حوارات عامة

المثقف العراقي والطائفية

ibtesam yousifaltahirحوار مع كتاب وأدباء عراقيين حول الطائفية والانتماء للوطن قبل الطائفة والقومية:

الكثير من المثقفين العراقيين بشكل عام واليساريين بشكل خاص وظفوا فنهم من اجل المجتمع وقضاياه. والتزم الكثير منهم جانب الدفاع عن حق المجتمع في التطور والتقدم. ماعدا القلة ممن استماله النظام السابق الى جانبه!.

وغالبية المثقفين او المبدعين لم يعارضوا النظام السابق لأنه سني .. ونعرف ان الالاف من الشيعة منتمين لحزب البعث عن قناعة او خوف من بطشه. ومنهم من له ضلع في السلطة. كذلك اعتراضنا على السلطة الحالية بعيدة تماما عن منطق انها شيعية وهي ليست كذلك لان للطوائف الاخرى اضلاع فيها. وانما ما قدمته او تقدمه تلك السلطة أو هذا النظام للمجتمع والمواطن الذي هي مسئولة عنه. اعتراضنا على كفاءة تلك السلطة في ادارة الدولة وعدم تعريض الشعب والوطن للمخاطر كما حصل في الحروب المتواصلة. وما يحصل الان من كوارث امنية ودخول العصابات الارهابية.

كانت الخلافات بين السنة والشيعة عقائدية .. لكن صارت النزعة التنافسية حول السلطة ومغانمها هي الدافع الاول لتلك الخلافات، لاسيما بعد سقوط نظام البعث. حيث صار التمثيل البرلماني طائفيا بعيد عن تمثيل المواطن العراقي. فصارت السلطة كعكة تتقاسمها قيادات أغتصبت تمثيل المكونات الرئيسة من الشيعة والاكراد والسنة .. اي ان للسنة حصة في هذه الكعكة (السلطة) وليسوا مهمشين كما يدعي الكثير منهم. وبقي القسم الأكبر من الشعب بمختلف مكوناته فقيراً، يفتقد لأكثر مقومات الحياة اليومية في بلد غني بموارده الطبيعية مثل العراق.

في ظل هذه الفوضى ظهرت اصوات كثيرة تعزز الطائفية بكل اشكالها .. لكن المؤلم ان بعض هذه الاصوات من بين من كنا نعتبرهم رموز للثقافة العراقية. لاسيما من كانوا يسيرون في ركب المعارضة للنظام السابق .. ومنهم من طرح وجهات نظر كاريكتيرية مضحكة ومبكية بنفس الوقت .. فهذا يجعل من الشيعة عملاء لإيران وولاءهم لها اكثر من ولاءهم للعراق! وذاك يبتدع نظريات ويجعل من النبي محمد شيعي وانه ابن النبي ابراهيم! ولم يكتفي بذلك بل يجعل من النبي ابراهيم (شيعي) حسب رأي ذلك الفطحل في الفقه الديني!! والمشكلة بهذه المهاترات البعيدة كل البعد عن الثقافة والدين تنتشر على صفحات الانترنت. وتشكل خطورة حيث لها تأثير على البسطاء خاصة من باتوا يرون ان الوضع في ظل النظام السابق (السني) حسب ادعاءاتهم، هو افضل من الوضع الحالي المتردي امنيا واقتصاديا. على الرغم من ان من يقوم بالتفجيرات هم من مرتزقة النظام السابق الممولين من عائلة صدام وقيادات البعث المقيمة في الاردن والخليج. مع بعض من سموا بالقاعدة واليوم غيروا اسمهم لداعش! بعد ان بارت سلعة الماركة المسماة بالقاعدة. مستغلين غياب القانون وصراع الكتل الطائفية على مناصب السلطة من اجل منافع شخصية مما عرض البلد للتخريب والتدمير.

خاطبت بعض الكتاب والفنانين، وطرحت عليهم اسئلة تدور في هذا المضمار .. لإيصال وجهات نظرهم للقاريء المتلهف للكلمة التي تشحن الامل فيه.

 

1- ما هو رأيكم بتلك النزعات الطائفية بين المثقفين العراقيين؟ ..

2- وكيف ترون تأثيرها على الشارع العراقي .. بالوقت الذي كثير من الشباب في داخل العراق يطالبون بإلغاء المحاصصة وإلغاء المسميات (سنة وشيعة) من الوثائق الشخصية!؟

3- ما هو دور المثقف الآن في رفع معنويات الشعب وتعزيز روح المواطنة والولاء للعراق فقط قبل كل الولاءات؟ فتلك من وجهة نظري هي السبيل الاول لإنقاذ العراق من الفوضى السياسية. وإنقاذ الدولة سياسيا وأمنيا وإقتصاديا، بعيدا عن الطائفية التي جاءت بمسئولين لا كفاءة ولا خبرة لهم.

4- هل تعتقدون ان وراء تلك الاصوات بقايا البعث ذاته او امريكا التي يخدمها التقسيم وبقاء الفوضى السياسية تلك؟

5- لا شك ان صياغة الدستور بشكله الحالي اعطى فرصة للبعض للتعكز عليه وتعزيز التقسيم الطائفي للسلطة. هذا ما اعتقده. فهل بالإمكان تغيير هذا الدستور او على الاقل الغاء المواد التي تتبنى الطائفية او تبررها؟

 

الشاعرة والإعلامية حذام يوسف

1- المثقف جزء من مجتمع مربك وقلق، كما انه في حالة ترقب لكل شيء .. والمثقف بالضرورة جزء من كل هذا الارباك والقلق. لكن ما يؤسف له ان المثقف بدلا من أن يسهم في تقويم الانحراف ، انحرف هو معه ! واصبح يتحدث بذات اللغة الخشنة التي يتحدث بها من يحمل معه حزمة من التهم لكل المخالفين له. حتى ان صفحات الفيس بوك كشفت عن اقنعة كثيرة كان يلبسها بعض المحسوبين على الثقافة، ممن يدعون انهم مدنيين وعراقيين. لكن الحوارات المتواصلة على الفيس بوك كشفت انهم لاينتمون الى العراق بقدر انتمائهم للقومية والمذهبية!.

2- اعتقد ان تلك النزعات لها تأثير كبير على الشارع العراقي، لاسيما على الاشخاص الذين يمجدون القدوة المثقف. وينظرون له على انه قائد على مستوى محدود وبالتالي يقلدونه جدا من باب الاستعراض الاعلامي وليس من باب الايمان بفكره. بدليل في اماكن التجمعات الادبية والثقافية ومنها على سبيل المثال (شارع المتنبي)، نجد الكثير من الشباب اليوم يقلدون ممثلهم من الشعراء والمثقفين حتى في طريقة كلامه وطرحه للموضوع. وهنا سيكون الامر خطيرا جدا اذا لم يكن (المثقف واعي ومدرك لما يقول ويردد) .

3- أعتقد على مستوى ضيق هناك بعض المثقفين من الشباب والرواد من يحاول (ومحولاته متواضعة) أن يخرج من دائرة الطائفة والمذهب والقومية ويتحدث باسم العراق فقط ، انا مثلا احرص جدا عندما أكون مع اخرين بحوار حول الوضع عموما واشكاليات نظرتنا للمستقبل .. احاول قدر المستطاع ان اختار مفرداتي بعناية كي لا تؤول. وااروج لموضوع الولاء للوطن اولا واخيرا، عبر ما اكتبه في الصحف او على صفحتي في الفيسبوك .. ومن خلال الردود أجد هناك بعض التجاوب مع مايطرح من أهمية اعلان الحب والانتماء للعراق فقط .

4- بالتأكيد ان وراء تلك الاصوات بقايا البعث. فكيف يمكن ان نتخيل ان كل تلك الجيوش التي رافقت النظام السابق في رحلته العنيفة مع الشعب العراقي، من حرس خاص الى حرس جمهوري الى جيش شعبي الى الانضباط ، الى جيوش كانت مهمتها محصورة بتعذيب العراقيين في المعتقلات ، كيف يمكن لنا ان نتخيل ان كل هؤلاء اصبحوا ملائكة؟!

5- هناك مطالبات عديدة من بعض منظمات المجتمع المدني التي تعنى بالثقافة والمجتمع، وبعض الناشطين المدنيين، ينادون بين فترة واخرى بأهمية تغيير الدستور او على الاقل تعديله. لان هناك العديد من المؤاخذات على فقراته. لاسيما الفقرات التي تحتمل التأويل.

عموما اغلب الفقرات التي تهم المواطن مازالت حبر على ورق .. مثلا ما يتعلق بحق التظاهر او التجمع وغيرها من الحقوق. لم نر منها الا التنظير من قبل المسئولين في الحكومة. وهناك مطالبات تكررت لاكثر من مرة على صفحات الفيس بوك عبر حملات وعلى لسان افراد يطالبون فيها بالغاء فقرة اللقب. ربما لانها تتعلق بقرارات النظام السابق .. ولو ان اللقب يعني الاسم العائلي وهذا حق من حقوق المواطن ولا اهمية له .. الا اذا أتخذ كوسيلة للتفرقة الطائفية.

 

الكاتب صائب خليل

1- بالنسبة للسؤال الاول :الطائفية تم تأجيجها عن عمد، ومن قبل جهات خارجية، وتم تضخيم تلك المشاعر التي كانت بسيطة بشكل خاص من خلال الإرهاب، الذي هو أيضاً مجهول المصدر والإدارة، وأفترض أن إدارته الكفوءة جداً لا بد أن تكون من قبل دولة متطورة.

2- الحكومات العراقية المتتالية رغم كل ادعاءاتها، لم تقم بأبسط ما يفترض فيها تجاه مشكلة شديدة الخطورة مثل الطائفية، وهي أن تقوم بدراستها دراسة علمية إحصائية لتعرف ونعرف معها الأثر الحقيقي على الشارع العراقي، وبأرقام محددة، ونعرف مدى نموها وانحسارها لنحلل أسبابه ويتم اتخاذ الإجراءات الصحيحة التي تستند إلى تلك الدراسة. كل ما نملكه هو الإعلام، والإعلام أيضا مؤسسة مشبوهة مخترقة ومسيسة ولا يعتمد عليها، لذلك لن استغرب إن تبين يوماً أن الطائفية اقل انتشاراً بكثير مما يشاع عنها.

3- عن دور المثقف الان في رفع معنويات الشعب وتعزيز روح المواطنة والولاء للعراق قبل كل الولاءات؟ فتلك حقا هي السبيل الاول لإنقاذ العراق من الفوضى السياسية. وإنقاذ الدولة سياسيا وأمنيا واقتصاديا، بعيدا عن الطائفية التي جاءت بمسئولين لا كفاءة ولا خبرة لهم.

صدقت .. المعنويات المنهارة لدى الشعب هي من اخطر الأوبئة التي يمنى العراق بها اليوم، وقد كتبت عن ذلك عدة سلاسل من المقالات مازالت إحداها لم تكتمل بعد. يجب أن يرفع المثقف معنوياته هو اولاً ليقوم بعد ذلك باستنهاض الشعب وتذكيره بأنه مثل غيره من الشعوب وله مثل حقوقها.

4- بقايا البعث بذاتها أتفه من أن تقوم بأي تنظيم. من ينظم هذه الحثالات المتخلفة هو أميركا وإسرائيل بدون أي شك. أذكرك بأن رجل إسرائيل في العراق، مثال الآلوسي كان رئيس هيئة تأهيل البعثيين! وأن أشد المتحمسين إلى إعادة البعث صراحة إلى مؤسسات الأمن كان أياد علاوي، الرجل المفضل الذي اختارته أميركا كأول رئيس لأول حكومة عراقية، وكانت تأمل أن ينجح ويستمر.

5- أي تعديل في الدستور يصب في صالح جهة ويضر بمصالح او أجندات جهة أخرى. وما يصب في صالح الشعب يضر بالأجندة الأمريكية بالضرورة، وهذه الأجندة لها ممثلوها في البرلمان بما يكفي لمنع تغييرها، وكذلك في نص الدستور الذي يشترط أن لا تعترض أي ثلاث محافظات على التغيير، (محافظات كردستان) وبالتالي فأن أي تغيير مهم في الدستور أمر ميئوس منه في الظرف الحالي.

 

القاص يعقوب زامل الربيعي

كنت اتمنى ان يكون السؤال كألاتي: كيف نتحول ونحول المجتمع الى صرح مواطنة لبناء وطن يطمئن الانسان فيه على حاجات حياته الضرورية. ولما وجدت اسالتك تصب في نفس النهر فلا باس ان ادلو بدلوي.

خلال عقود من القهر وتهميش الواقع الانساني للإنسان العراقي. كنا كل يوم نصاب بالضرر والمحق وطنا ومجتمعا. بلا قدرة حاسمة لوقف تهتك نسيجنا الاجتماعي بفعل فاعل. اليوم وبعد عقد من الزمن اقل ما يقال عنه زمن تحولنا ولكن بصورة مشوهة بامتياز .. ارى ونحن مازلنا مقيدين بذات الاغلال القديمة في وقت يتسع الضرر ليصبح اكثر مما مضى والشق يأخذ بالاتساع الى حدود مرعبة. اشد ما يرعبنا كبشر اسوياء. هو تحكم الطائفية فينا وبالقانون وليس عشوائيا. حين نرتضي ان يتم تقسيمنا الى كانتونات ورطانات وشيع! ولكن بقانون يسميه البعض دستور او لبننة على اسوأ ما تكون عليه حياتنا المحلية والعالمية. حيث للشيعة حصة وللسنة حصة وللاكراد ..

لا اعرف كيف حلا للبعض من الساسة العراقيين ان يضع الاكراد فوق شبهات الواقع كطائفة ثالثة! كما لو هم ليسوا بعراقيين! اما بقية الاطباف الاصيلة الاخرى فلهم ما يسقط من فتات الاولياء.

لا انكر او اتغاضى ان لأيتام النظام السابق وحتى ما سبقه من انظمة طائفية من حصة (العث) لنخر النسيج العراقي. الذي كان منذ آلاف السنين نسيجا متماسكا بلحمته الوطنية مظفور جيدا بكل الحب والإخاء وصدق المشاعر .. رغم هفوات الزمن.

لا اتذكر اني احسست بأن (ناصر) الرجل الرقيق الذي يسكن جوارنا هو صابئي وعلي ان لا اشاركه طعامه حين يدعوني! كان اكثر من صديق لأنه عراقيا ومناضلا من اجل اسعاد مجتمعه وليس طائفته فقط! ولم افكر بان (مليحة) الماسيرة الجميلة في مستشفى حماية الاطفال حين كنت نزيل قاووشها وانا طفل، انها يهودية ولابد ان اسدل الستار على ذكراها بعد ان تم تهجيرها عنوة. فرائحة عبقها مازالت في خاطري. او صديقي المسيحي منير يلدا .. كل هذا يرعبني.

لكن ما يرعب قلبي اكثر هو انسياق بعض مما يسمى تجنيا (مثقفين) او اشباههم من ايتام النظام السابق او المرتزقة من هنا وهناك .. بعثيين او متاسلمين .. انسياقهم او مباركتهم ومساهمتهم بتمزيق لحمتنا.

اما فقرات الدستور فليس المطلوب وضع لمسات صغيرة او تغيير فقرات .. انما يجب الغاء بعض النصوص وتعديل اخرى من التي ساهمت بتمزيق نسيجنا الملون الجميل .. ويجب تثبيت فقرة (الدين لله والوطن للجميع .. وكل العراقيون لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات دون تخصيص عرق او طائفة او دين).

 

 

حوار مع الأديبة المعرفية المغربية زكية المرموق

zakiaalmarmokزكية المرموق، شاعرة معرفية مغربية، عضوة في تجمع الحب وجود والوجود معرفة

مواليد مدينة فاس،1973م

تكتب القصة إلى جانب الشعر ومن أعمالها:

(واخرج إلى النهار) *شعر*

وقيد الطبع (انشطارات) *ومضات*

تنشر في العديد من الدوريات والمواقع مثل مجلة الأثير العمانية وكذلك صحيفة الوحدة الالكترونية وغيرها من المواقع العديدة

وفي تاريخ 7-1- 2015م، كان لنا معها الحوار التالي:

 

• أرحب بك مليَّاً وبحرارة، الشاعرة المغربية زكية المرموق وفي حوارنا، نود التسليط أكثر حول تجربتك الأدبية عموماً والشعرية خاصة في المراحل الزمنية الأولى؟

ـ بحكم ثقافتي الفرنسية اذ كوني أستاذة آداب فرنسي واكتشافي لكتابات محمود درويش ونزار قباني و(بيرفير) وغيرهم الأثر الكبير في توجهي المعرفي وخطي الشعري

وبشكل عام نحن لا نختار خطاً معيناً في الكتابة بل نسقنا الفكري هو الذي ينحو بنا نحو اختيارات معينة

 

• يقول جان جاك روسو في مقدمة كتابه العقد الاجتماعي (ولد الإنسان حراً ومع ذلك فهو بالقيود في كل مكان) ما مفهوم الحرية في ظل القيد في ادب الشاعرة زكية المرموق

- كثيراً ما استهلك مفهوم الحرية لدرجة تبضيعها والحرية بالنسبة لي ذلك الهامش الذي أمارس فيه الكتابة حيث أنسلخ عن كل ما هو عرفي وثقافي وأعانق الحلم

 

• برأيك هل قطعت المرأة أشواطاً في سبيل خلق بيئة متحررة ووفاق مع الرجل سواء إن كان مبدعاً أو بعيداً عن الإبداع، أم أن هنالك مخاض قديم لايزال؟

- تبقى المراة جاهدة في كسب مسافة اكبر في هذا المخاض ويبقى الحلم هو المساواة بين النوع إلا أّنه لا يجب ان ننسى أن ساحة هذا المخاض هي ثقافة عربية اسلامية مشدودة إلى الماضي اكثر منها الى المستقبل

 

• الحزن غائر وله حكاية في شعرك، هل تشعرين أن التشاؤمية لغتك المفضّلة، والتفاؤل محض هراء في وجود يتخبط في العدم؟

- حقيقة إن خطابي الشعري يظل شقياً حين يحاول عكس واقع مهزوم ومهزوز لكن اتساءل هل هناك شاعر معرفي يحمل خطاب الفرح

 

• في قصائدك ملامح فلسفية ولغة ناضجة ومتينة إلاما ترجعين ذلك؟

- تكويني بالأدب الفرنسي واطلاعي على الأدب العربي وإدماني على القراءة اضافة الى تجربتي الحياتية كل هذا أنتج زكية المرموق

 

• ما أبرز الكاتبات أو المبدعات اللاتي كنّ أكثر قرباً من حياتك وأدبك عموماً؟

- قرات للكثير من الاديبات مثل سيمون دو بوفوار ناتالي ساروت فدوى طوقان وغيرهن، اعجبت بالبعض منهن ولكن يبقى عشقي الأكبر لدرويش والقباني ونجيب محفوظ وسارتر وكامي وغيرهم

 

• ما الهدف من الكتابة الشعرية برأيك، وما الخيارات التي قد تواجه المرأة المبدعة في بدايات ولوجها للأدب والكلمة الشاعرة؟

- أعتقد ان الكتابة الشعرية هي بوح أولاً، وتعالٍ عن الواقع الرمادي الذي يستهلكنا

التحدي يكمن في ولوج عام لطالما كان حكرا على الرجل

 

• ما تقييمك لحراك المرأة المغربية المعرفي والأدبي بصورة خاصة، وما القيود التي قد تعيق دورها في العطاء والإبداع؟

- أعتقد ان المرأة المغربية، أبرزت عن موهبتها المعرفية على الرغم من كل الصعوبات

يكفيني ان أذكر الشاعرة مليكة العاصمي وفاطمة المرنيسي كعالمة اجتماع واللائحة طويلة

 

• وفي النهاية يسعدنا الحوار معك، عضوتنا المتألقة الأديبة زكية المرموق، كلمة أخيرة تودين توجيهها لأسرة الحب وجود والوجود معرفة وللمتلقين عموماً؟

- ختاماً اشكركم على استضافتي في هذا المنبر المعرفي ويسعدني ان أنتمي الى أسرتكم ونحمل جميعا مشعل الحب والمعرفة وشعارنا دوما الحب وجود والوجود معرفة

 

أعد الحوار: ريبر هبون

 

 

حوار مع الأديبة والقاصة آسيا رحاحلية

asya rahahliaأسيا رحاحلية: أذكر قارئا قال لي يوما أخشى يا أستاذة أن نكون تحت القبر وروايتك لاتزال تحت الطبع، ذلك لأنه كُتب على الغلاف الخلفي لمجموعتي القصصية الأولى عبارة " لها رواية تنتظر الطبع

عرفتها من خلال كتاباتها المتميزة .. قصصها المحبوكة .. وأسلوبها المشوق .. رحت أتتبع نصوصها المنشورة على المواقع الالكترونية فاكتشفتُ روح الإبداع العالية التي تكتب بها .. واستمتعت بما أقرا لها من قصص جميلة تضمنها روحا خفيفة وآراء عاقلة

زهرة برية نبتت في حقول سوق أهراس تسقيها أمطار الحرية وتظللها غمامة الثورة التي التجأ إليها آباؤها الميامين .. ثورة أخرى تعيش في داخلها وكأنها من ذاك الزمن النوفمبري ومن جيل العنفوان ذاك

امرأة ذكية جدا تعرف كيف تلتقط بحسها الأنثوي موضوعات قصصها .. قاصة تعشق السرد وشهرزاد عصرية تجذبك إلى عالمها المليء بكل ما هو جميل .. تسجل ملاحظاتها في حينها .. ودون تردد .. تتحمل نتائج ما تكتب .. وكأنه مازال تمارس دورها كمربية .. وأي مربية؟؟ من جيل الأبكار الذي شرب من نبع الاستقلال الصافي فكانت روحها كالمرآة تعكس انتماءها ووفاءها وتميزها وسعيها الدؤوب لأجل أن تبدع أكثر

أستاذة بحس عال من المسئولية وسعة الصدر مع سعة الأفق والانفتاح على العوالم الأخرى بفضل تمكنها من اللغات

متقاعدة تملأ وقتها بكل ما هو جميل بدل الثرثرة والتحسر على ما فات وانتقاد ما هو آت

إنها الباسمة الحاسمة الأديبة آسيا رحاحلية التي أتمنى أن يستمتع القراء بمحاورتها التي استمتعت بها وأنا لازلت أجتهد في وضع الأسئلة .. وكان هذا الحوار

 

س1 في عالم منفتح على بعضه .. كثير المواهب .. كثير النجوم .. كيف تقدم لنا آسيا رحاحلية نفسها .. الأستاذة .. والكاتبة ..؟؟

- لقب أستاذة أدين به لمهنة التدريس النبيلة الشريفة .دخلت معتركها وعمري 24 سنة .. أخلصت لمهنتي ونجحت فيها والحمد لله .. درّست اللغة الإنجليزية لسنوات قبل أن أتّخذ قرار التقاعد المسبق لإحساسي بأنّي لم أعد قادرة على العطاء وأيضا لأن الحرف بدأ يشاغبني .

تفرّغت للكتابة وأصدرت سنة 2010 مجموعتي القصصية الأولى " ليلة تكلّم فيها البحر "، تلتها المجموعة الثانية " سكوت إني احترق " 2012، ثم الثالثة " اعتقني من جنتك " سنة 2014 .. و في انتظار الطبع مجموعة رابعة ومخطوط شعر ..

 

س2 متى اكتشفت موهبتك في الكتابة ومن الذي ساعدك على ذلك؟؟

- لا أدري متى بالضبط .. ثم أننا ونحن صغار لا ندرك فعلا بأنّنا موهوبون، لذلك يكون دور الكبار من العائلة أو المدرّسين مهما جدا في فترة الطفولة .. أعتقد عرفت بأنّني موهوبة في الكتابة حين كانت نصوصي في الانشاء في المدرسة مميّزة، تثير الإعجاب الكبير، وذلك منذ الصف الابتدائي ..

 

س3 هل تذكرين أول قصة قمت بتأليفها؟؟ .. ما هو موضوعها؟؟

- نعم أذكرها بالتفاصيل .. أول قصة، بمفهوم القصة، أقصد كل مقوّمات القص، كتبتها وأنا تلميذة في السنة الأولى ثانوي .. يعني سنة 1979 .. كانت بعنوان " من أجل صديقتي " .. تحكي قصة صديقتين تقعان في حب نفس الشاب .. وتقرّر إحداهما التضحية بمشاعرها من أجل الحفاظ على صديقتها .. أذكر أنني عرضت القصة على أستاذ الأدب العربي آنذاك، الأستاذ الفلسطيني غباين عبد المنعم، ذكره الله بالخير، ضمن مجموعة أخرى من النصوص النثرية التي كنت أعتبرها قصصا .. كانت كلها مدوّنة في دفتر ورجوته قراءتها وابداء رأيه .. وقد كتب لي على الدفتر بالحرف الواحد: (.. الجزائر بلد اشتراكي ثم هم الآن يشجّعون من يكتب بالعربية والجزائر اليوم هي البلد العربي الوحيد الذي يستطيع فيه الناشئ أن يبرز إلى الوجود .. من هذه الناحية فأنا أبشّرك بأنهم سيقرأون مقالاتك وقد ينشرونها وهي فرصة بالنسبة لك وتفيدك .. اكتبي قصتك " من أجل صديقتي" وارسليها إلى احدى المجلات الجزائرية ثم ارسليها إلى أية مجلة في المشرق،فأن نشرت لك أول قصة فاعلمي أن الطريق أمامك قد تيسّر .. إنّ الذين تقرئين كتبهم وقفوا طويلا أمام أبواب دور النشر حتى تعبت أقدامهم وسال العرق من جباههم ثم صفّق لهم المجتمع ودعوا إلى الاذاعة وأصبحت دور النشر تترجّاهم )

هذا ما كتبته لي أستاذي في 21 / 02/ 1980  

ولم أرسل القصة. وربما لو فعلت لكانت الأمور مختلفة اليوم .. ولكن الحمد لله على أية حال .

 

س4 ألاحظ في كتاباتك نقدا لاذعا وإن كان مهذّبا للأوضاع والمسئولين .. هل تعتقدين أن هذا من واجبك ككاتبة؟؟

- أكيد هذا واجبي. الكتابة في رأيي مهما كان نوعها هي رسالة .. حتى النكتة التي يُقصد بها التسلية والضحك تحمل رسالة .. الكاتب الحقيقي لا يعيش في برج عاجي ولا يحلّق في سماء الأحلام .. هو ابن الشعب، يمشي بين الناس ويحتك بهم، يعيش أوضاعهم وهمومهم ،يراقب معاناتهم اليومية لأنها معاناته أيضا . أنا أتأثّر بما يحدث حولي ولابد أن أحاول بقلمي تغيير الأوضاع أو على الأقل عرضها .أنا كاتبة مهمومة بأمور الناس .. وعلى رأي الشاعرة والإعلامية ابتسام ابراهيم الاسدي : الذي لا يكتب عن هموم الناس عليه أن يذهب الى كوكب آخر.

 

س5 باعتبارك من أسرة التعليم إلام يرجع سبب المشاكل التي يتخبط فيها هذا القطاع؟؟

- بصدق يحزنني ما آل إليه التعليم في بلادنا .. السبب الرئيس أعتقد هو النظرة إلى القطاع على أنّه كأي قطاع آخر .. بل هناك من يعتبره قطاعا مستهلكا لا منتجا . التعليم يمر بأزمة خطيرة .. هناك سوء التسيير والقرارات العشوائية الفردية، واللجوء إلى حلول ترقيعية بدل دراسة المشكلة وحلّها جذريا .. لن يتحسّن حال التعليم ما لم يكن هناك وعي بأهمية وأولوية المنظومة التربوية وعلى رأسها المعلم، وما لم تتوافر جهود الجميع : الجهة الوصية والمربّي والأولياء من أجل انقاد القطاع .

 

س6 لو طلب منك توجيه نصيحة للمعلمين ماذا تقولين لهم؟؟

- أقول لهم .. أحبّوا مهنتكم، اخلصوا لها واعتبروها مشروعكم الأسمى في الحياة والذي لابد أن ينجح مهما كانت الصعوبات .. أقول لهم لا تكونوا ملقنّين مدرّسين فقط، كونوا مربّيين وملهمين ومبدعين بالقدر الذي تستطيعون في مجالكم .

 

س7 أغلب المبدعين في بلادنا يشتكون من التهميش هل تعتقدين أن تهميشهم مقصود أم أن الأمر مجرد فوضى وإهمال؟؟

- التهميش والشللية وثقافة اقصاء الآخر والمركزية سوس ينخر جسد الثقافة .. كثير من المبدعين الشباب خاصة في الجزائر العميقة يعانون من الاهمال وعدم تكافئ الفرص وتمركز أهم النشاطات الثقافية في العاصمة والمدن الكبرى .. من المفروض أن يكوّن المبدعون أسرة واحدة ويكون لهم هدف واحد هو النهوض بالثقافة وخدمة الابداع .

 

س8 في غياب أي مشروع ثقافي في بلادنا هل يقوم المثقفون بدورهم؟؟ .. وما هو هذا الدور في اعتقادك؟؟

- لست من الذين ينظرون إلى الأمور من زاوية واحدة وبعين واحدة .نعم، هناك مثقّفون لا يقومون بدورهم .. لأسباب ما، ولكن هناك مثقّفون واعون بمهمّتهم، مجتهدون، يبذلون ما في وسعهم من أجل خدمة الثقافة وتحريك الركود الأدبي ، ربما هي مجهودات فردية هنا وهناك لكنها مثمرة ومباركة .

 

س9 هل يوجد في بلادنا ما يسمى ب(شعراء البلاط) وهل هم سبب تهميش المبدعين الحقيقيين؟؟

- أعتقد العبارة أو التعبير مبالغ فيه قليلا .. لأنّه اليوم لا البلاط بلاط ولا الشعراء شعراء ! الشعراء المتملّقون المنافقون الذين يتقرّبون بشعرهم من السلطة ويسعون إلى إرضائها، ويمدحون المسؤولين من أجل أغراض شخصية موجودون، في كل زمان وكل مكان .. لكن أن يكونوا السبب في تهميش الشعراء الحقيقين فلا أعتقد .

 

س10 أين أنت من النشر وما هي الصعوبات التي اعترضتك في هذا المجال؟؟

- عملية النشر والتوزيع في بلادنا اشكالية كبيرة .. وإذا رغبت في النشرعليك بإحدى الطرق الثلاث .. أن تنتظر تكرّم وزارة الثقافة من خلال مناسبة ما، وهذا أيضا ليس سهلا إذ عليك أن تكون لك علاقات قوية، أو أن تحفى قدماك جريًا إلى دور النشر والأمر شاق جدا خاصة لمن يقطنون مدن الهامش مثلي وسيطلبون منك الانتظار إلى أن تتم الموافقة على عملك من طرف لجنة قراءة، وقد يأخذ الأمر شهورا طويلة إلى أن تصاب بالملل والاحباط .. أذكر قارئا قال لي يوما أخشى يا أستاذة أن نكون تحت القبر وروايتك لاتزال تحت الطبع، ذلك لأنه كُتب على الغلاف الخلفي لمجموعتي القصصية الأولى عبارة " لها رواية تنتظر الطبع .. أو طريقة ثالثة .. أن تدفع من جيبك وتطبع كتابك، وطبعا ليس الأمر في مقدور الجميع .. و لكن هو ما كنت مجبرة على فعله .. كان السعر باهضا لكني لم أهتم، وطبعت مجموعاتي الثلاث .

 

س11 هل تعتقدين بوجود حركة نقدية في بلادنا خاصة وأن الكثيرين يجمعون على غياب النقد الموضوعي؟؟

- الحركة النقدية موجودة بشكل محتشم وفوضوي وغير كاف .. المشكلة أنّ النقاد يُعدّون على الأصابع بينما الانتاج الأدبي كثيف بغض النظر عن غثه من سمينه .. الناقد الكفء الذي يواكب الحركة الادبية وعلى تواصل مستمر مع الجديد غائب بصراحة ، لكن للأمانة هناك بعض الأقلام النقدية الجادة التي أشهد لها بالحيادية والمصداقية ..

" النقد وعي، وفعل مثقف " كما قال الناقد العراقي الدكتور "كريم المسعودي" ..

و لن يتطوّر إلا إذا اعتُبر موازيا للأدب وبنفس قيمته، ومارسه الناقد بنزاهة وحب وجدية وموضوعية دون محاباة أو مجاملة، وتقبّله الكاتب أيضا بكل روح أدبية دون اعتباره تهجّما .

 

س12 هل تعتبرين أن ما تكتبينه (أدبا نسويا) .. ولماذا؟؟

- أعتبر أنّ ما أكتبه .. أدبا .

 

س13 أعداء النجاح كثيرون (حتى لو كان هذا النجاح نسبيا) هل عانيت أو تعانين منهم؟؟

- بصراحة لا .ربما لأني بطبيعتي لا أشغل نفسي بأمر الأعداء أو العداوة، حتى أنّني لا أعتقد بأنّ لي أعداء أصلا .. الأدب بحر،واسع، عميق، والكل يستطيع أن يغوص فيه، كلّ حسب موهبته وقدرته ومهارته وجهده .. و البقاء للأجود والأجمل .. هذا هو إيماني .

 

س14 يعتقد الكثيرون أن النشر الالكتروني فسح المجال للكثير من المهمشين لكن البعض يرى أنه فتح المجال لمن هب ودب وأصبحت الكتابة مهنة من لا مهنة له فماذا تقولين؟؟

- كلا الاعتقادين صحيح .

كثير من الأقلام تدين للنشر الالكتروني بالظهور .. جميعنا يعرف بأنّه في ظل صعوبة النشر الورقي أصبح النشر الالكتروني هو البديل نظرا لمجانيته وسرعته وسهولة التفاعل بين الكاتب والمتلقي .. لكن أيضا أصبح من هبّ ودب يكتب وينشر .

أحيانا أشعر بالقلق وبخطورة الغثاء الذي أقرأه يوميا على النت وأرى من يصفّق له .. أشعر بالقلق لأنّ هذا قد يؤدي إلى تكريس الرداءة وتدنّي الذوق وانتشار وهم المبدع والابداع، لكن ما العمل؟ إننا لا نستطيع منع ذلك حتى لو أردنا، الأمر مفروض على الجميع . فقط لنكن متفائلين .. ربما في فوضى ما ينشر يعثر النقاد أو المهتمون على ما هو جيّد فعلا ويستحق الالتفات إليه .

 

س15 هل تؤمنين بالحظ؟؟ وهل كان له دور في حياتك؟؟

- لا أومن به فعلا . الايمان المطلق بالحظ والاعتماد عليه وحده يؤدي إلى التواكل والكسل، ويعمّق الاحساس بالخيبة والظلم حين لا تسير الأمور كما نحب .. بعض الحظ نصنعه نحن، بأنفسنا،لأنفسنا .. حين نشمّر على السواعد ونقرّر النجاح أو تحقيق الحلم .. لكن إذا كنت تقصدين الاحساس فأنا أحس بأنّي محظوظة والحمد له .

 

س16 لك شقيقة شاعرة هي سامية رحاحلية هل نستطيع أن نقول أنك من عائلة مولعة بالأدب؟؟ وكيف هي علاقتك بشقيقتك في هذا الميدان؟؟

- ورثنا حب اللغة العربية عن والدي رحمه الله فقد كان مدرّس قرآن ولغة وحتى حديثة معنا كان معظمه فصحى .. والدتي امرأة ذكية جدا، محدّثة لبقة وحاضرة البديهة،حثّتنا على النجاح في الدراسة وأثرت مخيّلتنا ونحن صغار بما كانت ترويه لنا من قصص في ذلك الزمن البعيد .. أخواتي حياة ومدينة وأخي ابراهيم كلهم يتذوّقون الأدب ويتقنون اللغات .. أما سامية فهي مبدعة حقيقية .. موهوبة ولغتها رائعة، تكتب باللغتين العربية والفرنسية .

سامية تطلعني على كتاباتها وأطلعها على نصوصي وكثيرا ما نتبادل الآراء والأفكار ..

 

س17 كيف تقضين أوقاتك وهل لك أوقات معينة للإبداع؟؟

- أهتم بأسرتي وبيتي، أقرأ وأكتب .. وليس لديّ أوقات معيّنة للكتابة .

 

س18 ماهي أمنيتك الجديدة للعام الجديد 2015

-أن تنتهي الحروب والأزمات .. أن يسود السلام ويعيش البشر في وئام ومحبة وتكافل .

 

س19 ماذا تقولين عن

زهور ونيسي .. أديبة جزائرية احترمها جدا

جميلة بوحيرد: فخر لنساء الجزائر .

أحلام مستغانمي: قرأت لها ذاكرة الجسد .. فقط .

هواري بومدين: رجل عظيم .

 

س20كلمة أخيرة نختم بها هذا الحوار الجميل

شكرا لك كثيرا لك على الحوار وعلى تقديمك الرائع لي والذي أرجو أن أستحقّه. .. تحياتي ومحبّتي لكل القرّاء .

المثقف العراقي والطائفية (2): مع د. عبد الخالق حسين

abdulkhaik husanحوار مع كتاب وأدباء عراقيين حول الطائفية والانتماء للوطن قبل الطائفة والقومية:

الكثير من المثقفين العراقيين بشكل عام واليساريين بشكل خاص وظفوا فنهم من اجل المجتمع وقضاياه. والتزم الكثير منهم جانب الدفاع عن حق المجتمع في التطور والتقدم. ماعدا القلة ممن استماله النظام السابق الى جانبه!.

وغالبية المثقفين او المبدعين لم يعارضوا النظام السابق لأنه سني..ونعرف ان الالاف من الشيعة منتمين لحزب البعث عن قناعة او خوف من بطشه. ومنهم من له ضلع في السلطة. كذلك اعتراضنا على السلطة الحالية بعيدة تماما عن منطق انها شيعية وهي ليست كذلك لان للطوائف الاخرى اضلاع فيها. وانما ما قدمته او تقدمه تلك السلطة أو هذا النظام للمجتمع والمواطن الذي هي مسئولة عنه. اعتراضنا على كفاءة تلك السلطة في ادارة الدولة وعدم تعريض الشعب والوطن للمخاطر كما حصل في الحروب المتواصلة. وما يحصل الان من كوارث امنية ودخول العصابات الارهابية.

كانت الخلافات بين السنة والشيعة عقائدية..لكن صارت النزعة التنافسية حول السلطة ومغانمها هي الدافع الاول لتلك الخلافات، لاسيما بعد سقوط نظام البعث. حيث صار التمثيل البرلماني طائفيا بعيد عن تمثيل المواطن العراقي. فصارت السلطة كعكة تتقاسمها قيادات أغتصبت تمثيل المكونات الرئيسة من الشيعة والاكراد والسنة..اي ان للسنة حصة في هذه الكعكة (السلطة) وليسوا مهمشين كما يدعي الكثير منهم. وبقي القسم الأكبر من الشعب بمختلف مكوناته فقيراً، يفتقد لأكثر مقومات الحياة اليومية في بلد غني بموارده الطبيعية مثل العراق.

في ظل هذه الفوضى ظهرت اصوات كثيرة تعزز الطائفية بكل اشكالها..لكن المؤلم ان بعض هذه الاصوات من بين من كنا نعتبرهم رموز للثقافة العراقية. لاسيما من كانوا يسيرون في ركب المعارضة للنظام السابق ..ومنهم من طرح وجهات نظر كاريكتيرية مضحكة ومبكية بنفس الوقت..فهذا يجعل من الشيعة عملاء لإيران وولاءهم لها اكثر من ولاءهم للعراق! وذاك يبتدع نظريات ويجعل من النبي محمد شيعي وانه ابن النبي ابراهيم! ولم يكتف بذلك بل يجعل من النبي ابراهيم (شيعي) حسب رأي ذلك الفطحل في الفقه الديني!!

والمشكلة بهذه المهاترات البعيدة كل البعد عن الثقافة والدين تنتشر على صفحات الانترنت. وتشكل خطورة حيث لها تأثير على البسطاء خاصة من باتوا يرون ان الوضع في ظل النظام السابق (السني) حسب ادعاءاتهم، هو افضل من الوضع الحالي المتردي امنيا واقتصاديا. على الرغم من ان من يقوم بالتفجيرات هم من مرتزقة النظام السابق الممولين من عائلة صدام وقيادات البعث المقيمة في الاردن والخليج. مع بعض من سموا بالقاعدة واليوم غيروا اسمهم لداعش! بعد ان بارت سلعة الماركة المسماة بالقاعدة. مستغلين غياب القانون وصراع الكتل الطائفية على مناصب السلطة من اجل منافع شخصية مما عرض البلد للتخريب والتدمير.

خاطبت بعض الكتاب والفنانين، وطرحت عليهم اسئلة تدور في هذا المضمار.. لإيصال وجهات نظرهم للقاريء المتلهف للكلمة التي تشحن الامل فيه.

استجاب البعض منهم مشكورا وبوقت قياسي..ومنهم من اغنى الموضوع بوجهات نظر مفصلة علمية ومنطقية.. الشكر والتقدير لهم جميعا.

الدكتور عبد الخالق حسين من الكتاب الذين اعتز بروح التفاؤل في كتاباته..اغنى الحوار بأجوبته القيمة:

 

1- ما هو رأيكم بتلك النزعات الطائفية بين المثقفين العراقيين؟..

عبدالخالق حسين: المثقفون هم نتاج المجتمع، ويشكلون شريحة منه، وما يصيبه يصيبهم. والمعروف أن المثقف هو مرآة المجتمع، تنعكس عليه صورة المجتمع. كما أود التوكيد أن الانقسام الطائفي في العراق ليس جديداً، بل قديم قدم الإسلام نفسه.

ثم القمع السلطوي ضد الشيعة خلال أربعة قرون من الحكم التركي العثماني المتخلف. والمشكلة أن الدولة العراقية الحديثة منذ تأسيسها عام 1921، تبنت الموروث التركي العثماني في عزل الشيعة عن المشاركة في حكم بلادهم. وكان هذا الصراع موجوداً ولكنه قوبل بالقمع والقسوة وخاصة في عهد حكم البعث الصدامي، عندما رفعوا شعار (لا شيعة بعد اليوم)، ونشروا دعايات ومفاهيم تسقيطية للحط من شيعة العراق، بأنهم ليسوا عراقيين ولا عرب، بل وحتى شككوا في إسلامهم، وأنهم خليط من الفرس المجوس، وهنود جلبهم محمد القاسم الثقفي مع الجواميس من الهند، وملأوا بهم المقابر الجماعية وشردوا أكثر من أربعة ملايين منهم إلى الشتات. أما بعد 2003، وإقامة النظام الديمقراطي، وتبني الانتخابات في التبادل السلمي للسلطة، فقد رفضها السنة العرب الذين أدمنوا على التفرد في حكم البلاد وصنع القرار السياسي، وعدم مشاركة الآخرين في الحكم إلا بمشاركة سطحية كديكور. لذلك رفضوا الديمقراطية ووصفوها بشتى النعوت البذيئة، وادعوا التهميش والعزل والإقصاء، وأن إيران هي التي تحكم العراق...الخ. وهذه الدعوى الزائفة لم تتوقف على القادة السياسيين السنة ومن يدعمهم في الخارج بل تعداهم وشمل حتى المثقفين من ذوي الخلفية الشيوعية منهم، مثل الشاعر المعروف سعدي يوسف الذي كان يلقب نفسه بـ"الشيوعي الأخير"، اعتبر شيعة العراق المشاركين في الحكم اليوم هم عجم. (سعدي يوسف: مصرُالعروبةِ عراقُ العجَم!)(1).

 

2- وكيف ترون تأثيرها على الشارع العراقي..بالوقت الذي كثير من الشباب في داخل العراق يطالبون بإلغاء المحاصصة وإلغاء المسميات (سنة وشيعة) من الوثائق الشخصية!؟

عبد الخالق حسين: تأثير المحاصصة على الشارع العراقي مدمر، خاصة وأن هناك القتل على الهوية الطائفية. أما مطالبة الشباب بإلغاء المسميات (سنة وشيعة) من الوثائق الشخصية فهي مشروعة وخطوة وطنية وعقلانية في الاتجاه الصحيح، ولكن هذه المسميات هي غير موجودة في الوثائق الرسمية أصلاً، ومع ذلك فالصراع الطائفي موجود ومنذ العهد الملكي ولو بدرجات مختلفة.

أما إذا كان القصد برفع المحاصصة السياسية من الكتل السياسية في المقاعد البرلمانية والوزارية، فهذا غير ممكن في الوقت الحاضر على الأقل، لأن هذه المحاصصة مفروضة بحكم الجغرافية والتاريخ والواقع الموضوعي، خاصة وأن جميع القوى السياسية المتنفذة هي موزعة على أساس الانقسام الديني والأثني والمدعوم جغرافياً، ولا أحد يستطيع أن يغير التاريخ والجغرافية. أما الأحزاب العلمانية العابرة للطوائف والأعراق، فهي ضعيفة ولا دور حاسم لها في التأثير على الشارع العراقي. وإذا كانت المحاصصة مفروضة بحكم الانقسام الطائفي والعرقي، ولا يمكن تجاوزها في هذه المرحلة، لذلك يجب أن يكون النضال من أجل وقف المحاصصة في التوظيف في دوائر الدولة على أساس القرابة والطائفة والمحسوبية والعرق. وحتى مناصب نواب الرئاسات الثلاث هي لإرضاء قيادات الكتل السياسية ولا حاجة بها لسير الأمور، وهي تستهلك واردات الدولة لدفع رواتب خيالية ضخمة لشاغلي هذه المناصب، إضافة إلى تكاليف حماياتهم الذين يعدون بالألوف، وخلق جهاز وظيفي متضخم لا لشيء إلا لتوظيف أقارب كبار المسئولين على أسس المحاصصة. وهذا سرطان يؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار الدولة العراقية.

 

3- ما هو دور المثقف الآن في رفع معنويات الشعب وتعزيز روح المواطنة والولاء للعراق فقط قبل كل الولاءات؟ فتلك من وجهة نظري هي السبيل الاول لإنقاذ العراق من الفوضى السياسية. وإنقاذ الدولة سياسيا وأمنيا وإقتصاديا، بعيدا عن الطائفية التي جاءت بمسئولين لا كفاءة ولا خبرة لهم؟.

عبد الخالق حسين: يجب أن نكون واقعيين، بمعنى يجب أن تكون الأمنيات قابلة للتطبيق، وإلا أضعنا العمر والجهد في طلب المحال. فكما بينتُ أعلاه، العراق في وضعه الحالي لا يمكن التخلص من المحاصصة في البرلمان ومجلس الوزراء، لأن الكتل السياسية مؤسسة على هذا الانقسام الطائفي والأثني والجغرافي، ومعظم الذين يدينون المحاصصة علناً يمارسونها عملاً ويرفضون زوالها. فالمثقف السني يطالب بالمزيد من المكتسبات للسنة، وكذلك المثقف الكردي، والمثقف الشيعي، وكلهم يشتمون المحاصصة، وما أسهل شتم المحاصصة. وبمجرد نظرة سريعة على عناوين التقارير والأخبار يومياً يكفي أن نعرف حجم الكارثة، وعلى سبيل المثال لا الحصر نقرأ ما يلي:

(مفتي العراق – الشيخ رافع العيساوي- يواصل من مصر هجومه على الحكومة والقوى الشيعية: لسنا أغبياء لنقاتل داعش كي تذبحنا المليشيات)، وعنوان آخر: (مفتي العراق يهاجم إيران والمليشيات الشيعية من القاهرة: مساجد السنّة تُحرق وتُرفع عليها صور خامنئي)(2). وهذ المفتي صرح قبل فترة من أربيل، أن السنة يرفضون أن يحكمهم شيعي. وكأن الشيعة هم وحدهم يحكمون، بينما تؤكد دراسة من أكاديمي لبناني أن السنة العرب يشكلون 19% من الشعب العراقي، ولكنهم يشغلون 26% من المناصب في الوزارة والبرلمان، فأين التهميش؟

لذلك فما تأثير دور الشباب إزاء حملة الشحن الطائفي الصاعدة والتي تتلقى الدعم المالي والإعلامي من جميع الحكومات العربية وبدون استثناء؟ ولكن مع ذلك، على المثقف التقدمي العلماني أن يلعب دوره في وضع حد لهذه الحملات المجنونة في الشحن الطائفي، ويعمل على نشر روح الولاء للعراق والوحدة الوطنية.

 

4- هل تعتقدون ان وراء تلك الاصوات بقايا البعث ذاته او امريكا التي يخدمها التقسيم وبقاء الفوضى السياسية تلك؟

عبد الخالق حسين: بالتأكيد، لقد ذكرنا مراراُ، أن البعث يستغل الانقسام الطائفي، وأي نوع من الانقسام، لصالحه وطرح نفسه الممثل الشرعي الوحيد للسنة العرب، ولم يتردد في استخدام أية ورقة، ومهما كانت قذرة، لخدمة أغراضه للوصول إلى السلطة، ولمصالح سياسية وفئوية مال أغلب القادة السياسيين السنة لدعم البعث، والآن يمارس فلول البعث الإرهاب باسم (داعش). ولذلك نلاحظ معظم مطالبات الكتل السياسية العربية السنية تركز على إلغاء قانون اجتثاث البعث، وقانون المساءلة، وإطلاق سراح جميع المعتقلين والسجناء المتورطين في جرائم الإرهاب وحتى المحكومين منهم باسم المصالحة !، بل وحتى إلغاء قانون مكافحة الإرهاب.

أما أمريكا، وكما بينا مراراً أيضاً، فإنها ليست مؤسسة خيرية، بل هي دولة تسعى وراء مصالحها في المنطقة، ولها الفضل في تخليص الشعب العراقي من أعتى نظام دكتاتوري همجي متخلف وجائر. ولذلك طالبنا الحكومة العراقية سواءً السابقة برئاسة السيد المالكي، أو الحالية برئاسة الدكتور العبادي، ببذل الجهود لكسب أمريكا إلى جانب العراق. ولكن مع الأسف وقعت نداءاتنا على أذن صماء، لذلك سمحوا لداعش باحتلال الموصل وبقية المحافظات الغربية للتخلص من المالكي بعد أن فشلوا في إزاحته عن طريق صناديق الاقتراع.

وأمريكا رغم أنها ضد تقسيم العراق علناً، إلا إنها مع التقسيم في سياستها المطبقة، فقد طرح نائب الرئيس الأمريكي السيد جو بايدن، مشروع تقسيم العراق قبل سنوات. ولما رفض أغلب العراقيين هذا المشروع ساهموا في تعميق الخلافات بين الكتل السياسية بدعم حكومة الإقليم الكردستاني، ودعم إدعاءات الكتل السياسية السنية بالتهميش والاقصاء. لذلك فما جرى من محاولات مؤخراً لحل النزاع حول النفط بين حكومة الإقليم والحكومة المركزية، فهو غير عادل بحق الحكومة الاتحادية المركزية، و تتلقى حكومة الإقليم الدعم من أمريكا على حساب الحكومة الاتحادية.

 

5- لا شك ان صياغة الدستور بشكله الحالي اعطى فرصة للبعض للتعكز عليه وتعزيز التقسيم الطائفي للسلطة. فهل بالامكان تغيير هذا الدستور او على الاقل الغاء المواد التي تتبنى الطائفية او تبررها؟

عبد الخالق حسين: نعم، كتب الدستور على عجل، وفيه الكثير من الثغرات التي تفسح المجال للتأويل والاجتهاد كما يشاء قادة الكتل السياسية وكل حسب هواه ومصالحه. ولنكون منصفين، لا توجد مادة في الدستور تتبنى الطائفية أو تبررها، ولكن الكارثة أنه من شبه المستحيل تعديل الدستور، إذ جاء في إحدى مواده مفادها ، أنه لا يجوز تعديل أية مادة من الدستور إلا بعد استفتاء شعبي وعلى أن لا يعارض التعديل ثلثا ثلاث محافظات. لذلك فالتعديل شبه مستحيل.

اذن المفروض ان يسعى المثقفون ومعهم السياسيين الوطنيين وكل من ينتمي للعراق قبل طائفته وعشيرته او قوميته..يعمل الجميع على الغاء هذا الدستور وصياغة اخر يتماشى مع طبيعة الامة العراقية بكل قومياتها واطيافها. ليكون اللبنة لخدمة المجتمع والشعب وتطوير البلد ليكون بمصافي البلدان المستقرة.

 

.......................

هوامش

1- سعدي يوسف: مصرُالعروبةِ عراقُ العجَم!

http://www.arabistan.org/newsdetails.aspx?elmnt=7041#.VIf5mtKsVIU

2- مفتي العراق يواصل من مصر هجومه على الحكومة والقوى الشيعية: لسنا أغبياء لنقاتل داعش كي تذبحنا المليشيات

http://www.akhbaar.org/home/2014/12/181429.html

 

المثقف العراقي والطائفية (1): مع الروائي والكاتب الساخر كريم كطافة

kareem ketafaحوار مع كتاب وأدباء عراقيين حول الطائفية والانتماء للوطن قبل الطائفة والقومية:

الكثير من المثقفين العراقيين بشكل عام واليساريين بشكل خاص وظفوا فنهم من اجل المجتمع وقضاياه. والتزم الكثير منهم جانب الدفاع عن حق المجتمع في التطور والتقدم. ماعدا القلة ممن استماله النظام السابق الى جانبه!.

وغالبية المثقفين او المبدعين لم يعارضوا النظام السابق لأنه سني..ونعرف ان الالاف من الشيعة منتمين لحزب البعث عن قناعة او خوف من بطشه. ومنهم من له ضلع في السلطة. كذلك اعتراضنا على السلطة الحالية بعيدة تماما عن منطق انها شيعية وهي ليست كذلك لان للطوائف الاخرى اضلاع فيها. وانما ما قدمته او تقدمه تلك السلطة أو هذا النظام للمجتمع والمواطن الذي هي مسئولة عنه. اعتراضنا على كفاءة تلك السلطة في ادارة الدولة وعدم تعريض الشعب والوطن للمخاطر كما حصل في الحروب المتواصلة. وما يحصل الان من كوارث امنية ودخول العصابات الارهابية.

كانت الخلافات بين السنة والشيعة عقائدية..لكن صارت النزعة التنافسية حول السلطة ومغانمها هي الدافع الاول لتلك الخلافات، لاسيما بعد سقوط نظام البعث. حيث صار التمثيل البرلماني طائفيا بعيد عن تمثيل المواطن العراقي. فصارت السلطة كعكة تتقاسمها قيادات أغتصبت تمثيل المكونات الرئيسة من الشيعة والاكراد والسنة..اي ان للسنة حصة في هذه الكعكة (السلطة) وليسوا مهمشين كما يدعي الكثير منهم. وبقي القسم الأكبر من الشعب بمختلف مكوناته فقيراً، يفتقد لأكثر مقومات الحياة اليومية في بلد غني بموارده الطبيعية مثل العراق.

في ظل هذه الفوضى ظهرت اصوات كثيرة تعزز الطائفية بكل اشكالها..لكن المؤلم ان بعض هذه الاصوات من بين من كنا نعتبرهم رموز للثقافة العراقية. لاسيما من كانوا يسيرون في ركب المعارضة للنظام السابق ..ومنهم من طرح وجهات نظر كاريكتيرية مضحكة ومبكية بنفس الوقت..فهذا يجعل من الشيعة عملاء لإيران وولاءهم لها اكثر من ولاءهم للعراق! وذاك يبتدع نظريات ويجعل من النبي محمد شيعي وانه ابن النبي ابراهيم! ولم يكتفي بذلك بل يجعل من النبي ابراهيم (شيعي) حسب رأي ذلك الفطحل في الفقه الديني!! والمشكلة بهذه المهاترات البعيدة كل البعد عن الثقافة والدين تنتشر على صفحات الانترنت. وتشكل خطورة حيث لها تأثير على البسطاء خاصة من باتوا يرون ان الوضع في ظل النظام السابق (السني) حسب ادعاءاتهم، هو افضل من الوضع الحالي المتردي امنيا واقتصاديا. على الرغم من ان من يقوم بالتفجيرات هم من مرتزقة النظام السابق الممولين من عائلة صدام وقيادات البعث المقيمة في الاردن والخليج. مع بعض من سموا بالقاعدة واليوم غيروا اسمهم لداعش! بعد ان بارت سلعة الماركة المسماة بالقاعدة. مستغلين غياب القانون وصراع الكتل الطائفية على مناصب السلطة من اجل منافع شخصية مما عرض البلد للتخريب والتدمير.

خاطبت بعض الكتاب والفنانين، وطرحت عليهم اسئلة تدور في هذا المضمار.. لإيصال وجهات نظرهم للقاريء المتلهف للكلمة التي تشحن الامل فيه. وحرصت ان ابعث رأيي ليكونوا على اطلاع على وجهة نظري..

 

استجاب البعض منهم مشكورا وبوقت قياسي..ومنهم من اغنى الموضوع بوجهات نظر مفصلة علمية ومنطقية.. الشكر والتقدير لهم جميعا.

الروائي والكاتب الساخر كريم كطافة أغنى الموضوع بوجهات نظره التي تستحق الوقوف عندها وتبنيها:

 

قبل الاجابة على الاسئلة اود ان أقول: ان مشكلتنا العويصة التي جعلت كثير من المثقفين يقعون في فخ السياسة ويستمرئونه إلى حد القناعة به أقصد أن المثقف قادر على تقديم الحلول محل السياسي في إدارة شؤون البلد. للأسف حصل هذا ويحصل الآن لأننا عانينا وما زلنا نعاني من سياسيين ليسوا بسياسيين البتة. بل كائنات يصعب وصفها إلى أي مجال حياتي تنتمي. ملفعة بالتخلف والجهل والأمية في ألف باء السياسة ومعادية بشكل صريح للثقافة والمثقفين، ديدنها مصالحها الشخصية وتالياً مصالح أحزابها أو عشائرها وعلى نطاق ضيق جداً. تمتاز بدناوة النفس تجاه المال العام وقلة الاكتراث بمصالح البلد العليا. ومما زاد الطين سيان أسود ومصخم هو دخول الدين والتدين الشعبي الساذج واعتماده من قبل هؤلاء اللصوص رافعة لاستحواذهم وتشبثهم بنظم الإدارة والقيادة في الدولة. لهذا السبب نجد مثقفينا لا يتوانون من التدخل في الشؤون السياسية ومن زوايا النظر الخاصة بهم التي تجعل ما يقولونه ويطالبون به من حلول عرضة للسخرية من السياسي اللص ومن المواطن المكتوي بفساد وإجرام هذا السياسي على حد سواء.

 

1- ما هو رأيكم بتلك النزعات الطائفية بين المثقفين العراقيين؟..

- لا استغرب ظهور نزعات طائفية بين الفئة المستهلكة للثقافة، حالهم هنا حال مجتمعهم المنقسم على نفسه إلى طوائف ومذاهب وأعراق بينها من الخصومة أكثر مما بينها من الود. لكني استغرب ظهور النزعات الطائفية داخل الفئة المنتجة للثقافة، فنانون وأدباء على اختلاف مجالات إبداعهم. استغرابي هنا يأتي من فهمي أن المبدع هو أكثر الناس بعداً عن النفاق، أو على الأقل هكذا عليه أن يكون، وذلك لامتلاكه حساسية خاصة تدفعه باتجاه الصدق سواء مع النفس أو مع الآخر.. ومن يكون صادقاً مع نفسه لا يمكنه أن يجد في المرض الطائفي حلاً لأي مشكلة.

 

2- وكيف ترون تأثيرها على الشارع العراقي..بالوقت الذي كثير من الشباب في داخل العراق يطالبون بإلغاء المحاصصة وإلغاء المسميات (سنة وشيعة) من الوثائق الشخصية!؟

- فيما لو أصيب قسماً من هذا الوسط الذي أشرت له قبل قليل أقصد منتجي الثقافة بفايروس الطائفية، فلحسن الحظ سيكون تأثيره أقل بكثير من تأثير شيوخ الدين بنوعيهم الأرضي (مساجد وحسينيات) والفضائي (قنوات الفتنة الفضائية). إذ لا أحد من الشباب أو حتى غير الشباب مستعد لقراءة كتاب أو قصيدة أو الاستماع إلى برنامج ثقافي. الصراع الطائفي البغيض جعل من المجتمع العراقي مجتمعات منغلقة على نفسها لا تجد الحق إلا عندها..

 

3- ما هو دور المثقف الآن في رفع معنويات الشعب وتعزيز روح المواطنة والولاء للعراق فقط قبل كل الولاءات؟ فتلك من وجهة نظري هي السبيل الاول لإنقاذ العراق من الفوضى السياسية. وإنقاذ الدولة سياسيا وأمنيا وإقتصاديا، بعيدا عن الطائفية التي جاءت بمسئولين لا كفاءة ولا خبرة لهم.

أعتقد يخطأ من يظن أن الدولة العراقية انهارت بعد الاحتلال المباشر في 2003، بل هي انهارت بعد غزو الكويت 1991. مذ ذاك التاريخ لم تعد هناك دولة في العراق. الأمر الذي دعى رأس النظام السابق إلى بدء الاهتمام بالعشائر وتهميش مؤسسات الدولة بدءاً من مركز الشرطة إلى أكبر الوزارات عدة وعدداً، وزارة الدفاع والداخلية. تُركت تلك المؤسسات لآلية التمويل الذاتي، كل يسعى لتمويل نفسه ومرؤوسيه بغض النظر عن الوسائل. الأمر الذي حول مؤسسات الدولة إلى ما يشبه مافيات مستشرسة. بما في ذلك حزب البعث نفسه. ولكي تكتمل عملية هدم وتدمير الدولة تماماً، أردف صدام سياسته تلك بما اسماه بالحملة الإيمانية، الحملة الشاملة التي كانت مفرخة مثاليةً لبروز النعرات والعداوات الطائفية التي كانت أشبه بالجمر تحت الرماد. وحين جاء الاحتلال ومن بعده حكومات المحاصصة الطائفية أكملت ذلك الدمار بتدمير لحمة المجتمع وتحويله إلى طوائف متناحرة. الأمر الذي يجعل من مشروع إعادة بناء الدولة العراقية على غاية الصعوبة والاستعصاء. الدولة بوصفها أرقى أشكال التنظيم الاجتماعي القادرة على إذابة كل الولاءات الفرعية في داخلها وإعطاءها عنواناً وحيداً هو الولاء للوطن. للأسف هذا المشروع ما زال في بدايته وهو مخترق بالطائفية وبالفساد وبالإرهاب وبتحديات كثيرة ليس أقلها مشروع تقسيم البلد إلى ثلاث أو أربع أو خمس دول ضعيفة كسيحة ليس أمامها سوى الاحتماء بهذا أو ذاك من جيران العراق. الدور الان للسياسي، بل هذا هو عمله. لكن السؤال المر كالحنظل: هل عندنا سياسيون ولاءهم الحقيقي للعراق وليس لطوائفهم وأعراقهم..؟ للأسف.. ما زالت أعداد هؤلاء الوطنيين قليلة وهم ضعفاء وبحاجة ماسة للدعم المجتمعي. هنا يأتي دور المثقف بنوعيه المنتج والمستهلك للثقافة في دعم وتقوية وترسيخ خيار هؤلاء الوطنيين، بما يمتلكه من منابر يحاول من خلالها الوصول إلى الجمهور الواسع.

 

4- هل تعتقدون ان وراء تلك الاصوات بقايا البعث ذاته او امريكا التي يخدمها التقسيم وبقاء الفوضى السياسية تلك؟

- قد اختلف مع من يقول أن وراء مشروع التقسيم امريكا والغرب. هؤلاء الملاعين ديدنهم الذي يبحثون عنه على الدوام والذي يدخلون الحروب ويفعلون الأفاعيل من اجله، هو السوق. نعم السوق بوصفه مستهلك ما ينتجون. وبالنسبة للسوق كلما كان مستقراً وآمناً كلما كان العمل فيه أفضل ويدر أرباح أكثر. لهذا ليس من مصلحة أمريكا تقسيم العراق. العكس تماماً من مصلحتها أن يعود العراق موحداً وسوقاً مستقراً وآمناً يحقق لهم ما يريدون، مصدر للمواد الخام وسوق لتصريف البضائع. أما التقسيم فلن يدر عليهم أكثر من بلاوي جديدة لها أول والشيطان نفسه لا يعرف آخرها، تلك الأقاليم المزعومة ستدخل حروباً جديدة وجديدة دائماً من أجل التطهير العرقي والمناطقي. أما السؤال القائل هل البعث وراء ما يجري، أقولها بالفم المليان وبكل ثقة، أن نعم. البعث هو البلاء الأول فيما حصل ويحصل للعراق. والبعث بالنسبة لي ليس حزباً أو كائناً له شكل وطعم ولون.. بل هو كالحرباء يتلون ويتشكل حسب الوظيفة الجديدة، ووظيفته الحالية تخريب كل عملية بناء مهما كانت متواضعة. كل التنظيمات الإسلامية المتحاربة الآن ومن المتراسين الشيعي والسني هم بعثيون وإن لم يعلنوا.

 

5- لا شك ان صياغة الدستور بشكله الحالي اعطى فرصة للبعض للتعكز عليه وتعزيز التقسيم الطائفي للسلطة. هذا ما اعتقده. فهل بالإمكان تغيير هذا الدستور او على الاقل الغاء المواد التي تتبنى الطائفية او تبررها؟

- على صعيد الدستور لدي اقتراح وحيد سيكون كفيل فيما لو جرى تبنيه وتنفيذه اقتراح قادر على أن يضع اللبنة الأولى لخلاص البلد من الصراع الطائفي، اقترح صياغة فقرة واضحة في الدستور ضمن فقرات المادة الأولى، تقول بمنع وتجريم عمل وتأسيس أحزاب وجماعات قائمة على أسس دينية. بهذا نكون وضعنا اللبنة الأولى لدولة المواطن وليس طولة الطائفة والمذهب والقومية.

 

 

حوار مع الشاعرة الكردستانية السورية نغم دريعي

naghamdorayeiالشاعرة السورية المتألقة نغم عبد الرحمن دريعي من مواليد مدينة عامودا كردستان الغربية1969م، عضوة في تجمع الحب وجود والوجود معرفة

https://www.facebook.com/groups/219490341406067/

خريجة كلية الآداب، دبلوم لغة إنكليزية، جامعة حلب، شاعرة وقاصة، ترعرعت وسط بيئة فنية أدبية، وتنشر في العديد من الدوريات المحلية والالكترونية مثل (باخرة الكرد، صوت كردستان) وفي 22- 12-2014م، أجرينا معها هذا اللقاء:

 

• نرحب بك بداية شاعرتنا الكردستانية نغم دريعي في حوارنا معك، ونرجو أن تحدثينا عن المراحل الأولى في مشروعك في الكتابة؟

- اهلا بكم ..يسرني التواجد بينكم كأسرة واحده وأصدقاء مثقفين واعين أنا من عائله غنيه بالفكر والسياسه والفن (شعر .. رسم .. موسيقى) فوالدي يعتبر من الفنانين التشكيليين والموسيقيين الاوائل في منطقة الجزيره ..نشأت في تلك البيئه فكان عبور الفن بكافة اشكاله سهلا لمعظم افراد الاسره .. واثناء دراستي الابتدائيه كنت اجمع النقود لاشتري بها قصصا قصيره او الغازا ًبوليسيه حتى تشكلت لدي مكتبه صغيره .. برعت بكتابة مواضيع الانشاء والتعبير الادبي وكتابة القصه القصيره وكنت رائده في مجال القصه القصيره على مستوى حلب ومدارسها بعمر ١٢م

 

• ما أثر والدك الفنان التشكيلي عبد الرحمن دريعي على شخصيتك وشعرك، بخاصة أن الفن التشكيلي يلامس المخيلة الشعرية عادة؟

- وطبيعي ان نتأثر بالوالد بالفطره ونحمل الكثير من جيناته .. والدي المربي ..التشكيلي وملك الناي كان كالنبع تنهل منه الاجيال القادمه .. من كل فروع الفن وروافدها .. وله الاثر الاكبر في تكوين شخصيتي وصقلها وهو من كان يشجعني على اقتناء الكتب او استعارتها من المركز الثقافي والمكتبه الوطنيه

 

• ماسبب ابتعادك عن الأضواء، وتأخرك عن النشر والتأليف، وتحقيق الانتشارية، هل يعود ذلك للظروف المادية، أم لعدم توفر الوقت لديك والتشجيع على البروز بشكل أكبر أدبياً وفي الساحة الأدبية؟

- دائما كان الشعر لي مناجاه مع نفسي كنت اقول كلاماً يشبه الشعر لشخص ما يسكن بداخلي الى ان تخليت عن صمتي ...لتتحول مناجاتي الى نثراً وخواطر وقصائد ..وتبوح بأحاسيسي وتشي ما بداخلي ..فالكتابه كانت دائما تمنحني التوازن ...الى ان شجعني اهلي واختي بشكل خاص التشكيليه سمر دريعي واصدقاء كثر عالنشر ....

 

• ما الذي أعطته عامودا لك وماذا تعني لك كمدينة كردية، وكيف تبدو الذاكر في حضرتها؟

- عامودا هي من حضنت طفولة ابي وشبابه ونايه الشجي ..والعاموديين يتميزون بخصوصيه كمدينتهم فهم شعب حي وحر ..لا يعرف غير الادب والفن والشعر والسياسه فأنا اعتز كوني ابنة عامودا ...كما كتبت عنها قصيده ..ووصفتها بطفلتي الصغيره ومدينة الكون ....

 

• تتمتع قصيدة النثر لديك بحس انثوي عال وعفوية بريئة وحالمة، إلاما تستدعين ذلك الشيء؟

- كما ذكرت انني سليلة الفن وقد رضعت الفن مع لبن أمي فليس غريباً ان تتمتع قصيدتي بذلك الحس والصدق بالتعبير ...

 

• هل تؤمنين بوجود أدب نسوي يخص المرأة وحدها أو أدب رجولي يخص الرجل وحده، أم لا يمكن تصنيف الأدب، لأنه لأجل الإنسان؟

- لا يوجد ادب خاص بالمراه وادب خاص بالرجل ...فالفن والادب هو التعبير دائما عن الاحاسيس البشريه والمكنونات الانسانيه .والكتابه لا تفرق بين نوع الجنس ..هي قضية تعبير عن احساس ومشاعر .

 

• سعدنا كثيراً بالحوار معك نغم دريعي، كلمة أخيرة تودين توجيهها للقراء والقارئات؟

- انا من سررت كوني معكم وضمن هذه المجموعه اشكركم اصدقائي واتمنى ان نكون دائما بلقاءات فيها منفعه لنا وللقراء كما اخص بالشكر الاستاذ الصديق ريبر هبون من دعاني للانضمام لهذه المجموعه اللطيفه وخلق فرصة للاجتماع بكم ومنحي هذا اللقاء ..شكرا للقراء والقارئات ولكم جميعا كل الود والتقدير

 

أجرى الحوار: ريبر هبون

 

 

حوار مع الكاتبة فضيلة الفاروق

fatimaalzahraa bolaarasفضيلة الفاروق: لست متسولة لرضى الناس .. أكتب كما أعيش .. ولا زلت أكتب نفسي لأن حياتي أغنى بكثير من مخيلتي

 

تقديم

فضيلة الفاروق من الكاتبات الجزائريات اللواتي فرضن وجودهن بقوة في عالم الكتابة .. كاتبة جريئة تتحمل نتائج ما تقول وتكتب .. تدافع عن آرائها بشراسة وتعتبر ذلك صدقا وحقيقة ينبغي ألا نداريها بالنفاق وادعاء الأخلاق

امرأة تشبه نفسها وتشبه أفكارها وتشبه مدينتها (أريس) .. نمرة من جبال الأوراس الشاهقة تستميت في الدفاع عن أفكارها .. عن رواياتها .. وحتى عن عناوينها الصادمة ..

فارسة ركبت صهوة مواهبها المتعددة .. لترسم بريشة الجمال وتكتب بمداد القلب وتصدح بعبير الروح .. يقول من عرفوها أنها بارعة في خلق أجواء الصداقة والألفة .. وقوية بثقتها في لغتها وموهبتها

هاجرت بموهبتها حيث النور والثقافة .. بيروت عروس الحلم عند المبدعين ففتحت لها صدرها .. لكن بعد جد واجتهاد وصبر جميل

تمتد جسور الحنين بينها وبين بلدها متينة قوية .. وتعود من حين لآخر في حواراتها وفي رواياتها إلى جذورها بما يؤكد شربها من منابع الحرية في بلدها .. وعدم قدرتها على الانفصام من حميميتها الشاوية مهما تكاثرت آراء المعاكسين

امرأة تصنع الحدث والرأي حين تتكلم وحين تكتب وحتى حين تصمت .. تهتم بالتفاصيل فتُعاتب .. وتغفلها فتُلام

لا زال أعداؤها الكثيرون يصنعون شهرتها دون قصد منهم في حين تؤكد هي ألا أعداء لها .. امرأة (فحلة) من جبال الأوراس كان يمكن أن تكون (فدائية) لو وُلدت قبل الثورة .. فهل أجد في محاورتها روح الجهاد بالقلم؟؟ ذلك ما تختلف عليه آراء القراء عندما يعرفون أجوبتها في هذا الحوار

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س1 رغم اعتقادنا بأننا نعرف الكثير عنك إلا أنني متأكدة أن هناك الكثير مما نجهله فهل تشبعين فضولنا يا فضيلة وتقولين نفسك بكل صدق

من هي فضيلة الفاروق .. الكاتبة .. الجريئة .. الشاوية ..

- هذا أصعب سؤال يطرح عليّ لأني أشعر بالغرور إن تحدثت عمّا يميزني، وأشعر من جهة أني لا أعطي نفسي حقها إن سكتت، لأننا في زمن من لم ينصف فيه نفسه لا أحد ينصفه، لكن مع هذا دعيني أشكرك على المقدمة التي قدمتني بها للقراء، إنها أفخم مما توقعت، وقد أعطيتني فيها أكثر من حقي.

ما أظنه حقيقة هو أن الجزائر تزخر بالمواهب، لكننا مجتمع مبدع في قمع مواهبه، مجتمع دمّر شبيبته، ويهوي نحو القاع، أنا متأكدة لو أننا نحضن أبناءنا كما تفعل مجتمعات البلدان المتطورة لكانت الجزائر اليوم في الصف الأول ..

أنا امرأة قلبها محروق على الجزائر، وتحضرني الجزائر حيثما حللت، وأتأسف كلما رأيت شعوب العالم تبني بلدانها ونحن ندمر بعضنا بعضا. هذا بالمختصر ما يدور في رأسي ومشاعري أغلب الوقت.

كاتبة؟ لأني تخليت عن مواهب أخرى وهبني إياها الله بسبب أعباء الحياة وكتبت من لوعتي.

جريئة؟ لأن هذه جينة من جينات الأمازيغ.

شاوية؟ نعم شاوية وأفتخر، أتقن لهجتنا جيدا، أتحدثها دون حرج سواء في الجزائر أو في الخارج.

 

س2 عشت في منطقة محافظة .. فمن أين اكتشفت هذه الجرأة في طرح آرائك وأفكارك بكل ثقة؟؟

- آريس منطقة إندلاع الثورة الجزائرية، ولمن يجهلها فهي منطقة ثورة وتمرد، علينا أن نفرق بين من هو محافظ وبين من لديه أخلاق، وسأخبرك سرا، أنا أشعر بالراحة حين أكون في آريس، الناس هناك لديهم أخلاق، لا يمكن لشخص أن يعتدي عليك هناك .. تربيت في عائلة متدينة، وتخاف الله، وعلمتني أن الكذب حرام، ولقنتني كل مبادئ الأخلاق، من إحترام غيري، ومحيطي، ولطف في الكلام ومساعدة الآخر، وو وو .. واجباتي الدينية أؤديها منذ كنت طفلة إلى يومنا هذا، وحسب هذا المفهوم أنا لا أزال محافظة، ولا أزال أتعامل مع كل الناس بأخلاقي العالية، أما الشجاعة فهذه فعلا جينة أملكها، لعلها من جدتي " العالية" رحمها الله أم أبي، كانت سيدة قوية وشجاعة ولا تخاف من الرجال، لا من رجال العائلة ولا من غيرهم، وكانت مستقلة ماديا، عمتي ربيعة رحمها الله أيضا كانت سيدة قوية، وضليعة في السياسة، وكانت مناضلة ومنتمية لحزب جبهة التحرير عند تأسيسه، وتدفع الإشتراك السنوي، وعائلة أمي أيضا فيها نساء بشخصية حديدية مثل خالتي عيشة، وأعتبرهن جميعا من اللواتي صنعن جزءا كبيرا من شخصيتي .. كل ما في الأمر أني أقول الحقيقة وكفى، وعلى ما يبدو قول الحقيقة صعب، يحتاج " لجرأة" أصبحت نادرة في مجتمعنا لهذا يراني البعض وكأني كائن نزل من الفضاء وأنا عكس كل تخيلاتهم، قروية من آريس .. لا أقل ولا أكثر .. !

 

س3: بحكم نشأتك في وسط (علمي) كيف اتجهت إلى الأدب بكل هذا الإصرار؟؟

- ميولاتي كانت كلها أدبية، وفنية،و أختي ليلى أيضا، توجهت للرسم، وهي خريجة مدرسة الفنون الجميلة، ولكنها تفرغت لبيتها وعائلتها بعد الزواج. أبي أيضا تمرّد على تقليد العائلة بالذهاب للطب، أحب الكاميرا، فحملها وصنع مسيرة حياته كلها، أرّخ للعائلة بالصورة الفنية الراقية بالأبيض والأسود، لديه أرشيف كبير من الصورتؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ الجزائر منذ مطلع الإستقلال إلى بداية التسعينات. بالطبع والدي لأنه عمل في حقل الإعلام، لم يكن يريد أن أذهب لمهنته لأسباب يضيق المقام لذكرها، إلا أني تأثرت جدا به، ووجدتني رغم إبعاده لي عن عالمه أتوغل فيه. وأظنه فشل في ردعي لأن " راسي خشين" لا استسلم بسهولة، ولا أتخلّى عن أحلامي دون أن أصارع من أجلها أولا.

 

س4 متى اكتشفت موهبة الكتابة لديك ومن كان له الفضل في إخراجها إلى النور؟؟

- إنها أجواء البيت، رفوف الكتب والقصص عندنا، القصص المصحوبة برسومات جميلة جدا .. التشجيع كان في البيت أولا، ثم في المدرسة، لأننا جيل كان لا يزال بخير، تخيلي أن مكتبة البلدية في آريس كانت عامرة يوميا بمن يستعيرون الكتب لقراءتها، وكنت مع مجموعة من الصديقات نتنافس من يقرأ أكبر عدد من الكتب خلال الأسبوع. اليوم المكتبة مغلقة، هذا التقليد لم يعد موجودا حتى في المدن الكبرى فما بالك في القرى والبلدات الصغيرة ..

القراءة هي التي جرتني للكتابة، ولعلي سردت قصصي حين كنت أكتب مواضيع إنشاء لصديقاتي وأستمتع برؤية العلامات .. كانت عملية غش لكن فيها متعة. أكثر من أستاذ شجعني على الإستمرار في الكتابة، لكن من وقف معي فعلا لأستمر هي أنا، الإنسان وحده يقرر مصيره ويحدد خياراته، وأنا اخترت الكتابة لأني عرفت قوة مفعولها، وأعرف سلفا أنها منحتني الكثير.

 

س5 كسرت الكثير من القيود الاجتماعية التي لم تستطع من قبلك من الكاتبات كسرها .. كيف تأتى لك ذلك وهل أنت عاتبة عليهن لعيشهن في شرنقة التقاليد البالية؟؟

- لا أعتب على أحد، لكني أعتب على اللواتي يفتحن النار عليّ بدل أن يعملن ليتقدمن، المؤسف ليس أن تختار المرأة بمحض إرادتها أن تعيش في الشرنقة، المؤسف حين تهاجم من خرجن من الشرنقة.

بالطبع أنا لست امرأة حديدية كما يردد عني، ولست المرأة التي تسلقت السلم بطرق غير شرعية لتحقق ما تريد، أنا ناضلت، وبلغت أحيانا مراحل ظننت فيها أني انتهيت، لكني كنت أقف في آخر لحظة وأواصل المسير. لم تكن طريقي سهلة، كل محطة كنت أبلغها كانت أتعس من سابقتها، إصراري هو الذي جعلني أستمر، وكما ذكرت في سؤالك، تلك " القيود الإجتماعية" كانت قيودا وكان يجب كسرها فقط. لم أكن بحاجة لشيء سوى الإستمرار، وهذا ما تحتاجه كل امرأة لتحقق ذاتها حين يقف الجميع ضدها. وصدقيني حين تنجح سترى أن الجميع تغيروا تجاهها، وحتى أولئك الذين حاربوها سيركضون وينحنون أمامها طالبين رضاها .. كلما كسرت قيدا، كلما انكسر أحدهم ممن يحاربونك.

 

س6 عناوين روايتك صادمة هل تتعمدين ذلك .. ولماذا؟؟

- أفكر دوما في عنوان مقنع ويختصر عملي، إنها رواياتي وأنا لا أسمح أن تأخذ أسماء تمر دون أن تستفز القارئ .. كل رواياتي اخترت لها أسماءها بنفسي إلا أقاليم الخوف طلبت من صديقي سليم بوفنداسة أن يختار لها إسما فكان هذا .. وقد اندهشت حين قرأته، كان بالضبط ما أبحث عنه.

 

س7 هل أنت في صراع داخلي مع الرجل الشرقي وازدواجيته .. أم أن آراءك عفوية ولاتدين أحدا؟

- في الغالب أنا لست في صراع معه، بل هو الذي لم ينسجم مع أفكاري، الرجل الشرقي يرفض أي محاولة للصلح، يرفض يدي الممدودة له، يرفض أن أحبه، يرفض أن أهتم به، يرفض أن نعيش بسلام ومحبة ورحمة، يرفض كل مشاريع السلام التي أقترحها عليه .. ما باليد حيلة، إنه عاشق للحروب واللااستقرار .. هناك حتى من يطلق نكتة أنه يريد أن يحصل على حقوقه التي أخذتها النساء، يقولون ذلك بدون خجل ولا حياء وكأنهم     " حريمات" .. إذا كان هذا النوع من الرجال هو الذي يجب أن نعتمد عليه فأنا لا أريده .. قلة هم الرجال الذين يعرفون معنى الرجولة ويمارسونها، وهؤلاء هم الذين يملأون عيني الآن.

 

س8 بعد أن تجاوزت فترة الانبهار بلبنان وبيروت والشرق ماذا تقولين لنا عن بيروت (أدبيا)؟؟

- تظل بيروت أفضل من أي مدينة عربية أخرى أدبيا وثقافيا، لأنها تملك تقاليد قديمة في الميدان، نحن للأسف لا نملكها، كان من الممكن أن تكون هذه التقاليد في الجزائر لو لم يحاربها الفرنكفونيون، لكننا دمرنا النخبة المثقفة بعد الإستقلال وأنتجنا نوعا آخر من أجل التعريب، لم يعرف أن يقود البلاد ثقافيا، نما كالطحالب لصيقا برجال السياسة وانتهينا إلى ما ترينه الآن، ملايين الدولارات تصرف عندنا من أجل تظاهرات لا يسمع بها حتى جيراننا في تونس والمغرب، هدر مبالغ فيه لأموال الدولة على مشاريع لم تحدث أي نقلة نوعية في مشهدنا الثقافي، وحتى كتابنا لا تزال قبلتهم الأولى للنشر هي بيروت، وقبلة جوائزهم كل من دبي والدوحة ..

نعم دبي مدهشة في التنظيم، واحتضان أي تظاهرة فنية أو أدبية أصبح عملية إبهار حقيقية،و هذا يعني أن هذا الدور سرق من بيروت، ذلك أنها وقعت ضحية سياسييها مجددا، فبعد حرب دامت 17 سنة لم تحض بيروت بالهدوء اللازم لتستعيد بريقها، وهذا مؤسف لأنها مدينة خرافية لا تشبه سوى مدن الأحلام.

 

س9 هل تعتقدين أن النشر في لبنان في حالة أفضل من غيره من البلدان وما هو السبب؟؟

- النشر في لبنان له تقاليده وتسهيلاته وهذا ما لا يتوفر في بلدان أخرى، لهذا لا يمكن أن يفقد لبنان دوره كعاصمة للنشر، فحتى في عز الحرب وتحت القصف لم تتوقف المطابع عن إصدار الكتب الجديدة . ثم سأخبرك بشيء مهم، اللبناني يبحث دوما على تطوير نفسه، ويسعى لذلك بكل قوته، وهذا ما لا يتوفر في غيره، ولأنه تاجر بالفطرة فهو يحسن دوما تجارته، وصورته لدى الآخرين، بعض العرب في هذا الميدان تعساء جدا، حد النفور منهم .. لهذا يبقى اللبنانيون متميزون في العالم العربي.

 

س10هل تعتقدين أنك مشهورة وماهو مفهوم الشهرة لديك؟؟ وهل تعتقدين أنك كذلك بسبب جرأتك أم موهبتك؟؟

لا أدري .. هل تظنين أني مشهورة؟ أنا أظن أني لست كذلك .. فقلة من يعرفونني، وأغلب من يتحدث عني لا يعرفني بل يؤلف أشياء يظن أنها تناسب شخصيتي .. الشهرة الحقيقية هي حين تخدم الشهرة صاحبها، ويصبح إسمه ماركة مسجلة. لا أظنني بلغت هذه المرحلة.

 

س11 ماالذي يلهمك كي تكتبين؟؟ .. الأشخاص؟؟ المدن؟؟الأحداث؟؟ الحوادث؟؟ .. أم ثورتك الداخلية؟؟

- أظنها ثورتي الداخلية، ومشاعري المعقدة في إحتواء الأشخاص، واستيعاب الأحداث التي نعيشها، لي رغبة دوما في البوح، ولي رغبة في السرد، ولي إيمان في قدرة الكتابة على التغيير، وبالمناسبة تبقى الجزائر ملهمة كبيرة لي لأكتب ..

 

س12 يقال بأن الكاتب يقول نفسه عادة في أول رواياته هل كتبت فضيلة نفسها باسم بطلة من أبطال رواياتها؟؟

- أنا أكتب نفسي، لكني لا أختفي خلف بطل بعينه، أحيانا أتواجد في كل شخصياتي، وهذا ليس بالأمر الصعب، فالإنسان لديه دوما وجهان، أو عدة أوجه، لكنه يرتدي القناع الأنسب للناس لإرضائهم، أما أنا فمتعتي الكبرى حين أواجه الناس بكل أوجهي الجميلة والبشعة منها، لا أتأسف حين يكرهني البعض لأنهم عرفوا حقيقتي، فلست متسولة لرضى الناس .. أكتب كما أعيش .. ولا زلت أكتب نفسي لأن حياتي أغنى بكثير من مخيلتي، ومليئة بالأسرار المدهشة والغموض اللازم للروايات .

 

س13 لو عاد بك الزمن إلى الوراء هل كنت ستغادرين الجزائر وإلى أين؟؟

- لو ظل الوضع كما كان طبعا سأغادر، ماذا أفعل في بلد يسمرك لتبقى مكانك؟ سأغادر طبعا إلى أي بلد يحضنني، ولعلي كنت سأختار أميركا لو سمحت لي الظروف، تعبت من العالم العربي .. تعبت جدا.

 

س14 هل أنت على اتصال بأديبات الجزائر وكيف تنظرين إلى كتاباتهن؟؟

- أنا فخورة ببنات بلادي، وكلما تسنت لي الفرصة أقتني كتبا لكاتبات جزائريات ولي علاقة جميلة مع أديبات أكبر مني، ومن هن أصغر مني ومن هن من جيلي ..

ودوما أشعر بالتعطش للأدب الجزائري باللغتين .. لدي صداقات لا يمكن حصرها، فأنا قارئة نهمة، وأحب أن أعرف أين نحن من غيرنا، لهذا لا تندهشي إن قلت لك أن الأقلام الجزائرية متميزة جدا، لكنهن لا يجدن التشجيع اللازم، ويحاربن أكثر من غيرهن .. للأسف مجتمعنا جد قاسي تجاههن، وهذا ينعكس في أدبهن من جهة أخرى ..

في الشعر هناك شاعرات متميزات جدا، ولا أريد أن أذكر الأسماء تفاديا لإثارة غضب بعضهن.

لنقل أننا بخيرو سنكون أفضل لو أن حروبنا الداخلية تهدأ قليلا.

 

س15 عدا الكتابة ما هي الأنشطة الأخرى التي تقوم بها فضيلة في حياتها اليومية؟

- يومي دائما مليء، أستيقظ فجرا، ولا أهدأ حتى تغيب الشمس، يصعب إذن أن أختصر لك إنشغالاتي اليومية، لكني حتما أحب الأعمال الخيرية، مساعدة الأيتام، أقوم بنشاطات مع المدرسة التي يدرس فيها إبني، وأهالي التلاميذ، أرسم حين يسمح لي الوقت، أنجز هدايا لأصدقائي من صنع يدي، أقرأ، وأخبرك أني مدمنة سينما .. لا يمر أسبوع دون أن أشاهد فيلما من الأفلام الجديدة في السينما، وعدة أفلام أستعيرها من محل قريب .. لا أدري ماذا أفعل أيضا، لكني أغلب الوقت مشغولة، ومساء أحب السكينة قبل أن أن أنام باكرا أيضا.

 

س16 مارأيك في الجوائز والمسابقات الأدبية .. هل تقوم بدورها في إخراج المواهب الشابة أم أنها مسيّسة ومفصلة على مقاسات معينة؟؟

- لم تحقق جوائزنا ما يجب تحقيقه، لأن الكتاب عندنا منفصلون عن المجتمع، الناشر لا يعرف بتاتا دوره، لا يروج للعمل الأدبي، لا ينظم لمؤلفيه لقاءات مع الإعلام، توقيعات ولقاءات في الجامعات .. يصدر الكتاب ويتحوّل الناشر إلى بعبع يقض مضجع مؤلفيه، حين يروج أن الكتاب لا يبيع، وأن السوق نائم، وأن القارئ العربي تافه .. وو و.. كل ذلك ينعكس على وضع الكتاب، حتى حين ننشئ جوائز .. ماذا يمكن للجائزة أن تفعل إذا لم يروج لها جيدا، ويحضر لها تحضيرا جادا لتطلق عدة عناوين دفعة واحدة؟ لن أقول أن جوائزنا مسيسة، ولا مفصلة على مقاييس معينة ولكن من يهتم بها لا علاقة له بالتسويق والترويج للأدب، لا علاقة له بما يحدث في العالم، لا علاقة جيدة له حتى مع المبدعين والإعلاميين فكيف نريد لهذه الجوائز أن تغير واقع مجتمعنا؟ يلزمنا فريق يذهب للتربص في الخارج ويرى كيف يحضر للجوائز المهمة وكيف تنشأ لجان التحكيم وكيف تطلق الجائزة وكيف تمنح؟؟؟ وإلا لن نتعلم أبدا لأننا لا نملك تقاليد لمهنة نشر الكتب والتسويق لها، نحن بلدان خرجت من استعمارات متتالية وحروب طويلة والعالم فيما كنا نحن منشغلون بهذه الحروب كان يتطور بشكل طبيعي، واليوم ليس من السهل أن نتسلّق سلم الحضارة بقفزة واحدة .. علينا أن نستعين في التنظيم بمن لهم خبرة فقط لا غير.

 

س17 هل ستكونين ضيفة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية .. وما رأيك في مهرجان الشعر النسوي الذي يقام بها كل عام؟؟

- ربما أكون ضيفة، حسب ما وصلني من بعض الأصدقاء إسمي موجود على قائمة المدعويين. أما عن مهرجان الشعر النسوي، فينقصه الكثير ليكون مهرجانا محترما، له وزنه بين مهرجانات الشعر العربية. أظنه مناسبة لتصفية حسابات نسائية كثيرة، وغارق في محليته رغم بعض الأسماء العربية التي تشارك فيه .. ثم أتساءل كيف يستضيف المهرجان شاعرات لسن نسويات، ويرفضن تماما أن يطلق عليهن إسم نسويات، ولا يعترفن بتاتا بأدب نسوي، ولا بأدب نسائي، ويشاركن في مهرجان تحت هذا العنوان الكبير؟؟؟؟ غير ذلك تساءلت لماذا لم يدعُ المهرجان من اهتم بدراسات مهمة حول الشعر النسوي أو النسائي في الجزائر والعالم العربي؟ هل تفادى المهرجان ذلك؟ أم هو جهل من أصحابه بما يدور في مطبخ الشعر النسوي؟ لماذا أيضا لم يمنح لدوراته أسماء لشاعرات عبرن ممر الشعر بجثامينهن مثل صفية كتو وهادية رجيمي رحمهما الله مثلا، أو إعادة الإعتبار لشاعرات فرنسيات ناضلن من أجل استقلال الجزائر أيام الإستعمار مثل آنا غريكا (كوليت غريغوار) وإبراز أسماء شاعرات جزائريات يكتبن باللغة الفرنسية والعمل على ترجمة شعرهن وجعله قريبا من القارئ المعرّب .. ملاحظاتي كثيرة بشأن المهرجان، وأرجو أن تؤخذ من باب غيرتي على وطني، وليس من باب آخر، لأن إقصائي من المهرجان ومن كل الملتقيات التي لها علاقة بالأدب النسوي في الجزائر قائم على كراهية لشخصي بدون سبب محدد، فعلى علمي لم أبادر بكراهية أحد، ولم أهاجم أحدا، ولم أشتم أحدا .. ولكن تحامل أغلبهم عليّ وتحامل على كل من يحبني فأقصيوا هم أيضا وهذا ما حزّ في نفسي ..

 

س18 ماذا تقولين للمرأة المبدعة في الجزائر خاصة الكاتبة؟؟

- عليها ألا تتوقف عن الكتابة حتى تموت .. هذا كل ما يجب أن تفعله لتترك بصمتها وتمنح الأمل لكثيرات مثلها، ولتغير حياتها نحو الأفضل. لتكن واثقة أن النجاح يأتي بالإستمرارية، ويحقق الكثير لمحققه. هذا كل شيء.

 

س 19 ماذاتقولين عن

الربيع العربي .. زهور ونيسي .. أحلام مستغانمي .. مصطفى بن بولعيد

الربيع العربي : عنوان إعلامي عربي .. لا علاقة للشعوب به، وهو لعبة سياسية إقتصادية أكبر مما تبثه وسائل الإعلام العربية وتملأ به رؤوسنا.

زهور ونيسي: أول نموذج جزائري يجب أن تحتذي به المبدعات، عنوان كبير في سماء مشهدنا الأدبي لا يمكن إختصاره في كلمة.

أحلام مستغانمي : المرأة الخارقة التي جعلت مجتمعات أمية تقرأ.

مصطفى بن بولعيد: بطل الجزائر الأول، ومن حسن حظي أني من بلدته وأحمل تمرده وثورته في دمائي. شكرا لله على هذه الهبة الفريدة.

 

س20 كلمة ختامك المسك ونص من إبداعك الجميل

- أحب أن أهمس لمن يحبني ولمن لا يحبني، أن النجاح قائم على خمس: المحبة، والعمل، وتفادي إرضاء الناس، ووتفادي طعن الآخرين من أجل الشهرة، حظ سعيد للجميع.

 

أج رت الحوار: فاطمة الزهرالء بولعراس

حوار مع الكاتبة جميلة طلباوي

fatimaalzahraa bolaarasجميلة طلباوي: لا بدّ من آليات جديدة للدول من أجل الاستثمار في الأفراد إن كانت تريد الخروج من التبعية والتخلّف والذوبان السلبي في الآخر.

 

تقديم

جذبني سحر لغتها في موقع أصوات الشمال .. استمتعت بقراءة إحدى قصصها وكتبت تعليقا .. جاء الرد يحمل روحها الجميلة وإنسانيتها

كنت لا أزال مبتدئة في عالم الشبكة العنكبوتية .. كتبت لها تعليقا آخر وقلت أنني أود نشر نص شعري في الموقع ولكني لا أعرف كيف .. نبهتني جميلة إلى قراءة أعلى الصفحة ففيها (أرسل مشاركتك) ضحكت من (جهلي) وأرسلت أول نص بمساعدة جميلة عن بعد .. لا زلت أذكر عنوان النص (بعدك أمي) فرحت جميلة بمراسلتي وعلقت على نصي وتواصل اللقاء الروحي والأدبي بهذه الجوهرة النادرة من جواهر الأدب والأخلاق والتفاني في جزائرنا الجميلة

هي جميلة ابنة بشار المخلصة التي تحمل لونها وترتدي بسمتها وتتحلى ببهائها النادر، هي المنشطة الإذاعية السمراء التي يتلعلع صوتها ويصنع الحياة من إذاعة بشار الجهوية

هي صاحبة المؤلفات .. شظايا .. وردة الرمال .. شاء القدر .. أوجاع الذاكرة .. كمنجات المعطف البارد .. والخابية ..

الساحرة بالكلمات جميلة هي الساحرة بالصوت صاحبة الحصص الإذاعية الناجحة بإذاعة بشار الجهوية .. حصص اجتماعية وأدبية تضع فيها جميلة كل حضورها الطاغي وثقافتها الواسعة ونشاطها وحيويتها

شدني إليها سحرها الغريب وتواضعها الجم وأحببت أن يعرفها القراء أكثر وكان هذا الحوار

 

س1: بعيدا عن التقديم المقتضب أعلاه ماذا تقول لنا جميلة طلباوي عن نفسها؟

- كاتبة .. مذيعة .. وناشطة في ميدان الأدب ..؟؟

جميلة طلباوي: ماذا عساي أقول سيدتي الفاضلة غير أنّني الثلاثة في الوقت نفسه وهذا التنوع يسعدني.

 

س2: لاشك أنك تحتفظين في ذاكرتك بأول ماخطّه قلمك .. وكيف تتابعت خطواتك في ميدان الكتابة؟؟

جميلة طلباوي: البدايات كما الفراشات نكتشفها هكذا بشكل مباغت كائنات تحلّق ، تقترب منّا وتبتعد، كلّما حطّت ننبهر بألوانها، وكلّما حلّقت وابتعدت نشعر بعجزنا عن اللحاق بها .. لعلّي هنا سأذكر أوّل ما دوّنه قلمي وأنا طفلة تحصّلت على شهادة التعليم الابتدائي وانتقلت إلى المرحلة المتوسطة ممتلئة بحكايا الوالد والوالدة المجاهدين عن ذكريات الجهاد وبطولات المجاهدين وتضحيات الشهداء فوجدت الطفلة في تكتب قصة عن الثورة التحريرية المجيدة، رغم بساطتها يومها إلا أنّها شدّت انتباه الأسرة التي كنت أصغر فرد فيها تحيطه بعناية خاصة، أسرة كانت تعدّني لأكون مهندسة لكنّها وفرت لي مكتبة تنوعت كتبها التي نهلت من منابعها قصصا وروايات وكتبا في الفكر والنقد، قرأت كلّ ما كان يجلبه أخي رحمه الله من كتب يدعّم بها مكتبة الأسرة، لكنّ عوالم جبران خليل جبران سحرتني في البداية وكانت ظلالها واضحة في الخواطر والقصص التي كتبتها في مرحلة الثانوية، شيئا فشيئا وبفضل الدربة وتعدّد القراءات وفي رحلة دراستي للهندسة الميكانيكية كنت دائما أهندس نصوصي الأدبية مستمتعة بهذا التنوع، مستمتعة أيضا بالوافد الجديد على حياتي وهو الميكرفون الذي بفضله جبت عدّة مناطق، نهلت من ثقافتنا الشعبية الأصيلة، كان احتكاكي بالإنسان في ظروفه القاسية، في حالات المرض والعوز، كان الاحتكاك بمختلف شرائح المجتمع، فكانت خيوط أخرى بدأت تتشكّل في نصي ترتكز على الفضاء الصحراوي لبناء عوالمها فيه تتجلّى رؤاي الخاصة المنصهرة مع أفكار هي وليدة صراع الإنسان عبر حضارات مختلفة، صراع الإنسان في ظلّ العولمة.

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س3 يعاني المبدعون عادة من حواجز معينة في البداية منها ما يتصل بهم ومنها ما يتصل بميدان الأدب الذين يريدون دخوله .. فهل وجدت جميلة طلباوي مثل هذا في مسيرتها وما هي نوعية هذه الحواجز؟؟

جميلة طلباوي: أعتقد أنّ الحاجز الوحيد في وجه الإنسان هو نفسه، عندما نؤمن بالفكرة لا شيء في هذا العالم يمكنه كبح انطلاقنا.

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س4 عملك كمذيعة يعطيك متنفسا للتواصل مع الجمهور .. هل أحسست أن قراءك من هذا الجمهور؟؟ .. أم أنّ الأمر مع القراءة مختلف؟؟

جميلة طلباوي: اسمحي لي بهذه المناسبة أن أبعث بتحية احترام وتقدير لكلّ المستمعين الذين أدين لهم بالكثير، بل أصبحوا يشكلون عائلتي الثانية باحتضانهم لي صوتا وقلما.

 

فاطمة الزهراء بولعراس:

س5 حدثيني عن أول كتاب نشرته وكيف كان شعورك .. خاصة وأن الكثيرين يشعرون بخيبة أمل لسبب من الأسباب بعد صدور كتبهم الأولى؟؟

جميلة طلباوي: أوّل كتاب صدر لي كان" شظايا" عن جمعية الجاحظية عام 2000م بتشجيع من الدكتور عبد الرحمان مزيان والدكتور علي ملاحي ، كان لصدوره طعم خاص ، فبفضله تعرّفت على الروائي الراحل الطاهر وطاررحمه الله، وبفضله خضت غمار تجربة حقيقية مع عالم الأدب، صحيح أنّ للبدايات دائما هفواتها، لكن بفضلها نتعلّم أن نكتب بوعي أكبر وبمسؤولية أكبر، نعرف ما ينبغي أن يكون عليه مسارنا الأدبي .

 

فاطمة الزهراء بولعراس:

س6: كامرأة مثقفة .. كيف تنظرين إلى الأوضاع المزرية التي يمر بها العالم العربي حاليا؟؟ ما هو السبب في نظرك وما هي مقومات النهضة والسير إلى الأمام؟؟

جميلة طلباوي: الحديث ذو شجون والأسباب متعدّدة ، لكنّني أجزم بأنّ بناء الفرد عامل مهمّ في الحلقة المفقودة في مجتعاتنا العربية التي يغلب عليها الطابع الاستهلاكي والسلبية والاستلاب والانبهار بقشور الآخر دون الاستفادة من التجارب الناجحة لشعوب استطاعت أن تحقق قفزة نوعية على مستوى الاكتفاء الغذائي والتقدّم التكنولوجي والوضع المعاش أعتقد بأنّه يعود بالدرجة الأولى إلى غياب مشروع حضاري ثقافي لشعوبنا العربية ، وفشل الأسرة في تعزيز الثقة بالنفس وروح الإبداع في أفرادها نتيجة وضع بائس لدولها.أعتقد بأنّ مقوّمات النهضة تبدأ من بناء الفرد ولا يمكن الإقلاع بدون الفرد المدرك لهويّته القادر على العمل والخلق والإبداع، لا بدّ من آليات جديدة للدول من أجل الاستثمار في الأفراد إن كانت تريد الخروج من التبعية والتخلّف والذوبان السلبي في الآخر.

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س7 قبل أيام وقفنا أمام اليوم العالمي للغة العربية .. هل أخذت اللغة العربية في الجزائر مكانها فعلا أم أن هناك ما تقوله جميلة في هذا الموضوع؟؟

جميلة طلباوي: لا ننكر بأنّ جهودا معتبرة ساهمت في إيجاد جيل يتحدّث باللغة العربية، والإحصائيات تشير إلى تراجع نسبة الفرونكوفونية في الجزائر، لكن بالمقابل نجد تناقضات كثيرة في التعامل مع هذه اللغة ، ابتداء من الإدارة التي لا زالت في أغلبها مفرنسة ، إلى إصرار بعض مسؤولينا على الحديث باللغة الفرنسية، ضف إلى ذلك أنّ حملة التعريب لم تعزّز بمشروع ثقافي هامّ يجعل اللغة العربية بالقوة التي ننشدها،أعتقد أنّ القضية تحتاج إلى إعادة النّظر في واقعنا الذي يعيش تناقضات كبيرة على مستوى اللغة.

فاطمةالزهراء بولعراس

س8 كمنشطة إذاعية ماذا تقولين لنا عن تواصلك مع المستمعين؟؟

وهل تفكّرين في مشروع برنامج آخر غير تلك التي نشطتها أو التي لازلت تنشطينها؟؟

جميلة طلباوي: علاقتي بالميكروفون علاقة خاصة جدا، وتواصلي مع المستمعين من خلال البرامج التفاعلية التي أقدّمها من أجمل الأشياء التي أستمتع بها وتأخذ من وقتي وتفكيري، هنالك برامج تعدى عمرها العشر سنوات وصارت جزء منّي ومن الإذاعة ومن مستمعيها مثل البرنامج الأدبي"ظلال الكلمة"، البرنامج الطبّي"طبيبك على الهواء"، البرنامج الموجه للمستهلك من أجل توعيته وإرشاده "نادي المستهلك"، والبرنامج الإجتماعي التفاعلي "لكم الكلمة"، قدّمت منذ التحاقي بالإذاعة برامج عديدة معظمها توقفت ، وأخرى أصبح يقدّمها زملاء لي، كلها برامج أحببتها، وعالم الإذاعة عالم متجدّد قد يجذبك إلى موضوع يكون اللبنة الأولى لبرنامج إذاعي لم تفكر في تقديمه من قبل

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س9 ألاحظ في كتاباتك نغمة حزن هادئة هل هي ناتجة عن معاناة شخصية أم إنسانية؟؟

جميلة طلباوي: حسب تعبير أندريه جيد : العاطفة تنتج الأدب الرديء، عندما أكتب أغمس قلمي في حبر الواقع الموجع بعيدا عن تجاربي الخاصة التي قد تلقي بظلاهلها بشكل ما في بعض نصوصي، لكن في الغالب أوظّف أنا الراوي للحديث عن معاناة الآخر، عن أوجاعه، أضع قلمي مكان صوته لتنطلق صرخاته في نصوصي، أنبش في ذاكرته فتتزاحم رؤاه في سطوري وتتجلى شخصيته في نبض الحكاية.

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س10 الحديث عن الثقافة في بلادنا حديثٌ ذو شجون هل تعتقدين أن الحركة الثقافية في بلادنا حقيقية وبناءة أم أنها جعحعة بلا طحين؟؟

جميلة طلباوي: في وطني يغيب المشروع الثقافي الذي نحلم به، والمثقف طرف مساهم في هذا الوضع البائس من حيث يدري أو لا يدري، رغم كلّ ذلك هنالك جهود لا بدّ من تثمينها على مستوى الفعل الثقافي، هي في كثير من الأحيان مبادرات فردية لكنّها مثمرة لو وجدت المناخ الثقافي الذي يتعهدها بالرعاية.

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س11 زرتِ مؤخرا الكويت هل من انطباع عن الحركة الأدبية في هذا البلد الشقيق؟؟

جميلة طلباوي: أعتبر نفسي محظوظة بزيارتي للكويت الشقيق الذي عرفته من خلال مجلّة "العربي " الرائدة في العالم العربي ، الكويت الذي كما ذكرت في مقال لي نشرته في أصوات الشمال بعد عودتي من هنالك بأنّ هذا البلد الشقيق يعنى بالإنسان قبل كلّ شيء، وجدت الإخوة في الكويت الشقيق منفتحين على الّلغات الحيّة مهتمّين بكلّ ما هو ثقافي وفكري، يكرّسون من وقتهم الكثير من أجل النهل من الكتب ومختلف مصادر المعرفة، كما لفت انتباهي بأنّ تمسكهم بأصالتهم لم يمنعهم من التمكن من التكنولوجيا، فلقد حققوا سبقا في مجال المعلوماتية وفي مجال الأجهزة الإلكترونية الذكية، ممّا سهّل حياتهم وقنوات تلقيهم للمعرفة.

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س12 في أي حالة وجدانية تكون جميلة عندما تبدع؟؟

جميلة طلباوي: في حالة صفاء، حالة أصل فيها إلى نقاط عميقة من روحي، أتوحّد فيها مع الأشياء.

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س13 من تعتقدين أنه فجر موهبتك؟؟ .. الأسرة .. أم المدرسة .. أم ماذا ..؟؟

جميلة طلباوي: الفضل بالدرجة الأولى يعود إلى أسرتي خاصة أخي الأكبر عباس رحمه الله وأختي، نشأت في أسرة تعشق اللغة العربية وتعشق المعلّقات والإبداع الأدبي، أسرة يعني لها الكثير وجود مكتبة في البيت، لقد كان أخي رحمه الله يحرص وهو يجلب كتبا للمكتبة أن يحضر لي ما يشبع رغبتي في القراءة كتلميذة في الفصل الإبتدائي، لقد احتضن خربشاتي الأولى، وجهني وهو المهندس،و ظلّ يحفزني على الكتابة من جهة ويذكّرني بضرورة أن أواصل دراستي حتى الحصول على شهادة مهندسة ، وبالفعل حققت حلمه بالحصول على شهادة مهندسة ، وحققت حلمي بالاستمرار في الكتابة، في المدرسة تعهدني الذين درسوني بالعناية والتشجيع وحفزوني وهم يتنبأون لي بمستقبل جميل في عالم الكتابة الأدبية.

 

فاطمة الزهراء بولعراس

س14 أسماء لها معنى عند جميلة

لالة فاطمة نسومر: المرأة الرمز لقدرة المرأة على المقاومة من أجل قضايا كبرى في الحياة.

جميلة بوحيرد: هذه البطلة رمز النضال والتضحية.

هواري بومدين:هذا الرجل العظيم هو رمز الشموخ

الأمير عبد القادر: مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة ورمز من رموز مجدها التليد.

جميلة طلباوي

 

فاطمةالزهراء بولعراس

س15 نريد أن نقرأ آخر ما كتبت جميلة ونسمع كلمة الختام

جميلة طلباوي: رواية الخابية كان آخر ما صدر لي عن الوكالة الوطنية للاتصال النشر والإشهار في أكتوبر 2014م أقتطف لكم منها هذا المقطع:

كلمتي في الختام هي شكر عميق لك سيدتي وتحية لكل من سيطّلع على هذا الحوار.

 

فاطمة الزهراء بولعراس

أشكرك جميلة على هذا الحوار الهادئالممتع وأتمنى لك المزيد من النجاحات في حياتك

وقفت قبالة أطلال القصر لترتشف روحي من صدق المكان .. رمقني عيسى بنظرة حائرة ، ربّت على كتفي، قلت له:

- من هنا يجب أن تنطلق الحياة ، سأرفع سور هذا القصر عاليا ، كي لا يؤول مصيرنا إلى تلك. ..

ثمّ أشرت بيدي إلى الكراكر ، تلك الأكوام من الحجارة ، كانت قديما خيما من حجارة، عندما تنفذ المؤونة، يتخذّ رجل القصر القرار المصيري بوضع حدّ لحياته وحياة باقي أفراد أسرته .. يدخلون خيمة الحجر، يدفع بيد المستسلم لقدره الأعمدة الخشبية التي ترتكز عليها، فتتهاوى عليهم الحجارة ..

رجل القصر الذي زاوج بين النور والظلام، زاوج بين الحياة

و الموت أيضا. الفكرة كانت تحبس أنفاسي وتربكني كلّما حاولت استحضار صورة هذا الموت الاختياري ، قد يكون رجل القصر حفظ كرامته كما يقول عمّي عاشور ولم يمدّ يده يتسوّل المؤونة،

و قد يكون باطن الأرض أولى بنا حين نعجز عن إطعام أنفسنا. أمّا صديقي عيسى فالفكرة أضحكته ونحن نقف في محلّ نبتاع منه الأغذية ، قلّب الماركات الأجنبية في العلب المستوردة وهمس في أذني :

-لم تعد لنا القدرة على إطعام أنفسنا ، لنحضّر خيمة الحجر يا فاتح.

قهقه عيسى باستهتار ، ذهل صاحب المحلّ وتناثرت قهقهات عيسى حجرا تراكم فوق قلبي حد شعوري بالغثيان

مقطع من روايتي (الخابية)

حوار مع الأديب والمفكر المصري سامح سليمان حول قضايا المرأه ما بين التغطيه والتسليع والتدليس

samihsolaymanسامح سليمان، مفكر وأديب معرفي مصري، عُرف بمواقفه الصارمة تجاه الأشياء والقضايا الملتبسة والسجالات العديدة التي تمت مناقشتها بصدد المجتمع، المرأه، إشكالية الدين والعادات وقضايا أخرى انشغل بها في الآونة الأخيرة وبقوة، وفي تاريخ 24-12-2014م، قمنا بإعداد هذا الحوار معه:

أستاذ سامح مرحباً بك معنا مرة أخرى، ضيفاً في حوارنا المعرفي ونسألك السؤال التالي:

 

- ألا توجد برأيك الشخصي حدود فاصلة ما بين العهر كماهية أو صفة والتحرر كمفهوم وممارسة، مقابل مفهومي التخلف أو العفة وما بينهما من حدود رفيعة نستطيع التمييز فيما بينهما؟، وهل نعت الرجل للمرأة بالعاهرة هو ما معناه التعري والانحلال الجنسي، أم هو الاعتراف الضمني بتفوق المرأة عليه؟، أم ان العهر يعني بمفهومه الذي يشمل الرجل والمرأة على حد سواء ومعناه انعدام الأخلاق أو الشعور بالقيمة؟

ج : العهر هو أن يحيا المرء بلا مبادئ وأن يقبل بتسليع نفسه، وليس المقصود جسدياً ولكن المقصود فكرياً وأخلاقياً فى المقام الأول، ولكن مجتمعاتنا تحصر القيمه والشرف فى مهبل المرأه وحفاظها على غشائها وتحصر قيمة الرجل فى حجم قضيبه ومدى صلابته، لهذا نرى العديد من جرائم الشرف التى ينحصر ضحاياها فى الغالب فى النساء فقط كأن لا يوجد رجال مخطئين، وأيضاً صرف المليارات على المنشطات الجنسيه للرجال، فى مجتمعات تعانى من الجهل والمرض والفقر الشديد .

إن منع الحريه الجنسيه ليس الهدف منه أخلاقياً بتاتاً، فهى كانت متاحه حتى فى عصور الدوله الدينيه ويمكن مراجعة كتاب الشبق المحرم للدكتور إبراهيم محمود،

و لكن منع وتضييق الخناق على الحريه الجنسيه يتم بهدف حدوث ألهاء موجه الهدف منه التعتيم على قضايا وأحتياجات الأفراد فى مختلف المجتمعات، إن مجتمعاتنا مهووسه بتتدين وتجنيس كل شئ (أى بأعطاء بعد دينى وبعد جنسى) إن أكبر نسبة اغتصاب وتحرش جنسى حتى للأطفال، ومشاهده لأفلام البورنو والخيانه الزوجيه وهوس بترديد النكات والأحاديث الجنسيه هى فى المجتمعات العربيه وهذا بحسب العديد من الدراسات المعتمده، إن السماح بوجود حرية جنسيه بمختلف أشكالها تتزايد مساحتها بتزايد مساحة الرخاء الأقتصادى الحقيقى وحدوث نهضه ثقافيه سلوكية وفكرية شاملة، سيكون لها أعظم الفوائد فى مختلف الأبعاد حتى بالنسبة للبعد الأخلاقي، وأيضاً بخلاف ما سبق لا يوجد ارتباط حقيقي بين الجسد والأخلاق إلا فى القليل جداً .

وللأسف بعض مدعي التنوير يفسرون تحرر المرأة ويقولبوا هذا المصطلح بأنه التحرر من الملابس كما اعتقد الكثيرين فى الغرب ويتجلى هذا بشكل ما في ما يسمى بخطوط الموضة العالمية التى هدفها ليس الجمال فى الغالب ولكن التعري فقط

ارضاء لأذواق الرجال وشهواتهم، وأيضاً تسليع للمرأه ضمن دائرة التسليع الرأسماليه الذكوريه العالميه الفاسده والمفسدة لكل شئ بلا أدنى استثناء .

التحرر هو أن يكون المرء كما يريد أن يكون بلا خوف أو قمع أو قولبه مجتمعيه .

 

- هل تتحمل الأديان القسط الأكبر في انعزال المرأة وتخلف المجتمعات؟، ماذا عن اضطهادها باسم الحزب، والسلطة وحرب الاستخبارات؟

- ج : يتحمل مروجى الفكر الدينى الرجعى المقولب الغير إنسانى وأتباعهم ومن يؤمن بأفكارهم وأقوالهم ويدعمهم مادياً ومعنوياً واعلامياً وقانونياً أو حتى يتعاطف معهم ويبرر لهم أفعالهم وأقوالهم _ للأسف بعضهم من النساء المثقفات المنتمين لمختلف الشرائح الأجتماعيه والخلفيات الثقافيه _ مسئولية ما يقع على المرأة من تشويه وقهر نفسى وعنف لفظي وجسدي، وليس النص نفسه لأن النص يمكن تفسيره بطريقه إنسانية تخدم المجتمع ويمكن تفسيره بشكل غير أنسانى يدمر المجتمع، والمسؤوليه الأكبر فى مجتمعاتنا يتحملها كافة التيارات العلمانيه والليبراليه واليساريه وكل من هو تنويرى لأنهم لم ينجحوا فيما نجح فيه التنويريين فى الغرب من تحجيم لدور رجال الدين وتفسيراتهم فى ادارة المجتمع، نعم يوجد اضطهاد سلطوي ممنهج للمرأه إما بتقديمها كسلعة جنسية أو بتقييدها وقمعها وتدعيم واطلاق يد مختلف التيارات التجهيلية المضللة لتشويهها فى مختلف وسائل اعلامها وخداعها بتفسيرات فاسدة منتهية الصلاحية منذ انتاجها خوفاً من قدرة أتحاد المرأه والرجل على تحقيق المستحيل

وأذكر هنا حتمية تنقية الخطاب الدينى لما له من قبول وتأييد أعمى فى الغالب لا يستحقه ومراجعة كتب الفكر والتراث الدينى بأنواعه وحذف ما قد فقد صلاحيته،

ومنها كتاب (بستان الرهبان) وهو كتاب من التراث الدينى المسيحى المصرى الأرثوذكسى وهو يمتلئ عن أخره بعبارات تحتوى على كراهية وتحقير شديد للمرأة، وكذلك التعريف الأجتماعى _ المؤيد من قبل رجال الدين ارضاءً لرغبة من يديرون المجتمع وليس خوفاً على الأخلاق كما يدعون، فلا علاقة للجنس بالأخلاق إلا فى حالات نادرة_ المغالط للزنا بأنه العلاقه بين غير المتزوجين وليس بأنه الأغتصاب والعلاقه بين طرف متزوج وطرف أخر غير شريكه الأساسى وهذا هو التعريف الصحيح وعلى حد اعتقادى لا يتعارض مع أى دين، فمثلاً فى الوصايا العشر قيل لا تزن لا تشته أمرأة قريبك ولا بيته، قد تم النهى هنا عن اشتهاء ما للأخرين بهدف التنظيم وكذلك فى العهد الجديد قيل من نظر إلى أمرأه ليشتهيها فقد زنى بها فى قلبه

و لم يقل فتاه أو أنثى وهى نفس الكلمه المستخدمه فى الترجمه الإنجليزيه والنص الأصلى، هذا بخلاف ضرورة فحص وتنقية وتجديد الخطاب الدينى المكتوب وأيضاً الخطاب الثقافى والأعلامى والتعليمى، بل وحتى التراث الفلسفي، لوجود الكثير من الفلاسفة والأدباء الذين قد ساهموا فى تشويه صورة المرأة وتحقيرها، معاصرين وغير معاصرين بل وحتى إلى تلك اللحظة،مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو وأغسطينوس وترتليانوس والأكوينى وأرثر شوبنهور والعقاد وتوفيق الحكيم وعبد الحميد جوده السحار، يمكن مراجعة مجموعة الفيلسوف والمرأه للدكتور أمام عبد الفتاح أمام وكتاب عن المرأه للدكتوره نوال السعداوى وكتاب ثقافة الوهم للدكتور عبد الله محمد الغذامى .

يجب أن نعرف بوجود الدين الشعبى وهو ما هو سائد من سلوكيات وممارسات طقوسية ذات بعد دينى ومعتقدات ومفاهيم وتفسيرات شعبيه للنص الدينى، وأيضاً بوجود الدين الرسمى وهو ما تقدمه المؤسسات الدينيه المعتمده رسمياً من الدوله من فكر وتفاسير للنص الدينى تخدم أحياناً كثيرة المستفيدين من بقاء الأوضاع كما هى وتحفظ مصالح وبقاء سلطة من يديرون المجتمع،كما يوجد الدين الثورى ومنه ما هو اصلاحى تقدمى تنويرى سلمى ومنه ما هو تكفيرى مسلح ويوجد أيضاً الدين الأصلي وهو النص الديني الموجود فى الكتاب المقدس لدى من يؤمنون به، ودائماً النصوص تحتمل مختلف التفسيرات ونحن لنا أن نختار من التفسيرات ما يؤدى الى تقدم وصلاح مجتمعنا لأننا من سيحصد النتيجة أو نختار ما يؤدى إلى تخلف ودمار مجتمعنا ونحن من سيدفع الثمن، المسيح قال السبت هو لأجل الإنسان وليس الإنسان لأجل السبت، وهذا معناه إن النص موجود لأجل الأنسان وليس العكس، وعلى حد علمى قال الأمام على أن النص حمال أوجه، وقال ابن رشد أذا تعارض النص مع المصلحه وجب الأخذ بالمصلحه، والمقصود هنا بالمصلحه هو مصلحة المجتمع بل والبشريه بأكملها.

 

- روجت الكثير من الاديان والأحزاب الشمولية والمحافظة بتحرير المرأة حسب معاييرها البرّاقة، واختبأت تحت عدة يافطات مكبلة المرأة بأقسى القيود، ألا يتجلى الاضطهاد هنا بمختلف الاشكال؟، وماذا يحتاج العقل الإنساني والشرقي خصوصاً لأجل حل هذه الإشكالية التي يمكن أن نسميها إن صح النعت بإشكالية القرون؟

ج : ليس فقط من فسروا الدين ووضعوا مبادئ الأحزاب بحسب أهوائهم الذكورية، أيضاً المرأه تساهم فى كل ما يقع عليها من قهر وظلم برضوخها لتلك المعايير المخادعة وأحياناً كثيره تأييدها لتلك الأطارات بل والدعوه إليها، فالكثير من تلك الأحزاب تشارك فيها النساء، كما تدعوا الكثير من النساء ممن تمت أدلجتهن، ويدعوهنّ الأعلام بالمثقفات ذوات الفكر المستنير الثوري الاصلاحي !!!،لتبنى تلك المفاهيم الملوثة التى ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، بدايات الحل الجذري هو أن تتخلى المرأة عن سلبيتها الشديده جداً، وتتبنى بقوه أنطلاقاً من ثقافه إنسانية، ليس فقط ما يحقق مصالحها المادية ولكن ما يخدم مصالحها ومصالح مجتمعها والوجود بأكمله .

للأسف كثيراً ما كان المثقفين المدلسين المؤدلجين لاعقي أحذية السلاطين من يتجردون من قيمهم بحسب الطلب ثم يرقصون لمن يدفع أكثر، حجر عثره فى طريق الوصول لمجتمع إنسانى، خصوصأ المتمسحين منهم فى الدين خوفاً من فضح بلادة أذهانهم

و ضحالتهم وجهلهم المعرفى وضعف قدراتهم العقليه وعدم استطاعتهم استيعاب متغيرات العصر وضرورات اللحظه التاريخيه الراهنه،يجب علينا الإنفتاح على كافة الثقافات بلا أستثناء ليس فقط على الفكر والنظريات الفلسفيه والاقتصاديه والسياسيه ولكن أيضاً النظم الاجتماعيه والسلوكيه والخبرات التاريخيه والحياتيه المعاصره

.

- أليس بروز المعرفيين والمعرفيات عبر التاريخ أمثال (سيمون دي بوفوار، ليليان تراشر، نوال السعداوى، جمانه حداد، وآخرين وأخريات) مؤشراً على أن الصراع قديم بين قوى الجهالة والمعرفة حسب نظرية الحب وجود والوجود معرفة؟، وهل تحقيق رسالة المعرفة يمثل خلاص حقيقي للرجل والمرأة على حد سواء؟

ج : إن قضية العلاقه بين المرأه والرجل لها العديد من الأبعاد التراثيه الناتجه عن تراكم سنوات وسنوات من الجهل والتجهيل الممارس من القائمين على إدارة المجتمع وأتباعهم منذ تحول المجتمع من مجتمع أمومى إلى مجتمع أبوى فى مختلف مكوناته .

تتمثل فى تراث اجتماعى وتراث ثقافى مقروء ومسموع وتراث ديني وتراث سلوكي، وللأسف كافة مؤسسات المجتمع بلا أدنى أستثناء فى مختلف العصور بلا أستثناء وفى كافة المجتمعات بلا أستثناء، بدايةً بمؤسسة الأسره تسعى للإبقاء على كل ما سبق من تراث قمعي فاسد ملوث فاجر وعاهر فكرياً وسلوكياً بهدف الحفاظ على مواقعهم ومصالحهم ومكتسباتهم، ولا أستثنى فى ذلك من يصفق لهم كتاب ومثقفى المؤسسات ويدعوهم الاعلام بالرواد والمفكرين الكبار، اذا ما بحثت فى مؤلفاتهم

وأحاديثهم بتدقيق ستجد الكثير من العفن والروث الفكرى والقيم العنصرية المتخلفة الغبية البلهاء، بل وحتى العلماء لا يتحدث أى فرد منهم عن عدم تدريس نظرية داروين أهم النظريات العلمية فى العصر الحديث ورفضهم التحدث عن الأعضاء الجنسيه بنفس اسمها العلمي واستخدام مصطلح ذو مدلول وهو الأعضاء التناسلية .

نحن بحاجه شديدة إلى ثوره معرفية تقتلع ما هو سائد من منظومه فاسدة لتستبدلها بمنظومة جديدة،منظومه قائمه على العدالة والحرية،منظومة ذات وجود فعلي حقيقي

 

- ألا يلزمنا تحرير الرجل باعتباره المخاطب في الخارج وفي أغلب المراكز الرسمية، بمقدار عزمنا وحماسنا على تحرير المرأة باعتبارهما شريكين بدلاً من التطرق الاحادي نحو إشكالية المرأة؟، ألا يلزمنا تحرير الإنسان من تركة الجهل والخرافة والوهم؟

- ج : التطرق الأحادى بالطبع خاطئ يجب تحرير الرجل والمرأة كلاهما على التوازي وليس على التوالى، إن أحدهما لن يتحرر إلا بتحرير الآخر، المؤسسات النسوية _ البعض وليس الجميع _ تركز فقط على تحرير المرأة لأسباب بعضها عنصري وبعضها اقتصادي للحصول على المزيد من الدعم والتبرعات، فهى لا تريد حدوث تحرير حقيقي للمجتمع فهذا يعنى نقص الدعم المالى والشهره والشعبيه، فى مجتمعاتنا كلما كنت مزايداً متشدداً متعصباً عنصرياً بذئ اللسان داعياً للكراهية كلما كنت أكثر شعبيه وقدره على اجتذاب الأتباع فى مجتمع تسوده ثقافة وقيم القبيلة والعصبة .

 

- هل بقاء العائلة بهيكلها المؤسس على الدين والتقاليد يهدد الإنسانية أم يدعمها في مجتمعاتناالشرقية خاصة؟

مؤسسة الزواج بشكلها الحالى فى مختلف المجتمعات هى مؤسسة نفعية قبلية خصوصاً فى مجتمعاتنا لعدم وجود قوانين عادلة صحية وبسبب أن الزواج السائد فى مجتمعاتنا هو زواج ديني وليس مدني ويشترط أتحاد الديانة _ رغماً عن عدم وجود نص قطعي يفيد بحتمية اتحاد الديانة بين المتزوجين ولكن المفسرين انطلاقاً من قيم اقصائية عنصرية وطمعاً فى ازدياد أعداد المنتمين لقبيلتهم، ويؤكد ذلك أنه عندما يتحدث أى شخص عن الزواج بين مختلفي الديانات يصرخ أبناء كل ديانة وموظفي مؤسساتها الدينيه بالسؤال التالى: وماذا ستكون ديانة الأبناء؟، ادعوا كذباً وزوراً أن الدين يشترط ذلك، وللأسف أطاعهم الكثيرين كالأنعام لسيادة روح القطيع بسبب فساد وبشاعة كافة المؤسسات التعليمية والأعلامية بأنواعها ولم يتأكدوا من صواب تفاسيرهم _ ويفرض جبراً أنتساب الأبناء منذ لحظة ولادتهم إلى ديانة الوالدين، والتسميه فى الأوراق الشخصيه خاصةً بطاقة الهويه بأسم الأب ثم التسلسل التالى : الجد وأبو الجد ومنع التسميه باسم الأم _ إن تشريع ودعم وحماية الزواج المدنى بين متحدى الديانه ومختلفى الديانه هو أعلاء لقيم الحريه الشخصية والحب والمواطنة وبداية الانتقال من ثقافة وسيكولوجية القبيلة والدولة الدينية إلى ثقافة وسيكولوجية الوطن والدولهةالمدنية _ إن العالم بأكمله حتى فى أوروبا لم يصل إلى مرحلة النضج المتمثل فى الوصول إلى قيم الإنسانية الكاملة المتمثلة فى العداله والحريه وتحقيق أقصى جودة للحياة، وتقديس السعي نحو المعرفة ونحو الحب لأن الحب وجود والوجود معرفه،المرأه للأسف فى الغرب انتقلت بدرجةً ما من مرحلة العبودية والتغطيه والعزل والقمع إلى التسليع، وهذا ما نلاحظه فى السينما والاعلان والأعلام وهذا ما دفع بعض المؤسسات النسوية _ كرد فعل _ المهتمات بسينما البورنو (الأفلام الجنسيه) الى تقديم أفلام جنسية برؤيه أنثوية تقدم ما يسعد المرأة من ممارسات . قضية المرأة ليست جنسية فقط هى قضية الحياة منذ نشأتها لأن المرأه هى روح الحياه .

 

- أخيراً وقبل إنهاء الحوار يسعني شكرك عزيزي، كلمة أخيرة تود توجيهها للمرأة والرجل، ومثالاً المقاتلات الكرديات السوريات اللاتي حملن السلاح جنباً إلى جنب مع الرجل، ضد أشرس تنظيم أسلاموي همجي عرفه التاريخ، تنظيم داعش؟

أشكرك أستاذ ريبر على إعطائى فرصة التحدث بحرية، وأقول لكل رجل وأمرأة أن الإنسان الحر هو من لا يطيق رؤية إنسان مظلوم إلا ونصره، واحترامى لكل إنسان معرفى صادق محب لوطنه مضحياً فى سبيله بكل ما هو ثمين .

في برلين .. حوار صريح مع الباحثه والكاتبه الايزيديه علياء بايزيد

ariff almadiعلى هامش مؤتمر برلين لجمعيات ومنظمات حقوق الانسان العراقيه والذي عقد في الثامن والتاسع من نوفمبر الفائت، كنا قد التقينا بالعديد من الناشطات والناشطين المدنيين والسياسيين، بعد جلسات العمل حيث ناقشت العديد من الاوراق والتي تمحورت حول انتهاكات حقوق الانسان في العراق، وماتعرضت له مكوناته العريقه من قتل وتشريد وسلب واغتصاب، وكان للمكون الايزيدي حضور كبير، يتناسب مع حجم الجريمه التي ارتكبها بحقه تنظيم داعش الارهابي في سنجار وماحولها وبعد سقوط نينوى بايام قليله.

فبعد تبادل التحيه مع السيده المحاميه علياء بايزيد اسماعيل وهي البنت الكبرى للزعيم الراحل للطائفه الايزيديه في العراق والعالم ... قمنا باجراء لقاء سريع مع السيده بايزيد ولغرض الوقوف عن قرب لما تعرض له هذا المكون الاصيل من جرائم يندى لها جبين الانسانيه وكان الفاعلون الغاصبون طبعا هم جرذان ووطاويط تنظيم داعش الارهابي، فكانت باكورة الاسئله التقليديه:

 583-areef

س: من هي الباحثه علياء بايزيد؟

فاجابت: انا عاليه بايزيد اسماعيل خريجة كلية القانون والسياسه /جامعة بغداد عام 78_979 تخرجت كأول محاميه من المكون الايزيدي في العراق، عملت بالمحاماة بعد تخرجي من الجامعه فورا ولمدة سنتين قبل ان يتم تعيني في دوائر الدوله ولمدة اربعة اعوام بعدها عدت للعمل كمحاميه ولكن هذه المره في مدينة الموصل، واضافةً الى عملي المهني فقد كانت لدي اهتمامات ادبيه وتاريخيه، وتعمقت كثيرا بدراسة تاريخ الاديان وركزت في مطالعاتي على الديانه الايزيديه ولغرض ان تكون لدي اجابات كافيه حول الجدل الدائر على الديانه الايزيديه، وقد شاركت في مؤتمرات علميه واكاديميه اقامتها جامعة الموصل وكلية الحدباء الجامعه، ببحوث قانونيه نشرت في دوريات الجامعه الفصليه ومن ضمن افضل البحوث القانونيه المقدمه.

 

سؤال: طيب سيدتي كيف تصفين وضعك الاجتماعي باختصار؟

ج: انا من عائله ايزيديه تشجع التعليم والدراسه، كان جدي الامير اسماعيل بك اول من نادى بالتعليم لجميع الايزيديه ذكور واناث لما للتعليم من دور رائد في قضاءه على الجهل والتخلف وتشغيله لفكر وعقل الانسان وتفتح له افاق التقدم، وكان والدي الامير بايزيد ايضا اول من شجع بناته مواصلة تعلميهن الجامعي، وكما ذكرت فانا اول محاميه ايزيديه تعمل في المحاكم وتتعامل مع القضايا العدليه في العراق.

 

طيب: اذا انت من عائله ايزيديه متحرره، وهي تمثل القياده العرقيه والدينيه للطائفه، ولديك قراءه واقعيه لوضع المرأة الايزيديه، فكيف تصفين وضعها في المجتمع؟

جواب: عليَ ان اجيبك بنظرة ديانتنا الى المرأة الايزيدية، فالمرأة في النصوص الدينيه مقدسه ولدينا من الاقوال الدينيه وهي تتحدث عن نساء ارتقين الى مرتبة القديسات مثل(خاتونا فخرا) وهي الوليه الشافع للنساء في آلامهن وخاصه عند الولاده، اما مايخص وضعها الاجتماعي العام فنحن نتطلع الى امرأة فاعله لها حقوقها وعليها واجباتها.

 

سؤال: لقد اقترفت بعد سقوط نينوى افعال اجراميه بحق جميع المكونات العراقيه وخاصه في الاقضيه والنواحي والقرى التابعه لمحافظة نينوى، وكان لليزيدين النصيب الاكبر من هذه الاعمال الاجراميه والتي يندى لها الجبين، كيف تقيم الباحثه علياء بايزيد هذا الوضع المأساوي

جواب: لقد تعرض ابناء الديانه اليزيديه الى العديد من الانتهاكات الصارخه على مر العصور، فلقد مرت اكثر من 72 من حملات الاباده الجماعيه علينا ولغرض تحويل الايزديين الى ديانه اخرى، والتاريخ يذكر تفاصيل تلك الحملات وكيف كان يهرب ابناء سنجار الى الجبل للاحتماء والاختباء خوفا من بطش المجرمين والارهابيين، وفي خلال العقدين الاخيرين جرت حملات اباده جماعيه ففي 2007 تمت ابادة قريتين (سيبا شيخوري، ووكر عزير) وفي الشيخان تم الاعتداء على الايزديين وتم حرق العديد من المزارات والمحلات والسيارات، ولكن اكثر تلك الاعتداءآت وحشيه ودمويه وانحطاط، هو ماجرى لابناء سنجار من تشريد وتهجير وتجويع وقتل، كان اكثرها بشاعه خطف النساء والمتجاره بهن، حيث تعد هذه بحق(جريمة العصر)، لانتكشف عن حقيقة وجود اسواق لبيع النساء في الالفيه الثالثه، عصر الديمقراطيه والتحضر ولوائح وقوانين وعهود واتفاقيات اقرها المجتمع الدولي تدعوا جميعها على احترام حرية الانسان ومعتقداته وتضمن كافة حقوقه المشروعه!. فبأي حق يمكن لاي شخص ان يجبر غيره على ترك دينه والتحول الى دين اخر؟ وباي حق يمكن اجبار النساء على الزواج القسري لاكثر من شخص كما فعلت عصابات داعش حيث اغتصبوا النساءو تداولوا الفتيات لاكثر من شخص وبما شرعوه ( بنكاح الجهاد)

 

سؤال: هل لديكم احصاءيات دقيقه عن عدد النساء المختطفات من الايزيديات لدى تنظيم داعش الارهابي؟

جواب: للاسف ليس لدينا احصائيات دقيقه عن عدد النساء المختطفات ولكن هنالك تقديرات تقريبيه تؤكد ان مابين 2500_3000 امرأة تعرضت للخطف وكما تداولته مواقع التواصل الاجتماعي وبشهادات من بعض الناجيات من ايادي تلك العصابات، حيث اكدت المعلومات على ان في بيت مدير مركز شرطة الحدباء فقط والكائن في منطقة الطيران بالموصل احتجزت اكثر من 500 فتات ايزيديه وتم سلب كل مايمتلكن من ذهب واجهزة اتصال وقد تم تقسيمهن الى مجموعات، مجموعه مكونه من الشابات الجميلات، حيث تم توزيعهن على عناصر داعش، اما الاكبر سننا فقد تم بيعهن في الاسواق في الموصل ومدينة الرقه السوريه وللعمل في الخدمه في المنازل اما الاطفال اليتامى فقد تم حجزهم في مأوى خاص باليتام وليتم اسلمتهم ووفق التشريع الداعشي.

 

وفي مسك الحوار تقدمنا بالشكر والتقدير الجزيلين الى السيده عاليه بايزيد متمنين ان تنتهي معانات الايزيدين من نساء واطفال وشيوخ، وان يتمكن شعب العراق وبمساندة المجتمع الدولي الحر من القضاء على تلك التنظيمات الاجراميه، وانقاذ البلاد والعباد من اشرارها

   عارف الماضي\ برلين

 

رعد بركات: قدرة فنية لم تستطع كلُّ المسافات أن تُسافرَ بهِ بعيداً عن الوطن

raadbarakatتبقى ثقافة الموسيقى هي اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمان، هي اللغة التي ما إن دبت على بقاع الأرض إلا وملأتها حباً وسلاماً، وفي العراق كنوز من جميع المجالات وأخص منها محط اهتمامنا حالياً من فن الموسيقى، المعادل الحقيقي لما يُعانيه المجتمع من غزو للفكر الذي يشيع القسوة والتجلد فهي العلاج الفعال للقضاء على فيروس الفضاضة والغلظة اللتان هما حواضن الإرهاب الأولى والعراق زاخر بالأطباء الحقيقيين من خبراء الموسيقى الذين صقلتهم الغربة بشدة الحنين فأرهقوها بالانتماء والوفاء لجذورهم فعلى من حمل مسؤولية الثقافة في البلد أن ينظر إلى الثقافة بشكل عام كمقومٍ ايجابي للسياسة،وللموسيقى بشكل خاص كثقافة علمية وفنية لها دورها الفعال في تغيير المسار السياسي والاجتماعي إلى أفضل حالٍ وأتمِّ قوامة.

فبعد أن التقيته أول مرة سنة 1994 في بيت أخيه الراحل الفنان خالد بركات وهو يودع أحباءه وأهله في العراق متوجهاً إلى اليمن آن لان التقي به عند عودته إلى مدينته السماوة سنة 2013- 2014 حينها استمعنا سوية لأعماله أثناء الامسية التي أقامها له المخرج السينمائي هادي ماهود احتفاء به فكان لي معه هذا الحوار، انه عازف الكيتار الماهر والمطرب والملحن والموزع رعد بركات.

 

س/ ظهور عازف للعود أو للكمان أو للناي من مناطق الجنوب لا يُشكل غرابة لكن ظهور عازف على آلة الكيتار يثير الغرابة والاستفسار يا ترى ما سر ذلك؟

ج/ سؤال وجيه. البيئة فعلا تؤثر على نشوء الفنان وتحدد في أحيان كثيرة ملامح أسلوبه وتجربته. الحي الذي كنت أقطنه في منطقة معامل الأسمنت في مدينة السماوة حيث كان يعمل والدي كان يضم عوائل عراقية وأجنبية تقريباً أرستقراطية ومن ذوي الدخل فوق المتوسط انعكس على طريقة حياتهم واهتماماتهم فتعرفت على آلة الكيتار لأول مرة عندما شاهدت احد الموظفين الأجانب يغني ويعزف عليه في نادي الموظفين.. فاستهواني صوتاً وشمل الآلة أيضاً فكان العشق الأول لها.

 

س/ من الملاحظ في أعمالك الموسيقية من الأغاني التي قدمتها أن المسحة الغربية تغلب عليها بالرغم من أنها قُدمت بطعم عراقي وبشكل مختلف فهل جاء هذا التأثر من ميولك في الاستماع إلى الموسيقى الغربية أم ماذا؟

ج/عشقي لآلة الكيتار انعكس على أسلوبي بالتأكيد فان آلة الكيتار أسقطت عليّ اللون الغربي لأنها آلة غربية أو عالمية بالأصح فأصبحت متابعاً للأعمال الغربية والعالمية لأتعلم الكثير عن أسلوب العزف عليها ومدارسها وأكيد كان لها دور وانعكاس على تجربتي اللحنية المتواضعة.

 

س/ تقول نظرية موسيقية أوربية أن سبب ظهور النشاط الغنائي الجماعي قد يكون من جرّاء؛ أن الغناء الفردي لا يشكل أي عائق، فالمغني كان يختار الطبقة المريحة والمناسبة لاستقرار صوته أما في الغناء الجماعي من المحتمل عدم تآلف الطبقة الواحدة المريحة للمغني في عدة أصوات مشتركة فتظهر لا محالة النشازات... فعليه يكون علمياً وفنيا أن المطرب الذي يشرع بالغناء على أكثر من طبقة هو بالتأكيد صاحب حنجرة متمكنة لإحاطتهِ بأوسع مساحة للإبعاد الصوتية في الرقعة الموسيقية... ما هي رؤيتك الخاصة باستخدام التوافق الصوتي (الهرموني) في توزيعك وغنائك علماً انَّك المُتفرد بها محلياً ولم يسبقك احدٌ من قبل في العراق وخاصة في الغناء الهرموني، وهذا ما لاحظته في أغنية (يا واقفاً في قلب النور)؟

ج/ أنا أؤمن في مسألة التلوين الموسيقي كما يصنع الرسام بريشته لوحتَهُ فانا أؤمن أن الآلة هي بمثابة الريشة في يد الرسام وعليه كان استخدامي لها حتى انه بإمكاننا أن نسميها ب (الريشة الصوتية) لتلوين اللوحة الموسيقية بما يُـبهر المستمع ويُحدث عنده المتعة ليكتمل الهدف الفني المنشود إيصاله بالتعبير الموسيقي وقد سبقني في هذا المجال عربياً ( الرحابنه) بطريقة التوافق الصوتي في التوزيع والغناء.

 

س/ اشعر كمتلقي وأنا أستمع إلى أغانيك وخصوصاً الحديثة منها، أنها كونٌ ممتلئ بالصراعات الغريبة، حزنٌ وانتظار، أسى و أمل ما سرّ ذلك إن صحَّ التوصيف؟

ج/ إنها قصة غربة امتدت لأكثر من عشرين عاماً لم أفارق ولو للحظة معاناة شعبنا وآلامه والحرب والموت الذي كان يعصف بنا ولم يغادرنا منذ عقود. فماذا تتوقع من مُنتَجي الفني أن يكون !. الفنان بالتأكيد هو مرآة تعكس قضايا وهموم شعبه والفنان الذي يبتعد عن هذا الواجب الإنساني والوطني الكبير لا يسمى فناناً حقيقياً بل انتهازياً وأنانياً في الوقت نفسه ولن يحترمه لا شعبه ولا التاريخ.

 

س / السبب في اتجاهك لتنغيم القصيدة الفصحى هل هو غياب النص الشعبي أم هي محاولة لرفع المستوى الثقافي للمتلقي؟

ج/ الشق الثاني من سؤالك منه. كفنان عراقي اصطف مع من سبقني من فنانينا الكبار أصحاب المواقف الوطنية الثابتة والذين لم ترهبهم كل أنظمة القمع والظلم والممارسات المجحفة بحق الفنان والمثقف كالفنان جعفر حسن وكوكب حمزة وفؤاد سالم وغيرهم الكثير،الذين اضاؤوا مشعل الحرية بوجه ظلام الدكتاتورية كان يجب علينا نحن من ورث رواد الكلمة والموقف أن نكمل رسالة الحرية التي ابتدؤوها بنضالهم ونوصلهم إلى محيط أوسع من أن نكون محليين فالواجب باعتقادي استخدام عامل اللغة الأكثر وصولاً للمتلقي العربي وبهذا نكون قد حققنا أهدافنا. وناهيك عن جمال لغتنا العربية وأوزانها الموسيقية وصورها الفريدة.

 

س / ما هو شعورك وأنت هنا في مدينتك الأولى السماوة بعد هذه الغربة الطويلة وهل راودتك رغبة العودة والاستقرار؟

ج / العودة والاستقرار حلم راودني منذ مغادرتي الوطن وهذا حلم كل مغترب، وعودتي أصبحت وشيكة لمدينتي التي اعشق طيبة أهلها وجمال شواطئها وأمنها ونخلها. السماوة تلك الحمامة البيضاء النائمة على ضفاف الفرات، واني حالياً اخطط بجدية مع نخبة من مثقفي وفناني السماوة لتأسيس أستوديو فني ينهض من واقع مدينتنا الفني والثقافي ويساهم في النهوض بواقعها الموسيقي لأنقل تجربتي في مجال الموسيقى والتسجيل الرقمي إلى الجيل الجديد الذي يتولى إكمال الرسالة الفنية التي منحت لنا من أساتذتنا الذين سبقونا وبعدها نكون قد أدينا الأمانة ومنحنا الفرصة لعجلة التطور والنهوض بان تستمر بالدوران.

 

س/ عندما تُشرع في تنغيم أغنية معينة هل تقوم باختيار ما تعتقده مناسباً من المقامات لها أم ماذا؟

ج/ إن القصيدة غالباً ما تسقط علي اللحن وأحسه منسوجاً مع النص وبشكل منسجم هكذا تولد عندي الجملة الموسيقية دائماً تنبعث من ضوء القصيدة والتي هي مصدر الإلهام الرئيسي.

 

س/ منذ خروجك من العراق والى يومنا هذا لم اعهد منك أن استمعتُ لأغنيةٍ عاطفيةٍ لك ما السبب في ذلك أم هناك رؤية تتبناها؟

ج/ لا اعتقد بأنني أعيش بمعزل عن معاناة أهلنا وشعبنا الذي لم يتوقف نزفه كل هذه العقود فمن غير المعقول أن انشغل بما هو شخصي ومحدود.الوطن هو خيمتنا الكبرى هو الأم والحبيبة التي عاشت معنا كل هذا التاريخ الحافل بالمنتج الإنساني والإبداعي ناهيك عن واجبنا المقدس في الدفاع عنها والحفاظ عليها بأدواتنا ووسائلنا المتاحة، القلم وريشة الرسام والعازف هي سلاحنا الوحيد لتحريرها والدفاع عنها وبنائها أيضا. وانه عهد قطعته على نفسي بان لا اغني إلا للحب الأكبر والعنوان الأشمل.. (الوطن)

 

س/ شاهدت لك عدة أغانٍ قائمة على أسلوب الغناء الثنائي بمرافقة مطربات عراقيات هل كانت الرغبة مبنية على أساس فلسفة أصل الخلق ( رجل،امرأة) كما يتراءى لنا مثلاً أن جميع الآلات الموسيقية كواسطة لنقل أصوات الطبيعة عملياً أن تحتوي على نظامين اثنين الأول صوت القرار الذي يمثل صوت الرجل والثاني صوت الجواب الذي يُمثل صوت المرأة ونجدُ هذه الحالة جلية في آلة الكمان؟

ج/ نعم تفسيرك صحيح نحن مجتمع متكون من رجل وامرأة كلانا نصنع الحياة ونرسم مستقبلها المشرق أسرة واحدة تتبنى مواصلة طريق الحياة الوعر والذي تحملت منه الأم العراقية ما لم تتحمله أي أمٍ في هذا الكون وتستحق كل التحية والتقدير وأنها رمز إنساني كبير لكل البشرية بما تحملته وتتحمل من اجل الوطن والمبادئ الإنسانية. فصوت المرأة في اللوحة الموسيقية في رأيي يكمل الصورة الفنية من خلال ما عرف عن صوت المرأة من تأثير وشجن ولان صوتها أيضا يرمز إلى الأرض والوطن الأم.

 

س/ من الصعوبات التي يتعرض لها المغترب أن لا تتوفر له كل الأدوات الممكنة للعمل وابسط مثال لو أن عملا يحتاج اصواتاً لأطفال مُرددين.... متى خرجت من العراق وأين ذهبت في بداية الأمر؟

ج/ خرجت من العراق في سنة 1994 متوجهاً إلى اليمن لأنها كانت الملاذ الوحيد أن يكون العراقي فيه محترماً... فتسلمت عرضا أن ادرس الموسيقى في مدرسة أمريكية في اليمن فبقيت هناك لمدة أربع سنوات حتى عشقت اليمن بتراثه بناسه بموروثه الشعبي الجميل الذي أصبح مدرسة للخليج.

 

س/ خلال فترة وجودك كإنتاج فني، هل قدمت أعمالا من تلحين أو توزيع أم بقيت في مجال العمل والتدريس؟

ج/ بما أني خرجت بسبب موقفي من سياسة النظام السابق وطرقه المعروفة في حصر الفن وتقييده لشخص واحد ولنظام محدد كان ينبغي عليَّ أن اثبت بصْمتي الفنية وأواصل مسيرتي فسجلت أول عمل اسمه (غربة) ينتقد سياسة الداخل لكن لم أكن وقحاً جدا، حتى أحافظ على حياتي فكانت هناك مؤسسة ساعدتنا فكنا أنا وجعفر العلاق وعدنان الصائغ والراحل كريم جثير والشاعر عبد الرزاق الربيعي فسجلنا أكثر من عمل .. فكان شريطاً كله من الحاني ومن ضمنه كانت قصيدة (لأني غريب) من شعر بدر شاكر السيّاب.

 

س/ متى غادرت اليمن والى أين اتجهت وهل كانت هناك أسباب للمغادرة؟

ج/ غادرت اليمن متجهاً إلى أمريكا في سنة 1999 بسبب أعمالي الموسيقية التي كانت تنتقد السياسة الداخلية للنظام السابق بعد أن وصلتني رسائل، لان اليمن آنذاك كانت متعاطفة مع النظام السابق، فكان لي أصدقاء من أمريكا وفّروا لي سُبل الانتقال إلى هناك.

 

س/ كيف بدأت هناك في أمريكا مرة أخرى وما هو الشيء الجديد الذي قدمته؟

ج/ أول شيء أقدمت عليه ومن الشهر الأول هو إعادة تسجيل شريطي الذي بعنوان (غربة) بمساعدة صديقي الفنان حسن حامد فكان متفانٍ معي من أول مشواري إلى يومنا هذا في تصوير أعمالي ومنتجتها بمبلغ زهيد لأنه كان يؤمن بالعراق مثلي... فهذا الرجل كان له فضلٌ عليّ كصديق وفنان.. فبدأت أنفذ أعمالي القديمة لتوفر التقنية الحديثة في أستوديو الفنان حسن حامد ومنها سجلت (يا عراق) وبعدها شاركت في أمسيات مع مؤسسات ومنظمات مدنية..

 

س/ ما هي نصيحتك للمطربين الشباب فيما إذا لم تتوفر لهم سبل الظهور واضطروا لتوقيع عقود احتكارية لشركات تجارية تتبنى الفنان؟

ج/ انه أمر طبيعي تمر به كل المجتمعات خاصة التي لا تملك تحديات تواجهها كالحروب والطائفية والإرهاب لكن شعبنا يواجه كل ذلك فمن المخجل أن تأخذنا أنانيتنا ولامبالاتنا وندير ظهورنا على كل هذا النزف والموت والعنف... يجب أن نتضامن من شعبنا ومعاناته وجراحاته بما تستطيع من أعمال ذات قيمة فنية ومستوى يوازي فادحة الجرح لتطفئ الحزن وتدمل الجراح وتبتعد عن السذاجة والسطحية.

 

س/ ما هو شعورك وأنت بين أحضان بغداد هذه المدينة التي يُقبـلها الرافدان؟

ج/ تغيرت بغداد كثيرا جئتها وأنا في السادسة عشر وعشت فيها فترة السبعينات الذهبية من تاريخها بغداد لا تضاهيها عاصمة في الدنيا اسماً وتاريخاً غنياً عن التعريف.. ولتعود كما كانت تتطلب أن نمنحها الحب والاهتمام الذي فارقها منذ عقود. أنها مسؤوليتنا جميعاً شعباً وحكومة لإعادة النبض لها لتستعيد مكانتها التاريخية والثقافية والإنسانية.

 

س/ أغنية ( أضعنا الطريق) اتسمت بالتجريد في كل نواحي صناعتها، شعرا وتنغيما وأداء وحتى إخراجاً ما سبب هذا التحول في أعمالك التي كانت تنضوي تحت نظرية ( الفن للحياة ) إلى التجريد الذي هو من مدرسة ( الفن للفن ) هل هي محاولة لرفع ثقافة المستمع من حالة المتعة والسرور إلى حالة الطيران والإصرار في الغوص في مكنون الغرابة؟

ج/ في الحقيقة هو ليس تحولا في الأسلوب لكن القصيدة فعلا كتبت بأسلوب تجريدي يتحدث عن موضوعة الموت الذي يعصف بنا بشكل غير عادل وغير مبرر إذ يعتبر الشاعر أن الموت لو فُرض على بلادنا ولا نملك إلا أن نحيا فيه إذن فهو خيارنا (أضعنا الطريق إلى موتنا فالتفتنا إليك ) والموت الذي يصادفنا في الطريق يغتالنا بلا استئذان فهو يختار الوقت والضحية فليس هناك أي قيمة من هذا الموت كأن تموت دفاعا عن أرضك وعرضك ومالك مثلا أو أن تموت في غربتك بعيدا عن اهلك ووطنك وأهلك وبهذا يعز علينا أن نموت ميتة لا تشرفنا (نَخافُ على مَجدِ أسمائِنا أَن نَخونكَ في مَوتِنا مَرتين) فكرة العمل تجريدية وضعتها بمساعدة الفنان المخرج حيدر الشلال والفنان حسن حامد تتحدث عن نهوض عراقي عاش في الزمن القديم على ارض سومر ونهض كنهوض أهل الكهف ليصطدم بموت حضارة أمته على أيدي صناع الموت في هذا الزمن فيحاول أن يعمل شيئا ليمحي هذا الدمار ويقطعه من كتاب تاريخ العراق. وهو يرثي الوطن المحطم بكلمات هذه القصيدة الرائعة لحامد الراوي. اعتقد بأنني قد وفقت لحد ما بطرح تجربة الأغنية التجريدية والتي تعتبر جديدة على ثقافة الأغنية العراقية المحصورة بالإطار الإخراجي التقليدي.

 

س/ في الساحة الفنية للموسيقى والغناء هناك الجيد والرديء من الأعمال لكني في الحقبة الأخيرة رأيت غياب النقد الموسيقي برأيك ما هي الأسباب في ذلك؟

ج/ هناك حرب ضروس تصل لحد الاغتيال يقودها أصحاب شركات الربح السريع ضد أي ناقد أو كاتب يحاول أن يتهمهم بتدمير الجانب الأخلاقي والقيمي من خلال تسويق بعض الأعمال التي تخدش الحياء وتسيء للذائقة والقيم والتقاليد وحتى البناء الموسيقي الذي أصبح يعتمد على مفردات سطحية بإمكان أي شخص ان ينفذها اعتمادا على بعض البرامج الكمبيوترية حتى ولو مات بعيدا كل البعد عن الاختصاص. وهي مشكلة ليست محلية بل أصبحت عالمية نسف كل القيم الاجتماعية والحضارية بفايروس البرامج الرخيص.

 

س/ ما هو شعورك بعد أن غنيت بصحبة الفرقة السيمفونية العراقية؟

ج/ انه لشرف عظيم لي أن أقف لأول مرة بعد عشرين عاماً من الغربة أن أقف أمام جمهوري على خشبة المسرح الوطني ويجلس خلفي خيرة العازفين من أساتذتي وأصدقائي سعادة لا توصف وشرف ما بعده شرف. وبدوري اشكر كل من ساعدني على أن أقدم هذا العرض. أخص بالذكر د حامد الراوي راعي الفنان والمثقف الأستاذ عقيل عبد السلام والأستاذ علي الخصاف والأستاذ قيس حاضر على ما بذلوه من جهد في التوزيع والإشراف على التدريبات وكل موسيقي وقف خلفنا والشكر موصول أيضاً للفنانة أنيتا رفيقة الفن والدرب الطويل.

 

س/ كلمة أخيرة تود أن تقولها في نهاية هذا الحوار؟

ج/ احلم أن تعلو منارة الحضارة والفن والشعر والإنسانية من جديد لتنير الدرب للأجيال القادمة وللإنسان في كل مكان في هذا العالم. منارة بغداد الفن والعلم والحضارة.

 

حاوره / تحسين عباس

 

في حوار مع المسرحي العراقي ميثم السعدي:

abduljabar kamran- مشروع ثنائية العرض المونودرامي المزدوج نجح.. والمسرح فضاء حر مفتوح للجميع

إذا كان الباحثون يُرجعون اصول المونودراما الى البدايات الأولى لنشأة الفن المسرحي زمن كان الممثل اليوناني ثيسبيس (القرن السادس ق.م) يجوب الساحات بمفرده متنقلا من مدينة الى أخرى بمعية عربة ليشخص فرجته المسرحية بشكل فردي.. فان هذا الشكل التعبيري المسرحي لم يعرف تجلياته المعاصرة إلا ابان القرن الثامن عشر الميلادي في الكتابات والأداءات المسرحية للألماني يوهان براندز. أما تسمية (المونودراما) فتعود الى الانجليزي ألفريد تنيسون والتي اطلقها على نصوص الممثل الواحد في اواسط القرن التاسع عشر.. المسرحيون العرب لم يخوضوا تجربة المونودراما الا حوالي 1949 وعلى رأسهم المسرحي العراقي يوسف العاني من خلال مونودراما "مجنون يتحدى القدر" .. وسنشهد في المغرب مثلا، ولادة اول تجربة محترفة مع الطيب الصديقي من خلال مونودراما (النقشة) المقتبسة عن "يوميات مجنون" لغوغول والتي شخصها باخراج الصديقي الممثل الجزائري محمد أكومي وعرضت سنة 1969م. ثم سيظهر أول مهرجان وطني يعنى بالمسرح الفردي انذاك في مدينة الرباط بالمغرب سنة 1976م. ليبرز اسم عبد الحق الزروالي كأحد الرواد الاوفياء للمسرح الفردي/المونودراما محليا وعربيا..

المسرحي العراقي المقيم في الولايات المتحدة الامريكية ميثم السعدي سيتحدى جماليا الشكل المعروف للمونودراما او بالاحرى سيفتح له افقا "جديدا" ليتبنى طرحا فنيا مغايرا.. انه منجز مسرحي يستمد ركائزه الدرامية من مقومات المونودراما / مسرحية الممثل الواحد. لكنه يبتعد عنها، ليس قليلا، لتشييد ما اسماه صاحب المشروع (ثنائية العرض المونودرامي المزدوج) حيث يحضر الجمهور الصالة لمتابعة عرضين مونودراميين مختلفين ومنفصلين على نفس الخشبة وفي نفس الوقت. وسيحصل ميثم على تسجيل أمريكي لمشروعه الجمالي هذا. وهو بمثابة "شهادة منجز مسرحي" موثقة باسمه. ليخوض بعد ذلك تجربة تطبيقية على هامش فعاليات الدورة السادسة من مهرجان بجاية المسرحي الدولي بالجزائر. وقد قدم ميثم السعدي بالفعل مشروعه المسرحي على شكل مونودراما (عواقب) من أداء ممثل، ومونودراما اخرى (فلا انا بلقيس ولا فيكم نبي) من أداء ممثلة. ومنطوق الممثلين(النصين) يتحدث عن موضوعين مستقلين ولكل مسرحية تفاصيلها المتنوعة من أزياء واكسسوارات وحركة وإضاءة ومؤثرات وموسيقى تصويرية وديكور وسينوغرافيا. للاقتراب اكثر من هذه التجربة ومن اقتراحات ميثم السعدي المسرحية كان لنا معه هذا الحوار:

 

- دعنا نبدا من لحظة حصولك على "شهادة منجز مسرحي" مسجل باسمك في أمريكا.. كيف يمكن تسجيل منجز مسرحي باسم مبدع، مع العلم ان الفن المسرحي كما سائر الفنون لا يحتاج مثل هذا التسجيل.. والمبدعون يقدمون منجزهم الفني للجمهور والنقاد.. بل تاريخ الفن هو الذي يحكم على أصالة المنجز؟

- هناك بعض الاشكال في قراءة الجملة حيث ان كل حملة شهادات الماجستير والدكتوراه وكل ما يخص الفلسفة والادب والفن يسجل في مؤسسة copyright الامريكية وفي الجامعات يخصم مبلغ من الطلبة يدفع الى copyright بشكل اجباري.. وقد سجلت منجزي الفلسفي في المسرح في هذه المؤسسة وهي تشبه مؤسسات حماية حقوق المؤلف في بلدان العالم لكن لكل مؤسسة قوة وحضور يدعمه قانون تلك الدولة ولكوني مواطن امريكي سجلت منجزي في امريكا لحمايته من اللصوص والتلفيقيين ..

 

- ما الفكرة الاساس التي تشيد على أرضيتها الابداعية معمار منجزك المسرحي، والذي عنونته ب "ثنائية العرض المونودرامي المزدوج"..؟

- سؤال جميل .. طرحت افتراضاً مع نفسي وهو ان الفنون المسرحية مجموعة تشبه المجموعة الشمسية وافترضت ان ثنائية العرض المونودرامي المزدوج هي كالمريخ الذي يحتوي على قمرين هما فوبوس وديموس ..واول من فاتحته بخصوص هذه الفكرة الاستاذ صباح الانباري .. ثم استمريت بدراسة وتدوين مفاصل وتفاصيل المشروع النظري للفكرة وأيضا حددت الاهداف والاسباب .. استاذ عبد الجبار في كل نواحي الحياة والفنون الدرامية سمعية وبصرية هناك شخص يتكلم وآخر يستمع. وفقط من يتكلمون في آن واحد هم اما مجانين او متشاجرين .. واثناء التطبيق لم اشعر بخوف ابدا ونجح المشروع والتجربة من خلال العرض الذي قدمته.

 

- معلوم ان الجمهور يمكن ان يتابع في امسية واحدة عرضين مسرحيين متتاليين .. لكن كيف سيتسنى له متابعة عرضين مسرحيين على نفس الخشبة وفي نفس الوقت..؟

- لقد حدث ان استدعيت بعض الأشخاص لمشاهدة التمارين المسرحية.. وبعدها اكتشفت ان الافكار تصل بشكل سليم وسلس. وفي تطبيقي للمشروع على هامش مهرجان بجاية المسرحي الدولي حضر مجموعة من الاصدقاء التمارين المسرحية وسألتهم عن مضمون المسرحيتين فكان الجواب ايجابيا. ويوم العرض المسرحي في المهرجان كانت المفاجئة الكبرى. الجمهور اعتلى خشبة المسرح فرحا بنجاح التجربة - علما ان اكثر من نصف هذا الجمهور هم من المهتمين والمختصين في الشأن المسرحي - وقد حضروا من ولايات بعيدة جدا لمتابعة التجربة ومن العاصمة الجزائر ايضا .. وبهذه المناسبة اشكر هنا الفنانة الممثلة الرائعة فتيحة وراد والفنان الممثل بكر شرفي على جهودهم الكبيرة لتقديم المشروع. علما يا صديقي اني لم اذكر المعلومة التي يعرفها فقط فناني المسرح الجهوي في بجاية والاستاذ محافظ المهرجان عمر فطموش، وهي ان العرض المسرحي التطبيقي كان نتيجة تمارين لمدة 21 يوم بمعدل 89 ساعة فقط. فشكرا لكل من رعى المشروع حتى اتمامه واخص بالذكر الاستاذ عمر فطموش الذي جازف بقبوله للمشروع وقد اتصل بي وانا في المطار باتجاه العودة، قال لي : ميثم انا فرحان جدا لانني لم اندم على احتضان المشروع وانت كنت رائعا اكثر مما تصورت. وأقدم شكرا كبيرا لفناني العاصمة وللاستاذ د.سيد علي اسماعيل والاستاذ الفنان المخرج هارون الكيلاني واشكر الكادر التقني والفني في بجاية الحبيبة ..

 

- لكل منجز مسرحي ظروف معطاة تكون بمثابة المحفز الذي يقدح شرارة الابتكار.. فما فلسفة ومنهج المشروع المسرحي الذي يبشر به ميثم السعدي؟

- ان فلسفة ومنهج ثنائية العرض المونودرامي مأخوذ من اهدافه العشرة الموجودة في نسخة المشروع وان منهجية المشروع تاتي من التطبيق للاهداف التي ذكرتها آنفا.. وقد قمت بتطبيق اغلب اهداف المشروع، حيث كان التركيز على ايصال مضموني المسرحيتين والفكرة الدرامية لكل نص مسرحي يوم العرض وقد تحقق نجاح المشروع بوصول احداث المسرحيتين للجمهور حيث جعلت نهاية المسرحيتين في وقت واحد.. ولايفوتني ان احيي الممثلين اللذان شاركاني هذه التجربة على شجاعتهما في العمل بتجربة جديدة من خلال الحوارات وطريقة الاخراج التحليلية والفلسفية مما جعلهما يزدادا ثراء وثقافة مسرحية من خلال النقاشات زمن التمارين.. واجمل رد فعل كان هو ان ( ثنائية العرض المونودرامي المزدوج) جعلتنا نفكر ونتسال ونتحاور الى ان جاءت لحظة العرض المسرحي فكان الحب للتجربة كبيرا جدا.. علما يا صديقي عبد الجبار خمران ان العرض التطبيقي في مهرجان بجاية كان مفاجئة سارة لجميع الوفود المشاركة في فعاليات المهرجان ..

 

- هل أفكارك النظرية التي كانت تحتاج الى تطبيق على خشبة المسرح.. عادلت الجانب التطبيقي لمشروع "ثنائية العرض المونودرامي المزدوج"..؟

- نتائج العرض اصبحت واضحة والحمد لله. نجح المشروع بشهادة الجمهور الذي غصت به صالة العرض بل وحتى الساحة القريبة من المسرح ايضا.. وقد اعتلوا خشبة المسرح ومنهم الباكي ومنهم الفرح .. حتى ان الاستاذة حميد اية الحاج كانت غاضبة مني لان العرض انتهى وهي في ذروة السعادة وقالت بالنص " تمنيت لو كنت جعلت مدة العرض ساعتين يا ميثم .."

 

- بماذا ترد على من ذهب بعد اعلانك تسجيل منجزك المسرحي هذا باسمك.. انك استفدت من تجاربه وغطيت ما اقتنصته ببعض التغييرات ليصير المشروع من ابتكارك دون ذكر لمن الهمك الفكرة الاساسية..؟

- كل من يريد ان يقول شيئا فليقله .. وكل من يريد ان يدعي لنفسه شيئا فليدعيه .. المسرح فضاء حر مفتوح للجميع .. المسرح يعترف بمن يعمل وليس بمن يتقول ويدعي .. التاريخ يذكر الفاعلين أصحاب التجارب لا الخاملين البكائين.. ملهم الهمني فكرة !! لا يا استاذ عبد الجبار العزيز ؛ النيام لايلهمون احداً.. ولاتنسى ان المسرح للفنانين المتقدين شعلة بنتاجاتهم وليس البكّائين الذين يستجدون مقالات او دعما عبر رسائل على الخاص يبعثها سين او صاد .. الحمد لله انا لم استجدي احدا.. وقفت وقفة صامد يعشق النجاح فكتبت نصوصي وقمت باخراجها ونفذت المشروع وشهد الجمهور والنقاد بنجاحه.. ملاحظة مهمة يا استاذ عبد الجبار وهي ان مؤسسات حماية حقوق المؤلف وجدت لحماية المبدعين من الافاقين الذين يستجدون مقالات عبر الخاص على الفيس بوك او الايميلات.

 

- هل من جهة أو مؤسسة من بعد مهرجان بجاية تدعم انتاج مشروعك المسرحي.. ومتى نرى ثنائية العرض المونودرامي المزدوج كمنجز متحقق على الخشبات المسرحية مرة ثانية وثالثة واكثر.. ؟

- رأينا المشروع في بجاية وقد نجح – والف شكر لكل من رافق رحلة عذابي حتى لحظة العرض - والذي كان ثمرة الجهاد النفسي والمجهود الفكري والجسدي ايضا ..كان اختياري لمهرجان بجاية موفقاً وانا مستمر في مشواري لتحقيق النسخة الثانية والثالثة والرابعة لمشروعي (ثنائية العرض المونودرامي المزدوج).. هناك اكثر من جهة. لكن بعض الظروف تحيط بتطبيق المشروع من الناحية المادية لان الجهات تنتظر اقرار ميزانيتها للسنة الجديدة وهذا يفرحني ولا يحق لي ذكر اسماء الجهات لانها طلبت مني التحفظ .. قدمت النسخة الاولى في الجزائر الحبيبة والقى الاستاذ الدكتور سيد علي اسماعيل من جامعة حلوان جمهورية مصر الحبيبة محاضرة علمية عن (ثنائية العرض المونودرامي المزدوج) .. وقد حصل هذا بعد العرض الذي صادف يوم4\11\2014 ثم في صباح يوم 5\11\2014 ونشرت المحاضرة عبر الصحف والمحطات التلفزيونية الجزائرية

واتمنى ان تهدا الاوضاع في بلدي لتقديم نسخة هناك .. واحب ان اقول شيئاً مهما جدا وهو انني تعلمت ثقافة الاعتراف بالفشل من مرشدي رحمه الله .. لان الاعتراف بالفشل شجاعة لا يملكها أي كان ... ولان النجاح حليف المتفائلين واصحاب العزيمة والاصرار انا اثق بالله انني سانجح ..وقد نجحت . وهذا ليس قولي بل ان الجمهور والاعلام والصحافة قالت ذلك .. ومعلوم ان هناك مدارس اخراجية كثيرة لايعشقها كثير من المسرحيين ولايجيدها كثير من الممثلين .. هذا لا يعني ان تلك المدارس فاشلة حتما ..

شكرا لك على هذه التغطية الجميلة للمشروع الحداثي الجديد ثنائية العرض المونودرامي المزدوج نظرية وتطبيقاً والقافلة وصلت ومازالت العصافير تغرد ..

مع كبير المحبة لك صديقي الغالي..

 

حاوره عبد الجبار خمران

 

حوار مع الكاتبة نورة سعدي

fatimaalzahraa bolaarasالقارئ في شوق دائم إلى معرفة الكاتب فمن هي نورة سعدي؟

- بادئ ذي بدء أشكرك جزيلا على التفاتتك الكريمة بإتاحتك لي هذا المنبر للنقاش والإجابة على جملة من الأسئلة يتعرف من خلالها القارئ على وجهة نظري المتواضعة في بعض قضايا الثقافة والأدب وما يجري الآن في العالم العربي، أما عمن أكون إن أذنت لي السيدة الفاضلة فاطمة الزهراء فأنا شاعرة وقاصة من جيل السبعينات لمن يؤمنون بالمجايلة هكذا عرفني الأدباء وعرّفي بعض النقاد الذين تدارسوا نماذج من نصوصي المنشورة في الصحف الوطنية كجريدة الشعب والفجرو الصباح الجديد، مجلة الجزائرية وألوان والمجلة العربية برز إسمي في معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين المجلد الخامس الطبعة الأولى عام 1995/م، عملت مربية في حقل التعليم ومذيعة في الإذاعة الوطنية ولو خيرتني في الطريقة التي أقدم بها نفسي لاختزلت ما ذكرته أعلاه نزولا عند رغبتك وقلت أن نورة سعدي أديبة لا تاج لها غير وهج الكلمات.

 

تحدثي بشيء من التفصيل فإنني فضولية وأحب التفاصيل كثيرا؟

- الأخت الفاضلة فاطمة الزهراء بولعراس أهلا بك وبفضولك المشروع، إلا أنه يؤسفني حقا أن أقول لك أنه ليست لدي تفاصيل تذكر تفتح شهيتك للاستماع لأني ابتعدت فترة عن الساحة الثقافية، وها أنا أعود إلى القلم عندما وجدت من نفسي القدرة على تقديم نص جيد يستوقف القارئ وينم عن نضج ورغبة أكيدة في كتابة ما يستحق أن يقرأ وينشر فيما بعد في كتاب، أنشر منذ عام 2009/م في موقع مركز النور حظيت بعض نصوصي الشعرية والقصصية المنشورة في مجلة النور بدراستين نقديتين للأديب والناقد العراقي الأستاذ وجدان عبد العزيز، نشرت أيضا بعض النصوص في المثقف العربي وصحيفة الفكر الغراء، لي أربعة كتب هي على التوالي جزيرة حلم /مجموعة شعرية /أقبية المدينة الهاربة مجموعة قصصية /أصبع أيلول مجموعة من النصوص السردية /خفقات شاعرة مجموعة شعرية حظيت هذه الأعمال المتواضعة باهتمام بعض الأدباء وكتبوا عنها.

 

تمتاز كتاباتك بالشفافية والعمق..هل هي ناتجة عن تجارب أو معاناة أم ماذا؟؟

- التجربة تشحذ القريحة والمعاناة أمّ العطاء في الإبداع لذا لا يوجد بين الأدباء على ما أظن من يكتب دون تجربة أو معاناة، الكاتب كائن حساس يتأثر بما حوله من مشاهد وأحداث ومواقف ومتغيرات تختمر كل تلك العناصر والأحاسيس في ذهنه وباطن وجدانه إلى أن يفاجئه المخاض فيجد نفسه مجبرا على سكب تجربته الشعورية فوق الورق وفق لغة خاصة وأسلوب معين آملا أن يجد القارئ الذي يشاركه أحلامه ورؤاه، آماله وتطلعاته أفراحه وأتراحه ويتفاعل مع ما كتبه بالإيجاب .

 

ما هي حكايتك مع النشر وما عنوان أول كتاب نشرتِه؟

- في الواقع أزمة النشر مست معظم المبدعين إلا أنها شهدت انفراجا ملحوظا بعد دعم الدولة للكتاب، ومكنت الكثير من المبدعين الشباب من طبع كتبهم، جزيرة حلم هو أول كتاب نشرته وهو مجموعة شعرية تعتبر باكورة المشوار صدرعام 1983/م عن دار البعث بقسنطينة طبعته على نفقتي الخاصة قدم له الشاعر الأستاذ محمد الأخضر عبد القادر السائحي وكتب عنه بعد صدوره في جريدة المجاهد، ويومها قال في معرض حديثه عن الكتاب، لقد انتظرت الشاعرة مقدار استطاعة صبرها لكي تجد مجموعتها النور على يدي إحدى المؤسسات المهتمة بالثقافة وبالأدب النسائي في بلادنا ولما لم يتسلل أي خيط من النور من هذه المؤسسات أقدمت الشاعرة على الجانب الآخر من المغامرة، فإذا كانت العملية الإبداعية مغامرة في عالم الخيال واللاشعور، فإن طبع مجموعة شعرية على حساب الشاعرة ومن دينارات خبزها هي مغامرة أخرى في عالم المادة ومجابهة لواقع النشر وإيصال الكلمة للقراء تسجل للشاعرة بكل اعتزاز وتقدير .

 

هل تؤمنين بما يسمى الشعر النسوي...أم ترين أن هذا التصنيف غير دقيق؟؟

- لا أدري لم تتضايق الأديبات في البلاد العربية من مصطلح الشعر النسوي مع أن هذا المسمى يشار به إلى الإسهامات التي تقدمها المرأة في هذا المجال ولا يراد به حصر الشعر النسائي في مجال أدب البوح على وجه الخصوص وهموم المرأة كما يتبادر إلى أذهان من ينفرن من هاته التسمية ويعتبرنها إجحافا بحقهن، التصنيف سليم ودقيق ومنصف من مبدأ أن كل منجز ينسب إلى الجنس الذي كتبه على الأقل من وجهة نظري الخاصة.

 

كيف ترين الحركة الثقافية في الجزائر؟؟ وكيف تنظرين إلى الأدب (الجزائري) المكتوب بالفرنسية وهل هو جزائري؟.

- عزيزتي فاطمة لاينكر إلا جاحد الإنجاز الكبير والدور الفعال الذي لعبته الحركة الثقافية في الجزائر منذ الاستقلال وإلى يومنا هذا مدعومة بإرادة رجالاتها الأفذاذ الذين تخطوا الصعوبات والعراقيل، رجال أخذوا على عاتقهم مهمة نشرالمعرفة والوعي في صفوف المجتمع وغرس مبادئ المواطنة الحقة في عقول ونفوس الناشئة ولفت انتباه الجميع لما ينتظرهم من مسؤوليات جسام أهمها الحرص على وحدة الصف والهدف والنهوض بالوطن إلى مصاف الدول المتقدمة،، تمت تلك التعبئة النهضوية عبر وسائل الاتصال المتاحة آنذاك من صحافة مكتوبة ومرئية ومسموعة فضلا عن خلق تلك النخبة الفاعلة لفضاءات ومساحات في شتى أنواع و أشكال الإبداع أتت أكلها وأنجبت إن صح التعبير جيلا من الكتاب المتميزين ترجمت أعمالهم إلى اللغات العالمية وحصدوا الجوائز فرفعوا اسم الجزائر عاليا في المحافل الثقافية وأعطوا صورة مشرفة عن المثقف والإنسان الجزائري الذي حاول المستعمر البغيض وبعض أعداء الداخل والخارج طمس هويته والقضاء على أصالته و مسخه وتشويه صورته لدى الأشقاء العرب وفي بقية أنحاء العالم ونظرا للظروف الصعبة التي مرت بها الجزائر في فترة التسعينات تراجع الحراك عما كان عليه في السنوات الماضية وحرم المثقف من أداء دوره الطليعي لأسباب يطول شرحها ههنا مما جعل المشهد الثقافي يتسم بالفوضى والفتور ويخضع للمناسبتية، أما فيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال هل الأدب المكتوب بالفرنسية جزائري فأحيلك على ما جاء بهذا الخصوص في مقالة قيمة قرأتها للدكتور القاص أحمد منور

يعتبر الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية أحد التناقضات الكثيرة التي أفرزها الاحتلال الفرنسي للجزائر. ونعتبره من تناقضات الاستعمار على أساس أنه شكل في وقت من الأوقات ظاهرة ثقافية مناهضة، أو مناقضة لأيديولوجية الاستعمار، حيث استعمل الكتاب لغة المحتل لمقاومة الاحتلال. وهذه الظاهرة –أو هذا التناقض كما أسميناه-لم يقتصر. كما هو معروف. على الجزائر وحدها، فقد وجدت بنسب متفاوتة مع ظاهرة الاستعمار في العديد من بلدان أفريقيا، على وجه الخصوص، وفي آسيا أيضاً. حيث يوجد اليوم أدب أفريقي وآسيوي كتب من طرف أفارقة وآسيويين باللغات الإنجليزية. والفرنسية. والإسبانية. والبرتغالية. أي بلغات الدول الاستعمارية التقليدية، التي بدأت هجمتها على القارتين في القرن السادس عشر الميلادي. بعد اكتشاف طريق رأس الرجاء. وتشكل هوية الأدب الأفريقي والآسيوي المكتوب باللغات الأوربية –ومنه الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، إحدى القضايا المختلف عليها اختلافاً شديداً على الصعيد النظري في مجال الأدب المقارن. فقد عده البعض أدباً أوربياً باعتبار اللغة التي كتب بها. واعتبره آخرون أدباً قومياً أو أفريقياً باعتبار "الروح" التي كتب بها، والحقائق المحلية التي عبر عنها. وقد ذهب فريق آخر إلى القول بأنه أدب بلا هوية لا تصح نسبته إلى البلد الذي ينتمي إليه الكاتب، لأن ذلك الأدب غريب عنه لغة وقراء، كما لا تصح نسبته إلى البلد الذي تنتمي إليه لغة الكتابة لأنه غريب عنه واقعاً، وانتماء، ولا يربطه به أي رابط سوى رابطة اللغة التي كتب بها.‏

(أما أنا فمع الذين يرون أنه جزائري الروح والإنتماء وإن لم يكتب بلسان عربي مبين، أن تكتب بلغة أجنبية فرضها المحتل عليك ليس معنى ذلك أنك تبنيت أفكار المستعمر، ذبت في شخصيته، اندمجت فيه، تنكرت لأصالتك وأصبحت لسان حاله، على أني أستثني من كلامي هذا ما كتبه أدباء جيل الإستقلال الذين ولدوا في المهجر و يعيشون هنالك وتطبعوا بثقافة ذلك المجتمع ، لا أستطيع أن أدلي بدلوي فيه لأني لم أطلع على نماذج منه ولا يحسن بعاقل و أنت الحصيفة أن يلقي الأحكام جزافا

 

هل أنت مع المرأة سياسيا في الجزائر، ما رأيك؟

- المرأة اليوم موجودة في كل مجالات العمل ومفاصل الميادين الحيوية، إنها أستاذة جامعية وطبية محلفة، مهندسة في كافة التخصصات وقاضية، إعلامية بارزة وقائدة طائرة، فنانة وكاتبة، فما المانع يا سيدتي أن تتسنم منصبا سياسيا إن حظيت بثقة من منحوها ذلك التكليف ووجدت في نفسها القدرة على أداء واجبها الوطني على أحسن ما يرام ؟

 

مرت الجزائر بفترة صعبة في التسعينات...كيف عاشت المبدعة نورة سعدي هذه الفترة أدبيا؟

- كيف عشت تلك الفترة نفسيا قبل أن أعيشها أدبيا وهذا يعود بي إلى سؤالك المطروح أعلاه، هل تكتبين عن تجربة أم معاناة أم ماذا ؟بصراحة أنا لم أتفرد في حزني على الجزائر وأنل فيه قصب السبق بمعنى أنني لم أبكيها وحدي، لقد تألمت بنفس الكم والقدر الذي تألم به كافة أبنائها الميامين وهوفوق أن يوصف وتعبر عنه الكلمات، لم يكن أبدا من السهل أن يمر شعب بتلك الهزة والزلزال العنيف الذي خلط كل الأوراق وقلب كافة الموازين ومازلنا إلى يومنا هذا نعاني تبعاته، فمن الطبيعي إذن والحالة هذه أن ينعكس ذلك الواقع الأليم على كتاباتي وتبدو آثار الصدمة واضحة على ملامح حروفي

ألمي ليس يضاهى

شجني ليس على ظهر كتاب

ليس عدلا أن يدك الصرح

يمسي كالخراب

طفح الكيل تكدر كل ما في الكأس من حلو الشراب

ليتني أفقه ما يجري في بلادي

آه لو أدري الجواب ؟

من قصيدة /الدوامة/

لقد عصف بي الألم لكنه لم يجرفني إلى ظلمات اليأس

لأيماني أنه دوما يوجد ضوء في آخر النفق

فقلت أرتق جراحي وأتعلل بالأمل

وطني لم ينهزم

لم يتهاو

كالنسر شامخا مازال

يتحدّى

وطني فوق الظنون

فوق كل الادعاءات يكون

/نص توقيع على ذاكرة الوطن/

 

ماهي آخر قصيدة كتبتها ؟

- آخر نص شعري كتبته يحمل عنوان تنهيدة عربية

 

عرفي لنا هذه الكلمات في كلمات قليلة

الوطن، الأم، الدين، االأدب

الدين اصطلاحا هو ما شرعه الله لعباده من أحكام

وإنسانيا هو المحبة والتآخي والتعايش السلمي بين كافة شعوب الأرض

الوطن هو الخيمة الدافئة التي تقينا غوائل الدهر وبوائق التشرد

الأم هي معين الحنان والمرأة المباركة التي جعل الله الجنة تحت أقدامها.

الأدب هو أن تعبر عن مشاعرك وتقول رأيك فيما يدور حولك من أحداث كتابة أو مشافهة بمنتهى الكياسة والظرف.

 

كيف تنظرين إلى الأحداث الكبيرة التي مر بها العالم العربي وهل أنت مع مصطلح (الربيع العربي)

- مما لا شك فيه أني لا أنظر إلى تلك الأحداث الكبيرة المأساوية التي تعصف بالعالم العربي بعين الرضا فبناء على ما قرأته واستمعت إليه من تحاليل سياسية أقول أن ما يجري هو مؤامرة كبرى خططت لها أمريكا بمعية بني صهيون منذ عقود طويلة لتفتيت الوطن العربي وتقسيمه إلى دويلات للاستلاء على ثرواته تحت مسميات شتي أهمها تكريس الديمقراطية فأية ديمقراطية هذه التي تبيد الشعوب وتهلك الحرث والنسل وتزج بالأبرياء في المحارق؟الذي أدريه حقا أن الربيع يأتي دوما بعد عواصف هوجاء وشتاء دامس فيغير الصورة من ظلام إلى نور ومن هم إلى سرور، هل شممت عطر وروده وتنسمت طيب هوائه؟ أنالم تصلني هفهفة نسائمه ولذا لست مع ذلك المسمى دون الخوض في مزيد من التفاصيل .

 

هل تؤمنين بالديمقراطية أم أنها مجرد شعار؟؟

- الدمقراطية هي أن يختار الشعب حكامه وممثليه في البرلمان والنقابة بمنتهى النزاهة والشفافية وأن يعبر المواطن البسيط والمعارض عن رأيه بحرية دون أن يتعرض للعقوبة والإقصاء، في الغرب مارسوها على الأقل مع شعوبهم وبالتالي هي ليست مجرد شعار.

 

نعود إلى الجزائر من قرأت لهم من الأدباء الجزائريين ؟؟ وأين تضعينهم بالنسبة لغيرهم من الأدباء العرب ؟؟

- قرأت عبد الحميد بن هدوقة، الطاهر وطار، خلاص الجيلالي، وسيني الأعرج أمين الزاوي، زهور ونيسي، جميلة زنير، عمارية بلال أم سهام، وأحلام مستغانمي وآخرون في القصة والشعر من جيل الثمانينات و التسعينات، أما أين أضعهم بالنسبة لغيرهم من الأدباء العرب فأترك الجواب للمتخصصين في المجال ومن يعتدّ برأيهم في المقارنة .

 

ما رأيك في النشر الالكتروني وهل تعتقدين أنه أنصف بعض المهمشين؟

- النشر الالكتروني فتح عظيم في عالم تقانة الاتصال و من أبرز مزاياه الحركية التي تعني إمكان نقل المعلومات من مكان إلى آخر بيسر و سهولة و بفضل هذه التقنية المذهلة غادرت أوراقي النائمة منذ سنوات درج مكتبي وطارت مع الريح و أصبحت في متناول قراء و أدباء ما كنت يوما أحلم أن يقرؤوني و يتفاعلوا مع حرفي لبعد المسافة التي تفصل بيني و بينهم، نعم النشر الإلكتروني قدم خدمات كبيرة لمن عانوا من الإقصاء في أوطانهم لأسباب لا تخفى على ذي عقل وبصيرة، إنه يمنح الإنتشار والفرصة للجميع لكنه

لا يجعل من لم تكن موهبة الكتابة متأصلة فيه كاتبا .

 

هل تعتقدين أن النقد يواكب الحركة الأدبية في الجزائر؟؟

- جلّ من طرح عليهم هذا السؤال في أكثر من مناسبة أجمعوا أن النقد لم يواكب الحركة الأدبية في الجزائر كما ينبغي أن تكون المواكبة وأن ما قدمه الناقد المتخصص من تحليلات وقراءات تعج بها الساحة الثقافية لم يغط إلا القليل مما نشر وينشر .

 

كلمة للقراء .. وهدية من بوحك الجميل

- مرة أخرى أجدد شكري للأديبة القديرة فاطمة الزهراء بولعراس على استضافتها الكريمة وأشكر جزيلا كل قارئ وقارئة استوقفته كلماتي وشدّه الحوار.

تقاسيم على مقام الصبا

نص/نورة سعدي

 

يستيقظ الصبح

ينضو عنه عباءة الغسق

تفترّ روحه عن دندنة لشحرورة

تتهجى حروف اسمك

على ربابة الشجو

وأنة من صبا الشجن

هو الشوق إليك يعابثها

يذكرها بالمواثيق

يطوحها آنا إلى واديه

وآنا يرفعها إلى ذراه

متى تأتي؟

تفتضّ مغاليق النأي

متى يورق نبض الوقت

يفصح صبح الحب؟

متى يناوشها القلب

يشكو لها بثه في حضرة البعد

يسائلها عنك

عن مغانيك

عن جنة من نخيل

و دنيا من أعناب المنى

كنت تساقيها شهد كؤوسها

على ضفاف شاطئ العمر

ألا تأتي تهاجسها التباريح

يهدهدها الأمل

يؤرقها الوجد

يعاتبها الصبر

تخمد الأمداء توقها القرمزي

تغتال حلمها المسافات؟

 

 

حوار مع الأديبة التّشكيليّة الفلسطينيّة رجاء بكريّة

rajaa baktiaعلى بعدِ خفق من إصدارها الجديد "الباهرة" التقتها: ابتسام أنطون

كلمة حق: "رجاء بكرية هي أنثى الإيقاع الصاخب، تلازم المسافة الابداعية ليكون زمنها فارق لا يشبه سواه ، مرحلية الابداع تطوع انتاجها ليكون حاضرا في المغيب وترفض ان تكون مرحلة تسعى لتكون مرجعية،

آسيانة الصمت في نبرة تمرد ، خافتة العشق ، تتحلى بنَفس عميق طويل ، تربطها صداقة مثينة وشفافة

تمنح الزهور الوانها الطبيعية، والحجارة حركتها الترابية، تختار أجسام ريشتها بأحجامهم الكبيرة لتكتمل الرمزية، هي أديبة وروائية فلسطينية من حيفا وفنانة تشكيلية ، لها العديد من المقالات الأدبية، السياسية والاجتماعية، أولى رواياتها عواء الذكرة وإمرأة الرسالة، التي طافت العالمين العربي والغربي، كان لي شرف الحوار مع إحدى الهامات الفلسطينية الكبيرة كشأن رجاء بكرية."

 

حوار الألم، هكذا أسمّيهِ!

كانت حربُ غزّة على بُعدِ طلقة حين بدأتُ هذا الحوار، لكنّي لم أتوقّع أبدا أن أخجل لهذا الحد، وأنا أقارن فلسفة مشاعري بتلقائيّة أحاسيسهم، أولئك الصّغار. ظلّ بكاء النساء وصراخ الأطفال التلقائي كابوساً مرعباً يُلاحقُ نهاراتي. الموت يمشي في الشوارع، وفوق أسطح المنازل، المشافي، والمدارس، كأن لا علاقة له بما يتركه خلفه من أسرّة مكتظّة بالنّوم. ولا أذكر أنّي بكيت بمثل تلك الحرقة. أحيانا كنتُ أفقدُ توازني، وأنهار، أعيش إنسانيّة قلبي بعيدا عن القوّة الّتي أطلقها في كلماتي. لي قلبان، واحد فقدته قبل شهور من الآن، والآخر الباقي كثير الدوخان كلّما فجّت جمره، صورة طفل مدمّى الوجه تحت ركام غزّة وشوارعها. أكره الحروبات البشعة، وكلّها كذلك! لكنّ حرب غزّة كانت أبشعها في فقر أُناسِها، وحدتهم، عُزلتهم، غربة واقعهم، وظُلمِها. في ظروف استثنائيّة كهذه، وفي جبلٍ لا يمكنُ إلا أن يشتعلَ نارا كان لا بدّ للمقاومة من خوض هذه المعركة، فالمعركة لم تكن لفصيل واحد، ولكن لكلّ التيارات والفصائل المُقاوِمة معا. للشّعبِ برمّتهِ. ولم يعد ممكنا، وفق معطيات المعركة، إطلاق يد القذائف والأباتشي على غاربها، لتحصد الأجساد والكرامة معا. وما كان ممكناً أن يَلُفّ المُقاتل سلاحه تحته ويقف متفرّجا على موته.

لقد تجاوزت الخروقات الإسرائيليّة البشر والحجر، وحصدت بهستيريّة فائقة أخلاقيّات الحرب لحدٍّ لا يمكن تصوّره، لا تكافؤ بين المعسكرين، لكنّ ذلك لم يمنع دولة "أخلاقيّة" جداً من إنجاز مهمّة المسح على أحسن وجه. ولو اقترحتُ عنوانا لهذا الحوار سأسمّيه حوار الألم!

 

الكاتبة الروائية رجاء بكرية ..ما هو الظرف الذي منحك هذا المنحى من الكتابة؟ من هي امرأة الرسالة؟

- لا نكتب غالبا لأنّ ظرفا ما يفرض علينا أن نفعل، ولكن لأن تراكمات التجربة الّتي نخوضها تستدعي ابتكار تكنيك مختلف لفرض حضورنا. واليوم علينا كأقليّة في دولة محكومين فيها لمعايير غير مفهومة ضمنا ولكن فرضا، أن نحدّد خيارات الكتابة. وعليه فمشروع هذه الرّواية يندرج تحت ما يسمّى كتابة الفرض. فرض الحالة، بالرّسم والإسم مكانا وزمانا، فكرا وحسّاً، بحرا ويابسة. نشوة في روايتي تحاول أن تسجّل على شطّ السّماء أفقا اختصاره، "هذا المكانُ لي". إشكالية المكان بموروثها التّاريخي والجغرافي، والإنساني، والنّضالي إذا استدعت الحاجة. أرادت أن ترفع عَلَمَ مُدُنٍ تعيش نفَسَهَا وجسدها عبر اختلال المسافة بينها وبين آخرين، الحاضر في واقع السياسة، والمغيّب عنها جهلا، هو الشَعب العربي بدُوَلِه ومدنه. ونجحت لحدٍّ بعيد. أردتُ أن أذكرَ عكّا فينهارُ جسرَ الحنين حيثُ يسقُطُ ذاكرة وجسداً، تاريخا وإسمنتاً!

ولذلك جنّدت قصاصات من الواقع المعاش حول أسطورة الإرهابي الّذي سجّلهُ اليهودُ على مزاجهم في كشاكيل مفاهيمهم ووثّقتُ سردا حالة نموذجيّة لتشويه الذّاكرة والأمكنة، وتطرّفتُ فيها حدّ تطرّفهم، فكان غسّان الفنّان المُرهَف، هو ذات غسّان الواقعِ المجني عليه في حادثة الكابري. مسرَحْتُهُ كحالةٍ استثنائيّة ليحشدُ القاعدة بمنطق الرّفض والبقاء.

 

الكتابة صيغة مباشِرَة للكاتب، كم أنت مباشرة حين تصوغين ذاتك حين تكتنين؟

- غالبا، لستُ مباشرة حتّى في مقالتي النّقديّة، فكيف سيكون عليه الحال لو أنّا تحدّثنا عن لغة الأدب؟ لا بدّ أن أعترف أنّ المباشرة آخر معاقلي، فالأدب لم يكن يوما لغة اعتراف. في كتابات الإعترافات يحدث أن نكون مباشرين لأبعد حد لإقناع من نحاورهم عبر نصوصنا، لكنّ صناعة الأدب تحتاج خطابا آخر أساسه أفحاخ السّحر، وهذه الأفخاخ تحتاج لكثير من الحيلة والصّدق، والإستدارج المباغت للمُخيّلة، وفقط عند هذا المنعطف يجتهدان كليهما، الأفخاخ والسّحر معا في كتم سرّ هذه الصّداقة المشبوهة.

 

كيف تكتبين؟ أفي يقين تام أم أنّ اللامعقول هو اليقين عندكِ؟

- تقصيدين باليقين الحالة العقلانيّة! من غير الممكن للعقلانيّة البحتة أن تصنع أدبا لافتا، وهي تصبح عقلانيّة حين تتجاوز أبعادها باعتقادي. الإبداع يحتاج أن تتحلّل من كلّ أسباب المعقول وغير الجائز، وتصغي لصوت واحد يوجّهك، هو رقيبك الدّاخلي! المطلق هو حالة اليقين الممكنة لإنجاز أبسط نص!

 

ألا يمكن للإبداع أن يتحقّق بمعزل عن الدّراسة الأكاديمية؟

- هوَ سُنونو حُرّة لا يرغمها غير هَوى الحالة للخضوع، ولا تخضع لخلاف الكلمة، كالسّنونو تماما، فهي عصفورة بريّة أنيقة ورشيقة وحرّة، حين تنطلق فكالصّاروخ دون أن تتوقَّع، ولو شبهُ احتمال للإيقاع بها، لكن أمومتها تجعلها بيتيّة جدا، تسخّر كلّ ما تعرفه عن الأمومة في هندسة بيتها الجميل الأنيق، هي أبدا لا تتنازل عن مواصفات العشّ المُنمَّق المحسوب كالإبداع تماما، فهو يفكّر بتقنين هواهُ فقط حين تستدعيهِ ضرورة الكتابة، لكنّ الدّراسة أبدا ليست شرطا للإبداع، وسرّ الإبداع أنّه بعلا، لا يروي عطشه إلا من غارات المطر المواسميّة، لكنّني بالمقابل أجد الكتابة مشروعا يستدعي كمّاً هائلا من الثّقافة، ولن أجتهد في الإشارة للبون الشّاسع بين الكتابة والإبداع، هما ليسا مفردتين لحالة واحدة.

 

هل تولي رجاء بكرية لحيثيات زمكانيّة؟

- أنا امرأة تُرابيّة، لكن أمتلكُ بعض الهواء والنّار، غير أنّ مرجعي تُرابي، والمرجعيّات الترابيّة تحرص على أرض يدعسُ فيها الجسد. فالمكان لديّ موطء شوق وشوك في آن. ولا يهم تاريخه ولا جغرافيّته، المهم أن أعشق مناخاته، حينها يصير لي، وملزَمَةٌ أن ُأَعَرّفَ بالتّزامُنِ مع حضوره. غالبا لا أوثّق كتاباتي غائبة عن زمانها ومكانها، لأنّه من غير الممكن أن أكتب دون مرجعيّة حسيّة لقلبي ومخيّلتي، منه أشعُلُ أو أشتَعِل، وعكّا واحدة من أشدّ أمكنتي سحرا وانسحارا بشخوص قصصي! أحبّها كما هي وكفى! لكنّ حيفا تنافسها بلا آخر على التنابت فيّ.

 

هل للأحلام قيمة أخرى في كتابتك؟

-    من الحلم تأتي النّبوءة لدي! نبوءة الكتابة، الشّخوص، الأبطال، الأحداث. انعدام مساحة الحلم فيها نسف لمثيرات الجمال في الحياة، فمنه نستمدّ نكهة السحر كما نستمد الشوق من نكهة قهوة أخَذَنَا هَالّها. فالحُلُمُ إذن هالُ الكينونة، وبدونه لا نكهة للعيش. وإذا أردتِ أن تعرفي ماذا يفتنني في القهوة، سأخبرك نكهة الهال الذي يتخلّلُ بُنَّها. وأستطيع أن أنقطع عنها لأيّام إذا لم أعثر على ما يفتتني في مذاقها. هكذا أنا امرأة من أحلام متداخلة، متناقضة، متقاتلة، المنتصر الوحيد فيها ألوانها، ولا أعترض.

فالكثير مِنِّي نسجَهُ الحلم، ابتداء بأبطالي، وانتهاء ببطولاتي المُتخيّلة والحقيقيّة، وأفكار قصصي إذا لم تراود حلمي شأن يقظتي لمرّات أُسّقطها من اعتباراتي. لكنّ المشكلة، أنّنا لا نصغي لهمس أحلامِنا بما يكفي لنصنع أمجاد حاضِرِنا!

 

أين ترشفين راحتك حين تتعبين؟

- أسافرُ حينَ أتعب، ولمدّة طويلة غالبا ثلاثة أسابيع على أقلّ تقدير، في الماضي كنت أغيب لشهر أو شهرين. لا أحبّ السّفر، ولكن حين أتعب لا أفكّر إلا به، وأبعد أمكنة في العالم. أستجم وأقلب كلّ زاوية في المناطق الّتي أصلها. أبدأه سفرا منظّما ثمّ أنفصل لأكتشف العالم الّذي أحب بمفردي. زرت معظم دول العالم، وبعضها زرته لمرّات كفرنسا مثلا.

 

ماذا يعني لك العمر؟كيف تعيشين ولماذا؟

- كلّ يوم أعيشهُ ملزمة بالعُثُورِ على مُحرّضاتٍ لإثارَتِه. يجب ألا أتوقّف عنِ الدّهشة من زهرة في كأس، فكرةٌ في كتاب، صورة في موج بحر، عطر في مخابىء قلب، شوق إلى سيجارة في منفضة، أو بطل رواية قادمة، وإلا فأنا في مشكلة. فأنتَ حين تتوقّف عنِ الإِدهاشِ والإندهاش يَبرُدُ يَومُكَ، ويتناثرُ عُمرك كَوَرقِ جوريّةٍ ناشِفة. أيّامي عَبِقةٌ بقرنفل التحدّي، توجدُ توابل خَليطُ القُرُنفُلِ بأنواعِهِ تحرّضُ القلبَ عَلى القفزِ تحتَ قَصفِ المُفاجأة! وأعتبر نفسي الأجمل كلّما تقدمتُ سنة، وأزداد اعتناء بمظهري، وقلبي وعِطرِ وَرَقِي، فالزّمن لا يقاسُ بالسّنوات ولكن بلحظات بَوحِهِ، وإنجازات روحِه!

 

ما هي الانسانية حسب وجهة نظرك؟

- الإنسانيّة مفردة غاية في الشّفافيّة، ولذلك، فأنا أعتبرُ وجودها نادر في أيّامنا، وبرأيي حتّى نكون إنسانيّين يجب أن نمتلك إصبعاً سادِسة تلهمنا قراءة الآخر، غريمنا في الحضور. قلّة منّا تجيد ذلك، وقلّة تفعل، كأن تفتّش عن الجمال في كلّ ما تراه حولك، حتّى لو كان في عيني سواك بشعا، في البشاعة أجد مسربا للجمال، ولذلك أُلامُ أحيانا لأنّي لا أجيز إسقاط تسميات تؤذي سواي، على بشاعتها إلا في النّقد. لكن قد يصدر منّي صدّا مضاعفا يعادل إنسانيّتي الّتي أغفر بها للآخرين حدَّ سَحقِه إذا مُسّا اثنين، كبريائي، وذكاء ذائقتي!

 

أحيانا تكونين ضد الطروحات النسوية لقضية المرأة ..ألذلك علاقة بإيمانك بعدم جواز انفصالها عن الرجل كقضية؟

- غالبا، لا أستسيغ الطّروحات النسويّة، لأنّها تجنح للتطرّف والمبالغة. أن أتطرّف بمواقفي في إطار طروحات فرديّة مجاز، لأنّني من يقرّر منطق الموقف، بينما في إطار المجموع النّسوي، فلا أحتفي بها، خصوصا وأنّها فريسة سهلة لمصادمات بلا آخر، وعدم وضوح رؤيا، فالمواقف وخلفيّاتها يجب أن تعتمد على ثقافة واسعة مهما بدت صغيرة وهامشيّة، وهذا ما لا تمتلكه هذه التجمّعات غالبا. القضيّة الأخرى تتعلّق بالصّورة الّتي ترى المرأة نفسها من خلالها! هل تمتلىء بحضورها الذّاتي في واقع ما تعيشهُ وتعايشهُ؟ غالبا تصدر الطّروحات النّسويّة كتحصيل حاصل لفراغ حسّي، وارتباك فكري وفق النّماذج الّتي صادفتها. ولأنّني لا أرغب بفكرة تهميش المرأة لإنجازاتها أعوّل على بقائها ضمن المنظومة العامّة للأدب، لها ما للرّجل من حقّ وحضور، فكلّ عمليّة انقطاع إلى المجموع النّسوي كظاهرة استثنائيّة تؤدّي بها غالبا لتهميش مجحف، وإهمال صفيق. يضاف لما قلته فأنا لا أؤمن بالعمل الجماعي في نطاق المشاريع الأدبيّة النسويّة والرّجاليّة إلا فيما ندر، وأعتبرها رخوة، وعاقر، بل بالمشاريع الفرديّة. وواقع التّجارب الثّقافيّة تثبت أنّ العمل الأدبي هو نتاج فرداني بحت مصدره تفكير ومخيّلة وشعور صانعه، واجتهاداته.

 

اين تجدين مساحتك الابداعية اوسع في الرسم ام في الكتابة؟

- لعلّها جدليّة الحضور والغياب هي ما يفرض سؤالك هذا! كم أحضر في الرّسم مقابل الأدب؟ لكنّ الحقيقة أنّني أمارس رياضة حرّة في المياة الإقليميّة لكليهما، ولو أنّي منذ سنوات لا ألاعبُ اللّون، أو أغمس قلبي بزيتِ رَهفِه. أشعر بهذه الحاجة، لكنّ تكاتف مشاريعي الكتابيّة تبعدني، لأنّ اللّون يحتاج لتفرّغ حسّي كامل، هو يأخذك لمستويات لا علاقة لها بالواقع، وأنت حيث تكون معه تنسى الزّمان والمكان، وعليك أن تمنحه ذاتك، لا تجوز أنصاف الحالة معه، بينما الكتابة هي مساحة أشدّ اتّساعا للغياب الحاضر مهما ابتعد، وأعني أن مسافات الغياب تسطو عليكَ في جولات قصف سريع غالبا، وإن طالت يمكنك أن تفاجىء نفسك بمقالة تناصر فيها حياتك. لقد ابتكرتُ مشروع سفر جميل من خلال رسم مشاريعي الرّوائيّة والقصصيّة، لا أشعر أنّني أكتب بقدر ما أرسم، وعن غير تخطيط مسبق. أصابعي تلوّنُ مساحات البياض وتقرّر أبعاد قلبها. لذلك أعتبر نفسي غالبا محظوظة، كأنّي لم أبتعد عن الرّسم أبدا، لكن يجوز أن أعترف أنّي أحتاج هذا التفرّغ الحسّي الزخم للأقمشة والألوان بعيدا عمّا يجري

 

كيف تجنّسين كتاباتك؟ وهل للفكر جنس، أنثوي أو ذكوري؟

- لا أميل للتّجنيس. وعليّ أن أقتنع أوّلا بحضور واحدهما منعزلا عنِ الآخر! لكن أعترف أنّ للكتابة النّسائيّة نكهة ورائحة ودفء لا تعرفه كتابة الرّجل مهما اجتهدت في ابتكاراتِها، لأنّ هذا التفرّد يولدُ معها، ويأخذ من خصوبة جسدها ورائحته!

 

                                  حيفا،

 

في احضان الشيطان النظام العالمي الجديد وشريحة البيوتشيب .. حوار مع المهندس احمد صالح اليمني

wafaa shihabadinنقود المستقبل ليست ورقية بل أداة تتبع وسيطرة

لاشك أن موضوع السيطرة والتحكم فى البشرية موضوع لا يخص فرداً بعينة، ولا بلداً بعينها، بل يمس العالم كله، وخاصه اذا كان الجديد فى هذا المجال هو شريحة تزرع فى الجسد الأدمى لتحل محل النقود وبطاقات الهوية، هذا ما تناوله بالدراسة والتحليل كتاب ظهر مؤخراُ فى الأسواق للمؤلف المهندس / أحمد صالح اليمنى وعنوانه (فى أحضان الشيطان) والذى نفذت طبعته الأولى فى غضون شهور معدودة، ولعل موضوعه الغريب والمثير كان سببا فى تكرار ظهور عنوانه فى صفحات الجرائد والتلفزيون.

الكتاب يتناول الصراع الدائر بين الغرب والشرق، فى ظل تصادم الحضارات على مر العصور، ويتواصل فى التدرج التاريخي فى كل حقبة من حقب التاريخ، حتى يصل الى المرحلة التى بدأ تنفيذها على الأرض الآن، فهو فى هجمته تلك لا يريد ان يعد العدة القتالية ليحتل المنطقة ثم يسيطر عليها، كلا! إنه يريد أن يسيطر على العقول فتأتى إليه المنطقة، وهذا ما تُحققه له شريحة البيو تشيب.

إن شريحة ال (Bio-chip) تزرع فى معصم اليد اليمنى أو الجبهة لتكون البديل عن استخدام النقود وآليات التعريف الشخصية، يتناول الكتاب موضوع الشريحة ضمن مخطط مرسوم للسيطرة والتحكم فى البشرية، كانت الشريحة الالكترونية لبنة من لبناته فقط.

فى حديثنا مع الكاتب المهندس / أحمد صالح اليمنى، علمنا منه ان زراعة تلك الشريحة بدأت فعلا فى التطبيق على مستوى محدود فى بعض بلدان العالم.

- إن هذه الشريحة فى حجم حبة الأرز تقريبا إذ يبلغ طولها 11.5 مليميتر لها العديد من المسميات مثل RFID - Radio frequency identification tags ، (جينى تشيب) وهو الجيل الأول منها، ميكروتشيب. وشكل الشريحة ومقارنتها بحبة أرز موضح فى الشكل رقم (1).

إن هذه الشريحة تحل محل جميع المعاملات المادية (النقود وكروت الفيزا) وتحل محل بطاقات الهوية، وسوف نضرب مثال لذلك للتبسيط، فإذا ما أراد الشخص المزروع له الشريحة الذهاب إلى السينما مثلاً، فما عليه إلا أن يختار السينما، والفيلم الذى يريد أن يشاهده من على مواقع عرض الأفلام فى الإنترنت، ثم بعد ذلك يقوم بحجز التذكرة من على الموقع فى الإنترنت، فيتم خصم ثمنها من حسابه فى البنك، وتسجيل بيانات تلك التذكرة فى رأسه (الشريحة)، فيذهب بعد ذلك إلى السينما وما عليه إلا أن يترك المسئول أيضا يقوم بوضع قارئ الشرائح (الشكل رقم 2) على جبينه، فيجد أنه فعلا قد حجز تذكرة فى المقعد رقم (س) فيتركه يمر ويذهب إلى مقعده ويستمتع بمشاهدة الفيلم.

 568-wafaa

وبسؤال الكاتب عن كيفة الاعداد للشريحة لكى يتم قبولها عالمياً؟

- كان من الضرورى الاعداد الجيد لترويج الشريحة وحتى تُقبل الأمم والافراد على زراعتها طواعية وغير مجبرين، وعلى ان يتم ذلك فى نطاق التطور الطبيعى للتقنة التكنولوجية، فكان ذلك عن طريق العولمة وتوحيد المعايير، فكان ذلك عن طريق ثلاث توحيدات:

1- توحيد العملة وهى الدولار، باعتباره العملة العالمية الأولى والرئيسية، والتى ترتبط بها جميع العملات العالمية.

2- توحيد معايير التعاملات البنكية عالميا، عن طريق شبكات البنوك المتصلة عالميا مع بعضها.

3- توحيد بطاقات الهوية عالمياً، وذلك حتى يتم عمل رقم مسلسل واحد لجميع البشرية يسمى بالرقم الحقيقى real IP ، وقد كانت بدايات ذلك التوحيد فى الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق اصدار قانون رخصة القيادة الموحدة، تمهيدا لاصدار بطاقات الهوية الموحدة.

 

هل تمت بالفعل زراعة الشريحة فى أى مكان فى العالم؟

- ان عملية زراعة الشريحة تجرى بالفعل منذ عام 1974، حيث تم زراعة أول شريحة فى ولاية (أوهايو) بالولايات المتحدة الأمريكية، وتزرع الأن بالولايات المتحدة الأمريكية لتسجيل بيانات المرضى بالمستشفيات، ويتم زراعتها أيضا فى دولة الفلبين منذ عام 1992 وحتى تاريخه، ولكن فى الفلبين فإن الأمر مختلف، حيث أنها تستخدم للتجارب على الجنس البشرى للتتبع والتحكم، حيث أن الفلبين ليست من دول العالم المتقدمة التى يمتلك السواد الاعظم من شعبها حسابات بنكية او تقنيات حديثة فى المعاملات التجارية، وحتى الأن فإن عدد الدول التى وافقت وانضمت الى تلك المنظومة العالمية بلغ عددها العشرون دولة.

 

هل وافقت هيئة الأغذية والدواء الأمريكية على زراعة الشريحة؟

- فى (عام 2004) وافقت منظمة الأغذية والدواء على أول RFID للزرع لدى البشر وكان اسمها (VeriChip)، والتى قامت بإنتاجها شركة (VeriChip)، يتم استخدام تلك الرقاقة لتحديد المريض، وتوفير وصلة لسجلات المريض الطبية فى قاعدة بيانات، وتظهر فى الصور آليات شركة VeriChip لزراعة وقراءة الشريحة، وتبعتها شريحة موندكس (Modex) بإنتاج نوع آخر متطور حجماً وتقنية، وتعتزم شركة موندكس تغطية سكان العالم كلة فى 6 سنوات، حيث أنها قامت بإنتاج المليار شريحة الأولى، وتعتزم انتاج مليار شريحة كل سنة لتغطى سكان الكرة الأرضية فى ست سنوات .

 

ماهو تخوفك من هذه التكنولوجيا الجديدة؟

- بالنظر فى تقنية عمل نظام الشريحة لتبادل المعلومات نجد أن الأنسان اصبح فى ذلك الوقت جزء من منظومة معلوماتية لا تعرف للخصوصية اسما والا معنى، فلكى تعمل المنظومة لابد وان يُسجل الإنسان كوحدة ذات رقم تسلسلى، مثل رقم ال IP تماما، والذى يتم التعامل به فى اجهزة الحاسب الألى، غير أن لكل إنسان تردد كهربى حيوى مستقل عن غيره فى المخ (unique bioelectrical resonance frequency) كما تماماً البصمة، ويتم تسجيل جميع ارقام كل من قاموا بزراعة الشريحة فى مركز يسمى (national system of tracking people ) المركز العالمى لتتبع البشرية، ووظيفته أنه المركز المسئول عن تخزين بيانات جميع الأشخاص الذين قاموا بزراعة الشريحة داخل أجسادهم، وتتبع خط سيرهم، هذا بالإضافة إلى تحديد أماكنهم فى أى لحظة.

 

هل هناك مخاوف أبعد من التتبع والمواقبة؟

- التتبع هو اولى وابسط المخاوف، ولكن اذا علمنا انه يعمل فى المنظومة السابقة وججزء لا يتجزء منها ما يسمى بالأقمار الصناعية التجسسية، فان هذا يدعوا الى القلق حيث ان الاقمار الصناعية التجسسية تستطيع من ضمن مهامها أن تصور داخل المبانى وتلتقط الاصوات، وتستطيع قراءة أفكار الأشخاص المزروع لهم الشريحة، بل والسيطرة عليهم كهرومغناطيسيا .. هذا غير أن هناك قدرة مرعبة أخرى للأقمار الصناعية وهى التلاعب بعقل الشخص بواسطة "رسالة" صوتية خفية، وهو صوت ضعيف جداً لا يمكن أن تسمعه الأذن بشكل واعٍ ولكن يستقبله العقل اللاواعى، لجعل الشخص يقوم بعمل ما تريد منه فعله.

 

هل يمكن أن تزرع الشريحة لاحد بدون علمه؟

- اذا عرفنا ما مدى حجم الاجيال الجديدة المصنعة من شريحة الميكرو تشيب والتى استخدمت فيها تقنة النانوتكنولوجى وتقنة الميكروتشيب، فانه من السهولة بمكان زراعتها بدون علم الانسان، إن الاجيال الجديدة من الشريحة يصل قطرها خمسة ميكرومليميتر (مع العلم أن قطر شعرة من الرأس هو خمسين ميكرومليميتر) (المليميتر = 1000ميكرو ميتر)، والصورة رقم (4) تظهر لنا حجم الشريحة الجديدة مقارنه بشرعة رأس انسان.

 

وما هو الحل فى الخروج من هذه التبعات التى تدخل البشرية فى نفق مظلم لا نعلم نهايته؟

لقد تبين بواسطة فحص نوع خاص من الرنين المغناطيس للدماغ البشرية مناطق بعينها ترتبط ارتباطاً وثيقاً مع اتخاذ القرار، وأيضا مناطق ترتبط بالتحكم فى السلوك وتلك المناطق موجودة فى الفص الجبهى (FRONTAL LOBE) كما هو موضح بالشكل رقم 3

إن تلك المنطقة من الرأس هى المنطقة المسئولة عن اتخاذ القرار ـ مثل قرار الإيمان أو الكفر، لذلك أصبح من البديهى ما إذا أردنا السيطرة على قرار شخص أن نجد وسيلة ما بشأنها أن تتحكم فى هذا الجزء من الدماغ، ولما كانت البايوتشيب تُزرع فى هذا الجزء، ولما كانت كلمة (bio) تعنى حيوى، فإنها إذن تتوافق مع أنسجة الجسم، فبالتالى سوف تكون المهمة الرئيسية هى ربطها بهذه المراكز حتى يتم التحكم فيها عن طريق الأقمار الصناعية والتوجيه عن بعد، وبذلك يتم إقناع كل البشر الذين تم زراعة تلك الشريحة بجباههم بأى أمر أياً كان، حتى لو كان أن يترك الإنسان إيمانه بربه ويؤمن بكائن آخر.

فقط لا تقبل بأى حال من الاحوال زراعة الشريحة الإلكترونية فى جسدك، لا شئ آخر.

فى نهاية حوارنا الأول حول السيطرة والتحكم فى البشرية عن طريق شريحة البيوتشيب، علمنا أن الشريحة تلك ما هى الا واحدة من أدوات السيطرة والتحكم فى البشرية، وأن هناك وسائل اخرى سوف نتناولها فى اللقاءات القادمة إن شاء الله تعالى.  

 

حاورته وفاء شهاب الدين

 

مهدي محمد علي: الشعر قنديلاً يضيء دروبي في عالم الصحافة

jasim alayffحوار: خالد السلطان، تقديم: جاسم العايف

في منتصف عام 1978 استوطن الشاعر(مهدي محمد علي)، المنافي، بعد هروبه برفقة الشاعر عبد الكريم كاصد، من فظاظة النظام المنهار وتعسفه وحملته الدموية ضد القوى والشخصيات الوطنية التقدمية. وكانت رحلتهما عبر بادية العراق الجنوبية، قاسية ومحفوفة بمخاطر عدة، ودامت ثمانية أيام، بدلالة بعض المهربين العراقيين، نحو الكويت، ومنها بعد حوالي الشهرين، انتقلا إلى (عدن) بجوازات سفر يمانية. في عدن عمل (مهدي) محرراً في جريدة( الثوري) الناطقة باسم الحزب الاشتراكي اليمني أكثر من خمس سنوات. ثم انتقل من(عدن) وجاب منافيّ كثيرة، منها: دمشق، وبيروت، وليبيا التي عمل فيها مدرساً للغة العربية كونه قد تخرج في كلية التربية / قسم اللغة العربية - جامعة بغداد، وعمل سنوات مدرساً للغة العربية في البصرة وبابل، وعاش فترة في هافانا وكذلك موسكو ووارسو. أصدر (مهدي) خلال تلك الرحلة الطويلة في المنافي المتعددة المجموعات الشعرية التالية: رحيل عام 78/ وزارة الثقافة والإرشاد القومي / دمشق 1983 /، سِر التفاحة/دار بابل/ دمشق 1987/، شمعة في قاع النهر/ وزارة الثقافة السورية 1995/، خطى العين/ اتحاد الكتاب العرب/ دمشق 1995/، سماع منفرد/ دار المدى للثقافة والنشر/ دمشق 1996/، ضوء الجذور/ وزارة الثقافة السورية 2001/، قَطْرُ الشَّذى/ الهيئة العامة السورية للكتاب 2008، وكذلك كتابه:البصرة جنة البستان/دمشق- دار المدى للثقافة والنشر. وسبق لـ(مهدي) أن نشر قصائده في مجلات الأقلام والأديب العراقي والثقافة الجديدة ومجلة الكلمة ومجلة ألف باء وصحف الجمهورية والفكر الجديد وطريق الشعب، وكان مهدي عضواً في إحدى اللجان الثقافية التي أسستها محلية الحزب الشيوعي العراقي في البصرة، بعد صدور جريدة (طريق الشعب)، وساهم في الكتاب الشعري" سلاماً... أيها الحزب" الذي صدر في الذكرى الأربعين لتأسيس " الحزب الشيوعي العراقي" عن دار الفارابي- بيروت عام 1974، وكانت قصيدته بعنوان" مع لوركا.. في الطريق إلى قرطبة". وساهم أيضاً في "الملحق الشعري"الذي أصدرته مجلة "الثقافة الجديدة" بصفته ملحقاً لعددها المرقم (83 ) في تموز عام 1976 ونشرت فيه قصيدته"مواقع". كتب عنه وقصائده الشاعر سعدي يوسف والناقد أنور الغساني والشاعر عبد الكريم كاصد والشاعر صادق الصائغ والشاعر مصطفى عبد الله والقاص والروائي فيصل عبد الحسن حاجم والكاتب جاسم العايف، وبعض الكتاب والنقاد العرب. واختير خبيراً لسلسة كتاب في جريدة الذي تدعمه المنظمة العالمية للثقافة (اليونسكو) باللغة العربية، ويصدر شهرياً مع بعض الصحف العربية والعراقية. نشر(مهدي) مقالات سيسو- ثقافية في صحف عربية، تصدر في بعض العواصم العربية والأوربية، كما عمل، سنوات، محرراً للقسم الثقافي في مجلة (الثقافة الجديدة) التي كانت تصدر خارج العراق. والغريب، والمدهش حقاً، انه لم يدع إلى مهرجانات (المربد) التي أقيمت بعد سقوط النظام، وكأنه لا ينتسب للشعر العراقي أو للبصرة بالذات؟!. رغم محن المنفى وعذاباته لكن (مهدي) بقي يعيش حياته في مدينته "البصرة"، فكتب عنها كتابه (البصرة جنة البستانْ). وقد استغرق العمل فيه ثلاث سنوات، بدأ فيها من عام 1982 حين استشرف المستقبل، ورأى انه ربما قد لا يعود لمدينته، وفعلاً تحقق ذلك، باستثناء زيارة خاطفة للبصرة منتصف شتاء عام 2005.خلال زيارته تلك إلى البصرة، احتفى به عدد كثير من الأصدقاء، وخصه اتحاد أدباء وكتاب البصرة بجلسة خاصة، قدمه فيها الناقد جميل الشبيبي. الزميل الباحث الأستاذ خالد السلطان أجرى معه هذا الحوار، وكانت مسألة (ثقافة الداخل والخارج)، ومسألة (احتلال العراق) من قبل قوات التحالف الدولي بقيادة (الولايات المتحدة الأمريكية)، منتشرة ورائجة ومهيمنة على الوسط الثقافي - الأدبي بين المثقفين في العراق وخارجه حينها. (مهدي) في كل ما كتبه يعي جيدا ً انّه جزء من توجه شعري، همه التحديق ملياً بالواقع وجدله وناسه (القابعين) في أسفل القاع الاجتماعي. ميزة هذا الحوار انه آخر حوار اجري مع( مهدي) وفي (بصرته/جنة بستانه) بالذات. لفترة طويلة فقد هذا الحوار لكني عثرت عليه صدفة في أوراق قديمة ليّ، وأخبرت الزميل (السلطان) بذلك، فالتمسته أن يسمحَ ليّ بنشره، فوافق بشرط أن اكتب له مقدمة. في الذكرى الثالثة لرحيل " مهدي محمد علي" في حلب انشره

 

*في ضوء قراءتنا لقصائد عدد من الشعراء العراقيين ( المغتربين)، لمسنا هيمنة مفردة   (الحنين) بجميع أبعادها الإنسانية والعاطفية، وعليه ما الجدل الممكن انجازه – طبقاً لتصوركم – بين وعي الغربة الشقي والتعالي عليها إبداعياً ..؟

** أنا – شخصياً – أرى ان جوهر الحنين للوطن هو الحنين للطفولة والصبا وما تأسس عليهما، والوطن هو الأشياء والأحياء وما اكتنفهما من حوادث ومسارات .. الوطن هو البيوت وما فيها، والدروب وما فيها .. هو الإنسان والحيوان والماء والشجر، ولكن الإنسان هو العنصر الفعال في كل ذلك، وهو في الوقت ذاته العنصر المنفعل بكل ذلك، وعندي أن ثمّة فرقاً بين مكان الوطن وزمانه من جهة، ومكان المنفى وزمانه من جهة ثانية، وهو أن الأول منجز قد توقف ظاهرياً، والثاني مفتوح يأتي بالمتوقع وغير المتوقع .. ويظل الوطن – رغم توقفه الظاهري – يتناسل في الروح، ويستعاد مرات ومرات، بسبب انفتاح المنفى، وربما – أحياناً – بسبب انغلاقه وغموضه، وفي كلا الحالين يظل الوطن يمور ويتناسل، ولكن الأمر يختلف من مبدع إلى آخر، فما ذكرته آنفاً ليس إلا الوصف التبسيطي المتاح. بالنسبة لي كانت البصرة – الذاكرة، بضوئها وعتمتها كائنة في النصّ حتى وان لم يتضمن ذلك النص النخلة والبلم .. أو شط العرب وجداول البساتين .. حتى وان لم يتضمن لقلق المئذنة أو الغراب الذي يسرق (الصابونة) من أرض (الحوش) ويمضي بها إلى السماء ..!. وبالنسبة لي، مرة ثانية، أقول : كان المنفى ما يرسخ الوطن – البصرة – البيت – الجدار – غرفتي – منضدتي – نافذة الشناشيل .. فكلما أوغلت في الغربة أوغلت في الوطن.

 

* الوضع العراقي الراهن، كما تعلم، وضع إشكالي وممشكل بالعديد من القضايا الشادة باتجاه إحباط المشروع الديمقراطي، وتحويل الاحتلال إلى راع دائم .. الخ . ما دور المثقف العراقي ( المهاجر) في هذه الإشكالية غير التقليدية..؟

** الوضع العراقي له ارث قديم في الالتباس .. لنقل منذ انطلاقة ثورة الرابع عشر من تموز 1958، مروراً بانقلاب 1963 البغيض، ثم انقلاب 17 تموز 1968، ذلك الانقلاب الثعلب .. والحرب العراقية الإيرانية، فاحتلال الكويت الذي تذرّعت به أمريكا – وهي صانعته – للإقامة في المنطقة، إلى لحظة الاحتلال الراهنة وما رافقها ويرافقها وسيرافقها من احتدامات ملتبسة والتباسات محتدمة .. العراق محكوم بالمأزق الدائم، ولن يحمل الصليب العراقي غير العراقيين، ولن تخف وطأة هذا الصليب، وبالمقابل فان إصرار الوطنيين الشرفاء لن يخفَّ ولن يبهت، من اجل بلوغ شاطئ عراقي اقل خطراً، ولا أقول أكثر أمنا. هنا لا أرى مهمة المقيم في المهجر تختلف عن مهمة المقيم في الوطن إلا في حدود معينة، ربما تكمن في كونه يمتلك القدرة على ان يكون سفير الوطن في المنفى، أو رغم المنفى، وهو بذلك يشكل عمقاً للوطن في المنفى، وإيضاحاً للمنفى عما يحصل في الوطن .. أقول هذا، ونحن نعلم بأن مئات الآلاف من المنفيين والمهجرين قد عادوا إلى الوطن، وغيرهم في الطريق نحو الوطن، ان هذا – في رأيي – ينتظم المثقف وغير المثقف.

 

* كرستم كتاباً خاصاً بمدينة البصرة، ما صورة ( البصيرة) اليوم في عيني الشاعر مهدي محمد علي ..؟

** يكاد كتابي ( البصرة .. جنة البستان) المكتوب في الأمس البعيد ان يشكل جواباً مسبقاً عن بصرة اليوم، فلقد عكفت على رسم مدينتي بالكلمات منذ بداية عام 1982 لأنني – وبعدما تأكد المنفى – أيقنت بأنني فقدت بصرتي .. بصرة الخمسينات من القرن العشرين الماضي، وأنني لن أرى تلك البصرة أبداً، لذا فإنني لم أفاجأ، بل أصابني حزن عميق ووجع مبرح، إذ رأيتُ مرابع طفولتي وصباي قد أصابها الخراب المتناسل على نحو لا يعقل، فمحلات مثل السيمر وجسر الملح وأبو الحسن، ويحيى زكريا والمجصة .. وسكة حميدي والجاخور .. الخ رأيتها بيوتاً آيلة للسقوط وشناشيلات قد بادت من الشموس والرياح والإمطار والإهمال المقصود، فدروبها عبارة عن مستنقعات وركامات من الطين والطين الأسود، وثمة مبانِ عديدة لم يبق منها سوى شواخص تقول:( بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا..). فأين كل هذا من تسمية البصرة في العهد المقبور بـ ( مدينة المدن) ؟!. ثمة تحولات في المعالم المهمة والشهيرة في المدينة : سوق الهنود ( المغايز) لم يعد هو، بل انقلب إلى حظيرة استهلاكية تضج بالبسطات، فاختفت محلات الخياطين وباعة الأقمشة والصيدليات ومكتبة الجميع وباعة التوابل الهنود ..! وكذلك أصيب سوق الصيادلة بوابل من البسطات والمواد الاستهلاكية، وكثرت فيه محلات الذهب، ولا شئ سوى ذلك .. وثمة محل لبيع الآلات الموسيقية وتصليحها تحول إلى محل لبيع الأحذية ..!!. ومن جهة أخرى أقول : أين هو نخيل شط العرب ..؟!. أين غابة النخيل في قرية ( كوت الحجاج) ..؟! ثم إلى متى سنظل نرى المباني الكبيرة خاوية على عروشها ..؟!. لقد كان سقوط النظام وقيام الاحتلال وفوضاه الدائمة أشبه بالفرحة – الغصة، إذ لم يكد الناس يستنشقون فرحة الخلاص حتى اختنقوا بكابوس الاحتلال والإرهاب ..!. ربما لا يشعر المقيم الدائم كل هذه السنين في البصرة، والمواكب للتحولات اليومية غير المحسوسة في حينها .. ربما لا يشعر بما أراه أنا المنقطع عنها أكثر من ربع قرن، فهل ستبعث تلك الأماكن من جديد ..؟. هل سيفكر أهل الضمير والحس الحضاري، ما ينبغي له من الخصوصية .. هل سيفكرون باستعادة مثل هذه المناطق كما كانت، زاهية بطابوقها ( خصوصية عراقية) وشناشيلاتها ( ميزاتها النادرة) فيصير لنا مكان مثل العالم والناس..؟. ان مدينة ( وارسو) عاصمة بولونيا أزيلت من أساساتها في الحرب العالمية الثانية، فاستعيدت المدينة القديمة كما كانت بعمل استغرق ستة عشر عاماً.. وحولها امتدت المباني الحديثة المحيطة بها بطراز حديث ولكنه مقارب لنمط القديم .. أما الأبنية الأحدث فهي في المحيط الأبعد .. انني لا أطمح الآن إلى مثل هذا، فهو طموح بمستوى الحلم شبه المستحيل، ولكن التفكير به أصح وأصلح لنا من الانشغال عنه بحضارة (الماكدونالد) الأمريكية المتوقعة، والتي قد تتزين بلباس مختلف، فتذهب ريحنا ..!.

 

*ما الآليات التي تعتقد بضرورة إيجادها لتعشيق العلاقة العضوية بين المثقف العراقي في الداخل، والمثقف العراقي في المهاجر ..؟.

** ان عبارة ( انتخب العراق) هي خير شعار يمكن ان يرفع الآن نبراساً للجميع : انه يمكن ان يكون صالحاً إذا كنا متفقين على عراق يوحدنا ويلامس روح العدالة فينا، ولكن إذا كان كل فريق يرسم عراقاً مختلفاً، فان تلك ستكون داهية الدواهي . أما على صعيد المثقفين في داخل الوطن وفي المهاجر فان مهمة المثقفين مهمة خطيرة انطلاقاً من كونهم – وكما ينبغي – ضمير الوطن وروحه المبدع، فكلتا الفئتين عانتا مرارة الطغيان بكل أصنافه .. صحيح ان عناء المنفى مختلف عن العناء داخل الوطن، غير ان الوطن هو هاجس الفئتين، وعليه فان وضع جرح الوطن ضماداً على جرح المنفى، ووضع جرح المنفى ضماداً على جرح الوطن لابد ان يتولد عنه صورة للوطن المنشود .

 

* كيف وفق الأستاذ مهدي محمد علي بين اشتغالاته الإبداعية والعمل الصحفي، ولحساب من تمت تلك ( التسوية) ان جاز التعبير ..؟.

** فيما يخص سيرتي أو مسيرتي في مجال الإبداع والى جوارها نشاطاتي الصحفية .. أقول ان هاجسي الأول هو الشعر، وكل ممارسة غيره هي على ضفاف الشعر، إذ أنني لن أنغمس في الصحافة إلا بمنطلقات شعرية، فليس هناك مسافة كبيرة أو محسوسة بين النشاطين، فأنا لم اخشَ يوماَ على شعري من الممارسة الصحفية، بل إنها كانت رافداً للشعر، في حين كان الشعر قنديلاً يضيء دروبي في عالم الصحافة، فلم يكن طرفاً على حساب طرف بأي شكل من الأشكال.

 

         

حوار مع الأديبة والكاتبة سعيدة تاقي الحائزة على جائزتي الطيب صالح والمثقف

saida taqiسعيدة تاقي إحدى كاتبات الجيل الجديد في المغرب، عالجت الأدب على اختلاف أنواعه، ونشرت عدداً من الكتابات الشعرية والنقدية، فهي قاصة وروائية ملتزمة بالقيم الإنسانية الرفيعة، وباحثة وكاتبة بارعة للمقال، وهي ناقدة أدبية ملتزمة ورصينة، تكتب مسوقة بطبعها الجريء المخلص الذي لا يخشى مسؤولية إبداء الرأي ولا يماري فيها. وحين نقرأ كتاباتها نحسّ بحلاوة الألفاظ ورشاقتها، لأنها تنتقيها بذوق الأديب البارع، وتختارها اختيار الفنان الأصيل المبدع، لها رواية بعنوان إيلافــ «هم» ـ رحلة قاب القوسين أو أعلى صدرت في عام 2014 عن دار النايا في العاصمة السورية دمشق، كما صدر لها مؤخراً كتاب نقدي بعنوان "تحوّلات الرواية بين بنى التحديث وأنساق التراث" وهو في الأصل الدراسة التي فازت في دورة 2013 من جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي، حيث فازت الكاتبة في حينه بالجائزة الثالثة عن فرع الدراسات النقدية المُنجَـزة حول محور التراث، وتعكف الآن على إتمام مخطوط شعري بعنوان "للربيع فصول أخرى ".

وتقديراً لجهودها الإبداعية فقد تم تكريمها هذا العام من طرف مؤسسة المثقف سيدني ـ أستراليا بمنحها درع المثقف للثقافة والأدب والفن، باسم منجزها الإبداعي تمثيلاً للمرأة المبدعة بالمغرب.

حول تجربتها الإبداعية التقيناها وكان معها هذا الحوار:

 

نافذة التأمل

ـ كثيراً ما ترتبط بدايات المبدعين بمحفز ما، أو موقف ما، أو ذكرى ما، كيف كانت بدايتك مع الأدب؟ وماذا تعني الكتابة لك؟ وما هو دور الأدب في رأيك؟

- البدايات لا أستطيعُ تحديد معالِمها. البدايات في أصلها زئبقـيّة، يصعبُ عليّ الارتهان إلى لحظة واحدة لأقول تلك كانت البداية.. ولا أعتقد أنه يمكن أن يكون للقلم مَسْقطَ رأس واضح التاريخ، تسجّله الذاكرة في رسم الولادة. فالكتابة لحظة لاحقة للامتلاء. أو لنقُل إن الكتابةَ امتلاء لا يداري حُمولَه. فـقَـبْل أن تعلِن الكتابةُ عن وجودِها الصريح تكون القراءة قد كتبَتْ ذواتِنا بشكل آخر، عبر ما اقـتَـتْـنا على التهامه من مؤلفات وأعمال ونصوص...ألا يكون فعلُ القراءة ولادةً قبل الأوان لكينونة «الكتابة»؟ أظن أنّ عبارة «كنت أكتب منذ نعومة أظافري»، سردٌ لا يجانبُ الصّواب، لكن بتــصريفٍ آخر يمــضي نحو الاقــتيات على القــراءة لتقوية الذائـقة وروح الإبداع. إن الانفتاح على الأدب والانشغال بالمقروء الأدبي في سن الطفولة، لا يمكنه إلا أن يحصِّن الإنسان من ضياع المعنى، أو تضيــيعه في مراحل النمو اللاحقة.. إن الأدب نافــذةُ التــأمل الأولى. وهي لا تكتـفي بتــمرين المخــيلة وتوسيع آفــاق تلقِّي العالَم، بل تصقُل ملكـة التفــكير باستمرار، وتغـذي حاجة الـروح إلى منابع الجمال والسمو، وتخلُق للانفعالات فسحة للتطور برقي واتزان.

 

ـ ما هو الهاجس الذي يحرك قلم سعيدة تاقي/ لماذا تكتب وماذا تنتظر؟ وما هي القضية الرئيسة عندك؟

- أحبُّ أن أرى الأمر من زاوية مغايرة. هاجس الكتابة هو الفكرة، أو هو المعنى، يبحثان لنفسيهما عن نص يقولُهما. قد يكون ذلك السبب الذي جعل الشذرة لا تكفّ عن ترصّد أوراقي.. الكتابة، خارج المُحترفات أو مختبرات العــزلة الاختيارية، لا تخضع لكبــسة زر. أداة القــلم وهي تكتُب، ومفاتيحُ الحاسوب وهي ترقُن بالحروف ما نرغب في التعبير عنه، لا تستجيب لفعل الإرادة فحسب، بل تتماهى مع ذلك المعنى الذي يحلِّق في سماء أفكارنا بحثا عن مادة/ نص تشكِّلُ «طِـينَه».. قد نرغب أحياناً في الكتابة وتعجز حروفُنا عن ملاحقة أحلامِنا.. وقد تأتيـنا الأحرف ذاتها، طيّعةً دون مجهود المخاض ودون سابق موعِد أو انتظار.. أما القضية فهي المعنى. القضية هي الإنسان، هي معنى أن نكون على قيدِ الوُجود.

 

الكتابة حياة

ـ لمن تكتبين؟ وما هي غاية الكتابة؟ ما علاقتها بالحياة؟ وهل تعانين من مأزق الورقة البيضاء، وكيف تبدو لك لحظة الكتابة، وماذا تقولين عنها؟

- أكتب للإنسان. أكتبُ بضمير مفرد يريد أن يكونَ جمعاً، لذلك لا غاية للكتابة غير الحياة في تجلِّياتها السامية. فـالحياة أكبر انتظار دوَّنا أسماءنا في سجلّاته، نعيشُه أو نحياه أو نخلُد بعدَه... تورِّطُنا الحياةُ بدورها، حتى بعيداً عن الكتابة والإبداع، في كل تجربة إنسانية أمام مأزق الورقة البيضاء. قبل مذبحة الشجاعية بيومين كتبت نص «أيها الرُّفاتُ اجْـمَع بعضَك، فكلُّك يحتضِر»، بعد المذبحة لم أتمـكن من مــراوغة الاحـتباس، وما زالت الصفحة بيضاء.. ربما الحــياة ورقة «بيـضاء» بألــوان متغــيّرة نتردّد أمامها أو نحجم أو نبادر أو نتسرّع... والكتابة بعض من الحياة، هي حياةٌ تَعِي فــعل الحياة، أو هي الحياةُ تغوصُ بألمٍ وأملٍ في عمق الحياة.

 

* بالمناسبة، كيف حدث وأصبحتِ ناقدة، هل تصنع الجامعة نقاداً ومبدعين..؟! وهل قدسية كتابة النقد هي التي تفرض على كاتبه نوعاً من الهيبة، وهل بوسع أي كاتب أن يصبح ناقداً؟ وما المؤهلات الأخلاقية والفكرية التي تجعل الناقد مبدعاً؟ ثم لماذا يستهويك نقد السرد أكثر من نقد الشعر مع أنك شاعرة..؟؟

- قد تسعف الجامعة في معرفة النظريات وفي اكتشاف مدارس النقد وفي اختبار أدواته، لكن النقد لا ينحصر في امتلاك العدة النقدية أو في التمرُّس على الأدوات. إن القراءة النقدية المتأنية المتبصِّرة، يُفترض أن تمتلك رؤيةً للعالَم إلى جانب معرفة الأدوات، لكي لا يتحولَ النقد إلى تمارين تطبيقية آلية، يتم إسقاطها على النص دون الوعي بفَـرادته أو تميُّزه ودون الوعي بالخلفيات الفكرية والمنظومات المعرفية التي تخفيها تلك الأدوات النقدية. لكن في الجهة المقابلة، يفتقر الكاتب دوماً إلى المعرفة بالأدوات النقدية، كي يتحول إلى ناقد، يتجاوز التأثر الانطباعي إلى إنتاج اللغة النقدية الرزينة.

أنا منشغلة بفعل التسريد ومـتعه. فقد صدر لي بالفعل في نقد السرد مؤلّف نقدي، وروايتي الثانية قيد النشر، بعد أن تم نشر وتوزيع روايتي الأولى «إيلافــ هم». لكن مجال النقد أكثر اتساعا، ولا يشمل السرد والشعر فحسب.. هناك العديد من الظواهر و الإنتاجات والقضايا والمستجدات التي تواجِهنا في الحياة الآنية بإلحاح، نواكبها أحيانا بتأمل نقدي، وأحيانا نتركها إلى أخرى.. ففي زمن العالَم الإلكتروني والقرية الافتراضية التي تمدّ أذرعها لتحاصر بقيمها وتصوراتها العالَم الحقيقي أكثر وأكثر، السردُ في العالَم لا يقتصر على الرواية والقصة و القصة القصيرة، مثلما الشعر لا يعني عمود الشعر أو قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر أو الهايكو.. نشرتُ مقالات نقدية عديدة حول قضايا وظواهر ليست سردية بمفهوم الجنس الأدبي.. وقد يصدر لي في زمن لاحق مؤلف نقدي يقرأ النص خارج الأجناس المعتمَدة، فلنترك الباب موارَباً لاحتمالات أكبر...

 

تحديات أمام النقد

ـ صدر لكم مؤخراً عن دار «النايا» السورية، كتاب نقدي بعنوان «تحوّلات الرواية بين بنى التحديث وأنساق التراث». ماذا عنه؟

- و صدرت عن دار النايا كذلك روايتي: (إيلافــ «هم» ـ رحلة قاب القوسين أو أعلى). كتاب «تحوّلات الرواية بين بنى التحديث وأنساق التراث» هو في الأصل الدراسة التي فازت في دورة 2013 من جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي، بالجائزة الثالثة عن فرع الدراسات النقدية المُنجَـزة حول محور «التراث». قدَّمتُ في الدراسة، رؤية نقدية تحاور مفاهيم المنجَز النقدي الوافد من باب الاستئناس، قصد صياغة مَفْهَـمات دراسةٍ نقدية عربية تفي خصوصية النصوص الروائية المدروسة حقّها في الإنصات لتميُّزها وللتحولات التي تختطُّها في مسار تطورها. فقد اقتضى فَهْمُ معالم التحديث الذي تـبْـنيه الروايةُ بانفتاحها على مـمكـنات إبــداعية متـجـدِّدة ومثـيرة للتلقي والتأويل، اقتراح مقتَــرب نقدي، لا يتوخى الإحاطة بالــهويات الروائية المتميزة للنــصوص فنياً وأدبياً وبارتباطها بالتراث في عمق سعيها إلى التجديد، بل يطمح - كذلك - إلى تأويل ذلك التحُّول الإبداعي فكرياً ووجودياً. وهكذا قامت الدراسة بتحيين منظورها النقدي الذي يشيِّدُ تأويلَه لتحوّل الرواية المغربية بشكل خاص، وفهمَه للفهم الإبداعي الذي تُحاور عبره الروايةُ المغربية رصيدَها التراثي من جهة، وهويتَها التجنيسية من جهة ثانية، وعالَمَها المرجعي من جهة ثالثة.

 

ـ بدهي أن النقد الأدبي من أهم مقتضيات التطور الفكري والأدبي، وأن الاتجاهات الفلسفية والمضامين الفكرية المعاصرة لم تتسع رؤاها الإبداعية وتستشرف آفاقاً أكثر شمولاً ورحابة، إلا بعد أن واكبتها حركة نقدية واعية...لذا فإن وظيفة الناقد تشكل ضرورة لازمة لتقويم مسار الحركة الأدبية وتقدمها، فهو الموجه الواعي والمدرك لحقيقة العمل الأدبي...من وجهة نظركم، ما مهمة الناقد بشكل عام؟

- قد أباغـت القارئ وأفاجــئك أســتاذي العــزيز، بقــولي إن الإبــداع عمـوماً والمنجَز الأدبي حالياً يتجاوزان بكثير درس النقد الأدبي في أوطاننا، ويرغــمانه على اختيار من ثلاثــة اختيارات. فعلى النــقد الأدبــي أن يعيد النــظر في ماهــيته وجــدواه وتاريخه، ليجدد ذاته، بما يلائم اللحظة الإبـداعية الراهنة، وسياقي الإنتاج والتــلقي المحكومين بالاكتساح الــرقمي وبتــلاشي الحــدود بين الأجــناس وبتداخل النصوص وبترابط الخطابات. أو سيـجد النقدُ لاحقاً، أن الفــاصل بين ثباته وتغــيرات الإبداع، قد اتسّع ووضعه في «متحف» مدرَّجات الجامعة وفصولها التطبيقية. الاختيار الثالث هو أن يستوعب ما توصل إليه درسُ النقد العالَمي، الذي أعلن منذ بدايات التسعينات عن موت النظرية، أو ذوبان المعالم الفاصلة بين حدودها المعرفية، في ظـل الانزياح عن المحـدِّدات المنهجــية الضيقة، والانفــتاح على المرجـعيات الثقافية المحـلية والقطرية والعالَمية، وعلى مباحث الدراسات الإنسانية عموماً، التي تُجاوِزُ حدود «الأدب المعتَمَد» إلى مفهوم «النص في العالَم».

 

ـ في المناهج النقدية الحديثة كيف تنظر سعيدة إلى شخصية البطل في النص؟ هل هي اللغة، أم الأسلوب، أم البيئة؟

- النص كينونة مكتملة لها هويتها الفريدة، أو هو كلٌّ تتعاضد مكوناته لتشييد هويته، لذلك شخصياً لا أميز الكتلة عن العناصر ولا أميّز المادة عن الكثافة..

 

مدارس نقدية

ـ ما رأيك في المدارس النقدية الجديدة مثل البنيوية التي غزت ميادين الدراسات الأدبية منذ أواخر الستينيات، وما يسمى بالتفكيكية، وغيرها من الاتجاهات المعاصرة، وكيف يكون موقفنا منها؟

- كل مدرسة نقدية كانت إجابة آنـية عن اشـتراطات لحظة فكرية استدعتْها في زمان بروزها ومكانه. لذلك للمدارس النقدية التي أنتجها «الآخر»، إلى جانب منظوماتها المعرفية المتحكّمة في تشكيل أولــويات أدواتها النــقدية، خلــفياتٌ تاريــخية ومحدّدات اجتــماعية وتصورات فكرية. فالبنيــوية نصَّبَتِ للنص من داخل اللغة بنى ودلالاتٍ، في استجابة للإشــكال الفكري الذي أثارته المــاركسية. فألغت بنــيوية براغ والبنيوية الفرنسية وصاية المؤلف، وجــعلت بلوغ المــعنى مشروطاً بفك سنن النص. ونظريات جماليات التلقي في نسخها الألمانية، التي ظهرت في سياق الحراك الطلابي وإعادة بناء التعليم العالي في ألمانيا الغربية في منتصف الستينات، انتفضت على المناهج التقليدية المحافظة التي تركز على عملية إنتاج النصوص، ورأت في المعنى احتمالا كامناً في النص، يفتقد إلى تفاعل وعي القارئ كي يمنحه وجودَه. وما بعد البنيوية بما فيها تفكيــكية جــاك دريدا وغيره، ومباحث ميشيل فــوكو وجاك لاكــان ولوي ألتوسير وجيــل دولـوز وجوليا كريستيفا وجان فرانسوا ليوتار وغيرهم، هي بنيوية نقدية وقفت عند قصور البنيوية في قراءة النص الأدبي، وعند تحدي التصور المثالي لكل المركزيات بما فيها مركزية الذات أو اللغة أو العلامة...

لكن فعل اقتباسنا «نحن» لتلك المناهج النقدية أو الترجمة عنها أو محاولات تبيئـتها، لم تتم وفق الاشتراطات التاريخية والاجتماعية والمعرفية والفكرية التي ولَّدت تلك المناهج، وإنما لحاجة النقل والتفاعل مع ما توصّل إليه «الآخر». لذلك فُصلت المدارس عن السياقات التي أنتجتها، وأفرغت المفاهيم والمصطلحات من حمولاتها. وغدت المناهج أدوات تطبيق إجرائي، يشوبه التردد والارتياب والخلط.

والأمر إشكالي يستدعي إعادة النظر فيما تريـده هذه الـ «نحن» فعلاً، قبل التفكير فيما يحتاجه «نـقــدنا». الانتماء إلى العــالم بكل قيمه ومكــتسباته وإنجازاته الإنــسانية الكونية، ومحاولة الاجتهاد من داخل هذه الكونية، بمقترحاتنا وإضافاتنا التي من شأنها أن تغْـني كونية «الناس كافة» بخصوصياتنا، كي تواصل هويتنا البقاءَ والحياة والإبداع. أو الانغلاق على تلك الـ «نحن» لتضميد جراحها وتقويم انكساراتها وتحصين الذات ضد المؤامرات الخارجية، بالوقوف على أطلال إنجازات للماضي ضيّعناها، وما أفلحنا حتى في الحفاظ على متاحفها وسجلات أمجادها المشيّدة في الآثار التاريخية بالطوب والحجر في مدن، كانت عواصم للحضارة والعلم والتاريخ.

 

المرأة والأدب

ـ كيف ترين علاقة المرأة بالأدب؟ وهل توافقين على تعبير الأدب النسوي والأدب الذكوري؟

-الأدب، مثل الفكر والفلسفة والعلم والفن وغير ذلك، لا أعضاء جنسية له، لكي نحدِّده عند الولادة بالمولودة الأنثى أو المولود الذكر.. التمييز بين الأنوثة والذكورة في الكتابة والإبداع صنيعة اجتماعية، لا علاقة لها بالكتابة أو بالإبداع، وإنما ترتبط بتوزيع الأدوار التي احتكمت إليها المجتمعاتُ في مسار تطورها، وتحقَّـق حولها الاتفاق وأصبحت نتيجة للتقادم عرفاً، بل قانوناً في بعض الأحيان لا سبيل لخرقه. تلك الصنيعة الاجتماعية المميِّزة بين إنجازات المرأة وإنجازات الرجل، تمَّ نقلها إلى الأدب من المجتمع الذي ما زال يريد أن يرى الأصل ذكراً، ويرى الأنثى استثناءً يشدّ عن القاعدة، واستثناء يستحق الوصاية، وعليه (ذلك الاستثناء) إن لم يقتنع بالنظرة الدونية التي تحملها تصورات «العيالات، حاشاك» و «الحُرمة، أعزَّك الله» و«الحريم» و«الأنثى العَـوْرة» و«الجسد المُشتهى/ المُـدنَّس»، أن يناضل حتى الموت من أجل «المساواة مع حقوق الرجل» وكأنه طفرة جينية لا تستحق أن ينظر إليها بوصفها إنساناً.. ولذلك يستكثر المجتمع عليها، أن تعبّر عن منظورها للعالَم، داخل العالَم الذي صنعه الله خالق الكون ومبدعه، ولم يصنعه الذكر.

المرأة والرجل شريكان في فعل الحياة، من منطلقات بيولوجية مرتبطة بالتكامل الفيزيولوجي في التزاوج والإنجاب. هكذا تعلِن الطبيعة عن الاحتياج المتبادَل بين الطرفيـن من أجـل تخـصيـب الحــياة وإرسـال البـذرة الملـقَّــحة نحـو مرحلة أخـرى من الإنتاج والعطاء. ويصرُّ المُكــتسَـب والمُــصطنَع من الفـعـل الاجتماعي على التفرقة والتمييز بمنظور تراتُبي استعلائي.

حين نتوقف عن النظر إلى التاريخ الذي دوّنَه المؤرّخ/ الرجل من زاوية انفراده بالعالَم، ونبتعد قليلا عن سقف سلطة الأعراف والطقوس والتقاليد المتوارثة منذ أجــيال، والتي تحظى بهالات التقــديــس وتتحــكَّم في بناء التــصورات حول الــذات والإنسان والحياة والمجتمع.. سيكون بإمكاننا أن نصاب بالــذّهول أمام حقيقة بسيطة وبديهية: الرجل ليس وحيداً في العالم.. والإنسان امرأة و رجل.. والمرأة بدورها ترى العالم.. والمرأة بدورها لها كامل الحق في أن تكتب رؤيتها تلك للعالم، دون مصادرة أو تضييق أو أحكام مسبقة.

إن كان كل ما أنتجه الرجل لا يوصف بالذكوري، فلماذا يوصف ما تنجزه المرأة بالنسوي.. اللغة ليست بريئة فتوصيف الأدب يجب أن يكون أدباً وحسب، وهو إنجازٌ إنساني كوني، يعبّر عن رؤية للعالم أنتجه الإنسان امرأة أو رجلاً.

 

جمود أكاديمي

ـ يأخذ بعض الباحثين على النقد العلمي (الأكاديمي) تَجَمُّده في إطار البحث والتنسيق والتحقيق، دونما حسبان لشخصية الناقد الانطباعية التذوقية، التي تعد -أحيانا- مقياساً أدبياً. ما تعليقكم على ذلك؟

- سبب الجمود، فيما أعتقد، هو الانشغال بالتطبــيق التقني الآلي لـ»الأدوات النقدية».. وتلك الأدوات تتــحول في الغــالب، أثــناء تلك التطــبــيقات، من مــفاهــيــم وتصورات كبرى تحتمل ما تحتمل، إلى خطوات لا يساعد تتبّعها على فهم «الفهم الإبداعي» الذي يقترحه النص المقروء. النقد حين لا يحرص على النفاذ إلى روح النص، ولا ينشغل ببصمة النص الإبداعية الفريدة، التي لا تتكرّر، لا يمكنه أن يقدم غير ناقد متمكِّن، يطبِّق ما يعرفه باحتراف أكاديمي، لكنه لا يمتلك رؤية.

 

ـ يتردد بين حين وآخر أن هناك أزمة ثقافة، ويذهب آخرون إلى تسميتها أزمة مثقفين، ما رؤيتكم الخاصة لهذه القضية؟

- الأزمة أزمة قيم قبل أن تكون أزمة ثقافة أو أزمة مثقفين. والقيم تخص المجتمع بكل أفراده ومكوناته وأطيافه وشرائحه ومؤسساته. المثقــف رغم عطاءاته ونضاله من أجل قيم الحياة السامية، كان دوره دوماً محصوراً في حلقات ضيقة من الأتباع والمريدين. فقد كان في كل محطات التاريخ مبعث ارتياب أو مراقبة أو تضييق أو اضطهاد.. تحاربه السلطة الحاكمة، لما يحمله من بذور للتغيير لا تخدم بالتأكيد مصالح سيادتها واستمرارها واستبدادها. أو تستميله إلى ركابها بالترغيب أو بالترهيب، لتأمنَ ولاءه وليأمن شططها. وترتاب منه الـعامة، من تلقاء واقعها أو بإيعاز من السلطة الحاكمة، لمخالفته لأعرافها ولعادات تفكيرها.. المثقف رغم صموده وعطائه، لم يكن موضع إجماع.

اليوم، في ظل ما تتيحه وسائل التواصل والاتصال الرقمية ووسائط النشر الإلكتــرونية، غـدا القــرب والتــواصل مفتوحاً، لا تعيــقه الرقــابة أو ضوابط المــنع، وغدت مساحات التأثــير والتنوير والتغيير أخصب...لكن في المــقابل، أشكال الجهل و الــعماء، وأساليب «التجهيل» و»التعمية»، بدورها تطورت وتناسلت، بشكل مخيف. وأصبح من الصعب للجــهود الفردية مهما تفانت في العطاء، أن تمارس دور التغيير المطلوب، في أعمق أعماق المجتمعات. لذلك أزمة القيم تستشري أكثر فأكثر.. ولذلك أصبحت «ثقافة الموت» مسيطرةً بأوهام البطولات القاتلة.

 

رؤية نقدية

ـ النقد الحديث. ماذا يريد من النص؟ إبداعه أم مبدعه؟

- ما المقصود بالنقد الحديث؟ حديثنا «نحن»؟ أم حديث «الآخر»؟ وهل هذا «النقد الحديث» الذي لا يمكن الاتفاق حول المقصود منه، تصور واحد أم تصورات؟ وإن توافقنا على أن هذا النقــد يــقرأ النص الإبــداعي المجدِّد، هل ذات الناقد واحدة محدَّدة؟ وهل لا تعنينا هذه الذات في شيء والسؤال حول مقاصد فعل النقد؟

في عمق الأسئلة احتمالات أخرى لا حدود لإمكاناتها.

 

*كيف تواجه سعيدة تاقي نصًا نقديًا؟

- أبحث في النص النقدي عن رؤية نقدية مستقلة يشيّدها الناقد، أرى عبر منظارها النص الإبداعي، وألتمس في ضوئها بصمته الإبداعية.

 

*ما علاقة النص الإبداعي بمرجعه الواقعي؟

- النص الإبداعي لا يكتب عن الواقع الموجود قبل فعل الكتابة. النص الإبداعي يكتب واقعه أثناء الكتابة، فالنص يشيِّد عالماً، لم يكن له وجود قبل لحظة الكتابة. وقد يكون هذا العالم التخييلي، أكثر واقعية وتشخيصاً لمرجعيات الحياة، من ذلك الواقع الحقيقي العياني.

 

سجينة الفصل الواحد

ـ ماذا يعني لك المكان؟

- المكان بالنسبة إلي مدينة، أو هو مدن عديدة.. مثل تلك المــدن الكثيرة التي اخترقتني واخترقت الفــضاء السردي لــروايتي «إيلافــ هم». فجعــلتني معبرها للتــحرّر من الذاكرة، والعيش في أنساق حياتية جديدة.. المكان عندي ليس ذلك الحميمي الذي تحدث عنه غاستون باشلار، منزل الطفولة والمنازل الكثيرة التي سكنّاها أو سكنتْنا والغرف والعلِّـيات والأسطح والأدراج... المكان مدينة مفتوحة آهلة بالسكان والحياة، تخصِّب الأمـل في كل يوم جــديد، وتضعه في الليل على وسادة الأحلام.. فضاء القرية ارتبط في ذاكرتي بالعطلة والأنس إلى الهدوء والطبــيعة والعــائلة.. صوت الجــدة يغنّي، وأشـجار التين والكمثـرى والبـرقوق والعنب والليمون، تمنح شذاها لكل العابرين، بعيداً عن التزامات المدينة وضجيجها.. الغريب، وسؤالك يحفِّز تأملاتي أنني، حين رغبت في أن تكون القرية فضاء لرواية شرعت في كتابتها، أجهضت الأيام بذرتها وظلت سجينة الفصل الواحد.

 

ـ كيف تقيّمين خطورة النقد الذي تحركه انتماءات دينية أو سياسية أو أيديولوجية؟

- النقد الإديولوجي كان محطة تاريخية سابقة من محطات النقد الأدبي، وتم تجاوزه لاستنفاده غاياته المرحلية. لكن أن نجمع بين النقد الأدبي والدين أو السياسة، فذلك ما لا يجتمع ولا يستقيم، إلا إذا أسندت الأمور إلى غير أهلها.. أما إن كان المقصود هو نقد تحركه انتماءات دينية يعالج بالنقد ظواهر دينية أو قضايا دينية، والأمر نفسه فيما يخص النقد الذي تحركه الانتماءات السياسية، فذلك أمر وارد، ويهم أصحاب الشأن.

 

ـ ماذا يمثل لك العنوان الروائي؟ هل هو عتبة موجهة لعملية القراءة؟ وهل يمكن للرواية أن تعيش بعيداً عن السياسة والأيديولوجيا؟

- العنوان استهلال يغوي بالقراءة ويوجهها، وأحيانا يكون السبب في ترويج الرواية أو في صدور المنع من تداولها، مثلما وقع لرواية «مصحف أحمر» للروائي اليمني محمد الغربي عمران. وإن كان المنع إشهاراً مضاعفاً ومجانياً، يتيح للعمل الانتشار أكثر. لكن العنوان لا يختصر الرواية ولا يطابقها، ولذلك قد يكون أصعب خطوة وأعسر لحظة في الكتابة الروائية بأكملها. الرواية لا تعيش بعيداً عن السياسة أو الإيديولوجيا، بل قريباً منهما. الرواية تحيا عبر كل الخطابات، أو في كل الخطابات، وتلك قوة التسريد الروائي. إنه يمنح الرواية دون التورط في المباشرة، القــدرة على الحــلول في كل الأجناس والأنماط والصـيغ والحكايات والعوالم والخطابات...إنها لا تعرف الحدود ولا تعترف بالفواصل.. تكتسح كل شيء بإبداع، وتعيد لحسابها الخاص، تجديد ذاتها وتشييد عالَمِها.

 

الحرية والمثقف

ـ كيف تراقبين الوضع العربي الراهن؟ وما هو دور المثقف العربيّ في التغيرات الجذريّة الحاليّة؟ وما هي حدود العلاقة بين الإبداع والحرية من وجهة نظرك؟ وكيف تقرأ سعيدة تأثير الربيع العربي على المشهد الإبداعي في السنوات القادمة؟

- حين أتأمل الوضع تتملكني مثل الجميع خيبة الأمل ومرارة الإحباط.. فسيول الدم المراق لا تترك لتُربتنا سوى أن ترتوي بالأحقاد والضغائن.. ويصعب التفكير في غد يمكنه إصلاح كل ما اقترفه البؤس والظلم والبطش.. فالإنسان يناضل من أجل الحياة بكرامة.. إن خسر الحياة فلا مجد له سوى كرامته. وإن خسر الكرامة لا حياة له ولا أمجاد. لكن حين أفكر في الإرادة أدرك أن الأمل يكمن هناك قريـباً من يأسنا، فجدران الصمت والخوف والخضوع قد تم خرقها، وقوة الحق بذرة تكمن في أعماق المستضعَـفين...

المثقف إنسان يحيا ويفكّر ويشقى، ليبدع معنى الحياة. قد يمتلك من القوة ما يجعله ثابتا على الإيــمان بكل ما يؤمن به، مقـاوماً لتــيارات الاســتبـداد والإسـفاف والفساد والتجهيل، مدافعاً بفكره عن حق الإنسان في الحياة بسمو وحرية. وقد تخذله القوة لتنتكس إرادته، أو قد تستدرجه التيارات السائدة المتربصة، بدل أن يناضل ضدها. نرى ذلك في كثير من أحداث ساحتنا العربية الثقافية والسياسية. لكن الابتــلاءات الكبيرة هي التي تصنع مــساحات التــأمــل، وتشحــذ طــاقات التفــكير، وتخصب روح الإبداع. وتظل الحرية الزاد الذي لا يمكن للحياة أو للإبداع المواصلة بمعزل عنه. لـنَـأْمل أن يكون الغد أكثر إبداعاً من أحلامنا.

 

ـ الآن بعد كل هذا الذي تحقق، أين أنتِ؟ وما الذي تريدينه من الكتابة؟ وبماذا تحلمين؟ وماذا عن تصورك للمستقبل؟

- للمزاح «ما زلت طفلة تصبو».. تلك عبارة مقتطفة من إهداء روايتي الثانية، التي ما زالت حبيسة مراجعاتي، في ظل وعد بناشر مصري..

أين أنا؟ أنا أحيا، (بصوتي وليس بصوت ليلى بعلبكي). لي أعمال منجزة وغير منشورة ورقياً، وأخشى أن أتجاوزها إبداعياً، فلا أترك لها فرصة الوجود بين دفتي كتاب.. أنا بين الحياة والرواية والشذرة والكتابة.. في رحم الكتابة أولد من جديد، مرّات.. مرات.. وفي حاضنتها الفسيحة أرسم للحياة عناوين أخرى غير الوجع والجهل والظلم والدم.. أحلم بيوم نغتسل فيه بالأمل والعمل من كل آلام وأوهام البطولات القاتلة.. أحلم بيوم نحيا فيه جميعا بقوة العـلم والحـب والعدل والجمال.

           لنأمل خيراً..

 

أجرى الحوار: نضال القاسم

حوار وموقف مع المفكر والأديب المصري القبطي سامح سليمان

samihsolaymanالمفكر سامح سليمان من مواليد عام 1980م، درس علم اللاهوت المقارن الأرثاذوكسي، ثم التحق بالكلية الأكليريكية، ثم انقلب بشكل مضاد وبدأ يميل للدراسات الفلسفية الوجودية معبراً عن احتجاجه وتمرده على الفترة الدينية التي أمضاها منذ صباه ومحدثاً صدمة بين أوساطه وأصدقائه من خلال تعصبه وتشبثه بما مال وانحاز إليه على عكس ما كان بادئ ذي بدء وبتاريخ 23-11-2014م، كان لنا معه هذا الحوار:

 

- الأستاذ سامح سليمان، في البداية يسرني أن أرحب بك في هذا الحوار الذي أجريه معك وأبدأ معك بهذا السؤال، إذا صحَّ تعبيرك عزيزي سامح بأن قراءتك للوجودية المسيحية كان محض صدفة كما قلت، أم إنها كانت بدافع فضول واستكشاف ومحاولة للخروج من دائرة مغلقة؟؟

وماذا تعنيه بالفكر الوجودي المسيحي، وهل تعتقد بوجود فكر مسيحي وجودي، كون المسيحية دين؟؟

- تحياتى إليك وإلى جميع أعضاء هذا الكروب الرائع (الحب وجود والوجود معرفة)، البداية القريبة لمعرفتي بالفكر الوجودي المسيحي

ولا أقول الفلسفه الوجودية المسيحية لأن الوجودية عموماً بشقيها المسيحي والألحاد هو تيار فكري أكثر منها فلسفه نسقية، كما أنني أتفق بنسبة كبيرة مع من يرفض صواب كلمة فلسفة الدين أو فلسفة مسيحية أو اسلامية او يهودية وأؤيد إطلاق كلمة فكر بدلاً من كلمة فلسفة حتى وإن كانت المسيحية ذاتها قد تأثرت تأثراً كبيراً بالفلسفة اليونانية) وأنا فى سن السابعة والعشرين وأثناء مرحلة شك كبير فى كل ما آمنت به من يقينيات دينية وطائفية وقيم فكرية نشأت عليها وقرأت عشرات الكتب التى تؤيدها وأيضاً قرأت بعض الكتب التى ترفضها، بخلاف أزمة نفسية أصابتني بسبب تركي للكلية الأكليريكية التى لطالما حلمت بالالتحاق بها لأصبح رجل دين واستطعت الالتحاق بها بتوصية من قيادة كبيرة فى الكنيسة وكذلك أزمة نفسية

لا زمتني منذ الصغر بسبب الأسلوب الخاطئ والسيئ فى التنشئه وكذلك التكوين النفسي والقيمي الخاطئ نتيجة الحياة فى مجتمع مريض وتعليم ضار ومدمِّر للقدرات العقلية وإعلام ساهم بنصيب كبير فى تشويه القاعدة الفكرية لي ولغيري من أبناء جيلي، حتى لا أطيل عليك أرشدني أحد أصدقائي الى كنيسة تعتمد أسلوب فى الارشاد النفسي والروحي يسمى المشوره المسيحية ومن حسن حظي انها كانت تعتمد منهج مدرسة النضج

(المشورة المسيحية تنقسم الى ثلاث مدارس رئيسية وهى مدرسة الحق الكتابي ومدرسة الشفاء الروحي و مدرسة النضج وهى أفضلهم جميعاً) بخلاف أن قادة تلك المدرسه أخذوا بعض أفكارهم من مدرسه في العلاج النفسي تسمى مدرسة علم النفس الوجودى ومن أشهر روادها رولو ماي وكذلك مدرسة العلاج بالمعنى لمؤسسها فيكتور فرانكل، وقد استفدت كثيراً من كتابه الأنسان يبحث عن المعنى ثم قرأت كتاب بحث الأنسان عن نفسه (رولو ماي) ثم كتاب عن حياة وأقوال (كيركجارد) للدكتور (إمام عبد الفتاح)، ثم وقعت يدي بالصدفة على كتاب (مذكراتي فى سجن النساء) للدكتوره (نوال السعداوى) وغمرتنى قوتها وفكرها غير التقليدي وصلابتها وحديثها عن الحياة ومن هنا بدأت بذرة الخروج من القالب الذى ألقتنى إليه الصدفة العمياء

قرأت الأعمال المبكرة للمفكر المصرى (خالد محمد خالد) وأعمال الدكتور (سيد القمني) ثم كتاب (مغامرة العقل الأولى) (لفراس السواح)، ثم أبتسم لى الحظ والقى فى طريقى بعض أعمال العظيم (سلامه موسى) ومن أهمها (حرية الفكر) و(نظرية التطور) و(برنارد شو) وهو الذى أرشدنى لحتمية سعة الأطلاع وتكوين مشروع فكرى متكامل ورؤيه علميه وموضوعيه للحياه، ربما الصدفه تكون عبارة عن محاولة من الطبيعة للتكفير عن ذنوبها المتعددة فى حقي ومساعدتي فى بحثي عن الحقيقة والسلام الداخلي .

 

- هل تحققت لديك رؤية واضحة حول مشروعك الفكري وتنسيق أفكارك وبلورتها في استنباط نظرية معرفية تتبناها، أم لا زالت عبارة عن شذرات وأفكار تقتصر على مناقشة بعض القضايا على نحو مزاجي متعلق بشجون وآلام؟؟

نعم تحققت لدي رؤية واضحة حول مشروعى الفكري وتنسيق أفكاري وبلورتها من حيث الأركان الأساسية ولكن التفصيلات لا بد ان تكون فى تطور دائم وإلا أصبحت متحجراً متجمداً فاقداً للحياة.

وقريباً سوف أكتب سلسلة من المقالات أشرح من خلالها مشروعى الفكري بشكل منهجي وتفصيلي ولكن يمكن أن ألخصه فى عباره واحدة هى : اليقين جهالة، الفطرة هي التساؤل ، أقصى جودة هى الغاية .

 

- لقد قلت أنك تأثرت ببعض المفكرين وتخص فيهم (كيركغارد)، والمفكر المصري (سلامة موسى)، والمفكرة المصرية (نوال السعداوي)، ما الذي أخذته في كل منهم على وجه التحديد والاقتضاب؟؟

- كيركغارد: كان له الفضل فى إدراكى لحتمية اختيار الذات والتمرد على القولبة والخروج عن القطيع .

- سلامه موسى: الرؤيه الصحيحة للمرأة وأهمية العلم، والقرأه الموسوعيه، ودور الأقتصاد فى تشكيل المجتمع

- نوال السعداوى : الرجل لن يتحرر إلا عندما تتحرر المرأة، التمرد والإيجابية والفهم الأعمق للحياة .

 

- إلى ماذا كنت ترتأي في تجريب مسلك المحاضرات وإلقائها، وكيف كنت تجد المتلقي، هل وجدت نفسك مدرباً للتنمية البشرية، أم فيلسوف ومنظر لأفكار معينة؟

تعجبنى جداً مقولة تشارلز بوكوفسكي عندما قال لا تكتب إلا إذا كنت ستنتحر أو تقتل، وهذا من أسباب اتجاهى للكتابة وإلقاء المحاضرات فبخلاف أهميه الكتابة لتفريغ الطاقه الفكرية الناتجة عن القراءة المنهجية الدؤوبة، كذلك التحاور والتجادل فى غاية الأهمية لصهر وإعادة تشكيل ما لدى المفكر من معرفه وهذا ما دفعني لإلقاء محاضرات فى الأدب والفلسفة قائمة على المناقشة وليس التلقين الغبي، وقد أسعدني رد فعل المتلقين لما أقدمه، فإسلوبي يعتمد على البساطة دون الإخلال بالمضمون، وتطبيق ما قاله نيتشه وأكد عليه العظيم كارل ماركس عن أهمية دمج الفلسفة بالحياة، كذلك إلقائى لمحاضرات التنمية البشرية، فبعد دراستى للكثير من برامجها دراسة مستفيضة وكذلك دراسة بعض برامج إدراة الأعمال واكتشافى للدجل والشعوذة المنتشره بكثافة فى هذا الوسط، أسعى لدمج ما بها من فكر إيجابى يساهم فى ارتقاء الإنسان وتحقيق مستوى أفضل من الجودة لحياته مع ما تكوَّن لدي من رؤية للحياة ناتجة عن دراية بعلم النفس والاجتماع والفلسفة، الإنسان كائن مركب شديد التعقيد، ولا يوجد علم ليس له أهميه، بل وأيضاً الأدب (الثمين منه وليس الرث) والفن بأنواعه من سينما وموسيقى ونحت وفن تشكيلى وكيمياء وفيزياء وبيولوجيا، فيجب أن لا ننسى ما أحدثته نظرية دارون المحرم تدريسها فى بلادنا، من أثر فى السياسة والفلسفة والاقتصاد وعلم النفس، بل وحتى الأدب بأقسامه المختلفة .

 

- هل المغالاة في الالحاد مطابقة للمغالاة في الدين برأيك؟

- مع كامل احترامى للمتدينين والملحدين لا أستطيع الأجابة إلا بكلمة نعم .

فالمغالاة عند المتدينين دليل على الشعور بالنقص وعدم الاحساس بالقيمة الذاتية والرغبة فى الانتماء لشئ له قيمته ومكانته وتقديره لدى البيئه المحيطه به، خاصةً اذا ما كان هذا التقدير يصل إلى حد الخبل والهوس، وهذا هو السائد فى مجتمعاتنا نتيجة الفشل الذريع فى كافة المجالات من علم وفكر وحضارة، وايضاً نتيجة أن الأغلبية الساحقة فى مجتمعاتنا الناطقة بالعربية لم يختار أحدهم ديانته، بل انتقلت إليه بالوراثة وليس بعد بحث ودراسة ومقارنة ديانته التى ورثها بحسب الصدفة بباقى الأديان والعقائد والأفكار المختلفه بتجرد وموضوعية،و بدون التأثر بما تم تلقينه إياه من والديه ومن باقى مؤسسات المجتمع المأجورة.

أما المغالاة فى الألحاد فتنشأ فى الغالب نتيجة مراهقة فكرية ورغبه فى إعلان الكراهية للسلطة بالتمرد على أهم رموزها وهو الإله وكذلك رفض المسترزقين من وراء التحدث باسمه من موظفي المؤسسات الدينية، والتمرد على القيود الخانقة للفكر الدينى القمعي الرجعي السائد فى مجتمعاتنا لعدة أسباب ثقافية وسياسية، أو انبهار ساذج بالنموذج الغربى الذى يسبِّح بحمده الكثير من مثقفينا، بخلاف شئ هام متفشي فى مجتمعاتنا الآن وهو إذا رفضت شيء وأقتنعت بخطأه لا بد أن تنتقل الى الإيمان بنقيضه، و لذلك نرى أن التيارات التى لا تعتمد على الصبغة الدينية فى ترويج أفكارها رداً على التيارات المعتمدة على الصبغة الدينية فى كسب الأتباع، تقزِّم المرأة وتنادي ليل نهار أن المرأة لن تتحرر إلا إذا تحررت من ملابسها أولاً، ومارست الجنس كما تشاء !! بعض المثقفين المنبهرين انبهاراً أعمى عن جهل وعدم دراية بالنموذج الغربي يعتقدون أن المرأة عندما تمتلك الملابس تفقد العقل وعندما تفقد الملابس تمتلك العقل !!

هذه هى قضية المرأة فى نظر أغلب مثقفينا، ويا لها من مأساة!! (أغلب مثقفينا الموظفين المعتمدين إعلامياً هم جهلاء وإقصائيين ومهووسين جنسياً)، وبخلاف أن المغالاة أساسها بنسبة كبيرة نفسي، هى دليل على قناعة الطرف المغالي بامتلاك اليقين، ومن اعتقد بامتلاكه لليقين حكم على عقله بالموت بخلاف حكمه على الطرف الأخر بعدم الحق فى الوجود، فكما يُغتال المتدينين بمختلف انتماءاتهم من اختلف عنهم سواء فى الدين أو الطائفة ورفضهم لوجود من اختلف عنهم، كذلك فعل الشيوعيين الملحدين فى روسيا عندما امتلكوا زمام الحكم، اغتالوا كل من انتمى للحكام السابقين وحطموا الكنائس وحرموا كل ما له علاقه بالدين،و تحولت الشيوعية لديهم الى دوجما غير قابلة للنقد، أى تحولت إلى مقدس مخالفين بذلك فلسفة العظيم ماركس من نادى (بأن أساس كل نقد هو نقد المقدس). أنا أختلف بدرجه كبيرة مع من يرى أن الدين شرٌّ فى حد ذاته، نعم الدين كنص مقدس هو ثابت خاصةً لدى من يؤمنون به ( هذا إذا ما تغاضينا عن الآراء التى تنادي بعكس ذلك )، لكن الفكر الديني متنوع متغير فهو منتج بشري يتأثر تكوينه بعقلية وإرادة منتجية، هو أداة ذات حدين نستطيع أن نستخدمها لخير ونهضة مجتمعنا أو لإفساده وتجهيله وإفساده، وهذا الاختيار هو مسؤولية من يديرون المجتمع، ومن يديرون المجتمع هم نتاجه وإفرازه حتى وأن لم يختارهم أبناؤه، الفكر السائد هو إفراز وإرادة واختيار مجتمعي .

بينما الإلحاد يجب أن يكون متاح كاختيار شخصي له احترامه وحرية تأييده،

- بما توحي لك المفردات التالية: الله، الحق، الواجب، الحرية، التطرف، الموت، الوجود

الله: القوه التى تسرى فى المادة .

الحق: أقصى جودة للحياة.

الواجب: الصدق والعدالة .

الحرية: وهم إلا القليل فيما ندر، وما أثمن هذا القليل .

الموت: انتقال من صورة إلى صورة إلى أخرى، فالمادة لا تفنى ولا تستحدث من عدم.

الوجود: لعنة برومثيوس .

التطرف: هو الاعتقاد بامتلاك اليقين (بمختلف أشكاله) .

 

- بلا شك فأنت بحثت ملياً وأشرت لقضية علاقة السلطة برجالات الدين وقد لفتني مقتطف من أحد مقالاتك تتساءل) وكيف اتفق الفقهاء مع رموز السلطة في كثير من الاحيان على عقولنا، الفقهاء بحجة الحلال والحرام، والسلطة تحت اسم الحفاظ على مصالح الوطن العليا)

وسؤالي هو :هل تعتقد أن أزمة السلطة محصورة في علاقة رجل الدين بالسلطوي، أم أن القضية في عصرنا الراهن تتعدى ذلك؟

- هل الأزمات الفكرية في الشرق والعالم العربي سببها الرئيسي التبعية للأشخاص بمعنى تقديسهم، هل مازلنا أمام لعنة المقدس؟ وتقديس المدنس؟

إن قضية مجتمعاتنا العربية وعلاقتها مع رجل السلطة ورجل الدين ورجل الفكر وعلاقة كل طرف من الأطراف الثلاثة بالآخر، هى قضية مركبة وشديدة التعقيد، ومناقشتها لا تكفيها مئات الكتب،

منها على سبيل المثال لا الحصر ما هو متعلق بالهوية، فعلى سبيل المثال هل الهوية هى بحسب الدين أم العرق أم الانتماء الحضارى أم اللغه أم الثقافة أم المصالح المشتركة؟

على سبيل المثال: فى بلدى الحبيبة مصر أثيرت فى الثلاثينيات مشكلة الهوية المصرية هل هى مصرية خالصة نسبة الى المصريين القدماء، دعا سلامه موسى الى إلغاء اللغه العربية وأستبدالها بالديموطيقية، وأن نتجه بقوه نحو الثقافه الغربية، ونادى طه حسين بأننا ننتمي الى ثقافة البحر المتوسط .

أم هى قبطية كما ينادي بها حتى الآن بعض المتزمتين العنصريين من المسيحيين، أم اسلامية وقد دعا إلى ذلك غير المؤمنين بفكرة الوطن فهو بالنسبة اليهم تراب ودين ولكن مؤمنين بفكرة الأمة التى ليس لها حدود جغرافية لأن باب الجهاد من وجهة نظرهم لم ينتهي ولن ينتهي، لذا فالوطنية كفر والوطن وثن، مثل (جمال الدين الأفغانى)، (رشيد رضا) ( خصم سلامه موسى )، حسن البنا، أم عربيه وهو تيار القوميه العربية الذى نشأ على يد المسيحيين الشاميين كردّ على التيار الإسلامي وقد ساد هذا التيار على يد حركة يوليو 1952م، بعدما أجهض تيار القومية المصرية لمنشئه (أحمد لطفى السيد) وتم التعتيم على مفكري الليبرالية التي سادت من 1923م حتى 1952م، مثل (فرح أنطون)، (شبلي شميل)، (اسماعيل مظهر )و غيرهم كثيرون .

(أنصح بقراءة كتاب الليبرالية المصرية للدكتور (رفعت السعيد)، مستقبل الثقافة فى مصر للدكتور (طه حسين)، أيضاً كتاب (المثقفون والسلطة) وكتاب (النهضة) و(السقوط فى الفكر المصرى الحديث) للدكتور (غالى شكري) ولا ننسى القله المستنيرة التى نادت أن الهوية كيان دائم التجدد له أكثر من مكون حضاري، بينما تغيرت تركيا للأفضل فى أوائل القرن الماضي على يد (كمال أتاتورك) إلى دولة علمانية عصرية.

إن من أهم أزمات مجتمعاتنا أن هويتها هلامية مشوشة أو أقصائية عنصرية، من أهم أزمات مجتمعاتنا أن هويتها لا يحددها علماؤها وفلاسفتها وأدبائها ومفكريها ولكن الهوية تتغير بتغير توجهات من يمتلك السلطة، فمبدأ شعوبنا بدرجة كبيرة هو الناس على دين ملوكهم، فإذا كان من حكم (الحاكم القوي) علماني أصبحنا علمانيين وإذا كان اسلامى أصبحنا إسلاميين، حتى بالنسبة للتوجه الاقتصادي، إذا ما أراد من يملك السلطة الاتجاه نحو الأشتراكية أصبحنا اشتراكيين، وأصبحت وسائل الأعلام المقروءة والمسموعة والمكتوبة وانبرى أكثر مثقفينا _ خدم السلطان وأكلى الفتات المتساقط من مائدته، فى كتابة الكتب والمقالات عن عظمة الاشتراكية، ومسترزقى وموظفى المؤسسة الدينية بما لهم من تأثير غير محمود، بحثوا عن نصوص دينية تتوافق مع هذا التوجه، وسبَّحوا منادين ليل نهار بأن الأشتراكية من الدين،و إذا ما تحولت إرادة من يحكم الى الرأسماليه حدث نفس السيناريو .

لكن يجب ان نعلم أن من يتحكم فى طبيعة النموذج السائد من قيم وأفكار وصناعة القرار فى كافة المجتمعات خاصةً المجتمعات الرأسماليه، ليس فقط رجل السياسة أو حتى رجل الدين ولكن أيضاً رجل الاقتصاد، فمن يملك رأس المال يملك قوة قد تتفوق على قوة كلّ من رجل السلطة ورجل الدين وبالطبع رجل الفكر، بل وقد تتحكم بهم، الأقتصاد له من القوه القدره على أعادة صياغة المجتمع بكافة مفرداته .

الدين والسياسه والأقتصاد ثالوث لا ينفصم

هناك أيضاً أزمتنا فى مثقفينا، بتخليهم عن دورهم فى تنوير الأذهان ومعالجة المجتمع من أمراضه

و تفشى الشلليه والتحزب، وأكتفائهم بما يتساقط من موائد أصحاب المال والنفوذ والسلطة مقابل الانعزال فى برج عاجي والتحذلق على البسطاء والتعالي عليهم، ولعن التيارات ذات الصبغه الدينية وأحياناً التحالف معهم، وعدم القيام بدورهم فى النزول للشارع والتعمق فى فهم المشاكل الحياتية وتكوين تيار تنويرى غير قائم على الشللية، تيار غير قائم على اجترار ما قد تركته الأيقونات الثقافيه المقدسة من فكر،

أتيار لا يعترف بالدوجما أو بالأيقونات،تيار يدعو الى ثقافة الكيف وليس الكم والمضمون وليس الشكل.

نحن لدينا أزمة هوية وأزمة مفاهيم وأزمة ثقافه وأزمة مقدس متعدد الوجوه، وأزمات أقتصاديه وقيميه،

و تلك الأزمات لن تذوب أو على الأقل تنحفض كثافتها إلا بتكاتف كل معرفى حر محب لوطنه ولإنسانيته.

- في النهاية أشكرك جزيل الشكر المفكر المصري سامح سليمان، كلمة أخرى تود أن تتوجه فيها للمتلقي:

فى نهاية الحوار أتوجه بالشكر والاحترام لشخصك الكريم، والعتاب أيضاً فقد أرهقتني أسئلتك عزيزي لشدة قوتها وعمقها وأتمنى كل ما هو أفضل لكل فرد معرفي، ولكل كائن حي، وأعدكم إن كان فى العمر بقية بسلسلة من المقالات أقوى وأعمق من كل ما كتبته مسبقاً .

 

أجرى الحوار: ريبر هبون

 

جلال الدين الرومي: شخصية محورية في حياة "إيفا دوفيتري ميروفيتش"

aesha momad- "إيفا" عاشت 6 سنوات بمصر مندوبة بجامعة الأزهر

- ناضلت طول حياتها كي تقدم للعالم الوجه الآخر للإسلام

- أحببت موهبتها وهدوءها وصبرها القرآني

"عايشة" هي الصديقة المقربة لـ إيفا دوفيتري ميروفيتش، عاشقة مولانا جلال الدين الرومي، ومن ثم عاشت تفاصيل حياتها اليومية حيث كانت تستضيفها لشهور متعددة، وترافقها من أجل إلقاء محاضراتها.

شهادة “عايشة” تعطي تفاصيل عن النضال الذي كانت تقوده إيفا من أجل التعريف بالوجه الآخر للإسلام.

ولدت “عايشة” في مستغانم بالجزائر، من أبوين فرنسيين كاثوليكيين.. درست بمدرسة الفنون الجميلة والتحقت بفرنسا بعد استقلال الجزائر، وكان ذلك في سنوات السبعينات. اقتربت أكثر فأكثر من الروحانية الإسلامية بفضل الاشتراك في مجموعة من اللقاءات حول الأديان. وخلال هذه الفترة كان لقاؤها بإيفا دوفيتري ميروفيتش.

 

حدثينا عن لقائك بإيفا

- كان ذلك بـ Fourmies بشمال فرنسا، حيث تم استدعاؤها لإلقاء محاضرة حول شعائر الإسلام. كانت إيفا سيدة عادية لا تحمل أية علامة خارجية مميزة، ما عدا حملها لمصحف صغير على شكل قلادة.

في البداية كنت أتساءل حول طريقة فهم الإسلام من طرف فرنسية كإيفا، لكن في الواقع كان عرضها مذهلا لا سيما عندما بدأت في سرد حكاية سفرها إلى مكة لأداء مناسك الحج. تخيلت نفسي هناك وتذكرت روايات جدي، عالم الآثار، حول الحجر الأسود، فقلت في نفسي: إذا كانت إيفا قد زارت ذلك المكان، فسأزوره أنا كذلك.

 

ماذا قدمتما لبعضكما البعض؟

- لقد قدمت لي وسائل الولوج إلى مصادر التصوف التي كانت مجهولة لدي. مكنتني من التعرف على أشعار فريد الدين العطار، الذي أعطى الرومي ـ وقد كان آنذاك طفلا ـ كتابه “أسرار نامه”. وقد قال الرومي عنه فيما بعد: “لقد جاب العطار مدن الحب السبع، وأنا لا زلت في منعطف زقاق واحد”. بفضلها قابلت شخصيات بارزة كابن العلامة محمد إقبال، أمادو أمباتي با، نجم الدين باماط الذي عمل كثيرا مع إيفا، وعبد السلام، صاحب جائزة نوبل للفيزياء، والذي أعطاني أول درس في “فن الخط” حول مائدة بأحد المطاعم.

من جانبي كنت أساعدها على اكتشاف عالم الفنون التشكيلية، وخاصة الرسم، ومن خلال إقامتها معي داخل أسرتي استعادت حميمية الحياة العائلية.

 

ما العلاقة التي كانت تربط إيفا بالرومي؟

- كان الرومي الشخصية المحورية بحياتها، كأنه أخذ بيدها ليجعلها تكتشف الإسلام، ذلك الإسلام الذي كان يبدو صعب البلوغ. كل شيء كان يعيدها إلى الرومي، أكان ذلك تحضيرا لسفر، لمحاضرة أو لقاء إذاعي، حتى أعمال الحياكة والطبخ كان يتخللهما حوارات شيقة بشأنه.

 

ما هي الجوانب التي أذهلتك في شخصية ايفا؟

- قبل كل شيء كان لديها تعطش قوي للحب، والمعرفة لم يكن ليتوقف إلا بالتعمق في دراسة التقليد الإسلامي. أحببت طريقة عيشها للإسلام في توافق وحرية مع احترامها اللامحدود لواجباته وقيمه. أحببت قدرتها على الإذهال وتلك الموهبة التي كانت لديها للتواصل عبر الكلام أو الكتابة. أعجبت بهدوئها الذي كان سائدا على كل شيء. صبر قرآني كان يسكنها: “إن الله مع الصابرين”. كانت تجمع بين الدبلوماسية وبين حزم لا يتزعزع، كانت تذهب في كل قراراتها إلى النهاية، لكنها كانت تقول: “لا يجب أن نحل في أي مكان عبر أسلوب الاعتراض”.

 

ماذا تعرفين عن تجاربها؟

- امتدادًا للدور الذي كانت تؤديه في التعريف بأعمال الرومي، أصبحت تركيا موطنها الثاني، وقد منحتها السلطات آنذاك المواطنة الشرفية. انبهرت كذلك بثقافة إيران ومساجدها، وبتلك الثقافة والفن الراقيين اللتين تستمدان جذورهما من “ليالي الأزل”، التقت هنالك بالرئيس السابق لجامعة تبريز “دجامشيد مورتزافي” والذي ألف عدة كتب في التصوف. عبر هذا اللقاء، نشأت بينهما علاقة وطيدة تكللت بترجمة أعمال الرومي، وأعمال أخرى عديدة من الفارسية إلى الفرنسية، ونشرها بفرنسا وبعض الدول الفرنكوفونية. زارت إيفا باكستان أيضا حيث قابلت ابن العلامة محمد إقبال، وسافرت إلى المغرب للقاء فوزي الصقلي صاحب كتاب “المسيح في التقليد الصوفي” بالاشتراك معها، كما عاشت ست سنوات بمصر حيث كانت مندوبة لـ CNRS بجامعة الأزهر من أجل تدريس الفلسفة.

 

بغض النظر عن الكتابة، ماهي الأعمال التي قامت بها إيفا والتي تبدو لك أنها مميزة؟

لقد ناضلت طول حياتها من أجل أن تقدم للعالم الوجه الآخر للإسلام. كانت التبادلات مع ممثلي التقاليد المسيحية واليهودية والبوذية شديدة الأهمية في مسارها. ركزت كثيرا على الاختلافات القائمة بين العادات الناتجة عن ثقافات ما قبل الإسلام من جهة وبين الدين الإسلامي من جهة أخرى، التي تقر للمرأة بمساواة في الحقوق مع الأخذ بعين الاعتبار الفرق بين الجنسين. أرادت أن تبين أن الإسلام لم يكن أبدا مصدرا لاضطهاد المرأة، لكنه عكس ما يتصوره الكثيرون، تشريع للدفع بوضعيتها نحو الأمام.

 

ما هي الذكرى التي احتفظت بها لإيفا؟

- كانت سيدة مثقفة ومتميزة، تركت إرثا كبيرا يزيد على 15 مؤلفا و25 ترجمة رئيسية. لقد تركت لنا بالأخص شهادة امرأة محبة لإسلام غير متصلب، ومتحرر من كل الآراء المسبقة.

 

ترجمة: عائشة موماد

………..

حوار أجري مع Ayesha صديقة إيفا دوفيتري ميروفيتش من طرفEva Caron وMarie-Hélène Galindo بتاريخ 04/02/2002.

http://www.soufisme.org/site/spip.php?article23

 

حوارمع الأستاذ مختارلغزيوي

abdah haqi- صحافي ومدير نشر جريدة "الأحداث المغربية" وموقع "أحداث.أنفو"

تقديم: الأستاذ مختارلغزيوي من جيل الصحافيين الشباب التسعينيين .. إحتضنته جريدة الأحداث المغربية منذ ولادتها أواخرالتسعينات واحتضنها هوأيضا بالقلب وبالعقل وبالقلم المقاوم منذ ذلك التاريخ إلى أن تقلد مؤخرا مسؤولية الإدارة بها . وكما يعلم كل متتبعي الحقل الصحافي الورقي المغربي أن جريدة "الأحداث المغربية" كانت أول جريدة يومية مستقلة وقد إستطاعت بجرأتها النادرة أن تفجرالعديد من الأسئلة الشائكة حول بعض الطابوهات التي ظلت جل الجرائد التقليدية تخشى إثارتها بكل شجاعة مما جعل "الأحداث المغربية " جريدة تسبق زمنها بكثيرمن السنين .

في هذا الحوارمع مديرها الجديد الأستاذ مختارلغزيوي نكتشف رؤية جديدة ودينامية متحمسة لمواصلة التألق ومواكبة تطورالعصرالرقمي.

ـ الدراسات الجادة التي أجريت في المجال تؤشر إلى أن الورقي يخوض معركة شبه محسومة مع الرقمي لاعتبارات لوجيستيكية .

ـ ومن يريد الاغتناء المشروع عليه أن يقصد مجالا آخر غير الصحافة

- قارئ 1998 انقرض وأن حديث القلب إليه قد استوفى كل أغراضه لكنه لم ينته

ـ نحن نميز بين الإسلام العظيم، وبين من يوظفون الإسلام لأغراض سياسوية صغيرة.

ـ سنبقى شوكة في حلوقكم، تأكدوا من هذا الأمر جيدا

 

س: شكرا لكم على تلبية دعوتنا لإجراء هذا الحوارالهام الذي يأتي بعد شهورإ قليلة على تحملكم مسؤولية إدارة جريدة "الأحداث المغربية" اليومية وبداية لننطلق من آخرمقال نشرتموه في عمودكم اليومي حول الموقع الإلكتروني الجديد "الأحداث آنفو" وقد تبين من خلال المقال نوع من المهادنة والذهاب بالرأي أبعد إلى القبول بواقع الصحافة الإلكترونية عكس العديد من مواقفكم وتصريحاتكم السابقة خصوصا في إحدى مشاركاتكم في حلقة "ملف للنقاش" الذي تبثه قناة ميدي1 تيفي ، هل حان الوقت للقبول والإقراربوجود الغريم الحاسوبي؟

ج: الشكر لكم أولا على الدعوة الكريمة، للإجابة عن سؤالكم أٍقول إن الإقرار بوجود من أسميتموه الغريم الحاسوبي هو أمر يتجاوزني بكثير لأنه واقع لا يرتفع، بل هو اليوم المستقبل الأكيد والمضمون للصحافة إذ الورقي سائرإلى زوال، والوسيط الرقمي سيتولى المجال في نقل الأخبار والآراء لفترة من الزمن قبل أن تخترع البشرية وسيطا آخر يفوقه أداء. لكن الإقرار لايعني المهادنة مع النماذج المتواضعة من هاته الصحافة التي تسمي نفسها إلكترونية اليوم وتغتنم فرصة فراغ السوق لكي تقدم نفسها باعتبارها الأولى في المجال، مستغلة عديد العوامل، ومستغلة أساسا أن أساتذتنا ممن كانوا يشرفون على الصحف الورقية لم يفهموا أهمية الوسيط الرقمي، بل ربما استهتروا به قبل أن يجدوا أنفسهم متجاوزين من طرف الأحداث، ومضطرين للركوب متأخرين على الموجة. أتصور أن الفعل الأفضل اليوم هو تقديم بديل إلكتروني حقيقي عوض الاكتفاد بالانتقاد وضم اليدين. وأتصور أن الميدان مفتوح لكل المبادرات وعلى المرء أن يقدم فيه مايعرف فعله أو مايتصور أنه يعرف فعله

 

س: جميع الجرائد والصحف اليومية والأسبوعية المغربية أطلقت نسخها الإلكترونية مما سيخلق وضعا إعلاميا جديدا يفرض فيه النشرالإلكتروني نفسه كفاعل ضروري بموازاة مع صنوه الورقي ألايضايقكم وزملاؤكم بداية أفول رمزية وهيبة الصحافي الورقي التي تكرست منذ عقود ، ثم من جانب آخروكيف تنظرون إلى إغراق المشهد بالمئات من المواقع الإلكترونية وصعود جيل من الصحفيين الهواة أغلبهم من الشباب العاطلين عن العمل؟

ج: الإغراق في نهاية المطاف جيد، وبدونه لن نتمكن يوما من التمييز بين الطالح وبين الصالح. لابد من تحقيق تراكم كمي كبير ووسطه سنعثر على بعض الفلتات النوعية الجيدة. أيضا قضية أن يمارس الكل الصحافة أنا لست ضدها في الختام. جميل أن يتصور الكل بأن الصحافة مهنة سهلة وبدون قواعد ولا ضوابط وأن فعل الكتابة متاح للكل وأنه لافرق بين أحد وأحد إلا بالإقدام حد الصفاقة والوقاحة أحيانا على ميادين لابد من إتقان عديد الأمور قبل الخوض فيها. لماذا أقول جميل؟ لأنه من الصعب أن تقنع من يريد فعل ذلك بألا يفعله. لذلك أفضل أن أدعوه معي للنزول إلى الميدان، وأن يجرب معنى الكتابة يوميا ومعنى البحث عن الخبر يوميا ومعنى البحث عن الروبرتاج يوميا ومعنى مواجهة كل ماتفرضه الحرفة الحقيقية يوميا، وبعدها، وإذا مااستمر على نفس عناده وادعائه أنه هو الآخر قادر على أن يكون صحافيا فاعلم أنه صحافي بالفعل. إذا ألقى أسلحته في اليوم الثاني أو الثالث أو الشهر الثاني أو الثالث أو العام الثاني أو الثالث فاعلم أنه جرب معنى مهنة المتاعب وأعطاها "شبر ديال التيساع" بعد اقتناعه أنه لايصلح لها وهي لاتصلح له.

 

س: العديد من الصحف والأسبوعيات العالمية الشهيرة علقت نسخها الورقية وتسيرالتوقعات إلى نهاية النسخة الورقية مع حلول سنة ألفين وثلاثين 2030 كيف تتلقون مثل هذه الأخبارنفسيا ومعنويا إنطلاقا من علاقتكم الحميمية مع "الأحداث المغربية " الورقية والتي تمتد إلى مايناهزخمسة عشرسنة؟

ج: أتلقى كل أخبار ميداننا ونتلقاها هنا في "الأحداث المغربية" وفي موقع "أحداث.أنفو" بعين تتوقع كثيرا مما يحدث فيه. لا يخفى عليكم أن مهنيي الصحافة اليوم لاتفاجئهم هاته الأخبار ولا تعد صادمة بالنسبة لهم لأنهم توقعوها منذ سنوات، ولأن كل الدراسات الجادة التي أجريت في المجال تؤشر إلى أن الورقي يخوض معركة شبه محسومة مع الرقمي لاعتبارات لوجيستيكية مرتبط بتكاليف الطبع والنشر والتوزيع أولا وقبل كل شيء، ولاعلاقة لها بجودة مايقدمه الورقي مقارنة مع الرقمي. لذلك أتصور أنه من الجيد عوض مواجهة الموجة العاتية المقبلة أن يبحث الإنسان عن طريقة ذكية لتلافي إصابته بأكبر قدر من الأضرار حين لقائها، ثم التفكير في طريقة معينة لجعل تلك الموجة العاتية القادمة إليه طريقة لإيصال مايقدمه من منتوج إلى جمهور آخر بطريقة أخرى، وأتخيل أن المجال مفتوح وهو يصرخ ملء قوته "فليتنافس المتنافسون"

 

س: العشرات من الصحفيين المغاربة الشباب من جيل التسعينات من هاجروا السند الورقي وأسسوا لهم مواقع إلكترونية في نظركم (كيفاش، كود، فبرايركم، أكورا ، أخبركم ..إ) إلى ما تؤشرهذه الهجرة إلى السند الإلكترون؟

ج: تؤشر إلى ضيق المجال الصحافي التقليدي في المغرب أولا، وتؤشر أساسا إلى أنه مجال لابد أن تكون قادرا على البقاء فيه، ومن أجل ذلك لابد من تضافر عوامل عديدة أهمها العامل الاقتصادي، ثانيها قوة المؤسسة التي تقف وراءك، ثالثها القدرة على التخطيط الاستراتيجي الذي يضمن لك البقاء في الساحة، وليس العبور أو فتح جريدة وإقفالها في ظرف أشهر ثم إطلاق عنوان آخر وقتله وهكذا دواليك. المسألة فعلا صعبة ومعقدة، وزملاؤنا سواء من ذكرت مواقعهم أو آخرين قدموا إضافات فعلية قد نتفق مع جزء منها وقد نختلف مع الجزء الآخر، لكنهم هم أيضا - بغض النظر عن كل شيء - أسسوا للبنات بناء هذه الصحافة المغربية التي لازالت تبحث عن نفسها، وتحبث عن التخلص من تبعات مراحل تأسيسها الأولى التي استندت على السياسة وهو مالم يتخلص منه العديدون إلى اليوم . أيضا لابد من التنويه بمسألة ظللت أقولها دوما: القادمون من التجارب المكتوبة في الصحافة انتقلوا بشكل أفضل إلى الإلكتروني من القادمين من المجهول. لكن هل الأمر مفاجئ حقا؟

 

س: في ظل هذا المشهد الملتبس يعيش الجسم الصحافي المغربي "المستقل" وضعا قاتما حيث فاحت مؤخرا روائح ملفات فساد صحفية فجرتها تصريحات مسؤولين وتسريبات كتب وقضايا إحتيال ونصب مزعومة ومساومات وتواطؤات صحفيين ..إلخ كلها تضرب في العمق المكون الأخلاقي والمهني لمهنة المتاعب في ظل هذا السواد ولعنة الفساد هاته كيف تنظرإلى عملية التطهيرحتى تتصالح الصحافة الورقية مع المواطن والمتلقي بشكل عام؟

ج : أنا مع التشدد الكامل في هذه المسألة. لايعقل أن تكون صحافيا وأن تمضي يومك بأكمله في مطالبة المجتمع بالابتعاد عن الفساد، ومطالبة الحكومة بأن تكون معصومة من الأخطاء وبمطالبة المسؤولين الآخرين بأن ينزهوا أنفسهم عن كل شيء وفي الوقت ذاته تجد أنه من العادي أن ترتكب الزلات تلو الزلات، وألا يقول لك أي شخص ولا أي جهة أي شيء. الأمر صعب فعلا وسيء، وإذا ماهربنا كل مرة وجهت إلى أحدنا تهم بفساد ما إلى الشعارات الكبرى الكاذبة عن استهداف الصحافة والصحافيين فسنكون جزءا من منظومة فساد ندعي يوميا أننا نحاربها. الأفضل هو أن نحترم عمل القضاء المغربي وأن ننتظر أحكامه، وأن نوجه إلى بعضنا البعض النصيحة بالابتعاد عن المتشابهات فالحلال بين والحرام بين، ومن يريد الاغتناء المشروع عليه أن يقصد مجالا آخر غير الصحافة لأنها ليست مجالا للمجال. من يريد أشياء أخرى فعليه أن يتحمل تبعات هذه الأشياء...

 

س : بعلاقة مع السؤال السابق هل تنزيل قانون الصحافة القادم قادرعلى الحد من هذه الكولسات والإنزلاقات الخطيرة؟

ج : البلد مليئ بالقوانين، يلزمنا ماهو أهم من القانون. تلزمنا القدرة والرغبة والإيمان بأن نطبق القانون. ثم يلزمنا أمر آخر هام وأساسي قلته باستمرار لوزير القطاع في كل اللقاءات التي جمعتنا: يلزمنا الاستماع لصوت المهنيين. لا أتخيل شكل هذا القانون الذي لاتصوغه كل هيئات تحرير المغرب، ولا أتخيل كيف سيكون و99 في المائة من الصحافيين المغاربة لايعلمون عنه إلا مايصلهم من نتف وشذرات من هنا ومن هناك إشراك العاملين والمهنيين في النقاش كله، وليس في بعضه فقط هو الكفيل بإخراج قانون قابل أولا للتطبيق وقادر على الاستجابة لكل مانريده لهذ القطاع من أشياء جيدة يستحقها من أجل أن يكون رافعة انتقال أكبر في المجتمع لا أداة نزول أكثر فأكثر إلى حضيض تعبنا منه جميعا، نحن منتسبو هذا الميدان قبل القراء وعموم المتتبعين

 

س: ماخطورة ومعنى أن تكون اليوم مديرجريدة مستقلة "الأحداث المغربية" في هذا المشهد الصحافي القاتم والملغم؟

ج: معناها أن يكون صراعك اليومي قائما على جعل الجريدة تعكس أحداث المغرب مثلما يقول إسمها، وأن يكون ارتباطها بمايشغل بال المغربية والمغربي، لا بما يشغل بال هذه الجهة أو تلك. أعترف أننا نحزن حين نرى انشغالات أخرى تحرك الناس في جرائد أخرى، ونفهم أن زر الوصل بهاته الجهة أو بتلك هو الذي اشتغل، لكننا وبقدر الحزن بقدر الفخر أننا نتحرك من تلقاء مصلحة بلادنا أولا وحبنا لهذا المغرب العظيم، ومن تلقاء هم المهنة وماتفرضه من احترام لأخلاقياتها وأبجدياتها واضعين نصب العين والإحساس والإدراك شعار الجريدة الجديد "الأحداث المغربية: من العقل إلى القلب" لاقتناع أساسي لدينا أن المغربية والمغربي اليوم يحتاجان لمن يقول لهما كلاما يدخل ذهنهما لا لمن يبيعهما الوهم والعناوين البراقة المليئة بالكثير من الفراغ.

 

س: الحق في الوصول إلى المعلومة هذا هوالسؤال الطويل والعريض الذي كان ومازال يؤرق الصحافي والإعلامي بشكل عام منذ عشرات السنين في نظركم أستاذ مختارلغزيوي هل تغيرالوضع نسبيا مع تنزيل دستورسنة 2011 ؟

ج: أعتقد أن معركة هذا الحق ستبقى مطروحة إلى أن يقتنع أصحاب القرار السياسي والاقتصادي أن المعلومة إذ تضحى متداولة بين الناس ومعروفة وسهلة الوصول إليها تعفينا من عوالم الإشاعات أولا، وتمكن من تدبر أمر جو نقي صاف من الشوائب، قادر على أن يقنع المغربي أنه يعيش في مجتمع غير خائف من تداول أي معلومة من معلوماته، وأتصور أن المعركة تستحق الصراع الذي يخاض من أجلها، وأننا سنقنع أنفسنا في الختام بأنه لا يصح إلا الصحيح، وأن المغربي يستحق فعلا أن يقرأ كل صفحات مجتمعه ككتاب مفتوح لامبرر إطلاقا لإخفاء أو تغطية أى صفحة من صفحاته

 

س: التواصل مع الفيسبوك عملية مد وجزر، أخذ وعطاء .. على المستوى المهني ماذا إستفادت جريدة "الأحداث المغربية" من تفاعل الفيسبوك والتويتر، مثلا هل إرتفع عدد قرائها الورقيين وزوارها الرقميين؟

ج : أنا أحرص بقوة على هذا التفاعل وإن كان يجلب في جزء منه بعض المتاعب الناجمة عن لجوء بعض الأسماء المستعارة أو بعض المتضايقين منا أو من الجريدة إلى أساليب سب غير مقبولة، لكننا مقتنعون أن الزمن هو زمن هذا التواصل الاجتماعي، وهو أمر أتاح لنا بالمقابل ولوجا حقيقيا لشريحة من القراء لاعلاقة لها بالشريحة التقليدية القارئة للأحداث المغربية، وهو أمر نسعى إلى تعزيزه أكثر وإلى جعله رافدا أساسيا من روافد علاقتنا بالمغربيات والمغاربة

 

س: التطورالتكنولوجي والرقمي أسهم كثيرا في تعدد الأسانيد مثل الحواسيب والألواح الذكية والسمارتفون ، ماذا أعدت مؤسسة الجريدة على مستوى التكوين وإعادة التكوين لفريق التحريرالذي مازال أغلب أعضائه يستعملون البيك والورق؟

ج: أكتفي هنا بالقول إن مفاجأة الموقع وطريقة وصوله إلى كل هاته الوسائط التي تحدثت عنها سيجيب عن السؤال. ترقبوا معنا "أحداث.أنفو" في الحواسيب العادية، وترقبوه في الهواتف الذكية وترقبوه في الألواح المشابهة، وسنطلب منكم رأيكم منذ اليوم الأول لإطلاق الموقع في نسخته الجديدة

 

س: من القلب إلى القلب وأخيرالشعارالجديد من "العقل إلى العقل" هل يعني هذا أن الجريدة دخلت سن الرشد والإبتعاد عن مواضيع الإثارة المجانية؟

ج : أتصور دونما مبالغة أن الجريدة الوحيدة التي انطلقت راشدة هي الأحداث المغربية إذ استجابت لحاجة كانت موجودة لدى القراء المغاربة سنة إطلاقها والدليل هو أنها الجريدة التي حققت نسبة ارتفاع واضطراد في أرقام مبيعاتها لم تبلغها أي جريدة مغربية إلى حد الآن مع احترام كل العناوين التي جاءت بعدنا والتي استوحت أساسا وأولا وآخرا تجربة "الأحداث المغربية". الذي وقع بكل صراحة هو أن قارئ 1998 الذي لم تكن علاقته بالأنترنيت مثلما هي عليه الآن وجد في الأحداث المغربية مالم توفره له جريدة أخرى حينها، وأتصور أيضا أن موضوع التربية الجنسية وإخراج مجتمعنا من كبته ومن علاقته الظاهرية الملتبسة بالجنس هو نقاش مجتمعي محترم لايكن أن نلغيه بمجرد الاستهزاء منه لأن عدم التعامل السوي معه أساس كثير من المشاكل والجرائم التي نسمع عنها كالتحرش أو اغتصاب الصغار. اليوم نتصور أن قارئ 1998 انقرض وأن حديث القلب إليه قد استوفى كل أغراضه لكنه لم ينته، وعوضه سنغلب حديث العقل بعد أن اكتشفنا في مشهدنا الصحافي أن العاطفة تغلب في اتجاه غير سليم كثيرا.

 

س: بعد أيام قليلة سيحل شهر رمضان الأبرك وسوف تشتعل من جديد الأسئلة القديمة الجديدة السطحية والشائكة حول قضايا الإسلام الراهن عن التسامح والتطرف عن الجنة والناروالملائكة والشياطين أولا مادلالة إطلاق النسخة الإلكترونية مع فاتح هذا الشهر، ثانيا ماهي الإضافة النوعية التي ستأتي بها وثالثا ماهي الرسالة التي تود توجيهها بهذه المناسبة الكريمة خصوصا أنكم تتلقون بين الحين والآخر بعض المناوشات والمضايقات الإرهابية بسبب توجه منبركم الحداثي المتفتح؟

ج : إطلاق الموقع في فاتح رمضان قاعدة مغربية أخذناها من تربيتنا في مجتمع يتبرك بأيامه المفترجة والمباركة. نحن أبناء هذا البلد وأبناء هذا الدين، تربينا في دروب وأزقة مغربنا القديمة، دلفنا إلى مساجدنا العتيقة، وحفظنا ماتيسر من قرآن كريم ومن سنة نبوية ومن كل ماله علاقة بدين الرحمة المهدى إلى العالمين، لذلك لا مشكلة لدينا في قولها بكل قوة وبكل صراخ: نحن نميز بين الإسلام العظيم، وبين من يوظفون الإسلام لأغراض سياسوية صغيرة. ديننا فوق الرأس والعين، وهو تاج على هاماتنا وندافع عن انتسابنا إليه بكل قوة، ولا نقبل أي دروس من أي كان في هذا الموضوع خصوصا وأننا معتزون ومفتخرون بإمارة المؤمنين في المغرب التي تتوج هذا الارتباط المغربي المعتدل والمتسامح والوسطي بالإسلام. بالمقابل لدينا مشكل حقيقي مع من يريدون تشويه صورة ديننا وبث المشهد المؤسف والدامي عنه الذي نراه اليوم في سوريا أو العراق أو غيرها. هؤلاء معركتنا معهم فخر لنا ونحتسبها أجرا عن الله سبحانه وتعالى لأننا نحفظ الآية الكريمة "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، ونعرف أن المغالين والمتشددين يطبقون عكس هذه الآية تماما، ونقولها لهم بالصوت العالي المرتفع : سنبقى شوكة في حلوقكم، تأكدوا من هذا الأمر جيدا

 

س: رأيكم في الأسماء التالية:

ـ محمد لبريني .. أستاذ لنا قدم الكثير وهو يرتاح اليوم راحة مستحقة.  

ـ المهدي المنجرة رحمه الله .. تعرض لكثير من الاستغلال الصغير لإسمه، وأهم شيء يقال عنه أنه كان عاشقا كبيرا للمغرب ولتمغربيت

ـ مصطفى الخلفي .. وزيرنا في القطاع، زميلنا سابقا الذي يجب عليه أن يتذكر أنه كان إبن هذا القطاع قبل أن يصبح وزيره

ـ عبدالله البقالي .. نقيب الصحافيين المغاربة، نتمنى له التوفيق في مهمة غير سهلة على الإطلاق شكرا على سعة صدركم أخوكم عبده حقي أتمنى ألا أكون قد أكثرت عليكم .

 

معلومات إضافية