حوارات عامة

حوار مع الشاعرة سوزان عون

souzan aounس١: من هي سوزان عون؟

ج١: سوزان عون، الأصل من لبنان وبالأحرى من جنوبهِ المعطاء، مقيمة في أستراليا.

أم ومدرّسة وناشطة إنسانيّة، أهوى العلم والتعلم، وما زلتُ أنهل من ينابيع العلم إلى الآن وفي أستراليا أيضاً، لم ولن أتوقف ولو لآخر رمقٍ في حياتي.

إنسانيّة الهويّة، عاشقة للوطن والأرض والإنسان،

أرفض الظلم والقهر والاستبداد.

 

س٢: حدّثينا عن بداياتكِ مع الشعر وكيف بدأتِ مشوار الكتابة؟

ج٢: بدأ مشوراي مع الكتابة في الصف الخامس ابتدائي خلال اقامتي في دولة الإمارات العربية المتحدة، عندما اكتشفتْ ذلك مدرّسة اللغة العربية، فقامت على تشجيعي مما أثّر ذلك إيجاباً في داخلي ودفعني للمزيد من الكتابة.

وجدتُ نفسي أحملُ القلم والدفتر، في سن المراهقة، وأخطُ أول رواية أسميتُها هكذا الرحيل، وهي عبارة عن قصة حب واخلاص ووفاء.

وتوالت كتاباتي، كتبتُ سيناريو وحواراً لقصةٍ جديدةٍ عنوانها، (تاه عن بالي).

زواجي المبكر أثر سلباً على موهبتي، فاختلطتْ الأمور بعضها ببعض، ولم أعدْ أمتلكُ وقتاْ كافياْ للكتابة بين صخب الحياة وظروف لبنان الأمنيّة ومتطلبات البيت والأولاد.

حملتُ مسؤوليّة عائلة في سن مبكر، ولكن كنتُ أسجلُ يومياتي وأكتبُ قصائد بين الحين والآخر، حسب تأثري بما يجري حولي أو حسب الظروف.

فالحروب التي شهدها لبنان، ما فارقت ذاكرتي، كانت الدافع الرئيسي لأكتب عن وجعي والخوف الذي كنتُ أعيشه مع أولادي.

دفتر يومياتي كنزٌ لا زلتُ أحتفظُ به، كلما قرأتهُ، أشحذُ همتي من جديد وأنطلقُ أكثر.

صقلَ موهبتي الكتابيّة، تجويدي وعشقي للقرآن الكريم، فمنحني ذلك، مفردات جميلة، وسِعة في المعلومات اللغويّة.

دراستي الدينيّة منحتني الكثير من الثقة، فخرجتْ أفكاري من قالب العادات والتقاليد والأعراف إلى ميدان فسيح من العلم والمعرفة.

 

س٣: كيف ترى سوزان عون الشعر في بلاد الغربة؟

ج٣: الشعرُ في الغربة أم في الوطن، يظلُ وديعة الشاعر أو الكاتب.

وأرى أن الشاعر المهاجر لا يكلّ ولا يتعب، يودُ أن تصل كلمته لكل الناس.

ولكن ظروف الحياة للشاعر العربي المقيم في الغربة أصعب من ظروف الشاعر المقيم في بلده.

حيث يجد الشاعر المغترب صعوبة كبيرة في وجود مستمع عربي يفهم ما يوّد قوله، وهذا يؤثر على استمراره في العطاء.

عدا صعوبة الطبع والنشر والتوزيع، والأمرّ من كلّ ذلك، عدم وجود قارئ عربي يفتح كتاباً، وما زاد الطين بلّة، ثورة الأنترنت الظالمة والناجحة معا.

الأنترنت المفتوح ووجود كل أماكن اللهو، جذب الكثير من الشباب، فبات الكتاب الورقي موضة قديمة، وربما سيصبح تحفة أثريّة يوماً ما، للأسف.

هذا الكلام لا ينطبق على الشباب في مواطن الاغتراب فحسب، بل في كل بقاع الأرض.

قلّة الوعي والإدراك لخطر الأنترنت وسرعة انتشاره، واستعماله بدون رقابة وتنظيم، أثّر بشكلٍ كبيرٍ على ثقافة المجتمع.

فانتشرت المعلومة الصحيحة والخاطئة بالوقت نفسه.

وأيضاً انشغال الشباب بمواقع التواصل الاجتماعي، وابتعادهم عن اكتساب المعرفة والعلم، ناسيين مسؤوليّاتهم الكبيرة تجاه أنفسهم ومجتمعهم.

انخفض بشكل كبير مستوى بلاغة الكلمة الواردة في النص الشعري، كانخفاض مستوى القراءة والكتابة والنبوغ الشعري وضاعت المواهب الحقيقية في لجّة لا نعرف متى ستنتهي.

الشعر وليد الأيام واللحظات، لذا نرى كل الشعراء المغتربين، يكتبون الوطن والأرض والتراب والقمح والسنابل.

يكتبون وجع بلادنا من الحروب والمؤامرات وفساد الأنظمة الحاكمة.

يكتبون حلم العودة إلى أحضان الوطن يوماً ما، بعد أن يتحقق حلمهم في وجود وطن خالٍ من الفساد، ليعيشوا في ربوعه همْ وكلّ الناس، حياة مميزة ناصعة، تليق بإنسانيّة البشر.

 

س٤: ماذا اضافت الغربة في بلاد المهجر لشعر سوزان عون؟

ج٤: الغربة أو أستراليا لها فضلٌ كبير، نعم وقد أثّرتْ الغربة بشكل كبير على كتاباتي الشعريّة.

الحياة المجتمعية المستقيمة التي يعيشها الفرد الأسترالي، جعلتني أشعر بالقهر على أهلنا في بلادنا العربية.

وأحدّثُ نفسي يوميّاً وأقول: ماذا ينقصنا لتكون بلادنا العربية منظّمة ومرتبة ونظيفة كما أستراليا؟

ماذا ينقص الفرد العربي ليحيا حياة تحفظ له حقوقه المشروعة التي تُرضي طموحاته وتدخل الفرح والسرور لقلبه؟

لماذا نُقلّد الغرب في كلّ أموره السيئة ونترك الحسنة، فلا نقلّده بحفاظه واحترامه لشعبه وتوفير كل مستلزمات عيشه من طبابة ودراسة مجانيّة؟

متى يكون سعر المسؤول في بلادنا بسعر أي واحد من عامة الشعب كما في أستراليّا؟

متى يتواضع حكامنا العرب كما يتواضع المسؤولون أمام القانون ومطالب الجماهير بدون تمييز أو عنصريّة؟

هذه الأمور تركت ألماً وحفرتْ في قلبي ومشاعري أثراً عميقاً، جعلتني أبكي بحرقة على أهل بلادنا العربية، وكيف لا أبكي وأنا أسمع وأرى قهرهم وظلمهم يومياً.

كيف لا أبكي همّ شعوبنا العربية المقهورة المسلوبة الإرادة والحريّة السياسية والتعبير عن الرأي؟

كل ذلك أثر في نوعيّة كتاباتي، التي باتَ أغلبها تحاور الأرض والسماء والجبال، تستعطف ربّ الكون كله ليرحم أهل الأرض من الحروب والقتل والدمار.

 

س٥: ما هي رسالتكِ الشعرية في أستراليا؟

ج٥: رسالتي الشعريّة تتضمن معظم ما ذكرته في السؤال السابق، عدا عن رسالتي الأسمى للإنسان، ألا وهي الحب.

الحب الذي نؤسس به كوناً خالياً من الكراهيّة والعنف.

حب الإنسان لأخيه الإنسان، أن يكون الدين فيما بيننا رسالة حب، أن يكون تعاملنا مع الآخرين رسالة حب.

فالحب لا يكون علاقة غراميّة بين رجل وامرأة فحسب، لا أبداً، الحب أجمل وأسمى وأوسع وأشمل.

فعلاقتنا مع الله حب، وعلاقتنا مع أنفسنا حب، وعلاقتنا مع كل فرد حولنا هي نوع آخر وفريد من الحب.

لذا تجدون في نصوصي الكثير من الدعوة إلى الحب.

وأجلُّ الحب، أن نرى الله بعين القلب، فنحب خلقه.

 

س٦: لمن تكتب سوزان عون؟

ج٦: أكتبُ أولاً لكل امرأة على وجه الأرض تعيش ظلماً في قالب العادات والتقاليد البالية.

أكتبُ لكل صوت مخنوق وعنه، لعل صوتي يصل.

أكتبُ لكل العاشقين والمخلصين، أكتبُ لصناع الحريّة والديمقراطيّة، أكتبُ للمجاهرين بأصواتهم والمستشهدين في سبيل الوطن لإعلاء كلمة حق لم تكن مسموعة.

أكتبُ وأستجدي المتعلمين ليهبّوا ويقفوا تجاه التاريخ الظالم الأسود وعدم تكراره.

نتعلم منه لننساه ونغيّره، لا لنعمل به من جديد.

أكتبُ بلسان أوطاننا الموجوعة التي تنزف دماءً وشهداءً يومياً.

أكتبُ للحب وفيه أعيش وبه أحيا.

 

س٧: كيف ترين واقع الشعر والشعراء العرب اليوم؟

س٧: الواقع العام هو واقع الشاعر، فينعكس عليه ويتأثر به.

فالشاعر، هو المترجم الحقيقي لمَ يجري من أحداث، والشاعر الذي لا يعيش واقع وطنه وأرضه، وينقل معاناة شعبه وآلمه، لا يكون شاعراً حقاً.

فالمعروف عن الشعراء بأنهم كتلة من الاحساس والمشاعر، فكيف يرى الشاعر كل ما يجري حوله ولا يتأثر به؟

لذا، الواقع الشعري العربي والمغترب المعاصر عموماً، ينزف ألماً ووجعاً.

 

وهذا ما نراه في الكثير من القصائد لمعظم الشعراء.

وأما إذا أردت أن تعرف واقع الحراك الشعري، فأنني أراه نشط.

وتتفاوت جدارة كل شاعر وكاتب حسب ظروفه المكانيّة والتعليميّة ووجود معاناة أو هدف أم لا.

المشكلة الكبرى، وأظنها وليدة الحياة القاسية التي يعيشها الفرد العربي، ألا وهي الحروب والمشاكل الاجتماعية، مما أثر ذلك على عدد القرّاء، فنرى تقلص مبيعات الكتب والدواوين الشعرية.

وإذا عدنا لسؤالك رقم ٣، سنجد أيضاْ تتمة جواب هذا السؤال.

 

س٨: بمن تأثرت سوزان من الشعراء ويعتبرون لكِ قدوة ومثال تقتدين بهم؟

ج٨: تأثرتُ في مراهقتي بالشاعرة العربية الخنساء، حيث قمتُ في الصف الأول ثانوي بتمثيل دورها في مسرحية خلال اقامتي في دولة الإمارات العربية المتحدة الحبيبة، أمام زوجة الشيخ زايد رحمه الله.

كان عليّ تمثيل دورها قبل وما بعد الإسلام، وحفظ قصائدها ورثاءها لأخيها صخر.

وبعد ذلك فرحتها باستشهاد أولادها الأربعة في الحرب في سبيل الله.

كله طُبِعَ في ذاكرتي، وكان له الفضل الأكبر، في تأسيس موهبتي الشعريّة.

عدا ولعي في القراءة، فكنت لا أتركُ كتاباً إلا وأتيتُ عليه.

ولا زلتُ أذكرُ كتاب النبي للراحل جبران خليل جبران، وكتب الأديبة غادة السمان، والأدبية مي زيادة والكثير الكثير من الكتب والقصص والروايات.

وأكثر من أحببتُ كتبها، الراحلة المجاهدة بنت الهدى، حيث تأثرتُ جداً بأسلوبها الشيق الراقي النظيف المحترم، رحمة الله عليها.

 

س٩: ديوان ليلى حتى الرمق الاخير، حدثينا عن اختيار العنوان وما يحمله الديوان من معانٍ وإشارة؟

ج٩: أنا ليلى حتى الرمق الأخير، أعلّقُ بعضاً من ألواني على شجرة زيتون، قناديلاً للعاشقين.

هذا مقطع من قصيدتي ليلى حتى الرمق الأخير، ومنه استوحيتُ الاسم لديواني الثاني الجديد، بعد ديواني الأول إليك الرحيل فاذكرني.

ديواني ليلى حتى الرمق الأخير قام بالإشراف عليه الشاعر الكبير الأستاذ يحيى السماوي. وهو من اصدار: مؤسسة المثقف العربي، سيدني – أستراليا، ونشر وتوزيع: دار العارف، بيروت –لبنان

تقديم: د. رشا غانم-مدرس النقد الأدبي-الجامعة الأمريكية-مصر.

 

وأعتبر ديواني الثاني ليلى حتى الرمق الأخير، نقلة نوعية كبيرة في أسلوبي وتعاملي مع النص الشعري.

ابتعدتُ عن النص الموزون، بنصٍ حرٍ، يؤرخ كل لحظة من الصورة الشعريّة التي أعيشها، مما منحني تحليقاً خاصاً بي، أحبّه وأرتاح فيه، أجد نفسي وأجد صوت سوزان عون الحقيقي، بعيداً عن التزييف والخداع أو المبالغة.

كتبتُ ما تريد سوزان عون إيصالهِ للقارئ، ربما يحب القارئ ذلك وربما لا.

أنا ليلى الحبيبة الأزليّة، المتوارثة من كتب التاريخ، ليلى التي أحبّت فخلدها التاريخ، بدون حصر ذلك الحب في قصة العشق الخاصة التي عاشتها مع قيس.

بل أعني ليلى العاشقة لحبيبها ولوطنها ولأرضها ولشعبها وللغتها.

ليلى ستظل ليلى لآخر نفس وآخر رمق.

ليلى الأنثى ابنة حواء حبيبة آدم الأبديّة.

حواء المخلصة لشريك حياتها ولأولادها ولأرضها ولوطنها.

حواء التي تجد في الرجل وطناً وفي قلبه عاصمتها.

 

س١٠: هل يحمل شعركِ معاناة الشعوب العربية، ونقل تراث وحضارة البلاد العربية إلى الغرب أو إلى استراليا بالتحديد؟

ج١٠: من يقرأ حواري السابق وأجوبتي، سيعرف حتماً جواب هذا السؤال، الوطن هو القضية الأساس والركيزة الأولى والمدماك الشعري لأي شاعر.

لذا لن أكرر هنا ما كتبته سابقاً.

 

س١١: ما هو سر انتشار او تغلب الشعر الشعبي على الفصيح؟

ج١١: لم ألحظ ذلك، أرى المسيرتين تسيران بجانب بعضهما البعض، ربما تسبق واحدة الأخرى.

الشعر العامي بكل الأحوال، هو لسان الشعب المقهور، لسان صاحب الأرض، لسان العامل والفلاح والفقير والغني. الخ.

الشعر العامي جميل جداً لمن يمتلك هذه الموهبة الإبداعيّة الخلاقة، ولا يستطيع أي شاعر أن يمتلكها.

ولكل شعر أكان فصيحاً أم عاميّاً جمهوره.

ولكن حتى في أحلك الظروف، يجب ألا ننسى اللغة الأم، اللغة العربية الفصيحة.

فلا نركّز على العاميّة على حساب أجمل لغة شعريّة غنيّة ألا وهي اللغة العربية.

 

صراحة، ما أراه من كلمات في بعض القصائد، يوجع القلب، وأشعر من خلاله بالقلق على لغتي الحبيبة.

البساطة في النص الشعري جميل ومريح، ولكن هناك خطر محدق بأروع لغة إذا استمر الوضع على هذا الحال.

 

س١٢: هل نجحت الشاعرة سوزان عون في تحقيق ما تطمح اليه من خلال شِعرها؟

ج١٢: الشعر والكتابة كانا ولا زالا، موهبتي التي أحب.

والطموح عند الإنسان لا يقف إلا بموته، وأنا أرى نفسي لا زلتُ في أول الطريق، والمسيرة لا زالت أمامي طويلة.

لا أنكر أن الكتابة منحتني الكثير والكثير من الآمال والأمنيات، تحقق بعضها، وأنتظر تحقيق المزيد.

مهما تعلمنا ودرسنا وارتقينا في الحياة على درج العلم، نكتشف يومياً كم نحن مقصرون وقاصرون.

العلم بحر لا نستطيع أن نستوعبه، كلما خضنا فيه، ازدادت الصعوبة الملقاة على عاتقنا، ووجب علينا مسؤوليات أكبر.

 

س١٣: لكل شاعرة رسالة توجهها من خلال قصائدها، ماهي الرسالة التي تودين ايصالها للمرأة العربية؟

ج١٢: رسالتي أولاً للمرأة، أقول للمرأة لا تخضعي إلا للذي خلقكِ، لا تكسري كرامتكِ أو تصمتي.

ارفعي صوتكِ وقولي للجميع بأنكِ الأكثر عطاءً وصبراً.

ارفضي كل أشكال الاستغلال الجسدي والنفسي، تعلّمي واقراي واخرجي للحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.

عبّري عن همومكِ وحققي كل طموحاتكِ.

أنتِ شريكة الرجل في بناء الوطن، ولستِ تابعاً أو ظلا لأحد.

لكِ من الحقوق الكثير، فتعلّميها وقرّي عينا.

وأقول للرجل، المرأةُ بين يديكَ أمانة، فانظر كيف تحفظ هذه الأمانة.

 

حاورها: عزيز البزوني

أصوات أدبية: صوت القاصة الناظورية نجاة قيشو..

maymon harashيحق للناظور، اليوم، أن تتجمل وتتباهى ببناتها وبنيها، وأن تجلس في هودجها أميرة متوجة، فحاديها شباب يحرصون على أن يهبوها نبتة خضراء، بها تخضب يديها بحناء العرفان بعد أن حفرتها أخاديد الجحود سنين طوال؛بالأمس كانت خاوية الوفاض، ونادية الإنفاض بسبب من هجرها، وأدار الظهر لها اللهم إلاّ من رجالٍ قلائل تحدوا سنوات الرصاص، وحرصوا على أن يهبوها كنز الربيع..

اليوم أصبحت الناظور تكتنز لحماً وشحماً بفضل أبناء وسيلتهم القلم، والركح، والصحافة والعمل الجمعوي.. كل من موقعه، يناضل بطريقته كرمى للسيدة مدام "ريف"..

ونجاة قيشو إحدى بنات الناظور، قاصة، مبدعة، استطاعت في وقت وجيز أن تجعل النقاد يؤمنون بموهبتها بفضل كتاباتها الجميلة، والبارعة، والذكية والشائقة..

لها في القصة القصيرة جداً " وشاح الخنساء"، وهي باكورة أعمالها، وحول هذا المؤلَف، ومحطات أخرى لنا معها وقفات عبر سلسلة حوارات في " أصوات أدبية "..

 

1- نجاة، مرحباً بك في " أصوات أدبية".. قدمي نفسك للقراء بما تحبين؟

- بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على المصطفى الأمين وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان الى يوم الدين.تحية أدبية عبقة يتخطى شذاها رسم الحروف ليتسلل عطراً إلى قلوب الأحبة المتتبعين.

إنه لشرف عظيم أن أحظى بهذا الالتفاتة الطيبة من شخصكم الكريم، سعيدة جداً أن أقف في هذه المحاورة أمام مبدع من الطراز الرفيع أكن له إعجاباً وتقديراً لا حدود لهما. فحييت أستاذي ميمون حرش بأجمل تحية وبوركت خطاك في سبيل الرقي بالأدب وتكريم المبدعين والأدباء من خلال هذا البرنامج الذي ينبض ويتنفس أدباً.

بالعودة إلى سؤالك، سأقول ببساطة نجاة قيشو هي تلميذة ميمون حرش.

أنا لا أحب الحديث عن نفسي كثيراً بل أترك حروفي تتكلم عني لأني أومن أن ما نكتبه هو ما يصنعنا وليس العكس. لكني باختصار أقول نجاة هي عاشقة للقص والسرد منذ كانت صغيرة، تمخر عباب بحر الأدب، تجذف حيناً وتلطمها الأمواج أحياناً أخرى، بعزيمة لا تخبو تحاول الرقي بكتاباتها، وتعرية الواقع بما يحمله من ظواهر وسلوكيات وممارسات وطابوهات من خلال قصص تحمل آهات، وآمال وأحلام الإنسان المعاصر.السرد حياة وهو متنفس بالنسبة لي ومتعتي، فأنا أحب السرد كثيراً، ولي نفس طويل فيه، حتى أن الدكتور والناقد ميمون مسلك قال لي ذات مرة: "أنت يسكنك سارد ثرثار".

 

2- في فترة وجيزة نجحتِ، والحمد لله، أن تلفتي النقاد حول كتاباتك.. هل من وصفة؟

- أولاً الحمد لله الذي وفقني إلى إخراج حروفي التي ظلت لأمد طويل قابعة على الرفوف وحيدة، فسمع أخيراً أنين قلمي الذي وأدته السنون تحت طيات دفاتري، حقاً أحمد الله على ذلك كثيراً، والوصفة التي تجعل من أي عمل مهما كان ناجحاً هو الصدق والإحساس، ولعلك أدرى بأن أي إبداع إن لم يعكس إحساس الكاتب ومصداقيته فإنه لا يعدو أن يكون فبركة، أو حرفة. وأنا منذ بدأت أكتب، وأنا أكتب عما يدور حولي وأحاول أن أنقله بنوع من المصداقية، وأظن أن هذا ما جعل كتاباتي تقترب من واقع القارئ، وتمثله.فأنا حين أكتب أعبر عما يختلج في صدري ويعج به عقلي من أفكار حول موضوع يستفزني، فأكتب دون أن أشغل بالي إن كان ما سأكتبه سيروق الآخرين أو لا. الكاتب المبدع مهما كان الجنس الأدبي الذي يكتب فيه؛ يصنع لما يكتبه عالماً يحتضنه ويتفاعل فيه بمعزل عن الآخرين، وهذا ما عبر عنه "هوراسيا كيروغا" بقوله:" حين تكتب لا تفكر بأصدقائك أو التأثير الذي قد تحدثه قصتك، اِحك قصتك كما لو كانت تهم العالم المحدود لشخصياتك والذي قد تكون جزء منه هذه هي الطريقة الوحيدة لتبعث الحياة في قصتك ."

بالنسبة للنقاد فالحق يقال فقد حظيت بعض كتاباتي التي نشرتها في منابر محلية وعربية باهتمام بعض النقاد المغاربة والعرب، وأفردوا لها قراءات نقدية، غير أن هذا لا يعني أني وصلت، بالعكس هو حافز للمضي قدماً وبذل مجهود مضاعف والاستفادة من آرائهم وملاحظاتهم، وتقبل النقد لأني أبحث دائماً عما يغني تجربتي ويمدني بالتربة الخصبة حيث تترعرع موهبتي وتكبر. كما أن آراء النقاد في كتاباتي ليست كلها كانت عسلا مصفى، فقد تلقيت أيضاً نقداً لاذعاً على بعض الكتابات التي ربما لم ترق برأيهم للمستوى المطلوب وهذا بحد ذاته مكسب لي لتصحيح العثرات وتصويب مساري، لتغدو كتاباتي أفضل وأفضل.

 

3- "وشاح الخنساء" مجموعة لافتة بشهادة الكاتب الخضر الورياشي مُقدم المجموعة، ودراسة الناقد الكبير الدكتور مصطفى سلوي.. كيف تشتغلين على نصوصك، هل تضعين تصميماً أ وخطاطة ما قبل الكتابة؟..

- برأيي المتواضع، الإبداع ليس مشروعاً يخطط له، فالإبداع يبدأ لدى الكاتب بالإحساس بالمشكلة والرغبة في إخراج ذلك التشويش الذي تحدثه تلك المشكلة في نفسية وعقلية المبدع، فتنبثق الفكرة وتكبر وتخرج منتوجاً يتسم بالجدة والأصالة. مجموعتي "وشاح الخنساء" كانت حصيلة تجربة في القصة القصيرة جداً دامت قرابة سنة، باعتبار أني في الأصل كاتبة قصة قصيرة، غير أنه في وقت من الأوقات أغوتني هذه القصيرة جداً فانسقت وراءها وضعت في دروبها وتعلمت أساليبها، فأخفقت وأخفقت مرات عديدة قبل أن أتمكن من الإمساك بتلابيبها، وذلك بشهادة من سبقوني إلى هذا الجنس الأدبي. بعد ذلك بدأ مشروع هذه المجموعة يختمر في عقلي، وقد امتنعت عن النشر لمدة طويلة إيماناً مني أن تجربتي لم تنضج بعد. لكن بفعل تشجيع أساتذتي أتى المخاض أخيراً وكان المولود هذا الوشاح الذي أتمنى أن يكون قد تكلم عني قليلا في الساحة الأدبية الوطنية وأعطى انطباعاً طيبا لدى القراء والنقاد.

 

4- أول نص من نصوصك الستين في وشاحك هو"اتفاق" خصصته للرجل، وآخِرُ نص فيه "بائع" عن الرجل كذلك، وحضور "الذكر" ولا أقول الرجل لافت، فلماذا "وشاح الخنساء"، وليس رداء غاندي، أو ربطة عنق فلان أوعلان.. العنوان مستقى من مخدع الحريم وليس من ديوان الرجل رغم طغيان تيمة الذكورة .. كيف تفسرين هذا الاختيار؟

- صحيح أن الموضوعة التي حظيت بحصة الأسد في المجموعة هي موضوعة المرأة والرجل في علاقتهما الشائكة، لكن هو ليس اختياراً مني، فكما سبق أن قلت أنا أكتب عما حولي ولا أخطط لما سأكتب، فلا أقول مثلا سأكتب قصة عن كذا وكذا، ففكرة أي قصة تنبثق تلقائياً في مخيلتي فتجدني أحمل قلمي وأترجمها إلى نسيج قصصي. بل إني أحياناً أكتب وأنسى ما كتبت، لان القصة تكون وليدة لحظة انبثاق الفكرة في عقلي، والمضحك في الأمر أني أحياناً أكتب القصة على ورقة ممزقة فأرميها في الدرج ويمر وقت طويل إلى أن يأتي يوم وأتعثر بها بين الأوراق فأقول من كتب هذا؟ !!.

 

5- دعينا في العنوان "وشاح الخنساء"، هو مجرد نص في المجموعة ولا يعبر عن كلية تنسحب على نصوص المجموعة، ولا عن رؤية شمولية حسب تعبير الدكتور مصطفى سلوي ..هو مجرد فرع وليس شجرة..لماذا هذا التقليد، أعني لماذا تستهوي المبدعين نصوصٌ في مجاميعهم فيختارونها عناوينَ لكتبهم الإبداعية؟

- طبعا لكل كاتب رؤية حول منتوجه قد تفضي به الى اختيار عنوان جامع شامل يمثل المجموعة في كليتها حيث يعبر عن رؤية شمولية لمضامين النصوص التي تحتويها المجموعة، أو إلى اعتماد عنوان نص معين من المجموعة، وغالباً ما يكون هذا النص ذا حمولة ووقع في نفس الكاتب.

وشاح الخنساء نص عذبني وظل يختمر مدة حتى وجدت له الصياغة والقفلة المناسبتين، وهذا النص من أحب النصوص إلى قلبي ذلك أنه يعبر عن قضية وطن تمزق وارتوت الأرض من دماء أبنائه، وغاصت مقل الأمهات بالدموع تبكي بنيها الذين قبروا، الخنساء هي ذاك الوطن الذي يبكي بنيه ويرثيهم.، والوشاح هو ذلك النسيج والروابط التي تفككت وتمزقت وعبثت بها عواصف الربيع. فلوشاح الخنساء حمولة إنسانية وسياسية وقومية، لهذا حظي هذا النص بشرف أن يكون على غلاف المجموعة.

 

6- تتكون "الوشاح" من ستين نصاً قصصياً، والعنوان النكرة طاغٍ.. هل من تفسير لهذه الظاهرة؟ هل يتعبك العنوان؟وكيف تختارين عناوينك؟..

- إن أصعب مرحلة في كتابتي لأي قصة هي مرحلة اختيار العنوان باعتباره يشكل العتبة لفهم المتن، فيجب أن يكون دالاً وغير مباشر وفاضح، وأن يحقق ذلك التكامل مع القفلة في تحقيق الدهشة ويكون مثيراً وشائقاً بالنسبة للقارئ لهذا فهو يأخذ مني وقتاً أكثر بكثير من الوقت الذي استغرقه في كتابة قصة بكاملها، فقد اكتب قصة في بضع دقائق ويستغرق اختيار العنوان ساعات وأحياناً أتخلى عن القصة لأني لم أجد لها عنواناً يرضيني.

تستهويني العناوين المفردة في القصة القصيرة جداً، لا لسبب سوى أني أجدها أنسب باعتبار الحجم الصغير للقصة القصيرة جداً والذي لا يحتمل عنوان أكبر من المتن. كما أن العنوان النكرة غالباً ما يتسم بأنه مبهم ويثير حفيظة القارئ لاكتشاف المتن والبحث عن توضيح للسؤال المبهم الذي يحمله العنوان المفرد النكرة وهذه رؤيتي والله أعلم.

 

7- يقول الناقد الكبير مصطفى سلوي في دراسته للمجموعة بأن نجاة قيشو تطل على عالم القصة القصيرة جداً من خلال ستين أقصوصة، وهو يسجل إعجابه الشديد بنصوصك من حيث احترامُك لبنية القصة القصيرة جداً.. وهذا تناقض واضح..أنت تكتبين قصة قصيرة جداً أم أقصوصة؟ ثم هذا الخلط في التجنيس هل من تفسير له..؟

- طبعاً أكتب القصة القصيرة ولا أظن أن الدكتور مصطفى سلوي لديه خلط في الأجناس فهو ناقد مشهود له بالحنكة والفطنة، ربما هو خطأ لم ينتبه له . أما عن الخلط الذي نراه في الساحة الأدبية بين القصة القصيرة جداً والأقصوصة والقصة القصيرة، فراجع بالأساس لاختلاف المنظرين في شروط كل جنس أدبي على حدة هذا من جهة، من جهة أخرى فقد كثر الهرج والمرج خاصة في القصة القصيرة جداً فصار كل من يكتب كلمتين يقول عنها قصة قصيرة جداً، وثانٍ يقول ومضة وثالث أقصوصة فضاع التجنيس وسط هذا العبث الذي تشهده صفحات التواصل الاجتماعي خاصة. وإن استمر الحال على ما هو عليه خاصة في غياب المراقبة وفي ظل انتشار منابر غير جادة تفتح أبوابها للعابثين فإن الأدب سيصير مرتعاً للأقلام العابثة فتقل المردودية تبعا لذلك.

 

8- ملاحظة سجلها الناقد الكبير مصطفى سلوي هو تكرير العنوان الواحد في المجموعة، قصة "موعد" في ص17، وص 58، وكذلك نص " حكمة" يتكرر في ص 14 و46.. هل هي ظاهرة مقصودة، أم هو مجرد سهو وصدفة..؟

- ليس ظاهرة مقصودة، وليس سهواً ولا صدفة، هو إيمان مني بأن العنوان مناسب للقصة وكما سبق وأن قلت أنا أتعامل مع كل قصة ككيان قائم بذاته مجردة عن باقي القصص فان وجدت أن العنوان مناسب فلا ضير عندي أن يتكرر.

 

9- ظاهرة أخرى، ويشترك معك فيها مبدعون كثيرون ممن يكتبون القصة القصيرة جداً.. لماذا يغيب اسم البطل في قصصك، وبدلا من ذلك تكتفين بضمير عائد عن الرجل أو المرآة؟

ببساطة لأني أترك القارئ يسقط الشخوص على من يجد القصة تمثلهم فيجد لهم أسماء من تلقاء نفسه.

 

10- يقول الناقد الخضر الو رياشي في تقديمه للمجموعة: " قصص نجاة في مجملها بارعة، وذكية، وشائقة..."

{البراعة، والذكاء، والتشويق}، كيف تنجحين في إيلاء هذا الأثافي حقه، وهل هناك رواد لفنِ القصة القصيرة جداً أفادوك في هذا الأمر؟

- الناقد الخضر الورياشي قد شرفني بهذا التقييم، ويبقى التوفيق من الله، أما عن القصة القصيرة جداً فاني أعترف أني كنت عصامية التكوين، كنت أقرأ الدراسات وأجتهد وأعرض منتوجي على القارئ وعلى من سبقوني في الميدان فأتلقى تشجيعاً من هذا ونقداً من ذاك ولم أبدأ في قراءة المجموعات القصصية إلا بعد أن تمكنت من الإمساك بتلابيبها .

 

11- أنتقل بك إلى التيمات /des temes المعتمدة في وشاح الخنساء..

- يبدو لي أن " الرجل والمرأة والشيطان ثالثهما" هو السياج أو هو للدقة ذلك الوشاح الذي يلف أكثر نصوص المجموعة، نحو "على نار هادئة"، و"كان يا مكان"، و"من.. إلى"، و"قطعة حلوى"، و"مسخ"، و"هو وهي"، و"حوار"...لماذا هذا الحضور الطاغي لثنائية الرجل والمرأة؟

ربما لأني أنثى..هههه،

أو ربما لأن هذه العلاقة الشائكة بين هذا الثنائي المرأة والرجل تغري بالكتابة خاصة أن مجتمعنا يعج بالقضايا التي يكون الرجل والمرأة والشيطان ثالثهما كما قلت أبطالا لها.

 

12- ثم إن المرأة في الوشاح سالبة، مبتذلة، وضحية وصيد رخيص..هل من رسالة هنا؟

- أكيد فان لم تحمل القصة رسالة فهي كلام فارغ من أي حمولة، ولا يجب أن يفهم من هذا الاختيار أني أنتصب مدافعة عن المرأة، ففي مجموعتي لم أظهر المرأة دائماً في موضع الضحية فكانت أيضا المرأة اللعوب (نص "وداع")، والمخادعة (نص "تكتيك") والساحرة ( نص "رقصة").. وغيرها من القصص التي تدل على أن المرأة ليست دائما ذلك المخلوق الرهيف اللطيف منبع الحنان والرقة. وأنا أصبو من خلال قصصي إلى تعرية الواقع ووضع اليد على الجرح وتنبيه القارئ إلى سلوكيات وممارسات قد تعترضه في حياته، أو قد يكون شاهداً عليها.

إن ثنائية الرجل والمرأة هي ثنائية متباينة تتكامل في اختلافها ولا تتطابق في وظائفها، بحيث يدور كل منهما حول الآخر وتتمثل الروابط التي تجمع بينهما في الجذب والدفع. وإذا حصل أن اصطدما فإن كلاً منهما سيتضرر.

 

13- خاصية أخرى في الوشاح تتعلق بإيلائك للحوار أهمية كبرى، تمنحين له بعداً تواصلياً، ومقصدية من خلال استحضار المخاطب .. هل طبيعة الموضوعات تفرض ذلك، أم لثنائية الرجل والمرأة الطاغية على المجموعة يد في ذلك..؟

- أسلوب الحوار يغني أي كتابة قصصية لأنه يبطل دور السارد ويترك الشخوص تتولى مهمة السرد، مما يعطي للقصة جمالية وحياة وتخلق نوعا من التفاعل والتنامي في الأحداث وتقلل من وطأة السرد المستمر الملل.

 

14- أحب أن أسجل إعجابي بلغة "وشاح الخنساء"، جميلة ومخملية.. فمن أي مشتل تنتقين ألفاظك، وجملك، وتعابيرك..؟

- القراءة مثل المطر تزودك برصيد لغوي وتغني أسلوبك وتسقي مراعي الإبداع فيك.

 

15- " فتوى"، و" وشاح الخنساء" نصان جميلان جداً برأيي، هما على خلاف بقية النصوص يختزنان شحنة من المعاني من خلال استدعاء التراث، والتاريخ في ديباجة أنيقة.. هذا النوع من النصوص قليلة في المجموعة لماذا هذا الاقتصاد في الاغتراف من التراث، والتاريخ؟..

أشاطرك الرأي في آن المجموعة تفتقر لمثل هذا النوع من النصوص. ويبقى وشاح الخنساء تجربة أولى ربما قد تليها تجارب أكثر غنى ..يبدو يا أستاذي أنه شغلتني هموم واقعي فنسيت التاريخ والتراث هههه.

 

16- نجاة سجلت حضورها المتميز في مهرجان الناظور للقصة القصيرة جداً في نسخته الرابعة في مارس 2015..لا بد من استفادة ما، حدثينا عن "الإضافات"؟ وما هي الأسماء العربية التي التقيت بها؟

- من الأسماء التي تشرفت بالالتقاء من المغرب هناك سعدية باحدا، حسن برطال، عبد الرحيم التدلاوي، عبد الحميد الغرباوي، نعيمة الادريسي، سمية البوغافرية، ورحيمة بلقاس، وحسن قرى..والنقاد مصطفى سلوي، وميمون مسلك، ومحمد يوب ومن الدول العربية سعدت بلقاء الكتاب فاطمة وهيدي، جلنارزين، وجمعة الفاخري، ورقية هرجس، وعفيفة أم الشيماء... وغيرهم من الكتاب والأدباء الذي حلوا ضيوفاً على المهرجان.

 

17- بعد نشر الوشاح هل يمكن أن نتحدث عن نسبة "مقروئية" المجموعة؟

- هههه لا أعلم.

 

18 - لماذا لا يقرأ المبدعون لبعضهم؟

- أنا عن نفسي أقرأ لكل قلم يستحق القراءة ولا فرق عندي إن كان له عشر مجموعات أو ينشر فقط على مواقع الانترنيت.

 

19- لمن تقرأين من بنات جيلك في القصة القصيرة جداً؟

- ليس هناك أسماء محددة.

 

20- فزتِ، مؤخراً، بالمركز الأول في مسابقة القصة القصيرة عن نصك " قلبان في قفص".. نبارك لك أولاً هذا الفوز المستحق وتالياً دعيني أسألك، وسؤالي هنا من شقين :

- عما يمكن أن يضيفه هذا الفوز لرصيدك؟

- بعض النقاد يرون بأن المسابقات الأدبية مجرد مضيعة للوقت، ولا تحكمها ضوابط، والزبونية فيها اليد الطولى والقِدح المُعلى، كيف تردين؟

- لأكون صريحة معك لا تهمني المسابقات كثيراً، وقد أحجمت منذ زمن عن المشاركة في المسابقات التي تنظم على مواقع الانترنيت. شاركت في هذه المسابقة التي نظمتها مجلة قصيرة وذلك بعد ما تلقيت دعوة للمشاركة من طرف رئيسها الأستاذ يحيى أوهيبة باعتباري عضوة في المجلة والحمد لله تمكنت قصتي "قلبان في القفص " من كسب رضا مجموعة من الأساتذة والناقدين والمهتمين بمجال القصة القصيرة الذين كانوا أعضاء في لجنة التحكيم. يبقى الفوز في مثل هذه المسابقات حافزاً للكتابة وتشجيعاً على الاستمرار خاصة في غياب التحفيز على أرض الواقع.

أما عن المسابقات، ومدى جديتها فهذا يتوقف على الجهة المنظمة للمسابقة، ولا يمكن الحكم على أن جميع المسابقات عبث ولا تحكمها ضوابط.

 

21- "عمر" بطل قصة" قلبان في القفص"و الفائزة بالمركز الأول يبدو شخصية "غير حية " حسب تعبير مُنظري الرواية، هو مهدد بالقتل / الإعدام، ومؤمن بقضية، وفي جلسات العلاج التي كانت تشرف عليها الطبيبة "إميلي" في الزنزانة ستنشأ بينهما علاقة حب، يقول لها مثلا : "أجد بين يديك الدواء"، سؤالي هو: كيف يمكن لمناضل متفائل بما يُقدم عليه من تضحيات أن ينساق مع هذه " الريح الجديدة" وهو الذي وهب نفسه لقضية مصيرية.. كيف يستقيم هذا برأيك..؟

- ألم يقل وليام شكسبير إن الحب أعمى؟ !، المشاعر ليس لها منطق، فإن تحركت فلا يهم إن كانت هناك عداوة أو حرب. ونشوء مثل هذه العلاقة ليس جديداً بل هو تقليد معروف في أدبيات الرواية العالمية. وهذا ما أشار إليه الناقد صلاح هشام في قراءته النقدية للقصة بقوله:" فقد تحولت علاقة السجين عمر بالطبيبة من علاقة تطبيب إلى علاقة حب، هذا الحب، أو ما نسميه بالعشق المستحيل أو الممنوع وقس على ذلك من العناوين، فكثيراً ما سمعنا وقرأنا عن هذا النوع من الحب الذي تؤدي ضريبته في أحيان كثيرة من حياة المتحابين لأنهما يكونان ينتميان إلى طرفين متناقضين، فيحول هذا التناقض دون جمع المحبين، وهذا ما نلاحظه في هذه القصة الجميلة، إذ يستحيل أن يجتمع المظلوم بابنة الظالم، إلا إذا حدثت المعجزات، وإن كنا تعلمنا عبر العصور أن الحب يصنع المعجزات".

إن الحب الذي نشأ بينهما كان ضرورة فنية لدعم البطل بالقدرة على النضال حين يجد هذا الحب العذري الذي يملأه قوة وعزماً، هذا من جهة، ومن جهة أخرى اخترت هذه العلاقة للتعبير عن شرعية القضية حين يشهد طرف من العدو للمناضل ويتعاطف معه، بل ويخون وطنه من أجل هذا المحبوب بعدما أدرك قدسية ومشروعية مطلبه.ففي قصة (مغيب القمر) ل شتاينبك الأمريكي كان الأعداء ينشدون مع الأسرى الذين سيقتلونهم أغنية واحدة تعبر عن روح السلام المفروض أن يعم العالم، وما أبدعه من مشهد !. كما تجب الإشارة هنا أن عمر ليس شخصية غير حية أو في انتظار الموت، إن اختيار عمر بهذه الكيفية ضروري فنياً لبيان كيف تهزم الروح القوية ضعف الجسد، وكيف يهزم الإيمان جبروت العدو، وكيف يهزم الحب الكراهية.

 

22 - طيب، وماذا عن نهاية قصة" قلبان في القفص" تبدو لي مفبركة، وتحرير إميلي لعمر من السجن غير مقنع ألبتة..كيف يمكن للقاص أن يتملص من سلطته بحيث يترك شخصياته تتحرك بحيث تتصرف، تتكلم، وتعيش كما تريد لا كما يريد هو من خلال إملاءات؟

- طبعاً رأيك يحترم أستاذي، غير أني أرى أن النهاية غير مفبركة بل منطقية لأن الحب الصادق القوي هو الذي دفع اميلي إلى تحرير عمر لا إرادة الكاتب، الكاتب لم يتدخل فلا هو جعل عمر يدخل في حوارات جدلية كثيرة حول الحرية والاحتلال، ولا ضغط على إميلي لتحريره، بل اختار أن يكون السلوك الإنساني والشعور الإنساني هو محرك القضية وناصر الحرية. قد أذهب معك في أن النهاية لم تكن بتلك الدهشة باعتبار أن قارئ هذه القصة قد يتوقع نهايتين لها؛ إما موت عمر أو فراره ؛فأول نهاية كتبتها كانت موت عمر، غير أن شيئاً بداخلي لم يرض على تلك النهاية فغيرتها، أردتها نهاية فيها أمل، فيها انتصار للحق، فيها حلم يموت من أجل حلم أخر. وجمالية هذه النهاية ليست في الإدهاش بل في المفارقة التي خلقتها، كيف يبيع أصحاب الوطن وطنهم من أجل بضعة قروش(البياعة)، وكيف تخون ايميلي وطنها من أجل هذا الوطن المغتصب، وتضحي بنفسها لنصرة الحرية .آثرت أن يظل حبها مسجوناً في صدرها على أن يظل هذا الوطن في قفص وطنها مسجونا!، وهنا تكمن جمالية هذه النهاية.

 

23 - ما تقولين في حق:

- الخنساء،

- الخضر الورياشي،

- جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون .

- الخنساء عروس بحناء تنتظر عريسها وتأمل أن يكون لها بنات وبنون كثر..

- الخضر الورياشي، منجم كنوز .

- جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون، النجمة التي تضيء سماء الأدب في الناظور.

 

24 – يشرف سلسلة " أصوات أدبية" أن تستضيفك، وشكراً على رحابة الصدر..كلمة أخيرة من فضلك..

- شكراً لك أستاذي ميمون حرش على التشجيع المستمر، ونصرة الإبداع والمبدعين، وعلى الاستضافة الكريمة وفنجان الأدب الحلو المذاق الذي ارتشفناه معاً في هذا الحوار الأدبي..

ولكل مبدع حقيقي، أهمس له قائلة : لا تحقر قلمك ولا تستعجل، وثق أنك ستصل، فمن مشى على الدرب وصل ؛ فقلمي أنا بعث من الأنقاض، ورغم أني لم أكن أنشر ولاأحد يقرأ لي غير أني لم أتوقف عن الكتابة، ببساطة لأن الكتابة حياة، متنفس من دونها أختنق. وكلمتي الأخيرة لكل متتبعي سواء في العالم الحقيقي أو الافتراضي أقول لكم شكراً من القلب على كل كلمة تشجيع، وعلى المساندة وعلى المتابعة المستمرة، حياكم الله ودمتم بخير.

 

حاورها: ميمون حرش

حوار من الأعماق مع حسن خالد

reebar habonحسن خالد، أديب وباحث اجتماعي كردستاني،هو مثل حال الكثير ممن عانى وطأة الحرب السورية، مقيم كلاجئ كردستاني سوري في جنوب كردستان (العراق)

*عضوٌ في* تجمع الحب وجود والوجود معرفة

يكتب في عدد من المواقع والصحف الالكترونية كموقع الحوار المتمدن، صحيفة الحب وجود والوجود معرفة، وصحيفة الفكر

وبتاريخ 20-7- 2015.أجرينا معه الحوار التالي:

 

الباحث الاجتماعي المعرفي حسن خال نرحب بك في حوارنا هذا لنسلط الضوء عبره على بضع تساؤلات ونقاط نود مناقشتها وسؤالي الآن هو:

ما رؤيتك للمجتمع في ظل الحرب، إن قلنا احتمالاً أن المجتمع وليد

الظواهر الطبيعية وابن التصدعات التاريخية المندرجة حسب أطوار محددة مرت بها وفق سياق المحيط الجغرافي (المجتمع السوري أنموذجاً)؟

- الإنسان ابن بيئته من حيث المبدأ، وجملة من الأمور تتداخل فيما بينها، عبر علاقات البشر، لتكوّن ما نسميه " مجتمعاً

" يتميز بعلاقات وأنساق وتنظيمات (أحزاب ومؤسسات – تنظيمات المجتمع المدني - التنظيم الرسمي " الحكومة " تنظم العلاقة بين أفراده، هذا في الظروف الطبيعية، لها مهام ووظائف الغاية والغرض منها تيسير العلاقات تلك، لما فيه خدمة " المواطن – الفرد "، هذه في الظروف العادية " الطبيعية " لكن في ظل ظروف غير عادية " الحرب " مثلاً، فإن وظيفة تلك الجهات التي ذكرت آنفاً، تختلف – وبالضرورة – نتيجة دخول عناصر وعوامل طارئة في بنية وتركيبة المجتمع بتفاصيله ودقائق أمور حياته، ففي ظل الحرب يتوقف (كل ما هو طبيعي) أو يتأثر، الاقتصاد – الحركة الثقافية – الجانب الاجتماعي – العلاقات السياسية في العمق الداخلي والتشعب الإقليمي والدولي من هنا كان بروز شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) الذي تم استعماله واحتكاره كأداة هيمنة سلطوية وبطريقة " مشرعنة "

وكلما طال أمد الحرب والصراع بين الأطراف المتقاتلة، كلما فقدت الدولة والسلطة أدوارها وهيبتها، كلما فرضت الضرورة تأقلماً من " المجتمع " مع هذه الأجواء، وكأن حتمية التوازن تعود رويداً رويداً، فالحياة لا يمكن أن تتوقف وتحت أي ظرف، لذا تظهر علاقات جديدة ناظمة للحياة تتلائم وطبيعة الظروف الراهنة، فالزواج بعاداته وطقوسه يمضي كمؤسسة لكن مع مراعاة " ظروف الحرب واقتصاده، فللحرب اقتصاده وللحرب مجتمعه وللحرب عاداته، التغيير يطال كل شيئ ومن هنا كانت المجتمعات نتيجة ظروف تاريخية وتصدعات ناجمة عن تصادم بين الرغبات والضرورات، والتجربة السورية (القاسية جداً) ستغير الكثير من المفاهيم في (مجتمعات الحرب) فالعقد الاجتماعي بين الأطراف السورية، بان بأنه كان زائفاً ومفروضاً بالقوة – بممارسة الفعل الخارجي – (سايكس – بيكو) عززتها تالياً سلطة لا يمكن أن نصفها بالوطنية السورية الجامعة، المخيف في الأمر أن " الحامل الاجتماعي " للنقيض السلطوي أشد تسلطية من سدنة الحكم والسلطة والمجتمع – تالياً – فلم يستطع أن يقدم نفسه بديلاً أكثر " وطنية " فالنفَس الطائفي المقيت " فاحت رائحته " وطفى موضوع الأقليات بعد أن تم وأده تكراراً ومراراً، حتى أن محاولات أسلمة المجتمع واضحة / محاولة تطبيق الشريعة / أي في المجمل، مجتمع الحرب يبرر وضع كل شيئ في خدمة الحرب، حتى المتطلبات المعنوية منها فما بالك بالمادية، وكأن الصراع ينتقل بين إرادتين (إرادة الحياة) و(إرادة الموت) ولكل منها فلسفتها ومنطقها . وحتى الأدب والفن يعكسان هذا الوضع وهذه الظروف، أي يمكن مجازاً أن نطلق عليهما " أدب الحرب " و" فن الحرب " .... كل هذا النشاط بمثابة المرآة في " مجتمعات الحرب أو مجتمع الحرب " حتى العادات الاجتماعية التي كنا نظنها "ستاتيكية " راكدة، يطالها التغيير بوضوح وبوتيرة متسارعة ...

 

الإعلام، هل وضع للخدمة الاجتماعية أساساً، أم إنه وسيلة حربية مهيمنة وبقوة في حاضرنا، وما البدائل المحتملة التي من خلالها يمكن نزع فتيل الأحزمة الناسفة عن الآلة الإعلامية لتبقى وسيلة ليقظة الجماهير لا إيهامها وجرها للعنف تدريجياً؟

- الإعلام وسيلة وأداة، وبالتالي يمكن استخدامها في مجمل النواحي وخاصة نحن نعيش عصر الثورات في التقانة ووسائل التواصل، وتقسيم العمل فرض جملة من الأمور في مجمل الجوانب الحياتية، يمكن استثمارها / سلباً وإيجاباً / بحسب الجهة والغرض والجانب الذي يُستخدم فيه، كما أن نوعية الأداة الإعلامية تلعب دوراً في مدى التأثير والفعّالية على المتلقي (الجمهور) فتأثير التلفزيون في عصر البث المباشر للحدث " صوت وصورة " يختلف عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي " فيسبوك – تويتر – يوتيوب " خاصة بأن الأخيرة باتت واسعة الانتشار وسهلة الاستعمال لمن يجيد أدنى متطلبات " القراءة والكتابة " ولا ننسى هنا التأثير المباشر لفعالية الصورة والرسائل الصوتية في التأثير على الجمهور" المتلقي " الذي يتعامل بهذه الأدوات والوسائل ومعها في علاقة التأثير والتأثُر، وهنا بالتحديد نلاحظ وبشكلٍ واضح كيف أن الجماعات " المتطرفة " تستغل (نتاج التقدم والحضارة المادية) في حروبها وصراعاتها، في عالم يؤمن بجدلية " في الحب والحرب كل شيئ مباح"

وبما أن (الإعلام) وسيلة وأداة، فالجهة التي تديرها أو تملكها، هي التي تحاول أن تستغلها للتأثير في الجهة التي تريد، وبالتالي تبث سمومها وبالطريقة التي تراها مناسبة، وتشرعنها، فلا يمكن أن تكون موضوعية البتة في توجهها الغائي، لكن يكمن أن نقول بانه الأقرب إلى الموضوعية (في حالات نادرة وقليلة)، فنفس الخبر " مثلاً الصراع اليمني – الملف الكردي في سوريا " عندما تتناولها قناة (الأورينت) تختلف في تقديمها وصياغتها عن قناة العربية، والأخيرتين تختلفان عن قناة (العالم) أيّ أن الجهة التي تدير الأداة الإعلامية، تحاول أن تُسوق الأخبار والأحداث بطريقة (التأثير على نفسية المتلقي) ومحاولة تغير توجهاته وقناعاته وحتى منظومته الفكرية، والإنسان بطبعه ميال لنسقه الايديولوجي والفكري، تالياً تكون الرسائل التي يسوقها الإعلام موجهة لفئة محددة " حاضنة " وكما أسلفنا هي في " مجتمع الحرب " تتحول أداة حرب فاعلة لا تقل في أهميتها وتأثيرها عن أي سلاح يستخدمه " المقاتل " بغض النظر عن الصفة القانونية والشرعية له . وفي الظروف غير الاعتيادية تظهر الأمور غير الاعتيادية / أسباب ونتائج / ونسقط ذلك على الإعلام اللااعتيادي هو حقاً " إعلام الأزمة " " الحرب "

ووحدها " السلطة الوطنية " و" دولة المواطنة " تكون الأقدر على زرع روح المسؤولية في نفوس مريديها ومواطنيها عندما تتحول لدولة " العدالة الاجتماعية " و" دولة المؤسسات " يكون فيه " المعرفي المهني والمتخصص " أداة التغيير وموجه دفته .

وللسلطة فلسفتها الإعلامية وتوجهها قد تعكس مصالحها " الضيقة " فقط، لا تراعي حاجات ورغبات المجتمع، فينبعث من " الإعلام الموّجه " رائحة السلطة وحاشيتها، الذي يجر لاحقاً ويلات وفواجع فلا " رأي عام " ولا " سلطة رابعة " هذا إن علمنا بان الإعلام في بعض وظائفه " معارضة شرعية " إن مارسته " النخبة المهنية " بموضوعية أكثر ...

 

- هنا يجدر السؤال: " في الدولة القومية كيف يمكن للمعرفي " المثقف " أن يلعب دوره حيث " الروح الحزبية والمذهبية والعنصرية سائدة، وما هو الإعلام الذي يتوجب عليه أن يطلب معونتها، تكمن الإجابة في مد ى تعريفنا للأداة الإعلامية ودورها في عملية التغيير التي تطال مجمل تفاصيل حياة المجتمع .. هل ما يمر على الشرق الأوسط والعالم العربي من مخاضات وصدمات، نابعة عن إشكالية الشخصية الشرق أوسطية، أم وليدة تخبطات المركزية الشمولية لتلك الأنظمة المتفسخة؟

- لست ميالاً بوجود شخصية / غربية وشخصية شرق أوسطية / لكن جملة من العوامل هي التي أوجدت هذه " الشخصية " تالياً الظروف السائدة تولّد هذه النماذج من الشخصية، فالشخصية الشرق أوسطية (إن جاز لنا استخدام هذا المصطلح) هي الأقدر على التكيف إن ذهبت إلى الغرب فتتحول وبسرعة " جنونية " إلى شخصية غربية بحسب المطروح، ما في الأمر أو هكذا يُفهم أن جملة أحداث وتطورات وممارسات " تربوية بالدرجة الأولى – وتدخل فيها فيما بعد التنشئة السياسية " تفرز هذه الشخصية التي تتميز بجملة " ممارسات " على مستوى الفرد والجماعة، ناتجة بالأصل عن طبيعة العلاقة التي تربط بين مؤسسات المجتمع الموجودة في " دولة الاستبداد الشرقي " بحسب مفهوم (كارل ماركس) حيث " تأليه القائد- الزعيم – وسيطرة النمط الزراعي الإقطاعي – طبقية المجتمع – أسياد وعبيد " وجملة أمور أخرى ...

وبالتالي فالممارسات السلطوية " ومركزية الحكم " أثبتت فشلها في عديد تجاربها، وينبغي تأهيل فئات المجتمع " نفسياً " وعبر الأقنية الإعلامية المهنية وورشات العمل، إعادة تأهيل منظومته الفكرية في جملة من القضايا التي تهمه مع من يتعايش معهم " المختلف والمغاير عنه " فالتعايش الاختياري بات ضرورة عصرية وحضارية، وموضوع الأقلية والأكثرية لا بد من تجاوزه في " السير " نحو الأمة الديمقراطية " صحيح ٌ أن الرأي السائد ينبغي أن يصبغ ويطغى، لكن لا يجب وتحت أي " حسابات " إهمال الفئات " المهمشة " وهنا أقصد الأقليات بتعدد مشاربها – الديني – القومي – الثقافي .... ففي بعض الولايات الألمانية تنقل صلاة العيد للمسلمين في الأقنية التلفزيونية الرسمية مع أن نسبة المسلمين في المجتمع لا يتجاوز (5 %) حتى أن تظاهرات لمؤيدي " الجماعات الراديكالية " تجري في الساحات، دون أن يتعرضوا للملاحقة والمضايقات، طالما أنهم لا يخترقون المعايير الأدنى للقوانين النافذة، فحرية الفكر والاعتقاد مصانة

ولا بد من طرح التساؤل التالي أيهما ينبغي تغيره، نوع الحكم أم نمط الشخصية، تكمن الإجابة في إيمان الإنسان بقناعاته بالدرجة الأهم .

ثم لا ينبغي أن ننسى بأن العلاقة طردية " تَعقّد " العلاقة تلك ما بين الشخصية ونوعية السلطة من حيث " الأنظمة المنغلقة – أي الشمولية " وبين الشخصية والأنظمة المنفتحة أي الأكثر ديمقراطية " كوني أضع تحفظي على مفهوم " الأنظمة الديمقراطية " فكل شيئ قابع تحت سقف النسبية، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بأنماط الحكم والسلطة ..

 

إلى ما تعزو ظاهرة العنف وفق سياقه (النفسي – الاجتماعي) هل يعود لترويج السلطة الاحتكارية لها، أم إنها حالة اجتماعية جاءت كتتويج لمراحل التشويه وطمس " البعد الحضاري للشعوب ...؟

- السؤال يحمل في طياته إزدواجية في الطرح، ولابد من مراعاة ذلك في إبداء الإجابة، فالعنف بـ " أشكاله " المتعددة انعكاس لغريزية الانسان كـ (كائن عضوي) إلى الحد الذي ذهب إليه هوبز " الانكليزي " بـ (ذئبية الإنسان لأخيه الإنسان) (الغريزة) عكس جان بول سارتر " الفرنسي " الذي يقول بأن الانسان بطبعه خيّر، لكن عوامل أخرى تتدخل فيميل إلى ممارسة العنف (التنشئة) في فترة (نظريات التعاقد الاجتماعي) وبين وجهتي النظر تلك تدور الدراسات ما بين مناصر لهذا الرأي أو ذاك، حتى أن هناك من حاول إيجاد صيغة توافقية بين " النظرتين " ونمو ظاهرة العنف " إنه يتأتى من عوامل اجتماعية أيضاَ، فالفقر والحرمان والتهميش – إن على مستوى الأفراد أو الجماعات والدول – كل تلك الجوانب هي بيئات ولاّدة لممارسة العنف، بل وتكريسه – عبر آلية التربية " وربما تدخل المناهج الدراسية أيضاً " التي تنقل ميراث الإنسان من جيل إلى جيل في عملية " دورية لا تتوقف " ...

فالفقر يولّد الإرهاب، والإستبداد يولّد الإرهاب، والدولة الفئوية تولّد الإرهاب، لنتمعّن في كل الذي سبق، سنجد بأن النخبة الحاكمة / السياسية – الثقافية – الاقتصادية / كلها بيئة حاضنة ومحرضّة للنزوح نحو ممارسة المزيد من العنف، فتتشابك المسببات ما بين (التربوي والسلطوي) أيّ ما بين الميول النفسية الشخصية والتوجه العام المجتمعي، تُكرسها طبيعة السلطة الحاكمة،وعبر أدوات ترتأيها هي، لتخدم توجهها العام نحو مجمل القضايا في ممارستها للفعل السلطوي، هنا لا يجب أن نتغافل عن السياقات التاريخية والنكسات الحضارية التي تمر بها المجتمعات في صيرورتها التاريخية، كون ممارسة فعلٍ ما عملية تراكمية وليست وليدة لحظتها، فلا يمكن أن نعزو العنف إلا ضمن سياقاته التاريخية التراكمية كون الشخصية هي نتاج تركمات تربوية ثقافية، تعززها المناهج الموجّهة، ولا ننسى هنا القول بأنه كلما تعدد المقدّس في المجتمع – كلما إزدادت مشاكله ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن نلفق صفة " العنف " بصفة اختيارية أو بحيز جغرافي محدد، إنما يتولّد العنف بوجود مسببات وينتفي بزوال تلك المسببات في عملية لا يمكن أن نقول عنها بأنها " يسيرة " بل قد تتجاوز أجيالاً وقروناً، فالزمن عامل هام في عملية التغيير التي تطال مجمل النواحي في حياة المجتمعات ...؟

 

ظهرت داعش في الآونة الأخيرة كتنظيم سلفي متطرف، دخل الميادين كافة والتي جاءت كإفراز عن صراع القوى الناهضة ضد القوى القائمة ناهيك عن مبررات هذا الصراع ونواياه البعيدة والمباشرة، وما بينهما فئات عديدة من المشردين والمهاجرين نحو الشمال الغني، إلاما تعزو هذه النتائج، هل هي دلائل إفلاس الرأسمالية وعجزها، أم إنها بداية النهاية للصمت المكرّس لعهود من استبداد ورضوخ، ونكوص عن تغيير الواقع الذي تأخر تغييره ...؟

- "ظاهرة داعش" ليست جديدة في سياقها التاريخي والجغرافي (الزمكانية) " الزمان – المكان " ولا يمكن أن أعتبرها توجهاً دينياً خالصاً، وإن ظهرت عليه الصبغة الدينية، يمكن أن يقال بأنها تحالف " خبيث " بين قذارة عنصرية " فئوية " وبين " المقدّس الديني" وتلاقٍ في رؤاها ومصالحها، هي تظهر وتخبو بين الفينة والأخرى، والتسمية ليست مهمة وذات جدوى (بقناعتي) لذا يمكن القول بأن داعش موجودة بوجود علاقة تسلطية بين الحاكم والمحكوم، بين الظالم والمظلوم، بين السيّد والعبد، وهي / ظاهرة داعش / كمفهوم حديث، من نتائج تلك الهبة الشعبية لمجتمعات ما يسمى " الربيع العربي " تعززها تضارب المصالح بين (القوى الكبرى المتناطحة) لتلجأ إلى مثل هذه الظواهر وتستخدمها كأداة ضغط، وتوجيه ما أمكن من " المتطرفين " إلى بقعة جغرافية يمكن لهم فيها التخلص منهم متى ما أرادوا ذلك، وبحسب ميلان كفة ميزان مصالحها، والحاضنة الشعبية مغلوبٌ على أمرها في نهاية المطاف، فالنخبة / الدينية والسياسية / تتحالف في تشابك معقّد، حتى أن هذه الظاهرة تتجاوز العمق الوطني لتصل للعالمية، هي ثقافة عابرة للحدود والقارات، وعندما نعرف بأن نسبة الفقراء في ازدياد وتعلو نسبة من يعيشون في فقرٍ مدّقع لتصل لنسب – أقل ما يقال بأنها مرعبة ومخيفة – هذه الأوضاع مزرية تساعد النخبة الآنفة الذكر في الصيد والتصيد مستغلة النقمة التي تتزايد لدى " المهمشين " الناقمين – المجرمين - لينضموا إلى أيّ حركة توفر لهم رغباتهم وحاجاتهم وإن توهماً، ولا يمكن أن يجدوا ضالتهم إلا في تنظيمات وحركات لها توجهات عقائدية ايديولوجية وحاضنة شعبية، وحتى الذين يهاجرون من " الغرب الغني " لينضموا لتلك التنظيمات المتطرفة، إنما يعانون من مشاكل الاندماج مع مجتمعاتهم الجديدة، كما أن نمط الحياة الغربية تخلق نوعاً من الملل والرتابة ونقصاً في الجانب المعنوي " الروحي " في الحضارة المادية الطاغية، فمن المعلوم أن فئة الشباب هي الأكثر ميلاً نحو " الصراعات والمغامرات " فينبهرون بتصرفات تنبعث منها الإثارة والعنف كـ " قطع الرؤوس – الحرق – الغرق " وأساليب يتفنون فيها عبر آلة إعلامية متنوعة (يوتيوب – تويتر ...)

 

يقول المفكر المعرفي عبد الله أوجلان في كتابه (المدنية الرأسمالية) من غير الممكن صياغة سوسيولوجيا قيمة، ولا تطوير كفاح اجتماعي ناجح بمصطلحات العلم تلك، وأشدِّد على أنه عندما نذكر هذه الأمور فنحن لا ننكر الكدح، القيمة، الربح، والطبقة، بل نسعى لإيضاح عدم صواب نمط استخدام هذه المصطلحات في إنشاء العلم، إني أود توضيح أن علم الاجتماع قد أنشئ على منوال غلط، ما مدى أحقّية هذه المقولة من وجهة نظرك ...؟

- عند تناولنا لشخصية (أوجلان) وفكره، ينبغي أن نفرّق بين (أوجلان السياسي) وبين (أوجلان المفكّر) إفتراضاً، فالفصل العملي يستحيل أن ينجح في الواقع العملي، بعيداً عن الاختلافات والإصطفافات الأيديولوجية والحزبوية الضيقة (نحو شخصيته)، فالرجل حتى قبل أن " يُعتقِل " كان منظراً – للاشتراكية المشيدة - وناقداً لاذعاً لها – هنا أقصد التجربة السوفيتية وفترة البروسترويكا - خلال حكم غرباتشوف والتي أدت في النهاية إلى تفكيك الاتحاد السوفيتي إلى دول متعددة، لكنه برز كمفكّر بشكل أوضح بعد أن زُج في المعتقل في جزيرة إيمرالي في بحر مرمرة وحُكم عليه بالإعدام وخفف إلى المؤبد، ثم تم الترويج لعملية الحل والسلام في تركيا، السارية إلى الآن (وهذا ليس موضوعنا هنا)

ففي كتابه (من دولة الرهبان السومرية نحو الحضارة الديمقراطية) يُقدّم عصارة فكره ورؤيته لمجمل القضايا المحلية " الكردستانية " والبينية مع الشعب التركي والإقليمية مع " دول الجوار وشعوبها " والعالمية،حيث يقول: (إن الخطر الأكبر الذي يهدد الديمقراطيات والإدارات شبه المستقلة في عصر الحداثة الرأسمالية يأتي من السلطات الدولتية القومية قاضية بذلك كلياً على حق المجتمع في الإدارة الذاتية وهي تدحض وتفنّد الديمقراطية) بحيث يولي للعلوم الاجتماعية أهمية بالغة في حل المشاكل التي تعاني منها الشعوب وخاصة " الشرق أوسطية " حتى أن مفهوم " الأمة الديمقراطية " هي من مفرزات تجربته الفكرية، ولا يركّز على " المفهوم الطبقي " كما يفعل ماركس، لكنه يولي لموضوع المرأة والبيئة وإدارة المجتمعات لأمورها أهمية بالغة، ولا يعير كبير الإهتمام لمفهوم الدولة القومية كونها – وبالضرورة – ستمارس الظلم على ما عداها من القوميات الأخرى في دولة الأكثرية والأقلية، فالعلوم إن لم تكن وليدة الحاجة وتقدم الحلول لمشاكل المجتمعات فما الفائدة من ظهورها وتأسيسها، وحتى علم الاجتماع (السوسيولوجيا) فشل " إلى الآن في تقديم الحلول للمشاكل التي تعاني منها المجتمعات، فإبن خلدون " الأب الروحي لعلم العمران البشري " حاول تنظيم هذه السوسيولوجيا، في كتابه " المقدمة " وقدّم جملة أمور اعتبرها مساندة للمجتمع في تنظيم حياته دون أن يدرك بأنه أسس أو سوف يؤسس لاحقاً لعلم، ربما يستطيع أن يقدم حلولاً لما تجابهها المجتمعات، وجاء أوغست كونت " الفرنسي " في فترة النهضة ليعلن بأنه أسس السوسيولوجيا كعلم يختص بالظاهرة الاجتماعية، تالياً لا بد من إعادة النظر في الظروف التي أدت لظهوره وترتيب الضرورات والأولويات، فالسوسيولوجيا في مجتمعاتنا " الشرق أوسطية " تختلف في الأهداف وطريقة تقديم الحلول، كون مراعاة الخصوصية الاجتماعية – ضرورة في إنجاح مهامه المنوطة به، لكن ظروف تاريخية تختلف من عصر(إبن خلدون – أوغست كونت – عبد الله أوجلان) وكلٌ ينظر للعلم من منظارٍ يراه ذات أهمية فالنظرة الدينية والتاريخية والسياسية للأمور تبقى مختلفة مهما حاول مروجوها أن يقنعونا بأهميتها والحركات الماركسية " عموماً " هي الأقدر على مخاطبة العاطفة واستغلالها وإرسال العقل إلى رحلة " تنويم " فدغدغة المشاعر والعاطفة جديرة بأن يتمكن الفرد في التأثير على المجموع، فقد كان " لينين " خطيباً بارعاً في هذا الشأن، ولا يمكن أن نستثني (عبد الله أوجلان المفكر) في استقطاب شرائح واسعة من المجتمع " الكردي " وفي العمق (الكردستاني) أيضاً

 

تُطرح في الآونة الأخيرة مواضيع إشكالية في / تجمع الحب وجود والوجود معرفة / كالترويج لحملة ضد الإنجاب أو (الزواج المثلي) هل وراء هذا الترويج ميل نفسي نحو مقولة خالف تعرف، أم أن الأمر لا يتعدى كونه ترويج لأفكار وجودية ؟

- تُطرح في التجمع بعض المواضيع التي يمكن أن يقال عنها " إشكالية " لكن في المقابل يبقى التجمع أرضية خصبة ومناسبة لتلاقح تلك الأفكار " المتناقضة " وقبول " الآخر المختلف " وهو(كما أعتقد) من ضمن أهدافه وغاياته / التجمع / فلا ضير من طرح هذه المواضيع مهما كانت " شاذة " (أستخدم هنا كلمة الشاذ لأنها تعني الخروج عن المألوف) على أن تراعي جملة معايير منها – قبول المختلف وتقديم بدائل وحلول بدل إطلاق أحكام وكأنها الحقيقة الوحيدة والمطلقة، فلا القناعات ولا الآراء " مقدّسة أو محرّمة " وكل فكرة قابلة للنقد، كـ (موضوع محاربة الانجاب) على سبيل المثال لا الحصر، فيمكن أن نقدم حلولاً لها كـ (تنظيم الانجاب) بدل محاربته أو تشجيعه، وبالتالي فعلى الطرف الآخر أن يتقبل هذا الإختلاف طالما بقيّت هذه المناوشات " فكرية " فالصراع الفكري وإن تصادم فلا ضير ولا خوف منه إن أنتجت تلاقحاً فكرياً، وبطبيعة الحال الإنسان في تصرفاته وسلوكه غائي (يهدف لتحقيق غاية) وانتقائي (ينتقي ما يلائم وحقيقته التي يريدها، لا الحقيقة التي هي موجودة، فتظهر إشكالية (ما هو كائن وما ينبغي أن يكون) وبالتالي فإن ما يصدر عن الإنسان (كائناً ما كان) يعكس حال الصراع بين " أناه " و" أناه الاجتماعية " بين قناعاته وميوله والتوجه العام " أيّ الذائقة الشعبية " والمتوازن في شخصيته يستطيع – وهو الأقدر على الملائمة - بين متطلبات الذات ووقائع مفروضة عليه، فالإنجاب نداء للطبيعة بين الذكر والأنثى عند الكائن العضوي، فإن سلمنا " جدلاً " بأن الإنجاب جريمة لدى الإنسان، هل يمكن إسقاط هذا المفهوم على باقي الكائنات العضوية " النبات والحيوان " فهي تختلف في إسقاطاتها القانونية والمعنوية

كما أسلفت : يمكن أن يوازن الإنسان في إطروحاته – بين النقائض – الفكرة ونقيضها، مع مراعاة المختلف – الطرف النقيض – عند ذلك يمكن أن يتولّد فكرة جديدة أو أفكار جديدة ترسّخ لفلسفة الحياة وحب المعرفة

 

ما تقييمك لوجود تجمعات فكرية وسياسية على الفيس بوك وهل لها القدرة على منافسة الأقنية المرئية على المدى القادم أم إنها تجسيد لتناقضاتها وأجندتها بصورة ما ...؟

- في عصر ثورة المعلومات والتقانة، التي طالت جزئيات حياة البشر، وظهور مجموعات متخصصة في مجالٍ محدد على الفيسبوك " القارة الزرقاء " في عصر المنافسة والخيارات المفتوحة، نجد نمواً متغولاً لتلك النشاطات والتجمعات في القارة الزرقاء تلك، حتى أن الشخص يستطيع أن ينضم لعديدها في الوقت نفسه ويلعب أدواراً تختلف وتخصص تلك المجموعات في عالم الخيارات المفتوحة اللامتناهية، ولسهولة الحصول على المعلومة وسياسة " الباب المفتوح " فإنها تهدد أو تستطيع أن تهدد عرش (الوسائل التقليدية) لكن باعتقادي لا يمكن أن تقضي عليها، فلكل وسيلة جمهورها ومناصروها تزيد هنا وتنقص هناك " فالنت بتعدد وسائله " أثّر بشكل واضح على " الإعلام المرئي " التلفزيون، والمسموع " الراديو " والمقروء " الجرائد والكتب " لكن يبقى لهم مناصروها، والتجمعات الفكرية تبقى الأقل انتشاراً وأعضاءاً، روادها الأقرب إلى التخصص، كما أن " الفلسفة والفكر" تعاني في مجتمعاتنا لوقوفها تحت تأثير الصورة النمطية، وفق مبدأ " من تفلسف فقد تزندّق " السيئ الصيت، لكن في المجمل تبقى من أدوات الإعلام التي تشق طريقها في عالم ٍ مفتوح الخيارات متعددة الأدوات، ويبقى للجانب "الترفيهي" في القارة الزرقاء، وقتل الملل والوقت في عصر " الاغتراب عن الذات "حظه في دخول المنافسة وبقوة في عصر (الحرية الفردية) ثّم إن للجانب النفسي للفرد دوره في انتشار منتديات تخصصية بفئات عمرية معينة " الشباب " أي هي زاوية ما تجسّد تلك الثقافة المليئة بالتناقضات مع فارق أن " القارة الزرقاء " وعاء لتفريغ الشحنات النفسية لا أجندة واضحة لها من حيث التوجه، عكس وسائل الإعلام التقليدية التي تتميز بأجندات وتوجهات محددة، هو عصر الإعلام " الشعبي"، عكس نقيضتها إعلام " السلطة " إلى حدٍ بعيد

 

في نهاية الحوار لا يسعني سوى شكرك على إتاحتك لنا الوقت لإقامة نقاش معرفي حر، كلمة أخيرة تود توجيهها للقراء والقارئات؟

- ينبغي أن يكون القارئ متوازناً مع ذاته، ويحرر لجام فكره، ويبتعد ما أمكن من الذاتية " الشخصنة " كل الشكر لأنك أتحت لي هذه الفرصة، هي رؤى وقناعات "شخصية" وقابلة للنقد والتقييم، لا قداسة فيها، ولا ندّعي الصواب ...

 

أجرى الحوار: ريبر هبون

 

لقاء مع إتجار كيريت

saleh alrazukصدرت مؤخرا للروائي والقاص والكاتب إتجار كيريت مذكراته بعنوان " سبع سنوات طيبات". وفيها يكشف عن ولعه بكافكا. ويقول:" كان مصدر راحة عظيمة أن أكتشف كاتبا يبدو لي كمجاهد يعاني من الضغوط وكمخدوع وضحية للحياة أكثر مني". وبهذه المناسبة أجرينا معه اللقاء التالي.

 

س- ما هي الكتب التي تضعها قرب سريرك للقراءة الآن؟.

ج- حاليا أنا منهمك بقراءة " كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" لإريك ماريا ريمارك. هذا الكتاب مذهل ويبدو أنه سيبقى مؤثرا إلى الأبد. مرت مائة سنة على الحرب العالمية الأولى ومع أن العالم تطور بعدة مجالات، لا تزال الحروب بعيدة عن الرحمة والشفقة. وتدور رحاها من غير إحساس. إنها بلا نتيجة كما كانت قبل قرن من الزمان.

 

س- من هو كاتبك المفضل في كل الأوقات؟.

ج- فرانز كافكا. اكتشفت كتاباته خلال خدمتي الإلزامية العسكرية في الجيش الإسرائيلي. وجدت " المسخ وقصص أخرى" في العطلة الأسبوعية التي منعت فيها من مغادرة الثكنة. وكشخص أنظر لنفسي على أنني جندي سيء ويعتبرني الآمر العسكري أردأ جندي مر على تاريخ جيش الدفاع الإسرائيلي، كان مصدر راحة عظيمة أن اكتشف كاتبا مجاهدا يعاني من الضغوط ومخدوعا وضحية للحياة أكثر مني. أعمال كافكا استمرت عندي مصدرا لا ينضب للإلهام، ككاتب وكإنسان يكافح ليتحمل ما ينوء به من مشاعر في أوقات يعاملنا فيها الآخرون وكأننا رفاهية فائضة عن الحاجة.

 

س- من ترشح من بين الكتاب الإسرائيليين؟ وهل من كتاب لم يترجم إلى الإنكليزية حتى الآن وتعتقد أنه آن الأوان لترجمته؟.

ج- يوئيل هوفمان، أورلي كاستيل- بلوم، شاي عجنون، آصف غافرون، جادي تاؤوب وأليكس إبستاين. هذه حفنة من الأسماء التي تدور في ذهني. و" مدينة دوللي" لأورلي كاستيل بلوم كتاب مذهل، ولا أزال أقدمه للاصدقاء بأية لغة ظهر بها كهدية ثمينة. إنه أفضل من تقديم قارورة نبيذ أو شراب إسرائيلي، ولكن الصداع في الصباح التالي بعد الانتهاء من قراءته قد يكون مقلقا.

 

س- ما هو النوع الأدبي الذي تستمتع بقراءته؟ وما هو النوع الذي تتحاشاه؟.

ج- أفضل القصص القصيرة والروايات المصورة وأحاول تجنب السير الذاتية والمذكرات. لأنني لا أثق بالناس الذين يروون حكايات معاناتهم الشخصية. وككاتب أصدر للتو مذكراته لا أدرج نفسي بين ما لا أحب. لأنني مستقيم ومباشر حينما أقترب من قصة حكايتي.

 

س- من هم كتاب الروايات المصورة الذين تفضلهم؟.

ج- كريس وير، دانييل كلوز وأرت شبيغلمان. وقراءة كتاباتهم درس مفيد في كتابة القصص.

 

س- هل تستمتع بالقصص المترجمة؟ قصص من مواضع معينة من العالم؟.

ج- لأنني كاتب إسرائيلي،معظم قراءاتي من بين الترجمات. قرأت كثيرا من الأدب الروسي، وكتاب مثل غوغول وبابل هم المفضلون عندي في كل الأوقات. وكذلك أعشق كتابات الييديش مثل إسحاق بوشفيز سينغر وشولوم أليخمان.

 

س- ما هي قراءاتك في طفولتك؟ ما هو كتابك المفضل؟ وما هي الشخصيات المحببة لقلبك؟

ج- في طفولتي لم أنتظم بمدرسة. كنت أعاني من الربو ولأن أبوي لم يكونا مهتمين بتعليمي، كنت أتظاهر باستمرار أنني مريض ويجب الانتظار في المنزل. وفي البيت أنفقت معظم الوقت أقرأ أي شيء يقع بين يدي. كان مزيجا سحريا من كتب مناسبة لعمري مثل أعمال الدكتور سويس، وكذلك قصص سالينجير القصيرة وحتى روايات فوكنر.

و لكن كتابي المفضل في الطفولة هو " هكلبري فين". أتذكر أنني اصطدته حينما كنت في التاسعة من العمر. وبعد أن انتهيت من قراءته، انتابتني السعادة لأنني أعيش في بلد لا يوجد فيه أرقاء. ولكن في نفس اليوم حينما ذهبت لأشتري لنفسي الفلافل في ساحة المدينة، رأيت صاحب حانوت الفلافل يعنف واحدا من عماله العرب بطريقة لا تليق بكائن بشري. وربما، كانت هذه أول لحظة سياسية في حياتي. إن الشعور أن تلك القصص التي قرأتها هي من جزء آخر من العالم ومن أزمنة وعصور مختلفات نبه عندي مشاعر مؤلمة.

 

س- ستقيم مأدبة أدبية. اذكر لنا ثلاثة أدباء وجهت إليهم الدعوة؟

ج- لا أحب تناول الطعام مع كتاب، ولكن أحب قراءتهم.

 

س- ما هي الكتب التي تجد نفسك تعود إليها مرارا وتكرارا؟.

ج- " المسلخ رقم ٥" ربما هو الكتاب القصصي الذي قرأته مرات لانهائية في حياتي. تقريبا خلال كل حرب تجتاح هذا البلد أعود إليه.

 

س- ما هو الكتاب الذي يخجلك أنك لم تقرأه حتى الآن؟.

ج- هناك كثير من هذه الكتب.

 

س- ماذا تنوي أن تقرأ لاحقا؟.

ج- " اغتيال الملك" لدان إيفرون، وتروي لنا حكاية اغتيال إسحاق رابين، لعل هذا الاغتيال هو أجرأ قتل سياسي في التاريخ. من النادر أن ينجح قاتل في تبديل اتجاه تاريخ بلاده، ولكن للأسف، هذا بالضبط ما حصل في حالة رابين.

 

الترجمة من عدد الأحد للإصدارات الحديثة في صحيفة النيويورك تايمز. ٩ تموز ٢٠١٥

 

/ ترجمة صالح الرزوق

 

خزعل الماجدي: الشعر هو سريّ الأكبر والوحيد

khazael almajdiيعد الشاعر خزعل الماجدي من أبرز الكتاب العراقيين حداثة وأغزرهم إنتاجًا على مستوى الكتابة الشعرية في العراق. إذا أن تجربته الإبداعية تمتد قرابة أكثر من أربعة عقود من الزمن، أمضاها كتابة! في الشعر وتنظيرًا وتأليفًا مسرحيًا. فهو ينتمي، مرحلياً، إلى جيل السبعينيات، الجيل الحداثوي الذي أطلق عليه هذا اللقب تمييزا له عن جيل الستينات، الذي ضم نخبة من الشعراء المبدعين والذين ظهروا ما بعد رواد الشعر الحديث وجيله الخمسيني .

ومن يتتبع الجغرافيا الفنية لمنجز الماجدي الشعري والإبداعي يلفت نظره ويشد عقله ذلك التنوع الأسلوبي لأجناس الشعر وأفانين القول التعبيري لكتاباته. فالماجدي طائر جنوبي يغرد شعرًا؛ لأنه منحدر من سلالة الشعر السومري، ومتجذر من أعماق طين التاريخ الرافديني الأصيل. وتشكل المدينة وتحولاتها الجغرافية والثقافية المتعددة امتدادًا زمكانيًا مهما له ولشعره، أرخ لحياته الثقافية وفنه الإبداعي، وسبر أغوار تجربته الشعرية بمعين لا ينضب من الزاد المعرفي الفاحص للأساطير والحضارات والأديان والتي هي حقول اهتمامه الفكري . هذا الحوار يتناول ابرز المحطات التي ساهمت في نضج التجربة الشعرية للماجدي .

 

*كيف كانت بداياتك مع الادب؟ هل هو موهبة؟ أم وجد به الشاعر مجالا للتعبير عما يمور في نفسه من مشاعر.

بداياتي بسيطة جداً، كان توجهي، في الدراسة، علمياً واستمر لفترة طويلة وخلاله كنت أميل للأدب للتعبير عن مشاعري وتطور الأمر حتى وجدت نفسي في خضم حركة أدبية واسعة، وكان لابد من زيادة التحصيل الأدبي وتقوية الأسس، وكان لي ما أردت .. حتى أصبح الأدب والشعر والكتابة، عموماً، هي خلاصي الوحيد .

 

*كيف يستطيع الشاعر خزعل الماجدي ان يفسر لنا مفهوم الشعر لديه؟

الشعر هو الروح، الروح وهي تكشف أعماقها وبوحها من خلال الكتابة والسلوك، الشعر هو أعظم ما عرفته في كل حياتي، لقد أصبح جوهر وجودي، وبدونه لايمكن أن أحيا .

الشعر كمفهوم هو الكتابة المختلفة، هو المختلف الأول في هذا العالم، فهو يحرض على الإختلاف وينوجد به ويجعلنا نختلف من خلاله، وهذا يعني أن الشعر يجعلنا نعثر ونمتلك خصوصيتنا النادرة التي فطرنا عليها .

 

*كيف تستطيع أن توجز لنا طبيعة أعمالك الشعرية، وماهي مضامينها وأشكالها الفنية؟

أعمالي الشعرية المنشورة في ثماني مجلدات (حوالي 35 مجموعة شعرية ) هي كل تجربتي الشعرية بكل اتجاهاتها المختلفة وبكل تنوعاتها الفنية والجمالية، بكل أساليبها وأشكالها .

المجلد الأول ضم مجامعي الشعرية التي كتبت كقصائد نثر وهي من أنضج تجاربي واعتبرها الباكورة الأولى المميزة في هذا الحقل مقارنة بغيري، وهي وان كانت قصائد نثر لكنها تنجو مناحٍ مختلفة ومتنوعة .

المجلد الثاني ضم مجامعي الشعرية التي كتبت كقصايد تفعيلة، وهي تجاربي الخاصة في هذا الحقل وقد تضمنت اهتماماتي بالأساطير والسحر والتاريخ والإيروس .

المجلد الثالث ضم مجامعي الشعرية التي كتبت كنصوصٍ مفتوحةٍ وهي تجربة انفردت فيها مبكراً في الشعر العراقي وأنجزت فيها الكثير وقد كانت استجابةً لحاجتي لكتابة نصوص تختلط فيه كل انواع الكتابة النثرية لتكوّن شعرا من نمط خاص .

المجلد الرابع ضم تجربتي الخاصة جداً في (خزائيل) وهو ما أسميه بالشعر الغنوصي أو العرفاني، وتتكون من إثني عشر كتاباً كلها عبارة عن نصوصٍ مفتوحةٍ باتجاه العرفان، وهي سيرتي الباطنية الروحية والحسية .

المجلد الخامس ضم سبع مجاميع شعرية لي في الحب والإيروس بطريقة جديدة مختلفة عما كتبته سابقاً، تغلب عليها البساطة والعفوية وهي قصائد نثر.

المجلد السادس ضم خمس مجاميع شعرية بعضها إيروسي وبعضها غير ذلك وكلها قصائد نثر.

المجلد السابع ضم 2000 قصيدة قصيرة (اسميتها قصيرة في مقابل قصيدة) وهي كل ماكتبته من قصائد قصيرة بكل أنواعها ومشاربها ومنها قصائد الصورو وقصائد الومضة.

المجلد الثامن وهو (أحزان السنة العراقية) الذي تتبعت فيه جرحي وجرح العراق وهو ينزف ويتألم ويتكون من 365 قصيدة على عدد أيام سنة الموت 2006 في العراق.

 

*هل لمسيرتك الحياتية اثر في اعمالك الشعرية؟

بالتأكيد، كانت حياتي حافلة بالتحولات والأحداث وقد كانت أعمالي الشعرية تتوازى مع أحداث حياتي وتطور مشاعري ومذاقاتي الروحية والمادية، لكني لم أجعل شعري صدىً لحياتي بل كان شعري فيضاً جمالياً وروحياً حلّق عاليا بعد أن مست أجنحته حياتي .

*كيف استطاع الشاعر ان يزاوج مابين الادب والعلم؟

نظرتي للشعر تسمح بهذا لأني أعتبر الوعي العلمي للعالم غير منفصل عن الشعر بل هو يمده، اليوم، بأعظم أشكال الرؤى . خذ مثلاً العالم الذري الذي يذهب بك في عوالم عميقة تكاد تكون خيالية وكذلك العالم الكوني الذي يشرحه علم الكون الحديث (الكوزمولوجيا) الذي يذهب إلى أبعاد لامتناهية ويصور لنا سعة الكون بمليارات السنين الضوئية والمجرات الجبارة، كل العلوم مدهشة مثل الشعر، ولذلك تجد عوالمي ليست خيالية فقط بل هي عوالم علمية .

 

*هل الغربه اثرت على انتاجك الابداعي؟وماهو الاثر؟

بلا شك كانت الغربة سبباً من الأسباب فهي تعيد ترتيب الماضي من جهة وتخلق وطناّ افتراضياً جديدا فيه من الوطن الحقيقي الكثير وفيه مما نتمناه له وفيه مشاعر الشوق، اعادة ترتيب الوطن في المنفى تحدث تغييرات كثيرة في التصورات وفي معنى الوطن وفي طريقة الكتابة له .

 

*هل ساهم الشاعر في تاسيس منتديات ثقافية او جماعات شعرية.

في العراق طبعا ساهمت كثيراً بنشوء جيل السبعينات، وأسست مع أصدقائي الشعراء في نهاية السبعينات (منتدى الأدباء الشباب) الذي سرقته منا السلطة وأعطته لمدّاحيها . وأسست بعد عودتي للعراق في 2003 المركز العراقي لحوار الحضارات والأديان وكان معي بعض الأكاديميين والمثقفين وتوليت رئاسته وكان طموحنا أن نقدم الكثير لكن الأحداث لم تمهلني فخرجت خارج العراق في النصف الثاني من عام 2006 .

 

*كيف يمكن للشاعر ان يوضح لنا اثر مدينة الثورة في بواكير تجربته الشعرية؟

مدينة الثورة منجم كبير يضم مواهب الثقافة والفنون والرياضة، بشكل خاص، وكان شبابها يتطلع لتكوين حياة جديدة لهم ولعاوائلهم وكنت واحد من شباب تلك المدينة في نهضتها ونموها في السبعينات وقد انطلق مشروع جيل السبعينات الشعري والأدبي عموماً من هذه المدينة .

 

*ماذا يمثل لك الحب؟

الحب هو جوهر الأسطورة الشخصية للشاعر، والشاعر الذي لم يعرف الحب قلبه ليس بشاعرٍ على الإطلاق مهما كان مبهراً في نصه، صدق مشاعر الحب هي التي تعطي للشعر نكهة . وبدون الحب لايكون شعر مطلقاً .

الحب هو أعظم النعم في هذا الوجود والإنسان بدون حب لايعني شيئاً.

 

*ماذا يمثل لك الوطن؟

الوطن رحمنا الثاني بعد الولادة وبدونه نموت ونشقى، لكننا يجب أن نساهم في صنعه ونبذل له الكثير، نصحح أخطاء مواطنينا فيه ولايجوز التفريط بالوطن أو خيانته مهما كان الثمن، أكره الأحزاب لأنه تقسّم الوطن إلى اقطاعيات اجتماعية وتجعلنا نشعر بأن هناك حواجز بين أفراده، السياسة تفرق المجتمعات في بلداننا ولاتنهض بمشاريع بناء الوطن وأهل الوطن .

أرى أن البديل هو الإهتمام بالتعليم والعمل والعلم فهي التي ستصنع لنا وطناّ حقيقياً قائماً على التناغم مع عصر جديد .

 

*هل لك طريقة مميزة في كتابة النص الادبي؟

لا أدري، ربما .. أنا أحب الحقول التي اشتغل فيها ربما هذه هي الطريقة المميزة، أقصد أني لاأكتب شيئاً لاأحب كتابته، وقد دربت نفسي على هذا من زمن بعيد . الحب إذن، مرة أخرى، هو الذي يجعل طريقة كتابتي مميزة .

 

*هل انت مقلد للاخرين في اعمالك؟

ربما كانت بدايات نشأتي الأدبية فيها شيئ من تأثير الآخرين عليّ، لكني ما ان وقفت على قدميّ أصبحت لي أساليبي الخاصة وطرقي التي شاعت وعرفت، التقليد هو أسوأ مايكون عندما يرافق المبدع لزمن طويل فهو محدود بقترة زمنية مرتبطة بالبدايات فقط .

 

*بعد كل هذا الشعر الغزير والمتنوع هل مازلت تكتب الشعر؟

أكتب الشعر كل يوم .. أكتب الشعر كما لو أني لم أكتب شعراً من قبل .. الشعر هو الذي يجدد حياتي وأيامي، وهو سريّ الأكبر والوحيد .

 

أجرى الحوار جواد هادي الغزي

 

مع الأديبة والفنانة المعرفية مهدية سليم حوار وشجون

mahdiasalimالأديبة الكردستانية المعرفية مهدية سليم، من مواليد مدينة الحسكة 1980م، (كردستان الغربية)، شاعرة وموسيقية، تكتب الشعر، وتعزف اللحن منذ طفولتها، حيث تجلت حينها معالم الوجود الجميل في حضرتها، عضوة في تجمع الحب وجود والوجود معرفة، وتجمع المعرفيون، تكتب وتنثر شعرها في العديد من الصحف الالكترونية وبخاصة، صحيفة الحب وجود والوجود معرفة،، عُرفت كفنانة غنائية، وشاعرة

حين انضمامها لفرقة (تولهلدان) الكردستانية، وبتاريخ 19- 6- 2015م قمنا بإجراء الحوار التالي معها:

 

الأديبة المعرفية الكردستانية مهدية سليم نرحب بك في حوارنا هذا، ونود أن تحدثينا عن تجربتك الشعرية وأثر البيئة والمحيط على علاقتك بالشعر والفن؟

- لك كل الاحترام صديقي المعرفي، والتقدير لفتح هذا المجال أمام مهدية سليم، ليصافحها الناس بأفكارها الروحية والعقلية على المدى القريب أكثر .

طفولتي تتجسد في بضع كلمات ( الطفلة الحساسة، المنزوية، الخجولة، الذكية).

في بادئ البدء، مذ وصولي المرحلة الإعدادية، كانت لدي ميول أدبية، بما يتعلق بكتابة المواضيع المدرسية آنذاك، حيثُ كنت أتلقى الكثير من الإطراء من المدرسين، حول الأسلوب الجميل في تنسيق النص، من مقدمة واستيفاء لعناصره من شتى النواحي و بإسلوب إيجابي معبر وملفت للأنظار في سن مبكرة، واختيار الخاتمة اللائقة بإنهاء النص، ودوماً كنت أحظى بالعلامة التامة في التعبير .

إخوتي آنذاك، وحتى بعد تركي الدراسة، كانوا دوماً يطالبونني بكتابة النصوص التعبيرية الملقاة على عاتقهم أثناء دراستهم من قبل المدرسين القائمين فيها، من مقالات ومواضيع عدة ومختلفة، إلى جانب هواية الرسم الجميلة، وأتذكر جيداً جملةً، قالتها لي معلمة الرسم في الصف السادس الابتدائي (طريقةُ مسكك بقلم الرصاص ورسم الخطوط الأولى للوحة تشبه طريقة الفنانين الكبار) أما في الصفوف الإعدادية وفي الصف الثامن على وجه الخصوص قال لي معلم مادة العلوم (الرسوم التي تطلب منك لرسمها من الكتاب، تبدو أجمل من رسوم الكتاب بكثير)، كما كنت أمتاز بالخط الجميل الذي لا ينزاح عن السطر، ولذلك كلفتُ من قبل المدرسين بكتابة الآيات القرآنية على السبور في حصة الديانة، وكتابة الأمثلة والنصوص في حصة مادة اللغة العربية، والأمثلة باللغة الفرنسية في حصة اللغة .

 

ولأنني لم أنل الحظ الوافر، للمضي أكثر في دراستي وإنهاءها، ونيل الشهادات التي تحلم بها كل طالبة علم، تحولت إلى مجال العزف والغناء في سن السابعة عشرة، بحيث طلبت من والدتي، أن تبتاع لي آلة بزق، عن طريق أحد أقربائها المهتمين بالعزف. وبعد وصولها أحضان مهدية سليم، تخوفت منها في بادئ الأمر، وأحست بأنها ليست الند القوي لخوض امتحان العزف والتفوق فيه كعازفة جيدة . لكن في أول زيارة لخال أمي لنا في البيت بعد وصول الآلة، نظر إلي وقالها لهذه الجملة ( وسماههم في وجوههم ) وتابع قائلاً وهو يبتسم... سوف تتعلمين. وبالفعل تعلمت بإصراري وإرادتي ولوحدي، عن طريق الديناميكية السمعية والإحساس بمواقع اللحن. مع الدعم الجميل من والدي ووالدتي وقتها، والأهل بشكل عام . وبدأت من الثلاثة الأشهر الأولى من العزف، بكتابة الشعر الكردي وتلحينه وغنائه في فرقة تولهلدان في الحسكة  المعنية بفعاليات أعياد نوروز والمهرجانات الكردية.

عرفت زوجي آنذاك وكان تربطنا قواسم مشتركة من ناحية حب الموسيقى والعزف والغناء، وقمنا بإدراج ألبوم غنائي معاً في فترة الخطوبة، لكنه وزِّعَ عن طريقنا إلى الأصدقاء والمعارف فقط .

تجربتي الشعرية البحتة بدأت بعد زواجي وبعد أن وقفت التقاليد في درب ميولي الغنائية والفنية، فأردتني في قوقعة الكآبة لبعض الوقت، وشوهت من مضمون العقلية العفنة لبعض البشر، وتمزيقهم للرغبات السامية، والتي حالت دون إكمالي لمسيرة الفن الغنائي .

لكني إلى الآن ألحن إذا طلب مني، وقد مَنحتُ أغانيَّ التي كانت بحوزتي إلى الفنان الكردي*أركان جميل* يقطن في ألمانيا الآن .

ومنذ ذاك الحين أي منذ سبع سنوات تقريباً، احتضنت الشعر بكل حواسي، وجعلت من روح مهدية سليم تتغلغل في كل حرفٍ أستمد من وحي الواقع في الكثير من نتاجاتها الشعرية، والآن تتوق جداً لإدراج نصوصها في ديوان شعري في الفترات القادمة

 

ما أثر الثقافتين الكردية والعربية وانعكاسهما على تبلور شخصيتك كشاعرة وموسيقية؟

- الثقافة الكردية كانت الثقافة الأولى التي انتهجتها في بادئ البدء منذ صغري، وذاك في سن العاشرة تقريباً بحيث تلقيت أسس التعليم فيها على يد رفيقة من كوادر حزب العمال الكردستاني وأصبحت رغم حداثة سني الصغيرة بارعة في الكتابة بها، في زمن قلما كنت تجد فيه من يتقن لغته الأم كتابياً، وُطلب مني بعدها أن أهتم بتلقين أطفال الكرد في حيينا وفي أحياء أخرى دروساً في الأحرف الكردية .

وطبعاً كانت للثقافة الكردية الأثر الأكبر في تدويني للعديد من الأشعار بالكردية، وتلحينها بعد إتقان العزف والاهتمام بالمجال الفني الغنائي، وإلى الآن لا زلت أكتب في كثير من الأحيان بلغتي الجميلة، اللغة الأم التي لا غنى للإنسان عنها.

أما الثقاقة العربية، فأعتقد أنني احتضنتها حد البلاغة، برغم عدم إكمالي لدراستي . لكنني كنت دوماً وبكل تواضع، الطالبة المجدة في اللغة العربية، من شتى النواحي، فبرعتُ فيها نحوياً وإملائياً . ولا سيما النصوص الشعرية فقد كنت أجيد شرح أبيات القصيدة كثيراً، وكانت معلمتي تقول لي مراتٍ عديدة أنا أستمتعُ بشرحك دائماً . لذا فالثقافتين الكردية والعربية لهما الفضل العظيم في تبلور شخصيتي في مجال الفن الغنائي على الصعيد الكردي، وفي إتقان موهبة الشعر وكتابة الخواطر الشعرية والأقوال وغيرها بإسلوب سلس قيل لي على لسان الكثيرين ممن اطلعوا على أشعاري . لأني فعلاً أعتمد السلاسة في التعبير وعدم التضليل والخلط، حتى يستطيع الشخص البعيد أيضاً عن قراءة الشعر والاهتمام به، أن ينجذب إلى ما أكتبه ويحبه ويهتم به .

 

لا شك أن المرأة لا تزال تعاني العديد من المعوقات التقليدية التي تقف بطريقها في كل مكان، هل يمكن للعوائق أن تخلق تحدياً أم انتكاسة؟

- للأسف الشديد تخلق انتكاسة وخيبتي في من هم لكَ قومٌ، يأخذونك على حين غرة، ويوقعونك في شباكِ، تجعلك تطلب موتاً في ضيقها ألف مرّة . أنا أيضاً من نلت الحظ الأوفر من هذه التقاليد العفنة المستبدة بعقول الكثيرين وإلى الآن .

وكان ذلك أثناء عشقي للفن الغنائي، وحالت تلك التقاليد إلى إبتعادي عن الفن، وتقوقعي على نفسي لفترةٍ من الزمن . لكنها أيضاً خلقت في داخلي شيئاً من وميضِ قوةٍ خفية، بدأت تتأجج نيراناً في حنايا التفكير والروح، وجعلتني أرسم لنفسي منحىً آخر، بأن أتطور إلى أبعد من ذلك، أن أخلق لنفسي مجالاً آخر يجعلني لا أبارح الطموح، ويجعلني متمسكة بناصية الأمل، إلى أن أرسم لي نجمة تسطع في عالم المعرفة، والإبقاء على القلم نابضاً بين الأنامل يرسم الجميل ويتفنن بالإبداع، رغم كل الخطوط الحمراء التي خلقت أمامه بيد من لم يقدر موهبة الفن الغنائي الكردي الأصيل، ليصبحوا رهناً بتقدير الشعر وتوابعه .

قائلةً: وهل كتابة الشعرِ أيضاً من اللاأخلاقيات، لا أظن، إذاً فلتصمتوا، فقد بدأت حربي مع تحقيق الغاية مجدداً، في ساحات القصيدة والخاطرة الروحية

 

ماسر توغل الحزن والكآبة الذاتية في لغتك الشعرية، هل يعود ذلك لطبيعة الحياة الذاتية، أم كون الشعر لا يخرج إلا بصفته نبع الحزن؟

- لم أحظى بالسعادة الحقيقية في حياتي بمجملها، وقد يبدو للبعض ما ذكرت من انتكاسات من ناحية الدراسة، والفن الغنائي، شيئاً لا يستوجب الحزن لأجله، والتقوقع في محراب اليأس، لكنهما كانا بمثابة رمحين في القلب والظهر، ولا سيما أن السبب الذي حال دون إكمالي لدراستي، كانت مجرد بطاقة تذكرك بأنك كائن في البلد الذي كنت تعيش فيه، وطبعاً لم يكن لدي حتى اسم في الدولة، حالي حال الكثيرين ممن أنفقوا العلم في دوائر مغلقة، وإلى اللحظة، وانتكاستي في الفن الغنائي الذي جاء بعد انتكاسة العلم، وفي التوقيت الذي أصبحت تلك الموهبة بمثابة تعويض للأزمة الداخلية المشتعلة بين جوانحي، قدمت لي كلمة (stop) في اللحظة الحرجة، فضاقت بي الدنيا، وتشوهت صورة الحب في ناظري، وأصبحتُ لا أطيق حتى النظر في ملامحه الجميلة، في الماضي البعيد القريب، البعيد لأنني أود لهُ الزوال، والقريب كوردةٍ مرشوشةٍ ببخاخ السموم، جذبتني شكلاً، وقتلتني مضموناً، لذا لا أرى لذةً في كتابة قصيدة، إن لم أضف إليها بعضاً من ملح الأحزان وحموضة الواقع الذي تسرب إلى مكنوناتي الروحية، فاستحكم بها ونال منها إلى أبعد الحدود.

 

لتحدثينا عن الرجل في شعر الشاعرة مهدية سليم، هل تجلى كمصدر ألم أم أمل لديها؟.

- الرجل الشرقي بالمعنى العام، يقصمُ ظهرَ الأنثى بنظراته الدونية لقدراتها، ولا سيما إن تفوقت عليه في الكثير من المجالات .

هذي حال الإناث في مجتمعاتنا الشرقية المتمسكة بعقلية تحرير الرجل وتقييد الأنثى، لذا صديقي المعرفي، فلا فضل لرجل عليّ، والرجل متى قدس الأنثى، نال القدر الكافي من مهدية سليم، من جزيل التحايا والتبجيل لمشاعره النبيلة .

 

هل نجحت في إدماج الشعر والموسيقا عن طريق الأغنية، أم أن كلا الفنين يختلفان في كيفية ولوجهما ذات المتلقي؟

- إلى حدٍ ما، نعم. فقد نالت أغاني أثناء مشاركتي في احتفالات نوروز وغيرها، الكثير من الثناء من الجمهور الكردي، وإلى الآن، فحتى في المجتمع اللبناني الذي أعيش فيه الآن، نالت أغاني التي كنت أرددها في بعض الأمسيات مع جيران الحي، التفاتةً جميلة منهم.

والفنان الذي أعطيته ما كان بحوزتي من أغاني، أحبّها كثيراً شعراً ولحناً، وهو الآن بصدد تسجيلها وإدراجها في ألبوم غنائي.

لكني لا أخفي بأن جمهوري في القصيدة أكبر، وطبعاً ذلك لأنه لم تسنح لهم فرصة سماع مهدية سليم، فلربما أصبح الحديث في تحديد الجمهور لكليهما، أمراً آخر .

 

ما سر قلة كتاباتك باللغة الأم الكردية، مقارنة بالعربية، وهل للغة واختلافها تأثير على مضمون الأدب؟

- صديقي العزيز .. السر حول قلة كتاباتي باللغة الكردية، يكمن في عدم اهتمام المحيط بها،، ومن كان يطلب منهم إيجاد معجم باللغة الكوردية، ولم يعيروا أيَّ إهتمام بها في ذاك الوقت، للغاية في أن تكون القصيدة الكردية أثقل كلمة وأعمق معنى، ولا سيما بعد أن تلقيت الأمر بترك المجال الفني، فذلك خلق لدي بعضاً من التمرد حيال الاستمرارية في كتابة الأشعار بلغتي الأم، لكني سأبقى أعشقها فهي جزء لا يتجزأ من شخصية مهدية سليم .

وأيضاً لا أخفي محبتي للأدب العربي وتعلقي به كثيراً، لأني أرى ذات مهدية سليم يتجلى في القصيدة باللغة العربية أكثر من الكردية، لأنني أشعر بأني أجيد رسم الأخيلة أكثر بالكلمة العربية، وجعل اللوحات التعبيرية أكثر تماسكاً وجمالاً .

 

الشاعرة المعرفية مهدية سليم سعدنا جداً بحوارنا معك ونرجو أن تمضي قدماً في مسيرة الإبداع والتألق، كلمة أخيرة تودين توجيهها للقراء والقارئات، ولتجمع الحب وجود والوجود معرفة؟

- أنا الأسعد جداً صديقي المعرفي، ريبر هبون المتألق في ربى المعرفة والكلمة الصادقة . بفتح هذا المجال القيِّم أمامي، لأختصر حياة مهدية سليم، الشاعرة التي سلكت دروب القصيدة، وجعلتها الروح المشتركة بين واقعها وخيالاتها، ولتشارك قُراءَها الكرام، كلمتها ونبضها، وتدرُّ بأحاسيسها على سفوح الصفحات، وتعانق القلوب المرهفة، لتصبوا إلى بعض غاياتها النبيلة، في السمو إلى منابر العلم، وتحدي المستحيل، بالسعي النبيل . ولتجمع الحب وجود والوجود معرفة أقول: دمتم ذخراً لأبناءكم، دمتم شمساً ساطعة، تتصدر وجه الصفحات، تملؤها دفئاً، وتبعثُ في ثنايا البائسين أملاً يتوج بالإنتصار في معارك الذات والحيلولة دون الوقوع في شرك اليأس، بفتح المجالات والحوارات القيمة، التي تناشد العزائم المتخاذلة إلى النهوض والاستمرارية في التقدم أكثر لنيل الغاية وتحقيق الرغبة، لكل معرفي ومعرفية . شكراً جزيلاً

 

أعد الحوار: ريبر هبون

21-6-2015م

المخرج السوري محمد عبد العزيز: دائما أقول لنفسي لن أموت بقذيفة هاون أو رصاصة

fatima badriرغم تواضع حضور السينما السورية على الساحة العربية والعالمية يطل علينا المخرج الدمشقي الشاب محمد عبد العزيز بخطوات واثقة وبرؤية فنية متفردة جعلت اسمه يكتسح عالم السينما تدريجيا.تجربة قد تكون في محطاتها الأولى ولكنها تحمل بوادر ولادة مخرج سينجح في إخراج السينما السورية من خانة العروض الداخلية.وفي وهران حيث قدم للمشاركة بعرض فيلمه "الرابعة بتوقيت الفردوس" في فعاليات الدورة الثامنة لمهرجان وهران الدولي للسينما العربية كان لنا لقاء مع محمد عبد العزيز وتحدثنا مطولا عن عرضه الأخير وعن قناعاته وأفكاره ومشاريعه الكبيرة في عالم السينما فكان هذا الحوار.

 765-ftima

1) "الرابعة بتوقيت الفردوس" عنوان يبعث على الكثير من التأويلات فما هي القراءة التي وضعتها أثناء اختيارك لعنوان الفيلم؟

- الحقيقة أن "الرابعة بتوقيت الفردوس" هو أكثر أفلامي التي بحثت فيها مطولا،فالنسخة الأولى التي كتبتها للعمل كانت تحت إسم "ذاكرة بيضاء"،والنسخة التي قدمناها لمؤسسة السينما كانت بعنوان "الملائكة خلف الباب السابع"،والنسخة التي اعتمدناها اثناء التصوير كان اسمها "ملائكة النهار"،لتستقر النسخة النهائية على "الرابعة بتوقيت الفردوس".والفيلم حقيقة انتقل عبر سلسلة من الاسماء وهذا دليل على أنني كنت بصدد البحث بشكل عميق وجدي عن عنوان يكون مدخلا لفلسفة الفيلم ويحمل عدة مستويات من الفهم والقراءات.فالرابعة بتوقيت الفردوس هو صفر الوقت الذي ينتهي فيه الفيلم،فعندما ينتهي الفيلم بتوقيت الرابعة في قلب دمشق مع ذكر وانثى في دائرة الرحم هنا يبدأ وقت الفيلم،أي أن الرابعة ليست النهاية بقدر ما هي عملية خلق لبداية جديدة.كما أن "الرابعة بتوقيت الفردوس" يحمل دلالتين الأولى الدلالة التوراتية عن الجنة التي نزعنا عنها القشرة الأسطورية التوراتية بالمشهد الأخير.والدلالة السياسية التي تعني دمشق الخراب ولكننا نقرؤها بشكل فني في صورة الفدردوس السوري حتى لو كان هناك خراب وحطام.

 

2) المتابع للفيلم يفهم للوهلة الأولى ان الفيلم يدخل في خانة الأعمال المعارضة،ألم تخشى أن توضع في خانة التصنيفات السياسية وتعامل كمخرج معارض؟

- لا لم اخف لانهم حاولوا كثيرا تصنيفي،فمثلا في فيلم "دمشق مع حبي" هناك الكثير من الأصدقاء المقربين قالوا لي أنت تنتحر فنيا لأنك تؤنسن يهود دمشق ونصحوني بعدم الاقدام على هذه التجربة،ولكنني مع ذلك قدمت الفيلم.وعموما لا اجد مبررا للخوف لأن المعارضة ترى أنني تخليت عن الجانب المعارض داخلي وأعمل لصالح النظام،فيما مازال النظام ينظر إلي بعين الريبة على اعتبار انني معارضا ومندسا،والمكون العربي يعتبرون أن لدي جذور كردية وأحاول الترويج لهذه الثقافة،و الأكراد يعتبرونني مستعرب لأنني أعمل بالسينما باللغة العربية.ولهذا فأنا أجد نفسي متناغما مع هذه الدوامة من القراءات التي تحيط بي لأنني اعتبر نفسي شخص معني بكل قضايا الإنسان بصرف النظر عن كونه سوري أو عربي أو كردي أو علوي أو سني او أي انتماء آخر. وعملي "الرابعة بتوقيت الفردوس" ينبع أساسا مواقفي السياسية والإنسانية ليست فقط بعد الثورة وإنما قبل ذلك أيضا،ولهذا لا يمكن أن أصنف كمخرج معارض، أنا فقط لي ملاحظات كبيرة جدا على شكل النظام السياسي في سوريا وهذا ليس معطى جديد باعتباري من المعارضين للنظام السياسي ولحزب البعث منذ فترة الإعدادي وهذا معلوم لدى كل الدوائر الأمنية في سوريا.وفي الوقت ذاته أنا أحمل نفس القدر من الملاحظات عن المعارضة السورية التي تديرها اليوم ثلاث مراكز استخبارات رئيسية في المنطقة وهي المخابرات العسكرية التركية والمخابرات القطرية والمخابرات السعودية وبالتالي فقدت شرعيتها للتغيير.ولكن هذه المواقف بقيت في دائرة الاعتدال والتمشي السلمي باعتبار أنني كنت من الداعين إلى تغيير السلطة بسوريا بشكل سلمي يمتد إلى عشرات السنوات من أجل حفظ السلم الأهلي.أمنت بهذا الشكل من التغيير لأن سوريا تضم بيئة اجتماعية متعددة الطيف وأي تغيير للبنى فيها بطريقة خاطئة كان سيحملنا إلى كارثة ونحن نعيش هذه الكارثة حاليا.

 

3) اعتمدت في مواقف مختلفة من الفيلم الرمزية كتقنية فهل كانت موظفة للهروب من الرقابة أو كانت في دائرة التقنيات السينمائية البحتة؟

- جزء من هذه المشاهد كان هروبا من الرقابة والحقيقة أنني لا أستطيع ذكر بالضبط أي من هذه المشاهد،ولكن الأكيد أنها استطاعت تشريح وتعرية جوانب معينة رميت إليها كصاحب نص ومخرج.وأما بالنسبة للجانب السينمائي فأنا حاولت الدمج بين نمطين سينمائيين مختلفين وغير متوائمين وأعني الواقعية والرمزية بدرجات محددة وقد وفقت في بعضها وكانت عبء في مواضع اخرى،ولكن الأكيد أن ليس هناك أي اغراق في الرمزية كما يقول البعض لان العمل أساسا واقعي.وعموما يبقى للنقاد والمتلقين المساحة الكبيرة لرؤية العمل وإعادة تركيبه من خلال مخزونهم البصري والمعرفي.

 765-ftima2

4) الفيلم صور وسط أجواء حرب في سوريا فما هي اللحظات أو الأجواء التي ظلت عالقة أكثر من غيرها لديك أو لدى الفريق عموما؟

- القذائف التي كانت تطلقها المعارضة الاسلامية بشكل وحشي على دمشق المدينة ونحن بصدد التصوير وكان البعض منها قريبا.ومن أشد المواقف التي ظلت عالقة هو يوم قصف المعهد العالي للفنون المسرحية لأنه كان يعنينا شخصيا لأننا جميعا خريجي هذا الصرح،وكان قد استشهد هناك عدد من الطلاب.

 

5) كيف تقبلت نتائج الدورة الثامنة من مهرجان وهران الدولي للسينما العربية بعد المديح الهائل لفيلمك يوم العرض وحتى بعد ذلك؟

- تقبلت النتائج بشكل عادي ...

 

6) بماذا تفسر توجه لجنة التحكيم في مهرجان وهران وفي أغلب المهرجانات العربية إلى الاحتفاء بالأسماء الكبيرة وإسناد جوائز غير مستحقة على حساب أسماء شابة أثبتت تألقها؟

- في السينما لا توجد أسماء كبيرة وصغيرة هناك دور وطريقة أداء ومدى الاشتغال البحثي الفني الرصين على هذا الدور.وميل لجنة التحكيم في وهران إلى منح تقديراتها إلى الجيل الكلاسيكي شخصيا لا أعرف أسبابه ولا يعنيني وليس بالضرورة أن تكون قرارات المنح صائبة أو خاطئة،الأمر يتعلق برؤية ما هو طليعي ومعاصر علينا ابرازه وتمكينه.هل نبرز سينما المقاولات بنمطها الجديد ام السينما التي تقتطع جزءا من الحياة وتضعه على الشاشة بلا رتوش أمام المتلقي ليرى واقعه العربي والإسلامي بعلقمه بلا عمليات وبلا مساحيق تجميل كما في الفيلم اليمني المنفرد مثلا.

 

7) ما هي مشاكل السينما العربية برأيك؟

- ربما المشكلة الأساسية للسينما العربية تكمن في مصادر التمويل،فإما مصادر حكومية تحاول تكريس سياساتها في جسد المادة الفنية وإما اموال خاصة هدفها الأولي ربحي وفي أغلبها عمليات تبييض أموال أو تمويلات صغيرة ليست لديها القوة الكافية لترسيخ وفرز رؤى متعددة لخلق مناخ سينمائي حقيقي يرتقي لمصاف ما ينتج في العالم.والمشكلة الأخرى هي ليست أقل كارثية بالدرجة الأولى أن الايديولوجيا والخطاب الانشائي الاخلاقي يغلب على معظم نتاجات الافلام في العالم العربي.وبدرجة ثانية تحكم جيل كلاسيكي تقليدي بأغلب مفاصل الصناعة السينمائية.

هناك لحظات متناقضة في سوريا أظنها ساحرة لأي سينما

 

8) وبعيدا عن هذه مشاكل السينما العربية نتجه إلى مسائل اخرى في فيلم "دمشق مع حبي" تحدثت عن الأقليات اليهودية والمسيحية فهل أردت القول وخاصة في مثل هذه الظروف أن الاضطهاد يمس فقط هذه الأطياف؟

- هناك حقيقة وهي أنه منذ 14 قرن ومع بداية الغزوات العربية وانتشارها في المنطقة عانت الاقليات الأصلية في كل العالم العربي والإسلامي من اضطهاد شديد،ولهذا فإن الاعتراف التاريخي والاعتذار من هذه الشعوب الآشورية والسريانية والكردية والارمنية وغيرها من المذاهب الأخرى بمسؤولية أعتقد أنه واجب انساني وثقافي. وأنا كسينمائي كنت معني بهذه المسألة لأن هذه الاقليات (بين قوسين على حد تعبيره) هم سكان أصليين ولم يأتوا في صحون طائرة من فضاء خارجي وتعرضوا إلى اضطهاد ممنهج،ولهذا كان اهتمامي نابع من الوعي بأهمية القضية ومحاولة خلق باب للحوار والنقاش حول تعايش هذه الفرق دون اضطهاد او ميز.كما أن عائلتي الشخصية خليط كردي وارمني وعربي وهذا سبب آخر لأسلط الضوء على مثل هذه القضايا.

 

9) وهل التوقيت مناسب لطرح مثل هذه القضايا وأنت تعيش على وقع حرب مستعرة ومن بين مشاكلها الطوائف؟

- الوقت دائما مناسب وأفضل مواقيت الإصلاح وفتح الملفات هي ظروف الحرب،كما أن الموقف من الحريات العامة لا يتجزأ.وانا أقولها أن عدم الاعتراف التاريخي بهذه الأقليات هو بالتأكيد بسبب العنصر العربي السني ويجب أن تقال هذه الحقيقة في أي زمن أو ظرف.

 765-ftima3

10) صورت في الفيلم جانب كبير من التسامح بين الطوائف أو الأديان في الفيلم "دمشق مع حبي" والحقيقة أن أسباب التطاحن اليوم سببه غياب عنصر التسامح فهل كنت تتحدث عن واقع مشوش أو تطرح تصور مستقبلي تريده كمخرج وإنسان؟

- جزء منه واقعي لأنني أومن كثيرا أن هناك حد كبير من الصراع الديني مفتعل،وأعتقد أن المنطقة والأفراد اليوم ليست بحاجة إلى الديانات السماوية بقدر ما هي بحاجة للمعرفة للمعاصرة وللعلم لا إلى عقل تغييبي قائم على الاساطير والخرافات.ولكن الجزء الأكبر هو تصوري ورؤيتي التي أرغب أن تكون عليها الديانات في الواقع رغم أن الحوادث حقيقية وجرت في سوريا.وربما في أعمالي كان لي تركيز أكبر على مسيحيي دمشق بل وكانوا دائما أبطال أعمالي لانني على قناعة ان هؤلاء كمكون ثقافي وليس كديانة كانت لهم أيادي بيضاء بعشرات القرون من بناء حياة مدنية في دمشق،إلى جانب دورهم في الجانب التنويري للمجتمع.

 

11) بالنسبة للسينما السورية بقيت خجولة من ناحية الكم ما هي الأسباب؟

- ليست هناك جهات تنتج أعمال سينمائية عدا المؤسسة العامة للسينما ومؤسسة خاصة أنتجت لي حتى الآن فيلمي "نيكوتين" و"دمشق مع حبي"، ولم تقدم أي جهة أخرى سورية على انتاج فيلم منذ 38 سنة لقناعة مفادها أن سوق السينما خاسر.كما أن معظم المنتجين السوريين تجار لا تعنيهم الثقافة والفن ولهذا انصب الثقل على المؤسسة العامة للسينما.

 

12) لكن هناك توجه نحو دعم الدراما؟

- لأن الدراما تخدم السلطات وحتى التي تمرر حد معين من نقد السلطة تأتي بتوجيهات أمنية،ولهذا فإنني اعتبر ان الدراما العربية واعني خاصة المصرية السورية والخليجية ساهمت في إفساد ذائقة المتلقي ولم يعملوا على عناصر جمالية او فنية حقيقية وبقيت مجرد تقاطع مصالح مع قنوات البث.

 

13) مع تنامي الأحداث في سوريا هل تعتقد ان هذه الظروف ستكون بوابة لانتشار السينما السورية كما حصل مع السينما الفلسطينية؟

- اعتقد أنه لو اتيحت للمخرجين والفنانين السوريين فرص تمويلية أكبر ودخلت إلى سوق الانتاج شركات أكثر فإننا سنشهد ثورة سينمائية سورية حقيقية،والسبب الاساسي هو فعلا التفجر الشعبي متعدد المستويات الذي ذهب في عدة اتجاهات عنيفة وخلق مناخ غني جدا لأي سينما يمكن أن تنهل منه.

 

14) أمام غياب التمويل وجهات الانتاج والوضع الأمني في البلاد هاجر العديد من الفنانين والمخرجين السوريين لماذا اخترت البقاء؟

- هناك اسباب اهمها انني في بداية الثورة كنت من المساهمين وإلى الآن أومن ان معركة التحول الديمقراطي تأتي بانتهاج مسار سلمي يخاض من الداخل، لهذا كنت ضد فكرة خروج القوى العلمانية والمدنية من دمشق والتعامل مع المخابرات القطرية والتركية السعودية بشكل مشين وفاضح. وأنا وجدانيا مرتبط جدا بدمشق حتى أنني لا أتوقع أنني قد أؤسس علاقة وجدانية اخرى مع مدينة أوروبية وأبدأ من جديد رغم أن امكانية السفر قائمة.وربما بقائي غريزي أكثر لان غريزة الحياة عندي إلى الآن لا أعدها مهددة رغم القذائف والقصف والانتشار العسكري،وأنا دائما أقول لنفسي لن أموت بقذيفة هاون ولا برصاصة.ولولا المعارضة الاسلامية التي تحيط بدمشق فإن الحياة في دمشق لم تتغير وهذا لا يدخل في إطار الترويج للنظام ولا لاي طرف ولكن هذا ما اعيشه.وهناك شيء آخر مغري للبقاء في سوريا قد يكون مؤلم جدا ولكنه مهم وهو أن تكون شاهد على الانهيار التام للبنية المجتمعية،هناك لحظات متناقضة أظنها ساحرة لأي سينما لحظة انهيار احياء واختفاء احياء سكنية بكاملها،وهناك أحياء أخرى يتم زرع الورود فيها والاعتناء بها.

 

15) ماهو مشروعك الكبير كسينمائي؟

إلى اليوم لم أصل إلى إنجاز الفيلم الذي أطمح إلى إخراجه لعالم السينما،وكل ما أنجزته هو ما يتوافق قليلا مع الجهة الممولة.ومشروعي الأساسي هو "الكائنات التي أحرقت الجنة" وهو عمل تدور أحداثه في مكان صعب وأعني المنطقة الكردية وتحديدا في المثلث الحدودي وهو ما يجعل إمكانية تمويله صعبة جدا،بالإضافة إلى أن لا احد يحب الأقليات ويتاجرون بها.فهذا النوع من السينما روحيا يعنيني كثيرا واجد فيه درجة عالية من الصدق وسيبقى دائما طموح مطروح.ولكن حاليا لدي فيلم بعنوان "الحرائق" انتهيت من مونتاجه الأولي وأظنه من أنضج الاعمال التي قدمتها وسيعرض السنة القادمة.  

 

حاورته: فاطمة بدري

صحيفة المثقف

 

بهجت عباس علي بين الجينات ومنتدى الموسوعات

akeel alabodمدخل: القصيدة بالنسبة اليه حياة، تلد وتتحرك، ثم تنمو كما يلد الجنين، فهي تنشأ بطبع وطباع، تتنفس، وتشعر؛ لها لغة تتصف بها، ولها سلوك كما للجنين أيضاً، وتلك محاكاة وردت على لسان شاعر ومترجم ومتخصص في علم الصيدلة والكيمياء، وباحث وأكاديمي في علم الجينات وعلم الأمراض (باثولوجي) وخصوصاً في مرض السكر حيث ألف كتاباً فيه (مرض السكر والتعايش معه – دار الشروق - عمّان 2002) وجينوم السرطان حيث كتب مقالات عديدة في سرطان البروستات (منشور قسم منها في موقع المثقف ومواقع عدّة أخرى) ولكن تخصّصه الرسمي هو في الكيمياء الحيوية وفي الحوامض النووية على الأخصّ ، فالّف كتاب (عالَم الجينات – دار الشروق- عمّان 1999).

 غادر الوطن في سبعينيات الزمن الفائت، ليكتوي بنار الغربة ولوعة الشوق الى الأحبة والأهل والأصدقاء.

هنالك حيث فراق الأمكنة التي يبتعد الزمان فيها، ويلتهب المهاجر شوقا اليها، الحنين يصل الى الذروة، ليشده مرة اخرى صوب أروقة من السنين مضت.

في عمره الثمانين، تراه مازال تلميذا، يتعامل مع الوقت بطريقة حاذقة، يبحث تارة، يترجم تارة، ويكتب موضوعا أوقصيدة تارة اخرى.

 

 اشتغل في الصيدلة لأكثر من ثلاثين عاماً، لكنه لم يكن مجرد صيدلاني يتعاطى مع المهنة كمتخصص فحسب، بل أراد ان يصنف المهنة، يستقريء مفرداتها، ليمنحها نفوذا وامتيازا جديدا لعله يقدر ان يمنح الإبداع أوسمة وقلائد شرف إجلالا وتكريما، لذلك اضافة الى انشغاله بأمور الحياة ورغم المصاعب, ابتكر مهمة اخرى شائقة بجانب مهنته الأصلية، فانصرف الى باب الطب والعلوم المتفرعةكالكروموسومات مثلاً.

  في كتابه علم الجينات، يناقش في معنى التركيبة الحسية؛ طباع الانسان، الحركة النفسية لتلك الطباع، المشاعر، وتطور تلك المشاعر.

 عن موضوع الطبع والتطبع، وردا على  الأشعرية الذين يؤمنون بان الانسان مخير وليس مسيراً، ابتدأ بمناقشة السلوك الجيني للكائن الحي وارتباطه بتركيب ال DNA، حيث صيرورة الجنين وحالته التكوينية بما فيها هوية الفرد(1).

كان انشغاله بعلم الجينات والطب، يحلقان به صوب فضاءات يسكنها الشعر والشعراء، ما يساهم في خلق مناخات تخفف عن أوجاعه هموم الغربة ورتابة المهنة.

 لذلك بطريقة فنان يعشق فلسفة الألوان، تراه يسترجع ذاكرة الشعر المحفوظ ايام زمان بحثا عن الضوء وغروب الشمس، هنالك حيث يمكث شعاع الحقيقة.

 الظلمة بالنسبة اليه محطة عاشت في أعماق روحه، ليتجول فيها متناغما معها عبر هذه الأبيات (كم من الأرواح هامت تتناجى في الظلام مذ بدا البدر كئيبا شاحبا خلف الغمام)،وتلك سماها خطرات من وحي نيتشه، ما يوحي الى ان هنالك مجهوداً فلسفيا يتماشى مع الشعر لكي يمنح قانون النسبة في باب الحكمة تكاملها المعياري، حيث يقترن الطب بالحكمة، باعتبار ان الحكيم  فيلسوفوالفيلسوف حكيم كما هو معروف مع ملاحظة ان مهنة الحكيم تقترن مع مهنة الطبيب.

مع ذكرياته دائماً تجد ان هنالك غربة ووطنا وضياعا خلفه الحكام، لذلك لم يترك فراغا في باب الا وتناوله بشعر يتناغم مع صفاء روحه المسافرة. حيث في باب السياسة، وفي ثورة الشعب العراقي إبان الخمسينات أنشد قائلا (يا ثورة الشعب صبي وابل الغضب وحطمي كل فكر شارد جدب وقوضي كل ما يبنون من عرش فقد ابو ان يسير الركب بالأرب)(2).

 ترجم عشرات القصائد والكتابات الى اكثر من لغة  ما يشير الى ان هنالك إبداعا يكاد يفوق لغة النص، اذ لا تخلو أعماله من ترجمة الكثير من النصوص المبدعة العربية منها والأجنبية. 

في كتابه ستون قصيدة ألمانية اختار الشاعر نصوصاً فلسفية كتبها عظماء الشعر في ألمانيا أمثال غوته، تتبعها موضوعات فيالأساطير  القديمة ما يوحي الى ان هنالك اهتماما خاصا لدى الشاعر بدراسة ثقافات الشعب الألماني ليستقريء من أعماقها محاورات لها علاقة بالتاريخ والحضارة (3).

ان فكرة اشتغاله مع النصوص الأجنبية وعشقه للبحث الأكاديمي جعلته يختزل المسافات.

فهو هكذا تراه حريصا لا يريد ان يفوت فرصة يتقدم فيها العلم عليه ، دون ان يقدم هو إبداعا جديدا، فالعلم  بالنسبة اليه طقوس لها قدسية تعلو ولا يعلى عليها، لهذا تراه متواضعا منشغلا مع الوقت في طريق البحث الذي لا ينضب.   

مع نصوصه يتألق الشعر وكأنك تقرا للرصافي او جميل صدق الزهاوي او الجواهري ، فهو يتعامل مع فن العروض ويجيد أبجديات التعامل مع النصوص الأجنبية، لينسج من قوافيها لغة ترتقي، تبحث عن سياقات ومدلولات جديدة لتتلبس بمنطق جديد.

  فوق أكتافه يحمل مهمتين؛ الاولى حواره مع منطق النص الذي يحمل اللغة الاخرى وفقا الى مكوناته اللغوية، والثانية حواره مع خزينه الذاتي والمعرفي اي علاقته المعرفية مع اللغة الام.

 في كتابه مختارات من الشعر العالمي بلغة مزدوجة، ترجم الأديب تحفا ادبية كتبها شعراء كبار، أمثال لورد بايرون، مارغريته بويتلر، وليم بليك وغيرهم(4).

 هنا ليس بناء على هندسة الإتقان الفني لنصوصه الأدبية ومشاركاته المتميزة في كثير من المواقع كموقع الناس والحوار المتمدن والمثقف وغيرها،بل بناء على إمكانياته  في باب الحوار وإتقان مدارات الحديث، تجده مواكبا مبحرا متطلعا صوب أشياء اخرى.

 في حواره مع الأستاذة ميادة ابو شنب، مجلة المثقف، تجد ان هنالك تنوعا يختزل بين ثناياه صوراً تتفرع الى موضوعات وتجارب لا يمكن الاستغناء عنها في باب التأليف والبحث والترجمة (5).

 وبقدر ذلك تراه مؤرخا عاصر تجارب العراق بشخصياته المختلفة منذ منتصف الأربعينات حتى الان، ففي مجموعته زنابق السنين، تجد ان ذات الشاعر وتاريخه الطويل كان قد كتب بطريقة متفرقة على غرار مهاجر يبحث عن ماض لم يزل ماثلا امام عينيه.

 

..........

هوامش البحث:

(1) بهجت عباس، الجينات والعنف والأمراض، فيشون ميديا السويد2007، (15،43)

 (2) بهجت عباس، زنابق السنين، 2009، فيشون ميديا السويد(6-9).

(3) بهجت عباس ستون قصيدة ألمانية – المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، 2006

(4) مختارات من الشعر العالمي بلغة مزدوجة 2009 – المؤسسة العربية للنشر والتوزيع- بيروت لبنان.

(5) مجلة المثقف حوار ميادة ابو شنب مع بهجت عباس 3/3/2015.

حوار مع الدكتورة تارا إبراهيم حول:

tara ibrahimتوظيف الدين في الصراعات العربية ودور المرأة في نشر ثقافة التسامح وقيم العيش المشترك

 

* كيف تنظرين الى العدد الكبير من الأطفال المشردين والنساء الهاربات من بطش التنظيمات المسلحة خاصة بالعراق وسوريا؟ ومن المسؤول في اعتقادك عن تلك الأوضاع، النصوص الدينية أم الفهم البشري لها ؟.

- الامر مؤثر جدا وغير قابل للتصديق، العدد الهائل من المهجرين تجاوز مئات الالاف في بضعة اشهر، في سوريا إثر بطش تنظيم الدولة الاسلامية وغيره من التنظيمات الارهابية التي بدأت تنمو كالاشواك .. وكذا الحال في العراق بعد القتل والتهجير للمسيحيين والايزيديين وحتى المسلمين انفسهم، أمر غريب لا يتصوره العقل. هذه الجماعات أو التنظيمات تمنح الحق لنفسها ان تطال النساء والاطفال والشيوخ دون تفرقة، تحت غطاء تطبيق الشريعة أوحجة الجهاد في سبيل الله.

اما من المسؤول عن هذه الاوضاع ؟ فلا نستطيع ان ننسب المسؤولية الى النصوص الدينية او الفهم البشري لها فقط بل الى العديد من الامورالتي تتعلق بسايكولوجية الاشخاص الذين ينتمون الى هذا التنظيم وغيره من التنظيمات الاخرى     والى خلفياتهم أيضا التي ليس بالضرورة ان تكون دينية بحتة او بما معناه ان هؤلاء الاشخاص لم يتربوا على مفاهيم الديانة الاسلامية منذ نعومة اظفارهم ولا يعرفون عن الاسلام بجميع تفاصيله من سوروآيات قرآنية وأسباب نزولها ..  

المسؤولية تقع على خليط معقد من الاسباب التي تدفع الاشخاص الى القيام باعمال وحشية..اولا : النصوص الدينية التي     يفهمها هؤلاء ، هي نصوص تاريخها يعود الى أكثر من الف عام ، نصوص يمكن ان تتلاءم مع ذلك العصرالذي كان فيه القتال والصراع بين الاضداد المعتقداتية امرا ضروريا من اجل البقاء والهيمنة والتوسع، وكسب الناس للدخول الى الاسلام مع اعطاء فرص سلمية لتبني الدين الجديد من قبل الاخرين دون اراقة الدماء.. والمسؤولية الثانية : هي مسؤولية تقع على الفهم البشري للنصوص الدينية التي يمكن ألا تتناسب مع سياق الحاضر الذي نعيشه، هؤلاء أشخاص يقرؤون القرآن ويفسرونه بما تشتهي انفسهم .. والمسؤولية الثالثة : هي عدم الوعي والجهل والهروب من الواقع الذي يمكن ان يكون مريرا، او ربما وسيلة للانتقام يستخدم فيه الدين كذريعة على الرغم من ان الدين في إعتقادي برىء من الجرائم التي يقترفونها.

قبل عدة اسابيع كتبت مقالا بعنوان " خلافة التائهين" أحلل فيها نفسية الاشخاص الذين يقومون باعمال العنف ضمن هذا التنظيم، فهؤلاء الاشخاص هم تائهون نفسيا ولايستطيعون ان يعقدوا السلم لا مع انفسهم ولا مع المجتمع الذي يعيشون فيه. هؤلاء يودون الترفيه عن انفسهم بالقتل والعنف وبما يشبع نفسياتهم التائهة سايكولجيا لاثبات " الأنا ".. وأود ان اسرد لكم واقعة حقيقية رواها احد الاخوة المسيحيين..فعندما تمت السيطرة على سهل نينوى في العراق من قبل تنظيم داعش ولدى هروب الجميع الى اقليم كوردستان، بقيت عوائل عالقة واحداها حاولت الهرب لدى وصول التنظيم، لذا فر الرجل مع عائلته بسيارته وفي منتصف الطريق أعترضه أحد المسلحين وطرح عليه سؤالا - هل انت مسلم ؟ فقال الرجل خوفا على حياته وحياة اولاده نعم.- فأردف - إذن أتل لي سورة من القرآن ؟ فردد الرجل - بسم الله الرحمن الرحيم، ومن ثم تلا     بعضا مما جاء في الانجيل..فاومأ إليه المسلح برأسه وقال- شكرا تفضل يمكنكم الذهاب.أمر قد لايصدق ولكنها حقيقة، هنالك من لايعرفون شيئا عن القرآن، ولكنهم يتخذونه كوسيلة لفعل ما يريدون .

 

* هل النموذج الغربي في تعامله مع التراث الديني يمكن تطبيقه في الوطن العربي، أم لابد من تنقيح فكري وترتيب سياسي معين ؟.

- في الحقيقة، العالم العربي يعيش حاليا في فترة يمكن ان نقارنها بالقرون الوسطى التي عاشتها اوربا، وعلى الرغم من ان المجتمع العربي يختلف تماما عن المجتمع الغربي فكل مجتمع له خصائصه وامور قد لاتقارن، ولكننا في النهاية نستنتج اننا لسنا بحاجة الى الوقت فقط لنتجاوز هذا الزمن العصيب بل الى التفكير والتخطيط السياسي وحتى الديني، فعلى سبيل المثال هنالك العديد من رجال الدين الذين يدعون الى الاصلاحات في الدين الاسلامي لكي لايتم تفسيره كدين عنيف يدعو الى القتل والسلب.. الجرأة السياسية والدينية هما ما نحتاجه في هذه الايام، امر معقد كوننا نعيش في مجتمعات لاتجرؤعلى طرح اسئلة متعلقة بالدين وهو ما يزال يعتبر   طابوها أو محرما، مجتمعات لاتستطيع أن تناقش القانون الذي ينص على ان للذكر مثل حظ الانثيين في زمن تعمل فيه المرأة جنبا الى جنب مع الرجل وقد تعيله، وسواها من الامورالتي يجب ان تدرس وتتغيير بناء على ما يقتضيه عصرنا اليوم وليس وفق مقتضيات عصرلايمت الى عصرنا بصلة..الاصلاح ثم الاصلاح...هذا ما يجب علينا القيام به ..

 

*هل يمكن بناء فلسفة دينية تنويرية تمكن من تربية النشء على حرية التعبير والتفكير وثقافة الاختلاف من أجل بناء مواطن قادر على المساهمة في بناء البلدان العربية وإنجاح قضاياه التنموية ؟.

- نعم، يمكن اعتماد فلسفة دينية تنويرية ولكن الصعوبة تكمن في كيفية تعريفها وتطوير منهجها ، فاعتمادنا على الدين فقط كما هو الحال اليوم في مجال التربية والتعليم أمرغير منطقي لأننا سوف نعاود ونكرر نفس الاخطاء التي نقع فيها الآن ، وفي الوقت نفسه ايماني بالعلمانية التي يتبناها بعض الاحزاب القومية في الدول العربية بدأ يخفت شيئا فشيئا كون العراق وسوريا كان فيهما نظامان يدعيان أنهما من الدول العلمانية ، أنظر ما حالهما اليوم. الفلسفة التي اؤمن بها هي تربية النشء على اساس مدني حضاري وعلى قيم انسانية وعلى المساواة في الحقوق والواجبات والمساواة بين الجنسين، وان اقتضى الامر دراسة الدين من قبل المعنيين بهذا الشأن ووزارات التعليم، التفكير باصلاح وتغيير المناهج الدينية وغربلتها مما يسيء الى الدين من خلال البحث عن الإجتهادات الشخصية للمعتقد التي وضعت في الماضي واصبحت من المقدسات في الحاضر، تستغلها الجماعات الارهابية والمشككون بالدين لمآربهم   على حد سواء، وكذلك تهيئة معلمي الدين بشكل أفضل، وتدريس الاسلام على انه دين سلام وتسامح وليس دين إقصائي يدعو الى الكراهية والعنف .  

 

*القوة الاقتراحية للمرأة غائبة أومغيبة عندما يتعلق الأمر بتوظيف أحاديث المستقبليات والفتن التي تموج بالعالم العربي، مع العلم أنها حاضرة في الصراع الميداني سواء كأسيرة وجارية أم لاجئة جريحة. ما هي في نظرك العوامل الذاتية والموضوعية لانسحابها القهري في هكذا مواضيع حاسمة ؟ .

- المرأة استخدمت كغنيمة حرب من قبل الارهابيين، على الرغم من أن الاسلام يدعو الى التعامل مع النساء كقوارير ولكن مع الاسف الشديد نقول ان المرأة كانت الضحية الاكثر ظلما وبربرية وهمجية عبر التأريخ. اما اليوم ، الامريعود الى عوامل كثيرة وفي مقدمتها قلة احترام المجتمع لها واعتبارها ناقصة عقل ودين، وهذا طبعا من مخلفات التفسير الخاطئ للدين لذا فتربيتها على هذا الاساس تزعزع من ثقتها في نفسها وفي انجازاتها، اضافة الى ان المرأة قلما تتدخل في السياسة في مجتمعاتنا كون هذا المجال قاس ولاتتحمله في ظل مجتمع رجولي وتقاليد راسخة لاتستطيع المرأة معها ان تفرض نفسها ككيان وشخصية مستقلة للتعبيرعن رأيها ..

ولكن لاننسى ايضا امثلة عن نساء رائعات يستحقن كل الاعجاب والثناء وفي مقدمتهم النائبة البرلمانية في العراق فيان دخيل التي هزت ضميرالعالم باسره لمناشدتها المجتمع الدولي في المساعدة على اطلاق سراح الالاف من الايزيديات المختطفات من قبل تنظيم داعش والتي تصدرت قائمة النساء الأكثر تأثيرا عام ٢٠١٤ بحسب تقرير وكالة الاخبار العالمية CNN وكذلك المقاتلات الكورديات في غرب كوردستان " سوريا" اللواتي فضلن الموت والاستشهاد في جبهات القتال . ولكن تبقى الامثلة قليلة من محاولات نسائية فردية او جماعية في هذا المضمار.

 

*أقيمت من قبل مؤتمرات للتقريب بين المذاهب خاصة بين السنة والشيعة.كيف تقيمين دور المرأة في تقريب وجهات النظرة وتجاوز ظلال التاريخ العنيف ؟ وهل تم التفكير بالفعل في عقد مؤتمرات نسائية من جميع المذاهب لتجاوز حدة الخلافات وتحديد أولويات الألفية الثالثة بما يضمن تحقيق التعايش المشترك واستدماج قيم التسامح والحوار وقبول الاختلاف ؟.

- اعتقد ان المرأة تستطيع أن تلعب دورا كبيرا في هكذا مواقف وخصوصا في التقليل من حدة الخلاف الى حد ما، لان المرأة هي اكثر من نصف المجتمع في عصرنا الحالي، وان وجود نساء مميزات واعيات قياديات واثقات من انفسهن ومن خطاهن، هو امر مهم جدا في كسب ثقة هذا النصف المهمش. نساء يؤمن بالسلام ويدعون اليه ويشجعن على التقارب وليس التباعد اعتمادا على دين أو مذهب ما.. بحد علمي لم اسمع عن مبادرات عن تنظيم مثل هكذا نوع من المؤتمرات، بل انها فكرة رائعة تستطيع عبرها النساء من جميع المذاهب ان يوحدن أصواتهن ضد الممارسات الارهابية تجاه النساء في العالم العربي والاسلامي، ويحاولنا ومن خلال اختلاف اديانهن ان يدعون الى السلام والتشجيع على التسامح عبرشعارات تدعو الى انسانية أكثر في عصر فقدت الانسانية فيه قيمها وقيمتها في أوطاننا .

 

*من خلال تجربتك، كيف يمكن للمرأة العربية أن تسهم بشكل فعال في توجيه المسار الفكري للعقلية الإقصائية المتوسلة بالنصوص الدينية وما هي المداخل الإصلاحية لخفض مستويات الاعتماد على النبوءات الدينية في تصفية الحسابات السياسية وإبادة الأقليات في بؤر الصراع ؟.

- المرأة هي مربية اجيال ويقع على عاتقها عبء حمل التربية والتعليم لاجيال المستقبل، باعتقادي ان الاحزاب والحركات السياسية العلمانية ومؤسسات المجتمع المدني الحقيقية هي المسؤولة والمؤهلة عن تحريك واقع المرأة الحالي ودفعه نحو الافضل ، فنحن نعتقد دائما أن المرأة هى ضحية تفسيرالنصوص الدينية ولكن في الحقيقة قضية المرأة هي قضية اجتماعية أيضا يجب التعامل معها على اسس علم الاجتماع ومنظوره الخاص بالمرأة لانها ضحية تخلف المجتمع وبعض من التقاليد البالية .أما عن تصفية وإبادة الاقليات فإنها تنطلق من داء التعصب القومي الممنهج الحاكم في بعض البلدان العربية والاسلامية والتطرف الديني المنفلت التي تسيء الى كليهما في النهاية هي نتاج عقدة الشعوربالتفوق والنظرة الخاطئة بدونية افكار ومعتقدات الاخرين وبالتالي الوقوع في حبائل الجهل وممارسة العيش في نعيم الشقاء ، ونحتاج فيهما الى حديث مسهب يطول ويتشعب ..

حوار مع الاستاذ معمر حبار حول مالك بن نبي

moamar habarالسؤال الأول: من هو مالك بن نبي؟

- بداية، اللهم صل وسلم على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه. أبدأ بمداخلة أرجو أن لا تفاجئك. دائما أعاتب الذين يتطرقون لفكر مالك بن نبي، أنهم يعرضون كتبه وفكره في 31 أكتوبر، وهو تاريخ وفاته.، ودراسة بن نبي من خلال وفاته إهانة له. فأنت لاتتطرق لوفاة شخص إلا إذا كان عدوا لك. وبما أن هذا الحوار يتم خارج مناسبة وفاة بن نبي، فيمكن إعتباره حسنة تحسب للأستاذ مصطفى العمري.

يمكنك التطرق لمالك بن نبي من عدة نقاط، وهي.. بن نبي الكاتب. بن نبي المولود في الجزائر. بن نبي المستفيد من فرنسا والعالم الغربي، والذي يتصفح كتبه يلاحظ ذلك. بن نبي المقهور. بن نبي المطارد من الصراع الفكري كما يسميه. بن نبي المطارد من طرف جمعية العلماء، والمطارد من طرف الساسة والاستدمار. المطارد داخل أرضه وبين شعبه وتلامذته وفي الخارج. وبن نبي عاش فترة حقد وحسد، كما إتّهمه عبد الصبور شاهين بالجنون.

 

السؤال الثاني: من هم الهيئات والأشخاص، الذين حاولوا الإطاحة ببن نبي؟

- من خصائص كتب مالك بن نبي، القديمة التي نشرها الأستاذ كمال مسقاوي، وهو مشكور على مابذله من جهد، والكتب الأخيرة التي لم تنشر إلا مؤخرا، تجد ملاحظة ملفتة للنظر، كقارئ ومتتبع..

بن نبي، لم يتطرق لبعض الأشخاص، لم يتطرق لبعض الأمكنة، لبعض الأزمنة، بدليل أنه تعمّد عدم نشر بعض الكتب في حياته، كما هو جاري مع كتبه "في الحضارة والإيديولوجيا". و"Témoignage sur la révolution algérienne ". و "le Livre et le livre sociale ". و"العفن".

 

السؤال الثالث: من وقف ضد بن نبي؟

- لو تقرأ كتابه "العفن"، وهي من الكتب التي لم تنشر، ومن الكتب الخطيرة جدا، تجده ..

أولا: يتهم جمعية العلماء، لأنها أساءت الفهم، وأؤكد على أساءت الفهم، بدليل منعته من استلام المنحة، ، وإذا شئت سنفرد حصة لعلاقة بن نبي بجمعية العلماء. بن نبي لايتهم جمعية العلماء، بالعكس يحترمها، يوقر شيوخها. لكنه يقول أن..

إدارة الصراع الفكري ، خاصة في عهد الاستدمار ، لاتتم بهذه الطريقة. هو يعتبرها طريقة ساذجة، لاتناسب الصراع الفكري، ولذلك أفكاره لم تعجب الجمعية، وكان بينهما صراع.

ثانيا: يتحدث عن الصراع الفكري المجسد في الاستدمار، كيف منع كتبه. كيف حاصره في بيته، ومع زوجه وأولاده.

ثالثا: بعد إسترجاع السيادة الوطنية، السلطة القائمة في الجزائر أهانته، منعت عنه السيارة، أقالته من المنصب حين كان مكلفا بالتعليم العالي، وهو مايمثل الآن وزير التعليم العالي. منعته من أداء العمرة، حتى أن الأستاذ عمار طالبي، يقول بأنه تدخل شخصيا لاسترجاع جواز السفر.

رابعا: السياسيين الجزائريين ، وكيف إنغمسوا كلية في الاستدمار.

خامسا: عاش بن نبي بين فكين، المتدين يعتبره رجعي وعلماني. والعلماني يعتبره صوفي وساذج. وبقي بن نبي في هذا الصراع.

سادسا: سأشير إلى نقطة في غاية الأهمية: حين تقرأ كتاب "العفن"، وهو كتاب رائع، ومستعد أن نخصص له حصة، ستلاحظ..

بن نبي ينتقد كل السياسيين، وكل المفكرين، وكل علماء الدين، وعندما أقول ينتقد فأنا أختار ألطف العبارات، إلا واحدا فقط، وهو حمودة بن ساعي. وحمودة بن ساعي من فلاسفة الجزائر، عاش الهوان ومات في الهوان.

وعليك أن تتخيل الان، عبر كتاب بأكمله، يمدح واحدا فقط، وهو حمودة بن ساعي. والأستاذ حمودة بن ساعي، يحتاج بدوره أن يفرد له دراسة خاصة به، لأنه الطريق الذي نفهم به مالك بن نبي.

ومن ميزة هذا كتاب "العفن"، أنه يذكر بالاسم والحالة، لأنه ليست من عاداته في كتبه الأخرى أن يذكر الأشخاص بالاسم، لكن في هذا كتاب، ذكرهم بالاسم وبما فيهم السياسيين وجمعية العلماء.

وبن نبي ، حين يتعلق الأمر بالصراع الفكري، لايفرق بين سياسي وعالم دين. بل يرى أن علماء الدين أساؤوا بسوء فهمهم للدين، وأن طرقهم في مواجهة الاستدمار، لم تكن في مستوى الصراع الفكري، الذي من وراءه الاستدمار.

سابعا: وكذلك بن نبي في كتبه الأخيرة التي طالعتها، وجدت بن نبي السياسي، وعلاقته بالساسة. وفي الجانب السياسي أحسن وأساء، منها علاقته بعبد الناصر، علاقته بماو، علاقته بالساسة الجزائريين. إذن الجانب السياسي لبن نبي يحتاج لموضوع على إنفراد.

ثامنا: بن نبي الحالم، كان يحلم بالوحدة الإفريقية، كان يحلم بالوحدة الأسيوية، بالوحدة العربية.

تاسعا: بن نبي المصدوم، صدم في أفكاره، صدم في عبد الناصر، في بومدين، في بن بلة.

 

السؤال الرابع: بن نبي سافر إلى فرنسا، هل إستفاد من فرنسا؟

- نحن لانقول سافر إلى فرنسا، بل بن نبي عاش في فرنسا. وهذه ملاحظة مهمة جدا.

لم يكن بن نبي يبحث عن الدراسات الهندسية. هو لم يذهب إلى فرنسا للحصول على شهادة مهندس في الكهرباء. هو ذهب لفرنسا للزيادة والتمكن في الدراسات الشرقية.

وإنطلاقا من الصراع الفكري الذي يعتمد عليه الاستدمار، رفضت فرنسا أن يدرس بن نبي في معهد الدراسات الشرقي، لماذا؟. لأن علم الدراسات الشرقية، حكرا على المستدمر وأبناءه فقط.

القارىء لكتب مالك بن نبي، يلاحظ أن إحتكاك بن نبي بالفرنسيين، جعله يفرق بين أمرين..

الفرنسي المستدمر في الجزائر. والفرنسي المثقف في فرنسا. ويقولها في بعض كتبه، إنتاج المثقف الفرنسي في فرنسا، يفوق عشرات المرات، ماينتجه الفرنسي المستدمر في الجزائر، لأن العنف والقتل الذي يعيشه الفرنسي في الجزائر أعماه. إذن هو يفرق بين إثنين، الفرنسي المستدمر في الجزائر، والفرنسي الذي عاش في فرنسا.

 

السؤال الخامس: هل تستطيع أن توضح كيف إستفاد بن نبي من الفرنسي المثقف المقيم في فرنسا

- هو إستطاع أن يفرق، ولا يمكن بحال الاستفادة من فرنسي عاش بالجزائر. ولكنه يمكنك أن تستفيد من فرنسي عاش بفرنسا، لأن الفرنسي الذي عاش بالجزائر، لايعترف بالجزائر. لأن الجزائر في العهد الاستدمار غير موجودة، ولا تاريخ لها، لا دين لها، لا لغة لها. يعاملك دوما على أنه السيد وأنت العبد التابع له، وأنك من الأهالي بالتعبير الاستدماري في تلك الفترة.

 

السؤال السادس: الاستدمار لاخير فيه، وبن نبي عاش في بيئة فرنسية. هل استفاد بن نبي من فرنسا؟

- يقول بن نبي، طيلة تواجدي في فرنسا، لم ألحظ علما إنما لاحظت البحث عن العلم، وما يسميه هو بالفكر الديكارتي. أي ينظر إلى المشكلة نظرة تحليلية.

تقديم الواجب على الحق. لذلك كان يطالب بآداء نصف ساعة واجب يوميا. بينما في الدول المتخلفة، هناك تقديم الحق على الواجب.

إحترام الوقت، لأن الوقت في الغرب مقدس. رابعا: إحترام المؤسسات، وكيف تحترم. كيف يحترم المفكر، كيف يحترم العالم. خامسا: الحضارة ليست في الجامعات فقط، ولا في المؤسسات التعليمية فقط، لأن الحضارة تجدها في البيت في الشارع في الدكان.

في الغرب لايوجد فكرة ميتافيزقية، بل واقع يسير بإحصاءات وأرقام.

وهناك نقطة أشار إليها بن نبي في بعض كتبه، أن الغربي حين يكون مع أخيه الغربي، يكون في مستوى حضاري جدا. بينما حين ينتقل للجزائر وشعوب أخرى، يتحول ذلك العقلاني ذلك المثقف، ذلك الديكارتي إلى وحشي إلى همجي إلى مغتصب . وهذه الملاحظة في غاية الأهمية.

هذا هو الجو الذي استفاد منه بن نبي، ولم يجده في وطنه الجزائر، لأن الجزائر يومها كانت تحت الاستدمار مقهورا.

 

السؤال السابع: كيف نستفيد من بن نبي ونحن في الغرب، وبن نبي يقول أن الاستدمار وجد انحطاطا فكريا للامة، حين غزاها.

- صراحة لم أقف على هذه العبارة، لكن يمكن القول أن الاستدمار ساهم في الانحطاط الفكري. أنت لو تقرأ لشيخ المؤرخين أبو القاسم سعد الله، رحمة الله عليه، يرى أنه في بداية الاستدمار الفرنسي، الحثالة الأوربية، أفسدوا قنوات صرف المياه، ولم يحسنوا التعامل معها، ماجعل الجزائريين يشكون أمرهم للحاكم العام الفرنسي بالجزائر يومها.

 

السؤال الثامن: الذين سألتهم اساتذة عراقيين وغير عراقيين، أجابوا كلهم بأن بن نبي مميز ومفكر إسلامي معتدل. في نظرك ماهي أهم الأفكار التي طرحها بن نبي؟

- بن نبي يربط الحضارة بالفاعلية، بمعنى كل أمر ليس فاعلا لايسمى حضارة.

والثقافة عنده، ليست مايقدم للتلميذ في المدارس، الثقافة عنده تتعدى المدرج لتشمل الحياة. والثقافة عنده تبدأ، والمرء قي بطن أمه، كتلقين الأم، وطريقة غذاءها.

بن نبي أشار إلى نقطة في كتابه "إنتاج المستشرقين"، أن المستشرق المادح هو الأخطر على تراثنا ومجتمعنا من المستشرق الذي يذم. ولا أعتقد، أن أحدا من المفكرين ذكر هذه النقطة، لأنه من عاداتنا نذم الذي يذمنا، ونمدح الذي يمدحنا، لكن بن نبي يذم المستشرقين الذين يمحوننا ويحذّر منهم. لأن فيه قابلية للاستدمار، فيه ركون وكسل، وهذا الركون والكسل، يهيئ لاستقبال سلبيات المستشرقين المادحين.

 

السؤال التاسع: بن نبي له كتاب "شروط النهضة"، ماهي في نظرك شروط النهضة عند بن نبي؟

- بالمناسبة، كتب مالك بن نبي، تنقسم إلى قسمين.. القسم الفكري الإبداعي، والقسم المعاد، و"شروط النهضة" كان في بدايات مالك بن نبي سنة1948، حيث أبدع فيه.

في "شروط النهضة"، يتطرق لدور العنصر الجمالي في الحضاري، أي لاتكفي المادة بل لابد من العنصر الجمالي. وكذلك الذوق الجمالي في المأكل في المشرب، وهو الذي يميز الحضارة.

يتحدث عن المرأة، تخيل المجتمع الجزائري والاسلامي في سنة 1948، وحالة الرجل قبل المرأة، كيف كانت، ورغم ذلك يتحدث بن نبي عن المرأة، ويطالب في ذلك الوقت بإقامة مؤتمر دولي للنساء.

بالنسبة للحضارة، يرى أنه لاتكفي المادة، فيضيف لها عنصر التآلف. لايكفي أنك تملك، إنسان+ تراب+ وقت. هذه عناصر منفصلة، ولا بد أن تعطيها الحياة، وذلك بالتآلف فيما بين عناصرها.

ولا يكتفي بن نبي بالتآلف، فيضيف للحضارة عنصر الفاعلية. ثم يضيف لها العنصر الأخلاقي. وبن نبي يتعامل مع الحضارة من ناحيتها الانسانية.

ويعطي مثالا عن أندونسيا، حين يتطرق للعالم الألماني شخت، الذي إستطاع أن يجعل من ألمانيا المتقدمة المحطمة المنهارة إلى دولة قوية، بينما لم يستطع أن ينجح في أندونسا، رغم أن ظروفها المادية كانت أفضل من ألمانيا، ونفس العالم ونفس المادة. والسبب في ذلك أن ألمانيا تملك الفاعلية، وتملك كذلك القدرة على أن تولف بين عناصر الحضارة المذكورة.

وتعتبر الثقافة من شروط الحضارة. والثقافة عند بن نبي لاتعني إطلاقا العلم، لأنها أوسع من العلم. ويعطي مثالا حول الإنجليزي والعربي، معتمدا على الراعي والطبيب، فيقول..

نشترك مع الانجليز في أمور عامة. لكن تميّزنا الأمور الخاصة، والتي يجب أن نحافظ عليها. والغرب نستفيد منه في الجانب العام والانساني، لكن بالمحافظة على خصوصيتنا المتمثلة في الجانب الأخلاقي، الذي يميّزك ويرفعك ويحدد حضارتك .

بن نبي في سنة 1948، يتحدث عن التصحر، وهذا يعني أنه سبق عصره بكثير

 

السؤال العاشر: هل تحقق حلم مالك بن نبي؟

- أصيب بن نبي بصدمة عنيفة جدا، وكما قلت في بعض مقالاتي، أن القوة والشدة التي امتاز بها بن نبي، مردها إلى الصدمات التي تلقاها. لنحاول أن نعدد الصدمات، منها..

تلقى صدمة من عبد الناصر، لأنه أفرط في ميله لعبد الناصر، ثم خيّب ظنه.

تلقى صدمة من الساسة الأسيويين، خاصة فيما تعلق بكتابه "الإفريقية الأسيوية"، وأنفق في سبيله جهدا ووقتا ومالا.

أصيب بصدمة من السياسيين الجزائريين، إبان إسترجاع السيادة الوطنية، وأخص بالذكر بن بلة ، وبومدين.

أصيب بصدمة مع العلماء، لم يكن يتصور أن العلماء بهذه الطريقة. ضف لها الساسة والاستدمار الفرنسي.

وفيما يخص حلم بن نبي، هل تحقق؟. مازلت أحتفظ بحوار أجرته بنت مالك بن نبي مع يومية جزائرية، تقول ابنته رحمة فيما تنقله عن أبيها.. أنه سيعود بعد 30 سنة.

وفعلا بعد 30 سنة، فكر مالك بن نبي، انتشر، وكتبه إنتشرت، لكن الفكرة التي كان يسعى إليها، هل تحققت؟. شخصيا لا أظن ذلك.

وكذلك فكرته الافريقية الاسيوية، لم تتحقق.

 

السؤال الحادي عشر: ألا تعتقد أن بن نبي مشهورا فكرا وإسما، لكن فكره مغيب، لمن تعزو أسباب تغييب فكر مالك بن نبي، كواقع وممارسة.

- السبب في ذلك، أنه لم توجد لحد الآن مؤسسة فكرية سياسية باسم الدولة، تجسد أفكاره.

في كتاب له، يقارن بينه وبين ماركس. يقول أن الظروف التي أحاطت بفكر ماركس وكتابه "رأس المال" وشخصه، ساهمت في نشره وساعدته في التعريف به. بينما الظروف التي أحاطت بفكري وكتبي لم تساهم في النشر، ولا بالتعريف بأفكاري وكتبي، رغم أن ماكتبته كان الأفضل.

إذن مشكلة بن نبي، ليست في أفكاره، ولا كتبه، إنما في غياب المؤسسة الرسمية التي لم تتبنى أفكاره في الاقتصاد والسياسة والاجتماع ، وغيرها.

ضف أنه أصبح من الموضة أن تتحدث عن بن نبي. كأن يأتي سياسي ويفتخر بكونه درس عند بن نبي، ويكفي أني في كتاب لبن نبي، لم أتطرق عمدا إلى مقدمة السياسي الجزائري حول الكتاب، رغم أني قدمت مقدمة المقدمة، حول مقدمة ابنته للكتاب. والسبب في ذلك أن هذا السياسي الجزائري، أراد أن يستغل بن نبي للترويج لاسمه وسياسته. كل يريد أن يستحوذ على مالك بن نبي. بينما مالك بن نبي فاعلية. فحيث تجد الفاعلية، فذاك بن نبي.

إذن تلامذته لم يعطوه حقه من الفاعلية. وكذلك الدولة لم تجسّد أفكاره، عبر مشاريع اقتصادية وثقافية واجتماعية وغيرها.

السؤال الثاني عشر: كيف لمجتمعاتنا أن تستفيد من مالك بن نبي؟

بن نبي يعاتب الذين يتعاملون مع الحضارة على أنها مادة، فيقول بأن الحضارة هي التي تنتج منتجاتها، أي نتعامل مع المنتوج على أنه وسيلة وليس حضارة.

لابد من تقديم الواجب على الحق.

الثقافة ليست طابعا مدرسيا، لابد من نزع الطابع المدرسي من الثقافة لأن الثقافة حياة، هواء، نعيشها في مأكلنا في مشربنا في ملبسنا.

كيفية التعامل مع الغرب، الغرب لايمكن أن تتعامل معه إلا بعقلية ديكارتية، حسب مصطلح بن نبي.

التعامل مع الحضارة على أنها حياة، من بطن أمه إلى الممات، فالحضارة ليست زينة، ليست ترف.

لابد أن نتعلم كيف نستفيد من الذي يذمنا، والذي يمدحنا.

الصراع الفكري أدواته خفية، لابد أن نحسن فهم أدواته، وحسن تسييرها لصالح الأمة ونسيطر عليها، والأمة الآن ضحية الصراع الفكري المدار من طرف الغرب.

لابد أن تختار مرآة لنفسك، لأن الذي يتحكم في المرآة، كما يقول في كتابه "الصراع الفكري"، يوجهك الوجهك التي يريد.

ودراسة التاريخ والتراث، بعيوبه ومساوئه وحسناته ونقده.

دعني أشكرك، وأشكر الجزائر التي خرج منها مفكرون كبار، كمالك بن نبي، وشكرا لك لما قدمته من حركة وقول نهضوي لصالح الامة. شكرا لحضورك وهذه الدرر التي تفضلت بها علينا.

أرجو أني انصفت الرجل، وقدمت معلومات جديدة، وأعتذر إذا أخطأت في حق الرجل.

 

...............

طلب مني الأستاذ العراقي مصطفى العمري ، أن يجري معي حوارا عبر فضائية "الماس"،

https://www.youtube.com/watch?v=vyuSuoh558Q،

التي تبث بالولايات المتحدة الأمريكية، فوافقت دون تردد، وإختار موضوع مالك بن نبي، عبر حصة "قراءات معاصرة 10". وأشهد أنه لم يتصرف في الحوار، وكان أمينا صادقا، فشكرا جزيلا لما قام به.

معمر حبار

النائب القاضي قاسـم العبـودي شاعـراً .. في حوار خاص مع خلود الحسناوي

khoulod alhsnawi- اقــرب القصائـــد الى روحــي قصيـــدة (ترنيمة الروح).

- العـــــراق الجريــــح ننزفــــه وينزفنـــــا.

كم هو رائع ان تقرأ قصيدة او تستمتع بمعانيها .. فلابد لنا من ان نجمع من شتات حياتنا بودقة نحتفظ بها بكل ما تهوى النفس، لنتخلص بعض الشيء من أعباء الحياة ومشاغلها .. لكن ليس كل من تحمل المسؤولية قادر على ذلك الاّ ما ندر .. وها نحن مع شخص قد نسج من خيوط الحزن السوداء ترنيمة امل للأجيال القادمة، وأحبَ الصوفية وتأثـــر بهم، إضافة الى انه قاضٍ وجدناه اديباً يتذوق الشعر ويسبر غماره .. فبالرغم من مشاغله ومسؤولياته المتعددة إلاّ ان النائب القاضي قاسم العبودي وبين الحين والاخر يسجل ولادة قصيدة جديدة تلتحق بركب قصائده التي سبقتها، إضافة الى انه كاتبٌ من الطراز الممتاز، وقد صدرت له عدة مؤلفات منها (الثابت والمتحول) و(النظم الانتخابية وتأثيرها في النظام السياسي) الذي ذاع صيته لأهميته الكبيرة ونحن حديثي العهد بالممارسة الديمقراطية ..

ولكي نتعرف اكثر على هذا الجانب، اي الجانب الادبي في حياته اجرينا معه هذا الحوار ..

724-koulod 

كيف تقيمون الواقع الابداعي بكافة اشكاله الادبية والفنية والثقافية في هذه المرحلة القلقة والحرجة؟

- في البداية لابد من الاشارة الى مسألة مهمة وهي ان هذا الواقع في الوقت الحاضر او على الاصح بعد سقوط النظام السابق شهد انتقالة جذرية تامة بعد ان ان كانت هذه المجالات متخندقة طوعا اوجبرا في خندق قائد الضرورة وحزبه الواحد ..

الحالة الصحية موجودة وايضاً الحالة المرضية موجودة

فهناك من يسيء للادب وللثقافة وللفن وهناك الكم الكبير الذي يعمل جاهدا لترميم هذا الواقع المهم جداً

كوننا تعرفنا على حضارات عمرها الاف السنين من خلال المبدع وليس سواه ولكن الظاهرة الصحية هي التي تتسيد المشهد في هذه المرحلة والشواهد كثيرة من خلال استقلالية ومهنية الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق ونقابة الصحفيين ونقابة الفنانين -- وعدد اخر من المؤسسات الغير حكومية التي تدفع بالاتجاه الصحيح .

 

- متى تجد الفرصة في كتابة القصيدة والتأليف في مجال تخصصك القضائي؟

ـ القصيدة هي من تمنحني فرصة كتابتها سواء كنت في حالة حزن اوفرح العراق الجريح ننزفه وينزفنا، فلولاه ما كنا ولن نكون ولولانا لكان موطن غزاة اغراب، لذا لابد لنا ان نعبر عن ما يجول في خوالجنا وذواتنا عن هذا الوطن الغالي

اما القصيدة هي من تمنحني فرصة كتابتها سواء كنت في حالة

حزن اوفرح العراق الجريح ننزفه وينزفنا كي لا نجعلهم يعيشون ويحلمون باليأس، وهكذا هي القصيدة التي نحتاجها الان وفي هذه المرحلة تحديدا والنتيجة نشهدها اليوم على ارض الواقع، شباب بعمر الزهور يتسابقون مضحين بأنفسهم كي يبقى العراق وللأسف الشديد ليس هناك اسناد ادبي واعلامي كافي لكي يشد من عزيمتهم .

 

صدرت لك عدد من المؤلفات المهنية القانونية -- هل هناك نية اصدار مجموعة شعرية؟

- نعم هناك مجموعه شعرية مشتركة بيني وبين اخي الاكبر الشاعر والاعلامي محمد يوسف علي عنوانها (قصائد من رحم واحد) وفي الوقت الحاضر اخي وشريكي منشغل في الترتيبات من حيث التقديم والتخطيط وصورة الغلاف ومن يكتب المقدمة وعلى ما اعتقد ان الاديب الفريد سمعان امين عام اتحاد الادباء هو من سيكتب المقدمة

 

اقرب قصيدة للشاعر قاسم العبودي ولماذا؟

- (ترنيمة الروح ) هذه القصيدة هي الأقرب، وانا احب الصوفية واسمع الصوفية، فترات طويلة من القراءة والتأثير وتأثرت بهم، لا نتكلم بالجانب التقليدي الذي يقولوه البعض لكن الصوفية باطار عام بعيد عن التفاصيل والأشخاص هي عابرة للاديان والمذهبية هي ممثلة مجسدة بشكل حقيقي لمفهوم الإنسانية المفهوم الإنساني بذاته، ان تعرف نفسك تعرف الله، هذا يعني .. تعرف الخير، هذه مسألة مهمة جدا لذلك هؤلاء كان لهم فضل كبير في نقل الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي وبعد ذلك الادب والفكر العربي الى العالم، تُرجمت كتبهم الى عشرات بل مئات اللغات يعني عندما تقرأي للحلاج تجديه بكل اللغات لما تتكلم عن جلال الدين الرومي تقول ان كل العالم يقرأ الرومي والكل يعرفه .. والأستاذ نيكلسون قضى من عمره 36 سنة وهو يترجم بالمثنوي لجلال الرومي، ابن الفارض، غيره لذلك هذه القصيدة تجسيدا لهذا الجانب وبها انتقالات من التفعيلة للشعر العمودي لقصيدة النثر وكل الاشكال هذه موجودة فعــلا بهــذه القصيـدة ..

وهذه بعض ابيات من القصيدة ..

كفـــا ألماً تغـــض الــراح عنــي

فكـــأس الصبــر منكســـرا براحــي

اذا انا مانتشيـــت فلســت صاحـــي

هاقد صحوت فلا كأسٌ سُقيتُ به

من راحتيها ولا تختالك الخمرُ

ياهائما بهوى العشرين رق له

جار الغمامِ اذا ما زادك العمرُ

ساستفرغ الزمان

والمكان

وأعدو

لا أرى الجدران

فالله غادرها !

وحل

ترنيمة على شفتيك

وبين عينيك سؤال

 

خاص بالمثقف

 

حاورته خلــود الحسنـــاوي

.......................

النائب والاديب القاضي قاسم العبودي في سطور ..

القاضي قاسم حسن العبودي؛ قاضي، خبير قانوني، باحث في الفكر السياسي والقانوني.

عضو المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق.

تخرج من كلية القانون - جامعة بغداد، عام 1991/1992.

عمل في المحاماة منذ سنة التخرج

عين نائبا لمدير مركز العراق للأبحاث ومن ثم مديراً للمركز ورئيسا لتحرير مجلة معاً العلمية الصادرة عنه .

ثم تولى منصب قاضي ومدير الشؤون القانونية والاعلامية في مجلس القضاء الاعلى وناطقا باسم المجلس .

ورئيس لجنة المفصولين السياسيين في مجلس القضاء الاعلى.

وعضوا في لجنة شؤون القضاة ولجنة الاختبار والتقييم.

ورئيسا للجنة التحليل الخاصة بلجنة الاتصال والحوار الجماهيري والمرتبطة بلجنة صياغة الدستور.

عين مفوضا في مفوضية الانتخابات في 29/7/2007 ومن ثم رئيسا للادارة الانتخابية فيها.

عضو الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق.

عضو الاتحاد الصحفيين العرب.

عضو نقابة الصحفيين العرقيين.

عضو اتحاد الصحفيين الدولي.

له مجموعة من الكتب والبحوث والدراسات ومقالات منشورة في الصحف المحلية والدولية منها ..

ـ كتاب الثابت والمتحول في النظام الفيدرالي.

ـ بحث حول (المظهر الحسي للعبادة) .

ـ دراسة حول تغيير المناهج.

ـ قراءة في قانون الانتخابات رقم 96 لسنة 2004.

ـ الاطار القانوني للانتخاب وأثره على الارادة الشعبية.

وسلسلة مقالات حول الدستور العراقي الدائم .

ـ الجوانب المالية والاقتصادية في النظام الفيدرالي.

التعددية الحزبية في العراق.

ـ له مجموعة شعرية تحت الطبع، تم نشر جزء منها في الصحف العراقية.

ـ بحث حول ضمانات حرية التعبير في التشريعات العراقية.

حوار مع الشاعرة الفلسطينية سلمى جبران

salmajobran- أنا إنسانة أمارس صراع البقاء منذ ولادتي

- بدأت كتابة الشعر في جيل 12 عاماً، ولكني لم احتفظ بما كتبت، وفقط الآن أفهم حكمة القدر في جرياني الدائم وعدم احتفاظي بـ "تحف أثرية" لا مكان لها في آني

- الكتابة هي لسان الذات أو لغة النفس

- ليس بمقدوري تقييم أية حركة ثقافية، ولكنني مدينة لكل من وما ساعدني على الحفاظ على جذوري والبقاء على قيد الوعي وعلى قيد الحرية وعلى قيد الحياة

- الحب هو حالة للمشاعر لا تعرف العدم، وفيها ينمو الأطيب في الذات والأطيب في الآخر

 

سلمى جبران شاعرة فلسطينية تقيم وتعيش في عروس الكرمل حيفا، أكدت حضورها في ساحتنا الثقافية والأدبية بجدارة وتميُّز، من خلال قصائدها التي نشرت لها في صحفنا ومجلاتنا الأدبية، وفي مجموعتها الشعرية الأولى " لاجئة في وطن الحداد " التي صدرت لها قبل فترة وجيزة، وجاءت في أربعة كتب، وهي :" دائرة الفقدان، الحلم خارج الدائرة، متاهة الحب، حوار مع الذات" . لا تبحث عن الشهرة، ولا تلهث وراء النقاد، إنها تكتب لتعبر عن خلجات قلبها ونبضها وجرحها ووجعها الداخلي، وتعنى بإنضاج الفكرة، وتجمع بين حروف كلماتها قطوفاً من الرومانسية والرقّة والحلم والدفء الإنساني والمشاعر الصادقة، ونلمس في نصوصها الخيال الخصب الواسع المتجسد في الدلالات والإشارات والمعاني العميقة. ولتسليط الضوء على تجربتها الشعرية كان لي معها هذا الحوار :

 

- من هي سلمى جبران؟

- السؤال عام جدًّا، ولكنّي أقول: أنا إنسانة أمارس صراع البقاء منذ ولادتي وأصبح ذلك جزءًا من مبناي الدّاخلي الذاتي نفسيًّا وشعوريًّا وفكريًّا، وأرى أنّ هذه الحالة تنعكس عليّ حتى جسديًّا. نجحت في كل مراحل حياتي أن أتصاحب مع الألم والحزن ومع كلّ صعوبات الحياة التي واجهتها والتي أحيانًا اخترتها وأحيانًا أخرى اختارتني. كَوني أُمًّا عصف بحياتي عصفًا غير اعتيادي بسبب ظروف استثنائيّة عشتها ولا أريد أن أكتب عنها، أو أن أُحلِّلَها لأنّني أرى أنني إن فعلتُ ذلك فأنا أستحضرُها ولستُ أُجيد استحضار الأرواح!

أُحبُّ في نفسي بساطتي التي مكّنتني في غالب الأحيان أن أرى الأمور على بساطتها وبدائيّتها ممّا جعلني أصل إلى عمقها وأبقى هناك طويلًا حتّى أتعب أو حتّى أصل إلى سراب! أقدِّس الإنسان روحًا ونفسًا ويطول تأمُّلي في سبُل ممارسته الحياة حتّى أملّ!

بالنسبة لتحصيلي الدّراسي والمهني فهو يشبهني تمامًا: طمحت بالوصول إلى لقب ومهنة ثمّ لقب ثانٍ ومهنة أخرى وعندما وصلت شعرت أنّني أعود إلى نفسي وقرّرتُ أن "أربح نفسي ... دون أن أربح العالم"!

 

- حدثينا عن بداياتك الشعرية، وما هي المؤثرات في تكوين تجربتك الإبداعية؟

- بدأت كتابة الشِّعر في جيل 12 عامًا ولكنّني لم أحتفظ بما كتبت، وفقط الآن أفهم حكمة القدر في جرياني الدّائم وعدم احتفاظي بـ "تحف أثريّة" لا مكان لها في آني. تربّيت على أصوات الزّجل والمناجزات الشّعريّة والتغنّي بالمتنبي وأبو فراس الحمداني والجواهري وسليمان العيسى وأبو سلمى. وأكثر من أثّر بي وجعلني أحلّق في أجواء سماواته هو جبران خليل جبران حيث انتشيتُ هناك بالحب والرّوحانيات والآلام المقدّسة. بعد هذه المرحلة لم أكتب شعرًا لفترة غير قليلة ولكنني عشت شعرًا كتبه لي الحب المعمّد بالألم وهذا الشِّعر الذي سكن كل خلاياي كنتُ أسمعه في داخلي وكَتبتُ بعضًا منه في المرحلة التّالية.

 

- الكتابة ماذا تعني لك، وهل لك أي طقوس خاصة؟

- الكتابة هي لسان الذّات أو لغة النفس. الكتابة في كل مراحل حياتي هي علامة وجودي وتواصلي مع نفسي ومع واقع حياتي. لكل حالة كتابة طقوسها الخاصّة وكل الطقوس تنبع من حالة هدوء وتوحُّد تتجلّى في حوار مع الذّات يهدف إلى حوار مع الوجود ومع الدُّنيا.

 

- لمن تقرأ سلمى جبران، وماذا تقرأ، ومن يعجبك من الشعراء العرب المعاصرين؟

- حاليًّا أقرأ روايات تكشف عن أعماق ذاتية إنسانية مثل: "العطر" لزوسكيند– "ذاكرة غانياتي الحزينات" لجابريئيل ماركيز – "الغريبة" لمليكة أوفقير – "صمت الفراشات" لليلى عثمان – "إنانة والنّهر" لحليم بركات– "سيّدة المقام" و"طوق الياسمين" لواسيني الأعرج وطبعًا "باب الشمس" لإلياس خوري، قرأتها مرّتين على الأقلّ، والكثير من الرّوايات الأخرى التي تكشف خبايا النفس البشريّة. أقرأ أيضًا الأدبيات المهنية العلاجيّة، مثلًا إرفين يالوم، فرجينيا ساتير ووين داير.

وعن الشعراء العرب المعاصرين، فأنا عشت شعر محمود درويش وأعتبره السّماء التي تغطي الشّعر العربي الحديث وتنقله إلى كونيّة خاصّة متكاملة خالدة لا تعترف بالعدَم. وكذلك يعجبني شعر راشد حسين وحنا إبراهيم وسميح صبّاغ وحسين مهنّا وتوفيق زياد وسالم جبران. ولكنّني شربت قبلهم من نبع جبران ونزار قبّاني وعبد الكريم الكرمي وسليمان العيسى ومعروف الرصافي وإيليا أبو ماضي والجواهري وغيرهم.

 

- الحركة الثقافية في الداخل الفلسطيني كيف تقيمينها، وهل هي قادرة على استيعاب كل التجارب الإبداعية؟

- بما أنّني أومن بالفردية وخصوصيّات الفرد، فأنا أُتابع أفرادًا أثروا بي وبالآخرين وأثاروا حب استطلاعنا لاكتشاف قدراتنا الذّاتية وقدرات الآخرين وسكبوا نورًا على مواطن الجمال والحرية في العالم. لذلك ليس بمقدوري تقييم أية حركة ثقافية ولكنني مدينة لكلّ من وما ساعدني على الحفاظ على جذوري والبقاء على قيد الوعي وعلى قيد الحريّة وعلى قيد الحياة. التجارب الإبداعيّة لا تأذن أحدًا بالدخول إلى الوعي الثقافي العام وهي "تملك نفسها ولا تريد أن أحد يملكها" مثل المحبة الجبرانيّة، ولذلك فالقدرة على استيعابها، في أي مكان أو زمان، هي قدرة لانهائيّة.

 

- حركة النقد في بلادنا، ما رأيك فيها؟ وهل للعلاقات الشخصية أثر في الكتابة النقدية؟

- لم أقصد أن أقرأ نقدًا أو أن أتابع "الحركة النّقديّة" ولكن من خلال اطلاعي على مجموعة كبيرة من المقالات النّقديّة أدركت خصوصيّة النّقد في بلادنا وخضوعه إلى عدّة معايير أحدها "القرب من الصّحْن". ولكن طبعا هناك من النقاد المحليين، أمثال شاكر فريد حسن، مَن أعطى حقًّا وأوجد مساحةً ل"البعيدين عن الصّحْن". لم أقرأ أدبيات نقد أكاديميّة وأنا على ثقة أنّ هناك نقدًا ذا مصداقية في هذه الأدبيّات، رغم أنّ العلاقات الشخصيّة في مجتمعنا تطوّرت و"تعصرنت" من علاقات قبليّة حمائليّة إلى علاقات حزبيّة عقائديّة أعجز عن تحليلها وأظن أنّها تؤثِّر بشكل أو بآخر على الكتابة النّقديّة.

 

- هل لدينا شعر مقاومة فلسطيني اليوم، أم أنه انحسر وتلاشى؟

- أعتقد أن من أبرز قصائد المقاومة كانت قصيدة: "سجِّل أنا عربي" وأذكر أنها كانت في حينه إثبات وجود وحق، ولكن تنكُّر محمود درويش التام لها كان صارخًا و"لاعب النّرد" تجاوزتها بقرون وأبعدتها. أي حقّ أرجعه شعر المقاومة؟!! الشعر تعبير عن المشاعر وعما يدور في كياننا ووجودنا- ولذلك مجرّد التعبير هو مقاومة للعدم وللموت. محمود درويش قاوم العبودية الذاتية وحرر نفسه وارتفع إلى الكونية الإنسانية مهملًا كل قيد نضعه حول أنفسنا أو يضعه حولنا المضطهِد. بعضهم امتلك "لقب" المقاومة مقترضًا إياه من المضطهِد نفسِه ومدينًا له به ... وسألتني سابقًا عن ظاهرة "صناعة النجوم الأدبية"؟!! وأجيب: هل كان "شعر المقاومة" ظاهرة أم حالة منشودة أم موجودة!!؟

 

- ما هي الموضوعات التي تطرقت إليها في مجاميعك الشعرية؟

- الحزن- الفقدان- الحب – القبليّة – التقاليد الاجتماعيّة والعائليّة – العقليّة الأبويّة الذّكوريّة – الأمومة – التعامل مع الظلم والاضطهاد – التناقضات في التعامل مع المرأة – ظواهر النرجسيّة الذكوريّة ضد المرأة – الوحدة – الغربة – المحبّة – التمرُّد – الحلم – الصدق مع الذّات ومع الآخر – الوعي – اللاوعي – الروح – الحرّية – المعاناة – الحنين- الموت – الصمت – الحوار مع الذّات – الجنون – اللغة والحروف – الضعف – البدائيّة - الوطن كحلم ذاتي.

 

- ماذا يعني لك الحب، الوطن، الغربة، وكيف تتجلى هذه المفردات في قصائدك؟

- الحب هو حالة للمشاعر لا تعرف العدم، وفيها ينمو الأطيَب في الذّات والأطيَب في الآخر.

الوطن هو الوجود الآمن للنفس في المكان والزمان المتاحين وفي المساحة الذّاتية الخاصّة. والغربة هي الوجود في مكان وزمن غير آمنين وعيش صراع البقاء بشكل دائم. فالغربة والوطن بالنسبة لي حالتان متزامنتان وغير متناقضتين في البعد الذّاتي الفردي. أما الوطن بالمفهوم السياسي القومي الاجتماعي فهو مفردة جنّنتني على مدى عقود ولم أفهم منها غير لغتي التي أعشقها.

تتجلّى هذه المفردات في القصائد التالية:

متزامنتان وغير متناقضتين في البعد الذّاتي الفردي. أما الوطن بالمفهوم السياسي القومي الاجتماعي فهو مفردة جنّنتني على مدى عقود ولم أفهم منها غير لغتي التي أعشقها.

تتجلّى هذه المفردات في القصائد التالية:

 

- وطني يسكنني

 

وطني يسكُنُني ويهاجِرُ بي

يودِعُني سِرًّا

أرَّقَ مضجَعَهُ

لا يفقهُ إن كانَ

بكاءًا أم شدوًا

أو كانَ نعيمًا أم نارًا واقِعُهُ

يتوطَّأُ أرضًا،

يعتنقُ الحُلْمَ فيصحو

لا يجِدُ مكانًا في دنيا

باتت تتزاحمُ فيها أضدادٌ

ما فيها أحدٌ مَعَهُ

فارتادَ بقاعَ الدُّنيا

ينشُدُ وطنًا

في الرّيحِ مواقِعُهُ

وتهاوى الحُلْمُ،

تحوَّلَ وطني روحًا

في كلِّ حواسي مَوْقِعُهُ !

(جديدة وأُلقيت في حفل توقيع رباعية "لاجئة في وطن الحداد" (التي صدرت في شهر 12- 2014) في النادي الثقافي الأرثوذكسي في حيفا. وهذه قصيدة من ديوان لم يرَ النّور بعد)ونشرت في منتدى الدكتور محمد البوجي. للأدب والنقد والفكر.

 

- الحـبُّ يموتُ ليحيا

 

الموتُ يحدِّقُ في عينَـيَّ

وينساني

يتركُني أحيا بينَ

أزقَّـةِ دربي، يرعاني

ويناجي فيَّ هوايَ

ويُطْلِقُـني، فـأُعاني

وأَحـنُّ إلى قيدٍ حرَّرَني

من عِـبءٍ أضْـناني

فأروحُ أُفتِّشُ في

مـاضيَّ وفي أحزاني

عن لـحظةِ حـبٍّ

كَفَرَتْ بقيودِ زماني

وأتاحتْ لي أن أحيا

لحظةَ عشقٍ أحمرَ قاني

أن أنسى فيها

كلَّ عذابٍ يتحدَّاني

أَنْ أَنسى نفسي فيها

فيذوبُ كياني

تتحـلَّلُ فيها كلُّ حياتي

فتصيرُ دقائقَ وثواني

أحياها بينَ الكأْسِ

وبينَ الأُخرى

فتزيدُ حرارةَ شِرياني

يتوطَّنُ في بدَني خمرٌ

قد أَحرَقَ فيَّ جنوني،..صحَّـاني

لم يسرقْ من عمري

لحظةَ غفوٍ بل أرَّقَ أجفاني

لـكنِّي لم أُدرِكْ عتمةَ دربي،

لم أُدرِكْ سرَّ مكاني

وقطعتُ الدَّرْبَ أُفتِّشُ فيهِ

عن كلِّ فصولِ الأرضِ

لألقى نَـيْسـاني

لم ينبضْ فيَّ فؤادٌ

لم تولدْ بسمةُ حبِّي

في أيِّ ربيعٍ ثاني

أدركْتُ بأنَّ الحبَّ

يموتُ ليحيا

ويبدِّلُ قيدي بقيودٍ أَرقى

ويحدِّدُ عنواني...

 

- حُبُّكَ صارَ جَوْهَرْ

لم يكن حُبُّكَ يا روحي

بريقاً عابرًا

يزهو ويظهَرْ

لا ولا كان حِليًّا،

لؤلؤًا أو حجرًا أخضرْ

لم يكن عقدًا يحيط

عنقي، لم يكن جوهرةً

لم يكن خاتمَ مَرْمرْ

لم يكن لونًا يُحيلُ لونَ

وجنتيْ أحمرَ أحمرْ!

لا ولا كان كلامًا

ولقاءً ووعودًا... كانَ أكبرْ !...

كلُّ ما فيهِ حياةٌ

وأحاسيسُ فؤادٍ

واعِدٍ يزهرُ .. يكبُرْ ..

بل كانَ شمعةً تُضيئُني

أُضيئُها فتبقى شُعلةً

فلا تذوبُ، لا تُصْهَرْ

لكنَّ شمعَها أَحالَهُ

الحُبُّ رُخامًا لَيِّنًا

لا يتكـسَّرْ

فصارَ قلبُنا وصارَ حُبُّنا

أُحجِيَةً يصعُبُ أن تُفسَّـرْ

لم يعد فيها بريقٌ أو

عطورٌ أو قشورٌ

صارَ جَوْهَرْ ! ...

 

- أسـرارُ المحبَّــة

تزهو وتشرقُ في دمي

أسرارُها ويعيدُني

تعريفُها للبدءِ

يغمرُني بنورِ حقيقةٍ

ترقى وتكبرُ بينَ أعطافي

فيصغُرُ أن ينافِسَها خيالُ

في عالمي تخبو تعاريفُ المحبَّةِ،

جُلُّها فكرٌ وآراءٌ وإحساسٌ وأقوالُ ..

وأخوضُ فيها رحلتي بحثًا

عنِ القيَمِ الجميلَةِ

كلِّها، فيصُدُّها في خاطري

شكٌّ وتهجُرُها خِصالُ

هل تنتهي فينا المحبَّةُ

حينَ تحجبُها شروطٌ

أو يُحاوِرُها كمالُ؟

 

- غـريبــة

غريبةٌ أنا وحيدةٌ

أحسُّ متعتي بغربتي

تخطفُني الحروفُ، تستغِلُّ

أحزاني ويُتْمَ وحدتي

تأخُذُني إلى برّيّةٍ بريئةٍ

يظلُّ فيها النّورُ ساطعًا

وهازِئًا بأحزاني وظُلْمَتي ..

تستيقِظُ الأَحلامُ في زوايا

قلبِيَ المهجورِ ترتقي

وتستَثيرُ بي محبَّتي

تختلطُ الرُّؤى بعالمي

أحسُّها تغيَّرَتْ تبدَّلَتْ

هل تستَفِزُّ بي موتي

بنورِها أمْ أَنَّهُ يشِعُّ

شاهِدًا ولادتي!

 

 

- ما هي القصيدة التي تعتزين فيها وتودين تقديمها للقراء؟

- أنا أحب كل قصيدة كتبتها، ولكن توجد عندي قصائد تشبهني كثيرًا وتعبّر عنّي وأحبُّها بشكل خاص. من هذه القصائد: "وطني يسكنني" (من ديوان لم يرَ النّور بعد)– "صورة البنت الخجولة" –"قالت ليَ الآهات" – "آتي لخابيتي" وغيرها.

ولكنني أختار قصيدة:

 

إغـــــلاق دائـــــــــــــــرة

 

صلَّيْتُ وجُلْتُ وحُمْتُ

ودارتْ روحي

في كلِّ فضاءاتِ الكَونْ

وحملتُ جروحي

كي تأكُلَ في نفسي

كلَّ طحالبِ ماضيَّ الغائبِ

كي تجلوَ عنّي عِللًا

تُمْعِنُ في زَرْعي في

ذاتِ البَيْنِ لكي أحيا البَيْنْ

حلَّقْتُ وغاصتْ نفسي في نفسي

فتبيَّنَ في عُمقي خدْشٌ

يتعافى منْ وطَنٍ يتأرْجَحُ

فوقَ عروشٍ تتعَفَّنُ

يتعافى من عُقْمِ نفوسٍ

قَلَبَتْ قِيَمًا وتمادتْ

تنشُرُها وتبثُّ الهَوْنْ

لكنّي أزمعْتُ بأن تترجَّلَ روحي

كي تكشِفَ في مَيدانِ الدُّنيا

عن أصلِ الَّلوْنْ!!

(من ديوان لم يرَ النّور بعد)

 

- هل لديك مشروع ثقافي مُعيَّن تسعين لتحقيقه؟ ما هو؟

- لا أعرف بالضبط ماذا يعني مشروع ثقافي. لدي مشروع ثقافي علاجي ولم ينفَّذ بعد، ولكنه في البال دائمًا وهو عبارة عن منتدى لقاءات شهريّة لمجموعة صغيرة، وفي اللقاءات ندخل الموسيقى والقراءة والفكر والهواجس الذّاتية لنجد مفهومًا جديدًا لحياة كلٍّ منّا. أما عن المجموعات الشّعرية فإنني قررت بعد رباعية "لاجئة في وطن الحداد" أن أنشر ما كتبت بعدها وما سأكتب.

 

- كيف ترين دور المثقف في أيامنا هذه؟ هل تغير هذا الدور؟ وكيف ترين علاقة المثقف بالسلطة؟

- مفهوم المثقف مفهوم عام وضبابي إلى حدٍّ بعيد. ولكن سلامة موسى وصف المثقف بالعارف والملمّ، و"المعرفة قوة" حسب الفيلسوف فرنسيس بيكون (عام 1620). لذلك دور المثقف كان كبيرًا ومؤثِّرًا في السابق دون ربط الثقافة بالألقاب الأكاديميّة. مفهوم المعرفة اليوم تغيَّر إلى حدٍّ كبير. إذا كان المثقف مبدعًا، فإنني أرى أن للمبدع دورًا وجوديًّا كبيرًا حيثُ لا يبقى من الإنسان بعد فنائه الجسدي إلا ما أبدع. والإبداع هو تعبير عن شعور وحالة ذاتية خاصّة وفريدة من نوعها أو إلقاء ضوء على تجربة ذاتية، ولذلك يسمّى إبداعًا لأنه إنتاج جديد وممكن أن يكون فنيًّا أو أدبيًّا أو فكريًّا. وبناءً على ذلك للمبدع دور وإسهام في بناء التراث الإنساني. لا أظن أن الإبداع والسّلطة يتفقان لأن المبدع، بالتعريف، حُرّ.

 

- مفهومك للحرية، وهل المرأة الفلسطينية نجحت في انتزاعها؟

- الحرّيّة بمفهومها العام هي مساحة ذاتيّة فرديّة تضمن البقاء والنّمو وهي حق مطلق للفرد. إذا أدرك الفرد ما لا حقَّ له به فعندها حقّه وحرّيته يتكاملان. لا أظن أن المرأة الفلسطينية أو العربيّة بشكل عام تمارس حريتها بشكل طبيعي. تقاليدنا وعاداتنا وحضارتنا مليئة بالتناقضات فيما يتعلق بالمرأة. ولذلك انتزاع الحرّية لا يمكن أن يكون سهلًا أو ثوريًّا ولكنه سيرورة فردية واجتماعيّة حتميّة.

 

- ما رأيك بالتجارب الشعرية الشبابية، وفي ظاهرة "صناعة النجوم الأدبية"؟

- لست ملمّة بكل ولا بمعظم هذه التجارب، ولكن القليل الذي أعرفه منها أرى أن وجوده مبارك وإيجابي. أما عن ظاهرة "صناعة النجوم الأدبية" كما أسميتَها فإنّ منطق القلب والعقل يجهضها مع الزّمن.

 

- ماذا مع مشاريعك الأدبية المستقبلية؟

- أقرأ وأقرأ وأشعر دائمًا بالتقصير في هذا المجال وأكتب ما أشعر وما أحس أنه يكتبني. لا أفصل بين القراءة والكتابة والحياة. لذلك أي انجاز أو إصدار شعري لي لا أخطط له إنّما يولد خلال عمليّة التجدّد الدّائم الذي أعيشه. عندي مجموعة شعريّة جاهزة أفكر بنشرها بعد سنتين.

 

أجرى الحوار: شاكر فريد حسن

علي الطبري والدكتوره هناء البواب في حوار ساخن بين فلسفة الشعر وفن المونودراما ..

ali altabariمن مدينة الأدب والفن ومن المسرح السومري من ذي قار الحضارة والتاريخ إلى مدينة البحر الميت والبتراء والمدرج الروماني ومسرح عمون في الأردن لنلتقي ألشاعره والفنانه الدكتوره هناء البواب ..

التي نالت استحقاقها في تسيدها على خشبة المسرح لتصبح سيدة المونودراما في المملكة الأردنية الهاشمية ,كان لنا لقاء وحوار ساخن آملا أن يروق لكم من خلال أجوبتها الأكثر جمالا ..

 713-ali

س1 .. هنالك سؤال تقليدي يطرح نفسه د. هناء البواب معروفة في الوسط الأردني أكثر مما هي معروفة في الوطن العربي !! المتلقي بحاجة ليعرف من هي د. هناء البواب؟؟

- شاعرة وكاتبة أردنية، أعشق الوطن وتراب الأرض، صاحبة قضية ورسالة لن أتنازل عنهما مهما بلغ الأمر، أعشق قهوة أمي وصباح أمي، أحب العصافير حين صباحاتها، وأحزن للزهور حين ذبولها.

أستاذة جامعية أحمل درجة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها، مخرجة وكاتبة مسرحية.

 

س2 .. ماهي تجربتك الشعرية؟ وكيف كانت بداياتك؟

- تجربتي الشعرية متواضعة ولا تعدو أن تكون محاولات في عالم مبهر من الكتابة، وبداياتي مع القلم حيث تكون الحياة رسما، كنت طفلة حين حاولت الرسم بالكلمات، وحين قلت لنفسي يجب أن أكون.

 

س3 .. وجدتك شاعرة وفنانة أيهما اقرب لنفسك الشعر أو المسرح؟؟

- الشعر كتابة الروح بداخلي ولا أختاره فهو يهجم هجوما حيث لا مجال للهروب منه فأرجوه أن يسكن بعيدا عني لأستريح ولكني لا أقدر عليه، فهو اللعنة التي أصابتني ولن تنفك عني.

أما المسرح فأنا من يختار كتابة النص، ويختار روح الكلمة وأبدع في رسم لوحة متكاملة من العبارات والألفاظ، والنغمة الموسيقية وأضع الألوان لتكتمل اللوحة، ومن ثم أخرجها أنا شكلا متكاملا للناس.

 

س4 .. ما هو منجزك الشعري؟ وما هو آخر ديوان صدر لك؟

-         لدي ثلاثة دواوين شعرية :

أولها: جدار الأعين الخرساء وهو المنجز الأول الذي بكيته كثيرا ورجوته ألا يكون فكان.

الثاني: لعنة الشعراء وهو الديوان الأكثر نضجا وتجربة عميقة في الحياة وهو يعبر عن لعنة الشعر على الشاعر والمتلقي.فالشعر كلعنة الفراعنة حين تصيب الشخص لا تنفك عنه، وكلك لعنة الشعر فيعيش الشاعر مهووسا بالشعر ومن ثم يموت ليرثى بقصيدة.

الثالث: للحزن عيون تعرفني وهو تحت الطباعة سيصدر قريبا.

 

س5 .. للشعراء لغة خاصة تترجم قصائدهم ضمن أحداث ووقائع وظروف يمر بها فهل تأثرت قصائدك بأحداث المجتمع وعالجت قضية ما؟

- بالطبع، فالشاعر تسكنه قضية مهمة وهم جماعي قبل الهم الذاتي، وكيف له أن ينفلت من حياة يرسمها اليوم بقلمه وتؤثر به كالطفل الصغير فتبكيه، فحين أرى الدماء تسيل في الشوارع، وأرى الحياة تنقلب على عقبها، وأرى مخالب الأسد تنقض على أهلنا ألن يبكيني ذلك ويؤثر بي ليكون شعري ترجمانا لحال يعيشه المجتمع حولي.؟؟

 

س6 .. هل الدراسة الأكاديمية أضافت وطورت من قدراتك الإبداعية في بناء القصيدة؟ والدراما؟؟

- بالتأكيد لها الأثر الأكبر في تنمية الثروة اللغوية، وليست هي السبب الرئيس، لأن الشعر موهبة، وكم من شاعر بلا شهادة، ولكن الدراسة الأكاديمية أعطت الفرصة بداخلي للقراءة والمتابعة الحثيثة المتواصلة التي لا يمكن إلا أن يكون لها الأثر العميق بقصد أو بدون قصد داخلي.

 

س7 .. ما هو تقيمك وقراءتك عن الشعر الحر , من العراق السياب ونازك الملائكة , ومن فلسطين فدوى طوقان وصلاح عبد الصبور من مصر؟؟ ومحمد الفيتوري من السودان؟؟

- الشعر الحر هو الثورة الحقيقية على الشعر الأصيل، وهو عمود وركيزة لا يمكن أن يتحرر منها الشاعر، فهو المساحة الأكبر للشاعر للتعبير عن ذاته ومكنونه في لحظة يجب أن يمتلك فيها زمام الشعر.

وكم من شاعر أبدع في الشعر الحر وكان مثالا موازيا لتلك القامات العريقة في تلك الدول.

 

س8 .. أي من الشعراء العرب لفت أنظارك وتأثرت به شعراء المعلقات؟ شعراء العصر الأموي؟ شعراء العصر العباسي؟ الشعر العربي الحديث؟

- من شعراء المعلقات امرؤ ألقيس فهو خير من كتب الحرف وترجم الحب والحرب والحياة.

أما مارد العصر الأموي فهو بشار بن برد الذي أسرني وهو يتلاعب باللفظ والحركة والصوت في كلماته.

ومن مبدعي العصر العباسي الشاعر الفحل أبو تمام في بديعيا ته الشعرية

أما العصر الحديث كيف لي أن أنفلت من سيطرة بدر شاكر السياب الرائد الحقيقي للشعر الحديث.

وجميعهم في الشعر قد جاريت.

 

س10.. عودة للمسرح .. أعطني خبزا ومسرحا أعطيك شعبا مثقفا .. ما هي البنية التحتية الثقافية في بلدكم الأردن وهل للمسرح دورا بارزا في التأثير على حياة المجتمع؟؟

- المسرح أبو الفنون، وهو اللغة الأصيلة التي نوصل بها الرسالة القوية للناس، وحين نخطب لساعات لا نؤثر في الناس كمشهد مسرحي لدقائق، لذلك الأردن تأخذ مساحة جيدة في التثقيف المسرحي، والبنية التحتية المعبرة للناس، فالمسرح الجاد يكاد يكون من أهم الفنون المسرحية التي يقدمها المسرح الأردني اليوم للتعبير عن مكنونات الفنان والكاتب والمخرج معا.

 

س11.. كيف وجدت نفسك فنانة مسرحية وما سر اختيارك للمونودراما كونها نتاج فن القول والسرد القصصي؟؟

- أحب نفسي شاعرة موهوبة أكثر من أي شيء آخر، ولكني لست بعيدة عن الكتابة المسرحية، فما يجول بخاطري من مونولوج داخلي أترجمه في كلمات خارجية ليعبر عنها الفنان الواحد على خشبة المسرح بقوة وجدارة، فذلك الفنان المونودرامي الذي يمثل نصا لي هو من يتحدث بلسان هناء البواب ويعبر عن مكنوناتها الداخلية.

 

س15 .. يقام في ألمانيا سنويا مهرجان ثيسبيس العالمي للمونودراما وفي الوطن العربي أقيم مهرجان الفجيرة الدولي للمونودرما ومهرجان اللاذقية والكويت وبغداد والسعودية ومصر والمغرب وفلسطين . فهل كان لك حضور في احد هذه المهرجانات؟ وما هي الأسباب من عدم إقامة مهرجان للمونودرما في المملكة الأردنية الهاشمية؟؟

- لم أشارك في أي مهرجان مسرحي للمونودراما وذلك لأني تحدثت بأني أطرح نفسي شاعرة أولا، ولكي تبدع في أمر ما يلزمك التخصص، ولا يعني ذلك أني لا أجيده فأنا أجيده وبجدارة وحصلت على لقب سيدة المونودراما الأردنية، ولكن الأردن لها عدة محاولات بسيطة وهي من جهات خاصة لعمل مهرجانات دولية وعربية في هذا المجال ولم تلق صدى واسعا لليوم.

 

س17 .. هل حققتي الطموح من خلال مسرح عمون؟ وما هو آخر عمل لك؟؟

- مسرح عمون هي خشبة الفن والشعر والثقافة والأدب واللغة ومن هذا المكان كنت أنا...ولولاه لم أكن صاحبة الصوت القوي المعبر، ولم أكن هناء الشاعرة وهناء المخرجة وهناء الكاتبة، فمسرح عمون قدم لي أكثر مما قدمت له، وكان لي الأب والصاحب والعشيق والمؤنس، فلا أكتب إلا بين زوايا هذا المكان، ولا أبوح بدواخلي إلا حين أصرخ بين مقاعده، ولا أخرج ما بداخلي إلا بلحظات بكاء على خشبته.

 

س18 .. هل حاولتي نقل تجربتك الفنية للطلبة كونك استاذة جامعية من اجل تطوير قدراتهم؟؟.

-    جميع مسرحياتي المونودرامية هي من أداء طلبة الجامعة، فلا أعمد لممثل معروف، فكل ما أعنيه هو الاهتمام بتلك الطاقات العجيبة الموجودة لإخراج مكنوناتها والاهتمام بها,

وعلى صعيد آخر مسرح عمون يقدم وجبة ثقافية مهمة للشباب الموهوبين عبى أرض الوطن ويحقق لهم حلما لم يكونوا ليحلموا بتحقيقه وهو الوقوف أمام جمهور متميز ونخبة من النقاد للاستماع لهم.

 

س19 .. ما هي الرسالة التي تحبين إيصالها للمتلقي العربي؟

- أقول بملء فمي كونوا كما تريدون...أقول للشاعر مدّ بصرك للحياة، وللكاتب كن قلمك لتكتمل رسالتنا معا.

 

س20 هل قدمت نصا شعريا ممسرحا؟

- نعم قدمت مؤخرا نصا شعريا بعنوان:

حوار حبيين تحت الحصار، وهو من واقع حياتنا ومجتمعنا وكيف لحبيبين أن يلتقيا في خضم الحياة التي يعيشونها تحت الحصار.

وتم تمثيل المشهد الشعري على شكل مسرحية شعرية على خشبة مسرح عمون وهذا جزء من النص.

حوار حبيبين تحت الدمار... هو:

يساورُ خاطرَ الشّوقِ انهزامُ

ويتبعُهُ شعورٌ مستهامُ

 

أهذي الأرضُ منها طينُ وجهي

وهذا الحالُ في البلوى يُرامُ

 

يُذبّحُ من يقولُ أحبُّ أنثى

ويصفعُ قلبَهُ الظّامي، اختصامُ

 

يعذبُ عشقَنا هذا الدمارُ

بدنيا .. قد غزاها الإصفرار

 

هنا قتلٌ وتشريدٌ وعشقي

حزينٌ كم يمزقه انفطارُ

 

وعشقُكٍ صبوتي في ظلِ عيشٍ

كئيبٍ فيه يقهرنا الحصارُ

 

حصارُ الموتِ في كل الجهات

نرى الموتى .. متى يأتي الفرارُ

هي:

حبيبَ القلبِ موتٌ خلفَ موتٍ

يحاصرُنا، على الدّنيا سلامُ

 

سلامٌ من غرامٍ مات طفلًا

يبعثِرُهُ ضياعٌ وانتقامُ

 

غرامٌ شبَّ في صدرِ القوافي

هنا في القلبِ ما زال الغرامُ

هو:

حبيبةَ أعيُني، قلبي حزينٌ

يقطّعُهُ التناحرُ والرّغامُ

 

فكيف نحبُّ والأيّامُ ثكلى

ودارُ العشقِ يخنقُها الخصامُ

 

كأنّ العشقَ في وطني حرامُ

أيا ليلى، فهل حبّي يُضامُ

 

 

 

هي:

حبيبَ القلبِ، إنّك في عيوني

كأنّكَ من دمِ القتلى، الحَمامُ

 

كأنّكَ أمنياتٌ قد تهاوت

على ظلمٍ تقدّسُهُ الأنامُ

 

كأنّك جرحُ قلبي إذ تخطّى

خريطتُهُ، السعادةُ والوئامُ

 

تمنّاها، أشاحت عنهُ خدًّا

يلطّخُهُ الخلافُ والاحْتدامُ

هو:

أنا رجلٌ وقلبي بيتُ أنثى

هي الآمالُ، إذ أزِف الغمامُ

 

أنا غيمٌ يصلّي فوق جفنٍ

لعاشقةٍ، لها قلبي إمامُ

 

عيونُكِ قِبلتي، رغمَ انتحارٍ

لهذا العشقِ، أيدينا اليَمامُ

 

تطيرُ لتملأَ الأجواءَ عشقًا

لأنَّ الأرضَ، يسكنُها قتامُ

هي:

رويدَك يا محبُّ خلعتَ قلبي

وحزنُكَ داخلي، يصحو، ينامُ

 

رويدَك، خذ دمي، شريانَ قلبي

أخافُ عليهِ - من سوءٍ – يُسامُ

 

 

فحبُّكَ عيدُ قلبي، لا سرورٌ

بغيرِكَ أنت، إحساسي صيامُ

 

دعِ الأوجاعَ في وطنٍ تمادى

بقهرِ العاشقينَ إذا استهاموا

هو:

أنا يا ليلُ، أغنيةُ اشتياقٍ

سيعزفُها بلوعتِهِ ركامُ

 

وتحملُها قلوبٌ من زهورٍ

فكيف لعشقِنا، ظلمًا يُلامُ

 

هي:

سيبقى عشقُنا، يحيا ليحيا

لأنَّ العشقَ يفديهِ الكرامُ

 

برغمِ الموتِ نحيا، إنّ عشقًا

مُضيئًا لن يغيّبَهُ الظلامُ

 

هو:

وهذا وعدُ روحِ العشقِ، صدقًا

يصحُّ العشقُ إذ يبقى الذّمامُ

 

لقد قالوا زمانًا، عن غرامٍ

وقد صدقَ المحبّينَ الكلامُ

 

(إذا قالت حذامُ فصدّقوها

فإن القولَ ما قالت حِذامُ )

 

 

س21 هل كان للمرأة نصيب من شعرك؟

ديواني الأخير هو تعبير عن تجربة حالة المرأة في حياتها ما بين الأم والعشيقة والحبيبة وتلك المرأة التي خانها الرجل والمرأة التي انتظرت رجلا لسنوات وهجرها...و...و....

من هنا كل امرأة تقرأ نصا في ديواني الأخير تجد نفسها بين ثناياه ومن ذلك نص:

قِبلةُ الأهداب ..

 

هي وحدها والليلُ في أهدابِها

سَفَرٌ يمرُّ على غلافِ كتابِها

 

هي والدّموعُ السائلاتُ تحيطُها

بالخوفِ يحملُها لدربِ سرابِها

 

لم تدّخرْ غيرَ الجمودِ وصيّةً

تُتلى بلا لغةٍ تقومُ ببابِها

 

تعفو ولا تغفو، وتفصحُ دونما

لفظٍ يخزّنُ حزنَهُ بجوابِها

 

هي والسّحابةُ، قبلتانِ ووردةٌ

ملأت بعطرِ الشّوقِ كلَّ رحابِها

 

سبحانَ روحُ العشقِ كيف تضمُّها

وتفرّقت وجعًا بعمقِ عتابِها

 

كان العتابُ يحاصرُ الذّكرى ولم

يرحم زمانَ جمالِها وشبابِها

 

كان الشبابُ براحةٍ يُمنى له

بيتا وكان يتيهُ باستقطابِها

 

منسية هذي الخطوطُ بوجهِها

وهي التي رسمت خطوطَ عذابِها

 

تمشي وتسبحُ في الهواءِ، وقاربُ

الغيمِ المخيفُ يشقُّ موجَ عُبابِها

 

ظنّت بأنّ الحبَّ منطقُ آدمٍ

هذا الذي شربَ الأسى بغيابِها

 

خضراءُ تورقُ في عيونِ حبيبِها

ولأجلِهِ ضنّت على أحبابِها

 

فتحت له الكفّينِ، جنّةَ قلبِها

رسمتْهُ بدرًا في سطورِ خطابِها

 

وحبتْهُ مفتاحَ المشاعرِ وحدَهُ

رفعتْهُ، لكنَّ الوضيعَ هوى بها

 

أتدوسُ قلبًا كنتَ فيهِ ولم تزل

حتّى تحلِّلَ بوحَ سَوطِ عقابِها

 

يــــــــــا ليتَها قتلت فؤادًا دلَّها

خطأً عليكَ، أيا جنونَ صوابِها

 

وعلى شرودِ الأمنياتِ تعلّقت

تتلو كؤوسَ الخوفِ من تسكابِها

 

ذابت شموعُ النُضرةِ الـ عاشت لها

مذ كشّرت ذكراكَ عن أنيابِها

 

 

عطشًا سألتَ لقطرةٍ منها فهل

تعطي نشازًا شبَّ في أعصابِها

 

مخنوقةٌ هذي العواطفُ إن طغَت

بلواعجٍ تختــــــــالُ فوقَ نصابِها

 

سنواتُها احتُطِبت وما زال الغموضُ

رفيقَهـــــــا ومسبِّبَ استغرابِهــــــــا

 

قلبي حديقةُ عــــــــــــاشقٍ مستتبعٍ

ضوءَ الحبيبةِ شهدُهُ برضــــــــابِها

 

فإذا صدقتَ فثمّ قلبُ حبيبةٍ

وجِّهْ وقل: اللهَ في أهدابِها

 

ختاما شكرا لسعة صدرك في إجابتي على أسئلتي المتواضعة تقبلي فائق الاحترام .

 

حوار مع النائبة الاء الطالباني

706-emad- هناك مناطق متنازع عليها جغرافيا وتاريخيا وهي جزء من كردستان وسترد بالقانون والدستور.

- تخفيض الراوتب لا يشمل الموظفين.

- قضية احمد ابراهيم ليست ارهابية، نحن من سلم احمد الى القضاء واستغلت لدعاية انتخابية.

- من حقي زيارة احمد العلواني

امرأة ناجحة، قدمت للسياسة الكثير على حساب حياتها العائلية. عائلتها تساندها وعلى رأسهم زوجها والتي تعتبره سببا كبيرا وراء نجاحها. عملت في مؤسسات عديدة في الحزب. فصلت سياسيا في العام 1988 ثم فصلت مرة اخرى في العام 1990 قبل الانتفاضة. كانت مسؤولة تنظيمات الحزب الكردستاني ايام المعارضة في الخارج، كانت عضو علاقات في لندن، بعد العام 2003 عادت الى العراق واخذت مناصب حزبية مسؤولة المنظمات الجماهيرية داخل الحزب ايضا عملت عضو داخل الاتحاد الوطني الكردستاني الى ان اصبحت نائبة في البرلمان ، اردنا تسليط الضوء على بعض نقاط في حياتها السياسية وخصوصا عملها البرلماني الا الطالباني في هذا الحوار...

ما تقييمك لمجلس النواب في دورته الحالية بعد انقضاء الفصل التشريعي الاول؟

- نحن عند تقييمنا لاي مؤسسة يجب ان نضع في عين الاعتبار الوضع السياسي والبيئي التي تعمل به المؤسسة وكما هو معروف ان مجلس النواب لديه صلاحيتين او سلطتين بالدرجة الاولى تشريع ورقابة واذا حكمنا على هذا الاساس نعم نحن بالفصل التشريعي الاول لم نستطيع التصويت على قوانين ، التشريعات جدأ ضعيفة وايضا من الناحية الرقابية كان هناك ايضا تلكوء ويعود سببها عدم تشكيل اللجان ربما اذا حكمنا بهذه الشاكلة نستطيع القول ان ما تم انجازه ليس بمستوى الطموح هذه تعود لاسباب منها دوام البرلمان ، جلسات البرلمان ، نقاش المواضيع الاساسية ومن ضمنها قضية النازحين التي اخذت الكثير من النقاشات البرلمانية ، نقاش وضع النازحين واتخاذ القرارات وزيارة المعسكرات وطلب دعم ومراقبة اللجان الرقابية الخاصة بالنازحين حتى في قضية الموازنة هناك تخصيصات للنازحين ، ايضا قضية الوضع السياسي والامني اخذت حيزا كبيرا من نقاشات البرلمان لم تمر جلسة الا ونوقشت قضايا امنية كتدهور الوضع الامني وقضية ارهاب داعش بالدرجة الاولى ، واستهداف الشباب ، قتل جماعي ، موضوع الاقليات ، استهداف اليزيديين والشبك وكل مكونات الشعب العراقي الامر الاخر قمنا باستضافات داخل البرلمان عدد كبير من وزارات الدورة السابقة ووزرات الحكومة الحالية وامنيين ، التحقيق في قضية سبايكر ايضا ما كانت قليلة في خارج قبة البرلمان جلسات عقدنا اجتماعات كثيرة سواء هيئة الرئاسة مع رؤساء الكتل السياسية ، لجان تحقيق جانبية ، فاذا قمنا بقياس الاداء البرلماني على هذا الاساس نستطيع القول ان ما قدمناه شيء منجز جيد واهم شيء الصورة السياسية لاداء البرلمان اليوم هناك تناسق وتناغم بين حكومة المركز والاقليم وهذه كانت غائبة في الدورة السابقة وهذا يؤثر على تشريع القوانين.

 

انتي نائبة لاكثر من دورة ما مدى فعالية المرأة في العمل البرلماني؟

- سؤال مهم نحن من تعبنا تثبيت مبدأ الكوتا "تعبير لاتيني يعني نظام انتخابي يهدف الى ضمان حقوق الأقليات في الانتخابات العامة للوصول إلى السلطة السياسية والكوتا تشكّل تدخلاً إيجابياً لتحقيق المساواة والتقليل من التمييز بين فئات المجتمع المختلفة وخصوصًا بين الرجال والنساء تقتضي "الكوتا النسائية" بتخصيص عدد محدد من المقاعد في الهيئات التشريعية للنساء أي في المجالس النيابية، بحيث لا يجوز أن تقل عدد المقاعد التي تشغلها النساء عن النسبة المقررة قانوناً، أي أن هناك حصة نسائية محددة لابد من شغلها من قبل النساء" في الدستور العراقي وتحديدا للسلطة التشريعية يعني انا اتشرف اني كنت من ضمن المجموعة الحركة النسائية الي ثبتنا الكوتا في الدستور وناظلنا من اجلها ما لا يقل عن 25% وهذا نابع من ايمانا انه المرأة يجب ان تكون موجودة في كل المحافل وموجودة في كل مؤسسات الدولة اليوم الامرأة تنتخب مثل ما ينتخب الرجل فما المانع من ان يكون لها حظور في السلطة التشريعية والتنفيذية وغيرها ، تحديدا التشريعية نحن نشرع قوانين تمس المجتمع تمس شرائح كثيرة انا اعتقد المرأة تشعر بمعاناة هذه الشرائح اكثر من الرجل وهنا انحاز قليلاً لذلك ضروري وجودها في تشريع القوانين نحن نريد مشاركة سياسية للمرأة ليس فقط مشاركتها في قضايا المرأة والارامل والايتام والاسرة او الصحة فمن حقها التحدث بالقضية السياسية الامنية العسكرية النفط الثروات وهذا ما يحدث النائبات تدخلاتهم بالبرلمان بالجلسات لا يقل عن الرجل اذا ما يزيد وهناك شهادة من اكثر من مؤسسة في العراق بانه حظور المرأة باللجان ومشاركتها اقوى من الرجل.

 

وهل هذا يثير حفظية الرجل داخل البرلمان؟

- لا المفروض ابدا كل نائب عندما يجلس باللجلسة داخل البرلمان امامه مايك ويطلب الحديث لايوجد فرق بين من يتكلم اكثر او اقل فما المانع اذا المرأة قامت بالمداخلة او الرجل ، من الذي يمنع حظوره اكثر منها او اقل ما الذي يمنع ان يكون له حظور باللجان ويشارك ، حتى في الزيارات الميدانية ارشيف البرلمان يشهد ان الزيارات الميدانية النساء اكثر من الرجال فهذا الشي محل اعتزاز لنا على الرغم من انه لحد الان امرأة واحدة فقط رئيسة كتلة سياسية بالبرلمان وهذا مؤسف فالمرجو تحقيقه بالدورات القادمة رئيسات لجان ورئيسات كتل سياسية عدد اكبر.

 

برأيك ما السبب وراء وجود امرأة واحدة فقط رئيسة كتلة بالبرلمان؟

- هذه ثقافة هناك جملة من الامور ليس لان المرأة غير كفوءة اليوم انا بكفائتي اصبحت رئيسة كتلة هذا لا يعني انه لايوجد امرأة كفوءة بالكتل الاخرى ولكن هذا بحاجة الى تفهم اكثر من القادة السياسيين في المجتمع بانه المرأة لاتقل عن الرجل وهي ايضا بدورها يجب ان تتعب وتناضل.

 

فسر الرأي العام العراقي ان تصريحات مسعود البرزاني حول الاراضي التي تم تحريرها من قبل البيشمركة وضمها الى اقليم كردستان تعبر عن بوادر انفصال الاقليم عن المركز ردك على ذلك؟

- اليوم نحن نعيش بمرحلة حساسة واي تصريح يصبح له تفسيرات غير صحيحة السيد مسعود البرزاني لا اريد التعليق على تصريحه لكن انا اعتقد اليوم نحن نواجه معركة شرسة اسمها داعش والارهابيين وهناك مناطق اساسا هي متنازع عليها يعني هي مناطق جغرافيا وتاريخيا نحن نعتبرها جزء من كردستان ولو هذا الكلام غير صحيح ما كان الاخرين وافقوا ان يدخلوها بالدستور اذا هذا ليس مجرد ادعاء نحن لا ندعي ان هذه المناطق من حق كردستان بل الاخر موافق على هذا الامر لانه اثناء كتابة الدستور العراقي عند طرحنا قضية المناطق المتنازع عليها قدمنا الوثائق الدلائل وبالتاريخ والجغرافية كلها جعلت الطرف الاخر مقتنع تماما بأحقية هذه المناطق لاقليم كردستان وعلى هذا الاساس وافقوا على ان يجعلوها مبدأ او مادة بالدستور وحلها بالطرق القانونية والدستورية نحن لازلنا متمسكين بان حل موضوع المناطق المتنازع عليها تأتي عبر القانون وعبر الدستور العراقي وطبعا بتوافق جميع المكونات.

 

برأيك موازنة 2015 مفتاح الحل بين اقليم كردستان وحكومة المركز؟

- الاتفاق الذي حصل هو مفتاح الحل وسوف نقننها بالموازنة اكيد يعني ان شاء الله هذه بداية حل المشاكل بالرغم من ان المشاكل ليس بالامر السهل حلها ولكن هذا لا يعني انه لا يمكن حلها اذا ما وجدت الارادة من قبل الطرفين هذا يعني ليس فقط من قبل الحكومة الاتحادية بل حكومة اقليم كردستنان ايضا يجب ان تعرف بانه حل مشاكلنا مع الحكومة الاتحادية لا يتحقق الا بالتوافق وفي الجلسة التي عقدت قبل ايام جاء الوفد وتم الاتفاق على قضية النفط وبهذا نستطيع القول احد المفاتيح والعقد انفتحت وهذا يعني انه المشاكل الاخرى العالقة من ضمنها المادة (140) " والتي تضمن محو آثار التعريب والتهجير والطرد بصورة نهائية وعودة المناطق الكردستانية بما فيها مدينة كركوك، الى إقليم كردستان بصورة سلمية" ومن ضمنها تعويض المتضررين وغيرها من القضايا ممكن حلها من خلال الجلوس والتفاوض والتفاهم.

 

تخفيض رواتب الرئاسات الثلاث بين مد وجزر البرلمان والحكومة هل البرلمان جاد في تخفيض الرواتب وهل توجد جهة معارضة لهذا التخفيض داخل البرلمان؟

- انا لا اعتقد هناك من يعارض تخفيض الرواتب العليا ولكن عندما نقول الرئاسات الثلاث الرئسات يوجد فيها موظفين نحن اكدنا على ان تخفيض الرواتب لا يمس الموظفين في اي من هذه الرئاسات يجب ان نضعها الية ان تخفيض الرواتب يشمل من هم بدرجات عليا في هذه الرئاسات نحددها بالقانون.

 

هل يوجد تنسيق او عمل مشترك بين برلمان المركز والاقليم وما هو انعكاسه على الشارع العراقي بصورة عامة؟

- نحن بالدورة الاولى اشيد بانه كانت هناك زيارات اكثر ولقاءات ولكن في الدورة الثانية ليس لسبب سياسي او سبب مقصود بل ان وضع البلد بشكل عام والتهميش الحاصل والمشاكل بين الكتل السياسية والتنافر الذي حصل بين الكتل والعلاقة المتوترة بين البرلمان والحكومة وغيرها من هذه الامور التي انعكست سلبا وايضا مشاكل بغداد واربيل بصورة عامة عدم وجود تنسيق بالفترة الاخيرة هذه كان لها دور بان العلاقة بين برلمان المركز وبرلمان الاقليم لم تكن بالمستوى او حتى لم تكن موجودة بالفترة الاخيرة ، قبل مدة في هذه الدورة الخاصة بالتشريع السابق وفد من الحكومة المركزية قام بزيارة الى اقليم كردستان واتفقوا على ان تكون لجان مشتركة ودائمية ويتبادلون المعلومات خاصة في القوانين التي يتطلب فيها رأي كردستان او القوانين الاتحادية التي تشمل العراق باقاليمه.

 

حديثينا عن منتدى حضر الاسلحة العنقودية بصفتك رئيسة له وما مدى فعالية المنتدى للحد من استخدام الاسلحة العنقودية؟

- منتدى برلماني لسلاح صغير وخفيف هذا المؤتمر خاص بالاسلحة العنقودية متشكل من 12 سنة وانا اترئسه لاكثر من سنتين ومنذ فترة ايضا انتخبوني مرة اخرى لرئاسته سنتين قادمتين، العراق له دور في هذا المنتدى باعتبار نحن نعاني من قضية تسريب السلاح، نحن طبعا لا نتحدث بالمنتدى هدفنا الاساسي ان يكون السلاح في يد الدولة الهدف ان السلاح يحصر بايد القوى العسكرية والنظامية ونحد من حيازة السلاح بايد المدنيين وهذه تأتي من خلال تشريعات لان المنتدى برلماني ونحن عملنا من خلال اللجان البرلمانية المختصة سواء لجان الامن والدفاع لجان الموازنة نراقب عملين قانون الاسلحة تحد حيازة الاسلحة وتضع ضوابط على من يمتلك السلاح من المدنيين طبعا والاخر ان لجان الموازنة والدفاع تراقب موازنة وزارة الدفاع والداخلية تراقب تجارة الاسلحة لان من خلال تجارة الاسلحة في كل دول العالم تقريبا او اغلبها تسرب للسلاح وفساد في صفقات الاسلحة ونحن نتحدث تحديدا عن الاسلحة المحظورة ايضا دوليا وايضا تسريبها في السوق السوداء من خلال الحدود بين الدول.

 

ومن يدعم هذا المنتدى؟

- دول كثيرة من العالم في اوربا وامريكا اللاتينية ودول عربية دعمت العراق، نحن استضافينا احد المؤتمرات في اربيل قبل سنوات وايضا قبل اشهر المملكة الاردنية الهاشمية استضافت ندوة ، اوربا الاتحاد الاوربي والبرلمان الاوربي والاتحاد البرلماني الدولي ايضا يدعمون السويد المانيا يعني خارجية الكثير من الدول تدعم هذا المنتدى لان هي قضية مهمة جدا.

 

ما طبيعة زيارتك لاحمد ابراهيم قاتل الصحفي محمد بديوي خاصة وان بعض الاراء فسرت على ان هذه الزيارة على انها ذات طابع سياسي؟

- في البداية اريد ان اؤكد على امر هو توقيت زيارتي الى احمد متى كانت ،انا اشرع قانون لست خريجة قانون ولكني مشرعة فاكون دائما منتبهة لبعض الامور انا لم ازر احمد طيل فترة محاكمته لكي لا يفسر الامر باني اريد التأثير على القضاء او سير القضاء انا مؤمنة تماما باستقلالية القضاء وبتطبيق القانون نحن لا ندعي دولة قانون نحن نريد دولة قانون حقيقية لذلك انا كنت حريصة كل الحرص ان ادع كل الاجراءات القانونية تاخذ مجراها وياخذ هو جزاءه حسب العدالة ومن ثم زرته كأي سجين اخر واليوم ارهابي بالسجن اليس من حق الاخرين زيارته خاصة بعد ما تنتهي محاكمته ويؤدي مدة محكوميته وانا زرته نيابة عن اهله اليوم اهله يسكنون في منطقة على حدود ايران طيل فترة محاكمته لم يستطيعوا زيارته لان الحكومة العراقية وهذا كان خطأ 5 اشهر حققوا معه في قضية ارهاب بينما قضية احمد لم تكن ارهاب فحتى كان ممنوع الزيارات فانا زرته لانه كانت لدينا معلومات واكيدة هذه المعلومات ومن مصادر دقيقة وواصل الى اهله هناك من يريد ان يقتل احمد في السجن هناك برنامج وتخطيط لاغتياله فاهله جاءوا واخبرونا بتلك الاخبار فانا زرته وكان قصدي انه يشوفون صوره حتى نؤكد ان احمد موجود وانا زرته حتى اؤكد هذا الامر وكنت حريصة ان اذهب بعد الحكم عليه وانتهاء الاجراءات القانونية حتى لايفسر بانه الا الطالباني رايحة تريد التأثر على القضاء وتحصل له البراءة او مثل الادعاءات التي خرجت نريد ان نهربه نحن لو كنا نريد تهريبه كنا هربناه من اول يوم بالعكس نحن من سلمنا احمد او نحن طلبنا من احمد ان يذهب ويسلم نفسه ومن قال انه انتي ذهبتي للقاتل وتركتي المقتول نحن على اتصال بزوجة الشهيد اني شخصيا الا الطالباني غير التحالف الكردستاني غير د. فؤاد معصوم رئيس الجمهورية الي كان رئيس تحالف غير رئيس الجمهورية مام جلال انا شخصيا طلعت بيان ادانة في اغتيال البديوي وطلبت ان القضاء ياخذ مجراه انا ارجوا ان لا تتحول هذه القضية الى قضية عنصرية ولا عرب كرد احمد ما قتل هذا الشخص لان يعرف هو كردي ومحمد عربي مثل ما ادعى بعض الصحفيين انه قتل العقل والنابغة وان القتل متعمد لا احمد لم يكن يعرف الشهيد محمد من هو ولكن مشادة كلامية بين احمد والشهيد كانت السبب في هذا الحادث ولكن هناك ناس تريد ان تستفيد من اثارة هذه القضية والخطأ الاكبر كان مع الاسف رئيس الوزراء المالكي ذهب في يومها وقال الدم بالدم في دولة القانون ، وهناك من استغلها من اجل الدعاية الانتخابية الحادثة كانت قبل الانتخابات لكن هذا الامر انتهى ارجوا ان لا تصبح قضية عنصرية الشخص اخطأ اخذ جزاءه وبيت الشهيد استلموا مبلغ وصارت هناك تسوية وزوجة الشهيد اخذت مبلغ انا قبل فترة صار اتصال معها وانا في خدمتها هي واولادها الان زميلنا استاذ احمد العلواني في السجن اني شخصيا اريد زيارته زميلي ومن حقي زيارته مع العلم هو اتهم بقضية ارهاب يعني لا شيء يمنع زيارة سجين.

 

الا الطالباني مع ام ضد الاقاليم في العراق وخصوصا هناك توجه كبير نحو المضي الى اقليم البصرة؟

- انا اعتقد انه كانت لدينا فرص اخرى ان نشكل اقاليم بالعكس اني اتأسف لعدم الاستجابة لنداءات سابقة لتشكيل اقاليم صلاح الدين طلبت و رفضت ديالى طلبت رفضوها بالدورة السابقة الان البصرة لازالت كررت تطالب لكن انا مع تشكيل الاقاليم بتوافق بس طبعا الاقاليم لا تكون على اسس عنصرية طائفية معينة لا الاقاليم حتى المنطقة هذه تاخذ استحقاقها من واردات هذا البلد تاخذ استحقاقها من الخدمات تاخذ استحقاقها من التعيينات من الشرطة من الجيش من غيرها ثم لا يخدم ابناء المنطقة غير ابنائها ، الاقاليم سوف تحد من المركزية الموجودة اليوم بدلا من اين يأتي ابن البصرة وابن ديالى الى بغداد لعشرات المرات لاكمال المعاملات الرسمية، وهناك من يفسر الاقاليم بداية لتقسيم العراق وهذا غير صحيح لان تشكيل الاقاليم يعني تثبيت الفيدرالية والفيدرالية كمصطلح سياسي لايعني الا الاتحاد يعني نحن مجموعة محافظات او اقاليم متحدين في دولة واحدة ولكن استغرب الى الان سياسي يقول الفيدرالية هي تعني تقسيم هذا لم يفهم شي من القانون الدولي ، نحن نؤيد تشكيل الاقاليم بما يرضي المنطقة وان لايكون على اساس طائفي عرقي الاقليم اساسه خدمة هذه المنطقة على ان يكون في التوقيت المناسب و عن طريق استفتاء شفاف ونزيه وواضح لماذا نريد تشكيل اقليم.

 

الفيلسوف والسياسة .. حوار مارتن هايدغر لمجلة Der Spiegel

hamoda ismaeliترجمة وتقديم: بتاريخ الفلسفة، عرفت عدة انعطافات، أبرزها انعطافة نيتشه الذي قلب الطاولة الفلسفية على اعتبار أن قيمها لا تصلح للحياة بعدما تحجرت أخلاقياتها، عند نيتشه هناك لزوم لقلب التاريخ الفلسفي حتى ينقلب الخطاب الميت أو الداعي/الممجد للموت إلى خطاب نحو الحياة والوجود والمرح. عند هايدغر يصل الأمر لأكثر من ذلك، باعتبار أن ذلك التاريخ بانعطافاته ليس سوى انحرافا في التفكير، "تناسيا" كما يصفه في تأويلاته الأنطولوجية، بذلك تطلب الأمر العودة لأسس ذلك التاريخ ـ الإغريقي بجوهره ـ للتساؤل مجددا حول أهم المقولات الفلسفية كـ"الإنسان"، "الوجود"، و"الفكر". لوضع التفكير في اللامفكر فيه، أو التفكير مجددا بأننا لم نكن نفكر. هايدغر كما هو مفكر إبستيمولوجي ذا خطاب فلسفي (بامتياز) هو أيضا بالعمق مفكر سياسي بالمعنى الواسع للممارسة السياسية: كتنظير/رؤية/توقع. في هذا الحوار الذي أجراه معه كل من رودولف أوغشتاين وجورج وولف لمجلة الشبيغل الألمانية ب23 سبتمبر (أيلول) 1966: يتداخل ما هو فلسفي بما هو سياسي في حديث هايدغر ـ الذي يتجلى بكامل هيئته الفكرية ـ حول رؤيته للحضور الإنساني الحديث والحالة الراهنة للعالم، ليرتكز بحديثه أكثر على السياسة التكنولوجية للعالم اليوم، الوضع الذي تصفه الفرنسية سيمون دي بوفوار بتعبيرها: "مهما كانت الدولة، رأسمالية أو اشتراكية، فالإنسان مسحوق أينما كان من طرف التكنولوجيا، التي تجعله متغرّبا عن عمله، مسجونا، ومجبرا على التخلف".

تم نشر الحوار بـ31 من شهر ماي (أيار) سنة 1976، بعد خمسة أيام من وفاة هايدغر ـ بناءً على طلبه بأن لا ينشر الحوار بحياته ـ تحت عنوان "إله فقط هو من باستطاعته إنقاذنا"، وهي جملة تضمنها حديث هايدغر بالحوار، وتم اعتماد نفس العنوان بالترجمات التالية لهذا الحوار:

 

س: أستاذ هايدغر، لقد لاحظنا مرارا وتكرارا بأن مشروعك الفلسفي طغت عليه بطريقة ما أحداث بحياتك، بالرغم من أنها لم تدم طويلا، إلا أنها لم تُوضَّح، فهل ذلك عائد لافتخارك الكبير بها أم لأنك وجدت أنها غير مناسبة للتعليق؟

 

هايدغر ـ تقصد 1933؟

 

س: أجل، قبلها وبعدها. نرغب بوضع ذلك في سياق واضح ثم ننطلق من هناك نحو بعض الأسئلة ذات الأهمية بالنسبة لنا، مثل: ماهي الإمكانيات التي تتوفر عليها الفلسفة للتأثير بالواقع، بما في ذلك الواقع السياسي؟ وهل هذه الإمكانية لا تزال بعد موجودة بالمجمل؟ وإذا كانت، فممّا تتألف؟

 

هايدغر ـ إنها أسئلة مهمة. هل سأكون قادرا على الإجابة عن جميعها؟ لكن اسمحلوا لي أن أبتدأ القول بأنه لم يكن لدي ارتباط بأي نشاط سياسي قبل أن أصبح عميدا للجامعة. بشتاء سنة 1932/33، كنت في إجازة وقضيت معظم الأوقات بمقصورتي (بمدينة توتنبورغ).

 

س: كيف حدث أن أصبحت عميدا لجامعة فرايبورغ؟

 

هايدغر ـ بسبتمبر (أيلول) من سنة 1932، زميلي فون مولندورف، أستاذ التشريح، انتُخب عميدا. بجامعة فرايبورغ، العميد الجديد تولى منصبه ب15 من شهر أبريل. خلال دورة شتاء 1932/33 الدراسية، كنا غالبا نتحدث عن الوضع، ليس فقط الوضع السياسي، بل أيضا وخاصة عن وضع الجامعات، عن وضع الطلاب ـ والذي كان، بشكل ما، ميؤوس منه. رأيي كان: بقدر ما أستطيع الحكم على الأمور، أن الإمكانية الوحيدة التي ظلت هي محاولة موازنة التنمية الناشئة مع تلك القوى البناءة التي لا تزال حقا مفعمة بالحيوية.

 

س: إذن لقد رأيت أن هناك رابطا بين وضع الجامعة الألمانية والوضع السياسي بألمانيا عامة؟

 

هايدغر ـ لقد تابعت بالتأكيد مسار الأحداث السياسية بين شهر يناير (كانون الثاني) ومارس (آذار) سنة 1933، وتحدث عن ذلك بعدة مناسبات مع الزملاء الشباب كذلك. لكن في نفس الوقت كنت أشتغل حول تفسير ممتد يشمل فكر الماقبل سقراط، وببداية الدورة الصيفية عدت لفرايبورغ. بتلك الأثناء تولى الأستاذ فون مولندورف منصبه كعميد بمنتصف شهر أبريل. وفقط بعد أسبوعين، تم فصله عن منصبه من طرف وزير الثقافة بـبادن ساعتها، واكر. الواقع أن العميد قام بحظر نشر ما يسمى بالبيان اليهودي، وبالجامعة، كان ذلك كما هو مرجح، سببا للترحيب بالقرار الوزاري.

 

س: هل كان السيد فون مولندورف ديموقراطيا اشتراكيا. ما الذي فعله بعد إقالته؟

 

هايدغر ـ بيوم إقالته قدم عندي فون مولندورف وقال: "هايدغر، يجب عليك الآن تتولى إدارة الجامعة". قلت له بأني لا أفقه شيئا بالإدارة. نائب العميد بذلك الوقت، ساور (عالم لاهوت)، قام مع ذلك بحثّي على خوض غمار الانتخابات المقبلة حول المنصب، وإلا سيكون هناك خطر تعيين موظف كعميد. تناقشت مع الزملاء الشباب مسائل هيكلة الجامعة لسنوات، فحاصروني بطلبات لتولي منصب الإدارة. ترددت لفترة طويلة. بالنهاية أعلنت استعدادي لتولي المنصب، لكن فقط لأجل مصلحة الجامعة، وفقط إذا تمكنت من التيقن من إجماع المجلس الجامعي بالموافقة. ظلت الشكوك حول كفاءتي بالإدارة، بذلك، وبصباح يوم انعقاد الانتخاب ذهبت لمكتب العميد وأخبرت زملائي فون مولندورف (الذي بالرغم أنه أقيل من منصبه كعميد، إلا أنه كان حاضرا) ونائب العميد ساور بأنني لا أستطيع تولي المنصب. غير أن هذان الزميلان أجابا بأن الانتخابات أعدت بطريقة لم يعد ينفع بعدها أن أسحب ترشيحي.

 

س: بعد هذا أعلنت بالنهاية أنك مستعد. كيف إذن تطورت علاقتك بالاشتراكيين الوطنيين؟

 

هايدغر ـ بعد يوم من تولي إدارة الجامعة، حضر لدي قائد الطلبة مرفوقا بطالبين بالمكتب الذي كنت اشغله كعميد، وطلب مجددا بنشر البيان. فرفضت. غادر الطلبة الثلاث مؤكدين لي أن قيادة طلبة الرايخ (Reichsstudentenführung) سيصلها خبر الحظر. بعد ذلك بأيام تلقيت اتصالا من مكتب SA (كتيبة النازية السياسية) للتعليم العالي بالقيادة العليا SA، من شخص د.باومان قائد المجموعة-SA. قال بأن البيان المذكور، والذي سبق وضعه بالجامعات الأخرى، يجب أن يُنشَر. إذا رفضت، فمن المتوقع أن تتم إقالتي أو حتى تتعرض الجامعة للغلق. رفضت وحاولت استمالة دعم وزارة بادن للثقافة لقرار المنع. أوضح (الوزير) بأنه لا يستطيع فعل شيء يعارض الSA. فظللت متشبثا بعدم سحب قرار المنع.

 

س: ذلك لم يكن معروفا بهذا الشكل من قبل.

 

هايدغر ـ كنت بالفعل قد سميّت الدافع الأساسي الذي جعلني أقرر تولي منصب إدارة الجامعة بمحاضرتي الافتتاحية «ما الميتافيزيقا؟» قُدّمت بـفرايبورغ سنة 1929: "المجالات العلمية متباعدة عن بعضها البعض. فالطرق التي يتم من خلالها التعاطي مع مواضيعها مختلفة بالأساس. هذا التفكك المتعدد للتخصصات متماسك اليوم فقط من خلال التنظيم التقني للجامعات والكليات كما لا يزال يحتفظ بدلالته فقط بسبب الأغراض المحددة للإدارات. بالرغم من ذلك، فإن الجذور العلمية بأرضيتها الأصلية قد اضمحلت". ما كنت أحاول القيام به خلال مدة تولي للمنصب بالنسبة للحالة التي تعرفها الجامعات (والتي صارت اليوم متدهورة بشكل رهيب) تم توضيحه برسالتي الجامعية.

 

س: نسعى لمعرفة كيف وإذا كان هذا التصريح بسنة 1929 يتوافق مع ما قلته بخطابك الافتتاحي كعميد سنة 1933. ونقتطف هنا جملة من السياق: "الإشادة ب«الحرية الأكاديمية» ستصبح ملغاة من الجامعة الألمانية، لأن هذه الحرية ليست أصيلة بل لأنها سلبية". نعتقد بأن هذا التصريح يعبر على الأقل عن جانب من الآراء التي ليست بالغريبة عنك حتى اليوم.

 

هايدغر ـ طبعا، لا زلت على موقفي. بالنسبة لهذه «الحرية الأكاديمية» كانت بالعمق سلبية بامتياز: التحرر من مجهود الاندماج بالتفكير والتأمل الدراسي العلمي أمر متطلب. إضافة، إلى أن الجملة التي اقترحتموها لا يجب عزلها، إنما وضعها بسياقها. عند ذاك سيتوضح ما أردت تبيانه ك«حرية سلبية».

 

س: حسنا، هذا مفهوم. نعتقد بالرغم من ذلك، بأننا نسمع نبرة جديدة في رسالتك الجامعية وأنت تتحدث، بعد أربع شهور من ترأس هتلر للرايخ، حول "عظمة وروعة هذه الانطلاقة".

 

هايدغر ـ أجل، كنت مقتنعا بذلك أنا كذلك.

 

س: هل يمكن أن توضّح لنا قليلا أكثر؟

 

هايدغر ـ بكل سرور. بذلك الوقت لم أرى بديلا. في خضم تداخل الآراء والاتجاهات السياسية ل32 من الأطراف، كان من المحتم إيجاد هوية وطنية، وخصوصا اجتماعية، وجهة نظر، ربما على غرار محاولة فريديش ناومن. يمكن أن أشير هنا، كمثال، لمقالة إدورد سبارنغر الذي ذهب فيها أبعد مما برسالتي الجامعية.

 

س: متى بدأت بالتعامل مع الظروف السياسية؟ فال32 طرفا كانوا متواجدين لمدة طويلة. حتى أنه كان الملايين من العاطلين ب1930.

 

هايدغر ـ بذلك وقت، كنت منشغلا تماما بالمسائل التي قمت بتطويرها في «الكينونة والزمان» (1927) وبالكتابات والقراءات خلال السنوات اللاحقة. إنها مسائل جوهرية حول التفكير والتي تهتم بشكل غير مباشر بالقضايا الوطنية والاجتماعية. وكأستاذ جامعي، انشغلت بشكل مباشر بمسألة ماهية العلم، ومن ثم، تحديد مهمة الجامعة. هذه المحاولة عبّرت عنها بعنوان رسالتي الجامعية «إثبات الجامعة الألمانية لذاتها». لم تعرف رسالة جامعية أخرى بذلك الوقت عنوانا مخاطرا. لكن هل قام أولئك المنتقدون للخطاب بقراءته بروية، متفكرين فيه بجدية، ليفهموه من زواية نظر للوضع بذلك الوقت؟

 

س: إتباث الجامعة لذاتها، بوضع مضطرب، ألا يبدو ذلك بشكل ما غير ملائم؟

 

هايدغر ـ لماذا؟ "إتباث الجامعة لوجودها" كان ضد ما كان يسمى بالعلم المسيّس (السياسي)، كما كان يُدعى من قِبل الطلبة الاشتراكيين الوطنيين. كان للعنوان معنى مختلف عن الآن. لم يكن له ارتباط بـ"العلم السياسي" كما هو الآن، إنما بالأحرى ضمن: العلم على نحو معانيه وقيمه، وتقييمه باستخدامه التطبيقي لصالح الأمة (Volk). هذا الموقف المضاد للتسييس العلمي، تم التطرق له بشكل خاص في الرسالة الجامعية.

 

س: هل نفهمك بشكل صحيح؟ فيما يتعلق بالجامعة والذي شعرت بأنه "انطلاقة جديدة"، كنت ترغب بتأكيد الجامعة ضدا ربما على التوجهات الطاغية، حتى لا تُسلب للجامعة هويتها؟

 

هايدغر ـ بالتأكيد، لكن في نفس الوقت "تأكيد الذات" يعبر عن تحديد ذاتي لمهمة استعادة معنى جديد، في مواجهة التنظيم التقني المجرد للجامعة، من خلال التأمل في التراث الفكري الغربي والأوروبي.

 

س: أستاذ، هل نفهم من ذلك بأنك فكرت إثر ذلك بأن انعاشا للجامعة يمكن له أن يتحقق مع الاشتراكيين الوطنيين؟

 

هايدغر ـ هذا خطأ في الصياغة. كان يلزم الجامعة أن تتجدد من خلال تأملها الخاص، وليس من خلال الاشتراكيين الوطنيين، وبالتالي تكسب موقفا حازما ضد خطر التسييس العلمي - بالمعنى المعطى سابقا.

 

س: لهذا السبب أعلنت عن ثلاث ركائز برسالتك الجامعية: خدمة العمل (Arbeitsdienst)، الخدمة العسكرية (Wehrdienst)، خدمة المعرفة (Wissensdienst). من خلال ذلك، يبدو أنك فكرت بوجوب رفع خدمة المعرفة لمكانة مساوية، مكانة لم يقم الوطنيون الاشتراكيون بمنحها لها؟

 

هايدغر ـ ليس هناك من إشارة لأية ركائز. لو تمعّنت بروية، ستلاحظ على أنه بالرغم من أن خدمة المعرفة صُنفت بالمرتبة الثالثة، إلا أنها تصنف بالمرتبة الأولى من حيث دلالتها. فيجب الأخذ بعين الاعتبار أن العمل والدفاع، ككل الأنشطة الإنسانية، يلزمهما أن يرتكزا على المعرفة ويستنيران بها.

 

س: لكن يجب علينا (لقد اكتفينا تقريبا من الاقتباس البغيض) أن نشير لتصريح آخر هنا، والذي لا نعتقد بأنك لا زلت مقتنعا به لغاية اليوم. "لا تدع النظريات والأفكار تصبح قواعد لكينونتك. الفوهرر (Führer) نفسه ولوحده هو حاضر ومستقبل الواقع الألماني وقوانينه".

 

هايدغر ـ هذه الجملة لن تجدها بالرسالة الجامعية، لكن فقط في الصحيفة المحلية لطلبة فرايبورغ، وذلك ببداية دورة شتاء 1933/34 الدراسية. عندما توليت المنصب، كان واضحا بالنسبة لي أن ذلك لن يتم إلا بتقديم تنازلات. اليوم لن أكتب هذه الجملة التي استشهدت بها. بل حتى بعام 1934، لم أكن لأقول شيئا من هذا القبيل. لكن اليوم، واليوم أكثر إصرارا من قبل، كنت لأعيد الخطاب حول «إثبات الجامعة الألمانية لذاتها»، بالرغم من الإجماع بعدم العودة للقومية. المجتمع أخذ مكانه بالأمة (Volk). مع ذلك، فإن الخطاب لن يكون أكثر من زفير ضائع اليوم مثلما كان من قبل.

 

س: ربما سنقاطعك مجددا بسؤال؟ صار واضحا حتى الآن بالمحاورة أن تصرفك خلال 1933 كان يتأرجح بين قطبين. الأول، كان يجب عليك قول عدة أمور على غرار ad usum Delphini (باللاتينية ل"استخدام الدلفين"، إشارة للأعمال المنقحة لأجل الاستهلاك العام). هذا كان القطب الأول، القطب الآخر كان، بالرغم من ذلك، إيجابيا. عبّرت عنه بطريقة: لدي إحساس بأن هناك شيءٌ جديد، إنها انطلاقة جديدة - بالطريقة التي قلتها بها.

 

هايدغر ـ أجل صحيح.

 

س: بين هاذين القطبين - كان الأمر مقنعا تماما آخذين بالاعتبار زواية النظر للوضع بذلك الوقت..

 

هايدغر ـ أكيد. لكن يجب أن أشدد على أن مفهوم ad usum Delphini لم يقل الكثير. آمنت في ذلك الوقت بأن هناك مسارا جديدا يكمن بالاستجواب المجابه مع الاشتراكية الوطنية، بل الطريق الوحيد الذي ظل، نحو نهضة ما، يمكن لها أن تنبثق.

 

س: أنت تعلم بأنه نتيجة ارتباطك هناك بعض الاتهامات الموجهة ضدك وتتعلق بتعاونك مع حزب العمال الألمان الوطني الاشتراكي (NSDAP) وشركائه. هذه الاتهامات بشكل عام يعتقد بأنها لا تزال غير قابلة للنقد لحد الآن. فقد اتُّهمت، على سبيل المثال، بمشاركتك بمحرقة الكتب التي أقامها الطلبة أو شباب هتلر.

 

هايدغر ـ لقد قمت بحظر محرقة الكتب والتي كان من المقرر إنشاؤها أمام مبنى الجامعة الرئيسي.

 

س: لقد اتُّهمت كذلك بحيازتك لكتب لمؤلفين يهود مُنعت من مكتبة الجامعة أو من قسم الفلسفة بالجامعة.

 

هايدغر ـ كمسؤول إداري، كانت مسؤوليتي تتمحور حول المكتبة. لم أذعن للمطالب المتكررة حول عزل كتب المؤلفين اليهود. الملتحقون سابقا بمحاضراتي يمكن لهم أن أيدلوا اليوم بشهاداتهم ليس فقط بأنه لم يتم عزل أي كتب لمؤلفين يهود، بل بأن هؤلاء المؤلفين اليهود، خصوصا هوسيرل، كان يُقتبس منهم ويُناقَشون مثلما كان الأمر قبل 1933.

 

س: سنأخذ علما بذلك. لكن كيف يمكن أن تفسر لنا أصل هذه الشائعات؟ هل هي مكيدة؟

 

هايدغر ـ مما أعلم حول المصادر، أميل للتصديق بذلك. غير أن دوافع الافتراء تقبع عميقا. احتمال أن تولي منصب الإدارة كان مجرد حافز وليس السبب المحدد. لذلك فإن الجدالات تشتعل بالغالب دائما كلما كان هناك حافز.

 

س: كان لديك طلبة يهود أيضا بعد 1933. علاقتك ببعضهم، بالمحتمل ليس الكل، تخللها الدفئ كما هو مرجح. أكان ذلك حتى بعد 1933؟

 

هايدغر ـ موقفي ظل كما هو ولم يتغير بعد 1933. طالبة من أقدم طلابي وأكثرهم تفوقا، هيلين فايس، والتي هاجرت بعدها لسكوتلندا، تحصلت على شهادة الدكتوراة من جامعة بازل (بعدما لم يعد بإمكانها أن تتلقاها بجامعة فرايبورغ) بأطروحة متميزة عن «السببية والصدفة في فلسفة أرسطو»، طبعت بـباسل سنة 1942. بنهاية مقدمة الكتاب كتبت: "محاولة في التفسير الظاهراتي، والتي نعرض جزءها الأول هنا، تمت بمساعدة التفاسير الغير المنشورة لمارتن هايدغر عن الفلسفة الإغريقية". هاهنا ترى نسخة بإهداء مكتوب بخط اليد مرسلة من قبل الكاتبة سنة 1948. لقد قمت بزيارة د.فايس عدة مرات بـبازل قبل وفاتها.

 

س: كنت وياسبرز صديقان لمدة طويلة. هذه الصداقة بدأت تتوتر بعد 1933. يشاع بأن هذا التوتر له ارتباط بكون لياسبرز زوجة يهودية. هل الترغب بالتعليق على الأمر؟

 

هايدغر ـ ما ذكرته ليس له أي أساس من الصحة. أنا وياسبرز أصدقاء منذ 1919. لقد قمت بزيارته وزوجته خلال الدورة الدراسية الصيفية لسنة 1933، عند إلقائي لمحاضرة بهايدلبرغ. كارل ياسبرز أرسل لي كل منشوراته بين 1934 و1938 - "مع متمنيات مفعمة بالمودة". يمكن أن تلقي عليها نظرة إذا أردت.

 

س: تقول هنا "متمنيات مفعمة بالود". حسنا، ربما لا يجب أن تكون المتمنيات "مفعمة بالود" إذا سبق وتعرضت العلاقة للتوتر. سؤال آخر مشابه: لقد كنت تلميذا لإدموند هوسيرل، سلفك اليهودي بكرسي الفلسفة بجامعة فرايبورغ. لقد أوصى عليك بالجامعة كأستاذ خلفا له. علاقتك به لا يمكن ألا يشملها الامتنان.

 

هايدغر ـ لقد اطلعت على الإهداء بـ«الكينونة والزمان».

 

س: بالطبع.

 

هايدغر ـ بسنة 1929 قمت بتحرير كتاب تذكاري لذكرى ميلاده السبعين. وخلال الاحتفال في بيته ألقيت كلمة، والتي نشرت بالمنشورات الأكاديمية Akademische Mitteilungen شهر ماي 1929.

 

س: لاحقا، على الرغم من ذلك، عرفت العلاقة توترا. هل يمكن أن تقول إلى ماذا يرجع ذلك بالأساس؟

 

هايدغر ـ اختلاف وجهات نظرنا حول المسائل الفلسفية تزايدت. ببداية الثلاثينيات، سوّى هوسيرل الحسابات مع ماكس شيلر ومعي بشكل علني. وضوح تصريحات هوسيرل لم تدع شيئا يمكن نشدانه. أعجز عن فهم الدافع الذي حث هوسيرل على معارضة فكري بذلك الشكل العلني.

 

س: بأية مناسبة كان ذلك؟

 

هايدغر ـ تحدث هوسيرل بجامعة برلين أمام مدرج من 600 شخص. أورد ذلك هاينريش موزام بإحدى أكبر الصحف البرلينية بـ"نوع من جو الصالات الرياضية".

 

س: الجدال ليس له أي أهمية بهذا السياق. ما يهم هو أنه لم يكن هناك جدال فيما يتعلق بسنة 1933.

 

هايدغر ـ لم يكن.

 

س: تلك كانت ملاحظات منا على كل حال. هل صحيح أنك قمت فيما بعد بإزالة إهداء هوسيرل من «الكينونة والزمان»؟

 

هايدغر ـ لا، لكن ذلك صحيح. لقد قمت بتوضيح الأمور في كتابي «الطريق نحو اللغة». جاء بالنص: "لمواجهة الادعاءات الزائفة العديدة والواسعة الانتشار، دعونا نعلن صراحة بأن الإهداء بـ«الكينونة والزمان»، المذكور بنص الحوار بالصفحة 16، تم نقله لبداية الكتاب في طبعته الرابعة سنة 1935. لكن حينما وجد الناشر أن الطبعة الخامسة بسنة 1941 مهددة بالعزل، وبأن الكتاب سيصير محظورا، تم الاتفاق أخيرا، على اتباع اقتراح نيماير (الناشر) ورغبته، بأن يتم سحب الإهداء من الطبعة الخامسة. شرطي كان انطلاقا من أن الإهداء قد مُنح بالفعل، أن يظل الهامش بالصفحة 38. والذي جاء فيه: "لم يكن للتحقيق المتبع أن يأخذ أي خطوات تقدمية بالكشف عن «الأشياء في ذاتها». المؤلف يشكر بالأساس إدموند هوسيرل، الذي من خلال توفير توجيهه الشخصي الثاقب والسماح بمراجعة تحقيقاته الغير منشورة بحرية، تمكن المؤلف من سبر غور أكثر المجالات تنوعا للأبحاث الظاهراتية خلال سنوات دراسته بـفرايبورغ".

 

س: نحتاج لسؤالك إذا ما كان فعلا، أنك قمت باعتبارك عميدا بجامعة فرايبورغ، بمنع الأستاذ الفخري هوسيرل بدخول أو استخدام مكتبة الجامعة بما في ذلك القسم الخاص بالفلسفة.

 

هايدغر ـ هذا افتراء.

 

س: إذن ليس هناك من رسالة تتضمن هذا المنع ضد هوسيرل، فمن أين جاءت بالتالي هذه الإشاعة؟

 

هايدغر ـ لا أعرف كذلك، وليس لدي أي تفسير عن ذلك. بإمكاني البرهنة على استحالة ذلك خلال المثال التالي، وهو الأمر الغير معروف. طلبت الوزارة الحكومية من كل من مدير العيادة الطبية، البروفيسور تانهاوزر، وفون هيفيزي، أستاذ الفيزياء الكيميائية والحائز على جائزة نوبل فيما بعد - وكلاهما يهودي - أن يتم فصلهما. خلال إدارتي كنت قادرا على إبقائهما بإجراء مقابلة مع الوزير. فهل من المعقول أن أقوم بإبقائهما وأتخذ في نفس الوقت موقفا معارضا ضد هوسيرل، أستاذ فخري والذي قام بتدريسي، فبنمط الإشاعات يبدو الأمر سخيفا. علاوة على ذلك، قمت بحظر مظاهرة ضد تانهاوزر كان الطلبة والمحاضرون قد قرروا تنظيمها أمام مقر عيادته. بالنعي الذي نشرته عائلة تانهاوزر بالصحيفة المحلية، كُتب: "حتى 1934، كان المدير الشرفي للعيادة الطبية بجامعة فرايبورغ بـبريسغاو. بروكلين، ماساتشوستس 12-18-1962". ذكرت صحيفة جامعة فرايبورغ بفبراير 1966 بأن الأستاذ فون هيفيزي: "بين أعوام 1926-1934، كان على رأس المؤسسة الفيزيائية الكيميائية لجامعة فرايبورغ بـبريسغاو". بعد استقالتي من منصب الإدارة، كلا المديران تم عزلهما عن مناصبهما. بذلك الوقت، كان هناك محاضرون بدون رواتب ظلوا متعلقين بوظائفهم لفترة ثم تركوها، وفكروا من تم بأن الوقت قد حان للتحرك. حينما قدم هؤلاء القوم لملاقاتي، أشحت بوجهي عنهم.

 

س: أنت لم تحضر جنازة هوسيرل سنة 1938. لماذا؟

 

هايدغر ـ اسمح لي بقول ما يلي حول ذلك: هذا الادعاء بأنني قطعت علاقتي بـهوسيرل لا أساس له من الصحة. بعثت زوجتي برقية بإسمينا إلى السيدة هوسيرل في شهر ماي من سنة 1933. تضمت تعبيرنا عن "الامتنان اللامتغير"، والبرقية كانت مرفوقة بباقة من الزهور إلى منزلهما. بعد فترة وجيزة تلقينا ردا من السيدة هوسيرل عبارة عن بطاقة شكر أوردت فيها أن العلاقة بين أسرتينا قد انفصلت. اعتبرت نفسي إنسانا فاشلا لأني عجزت عن التعبير مرة أخرى عن امتناني وإعجابي بـهوسيرل وهو بسرير المرض وكذلك بعد موته. لكني بعث برسالة اعتذار عن ذلك للسيدة هوسيرل فيما بعد.

 

س: هوسيرل مات ب1938. لكنك استقلت مسبقا من منصب العميد بفبراير 1934. كيف حدث ذلك؟

 

هايدغر ـ سأزيد من توضيح هذه النقطة. كان اهتمامي ساعتها منصبا على التمكن من التنظيم التقني للجامعة، ذلك يعني تجديد الكليات (الأقسام) من الداخل، من وجهة نظر المهام الدراسية. انطلاقا من هذا الاهتمام، اقترحت واجب تعيين الزملاء الشباب وخاصة البارزين منهم بمجالاتهم، على رأس الكليات الفردية بالدورة الشتوية الدراسية 1933/34، وذلك دون الأخذ بعين الاعتبار انتماءهم الحزبي. هكذا أصبح الأستاذ إريك وولف رئيسا على قسم القانون، الأستاذ شادفايت رئيسا لقسم الفلسفة، الأستاذ سورغل رئيس قسم العلوم الطبيعية، البروفيسور فون مولندورف، والذي سبق له أن استقال من منصبه كعميد بالربيع، رئيسا للقسم الطبي. غير أنه بحلول عيد الميلاد 1933، بدا واضحا لي أنني لن أكون قادرا على تنفيذ مهامي المتعقلة بتجديد الجامعة نتيجة معارضة كل من الزملاء والحزب على حد سواء. زملائي لم يعجبهم الأمر، ذلك، على سبيل المثال، أنني قمت بدمج الطلبة بمواقع المسؤولية في إدارة الجامعة ـ كما هي المسألة حتى اليوم. استُدعيت بأحد الأيام إلى كارلسرواه Karlsruhe، حيث أمر الوزير عن طريق مساعده الأقرب وبحضور الغولايتر Gauleiter (المسؤول الإقليمي للحزب النازي) زعيم الطلاب، باستبدال كل من رئيس قسم القانون ورئيس القسم الطبي بعضوين آخرين من هيئة التدريس ذوي انتماء حزبي. رفضت ذلك، وقلت بأني سأقدم استقالتي إذا أصر الوزير على طلبه. وذلك هو ما حدث في فبراير 1934. استقلت بعد 10 شهور فقط من تعييني، في حين أن أن العمداء بذلك الوقت يقضون سنتين أو أكثر بمناصبهم. وبينما كانت الصحافة المحلية والأجنبية قد علقت على أمر تعييني بطرق مختلفة، اتخذت الصمت بخصوص استقالتي.

 

س: هل تحادثت مع وزير تعليم الرايخ، برنهارد راست بذلك الوقت؟

 

هايدغر: أي وقت؟

 

س: 1933، راست قام برحلة إلى هنا بفرايبوغ والتي لا يزال الحديث عنها.

 

هايدغر ـ إننا نتحدث عن حدثين مختلفين. فبمناسبة إحياء ذكرى وفاة شلاغتر المدفون بمسقط رأسه، شناو بـفيزنتال Schِnau im Wiesental، قمت باستقبال الوزير رسميا وذلك لفترة وجيزة. من جهة أخرى لم يتخذ الوزير مني أي موقف. انطلاقا من ذلك لم أسعى للتحادث معه. شلاغتر كان طالبا بجماعة فرايبورغ وعضوا بالأخوية الكاثوليكية. النقاش أخذ كلمته في نوفمبر 1933 بمناسبة المؤتمر الجامعي ببرلين. حيث قمت بعرض وجهات نظري عن العلم والبنية المفترضة للكليات أمام السيد الوزير. فأنصت بانتباه لكل ما قلته ذلك أنني استشعرت الأمل بأن ما قدمته قد يحدث تأثيرا. غير أن شيءً لم يحدث. أنا لا أرى سببا كوني مُلاما نتيجة محادثتي لوزير تعليم الرايخ في حين أن كل الحكومات الأجنبية بنفس الوقت كانت تتسابق للاعتراف بـهلتر وعرض المجاملات الدولية النمطية.

 

س: هل تغيرت علاقتك بالحزب النازي بعد استقالتك من إدارة الجامعة؟

 

هايدغر ـ بعد استقالتي، عدت للتدريس. بالدورة الدراسية الصيفية 1934 حاضرت عن "المنطق". بالدورة الدراسية التالية 1934/35، قدمت أول محاضرة عن هولدرلين. المحاضرات عن نيتشه بدأت بسنة 1936. كل أولئك الذين كان باستطاعتهم الاستماع سمعوا بأن ذلك كان مواجهة مع الاشتراكية الوطنية.

 

س: كيف تم نقل المنصب؟ أنت لم تشارك بالاحتفال؟

 

هايدغر ـ طبعا، رفضت المشاركة باحتفال نقل العميد.

 

س: أكان خليفتك عضوا مخلصا للحزب؟

 

هايدغر ـ كان عضوا بقسم القانون. صحيفة الحزب Der Alemanne أعلنت عن تعيينه كعميد بعنوان رئيسي عريض: "أول عميد اشتراكي وطني للجامعة".

 

س: هل لاقيت صعوبات مع الحزب بعد ذلك، ماذا حدث؟

 

هايدغر ـ كنت مراقبا باستمرار.

 

س: ألديك مثال عن ذلك؟

 

هايدغر ـ أجل، قضية الدكتور هانك.

 

س: كيف عرفت ذلك؟

 

هايدغر ـ لأنه قدم عندي بنفسه. كان قد تحصل على الدكتوراة وهو أحد الملتحقين بحلقتي الدراسية بدورة الشتاء 1936/37 والدورة الصيفية 1937. فقد أُرسل إلى هنا بفرايبورغ من طرف الSD (خدمة الأمن؛ Sicherheitsdienst) وذلك لجعلي تحت المراقبة.

 

س: لماذا قدم عندك هكذا بشكل مفاجئ؟

 

هايدغر ـ بسبب الحلقة الدراسية عن نيتشه بالدورة الصيفية ل1937 وبسبب طريقة العمل الذي تم بالحلقة، لقد اعترف لي بأنه لم يعد قادرا على متابعة مهمة المراقبة المسندة إليه. أراد أن يخبرني بهذا الوضع حتى انتبه لنشاطي بالمستقبل كأستاذ.

 

س: عدا ذلك لم تكن هناك مشاكل مع الحزب؟

 

هايدغر ـ عرفت فقط بأن أعمالي لم يكن مسموحا بمناقشتها، على سبيل المثال مقالة «نظرية أفلاطون عن الحقيقة». المحاضرة التي قدمتها عن هولدرلين بالمعهد الجرماني في روما بربيع سنة 1936 هوجمت من طرف مجلة شباب هتلر Wille und Macht (إرادة وقوة) بشكل لا يُسر بالمرة. بالنسبة للمهتمين يجب أن يطلعوا على الانتقادات ضدي بمجلة إرنست كريك Volk im Werden (أمة المستقبل). لم أكن ضمن الوفد الألماني المشارك بالمؤتمر الدولي للفلسفة بـبراغ سنة 1934 أو حتى تمت دعوتي للمشاركة. وكان من المقترح أيضا أن يتم استبعادي من مؤتمر ديكارت الدولي بـباريس سنة 1937. بدا ذلك غريبا بالنسبة للمتواجدين بـباريس حيث أن مُترأس المؤتمر (الأستاذ بريهيي بجامعة السوربون) سأل لماذا لم أكن بين الوفد الألماني. أجبته بأن منظمي المؤتمر هم من يجب عليهم أن يستفسروا وزارة تعليم الرايخ بخصوص هذه المسألة. بعد فترة، تلقيت دعوة من برلين للانضمام للوفد بشكل متأخر. فرفضت، محاضرة «ما الميتافيزيقا؟» و«في ماهية الحقيقة» بيعتا من تحت الشباك داخل سترات مغبرة ودون عنوان. بفترة قصيرة بعد 1934 سُحبت المحاضرات من السوق إثر تحريض من الحزب. لم يكن مسموحا بمناقشتها إلا بمجمع الأساتذة الاشتراكيين الوطنيين، وذلك كموضوع يدخل في إطار الانتقادات السياسية للحزب.

 

س: في 1939، الحرب.. أحَدَث ما هو أسوأ؟

 

هايدغر ـ بالسنة الأخيرة من الحرب، 500 من أبرز الفنانين والعلماء تم إعفاؤهم من أي نوع من الخدمة العسكرية. ولم أكن من بين هؤلاء المعفيين. على العكس من ذلك، بصيف سنة 1944 أُمرت بحفر الخنادق بمحاذاة نهر الراين، بكايزرشتول Kaiserstuhl (سلسة جبال).

 

س: بالجهة المقابلة، سويسرا، كارل بارث كان يحفر الخنادق.

 

هايدغر ـ طريقة حدوث ذلك مثيرة للاهتمام. قام العميد باستدعاء الجميع لقاعة المحاضرات. فألقى خطابا قصيرا مفاده أنه يتفق مع الزعامة الحزبية للاشتراكية الوطنية بما في ذلك الزعامة الإقليمية للحزب (الغولايتر). أراد أن يقسّم الهيئة الجامعية إلى ثلاث مجموعات: الأولى والتي يمكن الاستغناء عنها كليا، الثانية والتي يمكن الاستغناء عنها جزئيا، والثالثة والتي لا يمكن الاستغناء عنها. أول من يتصدر لائحة المجموعة الأولى هو مارتن هايدغر، بعده يأتي جرهارد ريتر. بالدورة الدراسية الشتوية 1944/45، بعدما أنهيت العمل بالخنادق بالقرب من نهر الراين، ألقيت محاضرات بعنوان «الفكر والكتابة الشعرية» Dichten und Denken، بشكل ما تعتبر متابعة لحلقتي عن نيتشه، ما يعني مواجهة مع الاشتراكية الوطنية. بعد الدرس الثاني، تم تجنيدي بـVolkssturm القوات المدنية الدفاعية. أكبر أعضاء الهيئة الجامعية سِناًّ يتم استدعاؤه للخدمة العسكرية.

 

س: لا أعتقد أننا سنسمع حديث الأستاذ هايدغر عن مسار الأحداث حتى، كما يمكن أن نقول بشكل قانوني، استلامه لقبا فخريا. وهو شيء معروف.

 

هايدغر ـ بالواقع، الأحداث نفسها غير معروفة، ليست بالشيء الجيد.

 

س: إلا إذا رغبت بقول شيء عنها.

 

هايدغر ـ لا.

 

س: ربما يجب أن نلخص. كسياسي، بالمعنى الضيق للكلمة، وليس بمعانها الواسع، كنت محصورا بالسياسات التي كانت تفترض انطلاقة جديدة بـ1933.

 

هايدغر ـ من خلال الجامعة..

 

س: من خلال الجامعة افترضَت هذه السياسات انطلاقة جديدة. حوالي سنة بعد ذلك، تخليت عن الوظيفة مجددا حتى تتولى العملية. غير أنه في محاضرة سنة 1935، والتي نشرت بنفس السنة تحت عنوان «مقدمة في الميتافيزيقا»، ذكرت بأن: "الأعمال التي صارت متوفرة اليوم" خلال 1935 "والتي تقدم باعتبارها فلسفة الاشتراكية الوطنية، غير أن لا علاقة لها بالحقيقة الجوهرية وعظمة هذه الحركة (والتي تواجه مكننة العالم والموجود الإنساني الحديث)، تلقي بشباكها في المياه العكرة للقيم والشموليات". هل قمت بإضافة العبارات التي بين قوسين في 1953، حينما طبعت ـ حتى تفسر للقراء ب1953 بما عنيته ب"الحقيقة الجوهرية وعظمة هذه الحركة"، والتي هي الاشتراكية الوطنية سنة 1935 ـ أو أن هذه الملاحظة التي بين قوسين كانت موجودة بالفعل سنة 1935؟

 

هايدغر ـ كانت موجودة بمخطوطتي وتتوافق تماما مع مفهومي للمكننة (التكنولوجيا) بذلك الوقت، لكن ليس فيما بعد عند تفسيري لجوهر التكنولوجيا كبنية. السبب في أني لم أقرأ العبارات بصوت عال، هو اقتناعي بأن مستمعي سيفهمون قصدي بشكل صحيح. أما الأغبياء والمخبرون والمتلصصون فقد فهموا القصد بشكل مختلف - وذلك ما كانوا يرغبونه.

 

س: بلا شك يشمل ذلك الحركة الشيوعية أيضا؟

 

هايدغر ـ أجل بالتأكيد، كشكل من مكننة العالم.

 

س: ربما يشمل ذلك المساعي الأمريكية كذلك؟

 

هايدغر ـ أردت قول ذلك أيضا. بالثلاثين سنة الأخيرة، بدا واضحا أن الحركة العالمية للتكنولوجيا الحديثة والتي لديها قدرة على تغيير مجرى التاريخ يمكن لها أن تأخذ شكلا متطرفا. السؤال الحاسم اليوم بالنسبة لي، هو كيف يمكن لنظام سياسي أن يتأقلم مع العهد التكنولوجي الحالي، وأي نظام سياسي ساعتها سيكون؟ هذا ما لا أمتلك له جوابا. ولا أعتقد بأن ذلك النظام سيكون الديموقراطية.

 

س: الديموقراطية ليست سوى مصطلح متعدد يتضمن مفاهيم مختلفة. المسألة هي في توفر إمكانية لإعادة تشكيل هذا النظام السياسي أو لا. بعد 1945 قدمت أراءك حول تطلعات العالم الغربي السياسية، وتحدث في خضم ذلك عن الديموقراطية، عن التعبير السياسي للمسيحيين في نظرتهم للعالم، وكذلك عن الدولة الدستورية - وقمت بنعت كل هذه التطلعات بـ"النصفية".

 

هايدغر ـ دعني بالأول أسألك أين تحدّثت عن الديموقراطية والأمور الأخرى التي ذكرتَها. لقد قمت بنعتها بـ"النصفية" لأنني بالواقع لا أعتقد بأنها قادرة على مجابهة العالم التكنولوجي. أعتقد بأن خلفهم تلك الفكرة التي ترى بأن التكنولوجيا بجوهرها هي شيء يقع تحت سيطرة البشر. برأيي، هذا ليس شيئا مستحيلا. التكنولوجيا بجوهرها شيء لا يمكن للبشر أن يحكموه بالسلطة.

 

س: أي من الاتجاهات السياسية المذكورة، تلائم أكثر بنظرك زمننا الراهن؟

 

هايدغر ـ ذلك ما لا أراه. غير أني أرى سؤالا حاسما هنا. بداية يجب إيضاح ما عنيتهموه بـ"تلائم زمننا الراهن"، أي زمن نعني هنا. إن الأهم من ذلك هو التساؤل عما يتوائم وزمننا الراهن قياسا بـ"الحقيقة الباطنية" لأنشطة البشر، أو قياسا بـ«الفكر والكتابة الشعرية»، بالرغم من كل الاستهجانات لهذه العبارة، فليست الأنشطة هي التي يجب أن تحدنا بالقياس.

 

س: إنه لأمر ملفت للنظر أنه طوال هذا الزمن لا يزال البشر غير قادرين على التحكم في أدواتهم، انظر للمهارة السحرية. ألا يعتبر تشاؤما مبالغا فيه نوعا ما القول بأننا لن نكون قادرين على التحكم في هذه الأدوات الأعظم طبعا للتكنولوجيا الحديثة؟

 

هايدغر ـ تشاؤم، لا. التشاؤم والتفاؤل مواقف تقع بشكل وجيز في عالم نحن بصدد التفكير فيه باستمرار. لكن قبل كل شيء التكنولوجيا الحديثة ليست "أداة"، وبالمجمل لا شيء لديها لتفعله بالأدوات.

 

س: لماذا يجب أن تتم الهيمنة بالتكنولوجيا؟

 

هايدغر: لم أقل هيمنة. قلت بأنه لا يوجد بعد مسار يتوافق مع جوهر التكنولوجيا.

 

س: يمكن للواحد أن يعترض بسذاجة: ما الذي يجب أن نتوافق معه؟ فكل شيء يشتغل. أكثر فأكثر تزداد محطات توليد الطاقة الكهربائية. الإنتاج يزدهر. الناس بالمناطق التي تشهد رقيا تكنولوجيا بالعالم تستفيد من ذلك بالشكل المطلوب. إننا نعيش في رخاء. فما الذي ينقص بالفعل هنا؟

 

هايدغر ـ كل شيء يشتغل. هذا هو الغريب في الأمر. كل شيء يشتغل والاشتغال يقودنا أكثر وأكثر نحو مزيد من الاشتغال، والتكنولوجيا تدفع بالبشر بعيدا وتقتلعهم من جذورهم شيئا فشيئا. لست متأكدا إن كنتَ أنتَ متخوفا، المؤكد بالنسبة لي هو أنني شعرت بالخوف عندما شاهدت مؤخرا صورا للأرض تؤخذ من على سطح القمر. لسنا بحاجة لقنبلة نووية على الأطلاق؛ عملية اجتثات البشر قد بدأت بالفعل. كل ما لدينا هو ظروف تكنولوجية محضة. لم تعد أرضا هذه التي يعيش فيها الإنسان اليوم. مؤخرا جمعتني محادثة مطولة مع رينيه شار بـبروفانس ـ كما تعلم، الشاعر والمقاوم. قاعدة صواريخ تبنى ببروفانس، والبلد يخرَّب بشكل مروع. الشاعر، والذي لا يمكن الاشتباه في شاعريته وتمجيده للمثالية، قال لي بأن الاجتثات الحالي للوجود الإنساني هو النهاية إذا لم يكسب الفكر والشعر قوة لاعنفية مرة أخرى.

 

س: الآن، يجب أن نقول على أنه بالرغم من رغبتنا بالبقاء بالأرض، ومن المحتمل أننا لن نضطر لمغادرة الكوكب بفترتنا الحياتية، من يعرف ما إذا كان مصير البشر سيظل على هذه الأرض؟ يبدو ممكنا أن البشر لا يتمتعون بأي مصير بالنهاية. غير أنه بالإمكان توفر إمكانية أن نرى البشر يغادرون الأرض نحو كواكب أخرى. وذلك بالتأكيد لن يحدث إلا بعد وقت طويل. لكن أين كُتب أن مكان البشر هو هنا؟

 

هايدغر ـ من خلال تجربتنا وتاريخنا الإنسانيين، وعلى الأقل على حد علمي، أجد أن كل شيء مهم وعظيم انبثق بتوفر الإنسان على موطن وتجذره بتقاليد. أدب اليوم، على سبيل المثال، مدمر إلى حد كبير.

 

س: مدمر كلمة مثيرة للريبة هنا نظرا لأنها كلمة عدمية تستدعي سياقا واسعا من المفاهيم خاصة من خلالك ومن خلال فلسفتك. ومن المفاجئ حقا أن نرى علاقة تربط بين التدمير والأدب الذي يمكن أنك أو من المفروض اعتبارك جزء منه.

 

هايدغر ـ أود أن أبيّن بأن الأدب الذي قصدته ليس عدميا، من الجانب الذي أُعرِّف فيه معنى العدمية.

 

س: من الظاهر أنك لاحظت، بما أنك أعربت عن ذلك، موجة عولمية تستدعي أو استدعت بالواقع الدولة التكنولوجية المطلقة؟

 

هايدغر ـ أجل! لكن تحديدا الدولة التكنولوجية يجب أن تتوافق أقل شيء مع العالم والمجتمع المحددين من خلال جوهر التكنولوجيا. الدولة التكنولوجية تود بأن تكون الخادم الأكثر عماء وإذعانا لقوة التكنولوجيا.

 

س: جيد. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه: "هل سيظل الفرد قادرا على التأثير في هذه الشبكة من الحتميات بالنهاية، أو الفسلفة قادرة على ذلك، أو أنهما كلامهما، حيث تقود الفلسفة فردا أو عدة أفراد نحو نشاط معين؟"

 

هايدغر ـ هذه الأسئلة تعيدنا لبداية الحوار. إن جاز لي تقديم جواب سريع وربما عميق نوعا ما، لكن انطلاقا من تأمل مطول: الفلسفة لن تكون قادرة على إحداث تغيير مباشر بالحالة الراهنة للعالم. وهذا لاينطبق فقط على الفلسفة بل على كل مساعي وتأملات الإنسان. وحده إله القادر على إنقاذنا. أعتقد بأن السبيل الوحيد لخلاصنا هو أن نتأهب، من خلال الفكر والشعر، لظهور الإله أو لغيابه خلال الانحدار؛ ليس أن نعتبر هكذا موته كالوفيات العبثية، إنما نعي أنه بانحدارنا، ننحدر مع غياب للإله.

 

س: هل هناك علاقة بين فكرك وانبثاق هذا الإله؟ أهناك علاقة سببية؟ هل تعتقد أن بالإمكان دفع هذا الإله للظهور نتيجة التفكير؟

 

هايدغر ـ لا يمكن أن ندفعه للظهور عبر التفكير. أكثر ما يكون أن نقوم به هو أن نظل متأهبين.

 

س: أيمكن أن نساعد؟

 

هايدغر ـ يمكن للتأهب أن يكون الخطوة الأولى. العالم لا يمكنه أن يكون ما هو وكما هو من خلال الإنسان، لكن أيضا لا يمكن أن يكون كذلك دون وجود هذا الإنسان. في اعتقادي ذلك مرتبط بواقع ما أسميه "كينونة"، باستخدام الكلمة التقليدية، المبهمة، البالية الآن، فهي تحتاج للإنسان. الكينونة ليست كينونة من دون وجود إنساني يفصح عن ذاته، وبحاجة للحماية والهيكلة. فأنا أرى جوهر التكنولوجيا فيما أسميه تشييد. هذا الإسم، يساء فهمه بسهولة عند سماعه أول مرة، لفهم النقاط بشكل صحيح، عد لأعمق تاريخ للميتافيزيقا، التي لا تزال تحدد وجودنا (دازين) اليوم. أعمال التشييد تعني: بأن الوجود الإنساني مقبوض، مزعوم، ومهاجم من طرف قوة تَبرز بجوهر التكنولوجيا. اختبار أن البشر مشيَّدين من قبل بعض الأشياء هي أن البشر ليسوا هم أنفسهم وليسوا قادرين على السيطرة على ذواتهم، تحديدا اختبار كشف إمكانية إدراك أن البشر محتاجين بالكينونة. إمكانية اختبار كينونة الاحتياج، كينونة معدّة لهاته الاحتمالات، كامنة ضمن ما يشكل أحدث تكنولوجياتنا. الفكر لا يستطيع أن يفعل أكثر من مساعدة البشر على هذا الإدراك، والفلسفة لحد هنا نهاية.

 

س: بأزمنة سابقة ـ وليس فقط بالأزمنة السابقة ـ كان يعتقد بأن الفلسفة فعالة بشكل غير مباشر (نادرا بشكل مباشر). ذلك أنها تساعد تيارات جديدة على الظهور. فقط خذ الألمان، أسماء عظيمة كـكانط، هيغل، حتى نيتشه، دون ذكر ماركس، ذلك يمكنه أن يؤكد بأن الفلسفة تمتلك، وإن بطرق ملتوية، تأثيرا هائلا. أتعتقد بأن فعالية الفلسفة وصلت لنهايتها؟ وحين تقول بأن الفلسفة ماتت، وأنها لم تعد موجودة هل يشمل ذلك فكرة أن فعالية الفلسفة (إن كانت بالفعل قد وجدت) اليوم، على الأقل، لم تعد موجودة؟

 

هايدغر ـ قلت ذلك فقط بشكل غير مباشر وليس بشكل مباشر، التأثير ممكن من خلال نوع آخر من التفكير. هكذا يستطيع الفكر، كما كان، التسبب في تبديل حالة العالم.

 

س: نرجوا أن تعذرنا، لا نرغب بالتفلسف ( لسنا بمستوى ذلك)، غير أنه هنا لدينا رابط بين السياسة والفلسفة، لذا نرجوك أن تغفر لنا دفعنا لك لهكذا محادثة. فقط قبل قليل قلت بأن الفلسفة والفرد غير قادران على فعل شيء سوى...

 

هايدغر ـ ...هذا التأهب لجعل الذات مفتوحة على وقوع غياب الإله. اختبار هذا الغياب ليس "اللاشيء"، بل بالأحرى تحرير الإنسان مما أطلق عليه "السقوط داخل الكينونة" في الوجود والزمان. التفكّر في ماهية اليوم (الحاضر) جزء من حالة التأهب التي نتحدث عنها.

 

س: غير أنه ساعتها يجب أن يتوفر بالواقع الباعث للذلك، سواء من طرف إله أو أيا كان. حتى الفكر، في توافقه الخاص، لم تعد له فعالية اليوم؟ ذلك رأي الناس بالماضي، وباعتقادي لا يزال كذلك.

 

هايدغر ـ غير أن ذلك ليس بشكل مباشر.

 

س: أشرنا سابقا لـكانط، هيغل، وماركس باعتبارهم مؤثرين عظام. غير أن الدفعات أتت من لايبنتز كذلك ـ بتطوير الفيزياء الحديثة، ومن ثم أصل العالم الحديث بشكل عام. نعتقد بأنك قلت للتو بأنك لا تتوقع بعد حدوث مثل هذا التأثير اليوم.

 

هايدغر ـ لا طبعا من الجانب الفلسفي. الدور الذي لعبته الفلسفة لحد الآن استولى عليه العلم اليوم. ولنوضح بشكل كاف "تأثير" الفكر، يجب أن نمتلك بعمق النقاش ما هو أكثر من ماهية التأثير ومعناه هنا. لذلك، يجب القيام بتفرقة حريصة بين السبب، الباعث، التأييد، الدعم، المانع، والتعاون. غير أن ما سنقدر على القيام به هو الحصول على البعد المناسب لعمل هذه التفرقات إذا قمنا بنقاش كاف لمبدأ السبب الكافي. الفلسفة تذوب داخل العلوم المتفردة: علم النفس، المنطق، وعلم السياسة.

 

س: بنظرك من أخذ مكانة الفلسفة اليوم؟

 

هايدغر ـ السيبرنتيقا (علم المكننة الحوسبية أو الذكاء الصناعي).

 

س: أو أن الورع هو الذي لايزال مفتوحا؟

 

هايدغر ـ لكن هذا لا يعد فلسفة.

 

س: ما هو إذن؟

 

هايدغر ـ أسميه الفكر الآخر.

 

س: تسميه بالفكر الآخر. أيمكن أن تزيد من توضيح ذلك قليلا؟

 

هايدغر ـ هل فكرت في الجملة التي اختمت بها محاضرتي حول «السؤال المتعلق بالتكنولوجيا»: "التساؤل هو تقوى الفكر"؟

 

س: وجدنا تصريحا لك بمحاضراتك حول نيتشه يبدو لنا مناسبا. قلت فيه: "لأن أعظم صلة ممكنة تسود التفكير الفلسفي، أن كل المفكرين العظام يفكرون في نفس الشيء. مهما بدى هذا التشابه ضروريا وغنيا ذلك أن الفرد الواحد لن يستنفذه، فبالأحرى أن كل فرد يرتبط بالجميع بمزيد من الصرامة". من الواضح، على الرغم من ذلك، أنك ترى بأن هذه البنية الفلسفية تنحو باتجاه نهاية معينة.

 

هايدغر ـ لقد انتهت لكنها بعد لم تعد بالنسبة إلينا غير صالحة. بالأحرى تحضر مجددا بالنقاش. مشروعي بأكمله بما يشمله من محاضرات وندوات خلال الثلاثين سنة الماضية كان بالأساس مجرد تأويل للفلسفة الغربية. طريق العودة للأسس التاريخية للفكر، التفكير من خلال الأسئلة التي لم تطرح منذ الفلسفة الإغريقية - وذلك لايخرج عن التقليد. غير أني أقول بأن طريق هذا التقليد الميتافيزيقي للتفكير، الذي انتهى مع نيتشه، لا يقدم لنا أي إمكانية لاختبار الخصائص الأساسية للعصر التكنولوجي، العصر الذي يبدأ للتو، بواسطة التفكير.

 

س: بحديث لك مع راهب بوذي قبل زهاء سنتين، تحدثت عن "طريقة جديدة كليا للتفكير"، وقلت "بالزمن الراهن قلة قليلة من الناس من تقدر أن تنجز" هذه الطريقة الجديدة للتفكير. هل تود أن تقول بأن هناك قلة قليلة من الناس التي تمتلك تلك الروئ، باعتقادك، الممكنة والضرورية؟

 

هايدغر ـ "تمتلك" في معناها المبدئي، أنهم يستطيعون، بطريقة معينة، "قول" الرؤى.

 

س: أجل، لكن بالمحادثة مع البوذي، لم تقم بوصف كيفية تحقق ذلك بشكل واضح.

 

هايدغر ـ لا أستطيع التوضيح. لا أعلم شيئا عن كيف يمكن لهذا التفكير أن يكون "فعالا". فمن الممكن أن مسار التفكير اليوم يؤدي للصمت، بهذا ذاك التفكير محمي من الطرد بغضون سنة. ومن الممكن أيضا أن يتطلب ثلاثة قرون ليصبح "فعالا".

 

س: نفهم ذلك بشكل جيد. لكن بما أننا لن نعيش ثلاث قرون، إنما الآن وهنا، فإننا نرفض الصمت. فنحن، سياسيين، شبه سياسيين، مواطنين، صحفيين هلم جرا.. نقوم بشكل مستمر بنوع من القرار أو غير ذلك. يجب أن نأقلم أنفسنا مع النظام الذي نعيش في ظله، يجب أن نحاول تغييره، يجب أن ننظر من الباب الضيق للإصلاح، وللباب الذي لايزال أضيق للتطور. إننا نتوقع المساعدة من الفيلسوف، حتى لو كان الأمر بالطبع، مجرد مساعدة غير مباشرة، مساعدة بطرق ملتوية. أما الآن فإننا نسمع: لا أستطيع المساعدة.

 

هايدغر ـ أنا لا أستطيع.

 

س: ذلك يثني الغير-متفلسف.

 

هايدغر ـ لا أستطيع لأن المسائل جد صعبة ذلك أنها يمكن أن تعاكس معنى هذا الدور الفلسفي بإبرازها العام، التبشير بها، ونشر الأحكام الأخلاقية. ربما أمكن لي أن أجازف بهكذا تصريح: السر في الهيمنة الكوكبية للاتفكير بجوهر التكنولوجيا أنه يتواءم مع المقدمات الملتبسة للتفكير الذي يحاول أن يفكر اعتمادا على هذا اللاتفكير الجوهري.

 

س: أنت لا تعتبر نفسك من أولئك الذين، إذا تم فقط الاستماع لهم، يمكنهم فتح مسار؟

 

هايدغر ـ لا! لا أعلم مسارا يؤدي لتغيير مباشر للحالة الراهنة للعالم، بافتراض أن هكذا تغيير لدى الممكن الإنساني. لكن يبدو بالنسبة لي أن محاولة التفكير بإمكانها الإيقاظ، التوضيح، وتقوية التأهب الذي أشرنا له سابقا.

 

س: إجابة واضحة. فقط يجب علينا انتظار أن يحدث لنا شيء ما بالثلاثة قرون المقبلة؟

 

هايدغر ـ المسألة لا تتعلق بمجرد انتظار حدوث شيء بعد مرور ثلاثة قرون، بل بالتفكير قُدما، دون تداعيات نبوية، في الفترة القادمة من زواية نظر الخصائص الأساسية للعصر الحالي، والتي بالكاد يتم التفكير من خلالها. التفكير ليس خمولا، بل بحد ذاته فعل القيام بحوار مع مصير العالم. من البادي بالنسبة لي أن الفارق، النابع من الميتافيزيقا، الناشئ بين النظرية والتطبيق، ومفهومية التنقل بينهما، يعيق مسار التبصر نحو ما أفهمه كتفكير. ربما تجدر بي الإشارة إلى محاضراتي المنشورة بسنة 1954 تحت مسمى «ما المسمى بالتفكير؟». هذه القطعة هي الأقل قراءة ضمن كل منشوراتي، وربما هي كذلك، سمة لعصرنا.

 

س: إنها كذلك بالتأكيد، دائما هناك سوء فهم للفلسفة بالاعتقاد أن على الفيلسوف أن يمتلك نوعا من التأثير المباشر بفلسفته. دعنا نعد للبداية. يبدو لامنطقيا إمكانية رؤية الاشتراكية الوطنية من جهة، تحقيقا لتلك "المواجهة الكوكبية"، ومن جهة أخرى بالنهاية، الأكثر فظاعة، وجبروتا، وبنفس الوقت، الاحتجاج الأكثر عجزا ضد المواجهة "الكوكبية المحددة تكنولوجيا" والموجود الإنساني الحديث؟ من الواضح، أنك تتعامل مع متناقضات فيما يخصك، مثلها مثل عديد إنتاجات أنشطتك والتي لا يمكن أن تفسر في الواقع إلا من جهتك، بمختلف أجزاء كينونتك التي لا تمس الجوهر الفلسفي، متشبثة بالعديد من الأمور التي تعلم بما أنك فيلسوف أنها غير ذات استمرارية ـ على سبيل المثال مفاهيم كـ"وطن"، 'تجذر"، وأمور مشابهة. كيف يمكن للتكونولوجيا الكوكبية و"وطن" أن يتلاءما معا؟

 

هايدغر ـ لم أود قول ذلك. يبدو لي أنكم تأخذون التكنولوجيا بالمطلق. أنا لا أعتقد بأن حالة الموجود الإنساني في عالم التكونولجيا الكوكبية قدرا كارثيا لا مفر ولا خلاص منه؛ بالأحرى أعتقد بأن مهمة الفكر تحديدا هي المساعدة، ضمن حدوده، مساعدة الموجود الإنساني لتحقيق علاقة كافية بجوهر التكنولوجيا في المجمل. بالرغم من أن الاشتراكية الوطنية سلكت نفس الاتجاه، غير أن هؤلاء الناس كانوا جد محدودين في تفكيرهم لإنجاز علاقة واضحة مع ما يحدث اليوم ومع ما كان يجري بغضون الثلاثة قرون.

 

س: هذه العلاقة الواضحة، هل هي لدى الأمريكيين اليوم؟

 

هايدغر ـ بالمجمل لا. لا يزالون عالقين بتلك الطريقة من التفكير؛ البرغماتية (النفعية) التي تعزز العملية التكنولوجية وكذلك التلاعب، وبنفس الوقت تقف عقبة أمام الفكر في مساره لفهم خصائص التكنولوجيا الحديثة. بهذه الأثناء، توجد هنا وهناك بالولايات المتحدة الأمريكية محاولات لكسر هذه الوضعية الفكرية البرغماتية. ومن منا قادر على أنه يقول إذا ما ما تم في يوم ما بروسيا والصين ألا تستيقظ التقاليد القديمة للفكر، الأمر الذي سيساعد الناس على جعل علاقة حرة مع العالم التكنولوجي شيئا ممكنا؟

 

س: وإذا لم يكن أحد قادر على جعلها، والفيلسوف عاجز عن جعلها (ممكنة) لهم..

 

هايدغر ـ لا يتعلق الأمر بي بإقرار إلى أين سأصل بمحاولتي في الفكر وكيف سيتم تلقيها وتحويلها إنتاجيا بالمستقبل. بسنة 1957 قدمت محاضرة بعنوان «مبدأ الهوية» لجامعة فرايبورغ بعيدها السنوي. أخيرا خاطرت في بضع خطوات فكرية، بعرض المدى الذي يمكن أن تبلغه التجربة الفكرية في ماهية الخصائص الأكثر جوهرية للتكنولوجيا الحديثة. حاولت أن أُظهر أن التجربة يمكن أن تذهب بعيدا جدا كانفتاح على إمكانية أن يختبر البشر في العصر التكنولوجي العلاقة المتطلبة والتي ليس فقط لم يسمعوا بها بل التي ينتمون لها كذلك. لفكري ارتباط جوهري بشعر هولدرلين. غير أني لا أرى بأن هولدرين مجرد شاعر، يعمل على موضوع، ضمن مواضيع شتى، بالنسبة لمؤرخي الأدب. أعتقد بأن هولدرين هو الشاعر الذي يشير نحو المستقبل، الذي يترقب الإله، وبالتالي لا يمكن أن يظل مجرد موضوع بحثي في تاريخ المخيلة الأدبية.

 

س: بالحديث عن هولدرين (ونعتذر عن اقتباسنا مجددا)، في محاضراتك عن نيتشه قلت بأن "فهم الصراع المختلف بين الديونيسي والأبوليني، بين الشغف المقدس والحساب الرصين، هو أنه أسلوب قانون مستتر بالمصير التاريخي للألمان، وبيوم ما يجب أن نكون مستعدين وجاهزين لهيكلته. هذا التعارض ليس مجرد صيغة تساعدنا على وصف «ثقافة». بهذا الصراع، وضع كل من هولدرين ونيتشه علامة استفهام أمام مهمة الألمان لإيجاد جوهرهم التاريخي. فهل سنكون قادرين على فهم هذه الإشارة، علامة الاستفهام تلك؟ هناك شيء واحد مؤكد: إذا لم نقم بفهم ذلك، فإن التاريخ سينتقم منا". لا نعلم بأي سنة بالضبط كتبت ذلك، نعتقد بأنه كان بسنة 1935.

 

هايدغر ـ الاقتباس يعود ربما لحلقة عن نيتشه معنونة بـ«إرادة القوة كـفن» سنة 1936/37. ومن الممكن كذلك أني ذكرتها بالسنوات التالية.

 

س: هل تود أن تشرح لنا أكثر؟ ذلك يبعدنا عن التعميمات نحو مصير محدد للألمان.

 

هايدغر ـ يمكن أن أضع ما قيل بالاقتباس بهذا الشكل: إني على قناعة أن تغييرا يمكن التهييء له وفقط من نفس المكان الذي انبثق فيه أصل العالم التكنولوجي الحديث. لا يمكن أن يأتي من خلال بوذية الزن أو ما سواها من التجارب الشرقية بالعالم. إن إنقاذ التقليد الغربي وتجديده يحتاج لتغيير بمستوى التفكير. والتفكير لا يمكن تحويله إلا من خلال تفكير له نفس الأصل والمصير.

 

س: تقصد بالضبط المكان الذي انبثق عنه العالم التكنولوجي، ذلك ما يجب، باعتقادك..

 

هايدغر ـ ...أن يتم تجاوزه بالمعنى الهيغلي، وليس إلغاؤه، تجاوزه، لكن ليس من طرف الموجود الإنساني لوحده.

 

س: هل تقوم بتعيين مهمة محددة بشكل خاص للألمان؟

 

هايدغر ـ نعم، بهذا المعنى، من خلال حوار مع هولدرين.

 

س: هل تعتقد بأن الألمان يمتلكون استعدادا خاصا لهذا التحدي؟

 

هايدغر ـ أنا أعتقد في العلاقة الجوهرية الخاصة بين اللغة الألمانية واللغة والفكر الإغريقيين. ذلك ما تأكد لي مرة بعد أخرى اليوم عند الفرنسيين. فحينما يبدؤون في التفكير فإنهم يتحدثون الألمانية. وهم يصرون بأن ذلك لا يمكنه أن يتحقق من خلال لغتهم.

 

س: هل تود هكذا بأن تبين لنا التأثير القوي الذي لديك على الدول الرومنسية، بالأخص فرنسا؟

 

هايدغر ـ لأنهم يرون بأنهم لا يحصلون على شيء بكل عقلانيتهم عند محاولتهم فهم جوهر عالم اليوم. التفكير يمكنه التحول قليلا كما يمكن للشعر. بأحسن الأحوال يمكن إعادة صياغته. فحالما تتم محاولة الترجمة الحرفية، كل شيء يتبدل.

 

س: فكر مقلق.

 

هايدغر ـ سيكون من الجيد إذا اتخذ هذا القلق بشكل جدي على نطاق واسع وإذا تم أخيرا النظر للتحول المهم الذي عانى منه الفكر الإغريقي عندما تُرجم للاتينية الرومانية، حدث لا يزال لغاية اليوم يمنعنا من تأمل كاف للكلمات الأساسية بالفكر الإغريقي.

 

س: أستاذ، إننا بالواقع دائما نفترض بتفاؤل أن شيء ما يمكنه أن يتواصل وحتى أن يُترجم، لأنه إن كان هذا التفاؤل متضمنا بالفكر فبالإمكان إحداث تواصل على الرغم من الموانع اللغوية، إذاك ضيق لفكري يهدَّد.

 

هايدغر ـ أتودون دعوة الفكر الإغريقي بالضيق الفكري في مقابل النسيج الفكري للإمبراطورية الرومانية؟ الرسائل العملية (Business) يمكن أن تترجم لجميع اللغات. العلوم (تشمل اليوم العلوم الطبيعية، مع الفيزياء الرياضية كعلم أساس) يمكنها أن تترجم لكل لغات العالم. ولمزيد من التوضيح، فهي لا تُترجم، بالأحرى نفس اللغة الرياضية تتحدث. إننا هنا نلمس منطقة واسعة يصعب تغطيتها.

 

س: ربما ذلك ينتمي لهذا الموضوع أيضا: حاليا، بدون مبالغة، هناك أزمة بالنظام الديموقراطي البرلماني. وذلك حاضر منذ مدة طويلة، بالأخص في ألمانيا، وليس فقط بألمانيا. ذلك حاضر بالدول الكلاسيكية للديموقراطية، في إنجلترا وأمريكا. بفرنسا لم تعد تعتبر أزمة حتى. والآن، سؤال: أيمكن أن يعجز المفكرون عن تقديم المشورة، حتى كمنتجات فكرية، أم يجب استبدال هذا النظام بواحد آخر (جديد)، وكيف يجب أن يبدو، أو أن الإصلاح يجب أن يكون ممكنا، والمشورة حول إمكانية هذا الإصلاح؟ بشكل آخر، الشخص الغير مهيأ فلسفيا - والذي سيكون بطبيعة الحال الشخص الذي يمتلك أشياء بيده (بالرغم من عجزه عن تحديدها) والذي يتموضع في أيادي الأشياء - هذا الشخص سيستمر في التوصل لاستنتاجات خاطئة، لربما حتى استنتاجات متهورة بشكل فظيع. إذن: أيجب على الفيلسوف ألا يكون مستعدا للتفكير حول كيفية إمكانية ترتيب عيش مشترك للبشر بهذا العالم، بالطريقة التي مكننوا بها أنفسهم تكنولوجيا، والتي من الممكن أن تتغلب عليهم؟ أليس من اللائق التوقع من الفيلسوف تقديم النصح فيما يعتبره إمكانيات للعيش؟ ألا يجب أن يقدم الفيلسوف باختصار جزءً، حتى لو كان بسيطا، من خلال وظيفته ونداءه إذا لم يكن يتحدث عن شيء؟

 

هايدغر ـ بقدر ما أستطيع أن أرى، الفرد كفرد غير مؤهل لفهم العالم بشكل كامل من خلال التفكير لغاية المدى الذي يمكّنه من تقديم إرشادات عملية؛ خصوصا بمواجهة مهمة إيجاد أول قاعدة للتفكيره نفسه مرة أخرى. فطالما أن التفكير يأخذ نفسه بجدية بنظر التقليد العظيم، فإنه منهك بوجوب تهييء نفسه لتقديم إرشادات. بأي إمكانية يمكن لهذا أن يحدث؟ بعالم الفكر، ليس هناك من تصاريح موثوقة. الشرط الوحيد للتفكير يأتي من المسألة المفكر فيها. ذلك، مهما يكن، هو ما يستحق التساؤل قبل كل شيء. لجعل هذا الوضع أمرا مفهوما، يلزم نقاش حول العلاقة بين الفلسفة والعلوم، والتي (العلوم) بنجاحها التقني العملي تجعل من التفكير في المعنى الفلسفي يبدو أكثر فأكثر شيء لا جدوى منه. الوضع الصعب الذي وجد التفكير نفسه فيه بالنظر إلى مهمته أدى به للاغتراب، وهو الموقف الذي تغذيه العلوم من خلال تموقعها القوي، ما أجبر التفكير على التخلي بنفسه عن الإجابة عن الأسئلة العملية والأديولوجية المتطلبة اليوم.

 

س: أستاذ، بعالم الفكر ليس هنالك من تصاريح موثوقة. بالتالي لا يمكن أن نندهش من الفن الحديث الذي يعايش ظرفا صعبا، قيامه بتصاريح موثوقة. بينما، تسميها «مدمرة». غالبا يعتقد الفن الحديث نفسه بأنه فن تجريبي. أعماله محاولات..

 

هايدغر ـ سيسرني التجريب.

 

س: ...محاولات للخروج من الحالة المعزولة للموجود الإنساني والفنانين، وخارج كل مئة محاولة، هناك واحدة تصيب الهدف.

 

هايدغر ـ هذا هو السؤال المهم. أين يقف الفن؟ أي مكان يشغل؟

 

س: جيد، غير أنه الآن تطلب شيئا من الفن لم تعد تطلبه من الفكر.

 

هايدغر ـ لم أطلب شيئا من الفن. وضعت فقط سؤالا حول المكان الذي يشغله الفن.

 

س: إذا كان الفن جاهلا بمكانه، فهل ذلك يجعل منه مدمرا؟

 

هايدغر ـ حسنا، لنتجاوز. أود أن أوضح، مع ذلك، بأني لا أعتقد بأن الفن يقف خارج مسار، خاصة وأنه لا يبدو واضحا أين يتجه ببصره أو على الأقل كيف ينظر لما هو أكثر خصوصية بالفن.

 

س: الفنان، كذلك، يفتقر للالتزام بالتقليد. قد يجده جميلا، ويمكن أن يقول: هذه هي الطريقة التي يمكن أن يرسم بها الواحد 600 سنة مرت أو 300 سنة مرت أو حتى ثلاثين سنة. غير أنه لم يعد قادرا على ذلك. حتى لو أراد، فإنه لا يستطيع. من تم يصبح الفنان العظيم مزوِّرا عبقري، كـهانز فان ميخيرن Hans van Meegeren، الذي بإمكانه الرسم "أفضل" من معاصريه. غير أن هذا الأمر لم يعد يعمل. بذلك فالفنان، الكاتب، الشاعر هم بوضع مماثل للمفكر. كم من المرات يجب أن نقول أغلقوا أعينكم.

 

هايدغر ـ إذا اتخذت "الثقافة الصناعية" إطارا لتصنيف الفن والشعر والفلسفة، بذلك سيكون التكافؤ مبرَّرا. رغم ذلك، إن لم تكن فقط الصناعة هي من ينفتح عن التساؤل بل كذلك ما نطلق عليه بالثقافة المتساءل حولها، فإن التفكر في هذه التساؤلية سيعود كذلك لمسؤلية عالم الفكر، ومحنة الفكر بالكاد يمكن تخيلها. لكن أعظم مصيبة للفكر موجودة اليوم، بقدر ما يمكن أن أراها، هي أنه ليس هنالك من مفكر يتحدث بعد، مفكر عظيم بشكل كاف يتمكن من وضع الفكر، بشكل مباشر وعملي، قبل موضوع مادته وبالتالي في مساره. عظمة ما يجب أن يكون فكرا هو مسألة عظيمة بالنسبة لنا اليوم. ربما أمكن لنا أن نكافح ببناء جسر ضيق لا يمتد بعيدا، لأجل العبور.

 

س: أستاذ هايدغر، تقبل شكرنا لك بإجراء هذا الحوار.

 

ترجمة وتقديم: حمودة إسماعيلي

 

المناضلة والقائدة النسوية أجيه خان البرزنجي:

ajehkhan- في احتفالات الثامن من اذار هاجمتنا دبابات الحكام

حين التقيتها لاول مرة، في استوكهولم، عاصمة السويد التي وصلتها لاجئة عام 2000، بعد رحلة في عدة محطات مرورا بدمشق، كان لدي فكرة أولية طيبة عن هذه المرأة التي تتوكأ على عكاز خاص وتحاول ان تكون منتصبة القامة. وصرت اتخيل صوتها هادرا في التظاهرات والمحتشدات النضالية في السنوات الغابرة. واتخليها وهي تحث الخطى من شارع الى شارع، والريح تلاعب شعرها، توزع المنشورات وتعيد صلات المقطوعين عن التنظيم الحزبي، وتزور السجون وتعود عوائل السجناء، وتوزع الجكليت في المناسبات الوطنية وقد سهرت الليل تضع فيها اوراقا خاصة خطت فيها شعارات تنادي بالديمقراطية والحرية والمساواة.

انها المناضلة أجيه خان البرزنجي (أجيه شيخ حسين شيخ محمد)،من مواليد السليمانية عام 1939، ولدت في عائلة ارتبطت بنضالات القوى الوطنية، حزب التحرر وثم الحزب الشيوعي العراقي، وقدمت هذه العائلة العديد من المناضلات والمناضلين والشهداء، و ربما اشهرهم اخيها المناضل الشيوعي وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الشهيد على البرزنجي، الذي اعدم في قصر النهاية عام 1971 على يد جلاوزة حزب البعث العفلقي، والراحل المناضل شيخ سعيد الذي توفي عام 199، وشيخ محمد، المناضل والشاعر المعروف بأسم "ع. ح. ب" والذي رحل عام 2001 . وابنها الشهيد اردلان حمه سعيد (1968 ـ 1985) الذي اغتيل في مدينة تكريت خلال اداءه مهمة نضالية هناك .

قالت لنا:

ــ تعلمت حتى الثالث ابتدائي في المدرسة، لكن اجواء العائلة، ساعدتني على تطوير معارفي وثقافتي، وسريعا ارتبطت بالحركة النسوية والسياسية، وكانت اول صلاتي عام 1950 مع المناضلة والرابطية خانم زهدي، وانخرطنا ومعي اختي عائشة في معترك النضال النسوي والحزبي، فصرنا نوصل البريد الخاص والمنشورات ونهيأ الاماكن للاجتماعات. ان مجمل نشاطنا عرضنا للكثير من المضايقات من السلطات الحاكمة، خصوصا بعد اعتقال الشهيد علي البرزنجي، واخي محمد، وايضا تم اعتقال اختي عاشة وسجنها بينما استطعنا انا واخي شيخ سعيد الافلات من مداهمات قوى الامن، واختفيت لفترة في بيوت الاصدقاء .

 

لنتحدث عن ايام ربيع الحركة الثورية بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958، سمعت الكثير الممتع عن نشاطاتك ومساهماتك ودورك القيادي في رابطة المرأة العراقية؟

ــ بعد ثورة الرابع عشر من تموز، انفتح الافق واسعا امام المراة العراقية للعمل في المنظمات الديمقراطية في كل مدن العراق ومنها كردستان، وكانت رابطة المرأة العراقية واحدة من انشط هذه المنظمات، حيث استوزرت حكومة 14 تموز، المناضلة نزيهة الدليمي رئيسة الرابطة، وتم بنجاح ورعاية الزعيم عبد الكريم قاسم انعقاد مؤتمر الرابطة في بغداد عام 1959، وكان لي شرف المشاركة في التحضيرات له وحضوره. خلال هذه الفترة كنت سكرتيرة لرابطة المرأة في مدينة حلبجة، حيث انتقلت لها بعد زواجي، وكان لفرع الرابطة في حلبجة فروع في غالبية القرى والقصبات المحيطة، وكنا ننظم النشاطات المتنوعة الثقافية والاجتماعية، وتوقف كل هذا مع انقلاب الردة البعثي في 8 شباط 1963 .

 

هل التقيت بالزعيم عبد الكريم قاسم؟

ـ توفرت لي الفرصة للقاء الزعيم عبد الكريم قاسم والمهداوي ومحمد ماجد امين والعديد من قادة ورجال الثورة ايامها . لم يكونوا يعزلون انفسهم عن الجماهير والناس، خصوصا في سنوات الثورة الاولى . وهذه اللقاءات كانت تتم ضمن سياق نشاطات رابطة المراة .

 

وما قصت مهاجمة الدبابات لتجمع نسوي بمناسبة 8 اذار؟

- حصل هذا عام 1964، كنا رتبنا لاحتفال بمناسبة الثامن اذار، واخترنا منطقة نبع داروغا التي كانت في حينها من ضواحي مدينة السليمانية والان احد احياء المدينة بعد ان توسعت، ورتبا سفرة للعوائل (بالكردية نقول سيران) لكن تفاجأنا بعدد المشتركين، اذ صارت كل عائلة تجلب معها عوائل اخرى، فصرنا نوزع عليهم الحلويات وبداخلها الشعارات، هذا التجمع اغاض السلطات ايامها فارسلت عددا من المدرعات والدبابات لتفريق الحشد واخافة الناس الذين عرف من لم يعرف يومها اهمية توحيد الجهود التي يمكن ان تخيف اعتى ديكتاتورية وعرفوا بسالة النساء العراقيات .

 

وكيف تنظرين الى وضع ونشاطات المراة الان ؟

- الظروف المحيطة بنشاط المراة حاليا صعبة جدا . والرابطيات يبذلن جهودا مضاعفة لتجاوز المعوقات التي يزرعها الاسلام السياسي في حياة النساء وعموم المجتمع . اتألم كثيرا لارتفاع نسبة العنف ضد المراة في اقليم كردستان وعموم مناطق العراق، خصوصا الجرائم التي تتم بحجة الشرف .اعتقد ان من اهم مهمات منظمات المراة حاليا هو العمل لتوعية النساء ليتسطعن ان ينهضن بانفسهن بمهمات تغير واقعهن المتردي .

 

رأيت لك صورا وانت تقدمين قصائد شعرية .. الم تفكري بديوان مطبوع لجمع قصائدك؟

- لا اقدم نفسي كشاعرة، ولكن تأتيني مشاعر عن معاناة المرأة ومعاناة الشعب واوضاعه الصعبة، وفقدان الشهداء، فلا استطيع كتمانها، فأكتبها، واقرأها لاصدقائي ورفاقي، فصاروا يطالبونني في بعض المناسبات الشخصية والوطنية في تقديم بعضا منها، بل استضافتني قناة تلفزيونية وطلبوا مني قراءة بعض من هذه القصائد، ونشرت بعض الصحف بعضا منها . بالنسبة لي لا افكر بطبع كتاب ولا احاول تقديم نفسي كشاعرة، لكني لا استطيع اخفاء مشاعري التي تأتيني على شكل قصائد .

 

ما هي امنياتك للمرأة في يومها العالمي؟

امنياتي ان تنهض المراة بنفسها لانتزاع حقوقها وحرياتها. ان يندحر الارهاب ويعم السلام في بلادنا، وان تتحرر النساء الاسيرات عند القوى الارهابية . وان ينعم اطفالنا بحياة افضل من حياتنا التي عشنا فيها المصاعب والويلات مع ديكتاتوريات شوفينية وفاشية لا تحترم حقوق الانسان وتهمش وتغيب دور المرأة والمواطن .

 

يوسف أبو الفوز

 

لقاء مع الاعلامية والفنانة انعام عبد المجيد

inammajeedفيلم "شروق" حلم يحمل أسمه عن واقع تهميش المرأة !

لا يمكن النهوض بواقع المرأة دون مساهمة المرأة نفسها

 

انعام عبد المجيد، ابنة الكاظمية، خريجة الجامعة المستنصرية قسم الترجمة، والوجه الاعلامي المعروف، المثابرة والطموحة، والتي أعدت وقدمت العديد من البرامج التلفزيونية، غطت فيها هموم العراقيين، داخل وخارج الوطن، في كل المجالات، الثقافية والسياسية والاجتماعية، هاهي تطرق باب السينما، ليس كممثلة بوجهها الجميل ذي الملامح العراقية، وانما كمخرجة . "تابعت نشاطاتها، وتواصلت معها، وكان هذا الحوار الخاص عبر الهاتف:

 

أولا .. لك تهنئة بعرض فيلمك الروائي القصير "شروق"، كيف تصفين لنا دخولك مجال السينما من بعد ان عرفك الجمهور كأعلامية مثابرة؟

ـ في البداية اقدم جزيل الشكر لمبادرتكم .. احاول هنا الاختصار بالقول ان قرار دخول معترك السينما والاخراج تحديدا لم يكن قرارا فجائيا . ان عشقي للسينما هو حلم قديم، وتجربتي الاعلامية، في التعامل مع الكاميرا قدمت لي الكثير، وحاولت الاستفادة من اقامتي في دولة السويد فدرست السينما والعمل الاعلامي اكاديميا، وتابعت الانتاج السينمائي العالمي وحاولت تثقيف نفسي سينمائيا بطرق عديدة، وثم توفرت لي فرصة العمل كممثلة رئيسة ومساعد مخرج مع المخرج العراقي قاسم حول في فيلم "المغني" عام 2009، وممثلة رئيسة في فيلم " صمت الراعي"مع المخرج رعد مشتت عام 2014، هذه الخبرة المتراكمة وخلال فترة حوالي عشر سنوات شجعتني على اتخاذ القرار بدخول تجربة الاخراج التي اعتبرها تحد كبيرا في حياتي كأمراة.

 

وهل هذا انتقالة جديدة في حياة الاعلامية انعام، وهل ستتواصل مع العمل الاعلامي؟

ـ ان نشاطي الاعلامي لن يتوقف، ولدي مشاريع اعلامية قادمة، ورغم وجود العديد من العروض السينمائية، وسماع الكثير من الاطراء، عن مستوى تمثيلي، فاني أود التأني في اختيارتي السينمائية، واريدها ان تكون نوعية وتضيف لي شيئا في تجربتي السينمائية.

 

فيلم "شروق "، الروائي القصير، اقل من 18 دقيقة، ماذا اراد ان يقول للمشاهدين؟

ــ في كل تجاربي السينمائية، كانت مشاركتي لها علاقة بهموم وتطلعات المرأة العراقية. وهذا ليس صدفة، ففي مجمل عملي الاعلامي كنت احرص على متابعة هموم وحياة المرأة العراقية ودورها في المجتمع، فاغتنت تجربتي ومعلوماتي . في فيلم "المغني " اديت دور زوجة المغني التي ترفض الذل، وفي "صمت الراعي" دور الام التي تعاني كثيرا من الموروث الاجتماعي، من هنا فان فيلم "شروق" الذي يعالج هموم امراة عراقية خياطة،كادحة، مهمشة،،جاء استمرارا لما مر، فهذه المرأة المعزولة، في مجتمع ذكوري، تتطلع الى حياة جديدة، فيكون الحب هو وسيلتها لاكتشاف ذاتها، وتستمر احداث الفلم لينتهي الى نهاية مؤثرة لصالح المرأة .

 

هل سعى الفيلم لتقديم الفيلم هذه الافكار والرؤية عبر مقاربات رمزية او واقعية؟

ــ سعى الفيلم من خلال سرد حكاية بأسلوب واقعي لان يقدم رسائل عديدة، تحمل رموزها، فالابواب والاقفال وصدأ المرآ ة، والشبابيك المغلقة واشياء اخرى تعبر عن عزلة هذه المراة التي تعيش وحيدة مع صور اهلها الراحلين، وثم تغير ايقاع حياتها بوصول رسالة حب، فيتغير ايقاع يومها وحتى لون الخيوط وعلاقتها بالاشياء من حولها. الفيلم حاول بكل عناصره الفنية، من التمثيل والموسيقى التصويرية والاضاءه، ان يقدم رسالة عن اهمية الحب والحياة. وان المرأة ككائن بشري يجب أن تعيش حياتها السعيدة مثل غيرها خارج الجدران وبكل حرية . حاولت ان اجعل كل امراة عراقية تجد شيء من نفسها في هذا الفيلم .

 

وماذا يشكل فيلم "شروق " بالنسبة لك؟

ــ هو ليس مجرد فيلم قصير . انه حلم يحمل اسمه. انه شروق جديد في حياتي . كأمراة حاولت ان اثبت لنفسي اني قادرة على التحدي وخوض غمار تجربة ربما يظنها كثيرين هي حكرا على الرجال . استطاع فيلم "شروق" ان يكسر ترددي وشيء من الخوف وربما الرعب من خوض تجربة الاخراج السينمائي، رغم اني كنت اخرج غالبية برامجي الأعلامية بنفسي. ومهما كانت حظوظ فيلم " شروق "من النجاح فاني كأمرأة اعتقد انه نجاحي الكبير، اذ فعلت ما تحلم به نساء كثيرات ليشعرن ان لديهن قدرات فاعلة لا تقل عن الرجل في كل مجالات الحياة. فيلم "شروق" اعطاني الدروس بأني ما دمت صاحبة مباديء فعلي ان اواصل طريقي لتجاوز العثرات المقصودة وغير المقصودة .

 

وكيف تجدين في الواقع حياة المرأة العراقية، وامكانيات نيل حياة جديدة وافضل؟

ــ أؤمن بشدة بأن المرأة اساسا هي من يتحمل العبء الاول للنهوض بقضيتها، فمجتمعنا الذكوري، بكل ثقل الموروث الاجتماعي والقوانين البالية، التي تعطل وتقيد مساهمة المرأة في بناء المجتمع، لا يمكن ان ينهض بهذا وان تكاشف المرأة نفسها، وتحاول اكتشاف ذاتها وان لا تستلم للقيود لاجل تغيير الواقع .

 

ما هي امنياتك للمرأة العراقية وهي تعيش اجواء يوم المراة العالمي في الثامن من أذار؟

ــ ان اول امنياتي للمراة العراقية ولعموم العراقيين هي الامن والسلام والقضاء على العصابات الارهابية التي تدمر حياتنا وموروثنا الثقافي، وللمراة تحديدا اتمنى ان تواجه نفسها وذاتها لتعرف اهمية دورها في المجتمع، لاجل تغير واقعها وان تكون عندها رؤية واضحة لحقوقها، وهذا يتطلب بناء ذاتها وان تكون واعية لتواجه الكثير من الضغوطات حتى يمكن بناء حياة مدنية جديدة، وان تعمل ضد القوانين التي تعرقل حريتها ودورها في المجتمع وان تعمل بجد لاجل القوانين التي تخدم مساواتها بالرجل وتمنحها فضاءات اوسع بالعمل وان لا تسمح بتهميشها .

 

هل هناك مشاريع قادمة لم تعلني عنها وتخبرين القراء بها؟

ــ اقرأ نصوصا للكاتبة آمال كاشف الغطاء وفي صدد ان يكون لنا عمل سينمائي مشترك، ويمكنكم الاعلان عنها، فلاول مرة اتحدث عن هذا الامر .

لك منا الشكر والتحية مع اجمل الامنيات .

ــ الشكر لك مع، اجمل التحيات وباقة ورد معطرة بالمحبة بمناسبة الثامن من آذار.

 

فيلم شروق

روائي قصير . 18 دقيقة .

اخراج : انعام عبد المجيد

سيناريو ومساعد المخرج : سمر قحطان

تمثيل : انعام عبد المجيد، سمر قحطان، رؤى خالد، ذو الفقار خضر، علاء قحطان وغيرهم إضافة الى الطفل يوسف مكي .

أدارة تصوير وتصوير : عمار جمال

ادارة انتاج : أياد حامد

موسيقى تصويرية : دريد الخفاجي

حوار مع: د. عبدالجبار الرفاعي

abduljabar alrifai- لا خلاص إلاّ بالخلاص من "أدلجة الدين" وإعادة الدين الى حقله الطبيعي ..

كثرت الأسئلة حول الدين والدولة، وأدلجة الدين والتراث، وعن دور الدين ومجاله في الحياة، ولا سيما على ضوء ما نحياه اليوم من صعود التطرف الديني، ودعوات التحرر من سطوة السلف وتحديث الفكر الديني. أسئلة من هذا النوع الإشكالي وغيرها حملناها إلى المفكر الاسلامي العراقي والأستاذ في الحوزة والجامعة الدكتور عبد الجبار الرفاعي.

فكان هذا الحوار:

 

1- ناقشت "اختزال الدين في الأيديولوجيا"، وهذا ما أسهبت الحديث عنه في كتابك "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين"، وقدّمت كل من علي شريعتي وحسن حنفي كنموذجين لتحويل الدين من ثقافة إلى أيديولوجيا. مع الرفض لأن يختزل الدين في الأيديولوجيا، ولكن إذا تحدثنا عن الإسلام، فهو ينطوي في فكره وتراثه على تحقيق العدالة، أي أنه دين في جوهره يحمل عقيدة تغييرية، فكيف يمكن أن يكون خالصاً من التمثلات الأيديولوجية؟

- لم يكن المرحوم علي شريعتي أو الصديق حسن حنفي وحيدين في دعوتهما وجهودهما لـ"اختزال الدين في الأيديولوجيا"، بل إن البروتستانتية الإسلامية منذ ولادتها تناضل في سبيل ذلك. الخبير بأدبيات الجماعات الإسلامية يعرف جيدا أن هذه الأدبيات مسكونة بأحلام خلاصية. وهي تدرك جيدا أن مثل هذه الأحلام الكبيرة لن ينجزها سوى "أدلجة الدين والتراث". ذلك أن الأيديولوجيا نسق مغلق، يغذي الرأس بمصفوفة معتقدات ومفاهيم ومقولات نهائية، تعلن الحرب علي أية فكرة لا تشبهها، حتى تفضي الى إنتاج نسخ متشابهة من البشر، وتجييش الجمهور على رأي واحد، وموقف واحد، وكأنها تتمثل قول فرعون " قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى".

الأيديولوجيا جزمية، همها تنميط وتدجين ونمذجة الشخص البشري، لذلك تقدم جوابا واضحا لكل سؤال، وكأنها لا تدري أن أسئلة ثقيلة كأسئلة المبدأ والمصير، مالبثت منذ جلجامش مفتوحة. يتعطل التفكير حين تغلق الأسئلة المفتوحة. الأيديولوجيا تقوّضها الأسئلة المفتوحة، لذلك لا تبقي في فضائها أي سؤال مفتوح، وتحرص أن تقدم إجابات نهائية لكل سؤال مهما كان.

ما زلتُ أدرك أن الدين يهدف لتحقيق العدالة، لكن الطريق الى العدالة لا يمرّ من خلال "أدلجة الدين"، لأن "الأدلجة" تُفسد الدين، الدين يتمحور هدفه العميق حول تأمين ما تفشل الخبرة البشرية في تأمينه للحياة. الانسان كائن لا يشبه الا الانسان، وهو الكائن الذي يفتقر الى ماهو خارج عالمه المادي الحسي، خلافا للحيوان الذي لا تتجاوز احتياجاته عالمه المادي الحسي. الانسان في توق ووجد أبديين الى ما يفتقده في هذا العالم، وذلك ما تدلل عليه مسيرة هذا الكائن منذ فجر تاريخه الى الآن، بل أزعم أن هذه الحاجة مزمنة، وستستمر حتى آخر شخص يعيش في هذا العالم. وهو ما يمكن تسميته بـ" الظمأ الانطولوجي". يتمثل "الظمأ الانطولوجي" في افتقار الشخص البشري الى ما يُثري وجودَه، وهو يجتاح حياةَ كل كائن بشري، بوصف هذا الكائن يتعطش للامتلاء بالوجود، كي يتخلصَ من الهشاشة، ويجعلَ حياتَه ممكنةً في هذا العالمِ الغارق بالمتاعب والأوجاع، وتكونَ له القدرةُ على العيش بأقلَ ما يمكنُ من المرارات، ويخرجَ من حالة القلق الى السكينة، ومن اللامعنى الى المعنى، ومن العدمية الى الحقيقة. الدين هو المنهل لإرواء الظمأ الانطولوجي. وحين يرتوي الشخص البشري، تخمد نزعة الشر المتأصلة في ذاته، ويكفّ عن العدوان وكراهية الآخر. مادامت كينونة الكائن البشري في تعطش لمعنى وجوده وهدفٍ لحياته، ولم يعثر على المنهل الحقيقي لذلك المعنى، والسبيل لبلوغ ذلك الهدف، يغرق في اللامعنى والعدمية ولاجدوى الحياة والعالم وكل شئ، فيغدو كقنبلة موقوتة؛ تتفجر لحظة إشعال صاعقها. مادام المرء يكتوي بعذاب العدمية واللامعني تترسخ على الدوام النزعة التدميرية في شخصيته، ويصير مستعدا لكل ما من شأنه الهدم لا البناء، الموت لا الحياة، والظلام لا النور.

 

2- ماالذي تعنيه بـ "البروتستانتية الاسلامية"؟

- البروتستانتية هي "حركة الاصلاح الديني في الكاثوليكية"، التي قادها مارتن لوثر. "البروتستانتية الإسلامية" هي "حركة أدلجة الدين والتراث في الإسلام الحديث والمعاصر"، التي يمكن أن نؤرّخ لها بولادة الاخوان المسلمين.

البروتستانتية المسيحية والاسلامية كلتاهما تشتركان؛ بإنهاك الدين، وإفقاره ميتافيزيقيا، وخفض طاقته الروحية، وإهمال قيمه الأخلاقية، والتشديد على مضمونه الدنيوي الأرضي، لكن البروتستانتية الاسلامية مختلفة عن المسيحية، فالبروتستانتية المسيحية حرّرت الدولة من الدين، والبروتستانتية الاسلامية أفشلت الدولة بالدين، وسمّمت الدين بالدولة.

 

3- ما سبق يحملنا للسؤال عن الدين ودوره في حياة الإنسان؟ وما مساحته ومجاله، وما الحدود التي يتوقف عندها؟ وهل تنحصر وظيفته في منح الحياة معنى على مستوى فردي أي الباطن الإنساني؟

- إن هذه الرؤية لوظيفة الدين؛ لا تدّعي أن الدينَ ليس مؤثراً في الفاعل الاجتماعي، وإنما هي تؤشر بوضوح لأفق الانتظار من الدين، ونمطِ المهام التي يعد بها. فإذا عمل الدين في حقله الحقيقي، وأنجز وعودَه التي يقدّمها للبشر، آنذاك يشبع الشخص البشري حاجته لخلع المعنى على ما لا معنى له، ويرتوي تعطشُه للوجود، وتلهفه الانطولوجي، فيصبح ممتلئاً متوازناً، إيجابياً سوياً، لا ينهكه القلق، وفقدانُ معنى الحياة.

يروي لنا علي شريعتي مثلا مأساة عشرات الآلاف من العمال، الذين تهشمت ضلوعهم تحت حجارة الإهرامات، بينما لا يدري أن ضلوعنا مهشمة أيضا، وأننا يجتاحنا: القلق، اليأس، الاغتراب، الضجر، السأم، الألم، الحزن، الغثيان، فقدان المعنى، ذبول الروح، انطفاء القلب، الجنون...الخ. إنه كمن يضع بأيدينا مصابيحَ شديدةَ الإنارة، ليكشف لنا بؤس العالم، لكن عالمنَا الجواني الباطن يظل مجهولاً مهملاً. لم يتنبه شريعتي إلى أنه؛ لا ينبغي لنا أن نطاردَ ظلامَ العالم، فيما نحن نجهل ظلامَ أنفسنا، ونتضور لجوع العالم، ونحن لا نشعر بجوع أنفسنا، ونحترق لظمأ العالم، ونحن لا نتحسس الظمأَ الأنطولوجي في ذواتنا...الح. ما فائدةُ أن يغدو العالم سعيداً إن لم أكن أنا قبل ذلك سعيداً ؟! ما فائدة أن يغدو العالم جميلاً إن لم أكن أنا قبل ذلك جميلاً؟! "ما فائدة أن تربح العالم وتخسر نفسك"، حسب قول السيد المسيح؟!

 

4- في اللحظة الراهنة كيف يمكن الانفتاح على الدين؛ بما يملك من خصوبة للخلاص من الطغيان والفساد، خاصة وأنتم تعلمون أن فكرة الدولة الوطنية الحديثة في العالم العربي غير ناضجة، فما نسميه بالدول عندنا أقرب ما يكون للسلطة؟

- مأزق الإسلام اليوم هو انهيار الحياة الروحية والأخلاقية والعقلية، وما نعيشه من شقاء للعقل والقلب والروح. وهذا هو المآل الطبيعي لما أفضت إليه جهود البروتستانتية الإسلامية في عملية "تديين الدنيوي".

لا خلاص إلا بالخلاص من "تديين الدنيوي"، وإعادة الدين الى حقله الطبيعي. ومن دون ذلك ننهك ما هو ديني، ونبدّد ما هو دنيوي. بمعنى أن تمام الدين و كماله ليس بمعنى استيعابه وشموله لكل شئ في الدنيا, وانما بمعنى أن الدين لايعوزه ولا ينقصه شئ فيما يرتبط بأهدافه وغاياته في بناء الذات البشرية خاصة، ورفدها بما تفتقر إليه الخبرة البشرية في سياق عالمها الحسي المادي. أما ما يؤمّنه العقل، وما تنجزه الخبرة البشرية فلا ضرورة لإقحامه في الدين، أو إقحام الدين فيه.

البروتستانتية الإسلامية شددت على أن يختلط كل شئ بكل شئ .. يختلط الدين بالعلم، والعلم بالدين، يختلط الدين بالدولة والدولة بالدين، يختلط الدين بالفن والفن بالدين، يختلط الدين بالاقتصاد والاقتصاد بالدين .. مضافا الى أن السياسية انحطت في مجتمعاتنا فتغولت، والتهمت الدين والاقتصاد والفكر والأدب والفن والرياضة، فلم يعد الدين ديناً، ولا الاقتصاد اقتصاداً، ولا الفكر فكراً، ولا الأدب أدباً، ولا الفن فناً، ولا الرياضة رياضة.

نحن بحاجة ماسة لعبور ميراث شريعتي، مثلما عبره وتجاوزه التفكير الديني في إيران، وجعله خلفه منذ سنوات طويلة. بل نحن بحاجة ماسة لعبور التفكير الديني للمفكرين الأيديولوجيين من رواد البروتستانتية الإسلامية في عالم الاسلام في القرنين الأخيرين. ذلك أن مجتمعاتنا مسكونة بنحت الأصنام البشرية، فالزعيم السياسي أو غيره؛ سرعان ما يتحول في الوجدان الشعبي الى أسطورة خارقة للطبيعة البشرية، فيصاب هو بجنون العظمة، ويصدّق أنه أضحى أسطورة، وأنه "الرجل الضرورة!".. وإن أخطر أنماط الأصنام البشرية هي التي تولد في حقل الفكر، فحين يتحول المفكر الى صنم، وقتئذ يكفّ العقل عن التفكير. التفكير الديني مطالب اليوم بالانتقال "من الأيديولوجيا الى الابستمولوجيا"، ومن "تحويل الدين الى أيديولوجيا"، كما يشدّد المرحوم شريعتي، الى "اكتشاف الوظيفة الأنطولوجية العميقة للدين". متمنيا أن يتسع وقتكم لمطالعة مقالتي في العدد القادم لمجلة "الكوفة" المعنونة: "المثقف الرسولي علي شريعتي: ترحيل الدين من الأنطولوجيا الى الأيديولوجيا"، التي تشي بموقفي الراهن من تلك الوجهة في التفكير الديني في عالم الاسلام الحديث والمعاصر، والتي ساقتنا الى ما نحن فيه اليوم من شقاء للعقل والقلب والروح.

 683-rifaei

5- تشدّدون على مراجعة الماضي ونقد التراث، والتحرر من سطوة السلف، في كتاباتكم. هل تحسبون ذلك منطلقا لتحديث التفكير الديني؟

- "تبرئة الذات" وتنزيهها عامل حاسم في عجز الشخص البشري عن عبور الماضي. وتعود منابع ذلك الى "لاهوت الفرقة الناجية"، والتربية على "تنزيه الذات"، وعدم "الاعتراف بالخطأ". كأننا كائنات كاملة لحظة ولادتها، كأن كل شخص في مجتمعاتنا هو "انسان كامل"، وسيلبث كاملا أبدا. لم تكفل ثقافتنا "حق الخطأ" للشخص البشري. الخطأ فضيحة في حياتنا، لذلك يحرجنا، بل نرتبك ويغمرنا الخجل والوجل لو اعترافنا به. أفضى هذا الى أن يغدو تراثنا كله صوابا، وماضينا كله مشرقا، وتاريخنا كله مجيدا، ورموزنا كلها مقدسة..الخ. ربما لا توجد ثقافة غارقة بالثناء والتبجيل للتراث ورجاله كثقافتنا. ربما لا توجد لغة مشبعة بالمناقب والمديح للماضي ورموزه كلغتنا .. مَنْ يفشل في صناعة التاريخ يعشق تمجيده وأسطرته وتخليده.

وربما لا يوجد متخيل لماضٍ كماضينا، إذ يعيدُ ماضينا نفسه؛ بإعادة إنتاج نصوصه ذاتها اليوم، ففي السياقات ذاتها تتكرر النصوص الماضية في الحاضرة؛ بكلمات بديلة وصياغات جديدة.

تجلت الآثار التربوية لذلك في أن للمرء في مجتمعاتنا شخصية مستعارة، يرتدي بها قناعاً في كل موقف نيابة عن غيره، وعجز المرء عن أن يكون ذاته، لا كما تريد له التقاليد والقيم الاجتماعية أن يكون. كما تجلّت في تفتيش الشخص البشري على الدوام عن عوامل خارجية لفشله، والتنكر لأي سبب للفشل من داخله. فهو يعتذر مثلا عن رسوبه؛ بأن: "المعلم عدوه"، وليس كسله وإهماله هو ما تسبب برسوبه. وعن تأخره عن السفر؛ بأن "الطائرة غادرت وتركته"، وليس هو من تأخر عن موعدها ..الخ.

وهكذا ترسّخت ظاهرة تبرير كل تخلف في مجتمعاتنا، بوصفه مؤامرات كونية تستهدفنا على الدوام. الآخر سبب تخلفنا، الآخر سبب فشلنا، الآخر سبب هزيمتنا في معاركنا، الآخر سبب ظهور الجماعات المتطرفة الإرهابية في مجتمعاتنا، الآخر سبب صراعاتنا الطائفية، الآخر سبب كل ما لا سبب له.. الآخر سبب يغذي نرجسيتنا المزمنة. نرجسيتنا تملي علينا أن نعتذر عن كل ما تصرّح به مدونات التاريخ؛ من تعسف واضطهاد وطغيان الخلفاء والسلاطين، رغم انه لم يكن في الرعية شخص حرّ سواهم، أما بقية أفراد المجتمع فظلوا على الدوام عبيدا لهم. نرجسيتنا تدعونا للتنكر لموجات الحروب الأهلية الطائفية المرعبة في بغداد مثلا في العصر العثماني، والادعاء أن الطائفية مخلوق غريب لا يعرفه تاريخ العراق، وإنما ظهر بعد سقوط صدام حسين ونظامه!

ومما لا ريب فيه أن كل من لا يعترف بأخطائه؛ سيُرغمه التاريخُ على استئناف تجرع كؤوس هزائمه في الماضي. من لا يعترف بأخطائه لا يتعلم. التاريخ لا يُعلّم الا من يعترف بأخطائه.

من نتائج "تبرئة الذات" أننا لا نعثر على مذكرات تسجل مسيرة تجارب الأعلام والمشاهير في تراثنا، لئلا تبوح بضعفهم البشري، ماخلا حالات نادرة، مثل كتاب "الاعتبار"، الذي ألفه أسامة بن منقذ المتوفى ٥٨٤ هـ. ودوّن فيه سيرته الذاتية، غير أنه لم يكتبه الا بعد مضي ثمانين عاما من حياته. في العصر الحديث مازال كتّاب المذكرات خارج فضاء الحواضر والحوزات الدينية عادة، وحتى أولئك الأدباء والمثقفين والسياسيين الذين ينشرون مذكراتهم، فإنهم في الغالب يمضغون الكثير من التفاصيل الجميلة، التي تؤشر لتطور منحنى شخصياتهم ومنعطفاتها، وضعفهم البشري، وما اكتنف حياتهم من؛ ألم وأمل، ونجاح وفشل، وضعف وقوة، وقلق وطمأنينة، وإيمان وحيرة..الخ. وعادة ما يلوّنون ماضيهم الشخصي بألوان جذابة، تتغافل عن الكثير من الأخطاء والهشاشة والعجز. قبل سنوات طالعت مذكرات الشاعرة نازك الملائكة، بتحرير حياة شرارة، فكانت كأنها قصيدة غزل تتغنى فيها بشخصيتها وعائلتها. شعرت بالغثيان؛ لفرط نرجسيتها وشعورها بالتفوق. وعجزها عن إعلان شئ من صوت الشاعر المتوهج القلق في ذاتها. وهواجس وخلجات وأحلام وأوهام الرائي في وجدانها. وتكتمها على العجز الطبيعي في شخصية كل كائن بشري. لكن ربما نجد من يشذّ عن هذه الحالة، مثل الروائي سليم مطر كامل الذي كتب سيرة تفضح "ثقافة العيب"، وتعلن عن "مذكرات رجل لا يستحي" حسب تسمته، تصرخ حياته فيها بعنفوان وضجيج، وتتكشف شخصيته عن منحنى تمزقها وهبوطها وصعودها، بشكل صادم لوعي القارئ في مجتمعاتنا.

 

6- تدعو لإحياء واستلهام ميراث الفلاسفة والمتصوفة والعرفاء كمحيي الدين بن عربي ومولانا جلال الدين الرومي وغيرهما، كعلاج للشفاء من أدبيات الكراهية ومناهضة الآخر. كيف تفسّرون هذه العودة للتصوّف اليوم؟ وهل فعلاً يمكن أن يشكّل شفاءا للآلام التي نعاني منها، علماً أنه يؤخذ على التصوف عموماً الاعتناء بالخلاص الفردي؟

- الالتباس ينشأ من الخلط بين التصوف الطُرُقي، والتصوف المعرفي والعرفان النظري. التصوف الطُرُقي "الاجتماعي" هو تصوف الدروشة والخانقاهات والتكايا والزوايا. هذا النمط من التصوف مرآة لتشوهات وعاهات المسلمين العميقة، إذ ترتسم فيه صورة تشوهات وعاهات التجربة التاريخية لعصور انحطاط الاسلام، وتخلف المسلمين وجهلهم. مثل؛ التربية على نفسية العبيد، وذهنية القطيع، والمسكنة والانقياد والرضوخ والطاعة العمياء لمشايخ الطرق الصوفية، والهروب من المجتمع، والتنكيل بمتطلبات الجسد، والتضحية بالغرائز والحاجات الطبيعية للبشر..الخ.

هذا ما تفشّى في تصوف الدراويش، تصوف الخلاص الفردي. أما التصوف المعرفي "الفلسفي" والعرفان النظري فإنه أنتج قراءة للنصوص خارج إطار المناهج وأدوات النظر الموروثة، التي اخترعها الشافعي والأشعري وغيرهما، ثم أضحت مقدسة، ومنح المسلم أفقا رحبا في التأويل، وإنتاج قراءات تتوالد منها على الدوام قراءات حية، في فضاء يواكب متغيرات الحياة..والخلاص من توثين الحروف وإهدار المقاصد، والتمسك بالأشكال ونسيان المضامين، والغفلة عن الحالات والغرق في الصفات.كما أعاد التصوف المعرفي "الفلسفي" والعرفان النظري الاعتبار للذات المستلبة، والعالم الجواني المطموس للشخص البشري، وعبّد دروب القلب في رحلته الأبدية نحو الحق تعالى، وانشغل بإرواء الظمأ الانطولوجي للروح.

 

7- بوصفك استاذا في الحوزة، ما موقفك من النظام التعليمي في الحوزة، والمرجعية التقليدية؟

- كنت قبل أكثر من ثلاثين عاما ممن ينتقدون النظام التعليمي في الحوزة، والمرجعية التقليدية، لكن بعد تجربة تواصلت في الحوزة منذ 1978، وعلاقة عضوية بالدراسة والتدريس فيها، أدركت أن عملية إصلاح النظام التعليمي انغمست بالشكل وأهملت المضمون، أعنى: جرى توطينٌ لنظام التعليم الجامعي في الحوزة بأسلوب تبسيطي، يفتقد العمق والتكثيف. نعم؛ أُطر التكوين الموروثة الراسخة في الحوزة تتضمن عيوبا متعددة، وتُهدر فيها سنوات طويلة من أعمارنا، غير أنها تتكفل بتكوين عميق دقيق في المنقول والمعقول، يمنحنا أهلية استثنائية للتوغل في التراث، واستكشاف مسالكه ومدياته المتشعبة القصية.

أما المرجعية التقليدية، فقد تحوّل موقفي حيالها منذ أكثر من ربع قرن، بعد أن تفهمتُ أن حضورها ضرورة تفرضها متطلبات اجتماعنا اليوم. ذلك أن مجتمعاتنا مازالت في "مرحلة ماقبل الحداثة"، بل يمكن توصيف بعضها بأنها "مجتمعات ما قبل الدولة الحديثة". والمرجعية التقليدية في مجتمع ينتمي الى الماضي بكل ما فيه، أهم نقطة ارتكاز في العواصف والمنعطفات العظمى التي تعصف بها، مثلما تشاهد في العراق منذ الاحتلال الامريكي. ولك أن تراجع مواقف مرجعية السيد السستاني في هذه الحقبة، ودورها الحاسم والمحوري منذ 2003 الى سقوط الموصل وغيرها بيد داعش 2014، فلولا مواقفها الحكيمة؛ لغرقنا أعمق مما نحن فيه اليوم في الفوضى والدم المسفوح.

 679-rifaa

8- أنت تقدم نقدا للسلفية والجماعات الإسلامية، ومهادنة أو مجاملة للمرجعية في المقابل. هل يعود ذلك للسياقات والظروف الخاصة في العراق وإيران، وماتتمتع به المرجعية من سطوة وقدرة على الحشد؟

- مرجعيات النجف وقم والزيتونة والقرويين ليست سببا للمأزق الذي نغرق فيه اليوم، ذلك أنها مشتقة من الاجتماع الإسلامي نفسه، وهي تتحرك وتنمو وتتطور في ضوء المنطق الذاتي لهذا الاجتماع وسياقاته الخاصة، ولا تمثل تمردا وانشقاقا عليه. مأزقنا يتمثل في الانشقاق على الاجتماع الاسلامي الراسخ، الذي يعمل على نحر هذا الاجتماع وتمزيقه. وهو ما نشاهده كل يوم في مآلات داعش وشقيقاتها.

طوال تاريخ الاجتماع الاسلامي لبثت المرجعيات الدينية في الاسلام فاعلةً ومتفاعلةً. ولم يحكي لنا تاريخُنا القديم أو الحديث أنها مثّلت في مرحلة ما مأزقا للأمة. مرجعية النجف قاتلت الانجليز سنة 1914 حين دخلوا العراق محتلين؛ دفاعا عن دولة الخلافة العثمانية، بوصفها تحمل راية الإسلام، بالرغم من أن دولة الخلافة هذه ظلت تضطهد الشيعة وتهدر حقوقهم في العراق قرونا عديدة،كما تحكي لنا تواريخ تلك الفترة.

 

9- هل تتفق مع من يقدّم طرحا علمانيا للدين من داخل الدين، أو ما يسمى بـ"العلمانية المؤمنة"؟

- أرفض توصيف "علماني"، ذلك أنه يشي بحكم قدحي. الناس مرضى بالتصنيف ووضع اللافتات. لا أقبل أن أصنف نفسي تبعا لمصطلحات، مثل: يسار إسلامي، يمين إسلامي، ليبرالي إسلامي، ديمقراطي إسلامي، اشتراكي إسلامي، علماني إسلامي، علمانية مؤمنة...ألخ. يؤسفني أننا نخلط كل شئ بكل شئ .. هذا خلط شاع في مرحلة ماضية، بل هي موضة تفشت في بعض الأدبيات الاسلامية منذ منتصف القرن الماضي. ومازالت بقايا صدى منها تتردد في مصطلح "علمانية مؤمنة"، وهو تعبير الصديق السيد محمد حسن الأمين، أو " يسار إسلامي" كما تحلو التسمية لصديقنا د. حسن حنفي..

أنا مسلم مؤمن، متيم بحب الله والانسان والعالم. أؤمن بالله ونبيه وكتابه الكريم، وما جاء به النبي "ص". وأؤدي الصلاة والفرائض، طبقا لما نصت عليه الشريعة.

الكلمات أحكام. الكلمات حساسة. الكلمات معبأة بطاقتها الخاصة للمعنى. نهدر المعنى ونبدده، لو عبثنا بمواضعاتها، وحاولنا تبذير المعنى في تركيبها مع كلمات لا تنتمي الى مجالها التداولي، واستعملناها في سياقات لا تشبهها.

توصيف "علماني مؤمن" أو "مؤمن علماني" يشي بجمع مفهومين لا ينتميان الى سياق واحد، فالعلمانية كما تستعمل اليوم بإسراف في أدبيات الجماعات الاسلامية، تنصرف في فهمهم؛ الى شبكة مفاهيم ومواقف مناهضة للدين، بل هي شتيمة تطلق على كل من لا يتبنى رؤاهم ومواقفهم. ولعلها تؤشر في مضمون تلك الأدبيات الى الحكم بإخراج الشخص الموصوف بها من الملة.

 

10- لماذا لا يصح أن يكون أحدنا علمانيا مؤمنا. فهو مؤمن بالله ورسوله وكتابه؟

- أنت حددت إيمانه بقولك: "هو مؤمن بالله ورسوله وكتابه"، ومعنى ذلك؛ أنه ليس مخيرا في تبني أية صيغة للطقس الذي يوصله الى الله. ففي كل رسالة هناك تقليد خاص للطقس والعبادة؛ مشتق منها، ومتسق مع نمط الايمان الخاص بها.

وبتعبير أوضح: مثلما أن للإيمان أنماط، وهذه الأنماط تتنوع وتتعدد بتعدد الرسالات، فإن الطقوس والعبادات تتنوع تبعا لها. مع احترامي لأتباع الأديان، لكل دين تقليدُه وطقسه الخاص في وصال الحق، الذي يُنهَل منه نمطُ إيمان أتباعه. فلا يصح أن تكون مسلما، وتؤدي القداس مع المسيحيين؛ تبعا لتقليد الطقس الكنسي، بدلا من الصلاة. أو أن تكون مسيحيا وتؤدي الصلاة في المسجد؛ تبعا لتقليد العبادة الاسلامي، بدلا من القداس في الكنيسة.

من هنا لم يحدثنا التاريخ عن أن الشيخ محيي الدين بن عربي أو مولانا جلال الدين الرومي أو غيرهما من أعلام المتصوفة والعرفاء كانوا يؤدون قداساً في كنيسة. وهكذا لم نسمع عن مشاهير المتصوفة والقديسين المسيحيين انهم يؤدون صلاة في مسجد. لقد شدد المتصوفة والعرفاء المسلمون على ضرورة التطابق في البداية والنهاية بين "الشريعة والطريقة والحقيقة"، في مدارج سلوكهم وتجاربهم الروحية. فالشريعة تؤدي الى الطريقة، والطريقة تؤدي الى الحقيقة. ولايمكن تحقق الثانية بدون الأولى، مثلما لايمكن تحقق الأخيرة بدون الثانية.

11- أريد أن أستفيد من هذا اللقاء لتناول موضوع الحوزة الدينية، وقد ذكرتم مراراً أن تحديث الحوزة لا يتم إلا عندما ينطلق من الحوزة نفسها، وليس من خارجها، وذلك كي لا يفتقر التحديث للمشروعية. كأستاذ في الحوزة الدينية، إلى أي مدى لمستم تغييرات وقيام إصلاحات جديّة فيما يتعلق بتغيير المناهج والأدوات والمفاهيم ومن ثم قيام رؤى جديدة في التعاطي مع قضايا الراهن والتجديد الديني والحفريات في المعرفة الدينية، بالاستعانة بفلسفة العلم والعلوم الإنسانية الحديثة والمعاصرة؟

- الحوزة واحدة من مؤسسات المجتمع، تطورها لا ينفصل عن العالم البشري المتنوع الواسع، فهي ليست خارج الزمان والمكان الأرضيين، وليست عابرة للتاريخ الانساني، و تغيير عالمنا والمجتمعات البشرية لم يعد محكوماً بالأساليب والوسائل الموروثة، بل تجاوزت المجتمعات النمط الذي ظل فيه التاريخ تصوغه الايديولوجيات والأفكار والدعوات والمفكرون والأبطال، بعد انزياح عالمنا لصالح العالم الافتراضي، وسطوة تكنولوجيا المعلومات على كل ما يتصل بتدبير الشأن الدنيوي، وإعادة تشكيل الاجتماع البشري في سياق مختلف. وما تفاجؤنا به هندسة الجينات من نتائج، ربما تتخلخل فيها الشفرات الوراثية للنوع الإنساني، فضلا على غيره من الأحياء. إنها ترسم صورة بديلة لنموذج من بني آدم، قد تبتعد بالتدريج عن الخصائص المألوفة لدينا، حسبما أنبأنا اكتشاف الخارطة الجينية، والقدرة على التحكم بالـ"DNA"، وما سيفضي اليه من تنميط للنوع البشري. مضافا الى ما تعد به تكنولوجيا "النانو"، وغيرها من آفاق متنوعة للتكنوجيا. ولا تبدو الوتيرة المتسارعة للتحولات المناخية، وما ينجم عنها من كوارث طبيعية غير متوقعة، أقل أثراً في تفكيك بنية المجتمعات وتحولاتها. اما المشكلة الديمغرافية واختناق بلادنا بتكاثر عشوائي للسكان، والعجز عن توفير الحدّ المناسب للعيش الكريم لهم، فإنه يضعنا في مأزق مصيري، تتعطل معه المجتمعات وتتهشم مرتكزاتها وعناصر بقائها وديمومتها.كل ذلك يعيد ترتيب العناصر الفاعلة في بناء المجتمعات، ويخضع العوامل الأساسية التقليدية في حركة المجتمع الى تسلسل مغاير، تضمحل أو تختفي معه بعض العوامل المؤثرة، بينما يتعاظم تأثير عوامل ثانوية أو جديدة، وتنتظم الأولويات في نسق بديل، بعد المتغيرات النوعية الجديدة، وما تفرضه من آثار وحقائق غير معروفة.

العالم يتبدل من حولنا. العالم يتغير من حولنا. العالم يتطور من حولنا. الصمت لا يعزلنا عن العالم. لا يسمح لنا منطق التاريخ أن نبقى متفرجين في عالم يتغير فيه كل شئ. لا خيار لنا؛ سوى مواكبة متغيرات العالم، والاستجابة للإيقاع العاجل لوتيرة التطور. ومع أن ماضينا يطمح الى أن يتخفّى دائما في حاضرنا ومستقبلنا، لكن مكر التاريخ سيبتلعه، وتسحبنا قاطرة التاريخ الهائلة في مسيرتها. ففي "دراسة حكومية أميركية أجريت مؤخرا تبيّن أن 65 في المائة من الطلاب، في مرحلة رياض الأطفال، سيعملون في وظائف غير موجودة حاليا، بل سيتم استحداثها. وفي دراسة لجامعة أكسفورد تبيّن أن 47 في المائة من الوظائف الحالية في جميع المجالات الرئيسية ستختفي؛ بسبب التقدم التقني والتكنولوجي، إذ ستحل الأجهزة محل البشر، وذلك خلال عقد من الآن فقط .. وأن أكبر 500 شركة عالمية قبل 40 عاما، كانت أصولها المرئية تمثل 80 في المائة من إجمالي الأصول، لكن اليوم أصبحت الأصول غير المرئية، كالأبحاث والدراسات والاختراعات، تمثل أكثر من 80 في المائة من إجمالي الأصول في قائمة الشركات الـ500 الأولى عالميا"( صحيفة الشرق الأوسط 4-2-2015). هذا ضوء يكشف عن صورة عالم الغد. فهل ننتمي لهذا العالم، أو ننتمي لعوالم خارج عالمنا؟! وكيف يتغير كل شئ في هذا العالم، فيما نلبث نحن نكرر أنفسنا؟!

 

12- كيف تلخص رؤيتك لتحديث التفكير الديني؟

- لا يمكن تخطي القراءة الموروثة للنصوص، وإنتاج قراءة تواكب العصر، مالم نعيد النظر بالبنية التحتية لتفسير النصوص، ونتخطى آليات النظر والمناهج الموروثة. أية بداية لتحديث التفكير الديني لا تبدأ بعلم الكلام، ومسلماته وقبلياته المنطقية والفلسفية، فإنها تقفز الى النتائج دون المرور بالمقدمات. تجديد الفقه ينبني على تجديد علم الكلام، ذلك أن خلفيات الفقه مسلمات ومقولات تحددها الرؤية الكونية، وحقلها هو علم الكلام.

هنا لابد من الاشارة الى ضرورة التفكير جديا بتحديث اللغة في الدراسات الدينية. اللغة مرآة حياة المجتمع في كل عصر. البيئة الفقيرة لغوياً فقيرة عقلياً. خصوبة اللغة وثراؤها؛ بقدر ماتقتل التفكير السطحي الملتبس، فإنها تحيي التفكير العميق الدقيق المنظم. حين تشيخ اللغة ويصيبها الوهن؛ تنضب فيها طاقة الأسئلة الكبرى، وتتفشى فيها كلمات واهنة، وعبارات هشة؛ تقول كل شئ، من دون أن تقول شيئاً له معنى. التحليل اللغوي يتيح لنا اكتشاف أنماط المعتقدات والقيم والمفاهيم والحوافز العميقة الموجهة لحياة المجتمع في ذلك العصر.

البحث اللغوي عند الأصوليين والفقهاء بلغ سقفا توقف عنده، وما يقال فيه ليس قولا جديدا، وانما هو شروح وتعليقات وشروح للشروح، وتفاصيل في التشعبات، وتفريعات داخل الفروع. ما يعدنا بأفق جديد؛ هو استيعاب المعطيات الراهنة في الألسنيات والهرمنيوطيقا وعلوم الدلالة والرموز، وتوظيفها في الدراسات الدينية.

 

13- هل أنجزت شيئا من وعودك في "تحديث التفكير الديني"، عبر المجلة التي أصدرتها "قضايا اسلامية معاصرة"، منذ عشرين عاما تقريبا، وما أصدره "مركز دراسات فلسفة الدين". المركز الذي أعلنت عن ولادته ببغداد سنة 2003، بعد عودتك من المنفى الى وطنك؟

- بقعة الضوء مهما كانت صغيرة تفضح الظلام. سيظل ضوء الأفكار الجادة المنفتحة على الحاضر والمستقبل يفضح الظلام الذي يستبدّ بعالمنا .. أدركت قضايا إسلامية معاصرة لحظةَ صدورها، أنّ التفكير الديني في دنيا العرب تحتكره؛ المؤسساتُ الدينية من جهة، والجماعاتُ الإسلامية من جهة أخرى. المؤسّسات الدينية تواصل ترسيخَ التقليد والبناء على ما كان، لا ما ينبغي أن يكون، والجماعات الإسلامية لا تنتمي للتقليد روحا؛ بقدر ما تنتمي إليه شكلا وصورة وشعارا، ذلك أن مؤسّسيها وكتّابها لم يتكرّسوا بتكوين تراثي تقليدي، ولم يتسلحوا بأدوات تمكّنهم من الخوض في حقول الموروث الواسعة المتنوعة. فلا يعرفون شيئا في الغالب عن المعارف العقلية، كالمنطق والفلسفة وعلم الكلام، ولم يتوغلوا في أصول الفقه ومسالك الفقهاء المتشعبة في الاستنباط الفقهي. أما خبرتهم بالتفسير، فإنها مبسّطة، لا تعدو سوى محفوظات يجري تلقينُها في أدبياتهم. وكلّ ما يتصل بالعرفان والتصوف وميراث الحياة الروحية يخاصمونه، تبعا لمنظّريهم، بلا اطّلاع على مضامينه الخصبة. ويتفننون في ابتكار شعارات تبسيطية تعبوية حالمة، ذات تأثير سحري في تجييش المراهقين والشباب.

جاء صدور هذه الدورية إيذانا بتدشين مسار جديد لتحديث التفكير الديني، يستلهم أفقا يضئ لنا ما ينبغي أن يكون، بدل أن نلبث الى ما لا نهاية فيما كان. أفق لا يدعو لإقصاء الدين، بل يشدّد على أن الدينَ هو منطلق أية عملية للنهوض والتنمية والتحديث في مجتمعاتنا، يكون رأسمالُها ومادتُها المحورية الشخصَ البشري؛ كيفيةَ تربيته وتأهيله روحيا وأخلاقيا، وأن الدين هو المنبع الأساس في بناء حياته الروحية، وتطهير حياته الأخلاقية، وحماية الكائن البشري من الاغتراب الكوني، والقلق الوجودي، والعبثية، واللامعنى.

لقد كان لمجلة قضايا إسلامية معاصرة مقاربتها لمأزق التفكير الديني في عالمنا المعاصر، سعت من خلالها لتجاوز التبسيط، والقطيعة مع حالة الغرق في الماضي وأسيجته المنيعة، فغامرت باجتراح تفسير لا يخشى توظيف معطيات العلوم الإنسانية والمعارف الجديدة في قراءة النصوص الدينية، ولا يمتنع من الإفادة من خبرة فلسفة الدين الحديثة والمعاصرة في الكشف عن جوهر الدين، ونمط التجارب الدينية. وانتقلت بدراسة وتحليل ما يرتبط بالدين وتعبيراته في الحياة من الآيديولوجيا الى الإبستمولوجيا، فلم تدرس الدينَ بعقلية لاهوتية، ولم تنقد علمَ الكلام بعقلية كلامية. واهتمت بالكشف عن المهمة المحورية للدين في إرواء الظمأ الأنطولوجي للكائن البشري، وحرصت على ضرورة عودة الدين الى حقله الأنطولوجي، بعد أن رحّلته الجماعاتُ الإسلامية الى الآيديولوجيا، وحوّلته الى وقود يحترق في عربة السياسة، وزجّته في الدولة؛ فأفشلت الدولةَ، وأمرضت الدينَ، وأفسدت رسالتَه.

وهذا ما دعى"المعهد البابوي في روما" التابع للفاتيكان الى أن يخصص كتابَه السنوي لمواد منتقاة من مجلة قضايا إسلامية معاصرة، الذي صدر في ديسمبر 2012 ؛ اعترافا بالمهمة التي نهضت بها قضايا إسلامية معاصرة في تحديث التفكير الديني في ربع القرن الأخير، وبوصفها الدورية الأهم المتخصصة في الأديان باللغة العربية، الرائدة في اقتحام الحقول الممنوعة في التفكير الديني، واجتراح سؤال لاهوتي جديد، والعمل على كشف قصور مناهج النظر والمقولات الموروثة في ذلك التفكير اليوم، وتدشين مناهج للنظر وأدوات بديلة فيه، تواكب إيقاع الحياة الشديدة الغنى والتحوّل والتطور والتركيب.

أما "مركز دراسات فلسفة الدين" فقد تأسّس في المنفى، ودشّن جهوده في البحث والطباعة والنشر قبل عشرين عاما تقريبا، لكن إشهاره تأخر حتى عودتي من المنفى للوطن. منذ ذلك التاريخ أصدر المركز مضافا الى مجلته الفصلية "قضايا اسلامية معاصرة" سلاسل كتب عدة ، تجاوز عدد ما صدر فيها 200 كتابا. تناولت القضايا الإشكالية في التفكير الديني. وبدأ العام الماضي 2014 بإصدار "موسوعة فلسفة الدين"، التي صدر مجلدها الأول في 500 صفحة، والمجلد الثاني تحت الطباعة في 600 صفحة. وستصدر بقية المجلدات تباعا في هذه الموسوعة، حيثما يتم تحريرها، ونخطط أن تستوعب كل مسائل فلسفة الدين، في عشرة مجلدات. وهي تضم مساهمات لفلاسفة دين وباحثين عن الألمانية والانجليزية والفرنسية والفارسية، بموازاة النصوص العربية، بالرغم من شحة الأخيرة.

مع العلم ان مركزنا هو أول مركز أبحاث يتخصص بفلسفة الدين في المجال العربي. قلما نعثر على كتابات عربية جادة في هذا الموضوع البالغ الخصوبة والحيوية، والضروري لفتح آفاق بديلة لتحديث التفكير الديني، وبناء الحياة الروحية والأخلاقية الحقيقية الأصيلة.

بعد 12 سنة من جهود مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد وإصداراته المتنوعة، ومجلته "قضايا إسلامية معاصرة"؛ قرّرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إدراج "فلسفة الدين" في المقررات التعليمية لأقسام الفلسفة في الجامعات العراقية.كذلك تناولت مجموعة رسائل ماجستير ودكتوراه هذا الموضوع ومسائله المتنوعة في السنوات الأخيرة. فضلا على تبني بعض أقسام الفلسفة في الجامعات العربية لتعليم فلسفة الدين في مختلف مراحل التعليم العالي، والاتجاه الجديد لطلاب الدراسات العليا بالبحث والكتابة في هذا الموضوع.

 

حاورته: رحيل دندش "صحفية لبنانية"

في حوار مع المسرحي العراقي المقيم في بلجيكا حازم كمال الدين:

abduljabar kamran- المثقف العربي في الوطن لا يرى في مثقف الشتات فسحة للإثراء والتلاقح..

المسرحي العراقي المقيم في بلجيكا حازم كمال الدين من المسرحيين الباحثين الذين أشربوا في قلوبهم التجريب والتنقيب، أولئك الذين يحاولون تشييد مشروعهم الدرامي على جُمل مسرحية جمالية جديدة وعلى صيغ دراماتورجية وابداعية مبتكرة.. لايكتفي في عروضه المسرحية على البحث في آليات العرض المسرحي فحسب بل يغوص عميقا في استكناه علاقة اللقاء التفاعلية بين الممثل والمشاهد وما يفعّل ويؤطر هذه العلاقة.

يسقي مدير جماعة زهرة الصبار المسرحية ارض نصوصه وبذور مقترحاته الدراماتورجية من عرق بحثه على الخشبة ومن تفاعله الوجداني كمخرج ودراماتورج مع مقترحات الممثلين الجمالية والفكرية.. واستقراره في بلجيكا منحه مسارا نوعيا لفهم دور المسرح في الحياة - كما يعبر.. لكن انفتاحه على ثقافة الآخر وتمثله لانموذجه المسرحي لا يسقطه في اعتباره مثالا يقتدى.

قدمت اعمال حازم كمال الدين على خشبات المسرح في بلجيكا وانجلترا وهولندا وكندا... وتجربته في الاخراج طويلة ومتشعبة حيث اخرج العديد من المسرحيات منذ عام 1973 وحتى الآن. وعمل كمحرر ثقافي في مجلات ثقافية، وكمحاضر زائر في بعض الجامعات الأوربية، وتناولت بعض الأطاريح الجامعية تجربته المسرحية وكتب القصيدة والقصة والرواية والمقالات والدراسات فضلا عن نصوصه المسرحية.

مما صدر له نذكر "عند مرقد السيدة" مسرحيات ،عن دار الغاوون بلبنان. ورواية "كاباريهت" عن دار فضاءات بالاردن. وكتاب "بيت القصب.. أفكار بالتجربة المسرحية" الصادر مؤخرا عن الهيئة العربية للمسرح بالشارقة. و باللغة الهولندية أصدر مسرحية "العدادة" عن صحراء 93 ورواية "اورال" عن Beefkacke publishing ببلجيكا..

أما آخر الاصدارات فالنص المسرحي "السادرون في الجنون" الفائز بالمرتبة الأولى في مسابقة النصوص الموجهة للكبار والتي تنظمها الهيئة العربية للمسرح بشكل سنوي.

 

- بداية ماذا يمثل لك الفوز هذا الموسم بجائزة التأليف المسرحي التي تنظمها الهيئة العربية للمسرح؟

- على الصعيد الموضوعي أرى في هذا الفوز خطوة لوصل ما هو منفصل بين الثقافة العربية المنفية أو المجبرة على العيش خارج بيئتها الجغرافية والثقافة العربية داخل حدود الوطن الكبير. وعلى الصعيد الشخصي يشكّل الفوز أملا في عودتي إلى مسارح الشرق الأوسط وتقديم خبراتي المتراكمة منذ ما يزيد على الربع قرن.

أنا مازلتُ أعتبر نفسي منفيا عن الثقافة العربية وأعاني اغترابا مركبا داخل الماكنة الثقافية: اغتراب الأسمر الذي يرفض الانصهار في بوتقة الثقافة الشقراء، واغتراب العربي الذي ينكره أبناء جلدته لشتى الأسباب لعلّ أخطرها مواقفه السياسية والآيديولوجية والجمالية غير المتصالحة لا مع الغرب ولا مع الشرق. أكتبُ هذا الآن وأنا أرى إلى المفارقة التي شعرتُ بها إبان وجودي بين أبناء جلدتي في أكثر من مهرجان ثقافي عربي ومؤداها هو أن المثقف العربي في الوطن يرى أنّ مثقف الشتات مغرور أو متعال أو متأورب أو ما إلى ذلك ولا يرى فيه فسحة للإثراء والتلاقح. بينما المثقف العربي في الشتات يرنو إلى وطنه وينتظر اعترافا بجهوده التي عبرت الحدود ولم تدخل الوطن وهو يعي جيدا أنّ جهوده قد تسهم في تطوير هذه أو تلك. هل عليّ أن أشكر الهيئة العربية للمسرح لجهودها في رأب هذا الصدع أم سأُعتبر متملقا؟

 

- منذ بداياتك المسرحية وكتابتك لنصك المسرحي الأول "دمية المساء" سنة 1993 و حتى لحظة وضعك نقطة نهاية نصك الاخير المتوج بالجائزة .. "السادرون في الجنون"، مرورا بالعديد من النصوص الاخرى التي الفتها .. كيف تلخص لنا بشكل مقتضب أهم تمفصلات مشروعك المسرحي؟

- إنّ تاريخ المسرح الحقيقي هو تاريخ العروض المسرحية، فالعملية المسرحية برمّتها عرض حيّ لا نصٌ يُقرأ، بيد أننا لم نستلم الكثير من المعلومات عن تاريخ العرض، الأمر الذي جعل المسرح المعاصر يبُنى بطريقة مقلوبة: بدلا من تمارين تؤدي إلى عرض يقود إلى توثيق (نص وفيديو) أصبح المسرح نصا يختاره مخرج ويؤدي إلى تمارين تؤدي إلى عرض.

في بحث منشور في أحد كتب الهيئة العربية للمسرح كتبت: "إنّ تاريخ المسرح كما هو معروف لكم ليس تاريخ النصوص المسرحية لـ “ أسخيلوس، ويوريبيدس، وشكسبير وموليير” وليس تاريخ الدراسات الدرامية كفن الشعر لأرسطو. إن تاريخ المسرح الحقيقي هو تاريخ العروض المسرحية، فالعملية المسرحية في جوهرها عرض حيّ وليست نصا يقرأ." أقول هذا وأنا أعي أننّا لم نستلم الكثير من المعلومات عن تاريخ فن العرض. وإذا ما كنتُ أوضحتُ هذه النقطة المفصلية في بنائي للعملية المسرحية سيصبح مشروعي المسرحي هو البحث في آليات العرض. بكلمة أخرى علاقة اللقاء التفاعلية بين الممثل والمشاهد وما يفعّل ويؤطر هذه العلاقة. فبدون ممثل ومشاهد لا يوجد عرض مسرحي كما تعلمنا بينما توجد عروض مسرحية كثيرة تكتفي بالممثل والمشاهد.

 

- كيف تترجم علاقة اللقاء التفاعلية هذه، مع المشاهد .. باعتبارها من أهم تمفصلات مشروعك المسرحي؟

- تترجم هذه العلاقة التفاعلية مع المشاهد بطرق كثيرة : مساءلة الممثل في مشروعه على الصعد الجسدية والروحانية والعقلانية والحسيّة. مساءلة الفضاء المسرحي التقليدي الذي يجثم على خناق العرض. مساءلة التقنيات المسرحية في علاقتها مع الثورات التكنولوجية المتسارعة وكيفية استجابتها لهذه الثورات أو اختفائها من وجه العرض أو إضافة تقنيات جديدة لم تكن معروفة على الصعيد المسرحي (كمثل الطاقة فوق الحمراء، والمجسات التحسسية، والعمل في الفضاء الافتراضي.. الخ.). مساءلة تقنيات دراماتورجيا النص وكيفية مزاوجتها مع عناصر الثقافة الشفاهية والثقافة التدوينية والثقافة الروحانية. تغيير العلاقة بين التقنيات المسرحية وأحيانا إلغاء تقنيات محددة وإضافة أخرى من خارج المنظومة التقنية المسرحية التلقيدية.

مرة أخرى: المسرح أولا وأخيرا هو لقاء بين مشاهد وممثل، وأنا كمخرج ومؤلف ومدرّب وسينوغراف لا أرى نفسي في هذا السياق الموضوعي سوى وسيطا بين جملة عناصر تحقق اللقاء الحيّ بطريقة أمثل. إتقان كتابة النص هو جزء من هذه الوساطة. بهذا المعنى فأنا لست مؤلفا مسرحيا يكتب خلف مكتبه أما نصوصي فهي نتاج مختبرات العرض المسرحي أو هي مشاريع تبحث عن تجسّد في ذلك الفضاء كمثل (السادرون في الجنون).

مشروعي الجوهري هو العرض المسرحي التفاعلي، وأعني به اللقاء التفاعلي بين الممثل والمشاهد. أرى أنّ أي عرض مسرحي لا يؤدي إلى تفاعل هذين العنصرين بطريقة إيجابية هو عرض يتساوى مع ما تراه في التلفزيون أو شاشة السينما. من هذا المنطلق يحشد مشروعي المسرحي كل الوسائل الممكنة لتطوير تقنية حضور الممثل الفاعل ولوضع المشاهد في فضاء المبدع المساهم في العرض وليس المتلقي السلبي. هذا الموضوع هو أحد الفصول الحيوية من كتابي (بيت القصب).

 

- المسرح العربي في المهجر عنوان عريض.. ما هي أهم تجلياته الراهنة؟

- اسمح لي أن أتحدث عن الغرب لأني لا أعرف ما يجري في بقع العالم الأخرى:

أهم صفات المسرح العربي في الغرب هو الخضوع شبه التام لسياسات الغرب الثقافية التي تحمل شتى المسميات التقنية والإدارية والسياسية والآيديولوجية. وإذا تجاوزنا جدلا حقيقة أن العملية الإبداعية المسرحية عملية فردية وجماعية في آن تقتضي أن يتواصل فيها المبدع مع مبدعين ليسوا عربا بالضرورة ومع ثيمات ومعالجات لا تعنى في الكثير من الأحيان بالشأن العربي ومع لغات وأخلاقيات غير عربية وطرق تفكير مختلفة عن الطرق العربية، علينا أن ندرك أن المسرح العربي في شتات الأرض موضوعة شائكة أيضا نتيجة لجملة تعقيدات منها:

أولا، أنّ البلدان التي يعيش فيها الفنان المسرحي العربي تشترط في الغالب خضوعا تاما لسياستها الثقافية وبعكس ذلك فهي تحوله إلى فنان هامشي أو تضطره أن يترك العمل في المسرح أصلا.. أنا شاهد على الكثير من المسرحيين الذين اضطروا أن يغيروا مهنتهم. وأعني بالخضوع للسياسة الثقافية (على سبيل المثال) محاصرة المسرحي في ركن ما يسمى الثقافات المتنوعة multicultureأو ثقافات الأجانب والأقليات أو الثقافات المتلاقحة.. إلخ.

ثانيا، هناك تعتيم مقصود في بعض الدول العربية على هذا الفنان أو ذاك وتسليط الضوء على هذا أو ذاك لأسباب سياسية وأحيانا لأسباب عنصرية. تستطيع أن تأخذني مثالا في السياق لترى أنّني لم أتمكن من تحقيق أي مشروع مسرحي في المنطقة العربية1 رغم جهودي التي وصلت أحيانا للتوسل لنقل خبراتي لأبناء جلدتي قبل أن أموت. إذ ما فائدة ما تعلمت إذا لم أنقله لأخوتي وأنا أعي جيدا أن السياسة الغربية تعمد إلى تجهيل أبناء أوطاني وتسرق ثرواتهم وتقودهم إلى أوحال العصور المظلمة؟

التعقيد الثالث هو تأخر الاهتمام بموضوع المسرح العربي في الشتات إذا لم أقل تجاهله أو تناسيه. دعني أخبرك أنّ المسرحي الرائد محسن السعدون مثلا، الذي ولد في عشرينات القرن المنصرم توفي بعد 50 سنة خبرة وريادة في مسارح أمريكا اللاتينية وإهمال عربي تام، ودعني أخبرك أن أهم مدرسة مسرحية في العالم تعنى بمنهج لوكوك للمايم (École Lassaad) يقودها فنان تونسي (لسعد سعيدي)! في هذا السياق استحدثت منذ سنة، يا للفرحة، الهيئة العربية للمسرح تنسيقية لتلافي هذا التجاهل أو الإهمال وآمل أن تقوّض هذا الضعف وتضيء من تراكمت عليهم حقب النسيان.

 

لكن فيما يتعلق بالمسرحيين في المهجر هل هناك مِن تواصل فيما بينهم. اقصد ذلك التواصل المعرفي والابداعي لاجل تبادل التجارب وخلق فرق وفضاءات ابداعية مشتركة ذات قيمة واشعاع؟

- هذا تعقيد آخر، وهو طبيعة أو ضعف التواصل بين المسرحيين في الشتات. تأمل المفارقة: فنحن نسمع أنّ المسرحي (لسعد سعيدي) أسس منذ عام 1983 المدرسة المسرحية التي تحمل اسمه في بلجيكا (Ecole Lassaad2 )، ونسمع أن المسرحي (محسن السعدون) الذي توفي من شهر عن عمر يناهز فقط أسس أقسام المسرح في الاكوادور وكوستاريكا3 ، وأن فنان يعمل في مسرح الشمس لاريان منوشكين (سمير عبد الجبار4 )، وأنّ فنانا آخر فاز بأبرز الجوائز الكندية (وجدي معوض5 )، لكننا لا نعرف إلا النزر اليسير. ولأجل تحديد طبيعة التواصل بين المسرحيين أميل شخصيا إلى الانطلاق من طبيعة الهوية الثقافية – آيديولوجيا وأديان.. الخ – وبدرجة أقل من الطابع الأناني للفنان المسرحي. بالنظر لأنّي من قدماء المسرحيين العرب في الغرب (منذ عام 1987) فقد توفّرت لي فرصة مراقبة طبائع المسرحيين عن كثب وما يجمعهم. ولاحظت أنّنا مختلفون، تجمعنا وحدة البقع المشتتة لمختلف الأسباب. فنحن قائمون في الغرب أمّا لرغبة في تقديم أعمال ذات كودات مسرحية لا غربية، أو تقديم مسرحيات تحذو حذو الكودات الغربية وأما نحن طلبة ندرس ونعود أو إذا تبيّن أننا قادرين على تحقيق فرص عمل نجذّر أنفسنا في الجغرافيا الجديدة..

في الحديث عن الضفة التي أنتمي إليها يا صديقي، نحن نبحث عن كل الطرق الممكنة للحفاظ على هويتنا ومواصلة العمل في المسرح كوسيلة تعبير عن الذات. وهذا يصطدم بدءا بجدار اللا اعتراف من قبل الآخر. فالأجنبي هنا عموما مشكوك فيه حتى يثبت (حسن سلوكه)، وبسبب من قساوة الغرب الباردة وشعور العربي بالدونية أمام الثقافة الغربية تتخذ مسارات البحث طرق الخضوع لما تتطلبه شروط إثبات الذات أو تحدّي ذلك الخضوع والتمرّد عليه.

كما إنّه لايجب أن نغفل تعقيد تنوّع المسرحيين العرب في الشتات على صعيد الاتجاهات الفنية وعلى صعيد الفئات العمرية. كم هو عمر عادل قرشولي وسعدي يونس بالمقارنة مع أعمار شباب عشريني يقدم عروضه المسرحية في الشتات؟ أضف إلى فارق الأجيال موضوع الطبيعة التربوية للمجتمعات الغربية في بنائها للفرد والتي تعد إلى تعليمه على النسيان أكثر من التراكم العمودي. إن ثقافة الغرب تعمد إلى البناء الأفقي ما يعني أنّها تنسى الماضي بسرعة لاعتمادها على الموظة والاستهلاك.

 

- من اين يمكن أن يبدأ إثبات الذات عند المسرحيين العرب في الغرب او عند المبدعين المهاجرين عامة في كافة الاشكال التعبيرية من وجهة نظرك؟

- هذا موضوع تطرقت إليه في الكتاب الصادر عن وزارة الثقافة في الشارقة تحت عنوان المسرح والهوية والذي ساهمتُ فيه كأحد المؤلفين سأحوّر قليلا منه لكي لا أضطر للتكرر.

إنّ إثبات الذات بالنسبة للغرب يجب أن يبدأ بالعلاقة مع كلمة القرابات والأنساب Affinity أي الشراكات. فإذا كانت ثمة قرابات بين ذلك المسرحي والثقافة الغربية سيجد طريقه رويدا رويدا، وأقصد بـ "رويدا رويدا" هو أنّ الفنان يخضع لعملية غسيل دماغ تضمن سيادة القرابة للنسب الغربي Affinity فتنجح مع مسرحي، وتفشل مع آخر، وتتعرقل مع ثالث، وتتسبّب في اعتزال رابع، وتدفع بخامس إلى شدّ الرحال والعودة إلى وطنه. وإذا لم تكن ثمة قرابات فسيضطر الفنان للوقوف أمام البوابة الموصدة لكلمة Affinity كما حدث ويحدث مع الكثير ممن عرفتهم.

هكذا يتخلّى أحدهم عن هويته ويصبح، بإرادته أو رغما عنه، مستغربا جاهزا لتقديم شتى التنازلات التي يشارف بعضها على التخلي عن الهوية الثقافية – الطبائع الشخصية – وارتداء قناع اسمه الثقافة الغربية، أو يصل البعض حدّ تمريغ الهوية الثقافية بالاستشراق والإكزوتيك. هكذا يلعب مثل هذا الفنان دور المحاكي الذكي القادم من المجاهيل. أو يبدأ باللعب على وتر اللاجيء "المسكين" و "ضحية" النظام الديكتاتوري الذي فرض عليه الهروب، أو يعيد إنتاج فولكلوره مداعبا للرؤية الغربية ويعيد إنتاج الكودة التي وضعها الغرب عن ثقافته ويعيد تقديم تلك الثقافة على طبق استشراقي أو إكزوتيكي ظنّا أنّه سيبهر الغرب بمعارف مرصّعة بملابس شرقية وديكورات تعيد إنتاج عوالم الاستشراق.

في المقابل ثمة من يتشبث بهويته الثقافية فيتحجّر في بلاد لا تحكي لغته ولا تفقه كوداته. فترى مثل هذا يقوم بتقديم عروض بلغته المحليّة ولجاليته المنغلقة فيتقوقع من الناحية العملية في ذات الوقت الذي يصبح فيه نجم الجالية – الأقليّة –. هذا المسرحي ليس له مساس بما يحدث اليوم في المسرح المعاصر. كذلك ثمة فنانون كبار يظنّون أنّ اسمهم العتيد في وطنهم يجب أن يفرض نفسه في الشتات، وأنّ فناني البلد الجديد هم الذين يجب أن يأتوا إليه، دون أن يعي حقيقة أنّ نمط الثقافة الغربية يعتمد فيما يعتمد على مبدأ أنّ الفن يخضع لسوق العرض والطلب، ومطلوب من كل فنان أن يعرض بضاعته، وأنّ الغائب أو غير الحاضر أو المتواري العازف عن الحضور لن يُفتقد، هذا الفنان يظل بانتظار أن يدق بابه أحد ليظهر على المسرح سوية مع فناني الصف الأول من أبناء البلد. فيطول انتظاره ويطول حتى يعي ذات لحظة أنّ نبعه الفنيّ قد نضب.. وقد يموت بعضهم بعد عقود من الانتظار وهم على أهبة الانتظار.

في مقابل هذه الصور ثمة أيضا من يجد التوازن بين الثقافتين، ذلك أنّ حقيقة وجوده في الغرب تفرض عليه أن يقدّم عمله إلى مشاهد غربي وأن يتعلم تطوير هويته، التي هي كائن متغير، دون التنكّر لهويته الثقافية الأصلية ودون مداهنة الهوية الأخرى. مثل هذا الفنان يأخذ ويعطي مع الغرب بطريقة نقدية ويتجنّب فخاخ الإكزوتيكية والمفاهيم الاستشراقية أو الاستغرابية.

 

- ما مردّ غياب الحضور المنظم لعروض المسرحيين العرب في المهرجانات المسرحية الدولية..؟

- هذا الغياب لا يرجع الى ضعف إنتاجات المسرحيين في الشتات بقدر ما يعود إلى السياسات الثقافية الغربية التي تحدد السماح للعربي بالظهور وفقا لسياستها الثقافية. للنكتة فقط: لقد قدمت شخصيا هذا العام طلبا لدعم عرضي المسرحي (ربيع أسود) وهو إنتاج مشترك بلجيكي كندي، وكان جواب مسؤولين بلجيكيين هو أنهم يودون دعمي إذا تناغمت مع توجهاتهم الثقافية المعلنة، أما أن أطرح عليهم إنتاج مسرحي مع كندا فإن الدولة البلجيكية لا تعتبر التعاون الثقافي مع كندا أولوية!

تأمل أيضا أن أعمالا عربية خالدة لم تجد طريقها إلى مسارح دول غربية كثيرة بينما تجد طريقها لتلك المسارح إنتاجات غربية (غثة وسمينة) وتلوكها موسما بعد موسم. هل أذكر لك من غير المغتربين سعد الله ونوس أو توفيق الحكيم أو يوسف ادريس، وهل أذكر لك مسرحيي الشتات وجدي معوّض، علما أن هؤلاء طرحوا في أعمالهم قيم وتساؤلات خالدة تقف إلى جانب الأعمال الغربية الكبرى؟ لا أريد من هذا الكلام أن أدعي بأن المسرحي العربي يقف قامة إلى قامة مع ستانسلافسكي وجروتوفسكي وبريخت ودكروا ولكوك وهيجيكاتا، لكني لا أبخس المسرحي العربي.

 

- المسرح فن عابر وهمّ التوثيق يلاحق الانشطة والحراك المسرحي في مختلف الامكنة والأزمنة.. كيف تأرشَف أعمالك ومنجزات زملائك من المسرحيين العرب في بلجيكا مثلا؟

- شخصيا أعمل على توثيق أعمالي كما يلي: أرشفة مراحل بناء العرض.. كل عرض مسرحي لي يبدأ بورشة عمل مع الممثل ترافقها عمليات دراماتورجية وسينوغرافية وتسويقية وإعلامية. يحتوي إرشيفي الشخصي على مواد مصورة (فيديو وفوتوغراف) لكل إنتاج مسرحي من بداية التمرين على ورشة الممثل حتى العرض المسرحي نفسه. وكل عرض مسرحي يخضع لنمو دراماتورجي بالتعاون مع الدراماتورج وطاقم العرض المسرحي وأنا أقوم بحفظ كل مراحل العمل الدراماتورغي مطبوعا وبالكومبيوتر. لدي إرشيف كامل عن مراحل نمو النص المسرحي من فكرة إلى عرض تحتوي مساهمة الجميع في مراحل العمل المختلفة.

ثم الأرشفة الإعلامية : خبر صحافي. ملف تفصيلي خاص بالصحافة. صور من العروض والبروفات. كتابات الصحافة النقدية. الحوارات التي تجري في الصحافة عن العمل. مقابلات تلفزيونية وإذاعية وغير ذلك. إضافة إلى ذلك البلوغ، الفيسبوك، وبقية المواقع التفاعلية.

 

- هل تتابع التجارب المسرحية العراقية والعربية.. وما هي اهم خصائص المسرح العراقي اليوم؟

- للأسف متابعاتي للحركة المسرحية العراقية محدودة جدا. العرض المسرحي الوحيد الذي شاهدته منذ عام 2005 كان في الدورة السابقة لمهرجان المسرح العربي المنعقدة في يناير 2014. السبب في ضعف متابعتي للمسرح العراقي ليس ناتجا عن موقف ما، بل بسبب استحالة متابعة العروض وأنا بعيد جسديا عن مكان العرض المسرحي. هذا الجهل المؤسف يقود بنفسه إلى جواب الجانب الثاني من سؤالك. إذ يتعذر عليّ تحديد خصائص شيء لا أعرفه! وما ينطبق على علاقتي بالمسرح العراقي ينطبق كذلك على المسرح العربي. سيسعدني أن أرى العروض العربية لكي أتمكن من وضعها في سياق ما في خارطة المسرح العامة.

 

- ما الذي ينقص المسرح العربي او أي مسرح.. ليحتل مكانة ابداعية معتبرة داخل خارطة المسرح المعاصر؟

- ما ينقص أي مسرح للدخول في المحيط المعاصر هي عناصر محددة تبدأ بالتجديد والتجريب وخرق اكليشيهية المسرح التي بنيت لبضعة آلاف من السنين وتمر بتأصيل فن العرض كما فعلت الاوبرا الصينية وفن البوتو الياباني وفنون العرض التفاعلية الغربية على سبيل المثال لا الحصر وكذلك انفتاح التجارب المسرحية على الآخر دون أن تجتّره أو تعتبره المثال الأعلى ودون أن تخلع هويتها وتلبس جلد هوية أخرى.

ليس لدي أوهام تجعلني أنكر حقيقة أن المسرح أو فن العرض يمتلك إرثا إغريقيا ورومانيا ومن ثم أوربيا ومظاهر بدئية لدى شعوب أخرى، لكن ليس لدي أوهام أيضا عن حقيقة زوال أنماط العروض التي ذكرت منذ انفتح التأويل على دراسة فن العرض في علاقته مع مختلف الفنون والعلوم التي كانت تبدو سابقا متناقضة مع (إلالهام أو الإبداع) ومنها ما هو علوم عضوية وتكنولوجية ومنها تطبيق تقنيات فنون أخرى على العرض المسرحي كمثل تقنية طبقات اللوحة الزيتية ليان فان آيك (كلاسور).

 

حاوره عبد الجبار الخمران

.....................

عام 2004 قدمت تجربة واحدة مريرة مع المسرح الوطني العراقي وكتبتُ عنها بشكل مطوّل.

http://www.lassaad.com/lassaad_gb/lassaad_php/

http://www.iraqicp.com/index.php/sections/variety/23295-2014-12-27-11-12-43

http://www.theatre-video.net/videos/artiste/Abdul-Jabbar-Saed-Samir

http://en.wikipedia.org/wiki/Wajdi_Mouawad

 

في حوار مع الروائي الكوردي حسن ابراهيم:

hasanibrahim- انا اعیش في حالة حرب دفاعاً عن الانسانیة.

- لیست هناك مؤسسة کوردستانیة تهتم بالمهجرین .. والادباء لیس افضل حالاً منهم.

مدينة نورنبيرغ..لها نكهة خاصة في احتضان الثقافات الانسانية والابداعات والفنون العالمية من خلال متاحفها وملتقياتها الثقافية ولكونها مزيج من التاريخ القديم والحديث والثقافات والانفتاح على الثقافات العالمية وفي هذه المدينة حيث الجالية الكوردية لها نشاطات كثيفة من خلال تقديمها للامسيات الثقافية والفنية.الروائي والقاص الكوردي حسن ابراهيم يعيش في هذه المدينة التاريخية قرابة عقدين من الزمن وفي هذا الحديث يتحدث عن الغربة والادب والاغتراب ولم ينسى بان يرسل عتاباته الى بلاده كوردستان من كثرة عشقه لها ومؤسساتها الثقافية وكان هذا الحديث:

 

ـــ كل اديب وفنان يشيد وطناً بديلاً في الغربة فهل قدرت ان تشيد وطناً من اوجاعك وآهاتك وحنينك للوطن الام؟

ــ ربما نتوهم احیاناً باننا نستطیع ان نشید وطناً او لنا وطن بدیل ولو في الفكر والمخيلة، لکن حين نستيقظ نری بانه كان الحلم .. الاوطان لا تبنی بالاهات والحنین والمكابدات،الاوطان تبنی بسواعد و ضمائر حية و تضحیات من دون حدود...فأرجو المعذرة فأنا لا اعترف بوطن بديل!!

 

ـــ كيف ترى واقع الرواية في كوردستان بصورة عامة وفي بهدينان بصورة خاصة؟

نحن نعیش فی دوامة، فی جمیع المجالات، ربما تکون الصورە نوعاً ما قاتمة، لکننا ماضون فی الاتجاه الصحیح، و السبب ليس لنا الحق بان نقیم اعمالنا وان قلت بان لنا فی کوردستان روائيون عالمیون، فستجاوبني این هم؟ سأرد عليك ترجم اعمالهم الى العالمیة سوف تری بأن لنا روائیین عالمیین.. نحن فی بهدینان بدأنا متأخرین لکننا لم نظل فی المؤخرة .

 

ــ هل استفاد الاديب الكوردي المغترب من الاداب العالمية في طرح قضيته ضمن اطار عالمي؟

اکید، ليس فقط فی مسالة طرح قضیته، بل تعدت الى الاستفادة من الاسلوب و التقنیة و الحداثة .

 

ــ عملك (خديجة البرلينية) مالذي تحاول ان تطرحة في هذا العمل!!أهو الوصف ام مأساة الكورد في المانيا؟

- روایتي (خدیجة البرلینیە) نعم انها ماساة و جزء من الحقیقة، عائلة کوردیة تعیش فی واقع وزمن واجواء غير ملائمة لبيئتها الحقيقية للعیش. وکانت کل همها ان يسقط المطر ویهطل الثلج لکي تثمر الاشجار و یزهو الربیع.

من جوف الوادی عمیقا الی اضواء برلین، فتصور اننا نزرع شجرة بلوط في صحراء قاحلة!! حتی اذا ما (نبتت) سوف تنبت نبتة اخری غیر البلوط.!

 

ــ ما سبب عتاباتك في الصحافة الكوردية على الملتقيات الثقافية في الرواية ،في كوردستان بانهم لم يتناولوا اعمالك الروائية!!ربما اعمالك غير جديرة من ناحية المستوى لتطرح في الملتقيات؟؟ وألا ترى بان الاديب الحقيقي اكبر من العتابات؟

- هنا اعتب علی المقيمين على هذه الملتقيات والمهرجانات، فعندما يعقد ملتقی حول الروایة والحدیث عن الروایة و لم یذکروني ويذكروا رواياتي التي تبلغ 10 روايات بالاضافة الى مجاميع القصص القصيرة فماذا اقول؟

وان فرضنا کما تفضلت بان اعمالي غیر جدیرة من ناحیة المستوی، فلماذا تحسب ضمن الروایات الکوردیة؟؟

صدرت عندنا فی منطقة بهدینان(دهوك) 53 روایة او ربما اکثر بقلیل، ومن هذا العدد لي وحدي 10 روايات. اذن علیهم ان لا یضیفوا اعمالي الی المجموع!!

 

ــ انت نهلت من ينابيع كوردستان وتسلحت بالثقافة الالمانية فما هو مركز الثقل الانساني ونقطة التقائه في اعمالك؟

- انا اعیش في حالة حرب دفاعاً عن الانسانیة ،اجل انا من کوردستان بلد الکوارث والحروب والتضحیات واعیش فی بلد الرفاه و العلم و المعرفة و الانسانیة. اعيش ثقافتان في وقت واحد واصعب شئ ان يعيش الانسان في هكذا موقف، ارجو ان اکون قد وفقت فی الاعمال التی حاولت ان اجمع فيها الثقافتین فی عمل واحد.  

 

ـــ ألا ترى بان القارئ الكوردي لا يحبذ الاعمال التي تطرق عوالما اخرى او بالاحرى حين يكتسي النص عالما اخر مثل قصتك القصيرة(العاهرة)؟؟

- لا.. بالعکس، هکذا اعمال لها قرائها بكثرة، لربما قلە قلیلە لهم آراء مختلفة، لکن الاغلبیة مع هذا النوع والاسلوب من الادب. وليس هناك في آفاق الادب الانساني ما يسمى بالخطوط الحمراء.

 

ــ كيف ترى الروائي الناجح وهل لنا رواية وروائيون نفتخر بهم في المحافل؟ أم هم فقط للمهرجانات؟

- کما قلت لیس لنا الحق بان نثمن ای شی،للاسف القرار لیس بایدینا.القرار لاصحاب اللغات الحیة، فهم من یقررون و هم من یثمنون. نعم لنا روائیون ناجحون لکنهم لیسوا فی حلبة الصراع. اکید وافتخر بان لنا روائيون واعمالهم تشهد لهم!!

 

ـــ هل تحتضن وزارة الثقافة في العراق وكوردستان والمؤسسات الثقافية في الاقليم ادباء المهجر؟

- لیست هناك مؤسسة کوردستانیة تهتم بالمهجرین . والادباء لیس افضل حالاً منهم. ربما هناك البعض من باب الصداقة و المحسوبیة او تبادل المنفعة یدعون بعضهم البعض . لکن کمؤسسة او وزارة ليس لها وجود .

 

ــ ماهي المراحل والاجواء التي تمر بها روايتك وتبصر النور؟

- احاول ان اعیش کل تفاصیل اعمالي، اکتب واعید کتابة العمل اکثر من مرة کمن یطبخ علی نار هادئة،عندها اتاکد بان العمل اصبح جاهزاً وقتها یکون لاصدقائي رايهم وتقييمهم في الاعتبار ایضآ.

 

ــ بصراحة لمن تكتب الرواية وهل لنا قارئ يعشق الادب؟

- هذا السؤال عمرە اکثر من عقود من الزمن، اما الآن فلنا قراء و ینتظرون علی احر من الجمر. اکتب لکل من یقرا اللغة الکوردیة، اکید هناك عشاق ومهتمون وخاصة طلاب الجامعات والباحثين في مجالات البحث الادبي والمقارن.

 

ــ ماهور دور النقد وارتباطه بالرواية وهل اعطاك النقاد حقك؟

- للنقد دور رئیسي ومهم فی تطور الادیب، النقد یضع الادیب فی مساره الصحیح، لربما انا اکثر حظاً من غیری فی هذا المجال، صحیح لم انل حقي من النقد لكن هناك محاولات لاباس بها.

 

ــ سبق ان ترجمت قصصك الى العربية من قبل المترجم الرائع سامي الحاج فهل هذا يكفي في حق روائي له 10 روايات؟

- اکید لا.. حتی فی مجال القصة لم احضی بالمستوی المطلوب، صحیح هناك اکثر من شخص ومنهم کما تفضلت الرائع سامي الحاج ترجموا قصصي الى العربیة ولکن روایاتي ظلت في الظلام الدامس.

 

ــ ما هو دور الصراع مع الذات والعادات والتقاليد في اعمالك؟

- هذە المواضیع تاخذ حصة الاسد فی اعمالي، احاول ان اعري زیف العادات والتقالید، فيولد الصراع مع الذات و المجتمع و احیاناً مع نفسي، ولکني سانتصر. !!

 

ـ هل تمكنت من ان تسافر ببلادك الى عوالم اللغات والاقوام والبلدان الاخرى؟

- هذە نقطە ضعفي الوحیدة. فلست ذلك الجندي الوفي في هذە المعرکة، فانا لا اكتب لغة اخری غیر الكوردیة..

 

ودعنا الروائي حسن ابراهيم على ان نلتقي تحت ظلال الوطن وظلال مهرجانات وملتقيات تحت اشراف اناس تهمهم الثقافة الكوردية وادباء المهجر بعيداً عن المنفعة والمصالح الخاصة.

 

الروائي في سطور:

ــ من مواليد 1966\قرية كيفلا التبعة لمحافظة دهوك في كوردستان العراق.

ــ تخرج من معهد الاتصالات السلكية واللاسلكية في بغداد عام 1985.

ــ تعود بدايته مع الكتابة الى منتصف الثمانينيات في جريدة هاوكاري.

ــ عضو اتحاد الادباء والكتاب الكورد\فرع دهوك.

ــ يعد احد مؤسسي المركز الثقافي في مدينة سيميل التابعة لمحافظة دهوك.

ــ اصدر لحد الان 16 كتابا وتوزعت ما بين الرواية والقصة القصيرة ومنها:

حدود الموت\قصص قصيرة 2000

الجحيم الابيض \ رواية 2004

الليالي الباردة\ رواية 2006

اغتراب الآمال\ قصص قصيرة 2007

امسيات براغ\ رواية 2008

خج البرلينية \ رواية 2010

المتيمة \قصص قصيرة 2013

مثلث الجريمة \ رواية 2014

بالاضافة الى روايات ومجاميع قصص قصيرة اخرى وقد شارك الاديب في العديد من الامسيات الثقافية داخل وخارج الوطن ويعيش حاليا ومنذ عام 1995 في المانيا.

 

اجرى الحوار: بدل رفو