشرين في جميع المجالات:الرواية،القصة القصيرة،الفنون التشكيلية في الفلسفة،والفكرالاجتماعي والدراسات الاجتماعية والفكرالتاريخي والنقد في جميع جوانبه .

 

س: ألا ترى أن النظام في المغرب إستطاع أن يستوعب الحركية الثقافية بشكل عام بذكاء مقارنة مع دول ديكتاتورية أخرى؟

ج: لست معنيا بهذا السؤال ، ما يعنيني هو الثقافة المغربية التي آستفدت منها كثيرا .

 

س: طيب وماذا عن كتابك "كبارالشعراء في القرن العشرين"؟

ج: في عملي في الصحافة ،اهتممت بسير شعراء كبار من القرن العشرين ومن ثقافات مختلفة من أمثال التركي ناظم حكمت والاسباني رافئيل البرتي والمكسيكي اوكتافيو باث والفرنسي أندريه بروتون والروسي باسترناك والالماني غتوفريد بن وآخرين ..وسيصدر هذا الكتاب ضمن سلسلة مجلة دبي الثقافية .

 

س: ومن هم أسماء الشعراء العرب الذين يتضمنهم هذا الإصدار ربما هناك من دون شك أدونيس ومحمود درويش وآخرون أليس كذلك؟

ج: ستكون هذه الأسماء وأسماء أخرى في كتاب آخر.

 

س: جميل كيف تنظر إلى أزمة النشر الورقي مع إنتشار الإنترنت والحوامل الإلكترونية التواصلية الذكية؟

ج: هذه مشكلة عالمية .

 

س: لكن ألا ترى أن الحامل الورقي قد فقد رمزيته قليلا .. هناك كتب ومصنفات وروايات غربية وعربية مشهورة منشورة اليوم في مكتبات رقمية مثل بعض الروايات المصرية والروسية لنجيب محفوظ وتولستوي وغيرهما .. ألا يشعرك هذا ببعض المرارة؟

ج: طبعا لكن مأساة الكاتب والمبدع والفنان ليست جديدة ولها صورمختلفة .. تصورأن كاتبا مثلي يعيش من قلمه يجد نفسه في خوف دائم أمام متاعب الحياة ومتاعب الواقع الثقافي والسياسي وغير ذلك ، المسألة إذن ليست في أن يكون الكتاب ورقيا أوعلى الانترنيت ..المسألة أعمق من ذلك بالنسبة للكاتب العربي الذي يكتب من دون قراء ومن دون متابعة نقدية جادة وموضوعية ومن دون حماية كذلك ..إنه عار تماما أمام مأساته المريرة .

 

س: أعدت مجلتنا الإلكترونية سابقا ملفا حول "الكاتب وسؤال التفرغ" في العالم العربي هل تتفق مع فكرة تمتيع الكتاب بالتفرغ؟

ج: نعم أنا أؤيد فكرة التفرغ ولكن الدول الغنية تمول المشاريع الفاسدة ولا تقبل مد الكاتب العربي بما يساعده على ضمان قوته اليومي إنها مأساة حقيقية والمافيات الثقافية تكاثرت بحيث لم نعد نستطيع التفريق بين الكاتب الجيد والكاتب الرديء

 

س: إذن إلى هده الدرجة تصير مهنة الكتابة قدرا في العالم العربي؟

ج: نعم للأسف الشديد إلى هذه الدرجة .

س: شكرا لك

 

حاوره: عبده حقي

 

الشاعر الكردي بدل رفو المزوري محلقا بالإبداع في الشعر والترحال

badal raffowثمة شخصيات مبدعة تجتمع في روحها عدة مواهب تتآلف على ميزة واحدة هي الإبداع ..عندما يتابع المرء تجربة الشاعر الكردي العراقي بدل رفو المزوري صاحب العديد من المجموعات والدواوين الشعرية والعديد من كتب الترجمة الشعرية تدهشه هذه المسيرة الطويلة الشاقة المحملة بآلام وهموم ومتاعب الغربة وعشق الوطن وهو إذ يقوم بتحويل عشقه لوطنه وآلام غربته إلى شعر وترجمة وترحال فانه يقوم بتحويل الألم إلى الإبداع وهنا سر العذوبة والجمالية في تجربته الشاملة

ولكي نكون على تماس مع التجربة الغنية كان لنا معه الحوار التالي :

 

ممكن أن تحدثنا عن اتصالك الأول بالشعر كيف اشتعلت لديك جمرة الشعر في أول اتقاد لها؟

- القصيدة بدأت معي من أزقة مدينة تاريخية وهي الموصل في العراق ومن الإحساس الأولي بالوجع الإنساني والبحث عن إحساس جميل بين ثنايا الإنسانية،القصيدة وأنا شربنا معاً من ماء دجلة وتغربنا معاً لنشرب من ينابيع النمسا الجبلية ترافقها آهات ووجع شعب يبحث عن حرية الذات..حملت القصائد وكلماتي المتبعثرة من سفر الحياة في حقيبة ظهرية ممزقة لتشاهد وجه العالم ويشاهدها العالم والإنسانية وصورته الجميلة..القصيدة بدأت نهاية السبعينيات وبقينا معا ولم نفترق وعبرنا حدود البلدان معاً.

 

وأنت تعشق الوطن كما يتبدى في نصوصك الشعرية لماذا لا تستقر في الوطن الأم حيث تعانق كل ذكرياتك الجميلة هناك؟

- أنا لم اعشق الوطن في نصوصي فقط بل عشقت الوطن من خلال أغاني المهد التي كانت ترددها والدتي لي أيام الطفولة وهويت الوطن وأنا في رحم أمي وأنصت لأغانيها وهي تتغنى ببطولات شعبي وناسي وبلادي المسافرة معي في دمي،مطربة الحي لا تطرب هكذا قالوها وبلادي لا تختلف عن بلدان الشرق من ناحية التهميش والإقصاء واقصد هنا وزارة الثقافة والمؤسسات الثقافية ولهذا اخترت الغربة من اجل أن احتفظ بتاريخ بهي ونقي وسأقضي العمر المتبقي في هذه البلاد التي منحتني الحرية وتحس بي كانسان واجد فيها العدالة الإنسانية ولكن الوطن الأم سيظل الوطن.

 

ما الذي يغذي فيك روح السفر والترحال ما هو " فيتامين دفع السفر "إن جاز التعبير لتحلق في جغرافيا الكون المتعددة بلغاتها وثقافاتها وعاداتها وتقاليدها من المغرب مرورا بالنمسا موطنك الجديد وانتهاء بصداقتك لأطفال الهند؟

- في رحلاتي ابحث عن نفسي وروحي المهاجرة وصورة وطني، ابحث عن البلدان القديمة وهويات الأوطان وثقافات الشعوب فهناك مثل كوردي (هذا الإنسان رأى الدنيا) وكما يقول الشاعر التشيلي بابلو نيرودا بأنه يعترف أنه قد عاش حياته وأنا أيضا اعترف باني قد عشت حياتي ورأيت العوالم والثقافات ولأول مرة أقول هذا الشئ فقد كانت جدتي أم والدي لها التأثير الكبير علي في حبي للسفر وذلك بعد موت جدي (رفو) كانت جدتي تعشق السفر إلى الأماكن المقدسة فمرة في الأماكن المقدسة في مكة ومرة أخرى في أماكن مقدسة أخرى وحين ترجع من السفر تحكي لي حكايات السفر وفوائد السفر وثقافته واني افتقدها في كل رحلاتي وأقول في نفسي كم أتمنى لو كانت حية وسردت حكايات الشعوب والاوطان،فيتامين السفر هو المعرفة وحب المغامرة والرقود على الجبال بالخيمة والاختلاط بالطبقات البسيطة من المجتمعات وإقامة الحلقات الثقافية حول شعبي وعاداته وثقافاته.

 

كيف توفق بين كتابة الشعر والترحال والترجمة والعمل الصحفي؟

- التوفيق هو الجمال فانا ابحث عن الجمال في الصور التي أتناولها فان كانت القصيدة والفكرة حاضرة في عالم بهي وجميل وقتها سأكتب الشعر وكذلك حين تضيق الدنيا بي في النمسا ابحث عن سفرة جديدة في العالم وأنا لا يهمني أينما يكون اتجاهي فمن اجل 5 دقائق حرية مع الذات بوسعي السفر إلى آخر العالم والترجمة فانا سعيد باني قدرت أن أحقق حلمي باني ترجمت لحد الآن لأكثر من 100 شاعر كوردي و100 شاعر نمساوي وترجماتي الآن هي من المصادر المهمة للباحثين عن الأدب الكوردي والنمساوي وبالنسبة للعمل الصحفي فاكتب حول النمسا وقد تمكنت بان اربط النمسا بالشرق وأكون ذلك الجسر الثقافي بضمير إنساني.

 

بمن تأثرت من الشعراء الكرد والعرب؟

- التأثير شئ والقراءة لهم والاستفادة من كلماتهم وصورهم وعوالمهم الشعرية شئ آخر فقد كنت أقرا باستمرار أيام الدراسة للشعراء: عبدالرحمن مزوري،د. بدرخان السندي،جلال زنكابادي،صديق شرو،لطيف هلمت، والشعراء العرب كنت أقرأ للماغوط ومحمود درويش وقباني وشعراء الثورة ولشعراء العالم كان ملهمي الأول هو رسول حمزاتوف واني احتفظ بكتابه الخالد بلدي،وشعراء آخرون وخاصة شعراء روسيا في القرن التاسع عشر.

 

هل أنت نادم على بعض ترجماتك لشعراء أكراد الى اللغة العربية؟

- أنا لست نادماً ولست مزاجياً مثل بعض مؤسساتنا الإعلامية فحين أترجم لشاعر ربما يكرهني هو وهذا لا يهمني لأني أترجم أدب شعب وتاريخه وأقدم للآخر جمال الشعر الكوردي ولكني أتألم مع نفسي حين ترجمت لشاعر كنت أظنه كبيراً ولكنه اتخذ من شعره جسراً للوصول إلى مصالحه الشخصية وأتألم حين يتغنى شاعر بفقير وهو يعيش في برج عاجي ولا يعرف إحساس الفقير فالشعر ذلك الإحساس الجميل بالوطن والإنسان والإنسانية وللعلم ترجمت لعدد كبير من دون أن أراهم أو تربطني بهم صداقة أو علاقة والمهم عندي أدب شعبي وبلادي .

 

بماذا تشعر وأنت تحط الرحال من بلد إلى بلد هل لك أن تتحفنا ببعض الحوادث المثيره وبعض المصادفات الشيقة أثناء ترحالك في العديد من دول العالم؟

- في كل بلاد تصادفني حوادث مثيرة وربما طرفاً أيضا وعلى سبيل المثال في إحدى قرى كازاخستان الكوردية دعتني عائلة كوردية للعشاء وقاموا بذبح خروف ووقت العشاء قدموا لي الدجاج وهذه من الغرائب،في مدينة اغرا في الهند وعلى رصيف كادت بقرة كبيرة أن تدهسني لولا صياح أصدقائي النمساويين لي في آخر ثانية(فلا شيئ يسد طرق الأبقار في الهند لأنها مقدسة) وعلى جبال المكسيك كادت الصقور أن تهاجمني لأني كنت قريبا من أعشاشهم وأشياء أخرى كثيرة.

 

ما رأيك في مآسي الشرق الأوسط والحال الذي وصلت إليه شعوبنا إزاء اشتداد الصراعات والنزاعات المذهبية والطائفية بعد الربيع العربي في ظل الصمت السياسي وكذلك الإنساني العالمي الغريب؟

- مشكلة شعوبنا في الشرق الديمقراطية لم تنضج ولم تولد أصلا بعد فالربيع العربي كما يسمونه فهو خريف عربي فالديمقراطية لا تعني برحيل رئيس ومجيئ آخر بالعكس الديمقراطية هي احترام الرأي الآخر وتعلم في المدارس ففي شرقنا المهترئ، السياسي ينظر بعين الاستصغار إلى العامة والشعب فكلما كان السياسي قريبا من الشعب لكبر في أعين شعبه ولكن في بلداننا أكثر الوظائف تتوقف على العلاقات الشخصية ولهذا نرى الإنسان المبدع الشرقي يجد نفسه في الغرب لأنها تمنحه الأمان والحرية والحقيقة، والإنسان المبدع في بلداننا مهمش ومقصي من قبل الجهات المسؤولة ولهذا يظهر التمرد في أعماق الطبقة المسحوقة وعدم توفر العدالة الاجتماعية والظلم والفساد ووو...الخ

 

أجرى الحوار: حواس محمود

المؤلف المسرحي عبد السادة جبار: أردنا أن نعلو َ بقاماتنا فوق الفقر والتغييب والواقع الاجتماعي

abdulsada jabarهذا الهاجس الذي بناه الكاتب والمخرج المسرحي وهو مؤسس فرقة الحضارة في مدينة الثورة كان يسبقنا في تجربته المسرحية كونه أكبر سنا منا وعلى الرغم من كل الظروف العصيبة التي مرت عليه وعلى قطاع واسع من المشتغلين بفضاء المسرح إلا انه ظل مخلصا ً لتجربته وفنه التقيته مؤخرا ً وكان معه هذا الحوار:

 

• كيف كانت بواكير تجربتك المسرحية ومتى كانت انطلاقتك في عالم المسرح؟

- في مستهل السبعينات استشعرنا في دواخلنا هواجس مختلفة عما يستشعره الاخرون بذور تنمو باتجاهات تتطاول على الواقع ربما غرستها قراءاتنا البسيطة للقصص والروايات والشعر والمسرحيات، كنا طلابا في متوسطة المصطفى في مدينة الثورة انفا، اردنا ان نعلوا بقاماتنا فوق الفقر والتغييب والواقع الاجتماعي المؤلم، نسج الجنون خيوطه الاولى ليغذي تلك الغرسات الصغيرة، سقتها ثلاثة ينابيع، الينبوع الاول اساتذتنا الافاضل منهم الكاتب الرائع جبار سهم السوداني، والرسام والناقد التشكيلي المبدع علي النجار الان هو في السويد ومدرس الانجليزي الاستاذ احمد عبد السادة في تلك الفترة قدمت عملا في المتوسطة بعنوان (ابناء الارض) عام 1972، الينبوع الثاني مكتبة العباس بن الاحنف لقربها من المتوسطة كنا ننهل منها لان بعضنا ليس لديه القدرة المالية لشراء الكتب و الثالث فرقة مسرح الجماهير في نادي الرافدين في منطقة الداخل حيث اسهمت تلك الفرقة في بث شجاعة فينا لمواجهة الجمهور العام في عروض مستمرة، اردنا ان نثبت وجودنا من خلال الثقافة، كنت انا والروائي حميد المختار والتشكيلي ابراهيم رشيد والناقد السينمائي علي حمود والراحل هادي السيد حرز والدكتور عباس جاور واخرين، من هنا بدأت بذور التطور الثقافي والرحلة طويلة وكنا نجتمع في محفل ثقافي ونفترق، كتبت ومثلت واشتركت بالإخراج في فرقة مسرح الجماهير مع الراحل المبدع خضير الساري والمبدع علي منشد والفنان طالب الربيعي والفنان الراحل نجم الربيعي والشاعر حميد قاسم والمبدع عبد الله الناصر والفنان كريم محسن والتشكيلي ابراهيم رشيد والدكتور كريم شغيدل والفنان المبدع جواد محسن واخرين، ومن التجارب الجميلة في الفرقة اننا قدمنا عملا مميزا اثار انتباه المثقفين وهو مسرحية (ضجة في الامبراطورية) تاليف واخراج " ط.خ.ع " والمقصود بتلك الحروف " طالب الربيعي، خضير الساري، عبد السادة جبار "، ولاول مرة يشترك ثلاثة بكتابة نص مسرحي واخراجه معا، وفي نفس الوقت قدمت اعمالا مسرحية خلال وجودي في الاعدادية، مسرحية الانتظار، ومسرحية الغربان، وعقدة الدكتور اشترك في هذه الاعمال الفنان "كريم سلمان"والفنان "كريم محسن " والفنان والمونتير "محمد حسن عباس" والفنان الراحل" سيروان اكرم " والمبدع "حميد رزوقي "، ثم وجدت فرصة اخرى في بيت المسرح العمالي تلك التجربة قربتني كثيرا من المبدعين الاساتذة بشكل عملي الراحل ابراهيم جلال والاستاذ محسن العزاوي والفنان التشكيلي الكبير الراحل كاظم حيدر والدكتور فاضل خليل والفنان مهندس الانارة الراحل عبد الله حسن والدكتور الموسيقار خالد ابراهيم والدكتور مالك المطلبي ومدرب الرقص جميل جرجيس واخرين اضافة الى الشباب المبدعين عادل كريم، بشار طعمة..ناجي جاسم، مهدي الحسيني، رسول سبهان عباس الحربي كان عددهم يصل الى اكثر من خمسين عنصر شباب وشابات في الواقع هذه التجربة انضجت قدراتي الثقافية والفنية بشكل كبير اغنتني كثيرا عن الدراسة الاكاديمية، حتى تم التآمر على هذه التجربة لاكتشاف عناصر من النظام ان بذور الوعي فيها تتخذ منحى آخر اضافة الى اخطاء ارتكبها المسؤولين عنها، تجربتي في بيت المسرح العمالي مكنتني من تشكيل فرقة مسرحية باسم (فرقة مسرح الحضارة) من شباب لم يجربوا المسرح لكننا قدمنا اعمالا كتبتها بنفسي واخرجتها مررنا من بين اصابع قبضة رقابة النظام ما نريد ان نقول وما خدمنا في ذلك ضحالة الوعي الثقافي والفني وعدم ادراكهم لما نقول خصوصا وهم مطمئنون لان بعض عناصر الفرقة كانوا ضمن الدرجات الدنيا في التشكيلات الحزبية، قدمنا اعمال " قطرة الماء" "نقطة وفاصلة" و"رحلة العار" و"خيمة الارض "، في الواقع في تلك المرحلة انتشرت بشكل كبير الفرق المسرحية في المدينة، اضافة لفرقة مسرح الحضارة وفرقة مسرح الجماهير، فرقة مسرح الرفض، فرقة مسرح المدينة، فرقة مسرح الرافدين، وفرق اخرى لا اتذكر اسمائها، اشتغل في تلك الفرق عدد كبير من الشباب، منهم الروائي المبدع شوقي كريم حسن الراحل قاسم مطرود، الراحل كريم جثير، المبدع نصيف فلك الفنان عباس الحربي، دكتور عباس جاور، الراحل قاسم مطرود، وحضرتك قاسم ماضي، والفنان علاء الماجد، والفنان فيصل حامد، والفنان عدنان عبد السادة، والفنان منصور حسن، والفنان بشير الماجد، واخرين ..في الواقع لا استطيع ان اشرح كل شيء عن هذا التاريخ لأنه يحتاج الى مساحة واسعة . المرحلة الفاصلة كانت عامي 1979-1980 وهي مرحلة اسميها انا (المكارثية- الصدامية) المرافقة للحرب العراقية الايرانية، هنا اصبح الطريق محفوفا بالمخاطر، فضلت الاعتكاف في البيت واللجوء الى فكرة التثقيف الذاتي والتهيؤ الى مرحلة مابعد سقوط الدكتاتورية، لكنها تاخرت كثيرا وجاءت بطريقة على غير مانتامل .

 

- كيف تنظر لعناصر العرض المسرحي في المسرح المعاصر مثل النص الاخراج السينوغرافيا الانارة التمثيل والموسيقى وغيرها؟

- التطور التكنلوجي والعلمي والثقافي فرض اسلوبا جديدا للابداع يعتمد احترام الاختصاص وفي نفس الوقت التقارب اقصى مايمكن في فهم المنجز الابداعي وفسح المجال باكبر قدر من الحرية للتعبير عن دواخل الفنان المشتغل باي عنصر في المنجز، المسرح عمل يحتوي عناصر فنية ابداعية متعددة بدءا من النص المسرحي، ولاينبغي ان يسقط البعض في فخ اعتبار مصمم الديكور او الانارة او الموسيقى او السينوغرافيا على انه فني، بل يجب ان ينظر له كفنان، لان تلك العناصر تحتاج الى تحسس واع وتخيل ابداعي يقترب من روح النص ورؤيا الاخراج على ان تحترم رؤيا كل فنان مسؤول عن عنصر من تلك العناصر لا ينبغي ان تبقى الموسيقى مجرد مؤثرات موسيقية او الديكور والسينوغرافيا داعمة للنص او الانارة مجرد اضواء توحي لليل والنهار والحلم والكابوس وماشابه ينبغي تطوير هذه العناصر باختيار فنانين او تدريب طلبة ليدركوا اهمية ابداعهم .. لاينبغي ان نسلط الاضواء فقط على التاليف والاخراج ليخرج العمل مهلهلا ..لقد شاهدت اعمالا تحمل دروسا وافكارا رائعة الا ان الضجيج الموسيقي وحركة تغيير الديكور والانارة التقليدية افسدتها ومادمنا نتحدث عن الحداثة والتغييرات الجوهرية في المسرح اذن ينبغي ان نطور تلك العناصر المكونة للعرض المسرحي لايحدث التطور من خلال الاحاديث العشوائية التي تقررها الصدفة او التشدق بما قراناه عن نظريات اجنبية ..المنجز هو القياس .

 

- لماذا انصرفت الى مجال التأليف المسرحي في السنوات القليلة الماضية؟

- التاليف والكتابة اقرب الى نفسي للتعبير عما يجول في ذهني بقية عناصر العمل المسرحي تحتاج الى ممارسة عملية جماعية مثل الاخراج والتمثيل والموسيقى ..وغيرها ..الكتابة تمنحك فضاء رحبا لكي تمارس هذا الابداع بمفردك تضع افكارك على الورق وتعيد كتابتها وصياغتها ثم تعرضها على اصدقاءك او تستمع لاراءهم وتعيد ماكتبته وتشعر بالمتعة، هذا الامر خدمني كثيرا في العودة بشكل مباشر بعد عام 2003للعمل في الصحافة والى الان انا اكتب للصحف ونشرت نصا مسرحيا بعنون " الخطاب الاخير " وعام 2005قدمت نصا في مهرجان المونودراما بعنوان " اعتصام الحمام " اخرجه الفنان عبد الكريم سلمان وطبعت مسرحية بعنوان " كوابيس الابيض وبيان يقضته الاول " في الواقع هذا العمل استغرق زمنا يقارب الاربع سنوات حاولت من خلاله تقديم رسالة خاصة منطلقا من الواقع المحلي الى العالمي، وكتبته بما اسميته انا (العرض المكتوب) اي ان القاريء وجد فيه تفاصيل المكان والانارة والسينوغرافيا وحتى الاخراج الاولي بما يجعله يدرك الرسالة، واعتقدني ساضطر الى الكتابة بهذه الطريقة بعد ان لمست ان تجسيد العرض المسرحي الحي هذه السنوات يحتاج الى علاقات وترتيبات وطرق متعبة، فقط اكتفيت بايصال نسخة من المسرحية للسيد وكيل وزير الثقافة لالقاء الحجة، الكتابة تمنحك استقلالية رائعة تماما كاللوحة التشكيلية، سيبقى الكتاب عشرات السنين لايفنى، قد يقع الكتاب بعد عشر سنين بيد احد المبدعين او احد طلاب المسرح فيجد فيه ضالته وعندها ساذكر بالخير افضل مما لو هرولت الى جهة لارجوها في احتضان عمل كتبته لغرض ايصال رسالة انسانية . وبالمناسبة انا لا اتردد في كتابة قصة قصيرة او سيناريو للنشر لمجرد ان اجد هذا الشكل الادبي يناسب الموضوع .

 

كيف تقيم التجربة المسرحية العراقية في ضوء المتغيرات التي حدثت بعد عام 2003 و كيف تقرأ ملامح الخطاب المسرحي الحالي؟

المسرح والعروض المسرحية على وجه التحديد تحتاج الى اهتمام مادي، لا تكفي الحرية ليكون هناك مسرح، بعد التغيير شرع الجميع بالعمل، ولكن هل بالامكان ان تقدم للجميع مستلزمات العمل للعروض المسرحية، وهل الجميع ارتقى الى مستوى المهمات الثقافية الملقاة على عاتقه، التغيير كان صدمة وقف منها المثقفون في مفترق طرق (سقط الظلم، سقطت بغداد، اقامة نظام ديمقراطي، حرية لا تخلو من فوضى، وجود احتلال ليس بتفويض دولي، ارهاب، فساد، صراع سياسي ليس لصالح الجمهور، انتخابات حرة، طائفية، قبلية) المخاض لم يزل صعبا وكبيرا، في السابق كان المثقف يقف إمام عقدة كبيرة واحدة وكل تلك العقد تختفي تحتها هي عقدة الدكتاتورية فكان يمارس دورا لإيصال صوته بإدانتها بطرق مستترة، فجأة وجد نفسه اليوم أمام عقد كثيرة ليس فقط في رأس الهرم فقط بل في القاعدة الجماهيرية ولهذا لم ترتق الأعمال المسرحية إلى مستوى هذا المخاض على عكس السرد الروائي والقصصي كان جيدا الى حد ما وهو في تطور، والغريب ان المؤسسات الرسمية للثقافة كانت قاصرة الفهم للتحولات اذ فسحت مجالا واسعا ومكررا لعناصر نالت فرصا كثيرة في زمن النظام السابق ولم تفسح مجالا للمغيبين لممارسة نشاطهم بذريعة الخبرة والاسماء وكان الرحم العراقي غير قادر على عطاء جديد وهكذا عانى المغيبين من تغييب اخر، وتعكزت تلك المؤسسات على مهرجانات اسمتها عربية او عالمية لكنها مجرد كم وليس نوع ومجرد اعلام بالرغم من المبالغ التي صرفت عليها الا انها لم تحتوي المرحلة الا باعمال جدا قليلة لاتشكل تاريخا او مرحلة مميزة للمسرح، كانت العروض المسرحية في السبعينات تدفعنا إلى الحوار والمناقشة والتحفيز والتفكير في ظل نظام دكتاتوري، في الواقع يبدو لي بعض المسؤولين عن الثقافة في الحكومة والدولة والبرلمان لم يكونوا من المؤمنين بالثقافة و ينظرون لها مجرد مفصل مكلفين للقيام به مثل واجب ينفذ وينتهي الامر، طبعا سيهدر المال دون نتيجة تذكر.

 

كيف تقرأ العلاقة الجدلية بين المثقف والسياسي في ظل الاستقطابات السياسية الحاصلة في البلد؟

- ليس ثمة علاقة مثمرة، السياسي يجامل المثقف لوقت ما من خلال مفردات غير كافية السياسي اليوم يهتم بالسياسي الاخر ويخشاه اكثر مما يحسب حسابا للمثقف لسبب بسيط تقف وراءه الديمقراطية وعلى وجه الدقة الانتخابات، السياسي يملك اصوات لها اهميتها في تبوء المنصب، المثقف لايملك تلك الاصوات وحتى عندما حاولنا في الانتخابات الاخيرة ان ندفع بالمثقف الذي نريده الى البرلمان خسرنا اصواتنا بسبب (الكوتا) وثمة حاجز كبير بين المثقف والجمهور بسبب نوع الخطاب، ثمة بون واسع بين المثقف والجمهور استفاد منه السياسي وغيب المثقف عن المواقع المهمة، ثم بدا بعض المثقفين يتحولون بالتدريج عن استقلاليتهم الى اتجاهات لايرغبونها في السابق، في العالم المتقدم هناك نوادي تجمع المثقفين والسياسيين والعسكرين والفلاحين وغيرهم في نوادي مشتركة يتبادلون فيها الراي، اليوم كل يقرفص في اخدوده بالرغم من انهم يرون بعضهم بعض ولكن بلا حوار مثمر، يحتاج المثقف الجمهوروالجمهور يحتاج المثقف ولكن ليس على طريقة بعض السياسيين، التحريض على الطائفية من خلال انا امثلك وفلان يمثل الاخر والثالث يمثل علان، وانت افضل من الاخر لانك تنتمي (وراثيا –وليس عقليا) الى الجهة الفلانية، المثقف يجب ان يسعى لتمثيل الجميع دون تمييز وتلك هي المهمة الصعبة التي تواجه المثقف اليوم .

 

حاوره قاسم ماضي – ديترويت

حوار مع الفنانة نماء الورد

يتوزع الفنانون العراقيون الكرة الأرضية، ورغم التباعد الجغرافي، استطاع بعض المسرحيين العراقيين تقديم أعمال مسرحية ابداعية مشتركة من خلال ورشات العمل السريعة. ونجحت فرقة المنفى في تقديم أول عمل مسرحي لها "ترنيمة الكرسي الهزاز" في كل من المانيا، هولندا، بلجيكا، النرويج والسويد. والمسرحية من تأليف الكاتب المسرحي فاروق محمد واخراج الدكتور عوني كرومي وتمثيل نماء الورد ــ النرويج وانعام البطاط ــ النمسا والأغاني من.تأليف عريان السيد خلف.

الفنانة نماء الورد من مواليد بغداد 1953. تخرجت من معهد الفنون الجميلة ببغداد قسم المسرح عام 1976 ثم درست في كلية العلوم ــ بغداد وتخرجت عام 1981..درست المسرح في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق عام 1985. شاركت في أكثر من ثلاثين عرضا مسرحيا منها زيارة السيدة العجوز، بيت الدمية السور، زهرة الاقحوان، نشيد الأرض، الآنسة جولي وترنيمة الكرسي الهزاز. كما شاركت في المسلسل التلفزيزني (جرف الملح) من تأليف صباح عطوان.

وفي النرويج حيث تقيم، استطاعت نماء من تشكيل فرقة اور وقدمت مسرحية أهلا " التي عُرضت في الدنمارك وفننلدا وبرلين.

كان لي هذا الحوار مع الفنانة نماء الورد

 

- شاركتِ في العديد من العروض المسرحية و منها مسرحية " ترنيمة الكرسي الهزاز " هل لك أن تحدثينا عن هذه المسرحية وكيف تبلورت فكرة عرضها في المنفى؟

- عُرضت المسرحية وهي من تأليف الكاتب المسرحي فاروق محمد و أخراج د. عوني كرومي وتمثيل كل من أنعام البطاط واقبال نعيم،لأول مرة في بغداد عام 1987، وكان عدد عروضها يفوق الستين عرضا وفي عدة أماكن في بغداد بعدها توقفت بسبب المنع. وعُرضت المسرحية في عمان ــ الاردن بمناسبة افتتاح مسرح الستين كرسي على غرار مسرح الستين كرسي في بغداد اوائل السبعينيات. كما شاركت المسرحية في مهرجان قرطاج لعروض الهواة عام 1991 وحازت على جائزة أفضل عمل مسرحي عام 1995 طرح الدكتور عوني كرومي فكرة اعادة عرض المسرحية في اوربا على أن أقوم أنا بدور راجحة بدلا عن اقبال نعيم التي لازالت في العراق. تمً استدعاء انعام البطاط من النمسا الى المانيا حيث يقيم الدكتور عوني واجتمعنا نحن الثلاثة في برلين وبدأنا بروفات مكثفة. بعد ثمانية أيام من العمل المتواصل ليل نهار وباشراف الدكتور عوني وتواجد الدكتور صالح كاظم (دراماتورك) والزميل الفنان منذر حلمي كمتابع لغوي ومشارك في تطوير العمل المسرحي. وفي شهر نوفمبر، استطعنا أن نقدم المسرحية في نادي الرافدين الثقافي في برلين، وكان لتشجيع الحاضرين الذين زاد عددهم على الثمانين شخص في تلك الامسية، دافعا قويا لنا لمواصلة العمل. واتفقنا أن أعود الى اوسلو لتنظيم عرض المسرحية هناك ويتولى تنظيم العروض في السويد والدنمارك الأخ الرائع أسعد راشد.وابتدأت رحلتنا مع الترنيمة على مسارح المانيا، هولندا، بلجيكا، النرويج، السويد والدنمارك

 

- ماذا تروي مسرحية " ترنيمة الكرسي الهزاز "؟

- تتحدث المسرحية عن حالة الانتظار واليأس التي يعيشها الفرد نتيجة الحرب والكوارث التي تسببها،فهي تروي حياة امرأتين تعيشان في بيت شبه مهدم. تلتقيان من حين لآخروكل واحدة تعايش انهيارها في صورة انهيار الاخرى. مريم ــ انعام البطاط مطربة معروفة أيام زمان، خسرت ماضيها والمعجبين بها وهي تعيش حالة حنين مريض لامجاد ذلك الماضي وتحلم أن تعود الى امجادها الضائعة. أما المرأة الاخرى راجحة ــ وانا أقوم بالدور، خسرت هي الاخرى ماضيها وتحلم بالحبيب الغائب الذي سيعود اليها ذات يوم وربما لايعود مطلقا. لم يبقى من ذكرياتها سوى الرسائل التي .. (تقرأها باستمرارلكي تتجاوز كارثة وجودها (تنيتك عود ينشاف العطش بية كلتيهما اصيبتا بالشلل بفعل الحرب والخوف ولم تعد مقاومة واقعهن المرير أمرا ممكنا.

 

ــ هل تناول كاتب المسرحية فكرة الانتظار من ناحية فلسفية؟

- المسرحية كُتبت اثناء الحرب العراقية الايرانية، ومن خلالها أراد الكاتب أن يتطرق للدمار الجسدي والنفسي الذي سببته هذه الحرب. كان المرء يعيش حالة انتظار قاسي و انعكس ذلك على تصرفات الانسان، فالمؤلف لم يتعامل مع فكرة الانتظار من الناحية الفلسفية، بل استعمل الاسلوب الواقعي. ومن خلال دمج الغناء والتمثيل والشعر الشعبي، استطاع أن يعكس الواقع الاجتماعي.العراقي برؤية فنية

 

ــ تمً عرض المسرحية في عدة بلدان اوربية، فهل اقتصر الحضور على الناطقين باللغة العربية؟

- كان هناك ممن لايجيد العربية، لكن استطاع المتفرج أن يتفاعل مع النص. و من خلال الاشارة والايماءة وارتجاف الشفتين، يستطيع المشاهد أن يدرك تجربة الخوف والوحدة ومن هنا فالعرض يمكن أن يصل الى الجمهور الذي لايجيد العربية بلا صعوبات كبيرة. احيانا تكون هناك ترجمة فورية للنص، لكن قد لاتصل الى جوهر النص خاصة اذا كان شعرا

 

- هل سبق وأن شاركتِ في عمل مسرحي من اخراج د. عوني كرومي؟

- شاركت بالعديد من المسرحيات التي اخرجها د. عوني كرومي، منها مبادرات عامل الآنسة جولي، الانشودة، كوربولان، حكاية لاطفالنا الاعزاء، كشخة ونفخة

 

ــ برأيك ماهي الصغية المناسبة لعمل مسرح عراقي يتناسب مع ظروف اقامة الفنانين العراقيين في بلدان متعددة، وماهي السبل الكفيلة لنجاح العمل؟

- لا اعتقد أن هناك صيغة جاهزة ومناسبة لعمل مسرح عراقي يناسب ظروفنا في المنفى، لكن هناك مبادرات فردية لتقديم عمل مسرحي من حين لاخر كما في تجربة ترنيمة الكرسي الهزاز ”. الفنانون العراقيون يقيمون في بلدان متباعدة وهذا بالتأكيد " سيكون عائقا أمام استمرار ونجاح عملنا، لكن تأسست بعض الفرق المسرحية بجهود فردية ومنها على سبيل المثال فرقة صحراء 93 في بلجيكا بمبادرة الزميل المخرج والممثل حازم كمال الدين وفرقة اور التي تأسست عام 1995 في النرويج بمبادرة مني، كما توجد فرق اخرى في فرنسا وانكلترا والسويد. وفي رأيي أن اصرارنا على اللقاء وتجاوز خلافاتنا الفكرية والسياسية والأجتماعية كفيل لاستمرار ونجاح العمل المسرحي في المنفى وبغير ذلك لايمكن أن نلتقي ونعمل وفي الختام اشكر مجلة بلقيس لاتاحة الفرصة لي واتمنى لها النجاح

 

بلقيس الربيعي

.....................

أجريت هذا الحوار مع الفنانة نماء الورد عام 1996 حين كنت أعمل مراسلة لمجلة. بلقيس اليمنية وارتأيت اعادة نشره

 

شيلان حمو: قصيدتي الكوردية الآن غنية مفرداتها لأني أعيش في كوردستان

shilanhamowشيلان حمو- تمثل بيئتها الإنسانية أينما حلت،و اينما اتجهت، وتتفاعل معها بروح شاعرة واعِية وحرة إلى حد كبير، وبروح شعرية رائعة أيضا، وكأنها تحمل هم ومعاناة بيئتها الكردية بكامل تفاصيلها، أنها تحمل في داخلها حنينا جارفا نحو الإنسان الكردي تكاد تلين الكلمات بين أناملها كما تشتهيها شيلان حمو نفسها انه الحنين الكردي دائما، نحو فضاء الحرية .. حرية الإنسان .. حرية الكلمة .. ولذلك كان لنا مع الشاعرة شيلان حمو المقيمة في كردستان العراق منذ عام (2004) هذا اللقاء السريع عبر الفيس بوك ..

 

س - للشعر خصوصيته ورمزيته ودهشته، أي بمعنى كيف انسجمت مع هذا العالم، وكيف بدأت كتابة الشعر، ولماذا الشعر تحديداً ...؟؟؟

ج - في فترة المراهقة في الرابعة عشرة كتبت أولى قصائدي حين وعيت انني في واقع يرفضني كوردية، كتبت أول قصيدة ديرسم دير ياسين، بدأت رحلة البحث عن ذاتي الضائعة في الواقع تعريب وطني الثقافي

شيئا فشيئاً بدا انسحابي لخلق عالمي حتى في البيت كنت الزم غرفتي كثيرا، اخترت القصيدة بشكل أساسي لأنه عالم شفاف ورمزي لقراءة الداخل الإنساني، وكنت محرومة من لغتي الام الكوردية بشكل شوفيني فضلت تعلمها على يد اختي كول شاه التي كانت تتقن الفارسية ايضا والعربية وتكتب ايضا الشعر، وهي مدرسة اللغة الفرنسية الان في قامشلو

 

س- لماذا اخترت (بلا عنوان) لكتابك الشعري هل تكرهين العناوين ولماذا ...؟

ج- اخترت بلا عنوان لكتابي كي اترك القارئ يختار العنوان حين يقرأ قصائدي ...

 

س- لماذا تركت قامشلو واخترت كوردستان، هل خوفاً من شيء، ام هروباً من الواقع ...؟؟

ج- قامشلو في القلب لم اتركها انا متواصلة مع امي أختي أخي أهلي أصدقائي جقجق الحارة الغربية أعياد النوروز، لكن حلم رؤية جنوب كوردستان الحر من طاغية العصر صدام، وأصدقائي الشعراء الذين كنت اتواصل معهم عبر مجلة متين حسن سيفاني عارف حيتو زيدو باعدري، واخرون ....

 

س- ما الفرق بين تجربتك الشعرية بين روج افا وإقليم كوردستان هل تغيرت أدواتك الكتابية ام ماذا ....؟

ج- قصيدتي الكوردية الان غنية مفرداتها لاني أعيش في كوردستان حرة مؤسسات ثقافية إعلام كوردي واني أعاني من الكورمانجية الجنوبية هنا وكورمانجية شمالية في قامشلو تبقى اقل من اللهجة السوراني.

 

س- لماذا لم تطبع كتبك المخطوطة في كوردستان باعتبار لديك خمس مخطوطات شعرية ...؟

ج- لم أطبع بعد مخطوطاتي بسبب وضعي المادي.

تحت الطبع الان ديواني الثالث، كما اشكر " جابخانا خاني " على طبع ديواني الكوردي والعربي و بلا عنوان bendewar

 

س- الى أي درجة تحس شيلان حمو بان شعراء روج افا المقيمين في اقليم كوردستان اثروا في التجربة الشعرية لأدباء كوردستان العراق ....؟

ج- أدباء كوردستان العراق لهم وزنهم الشعري أمثال شيركو بيكس بدرخان سندي واخرين تاثرت بهم،واعتقد ان أدباء روجافا لهم لونهم وقصيدتهم الحديثة في تقدم امثال، فتح الله الحسيني .

 

س- كيف تعالج شيلان حمو واقع المراة شعرياً ...؟

ج- أحاول قراءة المرأة المنكوبة لحد الحرق والقتل،أحاول قراءتها من ذاتها من داخلها. أجد نفسي محبطة أمام انتكاسة غريبة للمرأة أمثال : معلمة على وشك جنون بين أهلها، أو قتل زوجة على يد زوجها... هل عبرت قصيدتي بصدق عنها .

 

س- لماذا لا تنشرين قصائدك على صفحات الفيس بوك ...؟

ج- انشر أخر قصائدي في الفيس بوك، الآن نشرت قصيدة للشهيدة من قامشلو "آية "، التي استشهدت نتيجة طلقة طائشة وأمثالها كثر من الإرهاب اللعين .

 

س- هل تكتبين عن تربية الطفل الى اين وصلت في هذه الكتابة باعتبارك مختصة في هذا الشان ...؟

ج- لدي مقالات عن هموم الطفل الكوردي المحروم من ابسط حقه في تعلم بلغته الام وهو حقه التربوي الطبيعي لإنسان يعيش على أرضه التاريخية كوردستان، حين كنت أشاهد العلم الكوردي يرفرف فوق مدرسة ليلى قاسم وكاني في حلم لا ينتهي،وأطفال يتعلمون بلغتهم حقيقة فرحت جدا في جنوب كوردستان ..

 

س- ما الجديد الكتابي لدى شيلان حمو ...؟

ج- قصائد لشهدا ء الحرية القادمة لا محال، وديوان قيد الطبع ...

تحياتي لكم وشكري لهذه الفسحة للتعبير عن أرائي تمنياتي بالتقدم، ولشعبنا في غرب كوردستان الحرية والامان وفي جنوب كوردستان يتحقق حلمنا بدولة كوردستان مستقلة

حاتم جوعيه يُحاور آمال عوّاد رضوان

amal awadaمقدِّمةٌ وتعريف: الشَّاعرةُ والأديبةُ المعروفة "آمال عوّاد رضوان" من سكان "عبلِّين" الجليل الغربي- قضاء عكا، تعملُ في مهنةِ التدريس، وتكتبُ الشِّعرَ والأدبَ والدراسات والمقالات بأنواعها، والريبورتاجات (التقارير) الصحفيّة. أصدرت العديدَ من الكتبِ الأدبيةِ والدواوين الشعريَّة، ونشرت الكثيرَ من إنتاجها الأدبيّ والفكريّ في مختلفِ الصحفِ ووسائل الإعلام المحليّةِ وخارج  البلاد.

حصلت على العديدِ من الجوائز الأدبيَّة الدولية، وشاركت في  مهرجاناتٍ ثقافيَّة وأدبيَّة ومؤتمراتٍ أدبيَة كثيرة في الداخل والدول العربيَّةِ، وقد أجرينا معها هذا اللقاء الصحفيّ المطوّل في حدائق بابل الغناء بأجوائها السحريةِ الرائعة في مدينة شفاعمرو. 

 

*متى بدأتِ تمارسينَ الكتابة َعلى أنواعِها: الأدبيَّة  والفكريَّة (شعرًا ونثرًا)..

- عمليَّةُ الكتابةِ بدأت في جيلٍ صغير، وبرزَتْ من خلالِ المواضع الإنشائيَّة ومسابقات المطالعةِ في المدرسةِ. كلُّ هذه كانت محفزات للمطالعةِ في الدرجةِ الأولى- وتطوير اللغةِ العربيَّة والتعلُّق بها. في البدايةِ كنتُ أكتبُ ولا أنشر، ولم أتوقَّع يومًا أنّي قد أتجرّأ وأنشرُ كتاباتي، وأخوض في هذا المضمار.

عمليَّةُ النشر بدأت في الخفاء إلكترونيًّا في أواخر التسعينيَّات، وعام 1998 تعرَّفتُ إلى المرحوم  الأستاذ "موفق خوري"، وطلبَ أن  يطَّلعَ على  المواد التي  أكتب، فأعجبَ بها وأصدَرها في كتاب تحت عنوان (شموع الآمال)، وهذه  كانت مُفاجأتي الأولى وتعريفِ القارئ المَحلي باسمي. 

نشرتُ خلال سنوات متواصلة في منتدَى (الكلمة نغم) تحت اسمي  المستعار "سحر الكلمات"، وتلقيتُ الرُّدودَ الإيجابيَّة َوالنقدَ الدّاعم والمُحفز حول ما كنت أكتبهُ، وكانَ الإصدارُ "بسمة لوزيَّة توهَّج" عام 2005، وعام 2007 تلاهُ إصداري "سلامي لكَ مطرًا"، وتبعتهُ عدَّةُ إصداراتٍ في مجالِ البحث والدراساتِ الأدبيَّةِ ودواوين شعريَّة أخرى، وعام 2010 صدرَ ديواني الشعري "رحلة إلى عنوان مفقود".

وبعدما انتشرَ اسمي في الخارج، كانت تصلني حواراتٌ ومساءلاتٌ حولَ رؤيتي ورأيي بأمورٍ مختلفةٍ، ثقافيًّا، واجتماعيًّا، وسياسيًّا، وفي مواضيع النقدِ، والمرأة، والأدبِ، وأحداث الرَّبيع العربي، فجمعتُ ما كتبتُهُ مِن مقالاتٍ عام 2011 في كتابٍ بعنوان: (رُؤى)، وفي شهر أيلول-2013، أصدرت كتابًا في نقد نصوصي الشعريّة، كتبَهُ نُقّادٌ مِن العالم العربيّ، بعنوان "حتفي يترامى على حدود نزفي".

 

*طموحاتُكِ ومشاريعُكِ الأدبيَّة والثقافيَّة للمستقبل وغيرها؟  

- الطاقة الإبداعيَّة هائلة والطموحاتُ كبيرة.. لن أسوّف أو أسلّف.. لكن آملُ أن يَمُدَّني اللهُ بالعمر والقدرةِ على إنجازها. وحاليًّا لا زلت عاكفة لوضع اللّمساتِ الأخيرة لمشاريع كتبٍ أُعِدُّها للطباعة، بدأت أعِدُّها منذ عام عام 2006؛ أعدُّ ديوانًا شعريًّا، وكتابًا آخرَ في الحواراتِ واللقاءاتِ الثقافيَّةِ، وكتابًا في النقد، وكتابًا في التقارير الثقافيّة.

 

*ما هو الحافزُ والدافعُ الذي يجعلكِ تكتبينَ؟ وَلِمَن تكتبين؟ 

- إنَّ الحافزَ الذي يدفعُني للكتابةِ هو تعلُّقي بكلمةٍ ترسمُ مَلامحَ ملائكيّةً مسحورةً بالدّهاء، وشغفي بشعرٍ شيطانيٍّ يُجسّدُ نبضَ حرفٍ منذورٍ للضّياء، ليَخلقَ كونًا مضيئًا بالسّلْم والحبور، في خضمّ هذا المزيج السماويّ الأرضيّ الصاخب المَرهونِ بعبثيّةِ الإنسان، والمُطعَّم بنكهةِ الشيطملائكيّة. هو حافزٌ أُعبِّرَ مِن خِلالِهِ عن متطلّباتٍ الحياة الشخصيَّةِ والإنسانيَّة، المشحونةِ بحرِّيَّةِ التعبير، وبالتأمُّل، والفكر، والرُّؤَى، والاستشرافِ الحالم والمشاعر الجيَّاشة. 

 

 *أينَ تجدينَ نفسَكِ أكثر في الشِّعر أم النَّثر.. ولماذا؟

ليست لديّ حدودٌ وتقييداتٌ بأنماطِ وأصنافِ الأدب، أو ألوانِ الكتابةِ وأجناسِهِ، فهنالك ما يتطلَّبُ منّي ذهنيّا وفكريًّا أنْ أُعبّرَ عنهُ نثرًا، مِن خلالِ مقالةٍ، وتوصيل رسائلَ مباشرةٍ، تتضمّن تعبيراتٍ فكريّةً  ورُؤى، لكن فيما يختصُّ بالأمورِ الحسّيّة الوجدانيَّةِ الشجونيّة الروحيّة، فأجدُني في الشِّعر.

 

*ما رأيُكِ بمستوى الشِّعرِ والأدبِ والإبداع المحلِّي، مقارنة مع الإبداع في الدُّوَل العربيَّة؟

- بالرغم من أنّ الإبداع المحلِّيّ (داخل زنزانة)، بكلِّ صُنوفِهِ وصُنوجِهِ ودُفوفِهِ، إلّا أنه يُضاهي بمستواهُ الفنيِّ الإبداعَ العربيَّ في الدول العربيَّةِ والمَهجر وعالميًّا، بالرغم من إسدالِ ستائرِ التعتيم على عروشِ إبداعِنا المَحلّي، (داخل الخط الأخضر- عرب 48)، وبالرغم من سكْبِ دواةِ التهميش السوداءِ على كيان الإنسان الفلسطينيّ، وعلى حضورِهِ إبداعيًّا وجغرافيًّا وتاريخيًّا، وتحت ذرائعَ واهيةٍ لا منطقيّة. لقد مُورِسَ هذا القمعُ على مدى عقودٍ طوالٍ، مِن قِبل زعاماتِ الدّولِ العربيَّة التي فرَضتْ سياستَها على المثقف العربيّ، وبكلّ أسفٍ، لا زالت هذه الهيمنةُ تطغى على المثقّفِ العربيّ حتى اليوم، ولا زالَ يَسيرُ في السربِ مع زرافاتِ الزعاماتِ العربيّةِ راضخًا، متخوّفًا مِن مُقاطعتِهِ وحِرمانِهِ، رغمَ أنّهُ مُقتنعٌ بحقِّ المُثقف الفلسطينيّ، لكنّ إيمانَهُ متزعزعٌ مُتذبذبٌ، لا يَقوى على المواجهة والمقاومة!

هنالكَ أسماءٌ فلسطينيّة مَحليّة تمكَّنت من فكّ الحصار واقتحامَ هذهِ الزنزانة، فانطلقَت محظوظة إلى الخارج تتنفس هواءً مغايرًا، ساهمَ الحَظُّ والإعلامُ والحزبُ في انطلاقها، ولعبَ دورُهُ  في إيصالها إلى الشهرة. لكن أيضًا هنالك أسماءُ مُبدعين مَحليِّين كثيرة لا تقلُّ مستوى وإبداعًا، لم يُحالفها الحظ، ولم يتمكنوا من امتطاءِ الموجاتِ المُتاحة، فظلّتْ أصواتُهم سجينةً في قمقمِ علاء الدين إلى يوم الدين، يومَ يَصحو عالمُنا العربيّ مِن غفوةِ تخديرِهِ، ويُدركُ مَدى الإجحافِ الذي آلمَ بهِ أخاهُ الفلسطينيّ!

آملُ في المستقبلِ القريب جدًّا، أن يتحرَّرَ المُثقف والمُبدعُ العربيُّ في الدولِ العربيَّةِ من فكرهِ  المُعتّق بالتزمِّت الرَّفضي الممنهَج واللامُبَرَّر، بحَقّ أخيه المبدع الفلسطينيّ، وأن يُدرك وبجدارة، أنّهُ يقفُ معَ السجين وليس معَ السجّان، فعليهِ أن يَدمجَ المبدعَ الفلسطينيَّ بكافةِ النشاطاتِ الإبداعيّةِ العربِيّة، لأنَّهُ ليسَ أقلَّ عروبةً ولا قوميَّةً ولا ثقافةً، بل لديهِ كلُّ المقوِّماتُ الأساسيَّةُ التي يتمتَّعُ بها كلُّ مُبدعٍ ومثقَّفٍ عربيٍّ آخر، بالرغم مِن كلِّ الظروفِ القاسيةِ والخانقة التي يُواجهُها بعنادِهِ، ويقاومُها بصمودِهِ، وكونُهُ يُحَمَّلُ هُويَّةً إسرائيليَّةً إلزاميّةً من أجل أن يبقى في وطنِهِ، فالأمرُ لا يُقلِّلُ من شأنهِ كعربيًّ وكمُثقَّف، طالما أنّه يعتزّ بكوْنِهِ فلسطينيًّا. 

ومن طرفٍ آخر، هنالك محليًّا مَن يعملُ على طمسِ المواهب الإبداعيَّة المحليَّة، أو تجييرِها أو شرائِها، مِن خلالِ النقدِ الهدَّامِ غيرِ الموضوعيّ وغيرِ النزيه، ومِن خلالِ التصفياتِ الشَّخصيَّةِ النفسيّةِ المُحبِطة.

 

*ما رأيُكِ بمستوى النقدِ المحلِّي؟ إلى أينَ وصلَ؟ وَمَنْ مِنَ النقَّادِ المحلِّيِّنَ الذين َترتاحينَ لكتاباتِهم وتعتبرينهم نُقَّادًا بالمعنى والمفهوم الحقيقيّ للنقدِ؟  

- بشكلٍ عام، الحركة النقديَّة مَحليًّا تكادُ تكون ضحلةً، من حيث كمِّيَّة النقد بالنسبةِ لكميّة الإنتاج الإبداعيّ، والسَّببُ ليسَ بسبب قلَّةِ النقَّاد، وإنما بسبب تخوّفِ النقاد، وتفادي حَرجِ المُسيئين والمُغرضين الذين يتصيّدونهم في المياه العكرة، ويتعرَّضُون لهم وللحركةِ النقديّة، وبالتالي يُسيئون للحركة الإبداعيَّةِ.

وبكلّ أسف، هناك نقطة مهمّة أخرى، أنّ بعض النقاد الأكاديميّين المَحلّيين المتمكّنين والقديرين والمُتمرّسين، لا يتناولونَ المُبدعين الجُدد، بل يُركِّزونَ اهتمامَهم على أسماء متداوَلة من مُبدعين قدامى، أو يَدورون في فلكِ أسماءٍ معروفةٍ مِن العالم العربيّ، أو مُبدعين محليّين أموات، ولا يُمكنهم الانطلاقَ خارجَ هذه المسارات، ربّما لأنهم يفتقرونَ إلى الجرأة والتحدّي، وربّما سعيًا للفت الانتباه العربيّ إلى قراءاتهم، أو ربّما تحسُّسًا من مواقفَ قد تسيء إلى شخوصِهم، واتهام نواياهم بما يُثير الحفيظة، أو ربّما بسبب عدم تفرّغ النقادِ للحركة النقديّة، وبسبب العمل الأكاديميّ.   

بكل مرارة أقول، إنّنا نفتقر إلى جهةٍ ثقافيّةٍ موضوعيّةٍ ومتخصّصةٍ، مُخوّلةٍ بتمويل ودعم المبدعين والحركةِ النقديّة، وبالمقابل، ما يُغبّطني ويُبهج قلبي في الأعوام الأخيرة، أنّ كليّةَ القاسمي في المثلث بدأت تتبنّى هذا المشروع الثقافيّ أكاديميًّا، وتعمل بجدّيّة وموضوعيّة في هذا الجانب الهامّ، عساها تُواصل نجاحَها ومثابرتها، لكن نحتاجُ إلى جهاتٍ أخرى!

أمّا على المستوى الشَّخصي، فإنَّ العديدَ من النقادِ المحلِّيّين ومن العالم العربيّ، قد تناولوا دواويني ونصوصي الشِّعريَّةِ باهتمامٍ إيجابيّ- مشكورينَ، وأنا بدوري أحترمُ كلّ القراءات النقديَّة إيجابيَّةً كانت أو سلبيَّة، فلكل عينٍ رؤيتها وثقافتها، إذ إنّ القراءة النقديّة هي تعبيرٌ عن عينِ الناقد وثقافته، وعن أدواتِهِ النقديَّة، وإدراكاتهِ الحسِّيَّةِ للنصِّ المقروء، ولا يمكن للناقد أن يصنعَ مبدعًا. وباعتقادي المتواضع، أنَّ الشَّاعرَ الناجحَ الراسخ في الشعر هو الناقدُ الأوَّل لِنصِّهِ، وذلك بامتلاكِهِ الموهبة والمعرفة الأدوات الشِّعريَّة، والتقنيّة، والنقدية، واللغة السليمة.

 

*هل يمكنُ للإنترنيت (الشبكة العنكبوتيَّة) أن تحِلَّ مكان الكتب والجرائد والمجلات (الصحافة الورقيَّة) بشكلٍ نهائيٍّ في الفترةِ القريبة، وتُلغي دورَها كليًّا؟ 

- طبعُا لا يمكن، لأنّ الكتابةَ الورقيَّةَ والكتبَ هي الرَّصيدُ الباقي والثابت، ولأنَّ البثَّ الإلكترونيَّ قابلٌ للاختراق، وللتدميرِ والحذفِ والإغلاق وعدم الاستمراريَّة.. وما يُثبّتُ حقَّ الكاتبِ هو الإصدارات الورقيَّة.  وأمَّا الإصدارات الرقميَّة فقد تتعرَّض للسرقةِ والقرصنة بكاملها، ونشْرِها بأسماءِ كُتّابٍ آخرين، كما أنّ هنالكَ نشْرٌ سريعٌ راقٍ، ونشرٌ مُسيءٌ للإبداع، ولمَن هبَّ وَدبّ، ومِن دونِ رقابةٍ في كثيرٍ مِنَ المَواقع والبرامجِ الإلكترونيّة.    

 

*يُقال: إنَّ الفنَّ والإبداع وليدُ المعاناة، تؤثر بالمبدع كثيرًا، ولها دورٌ كبيرٌ في صقل موهبتهِ، وتفجير طاقاتهِ الإبداعيَّة، ووصولهِ إلى مستوًى عالٍ من التألّق.. ماذا تقولينَ في هذا؟

- الإبداعُ تجسيدٌ للأنفاسِ في تَجاويفِ الرّوحِ، فهو لغةُ استثناءٍ لروحٍ ظامئةٍ للأمانِ إلى أبعدِ مدى. الإبداعُ لا يَخضعُ لشرائعِ التنظيرِ والمُعادلاتِ الحسابيّة، ولا يَقبلُ أنْ يَتثنّى أو يَتلوّى في مَراقصِ المُتسلّقينَ والمُتطاوِلينَ الوُصوليّينَ المُتهافِتين، بل ويأبى أن يُستدرَجَ في باحاتِ المُزايدات.

المُبدعونَ الحقيقيّون هاماتٌ مُكلّلةٌ بالكَمال الحقيقي إبداعًا وسلوكًا، لا يتأتّى لهم التألّقُ بالانفعالِ والاكتمالِ بافتعالِ الجُنونِ وشُرْبِ الخمرة، للخروجِ مِن طوْرِ الوَعي، وإنّما بخُطى التعفُّفِ والتنسُّكِ الحثيث، والتفكُّرِ والتأمُّلِ العَميقِ الصّامتِ، إذ لا تستهويهُمُ الإطراءاتُ الجوفاءُ، ولا تستدرجُها الإغواءاتُ الشّمطاءُ، بل يَتسامَوْنَ بتواضُعِهِم عن بُقعِ الضوءِ اللّاهبة، فتتغلغلُ نيرانُ المعاناةِ الكاويةِ في مساماتِ أرواحِهِم لتَسبُرَ مَكامنَها، باحثةً بخيطِ ضوءٍ عن مَرسى تنأى إليه، وعن مأوى تسكنُ إليهِ، لتُطلِقَ عنانَ الأخيلةِ في جُموحِها وخيلائِها، وتُفرفطُ مَسْبَحةَ نفوسِهِم حبّةً حبّة، خرزةً خرزة، بحثًا عن مكنوناتِ يَنابيعِها الجوفيّة.          

 

*ما رأيُكِ بمستوى الصُّحفِ والمجلاتِ ووسائلِ الإعلام المَحلّيّة من جميع  النواحي، وخاصّةً في  نزاهتِهَا ومصداقيَّتِها، وتعاملِها معَ المُثقفين والكُتّابِ والأدباء والفنانين المحلِّيِّين، وتغطيتها لأخبارهم ونشاطاتهم الثقافيَّة والفنيَّة؟

- للإعلام سُلطةٌ قويّةٌ تكامليّةٌ في بُعدِهِ الانطباعيّ، والانتمائيّ، والإنسانيّ، والحضاريّ، والفكريّ والإبداعيّ. الإعلامُ يَرسُمُ مَعالمَ الحياة، ويَعكسُ مَلامحَ هُويّةِ المجتمعِ والإنسان والواقع، ويُرسّخُ الذّاكرةَ الجمْعيّة، ويُوطّدُ مَتانتَها بينَ المُؤسّساتِ الثقافيّةِ والمُجتمع.

مِن المفروضِ أن يكونَ الإعلامُ مِنبرًا مُوازِيًا مُطوِّرًا لفعاليّاتٍ ثقافيّة مدروسةٍ، ولأصواتِ شرائح عُمريّةٍ مختلفةٍ من المُبدعينَ والهُواةِ، خاصّة شباب المستقبل، فتُفردُ صفحاتٍ مُتنوّعةٍ مُبتكَرةٍ لأجناسِ الثقافةِ المُتعدّدةِ، مِن نصوصٍ وقراءاتٍ نقديّةٍ ودراساتٍ فنّيّةٍ، مِن أجلِ العمَلِ على تحليلِهِ، ومُواصَلةِ الحوارِ الواعي بموْضوعيّةٍ ومصداقيّةٍ، وثقافةٍ أُسُسُها المعرفةُ المدروسةُ، دونَ تحيُّزٍ أو تَحَزُّبٍ، دون خصخصةٍ أو حصحصةٍ، كي يُساهمَ الإعلامُ بارتقاءِ المُجتمعِ ورفْعِ ذائقتِهِ، وينهضَ بتنويرِ حضارتِهِ، مِن خلالِ احتضانِ مُبدِعيهِ، وإغناءِ المَشهدِ الثّقافيّ وتنشيطِ حِراكِهِ، والتّعمُّقِ بجوْهرِهِ وأبعادِهِ لا بقشورِهِ وصُوَرِهِ، كما يَحدثُ في مُعظمِ وسائلِ إعلامِنا المَحلّيّةِ التجاريّةِ الانتقائيّةِ الحزبيّةِ الفئويّةِ اليوم، والتي تعملُ على أساسِ الترويج، والترفيه، والتوجيه، والتسطيح، وتسخيف القارئ وبالتالي هبوطِ ذائقتِهِ الإبداعيّة.

 

*حَدِّثينا عن الموسوعاتِ الأدبيَّة التي أصدرتموها مُؤخَّرًا مع الشاعر محمد حلمي الريشة!

- أُصدرنا موسوعة (نوارس مِنَ البحر البعيد القريب) عام 2008، وفيها تسليط الضّوءِ على الشُّعراءِ المحلِّيِّين من مواليد عام 1950 فصاعدًا، وتعريفُ القارئ العربيّ أنَّ بلادَنا فلسطين ليست مُختزلةً بأسماءٍ  ثقافيًّةٍ مُحَدَّدة، وأنَّ الحركة الأدبيَّة نشيطة، وبلادَنا ولودةٌ، لا زالت تنجبُ المُبدعين والشُّعراءَ مُحبّي الوطن والعربيّة. يضمُّ  الكتابُ (52) شاعرًا وشاعرة محليِّين.

وفي نفس التَّوجُّه الموسوعي كان لنا أعمالٌ مشتركةٌ أخرى: كتاب "الإشراقة المُجنَّحة" عام  2007 ، ويضمُّ (131) شاعرًا من العالم العربيّ والمهجر، والتي تتحدّثُ عن الومضة الشعريّة التي تلدُ القصيدة.

وهنالكَ كتابٌ ثالثٌ وهو: "محمود درويش في عيون خضراء"، ويتضمَّنُ هذا الكتابُ شهاداتٍ مِن المُثقَّفين العرب محلِّيًّا بعدَ موتِ محمود درويش، بطلب من د. خليل عودة عميد جامعة النجاح في نابلس، لإصدار كتيب بذكرى أربعين درويش، لكن المواد التي وصلتني كانت كبيرةً لا يتّسعُ لها كُتيّبٌ، فكان لا بدّ لي من إصدارِ الكتاب بكاملِهِ للمصداقية التاريخية واحترامًا لمن لبّوا دعوتي من الكُتّاب والشعراء.

ملاحظة هامة؛ أنّ كلّ كتبي الصادرة عن بيت الشعر الفلسطينيّ، كانت على حسابي الخاصّ.

 

*في بعض قصائدِكِ نجدُ بعضَ الكلماتِ والتعابير والإيحاءاتِ الجنسيَّة، هل تعرضتِ يومًا لنقدٍ  بهذا الصَّدد؟

- لكلّ نصٍّ تأويلُهُ، ولكلّ قارئٍ عينُهُ وذائقتُهُ ورؤيتُهُ، فهناك نصٌّ بعنوان "مرّغوا نهديَّ بعِطرِهِ الأزرق"، تناولَهُ أكثر مِن خمسة نقّاد مِن عالمِنا العربيّ، فمنهم مَن رأى به إيحاءً إيروتيكيّا، ومنهم مَن رأى به إيحاءً وطنيًّا، وآخرون نظروا إليه بعين العشق والرومنسيّة، واختلفت الرؤى في معظم نصوصي الشعريّة، لأنّها تحملُ عدّةَ زوايا وعدّةَ إيحاءاتٍ ودلالاتٍ بلُغتِها المُكثّفة، وليس لي أن أقولَ هذا صائبٌ وهذا خاطئ، لأنّ النصّ غدا مُلكَ القارئ والناقد، وأحترمُ كلَّ تحليلٍ وقراءةٍ نقديّةٍ لنصوصي، ولا أستهينُ بأيٍّ منها مُطلقًا، لأنّها لا تمسُّني شخصيَّا ولا تسيئُ لحرفي، ولا تُنكرُ عليّ الثناءَ في الأداءِ الشعريّ ببراعةٍ مُبطّنة.  

 

*ما رأيُكِ في واقع ومكانةِ المرأةِ العربيَّة والشَّرقيَّة؟ إلى أينَ وَصَلت؟ هل حقَّقتْ حُرِّيَّتها  ورَسَّخت مكانتَها وكيانَها في مجتمعِها العربيِّ المُحافظِ أم لا؟

- خلالَ العقودِ الأخيرةِ، والتي تعتبرُ مرحلةً إصلاحيّةً في جميع الميادين، ففي بعضِ الدولِ العربيّةِ وبشكلٍ جزئيّ، باتتِ المرأةُ الشرقيّة تتصدّرُ وتتبوّأ مراكزَ كثيرةً بهذا المشروع، منها ما هو شكليٌّ وصُوَريٌّ فقط للإعلام، ومنها ما هو حقيقيٌّ وبجدارتِها وكفاءتِها، لكن لا زالَ دوْرُها محدودًا في مجالاتٍ وأدوارٍ معيّنةٍ، فمُعظمُهنّ يُوجَّهنَ إلى مهنةِ التدريس، والتمريضِ والشؤونِ الاجتماعيّة، ونُدرةٌ منهنّ في مجالِ السُّلطةِ، والسياسيةِ، والتمثيل البرلمانيّ، والوزاريّ، والحربيّ، والانخراطِ في تقرير المصير، وقلةٌ منهنّ في المجالاتِ القضائيّة، والماليّة، والقياديّة، والحزبيّة، والطيران وغيرها من المواقع الحسّاسة. لماذا؟ هل بسبب العوائقِ العشائريّة؟ أم بسبب التبعيّة الدينيّةِ والفكريّة؟ أم بسبب العقليّةِ المُتزمّتةِ الرفضيّة؟ أم لأسباب أخرى قد نجهلُها أو نتعامى عنها؟ المرأةُ لن تتحرّرَ مِن أكبالِها، إن لم يتحرّرْ رجُلُها ومجتمعُها أوّلًا!

 

*ما رأيُكِ في مجتمعِنا الشَّرقي من جميع النواحي، مقارنةً مع المجتمع الغربي؟

- أقول بشكلٍ عامّ ومقتضَبٍ، في كلّ مجتمعٍ إيجابيّاتٌ وسلبيّاتٌ، ظلمٌ وعدلٌ ونقائضُ أخرى، ولكن بتفاوُت، أتمنّى على جميع مجتمعاتِنا الشرقيّة والغربيّة أن ترقى إلى كلّ ما هو إنسانيّ وبنّاءٍ وآمِنٍ، يقودُ البشرَ إلى الحياةِ الكريمةِ السلميّة، وإلى الرحمةِ والعدالةِ، بعيدًا عن الحروبِ والهيمنةِ والسيادةِ الأرضيّةِ الفانية، التي تُبيحُ أرواحَ الأبرياءِ، والمَدنيّين، والأطفالِ، والنساء، والمُسنّين، والُمعوّقينَ والشباب، وتهدرُ دماءَهم مجّانا.

 

*ما رأيُكِ في هذه التعابير التي ما زلنا نسمعها حتى الآن: أدب رجاليّ وأدب نسائيّ؟

- هذه المُسمّياتُ أُطلقتْ قبلَ عقودٍ مَضتْ، لتُجسّدَ ظاهرةً جديدةً وتَخدُمَ مرحلةً ولّتْ، إذ كانَ دوْرُ المرأةِ إبداعيًّا مُغيّبًا ونادرًا، وحين بدأت الكاتباتُ ينشرْنَ إبداعاتِهِنّ، ظهرَت صبغةُ التذمّرِ مِن المجتمع الذكوريّ المُجحف بحقها للتمرّدِ عليهِ. لكنّنا بالحقيقةِ، لم نقرأ يومًا أدبًا مُشْعَرًّا، تطغى عليه معالمُ الذكورةِ مِن لحيةٍ وصوتٍ خشنٍ بهرمونها تِستوسْتيرون  Testosterone، أو أدبًا أنثويًّا تطغى عليهِ مَعالمُ الأنوثة والجمال بهرمونها إستروجين  Estrogen، فالأدبُ ككلِّ، هو كباقي الفنون والإبداعاتِ، غيرُ قابلٍ للتجنيسِ والتذكيرِ والتأنيثِ والتأطيرِ في خاناتٍ مُحدّدةٍ.   

 

*يقالُ وراء كلِّ رجلٍ عظيم امرأة، ووراء كلِّ امرأةٍ عظيمةٍ رجل. ما رأيُكِ في هذهِ المقولة؟

- العلاقة بينَ الرجلِ والمرأة علاقةٌ كاملةٌ متكاملةُ الأدوارِ في حياتِنا الإنسانيّة، خاصّةً، إن كانت مبنيّةً على التفاهم والمودّةِ والرحمةِ والاحترام والانسجام، فعظيمٌ الرجُلُ الّذي يَتعاملُ مع أمِّهِ وزوجتِهِ وابنتِهِ كشريكةٍ وندٍّ ومُعينةٍ له، وككيانٍ فاعلٍ وفعّالٍ في الأسرة والمجتمع، وكإنسانةٍ مُبدعةٍ خلّاقةٍ، وليس كمُنافِسةٍ، فللمرأة طاقاتٌ وقدراتٌ هائلةٌ بنّاءةٌ ومُشرّفة، فيما لو أتاحَ الرجُلُ لها الفرَص للتعلم وخوْض التجارب.

 

*يقال: إنَّ الفنَّ والزَّواجَ لا يلتقيان تحت  سقفٍ واحد.. ماذا تقولين في هذا؟   

- طبعًا في التعميم بعض إجحاف، فهناك شواهدُ عديدة لنجاح فنّانين ومُبدعين خرجوا مِن تحت سقفِ الزواج، وما كان الزواج عائقا أمام إبداعاتهم، ومُعظم المُبدعين هم متزوّجون. إنّ الفنونَ والإبداعاتِ تحتاجُ إلى أجواءَ ونفوسَ ترعاها بتفهّم واهتمامٍ وتقديرٍ وثقة، لكن يحدثُ أحيانًا كثيرةً أن يكونَ أحدُ الزوجيْن عائقًا حقيقيًّا وجدارًا مانعًا أمام الإبداع، فيَشلُّ حركةَ المُبدع، ويمنعُهُ عن ممارسةِ إبداعِهِ، بل ويَحفرُ قبرًا عميقًا للمبدعِ المُتنازِلِ ولإبداعه.

 

*ما هي فلسفتُكِ وحكمتُكِ في الحياة؟

- فلسفتي في الحياة أن أحبَّ الحياةَ وأسرتي وبلدي بأحيائِهِ؛ بإنسانِهِ وحجرِهِ ونباتِهِ وهوائه، وفقط تحتَ عين ربّي ووقايتهِ وسِترِهِ، أن أعملَ وأساهمَ في خدمةِ مجتمعي الصغيرِ الكبيرِ القريب البعيد، بقدرِ ما أوتيتُ مِن قدرةٍ بنّاءةٍ وطاقةٍ خيّرةٍ، وبمنتهى الصمتِ والتواضع والتضحية، بعيدًا عن الأضواءِ والمجدِ الأرضي والمراءاةِ، وأن أكونَ حصى صغيرةً، يمكنُها أن تُسندَ بنيانَ الإنسانيّةِ مِنَ الانهيار.  

 

*أنت تعيشينَ في جوِّ خاصّ، حيث زوجك ووالدك رجلا دين.. هل وجودُكِ في بيئةٍ  مُتديِّنة لهُ دوْرٌ وتأثير في حياتِكِ بشكلٍ عامّ، وانعكاسٌ على كتاباتِكِ وأدبكِ وشعركِ بشكل خاصّ؟

- دون شك، فكلُّ غرسةٍ تتأثّرُ بالبيئةِ التي تتشكّلُ فيها مِن هواءٍ وماءٍ وتربةٍ. البيئةُ قد تُقصّفُ النبتةَ وتُكسّرُها وتُجفّفُها وتقطعُها وتحرقها، وقد ترعاها وتُقلّمها وتُشذّبُها وتَحميها بالمَحبّةِ والتضحية، وقد وجدتُ في كنفِ أسرةِ والدي ما تطمعُ بهِ كلُّ أنثى مِن اهتمامٍ ودعمٍ ورعايةٍ وحبّ، ليأخذَ زوجي بيدي، ويتابعَ معي مشوارَ العطاءِ والبناءِ والدّعمِ جنبًا إلى جنب. وما كتاباتي إلّا ظلالٌ لأشجارِ روحي الوادعة، والمُترفةِ بأريج الزهر وأعشاش الأحلام.  

 

*ما دورُكِ في فرقةِ "الكروان" العبلينية الجليلية؟ حبَّذا لو تحدِّثِينا عن هذه الفرقةِ- متى تأسَّسَتْ، ومن صاحبُ الفكرة والمبادرُ على تأسيسِهَا وما أهدافُه، وما هي نشاطاتُها وأعمالُها، والألوان والأنماط الغنائيَّة التي تقدِّمُهَا؟  

- أنا عضو في إدارة وفي كورال جوقة الكروان، وقد أسّسَها أخي المايسترو نبيه عوّاد عام 1995، بعدما أسّس معهدًا موسيقيًّا في عبلين الجليلية عام 1993، لتعليم الأطفال أصول العزف الشرقيّ والغربي معًا، بحسب أصول النوتة والإشارات والعلامات الموسيقيّة، وبعدما لاقى المعهد الموسيقيّ إقبالاً ورواجًا، وصار يُشكّلُ بوصلةً لطلّابِ الموسيقى في عبلين والبلاد الجليليّة المحيطة. انبثقت فكرةُ تأسيس جوقة الكروان إلى حيّز التنفيذ، وأداءٍ غنائيٍّ شرقيٍّ يهتمّ بكلّ ما هو قديم وجميل مِن موروثِنا الموسيقيّ الرّائع الرّاقي، وإحيائِهِ وتشكيلِهِ مِن جديدٍ بحُلّة جديدة، فقامَ بتدريباتٍ أسبوعيّةٍ جادّةٍ لمجموعةٍ مِن شباب وشابّات، وعملَ على تهذيب أصواتِهم، وتعليمِهم الغناء بأصوله، وهذا كان بمثابة تَحَدٍّ كبيرٍ وصعبٍ للظروف الصّعبة التي تقف عائقًا في وجه كلّ ما هو جديد، لكن بعزم وإرادة الكروانيّين، أخذت التدريباتُ تعطي ثمارَها، وخلالَ فترةٍ وجيزةٍ ضمّت جوقة الكروان بين جناحيْها خمسة وأربعين عضوًا كروانيًّا، يجمعُهم حبّهم للفرقة، وللغناء الجماعيّ الذي هو وبحقّ قمّة الغناء، حيث لاقت الدّعم من وزارة العلوم الثقافة والرّياضة، تحت إشراف نائب مدير عام الوزارة الأستاذ موفق رفيق خوري، والمجلس المحليّ عبلين، وجمهور الداعمين معنويًّا ومادّيًّا. فبدأت الكروان عروضَها محليًّا، وسرعان ما انطلقت إلى المحيط في البلاد من شمالها إلى جنوبها، في الجليل والمثلث، وبعدَ عدّةِ سنواتٍ احتلّتْ مرتبةً أخرى، باشتراكها في مهرجاناتٍ خارجَ البلاد، فقدّمت عروضًا في فنلندا، أستونيا، السويد، فرنسا، ومهرجان جرش في الأردن. ولا زالت جوقة الكروان تواصل عطاءَها المتزايد، وتسعى لتقديم كلّ ما هو جديد، وتجديد كلّ ما هو قديم من فنّ أصيل، وأغانٍ وهابيّة، وكلثوميّة، وكلاسيكيّة، ورحبانيّة، ووطنيّة، وفولكلوريّة وشعبيّة.

 

*ما هيَ مفاهيمُكِ للحرُّيًّةِ.. كيفَ تقيِّمينها؟  

-  الحريّةُ تعني أن يُمارسَ الإنسانُ حقّهُ في إنتاجهِ وإبداعِهِ، وفي اختياراتِهِ وقراراتِهِ بقناعاتٍ، ودونَ تطرّفٍ وتصلُّبٍ هدّام، ودون قيودٍ مادّيّةٍ واجتماعيّةٍ، أو ضغوطٍ معنويّةٍ وسياسيّة، وشرطَ أن تَصُبَّ الحريّةُ الفرديّةُ في بناءِ الحرّيّةِ الاجتماعيّةِ وبناء الصالحِ العام.  

 

الشعراءُ والأدباءُ والنقادُ المفضلونَ لديكِ: محليًّا وعربيًّا وعالميًّا؟

في مرحلةٍ سابقةٍ تناولتُ أسماءَ مُحدّدةً لها صدى إعلاميّا وترويجيًّا، وقد استهوتْني أغاني فيروز والشعرُ الرحبانيّ والجبرانيّ، لتقودَني إلى جبران خليل جبران وميّ زيادة، ومن "عائد إلى حيفا" قادتني إلى غسان كنفاني وغادة السمان، ومن ثمّ إلى الماغوط وأنسي الحاج وأدونيس وآخرين. وفي مرحلةٍ لاحقةٍ تتبّعتُ النّصوصَ التي تشدّني إليها حروفُها دونَ الاهتمام بكاتبها، إذ وصلت إلى قناعةٍ، أنّ النصَّ هو الراسخُ والمؤثّرُ، وليسَ الكُتّابُ والأسماء.  

 

*من هم النقاد الذين كتبوا عن كتبكِ وإبداعاتِكِ: محليًّا وعربيًّا وعالميًّا؟   

- كثيرون هم النقاد الذين تناولوا نصوصي الشعرية، التي نشرتُها عبرَ صفحاتِ المواقعِ الإلكترونيّةِ والورقيّة بدراسات وقراءات نقدية.

نقّاد من العالم العربي: الناقد اللبنانيّ سامح كعوش، والناقد العراقي علي حسن الفوّاز، والناقدة السورية سمر محفوض، والناقد العراقي حسين الهاشمي، والناقد الأردني د. راشد عيسى، والناقد المصري د. إبراهيم سعد الدين، والناقد الفلسطيني عبد المجيد جابر إطميزة، والناقد العراقي علوان السلمان، والناقد السوري د. جمال قباني، والناقد المصري إبراهيم جادالله، والناقد الفلسطيني جمال سلسع، والشاعر العراقي وجدان عبدالعزيز، والناقد الأردني رامي أبو شهاب، والناقد السوري أنس الحجار، والناقد الفلسطيني محمد حلمي الريشة، والناقد العراقي جعفر كمال، والناقد السوري عبدالناصر حداد، والناقد الفلسطيني د. عمر عتيق، وآخرين.

ومن النقاد المحليّين: محمّد عدنان بركات، ود. منير توما، ود. بطرس دلة، ود. محمد خليل، وهيام مصطفى قبلان، ود. فهد أبو خضرة، ود. سليم مخولي، وشاكر فريد حسن، ود. إلياس عطالله، ووهيب وهبة، وحاتم جوعيّة، ورشدي الماضي، وفاطمة ذياب، وآخرين.

  

*هل جميعُ النقاد مَدَحُوا كتاباتكِ وأثنوا عليها من منطلق الموضوعيَّة، أم أنَّ هنالكَ من كانَ  نقدُهُ من منطلق شخصيٍّ، ولم ينتهج الموضوعيَّة والنزاهة والأمانة، وكانَ نقدُهُ تهَجُّما نابعًا عن حقدٍ وعقدٍ ورواسب ولغاية في نفس يعقوب؟

- كل النقاد الذين تناولوا نصوصي، لم يكن لي سابق معرفة بهم، فنصوصي كانت دوافعَهم الحقيقيّةَ والمُحرّكَ لقراءاتِهم ودراساتِهم، وأعتقدُ أنّ جميعَهم تناولوها بموضوعيّةٍ تامّة، ومِن مُنطلقٍ نقديٍّ ذوّاقٍ للشّعرِ وللقيمةِ الشعريّة، ولم تصلني قراءةً واحدةً فيها إساءة أو تهجّم أو استياء، بل على العكس، كلّها جاءتْني تحملُ ثناءً وإشادة وتشجيع واستحسان. 

 

*حدثينا عن الكتابِ الذي أُصدِرَ، ويحوي عددًا  كبيرًا من المقالاتِ والدراسات التي كُتِبَتْ عنكِ  وعن إبداعاتكِ في جميع المجالات؟

- إنه كتابي النقديّ المُعنوَن بـ "حتفي يترامى على حدود نزفي"، والذي يضمُّ بين دفتيْهِ معظمَ الدراسات والقراءات في نصوصي الشعرية لنقاد محليين ومن العالم العربي، برؤى متعددة الوجوه والتوجّهات والزوايا، وبعيون فاحصةٍ دقيقةِ الملاحظة، وبعدساتٍ تلقطُ الومضاتِ الشعريّةَ القزحيّة.

وقد تلاه كتابٌ نقديٌّ آخر في نصوصي الشعريّةِ للناقد الفلسطيني عبد المجيد جابر إطميزة، بعنوان "من أعماق القول"، تناولَ فيها تسعةَ نصوصٍ شعريّة بتحليلٍ أكاديميّ، قامتْ بنشرِهِ "مجلّة مواقف" في الناصرة.  

 

*أكثرُ مكان تحبَّينَ أن تكوني موجودَة فيهِ دائمًا؟

- كعاشقةٍ للطبيعة، فالحقل هو المكان الذي أجدُني فيهِ حينَ تضيقُ بيَ الأماكنُ وتضجُّ بيَ الأزمنة، ألجأ إليه بعيدًا عن ضوضاءِ الحياة، أتنزّهُ في رحابِ أفيائهِ وسُكونِهِ، بعيدًا عن صخبِ التكنولوجيا، وعن كلّ ما يوجعُ الروحَ ويُتعبُ البال. في الحقل وحدي مع وحدتي والهدوءِ في الطبيعة، مع هفيفِ النسائم وحفيفِ الزيتون، في تأمّلٍ روحيّ ووهجٍ شعريَ، تسافرُ بيَ الأفكارُ إلى آفاقِ الجمالِ اللامحدودة، مِن شعرٍ وموسيقى، وفي فسحةٍ صامتةٍ صائتةٍ مع النفس، والطبيعة، والخيال والذكريات.  

 

*ما رأيُكِ في جائزةِ التفرُّغ السلطويَّة التي تُمنحُ كلَّ سنةٍ لعددٍ من الكتابِ والشعراءِ المحليِّين من  جميع النواحي والجوانب- من ناحيةِ المصداقيَّة والنزاهة ومستوى هيئة التحكيم، ومن الناحيةِ الشخصيَّةِ والسياسية.. وهل هذه الجائزة حسب رأيكِ تعطى حسب مقاييس أدبيَّة وفنيَّة  وللمستوى الإبداعي أم من  منطلقاتٍ شخصيَّةٍ وسياسيَّة و.. وهل أنتِ قدَّمتِ مرَّة لهذهِ  الجائزة أو توجَّهَ إليكِ بعضُ القيِّمِين والذينَ لهم واسطة وَيدٌ طائلة فيها، في قرار التحكيم  والتفويز، للتقدم إليها؟ ما رأيُكِ في الشُّعراءِ والأدباء الذينَ يُقاطعونهَا كلِّيًّا؟

- لم أُقْدِمْ يومًا على إدراج حرفي في أيّةِ خانةٍ مِن خاناتِ المساوماتِ والمُزايداتِ والمُناقصاتِ والمُنافساتِ لنيْل الجوائز، لأنّي آمنتُ برسالةِ حرْفي وجدواهُ، بجَماليّاتِهِ وبفنيّتِهِ، ولم يَخطرْ ببالي لحظة أن أسعى إلى مكافآتٍ وترويجٍ وأثمانٍ، لقناعتي المُطلقة، أنّ الجوائزَ ليست تصنعُ إبداعًا ومُبدعين، لكنّ الثمنَ الحقيقيّ لحرفي هو تقديرُ قُرّائي ومُتابعي حرفي، وما يَصلُني من رسائلِهم، بمنتهى النزاهةِ والموضوعيّة، وقد حصلَ حرفي على عدّةِ جوائز عالميّةٍ أُثمّنها عاليًا ومعنويًّا، ودون طلبٍ مني أو سابق معرفة بي وبهم، وفقط من خلال توزيعِ حرفي ونشرِهِ ورقيًا وإلكترونيًّا، وبصمتٍ وهدوء.

 

*كلمة أخيرة تحُبَّينَ أن تقوليها في نهايةِ اللقاء؟

- لحاتم جوعية فائق الشكر لهذا الحوار، ولقارئي عميقُ امتناني، فأقولُ:

ليس للحضاراتِ إلّا الإبداع الخلاّق المُترَف بالشّفافيّةِ، فهو تلاوةُ المُترنّمينَ به، ومَوْئِلُ خلاصِهِم مِنَ الجفافِ واليَباب، فللكلمةِ حصانةُ جنّةٍ لا يَشوبُها شَعائرُ عشائرَ، ولا استئنافُ مَحاكم، ولا ذرائعُ وتبريراتٌ، بل هيَ مَلامحُ ضوءٍ يَتسافَكُ مِن شرفةِ عَليائِهِ، تُزخرفُ المَطرَ المُتشاسِعَ بقزحِيّتِها البهيّة.

الكلمةُ تنهمرُ بكَمالِها خاشعةً دونَ مُستقَرٍّ، وتُطِلُّ بأنفاسِها مُتبَرعِمةً كزُمرّدةٍ يانعةٍ مَغروسةٍ في قِلادةِ مَلاكٍ، بطُهْرِها تنتشي الأرواحُ، وتَظلُّ الأشهى في توَغُّلِها، والأدهى في عُمْقِها، والأسمى في وَقْعِها.

الكلمةُ تُنيرُ عرشَ الكوْنِ بأهِلّةِ المَجدِ، وتتصَدَّرُ هياكلَ السّماءِ بأكِلّةِ الشّرفِ، ليَمْتثِلَ الآنامُ لقدسيّةِ نبضِ حياةٍ، ما أعيَتْها مُقارعةُ الاستفهاماتِ ولا تجاعيدُ الأُطُرِ.  

 

حاورها: حاتم جوعيه

 

حوار مع المؤلف والناقد المسرحي عبدالكريم برشيد

abdulkareembersheedتقديم:  المسرح المغربي في حاجة اليوم أكثرمن أي وقت مضى إلى حوارالمكاشفة وشفافية الحقيقة من أجل تعرية مكامن الألغام المزروعة من تحت ركح أبي الفنون .. ولكي نشفي غليل أسئلتنا كان علينا أن نطرق باب أحد أقطاب النقد والتأليف المسرحي بالمغرب الدكتورعبدالكريم برشيد لما عرفنا عنه من صراحة جريئة ونادرة وثقافة أكاديمية مسرحية وتراثية مغربية وعربية واسعة وأيضا مما خاضه على الخصوص من معارك مع أبي الفنون منذ أن صدع ببيانه الأول قبل أربعة عقود حول "المسرح الإحتفالي" إلى آخربيان ناري أطلقه يوم 8 يونيه الجاري بعنوان "نداء إلى المسرحيين المنبوذين" والبقية من البيانات آتية من دون شك .

ولمعرفة المزيد عن خبايا غابة برشيد المسرحية وعن أسباب محطات التمرد وعلامات التفرد في سيرته المسرحية وبعض مظاهرعلل المسرح المغربي الراهن وأخيرا عن إخفاقات السياسة الثقافية بالمغرب أجرينا معه هذا الحوار.

 

س: بداية شكرا لكم على قبول دعوتنا لإجراء هذا الحوار وكما يقول المثل العربي "الأمور بخواتمها" قمتم يوم الجمعة 27 يونيه بتوقيع إصداركم الأخير الموسوم ب"الصدمة المزدوجة ⁄المسرح والحداثة" نود منكم لو تفضلتم باختصار بسط أهم محاورهذا المنجز النقدي المسرحي الجديد؟

ج: يأتي هذا الكتاب الجديد في إطار مشروع نقدي كبير، ولقد كان من المفروض أن يصدر قبل كتاب (التأسيس والتحديث في تيارات المسرح العربي الحديث) ولكنه جاء بعده بشهر، والكتابان معا يحيلان على الكتب التي سوف تأتي مستقبلا، والتي هي كتاب (التيار التجريبي في المسرح العربي) و(التيار التأصيلي في المسرح العربي) و(التيار التأسيسي الاحتفالي في المسرح) وسيكون هناك كتاب سادس للخلاصات والاستنتاجات العامة.

ويتألف كتاب الصدمة المزدوجة من فاتحة وخاتمة بالإضافة إلى الفصول التالية: فصل: من التمثيل إلى المسرح، وفصل التمثيل الاجتماعي والتمثيل المسرحي، وفصل التمثيل المختلف في الثقافات المختلفة، وفصل المسرح في درجة الحداثة، وفصل تجارب وأسماء ومشاريع، وفيه أتحدث عن تجربة المسرحي القطري حمد الرميحي وعن تجربة المسرحي المغربي محمد تيمد وعن تجربة المسرحي العراقي جواد الأسدي وعن تجربة المسرحي الفلسطيني راضي شحادة وعن تجربة المسرحي العراقي صلاح القصب وعن تجربة المسرحي المغربي الكبير أحمد الطيب العلج.

ولقد كان المثقفون في مدينة الدار البيضاء على موعد مع حفل تقديم هذا الكتاب والذي شارك في قراءته ومناقشته الأساتذة كمال فهمي وعبد السلام لحيابي ود. المختار العبدلاوي ود.عبدالرزاق بلال ود. ندير عبد اللطيف وأحمد جليد وإبراهيم وردة وبوشعيب الطالعي وجناح التامي، وقد تم اللقاء في مركز (مدى) بمدينة الدار البيضاء وبتنظيم من الصالون الأدبي فيل وآرت ومركز مدى. 

 

س: أيضا دكتورعبد الكريم برشيد تضمن أحد أعداد مجلة "دبي الثقافية" لهذه السنة كتابا مرفقا لكم بعنوان "التأسيس والتحديث في تيارات المسرح الحديث " في 270 صفحة ومن خلال العنوان يبد وأن هذا الكتاب ينفتح في مقاربته النقدية على المسرح العالمي في كونيته وأنطولوجيته كيف كانت أصداء هذا الكتاب على المستوى العربي؟

ج: لعل أجمل ما في كتاب (دبي الأدبية) هو أنه يوزع على نطاق عربي واسع، ولقد كان كتاب (التأسيس والتحديث في تيارات المسرح العربي الحديث) محظوظا بلا شك، لأنه وصل إلى كل من يهمه الأمر، ولقد وصلتني من كل العالم العربي استفسارات وتساؤلات عن الكتاب، وعن معنى التيارات، وعن مناهجها وفلسفاتها وعن سياقاتها التاريخية ومرجعياتها الفكرية والجمالية.

 

س: بعلاقة المسرح مع الحلقة ـ سيدي الكتفي ـ سلطان الطلبة والمسرح العمالي وأيضا بساحات الهديم وبوجلود وجامع لفنا هل مازال العرض المسرحي اليوم في زمن الوسائطية الرقمية، قادرا على الحفاظ على بعض حميمية هذا المشترك في علاقته المباشرة بالمتلقي على الركح؟

ج: الأساس في المسرح أنه حاجة من حاجات الإنسانية النفسية والروحية والاجتماعية، وأعتقد أن هذه الحاجة مازالت موجودة إلى حدود هذا اليوم، ومن المؤكد أنها ستظل قائمة وموجودة، مادام هذا الإنسان موجودا، ومادام محافظا على إنسانيته وحيويته ومدنيه وروحه الاحتفالية والتعييرية، وفي المسرح نحيا حياتنا، ونعبر عن هذه الحياة بعفوية وتلقائية، وفي هذا المسرح نضحك أحيانا، ونعير عن هذا الضحك الساخر بالكوميديا، وفي هذا المسرح نحزن أيضا، ونعبر عن هذا الحزن بالتراجيدا، وهذا ما يعطي المسرح حقيقته، ويجعله فنا خالدا ومتجددا.

ويخطئ من يقارن بين المسرح والوسائط الرقمية، لأن المسرح ليس صورة تنقل، وليس معلومة ترحل، وليس فرجة نتفرج عليها، لأنه لا أحد موجود في هذا المسرح إلا نحن وحياتنا، ومتى كان الإنسان يتفرج على حياته؟

في المسرح نحضر، ونؤكد على هذا الحضور، وفي المسرح نلتقي لأنه لا يمكن أن نغلق علينا الأبواب، وأن نعوض حضور الناس بالتفرج على صورهم عن بعد، وفي المسرح نعيش الحالات والقضايا الساخنة والحارة، وفيه نكون فاعلين ومتفاعلين، بدل أن نكون سلبيين ومنفعلين ومستهلكين، وبهذا يكون المسرح هو الحقيقة، وتكون كل الوسائط الرقمية مجرد صور متحركة، وكما يقول أحمد الطيب العلج في إحدى أغنيه (الصوره خيالووخيالو ماشي بحالو(

المسرح إذن، هو التلاقي الإنساني، وهو تظاهرة اجتماعية لها علاقة عضوية بفضاء المدينة وبمناخها وبطقسها، وهذا ما يجعله فنا لكل العصور ولكل المراحل التاريخية، ويجعله قابلا لأن يتعايش مع كل الثقافات ومع كل اللغات.

وينبغي ألا ننسى أن هذا المسرح هو أدب أولا، وأنه بهذا كلمة مكتوبة ومقروءة، وأنه نص عابر للقارات وعابر للعصور والدهور، وأنه من الممكن أن نستمتع بالمعاني وبالصور وبالموسيقى وبالحالات وبالمقامات وبالحوارات التي في هذا النص.

والمسرح فن ثانيا، والصحيح أن نقول هو مجموعة فنون متضامنة ومتحدة، وفيه تحضر الكلمة والحركة، ويحضر الصوت والصمت، ويحضر الفراغ والامتلاء، ويحضر الناس والأشياء، وتحضر الأزياء والأقنعة، ويحضر الرقص والغناء، ويحضر الإلقاء والإنشاد.

والمسرح ثالثا، مكان في المدينة له هندسة معمارية خاصة، وهي الهندسة التي استعارتها دور السينما، وحافظت عليها ولم تضف إليها شيئا مهما، ولهذا المكان ـ البناية دوراجتماعي شبيه بما تقوم به الساحة في المدينة، وبما تقوم به الحديقة العمومية، وبما تقوم به المدرسة والجامعة، وبما يقوم به المسجد والمعبد، وبما تقوم به المصحة النفسية أيضا.

وهذا المسرح، رابعا، هو بالتأكيد فضاء عام، أو هو بيت جماعي، وبيت من لا بيت له، وفيه يمارس المواطن الشعبي مواطنته، وهو بهذا برلمانه الذي يطرح فيه قضاياه الحقيقية، ولعل هذا هو ما يفسر أن يرتبط مولد المسرح في اليونان بمولد الديمقراطية، وأن يكون هذا الفن ـ العلم مدرسة لتعلم أصول المواطنة الحقة.

 

س: من دون شك أن النقاد والباحثين المغاربة في المجال المسرحي أكثرإنشغالا واشتغالا وأوفرعطاءا مقارنة مع باقي النقاد في الدول العربية الأخرى إلى ما تعزى هذه الدينامية ثم أليست أزمة المسرح إحدى محركاتها الرئيسية؟

ج: حقا، المغاربة أكثر عطاء وأكثر واقعية وأكثر موضوعية وجدية في مجال النقد المسرحي، لأنهم ينطلقون أساسا من الحس النقدي السليم، ومن الوعي النقدي الشامل، ومن السؤال النقدي الدقيق، ويعتمدون على العقل إلى جانب اعتمادهم على النقل، والشك في قراءتهم النقدية شيء أساسي، وهم اليوم يقفزون على القراءات الوصفية وعلى القراءات الأخلاقية وعلى القراءات الإيديولوجية، وينبغي أن لا ننسى أن المناخ العام الذي ينكتب فيه المسرح المغربي، إبداعا ونقدا وتنظيرا وتأريخا، هو مناخ فكري ساهم في إيجاده مجموعة من المفكرين المغاربة نجد على رأسهم عابد الجابري وطه عبد الرحمن وعبد الله العروي وعبد الكبير الخطيبي ومحمد سبيلا و وغيرهم كثير. 

 

س: لنعد شيئا ما إلى عقود حيث لا يمكن لأي صحفي أو باحث أن يلج غابة عبد الكريم برشيد الفيحاء من دون أن يتحدث عن "دوحة الاحتفالية" التي تخفي الغابة، كيف تنظرون اليوم على بعد أربعة عقود من إطلاق بيان "المسرح الاحتفالي" وما هي حصيلة أم المعارك هاته في تاريخك المسرحي؟

ج: هذه الاحتفالية لم تظهر من فراغ، وهي أساسا رؤية ورؤيا، وهي تفكيروتصور، وهي فعل وانفعال وتفاعل، وهي جزء ساسي وحيوي من تاريخ المغرب الحديث، ولا يعقل أن نتحدث عن المسرح العربي من غير أن نتوقف طويلا عند أفكارها واقتراحاتها وإبداعاتها وبياناتها ومواقفها ومعاركها التي دامت أربعين سنة.

وهذه الاحتفالية، تعيش اليوم عمرا جديدا من أعمارها المتعددة والمتلاحقة، فبعد العمر التأسيسي الذي عاشته في السبعينات، نجدها الآن تعيش عمر التمدد والتعدد، وتحيا زمن التجديد والارتقاء، وإذا كان فعل التأسيس واضحا وظاهرا للعيان،  فإن فعل التجديد يتم داخليا في الخفاء، ولهذا فإن كثيرا من العيون لا تراه، فالفلسفة الاحتفالية تزداد مع الأيام اتساعا، ولقد عبرت عن هذا من خلال كتاب (فلسفة التعييد الاحتفالي) والذي صدر عن منشورات توبقال، كما عبرت عن فلسفتها الأخلاقية في (بيان ما معنى أن تكون احتفاليا) والذي صدر ضمن (بيانات عمان للاحتفالية المتجددة) كما عبرت عن رؤيتها للأغنية الاحتفالية، التي أسسها الشاعر والزجال والمسرحي الاحتفالي محمد الباتولي، وقد جاء هذا في بيان مسرحي جديد لم ينشر بعد، وهو يحمل عنوان (بيان الأغنية الاحتفالية)

وفي مجال الإبداع فإن هذه الاحتفالية لا تتوقف عن الإدهاش والاندهاش، ومسرحياتها حاضرة في كل العالم العربي، ويخطئ من يجسدن هذه الاحتفالية في أجساد أشخاص، لأن كل الأجساد مطلوبة للرحيل، ولكن الأفكار باقية، ومن حق أي مسرحي أن يختلف مع هذه الأفكار، وأن يقترح غيرها، ولكنه ليس من حق أية جهة أن تصادر هذا الإرث الإنساني العام، والذي هو ملك لكل الإنسانية في كل زمان ومكان.  

 

س: الاحتفالية هي في العمق احتفاء بالموروث وبالمشترك وكل التجليات الأنتربولوجية في المجتمع وهي بالتالي الأقرب إلى الذاكرة الجمعية من أي تيار آخر، أين إذن تكمن جيوب مقاومتها إذا كانت تجعل من المحلية هدفها الأسمى قبل العالمية؟

 ج: أعترف لك، بأنني أمام هذه الجيوب المقاومة للمد الاحتفالي لا أملك اليوم جوابا جامعا ومانعا، وأعرف بأنني لا أملك في مجال التفسير والتحليل لهذه الظاهرة الغربية والعجيبة سوى الاندهاش والاستغراب، وأرى ضروريا أن أنطلق من الأسئلة الأساسية التالية، السؤال الأول هو: أين وصلت هذه المقاومة اليوم، وهل حققت أي فتح علمي أو فني في هذه المقاومة؟

أما السؤال الثاني فهو: ما طبيعة هذه المقاومة، وهل هي فعلا مخالفة علمية وفكرية وجمالية، أم إنها مجرد تدافع حساسيات وأنانيات غير سوية، ولا شيء غير ذلك؟ وأما السؤال الثالث فهو: من يكون هؤلاء الذين عاكسوا هذه الاحتفالية، وما هو وزنهم وحجمهم الحقيقي، وما هي إضافاتهم الفكرية والفنية في الحركة المسرحية المغربية والعربية؟

وأجد أن هذه الأسئلة تؤدي بنا جميعا إلى الحقيقة التالية، وهي أن هذه المقاومة كانت (لعب عيال) كما يقول المصريون، وأنها لم تكن ـ في حقيقة الأمر ـ  تعاكس هذه الاحتفالية، ولكنها كانت تعاكس روح الحقيقة، وكانت تعاكس العقل والمنطق، وكانت تعاكس الواقع والتاريخ، ولعل هذا هو ما جعلها محصورة في المغرب، ولم تستطع أن تجد لها أي صدى على المستوى العربي، بدليل أنه لا أحد من النقاد المسرحيين العرب الكبار، قد شكك في قوة وجدة وجدية وفي مصداقية الحركية الاحتفالية، ويكفي أن يحتفي بها شيخ النقاد المسرحيين العرب د. علي الراعي، وأن يقر بخطورتها الفكرية والجمالية كبار المسرحيين العرب، وأن تدخل المدرسة المغربية من خلال نصوصها الإبداعية ومن خلال بياناتها وكتبها، وأن تقتحم الكليات والمعاهد المسرحية في كل العالم العربي، وأن يحتفي بها الإعلام المكتوب والمسموع والمصور، وأن تظل أكبر موضوع مسرحي على امتدادا أربعة عقود كاملة.

كما يمكن أن نخلص إلى الحقيقة الثانية التالية، وهي أن هذه المقاومة كانت تعبيرا عن مراهقة سياسية، وأنها كانت تعبيرا عن نقص في التفكير، وكانت تعبيرا عن بؤس في التقدير، وكانت رفضا لفعل الاجتهاد الفكري والمسرحي، وكانت سباحة ضد التيار، وكانت اعتداء على الفكر والفن باسم السياسة، وذلك في زمن لم يكن مسموحا فيه ألا تكون مسيسا، وألا تكون يساريا، وألا تكون منساقا مع الفن العام، ومع الاختيار العام، ومع الذوق العام ومع شعارات المرحلة.

في هذا المناخ الإيديولوجي المغلق ظهرت الاحتفالية، ولأن هذه الحركة المسرحية تنطلق من رؤية احتفالية للوجود، فقد كان ضروريا أن تعبر عن هذه الرؤية، وأن تجهر بها، وأن تعلن عنها أمام كل العالم، وأن تختزل قناعتها في التعريف التالي للمسرح، والذي هو التعبير الحر للإنسان الحر في المجتمع الحر، وبالتأكيد فإن مثل هذا الفعل لم يكن سهلا في ذلك الزمن السبعيني، وكان يتطلب شجاعة وجرأة، وكان يتطلب أن نقدم كثيرا من التضحيات، ولم يكن ممكنا أن نتنازل عن قناعاتنا الفكرية، أو أن نتراجع عن أية فكرة من أفكارنا المبدئية.

لقد قفزت هذه الاحتفالية على العشائرية القبلية، وقفزت على الطائفية الدينية، وقفزت على الطبقية السياسية إلى الإنسانية، وانتقلت من المحلية إلى الكونية، وانتقلت من ترديد الشعارات إلى صياغة الاختيارات الفكرية والجمالية الجديدة، وهذا بالتأكيد هو ما جعلها خصما وعدوا للذين لا يؤمنون بالتعدد والاختلاف، والذين لا يتسامحون مع المنحرفين والمحرفين ومع المنشقين ومع المجددين، وإلى حدود اليوم، ما زالت هذه الحرب على الاحتفالية قائمة، مع أن خرائط الأمس قد تغيرت، ومع أن التاريخ قد قال كلمته، ومع أن الواقع قد قال كلمته، ومع أن النقد العالم قد قال كلمته في حق هذه الاحتفالية.

 

س: عن الدكتورعبد الكريم برشيد المسرحي الذي ولد "متمردا" على كل أشكال الميوعة واستغباء المتلقي المغربي، فقد أطلقت نداءا ناريا يوم 8 يونيه الجاري بعنوان "نداء إلى المسرحيين المنبوذين" قلت فيه مثالا غير مسبوق أصبح دارجا على لسان كل الفنانين والمثقفين يقول "أغبى من وزارة الثقافة" ما هي دكتورعبد الكريم برشيد الأسباب الحقيقية لتفجيرك لهذا "الحزام الناسف"؟

ج: هو نداء بدرجة صرخة، وهو صرخة في صحراء المسرح المغربي، ولا أحد يمكن أن يصرخ إلا متألما ومتوجعا، وكذلك هو حالي وحال كل المسرحيين المغاربة في هذا النداء، أي حال من رأى سفينة المسرح المغربي تغرق، فكان ضروريا أن يصرخ هذه الصرخة القوية والمدوية، والتي هي بالتأكيد تعبير عن رفض سياسة الظلم والقهر، وهي تعبير عن رفض الفساد الذي وصل في وزارة الثقافة إلى حده الأقصى، ولهذا فقد كان ضروريا بالنسبة لنا أن نقول اليوم كفى، وأن نفضح المفسدين، وأن نكشف النقاب عن الوجوه البشعة، وأن نعلن أمام الرأي العام بأن الأمر يتعلق أساسا بوطن وبمواطنين، وأن هذا الوطن أكبر من أي حزب من الأحزاب، وهو أكبر من أية جماعة من الجماعات، وأنه لا يليق بالمسرح إلا أن يكون شعبيا، وأن يكون ديمقراطيا، وأن يكون لهذه الديمقراطية معنى الحوار ومعنى الاشتراك ومعنى الاقتسام ومعنى التسامح، وأعتقد أن دولة الحق والقانون لا يمكن أن تسير إلا بالحق والقانون، ونحن في هذا النداء نفضح السلطة الثقافية التي تسير الشأن الثقافي والمسرحي بعقلية ومنهجية العصابات والمليشيات والخليات السرية.

وأن يأتي اليوم نداء من مسرحي مغربي، معروف بمصداقيته واستقلاليته، وأن تحييه وأن تثمنه وأن تزكيه كل (الطبقة) المسرحية المغربية، فإن هذا لا يمكن أن يكون له إلا معنى واحد، وهو أن الخلل موجود فعلا في هذا الوطن المسرحي، وأن هذا الخلل يتجسد في الظلم والقهر وفي سياسة إشعال الحروب الطائفية بين المسرحيين المغاربة، وذلك من خلال تقريب المقربين وإبعاد الغرباء.

وأعرف أنه لا شيء يتم بالمجان وبلا معنى، وهناك سياسة ثقافية وراء كل هذا، ولا أحد يعرف اليوم عن هذه السياسة أي شيء، وكل شيء يطبخ في المطابخ السرية والمغلقة، ويتم تنزيل القرارات التعسفية من فوق، وكل هذا ونحن نعيش زمن الدستور الجديد، ونتغنى بسياسة القرب، فلا أحد من المثقفين اليوم عنده علم بما يجري ويدور في الكواليس الإدارية، ومتى كان الشأن الثقافي شأنا إداريا؟

فلا أحد من المسرحيين له الحق في أن يشارك في السياسة المسرحية، وماذا يمكن أن نسمي هذا سوى أنه الاستبداد في بشع وأقذع صوره؟

ولا أحد من المسرحيين له علم بما يقع، أو بما سوف يقع، مع أن هذا المسرح هو مسرحهم، وأنه لا يحق تدبير أمرهم إلا بإشراكهم في مسائل فنهم وصناعتهم وحرفتهم، وأرى أن أرباب الطاكسيات وأرباب المخابز في المغرب، أكثر تحكما في مجالهم من المسرحيين بشكل خاص ومن كل المثقفين بصفة عامة.

 

س: في موضوع مختلف تماما يتعلق بالمسرح وحرية التعبير فقد أثارت إحدى المسرحيات النسائية جدلا فنيا واجتماعيا وجنسيا قل نظيره في أي دولة عربية، كيف تقيمون هذه التجربة التي تعرضت لأبشع النعوت وتهديدات التطرف؟ ألا يشاهد مغاربة العالم عبرالصحون المقعرة واليوتوب والأقراص المدمجة مسرحيات فرنسية وأنجليزية أجرأ من مسرحية "ديالي"؟

ج: المسألة من أساسها طرحت بشكل مغلوط، ولقد كان وراءها نوع خاص من الصحافة المغربية، والتي تمثلها صحافة الإثارة، والتي درجت على أن تبيع وتشتري في كل شيء، وأن تحرف كل شيء، وأن تزايد بالشعارات الكبيرة، مرة باسم الوطنية، ومرة باسم الحرية، ومرة باسم الدين، ومرة باسم الإيديولوجيا، ومرة باسم الجرأة، مع أنه لا معنى للجرأة إلا إذا كانت جرأة العلماء، وكانت جرأة المفكرين، وكانت جرأة الفنانين الحقيقيين، أما جرأة الحمقى والمرضى والمعطوبين نفسيا وذهنيا فتلك مسألة أخرى، وللعلم، فأنا لست مع أية جهة من الجهات، ولا أعتقد أنه يمكن تصنيفي بسهولة، ولقد فكرت وأبدعت وأنا خارج كل الصفوف وخارج كل الخنادق والخانات، وكنت دائما ضد عسكرة المجال الفكري والجمالي، وأرى أنه من الغباء أن نصنف الفنانين المبدعين بنفس التصنيفات الحزبية والصحفية، وأن نسقط عليهم نفس الأسماء ونفس المصطلحات، وأن نرهبهم بها.

شيء مؤكد أن ما أكتبه اليوم ليس وليد هذا اليوم، وأنا في حياتي اليومية لا أنطق عن الهوى، ولا أرتجل أفكاري ومواقفي، لأنها جزء من منظومتي الفكرية الاحتفالية، والتي أسستها على امتداد أربعة عقود كاملة، وأعتقد أنه من حقي أن أخالف كل العالم، ولكنه ليس من حقي أن أخالف أفكاري ومبادئي وقيمي واختياراتي الجمالية، فأنا أنتمي إلى ذلك الذي يسمى المسرح، والذي هو أبو كل الفنون وكل العلوم وكل الصناعات، والأساس في هذا المسرح أنه كتابة قبل كل شيء، وأن هذه الكتابة هي الحوار، وأنه لا وجود لحوار حقيقي إلى مع التعدد والتنوع، سواء في الأفكار أو في الرؤى أو في الاختيارات، وأنا لم أفعل سوى أنني أدليت برأيي، وأن هذا الرأي هو رأي واحد من الناس، وليس رأي كل الناس، فلماذا إذن كل هذا الضجيج وهذا الصخب؟ ولماذا تضيق بعض الصدور عن قبول الرأي المختلف والمخالف؟ وهل كان ينتظر مني أن أطلب الترخيص من متزعمي الحداثة المتوحشة قبل أن أكتب أية كلمة، وأن دلي بأي رأي؟

فأنا لست سلطة، ولا أمثل أية جهة تملك سلطة الضبط والمنع، وفي المقابل، فإنني لا أسمح لأية جهة لأن تمنعني من حقي المشروع في الكلام وفي التعبير،  خصوصا وأنني قد بنيت كل فلسفتي الاحتفالية على مبدأ (التعبير الحر للإنسان الحر في المجتمع الحر) وإنني ـ وبالمناسبة ـ أدين كل تلك الجهات التي حاولت ـ وباسم الحرية ـ أن ترهبني، وأن تصادر حريتي في أن يكون لي رأي، وإذا كان هذا الرأي لم يعجبها فتلك مسألة أخرى، وأعتقد أن القيامة لا يمكن أن تقوم لمجرد رأي عابر.

ومن أغرب الغرائب أن تدخل صحافة الإثارة على الخط، وأن تجعل من هذا الرأي العابر قضية حياة و موت، وأن تربط كل مستقبل المسرح المغربي بالحديث عن مسرحية ليست مسرحية، وأن تغضب لأنني سميت الأشياء باسمها الحقيقي، وأنني قد قلت بأن ما يقدم في المسارح ليس هو نفسه ما يمكن أن يقدم في الكباريهات وفي الأندية الليلية، وبالنسبة إلي، فأنا لا أملك موقفا أخلاقيا من أي شيء، كيفما كان، وأن يكون هذا الشيء منسجما مع اسمه ومع مكانه وزمانه وسياقه، فالإثارة مقبولة في النادي الليلي، ومقبولة في نوع من السينما، ولا اعتراض لي عليها، ولكنها غير مقبولة في المسرح، والذي هو مؤسسة تربوية وتثقيفية وعلمية وعلاجية قبل كل شيء.

 

س: رأيكم في مسألة الدعم والحروب القبلية التي تشتعل في كل موسم حولها، ثم ألا تعتقد أن تخصيص يوم وطني للمسرح من بين أسباب فشل المسرح؟

ج: فعلا، لقد أوجد هذا الدعم ظواهر غريبة عن روح المسرح، وبعيدة جدا عن أخلاق المسرح، وظهر فيه الانتهازيون والانتفاعيون والوصوليون والسماسرة وتجار الرقيق أيضا، أي أولئك الذين أقاموا أسواقا سرية للنخاسة، وأصبحوا يبيعون ويشترون الممثلين والفنانين فيها، وكل هذا في غفلة من التاريخ ومن الوزارة الوصية على المسرح.

وإذا كانت الساحة المسرحية المغربية اليوم، تعرف حروبا وتكتلات وتحالفات ومؤامرات، فإن أسباب كل هذا ترجع كلها إلى لعنة الدعم، فلا حد أصبح يختلف معك فكريا، ولا حد عنده رأي مخالف يواجهك به، ولا أحد يمكن أن يفكر في أي شيء من غير الدعم، ومن يحظى بهذا الدعم هو وحده المسرحي الكبيروالخطير، وهو الذي ينبغي على الجميع تقليده وتكرار تجربته، وهذا ما يفسر أن يعرف المسرح المغربي هذه النمطية في الكتابة وفي الإخراج وفي الأداء، والتي تجعلك تشاهد مسرحية واحدة، وليس مسرحيات كثيرة ومتنوعة.

وما لا تفهمه الوزارة الوصية، هو أن الدعم وحده لا يصنع نهضة مسرحية، وأن الإبداع ـ في معناه الحقيقي ـ هو معاني وأفكار قبل كل شيء، وهو صور وخيال، وهو بحث واجتهاد، وهو معاناة صادقة وحقيقة، ويمكن أن نرجع إلى تجربة مسرح الهواة في السبعينات مثلا، والتي أعطت أسماء كبيرة في التأليف وفي الإخراج وفي التمثيل وفي النقد وفي التننظير المسرحي، وكل ذلك في غياب أي دعم من أية جهة، وعلى العكس من ذلك، فقد كان هناك تضييق على حرية كثير من الفرق المسرحية، ولم يمنعها ذلك من أن تركب التحدي، وأن تبدع في ظل شروط اجتماعية وسياسية صعبة وقاسية، وأن تقدم مسرحا فقيرا ماديا، ولكنه غني بأفكاره وبمشاريعه وبطموحه وبكتاباته.

واليوم، وقد أصبحت وزارة الثقافة هي التي تنتج المسرحيات، وهي نفسها التي تشتري هذه المسرحيات، وهي التي تنظم المهرجانات ـ أو تساهم فيها ـ لترويج هذه المسرحيات، وهي التي تستدعي الضيوف والصحفين لمشاهدة المسرحيات والكتابة عنها، فقد أصبح من الضروري أن نستغرب لهذه الوضعية الشاذة، والتي لا وجود لها إلا في هذا البلد الغريب الذي يسمى المغرب، فالإنتاج المسرحي موجود، ولكن أين هو الطلب؟

وغياب الجمهور المسرحي يدفعنا لأن نتساءل: لماذا تنتتج الوزارة هذه المسرحيات؟

هل فقط، حتى يقال بأن لدينا حركة مسرحية مغربية؟ وأين هي الحركة مع وجود مسرح لا يمكن أن يعيش إلا بالسيروم وبالدفع والجر؟ وإلى متى؟ إلى أن تقوم القيامة؟

أما السؤال الثاني فهو لمن؟ للكراسي الفارغة؟

وأعتقد أن هذا العبث لا ينبغي يطول أكثر، وأرى أنه قد أصبح من واجبنا جميعا أن نصرخ بصوت واحد، وأن نقول الكلمة التي ينبغي أن تقال، والتي هي: كفى .. كفى          

 

س: من دون شك أن المسرح المغربي يعيش مفارقة تتمثل في جيلين إن لم نقل فريقين، جيل أكاديمي خريج المعهد العالي وجيل جمعوي خريج دور الشباب، ألا ترى أن الجيل الأول هو الأجدى بلقمة العيش من الثاني حتى لا ينضاف إلى طوابير المعطلين المدبلمين أمام البرلمان وشوارع العاصمة؟

ج: المسرح أساسا هو التعدد والتنوع، وهو وجود الأنا والأنت، وهو وجود النحن والآخر، فهو الدنيا التي تسع الجميع، ولا يمكن أن تضيق عن أي أحد، والذين في نفوسهم ضيق لا يمكن أن يكونوا من أهل المسرح، ويمكن أن تتعايش في هذا المسرح كل الحساسيات وكل التجارب، وأن تتحاور فيه كل الأجيال وكل الأسماء، ورغم أن العالم الغربي مازال يفاجئ العالم بتجاربه الجديدة والمتجددة، فإنه لم يتوقف لحظة عن الاهتمام بربرتواره المسرحي، ولهذا فقد كان ضروريا أن نكف عن ارتجال الخلافات والصراعات الغبية، وأن نهتم بروح الإبداع، وأن نعرف بأنه لا أحد يمكن أن يرضي كل الأذواق، وبأنه لا وجود لجمهور مسرحي واحد يطلب (نوعا) مسرحيا واحدا        

 

س: الدكتورعبدالكريم برشيد هل تقبلون في يوم ما بتقلد منصب وزير تيقنوقراط في وزارة الثقافة إذا كان الجواب بالنفي لماذا، وإذا كان بالإيجاب ما هو أول عمل سوف تقومون به مباشرة غداة تعيينكم؟

ج: كان من الممكن أن أقبل، لو أن هذا كان منذ أكثر من عشر سنوات، أما الآن، وقد أصبح وضع الثقافة المغربية مميعا بالصدقات والعطايا وبالصفقات المشبوهة، وأصبح للإبداع الأدبي والفني سوق كبير، وأصبح لهذا السوق تجاروسماسرة، يفهمون في الأرقام ولا يفهمون شيئا في الأفكار والمعاني، فلا أعتقد أنني من الممكن أن قبل، ولقد أعلنت مؤخرا انسحابي من هذه الوزارة، ووضعت في اعتباري الحقيقة التالية، وهي أنه لا وجود اليوم لشيء يسمى وزارة الثقافة في المغرب.

 

س: في ظل ثورة الرقمية والتكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي كيف تعيشون هذه الطفرة ثم ألا تفكرون في إطلاق موقعكم الإلكتروني الخاص للملمة كل أعمالكم وبحوثكم ؟

ج: أعيش هذه الطفرة وأنا موجود فيها وغريب عنها، وحالي فيها مثل حال صديقي امرؤ القيس الذي أتيت به من صحراء العرب، وألقيت به في باريس، وبالمناسبة فإنني أطلب منه ومن التاريخ ومن السادة المؤرخين أن يسامحوني، أما بخصوص الموقع، فقد أجد الجرأة و(السنطيحة) لأدخل يوما هذا العالم الجديد.

 

س: يعيش العالم العربي على إيقاع ثورات حارقة منذ ثلاث سنوات في رأيكم الدكتورعبد الكريم برشيد هل فعلا كل ما يجري في تقديركم هو مدبر بأيادي خفية من الخارج، ثم باعتباركم مثقفا عربيا هل فعلا خذل المثقف العربي الجماهير في وقت ومنعطف تاريخي حاسم ما أحوجها إليه الآن من أي وقت مضى، من أجل تأطيرها عقلانيا بعيدا عن مؤامرة مقولة "الفوضى الخلاقة"؟

ج: بالتأكيد هي من تدبير الأيادي الخفية الأجنبية، بتواطؤ ـ طبعا ـ مع العملاء الذين بيننا، والذين لهم أجسادهم معنا، ولكن سيوفهم علينا وعلى رقابنا، أما المثقف العربي فهو بريء من كل هذه المسرحية الميلودرامية، وهو منفي في وطنه، أو خارج وطنه، ونحن لا نتذكره إلا في الوقت بدل الضائع، والسياسيون يرتكبون الأخطاء القاتلة، ويريدون من المثقف المهمش في مجتمعه، والموجود خارج كل السياقات أن يدفع الثمن، وذلك هو اللامعقول في أبشع صوره، وهذا هو المعنى الذي عبرت عنه في مسرحية (عنترة في المرايا المكسرة) والتي كتبتها سنة 1970 وقدمتها فرقة المعمورة سنة 1974 وفيها يعيش عنترة كل أنواع العبودية من قبيلته وعشيرته، ومع ذلك، يريدون من العبد أن يحررقومه، ومتى كان بإمكان هذا المثقف المستعبد والمقصي أن يفعل شيئا لشعبه وأمته؟  

 

س: دكتورعبدالكريم برشيد بصراحة إذا كنتم تتحسرون على شيء ما في مساركم المسرحي الزاخرما هو؟ وفي المقابل إذا كنتم ممتنون لشخص أسهم كثيرا في نحت شخصيتكم فمن هو؟

ج: أنا لا أتحسر على أي شيء، وأعتبر أن الواقع لا يمكن أن يكون إلا واقعيا، وأن الأشياء مشروطة بشروطها وبحيثياتها وبمقدماتها، وإنني ـ مثل كل الناس ـ قد ارتكبت أخطاء، مرة عن جهل، ومرة لأن رهاناتي كانت في غير محلها، ولكنني عملت دائما على تصحيح أخطائي، وحرصت على أن أعتبرها تجربة لابد منها، ولا أظن أنه من الممكن أن نتعلم في مدرسة الحياة مجانا، وإنني أدفع ثمن أخطائي من غير أن أشكو حالي، وإنني لا أتوقف لحظة عن ترديد الكلمة التالية (الشكوى لغير الله مذلة).

أما الذين نحتوا شخصيتي فيأتي على رأسهم الوالد رحمه الله، والذي كان عاشقا للمعرفة والحكمة، وكان عاشقا للغة العربية، وأيضا جدتي للا خدوج لحلو رحمها الله، والتي كانت امرآة قوية ولا تتكلم إلا بالحكم والأمثال الشعبية، أما في المسرح، فإنني أدين بالشيء الكثير لأستاذي الحسين المريني رحمه الله، ولقد أهديت كتاب (الصدمة المزدوجة: المسرح والحداثة) لروحه.

 

س: أخيرا، بعد كل هذه الإصدارات القيمة التي نشرتها على مدى أربعة عقود ألا يزال هناك نصيب وافر لسيرتك الذاتية؟

ج: لقد نشرت منذ كتاب (غابة الإشارات) وهو عبارة عن سيرة فكرية، كما أصدرت منذ شهور كتابا جديدا يحمل عنوان (اعترافات الحكواتي الجديد) ولي كتاب ثالث جاهز عنوانه (أنا الذي رأيت) هذا باضافة إلى كتاب يمزج بين الرحلة والمسرحية والسيرة الذاتية، وقد أعطيته عنوان (الرحلة البرشيدية)

 

حوار مع الروائي التونسي رياض خليفك: الكتابة سلاح كبير متنوع الوجوه

hatam alnaqatiرياض خلف روائي وناقد تونسي متعدد الاهتمامات فهو اعلامي وروائي وناقد يؤمن بتعدد وجوه الحضور الفاعل في مشهد ثقافي يراه بحاجة لنقد جدي .هو أيضا يحب الكتابة حد دخول تخوم المنع يبحث عن ذاته وعن الآخر في مجتمع لا يحب فيه المنتمين لضميره الجمعي نزع الأقنعة و لكن رياض خليف يصر على كشف المستور . هو بعض مما ذكرت إذ هو أيضا ينبش في ذاكرة الأدب التونسي تلك التي كان كتابه "قراءات في أدب ناجي الجوادي " الصادر مؤخرا عن دار هديل بتونس فرصة جديدة للكشف عن عمق مثقف نرجو له مزيد امتاع القارئ بما تنتجه نفسه الباحثة عن عنوان .في هذا الحوار فرصة للقارئ لاكتشاف بعض ما يسكن نفس هذا الإنسان اللاعب بنار الكلمات .

 

س - كتابك الأخير الصادر عن دار هديل للنشر 2014" قراءات في أدب ناجي الجوادي" كان حافلا بالحوارات والرؤى النقدية و التأملات التي حررهاعدد من الكتاب حول تجربة هذا القاص القيرواني فما الذي تبغي من وراء محاورتك للذاكرة النقدية وللنص في آن؟

- هي محاولة بسيطة للتحريض على فتح الذاكرة الثقافية التي تعج بالنسيان والتناسي المتعمد لعديد رموز الإبداع والثقافة في بلادنا الأحياء والأموات ومنهم ناجي الجوادي الذي لمست نوعا من تناسيه على ما تحمله تجربته من تميز شهد به النقاد والقراء .. ولا أخفيك أنني خططت لعمل أكبر وأوسع لكن الظروف وإحجام البعض عن تقديم الوثائق والشهادات لأسباب مختلفة جعل ما قدمته مجرد تحريض على أن يبادر أحد الكتاب بإنصاف الرجل والكتابة عنه بشكل أدق وأثرى .. لقد حاولت أن أجمع بين ماكتب عن الرجل سابقا في الجانب الوثائقي من العمل وبين ما يمكن كتابته عن هذا النص السردي الثري الآن .. لقد وجدته صراحة نصا لذيذا وحيا رغم السنوات الطويلة ومازال ينبض بمشاغل العصر ..

 

س- يعلم القارئ أنك مهتم بالمكان في كتاباتك الروائية وتخصيصا بسيدي بوزيد كرمز شغلك قبل الثورة وبعدها. فما سر تحولك عنها الى عالم القيروان؟

- في الحقيقة لا أميز سيدي بوزيد عن القيروان .. للقيروان عندي مكانة خاصة بحكم السنوات التي قضيتها هناك .. ذاكرتي ومخيلتي تكتظ بالقيروان التي بدأت الكتابة فيها .. وربما لم تسنح الفرصة لنشر أعمال عن عالم القيروان العظيمة ما عدا بعض المتفرقات ولكن قلمي دائم الاحتفاء بها  .. كتبت عن القيروان سردا ونقدا وسأكتب بحب أكبر .. وسأسعى لنشر أعمال عنها وفاء لها وعشقا  ..

 

س - هل أنت تغادر عالم القص و الرواية و السرد إلى وجه آخر من وجوه القول حيث النقد كبعد جديد لنص آخر وشغف بقارئ جديد مثقف الكيان؟

-عموما لم أغادر السرد .. ومن المنتظر أن تكون إصداراتي القادمة التي أشتغل عليها سردية ولكن الضرورة تقتصي من الكاتب الانخراط في كل الأنواع الأدبية فالكتابة سلاح كبير متنوع الوجوه وعلى الكاتب أن يستعمل ما يستطيع منها .. نحن في حالة حرب على بلادنا وثقافتنا ووجودنا وفكرنا ونحن نخوض معارك خطيرة في ساحتنا الثقافية ضد التهميش والإقصاء والرداءة و أبواق التجميل  .. وكل الأنواع الأدبية جاهزة لحمل رسائلنا .. مازلت أزاوج بين السرد و النقد لأن ساحتنا الأدبية تتطلب منا النزول إلى الميدان لمؤازرة الكتاب ومحاولة رفع النسيان عنهم وخصوصا المهمشين الذين تهمشهم الساحة ولا تهتم بأعمالهم..

 

س – ما هو سر ما لاحظناه منك في المدة الأخيرة من نقد جاد للحركة الثقافية بمدينتك " سيد ي بوزيد " وأنت الشغوف بعوالمها والمساهم الفاعل في حركتها الثقافية؟

- عدت إلى سيدي بوزيد عودة كبرى ذات صيف قائظ حاملا هموم الكتابة وطفتها مقهى مقهى وركنا ركنا متألما من البطالة حد المرارة مكتظا بالعشق والحلم والكتابة متجرعا المسارات الفاشلة ولم تفارقني أوراقي وكتبي وزوايا المكتبات العمومية ..

 في تلك الفترة بدأت محاربة الرداءة الثقافية في الجهة والبلاد وانشغلت مفردا بمؤازرة بعض الطيبين في حروب ومعارك مع المشهد الثقافي بالجهة لسنوات عرفت فيها النشوة والاحساس بالنصر وكذلك الخيانة والغدر وتعرضت فيها للكثير من العراقيل والمؤامرات التي يطول الحديث عنها .. وأتفرج اليوم بسخرية وهزءعلى من كانوا يرفضون تلك المعارك ويقفون في الصف المعادي ويمارسون الوشاية والجبن وهم يدعون الثورية والبطولة و التطلع إلى وضع ثقافي أفضل ويزعمون اتخاذ مواقف من الفعل الثقافي  ..

مازال حلم تطوير المشهد مرافقا لي..ولكنه يصطدم بشخصنة النقد وتقليدية التصورات وسقوط شعار" الاختلاف لا يفسد للود قضية "وسياسة "فرق تسد" التي يعتمدها البعض والمنسوب الكبير من التآمر الذي يوجد في المشهد الثقافي بسيدي بوزيد .. كل تلك المواقف تروم رسم مشهد أفضل لكنها للأسف ترمى عرض الحائط .. وأؤكد لك أن حماسي قد فتر في الفترة الأخيرة وتسرب إلي كثير من الإحباط بسبب أشياء كثيرة تحدث في زمن الانفلات الذي لم تنج منه الثقافة ..

 

س - هل هو موقف ثقافي نقدي لثقافة تسعى للتصحيح؟

- طبعا الساحة الثقافية في حاجة إلى تصحيحات كثيرة .. وأقصد بها بعض الحزم وتجديد التصورات وتوفير المناخات الصادقة للفعل الثقافي .. ليست المسألة مسألة تحويرات و أشخاص فالمشهد الثقافي لا يمكن أن يتبدل بتغيير مسؤول أو أكثر ..

 

س - كنت من أول الكتاب التونسيين الذين تابعوا أمكنة

- وشخوص و أحلام الثورة في سيدي بوزيد وقد حملت روايتك "علالة الزيني" 2011 هذا الهم. الآن وبعد أكثر من ثلاث سنوات من الثورة كيف تحكم على وضع الثقافة والفكر والإبداع في تونس؟

لقد خفت المشهد في الأشهر الأخيرة .. كثرت المهازل وتواضع الفعل الثقافي وتراجع .. ثمة أزمة ثقافية خانقة مسكوت عنها في البلاد  .. الكلمة في خطر .. وكل الأطراف تخون حرية الكلمة .. التجييش ضد المختلف مازال سمة بارزة في تونس .. وما نراه من حوارات مختلفة ليس غير ذر رماد على العيون .. لقد كنا نخشى السلطة فأصبحنا نخشى هذه الجيوش من السياسيين وميليشياتهم وغلمانهم ..

 

س - هل ننتظر منك العودة للكتابة الروائية قريبا بفتح أخر للمكان ولعجيب الشخوص؟

- لا أخفيك أني لم أنقطع عن الكتابة الروائية وأنا بصدد إنجاز بعض الأعمال التي أنكب على تطويرها وتنميتها .. إن سيدي بوزيد مازالت أرضا بكرا للمخيلة السردية ومازال فيها الكثير مما يحرك الخيال الروائي ولكن يظل النشر عائقا كبيرا كما أشعر أن منسوب الحرية بدأ ينفد في البلاد وهذه مشكلة أخرى .. 

حوارمع الناقد والروائي المغربي الدكتورمحمد برادة

mohamadbradaتقديم: يعتبرالناقد والقاص والروائي الدكتورمحمد برادة من بين أهم الكتاب الطليعيين في الأدب المغربي المعاصرالذين أسهموا بشكل وافرولافت في التراكم النقدي والروائي ليس على مستوى المغرب فحسب وإنما على الصعيد العربي بما حققه وأنجزه من كتب ومتابعات وقراءات نقدية غزيرة جدا كانت بكل تأكيد على مدى نصف قرن وماتزال ذلك الجسرالثقافي بين المغرب والمشرق العربي ومن جانب آخربما أنجزه من ترجمات هامة لأشهرالكتب النقدية التنظيرية الفرنسية على الخصوص ل"رولان بارت وجان جينيه وميخائيل باختين ولوكليزو" وغيرهم والتي أسهمت في تحديث الدرس والمقاربات النقدية والبحوث الجامعية ومد جسورالمثاقفة مع شمال حوض البحرالأبيض المتوسط مما جعل منه ذاكرة ثقافية مغربية وعربية هرمية بامتياز.

الدكتورمحمد برادة كان أيضا من بين أهم الأسماء المؤسسة لاتحاد كتاب المغرب أواخرالستينات إلى جانب شيخ الصحفيين والأدباء المغاربة عبدالكريم غلاب ومحمد عزيز لحبابي ومصطفى القباج وغيرهم وسيتوج هذا المسارالإتحادي بتقلده للرئاسة من سنة 1976 إلى سنة 1983 . ومن جانب آخرولإيمانه الراسخ بتلازم الفعل الثقافي بالسياسي من خلال الإنتماء العضوي فقد إنخرط أيضا منذ أوائل الستينات في الدفاع عن أهم القضايا الحقوقية والسياسية المغربية والعربية بشكل عام ولعل أهمها قضية الدمقرطة والتحرر..

قصة "المعطف البالي" كانت أولى قطرات الغيث السردية التي نشرها محمد برادة بجريدة العلم المغربية سنة 1957 ثم نشرمجموعته القصصية الأولى موسومة ب"سلخ الجلد" سنة 1979 أما أولى رواياته "لعبة النسيان" فقد صدرت سنة 1987 ثم تدفقت بعدها روايات أخرنذكرمن بينها "الضوء الهارب" "مثل صيف لن يتكرر" "إمرأة النسيان" إلى آخررواية له صدرت في ربيع سنة 2014 موسومة ب"بعيدا من الضوضاء .. قريبا من السكات" .

أما في مجال الترجمة فإن المكتبة العربية تزخربالعديد من إنجازاته القيمة نذكرمنها على الخصوص كتاب "درجة الصفرفي الكتابة " لرولان بارت " من المنغلق إلى المنفتح لمحمد عزيزالحبابي " و" قصائد تحت الكمامة وهي ديوان شعرلعبد اللطيف اللعبي " و" الخطاب الروائي لميخائيل باختين " وبمناسبة ترجمة روايته "إمرأة النسيان " إلى الإسبانية وه وفي طريقه إلى الضفة الأخرى الأندلسية لتوقيعها أجرينا معه هذا الحوارالهام

 

ـ لحـسـن الحظ أن للنصّ الذي نكتبه أكثرمن حياة

ـ مـهـمة الترجمة إلى كل اللغات هي واحدة في وظـيـفتها: مـدُّ الجسـور بـين الثـقافات

ـ الترجمة عندنا تخضع لمقاييس وجهود فردية وتظل في دائرة الـهواية.

ـ في طليعة عناصـر التجـويد الروائي، الموهبة والتجربة الحياتية الواسعة، وصوْغ رؤية إلى العالم تسـعف القارئ على فـهْـم مجتمعه بعيدا من النظـرة الوثوقية المسبقة.

ـ الكتابة عـنـدي هي مـغامرة وتجـريب. ومن الصعب في هذا المضمار أن نتحدث عن مشروع محدد الملامح والأهداف

ـ ومـثلما أن التاريخ مصنوع من الـمآسي والمهازل والخيبات والنجاحات، فـإن الرواية هي بامتياز الشكل الجامع لكل التناقضات والصراعات والعواطف والـمفارقات...

ـ لا شك أن المبدعين الجيدين هم في حاجة إلى جوائز تتيح لهم الاستـمرار في الإنتـاج

 

س: تتشرف مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربية وفي زحمة إنشغالاتكم النقدية والإبداعية بأن تقتنص هذه اللحظة المائزة والنفيسة بإجراء هذا الحوارمعكم بمناسبة صدورالترجمة الإسبانية لروايتكم "إمرأة النسيان" بداية هنيئا لكم بهذا الإصدارالمتميزوسؤالي الأول دكتورمحمد برادة وأنتم في طريقكم إلى توقيعها بإسبانيا ماهي دلالة هذه الترجمة في عمقها التاريخي الإيبيروعربي مقارنة مع ترجمة بلغة أخرى فرنسية أوأنجليزية أوروسية؟

ج: أظـن أن مـهـمة الترجمة إلى كل اللغات هي واحدة في وظـيـفتها: مـدُّ الجسـور بـين الثـقافات، والإسهام في تـفـعـيـل تـبـادل التـأثـيـر بين إنـتاجات الـفكر والـمـخيـلة بـاتـجـاه بـلـورة قـيم إنسانية، كونية تـوطّـدُ عـلائـق الـحضـارات...بالنـسبة لـلغة الإسـبانية، يـسـرني أن تـسـعـفـني تـرجمة روايتي إليـها، في الوصول إلى قـراء مـحـتـمـليـن، لأن أكـثـر من عـنـصـر يـمـدّ حـبـال الـقـرابة بـيـنـنـا: الموقع الجغرافي، التاريخ الـمشتـرك (خاصة في الأنـدلس)، وجود جاليـة مغربية مـهاجرة وافـرة الـعدد... وقد استـرعى انـتباهي خلال تـوقيع "امرأة النسيان" في طـبعتها الإسبانية، أن بعض الذين قـرأوها، أشاروا أثناء المناقشة، إلى وجود تـشابُه بين وضعية الأحزاب عندهم والصورة الـبـّارودية التي تـرسمها الرواية للحزب اليساري المغربي السائر نحو الانحدار وفقـدان المصداقية...ونقطة الالتقاء هذه، تعود إلى الأزمة العميقة التي تعيشها إسبانيا نتيجة فشل تـعاظم عدد السـاخطين على اليمين واليسار، والبحث عن مستقبل يبدو مظلما بعد تعـثر مشروع الاتحاد الأوروبي، وتلاشي الثقة في السياسيـيـن الذين يقولون ما لا يفعلون... لذلك فـإن السياق المتقارب بين وضعي المجتمعين، على رغم تـباين الفترتين التاريخيـتين، جعل "امرأة النسيان" تلامس موضوعا مشتركا.

 

س: في تقديركم، هل إستطاعت هذه الترجمة التي أنجزتها كل من سـيـلـيا تـيـلـيـزوَعادل بـرادة أن تكون وفية للحمولة الفكرية والأبعاد الجمالية والسردية للنسخة العربية الأصلية؟

ج: لا أستطيع أن أحكم على مـدى دقة الترجمة ووفـائها بالغرض، لأنـني لا أعـرف اللغة الإسبانية؛ لأجل ذلك أتـطلع إلى رأي الأصدقاء الذين يـعرفون اللغـتـيـن. ومن خلال ردود الفعل الأولى لبعض القراء الإسبانـيـين الذين استمعتُ إليهم، يبدو أن العناصر الأساس في الرواية قد وصلتهم، بغض النظر عن دقة التعبيـر وتلاوين الأسلوب

 

س: قمتم بترجمة العديد من الأعمال الإبداعية الأدبية في الشعروالرواية إلى اللغة العربية للطاهربن جلون وعبداللطيف اللعبي وغيرهما، ماهوإحساسكم بين كونكم كاتبا مترجما (بكسرالجيم) وكاتبا مترجما (بفتح الجيم)؟

ج: الفـرق مهمّ بـين الـمتـرجِـم وَالمتـرجَـم: الأول يمارس نوعا من "الـحُـلول" المؤقت في لغة الـمترجَـم له، مع الاحتفاظ بـسـماتٍ تلتصق بلـغته الخاصة ومنهـجه في تأويل النص والمعاني...وعندما لا يكون الـنص المـترجَـم "مفـروضا" على الـمـترجِـم، فـإن هذا الأخير يختاره لأنـه يـصادف هـوىً في نفسه، ويتـمنى في قـرارة نفسه لـو كان هـو مـنْ كـتـبـه. أما عندما يصبح المـتـرجِـم متـرجَـما، فـإنه سـيـعـاين أن نـصـه يـبـدأ حياة جديدة عـبْـر قـراء مجـهولـين لـديْه، لا يستطيع أن يـتـنـبأ بـردود فعلهم وطـبيـعة تلقـّيـهم. ذلـك أننا عندما نـكتب بالعربية، يمكن أن نـستـحضـر، بكيفية تـقريـبيـة، ذوق ومسـتوى القراء العرب المُحتملين؛ أمـا بالنـسبة لـلقراء الأجانب فـإن تخـمين نوعية التلـقـّي لديهم تكون غائبة عنـدنا، لأنـنا لا نكتب حسب مقايـيس تلائم أفق انتظار القراء الأجانب. ومن ثـمّ، لا نـتـعرّف على تـلـقـّي "الآخـر" إلا بعد الترجمة وقراءة ردود فـعل النـقاد وتـقيـيـمهم للنصوص المترجَـمة.

 

س: لاجدال في أن المغرب يعتبررائدا في الدول العربية في مجال الترجمة بفضل جيل الرواد أمثالكم والأجيال التي جاءت من بعدكم، لكن مالذي يجعل هذه الحركية المتألقة في الترجمة لاتحتفي بالأعمال الروائية والشعرية المغربية لنقلها إلى لغات عالمية أخرى، أذكرعلى سبيل المثال أعمالكم وأعمال عبدالله العروي ومبارك ربيع وأحمد لمديني وغيرهم؟

ج: لا أظن أننا دولة رائدة في الترجمة قياسا إلى الدول العربية، لأننا لا نـتـوفـر على هيئة تضم مجموع المترجِـمين وتعمل وفق مخطط وستـراتيجية مـعلن عنها، بل الترجمة عندنا تخضع لمقاييس وجهود فردية وتظل في دائرة الـهواية. وكانت هناك محاولة في تسعينات القرن الماضي، بتعاوُن مع وزارة الثقافة، لإنشاء هيئة المترجمين المغاربة وفـق خطة متكاملة لـتـعـزيز الجهود التي تـبـذل في الفضاء العـربـي الذي يسعى إلى تـدارك النقص المهول في مجال الترجمة؛ لكن المشروع أُقـبِـرَ وظلت المبادرات الفردية هي السائدة، وهي جد محدودة قياسا إلى مـا يـنـجـزه المركز القومي في مصـر، أو هيئات أخرى في الإمارات والكويت...أمـا بالنسبة لـتـرجمة أعمال مغربية إلى لغات أجنبية، فـالمسألة لا تخضع لـرغبة ذاتية أو مبادرات فـردية، بـل هي مـتعلقة أساسا بـإرادة و"اختيار" دور النـشـر الأجنبية التي هي مؤسسات حـرة وتختار وفـق أذواق واهتمامات القـراء الأجانب الذين يقـتـنون الكتب ويتـيحون لدُور النشـر الاستمـرار. لذلك فـإن تـرجمة أعمال أدبية مغربية بمبادرات فـردية لـن تـنجح في إقناع الناشرين الأجانب وبالتالي لن تـُوفـق إلى تـسويق الكتاب المترجم وتوصيله إلى قـرائه المحتمـلين. إن عملية الوصول إلى القراء الأجانب عملية جدّ مـعقدة، ولا مـناص من أن تأتي المبادرة من "الآخـر" المتـابع لما يُـنـشـر عبر لغات العالم؛ ومقايـيـسه تـتراوح بين الجودة الفنية العالية (ظاهرة رواية الواقعية السحرية في أمريكا الـلاتـينية، مثلا)، أو البحث عن نصوص تـقدم "شهادة" عن أوضاع سياسية متردية أو سلوك اجتماعي يستـحق الفضح. ونـتيجة لهذا الوضع التّرجمي المعقد، نلاحظ أن الزملاء العرب الذين يكتبون مباشرة بالفرنسية أو الإنجليزية، سرعان ما يشقون طريقهم مستـفـيدين من الـبنـيـات الثقافية وأواليات التوزيع ذات الخبرة الواسعة...، علما أن عدد الذين يكتبون بالعربية هم أضعاف أضعاف زملائهم الكاتبين بلغة أجنبية.

 

س: هل صحيح أن الروائيين النقاد يتوفقون أكثرفي كتابة الرواية مقارنة مع غيرهم من الكتاب باعتبارأنهم يشتغلون على بنيات الرواية برؤية أكاديمية وعالمة بأدوات مختبرها السردي؟

ج: لا أرى أن الروائيـين الـنقاد يتوفقون أكثـر في كتابة النصوص السـردية، لأن الجودة تـعود إلى عـناصـر متعددة تـتـخطى المعرفة الأكاديمية والنـقدية. وفي طليعة عناصـر التجـويد الروائي، الموهبة والتجربة الحياتية الواسعة، وصوْغ رؤية إلى العالم تسـعف القارئ على فـهْـم مجتمعه بعيدا من النظـرة الوثوقية المسبقة. يـضاف إلى ذلك، علاقة الروائي باللغة ومستوياتها المتعددة الكاشفة لخلفية الأفكار والمواقف المتحكمة في جـدلية المجتمع والعالم...وإذا اعتمدت روايات ٌعلى وصفة أكاديمية جاهـزة، فـإنها قد تؤول إلى إنـتـاج نصوص بـدون نـكهـةٍ أو روح تزرع فيها الحياة. لكن، يجب التـنـبـيـه إلى أنه من غير المقبول اليومَ، أن يـزعم روائيٌّ أنـه يكتب اعتمادا على السـليقة أو التلقائية دون الالتفات إلى ما أنجـزه كُتاب كبار من قبله. إنه لا مناص للروائي من أن يسـتوعب تاريخ الرواية العالمية، وأن يتمعـن في الأشكال وطرائق السرد التي تكوّن معلما بارزا في منجـزات الرواية الكونية. من غير ذلك سيكون الروائي معرضا للوقوع في التكرار والعجز عن إيجاد الشكل الملائم لتجربته الروائية.

 

س: بارتباط مع السؤال السابق، من رواية لعبة النسيان إلى رواية الضوء الهارب هل يمكننا أن نتحدث عن ملامح مشروع روائي يقتعد على خلفية عالمة بالنظرية النقدية من جهة ومن جهة أخرى على ذاكرة إجتماعية وثقافية وسياسية تحفرفي ثالوث الذاكرة والموت والمرأة؟

ج: أنا لا أمـيل إلى استـعمال كلمة "مـشـروع روائي"، لأن الكتابة عـنـدي هي مـغامرة وتجـريب. ومن الصعب في هذا المضمار أن نتحدث عن مشروع محدد الملامح والأهداف. ربـما مع طول الممارسة تأخذ بعض المُكوّنات الروائية في الـتـبـلور والـطـفُـوّ، لـتمـيّـز عالمي الروائي. وقد أشـرتم إلى بروز اهتمامي بثالوث الذاكرة والموت والـمرأة، وهي عناصر تشغلني إلى جانب أخـرى دلالية وشكلية. فأنا أسعى إلى كتابة الذاكرة المختلفة عن محاكاة الواقع واستـنساخه. وأعـتبـر التعدد اللغوي وتعدد الأصوات عنصرا مهما في بناء عالم روائي متميـز وصوغ رؤية خاصة إلى العالم. لكن، في الآن نفسه، أحاول أن أتعامل مع جميع الـتـيمات والموضوعات على قدم المساواة، لأن الحياة لا تستـقيم إذا قـصَـرْناهَا على مجالات دون أخرى. بعبارة ثانية، العواطف والسلوكات والأفكار تـتجاور وتـتقاطع وتـتبادل التـأثـير، ولا يمكن أن نعزل السياسة عن الحب والجنس، عن الوفاء والخيانة، عن الشـر والخير، ولا التاريخ عن تجلياته المختلفة وطرائق فهمه وتأثـيره في الوعي والمصـائـر...يضاف إلى كل ذلك، عنـصر التـخيـيـل الذي يوسع رحابة العالم، ويسمح بفهـم مـا يجعله الواقع مُـسـطـحا وفـاقِـدَ المعنى..

 

س: لوقمنا بجرد لحصيلة الإصدارات الإبداعية الأدبية المغربية فسنلاحظ تصاعدا متميزا في أرقام المنجزالروائي، هل فعلا نعيش زمن الرواية وأن الرواية أضحت ديوان العرب أم أن هناك تطاولا على هذا الجنس أعني إما هناك روايات بلا روائيين أوهناك روائيين بلا روايات؟

ج: هناك بالفعل تزايد في الإصدارات الروائية بالمغرب، قياسا إلى ما كان عليه في ستينات القرن الماضي؛ وهي ظاهرة يمكن أن نربطها بـإمكانات الشكل الروائي في التعـبيـر عن تعقيدات الحياة المجتمعية، واختلال القيم، والحاجة إلى فـهم التحولات المتسارعة في العقديْـن الأخيريْـن...وجـنـس الرواية أقـدر-كما أوضح منظرو الرواية-على تجـسيد "نـثـريـة" الحياة والتـقاطِ لغةِ الكلام والتواصل المصاحبة لفتـرات الـتـغـيـر. إذن تـصدُّر الرواية لبقية أجناس التعـبـيـر لا تعني أفضليـتها على الشعر أو القصة أو المسرح. وفي الآن نفسه، لا يعني هذا الاهتمام أن الذين سيخوضون غمار الرواية سيحققون مستوى جيدا في جمالية النص ودلالته. نحن في أول الطريق، والرواية "صـعبٌ سـلـمها"، ومن الطبيعي أن يفوق الـغـث السمين. وأظن أن من أسباب ذلك، كـوْن الكتـاب الشباب يـتـعجّـلون النـشـر ولا يعملون على استـكمال الأدوات والشروط التي تجعل رواياتهم قادرة على جذب اهتمام قـراء محتملين غير مستعدين لـتبديد وقتهم في قراءة لغو الكلام أو قراءة روايات لا تـبـرر سـبب وجودها بمـقاييس فنـية مقنعة...

 

س: دخلت الرواية العربية مع ظهورالرقمية في تجربة جديدة ما اصطلح عليه البعض بالرواية الرقمية نذكرعلى سبيل المثال تجربة الأردني محمد سناجلة الذي أصدرثلاث روايات هي "شات" و"ظلال الواحد" و"صقيع" بداية هل لديكم فكرة عن هذا الإبداع الأدبي الرقمي العربي (قصة رقمية) (قصيدة رقمية) وثانيا أليس من السابق لأوانه أن نتحدث عن تأسيس لنظرية نقدية رقمية؟

ج:أتابع من بعيد وبخبرةٍ جد محدودة، ما يـجِـدّ في مجال الرقمية والنشـر الإلكتروني. وهي مسألة مهمة وستأخذ وقتا قـبل أن تفرض نفسها على عاداتنا وسلوكنا الثقافي (أقصد جيلي). لكن، أظن أن تـغـيـّر وسائل التعـبير لن يمحوَ المقاييس الأساس عند الـتقيـيم النقدي والفني. بعبارة ثانية، لا أظن أن غلبة الإبداع الرقمي ستؤدي إلى مَحـْو مقاييس الإبداع والجمال التي انـزرعتْ في نفوس البشـر منذ عصور مغرقة في الـقِـدَم. وكل تحول في حوامل التـعـبيـر والإبداع قد يحمل عناصر إضافية في الاقتـراب من بلورة معايـيـر جمالية ذات طـابع إنساني كـوني، إلا أن هذا المجال لا يعرف إلـغاء الـلاحق للـسابق، كما الحال في العلوم.

 

س: بين النشرالورقي والإلكتروني ما يشبه الحرب الباردة ومن دون شك أن بوادرالحسم فيها سيكون للنشرالإلكتروني إذ أن كل الجرائد المغربية أطلقت نسخها الألكترونية هذا فضلاعن تصاعد ملحوظ للكتاب الإلكتروني باعتباركم من جيل الكتاب الرواد ماهوشعوركم في لحظة إفتقاد لحميمية وملمس الورق واستبدال كتاب الجيب بكتاب الإيباد الإلكتروني؟

ج: فعلا، هذه مسألة تـهدد عاداتنا القـرائية والتواصلية، إلا أنها نتـيجة طبيـعية لتطورات التّـقـانَة وعـولـمة كل مجالات العيش والاتصال...بالنسبة لي، أحاول أن أستعمل الكتاب والإلكتروني حسب حاجتي إلى القراءة ونوعيتها، فألجأ إلى المنشورات الإلكترونية عندما يتعلق الأمر بمقالات إخبارية وصحفية أو معلومات عامة. أما نصوص الإبداع والفكر الفلسفي فأفضل الاعتماد على الكتب التي تتيـح التمهل والتمحيص وكتابة التعليقات والتساؤلات...ولا أظن أن الكتاب الورقي المطبوع سيتلاشى من فضاء الثقافة، لأن سحره وخصوصيته يمنحانه حق الاستمرار؟

 

س: عشتم العديد من المحطات السياسية التاريخية المغربية والعربية من أواخرالخمسينات إلى الثورات الراهنة (حروب، إنقلابات، إنهيارالمعسكرالشرقي، الحادي عشرمن أيلول، الثورات العربية .. إلخ) كيف تنظرون كأكاديمي وروائي عربي ومثقف إلي مايجري من الماء إلى الماء وهل الرواية العربية قادرة على إستيعاب كل هذا الزخم وقادرة على تسويركل هذا الدم والدخان؟

ج: هذا سؤال شاسع الأطراف لا يتسع المجال هنا لاسـتـيـعابه؛ لكنني أرى أن حق التـعـبير الأدبي والفني أضحى قائما وحاضرا لدى المبدعين العرب الذين استطاعوا، على رغم القمع وأنظمة الاستـبداد، أن يجعلوا منه وسيلة للتـنـفيس والفضح والمقاومة. ولم تـنجح الرقابات بأنواعها أن تـكتم أنفاس الإبداع العربي المعاصر الذي استطاع أن يصبح المـرآة الصادقة لما يجري في أعماق المجتمع وفي مسالك النفوس...لذلك ستظـل الرواية، إلى جانب أشكال تعبيـرية أخرى، وسيلة للمعرفة والمتعة واسـتـيـحاء الواقع المتحول وما يـكـتنـفه من تـدهور وتـمـزق. لكن المستـقبل العربي الغامض، المجهول، الهـش، هـو في الآن نفـسـه ينطوي على جـدلية تحمل بـذور التـغـيـيـر وفق منطق العصـر وحاجيات مجتمعاتنا الـشـابّـة. ومـثلما أن التاريخ مصنوع من الـمآسي والمهازل والخيبات والنجاحات، فـإن الرواية هي بامتياز الشكل الجامع لكل التناقضات والصراعات والعواطف والـمفارقات...

 

س: أخيرا نود أن نستمزج رأيكم في ظاهرة الجوائزالعربية وما يثارحولها من أسئلة شائكة، عن رمزيتها، قيمتها المالية، لجان القراءة والجهات الراعية لها وأحيانا خلفياتها السياسية

ج: أجـد أن مسألة الجوائز الأدبية والفكرية التي بـرزت في الحقل الثقافي العربي منذ عقود، هي ظاهرة إيجابية، خاصة تلك التي تصدر عن مؤسسات وأشخاص لا يمثلون نظاما سياسيا، ويـتـوخون إسناد الإبداع في سـياق عـربي مضادّ لحرية الخلق والتعـبـير. ولا شك أن المبدعين الجيدين هم في حاجة إلى جوائز تتيح لهم الاستـمرار في الإنتـاج. وعلى خلاف ما يوجد في الحقول الثقافية الأوروبية، فـإن الحقل الأدبي عندنا لا يتمتع باستقلالية مادية (مبيعات الكتب وحقوق المؤلف...) تتيح للمبدعين أن يعيشوا من قلمهم. وهو أمر غريب داخل فضاء عربي يضم أكثـر من 300 مليون نسمة! أما مسألة تنظيم هذه الجوائز فهي تـحتاج إلى مراجعة، لأن تـغـيـيـر اللجان في كل دورة لا يضمن العثور على مُـحـكـميـن لهم الشروط المطلوبة. والأفضل أن نسلك الطريق المتبع في بعض الجوائز الأدبية العالمية التي تعتمد على لجنة تحكيم قـارّة، مكونة من أعضاء مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة، ويكون من حق الجمهور أن يتدخل بملاحظاته وتقييماته بعد إعلان النتائج. ويتم تعويض الأعضاء الذين تقدم بهم السـن أو التحقوا بالرفيق الأعلى. لكن الأهم، هو أن تحدد الجهات الراعية للجوائز أهدافها واشـتـراطاتها ليكون المرشحون على بـيـّنـة من اختياراتهم.

في حوار مع الاستاذ د. عزالدين عناية

ezzeddine  anaya- وعينا الديني أسير السياسة والاغتراب

- عيشي في الغرب كشف لي عن قرب كيفيات صنع الأساطير الزائفة

- الترجمة فعل معرفي نهضوي أو لا تكون

 

اختار المفكر التونسي الدكتور عزالدين عناية البحث في الأديان، من خلال إصداره «الأديان الإبراهيمية: قضايا الراهن»، وهو ما يزيد رصيده في هذا المجال، كونه متخصصاً في علم الأديان. ويرى عناية أن «الوعي الديني في الواقع العربي أسير السياسة والاغتراب، ولا بد من العمل لفكّ أسره من هاتين الآفتين. إذ سرعان ما ينحو التعاطي مع الديني منحى سياسياً بموجب نضوب المعنى في فهم الدين، وسرعان ما يجنح الديني نحو الاختلاف بموجب توتر واستنفار تعيشه الشخصية العربية، ما أفقدها مقومات الانبساط والانشراح».

 وإلى جانب دراساته، قدم عناية العديد من الترجمات المتخصصة التي تثري المكتبة العربية، ويعيش رحلة فكر، ترجم معانيها في كل مؤلفاته التي أصدرها، والتي تغني الثقافة العربية، خاصة في ما يتعلق بعلم الأديان، عن كل هذا تحدث الينا في الحوار التالي:

 

مفهوم الأديان

- لماذا اخترت موضوع «الأديان الإبراهيمية» مادة لكتابك؟

بداية لا بد من توضيح أن مفهوم الأديان الإبراهيمية متباين المعنى بين الأديان الثلاثة، فمن الجانب الغربي المسيحي ـ مثلاً ـ المسألة فيها نظر، فبعد أن ساد مفهوم «لا خلاص خارج الكنيسة» طيلة قرون، مستثنياً اليهود والمسلمين من دائرة الخلاص. ورثه مفهوم «التراث المسيحي اليهودي المشترك»، وتدعّم بمفهوم «الإخوة الكبار»، الذي يعني اليهود، والذي يصر على استبعاد المسلمين. لذلك قلت في مؤلفي إن مفهوم الأديان الإبراهيمية حمّال ذو وجوه.

 

خطة تعايش

ولم يتسنّ للأديان الإبراهيمية، حتى الآن، رسم خطّة مشتركة في التعايش والاحتضان بين بعضها البعض. تتواضع بمقتضاها على حضور أتباع الدين الآخر بين ظهرانيها، دون أن يلحقهم أذى أو ترهقهم ذلّة. فمن الأديان الثلاثة ما يملك تشريعات في الشأن، غير أنها تقادمت، دون أن يتعهدها أهلها بالتهذيب، على غرار مفهوم أهل الكتاب في الإسلام.

ومن تلك الأديان ما لا يزال في طور تخليق منظومة لاستيعاب الآخر، لم يحصل بشأنها إجماع، على غرار «لاهوت الأديان» في المسيحية. وما نشهده من إيلاف نسبي، يأتي بفعل الإطار التشريعي للدولة المدنية الحديثة، لا بموجب تحريض تلك الأديان.

ويبقى ما أردته من مؤلفي ليس حديثاً عن تاريخ الأديان والمقارنة بينها، بل الحديث عن راهن الأديان وتدافعها المحمود والمذموم. ولذلك قلت إن المسلم المهاجر في الغرب لا يعيش في كنف المسيحية، وإنما يعيش في ظل الحاضنة المدنية، التي تضمن له حيزاً إنسانياً.

 

علم الأديان

- يعتبر هذا النوع من الكتب بحثياً، فما المصادر التي اعتمدت عليها؟

لا أعوّل كثيراً على المراجع العربية الحديثة بدراسة الأديان، لضعف مبناها وتضارب معناها. لأننا نفتقر لعلم الأديان، وأقصد به الدراسة التاريخية والسوسيولوجية والأنثروبولوجية والنفسية للظواهر الدينية وللكائن المتدين.

وألمس هشاشة منهجية في ما يصدر من أعمال عربية تحُول دون تصنيفها ضمن المدوّنة العلمية. فليس هناك في الثقافة العربية الحديثة «علم يهوديات» أو «علم مسيحيات»، وأفضتُ في الحديث عن ذلك في كتابيّ: «الاستهواد العربي في مقاربة التراث العبري»، و«نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم».

لم نتساءل يوماً لماذا خطابنا العربي عن الأديان مترهّل لهذا الحدّ؟، مع أننا لنا تراث عريق في المجال. ولا أتصور أن الدارس للأديان بتحولاتها وقضاياها الحديثة بوسعه أن يقنع بما هو مترجَم أو مدوَّن باللسان العربي، لذلك أعتمد على الفرنسية والإيطالية والإنجليزية بجانب العربية، لمتابعة القضايا التي أتناولها في أبحاثي.

 

توتر واستنفار

- هل الأديان هي السبب في الاختلاف أم تسيس الدين لصالح أصحاب القرار؟

الوعي الديني في الواقع العربي أسير السياسة أو أسير الاغتراب، ولا بد من العمل لفكّ أسره من هاتين الآفتين. إذ سرعان ما ينحو التعاطي مع الديني منحى سياسياً بموجب نضوب المعنى في فهم الدين، وسرعان ما يجنح الديني نحو الاختلاف بموجب توتر واستنفار تعيشه الشخصية العربية، ما أفقدها مقومات الانبساط والانشراح. وفي الراهن ليست هناك خصومة في الدين، بل عن الدين. فهو مختطَف من قبل الساسة ومن قبل بعض خصومهم.

 

الدين المدني

- كيف يمكن للدين، كما ذكرت، أن يتحول في تصورات الناس إلى دين غير مدني؟

يردد كتّاب كثر أن أول من اقترح صياغة «الدين المدني»، جان جاك روسو في «العقد الاجتماعي» 1762، وهو ما سارت على هديه الثورة الأميركية، ولا يزال يقود سياسة ذلك البلد، عبر ما يلوح جلياً في شعارات «الرب يبارك أميركا» و«في الله نثق»، وهو ما تناوله عالم الاجتماع روبار بلاّه في مؤلّفه «الدين المدني في أميركا» 1967.

ولكن أذهب بعيداً وأرى أن الطروحات المدنية مضمَرة في تراثنا الديني، إذ هناك تجارب عدة وصياغات متنوعة عن كيفية تعايش الديني والمدني، فليس في تسلّط أحدهما، أو في الفصل المجحف بينهما الخلاص، بل في وفاق الأطراف الاجتماعية حول تراضي الفصل أو تأكيد الوصل.

والحقيقة أن الرِّيبَة الشائعة من الإسلام اليوم، هي جرّاء تحويله، في تصورات الناس، إلى دين غير مدني، والإصرار على استهلاك تلك الصورة عنه.

والواقع يكشف أن الدين ينهض بنهوض وعي الناس وينتكس بانتكاسهم، وحين يُفرَغ الدين من أبعاده الحضارية ويُحوَّل إلى خزان للعنف والتوحش، حينها ينتج الناس وعياً منفّراً عن أنفسهم وعن دينهم، والمسلمون راهناً ينتجون صورة مقيتة عن دينهم تفوق ما ينتجه الآخرون عنهم.

 

تحولات

- قلت إن الإسلام السياسي العربي هو حركة سياسية، وليس حركة فكرية، فلماذا برأيك؟

لو تتبعنا المحطات الفاصلة في تحولات الإسلام السياسي عبر البنا، وقطب، والقرضاوي، والغنوشي، يتعذر العثور على خطاب فكري بينها، بل هناك خليط دعوي سياسي يفتقر إلى المتانة الفكرية والصرامة العقلية.

 وكل حركة فكرية لا تستبطن منزعاً تحليلياً، نقدياً، يصعب أن تبشر بتحول حضاري مهْما ادعت وزعمت. فالتحولات الكبرى تدعمها حركات فكرية كبرى، والإسلام السياسي يكرر دورات المحنة والابتلاء، بما يشبه العود الأبدي، دون أن يعي سبل الخروج من المأزق الحضاري الذي تردّى فيه.

ليس هناك استثمار في الفكر، وإنما هناك تعويل على التحريض والتجييش. لأن الرهان على الفكر يتطلب تطوير الحس النقدي. والإشكالية اليوم في عالمنا العربي، أن العديد من بسطاء الناس يتوهمون أن أدبيات الإسلام السياسي وخطبه ومواقفه وأحكامه هي عنوان الإسلام.

 

ترجمة وبحث

- ترجمت العديد من الكتب إلى العربية، عن اللغتين الفرنسية والإيطالية، فمتى تقرر أن تترجم كتاباً مّا؟

أترجم ما أقدّر حاجة حضارتي إليه، وما ألمس فيه إضافة معرفية. لا أترجم تبعاً لما هو رائج في سوق النشر ولو أطبقت شهرة المؤلّف الآفاق، لأن عيشي في الغرب كشف لي عن قرب كيفيات صنع الأساطير الزائفة في الفكر والثقافة والفن، وبالتالي أعدّ الترجمة فعلاً معرفياً نهضوياً أو لا تكون. كما أتحاشى النصوص الأيديولوجية لأنها نصوص مضللة.

وأنصح في الترجمة بالتعويل على النص العلمي والرواية الآسرة والقصيدة الموجعة. ومقامي في إيطاليا يحمّلني وزراً ودَيناً ثقيلين في مجال الترجمة، وما نُقل من الإيطالية إلى اللسان العربي عبر تاريخ اللغتين لا يتجاوز 350 عملاً.

 

غشاوة

- ما الذي قدمته إليك إقامتك الطويلة في إيطاليا؟

أنا مدين للزيتونة في تونس ولإيطاليا العريقة بتكويني وتحصيلي. وربما من هذا الجانب أعتبر نفسي ابن حضارتين. فإيطاليا نزعت عني غشاوة الوهم المستبدة بخيالي عن الغرب.

ولعل تلك اللوثة ما زالت تفتِك بكثيرين من العرب. أذكر كلمة جميلة قالها لي يوما كاتب جزائري مهاجر: الحمد لله أن جيلنا المهاجر بات على نضج في علاقته بالغرب، لسنا كمن سبقنا، ممن أعماهم الشغف بباريس ولندن، على غرار الذي ما إن امتطى سفينة الرحيل نحو أوروبا حتى ألقى عمامته في البحر.

 

- ما هو جديدك؟

أنهيت ترجمة مؤلف تاريخي عن المنمنمات الإسلامية، وهو بصدد البحث عن ناشر، وأما في مجال البحث فأنا في طور إنجاز عمل يتناول ما معنى أن تكون عربياً في دولة كاثوليكية وفي مجتمع كاثوليكي غربي؟.

 

إضاءة

عز الدين عناية كاتب ومترجم تونسي متخصص في علم الأديان، أستاذ جامعي مقيم في إيطاليا، ويدرس في جامعتيْ «لاسابيينسا» في روما و«الأورينتالي» في نابولي. له العديد من المؤلفات والترجمات، منها «الاستهواد العربي في مقاربة التراث العبري»، و«نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم»، و«علم الأديان» (ترجمة من الفرنسية)، و«الإسلام في أوروبا: أنماط الاندماج»، و«علم الاجتماع الديني»، و«مدخل إلى التاريخ الإغريقي (ترجمة من الإيطالية).

 

«الأديان الإبراهيمية» تأمل في أوضاع الراهن

رغم ما يلوح من قواسم مشتركة بين اليهودية والمسيحية والإسلام، يبقى التحدي يواجه جميعها، وهو كيف تعيش تلك الأديان شراكة الأوطان؟ وكيف تغدو حاضنة لبعضها البعض ولا تكون طاردة؟ ضمن هذا السياق أتت فصول هذا المؤلّف دانية من المعيش اليومي.

ومُتابِعة لراهن أتباع تلك الأديان، في تآلفهم وفي تنافرهم. فالكتاب تأمّل في أوضاع الحاضر، وإن أملت الضرورة العودة إلى سالف التجارب، لفهم مجريات الواقع، فأحياناً تكون أُطر استيعاب الآخر مضلّلة، لا تفصح عما يتخلّلها من تناقضات.

فالأديان الثلاثة تبدو مقبلة على مواسم تفوق قدراتها التقليدية، ما عادت المدونات الفقهية واللاهوتية الكلاسيكية كفيلة بحلها. ومن المفارقات الكبرى في عصرنا، أن الدين المستضعَف المهاجر، بات يستجير بالعلمانية وبالدولة المدنية طلباً للمقام الآمن، ولا يجد ذلك المأمن والملجأ عند رفيقه في رحلة الإيمان، وهو حال الإسلام الأوروبي.

في وقت يُفترض فيه أن يكون المؤمن «الإبراهيمي»، بين أهله وملّته، حين يكون في الحاضنة الحضارية لدين من الأديان الثلاثة، لكنه في الحقيقة لا يجد تلك السكينة، وغالباً ما يأخذ صورة الخصم القادم من وراء البحار، ولذلك تواجه دعاة الحوار اليوم تحديات كبرى، آثر مؤلف هذا الكتاب التطرق إليها دون لفّ أو دوران.

 

حاورته: عبير يونس

حوار مع الشاعرة الفلسطينية معالي مصاروة

maali-masarwa• من فردوس اللغة اقطف مع كل حرف رحيق فجر مغرد بالحرية

• الشعر مرآة الروح التي تعكس ما يحوم في شغاف الجسد على ألسنة السطور

• قلمي صديق الروح وملجأي الوحيد، ووحده من يترجم لغة الصمت بشفاهي

• احلم أن اكتب قصيدة على تلال أريحا ورام اللـه وجنين ونابلس بلا حاجز ولا شرطي

• الكلمات التي لم تكتب بعد لا زالت قيد الحاضر التي ستعيشه بالأيام القادمة

• لا أدب ولا شعر بلا سياسة

• الناقد الناجح بحاجة إلى كفاءة ذاتية ورصيد من المعرفة والثقافة العامة في كل علم

معالي مصاروة شاعرة فلسطينية واعدة لها حضورها في المشهد الشعري الشبابي الراهن، لديها خطابها الشعري الخاص ولونها المميز، تجمع بين حروف قصائدها قطوفاً دانية من الرومانسية، والواقعية، والوطنية، والحلم الوردي، والدفء الإنساني، والرقة الشعرية، وصدق العاطفة، وجرأة البوح . كان لي معها هذا الحوار:

 

• من هي معالي مصاروة؟

- هي أغنية المسافر من عنق النقب إلى ساحل الجليل .. ابنة قرية عارة في المثلث الشمالي، من مواليد العام 1984، أنهيت دراستي الثانوية في قرية عرعرة سنة 2002، ثم التحقت بأكاديمية القاسمي في باقة الغربية وحصلت على البكالوريوس في الطفولة المبكرة واللغة العربية في العام 2007، معلمة وأعشق الروح المعلقة بين الكتاب والتعليم، تزوجت في قرية المكر قضاء عكا لأتمم مسيرة النجاح التي لازمتني منذ بدأت .

 

• ماذا يعني لك الشعر؟

- الشعر مرآة الروح التي تعكس ما يحوم في شغاف الجسد على ألسنة السطور، ورسالة العاشق للوطن والأرض، وتقديس للذات، وليل العاشق الهارب من منفى الواقع إلى آفاق البلاغة والشموخ، وهو قافية الحرية وفصاحة المفقود والموجود .

 

• حدثينا عن بداياتك الشعرية، بمن تأثرت، وما هي أهم المؤثرات في تكوين اتجاهاتك الأدبية؟

- بدأت بكتابة المواضيع الإنشائية بالصف الرابع الابتدائي، وفي العام 1995 نشر لي موضوع "الربيع" في كتاب "نفح الطيب من إبداع الصغير الأديب" . كتبت الشعر في المرحلة الثانوية ولا زلت حتى الآن، تأثرت كثيراً بقصائد نزار قباني وكم أحببت العوم بما يخفيه خلف السطور، وقرأت كثيراً لمحمد الماغوط، محمود درويش، سميح القاسم، المتنبي، سحر خليفة، حنا مينه، احمد فؤاد نجم والعديد، حيث لامست بكل شاعر منهم أسلوبه وكلماته التي تميزه وتعطي رونقاً لمعانيه المتراقصة على درب الأبد .

 

• من هو شاعرك المفضل عربياً وفلسطينياً؟

- تأثرت وبشدة بالشاعر والكاتب السوري محمد الماغوط الذي كتب الحياة والمقاومة، كتب الوطن والوطن، كتب كيف نكون ومتى !! . تأثرت بلغته وسياسته التي غلفت الكثير من أعماله . تأثرت به حين قال: مراقبة الظالم من وراء الزجاج شيء مضحك .. كالأطرش الذي يسمع موسيقى .

- لا تنحني لأحد مهما كان الأمر ضرورياً، فقد لا تواتيك الفرصة لتنتصب مرة أخرى !

- هنا في منتصف الجبين .. حيث مئات الكلمات تختضر .. أريد رصاصة الخلاص !

 

• ما هي القصيدة التي لم تكتبها معالي مصاروة بعد؟

- معالي لا زالت الطفلة المدللة في حضن وطنها الأبي، ستكبر ويكبر معها مجاز القلم وبلاغة الحرية، فالكلمات التي لم تكتب بعد لا زالت قيد الحاضر التي ستعيشه بالأيام الآتية .

 

• في أي اتجاه تصب مواضيع ومضامين قصائدك؟

- قصائدي وطن ..!!

عليلة أنا بين نبضي والأبجدية فقد أجبرتني اللغة على ضم قصائدي دون غضب لا احسبها قصيدة وطن، كيف لا وهو الوطن الغريب لا يد تساعده، ولا قلب يواسي الجرح في شرايينه . ومن فردوس اللغة أقطف مع كل حرف رحيق فجر مغرد بالحرية سيكون بيوم ما .

 

• إلى أي لون شعري تميل قصيدتك، ومن الأقرب إليك العمودية أم التفعيلة أم قصيدة النثر؟

- أحب العبث بشيب الأبجدية ونسج سيرة جدي وشعبي بلا حد ولا قانون، أحب الشعر النثري كثيراً، وأكتب الصور الشعرية العميقة والمتميزة كذلك .. أكتب القصيدة العمودية وأصرخ بصوت الوطن مع كل قافية وقافية .

 

• هل للشعر أوقات ومناسبات معينة عندك، أم أن سلطان الشعر يأتيك في كل زمان ومكان؟

- لا زمان ولا توقيت يحد من بوح الشاعر والكاتب حين شعوره وحاجته للكتابة، قلمي ودفتري معي طوال الوقت بكل زمان ومكلان، لأن الكتابة قد تستوقفني بعدة أماكن ومناسبات، ولا أضع حداً بيني وقلمي لأنه صديق الروح وملجأي الوحيد، ووحده من يترجم لغة الصمت بشفاهي .

 

• السياسة والانتفاضات الشعبية، ما تأثيرها على إبداعك الشعري؟

- لا أدب ولا شعر بلا سياسة وشعب ومعاناة، الوضع السياسي له تأثير كبير على نبض الحرف في كل قصيدة وقصيدة، فالمشهد السياسي وثورة الشعوب لا تعيب عن عين القلم الحر والذي يتوق لارتشاف رحيق الحرية . كلما كثرت آفات الشعوب وعلا صوت ثورتهم كما ثار القلم وغضب أكثر وأكثر لتكون كلماته كالبركان ليزلزل السطر وتكون رسالته أعمق .

 

• ماذا تعني هذه المفردات لك في قصائدك: الحب، الحزن، الغربة، الأمل، الوطن، الحلم، الحياة، المستقبل، فلسطين؟

- هذه المفردات معناها "معالي" لأنني أرى بذاتي كل هذه المعاني، فهذه الكلمات إن لم أكتبها تكتبني وحدها لأنها النبض الذي تعيش فيه كل قصائدي !! . كتبت مرة "لا أنا دونك فلسطين " وكل الكلمات أعلاه منها عانتها فلسطين والبعض الآخر نتوق له لتكون فلسطين حرة .

 

• أين موقع المرأة في خريطة الإبداع الشعري الفلسطيني؟

- لقد جاءت صورة المرأة في الشعر العربي الفلسطيني لتفصح عن شوقها وتوقها إلى الحرية والتحرر من الآفات الاجتماعية والتقليدية، وكذلك لتتحرر من الصورة التي التصقت فيها في الشعر العربي القديم وفي العصور والأزمنة السابقة . صوت الأنثى يجب أن يصل .

 

• لم تقرأ معالي مصاروة؟ وماذا تقرأ؟ وكيف ترين الوضع القرائي في هذه الأيام؟

- أحب القراءة بشكل كبير ولي معها ذكريات،أحبها بجنون ومن غيرها يحملني إلى ما بعد البعد . أقرأ الأدب والسياسة، والفن والتاريخ، لا تخلو حقائبي وسيارتي من الكتب، لا أجد وقتاً ضائعاً لأنني أقرأ باستمرار، ولا ننسى أننا نستطيع أن نحارب بالكتاب والشعوب تتطور وتتقدم بالثقافة، والقراءة تمنحنا الكثير من المعرفة والنمو الفكري والأدبي . استمتعت كثيراً بالعيش في أكناف ما كتبه الماغوط، محمود درويش، إبراهيم طوقان، توفيق زياد، راشد حسين، المتنبي والعديد، ووضع القراءة بهذه الأيام يعاني وبشدة وخاصة بعد تطور التكنولوجيا وتعدد الآليات والأجهزة لكن لا أظن أنه يوجد متعة أكبر ولذة تساوي كتاب ..!!

 

• ما رأيك بالحركة النقدية في بلادنا، ومن يعجبك من نقاد الشعر والأدب؟

- هناك حركة نقدية رائعة في بلادنا، حيث يتناولون كل حرف وإلى ماذا يرمز وإلى كل الفحوى بكل ديوان وقصيدة . والناقد الناجح بحاجة إلى كفاءة ذاتية ورصيد من المعرفة والثقافة العامة في كل علم، وينظر للنص كنص دون تجريح ودون دمج العاطفة والأمور الشخصية . أومن وبشدة بالناقد محمد علي سعيد (طمرة)، وتحسين يقين (رام اللـه )، وعمر عتيق (جنين) .

 

• هل لك دواوين شعرية مطبوعة، وما هي؟ وما هو مشروعك القادم؟

- لي طفل مدلل رأى النور والضياء في نوفمبر 2011، وعدته أن لا يبقى وحيداً وسينجب له قلمي العديد من الأخوة .

"خطوات أنثى" بعد إصداره شاركت بالعديد من الندوات والأمسيات الشعرية، وأجريت معي الكثير من المقابلات الصحفية والإذاعية، وكذلك حظي بالكثير من النقد، ومشروعي القادم سيكون في العام المقبل 2015 بإذن اللـه، وسيكون فيه قصائد نثرية وموزونة تنشد لحرية الوطن .

 

• ما هي أحلامك على الصعيد الشخصي والمستوى الأدبي؟

- شخصياً احلم، وبإذن اللـه سأبدأ في التعليم لنيل الماجستير واطلب من اللـه التوفيق . أما على الصعيد الأدبي أومن أن لا شيء بعيد، لذلك احلم أن اكتب قصيدة على تلال أريحا ورام اللـه وجنين ونابلس بلا حاجز ولا شرطي . يكفيني أملاً أن أرى وطني خالياً من القيود .

 

• هل لك طقوس معينة في الكتابة الشعرية؟

- ربما يثيرني البحر وتختالني أمواج الشوق لأكتب، وكذلك تستوقفني صرخة شهيد ودعاء منسي بأرض كنعان لأكتب واهمس ما يدور بخلجات فؤادي .الليل صديق العمر والوسادة المحشوة بألف ذكرى وموقف تحفزني للكتابة، كما يزورني الحزن كثيراً وربما يغيب عني طويلاً لكني أتوق له أحياناً لأكتب الكثير .

 

• ماذا تقولين عن الشعراء التالية أسماؤهم: محمود درويش، سميح القاسم، راشد حسين، توفيق زياد، نزار قباني، فدوى طوقان، محمد مهدي الجواهري، بدر شاكر السياب، مظفر النواب؟

- محمود درويش: هو العشق الموثوق في سيمفونية الوطن حين قال

**لا ليل يكفينا لنحلم مرتين .

** إن الموت يعشق فجأة مثلي، وإن الموت مثلي لا يحب الانتظار .

سميح القاسم: هو الثورة الحرة في جوف الأرض والوطن، وهو شاعر الثورة والمقومة، ومن قصائده التي أحبها:

تقدموا

تقدموا

كل سماء فوقكم جهنم

وكل أرض تحتكم جهنم

تقدموا

راشد حسين: ابن مثلثنا الصامد، رمز الثورة والمقاومة، طالته يد الغدر وهو مغترب عن أرضه لكن صوته لا زال يصدح بكل أرجاء الوطن، ومن قصائده الرائعة:

مات غريباً

الشمس لم تجزع لمصرعه ولا

غاب القمر

والأرض لا هي زلزلت أسفاً ولا

نزل المطر

والدمع راود مقلتي حيناً وعاد

فما انهمر

لكن بكي قلبي لمصرعه احسبه

انفطر

توفيق زياد: هو المقاومة، هو نبض فلسطين الذي لا زال صوته مدوياً في أثير الوطن ولا زلنا نردد وسنظل نردد قصيدته:

أناديكم

اشد على أياديكم

أبوس الأرض تحت نعالكم

وأقول: أفديكم

نزار قباني: هو لغة الحب على لسان الرجل والمرأة، وهو عمق النشوة المغتربة وذلك البوح الذي لا زال عالقاً في النبض، ولا نزال نردد قصيدته المغلفة بالحب

أحبك جداً

وأعرف أن الطريق إلى

المستحيل طويل

وأعرف أنك ست النساء

وليس لدي بديل

واعرف أن زمان الحنين انتهى

ومات الكلام الجميل

فدوى طوقان: هي ابنة فلسطين الحرة، قصائدها تعدت الجغرافيا والحدود، كتبت بجرح شعبها ونبض حبها وانتمائها للوطن .. خنساء فلسطين، شاعرة فلسطين التي ناضلت بكلمتها من اجل فلسطين

أنشودة الحب

كان وراء البنت الطفلة

عشرة أعوام

حين دعته بصوت مخنوق بالدمع:

حنانك خذني

كن لي الأب

كن لي الأم

وكن لي الأهل

وحدي أنا

محمد مهدي الجواهري: هو نبض العراق وأساس البلاغة والحضارة، قيل عنه: "لم يأت بعد المتنبي شاعر كالجواهري "، وفي شوقه إلى دجلة قال:

حييت سفحك عن بعد فحييني

*** يا دجلة الخير، يا أم البساتين

حييت سفحك ظمآناً ألوذ به

*** لوذ الحمائم بين الماء والطين

بدر شاكر السياّب: من مواقفه الأدبية الرائعة يقف السيّاب من الشعر الحديث موقف الثائر الذي يعمل على قلب الأوضاع الشعرية، ونقل الشعر من ذهنية التقليد وتقديس الأنظمة القديمة إلى ذهنية الحياة الجديدة التي تنطق بلغة حيدة، وطريقة جديدة، وتعبّر عن حقائق جديدة .

مظفر النواب: شاعر العراق والثورات والشجن، كتب الكثير للقضية الفلسطينية حين قال: أن من يغلقون السجون على الناس لا يفتحون على القدس أبوابها .

 

• ماذا تختارين من قصائدك؟

- القصيدة الأولى" وإني أحبك "

 

بِحضرةِ زَمانٍ به هذا وذاك

وعاصفهٍ تَراكمت اللُغاتُ بها

وفوضَى الثِواءِ على راحتَيك

قليلاً وأصحُو

فأدنُو بِشوقٍ إليك

وآتِي بِألفِ ربِيعٍ

وألفِ إنتماء

ليُورقَ حُلمِي

بعُروقِ كَفيكَ وقلبِي

يا ابن روحي

نَضجت ملامحكَ الشقيةُ فِي دمِي

شهيةً غَضبى

تُشرقُ فَوقَ ضبابِ الغُزاة

وتُردِي الظلامَ الضلِيل

وإني أحبكَ

منذُ اللقاءِ السَنِيِّ

على خاصِرةِ التكوِين

سأداوِي سُعالَ الذِكريات

برايةٍ عليها شَهدُكَ شهادتُكَ

وحبرُ حنِينِي

لينبضَ الحبُ على

قارعةِ الرُجوع

أُصلِي وأجثو فوقَ ثراكَ

كُلُومِي كَلامِي كمالِي أنتَ

نارِي نهارِي ونورِي أنتَ

قُبلتِي مُقلتِي وقِبلتِي أنتَ

وأنا المُتمردةُ المُشاكسةُ العزُوف

كيفَ لا أُحبكَ ياوطن

 

حوارمع الأستاذ مختارلغزيوي

abdah haqi- صحافي ومدير نشر جريدة "الأحداث المغربية" وموقع "أحداث.أنفو"

تقديم: الأستاذ مختارلغزيوي من جيل الصحافيين الشباب التسعينيين .. إحتضنته جريدة الأحداث المغربية منذ ولادتها أواخرالتسعينات واحتضنها هوأيضا بالقلب وبالعقل وبالقلم المقاوم منذ ذلك التاريخ إلى أن تقلد مؤخرا مسؤولية الإدارة بها . وكما يعلم كل متتبعي الحقل الصحافي الورقي المغربي أن جريدة "الأحداث المغربية" كانت أول جريدة يومية مستقلة وقد إستطاعت بجرأتها النادرة أن تفجرالعديد من الأسئلة الشائكة حول بعض الطابوهات التي ظلت جل الجرائد التقليدية تخشى إثارتها بكل شجاعة مما جعل "الأحداث المغربية " جريدة تسبق زمنها بكثيرمن السنين .

في هذا الحوارمع مديرها الجديد الأستاذ مختارلغزيوي نكتشف رؤية جديدة ودينامية متحمسة لمواصلة التألق ومواكبة تطورالعصرالرقمي.

ـ الدراسات الجادة التي أجريت في المجال تؤشر إلى أن الورقي يخوض معركة شبه محسومة مع الرقمي لاعتبارات لوجيستيكية .

ـ ومن يريد الاغتناء المشروع عليه أن يقصد مجالا آخر غير الصحافة

- قارئ 1998 انقرض وأن حديث القلب إليه قد استوفى كل أغراضه لكنه لم ينته

ـ نحن نميز بين الإسلام العظيم، وبين من يوظفون الإسلام لأغراض سياسوية صغيرة.

ـ سنبقى شوكة في حلوقكم، تأكدوا من هذا الأمر جيدا

 

س: شكرا لكم على تلبية دعوتنا لإجراء هذا الحوارالهام الذي يأتي بعد شهورإ قليلة على تحملكم مسؤولية إدارة جريدة "الأحداث المغربية" اليومية وبداية لننطلق من آخرمقال نشرتموه في عمودكم اليومي حول الموقع الإلكتروني الجديد "الأحداث آنفو" وقد تبين من خلال المقال نوع من المهادنة والذهاب بالرأي أبعد إلى القبول بواقع الصحافة الإلكترونية عكس العديد من مواقفكم وتصريحاتكم السابقة خصوصا في إحدى مشاركاتكم في حلقة "ملف للنقاش" الذي تبثه قناة ميدي1 تيفي ، هل حان الوقت للقبول والإقراربوجود الغريم الحاسوبي؟

ج: الشكر لكم أولا على الدعوة الكريمة، للإجابة عن سؤالكم أٍقول إن الإقرار بوجود من أسميتموه الغريم الحاسوبي هو أمر يتجاوزني بكثير لأنه واقع لا يرتفع، بل هو اليوم المستقبل الأكيد والمضمون للصحافة إذ الورقي سائرإلى زوال، والوسيط الرقمي سيتولى المجال في نقل الأخبار والآراء لفترة من الزمن قبل أن تخترع البشرية وسيطا آخر يفوقه أداء. لكن الإقرار لايعني المهادنة مع النماذج المتواضعة من هاته الصحافة التي تسمي نفسها إلكترونية اليوم وتغتنم فرصة فراغ السوق لكي تقدم نفسها باعتبارها الأولى في المجال، مستغلة عديد العوامل، ومستغلة أساسا أن أساتذتنا ممن كانوا يشرفون على الصحف الورقية لم يفهموا أهمية الوسيط الرقمي، بل ربما استهتروا به قبل أن يجدوا أنفسهم متجاوزين من طرف الأحداث، ومضطرين للركوب متأخرين على الموجة. أتصور أن الفعل الأفضل اليوم هو تقديم بديل إلكتروني حقيقي عوض الاكتفاد بالانتقاد وضم اليدين. وأتصور أن الميدان مفتوح لكل المبادرات وعلى المرء أن يقدم فيه مايعرف فعله أو مايتصور أنه يعرف فعله

 

س: جميع الجرائد والصحف اليومية والأسبوعية المغربية أطلقت نسخها الإلكترونية مما سيخلق وضعا إعلاميا جديدا يفرض فيه النشرالإلكتروني نفسه كفاعل ضروري بموازاة مع صنوه الورقي ألايضايقكم وزملاؤكم بداية أفول رمزية وهيبة الصحافي الورقي التي تكرست منذ عقود ، ثم من جانب آخروكيف تنظرون إلى إغراق المشهد بالمئات من المواقع الإلكترونية وصعود جيل من الصحفيين الهواة أغلبهم من الشباب العاطلين عن العمل؟

ج: الإغراق في نهاية المطاف جيد، وبدونه لن نتمكن يوما من التمييز بين الطالح وبين الصالح. لابد من تحقيق تراكم كمي كبير ووسطه سنعثر على بعض الفلتات النوعية الجيدة. أيضا قضية أن يمارس الكل الصحافة أنا لست ضدها في الختام. جميل أن يتصور الكل بأن الصحافة مهنة سهلة وبدون قواعد ولا ضوابط وأن فعل الكتابة متاح للكل وأنه لافرق بين أحد وأحد إلا بالإقدام حد الصفاقة والوقاحة أحيانا على ميادين لابد من إتقان عديد الأمور قبل الخوض فيها. لماذا أقول جميل؟ لأنه من الصعب أن تقنع من يريد فعل ذلك بألا يفعله. لذلك أفضل أن أدعوه معي للنزول إلى الميدان، وأن يجرب معنى الكتابة يوميا ومعنى البحث عن الخبر يوميا ومعنى البحث عن الروبرتاج يوميا ومعنى مواجهة كل ماتفرضه الحرفة الحقيقية يوميا، وبعدها، وإذا مااستمر على نفس عناده وادعائه أنه هو الآخر قادر على أن يكون صحافيا فاعلم أنه صحافي بالفعل. إذا ألقى أسلحته في اليوم الثاني أو الثالث أو الشهر الثاني أو الثالث أو العام الثاني أو الثالث فاعلم أنه جرب معنى مهنة المتاعب وأعطاها "شبر ديال التيساع" بعد اقتناعه أنه لايصلح لها وهي لاتصلح له.

 

س: العديد من الصحف والأسبوعيات العالمية الشهيرة علقت نسخها الورقية وتسيرالتوقعات إلى نهاية النسخة الورقية مع حلول سنة ألفين وثلاثين 2030 كيف تتلقون مثل هذه الأخبارنفسيا ومعنويا إنطلاقا من علاقتكم الحميمية مع "الأحداث المغربية " الورقية والتي تمتد إلى مايناهزخمسة عشرسنة؟

ج: أتلقى كل أخبار ميداننا ونتلقاها هنا في "الأحداث المغربية" وفي موقع "أحداث.أنفو" بعين تتوقع كثيرا مما يحدث فيه. لا يخفى عليكم أن مهنيي الصحافة اليوم لاتفاجئهم هاته الأخبار ولا تعد صادمة بالنسبة لهم لأنهم توقعوها منذ سنوات، ولأن كل الدراسات الجادة التي أجريت في المجال تؤشر إلى أن الورقي يخوض معركة شبه محسومة مع الرقمي لاعتبارات لوجيستيكية مرتبط بتكاليف الطبع والنشر والتوزيع أولا وقبل كل شيء، ولاعلاقة لها بجودة مايقدمه الورقي مقارنة مع الرقمي. لذلك أتصور أنه من الجيد عوض مواجهة الموجة العاتية المقبلة أن يبحث الإنسان عن طريقة ذكية لتلافي إصابته بأكبر قدر من الأضرار حين لقائها، ثم التفكير في طريقة معينة لجعل تلك الموجة العاتية القادمة إليه طريقة لإيصال مايقدمه من منتوج إلى جمهور آخر بطريقة أخرى، وأتخيل أن المجال مفتوح وهو يصرخ ملء قوته "فليتنافس المتنافسون"

 

س: العشرات من الصحفيين المغاربة الشباب من جيل التسعينات من هاجروا السند الورقي وأسسوا لهم مواقع إلكترونية في نظركم (كيفاش، كود، فبرايركم، أكورا ، أخبركم ..إ) إلى ما تؤشرهذه الهجرة إلى السند الإلكترون؟

ج: تؤشر إلى ضيق المجال الصحافي التقليدي في المغرب أولا، وتؤشر أساسا إلى أنه مجال لابد أن تكون قادرا على البقاء فيه، ومن أجل ذلك لابد من تضافر عوامل عديدة أهمها العامل الاقتصادي، ثانيها قوة المؤسسة التي تقف وراءك، ثالثها القدرة على التخطيط الاستراتيجي الذي يضمن لك البقاء في الساحة، وليس العبور أو فتح جريدة وإقفالها في ظرف أشهر ثم إطلاق عنوان آخر وقتله وهكذا دواليك. المسألة فعلا صعبة ومعقدة، وزملاؤنا سواء من ذكرت مواقعهم أو آخرين قدموا إضافات فعلية قد نتفق مع جزء منها وقد نختلف مع الجزء الآخر، لكنهم هم أيضا - بغض النظر عن كل شيء - أسسوا للبنات بناء هذه الصحافة المغربية التي لازالت تبحث عن نفسها، وتحبث عن التخلص من تبعات مراحل تأسيسها الأولى التي استندت على السياسة وهو مالم يتخلص منه العديدون إلى اليوم . أيضا لابد من التنويه بمسألة ظللت أقولها دوما: القادمون من التجارب المكتوبة في الصحافة انتقلوا بشكل أفضل إلى الإلكتروني من القادمين من المجهول. لكن هل الأمر مفاجئ حقا؟

 

س: في ظل هذا المشهد الملتبس يعيش الجسم الصحافي المغربي "المستقل" وضعا قاتما حيث فاحت مؤخرا روائح ملفات فساد صحفية فجرتها تصريحات مسؤولين وتسريبات كتب وقضايا إحتيال ونصب مزعومة ومساومات وتواطؤات صحفيين ..إلخ كلها تضرب في العمق المكون الأخلاقي والمهني لمهنة المتاعب في ظل هذا السواد ولعنة الفساد هاته كيف تنظرإلى عملية التطهيرحتى تتصالح الصحافة الورقية مع المواطن والمتلقي بشكل عام؟

ج : أنا مع التشدد الكامل في هذه المسألة. لايعقل أن تكون صحافيا وأن تمضي يومك بأكمله في مطالبة المجتمع بالابتعاد عن الفساد، ومطالبة الحكومة بأن تكون معصومة من الأخطاء وبمطالبة المسؤولين الآخرين بأن ينزهوا أنفسهم عن كل شيء وفي الوقت ذاته تجد أنه من العادي أن ترتكب الزلات تلو الزلات، وألا يقول لك أي شخص ولا أي جهة أي شيء. الأمر صعب فعلا وسيء، وإذا ماهربنا كل مرة وجهت إلى أحدنا تهم بفساد ما إلى الشعارات الكبرى الكاذبة عن استهداف الصحافة والصحافيين فسنكون جزءا من منظومة فساد ندعي يوميا أننا نحاربها. الأفضل هو أن نحترم عمل القضاء المغربي وأن ننتظر أحكامه، وأن نوجه إلى بعضنا البعض النصيحة بالابتعاد عن المتشابهات فالحلال بين والحرام بين، ومن يريد الاغتناء المشروع عليه أن يقصد مجالا آخر غير الصحافة لأنها ليست مجالا للمجال. من يريد أشياء أخرى فعليه أن يتحمل تبعات هذه الأشياء...

 

س : بعلاقة مع السؤال السابق هل تنزيل قانون الصحافة القادم قادرعلى الحد من هذه الكولسات والإنزلاقات الخطيرة؟

ج : البلد مليئ بالقوانين، يلزمنا ماهو أهم من القانون. تلزمنا القدرة والرغبة والإيمان بأن نطبق القانون. ثم يلزمنا أمر آخر هام وأساسي قلته باستمرار لوزير القطاع في كل اللقاءات التي جمعتنا: يلزمنا الاستماع لصوت المهنيين. لا أتخيل شكل هذا القانون الذي لاتصوغه كل هيئات تحرير المغرب، ولا أتخيل كيف سيكون و99 في المائة من الصحافيين المغاربة لايعلمون عنه إلا مايصلهم من نتف وشذرات من هنا ومن هناك إشراك العاملين والمهنيين في النقاش كله، وليس في بعضه فقط هو الكفيل بإخراج قانون قابل أولا للتطبيق وقادر على الاستجابة لكل مانريده لهذ القطاع من أشياء جيدة يستحقها من أجل أن يكون رافعة انتقال أكبر في المجتمع لا أداة نزول أكثر فأكثر إلى حضيض تعبنا منه جميعا، نحن منتسبو هذا الميدان قبل القراء وعموم المتتبعين

 

س: ماخطورة ومعنى أن تكون اليوم مديرجريدة مستقلة "الأحداث المغربية" في هذا المشهد الصحافي القاتم والملغم؟

ج: معناها أن يكون صراعك اليومي قائما على جعل الجريدة تعكس أحداث المغرب مثلما يقول إسمها، وأن يكون ارتباطها بمايشغل بال المغربية والمغربي، لا بما يشغل بال هذه الجهة أو تلك. أعترف أننا نحزن حين نرى انشغالات أخرى تحرك الناس في جرائد أخرى، ونفهم أن زر الوصل بهاته الجهة أو بتلك هو الذي اشتغل، لكننا وبقدر الحزن بقدر الفخر أننا نتحرك من تلقاء مصلحة بلادنا أولا وحبنا لهذا المغرب العظيم، ومن تلقاء هم المهنة وماتفرضه من احترام لأخلاقياتها وأبجدياتها واضعين نصب العين والإحساس والإدراك شعار الجريدة الجديد "الأحداث المغربية: من العقل إلى القلب" لاقتناع أساسي لدينا أن المغربية والمغربي اليوم يحتاجان لمن يقول لهما كلاما يدخل ذهنهما لا لمن يبيعهما الوهم والعناوين البراقة المليئة بالكثير من الفراغ.

 

س: الحق في الوصول إلى المعلومة هذا هوالسؤال الطويل والعريض الذي كان ومازال يؤرق الصحافي والإعلامي بشكل عام منذ عشرات السنين في نظركم أستاذ مختارلغزيوي هل تغيرالوضع نسبيا مع تنزيل دستورسنة 2011 ؟

ج: أعتقد أن معركة هذا الحق ستبقى مطروحة إلى أن يقتنع أصحاب القرار السياسي والاقتصادي أن المعلومة إذ تضحى متداولة بين الناس ومعروفة وسهلة الوصول إليها تعفينا من عوالم الإشاعات أولا، وتمكن من تدبر أمر جو نقي صاف من الشوائب، قادر على أن يقنع المغربي أنه يعيش في مجتمع غير خائف من تداول أي معلومة من معلوماته، وأتصور أن المعركة تستحق الصراع الذي يخاض من أجلها، وأننا سنقنع أنفسنا في الختام بأنه لا يصح إلا الصحيح، وأن المغربي يستحق فعلا أن يقرأ كل صفحات مجتمعه ككتاب مفتوح لامبرر إطلاقا لإخفاء أو تغطية أى صفحة من صفحاته

 

س: التواصل مع الفيسبوك عملية مد وجزر، أخذ وعطاء .. على المستوى المهني ماذا إستفادت جريدة "الأحداث المغربية" من تفاعل الفيسبوك والتويتر، مثلا هل إرتفع عدد قرائها الورقيين وزوارها الرقميين؟

ج : أنا أحرص بقوة على هذا التفاعل وإن كان يجلب في جزء منه بعض المتاعب الناجمة عن لجوء بعض الأسماء المستعارة أو بعض المتضايقين منا أو من الجريدة إلى أساليب سب غير مقبولة، لكننا مقتنعون أن الزمن هو زمن هذا التواصل الاجتماعي، وهو أمر أتاح لنا بالمقابل ولوجا حقيقيا لشريحة من القراء لاعلاقة لها بالشريحة التقليدية القارئة للأحداث المغربية، وهو أمر نسعى إلى تعزيزه أكثر وإلى جعله رافدا أساسيا من روافد علاقتنا بالمغربيات والمغاربة

 

س: التطورالتكنولوجي والرقمي أسهم كثيرا في تعدد الأسانيد مثل الحواسيب والألواح الذكية والسمارتفون ، ماذا أعدت مؤسسة الجريدة على مستوى التكوين وإعادة التكوين لفريق التحريرالذي مازال أغلب أعضائه يستعملون البيك والورق؟

ج: أكتفي هنا بالقول إن مفاجأة الموقع وطريقة وصوله إلى كل هاته الوسائط التي تحدثت عنها سيجيب عن السؤال. ترقبوا معنا "أحداث.أنفو" في الحواسيب العادية، وترقبوه في الهواتف الذكية وترقبوه في الألواح المشابهة، وسنطلب منكم رأيكم منذ اليوم الأول لإطلاق الموقع في نسخته الجديدة

 

س: من القلب إلى القلب وأخيرالشعارالجديد من "العقل إلى العقل" هل يعني هذا أن الجريدة دخلت سن الرشد والإبتعاد عن مواضيع الإثارة المجانية؟

ج : أتصور دونما مبالغة أن الجريدة الوحيدة التي انطلقت راشدة هي الأحداث المغربية إذ استجابت لحاجة كانت موجودة لدى القراء المغاربة سنة إطلاقها والدليل هو أنها الجريدة التي حققت نسبة ارتفاع واضطراد في أرقام مبيعاتها لم تبلغها أي جريدة مغربية إلى حد الآن مع احترام كل العناوين التي جاءت بعدنا والتي استوحت أساسا وأولا وآخرا تجربة "الأحداث المغربية". الذي وقع بكل صراحة هو أن قارئ 1998 الذي لم تكن علاقته بالأنترنيت مثلما هي عليه الآن وجد في الأحداث المغربية مالم توفره له جريدة أخرى حينها، وأتصور أيضا أن موضوع التربية الجنسية وإخراج مجتمعنا من كبته ومن علاقته الظاهرية الملتبسة بالجنس هو نقاش مجتمعي محترم لايكن أن نلغيه بمجرد الاستهزاء منه لأن عدم التعامل السوي معه أساس كثير من المشاكل والجرائم التي نسمع عنها كالتحرش أو اغتصاب الصغار. اليوم نتصور أن قارئ 1998 انقرض وأن حديث القلب إليه قد استوفى كل أغراضه لكنه لم ينته، وعوضه سنغلب حديث العقل بعد أن اكتشفنا في مشهدنا الصحافي أن العاطفة تغلب في اتجاه غير سليم كثيرا.

 

س: بعد أيام قليلة سيحل شهر رمضان الأبرك وسوف تشتعل من جديد الأسئلة القديمة الجديدة السطحية والشائكة حول قضايا الإسلام الراهن عن التسامح والتطرف عن الجنة والناروالملائكة والشياطين أولا مادلالة إطلاق النسخة الإلكترونية مع فاتح هذا الشهر، ثانيا ماهي الإضافة النوعية التي ستأتي بها وثالثا ماهي الرسالة التي تود توجيهها بهذه المناسبة الكريمة خصوصا أنكم تتلقون بين الحين والآخر بعض المناوشات والمضايقات الإرهابية بسبب توجه منبركم الحداثي المتفتح؟

ج : إطلاق الموقع في فاتح رمضان قاعدة مغربية أخذناها من تربيتنا في مجتمع يتبرك بأيامه المفترجة والمباركة. نحن أبناء هذا البلد وأبناء هذا الدين، تربينا في دروب وأزقة مغربنا القديمة، دلفنا إلى مساجدنا العتيقة، وحفظنا ماتيسر من قرآن كريم ومن سنة نبوية ومن كل ماله علاقة بدين الرحمة المهدى إلى العالمين، لذلك لا مشكلة لدينا في قولها بكل قوة وبكل صراخ: نحن نميز بين الإسلام العظيم، وبين من يوظفون الإسلام لأغراض سياسوية صغيرة. ديننا فوق الرأس والعين، وهو تاج على هاماتنا وندافع عن انتسابنا إليه بكل قوة، ولا نقبل أي دروس من أي كان في هذا الموضوع خصوصا وأننا معتزون ومفتخرون بإمارة المؤمنين في المغرب التي تتوج هذا الارتباط المغربي المعتدل والمتسامح والوسطي بالإسلام. بالمقابل لدينا مشكل حقيقي مع من يريدون تشويه صورة ديننا وبث المشهد المؤسف والدامي عنه الذي نراه اليوم في سوريا أو العراق أو غيرها. هؤلاء معركتنا معهم فخر لنا ونحتسبها أجرا عن الله سبحانه وتعالى لأننا نحفظ الآية الكريمة "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، ونعرف أن المغالين والمتشددين يطبقون عكس هذه الآية تماما، ونقولها لهم بالصوت العالي المرتفع : سنبقى شوكة في حلوقكم، تأكدوا من هذا الأمر جيدا

 

س: رأيكم في الأسماء التالية:

ـ محمد لبريني .. أستاذ لنا قدم الكثير وهو يرتاح اليوم راحة مستحقة.  

ـ المهدي المنجرة رحمه الله .. تعرض لكثير من الاستغلال الصغير لإسمه، وأهم شيء يقال عنه أنه كان عاشقا كبيرا للمغرب ولتمغربيت

ـ مصطفى الخلفي .. وزيرنا في القطاع، زميلنا سابقا الذي يجب عليه أن يتذكر أنه كان إبن هذا القطاع قبل أن يصبح وزيره

ـ عبدالله البقالي .. نقيب الصحافيين المغاربة، نتمنى له التوفيق في مهمة غير سهلة على الإطلاق شكرا على سعة صدركم أخوكم عبده حقي أتمنى ألا أكون قد أكثرت عليكم .

 

الاعلامية وداد فرحان: المرأة العراقية منتجة وقادرة على الابداع

wedad farhanجريدة بانوراما من استراليا صدى لصوت المغترب العراقي

لايمكن لبعد المسافات ان تبعد عشاق العراق عنه من قارة استراليا البعيدة ، هناك قلوب متعلقة بحب الوطن وتبذل جهود كبيرة سعيا لالغاء حاجز المكان، وداد فرحان أعلامية عراقية حققت حلم أن يكون للعراقيين مطبوعا خاصا جريدة بانوراما الاسبوعية لانها تؤمن بصناعة الاختلاف، ولا تنتمي للتكرار، عملت مع كادر التحرير لتكون لجريدة بانوراما خصوصيتها بكونها نسخة ليست مكررة من الصحف الأخرى. وبهذا أثبت أن المرأة العراقية منتجة وقادرة على الابداع والتحدي رغم كل المصاعب التي تحيط بها، وفق هذا المفهوم بدأت العمل رغم يقينها بصعوبة المشوار.

 

بداياتك مع العمل الاعلامي؟

- خطوتي الأولى قديمة جدا في العمل في المجال الاعلامي بعدما كان حلما كبيرا يراودني منذ أيام الصبا، لكن الخطوة الحقيقية تمثلت في دخولي الحرم الجامعي في استراليا لدراسة الاعلام وقد حصلت فيه على شهادة تخصصية، أما خطوتي الثانية فقد جسدتها بتأسيس جريدة "بانوراما" التي حصلت بعد دراسة وافية للوضع الاعلامي العراقي- العربي في استراليا، وقد وجدت حاجة ملحة لأبناء الجالية العربية، والعراقية تحديدا لمثل هذه الجريدة. من هنا كانت بدايتي الحقيقية بالعمل في المجال الاعلامي، وبشكل احترافي، أما قبلها فقد كانت لي كتابات متفرقة ومختلفة في صحف ومجلات عراقية وعربية.

 

كيف بدأت فكرة تأسيس جريدة ورقية عربية في استراليا؟

- اؤمن بصناعة الاختلاف، فأنا لا أنتمي الى التكرار، ولا أريد أن تكون جريدة بانوراما نسخة مكررة من الصحف الأخرى. أردت أن أثبت أن المرأة العراقية منتجة وقادرة على الابداع والتحدي رغم كل المصاعب التي تحيط بها، وفق هذا المفهوم بدأت العمل رغم يقيني بصعوبة المشوار. حيث التقيت بأسماء مهمة في عالم الصحافة العراقية والعربية واطلعت على الصحف الكبرى في العالم العربي والغربي، فضلا عن الصحف المحلية التي تصدر في دول الاغتراب، ولفترة ليست بالقصيرة وبعد كل هذا ولد العدد الصفر من بانوراما بتاريخ 4 /9/ 2008 ورقيا والكترونيا

 

421-wedadما هي المواضيع التي تهتمون بطرحها؟

- نزعم أن جريدة "بانوراما" هي جريدة العائلة العراقية - العربية، لذا نحن نهتم بطرح مواضيع تهم العائلة بمختلف اتجاهاتها. الجريدة تتكون من 48 صفحة، فيها صفحات خاصة بالأخبار والمقالات والتقارير السياسية والشؤون الثقافية، بالاضافة الى الاعمدة الثابتة لأسماء عراقية وعربية كبيرة ومهمة من داخل استراليا ومن خارجها.، فضلا عن اهتمامنا بكل المواضيع التي تخص المجتمع الاسترالي، وهناك صفحات تهتم بنشاطات الجالية في جميع ولايات استراليا وصفحات تهتم بالشؤون القانونية باقلام متخصصة ومعروفة. كذلك تولي صحيفتنا اهتماما كبيرا بالجانب الرياضي حيث تغطي جميع النشاطات العراقية والعربية والاسترالية، وهناك "الملف" بصفحتين نسلط فيه الضوء على تاريخ ووقائع واحداث، ونقتفي اثر كل من صنع فكرة او ابداع ولربما لتغطية حدث تاريخي او موقع تراثي حضاري. وفضلا عن ذلك كله هناك صفحات تهتم بقضايا المرأة، وبأخبار الفن، والصحة والدراسات العلمية والنفسية اضافة للعلوم الروحانية والابراج. أما في الصفحة الأولى فقد أخرجت الجريدة من عباءة الافتتاحية السياسية التي عادة ما يكتبها رئيس التحرير ب "النبضة" وهي الافتتاحية التي بمثابة رسالة للحب والسلام والأمان ودعوة الى الفرح الانساني المفتقد. وهذه النبضة هي مفتاح كل عدد وما ميزها عن غيرها من الصحف

 

الأصداء التي لاقتها الجريدة بين أبناء الجالية العراقية والعربية؟

- ربما تكون شهادتي مجروحة بهذا الخصوص، وحتى شهادة كتاب الجريدة والمقربين منها، لكنني أستطيع أن ألمس الأصداء الايجابية عن الجريدة من عموم ابناء الجالية من القراء والمتابعين والمتصفحين وايضا من جهات رسمية وغير رسمية تؤكد على أن للجريدة مكانة متميزة . المس ذلك من خلال الرسائل العديدة التي تصل الى بريد الجريدة، وكذلك من خلال المكالمات الهاتفية التي تصلنا بعد صدور كل عدد، ومن عدد القراء المتابعين لموقع الجريدة الالكتروني. ألمس الأصداء الايجابية حولها من خلال الدعوات الرسمية التي توجه لنا خصوصا من جهات عراقية وعربية واسترالية، ومن خلال التكريمات التي حظينا بها فمثلا منحتني سفارة السلام العالمي في استراليا لقب سفيرة السلام العالمي والعضوية الدائمية في السفارة. وكذلك دعوتنا لحضور مؤتمرات عالمية عديدة داخل استراليا وخارجها ومنها المؤتمر الدولي للتعريف بالابادة الجماعية للشعب الكوردي الذي عقد في كوردستان العراق وبحضور كبار الشخصيات السياسية والاعلامية، من مختلف دول العالم، إضافة الى دعوات عربية اعتذرنا عن تلبيتها لأسباب مختلفة، ومازالت سلة رسائلنا تحوي الكثير من هذه الدعوات.

وأيضا تسميتي مؤخرا سفيرة الجالية العراقية لبطولة كاس اسيا 2015 من قبل الاتحاد الاسترالي وبضوء هذا التكريم بادرت وزارة الشباب والرياضة بدعوتي لزيارة العراق من خلال مقترح تقدم به القنصل العام في سيدني الاستاذ باسم داوود. وتشرفت خلال هذه الزيارة بحضور مؤتمر انتخابات اللجنة الاولمبية العراقية كرئيسة تحرير بانوراما وكسفيرة الجالية العراقية لبطولة كاس اسيا .2015، كما كان لاهتمام الاعلام العراقي بكل منافذه بنا دليل على صدى سمعتنا الاعلامية وأهميتها. اضافة الى تكريم الجريدة من قبل جهات رسمية عراقية وعربية عديدة كان من بينها تكريم السفير العراقي في استراليا الذي منحنا علم العراق، والكثير من المسؤولين العراقيين في أستراليا أو في العراق، فضلا عن الدعوات والتكريمات الأخرى التي حظينا بها من قبل عدد من الجهات الاسترالية. كل ما تقدم وغيره يدلل على أننا نسير في الاتجاه الصحيح، الاتجاه الذي يخدم الهدف الحقيقي والاحترافي الذي نسير عليه. وبودي هنا أن أقول أن الأصداء الايجابية وصلت الى خارج استراليا والى جهات ومؤسسات اعلامية كبيرة دعت العديد منها الى فتح ابوابها وقنواتها للتعاون المشترك، وهذا يدلل على أن الجريدة قد حققت هويتها وكسبت مبدأ التزام المصداقية والمهنية في الوسط الاعلامي العراقي والعربي.

 

هل لديكم مشاريع لتطوير المطبوع؟

- منذ نشاتها اعتمدت الجريدة على تمويلها الذاتي وتطوع كتابها في اغناء الحركة الثقافية والاعلامية. بدات باربع وعشرين صفحة ووصلت الى ثمان واربعين صفحة ضمن خطة الطموح المشروعة والطلب المتزايد على تطويرها. يبقى الطموح بحرا متلاطم الامواج يحتاج الى مركب بكفاءة عالية طالما ان الربان وطاقمه في وضع الاستعداد الدائم للابحار . ما اريد قوله هنا اننا في رغبة ان نمتلك مطبعة خاصة لكي نحقق طموحا اخرا وهو اصدار مجلة شهرية ربما تمتد الى مجلات شهرية متخصصة ولاتزال عيننا بصيرة باتجاه مشروعية هذا الطموح الذي يحتاج الى عناية متكاتفة من جهات ذات رعاية لمثل هكذا مشاريع وطنية

 

كيف عالجتم مشكلة التمويل للجريدة؟

- نحن جريدة مستقلة لا نعتمد ماديا على أي جهة حكومية، أو غير حكومية، لا من داخل استراليا ولا من خارجها. تمول الجريدة ذاتيا وذلك عن طريق الاعلان فيها من قبل المؤسسات التجارية، أو المصالح الحكومية ومنظمات المجتمع المدني العربية والاسترالية التي تقتضي نشر اعلاناتها في استراليا وبشكل دوري احيانا، وفي احيان اخرى نجتهد في هذا المجال حيث نحصل على دعم مادي من خلال اجراء تحقيقات مصورة او مناسبات او تغطيات اعلامية. لكن لا أنسى الاشارة الى الدعم الذي تلقته الجريدة من الدكتور باقر الموسوي مدير مركز أستراليا للهجرة فهو السند الحقيقي للجريدة، وهو الداعم الاول والممول لتاسيسها. لكنها والحمد لله بدات تتعافى بعد انتشارها وسعة صدى سمعتها في المحيطين الاسترالي والعربي.

 

ماذا عن كادر التحرير؟

- في البداية بودي أن أقدم شكري لجميع كادر تحرير الجريدة الذي أعتبره هو الداعم الحقيقي لديمومية الجريدة واستمرارها، حيث نعمل كخلية نحل متطوعين لخدمة أبناء جاليتنا العراقية والعربية. كادر الجريدة يتكون مني كرئيسة تحريرها ونخبة كبيرة من الكاتبات والكتاب والمحررين ومدراء مكاتب الجريدة في عدد من الولايات الاسترالية وخارج أستراليا، فضلا عن مدير عام للادارة والحسابات، والسكرتارية، والعلاقات العامة، والتسويق والاعلان، والتصوير، والاخراج والتصميم الورقي والالكتروني. وكل ما نتمناه هو المشاركة الفعالة في دعم الثقافة ولاثبات ذواتنا في اننا عاملين مثابرين ومخلصين في اي مكان وفي اي زمان في وطنناا الام او في المغتربات

. إننا الهوية العراقية في المغترب، ولهامة الوطن نرفع الرؤوس دوما عاليا.

 

حاورتها ــ فاتن الجابري

لقاء حصري للمثقف مع أحد احفاد جيمس جويس

nouzad jadanأحد أحفاد جيمس جويس يستحضر جدّه في مسرحية تحمل عنوان إحدى رواياته.

كانت دبلن مدينة تختصر كل المدن في طرقها

 

"ما زال هذا الشاب الريفي القادم من كورك إلى دبلن حديث الساحة الأدبية، والضوء الذي ما زال الكثير من الأدباء يستضيئون به ويضيئون نبراسهم منه، لم يكتب بلغته الأم "الغيليك الإيرلندية"، لكنه جدّد مفردات وبنية اللغة الإنجليزية، معبّرا عن نزعته القومية لبلده ليس عبر الجسد (اللغة) إنما عبر التسامي بمضمون نتاجاته، إذ كان نبض دبلن حاضراً في كل أعماله ووسماً لإحدى روايته" *.

تحدثت مؤخرا مع الكاتب والفنان الإيرلندي جون جويس عن رحلة حاولتُ فيها سبر عوالم الأدب والفن الإيرلندي من منظور أحد أفراد عائلة جويس، في مقاربة ثقافية بين عالم جويس والأدب الإيرلندي، والإسقاطات والإرهاصات الأدبية والفنية التي تركها جيمس جويس على حفيده جوي في مجالي الأدب والموسيقى خاصة، وعلى الأدب الإيرلندي عامة.

 

أبها: - أخبرني جون عن جذور عائلتك الأدبية والفنية ؟!..

جون: تنحدر عائلة جويس بالأصل من كورك، مدينه في جنوب ايرلندا. وفي منتصف عام 1800 عند وفاة والد جون ستانيسلاوس جويس (جد جيمس جويس) رحل الى دبلن بمعية والدته أيلين أوكنيل (ابنه عم الزعيم السياسي الإيرلندي دانيال أوكونيل) وعمل هناك في مؤسسة يسكس المحلية . كان جون من المؤدين الموهوبين في المجتمع الكورالي . وشاء القدر أن يلتقي ويتزوج فيما بعد من مايو موراي .

وبعد خسارته لطفلهما الرضيع الأول رزقوا بطفلهما الثاني بعد عام تقريبا اسموه جيمس جويس، كان واحداً من عشرة أطفال ترعرعوا في كنفهما، نشأ جيمس في بلدة راثكر في دبلن و درس الإنجليزية والفرنسية و الإيطالية في يو سي دي الجامعه التي تخرج فيها عام 1902. كما كان قد تدرب أيضا كمغنٍ وأصبح يشارك بنشاط في الأوساط المسيحية في دبلن قبل الاعتراف رسمياً بموهبته، لكنه وجد أن الانضباط في الغناء صعب جدا وفيه الكثير من المتطلبات والالتزامات، فاتجه نحو عالم الأدب، ومنذ صباه استخدم أسماء مستعارة ومختلفه عندما نشر مقالاته في الصحف والمجلات، كانت تراوده بعض الشكوك كأي نبوءة أدبية أنها قد تؤثر على مسيرته كروائي في المستقبل . 

تعود جذور ارتباط عائلة جويس بالأدب الى وقت بعيد . حيث كان ابن عم جيمس "روبرت دواير جويس" (1830- 1883) شاعراً ذا قامة شعرية عالية، كما له مشاركاته المميزة في مجال الموسيقى الإيرلندية التقليدية، من مقطوعاته المشهورة " الريح التي تحرك الشعير " و"حدادة ليمريك ".

بزغ في سماء هذه العائلة العديد من الشعراء والموسيقيين والكتاب الذين كانت لهم انجازاتهم وبصمتهم المؤثره في تاريخ الفن والأدب الايرلندي .

404-nozad 

 أيبها: ما رأيك في تأثير جويس على الأدب الحديث وما بعد الحداثة المتداول هذه الايام؟

جون: جيمس كسر مفهوم المحرمات بطرح الممنوعات، لقد قام بنصب مرآة بوجه المجتمع في بداية القرن العشرين، لقد كشف النقاب عن وجه المدينة المستور، أوضح بصدق مالذي كان يحدث في بلد يحظى بسمعة طيبة على أنها من أكبر مناطق أوروبا تضع الخطوط الحمراء (تلك المدينة دبلن التي خلدها في الفصل الثامن من رواية عوليس) وكذلك سلط الضوء على ما يكابده المجتمع من سوء معاطاة للكحول، تلك المسألة التي نحاول جاهدين تهوينها . كانت أعماله تصف بدقة واقع دبلن، تصف الطبيعه البشريه وارتباطها بالأخلاق بقدر الإمكان، كان يؤمن إذا كان بإمكانه الوصول إلى قلب دبلن بالتأكيد سيصل إلى واقع وقلب كل مدن العالم، كانت دبلن المدينة التي تختصر كل المدن في طرقها بنظره.

عندما رفع جويس مرآته المصقولة بمهارة، لم يلاقي تعاطفاً أو استساغة من الناس المحيطين به، لذا جُوبهت أعماله الاولى بسيل من الرفض و نوع من اللامبالاة . دبلن كانت تتمتع بتراثها الادبي التقليدي والرفيع، كونها عاصمة أوربيه صغيرة نسبيا، وجويس كرائد في التجديد للكتابة الأدبية امتدت إلى التلاعب بالتأثيرات والإحتمالات الأسلوبيه للغه الانجليزية، كان يستميل لاستخدام اللغة وموسيقاها واستخدام تلك المواهب لكسر جمود حدودها . كان يستمتع باللعب بالمصطلحات . و يجمع بين الأسطورة التقليدية مع تيار العبثية. ترك جويس بصمته المميزة وتأثيره العميق على الجيل التالي من الكتاب، وبالفعل كان له تأثير واضح ويمتد مفعوله الواضح إلى حد الآن .

 

أيبها: لقد كتبتَ مسرحية وتعمل على إنهاء روايتين، وكان من دواعي سروري وفخري العمل معك في الآونه الأخيره في فلم قصير، أخبرني المزيد عن مسرحيتك " صحوة فينيجان ".

جون: حين كتابتي لرواية "صحوة فينيجان" لم تكن نيتي الاستمتاع بمحاكاة تلك الشخصيات التي اخترعها جيمس جويس فحسب، لا بل الإبحار والغوص في عوالم جيمس نفسه الذي كان مميزا في المسرحية . هي نوع من المحاكاة الساخرة لما بعد الحداثة، كوميديا تعتمد على الموقف مع اسقاطات تتبع حياة العديد من الشخصيات في قصص جويس، عُرضت هذه المسرحية مؤخرا في ريتشموند و فرجينيا في الولايات المتحدة ومن المقرر إعادة عرض المسرحية في وقت لا حق هذا العام .

 

أيبها: هل لا زال للموسيقى التقليدية الممتدة من جذور عائلتك ذلك التأثير الكبير في حياتك؟

جون: نعم، هي مهمة جدا بالنسبه إلي، أنا شغوف جدا بالمشهد الموسيقي الإيرلندي التقليدي وكل يوم خميس نحي أمسية موسيقية في الدورة الموسيقية المفتوحة في بار هارتي وكلورين في مقاطعة كورك .

 

أيبها: إذن عدت الى مسقط رأسك على عكس ما فعله جميس ؟!

جون: تستطيعين قول ذلك . لقد بدأت برحلتي العكسية، غادرت دبلن الى كورك لأزج نفسي في الثقافة الريفية و بالطبيعة الخلابة المختلفة تماما عن تلك التي كانت تحيط جيمس جويس، حياة دبلن الصاخبة وحياة المدن في حياته لاحقا، سافرت عائلة جيمس من كورك إلى دبلن ومدن أخرى أما أنا سافرت إلى دبلن ولكن الآن عدت إلى كورك واستقرت فيها.

 

أيبها روز كاتبة وفنانة إيرلندية تعيش في دبلن، تكتب الرواية والقصة القصيرة و الشعر، عضو مؤسس في حركة شعراء وفنانين من أجل عالم مختلف . كتبت وأخرجت الفلم القصير "المحنط" الذي تم عرضه في مهرجان " ميني " للأفلام القصيرة.

"جون جويس" أحد أحفاد الأديب جيمس جويس، كاتب وموسيقي يعيش حاليا في مقاطعة كورك مسقط رأس جيمس جويس، وروائي و موسيقار تقليدي يكتب وينفذ موسيقاه الخاصة، مسرحيته " استيقاظ فينيجان "تم عرضها مؤخرا في ريتشموند فرجينيا، ويخطط لإنتاج مسرحية أخرى هذا العام.

 

أجرى الحوار : أيبها روز كاتبة إيرلندية.

ترجمة بتصرف : نوزاد جعدان شاعر وكاتب سوري

حوار مع الاديب والناقد العراقي أثير الهاشمي

ather alhasimiالاستاذ أثير الهاشمي، أديب وكاتب، جمع بين النقد والتأليف والشعر وكتابة القصة وقد نشرت اعماله في العديد من الصحف العراقية والعربية. التقيناه في هذا الحوار كي نتعرف على تجربته الادبية والنقدية، فاهلا وسهلا به:

1 - وظيفة النقد تنحرف احيانا عن المهمة الاساسية لها. اعني النقد الفعّال والجاد في معالجة الجوانب الفنية والابداعية لكل عمل يحتاج الى النقد الحقيقي وبكل حيادية تامة. بينما الوظيفة النقدية الحالية جنحت الى مزاجية الناقد، هكذا اصحاب الشان يرونها، هل لكم راي مغاير؟

- بالتأكيد لكل ناقد ادواته الخاصة التي يقوّم النص على اساسها، والناقد المحترف عليه ان يهتم بالجانب الأبداعي والابتعاد عن المجاملة في النقد، وهذا ما اسير عليه في مجالي النقدي، اذ اهتم بقراءة النصوص الجيدة التي ترتقي والابداع الفني، مبتعدا في الوقت ذاته عن تحليل النصوص البائسة، لذلك بمرور الزمن النص الجيد سيُعتنى به ويدرس، بينما النص غير الرديء سيهمل .

 

2- وجهات نظر مختلفة بين النقاد والادباء، منهم من يرى ان الادب في وقتنا الحالي لم يرق الى المستوى المطلوب وما زال وسيلة للامتاع ليس اكثر من ذلك . وهناك من يذهب الى انه وصل الى نقطة الرقي، وقسم اخر يميل الى راي ثالث وهو الدمج بين الاثنين المتعة والابداع؟ انتم مع من من الاراء؟

- بطبيعة الحال ان من سمات الأدب بشكل عام هو المتعة والإبداع، فائدته تنصب في الجوانب الذهنية والفكرية والثقافية، اما الشق الآخر من السؤال، فأن الأدب العربي لم يرتقِ إلى المستوى المطلوب، لأسباب عديدة، اهمها التهميش والإقصاء المستمر للأديب العربي، وعدم وجود جمهور يتيح لك الكتابة إليه، الكاتب اليوم يؤثر بالنخبة ليس إلا، نتمنى ان يرتقي الأدب العربي إلى المستوى المطلوب .

 

3- اذا نظرنا الى المجتمع العربي نجده ميالا الى الشعر اكثر من القصة والرواية، باعتبار ان امة العرب ولدت امة شاعرة قبل ان تكون راوية للقصة، ولذلك لم يكن متذوقا للرواية والقصة اكثر من الشعر العربي؟ ما هو ردكم؟

- نعم هذا ما ذكرته اعلاه، الجمهور هم النخبة فقط، انت ترى في الغرب يهتمون بالرواية أكثر من الشعر، لأن للرواية اليوم عالمها واسرارها الخاصة، وسماتها المختلفة، كما ان طبيعة المجتمع العربي غالبا ما يلتجأ الى الشعر في ثوراته وخيباته، لذلك تجده مجتمعا متأثرا بالشعر النبطي أكثر من الشعر الفصيح، بحسب وعيه وفكره وثقافته، يقول فاليري (ليس هناك معنى حقيقي لنص ما) بمعنى ان المجتمع مرهون بنوعية القراءة إذا كانت صحيحة أو غير صحيحة، فالقراءة الصحيحة هي ما تنطلق في البحث على اللغة الجمالية، والتحليل على وفق الثوابت التاريخية والاسترجاعية للنص، أما القراءة غير الصحيحة فإنها قراءة منغلقة، فهي لا تسمح بتدفق الملاحظات لدى المتلقي .

ويرى بارت ان قراءة النص لا تتحقق إلا من خلال خمسة انساق من العلامات، تتحكم في إنتاج المعنى، وهي (النسق التأويلي - النسق الدلالي – النسق الرمزي – نسق الحدث – النسق الثقافي). وهذه الرغبة بالقراءة الصحيحة او الانساق في انتاج المعنى قد لا تجدها لدى المتلقي العربي .

 

4 - بالنسبة الى تصنيف الكاتب والاديب هل يستطيع ان يصنف نفسه ويضيفها الى جهة معينة من الكتاب، ام كتاباته ومؤلفاته هي التي تصنفه، وماهو دور الناقد والقارئ في تصنيفه للكاتب والاديب؟

- ربما لا يستطيع الكاتب ان يصنف نفسه بين الكتّاب؛ لأنه هناك كتّاب غير ظاهريين على الساحة الدبية لهم انتاجهم ولهم منهجهم في الكتابة، لذلك قد تجد صعوبة في ذلك، لكن من الممكن ان تثق بنفسك، وعليك ان تعرف ما المطلوب منك لكي تصل الى المبتغى الذي تسعى اليه، اما دور الناقد او القارئ، فالكاتب يكتب وتصبح بضاعته الأدبية ملكا للآخر سواء الناقد او القارئ، وبذلك هما من سيقرران ما مقدار جودتها الفنية والموضعية، وبحسب ثقافة ووعي كل واحد سواء (الناقد او المتلقي) .

 

5 - عدم اهتمام القراء لما يمر بهم من ازمات، وغياب المؤسسات الراعية للادب والثقافة، هل هما السبب وراء ازمة الحراك الادبي العربي الحالي، ام ضياع المبدعين بين غيرهم من غير المبدعين؟

- بالتأكيد ان للثقافة والوعي دور مهم في دعم الأدب والثقافة، كما ان التهميش وعدم الاهتمام أثّر سلبا في ذلك، وهناك تخبط حقيقي وواضح في منهجية الثقافة العربية تنعكس على المثقف العربي، كما ان المؤسسات التعليمية تعاني من الاهمال الشديد، لدينا التعليم في الوطن العربي لم يرتق ِ الى المستوى المطلوب كما ان المجتمع العربي لم يتقبل بعد فكرة تقبل التعلم .

 

6 - برايكم هل يستطيع ان يصل الاديب والمثقف العراقي الى مستوى الابداع العالمي، وان كان لا يمكن ذلك فما الذي ينقصه، هل هي عدم قدرتة الادبية، ام ان الاديب العراقي مقيد ببعض الامور لعدم وجود فضاءات واسعة حرة تشجعة للانطلاق نحو العالمية، او انه قد وصل فعلا الى العالمية، وما الدليل لذلك؟

- ليس هناك شيء مستحيل على الاطلاق، لكن كيف يصل الاديب؟ ومتى؟ واين؟ هذه الاسئلة وغيرها ممكن ان تضيف الينا اجابات كافية، فكيفية وصوصل الاديب، يجب ان تكون هناك رعاية للاديب العربي كما تفعل الامارات اليوم من تسويق للاعمال العربية للغرب، والعكس، متى، عندما يصل الى الاديب الى مستوى احترافي كبير في المنهجية الثقافية والوعي الفكري، اين عندما ترعى المؤسسات الثقافية العربية او العراقية الاديب، وان تبني جسورا ابداعية بين الغرب والعرب . وهذا ليس بصعب .

 

7- ما مدى تاثر الادباء العرب بالادب والثقافة الاجنبية في العصر الحديث، وماهي الاثار المترتبة جراء ذلك، واخيرا هل توجد نقاط تلاقي اواختلاف فيما بينهم ان وجدت في كل الحالات؟

- التأثير كبير جدا، وتكاد تهيمن الثقافة الغربية على الكتابة العربية اليوم، اما الآثار المترتبة فانها لها ايجابياتها كما لها سلبياتها، الايجابيات ان الكاتب العربي يحاول ان يواكب التطور الادبي من ادوات فنية وفكرية، وغيرها، اما الجانب السلبي، فأن عملية التبني الكاملة لمنهجية الادب الغربي قد يؤثر سلبا على انتاجية العقل العربي، والابتعاد عن المحاور الاخلاقية والابداعية التي من اجلها واليها نشأ الادب .

 

- نعم توجد نقاط انطلاق واختلاف نتيجة هذا التأثر والتأثير وعلى هذا الاساس نشأ الادب المقارن واصبحت الدراسات تتطور حوله .

8- هل نعتبر من قال ان الرواية اصبحت محل الشعر لتكون ديوانا للعرب في اواسط القرن العشرين، قوله صحيحا، وكيف ذلك؟

لا اعتقد ذلك فالشعر وحده المهيمن مع ان البوادر بدأت تظهر الان لدعم الرواية سواء عن طريق تسويقها للمتلقي او الاعتناء بطباعتها لدى بعض المؤسسات ودور النشر، وانا ارى ان الرواية يجب ان تؤدي دورها الحقيقي في التأثير بالمتلقي، فالرواية ما عادت كتابة ادبية عابرة، بل اصبحت تحمل اسرارا وخفايا على المتلقي تفكيكها، وحصوص الفائدة منها، خاصة وانها تنوعت بتنوع المشهد الثقافي فلدينا الرواية الادبية والتاريخية والاجتماعية وغيرها .

 

9- نسمع في الفترة الاخيرة بان هناك صالونات ادبية وثقافية تقام في عدة اماكن مختلفة، برايكم هل هي البديل لانعاش الادب العراقي وديمومية حركته في الوقت الراهن وانها اتت بنتائج ايجابية لكل من الاديب والمتلقي، ام ان هناك عوامل اخرى تعتبر من الركائز المهمة لانعاش الادب والثقافة العراقية؟

- لا اعتقد انها بديل لأنعاش الادب العراقي، لكن تلك الصالونات الادبية حالة صحية تظهر نتيجة غياب دور المؤسسات الثقافية الكبيرة، كوزارة الثقافة مثلا، ويبقى انتاج الكاتب العراقي اليوم معتمدا على ذاته في القراءة والكتابة والطبع وتسويق بضاعته اعلاميا، فالمسألة اصبحت فردية لدى المثقف العراقي في تسويق نفسه بنفسه اعلاميا، لذلك تجده يشارك في المهرجانات والمسابقات التي تحصل خارج العراق للدعم المقدم له، كما بعض المسابقات في الامارات، واهمها جائزة الشارقة او جائزة دبي الثقافية التي يكون اكثر الفائزين بها هم من الكتاب العراقيين .

 

10- كيف نقيّم الدور والمستوى الذي وصل اليه الادب والثقافة العراقية بعد عام 2003 م، وهل هناك اختلاف واضح لدى الادباء والمثقفين وعلى كل المستويات الادبية والثقافية والفنية بين الفترة الحالية والتي سبقتها؟ من حيث الواقعية والفكرية؟

- بالتأكيد هناك فرق واضح، نتيجة الحرية والانفتاح الواسع الذي حصل، وهذا الترابط والتزاوج ما بين المثقفين العرب او الغرب مع المثقفين العراقيين، انتج ادبا مختلفا، له مميزاته الخاصة، اهما حرية الكاتب وانتشار الكتاب من دون قيد او منع .

 

11- المساحة مفتوحة امامكم، كيف تحب ان نختم الحوار؟

- شكري وتقديري لك استاذ ابو حسين، على الاسئلة التي تحتاج الى مساحة اكبر ووقت اكثر للاجابة عنها، فهي اسئلة تنم عما تمتلكه من ثقافة حقيقية، شكرا لأهتمامك وثقتك العالية . دمتم بخير .

ونحن بدورنا نود ان نتقدم اليكم بالشكر والثناء لما تفضلتم به في هذا اللقاء متمنيا لكم التوفيق ......

 

حاوره السيد سلام البهية السماوي - ملبورن - 12-5-2014

 

..............................

الاديب والناقد أثير الهاشمي

• مواليد : 1981

• السكن : الديوانية

• الصفة الأدبية : شاعر وناقد

• ماجستير في الأدب الحديث ونقده

• عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق

• عضو فخري في دار نعمان للثقافة / بيروت

• شارك في عدد من المهرجانات الأدبية داخل العراق

اصدر:

- صورة المرأة بين السياب وأودونيس

- المفارقة في الادب المسرحي العراقي المعاصر

• نشر عددا من المقالات النقدية والقصائد والقصص في الصحف العراقية والعربية

• حاصل على المركز الثاني في مجال النقد الأدبي في مسابقة النور للإبداع (السويد – بغداد) لعام 2009

• من الفائزين في مسابقة المقال الصحفي للشباب عام 2009 – من قبل منظمة الأمل بالتعاون معا لبغداد .

• حصل على جائزة الاستحقاق بمسابقة ناجي نعمان العالمية 2011 عن كتاب (الأدب المسرحي العراقي المعاصر بين النثر والشعر)

• رُشح للمشاركة في اليوم العالمي للشعر في بلغردا – صربيا، عام 2012 لتمثيل العراق .

• كـُرم من قبل وزارة الثقافية العراقية عام 2012

• حاصل على الجائزة الأولى في مجال النقد الأدبي في مسابقة عزيز السيد جاسم / بغداد 2012

• اهم المؤلفات :

- صورة المرأة بين السياب وادونيس / عمان 2011

-- المفارقة في الادب المسرحي العراقي المعاصر / 2014

 

حوار مع الشاعر والمترجم منير مزيد

munir mazyadليس لأنه شاعر ومترجم وعابد فى محراب الحرف آثرته عن أقرانه من شعراء المهجر لأجري معه حوارا أرى أنه تاريخى بالمعنى الحرفي للكلمة .. فمتى كان الشاعر – أي شاعر – يرى الحياة بمفاتيحها ومغاليق أسرارها كونا هائلا بكل مفرداته من بشر وطيور و أَبْحُر وأَنْهَارٍ .. كون هائل يستطيع أن يشكل تكويناته ليصنع عالمه الخاص جدا والعام ابدا .. فالحديث معه عن الشعر، ليس أكثر بداهة من الكلام عن الشعر مع شاعر وعابد فى محراب الشعر وخاصة إذا كان بوزن وقامة وقيمة منير مزيد بحضوره وأثره العام والعالمى . لكن الكثيرين يجدون دائما مع منير مزيد سؤالا أحدث من الشعر وأكثر إلحاحا، ربما لأن الحدث الشعري الأهم موجود في دواوينه .. وذلك لأن الوجه الفلسطيني له أكثر استدرارا للكلام، والأرجح أن منير مزيد و الذي قال في شعره كل شيء عن الشعر وبملء حريته، بالطبع، شعر أن الكلام الطويل عن الشعر يقيده، فالتأمل في الشعر يظل عوداً على بدء وخيطاً في الظلام.

391-munir 

بداية من هو منير مزيد ...؟

- كم يؤرقني هذا السؤال...! منذُ سنوات طويلة وأنا أبحث عن إِجابة لهذا السؤال حتى وجدت نفسي غارقاً في مفاهيم ميتافزيقية مثل: الوجود والعدم والحقيقة والظاهرة والجوهر والعرض والحرية والإنسان، وحاملاً مشروع تحرر الإنسان من كلّ أشكال العبودية والإستلاب الفكري وأوهام الخوف. وهذا لا يتم إلّا من خلال تحرير الشعر من كلّ التَّأثيرات الأَيدِيُولُوجِيَّة والسياسية ومن كلّ الأطر الكلاسيكية والتقليدية لكي تصبح قضية الشعر المِحْوريَّة والأساسية هي الشعر . حين يتحرر الشعر، يتحرر معه الإنسان.فقضية الشعر أن لا يستخدم الشاعر براعته في النظم كي يمدح أو يذم، أو يرفع أو يضع، أو ليساير من يشاء متى شاء له هواه ومطامعه، فيمدح اليوم ما ذمه امس، ليظهر براعته في اللغة، أو ليصل لإغراضه الخاصة به.فهذا ينافي التجربة وصدقها، وينافي رسالة الشعر الوجداني من سبر أغوار القلب الإنساني والتعرف على أدق خلجاته، وإمكاناته الطبيعية، ومستقبله ومصيره الاجتماعي وتأثراته الوراثية وأحلامه وطاقته وموقفه الميتافيزيقي في عصره وكل ما يعد مقوماً من مقومات حياته وسعادته في الأرض..

أنا شَهوةُ الحُزنِ للحُزن، شهوَةُ الحُبِّ للحُبِّ، شهوَةُ النّارِ للاحترَاق،وشهوَةُ العصافيرِ للغِناءِ . بكلمات وجيزة منير مزيد ناسك يتعبد في محراب الشعر،أرهَقتَهُ رائحةُ ضوضاءٍ تعبَقُ في الفضاءِ والعدَمْ، يتحاشى الاصطدامَ بأفكارٍ مُطفأَةٍ، وإلى ظلِ رغبةٍ ساكنةٍ اِنْزَوَى عسى أن يرتوِيَ من أنشودةٍ لا تعرِفُ الختام، إنسان حالم بالحرية،وصوت الإنسانية النابِض بالحياة وبِالْحُبِّ،والباحث عن الجمال،يعمل على نشر قيم العدالة والمساواة وحقوق الإنسان والتسامح والتآخي والسلام بين الشعوب باعتبارها لغة عالمية للتفاهم والتواصل بين الشعوب..

 

أود أن أسألك أولا عن عادتك مع الحوار الصحافي. كيف تعاملت طوال مسارك الشعري والأدبي مع الذين يطلبون منك إجراء لقاءات إعلامية حول شعرك ومواقفك؟ كيف تنظر إلي هذا الحوار باعتباره نصا موازيا لقصيدتك...؟

- يعد الإعلام سلاحاً ذا حدّين، لهذا أتعامل معه بحذر وبكثير من الجدية، وأحاول قدر المستطاع أن أتجنب الظهور الإعلامي فهو أصعب بكثير من كتابة ملحمة شعرية .

هناك شخصيات عامة تعشق الظهور الإعلامي واِعْتِلاء المنابر والحديث في المناسبات الاجتماعيَّة والثقافية والترفيهية، أَمَّا أنا فكلّ ما يهمني هو تكريس وقتي وجهدي للعمل الإبداعي والإنْتاج الأَدَبِيّ والفكري، بعيداً عن الصخب والطبول ومراسيم توزيع الجوائز وشهادات التقدير .

هذا النوع من الاهتمام أَتَاحَ لي القدرة على الإنْتاج والإِبتِكار والإبداع فقد بلغت أعمالي٢٠٠ عملاً أدبياً في الشعر والترجمة والأبْحَاثْ،ففي الشعر قد أَنجَزَت لغاية الآن٣٠ ديواناً شعرياً باللغة العربية و ٣٠ ديواناً باللغة الإنجليزية وترجمت إلى أكثر من ١٥ لغة، والأهم تأسيس مدرسة ورؤية شعرية "الشعر المطلق" واعتلاء عرش الشعر العالمي بشهادة النقاد وعشاق الشعر في العالم.

على سبيل المثال لا الحصر، تقول الدكتورة والناقدة الكبيرة التونسية آمنة الرميلي: " في متابعتنا لتجربة منير مزيد الشعرية في هذه السنوات الأخيرة، يمكن الإقرار بأّنها تجربة فيها من الفرادة والتميّز والسعة الفلسفية والسيطرة على حركة الرّموز ما يرفعها إلى مصافّ التجارب الكونية. القصيدة مع منير مزيد لحظة موغلة في الذّاتية حتى أنّها لا تشبه إلاّ نفسها وموغلة في الغيريّة حتى أنّها تعجّ بأصوات الأساطير والخرافات والنصوص الدينية توراة وإنجيلا وقرآنا وتعاويذ بوذيّة وبقايا ديانات سحيقة لا يعرفها إلاّ المنكبّون بلا انقطاع على روائع الآداب والفلسفات البشريّة ما قدم منها وما حدث .القصيدة مع منير مزيد رحلة شوق إلى عوالم نورانية وذوبان صوفيّ في جواهر المعنى، ولكن يكفي ان تحطّ القصيدة بين يدي قارئ لائق بها حتى تنكشف أسرارها البعيدة والقريبة فإذا برحلة اللغة في شوقها الأوّل ملامسة لسياق إنشائها فيها من أحزان الشاعر وأفراحه، عشقه وكرهه، خيباته وانتصاراته، وفيها من ابتهالاته في محراب فلسطين الضائعة وخوفه من موجة الظّلام التي تجتاح الوطن الشيء الكثير . " ..

أمّا الناقد العراقي الكبير البرفسور عبد الستار الأسدي، أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة البصرة فيقول : " إن الثورات الكبرى في التاريخ، في أي جانب من جوانب الحياة، سواء في الأطر الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية، أو في مجال العلوم أو العلوم الإنسانية،الفلسفة والأدب والفن والشعر لا تحدث إلّا حين تكون هناك عقول مبدعة تعمل بإصرار وعزيمة وإيمان على تغيير الوضع الحالي. فأعمال منير مزيد الشعرية تَعدُّ ثورة كبيرة وعظيمة في عالم الإبداع والشعر والفن واللغة و الاستعارات الإبداعية." ..

أمّا الدكتورة والشاعرة والرسامة الهندية سيما ديفي فتقول :"كما البرت اينشتاين في الفيزياء ومايكل انجلو في الفن،كذلك مُنيرْ مَزيَدْ في عالم الشِّعْرِ ،فهو أسطورة حيّة في تاريخنا المعاصر.."

 

متى ترى ان الشاعر يمتلك كونا فى فضاءاته الكتابية...؟

- حَيْن تتشكل لدى الشاعر أو الكاتب رؤية وفلسفة ذاتية حول المفاهيم المجردة ويعمل على تحطيم الأسطورة العلمية بأن كل شيء محدد بطريقة سببية، وبالتالي يمكن تفسيره موضوعيًا بقوانين عامة . فالمعرفة الذاتية تحمل في طياتها طبيعة المفارقة، فهي متجسدة بدلاً من أن تكون مجردة، وسبيلها الإيمان وليس العقلانية . فقد أكد جان بول سارتر على أن وجود الإنسان أسبق من ماهيته، بمعنى أن الإنسان يوجد أولاً ثم يختار ماهيته بحرية.

يؤمن ثيودور أدورنو بأن على الفن أن ينفي المجتمع الذي أنتج فيه والفن الأصيل من وجهة نظره، هو الذي يقيم عالمه الخاص، من نوع الاستقلال الذاتي بنفسه بعيدا عن أي ارتباط خارجي. إذن، الشاعر لا يعمل على أفكار وتوجهات و شعارات كانت موجودة ليأتي هو ويطبقها دون العمل على اعادة خلقها من جديد وبالتالي عليه أن يخلق مفاهيمه الخاصة من خلال تفكيره الخاص وتوليده للأفكار والإبداع..

هل أثرت الغربة وحياة المهجر فى كتابات منير مزيد ..؟ وبمعنى آخر هل بعدت كثيرا بفعل الغربة عن منير مزيد الذى يحمل وطنا بين اوراق دفتره الشعرى وفى قلبه الشاعر ..؟

أصبحت الهجرة جُزْء لاَ يَتَجَزَّأ في حياة منير مزيد تماماً مثل حياة الطيور في هجرتها،وهذه الهجرة لا تغير شيئاً في طبيعتها وسلوكها وبالتالي بقي الوطن وحلم العودة حيّاً .لكن هناك أشياء كثيرة قد تغيرت في مناهج تفكيري بحيث أصبحت سيداً على نفسي بالإرادة والوعي، وقادرا على استنباط الحقائق واكتشاف المعرفة . فالذات الإنسانية كما يعتقد ديكارت تقوم أساساً على التفكير لأن التفكير أو الوعي يؤدي إلى اليقين بالذات . وهذا الوعي قد تشكل من خلال صراع الموروث المحلي مع الجديد المكتسب (الغربة ومعايشة أفكار مغايرة عن الموروث).

لكن سرعان ما يطفو على السطح الشعور الملازم بالحرمان والوحدة والبعد عن الأهل وبأنني ما عدت قادرا على مشاركتهم همومهم وأفراحهم وأحزانهم وهذا يولد عندي الشعور بالاغتراب ويحفر في أعماقي شعورا ملازما ودفينا بالألم .

 

حلم (جائزة نوبل) نحن نعلم انك رشحت من قبل بعض الجهات فى أوروبا لنيل جائزة نوبل. حدثنا عن هذا ..؟

- سأتحدث معك هنا بكلّ صراحة وبِجُرْأَة نَادِرَة، أعمال منير مزيد الإبداعية أكبر بكثير من جائزة نوبل أو أي جائزة في هذا العالم المريض بداء المنفعة المادية والشوفينية،فهي حضارة كاملة ومستقلة، حضارة الحب والنور،حضارة متحركة ووليدة الفكر الإنساني الحر. وهذا ليس غروراً أو تفاخراً أو إستعلاء بل إِيمان ووعي مطلق بما أنجزته للشعر وللثقافة الإنسانية.

لهذا سأكرر ما قلته سابقاً في هذا الموضوع، جائزة نوبل ليست غاية في حد ذاتها بقدر ما يهمني هو إِنتِزاع اعتراف الآخر بأهمية وجِدّيّة الثقافة العربية وأحقيتها بأن تنافس أكبر المدارس الإبداعية في العالم وهذا ما لم يفهمه بعض الأَفْرَاد من الإِصْرارِ على بلوغ هذا الهدف.

إبداعي هو أعظم جائزه وهبني إياها المولى عز وجل . فالأمر لا يتعلق بمصلحة شخصية بقدر ما هو مصلحة قومية وإنسانية، وسعي لإِثبات الهوية الثقافية العربية كمنافس جدي وخلاق لبقية ثقافات العالم، ورسالة مفادها أن هذا الإنسان الفلسطيني الذي تم تشريده وتجريده من هويته الإنسانية وعاش مشردا بلا هوية ومن دون أي دعم أو مساعدة، وتعرض لكافة أنواع الإقصاء والتعتيم من أبناء جلدته أستطاع تحويل تلك المعاناة إلى مشروع حلم جميل .

 

السؤال البَديهيّ أين العرب من كلّ تلك الإنجازات ومتى نرى أعمال منير مزيد تأخذ مكانتها في الوطن العربي..؟

- على ما يبدو إن هذا التساؤل سابقاً لآوانه على المدى المنظور، فأنا أعتقد أن الوقت لم يحن بعد لتأخذ أعمالي الإبداعية مكانتها في الوطن العربي. هذه الإشكاليةُ تحتاج شرحاً طويلاً ولكن أستطيع القول بكل جَراءة وصدق بأنها مرتبطة بثلاثة عوامل محورية وهي : -

 

أولاً : حَيْن يتم تَنْظِيف وتَطْهِير الشرق الأوسط من ظَواهِرَ قاتلةٍ باتت تسيطرُ عَلَيْهِ وتَجُرّه نحو الخِرَابِ والدَّمار .

- ثانيا : حَيْن تَضْعَفُ أصواتُ ونفوذُ فئاتٍ تنشر الرجعيَّة والظلاميَّة، وتَرْفَعُ شعارات براقة لكن المحتوى فاسد مثل عقولها. فتلك الشعارات لا تغنى ولا تسمن من جوع بل تساهم في تسطيح العقل، والانغلاق على الذات والتنرجس الْعُنْصُرِيَّ، والغرق في وحل الوهم من خلال الشعور بالخوف من الآخر ومن ثقافته .بهذه الشعارات يصبح الإنسان العدو الأكبر للأفكار الحديثة و التنويريّة والحرة، وتدفعه نحو التطرف والتعصب، والخوف من التغيير،ورفض كل أشكال الحداثة.

تلك الفئات الظلاميَّة والمبتورة عقلياً تَشَدَّدُ على مُعَاقَبَةِ منير مزيد على حريته الفكرية، وعلى رفضه الانصياع لشهواتهم التدميرية والْعُنْصُرِيَّة من خلال إقصاءه والتعتيم على أعماله الإبداعية. فتلك الفئات تعمل بفكر عصابات الإجرام وأصحاب المصالح والأهواء ويطلق عليها «مافيات ثقافية ». هذا الإقصاء ليس عقاباً لمنير مزيد كما يتصوَّرون بل جريمة ثقافية وأخلاقية ترتكب عن سابق تصوّر وتصميم،وجريمة ترتكب بحق الثقافة العربية وبحق الإنسانية وفكرها.

يقول بوذا: لا يمكن أن يستمر إخفاء ثلاثة أشياء لفترة طويلة: الشمس، والقمر، والحقيقة.

وأنا أضيف شيئاً آخر " أعمال منير مزيد الإبداعية ". فالحقيقة تشبه الشمس التي تزيل كلَّ أوهام الظلام .

لهذا علي أن أتقدم بالشكر الجزيل لهؤلاء لأنني تَعَلَّمَت كيف أَخلع عن جسدي جِلباب أبي المُهْتَرِئ والقديم، و كيف أصنع جِلبابي الخاص بنفسي. لكن علي أن أعترف بأن هذا التعتيم قد غَيَّرَ أشياء كثيرة في حياتي وفي مَفَاهيم تتعلق بالوطن والانتماء والهوية، وخلق فجوةً كبيرةً يصعب ردمها بيني وبين العرب، ومَخَاوِفَ بأن أتحول إلى إنسان عُنْصُرِيّ يكره العرب .تلك المخاوف عبَّرَت عنها في ثلاث قصائد قصيرة على شكل ومضات وهي:

* حَيْن أتَأَمَّلُ هِجْرَةَ العَصَافِيرِ

أَرَانِي أقبَضُ عَلَى الخَيَالِ

عَلَى الحُلْمِ و عَلَى الصَّيَّاد اللَامَرْئِيّ

وأمحو مِن الذَّاكِرَةِ وُجُوهَ إخْوَةِ يُوسُفَ

 

* عَنْدَليبٌ سَماويّ يَهذِي عَلَى شَجَرَةٍ غَرِيبةٍ

واأَسَفاه

قَلْبُ الوَطَنِ ضَئِيلٌ جدّاً لا يتَّسِعُ للغِنَاءِ

وَ كَهْفُ العَدَمِ يَزدَادُ اتِّساعًا

 

* قُبَّرةٌ صَغِيرَةٌ فِي القَفَصِ

تَنوَّحُ وَتُغنِّي

تَبّاً لِوَطَنٍ يُرِيدُنا

إمَّا فِي الأَقْفَاصِ وَإمَّا فِي الْقُبُورِ

 

مع ذلك لا يزال في هذا المشهد السوداوي نقاط ضوء من أصوات عربية ومبدعة ترفض هذا الإقصاء وتعتبره جريمة بحق الثقافة العربية ومن أهم تلك الأصوات الدكتورة التونسية آمنة الرميلي والبرفسور العراقي عبد الستار الأسدي.

ثالثاً: حَيْن يدرك الإنسان العربي بأن الثقافة صناعة فكرية تساهم بشكل مباشر في دفع عجلة التنمية والتَّطَوُّر وتساهم أيضاً في إعادة تشكيل الوعي الإنساني وتحرره من كلّ أشكال العبودية والإستلاب الفكري وتحتاج مناخاً من الحرية الكاملة لكي تزدهر،وبأن المبدع ثروة وطنية وإنسانية يجب المحافظة عليها من خلال دعمه وتوفير حياة كريمة تليق به وبصورة وطنه وتوفير مناخ صحي، بعيداً عن المصالح الشخصية والفئوية والتكتلات الحزبية الضيقة،ولا يحتاج الركض وراء أصحاب المناصب والمال بل على المجتمع بأسره أن يسعى إلى المبدع لأنه يعمل على خدمة الوطن وكافة المجتمعات الإنسانية.

لهذا َحيْن يتم إيجاد وسائل قادرة على توجيه تلك العوامل والتحكم فيها ولو بشكل جزئى، بعد ذلك يمكننا الحديث عن منير مزيد وأعماله الإبدعية ومناقشة الرؤى الميتافريقية والفلسفية التي يطرحها في أعماله.

 

لقد ذكرت وتحدثت عن ظواهر وفئات تقف عائقاً أمام نشر إبداع منير مزيد في عالمنا العربي، السؤال ما هي تلك الظواهر ومن هي تلك الفئات..؟

- في بداية الألفية الثالثة، برزت في عالمنا العربي برزت في عالمنا العربي ظواهر قاتلة، ومن أهم تلك الظواهر : ظاهرة التعصب والتطرف الديني، وظاهرة القتل والاغتيال السياسي والفكري والعقائدي، وظاهرة الانغلاق على الذات والتنرجس العُنْصُرِيّ، وظاهرة التكفير المنفَلِت، وظاهرة التخوين، وظاهرة الفساد، وظاهرة النفاق والمجاملات الفارغة، استشراء وشيوع لغة العنف كلغة وحيدة لمعالجة الكثير من المشكلات التي يمر بها العالم العربي،ترويج وإشاعة نمط من أنماط الثقافة المبتورة، فكلّ تلك الظواهر باتت جزء لا يتجزأ من ثقافتنا العربية وتاريخنا المعاصر لهذا حين يأتي مبدع ومفكر مثل منير مزيد ويدق أجراس الخطر، حتماً سيكون مستهدفاً، وقد عبَّرَت عن هذا الاستهداف كثيراً في قصائدي وسأقرأ ومضةً تلخص كلّ ذلك

* عَلَى البَحْرِ أَنْ يَكُفَّ عَن قِرَاءةِ الشِّعْرِ

عَن مُداعَبةِ شِفَاه الشَّمْسِ الهارَبَةِ مِن أصَوْاتِنا

وَعَن جَرِّ الرِّيحِ النائِمةِ فِي نَعْشِ الْمَاءِ مِن ضَفَائِرِها

قَبْل أَنْ يَغرَقَ فِي حَرْبٍ مَعَ ذِئَاب الجَفَافِ

 

نَعَمْ، لقد وجدت نفسي في حربٍ مع ذئاب عربية بلا أخلاق تُريدُ التخلص مني مهما كان الثمن حتى أكون عِبْرَةً لكلّ من يفكر في رفض تقديم ولاء الطاعة والركوع لهم.

هذه الظواهر الظلاميَّة تجِدُ من يغذيها ويدعمها من قبل مؤسسات وأفراد وكذلك وجود أفراد مستعدة للقتل أو تفجير أنفسها من أجل تلك الظواهر .لهذا أصبحت حياتي مهددة من قبل قوى ظلاميّة ومافيات ثقافية تعمل على التعتيم على أعمالي الإبداعية وعلى رأس تلك المافيات رابطة الكتاب الأردنيين وكلّ من يدور في فلكها العُنْصُرِيّ.

أَمَّا الشيء الوحيد الذي أخشاه فهو إن تعمل تلك «المافيات الثقافية » على إستِغلاَلِ أعمالي الإبداعية لمصالحها الذاتية بعد رحيلي عن هذا العالم من خلال إِعطاء أعمالي صبغة حِزبيّة أو مَذهبيّة، متناسية بأنها لاَّمذهبيَّة و منير مزيد قد عاش حراً وطليقاً، وعاش لأجل لاَّمذهبيَّة إبداعه، وكان طائرا عشق التغريد والغناء كجزء من غريزته الفِطْريَّة التي استودعه الله إياها ولم ينتظر هذا الطائر مدحاً أو ثناءً أو تصفيقاً أو تهليلاً من أحد، وناضل لأجل حريته الفكرية ولأجل حرية وكرامة الإنسان، ووقف شامخا ضد جميع أشكال التَّمْيِيز الْعُنْصُرِيّ وضد قوى الفساد،ومطالباً بنبذ العنف والتشدد ولغة الكراهية،وبثقافة إنسانية لاَّمذهبيَّة ترتقي بالإنسان للوصول إلى المعرفة الرُّوحِيَّة وبلوغ الكمال والحقيقة المطلقة.

يُعِدُّ منير مزيد مؤسس "الشعر المطلق"، فما هو الشعر المطلق وهل هو مجرد رؤية أو نظرية أم أصبح الشعر المطلق موجودا فعلياً. ..؟

قبل الخوض في مفهوم وفلفسة الشعر المطلق الجماليّة، أود بداية أن أتحدث عن الشعر . هناك مفهوم خاطِئ وشائع وهو تأطير الشعر في تعاريف أو رؤى مُحَدِّدة . فالشعر ليس خُطبةً أو مَوعِظة أو بَيَاناً سياسياً أو دِيباجَةً لُغَوِيَّةً أو رسائلَ ديوانيّةً أو رِسالةً غراميةً أو إخباريّةٍ بل هو الحاضن لكلّ مصادر وينابيع المعرفة،ولكلّ انواع المفاهيم المجردة والمادية، ويحمل كلّ معطيات الأحساس والرؤية، ويُعِدُّ بمثابة ذاكرة الكون .فكلّ شيء يسكن ويسبح في الشعر والشعر يلف الكون والسماوات السبع. لهذا من يعتقد بأن الشعر لا يستطيع إِحْدَاث نهضة شاملة في كل نواحي الحياة فهو مُخطِئ وجاهل .

إذا قبلنا بالحقيقة بأن الإنسان هو كائن متعدد الأبعاد يعيش في كون متعدد الأبعاد وبما أنّه جزء من وعي لا متناه وأبدي والوجود لم يولد ولا يموت، والحياة دائمة وأبدية، وبما أنّ عملية الخلق هي تعبير عن فكر واحد لا نهائي، وكل أشكال الحياة هي مظاهر من ذلك الفكر الموحّد، و كل شيء عبارة عن وعي، والوعي هو طاقة و كلاهما شيء واحد، فإنّه من هذه الرّؤية ولدت فكرة الشعر المطلق ..

حين أدرك الإنسان أنّ نظرة الجزء من خلال الكل هي النظرة السائدة والفاعلة و كيف تستطيع الجزئية تسيير مصالحها من خلال استخدام الكلية الكونية عمل على الرّبط والمقاربة بين مفاهيم الكون وظواهره المتضاربة والمتناقضة بصور أكثر قربا إليه وإلى تفكيره . ذا التقارب ألهب خيال الإنسان وحوله من متفرج إلى خالق .

حين بدأ الإنسان يقدر على الخلق ولدّ مجموعة من الأساطير التي تتحدث عن الخلق وكيفية نشوء الكون وأصول الأشياء. فقد آمن بقوى إلهية و بأن هذا الكون العظيم قد خلق من قبل خالق عظيم و هو الله فبدأ يتقرب إليه و كلما اقترب منه ازداد خياله خصوبة واتساعا.

يعتمد الشعر المطلق أساساً على مبدأ الفكرة المتصلة بإسقاط الروح على الأشياء عن طريق مدركات الحواس وإسقاط الرّؤى الميتافيزيقية على مجموعة الأشياء المحيطة بها لأجل الحصول على الصورة الناتجة عن التأمل النفسي في البحث عن الذات االكونية في داخل الذات، عندها تصبح المحاكاة كونية لا تتجزأ .فالروح الكونية واحدة لا تتجزأ، و يهدف إلى خلق كون آخر . لهذا لا يعبر عن أفكار أو عواطف أو أي نشاط ذهني أو نفسي بل يعبر عن حالة من حالات التجلي الروحي وحالة من المكاشفة بين الله و الشاعر، وفي الشعر المطلق كلّ شيء يفكر ويمتلك ذاتا و ذاكرة.

بإختصار شديد الشعر المطلق هو امتداد للشعر الصوفي ولكن برؤية أكثر عمقا بحيث تحول الشاعر من راء إلى خالق يعمل على خلق كون آخر،ويضعه بين يديك قطرة ضوء بصولجان الكلمة الإلهية .بهذه الرؤية سيدرك الإنسان بأن ما يحدث في هذا العالم هو إنعكاس لما يحدث داخلنا،ونحن من صنع هذا الواقع،وبأننا قادرون على تغييره،وقادرون على صناعة المعجزات، وبأن خلاصنا في أيدينا عندها يصبح الشعر أهم مصادر الخلق كونه منبعا للخيال و الخيال يعد أهم من العلم كما صرح ألبرت أينشتاين، وطريقا نحو الانعتاق والتحرر من كلّ أشكال العبودية والإستلاب الفكري .

نَعَمْ، لقد أصبح الشعر المطلق موجوداً فعلياً و في كتاب عنوانه سماء قرمزية تلمعُ بالأساطير وهو عبارة عن مجلد يحتوي على ١١ مجموعة شعرية باللغة الإنجليزية وهي : حب صامت يتلألأ بالشهوة ..الرقص حول نيران الشعر ..كرنفال العشق والرغبة .. تعاويذ الشعر المطلق ..الارتشاف من كأس التجلي.. مطر على سقف الحب ..حلم يتجول في الأبدية الصامتة..قصائد أرجوانية تبحث عن العسل ..ملحمة رقصة البجع الأزرق الأخيرة..

إيروس يغني في ذاكرتي ..أضرحة الماء في ذاكرة الياسمين..

دعنا نقرأ بعضا من أحدث إبداعاتك الشعرية ونحن نعلم ان الناقد العراقي الكبير البرفسور عبد الستار الأسدي، أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة البصرة إذ صنفك هذا العام كأول اديب عربى يغزو العالم بكتاباته وبأن كل ديوان شعر لمنير مزيد يعد بمثابة ثورة في عالم الشعر والفن واللغة.؟

سأقرأ ومضات شعرية من ديواني " الرَّقْصُ مَعَ البَحْرِ عَلَى إِيقَاعِ الصَّمْتِ " "

سِربٌ من قَطَراتِ الْمَاءِ يتَوَغَّلُ مَعَ فَتَاةِ الرِّيحِ *

فِي ذَاكِرَةِ الْمَوْتِ

يَرى عَينيّ الْمَوْتِ طَافِحَتين بأَقْواسِ المَطَرِ

و بكُلّ أَنْفَاسِ النَّهارِ المُهتَرِئةِ

 

أَنَا ابْنُ زَهَرةِ اللُّوْتَس *

أَشْهَدُ أَنْ البَحْرَ كَاهِنُ الأَسْرَارِ الغَامِضةِ

و أَشْهَدُ أَنْ الْمَاءَ عَرُوسٌ نَائِمةٌ فِي أَحْضَانِ السِّحْرِ

 

* أحْزَانٌ بَيْضَاءُ

تَبوحُ للضَوْءِ الهَارِبِ مِن الغُبَار الكَوْني

أَسْرَارَ تَشَرُّدِ العَصَافِيرِ

يَقرَعُ الصَّمْتُ المُبَلَّلُ بالشَّوقِ أَجْرَاسَ الشَّمْسِ

فِي قاعِ الكَلِمَةِ الزَّرْقاءَ

 

* وَمْيضٌ مَيِّتٌ

يُبعثِرُ خُطاه عَلَى جُدْرَانِ المَدِينَةِ

وَحَرِيقٌ بَارِدٌ

يُجَمِّدُ إِرتِعَاشَ الوُجُودِ

 

* كُلُّ شَيْءٍ يَدُورُ حَولَ ذَاته

ما عَدَا الشَّمْس

تَدُورُ حَولَ الكَلِمَةِ

 

* مَصَابِيْحُ شَجَرَةِ اللَّوْزِ المُضِيئةُ بِزَيتِ الْمَطَرِ

لَا تَكُفَّ عَنِ دَغْدَغَةِ أَعْيُنَ النُجُومِ

بِضَوْئِها المَائِيّ

حَتَّى تتَسَاقَطَ فِي كَفي قصائدَ لَوْزيَّة

 

* ضَوْءٌ ضَائِعٌ

يُفَتشُ عَنْ عُشٍّ يَأوِي إلَيْهِ

يَعْثُرُ عَلَى فَجْرٍ مَيْتٍ فِي الطّرِيقِ الفاصِل

بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهار

 

 

مُنيرْ مَزيَدْ يمتلك حالياً ٣٠ ديواناً شعرياً، فما هي عناوين تلك الدواوين. ..؟

- فصلٌ مِن إنجيلِ الشِعر ..صور في الذاكرة ..كِتَابُ الحبِّ والشعرِ ..آلام الشاعر ..قصائد من كون آخر ..قطع من الكهرمان والعنبر ..تأملات جمالية ..شاعر ومدن ..وجُوديات ..حبيبتي والحلم.. ملاحم كنعانية.. السحر المعتق بنار العشق ..مواسم الشعر العذري.. الحب يتجول عاريا.. أيقونات سحرية ..أحلام في ذاكرة من بلور ..خيالات فراشة التأمل.. حب صامت يتلألأ بالشهوة ..الرقص حول نيران الشعر ..كرنفال العشق والرغبة .. تعاويذ الشعر المطلق ..الارتشاف من كأس التجلي.. مطر على سقف الحب ..حلم يتجول في الأبدية الصامتة..قصائد أرجوانية تبحث عن العسل ..ملحمة رقصة البجع الأزرق الأخيرة..إيروس يغني في ذاكرتي ..أضرحة الماء في ذاكرة الياسمين.. الحَفْرُ في يَنَابِيْعِ الضَّوْءِ .. الرَّقْصُ مَعَ البَحْرِ عَلَى إِيقَاعِ الصَّمْتِ ..

هذه الدَوَاوينُ مكتوبة باللغة العربية والإنجليزية وفي الوقت الحالي أتفاوض مع ناشر أَبْدَى رغبته في طباعتها ونشرها ولم نتوصل بعد إلى إِتِّفاق حول نقطتين أساسيتين. فإذا تم الإتفاق ستطبع قريباً..

إلى هنا تبدأ رحلة منير مزيد الإبداعية.. لاتنتهى كما يفترض بى أن أنهي حوارا معه أظنه قد بدأ .. لاشك أنني حين قررت أن أجري حوارا مع شاعر من شعراء المهجر (طيور العرب المهاجرة بفنها) دائما ما أخرج ومعي القارئ بخاتمة كما فى الأفلام العربية يتزوج الشاعر ربته الشعرية أو عروسه من جنيات القصيدة .. لكنى وأعترف أننى لم أستطع أن أزوج العرائس التى تتزين فى شعره تارة وتبكي مرات عديدة .. ظل السؤال عالقا فى سن قلمي .. متى يعيد العرب أمجادهم .. وتعود إلينا طيورنا المهاجرة

 

حاوره : نور سليمان أحمد

 

الروائي الكبير برهان الخطيب: نحن في الثالثة

burhan alkatebللروائي برهان الخطيب يصدر من القاهرة قريبا روايته الجديدة (غراميات بائع متجول) رغم العنوان العاطفي المثير يعالج نَصّه الأوضاع المعاصرة المتوترة في روسيا على خلفية حب فتى عربي لفتاة روسية عند منعطف جد خطير لأحداث فردية عامة. ليست المرة الأولى يتصدى كاتبنا الكبير الخطيب لموضوع روسيا الحساس، سبق أن نشر بداية تسعينات القرن الماضي روايته ذائعة الصيت "سقوط سبرطة" أو "حب في موسكو" بعدها  بداية هذا القرن نشر ملحمته الفريدة "الجنائن المغلقة" كلاهما يستقطب حتى اليوم اهتمام جمهور واسع من القراء، تُعد هاتان الروايتان من أكثر الكتب استعارة من المكتبات السويدية العامة. الإبداع الحقيقي برأي الخطيب لا يعترف بالحدود، من هذا الباب كان هذا اللقاء الجديد معه، أسئلة عديدة يرد عليها بأسلوبه الخاص غير الخالي من طرافة أحيانا عند اشتداد مرارة..

 

الرزوق: عالمك الروائي نراه جزءا من عالمنا الحقيقي الذي نعيش فيه.. كيف ترى تفاصيله اليوم؟

الخطيب: العطر الزكي يفقد قيمته في زريبة، كالكتاب الشريف الذكي في بيئة مريبة، نشخّص الداء والدواء من زمان وما زال جل الأهل حيران، هل نسكت أو نبقى نبكي الوطن وهو يذبح في عصر امتهان لا هوان الأوطان، كثير يقال في تفاصيل غريبة والعلة الأساس تُخفى ممن يُسمى مايتسمّاش عن الأعين والتماس، أو لا تُمس.. خشية وجع الجيب أو الرأس، العافية مطلوبة لا القافية يا سامع الوسواس الونّاس.. فاهتم بأمرك واترك للراعي الحاكم أمر البهائم والناس.

لكن أمرهم يضيع حتى من أيدي حكامهم، بعد ضياع حكامهم في أحكامهم، ديار العرب كلها غير مستقرة اليوم ولا أمس بحرب غير معلنة، تُخلط معلومات تُغيَّب حقيقة كبرى تُظهَر توافه تسيِّر الأحوال، يطول الضياع والصراع. معلوم.. العرب قالت: الحرب خدعة، أكبر من ذلك أقول: الحرب بدعة. عرب اليوم يَخدعون أنفسهم في الداخل كما يُخدعون من الخارج، يعيشون حروبا ظاهرة وخفية لقتل الأخ بالأخ، حروب تحفزها أسباب عديدة تشمل تضليل معلومات وسوء استثمار ونهب ثروات للوطن من شيوخ وشركات، أسباب تترك فجوة فقر وجهل وكراهية تتجلى اضطرابات وسوء فهم، بعضه منظّم متعمَّد لكسب فردي أناني حرام، تُركب الاضطرابات تُموَّه فكريا إعلاميا من هواة المال مزيفي الحال لتأخذ طابع خلافات من أي نوع إلا الذي يمكن تشخيصه علاجه، ففقدان البعض امتيازاته أحلامه. تُستخدم شتى الحيل والخدع لتكريس واقع متخلف لمنطقتنا، وغيرها، فيه مصلحة لانتهازيين كبار صغار ومحرّكهم الجبار، نعيش خدعة مستدامة منذ تأسيس بلاد العرب التي لم تعد بلادهم حاليا في الأقل بل بلادة مستفيدين فرادى تستحث الصراع بدل تنمية مستدامة، فيها علاج للفقر والأوبئة الاجتماعية وتدهور الحضارة.

الإعلام لاعب كبير في صياغة أنماط التفكير والسلوك، نراه الداعم المروِّج لديمومة المشاكل، وراء ذلك جهل صغار وأطماع كبار، قوى أجنبية تربح من تسويق الأفكار والسلاح، ولتعزيز مواقعها في المنطقة وأبعد، في خراب المنطقة الروحي والمادي كسب لها كما لساسة هنا داخلين في لعبة تنفيذ خطط أجنبية ولو بصيغ مفرطة بالمحلية، كأن تسمع مستشار رئيس ثورة يقول العالم كله مؤامرات والغرب يستعمل فرق تسد فعلى مصر التمترس مع تركيا والسعودية، هكذا في الشطر الأول من نظريته الراعدة يحجز لنفسه واجهة وطنية واعدة، إنما في الشطر الثاني يروج لإستراتيجية الغرب الذي يذمه، إستراتيجية طامحة لهيمنة على العالم من غير مثال أخلاقي إصلاحي معقول، هيمنة بضرب الرأس بالرأس، ما يجعل النظام الرأسمالي الحسن في ذاته سيئا نتيجة ممارساته، أو أن تلك الممارسات حتمية، من طبيعته، تعيد إلى الأذهان الاستنتاج المعروف عن الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية، أو علينا تقديم الثمن للحصول على مستقبل وضاء؟ على أي حال تلك الطريقة للمستشار في الهز أو الرقص الفكري يسار يمين شائعة ذائعة في منطقة تُستباح، اقتصاديا فكريا سياسيا، أولا بسبب الهجمة المتنوعة القوية عليها، ثانيا بسبب تجزئة المنطقة وتشظيها من ساستها لا من شعوبها بدل اليقظة والاستجابة للتحدي بتحد أكبر كما تفعل روسيا اليوم امتدادا لنهضتها بثورة أكتوبر الاشتراكية في 1917 بغض النظر عن أخطاء زعماء ومؤامرات من الداخل والخارج عليها.

 

الرزوق: ضحايا يصوَّرون كجلادين.. وجلادون يصوَّرون ضحايا برأيك؟ من المذنب في ذلك؟

الخطيب: في منطقتنا يدفع الناس ثمن الالتباس بل الاحتباس الفكري منذ قرن تقريبا وما زالوا يدفعون في كل المنطقة بسبب خيانة معظم المثقفين لهم لدورهم التنويري وانخراطهم في نشاطات ظهور وكسب بائسين.

نعم، للساسة حول الناس وحاضنتهم الإعلام خطابات متنوعة في الظاهر، دينية، يسارية، قومية، غيرها، لكنها في الجوهر كما يفهم من قول المستشار ذاك تتدفق ضمن خط الهيمنة ورقابته غير المحسوسة، الذي يستخدم ثروات العرب بواسطة عملائه نعاجه قالوا لإدامة تدفقها خدمة لإستراتيجيته، لإطاحة المزيد من حظهم وحظ المنطقة في الطين والتراب، جل الشعوب تعرف ذلك، تعليقاتهم الذكية شاهد لم يعد يسمح بظهوره على كثير من مواقع النت، ولا مقالات إصلاح مطلوبة، لو تنشر فعلى ضواحي النت البعيدة بعد تيئيس وتدنيس، للوقوف على نتاج الأفكار ودحض غير الملائم تاليا بطريقة وأخرى، ولأن الشعوب غير منظمة غير موجهة فهي لا تفعل غير الكلام والتعليق، إذا نُظمت وُجهت لتضرب بعضها بعضا، لإدامة الفوضى مع غياب استراتيجيا لهذه المنطقة يضعها عارفون بماضيها حريصون على مستقبلها تمثل مصلحتها، مصلحة كل دولة فيها على حدة، مدافعة عنها اقتصاديا سياسيا عسكريا، بدل استراتيجيا شيوخ شخوخ مدافعة عن جيوبهم لا يحترمون عُقلهم. استرجاع بل انتزاع الاستقلال الوطني سريعا بتفعيل إدراكه أو لا يبقى وطني في أي مكان من وطن هنا، لا يبقى وطن ولا ثروة بل ثرثرة، مَن يظن يمكنه انتزاعه بمفرده يحلم. تضافر جهود اليساري واليميني، القومي والأممي، يحقق ذلك، لا بتخريب الوطن بحثا عن حل ديني أو قومي أو أممي، حل مشكلة يجب أن يكون بيد أهلها حصرا، نشهد سايكس بيكو جديدة في غير صالح المنطقة، الكرد جزء من مشكلة عدم الاستقرار جنوب أوراسيا، استقرار لا يتحقق من أي طرف بمفرده، بل بتعاون الجميع هنا. الإيرانيون والأتراك والعرب إذا انتظموا في كتلة واحدة يمكنهم فرض الاستقرار هنا بحل يمنح الأكراد دولة جوار وعلى غرار أرمينيا وجورجيا وأذربيجان نزولا إلى حدود العراق أو تتسع الأحلام والمشكلة نرى إلى حدود لبنان بل كل البلدان.

 

الرزوق: قلتَ مرة التأريخ يسكت، الجغرافيا تتكلم، هل من تغيير على هذه المقولة؟

الخطيب: التاريخ يسكت وإلاّ قال العرب والأتراك والإيرانيون للأكراد عودوا إلى جبال القفقاس موطنكم، لا تتخاصموا مع الأقوام هناك لا تخرجوا أنتم أيضا إلى النيل والفرات، ويكون للأكراد رد: إذاً عودوا أنتم أيضا إلى كهوفكم وخيامكم. باختصار المشكلة موجودة لا تحل بعودة إلى الماضي، ولا بتجاهلها، ولا بقوة وحشية. والجغرافيا تتكلم كتبتُ إذ ظهرت بوادر تكتل إقليمي، بتونس زين العابدين، ليبيا القذافي، مصر مبارك، تركيا اردوغان قبيل عنترياته وانقلابها عليه، سوريا بشار الأوضح الأقوى بين العرب، وعراق المالكي الناهض على منحدر خطر، ذلك التكتل بداية ظهور عملاق شرق أوسطي فأوراسي جديدين يغيّران الوضع الدولي برمته، ذلك لا يرضي العمالقة الحاليين، بطريقتهم عملوا مستغلين أخطاء الحكام أعلاه على تفكيك وضرب بوادر ذلك التكتل، صرنا نرى الوضع الحالي تسكت فيه حتى الجغرافيا ليتكلم الإعلام بما يوحى له من العمالقة بأفلام..

أين العرب، الأتراك، الكرد، غيرهم من الصغار في كل هذا؟ على حضيض، ليس لأن الكثرة أغبياء عملاء جبناء منهم غالبية المثقفين ومرقصّيهم السفهاء بل لأن الكل يتصور مستخدما ذكاءه أنه يمكنه الارتفاع بنفسه على انفراد عن الآخرين أو يتحالف مع آخرين من أجل تعزيز مكانته الخاصة، ذلك وهم، ذلك تحالف ينشأ خارج شروط الارتفاع الأخلاقي الحقيقي الممكن المطلوب، كل فرد ودولة في منطقة غير مستقرة لا ولن تعزز استقلالها ولا تتطور اقتصاديا اجتماعيا بمعزل عن الدول المحيطة، ثم الأبعد،  لا العكس. أي بتعاون عبر محيط لاستقواء على جار. تلك حقائق فعالة لكن تفشل في تغيير الواقع لأن مئات البلتيقات السياسات المضادة تحيط بها تخترقها تخرسها بضجيجها وألاعيبها.

يصير معروفا لدى العامة هناك استراتيجيا أجنبية أممية أقول فوق غربية تضع العرب في تكتل سني ضد تكتل شيعي لحرف إيران والعرب والترك والكرد وغيرهم عن حلمهم الخاص في النماء إلى بناء شرق أوسط كوسموبولتي، هليني، بعده يتبع بناء روسيا جديدة، أفريقيا جديدة، صين وكوريا جديدتين، استراتيجيا لها عدة تجليات جبهات ملايين الموظفين، تقابلها استراتيجيا مضادة وطنية لم تنتظم تماما، ساعية للحفاظ على اقتصادها وخصوصيتها كما في البرازيل والهند وروسيا وغيرها. كثرة من المتعلمين لأسباب مختارة أو محتارة يتبنون الاستراتيجيا العولمية أو الأممية يضعون حرصهم على مكاسب شخصية فوق استراتيجيا عامة وطنية ناهضة بذلك يضيعون مصالح بلدانهم وأنفسهم نهاية مطاف، يدعي أولئك الفرسان: بل ننقذ الوطن وأنفسنا بتبني العولمة. الغرب ذاته لا ينجو من ازدواجية مكلفة.

حولنا فينا حرب ثالثة غير معلنة تقود إلى غموض، إلى مسح هوية السكان الأصليين، مجابهة موجودة في كل البلدان تقريبا بصورة وأخرى، ما يخص منطقتنا يخص غيرها أيضا.

 

الرزوق: ما هو المطلوب برأيك لاستقرار عام في المنطقة؟

الخطيب: المطلوب لاستقرار عام فيها وبعيدا مصالحة بين خطين في داخل المنطقة، خط السيسي والأخوان، المالكي والبعثيين، السعودية والعراق، بشار ومعارضيه، بدأها عزة الدوري بطلب الحوار مع المالكي ورفض المالكي، هكذا قيل، ثم المالكي مع السعودية ورفضت، ذلك على عهدة وسائل إعلام تَظهر أخبارها مقلوبة ليس نادرا، الإرباك والمصابيح الحمر للساسة على ميادينهم المسروقة من الجماهير الحقيقية لإدامة الأزمة والخبر والتسليح، لإبقاء المبادرة في أيدي اللاعبين الكبار حتى على نهج السماح بظهور استراتيجيات وطنية تتحرك ضمن المسموح من الاستراتيجية العولمية وقت تخنقها تدريجيا، ضمنا ثقافتها أشخاصها حتى قد لا نسمع صوتا وطنيا في يوم على طرفي نزاع مفتعل، هذا الطرف يكبح ذاك تنتصر الهيمنة الخارجية بالكامل، يحل حكم رأسمال جديد عابر للقارات نسمع فيه من جديد: يا صعاليك العالم اتحدوا! هذه المرة نكتة سمجة بأغاني راب ربما آخذة بتلابيب شباب. 

تلك صورة عامة بكاميرة خاصة، نقترب إلى التفاصيل نرى العجب، قردا ذيله تحت أنفه يظهره شيخا بشنب، يقرض كفرا يظهره قرضاوي دين وأدب، وكذا غيره ممن ومما يهم ولا يهم طلاب طرب في كرب.

 مشكلة المنطقة الأساسية، العراق تحديدا، عدم الاستقرار، مستمرة منذ تأسيس النظام الملكي بيد أجنبية أوائل القرن الماضي إلى اليوم، منذ ترتيب الوضع أو البيت السياسي العراقي خطأ، ترتيب مسبق لإبقاء تنافس بل اقتتال بسيرورة انقلابية مدمرة للأطراف الوطنية، سيرورة غير ديمقراطية غير خلاقة غير نافعة كما يجب لحكم ومعارضة في آن، بالتالي للبلد عموما. أي طرف ينكل بطرف آخر وطني يخدم تلقائيا عدو الوطن، يعادي جارا للوطن يسقط في فوضى، ذلك درس من تأريخنا يقرأه نوَّم غالبا تحت مخدر مقطر من أهواء شتى.

على ساحة التاريخ العراقي دائما فريقان متخاصمان، يُبدل لوناهما حسب الزمان والمكان، كلا الفريقين يزعم الدفاع عن مصلحة العراق، في صراع وطني وطني، مع اختلاف اللون والنكهة، حتى ليبدو إما إن الأطراف السياسية العراقية لا تريد أو لا يمكنها أن تتجاوزه، أن تنضج، لقصور ذاتي من ارتباط مسبق بأحكام مسبقة، أو لارتباط من فوق بنوء لا علاقة له بما تطلبه الجذور، الشعب، بمعنى هنالك طرف أجنبي نعم لا يعبأ لاستقرار البلد، يخرج الملكية من اللعب، يخرج القاسمية، يخرج الصدامية، تلك الأنظمة وطنية بقدر ما، سعت لاستقرار وفشلت بل أفشلت ليستمر عدم الاستقرار، الملكية حين تبدأ سياسة الإعمار وتشكل المعارضة جبهة وطنية وتدخل الانتخابات البرلمانية، والقاسمية حين تنهض عاليا بالبلاد وتسند الجزائر وفلسطين، والصدامية حين ترفع البلاد أعلى وتحقق قدرا من التفاهم والاستقرار مع معارضة يسارية، جميعها تسقط بعد حين من الداخل، باللعب على دعم طرف وطني ضد آخر، بقطار أمريكي، بدبابة أمريكية، ومن الخارج عند عجز الداخل، لغرض استمرار التبعية وجني المنافع لمستفيد، اليوم أيضا يسعى الطرف الأجنبي لإخراج المالكية من الحكم، بنفس إستراتيجيته السابقة، بإدامة الصراع الداخلي مع اختلاف الوجوه أشرت حسب المرحلة، بإضعاف الجميع وإبقائهم تحت الحاجة إلى عونه لتحقيق أهدافهم الفئوية وانفعالاتهم الفالتة وأفكارهم المبتسرة وطموحاتهم الشخصية، لكن لو نجحت الانقلابات في المرات السابقة بتحقيق الغرض لتغييب أو تشتيت الوعي الشعبي بتحزب وغيره فهذا الوعي هذه المرة عال في رد فعل عال على هجمات إعلام عليه لتجنيده في حرب طائفية مرفوضة شعبيا.

 

الرزوق: نحن أمام حرب طائفية برأيك؟

الخطيب: مَن لا يكتشف خطورة تأليب القوى الوطنية واحدها على الآخر يغذي منبع المشكلة ولا يدري، سواء كان في السلطة أو المعارضة، يساهم بذلك في تدمير نفسه والوطن. إذاً كيف هو الترتيب الناجح الخلاق للبيت العراقي؟ لأي بيت في المنطقة؟ نعم بالمصارحة، بالشفافية، بقانون انتخابات، بحل الأحزاب وتأسيسها على برامج سياسية واضحة، بتطهير الدولة، بوضع الجيش والشرطة والمخابرات خارج التنافس على منصة استراتيجيا التنمية والتعاون للبلد مع كل المنطقة على طريق التداول السلمي للسلطة، لديمومة التنمية، لحماية الجميع من أنفسهم من أهوائهم ومن غيرهم. لكن انظر معظم مرشحي الانتخابات يتكلم عن خدمات وهفوات ولا يذكر الاستراتيجيات منبع صحة الوطن، كأنها محجوزة للممول.

 الطريق إلى بر الأمان موجود لكن هل مَن يلتزم به؟ الالتزام يتحقق في جو منضبط، كما داخل مافيا، فهل كتب على العراقيين تأسيس مافياهم ليضمنوا الحد الأدنى لوجودهم، وإلاّ لا نهاية لهذا الضرب والمضروب المستمر منذ نصف قرن إلى نصف قرن آخر عسى لا نسمع ذلك. بكلمة أخرى يجب خلق تجمع عابر للأحزاب والطوائف، للسلطة والمعارضة، يضم العراقيين المنتمين لضمير وطني صادق يضمن لهم ولغيرهم الولاء للوطن والاستقرار والتنمية، ذلك يقتضي قلت حل التنظيمات الحالية والانخراط في تأسيس التجمع الجديد، هذا يصلح لمصر أيضا، تونس، سوريا، اليمن، لكل الأقطار العربية.

لا تريدون ذلك أو غير مسموح لكم أيها الساسة؟ إذاً يستمر الاقتتال، وأنتم معشر الساسة والمثقفين قبل غيركم المسئول عنه. العراق كله يعاني، لا الأنبار وحدها، لا الفلوجة وحدها، ضرورة الحفاظ على حد أدنى في الأقل من وجودنا السياسي ممثلا بالدولة الوطنية تشتد، على المعارضة سياسية ومسلحة واجب أكبر من السلطة المهدَّدة بأمراض التأسيس قبل وبعد 2003 في الدفاع عنها لا الهجوم عليها، يجب التفاهم مع السلطة لترشيد الحياة السياسية مقابل أن تقوم السلطة بتنظيف نفسها، وإلا لنفترض جدلا تنجح المعارضة في دخول المنطقة الخضراء فهل تدرك ما يعقب ذلك من مناطق حمراء في كل البلاد.. أوربا قالت وداعا للسلاح على أراضيها بعد الحرب الثانية، نحن في الثالثة الآن، السلاح يكون شرعيا حين يستخدم للدفاع فقط عن النفس، لا لتبديل نظام حسب مقتضيات  مودة ومزاج أو إظهار بطولات في عجاج.

التركيز على المشروع الوطني المتضامن مع الجار لتعزيز بناء الدولة والمنطقة ككل يستوعب الميول الدينية والقومية وغيرهما، لا يمكن دحضه من الخارج لشرعيته، بينما تُدحض المشاريع الدينية والقومية تدريجيا حتى وإن في الظاهر يبدو التيار الديني والقومي بتنوعاتهما يلقيان الدعم من غرب لأسباب فيه لا فيهما، لنصرته لا لنصرتهما، في لعبة خدعة تصير مكشوفة، لتصفية موارد التيار الوطني الدينية والقومية واليسارية، لإبقاء مشروع قيام الدولة ونماء المنطقة مرتهنا بإرادة المنتفع خارج الحدود وانتهازي الداخل.

الروس بعد البيريسترويكا نهضوا بقيادة بوتين، لم يتركوا أرضهم تدار من غريب له نوايا هتلرية متعجرفة مصطنعة، ذلك قبيل منتصف التسعينات الماضية يدفعني لقول: بدأت العالمية الثالثة. أحداث أوكرانيا ومنطقتنا تدفعنا اليوم لتساؤل: متى تنتهي؟ أضيف: ليس غير توازن القوى يحقق السلام والاحترام المتبادل. كذلك ذكرت سمعت من تاتشر حكمة تنص: التوازن النووي في أوربا يحقق السلام لها. وقالوا عن الحديدية بعد حين: خرفت. فلا استغرب لو يقال: برهان يخرف أيضا أو هو عميل للروس، لإيران، للبعث، للدعوة، الذي يعرف يفهم يدري لا انحني لغير تراب وطني.

 

الرزوق: هل من أمل في إنقاذ أو نحن نعيش الخسارة؟

الخطيب: ديار العرب والمنطقة حولها تحتضر.. أشفقوا على أنفسكم عليهما بتغليب التفاهم الخلاق على التنابذ المدمر الأفّاق. الأديان والطوائف متنوعة والطريق إلى الله واحد، الاختلاف قائم لا على قيمه بل على غنائم، إنما لا شيء يستحق جهد ودموع إنسان غير سعي التجلي لله، لمطلق الخير. وأبقى لو التقي اللاعب الرئيس أسأله: يا رجل تضعون أنفسكم فوق الكل والنتيجة العالم يخافكم بل يكرهكم.. أليس الأجدى كسب الاحترام بخدمة الخير العام؟! قد يرد: لكنا نعمل للخير العام! حينه أحكي له هذا: امرأة تطلب من خياطة إعداد بدلة رقص لها، تتأخر الخياطة كثيرا بإتمامها، أخيرا تقدمها في فخر والراقصة تقول في دهشة: ثلاثة أشهر تخيطين بدلة رقص يا ظالمة ورب العالمين خلق العالم كله في ستة أيام! ترد الخياطة بكل فخر وكبرياء: لكن انظري البدلة وما لها من اتساق وإلى هذا العالم وما له من فوضى وانساق!

أعود أسأله: خيّاطة التأريخ تتم أخيرا صياغة مستقبل البشر في أحشائها مترعة الدم هذا الشهر.. بعد شهرين.. تقدمه جميلا.. قبيحا.. لا ندري. أو هي نرى من دوار وخوار.. وشك إجهاض.. وهي لا تدري!

نحن نعيش لا فلم رعب.. بل واقع رعب يذكر بأزمة الكاريبي الستينات.. لا تستغربوا تساؤلاته المرعوبة.

السيد المالكي كبير العراق على حق في اقتراح لمؤتمر دولي يعرّف يكبح الإرهاب، أزمات سوريا، العراق، مصر، فلسطين، تركيا، أوكراينيا، وأبعد، متواشجة، قد تُحل باتفاق دولي ودعم من أهم وزيري خارجية في التأريخ، لسخونة المرحلة الراهنة، هما الحاذقان لافروف وكيري، عسى يحصل كلاهما على نوبل للسلام بعد ذلك، خلاف التهدئة ضرب اقتصاد العالم وتقسيم المقسم ينتظر البشر، من الشرق الأوسط إلى الجزر البريطانية إلى اسبانيا إلى روسيا.. 

الرغبة الروسية والأوربية في حل أزمة أوكرانيا سلميا بادرة خير، كذلك الرغبة الأمريكية في حل الأزمة المصرية بإشراك الأخوان في الحكم حصيفة، ليت أنها تتسع إلى رغبة في مصالحة حقيقية في العراق وسوريا، كل ذلك يكون خير ممهد وتجسيد للمؤتمر المنشود ولنهاية العالمية الثالثة إلى سلام دائم وأمان. ذلك سيناريو النوايا الحسنة، الواقع يتغير لا بالنوايا الحسنة فقط، رغبات الجشع والهيمنة والعنصرية لها دور كبير في تحديث مسار التأريخ، تدفع لمزيد من توتر واصطدام، لا تسمح بالتعددية سوى تحت سيطرتها، بذريعة أن الآخر ينوي الهيمنة عليّ أنا المتفرد المغرد لذلك يجب منعه، بهيمنة عليه، هكذا يستمر اقتتال، نعود إلى البداية عند توازن القوى متعبين نحدد الأوليات المشتركة، احترام الآخر، الجار أولا، ليسود سلام.  

 

أجرى الحوار الناقد د. صالح الرزوق

أوائل نيسان 2014

  

 

حوار مع الكاتبة والأديبة عناق مواسي

enak mawasee- كنت اندهش من صانعي اللغة كيف يستطيعون عبر عشرات الحروف أن ينحتوا أبجدية ويصنعوا لغة وحضارة ..!

عناق صدقي أبو مخ مواسي كاتبة فلسطينية شابة من بلدة باقة الغربية في المثلث، ومبدعة مفتونة بجماليات اللغة وفنون البلاغة. ولجت عالم الكتابة والإبداع وسارت بخطى واثقة، واستطاعت أن تفرض حضورها ووجودها في المشهد الأدبي والثقافي المحلي من خلال قصصها المنشورة في الصحف والمجلات والدوريات الثقافية والملاحق الأدبية وكتابها الأول "ساعة رملية وثلاث أمنيات "، الذي اشتمل على نصوص أدبية متنوعة عالجت موضوعات اجتماعية، وجسدت المشاعر والأحاسيس الأنثوية الحميمة الدافئة من وجهة نظر أنثوية . وهي ناشطة نسائية وجماهيرية فعالة، متزوجة من الصحفي حسن مواسي، لديها ولدان بشار ونوار . درست في مسقط رأسها باقة الغربية، وحاصلة على اللقب الأول في اللغة الانجليزية بامتياز، وتكمل دراستها للقب الثاني بموضوع الإعلام. عملت مربية ومعدة تقارير في الإعلام المكتوب .وشاركت في العديد من اللقاءات الثقافية والأدبية في البلاد والخارج، كان آخرها في المغرب . ولإلقاء المزيد على تجربتها ومسيرتها الأدبية كان هذا الحوار معها:

 

• حدثينا عن تجربتك الإبداعية وتشابكها مع تجربتك الحياتية؟

- الكتابة الإبداعية سيرورة حياة، تتشابك فيهما الخطوط مكونةُ نسيجاُ اسمه الواقع المعاش بخيال اللحظة والتقافها، إيماناً وقناعةُ راسخة ان الخيال ينمو في بحيرة الواقع والواقع يزهر من الخيال. ليس بالخيال وحده تحيا الكاتبة، علي أن امرر ذاكرتي على طواحين التجارب كي تأتيني اللغة طيعة لعجنها من قوالب الحنطة.

 

• ما هي الدوافع والعوامل التي أسهمت في إبراز موهبتك؟

- القراءة والكتاب رفاقي،، ومن ثم انسجاماً وملاذا ومحاورة وحواراً إلى أن أصبحت مزاراً ومداراً، في القراءة كنت أجد ما يملأ فكري ولم يقتصر الأمر على الأدب ! قراءة القرآن الكريم والاشتراك في مسابقات حفظ الأجزاء عمق التزامي للغة وسحرها وجمالها وقدسيتها . كلما اقرأ القرآن أكثر تمتلئ قواريري باللغة لقوله تعالى "نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن " . كنت اندهش من صانعي اللغة كيف يستطيعون عبر عشرات الحروف ان ينحتوا ابجدية ويصنعوا لغةُ وحضارة..! استمرار هذا الدافع جعلني اعشق اللغة وأتعايش معها حتى وجدت نفسي استمراراً للكتابة. احساسي المثقل والمتخم بما يدور حولي الزمني أن أحرر مما كان يجول في صدري، شعرت بالورق صديقا مخلصًا يشاطرني احاسيسي بدون قيود. أتذكر دفتر المذكرات الأخضر الذي أهداني إياه أبي وانا بجيل 8 سنوات . منذ تلك اللحظة بدأت التوثيق .

 

• لمن تقرأين من الكتاب والمبدعين، وهل تأثرت بأي منهم؟

- قرأت المنهاج المدرسي ولم اكتفِ، كنت طماعة جدا فتوغلت في تاريخ الأدب العربي وموسوعات التاريخ المرصوفة لغوياً، حفظت الصفحات غيبا والصور اللغوية والكثير من ابيات الشعر ! بالطبع قرأت لكبار الأدباء العرب والجاهليين والمعاصرين، ولا زلت مستمرة بقراءتي حتى اليوم . لا انجرف وراء الأسماء ورنينيها فقط إنما يستهويني النص واللغة.

 

• ما هي الأمكنة والفضاءات التي تتحرك فيها نصوصك القصصية والأدبية؟

- في البدء كانت البؤرة الذاتية التي يتدفق من خلالها الأنا، وأصبحت صديقة للأنا وأخواتها، نقش في الذات عميق وشفاف، وهناك شخوص وأمكنة كنت أنا الكاتبة أتحرك فيها زمكانياً لتؤثث النصوص. التحرك واضح بين الأماكن التي تربينا عليها إحساساً، والأماكن التي هجرت والذاكرة المقتلعة والمهجرة وحكايات الماضي الممزوجة بالوطن المستشعر والمتوارث كماً ولفظاً.   ثم انتقالاً الى الانسان باختلاف الأماكن وتوسيع رقعة المكان ليكون الانسان سيد الكلام.

 

• هل برأيك استطاعت المرأة الفلسطينية المبدعة الاقتراب من واقعها الاجتماعي؟ وهل نجحت في إنتاج أدب مميز له خصوصيته الاجتماعية والسياسية والفكرية؟

- بالطبع، وان كان كسنبلة تنمو في الحقل تميلها الرياح.. لا يزال الوقت مبكرا للحكم على انتاج ادب مميز له مثل هذه الخصوصيات. ربما اكثر الكتابة في السياق الاجتماعي واضح أكثر، وبتحفظ أيضاً..

 

• ما رأيك بالنقد المحلي، ومن يعجبك من النقاد المحليين، وهل تعتقدين أن النقد أنصفك أم لا؟

- النقد حركة مجاورة وبناءة للحركة الادبية ينشط كل منهما بتعاضد الآخر، بل إن النقد مرآة لعكس الضوء، يجب أن يتساوق على نظريات داعمة ومن وعي حضاري لثقافة النص وكاتبه، لا يزال هناك تقصير في الحركة النقدية التي لا يجب ان تقتصر على بحث اكاديمي محدود العدد وفقط ! على النقاد دائما السعي وراء تنشيط الاداء النقدي لان ذلك مصفاة مهمة وداعمة. التفت الى نصوصي نقاد مختلفون محلياً وعربياً، وتناولوا النصوص من اطراف عدة، لا أنكر إن ذلك يشحذ الهمة في الكتابة بل ويضاعف نبضات الحروف فيعلى ضغط الدفق للكتابة بشكل استمراري على تخطيط الابداع.

 

• ما تقييمك للقصة العربية المعاصرة والفلسطينية بوجه خاص؟

- رغم أني لا أحب لبس قبعة الحاكم والجلاد، لكني استمتع كقارئة للقصص المحلية، هناك القصص التي استطاعت أن توثق سيرورة هذا المجتمع وعلاقته بالوجود.

 

• كيف ترين المشهد الثقافي المحلي، وكيف تنظرين إلى العلاقات الأدبية بين المبدعين والمنتجين في بلادنا؟

- مشهد نشيط وان كان الطمع في الاستزادة.

 

• اتحادات وروابط الكتاب والأدباء، ما رأيك فيها؟ وهل حققت شيئاً للحركة الأدبية المحلية؟

- تضخ دماً في قلب الحياة، ترفع الضغط وتنزله تارة اخرى.

• يقال أن الثقافة العربية في الوقت الراهن مأزومة، ما رأيك؟

إذا ما عكسنا المقولة، إن الوضع الراهن وان كان يجب اعادة تعريفه، يشعل فتيل الثقافة كي تنير. الثقافة والإبداع بحاجة أيضا إلى بيئة داعمة ومتصالحة ليتألق .

 

• كيف تتلمسين الواقع السياسي في كتاباتك، وكيف تتعاملين معه؟

- بذكاء وإنسانية .

 

• ما هو مشروعك الأدبي القادم، وهل لك أعمال أدبية مطبوعة، وما هي؟

- ساعة رملية هو الاصدار الاول، والمشروع القادم سيكون رواية .

 

• هل تتقيدين بمنهجية معينة في كتاباتك، ومن أين تستمدين قوة وحبكة نصوصك؟

النص يقيدني انا لا اقيده! ما انا إلا واسطة بين الفكرة المحلقة في السماء وبين اصابعي التي تنقط حبراً .

 

• بماذا تحلمين بعد هذه السنوات من الإبداع الكتابي، وما هي تصوراتك للمستقبل؟

- بالطبع إلى روايات ولكن برؤىً مختلفة.

 

• دور المثقف في مجتمعنا في تراجع مستمر، لماذا؟

بالعكس، بوادر الخير موجودة وهناك الكثير من المثقفين الذين يأخذون زمام المبادرات، ويساهمون في تطوير المجتمع الى الأفضل، لا ننسى ان المجتمع العربي لا ينعم باستقلالية تامة، ونحن نتبع الى مأسسة معينة.

 

• كيف تنظرين للوضع القرائي اليوم في عصر التكنولوجيا الحديثة؟

تحدٍ كبير ! عالم تستطيع ان تقرا منه ما تشاء وقتما تشاء كيفما تشاء، سريع الالتهام وسيء الهضم، إن لم يكن القارئ منتقياً سحبه الموج الى دوامة من الفوضى التي نعيشها.

 

• أدب المرأة، كيف تجدينه ؟

مرهف وحساس وجميل وذات طابع إنساني، يحمل في رحمه اجنة إبداعية، المرأة هي الاصل وهي الاساس.

 

• كلمة أخيرة توجهيها لجيل الشباب الذين يتعاطون الكلمة والإبداع؟

مثلما أوصيت بالقراءة، أوصي بالقراءة، كتاباً وورقاً، أن تجامع الأصابع الأوراق ليتكون حنين اخر الى اللغة فيتفيأ تحت ظلالها القارئ. اعترف اننا بعصر تحديات ورقي صعب للغاية لكن يجب ألا نتهاون في الامر مهما بلغ اشده.

 

حاورها : شاكر فريد حسن

 

معلومات إضافية