حوارات عامة

علي الطبري والدكتوره هناء البواب في حوار ساخن بين فلسفة الشعر وفن المونودراما ..

ali altabariمن مدينة الأدب والفن ومن المسرح السومري من ذي قار الحضارة والتاريخ إلى مدينة البحر الميت والبتراء والمدرج الروماني ومسرح عمون في الأردن لنلتقي ألشاعره والفنانه الدكتوره هناء البواب ..

التي نالت استحقاقها في تسيدها على خشبة المسرح لتصبح سيدة المونودراما في المملكة الأردنية الهاشمية ,كان لنا لقاء وحوار ساخن آملا أن يروق لكم من خلال أجوبتها الأكثر جمالا ..

 713-ali

س1 .. هنالك سؤال تقليدي يطرح نفسه د. هناء البواب معروفة في الوسط الأردني أكثر مما هي معروفة في الوطن العربي !! المتلقي بحاجة ليعرف من هي د. هناء البواب؟؟

- شاعرة وكاتبة أردنية، أعشق الوطن وتراب الأرض، صاحبة قضية ورسالة لن أتنازل عنهما مهما بلغ الأمر، أعشق قهوة أمي وصباح أمي، أحب العصافير حين صباحاتها، وأحزن للزهور حين ذبولها.

أستاذة جامعية أحمل درجة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها، مخرجة وكاتبة مسرحية.

 

س2 .. ماهي تجربتك الشعرية؟ وكيف كانت بداياتك؟

- تجربتي الشعرية متواضعة ولا تعدو أن تكون محاولات في عالم مبهر من الكتابة، وبداياتي مع القلم حيث تكون الحياة رسما، كنت طفلة حين حاولت الرسم بالكلمات، وحين قلت لنفسي يجب أن أكون.

 

س3 .. وجدتك شاعرة وفنانة أيهما اقرب لنفسك الشعر أو المسرح؟؟

- الشعر كتابة الروح بداخلي ولا أختاره فهو يهجم هجوما حيث لا مجال للهروب منه فأرجوه أن يسكن بعيدا عني لأستريح ولكني لا أقدر عليه، فهو اللعنة التي أصابتني ولن تنفك عني.

أما المسرح فأنا من يختار كتابة النص، ويختار روح الكلمة وأبدع في رسم لوحة متكاملة من العبارات والألفاظ، والنغمة الموسيقية وأضع الألوان لتكتمل اللوحة، ومن ثم أخرجها أنا شكلا متكاملا للناس.

 

س4 .. ما هو منجزك الشعري؟ وما هو آخر ديوان صدر لك؟

-         لدي ثلاثة دواوين شعرية :

أولها: جدار الأعين الخرساء وهو المنجز الأول الذي بكيته كثيرا ورجوته ألا يكون فكان.

الثاني: لعنة الشعراء وهو الديوان الأكثر نضجا وتجربة عميقة في الحياة وهو يعبر عن لعنة الشعر على الشاعر والمتلقي.فالشعر كلعنة الفراعنة حين تصيب الشخص لا تنفك عنه، وكلك لعنة الشعر فيعيش الشاعر مهووسا بالشعر ومن ثم يموت ليرثى بقصيدة.

الثالث: للحزن عيون تعرفني وهو تحت الطباعة سيصدر قريبا.

 

س5 .. للشعراء لغة خاصة تترجم قصائدهم ضمن أحداث ووقائع وظروف يمر بها فهل تأثرت قصائدك بأحداث المجتمع وعالجت قضية ما؟

- بالطبع، فالشاعر تسكنه قضية مهمة وهم جماعي قبل الهم الذاتي، وكيف له أن ينفلت من حياة يرسمها اليوم بقلمه وتؤثر به كالطفل الصغير فتبكيه، فحين أرى الدماء تسيل في الشوارع، وأرى الحياة تنقلب على عقبها، وأرى مخالب الأسد تنقض على أهلنا ألن يبكيني ذلك ويؤثر بي ليكون شعري ترجمانا لحال يعيشه المجتمع حولي.؟؟

 

س6 .. هل الدراسة الأكاديمية أضافت وطورت من قدراتك الإبداعية في بناء القصيدة؟ والدراما؟؟

- بالتأكيد لها الأثر الأكبر في تنمية الثروة اللغوية، وليست هي السبب الرئيس، لأن الشعر موهبة، وكم من شاعر بلا شهادة، ولكن الدراسة الأكاديمية أعطت الفرصة بداخلي للقراءة والمتابعة الحثيثة المتواصلة التي لا يمكن إلا أن يكون لها الأثر العميق بقصد أو بدون قصد داخلي.

 

س7 .. ما هو تقيمك وقراءتك عن الشعر الحر , من العراق السياب ونازك الملائكة , ومن فلسطين فدوى طوقان وصلاح عبد الصبور من مصر؟؟ ومحمد الفيتوري من السودان؟؟

- الشعر الحر هو الثورة الحقيقية على الشعر الأصيل، وهو عمود وركيزة لا يمكن أن يتحرر منها الشاعر، فهو المساحة الأكبر للشاعر للتعبير عن ذاته ومكنونه في لحظة يجب أن يمتلك فيها زمام الشعر.

وكم من شاعر أبدع في الشعر الحر وكان مثالا موازيا لتلك القامات العريقة في تلك الدول.

 

س8 .. أي من الشعراء العرب لفت أنظارك وتأثرت به شعراء المعلقات؟ شعراء العصر الأموي؟ شعراء العصر العباسي؟ الشعر العربي الحديث؟

- من شعراء المعلقات امرؤ ألقيس فهو خير من كتب الحرف وترجم الحب والحرب والحياة.

أما مارد العصر الأموي فهو بشار بن برد الذي أسرني وهو يتلاعب باللفظ والحركة والصوت في كلماته.

ومن مبدعي العصر العباسي الشاعر الفحل أبو تمام في بديعيا ته الشعرية

أما العصر الحديث كيف لي أن أنفلت من سيطرة بدر شاكر السياب الرائد الحقيقي للشعر الحديث.

وجميعهم في الشعر قد جاريت.

 

س10.. عودة للمسرح .. أعطني خبزا ومسرحا أعطيك شعبا مثقفا .. ما هي البنية التحتية الثقافية في بلدكم الأردن وهل للمسرح دورا بارزا في التأثير على حياة المجتمع؟؟

- المسرح أبو الفنون، وهو اللغة الأصيلة التي نوصل بها الرسالة القوية للناس، وحين نخطب لساعات لا نؤثر في الناس كمشهد مسرحي لدقائق، لذلك الأردن تأخذ مساحة جيدة في التثقيف المسرحي، والبنية التحتية المعبرة للناس، فالمسرح الجاد يكاد يكون من أهم الفنون المسرحية التي يقدمها المسرح الأردني اليوم للتعبير عن مكنونات الفنان والكاتب والمخرج معا.

 

س11.. كيف وجدت نفسك فنانة مسرحية وما سر اختيارك للمونودراما كونها نتاج فن القول والسرد القصصي؟؟

- أحب نفسي شاعرة موهوبة أكثر من أي شيء آخر، ولكني لست بعيدة عن الكتابة المسرحية، فما يجول بخاطري من مونولوج داخلي أترجمه في كلمات خارجية ليعبر عنها الفنان الواحد على خشبة المسرح بقوة وجدارة، فذلك الفنان المونودرامي الذي يمثل نصا لي هو من يتحدث بلسان هناء البواب ويعبر عن مكنوناتها الداخلية.

 

س15 .. يقام في ألمانيا سنويا مهرجان ثيسبيس العالمي للمونودراما وفي الوطن العربي أقيم مهرجان الفجيرة الدولي للمونودرما ومهرجان اللاذقية والكويت وبغداد والسعودية ومصر والمغرب وفلسطين . فهل كان لك حضور في احد هذه المهرجانات؟ وما هي الأسباب من عدم إقامة مهرجان للمونودرما في المملكة الأردنية الهاشمية؟؟

- لم أشارك في أي مهرجان مسرحي للمونودراما وذلك لأني تحدثت بأني أطرح نفسي شاعرة أولا، ولكي تبدع في أمر ما يلزمك التخصص، ولا يعني ذلك أني لا أجيده فأنا أجيده وبجدارة وحصلت على لقب سيدة المونودراما الأردنية، ولكن الأردن لها عدة محاولات بسيطة وهي من جهات خاصة لعمل مهرجانات دولية وعربية في هذا المجال ولم تلق صدى واسعا لليوم.

 

س17 .. هل حققتي الطموح من خلال مسرح عمون؟ وما هو آخر عمل لك؟؟

- مسرح عمون هي خشبة الفن والشعر والثقافة والأدب واللغة ومن هذا المكان كنت أنا...ولولاه لم أكن صاحبة الصوت القوي المعبر، ولم أكن هناء الشاعرة وهناء المخرجة وهناء الكاتبة، فمسرح عمون قدم لي أكثر مما قدمت له، وكان لي الأب والصاحب والعشيق والمؤنس، فلا أكتب إلا بين زوايا هذا المكان، ولا أبوح بدواخلي إلا حين أصرخ بين مقاعده، ولا أخرج ما بداخلي إلا بلحظات بكاء على خشبته.

 

س18 .. هل حاولتي نقل تجربتك الفنية للطلبة كونك استاذة جامعية من اجل تطوير قدراتهم؟؟.

-    جميع مسرحياتي المونودرامية هي من أداء طلبة الجامعة، فلا أعمد لممثل معروف، فكل ما أعنيه هو الاهتمام بتلك الطاقات العجيبة الموجودة لإخراج مكنوناتها والاهتمام بها,

وعلى صعيد آخر مسرح عمون يقدم وجبة ثقافية مهمة للشباب الموهوبين عبى أرض الوطن ويحقق لهم حلما لم يكونوا ليحلموا بتحقيقه وهو الوقوف أمام جمهور متميز ونخبة من النقاد للاستماع لهم.

 

س19 .. ما هي الرسالة التي تحبين إيصالها للمتلقي العربي؟

- أقول بملء فمي كونوا كما تريدون...أقول للشاعر مدّ بصرك للحياة، وللكاتب كن قلمك لتكتمل رسالتنا معا.

 

س20 هل قدمت نصا شعريا ممسرحا؟

- نعم قدمت مؤخرا نصا شعريا بعنوان:

حوار حبيين تحت الحصار، وهو من واقع حياتنا ومجتمعنا وكيف لحبيبين أن يلتقيا في خضم الحياة التي يعيشونها تحت الحصار.

وتم تمثيل المشهد الشعري على شكل مسرحية شعرية على خشبة مسرح عمون وهذا جزء من النص.

حوار حبيبين تحت الدمار... هو:

يساورُ خاطرَ الشّوقِ انهزامُ

ويتبعُهُ شعورٌ مستهامُ

 

أهذي الأرضُ منها طينُ وجهي

وهذا الحالُ في البلوى يُرامُ

 

يُذبّحُ من يقولُ أحبُّ أنثى

ويصفعُ قلبَهُ الظّامي، اختصامُ

 

يعذبُ عشقَنا هذا الدمارُ

بدنيا .. قد غزاها الإصفرار

 

هنا قتلٌ وتشريدٌ وعشقي

حزينٌ كم يمزقه انفطارُ

 

وعشقُكٍ صبوتي في ظلِ عيشٍ

كئيبٍ فيه يقهرنا الحصارُ

 

حصارُ الموتِ في كل الجهات

نرى الموتى .. متى يأتي الفرارُ

هي:

حبيبَ القلبِ موتٌ خلفَ موتٍ

يحاصرُنا، على الدّنيا سلامُ

 

سلامٌ من غرامٍ مات طفلًا

يبعثِرُهُ ضياعٌ وانتقامُ

 

غرامٌ شبَّ في صدرِ القوافي

هنا في القلبِ ما زال الغرامُ

هو:

حبيبةَ أعيُني، قلبي حزينٌ

يقطّعُهُ التناحرُ والرّغامُ

 

فكيف نحبُّ والأيّامُ ثكلى

ودارُ العشقِ يخنقُها الخصامُ

 

كأنّ العشقَ في وطني حرامُ

أيا ليلى، فهل حبّي يُضامُ

 

 

 

هي:

حبيبَ القلبِ، إنّك في عيوني

كأنّكَ من دمِ القتلى، الحَمامُ

 

كأنّكَ أمنياتٌ قد تهاوت

على ظلمٍ تقدّسُهُ الأنامُ

 

كأنّك جرحُ قلبي إذ تخطّى

خريطتُهُ، السعادةُ والوئامُ

 

تمنّاها، أشاحت عنهُ خدًّا

يلطّخُهُ الخلافُ والاحْتدامُ

هو:

أنا رجلٌ وقلبي بيتُ أنثى

هي الآمالُ، إذ أزِف الغمامُ

 

أنا غيمٌ يصلّي فوق جفنٍ

لعاشقةٍ، لها قلبي إمامُ

 

عيونُكِ قِبلتي، رغمَ انتحارٍ

لهذا العشقِ، أيدينا اليَمامُ

 

تطيرُ لتملأَ الأجواءَ عشقًا

لأنَّ الأرضَ، يسكنُها قتامُ

هي:

رويدَك يا محبُّ خلعتَ قلبي

وحزنُكَ داخلي، يصحو، ينامُ

 

رويدَك، خذ دمي، شريانَ قلبي

أخافُ عليهِ - من سوءٍ – يُسامُ

 

 

فحبُّكَ عيدُ قلبي، لا سرورٌ

بغيرِكَ أنت، إحساسي صيامُ

 

دعِ الأوجاعَ في وطنٍ تمادى

بقهرِ العاشقينَ إذا استهاموا

هو:

أنا يا ليلُ، أغنيةُ اشتياقٍ

سيعزفُها بلوعتِهِ ركامُ

 

وتحملُها قلوبٌ من زهورٍ

فكيف لعشقِنا، ظلمًا يُلامُ

 

هي:

سيبقى عشقُنا، يحيا ليحيا

لأنَّ العشقَ يفديهِ الكرامُ

 

برغمِ الموتِ نحيا، إنّ عشقًا

مُضيئًا لن يغيّبَهُ الظلامُ

 

هو:

وهذا وعدُ روحِ العشقِ، صدقًا

يصحُّ العشقُ إذ يبقى الذّمامُ

 

لقد قالوا زمانًا، عن غرامٍ

وقد صدقَ المحبّينَ الكلامُ

 

(إذا قالت حذامُ فصدّقوها

فإن القولَ ما قالت حِذامُ )

 

 

س21 هل كان للمرأة نصيب من شعرك؟

ديواني الأخير هو تعبير عن تجربة حالة المرأة في حياتها ما بين الأم والعشيقة والحبيبة وتلك المرأة التي خانها الرجل والمرأة التي انتظرت رجلا لسنوات وهجرها...و...و....

من هنا كل امرأة تقرأ نصا في ديواني الأخير تجد نفسها بين ثناياه ومن ذلك نص:

قِبلةُ الأهداب ..

 

هي وحدها والليلُ في أهدابِها

سَفَرٌ يمرُّ على غلافِ كتابِها

 

هي والدّموعُ السائلاتُ تحيطُها

بالخوفِ يحملُها لدربِ سرابِها

 

لم تدّخرْ غيرَ الجمودِ وصيّةً

تُتلى بلا لغةٍ تقومُ ببابِها

 

تعفو ولا تغفو، وتفصحُ دونما

لفظٍ يخزّنُ حزنَهُ بجوابِها

 

هي والسّحابةُ، قبلتانِ ووردةٌ

ملأت بعطرِ الشّوقِ كلَّ رحابِها

 

سبحانَ روحُ العشقِ كيف تضمُّها

وتفرّقت وجعًا بعمقِ عتابِها

 

كان العتابُ يحاصرُ الذّكرى ولم

يرحم زمانَ جمالِها وشبابِها

 

كان الشبابُ براحةٍ يُمنى له

بيتا وكان يتيهُ باستقطابِها

 

منسية هذي الخطوطُ بوجهِها

وهي التي رسمت خطوطَ عذابِها

 

تمشي وتسبحُ في الهواءِ، وقاربُ

الغيمِ المخيفُ يشقُّ موجَ عُبابِها

 

ظنّت بأنّ الحبَّ منطقُ آدمٍ

هذا الذي شربَ الأسى بغيابِها

 

خضراءُ تورقُ في عيونِ حبيبِها

ولأجلِهِ ضنّت على أحبابِها

 

فتحت له الكفّينِ، جنّةَ قلبِها

رسمتْهُ بدرًا في سطورِ خطابِها

 

وحبتْهُ مفتاحَ المشاعرِ وحدَهُ

رفعتْهُ، لكنَّ الوضيعَ هوى بها

 

أتدوسُ قلبًا كنتَ فيهِ ولم تزل

حتّى تحلِّلَ بوحَ سَوطِ عقابِها

 

يــــــــــا ليتَها قتلت فؤادًا دلَّها

خطأً عليكَ، أيا جنونَ صوابِها

 

وعلى شرودِ الأمنياتِ تعلّقت

تتلو كؤوسَ الخوفِ من تسكابِها

 

ذابت شموعُ النُضرةِ الـ عاشت لها

مذ كشّرت ذكراكَ عن أنيابِها

 

 

عطشًا سألتَ لقطرةٍ منها فهل

تعطي نشازًا شبَّ في أعصابِها

 

مخنوقةٌ هذي العواطفُ إن طغَت

بلواعجٍ تختــــــــالُ فوقَ نصابِها

 

سنواتُها احتُطِبت وما زال الغموضُ

رفيقَهـــــــا ومسبِّبَ استغرابِهــــــــا

 

قلبي حديقةُ عــــــــــــاشقٍ مستتبعٍ

ضوءَ الحبيبةِ شهدُهُ برضــــــــابِها

 

فإذا صدقتَ فثمّ قلبُ حبيبةٍ

وجِّهْ وقل: اللهَ في أهدابِها

 

ختاما شكرا لسعة صدرك في إجابتي على أسئلتي المتواضعة تقبلي فائق الاحترام .

 

حوار مع النائبة الاء الطالباني

706-emad- هناك مناطق متنازع عليها جغرافيا وتاريخيا وهي جزء من كردستان وسترد بالقانون والدستور.

- تخفيض الراوتب لا يشمل الموظفين.

- قضية احمد ابراهيم ليست ارهابية، نحن من سلم احمد الى القضاء واستغلت لدعاية انتخابية.

- من حقي زيارة احمد العلواني

امرأة ناجحة، قدمت للسياسة الكثير على حساب حياتها العائلية. عائلتها تساندها وعلى رأسهم زوجها والتي تعتبره سببا كبيرا وراء نجاحها. عملت في مؤسسات عديدة في الحزب. فصلت سياسيا في العام 1988 ثم فصلت مرة اخرى في العام 1990 قبل الانتفاضة. كانت مسؤولة تنظيمات الحزب الكردستاني ايام المعارضة في الخارج، كانت عضو علاقات في لندن، بعد العام 2003 عادت الى العراق واخذت مناصب حزبية مسؤولة المنظمات الجماهيرية داخل الحزب ايضا عملت عضو داخل الاتحاد الوطني الكردستاني الى ان اصبحت نائبة في البرلمان ، اردنا تسليط الضوء على بعض نقاط في حياتها السياسية وخصوصا عملها البرلماني الا الطالباني في هذا الحوار...

ما تقييمك لمجلس النواب في دورته الحالية بعد انقضاء الفصل التشريعي الاول؟

- نحن عند تقييمنا لاي مؤسسة يجب ان نضع في عين الاعتبار الوضع السياسي والبيئي التي تعمل به المؤسسة وكما هو معروف ان مجلس النواب لديه صلاحيتين او سلطتين بالدرجة الاولى تشريع ورقابة واذا حكمنا على هذا الاساس نعم نحن بالفصل التشريعي الاول لم نستطيع التصويت على قوانين ، التشريعات جدأ ضعيفة وايضا من الناحية الرقابية كان هناك ايضا تلكوء ويعود سببها عدم تشكيل اللجان ربما اذا حكمنا بهذه الشاكلة نستطيع القول ان ما تم انجازه ليس بمستوى الطموح هذه تعود لاسباب منها دوام البرلمان ، جلسات البرلمان ، نقاش المواضيع الاساسية ومن ضمنها قضية النازحين التي اخذت الكثير من النقاشات البرلمانية ، نقاش وضع النازحين واتخاذ القرارات وزيارة المعسكرات وطلب دعم ومراقبة اللجان الرقابية الخاصة بالنازحين حتى في قضية الموازنة هناك تخصيصات للنازحين ، ايضا قضية الوضع السياسي والامني اخذت حيزا كبيرا من نقاشات البرلمان لم تمر جلسة الا ونوقشت قضايا امنية كتدهور الوضع الامني وقضية ارهاب داعش بالدرجة الاولى ، واستهداف الشباب ، قتل جماعي ، موضوع الاقليات ، استهداف اليزيديين والشبك وكل مكونات الشعب العراقي الامر الاخر قمنا باستضافات داخل البرلمان عدد كبير من وزارات الدورة السابقة ووزرات الحكومة الحالية وامنيين ، التحقيق في قضية سبايكر ايضا ما كانت قليلة في خارج قبة البرلمان جلسات عقدنا اجتماعات كثيرة سواء هيئة الرئاسة مع رؤساء الكتل السياسية ، لجان تحقيق جانبية ، فاذا قمنا بقياس الاداء البرلماني على هذا الاساس نستطيع القول ان ما قدمناه شيء منجز جيد واهم شيء الصورة السياسية لاداء البرلمان اليوم هناك تناسق وتناغم بين حكومة المركز والاقليم وهذه كانت غائبة في الدورة السابقة وهذا يؤثر على تشريع القوانين.

 

انتي نائبة لاكثر من دورة ما مدى فعالية المرأة في العمل البرلماني؟

- سؤال مهم نحن من تعبنا تثبيت مبدأ الكوتا "تعبير لاتيني يعني نظام انتخابي يهدف الى ضمان حقوق الأقليات في الانتخابات العامة للوصول إلى السلطة السياسية والكوتا تشكّل تدخلاً إيجابياً لتحقيق المساواة والتقليل من التمييز بين فئات المجتمع المختلفة وخصوصًا بين الرجال والنساء تقتضي "الكوتا النسائية" بتخصيص عدد محدد من المقاعد في الهيئات التشريعية للنساء أي في المجالس النيابية، بحيث لا يجوز أن تقل عدد المقاعد التي تشغلها النساء عن النسبة المقررة قانوناً، أي أن هناك حصة نسائية محددة لابد من شغلها من قبل النساء" في الدستور العراقي وتحديدا للسلطة التشريعية يعني انا اتشرف اني كنت من ضمن المجموعة الحركة النسائية الي ثبتنا الكوتا في الدستور وناظلنا من اجلها ما لا يقل عن 25% وهذا نابع من ايمانا انه المرأة يجب ان تكون موجودة في كل المحافل وموجودة في كل مؤسسات الدولة اليوم الامرأة تنتخب مثل ما ينتخب الرجل فما المانع من ان يكون لها حظور في السلطة التشريعية والتنفيذية وغيرها ، تحديدا التشريعية نحن نشرع قوانين تمس المجتمع تمس شرائح كثيرة انا اعتقد المرأة تشعر بمعاناة هذه الشرائح اكثر من الرجل وهنا انحاز قليلاً لذلك ضروري وجودها في تشريع القوانين نحن نريد مشاركة سياسية للمرأة ليس فقط مشاركتها في قضايا المرأة والارامل والايتام والاسرة او الصحة فمن حقها التحدث بالقضية السياسية الامنية العسكرية النفط الثروات وهذا ما يحدث النائبات تدخلاتهم بالبرلمان بالجلسات لا يقل عن الرجل اذا ما يزيد وهناك شهادة من اكثر من مؤسسة في العراق بانه حظور المرأة باللجان ومشاركتها اقوى من الرجل.

 

وهل هذا يثير حفظية الرجل داخل البرلمان؟

- لا المفروض ابدا كل نائب عندما يجلس باللجلسة داخل البرلمان امامه مايك ويطلب الحديث لايوجد فرق بين من يتكلم اكثر او اقل فما المانع اذا المرأة قامت بالمداخلة او الرجل ، من الذي يمنع حظوره اكثر منها او اقل ما الذي يمنع ان يكون له حظور باللجان ويشارك ، حتى في الزيارات الميدانية ارشيف البرلمان يشهد ان الزيارات الميدانية النساء اكثر من الرجال فهذا الشي محل اعتزاز لنا على الرغم من انه لحد الان امرأة واحدة فقط رئيسة كتلة سياسية بالبرلمان وهذا مؤسف فالمرجو تحقيقه بالدورات القادمة رئيسات لجان ورئيسات كتل سياسية عدد اكبر.

 

برأيك ما السبب وراء وجود امرأة واحدة فقط رئيسة كتلة بالبرلمان؟

- هذه ثقافة هناك جملة من الامور ليس لان المرأة غير كفوءة اليوم انا بكفائتي اصبحت رئيسة كتلة هذا لا يعني انه لايوجد امرأة كفوءة بالكتل الاخرى ولكن هذا بحاجة الى تفهم اكثر من القادة السياسيين في المجتمع بانه المرأة لاتقل عن الرجل وهي ايضا بدورها يجب ان تتعب وتناضل.

 

فسر الرأي العام العراقي ان تصريحات مسعود البرزاني حول الاراضي التي تم تحريرها من قبل البيشمركة وضمها الى اقليم كردستان تعبر عن بوادر انفصال الاقليم عن المركز ردك على ذلك؟

- اليوم نحن نعيش بمرحلة حساسة واي تصريح يصبح له تفسيرات غير صحيحة السيد مسعود البرزاني لا اريد التعليق على تصريحه لكن انا اعتقد اليوم نحن نواجه معركة شرسة اسمها داعش والارهابيين وهناك مناطق اساسا هي متنازع عليها يعني هي مناطق جغرافيا وتاريخيا نحن نعتبرها جزء من كردستان ولو هذا الكلام غير صحيح ما كان الاخرين وافقوا ان يدخلوها بالدستور اذا هذا ليس مجرد ادعاء نحن لا ندعي ان هذه المناطق من حق كردستان بل الاخر موافق على هذا الامر لانه اثناء كتابة الدستور العراقي عند طرحنا قضية المناطق المتنازع عليها قدمنا الوثائق الدلائل وبالتاريخ والجغرافية كلها جعلت الطرف الاخر مقتنع تماما بأحقية هذه المناطق لاقليم كردستان وعلى هذا الاساس وافقوا على ان يجعلوها مبدأ او مادة بالدستور وحلها بالطرق القانونية والدستورية نحن لازلنا متمسكين بان حل موضوع المناطق المتنازع عليها تأتي عبر القانون وعبر الدستور العراقي وطبعا بتوافق جميع المكونات.

 

برأيك موازنة 2015 مفتاح الحل بين اقليم كردستان وحكومة المركز؟

- الاتفاق الذي حصل هو مفتاح الحل وسوف نقننها بالموازنة اكيد يعني ان شاء الله هذه بداية حل المشاكل بالرغم من ان المشاكل ليس بالامر السهل حلها ولكن هذا لا يعني انه لا يمكن حلها اذا ما وجدت الارادة من قبل الطرفين هذا يعني ليس فقط من قبل الحكومة الاتحادية بل حكومة اقليم كردستنان ايضا يجب ان تعرف بانه حل مشاكلنا مع الحكومة الاتحادية لا يتحقق الا بالتوافق وفي الجلسة التي عقدت قبل ايام جاء الوفد وتم الاتفاق على قضية النفط وبهذا نستطيع القول احد المفاتيح والعقد انفتحت وهذا يعني انه المشاكل الاخرى العالقة من ضمنها المادة (140) " والتي تضمن محو آثار التعريب والتهجير والطرد بصورة نهائية وعودة المناطق الكردستانية بما فيها مدينة كركوك، الى إقليم كردستان بصورة سلمية" ومن ضمنها تعويض المتضررين وغيرها من القضايا ممكن حلها من خلال الجلوس والتفاوض والتفاهم.

 

تخفيض رواتب الرئاسات الثلاث بين مد وجزر البرلمان والحكومة هل البرلمان جاد في تخفيض الرواتب وهل توجد جهة معارضة لهذا التخفيض داخل البرلمان؟

- انا لا اعتقد هناك من يعارض تخفيض الرواتب العليا ولكن عندما نقول الرئاسات الثلاث الرئسات يوجد فيها موظفين نحن اكدنا على ان تخفيض الرواتب لا يمس الموظفين في اي من هذه الرئاسات يجب ان نضعها الية ان تخفيض الرواتب يشمل من هم بدرجات عليا في هذه الرئاسات نحددها بالقانون.

 

هل يوجد تنسيق او عمل مشترك بين برلمان المركز والاقليم وما هو انعكاسه على الشارع العراقي بصورة عامة؟

- نحن بالدورة الاولى اشيد بانه كانت هناك زيارات اكثر ولقاءات ولكن في الدورة الثانية ليس لسبب سياسي او سبب مقصود بل ان وضع البلد بشكل عام والتهميش الحاصل والمشاكل بين الكتل السياسية والتنافر الذي حصل بين الكتل والعلاقة المتوترة بين البرلمان والحكومة وغيرها من هذه الامور التي انعكست سلبا وايضا مشاكل بغداد واربيل بصورة عامة عدم وجود تنسيق بالفترة الاخيرة هذه كان لها دور بان العلاقة بين برلمان المركز وبرلمان الاقليم لم تكن بالمستوى او حتى لم تكن موجودة بالفترة الاخيرة ، قبل مدة في هذه الدورة الخاصة بالتشريع السابق وفد من الحكومة المركزية قام بزيارة الى اقليم كردستان واتفقوا على ان تكون لجان مشتركة ودائمية ويتبادلون المعلومات خاصة في القوانين التي يتطلب فيها رأي كردستان او القوانين الاتحادية التي تشمل العراق باقاليمه.

 

حديثينا عن منتدى حضر الاسلحة العنقودية بصفتك رئيسة له وما مدى فعالية المنتدى للحد من استخدام الاسلحة العنقودية؟

- منتدى برلماني لسلاح صغير وخفيف هذا المؤتمر خاص بالاسلحة العنقودية متشكل من 12 سنة وانا اترئسه لاكثر من سنتين ومنذ فترة ايضا انتخبوني مرة اخرى لرئاسته سنتين قادمتين، العراق له دور في هذا المنتدى باعتبار نحن نعاني من قضية تسريب السلاح، نحن طبعا لا نتحدث بالمنتدى هدفنا الاساسي ان يكون السلاح في يد الدولة الهدف ان السلاح يحصر بايد القوى العسكرية والنظامية ونحد من حيازة السلاح بايد المدنيين وهذه تأتي من خلال تشريعات لان المنتدى برلماني ونحن عملنا من خلال اللجان البرلمانية المختصة سواء لجان الامن والدفاع لجان الموازنة نراقب عملين قانون الاسلحة تحد حيازة الاسلحة وتضع ضوابط على من يمتلك السلاح من المدنيين طبعا والاخر ان لجان الموازنة والدفاع تراقب موازنة وزارة الدفاع والداخلية تراقب تجارة الاسلحة لان من خلال تجارة الاسلحة في كل دول العالم تقريبا او اغلبها تسرب للسلاح وفساد في صفقات الاسلحة ونحن نتحدث تحديدا عن الاسلحة المحظورة ايضا دوليا وايضا تسريبها في السوق السوداء من خلال الحدود بين الدول.

 

ومن يدعم هذا المنتدى؟

- دول كثيرة من العالم في اوربا وامريكا اللاتينية ودول عربية دعمت العراق، نحن استضافينا احد المؤتمرات في اربيل قبل سنوات وايضا قبل اشهر المملكة الاردنية الهاشمية استضافت ندوة ، اوربا الاتحاد الاوربي والبرلمان الاوربي والاتحاد البرلماني الدولي ايضا يدعمون السويد المانيا يعني خارجية الكثير من الدول تدعم هذا المنتدى لان هي قضية مهمة جدا.

 

ما طبيعة زيارتك لاحمد ابراهيم قاتل الصحفي محمد بديوي خاصة وان بعض الاراء فسرت على ان هذه الزيارة على انها ذات طابع سياسي؟

- في البداية اريد ان اؤكد على امر هو توقيت زيارتي الى احمد متى كانت ،انا اشرع قانون لست خريجة قانون ولكني مشرعة فاكون دائما منتبهة لبعض الامور انا لم ازر احمد طيل فترة محاكمته لكي لا يفسر الامر باني اريد التأثير على القضاء او سير القضاء انا مؤمنة تماما باستقلالية القضاء وبتطبيق القانون نحن لا ندعي دولة قانون نحن نريد دولة قانون حقيقية لذلك انا كنت حريصة كل الحرص ان ادع كل الاجراءات القانونية تاخذ مجراها وياخذ هو جزاءه حسب العدالة ومن ثم زرته كأي سجين اخر واليوم ارهابي بالسجن اليس من حق الاخرين زيارته خاصة بعد ما تنتهي محاكمته ويؤدي مدة محكوميته وانا زرته نيابة عن اهله اليوم اهله يسكنون في منطقة على حدود ايران طيل فترة محاكمته لم يستطيعوا زيارته لان الحكومة العراقية وهذا كان خطأ 5 اشهر حققوا معه في قضية ارهاب بينما قضية احمد لم تكن ارهاب فحتى كان ممنوع الزيارات فانا زرته لانه كانت لدينا معلومات واكيدة هذه المعلومات ومن مصادر دقيقة وواصل الى اهله هناك من يريد ان يقتل احمد في السجن هناك برنامج وتخطيط لاغتياله فاهله جاءوا واخبرونا بتلك الاخبار فانا زرته وكان قصدي انه يشوفون صوره حتى نؤكد ان احمد موجود وانا زرته حتى اؤكد هذا الامر وكنت حريصة ان اذهب بعد الحكم عليه وانتهاء الاجراءات القانونية حتى لايفسر بانه الا الطالباني رايحة تريد التأثر على القضاء وتحصل له البراءة او مثل الادعاءات التي خرجت نريد ان نهربه نحن لو كنا نريد تهريبه كنا هربناه من اول يوم بالعكس نحن من سلمنا احمد او نحن طلبنا من احمد ان يذهب ويسلم نفسه ومن قال انه انتي ذهبتي للقاتل وتركتي المقتول نحن على اتصال بزوجة الشهيد اني شخصيا الا الطالباني غير التحالف الكردستاني غير د. فؤاد معصوم رئيس الجمهورية الي كان رئيس تحالف غير رئيس الجمهورية مام جلال انا شخصيا طلعت بيان ادانة في اغتيال البديوي وطلبت ان القضاء ياخذ مجراه انا ارجوا ان لا تتحول هذه القضية الى قضية عنصرية ولا عرب كرد احمد ما قتل هذا الشخص لان يعرف هو كردي ومحمد عربي مثل ما ادعى بعض الصحفيين انه قتل العقل والنابغة وان القتل متعمد لا احمد لم يكن يعرف الشهيد محمد من هو ولكن مشادة كلامية بين احمد والشهيد كانت السبب في هذا الحادث ولكن هناك ناس تريد ان تستفيد من اثارة هذه القضية والخطأ الاكبر كان مع الاسف رئيس الوزراء المالكي ذهب في يومها وقال الدم بالدم في دولة القانون ، وهناك من استغلها من اجل الدعاية الانتخابية الحادثة كانت قبل الانتخابات لكن هذا الامر انتهى ارجوا ان لا تصبح قضية عنصرية الشخص اخطأ اخذ جزاءه وبيت الشهيد استلموا مبلغ وصارت هناك تسوية وزوجة الشهيد اخذت مبلغ انا قبل فترة صار اتصال معها وانا في خدمتها هي واولادها الان زميلنا استاذ احمد العلواني في السجن اني شخصيا اريد زيارته زميلي ومن حقي زيارته مع العلم هو اتهم بقضية ارهاب يعني لا شيء يمنع زيارة سجين.

 

الا الطالباني مع ام ضد الاقاليم في العراق وخصوصا هناك توجه كبير نحو المضي الى اقليم البصرة؟

- انا اعتقد انه كانت لدينا فرص اخرى ان نشكل اقاليم بالعكس اني اتأسف لعدم الاستجابة لنداءات سابقة لتشكيل اقاليم صلاح الدين طلبت و رفضت ديالى طلبت رفضوها بالدورة السابقة الان البصرة لازالت كررت تطالب لكن انا مع تشكيل الاقاليم بتوافق بس طبعا الاقاليم لا تكون على اسس عنصرية طائفية معينة لا الاقاليم حتى المنطقة هذه تاخذ استحقاقها من واردات هذا البلد تاخذ استحقاقها من الخدمات تاخذ استحقاقها من التعيينات من الشرطة من الجيش من غيرها ثم لا يخدم ابناء المنطقة غير ابنائها ، الاقاليم سوف تحد من المركزية الموجودة اليوم بدلا من اين يأتي ابن البصرة وابن ديالى الى بغداد لعشرات المرات لاكمال المعاملات الرسمية، وهناك من يفسر الاقاليم بداية لتقسيم العراق وهذا غير صحيح لان تشكيل الاقاليم يعني تثبيت الفيدرالية والفيدرالية كمصطلح سياسي لايعني الا الاتحاد يعني نحن مجموعة محافظات او اقاليم متحدين في دولة واحدة ولكن استغرب الى الان سياسي يقول الفيدرالية هي تعني تقسيم هذا لم يفهم شي من القانون الدولي ، نحن نؤيد تشكيل الاقاليم بما يرضي المنطقة وان لايكون على اساس طائفي عرقي الاقليم اساسه خدمة هذه المنطقة على ان يكون في التوقيت المناسب و عن طريق استفتاء شفاف ونزيه وواضح لماذا نريد تشكيل اقليم.

 

الفيلسوف والسياسة .. حوار مارتن هايدغر لمجلة Der Spiegel

hamoda ismaeliترجمة وتقديم: بتاريخ الفلسفة، عرفت عدة انعطافات، أبرزها انعطافة نيتشه الذي قلب الطاولة الفلسفية على اعتبار أن قيمها لا تصلح للحياة بعدما تحجرت أخلاقياتها، عند نيتشه هناك لزوم لقلب التاريخ الفلسفي حتى ينقلب الخطاب الميت أو الداعي/الممجد للموت إلى خطاب نحو الحياة والوجود والمرح. عند هايدغر يصل الأمر لأكثر من ذلك، باعتبار أن ذلك التاريخ بانعطافاته ليس سوى انحرافا في التفكير، "تناسيا" كما يصفه في تأويلاته الأنطولوجية، بذلك تطلب الأمر العودة لأسس ذلك التاريخ ـ الإغريقي بجوهره ـ للتساؤل مجددا حول أهم المقولات الفلسفية كـ"الإنسان"، "الوجود"، و"الفكر". لوضع التفكير في اللامفكر فيه، أو التفكير مجددا بأننا لم نكن نفكر. هايدغر كما هو مفكر إبستيمولوجي ذا خطاب فلسفي (بامتياز) هو أيضا بالعمق مفكر سياسي بالمعنى الواسع للممارسة السياسية: كتنظير/رؤية/توقع. في هذا الحوار الذي أجراه معه كل من رودولف أوغشتاين وجورج وولف لمجلة الشبيغل الألمانية ب23 سبتمبر (أيلول) 1966: يتداخل ما هو فلسفي بما هو سياسي في حديث هايدغر ـ الذي يتجلى بكامل هيئته الفكرية ـ حول رؤيته للحضور الإنساني الحديث والحالة الراهنة للعالم، ليرتكز بحديثه أكثر على السياسة التكنولوجية للعالم اليوم، الوضع الذي تصفه الفرنسية سيمون دي بوفوار بتعبيرها: "مهما كانت الدولة، رأسمالية أو اشتراكية، فالإنسان مسحوق أينما كان من طرف التكنولوجيا، التي تجعله متغرّبا عن عمله، مسجونا، ومجبرا على التخلف".

تم نشر الحوار بـ31 من شهر ماي (أيار) سنة 1976، بعد خمسة أيام من وفاة هايدغر ـ بناءً على طلبه بأن لا ينشر الحوار بحياته ـ تحت عنوان "إله فقط هو من باستطاعته إنقاذنا"، وهي جملة تضمنها حديث هايدغر بالحوار، وتم اعتماد نفس العنوان بالترجمات التالية لهذا الحوار:

 

س: أستاذ هايدغر، لقد لاحظنا مرارا وتكرارا بأن مشروعك الفلسفي طغت عليه بطريقة ما أحداث بحياتك، بالرغم من أنها لم تدم طويلا، إلا أنها لم تُوضَّح، فهل ذلك عائد لافتخارك الكبير بها أم لأنك وجدت أنها غير مناسبة للتعليق؟

 

هايدغر ـ تقصد 1933؟

 

س: أجل، قبلها وبعدها. نرغب بوضع ذلك في سياق واضح ثم ننطلق من هناك نحو بعض الأسئلة ذات الأهمية بالنسبة لنا، مثل: ماهي الإمكانيات التي تتوفر عليها الفلسفة للتأثير بالواقع، بما في ذلك الواقع السياسي؟ وهل هذه الإمكانية لا تزال بعد موجودة بالمجمل؟ وإذا كانت، فممّا تتألف؟

 

هايدغر ـ إنها أسئلة مهمة. هل سأكون قادرا على الإجابة عن جميعها؟ لكن اسمحلوا لي أن أبتدأ القول بأنه لم يكن لدي ارتباط بأي نشاط سياسي قبل أن أصبح عميدا للجامعة. بشتاء سنة 1932/33، كنت في إجازة وقضيت معظم الأوقات بمقصورتي (بمدينة توتنبورغ).

 

س: كيف حدث أن أصبحت عميدا لجامعة فرايبورغ؟

 

هايدغر ـ بسبتمبر (أيلول) من سنة 1932، زميلي فون مولندورف، أستاذ التشريح، انتُخب عميدا. بجامعة فرايبورغ، العميد الجديد تولى منصبه ب15 من شهر أبريل. خلال دورة شتاء 1932/33 الدراسية، كنا غالبا نتحدث عن الوضع، ليس فقط الوضع السياسي، بل أيضا وخاصة عن وضع الجامعات، عن وضع الطلاب ـ والذي كان، بشكل ما، ميؤوس منه. رأيي كان: بقدر ما أستطيع الحكم على الأمور، أن الإمكانية الوحيدة التي ظلت هي محاولة موازنة التنمية الناشئة مع تلك القوى البناءة التي لا تزال حقا مفعمة بالحيوية.

 

س: إذن لقد رأيت أن هناك رابطا بين وضع الجامعة الألمانية والوضع السياسي بألمانيا عامة؟

 

هايدغر ـ لقد تابعت بالتأكيد مسار الأحداث السياسية بين شهر يناير (كانون الثاني) ومارس (آذار) سنة 1933، وتحدث عن ذلك بعدة مناسبات مع الزملاء الشباب كذلك. لكن في نفس الوقت كنت أشتغل حول تفسير ممتد يشمل فكر الماقبل سقراط، وببداية الدورة الصيفية عدت لفرايبورغ. بتلك الأثناء تولى الأستاذ فون مولندورف منصبه كعميد بمنتصف شهر أبريل. وفقط بعد أسبوعين، تم فصله عن منصبه من طرف وزير الثقافة بـبادن ساعتها، واكر. الواقع أن العميد قام بحظر نشر ما يسمى بالبيان اليهودي، وبالجامعة، كان ذلك كما هو مرجح، سببا للترحيب بالقرار الوزاري.

 

س: هل كان السيد فون مولندورف ديموقراطيا اشتراكيا. ما الذي فعله بعد إقالته؟

 

هايدغر ـ بيوم إقالته قدم عندي فون مولندورف وقال: "هايدغر، يجب عليك الآن تتولى إدارة الجامعة". قلت له بأني لا أفقه شيئا بالإدارة. نائب العميد بذلك الوقت، ساور (عالم لاهوت)، قام مع ذلك بحثّي على خوض غمار الانتخابات المقبلة حول المنصب، وإلا سيكون هناك خطر تعيين موظف كعميد. تناقشت مع الزملاء الشباب مسائل هيكلة الجامعة لسنوات، فحاصروني بطلبات لتولي منصب الإدارة. ترددت لفترة طويلة. بالنهاية أعلنت استعدادي لتولي المنصب، لكن فقط لأجل مصلحة الجامعة، وفقط إذا تمكنت من التيقن من إجماع المجلس الجامعي بالموافقة. ظلت الشكوك حول كفاءتي بالإدارة، بذلك، وبصباح يوم انعقاد الانتخاب ذهبت لمكتب العميد وأخبرت زملائي فون مولندورف (الذي بالرغم أنه أقيل من منصبه كعميد، إلا أنه كان حاضرا) ونائب العميد ساور بأنني لا أستطيع تولي المنصب. غير أن هذان الزميلان أجابا بأن الانتخابات أعدت بطريقة لم يعد ينفع بعدها أن أسحب ترشيحي.

 

س: بعد هذا أعلنت بالنهاية أنك مستعد. كيف إذن تطورت علاقتك بالاشتراكيين الوطنيين؟

 

هايدغر ـ بعد يوم من تولي إدارة الجامعة، حضر لدي قائد الطلبة مرفوقا بطالبين بالمكتب الذي كنت اشغله كعميد، وطلب مجددا بنشر البيان. فرفضت. غادر الطلبة الثلاث مؤكدين لي أن قيادة طلبة الرايخ (Reichsstudentenführung) سيصلها خبر الحظر. بعد ذلك بأيام تلقيت اتصالا من مكتب SA (كتيبة النازية السياسية) للتعليم العالي بالقيادة العليا SA، من شخص د.باومان قائد المجموعة-SA. قال بأن البيان المذكور، والذي سبق وضعه بالجامعات الأخرى، يجب أن يُنشَر. إذا رفضت، فمن المتوقع أن تتم إقالتي أو حتى تتعرض الجامعة للغلق. رفضت وحاولت استمالة دعم وزارة بادن للثقافة لقرار المنع. أوضح (الوزير) بأنه لا يستطيع فعل شيء يعارض الSA. فظللت متشبثا بعدم سحب قرار المنع.

 

س: ذلك لم يكن معروفا بهذا الشكل من قبل.

 

هايدغر ـ كنت بالفعل قد سميّت الدافع الأساسي الذي جعلني أقرر تولي منصب إدارة الجامعة بمحاضرتي الافتتاحية «ما الميتافيزيقا؟» قُدّمت بـفرايبورغ سنة 1929: "المجالات العلمية متباعدة عن بعضها البعض. فالطرق التي يتم من خلالها التعاطي مع مواضيعها مختلفة بالأساس. هذا التفكك المتعدد للتخصصات متماسك اليوم فقط من خلال التنظيم التقني للجامعات والكليات كما لا يزال يحتفظ بدلالته فقط بسبب الأغراض المحددة للإدارات. بالرغم من ذلك، فإن الجذور العلمية بأرضيتها الأصلية قد اضمحلت". ما كنت أحاول القيام به خلال مدة تولي للمنصب بالنسبة للحالة التي تعرفها الجامعات (والتي صارت اليوم متدهورة بشكل رهيب) تم توضيحه برسالتي الجامعية.

 

س: نسعى لمعرفة كيف وإذا كان هذا التصريح بسنة 1929 يتوافق مع ما قلته بخطابك الافتتاحي كعميد سنة 1933. ونقتطف هنا جملة من السياق: "الإشادة ب«الحرية الأكاديمية» ستصبح ملغاة من الجامعة الألمانية، لأن هذه الحرية ليست أصيلة بل لأنها سلبية". نعتقد بأن هذا التصريح يعبر على الأقل عن جانب من الآراء التي ليست بالغريبة عنك حتى اليوم.

 

هايدغر ـ طبعا، لا زلت على موقفي. بالنسبة لهذه «الحرية الأكاديمية» كانت بالعمق سلبية بامتياز: التحرر من مجهود الاندماج بالتفكير والتأمل الدراسي العلمي أمر متطلب. إضافة، إلى أن الجملة التي اقترحتموها لا يجب عزلها، إنما وضعها بسياقها. عند ذاك سيتوضح ما أردت تبيانه ك«حرية سلبية».

 

س: حسنا، هذا مفهوم. نعتقد بالرغم من ذلك، بأننا نسمع نبرة جديدة في رسالتك الجامعية وأنت تتحدث، بعد أربع شهور من ترأس هتلر للرايخ، حول "عظمة وروعة هذه الانطلاقة".

 

هايدغر ـ أجل، كنت مقتنعا بذلك أنا كذلك.

 

س: هل يمكن أن توضّح لنا قليلا أكثر؟

 

هايدغر ـ بكل سرور. بذلك الوقت لم أرى بديلا. في خضم تداخل الآراء والاتجاهات السياسية ل32 من الأطراف، كان من المحتم إيجاد هوية وطنية، وخصوصا اجتماعية، وجهة نظر، ربما على غرار محاولة فريديش ناومن. يمكن أن أشير هنا، كمثال، لمقالة إدورد سبارنغر الذي ذهب فيها أبعد مما برسالتي الجامعية.

 

س: متى بدأت بالتعامل مع الظروف السياسية؟ فال32 طرفا كانوا متواجدين لمدة طويلة. حتى أنه كان الملايين من العاطلين ب1930.

 

هايدغر ـ بذلك وقت، كنت منشغلا تماما بالمسائل التي قمت بتطويرها في «الكينونة والزمان» (1927) وبالكتابات والقراءات خلال السنوات اللاحقة. إنها مسائل جوهرية حول التفكير والتي تهتم بشكل غير مباشر بالقضايا الوطنية والاجتماعية. وكأستاذ جامعي، انشغلت بشكل مباشر بمسألة ماهية العلم، ومن ثم، تحديد مهمة الجامعة. هذه المحاولة عبّرت عنها بعنوان رسالتي الجامعية «إثبات الجامعة الألمانية لذاتها». لم تعرف رسالة جامعية أخرى بذلك الوقت عنوانا مخاطرا. لكن هل قام أولئك المنتقدون للخطاب بقراءته بروية، متفكرين فيه بجدية، ليفهموه من زواية نظر للوضع بذلك الوقت؟

 

س: إتباث الجامعة لذاتها، بوضع مضطرب، ألا يبدو ذلك بشكل ما غير ملائم؟

 

هايدغر ـ لماذا؟ "إتباث الجامعة لوجودها" كان ضد ما كان يسمى بالعلم المسيّس (السياسي)، كما كان يُدعى من قِبل الطلبة الاشتراكيين الوطنيين. كان للعنوان معنى مختلف عن الآن. لم يكن له ارتباط بـ"العلم السياسي" كما هو الآن، إنما بالأحرى ضمن: العلم على نحو معانيه وقيمه، وتقييمه باستخدامه التطبيقي لصالح الأمة (Volk). هذا الموقف المضاد للتسييس العلمي، تم التطرق له بشكل خاص في الرسالة الجامعية.

 

س: هل نفهمك بشكل صحيح؟ فيما يتعلق بالجامعة والذي شعرت بأنه "انطلاقة جديدة"، كنت ترغب بتأكيد الجامعة ضدا ربما على التوجهات الطاغية، حتى لا تُسلب للجامعة هويتها؟

 

هايدغر ـ بالتأكيد، لكن في نفس الوقت "تأكيد الذات" يعبر عن تحديد ذاتي لمهمة استعادة معنى جديد، في مواجهة التنظيم التقني المجرد للجامعة، من خلال التأمل في التراث الفكري الغربي والأوروبي.

 

س: أستاذ، هل نفهم من ذلك بأنك فكرت إثر ذلك بأن انعاشا للجامعة يمكن له أن يتحقق مع الاشتراكيين الوطنيين؟

 

هايدغر ـ هذا خطأ في الصياغة. كان يلزم الجامعة أن تتجدد من خلال تأملها الخاص، وليس من خلال الاشتراكيين الوطنيين، وبالتالي تكسب موقفا حازما ضد خطر التسييس العلمي - بالمعنى المعطى سابقا.

 

س: لهذا السبب أعلنت عن ثلاث ركائز برسالتك الجامعية: خدمة العمل (Arbeitsdienst)، الخدمة العسكرية (Wehrdienst)، خدمة المعرفة (Wissensdienst). من خلال ذلك، يبدو أنك فكرت بوجوب رفع خدمة المعرفة لمكانة مساوية، مكانة لم يقم الوطنيون الاشتراكيون بمنحها لها؟

 

هايدغر ـ ليس هناك من إشارة لأية ركائز. لو تمعّنت بروية، ستلاحظ على أنه بالرغم من أن خدمة المعرفة صُنفت بالمرتبة الثالثة، إلا أنها تصنف بالمرتبة الأولى من حيث دلالتها. فيجب الأخذ بعين الاعتبار أن العمل والدفاع، ككل الأنشطة الإنسانية، يلزمهما أن يرتكزا على المعرفة ويستنيران بها.

 

س: لكن يجب علينا (لقد اكتفينا تقريبا من الاقتباس البغيض) أن نشير لتصريح آخر هنا، والذي لا نعتقد بأنك لا زلت مقتنعا به لغاية اليوم. "لا تدع النظريات والأفكار تصبح قواعد لكينونتك. الفوهرر (Führer) نفسه ولوحده هو حاضر ومستقبل الواقع الألماني وقوانينه".

 

هايدغر ـ هذه الجملة لن تجدها بالرسالة الجامعية، لكن فقط في الصحيفة المحلية لطلبة فرايبورغ، وذلك ببداية دورة شتاء 1933/34 الدراسية. عندما توليت المنصب، كان واضحا بالنسبة لي أن ذلك لن يتم إلا بتقديم تنازلات. اليوم لن أكتب هذه الجملة التي استشهدت بها. بل حتى بعام 1934، لم أكن لأقول شيئا من هذا القبيل. لكن اليوم، واليوم أكثر إصرارا من قبل، كنت لأعيد الخطاب حول «إثبات الجامعة الألمانية لذاتها»، بالرغم من الإجماع بعدم العودة للقومية. المجتمع أخذ مكانه بالأمة (Volk). مع ذلك، فإن الخطاب لن يكون أكثر من زفير ضائع اليوم مثلما كان من قبل.

 

س: ربما سنقاطعك مجددا بسؤال؟ صار واضحا حتى الآن بالمحاورة أن تصرفك خلال 1933 كان يتأرجح بين قطبين. الأول، كان يجب عليك قول عدة أمور على غرار ad usum Delphini (باللاتينية ل"استخدام الدلفين"، إشارة للأعمال المنقحة لأجل الاستهلاك العام). هذا كان القطب الأول، القطب الآخر كان، بالرغم من ذلك، إيجابيا. عبّرت عنه بطريقة: لدي إحساس بأن هناك شيءٌ جديد، إنها انطلاقة جديدة - بالطريقة التي قلتها بها.

 

هايدغر ـ أجل صحيح.

 

س: بين هاذين القطبين - كان الأمر مقنعا تماما آخذين بالاعتبار زواية النظر للوضع بذلك الوقت..

 

هايدغر ـ أكيد. لكن يجب أن أشدد على أن مفهوم ad usum Delphini لم يقل الكثير. آمنت في ذلك الوقت بأن هناك مسارا جديدا يكمن بالاستجواب المجابه مع الاشتراكية الوطنية، بل الطريق الوحيد الذي ظل، نحو نهضة ما، يمكن لها أن تنبثق.

 

س: أنت تعلم بأنه نتيجة ارتباطك هناك بعض الاتهامات الموجهة ضدك وتتعلق بتعاونك مع حزب العمال الألمان الوطني الاشتراكي (NSDAP) وشركائه. هذه الاتهامات بشكل عام يعتقد بأنها لا تزال غير قابلة للنقد لحد الآن. فقد اتُّهمت، على سبيل المثال، بمشاركتك بمحرقة الكتب التي أقامها الطلبة أو شباب هتلر.

 

هايدغر ـ لقد قمت بحظر محرقة الكتب والتي كان من المقرر إنشاؤها أمام مبنى الجامعة الرئيسي.

 

س: لقد اتُّهمت كذلك بحيازتك لكتب لمؤلفين يهود مُنعت من مكتبة الجامعة أو من قسم الفلسفة بالجامعة.

 

هايدغر ـ كمسؤول إداري، كانت مسؤوليتي تتمحور حول المكتبة. لم أذعن للمطالب المتكررة حول عزل كتب المؤلفين اليهود. الملتحقون سابقا بمحاضراتي يمكن لهم أن أيدلوا اليوم بشهاداتهم ليس فقط بأنه لم يتم عزل أي كتب لمؤلفين يهود، بل بأن هؤلاء المؤلفين اليهود، خصوصا هوسيرل، كان يُقتبس منهم ويُناقَشون مثلما كان الأمر قبل 1933.

 

س: سنأخذ علما بذلك. لكن كيف يمكن أن تفسر لنا أصل هذه الشائعات؟ هل هي مكيدة؟

 

هايدغر ـ مما أعلم حول المصادر، أميل للتصديق بذلك. غير أن دوافع الافتراء تقبع عميقا. احتمال أن تولي منصب الإدارة كان مجرد حافز وليس السبب المحدد. لذلك فإن الجدالات تشتعل بالغالب دائما كلما كان هناك حافز.

 

س: كان لديك طلبة يهود أيضا بعد 1933. علاقتك ببعضهم، بالمحتمل ليس الكل، تخللها الدفئ كما هو مرجح. أكان ذلك حتى بعد 1933؟

 

هايدغر ـ موقفي ظل كما هو ولم يتغير بعد 1933. طالبة من أقدم طلابي وأكثرهم تفوقا، هيلين فايس، والتي هاجرت بعدها لسكوتلندا، تحصلت على شهادة الدكتوراة من جامعة بازل (بعدما لم يعد بإمكانها أن تتلقاها بجامعة فرايبورغ) بأطروحة متميزة عن «السببية والصدفة في فلسفة أرسطو»، طبعت بـباسل سنة 1942. بنهاية مقدمة الكتاب كتبت: "محاولة في التفسير الظاهراتي، والتي نعرض جزءها الأول هنا، تمت بمساعدة التفاسير الغير المنشورة لمارتن هايدغر عن الفلسفة الإغريقية". هاهنا ترى نسخة بإهداء مكتوب بخط اليد مرسلة من قبل الكاتبة سنة 1948. لقد قمت بزيارة د.فايس عدة مرات بـبازل قبل وفاتها.

 

س: كنت وياسبرز صديقان لمدة طويلة. هذه الصداقة بدأت تتوتر بعد 1933. يشاع بأن هذا التوتر له ارتباط بكون لياسبرز زوجة يهودية. هل الترغب بالتعليق على الأمر؟

 

هايدغر ـ ما ذكرته ليس له أي أساس من الصحة. أنا وياسبرز أصدقاء منذ 1919. لقد قمت بزيارته وزوجته خلال الدورة الدراسية الصيفية لسنة 1933، عند إلقائي لمحاضرة بهايدلبرغ. كارل ياسبرز أرسل لي كل منشوراته بين 1934 و1938 - "مع متمنيات مفعمة بالمودة". يمكن أن تلقي عليها نظرة إذا أردت.

 

س: تقول هنا "متمنيات مفعمة بالود". حسنا، ربما لا يجب أن تكون المتمنيات "مفعمة بالود" إذا سبق وتعرضت العلاقة للتوتر. سؤال آخر مشابه: لقد كنت تلميذا لإدموند هوسيرل، سلفك اليهودي بكرسي الفلسفة بجامعة فرايبورغ. لقد أوصى عليك بالجامعة كأستاذ خلفا له. علاقتك به لا يمكن ألا يشملها الامتنان.

 

هايدغر ـ لقد اطلعت على الإهداء بـ«الكينونة والزمان».

 

س: بالطبع.

 

هايدغر ـ بسنة 1929 قمت بتحرير كتاب تذكاري لذكرى ميلاده السبعين. وخلال الاحتفال في بيته ألقيت كلمة، والتي نشرت بالمنشورات الأكاديمية Akademische Mitteilungen شهر ماي 1929.

 

س: لاحقا، على الرغم من ذلك، عرفت العلاقة توترا. هل يمكن أن تقول إلى ماذا يرجع ذلك بالأساس؟

 

هايدغر ـ اختلاف وجهات نظرنا حول المسائل الفلسفية تزايدت. ببداية الثلاثينيات، سوّى هوسيرل الحسابات مع ماكس شيلر ومعي بشكل علني. وضوح تصريحات هوسيرل لم تدع شيئا يمكن نشدانه. أعجز عن فهم الدافع الذي حث هوسيرل على معارضة فكري بذلك الشكل العلني.

 

س: بأية مناسبة كان ذلك؟

 

هايدغر ـ تحدث هوسيرل بجامعة برلين أمام مدرج من 600 شخص. أورد ذلك هاينريش موزام بإحدى أكبر الصحف البرلينية بـ"نوع من جو الصالات الرياضية".

 

س: الجدال ليس له أي أهمية بهذا السياق. ما يهم هو أنه لم يكن هناك جدال فيما يتعلق بسنة 1933.

 

هايدغر ـ لم يكن.

 

س: تلك كانت ملاحظات منا على كل حال. هل صحيح أنك قمت فيما بعد بإزالة إهداء هوسيرل من «الكينونة والزمان»؟

 

هايدغر ـ لا، لكن ذلك صحيح. لقد قمت بتوضيح الأمور في كتابي «الطريق نحو اللغة». جاء بالنص: "لمواجهة الادعاءات الزائفة العديدة والواسعة الانتشار، دعونا نعلن صراحة بأن الإهداء بـ«الكينونة والزمان»، المذكور بنص الحوار بالصفحة 16، تم نقله لبداية الكتاب في طبعته الرابعة سنة 1935. لكن حينما وجد الناشر أن الطبعة الخامسة بسنة 1941 مهددة بالعزل، وبأن الكتاب سيصير محظورا، تم الاتفاق أخيرا، على اتباع اقتراح نيماير (الناشر) ورغبته، بأن يتم سحب الإهداء من الطبعة الخامسة. شرطي كان انطلاقا من أن الإهداء قد مُنح بالفعل، أن يظل الهامش بالصفحة 38. والذي جاء فيه: "لم يكن للتحقيق المتبع أن يأخذ أي خطوات تقدمية بالكشف عن «الأشياء في ذاتها». المؤلف يشكر بالأساس إدموند هوسيرل، الذي من خلال توفير توجيهه الشخصي الثاقب والسماح بمراجعة تحقيقاته الغير منشورة بحرية، تمكن المؤلف من سبر غور أكثر المجالات تنوعا للأبحاث الظاهراتية خلال سنوات دراسته بـفرايبورغ".

 

س: نحتاج لسؤالك إذا ما كان فعلا، أنك قمت باعتبارك عميدا بجامعة فرايبورغ، بمنع الأستاذ الفخري هوسيرل بدخول أو استخدام مكتبة الجامعة بما في ذلك القسم الخاص بالفلسفة.

 

هايدغر ـ هذا افتراء.

 

س: إذن ليس هناك من رسالة تتضمن هذا المنع ضد هوسيرل، فمن أين جاءت بالتالي هذه الإشاعة؟

 

هايدغر ـ لا أعرف كذلك، وليس لدي أي تفسير عن ذلك. بإمكاني البرهنة على استحالة ذلك خلال المثال التالي، وهو الأمر الغير معروف. طلبت الوزارة الحكومية من كل من مدير العيادة الطبية، البروفيسور تانهاوزر، وفون هيفيزي، أستاذ الفيزياء الكيميائية والحائز على جائزة نوبل فيما بعد - وكلاهما يهودي - أن يتم فصلهما. خلال إدارتي كنت قادرا على إبقائهما بإجراء مقابلة مع الوزير. فهل من المعقول أن أقوم بإبقائهما وأتخذ في نفس الوقت موقفا معارضا ضد هوسيرل، أستاذ فخري والذي قام بتدريسي، فبنمط الإشاعات يبدو الأمر سخيفا. علاوة على ذلك، قمت بحظر مظاهرة ضد تانهاوزر كان الطلبة والمحاضرون قد قرروا تنظيمها أمام مقر عيادته. بالنعي الذي نشرته عائلة تانهاوزر بالصحيفة المحلية، كُتب: "حتى 1934، كان المدير الشرفي للعيادة الطبية بجامعة فرايبورغ بـبريسغاو. بروكلين، ماساتشوستس 12-18-1962". ذكرت صحيفة جامعة فرايبورغ بفبراير 1966 بأن الأستاذ فون هيفيزي: "بين أعوام 1926-1934، كان على رأس المؤسسة الفيزيائية الكيميائية لجامعة فرايبورغ بـبريسغاو". بعد استقالتي من منصب الإدارة، كلا المديران تم عزلهما عن مناصبهما. بذلك الوقت، كان هناك محاضرون بدون رواتب ظلوا متعلقين بوظائفهم لفترة ثم تركوها، وفكروا من تم بأن الوقت قد حان للتحرك. حينما قدم هؤلاء القوم لملاقاتي، أشحت بوجهي عنهم.

 

س: أنت لم تحضر جنازة هوسيرل سنة 1938. لماذا؟

 

هايدغر ـ اسمح لي بقول ما يلي حول ذلك: هذا الادعاء بأنني قطعت علاقتي بـهوسيرل لا أساس له من الصحة. بعثت زوجتي برقية بإسمينا إلى السيدة هوسيرل في شهر ماي من سنة 1933. تضمت تعبيرنا عن "الامتنان اللامتغير"، والبرقية كانت مرفوقة بباقة من الزهور إلى منزلهما. بعد فترة وجيزة تلقينا ردا من السيدة هوسيرل عبارة عن بطاقة شكر أوردت فيها أن العلاقة بين أسرتينا قد انفصلت. اعتبرت نفسي إنسانا فاشلا لأني عجزت عن التعبير مرة أخرى عن امتناني وإعجابي بـهوسيرل وهو بسرير المرض وكذلك بعد موته. لكني بعث برسالة اعتذار عن ذلك للسيدة هوسيرل فيما بعد.

 

س: هوسيرل مات ب1938. لكنك استقلت مسبقا من منصب العميد بفبراير 1934. كيف حدث ذلك؟

 

هايدغر ـ سأزيد من توضيح هذه النقطة. كان اهتمامي ساعتها منصبا على التمكن من التنظيم التقني للجامعة، ذلك يعني تجديد الكليات (الأقسام) من الداخل، من وجهة نظر المهام الدراسية. انطلاقا من هذا الاهتمام، اقترحت واجب تعيين الزملاء الشباب وخاصة البارزين منهم بمجالاتهم، على رأس الكليات الفردية بالدورة الشتوية الدراسية 1933/34، وذلك دون الأخذ بعين الاعتبار انتماءهم الحزبي. هكذا أصبح الأستاذ إريك وولف رئيسا على قسم القانون، الأستاذ شادفايت رئيسا لقسم الفلسفة، الأستاذ سورغل رئيس قسم العلوم الطبيعية، البروفيسور فون مولندورف، والذي سبق له أن استقال من منصبه كعميد بالربيع، رئيسا للقسم الطبي. غير أنه بحلول عيد الميلاد 1933، بدا واضحا لي أنني لن أكون قادرا على تنفيذ مهامي المتعقلة بتجديد الجامعة نتيجة معارضة كل من الزملاء والحزب على حد سواء. زملائي لم يعجبهم الأمر، ذلك، على سبيل المثال، أنني قمت بدمج الطلبة بمواقع المسؤولية في إدارة الجامعة ـ كما هي المسألة حتى اليوم. استُدعيت بأحد الأيام إلى كارلسرواه Karlsruhe، حيث أمر الوزير عن طريق مساعده الأقرب وبحضور الغولايتر Gauleiter (المسؤول الإقليمي للحزب النازي) زعيم الطلاب، باستبدال كل من رئيس قسم القانون ورئيس القسم الطبي بعضوين آخرين من هيئة التدريس ذوي انتماء حزبي. رفضت ذلك، وقلت بأني سأقدم استقالتي إذا أصر الوزير على طلبه. وذلك هو ما حدث في فبراير 1934. استقلت بعد 10 شهور فقط من تعييني، في حين أن أن العمداء بذلك الوقت يقضون سنتين أو أكثر بمناصبهم. وبينما كانت الصحافة المحلية والأجنبية قد علقت على أمر تعييني بطرق مختلفة، اتخذت الصمت بخصوص استقالتي.

 

س: هل تحادثت مع وزير تعليم الرايخ، برنهارد راست بذلك الوقت؟

 

هايدغر: أي وقت؟

 

س: 1933، راست قام برحلة إلى هنا بفرايبوغ والتي لا يزال الحديث عنها.

 

هايدغر ـ إننا نتحدث عن حدثين مختلفين. فبمناسبة إحياء ذكرى وفاة شلاغتر المدفون بمسقط رأسه، شناو بـفيزنتال Schِnau im Wiesental، قمت باستقبال الوزير رسميا وذلك لفترة وجيزة. من جهة أخرى لم يتخذ الوزير مني أي موقف. انطلاقا من ذلك لم أسعى للتحادث معه. شلاغتر كان طالبا بجماعة فرايبورغ وعضوا بالأخوية الكاثوليكية. النقاش أخذ كلمته في نوفمبر 1933 بمناسبة المؤتمر الجامعي ببرلين. حيث قمت بعرض وجهات نظري عن العلم والبنية المفترضة للكليات أمام السيد الوزير. فأنصت بانتباه لكل ما قلته ذلك أنني استشعرت الأمل بأن ما قدمته قد يحدث تأثيرا. غير أن شيءً لم يحدث. أنا لا أرى سببا كوني مُلاما نتيجة محادثتي لوزير تعليم الرايخ في حين أن كل الحكومات الأجنبية بنفس الوقت كانت تتسابق للاعتراف بـهلتر وعرض المجاملات الدولية النمطية.

 

س: هل تغيرت علاقتك بالحزب النازي بعد استقالتك من إدارة الجامعة؟

 

هايدغر ـ بعد استقالتي، عدت للتدريس. بالدورة الدراسية الصيفية 1934 حاضرت عن "المنطق". بالدورة الدراسية التالية 1934/35، قدمت أول محاضرة عن هولدرلين. المحاضرات عن نيتشه بدأت بسنة 1936. كل أولئك الذين كان باستطاعتهم الاستماع سمعوا بأن ذلك كان مواجهة مع الاشتراكية الوطنية.

 

س: كيف تم نقل المنصب؟ أنت لم تشارك بالاحتفال؟

 

هايدغر ـ طبعا، رفضت المشاركة باحتفال نقل العميد.

 

س: أكان خليفتك عضوا مخلصا للحزب؟

 

هايدغر ـ كان عضوا بقسم القانون. صحيفة الحزب Der Alemanne أعلنت عن تعيينه كعميد بعنوان رئيسي عريض: "أول عميد اشتراكي وطني للجامعة".

 

س: هل لاقيت صعوبات مع الحزب بعد ذلك، ماذا حدث؟

 

هايدغر ـ كنت مراقبا باستمرار.

 

س: ألديك مثال عن ذلك؟

 

هايدغر ـ أجل، قضية الدكتور هانك.

 

س: كيف عرفت ذلك؟

 

هايدغر ـ لأنه قدم عندي بنفسه. كان قد تحصل على الدكتوراة وهو أحد الملتحقين بحلقتي الدراسية بدورة الشتاء 1936/37 والدورة الصيفية 1937. فقد أُرسل إلى هنا بفرايبورغ من طرف الSD (خدمة الأمن؛ Sicherheitsdienst) وذلك لجعلي تحت المراقبة.

 

س: لماذا قدم عندك هكذا بشكل مفاجئ؟

 

هايدغر ـ بسبب الحلقة الدراسية عن نيتشه بالدورة الصيفية ل1937 وبسبب طريقة العمل الذي تم بالحلقة، لقد اعترف لي بأنه لم يعد قادرا على متابعة مهمة المراقبة المسندة إليه. أراد أن يخبرني بهذا الوضع حتى انتبه لنشاطي بالمستقبل كأستاذ.

 

س: عدا ذلك لم تكن هناك مشاكل مع الحزب؟

 

هايدغر ـ عرفت فقط بأن أعمالي لم يكن مسموحا بمناقشتها، على سبيل المثال مقالة «نظرية أفلاطون عن الحقيقة». المحاضرة التي قدمتها عن هولدرلين بالمعهد الجرماني في روما بربيع سنة 1936 هوجمت من طرف مجلة شباب هتلر Wille und Macht (إرادة وقوة) بشكل لا يُسر بالمرة. بالنسبة للمهتمين يجب أن يطلعوا على الانتقادات ضدي بمجلة إرنست كريك Volk im Werden (أمة المستقبل). لم أكن ضمن الوفد الألماني المشارك بالمؤتمر الدولي للفلسفة بـبراغ سنة 1934 أو حتى تمت دعوتي للمشاركة. وكان من المقترح أيضا أن يتم استبعادي من مؤتمر ديكارت الدولي بـباريس سنة 1937. بدا ذلك غريبا بالنسبة للمتواجدين بـباريس حيث أن مُترأس المؤتمر (الأستاذ بريهيي بجامعة السوربون) سأل لماذا لم أكن بين الوفد الألماني. أجبته بأن منظمي المؤتمر هم من يجب عليهم أن يستفسروا وزارة تعليم الرايخ بخصوص هذه المسألة. بعد فترة، تلقيت دعوة من برلين للانضمام للوفد بشكل متأخر. فرفضت، محاضرة «ما الميتافيزيقا؟» و«في ماهية الحقيقة» بيعتا من تحت الشباك داخل سترات مغبرة ودون عنوان. بفترة قصيرة بعد 1934 سُحبت المحاضرات من السوق إثر تحريض من الحزب. لم يكن مسموحا بمناقشتها إلا بمجمع الأساتذة الاشتراكيين الوطنيين، وذلك كموضوع يدخل في إطار الانتقادات السياسية للحزب.

 

س: في 1939، الحرب.. أحَدَث ما هو أسوأ؟

 

هايدغر ـ بالسنة الأخيرة من الحرب، 500 من أبرز الفنانين والعلماء تم إعفاؤهم من أي نوع من الخدمة العسكرية. ولم أكن من بين هؤلاء المعفيين. على العكس من ذلك، بصيف سنة 1944 أُمرت بحفر الخنادق بمحاذاة نهر الراين، بكايزرشتول Kaiserstuhl (سلسة جبال).

 

س: بالجهة المقابلة، سويسرا، كارل بارث كان يحفر الخنادق.

 

هايدغر ـ طريقة حدوث ذلك مثيرة للاهتمام. قام العميد باستدعاء الجميع لقاعة المحاضرات. فألقى خطابا قصيرا مفاده أنه يتفق مع الزعامة الحزبية للاشتراكية الوطنية بما في ذلك الزعامة الإقليمية للحزب (الغولايتر). أراد أن يقسّم الهيئة الجامعية إلى ثلاث مجموعات: الأولى والتي يمكن الاستغناء عنها كليا، الثانية والتي يمكن الاستغناء عنها جزئيا، والثالثة والتي لا يمكن الاستغناء عنها. أول من يتصدر لائحة المجموعة الأولى هو مارتن هايدغر، بعده يأتي جرهارد ريتر. بالدورة الدراسية الشتوية 1944/45، بعدما أنهيت العمل بالخنادق بالقرب من نهر الراين، ألقيت محاضرات بعنوان «الفكر والكتابة الشعرية» Dichten und Denken، بشكل ما تعتبر متابعة لحلقتي عن نيتشه، ما يعني مواجهة مع الاشتراكية الوطنية. بعد الدرس الثاني، تم تجنيدي بـVolkssturm القوات المدنية الدفاعية. أكبر أعضاء الهيئة الجامعية سِناًّ يتم استدعاؤه للخدمة العسكرية.

 

س: لا أعتقد أننا سنسمع حديث الأستاذ هايدغر عن مسار الأحداث حتى، كما يمكن أن نقول بشكل قانوني، استلامه لقبا فخريا. وهو شيء معروف.

 

هايدغر ـ بالواقع، الأحداث نفسها غير معروفة، ليست بالشيء الجيد.

 

س: إلا إذا رغبت بقول شيء عنها.

 

هايدغر ـ لا.

 

س: ربما يجب أن نلخص. كسياسي، بالمعنى الضيق للكلمة، وليس بمعانها الواسع، كنت محصورا بالسياسات التي كانت تفترض انطلاقة جديدة بـ1933.

 

هايدغر ـ من خلال الجامعة..

 

س: من خلال الجامعة افترضَت هذه السياسات انطلاقة جديدة. حوالي سنة بعد ذلك، تخليت عن الوظيفة مجددا حتى تتولى العملية. غير أنه في محاضرة سنة 1935، والتي نشرت بنفس السنة تحت عنوان «مقدمة في الميتافيزيقا»، ذكرت بأن: "الأعمال التي صارت متوفرة اليوم" خلال 1935 "والتي تقدم باعتبارها فلسفة الاشتراكية الوطنية، غير أن لا علاقة لها بالحقيقة الجوهرية وعظمة هذه الحركة (والتي تواجه مكننة العالم والموجود الإنساني الحديث)، تلقي بشباكها في المياه العكرة للقيم والشموليات". هل قمت بإضافة العبارات التي بين قوسين في 1953، حينما طبعت ـ حتى تفسر للقراء ب1953 بما عنيته ب"الحقيقة الجوهرية وعظمة هذه الحركة"، والتي هي الاشتراكية الوطنية سنة 1935 ـ أو أن هذه الملاحظة التي بين قوسين كانت موجودة بالفعل سنة 1935؟

 

هايدغر ـ كانت موجودة بمخطوطتي وتتوافق تماما مع مفهومي للمكننة (التكنولوجيا) بذلك الوقت، لكن ليس فيما بعد عند تفسيري لجوهر التكنولوجيا كبنية. السبب في أني لم أقرأ العبارات بصوت عال، هو اقتناعي بأن مستمعي سيفهمون قصدي بشكل صحيح. أما الأغبياء والمخبرون والمتلصصون فقد فهموا القصد بشكل مختلف - وذلك ما كانوا يرغبونه.

 

س: بلا شك يشمل ذلك الحركة الشيوعية أيضا؟

 

هايدغر ـ أجل بالتأكيد، كشكل من مكننة العالم.

 

س: ربما يشمل ذلك المساعي الأمريكية كذلك؟

 

هايدغر ـ أردت قول ذلك أيضا. بالثلاثين سنة الأخيرة، بدا واضحا أن الحركة العالمية للتكنولوجيا الحديثة والتي لديها قدرة على تغيير مجرى التاريخ يمكن لها أن تأخذ شكلا متطرفا. السؤال الحاسم اليوم بالنسبة لي، هو كيف يمكن لنظام سياسي أن يتأقلم مع العهد التكنولوجي الحالي، وأي نظام سياسي ساعتها سيكون؟ هذا ما لا أمتلك له جوابا. ولا أعتقد بأن ذلك النظام سيكون الديموقراطية.

 

س: الديموقراطية ليست سوى مصطلح متعدد يتضمن مفاهيم مختلفة. المسألة هي في توفر إمكانية لإعادة تشكيل هذا النظام السياسي أو لا. بعد 1945 قدمت أراءك حول تطلعات العالم الغربي السياسية، وتحدث في خضم ذلك عن الديموقراطية، عن التعبير السياسي للمسيحيين في نظرتهم للعالم، وكذلك عن الدولة الدستورية - وقمت بنعت كل هذه التطلعات بـ"النصفية".

 

هايدغر ـ دعني بالأول أسألك أين تحدّثت عن الديموقراطية والأمور الأخرى التي ذكرتَها. لقد قمت بنعتها بـ"النصفية" لأنني بالواقع لا أعتقد بأنها قادرة على مجابهة العالم التكنولوجي. أعتقد بأن خلفهم تلك الفكرة التي ترى بأن التكنولوجيا بجوهرها هي شيء يقع تحت سيطرة البشر. برأيي، هذا ليس شيئا مستحيلا. التكنولوجيا بجوهرها شيء لا يمكن للبشر أن يحكموه بالسلطة.

 

س: أي من الاتجاهات السياسية المذكورة، تلائم أكثر بنظرك زمننا الراهن؟

 

هايدغر ـ ذلك ما لا أراه. غير أني أرى سؤالا حاسما هنا. بداية يجب إيضاح ما عنيتهموه بـ"تلائم زمننا الراهن"، أي زمن نعني هنا. إن الأهم من ذلك هو التساؤل عما يتوائم وزمننا الراهن قياسا بـ"الحقيقة الباطنية" لأنشطة البشر، أو قياسا بـ«الفكر والكتابة الشعرية»، بالرغم من كل الاستهجانات لهذه العبارة، فليست الأنشطة هي التي يجب أن تحدنا بالقياس.

 

س: إنه لأمر ملفت للنظر أنه طوال هذا الزمن لا يزال البشر غير قادرين على التحكم في أدواتهم، انظر للمهارة السحرية. ألا يعتبر تشاؤما مبالغا فيه نوعا ما القول بأننا لن نكون قادرين على التحكم في هذه الأدوات الأعظم طبعا للتكنولوجيا الحديثة؟

 

هايدغر ـ تشاؤم، لا. التشاؤم والتفاؤل مواقف تقع بشكل وجيز في عالم نحن بصدد التفكير فيه باستمرار. لكن قبل كل شيء التكنولوجيا الحديثة ليست "أداة"، وبالمجمل لا شيء لديها لتفعله بالأدوات.

 

س: لماذا يجب أن تتم الهيمنة بالتكنولوجيا؟

 

هايدغر: لم أقل هيمنة. قلت بأنه لا يوجد بعد مسار يتوافق مع جوهر التكنولوجيا.

 

س: يمكن للواحد أن يعترض بسذاجة: ما الذي يجب أن نتوافق معه؟ فكل شيء يشتغل. أكثر فأكثر تزداد محطات توليد الطاقة الكهربائية. الإنتاج يزدهر. الناس بالمناطق التي تشهد رقيا تكنولوجيا بالعالم تستفيد من ذلك بالشكل المطلوب. إننا نعيش في رخاء. فما الذي ينقص بالفعل هنا؟

 

هايدغر ـ كل شيء يشتغل. هذا هو الغريب في الأمر. كل شيء يشتغل والاشتغال يقودنا أكثر وأكثر نحو مزيد من الاشتغال، والتكنولوجيا تدفع بالبشر بعيدا وتقتلعهم من جذورهم شيئا فشيئا. لست متأكدا إن كنتَ أنتَ متخوفا، المؤكد بالنسبة لي هو أنني شعرت بالخوف عندما شاهدت مؤخرا صورا للأرض تؤخذ من على سطح القمر. لسنا بحاجة لقنبلة نووية على الأطلاق؛ عملية اجتثات البشر قد بدأت بالفعل. كل ما لدينا هو ظروف تكنولوجية محضة. لم تعد أرضا هذه التي يعيش فيها الإنسان اليوم. مؤخرا جمعتني محادثة مطولة مع رينيه شار بـبروفانس ـ كما تعلم، الشاعر والمقاوم. قاعدة صواريخ تبنى ببروفانس، والبلد يخرَّب بشكل مروع. الشاعر، والذي لا يمكن الاشتباه في شاعريته وتمجيده للمثالية، قال لي بأن الاجتثات الحالي للوجود الإنساني هو النهاية إذا لم يكسب الفكر والشعر قوة لاعنفية مرة أخرى.

 

س: الآن، يجب أن نقول على أنه بالرغم من رغبتنا بالبقاء بالأرض، ومن المحتمل أننا لن نضطر لمغادرة الكوكب بفترتنا الحياتية، من يعرف ما إذا كان مصير البشر سيظل على هذه الأرض؟ يبدو ممكنا أن البشر لا يتمتعون بأي مصير بالنهاية. غير أنه بالإمكان توفر إمكانية أن نرى البشر يغادرون الأرض نحو كواكب أخرى. وذلك بالتأكيد لن يحدث إلا بعد وقت طويل. لكن أين كُتب أن مكان البشر هو هنا؟

 

هايدغر ـ من خلال تجربتنا وتاريخنا الإنسانيين، وعلى الأقل على حد علمي، أجد أن كل شيء مهم وعظيم انبثق بتوفر الإنسان على موطن وتجذره بتقاليد. أدب اليوم، على سبيل المثال، مدمر إلى حد كبير.

 

س: مدمر كلمة مثيرة للريبة هنا نظرا لأنها كلمة عدمية تستدعي سياقا واسعا من المفاهيم خاصة من خلالك ومن خلال فلسفتك. ومن المفاجئ حقا أن نرى علاقة تربط بين التدمير والأدب الذي يمكن أنك أو من المفروض اعتبارك جزء منه.

 

هايدغر ـ أود أن أبيّن بأن الأدب الذي قصدته ليس عدميا، من الجانب الذي أُعرِّف فيه معنى العدمية.

 

س: من الظاهر أنك لاحظت، بما أنك أعربت عن ذلك، موجة عولمية تستدعي أو استدعت بالواقع الدولة التكنولوجية المطلقة؟

 

هايدغر ـ أجل! لكن تحديدا الدولة التكنولوجية يجب أن تتوافق أقل شيء مع العالم والمجتمع المحددين من خلال جوهر التكنولوجيا. الدولة التكنولوجية تود بأن تكون الخادم الأكثر عماء وإذعانا لقوة التكنولوجيا.

 

س: جيد. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه: "هل سيظل الفرد قادرا على التأثير في هذه الشبكة من الحتميات بالنهاية، أو الفسلفة قادرة على ذلك، أو أنهما كلامهما، حيث تقود الفلسفة فردا أو عدة أفراد نحو نشاط معين؟"

 

هايدغر ـ هذه الأسئلة تعيدنا لبداية الحوار. إن جاز لي تقديم جواب سريع وربما عميق نوعا ما، لكن انطلاقا من تأمل مطول: الفلسفة لن تكون قادرة على إحداث تغيير مباشر بالحالة الراهنة للعالم. وهذا لاينطبق فقط على الفلسفة بل على كل مساعي وتأملات الإنسان. وحده إله القادر على إنقاذنا. أعتقد بأن السبيل الوحيد لخلاصنا هو أن نتأهب، من خلال الفكر والشعر، لظهور الإله أو لغيابه خلال الانحدار؛ ليس أن نعتبر هكذا موته كالوفيات العبثية، إنما نعي أنه بانحدارنا، ننحدر مع غياب للإله.

 

س: هل هناك علاقة بين فكرك وانبثاق هذا الإله؟ أهناك علاقة سببية؟ هل تعتقد أن بالإمكان دفع هذا الإله للظهور نتيجة التفكير؟

 

هايدغر ـ لا يمكن أن ندفعه للظهور عبر التفكير. أكثر ما يكون أن نقوم به هو أن نظل متأهبين.

 

س: أيمكن أن نساعد؟

 

هايدغر ـ يمكن للتأهب أن يكون الخطوة الأولى. العالم لا يمكنه أن يكون ما هو وكما هو من خلال الإنسان، لكن أيضا لا يمكن أن يكون كذلك دون وجود هذا الإنسان. في اعتقادي ذلك مرتبط بواقع ما أسميه "كينونة"، باستخدام الكلمة التقليدية، المبهمة، البالية الآن، فهي تحتاج للإنسان. الكينونة ليست كينونة من دون وجود إنساني يفصح عن ذاته، وبحاجة للحماية والهيكلة. فأنا أرى جوهر التكنولوجيا فيما أسميه تشييد. هذا الإسم، يساء فهمه بسهولة عند سماعه أول مرة، لفهم النقاط بشكل صحيح، عد لأعمق تاريخ للميتافيزيقا، التي لا تزال تحدد وجودنا (دازين) اليوم. أعمال التشييد تعني: بأن الوجود الإنساني مقبوض، مزعوم، ومهاجم من طرف قوة تَبرز بجوهر التكنولوجيا. اختبار أن البشر مشيَّدين من قبل بعض الأشياء هي أن البشر ليسوا هم أنفسهم وليسوا قادرين على السيطرة على ذواتهم، تحديدا اختبار كشف إمكانية إدراك أن البشر محتاجين بالكينونة. إمكانية اختبار كينونة الاحتياج، كينونة معدّة لهاته الاحتمالات، كامنة ضمن ما يشكل أحدث تكنولوجياتنا. الفكر لا يستطيع أن يفعل أكثر من مساعدة البشر على هذا الإدراك، والفلسفة لحد هنا نهاية.

 

س: بأزمنة سابقة ـ وليس فقط بالأزمنة السابقة ـ كان يعتقد بأن الفلسفة فعالة بشكل غير مباشر (نادرا بشكل مباشر). ذلك أنها تساعد تيارات جديدة على الظهور. فقط خذ الألمان، أسماء عظيمة كـكانط، هيغل، حتى نيتشه، دون ذكر ماركس، ذلك يمكنه أن يؤكد بأن الفلسفة تمتلك، وإن بطرق ملتوية، تأثيرا هائلا. أتعتقد بأن فعالية الفلسفة وصلت لنهايتها؟ وحين تقول بأن الفلسفة ماتت، وأنها لم تعد موجودة هل يشمل ذلك فكرة أن فعالية الفلسفة (إن كانت بالفعل قد وجدت) اليوم، على الأقل، لم تعد موجودة؟

 

هايدغر ـ قلت ذلك فقط بشكل غير مباشر وليس بشكل مباشر، التأثير ممكن من خلال نوع آخر من التفكير. هكذا يستطيع الفكر، كما كان، التسبب في تبديل حالة العالم.

 

س: نرجوا أن تعذرنا، لا نرغب بالتفلسف ( لسنا بمستوى ذلك)، غير أنه هنا لدينا رابط بين السياسة والفلسفة، لذا نرجوك أن تغفر لنا دفعنا لك لهكذا محادثة. فقط قبل قليل قلت بأن الفلسفة والفرد غير قادران على فعل شيء سوى...

 

هايدغر ـ ...هذا التأهب لجعل الذات مفتوحة على وقوع غياب الإله. اختبار هذا الغياب ليس "اللاشيء"، بل بالأحرى تحرير الإنسان مما أطلق عليه "السقوط داخل الكينونة" في الوجود والزمان. التفكّر في ماهية اليوم (الحاضر) جزء من حالة التأهب التي نتحدث عنها.

 

س: غير أنه ساعتها يجب أن يتوفر بالواقع الباعث للذلك، سواء من طرف إله أو أيا كان. حتى الفكر، في توافقه الخاص، لم تعد له فعالية اليوم؟ ذلك رأي الناس بالماضي، وباعتقادي لا يزال كذلك.

 

هايدغر ـ غير أن ذلك ليس بشكل مباشر.

 

س: أشرنا سابقا لـكانط، هيغل، وماركس باعتبارهم مؤثرين عظام. غير أن الدفعات أتت من لايبنتز كذلك ـ بتطوير الفيزياء الحديثة، ومن ثم أصل العالم الحديث بشكل عام. نعتقد بأنك قلت للتو بأنك لا تتوقع بعد حدوث مثل هذا التأثير اليوم.

 

هايدغر ـ لا طبعا من الجانب الفلسفي. الدور الذي لعبته الفلسفة لحد الآن استولى عليه العلم اليوم. ولنوضح بشكل كاف "تأثير" الفكر، يجب أن نمتلك بعمق النقاش ما هو أكثر من ماهية التأثير ومعناه هنا. لذلك، يجب القيام بتفرقة حريصة بين السبب، الباعث، التأييد، الدعم، المانع، والتعاون. غير أن ما سنقدر على القيام به هو الحصول على البعد المناسب لعمل هذه التفرقات إذا قمنا بنقاش كاف لمبدأ السبب الكافي. الفلسفة تذوب داخل العلوم المتفردة: علم النفس، المنطق، وعلم السياسة.

 

س: بنظرك من أخذ مكانة الفلسفة اليوم؟

 

هايدغر ـ السيبرنتيقا (علم المكننة الحوسبية أو الذكاء الصناعي).

 

س: أو أن الورع هو الذي لايزال مفتوحا؟

 

هايدغر ـ لكن هذا لا يعد فلسفة.

 

س: ما هو إذن؟

 

هايدغر ـ أسميه الفكر الآخر.

 

س: تسميه بالفكر الآخر. أيمكن أن تزيد من توضيح ذلك قليلا؟

 

هايدغر ـ هل فكرت في الجملة التي اختمت بها محاضرتي حول «السؤال المتعلق بالتكنولوجيا»: "التساؤل هو تقوى الفكر"؟

 

س: وجدنا تصريحا لك بمحاضراتك حول نيتشه يبدو لنا مناسبا. قلت فيه: "لأن أعظم صلة ممكنة تسود التفكير الفلسفي، أن كل المفكرين العظام يفكرون في نفس الشيء. مهما بدى هذا التشابه ضروريا وغنيا ذلك أن الفرد الواحد لن يستنفذه، فبالأحرى أن كل فرد يرتبط بالجميع بمزيد من الصرامة". من الواضح، على الرغم من ذلك، أنك ترى بأن هذه البنية الفلسفية تنحو باتجاه نهاية معينة.

 

هايدغر ـ لقد انتهت لكنها بعد لم تعد بالنسبة إلينا غير صالحة. بالأحرى تحضر مجددا بالنقاش. مشروعي بأكمله بما يشمله من محاضرات وندوات خلال الثلاثين سنة الماضية كان بالأساس مجرد تأويل للفلسفة الغربية. طريق العودة للأسس التاريخية للفكر، التفكير من خلال الأسئلة التي لم تطرح منذ الفلسفة الإغريقية - وذلك لايخرج عن التقليد. غير أني أقول بأن طريق هذا التقليد الميتافيزيقي للتفكير، الذي انتهى مع نيتشه، لا يقدم لنا أي إمكانية لاختبار الخصائص الأساسية للعصر التكنولوجي، العصر الذي يبدأ للتو، بواسطة التفكير.

 

س: بحديث لك مع راهب بوذي قبل زهاء سنتين، تحدثت عن "طريقة جديدة كليا للتفكير"، وقلت "بالزمن الراهن قلة قليلة من الناس من تقدر أن تنجز" هذه الطريقة الجديدة للتفكير. هل تود أن تقول بأن هناك قلة قليلة من الناس التي تمتلك تلك الروئ، باعتقادك، الممكنة والضرورية؟

 

هايدغر ـ "تمتلك" في معناها المبدئي، أنهم يستطيعون، بطريقة معينة، "قول" الرؤى.

 

س: أجل، لكن بالمحادثة مع البوذي، لم تقم بوصف كيفية تحقق ذلك بشكل واضح.

 

هايدغر ـ لا أستطيع التوضيح. لا أعلم شيئا عن كيف يمكن لهذا التفكير أن يكون "فعالا". فمن الممكن أن مسار التفكير اليوم يؤدي للصمت، بهذا ذاك التفكير محمي من الطرد بغضون سنة. ومن الممكن أيضا أن يتطلب ثلاثة قرون ليصبح "فعالا".

 

س: نفهم ذلك بشكل جيد. لكن بما أننا لن نعيش ثلاث قرون، إنما الآن وهنا، فإننا نرفض الصمت. فنحن، سياسيين، شبه سياسيين، مواطنين، صحفيين هلم جرا.. نقوم بشكل مستمر بنوع من القرار أو غير ذلك. يجب أن نأقلم أنفسنا مع النظام الذي نعيش في ظله، يجب أن نحاول تغييره، يجب أن ننظر من الباب الضيق للإصلاح، وللباب الذي لايزال أضيق للتطور. إننا نتوقع المساعدة من الفيلسوف، حتى لو كان الأمر بالطبع، مجرد مساعدة غير مباشرة، مساعدة بطرق ملتوية. أما الآن فإننا نسمع: لا أستطيع المساعدة.

 

هايدغر ـ أنا لا أستطيع.

 

س: ذلك يثني الغير-متفلسف.

 

هايدغر ـ لا أستطيع لأن المسائل جد صعبة ذلك أنها يمكن أن تعاكس معنى هذا الدور الفلسفي بإبرازها العام، التبشير بها، ونشر الأحكام الأخلاقية. ربما أمكن لي أن أجازف بهكذا تصريح: السر في الهيمنة الكوكبية للاتفكير بجوهر التكنولوجيا أنه يتواءم مع المقدمات الملتبسة للتفكير الذي يحاول أن يفكر اعتمادا على هذا اللاتفكير الجوهري.

 

س: أنت لا تعتبر نفسك من أولئك الذين، إذا تم فقط الاستماع لهم، يمكنهم فتح مسار؟

 

هايدغر ـ لا! لا أعلم مسارا يؤدي لتغيير مباشر للحالة الراهنة للعالم، بافتراض أن هكذا تغيير لدى الممكن الإنساني. لكن يبدو بالنسبة لي أن محاولة التفكير بإمكانها الإيقاظ، التوضيح، وتقوية التأهب الذي أشرنا له سابقا.

 

س: إجابة واضحة. فقط يجب علينا انتظار أن يحدث لنا شيء ما بالثلاثة قرون المقبلة؟

 

هايدغر ـ المسألة لا تتعلق بمجرد انتظار حدوث شيء بعد مرور ثلاثة قرون، بل بالتفكير قُدما، دون تداعيات نبوية، في الفترة القادمة من زواية نظر الخصائص الأساسية للعصر الحالي، والتي بالكاد يتم التفكير من خلالها. التفكير ليس خمولا، بل بحد ذاته فعل القيام بحوار مع مصير العالم. من البادي بالنسبة لي أن الفارق، النابع من الميتافيزيقا، الناشئ بين النظرية والتطبيق، ومفهومية التنقل بينهما، يعيق مسار التبصر نحو ما أفهمه كتفكير. ربما تجدر بي الإشارة إلى محاضراتي المنشورة بسنة 1954 تحت مسمى «ما المسمى بالتفكير؟». هذه القطعة هي الأقل قراءة ضمن كل منشوراتي، وربما هي كذلك، سمة لعصرنا.

 

س: إنها كذلك بالتأكيد، دائما هناك سوء فهم للفلسفة بالاعتقاد أن على الفيلسوف أن يمتلك نوعا من التأثير المباشر بفلسفته. دعنا نعد للبداية. يبدو لامنطقيا إمكانية رؤية الاشتراكية الوطنية من جهة، تحقيقا لتلك "المواجهة الكوكبية"، ومن جهة أخرى بالنهاية، الأكثر فظاعة، وجبروتا، وبنفس الوقت، الاحتجاج الأكثر عجزا ضد المواجهة "الكوكبية المحددة تكنولوجيا" والموجود الإنساني الحديث؟ من الواضح، أنك تتعامل مع متناقضات فيما يخصك، مثلها مثل عديد إنتاجات أنشطتك والتي لا يمكن أن تفسر في الواقع إلا من جهتك، بمختلف أجزاء كينونتك التي لا تمس الجوهر الفلسفي، متشبثة بالعديد من الأمور التي تعلم بما أنك فيلسوف أنها غير ذات استمرارية ـ على سبيل المثال مفاهيم كـ"وطن"، 'تجذر"، وأمور مشابهة. كيف يمكن للتكونولوجيا الكوكبية و"وطن" أن يتلاءما معا؟

 

هايدغر ـ لم أود قول ذلك. يبدو لي أنكم تأخذون التكنولوجيا بالمطلق. أنا لا أعتقد بأن حالة الموجود الإنساني في عالم التكونولجيا الكوكبية قدرا كارثيا لا مفر ولا خلاص منه؛ بالأحرى أعتقد بأن مهمة الفكر تحديدا هي المساعدة، ضمن حدوده، مساعدة الموجود الإنساني لتحقيق علاقة كافية بجوهر التكنولوجيا في المجمل. بالرغم من أن الاشتراكية الوطنية سلكت نفس الاتجاه، غير أن هؤلاء الناس كانوا جد محدودين في تفكيرهم لإنجاز علاقة واضحة مع ما يحدث اليوم ومع ما كان يجري بغضون الثلاثة قرون.

 

س: هذه العلاقة الواضحة، هل هي لدى الأمريكيين اليوم؟

 

هايدغر ـ بالمجمل لا. لا يزالون عالقين بتلك الطريقة من التفكير؛ البرغماتية (النفعية) التي تعزز العملية التكنولوجية وكذلك التلاعب، وبنفس الوقت تقف عقبة أمام الفكر في مساره لفهم خصائص التكنولوجيا الحديثة. بهذه الأثناء، توجد هنا وهناك بالولايات المتحدة الأمريكية محاولات لكسر هذه الوضعية الفكرية البرغماتية. ومن منا قادر على أنه يقول إذا ما ما تم في يوم ما بروسيا والصين ألا تستيقظ التقاليد القديمة للفكر، الأمر الذي سيساعد الناس على جعل علاقة حرة مع العالم التكنولوجي شيئا ممكنا؟

 

س: وإذا لم يكن أحد قادر على جعلها، والفيلسوف عاجز عن جعلها (ممكنة) لهم..

 

هايدغر ـ لا يتعلق الأمر بي بإقرار إلى أين سأصل بمحاولتي في الفكر وكيف سيتم تلقيها وتحويلها إنتاجيا بالمستقبل. بسنة 1957 قدمت محاضرة بعنوان «مبدأ الهوية» لجامعة فرايبورغ بعيدها السنوي. أخيرا خاطرت في بضع خطوات فكرية، بعرض المدى الذي يمكن أن تبلغه التجربة الفكرية في ماهية الخصائص الأكثر جوهرية للتكنولوجيا الحديثة. حاولت أن أُظهر أن التجربة يمكن أن تذهب بعيدا جدا كانفتاح على إمكانية أن يختبر البشر في العصر التكنولوجي العلاقة المتطلبة والتي ليس فقط لم يسمعوا بها بل التي ينتمون لها كذلك. لفكري ارتباط جوهري بشعر هولدرلين. غير أني لا أرى بأن هولدرين مجرد شاعر، يعمل على موضوع، ضمن مواضيع شتى، بالنسبة لمؤرخي الأدب. أعتقد بأن هولدرين هو الشاعر الذي يشير نحو المستقبل، الذي يترقب الإله، وبالتالي لا يمكن أن يظل مجرد موضوع بحثي في تاريخ المخيلة الأدبية.

 

س: بالحديث عن هولدرين (ونعتذر عن اقتباسنا مجددا)، في محاضراتك عن نيتشه قلت بأن "فهم الصراع المختلف بين الديونيسي والأبوليني، بين الشغف المقدس والحساب الرصين، هو أنه أسلوب قانون مستتر بالمصير التاريخي للألمان، وبيوم ما يجب أن نكون مستعدين وجاهزين لهيكلته. هذا التعارض ليس مجرد صيغة تساعدنا على وصف «ثقافة». بهذا الصراع، وضع كل من هولدرين ونيتشه علامة استفهام أمام مهمة الألمان لإيجاد جوهرهم التاريخي. فهل سنكون قادرين على فهم هذه الإشارة، علامة الاستفهام تلك؟ هناك شيء واحد مؤكد: إذا لم نقم بفهم ذلك، فإن التاريخ سينتقم منا". لا نعلم بأي سنة بالضبط كتبت ذلك، نعتقد بأنه كان بسنة 1935.

 

هايدغر ـ الاقتباس يعود ربما لحلقة عن نيتشه معنونة بـ«إرادة القوة كـفن» سنة 1936/37. ومن الممكن كذلك أني ذكرتها بالسنوات التالية.

 

س: هل تود أن تشرح لنا أكثر؟ ذلك يبعدنا عن التعميمات نحو مصير محدد للألمان.

 

هايدغر ـ يمكن أن أضع ما قيل بالاقتباس بهذا الشكل: إني على قناعة أن تغييرا يمكن التهييء له وفقط من نفس المكان الذي انبثق فيه أصل العالم التكنولوجي الحديث. لا يمكن أن يأتي من خلال بوذية الزن أو ما سواها من التجارب الشرقية بالعالم. إن إنقاذ التقليد الغربي وتجديده يحتاج لتغيير بمستوى التفكير. والتفكير لا يمكن تحويله إلا من خلال تفكير له نفس الأصل والمصير.

 

س: تقصد بالضبط المكان الذي انبثق عنه العالم التكنولوجي، ذلك ما يجب، باعتقادك..

 

هايدغر ـ ...أن يتم تجاوزه بالمعنى الهيغلي، وليس إلغاؤه، تجاوزه، لكن ليس من طرف الموجود الإنساني لوحده.

 

س: هل تقوم بتعيين مهمة محددة بشكل خاص للألمان؟

 

هايدغر ـ نعم، بهذا المعنى، من خلال حوار مع هولدرين.

 

س: هل تعتقد بأن الألمان يمتلكون استعدادا خاصا لهذا التحدي؟

 

هايدغر ـ أنا أعتقد في العلاقة الجوهرية الخاصة بين اللغة الألمانية واللغة والفكر الإغريقيين. ذلك ما تأكد لي مرة بعد أخرى اليوم عند الفرنسيين. فحينما يبدؤون في التفكير فإنهم يتحدثون الألمانية. وهم يصرون بأن ذلك لا يمكنه أن يتحقق من خلال لغتهم.

 

س: هل تود هكذا بأن تبين لنا التأثير القوي الذي لديك على الدول الرومنسية، بالأخص فرنسا؟

 

هايدغر ـ لأنهم يرون بأنهم لا يحصلون على شيء بكل عقلانيتهم عند محاولتهم فهم جوهر عالم اليوم. التفكير يمكنه التحول قليلا كما يمكن للشعر. بأحسن الأحوال يمكن إعادة صياغته. فحالما تتم محاولة الترجمة الحرفية، كل شيء يتبدل.

 

س: فكر مقلق.

 

هايدغر ـ سيكون من الجيد إذا اتخذ هذا القلق بشكل جدي على نطاق واسع وإذا تم أخيرا النظر للتحول المهم الذي عانى منه الفكر الإغريقي عندما تُرجم للاتينية الرومانية، حدث لا يزال لغاية اليوم يمنعنا من تأمل كاف للكلمات الأساسية بالفكر الإغريقي.

 

س: أستاذ، إننا بالواقع دائما نفترض بتفاؤل أن شيء ما يمكنه أن يتواصل وحتى أن يُترجم، لأنه إن كان هذا التفاؤل متضمنا بالفكر فبالإمكان إحداث تواصل على الرغم من الموانع اللغوية، إذاك ضيق لفكري يهدَّد.

 

هايدغر ـ أتودون دعوة الفكر الإغريقي بالضيق الفكري في مقابل النسيج الفكري للإمبراطورية الرومانية؟ الرسائل العملية (Business) يمكن أن تترجم لجميع اللغات. العلوم (تشمل اليوم العلوم الطبيعية، مع الفيزياء الرياضية كعلم أساس) يمكنها أن تترجم لكل لغات العالم. ولمزيد من التوضيح، فهي لا تُترجم، بالأحرى نفس اللغة الرياضية تتحدث. إننا هنا نلمس منطقة واسعة يصعب تغطيتها.

 

س: ربما ذلك ينتمي لهذا الموضوع أيضا: حاليا، بدون مبالغة، هناك أزمة بالنظام الديموقراطي البرلماني. وذلك حاضر منذ مدة طويلة، بالأخص في ألمانيا، وليس فقط بألمانيا. ذلك حاضر بالدول الكلاسيكية للديموقراطية، في إنجلترا وأمريكا. بفرنسا لم تعد تعتبر أزمة حتى. والآن، سؤال: أيمكن أن يعجز المفكرون عن تقديم المشورة، حتى كمنتجات فكرية، أم يجب استبدال هذا النظام بواحد آخر (جديد)، وكيف يجب أن يبدو، أو أن الإصلاح يجب أن يكون ممكنا، والمشورة حول إمكانية هذا الإصلاح؟ بشكل آخر، الشخص الغير مهيأ فلسفيا - والذي سيكون بطبيعة الحال الشخص الذي يمتلك أشياء بيده (بالرغم من عجزه عن تحديدها) والذي يتموضع في أيادي الأشياء - هذا الشخص سيستمر في التوصل لاستنتاجات خاطئة، لربما حتى استنتاجات متهورة بشكل فظيع. إذن: أيجب على الفيلسوف ألا يكون مستعدا للتفكير حول كيفية إمكانية ترتيب عيش مشترك للبشر بهذا العالم، بالطريقة التي مكننوا بها أنفسهم تكنولوجيا، والتي من الممكن أن تتغلب عليهم؟ أليس من اللائق التوقع من الفيلسوف تقديم النصح فيما يعتبره إمكانيات للعيش؟ ألا يجب أن يقدم الفيلسوف باختصار جزءً، حتى لو كان بسيطا، من خلال وظيفته ونداءه إذا لم يكن يتحدث عن شيء؟

 

هايدغر ـ بقدر ما أستطيع أن أرى، الفرد كفرد غير مؤهل لفهم العالم بشكل كامل من خلال التفكير لغاية المدى الذي يمكّنه من تقديم إرشادات عملية؛ خصوصا بمواجهة مهمة إيجاد أول قاعدة للتفكيره نفسه مرة أخرى. فطالما أن التفكير يأخذ نفسه بجدية بنظر التقليد العظيم، فإنه منهك بوجوب تهييء نفسه لتقديم إرشادات. بأي إمكانية يمكن لهذا أن يحدث؟ بعالم الفكر، ليس هناك من تصاريح موثوقة. الشرط الوحيد للتفكير يأتي من المسألة المفكر فيها. ذلك، مهما يكن، هو ما يستحق التساؤل قبل كل شيء. لجعل هذا الوضع أمرا مفهوما، يلزم نقاش حول العلاقة بين الفلسفة والعلوم، والتي (العلوم) بنجاحها التقني العملي تجعل من التفكير في المعنى الفلسفي يبدو أكثر فأكثر شيء لا جدوى منه. الوضع الصعب الذي وجد التفكير نفسه فيه بالنظر إلى مهمته أدى به للاغتراب، وهو الموقف الذي تغذيه العلوم من خلال تموقعها القوي، ما أجبر التفكير على التخلي بنفسه عن الإجابة عن الأسئلة العملية والأديولوجية المتطلبة اليوم.

 

س: أستاذ، بعالم الفكر ليس هنالك من تصاريح موثوقة. بالتالي لا يمكن أن نندهش من الفن الحديث الذي يعايش ظرفا صعبا، قيامه بتصاريح موثوقة. بينما، تسميها «مدمرة». غالبا يعتقد الفن الحديث نفسه بأنه فن تجريبي. أعماله محاولات..

 

هايدغر ـ سيسرني التجريب.

 

س: ...محاولات للخروج من الحالة المعزولة للموجود الإنساني والفنانين، وخارج كل مئة محاولة، هناك واحدة تصيب الهدف.

 

هايدغر ـ هذا هو السؤال المهم. أين يقف الفن؟ أي مكان يشغل؟

 

س: جيد، غير أنه الآن تطلب شيئا من الفن لم تعد تطلبه من الفكر.

 

هايدغر ـ لم أطلب شيئا من الفن. وضعت فقط سؤالا حول المكان الذي يشغله الفن.

 

س: إذا كان الفن جاهلا بمكانه، فهل ذلك يجعل منه مدمرا؟

 

هايدغر ـ حسنا، لنتجاوز. أود أن أوضح، مع ذلك، بأني لا أعتقد بأن الفن يقف خارج مسار، خاصة وأنه لا يبدو واضحا أين يتجه ببصره أو على الأقل كيف ينظر لما هو أكثر خصوصية بالفن.

 

س: الفنان، كذلك، يفتقر للالتزام بالتقليد. قد يجده جميلا، ويمكن أن يقول: هذه هي الطريقة التي يمكن أن يرسم بها الواحد 600 سنة مرت أو 300 سنة مرت أو حتى ثلاثين سنة. غير أنه لم يعد قادرا على ذلك. حتى لو أراد، فإنه لا يستطيع. من تم يصبح الفنان العظيم مزوِّرا عبقري، كـهانز فان ميخيرن Hans van Meegeren، الذي بإمكانه الرسم "أفضل" من معاصريه. غير أن هذا الأمر لم يعد يعمل. بذلك فالفنان، الكاتب، الشاعر هم بوضع مماثل للمفكر. كم من المرات يجب أن نقول أغلقوا أعينكم.

 

هايدغر ـ إذا اتخذت "الثقافة الصناعية" إطارا لتصنيف الفن والشعر والفلسفة، بذلك سيكون التكافؤ مبرَّرا. رغم ذلك، إن لم تكن فقط الصناعة هي من ينفتح عن التساؤل بل كذلك ما نطلق عليه بالثقافة المتساءل حولها، فإن التفكر في هذه التساؤلية سيعود كذلك لمسؤلية عالم الفكر، ومحنة الفكر بالكاد يمكن تخيلها. لكن أعظم مصيبة للفكر موجودة اليوم، بقدر ما يمكن أن أراها، هي أنه ليس هنالك من مفكر يتحدث بعد، مفكر عظيم بشكل كاف يتمكن من وضع الفكر، بشكل مباشر وعملي، قبل موضوع مادته وبالتالي في مساره. عظمة ما يجب أن يكون فكرا هو مسألة عظيمة بالنسبة لنا اليوم. ربما أمكن لنا أن نكافح ببناء جسر ضيق لا يمتد بعيدا، لأجل العبور.

 

س: أستاذ هايدغر، تقبل شكرنا لك بإجراء هذا الحوار.

 

ترجمة وتقديم: حمودة إسماعيلي

 

المناضلة والقائدة النسوية أجيه خان البرزنجي:

ajehkhan- في احتفالات الثامن من اذار هاجمتنا دبابات الحكام

حين التقيتها لاول مرة، في استوكهولم، عاصمة السويد التي وصلتها لاجئة عام 2000، بعد رحلة في عدة محطات مرورا بدمشق، كان لدي فكرة أولية طيبة عن هذه المرأة التي تتوكأ على عكاز خاص وتحاول ان تكون منتصبة القامة. وصرت اتخيل صوتها هادرا في التظاهرات والمحتشدات النضالية في السنوات الغابرة. واتخليها وهي تحث الخطى من شارع الى شارع، والريح تلاعب شعرها، توزع المنشورات وتعيد صلات المقطوعين عن التنظيم الحزبي، وتزور السجون وتعود عوائل السجناء، وتوزع الجكليت في المناسبات الوطنية وقد سهرت الليل تضع فيها اوراقا خاصة خطت فيها شعارات تنادي بالديمقراطية والحرية والمساواة.

انها المناضلة أجيه خان البرزنجي (أجيه شيخ حسين شيخ محمد)،من مواليد السليمانية عام 1939، ولدت في عائلة ارتبطت بنضالات القوى الوطنية، حزب التحرر وثم الحزب الشيوعي العراقي، وقدمت هذه العائلة العديد من المناضلات والمناضلين والشهداء، و ربما اشهرهم اخيها المناضل الشيوعي وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الشهيد على البرزنجي، الذي اعدم في قصر النهاية عام 1971 على يد جلاوزة حزب البعث العفلقي، والراحل المناضل شيخ سعيد الذي توفي عام 199، وشيخ محمد، المناضل والشاعر المعروف بأسم "ع. ح. ب" والذي رحل عام 2001 . وابنها الشهيد اردلان حمه سعيد (1968 ـ 1985) الذي اغتيل في مدينة تكريت خلال اداءه مهمة نضالية هناك .

قالت لنا:

ــ تعلمت حتى الثالث ابتدائي في المدرسة، لكن اجواء العائلة، ساعدتني على تطوير معارفي وثقافتي، وسريعا ارتبطت بالحركة النسوية والسياسية، وكانت اول صلاتي عام 1950 مع المناضلة والرابطية خانم زهدي، وانخرطنا ومعي اختي عائشة في معترك النضال النسوي والحزبي، فصرنا نوصل البريد الخاص والمنشورات ونهيأ الاماكن للاجتماعات. ان مجمل نشاطنا عرضنا للكثير من المضايقات من السلطات الحاكمة، خصوصا بعد اعتقال الشهيد علي البرزنجي، واخي محمد، وايضا تم اعتقال اختي عاشة وسجنها بينما استطعنا انا واخي شيخ سعيد الافلات من مداهمات قوى الامن، واختفيت لفترة في بيوت الاصدقاء .

 

لنتحدث عن ايام ربيع الحركة الثورية بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958، سمعت الكثير الممتع عن نشاطاتك ومساهماتك ودورك القيادي في رابطة المرأة العراقية؟

ــ بعد ثورة الرابع عشر من تموز، انفتح الافق واسعا امام المراة العراقية للعمل في المنظمات الديمقراطية في كل مدن العراق ومنها كردستان، وكانت رابطة المرأة العراقية واحدة من انشط هذه المنظمات، حيث استوزرت حكومة 14 تموز، المناضلة نزيهة الدليمي رئيسة الرابطة، وتم بنجاح ورعاية الزعيم عبد الكريم قاسم انعقاد مؤتمر الرابطة في بغداد عام 1959، وكان لي شرف المشاركة في التحضيرات له وحضوره. خلال هذه الفترة كنت سكرتيرة لرابطة المرأة في مدينة حلبجة، حيث انتقلت لها بعد زواجي، وكان لفرع الرابطة في حلبجة فروع في غالبية القرى والقصبات المحيطة، وكنا ننظم النشاطات المتنوعة الثقافية والاجتماعية، وتوقف كل هذا مع انقلاب الردة البعثي في 8 شباط 1963 .

 

هل التقيت بالزعيم عبد الكريم قاسم؟

ـ توفرت لي الفرصة للقاء الزعيم عبد الكريم قاسم والمهداوي ومحمد ماجد امين والعديد من قادة ورجال الثورة ايامها . لم يكونوا يعزلون انفسهم عن الجماهير والناس، خصوصا في سنوات الثورة الاولى . وهذه اللقاءات كانت تتم ضمن سياق نشاطات رابطة المراة .

 

وما قصت مهاجمة الدبابات لتجمع نسوي بمناسبة 8 اذار؟

- حصل هذا عام 1964، كنا رتبنا لاحتفال بمناسبة الثامن اذار، واخترنا منطقة نبع داروغا التي كانت في حينها من ضواحي مدينة السليمانية والان احد احياء المدينة بعد ان توسعت، ورتبا سفرة للعوائل (بالكردية نقول سيران) لكن تفاجأنا بعدد المشتركين، اذ صارت كل عائلة تجلب معها عوائل اخرى، فصرنا نوزع عليهم الحلويات وبداخلها الشعارات، هذا التجمع اغاض السلطات ايامها فارسلت عددا من المدرعات والدبابات لتفريق الحشد واخافة الناس الذين عرف من لم يعرف يومها اهمية توحيد الجهود التي يمكن ان تخيف اعتى ديكتاتورية وعرفوا بسالة النساء العراقيات .

 

وكيف تنظرين الى وضع ونشاطات المراة الان ؟

- الظروف المحيطة بنشاط المراة حاليا صعبة جدا . والرابطيات يبذلن جهودا مضاعفة لتجاوز المعوقات التي يزرعها الاسلام السياسي في حياة النساء وعموم المجتمع . اتألم كثيرا لارتفاع نسبة العنف ضد المراة في اقليم كردستان وعموم مناطق العراق، خصوصا الجرائم التي تتم بحجة الشرف .اعتقد ان من اهم مهمات منظمات المراة حاليا هو العمل لتوعية النساء ليتسطعن ان ينهضن بانفسهن بمهمات تغير واقعهن المتردي .

 

رأيت لك صورا وانت تقدمين قصائد شعرية .. الم تفكري بديوان مطبوع لجمع قصائدك؟

- لا اقدم نفسي كشاعرة، ولكن تأتيني مشاعر عن معاناة المرأة ومعاناة الشعب واوضاعه الصعبة، وفقدان الشهداء، فلا استطيع كتمانها، فأكتبها، واقرأها لاصدقائي ورفاقي، فصاروا يطالبونني في بعض المناسبات الشخصية والوطنية في تقديم بعضا منها، بل استضافتني قناة تلفزيونية وطلبوا مني قراءة بعض من هذه القصائد، ونشرت بعض الصحف بعضا منها . بالنسبة لي لا افكر بطبع كتاب ولا احاول تقديم نفسي كشاعرة، لكني لا استطيع اخفاء مشاعري التي تأتيني على شكل قصائد .

 

ما هي امنياتك للمرأة في يومها العالمي؟

امنياتي ان تنهض المراة بنفسها لانتزاع حقوقها وحرياتها. ان يندحر الارهاب ويعم السلام في بلادنا، وان تتحرر النساء الاسيرات عند القوى الارهابية . وان ينعم اطفالنا بحياة افضل من حياتنا التي عشنا فيها المصاعب والويلات مع ديكتاتوريات شوفينية وفاشية لا تحترم حقوق الانسان وتهمش وتغيب دور المرأة والمواطن .

 

يوسف أبو الفوز

 

لقاء مع الاعلامية والفنانة انعام عبد المجيد

inammajeedفيلم "شروق" حلم يحمل أسمه عن واقع تهميش المرأة !

لا يمكن النهوض بواقع المرأة دون مساهمة المرأة نفسها

 

انعام عبد المجيد، ابنة الكاظمية، خريجة الجامعة المستنصرية قسم الترجمة، والوجه الاعلامي المعروف، المثابرة والطموحة، والتي أعدت وقدمت العديد من البرامج التلفزيونية، غطت فيها هموم العراقيين، داخل وخارج الوطن، في كل المجالات، الثقافية والسياسية والاجتماعية، هاهي تطرق باب السينما، ليس كممثلة بوجهها الجميل ذي الملامح العراقية، وانما كمخرجة . "تابعت نشاطاتها، وتواصلت معها، وكان هذا الحوار الخاص عبر الهاتف:

 

أولا .. لك تهنئة بعرض فيلمك الروائي القصير "شروق"، كيف تصفين لنا دخولك مجال السينما من بعد ان عرفك الجمهور كأعلامية مثابرة؟

ـ في البداية اقدم جزيل الشكر لمبادرتكم .. احاول هنا الاختصار بالقول ان قرار دخول معترك السينما والاخراج تحديدا لم يكن قرارا فجائيا . ان عشقي للسينما هو حلم قديم، وتجربتي الاعلامية، في التعامل مع الكاميرا قدمت لي الكثير، وحاولت الاستفادة من اقامتي في دولة السويد فدرست السينما والعمل الاعلامي اكاديميا، وتابعت الانتاج السينمائي العالمي وحاولت تثقيف نفسي سينمائيا بطرق عديدة، وثم توفرت لي فرصة العمل كممثلة رئيسة ومساعد مخرج مع المخرج العراقي قاسم حول في فيلم "المغني" عام 2009، وممثلة رئيسة في فيلم " صمت الراعي"مع المخرج رعد مشتت عام 2014، هذه الخبرة المتراكمة وخلال فترة حوالي عشر سنوات شجعتني على اتخاذ القرار بدخول تجربة الاخراج التي اعتبرها تحد كبيرا في حياتي كأمراة.

 

وهل هذا انتقالة جديدة في حياة الاعلامية انعام، وهل ستتواصل مع العمل الاعلامي؟

ـ ان نشاطي الاعلامي لن يتوقف، ولدي مشاريع اعلامية قادمة، ورغم وجود العديد من العروض السينمائية، وسماع الكثير من الاطراء، عن مستوى تمثيلي، فاني أود التأني في اختيارتي السينمائية، واريدها ان تكون نوعية وتضيف لي شيئا في تجربتي السينمائية.

 

فيلم "شروق "، الروائي القصير، اقل من 18 دقيقة، ماذا اراد ان يقول للمشاهدين؟

ــ في كل تجاربي السينمائية، كانت مشاركتي لها علاقة بهموم وتطلعات المرأة العراقية. وهذا ليس صدفة، ففي مجمل عملي الاعلامي كنت احرص على متابعة هموم وحياة المرأة العراقية ودورها في المجتمع، فاغتنت تجربتي ومعلوماتي . في فيلم "المغني " اديت دور زوجة المغني التي ترفض الذل، وفي "صمت الراعي" دور الام التي تعاني كثيرا من الموروث الاجتماعي، من هنا فان فيلم "شروق" الذي يعالج هموم امراة عراقية خياطة،كادحة، مهمشة،،جاء استمرارا لما مر، فهذه المرأة المعزولة، في مجتمع ذكوري، تتطلع الى حياة جديدة، فيكون الحب هو وسيلتها لاكتشاف ذاتها، وتستمر احداث الفلم لينتهي الى نهاية مؤثرة لصالح المرأة .

 

هل سعى الفيلم لتقديم الفيلم هذه الافكار والرؤية عبر مقاربات رمزية او واقعية؟

ــ سعى الفيلم من خلال سرد حكاية بأسلوب واقعي لان يقدم رسائل عديدة، تحمل رموزها، فالابواب والاقفال وصدأ المرآ ة، والشبابيك المغلقة واشياء اخرى تعبر عن عزلة هذه المراة التي تعيش وحيدة مع صور اهلها الراحلين، وثم تغير ايقاع حياتها بوصول رسالة حب، فيتغير ايقاع يومها وحتى لون الخيوط وعلاقتها بالاشياء من حولها. الفيلم حاول بكل عناصره الفنية، من التمثيل والموسيقى التصويرية والاضاءه، ان يقدم رسالة عن اهمية الحب والحياة. وان المرأة ككائن بشري يجب أن تعيش حياتها السعيدة مثل غيرها خارج الجدران وبكل حرية . حاولت ان اجعل كل امراة عراقية تجد شيء من نفسها في هذا الفيلم .

 

وماذا يشكل فيلم "شروق " بالنسبة لك؟

ــ هو ليس مجرد فيلم قصير . انه حلم يحمل اسمه. انه شروق جديد في حياتي . كأمراة حاولت ان اثبت لنفسي اني قادرة على التحدي وخوض غمار تجربة ربما يظنها كثيرين هي حكرا على الرجال . استطاع فيلم "شروق" ان يكسر ترددي وشيء من الخوف وربما الرعب من خوض تجربة الاخراج السينمائي، رغم اني كنت اخرج غالبية برامجي الأعلامية بنفسي. ومهما كانت حظوظ فيلم " شروق "من النجاح فاني كأمرأة اعتقد انه نجاحي الكبير، اذ فعلت ما تحلم به نساء كثيرات ليشعرن ان لديهن قدرات فاعلة لا تقل عن الرجل في كل مجالات الحياة. فيلم "شروق" اعطاني الدروس بأني ما دمت صاحبة مباديء فعلي ان اواصل طريقي لتجاوز العثرات المقصودة وغير المقصودة .

 

وكيف تجدين في الواقع حياة المرأة العراقية، وامكانيات نيل حياة جديدة وافضل؟

ــ أؤمن بشدة بأن المرأة اساسا هي من يتحمل العبء الاول للنهوض بقضيتها، فمجتمعنا الذكوري، بكل ثقل الموروث الاجتماعي والقوانين البالية، التي تعطل وتقيد مساهمة المرأة في بناء المجتمع، لا يمكن ان ينهض بهذا وان تكاشف المرأة نفسها، وتحاول اكتشاف ذاتها وان لا تستلم للقيود لاجل تغيير الواقع .

 

ما هي امنياتك للمرأة العراقية وهي تعيش اجواء يوم المراة العالمي في الثامن من أذار؟

ــ ان اول امنياتي للمراة العراقية ولعموم العراقيين هي الامن والسلام والقضاء على العصابات الارهابية التي تدمر حياتنا وموروثنا الثقافي، وللمراة تحديدا اتمنى ان تواجه نفسها وذاتها لتعرف اهمية دورها في المجتمع، لاجل تغير واقعها وان تكون عندها رؤية واضحة لحقوقها، وهذا يتطلب بناء ذاتها وان تكون واعية لتواجه الكثير من الضغوطات حتى يمكن بناء حياة مدنية جديدة، وان تعمل ضد القوانين التي تعرقل حريتها ودورها في المجتمع وان تعمل بجد لاجل القوانين التي تخدم مساواتها بالرجل وتمنحها فضاءات اوسع بالعمل وان لا تسمح بتهميشها .

 

هل هناك مشاريع قادمة لم تعلني عنها وتخبرين القراء بها؟

ــ اقرأ نصوصا للكاتبة آمال كاشف الغطاء وفي صدد ان يكون لنا عمل سينمائي مشترك، ويمكنكم الاعلان عنها، فلاول مرة اتحدث عن هذا الامر .

لك منا الشكر والتحية مع اجمل الامنيات .

ــ الشكر لك مع، اجمل التحيات وباقة ورد معطرة بالمحبة بمناسبة الثامن من آذار.

 

فيلم شروق

روائي قصير . 18 دقيقة .

اخراج : انعام عبد المجيد

سيناريو ومساعد المخرج : سمر قحطان

تمثيل : انعام عبد المجيد، سمر قحطان، رؤى خالد، ذو الفقار خضر، علاء قحطان وغيرهم إضافة الى الطفل يوسف مكي .

أدارة تصوير وتصوير : عمار جمال

ادارة انتاج : أياد حامد

موسيقى تصويرية : دريد الخفاجي

حوار مع: د. عبدالجبار الرفاعي

abduljabar alrifai- لا خلاص إلاّ بالخلاص من "أدلجة الدين" وإعادة الدين الى حقله الطبيعي ..

كثرت الأسئلة حول الدين والدولة، وأدلجة الدين والتراث، وعن دور الدين ومجاله في الحياة، ولا سيما على ضوء ما نحياه اليوم من صعود التطرف الديني، ودعوات التحرر من سطوة السلف وتحديث الفكر الديني. أسئلة من هذا النوع الإشكالي وغيرها حملناها إلى المفكر الاسلامي العراقي والأستاذ في الحوزة والجامعة الدكتور عبد الجبار الرفاعي.

فكان هذا الحوار:

 

1- ناقشت "اختزال الدين في الأيديولوجيا"، وهذا ما أسهبت الحديث عنه في كتابك "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين"، وقدّمت كل من علي شريعتي وحسن حنفي كنموذجين لتحويل الدين من ثقافة إلى أيديولوجيا. مع الرفض لأن يختزل الدين في الأيديولوجيا، ولكن إذا تحدثنا عن الإسلام، فهو ينطوي في فكره وتراثه على تحقيق العدالة، أي أنه دين في جوهره يحمل عقيدة تغييرية، فكيف يمكن أن يكون خالصاً من التمثلات الأيديولوجية؟

- لم يكن المرحوم علي شريعتي أو الصديق حسن حنفي وحيدين في دعوتهما وجهودهما لـ"اختزال الدين في الأيديولوجيا"، بل إن البروتستانتية الإسلامية منذ ولادتها تناضل في سبيل ذلك. الخبير بأدبيات الجماعات الإسلامية يعرف جيدا أن هذه الأدبيات مسكونة بأحلام خلاصية. وهي تدرك جيدا أن مثل هذه الأحلام الكبيرة لن ينجزها سوى "أدلجة الدين والتراث". ذلك أن الأيديولوجيا نسق مغلق، يغذي الرأس بمصفوفة معتقدات ومفاهيم ومقولات نهائية، تعلن الحرب علي أية فكرة لا تشبهها، حتى تفضي الى إنتاج نسخ متشابهة من البشر، وتجييش الجمهور على رأي واحد، وموقف واحد، وكأنها تتمثل قول فرعون " قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى".

الأيديولوجيا جزمية، همها تنميط وتدجين ونمذجة الشخص البشري، لذلك تقدم جوابا واضحا لكل سؤال، وكأنها لا تدري أن أسئلة ثقيلة كأسئلة المبدأ والمصير، مالبثت منذ جلجامش مفتوحة. يتعطل التفكير حين تغلق الأسئلة المفتوحة. الأيديولوجيا تقوّضها الأسئلة المفتوحة، لذلك لا تبقي في فضائها أي سؤال مفتوح، وتحرص أن تقدم إجابات نهائية لكل سؤال مهما كان.

ما زلتُ أدرك أن الدين يهدف لتحقيق العدالة، لكن الطريق الى العدالة لا يمرّ من خلال "أدلجة الدين"، لأن "الأدلجة" تُفسد الدين، الدين يتمحور هدفه العميق حول تأمين ما تفشل الخبرة البشرية في تأمينه للحياة. الانسان كائن لا يشبه الا الانسان، وهو الكائن الذي يفتقر الى ماهو خارج عالمه المادي الحسي، خلافا للحيوان الذي لا تتجاوز احتياجاته عالمه المادي الحسي. الانسان في توق ووجد أبديين الى ما يفتقده في هذا العالم، وذلك ما تدلل عليه مسيرة هذا الكائن منذ فجر تاريخه الى الآن، بل أزعم أن هذه الحاجة مزمنة، وستستمر حتى آخر شخص يعيش في هذا العالم. وهو ما يمكن تسميته بـ" الظمأ الانطولوجي". يتمثل "الظمأ الانطولوجي" في افتقار الشخص البشري الى ما يُثري وجودَه، وهو يجتاح حياةَ كل كائن بشري، بوصف هذا الكائن يتعطش للامتلاء بالوجود، كي يتخلصَ من الهشاشة، ويجعلَ حياتَه ممكنةً في هذا العالمِ الغارق بالمتاعب والأوجاع، وتكونَ له القدرةُ على العيش بأقلَ ما يمكنُ من المرارات، ويخرجَ من حالة القلق الى السكينة، ومن اللامعنى الى المعنى، ومن العدمية الى الحقيقة. الدين هو المنهل لإرواء الظمأ الانطولوجي. وحين يرتوي الشخص البشري، تخمد نزعة الشر المتأصلة في ذاته، ويكفّ عن العدوان وكراهية الآخر. مادامت كينونة الكائن البشري في تعطش لمعنى وجوده وهدفٍ لحياته، ولم يعثر على المنهل الحقيقي لذلك المعنى، والسبيل لبلوغ ذلك الهدف، يغرق في اللامعنى والعدمية ولاجدوى الحياة والعالم وكل شئ، فيغدو كقنبلة موقوتة؛ تتفجر لحظة إشعال صاعقها. مادام المرء يكتوي بعذاب العدمية واللامعني تترسخ على الدوام النزعة التدميرية في شخصيته، ويصير مستعدا لكل ما من شأنه الهدم لا البناء، الموت لا الحياة، والظلام لا النور.

 

2- ماالذي تعنيه بـ "البروتستانتية الاسلامية"؟

- البروتستانتية هي "حركة الاصلاح الديني في الكاثوليكية"، التي قادها مارتن لوثر. "البروتستانتية الإسلامية" هي "حركة أدلجة الدين والتراث في الإسلام الحديث والمعاصر"، التي يمكن أن نؤرّخ لها بولادة الاخوان المسلمين.

البروتستانتية المسيحية والاسلامية كلتاهما تشتركان؛ بإنهاك الدين، وإفقاره ميتافيزيقيا، وخفض طاقته الروحية، وإهمال قيمه الأخلاقية، والتشديد على مضمونه الدنيوي الأرضي، لكن البروتستانتية الاسلامية مختلفة عن المسيحية، فالبروتستانتية المسيحية حرّرت الدولة من الدين، والبروتستانتية الاسلامية أفشلت الدولة بالدين، وسمّمت الدين بالدولة.

 

3- ما سبق يحملنا للسؤال عن الدين ودوره في حياة الإنسان؟ وما مساحته ومجاله، وما الحدود التي يتوقف عندها؟ وهل تنحصر وظيفته في منح الحياة معنى على مستوى فردي أي الباطن الإنساني؟

- إن هذه الرؤية لوظيفة الدين؛ لا تدّعي أن الدينَ ليس مؤثراً في الفاعل الاجتماعي، وإنما هي تؤشر بوضوح لأفق الانتظار من الدين، ونمطِ المهام التي يعد بها. فإذا عمل الدين في حقله الحقيقي، وأنجز وعودَه التي يقدّمها للبشر، آنذاك يشبع الشخص البشري حاجته لخلع المعنى على ما لا معنى له، ويرتوي تعطشُه للوجود، وتلهفه الانطولوجي، فيصبح ممتلئاً متوازناً، إيجابياً سوياً، لا ينهكه القلق، وفقدانُ معنى الحياة.

يروي لنا علي شريعتي مثلا مأساة عشرات الآلاف من العمال، الذين تهشمت ضلوعهم تحت حجارة الإهرامات، بينما لا يدري أن ضلوعنا مهشمة أيضا، وأننا يجتاحنا: القلق، اليأس، الاغتراب، الضجر، السأم، الألم، الحزن، الغثيان، فقدان المعنى، ذبول الروح، انطفاء القلب، الجنون...الخ. إنه كمن يضع بأيدينا مصابيحَ شديدةَ الإنارة، ليكشف لنا بؤس العالم، لكن عالمنَا الجواني الباطن يظل مجهولاً مهملاً. لم يتنبه شريعتي إلى أنه؛ لا ينبغي لنا أن نطاردَ ظلامَ العالم، فيما نحن نجهل ظلامَ أنفسنا، ونتضور لجوع العالم، ونحن لا نشعر بجوع أنفسنا، ونحترق لظمأ العالم، ونحن لا نتحسس الظمأَ الأنطولوجي في ذواتنا...الح. ما فائدةُ أن يغدو العالم سعيداً إن لم أكن أنا قبل ذلك سعيداً ؟! ما فائدة أن يغدو العالم جميلاً إن لم أكن أنا قبل ذلك جميلاً؟! "ما فائدة أن تربح العالم وتخسر نفسك"، حسب قول السيد المسيح؟!

 

4- في اللحظة الراهنة كيف يمكن الانفتاح على الدين؛ بما يملك من خصوبة للخلاص من الطغيان والفساد، خاصة وأنتم تعلمون أن فكرة الدولة الوطنية الحديثة في العالم العربي غير ناضجة، فما نسميه بالدول عندنا أقرب ما يكون للسلطة؟

- مأزق الإسلام اليوم هو انهيار الحياة الروحية والأخلاقية والعقلية، وما نعيشه من شقاء للعقل والقلب والروح. وهذا هو المآل الطبيعي لما أفضت إليه جهود البروتستانتية الإسلامية في عملية "تديين الدنيوي".

لا خلاص إلا بالخلاص من "تديين الدنيوي"، وإعادة الدين الى حقله الطبيعي. ومن دون ذلك ننهك ما هو ديني، ونبدّد ما هو دنيوي. بمعنى أن تمام الدين و كماله ليس بمعنى استيعابه وشموله لكل شئ في الدنيا, وانما بمعنى أن الدين لايعوزه ولا ينقصه شئ فيما يرتبط بأهدافه وغاياته في بناء الذات البشرية خاصة، ورفدها بما تفتقر إليه الخبرة البشرية في سياق عالمها الحسي المادي. أما ما يؤمّنه العقل، وما تنجزه الخبرة البشرية فلا ضرورة لإقحامه في الدين، أو إقحام الدين فيه.

البروتستانتية الإسلامية شددت على أن يختلط كل شئ بكل شئ .. يختلط الدين بالعلم، والعلم بالدين، يختلط الدين بالدولة والدولة بالدين، يختلط الدين بالفن والفن بالدين، يختلط الدين بالاقتصاد والاقتصاد بالدين .. مضافا الى أن السياسية انحطت في مجتمعاتنا فتغولت، والتهمت الدين والاقتصاد والفكر والأدب والفن والرياضة، فلم يعد الدين ديناً، ولا الاقتصاد اقتصاداً، ولا الفكر فكراً، ولا الأدب أدباً، ولا الفن فناً، ولا الرياضة رياضة.

نحن بحاجة ماسة لعبور ميراث شريعتي، مثلما عبره وتجاوزه التفكير الديني في إيران، وجعله خلفه منذ سنوات طويلة. بل نحن بحاجة ماسة لعبور التفكير الديني للمفكرين الأيديولوجيين من رواد البروتستانتية الإسلامية في عالم الاسلام في القرنين الأخيرين. ذلك أن مجتمعاتنا مسكونة بنحت الأصنام البشرية، فالزعيم السياسي أو غيره؛ سرعان ما يتحول في الوجدان الشعبي الى أسطورة خارقة للطبيعة البشرية، فيصاب هو بجنون العظمة، ويصدّق أنه أضحى أسطورة، وأنه "الرجل الضرورة!".. وإن أخطر أنماط الأصنام البشرية هي التي تولد في حقل الفكر، فحين يتحول المفكر الى صنم، وقتئذ يكفّ العقل عن التفكير. التفكير الديني مطالب اليوم بالانتقال "من الأيديولوجيا الى الابستمولوجيا"، ومن "تحويل الدين الى أيديولوجيا"، كما يشدّد المرحوم شريعتي، الى "اكتشاف الوظيفة الأنطولوجية العميقة للدين". متمنيا أن يتسع وقتكم لمطالعة مقالتي في العدد القادم لمجلة "الكوفة" المعنونة: "المثقف الرسولي علي شريعتي: ترحيل الدين من الأنطولوجيا الى الأيديولوجيا"، التي تشي بموقفي الراهن من تلك الوجهة في التفكير الديني في عالم الاسلام الحديث والمعاصر، والتي ساقتنا الى ما نحن فيه اليوم من شقاء للعقل والقلب والروح.

 683-rifaei

5- تشدّدون على مراجعة الماضي ونقد التراث، والتحرر من سطوة السلف، في كتاباتكم. هل تحسبون ذلك منطلقا لتحديث التفكير الديني؟

- "تبرئة الذات" وتنزيهها عامل حاسم في عجز الشخص البشري عن عبور الماضي. وتعود منابع ذلك الى "لاهوت الفرقة الناجية"، والتربية على "تنزيه الذات"، وعدم "الاعتراف بالخطأ". كأننا كائنات كاملة لحظة ولادتها، كأن كل شخص في مجتمعاتنا هو "انسان كامل"، وسيلبث كاملا أبدا. لم تكفل ثقافتنا "حق الخطأ" للشخص البشري. الخطأ فضيحة في حياتنا، لذلك يحرجنا، بل نرتبك ويغمرنا الخجل والوجل لو اعترافنا به. أفضى هذا الى أن يغدو تراثنا كله صوابا، وماضينا كله مشرقا، وتاريخنا كله مجيدا، ورموزنا كلها مقدسة..الخ. ربما لا توجد ثقافة غارقة بالثناء والتبجيل للتراث ورجاله كثقافتنا. ربما لا توجد لغة مشبعة بالمناقب والمديح للماضي ورموزه كلغتنا .. مَنْ يفشل في صناعة التاريخ يعشق تمجيده وأسطرته وتخليده.

وربما لا يوجد متخيل لماضٍ كماضينا، إذ يعيدُ ماضينا نفسه؛ بإعادة إنتاج نصوصه ذاتها اليوم، ففي السياقات ذاتها تتكرر النصوص الماضية في الحاضرة؛ بكلمات بديلة وصياغات جديدة.

تجلت الآثار التربوية لذلك في أن للمرء في مجتمعاتنا شخصية مستعارة، يرتدي بها قناعاً في كل موقف نيابة عن غيره، وعجز المرء عن أن يكون ذاته، لا كما تريد له التقاليد والقيم الاجتماعية أن يكون. كما تجلّت في تفتيش الشخص البشري على الدوام عن عوامل خارجية لفشله، والتنكر لأي سبب للفشل من داخله. فهو يعتذر مثلا عن رسوبه؛ بأن: "المعلم عدوه"، وليس كسله وإهماله هو ما تسبب برسوبه. وعن تأخره عن السفر؛ بأن "الطائرة غادرت وتركته"، وليس هو من تأخر عن موعدها ..الخ.

وهكذا ترسّخت ظاهرة تبرير كل تخلف في مجتمعاتنا، بوصفه مؤامرات كونية تستهدفنا على الدوام. الآخر سبب تخلفنا، الآخر سبب فشلنا، الآخر سبب هزيمتنا في معاركنا، الآخر سبب ظهور الجماعات المتطرفة الإرهابية في مجتمعاتنا، الآخر سبب صراعاتنا الطائفية، الآخر سبب كل ما لا سبب له.. الآخر سبب يغذي نرجسيتنا المزمنة. نرجسيتنا تملي علينا أن نعتذر عن كل ما تصرّح به مدونات التاريخ؛ من تعسف واضطهاد وطغيان الخلفاء والسلاطين، رغم انه لم يكن في الرعية شخص حرّ سواهم، أما بقية أفراد المجتمع فظلوا على الدوام عبيدا لهم. نرجسيتنا تدعونا للتنكر لموجات الحروب الأهلية الطائفية المرعبة في بغداد مثلا في العصر العثماني، والادعاء أن الطائفية مخلوق غريب لا يعرفه تاريخ العراق، وإنما ظهر بعد سقوط صدام حسين ونظامه!

ومما لا ريب فيه أن كل من لا يعترف بأخطائه؛ سيُرغمه التاريخُ على استئناف تجرع كؤوس هزائمه في الماضي. من لا يعترف بأخطائه لا يتعلم. التاريخ لا يُعلّم الا من يعترف بأخطائه.

من نتائج "تبرئة الذات" أننا لا نعثر على مذكرات تسجل مسيرة تجارب الأعلام والمشاهير في تراثنا، لئلا تبوح بضعفهم البشري، ماخلا حالات نادرة، مثل كتاب "الاعتبار"، الذي ألفه أسامة بن منقذ المتوفى ٥٨٤ هـ. ودوّن فيه سيرته الذاتية، غير أنه لم يكتبه الا بعد مضي ثمانين عاما من حياته. في العصر الحديث مازال كتّاب المذكرات خارج فضاء الحواضر والحوزات الدينية عادة، وحتى أولئك الأدباء والمثقفين والسياسيين الذين ينشرون مذكراتهم، فإنهم في الغالب يمضغون الكثير من التفاصيل الجميلة، التي تؤشر لتطور منحنى شخصياتهم ومنعطفاتها، وضعفهم البشري، وما اكتنف حياتهم من؛ ألم وأمل، ونجاح وفشل، وضعف وقوة، وقلق وطمأنينة، وإيمان وحيرة..الخ. وعادة ما يلوّنون ماضيهم الشخصي بألوان جذابة، تتغافل عن الكثير من الأخطاء والهشاشة والعجز. قبل سنوات طالعت مذكرات الشاعرة نازك الملائكة، بتحرير حياة شرارة، فكانت كأنها قصيدة غزل تتغنى فيها بشخصيتها وعائلتها. شعرت بالغثيان؛ لفرط نرجسيتها وشعورها بالتفوق. وعجزها عن إعلان شئ من صوت الشاعر المتوهج القلق في ذاتها. وهواجس وخلجات وأحلام وأوهام الرائي في وجدانها. وتكتمها على العجز الطبيعي في شخصية كل كائن بشري. لكن ربما نجد من يشذّ عن هذه الحالة، مثل الروائي سليم مطر كامل الذي كتب سيرة تفضح "ثقافة العيب"، وتعلن عن "مذكرات رجل لا يستحي" حسب تسمته، تصرخ حياته فيها بعنفوان وضجيج، وتتكشف شخصيته عن منحنى تمزقها وهبوطها وصعودها، بشكل صادم لوعي القارئ في مجتمعاتنا.

 

6- تدعو لإحياء واستلهام ميراث الفلاسفة والمتصوفة والعرفاء كمحيي الدين بن عربي ومولانا جلال الدين الرومي وغيرهما، كعلاج للشفاء من أدبيات الكراهية ومناهضة الآخر. كيف تفسّرون هذه العودة للتصوّف اليوم؟ وهل فعلاً يمكن أن يشكّل شفاءا للآلام التي نعاني منها، علماً أنه يؤخذ على التصوف عموماً الاعتناء بالخلاص الفردي؟

- الالتباس ينشأ من الخلط بين التصوف الطُرُقي، والتصوف المعرفي والعرفان النظري. التصوف الطُرُقي "الاجتماعي" هو تصوف الدروشة والخانقاهات والتكايا والزوايا. هذا النمط من التصوف مرآة لتشوهات وعاهات المسلمين العميقة، إذ ترتسم فيه صورة تشوهات وعاهات التجربة التاريخية لعصور انحطاط الاسلام، وتخلف المسلمين وجهلهم. مثل؛ التربية على نفسية العبيد، وذهنية القطيع، والمسكنة والانقياد والرضوخ والطاعة العمياء لمشايخ الطرق الصوفية، والهروب من المجتمع، والتنكيل بمتطلبات الجسد، والتضحية بالغرائز والحاجات الطبيعية للبشر..الخ.

هذا ما تفشّى في تصوف الدراويش، تصوف الخلاص الفردي. أما التصوف المعرفي "الفلسفي" والعرفان النظري فإنه أنتج قراءة للنصوص خارج إطار المناهج وأدوات النظر الموروثة، التي اخترعها الشافعي والأشعري وغيرهما، ثم أضحت مقدسة، ومنح المسلم أفقا رحبا في التأويل، وإنتاج قراءات تتوالد منها على الدوام قراءات حية، في فضاء يواكب متغيرات الحياة..والخلاص من توثين الحروف وإهدار المقاصد، والتمسك بالأشكال ونسيان المضامين، والغفلة عن الحالات والغرق في الصفات.كما أعاد التصوف المعرفي "الفلسفي" والعرفان النظري الاعتبار للذات المستلبة، والعالم الجواني المطموس للشخص البشري، وعبّد دروب القلب في رحلته الأبدية نحو الحق تعالى، وانشغل بإرواء الظمأ الانطولوجي للروح.

 

7- بوصفك استاذا في الحوزة، ما موقفك من النظام التعليمي في الحوزة، والمرجعية التقليدية؟

- كنت قبل أكثر من ثلاثين عاما ممن ينتقدون النظام التعليمي في الحوزة، والمرجعية التقليدية، لكن بعد تجربة تواصلت في الحوزة منذ 1978، وعلاقة عضوية بالدراسة والتدريس فيها، أدركت أن عملية إصلاح النظام التعليمي انغمست بالشكل وأهملت المضمون، أعنى: جرى توطينٌ لنظام التعليم الجامعي في الحوزة بأسلوب تبسيطي، يفتقد العمق والتكثيف. نعم؛ أُطر التكوين الموروثة الراسخة في الحوزة تتضمن عيوبا متعددة، وتُهدر فيها سنوات طويلة من أعمارنا، غير أنها تتكفل بتكوين عميق دقيق في المنقول والمعقول، يمنحنا أهلية استثنائية للتوغل في التراث، واستكشاف مسالكه ومدياته المتشعبة القصية.

أما المرجعية التقليدية، فقد تحوّل موقفي حيالها منذ أكثر من ربع قرن، بعد أن تفهمتُ أن حضورها ضرورة تفرضها متطلبات اجتماعنا اليوم. ذلك أن مجتمعاتنا مازالت في "مرحلة ماقبل الحداثة"، بل يمكن توصيف بعضها بأنها "مجتمعات ما قبل الدولة الحديثة". والمرجعية التقليدية في مجتمع ينتمي الى الماضي بكل ما فيه، أهم نقطة ارتكاز في العواصف والمنعطفات العظمى التي تعصف بها، مثلما تشاهد في العراق منذ الاحتلال الامريكي. ولك أن تراجع مواقف مرجعية السيد السستاني في هذه الحقبة، ودورها الحاسم والمحوري منذ 2003 الى سقوط الموصل وغيرها بيد داعش 2014، فلولا مواقفها الحكيمة؛ لغرقنا أعمق مما نحن فيه اليوم في الفوضى والدم المسفوح.

 679-rifaa

8- أنت تقدم نقدا للسلفية والجماعات الإسلامية، ومهادنة أو مجاملة للمرجعية في المقابل. هل يعود ذلك للسياقات والظروف الخاصة في العراق وإيران، وماتتمتع به المرجعية من سطوة وقدرة على الحشد؟

- مرجعيات النجف وقم والزيتونة والقرويين ليست سببا للمأزق الذي نغرق فيه اليوم، ذلك أنها مشتقة من الاجتماع الإسلامي نفسه، وهي تتحرك وتنمو وتتطور في ضوء المنطق الذاتي لهذا الاجتماع وسياقاته الخاصة، ولا تمثل تمردا وانشقاقا عليه. مأزقنا يتمثل في الانشقاق على الاجتماع الاسلامي الراسخ، الذي يعمل على نحر هذا الاجتماع وتمزيقه. وهو ما نشاهده كل يوم في مآلات داعش وشقيقاتها.

طوال تاريخ الاجتماع الاسلامي لبثت المرجعيات الدينية في الاسلام فاعلةً ومتفاعلةً. ولم يحكي لنا تاريخُنا القديم أو الحديث أنها مثّلت في مرحلة ما مأزقا للأمة. مرجعية النجف قاتلت الانجليز سنة 1914 حين دخلوا العراق محتلين؛ دفاعا عن دولة الخلافة العثمانية، بوصفها تحمل راية الإسلام، بالرغم من أن دولة الخلافة هذه ظلت تضطهد الشيعة وتهدر حقوقهم في العراق قرونا عديدة،كما تحكي لنا تواريخ تلك الفترة.

 

9- هل تتفق مع من يقدّم طرحا علمانيا للدين من داخل الدين، أو ما يسمى بـ"العلمانية المؤمنة"؟

- أرفض توصيف "علماني"، ذلك أنه يشي بحكم قدحي. الناس مرضى بالتصنيف ووضع اللافتات. لا أقبل أن أصنف نفسي تبعا لمصطلحات، مثل: يسار إسلامي، يمين إسلامي، ليبرالي إسلامي، ديمقراطي إسلامي، اشتراكي إسلامي، علماني إسلامي، علمانية مؤمنة...ألخ. يؤسفني أننا نخلط كل شئ بكل شئ .. هذا خلط شاع في مرحلة ماضية، بل هي موضة تفشت في بعض الأدبيات الاسلامية منذ منتصف القرن الماضي. ومازالت بقايا صدى منها تتردد في مصطلح "علمانية مؤمنة"، وهو تعبير الصديق السيد محمد حسن الأمين، أو " يسار إسلامي" كما تحلو التسمية لصديقنا د. حسن حنفي..

أنا مسلم مؤمن، متيم بحب الله والانسان والعالم. أؤمن بالله ونبيه وكتابه الكريم، وما جاء به النبي "ص". وأؤدي الصلاة والفرائض، طبقا لما نصت عليه الشريعة.

الكلمات أحكام. الكلمات حساسة. الكلمات معبأة بطاقتها الخاصة للمعنى. نهدر المعنى ونبدده، لو عبثنا بمواضعاتها، وحاولنا تبذير المعنى في تركيبها مع كلمات لا تنتمي الى مجالها التداولي، واستعملناها في سياقات لا تشبهها.

توصيف "علماني مؤمن" أو "مؤمن علماني" يشي بجمع مفهومين لا ينتميان الى سياق واحد، فالعلمانية كما تستعمل اليوم بإسراف في أدبيات الجماعات الاسلامية، تنصرف في فهمهم؛ الى شبكة مفاهيم ومواقف مناهضة للدين، بل هي شتيمة تطلق على كل من لا يتبنى رؤاهم ومواقفهم. ولعلها تؤشر في مضمون تلك الأدبيات الى الحكم بإخراج الشخص الموصوف بها من الملة.

 

10- لماذا لا يصح أن يكون أحدنا علمانيا مؤمنا. فهو مؤمن بالله ورسوله وكتابه؟

- أنت حددت إيمانه بقولك: "هو مؤمن بالله ورسوله وكتابه"، ومعنى ذلك؛ أنه ليس مخيرا في تبني أية صيغة للطقس الذي يوصله الى الله. ففي كل رسالة هناك تقليد خاص للطقس والعبادة؛ مشتق منها، ومتسق مع نمط الايمان الخاص بها.

وبتعبير أوضح: مثلما أن للإيمان أنماط، وهذه الأنماط تتنوع وتتعدد بتعدد الرسالات، فإن الطقوس والعبادات تتنوع تبعا لها. مع احترامي لأتباع الأديان، لكل دين تقليدُه وطقسه الخاص في وصال الحق، الذي يُنهَل منه نمطُ إيمان أتباعه. فلا يصح أن تكون مسلما، وتؤدي القداس مع المسيحيين؛ تبعا لتقليد الطقس الكنسي، بدلا من الصلاة. أو أن تكون مسيحيا وتؤدي الصلاة في المسجد؛ تبعا لتقليد العبادة الاسلامي، بدلا من القداس في الكنيسة.

من هنا لم يحدثنا التاريخ عن أن الشيخ محيي الدين بن عربي أو مولانا جلال الدين الرومي أو غيرهما من أعلام المتصوفة والعرفاء كانوا يؤدون قداساً في كنيسة. وهكذا لم نسمع عن مشاهير المتصوفة والقديسين المسيحيين انهم يؤدون صلاة في مسجد. لقد شدد المتصوفة والعرفاء المسلمون على ضرورة التطابق في البداية والنهاية بين "الشريعة والطريقة والحقيقة"، في مدارج سلوكهم وتجاربهم الروحية. فالشريعة تؤدي الى الطريقة، والطريقة تؤدي الى الحقيقة. ولايمكن تحقق الثانية بدون الأولى، مثلما لايمكن تحقق الأخيرة بدون الثانية.

11- أريد أن أستفيد من هذا اللقاء لتناول موضوع الحوزة الدينية، وقد ذكرتم مراراً أن تحديث الحوزة لا يتم إلا عندما ينطلق من الحوزة نفسها، وليس من خارجها، وذلك كي لا يفتقر التحديث للمشروعية. كأستاذ في الحوزة الدينية، إلى أي مدى لمستم تغييرات وقيام إصلاحات جديّة فيما يتعلق بتغيير المناهج والأدوات والمفاهيم ومن ثم قيام رؤى جديدة في التعاطي مع قضايا الراهن والتجديد الديني والحفريات في المعرفة الدينية، بالاستعانة بفلسفة العلم والعلوم الإنسانية الحديثة والمعاصرة؟

- الحوزة واحدة من مؤسسات المجتمع، تطورها لا ينفصل عن العالم البشري المتنوع الواسع، فهي ليست خارج الزمان والمكان الأرضيين، وليست عابرة للتاريخ الانساني، و تغيير عالمنا والمجتمعات البشرية لم يعد محكوماً بالأساليب والوسائل الموروثة، بل تجاوزت المجتمعات النمط الذي ظل فيه التاريخ تصوغه الايديولوجيات والأفكار والدعوات والمفكرون والأبطال، بعد انزياح عالمنا لصالح العالم الافتراضي، وسطوة تكنولوجيا المعلومات على كل ما يتصل بتدبير الشأن الدنيوي، وإعادة تشكيل الاجتماع البشري في سياق مختلف. وما تفاجؤنا به هندسة الجينات من نتائج، ربما تتخلخل فيها الشفرات الوراثية للنوع الإنساني، فضلا على غيره من الأحياء. إنها ترسم صورة بديلة لنموذج من بني آدم، قد تبتعد بالتدريج عن الخصائص المألوفة لدينا، حسبما أنبأنا اكتشاف الخارطة الجينية، والقدرة على التحكم بالـ"DNA"، وما سيفضي اليه من تنميط للنوع البشري. مضافا الى ما تعد به تكنولوجيا "النانو"، وغيرها من آفاق متنوعة للتكنوجيا. ولا تبدو الوتيرة المتسارعة للتحولات المناخية، وما ينجم عنها من كوارث طبيعية غير متوقعة، أقل أثراً في تفكيك بنية المجتمعات وتحولاتها. اما المشكلة الديمغرافية واختناق بلادنا بتكاثر عشوائي للسكان، والعجز عن توفير الحدّ المناسب للعيش الكريم لهم، فإنه يضعنا في مأزق مصيري، تتعطل معه المجتمعات وتتهشم مرتكزاتها وعناصر بقائها وديمومتها.كل ذلك يعيد ترتيب العناصر الفاعلة في بناء المجتمعات، ويخضع العوامل الأساسية التقليدية في حركة المجتمع الى تسلسل مغاير، تضمحل أو تختفي معه بعض العوامل المؤثرة، بينما يتعاظم تأثير عوامل ثانوية أو جديدة، وتنتظم الأولويات في نسق بديل، بعد المتغيرات النوعية الجديدة، وما تفرضه من آثار وحقائق غير معروفة.

العالم يتبدل من حولنا. العالم يتغير من حولنا. العالم يتطور من حولنا. الصمت لا يعزلنا عن العالم. لا يسمح لنا منطق التاريخ أن نبقى متفرجين في عالم يتغير فيه كل شئ. لا خيار لنا؛ سوى مواكبة متغيرات العالم، والاستجابة للإيقاع العاجل لوتيرة التطور. ومع أن ماضينا يطمح الى أن يتخفّى دائما في حاضرنا ومستقبلنا، لكن مكر التاريخ سيبتلعه، وتسحبنا قاطرة التاريخ الهائلة في مسيرتها. ففي "دراسة حكومية أميركية أجريت مؤخرا تبيّن أن 65 في المائة من الطلاب، في مرحلة رياض الأطفال، سيعملون في وظائف غير موجودة حاليا، بل سيتم استحداثها. وفي دراسة لجامعة أكسفورد تبيّن أن 47 في المائة من الوظائف الحالية في جميع المجالات الرئيسية ستختفي؛ بسبب التقدم التقني والتكنولوجي، إذ ستحل الأجهزة محل البشر، وذلك خلال عقد من الآن فقط .. وأن أكبر 500 شركة عالمية قبل 40 عاما، كانت أصولها المرئية تمثل 80 في المائة من إجمالي الأصول، لكن اليوم أصبحت الأصول غير المرئية، كالأبحاث والدراسات والاختراعات، تمثل أكثر من 80 في المائة من إجمالي الأصول في قائمة الشركات الـ500 الأولى عالميا"( صحيفة الشرق الأوسط 4-2-2015). هذا ضوء يكشف عن صورة عالم الغد. فهل ننتمي لهذا العالم، أو ننتمي لعوالم خارج عالمنا؟! وكيف يتغير كل شئ في هذا العالم، فيما نلبث نحن نكرر أنفسنا؟!

 

12- كيف تلخص رؤيتك لتحديث التفكير الديني؟

- لا يمكن تخطي القراءة الموروثة للنصوص، وإنتاج قراءة تواكب العصر، مالم نعيد النظر بالبنية التحتية لتفسير النصوص، ونتخطى آليات النظر والمناهج الموروثة. أية بداية لتحديث التفكير الديني لا تبدأ بعلم الكلام، ومسلماته وقبلياته المنطقية والفلسفية، فإنها تقفز الى النتائج دون المرور بالمقدمات. تجديد الفقه ينبني على تجديد علم الكلام، ذلك أن خلفيات الفقه مسلمات ومقولات تحددها الرؤية الكونية، وحقلها هو علم الكلام.

هنا لابد من الاشارة الى ضرورة التفكير جديا بتحديث اللغة في الدراسات الدينية. اللغة مرآة حياة المجتمع في كل عصر. البيئة الفقيرة لغوياً فقيرة عقلياً. خصوبة اللغة وثراؤها؛ بقدر ماتقتل التفكير السطحي الملتبس، فإنها تحيي التفكير العميق الدقيق المنظم. حين تشيخ اللغة ويصيبها الوهن؛ تنضب فيها طاقة الأسئلة الكبرى، وتتفشى فيها كلمات واهنة، وعبارات هشة؛ تقول كل شئ، من دون أن تقول شيئاً له معنى. التحليل اللغوي يتيح لنا اكتشاف أنماط المعتقدات والقيم والمفاهيم والحوافز العميقة الموجهة لحياة المجتمع في ذلك العصر.

البحث اللغوي عند الأصوليين والفقهاء بلغ سقفا توقف عنده، وما يقال فيه ليس قولا جديدا، وانما هو شروح وتعليقات وشروح للشروح، وتفاصيل في التشعبات، وتفريعات داخل الفروع. ما يعدنا بأفق جديد؛ هو استيعاب المعطيات الراهنة في الألسنيات والهرمنيوطيقا وعلوم الدلالة والرموز، وتوظيفها في الدراسات الدينية.

 

13- هل أنجزت شيئا من وعودك في "تحديث التفكير الديني"، عبر المجلة التي أصدرتها "قضايا اسلامية معاصرة"، منذ عشرين عاما تقريبا، وما أصدره "مركز دراسات فلسفة الدين". المركز الذي أعلنت عن ولادته ببغداد سنة 2003، بعد عودتك من المنفى الى وطنك؟

- بقعة الضوء مهما كانت صغيرة تفضح الظلام. سيظل ضوء الأفكار الجادة المنفتحة على الحاضر والمستقبل يفضح الظلام الذي يستبدّ بعالمنا .. أدركت قضايا إسلامية معاصرة لحظةَ صدورها، أنّ التفكير الديني في دنيا العرب تحتكره؛ المؤسساتُ الدينية من جهة، والجماعاتُ الإسلامية من جهة أخرى. المؤسّسات الدينية تواصل ترسيخَ التقليد والبناء على ما كان، لا ما ينبغي أن يكون، والجماعات الإسلامية لا تنتمي للتقليد روحا؛ بقدر ما تنتمي إليه شكلا وصورة وشعارا، ذلك أن مؤسّسيها وكتّابها لم يتكرّسوا بتكوين تراثي تقليدي، ولم يتسلحوا بأدوات تمكّنهم من الخوض في حقول الموروث الواسعة المتنوعة. فلا يعرفون شيئا في الغالب عن المعارف العقلية، كالمنطق والفلسفة وعلم الكلام، ولم يتوغلوا في أصول الفقه ومسالك الفقهاء المتشعبة في الاستنباط الفقهي. أما خبرتهم بالتفسير، فإنها مبسّطة، لا تعدو سوى محفوظات يجري تلقينُها في أدبياتهم. وكلّ ما يتصل بالعرفان والتصوف وميراث الحياة الروحية يخاصمونه، تبعا لمنظّريهم، بلا اطّلاع على مضامينه الخصبة. ويتفننون في ابتكار شعارات تبسيطية تعبوية حالمة، ذات تأثير سحري في تجييش المراهقين والشباب.

جاء صدور هذه الدورية إيذانا بتدشين مسار جديد لتحديث التفكير الديني، يستلهم أفقا يضئ لنا ما ينبغي أن يكون، بدل أن نلبث الى ما لا نهاية فيما كان. أفق لا يدعو لإقصاء الدين، بل يشدّد على أن الدينَ هو منطلق أية عملية للنهوض والتنمية والتحديث في مجتمعاتنا، يكون رأسمالُها ومادتُها المحورية الشخصَ البشري؛ كيفيةَ تربيته وتأهيله روحيا وأخلاقيا، وأن الدين هو المنبع الأساس في بناء حياته الروحية، وتطهير حياته الأخلاقية، وحماية الكائن البشري من الاغتراب الكوني، والقلق الوجودي، والعبثية، واللامعنى.

لقد كان لمجلة قضايا إسلامية معاصرة مقاربتها لمأزق التفكير الديني في عالمنا المعاصر، سعت من خلالها لتجاوز التبسيط، والقطيعة مع حالة الغرق في الماضي وأسيجته المنيعة، فغامرت باجتراح تفسير لا يخشى توظيف معطيات العلوم الإنسانية والمعارف الجديدة في قراءة النصوص الدينية، ولا يمتنع من الإفادة من خبرة فلسفة الدين الحديثة والمعاصرة في الكشف عن جوهر الدين، ونمط التجارب الدينية. وانتقلت بدراسة وتحليل ما يرتبط بالدين وتعبيراته في الحياة من الآيديولوجيا الى الإبستمولوجيا، فلم تدرس الدينَ بعقلية لاهوتية، ولم تنقد علمَ الكلام بعقلية كلامية. واهتمت بالكشف عن المهمة المحورية للدين في إرواء الظمأ الأنطولوجي للكائن البشري، وحرصت على ضرورة عودة الدين الى حقله الأنطولوجي، بعد أن رحّلته الجماعاتُ الإسلامية الى الآيديولوجيا، وحوّلته الى وقود يحترق في عربة السياسة، وزجّته في الدولة؛ فأفشلت الدولةَ، وأمرضت الدينَ، وأفسدت رسالتَه.

وهذا ما دعى"المعهد البابوي في روما" التابع للفاتيكان الى أن يخصص كتابَه السنوي لمواد منتقاة من مجلة قضايا إسلامية معاصرة، الذي صدر في ديسمبر 2012 ؛ اعترافا بالمهمة التي نهضت بها قضايا إسلامية معاصرة في تحديث التفكير الديني في ربع القرن الأخير، وبوصفها الدورية الأهم المتخصصة في الأديان باللغة العربية، الرائدة في اقتحام الحقول الممنوعة في التفكير الديني، واجتراح سؤال لاهوتي جديد، والعمل على كشف قصور مناهج النظر والمقولات الموروثة في ذلك التفكير اليوم، وتدشين مناهج للنظر وأدوات بديلة فيه، تواكب إيقاع الحياة الشديدة الغنى والتحوّل والتطور والتركيب.

أما "مركز دراسات فلسفة الدين" فقد تأسّس في المنفى، ودشّن جهوده في البحث والطباعة والنشر قبل عشرين عاما تقريبا، لكن إشهاره تأخر حتى عودتي من المنفى للوطن. منذ ذلك التاريخ أصدر المركز مضافا الى مجلته الفصلية "قضايا اسلامية معاصرة" سلاسل كتب عدة ، تجاوز عدد ما صدر فيها 200 كتابا. تناولت القضايا الإشكالية في التفكير الديني. وبدأ العام الماضي 2014 بإصدار "موسوعة فلسفة الدين"، التي صدر مجلدها الأول في 500 صفحة، والمجلد الثاني تحت الطباعة في 600 صفحة. وستصدر بقية المجلدات تباعا في هذه الموسوعة، حيثما يتم تحريرها، ونخطط أن تستوعب كل مسائل فلسفة الدين، في عشرة مجلدات. وهي تضم مساهمات لفلاسفة دين وباحثين عن الألمانية والانجليزية والفرنسية والفارسية، بموازاة النصوص العربية، بالرغم من شحة الأخيرة.

مع العلم ان مركزنا هو أول مركز أبحاث يتخصص بفلسفة الدين في المجال العربي. قلما نعثر على كتابات عربية جادة في هذا الموضوع البالغ الخصوبة والحيوية، والضروري لفتح آفاق بديلة لتحديث التفكير الديني، وبناء الحياة الروحية والأخلاقية الحقيقية الأصيلة.

بعد 12 سنة من جهود مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد وإصداراته المتنوعة، ومجلته "قضايا إسلامية معاصرة"؛ قرّرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إدراج "فلسفة الدين" في المقررات التعليمية لأقسام الفلسفة في الجامعات العراقية.كذلك تناولت مجموعة رسائل ماجستير ودكتوراه هذا الموضوع ومسائله المتنوعة في السنوات الأخيرة. فضلا على تبني بعض أقسام الفلسفة في الجامعات العربية لتعليم فلسفة الدين في مختلف مراحل التعليم العالي، والاتجاه الجديد لطلاب الدراسات العليا بالبحث والكتابة في هذا الموضوع.

 

حاورته: رحيل دندش "صحفية لبنانية"

في حوار مع المسرحي العراقي المقيم في بلجيكا حازم كمال الدين:

abduljabar kamran- المثقف العربي في الوطن لا يرى في مثقف الشتات فسحة للإثراء والتلاقح..

المسرحي العراقي المقيم في بلجيكا حازم كمال الدين من المسرحيين الباحثين الذين أشربوا في قلوبهم التجريب والتنقيب، أولئك الذين يحاولون تشييد مشروعهم الدرامي على جُمل مسرحية جمالية جديدة وعلى صيغ دراماتورجية وابداعية مبتكرة.. لايكتفي في عروضه المسرحية على البحث في آليات العرض المسرحي فحسب بل يغوص عميقا في استكناه علاقة اللقاء التفاعلية بين الممثل والمشاهد وما يفعّل ويؤطر هذه العلاقة.

يسقي مدير جماعة زهرة الصبار المسرحية ارض نصوصه وبذور مقترحاته الدراماتورجية من عرق بحثه على الخشبة ومن تفاعله الوجداني كمخرج ودراماتورج مع مقترحات الممثلين الجمالية والفكرية.. واستقراره في بلجيكا منحه مسارا نوعيا لفهم دور المسرح في الحياة - كما يعبر.. لكن انفتاحه على ثقافة الآخر وتمثله لانموذجه المسرحي لا يسقطه في اعتباره مثالا يقتدى.

قدمت اعمال حازم كمال الدين على خشبات المسرح في بلجيكا وانجلترا وهولندا وكندا... وتجربته في الاخراج طويلة ومتشعبة حيث اخرج العديد من المسرحيات منذ عام 1973 وحتى الآن. وعمل كمحرر ثقافي في مجلات ثقافية، وكمحاضر زائر في بعض الجامعات الأوربية، وتناولت بعض الأطاريح الجامعية تجربته المسرحية وكتب القصيدة والقصة والرواية والمقالات والدراسات فضلا عن نصوصه المسرحية.

مما صدر له نذكر "عند مرقد السيدة" مسرحيات ،عن دار الغاوون بلبنان. ورواية "كاباريهت" عن دار فضاءات بالاردن. وكتاب "بيت القصب.. أفكار بالتجربة المسرحية" الصادر مؤخرا عن الهيئة العربية للمسرح بالشارقة. و باللغة الهولندية أصدر مسرحية "العدادة" عن صحراء 93 ورواية "اورال" عن Beefkacke publishing ببلجيكا..

أما آخر الاصدارات فالنص المسرحي "السادرون في الجنون" الفائز بالمرتبة الأولى في مسابقة النصوص الموجهة للكبار والتي تنظمها الهيئة العربية للمسرح بشكل سنوي.

 

- بداية ماذا يمثل لك الفوز هذا الموسم بجائزة التأليف المسرحي التي تنظمها الهيئة العربية للمسرح؟

- على الصعيد الموضوعي أرى في هذا الفوز خطوة لوصل ما هو منفصل بين الثقافة العربية المنفية أو المجبرة على العيش خارج بيئتها الجغرافية والثقافة العربية داخل حدود الوطن الكبير. وعلى الصعيد الشخصي يشكّل الفوز أملا في عودتي إلى مسارح الشرق الأوسط وتقديم خبراتي المتراكمة منذ ما يزيد على الربع قرن.

أنا مازلتُ أعتبر نفسي منفيا عن الثقافة العربية وأعاني اغترابا مركبا داخل الماكنة الثقافية: اغتراب الأسمر الذي يرفض الانصهار في بوتقة الثقافة الشقراء، واغتراب العربي الذي ينكره أبناء جلدته لشتى الأسباب لعلّ أخطرها مواقفه السياسية والآيديولوجية والجمالية غير المتصالحة لا مع الغرب ولا مع الشرق. أكتبُ هذا الآن وأنا أرى إلى المفارقة التي شعرتُ بها إبان وجودي بين أبناء جلدتي في أكثر من مهرجان ثقافي عربي ومؤداها هو أن المثقف العربي في الوطن يرى أنّ مثقف الشتات مغرور أو متعال أو متأورب أو ما إلى ذلك ولا يرى فيه فسحة للإثراء والتلاقح. بينما المثقف العربي في الشتات يرنو إلى وطنه وينتظر اعترافا بجهوده التي عبرت الحدود ولم تدخل الوطن وهو يعي جيدا أنّ جهوده قد تسهم في تطوير هذه أو تلك. هل عليّ أن أشكر الهيئة العربية للمسرح لجهودها في رأب هذا الصدع أم سأُعتبر متملقا؟

 

- منذ بداياتك المسرحية وكتابتك لنصك المسرحي الأول "دمية المساء" سنة 1993 و حتى لحظة وضعك نقطة نهاية نصك الاخير المتوج بالجائزة .. "السادرون في الجنون"، مرورا بالعديد من النصوص الاخرى التي الفتها .. كيف تلخص لنا بشكل مقتضب أهم تمفصلات مشروعك المسرحي؟

- إنّ تاريخ المسرح الحقيقي هو تاريخ العروض المسرحية، فالعملية المسرحية برمّتها عرض حيّ لا نصٌ يُقرأ، بيد أننا لم نستلم الكثير من المعلومات عن تاريخ العرض، الأمر الذي جعل المسرح المعاصر يبُنى بطريقة مقلوبة: بدلا من تمارين تؤدي إلى عرض يقود إلى توثيق (نص وفيديو) أصبح المسرح نصا يختاره مخرج ويؤدي إلى تمارين تؤدي إلى عرض.

في بحث منشور في أحد كتب الهيئة العربية للمسرح كتبت: "إنّ تاريخ المسرح كما هو معروف لكم ليس تاريخ النصوص المسرحية لـ “ أسخيلوس، ويوريبيدس، وشكسبير وموليير” وليس تاريخ الدراسات الدرامية كفن الشعر لأرسطو. إن تاريخ المسرح الحقيقي هو تاريخ العروض المسرحية، فالعملية المسرحية في جوهرها عرض حيّ وليست نصا يقرأ." أقول هذا وأنا أعي أننّا لم نستلم الكثير من المعلومات عن تاريخ فن العرض. وإذا ما كنتُ أوضحتُ هذه النقطة المفصلية في بنائي للعملية المسرحية سيصبح مشروعي المسرحي هو البحث في آليات العرض. بكلمة أخرى علاقة اللقاء التفاعلية بين الممثل والمشاهد وما يفعّل ويؤطر هذه العلاقة. فبدون ممثل ومشاهد لا يوجد عرض مسرحي كما تعلمنا بينما توجد عروض مسرحية كثيرة تكتفي بالممثل والمشاهد.

 

- كيف تترجم علاقة اللقاء التفاعلية هذه، مع المشاهد .. باعتبارها من أهم تمفصلات مشروعك المسرحي؟

- تترجم هذه العلاقة التفاعلية مع المشاهد بطرق كثيرة : مساءلة الممثل في مشروعه على الصعد الجسدية والروحانية والعقلانية والحسيّة. مساءلة الفضاء المسرحي التقليدي الذي يجثم على خناق العرض. مساءلة التقنيات المسرحية في علاقتها مع الثورات التكنولوجية المتسارعة وكيفية استجابتها لهذه الثورات أو اختفائها من وجه العرض أو إضافة تقنيات جديدة لم تكن معروفة على الصعيد المسرحي (كمثل الطاقة فوق الحمراء، والمجسات التحسسية، والعمل في الفضاء الافتراضي.. الخ.). مساءلة تقنيات دراماتورجيا النص وكيفية مزاوجتها مع عناصر الثقافة الشفاهية والثقافة التدوينية والثقافة الروحانية. تغيير العلاقة بين التقنيات المسرحية وأحيانا إلغاء تقنيات محددة وإضافة أخرى من خارج المنظومة التقنية المسرحية التلقيدية.

مرة أخرى: المسرح أولا وأخيرا هو لقاء بين مشاهد وممثل، وأنا كمخرج ومؤلف ومدرّب وسينوغراف لا أرى نفسي في هذا السياق الموضوعي سوى وسيطا بين جملة عناصر تحقق اللقاء الحيّ بطريقة أمثل. إتقان كتابة النص هو جزء من هذه الوساطة. بهذا المعنى فأنا لست مؤلفا مسرحيا يكتب خلف مكتبه أما نصوصي فهي نتاج مختبرات العرض المسرحي أو هي مشاريع تبحث عن تجسّد في ذلك الفضاء كمثل (السادرون في الجنون).

مشروعي الجوهري هو العرض المسرحي التفاعلي، وأعني به اللقاء التفاعلي بين الممثل والمشاهد. أرى أنّ أي عرض مسرحي لا يؤدي إلى تفاعل هذين العنصرين بطريقة إيجابية هو عرض يتساوى مع ما تراه في التلفزيون أو شاشة السينما. من هذا المنطلق يحشد مشروعي المسرحي كل الوسائل الممكنة لتطوير تقنية حضور الممثل الفاعل ولوضع المشاهد في فضاء المبدع المساهم في العرض وليس المتلقي السلبي. هذا الموضوع هو أحد الفصول الحيوية من كتابي (بيت القصب).

 

- المسرح العربي في المهجر عنوان عريض.. ما هي أهم تجلياته الراهنة؟

- اسمح لي أن أتحدث عن الغرب لأني لا أعرف ما يجري في بقع العالم الأخرى:

أهم صفات المسرح العربي في الغرب هو الخضوع شبه التام لسياسات الغرب الثقافية التي تحمل شتى المسميات التقنية والإدارية والسياسية والآيديولوجية. وإذا تجاوزنا جدلا حقيقة أن العملية الإبداعية المسرحية عملية فردية وجماعية في آن تقتضي أن يتواصل فيها المبدع مع مبدعين ليسوا عربا بالضرورة ومع ثيمات ومعالجات لا تعنى في الكثير من الأحيان بالشأن العربي ومع لغات وأخلاقيات غير عربية وطرق تفكير مختلفة عن الطرق العربية، علينا أن ندرك أن المسرح العربي في شتات الأرض موضوعة شائكة أيضا نتيجة لجملة تعقيدات منها:

أولا، أنّ البلدان التي يعيش فيها الفنان المسرحي العربي تشترط في الغالب خضوعا تاما لسياستها الثقافية وبعكس ذلك فهي تحوله إلى فنان هامشي أو تضطره أن يترك العمل في المسرح أصلا.. أنا شاهد على الكثير من المسرحيين الذين اضطروا أن يغيروا مهنتهم. وأعني بالخضوع للسياسة الثقافية (على سبيل المثال) محاصرة المسرحي في ركن ما يسمى الثقافات المتنوعة multicultureأو ثقافات الأجانب والأقليات أو الثقافات المتلاقحة.. إلخ.

ثانيا، هناك تعتيم مقصود في بعض الدول العربية على هذا الفنان أو ذاك وتسليط الضوء على هذا أو ذاك لأسباب سياسية وأحيانا لأسباب عنصرية. تستطيع أن تأخذني مثالا في السياق لترى أنّني لم أتمكن من تحقيق أي مشروع مسرحي في المنطقة العربية1 رغم جهودي التي وصلت أحيانا للتوسل لنقل خبراتي لأبناء جلدتي قبل أن أموت. إذ ما فائدة ما تعلمت إذا لم أنقله لأخوتي وأنا أعي جيدا أن السياسة الغربية تعمد إلى تجهيل أبناء أوطاني وتسرق ثرواتهم وتقودهم إلى أوحال العصور المظلمة؟

التعقيد الثالث هو تأخر الاهتمام بموضوع المسرح العربي في الشتات إذا لم أقل تجاهله أو تناسيه. دعني أخبرك أنّ المسرحي الرائد محسن السعدون مثلا، الذي ولد في عشرينات القرن المنصرم توفي بعد 50 سنة خبرة وريادة في مسارح أمريكا اللاتينية وإهمال عربي تام، ودعني أخبرك أن أهم مدرسة مسرحية في العالم تعنى بمنهج لوكوك للمايم (École Lassaad) يقودها فنان تونسي (لسعد سعيدي)! في هذا السياق استحدثت منذ سنة، يا للفرحة، الهيئة العربية للمسرح تنسيقية لتلافي هذا التجاهل أو الإهمال وآمل أن تقوّض هذا الضعف وتضيء من تراكمت عليهم حقب النسيان.

 

لكن فيما يتعلق بالمسرحيين في المهجر هل هناك مِن تواصل فيما بينهم. اقصد ذلك التواصل المعرفي والابداعي لاجل تبادل التجارب وخلق فرق وفضاءات ابداعية مشتركة ذات قيمة واشعاع؟

- هذا تعقيد آخر، وهو طبيعة أو ضعف التواصل بين المسرحيين في الشتات. تأمل المفارقة: فنحن نسمع أنّ المسرحي (لسعد سعيدي) أسس منذ عام 1983 المدرسة المسرحية التي تحمل اسمه في بلجيكا (Ecole Lassaad2 )، ونسمع أن المسرحي (محسن السعدون) الذي توفي من شهر عن عمر يناهز فقط أسس أقسام المسرح في الاكوادور وكوستاريكا3 ، وأن فنان يعمل في مسرح الشمس لاريان منوشكين (سمير عبد الجبار4 )، وأنّ فنانا آخر فاز بأبرز الجوائز الكندية (وجدي معوض5 )، لكننا لا نعرف إلا النزر اليسير. ولأجل تحديد طبيعة التواصل بين المسرحيين أميل شخصيا إلى الانطلاق من طبيعة الهوية الثقافية – آيديولوجيا وأديان.. الخ – وبدرجة أقل من الطابع الأناني للفنان المسرحي. بالنظر لأنّي من قدماء المسرحيين العرب في الغرب (منذ عام 1987) فقد توفّرت لي فرصة مراقبة طبائع المسرحيين عن كثب وما يجمعهم. ولاحظت أنّنا مختلفون، تجمعنا وحدة البقع المشتتة لمختلف الأسباب. فنحن قائمون في الغرب أمّا لرغبة في تقديم أعمال ذات كودات مسرحية لا غربية، أو تقديم مسرحيات تحذو حذو الكودات الغربية وأما نحن طلبة ندرس ونعود أو إذا تبيّن أننا قادرين على تحقيق فرص عمل نجذّر أنفسنا في الجغرافيا الجديدة..

في الحديث عن الضفة التي أنتمي إليها يا صديقي، نحن نبحث عن كل الطرق الممكنة للحفاظ على هويتنا ومواصلة العمل في المسرح كوسيلة تعبير عن الذات. وهذا يصطدم بدءا بجدار اللا اعتراف من قبل الآخر. فالأجنبي هنا عموما مشكوك فيه حتى يثبت (حسن سلوكه)، وبسبب من قساوة الغرب الباردة وشعور العربي بالدونية أمام الثقافة الغربية تتخذ مسارات البحث طرق الخضوع لما تتطلبه شروط إثبات الذات أو تحدّي ذلك الخضوع والتمرّد عليه.

كما إنّه لايجب أن نغفل تعقيد تنوّع المسرحيين العرب في الشتات على صعيد الاتجاهات الفنية وعلى صعيد الفئات العمرية. كم هو عمر عادل قرشولي وسعدي يونس بالمقارنة مع أعمار شباب عشريني يقدم عروضه المسرحية في الشتات؟ أضف إلى فارق الأجيال موضوع الطبيعة التربوية للمجتمعات الغربية في بنائها للفرد والتي تعد إلى تعليمه على النسيان أكثر من التراكم العمودي. إن ثقافة الغرب تعمد إلى البناء الأفقي ما يعني أنّها تنسى الماضي بسرعة لاعتمادها على الموظة والاستهلاك.

 

- من اين يمكن أن يبدأ إثبات الذات عند المسرحيين العرب في الغرب او عند المبدعين المهاجرين عامة في كافة الاشكال التعبيرية من وجهة نظرك؟

- هذا موضوع تطرقت إليه في الكتاب الصادر عن وزارة الثقافة في الشارقة تحت عنوان المسرح والهوية والذي ساهمتُ فيه كأحد المؤلفين سأحوّر قليلا منه لكي لا أضطر للتكرر.

إنّ إثبات الذات بالنسبة للغرب يجب أن يبدأ بالعلاقة مع كلمة القرابات والأنساب Affinity أي الشراكات. فإذا كانت ثمة قرابات بين ذلك المسرحي والثقافة الغربية سيجد طريقه رويدا رويدا، وأقصد بـ "رويدا رويدا" هو أنّ الفنان يخضع لعملية غسيل دماغ تضمن سيادة القرابة للنسب الغربي Affinity فتنجح مع مسرحي، وتفشل مع آخر، وتتعرقل مع ثالث، وتتسبّب في اعتزال رابع، وتدفع بخامس إلى شدّ الرحال والعودة إلى وطنه. وإذا لم تكن ثمة قرابات فسيضطر الفنان للوقوف أمام البوابة الموصدة لكلمة Affinity كما حدث ويحدث مع الكثير ممن عرفتهم.

هكذا يتخلّى أحدهم عن هويته ويصبح، بإرادته أو رغما عنه، مستغربا جاهزا لتقديم شتى التنازلات التي يشارف بعضها على التخلي عن الهوية الثقافية – الطبائع الشخصية – وارتداء قناع اسمه الثقافة الغربية، أو يصل البعض حدّ تمريغ الهوية الثقافية بالاستشراق والإكزوتيك. هكذا يلعب مثل هذا الفنان دور المحاكي الذكي القادم من المجاهيل. أو يبدأ باللعب على وتر اللاجيء "المسكين" و "ضحية" النظام الديكتاتوري الذي فرض عليه الهروب، أو يعيد إنتاج فولكلوره مداعبا للرؤية الغربية ويعيد إنتاج الكودة التي وضعها الغرب عن ثقافته ويعيد تقديم تلك الثقافة على طبق استشراقي أو إكزوتيكي ظنّا أنّه سيبهر الغرب بمعارف مرصّعة بملابس شرقية وديكورات تعيد إنتاج عوالم الاستشراق.

في المقابل ثمة من يتشبث بهويته الثقافية فيتحجّر في بلاد لا تحكي لغته ولا تفقه كوداته. فترى مثل هذا يقوم بتقديم عروض بلغته المحليّة ولجاليته المنغلقة فيتقوقع من الناحية العملية في ذات الوقت الذي يصبح فيه نجم الجالية – الأقليّة –. هذا المسرحي ليس له مساس بما يحدث اليوم في المسرح المعاصر. كذلك ثمة فنانون كبار يظنّون أنّ اسمهم العتيد في وطنهم يجب أن يفرض نفسه في الشتات، وأنّ فناني البلد الجديد هم الذين يجب أن يأتوا إليه، دون أن يعي حقيقة أنّ نمط الثقافة الغربية يعتمد فيما يعتمد على مبدأ أنّ الفن يخضع لسوق العرض والطلب، ومطلوب من كل فنان أن يعرض بضاعته، وأنّ الغائب أو غير الحاضر أو المتواري العازف عن الحضور لن يُفتقد، هذا الفنان يظل بانتظار أن يدق بابه أحد ليظهر على المسرح سوية مع فناني الصف الأول من أبناء البلد. فيطول انتظاره ويطول حتى يعي ذات لحظة أنّ نبعه الفنيّ قد نضب.. وقد يموت بعضهم بعد عقود من الانتظار وهم على أهبة الانتظار.

في مقابل هذه الصور ثمة أيضا من يجد التوازن بين الثقافتين، ذلك أنّ حقيقة وجوده في الغرب تفرض عليه أن يقدّم عمله إلى مشاهد غربي وأن يتعلم تطوير هويته، التي هي كائن متغير، دون التنكّر لهويته الثقافية الأصلية ودون مداهنة الهوية الأخرى. مثل هذا الفنان يأخذ ويعطي مع الغرب بطريقة نقدية ويتجنّب فخاخ الإكزوتيكية والمفاهيم الاستشراقية أو الاستغرابية.

 

- ما مردّ غياب الحضور المنظم لعروض المسرحيين العرب في المهرجانات المسرحية الدولية..؟

- هذا الغياب لا يرجع الى ضعف إنتاجات المسرحيين في الشتات بقدر ما يعود إلى السياسات الثقافية الغربية التي تحدد السماح للعربي بالظهور وفقا لسياستها الثقافية. للنكتة فقط: لقد قدمت شخصيا هذا العام طلبا لدعم عرضي المسرحي (ربيع أسود) وهو إنتاج مشترك بلجيكي كندي، وكان جواب مسؤولين بلجيكيين هو أنهم يودون دعمي إذا تناغمت مع توجهاتهم الثقافية المعلنة، أما أن أطرح عليهم إنتاج مسرحي مع كندا فإن الدولة البلجيكية لا تعتبر التعاون الثقافي مع كندا أولوية!

تأمل أيضا أن أعمالا عربية خالدة لم تجد طريقها إلى مسارح دول غربية كثيرة بينما تجد طريقها لتلك المسارح إنتاجات غربية (غثة وسمينة) وتلوكها موسما بعد موسم. هل أذكر لك من غير المغتربين سعد الله ونوس أو توفيق الحكيم أو يوسف ادريس، وهل أذكر لك مسرحيي الشتات وجدي معوّض، علما أن هؤلاء طرحوا في أعمالهم قيم وتساؤلات خالدة تقف إلى جانب الأعمال الغربية الكبرى؟ لا أريد من هذا الكلام أن أدعي بأن المسرحي العربي يقف قامة إلى قامة مع ستانسلافسكي وجروتوفسكي وبريخت ودكروا ولكوك وهيجيكاتا، لكني لا أبخس المسرحي العربي.

 

- المسرح فن عابر وهمّ التوثيق يلاحق الانشطة والحراك المسرحي في مختلف الامكنة والأزمنة.. كيف تأرشَف أعمالك ومنجزات زملائك من المسرحيين العرب في بلجيكا مثلا؟

- شخصيا أعمل على توثيق أعمالي كما يلي: أرشفة مراحل بناء العرض.. كل عرض مسرحي لي يبدأ بورشة عمل مع الممثل ترافقها عمليات دراماتورجية وسينوغرافية وتسويقية وإعلامية. يحتوي إرشيفي الشخصي على مواد مصورة (فيديو وفوتوغراف) لكل إنتاج مسرحي من بداية التمرين على ورشة الممثل حتى العرض المسرحي نفسه. وكل عرض مسرحي يخضع لنمو دراماتورجي بالتعاون مع الدراماتورج وطاقم العرض المسرحي وأنا أقوم بحفظ كل مراحل العمل الدراماتورغي مطبوعا وبالكومبيوتر. لدي إرشيف كامل عن مراحل نمو النص المسرحي من فكرة إلى عرض تحتوي مساهمة الجميع في مراحل العمل المختلفة.

ثم الأرشفة الإعلامية : خبر صحافي. ملف تفصيلي خاص بالصحافة. صور من العروض والبروفات. كتابات الصحافة النقدية. الحوارات التي تجري في الصحافة عن العمل. مقابلات تلفزيونية وإذاعية وغير ذلك. إضافة إلى ذلك البلوغ، الفيسبوك، وبقية المواقع التفاعلية.

 

- هل تتابع التجارب المسرحية العراقية والعربية.. وما هي اهم خصائص المسرح العراقي اليوم؟

- للأسف متابعاتي للحركة المسرحية العراقية محدودة جدا. العرض المسرحي الوحيد الذي شاهدته منذ عام 2005 كان في الدورة السابقة لمهرجان المسرح العربي المنعقدة في يناير 2014. السبب في ضعف متابعتي للمسرح العراقي ليس ناتجا عن موقف ما، بل بسبب استحالة متابعة العروض وأنا بعيد جسديا عن مكان العرض المسرحي. هذا الجهل المؤسف يقود بنفسه إلى جواب الجانب الثاني من سؤالك. إذ يتعذر عليّ تحديد خصائص شيء لا أعرفه! وما ينطبق على علاقتي بالمسرح العراقي ينطبق كذلك على المسرح العربي. سيسعدني أن أرى العروض العربية لكي أتمكن من وضعها في سياق ما في خارطة المسرح العامة.

 

- ما الذي ينقص المسرح العربي او أي مسرح.. ليحتل مكانة ابداعية معتبرة داخل خارطة المسرح المعاصر؟

- ما ينقص أي مسرح للدخول في المحيط المعاصر هي عناصر محددة تبدأ بالتجديد والتجريب وخرق اكليشيهية المسرح التي بنيت لبضعة آلاف من السنين وتمر بتأصيل فن العرض كما فعلت الاوبرا الصينية وفن البوتو الياباني وفنون العرض التفاعلية الغربية على سبيل المثال لا الحصر وكذلك انفتاح التجارب المسرحية على الآخر دون أن تجتّره أو تعتبره المثال الأعلى ودون أن تخلع هويتها وتلبس جلد هوية أخرى.

ليس لدي أوهام تجعلني أنكر حقيقة أن المسرح أو فن العرض يمتلك إرثا إغريقيا ورومانيا ومن ثم أوربيا ومظاهر بدئية لدى شعوب أخرى، لكن ليس لدي أوهام أيضا عن حقيقة زوال أنماط العروض التي ذكرت منذ انفتح التأويل على دراسة فن العرض في علاقته مع مختلف الفنون والعلوم التي كانت تبدو سابقا متناقضة مع (إلالهام أو الإبداع) ومنها ما هو علوم عضوية وتكنولوجية ومنها تطبيق تقنيات فنون أخرى على العرض المسرحي كمثل تقنية طبقات اللوحة الزيتية ليان فان آيك (كلاسور).

 

حاوره عبد الجبار الخمران

.....................

عام 2004 قدمت تجربة واحدة مريرة مع المسرح الوطني العراقي وكتبتُ عنها بشكل مطوّل.

http://www.lassaad.com/lassaad_gb/lassaad_php/

http://www.iraqicp.com/index.php/sections/variety/23295-2014-12-27-11-12-43

http://www.theatre-video.net/videos/artiste/Abdul-Jabbar-Saed-Samir

http://en.wikipedia.org/wiki/Wajdi_Mouawad

 

في حوار مع الروائي الكوردي حسن ابراهيم:

hasanibrahim- انا اعیش في حالة حرب دفاعاً عن الانسانیة.

- لیست هناك مؤسسة کوردستانیة تهتم بالمهجرین .. والادباء لیس افضل حالاً منهم.

مدينة نورنبيرغ..لها نكهة خاصة في احتضان الثقافات الانسانية والابداعات والفنون العالمية من خلال متاحفها وملتقياتها الثقافية ولكونها مزيج من التاريخ القديم والحديث والثقافات والانفتاح على الثقافات العالمية وفي هذه المدينة حيث الجالية الكوردية لها نشاطات كثيفة من خلال تقديمها للامسيات الثقافية والفنية.الروائي والقاص الكوردي حسن ابراهيم يعيش في هذه المدينة التاريخية قرابة عقدين من الزمن وفي هذا الحديث يتحدث عن الغربة والادب والاغتراب ولم ينسى بان يرسل عتاباته الى بلاده كوردستان من كثرة عشقه لها ومؤسساتها الثقافية وكان هذا الحديث:

 

ـــ كل اديب وفنان يشيد وطناً بديلاً في الغربة فهل قدرت ان تشيد وطناً من اوجاعك وآهاتك وحنينك للوطن الام؟

ــ ربما نتوهم احیاناً باننا نستطیع ان نشید وطناً او لنا وطن بدیل ولو في الفكر والمخيلة، لکن حين نستيقظ نری بانه كان الحلم .. الاوطان لا تبنی بالاهات والحنین والمكابدات،الاوطان تبنی بسواعد و ضمائر حية و تضحیات من دون حدود...فأرجو المعذرة فأنا لا اعترف بوطن بديل!!

 

ـــ كيف ترى واقع الرواية في كوردستان بصورة عامة وفي بهدينان بصورة خاصة؟

نحن نعیش فی دوامة، فی جمیع المجالات، ربما تکون الصورە نوعاً ما قاتمة، لکننا ماضون فی الاتجاه الصحیح، و السبب ليس لنا الحق بان نقیم اعمالنا وان قلت بان لنا فی کوردستان روائيون عالمیون، فستجاوبني این هم؟ سأرد عليك ترجم اعمالهم الى العالمیة سوف تری بأن لنا روائیین عالمیین.. نحن فی بهدینان بدأنا متأخرین لکننا لم نظل فی المؤخرة .

 

ــ هل استفاد الاديب الكوردي المغترب من الاداب العالمية في طرح قضيته ضمن اطار عالمي؟

اکید، ليس فقط فی مسالة طرح قضیته، بل تعدت الى الاستفادة من الاسلوب و التقنیة و الحداثة .

 

ــ عملك (خديجة البرلينية) مالذي تحاول ان تطرحة في هذا العمل!!أهو الوصف ام مأساة الكورد في المانيا؟

- روایتي (خدیجة البرلینیە) نعم انها ماساة و جزء من الحقیقة، عائلة کوردیة تعیش فی واقع وزمن واجواء غير ملائمة لبيئتها الحقيقية للعیش. وکانت کل همها ان يسقط المطر ویهطل الثلج لکي تثمر الاشجار و یزهو الربیع.

من جوف الوادی عمیقا الی اضواء برلین، فتصور اننا نزرع شجرة بلوط في صحراء قاحلة!! حتی اذا ما (نبتت) سوف تنبت نبتة اخری غیر البلوط.!

 

ــ ما سبب عتاباتك في الصحافة الكوردية على الملتقيات الثقافية في الرواية ،في كوردستان بانهم لم يتناولوا اعمالك الروائية!!ربما اعمالك غير جديرة من ناحية المستوى لتطرح في الملتقيات؟؟ وألا ترى بان الاديب الحقيقي اكبر من العتابات؟

- هنا اعتب علی المقيمين على هذه الملتقيات والمهرجانات، فعندما يعقد ملتقی حول الروایة والحدیث عن الروایة و لم یذکروني ويذكروا رواياتي التي تبلغ 10 روايات بالاضافة الى مجاميع القصص القصيرة فماذا اقول؟

وان فرضنا کما تفضلت بان اعمالي غیر جدیرة من ناحیة المستوی، فلماذا تحسب ضمن الروایات الکوردیة؟؟

صدرت عندنا فی منطقة بهدینان(دهوك) 53 روایة او ربما اکثر بقلیل، ومن هذا العدد لي وحدي 10 روايات. اذن علیهم ان لا یضیفوا اعمالي الی المجموع!!

 

ــ انت نهلت من ينابيع كوردستان وتسلحت بالثقافة الالمانية فما هو مركز الثقل الانساني ونقطة التقائه في اعمالك؟

- انا اعیش في حالة حرب دفاعاً عن الانسانیة ،اجل انا من کوردستان بلد الکوارث والحروب والتضحیات واعیش فی بلد الرفاه و العلم و المعرفة و الانسانیة. اعيش ثقافتان في وقت واحد واصعب شئ ان يعيش الانسان في هكذا موقف، ارجو ان اکون قد وفقت فی الاعمال التی حاولت ان اجمع فيها الثقافتین فی عمل واحد.  

 

ـــ ألا ترى بان القارئ الكوردي لا يحبذ الاعمال التي تطرق عوالما اخرى او بالاحرى حين يكتسي النص عالما اخر مثل قصتك القصيرة(العاهرة)؟؟

- لا.. بالعکس، هکذا اعمال لها قرائها بكثرة، لربما قلە قلیلە لهم آراء مختلفة، لکن الاغلبیة مع هذا النوع والاسلوب من الادب. وليس هناك في آفاق الادب الانساني ما يسمى بالخطوط الحمراء.

 

ــ كيف ترى الروائي الناجح وهل لنا رواية وروائيون نفتخر بهم في المحافل؟ أم هم فقط للمهرجانات؟

- کما قلت لیس لنا الحق بان نثمن ای شی،للاسف القرار لیس بایدینا.القرار لاصحاب اللغات الحیة، فهم من یقررون و هم من یثمنون. نعم لنا روائیون ناجحون لکنهم لیسوا فی حلبة الصراع. اکید وافتخر بان لنا روائيون واعمالهم تشهد لهم!!

 

ـــ هل تحتضن وزارة الثقافة في العراق وكوردستان والمؤسسات الثقافية في الاقليم ادباء المهجر؟

- لیست هناك مؤسسة کوردستانیة تهتم بالمهجرین . والادباء لیس افضل حالاً منهم. ربما هناك البعض من باب الصداقة و المحسوبیة او تبادل المنفعة یدعون بعضهم البعض . لکن کمؤسسة او وزارة ليس لها وجود .

 

ــ ماهي المراحل والاجواء التي تمر بها روايتك وتبصر النور؟

- احاول ان اعیش کل تفاصیل اعمالي، اکتب واعید کتابة العمل اکثر من مرة کمن یطبخ علی نار هادئة،عندها اتاکد بان العمل اصبح جاهزاً وقتها یکون لاصدقائي رايهم وتقييمهم في الاعتبار ایضآ.

 

ــ بصراحة لمن تكتب الرواية وهل لنا قارئ يعشق الادب؟

- هذا السؤال عمرە اکثر من عقود من الزمن، اما الآن فلنا قراء و ینتظرون علی احر من الجمر. اکتب لکل من یقرا اللغة الکوردیة، اکید هناك عشاق ومهتمون وخاصة طلاب الجامعات والباحثين في مجالات البحث الادبي والمقارن.

 

ــ ماهور دور النقد وارتباطه بالرواية وهل اعطاك النقاد حقك؟

- للنقد دور رئیسي ومهم فی تطور الادیب، النقد یضع الادیب فی مساره الصحیح، لربما انا اکثر حظاً من غیری فی هذا المجال، صحیح لم انل حقي من النقد لكن هناك محاولات لاباس بها.

 

ــ سبق ان ترجمت قصصك الى العربية من قبل المترجم الرائع سامي الحاج فهل هذا يكفي في حق روائي له 10 روايات؟

- اکید لا.. حتی فی مجال القصة لم احضی بالمستوی المطلوب، صحیح هناك اکثر من شخص ومنهم کما تفضلت الرائع سامي الحاج ترجموا قصصي الى العربیة ولکن روایاتي ظلت في الظلام الدامس.

 

ــ ما هو دور الصراع مع الذات والعادات والتقاليد في اعمالك؟

- هذە المواضیع تاخذ حصة الاسد فی اعمالي، احاول ان اعري زیف العادات والتقالید، فيولد الصراع مع الذات و المجتمع و احیاناً مع نفسي، ولکني سانتصر. !!

 

ـ هل تمكنت من ان تسافر ببلادك الى عوالم اللغات والاقوام والبلدان الاخرى؟

- هذە نقطە ضعفي الوحیدة. فلست ذلك الجندي الوفي في هذە المعرکة، فانا لا اكتب لغة اخری غیر الكوردیة..

 

ودعنا الروائي حسن ابراهيم على ان نلتقي تحت ظلال الوطن وظلال مهرجانات وملتقيات تحت اشراف اناس تهمهم الثقافة الكوردية وادباء المهجر بعيداً عن المنفعة والمصالح الخاصة.

 

الروائي في سطور:

ــ من مواليد 1966\قرية كيفلا التبعة لمحافظة دهوك في كوردستان العراق.

ــ تخرج من معهد الاتصالات السلكية واللاسلكية في بغداد عام 1985.

ــ تعود بدايته مع الكتابة الى منتصف الثمانينيات في جريدة هاوكاري.

ــ عضو اتحاد الادباء والكتاب الكورد\فرع دهوك.

ــ يعد احد مؤسسي المركز الثقافي في مدينة سيميل التابعة لمحافظة دهوك.

ــ اصدر لحد الان 16 كتابا وتوزعت ما بين الرواية والقصة القصيرة ومنها:

حدود الموت\قصص قصيرة 2000

الجحيم الابيض \ رواية 2004

الليالي الباردة\ رواية 2006

اغتراب الآمال\ قصص قصيرة 2007

امسيات براغ\ رواية 2008

خج البرلينية \ رواية 2010

المتيمة \قصص قصيرة 2013

مثلث الجريمة \ رواية 2014

بالاضافة الى روايات ومجاميع قصص قصيرة اخرى وقد شارك الاديب في العديد من الامسيات الثقافية داخل وخارج الوطن ويعيش حاليا ومنذ عام 1995 في المانيا.

 

اجرى الحوار: بدل رفو

 

الفنانة التشكيلية رنا الطائي وعلي الطبري في حوار خاص

ali altabariمن البيئة البغدادية تنفست أناملها الطرية ملامح بروزها الطموح وهي تخطو خطواتها الوئيدة في طريق عالم الفن الجميل. أدهشتها اللوحة بكل أشكالها وصاهرت الصورة حتى شقت طريقها بكل ثقة لتكون اسما لامعا في عالم الفن التشكيلي .. منذ هذه الخطى لليوم كان لها أكثر من خمسون معرضا مشتركا وخمسة معارض شخصية في داخل وخارج العراق، حصدت الكثير من الجوائز ولازالت تشعر إنها في بداية الطريق .. هي جميلة بكل شيء لذا تجدها ترنو لتحقيق كل أحلامها تحت قدسية أناملها التي شمخت ببراءة الانثى المجتهدة هي الفنان رنا الطائي .. التي كان لنا معها هذا الحوار ..

675-ali

ألفنانه والاكاديميه رنا الطائي، معروفة في الوسط الفني لكن المتلقي بحاجة ليعرف عنك الكثير بماذا تقدمين نفسك؟؟

- رنا الطائي فنانة تشكيلية عراقية ناشطة في الوقت الذي يمر فيه الفن العراقي بمرحلة سبات وهي تحاول أن ترحل معطياتها الإبداعية على مستوى عربي لتثبت للعالم هوية الفن العراقي .

 

شاعرة وإعلامية وفنانة تشكيلية وناشطة مدنية، أين تجدين نفسك ولماذا ؟؟ ..

- العمل مع المجتمع المدني وبالذات كمسئولة في مؤسسة ميزوبوتاميا للتنمية الثقافية تتطلب مني مهنية التعامل مع فنون الأدب والفنون التشكيلية والإعلام، وهي خطوط متوازية لاتقل أهمية بعضها عن بعض وفي نفس الوقت التخصص الدقيق يعطى أهمية كونه يمثل المعرفة الأولى التي احرص على ديمومتها ..

 

كثيرة هي المدارس الفنية، وجدتك تميلين للمدرسة الواقعية والخيال، ما سر ذلك؟؟..

- تشكل الاتجاهات الواقعية نتاجات كثير من الفنانين ولكن ما يميز هذه الاتجاهات أو يجمعها عنصر المحاكاة أو التقريرية ولكن ما يميز الاتجاه الواقعية الخيالية (السحرية) هو إنها تحاول أن تستلهم الموروث وتعطي للخيال فسحة في الانطلاق باتجاه المستقبل وهي تمنح خيال الفنان فرصة للسياحة عبر محطات الذاكرة ..

 

ماهو منجزك في فن الرسم؟ وهل كانت لك مشاركات في معارض داخل القطر أو خارجه ؟وهل حصلت على جوائز؟؟

- رنا الطائي معرفة بغزارة النتاج الفني وما يميز هذا النتاج أن يقع ضمن محاور وهذه المحاور تعد بمثابة عناوين لكثير من المشاركات على المستوى المحلي أو العربي أو العالمي وهذه المشاركات قد تكون ضمن معارض جماعية محلية أو معارض شخصية وقد تم ترحيل الكثير من معطياتي الإبداعية إلى معارض على المستوى العربي حيث اقيم لي معرض بعنوان رافدينيات في بيروت وكذلك تم ترحيل هذه المعطيات إلى مستوى عالمي من خلال إقامة ورش السمبوزيوم وكانت هذه ممازجة وانصها لكثير من الفنانين وفرصة أساسية للتعريف بهوية الفن العراقي ولي تجربة تستحق أن نقف عندها هي (سمبوزيوم ومجموعة معارض في تركيا) ..

 

ماذا حقق لك معرض الصندقجة ؟ وهل اضاف لك شيء من الشهرة؟ ؟..

- يعد معرض صندقجة هو البوابة الذهبية والانطلاقة الأكثر موضوعية والعنوان المغرق بالمحلية يعكس هوية البيئة العراقية الزقاق والشناشيل وسايكيولوجية المرأة العراقية في البيت البغدادي العتيق كذلك يتناول العمارة البغدادية والية اشتغالها وطبيعة الخامة التي تعكس هوية العمارة البغدادية الاصيله كما تناول كثير من إكسسوارات البيت العراقي لصيقة بالشخصية البغدادية .

 

هل الدراسة الأكاديمية طورت من قدراتك الفنية؟ أم اعتمادك على موهبتك وأسلوبك الخاص وتعاملك مع فرشاة الرسم ؟ ؟..

- الفطرة الفنية معروفة لدى رنا الطائي منذ الصغر لم ولن تبوبيها إلا بواسطة المدرسة والمدرسة بالنسبة لي الموجه الحقيقي لهذه ألفطره ممثلة بأستاذ مادة التربية الفنية ولكن عندما ترحل هذه الفطرة إلى طموح والرغبة في التخصص فبالتأكيد الدراسات الأكاديمية ومنها كلية الفنون الجميلة تعد بمثابة المدرسة الأم لتطوير دراسة الخط واللون والتكوين والتعرف على آليات اشتغال المدارس والحركات الفنية والتي تصب هذه المعرفة التطبيقية في المعرفة النظرية وكلاهما تساهم في نضج الشخصية الفنية ..

 

في عصر النهضة الايطالية برز الرسام رافاييل وقد تأثر برسمه سلفادور دالي ! ما سر هذه الفلسفة الفنية ؟ وهل ناثرتي بتجربته الفنية؟؟ ..

- تعد ايطاليا مركز عصر النهضة في القرن الخامس عشر ويمثل هذا القرن مثلث الإبداع ورأس هذا المثلث ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو ثم أصغرهم روفائيل تأثر سلفادور دالي بعصر النهضة وهذا التأثر ممثل بآلية الاشتغال حيث إن الكلاسيكية والسريالية يجمعهما تقنية مشتركة ولكن منهج السريالية مختلف فالكلاسيكية تقريرية واقعية والمشهد السريالي يمثل مجموعة من المفردات الواقعية يتم تقديمها بمشهد غير واقعي ..

 

ليوناردو دافنشي مهندس معماري وفنان شهير اشتهر في لوحاته الموناليزا ولوحة العشاء الأخير ولوحة عذراء الصخور، ماهي قراءتك وماذا تعني لك لوحة العشاء الأخير ؟؟ ..

- يعد عصر النهضة وكما أسلفت العصر الذهبي وعصر تحرير الفن من الكنيسة وهو عصر علماني كما إن الإنسان فيه محور الكون وهذا معرف في الفن الايطالي وحتى الالهه تتشبه بالإنسان فالموناليزا وغيرها من المعطيات الإبداعية لدى ليناردو دافنشي، تمثل ألطبقه الارستقراطية التي رعت الفن في ابرز المدن الايطالية لكن هذا الفن المتحرر، لم يخلو من بعض الموضوعات الدينية التي كانت الكنيسة حريصة على إبرازها ومنها كان موضع اهتمام ليناردو العشاء الأخير التي حرص على إبراز هذا المشهد بعد قراءة دقيقة ومتعمقة للكتاب المقدس . .

 

أي من الفنانين التشكيليين العراقيين لفت انتباهك و نال إعجابك وتأثرت بإعماله ؟ ؟..

- من خلال تفحصي لتاريخ الفن العراقي وجدت أعمال الفنانين الرواد تشكل موضع اهتمامي من ناحيتين الناحية الأولى الموضوعات تستلهم البيئة المحلية وتعكس الهوية العراقية، اما التعدد الاسلوبي فهو مختلف ولكن يشكل الفنان كاظم حيدر وهو من المحدثين في الفن موضع اهتمامي بالتجريبية في آليات اشتغاله واسلوبه الذي لم يقع في فخ النمطية . .

 

ما هي الرسالة التي أردتي إيصالها من خلال معرض تجلي امرأة ؟؟..

- تشكل المرأة حضور اجتماعي لا يقل أهمية عن الرجل وسايكيولوجية المرأة وتكوينها الفسلجي والبايلوجي مختلف، ولكن عقدة الصراع في مجتمع ذكوري ومتراكم نظم العادات والتقاليد يشكل نكوص للمرأة وتجلي امرأة هو محاولة لتقييم وتقويم هذه الشخصية الإنسانية . .

 

من خلال معارضك الفنية هل حققتي الطموح ؟ وأي معرض اشتهر فيه اسم التشكيلية رنا ؟؟..

- تشكل جميع معطياتي الفنية من خلال المعارض متراكم الخبرة لدى رنا الطائي وجميع هذه المعارض تشكل معرفة الفن ووسيلة لإبراز الاسم الفني ..

 

ماذا يعني لك الإعلام؟؟..

يعد الإعلام وسيلة وغاية أساسية لإبراز الفنان وتسليط الضوء على الأعمال الفنية من خلال دراسات نقدية ويفضل أن تكون أكاديمية محكمة وليس النقد الانطباعي الذي يمثله الإعلام ..

 

وجدتك ناشطة مدنية، ماذا قدمتي للمرأة العراقية وللطفولة معا ؟؟ ..

تعد ثقافة المجتمع المدني ثقافة أساسية وبالذات ما بعد عام 2003 ولا تقل أهمية عن الثقافات الاخرى التي ترتكز عليها الدولة والمجتمع المدني يمثل حضور معنوي استطعت من خلاله الاهتمام بالمرأة واستدعائها بشكل قصدي بحضور كثير من الورش الثقافية الأدبية والفنية وكذلك الطفولة المغيبة ومحاولة إيجاد لهما آلية اشتغال بمواد ووسائط صديقة البيئة ..

 

ما هي الرسالة التي توجهينها للفنانين الشباب ؟ ؟..

الرسالة التي ارغب بتوجيهها للفنانين الشباب هو الانطلاق نحو عالم الفن بموضوعية من خلال التعرف على تاريخ الفن النظري والتطبيقي . .

 

يقال انك مغرورة ومتكبرة، بماذا تدافعين عن نفسك ؟؟..

الشخصية الإنسانية والفنية تحديدا عبر التاريخ منذ نزول ادم وحواء ميالة إلى الارتقاء والرقي وعندما تكون هذه الشخصية الإنسانية مبدعة فبالتأكيد ستكون حريصة على الافتخار بنفسها كشخصية مفردة على المستوى النفسي، وكذلك موضع فخر اجتماعي، وسايكيولوجيا الفنان وعبر تاريخ الفن ولو تفحصنا السير الذاتية للفنانين لوجدنا إن هذه ألشخصيه محبة للإطراء وهذا الإطراء يعد بمثابة داعم حقيقي للفنان ورعاية لجهده الإبداعي، لابد للقيم الروحية من صرح مادي ولا بد للإبداع من دعم معنوي ..

 

ماذا تعني لك هذه الأسماء .. جواد سليم، نزيهه سليم، ليلى العطار، فائق حسن إبراهيم العبدلي؟؟ ..

- تشكل هذه الأسماء إيقونات مهمة في تاريخ الفن العراقي بل تقترن هوية الفن العراقي بهذه الشخصيات ..

 

ختاما يعد فن الرسم في العراق مدرسة لها عمق تاريخي من خلال الرسوم السومرية والبابلية والأشورية، والفنان العراقي مرهف الإحساس يتأثر بالطبيعة بالظروف الاجتماعية بالحرب بالتاريخ، مما انعكس ذلك على طبيعة منجزه الفني ..

 

حوار مع الروائية نرمين الخنسا

ariff almadiلم تكن منطقة ( الطيونه) وسط بيروت بعيده عن محل اقامتي في روشة بيروت، حيث الموعد المرتقب مع الكاتبه والروائيه نرمين الخنسا رئيسة اللجنه الثقافيه في النادي الثقافي العربي \بيروت، والتي حازت رويتها الاخيره (شخص آخر) على اعلى مبيعات في فئة الروايه في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، الذي اٌقيم مؤخرا.

فاليوم هو الاثنين التاسع من فبراير الحالي، وقبل ان ينصرم   وضَاحه، حيث اخبار الطقس تومئ باعصار مرتقب بصرده وريحه الوئيده الصاخبه، تمكن سائق تلك المركبه الصغيره ان يوصلنا في موعد الحوار، بالزمان والمكان المحددين مسبقاً،  حيث تؤشر عقارب الساعه الثالثه بعد الظهر وليبدأ الحوار الثقافي في استراحة وحلويات (البابا) الشهيره في بيروت

كانت باكورة اسئلتنا النمطيه لن تتحرر بعد عن مسلكية الحوار فجاء سؤالنا الاول:

674-arif 

من هي نرمين الخنسا؟

ج: بكل بساطة أنا إنسانة تنتمي الى كل فضاء حر خارج عن مسارالعنف والتطرف والتمذهب والطائفية والعنصرية. أؤمن بالإنسان وبحرية الفرد والفكر والمعتقد والتعبير عن الذات. وأنا مواطنة لبنانية تعشق وطنها وتخشى عليه من رياح الحروب والفتن التي تطل برأسها من حين إلى آخر. أحلم بالأمن والآمان وأمارس وطنيتي في إطار الإنتماء اللبناني والعربي معًا، ولم ولن أتخلى يومًا عن مبادئي الوطنية السليمة. كذلك أنا كاتبة وروائية تلتمس من رواياتها تغيير ما يمكن تغييره على أرض الواقع الإجتماعي من حالات إنسانية مهشمة ومهمشة في الوقت عينه، ومن قضايا إجتماعية بائسة، وكذلك من أمراض طائفية لا تزال تفتك بشرائح عمرية معينة، خدمةً لأجندات سياسية خبيثة. إضافة الى كوني رئيسة اللجنة الثقافية في النادي الثقافي العربي والمسؤولة عن البرنامج الثقافي لمعرض بيروت العربي الدولي للكتاب. وأحرص دومًا من خلال موقعي الثقافي هذا على أن أقارب مجمل القضايا الأدبية والفكرية في لبنان والوطن العربي، وأن أضيء عبر دور النادي على إبداعات الشعراء والأدباء والمفكرين والفنانين. هذه هي رسالتي في الحياة في بلد أتمنى أن يظل دومًا بلد الإبداع الفني والأدبي والموسيقي والعلمي.

 

ما هي أهم رواياتك المنشورة، وما هي الرواية التي ترينها أكثر تعبيرًا عما يدور في خوالجك؟

ج: لكل رواية من رواياتي أهميتها الخاصة. منها مرآة عشتروت وهذيان ذاكرة وساعة مرمورة ونصيبك في الجنة بالإضافة إلى روايتي الجديدة شخص آخر التي فازت بالمرتبة الأولى عن فئة الرواية في الإحصائيات النهائية لمعرض بيروت العربي الدولي للكتاب في دورته الأخيرة. كل رواية فيها جزء مني ومما يخالج ذهني من أفكار ومبادىء وإنطباعات ومواقف، وأحلام وخيبات. فشخصيات رواياتي هي من نبض الواقع الذي أعيشه وأتفاعل معه وأراقبه وأنتقده. وأعتقد أن الأهمية الكامنة في أعمالي الروائية تتأتى من غوصها الدائم في بحر النفوس والعلاقات العاطفية والعائلية والعامة. وتتأتى أيضًا من تداعيات الأحداث التي عشناها ونعيشها في منطقة تتهددها الحروب والصراعات من عقود وعقود. فالقلم هو برأيي مرآة حبرية للحياة لا يرى إنعكاساتها الشخص العادي، بل يراها الكاتب بشكل خاص ومن زاوية واسعة ومشبعة بالملامح والتفاصيل. وبصراحة لا يمكنني تحديد أي رواية من رواياتي هي الأكثر تعبيرًا عني، لأن كل رواية تحمل شيئًا مختلفًا مني.

 

هل تحاولين المعالجة أو التصدي للمشاكل التي تواجه المرأة اللبنانية والعربية؟

ج: أرى أن الروائي يجسد فعل قال الراوي، ولا يغيّر فعل الواقع على الأرض. من هنا أؤمن بأن ما أسوقه في رواياتي من حالات عصية على الحل، أو من ظلمات تتأمل الضوء، أو من تضحيات تقوم بها المرأة في موقع من المواقع، كلّ هذا يندرج في إطار التحفيز الفكري والعاطفي للقارىء. ومن هذا التحفيز السردي يمكن للمتلقي أن يعثر على مساحة نور، أو أن يكتشف خطأ في منهجه الإجتماعي، أو أن يعي حقيقة كان غافلًا عنها، وسوى ذلك من الإحتمالات المأمولة. من هنا أنا أترك للقراء حرية إكتشاف المغازي التي تحملها كل رواية من رواياتي. أمّا فعل التصدي أو المعالجة فأجده أقرب إلى الوجود الرمزي في العمل الروائي من الإيجاد الفعلي لعملية التغيير. فلو كانت الرواية التي هي فن أدبي عالمي تُغّير الواقع، للمسنا تغييرات أساسية في مسلكيات الشعوب.

 

كل نتاج أدبي أو علمي أوسياسي إن لم يكن له دور ما في عملية التغيير الإجتماعي نراه عملا عبثيا، أليس كذلك؟

ج: هذا سؤال إشكالي ويتطلب دراسات لامجرّد جواب في سياق صحفي. فثمة أبحاث ومراجع كثيرة سبرت أغوار العلاقة والتأثير بين الكلمة والعمل أو بين الرأي والواقع. وكل هذه الدراسات كانت ولا تزال تهدف إلى البحث عن كيفية جعل الثقافة ركيزة مهمة من ركائز التنمية الحضارية، وعن كيفية مساعدتها على تخطي مصطلح الماضي "الثقافة من أجل الثقافة" نحو التأكيد بأن ّللثقافة أهدافاً تنموية مهمة لا بدّ من رعايتها وإرساء دعائمها في المجتمع المدني العصري، من أجل إعداد الإنسان وبنائه بناء معنوياً. وهنا رأينا كيف بدأت الدول عبر وزارات الثقافة تخطط وتصنع السياسات الثقافية وتعمل على تنفيذها. فالثقافة تلعب دورًا حيويًا في حركة التغيير وتنمية المجتمع عن طريق بناء المواطن الواعي، لذلك لا يمكن لمجتمع اليوم أن يتطوّر إلاّ إذا تمكّنت المجتمعات من استيعاب كامل العلوم والتقنيات. وكلّ ذلك يتطلّب التفكير في المناهج الدراسية وفي المسارات الهادفة إلى ترجمة أهداف التنمية في الدول المعنيّة إلى خيارات حقيقية. وهنا يأتي دور ما يسمّى بالسياسة الثقافية. أما دور السياسة والعلم فله أربابه من المفكرين والباحثين الذين يدركون الطرق والوسائل التي لا ينتج منها غير العبثية.

 

كيف تفسرين ما يشهده الواقع العربي من أحداث خطيرة،هل هو ربيع أخضر أم دم أحمر؟

ج: لا شك أن المنطقة العربية تعيش اليوم مرحلة تحول كبير، ما زالت معالمه غير واضحة بعدما انحرف مسار ما سُمي "بالربيع العربي" عن خطه الأساسي. وما نشهده اليوم من تفتت وتطرف ديني وعنف ودمار وانتهاك مؤلم للإنسانية، يشي بأننا مقبولون على مرحلة قاتمة ومخيفة للوطن العربي، بعدما أخذ الحوار يتراجع لصالح هدر الدماء والتسامح والعقل يتراجعان لصالح الحقد والجهل. وأخشى ما أخشاه أن تفلت من يد الجميع زمام الأمور ونُورث أبناء هذا الوطن العربي أشلاء أوطان يُعمل بقوة على تغيبها عن الخارطة العالمية. ولكن ورغم كل هذا المشهد السوداوي، لدي قناعة بانه ما زال هناك مساحة للعقلاء والوطنيين والمثقفين والمعتدلين في هذا الوطن العربي، وأنا أعول كثيرًا على دورهم في مواجهة هذه الاعصار الأسود المخيف. وبرأيي سيأتي الربيع يومًا حاملًا معه طموحات الشعوب معززًا حقوق الانسان والحريات الديموقراطية إضافة إلى تمكين المرأة من لعب دورها الفاعل في المجتمعات .

وفي مسك ختام الحوار لا يسعنا الا ان نتقدم بالشكر والثناء الكبيرين لك ايتها الكاتبه الرائعه المبدعه، آملين مستبشرين ان تتكلل كل نشاطاتك وهذا النتاج الادبي الثري في العمل على ايقاف هذا التصحر الثقافي في الكثير من البلدان العربيه، ولكي يعود الخصب ماحقا بذلك الجدب.

 

الكاتب العراقي: عارف الماضي

 

في ضيافة الاديب علي الخباز

ali zagheeniعندما نكون في كربلاء لزيارة الامام الحسين واخيه الامام العباس لابد من ان نطرق باب زميلنا الرائع الاديب علي الخباز والذي طالما احتضن الجميع بقلبه النقي وابتسامته الجميلة لنكون في ضيافة اعلام العتبة العباسية المقدسة وصدى الروضتين لنكسب من ابداعه ونتعلم منه ومن تجربته الكبيرة ابجديات الابداعية ونستعيد ذكريات الزملاء ومحطات لاتزال عالقة في الذاكرة , وفي زيارتي الاخيرة لمدينة كربلاء المقدسة اجريت هذا الحوار مع علي الخباز الانسان والاديب .

 

س/ من هو علي الخباز؟

ج / علي الخباز انسان بسيط حاول ان يعوض خساراته الكثيرة بمثابرة عصامية لتكوين ثقافة تؤهله ليكون انسانا يمتلك الوعي الكافي لانسانيته، التقيت في صغري بمعلم يشجع طلابه على الممارسة النقدية بتناول كتاب خارجي شهريا والكتابة عنه، فكان حصتي طه حسين و كتابه الايام فكان الانطباع النقدي بشكل عام لوصفية او التركيب الوصفي لكتاب الايام واعتبرتها تعويض نفسي للكاتب فأشاد الاستاذ بالاعجاب بهذا التشخيص وبدأ ينمي القراءة مع الانطباع , فهذه المسالة يجب ان ينتبه عليها التربويون فاذا كان هناك عجز لصناعة شعراء على الاقل لنصنع متلقي يجيد القراءة , لذا بدأت بقراءة واعية منذ الصغر و كتابة الشعر بعد سن الاربعين من عمري واقصد هنا النشر في الصحف والمجلات , تركت المسافة الزمنية بين القراءة المبكرة والكتابة المتاخرة المجال للتامل (قرأت في سن13) وكتبت في سن (40) القراءات الكثيرة مطلوبة فالكثير من الكتاب يعتقد بنفسه مبتكرا لموضوع ما وفجأة يكتشف ان هناك من سبقه في هذا المضمار لكونه يجهل ما مكتوب قبله وهذه المساحة من الجهل سببها لكون كتاباتهم اكثر من قراءتهم .

 

س / كيف يقيم على الخباز واقع الثقافة اليوم؟

ج / الثقافة الان متهرئة للعديد من الاسباب ومنها غلبة صوت الرصاص على الحكمة وانعدام اهمية الحكمة في زمن المزادات وانشغال الناس بحياتهم المهددة جعلهم لايبالون بقيم جمالية كثيرة كانت تشغلهم من قبل و لغياب الرقيب) الادبي – الابداعي (اهمية حيث ساهم غيابه بضياع الكثير من ضوابط الكتابة الابداعية وهنا نحتاج الى تنامي الوعي النقدي , لان هناك انقسام الشارع، هل على الثقافة ان تنزل للناس من اجل الشمولية ام محاولة الارتقاء بمستواهم الثقافي العام من مسؤولية الكاتب المثقف اذن نحن بحاجة الى كتابات ثقافية مسؤولة وصحف متخصصة بالشأن الثقافي الثقافي دون انتماءات فرعية تسيس لنا العمل الثقافي , تكون معتمدة على تجارب ابداعية وعدم السماح للنشر الذي يسئ للثقافة وعدم المجاملة على حساب الابداع .

 673-ali

س / الشعر – القصة - النقد – الصحافة اين يجد علي الخباز نفسه؟

ج / عشت جيل ثقافي في كربلاء متنوع الابداع، قد نكون شعراء ولكن نكتب القصة ولسنا قاصين ونعرف حبكة القص واسلوبيته ونكتب الرواية والمسرح بالقدر الذي نستطيع ان نقدم ابداعنا من خلال هذه كلهن) الشعر والقصة والرواية والنقد والصحافة (ما دام لدينا قلم يكتب ولكن كتاباتنا مزجناها بواقعنا وهذا ما ولد نصا مفتوحا لكل انواع الكتابة .

 

س/ هل الاديب علي الخباز راض عن ما كتب؟

ج / الرضا بحد ذاته غرور وعدم فهم لمعنى الكتابة، وعدم فهم لمعنى ان يكتب بمساحة محددة في عالم مفتوح ودائما ما يصاب بالغرور . القضية ناتجة من باب جمال الرضا بسبب عدم اللاامان بالنص , كنا سابقا نفرح كثيرا عندما نجد نص منشورا لنا والان نفرح عندما نجد من يقرأ لنا ويبقى منقوشا بذاكرته .

 

س/ ماذا توجه للكتاب وخصوصا الشباب منهم من نصائح؟

ج / اليقضة من الغرور والنرجسية والقراءة باستمرار وذلك لمعاناة الادباء والمثقفين من امية الثقافة .

 

سنوات الفساد التي أضاعت كل شيء (1)

musa faraj*• لنتحدث في البداية عن تجربتك في هيئة النزاهة... كيف كانت المدة التي عملت فيها؟ وما الذي حدث حينها ليتم استبعادك والبحث عن بديل صامت عن الفساد؟..

ج: قبل عام 2003 لم تكن مفردة الفساد مسموح بتداولها في العراق لا على الصعيد الرسمي ولا على الصعيد الشعبي ..بعد عام 2003 نشرت مقالتين في صحيفتي الزمان والمؤتمر بتاريخ 14و15/9/2003 حول واقع الفساد في دوائر الدولة وأهمية مواجهته و تم تشكيل لجنة من أعضاء مجلس الحكم سميت بلجنة محاربة الفساد في دوائر الدولة وكنت أحد أعضاءها (طبعاً لم أكن عضواً في مجلس الحكم )، ومن ثم عينت مفتش عام في احدى الوزارات ومن ثم نائب رئيس هيئة النزاهة ورئيساً للهيئة وقد واجهتني جملة من التحديات :

. السفارة الأمريكية: تريد من الهيئة حديقة خلفية لها وللـمخابرات الأمريكية لتمارس من خلالها ممارسة الضغوط على الساسة وإسقاط من لايعجبها منهم ..

. رئيس الحكومة نوري المالكي والمحيطون به: يريدون هيئة النزاهة جهة تدور في فلكهم وتزكي أفعالهم ..

. والمتواطئون في البرلمان مع عصابات سرقة وتهريب النفط : يسعون لإيقاف ملاحقة الهيئة لأقاربهم وحواشيهم الذين يمارسون سرقة النفط من انابيب الضخ في البصرة على نطاق واسع وتهريبه عبر الفجيره الى دول عديده .. .

ولأن القضاء كانت رئاسة الحكومة قد فرضت سطوتها عليه، والبرلمان أضعف من أن يواجه الحكومة بسبب تشرذمه .. لم يكن أمامي إلا أحد خيارين: ان أكون جسراً يمر عليه الفساد أو مغادرة الهيئة .. وفي حينه كانت البيانات التي تصدرها الهيئة (وهي موثقة) ومن بينها مقابلة مباشرة مع صحيفة الحياة اللندنية قلت: أن الوزارة الأولى في الفساد هي وزارة الدفاع والثانية هي الداخلية تليهما النفط ثم الكهرباء فالتجارة فالصحة وآلاف الرواتب الوهمية (لاحقا سميت بالفضائيين) من بينها 50ألف في وزارة الداخلية، اما الأمانة العامة لمجلس الوزراء فقد وصفتها بـ بؤرة الفساد في الحكومة ..إستخلفوا رئيساً للهيئة كانت باكورة أعماله نفي أي وجود للفساد في الجهات المشار إليها ونفي أي ضغوط تمارسها رئاسة الحكومة على الهيئة..!، ومن يومه تحولت وظيفة هيئة النزاهة لملاحقة الرشوة في حافات الجهاز الحكومي وهو ما يطلق عليه: الفساد الصغير، وباتت وظيفتها تنحصر بإعداد استطلاعات صحفية شهرية لبيان فيما إذا كانت الرشوة في هذه الدائرة أعلى أم في تلك من الدوائر الفرعية، وهذا هو بالضبط ماتريده رئاسة الحكومة للهيئة .. في الأشهر والأسابيع الأخيرة الماضية تفجر الوضع وتبين الحصاد المر للفساد: إحتلال داعش للموصل ومحافظات عراقية أخرى، والفساد يقف في مقدمة الأسباب، عشرات الآلاف من الفضائيين في وزارتي الدفاع والداخلية وفي معظم أجهزة الدولة، تبديد 245 مليار دولار في مشاريع وهمية ورواتب الفضائيين خلال السنوات السابقة، ضياع 150 مليار دولار تمثل مرتجعات الموازنات خلال السنوات السابقة، عدم معرفة مصير 95 مليار دولار أرصدة نقدية في وزارة المالية ( بحسب اللجنة المالية في مجلس النواب) ..وفي ظل تدني اسعار بيع النفط فكانت الأزمة ..هذه هي تجربتي في مواجهة الفساد والتي مازالت مستمرة وإن من خارج الوظيفة الرسمية.

 

• كيف بدأت قصة الفساد في العراق..؟ ومن المسؤول الأول عنه في ظل وجود أكثر من قوة حينها، منها داخلية، كالقوات الأميركية، أو خارجية، كالدول المجاورة الداعمة للأحزاب العراقية؟

. الفساد في العراق لم يبدأ في عام 2003 ومن يقرأ ما نشره السيد عبد الجبار محسن (مدير التوجيه المعنوي للقوات المسلحة في عهد صدام) والذي نشره قُبيل وفاته في عمان في العام الفائت يقف على حقيقة الأمر ..لكنه إستشرى بعد ذلك بسبب الفوضى التي إجتاحت العراق وبسبب الإفتقار الى القدوة النزيه حكومي كان أو سياسي ..اما عن الأمريكان فأمر غريب أن يظن بهم العفه ..! صحيح هم يتقيدون بالقانون في بلدهم ولكنهم عندما يكونون محتلون فإنهم أقرب الى منظمات للتعذيب ودونكم ما حصل في (ابو غريب)، وللقتل (مذبحة ساحة النسور)، وللسرقة (عقود شركات دك تشيني ) ..ويكفي الإشارة الى أنهم خصخصوا إحتلالهم للعراق فتعاقدوا مع شركات أمنية مثل بلاك ووتر التي إستقطبت المرتزقة من كل بقاع العالم ..أما عن الدول المجاورة فالغريب انها تنكرت لك أصناف الدم التي تربطها بالعراق فلم تتذكر القومي ولا الديني ولا الجوار .. الذي ترسخ في عقولهم الباطنة هو صنف واحد فقط : الثأر من العراق ...وباتت عواصم تلك الدول مستودعات لغسيل الأموال المسروقة وتأمين سلامتها، واسواقاً عامرة لإستثمارها...

 

• هل يمكن إحصاء أنواع الفساد في الدوائر والحكومة العراقية؟ وما الذي يسمح لكل نوع من الاستفحال في الوقت الذي يدعي الجميع فيه أن الآخر فاسداً مقارنة بكتلته وحزبه الذي ينتمي إليه؟..

ج: في الدول المتمدنة فإن الشائع من الفساد هو الرشا وتحديداً الكوموشنات ومجاله قطاع الأعمال وتحديدا في مجال إحالة المقاولات وإبرام العقود حيث يحصل المرتشي على المال ويحصل الراشي بالمقابل على مزايا وأفضليات سواء في الإحالة أو في التنفيذ، ولكن في الدول المتخلفة يبدأ الأمر بالفساد السياسي حيث تحتكر الطبقة الحاكمة الوظائف والمخرجات الإقتصادية ومن ثم الفساد الإداري حيث يتم وخلافاً لأسس المواطنة الإستئثار بكل شئ في المناصب والوظائف دون مراعاة توفر عنصري النزاهة والمقدرة بعد ذلك تأتي مرحلة الفساد المالي حيث تُطلق أيادي الفاسدين لسرقة أموال الشعب.. وفي كل هذه المراحل يقف خلفها الساسة حيث يمارس القادة الحكوميون والسياسيون حماية الفاسدين وإعاقة جهود مكافحة الفساد وصنع العوائق في وجه أجهزة مكافحته، وزملائهم في البرلمان يسنون القوانين التي من شأنها تغليف ممارسات الفساد بغطاء قانوني تقف أجهزة مواجهة الفساد عاجزة أمامه .. كلهم يمارسون الفساد وكلهم ينشر غسيله على سطح بعضهم .. والسبب الأساسي وراء ذلك هو أنهم جميعاً ينظرون الى موضوعة الحكم بإعتبارها تقاسم مغانم وليس بناء دوله .. طبعاً الحكومات لا يضيرها مطلقا التوقيع على إتفاقات أممية ومعاهدات دولية ترمي لمحاربة الفساد لأن ذلك لا يكلفها سوى سويعات محدودة لممثليها بالحضور في المؤتمرات الدولية لكنها في حقيقة الأمر توظف توقيعها على تلك المعاهدات من أجل الظهور بمظهر المناهض للفساد ومحاربته، يحصل هذا لأن كل المعاهدات الدولية باستثناء معاهدت تحريم أسلحة الدمار الشامل لا يتم متابعة تنفيذ بنودها ومضامينها لأن المتابعة هنا تنطلق من وجود مصلحة للدول الكبرى او صنائعها في إجبار الدول على الإلتزام بها وتلك المصلحة غير قائمة إلا في معاهدة الحد من الانتشار النووي لتحتكره هي ..أما المعاهدات الدولية بشأن الحد من الفقر أو التعذيب أو العنصرية أو الاحتباس الحراري أو حماية الطفل وحماية البيئة وحماية المرأة فإنها أسماء دون مسميات ...

 

• ما التأثيرات التي يمكن تلمسها من قضايا الفساد في العراق على الأجيال الجديدة..؟ وما الذي يمكن فعله لترسيم خطوط مستقبل لأجيال بعيدة عن آليات هذا الفساد..؟. .

ج: إذا كنا قد فشلنا خلال السنوات الماضية من وضع حد للفساد في العراق لأسباب خارجة عن قدرتنا فقد نجحنا بأمر أخر مهم فقد خلقنا عند الجميع رؤية حقيقية لما ينطوي عليه الفساد من أخطار وأضرار ونجحنا في تعرية قبح الفساد والفاسدين الى الحد الذي بات فيه معياراً شعبياً للحكم على المسؤول الحكومي والسياسي والى الحد الذي بات الفساد فيه يسقط الحكام ويستخلف آخرين ..هذا بالنسبة للحاضر أما للأجيال القادمة فإننا نحاول أن نرسخ في معتفداتهم بأن المواطنة والمواطنة وحدها هي البيئة المثلى لمواجهة الفساد ووضع حد له أما الطائفية والمحاصصة فبيئات صانعة للفساد وحامية للفاسدين وحاضنة مستدامة له...

 

• في كتابك (الفساد في العراق.. خراب القدوة وفوضى الحكم)، أكدت على أن الفساد ليس خارجاً عن الطبقة الحاكمة، بل هم الذين يشرعنوه بقوانين يتفقون عليها، مستبعدين شمولهم بالعقوبات... كيف يمكن أن نعيد تشريع العقوبات التي تطال المسؤول كما تطال المواطن العادي الذي لا يقف وراءه حزب أو كيان سياسي..؟. .

ج: الفساد كان في أول الأمر يحتمي بقوة السلطة وليس بقوة القانون لأن الحكومة كانت تعيق ملاحقة الفاسدين وتعيق تطبيق القانون وتعيق تنفيذ قرارات المحاكم ومن ثم تم التحول لجعل هذا التوجه قانوني من خلال تقديم مشروعات قوانين الى مجلس النواب يصوت عليها وتتحول الى قوانين لايمكن المروق من بين ثناياها لمواجهة الفساد..على سبيل المثال : هيئة النزاهة المكلفة أصلا بمواجهة الفساد إن لم تكن مستقلة في أداءها تتحول الى سوط بيد الحكومة ضد مناوئيها فقط، أو تُدفع لممارسة وظيفتها في حافات الجهاز الحكومي دون غيرها في حين أن الفساد الكبير لا يكون في حافات الجهاز الحكومي وإنما في قمة الهرم فضخامة الفساد إنما ترتبط موضوعيا بحجم الصلاحية المناطة بالموظف وضخامة المقدرات الموجودة تحت سلطته ..ماذا حصل في النهاية ..؟ تم ربط هيئة النزاهة برئاسة الحكومة رغم أن الدستور ينص على أنها هيئة مستقلة فأُضعفت فاعليتها ..صدرت قرارات حكومية باعاقة الهيئة بالوقوف على وثائق وزارة الدفاع، منعت الهيئة من ممارسة واجباتها في الهيئات الرئاسية الا من خلال الحكومة، تم التعامل مع الهيئة من قبل القضاء بإعتبارها مجرد مخبر عن الفساد وليست ممثلة للحق العام في مجال محاربة الفساد،وأثقلت بمسؤولين تم إنتقائهم من الموالين للدائرة المحيطة برئاسة الحكومة.

 

• يرى أغلب المتابعين أن الفساد يعد الممول الأول للإرهاب، كيف هذا؟ وكيف يمكن إيقاف هذا الدعم والتمويل لوقف الإرهاب، إن كان ذلك ممكناً..؟. .

ج: الفاسد الصغير القابع في حافات هرم الدولة يمارس أفعال الفساد من أجل أن يحصل على أموال لم تكن من حقه للتمتع بإنفاقها بقصد تحسين وضعه المعاشي أو الحصول على مقتنيات يعجز عن تحقيقها براتبه المستحق له وفقاً للقانون.. تلك الممارسات هي أفعال فساد ولاريب في ذلك، لكنها في الوقت الذي تؤذي فيه المواطن لأنها تغتصب من جيبه مباشرة لكنها لن تقصم ظهر المال العام ولن تتسبب في إفلاس الحكومة ولذلك يطلق عليها الفساد الصغير ..لكن الفساد الكبير هو ما يمارسه الفاسدون الكبار.. وفي جو الصراع والإقتتال على السلطة فإنهم يمارسون الفساد لضمان حسم نتائج الصراع لمصلحتهم وأدوات الوصول الى تلك الغاية تبدأ بالاعلام ولاتنتهي بالسعي لإسقاط النظام برمته من خلال مد العناصر والجهات الارهابية بما يتطلبه نشاطها من أموال هائله .. بالنسبة لأطراف السياسة في العراق ليس لديهم في صراعهم على السلطة خط أحمر فتراه يوماً يقاتل الأمريكان وفي اليوم الآخر يحل في سفارتها أو في عاصمتها ضيفاً، وتراه يشتم القاعدة يوما وفي اليوم التالي يسرب لها اسلحة الدولة ومليارتها لتكسر له عضد الخصم، وتراه يوما يغير على المليشيات بوصفها جهات خارجة على القانون وفي اليوم التالي يضع مقدرات الدولة تحت تصرفها ..فعلاقة الفساد بالارهاب في العراق ليست بالصورة التي تسمع عنها في الغرب والتي تنحصر في تبييض الأموال وجمع التبرعات وتسهيل السفر ..في العراق اللعب على الطاولة ومكشوف ..حتى أن بعض الأطراف تسوق النفط الذي تستولي عليه داعش وتبيعه لحسابها بل أن البعض من تلك الأطراف تستغل عقود الدولة لتتعاقد مع دول مجهزة للسلاح لاستيراد الأسلحة باسمها وإيصاله لداعش .. أفبعد ذلك تسألني عن العلاقة بين الفساد والإرهاب في العراق ..؟.

 

• على الرغم من انتماء أغلب الكيانات السياسية في العراق إلى مؤسسات دينية، إن كانت مرتبطة بمراجع دينية أو أنشأت لنفسها قوانينها الخاصة المرتبطة بالدين أيضاً، غير أن هذه الكيانات لم تكن نزيهة رغم هذه الإنتماءات... هل تعتقد أن المؤسسة الدينية؛ بشقيها السني والشيعي، متورطة في قضايا الفساد..؟ وإذا لم تكن كذلك، فلماذا هذا الصمت تجاه الفاسدين والمفسدين؟.

. ج: الفساد موجود على إمتداد التاريخ وأيضاً على إمتداد الجغرافيا ولكن استشراءه أوتحجيمه يتوقف على البيئة التي يمارس فيها والثقافة المجتمعية السائدة، ففي المجتمعات المتحضرة تتقلص مساحة الفساد الى حدوده الدنيا في حين تتسع تلك الحدود لتغطي معظم المساحة في المجتمعات المتخلفة ..لاحظ أني قلت معظم ولم أقل كل ففي دراسة ميدانية أجريت في بريطانيا وجدوا أن 10./. من موظفي الدولة أية دولة فاسدون لايمكن إصلاحهم و10./. نزيهون لا يمكن إفسادهم و80./. بين بين ..فإن كانت الثقافة الجمعية تشجع على الفساد والبيئة المجتمعية توفر الغطاء لممارسته فإن معظم الـ 80./. ينخرطون في لعبة الفساد هذا الحال يحصل في حالة الفوضى السياسية والقيميمة وفساد الأعلى ..ولكن الحال لن يتمدد الى الـ 10./. الذين وصفتهم بـ نزيهون لايمكن إفسادهم وفي حالة النقيض يحصل العكس فالنزاهة والفساد خصال فردية تتوقف على ماهو أصيل عند الفرد وعلى ماهو مكتسب فالأصيل لايمكن زحزحته ولكن المكتسب يمكن التأثير فيه سلباً أو إيجاباً ..الدين رادع للفساد هذا ثابت ولكن الخطير في الأمر أن البيانات التفسيرية للدين تصدر عن أشخاص وهؤلاء تنطبق عليهم موضوعة الـ 10./. و10./. و80./.أيضاً، وحكومة المسلمين تسرب لها الفساد بالمعنى الذي نقصده اليوم أعني فساد الذمم والجيوب ولا أعني فساد مابين الوركين بعد غياب النبي (ص) مباشرة عندما قالوا ان الحكم ترثه العشيرة والسابقون وليس العادل والكفوء..وعندما تم تمييز الناس في موارد الدولة وعندما إتسعت بطانة الحاكم .. وهناك حالة يتيمة في تاريخ الحكم الإسلامي كانت استنقاذا لروحه من الفساد كان علي أبن أبي طالب القدوه الذي تنكر له أتباعه، وليس بعيداً عن منهجها عمر بن عبد العزيز.. .

 

• منذ أن تسلم الدكتور حيدر العبادي قيادة الحكومة وهو ينادي بتجريم المفسدين وتنظيف دوائر الدولة منهم... ما الآليات والطرائق التي يتمكن من خلالها إنجاح مهماته..؟ وكيف سيتمكن من تنفيذ وعوده رغم أنه ليس بعيداً عن الكيانات التي يطالب بمعاقبتها؟. .

ج: مهمة السيد حيدر العبادي في غاية التعقيد فمواجهة الفساد تعني مناهضة سلوك الفاسدين والفاسدون الكبار هم من يطبقون على النظام السياسي اليوم ومشكلة العبادي أنه ليس فقط ابن النظام السياسي المنتج للفساد انما هو أبن المحاصصة التي تشكل بيئة الفساد وحاضنته وحاميته وقد أحكمت آلياتها بحيث لا تحتاج الى إذاعة إعلان دستوري للإنقلاب على من ترى فيه تهديداً حقيقياً عليها فجلسة واحدة لسحب الثقة تكفي .. وفي نفس الوقت فإن مواجهته للفساد باتت مطلباً شعبياً وهو قد تعهد للشعب بذلك والشعب يضغط حالياً بشده .. والأيدلوجيات والمبادئ والسجايا الشخصية والتي يطلق عليها في عالم السياسة : شعارات..تتحول الى كمبيالات واجبة السداد وصكوك ملزمة الدفع حال بلوغ حاملها السلطه وإلا سمي (مقرباز) وهي مفردة من مخلفات العصملي في العراق تعني الشخص الذي يماطل في تسديده لديونه وهي مفردة موجعه ..ولذلك فإن الأمر يتطلب إصرار وحنكه من قبل السيد العبادي فالنويا الخيرة لا تكفي.. وليس من المنطق أن ينتظر تطبيقاً لمسعاه والحلقة الضيقة المحيطة به هم من تسببوا بتبديد موازنات العراق، ولا من المنطقي أن ينتظر وضع حد لنزيف العملة الصعبة من خلال غسيل الأموال واسع النطاق والمسؤولون عن ذلك يتربعون اليوم في البنك المركزي، ولا من المنطق أن ترتجي مواجهة حقيقية للفساد وجهاز القضاء مسيطر عليه من نفس المجموعة التي سفهت جهود مواجهة الفساد ومحقت استقلالية أجهزة مواجهته ..وفي هذه الحالة فإن أمامه سبيلين لا ثالث لهما: . ـ فإما الاستسلام أمام الفساد والنكوص عن تعهداته للشعب وفي هذه الحالة فإنه سيواجه برد فعل قاسٍ من قبل الأوساط الشعبية وستنظر اليه بوصفه إستمرار لمن سبقه وأنا شخصياً لا أتمنى له ذلك فقد حظي بما لم يحظَ به من سبقوه من تجاوب شعبي رغم أنه ينتمي لذات الطبقة السياسية ولنفس المحاصصة ولنفس الكتلة بل نفس الحزب إلا أن الرهان كان ينصب على خصاله الشخصية وتعهده في مواجهة الفساد ولو نكص عن ذلك سيفقد الكثير حتى على المستوى الشخصي.. .

ـ أو أنه أنه مصرعلى الوفاء بوعوده والطريق السليم لتحقيق ذلك ينطوي على سلوك طريق مركب يتم من خلاله إتخاذ الإجراءات التالية: .

1. العودة للدستور بإعلان إستقلالية هيئة النزاهة عن رئاسة الحكومة..

2. إختيار رئيس للهيئة قوي ومهني ومستقل في قراراته ولا يخضع لغير القانون . .

3. تشكيل لجنة قضائية من خارج مجلس القضاء الحالي وعلى غرار محكمة رموز النظام السابق تتولى البت في قضايا الفساد .. .

4. نقل مسؤولية مواجهة الفساد في العراق الى هيئة النزاهة والجهة القضائية المشار إليهما بالمواصفات المذكورة وجعلهما في مواجهة مباشرة مع الشعب والإكتفاء بمراقبتها وتقويم إجراءاتها .. .

5. في هذه الحالة فإن القيادة الجديدة القوية لهيئة النزاهة تجعل من باكورة أعمالها مواجهة فساد الدائرة الضيقة المحيطة برئيس الوزراء وبالملفات الضخمة تحديداً والتي لا يختلف عليها إثنان وتحديداً : مصير اموال الموازنات السابقة : التبديد 245 مليار دولار، فوائض الموازنات 185 مليار دولار، الكتلة النقدية التائهة 95 مليار، والفضائيون، وغسيل الأموال ..عندما تقوم بذلك فإنه يمنحها المصداقية والموضوعية ويلجم المعترضين وفي نفس الوقت يبعد العبادي عن المواجهة المباشرة مع كبار الفاسدين من كتلته ومن حزبه.. ولو كنت مسؤولاً عن هيئة النزاهة اليوم لفعلت هذا شرط أن لا يقيلوني بمجرد الهمهمة بذلك ... . في حال عدم مواجهة الفساد ومعاقبة كبار الفاسدين فإن المغفل فقط من العراقيين هو فقط من يسكت لأن موازنة العراق لهذا العام ورغم تدني اسعار النفط فإنها تفوق موازنات نصف عدد الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية مجتمعة بالتمام والكمال ..وتفضل أنظر : .

الأمارات العربية : 13,4 مليار دولار . الأردن : 11,4 مليار . سوريا : 7,5 مليار . لبنان : 13 مليار . تونس : 15,7 مليار . السودان : 9,1 مليار . فلسطين : 5 مليار . اليمن : 12 مليار . البحرين: 3,7 مليار. موريتانيا: 2,4 مليار . الصومال : 748 مليون . جزر القمر : 56 مليون ..( 94 مليار دولار ) هذا هو مجموع موازنات 12 دولة كاملة السيادة والعضوية في جامعة الدول العربية لعام 2015 في حين أن حجم موازنة العراق بلغ 103 مليار دولار وهي ثاني أضخم موازنة عربية بعد السعودية .. أحد العراقيون كتب مازحاً : أن موازنة جزر القمر البالغة 56 مليون دولار لا تكفي لتغطية عملية بواسير(؟؟؟),(اتحفظ على ذكر الإسم تلافياً للوقوع تحت طائلة القانون الذي يعاقب على القذف والشتم ..بس هو معمم ومن دولة القانون واسمه يبدأ بحرف سيف الله المسلول..)،وللعلم أيضاً فقد تجاوز برنت سقف الستين دولار للبرميل يوم الجمعه الفائت..

 

............

صفحات من كتاب تحت الطبع:

* مقابلة مع السيد صفاء ذياب مراسل القدس العربي اللندنية ...

لقاء مع المسرحيّ الجزائريّ محمد زعيتري .. المسرح والحياة والفكر والتّشكيل

sanaa alshalan*كان لي هذا اللقاء معه على أرض الجزائر العظيم، أرض المليون شهيد أرض الأبطال والإباء، أرض الجمال والعلم والزّهاد وزوايا الصوفيّة ومراقد الأولياء.كان الحوار معه في أرض مدينة معسكر حيث في الأفق يعتلي مرقد البطل عبد القادر الجزائري صهوة الجبل، ويناظر من مكانه أرض جهاده وحركات المجاهدين الأبطال ضدّ الاستعمار الفرنسيّ، وفي الأفق المقابل تنتصب أمامه على الرّبوة المقابلة جامعة معسكر باذخة بالعلم والمحبّة والعطاء.

وكان المسرحي محمد زعيتري على عادته التي يألفها كلّ من يعرفه،فهو يضجّ حماساً وإبداعاً ومحبّة، ويهدر بسيل من المعلومات في شتى العلوم،إذ هو طلعة مبتكر جريء روحه مزيج من خفة الدّم والابتكار والدّعم للآخرين وإنزال أفكار العلم لاسيما في حقول المسرح على أرض الواقع.هو باختصار رجل الاحتمالات التي لا تنتهي.

 

إطلالة على بطاقة التّعريفيّة: هو جزائري من مواليد الجلفة، مارس التّعليم الإبتدائي، ويمارس الآن التّعليم الجّامعي بعد أن نال عدّة شهادات في حقول الإعلام وأدب اللّغة العربيّة والأدب العالمي والسايكودراما، عمل كذلك في الإعلام المكتوب والمرئي، كما عمل رئيساً لمكتب الاتّصال والعلاقات العامة في المركز الثّقافيّ الإسلامي، كتب القصّة القصيرة والمسرح والسيناريو، وأخرج بعضاً من المسرحيّات والأعمال التّسجيليّة التّاريخيّة والوطنيّة، عضو في كثير من المشاريع الأدبيّة والسّينمائيّة والمسرحيّة، كما شارك في الكثير من ورش العمل والمهرجانات والمؤتمرات.

 

1- ماذا يقدّم تخصّص السّايكودراما للمسرح؟

- لكل ميدان من ميادين الفنون جوهر ولب يدور حوله ليكتسب نوع من الحياة والسيرورة التي تبعث في الاخر شعلة الانجذاب، والمسرح اساسا اذا لم يتعلق بالحياة النفسية للمتلقي فانه لا يعدو ان يكون مجرد عبث مقصود بعيدا عن الهدف الرئيس الذي وجد من اجله وهو التطهير وتقديم الرسائل الاجتماعية التي تكرّس الدستور الاجتماعي للرقي بالحياة الى الممارسة الاجتماعية الراقية، والسايكودراما هي عصب المسرح ومن خلال المصطلح فهي تعني بتعبير بسيط المعالجة النفسية (سايكو) و(درما) وتعني المسرح او العمل المسرحي او المسرحية في حد ذاتها ومن هنا نصل الى مفهوم كلي يأخذنا الى التفكير في كيفية توظيف المسرح نفسيا حتى يصل الى اعماق المتلقي ومنه يكون متنفسا للاحتقان الاجتماعي والفكري ومن هنا فما تقدمه السايكودراما للمسرح هو بث الروح فيه وجعله نبض جمعي يخدم القضايا الانسانية الكبرى

 

2- ماذا قدّم محمد زعيتري للمسرح عبر تخصّصه بالسّايكودراما؟

- محمد زعيتيري يخطو خطواته الاولى نحو عالم مليئ بالمفاجآت الا وهو عالم المسرح الذي يتشعب كلما غصنا فيه اكثر، وما يحاول تقديمه للمسرح عبر تخصص السايكودراما هو ترسيخ فكرة ان المسرح ليس ركحا لممارسة حركات واداء نصوص بقدرما هو فضاء ذاتي اناني يحتاج اليه كل فرد منّا في حياته اليومية دون الاضطرار للاحترافية، فكلنا يمارس المسرح يوميا من خلال تصرفاته اليومية، وكل منّا يلعب دور الممثل في اطوار مختلفة من يومياته حتى يستطيع التعامل مع مجريات الحياة ولذلك يحاول محمد زعيتري ان يلج ميدان الصحة النفسية من خلال توظيف السايكودراما في المسرح.

 

3- لماذا لجأ محمد زعيتري إلى المسرح؟

- المسرح بالنسبة لي عالم واسع لا يحده نص وركح، بل اعتبره مدرسة حياتية تسمح لنا بفهم الواقع من زوايا مختلفة والوصول الى خلق توازنات حقيقية لكل متناقضات هذا العالم، فالمسرح كان ولا يزال ذلك الفضاء الميتافيزيقي الذي من خلاله يحق لنا التحليق في ذات الذّات وسبر اغوار النفس البشرية بعيدا عن قيود العلوم الدقيقة ويمنحنا فرصة إعمال الفكر في مواجهة القضايا الانسانية والاجتماعية بفكر متفتح لا يتصلب للافكار الجامدة ولا ينحاز للنعرات القبلية، فمن يعود للمسرح منذ تاريخ الاغريق يفهم ان هذا الميدان كان ولا يزال الى يومنا هذا فن من فنون التنفيس عن المآسي الاجتماعية، فالمسرح انعتاق وتحرر .

 

4- ما هو العمل المسرحيّ الذي تحلم بإنجازه؟

- سؤال يصيبني بغصة، ليس لصعوبته بل لحرقة في نفسي مما حلمت به دائما وتحطم على جدار الواقع . حلمي بسيط جدا لكنه في ذات الوقت عميق ومهم، احلم بتقديم عمل مسرحي يخدم المسرح ذاته ويمحو الصورة السيئة التي التصقت به بسبب بعض المتطفلين وبعض الجهلة الذين شوهو صورته واصبح يعني الفوضى والعبث المقصود وليس العبث الذي اسس له صموئيل بيكت ومن هذه النظرة حلمت دائما ان انتصر للمسرح بكتابة واخراج مسرحية تستعرض تاريخ المسرح عبر العصور وما قدمه للمجتمعات على مر السنين من خدمة لقضاياهم العادلة

 

5- هل يمكن أن يغدو المسرح مدرسة للجيل ومستشفى من الأمراض النّفسيّة والفكريّة التي يعاني الكثيرون منها؟

- انا اثق كل الثقة بأن المسرح له دور كبير في بناء الذات الانسانية وصقل الخبرات الفردية من خلال ما يقدمه من تجارب الاخر والانفتاح على ثقافات متعددة فهو مدرسة حقيقة للاجيال لمد جسر بين الماضي والمستقبل مرورا بالحاضر وربط اواصر محبة بين المجتمعات من خلال الغوص في ثقافات بعضها البعض ومنه نستطيع ان نبني جيلا يفكّر بطريقة منطقية بعيدا عن العصبيات والعقد النفسية في اطار المفاضلة بين المبادئ والاخلاق وليس الاعراق والاجناس

جيل متفتح على العالم يتمتع بصحة نفسية متزنة بعيدا عن الافكار الضيقة التي يصاب بها بسبب التقوقع والتقليد الاعمى ، فالمسرح متنفس لكثير من الازمات النفسية لما يعالجه من قضايا قد تتيح للمتلقي فضاء رحبا وتفتح امامه ابواب الامل .كما ان المسرح ليس مأساة فقط بل اوجد الاغريق الملهاة لتختص بالترفيه عن المشاهد واعادته الى توازنه النفسي

 

6- ما رأيك بالمسرح الحداثيّ والتّجريبيّ؟

- المسرح الحداثي والتجريبي سلاح ذو حدين اما ان نحسن استعماله وامّا عمّ الهلاك ... لكن ما يجب التركيز عليه هو انّ من يمارس المسرح الحداثي ويحاول رسم خط سير في ميدان التجريب يجب عليه ان يكون ذا تكوين عال وثقافة واسعة حتى لا يقع في عقدة التقليد الاعمى وحتى لا يجني على المسرح بحجة التجريب فيسلخه عن مقصده الاساسي ويجعل منه مسخا فلا هو حافظ على الاصالة ولا هو وصل الى التجديد، وبمعنى آخر ان التجريب في المسرح لا يعني التشظي في اللغة والفكرة والصورة والاطناب في الاغراب بحجة الحداثة بل المقصود هنا ان نجد أليات جديدة لمسايرة الحياة الاجتماعية السريعة التي نعيشها، فالمسرح اليوم على غير العادة اصيب بثقافة السندويتش والاكلات السريعة وفي ظل العولمة لم يصبح لنا متسع من الوقت لعرض مسرحية في ثلاث فصول مثلا او ان تتجاوز مدتها بضع ساعات فالمتلقي في عصرنا هذا بحاجة الى مسرح حداثي يعتمد التكثيف وتوظيف ثنائية المخاتلة وتقديم الصورة والعبرة بصورة صحيحة غير معقدة وفي نفس الوقت لا يجب ان تكون سطحية فيضيع هدفها الاسمى

 666-sana

7- هل المسرح المدرسيّ والجامعي مطلب تربويّ مهمّ؟

- من بين القضايا التي دافعت عنها كثيرا هو التأسيس للمسرح في كل الاطوار وفي كل الميادين فاذا لم تحتضن المدرسة والجامعة المسرح وتهذبه وتصبغ عليه صفة الاكاديمية فأين يمكن ان نؤسس لمسرح يخدم القضايا التربوية والفنية ولقد كانت لي تجربة مع وزارة التربية الجزائرية انبثقت عن يوم دراسي حول دور المهاذب الجمالية في ترقية النتائج التحصيلية لدى تلاميذ الطور الابتدائي – أوصينا فيها بتأسيس لفقرة المسرح التعليمي باعتباره في ايامنا هذه نوع من انواع تقديم الدروس ووسيلة ناجعة لتقدم الطفل في التحصيل لانه يسهّل العملية التعليمية ويحولها من النمط الجاف الى النمط الترفيهي في نظر الطفل . والمتعلّم بصفة عامة، وقد اصبح من الضروري اليوم مسرحة بعض المناهج لتسهيل تلقينها خاصة ما يتعلق بالاطوار الاولى من التعليم باعتبار الطفل جاء الى المدرسة ليلعب لا أن يسجن –كما يتصور- ومن هنا ارى بأن المسرح ضرورة تربوية ملّحة في عالم التعليم من الابتدائي الى الجامعة وطريقة ناجعة لتثقيف وتعليم ابنائنا باسلوب راق وبسيط بعيدا عن القيود

 

8- كانت لك تجربة بتكوين فرقة المسرح الجامعيّ في جامعة الجلفة وجامعة المسيلة.فماذا تقول عن هذه التّجربة؟

- حقيقة هي تجربة رائدة ونقطة تحول بالنسبة لي خاصة بعد ان قطفت ثمارها في اقل من سنة بعمل كان له صدى كبير داخل وخارج الجامعة وحتى على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي ففكرة الفرقة المسرحية هي نوع من كسر حواجز الخوف من المسرح وكذا فضاء للمبدعين الشباب لممارسة فنون الكتابة والابداع خاصة اذا كان هؤلاء من الطلبة المبدعين اساسا وكانت أول تجربة في تأسيس فرقة مسرحية مع بداياتي في التعليم الابتدائي وكوّنت فرقة من تلاميذي كنت اسهم بهم في تنشيط الحفلات المدرسية والمناسبات الرسمية وكذلك الاستعانة بهم في تأدية بعض حصص المحادثة والتعبير وبقيت الفكرة معي الى الجامعة حيث أسست فرقة على مستوى جامعة الجلفة بمعية بعض الطلبة وكررت التجربة في جامعة المسيلة بصحبة الدكتور مفتاح خلوف الا أنّ المشروع توقف مؤقتا لحين اعادة هيكلة الفرقة .لكن تبقى هذه التجربة خطوة اولى في مشروع التأسيس لمسرح جامعي قوي وهادف يكون شريكا حقيقيا في المنظومة الجامعية ولسان حال المبدع داخل وخارج محيط الجامعة .............

 

9- ماذا تقول عن المسرح والحياة والفكر والتّشكيل عند محمد زعيتري؟

- تتكلمين عن رباعية جميلة جدا ومهمة في حياة كل مبدع فالمسرح والحياة والفكر والتشكيل عند محمد زعيتري هي معادلة بسيطة تختزل الى ثنائية الحب والموت فبهذه الرباعية احيا ومن دونها اموت

 

10- هل المسرح- وفق رأيك- هو حياة موازية للحياة المعيشة؟

- لا يجب ان يكون المسرح حياة موزاية للحياة المعيشة لانه بهذا سيفقد اهم ركن فيه ولا يصبح سوى مرآة عاكسة لما يحدث في المجتمع ولا فرق بينه وبين التقارير التي تحملها الجرائد في طياتها كل يوم، بل يجب ان يضطلع بمهمته الاصلية وهي التطهير والتغيير ونقد الواقع ليقدم للمجتمع البدائل والحلول وليس فقط اعادة اجترار ما يحدث فعلا . المسرح الحقيقي هو مسرح الثورة على الواقع في محاولة للتطوير الدائم للمجتمع وتحسين الاداء الجمعي في كل القضايا الانسانية

 

11- كيف ترى المسرح الجزائري في الوقت الحاضر؟

- على الرغم من واقع الركود العام الذي يتخبط فيه المسرح العربي اجمالا، الا ان الجزائر اليوم تعيش عصر تحولات -و الحمد لله- المبدعون الشباب اكتسحو الساحة بجدارة، وهناك اسماء لامعة تحاول جاهدة الرقي بالمسرح الى اعلى المستويات،   وذلك بانتاجها الغزير وبالاحتكاك بالتجارب المسرحية العالمية، سواء التاريخية او الحداثية .و بحكم قرب الجزائر من اوروبا، فإنّ حلقة الاحتكاك كبيرة جدا، ونشطة، والمسرح الجزائري يخطو خطوات جبارة رغم بعض العراقيل والحواجز - من حين لآخر- لكن المستقبل يبشر بالخير، شرط المثابرة واستمرارية العمل والتطوير ليصل الى مراحل متقدمة.

 

12- بماذا تصف المسرح العربيّ في الوقت الرّاهن؟

- سؤال يحتاج فعلا لدقيقة صمت .....فالمسرح العربي عرف نوعا من التقهقهر والركود وهذا عائد الى اسباب عدة قد يكون من اهمها ضياع الهوية العربية وفقدان الانتماء للقضية العامة لكن هذا لا يعني انه مات كليا فهناك بعض التجارب الراقية لكنها قليلة، ولا تكفي في ظل التحولات العالمية الكبرى التي تحاول طمس هويتنا العربية، والقضاء على الاجيال بترسيخ ثقافة التغريب .

 

13- لماذا ليست هناك إسهامات عربيّة مهمّة في تشكيل خارطة المسرح العالميّ؟

- حتى نكون حقا شركاء في صنع خارطة المسرح العالمية يجب اولا ان نتوقف لحظة لاعادة ترتيب الصفوف وفرض الذّات وتكوين جيل مثقف يحمل رسالة التغيير الحقيقي، والهادئ، بعيدا عن تكريس ثقافة الدمار التي يبثها فيه الغرب لتحطيم كل مقومات المجتمعات العربية، وتحطيم آخر حصن وهو الثقافة، ثم يجب علينا ان نؤسس لمسرح حقيقي يخدم قضايانا بكل خصوصياتها ولا نبق نجتر اعمال الغرب فقط والاعتماد على الترجمة والاقتباس، بل يجب فتح المجال واسعا اما الابداع الحقيقي وتقديم يد المساعدة لجيل الشباب ليستلم المشعل وحينها سيصبح للمسرح العربي مكانة حقيقة في خارطة المسرح العالمي وسيؤثر بشكل كبير في تغيير الفكر المحموم الذي يبثه الغرب من خلال السينما ووسائل الاعلام

 

14- أنت قد درست الإعلام.ماذا يقدّم الإعلامي للمسرحيّ؟

- المسرح فن، - والاعلام هو فن نقل المعلومة- . وكما يحتاج المسرحي الى نقل الفكرة الى المتلقي بطريقة صحيحة، فإن الاعلامي ايضا يحتاج الى تقنيات عالية للبحث عن المعلومة، وصياغتها، ونقلها، وهذا هو العامل المشترك بين الاعلام والمسرح . وقد ساهم الاعلام كثيرا في بلورة الكثير من الافكار المسرحية من حيث النص وكذلك من حيث المعالجة الدرامية، كما ان الاعلام هو القناة الناقلة للفنون الاخرى .

 

15- لقد درستَ اللّغة العربية واللّغة الفرنسيّة والانجليزية .ماذا تقدّم دراسة اللّغات للمسرحيّ؟

- اللغات هي النافذة الحقيقية لفهم العالم والاحتكاك الثقافي ولذلك فالمسرحي غير المتفتح على اللغات هو مسرحي متقوقع ولا يمكن ان يبدع اعمالا ترقى الى مستوى العالمية فاللغة مفتاح الفكر والمسرح يحتاج لمبدع مثقف ومتفتح

 

16- لقد درست الكثير من التخصصات، مثل العلوم السّياسيّة والعلاقات الدّوليّة والقانونيّة والإنجليزيّة التّقنيّة.فما سبب ذلك؟

- قد تكون الاجابة صادمة نوعا ولكن سأقول باختصار اني اؤمن بأن الانسان في هذا العالم لا يجب ان يكتفي بتخصص واحد لان الانسان مجموعة من العلاقات المختلفة وفهم القضايا الحياتية يحتاج الى فكر ناضج متفتح ويحتاج الى نظرة شمولية وانا كنت ادرس هذه التخصصات من باب التفتح على الاخر .

 

17- هل من المهم أن يكتب المسرحيّ نقداً حول المسرح؟

- ممارسة عملية الكتابة المسرحية او حتى الاخراج المسرحي هو نوع من النقد لذلك نجد كاتب النص او المخرج يبحث دائما عن نقطة الكمال وهذا في حد ذاته اسمى مراحل النقد سواء كتب ذلك في مدونة أم اكتفى بتطبيقه

 

18- متى يكتب محمد المسرحيّ النّقد المسرحيّ؟

- بالعادة انا لا اكتب نقدا بالمفهوم الاكاديمي، لكني أدوّن بعض الملاحظات طبقا لما تمليه علي الذائقة الفنية واكتفي بتدوين ملاحظات لصالح الرقي بالمسرح واعادته الى دوره المنوط به

 

19- ماذا قدّم المسرح العربيّ في تاريخ المسرح العالميّ؟

- نستطيع القول ان المسرح العربي كان في فترة من الفترات وخاصة المائة سنة السابقة – تاريخ ظهوره وازدهاره – لبنة اساسية في تكوين المسرح العالمي بتلقيه للحضارات السابقة وتوظيفها وكذا تأثيره في الحضارات المعاصرة له ولكن بعد ذلك وبكل أسف فإن المسرح العربي اجمالا يحتظر بغض النظر عن بعض التجارب الناجحة وبعض المحاولات هنا وهناك للنهوض به، ولكن الجو العام يبعث في النفوس الملل والركود خاصة بعد التوجه الكبير للسينما . واصبحت دور المسرح مناسباتية وليست كما عرفتها الحضارات السابقة منارات ادبية وثقافية صنعت اجيال قادرة على بناء مجتمعات قوية ومثقفة وضاعت الفلسفة الارسطية الداعية للتطهير وطمست النظرية البريختية للتغيير وبهذا اصبح المسرح العربي يعاني من فقر في الموضوعات بالرغم من توفرها وفقر في جوهر النصوص المختارة، وادى عزوف المتلقي الى فراغ رهيب .

 

20- ما خصائص مسرح الطّفل وفق رأيك؟

- مسرح الطفل هو مسرح بكل المقومات المعروفة في العملية المسرحية غير انه يختص بطبيعة النص الموجه لهذه الطبقة العمرية كما انه يراعي الهدف الموجه والرسالة الخفية من خلال العمل ككل باعتباره قناة تواصلية مع فئة الاطفال المباشرة وحتى غير المباشرة اي من الكبار البالغين الذين يتلقون هذه الرسائل ويترجمونها تصرفات حياتية سواء في البيت او المدرسة ويفهمون من خلالها مزاج الطفل وتفكيره، ومن هنا وجب علينا او نولي اهمية قصوى لهذا النوع من المسرح ولا يمكننا ان نتكلم على خصائص معينة بالمفهوم الحقيقي للكلمة ولكن يجب الانتباه الى جوهر الاعمال المقدمة من خلال مناسبة الموضوع للفكر الطفولي وكذا استعمال عناصر الشد والانتباه مثل تسخير الاضاءة وادراج الحركة باعتبار ان العملية التعليمية لدى الطفل ترتكز اساسا على الصورة البصرية

 

21- كتبت وأخرجت مسرحيات للطّفل.فماذا تقول عن هذه التّجربة؟

- تجربة الكتابة تجربة تمازج بين اللذة والالم، فالكتابة تشبه المخاض والاخراج يشبه عملية الولادة، فالعملية تكاملية وهي ثمرة لفكر راسخ عند محمد زعيتري الذي يؤمن بأن الطفل هو نواة المجتمع الذي ينبثق منه مستقبل الاجيال فاذا نحن لم نهتم بالطفل بغرس بذور الفكر السليم بداخله منذ البداية فلا يحق لنا ان نحلم بمجتمع راق .

وعملي في مجال مسرح الطفل كان من باب المسؤولية الاخلاقية في عالم انتهكت فيه كل الحقوق والحريات ونسينا في لحظة من اللحظات أننا نحن من اسس لهذا الفكر الضيق .

 

22- أين حدود السّخرية والحقيقة في (السبوت لايت شقلبة)؟

 

- بداية العمل كان فكرة انبثقت من نص كتبه صديقي الرائع الاديب الساخر مصطفى بونيف وهو نفسه الذي مثّل العمل، وكان لي مهمة الاشراف على هذا العمل واقتراح عنوان " شقلبة " الذي اعتمد في الاخير .

وفي هذا العمل تبدأ حدود السخرية من العنوان في حد ذاته، فعالمنا اصبح يفكر بالمقلوب الظالم مظلوم والمظلوم مجرم يجب معاقبته باعتبار عدم اذعانه للقوي ولو كان ذلك على حساب حريته وكرامته . انقلاب الموازين الحياتية واختلال المنطق الانساني الذي افرزه النظام الدولي الجديد وخاصة بعد احداث 11 سبتمبر، جعل الامور غير مفهومة وتعقدت الحياة بطريقة شوشت الرؤى الواضحة للقضايا الانسانية، فجاء هذا العمل "شقلبة " كردّة فعل صريحة ترفض ان تداس المقدسات وان تكسر نواميس الكون فحمل في طياته عدّة موضوعات تبدو مختلفة ولكنها تصب في هدف واحد، الا وهو حرية الرأي وحرية التعبير . والنظر الى القضايا العالمية بعين الحياد بعيدا عن التهويل الاعلامي الذي تفرضه القوى الكبرى، وتطبيل ضعاف النفوس .كما انه تناول قضايا مصيرية تخص مستقبل الشباب كالعمل والزواج وعالجها بطريقة ساخرة في ظل اتساع رقعة البطالة وتزايد نسبة العنوسة، أمّا حدود الحقيقة فالعمل كان بحق ترجمة بالصوت والصورة لما يحدث داخليا وخارجيا وللتطورات الاجتماعية والسياسية الراهنة .

 

23- ماهو المسرح الذي تسعى لترسيخ مفاهيمه؟

- ككل مثقف غيور على الثقافة العربية، احلم بمسرح يخدم القضايا الانسانية بجرأة تلغي كل الحواجز والاعراف الديبلوماسية، مسرح يحمل هموم البشرية ويقدمها في أصدق صورها دون مداهنة واذعان وهذا لا يتأتى الا اذا رسخنا قواعد صارمة للممارسة المسرحية تعتمد على الاكاديمية الصحيحة وتبتعد عن التجريب العبثي الذي يعتمد الفوضى مقياسا، وذلك باالاعتماد على عنصر الشباب وتسليمهم المشعل ليصنعو مستقبلهم بعيدا عن الوصاية القاتلة هؤلاء الشباب الذين لهم الحق في معالجة قضاياهم فهم الاحق بها وهم من يرسم معالم المستقبل والمسرح في ايديهم بأمان تام بداية من النص وصولا الى الاخراج .

 

24- عملتَ في الدّراما التّسجيليّة لشخصيّات تاريخيّة ووطنيّة.ما الذي حرصت على إبرازه في مثل هذا النّوع من الدّراما وفق رأيك؟

- الافلام التسجيلية ركيزة اساسية في المحافظة على التاريخ والموروث الثقافي الجمعي، فنحن اليوم في صراع حضاري خطير يحاول الغرب من خلاله طمس معالم هويتنا وتزييف حقائق تاريخية، فالافلام التسجيلية هي الخزانة الحافظة لهذا التاريخ وهي السجل الآمن لحفظ تاريخ شخصيات وحضارات سابقة وعملي في هذا الميدان كان نابعا من مسؤولية اخلاقية تجاه الماضي وقد حاولت ان ألج هذا العالم بتسجيل اشرطة وشهادات حية حول شخصيات معروفة في المنطقة ولها افضال كثيرة على اجيال متعددة بعدها، كما حاولت ان اعتمد الموضوعية في التأسيس لارشيف وثائقي قد يكون مرجعية في يوم من الايام .... التجربة مازالت فتية وتتطلب تفرغا واماكانات كبيرة جدا الا ان النتائج تستحق بذل الكثير من المجهود

 

25- لقد عملت في مشروع إحياء تراث منطقة الجلفة.ماذا تقول عن هذه التّجربة؟

- وهذه التجربة ايضا مرتبطة بصفة غير مباشرة بتجربة الافلام التسجيلية وقد حاولت من خلالها ان اجمع التراث الذي بدأ يتلاشى شيئا فشيئا في عرض الحياة المتسارعة . وكانت التجربة نابعة من تجربة سابقة كنت قد خضتها مع اعضاء مكتب النشاطات الثقافية بالمركز الثقافي الاسلامي -اين كنت اعمل سابقا - وحاولنا من خلالها جمع هذا الموروث الثمين وتصنيفه وتدوين ما هو شفهي واعتماد الاكاديمية في البحث، ولقد كانت تجربة مليئة بالاكتشافات والمغامرة وخاصة في عالم الزوايا *- التي تختص بتعليم القرآن والسنة وما تحتفظ به من رصيد ثقافي خاصة ما يتعلق بالمخطوطات ودواوين الاشعار والمتون .

 

26- بماذا تصفّ السّينما الجزائريّة؟

- السينما الجزائرية مرت بمرحلتين اساسيتين

المرحلة الاولى وهي مرحلة السينما الاكاديمية او السينما المحترفة (الواقعية) وقد قطعت فيها الجزائر اشواطا كبيرة وخطت خطوات جبارة وفرضت نفسها عربيا وعالميا من خلال الدراما الثورية خاصة والدراما الاجتماعية المنبثقة من روايات وسيناريوهات جزائرية مثل "الافيون والعصا" و" دورية نحو الشرق" و"سنين الجمر" وغيرها وكلها افلام تعتمد اللمسة التاريخية في مسيرة التحرر للشعب الجزائري وكل ما تعلق بقضايا السياسة والاقتصاد، ونجحت بشكل باهر كاد يصل الى مرحلة الكمال والجوائز العالمية خير دليل على ذلك

اما المرحلة الثانية فهي المرحلة الحالية وتعتمد فلسفة التجريب فتتراوح فيها بين النجاح احيانا والاخفاق احيانا اخرى الا انّ بعض التجارب الناجحة تبعث بصيص امل في صناعة سينما قوية ترقى الى مصاف العالمية

 

27- هل هناك فوضى في المصطلح النّقدي ّوالمسرحيّ في المشهد الإبداعيّ والفنّي والنّقديّ الجزائريّ؟

- فوضى المصطلح اشكالية يعاني منها العالم العربي برمّته والعالم الثالث عموما وذلك بسبب التأثير القوي للمدارس الغربية على الثقافة العربية وجنوح كثير من مثقفينا الى اعتماد الثقافة الغربية كمقياس للتطور والرقي وهو ما انعكس سلبا على المدونة العربية النقدية التي لم يتجشّم هؤلاء المثقفون عناء التأسيس لها، والجزائر كغيرها من الاوطان العربية ورغم محاولات منفردة هنا وهناك لبناء منظمومة نقدية عربية تعتمد المصطلح العربي الذي يتناسب والثقافة العربية، الا انها تبقى تعاني من نفس التبعية الثقافية .

 

28- حاضرتَ في الجامعة الأردنيّة في كلّيّة الفنون والتّصميم.ماذا تقول عن هذه التّجربة؟

- التجربة كانت رائدة بكل المقاييس لأن التبادل الثقافي والمعرفي يصنع ثقافة متفتحة ومتطورة، وروح العمل الجماعي والاحتكاك بخبرات مختلفة هو في حد ذاته نوع من صقل المعارف واثراء المنظومة المعلوماتية لدينا . وقد كانت ناقاشات الاساتذة الكرام والطلبة المحترمين ثرية جدا وسمحت لي بالتعريف بافاق تخصص السايكودراما خاصة في كلية الفنون والتصميم مما سمح للطلبة بولوج عالم جديد كما حاولت من خلالها نقل التجربة الجزائرية بما يختص بالمسرح والفنون الاخرى بمساعدة زميلي الدكتور مفتاح خلوف الذي حاضر بدوره في تخصص سيمياء المسرح

 

29- ماذا يمكن أن يقدّم المسرح للصّم ولذوي الاحتياجات الخاصّة؟ وهل يمكن أن يكون هناك مسرح خاصٌ بهم؟

- المسرح فن بصري تعبيري، والصم يحسنون المشاهدة لأنّ عيونهم هي آذانهم ومن هنا فالمسرح بالنسبة لهم منبر فسيح واداة تعبير قوية جدا لطرح قضاياهم ولغة الاشارة التي يستعملونها هي نوع من مسرحة الالفاظ بمعنى انها فن تعبيري حركي وهو الركيزة التي ينبني عليها الاداء المسرحي، كما ان الصم لهم باع كبير في الاداء المسرحي وقد اثبتت التجربة ذلك وهنا لا يفوتني ان اصف التجربة المسرحية الرائدة للصم في الاردن في المهرجان الثقافي المسرحي العربي الاول للصم والذي نظمته جمعية تنمية المرأة الاردنية للصم سنة 2013 تحت شعار "بلاغة الجسد وحديث الاصابع" أين شاركت في فعاليات هذا المهرجان بمحاضرة تحت عنوان " الصم وثقافة التواصل الاجتماعي " وشهدت ذلك التألق للعروض المسرحية التي قدمها الصم وكانت بحق رسالة واضحة تترجم مدى اهمية المسرح كفن تعبيري في ترجمة مكنون الذات مهما كانت لغة التواصل سواء المنطوقة ام الاشارية . فالمسرح فضاء فسيح امام الصم وذوي الاحتياجات الخاصة باعتباره قناة تبادلية سواء كانوا مؤدين أم متلقين – مشاهدين –

 

30- لقد شاركت في الكثير من الملتقيات والنّدوات الدّوليّة حول المسرح والنّقد.ماذا تقّدم هذه المشاركات لمحصّلة محمد زعيتري المسرحيّ؟

- هذه المشاركات أكيد هي نوع من الثروة المعرفية التي تسمح لي بالاستزادة في هذا الميدان والاحتكاك بالثقافات المختلفة وبناء رؤية واضحة وتفصيلية حول المشهد المسرحي والنقدي العربي والعالمي وهذا يساعدني كثيرا في بحوثي وتجاربي الابداعية كما انها قناة تفتح لي آفاق التعاون المستقبلي مع مختصين في المجال، وخبرات ابداعية لها رصيد معرفي كبير .

 

31- ما رأيك بالمهرجانات المسرحيّة العربيّة؟

- كثير من المهرجانات العربية المسرحية فقدت الهدف المنوط بها للرقي بالمسرح العربي ورفع مستوى الذائقة الفنية العربية والعالمية واهتمت بجزئيات صغيرة جعلت من المسرح آخر اهتماتها بترسيخ ثقافة السوبر ستار والتنافس على نيل الجوائز بمعايير بعيدة كل البعد عن فن المسرح ولكن رغم ذلك تبقى بعض المهرجان تحافظ على الحد الادني من روح المسؤولية لخدمة قضايا المسرح العربي

 

32- هل تعتقد أنّ السّياسات الثّقافيّة العربيّة تدعم المسرح كما هو مأمول؟

- لا استطيع ان اقول ان السياسات العربية تدعم او لا تدعم المسرح لأن الامر يتعلق بمسؤولية مشتركة بين السلطات والمثقفين فالدعم ليس فقط بناء دور مسرح وتمويل المشاريع لكنه ايضا مسؤولية اخلاقية في رسم مسار تكويني تختص به الجامعات والمسارح الوطنية لتخريج شباب ذوي كفاءات عالية وهذا لا يتأتى الا بمشاركة المختصين والمثقفين في بناء هذا الجيل الذي يحافظ على الاستمرارية ويستثمر المسرح كشريك حقيقي في العملية الثقافية الاجتماعية

 

33- هل المسرح في وجهة نظرك تجسيد للمجتمع أم مشروع إصلاحي له؟

- اذا اردنا ان نبني مسرحا يجسد ثقافة التطهير والتغيير فإنه حري بنا أن نؤسس لمسرح يحاكي – ولا يعكس – الحياة الاجتماعية بتلمّس القضايا المراد معالجتها وبلورة الافكار وفق ما تقتضيه هذه القضايا من اصلاح، فالمسرح ليس تجسيدا للمجتمع كما هو، بل هو اعادة تشكيل للمجتمع وفق ما تلميه المشروعات الاصلاحية .

 

34- ماذا تعني الكلمات التّالية لك:

أ‌- خشبة المسرح: فضاء الانعتاق

ب‌- الإضاءة المسرحيّة: شعاع الحقيقة

ت‌- الديكور المسرحيّ: فضاء الخيال وتفتح الافق

ث‌- المؤثّرات الصّوتيّة للمسرحيّة: الوتر الحساس عند المتلقي

 

* - الزوايا وهي جمع لكلمة زاوية وهو مكان يشبه المركز التعليمي يختص بتعليم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وتخريج الائمة ومعلمي القرآن الكريم ويؤطره مشايخ .

 

 

أجرى اللقاء الأديبة الأردنية د.سناء الشعلان

 

فاروق صبري وأمنية العمر

- المدعو ميثم السعدي سرق مشروعي وغطى سرقته بتعديلات بائسة

المسرح عالم غريب يملئها التناقض بين النص وأداء الممثلين ورؤية المخرج وقد نرى نصا مسرحيا قديما من زمن الاغريق ونتفاعل مع شخصياته كأننا نتعايش معهم اليوم. النصوص المسرحية الجادة قليلة وهي تلك الديناميكية منها اي التي تتخطى حاجزي الزمن والمكان فيمكن عرضها ومشاهدتها في اي زمان ومكان وحتى ان اللغة المكتوبة بها النص المسرحي لغة شفافة يمكن تطويعه وترجمتها الى اية لغة اخرى. بالتأكيد ان الجانب الانساني للنص هو السر في خلود النص بحد ذاته من ناحية ومن ناحية اخرى نرى ان عرض المسرحية يزيد من صقلها ويحسن جودتها الفنية. النصوص الخالدة كما ذكرت ليس لها اية هوية قومية فشكسبير وبرخت يمكن مشاهدتهم بكل لغات الكون وحتى بعد دهر من الزمان. حضارة العراق القديم كان مسرحا للعديد من النصوص وكانت المسارح منتشرة في مدنها الكبيرة في بابل و اشور و اور وللمسرح الحديث اي المسرح العراقي بعد اعلان الدولة العراقية عام 1922 حضور قوي لكن المؤسف ان الانظمة السياسية حاولت استغلال المسرح لمنافع السياسية الدعائية الضيقة ونشر افكارها وهنا اتسائل من ضيفي الفنان فاروق صبري كي يحدثنا عن تلك الفترات التاريخية ودور المسرح في نقل الافكار الايجابية في المجتمع والنقد البناء. تخرج من معهد الفنون الجميلة من قسم المسرح والسينما في العاصمة الحبيبة بغداد عام 1974 وهناك كانت انطلاقته وخطواته الأولى حيث قام بعدة أعمال متميزة داخل العراق وفي خارجه حتى أستقر في منفاه في نيوزلندا ولقد أجريت معه هذا الحوار في البدا

سألته عن رأيه بوضع المسرح حاليا في وطننا الحبيب العراق فأجاب قائلا:

- خلال عام قضيته في الوطن شاهدت بعض العروض المسرحية ودعيت لمهرجانات مسرحية واستمعت الى مسرحيين وهم يدلون بآرائهم وساهمت بندوات حول المسرح وعرضت مسرحيتي " الوردة الحمراء" في مهرجان أربيل المسرحي، هذا السفر المسرحي منحني فرصة جيدة لقراءة أولية لــ(وضع المسرح) وهذا الوضع بما له من سلبيات وإيجابيات، عثرات ونجاحات صورة من صور الواقع الثقافي الذي يذهب للأسف صوب الانغلاق والتشرذم والعصبويات والرعب من حرية التعبير، هذا الرعب لا يمارسه سياسيي سقط المتاع وإنما يمارس من قبل (مثقفين) حملوا سيف الطوائف وتخلوا عن سعفة المعرفة .

ومع كل ما قلت فإن هناك مبدعين مسرحيين عراقيين فرشوا فضاء المسرح بهذه السعفة المعرفية والجمالية وهم يتواصلون في إنتاج الجمال والتواصل مع ما هو جديد وراق في عالم المسرح.

وقبل أن ننتقل إلى تساؤل اخر اسمح لي أن أتوقف عند تجربتي في مسرحية " كولاله سوره / الوردة ألحمراء لأنها كانت بالنسبة لي غنية بلقائي بالفنانين المسرحيين الكرد وبوزارة اقليم كردستان وبمديرية المسرح الوطني والذين أعتز بمن قدم لي مساعدته وتشجيعه واريد الإشارة إلى أهمية مهرجان أربيل المسرحي الدولي وأدعو وزير الثقافة في الاقليم بتفعيل هذه التظاهرة المسرحية التي تلتقي خلالها تجارب إبداعية قادمة من بلدان العالم وتلك التجارب تغني الحركة المسرحية في الإقليم ..

658-faruq1 

وهل تعتقد أن المسرح الجاد التابع للمدرسة الواقعية أصبح معدوم في وقتنا الحاضر؟

- مع أنني قد طوّرت ذائقتي المعرفية عبر قراءة ومشاهدة تجارب مسرحية متنوعة التيارات والمدارس إلا أنني لا أميل بتأطير المنجز المسرحي على الأقل ما أنجزه أنا في خنق التسميات والتعريفات، فالعرض المسرحي أنشغل به وفيه دون التفكير بأنه (جاد) أو( واقعي)، احاول تأسيسه بتخيل منفلت وبطقس متحرر من القواعد والقوانين والتأطيرات، القانون الأسمى هو الخلق والدهشة وعمق المعرفة وفتح فضاءات جديدة يلعب التخيل فيها دورا مهما لكن يومياتنا لن تكون غائبة عنها وفيها .....

نرى انه يوجد في مصر مثلا المسرح التجاري الذي يعتمد على العروض المسرحية الهزلية والتي ليس فيها معنى والآن نجد أن المسرحيين في العراق يؤكدون على وجود هذه الظاهرة في عدد كبير من العروض المسرحية فما هو رائيك؟

هذا النوع طارئ وبليد ومعيب ولا علاقة له الا بالضحك على الوعي الهابط، تهريج ابطاله تواجدوا في ازمنة مختلفة لكن زمن الحروب جعل جيوبهم مثل كروشهم مثقلة بثمن اغتيال الذائقة!

 

هل يعتبر عقدي الستينات والسبعينات من هذا القرن من الفترات الذهبية التي عاشتها السينما والمسرح العراقي وكيف يمكننا بث الحياة والنشاط في جسد السينما والمسرح و هل تعتبر دائرة السينما والمسرح هي الجهة الوحيدة المسئولة عن تدهور وانحدار العمل المسرحي والسينمائي أم أن هناك من جهات أخرى تقع عليها أيضا المسؤولية؟

- دائرة السينما والمسرح صرح حضاري محتل الأن بالجهل والأدعياء وهتّافين، فإن تحررت فإنها سوف تعود إلى دورها الإبداعي، ننتظر هذا التحرير أن يبدأ مع خطوات الكاتب فريد راوندوزي وزير الثقافة والتي لا ان تشمل أيضا تصفية الوزارة من الطحالب واللصوص ومن ثم البدء إلى إعادة الهواء النقي للدائرة وتفعيل برامج فعّالة للعروض المسرحية والافلام السينمائية .

 

لدى المثقفين العراقيين في المنفى نشاطات كثيرة كمؤسسات مجتمع مدني يديرونها وصحف ومجلات ومواقع على الانترنيت إلا من ناحية السينما والمسرح فأن نشاطاته قليلة للغاية ولا توجد جهة حتى هذه اللحظة تمثلهم في الغربة لماذا؟

- مستحقات الغربة كثيرة ومؤلمة، فالكثير من مثقفي المنافي لم تهدأ حقائبهم ومتواصلة في التنقل والتوزع في المطارات واالمحطات والمدن ومع كل هذا أنجز المثقف العراقي والمسرحي العراقي المنفي الكثير من المنجزات الإبداعية التي حضرت بقوة في العديد من البلدان وعواصمها، وهنا اريد أن أتوقف عند تجربتي المتواضعة، ففي عامي 2004-2005 كنت احاول إنجاز عرضي المسرحي المنودرامي "امراء الجحيم " وبعد بروفات داخل صالون البيت الساكن فيه أردت الإنتقال إلى صالة مسرح لكني لم استطع لم أملك اجور الحجز وبدل أن اوقف فكرة العرض حولت كراج البيت إلى خشبة مسرح وعرضت جنرال بروفة فيه وجاء البعض من الاصدقاء وشاهد العرض والذين تشجعوا وذهبوا واستأجروا عبر نادي الجالية العراقية قاعة للعرض، لكني أحببت عرض الكراج والذي سميته بــ(Garage Theatre) ولقد أخذت هذه التسمية من (Garage sale) حيث هنا في نيوزلندا يجعل البعض كراجات بيوتهم محلات لبيع حاجياتهم الزائدة ....

 

أستاذ فاروق كل إنسان مبدع لديه حلم يريد يحققه في عمله فما هو حلمك الذي تسعى لتحقيق من ناحية المسرح والسينما؟

- هناك مقولة لا تهدأ في روحي وتتماوج مع نبض القلب، المقولة هي : لابد أن أن نحلم، وأنا أمارس الحلم كهواء أتنفسه وأحاول تحقيقه وهذا هو الأهم، وفي هذه الأيام حلمي أن أنفذ مشروعي " المنودراما التعاقبية" عبر ورشة فنية أنجر خلالها عرضاً مسرحيا وطبعا المشروع سيكون أرضية حرّة لكتابة النصوص وانجاز العروض المسرحية والحقيقة هذا المشروع بدأ كفكرة وتتطورت كمشروع في أعوام 2010 -2011 – 2012 وفي حينه تحدثت عنه- ولدي رسائل في البريد الخاص لا أتمنى أن اضطر نشرها- لبعض الأصدقاء ومنهم من صارت بيني وبينه ثقة لأنه قدم نفسه كــ(مسرحي) مظلوم، محارب من قبل مؤسسات رسمية وغير رسمية ووووولكن طعن هذه الثقة بخنجر جهله ودونيته وسرق المشروع بعد أن وضع بعض (التعديلات) الهامشية والبائسة عليه كتغطية على سرقته وإدعى أنه مشروعه هو وهنا أقصد شخص يدعى ميثم السعدي ومما يؤسف أن (إستاذ جامعياً) تبنى هذا التناص المسروق غير المشروع بعماء أو تعمد وصار يدافع عنه كأي متورط يكتشف السرقة متأخراً لكنه لا يستطيع التراجع عنه لحسابات ما وهنا أقصد الدكتور المصري سيد علي، لكن الأهم أنا سائر في تنفيذ هذا المشروع على خشبة المسرح رغم إدعاءات البعض بانه صاحب أو كتاب منشور أو تطبيق في هذا السياق .

 

لو تسلمت إدارة دائرة السينما والمسرح التابعة لوزارة الثقافة فما هو أول قرار تتخذه؟

- لو تسلمت كمدير لدائرة المسرح والسينما فسيكون اول قراري تعيين المبدع الخلّاق الدكتور الأكاديمي كريم عبود مديراً عاماً للدائرة ...وسيكون القرار الأخير لي لأن بعده سأتنفس صعدا هواء فضائنا وجنتنا المسرح...

 

اجرى اللقاء: د. توفيق آلتونچي

 

في حوار مع الباحثة والكاتبة د. مروة كريدية:

marwa  kreidiehمروة كريدية: مواجهة "التطرف" لا تكون في تقوية "تطرف ما " لاقتلاع "تطرف آخر" !

ترى د. مروة كريدية ان منابع الارهاب والتطرف هي فكرية بالدرجة الاولى وان معالجة الارهاب عبر الحلول الأمنية والعسكرية غير مجدية ولا تزيد المشهد الا دموية لانها تكرس العنف والعنف المضاد، وان جماعات العنف في العالم من ديانات مختلفة، ومصادرهم الفكرية والأيديولوجية متنوعة، وكل واحدة من هذه الحركات تمتلك منظومة عقائدية وأيديولوجية و"لاهوتية" خاصة بها، تبني عليها خطاباتها السياسية المؤدية للعنف .

وتشير كريدية الى ان تفكيك الارهاب يكون بتحليل الخطاب الأيديولوجي و"اللاهوتي" ونقده وتجديده والذي ينبغي ان يطال كل الأديان . داعية الازهر الى تحمل مسؤوليته الحضارية .

وترى ان "الحرب على الارهاب" الدائرة اليوم ليست الا إدارة لميزان القوى و تقوية "تطرف" لمواجهة تطرف آخر !

وتعد د. مروة كريدية واحدة من المهتمات بالقضايا الإنسانية واللاعنف وحقوق الانسان حيث تطرح العلاقات الاجتماعية والسياسية في المجتمع المدني من خلال رؤية وجودية تتجاوز الانقسامات الاثنية والدينية والجغرافية، وقد عملت في ميادين فكرية متنوعة، وهي ترقى بالسياسة عن عالمها الادنى الى تخوم الانسانية وهي ناشطة في الحقوق المدنية   نحاورها اليوم في محاولة لاستشراف الوضع في المنطقة في ظل الاوضاع الراهنة .

 650-marwa

كيف تقرأين عملية انتشار الحركات الاصولية او "الارهابية " وتمددها بهذا الشكل برغم ما تبذله الدول لاطفاء تلك الظاهرة ؟

- أثبتت الحلول الأمنية عدم نجاحها، وما الخراب الذي نعانيه اليوم الا نتاج سنوات من القمع ؛ ولنكن واضحين، فإن تفكيك بنى الحركات الأصولية يجب ان يبدأ بالفكر أولا، لأن قمع تلك الحركات بالقوة وعبر أجهزة الأمن وغيرها، ستبدو عملية غير مقبولة على المستوى الإنساني من جهة كما أنها ستؤدي إلي مفعول عكسي وعنف مضاد، وقد أثبتت التجربة ذلك، لأنها ستزيد من قاعدتها الشعبية وستعزز السلوك العنفي، وستمتد على حساب من يمثلون الإسلام المعتدل، الذين سيضطرون للرضوخ للتطرف مسايرة للضغوط الشعبية وهو ما يحصل حاليًّا في المناطق الساخنة، وقد أمست كل الدول العربية ساخنة ؛ فرجالات الإسلام السياسي المعتدل لا يتبنون أطروحات الإسلاميين النضاليين، لكنهم ينزلقون كثيرا إلى العنف تحت وطأة الضغوط العنيفة التي يعانونها من جانب الأنظمة. واليك سوريا نموذجا . المعارضة السورية لم تؤيد يوما "داعش" ولكن بعد اربعة اعوام على بداية الثورة لجأت بعض الفئات الى "داعش" ولك ان تعرف ان في الدول العربية اكثر من ثلاثمئة ألف سجين سياسي أكثرهم ممن يوصفون بأنهم إسلاميين. وقد سقط منهم عبر العقود الأربعة الأخيرة حوالي المائة ألف قتيل من القتال المتقطع الدائر، هذا اذا استثنينا ما سقط في الثلاثة الاخيرة حيث الاحصائيات متفاوتة والاعداد كبيرة للغاية .

 

اذن كيف يمكن لنا ان نعالج ظاهرة "انتشار الارهاب " ؟

- البداية تكون بتحليل المنظومة الفكرية التي "يؤمنون" بها وطرح النقاش في كل عنصر من عناصرها؛ فنحن الآن نُواجه مشاكل متعلّقة بالتأصيل ازدادت تعقيداً مع انتشار حركات الإسلام السياسي، الدّاعية إلى إعادة تطبيق الشريعة الإسلامية كما وردت وقُيّدت من قبل بعض الأصولويين" بفرض رأيهم عن طريق استلام السلطة السياسية، ثم تكييف التعليم مع ما يقتضيه التأصيل الموروث.

في مصر على سبيل المثال ؛ بداية الفكر الجهادي تعود ربما الى ما قبل ستينيات القرن العشرين او لنقل مع "سيد قطب" اي منذ ما يزيد عن نصف قرن، ماذا فعلت السلطات المصرية المتعاقبة كلها، اودعت "الجميع السجون " دون محاكمات عادلة ودون ان تفعل حوار جاد مع فئة الشباب لتفكيك البنى الفكرية للاصولية في ظل فساد اداري كبير مما دفع بفئة كبيرة من الشباب الى مزيد من التطرف وهنا تكمن النقطة المحورية .

وهنا اتساءل الم يكن نصف قرن كافيا لمعالجة ظواهر العنف عبر الحوار والتأسيس لمجتمع مدني حقيقي وحيوي ولماذا لا زال الحل الامني هو الحل الوحيد!؟

 

فمن اين تكون البداية؟

- تُعدّ عملية فهم نشأة الحركات الأصولية وبنيتها الأيديولوجية، وبنية عقليتها وطريقة اشتغالها الوظيفية، هي العملية الأولى والأهمّ قبل الدخول في أي عملية حوار حقيقية .

وقد شاركت في العديد من مواقف حوارية متنوعة مع أصوليين اسلاميين ومن ديانات أخرى وغيرهم، وفي أغلب المرّات كانت العملية أشبه ما تكون بحوار الطرشان.

والسبب الرئيس يعود إلى اختلاف المفاهيم والمنطلقات من جهة، و البنى الأيديولوجية التأسيسية من جهة أخرى، فعملية الخوض في الفروع أو السلوكيات المنبية على المعتقد والأيديولوجية غير مجدية بمفردها.

عملية الحوار هذه، يجب أن يقودها أناس متخصصون، لا يتقنون فن الحوار وحسب، بل يفهمون النصوص المُؤسِّسَة للأصول والعقائد، أي يمتلكون الوسائل التحليلية والاستنباطية للربط بين الأحكام الشرعية المنبنية عليه وكأنه حقيقة يقينية مقدسة، فحتى العلمانيين و مواقفهم المتشنجة حيال كل ما هو مسلم ينمّ عن نقص معرفي خصوصاً فيما يتعلق بالعلوم الإنسانية و الاجتماعية والمواقف المتطرفة التي يتخذونها تمنعهم من فهم الحاجة الدينية أو دراستها بشكل صحيح.

 

هل ترين ان ذلك مرتبط بدول ما شرق اوسطية بعينها؟

- المشكلة متفاقمة اليوم ومتشابكة لدرجة انها ربما تطال معظم الدول التي يعيش فيها المسلمون، وهي لا تُحلّ لا بشن حرب عسكرية على الإرهاب "السني " وحسب ، لأن محاربة الفكر الأصولي يجب ألا تقتصر على ما هو إسلامي "سني" او "سلفي"، فدولة ايران مرتبطة بولاية الفقيه اي على مشروعية مذهبية "شيعية"، ودولة إسرائيل قائمة على مشروعية لاهوتية يهودية... وان عملية التفحص النقدي لهذه الأيديولوجية يعني خلع المشروعية اللاهوتية عنها و"التجديد اللاهوتي " يعني نقده وهو امر ترفضه "الدول الاقليمية المتنفذة في الشرق الاوسط".

كما ان "البعع السني" يسوغ لايران انخراطها في الحرب على الارهاب، و"البعع الاسلامي" يسوغ لاسرائيل انخراطها في الحرب هنا وهناك !

فنحن أمام أصوليات متناحرة ... اصولية إسلامية تواجه أصولية يهودية، واصولية سنية تواجه اصولية شيعية ! وهكذا في دوامة من العنف، لذلك لا يمكن حل الأشكال مع الأصوليين كافة وفتح باب الحوار معهم والوضع حيال إسرائيل كما هو معروف، او ان نحارب "داعش " ونغض الطرف عن "الميلشيات الشيعية " في سوريا، وهذا الأمر يجب أن تعيه الحكومات العربية والإسلامية من جهة والإدارة الأمريكية من جهة أخرى ان مواجهة "التطرف" ينبغي ان تكون شاملة وجذرية وليس تقوية "تطرف ما " لاقتلاع "تطرف آخر" !

 

ماهي المسؤولية الملقاة على عاتق الدول العربية والغربية لمواجهة الفكر المتشدد الذي تشيرين اليه؟

- تأسيس معاهد حديثة لتدريس "الاديان "بطريقة جادّة ومسؤولة في كافة أنحاء العالم وهنا يجب تسليط الضوء على ضرورة استعادة الأزهر لمسؤوليته الحضارية كذلك جامعة الزيتونة عبر تحديث المناهج والتفكير في اللامفكر فيه من خلال طرح اجتهادات جريئة تتناسب والعصر لا الاكتفاء بتدريس مذاهب تعود الى الف عام خلت، والدول الغربية معنية ايضا بفتح كليات متخصصة في أكبر جامعات العالم تهتم بتعليم التاريخ المقارن للاهوت الأديان الثلاث على الأقل، لا أن تُرمى الدراسات االدينية في أقسام الكليات الاستشراقية، حيث تُدَرّس اللغات والآداب، ويجب أن تتناول دراسات في العمق ويتحمّل الباحثون مسئوليتها فكريًّا ويعيدون من خلالها فتح باب الاجتهاد، فنحن يجب أن نجدد في الآلية والمنظومة الفكرية لها فالتجديد متوقف منذ زمن وباب الاجتهاد أُغلق، الأمر الذي سبب قطيعة تاريخية، فوجود مثل هذه المعاهد سيساعد الأفراد على الخروج من حالة الفقر الثقافي والفكري، كما تُعتبر المكان الأمثل الذي يؤمّن البيئة الخصبة للحوارات المثمرة بين الأديان الحضارات .

اما على صعيد الممارسات وترجمة الفكر بالسلوكيات فهي مسؤولية الاعلاميين والمثقفين وكافة فئات المجتمع، لأن تحليل الخطاب الأيديولوجي و"اللاهوتي" ونقده، سيؤدي الى "تجديد لاهوتي"، وهذا التجديد يعني نقد "اللاهوت الموروث"، وعملية النقد ستطال كلّ الأديان، وهي رسالة المثقفين والاهل أيّا كانواو في أي وسط يعيشون في هذا العصر.

 

هل من أمثلة عملية ممكن طرحها كنموذج لما تقولين ؟

- هل يستطيع علماء الازهر بالافتاء مثلا بفتح باب الاجتهاد وليس في احكام النوازل وحسب ؟ هل بإمكانهم مثلا ان يتطوروا قانون الاحوال الشخصية بما يتلائم مع مقتضيات العصر وتحويله الى عقد مدني ؟ هل بامكانهم اعادة النظر فيمن يصفونه بالكافر و الا يكون من يعتنق اي عقيدة اخرى ليس بكافر ؟ هل بإمكانهم الاجتهاد بان الحجاب لا يعدو عن كونه زي يلائم ذاك العصر وانه ليس "فرض عين" ؟ هل يستطيعون التوصل الى صيغة حديثة لمفهوم السياسة والعمل بها؟ كلها اسئلة فكرية جادة يجب ان تناقش بشكل جذري .

لا بدّ من السعي الجاد والمتواصل إلي فتح آفاق العقل و اجتهاداته الناقدة و"التجديد " في الأمور التي يُدّعى عادةً أن لا تجديد فيها، لكي لا يستعبد الإنسان لعنف الإنسان، فعملية الحوار هامة جدا وهي الأداة الفاعلة التي يجب أن تطال كل التيارات الفكرية، ولا تقتصر على الأديان.  

 

حوار : وائل نيل

حوار مع الأديب الإنسان العراقي محمد رشيد:

mohamad rashedاحلم بسماء صافية لم تفض بكارتها طائرات الفانتوم، والاباتشي ..

منذ طفولتي شعرت بوجع وطني العراق وهو (جريح) وكلما كبرت وهو ينزف والآن هو (ذبيح) لا بسبب تعدد الأطياف او... او....

( ما يزال الاديب العراقي محمد رشيد ينظر إلى غده بتفاؤل .. معطياً كل ما يملك من وقت وجهد ومال من اجل وطنه مسخرٌ نفسه لخدمة الثقافة والسلام والتعايش والتسامح .. ونذر ذاته للطفولة كونه سفير لحقوقها لتصنع مستقبل خالٍ من الحروب .. يؤمن تماما بان الأدباء وأقلام المثقفين هم رسل السلام الحقيقيون الذين وهبهم الله للعراق وهم قادرون تماما على دحض الصراعات ولديهم القدرة على نشر المحبة والسلام والتسامح واللاعنف لو نصبوهم في هرم مراكز القرار لأنهم الأصلح وليس الأقوى.. إنسان وهو يشدو في حوار خاص مع الاعلامية أمة الله الحجي ليحلق بنا على اجنحة حبه لوطنه والانسان والادب ليرسم بالكلمة بسمة أمل على ثغر وطنه ..لتخفف آلام وأوجاع الناس .. فإلى الحصيلة :

 

س1: عرفنا اكثر عن محمد رشيد .. محمد رشيد .. القاص .. الشاعر .. الانسان والعطاء .. اين تجد نفسك اكثر ؟!

ج1: في مجال القصة دخلت بإحتراف وتميز ووضعت بصمتي في تاريخ القصة العراقية وصدرت لي(4)مجاميع قصصية (و.أ في 98)عام 1993 و(ساعة الصفر) 1997و(للنهر مرايا مهشمة)2002 و(جنس جديد) قدمته للقصة القصيرة (لقطات قصصية) صدرت عام 1996 في فترة الحصار بعنوان (قمة حلم) تضمنت اللقطة القصصية الواحدة مشهدين متضادين فيها صراع بين الخير والشر وقد اشاد بها بعض النقاد منهم،الناقد العراقي سليمان البكري حيث اعتبرها     {رؤية فلسفية تحمل الحداثة والتجديد في فن القصة القصيرة }في دراسة نشرت في الجريدة الرسمية القادسية عام 1996،والذي ُكتب عن تجربتي من قبل ُكتاب وأدباء متميزين أكثر مما كتبت من قصص منها (أنماط التعدية ولغة الفعل) دراسة أسلوبية وفق نظرية هاليدي للنحو الوظيفي عن (قمة حلم) للناقد سمير الشيخ \1997- سيمفونية الرماد ثقوب في ذاكرة الحرب للشاعر ماجد الحسن \1997 - (القاص محمد رشيد في مرأة النقد الأدبي) للناقد عبد الجبار داود البصري/ 1998 - معالجة موضوعة الجنون في قصة (ثقوب الذاكرة) للناقد د. حسين سرمك حسن   2001- (الآخرون هم الجحيم في قصص محمد رشيد) للناقد حسن السلمان \ تحت الطبع ) وأكثر من (20) دراسة نشرت في الصحف العراقية والعربية.  

وفي مجال الشعر كانت نافذتي لدخول عالم الكتابة ايام مراهقتي كتبته عاشقا لكي امنح حياتي ومن أحب طقوس مقدسة سحرية فيها جماليات عالية المستوى بحيث جعلتني الكتابة أعيش مع الزهور والموسيقى والعنادل والفراشات .

أما المجال الإنساني فهو طريقي الحقيقي الذي وهبني الله فيه هدايته وجعلني اشعر بألم المظلوم وجوع الفقير وحاجة اليتيم لكي اقدم لهم ما وهبني الله من نعم من خلال أصدقائي وأهلي ومن أحب .

 

س2: بصفتك مؤسس دار القصة العراقية وعدد من مؤسسات الثقافية والإنسانية ما الذي تشعر انك قدمته لوطنك ؟ وهل تؤمن ان القلم والادباء هم رسل سلام لدحض الصراعات خصوصاً في بلدكم العراق؟

ج2: لوطني العراق قدمت له ما يستحق من ديون كانت في رقبتي تضمنت (دار القصة العراقية )أسستها عام 1999 ووصفت من قبل أدباء مهمين بأنها" محج الادباء العراقيين" و(مهرجان جائزة العنقاء الذهبية الدولي الرحال) الذي أسسته عام 2003 و اعتبر أطول مهرجان دولي في العالم حيث أن فترة دورته 3 سنوات . و(مهرجان الهُرّبان السينمائي الدولي) الذي أسسته عام 2009 . و(برلمان الطفل العراقي )اول تجربة ديمقراطية للطفل في العراق ورابع تجربة في الوطن العربي الذي أسسته عام 2004 . و(مؤتمر القمة الثقافي العراقي) عام 2011 الذي يعتبر أول مؤتمر قمة ثقافي في الوطن العربي . و(الجمعية العراقية للتسامح واللاعنف) التي أسستها عام 2013 وغيرها .

أُؤمن تماما بان الأدباء وأقلام المثقفين هم رسل السلام الحقيقيون الذين وهبهم الله للعراق وهم قادرون تماما على دحض الصراعات ولديهم القدرة على نشر المحبة والسلام والتسامح واللاعنف لو نصبوهم في هرم مراكز القرار لأنهم الأصلح وليس الأقوى .

 

س3: العراق يمر بآلام افقده توهجه ..وتصنع حزنه خصوصاً بتعدد الاطياف المتصارعة على أرضه .. هل لدى محمد رشيد الأديب الإنسان آمال بالفجر من خلال رسالته الأدبية التي يقوم بها؟

ج3: منذ طفولتي شعرت بوجع وطني العراق وهو (جريح) وكلما كبرت وهو ينزف والآن هو (ذبيح) لا بسبب تعدد الأطياف او....،لم اسمع بحياتي أن الأطياف في بلدي تصارعوا على شيء بل كانوا إخوة متحابين على مر العصور لكن الإرادة الدولية هي من خلقت الانقسامات والصراعات من خلال منح الأموال وإعطاء المناصب والدليل أنا اسكن مدينة العمارة جنوب العراق فيها حزمة من الزهور العطرة من الالوان والاشكال الذي يسمونها (هم) الاختلافات (المسلم،المسيحي،المندائي، اليهودي، الشيعي،السني، التركماني، الكوردي) وغيرهم كلنا كنا ولازلنا إخوة متحابين نؤمن بالمحبة والسلام والتسامح والعيش المشترك. وأنا متفائل جدا أن الذي مر سيكتب ضمن حقب التاريخ الأسود الذي فرضه علينا من تلطخت أياديهم بدماء الأبرياء هؤلاء الذين قتلوا (عمر) وذبحوا (علي) بسكين واحدة.

 

س4:اسست برلمان الطفل العراقي .. لماذا ؟! وهل ترى من تأسيس برلمان للطفولة في اي وطن علاقة بنمائها وتوجيه اطفالها وحماية حقوقهم وتمكين الطفولة من لعب دور في صناعة مستقبلها؟

ج4: برلمان الطفل هو الحاضنة الحقيقية لاتفاقية حقوق الطفل الدولية بمعنى انه المستقبل الذي سينقذنا من الإرهاب والقتل والاختطاف والحروب، انه أملنا الوحيد جميعا .

 

س5: كتبت للمرأة وللوطن .. ما هي العلاقة بينهما ؟!

ج5: الوطن في نظري ليس بقعة جغرافية التي يسورها جبل او يمتد على حدودها بحر او تفصلها صحراء، الوطن عندي هو الأم التي أرضعتني حليبها.... والأخت التي وهبتني حنانها... والابنة التي أسعدتني بمستقبلها .... والحبيبة التي تعطرت بعشقها واستنشقت عبيرها والتي غطتني بشلالات شعرها

 

س6: أسست جائزة العنقاء الذهبية للمرأة العربية، ما هي فكرة الجائزة ولماذا تحديداً تُعنى بالمرأة ؟!

ج6:جائزة العنقاء الذهبية الدولية للمرأة المتميزة، هذه تمنح فقط للنساء المتميزات بمناسبة (يوم المرأة العالمي) 8آذار من كل عام ضمن احتفالية مركزية تقام أما في العاصمة بغداد او في مدينتنا العمارة ولكن توجد عدد من جوائز العنقاء الذهبية الدولية مثل(ميدالية العنقاء) تمنح للمبدعين الشباب تحت سن الاربعين و(قلادة العنقاء) فوق سن الاربعين و(تاج العنقاء) تمنح للمبدعين الرواد الذين اضافوا اغصانا لشجرة الابداع العالمية و(وسام العنقاء للابداع الخالد) للمبدعين الذين تسامت ارواحهم الى السماء و(جائزة العنقاء للتسامح) وغيرها هذه الجوائز كلها منحت للرجال والنساء في جميع الاختصاصات منذ عام 2003 والى الان اول مبدع منحت له هو (الروائي يشار كمال) في شهر تموز عام 2003 في اسطنبول كما منحت لسيدة المسرح العربي (الفنانة سميحة أيوب والموسيقار نصير شمه والفنانة فردوس عبد الحميد) في مصر عام 2008 و(الروائي محمود دولت آبادي) في إيران كذلك اسم الكاتب سعد الله ونوس في دمشق عام 2004 و(الكاتب جاسم المطير والفنان خليل شوقي وفنانة المقام العراقي فريدة والفنانة بيدر البصري والفنانة شوقية العطار) في لاهاي والفنانة (نادين والفنان ايمن زيدان) في دمشق والناشطة في مكافحة الاتجار بالبشر(مريم المالكي والفنان على ميرزه) في الدوحة و(الكاتبة سمر المزغني) في تونس و(الفنانة هند كامل والتشكيلية وداد الاورفلي والروائية بتول الخضيري) في الأردن والناشطتان في حقوق المرأة (رويدا مروه وجمانة مرعي ) و(المفكر د.عبد الحسين شعبان) في بيروت وغيرهم.

 

س7: هل تؤيد انضمام الأدباء والمبدعين لأي انتماء سياسي أو طائفي أو مذهبي ولماذا؟

ج7: ارفض هذا تماما لأنهم سيتجردون من إنسانيتهم .

 

س8: ما علاقة نشاطاتك المجتمعية بنشاطاتك الثقافية؟

ج8: النشاطات الثقافية هي بالأساس لب المجتمع واذا جعلت أي مجتمع يرتقي للثقافة والفنون والتنمية البشرية بمعنى إننا أسسنا مجتمعا راقيا من الطراز الأول.

 

س9: هل القلم سلاح يستطيع الكاتب ان ينازل به السلاح الناري؟

ج9: على الصعيد الفكري والثقافي نعم، ولكن في ساحة القتال كلا، لان الغلبة ستكون للأقوى وليس للأصلح .

 

س10: حققت أشياء كثيرة لوطنك وللإنسانية والطفولة والمرأة .. ما الشيء الذي تشعر انك تريد تحقيقه ولم يتسنى لك؟

ج10: في ذهني أحلام كثيرة لم أحققها خصوصا بعد تكريمي قبل شهرين بجائزة (وسام الثقافة العراقي) من قبل مؤسسة سومر للعلوم والآداب والفنون في هولندا، شعرت وقتها بأنني ولدت من جديد وأعلنت في الاحتفالية من خلال كلمتي ( ولادتي الثانية ) وقلت بان كل الذي قدمته من انجازات كان بمثابة تمرين ووعدت بأنني سأقدم الأفضل والأكثر فائدة لوطني وللعالم.

 

س11: كلمة اخيرة تود قولها؟

ج11: معا نُحّلق في فضاء الثقافة وحقوق الإنسان والتسامح من اجل ان نغير خارطة العالم للأجمل ...

احلم بسماء صافية لم تفض بكارتها طائرات الفانتوم .. والاباتشي...

احلم بسماء تحلق فيها سنونوات .. وعنادل .. وفراشات تمطر علينا ألوان أجنحتها .

 

اجرت الحوار أمة الله الحجي /اليمن

 

المثقف العراقي والطائفية

ibtesam yousifaltahirحوار مع كتاب وأدباء عراقيين حول الطائفية والانتماء للوطن قبل الطائفة والقومية:

الكثير من المثقفين العراقيين بشكل عام واليساريين بشكل خاص وظفوا فنهم من اجل المجتمع وقضاياه. والتزم الكثير منهم جانب الدفاع عن حق المجتمع في التطور والتقدم. ماعدا القلة ممن استماله النظام السابق الى جانبه!.

وغالبية المثقفين او المبدعين لم يعارضوا النظام السابق لأنه سني .. ونعرف ان الالاف من الشيعة منتمين لحزب البعث عن قناعة او خوف من بطشه. ومنهم من له ضلع في السلطة. كذلك اعتراضنا على السلطة الحالية بعيدة تماما عن منطق انها شيعية وهي ليست كذلك لان للطوائف الاخرى اضلاع فيها. وانما ما قدمته او تقدمه تلك السلطة أو هذا النظام للمجتمع والمواطن الذي هي مسئولة عنه. اعتراضنا على كفاءة تلك السلطة في ادارة الدولة وعدم تعريض الشعب والوطن للمخاطر كما حصل في الحروب المتواصلة. وما يحصل الان من كوارث امنية ودخول العصابات الارهابية.

كانت الخلافات بين السنة والشيعة عقائدية .. لكن صارت النزعة التنافسية حول السلطة ومغانمها هي الدافع الاول لتلك الخلافات، لاسيما بعد سقوط نظام البعث. حيث صار التمثيل البرلماني طائفيا بعيد عن تمثيل المواطن العراقي. فصارت السلطة كعكة تتقاسمها قيادات أغتصبت تمثيل المكونات الرئيسة من الشيعة والاكراد والسنة .. اي ان للسنة حصة في هذه الكعكة (السلطة) وليسوا مهمشين كما يدعي الكثير منهم. وبقي القسم الأكبر من الشعب بمختلف مكوناته فقيراً، يفتقد لأكثر مقومات الحياة اليومية في بلد غني بموارده الطبيعية مثل العراق.

في ظل هذه الفوضى ظهرت اصوات كثيرة تعزز الطائفية بكل اشكالها .. لكن المؤلم ان بعض هذه الاصوات من بين من كنا نعتبرهم رموز للثقافة العراقية. لاسيما من كانوا يسيرون في ركب المعارضة للنظام السابق .. ومنهم من طرح وجهات نظر كاريكتيرية مضحكة ومبكية بنفس الوقت .. فهذا يجعل من الشيعة عملاء لإيران وولاءهم لها اكثر من ولاءهم للعراق! وذاك يبتدع نظريات ويجعل من النبي محمد شيعي وانه ابن النبي ابراهيم! ولم يكتفي بذلك بل يجعل من النبي ابراهيم (شيعي) حسب رأي ذلك الفطحل في الفقه الديني!! والمشكلة بهذه المهاترات البعيدة كل البعد عن الثقافة والدين تنتشر على صفحات الانترنت. وتشكل خطورة حيث لها تأثير على البسطاء خاصة من باتوا يرون ان الوضع في ظل النظام السابق (السني) حسب ادعاءاتهم، هو افضل من الوضع الحالي المتردي امنيا واقتصاديا. على الرغم من ان من يقوم بالتفجيرات هم من مرتزقة النظام السابق الممولين من عائلة صدام وقيادات البعث المقيمة في الاردن والخليج. مع بعض من سموا بالقاعدة واليوم غيروا اسمهم لداعش! بعد ان بارت سلعة الماركة المسماة بالقاعدة. مستغلين غياب القانون وصراع الكتل الطائفية على مناصب السلطة من اجل منافع شخصية مما عرض البلد للتخريب والتدمير.

خاطبت بعض الكتاب والفنانين، وطرحت عليهم اسئلة تدور في هذا المضمار .. لإيصال وجهات نظرهم للقاريء المتلهف للكلمة التي تشحن الامل فيه.

 

1- ما هو رأيكم بتلك النزعات الطائفية بين المثقفين العراقيين؟ ..

2- وكيف ترون تأثيرها على الشارع العراقي .. بالوقت الذي كثير من الشباب في داخل العراق يطالبون بإلغاء المحاصصة وإلغاء المسميات (سنة وشيعة) من الوثائق الشخصية!؟

3- ما هو دور المثقف الآن في رفع معنويات الشعب وتعزيز روح المواطنة والولاء للعراق فقط قبل كل الولاءات؟ فتلك من وجهة نظري هي السبيل الاول لإنقاذ العراق من الفوضى السياسية. وإنقاذ الدولة سياسيا وأمنيا وإقتصاديا، بعيدا عن الطائفية التي جاءت بمسئولين لا كفاءة ولا خبرة لهم.

4- هل تعتقدون ان وراء تلك الاصوات بقايا البعث ذاته او امريكا التي يخدمها التقسيم وبقاء الفوضى السياسية تلك؟

5- لا شك ان صياغة الدستور بشكله الحالي اعطى فرصة للبعض للتعكز عليه وتعزيز التقسيم الطائفي للسلطة. هذا ما اعتقده. فهل بالإمكان تغيير هذا الدستور او على الاقل الغاء المواد التي تتبنى الطائفية او تبررها؟

 

الشاعرة والإعلامية حذام يوسف

1- المثقف جزء من مجتمع مربك وقلق، كما انه في حالة ترقب لكل شيء .. والمثقف بالضرورة جزء من كل هذا الارباك والقلق. لكن ما يؤسف له ان المثقف بدلا من أن يسهم في تقويم الانحراف ، انحرف هو معه ! واصبح يتحدث بذات اللغة الخشنة التي يتحدث بها من يحمل معه حزمة من التهم لكل المخالفين له. حتى ان صفحات الفيس بوك كشفت عن اقنعة كثيرة كان يلبسها بعض المحسوبين على الثقافة، ممن يدعون انهم مدنيين وعراقيين. لكن الحوارات المتواصلة على الفيس بوك كشفت انهم لاينتمون الى العراق بقدر انتمائهم للقومية والمذهبية!.

2- اعتقد ان تلك النزعات لها تأثير كبير على الشارع العراقي، لاسيما على الاشخاص الذين يمجدون القدوة المثقف. وينظرون له على انه قائد على مستوى محدود وبالتالي يقلدونه جدا من باب الاستعراض الاعلامي وليس من باب الايمان بفكره. بدليل في اماكن التجمعات الادبية والثقافية ومنها على سبيل المثال (شارع المتنبي)، نجد الكثير من الشباب اليوم يقلدون ممثلهم من الشعراء والمثقفين حتى في طريقة كلامه وطرحه للموضوع. وهنا سيكون الامر خطيرا جدا اذا لم يكن (المثقف واعي ومدرك لما يقول ويردد) .

3- أعتقد على مستوى ضيق هناك بعض المثقفين من الشباب والرواد من يحاول (ومحولاته متواضعة) أن يخرج من دائرة الطائفة والمذهب والقومية ويتحدث باسم العراق فقط ، انا مثلا احرص جدا عندما أكون مع اخرين بحوار حول الوضع عموما واشكاليات نظرتنا للمستقبل .. احاول قدر المستطاع ان اختار مفرداتي بعناية كي لا تؤول. وااروج لموضوع الولاء للوطن اولا واخيرا، عبر ما اكتبه في الصحف او على صفحتي في الفيسبوك .. ومن خلال الردود أجد هناك بعض التجاوب مع مايطرح من أهمية اعلان الحب والانتماء للعراق فقط .

4- بالتأكيد ان وراء تلك الاصوات بقايا البعث. فكيف يمكن ان نتخيل ان كل تلك الجيوش التي رافقت النظام السابق في رحلته العنيفة مع الشعب العراقي، من حرس خاص الى حرس جمهوري الى جيش شعبي الى الانضباط ، الى جيوش كانت مهمتها محصورة بتعذيب العراقيين في المعتقلات ، كيف يمكن لنا ان نتخيل ان كل هؤلاء اصبحوا ملائكة؟!

5- هناك مطالبات عديدة من بعض منظمات المجتمع المدني التي تعنى بالثقافة والمجتمع، وبعض الناشطين المدنيين، ينادون بين فترة واخرى بأهمية تغيير الدستور او على الاقل تعديله. لان هناك العديد من المؤاخذات على فقراته. لاسيما الفقرات التي تحتمل التأويل.

عموما اغلب الفقرات التي تهم المواطن مازالت حبر على ورق .. مثلا ما يتعلق بحق التظاهر او التجمع وغيرها من الحقوق. لم نر منها الا التنظير من قبل المسئولين في الحكومة. وهناك مطالبات تكررت لاكثر من مرة على صفحات الفيس بوك عبر حملات وعلى لسان افراد يطالبون فيها بالغاء فقرة اللقب. ربما لانها تتعلق بقرارات النظام السابق .. ولو ان اللقب يعني الاسم العائلي وهذا حق من حقوق المواطن ولا اهمية له .. الا اذا أتخذ كوسيلة للتفرقة الطائفية.

 

الكاتب صائب خليل

1- بالنسبة للسؤال الاول :الطائفية تم تأجيجها عن عمد، ومن قبل جهات خارجية، وتم تضخيم تلك المشاعر التي كانت بسيطة بشكل خاص من خلال الإرهاب، الذي هو أيضاً مجهول المصدر والإدارة، وأفترض أن إدارته الكفوءة جداً لا بد أن تكون من قبل دولة متطورة.

2- الحكومات العراقية المتتالية رغم كل ادعاءاتها، لم تقم بأبسط ما يفترض فيها تجاه مشكلة شديدة الخطورة مثل الطائفية، وهي أن تقوم بدراستها دراسة علمية إحصائية لتعرف ونعرف معها الأثر الحقيقي على الشارع العراقي، وبأرقام محددة، ونعرف مدى نموها وانحسارها لنحلل أسبابه ويتم اتخاذ الإجراءات الصحيحة التي تستند إلى تلك الدراسة. كل ما نملكه هو الإعلام، والإعلام أيضا مؤسسة مشبوهة مخترقة ومسيسة ولا يعتمد عليها، لذلك لن استغرب إن تبين يوماً أن الطائفية اقل انتشاراً بكثير مما يشاع عنها.

3- عن دور المثقف الان في رفع معنويات الشعب وتعزيز روح المواطنة والولاء للعراق قبل كل الولاءات؟ فتلك حقا هي السبيل الاول لإنقاذ العراق من الفوضى السياسية. وإنقاذ الدولة سياسيا وأمنيا واقتصاديا، بعيدا عن الطائفية التي جاءت بمسئولين لا كفاءة ولا خبرة لهم.

صدقت .. المعنويات المنهارة لدى الشعب هي من اخطر الأوبئة التي يمنى العراق بها اليوم، وقد كتبت عن ذلك عدة سلاسل من المقالات مازالت إحداها لم تكتمل بعد. يجب أن يرفع المثقف معنوياته هو اولاً ليقوم بعد ذلك باستنهاض الشعب وتذكيره بأنه مثل غيره من الشعوب وله مثل حقوقها.

4- بقايا البعث بذاتها أتفه من أن تقوم بأي تنظيم. من ينظم هذه الحثالات المتخلفة هو أميركا وإسرائيل بدون أي شك. أذكرك بأن رجل إسرائيل في العراق، مثال الآلوسي كان رئيس هيئة تأهيل البعثيين! وأن أشد المتحمسين إلى إعادة البعث صراحة إلى مؤسسات الأمن كان أياد علاوي، الرجل المفضل الذي اختارته أميركا كأول رئيس لأول حكومة عراقية، وكانت تأمل أن ينجح ويستمر.

5- أي تعديل في الدستور يصب في صالح جهة ويضر بمصالح او أجندات جهة أخرى. وما يصب في صالح الشعب يضر بالأجندة الأمريكية بالضرورة، وهذه الأجندة لها ممثلوها في البرلمان بما يكفي لمنع تغييرها، وكذلك في نص الدستور الذي يشترط أن لا تعترض أي ثلاث محافظات على التغيير، (محافظات كردستان) وبالتالي فأن أي تغيير مهم في الدستور أمر ميئوس منه في الظرف الحالي.

 

القاص يعقوب زامل الربيعي

كنت اتمنى ان يكون السؤال كألاتي: كيف نتحول ونحول المجتمع الى صرح مواطنة لبناء وطن يطمئن الانسان فيه على حاجات حياته الضرورية. ولما وجدت اسالتك تصب في نفس النهر فلا باس ان ادلو بدلوي.

خلال عقود من القهر وتهميش الواقع الانساني للإنسان العراقي. كنا كل يوم نصاب بالضرر والمحق وطنا ومجتمعا. بلا قدرة حاسمة لوقف تهتك نسيجنا الاجتماعي بفعل فاعل. اليوم وبعد عقد من الزمن اقل ما يقال عنه زمن تحولنا ولكن بصورة مشوهة بامتياز .. ارى ونحن مازلنا مقيدين بذات الاغلال القديمة في وقت يتسع الضرر ليصبح اكثر مما مضى والشق يأخذ بالاتساع الى حدود مرعبة. اشد ما يرعبنا كبشر اسوياء. هو تحكم الطائفية فينا وبالقانون وليس عشوائيا. حين نرتضي ان يتم تقسيمنا الى كانتونات ورطانات وشيع! ولكن بقانون يسميه البعض دستور او لبننة على اسوأ ما تكون عليه حياتنا المحلية والعالمية. حيث للشيعة حصة وللسنة حصة وللاكراد ..

لا اعرف كيف حلا للبعض من الساسة العراقيين ان يضع الاكراد فوق شبهات الواقع كطائفة ثالثة! كما لو هم ليسوا بعراقيين! اما بقية الاطباف الاصيلة الاخرى فلهم ما يسقط من فتات الاولياء.

لا انكر او اتغاضى ان لأيتام النظام السابق وحتى ما سبقه من انظمة طائفية من حصة (العث) لنخر النسيج العراقي. الذي كان منذ آلاف السنين نسيجا متماسكا بلحمته الوطنية مظفور جيدا بكل الحب والإخاء وصدق المشاعر .. رغم هفوات الزمن.

لا اتذكر اني احسست بأن (ناصر) الرجل الرقيق الذي يسكن جوارنا هو صابئي وعلي ان لا اشاركه طعامه حين يدعوني! كان اكثر من صديق لأنه عراقيا ومناضلا من اجل اسعاد مجتمعه وليس طائفته فقط! ولم افكر بان (مليحة) الماسيرة الجميلة في مستشفى حماية الاطفال حين كنت نزيل قاووشها وانا طفل، انها يهودية ولابد ان اسدل الستار على ذكراها بعد ان تم تهجيرها عنوة. فرائحة عبقها مازالت في خاطري. او صديقي المسيحي منير يلدا .. كل هذا يرعبني.

لكن ما يرعب قلبي اكثر هو انسياق بعض مما يسمى تجنيا (مثقفين) او اشباههم من ايتام النظام السابق او المرتزقة من هنا وهناك .. بعثيين او متاسلمين .. انسياقهم او مباركتهم ومساهمتهم بتمزيق لحمتنا.

اما فقرات الدستور فليس المطلوب وضع لمسات صغيرة او تغيير فقرات .. انما يجب الغاء بعض النصوص وتعديل اخرى من التي ساهمت بتمزيق نسيجنا الملون الجميل .. ويجب تثبيت فقرة (الدين لله والوطن للجميع .. وكل العراقيون لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات دون تخصيص عرق او طائفة او دين).

 

 

حوار مع الأديبة المعرفية المغربية زكية المرموق

zakiaalmarmokزكية المرموق، شاعرة معرفية مغربية، عضوة في تجمع الحب وجود والوجود معرفة

مواليد مدينة فاس،1973م

تكتب القصة إلى جانب الشعر ومن أعمالها:

(واخرج إلى النهار) *شعر*

وقيد الطبع (انشطارات) *ومضات*

تنشر في العديد من الدوريات والمواقع مثل مجلة الأثير العمانية وكذلك صحيفة الوحدة الالكترونية وغيرها من المواقع العديدة

وفي تاريخ 7-1- 2015م، كان لنا معها الحوار التالي:

 

• أرحب بك مليَّاً وبحرارة، الشاعرة المغربية زكية المرموق وفي حوارنا، نود التسليط أكثر حول تجربتك الأدبية عموماً والشعرية خاصة في المراحل الزمنية الأولى؟

ـ بحكم ثقافتي الفرنسية اذ كوني أستاذة آداب فرنسي واكتشافي لكتابات محمود درويش ونزار قباني و(بيرفير) وغيرهم الأثر الكبير في توجهي المعرفي وخطي الشعري

وبشكل عام نحن لا نختار خطاً معيناً في الكتابة بل نسقنا الفكري هو الذي ينحو بنا نحو اختيارات معينة

 

• يقول جان جاك روسو في مقدمة كتابه العقد الاجتماعي (ولد الإنسان حراً ومع ذلك فهو بالقيود في كل مكان) ما مفهوم الحرية في ظل القيد في ادب الشاعرة زكية المرموق

- كثيراً ما استهلك مفهوم الحرية لدرجة تبضيعها والحرية بالنسبة لي ذلك الهامش الذي أمارس فيه الكتابة حيث أنسلخ عن كل ما هو عرفي وثقافي وأعانق الحلم

 

• برأيك هل قطعت المرأة أشواطاً في سبيل خلق بيئة متحررة ووفاق مع الرجل سواء إن كان مبدعاً أو بعيداً عن الإبداع، أم أن هنالك مخاض قديم لايزال؟

- تبقى المراة جاهدة في كسب مسافة اكبر في هذا المخاض ويبقى الحلم هو المساواة بين النوع إلا أّنه لا يجب ان ننسى أن ساحة هذا المخاض هي ثقافة عربية اسلامية مشدودة إلى الماضي اكثر منها الى المستقبل

 

• الحزن غائر وله حكاية في شعرك، هل تشعرين أن التشاؤمية لغتك المفضّلة، والتفاؤل محض هراء في وجود يتخبط في العدم؟

- حقيقة إن خطابي الشعري يظل شقياً حين يحاول عكس واقع مهزوم ومهزوز لكن اتساءل هل هناك شاعر معرفي يحمل خطاب الفرح

 

• في قصائدك ملامح فلسفية ولغة ناضجة ومتينة إلاما ترجعين ذلك؟

- تكويني بالأدب الفرنسي واطلاعي على الأدب العربي وإدماني على القراءة اضافة الى تجربتي الحياتية كل هذا أنتج زكية المرموق

 

• ما أبرز الكاتبات أو المبدعات اللاتي كنّ أكثر قرباً من حياتك وأدبك عموماً؟

- قرات للكثير من الاديبات مثل سيمون دو بوفوار ناتالي ساروت فدوى طوقان وغيرهن، اعجبت بالبعض منهن ولكن يبقى عشقي الأكبر لدرويش والقباني ونجيب محفوظ وسارتر وكامي وغيرهم

 

• ما الهدف من الكتابة الشعرية برأيك، وما الخيارات التي قد تواجه المرأة المبدعة في بدايات ولوجها للأدب والكلمة الشاعرة؟

- أعتقد ان الكتابة الشعرية هي بوح أولاً، وتعالٍ عن الواقع الرمادي الذي يستهلكنا

التحدي يكمن في ولوج عام لطالما كان حكرا على الرجل

 

• ما تقييمك لحراك المرأة المغربية المعرفي والأدبي بصورة خاصة، وما القيود التي قد تعيق دورها في العطاء والإبداع؟

- أعتقد ان المرأة المغربية، أبرزت عن موهبتها المعرفية على الرغم من كل الصعوبات

يكفيني ان أذكر الشاعرة مليكة العاصمي وفاطمة المرنيسي كعالمة اجتماع واللائحة طويلة

 

• وفي النهاية يسعدنا الحوار معك، عضوتنا المتألقة الأديبة زكية المرموق، كلمة أخيرة تودين توجيهها لأسرة الحب وجود والوجود معرفة وللمتلقين عموماً؟

- ختاماً اشكركم على استضافتي في هذا المنبر المعرفي ويسعدني ان أنتمي الى أسرتكم ونحمل جميعا مشعل الحب والمعرفة وشعارنا دوما الحب وجود والوجود معرفة

 

أعد الحوار: ريبر هبون

 

 

حوار مع الأديبة والقاصة آسيا رحاحلية

asya rahahliaأسيا رحاحلية: أذكر قارئا قال لي يوما أخشى يا أستاذة أن نكون تحت القبر وروايتك لاتزال تحت الطبع، ذلك لأنه كُتب على الغلاف الخلفي لمجموعتي القصصية الأولى عبارة " لها رواية تنتظر الطبع

عرفتها من خلال كتاباتها المتميزة .. قصصها المحبوكة .. وأسلوبها المشوق .. رحت أتتبع نصوصها المنشورة على المواقع الالكترونية فاكتشفتُ روح الإبداع العالية التي تكتب بها .. واستمتعت بما أقرا لها من قصص جميلة تضمنها روحا خفيفة وآراء عاقلة

زهرة برية نبتت في حقول سوق أهراس تسقيها أمطار الحرية وتظللها غمامة الثورة التي التجأ إليها آباؤها الميامين .. ثورة أخرى تعيش في داخلها وكأنها من ذاك الزمن النوفمبري ومن جيل العنفوان ذاك

امرأة ذكية جدا تعرف كيف تلتقط بحسها الأنثوي موضوعات قصصها .. قاصة تعشق السرد وشهرزاد عصرية تجذبك إلى عالمها المليء بكل ما هو جميل .. تسجل ملاحظاتها في حينها .. ودون تردد .. تتحمل نتائج ما تكتب .. وكأنه مازال تمارس دورها كمربية .. وأي مربية؟؟ من جيل الأبكار الذي شرب من نبع الاستقلال الصافي فكانت روحها كالمرآة تعكس انتماءها ووفاءها وتميزها وسعيها الدؤوب لأجل أن تبدع أكثر

أستاذة بحس عال من المسئولية وسعة الصدر مع سعة الأفق والانفتاح على العوالم الأخرى بفضل تمكنها من اللغات

متقاعدة تملأ وقتها بكل ما هو جميل بدل الثرثرة والتحسر على ما فات وانتقاد ما هو آت

إنها الباسمة الحاسمة الأديبة آسيا رحاحلية التي أتمنى أن يستمتع القراء بمحاورتها التي استمتعت بها وأنا لازلت أجتهد في وضع الأسئلة .. وكان هذا الحوار

 

س1 في عالم منفتح على بعضه .. كثير المواهب .. كثير النجوم .. كيف تقدم لنا آسيا رحاحلية نفسها .. الأستاذة .. والكاتبة ..؟؟

- لقب أستاذة أدين به لمهنة التدريس النبيلة الشريفة .دخلت معتركها وعمري 24 سنة .. أخلصت لمهنتي ونجحت فيها والحمد لله .. درّست اللغة الإنجليزية لسنوات قبل أن أتّخذ قرار التقاعد المسبق لإحساسي بأنّي لم أعد قادرة على العطاء وأيضا لأن الحرف بدأ يشاغبني .

تفرّغت للكتابة وأصدرت سنة 2010 مجموعتي القصصية الأولى " ليلة تكلّم فيها البحر "، تلتها المجموعة الثانية " سكوت إني احترق " 2012، ثم الثالثة " اعتقني من جنتك " سنة 2014 .. و في انتظار الطبع مجموعة رابعة ومخطوط شعر ..

 

س2 متى اكتشفت موهبتك في الكتابة ومن الذي ساعدك على ذلك؟؟

- لا أدري متى بالضبط .. ثم أننا ونحن صغار لا ندرك فعلا بأنّنا موهوبون، لذلك يكون دور الكبار من العائلة أو المدرّسين مهما جدا في فترة الطفولة .. أعتقد عرفت بأنّني موهوبة في الكتابة حين كانت نصوصي في الانشاء في المدرسة مميّزة، تثير الإعجاب الكبير، وذلك منذ الصف الابتدائي ..

 

س3 هل تذكرين أول قصة قمت بتأليفها؟؟ .. ما هو موضوعها؟؟

- نعم أذكرها بالتفاصيل .. أول قصة، بمفهوم القصة، أقصد كل مقوّمات القص، كتبتها وأنا تلميذة في السنة الأولى ثانوي .. يعني سنة 1979 .. كانت بعنوان " من أجل صديقتي " .. تحكي قصة صديقتين تقعان في حب نفس الشاب .. وتقرّر إحداهما التضحية بمشاعرها من أجل الحفاظ على صديقتها .. أذكر أنني عرضت القصة على أستاذ الأدب العربي آنذاك، الأستاذ الفلسطيني غباين عبد المنعم، ذكره الله بالخير، ضمن مجموعة أخرى من النصوص النثرية التي كنت أعتبرها قصصا .. كانت كلها مدوّنة في دفتر ورجوته قراءتها وابداء رأيه .. وقد كتب لي على الدفتر بالحرف الواحد: (.. الجزائر بلد اشتراكي ثم هم الآن يشجّعون من يكتب بالعربية والجزائر اليوم هي البلد العربي الوحيد الذي يستطيع فيه الناشئ أن يبرز إلى الوجود .. من هذه الناحية فأنا أبشّرك بأنهم سيقرأون مقالاتك وقد ينشرونها وهي فرصة بالنسبة لك وتفيدك .. اكتبي قصتك " من أجل صديقتي" وارسليها إلى احدى المجلات الجزائرية ثم ارسليها إلى أية مجلة في المشرق،فأن نشرت لك أول قصة فاعلمي أن الطريق أمامك قد تيسّر .. إنّ الذين تقرئين كتبهم وقفوا طويلا أمام أبواب دور النشر حتى تعبت أقدامهم وسال العرق من جباههم ثم صفّق لهم المجتمع ودعوا إلى الاذاعة وأصبحت دور النشر تترجّاهم )

هذا ما كتبته لي أستاذي في 21 / 02/ 1980  

ولم أرسل القصة. وربما لو فعلت لكانت الأمور مختلفة اليوم .. ولكن الحمد لله على أية حال .

 

س4 ألاحظ في كتاباتك نقدا لاذعا وإن كان مهذّبا للأوضاع والمسئولين .. هل تعتقدين أن هذا من واجبك ككاتبة؟؟

- أكيد هذا واجبي. الكتابة في رأيي مهما كان نوعها هي رسالة .. حتى النكتة التي يُقصد بها التسلية والضحك تحمل رسالة .. الكاتب الحقيقي لا يعيش في برج عاجي ولا يحلّق في سماء الأحلام .. هو ابن الشعب، يمشي بين الناس ويحتك بهم، يعيش أوضاعهم وهمومهم ،يراقب معاناتهم اليومية لأنها معاناته أيضا . أنا أتأثّر بما يحدث حولي ولابد أن أحاول بقلمي تغيير الأوضاع أو على الأقل عرضها .أنا كاتبة مهمومة بأمور الناس .. وعلى رأي الشاعرة والإعلامية ابتسام ابراهيم الاسدي : الذي لا يكتب عن هموم الناس عليه أن يذهب الى كوكب آخر.

 

س5 باعتبارك من أسرة التعليم إلام يرجع سبب المشاكل التي يتخبط فيها هذا القطاع؟؟

- بصدق يحزنني ما آل إليه التعليم في بلادنا .. السبب الرئيس أعتقد هو النظرة إلى القطاع على أنّه كأي قطاع آخر .. بل هناك من يعتبره قطاعا مستهلكا لا منتجا . التعليم يمر بأزمة خطيرة .. هناك سوء التسيير والقرارات العشوائية الفردية، واللجوء إلى حلول ترقيعية بدل دراسة المشكلة وحلّها جذريا .. لن يتحسّن حال التعليم ما لم يكن هناك وعي بأهمية وأولوية المنظومة التربوية وعلى رأسها المعلم، وما لم تتوافر جهود الجميع : الجهة الوصية والمربّي والأولياء من أجل انقاد القطاع .

 

س6 لو طلب منك توجيه نصيحة للمعلمين ماذا تقولين لهم؟؟

- أقول لهم .. أحبّوا مهنتكم، اخلصوا لها واعتبروها مشروعكم الأسمى في الحياة والذي لابد أن ينجح مهما كانت الصعوبات .. أقول لهم لا تكونوا ملقنّين مدرّسين فقط، كونوا مربّيين وملهمين ومبدعين بالقدر الذي تستطيعون في مجالكم .

 

س7 أغلب المبدعين في بلادنا يشتكون من التهميش هل تعتقدين أن تهميشهم مقصود أم أن الأمر مجرد فوضى وإهمال؟؟

- التهميش والشللية وثقافة اقصاء الآخر والمركزية سوس ينخر جسد الثقافة .. كثير من المبدعين الشباب خاصة في الجزائر العميقة يعانون من الاهمال وعدم تكافئ الفرص وتمركز أهم النشاطات الثقافية في العاصمة والمدن الكبرى .. من المفروض أن يكوّن المبدعون أسرة واحدة ويكون لهم هدف واحد هو النهوض بالثقافة وخدمة الابداع .

 

س8 في غياب أي مشروع ثقافي في بلادنا هل يقوم المثقفون بدورهم؟؟ .. وما هو هذا الدور في اعتقادك؟؟

- لست من الذين ينظرون إلى الأمور من زاوية واحدة وبعين واحدة .نعم، هناك مثقّفون لا يقومون بدورهم .. لأسباب ما، ولكن هناك مثقّفون واعون بمهمّتهم، مجتهدون، يبذلون ما في وسعهم من أجل خدمة الثقافة وتحريك الركود الأدبي ، ربما هي مجهودات فردية هنا وهناك لكنها مثمرة ومباركة .

 

س9 هل يوجد في بلادنا ما يسمى ب(شعراء البلاط) وهل هم سبب تهميش المبدعين الحقيقيين؟؟

- أعتقد العبارة أو التعبير مبالغ فيه قليلا .. لأنّه اليوم لا البلاط بلاط ولا الشعراء شعراء ! الشعراء المتملّقون المنافقون الذين يتقرّبون بشعرهم من السلطة ويسعون إلى إرضائها، ويمدحون المسؤولين من أجل أغراض شخصية موجودون، في كل زمان وكل مكان .. لكن أن يكونوا السبب في تهميش الشعراء الحقيقين فلا أعتقد .

 

س10 أين أنت من النشر وما هي الصعوبات التي اعترضتك في هذا المجال؟؟

- عملية النشر والتوزيع في بلادنا اشكالية كبيرة .. وإذا رغبت في النشرعليك بإحدى الطرق الثلاث .. أن تنتظر تكرّم وزارة الثقافة من خلال مناسبة ما، وهذا أيضا ليس سهلا إذ عليك أن تكون لك علاقات قوية، أو أن تحفى قدماك جريًا إلى دور النشر والأمر شاق جدا خاصة لمن يقطنون مدن الهامش مثلي وسيطلبون منك الانتظار إلى أن تتم الموافقة على عملك من طرف لجنة قراءة، وقد يأخذ الأمر شهورا طويلة إلى أن تصاب بالملل والاحباط .. أذكر قارئا قال لي يوما أخشى يا أستاذة أن نكون تحت القبر وروايتك لاتزال تحت الطبع، ذلك لأنه كُتب على الغلاف الخلفي لمجموعتي القصصية الأولى عبارة " لها رواية تنتظر الطبع .. أو طريقة ثالثة .. أن تدفع من جيبك وتطبع كتابك، وطبعا ليس الأمر في مقدور الجميع .. و لكن هو ما كنت مجبرة على فعله .. كان السعر باهضا لكني لم أهتم، وطبعت مجموعاتي الثلاث .

 

س11 هل تعتقدين بوجود حركة نقدية في بلادنا خاصة وأن الكثيرين يجمعون على غياب النقد الموضوعي؟؟

- الحركة النقدية موجودة بشكل محتشم وفوضوي وغير كاف .. المشكلة أنّ النقاد يُعدّون على الأصابع بينما الانتاج الأدبي كثيف بغض النظر عن غثه من سمينه .. الناقد الكفء الذي يواكب الحركة الادبية وعلى تواصل مستمر مع الجديد غائب بصراحة ، لكن للأمانة هناك بعض الأقلام النقدية الجادة التي أشهد لها بالحيادية والمصداقية ..

" النقد وعي، وفعل مثقف " كما قال الناقد العراقي الدكتور "كريم المسعودي" ..

و لن يتطوّر إلا إذا اعتُبر موازيا للأدب وبنفس قيمته، ومارسه الناقد بنزاهة وحب وجدية وموضوعية دون محاباة أو مجاملة، وتقبّله الكاتب أيضا بكل روح أدبية دون اعتباره تهجّما .

 

س12 هل تعتبرين أن ما تكتبينه (أدبا نسويا) .. ولماذا؟؟

- أعتبر أنّ ما أكتبه .. أدبا .

 

س13 أعداء النجاح كثيرون (حتى لو كان هذا النجاح نسبيا) هل عانيت أو تعانين منهم؟؟

- بصراحة لا .ربما لأني بطبيعتي لا أشغل نفسي بأمر الأعداء أو العداوة، حتى أنّني لا أعتقد بأنّ لي أعداء أصلا .. الأدب بحر،واسع، عميق، والكل يستطيع أن يغوص فيه، كلّ حسب موهبته وقدرته ومهارته وجهده .. و البقاء للأجود والأجمل .. هذا هو إيماني .

 

س14 يعتقد الكثيرون أن النشر الالكتروني فسح المجال للكثير من المهمشين لكن البعض يرى أنه فتح المجال لمن هب ودب وأصبحت الكتابة مهنة من لا مهنة له فماذا تقولين؟؟

- كلا الاعتقادين صحيح .

كثير من الأقلام تدين للنشر الالكتروني بالظهور .. جميعنا يعرف بأنّه في ظل صعوبة النشر الورقي أصبح النشر الالكتروني هو البديل نظرا لمجانيته وسرعته وسهولة التفاعل بين الكاتب والمتلقي .. لكن أيضا أصبح من هبّ ودب يكتب وينشر .

أحيانا أشعر بالقلق وبخطورة الغثاء الذي أقرأه يوميا على النت وأرى من يصفّق له .. أشعر بالقلق لأنّ هذا قد يؤدي إلى تكريس الرداءة وتدنّي الذوق وانتشار وهم المبدع والابداع، لكن ما العمل؟ إننا لا نستطيع منع ذلك حتى لو أردنا، الأمر مفروض على الجميع . فقط لنكن متفائلين .. ربما في فوضى ما ينشر يعثر النقاد أو المهتمون على ما هو جيّد فعلا ويستحق الالتفات إليه .

 

س15 هل تؤمنين بالحظ؟؟ وهل كان له دور في حياتك؟؟

- لا أومن به فعلا . الايمان المطلق بالحظ والاعتماد عليه وحده يؤدي إلى التواكل والكسل، ويعمّق الاحساس بالخيبة والظلم حين لا تسير الأمور كما نحب .. بعض الحظ نصنعه نحن، بأنفسنا،لأنفسنا .. حين نشمّر على السواعد ونقرّر النجاح أو تحقيق الحلم .. لكن إذا كنت تقصدين الاحساس فأنا أحس بأنّي محظوظة والحمد له .

 

س16 لك شقيقة شاعرة هي سامية رحاحلية هل نستطيع أن نقول أنك من عائلة مولعة بالأدب؟؟ وكيف هي علاقتك بشقيقتك في هذا الميدان؟؟

- ورثنا حب اللغة العربية عن والدي رحمه الله فقد كان مدرّس قرآن ولغة وحتى حديثة معنا كان معظمه فصحى .. والدتي امرأة ذكية جدا، محدّثة لبقة وحاضرة البديهة،حثّتنا على النجاح في الدراسة وأثرت مخيّلتنا ونحن صغار بما كانت ترويه لنا من قصص في ذلك الزمن البعيد .. أخواتي حياة ومدينة وأخي ابراهيم كلهم يتذوّقون الأدب ويتقنون اللغات .. أما سامية فهي مبدعة حقيقية .. موهوبة ولغتها رائعة، تكتب باللغتين العربية والفرنسية .

سامية تطلعني على كتاباتها وأطلعها على نصوصي وكثيرا ما نتبادل الآراء والأفكار ..

 

س17 كيف تقضين أوقاتك وهل لك أوقات معينة للإبداع؟؟

- أهتم بأسرتي وبيتي، أقرأ وأكتب .. وليس لديّ أوقات معيّنة للكتابة .

 

س18 ماهي أمنيتك الجديدة للعام الجديد 2015

-أن تنتهي الحروب والأزمات .. أن يسود السلام ويعيش البشر في وئام ومحبة وتكافل .

 

س19 ماذا تقولين عن

زهور ونيسي .. أديبة جزائرية احترمها جدا

جميلة بوحيرد: فخر لنساء الجزائر .

أحلام مستغانمي: قرأت لها ذاكرة الجسد .. فقط .

هواري بومدين: رجل عظيم .

 

س20كلمة أخيرة نختم بها هذا الحوار الجميل

شكرا لك كثيرا لك على الحوار وعلى تقديمك الرائع لي والذي أرجو أن أستحقّه. .. تحياتي ومحبّتي لكل القرّاء .

المثقف العراقي والطائفية (2): مع د. عبد الخالق حسين

abdulkhaik husanحوار مع كتاب وأدباء عراقيين حول الطائفية والانتماء للوطن قبل الطائفة والقومية:

الكثير من المثقفين العراقيين بشكل عام واليساريين بشكل خاص وظفوا فنهم من اجل المجتمع وقضاياه. والتزم الكثير منهم جانب الدفاع عن حق المجتمع في التطور والتقدم. ماعدا القلة ممن استماله النظام السابق الى جانبه!.

وغالبية المثقفين او المبدعين لم يعارضوا النظام السابق لأنه سني..ونعرف ان الالاف من الشيعة منتمين لحزب البعث عن قناعة او خوف من بطشه. ومنهم من له ضلع في السلطة. كذلك اعتراضنا على السلطة الحالية بعيدة تماما عن منطق انها شيعية وهي ليست كذلك لان للطوائف الاخرى اضلاع فيها. وانما ما قدمته او تقدمه تلك السلطة أو هذا النظام للمجتمع والمواطن الذي هي مسئولة عنه. اعتراضنا على كفاءة تلك السلطة في ادارة الدولة وعدم تعريض الشعب والوطن للمخاطر كما حصل في الحروب المتواصلة. وما يحصل الان من كوارث امنية ودخول العصابات الارهابية.

كانت الخلافات بين السنة والشيعة عقائدية..لكن صارت النزعة التنافسية حول السلطة ومغانمها هي الدافع الاول لتلك الخلافات، لاسيما بعد سقوط نظام البعث. حيث صار التمثيل البرلماني طائفيا بعيد عن تمثيل المواطن العراقي. فصارت السلطة كعكة تتقاسمها قيادات أغتصبت تمثيل المكونات الرئيسة من الشيعة والاكراد والسنة..اي ان للسنة حصة في هذه الكعكة (السلطة) وليسوا مهمشين كما يدعي الكثير منهم. وبقي القسم الأكبر من الشعب بمختلف مكوناته فقيراً، يفتقد لأكثر مقومات الحياة اليومية في بلد غني بموارده الطبيعية مثل العراق.

في ظل هذه الفوضى ظهرت اصوات كثيرة تعزز الطائفية بكل اشكالها..لكن المؤلم ان بعض هذه الاصوات من بين من كنا نعتبرهم رموز للثقافة العراقية. لاسيما من كانوا يسيرون في ركب المعارضة للنظام السابق ..ومنهم من طرح وجهات نظر كاريكتيرية مضحكة ومبكية بنفس الوقت..فهذا يجعل من الشيعة عملاء لإيران وولاءهم لها اكثر من ولاءهم للعراق! وذاك يبتدع نظريات ويجعل من النبي محمد شيعي وانه ابن النبي ابراهيم! ولم يكتف بذلك بل يجعل من النبي ابراهيم (شيعي) حسب رأي ذلك الفطحل في الفقه الديني!!

والمشكلة بهذه المهاترات البعيدة كل البعد عن الثقافة والدين تنتشر على صفحات الانترنت. وتشكل خطورة حيث لها تأثير على البسطاء خاصة من باتوا يرون ان الوضع في ظل النظام السابق (السني) حسب ادعاءاتهم، هو افضل من الوضع الحالي المتردي امنيا واقتصاديا. على الرغم من ان من يقوم بالتفجيرات هم من مرتزقة النظام السابق الممولين من عائلة صدام وقيادات البعث المقيمة في الاردن والخليج. مع بعض من سموا بالقاعدة واليوم غيروا اسمهم لداعش! بعد ان بارت سلعة الماركة المسماة بالقاعدة. مستغلين غياب القانون وصراع الكتل الطائفية على مناصب السلطة من اجل منافع شخصية مما عرض البلد للتخريب والتدمير.

خاطبت بعض الكتاب والفنانين، وطرحت عليهم اسئلة تدور في هذا المضمار.. لإيصال وجهات نظرهم للقاريء المتلهف للكلمة التي تشحن الامل فيه.

استجاب البعض منهم مشكورا وبوقت قياسي..ومنهم من اغنى الموضوع بوجهات نظر مفصلة علمية ومنطقية.. الشكر والتقدير لهم جميعا.

الدكتور عبد الخالق حسين من الكتاب الذين اعتز بروح التفاؤل في كتاباته..اغنى الحوار بأجوبته القيمة:

 

1- ما هو رأيكم بتلك النزعات الطائفية بين المثقفين العراقيين؟..

عبدالخالق حسين: المثقفون هم نتاج المجتمع، ويشكلون شريحة منه، وما يصيبه يصيبهم. والمعروف أن المثقف هو مرآة المجتمع، تنعكس عليه صورة المجتمع. كما أود التوكيد أن الانقسام الطائفي في العراق ليس جديداً، بل قديم قدم الإسلام نفسه.

ثم القمع السلطوي ضد الشيعة خلال أربعة قرون من الحكم التركي العثماني المتخلف. والمشكلة أن الدولة العراقية الحديثة منذ تأسيسها عام 1921، تبنت الموروث التركي العثماني في عزل الشيعة عن المشاركة في حكم بلادهم. وكان هذا الصراع موجوداً ولكنه قوبل بالقمع والقسوة وخاصة في عهد حكم البعث الصدامي، عندما رفعوا شعار (لا شيعة بعد اليوم)، ونشروا دعايات ومفاهيم تسقيطية للحط من شيعة العراق، بأنهم ليسوا عراقيين ولا عرب، بل وحتى شككوا في إسلامهم، وأنهم خليط من الفرس المجوس، وهنود جلبهم محمد القاسم الثقفي مع الجواميس من الهند، وملأوا بهم المقابر الجماعية وشردوا أكثر من أربعة ملايين منهم إلى الشتات. أما بعد 2003، وإقامة النظام الديمقراطي، وتبني الانتخابات في التبادل السلمي للسلطة، فقد رفضها السنة العرب الذين أدمنوا على التفرد في حكم البلاد وصنع القرار السياسي، وعدم مشاركة الآخرين في الحكم إلا بمشاركة سطحية كديكور. لذلك رفضوا الديمقراطية ووصفوها بشتى النعوت البذيئة، وادعوا التهميش والعزل والإقصاء، وأن إيران هي التي تحكم العراق...الخ. وهذه الدعوى الزائفة لم تتوقف على القادة السياسيين السنة ومن يدعمهم في الخارج بل تعداهم وشمل حتى المثقفين من ذوي الخلفية الشيوعية منهم، مثل الشاعر المعروف سعدي يوسف الذي كان يلقب نفسه بـ"الشيوعي الأخير"، اعتبر شيعة العراق المشاركين في الحكم اليوم هم عجم. (سعدي يوسف: مصرُالعروبةِ عراقُ العجَم!)(1).

 

2- وكيف ترون تأثيرها على الشارع العراقي..بالوقت الذي كثير من الشباب في داخل العراق يطالبون بإلغاء المحاصصة وإلغاء المسميات (سنة وشيعة) من الوثائق الشخصية!؟

عبد الخالق حسين: تأثير المحاصصة على الشارع العراقي مدمر، خاصة وأن هناك القتل على الهوية الطائفية. أما مطالبة الشباب بإلغاء المسميات (سنة وشيعة) من الوثائق الشخصية فهي مشروعة وخطوة وطنية وعقلانية في الاتجاه الصحيح، ولكن هذه المسميات هي غير موجودة في الوثائق الرسمية أصلاً، ومع ذلك فالصراع الطائفي موجود ومنذ العهد الملكي ولو بدرجات مختلفة.

أما إذا كان القصد برفع المحاصصة السياسية من الكتل السياسية في المقاعد البرلمانية والوزارية، فهذا غير ممكن في الوقت الحاضر على الأقل، لأن هذه المحاصصة مفروضة بحكم الجغرافية والتاريخ والواقع الموضوعي، خاصة وأن جميع القوى السياسية المتنفذة هي موزعة على أساس الانقسام الديني والأثني والمدعوم جغرافياً، ولا أحد يستطيع أن يغير التاريخ والجغرافية. أما الأحزاب العلمانية العابرة للطوائف والأعراق، فهي ضعيفة ولا دور حاسم لها في التأثير على الشارع العراقي. وإذا كانت المحاصصة مفروضة بحكم الانقسام الطائفي والعرقي، ولا يمكن تجاوزها في هذه المرحلة، لذلك يجب أن يكون النضال من أجل وقف المحاصصة في التوظيف في دوائر الدولة على أساس القرابة والطائفة والمحسوبية والعرق. وحتى مناصب نواب الرئاسات الثلاث هي لإرضاء قيادات الكتل السياسية ولا حاجة بها لسير الأمور، وهي تستهلك واردات الدولة لدفع رواتب خيالية ضخمة لشاغلي هذه المناصب، إضافة إلى تكاليف حماياتهم الذين يعدون بالألوف، وخلق جهاز وظيفي متضخم لا لشيء إلا لتوظيف أقارب كبار المسئولين على أسس المحاصصة. وهذا سرطان يؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار الدولة العراقية.

 

3- ما هو دور المثقف الآن في رفع معنويات الشعب وتعزيز روح المواطنة والولاء للعراق فقط قبل كل الولاءات؟ فتلك من وجهة نظري هي السبيل الاول لإنقاذ العراق من الفوضى السياسية. وإنقاذ الدولة سياسيا وأمنيا وإقتصاديا، بعيدا عن الطائفية التي جاءت بمسئولين لا كفاءة ولا خبرة لهم؟.

عبد الخالق حسين: يجب أن نكون واقعيين، بمعنى يجب أن تكون الأمنيات قابلة للتطبيق، وإلا أضعنا العمر والجهد في طلب المحال. فكما بينتُ أعلاه، العراق في وضعه الحالي لا يمكن التخلص من المحاصصة في البرلمان ومجلس الوزراء، لأن الكتل السياسية مؤسسة على هذا الانقسام الطائفي والأثني والجغرافي، ومعظم الذين يدينون المحاصصة علناً يمارسونها عملاً ويرفضون زوالها. فالمثقف السني يطالب بالمزيد من المكتسبات للسنة، وكذلك المثقف الكردي، والمثقف الشيعي، وكلهم يشتمون المحاصصة، وما أسهل شتم المحاصصة. وبمجرد نظرة سريعة على عناوين التقارير والأخبار يومياً يكفي أن نعرف حجم الكارثة، وعلى سبيل المثال لا الحصر نقرأ ما يلي:

(مفتي العراق – الشيخ رافع العيساوي- يواصل من مصر هجومه على الحكومة والقوى الشيعية: لسنا أغبياء لنقاتل داعش كي تذبحنا المليشيات)، وعنوان آخر: (مفتي العراق يهاجم إيران والمليشيات الشيعية من القاهرة: مساجد السنّة تُحرق وتُرفع عليها صور خامنئي)(2). وهذ المفتي صرح قبل فترة من أربيل، أن السنة يرفضون أن يحكمهم شيعي. وكأن الشيعة هم وحدهم يحكمون، بينما تؤكد دراسة من أكاديمي لبناني أن السنة العرب يشكلون 19% من الشعب العراقي، ولكنهم يشغلون 26% من المناصب في الوزارة والبرلمان، فأين التهميش؟

لذلك فما تأثير دور الشباب إزاء حملة الشحن الطائفي الصاعدة والتي تتلقى الدعم المالي والإعلامي من جميع الحكومات العربية وبدون استثناء؟ ولكن مع ذلك، على المثقف التقدمي العلماني أن يلعب دوره في وضع حد لهذه الحملات المجنونة في الشحن الطائفي، ويعمل على نشر روح الولاء للعراق والوحدة الوطنية.

 

4- هل تعتقدون ان وراء تلك الاصوات بقايا البعث ذاته او امريكا التي يخدمها التقسيم وبقاء الفوضى السياسية تلك؟

عبد الخالق حسين: بالتأكيد، لقد ذكرنا مراراُ، أن البعث يستغل الانقسام الطائفي، وأي نوع من الانقسام، لصالحه وطرح نفسه الممثل الشرعي الوحيد للسنة العرب، ولم يتردد في استخدام أية ورقة، ومهما كانت قذرة، لخدمة أغراضه للوصول إلى السلطة، ولمصالح سياسية وفئوية مال أغلب القادة السياسيين السنة لدعم البعث، والآن يمارس فلول البعث الإرهاب باسم (داعش). ولذلك نلاحظ معظم مطالبات الكتل السياسية العربية السنية تركز على إلغاء قانون اجتثاث البعث، وقانون المساءلة، وإطلاق سراح جميع المعتقلين والسجناء المتورطين في جرائم الإرهاب وحتى المحكومين منهم باسم المصالحة !، بل وحتى إلغاء قانون مكافحة الإرهاب.

أما أمريكا، وكما بينا مراراً أيضاً، فإنها ليست مؤسسة خيرية، بل هي دولة تسعى وراء مصالحها في المنطقة، ولها الفضل في تخليص الشعب العراقي من أعتى نظام دكتاتوري همجي متخلف وجائر. ولذلك طالبنا الحكومة العراقية سواءً السابقة برئاسة السيد المالكي، أو الحالية برئاسة الدكتور العبادي، ببذل الجهود لكسب أمريكا إلى جانب العراق. ولكن مع الأسف وقعت نداءاتنا على أذن صماء، لذلك سمحوا لداعش باحتلال الموصل وبقية المحافظات الغربية للتخلص من المالكي بعد أن فشلوا في إزاحته عن طريق صناديق الاقتراع.

وأمريكا رغم أنها ضد تقسيم العراق علناً، إلا إنها مع التقسيم في سياستها المطبقة، فقد طرح نائب الرئيس الأمريكي السيد جو بايدن، مشروع تقسيم العراق قبل سنوات. ولما رفض أغلب العراقيين هذا المشروع ساهموا في تعميق الخلافات بين الكتل السياسية بدعم حكومة الإقليم الكردستاني، ودعم إدعاءات الكتل السياسية السنية بالتهميش والاقصاء. لذلك فما جرى من محاولات مؤخراً لحل النزاع حول النفط بين حكومة الإقليم والحكومة المركزية، فهو غير عادل بحق الحكومة الاتحادية المركزية، و تتلقى حكومة الإقليم الدعم من أمريكا على حساب الحكومة الاتحادية.

 

5- لا شك ان صياغة الدستور بشكله الحالي اعطى فرصة للبعض للتعكز عليه وتعزيز التقسيم الطائفي للسلطة. فهل بالامكان تغيير هذا الدستور او على الاقل الغاء المواد التي تتبنى الطائفية او تبررها؟

عبد الخالق حسين: نعم، كتب الدستور على عجل، وفيه الكثير من الثغرات التي تفسح المجال للتأويل والاجتهاد كما يشاء قادة الكتل السياسية وكل حسب هواه ومصالحه. ولنكون منصفين، لا توجد مادة في الدستور تتبنى الطائفية أو تبررها، ولكن الكارثة أنه من شبه المستحيل تعديل الدستور، إذ جاء في إحدى مواده مفادها ، أنه لا يجوز تعديل أية مادة من الدستور إلا بعد استفتاء شعبي وعلى أن لا يعارض التعديل ثلثا ثلاث محافظات. لذلك فالتعديل شبه مستحيل.

اذن المفروض ان يسعى المثقفون ومعهم السياسيين الوطنيين وكل من ينتمي للعراق قبل طائفته وعشيرته او قوميته..يعمل الجميع على الغاء هذا الدستور وصياغة اخر يتماشى مع طبيعة الامة العراقية بكل قومياتها واطيافها. ليكون اللبنة لخدمة المجتمع والشعب وتطوير البلد ليكون بمصافي البلدان المستقرة.

 

.......................

هوامش

1- سعدي يوسف: مصرُالعروبةِ عراقُ العجَم!

http://www.arabistan.org/newsdetails.aspx?elmnt=7041#.VIf5mtKsVIU

2- مفتي العراق يواصل من مصر هجومه على الحكومة والقوى الشيعية: لسنا أغبياء لنقاتل داعش كي تذبحنا المليشيات

http://www.akhbaar.org/home/2014/12/181429.html

 

معلومات إضافية