حوارات عامة

عماد كامل يحاور: بسمة الشوالي.. الظلام هو الليل والليل للكتابة والمطالعة.. الليل جنّة للعزلة

basma alshawaliبسمة الشوالي: قاصة خاضت تجربة الكتابة بقلب انثوي محب للحياة والجمال، عشقت الحروف فدخلت عالم الكتابة، حملت على عاتقها مسؤولية ان تكون انسانة تحمل هم الانسانية ولهذا فهي لا تكتب سوى ما تقتنع بأنه يحرر الانسان من اغلاله.

تواصل القاصة بسمة الشوالي تقديم أعمالها من القصة القصيرة، التى دائما ما تثير الجدل، لكشفها عن المسكوت عنه فى مجتمعاتنا، والخروج على آليات السرد المتعارف عليه، وتسجل وجهة نظرها عن العالم، وتمرر الحقائق عبر ما تكتبه، تكتب قصصا واقعية، رغم انتمائها إلى عالم الخيال أكثر من الواقع، وقد صدر لها العديد من الأعمال الأدبية التى لاقت استحسانا كبيرا منها "مزالق الحنين" الصادر عن دار الاطلسية للنشر والتوزيع عام 2008 و"قناديل المطر" الصادر عن دار التونسية للكتاب عام 2013. وبعد مسيرة حافلة نريد أن نعرف من هي بسمة الشوالي؟

 

 *من تكون بسمة الشوالي؟

- بسمة الشوالي كاتبة تونسيّة. أعمل مدرّسة للمرحلة الابتدائيّة. أمّ لرجل جميل في الثامنة عشر من عمره وفراشة في الثانية عشر. أقطن بمدينة صغيرة ترتاح على كتف أكبر أودية البلاد: وادي مجردة، هي مدينة "بوسالم" شمال غربيّ البلاد التونسيّة.

 

*من هو قدوتك؟

- ليس لي قدوة بعينها. أقتدي دائما بالجميل والنافع أنّى يوجد وعن أيٍّ يصدر.

 

*أين تشعرين بالحنان؟

- أشعر بالحنان أنّى تكون أمّي.

 

*أين تكمن سعادتك؟

- تكمن سعادتي في ابتسامة رضا وطمأنينة على وجه ولديّ طارق وتقى.

 

*متى تحزنين؟

- لا وقت للحزن. الحزن هو الوقت عينه. فاتحة الزّمن الأرضيّ كانت لحظة

حزينة: لحظة الغضب الإلهيّ على البشريّ وما استتبعه من عتاب ثم قرار بالطّرد من حياض القدس. ولد الحزن في الجنّة لذلك ظلّ مؤسّسا لكل ما هو خالد كالحب، كالفنّ، كالإبداع..

 

*ماذا تعني لك أمّك؟

- أمّي هي أوّل ورشة لكتابة القصّة تعلّمت عنها فنّ الحكي. كانت تصنع لنا الدّمى من فضلات الأقمشة والصوف والأعواد بينما تحكي لنا الخرافات أو تسرد علينا فصولا مدهشة من حياة الناس فترة الاستعمار وبعيد الاستقلال في أسلوب شيّق مُثرى بالأساطير والأمثال الشّعبيّة والحكم التراثيّة، يشدنا شدّا إلى قصصها بحبل الفضول المتين. لم أنتم إلى نادي للقصّة ولا حضرت ندوة عنها إلى بعد أن نجحتْ مجموعتي القصصية الأولى "مزالق الحنين" في جلب الانتباه إليها. كنت ولا أزال أقلّد والدتي في كتابة قصصي.

 

*ما هي الحكمة التي تؤمنين بها؟

- مثل تونسيّ شعبيّ مفاده: حديثك مع من لا يفهمك ينقص من عمرك.

 

*ما هو العدل؟

- العدل: جنّة مفقودة.

 

*ما هو السلام؟

- أن يكون كلّ إنسان مهما كانت ديانته أو طائفته أو عرقه أو لونه على أخيه الإنسان حراما دمه وماله وعرضه.

 

*أيّ لون يعجبك؟

- الأحمر في كلّ شيء تقريبا والأخضر في العشب اليانع.

 

*متى تشعرين بالراحة؟

- عندما ينقشع عن سماء النّفس القلق.

 

*ما هو الضّمير؟

- الضّمير محاسب محترف لدى مؤسّسة الإنسانيّة في الإنسان يجب أن يُدفع له من عملة المبادئ ليكون محاسبا أمينا.

 

*ماذا يعني لك الوطن؟

- الوطن هو المكان الذي نكون في "نحن" لا سوانا.

 

*أوّل حبّ في حياتك؟

- أوّل الحبّ هو أجمله دائما. إنّه الوردة الأولى التي تبشّر بالحديقة في المناطق المخصبة من العمر. وأجمل أجملِه فشل يتمخّض حزنا فيلد حياة جديدة أكثر نضوجا وأعمق فهما لسلالات الورود في الحدائق القادمة. هذا النّمط من الفشل هو أحد الأسباب الكبرى التي جعلت منّي كاتبة.

 

*خطأ ما ندمت عليه؟

- أنّي لم أجتهد بما يكفي لأواصل دراستي بعد التخرّج مدرّسة. لكن في هذه الحالة لم يكن من المؤكّد أنّي سأكون كاتبة. وجدت الكتابة دائما كدرب جانبيّة تتفرّع عن الطّرق الرّئيسية المستحيلة في حياتي.

 

*هل أنت ناجحة في عملك وحياتك؟

- أنا لم أُنْه بعد عملي، وحياتي ما تزال حتى هذه اللحظة مستمرّة، لذلك لا يمكن الجزم بنجاحي فيهما من عدمه. ويظلّ بالتالي النّجاح غاية أسعى نحوها باستمرار وكلّما تحقّق بعض منه طمحت إلى المزيد.

 

*ما الفشل؟    

- الفشل عندي هو أن لا أستطيع إنهاء نصّ قصصيّ بما يرضيني.

متى تلومين نفسك؟

- عندما أفوّت فرصة جميلة كانت ممكنة.

 

*ما هي الحلقة الضائعة بحياتك؟

- الطّفولة هي الحلقة الضائعة بحياتي. عند الثانية عشر من عمري تعرّضت إلى حادث مرور سقطت فيه على قفاي فنجم عنه فقدان لنسبة كبيرة من ذاكرتي البعيدة. بعد ذلك الحادث صرت كثيرة النسيان.

 

*ماذا يعني لك الظلام؟

- الظلام هو الليل والليل للكتابة والمطالعة. الليل جنّة للعزلة.

 

*ماذا يعني لك النور؟

- النور للحياة النّشيطة، للعمل، لتعبيد طرقات المستقبل.

 

*ما هي الحريّة؟

- الحريّة عندي أن أحبّ لغيري كلَّ ما أحبّه لنفسي وأرضاه لي. فإن كنت مثلا أتمسّك بحقّي في الاختلاف وبواجب الآخر في احترامي فيه، فعليّ بالمقابل أن أعترف له بحقّه في ذلك وبواجبي نحوه باحترامه في اختلافه عنّي.

 

*متى تشعرني بالذّنب؟

- عندما أظلم أحدا.

 

*متى تلتزمين الصّمت؟

- حين لا جدوى من الكلام. وحين يجب أن ينكفئ اللّسان في حجرته ليتقدّم الفعل بلا عراقيل لَغَويّة. (نسبة إلى اللّغْو)

 

 *ما هو هدفك؟

- أن أنجح في عملي وحياتي ومسيرتي الإبداعيّة.

 

*متى تحتاجين إلى البكاء؟

- لأسباب لا يمكن حصرها وأحيانا بلا أيّ سبب موضوعيّ.

  

*ما الذي لا تودّين أن تخسريه؟

- إحساسي العميق واليقيني بأنّ الله يحبّني.

 

أحمد الحلي يحاور: الروائي العراقي محمد حيّاوي

ahmad alhiliالرواية الحقّة لا تُكتب بقصديَّة مسبّقة ولا يمكننا التحكم بعملية الخلق..

من يستقريء الساحة الثقافية العراقية وحركتها، سيجد أن هناك العديد من الأسماء التي تظهر وتتوهج في وقت قياسي ثم تختفي أو يتلاشى حضورها وتخفت فاعليتها لأسباب مختلفة لسنا بصدد البحث فيها هنا، إلا أن هناك اسماء قليلة وقليلة جداً استطاعت أن تثبت جدارتها وتؤكد ذواتها من خلال العطاء الحقيقي الذي تقدمه بصبر وجلد ومثابرة قل نظيرها، يبرز لنا من بين هذه الأسماء اسم الروائي العراقي محمد حياوي، الذي اتحف المكتبة العراقية والعربية مؤخراً بروايته الجديدة اللافتة (خان الشابندر)، والتي نحسب أنها نجحت في استيفاء العناصر الضرورية في هذا الفن الصعب ونعني به فن كتابة الرواية . ونود أن ننوه هنا إلى أن هذه الرواية  كتب عنها لحد الآن أكثر من أربعين مقالة ودراسة كما رشحتها دار الآداب للمنافسة على البوكر المقبل وأصدر محمد جبير كتاباً عنها.. كما يتم الاستعداد لجمع أهم المقالات عنها في كتاب جديد يتضمن أسماء نقاد مهمين من العراق والدول العربية من أمثال د. صلاح فضل ود. جابر عصفور ود. محسن املوسوي وعبد الرحمن مجيد الربيعي وغيرهم ...

أتيح لي أن ألتقي الروائي عبر فضاء النت، فكانت هذه المحاورة ؛

 

س/1 ما سر اهتمامك بالشخصيات النسائية المستلبة أو المقهورة؟

- طالما ألهمتني النساء وتأثرت بعوالمهن الغامضة والآسرة في الحقيقة، فالمرأة من وجهة نظري الكائن الأكثر رقّة وهشاشة في هذا العالم، وهي في الوقت نفسه عالم من الأسرار والعواطف والكنوز المخبوءة التي لا تكشف عن نفسها إلّا في حالات نادرة جدّاً، والمرأة المستلبة أو المقهورة أو المقموعة لا تفقد انسانيتها بسهولة على العكس من الرجل، وهي على الرغم من رقّتها وهشاشتها تمتلك قوّة غامضة أكثر من الرجل بكثير. حتّى تلك التي تنحرف بطريقة أو بأخرى، أو يجبرها المجتمع على ممارسة الرذيلة نجدها تنزع لإنسانيتها بطريقة فطرية وتغدق عواطفها حتّى على الحجر، إن لم تجد من تغدقها عليه. وطالما ارتبطت الانوثة بالأمومة وبالتالي بالرحمة. فالمرأة كائن رحيم خُلق ليعطي الحنان والعاطفة، وإذا لم يجد ما يعطف عليه يبقى يفيض حناناً متسرباً. بطريقة أخرى لا نستطيع ان نطلب من الوردة الكفّ عن اطلاق العطر أو الشمعة عن إطلاق النور، تلك الكائنات فُطرت على هذه الأشياء، وثدي الأم مالم يجد فم الرضيع يبقى يدرّ حليباً حتّى يسربلها، هكذا هو قانون الطبيعة، وبالتالي فالمرأة محور عملي كله، بها أبتدئ وإليها انتهي وبواسطة غموضها العصي على الفهم أبني عوالمي في الحقيقة..

 

س/2 ما مدى ارتباط السيرة الشخصية الذاتية بعالم الرواية المتخيّل لديك؟

- من وجهة نظري تجربة الكاتب في الحياة وغناها هي ما يوفر له خزيناً ثرّاً لا ينضب، يقول راي برادبيري "إذا أردت ان تنجح أكتب عما تعرفه"، وأنا أصدّقه جدّاً في الحقيقة، لا يستطيع أي كاتب الكتابة عن أشياء لم يختبرها من قبل أو لم يعشها، وهذه قضية مهمة للغاية، ولا يمكنني ان اتخيل كاتباً يكتب عن المرأة وعوالمها وأسرارها من دون ان يختبر تلك العوالم في حياته الواقعية، كما لا يمكننا ان نكتب عن الحرب بطريقة صادقة وحقيقية ما لم نعشها ونخوض غمارها ونكتوي بنارها، هكذا هو الأمر ببساطة، أما ما يلي ذلك فهو اشتغال المخيّلة وطرقها الغامضة بالمزج بين صور الماضي والواقع المراد تخيّله، وبقدر تعلّق الأمر بي فان أيّة صورة خاطفة أو ومضة ما كافية لأن تلهب مخيلتي وتجعل الصور الارتدادية تنهال في الكتابة. على سبيل المثال شابّة متسوّلة تُظهر عيناً واحدة من فتحة في العباءة اخترقت المتنبي فألهمتني باختلاق شخصية "إخلاص" أو "لوصة" في روايتي "خان الشّابندر"، ممكن ان يراها المئات أو الآلاف يومياً، لكن نظرتي الخاطفة لها وتمكني من رصد خيط الحسن في نظرتها العميقة اختلف عن الآخرين، هكذا هي عين الكاتب الحقّ الراصدة وهكذا هي آلية عمل مخيلته في تخزين الصور، وهي في المحصلة مَلَكة خاصّة جدّاً.. 

 

س/3 هل هناك آلية فنية تتبعها لتخليق أبطال رواياتك؟

- تحدثت في جوابي السابق عن الومضة أو الصورة الخاطفة التي التقطها بطريقة خاصّة وسرّية جداً واخزنها في مخيَّلتي، هذه قضية مهمة للغاية بالنسبة لي، أنا لا أستخدم الكاميرا مثلاً، الصورة الخاطفة تبقى ناقصة ما لم اخزنها في مخيَّلتي، فهناك تنضج وتكتمل وتأخذ ملامحها بالتجسد، الكاميرا تقتل هذه الخاصّية وتجعل من الصورة الخاطفة جماداً، الفوتوغراف يعمل ضد المخيَّلة، بينما عمل المخيلة غامض ولا أحد يعرف آلياته أو كنهه. وما ان أبدأ بالكتابة حتى تبدأ المخيَّلة باستدعاء تلك الصور المخزّنة بطريقة لا واعية وعفوية وغير مخطط لها، المخيَّلة تعرف بالضبط متى وأين تستدعي الصورة المحدّدة دون غيرها، وهذا الأمر لا يقتصر على شخصيات رواياتي وحسب، بل يتجاوزه للأمكنة أيضاً، فصورة مكان ما تعلق بمخيَّلتي وتتمازج مع صور أمكنة رأيتها في الماضي. غالباً ما أقع في غرام بطلاتي من النساء، في الواقع ما لم أقع في غرامهن لا أستطيع تجسيدهن بطريقة صادقة، ثمَّة علاقة وجدانية غامضة تنشأ بيني وبين بطلاتي وما يتبقى هو نحت وصقل لتلك الشخصيات سواء بواسطة الحوار أو الوصف، والأمر نفسه ينطبق على أبطالي من الذكور، ما لم أحبهم أو أكرههم لا يمكن أن ان أجسد شخصياتهم بطريقة مقنعة وصادقة، خذ شخصيتي "هند" و"مجر" في رواية "خان الشّابندر" على سبيل المثال، فالأولى عشقتها بعمق واثرت في وجداني وتلاعبت بعواطفي وتركت في نفسي أثراً كبيراً كما لو كانت حيّة تعيش في مخيَّلتي وتوجعني، ولا أعتقد انّها ستفارقني ما حييت، ولا بدّ ان تظهر ثانية بطريقة أو بأخرى في رواية لاحقة، أما شخصية "مجر" فقد أحببتها واعجبت بغموضه وعمقه ونظرته للحياة وفلسفته وحكمته وزهده وأسطوريته وهو الآخر أثر فيّ كثيراً، وهكذا..

 

س/4 هل يمكن أن نعدّ روايتك هذه بمثابة مرثية لبغداد وما حل بها بعد العام 2003؟

- قد تتفاجأ لو قلت لك انّني لست معنياً برثاء بغداد أو تدوين مناحة ما على واقعها المرير الذي تعيشه هذه الأيام، وكل ما يعنيني هو انتاج قطعة فنيّة تترك أثراً عميقاً في نفس القارئ. الأدب، من وجهة نظري، لا يحتمل توجيه الرسائل مهما كان نوعها، وليس من شأنه توجيه المراثي أو قصائد المديح، لأنّك في اللحظة التي تقرر بها كتابة رواية ما عن موضوع محدّد اخترته سلفاً تكون قد أجهضت الرواية وصادرت عفويتها. الرواية الحقّة لا تُكتب بقصديَّة مسبّقة أو لأهداف معينة، لكنّها في الوقت نفسه هي انعكاس للواقع ومرآة موازية له، أعني ليس بطريقة الفوتوغراف، بل بطريقة عين الراصد وقراءتها المختلفة كليّاً عن الآخرين. لا يمكننا التحكم بعملية الخلق، ولو نظرنا إلى الحياة كيف تنبثق في الرحم لادركنا مدى عفويتها وعشوائيتها، فنحن لا نستطيع التحكم بجنس الجنين ولا بحجمة أو جماله أو درجة ذكائة، انّها عملية غامضة ومبدعة وتبعث على الدهشة، وإذا ما تدخل الانسان في تغييرها أو التأثير عليها أو توجيهها وجهة معينة غالباً ما يكون الجنين مشوهاً أو ناقصاً أو يعاني من خلل ما، هكذا هي الرواية أيضاَ والتخطيط المسبق لها أو تحديد هدف ما قبل الشروع بالكتابة يعد تدخلاً أو تغييراً في الخلق.

 

س/5 كيف تقيّم موجة الأعمال الروائية التي ظهرت ما بعد سقوط النظام؟

- في الواقع الناس من فرط المآسي والمعاناة التي عاشوها في حقبة النظام السابق واحساسهم بفضاء الحريّة الجديد أصبح لديهم رغبة في تدوين اختلاجاتهم والكتابة عن معاناتهم أو ما يعتمل في صدورهم، وهي حاجة وضرورة انسانية وليس بالضرورة فناً من نوع ما. الكتابة الروائية يلزمها اشتراطات قاسية في الحقيقة لا يمكن ان تتوفر لهذا العدد الكبير من الناس الذين كتبوا تلك الاختلاجات، لكنّنا من جانب آخر لا يمكن ان نمنع كل من لديه الرغبة في الكتابة عن فعل ذلك، لأنّها حاجة انسانية كما ذكرت. البعض يتحدّث عن مئات الروايات التي صدرت بعد العام 2003، لكن نتيجة لانفلات المعايير النقدية عندنا في العراق الجديد واستسهال النشر وتساهل دور النشر مقابل المال، هو ما ساعد على تبلور تلك الظاهرة، ولا توجد أمة في العالم يمكنها ان تنتج كل هذا العدد الهائل من الروايات في حقبة زمنية محدودة، وبالتالي حتّى النقد قد يعجز عن ملاحقة التجارب الجيّدة وسط هذا الركام كله، وهي ظاهرة هزال وليس دليل ازدهار كما يعتقد البعض، وفي المحصلة لم تعلق بذهني سوى بعض أعمال لا تتجاوز العشرين أو الخمسة والعشرين عملاً، وهذا لا يعني ان الكم الهائل الآخر ليس ذا نفع، بالعكس، فكما قلت لك، ثمة الكثير من التفصيلات التي تعتمل في صدور الناس ولا بدّ من التنفيس عنها أو تدوينها بطريقة أو بأخرى لتوثيقها، لكن ليس بالضرورة بطريقة فنية أو روائية..

 

س/6 قيل إن الروائي الناجح هو الذي يستطيع تكييف الواقع وصولاً إلى أسطرته، إلى أي حد يصدق هذا القول؟

- نعم، إلى حد ما، فكما تعرف الأساليب الروائية متعدّدة ومتفاوتة، وبعضها يعتمد الواقعية المباشرة وسبر أغوار المجتمع وطبقاته بعمق كما هو الحال في روايات نجيب محفوظ، بينما ينحو البعض الآخر نحو الخيال المجنّح أو المطلق، وهكذا، لكن ثمَّة تجارب مبهرة تبلورت نهاية القرن المنصرم تعتمد ما أسميته أسطرة الواقع واضفاء صفة السحرية المشوّقة عليه، وهو أسلوب فني صعب ويتطلب خيالاً خلّاقاً بحقّ أجترحه بعض أدباء أميركا اللاتينية نتيجة للواقع المتداخل في مجتمعاتهم، فحاول البعض تقليدهم بطريقة مباشرة وفشلوا لأنه أسلوب يعتمد بالدرجة الأساس على طبيعة المجتمع وحجم المتناقضات داخلة وينطلق من محلية خالصة، لهذا اعدّ الأمر صعباً للغاية في ان تضفي طابعاً أسطورياً على الواقع ما لم تكن ممتلكاً لأدواتك، كالمخيلة الخصبة واللغة الثرّة والأسلوب الشّيق، وبقدر تعلّق الأمر بي فقد حاولت أن أختط نهجاً مقارباً ومختلفاً في آن، مقارب كاجتهاد للوصول إلى تفرد في التجربة وعدم تكرار التجارب السابقة، ومختلف لجهة خصوصية المجتمع العراقي ومفرداته ومشكلاته، وهذا ما حاولت تجسيده في "خان الشّابندر" وروايتي الأخرى تحت الطبع "لا عذارى في حلب" وحتّى في روايتي المنشغل الآن بكتابتها "بيت السودان"، ويبقى الحكم على مدى نجاحي بذلك متروكاً للقارئ بالدرجة الأساس ومن ثمَّ للنقد لاحقاً.

 

س/7من الواضح من خلال مجريات أحداث الرواية أنك معنيٌّ بالحفريات المعرفية المتعلقة بسيرة المكان، هل لك أن تحدثنا عن ذلك؟

- المكان يلعب عندي دوراً محورياً مهماً، إن لم يكن المحور الأهم في الحقيقة، وغالباً ما تستفز الأمكنة مخيلتي وتستدعي الصور المخزنة منذ أشهر وسنوات، وعلى سبيل المثال، كانت زيارتي لخان الشّابندر المتروك والآيل للسقوط سبباً حقيقياً في إلهامي لكتابة الرواية. أقصد المكان كمناخ وحاضنة تصلح لتوالي الأحداث وانثيالها، يعتقد غاستو باشلار ان البيت هو عبارة عن قبو وعلية وما بينهما، لكن السؤال هنا أيّ بيت وأيّة علية أو قبو؟، العلاقة المتداخلة بين مكونات البيت أو مسرح الأحداث هي التي تفرض على الكاتب طريقة تصوره للأحداث وتحدد قدرته على الوصف، وكلما كان شكل المكان وتاريخه متجسداً في مخيَّلة الكاتب قبل الشروع بعملية الكتابة كلما كان دوره أكبر وتأثيره أعمق في الأحداث، لقد أجريت دراسة تفصيلية للخان تناولت التاريخ والوظيفة والأسطورة والمعمار، لهذا كان حضوره طاغياً في أحداث الرواية، كذلك هو الأمر مع أعمالي الأخرى في الحقيقة، فقد عشت في مرحلة من المراحل في شقة معزولة في حي صلاح الدين المسيحي في أطراف مدينة حلب هيأتني لاتخاذها مخيَّلاتياً كمسرح لأحداث روايتي "لا عذارى في حلب" وهكذا.

 

س/8 هل ينبغي للروائي أن يمر بتجربة كتابة القصة القصيرة؟

- ليس بالضرورة، ثمَّة كتّاب ولدوا ليكونوا روائيين، كما ان تكنيك القصة القصيرة مختلف كليّاً عن التكنيك الروائي، وغالباً ما يحول دون انفتاح الكاتب روائياً إذا كان معتاداً على التكثيف، لكن من جانب آخر ثمَّة الكثير من الكتاب من يجيد الفنين في آن واحد، شخصياً كانت بدايتي مع الرواية عندما أصدرت أولى رواياتي، وهي في الوقت نفسه أولى كتبي "ثغور الماء"، لكنّني بعد ذلك كتبت مجموعة كبيرة من القصص القصيرة التي اعتمدت من خلالها اللغة والأفكار المكثفّة، وهي في غالبها تصلح منطلقاً لروايات، أقصد لو كنت آنذاك بوعيي الحالي، أو نَفسي الروائي الذي أكتب به الآن، وفي المجمل يبقى فن القصة القصيرة فنّاً جميلاً ومستقلاً عن الفن الروائي، لكنّه ليس شرطاً ينبغي للروائي المرور من خلاله بالضرورة وصولاً إلى الفن الروائي لأن الفنين مختلفان كليّاً، ناهيك عن ما بات يطلقه البعض على عصرنا كعصر للرواية بامتياز.

 

س/9 لاحظنا أنه من بين الشخصيات الأكثر مفارقة في روايتك شخصية مجر، هل هو شخصية متخيّلة بالكامل أم له امتداد على أرض الواقع؟

- نعم لقد تحدثت في إجابة سابقة عن تلك الشخصية المحورية في الرواية، وهي شخصية متخيّلة بالكامل في الحقيقة، سوى أنّني وفي حومة دراستي عن خان الشّابندر والمناطق التي تحيط به التقيت بشخصية شبه أسطورية تشبهه إلى حد ما، كان رجلاً عجوزاً يبيع العتيق في سوق الهرج يتخذ من دكّانة صغيرة ومنزوية مكاناً لعرض بضاعته من الصور واللوحات القديمة والسيوف الصدئة وبعض التحف المتضررة، وكان يعصب رأسه بعصابة حمراء وله شارب كثّ أصفرّ من كثرة التدخين، فخزّنت صورته بمخيّلتي ورحت أستعيدها بين الحين والأخر وأسبغ عليها بعض الصفات المُضافة، لا سيما البعد المعتقداتي المتعلق بالديانة المندائية التي أكتشفت أن أغلب العاملين في الخان من المشتغلين بتجارة الفضَّة يدينون بها، وهكذا خرجت شخصية "مجر" ضمن الواقع الأسطوري المتخيَّل في الرواية، ومجر من الأسماء المندائية القديمة التي كانت شائعة في العراق مطلع القرن الماضي. 

 

س/10بقي في جعبتنا سؤال أخير، ورد في صدر روايتك مقطع وجداني مؤثر نوّهتَ أنه لشاعرة أفغانية اسمها؛ رحيلة موسكا، هل هذه الشاعرة  حقيقية أو متخيلة لمقتضيات الرواية؟

- في البنية التحتية لـ(خان الشّابندر) أفروز قادري (1973 - 2003) هي شاعرة أفغانية شابّة عُرفت باسمها الفني المُستعار (رحيلة موسكا)،  ويعني الابتسامة العابرة، عندما كانت تقرأ قصائدها على الهواء في برنامج قصائد مُحلّقة الذي كان يُبث من إذاعة سرية خوفاً من اكتشاف شخصيتها الحقيقية.. عُرفت بقصائدها الجريئة التي تنتقد طالبان والعنف ضد المرأة والحرب عموماً، حتى اخبرت عنها سرّاً زوجة أخيها بسبب الحسد القاتل، فاعتُقلت واغتصبت ثم قُتلت بطريقة بشعة..

رحيلة موسكا لروايتي (خان الشّابندر) التي افتتحتها بمقطع شعري لها يقول؛

جسدي مثل أوراق الحنّاء.. أخضر من الخارج لكنّه لحم نيء من الداخل .

 

سيرة أدبية مقتضبة للروائي العراقي محمد حياوي؛

* ولد في مدينة الناصرية جنوب العراق .

* اكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها .

* تخرج من معهد الإدارة ـ إدارة عامّة في العام 1984

* عمل في مجال الصحافة الثقافية كمحرر في القسم الثقافي لجريدة الجمهورية، ثم سكرتيراً للتحرير .

* بدأ بنشر كتاباته في القِصَّة القصيرة في العام 1983 في مجلة الطليعة الأدبية ومجلة الأقلام وجريدة الجمهورية .

* نشر العديد من القصص القصيرة في المجلات والصحف العراقية والعربية .

* فازت قِصَّته "الكائن الغريب" بجائزة القِصَّة القصيرة للعام 1983.

* شارك في أعمال مؤتمر القِصَّة الأوّل في العام 1985 في أربيل وقدّم بحثاً عن تأثير الحرب العراقية الإيرانية على مضامين وأساليب القِصَّة القصيرة في العراق .

* غادر العراق في العام 1992 وأقام في الأردن للفترة من 1992 حتى 1995 وعمل في المجال الصحفي ...

* غادر الأردن إلى هولندا كلاجئ سياسي في العام 1996 ودرس اللغة الهولندية وتخصص فيها .

* درس التصميم الطباعي والغرافيك ونال الدبلوم العالي والماجستير في البنية المعمارية للحرف اللاتيني .

* حضر أعمال مؤتمر القصة العراقية الثاني في لندن في العام 1997 وقدّم بحثاً عن الوسيط الحكائي والبديل الخيالي في ألف ليلة وليلة .

 * عمل مصمماً ومحرراً للسينما في جريدة De Telegraaf الهولندية من العام 2000 حتى العام 2010 .

* أختير عضواً في لجان التحكيم في مهرجان الفيلم الإيراني في أمستردام ومهرجان الفيلم العربي في روتردام

* رأس تحرير مجلة "سينما عالمية" الصادرة باللغتين الهولندية والعربية حتَّى العام 2010

* أسس بالتعاون مع جريدة طريق الشعب جريدة "الطريق الثقافي" وأدار تحريرها حتَّى العام 2014 .

 *عضو اتحاد الكتّاب الهولنديين .

* يعمل أستاذاً لمادّة الغرافيك والصحافة الجديدة في معهد غرافيك ليزيوم أمسترادم منذ العام 2010 حتى الآن، ومدرباً للتصميم والصحافة الجديدة "الكروس ميديا" في الأكاديمية الألمانية للتطوير الإعلامي.

 

الأعمال الأدبية

* نُشرت روايته الأولى "ثغور الماء" في العام 1983 عن دار الشؤون الثقافية ببغداد. وهي محاولة لرصد العلاقات الانسانية في ريف الجنوب العرقي ومنطقة الأهوار في أوقات المحنة والفيضان، حيث تتجسد معاني العشق الفطري المتمرّد على الاعراف والتقاليد الريفية الصارمة.

* فازت روايته "فاطمة الخضراء" كأفضل رواية عراقية في العام 1985 ومنعت من النشر لإدانتها الحرب. وتحكي قصة حب عاصف بين فتاة بدوية هاربة من بيت دعارة تديره أمها في الصحراء الغربية إلى مدينة البصرة حيث تتعرف إلى جندي صغير السن من أصول ريفية لا يعرف لماذا يحارب ومن أجل مَن.

* نُشرت مجموعته القصصية الأولى "غرفة مُضاءة لفاطمة" في العام 1986 عن دار آفاق عربية ببغداد، وتضمنت عشر قِصّص قصيرة كُتبت في الأعوام بين 1983 و 1986 تدور أحدثها في مدينة الناصرية جنوب العراق وتمثل دهشة الطفولة واكتشافاتها الأولى ازاء المرأة والجنس والحب العذري والعجز أمام موبقات البالغين.

* فازت روايته "طواف مُتَّصِل" بجائزة الرواية العراقية ونشرت في العام 1988 عن دار الشؤون الثقافية ببغداد. وهي رواية ترصد محنة الجنود الشبّان الذين داهمتهم الحرب في أعالي الجبال تحت رحمة الطبيعة القاسية والعزلة وموت الرفاق المتوالي والضياع في المجهول، حيث لا وطن يبدي امتنانه ولا حبيبة تنتظر.

* صدرت له سلسلة ألف ليلة وليلة للأطفال في العام 1990 عن دار أور للنشر والتوزيع في بغداد. وهي محاولة لتقطيع الحكايات وتخليصها من التكرار والاسفاف والعبارات الخادشة للحياء، مكتوبة بلغة بسيطة ومناسبة لليافعين، بواقع قِصّة واحدة لكل ليلة من الليالي.

 * تُرجمت مجموعته القصصية "غرفة مُضاءة لفاطمة" a Lightened Room for Fatimah  إلى الأنجليزية في العام 1996 ونشرت في أسبانيا

* صدرت له مجموعة "شكراً يا أُيّها الفيل"  Dank je wel Olifant للأطفال باللغة الهولندية في العام 2010 عن دار نشر Sillat في أمستردام. وهي مجموعة حكايات للأطفال بروح شرقية حاولت تقديم الحكمة بطرق بسيطة ومشوّقة للأطفال الهولنديين من الفئة العمرية بين 7 و10 سنوات.

* صدرت روايته الثالثة "خان الشّابندر" في العام 2015 عن دار الآداب للنشر والتوزيع في بيروت، وهي محاولة لاعادة اكتشاف الذات العراقية التي تبدّدت ملامحها بعد الحرب وسقوط الديكتاتورية. وتستند ثيمة الرواية إلى الفجيعة والانسحاق المجتمعي بين ممارسات الديكتاتورية وبشاعة الارهاب وانفلات الأمن في البلاد وانتهاك انسانية المرأة الهاربة من قسوة المجتمع والمفاهيم المُعابة لتقع ضحية للارهاب والعنف.

* انجز روايته الرابعة تحت عنوان "لا عذارى في حلب"، وهي محاولة لرصد مأساة جيل المثقفين العرب المنسحق تحت آلة الحرب المستعرة في سوريا، وتحديداً في حلب، حيث تُنتهك تطلعاته وتتبدّد أحلامه ويفقد هويته وذاكرته. وتحكي الرواية أيضاً قِصّة البسطاء من العرب، هؤلاء الذين أضاعوا بوصلتهم ووقعوا في لحظات نادرة من التاريخ في براثن الخديعة والعنف والرذيلة، من دون ان يفقدوا أرواحهم تماماً.

 

لمياء صغير تحاور الروائي مصطفى الكيلاني: علينا كسر التابوهات السياسية والدينية لتحسين ثقافة الفلسفة العربية

ألح  المؤلف الروائي  مصطفي الكيلاني على ضرورة تبني اديولوجية الفلسفة والتي تمثل عصب  المستقبل العلمي العربي وعلينا   نتخطى  ونتحرر من الطابو السياسوي والديني لمواكبة الفلسفة الغربية والرقي بالفلسفة العربية.

 

*من خلال مشاركتكم في عديد الفعاليات والملتقيات السابقة التي نظمتها الجمعيات العربية  والجزائرية للدراسات الفلسفية هل ترى أنها وفت الفلسفة حقها ؟

مصطفى الكيلاني:  أولا وقبل كل شيء أشكركم على الالتفاتة التي تبين اهتمامكم بواقع الفلسفة العربية وسبق لي أن شاركت في ملتقى الفلسفة الذي نظمته  الجمعية الجزائرية  وخاصة وانه أقيم ببلدي الثاني الجزائر وما هذا إلا دليل علي اهتمام الجزائر بازدهار ثقافة ومجتمعنا العربي الذي ننتمي إليه، ويمكن أنه بالرغم من عديد الملتقيات   لم نتمكن من إيجاد حلول واضحة غير أننا تمكننا من اكتشاف مواطن الخلل الذي تحكمه السياسة والوازع الديني حاليا وهذا بالطبع كفيل بقتل الفلسفة العربية ومن هذا المنبر نحن نحاول إعادة إحياءها من خلال هاته الملتقيات.

 

  * هل ترى كمؤلف لعدة روايات وأديب بان الفلسفة حاليا نلتمسها علي شاكلة الرواية المعاصرة؟

مصطفى لكيلاني:بطبيعة الحال الرواية هي الصنف الأدبي المتفوق حاليا مقارنة بالشعر العربي وتمثل لغة العصر بطابعها المتميز ، ومن هنا فان طرح إشكالية علاقة الرواية بالرؤية الفلسفية جد مترابطة ، وارجع العلاقة إلي إمكانية الأديب وهو فرد من دولة ما كسر الطابوهات السياسية والاجتماعية عن طريق الكتابة لتصوراته.والرواية الحداثية كما يتفق جميع الأدباء والنقاد العرب وبالأخص تلك القائمة   علي التفلسف أو ما يدعى بالفكر الفلسفي الذي يطرح لنا آليات وأفكار يتبناها المواطن للتاريخ لمستقبل أحسن.

 

 * قلتم أن التفلسف الروائي هو أساس التاريخ للتغير هل بإمكانكم ذكر بعض النقاط المهمة المساعدة علي ذلك؟

مصطفى الكيلاني: هناك الكثير من النقاط الفعالة والتي تبين احتوائية العلاقة المتبادلة ومن أهمها اذكر عنصر اللغة السردية الحكائية والتي توجه للنخبة المثقفة ، وهي تمثل فلسفة لأفكار من المجتمع تحاول تغيير الواقع لبناء غذ أفضل. من خلال العديد من روايات المعاصرة والحديثة المتخذة لنزعة إبداعية محاكية لمواقف عقلانية تمكنها من الوصول للهدف بصورة انطولوجية.

 

  *إذا تحدثنا عن مستقبل الفلسفة العربية ألا ينبغي أن نتخلص من هاجس الماضي لنتمكن من التغيير؟

مصطفي الكيلاني: كما يعلم الجميع أن نستورد فلسفة الغرب الأرسطية والأفلاطونية- السياسوية لكننا لم نصل لحد الساعة إلي تطبيقها علي ارض الواقع، ولسنا مجبرين علي تطبيقها باعتبار عاداتنا وثقافتنا المغاربية المحايدة للغرب طبعا .ما يمكن أن أصرح بكون الفلسفة الغربية والعربية علي اختلاف مقايسها من زمن لزمن آخر، وعليه وجوب تغيير المفاهيم العقلانية والفلسفية لمجتمعاتنا وخلاصة القول بعدم إمكانية التخلص من الماضوية بل علينا أن نعيد مفاهيمنا بما يتناسب والركب الزمني للمستقبل .

 

 *هل تعتبر الوازع الديني هو احد عناصر تخلف الفلسفة العربية وكيف تبرر ذلك؟

مصطفى الكيلاني: إن تحدثنا عن فلسفة الغرب نجد أنهم تجاوزوا الماضوية وتحولوا بالمفاهيم إلي المستقبل دونما قطع العلاقة الزمنية، ونحن كعرب ومفكرين مثقفين نجد دائما مسالة الدين والسياسة عائق يمنعنا من الحديث وقد تولد لدينا نوعا من التخوف الفكري جعلنا لا نريد التفكير في التغيير .

آو محاولة بناء فلسفتنا الثقافية الفكرية وما علينا فعله هو غرس فكرة الاستثمار في الفلس

فة لدى أجيالنا وقرائنا لتقبل فكرة التغيير باعتبار تكونها من عقل وتعقل ونقد وحرية مطلقة.

 * ختاما كروائي ومفكر عربي ما وصيتكم لشباب اليوم ؟

: مصطفى الكيلاني: أخر ما أقوله لكم أن العلم والثقافة تزدهر علي أسس فلسفية كما هي في المعطيات السياسية وواجبنا مع شباب  اليوم أن نستثمر في مفاهيمنا لمستقبل أفضل وناجح لنتمكن من قراءة  واستنباط اديولوجيات تساعدنا لرفع المستويات سياسية ثقافية مجتمعية-عربية  وعلمية راقية.

 

حاورته: لمياء صغير

ميمون حــرش يحاور: عرين الشاعــر المغربي بوجمعة الكريك

maymon harashبوجمعة الكريك شاعر مغربي أثير، أبان عن قدر كبير من الوهج في الساحة الأدبية، واستطاع أنْ يلفت الأنظار إليه، لاسمه سمعة، ولشعره حظوة، ولمقهاه الأدبية شهرة، وفضلا عن شعره الجميل راكم تجربة كبيرة في إدارة مقهى أدبي بتارجيست، ويعود له الفضل، صحبة الأوفياء من جنود الخفاء، في انتشال هذه المدينة المنسية من براثن اللامبالاة حتى أصبحت منتجعاً لحملة الأقلام داخل المغرب وخارجه، وجوهرة لتكريس الثقافة، ونصرة المبدعين والمبدعات، وبسببها قلتُ عنه في لقاء أدبي باذخ بالناظور بأنه أشهر من كوكاكولا، وإنه لكذلك..

 أصدر الكريك:

- "قراءات في ملامح وجه شاحب"، ديوان شعري، دار الوطن- 2014

- "سماء تظلنا " عن منشورات المقهى الأدبي لاميرابيل.

- " Plume ,Paix,Librté "إصدار دولي جماعي إلى جانب ممثلي عشرين دولة فرانكفونية.

وله قيد الطبع:

- " Jérada, Le phénix qui renait de ses cendres "/الفينيق الذي ينبعث من رماده"- رواية بالفرنسية.

- La complainte des muses- ديوان شعري بالفرنسية..

- "ترانيم "، ديوان شعر ..

- ترجمة "رواية غادة العامرية" لمولاي الحسن بن سيدي علي إلى اللغة الفرنسية.

إنه الشاعر المحبوب بوجمعة الكريك..

مرحباً بضيفنا الكبير، وبشاعرنا الأثير سي بوجمعة في " العرين"..

س - لك أن تقدم نفسك للقراء بما تحب؟

ج- بوجمعة الكريك من مواليد مدينة جرادة العمالية بتاريخ 19 غشت 1966 عشقت مدينتي حتى الوله فكتبت عنها شعراً ونثراً وأذكرها بكل اعتزاز كلما سنحت الفرصة. أنا عاشق للتصوير الفوتوغرافي والعمل الجمعوي.

 

س- دعني أقف معك عند ديوانك الجميل " قراءات في ملامح وجه شاحب"..

يقر الدكتور محمد أزلماط في تقديمه للديوان بأنك صنعتَ لنفسك بديلاً ثالثاً في الإبداع الشعري ..ما ذا يعني ذلك، وما هي تجليات هذا البديل؟

ج- بصراحة حين كتبت ونشرت ديواني الأول " قراءات في ملامح وجه شاحب" لم يكن يخطر ببالي بأنني سأرسم خطا أو بديلا ثالثا في الإبداع الشعري المعاصر، كان هوسي أن أكتب بصدق وبشدة عن المعاناة الموسومة بالشحوب فتفاعلت بألم وبحسرة مع كل معاناة رسمتها في قصائدي من دون البحث عن الإثارة وحينما اقترح علي الدكتور محمد أزلماط وضع تقديم للديوان تراءى له بأنني صنعت لنفسي بديلا ثالثا في الإبداع الشعري المعاصر قد يكون قد أصاب، ويفترض أيضا أنه قد أخطأ الحكم فعلى العموم يبقى باب النقد مفتوح والتصنيف لا يفسد للود قضية.

 

س- يهيمن على الديوان الشكلُ التناظري، والشكل السردي للحفاظ على الانسجام والوحدة..أوليست بعض نصوص " الوجه الشاحب" فيها خرق لهذا الانسجام؟

ج- من المؤكد أن الشكل التناظري يطغى على الديوان وكذا الشكل السردي لكن المتون الأولى من الديوان وأخص بالذكر الوجوه الشاحبة الثلاث بها خرق لهذا التناغم والخروج عن القاعدة يعدو إلى كون المواضيع الثلاث المثارة استدعت عدم الاعتماد على التناظرية في محاولة لإبعاد المتلقي ما أمكن عن شكل القصيدة وجذبه عنوة نحو المضمون وبهذا تصل الرسائل المشفرة التي تحتويها المتون الثلاث.

 

س- تنحاز في شعرك لقضية الإنسان الوجودية في حيرته ومتاهته، وتعبر في بعض قصائدك عن القلق النفسي، والمرض الداخلي، هلا مثلتَ لنا ببعض شعرك مما يؤكد هذا الطرح؟

ج- الشعْرُ شعور بالوجود وتفاعل الشاعر مع هذا الوجود وأنا لم أخرج عن هذا التعريف فعبرت في قصائدي عن همومي الذاتية، عن قضايا الإنسان الوجودية وعن مؤثرات شتى يرتبط بها الشاعر قسرا أو عن طواعية . أذكر مثلا قولي في قصيدة "خلوة" ص: 103

شعري يجلدني كل مساء،

أبياته سياط تقطب جلدي.

آه من عشق يتسلق شراييني

ليتربع على عرش فؤادي

.

.

.

أنت قِبْلتي ومحجي،

أنت الأرض الموعودة

بين شريان وشريان.

و في موضع آخر كتبت:

 

ويحك يا بحر

أتهجرني اليوم؟

أراك ساكن الأحضان

.

.

.

كأن لم أكن يوما

صديقا.

(جحود بحر، ص: 48)

و أخيرا قصيدة "جِنِيُّ الفؤاد" ص:107

بَلْهَاءُ

تِلْكَ الاِبْتِسَامَاتُ

الْمُعَلَقَةُ

عَلَىوُجُوهِكُمْ

تَحِيكُونَ مَالَذَّ

مِن ْقِصَصِ

التَجَاعِيدِ.

ثَمِلْتُ مِنَ نَظَرَاتِ

مَنْ كَانَ

حِينَ كَان َمَخْمُوراَ

والكأس إلى الأعلى

هَاوِيَة

تَتَنَاثَرُاشْمِئْزَازاً

فِي رَاحَةِ يَدٍ الْخَمَّارِ.

إِنَهَا رِسَالَتِي الأَخِيرَة

جِدوا لِي كَاهِنَاً يَصْرَعُ

جِنِيَّ الْفُؤَادِ

لَعَلِّيَ أَفْقَهُ تَرَاتِيلَ

الأَجْسَادِ.

الْمُقَلُ تَنْسَلُّ حَوْلَ

الْعُقَدِ

فَيَقُولُ اللِّسَانِ

وَيَتَقَوَّلُ

فَيُصِيبُ بِسُمِّ اللُّعَابِ

الْحَاضِر َوَمَنْ غَابْ

 

بَلْهَاْءُ تِلْك َالْعُيُونُ

تُغَازِلُ جَهْراً

الْمُدَّثَرَاتِ مِنَ النِسَاءِ

تُلاَمِسُ، فَرَضاً،

تَفَاصِيلَ الأَجْسَامِ.

 

س- الديوان أيضاً غارق في التأمل، تأمل الذات، وعاكس لتوتر الإنسان في الأزمنة الثلاثة (الماضي والحاضر والمستقبل).. من أين تأتي بهده القدرة العجيبة على استنطاق ذات الإنسان المتورمة؟

ج- بالفعل هذه الملاحظة في محلها الديوان غارق في التأمل، تأمل الذات وتوتر الإنسان في الأزمنة الثلاث ولا عجب في ذلك لأن الشاعر كما يشاع ابن بيئته وأنا كما أسلفت ابن بيئة علمتني استنطاق الأشياء التي تدور في فلكي وأكثر هذه الأشياء الإنسان بطباعه، ردود فعله وأحلامه.

أتأمل الوجوه، أسائل نفسي ومن حولي عن ما مدى جدوى التلفظ بكلمة "الحب"

و قد جردناها من بعدها الإنساني الذي جمعنا منذ الأزل وبعد أن أضحت النرجسية تنخر الذات الإنسانية.

هي كل تلك الأسئلة الوجودية التي تؤرقني وتمنحني القدرة على استنطاق الواقع ومن خلاله الذات الإنسانية على حد قولكم.

 

س: لهذين الشاعرين:

 Alphonse de Lamartine، وCharles Baudelaire:

تأثير ما على بعض شعرك، الأول رومانسي، والثاني سريالي ..هل تسعى إلى التنويع في موضوعات شعرك من خلال المزج بين المدرستين؟

ج- التنويع والتنوع الشعري مطلوب بل مرغوب فيه لعدة اعتبارات:

- لتجنب السقوط في النمطية وإشعار المتلقي بأنه يقرأ نفس الشيء.

- كل المواضيع لا تعالج بنفس الطريقة، المقاربات متعددة لكن يجب تفادي الوقوع في التصنع.

- التأثير معطى لا يمكن إغفاله لكن اللمسة الفنية الشخصية التي تصنع، كما قلنا سابقا الخط الإبداعي للشاعر، هي التي تميز الشعراء فيما بينهم. قد أكتب كما بودليير أو لامارتيين لكنني لست كأي واحد منهما. أنا بوجمعة الكريك وأكتب بطريقتي التي يمتزج فيها الواقعي بالرومنسي والسريالي وهكذا أكون "أنا".

س- " مدينتي..هويتي" قصيدة أخاذة، جميلة، ولافتة، بل وأعتبرها أيقونةَ الديوان، تصورُ فيها حزن نساء جرادة، ، ومآسيَ عمال " الرومبلي"/الجبل الأسود حيث أصيب الكثيرون منهم بأمراض مزمنة، بسبب سنوات العمل التي قضوها تحت الأرض بحثاً عن الفحم.. تقول في القصيدة:

     "نساء مدينتي لا يتكحلن،

     سواد العين خلق معهن،

وحين يبكين فراق حبيب تتدلى السيول السوداء

فتنحت الأخاديد العميقة

في الوجوه البريئة."

- حدثنا عن جبل "الرومبلي" في جرادة، وعن المآسي التي يسببها للأهالي هناك.

- تحدثتَ عن هذا الجبل بحرقة شديدة، ولولاها لما استمتعنا بهذه التحفة عن الرومبلي.. هل الألم، كما الحاجة، مؤشر على الابتكار؟

ج- الرومبلي بمدينة جرادة كأبي الهول بمصر يقبع هناك يتربع على عرش المدينة بسواده وحمولته المأساوية التي تؤرخ لمدينة جرادة، لصمود رجال أشداء سقوا جوف الأرض بعرقهم ودمهم ليزهر اقتصاد البلاد.

الرومبلي هو تراكم بلايين الأمتار المكعبة من الأتربة المستخرجة من باطن الأرض. الرومبلي جبل شامخ شموخ الرجال الذين كانوا وراء وجوده، الرومبلي أب اليتامى وزوج الأرامل... الرومبلي "أنا" وهو أيضا محمد العرجوني، السهلي أعويشي، عبد القادر بنهار، الزرزاي وآخرون.

الرومبلي عنوان المعاناة يذكرني بأبي رحمه الله وكيف كان يذبل أمام أعيننا وصدره المتهرئ المنخور بالسيليكوز يعزف سمفونية الموت البطيء، يذكرني بالأنابيب البلاستيكية التي كانت تربطه بمضخة الأوكسجين الباهظة الثمن التي كنا نستعيرها لساعات قبل أن تذهب إلى منزل آخر يوجد به رقم آخر يحتضر. فبالله عليك كيف لا تكون المعاناة في مثل هذه التجليات أماً للابتكار؟

 

س- " الحرف الجريح" قصيدة استرعت انتباهي في الديوان، كتبتَ بين قوسين للتوضيح ربما "قصيدة لن أتم كتابتها شفقة بها "..

- طيب، لماذا شفقة بها؟ألــم يكن من الأجدر إتمامها إجلالاً لها بدل هذه الشفقة..

- إكرام الميت دفنه، والحرف عكسه تماماً، لا بد من إحيائه وليس العمل على قهره وإقباره عبر البتر.. كيف ترد؟

ج- أوافقك الرأي، سيدي ميمون، إكرام الميت دفنه وإجلال القصيدة في إتمامها لكن قصيدة "الحرف الجريح" خرقت العادة ! هي قصيدة أعتز بها شديد الاعتزاز وهذا ما أرغمني على نشرها ولو أنها لم ولن تكتمل أبدا. هي بإيجاز جوهر تجربة إنسانية فاشلة تعود إلى عدد من السنين خلت كنت حينها قد قررت الانعزال والانفراد بنفسي فهممت بنظم القصيدة فإذا بشلال من الدمع الحارق ينهمر على الورقة فتوقفت وبقيت القصيدة على حالها.

 

س- عنوان الديوان فضلا عن أنه طويل، كلمة " قراءات " التي تتصدره تُحيل على عمل نقدي وليس ديوانَ شعر..هل أنا مصيب في هذا الرأي؟

ج- هو فعلا كذلك فلو فرضاً حذفنا كلمة "شعر" التي تصنف العمل من على الغلاف لتبادر للذهن بأنه عمل نقدي أو دراسة أدبية وقد تعمدت هذا لإيهام القارئ وليس لخداعه لأن عملي هذا، كما جاء في سؤال سابق، مسائلة للذات الإنسانية واستنطاق للواقع المعيش وأظن هذا كاف لإثارة البعد النقدي للديوان. لنأخذ على سبيل المثال الوجوه الثلاثة في أول الديوان، هي قصائد أثارت مواضيع شائكة وطابوهات مسكوت عنها أسالت مؤخرا الكثير من الحبر: الفقر، استغلال الفتيات القاصرات في الدعارة، الإدمان على المخدرات الصلبة ...إلخ

قصيدة "زووم على القذارة" أليست نقداً لواقع أغلب الحواضر المغربية والعربية. أظن أخي ميمون بأن هذه الأمثلة كافية وكفيلة لتبرر اختياري لهذا العنوان.

 

س- قصائد جميلة جداً مبثوثة في الديوان، ولكنك آثرتَ أن " تكرم" قصيدة " قلبي باحة استراحة" وجعلتها تتصدر الواجهة الخلفية للديوان..هل هذا التتويج من القوة بحيث يبرر هذا الاختيار؟

ج- في الحقيقة، حين تكون بصدد إعداد الإصدار لنشره تتردد كثيراً ومطولا عند اختيار ملامح الكتاب من لون وخط وصورة وغيرها وعندما وصلت إلى مرحلة تأثيث الغلاف الأخير للديوان بحثت عن القصيدة المناسبة لكن اختلطت علي الأمور وكنت يومها قد كتبت هذه القصيدة "قلبي باحة استراحة" طربت لها ولبعدها الإنساني الجميل فانتخبتها على رأس القصائد، بالرغم من أن الديوان لا يتضمنها، لتتربع على عرش الغلاف الخلفي للديوان.

 

س- نصوصك الشعرية اعتمدت فيها على أسطر حرصتَ أن تكون لغتها ماتعة، ومخملية.. لكن ماذا عن الموسيقى الشعرية، ما نصيب الوزن في أشعارك؟

ج- أذكر في هذا الصدد ما قاله الأستاذ الناقد عبد السلام الجوهري في إحدى القراءات للديوان عن الموسيقي الداخلية أو الشعرية: "الْإيقَاعُ فِي الشِّعْرٍ إِيقَاعُ الذَّاتِ الشَّاعِرَة، بِهِ تُنْشِئُ عالَمَها الشِّعْرِيّ، وَهُوَ مَفْتُوحٌ عَلى كُلِّ الْعَوَالِمِ، وتَعْتَمِدُ الذَّاتُ الشَّاعِرَةُ فِي ذَلِكَ إِيقَاعاً دَاخِلِيّاً بَعْدَمَا تَمَّ الابْتِعَادُ عَنِ الْإيقَاعِ الْخَارِجِي مَعَ مَوْجَةِ الْحَدَاثَةِ الشِّعْرِيَّةِ. ومِن ْأ َهَمِّ خَصَائِصِ الْإيقَاعِ الدَّاخِلِيّ الَّتِي تُمَيِّزُ الخِطَابَ الشِّعْرِيَّ وَتُخْرِجُهُ مِنْ دَائِرَةِ الْقَوْلِ الْعَادِيّ، التكرار بِمَا هُوَ تَرَدُّدٌ مُنْتَظِمٌ وغَيرُ مُنْتَظِمٍ لِوَحَداتٍ صَوْتِيَّةٍ كَالأصْواتِ والألفَاظِ والتَّراكِيبِ والوَزْنِ والقَافِية...وهِيَ مُوَزَّعَةٌ عَلى فَضَاءِ النَّصّ وَفَضَاءِ اللُّعْبَةِ الإيقَاعِيَّة."

بوجمعة الكريك متغير الهوى، لا يحب القيود ويأبى الأسر وإن كان في الكتابة الشعرية لهذا فلن يجدني المتلقي منضبطا للقوافي والأوزان وسيلاحظ حتما أنه يطرب لموسيقي داخلية تجذبه يخلقها التكرار والجناس الصوتي وغيرهما من الأدوات التي اعتمدتها في إيقاع القصيدة.

 

س- ما نصيبك من الجوائز الأدبية؟وما رأيك في كثير من الأدباء الرافضين تسلم مثل هذه الجوائز؟

ج- أنا لا زلت في أول الطريق والبداية ولله الحمد مشجعة. أخذ الديوان حظه في الإعلام السمعي البصري سواء بإذاعة الحسيمة الجهوية، كاب راديو أو على القناة التلفزية الثانية، وأيضا أخذ نصيبا ولو قليل في الإعلام المكتوب (أقصد الجرائد الورقية) وكان آخر ما نشر عنه هو قراءة في الديوان للمبدعة الشابة الأخت زلفى أشهبون بجريدة بيان اليوم.

أما بالنسبة للجوائز فأنا لا أطمح لها وإن كنت أريدها كالجميع طبعا ولم يسبق لي أن قدمت للتباري على جائزة معينة، يكفيني الآن التكريمات التي حظي بها عملي بسيدي قاسم، الناظور، وجدة وتارجيست أما الجائزة الكبرى بالنسبة لي هي حب الناس لعملي وتفاعلهم الإيجابي معه.

 

س- كيف حال النقد معك؟ هل أنت مرتاح من جهة النقاد؟ وهل نالت أعمالك نصيباً من اهتمامهم؟

ج- لحد إجراء هذا الحديث الشيق معك أخي ميمون حرش "الهدهد" كان ديواني "قراءات في ملامح وجه شاحب" محط العشرات من القراءات قام بها أساتذة أجلاء من مثل الدكتور أزلماط محمد، عبد السلام الجوهري، زلفى أشهبون، الدكتور السهلي اعويشي ...

لكن المقاربات النقدية للديوان فلا زالت جد محتشمة.

 

س- أنتقل بك إلى الحديث عن عملك الرائع في العمل الثقافي والجمعوي ..

يشار إليك بالبنان، ويعرفك القاصي والداني، وسيرتك تحضر بألق، في الملتقيات، كلما كثر الحديث عن العمل الجمعوي..

ماهي الوصفة السحرية لنجاحك في إدارتك للمقهى الأدبي بتارحسيت، وفي العمل الجمعوي عموماً..؟

ج- لا أخفيك سرا بأن نجاح المقهى الأدبي تارجيست والإشعاع الذي حققه ليس بالأمر الخارق للعادة بل هو نابع من التصميم على النجاح والتنظيم المحكم لكل المحطات التي مر بها وأهم سبب هو انني تعلمت من التجارب السابقة لبعض المقاهي الأدبية أو الثقافية فوقفت عند نقط قوتها وتجنبت هفواتها وطورت آليات الاشتغال فكان النجاح حليفنا.

التشاركية واستبعاد كل سبل الإقصاء في إدارة جمعية المقهى الأدبي تارجيست منحها مصداقية محليا، إقليميا، وطنيا ودوليا.

 

س- ضيوف كثيرون شرفوا "تارجسيت" نزولا عند دعوة المقهى الأدبي، وسجلوا اسمهم وحضورهم..حدثني عن أطرف زيارة، ومن هو الضيف الاستثنائي وما المثير في كل هذا..؟

ج- ضيوف كثر حلوا على المقهى الأدبي تارجيست أشاعوا في فضاءها الصغير نور وفتنة الإبداع فأنشدوا وأنصتوا لأصوات جميلة كانت دفينة العزلة وعدم الاهتمام. كل واحد ممن زارونا تركوا بصمة في رواد المقهى واعذرني سيدي ميمون يصعب علي تفضيل هذا عن ذاك لكن يبقى أن البعد الإنساني حاضر بقوة ننسج العلاقات، نتعلم من بعضنا البعض نرشد أقلاما شابة لتجد الطريق الصواب وهذا هو الفضل العظيم.

وأما الضيف الاستثنائي فكان هو الدكتور عبد الواحد الفقيهي الذي استضفناه في لقاء تفاعلي دام أكثر من أربع ساعات ونصف حول الذكاءات المتعددة ودون أن يبرح أحد مكانه. كان بالفعل نشاطا متميزا.

 

س- يُعاب عليكم، في المقهى الأدبي، أنكم تجاملون كثيراً حين تستضيفون أسماء "صغيرة" غير محسوبة على أهل الأدب رغم أنها أصدرت كتباً..كيف ترد؟

ج- والله يا أخي قد يعاب علينا هذا لكنني أعيد السؤال بصيغتي: ما العيب أو الخطأ في أن تجامل اسما جديدا فتيا يشق طريقه في مجال الإبداع الأدبي أو الفني؟ ومن يكون "أهل الأدب"؟ أليس جدير بنا كحملة مشعل الثقافة أن نشجع الأقلام الفتية؟ كيف لنا أن نمارس الإقصاء على تلك الأقلام؟

المقاهي الأدبية لا تملك حق الوصاية على المبدعين كبارا كانوا أو صغارا وهي لا تصدر الأحكام على الأعمال الإبداعية فلندع لكل ذي أمر أمره وهناك من ذوي التخصص والأكاديميين ما يكفي للحكم على الأعمال الأدبية والبقاء للأصلح .

 

س- حصدتَ ألقاباً عديدة منها: كروان الجبل- الأشهر من كوكاكولا.. هل أنت سعيد بها، ثم ما تضيف هذه الألقاب للأديب برأيك؟

ج- حقا أنا سعيد بتلك الألقاب لا لسبب إلا لأن من أطلقها علي أناس أكن لهم من الحب والتقدير ما لا يوصف وأنت على رأسهم أخي الجميل "الهدهد" ميمون حرش. قيمتها في من أطلقها عليك فبالتأكيد هذه الألقاب قيمة ويعتز بها أي أديب.

 

س- أحيت جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون بالناظور الملتقى الأول للقراءة والأدب في 25 يناير 2016، تحت شعار " اقرأ"..ولقد شرفتَ المركب الثقافي بحضورك، وقرأت شعرك الجميل، واحتدت الأكف لك بالتصفيق كما العادة.. ما تقييمك لهذا الملتقى الذي حضره شعراء كثيرون من مدن مغربية مختلفة؟

ج- بالطبع أحاول المواظبة على حضور كل التظاهرات التي تنظمها جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون بالناظور وكما أشرتم تشرفت بحضور الملتقى الأول للقراءة إلى جانب أسماء كثيرة من مختلف أرجاء الوطن، استمعنا لبعضنا البعض ولا يمكنني إلا التنويه بالعمل الدؤوب الذي تقوم به الجمعية من أجل الإرتقاء بالمشهد الثقافي بالمنطقة وبالمغرب ككل. كان الملتقى مجال التقاء بين مختلف التيارات والمشارب الأدبية التحمت حول شعار ورد في الكتاب الحكيم "إقرأ" ومن هنا أشد على يد القائمين على الجمعية وكل من يحمل هم الثقافة والمثقفين بالناظور.

 

س- كيف تقيم الحركة الشعرية بمدينة "تارجيست"، ومن هم شعراء مدينتك الذين يصيبون هوىً في نفسك؟

ج- تارجيست أدهشتني بطاقاتها الشعرية الدفينة التي كانت مرغمة على الاعتصام بين دفتي غلاف الكراس أو حبيسة لوح إلكتروني وتجربة المقهى الأدبي ضخت دما جديدا ونقيا في الحركة الشعرية بمدينة تارجيست فظهرت أسماء وازنة كالأستاذ أحمد اليعقوبي، آمال يوسفي، فريد المطوشي، مرزوق لفريع، مصطفى الشعرة، سعاد أحدوث، إيمان السكروحي، إسماعيل حبيب الله وغيرهم (التمس العذر ممن لم أذكر أسمائهم)

 

س- ما هي مشاريعكم في المستقبل تأليفاً، وعلى صعيد نشاطك في المقهى الأدبي؟

ج- فيما يخص شق التأليف فقد أشرتم في الديباجة إلى المؤلفات التي منها ما يوجد قيد الطبع ومنها ما هو في المراحل الأخيرة قبيل رؤية النور وبطبيعة الحال حبل الإبداع لا ينقطع. أما بالنسبة للشق الذي يهم نشاطات المقهى الأدبي المستقبلية فسنسير على نفس المنهج إن شاء الله مع تطويرات في الأداء وتنوع في الاستضافات وأكبر رهان للموسم القادم بإذن الله تعالى هو تنظيم المهرجان الأول للشعر والزجل وفنون أخرى بتارجيست وهذا تحدي جديد سنخوض غماره بكل الوسائل المتاحة لنخرجه إلى الوجود.

 

س- ماذا تقول في: شعر الهايكو- القصة القصيرة جداً- مولاي اسماعيل بلبكري ..

ج- بالنسبة لشعر الهايكو أنا دائم الاعتراض عن التسمية لآننا في العالم العربي لا نكتب "الهايكو" بالطريقة اليابانية التقليدية إنما، وهذا رأيي الخاص، نكتب "الومضة" وهي تقليد له في الشكل وأحيانا في الموضوع أما عن الغاية والدافع لكتابة "الهايكو" فالإختلاف واضح ولن ينكره أحد.

القصة القصيرة جدا أعتبرها من روائع الإبداع الحديث وكتابتها يتطلب إلماما كبيرا بكل أشكال الكتابة الإبداعية في خفتها، تناغمها وإيجازها. أن تقول كل شيء في سطور أقل فهذا ما أعتبره "سحر الكتابة".

ماذا أقول عن مولاي اسماعيل بلبكري؟

صعب أن تذكر بوجمعة الكريك دون مولاي اسماعيل بلبكري الذي أختزل فيه كل شيء: الصديق، التلميذ، الابن، حافظ السر... ما يجمعني به أكبر وأثمن من مجرد صداقة.

 

س- كلمة أخيرة شاعرنا الكبير بوجمعة ..

ج- محاورتكم سيدي أكثر من ممتعة وفي الأخير لا يسعني إلا أن أشكركم على هذه الالتفاتة الاكثر من رائعة وأن أشكر طاقم مجلة العرين ومن هذا المقام أوجه رسالة إلى كل مثقفين هذا الوطن بتوحيد الصفوف وخدمة الثقافة في بعدها الإنساني بعيدا عن الحسابات الضيقة من أجل أن نرقى ونرتقي حتى يكون النجاح والسداد حليفنا في كل أمورنا.

مرة أخرى شكرا لك، هدهد الناظور، الأستاذ المبدع ميمون حرش..

 

حاوره: ميمون حــرش

 

نور الطائي تحاور: الأديب العراقي محمد رشيد

mohamad rashedالأدب العراقي أصبح له شأناً كبيرا حينما بدء ينفتح على الأفاق العربية وبصورة ملحوظة كبيرة، كما أن الحراك الثقافي في العراق كان له اثر بارز في إعادة الهيبة للحراك التنموي العام في العراق وبالذات في الجنوب وبالتحديد في ميسان حيث برز العديد من الأدباء في ميدان القصة والشعر ولعل احدهم هو الأديب الأستاذ محمد رشيد مؤسس جائزة العنقاء الذهبية التي أصبحت مرسال أدبي ثقافي يمثل ثقافة وحضارة العراق في المحافل المختلفة، وأصبحت ثقافة متنقلة تحمل معها هموم المثقف العراقي المنشغل بالبحث عن مديات تجديد الخطاب الثقافي، وللتعرف على تلك الرؤى عن قرب كان لنا حواراً مع الأديب محمد رشيد ليجيبنا عن تساؤلات في خلد المتابع للمشهد الثقافي في جنوب العراق والعراق بصورة عامة....

 

• بداية كتبت الشعر والسرد ... كيف تعرف نفسك للقراء؟ وهل أنت قاص ام شاعر؟

ج/ لو أردت أن اعرف نفسي للقراء ... أفضل شيء أقوله هو: أنا (إنساني) نحتُّ اسمي في مجال الثقافة وطرزتُ أفكاري في قضايا حقوق الطفل... وصغتُ جملي القصصية بلغة شعرية .

 

• حدثنا عن فكرة جائزة العنقاء الذهبية كيف تأتت لكم الفكرة ...وأين وصلت الجائزة الآن؟

ج/ الفكرة استلهمتها منذ سنوات طويلة وحلمت بها كثيرا ولكنها تحققت عام 2003 وهي فكرة مستمدة من طائر العنقاء الأسطوري يقابلها (طائر الفينيق) عند الغرب...العنقاء تمثل العراق حيث كل فترة تمر الشدائد والصعاب والمحن من خلال الحروب و...و....لذا عليه أن يولد من رماده من جديد ليحلق في فضاءات أرحب، أما جائزة العنقاء إنها وصلت إلى العالمية من أول نشاط لها في اسطنبول عام 2003 من خلال لقاء وتكريم الأديب العالمي يشار كمال، وبعد تحقيق فعاليات متجولة وصلت إلى (143) نشاط متميز في أربع قارات (آسيا / أفريقيا / أوربا / استراليا ) من خلال (18) مدينة وعاصمة أولها كانت القاهرة عام 2003 مرورا بـ ( بيروت/ تونس/ اسطنبول/ طهران/الدوحة/ دمشق/ بغداد/ كركوك/سليمانية/ ميسان/ ذي قار/ اربيل/ لاهاي/ لندن/ أمستردام/ دنهاخ )وانتهاء في ولاية ملبورن في استراليا .

 

• ماذا عن تجربة برلمان الطفل؟ وانطلاقه كأول برلمان للطفل في العراق هل قدم للطفولة شيئا يذكر؟

ج/ برلمان الطفل العراقي هدفه تطبيق اتفاقية حقوق الطفل الدولية وبناء الإنسان العراقي الذي عاش طويلا بين مطارق الحروب وسندان الحصار وهو أول تجربة في العراق تأسس يوم 25 آب 2004 وهو رابع تجربة في الوطن العربي قدم للطفولة أشياء مثمرة من خلال معرفة حقوقهم ونبذهم العنف وزرع قيم التسامح والسلام والمحبة وبناء الوعي من خلال محاضرات التنمية البشرية .

 

• ما هو تقييمك لواقع الأدب العراقي بصورة عامة وواقع أدب الأطفال بصورة خاصة؟

ج/ لا توجد عندي رغبة في تقييم الواقع الأدبي ولو افترضنا أن يكون لي رأي أقول : أن الواقع الأدبي بخير على الرغم من التحديات الصعبة جدا... لكنه يحتاج إلى وقفة جادة من البرلمان العراقي لتشريع قانون ينصف الأدب العراقي بشكل عام وبعض شرائح الأدباء بشكل خاص. أما أدب الأطفال فانه يحتاج إلى عناية أكثر لغياب التخصص به كون الأغلبية يتصور وللأسف الشديد أن أدب الطفل بسيط وسهل والعكس هو الصحيح .

 

• ما الذي ينقص المؤسسات الثقافية في العراق لتكون فاعلة ومؤثرة؟

ج/ على المؤسسات الثقافية أن تخلع رداءها السياسي والحزبي الضيق لتحلق في فضاءات الإبداع لان بعض مؤسسات المجتمع المدني المستقلة حققت ما عجزت عنه وزارة الثقافة. هذه حقيقة يجب أن تصل إلى أسماع معالي وزير الثقافة .

• قمت بتأسيس  دار القصة العراقية..ماذا قدمت الدار للقاص العراقي؟

ج/ أسست (دار القصة العراقية) و(برلمان الطفل العراقي) و(جائزة العنقاء الذهبية الدولية) و(مهرجان الهّربان السينمائي الدولي المتجول) و(الجمعية العراقية للتسامح واللاعنف) و(مؤتمر القمة الثقافي العراقي) و(يوم المثقف العراقي ).  وقدمنا ما يمكن أن نحققه لبناء الإنسان العراقي من خلال إرساء قيم التسامح والمحبة والسلام على الرغم من التحديات القاهرة التي واجهت وستبقى تواجه المؤسسات المستقلة من قبل أصحاب القرار .

 

• بعض الأدباء يقول أن جائزة العنقاء الذهبية تفتقر للمعايير الفنية في اختيار الشخصيات المكرمة كيف ترد؟

ج/ نحن نحترم كل وجهات النظر ونتعامل معها بجدية واحترام ولكني أؤمن تماما بمهنية جميع اللجان وإذا يوجد عند حضرتك اسم أو أسماء من (الأدباء الذين قالوا ) أتمنى أن تخبريني عنهم حتى احصل على ملاحظات منهم بشكل خطي لكي تتم مناقشتها بأقرب اجتماع قادم لان اللجان عادة تناقش (الملاحظات المهمة) التي تكتب وليس (الأشياء التي تقال) في المقاهي... لان الأشياء التي تقال في هذه الأمكنة كثيرة وعادة تكون غير مسؤولة وفي نهاية المطاف لم ولن يتبناها أي شخص .

 

• جائزة العنقاء الذهبية الدولية للمرأة المتميزة ...كيف ترى انطلاقتها ومراحلها وانتم من قمتم بتأسيسها بمناسبة يوم المرأة العالمي؟

ج/ للتاريخ أقولها نعم أنا من فرضت هذا النوع من الجائزة وكنت المؤسس لها لأني وجدت ان المكرمين من المبدعين من الرجال أكثر من المبدعات من النساء لهذا اخترنا 8 آذار من كل عام هو اليوم العالمي للمرأة لكي نكرم به نساء مبدعات متميزات بهذه المناسبة بسبب احترامنا الكبير لدور المرأة في المجتمع وأيضا من اجل أن يكون توازن في منح جوائز العنقاء بكل أصنافها الـ(12) جائزة العنقاء للتسامح / جائزة قلادة العنقاء/ جائزة ميدالية العنقاء/ جائزة تاج العنقاء/ وسام العنقاء للإبداع الخالد/ وسام العنقاء للسلام و...و...الخ  بشكل متساو للرجل والمرأة معا .

 

• لنتكلم عنك كأديب ما هي ابرز الجوائز التي حصدتها كأديب جنوبي؟

ج/ أفضل الجوائز التي حصدتها بشكل اعتباري هو (حب الناس) لي و(احترامهم لجهودي الثقافية والإنسانية) أما لو تحدثنا عن الجوائز التي منحت لي بشكلها المعتاد هي (وسام الثقافة العراقية) من مؤسسة سومر للعلوم والآداب والفنون في هولندا ووجائزة دائرة السينما والمسرح من وزارة الثقافة كوني (مؤسس مؤتمر القمة الثقافي العراقي) و(جائزة الدفاع عن الطفولة) من هيئة رعاية الطفولة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية كوني مؤسس برلمان الطفل العراقي و(وسام سفير ثقافة وحقوق الطفل)، وهنالك بعض الجوائز التي منحت لي لم ولن اذكرها كونها منحت لي من خلال المجاملات لهذا لا تشكل عندي أي قيمة.

 

• منحت ذات مرة لقب سفير شعبي لثقافة وحقوق الطفل...ما الذي قدمته لحقوق الطفل في ميسان على الأقل؟

ج/ منحت هذا اللقب كوني أسست برلمان الطفل العراقي وعملي الجاد في مكافحة العنف ضد الأطفال في المدرسة والبيت والمجتمع.

 

• حدثنا بإختصار عن المجاميع الأدبية الصادرة وعناوينها؟

ج/ صدر لي (4) مجاميع قصصية هي (و.أ في 98) و( موت المؤلف) و(ساعة الصفر) و( للنهر مرايا مهشمة) واغلب قصصي تحدثت عن إدانة الحروب وإرساء السلام والمحبة والتسامح كون الإنسان خليفة الله على الأرض ومهمته الأساس هي زرع القيم الإنسانية النبيلة بين الناس ليعم الأمان.

 

• تم اختيارك ممثلا للعراق في لجنة حقوق الطفل في (جنيف)  كيف كان المؤتمر هناك وماذا استطاع المؤتمر ان يقدم لطفولة العراق؟

ج/ في الحقيقة هو ليس مؤتمر بل كان تمثيلا للعراق في اتفاقية حقوق الطفل الدولية لفترة 4 سنوات اعتذرت عن قبول الترشيح لان وقتها كان عندي ظرف عائلي خاص منعني من الذهاب وأكيد الذي ذهب بدلا عني كان بمستوى المسؤولية وأكن له المحبة والاحترام .

 

• ما هو تعليقك على مشاركتك في مؤتمر التأسيس لبرلمان الطفل العربي المقام من قبل الجامعة العربية؟ وهل ترون خطواته جادة من اجل بناء الطفل العربي بصورة سليمة وناجعة؟

ج/ مشاركتي مع (4) أطفال من العراق في هذا المؤتمر التأسيسي لبرلمان العربي للأطفال عام 2011 كان مهما جدا حيث شارك العراق و(12) دولة عربية لتأسيس هذا البرلمان المهم وتم اختياري ضمن أفضل (4) خبراء في البرلمان العربي للأطفال وقمنا بإدارة الجلسات لمدة يومين وهذا الأمر أسعدني كون العراق يبقى دائما يحمل علامات التميز في كل مجالات الحياة في الداخل والخارج .

 

• لديكم كتاب بعنوان (برلمان الطفل العراقي )  كلمني عنه؟

ج/ هذا الكتاب تمت طباعته (6) مرات وتم توزيعه للأطفال والمدارس من اجل إعمام الفائدة وهو يحتوي في مضمونه على اتفاقية حقوق الطفل الدولية ونشاطات برلمان الطفل العراقي والنظام الداخلي لبرلمان الطفل .

 

• كلمة الختام اتركها لك أستاذ محمد لتعبر بكلمات قصيرة عن رسالتك في الأدب وحقوق الطفل وفي الحياة؟

ج/ لا اعتقد أن ما أقوله سيكون ابلغ من الأفعال التي حققتها من عام 1982 والى الآن سواء في مجال الأدب أو في مجال حقوق الإنسان بشكل عام وحقوق الطفل بشكل خاص وإرساء قيم التسامح والذي يعرفني يعلم تماما ما قدمته وما سأقدمه حاليا ومستقبلا .إنها رسالتي الإنسانية والثقافية التي اعشقها حد الموت.

 

حاورته/ نور الطائي (بغداد) ايلول 2016

 

احمد شيخاوي يحاور: الشاعرة أحلام الحسن.. عندما تعزف القصيدة لحن الحياة

ahmad alshekhawiنحن في ضيافة شاعرة من طراز رفيع، قلّ نظيرها في زمن الغوغاء وهستيريا استسهال الممارسة الشعرية تحديدا . نقولها بحياد تام ودون محاباة أو اصطفاف.

قامة معها يعبق أريج الحرف متدليا من عوالم الانتماء للقصيدة ولا شيء عداها . للنصّ في حبله السرّي وصلته بثلاثية صياغة البوح تأوها بمكبوت الذات، و تفجيرا للحمولة في توليفة نادرة تحشد الوجداني والعرفاني والوجودي تزامنا.

نرحب بالشاعرة البحرينية الدكتورة أحلام الحسن الإنسانة والصوت القوي الصدّاح الذي استطاع أن ينقش له وباسم نون النسوة، هلامية واستثناء في مشهد الشعرية العربية الحديثة وأن يحصد جوائز عدة و يحضى بالصدى الطيب والمنزلة الخاصة لدى عموم الأوساط الثقافية.

 

*بداية، هل لأحلام الحسن أن تقرّبنا من تجربتها أكثر؟ بداياتك؟ الرموز التي سجلّت انطباعا فردوسيا في بياض ذاكرتك وأثرت فيما بعد على كتاباتك ؟ كم ديوانا أصدرت لحد الآن؟

- أوًلًا أتقدّم بالشّكر الجزيل لك أستاذ أحمد على ما تبذله من جهود مضنية لمواكبة صيرورة الحركة الأدبية العربية، محاولا التنقيب دون بكد ومن غير كلل، عن المواهب الجديدة الحقيقية، وإبراز أدبياتها وقيمة ما تنتجه فنيا ومعرفيا، عبر ما تجريه من مقارباتٍ وحواراتٍ تؤخذ بعين الاعتبار والأهمية لدى كلّ متعطّش للأدب العربي، من خلال ما يُكتب فيه من أصناف الشّعر الموزون بنوعيه، إضافةً إلى الشّعر الحرّ الجميل، والقطع النثرية الرائعة.

أمّا بالنسبة للشق الثاني من السؤال فقد كانت أولى تجاربي وأنا في مستهل العاشرة من عمري كتبتها في حبّ أمّي وتوالت كتاباتي وعرضها على مدرساتي بالمدرسة وكان التشجيع دائما حليفي إضافةً إلى الإعجاب .. واصلت رحلتي مع كتابة الشّعر النثري والمرسل حيث إنّي كنت صغيرة لم أعرف ما هي البحور الخليلية .. كانت أكثر قصائدي عرفانية واجتماعية ولم أتطرق خلال هذه السنوات لكتابة القصائد العاطفة .. حتى وفقني اللّه لدراسة علم الكتابة العروضية والبحور الخليلية على يد الدكتور محمود مدن طيلة أربع سنواتٍ متواصلة وحيث إنّي وللّه الفضل والمنّة ممن يجيد علم الصّرف والنّحو بدقّة ساهم هذا في دعم ذاك فانطلقت بقصائدي المتنوعة.

أمّا بالنسبة للشّق الثالث من السّؤال نعم هناك من تأثرت بكتاباتهم وقصائدهم مثل أبي فراس الحمداني ..عنترة من القدامى ..أمّا من المعاصرين فهناك الكثير لا يسعني ذكرهم كلهم وسأكتفي بالبعض الذي له التأثير الأكبر كالشاعر العملاق كامل الشناوي وإبراهيم ناجي وأحمد شوقي ونزار قباني وخليل مطران وغيرهم ممن أثروا الأدب العربي بقصائدهم الرائعة فهم لنا مدارس نقتفي أثرها.

للّه الحمد والمنّة لي خمسة دواوين منها مطبوع ومنها ما ينتظر دوره للطباعة حيث انشغلت في السنتين الأخيرتين بالدراسة.

 

*هل تجدين نفسك في كتابة القصيدة العمودية فوق غريمتهيا التفعيلية والمنثورة؟ أم أنك تؤثرين تدبيج القول الشعري بالفعل الإبداعي العابر لشتى هذه الأجناس و التمظهرات؟

- لا أرى بأنّ شعر التفعيلة غريمًا للشّعر العمودي فذاك من هذا .. ومن رأي بأنّ الشّاعر المعاصر عليه أن يجيد كافة أنواع الشّعر ولا يقتصر على العمودي والتفعيلة فقط ولا على الشعر الحر وقصيدة النثر فقط .. بل ينطلق ليعبر فما الشّعر إلّا المشاعر لكن ضمن الإبداع بشروط القصيدة العمودية وبشروط الشّعر الحرّ .. وبشروط قصيدة النّثر وإلاّ ضاع الأدب وأصبحت القصائد مجرد خربشاتٍ أو خواطر.

 

*هل تؤمن شاعرتنا بجدلية الأب الروحي وعقدة الابن في الحقل الأدبي إجمالا؟

- أنا شخصيا لا أؤمن بفكرة الأب الروحي بل بفكرة الاقتفاء لشتى الشخصيات الأدبية البارعة في الشّعر والاستفادة من خبراتهم ومدارسهم المتنوعة والمتضادة أيضا، وهذا ما طبقته في دراسة مدارس الشّعر والبحث والتنقيب عنها وعن ما تعارض وما تجانس وما تقارب منها .. فألفت مؤلفي الذي لم يطبع بعد (كيف أعدّ نفسي لكتابة الشعر) ولي فيه أكثر من عشرين حلقة تعليمية في الشبكة العنكبوتية.

 

*إذا ما تأملنا ألفيتنا أو قرن الجنون مثلما يحلو للبعض تسميتها، خلصنا إلى ما يفيد تصدع الهوية ويفصح عن شرخها الصارخ، مع رفع كلفة تأطير هذا المفهوم إيديولوجيا أو حتى ثقافيا تجنبا لأي انزلاق قد يقود إلى متاهات نحن في غنى عنها الآن . إلى أي حد أفلحت شعرية ما بعد الحداثة في مواجهة الفكر الشاذ وأصابت حظّا بشأن تقنين التعاطي مع الظاهرة باعتبارها عصب قضايا الأمة ؟

 - سؤالٌ وجيهٌ جدا وقبل الإجابة عليه علينا أن نقرَّ بأنّ الأدب العربي قد تصدّع أيّما تصدّعٍ في زمننا هذا فالكثير يكتب ما يحلو له من كتاباتٍ تخلو من الدّقة الأدبية، ومن سلامة النّحو والصرف، فضلا عن إتقان الشّعر ويسميها شعرا !! والوعي الأدبي للمسميات الأدبية غير واضح وبات عدم التمييز بين الشّاعر والناثر منتشرا جدا للأسف في ألفيتنا .. هذا من جهة ومن جهةٍ أخرى وهي الأهم أن البعض يحاول اكتساب الشهرة والجمهرة من خلال كتاباته الواضحة جدا والمثيرة للغرائز البشرية، وكان النصيب الأوفر من هذا الترهل الأخلاقي للأسف لبعض النسوة اللاتي يدّعين كتابة الشّعر !! .. بينما لدينا العشرات من الشاعرات المتمكنات من الشّعر والحاملات عبء رسالتهن الأدبية بكلّ عزيمةٍ وتفاني ودونما اللجوء إلى مثل تلك التجاوزات اللا أخلاقية.

 

*إبداعيا، هل لشاعرتنا شجرة نسب؟

- نعم هنالك في عائلة أمّي بعض الشعراء الأفاضل منهم من كتب الفصيح ومنهم من كتب العامي.

 

 *رسالة تودين توجيهها لمن يحلمون بأن يصيروا شعراء بحقّ لهم حضورهم الوازن في الساحة؟

- بالتأكيد هنالك رسالة أرغب بتوجيهها وهي تتلخص في عدة نقاط : أولا عليهم إجادة اللغة العربية جيدا من صرف ونحو وإملاء وما إلى ذلك . هذه قاعدة لأي كاتب أيّا كانت كتاباته شعرا نثرا قصصا مقالا كلها العمود الأساسي واللبنة الأولى في بناء لغة ناضجة ومكتملة وسليمة وخالية من الفجاجة والركاكة والعيوب .. أما لمن يحاولون دراسة البحور الخليلية عليهم التحلّي بالصبر والمثابرة، فعلم البحور الخليلية علمٌ كأيّ علمٍ به من الصعوبات قدر ما يحمل من الجمال، لذا ليس ثمة بد من تخطّي تلك الصعوبات بغية الوصول إلى مرحلة أو مستوى تقديم الإبداع على نحو لا يخلو من جماليات، بشأن هذا العلم.

 

*كلمة أخيرة.

 - أشكرك أستاذ أحمد مجددا على سائر هذه الجهود التي تبذلها وفي نيتك قلقلة ودفع عجلة الأدب العربي نحو الأمام، تحركك هواجس نفض الغبار عن المواهب وتعريتها حيثما تواجدت، وعلى امتداد الخارطة الإبداعية العربية، بل وتجاوزا إلى ديار المهجر، فجازاك اللّه عنّا خيرًا وعمّن لا يألون جهدا أو يذخرون طاقة في سبيل خدمة لغة الضاد.

 

أحمد الشيخاوي - كاتب مغربي

 

 

رشيد العالم يحاور: شرين خاكان أوَّل إمَامَة مَسْجد بكوبنهَاكن بـالدانمَارْك

alim2تعتبر (شيرين خاكان) مِن مواليد مدينة كوبنهاغن بـ(الدانمارك) سنة 1974 من أب سوري مسلم وأم فلندية مسيحية. درست اللغة العربية بدمشق والقاهرة، وحصلت على الماجستير من جامعة كوبنهاكن في الفلسفة وعلوم الدين والاجتماع، ولهَا ثلاثُ كتب إسلاميَّة. وهي متخصصة في الدراسات الإسلامية المعاصرة والتصوف بالمشرق العربي، وتعد أولُ إمامَة مسجد، وأول امرأة أسَّسَت منظمة (فيم-إمام)-( (Fimimanللدافع عن حق المرأة في الإمَامة في الصَّلاة، وفق مبدأ المسَاواة بين الرجُل والمَرأة، وذلك من أجل نشر إسلام حَدَاثي تقدمي يُسَايرُ العَصر ولا يتناقض مع مبادئ الدول الأوروبيَّة، كما تعد (شيرين خاكان) مُتخصصة في علم الاجتمَاع وعلم مقارنة الأديان، ومرشحة سابق للبرلمان الدنمركي، ولها منشورات ومقالات في الصحافة الدنمركية والدولية.

 

- كيف تنظرين إلى إمامة المرأة في السياق المعاصر؟

-إن العصر الحالي يختلف عن العصور السابقة، فكل شيء في تغير وتطور دائم، والأيديولوجيَّات والأديان ليست بمنأى عن هَذا التطور، بل إنه من الضروري أن نعمَل على إعادة قراءة الدين الإسلامي وفق منظور جَديد، منظور يعيد للمرأة كرَامتهَا ويضمَنُ لها حريتها، وفق مبدأ المساواة مع الرجل، فالذكورية والأبوية كانت طاغية على كل القرَاءاتِ الدينية والتفسيرية والفقهية والتأويلية والاجتهادية، وبالتي سيطرت على الحقل الديني والإرشادي فأنتجت لنا فكرًا دينيا ذكوريًا يقصِي المَرأة ولا يعترف بحقها واستقلاليتها، بل إنَّ بعض المَواضيع التي تهمُّ المَرأة، يتم الاجتهادُ فيهَا من طرف رجَال الدين دون اللجُوء إلى النساء، والأخذ بآرائهم وبالتالي وَجَب تأسيس قراءة معاصرة تنخرط فيهَا النساء، وهو ما تم بالفعل وهو ما نناضلُ من أجلهِ وهَذا هُوَ هَدفنا.

 

- ما هي الخدمات التي يقدمها (مسجد مريم) الذي أسسته والذي تعملين به كإمامة وخطيبة تلقين الدروس كل يوم جمعة؟

 - المسجد الذي أؤمه ليس مجرد مسجد فقط وإنما هو يقدم مَجموعَة من الخدمات، فهناك الكثير من النساء اللواتي يتوافدن على المسجد من أجل أداء الصلوات الخمس، و يقارب عددهن ما بين 60 و 80 مصلية، ويمكن للنساء أن يحضرنَ إلى المسجد، حتى اللواتي ليسُوا بمسلمات، وذلك من أجل تعريفهنَّ بدِين الإسلام وقيم التعَايش والتسامح والمحبَّة التي يدعُوا إليها، فكثير من النساء يتوافدن ويحضرن ليستمعن إلى خطبة الجُمُعة، وليتدارسن القرآن والتفسير..

وعلى غرار الصَّلوات الخمس، يقدِّمُ (مسجد مريم) خدمات مَجانية في  مَسألة عقد القران، وجَولات وزيارات ومُحَاضرات في المَسَاجد وتنظيم مراسم لزواج المسلمين، والنظر في أمور الطلاق ومسألة اعتناق الدين الإسلامي، كما تخصص فيه دُروسٌ فِي اللغة العربية، ودُروس في الدين والعقيدة الإسلامية والتصَّوف، كما تنظم مُحَاضرَاتٌ يشرف عليها عُلمَاء ومفكرين.

 

ما هي الأهداف التي تتوخين بلوغها من خلال هذا النموذج النسوي الذي أسست من خلال الإطارات والمنظمات المتعددة التي أنت عضو فاعلة بها؟

- من بين الأهداف التي نركز عليها هي دَعوَة النسَاء إلى المساجد. فمن المعلوم أن الإسلام في الغرب يُعَاني من قضية التسييس والشيطنة الإعلامية والمسلون أيضًا يعانون من تهمة الإرهاب والإسلاموفوبيا.. والنساء المسلمات بأوروبا لا يرتادون على المَساجد بشكل مكثف إلا يوم الجمعة، باعتباره فريضة فرضهَا الله سبحانه، ومن هناك جاءت هذه الفكرة، فكرة تخصيص أماكن خاصة للناس حيث يمَارسْن الصلوات الخمس، وهذا الأمر لا يناقض الإسلام كما يعتقد بالبَعض، بل في المقابل هو نشر للإسلام وحَث للنساء على المَجيء إلى بيوت الله من أجل أداء الشعائر التعبدية، ويستند مسجد مريم على العدالة الاجتماعية والعبودية والمعرفة وخدمة الإسلام والعمل على نشره، لا على خلق تمييز وفروقات بين الرجال والنساء، وإنما رد اعتبار لهذه المرأة التي عانت منذ قرون عديدة من الإقصاء بالاسم الدين، وعدم السماح لها بالانخراط في هموم المجتمع والأمة باسم الدين، والدين بريء من هذه التأويلات الأبوية  والمحتقرة للمرأة، براءة الذئب من ذم يعقوب ومن بين أهدافنا أيضا:

alim

 تشجيع القيم الإسلامية التقدمية.

 الدعوة إلى إشراك المرأة تعمل كإمامة وخطيبة داخل وخارج الدنمارك.

 العمل على القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة المسلمة.

 تحدي الإسلاموفوبيا المتزايدة في الدنمارك وأوروبا.

 تحدي الهياكل السلطة الأبوية في قيادة العبادة والتعليم والتوجيه.

 تحدي احتكار الرجال على تفسير القرآن، والاجتهاد الفقهي.

 تنظيم الحلقات الدراسية وتقديم الرعاية الروحية.

 تعريف الأجانب بالإسلام الحقيقي في ظل انتشار المد الوهابي و الإسلام المتشدد.

 

- ألا ترين أن أمر إمامة المرأة ليس من السهل تقبله خاصة عند الدول العربية، هل الأمر كذلك بالنسبة لأوروبا؟

- لا بالعكس، بعض الدول العربية بدأت تشهدت صحوة دينية وفقهية، وقد برَزَت ناشطات و نساء دين ومفكرات وعالمات، وبرزت تيارات نسوية من أجل تمكين المرأة في الشرق الأوسط. ففي عام 1923 بدأت أولى الحركات النسوية التي أسستها (هدى شعراوي) تحت اسم (الاتحاد النسائي المصري) عام 1923،  وقد ألهمت الحركات النسوية المصرية جيلا جديدًا في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. مثل عاَلمة الاجتماع المغربية والكاتبة (فاطمة المرنيسي) (1940-2015) التي أسست النموذج النسوي الإسلامي الجديد سنة 1980 جنبا إلى جنب مع (أمينة ودود) و عالمات بَارزَات.

وفي المقابل هناك صحوة أخرى بأمريكا شهدَت بُرُوز مساجد تؤمها نساء، كإحدى المَسَاجد في (لوس انجليس) الذي تؤمه امرأة، وقد حظيت هذه المبادرة بدعم من قبل الجاليات الإسلامية الكبرى ومجلس الأئمة في (لوس أنجلس). وفي (برادفورد) أيضا، وكذلك في (انجلترا) و(الصين) و(ماليزيا).. وغيرها،

 والمغرب أيضاً يتبنى هذا الانفتاح الديني على المرأة والعمل على تحريرها من الهيمنة الذكورية في كل القطاعات وذلك من خلال برنامج تكوين المرشدات الدينيَّات، وفي بعض الأحيان نرى أن المرأة تخطب أمَام الملك، الذي يعتبر أميرًا للمؤمنين بالمغرب، وهذه تعد قفزة نوعية وعلى الدول العربية أن تستفيد من النموذج المَغربي في إدماج المرأة في الحَقل الديني وإن كان نسبيا مقارنة مع الطفرة التي شهدتها دول آسيا وشرق أوروبا في هذا الميدان.

 

- هل هناك ما يشرعن إمامة المرأة في الإسلام؟

- علينا أولا أن نؤكد عَلى أمر مُهم، أن القراءات الذكورية للقرآن والسنة، أنجبت لنا تأويلات ذكورية لا تعترف بدَور المَرأة، بل في المقابل، تمعن في إقصاء المرأة ووصفها بأنها ناقصة عقل ودين، ولو كان يسمح للمرأة بتفسير القرآن إلى جانب الرجال لكان الأمر مختلفا تمامًا، وبالتالي فنحن في حَاجَةٍ ملحَّة لإعادة قراءة التراث الديني الإسلامي على ضوء الاجتهاد الذي يأخذ بعين الاعتبار دور المرأة الذي يؤكد عليه القرآن الكريم، فالقرآن الكريم يعامل المرأة على قدم المساواة مع الرجل. غير أن التأويلات التي كانت حكرًا على الرجال والمفسرين جعلت المرأة تعاني من الإقصاء والتهميش. 

فجواز إمامة المرأة للنساء قالت به: عائشة (رضي الله عنها) ، وقال له (ابن عمر) و(ابن عباس) و(أم سلمة) و(عطاء)  و(سفيان الثوري) و( الأوزاعي) و(الشافعي)  و(اسحاق) و(أبو ثور)...

وقد روي عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء وسطهن، وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن عائشة رضي الله عنها كانت تؤم النساء في شهر رمضان.

وأما عن إمامة الرجل للمرأة فقال بجَوازها، (أبو ثور) و(المزني)  و(الطبري).. قالوا بأنه يجوز للمرأة أن تؤم الرجال، والحجة لهم أن أم ورقة بنت عبد الرحمن بن الحارث قالت: [إن رسول الله جعل مؤذناً يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها] غير أن الأمر يبقى خلافا فقهيا بين العلماء، فهناك من يؤيد إمامة المرأة وهناك من يعارضها.

 

الحوار مترجم من اللغة الانجليزية إلى العَربّية

 

حَاورَهَا: الكاتب رَشيد العَالم

 

شمس الدين العوني: بعد 8 سنوات على رحيله: حديث نادر مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش

1060-auni- على العرب أن يفكروا بشكل أعمق في أزمتهم....

- القضية الفلسطينية هي مهمة شعرية بالدرجة الأولى..

- ادوارد سعيد ليس معروفا لدى الكثيرين من العرب بماهيته الحقيقية..

- المتنبي أسس بالشعر سلطة أدبية معادلة أو متجاوزة للسلطة السياسية..                                                        

- سقوط بغداد كان مشهدا جميلا في عيون الذين فقدوا ضمائرهم..

- الحاضر العربي لا يسمح لنا برؤية امكانية امل قريب على المستوى المرئي..

نحن نستهلك التلفزيون والكمبيوتر ولكننا لا نساهم في الانتاج، اي انسان لا يساهم في الانتاج سيبقى مستهلكا

كان الحدث الثقافي في تونس خلال مهرجان قرطاج الدولي لصائفة (2005)، حضور الشاعر محمود درويش لاقامة أمسية شعرية بفضاء الأكروبوليوم الذي تخيرته ادارة المهرجان للشعر، هذه الأمسية الشعرية حضرها جمهور الشعر في تونس يتقدمه الفنان مرسال خليفة ورؤوف بن عمر مدير المهرجان آنذاك ووزير الثقافة والمحافظة على التراث محمد العزيز بن عاشور... الأمسية ازدادت أهميتها بصدور كتاب دراسي حول تجربة درويش أراده التونسيون هدية الى ضيفهم الذي فرح بها.... بعد هذه الأمسية الحاشدة أخذنا شاعرنا في رحلة من الأسئلة ضمن هذا الحوار الذي ننفرد باعادة نشره..

مرة أخر تعود  لتونس لتقرأ شعرك.. كيف تقبلت هذا الحضور الاستثنائي من قبل جمهور الشعر؟

ـ أهم شيء أحدثته الزيارة هو تعميق احساسي بأن الشعر ـ بالفعل ـ لم يصبح هامشيا، قراء الشعر في تونس يمثلون قاعدة عريضة وهذا شيء مفاجئ حقيقة، فالاقبال على الشعر والتفاعل مع الحساسية الفردية والجمعية (معا) يدلان على انه غير صحيح، هذا الزعم بأن الشعر العربي يعيش في عزلة كما يدعي بعضهم او كما يخشى الكثير من النقاد والشعراء، فهو موجود في نسيج التكوين الاجتماعي للمجتمع التونسي وهذا فعلا شجعني على ان اجدد ايماني بجدوى العملية الشعرية وبامكانية تطويرها لقد اعادوا هنا تشكيل الوعي بمسؤولية الشاعر تجاه شعره وقراءة شعره ايضا فأستطيع أن أقول انني فوجئت بأن الشعر والشاعر مازالا حيين على مستوى المجموع، طبعا هناك افراد ونخبة محبة للشعر ولكن القاعدة  كانت عريضة والنخبة واسعة وليست ضيقة انا مدين للشعب التونسي بتجديد ثقتي بشعري وبنفسي وبالشعر بشكل عام.

 

 الرحلة  الطويلة.. ومحمود درويش.. كيف تنظر الى ذلك من خلال نصف استدارة الى الخلف؟

ـ أنظر بكثير من القلق، فأنا لست مطمئنا الى صواب هذه المسيرة  بالمعنى الجمالي وواثق من صوابها بمعنى التزامها بقضية الحرية والانسان ـ بالمعنى الواسع لكلمة الالتزام ـ واستجابتها لمتطلبات لحظات تاريخية شديدة التأثير، بهذا المعنى ربطت شعري منذ البداية بالتعبير عن ذاتي الخاصة وعن ذات جماعية ولكن المراجعة تتم على المستوى الجمالي اكثر من المستوى الفكري.

المستوى الجمالي يستحق التطوير والنقد والانقلاب على اسلوبية كانت تبدو لي ملائمة ولكن هذه الاسلوبية محتاجة الى تغيير لان الحساسية الشعرية في تغيير دائم وسرعة ايقاع العصر لا تترك الشاعر ينجو منها بسهولة ويجب الانتباه الى تغير الاذواق وتغير الشاعر نفسه فانا لم اجلس واقرر الاستجابة للتغيرات، انا بنفسي تغيرت، وعيي الشعري تغير وليس بمعنى الارتداد على النفس بل اني اتطور ولي حرص قوي على تخليص شعري مما هو  ليس بالشعر اي عدم ربطه بما هو احداث الراهن على الشاعر ان يكون ماكرا اكثر  في رؤيته للتطورات التاريخية وللزمن وان يعرف كيف يسكن القصيدة امكانية حياة في ظرف تاريخي اخر كما ان للقراءة تاريخيتها وامكانية ان تؤول بطريقة مختلفة في لحظة تاريخية مختلفة كذلك النص الشعري يجب ان يكون حريصا  كل الحرص على ان يحمل في ذاته تجاوزا لزمن الكتابة الى زمن قراءة مختلف اي ان يحمل حياة اخرى للنص الشعري بمعنى ان يكون يملك ذكاء الاستقلال النسبي عن  شرط كتابته انا شديد الانتباه لهذه المسألة والى الالتفات الى صوت الذات صوت الانا وليس بمعنى الانا الضيقة فالانا تحتوي في داخلها اكثر من انا فهي تتشظى وتصبح كاتبة للتاريخ، بهذا المعنى على الشعر ان ينطلق في اصغاء دقيق للانا في تفاعلها مع الانوات الاخرى وهنا يكمن حرصي على الانتباه الى الجوانب  الانسانية في الحياة الفلسطينية وليس فقط لجانب القضية، علينا ان نعلن ان الفلسطيني ليس مهنة، اولا هو كائن بشري وهوية وطنية وقومية وهو صاحب مشروع في التحرر والحرية ولكن اولا واخيرا هو انسان واهداف اي حركة او ثورة هي مساعدة الانسان في ان يتغلب على ظروف قاسية تحرمه من التعبير عن انسانيته لما فيها من انتباه لما يحمل الانسان من هموم صغيرة وجودية واحيانا ميتافيزيقية وعاطفية.

 القضية الفلسطينية هي مهمة شعرية بالدرجة الاولى ويجب ان تخفف من النظرة الى الفلسطيني كحالة نمطية مطالبة بكتابة شيء محدد سلفا مطارد بالموت وبالاستشهاد الدائم يجب الانتباه الى ان له حياة اخرى فهو يفرح بتفتح الزهور الاولى في الربيع المبكر يفرح بالحب وبجماليات الحياة وهذا يعني ان الاحتلال لم ينجح في كسر روحه الانسانية المتفتحة على روح الحياة هذا شاغلي الكبير وهذا الذي يجعل الشعر منطقة تقاطع بين كل الهويات ويتجاوز اطاره الوطني الى اطار انساني اوسع والشعر ليس وطنيا الا عند التعبير عن جغرافيا معينة او قضية محددة لكن الشعر اوسع في مجمله فهو صوت وايقاع الاسئلة الاولى في الحياة وللانسان حول وجوده وكيانه وهو  رحلة متشابكة من الثقافات والحضارات ومن هنا يتحول الى ما نسميه بالشعر الانساني هذا الشعر هو مجموع تجارب لشعوب مختلفة ويجب أن نكون شركاء  في التعبير عن الجانب الانساني من ادبنا وليس فقط ان نكون محاصرين بنمطية كتابية واحدة.

 

 ادوارد سعيد.. الفكرة.. القضية والعلاقة؟

تعرفت على ادوارد سعيد في تشرين الثاني (نوفمبر) 1974 عندما ذهبت مع المرحوم ياسر عرفات ليلقي خطابه الشهير في الامم المتحدة، هناك قيل لي بوجود نابغة فلسطيني وتعرفت عليه لنصبح منذ ذلك الوقت اصدقاء.

لم تنقطع علاقتنا منذ 1974 حتى وفاة ادوارد سعيد ودون تردد فهو  من مفاخر الامتياز الفلسطيني على المستوى العالمي، هو ليس كما صوره بعض العرب بانه نتاج ثقافة عربية استطاعت ان تجد ندية في حوارها مع الثقافة العالمية، لا ادوارد سعيد هو نتاج الثقافة الغربية واحد كبار نقادها في نفس الوقت وارتباطه بالقضية العربية والفلسطينية هو ارتباط حر بحكم موقعه كمثقف يشعر بالمسؤولية تجاه الضحية لقد كان صوت الضحية الفلسطينية بهذا المعنى، ليس لانه من اصل فلسطيني فلو لم يكن فلسطينيا لاتخذ نفس الموقف بحكم وعيه بدور المثقف النقدي والمثقف الذي لا يرضى بالمركزية الثقافية والهيمنة السياسية الدولية.

ادوارد سعيد ليس معروفا لدى الكثيرين من العرب بماهيته الحقيقية وهو مفكر ادبي كبير وليس معروفا فقط بمقالاته السياسية ودوره في النقد الثقافي وفي تطوير النظرية الادبية الغربية، اساسي ولا يمكن ان تنجو اية كتابة دون ان يكون فيها ا دوارد سعيد احد المراجع في النقد الثقافي بدرجة كبيرة نفخر به لانه يدافع بشكل انتمائي حر ولاختياراته الثقافية الحرة المعبرة عن توتر وانتباه الضمير المثقف لديه وليس لانه من اصل فلسطيني فحسب.

وبهذا كان ادوارد سعيد محاربا على جبهة  صعبة جدا، خصومه كثيرون  ولكنه انتصر بسلاح الفكر لثقافته الموسوعية والتزامه بقضايا العالم الثالث في التحرر وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

 

 يبدو ان العرب قد تموقعوا بين حالتين.. حالة شعرية واخرى تنبئ بالهامش.. رأيك؟

الحاضر العربي لا يسمح لنا برؤية امكانية امل قريب على المستوى المرئي واذا نظرنا  الى المستوى القريب والمستقبل من منظور  الحاضر والملموس فالصورة سوداء وبخاصة اننا منذ وعي جيلنا بالحياة وبالعالم نعتقد بهذه الاحوال السيئة ولكن هذا السوء يتطور باستمرار ونجد حالنا فيه ومن المؤكد في تاريخ جيلنا ا ن كل امس كان افضل من اليوم، فمنذ نكبة 1948 وغيرها الى تدمير واحتلال العراق واعادة احتلال فلسطين عدة مرات وتشتت الوعي العربي وعدم وجود مصطلح واحد يجمع العرب في مفهوم واحد، نجد هذا الوضع الصعب فنحن ننقسم بين عبادة الماضي وتيار آخر وهو عبادة امريكا اي ان من لا يعبد الامريكان لا مكان له على المنصة، طبعا التاريخ لا يتجمد ولا يصل الى اية نهاية، لا نهاية للتاريخ، بل الأمر يتوقف على مدى وعي العرب بمشكلاتهم ومتى حصل وعي العرب بهزيمتهم وانتبهوا الى قدراتهم الكامنة والتي لم يستعملوها واهم شيء كيف يقاربون الحداثة اي كيف نخرج من النظر الى الحلول في الاجابة عن الاسئلة الحالية والقادمة على انها موجودة في النصوص القديمة، ونذهب للبحث عن نصوص جديدة وكيف ننظر الى المستقبل من خلال ان نكون منتجين في الحضارة والثقافة  الانسانيتين وليس فقط ان نكون مستهلكين، اي ان نأخذ المنتج الغربي ونتخلى عن منظومة الفكر التي انتجت هذا المنتج يعني ان الحضارة الغربية لم تتطور الا من خلال منظومة افكار وقيم محددة انتجت هذا التفوق الحضاري نحن نستهلك التلفزيون والكمبيوتر ولكننا لا نساهم في الانتاج، اي انسان لا يساهم في الانتاج سيبقى مستهلكا لذلك على العرب ان يفكروا بشكل اعمق في ازمتهم دون ان يكون الماضي هو المرجع فنسبة المتعلمين والنخبة بدأت تتوسع في العالم العربي والعولمة كشفت عوراتنا فلم يعد النظام العربي يستطيع ان  يمارس ما كان يمارسه في الخفاء فنحن نستفيد ولن ينجو احد من العولمة وشتمها لا يحل المشكلة فيجب ان نشارك في الانتاج الى حد ما نستطيع واعتقد اننا لن ننجو من اثر ما يحدث في العالم فنحن لسنا  مشاركين فيه ولكننا معاصرون له، الهوة صعبة ولا يمكن للارادة ان تبقى الى هذا الحد مهانة، العرب محتاجون الى وعي وارادة جديدين ولكن في اللحظة الحالية لا نجد وصفا لهذا الوضع فكل واحد يعمل على تعميق اقليميته والحل الوحيد عنده هو ارضاء امريكا ولا طريق لارضائها الا بالعبور عبر بلاده، فهذا اصبح المقدس السياسي العربي الرسمي الحالي.

الشاعر لن  يبقى متفرجا مهما كانت اداة القمع القوية لدى السلطة هناك تغييرات ستحدث رغم الادعاء الامريكي بالديمقراطية وغيرها حتى وان كانت كذبة، هناك اشياء سوف تحدث لانهم سيتورطون في امتحان صدقية لعبتهم.

 

 كيف احسست لحظة سقوط بغداد؟

سقوط بغداد كان مشهدا جميلا في عيون الذين فقدوا ضمائرهم، هناك العديد من المثقفين الذين صفقوا لذلك ليس هناك اي وصف لهذا الامر اخلاقيا كما لا يمكن ان ننسى ان بغداد لم تسقط فقط بالعدوان الامريكي الذي لا مبرر له اصلا والذي فيه بعد اسرائيلي حيث ان القضاء على القوة الكامنة في العراق قد تهدد في شيء في نظر  الامريكان والاسرائيليين الاسترخاء والهيمنة  الاسرائيليين في المنطقة ومن هذا المنظور كان هناك بعد اسرائيلي في الحرب على العراق.

ولكن النظام السياسي في بغداد ايضا ساهم في اسقاط القلعة من الدخل، فالديكتاتورية لا يمكن ان تكون جوابا على تحدي العدوان الامريكي بهذه القوة، لا نريد ان نحاكم الاشياء اي تلمس صادق قد يوقعنا في تهمة مع بوش ام مع صدام.. مع اني لا مع بوش ولا مع صدام.. ولكن محصلة سقوط بغداد طرحت اشكالا من قدرة الهزيمة العربية على التناسل، وهذا حدث مؤلم تاريخيا وان كان بعض المثقفين قد صفقوا لهذا وصدقوا ان الامريكيين قادمون لكي ينشروا الحرية والديمقراطية على الدبابات، هناك تصديق لهذه المسألة.. لكن لا الامريكان انتصروا حتى الآن ولا العراق، القوة الكامنة هزمت.. هناك الكثير من الضحايا والمقاومة بعضها حقيقي ولكن تدخل فيها اختراقات، فتعريف المقاومة في الدفاع عن نفسها، مسألة تخص المقاومة العراقية، فهنا تختلط، وفي هذه المسألة ـ الجريمة المنظمة والمافيات والمقاومة الصادقة ولكن المقاومة حق مشروع للعراقيين ضد الاحتلال للعراق

 

كتّاب تونسيون  اشتغلوا على تجربتك منهم اليوسفي وبكار وصمود والمزعني والمنصف الوهايبي ورؤوف  الخنيسي ..و العوني و آمال موسى .. و أنت.. كان الكتاب هدية تونس اليك  كيف تقبلت الأمر؟

 

- بصراحة حين دعوني الى تونس قالوا ان  هناك مفاجأة (يضحك) ولم اكن اتصور ان المفاجأة كانت جميلة الى هذا الحد، يعني احسن تحية وهدية تقدم الى الشاعر هي ان يدرس شعره، ان ينقد ... فرحت كثيرا خاصة ان هذا العمل شارك فيه تقريبا معظم الشعراء والكتاب في تونس وكانوا كرماء واعطوني اكثر مما استحق من تشجيع ولا شيء يفرح الشاعر  اكثر من ان يجد اهتماما ما سواء كان ايجابيا ام سلبيا ويحس ان كلامه ليس صرخة في واد بل يجد استقبالا له واهتماما به.

اعتبر هذا الكتاب تكريما يفيض عن حاجتي وهو تكريم من اخوة الى شخص اصبحوا يعتبرونه واحدا منهم.

 

المتنبي.. هذا الزمن.. وسر الفتنة والافتتان الدرويشي معه وبه؟

- اعتقد ان اي قارئ للشعر العربي يصاب بالافتتان الذي اصبت به لقوته  الشعرية وقدرته على ان يكون عابرا للزمن فنحن نريد ان نجد وصفا لحالتنا في كل لحظة، ولا نجد اصدق من المتنبي في وصف حالتنا الراهنة، قدرته في انه يحمل تعبيرا عن المستقبل وان تسبق وتخترق اللغة عنده حاضرها وتأتي هذا الحاضر من المستقبل هذه عظمة لا يتمتع بها كثير من الشعراء.

المتنبي اسس بالشعر سلطة ادبية معادلة او متجاوزة للسلطة السياسية  في الزمن الذي عاشه، نحن لا تعنينا كثيرا اخبار بني حمدان ولكن الشيء الذي يثير دهشتنا هو لماذا لم يكتف المتنبي بهذه السلطة الادبية ولماذا كان مسكونا بهاجس الحصول على اي سلطة خارج هذه السلطة وهي سلطة سياسية ومدح الكثيرين بشكل مذل لماء الوجه طبعا نحن ننسى الان الجانب المذل وننظر الى الجانب المضيء والمشرق في هذا الشعر. اذن يبدو ان الشعراء تغفر لهم خطاياهم اذا كان شعرهم  جميلا فأحيانا نجد  تناقضا بين الاخلاق والجمال فكيف تكون جمالية هذا الشعر سببا في مغفرة تجاه سلوك المتنبي ومدحه.

اذن ربما كان الممدوحون كلهم عبارة عن ذريعة لدى المتنبي الذي كان مسكونا بارادة الحصول على سلطتين السلطة السياسية والسلطة الشعرية وقبل هذا وذاك فانك تقرأ في شعر المتنبي تلخيصا لتاريخ الشعر العربي.

فأنا مفتون به.. مثلي مثل كل القراء.. اي قارئ حقيقي للشعر العربي لا يستطيع القفز على ذلك.. على فكرة فكلما كثرت قدرات ومكانات المتنبي الشعرية، كلما ازداد اعداؤه، يقال ان الفا من الشعراء قد هجوه ولكن لا نعرف اين هم.. كان حوتا مثل سمك القرش يبتلع كل الحيتان.

 

 النقد العربي والشعر هل حظيت الحالة الشعرية الدرويشية بما يكفيها نقديا؟

- للاسف، انا قرأت العشرات من الدراسات الجامعية وكنت أشعر بالحرج لان فيها شرحا لمعاني الكلمات وتبويبا للاغراض الشعرية وهي دراسات لا تقترب من جوهر الشعر ولا تشكل مقاربة له او لجماليته او للغير مرئي من الشعر هناك كيمياء للشعر ارى ان النقد مطالب بالبحث فيها ولكن النقد العربي للاسف مع بعض الاستثناءات مازال نقدا شارحا، يشرح المعني ويعرب الالفاظ والمعاني ولا يقترب من روح وسر  العملية الشعرية، طبعا هناك بعض النقاد الجادين الذين يشكلون مقاربات مفيدة ليس مطلوبا من الناقد ان يشرح او يهجو او يمجد الشعر بل عليه ان يكون قادرا على ان يعلم الشاعر او ان يرى فيه جوانب لم يرها قبل ان يضيء له الناقد ذلك الجانب لكن ليس لي حق الشكوى والامر في اوروبا مختلف لان الشعر عندهم جزء من الحركة الثقافية الكبرى والفكر والفلسفة متقدمان بينما نحن لدينا وضع آخر، ليس لدينا فلسفة او فكر ادبي كبير. العمل الادبي دائما يسبق الحركة النقدية ومن رأيي فانّ  الابداع الادبي متقدم على الحركة النقدية في الثقافة العربية هناك تقصير قد ننسبه للجامعات وللمثقفين انفسهم او الى غياب استخدام مجمل المناهج النقدية في النقد العربي نقدنا مدرسي وليس بمتشرب من النظريات النقدية عند قدماء العرب، هو نقد انطباعي او تجريح او  مديح كما قلت. ونحن نتعرض الى عمليات تجريح كبير تصدر عن بعض الكتب وهي فظيعة وتقول انني لست شاعرا بل اكذوبة.

 

الوجدان الفلسطيني ودرويش وآراء الاخرين؟

- انا متهم بالتخلي عن القضية الفلسطينية ومتهم الى حد ما بخيانة جلدي عند بعض الناس، اما القراء فهم ابرياء. فلسطين ليست وظيفة وهي ليست شيئا.

 

أين ريتا.. او بالاحرى حدثنا عن الحب عند درويش؟

- لا وجود لقصة او مغامرة، اولا انا لست مجنون ليلى ولا اراغون الزا، ليست هناك امرأة تشكل لي مرجعية عاطفية او مرجعية ذكريات ليس هناك شعر الحب، انا ازور الحب (يضحك)، الحب لا يحتلني، بل تحتلني حاجتي اليه وليست هناك امرأة محددة هي ليلاي او لبناي او عزتي لا املك اسطورة حب بل اتذكر الحب بما هو حالة متنقلة ومترحلة ولا وجود لامرأة ابدية.. هي ذريعة.

 

 وأخيرا، نذهب مع حديثك الذي نعرف بعضه عن قصيدة النثر؟

- كنت اتصور او اتمنى ان ينتهي هذا البحث بخصوص قصيدة النثر وشرعيتها وصراعها مع ما ليس بقصيدة نثر. قصيدة النثر هي احد انجازات الشعر العربي في العقود الاخيرة وهي قد اصبحت الجزء العضوي من حركة الشعر العربي وفيها مبدعون كبار وعدة شعراء استمتع بالكثير منهم وارى انهم يقدمون شعرية جديدة بقصيدة النثر.

هناك التباس، كأن بيني وبينها مشكلة وخلافا، انا خلافي مع ادعاءاتها النظرية فالكثيرون يولدون وقد اكتملت نظريتهم الادبية عن الشعر بمعنى انه لا يكون موزونا وان يخلو من العواطف وان لا يأتي الايقاع الشعري على خارج النثر وان الحداثة لا يمكن ان تعرف الا عبر قصيدة النثر وبها هذه الادعاءات النظرية لا استطيع ان اقبلها، قصيدة النثر شرعيتها في مدى ما قدمت من شعرية جديدة وذائقة مختلفة وبالتالي ليس من حقها ان تنفي غيرها.

ربما كانت حاجتها للدفاع عن نفسها وعن شرعيتها قد منحت شعراءها هذا النفس العدواني باقصاء الاخرين اي بمنطق من ليس منا فهو خصمنا. عليهم ان يرتاحوا فقد انشؤوا دولتهم المستقلة ويجب ان يبحثوا عن مسألة المركز والضواحي والاطراف، عليهم ان يرتاحوا ويعملوا اكثر على تطوير تجربتهم الشعرية وعلى تقديم مبرر جمالي اكبر لاختيار هذا الشعر وان يعترفوا بنا اننا معاصرون لهم ومن حقنا ان نكتب بطريقة مختلفة. عليهم ان يكفوا عن احساسهم بالاضطهاد وان لا يتحولوا الى (مضطهدين، لنقم بمصالحة في هذا الزمن يضحك).

انا لا مشكلة لي معها بل مشكلتي الوحيدة انني لا اكتبها، اعرف شعريتها العالية.. النثر عمل راق وجنس ادبي نبيل اكتبه ولا اسميه شعرا، ولا ننسى ان القرآن نثر ويعجبني قول ابي حيان التوحيدي في تعريفه للشعر حين قال: احسن الكلام ما قامت صورته على نظم كأنه نثر وعلى نثر كأنه نظم، والوزن ايضا لا يحمي اللاشعر فهناك الكثير من الكلام الموزون وهو عبارة عن نظم ـ ما احبه في الشعر هو ذاك الصراع مع الصعوبة ومهارة التغلب على صعوبة النظم جزء من العملية الشعرية مثل النحات الذي يتغلب على صعوبة الحجر اذن البحث عن السهولة ليس بالعمل الشعري، ولا بالفن فاذا ازلنا عقبة اسمها قافية وبقيت العقبات ماذا تقول؟ هل قلنا كلاما لا يقال الا بهذه الطريقة؟

هذا هو امتحان قصيدة النثر، هل تقول بتحررها من كل هذه الاعباء، قولا لا يقال الا هكذا؟ بعضها نعم ولكن كثيرا منها لا، كما ان الكثير من الشعر الموزون ليس بالشعر، يجب ان لا نعبد التغلب على قيود الكتابة هي بالعكس شكل من اشكال تجليات جدارتنا بالحرية...

 

علجية عيش تحاور: حفيد أوّل إمام للجيش العراقي.. د. قصي الشيخ عسكر

1056-qusayالإعلامي والرّوائي العراقي المغترب قُصَيْ الشّيخ عسكر: قابلت الرئيس أحمد بن بلة في باريس ووجدته نادمًا على كثير من المواقف السابقة مع الشهيد عبد الكريم قاسم

(الشهيد عبد الكريم قاسم خصص 05 % من نفط العراق لثورة الجزائر)

(كُنَّا نخرج في مظاهرات لدعم الثورة الجزائرية ونهتف ( ديغول اطلع برَّه.. الجزائر صارت حرَّة)

 

في الساحة الأدبية العربية أقلام كانت سلاحا دافعت به عن الوطن، وردت به مظالم الأعداء، وكان لها وعي الأدب العربي بتمزقه وبأزمته الحادة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، لقبوا بأسماء عديدة ( الطيور المهاجرة، المغتربون.. اللاجئون..، المنفيون.. و..و..)، فلم يجدوا سوى القلم يعبرون به عن غربتهم وحنينهم إلى الوطن، ومن الأدباء العرب الذين يكنون حبًّا للجزائر ويعتزون بتضحيات شعبها، الإعلامي والروائي العراقي قصي الشيخ عسكر، والحديث مع الروائي قصي يشعرك وكأن كل شيء مجتمع حول هذا المغترب: الوطن والأهل والأصدقاء ..القيم والحياة المجتمعيّة بتفاصيلها كلها حاضرة معه في الغربة، وذلك على مبدأ أنّ الروائي قصي أخذ معه العراق، وهو القائل: " إن أي نجاح في الحياة يكمن في أن يواجه المرء مصاعبها بثبات الطير في ثورة العاصفة، التقينا بالروائي قصي الشيخ عسكر فكان لنا معه هذا الحوار الشيق

 

يريد القارئ الجزائري التعرف على شخصكم الكريم؟

- اسمي قصي عبد الرؤوف عسكر واسم الشهرة قصي الشيخ عسكر والشيخ عسكر هو جدي كان أول إمام للجيش العراقي في بداية تأسيسه في عشرينيات القرن الماضي، ولدت عام 1951 في قرية نهر جاسم من أعمال قضاء شط العرب، كان شط العرب ناحية حينذاك والتنّومة مركز الناحية، درست الابتدائية في شط العرب والثانوية في منطقة (العشار) حيث مركز محافظة البصرة في حين كانت دراستي الجامعية في جامعة البصرة كلية الآداب قسم اللغة العربية عام 1973- 1984 ثم أكملت الماجستير في جامعة دمشق والدكتوراه في الجامعة الإسلامية بلندن، عشت في الدنمارك وأحمل الجنسية الدنماركية وأعيش الآن في بريطانية مدينة نوتنغهام، أكتب الشعر والرواية والبحث الأدبي، لدي ثلاث مجموعات شعرية مطبوعة وعدد من الروايات وكتب في التراث منها معجم الأساطير الجاهلية وأساطير العرب قبل الإسلام وعلاقتها بالديانات القديمة.

 

العلاقات الجزائرية العراقية عريقة تعود إلى أيام الثورة الجزائرية، ما هو تقييمكم لهذه العلاقة؟

-  نعم لقد علمنا آباؤنا وأمهاتنا رحمهم الله حب الجزائر فكنا نخرج مع أهلنا في مظاهرات خلال فترة ستينيات القرن الماضي بدءا من عام 1959 في مظاهرات عارمة غاضبة ونهتف (ديغول اطلع بره والجزائر صارت حرة) يعني ديغول اخرج من الخراج فإنها حرة وفي المناهج الدراسية كنّا نحفظ شعر شاعر جزائري نسيت اسمه الآن يقول: "دمدم الرعد وهزتنا الرياح حطموا الأغلال وأمضوا للسلاح، حطموها واختفوا ملء الأثير يا فرنسا اشهدي اليوم الأخير"، وكنا في بيوتنا نزين جدران الغرف بصورة المناضلة جميلة بوحيرد، وقد قام الزعيم المحبوب الشهيد عبد الكريم قاسم بتخصيص 05 بالمائة من نفط العراق لمصلحة الشعب الجزائري وثورته العظيمة غير أن الانقلاب الذي حدث على الشهيد عبد الكريم قاسم واحتضان البعثيين والقوميين لأول رئيس جزائري وهو المرحوم أحمد بن بلا جعل تعاطف أهل الجنوب في العراق مع أحمد بن بلا ضعيفا نوعا ما، لعدائه للزعيم قاسم، وقد قابلته مصادفة في باريس نهاية الثمانينيّات من القرن الماضي فوجدته أي الرئيس بن بلا نادما على كثير من المواقف السابقة غير أن حب العراقيين بخاصة أهل الجنوب للرئيس هواري بومدين كان واضحا، لقد وجدوا فيه ذلك الشخص الوطني الشجاع العفيف النزيه الذي بني بلده على أسس علمية وأخلاقية، ولا ينسى العراق أن للرئيس بومدين يعود الفضل الأكبر في الضغط على شاه إيران لإيقاف حرب كردستان بين الجيش العراقي والأكراد المدعومين حينذاك من الشاه، وبقي حب أهل العراق وخاصة الجنوب لجبهة التحرير الجزائرية ورمزها بومدين، وتكللت مسيرة الجزائر بعد بومدين رحمه الله في محاولة الحكومة التوسط لإيقاف الحرب العراقية الإيرانية، فقدمت الجزائر وزيرها حينذاك شهيدا.

 

وماذا عن الجانب الثقافي؟

- أما الجانب الثقافي فأود أن أشير إلى أن هناك من العراقيين من جاءوا إلى الجزائر بعد الاستقلال عام 1963 بصفة مُعَلمين ومنهم ابن عمة أبي الذي كان يسكن في منطقة ناحية التنومة شط العرب أي منطقة سكننا، أما نحن فكنا نقرا لكتاب جزائريين منهم الشهير محمد ديب الذي مازلنا نحتفظ له برواية مترجمة إلى العربية هي النول وأُخرى أظن عنوانها عرس بغل، وهناك كاتب آخر اسمه مالك حداد الذي يقول عنه أحد شعراء المشرق خلال الثورة الجزائرية: سأكتب عنك يا مالك سأكتب بالعربية العطشى إلى تحقيق آمالك.

 

كل العالم يترصد الأحداث وتفاعلاتها على الساحتين العربية والعالمية، ما هي قراءتكم للوضع الذي يمر به العالم العربي؟

- بصراحة الواقع مؤلم جدا لقد انصرف العرب بصفة عامة والمسلمون عن القضية الفلسطينية التي هي لُب الصراع وجوهره مع الإمبريالية إلى حروب داخلية، نجد حربا في العراق هدفها التقسيم وحربا في سورية، مصر تعاني من اضطرابات وتونس تطارد الإرهابيين، لقد عانيتم انتم من مذابح اقترفها المتطرفون بحق الشعب الجزائري أسوأ مما اقترفه المستعمر، لم تكن الجزائر تعرف التطرّف الديني وكان هناك قادة طيبون من العرب والأمازيغ، كان المرحوم حسين آيت أحمد والمرحوم هواري بومدين يتقاتلان جنبا إلى جانب العرب من دون حساسية ما، لا دينية ولا قومية كان مالكيي المذهب لكنهما قاتلا من أجل الإباضي أيضا، لقد كانت الجزائر بعد نهاية حكم الشاذلي بن جديد أول بلد يسقط ضحية الإرهاب، الآن العالم يعيش المأساة نفسها، لقد تبنت الولايات المتحدة وحلفاؤها دعم الفكر المتطرف السلفي (الوهابي) لغرض محاربة السوفيت في أفغانستان، ثم انتشر هذا الفكر بالضبط مثل التجارب المخبرية التي تفلت من المختبرات لتدمر الآخرين، فكانت التجربة الأولى التي راح ضحيتها الجزائر، لكن وعي الشعب كان عظيما، لا ننكر أن الأمازيغ في الدول المغاربية لهم حقوق لكن لا يعني أن تقوم الحكومات بذبحهم، كما فعل الحسن الثاني عندما كان وليا للعهد حين قمع انتفاضة الريف، يقال أنه في الحسيمة لم يتوان عن ذبح البشر والدجاج، هذه جريمة وقد سجل التاريخ أن الأمازيغ في الجزائر والمغرب هم صِمَام الأمان من التطرّف الديني، أما أحداث سورية والعراق فما زالت تستأثر باهتمام العالم الوهابيون والمتطرفون يطلبون الحكم مهما كان الثمن، وقد انتقلت العدوى عدوى القتل والتدمير نفسها إلى أوروبا والولايات المتحدة ولا حل إلا أن يكون هناك اتفاق عالمي على تجفيف منابع الإرهاب وتخلي آل سعود عن الفكر الوهابي المتطرف، وتغيير المناهج الدراسية التي تبني فكرة العداء والتكفير في الذات البشرية منذ الطفولة.

 

كأديب مغترب كيف يرى الأستاذ قصي وضع الجالية العربية في المهجر؟ وما هي اهتماماتها والمشاكل التي تواجهها؟

- وضع الجالية العربية في المهجر؟ الآن..، لا أظن الوضع مريحا مادام هناك كابوس يغذي التطرّف، من قبل كانت الحكومات تبعث بأئمة مساجد والسفارات لها ملحقات ثقافية هناك المغرب تبعث إماما إلى الجالية المغربية والجزائر تبعث إماما إلى الجالية الجزائرية وكذلك تونس تبعث إماما إلى الجالية التونسية والحكومات دائما تبعث أئمة معتدلين وليسوا سلفيين، ما حدث هو أن التطرّف "الوهابي" اجتذب شعوبا مغاربية وأخرى عربية إليه، وانشقت الجاليات إلى متطرفة سلفية ومسالمة، نضيف إلى ذلك أن وسائل الاتصال الحديثة من (ستلايت وموبايل وانترنت وأي فون وأي باد) جعلت الجاليات العربية أقل اندماجا بالمجتمعات التي تعيش فيها وأكثر اتصالا بالشرق، ثم تأتي مسالة الإحباط النفسي التي يعيشها العرب في أوروبا وأمريكا، حيث تجدين هناك المعتدلين والمتطرفين مما سبب تغييرا في الرأي العام الأوروبي الذي عاد الخط السلفي وذكره بمصطلحات قديمة مثل الرّق والجزية والذمي والقتل وقطع الرؤوس وغير المسلم كافر نجس وعلى المرأة أن تغطي وجهها وكلها عورة ومكان المرأة في البيت وهن ناقصات عقل ودين إلى غير ذلك من الأفكار البالية التي لم تعد منسوبة والدين منها براء، هذه الأفكار يتم ترجمتها وترويجها يوميا من قبل المتطرفين في المجتمعات الغربية، وتذاع على الهواء مباشرة وتنشر في الصحف، إن الجالية العربية منشقة على نفسها والخطأ من الأساس لن يمكن إصلاحه ما لم يتم تطهير البلاد العربية من المتطرفين.

 

ماذا منحك المهجر وأنت بعيد عن الوطن؟ أم أن الوطن يسكنك في كتاباتك فلا تشعرك بالغربة؟

- هناك ثقافة جديدة يتعلمها المهاجر،لغة جديدة وعادات وتقاليد، أجواء مختلفة تماما غير التي كان يعيشها في بلده، سيجد المهاجر نفسه وسط مجتمع يختلف عن مجتمعه، فيما يخصني تعلمت اللغة الدنماركية فكانت المفتاح الذي جعلني اندمج بالمجتمع الدنماركي في الوقت نفسه زادني وجودي في بريطانيا معرفة أكثر باللغة الانكليزية واكتشفت شيئا أخر هو أننا في بلدان الشرق ندرس بعض المصطلحات والكلمات القديمة التي لم يعد يستخدمها أحد، إن عامل الثقافة مهم أيضا يمكن أن نفهم من خلال وجودنا في مجتمع ما أثر ذلك المجتمع فينا من خلال المهاجر الجزائري في فرنسا يعرف مقدار نفوذ الثقافة الفرنسية في بلده ومدى تأثير ثقافة بلده على بلد الهجرة، في الدنمارك مثلا الذي يقرأ تاريخ أهم معلم سياحي عندهم وهو مدينة الألعاب Tivoli يعرف أن سبب بنائها هو أن ابن السفير أو القنصل الدنماركي في القرن التاسع عشر في الجزائر عندما عاد إلى كوبنهاغن بعد انتهاء مدة عمله أصبح حزينا كئيبا، لأنه غادر الجزائر حيث الشمس والشرق فأراد أن يبني مكانا يشبه ألف ليلة وليلة فبنى مدينة الألعاب هذا بفضل أثر الشرق، وقد أثرت فينا ثقافة مجتمع الهجرة أيضا تأثيرا كثيرا بخاصة في نمط التفكير والسلوك، كنّا نعيش في فوضى في بلداننا، فكان هناك في المهجر النظام هذا ما يخص المهاجر نفسه.

أما الجيل الثاني والأجيال اللاحقة فلن تكون مزدوجة اللغة بل سيتكلم أي منهم لغة البلد الذي يعيشه لا لغة الأب أو الأم، على سبيل المثال عندنا في الشرق ابن العم وفق التقاليد العشائرية أحق من أي إنسان في الزواج من ابنة عمه في الوقت نفسه من الغريب أو الشاذ أن يتزوج ابن العم ابنة عمه في كل أوروبا حتى أوروبا المسلمة مثل ألبانيا والبوسنة، إذن هناك ثقافة أوروبية مشتركة بغض النظر عن الدّين، المهاجر الأول قد تكون بعض تلك الثقافة غريبة عنه لكن أبناءه وأحفاده يعدونها ثقافتهم لأنهم ولدوا على هذه الأرض، أما الشق الثاني من السؤال فأنا دائما أحمل وطني معي، الوطن، اللغة الأم، الثقافة التي فتح الإنسان عينية عليها من المحال أن يتجرد عنها، هي ليست لباسا يمكن أن يخلعه بل هي ذاته : "وطني أواريه بقلبي إن يمت.. إن القلوب مقابر الأوطان" او قولي: " لا تحزن يا وطنا بالدمع يشيعنا للمنفى لا تحزن فهناك نموت كبارا".

 

يُقالُ أنّ احتلال العراق على أيدي تنظيم " داعش" هو بداية سقوط الحضارات؟ ماذا تقولون في ذلك؟ وهل يمكن أن نقول أن واقع العراق اليوم أسوأ مما كانت عليه أيام حرب الخليج؟

- لا أظن ذلك، أولا لان داعش لم تجرؤ على الدخول إلى بغداد ولن تجرؤ قط، وقد احتلت بعض المحافظات بالعراق لأسباب منها أن محافظة الرمادي تجاور السعودية والأردن وسورية، أي أن الخط السلفي الوهابي وجد حاضنة له في هذه المنطقة، أما المحافظات التي تجاور دولا أخرى مثل البصرة وكربلاء فليست بها حاضنات تستقبل داعش، أما الموصل فهي قريبة من تركيا وتجاور سورية، ولنا عبرة في الجزائر الحركة السلفية الدموية لفظت أنفاسها لان المجتمع الجزائري ليس فيه حاضنة للسلفيين المتطرفين وهو بالأساس مجتمع ثوار (حزب جبهة التحرير) والثائر يفضّل أن يقدم خسائر على أن يحقق انتقامه، الأمر الأخر هو أن الحضارات العالمية وحضارة وادي الرافدين هي حضارات عريقة متطورة تؤمن بالسلم والتعاون والتقدم، فلن تسقط أمام داعش ومحال أن تسقط أمام مجموعة متطرفة، لقد كان هتلر أقوى بكثير من داعش بصناعاته وجيشه ومعداته لكنه أخيرا انهزم وتراجع، وقلمت المجتمعات الإنسانية المتحضرة مخالبه، أما واقع العراق فلا أقول انه ليس بسيئ، وليس فقط واقع العراق بل معظم البلدان العربية، نأخذ سورية ومصر وليبيا والى حد ما تونس، هناك فوضى وتشتت في الجهود وصراع، هذه الفوضى إما أن تنتهي بتقسيم هذه البلدان، أو أن تستعيد عافيتها، إن العراق جزء من كل من المنطقة والمنطقة نفسها في اضطراب غير أن الماضي في بعض الحالات النادرة يكون أفضلنا الماضي. كان العراق في حرب الخليج سيئا لكن كان هناك عامل الخوف داخل نفس الإنسان، أما الآن فالحال سيّء لكن الإنسان تحرر من عامل الخوف.

 

مؤخرا عقدت جامعة الأمة العربية مؤتمرها التأسيسي، البعض يرى أنه مشروع فارسي، ما رأيكم في ذلك؟ وهل ترون أنه بديل للجامعة العربية؟

- أنا لا أعول قط على تلك المؤتمرات التي يديرها حكام عاجزون يمنعون المواطن من ابسط حقوقه كيف تعيد للأمة حقوقها حكومة ترى المرأة عورة؟ تمنعها من قيادة السيارة، تعزلها بين أربعة جدران، حكومات تعتمد على استيراد كل شيء، بصفتي عربي أصلا أقول أن أهم نقطة ضعف نعاني منها نحن العرب هي أن منابع ماء دولتين مهمتين هما مصر والعراق تأتيان من الخارج النيل من إثيوبيا والعراق دجلة والفرات من تركيا فما علاقة الفرس بهذا وأنا لم أعالج من قبل قضية مهمة مثل "الماء"، آنا مسلم أكفر أخي المسيحي شريكي في الوطن، وأمَّنته من بناء كنيسة فما علاقة إيران والفرس بهذا؟، أنا انتمي إلى أكبر أكثرية في الإسلام سني مالكي أو حنفي أو شافعي أكفر أخي في الوطن فما علاقة الفرس؟، أنا عربي أنظر إلى أن أخي في الوطن الأمازيغي لا يحق له أن يتكلم لغته القومية وأنا العربي انظر إلى آخي المسلم السني العربي ( البوليساريو) مثلي إنه لا يحق له مبدأ التصويت حول تقرير المصير في الصحراء، فما علاقة الفرس؟

لقد اعتادت الحكومات على تفسيرات واهية جدا، فإذا كان الأمر كذلك فالأولى بالعرب أو بالأمة أن يرموا جانبا صحيح البخاري، لأن مؤلفه فارسي، لغته الأم الفارسية وليتبرؤوا من أبي حنيفة الفارسي يعني أن يلغوا كل تراثنا العظيم، هذا كمن يبحث عن أي سبب وما يحاوله الحكام من إلقاء تبعة هزائمهم المتتالية سوى إلقاء اللوم على الآخرين، أما المشاريع البديلة عن الجامعة فأقول أن أي تجمع آو مشروع لا تساهم فيه الجزائر والعراق وسورية هو مشروع غير ناجح وأعود واذكر دائما بأهمية تلك الدول فاضرب مثلا بقول السادات في خطاب له عن حرب أكتوبر يقول: احتجت إلى طائرات في حرب أكتوبر أظن أكثر من عشرين طائرة يقول بلهجته المصرية اتصلت بالرئيس بومدين الله يكرمه فأرسلها لي وساهمت في المعركة، هذا الكلام قاله السادات علنا، يعني أن من يؤسس مشروعا أو يدخل معركة عليه أن يكون مسلحا بالعلم أولا، ويكون شجاعا غير متردد وهذا ما يفقده الحكام العرب الآن الذين انصرفوا إلى زعزعة الأوضاع في سورية والعراق واليمن فلا خير في أي مشروع يؤسسونه.

 

الذين يعرفون الروائي قصي يعرفونه عن طريق صحيفة "المثقف"التي يرأسها الدكتور ماجد الغرباوي، يا ترى ما سرُّ هذه العلاقة ؟

- الحقيقة قبل المثقف نشرت في ثمانينيات القرن الماضي أولى قصصي في مجلة العربي،ثم نشرت بعض قصصي القصيرة في جريدة الشرق الأوسط اللندنية ثم عملت في تلفزيون الدنمارك، الشرق قناة كوبنهاغن مقدم برامج أما صحيفة المثقف فقد تأسست قبل عشر سنوات والأخ الأستاذ ماجد الغرباوي مؤسس المثقف رجل باحث وأديب يؤمن بحرية الرأي، وهو رجل مسالم له مؤلف قدير حول العنف وفق هذا الإطار توطدت علاقتي به، وواصلت النشر في صحيفته.

 

لكل كتابة مشروع أو فكرة، فهل يكتب الأستاذ قصي للوطن الصغير أم للوطن الكبير؟ وهل نعتبر هذه الكتابات مشروع أمّة تنشد التحرّر من الإرهاب.. الدكتاتورية.. والطغيان؟

- مشروعي هو الإنسان عموما بغض النظر عن جنسه ولونه وقوميته، والأدب والفن هما للجميع ويخصان الجميع، اضرب مثلا بالسيمفونيات العالمية الخالدة، فكل الإذاعات والتلفزة والأشرطة تقتبسها وتبثها، بيتهوفن مثلا ألف موسيقى معينة، لكنها أصبحت لجميع الكاتدرائيات في العالم، هي أثر مسيحي لكنها ملك للجميع، أنا عراقي والآخر جزائري لكن كل منا يشعر أن الأهرام ملكه مع أن الفراعنة بنوها، ولذا فالأدب مثل الهواء للجميع لذلك أجد أن أفكاري يجب أن تكون عامة، وأبطال قصصي وروايتي مختلفون وهي روايات وقصص تدين الإرهاب وتدعو إلى التقارب العمل الروائي بطله عربي وأوروبي يلتقيان ويتحاوران يمثلان تفاعلا بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، كيف نقبل بالدكتاتورية والله خلق لنا إرادة كيف يكفر المسلم غيره مع أن الخلق جميعا عيال الله، الإمام علي عليه السلام يقول : إما أخ لك في الدين أو الخلق هذه هي أفكار أعمالي، أنا أكتب بالطريقة التي أعرفها وبالأسلوب ذاته، ما أعلمه هو شيء واحد أنني أكتب وعلى المتلقي سواء كان متخصصاً أو قارئاً غير متخصص أن يحدد، يفرز مادة قراءته، الكاتب مثل الطائر لا ينتمي لأيّ حزب سياسي وتفكيره يجب أن يكون طليقا بشكل غير معقول، وأن تكون لمخيلته أجنحة يجوب بواسطتها الأماكن والأزمان.

 

يقال أن المبدع وليد المعاناة؟ إذا كان الأمر كذلك كيف يحقق المبدع الاستمرارية؟

- هذا حق،المبدع وليد المعاناة، والمعاناة هي التي تَخَلَّق الإبداع، المعاناة تفاعل وإحساس بالآخرين، ألام تعاني، تلد مرة ثم تلد مرة أخرى، وثالثة لكنها لا تتوقع عن الولادة المتأتية عن المعاناة الأولى، الأنبياء صلوات الله عليهم عانوا والمعاناة معناها الأمانة التي ألقاها الله تعالى على عاتق الإنسان فحملها وأنّت بها الجبال، ولا أظن أن هناك حياة من دون معاناة، لأنها بعبارة أدق تعني تفاعل الإنسان مع مجتمعه والعالم وكلما كان هذا التفاعل نقيا وقويًّا كان عمل صاحبه عظيما وأكثر إنسانية، وهذا يتوقف على أن تحمل نصوص المبدع لوعة البحث عن الإنسان الطاهر، العفيف والبحث عن الوطن الرحيم الذي لا يفرق بين الأبناء.

 

تحول "المثقف" إلى قضية، ماذا يقول الأستاذ قصي في ذلك؟

- المثقف هو لُب القضية المثقفون في أوروبا وأمريكا اللاتينية هم الذين غيروا مجتمعاتهم تغييرا جذريا، هم الذين نظّروا للمدارس السياسية والأدبية وهم من ضحى مثل المناضل الشهير جيغيفارا.

 

هل يمكن أن يحقق المثقفون العرب نهضة ثقافية عالمية؟

- نعم يمكن أن يحقق ذلك إذا تجرد عن عصبيته القومية والدينية والعرقية وأصبح موضوعيا وتجرد عن أنفته وغروره ونزل من برجه العاجي ليخدم بمجتمعه ولم يعزل نفسه عنه وضحى وأعود فاذكر أن يضحي مثلما فعل المثقف الأوروبي الذي عمل من قبل ضمن مجتمعه من أجل مستقبل بعيد تتمتم به الشعوب الأوروبية الآن.

 

نعود إلى مشواركم الإبداعي، ماذا عن إصداراتكم الجديدة؟ وهل هناك مشاريع في الأفق؟

- هذا العام صدرت لي رواية جديدة عنوانها ( رسالة) وهي رواية مهجرية وهناك ديوان شعر وثلاث روايات عن المهجر أيضا كذلك ألفت كتابا بعنوان (المنقلب والمتحول من الكلمات) ولدي قاموس عنوانه ( القاموس الثلاثي المشترك عربي دنمركي انكليزي).

 

كلمة أخيرة

- أقول للشعب الجزائري انتم في القلب دائما حفظكم الله رحم الله شهداءكم في حرب التحرير وشهداءكم الذين سقطوا ضحايا الإرهاب التكفيري وفقكم الله ورعاكم دائما.

 

حاورته من الجزائر علجية عيش

 

ميمون حرش يحاور في حوارات "العرين": المبدع حسن قرى

maymon harashهو مبدع أثير، له كاريزما خاصة تَأسر من يعرفه، فيحبه رغما عنه،وحين يعانق القارئ حرفه المخملي يغرف من الجمال وينهل، وفي عالم من الإنسانية يسبح ويرفل،وإذا عرفنا بأنه "مراكشي" يبطل العجب،ويظل الإعجاب به قائماً ..

يكتب القصة، ويقرض الشعر؛ لأول مرة عانقتُ نصوصه الأولى في موقع " الأقلام" العراقية،هناك كانيسجل حضوره الباذخ،ويحصد الإعجاب والتنويه،ومع كل نص من نصوصه في القصة القصيرة جداً تنداح الإطراءات وتترى.. وقد ناب عنا في "le groupe" القاص الكبير عبد الرحيم التدلاوي حين قال عنه قولته الشهيرة : " قد ملكتها ورب الكعبة.." معلقاً على إحدى درره في القصة القصيرة جداً.ً

باكورة أعماله اختار لها عنوان " الربيع الآخر"،وفي الشعر له " تراتيل"..

معنا القاص المغربي الأثير سي حسن قرى..

أهلا بك سيدي حسن في "العرين"..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرحبا بالمبدع الراقي سي ميمون حرش، وشكرا على هذه الالتفاتة التي تحسب لتميزمجهودكم واحتفائكم بالإبداع والمبدعين، وشكرا للعرين...

 

س- دعنا نتعـرف حسن المراكشي الإنسان بعيداً عن الأدب؟

ج- حسن ليس في الحقيقة مراكشي الأصل، بل مراكشي الهوى خريبكي الأصل. من تربة الفوسفاط نشأ، وفي ربيع مراكش ازدانت حدائقه بأزهار من ألق...

أستاذ للتعليم الابتدائي، يزرع بذوره بمشاتل الصغار، فتزهر أدبا واعدا..

يهوىمعانقة الكتاب في كل وقت، ويجد متعته في الجلوس إلى أوراقه...

 

س- أنت قاص وشاعــر، أين تحب أن يصنفك القراء؟

ج- للحقيقة، لا أهتم للتصنيفات، أحب العبث بالأوراق والقلم.أكتب مايعن ليوأشرك أصدقائي فيبعض خربشاتي، فما استحسنوه يسعدني ويحفزني، وما أهملوه أتعلم منهإخفاقاتي. أكتب لأحقق ذاتي وأسترد الزمن الضائع فقط...

 

س- بشهادة الدكتور الكبيرميمون مسلك تتميز نصوصك بِـ "السرد السريع المركز".. هل لهذا المنحى صلة بعشقك للقص الوجيزجداً؟

ج- جاء عشقي للقصة القصيرة جدا مصادفة، أو قدرا لا أدري!! كما جئت للكتابة صدفة أو قدرا. حينما اكتشفت هذا الجنس الأدبي،أغرمت به لأنه سيعالج علة لازمتني طويلا.. الثرثرة وكثرة الكلام والإغراق في التفاصيل، ربما اكتسبتها من تقمصي الطويل لدور الأستاذ في أحايين كثيرة، ودور الواعظ الديني لفترات قصيرة. سيجد من يحب التفاصيل ضمن "أوراق من مذكرات حمار" سيرة ذاتية روائية أشتغل عليها... وبالمناسبة، فللدكتور مسلك ميمون دور حاسم في المسار الذي سلكته نصوص المجموعة.كان لأشهر من الكتابة والتعديل والتنقيح وإعادة الكتابة أثرها في خروج المجموعة كما هي بين يدي قارئها. فشكرا له وأنا ممتن له كثيرا على ما منحني من وقت وصبر وتوجيه...

 

س- وتلتزم كذلك بـِ "الرؤية السردية"، بها تخلق نصوصاً عبارة عن ديباجة من التشكيل الجميل، بدءً من طرحك لما هو ذاتي وموضوعي، وانتهاء بمعانقة الرمز،والإشارة، والصورة،إلى أن يصبح في المنال تشكلات سيميائية بديعة...معظم نصوصك في " الربيع الآخر" من هذا التصنيف .. هل أنا مُصيب في هذا الرأي؟

ج- نصوص "الربيع الآخر " كلها كتبت تحت مظلة الربيع العربي، تفاعلت مع مجرياتة وأحداثه وتحولاته الدراماتيكية، هي نصوص زمن الأمل ثم الخيبة.. ثم الإنتكاسة...حينما يكتب الكاتب لا ينطلق دوما من رؤية وتخطيط مسبق واع كل الوعي بخط سردي صارم، بل يستضمر كل ذلك من خلال تجاربه وحرفيته وتكوينه...

 

س- مجموعة " الربيع الآخر" ممهورة بالتناص الديني، والتراث الأدبي،والحكي الشعبي وتوظيف التاريخ، واستعمال مصطلحات العصر الحديث ...هذا الغنى، والتنوع،والتوزيع الدقيق للتيمات في المجموعة أجده قطعة موسيقية لا نشاز فيها.. كيف يتأتى لك هذا " الإبحار" في القصة القصيرة جداً حيث التكثيف والإيجاز، والإضمار؟

ج- طبعا لما اكتشفت عرضا القصة القصيرة جدا، وأنا بصدد البحث عن هويتي الكتابية، أثارني قصرها وإيجازها وإضمارها...فانطلقت في البحث عن تقنيات الكتابة في هذا الجنس الأدبي وتعلم مختلف أساليبهمن خلال قراءة العديد من نماذح الأدب العالمي، وكان لأدب أمريكا اللاتينية هيمنته وسلطته ونكهته.وقد ساعد انتشار المواقع والصفحات والمدونات المهتمة، في سهولة الوصول إلى النماذج الرائدة...أما حضور الديني والسياسي والهم الاجتماعي في نصوص المجموعة، فذلك أمر طبيعي تفرضه مستلزمة التفاعل الحتمي بين الذات والمحيط...

 

س- نصوصك كذلك،وكما لاحظ ذلك الدكتور ميمون مسلك في تقديمه للمجموعة،تلتزم بوجهة نظر غير مُعلنة،ولا مكشوفة... ألا يشتكي القارئ من غياب " الإعلان عن وجهات النظر" هذه؟

ج- حين يكتب الكاتب فهو لايكتب بحياد، دائما هناك الأنا سواء مضخما أو خفيا، وقد تعلمنا من تقنيات الكتابة في القصة القصيرة جدا التورية والإضمار والتناص والحذف...حتى لا نصادر حق القارئ في إعادة كتابة نصوصنا، ونعطيها فضيلة الانفتاح على آفاق رحبة يجوبها قارئهابدون حجر ولا تسلط. الكتابة حرية، نمارسهاداخل قيود الجنس الأدبي...

 

س- دعني أقف معك عند نص " طفولة " ص 20 من "الربيع الآخر" :

/.../

-  إنها طفلة فقيرة يا صغيري...

- آه لا تملك إكس بوكس مثلي؟

- بل لا تجد خبزاً يا ولدي..

- يمكنها أكل البيتزا" !!

" يمكنها أن تأكل البيتزا" هذه قولة معروفة لماري أنطوانيت ملكة فرنسا وزوجة الملك لويس السادس عشر (مع تحوير بسيط ومقصود من عندكم)، حين سألت عن سبب إضراب الشعب الفرنسي، قالوا لها : لا يجدون الخبز الذين يأكلون "، فنُسب إليها قولتها الشهيرة : " فليأكلوا الكعك إذاً.."

الفرق هنا في قول الشاهد، في نصك الكلام لطفل صغير، وفي الثاني الكلام لزعيمة راشدة( سيدة فرنسا الأولى)..ما الفرق هنا برأيك..؟

ج- الحديث هنا يمكن أن يتقاطع مع التقنيات والمفاهيم المؤثثة للجنس الأدبي الذي نشتغل عليه، يحضر هنا بقوة مفهوم التناص والتلاص...التناص أمر مطلوب في الققح، أما التلاص فهو مدموم في كل الأجناس الأدبية. السؤال هنا ما الحدود الفاصلة بين المفهومين؟ قارئ النصوص المتمكن هو من يقيم الحد الفاصل بين التناص والتلاص...

 

س- نهايات قصصك حلوة، ولها نكهةخاصة، هل، وأنت تبدع نصوصك تتقصدها، أم تأتي عرضاً، أم الحدث هوالذي يسوقك إليها سوقاً؟

ج- في القصة القصيرة جدا يجب دائما العناية بضربة النهاية، فهيالتي تعطي النص جماليته أو ابتذاله. وفي كل كتاباتي أحاول تطريز قفلات متميزة، أنجح أحيانا وأخفق كثيرا.وغالبا ما تأتي النهايات تلقائية عفوية لا تصنع فيها يفرضها انسياب الحدث...

 

س- آخر نص في" الربيع الآخر" بعنوان " يُحكى أن".. وهذه مفارقة جميلة، كأن الحديث لم يبدأ بعد، وما النهاية هنا سوى انطلاقة.. هل النهاية بداية عندك أمالبداية بداية، والنهاية نهاية؟

ج- في القص القصير جدا هناك القفلة الدائرية، حيث تستحيل النهاية بداية، والبداية نهاية. وهذا مؤشر على أن الحدث قد يتكرر مرات ومرات وبنفس النتائج، مع اختلاف في الشروط، والقص الوجيز يحاكي الواقع حتى في تقنياته...

 

س- بعض نصوص " الربيع الآخر" تتداخل عوالمها التناصية والأجناسية لدرجة أن القارئ يرتاب في كونها قصة ويميل إلى كونها قصيدة،والعكس صحيح في ديوانك " تراتيل".. وفي العموم هي نصوص تتمدد فضاءاتها لتستوعب ما هو غرائبي،وتعانق شخصياتُها كائناتٍ من التاريخ ومن المحكي الشعبي،ويتشابك موضوعاتها فيكاد يلغي الموضوع نفسه من بعض نصوصك، فيصبح استخلاص " الحكاية" منها مستعصياً.. كيف ترد؟

ج- أعشق كثيرا "ألا موضوع" الذي يستحيل ذاته موضعا، يختلط عندي الشعر بالنثر، لم أكتشفه من ذاتي، بل من ملاحظات أصدقائي. تكررت عبارة، أنت تكتب الققج بنفس شعري، فكبرت في رأسي، فمارست تهوري، فأصبحت شاعرا بالقوة... وما "تراتيل" إلا خلاصة تهور شعري. لا أصنف نفسي في أي زاوية، سوى أنني أمارس غواية الكتابة تحقيقا للذات،واستدراكا للزمن الضائع...أما تداخل المواضع وتعددها وتباينها فهو ناتج عن غوايتي الدائمة في طرح الأسئلة، ومطاردة القضايا الشائكة والغريبة، ربما لتكويني الفلسفي دور في ذلك...

 

س- كثيرة هي نصوصك التي حازت الرتبة الأولى في مسابقات القصة القصيرة جداً في مواقع راقية ولها حظوتها، نحو: "تذكر"- "حصاد"- "طفولة"- "يحكى أن"- "ذا عش"... هل كنتَ تتوقع لمثل هذه النصوص هذا التتويج؟ وهل فاجأتك اللجنة وتوجَتْ نصاً لم ترشحه،ولم يكن في الحسبان أبداً؟

ج- كل النصوص التي فازت برتب متقدمة، لم أكن أتوقع لها ذلك، باستثناء نص واحد صدق حدسي فيه "ذا..عش؟!!" ربما لراهنيته ومجازية العنوان فيه، وقدأثار النص جدالا قويا وطويلا في رابطة القصة القصيرة جدا بالأردن، إن لم تخني الذاكرة في التسمية، وقد جمعت كل التعاليق حوله والردود احتفظت بها، كما هي عادتي، لأتعلم من هفواتي وأستنير برأي الآخرين...لكن البقية فازت دون أن أتوقع، بل فوجئت في أحايين كثيرة...

 

س- بعض النصوص في ديوانك الجميل " تراتيل" مكتوبة بخط مضغوط.. ما القصد هنا رجاءً؟

ج- للعلم كل إصداراتي أصممها وأصففها وأختار نوع خطوها وحجمها بنفسي، وأحيانا تفلت مني بعض الأخطاء والهنات والعيوب التقنية، رغم حرصي. لا أذكر في "تراتيل" سوى أننياخترت المزج بين الشذرات والنصوص الشعرية،وميزت بينها بخطوط مختلفة. أنا في مرحلة تعلم في الكتابة وفي التقنية...

 

س- وتحرص في "الربيع" على ضبط نصوصك .. لماذا؟

ج- المزاج الذي اشتغلت به في " الربيع الآخر" يختلف عن المزاج في "تراتيل ". في الأول حرصت على التميز والخصوصية، فاخترت خطا مغربيا برسم عثماني مع ضبط النصوص شكلا، لكن تخليت عن الرسم العثماني في الطبعة الثانية، مع تخفيف في ضبط النصوص، أما في "تراتيل" تخليت نهائيا عن ضبط النصوص. كان هذا اختيارا فحسبب...

 

س- في مجموعتك البديعة" الربيع الآخر" كررتَ كلمة "الربيع" ثلاث مرات في نصوص مختلفة، لكن حضور ما له صلة بهذا الفصل متنوع حقيقة ورائع،تذكرُ وبلغة شاعرية: الفراشات- الرحيق- الألوان- الأوراق- الياسمين- ورد- روضة- قطرةندى- البتلات- ورود- نرجس- النبع- عصفور- أزهار- أوكار- عبير- رحيقي- الجنة- إكسير الحياة- قبلة- الشتلة- الشجرة- الطيور- الظلال- ماء الزهرة...

عنوان المجموعة إذاً مناسب ورائع،دعني أسالك :

• هذا الاعتناء الباذخ بالربيع ما الغاية منه؟

• كلمة " الآخر" تورية،القصد منها التعبير عن موقفك مما يسمى بالربيع العربي..حدثنا عن هذا الموقف؟

ج- كما قلت سابقا، كتبت نصوص المجموعة تحت إكراهات الأحداث الصاخبة التي رافقت "الربيع العربي" فتفاعلت معه إيجابا وسلبا. كانت لي رؤيتي وانحيازاتي، وقد عبرت عنها بعض نصوص المجموعة، ونصوص أخرى لم يعتبرها أستاذي مسلك ميمون قصص قصيرة جدا، فاحتفظت بها لنفسي، نشرت بعضها بصفحتي على أنها خواطر، وبعضها الآخر لا زال بأرشيفي الخاص. وحضور اللغة الشاعرية بالنصوص كان حضورا عفويا غير مفكر فيه، ونبهني له بعض أصدقائي، فولد "تراتيل" من رحم الصدفة، واقتحام المجهول...

 

س-  تُلبس نصوصك غالباً غلالة شعرية لافتة عبر مقاطع مجازية، ورمزية، قوية التخييل،وتوظف الصور الدينية والحكي الشعبي لهذا المسعى، وتعمد إلى تفكيك بعض نصوصك، فتغرقها في غموض مثير،غموض يُنتجه خيالُك الخصب،وعقلك المتقد.. ظاهرة الغموض في القصة القصيرة جداً متفشية، ولافتة.. كيف تتعامل أنت كمبدع مع هذه الظاهرة اللافتة في معظم نصوصك؟

ج- أعتبر الرمزية الواعية والمفكر فيها جيدا، قيمة أساسية ومكون مطلوب في القصة القصيرة جدا وفي الشعر وفي الكتابة عموما. لأنها تمنح للنصوص عمقها واستفزازها لقارئها، ليجوب عالمها المشاكس في تحد متبادل، وهذا ما يسمى ب"متعة القراءة". والكاتب المتمكن من أدواته، هو من يترك أثرا يمجمع من خلاله القارئ خيوط الرمزية ويشبكها مع بعض في لعبة ذهنية ممتعة. أنا ضد الرمزية التي تحيل إلى الغموض والتخبط، وتبشر بكاتب يقول أي كلام، ويخفي عجزه في طلاسم لا تعني شيئا حتى في ذهنه...

 

س- ظاهرة فيسبوكية لافتة تتمثل في اقتراف بعض الأسماء،دفعة واحدة، لكتابةالقصة،والقصة القصيرة جداَ،والرواية، والسيرة، ونظم الشعر،والكتابة النقدية..ما رأيك في هذا المسعى.. هل هو صحي؟

ج- أنا أيضا أقترف هذه الخطيئة، وأعتبرها خطيئة لذيذة. أقول ذلك لأنني أكتب لأحقق ذاتي، وأستدرك الزمن الضائع. لا أكتب ليقال عني قاص أو شاعر أو زجال... اكتب فقط لأنني أحب الكتابة. وجداري على الفيسبوك، أمارس عليه خطيئتي، فمن استحسنها وأعجب أو علق، فذاك يسعدني دون أن يغريني. ومن مر دون أن يترك أثرا فله قناعاته واختياراته. الإبداع حرية، لايجب مصادرة حق الآخر في التعبيرعن أفكاره بأي جنس أدبي ارتآه لتجربته. فالبقاء للأصلح والأصيل والنوعي في نهاية الأمر...

 

س- في زوادتك زخم من التجربة في كتابة القصة القصيرة جداً..ما رأيك في النصوص التي تقرأها، وما هي الأقلام التي تستطيبها في هذا المجال؟

ج- في القصة القصيرة جدا، تستهويني بعض النصوص المنتقات من الأدب العالمي المترجم، للأسف لاأستطيع القراءة إلا بالفرنسية، وقليل من الإسبانية. لكن محليا وعربيا، قرأت لكثيرمن الإخوة، فتنت ببعض النصوص، واستحسنت بعضها، ولم أتفاعل مع بعضها. القصة القصيرة جدا لا تنقاد بسهولة لأي كان، حتى الكبار لهم نصوصهم الضعيفة. فالجيد يتوارى بين ركام هائل من العادي، لذا لم أعد أجرؤ على الاقترابمن الققج إلا لماما، ولا أنشرأي نص جديد، إلا بعد أشهرمن التمحيص وإعادة الكتابة،أو حتى التمزيق والإهمال.انشغلت قليلا بالقصة القصيرة على أمل إصدار مجموعة جديدة قريبا...

 

س- " الربيع الآخر" كتابك الأول لو قدرتْ له طبعة ثانية .. ما النصوص التي ستحذف، أو التي سيطالها تغيير أوتعديل؟

ج- في أي عمل هناك نصوص قوية وأخرى عادية، لأننا لا نكون دوما في أحسن حالاتنا، ونحن نكتب نصوصنا. لذا أعتبر نصوصي كأبنائي، لا أستطيع التخلي عن أي منها حتى لو كانت إعاقته بينة، فهو جزء مني في كل الأحوال ويحمل بصمة إخفاقي، أحب أن أرى عيوبي أمام عيني، لأتعلم منها...

 

س- لغتك الشاعرية .. من أي مشتل تقطفها؟

ج-  لغتي الشعرية ربما تشكلت من طبيعة نفسيتي الميالة الى السلم والمهادنة،وحب العطاء بدون انتظار مقابل، وحاجتي الكبيرة للحب، وشغفي بالرومانسية، التي فتنت بها من قراءاتي من سنين بعيدة لسلسة"هارلوكان" وأعمال ع الحليم ع الله وإحسان ع القدوس وغيرهم...

 

س- ماذا سنقرأ لك مستقبلا؟

ج- قريباً مجموعة قصصية قصيرة اخترت لهاعنوانا مؤقتا: "على ضفاف الحرمان"

و"أروراق من مذكرات حمار" سيرة ذاتية روائية (بلغت 10أوراق نشرتها على صفحتي بالفيس)

وأفكر من سنتين في رواية أشتغل عليها فترة ثم أتوقف طويلا، لاشيء أصعب من كتابة رواية ذكية...

 

س- ماذا تقول في:

الدكتور ميمون مسلك- مراكش- مهرجان الناظور للقصة القصيرة جداً..

ج- الدكتور مسلك ميمون أستاذي الذي علمني سحر كتابة القصة القصيرة جدا، والذي لا يمكن أن أوفيه من الشكر والعرفان مهما فعلت، فهو أستاذتنا الذي يفيض كرما وعطاء رغم جحودنا...

-  مراكش وما أدراك ما مراكش، مدينة كرهتها مرة،وأحبها الآن بجنون، فهي تحتضن كل أحلامي، وأتمنى أن يتوارى بترابها جثماني...(الفاصيل ب" أوراق من مذكرات حمار")...

-  مهرجان الناظور قيمة مضافة للقصة القصيرة جدا بالمغرب، وإشعاع ثقافي لمدينة تستحق أن يحتفي بها أهلها ليعانق صيتها الآفاق،وهي تملك كل المقومات، رجالها وطبيعتها وموقعها...

 

س- أسعدتنا في "العرين" سي حسن.. كلمة أخيرة رجاءً..

 

ج- أنا الأسعد أخي ميمون، كنت ذكيا، استخرجت مني أفضل ما أملك. وكانت أسئلتك بقدر استفزازها الإيجابي، أعمق وأشمل وأبعد عن المجاملة. دمت متميزا ومبدعا لك مكانتك وخصوصيتك. وشكرا "للعرين" على هذه الفرصة لمعانقة قراء الموقع، وفتحكوة للتواصل معهم، أتمنى أن أكون موفقا...

 

الصويرة بتاريخ:30/07/2016

حاوره : ميمون حـــرش

 

بدل رفو يحاور: رئيس المهرجان المتوسطي الدولي للتصوير الفوتوغرافي الياس مهراز

badal raffowإلياس مهراز رئيس جمعية طيف للصورة ومدير المهرجان المتوسطي الدولي للتصوير الفوتوغرافي بمدينة شفشاون، وعضو الاتحاد العالمي للتصوير الفوتوغرافي GPU و تجدر الشارة إلى أن إلياس مهراز حاصل على العديد من الشهادات، من بينها الإجازة المهنية في "السياحة البيئية والتنمية المستدامة"، وشهادة الماستر المتخصص في " السياحة المسؤولة والتنمية البشرية "، وماستر جامعي تخصص " تدبير التراث من خلال الجماعة الحضرية " بجامعة قرطبة- إسبانيا. وفي إطار تطوير تجربته ومهاراته الفنية استفاد، أيضا، من العديد من الدورات التدريبية والتكوينية في فن التصوير الفوتوغرافي، كما كانت له مشاركات في معارض للتصوير الفوتوغرافي في معارض بالمغرب واسبانيا وتونس ومصر...والحديث مع الفنان الشاب مهراز وقدراته في لم شمل المبدعين من العالم من المصورين الفوتوغرافيين وحديثي له عن الكورد وفنونهم وان نشيد معا جسراً ثقافيا فنيا بين المغرب وكوردستان وقال لي بالحرف الواحد يسعدني ان نستضيف كوردستان في الدورات القادمة كضيف شرف وكان لنا هذا الحديث معه:

 1046-badal

ـ ماذا يعني الإبداع عند إلياس مهراز؟

ـ الإبداع بالنسبة لي هو بمثابة فلسفة يجب التبحر والتعمق فيها من أجل إنتاج أفكار جديدة وكذلك خلق مبادرات تتماشى مع كل ما يتعلق بالحياة الفنية للإنسان، أطمح من أجل الوصول إلى تفكير إبداعي متميز في المستقبل.

 

ـ كيف تفهم الأبعاد الثقافية والجمالية للصورة الفوتوغرافية؟ وهل لهما الدور والتأثير على المجتمع؟

ـ بالنسبة لي كفنان أرى بأن لكل صورة فوتوغرافية بعد ثقافي وجمالي تتميز به، فتحليلي للصورة ضروري من أجل فهم هذه الأبعاد والتي تقربنا أكثر إلى معرفة الصورة وذلك من خلال التمعن والقراءة الجيدة للصورة الفوتوغرافية وتحليلها بمنطق الملاحظة، وبالتأكيد لهذه الأبعاد الدور والتأثير على المجتمع من خلال النوع الثقافي والجمالي الذي تعالجه الصورة الفوتوغرافية وكذلك حسب الهدف والرسالة التي تحملها هذه الصورة الفوتوغرافية.

 

ـ رغم العدد الكبير للمصورين الفوتوغرافيين في مدينة شفشاون فهل تمكنت الصورة من إضافة شئ إلى الفنون في المدينة والبلاد؟

ـ إن مدينة شفشاون تتوفر على عدد جيد ومهم من عشاق التصوير الفوتوغرافي خلال الآونة الأخيرة، والتي بفضلهم عرفت المدينة على نوع من التطور السياحي وكذلك الاقتصادي، وأيضا بروزه كفن له مهتمين بالساحة الوطنية أمام الفنون الأخرى، فأنا أشيد بأهمية هؤلاء المصورين الذين سوف يكون لهم شأن عظيم في تطوير فن التصوير الفوتوغرافي على الصعيد الوطني بالمغرب.

 

ـ هل تلعب الكاميرة الرقمية اضافة ابداعية الى ابداعات المصور؟

ـ الكاميرة الرقمية هي وسيلة للإبداع، فهي إضافة جداً مهمة من أجل إنتاج الأفكار الإبداعية في فن التصوير الفوتوغرافي ويجب على الفنان الفوتوغرافي أن يحسن إستعمالها.

 

ـ ما هو سبب غياب النقد على فن التصوير مقارنة بالفنون الأخرى؟

ـ إن غياب النقد في فن التصوير الفوتوغرافي مقارنة بالفنون الأخرى يبين لنا بكل وضوح أن هذا الفن مازال في الطريق إلى التطور والاحتراف، لأن أي عمل فني يتعرض للنقد فهو عمل له مميزاته وبهدا مازلنا في بداية الطريق لكي نجد النقد المكثف على كل الاعمال الفنية.

 

ـ مالذي اردت ان تقوله عبر رئاستكم للمهرجان الدولي للتصوير الفوتوغرافي ..ماذا كانت رسالتكم؟

ـ إن إدارتي للمهرجان أتت برسالة واضحة وهي ضرورة الاهتمام بفن التصوير الفوتوغرافي وجعله فن قائم بذاته وكذلك جعله ثقافة بصرية يتتبعها من له الرغبة في مزاولتها وكذلك إعطاء فرصة للمواهب الصاعدة في التكوين والتمرس المهني الجيد وجعله فنا مقننا من طرف المؤسسات العمومية والخاصة بالمغرب.

 

ـ ما هي المواضيع التي تطرقونها في التصوير؟

ـ نحن كجمعية نتطرق إلى العديد من الانواع الخاصة بالتصوير الفوتوغرافي، ونهتم كثيرا بالتصوير الليلي لما يتميز به من دقة في إستعمال التقنيات والأدوات الخاصة بالإضاءة، وأيضا نهتم بتصوير الطبيعة وتصوير البورتريه وتصوير الحياة اليومية بالمدينة العتيقة.

 

ـ ما مدى تعاملكم مع الضوء والظل والموضوع؟

ـ الضوء والظل من بين أحد العناصر المهمة في بناء العمل الفني وبعدها يأتي دور الموضوع الذي يعطي للصورة الأهمية الثقافية والجمالية وبهذا يمكنني أن أقول لك بأنني شديد الحرص في التعامل مع هذه العناصر في إنتاج الصورة الفوتوغرافية وبالنسبة لي أيضا فعامل الزمن والمكان يمكنان الفنان من التحكم بهذه العناصر.

 

ـ خلال إحدى مهرجانات المدينة للتصوير الفوتوغرافي لاحظت غياب الفنان المغربي الشفشاوني؟

ـ بالنسبة لي أرى بأن الفنان الفوتوغرافي المغربي الشفشاوني حاضر في العديد من الملتقيات والمهرجانات التي تعني بالتصوير الفوتوغرافي بالمدينة، لاسيما وأن المدينة عرفت في السنوات الأخيرة بإهتمام كبير جدا من طرف الفنانين بفن التصوير الفوتوغرافي.

 

ـ ماعلاقة الجغرافية بالفن والتصوير الفوتوغرافي؟

ـ الجغرافية من بين العلوم التي تدرس بها العديد من المجالات المختلفة كالمناخ والتضاريس والبيئة والصورة الجوية... والتي لها علاقة جد وطيدة بالتصوير الفوتوغرافي خاصة وأن أهم أنواع التصوير الفوتوغرافي يسمى بتصوير الطبيعة والذي يدرسه الطلبة في تخصص الجغرافية من الناحية العلمية هذا بالإضافة لموضوع الصور الجوية التي نجد بأن الطالب مطالب بعمل مقاربة بين صورتين من أجل تحديد مجال جغرافي معين، وكل هذا يلتقي في الأخير بعشق الطالب لفن التصوير الفوتوغرافي الذي يحول ما يدرسه إلى ميول فني متميز.

 

ـ ما سبب عدم تجاوز أعمال الشاونيين المدينة العتيقة؟

ـ ربما يمكننا القول بأن أغلب أعمال الفنانين الشفشاونيين تظهر جمالية المدينة العتيقة بعدسات مختلفة، فأنا أرى العديد من الأصدقاء الفنانين من مدينة شفشاون قد قامو أيضا بإعطاء إهتمام واضح لتصوير الطبيعة.

 

ـ ماهو دور الطبيعة بين أحضان عدستك؟

 ـ أنا أحب تصوير الطبيعة وأعشق السياحات التصويرية إلى المناطق الجبلية والمناطق التي تتوفر على تضاريس جغرافية طبيعية، وأنا في الطريق لإنجاز مشروع يخص التصوير الفوتوغرافي يهتم بموضوع الطبيعة.

 

ـ هل هناك الدعم الكافي لفن التصوير الفوتوغرافي بالمغرب؟

ـ فن التصوير الفوتوغرافي عرف نوع من الحراك في الآونة الأخيرة بالمغرب، ونحن نبحث عن من يدعم هذا الفن من داخل المغرب ومن خارجه، فأنا أتطلع من المؤسسات العمومية والخصوصية إلى الاهتمام بالشباب الهاوي للفن ودعمهم عبر خلق معاهد ومدارس متخصصة في تكوين فن التصوير الفوتوغرافي.

 

ـ هل تبحث كاميراتك على الخلود؟ وهل تعشق العالمية؟ أو تعتبر نفسك عالميا؟

ـ إنا أبحث عن تكوين قدراتي العملية والتقنية والفنية والجمالية في فن التصوير الفوتوغرافي، وأبحث على ابتكار وإبداع مهرجان دولي قادر على خلق فضاء للتواصل بين الفنانين المحترفين والهواة والرفع من شأن التصوير الفوتوغرافي بالمغرب،أعشق أن أكون عالميا ولاكن أريد أن يصل صوتي لجميع الفنانين الفوتوغرافيين بالعالم بأننا رغم إختلاف ثقافاتنا فإننا متوحدون تحت إطار فن التصوير الفوتوغرافي.

 

ـ لماذا أنت دائما مع حكيم عزوز؟

الأخ والصديق حكيم عزوز هو إبن الحي الذي أقطن به، وأنا أعتز بصداقته لكونه دائم النصيحة والتوجيه لي في مساري الفني والجمعوي، و أيضا العضو الشرفي لجمعية طيف للصورة، وكونه أيضا تجمعني به العديد من الأعمال الفنية خاصة المتعلقة بتصوير الفيديو، وأيضا لكونه من المهتمين بفن التصوير الفوتوغرافي بمدينة شفشاون.

 

ـ هل سمعت بإسم الكورد؟ وهل رأيتهم؟ وكيف رأيتهم؟

ـ كل ماسمعت عنهم كان عبر وسائل الإعلام، خاصة القنوات الإخبارية التلفزيونية، والحروب التي عاشوها ويعانون منها لحد الان، ومؤخرا تعرفت عليك واسعدني كثيرا الجلوس والنقاش معك بعد زياراتك المتكررة لنا بمدينة شفشاون، وصراحة من دون زيف رأيت فيك طيبوبة سكان الاكراد وكذلك نبل أخلاقهم، وأنا أتشرف كثيرا بمعرفة المزيد حول الكورد ويشرفني ان استضيف الكورد على درب جسركم الثقافي في المهرجانات والدورات القادمة وشكرا لكم .

 

بدل رفو - المغرب

 

وحيد تاجا يحاور: الناقد والشاعر د. مصطفى الغرافي

mustafa alghorafiمصطفى الغرافي: الناقد الذي لا يستحضر المتلقي سيكون مصيره العزلة وعزوف القراء.

أكد الباحث والناقد المغربي الدكتور مصطفى الغرافي انه ينبغي للثقافة أن تكون مثل النور الذي يتعدى صاحبه لينير ما حوله. وحول المشهد الثقافي في المغرب أوضح أن أبرز الأسئلة التي تثيرها ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب تتعلق بمصير المشروع الجمالي الذي بلوره شعراء الحداثة انطلاقا من رؤية تحديثية تستند إلى وعي جمالي خاص يرفض الجاهز ويعادي التقليد. ورأى ان: الرواية استطاعت فرض سيادتها لأنها استجابت لانتظارات القراء واستطاعت أن تشبع حاجاتهم الجمالية والثقافية. مما جعلها بحق ملحمة العصر الحديث. مؤكدا ان الناقد الذي لا يستحضر المتلقي سيكون مصيره العزلة وعزوف القراء. ويذكر ان مصطفى الغرافي من مواليد القصر الكبير- المغرب سنة 1978 م شاعر وباحث في البلاغة وتحليل الخطاب . صدر له كتاب بعنوان “البلاغة والإيديولوجيا” ..دراسة في أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة”. فاز ضمن اللائحة الطويلة لـ جائزة الشيخ زايد للكتاب. نشر ديوانا شعريا يحمل عنوان “تغريبة”.

 

* بداية، ما هي وظيفة الثقافة اليوم في تصوركم..؟

** ترتبط الثقافة، في تصوري، بالمجتمع الذي تنبثق منه وتتفاعل معه ارتباطا وثيقا. ومن هنا لم يعد مقبولا اليوم من المثقف أن ينعزل في برج عاجي يتفرج على تيار الحياة وهي تجري أمامه. مطلوب من مثقف اليوم أن ينشغل بقضايا أمته ومصير مجتمعه وأن يسهم في تطوير المجتمع وتغييره نحو الأفضل. إذ يدين المثقف للمجتمع الذي علمه ومطلوب منه أن يرد هذا الدين بأن يلتزم بتثقيف المجتمع وتنوير الفئات التي لم تتح لها الفرصة لتحصيل نصيبه من التعلم والمعرفة. ولذلك أعتبر أن الثقافة التزام تجاه المجتمع ولا أتصور ثقافة منعزلة عن الحياة، لأن هذا الأمر لو حصل سيكون دليلا على انحسار دور المثقف وانسحابه من مسرح الحياة. مما يجعل الثقافة تغدو بريقا خادعا لا روح فيه ولا فائدة منه. الثقافة، إذا هي لم تتحول إلى نور غامر يساعد على انكشاف الحق وكشف الزيف، تصبح هي والجهل سواء. الثقافة مسؤولية. وإذا هي لم تترجم إلى سلوك يراه الناس ويلمسون أثره في واقعهم المعيش لا قيمة لها. فهي في هذه الحال لا تعدو أن تكون مجرد معلومات تثقل رأس حاملها وليس لها من جدوى أو فائدة. ينبغي للثقافة أن تكون مثل النور الذي يتعدى صاحبه لينير ما حوله. ولذلك ليس للثقافة أهمية في ذاتها ولكنها تستمد قيمتها من دورها ووظيفتها. انطلاقا من هذا الرأي يمكننا القول إن المسألة الثقافية مشروطة بالواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ فالوضع القلق الذي تعيشه الثقافة العربية اليوم يختزل في كثير من جوانبه قلق الوعي العربي الذي ما زال يطرح أسئلة الهوية والآخر والتراث والتحديث في ظل بنيات هشة لا تساعد على تحقيق النهوض الحضاري المنشود. ولذلك ينبغي النظر إلى “المأزق” الذي تتخبط فيه الثقافة العربية نظرة شمولية تعتبر تخلفنا الثقافي جزءا من أزمة عامة هي أزمة مجتمع وأن حل أزمة الثقافة مرهون بحل المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تخيم على المجتمع المغربي. وما من شك أن النهوض بالوضع الثقافي يمثل مدخلا ملائما لتحقيق النهضة الحضارية والتحول الاجتماعي المرتقب.

 

* ماذا عن المشهد الشعري في المغرب، وهل صحيح أن المعركة حسمت جماليا لصالح قصيدة النثر..؟

** تتعلق أبرز الأسئلة التي تثيرها ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب بمصير المشروع الجمالي الذي بلوره شعراء الحداثة في سياق المساعي التي توخت تجديد القصيدة العربية وتطويرها عبر زمرة من الإبدالات التي تم اقتراحها انطلاقا من رؤية تحديثية تستند إلى وعي جمالي خاص يرفض الجاهز ويعادي التقليد خاصة ما اتصل منه بالشكل الخارجي للقصيدة كما فرضته البحور الخليلية التي مثلت البنية الإيقاعية الأم للقصيدة العربية القديمة. إذ لم تعد الشاعرية تختص بشكل محدد ولكنها أضحت صفة لكل كلام توافرت له زمرة من الشروط تتيح له أن يرتفع من سياق التواصل الإخباري العادي إلى سياق التواصل الجمالي. مما يؤكد أن الإبداع الشعري لا يرتهن إلى شكل معين، ولكنه أفق مفتوح على أشكال عديدة ومتنوعة؛ فهو يتحقق في أنساق إيقاعية لا حصر لها منها ما يعتمد العروض الخليلي أو النسق التفعيلي أو النسق النثري وغيرها من أشكال التعبير الشعري مما اصطلح عليه ابن سينا بـ”الشعر المطلق” الذي لا يذعن لشكل ولا يتقيد بمظهر. إنه أفق مفتوح على التجربة الإنسانية في أبعادها المختلفة وتجلياتها المتعددة. وما من شك أن هذا التصور للعملية الإبداعية من شأنه أن يقود إلى تطوير تجربة الشعر العربي باعتبارها تجربة عابرة للعصور والقارات. إذ الشعر العربي بمختلف أشكاله وأنواعه، حسب هذا المنظور، تعبير عن فكرة الاتصال وليس تجسيدا لإرادة الانفصال.

لم تقتصر مطالب التجديد والتطوير على الشكل فقط، ولكنها شملت، بالإضافة إلى ذلك، الدعوة إلى مراجعة مفهوم الشعر ووظيفته. وقد تمخضت الحركة الشعرية الحديثة عن تصور خاص لحقيقة الإبداع الشعري يختلف تماما عن التصور الذي كان النقد العربي القديم قد بلوره بصدد مفهوم الشعر وطبيعته. إذ غدت الكتابة الشعرية دعوة مستمرة إلى التجاوز والتخطي من أجل إرساء أسس جديدة للإبداع الشعري تخالف الثوابت التي قامت عليها الشعرية العربية القديمة. وفي الوقت الذي ترتفع فيه الأصوات الحداثية معلنة أن المعركة حسمت نهائيا لصالح الشعر الحديث بمختلف تنويعاته، يبدي بعض المبدعين وفاء منقطع النظير للقصيدة الخليلية التي أضحت بناء مهجورا لا يلم به إلا قلة قليلة ممن أصابتهم لوثة الشعر، لأنهم يرون أن الشاعرية لا تختص بشكل محدد ولكنها صفة لكل كلام توافرت له زمرة من الشروط تتيح له أن يرتفع من سياق التواصل الإخباري العادي إلى سياق التواصل الجمالي.

 

* كنا نلاحظ توجه معظم الشعراء العرب الحداثيين إلى الشعر الصوفي، لاسيما بعد محاولة ادونيس إحياء التراث الصوفي بشكل ما واستخدام مفرداته في القصيدة، .. ولكن اللافت أكثر هو توجه بعض الروائيين لإحياء التراث الصوفي واستخدامه في السرد.. ما رأيك بهذه الظاهرة وكيف نفهمها..؟

** لقد مثل التراث الصوفي رافدا مهما اتكأ عليه شعراء الحداثة من أجل تجديد وتطوير الكتابة الشعرية المعاصرة. إذ يندرج اعتناء الشعر العربي المعاصر بالتراث الصوفي ضمن الرغبة الملحة التي سكنت شعراء الحداثة وما فتئت تدفعهم إلى خوض مغامرة تجديد القصيدة العربية وتطوير وسائل الأداء الشعري. وقد ألفينا كتاب الرواية يلتفتون إلى التجربة الصوفية ويستثمرون الإمكانات الهائلة التي يفتحها أمامهم النص الصوفي من أجل تطوير الكتابة الروائية وتجديد أدواتها، حيث مثلت التجرية الصوفية بالنسبة إلى عدد من الروائيين أداة ملائمة للتعبير عن قضايا الذات والعصر. وما من شك أن استرفاد الطريقة التي اجترحها الصوفية في التعبير عن أشواق الذات إلى التحرر من أسر المادة ومعانقة الغيب قد أسهم في بروز كتابة روائية تستجيب لمطلب تحديث الكتابة الروائية وتطويعها للتعبير عن هموم الفرد ومشاغل العصر. وقد نجم عن ذلك جدل ناجح أساسه التفاعل والتلاقح بين التصوف باعتباره تجربة روحية تعنى بترسيخ قيم المحبة من أجل السمو بأخلاق الإنسان والارتقاء بذوقه ووجدانه وبين الكتابة الروائية بوصفها تمثيلا جماليا يتوخى تجسيد أشواق النفس الإنسانية إلى الترقي في مدارج الكمال. لقد أسهم الاستمداد من تجربة التصوف في خلق لغة روائية جديدة لا تروم وصف الأشياء ونقل الظواهر فقط، ولكنها تطمح إلى التغلغل في أعماق الوجود من أجل النفاذ إلى أسراره والكشف عن حقائقه. وهو ما يسمح لنا بالقول إن الكتابة الصوفية مثلت رافدا مهما من روافد تجديد الإبداع الروائي.

 

* كيف نفسر ذهاب بعض النقاد والفلاسفة والشعراء المغاربة إلى حقل الرواية، مثل عبدالله العروي وبنسالم حميش (الفلسفة) ، محمد عز الدين التازي و حمد المديني (النقد) .. محمد الأشعري وحسن نجمي (الشعر) ..وما انعكاس هذا على الرواية المغربية برأيك..؟

** الرأي عندي أن المقارنة بين أنواع الخطاب المختلفة على أساس تفاضلي محكومة بأن تكون جائرة وغير متكافئة، لأنها تتعارض مع التصور التاريخي والحضاري الذي ينظر إلى وسائل التعبير المختلفة باعتبارها استجابة جمالية للأسئلة التي يطرحها العصر. مما يجعل الأشكال الخطابية غير منفصلة عن طبيعة الوعي الجمالي السائد في الحقبة التاريخية التي أفرزتها. والحق أن أنواع الخطاب على اختلاف أشكالها وأصنافها تتكامل فيما بينها من أجل التعبير عن قيم العصر الذي أنتجها. ويترتب عن ذلك أن تصبح المفاضلة بين الصور التي يتخذها الخطاب غير مقبولة ولا مجدية، لأن العلاقة بين وسائل التعبير الإنساني المختلفة لا تتأسس على معيار المطابقة بقدر ما تنبني على مبدأ المغايرة. وبهذا الاعتبار تغدو جميع أنواع الخطاب مستحقة للوجود ما دامت تمتلك سمات بنائية وأسلوبية خاصة ومميزة. ومع ذلك أتفق معك أن الرواية فرضت هيمنة مطلقة على سائر أنواع الخطاب في الوقت الحالي لقدرتها الفائقة على تذويب سائر الأجناس وصهرها في “شكل جامع”. وقد استطاعت الرواية فرض سيادتها لأنها استجابت لانتظارات القراء واستطاعت أن تشبع حاجاتهم الجمالية والثقافية. مما جعلها بحق ملحمة العصر الحديث. ومن الطبيعي أن نعيش في الوقت الحالي هجرة جماعية إلى الرواية. إذ يكتبها المؤرخون (عبد الله العروي- أحمد التوفيق) والمفكرون (بنسالم حميش- بنسعيد العلوي) والشعراء (محمد الأشعري- حسن نجمي) ونقاد الأدب (حميد لحمداني- شكري المبخوت). لقد امتلكت الرواية سحرا لا يقاوم فأضحت مجالا للفتنة والغواية. ويمكن إرجاع الازدهار الذي تشهده الكتابة الروائية في الوقت الراهن إلى الاهتمام الكبير الذي تحوزه على صعيد القراءة والتلقي. إذ تحظى الرواية بانتشار واسع في صفوف القراء، لأن التخييل السردي يتميز بقدرته الكبيرة على اجتذاب القراء على اختلاف فئاتهم وتنوع طبقاتهم وتوريطهم في سحر السرد وفتنة الحكاية. ومن أسباب انتشار الإبداع الروائي كذلك الإقبال منقطع النظير الذي تحوزه النصوص الروائية من قبل النقاد والدارسين. إذ لا يخفى أن نظريات النقد الحديث تطورت بشكل لافت في مجال السرد قياسا إلى جنس الشعر. ينضاف إلى ذلك الحماس الذي تبديه دور النشر للإنتاج الروائي مقارنة بغيره من أصناف التعبير الأدبي (دواوين الشعر مثال جيد لهذه الظاهرة) دون أن نغفل الدور الكبير الذي تقوم الجوائز الكثيرة المخصصة للإبداع الروائي في توجيه المؤلفين إلى كتابة الرواية. كل هذه العوامل مجتمعة شجعت على الاهتمام بالرواية كتابة ونشرا وتوزيعا. وفي اعتقادي أن اتجاه مؤلفين ينتسبون إلى قطاعات معرفية مختلفة ومتباينة إلى كتابة الرواية قد عمل على إغناء المتن الروائي وتجديد روافده. فما من شك أن كل كاتب يأتي إلى الرواية وهو متشبع بطبيعة الأفكار وخصائص التعبير في المجال المعرفي الذي ينتمي إليه. والرواية بهذا المعنى مصب الأشكال التعبيرية ونقطة تقاطعها. ولذلك وجد الكتاب في هذا الجنس وعاء مساعدا على تصريف الأفكار والتعبير عن قضايا العصر.

 

* ما هو تصورك للممارسة النقدية؟ وكيف تمارس النقد؟

** بداية لا يمكن للممارسة النقدية أن تستقيم لمن يحاولها ما لم تتأسس على معرفة متعمقة بالنظريات النقدية المختلفة والأسس المعرفية التي انبثقت عنها وانبنت عليها مختلف المنطلقات النظرية والإجراءات التطبيقية التي ترتهن إليها العملية التحليلية. فما من شك أن الأسس الابستمولوجية تشكل القاعدة الصلبة التي تقوم عليها عملية فحص النصوص ووصفها. ولا يمكن الحديث عن النقد ما لم يتحصل الدارس على معرفة كافية بالأصول الفلسفية والأطر النظرية التي تنبني عليها المنهجيات الحديثة المتعلقة بنقد النصوص وتفسير الخطابات.

لقد أثبت تطبيقات النقاد العرب فشل النقل عن الحداثة الغربية عن أدبنا وثقافتنا. ومن هنا فنحن في حاجة إلى وعي نقدي متنور يستلهم التصورات المنهجية الحديثة كما رسختها نظرية الادب في الغرب من دون إغفال للطبيعة الخاصة التي تميز الإبداعية العربية، كما يلزمنا الوعي بأننا بصدد الكشف عن نوع خاص من التفكير الأدبي القائم على مقومات فنية وجمالية مغايرة لتلك التي قامت عليها الآداب الأوروبية. وهو ما يفترض استحداث أدوات قرائية تلائم خصوصية هذا النتاج الذي أبدعه “العربي” في سياق زمن ثقافي مخصوص.

إن هذا الواقع الأدبي الذي يتحرك في دائرة الأزمة يجعلنا في حاجة ماسة إلى وعي نقدي متنور يستلهم التصورات المنهجية الحديثة من دون أن يغفل خصوصية السياق الثقافي الذي اشتبكت معه الأعمال الأدبية وانبثقت عنه. وهو ما يفترض استحداث أدوات قرائية تلائم طبيعة الزمن الثقافي العربي. فلا أحد يمكن أن يعترض على أهمية التفاعل مع آداب الإنسانية جميعها نظرا للفوائد التي يمكن أن تعود على الأدب العربي من الانفتاح على ما اجترحه غيرنا من فنون وآداب. ولا أحد بالمقابل يمكن أن يدعو إلى الخضوع المطلق للمناهج الغربية رغم النتائج الباهرة التي حققتها لأن هذه الممارسة لا يمكن أن تؤدي بنا إلى نقد عربي فعال يستطيع أن يسهم في تطوير حركة الثقافة الإنسانية. على هذا الأساس تتحدد الممارسة النقدية بالنسبة إلي بوصفها أفقا مفتوحا للتأمل في مختلف أشكال التواصل الإنساني، وليست منهجا ثابتا وقارا يترسمه الدارس في فحص النصوص واستنطاقها. وهو تصور يوسع من دائرة الممارسة النقدية بحيث تمتد لتشمل مختلف أشكال التعبير الأيقوني بدءا من “الكتابة” ووصولا إلى “الصورة”. وهو تعديل فرضته على التفكير النقدي التحولات العميقة التي شهدها العصر الذي بات يعرف، بسبب الانفجار المهول الحاصل في التقنيات الرقمية الحديثة، بـ”عصر الصورة”. وقد ترتب عن ذلك واقع جمالي جديد لم تعد السيادة فيه مقتصرة على العلامات اللسانية وحدها، بل أصبحت الأنساق السميائية الدالة جميعها موضوعا للتحليل والتأويل.

 

* على صعيد النقد .. يرى د. عبد الله الغذامي أن النقد العربي اقتصر على الناحية الأدبية وابتعد عن مفهوم النقد الثقافي الشامل .. ما رأيكم بهذا القول وهل انت مع مقولة نقد ثقافي ام نقد ادبي.. ؟

** لا جرم أن اندراج النصوص في العالم وارتباطها به صفة ملازمة لمختلف أصناف الخطاب مهما تباينت وتغايرت من حيث الأنواع والأنماط. ويستلزم ذلك النظر إليها في ضوء الاشتراطات التاريخية والاجتماعية التي تفاعلت معها وانبثقت عنها. ويترتب عن هذا الرأي اعتبار النصوص والخطابات بنية دالة يتعين دمجها في سياق ثقافي أوسع من أجل تحديد الافتراضات التي انطلقت منها والغايات التي جرت إليها. إذ كل نص يمثل إجابة عن سؤال مضمر ينبثق من رحم المحيط الثقافي والاجتماعي الذي تفاعل معه النص وتولد عنه. ويعني ذلك أن النصوص مهما بدت مغرقة في الذاتية والفردية، فإنها لا تعدو أن تكون في النهاية حصيلة التفاعل مع المحيط الذهني الذي تنتمي إليه وتندرج ضمنه. ويترتب عن هذا القول الإقرار بأن النصوص، مهما تغايرت من حيث الأشكال والأجناس، فإنها لا تعدو في المحصلة أن تكون تعبيرا عن أفكار الثقافة وتصوراتها، لأنه مهما كان حظ المؤلف من النباهة، فلن يكون بمقدوره تجاوز شرطه التاريخي بصورة مطلقة. ولذلك تخضع النصوص، في كثير من الأحيان، لنسق ثقافي مضمر يتحكم في إنجازها ويتولى توجيهها بما يخدم مصالح النظام الثقافي السائد. ويستدعي هذا القول توجيه البحث إلى فحص النصوص فحصا دقيقا يتيح الكشف عن الأنساق الثقافية المحتجبة التي تندس في نسيج الخطاب وتعمل على توجيه مقاصده وآليات اشتغاله. ومن هنا لا يجوز الحكم على أجناس الخطاب المختلفة استنادا إلى المعايير الأدبية وحدها، ولكن يتعين بالإضافة إلى ذلك الاحتكام إلى الرؤية الفكرية والثقافية التي تتولى تحديد دلالات المقروء وبلورة الموقف من قيمه ووظائفه، لأن الموقف من أصناف الخطاب يتشكل في ارتباط مع حاجات القراء الجمالية وتصوراتهم الاجتماعية.

 

* كيف ترى العلاقة بين الناقد والمتلقي؟

** الناقد الذي لا يستحضر المتلقي سيكون مصيره العزلة وعزوف القراء. وهذا هو المصير الذي واجهه كثير من نقاد الحداثة الذين أغرقوا دراساتهم في المصطلحات والرسوم البيانية معتقدين أنهم بذلك يسهمون في تفسير النصوص التي يقومون بتحليلها فإذا هم يحولون الممارسة النقدية إلى طلاسم وألغاز لا يستطيع القارئ فك شفرتها، حيث تحولت الأعمال الإبداعية إلى أشكال هندسية ومعادلات رياضية تشل الفهم والتفكير إذ يقف القارئ أمام طلاسمها حائرا وعاجزا عن تبين القصد من وراء تشغيل هذه الأدوات البعيدة تماما عن روح الأدب و”حياة النص” فهي لا تضئ النص بقدر ما تحول النقد إلى تمارين للتدرب على “تشريح الجثث”. وقد نجم عن ذلك انفصال النقد عن القراء بعدما تكونت نخبة من النقاد معزولة في المراكز البحثية والأوساط الأكاديمية لا تكتب لغير المتخصصين الذين يمتلكون “شفرة” هذه المناولات النقدية التي حولت نقد النصوص من عمليات وصفية تحليلية إلى مجرد حذلقات لغوية.

ينبغي التركيز في تصوري على البعد التواصلي في الممارسة النقدية بحيث يشعر المتلقي بأنه معني بالخطاب النقدي. وإلا انعزل النقد وفقد أهميته بفقدان وظيفته. ويمكنني أن أستحضر هنا التجربة النقدية التي رادها طه حسين. لقد استطاع هذا الناقد الفذ أن يقدم لقطاع عريض من قرائ الصحف السارة مادة نقدية عويصة تتعلق بالشعر القديم بأسلوب بياني مشرق مشرق ساعد القراء على اختلاف طبقاتهم على تمثل هذا الشعر وتذوقه. لم يكن العميد يغرق تحليله في التجريد والمصطلحات النقدية ولكنه كان يتعمد إخفاء جهازه النظري عن قارئه وقد مكنته هذه الطريقة من التواصل مع جمهور واسع من قرائه. ويمكن لأجهزة الإعلام المختلفة أن تسهم بفاعلية في توسيع قاعدة قراء النقد الأدبي عن طريق الاستعانة بالنقاد الأكاديميين من أجل إنجاز متابعات جادة بشكل يومي لمختلف أشكال الإنتاج الإبداعي. فلا تزال مهمة النقد الصحفي عندنا تنحصر في لفت الانتباه إلى الاصدارات الجديدة من دون اعتناء بتحليل العمل وتفسيره على نحو يراعي شروط ومتطلبات الكتابة الإعلامية. مع العلم أن تاريخنا النقدي الحديث يتوفر على سوابق مهمة ودالة في هذا المجال ينبغي احتذاؤها؛ فأعمال طه حسين والعقاد وميخائيل نعيمة ومحمد مندور ظهر أغلبها في شكل مقالات نقدية في الصحافة التي شكلت بالنسبة إلى هؤلاء النقاد أداة نافعة مكنتهم من التواصل مع قطاع عريض من جمهور الأدب ومتلقيه. نستخلص من هذه النماذج التمثيلية أن الصحافة يمكن أن تؤدي خدمة جليلة للنقد الأدبي خاصة فيما يتعلق بتوصيل المعرفة الأدبية إلى “القارئ العام” الذي ينبغي أن يمثل قطبا أساسا في كل عملية نقدية تحليلية.

 

* صدر لك مؤخرا كتاب جديد بعنوان ” البلاغة والايدولوجيا “، لماذا تطرقت بالتحديد الى الخطاب النثري عند ابن قتيبة ..؟

** تناول كتاب “البلاغة والإيديولوجيا” إشكالا محددا ودقيقا يتعلق بفحص مناحي التفاعل والجدل بين المعرفة البلاغية والتراث النثري. لقد سعى الكتاب إلى الكشف عن مظاهر انسراب المواقف الفكرية والآراء المذهبية في ثنايا الرسالة البلاغية التي توخى ابن قتيبة توصيلها إلى مخاطبيه من خلال نصوصه النثرية. ذلك أن تدقيق النظر في نصوص ابن قتيبة النثرية يكشف عن كونها جارية إلى تحقيق غايات فكرية عقدية وأخرى خلقية اجتماعية. مما استلزم فحصها وتحليلها في ضوء المقصدية الإيديولوجية التي افترضنا توجيهها لبلاغة هذا النثر؛ فالنظر المتأمل يكشف أن الأفكار والآراء التي انطوت عليها النصوص النثرية دائرة في فلك العقيدة السنية، حيث تم إسقاط الغرض العقدي الديني على الغرض الأدبي الجمالي. وعلى هذا الأساس تكون دراسة نثر ابن قتيبة من منظور بلاغي استجابة للأفق الذي شكله هذا النثر نظرا لصدوره عن خلفية فكرية وعقدية تمثل آراء وتصورات الفكر السني. وهو ما يعني أن المؤلف كان يصوغ نصوصه النثرية، كما حاول البحث أن يثبت، في ضوء مقررات العقيدة السنية التي مثلت مضمرا حجاجيا وموجها إيديولوجيا انصاعت له بلاغة الخطاب النثري عند ابن قتيبة. لقد تمثلت الغاية من هذا الكتاب في اختبار مدى نجاعة الدراسة البلاغية في الكشف عن جوانب من الخطاب النثري عند ابن قتيبة ظلت محجوبة عن الدراسات النقدية المعاصرة. وأعتقد أن هذا النثر كان في حاجة إلى مثل هذا البحث من أجل إبراز القيم البلاغية والأبعاد الإنسانية والإيديولوجية التي زخر بها .

 

* وما هي النتائج التي توصلت اليها خلال كتابك ..؟

** تحصلت من ذلك على جملة من النتائج أبرزها :إن ابن قتيبة لم يكن مجرد أديب وناقد وإنما كان، قبل هذا وبعده، متكلما. إنه صاحب مقالة ورئيس نحلة. ولذلك لم يعتن بالجانب الأدبي والجمالي في الخطاب قدر عنايته بفعالية الخطاب ونجاعته؛ أي الجوانب الحجاجية والاستدلالية في الخطاب البليغ. ومن هنا كانت البلاغة، عند ابن قتيبة، منظورا إليها من زاوية وظيفتها العملية والإنجازية؛ أي القدرة على التأثير في المتلقي لتعديل موقفه أو سلوكه .

- إن إدماج أنواع الخطاب التي صاغها ابن قتيبة في سياقات فكرية وأنساق ثقافية أوسع يظهر حاجتها إلى القراءة والتأويل في ضوء النسق الفكري والعقدي الذي صدرت عنه، فقد ثبت لدينا من فحص أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة أنها تترجم مقولات العقيدة السنية التي حكمت إنجازها ووجهت صياغتها.

- إن العودة إلى التراث النثري ضرورية من أجل إعادة الاعتبار إلى مختلف أشكال الخطاب وأجناس الكتابة التي ظلت على هامش الدرس النقدي والبلاغي، ولن يتحقق ذلك إلا بتجاوز النظرة النقدية الضيقة التي لا تحفل سوى بالأجناس التي تلتقي، في تكوينها الأسلوبي، بالمقومات التي رسخها جنس الشعر بينما تقصى أنواع خِطابية أخرى لاعتمادها سمات أسلوبية مغايرة.

- إن بروز المعيار البلاغي الوظيفي في تلقي نثر ابن قتيبة لا يعني غياب البعد الإمتاعي عنه، فبالرغم من أن انتماء هذا النثر إلى الأدب الكلاسي يجعل منه نثرا وظيفيا، فإن المقصد الإمتاعي لم يغب تماما عن ذهن ابن قتيبة خاصة في نثره السردي الذي لم يقتصر على وظيفة الإبلاغ بل جعل من المقصد الإمتاعي غاية يتطلع إليها. مما يعني أن الخطاب النثري عند ابن قتيبة اتسع للوظيفتين الحجاجية والأدبية. وهو من هذه الناحية يستجيب لمعايير القراءة الأدبية التأويلية كما يستجيب لمتطلبات التلقي التداولي الوظيفي.

 

حاوره: وحيد تاجا - دمشق

 

فيصل رشدي يحاور: القاصة نورة يحيى شرواني

faysal roshdiنستضيف في حوارنا اسما لامعا، وصوتا نسويا قويا، استطاعت أن تتربع ضمن قائمة أفضل المبدعات في المجال الأدبي بالمملكة العربية السعودية.  ضيفتنا هي الأستاذة القاصة والصحفية والمصورة الفوتوغرافية السعودية نورة يحيى شرواني .

بدأت نورة  مشوارها الدراسي  انطلاقا من مسقط رأسها مدينة جدة وبالضبط جامعة الملك عبد العزيز، حيث حصلت على الإجازة تخصص علم المعلومات،  لتنتقل بعد ذلك إلى العاصمة الرياض من أجل متابعة الدراسة في سلك الماجستير تخصص إعلام راديو وتلفزيون. بالإضافة إلى انخراطها ضمن  عدة مجموعات أدبية، مثل نادي جدة الأدبي والجمعية السعودية للثقافة والفنون، ورواق السرد المهتم بالقصة والقصة القصيرة جدا و تعتبر شرواني عضو مؤسس بالرواق .

ومن أهم انجازاتها:  حيازتها المركز الأول في الفعاليات النسائية كأفضل نص نثري في مهرجان سوق عكاظ عام ٢٠٠٨عن نص "ليس لي من الأمر شيء.."

لها مجموعة قصصية من أبرز نصوصها: خوف، خيبات أنثى، مأتم...)  تصدر قريبا.. 

مرحبا بك أستاذة نورة يحي شرواني. 

1 - الأستاذة نورة تنتمين إلى عائلة مثقفة وكبيرة أصولها من صيبا  جنوب  المملكة العربية السعودية،  حدثينا عن هذه العائلة، وأبرز شعرائها؟

- من أهم المكونات الثقافية لأي إنسان هي العائلة،  والحمد لله توفرت على وجود عائلة محبة للقراءة والاطلاع،  تتقن حرفة الشعر والكتابة شأنها شأن معظم العوائل الجنوبية التي اشتهرت بالشعر والأدب.  وتعد عائلة الوالدة "المشاري "هي الأكثر شهرة بحرفة الشعر فقد عرف الخال"محسن"وأبنه "محمد"رحمهم الله من أبرز شعراء صبيا،  إضافة للوالدة غير أنها لم تشتهر به.  وعندما قررنا النشر أنا وهاجر أختي، وجدنا كل التشجيع من الوالد رحمه الله بل كان حريصا على الاطلاع على ما أكتبه قبل النشر ومناقشته وتصويبه. وهكذا بالنسبة للدراسة ومواصلة التعليم والتشجيع على المشاركة الأدبية،  بالإضافة إلى توفر الكتب منذ وقت مبكّر. و قد حرص أشقائي على تكوين مكتبة للعائلة لازالت حتى الآن .  وبالمناسبة فقد كانت أول منشوراتي بصحيفة عكاظ،  وأنا على مقاعد الدراسة الثانوية أوائل التسعينات الميلادية،  وكانت عبارة عن خاطرة تحت عنوان "حجري هو قدري "تدور حول أطفال الحجارة في فلسطين المحتلة في تلك الفترة .

 

2- لا شك أن الكاتب المبتدئ لابد له من قراءات متعددة من أجل الكتابة. اذكري لنا أهم القصص التي قرأتها، ومن أهم الكتاب   الذي أثروا فيك؟

- توفرت في مكتبة المنزل كتب التراث الشهيرة ودواوين شعر لشعراء قدماء، كانت هي أول ما شغفت بمطالعته ثم في سنوات المراهقة،  اتجهت للأدباء المصريين واللبنانيين وفي المرحلة الجامعية،  قرأت الأدب الغربي ثم عدت للمحلية وصرت اقرأ لكتاب سعوديين أهمهم:   رجاء عالم التي أراها من أفضل الكتاب الروائيين السعوديين.

 

 3- ما هي الرسائل التي تحاول قصصك إرسالها للعالم؟

- السلام فهو شعاري في الحياة؛ الحب ؛ المرأة، الإنسان، المنكسرين والحائرين ...

 

 4 نعرف أن كتابا شباب كانت لهم مهن أبدعوا فيها  كالكاتب المصري أحمد مراد الذي كان مصورا فوتوغرافيا ثم انتقل إلى الكتابة. حتى أنت أستاذة نورة مصورة فوتوغرافية. ما علاقة التصوير الفوتوغرافي بكتابة القصة؟ وهل ترين بتداخل الفنون وامتزاج بعضها من بعض؟

- طبعا أصل الإبداع واحد هو الخالق سبحانه الذي منح الإنسان هذه الهبة من روحه .. والفنون متداخلة بعضها من بعض فعلا، والصورة  عندي هي حكاية أقرأها بعدة لغات والحكاية أو القصة صورة أو صور متعددة .

وأنا حريصة على إنطاق الصور التي التقطها لتكون حكاية في صورة أو صورة في حكاية .

 

 5- أنت صحفية وعملت محررة بعدة جرائد  من بينها: صحفية المدينة و صحيفة عكاظ و صحيفة البلاد، ماذا  الذي أضافته لك الصحافة؟

- الخبرة والمعرفة  والتواصل مع الآخرين،  وتسهيل الدخول لعالم الأدب والأدباء والاحتكاك بهم.

 

6- هل تؤمنين بمصطلح الأدب النسوي.. وهل ثمة خصوصية تميز كتابات المرأة؟

- ليست المسألة هي أدب المرأة وأدب الرجل،  إنما هو تعبير عن الأخر فقد يكتب الرجل بلسان المرأة ما تعجز امرأة وأديبة ان تكتبه وتعبر فيه عن عالمها. لذلك التصنيفات أحيانا تكون ظالمة ومتحيزة، من ناحية الخصوصية ربما لأن المرأة تاريخيا بعض النظر عن الجغرافيا عاشت غالبا تحت السلطة الذكورية والقمع المجتمعي فغالبا تتميز كتاباتها بما يعبر عن هذا الواقع.

 

حاورها: فيصل رشدي

 

الشاعرة والفنانة النمساوية بربارا كاتز في رحلة بين عوالم الشعر والرسم والتصوير الفوتوغرافي

badal raffowبربارا كاتز: شاعرة ورسامة ورحالة وعاشقة للتصوير الفوتوغرافي واستاذة اللغة الالمانية والانكليزية تحاول دائماً بأن تجعل اللغة والشكل واللون والتسامح والطبيعة والشرق والاديان في دائرة الضوء عبر مشوار حياتها برفقة الفلسفة التي درستها ضمن اختصاصها الجامعي.

بربارا كاتز: مواليد مدينة كلاكين فورت النمساوية عاصمة اقليم(كيرنتن)عام 1955،درست اللغة الالمانية والانكليزية في جامعة غراتس وعملت لسنوات طويلة في سلك التدريس ونشرت قصائدها باللغتين العربية والكوردية في انتلوجيات حول شعراء النمسا واصدرت عدة دواوين شعر ونثر. قال عنها الناقد (عصمت شاهين الدوسكي) بان بربارا كاتز جاوزت حدود المكان والزمان والشكل ليكون الوطن اشمل ويسع الجميع بحرية مع اثبات الكرامة الانسانية في قراءة لقصيدتها وطن..!! وفي السنوات الاخيرة وخلال حضوري لاحدى المعارض التشكيلية في مدينة (هالبن راين) وفيه عرضت اعمال 32 مشاركا من جميع اوربا في مدرسة (هوكي) وبحضور البروفيسور (هوكي) الذي ودع الحياة مؤخراً،تمكنت الرسامة والشاعرة بربارا كاتز من مزج الحروف الشرقية مع خطوط اللوحة التشكيلية وهي بدورها تعشق الشرق ولهذا كان عملها في المعرض له نكهة خاصة وقال وقتها الفنان المشهور (ايرهارد شوتزي) بان الفنانة كاتز خلقت شيئاً جديداً في المعرض باضافتها الشرق الساحر وحروفه الى الخطوط في اللوحة..!!

في لقاء معها وفي مدينة (غراتس) التي عشت فيها ربع قرن كانت اضواء الحديث سلطت حول الشرق والادب والهجرة والرسم وكان هذا اللقاء:

 1029-badl

ـ انت شاعرة تعشقين الشرق فما هو سحر الشرق عليك وعلى اعمالك..؟

ـ انها تجارب الطفولة والحنين الى الماضي وسحرتنا حكايات الشرق والعالم الملون وفنون العمارة والحلي والمجوهرات والشرق بدوره يعني الثراء والدفء والعطور وعوالم الذهب ولكني كانسانة بالغة تعرفت على الجوانب الاخرى للشرق ومنها الحقائق السياسية والتوترات الاجتماعية والظلم والفقر والبؤس والفساد ونشكر الله على التنمية التي بدأت في اوربا منذ قرون..!!

 

ـ ما دمنا في حديث حول الشرق ،كيف ترين تدفق امواج المهاجرين على النمسا..؟؟

ـ انه تحدي انساني كبير وكارثة بحد ذاتها وهذه الهجرة نتيجة بان الانسان الشرقي في ضائقة انسانية وهي ليست بالهجرة الاولى في التاريخ والشعب النمساوي كان ومازال تلك اليد الرحيمة لكل من يطلب العون ونحن نريد مساعدتهم.

 

ـ أنت تقرئين بكثافة فأي الكتب لها التأثير عليك ولماذا.؟

ـ على الرغم من انني شاعرة ورسامة واستاذة اللغات الالمانية والانكليزية والادب ولكن المعرفة العلمية للفلسفة وعلم النفس والاعصاب والوعي والابحاث لهم التأثير على قراءاتي فمثلاً قراءاتي للكاتب الامريكي (كين فيلبير ـ 1949) وما كتبه في مجال علم النفس والفلسفة والكاتب الالماني (كيرالد هوتيرـ 1951)  العامل في مجال الاعصاب وكذلك (كارل كوستاف يونغ) المعالج النفسي في مجال الاحلام وقد كان تلميذا ل (فرويد).لقد وضح هؤلاء طريقة الوصول الى سحر الكلمات من اجل تشكيل صور داخلية. بالاضافة الى الباحثة الراحلة (اليزابيث كوبلرـ روس) وقد تحدثت عن درجات الوعي ومستويات تحولاته.

 

ـ الادب وخاصة الشعر له معنى كبير عندك،فماذا تعني لك قوة الشعر؟

ـ الشعر بالنسبة لي شكل وصورة من صور التأملات،عودة صوب الدرب الخاص للروح. الشعر يعني ان تهجر لغة الحياة اليومية والطريق صوب عالم آخر حيث هناك العقل والمشاعر يتدفقان ويجدوننا في طبقات عميقة،فمثلاً (كارل كوستاف يونغ) يتحدث عن امثلة تواجهنا نحن والى الرموز التي تكون حاضرة في كل الثقافات والدرجات الثلاثة للانوثة وهي: العذراء والام والشيخوخة، او المحارب والحكيم والبطل الشاب وفقط ومن خلال المعرفة علينا ان نشترك بوعينا ونواجه وعياً جديداً من انفسنا..!! وهذه الاتصالات يمكن ان تكون تجارباً بحيث يمكننا ان نبصر لحظات من وحدة عميقة. الشعر ..ليست قراءة من الرأس بل هو احساس وتجربة ومعايشة وشعور والشعر يطالب القارئ بعملية نشيطة والا فانها ستكون لغة سطحية..!!

 

ـ وبهذا تعنين بأن للشعراء لغة اخرى مختلفة..؟

ـ اجل،فالشعر الجيد هو معقد حسب التفسيرات والنهج وعلى الصور الشعرية ان تلعب دوراً بامتياز من اجل ان يكون للدماغ اتصالات واضحة مع النصوص..!!

 

ـ هل للرواية وضعاً مختلفاً عن الشعر..؟

ـ اجل بالطبع، فكلاهما مختلفان فالرواية تشارك الحكايات والوقائع والمواضيع والتنظيم والاقتراحات والمعلومات وهذا بدوره يتوافق مع عمل الدماغ الايسر والذي يحكم في تصرفاتنا العقلانية وكذلك سوق المبيعات يكون اكبر وتقرأ اكثر من دواوين الشعر واما القصائد فتكون تقريبا مكثفة وغامضة وذو معان كثيرة وموجهة صوب المشاعر والاحاسيس وتعمل مع قدرة النصف الايمن وهي تقريبا تشبه اللوحة.

 

ـ هل لعلم النفس التأثير على كتاباتك..؟

ـ اكيد..! علم النفس كمثل التاريخ والدين الاساس لأي مناقشة مع الانسان والانشغالات الثقافية.

 

ـ ماهي المواضيع التي تطرحينها في اعمالك.؟

ـ مواضيعي على الاغلب في طريقها الى البحث عن الحقيقة والوطن وعن المنبع ودور المرأة والاصدقاء والوجع والتجارب الانسانية وفي كثير من الاحايين حول الرسومات والخطوط الكتابية والرموز تسحرني بالاضافة الى خطوط الكتابة الاجنبية.

 

ـ هل تهتمين بالغربة في اعمالك..؟

ـ الغربة تعني حين لا يقدر الانسان على الاندماج مع نفسه،جزءٌ من الانسان وعليه ان نقول بانه يجب ان يعرف نفسه كاملاً والسماح لوجهات النظر والافاق الجديدة والتعرف على العالم الخاص ،وهذا يحتاج بعض الوقت والحذر من الضرورة والسماح للاقتراب من الايقاع الذاتي

 

ـ لماذا ترسمين وتكتبين..؟

الرسم والكتابة تعبير عن الحرية الشخصية للانسان اولا وبعدها تأتي دراسة انماط التمثيل الابداعي في الانسان والذي يبدأ من الرأس والانسجام الدائم ما بين الحب والحرية للوصول والحصول على المعرفة والتطور والتفكير العقلاني والوصول الى الاستقلال والمسؤولية الذاتية.

 

ـ انت كثيرة السفر فهلا زرت كوردستان.؟

ـ مع الاسف ..لم تسنح لي الفرصة لزيارتها ولكن الارث الانساني الخالد والحضارات التي عاشت على ارضها وطبيعتها الجميلة تستحق الزيارة وكذلك مع الاسف فالاعلام لا يركز بصورة جميلة على الطبيعة والمعابد والاديرة والتاريخ بقدر تركيزه على الابراج والابنية والظلم والمهاجرين والمصالح...شكرا على صوركم وحكاياتكم حول كوردستان بهذه الصورة المشوقة ..امنيتي ان ازور كوردستان..!!

 

لقاء مع علاّمة الهند محمد ثناء الله النّدوي: في حظيرة قدس العربيّة أجد نفسي خاشعاً أمام عظمة وجبروت مقدسين

sanaa alshalanالعلامة محمد ثناء الله الندوي: هو الأستاذ الدكتور للأدب الحديث في قسم اللغة العربيّة في جامعة علي جراه في الهند،وهو واحد من كبار العلماء المعاصرين في الهند في،له جهوده الكبيرة في مدّ عرى التّواصل والتّفاعل بين المعارف الإسلاميّة والرّصيد الهندي القديم،وهذه الجهود تكلّلت بأن ينال جائزة رئيس الجمهورية الهنديّة في عام 2006 تقديراً لهذا الجهد الدؤوب والمميّز.أغنى المكتبة العربيّة بعشرات المؤلفات باللّغة العربيّة عن الأدب العربيّ،فضلاً عن عشرات الكتب الأخرى باللغة الإنجليزية والهنديّة،إلى جانب مئتي بحث ومقالة منشورة ومحكمة في موضوعات اللغة العربية والحوسبة والأدب والفلسفة نشرتها مجلات إقليميّة ودوليّة عربيّة وإنجليزيّة.جهوده في خدمة اللّغة العربيّة والفكر الإسلاميّ والإنسانيّ لطالما كانت مادة للجهود البحثيّة،ولذلك فقد تبنّت الكثير من الجهات محاور بحثيّة عن هذه الجهود،ومنها جامعة آل البيت في مؤتمر علمي محكّم،فضلاً عن استضافته أستاذاً زائراً في كثير من الجامعات،ومنها: جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلاميّة.

 

1- يقال " إن الرجل هو اللسان" . وما دمت تملك العربية بلسان أهلها فماذا ترك ذلك فيك رجلا وعالما؟ ماذا أضافت العربية لك؟

- يقال إن الإنسان لا يعرف إلا لغته الأم، ولكن ما دامت الأم هذه كائنا بيولوجيا زمكانيا فالإنسان يطور معرفته لها وفق ضوابط معروفة بالإضافة إلى حمض نووي هو الحب كنقطة بؤرية لها. واستقامة الأشياء أو غياب المرسبات المريعة – على الأقل – يضمن للرجل أن يتلاقح بالمدلول التاريخي والعلمي والأدبي والجمالي والأسطوري والحضاري لهذه اللغة، وهذا هو المكسب المتفاعل والمضاف.

 

2- أنت تجيد العربية كلغة أم، حتى لا يكاد يشك من يسمعك تتكلمها أنك من أبنائها الأقحاح. فهل باتت هذه اللغة متحكمة بك فى أحلامك ونجواك مع نفسك؟

- فى حظيرة قدس العربية أجد نفسي خاشعا أمام عظمة وجبروت مقدسين . الخشوع جزء من الصفاء وهو جوهر الحلم والنجوى مع النفس.

 

3- أنت وريث حضارة فلسفية عملاقة، وهى الفلسفة الهندية، كما أنت مطلع على ركب الحضارة العالمية. فهل تستطيع العربية أن تواكب كل ذلك عبر استخدامك لها وطرح مخزونك العلمي عبرها؟

- مهمة تحتل مساحة فكرية وأبعادا تاريخية ورهانات عقدية وعقلية وثقافية وأدبية كهذه تستدعى عملا جماعيا مع تعدية لغوية وتوحيد منهجي يستنطق الوعى الكوني، على بصيرة من الأمر: فيسبر أغوار حكمة الهنود والمصريين القدامى والبابليين والصينيين والفرس واليونان والأسكندريين وجملة مدارس الفكر الإنساني وعلم الكلام فى الأعصر الوسطى والعصر الحديث، حيث لا يقع فريسة الإستهواء الوشائجي عند الحكم على قضايا الحقيقة والتاريخ فى سياق تحديد مسار التأصيل والتواصل. حين من الغفلة، والعواقب وخيمة.

كان لهذا الضعيف بعض مبادرات فى بعض محاور الموضوع وهى منشورة بالإنكليزية والعربية، مثل الحوار بين التصوف الإسلامي والروحية الفيدانتية، والحوار بين الثقافة الأدبية لأوربا والآداب الشرقية.

 

4- من خلال الإطلاع على سيرتك العلمية ومنتجك العلمي العملاق ندرك أنك قد عاينت المشهد الأدبي العربي التراثي والحديث. فإلى أيّ منهما تنحاز؟ وفي أيّ منهما يتمثّل جبروت العربية وعظمتها؟

- لا داعى إلى جولة مضنية فى تهائم العروبة وأنجادها للقول بأن العربية وجبروت منتوجها من أهم ما ظفرت به الإنسانية فى مسيرتها التاريخية. من عظمة التراث أنه مارس تأثيرا على الآخر المحاور: شعرآء التروبادور الأوربيين، دانتى، دانيال دوفو، المدرسة السينائية اللاطينية، المدرسة الرشدية.. الخ.

أما المشهد العربي الأدبي والفكري الحديث، فعلى الرغم من أننى لا أرى الحديث فيه كله ذا شجون، إذ فيه من الشموخ فى بعض قطاعاته. ولكنه أساسا إنحناء أمام تعالى يكثر فيه القيل والقال مدحا وقدحا. العربية خسرت مكانها الريادي فى العالم. المسألة لا تطلب إنحيازا فوق ما تتطلبه من عدم انحياز، وتفعيل الدور فرديا وجماعيا لخدمة العربية.

 

5- لقد أسقطت في بعض مؤلفاتك المدارس الفكرية والنقدية الحديثة على الأدب العربي. فما تسويغك لذلك؟ وإلى ماذا خلصت فى ذلك؟

- المسألة ترتبط أساسا بالأدب وهويته ومرجعياتها وصخب شعارات الإمتلاك وأجهزة التسويق وعولمة الإستهلاك. الأدب – فى رأيي – ظاهرة للوعى الإنساني المؤحد المستلهم من الطبيعة أو المفاهيم الكونية أو ما وراء الطبيعة. مجرد العثور على خطوط متقاطعة لا يستلزم إلغاء خطوط موازية.

صحيح أن المدارس الفكرية والنقدية الحديثة مما أنتجه العقل الغربي وسطره بقلمه بمداده الثقافي، على أن ذلك لا يرادف القول أن الإنسان الغربي مختلف عنا تماما فى جوهر الإنسانية ومغزى الآدمية وتعريف قيم الأدب والنقد وتحليلهما الدلالي والجمالي. للشرق أثر على موروث الأدب الغربي وراهنه، كتب مثل كليلة ودمنة وحي بن يقظان وطوق الحمامة فى الألفة والألاف مارست تأثيرا ملموسا على الآداب الغربية. كبار الألسنين مثل دو سويسور وجاكوبسون كانوا مطلعين على الآداب الشرقية السنسكريتية والعبرية. ثمة أوجه التلاقى بين مواقف ألسنية معاصرة ومواقف المتقدمين مثل سيبويه وإبن جنى وابن سينا وحازم القرطاجنى. يجب أن ننظر إلى الأشياء بنظرة شمولية، وليست اقصائية.

6- يقال إن التعلم يحتاج إلى أنموذج أعلى فى التعلم. فمن كان أنموذجك العربي الذى تلمذت على لغته العربية؟ وكيف؟

- عدد من القدماء وقليل من المحدثين، من القدماء تلمذت على الشيخ عبد الحق إبن سبعين الأندلسي ومن الجدد استلهمت من مصطفى صادق الرافعي وعبد الرحمن الكواكبي.

 

7- تتقن عدة لغات منها الهندية والعربية والإنكليزية والفرنسية والفارسية. فمتى تلجأ إلى العربية كأداة للتعبير عن ذاتك ومرادك؟

- ألجأ إلى العربية عندما أناجى نفسي وأدخل معها فى حوار داخلي تجاه قضايا الوجود والذات.

 

8- هل العربية في رأيك تعيش الآن ردة لغوية وانتكاسة حقيقية؟ وما معيار ذلك فى رأيك؟

- للأسف واقع العربية متأزم، رغم تفاقم الإنتاج نظما ونثرا من أفراد ومؤسسات وحكومات. قضية الردة اللغوية ترتبط بالتعددية اللغوية واللغة الجامعة بمرجعيات دؤلية ومحلية، وكلها قضايا حساسة. والقضية ذاتها فى المثاقفة ومستوردها الثقافي والمعرفي. كيف نحكم فى السرديات المغاربية مقارنة مع أدبيات بلاد الشام ودول الخليج؟ هل الفرمكوفونية ردة ولا أبا بكر لها؟ كيف ننظر إلى الإيمازيغية فى هذا السياق؟ هل الإينكلوفونية والإندوفونية الخليجية انتكاسة حقيقية؟ لماذا " مكتب ترانسفر الترانزيت" فى مطار دولة عربية؟ لماذا الفوضى فى المصطلحية والمعجمية رغم كثرة مجامع اللغة العربية وجهات لتنسيق التعريب؟

 1025-sanaa

9- لقد أغنى علماء العربية الهنود العربية بمؤلفاتهم ومصنفاتهم وخدماتهم لها. فهل ترى أن العرب قد أجادوا تقدير هذه الجهود؟

- العرب لم يكونوا مقصرين فى الاعتراف بقيمة وأهمية أعمال الهنود لخدمة اللغة العربية، ضمن تقديرهم لحملة العلم فى تاريخ الإسلام وأكثرهم العجم، كما قال إبن خلكان قديما. فأسماء مثل مرتضى البلكرامي وحسن الصغاني اللاهوري والشاه ولى الله الدهلوي معروفة مع بعض رسائل الدكتوراه فى بعض الجامعات العربية فى السعودية ومصر والجزائر. على أن هناك آخرين يجب أن يعترف بهم الوسط العربي.

 

10- لقد كانت لكَ زيارات علمية وثقافية كثيرة للأردن. فبماذا تصف هذه الزيارات؟ وماذا قدمت لك من بنى معرفية وتواصلية وفكرية؟

الأردن بلد العلم والثقافة والكرم، كثرت زياراتى لها ضمن زياراتى العلمية المتكررة لمعظم دول أوربا وآسيا وإفريقيا. زياراتى للأردن زودتنى بمعرفة أهلها وحبهم والإطلاع على تاريخهم الأثري والثقافي والأدبي الشامخ والجميل شموخ البترآء وجمال وادى رم، إضافة المشهد الراهن المفعم بالحيوية والجمال، كما فتحت لي أبوابا من التواصل الفكري مع أساتذة وأقطاب جامعيين (جامعة العلوم والتكنولوجيا، جامعة آل البيت، جامعة الزرقاء، الجامعة الأردنية، مجمع اللغة العربية الأردني...الخ) وأفذاذ فى حقل الأدب.

 

11- ماذا قدمت للعربية؟ وماذا قدمت لك؟

- ما قدمته للعربية هو جهد لمخاطبة عدد من قضايا الفكر الإنساني والقطاع الميتافيزيقي والتاريخي والأدبي واللغوي على مستوى التواصل الفكري والأدبي والفلسفي بين الشرق والغرب، وتمثلت فى أحد عشر مؤلفا وما ينيف على مئتي بحث ومقالة وأكثر من مئة مشاركة في الندوات والمؤتمرات ومحاضرات لا سيما في عدة جامعات فى الوطن العربي مثل الأردن والجزائر، وبرامج فى الإذاعة المرئية والمسموعة (قناة المجد، السعودية، القناة البشكرية، روسيا، القناة الهندية الوطنية، وسواها).

العربية تجاوبت مع همومى واهتماماتى فرحبت بى فى دارها وفسحت لى العديد من منابرها العلمية واعترفت بجهدي المتواضع. أهم عطاء تلقيته من العربية هو الشعور بالتوأمة الروحية حيث إنى لا أشعر بالغربة بين أبنائها الأقحاح.

 

12- بماذا تشعر وأنت من علماء العربية المشاهير فى الوقت الحاضر فقط بل على مستوى الوطن العربي؟

- شعوري فى هذا السياق دائما مصحوب بالمسؤولية ومحاسبة الذات، وجزئيا بالتحدي لمخاطبة اللامكتوب الهام، والتأهب لما ستفرزه الأيام فى حقول سبر المجهول، وبقسط من السعادة.

 

13- يقال أن هناك عادات علمية وبحثية صارمة عند كل النخب. فما هى عاداتك العلمية والبحثية التى تتبعها بصرامة؟

- منها أن أتلاقح جوهريا مع الموضوع بعد مراقبة روحية ترينى أبعادها المفاهيمية الظاهرة وأشباح أبعادها التى لم تنكشف بعد، ثم أتجاوب مع البنى التعبيرية وفق طبيعة الموضوع، وصياغة المنهج . أهم شي فى هذا السياق هو أن أرضى نفسي وأناجي معها تجاه صدق المبادئ وملاحقها الدلالية والجمالية.

لا أكتب إلا وأنا مطمئن النفس قرير البال غير ممتلئ المعدة وفى مكان هادئ أشبه ما يكون صومعة، وإن لم تحمل هذا الاسم.

 

14- عندك ثروة عملاقة من المؤلفات والأبحاث العلمية المحكمة. ما الإضافة النوعية فى هذه الثروة؟

- رصدت بعض ظواهر البخس والتهميش فى ميزان العدل التاريخي لتراث الإنسانية فى سياق اللغة العربية التى كانت لغة الثقافة العالمية فى القرون الوسطى، وفى سياق الفكر الإنساني العام والحوار الثقافي المعرفي بين مجتمعات الشرق والغرب. من هنا إهتمامى بقضايا تأثير اللغة العربية وآدابها على الآداب الأوربية، خاصة أثر الحب العذري والمؤشحات والأزجال على شعراء التروبادور، والكلام فى مدرستى إبن سينا وإبن رشد اللاطينيتين، وقضية المغول وجنسية البشكريين والتتر ودورهم فى هدم بغداد، وقضايا المشترك السامى السنسكريتي أو الحوار اللغوي بين فصيلة اللغات السامية والهندأوربية، ومرجعيات الغنوص فى الفلسفة والتصوف، والوقوف على المنظومات المفاهيمية والمذاهب النقدية والسرديات الحديثة والمعاصرة، ورصد خيوط الوصل والفصل بينها، وقرآءة التراث من المنظور الحداثي وما بعد الحداثي، وسواها.

 

15- هل استفادت العربية فكراً ومنهجاً وفلسفة من الموروث الهندي؟

- الفلسفة الهندية سجلت حضورها وتأثيرها البارزين على هياكل التاريخ المعرفي الإنساني القديم والحديث. حتى الحضارة البابلية والآشورية والفرعونية ببعض أبعادها المعرفية والأسطورية تفاعلت مع الفلسفة الهندية. كما دخلت مدارس الحكمة العالمية مثل الهلينيستية والإشراقية الاسكندرية فى سلسلة من الإلهام والإستلهام أو الإحتكاك الرؤيوي مع مدارس الفلسفة الهندية. كما أن العربية مارست تأثيرا على المنظومة المعرفية والثقافية الهندية وحتى على اللغة السنسكريتية (كلمة "عروس" دخلت السنسكريتية من العربية، مثلا، وهناك أوبنيشاد إسمه " الله أوبنيشاد"!) وحدث ولا حرج عن ثلاث أرباع مفردات اللغة الأردوية باعتبارها مستقاة أو مشتقة من العربية.

إن هذا الجسر بين الأوساط البراهمية – الفيدات والأوبنيشاد خاصة – عبر مراحل عدة للرحلات التجارية والحوار الثقافي والغزو السياسي يدعمنا فى استكناه العديد من هياكل المعنى والمبنى للعربية، مثل عشرات من الكلمات التى هى سنسكريتية الأصل هى مادة تاريخية للتفاعل الألسني بين اللغات السامية والهند أوربية أو المشترك السامي السنسكريتي، كما يدعمنا فى سبر أغوار الشعر الفلسفي والصوفي، وأدب الرحلات، والتاريخ الفلسفي، حتى تاريخ علم الكلام فى الإسلام. فلسفة أبى العلاء المعري وأبى المغيث منصور الحلاج والشيخ الأكبر محى الدين ابن عربي والشيخ الرئيس أبى على إبن سينا وحكمة الإشراق حتى فى مدارسها فى الأسكندرية وإصفهان بأصحابها مثل فلوطين وشهاب الدين السهروردي وصدر الدين الشيرازي لم تحرر من أثر الغنوص الهندي، خاصة وأنه لا يمكن أن نتجاهل شخصيات هندية مثل دنداميس وقلانيموس، ومعروف أثرهما على الإسكندر المقدوني وتاسوعات فلوطين.لا يمكن فهم مذهب الذرة فى علم الكلام الإسلامي وآراء بعض الفرق الضالة فى الإسلام من غير إحالة إلى مذاهب الهنود.

التفكير المنهجي يوجب تحاشي الخلط بين قضايا الفيزيقا والميتافيزيقا فى منظومة الثقافة والمعرفة الإنسانية بما فيها اللغة. اللغات والثقافات الإنسانية لا تتطور بين عشية وضحاها، ولاتعيش فى إنزواء، فهى تتأبى على شعارات التفخيم والتقزيم والتسييس الأدلجي.

العربية بمورثها اللغوي والعلمي والأدبي والحضاري والتاريخي – وبملهمها ومستلهمها على السوآء - قلما تضاههيها لغة فى العالم. وهذا نفسه مثلث القضية والمهمة والتحدي معا.

 

16- أي الأسماء الإبداعية العربية تلفت نظرك فى الوقت الحاضر؟

- تستوقفنى أسماء راهنة هامة فى حقل الإبداع العربي خاصة فى التجريب الحداثي وما بعد الحداثي الذى تفاقم ظله، منها: عبد الرحمن منيف، إبراهيم الكونى، علاء الأسوانى، صنع الله إبراهيم، رشيد بو جدرة، صلاح الجين بوجاه، واسينى الأعرج، زكريا تامر، غالب هلسا، سناء الشعلان، سحر خليفة، سيف الرحبى،غازي عبد الرحمن القصيبى، وقلة سواهم.

لا عبرة بالأكثر مبيعا زمن الإستهلاك المعولم. من آفة الوعى الأدبى أن يفقد صاحبه قوة التمييز بين أدب السرير وأدب الأسرار. السرير هام بكل مرافقه البيولوجية وتوهجها الكيمياوي، لكنه لأجل مسمى، وما سواه خير وأبقى!

 

17- تم تكريمك في الهند على مستوى رئاسة الجمهورية لجهودك فى خدمة العربية، كما استضافت جامعة آل البيت مؤتمرا ضم محورا كاملا عن جهودك فى خدمة العربية. فماذا يعنى لك هذان التكريمان؟

- العمل عبادة، والعبادة لا تربط أصلاً بالأجر، وإلا يتحول إلى كدح محترف ومتاجرة،  الاعتراف بقيمة العمل بأشكاله المتعددة مثل الجوائز وغيرها أراه نوعاً من النقد البناء، والنقد تلقيح للعمل. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ كما يقول القرآن الكريم.

 

18- كيف تصف المشهد الإبداعي العربي فى الوقت الحاضر؟ وهل هو مشهد ينافس المشهد العالمي أم مشهد متقهقر؟

- القرائح الإبداعية لأمة مثل العرب لن تخمد ولن ترتحل بوجه تام. طبعا المشهد لا ينافس نظيره العالمي أفقاً أو عاموداً. أين الأقلام العربية التى يضاهى هيكل منتوجها رؤى وفناً قوة المنتوج الإنكليزي أو الفرنسي ؟ وهذا لا يعنى أن نتنكر لأهمية الإبداع العربي فى بعض قطاعاته لاسيما في التجريب ما بعد الحداثي المفعم بالحيوية والعبق الجمالي والمبشر بخير كثير. ولكنى لا أحب أن تختزل قائمة الجبابرة – لا الأقزام - المعاصرين بأسماء معدودة (عبد الرحمن منيف، إبراهيم الكوني، علاء الأسواني، صنع الله إبراهيم، رشيد بو جدرة، صلاح الجين بوجاه، واسينى الأعرج، زكريا تامر، سناء الشعلان، سيف الرحبى،غازي عبد الرحمن القصيبى، وقلة سواهم).

لا عبرة بالأكثر مبيعاً زمن الاستهلاك المعولم. من آفة الوعي الأدبي أن يفقد صاحبه قوة التمييز بين أدب السرير وأدب الأسرار. السرير هام بكل مرافقه البيولوجية وتوهجها البيوكيمياوي، لكنه لأجل مسمى، وما سواه خير وأبقى!

 

19- أنتَ من علماء العربية الكبار فى الهند. فما هى رسالتك فى هذا الصدد؟

- رسالتي للجميع أن يسهموا في الدّفاع عن العربية بالعمل الأصيل وليس بنعرات جوفاء أو تسييس محض.

 

20- لو توفقنا عند ذاكرتك وسألناك:

أ‌. ما أكثر بيت شعري عربي تحبه؟

- أحب هذا البيت:

لى كبد مقروحة من يبيعنى بها كبدا ليست بذات قروح

ب‌. ما أكثر حكمة عربية تتمثلها فى حياتك؟

- من الحكم العربية التى تتمثل فى حياتى: من جد وجد

ج‌. من أكثر شخصية إبداعية عربية أثرت فى وجدانك؟

- الذى لم يفقد ظله!

 

أجرى اللقاء الأديبة د.سناء الشعلان/ الأردن

 

حوار مع ايقونة العمل الجمعوي

hamid taoulostفطومة الحلالي الفاعلة الجمعوية ورئيسة جمعية رجال ونساء في خجمة المجامع، من النساء المغربيات المتميزات، استطاعت منذ زمن، أن تجعل اسمها غنيا بوفرة نضالاتها المتنوعة، السياسية والنقابية والاجتماعية، وبحوضرها الكثيف في كل مشارب العمل الجمعوي والخيري المنفتح على القضايا المجتمعية، وبقتاليتها وتحديها  لأنواء التراجع والتخلف المجتمعي، وبعملها المتواتر المجتهد في مواجهة تحديات التراجع الثقافي، وانحدار مستوى السعادة لدى الفئات الميتضعفة المغتصبة الإنسانية،

ومع كل هذا وذاك، نجد أنه لا يعيبها ألا يعرف - من هم خارج محيطها - لا من هي ومن تكون وأي شيئ تقوم به؟ وأمر طبيعي جدا ألا يعرف شكلها او يحفظ اسمها البعيدون عن ميدان اشتغالها، لأنها بكل بساطة ليست نجمة تطاردها كامرات الاعلام وصحافته، الأمر الذي لم يمنع جريدتنا "منتدى سايس" من التوقف أمامها بمنتهى الاعتزاز والاحترام والتقدير، لمحاورتها، والتعرف على بعض من آرائها، التي قد يرى البعض أن حفاوة جريدتنا بها، هو أمر خاص بجريدتنا وحدها ولا يليق أن نشغل به القاراء، فنرد بأنها لم تستحقت اهتماتمنا لأنها امرأة سياسية تدير حزبا أو حكومة، أو فنانة أو رياضية أو سيدة أعمال، وإنما لكونها امرأة عاشقة للعمل الجمعوي الذي لها فيه حكايات جميلة فيها الكثير من الحب والعناد والجرأة والمغامرة والخيال والجنون بفعل العمل الجمعوي وفعل الخير الذي حولها إلى حضن كبير يستوعب عذابات المغبونين، ويوزع الفرحة على الفقراء والمحرومين الذين كرس لهم وقتها وممتلكاتها وما تبقى من قدراتها المقاتلة،  في عالم بلا قلب، عالم فقد إنسانيته .

وإليكم الحوار الذي دار بيني وبين هذه السيدة المتميزة التي أرى أنه أقل ما يمكن فعله لتكريمها، هو أن ونتخلى عن أنانيتنا وننحني احتراما لها ونستمع لحديثها علنا نتعلم من تجاربها  دروسا في التطوع والإنسانية ..

 

الحاجة فطومة: ما هو في نظرك مفهوم العمل الجمعوي الخيري التطوعي؟

ج: العمل الجمعوي الخيري التكوعي، هو كأي نضال أو كفاح آخر،  من يختاره، يسخر نفسه له عن طواعية ودون إكراه أو ضغوط خارجية وهو إيمان واعتقاد، حينما يستغرق القلب، يتحرك من فوره لكي يحقق ذاته في مساعدة ومؤازرة الآخرين والبر بهم، كما حث على ذلك نبينا  صلى الله عليه وسلم حين قال: أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال الى الله عز وجل  سرور تدخله على مسلم تكشف عنه كربة او تقضي عنه دينا او تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهرا "، وهو مكون أساسي لبناء المجتمعات الصالحة، يكمل العمل الحكومي ويدعمه لصالح المجتمع، ويزيد من لحمة المتطوعين وتماسكهم، وهو مؤشر مهم للحكم على مدى تقدم الشعوب والمجتمعات، والدلالة على حيويتها وإيجابيتها، وإبراز صورتها الإنسانية المجردة من الصراع الشخصي والمنافسة الأنانية، وهو بصمة الوجود التي يتغلب بها المتطوع على عجزه الإنساني، وظروف واقعه القاسية، ليثبت لنفسه، قبل غيره، بأنه كفؤ فيما اختاره من تطوع يحقق به الارتقاء بالروح والعقل لدرجة الخلود وصناعة الأمل، وليؤكد به على أنه ليس هملا ولا زائدا على هذه الدنيا وبلا هوية ولا حب ولا وطن ولا حرية وكما قال محمود درويش "  وأن له صوتا مسموعا كغيره يستطيع به المشاركة في تغيير واقعه الحياتي وبالتالي في تغيير محيطه الصغير، ومنهما وطنه كله.

لذلك فأنا أقوم بذلك لأني أجد متعة عارمة، تفوق عندي كل متع الحياة، وذلك لأني حين أتطوع فإني أستمتع بفعلي لذاته، وليس للوصول إلى مراتب مادية معينة، أو للحصول على علامة شرف محددة، بقدر ما هو محاولة حضور وصناعة خلود، كما جاء في القول السائر "اليد تفنى ويبقى فعلهـا، فإنْ فعلت خيراً ستُجزى بمثله، وإنْ فعلت شرّاً عليها حسابُه" وكما قال الأديب التشيكي ياروسلاف سايفرت: " ربما هو تعبير عن الرغبة الكامنة في كل إنسان في أن يخلف وراءه أثرا"، ولعل جميع المتطوعين وبدون استثناء يريدون أن يخلفوا بعملهم الجمعوي في مجتمعهم أثرا طيبا مقابل لحظات السعادة التي ينتشون بها خلال القيام بعمل الخير، واجزم بالقول بأه أفضل عبادة يمكن أن يقدمها الإنسان لربه ..

 

س: ما هي معوقات العمل التطوعي، والعقبات التي تحد من فاعلية تحقيق مراميه؟.

ج: تختلف المجتمعات فيما بينها حول درجة تشجيعها للأعمال التطوعية الإبداعية، فكلما كانت الاستجابات المجتمعية أكثر نضجاً وتأثيراً ومرونة، كلما زادت حدة الإحساس بالمتعة الذاتية، والعكس صحيح إلى حدٍ بعيد، ومن الطبيعي أن تتعرض كل أعمال الانسان ومن بينها التطوعية والمتطوعين، إلى الكثير من المشاكل والإحباطات من طرف المحتكرين لكل شيء، الذين لا يرحمون ولا يتركون رحمة الله تنزل، على أي كان.

هذا بشكل عام، أما فيما يخص محتمعنا، وحسب تجربتي المتواضعة في مجال العمل الجمعوي، فإن أخطر المعوقات التي تعيق أي عمل جمعوي، هو قلة الوعي المجتمعي بأهمية العمل الجمعوي التطوعي وأهدافه، وتدني ثقافة التطوع بشكل كبير، حيث يعتقد المواطن المغربي أن التطوع مضيعة للوقت والجهد، وأنه غير ملزم به شخصيا، ما يؤدي إلى عزوف الكثيرين عنه، ويفتح الباب للمرتزقة لذين يتخذون منه مطية لتحقيق الأغراض الأنانية والاستفادة الشخصية المادية، الأمر الذي يتعارض كلية وطبيعة العمل الجمعوي المبني على المجانية، من أجل رقي الوطن ولوجه الله، ومن هنا جاء تكالب الأعداد الهائلة من الجهلة، ولا أقصد هنا بالجهلة أولئك الذين لم يلتحقوا بالمدارس قط، ولكن أقصد المتعلمين ومن يسمون أنفسهم مثقفين، الذين يلجون ميادين العمل الجمعوي، لتمرير أجنداتهم السياسية المختبئة تحت عباءة التطوعي..

 

س: ما هي المقومات الأساسية التي يحتاجها العمل التطوعي ليكون ناجاحا.

ج: لابد لأي عمل تطوعي من مقومات وأسباب تؤدي به نحو النجاح، وأولها معالجة المعوقات السالفة الذكر التي تعد من العوامل الهامة التي لا تساعد على  إنجاحه، وتمع بث روح التطوع في أبناء المجتمع،

وثانية تليين العلاقة بين المتطوعين والإدارة وموظفيها الرسميين بالتقليل من القيود التي تحد من نشاط وفاعلية العمل الجمعوي حد التحجر والتحجم.

 

س:  تظهر من نظرات الكثير ممن يحيطون بك، الكثير من التساؤلات الحائرة من قبيل: "آ شدا  هذه المرا  لشي عمل جمعوي"؟ وما غايتها من كل ذاك الجهد الهرقلي؟ وما فائدته على المجتمع؟

ج: حذاري من الحكم على الناس من مظاهرهم، فالمظاهر خداعة كما يقول في الفرنسيون في أمثالهم: les apparences sont trompeuses، فأحيانا كثيرة يكون أقوى الناس هو أكثرهم حساسية، وأن من يعتمد على لسانه وسرعة رده  هو الأضعف، وأن الضحك ملء الشفاه ليس ذليلا على السعادة، ولا العبوس دلالة على المرارة والألم، ولا الدموع الحائرة في العيون ، دلالة على الحزن، وانه في أحيان كثيرة تكون الدموع هي أكبر دلالة على الفرح ..

كما تعلم الأستاذ حميد بأن كل من يظهر الطيبة، ويعتاد على الإهتمام بغيره وتقديم الخدمات لهم، هو أول من تساء معاملته ومن أقرب الناس إليه، ويتم تجاهله  وعدم السؤال عنه، وكأنه الأقدر على الاهتمام بنفسه والعناية به، ورغم  ذلك فأنا أقوم بالعمل الجمعوي الخيري الذي أعشق، ايمانا مني بأنه رسالة دينية وطنية واحتماعية وأنه علي أن أسعى للقيام بها، دون المبالاة لما يدور حولي من انتقاد أو سخرية بهدف احباطي أو النيل من عزيمتي، ولا أختلق الأعذار والمبررات للتهرب من واجب العمل الجمعوي، لأن الأناني وحده من يقوم بذلك، وهو يعلم أن الأعذار لا تعفيه من القيام بواجباته نحو مجتمعه، فهم يريدون مني التوقف عن عمل الخير أو تأجيله؟ فمن منهم يضمن لي الغد؟ فلنصنع الخير اليوم بقدر ما نستطيع، فقد لا نكون غدا على قيد الحياة.

 

س: الحاجة فطومة، يعيش المجتمع المغربي لحظة تاريخية فارقة في وجوده، كناشطة جمعوية كيف تقرئين هذا الوضع؟ وهل ما يزال للحب والأمل والطفولة والابتسامة مكان في هذا الزمن

ج: من موقعي كإنسانة وجمعوية حتى النخاع، لاأزال أعول على الوعي الإنساني المغربي، وأنتظر لحظة صحو تبدو بعيدة الحدوث لمجتمعنا الذي نخرتها الصراعات السياسية الدينية والطائفية، وأنتظر نهوض ذلك الوعي لدى النخب المثقفة الشجاعة على ندرتها، والتي بوسعها التأثير ببطء والعمل بدأب على تحريك الكتلة الاجتماعية وإيقاظها وإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة والسعي لإعادة هيبة العمل الجمعوي السليم، الذي صادرته السلطات والأحزاب لصالح طروحاتها النكوصية، ولاستقطاب الحشود عن طريق عن طريق الريع الترهيب والترغيب وتحويلها الجموع إلى قطعان راضخة. ما زلت أؤمن بسحر الحب وقيمة الأمل وتحدي الخلل بقوة الروح والزهد في المغانم الرخيصة والتنافسية على حساب القيم الإنسانية السامية الأساسية

 

حميد طولست

 

التآخي في سادس اجمل مدينة في العالم شفشاون

badal raffowالاندلس تنبعث من ذاكرة مدينة شفشاون المغربية في سماء الفنان (محمد حقون)

يوما ما قلت للفنان التشكيلي والمصور وعاشق فن العمارة والبناء ومدينة شفشاون التاريخية والتي شيدها مولاي علي بن راشد عام 1471 لايواء مسلمي الاندلس ولتكون قلعة ضد الاستعمار (ان احترقت شفشاون فلا تهتم ولكن ان احترق دارك فهي الكارثة) نظرا لان داره تحوي ارث وتاريخ شفشاون المشيدة على الاسلوب الاندلسي وسميتها بقطعة من السماء وهم يسمونها بالقديسة وهي المدينة الزرقاء.. واليوم حين زرت الفنان ودعاني الى داره واخبرني بانه اسس مؤسسة حقون  عام 2014 وفي اجمل منطقة ومكان في باب السوق ،زرنا المؤسسة لاجراء لقاء صحفي صريح ومن دون زيف ولانه يمثل الوجه الجميل لهذه المدينة الساحرة وسبق ان اقام العديد من المعارض الفنية في العالم ونال الجوائز التقديرية والتكريمات من دول عديدة ومنها اسبانيا وانكلترا ومصر ووو..!!وكان هذا اللقاء:

 1017-badal

ـ مدينة شفشاون تحتوي على عدد خيالي من الجمعيات الثقافية،فيا  ترى هل المدينة بحاجة الى هذا الكم الهائل؟

ـ لكل جمعية هدفاً خاصاً فبعضها ثقافية مثل اصدقاء المعتمد وفرع كتاب المغرب\فرع شفشاون والجمعية المغربية للثقافة الاندلسية وهناك اخرى تهتم بما هو اجتماعي واقتصادي وتنموي وبالاضافة الى الجمعيات الفنية التي تهتم بالتصوير والسينما.لكم الحق الجمعيات كثيرة مقارنة بحجم المدينة التي لا يتجاوز عدد ساكنتها على 35 الف نسمة.

 

ـ خلال الاسابيع الماضية اقيم مهرجانان دوليان لفن التصوير الفوتوغرافي وتم فيه دعوة العدد الكبير من المشاركين من العالم،ألا ترونه بانه اهدار للمال والوقت اكثر من ابراز صورة المدينة وتسجيل نشاط..؟؟

ـ لقد ناقشني الكثير من زوار المدينة والاصدقاء حول هذه القضية وقال البعض بأنه امر غير عادي عما نراه  من اقامة مهرجانين متقاربين من بعضهما،ربما في المستقبل نقدر بان نراجع انفسنا ونتجاوز هذه المسائل..!!

 

ـ ماهي الدوافع التي ادت الى تأسيس مؤسسة حقون للحفاظ على الارث والتاريخ الشاوني؟

ـ تم ذلك بدعوة من المجلس البلدي وكذلك بدعوة من طبقة المثقفين وقد كان مجاميع الارث موجودة في منزلي واليوم يعد قبلة لكل باحث وطالب علم يبحث عن تاريخ المدينة الحبيبة ولذلك شيدنا المؤسسة خارج المنزل لتكون له خصوصية اخرى.

 

ـ هل تتلقون الدعم من الاهالي عن طريق تزويدكم مجاميع من ارث شفشاون القديم مثلما اراه في بلاد العالم؟

ـ يؤسفني كثيراً بأن هناك الكثيرون وعدوني بان يزودوني بما ذكرت ولكنهم خيبوا ظني الا القليل وانا شاكر لهم وهذا الارث هو للاجيال القادمة وتاريخ شفشاون.

 

ـ مالذي تحاولون ان تقدمونه للمدينة عبر المؤسسة؟

ـ نحاول بان نقدم ما لدينا من ارشيف للصور والتي هي الوثائق التاريخية للمدينة وعددها 38722 اي اكثر من عدد نفوس المدينة وبعض الكتب لتاريخ المدينة ولكن مع الاسف القليل منها باللغة العربية والكثير منها باللغات الاجنبية (الاسبانية والبرتغالية) وكل ما قدرنا ان نحصل عليه من الكتابات واللوحات والمقالات حول المدينة وشكرا لكم لانكم اضفتم للموسسة كتاباتكم حول مدينة شفشاون..!!

 

ـ هل اصابت المدينة والفنانين والمسؤولين الغرور نتيجة ذكر اسم المدينة في تصنيف لمجلة امريكية بان مدينتكم سادس اجمل مدينة في العالم والمدينة تفتقر الى ابسط انواع السياحة وليس فيها سوى معلم ثقافي القصبة؟؟

ـ الغريب في الامر بأن اهل المدينة والقليل منهم يعرفون بهذا التصنيف لمدينتهم ولكني شخصياً فخور بهذا التصنيف رغم من ان المدينة لا تستحق هذا الدرجة والسبب غياب ابسط انواع الاهتمام بالمدينة من لدن المسؤولين عنها.

 

ـ من هم زوار المؤسسة وهل من مواعيد للزيارات؟

ـ زوار المؤسسة من دون مبالغة هم من اقطار العالم كلها فمنهم منهم من استراليا واسيا ودول اوربا وافريقيا وامريكا اللاتينية والمدينة بدورها مصدر مهم للباحثين والمهتمين بالمدينة وادبائها وفنانيها وتاريخها وكلها بين حيطان المؤسسة واما وقت الزيارة فهو دائما بعد صلاة العصر بالاضافة من ان زوارنا هم طلبة المدارس الثانوية والجامعات للتعرف على تاريخ المدينة وسكانها الاصليين.

 

ـ هل تتلقون الدعم من اجل ان استمراية المؤسسة؟

ـ هناك اتفاقية مع المجلس البلدي ولا احد غيره يمد يد العون لنا وبما فيهم وزارة الثقافة والتي من واجبها ان تهتم بهذا الموضوع.

 

ـ ماهو سبب اعتكافكم في الدار لسنوات ؟

ـ سبب اعتكافي في الدار لسنوات طويلة هو انني كلما خرجت لاتجول في ازقة وشوارع المدينة ودروبها اصاب بالالم والوجع لهذا التشويه العمراني عما اصاب مدينتي وحين ارجع للمنزل يكون وضعي الصحي قد اساء للغاية لما رايته  وكذلك الجهات المتابعة للسياحة لم تقم بدورها بالصورة الصحيحة فيؤلمني حين يشكون لي بعض السواح والزوار الاسبانيين من عدم وجود الرقابة على التجارة والمطاعم ..!!

 

ـ ما هو دور الشباب في الحركة الثقافية في شفشاون؟

ـ للشباب حركة نشيطة في المدينة عبر الندوات والمحاضرات والفوتوغراف والتشكيل والموسيقى والمسرح ،فهنا فرقة في المدينة انجبت الكثير من الممثلين المتميزين في السينما المغربية ومنهم على سبيل المثال: الممثل الكثير (ياسين احجام)،د.انس العاقل،سامية اقريو،نعيمة زيطان،رفيقة بنميمون،واخرون.

 

ـ هل اثرت هجرة الطاقات والكفاءات من المدينة عليها؟

ـ هذا شئ طبيعي ولان وظيفتهم تجعلهم يبتعدون ولكنهم يعودون ثانية في كل المناسبات وهم سفراء المدينة في المدن الاخرى والعالم.

 

ـ بماذا انت مشغول الان؟

ـ لقد عشت معنا اسابيعا ورايتني بماذا انا مشغول، استقبل الوفود من المدن واتجول معهم عبر مؤسستي ومنزلي ولانهما ارث المدينة الخالد ولكن يظل لي الوقت للرسم وهو عالمي الكبير..!!

 

ـ لقد كانت المؤسسة حلمك والان بماذا تحلم؟

ـ حلمي هو ان يقوم المركز بواجبه على احسن ما يرام وان نبرز صورة المدينة باطار ساحر اكثر مما هو فيه..!!

 

ـ على الصعيد الشخصي ماهي اخر معارضكم وسبق ان اقمتم الكثير من المعارض في العالم؟

ـ اقيم اخر معرض لي في مصر (فوتوغرافي وتشكيلي) برفقة الفنان الفوتوغرافي (ياسين البوقمحي)،بدعوة من مهرجان كام السينمائي للفلم القصير في القاهرة .

 

ـ هل من كلمة لمحبيكم في كوردستان؟

- شكرا لكم وقد صرتم واحدا من ابناء هذه المدينة  ونفتخر بكم وقدرتم ان تربطوا شفشاون بكوردستان عبر هذا الجسر الثقافي الانساني ..شكرا لكوردستان والشعب الكوردي واقول لهم النضال ثم النضال من اجل عيش كريم وحياة حرة كريمة وليوفقكم الله يا احبتي في كوردستان...!!

 

بدل رفو - المغرب \شفشاون

تصوير:رضوان العزوزي

حول فلك الوطن والإنسان.. حوار مع الناشط الكردستاني فاروق حجي مصطفى

faruqhajimustafaالناشط المعرفي الكردستاني فاروق حجّي مصطفى كاتب ومحلل سياسي، وعضو في مؤسسة المجتمع المدني، ومؤسس صحيفة برجاف، التي تعنى بالشأن المدني السوري، برز كأحد الأصوات الحرة في الحراك السوري المتطلع نحو الخلاص والحرية، وتعرض لتحديات جمة من اعتقال وترهيب، الأمر الذي دعاه للتشبث أكثر بقيم الحياة العصرية والهم الوطني السوري والكردستاني بصورة خاصة، وبتاريخ 18-6- 2016م كان لنا معه هذا الحوار:

 

يسعدنا التحاور معك حول جملة من تساؤلات طالما أرّقتنا وكانت محور حياتنا وواقعنا الاغترابي في ظل أزمات لا حصر لها تنشب مخالبها على كامل مفاصل حياتنا وأبدأ معك بهذا السؤال: 

المعارضة ما بين استعدائها وحقها المشروع في التعبير عن الرأي والشريحة التي تحكم المجتمع السياسي، أين تقف، وإسقاطاً للواقع السياسي في سوريا، وغرب كردستان بصورة خاصة، هل ثمة معارضة حقيقية تمارس واجباتها على نحو وطني، أم أن الشرق الأوسط لم تنشأ فيه معارضة بمفهومها السياسي الوطني عدا عن كونها لوبي أو مجموعة أشخاص همهم مقاسمة السلطة المكاسب والنفوذ، ما الاشكال الحقيقي برأيك والذي يقف حائلاً دون بروز معارضة سليمة وسلطة تحكم بمعايير قانونية بعيدة عن مظاهر التفرد والاستعلاء والتصفية؟

- في الواقع سؤالكم مهم جداً، وسبق كتبنا مقال تحت عنوان"الديمقراطيون بلا ثقافة الديمقراطية" وهذا يمكن اسقاطه على المعارضة أيضا، بمعنى في الكثير من الأحيان يتراءى لنا كما لو ان المعارضة هي الوجه الآخر من النظام، فمن المعيب أو من سوء القدر ان تكون معارضتنا بهذا الشكل، وهو في الحق، ازمة المنطقة ككل، كل المعارضات في منطقتنا لها ازمة الهوية، وهي قلقة وغير مستقرة بين ما هي المعارضة وبين ما هي ممارسة السلطة نفسها. أنا أقف في جانب ان تكون هناك معارضة بمعنى معارضة يعني ان تكون معارضة هي بوصلة للنظام أيضاً، يعني ان تحسب السلطات موقف المعارضة، يعني عندما تريد السلطات فعل شيء عليها ان تحسب رد فعل المعارضة، اهناك معارضة في بلدنا والسلطات تحسب لها حساب؟ لا اظن لأن ما يجري من صراع ليس صراع بين المشاريع انما صراع للأسف يختزل "الصراع على السلطة" وان كانت هناك معارضة فقط طموحها يختزل بالسلطة دون مشروع واضح فهذا يعني علينا السلام، وهو بالأصل نعيش في هذا الواقع، وهي بهذا المعنى لا يمكن ان تكون فضاءاً يحمل مشروع وطني، والثورة أثبتت ان معارضاتنا هي معارضات فئوية (مذهبية طائفية وعرقية) ولا يمكن حتى ان تؤالف هذه المعارضات نفسها في اطار جامع يحمّل همّ الناس..كل الناس.

اما الحديث عن اللوبي، فاللاسف ان هذه المفردة وان يتم تناولها بالكثافة الا انها مفردة لا يفهمها من يتناولها، فاللوبي ليس بسهولة أن تؤسس او تنجز، وليس كل نفوذ في مكان ما يمكن اعتباره لوبي، واصل اللوبي لم ينجزه العرب حتى ينجزه الكرد، فهي مسألة صعبة تلامس القوة قبل أي شيء. كن معي بهذه النقطة. منذ زمن تواجد الكرد في أوربا، في فرنسا كان البدرخانيين اول ما تواجدوا في فرنسا، وفيما بعد فنان تشكيلي عفريني نسيت اسمه توفي قبل اشهر وشيئا فشيئاً تواجد الكُرد، وأسسوا المعهد الكُردي بباريس، والسؤال، ماذا قدم ذاك المعهد في باريس للكرد كما قدمه الشهيد قاسملو بحكم علاقته الحميمية مع زوجة فرانسوا ميتران وأيضا وزير الخارجية الفرنسي السابق؟ وكما تواجد الكُرد في سويسرا، الدكتور نورالدين ظاظا، وقيل ان تواجده هناك وان كان لغاية الدراسة او الهروب من واقع سياسي سيئ لكن كان يراوده لوبي، بمعنى فكر ان يؤسس لوبي، لكنه فشل، وأعتقد لم يستطع التأثير بما كان يرسم له، والسؤال، هل ابن نورالدين ظاظا الوحيد وهو نصفه اوربي بحكم من والدته الفرنسية قدم امراً مهماً للكرد؟ اللوبي لحتى يُصنع على ذلك ان يحقق عدد من الشروط، اولها: المال وتحريكه يؤثر على استقرار العملات، ثانياً امتلاكك للاعلام المؤثر الذي يؤثر ويؤسس الرأي العام، ثالثاً العلاقات السياسية بدلالة الاقتصادي والدبوماسي والاجتماعي. ولهذا وحتى لو وصل الكرد في المنظمات الدولية الكبيرة وذات الشأن لكن لا يمكن ان يؤثر في دينامية اجندات تلك المنظمات ولهذا علينا ان نفكر كثيراً بتأسيس لوبي لأنك وانت في بلدك منقسم على نفسك وهناك جهات كردية تحاربك، لم نرتقي الى الهمّ القومي بعد انما ما زلنا ندور في بوتقة العصبية العشائرية وان تطورت اكثر فالحزبيّة، ولعل نشاط اطارينا، الوطني الكردي وغربي كردستان في أوربا لم يعملا في روحية واحدة انما كل طرف يسعى دولياً ان يكون هو صاحب الشرعية وحتى انهما يشوهان صورة البعض؟ لماذا؟ لأنها لم تتمخض أصلاً من المعارضة الحقة!لا يمكن بروز معارضة وطنية حقة لسببين، اولاً :غياب الهم الوطنيّ، وثانياً: غياب ثقافة المعارضة، في الأول ان السوط الحزبي الأقوى، وهو السوط الذي يمنع ان تفكر كرديا او سوريا، وبالتالي لا يمكن ان تفكر بالدولة بقدر ما تفكر بالسلطة. وفي الثاني، ثقافة المعارضة تتبلور عندما تقبل الاخر وتقدر امكانياته وكل هذا تبرز عندما نقارب امورنا بمنظار ماذا لديك ان تقدم وماذا عليك فعله، وللأسف نفتقر الى هذه الآلية!

 

الأزمة السورية باتت آلة تفريخ أزمات وصدمات ومارافقها من تصدع مجتمعي، وتشتت روحي وقيمي، أين تقف الآن، هل يمكن مناقشة دستور ونظام حكم، لمستقبل سوريا، في ظل غياب النداءات التنويرية لصالح بروز خطاب الإقصاء بوجهه الجديد القديم، أين تتجه البوصلة برأيك؟

- لم تعد أزمة سوريا، هي أزمة العالم، ولو تحدث في بقعة جغرافية اسمها سوريا، لكن لها تبعات تؤدي بنا صداها الى باريس، او واشنطن فاوكرانيا، وهكذا، وكل ذلك بسبب غياب مشروع للمعارضة وغياب الية قادرة على تجاوز المرحلة في ظل دائرة تختزل سوريا، ليس لان موقع سوريا الجيوبوليتكي هو السبب، وان كان لهذا الموقع تأثير كبير انما في واقع الامر غاب عن ذهن منتفضي او الثوار امر مهم للغاية هو ماذا نريد ان تحقق لنا الثورة. ما هذه الثورة التي تترك من خلفها كل ارث المعارضة. ما هذه الثورة التي لا تنتج قائداً وطنيا ليصبح محور؟ وما هؤلاء الثوار الذين سال لعابهم فور ما سمعوا ان هنا توانسة او مغاربة او مصاروى ينضمون الى الثورة. هل كان هؤلاء هم الكيفاريين الجدد؟ لم نتمعن بصدق عن السبب الذي يدفع هؤلاء لينضموا الى ثورتنا؟ بل غضينا النظر. وكيف ثورة عرعور ستنحقق اهداف نبيلة وهو يقوم الطائفية على الهواء ويقعدها؟ الثورة ماتت في لحظة ظهور صدى انضمام غير السوريين للثورة، وعلى الاقل بقيت الثورة في تحت ابطأ الثوار الحقيقين ربما ستطل برأسها بعد الوفاق الذي سيحدث في جنيف؟! لا ادري ان ستطل برأسها من جديد ام لا؟ وللاسف مع بداية الهدنة قبل شهرين شعرنا بان رأس من رؤوس الثورة بدأ يطل لكن سرعان ما جيروها ووظفوها طائفيا ايضاً، فالذي يطالب بخروج جبهة النصرة من معرة النعمان ليس مضمونا ان ينطلق بالدوافع الوطنيّة انما قد يكون مدفوعا من اتجاه اسلاموي اخر او ربما احرار الشام وكل هؤلاء ساهموا في موت الثورة وفنوا براية الثورة اي العلم الوطني بعد جلاء الفرنسيين.

وعليه فانه من المستحيل بمكان ان يمرر دستور علماني او دستور يرى الجميع صورته او هويته فيها، نعم الدستور مقياس اساسي او هو اختبار لمدى معارضة حقة او ثوار حقيقيون ولا يمكن ان يكون هناك دستورا جامعاً يهيئ للمواطنة الحقة. جدل دستور جدل حق. ومن خلال الدستور يمكن بناء وفاق كبير او لنسميه العقد الاجتماعي وكل ذلك لأجل بلورة اهمية الدولة في حياة الامم. ومن هنا لا بد من التمييز، ان الدستور الفيدرالي هو الاساس لبناء سوريا ما بعد القيامة، في حوذتنا عدد من المقاطعات وعلينا ان نعمل على اتحادها ضمن اطار دولة واحد تقسم السلطات بين الحكومة الوطنية وحكومة الأقاليم. ولا يمكن ان يقبل اللامركزية الادارية وذلك بسبب ان المشكلة الاساسية هي ليست ادارية ولو كانت ادارية لانحلت الامور في دستور 2012 وهناك تعديلات واضحة بخصوص توسيع صلاحيات الادارات المحلية. اللامركزية الادارية هي امر يخص الادارة اما اللامركزية السياسية تمس الحقوق السياسية للجماعات، وشتان ما بين حقوق للجماعات او حقوق موظفي البلديات. فضلاً ان الكرد لهم مشكلة اساسية في البلاد هي مشكلة لها بعد الشراكة السياسية . فاللامركزية السياسية فقط تحقق هذا الامر لأن ثمة مشكلة الحقوق القومية للكرد وهذا يعني لها دلالة حق تقرير المصير، وهذا ما لا يمكن تحقيقه في ظل اللامركزية الادارية فقط لأننا نريد بناء الدولة والدولة تؤسسها الامة او الامم وليس موظفون فقط. من هنا نحن امام معضلات في حياتنا السياسية والاجتماعية خصوصا ان الكل يريد ان يعاد اللحمة بين الجماعات ولكن ان يكونوا مواطنيين في دولة أسستها الأمة وليس حزب طائفي.

 

لفت نظري مقتطف من كلماتك بمعرض الدستور تقول فيه: في حالتنا السورية، طرح اعلان الدستور بدلاً من الدستور كون لا يجب كتابة الدستور في ظل العملية الانتقالية لحسابية المرحلة حيث أطراف مهيمنة أو تداخل بين ما هو ديني وما هو ايديولوجي فحسب انما نحتاج الى المرجعية الدستورية أيضاً وذلك لأن في النزاعات عادة تخرج بنا قوة غير محسوبة اصلاً وتلكؤ عمل المؤسسات عند ذلك على مديري العملية الانتقالية الاعتماد على المرجعية الدستورية.ما المقصد من القوة غير المحسوبة، في ظل ذاك التداخل الذي عنيته ببروز الخطاب الديني والايديولوجي معاً، وأين يقف الكرد في معادلة التزاحم على المكاسب والانقسام الحاصل؟

- نعم من الافضل ان لا نسرع في اعلان دستور خاصة ان المعطيات على الارض ربما لها تأثيرات كبيرة على تأسيس ميول اللجنة الدستورية التي من المفترض أن يتم تأسيسها في آب القادم، فضلاً ان هناك طغيان قوموي و طائفوي على المسار السياسي العام للمعارضة؟.لذلك علينا ترك الدستور في مرحلة ما بعد المرحلة الانتقالية لكن بشرط ان يكون هناك اعلان دستوري مؤقت. الاعلان الدستوري هو خطوط عريضة وهو بمثابة اختبار للقوى ايضاً. فلا يمكن ان تحقق مكانة الدولة ان كان هناك شرط مسبق هو ان يكون دين الرئيس هو الاسلام، او ان سوريا هي جزء من الامة العربية وبنفس الوقت تتحدث عن دولة المواطنة. على فكرة ان بناء دولة المواطنة اصعب من بناء دولة فيدرالية لا اقصد هنا الدولة بمعنى الدولة اقصد النظام السياسي في الدولة.حيث الدولة دولة لا يمكن ان تختزل الدولة في نظامها السياسي. الدولة هي الجغرافية والشعب والسلطة. انما النظام السياسي هو النهج العام للدولة تترجمها السلطة وفي كثير من الاحيان هذه الترجمة لا تعبر عن ارادة الشعب وتؤدي بالجغرافية الى التشقق او تؤدي الى بقع جغرافية مثلما نراه الان في سوريا.

وعليه فان على الكرد ان يكونوا مكون متحدين في السياق العام للمعارضة وان يؤدوا الوظيفة السياسية بروحية واحدة لا ان يتسابقوا على مطية تطلعات احزابهم بقدر من انّ الشارع الكردي كله يريد ان يكون الكرد كيان متسق تنطلق بالروحية المسؤولة اقصد مسؤولية التاريخية، وسيكون هناك قوى جديدة الى جانبهم وحتى ان بعض شرائح النظام الذين يرون انفسهم في العلمانية والديمقراطية، وهناك شرائح اخرى ستكون مع الاسلاميين. ما زلنا ننتظر الفرز الحقيقي ولم يعد بوسعنا تحمل النفاق الذي نشهده في حياتنا اليومية السياسية.

 

ماذا عدا التخوين والتذرع يمكن للخطاب الكردي أن يقول في ظل وجود بون مجتمعي معقد في التركيبة المجتمعية الكردستانية وبروز الخطاب الإيديولوجي وموت الرؤية الكردستانية البعيدة، هل ذلك يعود أننا كمجتمع حافظنا على منظومة منهجية كاملة تلخص مشاعر التبعية والتصوف والانغلاق على مدى قرن من الزمن، أليس الإشكال هو في بروز الذهنية البطرياركية في إنتاج الخطاب الحزبي الانتفاعي المتفسخ والمغترب عن العصرنة إن صح التعبير؟

- لا علاقة للتصوف بذلك، نحن تربينا على مناخين، مناخ العائلة هو ان الاب حاكم ويحكم ومناخ حزبي هو ان الشخص الاول في الحزب لا بديل عنه وهو ان مات سيكون نهاية التاريخ. هذان المناخان يؤثران على ميول الشارع الكردي ويقسمهم الى اتباع وجمهور الخندق، وهو ان الاب هو الرجل المرحلة وهو من المستحيل يعمل دون مصلحة العائلة. واسقاط هذا على الحزب. للاسف لم يتمعن بعد الجمهور الحزبي خطاب غير خطاب حزبه او محوره وهذا ما خلق لدى الشارع او لنقل لدى جمهور الاحزاب سياسة التخويين، في الثمانينات برزت سياسة المهاترات لكن الاحزاب قضوا عليها من خلال تجارب التحالفات وايضا كان هناك شخصيات بقامة القادة الآن الوضع انتقل الى التخوين. تصور ان شخصا من الاشخاص يقول عن شخص علماني بان فلان علوي وان لوغو حزبه يعبر عن "علي" وهكذا..فالطائفية اعمت عيون الجميع..كما لو اننا طائفيون..مع ان الحديث عن الطائفة كانت غائبة في الاوساط الكردية..هذا هو مصدر التخوين..ولهذا لا نرتقي الى مستوى الحدث او لنقل الى مستوى التحديات فالحدث حدث قومي نقاربه بمقاربة حزبية مع ان الاداء والخطاب يجب ان يتجاوز الحزبي.

 

ظاهرة ارتهان المثقف الكردستاني للحزب، ما أثرها على جيل الشباب الطالع، في ظل التهميش الحاصل وغياب الرؤية الاستراتيجية ببروز الاغتراب تجاه الواقع، والانفتاح نحو تكتلات تخدم اجندات واعية تعمل بكد للتفتيت ومزيد من الانقسام والشرخ، كيف يمكن تجاوز القالب الصدأ، وكسر مقولة ما يأتي ليس أفضل مما كان؟؟؟

- من الطبيعي ان يكون هناك تأثير كبير على الجيل الناشىء، هذا الجيل الذي اصبح شابا في ظل الفوضى، وهو لم يعش في حالة الدولة او المؤسسات او الادارات. بمعنى كاتب نفوس وشرطة ومخفر ووو وهذا له تأثير بمعنى ان سلوك الجيل الشاب الناشىء سيكون مغايرا لسلوكنا فتربية السلوك للمواطن لا تبدأ من الام وتربي اطفالها على ان يفعل كذا ولا يفعل كذا..فالسلوك يتم تركيبه من خلال المؤسسات: المدرسة المخفر او معرفة السلطة وهكذا..

اما بخصوص ارتهان المثقف الكردستاني فهو ربما امر مهم في لحظة غياب الدولة، لكن سيكون له تبعاته ايضا بمعنى ان سمعت عن البرازاني عند وفاته وكنت صغيرا ما زال البرازاني هو الرجل الاول في ذاكرتي، وعندما اسمع عنه شيء انزعج، وهكذا، من هنا علينا بلورة الشاب الحر الذي يحترم قيم غيره ويقوم نشاطه في اطر من ان لا يعكر صفوة الاخر..نحن امام مسؤولية تاريخية كبيرة وكلنا يعمل دون اخذ المسؤولية الاجتماعية في عين الاعتبار للأسف!

 

في مئوية سايكس بيكو، نجد التنديد والاستنكار من الشارع الكردستاني، بمقابل ذلك ألسنا أمام واقع سايكس بيكو جديد ألا يصر كل طرف سياسي المحافظة على قالب سايكس بيكو في موقعه، والاستئثار بالشارع على طريقته، ألسنا أمام حالة أشبه بسايكس بيكو؟

- في الحقيقة ان هناك لبس حصل، لم نقارب سايكس بيكو كسايكس بيكو، لم نكن واقعيين، فكردستان لا توحد خلال سنة او سنتين، ولا يمكن تجاوز سايكس بيكو، وبالاصل انتكس سايكس بيكو عند مجيئ البيشمركة الى كوباني لكن اتى باتفاق وهذا ما يدلنا على الطريق الاخر هو ان سايكس بيكو لا يمكن ان يزال بالعواطف انما بوجود خريطة اخرى لكننا هل نستطيع ان نؤسس لانفسنا خريطة بدون مساعدة غيرنا؟ هنا مربط الفرس. هناك كيري ولا فرورف وهناك خرائط جديدة لكن هل ستكون خرائط ضمن دولة ام هناك تغييرات حتى في الحدود السيادية للدول؟ كل هذه الاسئلة ملحة تنتظر الاجوبة من اللاوقعيين الكُرد.

ما حصل في كولن امر مهم للغاية..فهو نشاط او تمرين للمستقليين او المدنيين الكرد على فعل ما؟ وهذا يكون له مردود ايجابي على مستوى بناء رأي عام شعبي كردي ايضا سيكون له دور في وسائل الضغط على من يسيطر في المشهد السياسي الكردي.

نعم نحن في الطريق الى سايكس بيكو جديد لكن قد يكون منسجما هذه المرة بنسبة كبيرة مع تطلعاتنا. والعلم عند كيري ولافرورف!

 

في ختام المقابلة أشكرك جزيل الشكر على إتاحتك لنا الوقت لهذا الحوار، كلمة أخيرة تريد قولها؟

- اشكرك جزيل الشكر كاك الغالي..اسئلتك مهمة لكننا مضطرين ان نختزل بحكم الزمن والمشاغل..تحية لنشاطك

 

أجرى الحوار: ريبر هبون

 

حوارات "العرين": عرين الشاعر الريفي الموهوب عبد الرحيم فوزي

maymon harashعبد الرحيم فوزي صوت ريفي أصيل، يعترف له النقاد والمهتمون بالإجادة في نظم الشعر، يحبونه لأنه "شاعر" ينظم شعراً (أقول شعراً) .. هو شاعر بداخله تربة خصبة لتضاريس الريف الجميل، تنبتُ فيها شجرةٌ يانعة، وارفة الظلال، ويُرجى جناها، والشعر الأصيل أحد فروعها.. يتميز عن غيره بالجودة، و العطاء، والحضور، وقبل كل هذا بالغيرة على هذا الفن الذي يؤمن بأن من يقترب منه عليه أن يفهم بأنه فن مقدس لا مجرد كلمات متراصة..

نقرأ شعر عبد الرحيم بشغف، وحين نستمع إليه (وهذا أمر يُجمع عليه كلُّ من يعرفه خاصة) تُستثار في داخلنا أحاسيسُ نعجز عن ترجمة وقْعها على النفس، وتوحي لنا بأن الرجل ليس عادياً أبــداً.

ليس عادياً لأن به مساً من الشعر، تحس معه بالمتعة الخالصة حين يتناول موضوعات دقيقة عن الريف، وعن شخصياته، وناسه؛ لذلك يُعد شعره "ديواناً ريفياً" بامتياز، ومرجعاً يمنح المعلومة، ومعها المتعة؛يأخذ فوزي بيدنا نحو عوالم مفقودة، في الريف، تحرضنا لنعرفها ما دمنا من أهل الدار.. هي حالمة، يريدها كذلك، لكن واقعية تماماً ..

إنه الشاعر المحبوب الموهوب عبد الرحيم فوزي..

س - الشاعر عبد الرحيم فوزي، أهلا بك في "العرين".. منْ أنت بعيداً عن الشعر؟

ج - أنا عصفور يغرد أغنية الصمود لكل الأمازيغيين، إنسانٌ عادٍ، أكابد كما غيري يفعل، في هذه الحياة..

 

س- لماذا الشعر بالضبط، وليس فناً آخر؟

ج- ليس اختيارياً، إنما الصدفة كان لها سلطتها في هذا الشأن، ولطالما استمتعتُ، في صغري، بـِ "إزران" يُؤديها الرجال والنساء على السواء بشكل جميل في الأعراس الريفية، كانت تأخذني رجفة وهزات وأنا أستمع إليها؛ كما لوالدتي، يرحمها الله، دور كبير في تكويني الشعري، كانتْ تُحسن التعليق شعراً على مواقفَ حياتية كثيرة تقع في أسرتي، أو خارجها، وفي مناسبات عدة، كنتُ أصغي إليها، وفي النفس سؤال مُحير: "متى هيأت هذا، وهل كانت تعرف قبْلا ..."؛لم أكن أجيد شيئاً في صغري غير مهارة حسن الإصغاء فكانت تُستثار، في داخلي، طاقة لأن أقول أنا أيضاً مثل ما أسمع من أمي، أو من إزران..

والشعر هو الجنس الوحيد الذي يمنحني طاقة على التحليق عالياً..

يقول الشاعر أحمد مطر: " كلما ركبتني القصيدة يخف وزني ."

وأنا وزني خفيف رغم جثتي (يضحك)..

 

س- لشعرك المتميز دور في شهرتك، وأظن أن قصيدة "يناير" أول غيث هذه الشهرة؟

ج- الحديث عن قصيدة "يناير" هو حديثٌ عن القضية الأمازيغية برمتها، هي مرجعيتي في الشعر، وللتذكير فقط فالقصيدة هي بعنوان " ثَحَرْيَات " / عاصفة عام1984، ولكنها اشتهرت بِـ "يناير" لأن هذا الشهر، في ذاكرة أهل الريف، راسخ لا يُنسى بسبب الأحداث الرهيبة التي حدثت في أيامه السوداء الــ 17 و18 و19 ..وكما يقول الشاعر محمود درويش:" القضية الفلسطينية أكلت شعري."؛والهَمّ الأمازيغي فعل نفس الشيء معي، وللأمانة أقول بأني أكرس شعري لكل الموضوعات التي لها صلة بالإنسان بشكل عام، إلا أنَّ لقصيدة " ثَحَرْيَات "أو" يناير" كما يحب جمهوري أن يسميها وقعاً خاصاً ليس معي فقط إنما بالنسبة لكل الأمازيغ، هي جرح المنطقة ككل، ولهذا فالتعامل معها يأخذ منحى خاصاً جداً لدرجة أن جل مشاركاتي الشعرية، في ملتقيات ومهرجانات أكون ضيفاً فيها، يطالبني الجمهور وبإلحاح عجيب من أن أقرأ على المسامع قصيدة "يناير"/ ثَحَرْيَات،

وحين أرددها بطريقتي أمام الجمهور أحس بأني لسان الريف:

 

يناير، يناير

ماني شَكْ غَنايـــرْ

مانْ آسْ ذي شْغَانيذَارْ

حِيما شْذايَسْ نْخايَـــــرْ

ذِينِي يَفروري وَكسومْ

يجين دَمْ اسِيّـــــر

كْسينْ موحنْد زي ثواثْ

لا يِجْ ما يسيوَرْ

يُوحَرْ ما ذْينّجْبَــــــذْ

لا يِجْ ما ثِغـــــــــــــاوَرْ

يناير، يناير

ماني شَكْ غَنايـــرْ

ثفوشتْ ثَرْنِي ثَــــغْري

غَا تَسيجْ أتـــذْوَرْ

ثيرو إِزَرْمان نَـــــــسْ

زكْجَنا أَتـــــاوَرْ

طــْرَمَا غَنَتــّى يَرنِّي ذِرَهْـــــــوَرْ

ثَمَدّيثا تْحَديقْ

عَمّاصْ ما تَمْرَرْ

يناير، يناير

مَانِي شَكْ غَنايـــرْ

زّاثْ يذورْ ذَفار

ذَفّارْ و سّي مانــِي يَذوَرْ

رامي يَذورْ الناظور

ذِرخفيفْ إفَتــــــــــر

أيا زمانْ سْــــرايِ

أرّدْ خــَـافي سِـــــوَرْ

غاري أطاس إسقسانْ

كورشا ماني يُويَــــــرْ

مِنْتَﯕى تاويمة

ثِخْذاتَثْ ديجْ أونـــدرْ

ينايــــر، ينايــر

ماني شَكْ غَنايـــرْ

 

س- فضلا عن شعرك الأصيل تمتلك صوتاً جهورياً رناناً، وكثيراً ما ترمي بالميكروفون جانباً، وتنخرط في " القول".. صوتك ثورة، صرخة مسموعة، لماذا ترفع صوتك، حين تقرأ شعرك، بهذا الشكل؟

ج- إن الأداء مكون من مكونات القصيدة، عنصر أساس فيها، وأنا بطبعي أحسب حساباً لهذه القضية، أمنح %30 للصور الشعرية وغيرها، و% 70 كله للأداء، وعبر قناته أتمكن من إيصال ما أحب من رسائل.. وهناك من الشعراء العرب من استوعب هذا، فتراهم لا يؤدون قصائدهم أبداً لأن الإلقاء عندهم سيء، ويتولى عنهم غيرهم قراءة أشعارهم.

 

س- في لقاءات كثيرة جمعتني بك، تحدثنا فيها عن "تأخرك في طبع ديوانك الأول"، ولأني لُمتك كثيراً على هذا سيما أنت، في الريف، الشاعر المعروف الأصيل، كنتَ تجيبني بحدة، وبحسرة..أحب أن أشرك معي القارئ العزيز وأطرح عليك السؤال من جديد..لماذا لم تطبع كتابك لحد الآن؟

ج- لي وجهة نظر في هذا الموضوع تتمثل في أن الهرولة المحمومة وراء طبع الكتب دون امتلاك ناصية " الكتابة" نتائجها وخيمة، هذا أولاً، وثانياً، وهذا هو الأهم، ليس معياراً أبداً كثرة الكتب حتى نضمن صفة "شاعر"، فالمجاطي له ديوان واحد، وهو شاعر كبير، وغيره لهم عدة دواوين، ولا يزالون في مَهمة البحث عن" الشاعر " فيهم، ولا يعثر عليه من يقرأ لهم ممن يعشق الشعر ويفهمه، وعموماً صفة شاعر لها معاييرُ أخرى..

ومع ذلك هذا لا يعني أني ضد طبع ديواني الذي سيرى النور قريباً.

 

س- " الريف" واسطة عقد شعرك.. حدثنا عن التيمات التي تشغلك حين يسمح شيطان شعرك؟

ج- أقِرُّ أولاً بأني أتعب شيطاني متى زارني، وفي لقاء جمعني بالشاعر الكبير محمد علي الرباوي قال لي بالحرف: "تْـــهَلا فيك شيطانُك".. يومها علقتُ مداعباً بأن السبب في هذا " التاهلو" هو أن لي شيطانة لا شيطان.. ليس ضرورياً أن تكون موضوعاتي مستقاة من الريف"، إنما كل ما له صلة بالإنسان في صراعه مع الحياة..

 

س- بعضهم، إذا أراد أن يتحدث عن الريف، تراه يحصر شعره في محمد عبد الكريم الخطابي، أو ما له صلة بهذا المقاوم الفذ أو غيره.. لدرجة أصبح بعض الشعراء عندنا نسخًا متعددة لموضوع واحد يتكرر كثيراً.. كيف ترد؟

ج- الشعر أسمى من أن نحصره في موضوع واحد، ومحمد عبد الكريم الخطابي رمزنا، وهذا صحيح ونفخر به، لكن التقيد به، وتكريره كتيمة شعرية عند شعراء أمازيغ كثيرين لا معنى له سوى سوء الفهم لدور الشعر في نصرة كل القضايا.. ثم إن اللعب على حبل واحد يمنحنا شعراء كثيرين لكن القصيدة واحدة في النهاية.

 

س- يتحدث الشعراء عن "شيطان الشعر".. لا تعدمه أنت أيضاً، فمتى يزورك؟ وهل يتحدث الريفية؟ههه..

ج- لا وقت لدي محدداً حين أنظم قصائدي، وشيطانتي لا شيطاني تزورني دون استئذان، وتتحدث معي اللغة الريفية، أحياناً تستفزني وتوقظني، في أوقات متأخرة، فينام الليلُ على جفوني ويجفوني،، وأحياناً أخرى تظل صامتة تحلق في عيني اللتين تظلان مفتوحتين على قصيدة جديدة تلوح لي في الأفق، ومتى اطمأنت بأني أمسك بتلابيبها تركتني، وانسحبت دون ضجيج..

 

س- أعني ما أقول حين سألتك عن شيطانك ما إذا كان يتحدث " الريفية" لأن بعض الشعراء يترجمون أقوال "شياطينهم" التي تتحدث لغة عربية لا ريفية، فنعدم في شعرهم ذلك الحس الأمازيغي الأصيل.. ألا توافقني؟

ج- في هذا أشاطرك الرأي، هناك شعراء كثيرون يترجمون أشعاراً عربية أو فرنسية فينقلونها إلى تربة أمازيغية فيسقطون في " الزيف"، وتصبح الحمولة الثقافية الريفية التي من المفروض أن تُستمد من الأصالة الأمازيغية، منعدمة تماماً..

 

س- أنجب الريفُ شعراء كثيرين من طراز رفيع أمثال سعيد الموساوي، وأحمد الزياني، وخالد هرفوف، وفاظمة الورياشي، وسعيد أقوضاض، و(...)، ما الذي يميزك عن هؤلاء؟

ج- منْ ذكرتَ في سؤالك هم شعراء جُبلوا من طينة ريفية خاصة، ولكل واحد منهم تكوينه، ورصيده، وحمولته الثقافية، ولا أدعي أي تميز لي عنهم مقارنةً بهم، ولكنَّ لي لوناً خاصاً بي، "فوزياً" بامتياز، ولا أحد يشبهني فيه، بل ويمكن أن أسجل بفخر بأن الشعراء الذين ذكرتَهم في سؤالك هم عالميون، ومشهورون، لهم وزنهم مثل سعيد الموساوي، وعمر بومزوغ فهما شاعران بكل ما تعني الكلمة من معنى.

 

س- باعتبارك شاعراً تحضر ملتقيات كثيرة، تنظمها جمعيات في مدينتك الناظور، ماذا تضيف للمشهد الثقافي برأيك؟

ج- إن المهرجانات التي تقام هنا وهناك المفروض أن يُكرس البرنامج المسطر لها لخدمة التنمية على اعتبار أنها إضافة نوعية- أو هكذا يجب أن تكون- لتسليط الضوء على أهم ما يُستحدث في المجالات الثقافية، إلا أني أسجل، كمتتبع ومبدع، أن بعض هذه المهرجانات تلبس أثواب السياسة، فتخفي في تلابيبها الجوهر منها وهو خدمة الثقافة، مما يعني أن الظاهر فيها كما جبل الجليد، ليس ما هو مستور أبداً، وطبعاً الحصاد في النهاية سلبي مما له علاقة بالمشهد الثقافي بالمنطقة..ومع ذلك لا نبخس حق من يُحَكم ضميره، ويضع نصب العين الثقافة وليس شيئاً آخر، وهؤلاء كثيرون والحمد لله..أشد على أيديهم بحرارة.

 

س- أنت مبدع أمازيغي، ولكنك تشارك في برامجَ لجمعيات تنتصر للتعدد اللغوي، وأقصد هنا اللغة العربية.. ما موقفك من هذه المعادلة..؟

ج- أنا شاعر أمازيغي صحيح، ولكني لا أجد حرجاً في المشاركة إلى جانب إخوتي المبدعين مهما كان لسانهم، ولساني، إن اختلف عنهم، لا يعني ألبتة إدارة الظهر للثقافة، هذه تتحدث كل اللغات، وأنا أفهمها والحمد لله..

ودعني أخبرك أمراً طريفاً قد يسعفني في إيصال ما أود قوله..لي مشاركات كثيرة في مدينتي، وفي المغرب كله، وحين يأتي دوري وأتلو شعري بالأمازيغية ألحظ، وأنا فوق المنصة، سهومَ الحاضرين، وفي أعينهم أسئلة كثيرة، ومتى انتهيت تتأكد لي ملاحظتي حين يحاصرني الجمهور، ومنهم شعراء عرب مشهورون فيقولون لي:" نحن، صحيح، لم نفهم لغتك، ولكن رسالتك وصلت، أداؤك مُذهل.."

وبعض الجهات المنظمة، والقائمون على " أعراس " الشعر عليهم أن يفهموا أن للإبداع فماً واحداً، ويتكلم اللغات كلها، أبوابه مشرعة للجميع..

 

س- شباب في عمر الورد سكنهم الشعرُ، وآسرهم، سجلوا حضورهم ونَظَموا قصائدَهم الأولى، وربما طبعوا دواوينَ أيضاً.. لمن تقرأ من هؤلاء؟

ج- أقرأ الشعر كثيراً، ولي اطلاع مما ينظمه شبابنا، وأتابع مسيرتهم الإبداعية، سواء ما تعلق منها بالعربية، أو الفرنسية، أو الأمازيغية، وأشهد بأن هناك تجارب تستحق أن تُصان، وأن يلتفت إليها المُهتمون، كما ألحظ على آخرين تسرعاً لا يليق بالشعر، وعليهم أن يقرؤوا كثيراً قبل الكتابة، أو أن يقرؤوا فقط دون كتابة .. والهدف ليس في النهاية هو تلبية نداء رغبة محمومة لطبع ديوان، بقدر ما هو حرص على خلق بصمة أدبية تليق بأسمائنا حتى تترك أثرها.

 

س- لبعض الشعراء طقوس غريبة في نظم قصائدهم.. تواتيهم "مواقفُ غريبة"..حدثنا عن طقوسك؟ كيف تواجه قصائدك؟.. كيف تنظمها؟

ج- لا طقوس لدي، ولكن هو نوع من " أمنوس" لا بد منه، يصيبني في مقتل، ويدعوني لأن أبحث لقصائدي عن ينبوع يتفجر منه ماءٌ زلال، فُرات لكل ظمآن.

 

س- ألم يحصل مثلا أن مدتْ لك قصيدةٌ ما لسانَها ساخرة منك قائلة:

" أنت سخيف.. لقد بخستني حقي"؟

ج- مراراً (يضحك عالياً).

 

س- وما رأيك في شعر الهايكو؟

ج- هي قصيدة لذيذة ملائمة لعصر السرعة..

أحلم بالهايكو الأمازيغي، وحالياً أشتغل على تجربة في الهايكو الأمازيغي ...

 

س- ما هو رصيدك من الجوائز الأدبية؟

ج- بنك الجوائز لدي عامر، ورصيدي منه كثير والحمد لله، على المستوى المحلي فزتُ بالجائزة الأولى لمدة ست سنوات على التوالي (1997- 1998- 1999- 2000- 2001- 2002) في مسابقة خاصة بمهرجان الشعر العربي والأمازيغي، المنظم من طرف "جمعية التنمية الثقافية"، و كذك نلتُ جائزة القاضي قدور التي تشرف عليها جمعية " إلماس"..

وهذا كله يُغنيني لكنه يثقل كاهلي بمسؤولية كبيرة.. علي أن أكون شاعراً أمازيغياً شكوراً، وقبل الشكر لا بد من العمل والمثابرة حتى أضمن للريف المكانة اللائقة التي يستحق في جنان شعر الدنيا.. حينها فقط أفخر بكل الجوائز التي نلتها.

 

س- ما هو العنوان الذي تختاره لديوانك القادم؟

ج- "عاصفة"/ ثَحَرْيَات..

 

س- ماذا تقول في: "مجموعة إثران"- الدكتور عبد الله شريق- الإبداع - الحرية- عبد الرحيم فوزي.

ج-

- "إثران": سفير الأغنية الأمازيغية عبر العالم..

- الدكتور عبد الله شريق: من أوائل الأساتذة الذين تنبهوا لموهبتي، وشجعوني على نَظم الشعر، شكري الحار له.

- الإبداع: ضوء خافت في ظلام دامس.

- الحرية: نطمح إليها.

- عبد الرحيم فوزي: علامة استفهام مُمتدة من عمق الأرض إلى عُلو السماء.

 

س- كلمة أخيرة شاعري الغالي سي فوزي

ج- شكري الحار لمُحاوري المشاكس ميمون حرش، وتحية "للعرين"، وأزف باقة ورد لكل زُوّاره، وقرائه..

 

حاوره الكاتب ميمون حِــرْش

 

حوار مع الناقد السوري عصام شرتح (3)

esam shartah1- ما هو معيار القيمة الجمالية في الحكم على النصوص الشعرية التي تتناولها بالدراسة؟ هل ثمة معيار أو رائز فني تقيم فيه النص؟ وما هي النصوص الإبداعية التي تثيرك وتحرك فيك اللذة والقشعريرة الإبداعية في تلقيك النص الشعري بوصفك ناقداً من الطراز الرفيع في هذا المجال؟!! والدليل على ذلك احتفاء المجلة الثقافية على الشاشة الصغيرة بقراءتك النقدية على الكثير من الدواوين الشعرية من  (عام 2005- 2010)، كان لك زاوية خاصة بعنوان (قراءات نقدية، أو قراءات أسلوبية في الحداثة الشعرية) كنت في كل حلقة تعلق أسلوبياً على ديوان من دواوين الشعر الحديث في تلك الفترة الناصعة في حياتك. ما هو معيارك النقدي؟وكيف تقيم نفسك إبداعياً في هذا الخصوص؟!! ولماذا لا تنتقد أعمال الشاعر سعد الدين كليب الشعرية وهو من المساهمين في تدميرك في أهم مفصل من مفاصل حياتك النقدية لتنال منه كما نال منك باستصداره للقرار الجائر بشطب أطروحتك قبل أيام من مناقشتها؟!!.

- لا روائز محددة في الإبداع، الإبداع الحقيقي هو- دائماً- فوق كل المعايير، والقواميس، والأطر، الإبداع حركة دائبة لا تستقر. مغامرة تبقى بحاجة إلى اكتشاف، وبحاجة إلى امتلاء. ولهذا، لا اعتمد مقياساً علمياً دقيقاً لقياس شعرية النص أو قيمته الإبداعية كمقياس الضغط أو مقياس الحرارة لأزن دقائق الأشياء.. هذا - باختصار- يصلح في الأعمال العلمية أو التجارب الفيزيائية... الإبداع هو هذا الأفق الممتد المتنامي الذي ينأى عن القياس، أو التحديد، والتقييد، والتقعيد، وأنا لا اعتمد الذائقة الأدبية فقط في تلقي النص الإبداعي، هناك عمل مكثف أقوم فيه حتى يمكنني تلقي النص، وفك شفيراته المستعصية التي تبدأ، وتنطلق أساساً من حبي للنص المنقود، من خلال استفزازه لي لإملاء النص، بالرؤى، والتقنيات، والمؤثرات الإبداعية التي تتسع، وتتسع، لتجعلني دائماً اكتشف جديداً به ؛ولهذا أنا أعشق النصوص الإبداعية الصعبة التي تتطلب قوة في الطرح، والتفافاً في الرؤية، وكثافة في تنويع الرؤى، والدلالات، والرموز، وأرى في كل رمز اكتشفه تحدياً لمهارتي، وإبرازاً لها، ولهذا أنا أحتفي بكل ما يحرك في الحساسية الجمالية، ومهارة الاكتشاف، ولذلك، أنا لا أنظر إلى النص المنقود على أنه نص أحادي.. في رؤاه، ومنظوراته، ومحاوره، .. أنا أراه غابة متشعبة الرؤى، والدلالات، والاتجاهات؛ ولهذا أخوض فيه، وأنا أعلم أن اكتشافاتي على النص ينبغي أن تضيف ما هو جديد للنص، وإلا لا قيمة لكل ما كتبت، ولا قيمة في كل ما اكتشفت. ومن هنا لا يمكن أن يحقق الناقد رؤية نقدية خلاقة إن لم تكن ثمة إضافات مهمة على النص، وما من ناقد أو قارئ مهم إلا وكانت له إضافاته المميزة في الرؤية، والاكتشاف، ودقة الحكم النقدي، ولهذا، فإن من يشتغل في حقل النقد التأسيسي المؤثر يعي أن النقد مجازفة ليست رابحة على الدوام، وليست خاسرة على الدوام كذلك، إنها دائماً صراع بين ا (لقارئ المبدع) و (النص)، ومتى وصل الناقد إلى أحكامه الدقيقة التي تكون مستخلصة من عمق النص لا مسقطة عليه من الخارج؛ فمعنى ذلك أنه حقق قيمة نقدية قرائية تضيف إلى النص، ولا تكون عائقاً أمام تلقيه، وإنما تخلق متعة التلقي، لأن القراءات التي تضيف هي التي تثري النص، وتغنيه، وتغذيه للاستمرار في ركب الحياة المتصاعد، وتمنحه الخصوبة دوماً، ومن يبحث عن الإضافات المهمة على النصوص الإبداعية المؤثرة فلن ينسى الإضافات المبتكرة لصلاح فضل خاصة كتابه  (أساليب الشعرية المعاصرة)، واللمسات النقدية الساحرة من الناقد محمد العبد في كتابه  (إبداع الدلالة) وغيرهم كأمثال: وشكري عياد، محمد لطفي اليوسفي، وحاتم الصكر، وعلي جعفر العلاق. ولا ننسى لمسات المبدع الخلوق محمد صابر عبيد، وحساسية المبدعة الناقدة الجليلة بشرى البستاني- ودرتنا الأنثوية في النقد الجمالي السوري خلود ترمانيني.

وأعتقد بأن ما قدمته من إضافات جديدة في أعمالي النقدية المتتالية عن نصوص الشاعر السوري الكبير بدوي الجبل ما شكل إضافة قد تكون مهمة على فضاء نصوصه الشعرية. وباعتقادي أن الناقد الحقيقي لا يضيف إلى النص فحسب؛ وإنما يولد فيه بذرة الشعرية الخامدة في باطنه من جديد. ولهذا، أنا أعتز وأفخر بما قدمته من إضافات ورؤى جديدة لقصائد حميد سعيد، ويحيى السماوي، وعلي جعفر العلاق، وجوزف حرب، وأعتقد أن القارئ العربي المنصف سيعي ذلك ويقدره يوماً ما؟!!

أما عن سؤالك فيما يخص النصوص الإبداعية التي تثيرني فهي- بالتأكيد- تلك النصوص التي تحفر في العمق، ولا تقف حدَّ التنميق الصوتي، وجسدها اللفظي، فهذه النصوص ذات فقاعات سرعان ما تتلاشى، كرغوة الصابون، أو كغثاء السيل، وأنا أعتقد أن من يشتغل على هذا الجانب اللفظي في شعريته هو شاعر الطبقة الدنيا، أو شاعر الجمهور الساذج الرائج هذه الأيام، الذين يتهافتون إلى الرقص، والغناء، والنمذجات الموسيقية التي تلبي جنون الحالة الشعورية، دون وعي إبداعي وحفر فكري في العمق، أو دون الولوج إلى عمق الإبداع ورحمه الحقيقي، والشعر ليس متعة جمالية فحسب، وإنما ثقافة روحية ممزوجة بجمالية التخييل، والفكر الخصب في إنتاجها والمنفتح في أفقه الإبداعي، وما يهم دائما وأبدا ليس الإيقاع الصوتي المموسق أو المصطنع، وإنما روح الإبداع والموسقة الفكرية التي تُحَمِّل النص أبعاداً، وفضاءات جديدة مبتكرة، ورؤى، ودلالات لا تنفد، وأنا أعجب بالنصوص التي تتعدد فيها الرؤى، والمعاني، والدلالات وقد أقف مهزوزاً أمام النصوص السهلة، أو المتداولة بكثرة، وأجد نفسي عاجزاً عن إضافة كلمة واحدة إليها، لأن أدواتي - كما أدعي- تغوص في بواطن الأشياء، ولا تهتم بالمظاهر والظواهر السطحية التي يرتادها غيري بسهولة ويسر، في حين فإني أرى أن البحث عن رؤى جديدة، ومداليل عميقة تحفزني دائماً للحفر، والكشف، والارتياد الدائم لهذه النصوص المغلقة أوالنصوص التي يكتنفها الغموض لدرجة كبيرة .فمثلاً في كتابي الموسوم::  (شعرية الاغتراب في شعر حميد سعيد) هو كتاب مخطوط اكتشفت قضايا ودلالات في نصوصه مهمة تبدت لي في هذا الجانب، وما اكتشفته في هذا الخصوص قد يجعلني من أبرز من تحدث عن هذا الجانب في الإبداع، لكن رغم ذلك فما زالت أبحث عما هو كامن في روحي تجاه النصوص الإبداعية التي أرتادها، ودائماً تغريني التجارب المتطورة، تلك التجارب التي تتطور، وتتنامى كثيراً: كتجربة الشاعر حميد سعيد، ولا أبالغ بأن نصوص هذا الشاعر العراقي الكبير تحفزني للكتابة فيها على الدوام وقد أكرمنا الله بكتاب جديد وطرح متجدد في كتابنا:  (سيميولوجيا اللغة والفن في شعر حميد سعيد) وهو خلاصة ما قدمت من رؤى جديدة حول تجربة هذا الشاعر العراقي المهم.

أما احتفاء التلفاز بما أنقد فهو حفزني إلى الاشتغال على أدواتي بعمق ودراية فيما بعد، ملَّكني الثقة بنفسي وأدواتي.. خاصة في أوج الهجمات الشرسة على كتاباتي في تلك المرحلة العصيبة.. فقد ردَّ إليَّ الروح، والثقة بالنفس، وعلى الرغم من أن النقد على الشاشة الصغيرة كان يصب في مجرى النقد الأحادي أو النقد الانطباعي الذي تجاوزته إلى العمق فيما بعد، وأرغب دائما أن اكتشف ذاتي ومهارتي وقدراتي الإبداعية، ولهذا تصادمت مع الكثيرين مما نقدت أعمالهم شفهياً، ولم أحاول أن اتجه إلى الغث من الشعر لئلا أجرح أحداً، وأنال بأدواتي الجارحة الصارمة بعض التجارب، فتموت وتتلاشى. وأعتذر من أولئك، لأني لا أستطيع أن أتفاعل نقدياً مع النصوص التي لا تثيرني إبداعياً، وأنا أحب الاشتغال على أعمال شعراء أحياء لأني أحب أن أعاشرهم على الصعيد الشخصي لأكتشف هل هم كنصوصهم الإبداعية في مستوى جمالها وتحليقها الروحي.. فإن كانوا غير ذلك لا أستطيع أن أتفاعل مع نصوصهم الشعرية.. فأنا لا أدرس النصوص الإبداعية التي تأتي من نفس متخمة بالنرجسية المرضية في تصرفاتهم الإنسانية، أو نوازعهم المرضية كالحقد، والحسد، والكره، والضغينة، ولهذا، لم أستطع أن أتفاعل مع القميئين أو الدنسين في الوجود.وأكره ذكرهم فكيف معاشرتهم.. أو حتى النظر في شأن إبداعهم. وهذا شأني في النقد وشأني في تلقي الإبداع، والحفر، والكشف فيه.

أما بشأن النقد . لنتاج الشاعر سعد الدين كليب فأقول لك: النقد أمانة، وليس سلاحاً ننال به خصومنا، نطعن في هذا ونمجد ذاك . إن ركيزة الناقد المبدع أو الناقد الحصيف المخلص لأدواته هي قيمة النتاج الأدبي الماثل بين يديه إبداعياً، ولهذا، ابتعدت عن نتاجه مسبقاً؛ لإيماني أن الجمال الداخلي أهم بكثير من النتاج الإبداعي، لأن الإنسانية قيمة وجوهر.. وجوهره يكمن في قيمه الإنسانية النبيلة، وخلقه القويم. وإخلاصه لرسالته الإبداعية، وقد حاز عندي سعد الدين كليب درجة الصفر إنسانياً وإبداعياً ولو- على سبيل المثال- مجده شيخنا في النقد صلاح فضل، لأنه ارتضى لنفسه أن يكون من شلة المدمرين، والقتلة، والمجرمين، وأمثال هؤلاء لا يستحقون النظر إليهم فكيف إلى نتاجهم الأدبي أو النقدي.. وإن الالتفات إليهم- ولو كلمة- فمعنى ذلك أن هذه الكلمة فقدت قيمتها وفقدت وجودها وجوهرها الإنساني. واعترف أن سعد الدين كليب كان المدية التي طعنني بها الدعي المجرم أحمد محمد ويس من الخلف، بمساعدة عميد الكلية المبجل أحمد محمد قدور- بجَّله الله بسوط من نار الجحيم. . وكنت أقول في سري: واخجلاه من بلد لا ينصف مظلوميه من ظالميهم.

وأكرر وأقول: سواء صدق معاناتي القارئ أم لم يصدق.. لا يهمني الأمر كثيراً.. المهم أن أعلن صرختي إلى الملأ في وجه أولئك الظالمين .. وأقول لكل من له قلب أو ألقى السمع وهو بصير: إن الطائر الجريح لا ينتفض إلا من شدة الألم.

 

2- هل ستعود إلى سوريتك إذا أنصفتك يوماً؟ ومنحتك حقك المسلوب؟!!

- أنا قلت إن سورية هي بمثابة الأب الظالم أو الأم الظالمة مهما اشتد ظلم الأب على ابنه لا يستطيع هذا الابن البار إلا الانحناء لهما احتراماً... ودماء حبي لوطني وسوريتي يغلي في عروقي، لكن.. بعدما أيقنت أن أبي سيستمر بظلمه وأمي كذلك. سأحمل صرة ملابسي وأحزاني على ظهري وأبحث عن وطن وأهل وحبيبة، وأقول وداعاً يا أبي الظالم ويا أمي الظالمة، وداعاً يا سوريتي وغرفتي الوحيدة سأبحث عن بلد حنون يهبني غرفتين، وحبيبة تمنحني ودادها، وأكتب بقطرات دمائي  (سوريا).

 

3- ما هو موقفك من مسألة النص المفتوح والمغلق؟ وهل يمكن أن نقول إن ثمة إبداعاً منفتحاً أو مفتوحاً وإبداعاً مغلقاً أو منغلقاً على نفسه رؤيوياً أو مقفلاً فكرياً؟!! وهل تتحقق هذه المعادلة في الإبداع الحقيقي عموماً؟!!

 - الإبداع مفتوح كانفتاح الحياة.. والنص الإبداعي الحقيقي هو النص المفتوح، أو النص المنفتح؛ والنص المنفتح بحاجة إلى قارئ منفتح .. وهذا القارئ المنفتح هو الذي يتفاعل مع النص، ويحلل النص تبعاً لأفقه المفتوح المتنامي دوماً، والانفتاح لا يكون في الفكر والرؤية فحسب؛ وإنما بالمرجعيات الرؤيوية والثقافية التي يختزنها، والتي يفجرها، وقارئ النص الفعال هو الذي يحيي النص، ويهبه استمراريته، وتجدده- على الدوام – وباعتقادي: إن (أمبرتو إيكو) أول من طرح هذه المسألة المهمة عالمياً (النص المفتوح/ والنص المغلق) في النظرية الأدبية الحديثة.

وبتقديري: إن مواجهة النص مواجهة فعالة لا تتحقق بفاعليتها القصوى إلا عندما يستطيع المؤول أو القارئ المنفتح أن يضيف أبعاداً رؤيوية ودلالية وجمالية جديدة إلى النص؛وهذا يعني أن القارئ الناجع هو الذي يحقق للنص الأدبي الماثل بين يديه خلاصة معارفه، وخبراته المكتسبة، وتظهر هذه الخبرات مجتمعة بمقدار فاعلية الإضافة، وأهميتها في إثراء النص، وتناميه جمالياً، ولهذا، تبقى مسألة النص المفتوح والنص المغلق مسألة نسبية في الإبداع؛ ولا نبالغ في قولنا: تبقى في حجم الإبداع ذاته والرسالة المتعلقة به أو المخصصة له، فالقارئ الفعال هو الذي يطور رؤية النص، بل هو الذي يغني دلالات النص، ويثريه برؤى جديدة، ومدلولات خبيئة مستكنة في أعماقه.

 وبمنظورنا: بمقدار سموق النص الإبداعي، ودرجة حساسيته الرؤيوية والإبداعية يحقق درجة عليا من الجمالية، والخلق الفني، والعمق الفكري، والرؤيوي بشكل يؤكد قيمته الإبداعية، وانفتاحه، وحراكه الإبداعي الفني والجمالي المستمر، ولهذا؛ لا يحلق النص في إبداعه وسموقه الجمالي إلا بانفتاحه على القارئ من خلال قوة الرؤية التي يمتلكها القارئ، أو المؤول الناجح، وكم من النصوص الشعرية الإبداعية لم يخلدها إلا انفتاحها الرؤيوي، وتقبلها لعددٍ لا متناهٍ من القراءات، ولهذا، فالقارئ الخلاق المبدع هو الذي يغني النص بأفقه، ورؤياه، ومنظوراته الإبداعية الخلاقة، ويحقق المتعة الجمالية، ولهذا، لا يحقق النص الإبداعي سموقه واستعلاءه الجمالي إلا بانفتاحه الرؤيوي، وحراكه الدالي والمدلولي المفتوح على الدوام، ومن هذا المنطلق، يخطئ من يظن أن الانفتاح النصي هبة تعطى لأي نص إبداعي، إنها قيمة تنبع من باطن النص، من جوهره الإبداعي، وليست مسقطة عليه من الخارج، لا من قريب أو بعيد .

 وبتقديرنا، لا يمكن أن يحقق النص رؤيته الانفتاحية إلا من خلال الفكر المنفتح، والرؤية الخلاقة المتوهجة؛ وبمنظورنا: إن النصوص الإبداعية المغلقة هي النصوص التي لا تقبل الانفتاح، ولا تنفتح برؤاها .. وتبقى في عزلتها الإبداعية؛ وهذا يفقدها الكثير من بريقها الإبداعي، إن لم يفقدها رصيدها الفني لأن ما هو فني اليوم قد يفقد هذه القيمة بمرور الزمن لتحل قيماً أخرى ورؤى مغايرة في مضمونها ومكنونها الإبداعي. وكما قلنا لا يمكن أن تتحقق معادلة العزلة على الفن الإبداعي الحقيقي لأن الفن سيبقى منقوصا بانعزاله عن قارئه ومؤوله الفعال الناجع. وكم من النصوص الإبداعية لم ترتقي إلى درجة من الفكر والخلق الفني إلا بفضل انفتاحها وخلقها الفني الجمالي المؤثر، وبتقديرنا إن الفكر المنفتح هو الذي ينتج النص المنفتح، والفكر المنغلق هو الذي ينتج النص المقفل المنطوي على ذاته، وهذا ما يوقع القارئ في حيرة وتساؤل مفتوح كيف يكون الإبداع مفتوحاً؟!!، وكيف يكون مغلقا؟!! لا يمكن أن يكون الإبداع مفتوحاً ومغلقا في الآن ذاته، فالإبداع هو خلق دائم وحراك إبداعي مستمر، وصيرورة دائبة من الوعي، والرقي الإبداعي، ولهذا، تبقى هذه المسألة الشائكة في تشابك وتداخل مع تطور كل تجربة إبداعية؛ وبمقدار تقبلها للقارئ بنجاعة وفعالية مؤثرة تسهم في إغناء الرؤية، وتخليقها جماليا .

 

4- ما هو مفهومك للحرية والالتزام في الإبداع؟!! ومتى يكون الإبداع حرا؟!! ومتى يفقد الإبداع سمة الحرية؟!.وقد طرحت هذا الموضوع في حوارك للكثير من الشعراء في كتابك  (ملفات حوارية في الحداثة الشعرية)؟!! كيف تنظر إلى الحرية في الإبداع قبل الحرية في الحياة؟ وهل عشت الحرية فعلاً وواقعاً ممارساً أم أنك مضطهد، ومستلب عشت الحرية في أحلامك ومخدة عشقك الحياة في مرحلة من المراحل؟ هل تنفست الحرية وشممت عبقها؟!! ومن هؤلاء الذين يستحقون الحرية وهل يمكن أن يكون الإبداع حراً من منظورك؟!! ومتى يفقد الإبداع هذه الحرية؟!!

- أقول بصراحة: الحرية متنفس الوجود كله، وليس فقط متنفس الإبداع، ومن لا حرية له لا قيمة وجودية أو إنسانية له. وأرى أن الحرية ليست فقط حرية فكرية، وإنما حرية وجودية.. أن تعبر عن الحياة والوجود بعيدا عن الإيديولوجيات، والقوانين، والأعراف، والمعتقدات، أي حرية نابعة من إنسانية الإنسان وتكريس هذه الإنسانية؛ ولاشيء سواها؛والمبدع الحر هو المبدع القادر على التعبير عن شتى المواقف، والأحداث دون حواجز أو قيود، وهنا؛ تختلف طريقة ممارسة كل مبدع لحريته، فالحرية هي التي تولد الإبداع المؤثر، أو الإبداع الخالد، أو المواقف الاستثنائية؛ ومن لا حرية له لا إبداع. وهذا يدلنا على أن الحرية في الإبداع مسألة تبقى في قيد الطرح، وتبقى في قيد التداول، وتبقى في قيد الإحساس، وفي قيد الشعور، والمبدع الحقيقي لا يكتب إلا من فكر حر منفتح في رؤاه، وخصائصه، ومواقفه، وأحاسيسه الوجودية، والمجتمع الحر هو الذي يؤهل التربة الحقيقية للإبداع، وهذا يعني أن الإبداع حرية في الممارسة، والإحساس، والموقف الفكري، وللتحديد أكثر نضع ثلاثة ركائز للحرية في الإبداع أو للحرية في خلق الإبداع أو في خلود الإبداع، وهي:

1- الحرية ممارسة وفعل لا رؤى خارجية ومواقف رؤيوية هشة:

- الحرية في الإبداع ممارسة إيجابية لا مواقف سطحية عائمة أو خارجية، وهذا يعني أن الفكر الإبداعي المؤثر فكر منفتح في المواقف، والرؤى، والإحساس، والشعور، ولن يرقى الإبداع إلا بالسموق الفكري، والإحساس التأملي، والموقف الوجودي، والحرية التعبيرية.. وممارسة الحرية في الإبداع تعني أن يكون الإبداع رهين فكره، وحضارته، وإحساسه وجوديا، والحرية ليست في شكل الموضوع المطروح وإنما بالكيفية التعبيرية، والحساسية الجمالية في طرح الموضوع، والارتقاء به فنياً أو جمالياً.

 

2- الحرية خلق عوالم وفضاءات مبتكرة. لا فضاءات مرتادة

إن الفكر الإبداعي الحقيقي فكر حر، وطريقة التعبير عنه تكون جديدة وحرة كذلك، وتكون متاخمة لكل ما هو مؤسس، وواع، وقادر على التغيير، والحرية في الإبداع ليست جرياناً وانفتاحاً في القول على غاربه، وإنما هي حيازة لعوالم مبتكرة؛ والشاعر الحر، ليس هو الشاعر الفوضوي العبثي في رؤاه، وأفكاره، وعوالمه الوجودية، إن الفكر الحر هو الفكر المتنامي في حركته، وتحليقاته الإبداعية، وهو من مثمرات الرؤية الفنية المحلقة في سماء الفن، ولولا الفكر المتقدم المنفتح لما شهدنا الحضارات المزدهرة والفنون المتطورة؛ ونكرر دائماً، الحرية في الإبداع والفكر من ضرورات الوجود، ومن ضرورات صناعة الحياة وخلق الإبداع المنفتح المتطور.

 

3- الحرية متنفس وجودي إبداعي حر في الابتكار والتخييل الفني الجمالي:

الفن الإبداعي الأصيل لا يأتي إلا من فكر منفتح في خياله، ووجوده، وكيانه، وجسده المبدع، وهذا يعني أن الفن في عمومه حركة كونية منفتحة في حركتها، وخيالها، وتخييلها الذي ترتقي به فوق حدود الممكن والمحتمل إلى فضاء رؤيوي مفتوح. والحرية هي مختبر الإحساس بالجمال، والوعي الجمالي، أو الفكر الجمالي، وهذا الفكر لا يأتي إلا منتوج خيال خلاق وإحساس شعوري دافق بالحساسية، والشعور، والوعي الإبداعي الخلاق المنتج.

ووفق هذا التصور، فإن المختبر الإبداعي الخلاق أو المثمر لا يأتي إلا منتوج روح خلاقة مبدعة تسعى إلى اختراق الحدود الجزئية إلى فضاء عميق، في الحساسية، والرؤية، والخيال، وأنا من عشاق النصوص التي تجري متكاملة في فكرها وإحساسها وخيالها الجموح الذي ترتاد به الأفق بعمق ووعي ودراية، وهذا هو باختصار الفن الحر الذي لا ينتج إلا عن نفس مشبعة بالحساسية والوعي والجمال والحرية في أوج تألقها الفني الخلاق في النص.

وصفوة القول: إن الحرية هي شرط من شروط الإبداع المحلق (الخالد)؛ وهذه الحرية ليست حرية سياسية أو اجتماعية، وإنما حرية إحساس جمالي، وحرية التعبير الجمالي عنه، و الفكر الجمالي المنفتح في رؤاه ومشاعره.. الحرية ليست ماثلة إلا في جوهر الإبداع وشكله وقيمته ولا يمكن أن يكون الإبداع حراً مؤثراً؛إلا إذا كان فاعلاً في تحريك الفن وإثارة جماليته.

 

5– المرأة في حياتك هل لها تأثير سلبي على إبداعك أم تأثير إيجابي؟ وهل أنت سعيد مع الأنثى أم إنك قتيلها أسى ومرارة وظلماً. وما هي الصفات المثالية في المرأة التي تأمل أن تعيش بقية فترات عمرك معها؟!!

- للأسف المرأة في حياتي كانت قاتلتي في كل شيء.. فهي في وجودي كانت مع ألد أعدائي، خاصة زوجتي التي عشت معها فترة من الزمن نلت منها شتى أنواع الضنك والظلم والقهر؛ وكانت دوماً تشدني إلى الوراء فهي مجرمة. كإجرام أولئك السفلة المذكورين؛ فهي تنال مرتبة الشرف الأولى في الغباء . تكرر الخطأ (1500) مرة، وتطمح إلى المزيد. وباعتقادي أن المرأة الصالحة المحبة تزيد من درجة إبداع المبدع، ومن تحليقه الإبداعي، ولا أبالغ في قولي: المرأة الحنونة النابضة بالأنوثة، والخصوبة، والجمال هي لوحة فنية - بحد ذاتها- ، وللأسف كانت لوحة مشوهة في حياتي. ودائماً أقول في سري: ملعونة دنيا لا تسكنها امرأة جذابة تسكرك بحنوها، وتمتص ببريق عينيها ضنك الأيام، وعجاف السنين. وأجمل ما في المرأة خفة الروح، والذكاء، والغنج، والدلال، والرهافة، والحساسية والخلق القويم... ولا أخفيكِ رسمت صورتها في قلبي مراراً.. لكنها للأسف لم تأتِ.. انتظرتها طويلاً حتى جف قلبي، وجفت محبرة دموعي بحثا عنها. لكنها مع الزمن تحولت إلى رماد ... وقلبي صار أسطوانة قديمة مشروخة لا تصلح إلا للعنين، والنغم المشروخ من الأعماق.

 وباعتقادي: إن المرأة أهم مشروع في الوجود والحياة؛ لدرجة تساويها . فمن ظفر بامرأة حلمه . نال الوجود بأسره. ويشعر من يمتلك هذه المرأة، وكأن العالم بأسره طوع بنانه، ومن خسرها خسر الحياة، وخسر وجوده، وإحساسه الجمالي، وللأسف أنا خسرت أهم مشروعين في حياتي  (الزوجة الصالحة)، ودرجة الدكتوراه. وكما قال أحد العظماء: امنحوني امرأة أمنحكم فكر العالم وحكمته. ولذلك، أعلم أن اشتغالي النقدي المبدع مازال بعيدا عني . لأني خسرت المرأة الحلم، أو المرأة الذكية المثقفة التي تشاطرني الحياة، وخصوبة الإبداع . وأنا أؤكد صحة المقولة الشائعة : (وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة وأضيف وراء كل مجتمع فاشل امرأة فاشلة,, وأكثر ما يميتني في المرأة الغباء، والكذب، والخيانة، وأكثر ما يغريني فيها الذكاء، والأناقة، والغنج، والتمنع، والدلال، والفطنة. وفي ظني: إن المرأة التي أبحث عنها – بالتأكيد- ليست مما رأيت أو صادفت في حياتي إلى الآن .

ودائماً أكرر مقولتي الشائعة: ندخل عالم النساء لنرتوي فنخرج من هذا العالم أكثر ظمأً من الأول، والنساء بستان ورود ما إن تشم عبير امرأة حتى يغريك عبير امرأة أخرى برائحة مختلفة وعبق جذاب آسر، وهكذا، يحيا الفنان أو المبدع رحلة عذاب واغتراب دون أن يُحَصِّل من الورود إلا الأشواك، ومن النساء إلا الأطياف، والأحلام، والأخيلة.

 

6- هل المرأة- الآن- مثبطة لإبداعك أم محفزة له؟

- المرأة ليست مثبطة لي، بل قاتلة لنبض الجمال في وجودي، وإحساسي، وأنا خاسر في هذا الشق المهم من الحياة... وأعترف – وأقول بصراحة - أخاف على قارئي من مصيبتين مريرتين لدرجة العلقم، هما الزوجة السيئة، وضنك المرض، كلاهما لا يرحمان .وكلاهما مميتان (لعنت الله عليهما، وسلم قارئي منهما).

 

7- متى يكون الشعر فناً خلاقاً؟ ومتى يكون غير ذلك؟!! أي متى يكون الإبداع فناً جمالياً؟!! ومتى يفقد فنيته؟!!

-  الإبداع لا يحقق فنيته، وخصوبته الجمالية إلا عندما يمتلك قوته الإثارية وتقنياته الفنية، المتوالدة على الدوام، ونقول: إن الكثير من النصوص الإبداعية ساكنة في تقنياتها أو سكونية في هذه التقنيات، وهذا يعني أن الإبداع قد يكون سكونياً؛ في بعض مؤثراته؛ وقد يكون متحركاً في بعضها الفني الآخر؛ تبعاً للقيم الجمالية التي يفرزها كل نص يملك قيمه الفنية العظمى، وأقول: ليست كل النصوص الإبداعية متحركة في فنياتها، وأكرر: إن الكثير من النصوص الإبداعية رهينة زمنها دون أن تتجاوزه إلى أزمنة أخرى، وهذه الأعمال هي الأعمال السكونية، أو الأعمال اللا متطورة في تقنياتها؛وشتان مابين الأعمال الإبداعية المتطورة التي تتزيا بالتقنيات الفنية التوالدية على الدوام، والأعمال السكونية التي تبقى في حيز زماني آني لا تتجاوزه بقليل؛ والنصوص الفنية الإبداعية الخالدة هي نصوص متطورة في تقنياتها، أو هي نصوص، منتجة لهذه التقنية، ومحركة لإيقاعاتها كافة، ومن هنا؛ يمكن القول: إن الفنون المبدعة أو الخلاقة في إبداعها، هي المتغيرة في تقنياتها الفنية، والمحركة لإيقاعاتها التشكيلية، وإن أي فن من الفنون لا يستمر ولا يخلد إن تحددت تقنياته، وظلت ثابتة راسخة، فالنصوص المبدعة التي تتجاوز نطاق أزمنتها - دوماً- هي نصوص خلاقة متغيرة؛ وهي نصوص متطورة، باختصار هي نصوص حداثوية في الجوهر، والقيمة، والرؤية، والفن المتآلق هو الفن الخالد في جميع قيمه، ومرتكزاته الرؤيوية، ولهذا؛ لا يسمو النص الشعري، ويحقق قيمه إن بقي رهين لحظته، وتقنياته المنتهية، أو تقنياته الموضوعة لزمنها، وهذا يعني أن النصوص الفنية المبدعة هي التي تسبق زمنها إلى أزمنة أخرى، وتتحرك على أكثر من محور، وتزدان بالرؤى، والقيم المتوالدة على الدوام . ولهذا، شتان ما بين النصوص الإبداعية التي تقبع في زمنها متحجرة به، والنصوص الإبداعية التي تتجاوز أزمنتها إلى أزمة أخرى بفضل توالدها التقني وحراكها الرؤيوي والفني على الدوام، ولذلك، تبقى مسألة الإبداع الخالد، والإبداع المتلاشي أو المنتهي بحسب طاقة التخييل العالية، والقيم الفنية المتوالدة على الدوام، والتي لا تنتهي أو تشيخ.

 

8- أنت تشتغل على نفسك كثيراً لدرجة الإرهاق ما هي خواطرك ورؤاك النقدية في ظل هذا النشاط المكثف المحموم الذي نراه على صفحات المجلات الإلكترونية؟!!أي نلحظ أنك تنفق جهدك كثيراً فيما لا طائل منه على المستوى المادي؟!! وأنت كناقد سوري تعاني ظروفاً مريرة من الضنك والعسر خاصة بعد دمار منزلك ومكتبتك؟!!

- أنا أرى النقد رسالة .. وأعيشه ممارسة.. وأضحي بالغالي والرخيص لأداء هذه الرسالة، وأنا قلت ليس لدي أي مطمح في مكسب مادي أو معنوي ينالني من مؤسسة ما أو دولة، أو منبر ثقافي.. أنا أكتب للقارئ المثالي الذي وقف معي من سابق في قمة العاصفة الهوجاء التي شنت ضدي في جامعة حلب، وأعترف أن ثمة أسماء ساندتني للتماسك والصمود، فكانوا أخوة وأصدقاء وأحبة أبرزهم الناقد العظيم العلامة خليل موسى والناقد عبد الله أبو هيف والناقد ياسين الأيوبي، والناقد محمد صابر عبيد، والناقد علي جعفر العلاق، ولا أنسى كلمات الدكتور جودت إبراهيم المشجعة وغسان غنيم، وعبد الكريم الناعم.. فهذه الأسماء أدركت قيمة ما أكتب، وشجعوا ما كتبت عن تجاربهم، من حيث القيمة، والأهمية، ولهذا، صمدت أمام هؤلاء الظلمة، وجعلتهم ورائي ومضيت، وأعلم الآن أنهم أشد خزياً، وانهياراً، وخنقاً من ذي قبل؛ لأنهم ظنوا أنهم قضوا علي بادعاء اتهم المخزية على الشبكة الالكترونية، وأكدت صمودي سدا منيعاَ في وجه مؤامراتهم، طيلة عشرة سنوات ماضية أصدرت خلالها الكثير من الكتب التي نفدت طبعتها الأولى في غضون ثلاثة أشهر، نظراً لقيمتها، وأذكر من هذه الكتب: بدوي الحبل بلاغة القصيدة وتشكيلها البصري التي نفدت في غضون شهور قليلة. وكتاب القباني وثقافة الصورة.

أنا أشتغل دائما على نفسي، لأني ما عدت أطمح سوى أن أمضي بقية عمري مع صاحبي قلمي ودمعتي، لأكتب للقارئ كل ما حصلته من خبرة معرفية في سبر أغوار النص الشعري، وقد قلت من سابق لو تعاطف معي العالم فرداً فرداً لن يردوا لي زمني الضائع وأحلامي التي دفنت في صدري، ولو اجتمع ضدي العالم بأكمله فرداً فرداً لن يثنوا من عزيمتي، وجسارتي، وإصراري على تقديم بصمتي للقارئ؛ بصمة الإخلاص، والود، والمحبة، وكل ما أنشره على النت من مقالات في مجلات مختلفة: هي مجانية ولا تمنح أية مكافأة لأحد.وأذكر من هذه المنابر هي: (ديوان العرب) ومجلة (الكاردينا) ومجلة  (بصريانا)، وأفتخر بالنشر فيها، لأنها تنشر الكلمة الصادقة المبدعة دون أن تأبه إلا بالإبداع، ولا تهتم بالشائعات، والهجمات العدائية من هنا وهناك، وأتمنى من جميع المنابر الثقافية المحترمة أن تنظر إلى المواد النقدية وقيمتها، وسويتها الإبداعية؛ فهي الفصل في الحكم على جودة الناقد، وقيمته، وليست الإشاعات المغرضة من أولئك السفلة الذين يضربون في هذه الموهبة أو تلك كشلة الويسي، والقدوري والكليبي ..لا بارك الله في هذه الشلل التي لا تمت إلى الثقافة بأية صلة، ولا تمت للإبداع الحقيقي بأي رابط أو دليل.. ورحم الله من عرف إمكانياته فطورها، وفجرها في اللحظة الحاسمة، ولم يستسلم للمثبطين الذين لا يشتغلون إلا في الظلام، ولا يعيشون إلا على ضحالة الأشياء وقمائتها كنفسهم القميئة المريضة التي استكانت لبهرجة الأنا المفخمة، دون رادع أو وازع من ضمير.

 وأنا أقاوم شتى الظروف القاسية لإيصال كلمتي للقارئ، بصدق، وشفافية، وقوة تعبير، ومن أجل ذلك، عمدت إلى تكثيف نشاطي في التحليل النصي، وتركيز أدواتي صوب القضايا والظواهر الأسلوبية الفاعلة في تحريك الشعرية من كل الجوانب.

 

9- متى يكون الناقد مبدعاً ومتى يكون مقلداً أو تقليدياً؟ وهل ثمة نقاد مبدعون كإبداعهم الشعري، ومن أهمهم؟!! وأين أنت منهم بوصفك شاعراً كثبت قصائد كثيرة لدرجة أن الإبداع الشعري لديك لا يقل أهمية عن إنتاجك النقدي.. لماذا أغفلت إبداعك الشعري الخلاق في هذا الجانب؟ واكتفيت بالنقد؟!!بمعنى أدق : لقد ضيقت أفق إبداعك المحموم؟ ولو أردفته بنتاجك الشعري لكنت أكثر شهرة وأعمق تأثيراً في قارئك؟!.

- أنا أتنفس الشعر، وأعيش معه لدرجة أن إنتاجي الشعري يفوق في سويته الإبداعية النقد الشعري الذي أمارسه؟!! ولن يظهر للقارئ في هذه الآونة لأن ثمة قضايا أدبية ونقدية تستفزني وتجرني إلى عوالمها وفضاءاتها النصية المغرية، وكل ناقد إبداعي مؤثر؟!! لابد أن يسكن في أعماقه شاعر أخرس، هذا الشاعر لابد أن ينطق في حينه، وأنا ولدت كشاعر، وعشت التجربة النقدية كشاعر، ولست كناقد فحسب، وهذا ما يدركه المبدعون الأذكياء الذين تناولت قصائدهم بمبضع شعري، وإحساس شاعري، فأنا منذ السنوات الأولى في الجامعة قدمتني الجامعة كشاعر وليس كناقد، ونظراً لمحبتي وإخلاصي للنقد، جرني إليه، وأبعدني عن عالمي الروحي، وكان عشقي للفتاة المصرية (شيرين) نقطة تحول في حياتي، وكتبت في عينيها أجمل القصائد وأصدقها، وأهديتها كتابي النقدي عن  (أدونيس)؛ وعلى الرغم من أن عشقنا لم يكن إلا بتبادل النظرات، في رحلة لم تدم أكثر من عشرة أيام ... ولهذا؛ تفجرت ينابيع الشعر لأكتب ديواناً ضخماً، وكلما أقرأ قصيدة أستعيد نظراتها، ويفيض نهر الشعر..

باختصار، كل النقاد المؤثرين عربياً هم شعراء، مارسوا الشعر وأحسوه كما أحسوا النقد ومارسوه.. والأمثلة على ذلك كثيرة، وللتدليل على ذلك سنعدد الأسماء النقدية- الشعرية المهمة التالية:

أدونيس ناقد كبير وشاعر عظيم

علي جعفر العلاق شاعر وناقد

محمد صابر عبيد شاعر وناقد

بشرى البستاني شاعرة وناقدة

نازك الملائكة شاعرة وناقدة

خليل موسى شاعر وناقد

عز الدين المناصرة شاعر مهم وناقد أهم

نزار بريك هنيدي شاعر وناقد

غسان غنيم شاعر وناقد.

وليد مشوح شاعر وناقد

ياسين الأيوبي شاعر وناقد

إذا، النقد والإبداع صنوان لا يفترقان، وأنا أرى أنهما متصلان لا منفصلان، فالشاعر في داخله ناقد أخرس، والناقد في داخله شاعر أخرس، ولهذا، نجد أن الكثير من النقاد هم –بالأصل- شعراء، لأن النقد لا يأتي إلا من ناقد مبدع حساس متمرس يعي مداميك الكلم، ومواطن استثارتها وإثارتها.. ومن فهم هذه المعادلة فهم حقيقة الإبداع، وقيمه، ومتغيراته الوجودية ؛وفهم كذلك كيف يكون النقد مبدعاً؟ وكيف يكون تقليدياً، ومن نفسه مشبعة بالحساسية الإبداعية فلابد أن يأتي نقده مبدعاً كذلك، وأنا أرى النقد الحقيقي هو النقد الذي تفرزه نفس مشبعة إبداعاً وإحساساً جمالياً، وهذا الإحساس لا يأتي إلا من ينبوع التجربة الإبداعية ورحيقها ومنهلها العذب.

 

10- ما هي رؤيتك للاغتراب الفني؟ وهل الفن بمنظورك لا ينتج إلا عن قلق واغتراب؟!! ومتى يكون الفن مغترباً؟ وأدواته مغتربة؟!!

أولاً أشكرك يا أختاه- على هذا السؤال الذكي وأشكر فهمك لهذه المسألة الحساسة في الإبداع.

- لا يكون الفن فناً – بالأساس – إلا إذا كان مغترباً في رؤاه، وتقنياته الفنية، وحسه الإبداعي المميز، والفن الحقيقي هو منتوج روح حساسة مغتربة في فكرها المنفتح، وعالمها الإبداعي الخاص، وبهذا التصور، فإن النص المغترب – بالتأكيد- أدواته ورؤاه وأحاسيسه ومنظوراته مغتربة كذلك، والفن المتألق لا يحيد عن تميزه واغترابه وحسه الجمالي، وفكره المنفتح المحلق في فضاء التخييل الإبداعي الخلاق الأصيل؛ والاغتراب ليس هو المفجر للإبداع، وإنما هو المنتج للفكر؛ وهو الذي يولَّد النفس الوثابة القلقة المتسائلة عن وجودها، وعالمها الخلاق؛وكل فن هو حصيلة اغتراب ما نفسي، أو شعوري، أو فكري، أو تأملي، والفن الذي لا ينتج، ولا يغيِّر، هو فن ساكن أو فن آني، حبيس لحظته الآنية، وزمنه الراهن المنقضي، والفن الخالد هو الفن المغترب – في جوهره- ونبضه الداخلي، وحساسيته الجمالية، لهذا فإن اغتراب الفكر الجمالي عند المعري هو ما جعل مؤلفاته خالدة إلى الآن، وقصائد المتنبي مازالت تعيش في عصرنا، وتسكن في ضمائرنا، نظراً لاغترابها الفني ونبضها الوجودي وحساسيتها الجمالية.

وصفوة القول:

لا يكون الفن فناً إلا إذا كان مغترباً في جانب من جوانبه، وهذا القول ينطبق على كل الفنون الإبداعية الجميلة في هذا العالم المتغير الذي يؤذن كل يوم بجديد ما، على صعيد الإبداع، والفكر، والابتكار التقني الخلاق، وكم من النصوص المؤثرة لم تخلق إبداعها إلا من اغترابها بالتقنيات الفنية، والمؤثرات الإبداعية التي انمازت في الشكل الفني، والحساسية الجمالية.

 

 11- هل بمنظورك أن عجلة النقد التأسيسي المبدع تسير إلى الأمام  أم تتراجع القهقرى؟!! ومتى يرتقي الإبداع ويحقق ثمرته اليانعة؟!!.

- الإبداع النقدي لا يرتقي، ويحقق ثمرته الإبداعية اليانعة إلا بوجود الكفاءات الخلاقة التي تمتلك الخبرة، والممارسة، وزهو الإبداع، والنقد لا يتطور إلا في ظل الخبرات العظيمة الخلاقة التي ترتقي بسماء الإبداع، والفن الخلاق المثمر؛ويكفي ما قدمه النقد العراقي من طاقات فنية ومواهب خلاقة بالإضافة إلى النشاط المحموم في الفكر النقدي في مصر وتونس والمغرب والجزائر؛ والحق يقال: إن النقد العربي يسير في منزلق خطير، وهو تراجع سوية الدراسات التطبيقية، لاسيما في نقد الشعر، وهذا التراجع نتيجة عدم استثمار ما ننظِّر له، وما يتم تطبيقه بالإضافة إلى البون الشاسع بين المستوى الخلاق في التنظير، والنشاط المحموم في هذا الجانب وعمق التطبيق الذي لا يرتقي إلى جزء يسير من هذا الجانب، ونأمل للنقد العربي مزيداً من التطور، والوعي، والنقد المثمر البناء.

 

12- ما هي نصيحتك لكل قارئ، سواء أكان قارئاً لك؟ أم لسواك؟ وما هي أمنياتك له؟!!

- نصيحتي لكل قارئ أن يكون موضوعياً، وأن يكون صادقاً في ورؤاه، وتأملاته الوجودية؛ وألا يحترم إلا النص النقدي الخلاق الذي بين يديه، فإن تفاعل معه فهذا يدل على أنه حرك لديه القشعريرة الجمالية في التلقي، وهذه هي الثمرة التي يجنيها الفن الممتع، وهي المعيار الجمالي الدقيق في الحكم على جودة الناقد، وجودة أدواته النقدية، ونصه الإبداعي المنقود.

 

13- ما هي أمنياتك لكل إنسان على الصعيد الإنساني والوجودي؟!!

- أتمنى أن لا يعيش حياة كحياتي المعذبة، وأن تتحقق كل أمانيه، وأن لا يبتلى بالظلمة، وأن يتنفس عبق الأنثى الودودة الذكية، التي تهبه قبلات الحياة، وأرجوه ألا يَظلم. وأن يكون إنساناً في كل المواقف، وأن يضحي بالغالي والرخيص للمحافظة على إنسانيته، فبالمحبة تشبعنا لقمة، وفي الإيثار قمة النشوة، والدفء، والسعادة، والمحبة، والسلام.

 

حوار القاصة والكاتبة فداء شرتح