المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

مائة عام على ميلاد الزعيم عبد الكريم

عندما نستذكر الشهيد عبد الكريم قاسم، نستذكره شخصية وطنية نادرة التكرار، مر فينا حالة وعي ويقضة وتغيير حداثي، ما كنا مؤهلين للأمساك بها ثورة وطنية وانجازات عظيمة،  في عمقها ثقافة للتسامح والمحبة والأخوة وسلم مجتمعي عابر للتطرف الطائفي القومي والعمى الأيديولوجي، غادرنا عبد الكريم قاسم وترك فينا مشروع وطني، دليل عمل يهدينا الى مستقبل عراقي آمن  .

ونحن نستذكر الزعيم عبد الكريم وثورة 14 / تموز / 1958، يصعقنا الوجع الأمريكي، امريكا الحرب والدمار وحضارة الرعب دائماً، ابتدأت مجزرتها في 08 / شباط / 1963، مباشرة بعد ان اكمل النظام البعثي انجازاته الخيانية، اعلنت حربها تحت غطاء التحرير، اغرب مجزرة عرفها التاريخ العراقي، كل حرب نعرف فيها اطراف الصراع وحجم الضحايا، حرب التحرير !!! في 09 / مايس / 2003، كانت الأغرب والأبشع، افرغت بواخرها هجين حكومة قطاع طرق، تماماً كما افرغ قطارها البعث وشلل القوميين وبعض المتأسلمين .

اطراف دولية واقليمية تتصادم مصالحها في العراق، وفي العراق ايضاً اطراف محلية تقاتل بعضها، دماء وارواح وممتلكات العراقيين جسور لعبور المشروع الأكبر، كم هي سفالة الأطراف التي تشترك في هذه الحرب الملعونة على شعب عريق تليق به الحياة...؟؟؟ .

لجنرالات الحرب فيها مقرات ومكاتب لادارة العمليات المشتركة من داخل المنطقة الخضراء وسفارة التحرير !!!، لجنرالات الشيعة والسنة، مسؤولية اشعال الفتنة لأرباك الشارع العراقي، جنرالات القوميين الأكراد، يفترسون العراق بتواطؤ ومساومة شركاء الغنيمة، جنرالات هجين الدواعش مجهول الهوية والتموين والتسلح والدعم اللوجستي، يمارسون فعلهم الساسي من داخل العملية السياسية، والعسكرية مواجهات دموية ميدانية على ثلث جغرافية العراق، جنرالات التبعية والعمالة، تدير عملياتها الحربية  من داخل الرئآسات الثلاثة، انها الحرب التي تجاوز عمرها احد عشر عاماً .

هناك الحرب المؤجلة، التي ستكون اكثر حسماً بخرابها ودمارها الشامل، ساحة مواجهاتها الدموية ستكون عند حدود المتنازع عليها، بين العراق واكراد الأقليم، ربما ستكون حرب الختام لتفصيلات المشروع الأمريكي، لكنها ستستغرق بالتأكيد، مع الباهظ في كلفة الدماء والأرواح والخراب المادي والمعنوي، سيزداد فيها العراق انهاكاً واستسلاماً، وستكون محطة الكرد القادمة، نقطة صفر المعاناة والتخلف، ولم يبق لهم سوى ذاكرة تجتر علم ونشيد لجمهورية مهاباد .

ونحن نستذكر الزعيم الخالد وثورة الرابع عشر من تموز الوطنية، يصفعنا احفاد ذات الوجوه الشباطية التي تتصدر الآن المشهد السياسي، ادوات مجزرة حرب قائمة، لا نتوقع لها فرج على المدى المنظور، واسوأ ما ننتظره فيها، تلك المواجهات المؤجلة بين العراقيين واكراد الشمال، ستكون تركيا وايران والأسر الخليجية وبالتواطؤ مع المشروع الأمريكي، اصحاب القرار في فصال سايكس بيكو (لا سامح الله) على مقاس المكونات العراقية .

المحافظات الغربية، ستستقر الأطماع التركية في موصلها، حالة نزاع مع التوسع الطائفي للجوار العروبي، ونزاع داخلي بدعم خارجي سيشتعل عند نقاط التماس مع الشمال الكردي (الأقليم) المؤهل اصلاً لأجزاء تتنازع عليها حيتان الأحزاب الرئيسية، الشعب الكردي لا خيار له غير الأستسلام لقدره مكبوساً في داخله القومي، فاقد رشده وبصيرته لا يرى ما يخطط له، كما هي الحال التي عليها الخبل الطائفي لأغلب مكونات الأمة العراقية .

مائة عام على مولد زعيم وطني، تجمعت في شخصيته يقضة حضارية وحالة تراكمات وعي مجتمعي، يمكن ان نقول، انه قد سبق زمانه، كما ان زمانه قادم، المشروع الوطني لثورة 14 / تموز لا زال نشيطاً من داخل شرايين حراك المجتمع العراقي، ومثلما فقدت اوراق مرحلة التخريف القومي مضامينها عبر نصف قرن من الخداع والأكاذيب والتبعية والعمالة والتآمر ومصادرة الحقوق والحريات والوعي، وجعلت العقل العربي، عفن في جماجم اثرية، فمرحلة الأسلام السياسي بكل طوائفه ومذاهبه، انهكتها واستهلكتها رذائل الفساد والأنحطاط الأخلاقي الأجتماعي، كأسوأ ما يمكن ان يكون عليه الوسيط الذي خول نفسه بديلاً عن رب العالمين، وسيط لا يحترم العقل ويخشى الوعي،  وهنا ينبغي الا نتجاهل حكمة "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"، العراق البيئة التاريخية للرفض والأنتفاض والثورات، لا يوجد في قاموسه ان "للسيد دار مامونه" .

رياح الوطنية العراقية، ومهما كانت حالات الأحباط وخيبات الأمل، قادمة بأتجاهها الصحيح، فمنطق التاريخ العراقي يؤشر الآن الى حالة حراك مجتمعي، سيتجه اعصاره بما لا تشتهي سفن المشروع الأمريكي ــ الأقليمي والخذلان الطائفي القومي، الرأي العام العراقي، يتنفس الآن برئـة المشروع الوطني لثورة 14 / تموز / 1958، الأمهات شربنا الزعيم مع مياه دجلة، ومن مراضعهن ستكتسب الأجيال ملامحه مثال وطني  .

الأضداد لا تتصالح، الفساد لا يحتمل النزاهة، الخيانة خذلان للوطنية، المشاريع الطائفية العرقية يلغيها المشروع الوطني، لهذا لا غرابة ان يتجاهل قطاع الطرق ذكرى مولد شخصية عراقية وطنية نزيهة كفوءة شجاعة، كالزعيم عبد الكريم قاسم، انه ظاهرة وطنية تستفز رموز الفساد والأنحطاط والتخلف .

البحث الرصين الأنيق في حياديته للباحت الدكتور عبد الخالق حسين، التفاتة انصاف ازالت الكثير من الغموض المبرمج والتشويهات اللئيمة عن شخصية الزعيم عبد الكريم، كما سبق للدكتور عبد الخالق ان اصدر كتاب، وثيقة تاريخية شاركت بسلاح الحقائق والوقائع في الدفاع عن رجل لا يتكرر . (1)

بمناسبة مرور مائة عام (21 / 11 / 1914) على ميلاد الزعيم الشهيد الخالد عبد الكريم، نقدم لعائلته ومحبيه وفقراء العراق اجمع، احر التهاني واجمل الذكريات، ندعوهم جميعاً للأمساك بحبل الوفاء لقيم ونزاهة وشجاعة زعيم استشهد من اجل ان يحيوا بكرامة، وستبقى روحه الطاهرة سعيدة بحبهم والدعاء للعراق بالفرج والأمن والأزدهار .

 

09 / 11 / 2014      

 ....................

(1)  رابط مقال الدكتور عبد الخالق حسين (مائة عام على ميلاد الزعيم عبد الكريم قاسم)

  http://www.akhbaar.org/wsa /

مُعلّمْ البروليتاريا .. كارل ماركس

abduljabar noriعلى كوكبنا الجميل قامات شامخة من قادة وعظماء تركوا بصماتهم في أسعاد البشرية ورسم مستقبلها الزاهر وتحقيق تطلعاتها المشروعة، وتمكنوا من فرض حضورهم على قلم التاريخ وأرشيف الشعوب بكارزمية مثيرة متميّزة بنحت رقمٍ بارز متلأليء صعب الأستنساخ لمثيلها في الأجيال اللاحقة، لذا ستذكرهم الأجيال القادمة بكل فخرٍ وأعتزاز واليوم واحداً من هؤلاء العظماء الذي جمع كل صفات القيادة والصمود والصبر والتحدي وبأصرارٍ عجيب حد تمكنهِ من تحقيق حلمهِ في ضخ دماء  شابة  حداثوية في مفاصل طبقة العمال المحرومة المستعبدة عبر أجيالٍ من التأريخ وهو {كارل ماركس} الأقتصادي السياسي، صاحب الأشتراكية العلمية، وعدو الرأسمالية الطفيلية وحيتان الكارتلات، وراسم طريق الخلاص للبروليتارية بتعليمها (كود) فك شفرة أستلام السلطة من النظام الرأسمالي الجشع الذي يعتاش على مجهود الشغيلة وطبقة العمال والفلاحين البؤساء  .

 كارل ماركس 1818 -1883، ولد في ترييف (مدينة تابعة لبروسيا) وهو فيلسوف وعالم أقتصاد سياسي ومؤرخ ومنظّر سياسي، صاحب النظرية الماركسية، ومؤسس الشيوعية والأشتراكية العلمية، والفلسفة المادية التاريخية، والأقتصاد السياسي العلمي، وزعيم البروليتارية العالمية، ومنقذ الشغيلة والفقراء والطبقة العاملة بالذات (البروليتاريا)

 

الماركسية وتحفيز البروليتاريا للثورة

**رسم لها أبواب التحرر والأنعتاق وكسر القيود المذلّة وأخذ دورها الريادي في أستلام السلطة بالثورة التي تعني بنظر ماركس: التغيير الجذري والهرمي للسلطة الرأسمالية المستغلّة بعيداً عن الحلول التوفيقية السائدة في وقتهِ المتمثلة بالهيغلية اليسارية التوفيقية، ورد برسالة بعنوان (بؤس الفلسفة) كرد على كتاب (فلسفة البؤس) للأقتصادي المثالي (برودون)، وكوّن بنظرية بؤس الفلسفة مع زميلهِ أنجلز{البيان الشيوعي} 1848، فالثورة بنظر ماركس نقلة نوعية موضوعية مؤثرة في المفاصل السياسية والأقتصادية والأجتماعية كالثورة الفرنسية المتمثلة في كومونة باريس 1789، والثورة البلشفية في أكتوبر 1917 في روسيا القيصرية، فكان البيان الشيوعي دعوةً صريجة لعمال العالم للثورة وأخذ السلطة وأنشاء الدولة الأشتراكية أو الشيوعية .  **وصل مركس الى نتيجة (حتمية الثورة الأجتماعية) بتوحيد حركة الطبقة العاملة مع نظرية عامة علمية الى العالم المتمثلة  ب{ البيان الشيوعي } 1848 م مع زميلهِ " أنجلز" وهو أستكمالٌ في توضيح فعالية النظرية الماركسية في التغيير وتكمن أهمية هذا البيان العالمي في : 1- وضع الخطوط العريضة لتصوّرْ جديد للعالم . 2- وهي أكثر النظريات تطوراً وشمولاً وعمقاً . 3-  وفيما يخص الصراع الطبقي يقول البيان الشيوعي : أنّ الحياة الأجتماعية مليئة بالتناقضات والتأريخ يكشف لنا مراحل متعاقبة من الثورة والرجعية، والسلم والحرب، الركود والتقدم السريع أو الأنحطاط فالبيان رسم أكتشاف القوانين بدراسة مجمل المطامح لدى أعضاء مجتمع واحد أو عدد من مجتمعات للتجديد، وخلاصة البيان أنهُ حلل المجتمع على أساس (الصراع الطبقي). 4- وضّحتْ الدور الثوري التأريخي العالمي للبروليتاريا، والتي أعتبرها لينين ركيزة المجتمع الشيوعي الجديد . 5- وفي البيان الشيوعي موقف مادي هو جوهر الأختلاف مع  الفيلسوف (هيغل) . 6- البيان يعرض بوضوح ودقة عبقرية المفهوم الجديد في العالم بعرض المادية المتماسكة التي تشمل أيضاً ميدان الحياة الأجتماعية بالديالكتيك بوصفهِ العالم الأوسع والأعمق للتطور، فتكون بذلك نظرية النضال الطبقي والتحرري للبروليتاريا التي تتصف وحدها بالدور الثوري وتكملة مسيرة الألف ميل الى النهاية  بأصرارلا كالطبقة الوسطى البرجوازية التى تقف عند الميل الخمسين وكفى (لينين / كتابه ما العمل ؟)

** والتفسير المادي للتاريخ بنظر ماركس حيث يقول : أنّ التأريخ لن يصنعهُ العقل المطلق ولا الرجال العظماء بمجهوداتهم لوحدهم ولكن تصنعهُ عملية تطوّرْ أجتماعي داخلي في كيان كل أمة وصراع طبقاتهِ، وأنّ العامل الرئيسي الذي يقرر مصير أية أمة هو الأنتاج والثروة وأمتلاك وسائل الأنتاج، لم يكن ماركس مجرد فيلسوف لكنهُ كان داعية لأنقلاب سياسي أجتماعي كبير، والدليل على ذلك أنشأ سنة1868 لما كان في لندن " الجمعية الدولية للعمال، ونادى يا عمال العالم أتحدوا .

** أكد على أهمية عنصرين بارزين في الحياة هما الأنسان والعامل الأقتصادي، بالنسبة للأنسان قال : كل الثورات أثبتتْ شيئاً واحداً حتى الآن ألا وهو إنّ كل شيءٍ يتغير ألا " لأنسان " لأنّ { الأنسان أثمن رأسمال } في الوجود، وأما العامل الأقتصادي /  يعتبر العامل الأساسي في تشكيل الحياة، وسبب مباشر في الحروب، وصراعات الأمم .

** أثبت ماركس في كتابه رأس المال في طروحات الأقتصاد السياسي أنّ المذهب الماركسي منطقي وموضوعي حيث أعترف بهِ حتى خصومه، لأنّهُ ناقش وتابع التيارات الفكرية الثلاثة السائدة في أوربا : الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، الأقتصاد السياسي الكلاسيكي الأنكليزي، والأشتراكية الفرنسية .

** حذر ونبّه الطبقة العاملة والشغيلة وعمال الأجور اليومية بما يخسرون من جهدهم ووقتهم وأبتزازهم من قبل أرباب العمل وذلك بعرض موضوع (نظرية القيمة وفائض القيمة) في كتابه راس المال : فهو الشكل النقدي لفائض الناتج الأجتماعي الذي يذهب الى جيوب الراسمالي ومالك العامل ووسائل الأنتاج { أي بشكل أكثر توضيحاً وتبسيطاً : عندما يعمل الأجير 8 ساعات يستوفي أجرهُ في الساعتين الأولى من اليوم والباقي ستة ساعات عمل منتج تسمى بنظر ماركس (فائض الأنتاج الأجتماعي المجاني لرب العمل)، وأذا أشتغل القن أسبوعاً في مزارع الرأسمالي فأنهُ يوفّي أجرعملهِ في اليوم الأول وستة أيام أنتاجاً مجانياً للمالك الأقطاعي.

 

آمال ماركس وتطلعاتهِ المستقبلية

1-أنّ المجتمع الرأسمالي سيتحول حتماً ألى مجتمع اشتراكي .

2- التقدم الأنفجاري والأسطوري في  النصف الأخير من القرن التاسع عشر لنسب رأس المال بأعتقادهِ هو الأساس المادي الرئيسي لمجيء الأشتراكية الذي لا  مناص لهُ .

3- أنّ المحرك الفكري والمعنوي والمادي لهذا التحوّلْ أنما هو البروليتاريا التي تثقفها الرأسمالية نفسها .

4- يصح نضال البروليتاريا ضد البرجوازية الحاكمة  نضالاً سياسيا لأخذ الحكم السياسي منها .

5- ولابدّ من أنْ نجعل وسائل الأنتاج ملكية أجتماعية وأنْ تؤدي ألى أنتزاع الملكية من مغتصبيها .

6- أنقاص يوم العمل لتفادي تضخّمْ أنتاجية العمل .

7-العمل التعاوني المتقن محل بقايا الأنتاج الصغير المبعثر .

8- وضع حد لعزلة الريف وما يعانيه من تخلف وعزلة وتوحش .

9- أتحاد الصناعة والزراعة لأنّ كلاً منها يكمل الآخر.

 

أقوال ماركسية مأثورة

*العمال ليس لديهم ما يخسروه سوى أغلالهم، لديهم كسب العالم . * الرأسمالية ستجعل كل الأشياء سلع، الدين، الفن، الأدب وستسلبها قداستها     * الطاغية مهمتهُ أنْ يجعلك فقيراً وشيخ الطاغية مهمتهُ أنْ يجعل وعيك غائباً.  * أضطهاد المرأة لم ينبع من أفكار عقول الرجال ولكن في تطوّرْ الملكية الخاصّةِ وما يتبعها من ظهورمجتمع قائم على الطبقات والأستغلال .

 

عبد الجبار نوري/ السويد

في 7-11-2014

........................

مراجع/*. صراع الطبقات في فرنسا 1848- 1850 / ماركس. * مقدمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل / مقال لماركس 1844 *مدخل الى الأشتراكية العلمية / آرنست ماندي . * كتاب رأس المال/ المجلد الأول/ ماركس

 

 

المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي (3)

هذه هي الحلقة الثالثة في سلسلة مقالاتي حول المترجمين العراقيين في الاتحاد السوفيتي . لقد تناولت في الحلقة الاولى هذا الموضوع الثقافي الكبير وطرحته بشكل عام ليس الا، مؤكدا اهميتة وضرورة دراسته بالتفصيل، وذكرت معظم اسماء الذين ساهموا في مسيرة تلك الظاهرة وحسب معرفتي الشخصية المتواضعة طبعا، ولكني اضطررت في الحلقة الثانية من هذه السلسلة ان اتناول فقط النشاط الترجمي في تلك الحركة للمرحوم الدكتور سعدي المالح عندما حملت لنا الاخبار نبأ وفاته في احدى مستشفيات اربيل، وها انا ذا أعود ثانية الى هذا الموضوع المهم في تاريخ ومسيرة الثقافة العراقية المعاصرة .

لقد استلمت بعض التعليقات حول الحلقة الاولى من هذه السلسلة، واستطعت ان أجمع بعض المواد الجديدة حول الموضوع، وأود ان اسجلها هنا لاغناء المقالة بهذه المعلومات وتطويرها اولا، وللتأكيد مرة اخرى على ضرورة مساهمة الآخرين بتسجيل الوقائع التي يعرفونها، اذ لا يمكن الاحاطة التامة والموضوعية بهذه الظاهرة الفكرية الواسعة والمتنوعة وتسجيلها للاجيال اللاحقة دون

مساهمة هؤلاء الذين شاركوا في مسيرتها واحداثها وتفصيلاتها، خصوصا ان بعض هؤلاء لا زالوا يمارسون الترجمة في روسيا اوغيرها من البلدان، والنقطة الاولى التي اود ان اتوقف عندها هي الملاحظات التي ابداها الدكتور زهير ياسين شليبة حول ذلك، اذ انه كتب يقول ان هذا (الموضوع مهم للثقافة العربية) وهذه الملاحظة صحيحة من وجهة نظري، وأضاف ايضا – (لا ابالغ ان قلت ان هذه الموضوعة يمكن ان تكرس لها اطاريح لنيل الماجستير والدكتوراه) واود ان أقول للدكتور شليبة باني أؤيد هذا الرأي ايضا وان قسم اللغة الروسية في كلية اللغات بجامعة بغداد قد ساهم فعلا في دراسة هذه الترجمات وانجز عدة اطاريح ماجستير حولها ويسعدني ويشرفني باني كنت مشرفا علميا على اطروحة ماجستير تم مناقشتها في القسم المذكور تناولت ترجمة الاستاذ عبد الله حبه لمسرحيات استروفسكي (انظر مقالتنا بعنوان استروفسكي – شكسبير روسيا)، وكم اتمنى ان تساهم الاقسام العلمية في الجامعات العربية في دراسة وتحليل هذه الظاهرة، واتمنى ايضا ان تشارك اقسام اللغة العربية والترجمة في الجامعات والمعاهد الروسية بذلك ايضا، خصوصا وان الامكانيات العلمية في تلك الجامعات اكبر واوسع مما لدى الجامعات العربية. ان الهدف الاول في الوقت الحاضر هو اعداد قائمة شاملة وكاملة لتلك الترجمات، وهذا جهد كبير ومتشعب ولا يستطيع شخص واحد القيام به، ولهذا فانني أدعو جمعية المقيمين العراقيين في روسيا الى تنظيم اجتماع عام لكل العراقيين الذين ساهموا في عملية الترجمة يكون مكرسا للحديث عن كل الجوانب التي يعرفونها عن تلك الحركة الابداعية وان يصدر عن هذا الاجتماع وثيقة تفصيلة يتم تسجيل كل ما ذكره الحاضرون فيها، وكم اتمنى ان يتم في ذلك الاجتماع تشكيل لجنة لمتابعة هذا الموضوع وبلورته، اذ ان ذلك يقتضي جرد اصدارات كل دور النشر السوفيتية مثل مير والتقدم ورادوغا وكذلك الاطلاع على المجلات والصحف في تلك الفترة مثل مجلة (الاتحاد السوفيتي) و(المدار) وجريدة (انباء موسكو) واصدارات وكالتي (تاس) و(نوفوستي) وغيرها، وكذلك أدعو الجمعية العراقية لخريجي الجامعات الروسية وجمعية المترجمين العراقيين واتحاد الكتاب والادباء في العراق للمساهمة في هذه الحملة العلمية لتسجيل مسيرة وتاريخ الحركة الفكرية المعاصرة في العراق وانعكاساتها في الصحافة العراقية والاوساط الثقافية العراقية بشكل عام. لقد حاولت شخصيا القيام بما أقدر على تحقيقه في هذا المجال، واستلمت من الدكتور بشير غالب الناشئ رسالة يشير فيها الى انه ساهم بشكل كبير في هذه الترجمات منذ اواسط الستينيات والى نهاية الثمانينات جنبا لجنب مع مترجمين كبار امثال الدكتور ابو بكر يوسف وغائب طعمه فرمان والدكتور جلال الماشطة وآخرين، وقد اعتذرت منه لاني لم أذكر اسمه في الحلقة الاولى ضمن اسماء المترجمين لاني لم أكن أعرف بذلك (وأشرت الى هذه النقطة المهمة في مقالتي تلك واؤكد عليها مرة اخرى هنا ايضا)، وطلبت منه ان يبعث لي بقائمة ترجماته لادراجها ضمن جهود الآخرين، وسمحت لي ظروفي ان أجري حوارا مع الدكتور عادل الجبوري في موسكو حول هذه الحركة الثقافية، وهو الذي ساهم فيها منذ عودته الى بغداد عام 1965 بعد انهاء دراسته في كلية الاداب بجامعة موسكو ثم عودته ثانية الى موسكو وحصوله على الدكتوراه في كلية الصحافة بنفس الجامعة، ثم تفرغه للعمل بموسكو في وكالة انباء نوفوستي السوفيتية منذ عام 1972 الى عام 1990، وقد صحح لي الدكتور عادل الجبوري في ذلك الحوار بعض الاشياء غير الدقيقة التي جاءت في مقالتي الاولى، منها – مثلا - ان احمد النعمان وسعود الناصري وعادل العبيدي ومهدي هاشم لم يساهموا في حركة الترجمة تلك كما ذكرت انا في مقالتي، وانما كانوا يعملون في مضمار الثقافة في موسكو آنذاك او في اذاعة موسكو العربية ليس الا، وجوابا على سؤالي بشان الكتب التي قام هو شخصيا بترجمتها من الروسية الى العربية وتم نشرها من قبل وكالة انباء نوفوستي، قال انها عديدة جدا ومنها على سبيل المثال وليس الحصر - (المسلمون في الاتحاد السوفيتي) // و(نيلسون مانديلا سجين الجزيرة) // و(العامل المعنوي في الحرب الحديثة) // و(خمسون عاما على الانتصار) // و(الصهيونية المسيحية) // و(دور أمريكا في حرب اكتوبر) // و(سكة حديد تعبر الاهوار) // و(مساعدات الاتحاد السوفيتي للبلدان النامية) //، وقد طلبت منه ان يعد قائمة تفصيلية بتلك الكتب وحسب وقته وامكانيته، ووعدني بذلك .

ختاما لهذه الحلقة اسجل في ادناه قائمة ببعض الكتب المترجمة واسماء مترجميها(حسب تسلسل حروف اللغة العربية)، واتمنى ان يضيف لها الاخرون معلومات اخرى وصولا الى دليل كامل يضم كل ما قام به المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي في النصف الثاني من القرن العشرين، ولا يدخل في هذه القائمة الكتب التي تم الاشارة اليها في مقالاتي السابقة عن المترجمين العراقيين مثل غائب طعمه فرمان وعبد الله حبه وخيري الضامن وبعض المترجمين الاخرين، والكتب هي –

المترجم الدكتور جلال الماشطة – انا وجدتي وايليكو وايلاريون (رواية بقلم نودار دومبازه) // تاريخ العربية السعودية بقلم فاسيليف (بالاشتراك مع خيري الضامن) // اسس علم الجمال الماركسي اللينيني بقلم اوفسيانيكوف // فرونزه – القوة الروسية بقلم ارخانغلسكي .

المترجم الدكتور داود كرومي المنير – الفيزياء المسلية بقلم بيريلمان (الجزء الاول والجزء الثاني) // الرياضيات المسلية بقلم بيريلمان ايضا // الانشاءات الخرسانية المسلحة بقلم سيجالوف (الجزء الاول والجزء الثاني) // ميكانيكا التربة بقلم تسيتوفيتش // جيولوجيا الماء ومبادئ الجيولوجيا التطبيقية // هندسة الديناميكا الحرارية الكيميائية // مقاومة المواد بقلم ستيوبين // الميكانيكا الانشائية بقلم داركوف .

المترجم موفق الدليمي – السادس من اكتوبر 1981 بقلم ديميترييف // الفرد والآخرون بقلم كولمينسكي وياكوف // اسس الفلسفة بقلم راكيتوف // التأرجح على الهاوية – العام الاخير من حياة دستويفسكي بقلم فولغين .

 

الفقيد المناضل عبد الرزاق غصيبة .. سيرة ذاتية (2)

أرسل الفقيد عبد الرزاق غصيبة عدد من الرسائل من داخل السجن الى ولده سامر يوضح ويشرح فيها جزء من مسيرة حياته، زودني الصديق العزيز المهندس سامر عبد الرزاق غصيبة بنسخ من تلك الرسائل للاطلاع عليها، أنشر تلك الرسائل التي عمرها ما يقارب النصف قرن، ليطلع عليها القراء والمهتمين والمتابعين من طلاب وباحثين لكونها توثق لمرحلة ساخنة من تاريخ العراق وكذلك توثق لإرهاصات ومعاناة المناضلين وعوائلهم وهم يخوضون في مسالك النضال الوطني الوعرة، يوم كان النضال حقيقياً صادقاً نقياً ومخلصاً للوطن والشعب بعيداً عن اي مصالح شخصية، رغم كونها سيرة ذاتية للفقيد عبد الرزاق غصيبة، أنشرها بعد موافقة العزيز سامر .

*         *         *

561-razaq. . . حدثني عن آبائه وأقاربه, عن صفاتهم وأسمائهم وكان يمتدح جدّه واسمه عبد العالي وكان لقبه (شط العسل) لأنه يقدم لضيوفه السمن والعسل عند الفطور، كان قد ذهب هو وماله وبقي اسمه عنواناً لإعزاز الضيف والحدب على الفقراء. وقد رأيت من والدي انه يطبق بنفسه هذه الصفات التي يتحدث بها عن اجداده .

3ـ كنت أرافق أمي في زيارات متقطعة لأخوالي في قرية (الزندان) ورأيت هنالك عائلة من أقارب أمي فيها أربع بنات وأمهن، كانت عندهن عباءة واحدة تلبسها أي واحدة منهن تخرج لجلب الماء من الترعة أو لزيارة جارة لها. وأقارن بين هذه العائلة وبين اخواتي وامي. كنت اشعر بالألم ولكن تمر الحوادث سريعة وانا طفل، وما علق بذاكرتي ما زلت أتألم منه .

4ـ وكنت أزور مع أبي أقاربه في قرى قرب ناحية المنصورية وأرى أفظع حالة، أناسٌ ينامون مع حيواناتهم في (خرابة) واحدة مع الروث والبول والروائح الكريهة، يفتك بأكثرهم السل وهم يسمونه (الدق) أو (تنك النفس) ويرددون دائماً (المشافي الله) و (الحي ما يكتلة جاتل) أي ان من قُدّر له أن يعيش فلا شيء يقتله. كلهم فقراء وبسطاء ولا يتصور الأنسان ما يعاني الطفل حافي القدمين في أيام الشتاء الباردة الممطرة، كان كل الفقراء الذين رأيتهم في حياتي ولحد الآن يقولون ان الله أراد أن نكون هكذا .

5ـ أمي غير عربية فهي من (الججان) قوم يسكنون قفقاسيا، مسلمون كانوا يعيشون بأمارات مستقلة الى القرن الثامن عشر إذْ احتلهم الجيش الروسي الغجري ونزح أكثرهم الى تركيا لعلاقتهم الدينية بالأتراك، وقد أعانتهم الدولة العثمانية فأسكنت قسما منهم في تركيا والقسم الاخر في العراق بمنطقتين في (الحويجة) قرب كركوك وفي (الزندان) قرب المقدادية والزندان هذا بناء فارسي قديم جداً منذ زمن الأكاسرة عندما كانوا يحكمون العراق، عراقنا الحبيب، قبل الاسلام وكان هذا البناء سجنا للعراقيين الذين يزنون بنظر الفرس، وعندما يذهب الانسان الى تلك المنطقة تُقصُ عليه قصصٌ كثيرة حول سبي الفرس لبعض النساء العراقيات الجميلات ومظالم كثيرة أخرى، كانت والدتي من هذه القرية. أما الباقون من الججان النازحين فقد أسكنتهم الحكومة العثمانية مدينة (جرش) في الاردن وبعض القرى السورية، كانت هذه الام قد تزوجت وهي صغيرة من احد اقاربها وقد مات وترك لها طفلا وطفلة، ثم تزوجت والدي وعندما كبرت بنتها زوجتها لأخي من أبي، عبد المجيد، فهو من أمرأه أخرى قريبة لابي انجبت له هذا الابن وثلاث بنات فاطمة وخديجة وأمينة، كان والدي قد تزوج قبل أمي من أربع نساء مات ثلاث منهن مع اطفالهن. كانت هذه الأم التي تشارك أبي في حب الخير بكل صورة، ظالمة مع أخواتي لأبي خديجة وأمينة، أما أختي الكبرى فاطمة فقد تزوجت من قريب لها قبل أن أتي الى الدنيا، تزورنا بفترات متباعدة تأتينا وتذهب عنا وهي معززة. اما خديجة وامينة فلم يتزوجا لحد الآن بسبب عناد أخي عبد المجيد كان يمانع بزواجهما كي لا يشاركنا احد بمال ابينا على حد تعبيره فهو جلف بخيل، هاتان الاختان عزيزتان عليّ فهما اللتان ربّياني كانتا مثالاً للإخلاص، تشتغلان في البيت بحرص وتفاني ومع كل ذلك كانت امي تظلمهما وكنت اقف الى جانبهما دائما حتى اثر هذا السلوك على علاقتي بأمي ، كنت انتصر لهما حتى كرهت أمي في احيان كثيرة .

6ـ دخلت المدرسة الابتدائية عام 1937، في قرية مجاورة لقريتنا اسمها (بروانة الكبيرة) واسم المدرسة (مدرسة المقداد الابتدائية) وسميت المدرسة بهذا الاسم اعتزازا بقائد عربي جليل اسمه المقداد الاسود الكندي ومن صحابة النبي محمد عليه الصلاة والسلام وكان مقاتلا باسلا قتل في موقعة (جلولاء) التي خاضها الجيش العربي الاسلامي ضد الخوارج بقيادة الامام علي عليه السلام .

كنت أكثر التلاميذ رفاهاً، ملابس جيدة وافرة الدفيء وحذاء جديد وجوارب ومشمع يقي ملابسي المطر، بينما أكثر التلاميذ حفاة وملابسهم رثة، وكنت أول تلميذ يلبس الحذاء المطري المطاطي الطويل (الجزمة) أثناء هطول الأمطار، وقسم كبير من هؤلاء التلاميذ تنزف أقدامهم دماً جراء فعل البرد والرطوبة. كانت الحياة بين التلاميذ جنّة، وكل ما يدخله المعلمون في حياتنا من توجيه وتنظيم نشعر به لأول مرة ونعجب من هؤلاء المعلمين ونقارن بين آبائنا وبينهم، كنت أرى في المعلم شيئاً مخيفاً ولكن المدرسة كانت حبيبة الى قلبي. وطبيعة الأطفال السؤال عن كل شيء يرونه، كانوا يسألون دائماً مثلاً ((بكم اشترى لك أبوك هذا ؟)) الحذاء أو المشمع، كنت أقول لوالدي لماذا لا تشتري للتلاميذ مثل ملابسي؟ وكان ذلك الشيخ الطيب يجيب في أحيان كثيرة بأنه (البيت ما يقي عرب ولكن العرب تقي البيت) ومعناه ان الفرد لا يمكن ان يكون سبباً في غنى كل القرية أو (الكثرة) ولكن أهل القرية أو (الكثرة) تستطيع أن تكون سبباً في غنى فرد أو عائلة .

7ـ سكان قريتنا كلهم من الطائفة الشيعية، الطائفة التي تشايع الأمام عليّاً وأولاده، ودائماً يتردد ذكره واولاده بينهم، وكان والدي يقص لي عن الخلفاء المسلمين الأربعة الأوائل، أبي بكر وعمر وعثمان وعل وما أحببت من بينهم إلا الامام علي لكثرة ما تتردد الأحاديث عن شجاعته ومروءته، واحترمت عمراً، وما زلت أذكر أحاديث والدي عن علي، كيف كان ينام على التراب ويوزع الأموال على فقراء المسلمين، ويتأسف ان يتيما رباه علي ثم قتله هذا اليتيم غيلة وغدرا، وما زلت أذكر الكثير من الكثير من أقوال هذا الرجل العظيم مثل (ما شبعَ غني الا إلا بما جاع به فقير) و(ما جمع من مال إلا من بخل أو حرام أو وراءه حق مغتصب) وقد درست الكثير عن هذا الرجل عندما كبرت، فقد شخص أسباب الفقر ولكنه لم يضع القوانين لاستئصال هذه الأسباب. ومن يدرس حياة الأمة العربية العظيمة يجد ما لفضل الدين الاسلامي ولرجاله الافذاذ امثال النبي محمد وعلي وعمر على الفكر العربي والفكر العالمي ايضا .

8ـ في عام 1939 أعلنت ألمانيا الحرب على العالم كله تقريباً وكانت أهم الدول التي تناهض ألمانيا هي انكلترا وأمريكا وروسيا ، وقد اتفقت اليابان وايطاليا مع ألمانيا وتناصرها اسبانيا والبرتغال، وكنا ونحن أطفال نسمع الأخبار من الراديو الوحيد في المقهى الوحيدة أيضاً في قريتنا وكان هذا الراديو يشتغل على بطارية السيارات، كنا ممنوعين من ارتياد المقهى لكوننا أطفال، إلا اننا نتلصص لنسمع الأغاني أو الأخبار وكان أهل القرية يسمون هتلر زعيم ألمانيا (هترو)، كانت اذاعة برلين عاصمة ألمانيا تذيع برنامجاً عربياً يتكلم عن الأمة العربية كلاماً طيباً ويحرض شعوب العرب على القيام بثورات ضد الانكليز والفرنسيين الذين يستعمرون أكثر بلاد العرب. كانت هذه الأحاديث تثير الكراهية عند أهل القرية ضد الانكليز وضد العائلة المالكة التي تروى الاحاديث الكثار عن ارتباطها بالإنكليزي، ان أهل القرية لا يذكرون الانكليز بخير فهم يحدثوننا عن ثورة العشرين وعن رصاص الانكليز الذي يأتيهم الى القرية وكانوا يسمونه (مطر اللوز) وهو عتاد رشاشة متوسطة على الأكثر، ويحدثوننا عن كيفية حرق جثث موتى الانكليز، مما يثير اشمئزازنا لأننا مسلمون والمسلم يقدس الميت ويدفنه في الأرض مع تقاليد تحترم هذا الموقف، وأهل قريتي كذلك لا يتحدثون عن الأتراك بخير لأنهم ساقوا كثيراً من شباب الشعب العراقي الى جبهة القتال في القفقاس ضد الجيش الروسي ويذكرون اسماء شباب ذهبوا للحرب ولم يعودوا أو عادوا وهم مشوّهون أو هربوا أو اختفوا الى حين جلاء الأتراك عن بلادنا، يذكرون ما انتهك الانكليز من أعراض العراقيين في الحرب العالمية الأولى عندما احتلوا العراق وطردوا الأتراك منه. كان أهل القرية يفرحون عندما يسمعون بانتصارات المانيا في حربها ضد الانكليز ويشمتون بالإنكليز .

 

يتبع

....................

الصورة الملحقة

الفقيد عبد الرزاق غصيبة وزوجته الشاعرة حياة النهر وولدهما سامر في 24 / 9 / 1960

الكابتن مثنى معن العجلي .. سار على طريق الاستقامة فنال شرف الشهادة

khadom finjanكانوا يحدثونني عنه وعن نبله وشهامته ومواقفه الشجاعة كلما جمعتني الظروف بزملائه الذين عملوا معه في عرض البحر. قالوا: كان رافضاً للممارسات الظالمة. متحرراً من القيود الاجتماعية المتحجرة، متجرداً من التراكمات القديمة الموروثة، متميزاً على أقرانه في أداء عمله في سلك الإرشاد البحري. لم تكن لدية ميول سياسية ولا طائفية. كان متسامحاً ودوداً منفتحاً محبوباً من الجميع. قالوا أيضاً: أنه غادر العراق ليعمل بدرجة ربان مرفأ في الموانئ الليبية، لكنني سمعت أنه كان يعمل طياراُ في (بنغازي) على الطائرات الصغيرة (ثابتة الجناح)، وأنه يجيد اللغات الانجليزية والفرنسية والإيطالية قراءة وكتابة، ويتقن التحاور باللغة الإسبانية والفارسية.

فجأة عاد هذا الرجل المتعدد المواهب إلى البصرة ليعمل بوظيفة ربان مرفأ في ميناء أم قصر. كنت في حينها مُكَلفاً بإرشاد السفينة الإيطالية (باتريشا)، فشاءت الأقدار أن تناط به مهمة الإقلاع بها من الرصيف فالتقيته على ظهرها. كانت فرصة للتعرف عليه وسبر أغوار مواهبه المتعددة. لكن المثير للدهشة أنه سلّم عليّ بحرارة وكأنه يعرفني منذ سنوات. قال لي: هل تناولت طعامك يا أخي ؟. قلت له: كلا. فالتفت إلى الربان الإيطالي وتحدث معه بلغة إيطالية مبسطة. بدا وكأنه يجيدها بأصولها وقواعدها وفنونها.

أذكر أنني تشاجرت في يوم من الأيام مع أحد الربابنة المتعجرفين، فانحاز إلى جانبي وانتصر لي بعدما تأكد من سلامة موقفي. تعمقت علاقتي به شيئا فشيئا حتى أصبحت من أقرب أصدقائه. لكنه سرعان ما ترك العمل في الموانئ من دون أن نعلم الأسباب. كان رحمه الله مشحوناً بطاقات إبداعية متجددة، لا يحب الركون إلى الروتين ولا يميل إلى الرتابة في عمله الوظيفي. يحلق دائما بأجنحته فوق سحب التحرر والإنعتاق.

طلب مني عام 2005 أن أزوده بالكتب والمؤلفات العلمية الانجليزية، التي تتحدث عن موضوع الأرض المجوفة (Hollow Earth). وهو من المواضيع الغامضة التي لم يتطرق لها العلماء العرب، ولم يجرئوا على الكتابة عنها.

562-khadomولد الكابتن مثنى معن شناع الحـﭼـامي العجلي عام 1948 من أب عراقي وأم لبنانية الأصل من جبل عامل. كان هو الابن الثاني بعد شقيقه (المهلب)، وهو أكبر من شقيقته (الخنساء) وشقيقه الدكتور (عمر). كانت ولادته في مدينة (سوق الشيوخ) من أشهر مدن محافظة (ذي قار) وأقدمها، وكان والده (العلامة والشيخ الجليل معن العجلي). علمٌ من أعلام الفكر العربي وفنار من فنارات النهضة الثقافية في منتصف القرن الماضي. عرفه الناس بمؤلفاته الغزيرة، التي أغنت المكتبة العربية بدراساته القومية المعمقة. نذكر من كتبه: (هكذا كنت في سيلان)، و(دروس في القومية العربية)، و(الخميسية وما حولها)، و(بلوجستان بلاد العرب)، و(خطوة خطوة مع الجيوش العربية).

ينتسب الشهيد (مثنى) إلى قبيلة (بني عجل) من قبائل (حـﭼـام)، وهي قبيلة بكرية ربيعية نزارية عدنانية. خاضت أعنف معاركها ضد الجيش الانكشاري في واقعة (النيبة)، التي استشهد فيها (يوسف بن عثمان) خال الشيخ فالح باشا شيخ مشايخ المنتفك.

التحق (مثنى) بسلك الإرشاد البحري مع زملائه: فهمي حمود السعدون، وجاسم محمد عبد المحسن، ورياض الإدريسي، وباسل عبد القادر، وصلاح خطاب، ونعمة محمد بريس، وهاشم عدلان، وحنظل حميد، وأياد سليم الهادي.

كان الشهيد (مثنى أبو عبد الرحمن العجلي) يسكن محلة (الأُبلّة) بالبصرة. قرب جامع السيد عبد الحكيم الصافي، كان رحمه الله يرفض التكلم بلغتنا الدارجة ويصر على التحدث باللغة العربية الفصحى بلباقة الأدباء وفصاحة البلغاء.

رحل إلى الأردن في أيام الحصار الجائر، ثم انتقل إلى السويد ليستقر هناك ويحصل على الجنسية السويدية، إلا أن لوعة الفراق وحنينه إلى العراق ومشاعره الوطنية الصادقة هي التي حملته للعودة إلى مسقط رأسه في (سوق الشيوخ)، فشيَّد فيها مسجداً ومكتبة، وخصص حصة كبيرة من موارده لإطعام الفقراء والمساكين، وكرس وقته لأبناء عمومته وجيرانه. لم يتسبب في حياته بإيذاء نملة. لم يكن طرفاً في أي شجار. يمضي وقته كله في القراءة والعبادة. لم يكن عضواً في أي تنظيم سياسي، ولا عنصراُ من عناصر الكيانات السياسية. حملت طلعته البهية ملامح البراءة والحياء والوجاهة، وتزينت أخلاقه بالعفة والنزاهة والاستقامة. وتكللت أعماله بشهامة الرجال ومكارم أخلاقهم.

كانت صدمة عنيفة لنا جميعاً عندما علمنا باستشهاده نهار يوم السادس من شهر كانون الأول (ديسمبر) من عام 2006. في ذلك اليوم المشئوم امتدت خناجر الغدر لتغتاله وهو في سيارته الشخصية، التي كانت متوقفة قبالة بوابة المدرسة الثانوية التي تدرس فيها ابنته في (سوق الشيوخ). كان ينتظر خروجها من المدرسة ليعيدها إلى البيت. فخرجت مذعورة على صوت العيارات النارية المدوية لترى والدها مضرجاً بالدماء وقد فارق الحياة في رحلة أبدية إلى جوار ربه. هكذا نحن في العراق نخسر أحبائنا وأهلنا وأصدقائنا كل يوم من دون أن نعرف من الذي يقتلنا، ولماذا يقتلنا ؟.

ربنا مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين

سلامه موسى ومكسيم غوركي

كتبت عن المفكر المصري الكبير سلامه موسى (1887- 1958) مقالتين بشأن موقفه حول الادب الروسي واعلامه – الاولى كانت بعنوان سلامه موسى ودستويفسكي، والثانية بعنوان سلامه موسى وتولستوي، وقد وعدت القراء في حينها ان اكتب لهم عن علاقة سلامه موسى باديب روسي آخر وهو مكسيم غوركي، وها أنا ذا اقدم للقراء ما وعدت به.

............

نشر سلامه موسى مقالته عن مكسيم غوركي (1868 – 1936) في كتابه المعروف – (هؤلاء علموني)، والذي اشرنا اليه في مقالتينا عن دستويفسكي وتولستوي، وغوركي هو الاديب الروسي الثالث والاخير الذي كتب عنه سلامه موسى هناك حول عشرين اسما كبيرا من ادباء ومفكري اوربا، التي اختارها سلامه موسى في كتابه المذكور، و على الرغم من ان عنوان الكتاب (اي – هؤلاء علموني) يشير الى ان سلامه موسى كان يعتبرهم معلمين له، الا انه في الواقع كان يتناقش مع افكارهم عند الكلام حولها، بل وكان – بعض الاحيان – حتى ينتقد تلك الافكار ويفندها، وقد لاحظنا ذلك عندما تناولنا موقفه من دستويفسكي وتولستوي، ولكن هذا الموقف الانتقادي – ان صحٌ التعبير - لم ينعكس في مقالته عن مكسيم غوركي بتاتا، اذ كان سلامه موسى ومنذ السطور الاولى لمقالته والى نهايتها عن هذا الاديب الروسي منحازا كليا الى هذا الكاتب ومدافعا عن مواقفه الفكرية بشكل عام، بل وحتى أطلق عليه في سياق تلك المقالة تسمية – (أعظم انسان في العالم)، وهي تسمية ليست دقيقة و غير موضوعية بتاتا وتحمل الكثير من المبالغة اللفظية ولا نريد مناقشته بشأنها، اذ لا تسمح طبيعة مقالتنا هذه بذلك طبعا ، وكان من الواضح تماما ان الباحث (اي سلامه موسى) يرى ان مكسيم غوركي – بالنسبة له شخصيا - يكاد ان يكون الاديب الاول والابرز في مسيرة الادب الروسي وتاريخه رغم انه لم يتناول تقريبا في مقالته تلك الجوانب الادبية الابداعية لنتاجات غوركي، وانما تم التركيز على مواقفه الفكرية البحتة وموقفه من الاشتراكية في مسيرة الحياة السياسية لروسيا قبل ثورة اكتوبر عام 1917 وبعدها والى تاريخ وفاة غوركي عام 1936 .

جاءت هذه المقالة في كتاب سلامه موسى بعنوان – (جوركي .. وعنوان ثانوي هو- والاديب المكافح)، وتبدأ بالحديث عن الصراع في القرن التاسع عشرفي روسيا بين النزعتين الفكريتين المعروفتين والسائدتين في حينها وهما – النزعة السلافية والنزعة الغربية، ويسميهما سلامه موسى – (حركتان ادبيتان ..او اجتماعيتان) وهو اجتهاد جميل وصحيح حقا، اذ انهما لم يشملا فعلا كل جوانب مسيرة الحياة الفكرية المتشعبة في روسيا آنذاك، وانعكسا قبل كل شئ في الاوساط الادبية ليس الا، ومن الطريف جدا ان نشير هنا الى ان سلامه موسى استخدم كلمة (صقالبة) العربية التراثية القديمة جدا بدلا من كلمة (السلاف)، وهكذا اطلق على هذه النزعة الفكرية تسمية (الحركة الصقلبية) وهي – في الواقع - كلمة غير واضحة المعالم بالنسبة للقراء العرب في الوقت الحاضر، بل وحتى في ذلك الزمن الذي كتب به سلامه موسى تلك المقالة، ونرى ان هذا الاستخدام غير موفق بتاتا وغير متلائم مع عملية صياغة المصطلحات في زماننا، اذ ان تلك التسميات مثل (الصقالبة) او (الروم) او غيرها من تلك المصطلحات التراثية القديمة لم تعد تعبر بشكل صحيح ودقيق عن تلك الاقوام والشعوب الموجودة في عصرنا ، ولا مجال في اطار هذه المقالة طبعا للاستطراد اكثر بشان ذلك، ويعتبرالمؤلف بعدئذ، ان الاديبين الروسيين الكبيرين دستويفسكي وتولستوي من دعاة هذه الحركة، ثم يضع تورغينيف وغوركي على الضد منهما و ضمن دعاة ما يطلق عليه سلامه موسى ب - (الاتجاه الاوربي) المعارض لحركة – (الصقالبة) تلك . ان هذا التقسيم بشكل عام يحتاج الى ان نتوقف عنده بدقة، بغض النظر عن موقفنا تجاه تلك المصطلحات التي صاغها و استخدمها هنا، والنقطة الجوهرية والاساسية في موقف سلامه موسى هذا تكمن في التبسيط الشديد جدا جدا لهذا الصراع الفكري الهائل والعميق والكبير فعلا في روسيا القرن التاسع عشر،اذ انه يرى ان (الحركة الصقلبية) كما يسميها هي حركة لا تتناسب ولا تنسجم مع (الحضارة العصرية) كما يسميها، وحتى يقارنها بالموقف من دعاة السفور و الحجاب للمرأة في مصر آنذاك ونضال قاسم امين المعروف حول تلك القضية ، ثم يشير الى ان دستويفسكي وتولستوي كانا يؤيدان تلك الحركة وانهما من دعاتها وان تورغينيف وغوركي هما المضادان لهما لانهما من دعاة (الاتجاه الاوربي) ، ويطرح القارئ رأسا ومباشرة – نتيجة لذلك الموقف الواضح - السؤال الاتي امام سلامه موسى وهو – هل هذا يعني ان دستويفسكي وتولستوي لا يعترفان ب (الحضارة العصرية) ولا ينسجمان معها فعلا لانهما يؤيدان تلك الحركة الفكرية ؟ وان تورغينيف وغوركي الكاتبان المضادان لهما هما اللذان يؤيدان الاتجاه الآخر والصحيح – حسب آراء سلامه موسى - مقارنة معهما و نتيجة لذلك ايضا؟ على الرغم من ان سلامه موسى حاول ان يتحدث عن انتقال غوركي الى الصراع بين الراسمالية والاشتراكية في القرن العشرين، ولكنه – مع ذلك - ربط ذلك بالصراع بين (العادات والتقاليد القديمة،التي اثبت الاختبار انها ليست كفئا للوقوف في وجه الحضارة العصرية ..) . لقد عرض سلامه موسى هذا الموضوع بتبسيط كما اشرنا اعلاه لدرجة كاد فيها ان يكون غوركي اعلى من تولستوي ودستويفسكي في مسيرة الادب الروسي وتاريخه بل و اكثر اهمية منهما، وهذا شئ غير دقيق وغير صحيح بالنسبة للجميع، بما فيهم لمكسيم غوركي نفسه الذي وقف امام تولستوي مندهشا وكتب عن اعجابه بابداعه الادبي والفكري ودوره في مسيرة الحياة الروسية بشكل عام، وفي هذه النقطة بالذات يكمن جوهر النقاش الذي كان ولا يزال مطروحا في روسيا وفي العالم عموما ايضا حول قيمة النتاجات الادبية الابداعية وعلاقتها بالموقف الفكري للاديب نفسه، اذ ان تلك النتاجات بالذات هي التي تحدد مكانة الاديب واهميته وقيمته الفنية و تبقى خالدة في ذاكرة القراء بغض النظر عن المواقف الفكرية للادباء اثناء حياتهم،ويقرأ القراء في القرن الحادي والعشرين (الاخوة كارامازوف) و(الجريمة والعقاب) و(الحرب والسلم) و(آنا كارينينا) بكل سرور ومتعة دون ان يستفسروا عن موقف دستويفسكي وتولستوي من النزعة السلافية او الغربية في روسيا القرن التاسع عشر.

ان مقالة سلامه موسى حول غوركي هي نظرة سياسية بحتة تجاه الاحداث التي مرٌت بها روسيا وموقف غوركي منها دون الاخذ بنظر الاعتبار تحليل نتاجاته الادبية بتاتا ودورها واهميتها في مسيرة الادب الروسي وتاريخه، وكان من الواضح تماما تعاطف سلامه موسى مع تلك الافكار السياسية لهذا الكاتب الروسي الكبير ليس الا، وكان من الواضح ايضا ان سلامه موسى لم يتعمق بقراءة نتاجات غوركي الابداعية و بالتالي لم يستطع (او لم يرغب او لم يحاول) ان يرسم صورة فنية متكاملة له .

 

المناضل القس "لوثر" والحلم: I have a dream

abduljabar noriهناك العديد من القادة والعظماء غيّروا مجرى التأريخ، ولهم دور بارزٌ وحضورٌ موثّقْ على جعل البشرية تتطور وتزدهر، وضحوا بأوقاتهم وحياتهم من أجل خدمة العِلمْ والبشرية، لولاهم لما كنا نعيش هذه الحياة الحالية وستذكرهم الأجيال القادمة بكل فخرٍ وأعتزاز، وحققوا أهداف وطموحات البشرية لكي يعيشوا حيا ةً أفضل، وسنعرض قامة شامخة من هؤلاء العظماء الذي جمع كل صفات القيادة والصمود والصبر والتحدي هو " مارتن لوثر كنج " زعيم امريكي من أصول أفريقية ألذي أنهى التمييز العنصري ضد السود عام 1964.

ولد في 15-1-1929، وتمّ أغتيالهُ في 4نيسان 1968، وهو ناشط سياسي أنساني من المطالبين بأنهاء التمييز العنصري ضد السود سنة 1964 وفي هذهِ السنة بالذات حصل على جائزة نوبل للسلام، وهو من أهم الشخصيات التي ناضلت في سبيل الحرية وحقوق الأنسان، رفض العنف بكل أشكالهِ لذا أصبح صمام أمان لأندفاعات الزنوج من خلال صبرهِ ولطفهِ وحكمتهِ وتحفّظهِ حتى أنهُ لم يؤيدهُ قادة السود الحربيين، واخذوا يتحدونهُ عام 1965

 

نضالهُ من أجل الحرية

مهد طريقهُ النضالي لتحقيق (الحلم) وهو رفع الحواجزالعنصرية بين السود والبيض بنشر ثقافة تقبل الآخر بغض النظر عن لونهِ أو عرقهِ، وهي رسالة سلام ومحبة ألى الجميع، وأنتهج في رسم خارطتهِ السياسية طريقين، الأول / الطريق المدني : وهو **تبديل الكراهية تجاه البيض بالشعور ب(المظلومية)، أي ركز غضبهُ على الظلم بدل كراهية شخص بعينهِ. ** أستعمل سلاح العصيان المدني كسلاح من أجل التغيير . ** تأثر بكتابات ثورو(وهو هنري ديفيد ثورو، مؤرخ وفيلسوف ومؤلف أمريكي، وداع لأنهاء العبودية وداع للعصيان المدني) وغاندي (الزعيم المسالم الهندي). ** المقاومة السلمية لدى لوثر تعني المقاومة التي تعتمد على اللاعنف . ** من أقوالهِ المأثورة : أترك الذعر ولا تدع للذعر أنْ يملي عليك شيئاً. ** وفي سنة 1957 وأمام نصب لنكولن التذكارية ألقى خطبة حماسية وهاجم الحزبين الجمهوري والديمقراطي وردد صيحتهُ المشهورة{ أعطونا حق الأنتخاب} ونجحتْ مساعيه في تسجيل خمسة ملايين من الأمريكان ذو الأصول الأفريقية في سجلات الناخبين . ** وفي 1964 صدر قانون الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي العام نفسهً حصل لوثر من مجلة التايم على لقب رجل العام، وحصل على جائزة نوبل للسلام ----

الثاني / بحكم كونهِ قس في الكنيسة المعمدانية أسس لوثر زعامة المسيحية الجنوبية (وهي حركة هدفتْ للحصول على الحقوق المدنية للزنوج الأمريكيين)، وهو قديس خدم الكنيسة المعمدانية وأصبح أستاذاً في كلية اللاهوت، لذا كان يردد قول السيد المسيح {أحبْ أعداءك، وأطلب الرحمة لمن يلعنونك، أدعوا الله لآولئك الذين يسيئون معاملتك} وأتبع لوثر البرتستانتية التي تعني الأحتجاج فأجرى تغيرات في الكنيسة المسيحية والتي سُجِلتْ باسمهِ في التأريخ الكنسي ب(الأصلاح الديني اللوثري) الذي يقوم على البرتستانتية وتوجيه أنتقادات عديدة الى الكاثوليكية: 1- أنتقد الكنيسة الكاثوليكية ب95 بند منها (صكوك الغفران، شراكة مريم في الخلاص، شفاعة القديسين، سلطة البابا). 2- الكتاب المقدس فقط وليس البابوية . 3- عدم الأعتراف بسلطة البابا وصكوك الغفران، وطقوس الكنيسة الكاثوليكية . 4- بطلان بيع صكوك الغفران، وشراء رجال الدين المناصب العليا كالمطران والكاردينال وصولاً ألى البابا، وهذا التغيير أو الأصلاح الديني الذي فتح أمامهُ آفاق التحرر من القيود الكنسية والبابوية الكاثوليكية .

ونال ضريبة المصلحين ورسل البشرية بالأنتقام منهُ وأغتيالهِ 1968 من أعداء الحياة وفي مقدمتهم اليمين برئاسة مدير مكتب التحقيقات الفدرالية (أدكار هوز) وأتهموه بأنهُ زير نساء وعميل للشيوعيين لأسقاطهِ بديماغوجية مقيتةٍ، يعتبر كثيرون أنّ رسالة لوثر كنج قد تحققت، وأنّ التفرقة العنصرية أنتهت اليوم الذي فاز فيه باراك أوباما الأنتخابات الرئاسية في 20 يناير 2009 بوجود رجل من أصول أفريقية---- المجد للوثر وتحية أكبار لدافعي ضريبة الحياة من أجل أسعاد البشرية .

 

عبد الجبار نوري / السويد

3-11-2014

...............

المراجع/ *عشرون أغتيالاًغيرتْ وجه العالم- لي ديفيز . * ألف شخصية عظيمة ترجمة د/ مازن طليمات .* مشاهير العالم/ دار الرشيد

 

 

هكذا آمن الجواهري بمآثر الامام الحسين!!!

rawaa jasaniبعيداعن الخوض- خلال هذه التأرخة العاجلة- في عوالم النجف الروحية، والاجواء الدينية والادبية للاسرة الجواهرية، وتاريخها واثارها العلمية، دعونا نغور لماماً في دوافع، ورؤى قصيدتي "عاشوراء" و" آمنت بالحسين" للجواهري الخالد، وما تشيان، بل وتلهبان به، حول مأثرة "الطف" واحداثها الاليمة، والعبر المستوحاة من الثورة الحسينية، ومنابعها وجذورها ومبادئها وافاقها..

* والقصيدة الاولى: "عاشوراء" منظومة ومنشورة عام 1935 وكانت بثمانية وستين بيتاً، استعرض فيها الجواهري، ووثق خلالها العديد من الاحداث التاريخية، الثورية والمأساوية في ان واحد، وبالاسماء المقرونة بالاوصاف التي تليق – بحسب متبنياته– بالمضحين من اجل المبادئ، من جهة، وبمعارضيهم، بل ومحاربيهم وقتلتهم، من جهة ثانية...

هيَ النفسُ تأبى أن تُذَلّ وتُقهَرا ... ترَى الموتَ من صبرٍ على الضيم أيسَرا

وتخـتارُ محموداً من الذِكرِ خالداً...على العيش مذمومَ المَغَـبّـة مُنكَرا…

* وكما هو ديدنه الثابت، شبك الجواهري العام بالخاص، وبحورات مع الذات اساساً، ليستخلص وفي ابيات محدودات، ولربما في بيت واحد متفرد، عبرة العبقري الخابر للحياة:

ونُكّسَ يـومَ الطـفّ تـاريخُ أمـة... مشى قبلَها ذا صـولـةٍ متبختِرا

فما كان سهلاً قبلَها أخذُ مـوثـق على عَرَبيّ أن يـقولَ فيغـدِرا...

 

* وسيرا على عادته، ايضا، يوجز الشاعر المنوّرعظات واقعة الطف، وما سبقها وتلاها من بطولات وامجاد خالدة، ثم يروح موجهاً، دون وجل او تردد:

أقـول لأقوامٍ مَضَـوا في مُصابه ... يسـومونه التحريـفَ حتى تغيّرا..

دعُوا رَوعةَ التاريخ تأخـذْ مَحَلّـها ... ولا تُـجهِدوا آياتِه أن تُـحوّرا

وخلّوا لسانَ الدهر يَنطقْ فإنّه ... بليـغٌ إذا ما حـاولَ النطـقَ عَـبّـرا

* واذ جاءت "عاشوراء" في زمانها، والجواهري آنذاك في عقده الثالث وحسب، مباشِرة في المعاني والتصريح، واقرب للتوثيق التاريخي، هدر الشاعر الخالد بعد مرور اثني عشر عاماً، بعصماء "آمنت بالحسين" التي فاضت بالتعبير عن المواقف والمفاهيم الطافحة بالإباء والشموخ، والممجدة للفداء والتضحيات، كما هي الحال في الفرائد الجواهرية العديدة، وان اختلفت في الصور والاستعارة:

فـداء لمثـواك من مضـجـعِ ... تـنـوّر بـالابلــج الأروعِ

ورعياً ليومـك يوم "الطفـوف" ... وسـقياً لأرضك من مصرع

تعـاليت من مُفـزع للحتـوف ... وبـورك قبـرك مـن مَفزع

* وفي مقابل ذلك تماماً، لم يجامل الشاعر الكبير أو يتهاون في هجو الخنوع والانحناء، وأولئك المقيمين على الذل، بل وحتى من يتوسط "كاللبن الخاثر" وغيرهم من اللاجئين "لأدبار الحلول فسميت وسطاً، وسميّ أهلها، وسطاءَ"..

ولربما نجتهد، ونصيب، فنرى في "آمنت بالحسين" مجمعاً للشواهد والأدلة الأبرز على الرؤى الجواهرية المتميزة، وبمقاييس بالغة الرفعة في تبجيل "الواهبين النفس" فداءً للمبادئ التي يؤمنون بها، وتلكم بلا شك هي التضحية الأضخم للدفاع عن القيم والذود عنها، كما يرى صاحب "آمنت بالحسين...

* وفي مقاطع تالية من العصماء ذاتها يستمر الجواهري في الاتجاه الذي يريد اعلانه عن تضحيات الحسين الثائر و"نهجه النير" الذي بات "عظة الطامحين العظام" لاولئك "اللاهين عن غدهم" والقنوعين دون احتجاج وتمرد أو ثورة.. كما يفيض عديد آخر من أبيات القصيدة بعواطف ومشاعر انسانية فائقة التعبير في تقديس الثبات والصمود لرجل يوم "الطفوف" و"الملهم المبدع" الثابت أمام "سنابك خيل الطغاة" دون خوف أو رهبة ... وبهدف أن يُطمر "جديب الضمير بآخر معشوشب ممرع...

شممتُ ثـراك فهب النسيم ... نسيم الكرامـة من بَلقـعٍ

وطفت بقبرك طوفَ الخيال ... بصومعـة المُلهـم المبدع

تعـاليت من صاعق يلتظي ... فـان تـدجُ داجية يلمـع

* ثم يروح الجواهري ليتمثل مأثرة الحسين التاريخية، و"يمحص" الأمر دون أن يرتهب من "الرواة" أو يخدع بما ينقلون، ويمضي هادفاً للحقيقة لا غيرها، وبدون "تزويق" أو مبالغات... وبعد ذلك فقط، يجد الشاعر أن في فداء الحسين دفاعاً عن مبادئه، وقائع لا أعظم منها، وهو "أن يطعم الموت خير البنين، من الاكهلين الى الرضع "... ثم يحل مسك الختام، فتجدد القصيدة تقديس ذلك الصمود والعطاء الذي "نوّر" من ايمان الجواهري، وفلسفته في الإباء والفداء، والتي تجسدت، كما سبق القول، في الكثير من قصائده ومن بينها: "سلام على مثقل بالحديد - 1951 " و"بور سعيد - 1956" و"كردستان - موطن الأبطال- 1962" والى "اطياف الشهداء الخالدين- 1963" و"فلسطين الفداء والدم - 1970" فضلاً عن قصــائد الوثبـة، الشـهيـرة، عــام 1948... وها هو الجواهري يناجي الحسين:

تمثلـتُ يومـك في خاطـري ... ورددت "صـوتك" في مسـمعي

ومحصـت أمـرك لم "ارتهب" ... بنقـل "الرواة" ولـم أخــدع

ولما ازحـت طـلاء "القرون" ... وسـتر الخـداع عن المخـدع

وجدتـك في صـورة لـم أُرعْ ... بـأعـظــمَ منهـا ولا أروعِ

* وللاستزادة، نقول أن قصيدة "امنت بالحسين" المتفردة في المبنى والمعنى، والرؤى، نشرت في جميع طبعات ديوان الجواهري، ومنذ العام 1951 وقد خُط خمسة عشر بيتاً منها بالذهب على الباب الرئيس للرواق الحسيني في كربلاء، كما أُنشدت، وتُنشد، في مختلف المجالس والمناسبات الاحيائية لواقعة "الطف" التي تصادف كما هو معروف في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم، كل عام....

أولد كل يوم من جديد عبر أخطائي

abduljabar alrifaiيبهرني هذا الحماس والتدفق والمثابرة والتألق عند الشباب. لاشك ان الشباب أثمن رأسمال بشري في كافة المجتمعات؛ يحلمون بما لا نحلم به، يغامرون بما لا نغامر به، يكتشفون ما لا نعلم به، يقتحمون ما لا نفكر فيه، بل يجازفون في اقتحام ما هو محضور التفكير فيه. نموذجهم المستقبل لا الماضي، رؤيتهم تتحرر على الدوام من كوابح الموروث، وتجازف بمغادرة الراهن. ينشدون عالما جميلا؛ لا ترهقه أغلال المفاهيم الميتة، والمقولات القاتلة.

تعلمتُ من أخطائي أكثر من صوابي، ومن أبنائي أكثر من آبائي، ومن تلامذتي أكثر من أساتذتي، ومن الشباب أكثر من الشيوخ، ومن اليوم أكثر من أمس، ومن الحاضر أكثر من الماضي، ومن البؤساء أكثر من السعداء، ومن الفقراء أكثر من الأغنياء...

تعرفت عبر تلامذتي وأبنائي على شئ من: آراء فلاسفة حطموا أصنام الذهن التي لم يتنبه لهم المتفلسفون الا بعد عشرات السنين، ومفاهيم مفكرين مغمورين لم يهتم به كثيرون، ومنجز أدباء مجهولين لم تتداول نصوصهم شلل المهرجين، ورؤيا فنانين منسيين مدهشين لم يدرك ابداعهم المعاصرون. قادوني معهم الى قارات عميقة،كثيفة، متنوعة، ثرية،لم أكتشفها من قبل، بالرغم من اني استنزفت عمري بالمطالعة، فمنذ المرحلة الابتدائية لم أبرح الكتاب والورقة والقلم، في حضر أو سفر، في صحة أو مرض، في فراغ أو زحمة أعمال.

أنا قارئ قبل أي شيء آخر، سرقتني المطالعة من الحياة، حرمتني من ملاعب الطفولة والصبا، غيبتني عن الرياضة وانخراط الناشئة والشباب في ملاعب كرة القدم ومسابقاتها. لا أعرف حتى هذه اللحظة التعاطي مع أية لعبة رياضية، لم أنفق أي وقت للكرة، وحينما كان يلح عليّ زملائي في المدرسة مشاركتهم اللعب، كنت أفشل أكثر من مرة في مسك الكرة باحتراف واللعب بها، هكذا كنت مع كرة؛ السلة، الطائرة، المنضدة، فضلاً عن كرة القدم. أنا أميّ في ثقافتي الرياضية، أجهل بداهات الرياضة وفنونها، وطالما كنت مورداً للتهكم من أبنائي؛ حين أستفهم عن تلك البداهات.

رغم مطالعتي الصحافة منذ المرحلة المتوسطة يوميا؛ بيد أني كنت، وحتى هذه اللحظة أنفق كل يوم حدود ساعتين للنظر في الصحافة، بوصفها "مائدة الفيلسوف الواقعي" حسب تعبير هيغل، إلا أن الصفحات الميتة لدي في الصحف هي الصفحات الرياضية.

وحين أدركت الأهمية الفائقة للرياضة في عصرنا، وآثارها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والتربوية والفنية وحتى السياسية، حرصت على التعرف على شيء من فنونها ومكاسبها المتنوعة؛ من خلال أبنائي، الذين أقحموا الصحافة والأفلام والملابس والأدوات الرياضية للمنزل، وكأن الرياضة تنتقم من موقفي المعاند لها؛ لتستولي اليوم على فضاء بيتي، وتغطي أشياؤها معظم الغرف والصالات والممرات.

أنا حزين على غيابي عن الحياة، وعكوفي الأبدي بين الأوراق، أنا حزين على حرماني من المتع المختلفة، حزين على هذا النمط من السجن، الذي غيبني على الدوام عن الفئة العمرية التي أنتمي لها، وأجهل أحلامها وتطلعاتها ومشاغلها وجدّها وعبثها.

لو استقبلت من حياتي ما استدبرت منها؛ ربما أنخرط بتجريب ما في هذا العالم، ربما أتذوق متع الحياة ومراراتها الشديدة الغنى والتنوع. ما زلت أفتقر الى خبرة الكثير من تجارب العيش وفنونها العملية، خارج فضاء الورق، والآن أخرج بالتدريج من الورق؛ حيث أدخل فضاء العالم الافتراضي، وأغرق في عوالم الآيباد والآيفون الأنترنيت...إلخ.

ربما لا أستطيع التحكم في مسار حياتي، حتى لو استأنفتها، ذلك أني بطبيعتي كائن مسكون بمتعة الاكتشاف، والبحث عن كل ما يثير الدهشة، التي تنبعث عن كل ما هو اشكالي غريب، مما تتكتم عليه الجماعات والطوائف والأديان والثقافات.

أنا مولع بالهرولة وراء كل ما هو جديد، لا أكف عن سياحتي ورحلتي العقلية القلبية الروحية، نموذجي على الدوام في المستقبل. وربما كان لمزاج السير والسلوك الفكري المتواصل في شخصيتي تأثير بالغ على شغفي بالمطالعة وصحبة الورق، ذلك أن الكتّاب يبوحون لي بما يتكتم عليه المجتمع، ويفضحون ما تمنع التصريح به؛ العادات والتقاليد والمعتقدات ومختلف أنواع السلطات.

المطالعة مهنتي الأبدية، إنها محطة استراحتي، إنها ما يمنحني الرضا، ويحررني من نمطية الواقع، وتكراره الرتيب الممل، هي ما يفيض علي الهدوء، ويثري لحظات يومي بسعادة غامرة.

أما الكتابة، فأهرب منها، لا أتكلفها وأخوض فيها إلا بعناء، إلا حين أخضع لفروض تمليها علي مهماتي في البحث العلمي والتعليم والتواصل مع تلامذتي وقرائي.

في زيارتي لأية مدينة، الأماكن الأشد إغواء لي هي المكتبات، وطالما عبّر بعض رفاق السفر عن تذمرهم من تسكعي في أسواق الكتاب، وضياع وقتهم في أماكن لا تعنيهم ولا تهمهم، وأحيانا يعربون عن استغرابهم، من تكاليف الوزن الإضافي التي أضطر لدفعها لشركات الطيران غالبا، لتجاوز كمية الكتب الوزن المعفو عنه لكل مسافر.

لعل فضيلتي المتميزة تكمن في؛ "أني أعرف ما أجهله"، تنمو مساحة وعيي بما أجهله باستمرار. فمع كل مطالعة لكتاب، أو تعرف على فكرة جديدة، أواكتشاف لعوالم لا أعرفها، أواكتساب خبرة حياتية، تتسع دائرة مجهولاتي.

وذلك ما يحثني على الدوام للهرولة وراء كل كتاب وكاتب جديد، عساني أُضيّق مساحات جهلي الشاسعة، التي تؤرقني باستمرار. أتساءل مع نفسي: لماذا أفتقر لأية ثقافة سينمائية، مما يضطرني للإفادة من ثقافة ولدي علي في هذا الحقل الشديد الأهمية والراهنية؟ لماذا أفتقر لأية ثقافة في مختلف أنواع الفنون؟ لماذا...؟!

ولدت ولادات عديدة في حياتي، وما زلت أولد كل يوم من جديد... أولد كل يوم من جديد عبر أخطائي، أولد كل يوم من جديد عبر تجاربي، أولد كل يوم من جديد عبر مطالعاتي، أولد كل يوم من جديد عبر مجازفتي باستئناف النظر في أفكاري، أولد كل يوم من جديد عبر تهوري في عبور ما هو قار ومغلق في هويتي، أولد كل يوم من جديد عبر مقدرتي على تجاوز ذاتي، أولد كل يوم من جديد عبر ادراكي لتناقضاتي، أولد كل يوم من جديد عبر رؤيتي "القذى في عين غيري والخشبة التي في عيني"، أولد كل يوم من جديد عبر اكتشافي لعجزي وجهلي وضعفي، أولد كل يوم من جديد عبر توطني التراث وتشبعي بمناخاته أكثر من خمسة وأربعين عاما، أولد كل يوم من جديد عبر قراءاتي وهرولتي المزمنة وراء كل فكرة ومفكر وكتاب ومقال جديد، أولد كل يوم من جديد عبر أسفاري الروحية القلبية العقلية، أولد كل يوم من جديد عبر تنوع وتعدد صداقاتي مع المختلفين عقائديا وآيديولوجيا وثقافيا، أولد كل يوم من جديد عبر رحلاتي بين البلدان، ...

لكني أولد كل يوم من جديد عبر تلامذتي وأبنائي، بعد أن حررتهم من كافة أنماط التبعيات والعبوديات، ومنها، العبودية لي؛ فحرروني هم فيما بعد من عبودياتي. وأصبحت أستفيق كل يوم، وأنا ألمح أفقا غنيا بالهموم الحارقة والرؤى المشتعلة، حين صارت عقولهم تقصفني بأسئلة مشاغبة مثيرة على الدوام، وحين كنت أرى الى ضمائرهم وهي تكتوي بالغيرة على الضحايا، وقلوبهم تتطلع الى كل ماهو جميل في هذا العالم، وأرواحهم تشتعل بجذوة أبدية لا تنطفئ، تنشد الخير والسلام في العالم. وهم يزعزعون الأساسات، وينتهكون ما أدمنتُ عليه؛ بوصفه أخلاقا، فيثيرون فيّ الرعب والفزع، غير اني أستفيق وأهدأ، لحظة أستحضر الوصية التربوية الفائقة الأهمية للامام علي "ع": (لا تكرهوا أولادكم على أخلاقكم فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم).

إيفا دوفيتري ميروفيتش بجوار مولانا جلال الدين بقونية (2)

aesha momadشهادة الشيخ خالد بنتونس شيخ الطريقة العلاوية في حق إيفا دوفيتري ميروفيتش

عرفتُ إيفا لسنوات عديدة، فقد قابلتُها منذ السبعينات واستمرت علاقتنا إلى أواخر حياتها. هنا أود أن أذكر شيئا هامًّا بالنسبة لي: العملُ الذي قامت به إيفا لم يكن له تأثير على الغربيين فحسب، بل كذلك على المسلمين بشمال إفريقيا ودول المغرب العربي. فكون اللغة الفارسية لم تكن متداولة في تلك المنطقة، جاءت ترجمات إيفا لكتابات مولانا لنشر أفكاره وتعاليمه.

لم تخطط إيفا لحياتها ولم تكن تتوقع أن تكون كاتبة ولا مترجمة بعد أن قضت وقتًا غير هيّن بمختبرات الفيزياء والكيمياء. وعند اكتشافها لعالم مولانا جلال الدين الرومي، تعمّقت في دراستها لكتبه وترجمتها ونشر معانيها، وأدركت أن "التوحيد" حقيقة لا مفر منها، فكلّ تعاليم الديانات السماوية تصبُّ في هذا المجرى.

كانت إيفا امرأة تتألم، وكانت تحس برفض من مجتمعها، انحدارها من أسرة نبيلة، وترعرعها في أحضان المسيحية، الكاثوليكية و البروتستانتية، ثم زواجها من رجل ذي أصل يهودي، جعلوها تحمل رسالة مولانا بألم كبير محاولة إبرازها بوضوح شديد رغم كل ظروفها المعاشة.

يجب ألا ننسى أنه خلال سنوات الخمسينات، كان الغرب ينظر للإسلام على أنه دين من درجة دنيا. فجل بلدان المغرب العربي كانت تحت الاحتلال الفرنسي وكانت بلدان إسلامية أخرى في ظل الاحتلال الإنجليزي، والحديث عن الإسلام عامة وعن تعاليم مولانا خاصة وتلك الرؤية الكونية الشاملة في ذلك الوقت بالذات، كان معقدا وشبه مستحيل ولم يكن متاحا كما هو الحال الآن.

لمن يعرف إيفا فقد كانت سيدة صغيرة البنية، لكنها كانت ذات إصرار وعزيمة قويتين، عندما تقرر فعل شيء فإنها تجاهد في سبيله رغم كل العوائق. حضرت لقاءات ومحاضرات عديدة وقد كانت خلالها تُهاجم بحدة من طرف تيارين متنافرين تماما:

فالطرف الأول كان رافضًا للإسلام ويحاول البرهنة أن الرسالة التي تود إيفا تبليغها لا أصل لها. فقد كان تعريف الإسلام لدى هذه الفئة مغايرا لتعريف إيفا. كان الإسلام دين عنف بينما تعرفه إيفا على كونه دين حب.

والطرف الثاني كان مشكلا من المسلمين أنفسهم، الذين يرفضون بشدة أفكار مولانا ويكفرون بوحدة الرسالة الكونية التي تدعو كل الإنسانية إلى الوحدة.

لذلك فإني أقول أن إيفا عاشت رسالتها وحملتها بكل ما فيها من قوة بالرغم من الأجواء الغير المستقرة التي كانت سائدة آنذاك. نتساءل هنا عند قراءة كتاب (فيه ما فيه) وكتاب (المثنوي):

هل كان مولانا الرومي حقيقة؟

هل عاش فعلاً؟

هل فعلا أتى بكل تلك الأفكار؟

هل كانت شهادات معاصريه صادقة؟!

لقد كان عكس ما عليه الإنسانية الآن من فقر، بدغمائيتها وماديتها، إنسانية جافة وجامدة.

حاولت إيفا إيصال هذه الكنوز بحُلّة جديدة ومناسبة للعصر، وأنا شاهد على إنجازاتها مع الآلاف من الأشخاص، حيث تمكنوا من خلال كتاباتها ونصائحها كذلك، أن يمضوا في طريق المحبة والوحدة.

 

ترجمة عائشة موماد

...................

مترجم عن الندوة التي أقيمت بقونية

http://www.youtube.com/watch?v=mFgKbX0szEs

تولستوي بقلم غوركي

ولد الكاتب الروسي المعروف مكسيم غوركي عام 1868، بينما ولد تولستوي عام 1828، وكما هو واضح فان الفرق في السن بينهما كبير جدا، ولكن رغم ذلك فانهما تعارفا والتقيا في نهاية القرن التاسع عشر وفي بداية القرن العشرين، وقد كتب غوركي مقالة طويلة عن تولستوي تم نشرها لاول مرة عام 1919 (اي بعد تسع سنوات من وفاة تولستوي) في كتيب خاص وبمقدمة توضيحية صغيرة كتبها غوركي نفسه واشار فيها الى انه كتب هذه الملاحظات على اوراق مبعثرة وانها قد ضاعت منه الا انه وجد بعضها وقرر نشرها مع رسالته غير المكتملة الى كورولينكو، و اعيد نشر نص هذا الكتيب في المجلد الرابع عشر من مجموعة المؤلفات لغوركي والذي صدر عام 1951، وتم نشره ايضا في كتاب – تولستوي في ذكريات معاصريه، والذي سبق لي ان كتبت عنه (انظر مقالتنا بعنوان – تولستوي في ذكريات معاصريه)، وتقع مقالة غوركي في هذا الكتاب الصادر عام 1955 في موسكو ب (46) صفحة من القطع المتوسط وتتضمن قسمين، القسم الاول يحتوي على (44) فقرة منفصلة عن بعضها البعض حول افكار تولستوي واقواله له في لقاءآت مختلفة وعديدة وذكرياته عنه والتي كتبها غوركي – بالاساس - في عامي 1901 و 1902 عندما كان في ايطاليا للعلاج و حيث كان تولستوي هناك ايضا ولنفس الغرض، وقد اشار تولستوي نفسه في يومياته في تلك الفترة الى زيارات غوركي العديدة له هناك، اما القسم الثاني فيحتوي على مسودة رسالة مطولة كتبها غوركي الى كورولينكو (لكنه لم يستطع ان يرسلها له لاحقا) حول هروب تولستوي من بيته في ياسنايا بوليانا، ثم وفاته في احدى محطات القطار كما هو معروف . لقد ذكرت في مقالتي التي أشرت اليها اعلاه الى انه من غير الممكن تلخيص ما كتبه غوركي عن تولستوي في مقالته المذكورة، وان الاطلاع على تلك المقالة المهمة والعميقة والمتعددة الجوانب يقتضي ترجمتها كاملة الى العربية، وذلك لان غوركي استخدم اسلوب كتابة فقرات منفصلة عن تولستوي ومواقفه الحياتية وافكاره الادبية والفلسفية، وكان ينتقل من موقف الى آخر بحرية واسعة ومطلقة ودون ان يضطر لربط تلك الافكار وذلك بوضع نقطة بعد كل فقرة، ثم ينتقل الى فقرة اخرى ويضع لها رقما جديدا، وهكذا وصل الى الرقم (44)، ولهذا لا يمكن تلخيص كل تلك الفقرات في اطار هذه المقالة، ولكني ساحاول في هذه السطور الوجيزة ان اتوقف عند مضامين بعض تلك الفقرات ليس الا او مقاطع منها، كي ارسم للقارئ صورة عامة ومتكاملة قدر المستطاع لهذه الملاحظات الرشيقة والذكية و العميقة التي كتبها غوركي عن تولستوي .

في الفقرة رقم 1 نجد الجملة الاتية – (اكثر فكرة تحز في قلبه هي الفكرة عن الرب ...انه يتكلم عن ذلك أقل مما يريد ولكنه يفكر حولها دائما)// في الفقرة رقم 2 نقرأ جملة اخرى تختلف تماما – (عنده يدان مدهشتان – ليستا جميلتين من جراء توسٌع الشرايين ومع ذلك فانهما يعبران عن قوة ابداعية ..مثل تلك اليدين كانت عند ليوناردو دافنشي..بتلك اليدين يمكن عمل كل شئ..)// في الفقرة رقم 3 يتحدث غوركي عن مفهوم الحرية عند تولستوي، ويسجل نص كلماته – (الطيور حرة ولكنها مع ذلك تبني اعشاشها ... المسيح كان حرا وبوذا ايضا، وكلاهما أخذا على عاتقهما ذنوب العالم واصبحا أسيرين – وطواعية – للحياة الدنيا.. اما نحن فاننا نبحث عن الحرية من الواجبات امام الاخرين ..) // في الفقرة رقم 5 يتناول موقف المثقف منذ القرن الثاني عشر في روسيا، والذي كان يؤكد بعدم وجود المعجزات من وجهة نظر تولستوي، وان هذا هو موقف المثقفين عبر كل القرون التي مرٌت بعد ذلك، ولكن تولستوي ينهي هذا الحديث قائلا – (ومع هذا فان الشعب كله يؤمن بالمعجزات لحد الان كما كان يؤمن بها منذ القرن الثاني عشر..) // في الفقرة رقم 6 يتحدث غوركي عن رأي تولستوي حول حكايات اندرسن وكيف انه لم يفهمها في البداية، ولكنه عندما اعاد القراءة بعد عشر سنوات وصل الى قناعة تامة مفادها ان اندرسن كان – (وحيدا جدا جدا، و لهذا بالذات توجٌه للاطفال، و كأن الاطفال يمكن ان يواسوا الانسان اكثر من الكبار. الاطفال لا يواسون، انهم لا يستطيعون ان يواسوا) // في الفقرة رقم 7 يقول غوركي ان تولستوي نصحه ان يقرأ تعاليم البوذية، ولكنه اشار الى ان تولستوي لم يكن يتحدث عن بوذا او المسيح بحماس متأجج كبير ولم تكن في كلماته – (تلك الشرارة النابعة من نيران القلب) // في الفقرة رقم 8 يكتب غوركي رأي تولستوي حول المؤرخين الروس المشهورين – (كارمزين كان يكتب للقيصر، سالوفيوف – بشكل مطوٌل وممل، اما كليوتشيفسكي المخاتل، فانه كان يكتب للتسلية، وعندما تقرأ – كأنما يمدح، ولكن عندما تتعمق بالقراءة فانه كان يقدح.) // في الفقرة رقم 11 ذكر لنا غوركي رأي تولستوي بالرومانسية – (الرومانسية – هي الخوف من النظر في عيون الحقيقة)، وعندها اعترض احدهم على ذلك وقرأ له قصيدة، قال له تولستوي انها ليست قصيدة وانما – (نسيج كلمات بلا معنى)، وعندما اشتد النقاش، ابتسم تولستوي وقال له – (انك اليوم متقلب الاهواء مثل فتاة حان وقت زواجها ولكن لا يوجد لديها العريس) // في الفقرة رقم 13 يقول غوركي، لو ان تولستوي كان سمكة فانه كان سيسبح فقط في المحيطات، وانه لن يسبح ابدا وسط البحار او في مياه الانهار// في الفقرة رقم 24 يكتب غوركي نص كلمات تولستوي وكما ياتي – (المرأة اكثر اخلاصا بجسدها من الرجل، اما الافكار عندها فكاذبة، لكن عندما تكذب فانها لا تصدق نفسها، اما روسو فانه كان يكذب ويصدق نفسه) // في الفقرة رقم 27 يتحدث غوركي عن تلك الاسئلة الصعبة والحرجة التي كان تولستوي غالبا ما يحب طرحها ويعطي لنا امثلة منها –

- هل تحب زوجتك؟

- ماذا تفكر انت حول نفسك؟

- هل تظن ان ابني عبقري؟

ما رأيك بزوجتي صوفيا اندرييفنا؟

ويضيف غوركي قائلا، انه من غير الممكن ان تكذب امام تولستوي، ويختتم هذا المقطع بسؤال طرحه عليه تولستوي مرة وهو –

هل تحبني يا اليكسي ماكسيموفيتش؟ //

من الممكن ان نذكر هنا طبعا الكثير من تلك الجمل و الاستمرار بهذه المقاطع المختلفة والمتنوعة من مقالة غوركي عن تولستوي، ولكني اظن ان طبيعة مقالتنا لا تسمح بذلك، ومع هذا يمكن لنا ان نقول – وبكل ثقة - ان تلك المقاطع التي ذكرناها هنا كافية جدا لاثبات طرافة ورشاقة تلك المقالة وروحيتها الابتكارية وعمقها الاصيل وغرابة اسلوبها، وان مكسيم غوركي قد استطاع فعلا ان يرسم صورة قلمية في غاية الجمال لتولستوي، الذي كانوا يطلقون عليه تسمية – كاتب الارض الروسية العظيم .

ويتلم الرجل الذي غيّر وجه استراليا

abas alimoradهناك العديد من الأشخاص يتسلمون مناصب ويأتي التاريخ على ذكرهم لا لإنجازات حققوها بل لأنهم شغلوا هذا المنصب او ذاك. غوف ويتلم رجل مختلف بكل المقاييس والمعايير، فكان الحدث وصانع الحدث، وكان كاتباً للتاريخ وصانعه أيضاً، في بلد كان على الخارطة السياسية خارج التأثير ويعيش في ظل الأمبراطورية الاميركية وقبلها البريطانية.

ويتلم الذي بدأ مشواره مع التغيير قبل ان يتسلم السلطة، لم يرق له الوضع داخل حزب العمال فبدأ تحدياً من الداخل، وفي 15 شباط 1966، شن هجوماً عنيفاً على قادة مراكز القوى داخل الحزب خصوصاً اتحاد نقابات العمال قائلاً: "ان مستقبل حزب العمال على المستوى البعيد محكوم بالفشل .. ان مجموعة المتطرفين الذين يتحكمون بالحزب يخرقون نظام الحزب وقوانينه ويذلّون الكتلة النيابية، يتجاهلون القاعدة الحزبية .. ويجب وضع حد لهم" سيدني مورنيغ هيرالد 25-26/10/2014 ص 30 قسم ما وراء الأخبار.

هذا الأمر اثار حفيظة خصومه داخل الحزب وحاولوا التخلص منه وابعاده ولكن محاولاتهم باءت بالفشل بعد ان اخذت شعبيته ترتفع داخل الحزب بسبب شجاعته ومجاهرته بوضع حدا لهذا الوضع ولدى الرأي العام الذي عمل على تشكيله بعيداً عن ردات الفعل على استطلاعات الرأي. هذا التحوّل جعل حزب العمال اكثر ديمقراطية وادى الى فوز الحزب برئاسة غوف ويتلم في انتخابات العام 1972 والتي رفع فيها شعاراً لحملته الإنتخابية (حان الوقت) بعد ان امضى حزب العمال 23 عاماً في تيه المعارضة.

يصف الكاتب في صحيفة سدني مورنيغ هيرالد داميان مورفي غوف ويتلم ونائبة لانس برنارد بأنهما الرجلان اللذان قادا عالماً من التغيير في 13 يوماً، حتى انه يذهب في مقالته (23/10/2014 ص 11) الى حد مقارنة حكومة ويتلم بالثورة الروسية في تشرين اول عام 1917 والتي هزّت العالم في عشرة أيام.

حتى انتخاب ويتلم، كانت السياسات الاجتماعية، المالية، الثقافية، التربوية والإقتصادية في استرليا تسير بنمط محافظ وثابت، لكن بعد 15 كانون اول عام 1972 كانت البداية التي غيّرت وجه استراليا على رغم قصر الفترة الزمنية (3 سنوات) التي امضاها ويتلم في الحكم مع العلم انه اضطر الى حلّ مجلسي النواب والشيوخ والذهاب الى انتخابات مبكرة عام 1974 لعدم تمكنه من تمرير مشاريع القوانين ليعود ويربح تلك الانتخابات قبل ان يتأزّم الوضع مجدداً في العام 1975 بعد امتناع مجلس الشيوخ اقرار التمويل المالي للحكومة بسبب لعبة خبيثة من المعارضة برئاسة مالكوم فرايزر، حيث لم تتمكن الحكومة من دفع معاشات موظفي القطاع العام وانتهت تلك الأزمة بإقالة ويتلم من قبل الحاكم العام جون كير والذي كان قد عيّنه ويتلم في هذا المنصب، علماً بأن ويتلم كان ينوي لمرة ثانية حلّ مجلسي البرلمان والذهاب الى انتخابات مبكرة، لكن كير وفرايزر كانا قد اتفقا على طرد الحكومة.

جرت الإنتخابات بعد ذلك وفاز حزب الأحرار برئاسة مالكوم فرايزر، لكنه لم يستطع وقف ما كان بدأه ويتلم من اصلاحات والتي ما زالت تاثيراتها واضحة حتى الان، و نذكر منها إلغاء الرسوم الجامعية، تطبيق اول نظام صحي عام مجاني كان يعرف انذاك ب (ميدي بنك)، بدأ مشوار المصالحة مع السكان الأصليين والإعتراف بحقوقهم، الغى الخدمة العسكرية، خفّض سن الإقتراع الى 18 عاماً، غيّر النشيد الوطني الأسترالي، أنهى سياسة استراليا البيضاء والتي كان بدأ بتفكيكها الأحراري هارولد هولت، واعتبر ويتلم ان استراليا مجتمعاً متعدد الثقافات والتي اعتبرها افضل انجازات استراليا، المساواة في الأجور بين الرجال والنساء، الغى الضرائب على حبوب منع الحمل، وخارجياً اعترف بالصين الشعبية التي زارها واقام معها علاقات دبلوماسية، أعاد الجنود الاستراليين الذين كانوا يحاربون في فيتنام، فرض عقوبات على حكومة جنوب افريقيا العنصرية وحاول انتهاج سياسة خارجية مستقلة وغيرها الكثير من الإنجازات التي غيّرت وجه استراليا.

هنا لا بد من الإشارة الى احد اهم انجازاته بعد اقالته وهي دعوته محازبيه ومؤيديه للهدوء والإمتثال للقانون قائلاً لهم: ان التحدّي يكون في صناديق الإقتراع، مع العلم انه لو لم يتخذ هذا الموقف كانت الأمور معرّضة للإنفلاش والفوضى وحتى العنف أيضاً، كما قال بيتر هارتشر محرر الشؤون الاسترالية في صحيفة سدني مورنيغ هيرالد.

ما حققه غوف ويتلم في حياته رغم اختلاف الآراء حوله، اختلف بعد رحيله، حيث توحدت الأحزاب السياسية بكافة أطيافها في نعيه، وكان التناغم واضحاً في الكلمات التي ألقاها السياسيون في البرلمان والتي امتدحت الرجل وانجازاته والرؤية التي كان يتمتّع بها بالإضافة الى الشجاعة والمصداقية، ولم يشذّ عن القاعدة الا اثنين من الإعلاميين المحافظين وهما الن جونز واندرو بولط، جونز انتقد ايقونة حزب العمال بعد دقائق من وفاته حين قال ان ويتلم قد دمّر الإقتصاد لغياب اي تحكّم من قبل رئيس الحكومة بمسار الأمور، أما بولط والذي وجّه انتقاداً قوياً لويتلم قائلاً: ويتلم استكشف الفجوة بين المظهر وما يمكن القيام به لكنه وقع في الهوّة (س م هـ 22/10/2014).

على الرغم من هذين الصوتين اللذين شذّا، فإنه وبشكل عام لم تصل الأمور الى ما وصلت اليه عند وفاة رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت تاتشر والتي انقسمت الآراء حول سياستها حتى بعد مماتها كما قال الكاتب مايكل كوزيول (س م هـ 23/10/2014 ص 10)، وهذا ما اثبتته آراء القراء في الصحف، ايضاً ستقيم الحكومة جنازة رسمية لويتلم، كذلك اعلنت حكومة مقاطعة العاصمة الفيدرالية عن انها سوف تطلق اسم غوف ويتلم على احد الأحياء الجديدة فيها، كذلك اعلنت مفوضية الانتخابات الاسترالية ان اسم ويتلم سوف يطلق على احدى الدوائر الإنتخابية.

اخيراً، كان ملفتاً ما قاله خصمه وغريمة السياسي السابق والذي تحوّل الى صديق حميم له رئيس الوزراء الأسبق مالكوم فرايزر: "اذا كان لدى ويتلم خطأً فهو محاولته انه كان يريد فعل الكثير في فترة وجيزة".

                  

عباس علي مراد

المؤتمر العالمي الثالث للترجمة الادبية في موسكو

انعقد في موسكو بتاريخ 4 ولغاية 7 ايلول – سبتمبر من العام الحالي المؤتمر العالمي الثالث للترجمة الادبية برعاية معهد الترجمة في روسيا الاتحادية، وقد تلقيت دعوة للمشاركة باعماله ورحبت بها طبعا وقدمت مساهمة بعنوان – (تورغينيف والمترجمون العراقيون) وارسلتها الى سكرتارية المؤتمر، والتي تمت الموافقة عليها ودخلت في المنهج المطبوع للمؤتمر المذكور وباسم العراق ليوم 6 ايلول - سبتمبر، ولكني فوجئت – بعد ذلك - باستلامي دعوة للمشاركة بالدورة الخاصة لاجتماع المكتب الدائم لاتحاد ادباء آسيا وافريقيا في موسكو والذي جاء بدعوة من اتحاد ادباء روسيا للفترة من 3 ولغاية 6 ايلول – سبتمبر ايضا، ونتيجة لتداخل هذين الحدثين المهمين، فقد قررت ان اساهم اولا باجتماعات اتحاد ادباء آسيا وافريقيا لانه الاقرب الى قلبي وعقلي طبعا (وانطلاقا ايضا من المثل العربي المعروف عن (الرمانتين) او (البطيختين) اللتين لا يمكن مسكهما بيد واحدة ! او (الارنبين) – حسب المثل العالمي، اللذين لا يمكن الركض في وقت واحد لاصطيادهما !...)، وان اساهم في مؤتمر الترجمة الادبية بالقاء كلمتي يوم 6 ايلول / سبتمبر ليس الا، والتي استقبلها المشاركون بانتباه باعتبارها المساهمة العراقية الوحيدة في هذا المؤتمر، وساحاول ان انشر تلك الكلمة وردود الفعل تجاهها لاحقا، ولكني اريد في مقالتي هذه ان اقدم للقارئ عرضا عاما لمنهج هذا المؤتمر العالمي المهم من وجهة نظري، على الرغم من حضوري ومشاركتي في اليوم الاخير من اعماله ليس الا .

ان هذا المؤتمر واسع جدا واظن ان عرض منهاجه هنا ربما يستطيع ان يرسم صورة تقريبية له ويعكس اهميته لحركة الترجمة الادبية العالمية، ولا يمكن بالطبع استعراض وقائع هذا المؤتمر باكمله (تم تشكيل لجان عديدة لجمع الكلمات واصدارها في كتاب مطبوع والكتروني لاحقا) ولكني اريد التوقف عند عناوين بعض الكلمات التي تم الاستماع الى خلاصاتها في يوم 6 ايلول - سبتمبر فقط، وهو اليوم الذي ساهمت باعماله كما ذكرت اعلاه، والعناوين هذه هي كما يأتي (مع الاشارة الى بلد الباحث ليس الا دون ذكر اسمه) وموزعة على تسع مجاميع –

المجموعة الاولى – الترجمة الفنية / البحث والاكتشافات

(مختارات) – شعر العبث ونثر الوقائع التاريخية (من روسيا) // تأملات حول موضوعة التغلب على الحواجز اللغوية (من فرنسا) // التعبير عن القافية في ترجمة نتاجات بيير ميشو من الفرنسية الى الروسية (من روسيا) // ترجمة قصص سولجينيتسن القصيرة جدا الى اللغة التركية (من تركيا) // هل يمكن ترجمة الامثال ؟الامثال الاسبانية بالروسية نموذجا (من روسيا) // ترجمة جديدة للادب الروسي الكلاسيكي الى اللغة السلوفينية (من روسيا) // النظرية والابداع – الطريق نحو الترجمة الصحيحة (من سوريا) // الترجمة وحوار الثقافات (من الهند) // الترجمة باعتبارها وسيلة لاغناء لغة القارئ (من ايطاليا) // البعيد القريب – صعوبات الترجمة من اللغات القريبة لبعضها (من بلغاريا) // المبادئ الاكثر اهمية للترجمة (من البانيا)...

المجموعة الثانية – الادب الكلاسيكي الخالد – كيف نترجم وماذا نترجم ؟

(مختارات) – تاريخ ترجمة الشعر الروسي في عالم الناطقين بالانكليزية . ليرمنتوف اليوم . (من بريطانيا) // ليرمنتوف في الترجمات الصينية (من الصين) // ليرمنتوف في الترجمة التركية (من تركيا) // بوشكين – قصائد وملاحم وحكايات (من البوسنه والهرسك) // الترجمات البولونية لرواية بوشكين الشعرية (يفغيني انيغين) (من بولندا) // الاخوة كارامازوف لدستويفسكي في الترجمة الانكليزية (من امريكا) // تورغينيف والمترجمون العراقيون (من العراق) // موسيقى النثر الروسي – تولستوي وتشيخوف باللغة الانكليزية (من بريطانيا) // عن ترجمات نثر مندلشتام الى اللغة الايطالية (من ايطاليا) // الكلاسيكيون الروس كمعاصرين (من البوسنه والهرسك) // الادب الروسي الكلاسيكي في هولندا (الاراضي المنخفضة) // ترجمات النصوص الروسية لنهاية القرن التاسع عشر (من ايطاليا) // من تجربة مترجم (من روسيا) .

المجموعة الثالثة – كيف نترجم الادب المعاصر ؟ حوار مهني بين مترجمي الادب المعاصر لادب روسيا الاتحادية .

(مختارات) - تأملات حول ترجمة الادب الروسي المعاصر (من الصين) // تقبٌل الادب الروسي المعاصر في اليابان (من اليابان) // نثر القرية – مشاكل ترجمة واقع الحياة القروية (من فنلندا) // عن ترجمة الادب المسرحي الروسي المعاصر في البرازيل (من البرازيل) // العالم بعيون النساء – مواضيع وافكار في النثر النسوي للقرن الحادي والعشرين (من الهند) // النثر الروسي النسائي في الصين اليوم (من الصين) // صعوبات ترجمة ابداع سوروكين الى اللغة التشيكية (من تشيكيا) // دكتور زيفاكو في الثقافة الاخرى (من تركيا) // ترجمة الكلام الشفهي (من فرنسا) // تقبٌل الادب الروسي المعاصر (1992 – 2012) في الصين اليوم (من الصين) .

المجموعة الرابعة - ترجمة الشعر ..

(مختارات) - مارينا تسفيتايفا - مترجمة للشاعر الاسباني غارسيا لوركا (من اسبانيا) // شعر تاركوفسكي في الترجمة الالمانية (من المانيا) // الشعر الروسي المعاصر في الترجمات الايطالية (من ايطاليا) // الترجمة الشعرية من اللغة الهنغارية – الامكانات والافاق (من روسيا) // كيف يمكن ترجمة القصيدة من الروسية الى الصينية؟ (من الصين) // حياة آنا أخماتوفا وابداعها (من رومانيا) // ليرمنتوف في سلوفينيا (من روسيا) .

المجموعة الخامسة – اعداد المترجمين.. مشاكل التعليم العام و(المدرسة) التفردية الذاتية .

(مختارات) – دور المراكز اللغوية للجامعات المحلية في نظام اعداد المترجمين (من روسيا) // مصادر المعرفة في الترجمة الادبية (من ارمينيا) // مشاكل الترجمة الادبية واعداد المترجمين الجدد (من استونيا) // صعوبات ترجمة نتاجات الفلكلور – اللغة الفارسية نموذجا (من روسيا) // كيف نحافظ على روحية النص الاصلي عند الترجمة والتصحيح (من بريطانيا) // ترجمة الشعراء الروس المعاصرين الى اللغة الارمنية (من ارمينيا) // ترجمة النصوص غير القابلة للترجمة - الخصائص القومية والثقافية للحكم والامثال واللهجات (من فرنسا) // ترجمة الشعر الشعبي من الانكليزية الى الروسية (من روسيا) .

المجموعة السادسة – كيف نرسم خارطة العالم الادبية ؟ الترجمة الى

اللغات (الكبيرة) و(الصغيرة) .

الترجمة الصينية لكتاب ميرسكي (تاريخ الادب الروسي) واهميته (من الصين) // مترجمان من الروسية الى الاسبانية (من اسبانيا) // الترجمات الخارفاتية للادب الروسي في السنوات الخمس الاخيرة (من خارفاتيا) // حول تاريخ ترجمة الادب الروسي في ايران (من ايران) // الحفاظ على (السعرات) القومية في ترجمة النتاجات الادبية (من مقدونيا) // نحو تاريخ ترجمات الادب الروسي في اليونان (من اليونان) // ترجمة الظواهر السوفيتية الى اللغة الاسبانية في ادب امريكا اللاتينية (من كولومبيا) // الترجمة والرقابة (من روسيا) // ترجمات الادب الروسي في كوبا (من كوبا) .

المجموعة السابعة – الطاولة المستديرة ...الترجمة من الروسية والى الروسية – لغات شعوب روسيا ورابطة الدول المستقلة وجورجيا ...

(مختارات) - مشاكل ترجمة الكتب الى اللغة الجورجية (من جورجيا) // الموقف بشأن ترجمة الادباء الروس الى اللغة الاستونية (من استونيا) // خصائص واشكاليات ترجمة الادب من اللغات الاجنبية الى اللغة البيلوروسية في ظروف العولمة (من بيلا روسيا) // الترجمة الفنية في اوزبكستان – التقاليد والمشاكل والافاق (من اوزبكستان) ...

المجموعة الثامنة – الالهام لا يباع، لكن يمكن بيع المخطوطة !! (وكلاء الادب، دور النشر، المترجمون).

(مختارات) - من الذي يخبرنا عن الجديد في سوق الكتب الروسية ؟ (من بريطانيا) // ترجمة الادب الروسي في سوق الكتب الالمانية (من المانيا) // تقديم المشاريع الادبية الروسية للجمهور البريطاني (من بريطانيا) // عن الاعداد الخاصة لمجلة (الادب الاجنبي الروسية ) (من روسيا) ..

المجموعة التاسعة – مدرسة المترجم الشاب .. الترجمة الادبية – النظرية والتطبيق .

الطاولة المستديرة لقضايا ترجمة النثر والشعر . من تجربة مدرسة الترجمة الوطنية في اوزبكستان .

مشاكل ترجمة الادب الكلاسيكي الشعري من الاوزبيكية الى اللغات الاجنبية (من اوزبكستان) // قضايا ترجمة الادب الكلاسيكي الاوزبيكي الى اللغة الروسية (من اوزبكستان) //

دورة – (الشرق والغرب) – الترجمة الادبية والثقافات... .

خصائص ترجمة مفردات شعر يسينين الى اللغة الاسبانية (من اسبانيا) // الترجمات الالمانية للادب الياباني في المانيا (من النمسا) // ترجمة الهزل والهزل في الترجمة – ترجمة النثر الفرنسي المعاصر نموذجا (من روسيا) // الادب الالماني ومشاكل الترجمة الى اللغتين الكازاخية والروسية (من كازخستان)

دورة العالم السلافي –

ندوة الثقافات السلافية ومشروعها باصدار – (مائة رواية سلافية) (من سلافينيا وصربيا) // العودة الى الماضي كمطلب للحاضر (من روسيا) // الواقع المكادوني الجديد في مرآة الترجمات الروسية (من مكادونيا) // الرواية البلغارية في الترجمات الحديثة (من روسيا) // توسع العالم السلافي (من روسيا) // دستويفسكي بين روسيا والغرب (من صربيا) ......... وختاما اكرر – مرة اخرى – ان كل هذه العناوين هي منتخبات ليس الا مما استمع اليه المشاركون في هذا المؤتمر وليوم واحد فقط هو يوم 6/9 / 2014 . تحية لمعهد الترجمة في موسكو على تنظيمه الرائع للمؤتمر العالمي الثالث للترجمة الادبية .

 

"هاني فحص" يرتجل الضوء

rasha fadelوأنت تسافر في صوت فيروز، وفي عطر الوردة .. وبرق المسافة .. وخدّ الضوء .. ودمعة السماء الهاطلة بحنو أمّ على حماقة أولادها .. اكتب لنا من عليائك كيف يكون البكاء دهشة، ورعشة، وفتنة .. والشمس موّالا أشقر يتمدد في حضن الحقول، ووديان، الخضرة، والضوء .. وكيف تتحول النصال الى أعواد ثقاب تتهشم تحت خطاك الخاطفة نحو الضوء .. وشوق يهتف بك: تمهل قليلا، فلا تزال مرارة القهوة، والوطن على أولها .. والبحر على زرقته .. والوجع فتى نزق يرفض أن يبلغ سنّ الرشد ..

أن تواصل غناءك دون أن تقاطعك الأصوات الناشزة، والأرواح المستذئبة التي اقتفت حروفك المدافة بعسل اللغة، وترانيم الضوء المرتعش عشقا، وتصوفا لا يفهم الحياة الا نجمة آفلة، وأغنية عابرة بشجنها ورقصها وبكائها، لذا .. لم تكن تتقن لغة الفناء، ونصال الكلام، بل كنت تُشرع صدرك بتبغه الأخضر للريح كلما اشتدت الريح .. وكنت تطلق مواويلك مستأنسا بها فوق اصطكاك الخناجر المختبئة خلف العباءات ..

وحدث أن تكون موالا تغنى به أشقياء الحب، والوطن ..

وأن يكون عزفك المنفرد صوت الحكمة الذي اهتدينا به الى أصواتنا، وأغنياتنا القديمة، واستعدنا به الدبكة، ورقصة الفجر، والشمس، والليل، والهواء، والجبل، ورحنا نعانق الياسمين بماتيسر من جنون طفولتنا المصلوبة على المنابر ..

وإني إذ أكتب اللحظة عن رحيلك الذي فاح بالياسمين، والحب، والدموع، واللوعة، والتعاويذ التي افترشت الدرب نحو زرقة السماء، فإني أكتب عن أولئك الصغار الذين تتركهم أمهاتهم في منتصف الدرب وتجعلهم يتسلون ب(سأعود) !

 

ولسوء الحظ لسنا صغارا لنصدق ولا كبارا لنحلم !

ولرحيلك وقع اليقظة في عزّ الحلم .. أنت الذي علّمتنا أن الحلم رغيف الذاكرة، كيف لنا اليوم أن نصمت سعير الذاكرة، وهي تستعيدك محرضا على الحياة، والكلام، والحب، والجمال، والشعر في اللحظة التي تقرّر فيها أن تصمت، والى الابد ؟

كان عليك الاتكون رائعا الى هذا الحد، وصادقا الى هذا الحد، وحكيما الى هذا الحد كي لاتدعنا ننفضح بكل هذا الوجع المنسكب حبرا أحمر فوق البياض ..

وكان عليك أن تحزم في دربك نحو الشمس صوتك، وشعرك، ونثرك ونصّك، وابتسامتك التي تخبرنا أن الكون بخير، وإن كان يتدحرج نحو الهاوية !

والاّ تنسى، وأنت تلملم بقايا ضوئك عن حطب الأرض، وعوسجها أن تحزم مواويلك، وأصوات محبيك المزروعة في أقاصي العراق من جنوب القلب حتى شمال الروح .. حتى آخر ابتسامة خبأتها في جيب النخيل، وقلب دجلة، ومآذن النجف، وصوتك الذي صاح في نوبة عشق (لحظة توقف القلم عن الصرير، والحبر عن الهدير، والحمام عن الهديل، والجنوب عن الاشتعال، ريثما يشتعل ثانية، وثالثة، حتى آخر فلسطين .. وآخر عراقي، يعاني الجوع بين الفرات، ودجلة، أوان الرطب، في أرض السوادين، على مقربة من جيكور، وبويب، و"أبو الخصيب" .. والأهوار .. ومناخات السياب، الحاضر أصلاً في قصائدنا ومواجعنا)

لحظة توقّف القلم عن الهدير، وقلبك عن المواويل، ورحت تنثر أوراقك على سلم اللاعودة .. وصايا من عطر، وغياب نقرؤها كأننا لم نقرؤها من قبل .. نفك طلاسمها، والغازها، وشفراتها، ورمزيتها، ونحيلها الى أبجدية غيابك .. ارتحالك الذي يضرم الحبرفي القرطاس، والملح في الرؤية، واللوعة في الحنين كلما طالعنا ذلك الفراغ المدوّي لعمامتك التي كانت باستدارة وطن، وموسيقاك، وخمرة لغتك المعتّقة بمياه دجلة والفرات، وانحناء السعف، وبكاء الأرز، وأنت المسجل في مفكرة الغابات، وبساتين النخل إبنا بارا بالأرض والعرض، وشمسا تذرف النورعلى محبيها ولاعنيها وتمضي نحو قدرها المتورد في بذار الأرض خلقا طيبا وذكرا ناصعا، ومحبة تتردد في القلوب .. .

دعني اليوم اعترف لك إني بعد أكثر من عامين على لقائي بك في احتفالك بصديق روحك محمد علي شمس الدين .. ما زلت مأخوذة بلغتك التي ساحت على الورق، وبللت قلوبنا، وذاكرتنا بعسلها المداف بصوتك والقائك، وضحكتك، وابتسامتك، وغضبك، وغبطتك، ودهشتك، وجرأتك، و اندهاشتنا بك .. .

وانني ما زلت أستعيد كلماتك بذاكرة لم أحسبها على خير. .حتى استعدت بدقة كاميرا سينمائية صوتك والقائك، وضحكتك، ونظاراتك السوداء، وحروفك البيضاء حتى اننا رحنا نحتفي بك، ونتحلّق حولك عطاشى لدهشة اعادة اليّ الثقة بالشعر، والنثر، والدين، ورجاله الذين حدث أن تكون منهم لتعيد الينا صورة رجل الدين الذي يضمنا تحت خيمة حكمته لاطائفته ولادينه ولا تلقينه .. .

ولاعزاء لنا اليوم سوى صوتك الهادر كبحر بيروت، وهو يتلو علينا، وصاياك، وصلاتك لنا، ولأجلنا كأنك كنت تخطها لهذا الصمت الفادح .. لتكون صوتك بعد أن منحته للغيم، والمطر، والغياب .. (إني أعود الى المطلق، ما يكاد يكون مطلقاً قياساً على الأكثر محدودية لأذهب منه الى المحدود، أغريه بالكدح، لعله يصل، يقترب، فيحترق، أو يتحد فيضيع، يحلّ أو لا يحلّ .. والمهم، بل والأهم، أن لا نقف، لا على اليابسة، ولا على وجه الماء، ولا في عبابه، حتى لو ذهبنا جفاءً في الزبد، فإنه يمكث منا في الأرض، خير كثير وحبر كثير، وشوق كثير، وشعر كثير، ومجد كثير .. ويقوم الجمال بين ربوعنا، عبادة خالصة، غير مشوبة بطمع، ويمسي الإبداع اقترافاً، يشتبه فيه الإثم بالتقوى، ويتماهى اليأس، والرجاء، والجنون والعقل، والصمت والكلام، والوطن والجرح، والخبز والحبر) ..

 

رشا فاضل- بيروت

 

خواطر بغدادية .. أحلاها مُرْ

abduljabar noriلم أودع حبيبتي بغداد قبل عشرة سنوات لأعتقادي بأنّ الوداع يعني الرحيل السرمدي فلا بدّ اللقاء فتلك سمات وعلامات الحب العذري والعشق الصوفي المفضوح بدموعٍ غير أرادية، وهي توأم روحي حين يرتبط بها حبلي السري منذ الطفولة البريئة، وطيش الشباب فيها ملاعب صباي، ورفاقي وأصدقائي، ولأوكسجين أزقتها الحلوة النقية أنعاشاً لحواسي المتعبة، وتحية أجلال لشاعر الياسمين " نزار قباني " حين قال فيها : عيناك يا بغداد منذُ طفولتي شمسان نائمتان في أهدابي، وصباحات (فيروزية) بغدادية بعذوبة نسيمها العليل: بغداد والشعراء والصورُ ذهب الزمان وضوعهُ العطرُ، وكوكب الشرق أم كلثوم: بغداد يا قلعة الأسود، وجميع مظاهرها المدنية والحضارية تسلب اللب وتأسر الأحساس حين يقول الجواهري في دجلتها الرقراقة: حييتُ سفحك عن بعدٍ فحيّيني يا دجلة الخير يا أمّ البساتيني، أمْا الرصافة والكرخ حين قال فيها الشاعرالعباسي "علي أبن الجهم" المولود في (بغداد) عام 188 للهجرة: عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري .. أعدن ليّ الشوق القديم ولم أكن سلوتُ ولكن زدن جمراً على جمرِ .. وبتنا على رغم الوشاة كأننا خليطان من ماء الغمام والخمرِ، أم شارع الرشيد ونصب الحرية وشارع المتنبي ومقهى الشاهبندر وتمثال الرصافي و مدينة الألعاب وشارع فلسطين واليرموك والمنصور وملعب الشعب والكشافه والشورحه والشواكه وسوق حماده والكرادة وبغداد الجديدة ومدينة الثورة والحرية والقشله والأعظمية والكاظمية وقاسم أبو الكص والحاتي وكبة السراي ووووو آه يابغداد كم أنت رائعة ؟ .. والآن ألا يحق لي أنْ أوجه عتاباً وديأً؟؟ -عفواً ليس مسماراًعلى لوحة أمين بغداد - {عزيزي لقد رأيتُ مدينة الرشيد الزوراء مدينة الأحلام معكوسة !!! بل هي تموت كالأشجار واقفة، لا أسمع زقزقة عصافيرها ولا هدير دجلتها، وصدقني تمتمتُ مع نفسي بهذيانٍ صامتْ: رباه أهذهِ بغداد؟ .

أنّ جغرافية المدن – وأنت تعلم يا سيدي المسؤول - في كل العالم تخضع لقوانين وضوابط صحية وبيئية وعرفية أجتماعية وحضارية في تقسيماتها البلدية، أنا لا أطمح أنْ تكون بمستوى المدن الأوربية لأنه حلمٌ طوباوي غير واقعي!! غير مسموح لنا أنْ نحلم بهِ ونتمناه لأنّ "التمني رأس مال المفلس " حيث وجدتُ: 1-فوضى الأرصفة ألمكتظة بالباعة المتجولين، وبعرض جميع أنواع البضائع المتضاربة أحياناً الفواكه والخضر ألى جانب الأحذية والنعل – جلكم الله - والملابس ألى جانب بيع الأسماك والكل يروّجْ لبضاعتهِ بمكبرات الصوت، أو بمسجلات الصوت وهي ظاهرة غير حضارية يا سيادة الأمين . 2- والغريب يا مسؤولي المدينة أنّ بعض الأرصفة بنيت عليها أكشاك ثابتة من حديد وأسمنت أين قوانين أمانة بغداد منها؟ أليست هذهِ الفوضى بعينها؟. 3- وجدتُ – وأنا شاهد عيان – مطاعم على الأرصفة لتقديم أنواع الأطعمة !!!! .4- السيارات مركونة بعشوائية حينها يمكن وضع السيارات المفخخة بينها (وهنا تسكب العبرات) وهي سبب حصد الآلاف من الأبرياء وتخريب البنى التحتية وهي أشارة ألى الجهد الأمني لوضع قوانين رادعة وصارمة على المخالف. 5- فوضى سير السيارات بدون وجود الأشارات الضوئية، وأنْ وُجِدَتْ لاتحترم لغياب العقاب سيدي المسؤول أنا لا أدعو ألى محاربة الباعة المتجولين لربما يكونون من جيش العاطلين، ولا ألى قطع الأرزاق، ولكن ألى تنظيم المدينة ببناء أسواق خاصة لبيع البضاعة، وتخصيص مرئاب خاص للسيارات لكل منطقة، وتكملة الأشارات الضوئية في المدينة، ولبس حزام الأمان وأقتناء مطفأة الحريق وتاير سبير وأجازة سوق وسنوية السيارة (وهذهِ شروط الأمان حيث كنا مجبورين عليها في العهد العصملي !!!) 6- العقوبة والثواب: تطبيق قوانين صارمة ورادعة للمخالف لكل هذهِ الفقرات السلبية المذكورة وتكريم أحسن مواطن بجائزة أحسن مواطن وأحسنسائق .. والله من وراء القصد .

 

عبد الجبار نوري/ السويد

مساحة ود .. آنابولتيكوفسكايا وفيان دخيل

siham-alshujeiriحثت بدموعها خلايا العالم حين نثرتها بين اضلع ارض يباب، وبعثرتها بين الخطوات، ورمتها بوجوه صدئة، وبعيون خالية من اي بريق، وجدت استجابة قدرية، تحت قبة تسمى برلمان وطن يحترق، لا نجيد ان نغازل تاريخه او جغرافيته، الا بالدموع فقط، حبست نفسها وهي الحرة بيننا في آهات وصرخات، هي النائبة الدؤوبة فيان دخيل التي احتفلت بشجاعتها منظمة (RAW in WAR) الحقوقية (Reach All Women in WAR) (الوصول إلى جميع النساء في أوقات الحرب) بمنحها جائزة آنابوليتكوفسكايا، كان صراخها ودموعها رسالة احتجاج يقينية بوجه الظلم والعدوان، ومناصرة شعبها وناسها وحمايتهم من الإرهابيين، وقالت ناتالي لوسكولت ممثلة الجهة المانحة للجائزة إنها تمنح لمن يخاطرون بحياتهم دفاعا عن النساء والبنات في العالم وأثنت على شجاعة دخيل "المذهلة" واصفة اياها بأنها امرأة رائعة، وإنها لا تنتقد الفظائع وحسب وانما توصل المساعدات شخصيا وتفعل كل ما هو ممكن لمساعدة شعبها وتعزز هذه الجائزة الأصوات وتدعم أفعال نساء مثل فيان ومن الاهمية بمكان أن ينصت العالم إلى شجاعتها، وتلك الجائزة أسستها الصحفية البلغارية ماريانا كاتساروفا، عام 2007 بعد عام من اغتيال آنا بوليتكوفسكايا الصحفية الروسية التي كانت معروفة بتقاريرها حول انتهاكات حقوق الانسان في جمهورية الشيشان والجمهوريات الأخرى في شمال القوقاز، والتي قتلت بالرصاص في موسكو في السابع من تشرين الاول 2006 عن 48 عاما، إذ استسلم جسدها للموت مثل اي محارب بعد ان اطلق عليها مسلحون مجهولون النار وذهبت ضحية بحثها عن الحقيقة، وفازت بعدة جوائز عالمية ومنها جائزة اليونسكو-غييرموكانو العالمية لحرية الصحافة للعام 2007 بناء على توصية لجنة تحكيم دولية مستقلة تتالف من اربعة عشر صحفيا محترفا ومدير نشر في العالم، وهي المرة الاولى التي تمنح لشخص بعد وفاته، و(آنا) اثبتت شجاعة وصلابة مذهلتين من خلال مواصلة تغطيتها لأحداث الشيشان وبحثها المستمر عن الحقيقة، ونقلها للناس بعيدا عن تاثيرات السياسة والمال والشهرة، الفت (آنا) كتابا عن حرب الشيشان بعنوان (رحلة الجحيم) وآخر عن غرباتشوف، وتحولت مقالاتها، حول الأوضاع في الشيشان إلى العديد من الكتب وتابع القراء في العالم تحقيقاتها ومنشوراتها من خلال صحيفة نوفيا جازيتا الروسية المعروفة بتحقيقاتها التي تغطي الشؤون السياسية والاجتماعية الروسية الحساسة، واتهم الكرملين بقتلها بتوصية من بوتين بعد تأليفها لأشهر كتبها (روسيا بوتين) جاء ذلك وفق شهادة زميلها الصحفي الكساندر ليتفينينكو الذي تم اغتياله بعد شهادته بمادة سامة عام 2010، وفي دورتها السابعة عام 2013 منحت الجائزة للفتاة الباكستانية ملالا يوسف زاي لشجاعتها في مواجهة طالبان والعمل على نشر تعليم الفتيات في أكثر مناطق باكستان تخلفا، والتي أصيبت برصاصة في الرأس داخل حافلة مدرسية عام 2012 على يد عناصر من حركة طالبان التي اعلنت مؤخرا تحالفها مع تنظيم داعش الارهابي، بسبب نشاطها في مجال تعليم البنات، كما حصلت ملالا على جائزة نوبل للسلام لهذا العام، وقبلها (2012) منحت جائزة آنابولتيكوفسكايا للناشطة الحقوقية والمحامية السورية رزان زيتونة، وهذه دورتها الثامنة مُنحت للنائبة فيان دخيل، لمطالبتها بحماية الايزيديين واللاجئين والمحاصرين في البلدات والقرى التي يسيطر عليها تنظيم ارهابي، بعد ان نجت من حادث تحطم طائرة هليكوبتر، بينما كانت تنقل مساعدات للايزيديين في جبل سنجار بشمال العراق، وفيان التي عرفت بأدائها البرلماني الملموس والواضح للعراقيين، كانت متصدية وجريئة لشتى انواع الفساد الاداري والمالي في المؤسسات كافة، لا تأخذها في الحق لومة رئيس كتلتها او الحزب الذي رشحها، ولم تكن ممثلة عن المكون، كانت ممثلة عن العراقيين جميعا، بعثت برسائل إلى نساء من صاحبات النفوذ حول العالم من بينهن ميشيل أوباما زوجة الرئيس الأمريكي واتصلت بجماعات لحقوق الانسان لمطالبتهم بإنقاذ عوائل سنجار، كان اول عمل فعلته فيان بعد استعادت وعيها بعد عملية في ساقها المكسورة الاتصال بمن يقدمون المساعدة لليزيديين، مبروك الجائزة لفيان العراقية ومبروك لنا بعراقيات يشبهن فيان دخيل وما اكثرهن.

 

مع محمد أركون في ذكراه

نتذكر اليوم "محمد أركون" المفكر الجزائري الأصل وصاحب الإسلاميات التطبيقية، في ذكراه الرابعة في ظروف لا تقل قتامة وسوداوية عن تلك التي ساهمت في إبرازه كمثقف لا ينفك يبحث عن جذوره. تمر ذكراه والأوضاع هي الأوضاع، الصوت المرتفع هو ذاته الصوت النشاز بالنسبة للراحل المرهف، الإنساني الرقيق، الذي لم ينفك كما يخاله البعض يراهن على جواد "الأنسنة" الخاسر.. لم يتغير شيء اطلاقا، الواقع اليوم هو الواقع المخرب نفسه، الواقع المعتم الذي تسوده مناخات تعبق برائحته الكريهة، رائحة الفوضى، والردة الأصولية الظلامية التي تؤدي دور "عاهرة" تتلاعب بها الأصابع القذرة للمكيافيللية السياسية، وكأن الراحل في ذكراه يشتد غيابا، كأنه يحثنا على مرثية تنعى فيه رحيلا مضاعفا: موت الجسد ومجانية الفكر والمنهج الذي قضى عمره في تعبيده.

ولكن "المرثية" تحثنا على أكثر من ذلك، إذ نتذكر "أركون" ولكن على نحو إشكالي، نستعيد ذكراه على شكل سؤال مؤرق: أين هو أركون من كل هذا؟ أين هو وسط التراجعات التي تخطت التدين التقليدي مرورا بتصور نهضوي لإسلام متنور منفتح وصولا لأشد القراءات حرفية وجهالة؟ ولكن أولا وقبل ذلك أين يكمن الخطأ؟ أين تكمن الأزمة؟ أفي المنهج والفكر أم الواقع الإسلامي الواقع بين سندان المنظورات الأحادية والجامدة للهوية ومطرقة حداثة مشوهة ومنتهكة بغطرسة المركزية الغربية؟

أركون نفسه يشبه واقعه الذي أنتجه، من حيث خطابه الذي كرسه لنقد مزدوج يستهدف تلك المطرقة وذلك السندان: ولد محمد أركون المنتمي للأقلية الأمازيغية عام 1928 في بلدة جزائرية، وقد عركته الصدمة الثقافية وهو صبي حين التحق بمدرسة تبشيرية قبل دراسته الأدب والتحاقه بجامعة "السوربون" في باريس تحت رعاية المستشرق المعروف "لويس ماسنيون" صاحب أطروحة الخيال الخلاق والمهتم بدراسة الفلسفة الصوفية كما هي تحديدا عند محي الدين ابن عربي.

تظلل أركون تحت واقعه الإشكالي منذ ولادته، بل يمكن القول أنه نشأ في قلب المشكلة التي تحيط به، تماما كما تحيط بنصه ورحيله وذكراه، نشأة تعالقت على نحو جذري مع إشكالية "الهويات القاتلة" بتعبير أمين معلوف، الهويات المركبة والمزدوجة القابعة في قلب التنافرات بين الأقلوي والحضاري السياسي، بحيث تعزز السمة الأقلوية للهوية "الأمازيغية" الجمود التاريخي والواقع المتأخر لمجتمعات تعاني من الهيمنة الخارجية الاستعمارية، مما يزيد من فداحة الإحساس بالمهمش والموقع الهامشي، هامشية مضاعفة هي في الآن نفسه الدافع والعنوان الذي يفسر الاختيارات المنهجية والتشخيص الأركوني للأزمة: الداء الماثل في الأصولية، كما في الهيمنة المتغطرسة للغرب.

غير أن الاهتمامات الأساسية عند محمد أركون اهتمامات منهجية، النص الأركوني يقف على تخوم النص، هناك ما يشبه المراوحة المنهجية، بحيث تبدأ كل الأعمال بصيغة "نحو"..نحو أنسنة، نحو تاريخ مقارن، نحو اسلاميات تطبيقية، نحو إسلام منفتح وحداثي..الخ، كل شيء يتخذ صيغة الطريق المؤدي إلى النص المراد تشخيصه وتحليله وتفكيكه، كأن أركون مهندس ليس إلا، "مهندس طرق" بارع، كما لو كان النص مجرد عتبة لنص آخر لا يتجاسر أحد على اقتحامه، هو ذلك النص الذي لم يزل عصيا ومستغلقا ومتعاليا على التاريخ والنقد العقلاني.

وإذ يقدم المقترح الأركوني المنهجي ذاته كدعوة لتطبيق أدوات النقد المعاصر ومناهجه المعرفية "التاريخية واللسانية والأنثربولوجية" على النص الديني، فإن المكوث الطويل في دائرة المنهج والطريق وافتقاد الجسارة اللازمة لتجاوز العتبة نحو النص نفسه، أي "الإسلاميات التطبيقية"، يلوح كمأزق سيكولوجي هو تعبير وامتداد في الوقت نفسه لمآزق النشأة والهوية الإشكالية، كأن في التأكيد الهوسي على المنهج اعتراف ضمني بقوة الخصم الأصولي وشراسته من جهة، وحصانة النص واطلاقه من جهة ثانية، والشك بمآلات المشروع ونجاعة المنهج ذاته في وسط اشكالي معقد من جهة ثالثة.

هناك من يرى على العكس الضرورة الحتمية للمنهج، ليس لأن عتبة النص وكيفية اقتحامه هي الخطوة الأكثر أهمية من ولوج النص ذاته، وإنما أيضا لتركيب الظاهرة وتعقدها واستثنائية الواقع واللحظة التاريخية لواقع ثقافي وجغرافي ملتبس هو جنوب وشرق البحر المتوسط، حيث الإشكالية إشكالية منهج، تعقيد الظاهرة مدعاة لتعقيد المنهج، وما التقدم الذي أنجزه الغرب الحديث إلا تقدم مادي مقترن أولا وقبل كل شيء بتحولات المنهج، وباختصار شديد، تكمن الأزمة في فارق أساسي بين رؤية مدعومة بالمنهج وأخرى تفتقد أدواته.

على هذا النحو، تعبد المراوحة المنهجية المنشودة رؤية مزدوجة للنص، تدعو إليه وضده في الآن نفسه، تستعيده على نحو نقدي، وتعيده إلى موطنه التراثي، إي إلى التاريخ.. بمعنى آخر، لا يستهدف الجهد المنهجي الذي يبذله محمد أركون شيئا سوى قراءة التراث ولكن لتجاوزه، تجاوزا تضمينيا ربما، وربما للقطيعة معه، إن الوعي بتراثية التراث هو ما تدعونا إليه المراوحة في المنهج، بحيث يتقلص الفارق بين رؤية تراثية ورؤية حداثية إلى فارق نوعي في الوعي، بين وعي بالتراث وجهل بسمته التراثية، الأمر الذي من شأنه التمييز بين رؤية حداثية ورؤية تراثية تتنازعان التراث نفسه.

على أن المنهج الذي يدلنا عليه أركون لا يتوقف عند هذا الموضع الحيادي البارد بين تراثين أحدهما متعالي والآخر تاريخي، وإنما يسمح لنفسه بشيء من الإنحياز، الحداثة بالتأكيد هي المفضلة عند أركون، ليس اعتباطا وتعسفا، بل لأن ثمة حالة من الممارسة الإغتصابية والتشويهية تطال دائما التراث جاعلة إياه مفارقا للواقع والتحديات والتاريخ، تأبيد التراث يمنح أسبقية للتراثي، للقروسطي والأصولي وذلك طبعا بإضفاء طابع لا تراثي على التراث، أي على حساب شروطه المعرفية، ولعل هنا تحديدا تكمن أهمية "محمد أركون"، إذ أنها تكشف لنا الدافع الرغبوي الذاتي لحراس وحماة هم أكثر جهلا بالتراث: ليس التراثي سوى ذرائعي وصولي.. !

 

باتريك موديانو بين البحث عن الهوية وفقدان الأمل

saman soraniالروائي العالمي باتريك موديانو (Patrick Modiano) المولود عام ١٩٤٥ في بولون- بیانكور الواقعة في شمال فرنسا، الذي يعد أهم كاتب فرنسي منذ التسعينيات القرن الماضي وحتی الآن والذي حصل علی العديد من الجوائز الأدبية القيمة داخل وخارج فرنسا يحصل اليوم علی جائزة نوبل للآداب. فضاءات ومسارح أعمال هذا الروائي هي باريس مكة الحب بشوارعها وحاناتها وحدائقها ومواصلاتها فهي إحدى أكبر مراكز الفن في العالم الحاضنة لبرج إيفل وقوس النصر ومتحف اللوفر وقصر فيرساي، التي كانت المقر الرئیسي للثورة الفرنسية.

حياته نسيج من أنين الذات وخيال كثير الظل يبحث فیها زمنياً عن سيرته الشخصية الشبه قاتمة والمضطربة وخاصة في فترة طفولتە ومراهقته ومكانياً عن باريس، باريس الستینات من القرن الماضي، حيث العتمة السياسية والأمنية. يمکن هنا أن نقول بأن طيف والده الإيطالي من أصول يهودية والذي كان مشتبها به في قضية إضطهاد اليهود في فترة فرنسا الفيشية (١٩٤٠-١٩٤٤)، الحكومة العميلة للنازية، قد وسم سيرته الشخصية. كان الوالد يعيش بسبب هذه التهمة في نوع من الإختفاء والهروب المستمر، الی أن مات بطريقة غامضة لم يعلن بعد ذلك مكان دفنه. وغياب الوالد كان يعني لباتريك غياب الأم لويزا كولبن، الممثلة من أصول بلجيكية، أيضاً.

قطع باتريك علاقته بوالده في سن السابعة عشرة ولازم شقيقه الصغير رودي، الذي مات وهو في العاشرة من عمره وكان لموته أثر شديد علی نفسه. عاش طفولته ما بين الجدة، والمربيات، وصديقات الوالدة، والمدارس الداخلية و نشأ مفتقداً العاطفة والحضن العائلي. إذن طفولته ومراهقته وحياته كانت مليئة بالحزن والتفرد. وهو القائل بأن الحياة عبارة عن باقة من الصور القديمة في صندوق الذاكرة.

نشر موديانو خلال السنوات الأربعين الماضية قرابة عشرين رواية منها "سيرك يمر، محلب الربيع، بعيداً عن النسيان، مجهولون، الجوهرة الصغيرة، حادث مرير، مسألة نسب، وفى مقهى الشباب" وغيرها من الروايات. ترجمت الكثير منها الی ٣٦ لغة ومنها أربعة روايات "شارع الحوانيت المعتمة، مقهی الشباب الضائع، مجهولات، الأفق" ترجمت الی العربية.

التوحد، التوحش، الإنغلاق النفسي، الحب الضائع، فقدان الذاكرة، ضياع، جنوح، ألم، البحث عن الجذور والهوية، إخفاء الإسم والهوية، العذابات الشخصية، الماضي، الحرب، المطاردة، البحث عن الأماكن والساحات التاريخية منها والحاضرة، النبش في الماضي والصور لإعادة تركيبها في مشروع عبثي يهدف الى معاودة رسم الحياة هي المواضيع الرئيسية في روايات هذا الكاتب العظيم. إنها معالجة فنية رائعة لفترة الأربعينات من القرن الماضي وأحداث الحرب العالمية الثانية بأبعادها الاجتماعية وتأثيراتها العبثية والفوضوية.

عالم باتريك موديانو حقاً رائع وكتبه حسب قول بيتر إنغلند السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية "تتحاور بعضاً مع بعض، حيث تتكرر فيها مواضيع الهوية وفقدان الأمل". أما نزعته الروائية فهي تميل الى الشك اصلاً في هوية الكائن والافراد والسعي الی البحث عن الهوية المفقودة والمنسية.

أما لجنة جائزة نوبل للآداب في ستوكهولم فقد أعلنت بأن باتريك موديانو استحق الجائزة بفضل "تمكنه من فن الذاكرة وإنتاجه أعمالاً تعالج المصائر البشرية العصية على الفهم، وكشف العوالم الخفية للاحتلال". صوت الذاكرة عنده يعلو فوق كل الأصوات، صوت تغوص في التاريخ والسوسيولوجيا والتحليل النفسي ، لذا يلقب وبحق بمارسيل بروست (١٨٧١-١٩٢٢) العصر، الباحث عن الزمن المفقود. بحصوله علی هذا التتويج العالمي تمكن موديانو من تسجيل الفوز رقم 15 لبلاده بنوبل في مجال الأدب.

 

الدكتور سامان سوراني

 

معركة كرزرك

murad madoماكتب عن هذه المعركة هو على لسان، كل من: حاجم كارص دومو، وامين كولوص، وعبدو مطو، الياس حاجم دومو، سليمان حسن، وخوخي حجي، واخرين .

ضمن السياقات العسكرية المعروفة ان الشجعان عادة مايقعون بالعدو خسائر كبيرة، وتكون الضحيا بينهم قليلة .. كانت معركة كرزرك، المعركة الاولى التي دخلها الايزيدين مع مجموعة من البيشمركة ضد الداعشين في مجمع كرزرك (العدنانية) في يوم 3/8/2014 .. ابدوا شجاعة في القتال، وكبدوا العدو الداعشي باكثر من 150 قتيلا، في حين لم يكن شهداء كرزرك بأكثر من 23 شهيدا .. حتى قال الداعشيون انفسهم لو قاتلت كل القرى مثلما قاتلت كرزرك، وسيبا شيخ خدر، لما دخلنا سنجار ابدا ..

حاولت جاهدا ان احصل على كل المعلومات، والخبايا التي حصلت في المعركة، وقبل المعركة، وبحثت عن الاشخاص الذين قاتلوا فعليا في المعركة .. وكان من ضمن هولاء الابطال الذين صمدو في وجه الهجوم الداعشي ومدرعاتهم الى اخر اللحظات المقاتل حاجم كارص دومو مختار قرية كرزرك. الصدفة هي التي قادتني اليه، حيث يسكن في هيكل من الاسمنت مفتوح على السماء في مجمع شاريا، رجل في العقد السادس من العمر، حنطي البشرة، قصير القامة، بشارب كث، في عينيه ألما، وقسوة .. يتوسل للحصول على اسلحة للعودة الى الجبل. انه من مواليد 1947، الا انه ابدى مقاومة وبسالة الشجعان، وشهد مقتل اخيه، وشابين من اقاربه .. كذلك الشجاع امين كولوص، واخرين كثيرين، دافعوا ببسالة، والبعض منهم روت دماءهم ساتر كرزرك .. التقيت بنساء من كرزرك، امتثلوا الشجاعة وكانوا عونا وقت الشدة لرجالهم وابنائهم .. انه ديدن المراة الايزيدية، الصلابة، والقسوة، والتحمل، والشجاعة .. المعركة تجري على بعد مئات الامتار منهم، يخوضها ازواجهم وابائهم، وابنائهم، معركة غير متكافئة بالسلاح والعتاد والمقاتلين .. معركة قاوم بها مجموعة من الابطال الى وجه الصباح .. الى ان كلت اياديهم من اطلاق الرصاص، ونفذ العتاد .. انتظروا بفارغ الصبر ساعات لتاتيهم المساعدة من الخلفيات دون جدى، خذلوا من الخلف .. وكانت الهزيمة الموءلمة .. مع صباح اسود، ملابس سوداء، لحى كثة سوداء .. والة بشرية بشعة تطحن البشر بلا رحمة ..

حاجم كارس دومو قال: كنت في الساعة السابعة والنصف مساء عند قاسم ششو، بينما كنت جالسا، جاءه تلفون يستفسر عن الوضع، قال له ششو : حسب معلوماتنا ان داعش سيداهمون مركز القضاء، قلت له بعد ان انتهى : اعتقد انهم سيضربون كرزرك لاننا الاقرب اليهم والقرى العربية قريبة منا .. قال : اذا حدث شيء لن نقصر وسوف نمدكم بالقوة ..

ذهبت فورا الى البيت في كرزرك، العائلة كانت في قلق، قلت لهم لاتخافوا، مادمنا احياء فانهم لن يصلوا اليكم .. تناولت شيء من الطعام، حملت جعبتي، وبندقيتي الكلاشنكوف وتوجهت الى الساتر، في الوقت الذي كان القلق ينتابني، في ذات الوقت كانت هناك ثورة في داخلي لانتقم منهم، فالداعشين قبلها بشهرين قتلوا اخي حجي كارس، وسبعة اخرين من اقربائي، قتلوهم في المنطقة الواقعة مابين بعاج وكرزرك.

ـ مجمع كرزرك مجمع صغير قياسا الى المجمعات الاخرى، اغلبه من الايزيدين، وقلة من المسلمين الكورد من عشيرة السرحوكين، كنا قد احطناه بساتر ترابي دائري من كل الجهات، ووضعنا مابين كل خمسين متر نقطة، يكمن فيها عشرة اشخاص .. الى الجنوب من كرزرك، يقع قضاء البعاج، وجل ساكنيه من العرب ويبعد عن كرزرك 15 كم تقريبا .. وايضا قرية خلف بازار، وساكنيها من العرب وتبعد 5 كم عنا تقريبا .. وامامنا بمسافات متفاوته توجد ثلات مزارع، واحدة على بعد 150م تقريبا، والثانية على بعد 400م تقريبا، واخرى على بعد 1 كم تقريبا، وهناك بيت يطلق عليه مالا حجكو، يبعد قليلا عن المزرعة الثالثة، كان سابقا مقر طواريء بعاج الاول، انسحب الجنود منه بعد هروب جماعة المالكي من الموصل .. الى الشمال من كرزرك، يكون قضاء سنجار، والجبل الذي يبعد عنا بحدود (20كم) .. الى الشرق المفرق للشارع المبلط، حيث وجود البيشمركة النظاميين مع وجود 3 دوشكات، رباعية، ودوشكا 12، وواحدة 14 ونصف .. الى الغرب قرية كرزرك القديمة وهي تبعد بحدود مائة متر عن النقطة التي كنت متواجدا فيها .. على سطح داره كان الشاب الشجاع علي مطو خدر صالحوك .. يقتص الدواعش من بندقيته (البرنو) ..

في وسط المجمع كانت نقطة لمجموعة من البيشمركة معهم هاون ..

قال حاجم هكذا كان وضعنا، واكمل: قبل ان يهاجمونا بعدة ايام ذهبنا الى الفرع وقلنا لهم .. لماذا لاندخل الى هذه المرازع فهي فارغة .. لم ندخلها .. ؟ هم دخلوا فيها، وكان يطلقون علينا النيران بين فترة واخرى .. وابلغنا الفرع بانهم يطلقون النيران من فترة واخرة .. قالوا لنا لاتخافوا، لاتتحارشوا بهم، وهم لن يتقدموا اليكم .

كنا نرى من الساتر الدواعش في هذه المزارع، نراهم وهم يلزمون واجباتهم .. كان عددنا على الساتر الدائري مايقارب 250 مقاتلا .. كان هناك بيننا 30 بيشمركة من الشجاعان، والله قاتلوا ببسالة، واستشهد منهم ثلاثة .. اسلحتنا كانت خفيفة، وكان عندنا في الجهة الغربية 3 بي كي سي، و دوشكتان تعود للبيشمركة ..

ـ معنوياتنا كانت عالية للقتال، والمقاومة ضد هولاء المجرمين، وكنا في تلك الليلة على اهبة الاستعداد. اذكر انه جاءنا تلفون من احد الخيرين يخبرنا ان هناك قوة كبيرة في بعاج واطرافها وانهم سوف يهاجموننا، وطلب صاحب التلفون ان ننقذ ارواحنا .. وسبق ان اتتنا الكثير من هذه المكالمات، ولم نكن نصدقها، كنا نقول انها لغرض تخويفنا، واهباط معنوياتنا ..

في ليلة 3/8 / 2014 .. شاهدنا تحركات غير طبيعية .. مع المساء، عشرات السيارات الرباعية الدفع تقترب من قاعدة مالا حجكو، ومنها تتوزع، البعض منها ياتي الى المزارع، والبعض الاخر باتجاه سيبا شيخ خدر .. الكثير من السيارات والهمرات بقت في القاعدة او توجهت الى المزارع القريبة منا .. عند وصول السيارات الى هذه الاماكن كان يطفئون اضواء سياراتهم .. بقينا على هذا الترقب الى الساعة الثانية وعدة دقائق بعد منتصف الليل .. بعدها راينا ثلاث سيارات ماليزية تتقدم باتجاهنا (نقطتنا تقع في الجانب الجنوبي الغربي) .. توقفت بمواجهتنا، على بعد اقل من 100 متر .. نزل واحد وقال :

نحن الدولة الاسلامية عراق والشام، سلموا انفسكم، كان من حديث الرجل يبدو انه مطمئن من اننا سوف نسلم انفسنا ولن نقاتل .. كنا قد حبسنا انفاسنا، واخذنا وضع الاستعداد للقتال .. بعد ثواني اطلقت رصاصة مذنب الى السماء، مع تلك الاطلاقة بدأوا بالهجوم .. اطلقنا نارا كثيفة على السيارات الثلاث، احترقت السيارات، احترقت كل اللحى .. تقدمت قواتهم الى الامام، وبدأت نيرات رباعياتهم مثل سهام نارية تحرق اجواء ليلنا .. الهاونات في المزارع صارت تمطر المجمع بمئات القذائف ؛ حتى خال لنا ان المجمع احترق ..

قال سليمان حسن، الذي كان ينظر من مزرعتة الموجوده في جهة الشمال من كرزرك : كنا ننظر،انا واخواني من فوق سطح الدار الموجودة في المزرعة، ننظر الى سياراتهم التي تتقدم .. التي تتجهة الى سيبا، او التي تركن في الجنوب من كرزرك، كنا ننظر بقلق، واحيانا نقول لبعضنا لايعدو الامر اكثرمن تحركات اعتيادية مثل كل مرة، لكن فجاة بعد منتصف الليل انفجر رعد من الاصوات المختلفة اصوات هاونات، دوشكات، بيكي سي، الاطلاقات انطلقت من فوقنا، رمينا انفسنا الى الاسفل ..

قالت خوخي حجي : البعض منا كان قلقا، والاخر خائفا .. الجيران يتجمعون عند بعض، لم نكن خائفين كثيرا، كان هناك رجال القرية بصلابتهم وشجاعتهم، والبيشمركة معهم، وخلفنا الالاف من البيشمركة، لكن مع ذلك كان القلق يدب الى نفوسنا .. صعدنا الى السطوح، نهلهل للمقاتلين، نصرخ عليهم اقتلوا هولاء الكلاب، لاتدعوهم يقتربوا منا .. لكن سماء القرية بدأ تمطر بقنابر الهاونات، بدا الصراخ، صرخت جارتنا من البيت الثالت .. ان ناصر عرب وزوجته قتلا من جراء القصف .. صرنا نرمي انفسنا، نحمل الاطفال النائمين وننزلهم الى الغرف .. في الصباح الباكر صرنا نهرب من القرية باتجاه الجبل .. ان اهالي قرية رمبوسي ساعدونا كثيرا، لقد جاءوا بسياراتهم والكثير منها كانت لوريات اركبونا بها واخذونا الى طرف الجبل ليعودوا وياخذوا اخرين، مثل سليمان احمو، وبيت خدر جاسو .. رغم ذلك سار الكثير منا مشيا على الاقدام الى اطراف الجبل .. وقد شارك الكثير منهم بالمعركة.

ـ استمرت المعركة الى الثالثة ونصف بعد منتصف الليل، كل السيارات التي كانت تقترب كنا نلقنها درسا بنيران بنادقنا .. ، في الثالثة والنصف، هربت الكثير من سياراتهم الماليزية الى الخلف .. لكن قنابر الهاونات التي كانت تسقط على بيوتنا، كانت تحرق قلوبنا، لم نكن نعرف اي من افراد عائلتنا قد استشهد او جرح ..

كنا نراهم وهم يلقون علينا النار من هاوناتهم، وقد قتلنا الكثيرين منهم ..

كنا نملك قاذفة واحدة ومعها ثلاث صواريخ فقط، اطلقنا الصاروخ الاول باتجاه المزرعة في محاولة لتدمير الهاونات المنصوبة، وضربنا بالصاروخ الاول الغرفة الجانبية وتم تهديمها، والقنبرة الثانية، كانت فاسدة، واطلقنا الثالثة على حوض الماء في المزرعة، الذي كان بقربة ايضا مدفع هاون .. بذلك، انتهى عمل قاذفتنا الار بي جي 7 ..

هم كانوا يطلقون بصواريخ قذفاتهم بلا حساب، مرة عندما اطلقوا صارخ قاذفة، حرقت الهبة الخلفية للصاروخ اكوام التبن المتكونه خلف الرامي، مما اعطانا مجالا جيدا للروءية، وبذلك كنا نراهم وهم لايروننا، على اضواء النيران كنا نقتنصهم، قتلنا اكثر من 30 واحد منهم على تلك الاضواء ..

الى يساري في كرزرك القديمة، كان عبدي مطو خدر صالحوك واخوه، من فوق داره، يحصد الدواعش ببندقيته (البرنو) .. واستمر بالقتال الى ان جرح ..

قال عبدي مطو صالحوك : كان بيتنا قريبا من ساحة المعركة، وخاصة ان الثقل الكبير من المعركة، واقتحام الهمرات كان من الجانب الغربي، كنت املك بندقية برنو، صعدت السطح انا واخي، ومع بدا المعركة، كنا نقاتل بهمة الى ان جرحت ..

يكمل حاجم كارس دومو: العتادعندنا بدأ ينفذ، بعد قتال دام ساعة ونصف تقريبا، انسحبوا الى الخلف، البعض منا قال انهم لن يتقدموا للقتال ثانية، الا اننا توجسنا قتالهم بعد ان وصلتهم قوة اضافية، وبدأوا بأعادة تنظيمهم، كنا جميعنا نتصل بالخلفيات، ونقول لهم ان عتادنا بدا ينفذ، وقد جاءت قوات اضافية لهم. اسرعوا لنا بالعتاد، نحن بحاجة ماسة الى صواريخ دروع، اذا ماتقدمت الهمرات فاننا لن نستطيع ردعها .. يجيبوننا .. كل مرة يقولون لاعليكم، بعد نصف ساعة يصلكم العتاد، وايضا قوات اضافية ..

قال المقاتل دخيل : خابرني الياس حاجم كارس من خط المعركة قائلا:

دخيل اسرع الى الفرع وابلغه اننا بحاجة الى عتاد وقوة اضافية .

انطلقت مع اثنان من اقاربي،زياد، وكلعوا، بسرعة بسيارتي الى الفرع، وهناك رايت تجمع كبير للبيشمركة، وتحدثت معهم : ان البيشمركة والمقاتلين على ساتر كرزرك في مازق، وهم بحاجة ماسة الى العتاد وقوة اضافية .. قالوا لي : سنذهب الى هناك تعالوا معنا .. وذهبنا، لكني استغربت وقوفهم عند قرية رمبوسي، وقلت لهم لماذا الوقوف هنا؟ قالوا نحن نسير حسب الاوامر، ويجب ان نقف هنا .. وذهبنا نحن باتجاه كرزرك ..

قال المقاتل امين كولوص : في الثامنة مساء، زارنا العقيد محمد، وقال لنا: اذا ماحدث اي قتال فان هناك قوة ستلحق بكم على الفور، بعدما قلنا له ان عتادنا ضعيف، وليس لدينا الا قاذفة واحدة تعود الى، ملك قاسم نمر (كان قد اشتراها فيما مضى على حسابه الشخصي). يضيف امين : كنت في الجانب الشرقي من الساتر، مقابل برج اسيا .. الى يميننا كان المفرق حيث تتواجد الدوشكات الاربع، اما اسلحتنا فقد كانت خفيفة، كلاشنكوف، اربي كي، وبي كي سي واحدة مع 500 اطلاقة، كل واحد منا كان عنده 120 اطلاقة .. عندما بدا القتال في الساعة الثانية والربع تقريبا، تقدمت ثلاث سيارات الى الجنوب الغربي حيث نقطة حاجم كارس ومجموعته، كنا نرى نيران مجموعتنا وهي تحرق السيارات، في الساعة الثالثة والنصف هرب الدواعش الى الخلف، وراينا الكثير من السيارات تتجه من المزارع الى القواعد الخلفية،في هذه الاثناء كانت هناك مناوشات خفيفة، واطلاقات من القناصين .. في الرابعة صباحا سمعنا اذان الصباح (ربع مجمع كرزرك من الكورد المسلمين واغلبهم من السرحوكين)، في الرابعة والنصف تقريبا سمعنا الاذان مرة ثانية،،قبل الهجوم بلحظات اخبرني اخي زياد، ان والدتنا قد ماتت من جراء القصف، كان الوضع مأساوي .. مالعمل امي تموت ونحن هنا، قلت لزياد، اذهب انت وتاكد من الخبر، وفي كل الاحوال عليك ان تعود سريعا .. وبدا الهجوم المكثف في الرابعة صباحا، وبدا سياراتهم باستقامة من الجنوب، وايضا من الشرق والغرب .. من الشرق حيث موجود انا انطلقت السيارات من قاعدتها من برج اسيا .. تقدمت 5 سيارات باتجاهنا، اطلقنا عليهم بنيران كثيفة، وكانت النيران فعالة عليهم من قبل دوشكات البيشمركة في المفرق، وايضا جاءتهم عدة قنابر هاون من وسط القرية، حيث نقطة البيشمركة كانت هناك، تم حرق سيارتين، واحدى هاتين السارتين يبدو انها كانت تحمل جليكانات بانزين، لانها عندما اصيبت بقنبرة هاون من الخلف، احترقت بالكامل، وقد راينا احد الدواعش تلتهمه النيران وهو يركض .. وبسبب النيران الكثيفة وخاصة قوة نيران الدوشكات، غيرت السيارات الثلاث الباقية اتجاه سيرها نحو الغرب، ومن تلك النقطة حيث كان حاجم كارص ومجموعته، تقدمت ايضا الهمرات ..

قال الشاب الياس حاجم دومو: تقدم همر نحونا، وكان يعلوه اثنان من الدواعش في ايدهما بيكيسيان، حاول الهمر اجتياز الساتر،، اطلقت وجماعتي عليهم نيرانا كثيفة، قتلنا الاثنين، حتى ان واحدة من البيكيسي سقطت فوق الساتر .. بعد قليل تقدم همر اخر باتجاه نقطة والدي، حيث كان والدي يقاتل بشراسة رغم كبر سنه .. وحينها استرحمت والدي ومجموعته عندما رايت الهمر يضرب نقطته، وبعدها يتجاوز النقطة ويدخل المجمع، حيث كان انسحابنا، بعد تجاوز الهمر للساتر من نقطة والدي اضطرننا للانسحاب، وكنا نحن اخر المنسحبين، كان المجمع شبه فارغ، وكنا نهرب الى داخل البيوت، لاقتناص اي فرصة للهروب باتجاه الجبل .. كانت هناك امراة وطفلها متاخرين، لااعرف لماذا تاخرت، رايت وياليتني لم ارى .. احدى طلقات الهمر وهي تطيح بنصف راس طفلتها الصغيرة التي كانت تحملها في حضنها، استمرت في الركض، بعدها اضطرت ان تتركها على الارض وتنفذ بجلدها ..

قال حاجم كارس دومو : العتاد لم يصلنا ولا قوات اضافية، وفي الرابعة صباحا تقدمت الهمرات، رغم ذلك قاومنا، واستمرينا بالقتال الى اخر اللحظات، تقدم احد الهمرات باتجاهي، صرنا نطلق عليه بما تبقى لدينا من رصاص، الى يساري، رايت اخي ولاتي، وهو يسقط بعد ان اصابته رصاصة، رايت الدماء تغطيه، وخلته استشهد، لم اتمكن من مساعدته، شاهدت الهمر يتقدم نحوي باقصى سرعة، ونتيجة لاصطدامه بالساتر تراجع الهمر الى الخلف، الغبار، والاتربة انتشرت في كل المكان وافقدت الروءية، اطلقت ماتبقى لدي من رصاصات باتجاهه، وانسحبت الى داخل القرية، كانت القرية شبه فارغة، وقد حمدت الله على ان العوائل قد نفذت بجلدها من هولاء الوحوش .. الغريب ان اغلب السيارات والهمرات لم تكن تتوقف في المجمع انما كانت تذهب مباشرة باتجاه قضاء سنجار .. فعلوا ذلك بعد ان علموا ان القضاء اصبح فارغا من اي قوة موجوده فيه، حيث انسحبت كافة القوات المتواجده فيه.

ولاتي كارص دومو : قال الياس حاجم .. ان واحد من الكورد المسلمين الذين بقوا في القرية بعد انسحابنا اخبرني بقصة عمي ولاتي، حيث قا لي: في الساعة الثانية بعد الظهر جاء 5 من الدواعش وخلفهم كان يسير خمسة اخرين الى الساتر الغربي لاحصاء القتلى، وعندما اقتربوا من عمك ولاتي، بادرهم عمك بصلية من بندقيته الكلاشنكوف وقتل ثلاثة منهم وجرح واحد .. وبعدها تمكنوا منه .. واكمل : لقد عذبوا عمك كثيرا .. لقد اخرجوا عينيه وهو حي، وبعدها غرسوا حربة في قلبه، وعلقوا عليها علمهم الاسود .. وعندما دفن الدواعش الجثث، واروا كل الجثث تحت التراب باستثناء جثته، وهي لازالت هناك عند الساتر .

عبدي صالحوك قال : بعد دخول الهمرات الى المجمع،وقف واحد منهم بجانب بيتي، وكانت هناك ايضا سيارة، وعدد من الدواعش، مما اجبرت على البقاء مع اخي خديدة، وافراد عائلتي داخل البيت الى فترة الظهر، بعدها دخلوا علينا، وعندما راوني قالوا لي لماذا انت مجروح .. قلت : ان شظية هاون اصابتني، اخذونا الى بيت اخر كانوا قد جعلوا منه مقرا لهم، ورايت هناك اشخاص اخرين، وهناك مع الاخرين قالوا لنا : اعترفوا بالدولة الاسلامية قلنا، نعم نعترف بها .. ثم قالوا يجب ان تتركوا دينكم، وتدخلوا الاسلام .. بقيت انا ساكتا، قال لي احدهم، شو انت ماتجاوب، اذا ماتصير مسلم اذبحك .. قلت له .. لن اصبح مسلما وسابقى على ديني، واذا تريد ان تذبحني ففعل ..

احمد فيصل ويوسف شمو ..

قال احمد : بعد حسم المعركة لصالح داعش نتيجة لانتهاء عتادنا وعدم وجود ولو قاذفة واحد لمواجهة الدروع، مما استوجب علينا الانسحاب ,, ولكن صديقي يوسف اصيب بطلق ناري، استطعت ان اساعده للوصول الى منطقة غير مرئية، الى حين نتمكن من ايجاد مخرج للهروب من المجمع، وبقينا هناك الى الساعة 12 ونصف ظهرا، وقد هلكنا العطش والجوع .. قال لي يوسف : سوف اقتل نفسي لم اعد احتمل، قلت له : تحمل قليلا، الى ان نجد مخرجا ..

لكن احدى سيارتهم مرة من قربنا، وشاهدونا .. نزل منها عدة اشخاص وصاروا يصيحون .. الله اكبر .. الله اكبر .. ربطوا ايدينا من الخلف واخذونا الى بيت ميرزا ابراهيم مقرهم الجديد .. وراينا هناك عبدي مطو وخديدة مطو وعائلتهما ..

يقول عبدي: كانت البراة المقدسة في جيبي، وعندما كنا في البيت وقبل ان يطلبوا منا دخول الاسلام، دخلت حمامة الى البيت، وحاول واحد منهم ان يقتلها لكنها طارت قبل ان يتمكن منها .. كان عندي احساس داخلي من انني لن اموت، سابقى، سابقى لاستمر في الكفاح، وهذا ماحصل، مع الاستجواب في باحة الدار، بينما كانت يداي مكبلتين من الخلف، وعيني مربوطتين، بقربي كان اخي، والدتي، وزوجتي واطفالي، وايضا احمد فيصل ويوسف شمو، والكثير من الدواعش .. في هذه الاثناء صارت طائرة تحوم فوق المجمع، استعجل الدواعش في الخروج وقالوا لنا ابقوا هنا الى ان نأتيكم .. مع الليل ولكثرة مشغولياتهم، استطعنا من العثور على سيارة هربنا بها اتجاه الجبل .

اما خدر حاجم الذي اشترك بالمعركة قال : بعد انسحابنا اختبأنا في هيكل قرب الساتر وبقينا فيه الى الساعة الثانية عشر ونصف ظهرا، بعدها انتقلنا الى بيت عمي وبقينا فيه الى الساعة الثانية عشرا ليلا، وكنا نرى من الفتحات كيف كان عرب الجوار من العكيدات والخاتونين يقومون بنهب بيوت المجمع، بعدها استطعنا من التسلل والهروب الى الجبل .

في هذه المعركة الساخنة، سقط العديد من الابطال الذين قاموا الشر بكل بسالة وروا الارض بدمائهم الزكية، اسماء ستبقى خالدة في ذاكرة التاريخ ..

الشهداء على الساتر:

ــ الشهيد ولاتي كارص

ــ الشهيد تمو رشك دومو

ــ الشهيد ماهر ميرزا سلي

ــ الشهيد محمود الياس

ــ الشهيد عطو صالح

ــ الشهيد عزو قاسم السرحوكي

ــ اثنان من البشمركة استشهدوا على الساتر، لم يعرف الرواة اسمائهم، وواحد قتل في داخل القرية، من قبل احد الخونة، قال حسن بابير : عند انسحابي اختبأت في باحة داري ومن داخل القرية اتتني الكثير من الاطلاقات من فوق السطوح، وفي هذه الاثناء رايت ثلاثة بيشمركة ايضا ينسحبون، واطلق احد الخونة من فوق سطح دارة صلية من الرصاص باتجاههم مما ادى الى استشهاد احدهم .

في داخل القرية استشهد كل من:

ــ خديدة سيدو

ــ حسن سيدو

ــ خلف كشتو

ــ ناصر عرب وزوجته، قتلو فوق السطح بشظايا قنابر الهاونات .

ــ خالد رشو (من الكورد الشيعة).

ــ صالح حيتو، قتل في الطريق .

ــ كمال تيلي

ــ سعيد تيلي

ــ حسكي خدر صالحوك

ــ احمد حسكي

ــ استشهاد فتاتان بشظايا الهاون.

ــ زوجة رزكو سليمان عتو، قتل طفلها في حضنها من قبل اطلاقات الهمر .

ثلاثة من كبار السن ابوا ان يغادروا المجمع، وهم كل من :

يوسف حجي درويش، وكولوص، و الياس حجي درويش .. هم الى اليوم مفقودين ولايعرف عنهم اي شيء.

ربما للمعركة وجه اخر، وابطال اخرين لم يسعني الحظ من العثور عليهم، عسى ان نتوسع اكثر في المستقبل القريب، بعد تحرير شنكال من هذا الوجه الداعشي القبيح .

 

إيفا دوفيتري ميروفيتش: تحت ظلال مولانا جلال الدين الرومي

aesha momadبعدما خطت إيفا دوفيتري ميروفيتش أول خطواتها نحو الإسلام مع محمد إقبال، أحست آنذاك وكأنها تقدم على حماقة. وما زاد هذا الإحساس تفاقما هو عدم عثورها على أي موجه أو مرشد يساعدها في اتخاذ قرارها، فكانت تخاطب ربها في صلاتها وتقول: "قل لي ماذا أفعل؟ أرسل لي إشارة..."

تلقت إيفا الإشارة التي كانت تبحث عنها في رؤيا كانت قونية مسرحا لها. رأت نفسها وهي تطوف حول قبر وقد دفنت فيه، وكان قبرا مختلفا عما تعودت على رؤيته في مقابر المسيحيين، كتب على الشاهد اسم Eva بحروف عربية وفارسية "Hawa" أي "حواء" وهو المرادف للإسم اللاتيني "Eva" أو "Eve".

قد يخطر على بال أحدكم أننا نسرد قصة من نسج الخيال، لكنه خيال حولته إيفا إلى حقيقة، فبعدما استيقظت من هذا الحلم الغريب تتذكر أنها قالت:" ليكن صغيرتي، لقد طلبت إشارة وهاهي الآن، سوف تدفنين كمسلمة!!"

توالت السنين وتابعت إيفا طريقها بخطى ثابتة نحو الإسلام، وبعد 15 سنة من تاريخ حلمها الغريب، تحكي أنها سافرت إلى مدينة اسطنبول بتركيا وقابلت هناك أحد الدراويش الدوارين والذي سبق أن قدم عروضا للسماع المولوي بفرنسا بدعوة منها و تحت إشراف منظمة اليونسكو. كان هذا الدرويش مهندسا معماريا يشرف على بناء أحد المتاحف مكان دار من دور الدراويش القديمة. دعيت إيفا لزيارة الموقع وأوشك قلبها على التوقف من جراء ما رأت!! كان نفس شاهد القبر الذي مر بحلمها مند عشرات السنين، مع وجود استثناء واحد: لم يكن اسمها مكتوبا عليه بعد. عندما سألت عن هذا الحجر الغريب، تم إخبارها بأنه شاهد قبر خاص بالنساء المولويات، فقد كانت هناك مساحة مخصصة داخل الدار لدفن مريدات مولانا اللائي عاصرنه تلبية لوصاياهن.

في آخر محاضرة ألقتها إيفا بقونية في 26 من مايو 1998، صرحت للحضور قائلة: "أود أن أدفن بقونية كي أبقى تحت ظلال بركات مولانا إلى يوم الحساب" وكانت هذه آخر رحلة إلى تركيا. رحلت إيفا في 24 من يوليوز عن سن 89 ودفنت بمقبرة Thiais بالقرب من باريس. وقتها لم يذكر خبر وفاتها إلا في بعض الجرائد ووسائل الإعلام الفرنسية رغم أنها شاركت في تعريف ونشر القيم الروحية الأساسية للإسلام بالغرب، على غرار روني جينون، تيتوس بركاردت أو مارتن لينجس.

رغبتها في أن ترقد بقونية بالقرب من مولانا وأقربائه لم تلبى خلال المراسيم الأولى للدفن، لكن إصرار بعض أصدقائها: يلدز آي و الدكتور عبد الله أوزتورك نائب عميد كلية قونية آنذاك" أعطى ثماره، ونقل جثمانها إلى قونية في 17 من ديسمبر2008 في ذكرى رحيل مولانا. هناك تمت مراسيم الدفن على الطريقة الإسلامية ودفنت بمقبرة Uçler المتواجدة أمام ضريح مولانا. هناك التف المئات من المحبين من جنسيات مختلفة ليودعوا تلك التي استطاعت أن تبني جسرا لا يقدر بثمن بين الشرق والغرب.

تحية للمرأة المقاتلة في العراق وسورية

katrin michaelدخلت المراة العراقية في بناء الجيش العراقي في اصعب مرحلة تاريخية يمر بها العراق وسورية . كانت المراة العراقية سباقة بتضحياتها في بناء الدولة العراقية منذ اول تأسيسها اذ ساهمت بكل النشاطات السياسية قرعت ابواب السجون ونزلت الى الشارع مع اخيها الرجل في المظاهرات والاعتصامات والاحتججات بكل انواعها وساهمت كمقاتلة مع قوات البيشمركة وساهمت في العمل السري منذ بداية القرن الماضي حيث إنتمت الى الاحزاب السياسية المعارضة وحاربت الاستعمار جنبا الى جنب مع أخيها الرجل وساوت الرجل بالشهادة من اجل الوطن .

إالتحقت بالثورة الكردية منذ الستينات وكانت الثائرة ماركريت جورج اول إمرأة عراقية بيشمركة من قرية دوري محافظة دهوك بعدها تلتها حركة النصيرات عام 1980 اللواتي حاربن وكافحن ضد النظام البعثي العفلقي كن من كل القوميات والطوائف العراقية (انا كنت واحدة منهن) ساهمن بالدفاع على العراق

ارجع الى الايام التي كنت فيها مقاتلة في صفوف البيشمركة لسبعة سنوات

خريف 1982

قدمتُ من موسكو الى دمشق موجهة للاتحاق بقوات البيشمركة بسفرة دامت شهرين منذ ان خرجنا في مفرزة من القامشلي المدينة السورية على الحدود العراقية مرورا بالاراضي التركية والجبال التركية ثم الدخول الى الاراضي العراقية.

كان المسير ليلا فقط والحياة العسكرية بانذار (ج) طيلة شهرين من السفر. دخلت معترك الحياة العسكرية من خلال التدريب السير لساعات طوال الليل وعلى سفوح الجبال وكثيرا ما كنا نبقى بلا طعام وشراب وتدفئة في الشتاء القارس والثلوج تحيط بنا سواء داخل السكن او نسير على الاقدام والحراسات الليلية الخفارات النهارية والليلية.

طيلة سبعة سنين وانا بيشمركة لم اكن ضمن الفصائل المقاتلة لكن مارست كل انواع التدريبات العسكرية الدفاعية وليس الهجومية . تعرضت مئات المرات لحالات الاستنفار العسكري الخطرة ونجوتُ بإعجوبة مع رفاقي الاخرين . كنا نعاني كثيرا ليس فقط من صعوبة الحياة العسكرية بل كن نعاني من نظرة المجتمع الينا التي كانت تتمثل برأيين متناقضين احدهما كان المجتمع القروي ينظر الينا اننا نحمل في اعماقنا اعلى انواع التضحية وعليه ينظر الينا نظرة الاحترام العالي وخصوصا من قبل نساء المنطقة .

الرأي الاخر المتخلف ينظر الينا كاننا جئنا من عوائل غير محترمة وعليه لاينظر الينا بنظرة الاحترام وهذا الرأي كان موجود لدي الاسلامويين .

الاول كان اقوى. عشت في منطقة بهدينان. وبمساهمتنا مع قوات البيشمركة فتحنا بابا للنقاش في المجتمع القروي النسو والرجال يتناقشون مع الشابات والشباب عن مدى امكانيات تحمل المراة للظروف العسكرية الصعبة . الشابات كن اكثر فئة اجتماعية تتعاطف معنا، ومثل غيرنا من البيشمركة كن متطوعات نُقاتل ونصمد دون مقابل مادي.

اتذكر في منتصف الثمانينات اسرت قواتنا ضابطين كبيرين في الجيش العراقي في منطقة العمادية عاشو معنا في مقر زيوة استغربا من وجود المراة العراقية بين صفوف البيشمركة كان سؤالهم الرئيسي: هل هؤلاء النساء عراقيات ومن اين ؟ اجاب امر الفصيل الرفيق ابو روزا انهن عراقيات من كل الملل من الجنوب الى الشمال . قال الضابط لا اصدق عيوني ما الذي يجعل هؤلاء النساء يقدمن على هذه الخطوة الجريئة ؟ اجاب ابو روزا اضيف الى معلوماتك انهن جميعا من النساء المثقفات الواعيات السياسيات وضمنهن من يحمل شهادة الدكتوراه . اجاب الضابط:( انا اجر اذن لهؤلاء النساء . !) مثل عراقي معروف.

عند التحاقي بقوات البيشمركة لم افكر يوما واحدا بصعوبة الحياة العسكرية او بقساوة الظروف الجوية خصوصا برد الشتاء القارس والثلوج الكثيفة في المنطقة . كل الذي كنت افكر به كيف خرقنا العادات والتقاليد القبلية البالية التي لم يكن يسمح المجتمع العراقي للمراة ان تعيش مع اخيها الرجل وتتساوى معه في السراء والضراء . حتى الكثير من مقاتلين . لم يكن يستوعب المجتمع وجود المراة معه هذه الظاهرة غريبة .

لم يخطر على بالي ان ايا من رفيقاتي خالفن القوانين العسكرية او امتنعن عن تنفيذ أية مسؤولية او واجب عسكري . بل كن ( نحن النساء) نحاول دائما التحمل وابراز الوجه المشرق لاعطاء صورة افضل.

. وسقطت شهيدتين بطلتين ( احلام وانسام) في ساحة المعارك أكن كل الاحترام لنضالهن .

لا اود ذكر اسماء المقاتلات ربما انسى احداهن . كان لدينا طبيبات ناجحات، مراسلات لاسلكي، صحفيات، محاسبات، مستشارات، اداريات، ممرضات . عندما نقول المراة في صفوف البيشمركة العراقي او السوري لا يعني فقط انها جندية مقاتلة فقط بل ممكن ان تساهم في الاعمال الادارية والخدمية.

مقاتلات كرديات في مواجهة تنظيم "الدولة الاسلامية"

مصطفى حمو بي بي سي العربي - لندن

سلطت وسائل الاعلام العالمية الضوء مؤخرا على المقاتلات الكرديات اللواتي يخضن الان اشرس المعارك ضد مقاتلي تنظيم "الدولة الاسلامية" المعروف باسم "داعش" خاصة بعد قيام احداهن بعملية انتحارية ضد تجمع لمقاتلي التنظيم في مدينة كوباني "عين العرب" مؤخرا وقيام اخرى باطلاق النار على رأسها بعد وقوعها في كمين لداعش ونفاذ الذخيرة منها.

المقاتلات الكرديات في سوريا هن اعضاء "وحدات حماية المرأة" التابعة لحزب "الاتحاد الديمقراطي" الكردي الذي يتزعمه صالح مسلم.

للحزب جناح عسكري يضم عشرات الالاف من المقاتلين يسيطرون على اغلب المناطق الكردية في سوريا. وينقسم هذا الجناح الى تنظيمين منفصلين هما: "وحدات حماية المرأة" ويضم فقط العنصر النسائي والاخر يضم الرجال فقط ويعرف باسم "وحدات حماية الشعب". يخضن القتال الى جانب الرجال في المعارك واخرها تحرير بلدة مخمور في كردستان العراق من سيطرة "داعش" قبل اسابيع قليلة.

بعد سيطرة داعش على البلدات والقرى الايزيدية في العراق وخطف الاف النساء واجبارهن على الزواج من المقاتلين وشيوع الاخبار عن المأسي التي تعرضن لها في معتقلات داعش ورواج اخبار عن بيعن، كان يتوقع ان يثير ذلك الخوف في صفوف المقاتلات الكرديات بحيث يتجنبن الدخول في مواجهات عسكرية مع التنظيم خشية الوقع في الاسر وتعرضهن لمختلف اشكال التعذيب والاذلال والاغتصاب.

لكن المقاتلات زدن تصميما على قتال داعش ومواجهتم في جبهات القتال للانتقام من التنظيم على ما اقترف من جرائم بحق النساء والفتيات اللواتي وقعن في اسره.

ثلث المقاتلين الكورد في سوريا هم من النساء

داعش عرض التنظيم المجرم داعش قام بعرض مشاهد وحشية بحق النساء منها فصل رأس عدد من المقاتلات وعرضهن في مدينة طرابلس السورية لبث الرعب في صفوف المقاتلات لكن رد المقاتلات كان تفادي الوقوع في الاسر مهما كان الثمن كما حدث عندما وقعت مجموعة منهم في كمين لداعش في مدينة كوباني حيث قاتلن الى ان قتلت كل المجموعة وبقيت المقاتلة جيلان اوزلاب البالغة من العمر 19 عاما على قيد الحياة فاطلقت النار على رأسها بعد ان ودعت زميلاتها عبر اللاسلكي.

يذكر ان القائدة العسكرية "نالين عفرين" هي من من تقود العمليات العسكرية ضد داعش في كوباني.

والمواجهات بين المقاتلات الكرديات وداعش لا يقتصر حاليا على كوباني بل تشمل عدة جبهات تمتد من الحدود السورية العراقية قرب معبر ربيعة الى ريف مدينة رأس العين "سري كانية" الواقعة على الحدود التركية - السورية.

وكانت المقاتلة جيلان اوزالب التي اطلقت النار على رأسها قد قالت لمراسل بي بي سي في اوائل شهر سبتمر/ ايلول الماضي ان المقاتلات الكرديات لا يشعرن بأي خوف خلال المواجهات مع داعش بل العكس تماما. وصوفت مقاتلي داعش بانهم"يرتعدون خوفا عندما يشاهدون امراة تحمل بيدها بندقية. يحاولون ان يقدموا انفسهم للعالم باعتبارهم رجالا اشداء.)

رفيقتي المناضلة هذه هي اعلى درجات التضحية كم انا فخورة بك، وهكذا كل امراة عراقية وسورية هي فخورة بتضحياتك ووطنيتك اخاطبك بقلب امراة عراقية وسورية تحترق للعراق وسورية .

أوكتوبر 12/ 2014

 

الشاعر الروسي المعاصر فاسيلي بوبوف

ولد الشاعر الروسي فاسيلي نيقولايفتش بوبوف في 3 نيسان – ابريل عام 1983 في مدينة أنغارسك بمحافظة ايركوتسك، وتخرج في معهد سيبيريا للقانون والاقتصاد والادارة هناك عام 2005، ثم تخرج في معهد غوركي للادب في موسكو عام 2010، وقد أصدر ثلاث مجاميع شعرية لحد الان، ونشر قصائده في الكثير من المجلات الادبية الروسية الكبيرة في موسكو وبطرسبورغ وبقية المدن الروسية ، وحاز على العديد من الجوائز الادبية، و كتب عنه بعض الادباء الروس، ومن بينهم الكاتب الروسي الشهير فالنتين راسبوتين، الذي أشار الى انه يمتلك – (.. عبقرية جديٌة، وانه يجب ان يعمل ويعمل اذا يريد ان يصبح كاتبا روسيٌا حقيقيا. ليمنحه الرب القوة والشجاعة والصبر في هذا الزمن غير البسيط لروسيا.)

نقدم مجموعة من قصائده، والتي جاءت في ديوانه – (طرق السماء والارض) الصادر عام 2012 بموسكو عن اتحاد ادباء روسيا، وهي المرة الاولى - حسب علمنا المتواضع - التي يتعرف القارئ العربي فيها على قصائد هذا الشاعر الروسي الشاب والواعد، والذي يسميه بعض المعجبين الروس به – يسينين روسيا الجديد.

ضياء نافع

...........

 

القصائد لا ضرورة لها

في زمن – ما

-عندما

لم اكن أعرف عندها –

اني سأكتب أشعارا،

كنت على سطح دارنا

اجفف اغصانا،

وفكٌرت ان ادخنها

كما

كان جٌدي يدخنها،

وهكذا

الى سجائر – في اوراق الجرائد- حولٌتها..

السنون مرٌت

والطفولة انتهت،

وانا في الغرفة وحدي الان

لا ادخن،

لكن القلب يريد

ان يشم ذاك الدخان.

القصائد لا ضرورة لها،

كلا

لا ضرورة لها،

لكن الرأس يصاب بالدوران

من جرائها،

وفي كل الاحوال

تتطاير كلماتها

مثل ذاك الدخان

منطلقا

الى اللامكان.

............

 

مثل غيمة فوق الحقول

كم هو غريب ان تحيا

وتفهم انت

ان الحياة غريبة،

وانك

مثل غيمة

فوق الحقول،

وتذوب الآن

في بحر الكذب والنسيان.

..................

كم هو غريب ان تحيا

وتفهم انت

ان كل شئ قد لا ينتهي عندها،

عندما

تبحث انت

عن الابواب في العلا،

واذا بالسنوات فجأة

تحسمها .

..................

 

وفي السماء غفى القمر

عندما رحلت

كل شئ تغيٌر،

وفي السماء غفى القمر..

في منامي رأيتك،

كنت في غرفتك،

وكنت تجلسين عند النافذة وحدك..

.....................

في الفراق – نجاة..

ومرٌ اسبوع..

من الحياة..

هل يمكن فقط ان اعانقك؟

 

كل القصائد في الاصل بلا عنوان، والعناوين هنا من وضعنا .

الفقيد المناضل عبد الرزاق غصيبة .. سيرة ذاتية

الفقيد عبد الرزاق محمد غصيبة العزاوي (1930 ـ 2003) احد مناضلي الحزب الشيوعي العراقي من العاملين في الخط العسكري لكونه ضابط في الجيش العراقي وكان برتبة ملازم أول / آمر كتيبة استطلاع صلاح الدين المدرعة عند تفجير ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة 1958 حيث كان من الضباط الأحرار وكلف بواجب ضمن المجموعة التي احتلت معسكر الوشاش، وبعد انتهاء المهمة توجه الى قصر الرحاب لاستطلاع الموقف وهو يقود دبابة مع زميله الملازم جبار خضير الحيدر، حيث اخبره آمر السرية المكلفة بمحاصرة القصر عن حاجته للعتاد الذي أوشك على النفاذ، فتوجه مسرعاً الى مدرسة الأسلحة في معسكر الوشاش، مقابل قصر الرحاب، حيث تمكن من جلب العتاد للسرية وأنقذ الموقف بتوزيع العتاد على الثوار واقتحام قصر الرحاب بدبابته. بعد انقلاب 8 شباط الأسود 1963 أعتقل عبد الرزاق مع من أعتقل من ضباط الجيش العراقي الشيوعيين أو الموالين للزعيم عبد الكريم قاسم ليرمى بهم في سجن رقم 1 في معسكر الرشيد، ولينقلوا بعد انتفاضة البطل حسن سريع بمعسكر الرشيد في 3 تموز 1963 في الرحلة الشهيرة والمرعبة المسمّات بقطار الموت الى مدينة السماوة ومنها الى سجن نقرة السلمان، حيث يذكر في احدى رسائله الى ولده سامر بأنه حُكم بالسجن لمدة (20) عاماً. عبد الرزاق غصيبة متزوج من الشاعرة العراقية المعروفة السيدة حياة النهر وأنجب منها ولدين وبنت (سامر ونمير (متوفي) وسرور)، حياة ابنة رجل السلم العراقي حسن النهر وشقيقة الشهيدين الخالدين معين وظافر النهر وكذلك شقيقة السيدة آمنة النهر زوجة الشيوعي العراقي المعروف عزيز الحاج .

أرسل الفقيد عبد الرزاق غصيبة عدد من الرسائل من داخل السجن الى ولده سامر يوضح ويشرح فيها جزء من مسيرة حياته، زودني الصديق العزيز المهندس سامر عبد الرزاق غصيبة بنسخ من تلك الرسائل للاطلاع عليها، أنشر تلك الرسائل التي عمرها ما يقارب النصف قرن، ليطلع عليها القراء والمهتمين والمتابعين من طلاب وباحثين لكونها توثق لمرحلة ساخنة من تاريخ العراق وكذلك توثق لإرهاصات ومعاناة المناضلين وعوائلهم وهم يخوضون في مسالك النضال الوطني الوعرة، يوم كان النضال حقيقياً صادقاً نقياً ومخلصاً للوطن والشعب بعيداً عن اي مصالح شخصية، رغم كونها سيرة ذاتية للفقيد عبد الرزاق غصيبة، أنشرها بعد موافقة العزيز سامر .

*         *         *

سجن نقرة السلمان 24/12/1964

ولدي الحبيب سامر

دخلت السجن وأنت صغير ولم أترك لك شيئاً، ولربما سُئلتَ في يوم ما عني وقد لا تعرف عني إلا من البيت الذي تعيش فيه. وقد لا تكون الظروف لصالحك دائما مثلي فتكرر حياتي. أملي أن أقدم لك نبذة ولو يسيرة وأرجوا ان تكون ذكياً كي تتحاشى المزالق وأن لا تسلم قيادك لأي انسان وتأخذ من حياتي عبرة. أنت الآن ما زلت صغيراً، كان بودي أن أكون حاميك ومربيك الى أن تنهض ولكن شاءت الظروف أن أكون سجيناً وأن تكون أنت عالة على أناس آخرين، وقد لا تكون تربيتك مثلما أريد ولكن ما حيلتي !. يؤلمني اني جنيت عليك وما يثقل ضميري مما أعانيه بتجاهك يكفيني عقوبة صارمة لتلك الجناية. عندما تفهم ما اكتب لك فقد أصبحت تتساءل عني وربما لا يقنعك جواب. هذا ما جعلني أكتب لك بعضاً مما أراه ضرورياً لتعريفك على أبيك .

سجنت لكوني عضواً في الحزب الشيوعي العراقي وكانت العقوبة أقل مما كنت أتصور فقد حكم عليَّ أعداء الحزب الشيوعي قبل وصولهم الى السلطة حكموا عليَّ بالإعدام ولكن بعد تسلمهم السلطة اكتفوا بحكمي عشرين سنة. اما أهم الأسباب التي دفعتني أن أكون وطنياً ثم شيوعياً فهي :

1ـ ربيّت في أسرة متوسطة الثراء بالنسبة للأسر في محيطها وفي قرية صغيرة اسمها (بروانة الصغيرة) من قرى لواء ديالى، كانت هذه القرية في أجمل مكان رأته العين، تقع بين نهر ديالى وجدول خريسان ويحيطها بساتين من كل الجهات، واني أرجو منك أن تزورها، وستجد فيها من يحكي لك عني. برغم كل ما وهبتها الطبيعة من جمال وهدوء فأهلها بائسون، المعدمون فيها كثيرون، خاملون يصرع أكثرهم مرض السل، ويشلهم عن العمل والتفكير سوء التغذية، ويعميهم الجهل عن رؤية الحقائق الكثيرة، ثرثارون بشكل عجيب يتكلمون ـ على جهلهم ـ عن كل شيء، إلا الشيء المهم وهو، لماذا هم بهذه الحال؟ وان سألتهم عن ذلك، أجابوك بأن (الخير والشر من الله تعالى). كان بالقرية غنيُّ واحد أخلاقه أخلاق اللصوص يشتغل في بساتينه أكثر أهل القرية من الرجال، يحدثك الكثيرون عنه وكيف ورث عن أبيه البساتين الكثيرات وكيف عاونته أمه وهي من الطائفة البهائية بالليرات الذهبية التي ورثتها من أهلها الأغنياء، ويعرف أهل القرية أشياء كثيرة عنه ولكنهم يخافونه لا لقوته ولكن لحاجتهم الى العمل في بساتينه، كان القليل منهم يرونه انساناً طيباً لأنه يصلي ويزور الأماكن المقدسة في النجف وكربلاء ويقيم التعازي في بيته للعشرة أيام الأولى من شهر محرم حزناً على الحسين بن علي. وهو الذي يقرر الأجر اليومي لمن يعمل عنده، وقد يغرق الكثير من أهل القرية بالديون كي يفرض عليهم الأجرة التي يراها، وكان العمل في القرية لمدة شهرين هي كانون الثاني وشباط وما بقي من السنة فالجميع يتسكعون في مقهى القرية أو في ظل الجدران في الصيف أو في الشمس عند الشتاء. كنت قد تحسست أيّ ظلم صارخ يسلطه الأغنياء على الفقراء. كان غنيّ القرية يستورد قارئ في التعازي على الحسين من الكاظمية أو النجف أو كربلاء، وكان يأخذ التبرعات من أهل القرية ليضيف اليها شيئاً من عنده ثم يقدمها مع هدايا أخرى الى رجل الدين المستورد هذا.

كان رجل الدين هذا لا يكتفي بالنواح على الحسين وانما يحشو رؤوس البسطاء بمعلومات مختلقة ليفرق بين أبناء الطائفة الشيعية وأبناء الطائفة السنية ويحمّل أبناء السنة دم الحسين وأهله. وكثراً ما استفاد الاستعماريون من هذه التفرقة، إذْ ان الاستعمار يخاف التجمع أياً كان هدفه دينياً أو قومياً أو طبقياً، ولهذا كرهت رجال الدين وبشكل خاص هؤلاء المستوردين الى القرية وكرهت صنفاً آخراً يعيشون على الطائفة السنية وهم الدراويش أو السادة، لا يقدمون عملاً سوى التعاويذ والرقى والافّاقيات .

*         *         *

8/3/1965

تركت الكتابة هذه الفترة الطويلة لحالة نفسية اليمة شلت تفكيري، والآن أعود لأواصل ما أراه قد أثر في حياتي بشكل جدّي وأوصلني الى السجن .

2ـ كنت وأطفال القرية نلعب كما يلعب جميع الأطفال في الطريق أو البيت أو البساتين أو على ضفاف الجداول وتمرُّ في سماء قريتنا أحدى الطائرات، وعندما نراها نصيح كلنا وبصوت واحد وذي نغمة خاصة مشيرين بأصابعنا الصغيرة الملوثة دائماً بتراب الطريق، نصيح ( أنعل أبوج لأبو الأنكريزي ) أي نصبُّ اللعنة على الطيارة وعلى الإنكليز، ولا بد لي عند ذلك أن أخبر والدي الشيخ عند عودتي للبيت عن الطيارة وعن شتيمتنا لها وللإنكليز فيضحك. وذات شتاء سألت والدي وهو يلفني بعباءته وأنا أجلس على ركبتيه عن الإنكليز فحدثني طويلاً بصوته الأجش الذي أميزه من بين كل الأصوات، ويده تلعب بأذني وكانت هذه عادته معي، وتوسع حديثه وتشعب رداً على أسئلتي الكثيرة، حدثني بأن الإنكليز أتو الينا من لندن البعيدة ليدمّروا دين الاسلام، دين محمد العظيم وعليّ الرجل الشجاع وعمر العادل، ويعدد لي الخلفاء المسلمين وقادة جيوشهم الشجعان الذين احتلّوا بلاد الفرس والافرنج ليحققوا عدالة الاسلام، وكنت استمع دائما لحديث احببته لتربيتي في بيت تتردد فيه الاحاديث الدينية دوماً. كان والدي يحدثني عن علي بن ابي طالب وخالد بن الوليد وعمرو بن معد يكرب الزبيدي الذي يسهب الحديث عنه باعتباره الجد الأكبر للعشيرة العربية التي ننتمي اليها، ثم أخبار الثورة العراقية وهي ثورة 1920 وكان والدي يسميها الجهاد في سبيل الله من أجل دينه، والجهاد ضد الانكليز من أجل الشرف والثأر له، وكمْ حدثني بألم بأن الإنكليز اعتدوا على عفاف طفلة صغيرة من الخالص ( دلتاوة ) وثارت نخوتهم لهذا الاعتداء. كانت أحاديثه كل يوم تقريباً في الليل ونحن جلوس أمام الموقد، الأحاديث متنوعة، عن الإنكليز أو عن الإسلام أو عن العشائر أو الزراعة أو وظيفته خلال الحكم التركي أو الحكم الوطني الذي أقامه الإنكليز في العراق بعد الحرب العالمية الأولى، كان لا يذكر الأتراك بخير كما يتحدث الشيوخ أبناء جيله عن عدلهم وتمسكهم بالإسلام، انما كان يحدثني عن جباية الضرائب والظلم والرشوة واحتقارهم وكرههم للعرب، كان يضرب الأمثلة العديدة على مظالم الأتراك للعرب منها ان الأتراك يحكمون على الشخص بالإعدام لأتفه الأسباب وينفذون الحكم فيه فوراً وبعد تنفيذ الحكم بأشهر طويلة يصدر (فرمان السلطان) أي الإدارة الملكية بإعفائه ويقوم خدم الحكم التركي من خونة العراقيين يمدحون السلطان التركي ويتحدثون عن عدالته ويلقون بعض اللوم على الشرطة لاستعجالها بتنفيذ الحكم ثم يبررون كل ذلك بأنه أمرٌ من الله ومنْ دنتْ منيته لا تتأخر ولا تتقدم، وهكذا جاء في القرآن، كان هذا الحديث من ضمن التأسفات الكثيرات التي يبديها والدي لأن يحكم العراق مثل هؤلاء الظالمين، وكان يقول لي دائماً ان جد عائلتنا (غصيبة) قد أعدمه الأتراك هو وبعض رؤساء العشائر المعارضين للحكم التركي وكان اعدامهم يمثل خسة ودناءة الأتراك أذْ أولمَ لهم الوالي في مدينة الحلة ورماهم بالرصاص وهم يأكلون ، كنتُ أتأثر لأحاديث والدي الذي كان يكرر دائماً ان العراق لا يفيده غير حكم العرب حتى كبرت وأنا أتصور ان أي انسان غير عربي يمثل الخسة والغدر حتى كنت أستهين بغير العرب، وكنت والكثير من الأطفال في القرية إذا أردنا أن نعير أحداً نقول له (أنت كردي أو عجمي). كانت أحاديث والدي المتفرقة عن الخير الذي يغدقه الله على عباده والشر الذي يسلطه ابناء البشر بعضهم على بعض دون مرضاة الله، وعن رجولة قادة الاسلام وشجاعتهم وعدلهم وإيثارهم وعن الإنكليز والظلم والظالمين تنمي فيَّ حب الخير والرجولة والتضحية، كما تنمي فيَّ كره الإنكليز والأتراك بقدر ما سلطوا ظلماَ على العراق، كبرت معي هذه المشاعر. كان الشيخ الحبيب على القلب يقصُّ لي قصصاً حلوة عن شبابه وارتياده كل ما يبهج الأنسان غير الخمر فكان يقول لم أذقها، كان فارساً ماهراً، كان عداءً سريع العدو، وصياداً وسبّاحاً، كان يقول لي ان العرب كانت تقول عن الرجل (كامل) إذا تعلم الفروسية والسباحة والرمي بالسهم والرمح والقراءة والكتابة. كان والدي دنيا كاملة بالنسبة لي، كان كريماً وشجاعاً وما رأيت أكثر من ضيوفه، كان لا يقسم يميناً ويقول ان من يكذب هو الذي يقسم اليمين لأثبات كذبه، لقد أثر في سلوكي كثيراً ولو انه فارقني وأنا صغير ولكني ما زلت حتى اللحظة أتصوره وأسمع صوته .

يتبع ...  

اسماعيل الكاطع عيدك مبارك كاظم

abdulelah alsauqهوذا العيد وانت غاف رمشاك لايرمشان اصابعك عازفة عن الكتابة، كم غنيت للجمال والدلال كم غنيت للعراق كم غنيت للتلاقي كم ابتكرت دون تنطع وكم عملت بتواضع القديسين على تحديث الذائقة الشعبية وحساسية التلقي، كم قرأ لك شاعر شاب قصيدة شعبية مملة فلم تكسر كبرياءه كم اعتذرت لمن يمتدحك ان لايحرجك وان لايثير سخط مناكفيك،

كاظم كان يكتب الشعر عن موهبة كونية كبيرة ورؤية شعبية اممية، يبتدع الصور الفنية ابتداعا يميزه عن الكثير من شعراء جيله، يمتلك شعره سلطانا على الافئدة، وانت تسمعه يقرأ شعره تتساءل كيف لمثل هذه المواهب الكبيرة ان تتنفس وسط غرف بملايين الجدران؟

498-khياكاظم نحن اليوم محتاجون الى كلماتك محتاجون الى مخيالك محتاجون الى قراءتك للواقع الغرائبي العراقي، كاظم لماذا بكرت في الرحيل؟ ماذا لو تريثت ياكاظم اسماعيل الكاطع؟ جيل من المبدعين الكبار لن يتكرر، طارق ياسين كوكب حمزة عزيز السماوي علي بيعي كمال السيد شاكر السماوي كاظم الركابي ابو سرحان شمران الياسري يوسف الصائغ سعدي يوسف عبد الستار ناصر فاضل عواد طالب القرغولي حسين نعمة عبد الرحمن الربيعي اسماعيل محمد اسماعيل وموسى كريدي وحميد المطبعي وباسم عبد الحميد حمودي وحاتم الصكر ومحمد حسين الاعرجي ومكي زبيبة وبشرى البستاني ومعد الجبوري ونجمان ياسين وذنون الاطرقجي ويوسف نمر ذياب وسيتاهاكوبيان ورافع الناصري ويوسف الحيدري ومحسن اطيمش وعلي جعفر العلاق؟ هل انا مجنون حتى استوفي اسماء المبدعين؟ من يتذكر مبدعينا؟ الاموات منسيون لا احد اتصل بعوائلهم واغدق عليهم او طبع اعمالهم المخطوطة أواعاد طباعة المطبوع،، الاحياء مغتربون مهملون تلاحقهم الاشباح وتتحكم بمصائرهم الفضائيات الموسرة، كم سفارة عراقية احصت المثقفين العراقيين واستدعتهم لحفلة شاي مثلا واصغت اليهم؟ كم ملحقية ثقافية عراقية ارتفعت وارتقت عن الصغائر ولاحقت المثقفين العراقيين وكرمتهم بما هم اهل للتكريم؟ كم رئيس وزراء او وزير مهما كان وزره وصل الى المانيا مثلا والتقى المبدعين والمبدعات في هناك واستفسر عن حاجاتهم؟ كم رئيس وزراء زار امريكا وسعى برجليه الى المبدعين العراقيين واشعرهم بصدقية اصغائه لهم بعيدا عن الكاميرا المنافقة؟ كم كنت ساحترم السيد سعدون الدليمي لو انه اكتفى بوزارة واحدة وترك الأخرى : اما الدفاع واما الثقافة؟ وبصراحة ربنا كما انهزمت الدفاع في زمنه انهزمت الثقافة في زمنه؟ كم كنت اتمنى ان يصدق وكلاء وزارة الثقافة في لهفتهم على الثقافة والمثقفين وكذلك المدراء العامون ان يركزوا على طبع اعمال المبدعين ويسهروا الى الصباح كي يخدموا الثقافة والمثقفين،، وماذا تخسر وزارة الثقافة لو اتفقت مع دور نشر اجنبية ورفعت شعار طبع خكسة آلاف كتاب مثلا مثلا، اين المسؤولون من المبدعين العراقيين؟ جل جيل الستينات واجيال الوسط بين الخمسينات والستينات او الستينات والسبعينات كانوا مبدعين كبارا، اوف يا اسماعيل كاظم الكاطع كم اثرت فيَّ من شجون؟ هذا العيد؟ لو كنت حيا لعجبت من شعب نصفه مشرد عن مدنه وبيوته يلفه الرعب من راس الى قدم والنصف الثاني يتبادل القبل والتهاني ولو ان اي شعب في الدنيا حصل له ما حصل للعراقيين لنكسوا الاعلام واعلنوا الحداد وشغلت الفضائيات بنقل المحاكمات السريعة للخونة والفاشلين واللصوص والقتلة؟ ولكن اف لمن قال النار لاتحرق الا رجل من يدوس عليها؟ يا كاظم انهض من قبرك وانظر الى حال المثقف العراقي ثم عد الى قبرك، هكذا تذكرتك في العيد وحزنت لرحيلك المبكر :

محتارات من شعر كاظم اسماعيل الكاطع

كاظم إسماعيل الكَاطع

 

أريد أبجي إعله صدرك مشتهي النوح

و أريـد أكَعد إكَبـالك وأحسب إجروح

ومثل الطير من يودٌع الروح

جاي أركَص إبابك ركَص مذبوح،،

إهي كسرة عظم ماتجبــَر بيوم،،

ولا دورة سنه وآثارها تروح

كِسروا واهسي وخلوٌنــي مالوم

وخايف عله عيوني بالبجي إتروح

كنت آمر وأنهي وصاحب الراي

يوم أييـــدي طويله وجيلتي إتلوح

أريــد أبجي إعله صدرك مشتهي النوح

وأريد أكَعد إكَبــالك وأحسب إجروح

أريد أركي أعله صدرك راس تعبــان

وأسولف عن عذابي وغربة الروح

جاي أنزع إبجـَفٌك سهم الأصحاب

تبروا من طحت عافوني مطروح

سحكَوا فوكَ راسي وجرهم الخوف

ونزلو للوحَلْ من عالي السطوح

ويومإلليٌ شفتهم وكَعو إبٌيـــر

نزلت وساعدتهم وآنـــه مطروح

ويوم إللٌي شفتهمنزفو إهــواي

كَمت إنطيت دم واحلبت الجروح

أريد أبجي إعله صدرك مشتهيالنوح

وأريد أكَعد إكَبالك واحسب إجروح

مُلفتـه للإنتباه

مثل شبوي المسه بعطره وشذاه

حبـٌه.. حبـٌه وكَطره .. كَطره

وبالرسم طوٌل خلكَ بيــج الإلــــه

صوٌر عيونج مواني

وبيها عاف الليل نومه وذب غطــــاه

من بعيد إنتي جميله،،

من قريب إنتي جميله،،

واكَفه .. تمشين حلوه

والحلو وجهه يبيٌن من كَفـــــــاه

عيوني ما تكذب عليــٌه

العسل يم الإشاره

جدٌى منـٌج .. كِسَر كَلبج

وأخذ من خدٌج حـــــــــلاه

الله .. الله إشهل حلاه

الشكر ماكان مزروع إعله كَـــاع

أرض خصبه للشكر هاي الشفاه

والكَلب مدري شجـــــــاه

قبل كنت أكَدر عليـــــــــه

ألوي إذانه إيخاف منــــــٌي

وهســٌه صرت أمشي وراه

وهســٌه صرت أمشي وراه

ولا حيــاء في الحب

_ أحبج _

خل يحسبوني رجل حن إلصِــباه

لأن ملفته للإنتبــاه

ريحة الحنطة

ماخذ وياي العراق بجنـــــطه

ما كفت الجنــــطه

طالعه منها مناره وعثك نخلـــه

وشعله من عيون نفطه

وراح نوصل… ذاك حد السيطرات

وذيج ضوايات المحطه

وين اضمها.

لا هوه اكتاب ويخليه المسافر جوّه أبطـــه

الحمد لله.. الدنيا ليل… ونقطة التفتيش سنطه

هاي نقطه ويمها واحد

نقطتين. ثلاثة. خمسه

ست نقاط ويمها واحد،،

تنحسب مليون نقطــه

وصاح مسؤول النقاط بصوت عالي

هاي ما معقوله جنطـه

بصيحته انزرعت الساحــــه

رجال أمن ورجال سلطه

بجرة السَحَاب شافت عينه نجمـه

وطكته ريحة الحنطــه

ما لكه غير العلم.. كلي شيـفيدك

كتله غربه

إحنه غربه

ومن نموت هناك… جا بيش انتغطه؟

أخذ للجنطه تحيه… وكلي توصل بالسلامه

وهاي أول مره أفوت بسيطره…

وما انطي رشوه وتستعد كدامي شرطه

العمر كاضي / كاظم اسماعيل كاطع

.................

 

لعمر كاضي

الدنيا ما دام انتهت..

والعمر كاضي

منهو بينه بلا خطيئة

خَلْ يكوم اعلّه الملف

يكشف الماضي

خل يجي يسويله مره..

ايشوف بيتي إشراح وشظل

من غراضي

ناس صعدت ناس بعدت

وأنا بخيمتي وسوقي وعكاظي

وجان بامكاني أصير

لكن هموم العشيرة…

لا أنا راضي على شيخي

ولا عليَّه شيخي راضي

جان بإمكاني أصير

أملاك وقصور وأراضي

لكن أعرف هاي كلها

ماتساوي فركة إيد..

وراس محني ابّاب قاضي

لكن اعرف هاي كلها ماتساوي

نوم ليلة اعله المخده

بليَّه خوف وبال فاضي

هِيَّ مو بالسرعة تلَّم

ولو على السرعة يصير

أغنى شخص عدنه الرياضي

خلصت عمري بدولتي

لا أنا راضي اعله وضعي..

ولا عليَّه الوضع راضي

 

كاظم اسماعيل كاطع

وداع الحلو

ودعناج

ووداع الحلو يكلف

وزتينه النعش بدموع

من ديارنة لحد النجف الاشرف

بوداعج وكفنة اصفوف

وجان الكلب باول صف

شفة تعظ ندم عالراح

وجف ايذب حركته

وينكسر بالجف

لان شحة نساء ابهلوكت تدرين

من نفكد المثلك

والله نتاسف

لان شحة كرم واخلاق

وتخاف العطاشة اعله النهر ينشف

صفنات وجمر عالايد

ونلف الحزن مثل الجكاير لف

الدهر ثكل علينه اهواي

ثكل والحمل ما خف

صلف كل ما يضعف الروح

يترهة ويصير اصلف

ولو اهلي وهلج

وسوالف الايام

ما صارت اتراب برف

هلي لو حاولو بالماي

بينه الماي يتنظف

هلي لو حاولوا بالنار

بيت النار جنة بثلج يتسكف

عهد نبقه حزانه

اعليج

ويتعاتب عليج البيرغ

المارف

روحي مودعه بالله

بيتج يم علي الكرار

يم والد شهيد الطف

ما مرتـــاح

ما مرتاح .. ما مرتاح .. مامرتاح

عيوني تستحي بس الدموع إوكاح

ما مرتـــــــــاح

منٌك.. منٌي .. من الجاي من الراح

ما مرتــــــــاح

عركه وي الزمن ورجعنه مكسورين،،

وبعيده المسافه وينٌسي اللٌي طاح ..

ما مرتـــــــــــــاح

لأن شفت الشمس نزلت تبوس الكًاع

وبكف الطفل تنلاح

ولأن قاضي البلابل مدٌد التوقيف

ومفتوحه السِما

والفيل عنده جناح

ما مرتـــــــــــــــاح

لأن قفل المحبه إنباكً

وِترهٌم عليه مفتاح

ما مرتــاح

متروك بجزيره وتيٌهت بالليل

وإجو ربعي عليٌه بقافلة أشباح

وإنته إشبيك؟؟؟؟؟

لمٌن دافعت عن نفسي صابك غيض

مو حتى الكًنافذ من تحس بالخوف

تستخدم جلدها سلاح،،

ولا جن الفجر مثل الفجر محبوب

لون الفجر صاير يقبض الأرواح،،

ما مرتـاح من ربعي ولا مرتاح

تمساح إبنهرهم صاحو من الخوف

وجازفت بحياتي من سمعت إصياح

،،، صارعت المنيٌه وبيده هزني الموت،،،

ومدمٌى إطلعت :-

صفٌكًو للتمســــــــاح

كل هذا وتريد أرتاح

ما مرتـــــــــــــــاح

ما مرتاح من ربعي ولا مرتاح

نادوونـي.. وركضت إبليــل

إيد الرسن بيها وإييد بيها سلاح

عثرت مهرتي ... وربعي قبل ما طيــح

واحد كًال للثاني

أبشـــــرك طـــــاح

أبشــــــــرك طــــــــاح

إعلى صدرك مشتهي النوح

 

وبعد ------------------------------

ليرحمك الله ياايها الشاعر المغدور المهجور وليرحمنا الله معك .

عبد الاله الصائغ

الثامن من اكتوبر 2014

الذكرى الأربعون لرحيل الدكتور محمد مهدي البصير

waleed alzobaydiما بين .. البصير (1895م - 1974م) وطه حسين (1889م - 1973م)

بمناسبة الذكرى الأربعين لرحيل الشيخ الدكتور محمد مهدي البصير التي ستصادف 19/ تشرين أول (سنة 2014م)، أقفُ إكراماً إليه ولكل عالم من علماء العراق والأمة والعالم، وأكتب هذه السطور المتواضعة..

من باب المصادفة أن تلتقي أفكار المؤرّخ الدكتور طه حسين بأفكار المؤرخ الدكتور البصير، من نوابغ القرن العشرين . كيف؟

تكادُ أدوارُ حياتهما متشابهة حد التطابق أحياناً وفيها بعض أوجه التضاد والتناقض حيناً آخر؛ فالولادةُ بعيداً عن المدينة الكبرى (العاصمة)، في مناطق أقرب ما تكون الى الريف والتعايش مع عامّة الناس البسطاء الفقراء؛ وأصيبا بذات العاهة منذ الصغر، وكانتِ النشأةُ في مجتمعٍ ديني، وثقافة دينيةٍ، وعانا من شظف العيش والحرمان، وكانت المدرسة الدينية هي الرائدة آنذاك وهي صاحبة الصوت والسطوة والقرار, وكانت السياسة تجري في عروقهما والإنتماءُ للأحزاب السياسية، فكان الدكتور طه حسين تاريخه السياسي في تاريخ الأحزاب المصرية حيث كان متنقلاً بينها ومعها (حزب الوفد،حزب الأحرار، حزب الأمة)، والدكتور البصير ودور في تأسيس الحركات والأحزاب منها حزب حركة الاستقلال وحزب الوطني ، والمشاركة في التحريض والثورة على النظام السياسي والتعليمي والإداري، فكما كانت ثورة 1919م في مصر وتأثيراتها وما ألقت بظلالها على الشعب المصري، كانت ثورة 1920م في العراق حيثُ كان البصيرُ شاعرَها وخطيبها؛ ومعاناتهما في المطاردة، وقد كانت حصة البصير منها هي الأوفر في السجون والنفي الى جزيرة هنجام خارج العراق، والطرد من الوظيفة، وحرمانهما من حقوقهما.

كما تلقيا علومها وحصلا على شهادتهما العليا في فرنسا، مونبليه وباريس، فكانت سفرة الدكتور طه حسين الأولى الى فرنسا سنة 1913م، وبعدها سنة 1915م، وكان سفر الدكتور البصير سنة 1930م الى مصر أولاً ومن ثم فرنسا. ولكن المفارقة في تسجيل عنوان الإطروحة، فكانت أطروحة الدكتور طه حسين الأولى في مصر (ذكرى أبو العلاء) في الجامعة المصرية القديمة، وفي فرنسا كانت أطروحة الدكتوراه (فلسفة ابن خلدون الاجتماعية)؛ في حين واجه الدكتور البصير عاصفةً من الاعتراض على تسجيل الموضوع لكونه لا يتماشى مع أفكار وآراء وفلسفات الإستشراق الفرنسي؛ لذلك سجّل موضوعه الآخر تحدياً في الأدب الفرنسي، وفي شخصيةٍ خطيرة وعلماً من أعلام العصر الذهبي لآداب فرنسا، (شعر كورني الغنائي) ونال أعلى درجة في جامعة مونبليه (درجة مشرف جدا) .

إلتقاءٌ في أفكار واهتماماتِ المؤرخ الدكتور طه حسين بالمؤرّخ الدكتور البصير يصاحبه إلتقاءٌ بين كورني وديكارت أيضاً. بدءً إختار المؤرخ الدكتور طه حسين الفيلسوف ديكارت في دراسته واعتنقَ أفكاره المتمثلة بفلسفة (مبدأ الشك في الشك) وعليهِ أسّس أطروحاته وأفكاره الخاصة بكتابه الشهير والخطير( في الشعر الجاهلي) الذي أحدثَ زوبعةً في عالم الفكر والأدب والتاريخ .واختار المؤرخ الدكتور البصير الشاعر والمسرحي الكبير(كورني). ومعلومٌ أنّ (كورني) و(ديكارت) هما من جيلٍ واحدٍ غُذّيَ بذكريات ماضٍ قاتم وهزّات حاضر قلق، وهكذا تجدهما في نتاجهما الأدبي والفلسفي يمجّدان الإرادة1 .

وهكذا تجدُ الغرابةَ والمصادفة بين العملاقين (البصير) و(طه حسين)، فهما درسا في فرنسا وفي نفس البيئة ونهلا العلم من ذات المنهل ومن ذات الفكر والفلسفة ومن ذات المستشرقين وأفكار الإستشراق الفرنسي، وتزوجا من امرأتين فرنسيتين، وتأثرا بشخصيتين من ذات العصر (القرن السابع عشر) كورني وديكارت.

وجعلا من التعليم منبراً لإيصال رسالتهما وأفكارهما التنويرية، كما استوزر بل شرّفَ الدكتور طه حسين وزارة المعارف (سنة 1950م) حيث سعى فيها لتطبيق أفكاره وجعل التعليم مجاناً، وأن يكون التعليم مثل الهواء والماء لكل الناس؛ وتمّ انتداب الدكتور طه حسين في الجامعة العربية ليرأس اللجنة الثقافية سنة 1955م؛ ومن ثمّ أُنتُخِبَ سنة 1963م بالإجماع ليكون رئيساً لمجمع اللغة العربية.

واستخدما وسائل الإعلام والمحاضرات لطرح أفكارهما، فكانت الإذاعة وسيلةُ الدكتور البصير (كتابهُ نهضة العراق الأدبية)، وكانت الصحف وسيلة الدكتور طه حسين، وعلى سبيل المثال لا الحصر، كتاب حديث الأربعاء وكتاب من حديث الشعر والنثر، الذي كان زاوية في الصحف ومن ثم أصبحَ كتابا مطبوعاً بأجزائه الأربعة.

لديهما أيمانٌ قوي بالتاريخ حيث كانت قراءتهما قراءةً جديدةً، سواء في تاريخ الآداب أو التاريخ السياسي، فقد درس وبحثَ الدكتور طه حسين في التاريخ القديم والتاريخ الروماني ودعى الى إدخال التاريخ اليوناني في منهج الجامعة المصرية. وكانا في صراعٍ بين القديم والجديد،فلم ينظرا الى القديم نظرة تقديس. وكانت متعة العقل والروح في النتاج التاريخي والفلسفي والفكري والأدبي (فلسفة أبي العلاء في الحياة والفكر والدين؛ فلسفة ابن خلدون الجديدة في قراءة وكتابة التاريخي بإطار فلسفي جديد عبر إطاره الإجتماعي؛ فلسفة كورني)؛ كما عبّرَ الدكتور طه حسين عن أهمية التاريخ في فهم الفلسفة والأدب من خلال مقولته: (لن يفهم القارئ شعر كورني أو راسين أو جيته إلاّ إذا قرأ قبل ذلك هوميروس وسوفوكليس ويوربيدس ، ولن يتعرّف على جوانب الفلسفات الحديثة ما لم يكن قد درسَ من قبل فلسفات اليونان.) 2 .

أمّا التكريم للشخصيتين الخطيرتين المهمتين في الفكر والتأريخ والأدب العربي، فقد كرّمت الدولة المصرية الدكتور طه حسين مثالاً للمثقف فمنحتهُ قلادة النيل من الدرجة الأولى في احتفال عيد المعلم؛ وقبيل وفاته كرّمتهُ الأمم المتحدة بمنحه جائزتها فامتدت شهرتهُ وأعماله الى العالمية؛ بفضل توصية الحكومة المصرية والمؤسسات الثقافية المصرية.

أمّا الدكتور البصير، فقد كرّمتهُ الإرادة الملكية بوسام الرافدين المدني من الدرجة الثالثة عرفاناً بإنجازه الفكري والثقافي سنة 1938 من قبل الملك فيصل الثاني.

ولعل في هذه الذكرى تلتفت المؤسسات الثقافية ووزارة الثقافة ومنظمات المجتمع المدني لإحياء ذكرى هذا الرجل فيتم تكريمه وإعادة طبع جميع مؤلفاته ليطّلع عليها شباب اليوم..

 

د. وليد جاسم الزبيدي

منتدى المحاويل الثقافي

................

1-   لويس هرلاند، كورناي، ترجمة: نيرفانا مختار حراز، المؤسسة العربية للدراسات والنشر-بيروت، ط1، 1984: 158.

2- سامح كريم، ماذا يبقى من طه حسين، دار القلم –بيروت، ط2، 1977: 61.

في العراق تفرح وتبكي معا في ليلة!

qassim salihyالبارحة (آخر او ثالث ليلة في العيد!) دعاني صديق لقضاء سهرة في (عينكاوه).دخلنا مطعم ونادي (فينوس) .. حدائق جميلة .. تنعشك فيه رائحة الياس وعطر الورد.كان الحاضرون جمهورا متنوعا .. لاسيما النساء .. بين المحجبات واللابسات حد الكعب والناثرات الشعر واللابسات فوق الركب! .. والموائد عليها ما لذّ وطاب من الشراب .. المتنوع الالوان .. من عديهما الى الأحمر غامق.

بعد دقائق عزفت الموسيقى ونهضت مطربة تركية في عشرينات عمرها ، رفيعه ما يطلع وزنها خمسين كيلو وصفها صديقنا بأنها (كصبه!).فسألت النادل: لماذا لا تقدمون اغان عراقية .. وكم هو اجرها في الليلة؟ اجابني .. اجر المغنيات التركيات بين مائة دولار الى اربعمائة .. وستأتي بعدها مطربة لبنانية ثم مطرب عراقي .. وجاء دوره .. افتتحها عازف كمان يشبه (سيد مكاوي) .. ضرير في الستينات .. يلبس نظارة سوداء.بدأ يقسّم بالمقام الذي يعزف على اوتار الأحزان.

- هاها ابو دميعه .. جاين نفرح احبيب .. قالها صديقي الاقوى منّي.

تذكرت لحظتها انني اتصلت باحد الاصدقاء في بغداد اهنئه بالعيد .. فاجابني ان الخوف وتوقع الشر يجبر معظم اهل بغداد قضاء العيد في بيوتهم. يصدقه القول ان صديقنا الاعلامي فلاح الذهبي قام بتغطية العيد من شارع ابو نواس في ليلته الثانية واصفا اياه بأن الهدوء والظلام يخيمان عليه وان "الأضواء التي ترونها الآن هي لكاميرات فضائية الحرة عراق" .. واين؟ من شارع ابي نواس الذي كانت لياليه كلها اعيادا!.

كنت قبل اسبوع في ناحية (بحركه) جارة (عينكاوه) .. ضمن وفد في زيارة اللاجئين.فرأينا فيها فواجع كربلائية تجعلك تلعن السياسة والسياسيين وامريكا ومن اتى بداعش.عالمان متجاوران(عينكاوه وبحركه) احدهما حياة تنثر الفرح على الناس وآخر تراجيديا لا تبقي في عينيك دمعة حزن! .. وثالث تعيشه بغداد في عالمين ايضا .. عالم المنطقة الخضراء وعالم اولاد الخيبات وضحايا المفخخات.

ونقلني المطرب الى عالم آخر .. لحظة أخذ يغني (نرجس .. نرجس) .. ترى كيف يعيشوا العيد احبتنا في عالم الموصل .. وكل شيء جميل فيها صار ممنوعا.ثم راح يغني: (بين العصر والمغرب مرت لمة خياله// بسك بعد لا تضرب ، كسّرت الخيزرانه& صارلي سنة وست اشهر من ضربتك وجعانه) .. فسرحت الى عالم تكريت .. متساءلا ما اذا كانوا غنوا في هذا العيد ورقصوا على ايقاع الجوبي!

على بعد مترين مني كانت سيدة قد شربت المزيد من (شربت الانكليز) حتى خفت عليها ما تمناه ابو نؤاس لنفسه: (اسقني حتى ارى الديك حمارا!) .. لكنها نهضت ورقصت .. فرحا تتمايل بثبات .. وددت لحظتها ان ارقص معها .. لكن وجعا .. تخنقني صرخة لو اطلقتها لقالوا (الرجل تخبل) .. ان لم اكن قد مت لحظتها .. .ولحظتها تلك ، تأكد لي ان العراق بلد سوريالي ينتمي الى عالم اللامعقول .. بل هو عوالم متناقضة متضادة .. اضيقها عالم شبه معقول .. واوسعها عالمان .. لامعقول ومجنون! .. وأننا على ما تبقى لنا من عقل .. خائفون!.

 

عينكاوه – مساء 6 / 10 /14

رودان وكلوديل .. والعشق القاتل!!

tara ibrahimقبل عدة أيام ولدى تجوالي عند حي صغير في جزيرة سان لويس بالعاصمة الفرنسية، قرأت على احدى الابواب "في ظل هذا المبنى   توجد ورشة عمل النحاتة العريقة كاميل كلوديل"، المعروفة من قبل الفرنسيين بعشيقة النحات المشهور أوغوست رودان الذي تحتضتن باريس متحفا كبيرا له يضم اكثرأعماله الفنية الرائعة وبعضا من أعمال كلوديل .. الفنان رودان الذي يعرفه الجميع بسبب عمله المميز   المعروف وهو تمثال " المفكر" المتمثل برجل يتأمل ويتصارع في دخيلة نفسه مع افكارعميقة،إذ يرمزهذا العمل الى الفلسفة والتفلسف في فرنسا والعالم.

في العاشر من آذار من عام 1913 توقفت عربة تجرها الخيول في ايل سانت لويس بباريس، وصدى حدواتها يكاد يصم الاسماع، يخرج منها ممرضان عريضا المنكبين عندها تجمع الناس لمشاهدة عملية إختطاف لأعظم فنانة في العصر وهي كاميل كلوديل، فنانة النحت المشهورة التي لم تشتهر الا بعد وفاتها. دخل هذان الممرضان ورشة العمل مندهشين من شدة قذارة الورشة المظلمة والرطبة التي تفوح منها رائحة نتنة، وقطط تحوم حول قطع من التماثيل المنحوتة المتناثرة بعشوائية هنا وهناك، أمر قادهما الى التعجب متسائلين كيف يمكن لانسان ان يعيش في وضع كهذا مزر وقذر؟! . كانت كلوديل مهملة من قبل ذويها تبلغ آنذاك "48 "عاما ولكنها تبدو اكبر من عمرها بعشرسنوات، كانت كحيوان جريح في أعماق كهفه، منعزل عن العالم الخارجي، ومليئة بالحزن والجنون، قام الممرضان بجرها الى العربة بعنف متجهين بها الى مستشفى الامراض العقلية اما هي فالشيء الوحيد التي قامت به هو البكاء والصراخ ولكن دون جدوى وكانت المرة الأخيرة التي ترى فيها ورشة عملها. السبب في ذلك ان عائلتها ادعت ان ابنتها لاتستطيع العناية بنفسها وهي بحاجة الى مساعدة، ولكن حقيقة الامرانهم كانو يرغبون التخلص منها، وخصوصا بعد وفاة والدها. اما والدتها التي كانت تبغضها وتعتبر وجودها خطأ من أخطاء الطبيعة، هي التي كانت وراء هذا الاعتقال.

قبل هذا الحدث كانت الحياة وردية لكلوديل التي أتت الى باريس من ضواحيها لدراسة فن النحت وهناك تعرفت إلى رودان الذي اعتبرته استاذها وهي انذاك لم تبلغ "20" من عمرها. فتاة جميلة وشابة وتمتلك موهبة نادرة في فن النحت، رودان الذي يكتشف براعتها وروعة أعمالها كان اكبر منها بـ "24 "عاما لكنه وقع في حبها، لتصبح ملهمة أعماله وأن بعضا منها لاسيما المشهورة تم نحتها من قبلهما معا مثل باب جهنم، فقد كانا يعشقان النحت وبعضهما البعض، ولكن سلم المجد والشهرة كان رودان يتسلقه وحده، أما كلوديل فموهبتها ومهارتها المتميزة لم تكن ظاهرة للعيان وبقيت هى واعمالها في الظل، الامر الذي ازعجتها لشعورها بانها تستحق الشهرة والحضور   على الساحة الفنية. لذا بدأت العمل وثابرت فيه كالمجانين لتعرض على الملأ اعمالها وأخيرا بدأ نجمها يسطع واذهلت الجميع واثبتت انها فنانة لها مهارة وخبرة واصبحت موضوعا للصحافة والصحفيين. ولكن كلوديل وبعد مرور"15" عاما على غرامها لـ "رودان" أدركت انه لن يتزوجها كون الأخير لديه عشيقة رسمية معروفة للناس، وهنا قررت ان تقطع علاقتها به والى الابد.

ولكن جرح الانفصال عن رودان بقي مؤلما رغم مرور سنوات عدة على انفصالهما، وعلى الرغم من تحررها من نفوذه المهني الا انها لم   تستطع ان تجاري شهرة رودان، فقد كانت بحاجة الى مساعدات مادية للقيام بشراء مستلزمات النحت وفي الوقت عينه لم يكن هناك   طلب لشراء اعمالها، وفاتورات الديون أخذت تزداد يوما بعد اخر، لدرجة انها لم تفلح في الخروج من هذه المحنة . وفي هذه اللحظة فكرت برودان وأعتقدت انه وراء هذا المشكلات التي تعاني منها وانه هو الذي يمنع الناس من شراء اعمالها، وإنغلقت على نفسها ولم تعد تغادر ورشتها وترفض الدعوات التي توجه إليها وتشعر بانها مضطهدة واصيبت جراء ذلك بنوبات من الهلوسة والجنون.

خلال الحرب العالمية الأولى تم نقلها الى مصحة في جنوب فرنسا، وانقطعت الزيارات والرسائل عنها، وبعد انتهاء الحرب عاد جميع المرضى الى باريس باستثناء كلوديل التي لاتود عائلتها ان تسمع فضائحها وهلوساتها وخصوصا انها من عائلة برجوازية مشهورة في فرنسا، وعندما تحسنت صحتها رفضت والدتها التي تكرهها حتى الموت ان تسمع عنها شيئا، الامر الغريب انه بعد وفاة والدتها، بعثت برسالة الى اخيها كي يخرجها من المشفى ولكنه رفض طلبها ..

بعد "30 " عاما من الاقامة في المشفى فارقت كاميل الحياة العام 1943 مجهولة من الجميع وبلا مبالات، وجدير ذكره انها ماتت جوعا لعدم قدرة المشفى على تأمين الأكل لجميع المرضى كون القوات الالمانية صادرت المواد الغذائية اثناء الحرب العالمية الثانية لاطعام جنودها وحلفائها. في الوقت الذي ماتت فيه كاميل من الجوع، كان هناك بذخ بما لذ وطاب من الطعام على موائد اخيها التي كان يقيمها لضيوفه كونه هو الآخر كان كاتبا وشاعرا مشهورا ويدعى "بول كلوديل"، كما ان اخاها لم يحضر جنازتها عند وفاتها، وتم دفنها في مقابر جماعية دون أي اهتمام يذكر.

الأمر الغريب، انني عندما أسيرفي مناطق البلاد الشاسعة، اشاهد شوارع ومحطات قطار ومدارس ومعالم اخرى تسمى باسمها.. وبسبب عمرها الفني القصير لم يتم الالتفات اليها الا عند وفاتها..في حين ان شهرة رودان وسمعته انتشرت في جميع القارات وان طوابع بريدية تحمل صورته في فرنسا وضريحه يعتبر من أجمل اضرحة الفنانين الفرنسيين .  

يوسف الصائغ في مرايا عبد الاله الصائغ

abdulelah alsauqأهذ ا إذن كلُّ ما تبقّى

أنا يُشبه القبلاتِ حنيني

إذا انتصف الليلُ.. واسودَّ‏

ليلٌ بلا قمرٍ، أو نجومٍ،‏

وصارَ الندى مُبْهماً في الحديقةِ..‏

سيّدتي،‏

ستجيء كعادتها،‏

ستعبر هذا الممَرَّ الكئيبَ،‏

وتمشي على العشب حافيةً،‏

لحظةً‏

وأرى وجهها، ملصقاً، في زجاجة نافذتي، مِنْ هنا،‏

حيث ينكسرُ الضوءُ والوهمُ:‏

عينانِ ذاهلتانِ،‏

وشعْرٌ من الأبَنْوس، قد اخضرّ من بلِلِ الليلِ،‏

والتمعتْ خصلةٌ منه،‏

فوق الجبينْ،‏

ومن دونما كلمةٍ،‏

وبصمْت المحبّين،‏

سوف تمدّ أصابعَها‏

وتشيرُ إلى بُنْصرٍ، نزعوا خاتمَ الحبّ عنهُ،‏

فموضعه، أبيضٌ، مثلُ جرحٍ قديمٍ،‏

وتبسم لي...‏

هكذا.. لمحةً‏

وتغيبْ،‏

وتترك فوقَ ضباب الزجاجةِ،‏

هذا الحنينَ الغريبَ-‏

حنينٌ غريبٌ..‏

أنا.. يشبه القبُلاتِ حنيني..‏

سأبحثُ عن شعْرةٍ عَلِقَتْ، في الوسادةِ‏

قنينةِ عطرٍ.. علاها الغبارُ،‏

قميصٍ به عرَقُ امرأةٍ...‏

أهذا، إذن، كلّ ما يتبقّى من الحبّ؟‏

جمعةُ الأموات

اليوم جمعة الأموات

سوف يخرج الناس الى القبور

قومي معي نبْكِ على قبركِ ياحبيبتي

وحينما يتعبنا البكاء

نترك عند القبر إكليلاً من الزهور

الجثة والسيدة والحبيبة

بعدما سكن الموت في جسد السيدة

وأُلْقِيَ في البرية جثةً هامدة

رأيت القتيلة تنهض من جسمها

تُسَوِّي ملابسها

تتلفت باحثةً عن حقيبة يدها

فإن وجدتها رنت باكتئآب الى الجثة الميتة

وسالتنْ على خدها دمعةٌ صامتة .

مريــم

(ابنة الشاعر الوحيدة)

هللو

مَن تطلب؟

مريم

أخطأت هنا دائرة الحجز

رجاء مريم؟،

هذي مطبعة التحرير .. خياطة حواء .. كنيسة أم الأحزان ..

هللو هللو مريم؟؟،، مريم مريم،؟

سدَّ التلفون

أحبك هذا السرُّ له ندم يتقاطع في الأسلاك فأخجل

من تطلب ؟؟

أخطأت حبيبي مريم نائمة من فرط الحب

سيدة التفاحات الأربع طبعة بغداد 1976

فلذات يوسف الصائغ

عادة.. أنت تستيقظين مبكّرةً‏

وحين تقومين عارية من فراشكِ‏

أحدس في حلمي: أنه الفجرُ‏

أفتح عينيَّ‏

تأتي إلى يقظتي نكهة الماء والبلل الأنثوي الجميلْ‏

**‏

وأنت تعودين قبلي إلى البيت‏

أدرك أنك عُدتِ:‏

النوافذ مشرعة‏

والحديقة مسقيّة‏

والزهور على المائدة‏

**‏

وكنّا ننام سوية

مرّة نمت قبلي..‏

لماذا؟)).‏

استيقظ يا يوسف

فما زلت الى هذي الساعة..

اذكر دفء جدار الرحم..

ورائحة الحبل السري..

واذكر..

انني في لحظة ميلادي..

قبّلت، أصابع قابلتي..

فاحتضنتني.. باكية..

آهٍ يا امرأة،

أعطتني، في منتصف الليل.

شهادة ميلادي..

أي امرأة، يمكن أن تعطيني

الساعة، أوراق استشهادي..

أو تسمح لي،

أن أتحسس دفء مشيمتها..

وأشم عبير بلادي،،..

 

490-saيقينا مات الشاعر العراقي الرائد المدهش المجدد الكبير يوسف نعوم الصائغ، ابن الموصل الحدباء،، الموصل التي مخضته عام 1933، لكنه لم يمت يوم الاربعاء 14 ديسمبر كانون اول 2005 ولم يدفن في مقبرة الغرباء العراقيين في سوريا. لم يمت يوسف الصائغ كما يبدو لمن رثاه وحزن لرحيله وأيمن الكلمة، مات الفتى يوسف حين ماتت زوجته الأروع (جوللي) سيدة التفاحات الأربع في 14 آذار 1976، لقد بكاها مر البكاء ورثاها أعظم الرثاء وبعد ان حم الليل فتح يوسف قبر زوجته ونام الى جانبها واغمض عينيه الى الأبد كما فعل احدب نوتردام حين دفنت حبيبته غجرية المعزى، يوسف الصائغ مات هناك وعهد ذاك، من زاوية نظري في الأقل، وقد تجرأت وقلت ان ديوان سيدة التفاحات الأربع ليوسف الصائغ هو الديوان العربي الفائق الذي ضم عدداً من اعظم قصائد الرثاء العربي منذ العصر الجاهلي الى عصرنا هذا (قارن ص 109 الصائغ . عبد الإله . الخطاب الشعري الحداثوي والصورة الفنية طبعة المركز الثقافي العربي بيروت 1999) وحين زارتني في ليبيا سنة 1993 تلميذتي الشاعرة المبدعة والعراقية الموصلية الدكتورة بشرى حمدي البستاني مكنت طلبتي في الدراسات العليا بكلية اللغات والألسن في جامعة الفاتح طرابلس من لقاء الشاعرة الأكاديمية فقالت ضمن ما قالته تستذكر تتلمذها على الصائغ في جامعة الموصل ومعها كوكبة من الادباء المعروفين منهم الدكتور ابراهيم جنداري والدكتور علي كمال الدين والدكتور مؤيد اليوزبكي ووو قالت بشرى كان الصائغ قد فرض علينا حفظ قصائد سيدة التفاحات الأربع عن ظهر قلب، وحين احتتجنا عليه وقلنا له نحن طلبة دكتوراه ولا ينبغي لك ان تعاملنا كما لو كنا طلبة بكالوريوس، فرد علينا الصائغ بابتسامة ابوية وقال لنا : اصبتم والله ربما حدث ذلك بسبب ضعف ذاكرتي لذلك ابحثوا عن استاذ غيري يد رسكم تحليل النص وخرج من القاعة، ولم ينفع اعتذارنا له لكننا حفظنا يوسف الصائغ كما حفظنا السياب والبياتي وعمر ابو ريشة وزرناه في مكتبه وقلنا له من اجل الموصل يا استاذنا عد الى تدريسنا، فرضي الصائغ لأنه يحب الموصل وعاد الى تدريسنا ثم قرأتْ الدكتورة بشرى البستاني امام طلبتي محفوظاتها من سيدة التفاحات الأربع شعر يوسف الصائغ، وفي هذا السياق اتذكر دعوتي يوسف الصائغ لالقاء محاضرات على طلبة كلية الآداب جامعة الموصل وحين سمع يوسف مني ان سيدة التفاحات الاربع هو اعظم دوواين يوسف الصائغ اعترضني بشدة امام الطلبة وقال هذا القول لايسرني يا أخويه عبد الاله، فقبلتها منه لكن لقناعتي اسباباً موضوعية تتصل بشغلي في تحليل النص والصورة الفنية، ثم رأيت يوسف الصائغ وياللهول يضطرب بعد قولي ويكمد لون وجهه ويغالب دموعا نزفها قلبه الكليم فهل من تأويل، دعوني اورد المسوغات في كتابي الذي اشرت اليه قبل هنيهة وقد اجريت عليها اختزالات املاها عليَّ خوفي من نفاد صبر القاريء العزيز هذا الاختزال ربما اخل ببناء السياق ولو ظاهريا، (... يوسف الصائغ شاعر الصورة البسيطة التي تهب الشعر توترا وسحرا استثنائيين، لهذا يكون المجاز عنده اقل فاعلية، واذا كان ذلك كذلك فان حاجة النص للتركيب تكون نادرة، وشاعر بهذا النحو يتمثل بلاغات الصورة المنفتحة دون ان يشط به ذلك صوب مباءات الصور المرأتية والإيقونية واذا كنا قد تلبثنا كثيرا عند سيدة التفاحات الاربع فمسوغاتنا كثيرة بينها ان نصوصه من اهم نصوص الرثاء العربي وقد تقصد يوسف الصائغ إهمال هذه المجموعة لاسباب انسانية وخاصة بعد حبه الجديد من الدكتورة الراوي وزواجه منها، لكن توصلاتنا ترى ان الشاعر اسس في نصوص هذه المجموعة الباكية فتوحات ابداعية واسعة وعميقة ستؤثر في حاضنات شعر الرثاء بل شعر الصورة لاحقا حين تتوفر طبعات جديدة ويغير يوسف الصائغ موقفه الشخصي منها، الصورة الفنية بسيطة كما المحت مغرقة في البساطة بيد انها تمتلك شحنات من الشعرية الباذخة تلبث في الذاكرة لانها تحفر مجراها بآليات غير مألوفة لدى الشعراء فقد الغى النصُ المجازَ استعارة وكناية فضلا عن التشبيه ثم اجترح زمكانا لامس هم النص حتى اختفت المسافة بين الصورتين المجازية والواقعية بما هيأ النص اليوسفي الى ابتكار الحدث الثالث الناتج عن اندغام الحدث الواقعي والحدث الحلمي، النص اختزل الاختزال حين استغنى بشكل صارم عن الهوامش والحواشي والايضاحات في تكريس موضوعي للحالة بوصفها هَمَّ النص الاول الى جانب استثمار تقنية البحور الموسيقية الصافية وفك ارتباطها بالاعتياد الذي يجعل النغمة دائرية بحيث لا يعرف ابتداؤها من انتهائها)، يوسف الصائغ لم يكن شاعرا حسب بل كان ريادة، ولم يكن انسانا حساسا محبطا بل كان ظاهرة، وشيء من كراهيتي الشخصية لصدام حسين فضلا عن كراهيتي الوطنية لنموذجه المتخلف هو انه سرق من شجرة الابداع العراقي وربما العربي وربما العالمي شعراء كبارا من مثل يوسف الصائغ وعبد الرزاق عبد الواحد بل انا اكثر حرقة على يوسف نعوم الصائغ فهو الطفل الوحيد في قائمة المحسوبين على النظام الصدامي، اقول ذلك بملء فمي لأنني اعرف كيف اهدريوسف الصائغ صباه وشبابه في السجون من اجل عراق لامكان فيه للعاذلين والجلادين، من قال ان يوسف الصائغ كان مناضلا فقد صدق ومن قال ان يوسف كان عراقيا حميما فقد اصاب ومن قال ان يوسف الصائغ صار بعثيا فقد جانبه الصواب، نعم يوسف مالأ البعث وتغزل بصدام كما فعل عبد الرزاق عبد الواحد لكنهما ويا للمفارقة لم يشتما صداما بعد سقوطه ولم يعتذرا للشعب العراقي، ومن يعرف كيف عومل عبد الرزاق عبد الواحد بعد افتضاح امر قصيدته المعجزة (الحسين الشهيد) سيعرف ان عبد الواحد ويوسف تورطا وانحدرا ولم تسمح لهما ظروف العراق المهلكة بالتأمل ومراجعة الذات، هما قبل غيرهما يعرفان حجم ورطتيهما، الم نقرأ قصيدة زيارة لعبد الرزاق عبد الواحد التي نشرت في مجلة الفصول الأربعة الليبية ضمن مقابلة جميلة اجراها الصديق الشاعر علي الشلاه معه، لقد رثى عبد الواحد نفسه في تسعينات القرن العشرين (ص 57 الصائغ . عبد الإله . النقد الأدبي الحديث وخطاب التنظير طبعة مركز عبادي صنعاء 2000)ولم ينفع ندمهما وهما نجمان كبيران سقطا، فمارسا جلدا للذات تشي به قصائدهما، لا اريد ان ادافع عن يوسف الصائغ ولسوف يكون ابداعه الكبير شفيعه الى قلوبنا الرحيمة، بل ان اعمال يوسف نعوم الصائغ الشعرية والروائية والتشكيلية والمسرحية والمقالية جزء من ثروة العراق الحضارية، يوسف الصائغ الشاعر المعجزة الذي يتواضع فيقول (انني تلميذ سعدي يوسف ومظفر النواب) ولكنه من وجهة نظري في الأقل اشعر في فصيحه من فصيح مظفر النواب وسعدي يوسف، فانظروا كيف يهون يوسف الصائغ من نفسه.

متى دخل يوسف الصائغ مرآة عبد الإله الصائغ ؟؟

منتصف الستينات من القرن العشرين سطع نجم يوسف الصائغ في مرآتي، اشتهر بعموده المدهش المتجدد (أفكار بصوتٍ عال) وكنت اكاتبه واحاوره وانا في الناصرية او الديوانية او النجف او الحلة، وكان يجيبني بنفسه بصدقية مروعة، فهو لايجامل ولا يتحامل ولكنه يصدق، فإذا جاء مؤتمر الأدباء العرب التاسع وكان الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري رئيس الوفد العراقي الذي ضم عددا من ادباء العراق مثل شفيق الكمالي وحسين مردان وسالمة صالح ويوسف الصائغ وفاضل العزاوي وفوزي كريم وعلي الخاقاني وعبد الأمير الورد ومحمد حسين آل ياسين ومحمود البستاني وموسى كريدي وعبد الأمير معلة وعبد الستار ناصر وعبد الاله الصائغ وانور شاؤول ولميعة عمارة وعبد الرزاق عبد الواحد ....الخ طلب الينا المغفور له القاص الروائي المصري يوسف السباعي وكان رئيس المؤتمر ان يصعد كل رئيس وفد عربي الى المسرح ويقدم اعضاء وفده وبسرعة التقطت يوسف الصائغ حين بلغه الدور التقطته بالاحضان كما يقال وبتنا معارف على الارض وفي فريق واحد بعد ان كنا معارف على الورق، قد سطع نجمه في المؤتمر بسرعة بشكل لفت اليه وسائل الاعلام وقتها ووجدته خجولا او غير ميال الى المقابلات الصحفية والتلفازية او الاذاعية فهو يعتذر بلباقة احيانا او بارتباك اخرى، كانت المفاجأة السماوية ان يتشابه يوسف الصائغ مع الاديب النجفي الشهيد عبد الرحيم محمد علي بحيث كانا مثار تعليق الوفود، يوسف مسيحي وعبد الرحيم مسلم ولكنها الصدف الغريبة، وفيما يتصل بالسيدة زوجته (جوللي) فقد تعرفت عليها خلال احتفالات اتحاد الادباء العراقيين الاسبوعية فقد كانت لجنته الاجتماعية برياسة الاستاذ ابراهيم اليتيم نشطة ايما نشاط فمن سفرات ليلية الى ام الخنازير الى سفرات باليخت تستمر الى الصباح الى حفلات غنائية الى مسابقات ...

كنت والسيدة ام وجدان وابنتي الكبرى الدكتورة وجدان (6 سنوات عهدذاك) نجلس في حدائق الاتحاد بمحاذاة المسرح الذي يقدم فقرات مبهجة، وقد لاحظت سيدة التفاحات الأربع الجميلة جوللي اي زوجة يوسف الصائغ اننا نحن الثلاثة وجدان وامها وانا نجلس لنتفرج واجمين كل مناسبة فانسلت من بين يدي زوجها يوسف وكانت ترتدي الملابس البيض البراقة وذلك رداؤها المفضل في الحفلات والسفرات فكأنها تتشبه بالملائكة، مدت يدها نحوي لتصافحني وتصافح عائلتي وعرفتنا بنفسها،، سيدة عظيمة ذات بهاء ودهاء، كانت ولوعة بعقد صداقات بين عوائل الأدباء ولن يجدي معها ان هذه العائلة محافظة مثلا او منطوية او او فهي ذات حميمية ضاغطة، وكان يوسف فخورا بها فهي تحرج خجله وتغازله بطريقة احتفالية، ثم سمعنا ان يوسف الصائغ الذي يكره السفر ويمقت مغادرة العراق يصطحب زوجته ويسافر مع الاستاذ ابراهيم اليتيم وزوجته في رحلة الى اوربا الشرقية وكان الحبور على اشده خلال الرحلة وفي طريق العودة الى العراق مرت سيارتهم بمنطقة مدهشة الجمال بين انقرة وأدنة مخترقة الجبال والمشاهد الرائعة فطلبت جوللي من السيد ابراهيم اليتيم وهو صاحب السيارة وسائقها ايقاف السيارة لشراء تفاح من الباعة المنتشرين على الطريق فاستجاب لرغبتها فهم اصدقاء ورفاق قدامى، فوزعت جوللي التفاح بين يوسف ونفسها وابراهيم وزوجته واستبقت اربع تفاحات قالت ساحملها معي الى بغداد ويقول يوسف الصائغ لقد فاتني ان اسأل جوللي لمن ستهدين هذه التفاحات، وفي الطريق وكان الاربعة في قمة الحبور ويغنون اغاني عراقية تراثية وكما تحدث الكوابيس خارج الواقع والتوقع تدهورت السيارة وارتبك ابراهيم اليتيم من هول المفاجأة فلم يستطع السيطرة على الموقف الجلل فجاست السيارة طريقا نحو منخفض وقد فلت الزمام من اليتيم فكأن قدراً كان يقود السيارة الى المجهول فانقلبت مرتين ثم استقرت على وضعها الطبيعي ولم يصب احد بأذى ولم يجرح احد من الاربعة حتى زوجة يوسف جوللي كانت بكامل ابهتها وبهائها، لكنها فارقت الحياة وفي حضنها التفاحات الأربع فجن جنون يوسف واخذ يهز كتفيها صارخا : حبيبتي لم تخبريني لمن سأقدم تفاحاتك الأربع، شاهدت يوسفا يرثي زوجته في حدائق اتحاد الأدباء حيث كانت مفعمة بعبق الراحلة شاهدته يهذي، يرسم حبيبته وهو يرتجل الشعر ويوظف قدراته على القص فكنا نبكي ونبكي وكان مشهدا مؤثرا وبهيا،

مرة في الحلقة الأولى من مؤتمر النقد الأدبي الذي تضطلع به جامعة اليرموك في شمال الاردن وعاصمته الجميلة اربد القيتُ محاضرة وكانت الجلسة برياسة استاذي الجليل الدكتور احمد مطلوب اطال الله عمره وعمر استاذتي زوجته الدكتورة خديجة الحديثي ومتعهما بالصحة والهناءة، كان عنوان محاضرتي (مباهج الرؤية في النص الشعري الحديث) وقد تناولت ديوان سيدة التفاحات الأربع ضمن مقولة المباهج وكان يجلس في المقدمة الاستاذ المصري المخضرم الدكتور رمضان عبد التواب وللتاريخ لم تكن الجامعة قد دعته ولكن تلميذه الا ردني دعاه دون علم اللجنة وقد شاهدت صاحب الفندق يعتذر للدكتور عبد التواب لأن اسمه غير موجود ضمن المدعوين، فعاتب الدكتور رمضان اعضاء اللجنة وجلهم من شباب الأكاديميين، فقالوا له بأدب جم ان هذا المؤتمر خاص بالنقد الأدبي وانت عالم اللغة الكبير لكنك لست ناقدا ادبيا، وكادت ان تحدث مشادة لولا تدخل الدكتور ناصر الدين الأسد العالم المعروف ووزير التعليم العالي الأردني وقتها فكان من خلقه انه لم يضغط على قرارات اللجنة المكلفة بالمؤتمر وطلب نقل حقائب الدكتور عبد التواب الى بيت الوزير عندها اذعنت اللجنة وجعلته ضمن المدعوين ومنحته حجزا في الفندق فهو اذن سيثبت للجنة انه ناقد ادبي بعمق ما هو عالم لغوي،،) قال لي الدكتور رمضان عبد التواب مستخفا : ايه يصايغ دنته بكيتنا، انت نسيت انو موضوعك مكرس للبهجة ؟ فضحك جميع من في القاعة، وحين انتهى كَلَّمْتُه بما هو اهله من العلم وخدمة اللغة العربية والمجد الأكاديمي ولكنني عاتبت استاذي المبجل الدكتور احمد مطلوب رئيس الجلسة لأنه سمح للاستاذ رمضان عبد التواب بالكلام دون ان يستأذن الدكتور رمضان عبد التواب منه (نقطة نظام) حتى يسمح له، ثم التفت الى الدكتور رمضان مازحا وقلت له ماجدوى ان نتعلم العربية ونعلمها ثم نتكلم في المؤتمرات كل بلهجته القطرية، بعدها اعتذرت له لأنني اسست في التوطئة انني لا اريد بالبهجة هنا البهجة الحسية التي يتقاسمها معنا الحيوان، وانما اقصد البهجة الابداعية وهي بهجة صوفية على اي حال، وشعر يوسف الصائغ الحزين يرتقي بذائقتنا مراقي البهجة الصوفية، الصوفي يرتدي الصوف الخشن في الصيف ويأكل رغيف الشعير المتحجر ويتعرض الى السجن او التلف وهو مغتبط برؤياه الميتا حسية،

واخيرا اقول : يقينا مات يوسف الصائغ فهذا المبدع الجميل والشاعر المبتكر جواد الحطاب يؤكد موته في موقع كتابات يوم 14 سبتمبر كانون اول 2005 فلتكن مرثية صديقنا المشترك جوادالحطاب دموع الختام :

بقلب نازف ؛ واحساس مرير تؤثثه الفجيعة

انعي الى كل الادباء في المعمورة

الشاعر العظيم : يوسف الصائغ

الذي وافاه خصمه العتيد : الموت ؛ الى سرير المعاناة في سوريا

ليتحدا معا في مقبرة الغرباء ؛ جوار رائد شعراء العراق الموتى في الاغتراب : الجواهري

رحم الله خالق الكلمات الرقيقة وراعيها ؛ ابا مريم

وكل نعش ؛ والعراق نازف .

جواد الحطاب

مشيغن المحروسة

30/12/2005

 

اليوم هو الاربعاء الاول من اكتوبر 2014 قرات قصيدة الشاعر الشاب عمار صبيح التميمي الذي وضعها متفضلا على صفحتي في الفيسبوك فتذكرت الشاعر يوسف الصائغ وبحثت عن مقالتي فيه (يوسف الصائغ في مرايا عبد الاله الصائغ فلم اجدها الا في موقع تحيات الذي يشرف عليه الشاعر سعيد الوائلي فقررت نشرها مجددا فاقتضت الاشارة

الغياب -------------------------------------------

عمار التميمي

جوهور ماليزيا

1/10/2014

(ترجل فان القطا نائم)1

أودع الروح كفَّ الغياب

أعاد تراتيله علَّ بوحاً أنيقا يكفكف

من قلبه ما أذاب

تماهى مع القمح،

وخزةُ فقْدٍ ألمت به

والمدى غائمُ

ترجل فان القطا نائمُ

****

دع القمح والحزن يقتسمانك بينهما

وردةً أسقطتها السما

للحبيبةِ ........

مُختبئ في ضفائرها كالقطا

والجميع يرونك

حتى العمى

مالذي ترتجى يا غزير الهواجس

من غارقٍ بالظما

يدور على نفسه

هائماً

وأنت به هائمُ

ترجل فان القطا نائمُ

******

شحيحٌ هو الوقتُ في الحزن

والذكريات

جبال على هامة الذاكرة

وليلك أطول ممّا يكون عليه

ونورس قلبك قد ضيعتهُ الجهات

ودنياه أغرتهُ بالآخره

فليتك تنسى كما يزعمُ الناسكون

وتحفظ قلبك من صدفة ساخرة

وليتك من دهشة الفقْدِ تنجو

وتنظرها سقطةً عابرة

إذا مرَّ لفحٌ لها قاتمُ

ترجلْ

فأن القطا نائمُ

1- مقتبس من قصيدة اعترافات مالك ابن الريب الاعمال الكاملة يوسف الصائغ

عمار التميمي

كلمة لابد منها:

وقت نشر هذه المقالة ناكفني عدد من الكتاب لأنني كتبت عن يوسف الصائغ وكان يوسف الصائغ قد كتب في صدام حسين بعضا من القصائد والمقالات ولم اكلف نفسي مشقة الرد عليهم وقتها لأنني معروف بين من كتبوا النقد بتنبني المنهج الجمالي وكنت اسميته (الصو فني) لاعتماده على ملاحظة الصور الفنية وفي كتبي توصيف لقراءتي الصوفنية للنصوص فما يعنيني هو النص والنص وحده، ثم ان يوسف الصائغ مخلوق مسالم وقد اسهم في تحديث الحساسية الجمالية وقاد الشعر الحديث قيادة رائد وذائد وخدم اللغة العربية والادب العربي خدمة جليلة، وبعيدا عن النص فيوسف الصائغ شاعر طود لايمكن تجاهله بله شطبه رحمه الله ومعه زوجته جوللي .

 

عبد الاله الصائغ

 

.............

http://www.tahayati.com/Articles/youseff-alsayegh-fee-mouraat-abd-alalaah-alsayegh.htm

 

في الذكرى الثالثة لرحيل الشاعر علي الشباني .. سيرة وجع عراقي .. كتاب في محنة

thamer ameenفي الثاني من شهر تشرين أول المقبل تمر الذكرى الثالثة على رحيل الشاعر العراقي الكبيـر "على الشباني" الذي يعد واحداً من أهم ركائز الشعرية العراقية للشعر الشعبي، وقد أعادتني ذكراه الى حديثي في أمسية العام الماضي التي خصصها منتدى كزار حنتوش في الديوانية لإستذكار الشاعر الراحل عن الحيف الذي لحق بهذه القامة الشعرية ، الحيف الذي تجسد بإهمال استذكاره من قبل العناوين العديدة التي انتمى اليها الشباني، ومن جملة ماذكرت هو ظلم الاقربون له الذي يعد (أشد مضاضة ....) وقلت بالحرف (لو كان الشاعر علي الشباني على غير انتمائه المعروف لرأينا اليوم تمثاله شامخا وسط المدينة لقاء ماقدمه الراحل من تضحيات وجهد نضالي أقرب للإسطورة وكذلك لإرثه الثقافي المتميز في مسيرة الابداع العراقي). ولكن للأسف لم يحظ ولو بالشيء القليل من الوفاء والاستذكار الا من قبل عدد قليل من اصدقائه المقربين .

وفي ذكراه الثالثة تحيلني مأساة هذا الشاعرالى قصة كتابي عنه (سيرة وجع عراقي) الذي مايزال حبيس أدراج المطبعة منذ اكثر من عامين، فبعد أسابيع قليلة على رحيله فاتحني احد الاصدقاء الذي يمثل احدى العناوين الثقافية و يشترك معي بصداقته للشاعر بضرورة ان نقدم كتابا عن الراحل وفاءاً منا لذكراه وما قدمه من تجربة رائدة في مجال القصيدة الشعبية وقد كلفني بهذا المشروع النبيل مبديا استعداده تحمل كلفة طباعة الكتاب على نفقته الخاصة، ولأنني كنت متحمسا لنيل هذا الشرف فقد وافقت على الفور وعكفت على مدى (3) اشهر من العمل الى ان انتهيت من الكتاب متوجا اياه (سيرة وجع عراقي) عنوانا له لما في تجربته الحياتية والابداعية من اسى وألم كانا وراء رحيله المبكر، وقد جاء الكتاب بصفحاته الـ (264) وفصوله الخمسة يمثل محطات في التجربة الحياتية والابداعية للراحل، وعندما أعلمت الصديق بالانتهاء من الكتاب فقد خولني الاتصال بأي دار نشر يتولى طباعة الكتاب فكان اختياري لدار نشر ميزوبوتاميا حيث اتصلت بالكاتب مازن لطيف صاحب الدار وبتدخل من الصديقين الشاعرين كاظم غيلان وريسان الخزعلي قام بتنضيد الكتاب وأعلمني بكلفة طباعة الف نسخة منه، وعلى الفور أخبرت الصديق المتبرع بالكلفة لمراجعة الدار من أجل التفاوض وتوقيع العقد، الا ان الاخير يبدو انه لم يكن على كامل الاستعداد لتحمل الكلفة وترك الأمر دون اختيار طريقاً آخر، ولمضي فترة طويلة على بقاء الكتاب اسيرا لدى الدار المذكور فقد اتصلت بأحد قيادي الحزب الشيوعي العراقيـ اللجنة المركزية ـ لتبني طباعة الكتاب وفاءا للشباني صاحب التاريخ الحافل بالنضال والتضحيات في مسيرة الحزب، اثنى الاخير على المشروع وبارك جهدي ووعدني خيرا وطلب مني الاتصال بالمسؤول الثقافي في الحزب وللأسف لم أجد من الأخير بعد اتصالي به اي اهتمام يذكر، وبقي الكتاب ليومنا هذا يعيش الوحشة في أدراج المطبعة .

أهمس لك بحرقة وألم وأقول إسترح صديقي .. ياصاحب العمر الذي انهكته الخسارات، فليس غريبا ان تعيش ذكراك كل هذه الوحشة ..فأنك عشتها في حياتك وفي "عشك ماينكال"

(مستاحش ...

تمر بيّه السجج سكته .. وأرد مذبوح

لن طولك بعد مامش

ولك عمري عطش .. عمري مهر مجنون

ولك عمري تعنالك .. يهلبت جلمه بيك تهون

آني الطحت بدروبك مذّله .. وهم

أفر كلبي بسواليفك وأطيحن دم)

 

هاني فحص رجل الدين العلماني!

qassim salihyمفارقة ان تكون رجل دين تلبس العمامة وتكون في الوقت نفسه محبا للتقدميين واليساريين والعلمانين ومحبوبا من قبلهم ايضا .معادلة صعبة ان تكون ايضا محبا لمعتنقي الديانات الأخرى والمذاهب التي تختلف مع مذهبك ومحبوبا منهم ايضا .الوحيد الذي استطاع في هذا الزمن الطائفي والعنف الديني ان يحققه هو . .هاني فحص . .رجل الدين الشيعي المولود في لبنان والحاصل على بكالوريوس في اللغة العربية والعلوم الاسلامية من كلية الفقه في النجف، والمستشار في مكتب اعلام الحوزة في (قم) بايران!

ومع ان هذه الثقافات الثلاث (لبنان، العراق، ايران) شيعية العنوان، متباينة في المضمون والمواقف، فان فكر هاني فحص احتواها وتجاوزها ايضا .وربما اكتشافه لانغلاق هذه الثقافات جعل فكره يفتح نوافذ جديدة على ثقافات اخرى وافكار لن تسمح بها مرجعياته الدينية .فعلاقته بقوى اليسار وتعاطفه مع مناهج الكتابة اليسارية والماركسية، وحبه للفن والجمال لا ترد في قاموس المرجعيات الدينية الشيعية .ففي النجف تحديدا، وايام كان طالبا في حوزتها قرأ لديستويفسكي وسارتر ونيرودا وروجيه غارودي، وتجرأ ان يعلّق صورة تشي غيفارا في غرفته، فطلب منه علماء النجف ان يرفعها وحين سألوه: "لماذا تحب تشي غيفارا؟" اجابهم ان الذي جعله يحبه هو قرائته لكتاب (نهج البلاغة!) .

483-qasim

وهاني فحص خبر النضال عمليا، اذ تدرب في سن الشباب على العمليات القتالية ضد اسرائيل، وعمل مع تشكيلات ابو جهاد (خليل الوزير) وهاني الحسن وفي مكتب ياسر عرفات، وكان المنسق بين عرفات والمعارضة الايرانية .. ثم بين الثورتين الفلسطينية والايرانية، وحمل في عام الثورة الايرانية (79) رسالة من ياسر عرفات الى الخميني جاء فيها: (لقد رأيت أن أكتب إليك هذه الرسالة وأنت تعرف مبلغ اعتزازنا بكم وبثورتكم المباركة ضد الظلم والطغيان وضد الصهيونية والتسلط الإمبريالي على منطقتنا والذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، وقد اخترت الأخ الكريم هاني فحص، ليحمل إليك هذه الرسالة وليطلعكم على بعض الأمور الهامة وليطلع على آرائكم بشأنها) .

ومع انه خبر احباطات بددت احلامه (التناحرات في ايران .. وسعيها لابتلاع شيعة العرب، الطائفية في العراق ولبنان) فانه ظل متفائلا ووجد الطريق بان يتحول الى الحوار بين الحضارات والمكونات الدينية والاجتماعية، فكان ان انضم إلى كمال جنبلاط في نضاله من أجل ديمقراطية لبنان وهويته العربية، واسس مع سمير فرنجية المؤتمر الدائم للحوار اللبناني، وشارك في تأسيس الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي، بعد ان تجاوز مرحلة رجل الدين المحدد بالخطاب الديني والافتاء، الى دور المثقف المتنور المنفتح المحب للأنسان والانسانية .

لقد التقيته في اكثر من مناسبة فوجدت فيه ليس فقط مفكرا متنوع الثقافات، وغيورا على الانسان والاوطان، وشجاعا اتخذ مواقف يمكن ان تفقده هويته الطائفية، بل انه يمتلك شخصية تحظى باحترام حتى الذين يخالفونه الرأي والمعتقد، وانه اريحي .. رومانسي المشاعر .فكه، مشاكس، وصاحب نكته .. لن تجدها في رجل دين آخر .

ومفارقة اخرى ما اظنها تحصل، هي: ان الذين فجعوا بموته وشعروا بحجم خسارته، ورثوه ونعوه بحرقة .. هم التقدميون واليساريون والعلمانيون! .

لقد رحل عن الانسان والاوطان .. هاني فحص .. انموذج رجل الدين الذي يفتقد في الزمن الصعب .