المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

كنت في بيت تولستوي

زرت بيت الكاتب الروسي الكبير ليف نيقولايفتش تولستوي بتاريخ 5/9/2014 مع بقية اعضاء المكتب التنفيذي لاتحاد ادباء آسيا وافريقيا، والذين وصلوا الى موسكو بدعوة من اتحاد ادباء روسيا لعقد جلسة خاصة لهذه المنظمة الادبية العريقة . لقد كان الجو رائقا ورائعا جدا وقضينا اكثر من ساعتين في الباص الذي أقلٌنا من موسكو الى حدود مدينة تولا الروسية حيث يقع بيت تولستوي هذا ونحن نتحدث عنه وعن انطباعاتنا حول ادبه وآرائه الفلسفية والحياتية . كنا نسير وسط مناطق خضراء مدهشة الجمال و مليئة بالغابات الرائعة والقرى الروسية المتناثرة هنا وهناك وبيوتها الخشبية المتميزة ومساحاتها الشاسعة والانهار والبحيرات الصغيرة المحيطة بها، وعندما وصلنا الى تلك الضيعة التي عاش فيها تولستوي واسمها بالروسية – (ياسنايا بوليانا)، توقفنا قليلا عند مدخلها كي يجري مرافقنا الصديق أليغ بافيكين – مسؤول العلاقات الخارجية في اتحاد ادباء روسيا الاجراءات اللازمة لزيارة بيت تولستوي الذي تحول الان الى متحف عالمي شهير يزوره الكثيرون من الروس والاجانب على مدى السنة (شاهدنا بين الزوار تلاميذ مدارس روسية ابتدائية صغار ومجاميع من العرسان مع اصحابهم الشباب والعديد من الروس و الاجانب)، وقد ( استغلٌينا!) تلك الدقائق القصيرة عند المدخل لشراء الهدايا التذكارية الرمزية من الدكاكين المتناثرة والمحلات الصغيرة جدا المحيطة بالبيت من هدايا ترتبط بهذا المكان وسماته وخصوصا تلك الصور الصغيرة لتولستوي والتي يمكن لصقها بواسطة المغناطيس على ثٌلاجات المطبخ في بيوتنا وتمثل الكاتب الروسي الكبير بلحيته الطويلة البيضاء وهو يقف امام مدخل بيته، بل ان أحدنا اشترى عسلا طبيعيا وهو يقول انه ربما تكون احدى حفيدات تلك النحلة التي انتجت هذا العسل هي واحدة من تلك النحلات التي أطعمت تولستوي نفسه يوما – ما بالعسل، ورأينا شجرة تفاح كبيرة عند المدخل وكان التفاح الناضج ملقى على الارض حولها، وعندما استفسرنا لمن هذه الشجرة قالوا لنا انها لتولستوي ويمكن للجميع ان يأخذ منها كل ما يريد من التفاح، وهكذا بدأنا بأكل التفاح اللذيذ ونحن نقول شكرا لتولستوي الذي يقدم لنا التفاح عند مدخل بيته،   وبعد الحصول على البطاقات المطلوبة لزيارة المتحف تم تقسيمنا الى مجموعتين، لان كل مجموعة لا يمكن ان تزيد عن عدة اشخاص يرافقهم دليل يشرح لهم كل ما يشاهدونه في ذلك البيت العتيد ويجيب عن كافة استفساراتهم حول ذلك، وكنت انا ضمن المجموعة الثانية، والتي يجب ان يتكلم الدليل باللغة الروسية امامها، وفوجئت بطلب الاخرين ان اترجم لهم الى العربية ما يقوله الدليل، فوافقت طبعا وبكل سرور خدمة لزملائي الرائعين من الادباء العرب، وهكذا بدأت جولتنا في ضيعة تولستوي، وسط الاشجار التي زرعها بنفسه مع الفلاحين والممرات التي كان يسير فيها يوميا وبرك المياه الجميلة في اطرافها، وعندما اقتربنا من منزله والذي عاش به حوالي الستين سنة، ادخلونا في غرفة خاصة عند المدخل حيث ارتدينا فوق احذيتنا اغطية من قماش كي نستطيع السير في غرف البيت ذاك دون ان ننزع احذيتنا كما لو اننا ندخل في مكان مقدس (وبعد خروجنا من البيت سأل البعض منٌا – هل سوف تغسلونها وتعيدون استخدامها ؟ فقالوا كلا وتستطيعون أخذها معكم للذكرى، وهذا ما تم فعلا.)، وتوقفنا في مدخل البيت الملئ بالكتب المتنوعة والتي تم وضعها بترتيب جميل في مكتبات خاصة وقالت لنا الفتاة الروسية المرافقة لنا ان تولستوي كان يقرأ يوميا بمعدل خمس ساعات وكان غالبا ما يمسك قلم الرصاص بيده عند القراءة ليؤشر في الكتاب تلك المواقع التي يهتم بها، واخبرتنا ان المكتبة تحتوي على كتب ب 15 لغة كان يعرفها، وقد تناقشنا حول معرفته للغة العربية، اذ انها قالت انه يعرفها لانه درسها في قسم اللغة التركية والعربية في جامعة قازان،ولكن الوقائع تشير الى انه ترك هذا القسم بعد سنة واحدة فقط نتيجة فشله في الامتحان، وبالتالي انتقل الى دراسة القانون في تلك الجامعة نفسها، ولهذا لا يمكن القول انه يتقن اللغة العربية، ولكنه يعرف بعض اولياتها البسيطة جدا ليس الا . لقد كان تولستوي – مثل كل النبلاء الروس في زمانهم – يتقن اللغات الاوربية منذ طفولته مثل الفرنسية والالمانية والانكليزية، وكان يقرأ نتاجات ادباء تلك اللغات بلغاتهم الاصلية طبعا . صعدنا بعد ذلك الى الطابق الثاني من البيت، وعندما انتهينا من الصعود على السٌلم الخشبي الجميل شاهدنا ساعة جدارية ضخمة على يسار السٌلم لا زالت تعمل بدقة وسمعنا دقٌاتها، وتبين ان عمر هذه الساعة 250 سنة، وانها لم تتوقف طوال هذه الفترة، ثم دخلنا الى الغرفة الرئيسية لتولستوي وعائلته، تلك الغرفة التي غالبا ما جرى فيها نقاشات تولستوي الفلسفية المشهورة حول الملكية الشخصية وضرورة التخلص منها واعتراضات زوجته بشأن ذلك، وشاهدنا تلك الكراسي التاريخية المحيطة بمائدة الطعام والسماور واللوحات الزيتية الرائعة المعلقة على الجدران و التي رسمها كبار الرساميين الروس له ولزوجته وبناته، وتأملنا البيانو الذي غالبا ما كان تولستوي يعزف عليه لساعات طويلة وكذلك ضيوفه من كبار الفنانين، ثم دخلنا الى غرفة عمله وشاهدنا الاماكن التي كتب بها نتاجاته الادبية الخالدة، وكذلك شاهدنا مكان عمل زوجته التي اعادت كتابة مسودات روايته المشهورة – الحرب والسلم سبع مرات، بل يقال انها كانت تكتب بعض نتاجاته عشرون مرة، رغم انها ولدت 13 طفلا منه، عاش منهم 8 ولا زال يعيش لحد الان احفاد احفاده في روسيا وبقية انحاء العالم، ثم واصلنا جولتنا في هذا البيت التاريخي الفريد ووصلنا الى تلك الغرفة التي سجيٌ فيها جثمان تولستوي بعد قصة هروبه المشهورة من البيت ووفاته في احدى محطات القطار، حيث جرى توديعه لمدة خمس ساعات باكملها، ثم تم دفنه في تلك الضيعة نفسها على وفق الاسطورة الخيالية التي حكاها شقيق تولستوي مرة، وهي انه يوجد هناك الغصن الاخضر الذي سيمنح للانسان الخلود . ثم انتقلنا الى بناية المدرسة التي اسسها تولستوي لابناء الفلاحين، وتحدثوا لنا عن نظامها الرائع والحرية التي كان يتمتع بها تلاميذها، اذ تبين ان التلاميذ كانوا يتمتعون بحرية الدخول والخروج متى يريدون ويستطيعون الجلوس حسب رغبتهم ولم يكن في هذه المدرسة مبدأ الواجبات البيتية وكان عقاب التلاميذ ممنوعا منعا باتا الى آخر هذه التعليمات التي وضعها تولستوي بنفسه بعد دراسة عميقة لنظم المدارس في روسيا وفي الدول الغربية الاوربية التي زارها . ان موضوع تولستوي ونظام التعليم – مسألة جديرة بالدراسة لحد الان، وخصوصا بالنسبة لعالمنا العربي المعاصر. وتوجهنا بعد ذلك لزيارة القبر في تلك الاجواء الطبيعية الساحرة الجمال، وتوقفنا عند قبر تولستوي المتفرد والوحيد والراقد بهدوء مطلق تحت ظلال شجرة شامخة عند منحدر، وكانت تغطيه الاعشاب ليس الا، ولا يوجد عليه اي شئ، ولا حتى اسمه . كان المنظر مهيبا جدا جدا، اذ يحس الانسان هنا بعظمة الطبيعة وجبروتها وبعظمة وتفرٌد تولستوي وهو يرقد رقدته الابدية في احضانها . لقد قرأت على روحه سورة الفاتحة بصمت وخشوع عندما وقفت عند قبره هذا وسط هذه الاجواء الفريدة والمدهشة حقا .

 

ذاكرة المكان والزمان .. (كَرْمول) الذي حيرنا أمره صغارا ولا يزال

faysalsalem altalawyعَهْدُنا بذلك الضريح منذ أيام طفولتنا الأولى، إنه ينتصب عاليا متميزا على ما حوله من قبور في الطرف الشرقي من مقبرة قريتنا المحاذي للبيادر. وعندما كنا نؤخذ بهيبة الضريح وضخامته، فنسائل بعضنا بعضا:

- قبر من هذا؟

فيصدمنا الجواب الذي يحيرنا أكثر من السؤال ذاته:

- قبر كَرْمول.

ولا ندري من هوكرمول هذا، إذ لم نسمع عن اسم شخص آخر، أوعائلة في قريتنا تحمل هذا الاسم، فيزيدنا الاسم حيرة، ونظن أن هذا الشخص مقطوع من شجرة، وأنه لا قريب له، ولا أحد يحمل اسمه في قريتنا.

ويظل القبر المهيب الشامخ يبعث الحيرة في نفوسنا، فنتمادى بالسؤال:

- وكيف مات؟

فلا نحير جوابا سوى همهمات متقطعة، ونتفٍ من القول متضاربة:

- مات مقتولا.

- قتله شخص من قرية أخرى.

- ولم يأخذ أهله بثأره؟

- الله انتقم من القاتل، فقد أصيب بالأمراض والقروح التي أكلت معظم بدنه، حتى أن كامل جسده المتقيح كان ملفوفا بالقطن والشاش يوم وفاته- هكذا روى مـن شاهدوه - - يستحق ذلك وأكثر، فالقاتل جزاؤه القتل.

وكبرنا قليلا، وصرنا نتهجى الحروف، وقرأنا اسم صاحب الضريح كاملا، فعرفنا أنه ينتمي لعائلة من بلدتنا، وأن كرمول ماهوإلا لقب قد التصق به.

وعندما عاودنا سؤال بعضنا بعضا هذه المرة عمن قتله، جاءنا الجواب:

- لقد قتله الإنجليز، أعدموه رميا بالرصاص على صخرة الموت في عقبة الباذان شرقي نابلس، بعد أن وشى به جاسوس من القرية الفلانية، ومن العائلة الفلانية، ودلهم على مكان اختبائه.

وأضاف زميل يكبرنا سنًا ومرحلة دراسية، يبدوأنه قد قرأ شيئا عن تاريخ بريطانيا:

- واللقب الحقيقي ليس كرمول كما نلفظه، بل إنه (كرِيمويل) اسم الثائر الإنجليزي، الذي ألغى النظام الملكي في بريطانيا، وأعلن الجمهورية عام ألف وستمئة وثمانية وأربعين، ويبدوأنه قد لقب بذلك من قبل بعض رفاقه الثوار تشبيها له بالثائر الإنجليزي في محاولة لإغاظة الإنجليز.

- وبعضهم يقول بل لقبه بذلك بعض الضباط الإنجليز، تندرًا وسخرية في تشبيهه بالثائر الإنجليزي الذي انتهى أمره. 

كان كرمول هوالشخص الوحيد الذي التحق بالثورة من بين جميع أبناء قريتنا، في سنوات الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، يوم كانت بلادنا فلسطين تخضع للانتداب البريطاني، الذي مهد لقيام الكيان الصهيوني على أرض بلادنا، بينما كان عشرات غيره يعملون جنودا وضباط صف في الجيش الإنجليزي، في وحداته وتشكيلاته المختلفة على مدى سـنواته الإحدى والثلاثين، التي هي طول المدة التي أمضاها الإنجليز محتلين لبلادنا، وحتى بعد مغادرتهم غير مأسوف عليهم عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين، بعد تسليمهم البلاد لليهود، فقد بقي من أمضى الخدمة العسكرية الكاملة من آبائنا، واســتحق الراتب التقاعدي، يتقاضى راتبه بعد ذلك عشرات السنين: يتسلمه من السفار البريطانية في عمان أو من القنصلية البريطانية في القدس، حتى وفاة آخرهم قبل سنوات معدودة، للدلالة على عدل بريطانيا العظمى، وزنتها بالقسطاس المستقيم، الذي يخطف الجمل ويبيعه، لكنه يحتفظ لصاحبه بالرسن حتى آخر يوم.

تسمية الوحدات التي خدموا فيها، والتي تواترت إلى أسماعنا عبر حكايات جداتنا وأمهاتنا تسميات عجيبة مدهشة. 

والدي كان أول أمره متطوعا، حاله حال غيره من أبناء قريتنا، فقد كان اسمهم (المتطوعين)، بما تحمله كلمة التطوع من طهرٍ وقداسةٍ وعملِ خيرٍ دون طمع في أجر، وتذكرك بصدقة التطوع، وصوم التطوع، وقوله تعالى:- (فمن تطوع خيرا فهو خير له)، فحتى الأسماء التي أطلقناها لاحقا على الانخراط في سلك الجندية، بعد أن صارت لنا دول وطنية مستقلة، مثل (الخدمة الوطنية وخدمة العلم والجندي المكلف)، كل هذه التسميات لا تقترب ولوقليلا في طهرها ونقائها من كلمة التطوع، فتخيل نفسك متطوعا في الجيش الإنجليزي بملء إرادتك، لا تريد جزاء ولا شكورا، وهو الجيش الذي خطط ونفذ وسلم وطنك لليهود.

لقد تسللت كلمة المتطوع إلى نفوسنا، وانغرست في تراثنا الشعبي، وعلقت بذاكرتنا، فأنا لازلت أذكر وأردد أحيانا بعض المقاطع الشجية، مما علق بذاكرتي من (ترنيمات) جدتي وأمي في أيام طفولتي الأولى في سـنوات الخمسينات من القرن الماضي، وحتى بعـد أن انفض المولد وولت بريطانيا وأيامها، وانحل عقد المتطوعين، وأمهاتنا لا زلن يُرنمن:

طاب الحنينِ، حننـــــي لـــي يَمّا

تعودوا ســـــالمينِ

صفي شجر خوخ يا طريق المتطوع

صفي شجر لبلاب يا طريق الغّياب

لقد تطوع آباؤنا، ولكن إلى أين؟ لقد تطوعوا جنودا في جيش بريطانيا العظمى، ليخوضوا حربها العالمية الثانية، فقد قاتل أبي في معركة العلمين تحت قيادة الماريشال مونتغمري، وساهم في أول هزيمة للألمان في الحرب العالمية الثانية، وأسرغيره من أبناء قريتنا، وما عادوا من أسرهم إلا بعد سنوات من انتهاء الحرب، وبعد أن يئس ذووهم من عودتهم.

وعندما لقيت والدي مرة في أواسط السبعينات، وحدثته عن سفري برا من ليبيا إلى مصر ومروري بالعلمين، استرسلت ذاكرته وراح يصف لي الأماكن والمعالم التي مررت بها قبل شهور فقط، فيسألني عن (برج العرب والضبعة وسيدي براني) وكل تلك الأماكن التي عسكر بها قبل نيّف وثلاثين عاما من حديثنا ذاك، وكأنه مر بها بالأمس، وأحيانا كان يصف لنا (عاليه) في جبل لبنان وبرودة شتائها وغزارة تساقط ثلوجها، وقد عسكر فيها حينا من الدهر، متطوعا لنصرة حكومة فرنسا الحرة الديغولية، ضد حكومة فيشي الموالية للألمان.

وأنا لا ألوم أبي ولا أبناء جيله على ما فعلوا، فقد كان ذلك مبلغهم من العلم، وتلك كانت وسـيلة العيش الوحيدة المتاحة أمامهم، والتي ورثوها عن آبائهم.

ألم يكن جدي وأبناء جيله من قبل جميعا يساقون بالإكراه وليس بالتطوع، قرعة بعد قرعة كل عام من قبل قوات (الأخذ عسكر) الانكشارية، ليخوضوا معارك السلطان في القرم والبلقان وترعة السويس، وفوق كل أرض وطأتها أقدام العثمانيين.

ولسنا في ذلك بدعا بين الشعوب، فشعب المليون ونصف المليون شهيد في الجزائر، خاض أبناؤه حروب الهند الصينية، وتجرعوا من هـزيمة (ديان بيان فو) على يدي الجنرال (جياب) أكثر مما تجرع الجنود الفرنسيون.

فقد كان معظم جنود الجيش الفرنسي من الجزائريين والمغاربة والسنغاليين وسائر الأفارقة، وحتى القوات التي حررت فرنسا من الغزوالنازي كانت في معظمها من الأفارقة أبناء المستعمرات.

صحيح أنهم أبعدوهم عن الواجهة الأمامية ساعة اقتحام باريس، وقدموا عليهم الفرنسيين والأوروبيين والأمريكيين، حتى لا تظل سُبة في جباه الفرنسيين أن الأفارقة هم من حرر لهم باريس، فيطالبوهم بأن يتركوهم وشأنهم بعد الحرب، ويمنحوهم استقلالهم مقابل هذه التضحيات.

ذلك أمر هين وعادي بمقاييس ذلك الزمان، وكانت تسمياته تتطورتبعا لتغير المهمات المنوطة بجنوده، فمن (المتطوع) إلى (الزُنارلِحمر) إلى (الإضافي) فيقول الناس:

- فلان خدم في (الزُنار لِحمر)، وهو فرع من فروع الشرطة، يميزه أهل بلادنا بالحزام الأحمر الذي يطوق منتسبيه، ثم خدم (إضافي)، دون أن يفطنوا أن هذا الإضافي يعني قــوات الشرطة الإضافية، التي احتاجت بريطانيا لتجنيدها، لقمع ثورة أهل فلسطين احتجاجا على استمرار الهجرة اليهودية، فالقوات الإضافية التي كانت أمهاتنا يتباهين بانتساب أزواجهن لها ذات يوم، هي القوات التي جُندت خصيصا للقضاء على الثورة وإخمادها.

ثم تتطور القوات ليصبح اسم بعض وحداتها (قِوِة لِحدود)، بترقيق القاف وقلبها كافا مع كسرها وكسر الواو بعدها، دون تحديد أية حدود هي المقصودة بذلك. 

فقوة الحدود كلمة مجردة، تعني حماية حدود الوطن من أطماع الطامعين وكيد الكائدين. وفيما علمناه لاحقا، أن حدود بلادنا الغربية على طول شاطئ البحر المتوسط، هي التي كانت مستهدفة من قبل أعدائنا المهاجرين اليهود، الذين واصلوا الزحف عبرها كأسراب الجراد طيلة عهد الانتداب البريطاني. لكننا أدركنا لاحقا أن (قوة لحدود) كان اسمها الكامل (قوة حدود شرقي الأردن). فما لنا ولحدود شرقي الأردن يومها؟ ونحن أعجز من أن نحمي حدود فلسطين، بل ونخضع لنظام الانتداب والحماية، أليس لشرقي الأردن من يحمي حدودها؟ 

فإذا تلك القوة كانت مهمتها حماية حدود فلسطين الطويلة مع شرقي الأردن، من بلدة الحمة بجوار بحيرة طبريا شمالا، وحتى أم الرشراش على شاطئ خليج العقبة جنوبا. وحمايتها ممن؟ حمايتها من مجاهد وهب نفسه للدفاع عن فلسطين ومسجدها الأقصى، ربما باع أرضه وكل ما يملك، واشترى بها بندقية، وجاء عابرا البراري والفيافي من المغرب أو الجزائر أو اليمن أو الحجاز أو العراق، وربما أبعد من ذلك من الهند أو أندونيسيا أو البوسنة، جاء باذلا نفسه وما يملك، مجاهدا في سبيل الله ملبيا دعوة الجهاد، لنصرة فلسطين ومسجدها الأقصى وأهلها، فإذا نحــن (قِوِة لِحدود) نقف له بالمرصاد لنحول بينه وبين مبتغاه، بصده أو أسره أو قتله.

كل ذلك كان مفهوما ومبررا، ويمكن استيعابه بمقاييس ذلك الزمان ومفاهيمه وسذاجة أهله، لكن ما يضع العقل في الكف هو تكرار تلك الحالة في أزمنة لاحقة ممتدة حتى زماننا، وبمسميات تتجدد كل آن.

 

 فيصل سليم التلاوي

 

هاني فحص والشيعي المفقود ...!

falah almishealانشغلت الأقلام وقبلها الأرواح والعقول بإطلاق آهات الأسى لغياب رمز فكري واسلامي عربي اسمه هاني فحص، رحل فحص في وقت أشد مايحتاج اليه الفضاء الثقافي العربي في خضم هذا التصارع الطائفي المنحط معرفياَ وانسانياَ .

كلماتي ليست لتشييع فحص بعد هذا الموكب الرثائي الذي سيستمر في العديد من أروقة الإعلام والثقافة ومراكز الإصلاح الديني، ولعله اقل استحقاق لهذا الأنموذج المميز بحريته وافكاره وعناقه الدائم للشمس، فحص رجل الدين اللبناني، والمقاومة والفكر والشعر والإندماج الحضاري والصوت النقدي الذي اشتغل على نحو مايفعل الباحثون عن الذهب، يعزل مفاهيم الدين وتعاليمه، عن غرين وتكلسات المدارس والمذاهب وماتحمل من تشويهات وتزييف لنقاء الإسلام .

هاني فحص مخضب بالإحساس والرقة، والإستغراق باكتشاف الجمال ومعاييره في ظل أزمنة تستمطر القبح، وتجترح أسبابا للجفاف والتصحر الإنساني، وهو ما يعيد الذاكرة لإستحضار شخصية لبنانية اخرى استطاعت ان ترسم السكة لرجل الدين العصري والفاعل مجتمعياَ، واقصد به السيد محمد حسين فضل الله .

الكبيران الحاضران فضل الله وفحص تربيا في مدارس النجف الدينية وحوزتها ومنتدياتها الفكرية والأدبية، وعاشا في بلدهما لبنان، واعطيا له ماعجزت عن تقديمه العديد من الشخصيات السياسية اوالأكاديمية والثقافية، واصبح كل منهم ماركة إسلامية مميزة في بعدها التوجيهي والثقافي والتربوي المنفتح،والمتحرر من قيود الأصوليات المتزمتة وقانون السمع والطاعة .

السؤال الذي يشغلني وغيري ايضا؛ لماذا تفتقد أجوائنا العراقية وجود شخصيات تماثل محمد حسين فضل الله وهاني فحص .؟

ان تاريخ الإبادة والتغريب والنهش الذي عاشه الشيعة في العراق وماأورثهم من حمولة باهضة ترسّمها تعاليم الدولتين العثمانية والصفوية، ومااحدثته من آثار لدى رموزهم الدينية، ربما هذا التاريخ المرّ، جعلهم يندرجون في مدارات الصرامة والإنغلاق والسرية ..؟

أم ان أجواء لبنان وجبالها وبحرها المنفتح على حضارات الكون،اعطى له هذا الترف والاحساس بالجمال والربيع الفكري االدائم .؟

رجل الدين العراقي يعيش حالة من غياب الحقوق والإستلاب النفسي الإضافي، حين يتحرج من سماع فيروزأوالموسيقى، ويمتنع عن حضور المسرح وسماع شعر الغزل، وهذا سلوك مغاير تماما لما كان يفعله المرجع الكبير فضل الله والفقيه المميز هاني فحص .

 

رحيل "صوت الإعتدال" اللبناني السيد هاني فحص

475-hanyfahsفقدت الساحة الفكرية اللبنانية أحد أعمدتها عندما غيب الموت صباح الخميس العلامة هاني فحص عن 68 عاما نتيجة مضاعفات مرض في الرئة.

 

عرف الرجل المنتمي إلى الطائفة الشيعية اخراطه في العمل السياسي ونشاطه داخل المجتمع المدني واستيعابه لمجال الحوار بين الأديان.

 

وفحص من رجال الدين القلائل الذين اختاروا درب العمل الحزبي العلني، بدأ حياته السياسية مع حركة فتح الفلسطينية عندما كان مقر قيادتها في لبنان، وكان مقربا من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

 

وكان الراحل مقربا لفترة من حزب الله الشيعي، قبل أن يحصل تطور في مواقفه تجاهه، آخذا عليه انعزاله ومبالغته في استخدام القوة لفرض رأيه على الآخرين.

 

رأى فحص النور في بلدة جبشيت في الجنوب لبنان عام 1946، هاجر إلى النجف في العراق سنة 1963 ودرس في حوزتها الدينية، ونال إجازة في اللغة العربية والعلوم الإنسانية من كلية الفقه، وفي سنة 1972 عاد ليستقر في جبشيت وليكون إمام مسجدها.

 

هو عضو في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، أعلى مرجعية دينية شيعية في لبنان، وعضو في المؤتمر الدائم للحوار اللبناني الذي أسسه مع النائب السابق سمير فرنجية العلماني.

 

ترشح إلى الانتخابات النيابية مرتين، من دون أن يفلح بالوصول إلى البرلمان، وشارك في منتديات ومحاضرات ومؤتمرات عديدة حول حوار الأديان، ويعد منظرا بارزا في مجال مقاربة الإسلام لمواضيع الحداثة.

 

والعلامة هاني فحص الذي تزوج في التاسعة عشرة من عمره، وله خمسة أبناء ذكور وابنتان أديب وكاتب.

 

ومن أبرز مؤلفاته "ماض لا يمضي"، و"ذكريات ومكونات عراقية"، و"الشيعة والدولة في لبنان"، و"خطاب القلب".

 

ونعى عدد من النشطاء ومرتادي مواقع التواصل الاجتماعية الراحل، واعتبروا وفاته خسارة للساحة الفكرية اللبنانية.

 

فكر البروفيسور الجنابي بين المثال والواقع

mutham aljanabiللوجود أسراره وألغازه، ووضوحه وجلاءه. وفي مجرى تأمل هذه المتناقضات تتراكم معالم الأزل ومعاني الأبد. وما بينهما تلتاع تأملات العقل وهواجس الوجدان المحاصرة بين كثافة الماضي ولطف المستقبل، كما نراه الآن في ديناميكية الوجود المتعثرة على حاضر معلوم لا قيمة كبرى فيه، ومستقبل مجهول هو عين الأمل! فهي الحالة التي نعيشها الآن ونراها ونتأملها فيما يمكن دعوته باللحظة التاريخية الكبرى للعالم العربي.

فهي اللحظة التي تستظهر باطن التاريخ العربي وتستثير الكتابة الفكرية عنه. وفي الوقت نفسه هي الحالة الواقعية التي تتشابك فيها أيادي وقلوب ووجدان الأجيال الشبابية الجديدة، التي تقرع بقبضاتها أبواب الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي القائم. أما الكلمة التي تتمثل وتمثل كل هذه الموجة العارمة فهي كلمة الحرية.

فالفكرة الجلية- المستترة الكامنة في (أنا موجود إذن أنا أفكر) قد انقلبت موازينها لكي تتماهى مع الحقيقة القائلة، بان "العدو الفعلي في داخلنا وليس خارجنا". وقد ترتب على ذلك تغير النظرة الى العالم، التي جعلت من تاريخ أهل الضاد ليس مجرد تاريخ ثمود وعاد! أما الربيع الذي تحول الى فصل الفصول والسنين والعهود فقد تناثر شذى ياسمينه بعيدا حتى تخوم الصين، أي من حيث أتت في يوم ما كلمة ياسمين بحيث تحول نطقها العربي الى مصدر خوف وقلق جعلها محظورة التداول بين الشباب ووسائل الاتصال الالكترونية الحديثة!

وفي مجرى متابعتي لهذه الأحداث وتأملها، فإذ بدعوة تأتيني من بغداد تطلب مني الكتابة عن ميثم الجنابي، عن فكره وأسلوبه في التفكير والكتابة ومنهجه، أي كل ما أثار وما زال يثير تعقيدا والتباسا بالنسبة للقارئ العادي والمحترف أحيانا. لاسيما وإنني شخصيا قد سمعت ذلك مرارا في مجرى زياراتي العلمية الى موسكو، كما سمعت الشيء نفسه هنا في كندا.

وقبل الانتقال الى صلب الموضوع أود الإشارة الى حالة نادرة قد تشكل، كما يقال، مفتاح رؤيتي التأملية لما أنا بصدده. وكان ذلك في نهاية تشرين الأول من عام 2010 في موسكو عندما كنت احظر المؤتمر العالمي الفلسفي المنعقد تحت عنوان (عالم الإسلام- التاريخ والمجتمع والثقافة). وقد افتتح المؤتمر البروفيسور نور سيريكيفتش كيرابايف، بخطبة مكثفة خلاصتها تدور حول خصوصية تناول هذه القضية بالنسبة للعالم الروسي. وطبيعة ومستوى تناولها والإسهام الفكري الذي قدمه الروس بهذا الصدد، بمعنى دراسة التجربة الخاصة بالإسلام في روسيا. وذلك لان مسألة الإسلام في روسيا هي جزء من تاريخ الثقافة الروسية أيضا. من هنا خصوصيتها التي لا تشبه تجارب الإسلام في العوالم العربية والإيرانية والتركية والهندية والصينية والأوربية والأمريكية (الشمالية). إذ لكل ثقافة بصماتها الخاصة على الإسلام في عالمها. بعدها أعطى الكلمة الى البروفيسور الجنابي الذي كان يجلس الى جانبه بوصفه احد أعضاء إدارة المؤتمر.

حينذاك كنت ألاحظ عيون ونظرات البروفيسور كيرابايف حالما أعطى الكلمة للجنابي من اجل إلقاء مداخلته الرئيسية للمؤتمر. وقد تكلم الجنابي بنفس الطريقة التي كتب ويكتب فيها، أي أشبه ما يكون بشلالات نياغار الكندية الكبرى.

لقد اخترت هذه النادرة بادرة الانطلاق فيما أنا بصدد الكتابة عنه وتأمله وتحليله. وفي بداية حديثه تكلم الجنابي باللغة الروسية قائلا بأنه سوف يلقي مداخلته بالروسية ثم يقوم بتعريبها شخصيا وذلك لاعتبارين، الأول وهو سرعته بالكلام التي تجعل من الصعب بالنسبة للمترجمين متابعة أفكاره ونقلها الى العربية، وثانيا لتخفيف وطأة وصعوبة ترجمة اصطلاحاته وعباراته من والى الروسية والعربية.

لقد كانت هذه المقدمة بالنسبة لي لحظة دهشة وإثارة.

بعدها أخذت "شلالات نياغارا" بالهطول على فضاء القاعة لتتناثر على رؤوس الحضور. وقد كنت حينذاك جالسا في الصف الأول للقاعة استرق السمع وادقق النظر وأجيل الرؤية. وبعد الانتهاء من كلمته بالروسية قام بتعريب مضمونها. حيث أشار من ضمن ما أشار فيها الى نظريته الفلسفية عن المركزيات الثقافية. ومن بين مكوناتها الجوهرية فكرته عن وجود أربعة مركزيات ثقافية كونية كبرى تبلورت تاريخيا ومازالت فاعلة بمستويات وأشكال مختلفة ومتباينة ولكل منها استعداده الذاتي ومصيره الخاص. والعربية واحدة منها.

لقد كانت عيون البروفيسور كيرابايف مصوبة بتركيز واهتمام على الجنابي. وتتابعه طوال الوقت. أما الزملاء الروس والقاعة فقد قبلوا طريقته برحابة صدر (ديمقراطية). وقد كانت القاعة ومن فيها أشبه بالحالة التي صورتها العربية بعبارة و"كأن على رؤوسهم الطير"!

فبعد انتهاء الجنابي من إلقاء كلمته، ساد الصمت المطبق في القاعة. وبعد لحظات تسائل إن كانت هناك ملاحظات أو استفسارات أو اعتراضات. ولم تتكلم سوى امرأة أمريكية اعترضت بصورة جزئية على نظرية الجنابي بصدد الثقافة. عندها أجابها باستفاضة استنادا الى النظريات المقارنة لفلسفة التاريخ والثقافة والحضارة. بعدها خيم الصمت من جديد على القاعة.

لقد استعادت هذه اللحظة السحرية المغرية في ذاكرتي ما سبق وان قال به ديكارت في فجر الفلسفة الحديثة عن أن امتلاك الفكرة الجلية الواضحة هو نتاج العقل الواضح، والتفكير الواضح، والمنهج الواضح، والفعل الواضح في هذا العالم.

أما الإجابة على الأسئلة المتعلقة بأسباب القلق الذي تثيره كتابات الجنابي بالنسبة للقارئ العربي، وعما إذا كانت واضحة أم لا، وما هو الشيء الذي يريد الجنابي قوله، وما هو "مشروعه" كما يقول البعض، فمن الممكن العثور عليها فيما كتبه ويكتبه وسيكتبه.

ومن بين كل الأسئلة الممكنة يمكن اعتبار السؤال المتعلق بماهية ما يكتبه الجنابي أكثرها جوهرية، أي حول أي شيء يكتب. وقد تكون الخطوة الأولى للإجابة السليمة على هذا السؤال تقوم حسب اعتقادي في تتبع ما كتبه ونشره لحد الآن حسب تسلسلها الزمني، ومعرفة مضمونها حسب سياقها التاريخي.

وقبل كل ذلك يمكنني القول بجرأة على أن القراءة الجزئية هي تعبير عن جزئية القارئ نفسه. وعادة ما يحدث ذلك عندما يقرأ المرء نصا واحدا أو بضعة نصوص وليس كل ما كتبه المفكر. إن هذه الجزئية (التجزئة) في القراءة هي منبع التشوه في الرؤية، والخطأ في الإدراك، وسوء الفهم في الأحكام. فقد شدد الجنابي في أكثر من مكان على أن الشخصية المفكرة الأصيلة أوسع من أن يقيدها برنامج مسبق.

لكن هل يعني ذلك أن المفكر المبدع يسبح بصورة عشوائية في بحار الأفكار دون أن تكون هناك بوصلة توجهه صوب شاطئ المعرفة اليقينية؟ إن التفكير بهذه الطريقة هو تفكير ضحل للغاية، بل غاية الضحالة. فالفكر حتى في حالات الجنون لا تنعدم فيه أشعته، التي ترشد التفكير المجنون صوب ارض الخيال!

إن إبداع سفينة الفكر عند الجنابي يتلاطم في نهاية المطاف على ارض هي عوالمه كما نراها فيما نشره وطبعه لحد الآن، وكذلك في كمية ونوعية همومه النظرية والعملية الكبرى. إننا نراها في عوامل الشخصيات وعوالم الثقافة الإسلامية وعوالم العرب والعراق والعالم الروسي وعوالم أخرى. إذ نراها في

 

عالم الشخصيات

الإمام علي بن أبي طالب (التراجيديا السياسية للطوباوية الثورية).1990. و(القوة والمثال) 1955، والطبعة الخامسة عام 2010.

الغزالي(التالف اللاهوتي الفلسفي الصوفي) ( أربعة أجزاء )، 1989.

المختار الثقفي – فروسية التوبة والثأر، 2007.

هادي العلوي-المثقف المتمرد، 2009.

محمد – رسول الإرادة (مخطوط)

 

العالم الروسي

"الإسلام السياسي" في روسيا. 1999.

روسيا - نهاية الثورة؟ 2001.

الإسلام في أورآسيا، 2003.

 

عالم الثقافة الإسلامية

علم الملل والنحل. ثقافة التقييم والأحكام 1994.

حكمة الروح الصوفي (جزءان) 2001..

الحضارة الإسلامية – روح الاعتدال واليقين (ج1) 2006

الأشباح والأرواح (مخطوط)

 

عوالم أخرى

الإسلام السياسي في جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية،2001

البهودية الصهيونية في روسيا وآفاق الصراع العربي اليهودي، 2003

اليهودية الصهيونية وحقيقة البروتوكولات، 2005

جنون الإرهاب المقدس، 2006.

 

عالم العراق

العراق ومعاصرة المستقبل،2004

العراق ورهان المستقبل، 2006.

أشجان وأوزان الهوية العراقية، 2007.

فلسفة الثقافة البديلة، 2007.

العراق والمستقبل – زمن الانحطاط وتاريخ البدائل، 2008.

حوار البدائل، 2010.

التوتاليتارية – تشريح الظاهرة الصدامية، 2010.

فلسفة المستقبل العراقي، 2010.

فلسفة الهوية الوطنية (العراقية) 2011.

 

أما الإجابة على السؤال القائل:ما هو الهم الدفين في تفكير المفكر المبدع؟ فمن الممكن العثور النسبي أو الكلي عليه في كتابات المفكر نفسه. فهي المصدر الفعلي والوحيد الحقيقي للحصول على إجابة شافية. والبقية تفسير وتأويل. وفيما لو تتبعنا البدايات النظرية العلمية (الأكاديمية) لهذه الهموم الأولى فأننا نعثر عليها في اطروحاته التالية

الماجستير (معنى الحياة في التاريخ إنساني)عام 1981

الدكتوراه (خصوصية وآفاق الحركات الإسلامية السياسية المعاصرة) 1985.

دكتوراه علوم (التآلف اللاهوتي الفلسفي الصوفي عند الغزالي) 1990.

إن القراءة هي فن التأويل.الأمر الذي يضع أمامنا القضية التالية: الى أي حد تتحمل ضحالة التفكير وضعف التأهيل مسئولية سوء الفهم في القراءة؟ وهل هي مسئولية القارئ؟ أم مسئولية الكاتب؟ أم كليهما؟ واعتقد أن الجواب الأمثل على هذه الإشكالية ما نجده في النادرة التالية. استفسر احد القراء من احد الكتاب قائلا:

- لماذا لا تكتب بطريقة مفهومة؟ عندا أجابه الكاتب:

- ولماذا لا تفهم ما يكتب إليك؟

 

لقد كانت هذه الأمثلة ومطالبها تحكم تأملاتي بصدد أسلوب الجنابي في الكتابة. فأسلوب الكتابة هو شخصية الكاتب أيضا. وبالتالي، فان قراءة كتب الجنابي ومؤلفاته هي دعوة كبرى لاستيعاب يماثلها بالحجم. وذلك بسبب التعقيد المميز لإشكاليات التاريخ العربي والإسلامي من جهة، وضرورة توفر المعرفة الجيدة عند القارئ، إن لم نقل المعرفة الهائلة والدقيقة بالكلمات والمصطلحات والمفاهيم التي يوظفها الجنابي في كتاباته من جهة أخرى. لاسيما وان الكثير منها يستند الى أصول لغوية كائنة في الكنز الهائل لنصوص التصوف الكبرى.

ففي مداخلتي التي قدمتها للمؤتمر الفلسفي المنعقد في معهد الفلسفة التابع لأكاديمية العلوم الروسية المنعقد في موسكو عام 2006، أشرت الى أن الجنابي، "حسب علمي ومعرفتي هو المؤرخ الذاتي المبدع الوحيد في الثقافة العربية".

فقد بدأت مرحلته المعرفية الفكرية الأولى عام 1981 بالبحث عن فكرة المعنى. والبحث عن فكرة المعنى هو الحدس الأول لكل عقل وجودي في التاريخ. فقد بدأ بحثه عن المعنى وهو في موسكو السوفيتية، أي في زمن لا يقر ولا يعترف، بل يحرم الفكرة الوجودية. مع أن الجنابي لم يكن وجوديا.

إن فكرة البحث عن المعنى موجودة أيضا في دراسة الحركات الإسلامية الفائرة والثائرة، التي قام بها عام 1985. وبعدها بخمس سنوات تكشف فكرة البحث عن المعنى مداها في عمله عن الغزالي، الذي طبع منه لحد الآن أربعة أجزاء، وبقيت ثلاثة لم تكتمل بصورة نهائية بعد، كما اخبرني بذلك. ومع هذا العمل الفريد من نوعه في الثقافة العربية والإسلامية وتاريخ الفكر عموما، يكون الجنابي قد بدأ رحلته الكبرى بوصفه مفكرا ذاتيا مثاليا.

إننا نعرف من تاريخ الفلسفة، بان كلمة الفلسفة تعني "حب الحكمة". وبالتالي، فان الفيلسوف هو محب الحكمة وعاشقها بواسطة العقل (اللوغوس). وإذا كان الأمر كذلك، فأين محل الدين منها؟ فالدين الذاتي يوصل للحكمة عبر الإيمان وليس بالعقل. لهذا السبب نفهم لماذا كانت الفلسفة شيئا منفرا وسلبيا في الذوق والوعي الإسلامي وما زال كذلك حتى الآن. إذ لم تكن الفلسفة في يوم ما من الأيام جزء من البذور الديناميكية الحية للثقافة العربية. والشيء نفسه يمكن قوله عن التصوف. والاستثناء قليل وجزئي وعابر. ومع ذلك ظهرت في كليهما شخصيات لامعة بدأ من الكندي وانتهاء بابن رشد في مجال الفلسفة، وعدد من المتصوفة الكبار الذين بلغوا ذروتهم في ابن عربي. ومن بين مقدمات هذه الحالة ومما وراءها يظهر ميثم الجنابي العراقي العربي، الذي اخذ ويأخذ على عاتقه مهمة إعادة ترتيب الأفكار ونظمها، بوصفها مهمة حياتية ووجودية في أول أعماله الفلسفية الكبرى عن الغزالي. وإذا كان عنوان الكتاب، كما قال الغزالي نفسه، مؤشرا على مضمونه، فان عنوانه عند الجنابي (التآلف اللاهوتي الفلسفي الصوفي) يحتوي على إشارة ودلالة واضحة وجلية.

فقد جرى تصنيف الغزالي من جانب الحركات والشخصيات القومية العربية بداية القرن العشرين ضمن "أعداء الفكر الحر" و"هدامي الفلسفة". ونعتوه بمختلف الأشكال والصفات مثل "اللاهوتي السني"، والمذنب في سقوط وانحطاط الفكر العقلاني العربي وما شابه ذلك. بل وجرى تصويره على انه الأنموذج والمصمم التام للأيديولوجيات الإسلامية السنية المتزمتة. وقد كانت هذه الأوصاف والأحكام والاتهامات مبنية على أساس القراءة الجزئية لطبيعة الجدل العقلي الذي وضعه الغزالي في (تهافت الفلاسفة)، والردود التي كتبها ابن رشد في نقضه لآراء الغزالي في كتابه الشهير (تهافت التهافت). طبعا، إنني اشك فيما إذا كان أي من ممثلي الأيديولوجية القومية العربية آنذاك قد قرأ هذه المؤلفات أو بعض منها. من هنا تحول الفكر الفلسفي لهاتين الشخصيتين الى مجرد قضية دعائية وأيديولوجية جزئية.

وفيما لو عدنا الى صلب الحديث، فان السؤال الذي يبرز أمامنا هو التالي: هل إننا نقف أمام رحلة الغزالي الفكرية أم أمام رحلة الجنابي الفكرية؟ وقد نعثر على صدى الإجابة في المقدمة والعبارات التي تصدر بها الجنابي عمله عن الغزالي. ففيها نقرأ ما يلي: إن مواجهة حقيقة الغزالي ليست أقل صعوبة من مواجهة العطشان رؤية خلاصه في الربع الخالي... وان الغزالي هو ممثل مساعي البحث عن الحقيقة .... وانه أكثر من مثلها وتمثلها في حياته وفكره وعقله وضميره ومساعيه ومصيره.... فقد جسد الغزالي في صيرورته وكينونته وذاته لغز اليقين.... وانه من بين شخصيات الثقافة الإسلامية، التي بدونها لا يمكن فهم تاريخها الروحي. فهو نعمة عالمية بالقدر الذي تتعمق معارفنا فيه.... وان إدراك حقيقته يستلزم من المرء أن يكون غزالياً جديداً.... وان الغزالي مصدر للوعي الثقافي العالمي الحق ليس في آرائه وحلوله، بل وفي شخصيته ومثالها. فهو أصدق من الليل في ظلمته..... لقد بحث عن المطلق، وسواء أصاب أم أخطأ، فإنه وضع مهمة البحث كغاية وأسلوب "السائرين" صوب الحق.... وأن أهميته دائمة في البحث عن الحقيقة والاستقلال الفكري وفي المثال الأخلاقي وعالم الروح.... فقد أبدع الغزالي تآلفاً فكرياً هائلاً، لم يصب بالهزيمة شأن كل تآلف فكري كبير. إنه أبدع تآلف لم يستطع تحمّل وزر ثقله، لأنه سعى لأكثر مما يحتمله إنسان وأقل مما يفترضه المطلق.... . إنه سعى للمستقبل باسم الماضي، ومجّد الماضي لأنه قاعدة المستقبل. وهو لم يرفض كل ما هو موجود لأنه ذاته نتاجه، ولكنه لم يعترف بأية شرعية له لأنه ذاته نفي له. لقد أبدع الغزالي على الدوام حقائقه لكي يطمسها. فهو كالريح العاصف لا يعطي للمرء حرية تأمله واستنشاقه. وينبغي أن تهدأ العاصفة لرؤية حطامها...."

إنني اعرف الصعوبات لتي يواجهها العوام والخواص (القارئ العادي والمتخصص أيضا) في قراءة مؤلفات الجنابي. وان هذه الصعوبة هي قضية ثقافية بحت. فقد اخذ الجنابي كل ميادين الثقافة العربية الإسلامية وادخلها في تيار الفكر الصوفي العميق واصطلاحاته المتميزة ولغته الجميلة لكي ينتج لنا في نهاية المطاف معان جديدة يصهرها كلها بلهيب التجربة الذاتية ويصبها في لغة مفتوحة للفكر وتاريخ الأفكار. بعبارة أخرى، إن التعقيد الذي يلازم قراءة مؤلفات الجنابي تقوم في أن الفلسفة والتصوف اللذين لم يكونا في يوم ما من الأيام أرحاما مولدة للثقافة العربية والإسلامية، قد غابا في غياهب الغابات المظلمة للفقه واللاهوت وعبارات البيان الخشنة للخطاب الديني الفج. في حين كانت الفلسفة والتصوف يحتويان على كل مفردات العربية الجميلة والعميقة والدقيقة، أي على كل ثروة وثراء الإبداع الفكري واللغوي، أي كل ما حاول الجنابي تمثله وإعادة سكبه في قوالب لغته الخاصة.

لقد وجه الغزالي صراعه ضد الفلسفة، بالضد من النصيحة التي قال بها الكندي قبل ثلاثة قرون سابقة على ظهور الغزالي، واقصد بذلك فكرته القائلة، بضرورة تعلم الحقيقة ممن سبقنا، وذلك لأنه لا شيء اثمن من الحقيقة بالنسبة لمن يبحث عنها. غير أن للمرء حقه في أن يقوم بما يراه. لاسيما وان قلب الغزالي كان في إيمانه. أما "النور" الذي قذفه الله في قلبه فقد كان طريقا آخر غير ما اعتادت عليه نماذج الفلسفة.

من هو الذي يمتلك القدرة على تحمل قراءة أسلوب الغزالي ومقارنة كل ذلك بالفلاسفة العرب بدأ من الكندي وانتهاء بابن رشد، ومن ثم رؤية وتأمل كافة القضايا والمسائل العميقة والمعقدة بهذا الصدد؟ كما يمكننا وضع هذه المقارنة بشكل آخر: إن الشخص القادر على قراءة أسلوب التصوف في "الفتوحات المكية" لابن عربي ومقارنته بالتفسير الميتافيزيقي لأرسطو عند ابن رشد، هو الذي يمكنه أن يدرك حجم القضايا العميقة والمعقدة آنذاك والآن أيضا. وبصفتي الشخصية كمتفلسف ومحترف في ميدان العلوم الفلسفية، ويقف الى جانب الفلسفة (العقلية) أدرك حجم هذه الإشكالية وأقف بهذا الصدد الى جانب أسلوب التعبير المتسامي للتصوف واصطلاحاته الإنسانية، وبالأخص حالما يقترب أكثر من غنى المعاني الوجودية والبحث عن المعنى.

لقد قاد البحث عن المعنى تفكير الجنابي الى ربط الفكرة بالحياة، والحياة بالتعبير عنها، والوصول الى التعبير عن معنى المعنى في المجرى التاريخ الثقافي. لقد قادته هذه المسالك الذاتية أولا الى الإمام علي بن أبي طالب. فالمثالي الذاتي عادة ما ينظر الى الشخصية باعتبارها كيانا فاعلا تسعى لبلوغ أهداف روحية وأخلاقية تسمو على الأشياء العابرة الطبيعية منها والاجتماعية. وقد أثار انتباهي بهذا الصدد عناوين الإصدارات لهذا الكتاب ما بين عام 1989 و1995، حيث ظهر تحت عنوان (الإمام علي – التراجيديا السياسية للطوباوية الثورية). كما تجدر الإشارة هنا الى المعلومة الواردة في الطبعة الخامسة لهذا الكتاب الصغير (عام 2011) واقصد بذلك القصة الشخصية لتأليفه وتراميها ما بين العراق وسوريا واليمن وروسيا. أنها بحد ذاتها تحتاج الى تأمل عميق. فيما جرى تغيير العنوان لاحقا الى (الإمام علي – القوة والمثال). لماذا؟ والسؤال يبقى هنا مفتوحا..

ما هو الشيء الذي قام به الجنابي في هذا النص الصغير والمهم؟ أولا انه ادخل ما هو مقدس في تاريخ الثقافة الى ميدان التفكير النقدي، أي جعل المقدس جزء من عالم التفكير. فالإمام علي هو القوة المستمرة داخل "الحقيقة المنطقية والتاريخية للعراق". وفي الوقت نفسه هو "نموذج المثال الإنساني الإسلامي". لكن لماذا جرى اختيار الإمام علي ابن عم النبي محمد؟ ولماذا اختار الجنابي شخصية هادي العلوي بوصفه مثقفا كونيا متمردا؟ ولماذا اختار شخصية المختار الثقفي باعتباره ممثل التوبة والثأر؟ ولماذا جعل من النبي محمد "رسول الإرادة"؟ والى جانب هذه الأسئلة تظهر أسئلة أخرى. لماذا الغزالي؟ ولماذا التصوف؟ ولماذا روسيا والثقافة الروسية والثورة؟

وللإجابة العامة على هذه الأسئلة وغيرها أجد نفسي أمام مهمة استعادة الفكرة التي وصفت بها الجنابي في ورقتي المقدمة الى المؤتمر الفلسفي العالمي المنعقد في موسكو عام 2006 باعتباره مفكرا ذاتيا مثاليا. إذ هناك ثلاث صفات ديناميكية مترابطة في شخصية ورؤية المثالي الذاتي تجاه العالم والتاريخ والثقافة.

الصفة الأولى هي الحرية كما حددها الفيلسوف الألماني فيلهيلم دلتاي (1833-1911). فالمثالي الذاتي عادة ما يضع الحرية والخصال الشخصية في قمة الواقع. بعبارة أخرى، إن المفكر المثالي الذاتي، يضع، من الناحية الوجودية، المثال أمام المواد والصور أي كانت.

والصفة الثانية هي الفعل. فالمثالي الذاتي ينظر الى المرء (الإنسان) باعتباره وجودا فاعلا في تتبعه للمثل العليا والقيم الأخلاقية الهادفة الى جعل الطبيعة الجسدية أكثر سموا.

الصفة الثالثة هي التاريخ. فالتاريخ فقط هو الذي يظهر ما تحتويه وتختزنه إمكانيات الوجود كما هي وكذلك ما تحتويه طبيعة الإنسان نفسه.

أما الجنابي فقد تمثل وطوّع غنى التعبير المدهش للاصطلاحات الصوفية العربية المتعلقة بالحياة والفعل. فالوحدة القائمة في فكرة (أنا موجود إذن أنا أفكر) و(أنا أفكر إذن أنا موجود) بالنسبة للصوفي هي تمثيل للوعي الإنساني الكوني والفرداني. أنها تقف وراء الهوية القومية والدينية. ففي التصوف، بوصفه الدرجة العليا والمتسامية للعملية المثالية يمكننا رؤية تعلم وحدة الأنا- العالمة – العاملة (أو أنا الحق أو أنا العلم والعمل) في المجتمع. وبحسب فهمي للقضية هذه، فان الجنابي يشدد على التصوف ويطوعه من اجل فكرة التغيير. فقد أشار فيلهيلم دلتاي بهذا الصدد الى أن الوعي التاريخي ليس بإمكانه إدراك ما الذي جرى وحدث على الطبيعة الإنسانية من تغير ما لم تتغلغل فكرة التغير نفسها في البنية الداخلية للحياة والوعي والإنساني. ومن ثم تغير الشروط التي أدت إليها فكرة التغير نفسها.

فالجنابي هو المفكر الوحيد الذي أنتج هذه العدد الكبير من المؤلفات عن ماضي وحاضر ومستقبل العراق قبيل وفي مجرى وبعد الحرب الهمجية الأمريكية وغير الإنسانية والمأساوية على العراق في العشرين من آذار عام 2003. فبغداد هي ليست مجرد حيطان وجدران عازلة كما كنا نراها. والعراقيون ليسوا مجرد خطوط تماس دموية متحاربة للطوائف السنية – الشيعية، التي تستعيد احد أكثر الفصول سوداوية في التاريخ العربي. فالعراق كان منذ زمن جلجامش وما قبل الإسلام وفي مجراه وبعده ارض المدارس اللغوية والكلامية والفلسفية. وان غبار الأرواح العائمة في سماء كربلاء المقدسة تغطي العراق مرة واحدة الى الأبد. وان الإمام علي والشيعة هم عرب العراق وليسوا هويات مغتربة عنه. كل ذلك جعل العراق في قلب الجنابي، والعروبة في عقله. أما مثال المجتمعات والدول العربية الحديثة فوجدها في سيادة الحرية والديمقراطية، إذ وضعها في صلب رؤيته المستقبلية المتفائلة.

هل يعني ذلك أنا نقف أمام انبعاث جديد لعروبة جديدة؟

إن أجيال "الربيع العربي" الجديدة تطرق أبواب التاريخ الحديث من اجل الدخول فيه لكي تصبح جزء فعالا فيه. فقد ذهبت عهود الدكتاتوريين العرب أدراج الرياح. وضمن هذا السياق، فان المفكر المثالي الذاتي، كما هو الحال بالنسبة للجنابي، سوف يستمر بالعطاء الفكري ويعكس في تأمله وأعماله عن معالم الديناميكية المأساوية بين المثال والواقع في التاريخ الفعلي والذاكرة القومية. أنها لحظة اليقظة الكبرى، يقظة (أنا موجود إذن أنا أفكر)، أي يقظة (أنا هنا لأفكر) في الوعي الاجتماعي للناس العاديين تجاه ما يعانونه ويعايشونه ومن ثم ما هم مستعدون للموت من اجله.

فكل ما كتبه الجنابي من مؤلفات وما سيكتبه هو جزء من هذه اللحظة المميزة للرؤية المثالية الجديدة للتاريخ العربي الإسلامي. أما السؤال المتعلق بكيفية رؤية العراقيين والأجيال العربية القادمة لمؤلفاته ومستوى فهمهم إياها، فنتركها للمستقبل. فالزمن هو الحكم الحق، لاسيما وأنها تعود إليهم. فالمفكر المثالي الذاتي هو ابن المستقبل. وهذا بدوره مرتبط بالصفات الثلاثة التي أشرت إليها أعلاه.

فالحرية هي أم الجميع. والجنابي هو مفكر الحرية. والحرية مفتاح التغيير، أي تغيير الماضي الذي لا يحق له الوجود، والحاضر المرغوب به، والمستقبل الذي لا تقيده حدود. ثم أليس الجنابي هو القائل، بان الشخصية المفكرة الأصيلة لا يقيدها برنامج مسبق؟ كما إن التاريخ المتسامي يعلمنا الحقيقة القائلة، بان التفكر في الحرية الكامنة في فكرة (أنا موجود إذن أنا أفكر) و(أنا أفكر إذن أنا موجود) هو دوما في الذاكرة النبيهة، نبتة ومثالا للشعوب والثقافات الحية. فالفكر والتفكير الحر هو تحد ومهمة ومجرى ومساع لما فينا من استعداد. أما في عالم الفكر، فان كل ذلك يتخذ هيئة من دعاهم الفيلسوف العربي الأندلسي ابن باجة بالنبتات، أي أهل الفلسفة والعلوم والآداب. أما في ميدان العمل، فأنها تتخذ هيئة القوة المشتركة للشعب كما تجلت في مختلف مظاهر "الربيع العربي"، بوصفه فصل الفصول. وكما كان الحال فيما مضى، فان قوة الشعب الحالية تبرهن انه الأكثر إدراكا ووعيا وفاعلية وحرية في تحقيق فكرة (أنا موجود إذن أنا أفكر) من مثقفي هذا الزمن. أما الجنابي، فانه واحد من بين هذه النبتات النادرة.

هل بحث الجنابي عن مثال عقلاني جديد للعروبة، بوصفه تجسيدا متساميا ونفيا للواقع العربي الحالي غير العقلاني؟ لاسيما وان المثال المتسامي للعروبة قد كان على الدوام موجودا في العربية لغة وتراثا وتاريخا، قبل الإسلام وبعده. وهل يعني ذلك أن الجنابي حاول ويحاول البرهنة على الفرضية التي تقدم بها من أن الثقافة العربية هي واحدة من الثقافات المركزية الكونية للماضي والحاضر والمستقبل؟

إن قراءتي التأويلية للجنابي قد قادتني الى هذه الأسئلة وميادينها ومعانيها. لكنه هو فقط من يمتلك الإجابة عليها في عقله وقلبه وما كتبه ويكتبه وسيكتبه. إلا أن الشيء الجلي والواضح، شأن أشعة الشمس الذهبية في يوم ربيعي مشمس، يقوم في حقيقة بزوغ نور الحرية، وربطه المبدع للأسلوب المثالي من مكانه الذاتي في موسكو ليقول لنا (أنا موجود، إذن أنا أفكر) بالعربية، للعراق والعرب جميعا، وبالعربية لمن حولهم. تماما كما خاطب الروس بلغتهم باحثا عن الحرية في الثقافة الروسية، وعند المسلمين داخل روسيا وخارجها.

لكن لماذا يستعمل الجنابي مصطلح الحضارة الإسلامية عوضا عن الحضارة العربية؟ فهو يعرف بصورة عميقة، ويفرّق بينهما عندما يتكلم عن المثال الذاتي الإنساني في نماذج الثقافات الكونية الكبرى في التاريخ، عندما اعتبر العربية واحدة منها؟ ففي مقدمة الكتاب الصادر عام 1962 عن (الفكر الفلسفي بعد مائة عام) الذي طبع من قبل (هيئة الدراسات العربية في الجامعة الأميركية ببيروت) كان المصطلح الشائع هو الفكر العربي والفلسفة العربية. وعموما يمكننا الحديث عن ثلاثة اتجاهات بهذا الصدد يستند كل منها الى مقدماته الخاصة، واقصد بذلك الاتجاهات الأيديولوجية التي يستند كل منها على التوالي على فكرة اللغة أو الدين أو العرق.

ففي تاريخ الأفكار والفلسفة اتخذت الصيغة التالية: هل هي فلسفة إسلامية أو عربية إسلامية أو عربية؟ إن هذه المصطلحات الثلاثة تستعمل جميعا وتتداخل فيما بينها، وثير الالتباس أيضا بما في ذلك في الكتابة الحديثة.

وعندما ننظر الى الكتابات العربية والعالمية الحديثة، فأننا نعثر فيها على تعايش هذه المصطلحات الثلاثة. بالنسبة لي شخصيا، فإنني اختار مصطلح الفكر العربي والفلسفة العربية. وذلك لما للعربية من أولوية بهذا الصدد. فقد كان وما يزال القول بان هناك عربي – مسلم، وعربي- نصراني، وعربي – يهودي، ومفكر عربي، وشاعر عربي، وما الى ذلك. وفي الظرف الحاضر نستعمل عبارات عراقي – عربي – شيعي، أو سني أو نصراني أو يهودي أو ملحد. وبالتالي، انه لا توجد من وجهة نظري حضارة إسلامية أو نصرانية أو يهودية. ومن ثم يمكننا القول، بان البروفيسور الجنابي هو مفكر عراقي- عربي – روسي، أو أن نطلق الوصف نفسه على آخرين فنقول، فلسطيني- عربي – كندي، أو مصري – أمريكي، أو جزائري – فرنسي أو مغربي – فرنسي أو إضافة ارتباطات أخرى مثل إيطالي و ألماني الى العربي.

فاللغة العربية هنا، من حيث هي مقولة لها أولوية دائمة في التحديد، سواء بمعايير المحلية أو القومية العالمية. وقد كان الأمر كذلك في الماضي. كما انه في الحاضر. وهكذا الحال بالنسبة للمستقبل. فقد كانت اللغة العربية لغة الحضارة زمن الخلافة. ومحمد كان نبيا عربيا، ولغة القرآن عربية. أما الإسلام والنصرانية واليهودية وغيرها فهي أشياء أخرى تقع ما وراء العرب والعربية. ومن ثم، فان اللغة العربية هي صلب الهوية وليس الدين. والجنابي يشير بوضوح ودقة الى هذه القضية في أكثر من مكان من كتبه.

ما هي المعادلة القائمة بين مثال العروبة والواقع الفعلي للمجتمعات العربية الحالية؟ هنا بيت القصيد والمسألة الكبرى. واعتقد بان المفكر الكوني هو الوحيد القادر على حمل وتمثل فكرة وحدة التاريخ الإنساني، أي كل ما نعثر عليها في شخصيات الفكر الكبار على امتداد التاريخ العربي والعالمي. وكذلك ما نعثر عليه في محاولات الجنابي الحثيثة لامتحان وكشف حقيقة الفكرة والواقع في كتبه ومؤلفاته التي تشبه شلالات نياغار الكندية العظمى في هطولها من موسكو على العالم العربي.

إن الجنابي يسمو بملحمة جلجامش المغطاة بغبار الأرواح الحية لكربلاء، وبحرارة تموز البغدادية وتقاطع جدرانها الحالية، أي يسمو بالنموذج المثالي- الذاتي للوجود لكي يكون حرا بالفعل.

إن هذه المعادلة الوجودية تستبطن على الدوام المهمة الكبرى لكل مفكر مبدع في الثقافات جميعا. وليست قراءتي الخاصة هذه سوى قراءة تأويلية لفكر الجنابي وتفكيره، أي لعلمه وعمله في هذا العالم. أما مفتاحها الذي يفتح عوالم القلب والعقل فيها ومكنون معانيها، فهو الإخلاص لما فينا. إذ إننا من عين واحدة لهذا نتباين فيها!

 

د. مارفن زايد

................

(الدكتور مارفن زايد أكاديمي كندي من اصول فلسطينية. متخصص في فلسفة المعنى. وينتمي الى الوجودية – الفينومينولوجية والتأويلية. تنقسم حياته الى مرحلتين من حيث العوالم والثقافة: مرحلة الأعوام العربية، والأعوام الانجليزية. وقد طبع في مجرى ذلك مجموعة من الكتب والموسوعات والملفات والأبحاث والدراسات والمقالات. وقد أقام صرح رؤيته الفينومينولوجية للمعنى على أساس ملحمة جلجامش وتأثيرها على الأفكار العربية الإسلامية القديمة والفلسفة الحديثة).

البحث مترجم عن الانجليزية. واصل النص بالانجليزية هو Al-Janabi M. His Cogito between the Ideal and the Real

***

 

لا تزال الرصاصة في قلبي

mohamad rashedللكلمة فعل الديناميت و النظرة في بعض الأوقات يكون تأثيرها أكثر من رصاصة خصوصا إذا انطلقت من عيني طفل بريء يحب الحياة.

لا أؤمن بالحرب مطلقا.. لأنها سلاح الأغبياء .. أؤمن بمقولة ادوارد شيفر نادزة وزير خارجية الاتحاد السوفياتي: مئة سنة مفاوضات ولا يوم واحد حرب ... لا أؤمن بالقتل...لان كل إنسان أينما كان هو ثمرة علاقة حب ...

أؤمن بقراءة الروايات وكتابة الشعر وسماع الموسيقى والدفاع عن حقوق الأطفال .

عام 1983 كنت احد المرغمين على ارتداء (البذلة العسكرية) وبعد فترة التدريب انتقلت إلى فوج 330 المستقل كان آمره حينها المقدم جواد رومي الدايني مقره قضاء كلار في السليمانية.

في يوم ما كنت وصديقي ن ع كريم فريدون في سوق كلار لشراء الخضروات وعند العودة إلى ربيئتنا ركبنا كالعادة سيارة واز أوقفناها من على جادة الشارع الرئيسي لتوصلنا، في داخلها كانت عائلة كوردية بينهم أطفال وما أن ركبنا فوجئت ببكائهم وهم يمقتوني بنظراتهم خائفين وراح كبيرهم يلتحف صدر أمه وينطق كلمات شعرت فيها نبرة حزن وخوف أحسستها لكني لم افهمها طلبت في الحال من صديقي فريدون ان يترجم لي ما نطقه الطفل همس في أذني: خافوا منا أن نقتلهم لأننا حاملين بنادق ...(هنا كانت صدمتي الأولى) بعدما كنت متيقن نحن هنا لحمايتهم ومن المفترض أكون مفتخرا بوجودي في قريتهم بدلا من أن يخافوا منا، في الحال طلبت من السائق النزول من السيارة لأني شعرت بالخجل، راجعت نفسي كثيرا أسير متوجه إلى مكاني، وعذاب الضمير حفز في دواخلي أسئلة محرجة، خصوصا كنت وقتها اكتب الشعر وانشره في مجلات منها مشوار اللبنانية والرسالة والمجالس الكويتية وكنت أتباهى بقصائدي المنشورة أمام زملائي في الجيش وكان معي أرشيف قصائدي وروايات اجلبها من مكتبتي إقراءها حينما تنتهي واجباتي كيف لي ان احمل سلاح؟؟؟؟ مرت علي أيام.... وليال.... كانت طويلة....وثقيلة لأنني خجلت من نفسي كثيرا ولا ادري كيف أعالج موقفي هذا أو كيف ابرر حسن نيتي لهؤلاء الأطفال الذين خافوا مني؟؟؟ بعد أيام قررت أن أنهي تواجدي في كلار لان الأمر لم يعد كالسابق كما أملوه علينا في الوحدة العسكرية بأننا نحمي المنطقة لان الحقيقة تقول أن كل العوائل والقرى المحيطة بنا كانت تخاف منا وأمنيتهم أن نترك المكان ونرحل، لم تفلح أي وسيلة سلمية فكرت بها لمغادرة المكان دون أن يؤذوا عائلتي سوى طريق واحد، خيار صعب لابد من تنفيذه وإلا سأكون مجرم وقاتل، الخيار هو أن أطلق النار على قدمي، وبعد ترددات كثيرة قررت أن اضغط على زناد بندقيتي مكرها في فترة تنظيف السلاح ولأول مرة أطلقت فيها النار كانت على قدمي، نقلوني حينها إلى وحدة ميدان طبية في جلولاء ومنها إلى سجن مستشفى الرشيد العسكري في بغداد لمدة (3) أشهر وكانت من أسوء الأيام التي مررت بها في حياتي وفتح حينها مجلس تحقيقي ضدي .

عام 1987 كنت ضمن تشكيلات لواء المشاة لمش 704 (قوة باشا) وكنا في منطقة الفاو، آمر الفوج الذي انتسب إليه كان متعاطف معي منذ التحاقي بوحدته بعدما شفيت قدمي وكانت مساعدته لي هي منحي إجازات تسمى (مأمورية) مقابل عمل أشياء لوحدتي العسكرية منها خزانات الماء وأثاث وتصليحات تتم في مدينتي وأحيانا في موقعنا الخلفي خصوصا بعدما عرف أن أخي الكبير مفقود وأمي توفيت حزنا عليه وأبي توفى بسبب الم فراق الاثنين إضافة على ذلك تهجير شقيقتي وإعدام زوجها، وكنت ابتكر طرقا ملتوية تجعلني لا استلام السلاح من المشجب بعذر إني مصاب ومع ذلك لقد دفعت كثيرا وتحايلت مرات عديدة وعوقبت كثيرا لأني لم استلم بندقيتي من مأمور المشجب، كنت لا أؤمن بحمل السلاح مطلقا . بعد جرح آمر وحدتي في واحدة من المعارك استلم ضابط استخبارات الوحدة منصبه مؤقتا لإدارة وحدتنا وهذا الحدث مهد للآمر الجديد أن ينتقم مني نتيجة علاقتي الطيبة بالآمر السابق كون الآمر الحالي أغاضته إجازاتي المتكررة، أول عقوبة كانت لي هي تأخير إجازتي الدورية (استحقاقي) لمدة 72 يوما مما اضطر أقربائي إرسال صديقي ن ض محمود جاسم ساري إلى وحدتي وحصل لي (3) أيام مساعدة من قبل قائد الفرقة وذهبنا سوية إلى مدينتي عمارتي الحبيبة ولكن حالما التحقت راح ينتقم مني أكثر وطلب مني أن أكون عنده يوميا في المتقدم قادما من الخلفيات التي كانت في البصرة حيث يتطلب الأمر النهوض صباحا ساعة (4) للذهاب في سيارة الأرزاق وهي تتجول في كل أرجاء الوحدة بضمنها المتقدم وفي المحطة الأخيرة مقر الآمر أي بعد الساعة الثانية عشر ليلا لأقابله ويتعمد انتظاري الممل له وحالما يراني يقول: اذهب لا احتاجك الآن تعال غدا . وهكذا بقيت بحدود ثلاث أشهر لا اعرف كيف نجوت من القصف اليومي الذي لم يسلم منه بشر ولا حتى جذوع النخيل وسعفه . المرة الأخيرة طلب مني أن احمل البندقية واذهب ضمن (كمين في الحجابات) لكني رفضت ولما أراد تنفيذ الأمر بالقوة اضطررت إلى ضربه بعدما وصفني بــ(الجبان) مما نادى حمايته وأردوني ضربا في أخمص البندقية والهراوات وفي أيديهم حتى غبت عن الوعي، صحوت و أنا في السجن مضرجا بدمي ووجهي متورم وجفوني متلاصقة بالكاد أرى بصيص ضوء، بقيت في السجن عدة أيام عرفت بعدها من مأمور القلم سيد طالب خالد الموسوي وهو من مدينتي طيب القلب جدا وكان متعاطف معي ويزورني دائما حاملا معه فواكه ويصبرني على بلواي كوني ظلمت واخبرني أن الوحدة كلها متعاطفة معي كما اخبرني بتشكيل مجلس تحقيق ضدي رتبه الآمر الجديد بالاتفاق مع شخصين من الاستخبارات وترتبت بحقي بمادة (120 أ) عقوبتها إعدام والتهمة هي {{الهروب أثناء الاشتباك المقدس مع العدو الفارسي اللعين}} وعرفت أن المتهم بهذه المادة لم يطلق سراحه حتى بكفالة وطلبت من سيد طالب أن لا يخبر إخوتي حينما يذهب إلى العمارة في إجازته الدورية لأنهم سيقلقون جدا كوني (معيلهم) بعد وفاة والدي، بعد أيام جاءت سيارة كاز 66 أقلتني إلى مكان مجهول وعصبوا عيني بقماشه سوداء، عرفت بعدها إني في سجن استخبارات الفرقة (21)لأننا كنا ضيفا عليها وفرقتنا الأصلية هي الفرقة (18)، بعد انتظار وجوع وعطش جاءني شخص في منتصف الليل اقتادني موثوق اليدين وأدخلني إلى ضابط استخبارات الفرقة كانت رتبته مقدم ركن ويشبه كثيرا (الفريق قاسم عطا) لكنه كان اكبر سنا منه آنذاك قال لي : هو أنت ؟؟؟ ولم اعرف ماذا قصد، بإشارة منه وضعوا ألقماشه السوداء على عيني ولم اشعر إلا بالضرب من جميع الاتجاهات وعلى جميع الأمكنة .. وجهي وقدمي ورقبتي حتى أحسست أن سائل حار راح يسيل من أعلى راسي وظهري تيقنت أنهم أغرقوني في دمي بدأت اشعر أن فمي يكبر وانفي لم استطع التنفس منه بسبب نزفه وعيناي لم استطع فتحهما، بعد فترة فقدت الألم تدريجيا وما عدت اشعر بأي شيء حتى لذعات (الكيبلات) التي كانت أشبه بصعقات الكهرباء ترج جسدي كله ما عدت اشعر بألمها، بعدها فقدت الوعي تماما ولم أصحو إلا في اليوم التالي وأنا في وحدتي العسكرية وقميصي ممزق توزعت عليه بقع دم يابس، انتظرت يوم محاكمتي لأنه كان الخلاص بالنسبة لي، بعد فترة جاءني عريف براد مطوع أياد عباس من أهل الحلة وهو إنسان طيب القلب صاحب نكته في يده كتاب مأمورية ليقتادني إلى المحكمة العسكرية (18) في مدينة العمارة لمحاكمتي ومن محاسن الصدف أن التقي في هذه المحكمة صديقي الحميم المحامي رحيم فهد وقد عمل معروف معي لم أنساه ما حييت لقد كلم رئيس المحكمة حينها واخبره بأنني أخ مفقود ومعيل إلى إخوتي القاصرين ليتعاطف معي إنسانيا، الشاهدان اللذان نصبهما الآمر ضدي كانا من عناصره الاستخبارية لم يحضرا المحكمة للإدلاء بشهادتهما ضدي كونهما جرحا جراء قصف مكثف قبل ليليتين من حضورنا مما شجعني ان اطلب شكل إنساني من رئيس المحكمة أن يكون المأمور عريف أياد شاهدي لأنه ضمن فصيلنا الآلي ويعرف عملي جيدا باني لست مقاتل، بعد موافقته جاءت الأمور كلها لصالحي وتبدل الحكم من المادة 120 أ إلى الأحكام الثقيلة ولما تعذر حضور شاهدا الضد لم تثبت التهمة بحقي وبعدما برزت لرئيس المحكمة وثيقة بأنني مصاب في قدمي واعمل في المنطقة الإدارية ضمن الفصيل الآلي صدر الحكم بحقي مخففا . وبمرور الوقت استطاع سيد طالب إخفاء مجلس التحقيق الأول والثاني وهذا العمل الطيب منه جعلني أتسرح مع أقراني دون تأخير .

حمدت الله لأني لم احمل السلاح،وشكرته لأني لم اقتل احد، وحمدته وشكرته كثيرا لأني بقيت في مسيرتي الأدبية لم ولن ارتكب أي جرم يذكر. لكن إلى الآن تعيش في دواخلي حسرة وأمنيتي أن أرى ذلك الطفل الذي رمقني بنظرة وكانت بحق (رصاصة في قلبي) لكي انحني له وأقدم له اعتذاري بالطريقة التي يراها هو مناسبة واشكره كثيرا لأنه غير مجرى حياتي تماما .

كتالونيا .. الدولة القادمة في اوروبا

jawdat hoshyarاقليم كتالونيا– الواقعة في شمال شرق اسبانيا – يمر بلحظة تأريخية فارقة، فقد أقر برلمان كتالونيا في 23 يناير/ كانون الثاني 2013 وثيقة الاستقلال، ونصت الوثيقة على « تقرير المصير من خلال استشارة سكان كتالونيا» عن طريق اجراء استفتاء بين سكان الأقليم، في التاسع من نوفمبر / تشرين الثاني من عام 2014. وسيكون لاستقلال كاتالونيا تاثير بعيد المدى على الأتحاد الأوروبي بأسره .

يعارض حزب المحافظين الحاكم في اسبانيا، بقيادة رئيس الوزراء (ماريانو راخوي) والحزب الاشتراكي المعارض، إجراء الاستفتاء. ولكن كل محاولات الحكومة الأتحادية في مدريد والبرلمان الأسباني فشلت في تغيير موقف الحكومة الكتالونية وعرقلة اجراء الأستفتاء، الذي يعده قادة وشعب كتالونيا،الطريق السليم والمشروع لتقرير المصير واعلان الأستقلال على غرار ما تم في كوسوفو وسلوفانيا، ودول بحر البلطيق ودول اوروبية أخرى، كما ان اسكوتلندة عازمة على اجراء استفتاء مماثل في 18 سبتمبر / أيلول من هذا العام حول استقلالها عن المملكة المتحدة.

تبلغ مساحة كتالونيا حوالي 32 ألف كم مربع وتعداد سكانها 5 .7 مليون نسمة ويعتبر سادس أكبر منطقة من حيث المساحة في إسبانيا وتتكون من أربع مقاطعات.. أكبرها وأشهرها برشلونة والتي تمثل مدينته عاصمة الإقليم. ويزيد عدد سكانها عن الخمسة ملايين نسمة.

اللغة الكتالونية هي اللغة الرسمية في الأقليم بالإضافة إلى اللغة الإسبانية، التي هي لغة إسبانيا. وينتشر استخدام اللغة الكتالونية في عدد من المقاطعات الأسبانية الأخرى (جزر البليار، بلنسية، الجزء الشرقي من منطقة أراغون ) وأجزاء من بعض الدول الأوروبية (أندورا، حيث تعتبر اللغة الكتالانية اللغة الرسمية للدولة، البرانيس الشرقية في فرنسا، مدينة ألغيرو في إيطاليا) يبلغ مجموع الناطقين بهذه اللغة 11.5 مليون نسمة.

برلمان كتالونيا يتألف من 135 نائباً يمثلون المقاطعات الأربع التي يتشكل منها الأقليم .

في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2012 جرت انتخابات البرلمان الكتالوني حيث حصل (ائتلاف التقارب والاتحاد) على أكبر عدد مقاعد يليه (حزب اليسار الجمهوري الكتالاني) الذي دخل في تحالف مع «التقارب والاتحاد» على أن يدعم سياسته الانفصالية عن إسبانيا. حصلت الأحزاب المؤيدة لتقرير المصير والأستقلال على اكثر من ثلثي عدد مقاعد البرلمان .

 

لمحة تأريخية عن القضية الكتالونية:

فقدت امارة كتالونيا استقلالها السياسي في عام 1714 بعد ضمها قسراً الى مملكة الملك الأسباني فيليب الخامس، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف شعب كتالونيا من المطالبة بالأستقلال عن اسبانيا .

وقد اتيحت لكتالونيا فرصة تأريخية للأنفصال عن المملكة في عام 1871، ولكن الأخيرة تمكنت من الأحتفاظ بكتلونيا وابقاءها جزءأ منها بعد مفاوضات طويلة ووعود بتلبية مطالب أهل الأقليم .

مرت كتالونيا بأوقات عصيبة في الثلاثينات من القرن الماضي، عندما تحالفت مع الحكومة الجمهورية المركزية وخاضت قواتهما حربا ضروس ضد جيش فرانكو. وبعد هزيمة القوات الجمهورية والكتالونية في الحرب الأهلية، مارس النظام الدكتاتوري الفرانكوي أبشع أنواع الأضطهاد والقمع الجماعي ضد أحرار كتالونيا والتضييق على الثقافة الكتالونية ومنع استخدام اللغة الكتالونية كلغة رسمية أوتدريسها في المدارس وانكار الهوية الكتالونية المتميزة . وأدى هذه الأجراءات التعسفية الى انتشار وتصاعد النزعة الأستقلالية في الأقليم .وعلى مدى أكثر من أربعة عقود لم يتوقف المناضلون الكتالونيون عن المطالبة بالأستقلال، سواء في داخل اسبانيا او في المحافل الدولية .

 

كتالونيا بعد سقوط النظام الدكتاتوري:

في عام 1979 أثمر نضال الشعب الكتلوني عن الحصول على الحكم الذاتي، الأمر الذي أدى تلقائيا إلى الاعتراف الرسمي بهذا الشعب ولغته وثقافته وهويته المتميزة .

يتمتع اقليم كتالونيا بصلاحيات واسعة وأشكال من الممارسة الإستقلالية عن الحكومة المركزية تتمثل في ما يلي:

- تشكيل حكومة وبرلمان كتالونيا.

- تشكيل قوى أمن كتالونية خاصة.

- إدارة الصحة والتعليم والثقافة والبيئة والمواصلات وغيرها في الإقليم.

- مشاركة الحكومة المركزية في صنع القرارات.

- الأعتراف بالهوية الكتالونية كأمة مستقلة لها علمها الخاص ونشيدها الوطني

- الحصول على الأستقلال الأقتصادي في عام 2006

ومع ذلك لم ينس شعب كتالونيا حلمه الكبير في تأسيس دولته المستقلة

كل خطوة نحو الأستقلال وكل نصر صغير يحرزه الشعب الكتلوني يعزز رغبته في الأنفصال عن أسبانيا وفي الوقت نفسه، يزيد التوتر في العلاقة بين برشلونة ومدريد .

واليوم بات حلم الكتلونيين بتأسيس دولتهم المستقلة أقرب الى الواقع من أي وقت مضى ولم تبق سوىالخطوة الأخيرة وهي اجراء الأستفتاء، الذي يمكن التكهن بنتائجه مسبقا والتي تتمثل في موافقة الأغلبية الساحقة من الكتلونيين على الأنفصال عن اسبانيا .

في عامي 2009، 2010 جرى في الأقليم أستفتاء الأستقلال مرتين بشكل غير رسمي، وقد صوت أكثر من 90% من سكان الأقليم في كليهما لصالح تأسيس دولة كتلونيا المستقلة .

كما شهدت كتلونيا قبل حوالي سنتين تظاهرات حاشدة تحت شعار " كتالونيا ـ الدولة القادمة في اوروبا" شارك فيها نحو مليون ونصف المليون مواطن في شوارع برشلونة .

 

أقتصاد مزدهر وجمال ساحر:

يتمتع إقليم كتالونيا باقتصاد قوي ومتنوع بتنوع مصادر قوته من الصناعة والسياحة والزراعة والتجارة حيث يبلغ دخل الفرد السنوي في الإقليم 30 ألف يورو سنوياً وهو مساو لدخل الفرد في بريطانيا مثلاً.

ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي السنوي للإقليم 250 مليار يورو وهو الناتج الأعلى بين جميع الأقاليم الإسبانية .

هذه الأرقام مدهشة بالنسبة لأقليم صغير غير نفطي عند مقارنتها ببلدان أكبرمنها بكثير، فعلى سبيل المثال، نرى ان الناتج المحلي الأجمالي لكتلونيا يبلغ أربعة أضعاف الناتج المحلي العراقي، الذي تشكل العائدات النفطية حوالى 96% منه، رغم الفرق الشاسع بينهما من حيث المساحة وعدد السكان

لميناء برشلونة الدولي أهمية ستراتيجية كبرى، ويوفر للبلاد دخلا سنويا يقدر بمليارات الدولارات، أما المدينة نفسها فهي قبلة أنظار السائحين من شتى دول العالم يقصدون اليها للتمتع بجمالها الساحر ومعالمها التأريخية الرائعة .

وتعد العاصمة برشلونة من أكبر المدن المزدهرة على مستوى أوروبا كلها

 

ماذا سيحدث لفريق برشلونة اذا اسشتقلت كتالونيا:

نادي برشلونة ممثلاً بفريقه لكرة القدم هو أقوى الأسلحة التي تحاول من خلالها كتالونيا إيصال رسالتها بالاستقلال معتمدة على شهرة هذا الفريق عالمياً وشهرة نجومها الكتلان أيضاً.

منتخب كتالونيا هو أحد هذه الوسائل أيضاً ولو بأهمية أقل لكن يبقى هذا المنتخب حاضراً عبر المباريات الودية لمواصلة إيصال رسالة الإستقلال التي يحلم بها كل كتلوني .

ولكن ماذا سيحدث لفريق نادي برشلونة الشهير اذا استقلت كتلونيا؟

ثمة تكهنات عديدة لعل أقربها الى الواقع ما ذكرته مجلة (انترفيو) الأسبانية أن فريق نادي برشلونة قرر أن يشارك في الدوري الفرنسي اذا ما تحقق حلم الأستقلال

ويعتبر الفريق أن هذا الأمر ليس بالغريب حيث تعد ولاية موناكو منفصلة وتتمتع بحكم ذاتي بينما يشارك فريق ناديه في الدوري الفرنسي منذ سنوات عديدة بدون أي مشاكل.

وفي ظل مساعي الانفصال عن إسبانيا دائما ما كان الجمهور يتعجب إذا ما كان الفريق سيستمر في الدوري الإسباني أو يتم تأسيس دوري كتالوني حتى ظهرت المجلة التي وضحت ما ينوي الفريق القيام به.

 

جــودت هوشيار

إلى ناجي العلي في ذكرى اغتياله:

rajaa baktia"لو تأخّرت قليلا، يا ابن الشّجرة، لصاروا غابةً يلوكُها الورق!"

".. ساوموا على دمِ شعبِكَ، وسلاحِ بدنِكَ، كلّ العرب ضدّ العرب، والأعداءُ بانتظار كاس المرق. اتّهموا شُجعانِكَ بشُجاعيّتهم، وأبطالكَ بترمّلِ نسائهم، وأطفالكَ بقُبُورِ دُماهُم. لم يستبسل جُبنُ العرب."

صباحُ الخيرِ يا ناجي..

وطنُكَ بخير

وفي ذكرى رصاصةٍ أطفأت عينيك اشتعلت على مدِّ القلبِ ضفّتين، ولم يتغيّر الكثيرُ، يا صاحبي، على أمّةِ الحَرَمين. وتحتَ مكرِ عَربين ضربَ وطنك شُواظُ شُّهُبين، في الرّأسِ وبين الكتفين، حَرقَا بيُوتا وحدائقَ وجنّتين.

وشعبكَ، كما كانَ، لا يزالُ مُحاصرا، بأولادِ الكمبِ، وشجرتُكَ ترعى فيها الأغنامُ والبقر. ولا، لا جديد في ذكراكَ سوى حُلُمٍ صفيقٍ حَلُمَنِي يقولُ أنّ حنظلكَ سيعُودُ نارا ووبالا على رؤوس سماسرة الدّمِ، وقُوّادِ القِمَم.

تحلّ ذكراك في أيّامٍ يتيمةً، يا صديقي، وتسقط في عيني عيدٍ بلا سقيفة داخل نعش، تحتفلُ بهِ كلّ البلادِ، ما عدا، أولياء العرش. وبلدُكَ، لايزالُ متفرِّقاً ممزّقاً، لم يلتئم فيهِ سوى قمر غزّة فوقَ شُجاعيَّةٍ مُدمَّرة. كانَ الأعداءُ على بُعدِ حصوتين من طفلةٍ تلعبُ بدميتِها تحتَ سرِّ اللّيل، فقتلَهَا. وعلى بُعدِ قلبَيْنِ من امرأةٍ حُبلى، فأجهضَ جنينَها. وعلى بُعدِ شبرينِ من مُناضلَيْنِ، فقاوَمَ إرهابَهُما بقذيفتين، واحدةٌ في الرّأسِ، والثّانيةِ في الذاّكرة طيّرت أشلاءهما. وفي خطّ رجعتِةِ مسحَ كلَ شيء، بما فيهِ ذكرياتُ الرّجلين عن ضراوة المعركة.

وطَنُكَ بخير،

وزياراتي السنويّةِ لشجرتِكَ لم تتغيّر. أسرقُ من عمرِ الزّمن سويعات لأُهندِسَ مكانَ الحظائرِ العَارِمةِ بالدّواب ملعباً متواضعاً لكُرةِ القدم يُناضلُ فيهِ كلّ أطفالِ الشّجاعيّةِ الّذينَ قطَعُوا الشّوطَ الأخيرِ في مباراةِ الطّفولةِ لزِيارةِ موتٍ خاطِفة. ولأنّي متفائلةٍ أنتظرُ عودتهم، وأهيّىء مسرحهم بصبرِ مجدليّة انتظرت يسوعها، لكنّي أعوِّلُ على عودةٍ ميمونة يعودونَ من غُروبِها بعُيونِ أُرجُوانٍ حي. وسوف يضيئون كونا نشتهيهِ نحنُ منذُ وعد!

وطنُكَ بخير

وصبيحةَ نعشكَ ساوموا على دمِ شعبِكَ، وسلاحِ بدنِكَ، كلّ العرب ضدّ العرب، والأعداءُ بانتظار كاس المرق. اتّهموا شُجعانِكَ بشُجاعيّتهم، وأبطالكَ بترمّلِ نسائهم، وأطفالكَ بقُبُورِ دُماهُم. لم يستبسل جُبنُ العرب. على عهدكَ بهِ بقيَ مثلَ طحالبِ الوديان ينزلقُ هو وغوّاصيهِ في سربِ ماء كسَرابِ سَماء.

زارت خفافيشُ اللّيلِ وسادتي أمس وعبّأت قطنها همس، وأقسمت أن تصيرَ نُسوراً إذا تأخّرَ الغيث. أنا لا أصدّقُ لغطَ الخفافيشِ، لكنّي أصدِّقُ حكايا اللّيل، وأعرفُ أنّها تُطلقُ عتمَهَا صُقُوراً، وقُطنَهَا ثبوراً وسَعيراً إذا طالَ عُمرُ الموت.

وطنكَ بخير يا ناجي

صباح المجنونة الّتي تنبش وردها على سفح كرملٍ فلجهَ الوجع.

مُرّكَ لم تُحلّيهِ سكاكرُ الذّبح، ولا زادهُ علقمَ الملحِ ضُموراً فوقَ الجُرح. أينَ أنت؟ ماذا تشعر الآن، وأنا أنمّق رسالتي بدم الماضينَ إلى جنائزهم، وأروّض قلبي على القفز على حبالِ سِرْك، ذئابُهُ جامعة الدّول، وعُواؤُهُ قاعات الأمم، وتعرف أنّي سأعود إلى مجنونتي بلا دمٍ، وبلا حياء وبلا حذاء. سأختم بها أعناقَ شرفهم من أوّل عرّاب حتّى آخر مونةٍ قرّروا أن يزوّدوا بها مواقعَ الأحياء.

تخيّلتك غير مرّة في ساحات المعركة تلملمُ بعض الشظايا والقضايا، وتهتف لفاطمة أن زوّديني بزيتِ الحبر لأنشرَكِ صحيفةً يندى لها جبين الغرب عَرَقا، وغَرَقاً. يا ألله كم زادك الدّمُ جَمالاً! قلّة يعرفهم الدّم بسيماهم. حنّيتَ المخيّمات شرفا حنّتكَ السّاحاتُ شعباً، ووردُ المجنونةِ دعماً. وحين أفلتت، يا صاحِبي، كوفيّةُ حنظلة من يدكِ أفلتت معها كرامة العرب.

لماذا لم تَبقَ ليخافوا هُروب كرامتهم هروب فرَس؟ لو أنّك تأخّرت قليلا، يا ابن الشّجرة، لصاروا غابة يلوكُها الورق!    

 

كتابة: رجاء بكريّة

حيفا - أغسطس، 014

 

في حضرة (روكي)

latif shafiqبعيدا عن القتل، بعيدا عن الدمار، بعيدا عن قطع الرقاب والإرهاب وبعيدا عن وطن كرمه الله وأثخنه العباد بالجراح العراق المستباح، وقريبا من أناس لا أعرفهم، نفوسهم مطمئنة تنعم ببهجة الحياة وروعة الطبيعة الأخاذة، جاءوا من كل أنحاء المعمورة بوجوه طافحة بالبهجة والسرور وجوه بيضاء وسمراء وسوداء من كل القارات نساء ورجال وأطفال مسنون وشباب، بما فيهم سكانها الأصليون من الهنود الحمر فقد خلعوا رياشهم من على رؤوسهم وأجسادهم ولبسوا بدلا عنها الجينز والقبعات وأخذوا يتناولون (الهامبركر والكنتاكي) واندمجوا بالمجتمع الجديد. من هنا حيث لم يتمكن الزمن أن يأخذ فرصته ليعلن عن نفسه بشكل واضح وجلي فقد مرت عليه مليارات من السنين وهو في حالة انتظار.

من هذا المكان وفي الطريق من مدينة (كالكري) الكندية إلى مدينة (بانف) التي تبعد عنها زهاء ساعة في السيارة، حيث كانت أشجار الغابات التي تحيط بالطريق تتسابق معنا مرة تسبقنا ومرة أخرى نسبقها ثم تختفي عن الأنظار، ومن بعيد وبمحاذاة انطباق السماء على الأفق البعيد أطلت برؤوسها قمم رمادية سرعان ما اندفعت إلى الأعالي لتعلن عن نفسها واسمها المدون في سجل خارطة الأرض هو سلسلة جبال (روكي) أي الجبال الصخرية والتي بدت للعيان بكامل هيئتها وهيبتها المتمثلة بملاين الأطنان من الصخور الرمادية الممتدة على سطح الأرض وبطول 4800 كم من أول (ميكسيكو) لحد (البيرتا وبرتيش كولومبيا) في كندا وعلى علو شاهق يصل إلى 4801 متر عن سطح البحر عند قمة جبل (البرت) التي يغطيها الجليد طيلة فصول السنة وتتخللها البحيرات المتلألئة . إن قمم جبال روكي العديدة تشمخ بغرور برؤوسها المدببة الحادة الصخرية وذات اللون الرمادي تختزن في باطنها كميات هائلة من الحديد والذهب والقصدير ومعادن أخرى لم يكشف عنها ويقال أنها تحوي خزين لا ينضب من النفط الصخري النادر، لقد أخرجت هذه الجبال بعضا من أحمالها وبالرغم من ذلك فقد ثقلت موازينها بسبب كتلتها الهائلة ويتصور المرء عند رؤيتها بأنها ستميد الأرض فيها وتفقد توازنها وتخرج من مستقرها من بين الأفلاك، لم تتمكن أشعة الشمس من اكتشاف معالم روكي وخباياه بل كل ما تمكنت عليه هو أن ترسم فوقه هالة من الضوء والضلال لتساهم في إظهار حقيقته مجسمة للعيان .

لقد ظل روكي لفترة طويلة من الزمن يتحدى الوجود ويفرض سلطانه على الناس الموجودين تحت سفوحه حيث كان يشكل جدارا صخريا منيعا لا يمكن اقتحامه إلا إن إرادة الإنسان وحكمته وحنكته مكنته من أن يذلل تلك الصعاب ويرتقي ظهر روكي ويجعله صاغرا ومتسامحا وليمر من فوق عنقه متسلقا نحو أعلى قمة في رأسه، لقد كانت واحدة من وسائل ترويض روكي الخرافي وامتطاء ظهره والوصول إلى قمة رأسه هي مجموعة من قمرات معلقة بأسلاك ذات جهد كهربائي تنطلق إلى أعلى بقوة مولدات فائقة القدرة تنقل الناس إلى منصة استراحة قريبة لأحدى قمم الجبل الصخرية ومن هذه الاستراحة يمكن الوصول إلى قمة رأسه عن طريق جسر خشبي محكم مثبت بدعامات قوية تستقر على أضلاعه وصولا إلى أعلى ومن ذلك المكان يمكن الإطلالة على المناظر الخلابة التي تحيط بمدينة ( بانف) الرائعة.

في هذا المكان ومن رأس روكي الجبار ومن أطرافه الممتدة إلى اليمين واليسار المشرئبة إلى السماء يشاور روكي الغيوم ويتفاهم معها من أجل إن تمنحه نفحات من هواء عليل وزخات من مطر ونديف من الثلج يتوج رأسه العالي بها،

إن الهبوط إلى مدينة بانف المستلقية تحت أقدام روكي ليس صعبا فالوصول إليها يتم بنفس وسيلة الارتقاء وهناك ستلتقي بأهم معالم هذه المدينة من بحيرات وشلالات وعيون ماء حارة للاستجمام وأهم من ذلك كله تلك المحلات التجارية العديدة التي تحتوي على نفائس مذهلة من صخور جبل روكي العظيم صخور كبيرة تزن ما يقارب الواحدة منها عشرة كيلو غرامات وأخرى بأحجام مختلفة قد تصل إلى ما تشبه المنمنمات وكل تلك الصخور هي هدية متواضعة يقدمها روكي لزواره العديدين، لقد جلبت انتباهي تلك الصخور التي تحتوي على أحفورات لحشرات وزواحف كالذباب والفراشات والصراصير والسحالي والتي تجمدت فوق تلك الصخور منذ ملايين السنين، روكي   يعرض نماذج من بواطنه من صخور ليصيبك بالاندهاش والوقوف طويلا أمامها وتتأمل ما تحتويه من ألوان براقة من أحمر وبنفسجي وأخضر وأصفر وبني محروق صخور منفلقة إلى نصفين تكمل الواحدة الأخرى وكل واحدة أجمل من التي تجاورها وأقل سعر لمثل هذه الصخور والتي تزن الواحدة منها ما يقارب ثلاثة كيلو غرامات هو 40 دولارا وليس من المعقول أن تقتني واحدة وتترك البقية وكذلك ليس من الممكن أن تشتري جميعها لأنها ستكلفك مبلغا كبيرا هذا من وجهة نظري الفنية لأنني عند اقتنائي لواحدة فسوف أتذكر كل التي تركتها هناك .

جبال روكي وغاباته تحتوي على أنواع عديدة وفريدة من الحيوانات وخاصة الوحشية منها لذلك فإنك تقرأ الكثير من التحذيرات التي تنبه بعدم التنقل منفردا وخاصة في الليل في المناطق التي تتواجد فيها تلك الحيوانات ومنها الدببة بمختلف الأحجام والتي يصل طول البعض منها إلى ثلاثة أمتار ووزنها يعادل وزن شاحنة متوسطة ومن الحيوانات الأخرى الأيائل والثيران الوحشية والذئاب والغزلان والطيور الجارحة والثعابين المختلفة لذلك تجد أن الكثير من الصيادين يأتون لهذه المنطقة للصيد وتجيز قوانين كندا صيد دب واحد لكل صياد سنويا، لم يتسن لنا مشاهدة تلك الحيوانات عدا السناجب الصغيرة الصلعاء وبعض طيور البط في البحيرات ومن أجل رؤية الحيوانات التي لم نتمكن من مشاهدتها فقد تيسر لنا ذلك بزيارة المتحف الطبيعي لمحنطات الحيوانات بكل أنواعها وهي تقف وكأنها أحياء في أماكنها الطبيعية وبتصاميم وديكورات تحاكي أمكنتها وبنماذج كبيرة وهائلة توحي للمشاهد بأنه أمام تلك الحيوانات وعلى حقيقتها في الغابات والمغارات.

انقضت رحلتنا والتي استغرقت ساعات معدودات لم نتمكن من خلالها التعرف على كل ما تحتويه مدينة بانف الكندية قبلة السياح صيفا وشتاء هذه المدينة الخلابة المسورة والمحمية بجدار روكي الصخري المنيع والتي ودعنا برذاذ منعش مصحوب بنسمة من هواء عليل ووابل من لؤلؤ ( البرد) الناعم والذي ذكرني ببيت الشعر التالي:

وأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت وردا وعضت على العناب بالبرد

ألا تبت يدا كل مخرب لرونق الحياة وهنيئا لأناس يعشقونها على الدوام .

 

لطفي شفيق سعيد

كالكري وداعا في 5 أيلول 2014

غائب طعمه فرمان وتورغينيف

توفي غائب طعمه فرمان في اواسط شهر آب / اغسطس عام 1990 في موسكو وتم دفنه هناك، وتمر هذه الايام من عام 2014 الذكرى الرابعة والعشرون على وفاته، وارتباطا بهذه الذكرى نكتب هذه المقالة الوجيزة عنه، وهي في الواقع ليست سوى ملاحظات اولية حول ذلك الموضوع .

الكتابة عن غائب طعمه فرمان (1927 – 1990) قاصا وروائيا ومترجما وصحفيا لازالت في بداياتها، رغم كل المحاولات الرائدة هنا وهناك حول ذلك، اذ ان هذا العمل العلمي الكبير يتطلب جهودا مكثفة وجماعية ويجب التخطيط لانجازه في اطار مؤسسات اكاديمية، ولا يوجد في الافق القريب – على ما يبدو – شئ يوحي بذلك مع الاسف لا عراقيا ولا عربيا . ومع ذلك فاننا نستمر – انطلاقا من مبدأ أضعف الايمان طبعا - بطرح الافكار والاراء والمقترحات حول ابداع غائب طعمه فرمان في مجال الترجمة وتحديد النقاط المهمة والبارزة في هذا النشاط الفكري الكبير، ومن بين تلك المواضيع التي نود الاشارة اليها وتتطلب الدراسة والتأمل العميق بشأنها بلا شك – من وجهة نظرنا - هو ترجمة غائب طعمه فرمان لنتاجات تورغينيف، والتي نشرتها في حينها بموسكو دار النشر السوفيتية (رادوغا) (قوس قزح) قبيل انهيار الاتحاد السوفيتي بعدة سنوات، وسنحاول في هذه السطور التوقف قليلا عند تلك النقطة في مسيرة غائب طعمه فرمان الترجمية .

ضياء نافع .

..................

يرتبط اسم غائب طعمه فرمان مترجما بالعديد من اسماء الادباء الروس الكبار من بوشكين وغوغول وتورغينيف ودستويفسكي وليف تولستوي (مؤلف رواية الحرب والسلم وبقية الروائع الادبية الاخرى) واليكسي تولستوي (مؤلف رواية درب الالام الثلاثية ) وغوركي وشولوخوف وغيرهم، ولكن من الممكن ايضا تحديد ثلاثة اسماء من بين هؤلاء الادباء، الذين ترجم غائب لهم نتاجات عديدة وبالتالي فانه يرتبط بهم قبل الادباء الروس الاخرين، وهذه الاسماء هي – تورغينيف وغوركي والى حد – ما اليكسي تولستوي ايضا أذ انه قام بترجمة معظم نتاجاتهم الى العربية، ونود هنا في هذه السطور طرح ملاحظات اولية ليس الا حول موضوعة تورغينيف وترجمات غائب طعمه فرمان لها الى العربية .

اصدرت دار رادوغا السوفيتية للنشر خمسة مجلدات لمؤلفات تورغينيف، وقد ساهم في عملية الترجمة بالاساس غائب طعمه فرمان، وشاركه في هذا العمل الكبير المترجم العراقي الاستاذ خيري الضامن (بترجمة رواية تورغينيف – الاباء والبنون)، والمترجم السوري الاستاذ مواهب الكيالي ايضا، اما بقية النتاجات فقد ترجمها غائب طعمه فرمان، وعلى هذا الاساس يمكن القول انه كان المترجم الاول والاهم في تنفيذ هذا العمل الترجمي الكبير، ولا زلت اتذكر اندهاش غائب عندما اخبرته مرة في اثناء احدى زياراتي الى موسكو ان المرحومة د . حياة شرارة قررت ترجمة الاعمال الكاملة لتورغينيف الى العربية في بغداد، وحدثٌته عن تفاصيل ذلك وكيف اني قلت لها ان هذه الاعمال قد تم ترجمتها، فاجابت انها ستقوم بترجمتها رغم ذلك وبغض النظر عن ذلك، لانها تعتقد جازمة ان هذه الاعمال الادبية تتحمل عدة ترجمات، وعندما طلبت منها ان تطلع على تلك الترجمات في الاقل قبل البدء بهذا العمل الترجمي الكبير، رفضت د . حياة ذلك وقالت انها ستطلع عليها بعد انجاز ترجمتها لانها تخشى ان هذا الاطلاع سيؤثر على اسلوب ترجمتها الخاصة . لقد اندهش غائب طعمه فرمان من اصرار د . حياة هذا لانه يعرف نتاجات تورغينيف وعمقها، ولم يكن اندهاشه تعبيرا عن رفض ذلك العمل الذي قررت د. حياة القيام به، بل على العكس، كان اعجابا بهذا الموقف العلمي الشجاع من قبلها ليس الا . لقد انجزت حياة شرارة ترجمة ثلاثة اعمال لتورغينيف وهي - مذكرات صياد / و/ رودين / و/ عش النبلاء / وتم نشرها فعلا في بغداد، والموضوع الذي يطرح نفسه الان هو مقارنة ترجمة د . حياة شرارة لروايتي رودين وعش النبلاء بترجمة غائب طعمه فرمان لهذين النتاجين من ابداع تورغينيف، وان هذا العمل سيكون رائدا في مجال الترجمة الادبية العربية بلا شك، لانه يمثٌل ابداع عملاقين في مجال الترجمة للادب الروسي من اللغة الروسية، وهو يصلح ان يكون – بلا شك - اطروحة علمية مهمة ودسمة - ان صح التعبير - في هذا المجال، وهذه هي النقطة الاولى التي اريد تثبيتها واقتراحها هنا بشأن موضوعة غائب طعمه فرمان وتورغينيف .اما النقطة الثانية فهي التأكيد على ضرورة دراسة ترجمات غائب طعمه فرمان لمسرح تورغينيف، اذ من المعروف ان هناك ترجمات واجتهادات عديدة لمسرحيات تورغينيف بالعربية، وعليه يجب دراسة النصوص التي قدمها غائب طعمه فرمان ومقارنتها بتلك الاجتهادات الاخرى، خصوصا وان الدراسات العربية لمسرح تورغينيف لازالت في بداياتها، بل يمكن القول ان القارئ العربي لا يعرف بشكل جيد حتى اولياتها، شريطة ان يقوم بهذه المحاولة شخص متخصص بنتاجات تورغينيف بشكل عام ومسرحه بشكل خاص ومن الافضل ان يتقن اللغة الروسية طبعا . اما النقطة الثالثة، التي نود التوقف عندها هنا، فانها تتناول ترجمات غائب طعمه فرمان لبقية نتاجات تورغينيف الاخرى في تلك المجلدات الخمسة، ومقارنتها الدقيقة مع النص الروسي لتورغينيف، والتي يجب ان تحدد – بالتالي - ما لها وما عليها كما يقال، اذ ان هذه المقارنة ستضع حدا لما اسمعه هنا وهناك (دون تحديد الاسماء او حتى الاشارة اليها) حول هذه الترجمات، وكل نتاج من تلك النتاجات بالطبع يحتاج الى عمل مستقل بحد ذاته، ولا يمكن القيام بتلك المقارنة العربية – الروسية لكل النتاجات سوية، ولهذا أشرنا أعلاه الى ان هذه الاعمال العلمية تحتاج الى مؤسسات اكاديمية متخصصة للقيام بها على اكمل وجه، اذ لا يمكن لاي شخص بمفرده ان يحقق النتائج العلمية المطلوبة .

ان تحقيق هذه النقاط بشكل عام ربما سيؤدي الى بروز نقاط فرعية اخرى في دراسة الابداع الترجمي لغائب طعمه فرمان، وفي كل الاحوال سيكون خطوة ايجابية لاغناء التعمق في تحديد سمات مسيرتنا الثقافية ورجالاتها .

 

الفينيق الأخير .. في ذكرى شهادة المفكر الصدر الثاني

raheem alsaidiنموذج فكري، وإخلاص في الإصلاح ومنهج عملي، وطريقة حياة وعالم عرفاني ساحر واهتمام جدي وحقيقي بالإنسان، وأكثر من هذا كان محمد محمد الصدر الشهيد الثاني .

ان ما يدهشك بمحمد الصدر الثاني المفكر العراقي الذي لم تفتح أسرار عوالمه بعد، هو ذلك التنوع الاخاذ في مجالات عديدة كلها ترتبط بمفهومي الله والإنسان، ويخيل لك عند الاستغراق بذلك التراث الكبير انه اقرب إلى الفلسفة منه الى الفقه أو الأصول العقائدية، بل وكأنه اقرب إلى فقه العلم والفلسفة منه إلى الفقه والمسائل الدينية .

وكثيرة هي أدواته وأفكاره التي تتوزع باتجاهات مختلفة، فقد نتحدث عن ميتافيزيقا الفقه (ماوراء الفقه) أو عن الفكر الاستراتيجي الذي تدخل بشكل مباشر في الجانب السياسي وأيضا الجيوستراتيجي فالحديث الذي يشير إلى أهمية الأرض (العراق) في احتضان المشروع المستقبلي للموعود المستقبلي وتربص الجميع بتلك الأرض وبمنقذها، هو فكر جيوستراتيجي بامتياز، والتفصيل الكبير للمدينة الافتراضية المستقبلية في الاجزاء العديدة من الموسوعة المهدية هو نمط من التبني الواضح للفكر المستقبلي في العراق، وما كتابة الخارطة التفصيلية لتلك المدينة وذلك المشروع إلا امتهان للريادة المتعلقة بالفكر المستقبلي والمشروع الاستراتيجي التخطيطي المدروس من جميع الاتجاهات الفكرية والعقائدية والاقتصادية والسياسية .

وهذه الدراسات التحذيرية والتحضيرية شملت التنبيه إلى قراءة المستقبل الفضائي بالإضافة إلى المستقبل الفقهي والسياسي والأخلاقي والعلمي .

وهذه الأخيرة تشير إلى ريادة محمد الصدر في جوانب الأخلاق البواتيقية، أو الجانب المتعلق بالأخلاق التطبيقية تلك التي تجمع بين التنظير الأخلاقي والعلوم و الطب بشكل خاص وتعنى بالحديث عن جوانب أخلاقية تتصل بالتطور العلمي منها تأجير الأرحام والخلايا الجذعية ونقل الحيامن أو البيوض وتبادل أعضاء الإنسان وغير ذلك، والتفصيل الذي يتوزع بكتب ماوراء الفقه أو فقه الموضوعات الحديثة أو فقه الفضاء يعطي صورة مهمة لإمكانية الشهيد الثاني بالتوغل في جوانب فكرية فلسفية أخلاقية معاصرة .

ومن التنوعات الأخرى للشهيد الصدر هو تلك الأفكار المنتمية إلى روح فلسفة التاريخ حتى انك تجده بأنه من المصلحين القلائل الذين نظروا وطبقوا فلسفة التاريخ فهو لم يكتب المدينة الفاضلة المستقبلية في موسوعته لمجرد التصور كما كان أفلاطون بل انه نظر وتواصل مع ما نظر له وطبق واستشهد من اجل مشروع إصلاحي يؤمن به وترك امتداده مفتوحا إلى يومنا هذا ليستمر على يد ابنه السيد مقتدى الصدر باعتباره الوريث المادي والمعنوي لتراث ومنهج آل الصدر ( وهو أمر يجب ان يلتفت إليه بتأن وصدق وتدقيق وتوفيق كل من ينتمي إلى منهج الشهيد الثاني) .

 

ولعلنا نحتاج الى وقفة مطولة لقراءة ذلك التراث الفكري سيما ما تعلق منه ب:

• فلسفة التاريخ ومنهجه الاستقرائي في تحليل التاريخ

• الفكر المستقبلي والتخطيط المستقبلي ليوتوبيا الصدر .

• الأخلاق التطبيقية او الفكر البواتيقي

• المنهج اللاتفريطي

• فكره المتعلق بحقوق الانسان

• القراءة الجيوستراتيجية في الموسوعة المهدوية

• التجربة الروحية والفكر العرفاني والتنظيرات العرفانية ونقد التصوف .

• الآراء الكلامية للصدر الثاني

• المصطلح عند محمد الصدر

• قراءة جادة في سفر ما وراء الفقه .

لقد كان المفكر الصدر الثاني خلابا في إثارة وتصنيع الوعي بمراحله المحلية والعربية الإسلامية، فالطرق التي بذل حياته من اجلها لازالت اليوم تواكب حاضرنا ومنها استئصال الخوف ورفض الظلم بكل تنوعاته وطلب حرية العقيدة، وما استشهاده (سلام الله عليه) على يد الدكتاتور الا وصمة عار بوجه كل طاغية على مدى الدهور .

الأشجار تموت واقفة ..

رسالة الصالون الثقافي لمنتدى الجامعيين العراقي الأسترالي في رحيل الشاعر الكبير سميح القاسم

أشدُّ من الماء حزناً   تغربت في دهشة الموت عن هذه اليابسة

أشدُّ من الماء حزناً وأعتى من الريح توقاً إلى لحظة

ناعسة

وحيداً، ومزدحماً بالملايين، خلف شبابيكها الدامسة.."

سميح القاسم

 

بكى الأدب العربي المقاوم وحزنت ملائكة الشعر، بعد أن غيّب الموت الشاعر الكبير سميح القاسم ، فجلل الواقع القاتم بمرارة وشحوب وحزن متجدد وعانق وجع غزة وجروح وأحزان أهلها وأطفالها وسمائها وأرضها بوجع الناس في كل مكان

يعد "القاسم" من أبرز شعراء المقاومة والثورة في فلسطين ولد بمدينة الزرقاء الأردنية وانخرط في النشاط السياسي المناضل ضد العدوان الإسرائيلي وارتبط بالقصيدة الثورية وعلى إثر ذلك تم سجنه وطرده من عمله وإخضاعه للإقامة الجبرية وهُدِّد غير مرة بالقتل. واشتغل معلما وصحافيا وترجِمَت قصائده إلى لغات عدة كالإنجليزية والفرنسية والتركية والروسية والألمانية واليابانية والإسبانية واليونانية والإيطالية والتشيكية والفيتنامية والفارسية والعبرية وغيرها من اللغات وتحوّلت قصائده إلى أغنيات ومن أشهرها "منتصب القامة أمشي" التي غناها الفنان اللبناني مارسيل خليفة.

لا شك إن سميح القاسم باق بيننا وفينا بما زرع في قلوب الناس من تغنٍ بقضايا الأرض والإرتباط بها وكذلك قضية الحرية والعدل والإنسانية في كل مكان.

نعاهدك يا سميح القاسم أن نبقى نغني للوطن أعذب الكلمات وأنبل الأفعال ونستمر بالعزف على قيثارتك الخالدة ذلك اللحن القديم المتجدد لحن تحدي السلطة الغاشمة .

طوبى لسميح القاسم في حياته والمجد والخلود له في مماته ،

ووداعاً يا شاعر الأرض

وداعاً يا قديس الحب والجمال والذوق الراقي،

وداعا أيها الصرخة الهادرة المعبرة عن آلام وهموم شعب كان وسيبقى الظامئ للتحرر والإنطلاق

 

الصالون الثقافي

منتدى الجامعيين العراقي الاسترالي

الروائي أبو كَاطع: السخرية والأسئلة الملغومة!

abdulhusan shaabanكانت الرواية العراقية قبل “أبو كَاطع” تتحدث عن الريف الاّ انها رواية مدينة، فروّادها أبناء مدن حتى وان كتبوا عن الريف: محمود أحمد السيد، سليمان فيضي، جعفر الخليلي، ذو النون أيوب، عبد الملك نوري، غائب طعمة فرمان، فؤاد التكرلي، عبد الرحمن مجيد الربيعي وآخرون، لكنه مع “أبو كَاطع” ظهر نوع من الأدب الريفي، استطاع صاحبه كمبدع استخدام "الموروث الشعبي" و"الحكاية الريفية" جاعلاً ابن الريف وحده مصدراً للسخرية والتنّدر والضحك، بل ابن المدينة أحياناً وأوهامه وأكاذيبه باستعارة “حكمة الريف” وتراثه الحكائي الغني وهواجسه ومكره.

قبل 33 عاماً غادرنا الصحافي والروائي العراقي الساخر “شمران الياسري”. ففي حادث سير لئيم جاءت نهايته وهو في طريقه لزيارة ابنه جبران “الذي كان يعيش في بودابست” 17 ــ 8 ــ 1981. كان “أبو كَاطع” عند رحيله، في أوج عطائه الفني وذروة نضجه الفكري. وكان قد تمكّن من أدواته ووسيلته الابداعية على نحو متميّز ولافت.

اشتهر الياسري منذ أواخر العام 1958 باسم “أبو كَاطع” نسبة إلى برنامجه الاذاعي الذائع الصيت. وكان اسم “أبو كَاطع” وبرنامجه الموّجه إلى الفلاحين “إحجيه بصراحة يبو كَاطع” “قلها بصراحة يا أبا كاطع” قد فاق شهرة صاحبه، ومنذ ذلك التاريخ لم يعد شمران الياسري يُعرف الاّ من خلال الكنية التي لازمته كظلّه مثلما لازمته كلمة “الصراحة”.

*****

للأسف لم يحظ “أبو كَاطع” كأديب في حياته، كما لم يحظ بعد مماته بما يستحقه من ضوء، خصوصا وإنه ترك لنا أعمالاً ناجزة، بحاجة إلى الدرس والنقد والتقويم: رواية من أربعة أجزاء (الزناد، بلابوش دنيا، غنم الشيوخ وفلوس حميّد) ورواية ثانية “قضية حمزة الخلف” قال إنها الجزء الأول من رباعية جديدة، صدرت بعد وفاته، وعشرات بل مئات من الحكايات والاقصوصات والمقالات الصحافية ذات النكهة الخاصة، المصحوبة بالسخرية، وعمود صحافي معّمِر وموجز وشديد التكثيف وكثير الإيحاء “بصراحة أبو كَاطع”.

وقد صدرت مجموعة مقالاته في السبعينيات في أربعة أجزاء، مُنع الجزء الرابع منها وصودر من المطبعة. واضطرّ أبو كَاطع إلى مغادرة العراق في العام 1976 بعد أن حُرم من الكتابة، حيث لفقّت له السلطات الحاكمة تهمة خطيرة وصف عقوبتها مازحاً (أقلنْ.. أقلنْ.. الإعدام) أي إن عقوبتها الأدنى هي الإعدام! مثلما كان يردّد في تعليقاته الساخرة، وهو ما كتبه في رسالته الموجهة إلى الدكتورة سميرة الزبيدي.

في أرياف الكوت وعلى نهر الغرّاف وفي قرية محيرجة، وِلدَ ونشأ ذلك المتمرّد، المشاغب، السابح ضد التيار. وخطا خطواتهِ الأولى، حتى كرسّ صورتهُ المعروفة ومسيرته المتميّزة، وهو بصحبة راويته الأثيرة ذات المذاق الخاص “خلف الدوّاح” الذي سيظّل ملازماً له مثلما كنيته “أبو كَاطع”.

ومنذ أواخر الخمسينيات، تمكّن ذلك الريفي المصحوب بالشكّ والمتعطش إلى العدالة والغارق في وهم الآيديولوجيا، أن يخوض في معترك الحياة بشجاعة: كدحاً وصحافة وثقافة وأدباً، حتي غدا اسماً يُشار له بالبنان.

كان “أبو كاطع” يُنقبُّ بعين سسيولوجية، ويفحص بمهارة فنان، نسيج البُنى الداخلية للريف والعلاقات العشائرية والقبلية، مثلما كان يحللّ ويدقّق نظام تشكّلها الاجتماعي والتاريخي والثقافي. وكان بحكم هواجسه الأكثر قدرة على التقاط النُذر والمؤشرات السلبية في عالم السياسة الموحش.

في السبعينيات كان الناس يقرأون صحيفة “طريق الشعب” بالمقلوب، أي من الصفحة الأخيرة، يتابعون ما وراء السطور ومن خلال مفارقة أو تهكّم أو دعابة أو نكتة، حقيقة الأوضاع السياسية والعلاقة بين السلطة وأطرافها ومعارضيها وحلفائها.

كان عمود “أبو كَاطع” شفيفاً، خفيفاً، أنيساً وبسيطاً إلى حد كبير، ولكنه كان عميقاً ومؤثراً. يقرأه من كان من محبّي “أبو كَاطع” وأدبه، لكي يستمتعوا بحكاياته وإقصوصاته وطرائفه. وكان خصومه في السلطة وخارجها من المسؤولين والبيروقراطيين الحزبيين، يقرأونه كذلك ليعرفوا مواقع الضعف والخلل في السلطة ذاتها ولديهم أيضاً.

عموده كان خطّاً من خطوط المواجهة، يقيس فيه الناس درجة حرارة الجو السياسي والحراك الاجتماعي مثل بارومتر زئبقي. فكلّما ارتفعت درجة حرارة لغة أبو كَاطع "سخونة” كان ذلك يعني ارتفاع درجة حرارة الوضع السياسي. وكان من تلك الكوّه الضيقة والهامش الصغير المحسوب جداً من جانب الرقابات الحكومية والاعلامية والحزبية، يطلق مدفعيته الثقيلة بين الحين والآخر وإنْ كانت بلغة ناعمة وساخرة.

كان عمود “أبو كَاطع” وراويته الاشكالية “خلف الدوّاح” الذي نشرنا صورته واسمه الصريح (كعود الفرحان) لأول مرة في كتابنا الصادر العام 1998 والموسوم " أبو كَاطع – على ضفاف السخرية الحزينة" مثل ريشة ناجي العلي وشخصيته المثيرة “حنظله”. تلك الريشة والشخصية التي تدير ظهرها، وتمتلك ذلك السحر الآخّاذ، الذي يثير في النفس خيالات وتداعيات خصبة وتساؤلات جادة لكل من يتوق إلى الحرية.

واذا كان كاريكاتير ناجي العلي يمسّ الروح وينساب إلى الوعي شغافاً وعميقاً ولاذعاً، فان عمود “أبو كَاطع” الساخر وتورياته اللذيذة (حسجته بالعامية العراقية) كانت تدخل إلى القلب.

هي السخرية في كلا الحالتين: وجوهٌ ومؤخرات، ورودٌ وتوابيت، عصافيرٌ وبنادق، ظالمون ومظلمون... هي السخرية حين ينتصب أمامك الواقع العربي بكل تناقضاته وتشويهاته.

يقول الروائي غائب طعمة فرمان إن عمود “أبو كَاطع” كان يثير التساؤل. وهي صفةٌ ملازمة لفلاحه وربما لشخصيته الأثيرة “خلف الدوّاح”. ويسحب فرمان ذلك على شخصية “أبو كَاطع” حين يقول: “يجابهك دائماً في جلساته الودية بالأسئلة، التي تجعلك أحياناً في موضع محرج أو تضعك على “المِحَكْ” فإمّا أن تجاريه بتساؤلاته المشروعة، وإمّا أن “تبلع لسانك” وتسكت وتجعل المجاملة وسيلة للتراجع أمام الأخطاء والخوف والبلبلة وغموض الهدف والعجز في اتخاذ موقف. وهذه الصفة جعلها “أبو كَاطع” مُلكاً مشاعاً للراغبين في تبنيهّا بإخلاص من أبطال قصصه”.

سألت “أبو كَاطع” في حوارات مطّولة معه: لماذا إختار الرواية كصنف أدبي حديث وسيلة للتعبير.. ألا تكفيه الصحافة، خصوصاً وقد أبلي فيها بلاءً حسناً، لدرجة إن شعبيته بين القراء ومن كل الألوان والتيارات والمستويات كانت محطّ حسدٍ وغيظٍ، حتى من جانب بعض المقرّبين!؟

هنا نفث دخّان غليونه المعطّر والمعتنى به جداً، وبعد برهة صمت قال: كنت أرغب في أن أكون شاعراً.. لكن الصحافة استولت على وأخذتني في دروبها. وإنْ كنت أجد نفسي في الصحافة رغم القيود والمضايقات، الاّ أنها لم تكن تكفيني للتعبير عن مكنونات روحي وما يختلج في صدري أحياناً.

وجدت في الرواية الفضاء الأرحب والأوسع، الذي يمكن أن أنفّه فيه عما يجول في خاطري. لذلك أشعر إنني اكتشفت نفسي مجدداً في فسحة القلم متحرّراً من المجابهات المباشرة واليومية، التي يفرضها العمود الصحفي والاقصوصة ذات الأبعاد الآنية. فضلاً عن ذلك، فالصحافة ليست دائماً في متناول اليد، تغيب عني وأغيب عنها لأسباب موضوعية وذاتية.

وإذا كان غائب طعمه فرمان روائي المدينة العراقية بامتياز، وخصوصاً بغداد، بحاراتها وأزقتها وجوامعها، وحاناتها ونسائها، فان “أبو كَاطع” يعتبر بحق روائي الريف العراقي، باسياده وعبيده، بأنهاره ونخيله، وبظلمه وحكايات عشقه.

لم يكن “أبو كَاطع” متفّرجاً عما يجري في الريف وحياة القرية، في اطار مشهد خارجي وتعاطف انساني، بل كان من الريف وكتب عنه، مقدِمّاً البيئة الريفية بقدرٍ من التشويق والتوتر والانفعال، عاكساً حياة الفلاحين والريف العراقي، كمقطع من الدولة العراقية، التي أرّخ لها في رباعيته من العام 1923 وحتي العام 1963 وفي روايته “قضية حمزة الخلف” في مرحلة ما بعد انقلاب 8 شباط “فبراير” 1963.

يمكنني القول إن فصلاً مهماً من تاريخ العراق السياسي، كان سيبقي غير مكتوبٍ، ولربّما مجهولاً بما في ذلك التراث الشعبي لولا موهبة “أبو كَاطع” الذي امتلك أدوات تصويرية وقدرات تخيليّة لإلتقاط واقع الريف العراقي، برؤية شفافة، بحيث اختلط الواقع المعاش بالخيال المتصوّر في حبكة درامية، أكتمل بناؤها في حالات وظلّ غير مكتمل في حالات أخرى. وبهذا المعني يصّح قول مكسيم غوركي “التاريخ لا يكتبه المؤرخون بل الفنانون، الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان”.

لقد تطور مفهوم البطولة في روايات وحكايات “أبو كَاطع”، ففي “قضية حمزة الخلف” خفّ أو ضعف فيها تأثير الآيديولوجيا قياساً بالرباعية، رغم انه ظلّ يلقي بضلاله الثقيلة عليها، لكنها لم تعدْ “كلية القدرة” أسطورية، خارقة، ينُسب إليها كل الصفات الحميدة، بل تتمثّل في الشخصية الإنسانية البسيطة، التي تحمل عناصر القوة والضعف، الشجاعة والخوف، الاقتحام والتردّد، الخير والشر، المجد والأخطاء على حد تعبير الجواهري في قصيدته المهداة إلى الزعيم العربي جمال عبد الناصر، وهي تذكّرنا بغريغوري بطل رواية شولوخوف “الدون الهادئ” المتذبذب، المقتحم، المتردّد، الضاج بالحركة والحب والفحولة، المتنقلّ بين القوزاق والجيش الأحمر والأبيض وبالعكس!

إن كتّاباً ساخرون إلى جانب “أبو كَاطع” الذي كان الأكثر شهرة وابداعاً بينهم، بحاجة إلى دراسات وأبحاث جادة للدخول إلى عالمهم الداخلي الروحي وتقويم ونقد نتاجاتهم وسخريتهم أمثال: عبد الجبار وهبي “أبو سعيد” وعموده الشهير “كلمة اليوم” في صحيفة “اتحاد الشعب” بعد ثورة 14 تموز “يوليو” 1958، وشاكر مصطفى سليم، الذي كان يكتب في صحيفة “الحرية” مسلسلاً بعنوان “يوميات قومي متآمر” وقبلهما خالد الدرّة وكتاباته المتمّيزة في “مجلة الوادي” وصادق الأزدي في “مجلة قرندل”. وفي مرحلة الثلاثينيات اشتهر الكاتب الساخر نوري ثابت ومجلته “حبزبوز”. واذا كانت السخرية فنّاً رفيعاً فهي تعبير عن موقف مسؤول من الحياة بكل ما تعنيه الكلمة. وكان كارل ماركس يردّد: إنني أقف مما هو مضحك موقفاً جاداً. ولعلّنا نردّد قول المتنبي:

وماذا بمصر من المضحكات / ولكنه ضحكٌ كالبكاء

كان أبو كَاطع رغم شعبيته الاّ انه كان رجلاً "مرفوضاً" باستعارة توصيف المفكر جورج لوكاش، للبطل الملحمي حسب بعض الولاءات والمقاسات الحزبية الضيقة ... لأنه كلّما كان يلامس تجربة يلغمها بالأسئلة .. الأسئلة هي ذاتها التي ظلّت قائمة ومتلاحقة في مملكة جورج آورويل “مزرعة الحيوان” “ورواية 1984 “ أو عند أبو كَاطع في “مملكة الضبع الأكبر” التي نشرناها لأول مرّة في كتابنا المشار إليه .

نحن بحاجة إلى السخرية في مواجهة غلاظ القلوب..!

 

......................

• كاتب وأديب عراقي - مؤلف كتاب “أبو كَاطع ــ على ضفاف السخرية الحزينة” وهو أول كتاب نقدي عن تجربة وحياة الروائي الكبير شمران الياسري “ابو كَاطع”

 

هكذا أتَذَكَّرُكْ .. إلى السّميحِ القاصِمْ!

rajaa baktia"كأنَّ حواري التّاريخي معك للجنة الطلّاب الفقيرة في جامعة حيفا كان سببا في شُهرتِكَ. لا أنسَ كم عَيَّرتُكَ، وأنا أستحضرُ ذلك الحوار، فبعد أسبوعين من نشرِهِ طرتَ إلى تونس ثمّ دمشق. سألتك بعد أسابيع عن سبب غيابك فقلتَ: سافرت!. ضحكتُ أنا ضحكَتِي المجلجلة الّتي لم تفهمها، وأثارت ضوء نادرا في عينيك، "هل ترى يا أستاذ، حواري شَهَرَكَ، لكن لا تحلم بلقاء آخر!"

 

كُثُرٌ يذهبُون، وقلّةٌ نشتاقُ أن نسجّلَ رحيلهم، ونحن نصغي لانسحاق الرّصاص على بياض الورقّ!

كثُرٌ يرحلونَ، والبعضُ القليلُ نحبُّ أن نلوِّنَ رمالَ الرّبعِ الخالي بحضورِهِم، وأنتَ، يا صديقي، تاجُهُم!

لستُ إلا شاعرة/كاتبة كَمَا أسميتَها أبا وطن! وبائسة جدا في رثاء من تحبّ. لا تعرفُ كثير مداهناتِ الشّعرِ، وحِيَلِ الرّوائيّين، وقسوةِ النقّادِ حينَ تُسجّي وداعها عطرا على وردِ الورق. كم تتعذّبُ الكلماتُ، وهي تتمارى في ماءِ ياسمينها لتكتبكْ! ففي وداع الياسمينِ يستبدل القرنفلُ زهرهُ بورق عنب، ويمرغُ وجههُ عتب. لن يُتقنَ أبداً رشّ أسمائهِ إضافةً لذيلِ كفن!

أنا لن أرثيك أنا، يا صديق الصّغار والكبار، النّساء والرّجال والأطفال. بل سأُثرِي لحظات رحيلك ببقايا ذاكرة عتّقتُها حِبرا وحَبَقاً منذ أعوام مضت، عشرين عاماً على أقل تقدير حين جئتك لأوّل مرّة!

التقيتُكَ، وأنا أسلِّحُ ورقي بالزّهر والحنظل، عسلاً ولسعاً، وقذائف كثيرة من الّتي يجرِّبُهَا جيش الدّفاع الإسرائيلي هذه الأيّام فوق رؤوس شعبك في غزّة. جهّزتُ مضمون حواري، أسئلتي، ودهشتي. جاهزة كنتُ لهجومٍ منظّمٍ على خُصوصيّاتِ شاعر يشغلُ المُحيط الأدبي بصوتِهِ ووسامتِهِ، وحضورهِ اللّافت، إذ كنتُ وعدتُ أصدقائي في لجنة الطلاب العرب بلقاء حصريٍّ مع شاعر المقاومة الأشهر على صفحات مجلتنا السنوية تطيِّرُ الأعداد في ساعات. تحمَّسُوا لها جدا، مع عدم ثقتهم التامة بقدرتي على تنفيذ المهمة، أما أنا فكنتُ على ثقةٍ بأنّي سأفعل!

سهرتُ عَلَى كلِماتِي، وَحدَّدتُ لونَ ملابِسِي وعِطرِي وخُطواتِي، لكنْ وسَطَ ازدحامي بالرَّهبَةِ نسيتُ أن أتسلّحَ بمِظلّة. اعتقدتُ أنّ الشّتاء سيخدعُ رعيلا مِن عُشّاقِهِ ما عدايَ! واعتقدتُ أنّهُ لن يَكبِسَ بشدَّةٍ، ويبلّلَ أنَاقَتِي في تلكَ الظّهيرةِ البارِدَة. وآخر ما تمنّيتهُ أن أصِلَ مكتبكَ أشبهَ بصوصٍ منتوفِ الرّيش انتَشَلَتهُ العِنايةُ الإلهيّة من حادِثِ دهسِ حتمي تحتَ غضبِ عاصِفة.

كان الطّريقُ  لشارعِ صهيون أطول من دروبِ الغيمِ الّتي تامرتْ فجأةً على بياضِ السّماء، وفَلَحَتْها غُيُوما سوداءَ مُجعلَكة. بدأتُ أتأمّلُ هندامي اللّيلكيّ من الحذاءِ وحتّى القبّعة بكثيرٍ من القلق، وأهمسُ بعدَ كُلِّ خُطوةٍ تزدادُ اتّساعاً، "خانَ وعده هذا الشّتاء الكاذب!" دون مقدّمات بدأ رجم المطر. مطر عُدوانيّ جداً، من النّوعِ الّذي لا تتفاهمُ معه ملابسك! استحالَ إلى شتاء شديد سفّاحاً جداً يُسقطُ الأناقة، ويمحو الجمال. واحترتُ ماذا أفعل، فبعدَ كُلِّ خُطوةٍ كانت معالمُ الطّريقِ تتلاشى، ونظراتي تضيعُ في بُخارِ النّاس الّذينَ استَحالوا إلى قُطنٍ يطيرُ ويملأُ الفضاءَ والسّاحات.

تُهتُ.. ضِعتُ، وكانت أوّلُ مرّة أصلُ فيها لهذا الحيّ المُغيّب تماماً من ذاكرتي لمدينةِ القلبِ حيفا. التفتُّ بكلّ اتّجاه، ولم أعثر على طيرٍ أسألهُ عن شارعكِ، كأنّه مسألة حسابيّة عقيمة لا حلّ لها! أخيراً ميّزتُ كابينةَ هاتفٍ عُموميٍّ، وأدرتُ ألأرقامَ بأصابعَ تجلّدت من أثرِ الصّقيعِ، الّذي بدأ يضرِبُ زجاجَ الكابينةِ، ويصفع وجهي. من بعيدٍ سمِعتُكَ: وينِك يا بنت؟ وأجبتُ بكثيرِ ارتباكٍ وخجل: يبدو أضعتُ الشّارعَ. ضحِكَ: أنتِ في حيفاَ يا بنِت! قولِي أينَ أنتِ؟ ارتجفَ فكّي، وأنا أحاوِلُ السيطرة على ارتجافِ جسدي:ما مَعِي شمسيّة! اعتلَّ سؤالُكَ: أسألُكِ أينَ أنتِ؟ وأجَبتُ بضيقٍ وارتباك، كأنَّي لم أمشِ في شارِعٍ من قبل: لا أعرف! يهتاجُ فجأة، ويتفرَّقُ صوتُهُ: كيف ما بْتِعِرفِي؟ رصدتُ ما حولي بنظرة بانوراميّة سريعة من خلالِ كابينةِ هاتفٍ كئيبة، وهمستُ كطفلةٍ ضائعة: بْتِقْدَرْ تْلاقِيني؟ احتدَّ صوتُهُ: لكنّي لا أعرفُ أينَ أنتِ! وصفتُ لهُ بشكٍّ ما أراهُ حولي، وإذّاكَ، سَألني على غير توقّعٍ منّي: ماذا تلبسين؟ فأجبتُهُ بحماسٍ فاجَأَنِي، وفي نيّتي إلغاء فكرة قلّة الحيلة، الّتي قدّرتُ أنَّهُ أخذها عنّي: ملابس ليلكيّة! وإذّاكَ فسَرَ: بعدَ الإنحدار خُذي يمينك، ستجدين دكانا صغيرة في الزّاوية أنتظركِ هناك، لستِ بعيدة عنّي كَما أُقَدِّر. خرجتُ من مخبأي، ودوّرتُ بصري بمُكوِّنات الغضبِ السّماويِّ الّذي نزلَ فوقَ رأٍسي. نكشتُ رأسي مرارا لتقودني إلى العنوان. وزّعتُ قلبي على الجهات، وحثثتُ الخُطَى. وكلّما علت دقّاتُ قلبي صارت خُطُواتِي تتآلفُ وتتّسق، ووجنتايَ تسخُنانِ.

لا أذكُرُ كم مرّ من وقتٍ، وأنا أنحدِرُ تحتَ رجمِ البَرَدِ لملابسي ووجنتيّ. لحُسنِ حظّي لم أضعَ ماكياجاً، ولتوخّي الصّدقِ وثقتُ بجمالي حدّ استهانتي بقدرة مستحضرات التّجميلِ على إضافة لمساتٍ لجمالي الطّبيعي. وهكذا، بُعَيدَ دَقائق عثرتُ على نفسي أمامَهُ. كان قد خرَجَ من الدكّانِ، ووقف على الرّصيفِ تحتَ مِظلّةٍ حمراء. وقبّعةٍ سوداء، قدّرتُ أنّها روسيّةُ الصُّنعِ، تضيء وجههُ ابتسامة طفوليّةٍ عريضة. لوَّحَ لي من بعيدٍ، كأنَّهُ يتأكّدُ من عُثورهِ عليَّ، ثمّ رحّبَ بصوتٍ عبّأتهُ السّجائرُ انشِغالا: أهلا وسهلا بالّليك! ابتسمتُ أنا،على استحياءٍ. نظرتُ إلى نفسي بمرآةِ عينيهِ، وهمستُ: شوف، غَرِقَت ملابِسي بالسّيل! ضحكَ قائلا: لا يهُم، لديَّ مدفأة. وهكذا مشيتُ أمامهُ، وهو خلفي يحمِي ملابسي، وجسدي المُرتجفِ بمِظلَّتِهِ الحمراء.

ولا بدّ لي أن أعترف، يا صديقي الكبير، بدماثتكَ، وشُمُوخِ قامَتِك. عفويّتِكَ تلك، هرّبت حيرتي وارتباكي. كُنتَ جميلاً وهادئاً، وتلقائيّاً، حدّ أنّي لم أصدِّق أنَّهُ أنت! كنتُ، حينذاك، في مقتبل عمري يفصلني عنك عقدين ونيِّفٍ على أقلِّ تقديرٍ، ورغمَ ذلكَ منحْتَنِي شُعوراً بأنَّي أُوازيكَ معرِفةً، وثقافةً. ساحراً كان أسلوبك في اكتشاف مُحاوِرك، سِرُّهُ في ابتسامتك. لم أقابل رجالا كُثُر يجيدون انتزاع الذّعرِ من رأس امرأة، بالسّلاسةِ الّتي كانت لك! والحقيقة أنّي كنتُ بِحاجةٍ لتجاوُزِ أزمَةِ ملابِسي الغارقةِ بالماءِ، وأزمة جهلي بك. تركتُ معطفي يجفّ قرب المدفأة، وهرعتُ لحقيبتي أستخرجُ منها ورقي، وأغيّبُ ارتباكي، وأنت جالسٌ أمامي تتأمّل اعتذاراتي بمرحِ لا يتوقّفُ عنِ الإشتعال، سيجارةٌ تقبِّلُ كعبَ السّيجارةِ الّتي بعدها بشراهة غير معقولة. "مِدخنةٌ بامتياز"، همستُ لكَ دَهِشة. ضحكتَ: أضايقُكِ؟ لا أبدا، لكن ألا يضايقكَ أنت؟ سألتُك. يضايقُني؟ وأضفتَ للإبتسامة فتنة، وأنتَ تعبُّ من فمِ سيجارةٍ جديدة وتسجِّلُ شيئاً أمَامك. مستغربا كنتَ لعدمِ انصياعي لرغبتك بأخذِ قسطٍ من الرّاحةِ. وقفتَ فجأةً، وأعلنتَ: سأُعِدُّ قهوة، تشربينها أليس كذلك؟ تهلّلَ وجهي، ووافقتُ بهزّةٍ عنيفةٍ من رأسي. فرحتُ بفكرةِ القهوة، كأنّي لم أتوقّع أن أعثر عليها في مطبخكِ الصّغير.

رائحةُ هالها تجاوزَ مِزاجي بقليل، وهي تتسرّبُ عبر الممرّ الضيّق الّذي يؤدّي إليك، كنتَ تعدُّها، وتسهبُ في حديث بدَأْتَهُ خلف مكتبك.. يعلو بالقدر الممكن من ارتفاعِ الصّوت. عُدتَ إليَّ بقهوةِ الرّامة منتشيا بمجّةِ سيجارةٍ طويلة. مبتسما كما فهمتكُ، ومَرِحاً ما أمكن. طلبتَ مِنّي بشبهِ أمرٍ مازحٍ أن أتفرّغَ لقهوةٍ لذيذةٍ، وأتركَ ورقي. قهوةٌ لا يصنعها إلاّكَ، قهوةُ الرّامة! "لكنّي قتلتُ الكثيرَ من وقتِكَ، وملابسي لم تجفّ بعد" شكوتُ نفسي إليكَ. علا صوتك فجأة: تخلَّصِي من هذا النّكد، يا بنت، لا عليكِ، المهم أن تخرجي مْرَوْقَة. ولم ينتظر كثيرا قبل أن يَقلِبَ الفناجين بتمرّسِ  من أدمنها، ويصبّ السّائلِ العجيب، ثمّ يترك بكرج القهوة الصّغير مكشوفا بلا غطاء، كانت بعض طقوسها لديك!َ

لا أذكرُ كم مرّ من وقتٍ، وأنتَ تُجاذِبُنِي أطرافَ الفَرَح. حديثا طويلاً لَبِقاً مرحا، لكنّي تنبّهتُ لوفودِ جحافلِ العتمة بفعل نهاراتِ الشِّتاءِ القصيرةِ. لملمتُ حقيبَتِي ومعطَفِي، وأخذتُ لكَ صوراً عدّة، كصحفيّة متمرّسة. سألتني فجأةً بعتب: ومن سيأخذ صورة لكِ وأنت تحاوريني؟ وكعادتي في استثناء نفسي من المشاهد الفوتوغرافيّة همستُ بفرح: لا يهم، المهم أنّي التقطتُ صورا تلقائيّة جميلة لك، سألتني: متأكّدة؟ فاجأتُ نفسي حينَ أكّدتُ لك: في مرّةٍ قَادِمة!

لم يتأخّر حوارُكَ. أنجَزتَهُ خلال أسبوع، وحينَ وفدتُ هذه المرّة ممهورة بحماسي المُعتاد حين ُأنجزُ خطوة استثنائيّة قطعتُ عدَّةَ شوارع بثقةِ عارفة، فالحافلات الّتي تصل هذا الشّارع تتأخّر كثيرا. صعدتُ السّلالم بمرح صديقة. على شوق احتضنتُ الأوراق كأنّي أتسلّمُ أوراق وطنٍ ضائع. وشربتُ القهوة، وتحدّثنا بمذاقٍ آخر وهواجس جديدة أصغيتَ إليها ملء قلبك، بحرصٍ ومرح. لشدّ ما أحببتُ فيكَ قدرتكَ الخارقةِ على افتعال الفرح، وثقتك البالغة بما سيأتي.

هكذا استطالت شوارعُ معرفتي بك، واعتبرتُ نفسي صديقة حقيقيّة رغم سنّي الصّغيرة. انتقَلتَ إلى كلِّ العرب، وسط امتعاضي من تخلّيكَ عن حيفا. كنتُ أعتبرُ احتكار حيفا لك قضيّة مفروغا من ضرورتها، فضحكتَ ملء دَهشَتِك، وملء طيبتك.

على مدى سنوات لم أتوقف عن السّؤال عنك. لا أذكر أنّي هاتفتُكَ مرّة ولم ترد، ولا أذكرُ أنّك لم تُعِدِ الإتّصال حين تعذّر عليك الرّد. هي جماليّة أخلاقيّة، أيّها الكبير، لا يجيدها أصحاب الشّأن المزيَفين. كان يهمّني أن أطمئنّ عليك، كأنَّ حواري التّاريخي معك للجنة الطلّاب الفقيرة في جامعة حيفا كان سببا في شُهرتِكَ. لا أنسَ كم عَيَّرتُكَ، وأنا أستحضرُ ذلك الحوار، فبعد أسبوعين من نشرِهِ طرتَ إلى تونس ثمّ دمشق. سألتك بعد أسابيع عن سبب غيابك فقلتَ: سافرت!. ضحكتُ أنا ضحكَتِي المجلجلة الّتي لم تفهمها، وأثارت ضوء نادرا في عينيك، "هل ترى يا أستاذ، حواري شَهَرَكَ، لكن لا تحلم بلقاء آخر!" وضحكتَ من قلبِكَ، وأنت تعدّ قهوتكَ الطيّبة، وتنثر مُزاحكَ كنثر الهواءِ لورقِ الشّجر المؤدّي لشارعك البعيد أوّل الخريف. 

لم أكفّ عن البحثِ في أحوالكَ وصحّتك، وأسفارك. قليلا زُرتُكَ. مرّة واحدة وصلتُ مكاتب كلّ العرب، وبحثتُ عن مكتبك. لم أحتمل الجلوس أكثر من عشر دقائق. بدأتُ أتذمّر، المجانينُ فقط، يا صديقي، يستبدلون نسرا يحلِّقُ بدجاجةٍ تقرقرُ، وكنتُ لا أحبّ النّاصرة، وأحسدُ نفسي كلّما أنجزتُ مهمّة تجبرني على الوصول إليها. وهكذا بَعُدَ عِطرُ المَجنونةِ الّتي تتشبّثُ بكتفِ الكرملِ أكثَرَ منك، وخاصمَتْكَ المسافة. تركتَ حيفا تماما. لكن السّنوات لم ترد في حسبان الحميميّة الّتي تغمر بها عيون أصدقائك، ولو غابوها. والسّنة الّتي فَصَلَتْنِي عن حرارة ابتسامة لا تفارقك لا تُحتسبُ في عُمرِ محبَّةٍ خبّأتُها لك.

في مرضك سألتُ الأصدقاءَ عنك. لم أجرؤ على التحدّث إليك، خفتُ أن أجرحك، ولم أستشفَ عمقَ مقاومتك للمرض قبل أن أقرأ قصائدك الأخيرة. انتظرتُ فرصة ما للقاء. صدفة في إحدى مناسبات التّكريم الّتي احتفت بك. وصلتُ متأخّرة إلى الجليل في مناسبة تكريمك،  ولشدّة ازدحام المركبات في الخارج لم أصل لقاعة الإحتفاء، ولم أقرأ ما سجَّلتُهُ عنك! لكن يخيّل إلي أن ما أسجّله تحت دمعتي المحبوسة سيصلكُ، وستقرأه حيث أنت، كنتَ تؤمنُ أنّ الشّعراء لا يموتون، وتتابع الآية الكريمة، "بل أحياءٌ عندَ ربِّهِمْ يُرزَقُونْ".

أبا وطن.. قليلة هي حُرقةُ الذّاكرة عليك، والقرنفُلُ حين يعودُ لعطرِهِ فَلأنّهُ يريدُ أن يمشيَ بساطاً لقدميك، وفضاءً لِتَهلُّلِ عينيكَ بمرَحِ من رأيتْ! يُحبُّ أن يَحرُسَكَ زهرهُ، تماما كما فعلَ في زوايا مكتبِكَ الصّغير في شارع صهيون، القريب من وادي نكبتنا الأولى. ولا زلتُ رغمَ ذهابكَ أغارُ مِنك، أغارُ من قُدرِتِكَ الجذلى على تسجيلِ بُيوتٍ باسمِكَ في كلِّ مَكانٍ تسكُنُ إليه. واثقةً أنّ الملائكةَ ستضيءُ مِليونَ شمعةٍ احتفاء بِعددِ الآياتِ الّتي وزّعتها غيباً على مُحِبِّكَ ومُبغِضِكْ، وتحرقُ الأحقادَ بخوراً حول مخدعِكْ!  

23 أغسطس، 014

حيفا

محمد امين السعداوي في ذمة اهمال الحكومة

radi mutrafiمحمد امين السعداوي اسم حفر حروفه وانجازات حامله في ذاكرة اجيال كثيرة كان رياضيا بارعا ومصورا وصحفيا ورحالة احتفت به دول وحكومات ومسئولين وارخ وارشف بكاميرته لحظات تاريخية لاتنسى في حياة الشعب العراقي منها تتويج الملك فيصل الثاني ولقطات حفلت بها صفحات الصحف على مدار سنوات طويلة واصدركتبا وقصصا عن بعض رحلاته وحقق بقوة عضلاته للعراق بطولة من بطولات الدراجات الدولية وتفاخرت بيه حكومتنا الرشيدة يوم كان ملأ السمع والبصر في احدى دورات معرض بغداد الدولي واحتلت صوره كل الاماكن البارزة على جدران المعرض والاجنحة المخصصة للعراق وبعض الدول واطلقوا عليه في بوسترهم (مفخرة العراق). وبذل السعداوي على مدار سنوات عمره كل جهده للعراق .. لكن هل يعرف احد من السادة المسؤولين سواء في الجهات التي عمل لها السعداوي مثل جمعية المصورين التي اسسها هو او الصحافة ووزارة الثقافة او غيرها من دوائر الحكومة التي يفترض بها متابعته وامثاله وتكريمهم من خلال توفير العيش الكريم لهم في شيخوختهم وعجزهم بعد ان نضحوا اخر قطرات عرق وابداع واحتاجوا للراحة ورعاية شيخوختهم؟ والسعداوي لم ولن يكن المبدع الوحيد الذي تناسته الحكومات وسجلات العراق تحوي الاف الطاقات التي هدرت في بدايتها وقيدت على ذمة الاهمال الحكومي في شيخوختها ويمكن الاستعاضة عن ذكر المبدعين بالراحل (عادل شعلان) الموهوب في الرياضيات والمدفوع قسرا الى كلية الزراعة ثم الانطفاء في رحم الاهمال والرحيل بألم صامت. واذا كان هناك من يجد العذر لحكوماتنا السابقة كونها رجعية او دكتاتورية او تسلطت على رقاب الشعب بقوة السلاح واقتحام القصر الجمهوري بدبابة .. بماذا يعتذر لحكومة منتخبة ويحمل اعضائها شهادات جامعية مثل الدكتوراه ومادونها ؟

ان السعداوي ونظرائه من المبدعين الذين وصل بهم قطار العمر الى محطات متقدمة وأصبحوا بحاجة ماسة للرعاية والاهتمام بهم لايشكلون على كثرتهم عبأ ما يشكله (نائب) واحد في البرلمان كل حسناته ان اسمه درج ضمن قائمة احد الساسة المتنفذين وعبر العتبة الانتخابية بأنزياح الاصوات من الرأس (الكبيره) لمعاليه وحصل جراء هذا الانزياح المبارك على الملايين والحمايات وجواز السفر الدبلوماسي والعلاج على حساب الدولة والتقاعد الخرافي وربما انقضت او تنقضي فترة نيابته ولم تدون له مداخلة واحدة في المجلس النيابي العتيد اما بسبب السفر او النوم على الكرسي المريح او بتطبيق مبدأ (شعليه) في حين حصل محمد السعداوي على (300) جائزة في حقل التصوير بأسم العراق ولم تلتفت له الحكومة ولو براتب تقاعدي بحساب الف دينار عن كل جائزة .. اليس هذه هي القسمة الضيزى؟ أليس هذا هو نكران الجميل من قبل الحاكم ؟ اليس هذا عملا مقصودا لوئد الابداع وتحريض على قتله ؟ لا اريد الاستمرار بنفث مرارتي كلها ولكني استميح الشاعر عذرا على استعارة بيته واستبدال كلمة واحدة فيه بعد ان اصبح المبدعين في كل الازمنة ومنهم السعداوي على ذمة الاهمال:

ليس الخسف ان تقلب اعالي بلدة

اسافلها ولكن ان يسود لصوصها

 

رحل صاحب الحرف المقاتل فلا تخونوه ايّها الشّعراء

zohor alarabi"أنتَ تركْتَ الحصانَ وَحيداً.. لماذا؟

وآثَرْتَ صَهوةَ مَوتِكَ أُفقاً،"

هكذا عاتب أو رثى فارسنا المترجّل سميح القاسم حبيب الرّوح وشقيق الحرف المقاتل أنيسه "بين شطري البرتقالة " الشاعر محمود درويش كان رحيله ضربة رجّت وتد القصيد واهّتزّ لها كيان "الحصان" الغريب الذي بقي "وحيدا" شطر برتقالة تشتاق الى نصفها ليروي ظمأ الرّوح الغريبة التي فقدت توأمها، فمن سيرثي القاسم بعد درويش !!!

رحل سميح القاسم الذي ولد في قرية الرّامة الفلسطينيّة سنة 1939 في عائلة عربيّة عريقة نسبا و ثقافة ونضالا لذلك لذلك سار على خطى اجداده بثبات فكانت حياة شاعرنا مليئة بالأحداث والعطاء والنّضالات فهو من أهم الشعراء الفلسطنيين والعرب المعاصرين الذين عايشوا القضيّة وكافحوا بالحرف الثّائر من داخل أرض 1948 ثمّ تنشئة الأجيال المتعلّمة كمدرّس   ثم من خلال انخراطه في الحزب الشّيوعي الاسرائيلي وفي الجبهة الديمقراطيّة للسّلام والمساواة سنة1967

ورغم تفرّغه التام للثّقافة لم تفارقه السّياسة فحرفه سياسة وتألّقه واصداراته المختلفة بين النّثر والشّعر المسرح والجوائز التي حصدها كلّها سياسة نضال توخّاها سميح منذ صرخته الأولى التي أراد ان يخرسها المسافرون خوفا أن يتفطّن لهم العدوّ وهم في طريق العودة الى فلسطين أثناء الحرب العالميّة الثّانية، لكن والده الضّابط انذاك في الجيش الأردني حماه   ودافع عنه بمسدّسه ولقد تأثّر سميح كثيرا عندما حكى له أهله هذه الحادثة فقال :

"حسناً لقد حاولوا إخراسي منذ الطفولة سأريهم سأتكلّم متى أشاء وفي أيّ وقت وبأعلى صَوت، لنْ يقوى أحدٌ على إسكاتي"".

وكم كان صادقا فقد عاش طيلة 75سنة صرخة مدويّة وقوّة دافعة وجذوة تشعل النّضال في   أعماقنا ولم يخن رسالة الكلمة ولا خان القضيّة طيلة مسيرته وقد كنتُ من الأجيال المحظوظة التي تربّت على حرفه واغتسلت بماء الوجع في قصائده   وكم كانت صدمتي كبيرة لرحيله   !! انّه سميح العروبة والانتماء والقضيّة والقصيدة الشّمس السّاطعة والكلمة الذكيّة الهادفة

إنّه آخر الشعراء العمالقة يترجّل، نجم يأفل ونحن في أمسّ الحاجة إليه، فماذا بقي للقصيدة ؟ وهل سيجود الشّعر بمثل القاسم !!!لكن يبقى عزاؤنا الوحيد أنّه رحل "منتصب القامة مرفوع الهامة" ولم تحنه الخطوب ولا تردّده على السّجون ولا توقيفه عن العمل ولا وأثنته الإقامة الجبريّة عن عقيدته النّضاليّة المتأصّلة فيه وقد كانت التّهمة الوحيدة "الحرف "الرّصاصة الحيّة الثّاقبة التي كانت تصيب دائما مرماها فتنطلق من يراعه لتُطلق الحناجر وتفكّ عقال الفكر وتوحّد صفّ الشّعب وفي المقابل تقضّ مضجح الكيان الصّهيوني المغتصب،

رحل سميح الحرف المقاتل لكن خالدا يظلّ صوته، معبّدة دروب النّضال في قصائده ،فلا تخونوه ايّها الشّعراء، لا تخونوه ...

 

 

هلْ ودًعَ النِسْرُ قمته العاليــة؟!

حزنتُ قبلَ رحيلكَ ، وتحسستُ خاتمة الفاجعــهْ . وكنتَ أنتَ قدْ تحسستَ موتكَ قبلنا ، حينَ تركتَ لِمنْ يكملُ خطوات مشواركَ في قصيدتكَ الخاتمهْ التي لمْ تكتمل " سيناريو جاهز " .. ومنْ يكمل مشواركَ في إكمالها؟

تحسستُ أنكَ لملمتَ جرٌحكَ بينَ طياتها وتساءلتَ، دون أن تنتظر الجوابَ، في زمن الأسر والإغتصابْ .. وتحسستُ أنكَ لا تريدُ أن تعترف ببلوغكَ القمة .

يالروعة من لا يريدُ أنْ يعترفَ وهو يتربع في القمة التي يطل من عليائها على عالم الجمال والنضال والحريه .. وحينَ تواريتَ في ليلة مقمره كنسرٍ يودع قمته العاليه .. تساءل غيرك، ماذا تراه يراها؟ فهل هي محض سأمْ، أم محض وداع لشعرالألمْ؟  أم أنها الصدفة التي تحسستها في" لآعب النرد " :

منْ أنا لأقول لكم

ما أقول لكم

عندَ باب الكنيسه..

ولستُ سوى رمية النرد

ما بينَ مفترسٍ وفريسه..

ربحتُ مزيداً من الصحو

لا لأكون سعيداً بليلتيٌ المقمره..

بل لكي أشهد المجــزره ..

وتاه السؤال .. وتاهت علاماته في صدفة حائره ..

وظل السؤال على حاله ، يفرخ أمثاله بين أمرين :

لو لمْ أكنْ  أو أكون، حين يقول:

نجوتُ مصادفة: كنت أصغر من هدف عسكري

وأكبر من نحلة تتنقل بين زهور السياجْ

وخفتُ كثيراً على إخوتي وأبي..

وخفتُ على زمنٍ من زجاجْ

وخفتُ على قطتي وعلى أرنبي..

وعلى قمر ساحر فوق مئذنة المسجد العاليه..

وخفتُ على عنبِ الداليه..

ثم يدخل درويش في تساؤلاته عالم الصدفة المشبعة بالقدرْ..

وظل حائراً دون أن يستقر:

كانَ يمكن أن لا أحبُ الفتاة التي سألتني

كم الساعة الآن ؟

لو لم أكن في طريقي الى السينما

كان يمكن أنْ تكون خلاسية مثلما..

هي ، أو خاطراً مبهما ..

وحين ينتقل من الصدفة التي تصنع الأحداث، كما يراها شاعرنا الكبير الى إحساسه

الواقعي المشبع بالحياة والأمل :

حين تبدو السماء رمادية

وأرى وردة نتأت فجأة

من شقوق الجدارْ

لا أقول : السماء رمادية

وأقول لها : يالــــــه مــــن نهـــــارْ ..!!

بيد أنه لم يستسلم لحٌسٍ واقعي مجرد وينصرف عن قدسية المعنى في إطروحة المكان والزمان:

لا أقول: الحياة بعيداً هناك حقيقية

وخيالية الأمكنــــة

بل أقول: الحياة ، هنا ، ممكنــه

ومصادفة، صارت الأرض أرضاً مقدســه

لا لأن بحيراتها ورباها وأشجارها

نسخة عن فراديس علوٌيــةٍ

بل لأن نبيــاً تمشى هناكَ

وصلى على صخرة فبكتْ

وهوى التل من خشية اللـــه

مُغميً عليــــه..

وتتملك الصدفة شاعرنا الراحل إذ يعيد تكرارها، وهو يجمع بين سراب الصحارى وبين شقوق الجدران التي تتدلى منها الزهور ويلف حولها النحل البري .. وهناك على الساحل حيث أكوام من المحــــار .. يجمع بين الأنا ولآأنـا  من أكون حتى أقول لكم ما أقول . وليس ذلك ضياعاً بين مسالك الضبابيات وتقاطع المفردات، إنما ذلك تكويناً إبداعياً يجمع بين الأضداد، بين الحياة والموت، بين الممكن والصدفة، وبين الواقعية والمثالية نحو فلسفة إلتزامية .. فهو بحق قد تمكن من ( مثلنة ) الواقعية ، وتمكن من ( وقعنة ) المثالية .. وتلك هي العبقرية في الرؤية ، كما هي الرؤية العبقرية !!

كان يمكن أن تسقط الطائرة

بــــي صباحاً

ومن حسن حظيٌ أني نؤوم الضحى

فتأخرت عن موعد الطائرة ...

كان يمكن ألا أرى الشام والقاهرة ...

ولا متحف اللوفر، والمدن الساحرة ...

كان يمكن ، لو كنت أبطأ في المشي

أن تقطع البندقية ظلي

عن الأرزة الساهرة ...

كان يمكن ، لو كنت أسرع في المشي

أن أتشظى

وأصبح خاطرة عابـــرة ...

كان يمكن ، لو كنت أسرف في الحلم

أنْ أفقــــــد الذاكـــــــرة ...

يالروعة من لا يريد أن يعترف بأنه يتربع القمم العاليه .. ويرنو لكي يرتاح في ظل أغصان عنبتــه الداليـــــه :

لولا وقوفي على جبلٍ

لفرحتُ بصومعة النسر: لا ضوء أعلى !

ولكنَ مجد كهذا المتوج بالذهبِ الأزرق اللآنهائي

صعبُ الزيارة : يبقى الوحيدُ هناكَ وحيداً

ولا يستطيعُ النزول على قدميه

فلا النسرُ يمشي

ولا البشريُ يطير

فيالكِ من قمةٍ تشبه الهاويه

أنتِ يا عزلة الجبل العاليه !!

هكذا هو الراحل محمود درويش، لا يريد أن يبقى هناكَ في قمة المجد، لأن المجدَ ليس في القمة، حيث العزلة والإغتراب والموت، إنما أيضاً في منحدرات السفوح، والسهوب، والهضاب، وشواطيء البحار، وفي القرى التي يأكلها الجوع والألم، وفي السجون وعند من يمسكون بالحجر .. الحياة كلها هناك .. وكان يعرف تفاصيلها، ويتحسس خلجاتها والدموع التي تسيل، والدماء التي تسفح .

فإذا كان (همنغواي) الذي بلغ القمة، كان يخشى النزول الى السفح، حتى لا يضيع منه المجد أو يأفل، وضع حداً لحياته .. وإذا كان (البير كامو) قد وصل القمة، وخاف من ضياعها، فوضع حداً لحياته .. فإن محمود درويش كان يعرف أن القمة عزلة مخيفة ، قمة الهاوية ، فذهب بقدميه وهو يتوقع عودته الى الوطن السليب بقدميه أو بتابوت .

وداعاً ايها الشاعر الكبير ..!!

د. جودت العاني

24 / 8 / 2014

(في ذكرى رحيل الشاعر العربي الكبير محمود درويش)

 

 

عن احوال العراق اليوم ماذا كان سيكتب غائب طعمة فرمان؟!

في السابع عشر من اب عام 1990، وبعد اقل من عام على بلوغه الستين، غادرنا اب الرواية العراقية الحديثة غائب طعمة فرمان، واوري الثرى في مقبرة ترويكوروفو بضواحي موسكو!لقد رحل فرمان المثقف الحر والاديب والروائي والناقد تاركا خلفه ارثا روائيا فنيا وسياسيا وطنيا لم يهادن يوما الطغاة، وموقفا جسورا في مواجهة الحكام المستبدين، اصطف دائما مع قضايا شعبه لنيل الحرية والتمتع بحياة كريمة ووطن مزدهر، محتفظا بمكانته العلمية، زاهدا عن الرزايا، ومبشرا بثقافة السلم!وكانت رواياته بحق موسوعة تعكس حياة العراقيين ومعيشتهم في القرن العشرين وبحبكة فنية رصينة نشم منها رائحة التنور والبيت واجواء الازقة ونجد فيها تاريخ الروح البغدادية، وتطل من خلالها النماذج والصور الحية لابناء الشعب ومن كل شرائح المجتمع، فاكتنزت ذاكرتنا سليمة الخبازة وحسين وابن الحولة والسيد معروف...!

يكتب الاديب الراحل مهدي محمد علي:"حين ظهرت رواية "الرجع البعيد" لفؤاد التكرلي شكلت الروايتان "النخلة والجيران" و"الرجع البعيد" ثنائياً أشبه بالعنوان الرئيس للفن الروائي العراقي، دون ان نبخس حق اسماء لم ترد هنا.يبدو ان غائباً اكتشف موهبته الروائية، بعد عشرات من القصص القصيرة، فتوالى نتاجه الروائي، فكانت:خمسة اصوات 1967 ـ المخاض 1974 ـ القربان 1975 ـ ظلال على النافذة 1979 ـ آلام السيد معروف 1982 ـ المرتجى والمؤجل 1986 ـ المركب 1989".

منذ منتصف الخمسينيات تذوق غائب طعمة فرمان حياة الغربة عن الوطن بحلوها ومرها فكانت الغربة بالنسبة له حبا وشوقا الى وطنه، وكانت امتحانا قاسيا للوطنية عنده، حتى استقر في موسكو!وقد انجزت ارملته الاستاذة في العلوم الفلسفية انا بتروفنا فورمانوفا كتابا بالروسية عن حياة غائب طعمة فرمان في موسكو.

رحل الكاتب والاديب غائب طعمة فرمان، والشبيبة العراقية واجيال النصف الثاني من القرن العشرين لن تنسى بسهولة اعماله واعمال معاصريه من عمالقة الادب الانساني والواقعي في المعمورة، والتي لبت وتلبي تعطشهم الآيديولوجي والأدبي، في احلك الظروف السياسية والمعيشية التي مروا بها.فرمان كان في صدارة قائمة الكتاب المفضلين لدى شبيبتنا، في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم وحقبة دكتاتورية صدام حسين، الى جانب ايتماتوف ودوستويوفسكي وبوشكين وتولستوي وشولوخوف وغوركي وتشاكوفسكي وحمزاتوف وكوبرين وهمنغواي وجاك لندن وامادو وماركيز ...، وسرعان ما اجتذبتهم نبراتهم الفريدة وأسلوبهم المتدفق وشخصياتهم الآسرة.

سحرت واقعية ادب غائب طعمة فرمان شبيبتنا التي عاشت قسوة الطبيعة والحياة الاجتماعية معا!والتحولات التاريخية في المجتمع العراقي، والرّعب الصدامي، والتي كدت في البحث عن القيم الأخلاقية الأكثر تماسكا...سحرت واقعية ادب غائب طعمة فرمان شبيبتنا التي قاومت الارادوية المنفلتة والعسف ومحاصرة الديمقراطية والحجب المعلوماتي ومحاولات غسل الذاكرة والضغوط الادارية والطرد الجماعي من العمل والمماحكات والارهاب والتدخل بالحياة الشخصية للناس وصياغة عقل وضمير المواطن والزامه بالطاعة والولاء، والتهجير القسري للملايين والعسكرة، ليجر ازاحة رواد التطور الحضاري عن مراكز القيادة واتخاذ القرار وليحل محلهم جهلاء الحزب الحاكم والطائفة الحاكمة واقرباء واصدقاء الطاغية من محترفي التجسس ذوي الولاء المطلق لرموز النظام، وتتحول المؤسسات الى مقرات للخلايا الحزبية والميليشيات ولجان التحقيق واوكار للتجسس والاعتقال وكتابة تقارير الوشاية..

لو كان غائب طعمة فرمان حيا اليوم ماذا كان سيكتب عن احوال بغداد والعراق اليوم؟!عن تهميش الثقافة العراقية والمبدعين الحقيقيين وشراء ضمائر كتاب آخرين واقصاء العلماء والأدباء والفنانين الرائعين، وانحدار مستوى الثقافة التي بناها المئات من المثقفين لأجيال الى ادنى مستوياتها، عن محاولات غسل ذاكرة الشعب الوطنية ليباع العراق الانسان والعراق الوطن في سوق النخاسة المحلي والأجنبي!عن تراجع الثقافة الانسانية بوجه عام في العراق بفعل الكارثة السياسية والاجتمااقتصادية التي اتسمت بأسوأ ما في القاموس الظلامي والاستبدادي والتكفيري والقمعي من ممارسات فعلية بسبب التمادي في الاستهتار واللاابالية والازمات السياسية المتتالية.

ماذا كان سيكتب غائب طعمة فرمان عن اطلاق النار على الحرية الشخصية للمواطن بقصد ارهابه وحرمانه من الحصول على الحاجات الروحية الثقافية مما تبقى من خطابات الجمال والابداع التي تعالج همومه وتداوي جراحاته، ويبقيه اسير الاستلاب والقمع الروحي النفسي والفكري الثقافي، فيضعه خارج دائرة عصرنا وتطوراته الانسانية؟!

الثقافة الوطنية، ثقافة غائب طعمة فرمان، في بلادنا...اصيلة في نهجها النزوع الى التغيير وفق متطلبات تطوير التجربة التاريخية، وفضح طرائق تبرير النكوص الى الماضي وتقديسه ونفيه وتفريغه من محتواه بدعوى تجاوزه والانتقال من اصولية مقنعة الى اصولية سافرة، وفضح المواقف الجامدة الآيديولوجية الرجعية باطلاق العنان للفكر وتحريره من اسر الادلجة.والثقافة الوطنية، ثقافة غائب طعمة فرمان، في بلادنا ...اصيلة بفضحها النهج الذي يقاوم رياح الانفتاح والتغيير ومحاولات التكيف والاندماج مع متطلبات العصر، والنهج الذي يترجم النصوص الدينية ويفسرها على هواه وحسب مصالحه ليستخرج منها خطابه السياسي والتعبوي الذي ينوي به السيطرة على المجتمع وتحويله بالقوة والعنف الى مجتمع يتماشى مع مخططاته ورؤيته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والآيديولوجية، اي برامج لا تختلف عن التوجهات الدكتاتورية ولكن بأوجه والوان واسماء مختلفة.الثقافة الوطنية، ثقافة غائب طعمة فرمان، في بلادنا...اصيلة بفضحها نهج الهيمنة الشمولية على تفكير الرأي العام والسيطرة على ردود افعاله عبر عملية غسل الدماغ المنظمة والمدروسة، واصيلة بفضحها الحركات والافكار السياسية التي تسعى الى اقامة الدولة الاسلامية والدولة الطائفية بهذا الشكل او ذاك، كما هي اصيلة بفضحها محاولات غسل ذاكرة الشعب الوطنية وبفضحها محاولات اعتقال العقل واغتياله وممارسة الارهاب ضده - العمل الخطيرالذي ينذر بالكارثة المحدقة لصالح تسيير الناس وتدجين وتضليل عقولهم وفي السعي للابتلاع الحكومي لوسائل الأعلام!

رحل غائب طعمة فرمان لكنه باق من خلال اعمال تركها للاجيال واستحق عليها لقب اب الرواية العراقية!سيبقى غائب طعمة فرمان وابطال رواياته احياء في قلوب شبيبتنا الديمقراطية التي تتطلع الى وطن حر وشعب سعيد!وغد تسوده ثقافة الأمل والاحتجاج والنزاهة والثقافة المطلبية!الثقافة الحرة والمنفتحة التي يعبر من خلالها المثقف عن عالمه الابداعي والتي تنمي فرص تطوير المواهب والعقول الشابة الطامحة الى التعبير عن عالمها الفكري والاخلاقي والاجتماعي!افق يلوح باحياء الثقافة العراقية التي قادها علماء وادباء عراقيون نار على علم!سيبقى لسان حال الشبيبة الديمقراطية"لا اعمار للوطن من دون اعمار الثقافة""مجدا للمثقف العراقي شهيدا وسجينا وملاحقا عصيا على التدجين!".سيظل غائب طعمة فرمان معلما في الثقافة العراقية والعربية الحديثة، وذكراه حية في قلوب العراقيين!

عظمة الروائي غائب طعمة فرمان تستحق ان تعلن رئاسة الجمهورية في بلادنا ان يكون عام 2015، ذكرى ربع قرن على رحيل هذا الكاتب الفذ، عام غائب طعمة فرمان!فلتتضافر كل الجهود الى هذا المسعى النبيل!

 

بغداد

25/8/2014

قصة تمثال بوشكين في جامعة بغداد

تم تدشين تمثال نصفي للشاعر الروسي الكبير بوشكين في حدائق كلية اللغات بجامعة بغداد بتاريخ 25 / 10 / 2011، وهو أول تمثال له في العراق واول تمثال لاديب او شخصية روسية بشكل عام في العراق وفي تاريخ العلاقات العراقية – الروسية، وتم تغطية هذا الحدث غير الاعتيادي بشكل واسع جدا في وسائل الاعلام الروسية والعراقية والعربية، وقد أشارت وسائل الاعلام الروسية بالذات الى هذا الخبر بدهشة واعجاب لدرجة ان احدى قنوات التلفاز الروسي قد كررت بث هذا الخبر على مدى يومين كاملين وقد شاهدت ذلك شخصيا، وقالت معظم وسائل الاعلام الروسية، ان الاخبار التي تأتي من العراق تحمل انباء عن الانفجارات والاقتتال والصراعات الدموية عادة، وانه وسط كل تلك التوترات الشديدة نرى خبرا ثقافيا مدهشا عن افتتاح تمثال لبوشكين في كلية اللغات بجامعة بغداد، حيث يتجمع مثقفو العراق من طلبة واساتذة وادباء وبحضور مندوبين من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية ورئاسة جامعة بغداد ليشاركوا في هذه العملية الثقافية الفريدة من نوعها في العراق وفي تاريخ العلاقات العراقية - الروسية، وبحضور ممثلي السفارة الروسية في بغداد ومندوبي اتحاد ادباء روسيا، الذين وصلوا الى بغداد خصيصا للمشاركة بهذه الفعالية الثقافية المتميزة. وعلى الرغم من كل تلك الاخبار والتعليقات المتنوعة عن هذا الحدث الغريب والجميل وغير الاعتيادي في وسائل الاعلام المختلفة، لم يتناول احد كيف تم الاعداد لهذا التمثال او كيف ولدت فكرته وكيف وجدت طريقها للتنفيذ وسط هذه الاجواء المعروفة للعراق عام 2011، وهذا ما سنحاول فيما يأتي التحدث عنه للتاريخ وبشكل وجيز ونحن نتصفح ملف اوليات هذا الحدث الثقافي الفريد في تاريخ العراق المعاصر .

تم تدشين التمثال النصفي للجواهري في جامعة فارونش الروسية الحكومية بتاريخ 2009، وذلك بمبادرة وتخطيط وتنفيذ من قبل مركز الدراسات العراقية – الروسية في تلك الجامعة وبالتنسيق الكلي والتام مع الجمعية العراقية لخريجي الجامعات السوفيتية والروسية، والذي حضره سفير العراق في موسكو آنذاك (وهو الذي قام رسميا بافتتاحه باسم العراق) والملحق الثقافي ومساعد رئيس جامعة بغداد والوفد المرافق له عن الجانب العراقي والذي وصل خصيصا من بغداد للمشاركة بذلك، ورئيس جامعة فارونش وعمداء بعض كلياتها ومندوب وزارة الثقافة الروسية واساتذة الجامعة عن الجانب الروسي، وجمهور غفير طبعا من الطلبة الروس والاجانب والعرب، وقد القيت انا باعتباري مدير مركز الدراسات العراقية - الروسية المذكور كلمة بالمناسبة، وأشرت فيها، الى ان الجواهري هو رمز العراق الثقافي، وان بوشكين هو رمز روسيا الثقافي، وبما اننا استطعنا ان نحقق اقامة هذا التمثال النصفي للجواهري في جامعة فارونش ولاول مرة في تاريخ روسيا، هدية من رئيس جمهورية العراق، فاننا نتمنى ان نرى رمز روسيا الثقافي، اي تمثال بوشكين، على ارض جامعة بغداد هدية جوابية من رئيس روسيا الاتحادية، وان ذلك التمثال – في حالة تنفيذ المقترح – سيكون موازيا لاهمية وقيمة ذلك الحدث ولاول مرة في تاريخ العراق ايضا، وقد استقبل الحاضرون هذا المقترح بارتياح وسرور وموافقة جماعية مطلقة، واعلن مساعد رئيس جامعة بغداد رأسا عن ترحيبه بذلك واستعداد جامعة بغداد لتنفيذ هذا المقترح . وهكذا بدأنا في اوساط مركز الدراسات العراقية – الروسية في جامعة فارونش باتخاذ الخطوات اللازمة من اجل تحقيق وانجاز التمثال النصفي لبوشكين في بغداد، وقد اعددنا رسالة الى الرئيس الروسي آنذاك دميتري مدفيديف نرجو فيها الموافقة على تنفيذ ذلك المقترح، وكان من الطبيعي ان تكون هذه الرسالة الى الرئيس الروسي بتوقيع رئيس جامعة فارونش، وناقش المسؤولون في الجامعة المذكورة هذه الرسالة غير الاعتيادية في سياقات العمل الجامعي الاكاديمي بتفصيل وتحليل موضوعي عميق، وعلى الرغم من موافقتهم المبدئية على مضمون تلك الرسالة واهميتها في تعزيز العلاقات بين البلدين، الا انهم اعتبروا ان ارسال هذه الرسالة الى الرئيس الروسي باسم رئيس جامعة روسية (حتى ولو كان فيها مركز دراسات عراقية – روسية) امر غير مناسب ولا يتناغم مع تقاليد ومستلزمات مخاطبة رئيس الدولة الروسية، وان مثل هذه الرسالة يجب ان تنطلق من العراق نفسه وعبر سفارة روسيا الاتحادية في بغداد، كي تأخذ ابعادها الرسمية وتكون منسجمة مع صيغة العلاقات الدولية المتعارف عليها،وكان هذا الكلام منطقيا بالطبع وقد وافقنا عليه في اوساط مركزنا في جامعة فارونش، وهكذا، وبعد مناقشات واسعة وتنسيق تفصيلي طويل ومباحثات متشعبة ومعمقة جدا بين مركزنا في جامعة فارونش والهيئة الادارية لجمعيتنا في بغداد، تم تحويل تلك الرسالة التي اعددناها باللغة الروسية الى الرئيس الروسي مع تحوير مناسب طبعا الى الجمعية العراقية لخريجي الجامعات السوفيتية والروسية في بغداد وبتوقيع رئيس الجمعية لكي يقوم بتسليمها الى السفير الروسي في بغداد . وهذا ما تم فعلا . ومضت ايام وشهورطويلة على ذلك ولكننا لم نستلم اي جواب بشأن تلك الرسالة، رغم استفساراتنا العديدة هنا وهناك، وفجأة اخبرني أحد مسؤولي جامعة فارونش يوما، ان لجنة من مكتب الرئيس الروسي وصلت الى جامعة فارونش واطلعت على التمثال النصفي للجواهري وعلى الملف الخاص به والمحفوظ طبعا في ارشيف جامعة فارونش، بما فيها الرسالة التي وجهها مكتب رئيس جمهورية العراق الى جامعة فارونش حول اهداء تمثال الجواهري لهم، وكان من الواضح ان مهمة هذه اللجنة هو تدقيق المعلومات التي ذكرناها في رسالتنا الى الرئيس الروسي، وبالتالي تنفيذ الطلب الذي توجهنا به الى الرئيس، اذ اننا أشرنا في تلك الرسالة الى التمثال النصفي للجواهري وانه هدية من رئيس جمهورية العراق وعليه نتوجه الى الرئيس الروسي بجواب مماثل، وقد اعلمت رأسا جمعيتنا في بغداد بهذه الاخبار الجيدة، ثم أعلن الجانب الروسي بعد فترة قصيرة عن موافقته الرسمية على اقامة التمثال النصفي لبوشكين في بغداد، وتقدم ممثلو اتحاد ادباء روسيا بطلب سمة الدخول الى السفارة العراقية في موسكو لغرض الاعداد لتلك الاحتفالية والمشاركة بافتتاح التمثال، والذي شحنوه معهم في الطائرة حاجزين له مقعدا خاصا بين الركاب حرصا على سلامته والحفاظ التام عليه (وقد نشرت جريدة ليتيراتورنايا غازيتا الروسية خبر تدشين تمثال بوشكين في بغداد مع صورة التمثال النصفي هذا وهو مثبٌت على المقعد المخصص له بين الركاب في الطائرة المتوجه الى بغداد وقد ربطوا حزام الامان حوله حفاظا عليه من اي ضرر محتمل) . لقد حاولت بعض العناصر آنذاك – ومع الاسف الشديد جدا - ان تطرح الموضوع وتصوٌره وكأنها هي التي بادرت بهذه الخطوة وخططت لها وفاتحت الجهات الروسية بشأنها وتابعت ذلك بالتفصيل وكتبت الرسائل والمذكرات واقترحت خطوات محددة وعملت على تنفيذ نصب تمثال بوشكين في العراق، شاطبة ولاغية تماما وكليا وبشكل مطلق دور مركز الدراسات العراقية – الروسية في جامعة فارونش والجمعية العراقية لخريجي الجامعات السوفيتية والروسية وكل الوقائع الاخرى المرتبطة بالموضوع ابتداءا من اقامة تمثال الجواهري في روسيا وحتى رسالتنا الى الرئيس الروسي حول ذلك وما رافقها من اجراءات، وطرحوا كل هذا حتى على اعضاء مجلس جامعة بغداد في جلسة خاصة اقامها المجلس المذكور خصيصا للاحتفاء بالوفد الروسي بهذه المناسبة المرتبطة بتدشين التمثال النصفي لبوشكين في كلية اللغات، وأثار هذا الموقف الساذج جدا جدا لهؤلاء الباحثين عن المجد الشخصي الزائف والمصطنع بالطبع ردود فعل مستهجنة وشاجبة وغاضبة لدرجة ان رئيس الجمعية العراقية لخريجي الجامعات السوفيتية والروسية في بغداد قد اضطر ان يهدد برفع شكوى رسمية في المحاكم العراقية حول ذلك ضد تلك العناصر، ولكن الوفد الروسي – والحمد لله - حسم الموضوع هذا عندما اعلن في اللقاء مع وزير التعليم العالي العراقي انهم وصلوا الى بغداد بناء على الرسالة الرسمية الموجهة من قبل رئيس الجمعية العراقية لخريجي الجامعات السوفيتية والروسية الى الرئيس الروسي مدفيديف والتي أشرنا اليها اعلاه والتي تسلمتها روسيا عن طريق سفارتها في بغداد حول اقامة هذا التمثال، وقد عرض الوفد تلك الرسالة التي كانت نسخة منها بحوزته وموافقة الرئيس الروسي عليها، وهكذا انتهت تلك العاصفة المفتعلة والمضحكة فعلا لتلك العناصر في اللحظة الاخيرة (والتي لم تأخذ بنظر الاعتبار ابدا سمعة العراق الدولية مع الاسف الشديد) بفضل الموقف الشجاع والحاسم والدقيق لرئيس جمعيتنا امام هؤلاء اولا وموقف الوفد الروسي الموضوعي والمستند الى الوقائع الثابتة والمحددة تحريريا ثانيا وموقف المترجم العراقي في ترجمته الامينة اثناء اللقاء المذكورمع وزير التعليم العالي ثالثا . وهكذا تم تدشين التمثال النصفي لبوشكين في كلية اللغات بجامعة بغداد وبحضور رسمي وطلابي كبير، وقد القى رئيس جمعيتنا آنذاك في حفل الافتتاح كلمة اشار فيها الى كل هذه الجهود الكبيرة والحثيثة التي بذلها مركزنا في جامعة فارونش الروسية والجمعية العراقية لخريجي الجامعات السوفيتية والروسية من اجل اقامة هذا التمثال في العراق ابتداءا وانطلاقا من تمثال الجواهري في روسيا وارتباطا به، وكذلك اشار الاخرون في كلماتهم اثناء حفل الافتتاح هذا الى تلك الوقائع.

 

في رثاء منتصب القامة .. نبي الغضب الثوري سميح القاسم

shaker faredhasanمات سميح القاسم حادي الوطن والثورة، وقيثارة فلسطين وحجرها ومتراسها، وسفير الشعر الوطني الجميل المغنى دون أن "يستأذن أحداً". غاب أبو وطن فارس النضال والكلمة المقاتلة المتوهجة الغاضبة، وشاعر الشعب والكفاح والمقاومة والعروبة والغضب والنبوءة الثورية .

رحل شاعر الحب والألم والأمل والوجع الإنساني المبشر بالغد، الذي لم يخف الموت ويهابه، بل كان يكرهه، وقاومه بكل شدة وصلابة وكبرياء، وخاطبه قائلاً : " أنا لا أحبك يا موت، لكني لا أخافك " ولكن في النهاية انتصر عليه .

رحل الشاعر القديس، والصوت الوطني الشامخ الصداح المدوي، الذي تخطى الحدود، وطالما شدا للوطن والتراب، وهتف للوطن والإنسان، وغنى للعامل والفلاح .

مات سميح القاسم صاحب السربية وكولاج و"نشيد الصحراء" و"غزاة لا يقرأون " و"دمي على كتفي" و"تقدموا " وغيرها من القصائد المنبرية والجماهيرية الحماسية، التي كان يلقيها بصوته الجميل العذب المجلجل، فسكنت وجدان الناس واحتلت قلوبهم، وكانت بمثابة بيان شعري سياسي .

غادر سميح " منتصب القامة يمشي .. مرفوع الهامة يمشي .. في كفه قصفة زيتون، وعلى كتفه نعشه، وهو يمشي وهو يمشي ".

ترجل عن صهوة القصيدة قبل أن يكمل نصه الأخير عن انتصار المقاومة في غزة الصمود والعزة، ودون أن تتكحل عيناه بتحرير الوطن من المحتلين .

مات شاعر الانتفاضة الذي كرس حياته في الدفاع عن الحق والعدل والحرية، وضد الجور والبطش والقهر والاحتلال والظلم التاريخي الذي لحق بشعبه .

رحل نبي الغضب، وخبز الفقراء، وأنيس المقهورين والمعذبين، ولسان الفلسطينيين وأبجديتهم، والعاشق الأبدي لتراب الجليل وزيتون الرامة، الذي سما بشعره فوق الجراح والعذاب .

سميح القاسم هو احد أعمدة الشعر السياسي الاحتجاجي المقاوم، ومن ابرز واهم الأصوات الشعرية الفلسطينية والعربية المعاصرة، ويعد من الجيل المؤسس للكلمة المقاتلة في فلسطين التاريخية، وشكل قوس قزح لثقافة الصمود والمواجهة ولشعر المقاومة والالتزام السياسي مع توأم روحه محمود درويش ورفاق دربه ومجايليه توفيق زياد وراشد حسين وسالم جبران وحنا أبو حنا وسواهم . عرفناه والتقيناه في ميادين النضال وساحات الكفاح والمواجهة مع السلطة، واستمعنا لقصائده في مهرجانات يوم الأرض وأول أيار وعيد المرأة العالمي وفي الندوات الشعرية ومهرجانات الأدب والفكر، وكان كابوساً لسياسات الاحتلال بكلماته القوية وصوته وظلاله .

ومنذ نشأته الأولى التزم سميح القاسم خط النضال ومقارعة الظلم ومقاومة التجنيد الإجباري المفروض قسراً على أبناء الطائفة المعروفية، وارتبط نشاطه السياسي والاجتماعي والثقافي والأدبي بالحزب الشيوعي وتعاليمه ومفاهيمه ومنابره وأدبياته . سجن واعتقل أكثر من مرة ووضع تحت الإقامة الجبرية، وتعرض للملاحقات والمضايقات السلطوية، وفصل من التدريس بسبب قصائده ومواقفه السياسية والوطنية والقومية، ورغم ذلك واصل درب الكفاح والنضال، ولم تهزه التهديدات، ولم تزعزعه المضايقات، ولم يدع أي فرصة اجتماعية أو سياسية أو وطنية دون أن يشترك فيها مادام الغاية من ورائها مصلحة الوطن والقضية ومستقبل الشعب .

كان سميح القاسم يكره الطائفية والتعصب الديني والعرقي والمذهبي، ويمقت التكفير والقمع الفكري، وكان يدعو دائماً للتسامح والوحدة والتآخي بين الأديان والطوائف وصيانة النسيج الاجتماعي والوطني لشعبنا .

حظيت أشعار سميح القاسم وقصائده وكتاباته السياسية والفكرية بشهرة واسعة، واعتبر من كبار الشعراء والمبدعين الفلسطينيين والعرب الذين ارتبط أدبهم بالثورة والمقاومة والحياة . ومن موقعه القيادي في دنيا الشعر والفكر والنضال وقف أبو محمد وأبو وطن سميح القاسم، رمزاً وطنياً وعلماً ساطعاً فياض العطاء، حاملاً المشعل والرسالة قولاً وعملاً، مغمساً قلمه في قلبه، ودمه على أكفه، مضمخاً بالحب والحنان والمحبة، كابن لهذا الوطن الذبيح الجريح والشعب الأصيل، الذي كان يستمد منه قوته وأصالته وشموخه وإبداعه .

وعلى مدى عمره الحافل بالعطاء والإبداع الشعري والتوهج، ظلت فلسطين حلمه وهاجسه الكبير وهمه الأول والأخير . وجسد في كتاباته هموم وطنه، وعبر عن آمال شعبه الفلسطيني بالحرية والانعتاق والاستقلال والخلاص من ربقة الاحتلال . وتشهد على ذلك قصائده الوطنية الثورية الملتزمة، التي تحاكي الواقع، وتناجي الوطن، وتتغنى بالزيتون والتراب المقدس وكل سنبلة في ربوع وطننا الحبيب والغالي، وتصور بطولات الشهداء وصمود المقاتلين والمعتقلين .

وقد تحولت قصائده إلى أغان وطنية وأناشيد وهتافات ثورية ترددها حناجر الجماهير في معارك التحرر والاستقلال الوطني، وأصبحت جزءاً من التراث الحي لأناشيد الثورة وأغاني المقاومة الفلسطينية .

وفي كل كتابات سميح القاسم المتنوعة، نلمس البعد الوطني والإنساني والتاريخي والنقدي والمستقبلي، ونحس بالدفء وحرارة القلب ونبضاته، ونلمس الأمل والتفاؤل والاستشراف المتطلع إلى غد أجمل ومستقبل أفضل متجدد . وغني عن القول، أن سميحاً كان دائماً الشاعر المتفائل، رغم الألم والمعاناة اليومية ومصاعب الحياة وقهر الاختلال .

إن إنساناً بحجم وعظمة المتماوت سميح القاسم، الذي كرس عمره وأدى دوره كمثقف عضوي وثوري رسولي من خلال الجبهة الثقافية، ووظف شعره وجنده للتعبير عن الروح النضالية والإنسانية المنافحة التي تدعو للمحبة والسلام بين الشعوب، إنساناً كهذا لا يمكن أن يغيب لحظة واحدة عنا، وسيبقى خالداً في وجدان وعقل أبناء شعبه ومثقفيه، ولن يموت أبداً.

سميح القاسم مبدع كبير، وقامة شعرية سامقة، ومصباح توهج بنور العمل والأمل، تجسدت فيه قيم الصدق والتواضع والخير والعدل والإنسانية وشموخ جبالنا الفلسطينية وروابيها وصلابة صخورها، وسيظل يملأ سماءنا وفضاءنا بروائعه الشعرية الأصيلة .

طوبى لسميح القاسم في الحياة والممات، ووداعاً يا شاعر القضية، ويا لوركا فلسطين، ورسول المحبة والجمال والذوق الرفيع، والصوت الهادر الصارخ المعبر عن آلام وهموم شعبنا الظامئ للحرية والشمس والفرح .

 

رحيل أبرز الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين سميح القاسم

afyf shalyotرحل عنّا مساء الثلاثاء الماضي، الثلاثاء 19/8/2014، الشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم، بعد صراع طويل مع المرض، مخلفاً وراءه عشرات المؤلفات من شعرٍ ونثرٍ ونصوص مسرحية، والحاصل على جوائز عالمية منها: "جائزة الشعر" الفلسطينية، جائزة "وسام القدس للثقافة"، جائزة "البابطين"، جائزة "نجيب محفوظ" من جمهورية مصر العربية، جائزة "غار الشعر" من اسبانيا، جائزة "السلام" وجوائز أخرى عالمية.

يعتبر الشاعر الراحل سميح القاسم، من أشهر وأبرز الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين، ومع رحيله يفقد الأدب الفلسطيني مرّة أخرى أحد أعلامه بعد رحيل الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش. تُرجِمَ عددٌ كبير من قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والتركية والروسية والألمانية واليابانية والإسبانية واليونانية والإيطالية والتشيكية والفيتنامية والفارسية والعبرية واللغات الأخرى. شغل الشاعر الراحل في الفترة الأخيرة من حياته منصب رئيس تحرير فخري لجريدة "كل العرب"، وشغل لسنوات عديدة منصب نائب رئيس تحرير صحيفة "الاتحاد"، أسهم في تحرير مجلتي "الجديد" و"الغد"، أسس منشورات "عربسك" في حيفا، ترَأسَ اتحاد الكتاب العرب والاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين في فلسطين منذ تأسيسهما، ترأس تحرير الفصلية الثقافية "إضاءات"، انتسب للحزب الشيوعي الاسرائيلي ونشط في صفوفه الى أن انتخب عضواً في اللجنة المركزية. أُعتقل عدّة مرات بسبب مواقفه الوطنية والقومية، وكان من أبرز المناهضين للتجنيد الإجباري المفروض قسراً على أبناء الطائفة العربية الدرزية .

بادر الى تأسيس المؤسسة الشعبية للفنون في حيفا وأدار شؤونها، وبذل مجهوداً كبيراً في حينه لتجميع الممثلين المسرحيين العرب في مسرح عربي وطني مستقل إلا أن جهوده لم تُكلّل بالنجاح، ولكنه نجح بإطار هذه المؤسسة أن ينتج مسرحية غنائية بعنوان "يوم الطاحونة يوم"، والتي شارك فيها نخبة من الفنانين البارزين في مجال الغناء والموسيقى والمسرح، وكان لي شرف الاشتراك في هذا العمل الفني الضخم.

ومن القصص المؤثرة التي تروى عن طفولة سميح القاسم، أن والده كانَ ضابطاً برتبةِ رئيس (كابتن) في قوّة حدود شرق الأردن، وكانَ من المتّبع أن يقيم الضبّاط هناك مع عائلاتهم. وعندما كانت العائلة في طريق عودتها إلى فلسطين في القطار، في أثناء الحرب العالمية الثانية، بكى الطفل سميح فذُعرَ الركَّاب وخافوا أنْ تهتدي إليهم الطائرات الألمانية! وبلغَ بهم الذعر درجة التهديد بقتل الطفل إلى أن اضطر الوالد إلى إشهار سلاحه في وجوههم لردعهم. وعندما روى والده هذه الحكاية لسميح تركَتْ أثراً عميقاً في نفسه.

من مؤلفاته الشعرية: سقوط الأقنعة، ويكون أن يأتي طائر الرعد، دمي على كفِّي، قرآن الموت والياسمين، إلهي إلهي لماذا قتلتني، الموت الكبير، إسكندرون في رحلة الخارج ورحلة الداخل، مواكب الشمس، مراثي سميح القاسم، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، ثالث أكسيد الكربون، أحبك كما يشتهي الموت، جهات الروح، قرابين، منتصب القامة أمشي. ومن مؤلفاته النثرية: عن الموقف والفن، من فمك أدينك، الصورة الأخيرة في الألبوم (حكاية حاولت أن أُعدها كسيناريو لفيلم سينمائي لكن هذا المشروع لم يخرج للنور)، إلى الجحيم أيها الليلك. ومن مؤلفاته المسرحية "قرقاش"، ومسرحية "كيف رد الرابي مندل على تلاميذه"، والتي لا أزال أذكر عرضها الشيّق والممتع والذي تميز بأسلوب ساخر شعبي على خشبة المسرح في شفاعمرو ، والتي نُشر نصها الكامل في أحد أعداد مجلة "الجديد"، ولا أذكر أنها نُشرت في كتاب.  

واسمحوا لي من خلال هذا المقال أن أشيد بإنسانية سميح القاسم وعفويته من خلال مواقف شخصية حصلت معي، فلا زلت أذكر دعمه وتشجيعه لي عندما كنتُ لا أزال طالباً في الصف التاسع ثانوي، عندما زرته في مكتبه في حيفا حيثُ كان يعملُ مُحرراً أدبياً في جريدة "الاتحاد"، كيف استقبلني بمكتبه ببشاشة وكنتُ متردداً خجولاً ومرتبكاً، وكيف أعرب عن إعجابه بقصتي القصيرة "الصمت القاتل" فنشرها في الصفحة الأدبية بتاريخ 25 تموز 1980 واهتم أن تنشر معها لوحة معبّرة من وحي أحداث القصة، وكان نشرها في صحيفة "الاتحاد" وبهذا الشكل في حينه أكبر تشجيع ودعم لطالب في بداية طريقه من قبل شاعر معروف بارز كسميح القاسم، وكانت هذه القصة القصيرة الأولى التي أنشرها بصحيفة "الاتحاد".

ولا أزال أذكر زياراتي له المستمرة في مكتب المؤسسة الشعبية للفنون في حيفا، حيث تحوّل هذا المكتب الى ملتقى الفنانين وعُشّاق الفن في حينه، وكيف كان يبذل مجهوداً كبيراً لدعم النشاطات الفنية ضمن إمكانات المؤسسة المتواضعة جداً .

لا يمكنني بمقال قصير كهذا أن أفي الشاعر والانسان المخلص لشعبه ووطنه وثقافته حقه، ولا بد من كتابة بحث أدبي مطوّل لتناول جانب واحد فقط من أدبه، فكم بالحري أن أكتب عنه بشمولية من خلال مقال؟!

بعد رحيلك ستبقى قصائدك المُغنّاة تتردد في كل مكان وعلى كل لسان، سنردد كلماتك بفخر واعتزاز، اعتزاز أبناء شعبٍ أنجب شاعراً مثلك، سنردد معاً :

منتصب القامة أمشي

مرفوع الهامة أمشي

في كفي قصفة زيتون

وعلى كتفي نعشي

وأنا أمشي وأنا أمشي.

 

وسنردد أيضاً في ظل هذه الظروف بالذات، في ظل ما يتعرّض له أطفال غزّة ونسائها وشيوخها ما كتبه شاعرنا الراحل سميح القاسم:

تقدموا

تقدموا

كل سماء فوقكم جهنم

وكل أرض تحتكم جهنم

تقدموا

 

وفاة سميح القاسم

saleh alrazukغاب سميح القاسم بالموت، ولكن كما نعلم الموت حجاب، وهذا يعني أنه موجود بشعره وبتراثه، بالذكريات التي زرعها في مخيلتنا.

ينتمي الشاعر سميح القاسم لبواكير حداثة شعر المقاومة. وهو مع محمود درويش وتوفيق زياد انتقل بالحساسية الشعرية من مرحلة لمرحلة تالية.

لا شك أن الحداثة في الشعر العربي تتألف من دوائر، دائرة فرسان العراق الثلاثة وهم البياتي والسياب ونازك الملائكة الذين كان همهم تبديل إيقاع المعاني وبالتالي رؤيتنا لمعنى الشعرية. على أيديهم لم يعد هناك مسافة تفصل الواقع عن الفن. ولا الذات عن الموضوع. وقد أسس ذلك لضمير شعري لا يؤمن بالمصالحة المزعومة بين البلاغة والأخلاق.

وعليه كانت مغامرتهم مع الحداثة ذات منشأ أوديبي يتبنى أسلوب الإزاحة الذي تحدث عنه دريدا.

ثم هناك دائرة مجلة حوار وبعدها شعر التي تزعمها في لبنان يوسف الخال وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا. لقد تعاملوا جميعا مع الفن حسب مبدأ الثالث المرفوع. ما يمكن ينفيه ما لا يمكن، بمعنى أن التبرير والحلول الوسط مرفوضة. وعليك أن تفهم فن الشعر كجوهر وتصورات منبعها ذاتي. مثل الموسيقا والفن التشكيلي. ولكن بعد تعديل بسيط.. أن تنظر للصورة بحمولتها الرمزية وللصوت بمعناه الوجداني.

وهكذا أصبح الشعر على أيديهم مجرد قصيدة ليس لها شكل ولا موضوع ولكن رؤية إنسانية. وأصبحت القصيدة لا تنظر بعينيها للواقع ولكن تتأمل معناها وهي تنضج وتتطور في داخل التجربة الفردية لإنسان شمولي.

وربما من هذه الحقيقة. حقيقة التحول في شكل الحدود، ولنأخذ العبارة بمعناها الفني والموضوعي، بدأ شعر المقاومة.

لقد كانت القصيدة في فلسطين المحتلة بعد خسارتنا في عام ١٩٤٨ عبارة عن تلبية للفروض. ولذلك غلبت عليها العاطفة التي تستجيب للواجب. ولنأخذ أشعار إبراهيم طوقان كمثال. لا يمكنني أن أميز بين قصائد هذا الشاعر المناضل عن قصائد الشاعر الشهيد عمر حمد.

والفرق الوحيد أن الأول تحدث عن النكبة بينما تخصص الثاني بالتعبير عن مظالم الباب العالي والتفرقة العنصرية بين المكون العربي والمكون التركي الطوراني.

و بالمقارنة تستطيع أن تسجل عند الشاعرين نفس المفردات ونفس الإيقاع الذي يستنهض الهمم ويدعو بنبرة مازوشية وانتحارية لتحرير النفس من قيود الهيمنة وغسيل الدماغ.

ولذلك كانت المفردات متماثلة كالدخان والبندقية والشهادة والتضحية ثم البذل والفداء وما إلى ذلك.

أما شعرالمقاومة الذي تغنى بألم مبرح بعد نكسة عام ١٩٦٧ وبعد حصار بيروت عام ١٩٨٢ فقد كانت له تقاليد ذات - موضوعية.

بعبارة أخرى كان الألم فيه شخصانيا وله رموز خاصة تنقل لنا طريقة إحساس كل شاعر بالمعنى الوجودي لتجربة السقوط والخسارة.

لقد تخصص محمود درويش بتمجيد ذات الفرد دون التضحية برصيده الشعبي. ولذلك كان مثقفا عضويا يدعو القارئ للتفكير بالمعنى.

كان محمود درويش حاملا للإيقاع وليس للمعاني. ولم يهتم بالظاهرة الصوتية قدر اهتمامه بالصور والتراكيب.

بعكس المرحوم توفيق زياد الذي وافته المنية في أعقاب معاهدة أوسلو مباشرة. فقد تخصص هذا الشاعر بالاضطرابات الصوتية والألسنية. وتحول الشعر معه لنوع من الأفازيا، لقد كانت توجد في إيقاعاته فراغات وهي متكررة بحيث أن غياب الصوت وإيقاعه أصبح له معنى، مثل الصفر في الرياضيات. إنه مع بقية الأعداد تكون له قيمة ومعنى ولكن بمفرده لا يدل على شيء.

وهكذا هو مبدأ الإيقاع والصوت الغائب في قصائد توفيق زياد. عدم وجوده في القصائد يضيف لمضمون القصيدة فكرة.

أما سميح القاسم، ثالث الثلاثة، والذي بوفاته أسدل الشعر العربي الستار على مرحلة هي مرحلة الفحول ، فقد اهتم بالبنية.

على يديه أصبحت القصيدة تتألف من طبقات. ولكل طبقة معنى ومبنى. شكل ومضمون. حتى تحولت القصيدة الواحدة لتجربة شعرية هي اختصار للعالم الشعري وأصوله وتوقعاته. وقد ختم هذه التجربة المتميزة بما يسميه قصائد الكولاج.

وكلنا يعلم أن الفن البصري والفنون السمعية لم تعد تلتزم بقانون النوع. بل أصبحت أقرب لتعبيرات مترادفة لها هم واحد وهو بناء المضمون الصوري لعالم الإنسان ومعاناته من الداخل.

وخذ على سبيل المثال التجربة المتميزة للفنانة الهولندية غيتا باردويل أو الفنانة الصربية ناتاشا سكوريك. كلتاهما تستعمل مختلف أنواع الميديا لتوصيل الفكرة النفسية كما هي وليس حسب المقاييس المفروضة.

في كولاج وقبلها " جهات الروح" وضع سميح القاسم عدة أصناف من فنون الكتابة ضمن إطار من المترادفات وقد أعاد ذلك للأذهان مفهوم المرايا المتجاورة. حيث الأضداد تنعكس على صفحات عاكسة متقابلة. وهذا يساهم في صياغة عالم مختلف جزئيا ولكنه متآزر ومتكامل، مثل فكرة القصيدة الكلية والنقد التكاملي.

ألم يفعل ذلك يوسف الصائغ في روايته " المسافة". لقد وضع السيناريو والحوار والحكاية جنبا إلى جنب في قالب واحد.

و مثله فعل جبرا وعبد الرحمن منيف في " عالم بلا خرائط". لقد تخللت الرواية صفحات من الحوار الدرامي للتعبير عن حالة العزلة والاغتراب في الذات وللتعبير أيضا عن الهذيان الهذائي الذي حول الجوهر المفرد للإنسان إلى جزئيات متعارضة وفصامية.

و قل نفس الشيء عن تجربة برهان الخطيب فيما يسمى " قصص رواية". حيث أن البطل يكون هو ذات الكاتب الغائب عن مسرح الأحداث أو الفكرة التي يعبر عنها.

لقد جاء رحيل سميح القاسم المعروف بلقب " أبو وطن" في لحظات فجيعتنا بأنفسنا. وفي الوقت الذي اكتشفنا به أننا نعاني من الماضي.

فقصائده المفتوحة على كل أشكال وأطوار الشعر كانت أيضا مسكونة بهاجس ما أنجزناه، وليس ما ننوي إنجازه، وكانت تسيطر عليها صيغة الماضي التام أحيانا (في قصائد التفعيلة والشعر العمودي)، وصيغة الماضي المستمر (ومنها الغنائيات وأشكال الإنشاد والكولاج)...

و هذا وضع قصائده ومشروعه الشعري نصب أعين وعيه الخاص بالفن.. هل هو دعوي ويمكن توظيفه، أم أنه فن وطريقة إحساسنا بمهاراته تساعدنا على اكتشاف حقيقتنا وانتماءاتنا؟!!...

 

 

آب ٢٠١٤

عادل شعلان .. موهوبون يموتون فقراء

qassim salihyكنت في السبعينات اعمل صحفيا في مجلة (الاذاعة والتلفزيون) التي كانت في وقتها المجلة الاولى في العراق.

وحين ظهر عادل شعلان في التلفزيون، ادهش العراقيين بقدرته العجيبة في الرياضيات اذ كان يقسّم سطرا من الارقام على مجموعة ارقام، ويستخرج الجذر التربيعي لسطر من الارقام .. بلمح البصر!

كان ذلك في برنامج (العلم للجميع) الذي يعده المرحوم كامل الدباغ .. فذهبت صباح اليوم الثاني اليه لألتقيه بغرفته في مبنى التلفزيون وطلبت منه ان التقي عادل، وطفلا موهوبا ظهر معه في التلفزيون اسمه ظافر، في دار او بيت كان مخصصا للموهوبين باشراف الاستاذ كامل الدباغ.

بدأت التحقيق الصحفي مع عادل بموجز عن قصة حياته، ثم اختبرته بضرب ثلاثة ارقام في ثلاثة ارقام، وتقسيم مجموعة ارقام على مجموعة، واستخراج الجذرين التربيعي والتكعيبي لمجموعات ارقام .. وكان يعطي النتائج بأقل من خمس ثوان .. ودون ورقة وقلم!.

ودارت الأيام .. ونشبت حرب الخليج .. وقصفت بغداد بالصواريخ .. وتحطم زجاج الشقة التي اسكن فيها قريبا من مبنى الاذاعة .. وكدنا (نروح بيها). وحين بزغ الفجر .. توجهت بسيارتي التويوتا، واطفالي قاصدا مسقط رأسي .. قرية تستريح على ضفة نهر الغراف قريبة من مدينة الشطرة.

وحين وصلنا مدينة الكوت .. حصل (بنجر) في اطار السيارة .. أصلحته وفضلت ان اشتري اطارا جديدا، فدخلت احد محلات بيع الاطارات .. وجرى حديث بيني وصاحب المحل .. ودهشت ان الذي اتحدث معه هو عادل شعلان!! .. فلعنت لحظتها السلطة التي يتحول فيها موهوب يمكن ان يتباهى به العراق الى بائع اطارات!

استعدنا الذكرى وحكى لي عن خدمته في الجيش واشتراكه في الحرب العراقية الايرانية، وكيف وقع اسيرا. ولدماثة خلقه، لم يقبل ان يأخذ مني ثمن الاطار .. واصر ان يوصل الاطار الى سيارتي .. فانتهزت الفرصة لاضع المبلغ في (مجر) مكتبه.

ما دعاني لكتابة المؤلم هذا، مقالة وصلتني على بريدي الالكتروني بقلم (سعدي شرشاب ذياب - 30-07-2014) ذكر فيها ان عادل شعلان قد مات.. فقيرا معدما!

ايها الوطن .. لماذا يغادرك المبدعون؟ ويموت فيك الموهوبون فقراء معدمون فيما يتنعم بثرواتك اغبياء وفاسدون؟ .. اجبنا .. لماذا؟!

 

 

عن بعض العراقيين الذين مروا بموسكو (12)

هذه هي الحلقة (12) في سلسلة مقالاتنا عن العراقيين الذين مروا بموسكو، والتي اكتبها بمناسبة الذكرى السبعين على اقامة العلاقات العراقية – الروسية (ايلول / سبتمبر 1944 – ايلول / سبتمبر 2014)، والحلقة هذه مكرسة لاحد خريجي الجامعات السوفيتية وهو القاص والروائي والصحفي والمترجم الاستاذ المرحوم غازي العبادي (1935 – 1998) .

 

غازي عباس محسن العبادي وصل الى موسكو عام 1960 لدراسة اللغة الروسية وآدابها، بعد ان كان يدرس معنا في معهد اللغات العالي بجامعة بغداد عام 1959 (كان طالبا في قسم اللغة الفرنسية، ولكنه قرر ان ينتقل الى الاتحاد السوفيتي لدراسة الادب الروسي)، وقد كنا آنذاك في موسكو قبله بعدة أشهر ليس الا، وقد استقبلناه طبعا بالاحضان، و سبق لي ان تكلمت عن كل ذلك وبالتفصيل في كلمتي التي القيتها في اتحاد الادباء ببغداد اثناء جلسة التأبين لغازي العبادي في حينها عام 1998، والتي قررت ان اتوجه في مستهلها الى ارملته التي كانت حاضرة آنذاك السيدة راجحة يونس العاني (توفيت في بغداد بتاريخ 25 / 5 / 2014) وابناء غازي وهم ضفاف وسهيل وزيد، رغم ان معظم من تكلموا آنذاك توجهوا في مستهل كلماتهم الى رئيس تحرير جريدة القادسية و رئيس اتحاد الادباء آنذاك والذي كان حاضرا في تلك الجلسة. لقد نشرت كلمتي عن المرحوم غازي العبادي في جلسة اتحاد الادباء آنذاك في مجلة الاقلام العراقية، وفوجئت – يوما - بمجئ احد القادمين من الاردن الى مكتبي في كلية اللغات واعطاني 20 دينارا اردنيا قائلا ان هذا المبلغ ارسله الاستاذ الدكتور حسين جمعة (زميلنا الاردني الذي كان يدرس معنا في كلية الاداب بجامعة موسكو) لانه نشر مقالي عن غازي العبادي مرة اخرى في جريدة اردنية، وان هذا المبلغ هو مكافأة الجريدة لي، وطلب الدكتور حسين ان يكون هذا المبلغ مناصفة لي ولابنته ضفاف غازي العبادي التي كانت تعمل معنا في الكلية . لقد كان هذا المبلغ كبيرا في زمن الحصار آنذاك في العراق، وقد اعطيت نصفه طبعا في حينه لابنته ضفاف باسم الدكتور حسين جمعة، والذي كان يعرف غازي العبادي حق المعرفة.

بقي غازي في موسكو حتى عام 1965، وانهى دراسته بنجاح وحصل على شهادة الماجستير في اللغة الروسية وآدابها،وكان محبوبا من قبل جميع العراقيين والعرب والاجانب والروس طلبة واساتذة وادارة، ولم يكن يتدخل بالقضايا السياسية الملتهبة عادة بين اوساط الشباب والطلبة آنذاك، ولم يكن محسوبا سياسيا على الفئة الفلانية او الفئة الفستانية، وعاد الى العراق رأسا ومباشرة بعد انهاء دراسته دون ان يحاول الاستمرار بالدراسات العليا كما حاول معظم الخريجيين العراقيين آنذاك (وكان يمكن له ان يبقى طبعا لو أراد ذلك)، واستطاع بنشاطاته الادبية والترجمية ان يحصل على عمل في جريدة الثورة – لسان حال حزب البعث العراقي وان يبقى مع ذلك خارج نطاق الحياة الحزبية العراقية في حينها، وعندما حاول البعثيون ان يجبروا الاخرين على الانتماء الى حزبهم، لم يقتربوا من غازي ولم يقترب غازي منهم، وربما كان هو العراقي الوحيد الذي واصل عمله في تلك الجريدة الحزبية باعتباره مستقلا حزبيا ليس الا، اذ انه فرض احترام استقلاليته وشخصيته على الاخرين برقته وعفٌة لسانه وصدقه واخلاقه وشهامته وتواضعه وبساطته وشفافيته واخلاصه بالعمل وعلميته وصدق ووضوح علاقاته مع كل المحيطين به دون تملق او رياء وبكل الصفات الاخرى التي كان يتميز بها عندما كان طالبا في موسكو، و ذكرت ذلك في كلمتي عنه في اتحاد الادباء تلك وامام الجميع الذين اشرتم اليهم اعلاه . وقد اطلعت في عام 2012 على مقالة الاستاذ عبد الجبار العتابي في موقع (ايلاف) الشهير وتحت عنوان مؤلم وهو – (غازي العبادي .. ليس لديه من يستذكره)، والذي يتحدث عن المرحوم غازي وكيف ان ذكرى رحيله مرٌت دون استذكار، وقد توقفت عند كلمة الاديبة عالية طالب التي حددت صفات غازي ب - (المبدع الجميل الراقي)، وهي صفات دقيقة وحقيقية فعلا، وجاءت – بلا شك – نتيجة معرفة عميقة به حتما .

لقد نشر غازي العبادي مجموعتة القصصية الاولى عام 1969 في بغداد بعنوان – (حكايات من رحلة السندباد الثامنة)، والتي اهداني نسخة منها في بغداد . انها المجموعة التي عكست انطباعات غازي عن موسكو، وحتى عنوانها كان انعكاسا لذلك، اذ انه اعتبر رحلته الى موسكو هي الرحلة الثامنة للسندباد بعد رحلاته السبع الشهيرة، بل انه أشار هناك حتى الى اسم حبيبته الروسية التي عشقها هناك وهي زويا، وقد تكلمت ضاحكا مع ابنته ضفاف – بحكم ميانة الاب لابنته – مرة عنها، فضحكت ضفاف وقالت انها وامها تعرفان هذه القصة، بل اني ذكرت ذلك في كلمتي عن غازي في تأبينه في اتحاد الادباء ببغداد آنذاك، اذ قلت له باني سأتصل بها هاتفيا لكي يتحدث معها وعندما أشار الي ٌ بعدم ضرورة ذلك، قلت له انني أخذت السماح بذلك من ام ضفاف، وقد قهقه غازي آنذاك من كل قلبه في لقائي الاخير معه في بيته في منطقة العامرية ببغداد، وأذكر الان – ولاول مرة – ان غازي في احدى زياراته لموسكو قد اتصل هاتفيا بها، وعندما أجابت زويا بكلمة – نعم، اغلق خط الهاتف، وبرر غازي هذا الاتصال الهاتفي على الطريقة العراقية وحسب كلمات اغنية ناظم الغزالي عن (الرغيف الذي يكفيه سنه!) بانه اكتفى بسماع صوتها ليس الا .

حاولت – عندما كنت معاونا لعميد كلية اللغات – ان اصدر كتابا بعد وفاته بعنوان – غازي العبادي مترجما (وهي فكرة لازالت متوهجة في قلبي)، وجمعت فعلا مقالات بترجمة غازي العبادي عن الروسية، نشرها في صحيفة الثورة بالاساس (ومنها بعض القصائد الروسية الجميلة) وفي عدة مجلات اخرى، منها مجلة الاقلام العراقية (واذكر منها مقالة عميقة عن رواية دستويفسكي – الاخوة كارامازوف وفلسفتها) وقد ساعدتني بشكل واسع ومتحمس في جمع هذه المواد ابنته ضفاف العبادي، ولكن الاحداث السريعة التي حصلت في العراق حالت دون ذلك مع الاسف، اذ تم تدمير كلية اللغات ومكاتبها كليا، وهكذا فقدنا الكثير من الوثائق في حرب عام 2003 واحداثها الجسيمة، ومن جملتها مسودات الكتاب الذي كان شبه جاهز عن غازي العبادي وبالعنوان المذكور اعلاه والذي كان موجودا في مكتبي، ولكن يجب الاشارة – مع ذلك – الى انني لم احاول آنذاك ان تدخل في محتويات هذا الكتاب ترجمة غازي لكتاب – العرب والبحر، والذي حاول غازي مرة ترجمته ونشره ضمن منشورات وزارة الثقافة والاعلام العراقية، وكنت انا المراجع الذي كان يجب ان أطلع على الترجمة واوافق عليها، ولكني، عندما قارنت النصين الروسي والعربي اضطررت ان اتصل بغازي وقلت له – بحكم علاقة الصداقة العميقة معه - ان هذا الكتاب صعب جدا على الترجمة الى العربية في ظروف العراق آنذاك، واننا لا نستطيع القيام بذلك حفاظا على القيمة العلمية الفذٌة لهذا الكتاب، وقد تقبل غازي هذا الرأي برحابة صدر وروح رياضية واعاد النقود التي دفعتها له وزارة الاعلام العراقية كدفعة اولى لتلك الترجمة، الا انه مع ذلك نشر فعلا بعض الفصول المختارة من ذلك الكتاب في الصفحة الثقافية لجريدة الثورة، والتي كان يعمل فيها كما ذكرنا اعلاه .

أصدرالمرحوم غازي العبادي الكثير من الكتب اثناء حياته واصبح واحدا من الادباء العراقيين المعروفين آنذاك، وتشير بعض المصادر العراقية الى انه نشر 140 قصة قصيرة، وانه أصدر مجاميع قصصية عديدة (آخر مجموعة صدرت له بعد سنتين من وفاته)، الا اني أود – في ختام هذه السطور عنه – ان أشير الى محاولاته بكتابة الروايات، اذ اصدر غازي عدة روايات مهمة في تاريخ الادب العراقي الحديث، اولها كانت رواية – ما يتركه الاحفاد للاجداد، والتي استقبلتها الاوساط الثقافية العراقية بالترحاب، وكتب عنها الدكتور علي جواد الطاهر في حينه، ثم اصدر روايات اخرى منها – نجمة في التراب ورجل في المحاق، وهناك رواية كان غازي يتحدث عنها في الفترة الاخيرة من حياته، واذكر انه قال لي مرة انه يريد ان يسميها – سلسلة أخطاء، ولكن معظم المصادر عنه تشير الى عنوان آخر لهذه الرواية التي لم يستطع – مع الاسف – ان يكملها و ينجزها وهو – ابناء الزمن الآيل للسقوط، وكم يبدو هذا العنوان الان رمزيا وواقعيا بالنسبة لنا ونحن نعيش في هذا الزمن الآيل للسقوط فعلا، وكم يبدو غازي العبادي عميقا في صياغته لهذا العنوان الذي اختاره – وبدقة - وكأنه كان يتنبأ بالمستقبل ويتأمله قبل اكثر من عقدين تقريبا من زماننا الردئ هذا .

غازي العبادي – واحد من الشخصيات الجميلة والكبيرة والمشرقة والرائعة في مسيرة العراق المعاصر، والذي يرتبط – بلا ادنى شك – بهؤلاء الذين مروا بموسكو وتبلوروا فكريا في مناخها واجوائها .

 

ذكرى تروتسكي

تحل في مثل هذه الأيام، وتحديدا في 21 أغسطس، ذكرى أفظع جريمة سياسية: اغتيال ليون تروتسكي (1879- 1940م) أحد أبرز قادة الثورة البلشفية "الروسية"، ذلك المناضل القادم من أوكرانيا ليقود ثورة أوكتوبر وليؤسس الجيش الأحمر والأممية الرابعة، رفيق لينين الذي اغتاله الساذج الفظ ستالين غذاة انحدار دولة البروليتاريا والثورة الاشتراكية إلى أتوقراطية بونابرتية يعقوبية، كما إلى بيروقراطية آخذة في تقلصها، من سيطرة الحزب الأوحد، مرورا بالستالينية، لتصل في ذروة الاختطاف إلى عبادة الفرد: ستالين "حفار قبر الثورة"، كما يسميه تروتسكي.

كتب البولندي"اسحق دويتشر" ثلاثية لتروتسكي كنبي مسلح و"نبي أعزل" و"نبي منبوذ"، ثلاثة مجلدات تسرد حياة "ليون برنشتاين" الذي اتخذ لاحقا اسم سجانه "تروتسكي".. هذا الكتاب الضخم أكثر من سيرة، إنه "تاريخ" يعرض حقبة بكاملها، لكنه أيضا تراجيديا.. خلاصتها القاعدة المعروفة جيدا: الثورة تلتهم أبناءها، الثورة تغدر بالثورة.. تُختطف من وجوه عرضية وأفواه نهمة، تلتهم السلطة والسياسة واللحم البشري، أفواه لها أسنان حادة لا تكف عن تحويل تاريخ الثورة إلى تاريخ خيبات، هي خيبات البطل والشعب، خيبات تروتسكي الذي صنع مجدا لم يتذوقه، وخيبات حشد المنبوذين المهمشين الذين يرتع على أجسادهم "يهوذا" البلشفي...

البعد التراجيدي لتروتسكي ينتزع من المأساة خصائصها الاغريقية.. مأساة هذا الرجل لا تتمثل في تمزقه بين القدر ووصايا الإله من جهة، والحرية من جهة أخرى، أو بين الطبيعة (الواقع) والمثال الإلهي، الصراع المأساوي هنا ليس سوى صراع بين الفكرة ومآلها: كيف تخون الثورة ذاتها، كيف يتحول تروتسكي القائد المتحمس إلى عنوان لكل خيانة تستوجب اقامة المشنقة؟ وأخيرا، كيف تتحول الأحلام إلى كوابيس؟

الحلم الدائم للثوري، كما هو حال تروتسكي، هو السباحة في عراء الطهر، ذلك الطهر الملوث دائما بآفات التجديف، من هنا أمكن القول أن الثورية التي تليق وحدها بذلك الحلم الذي لا ينتهي، بذلك الانهماك الدائم في منابذة الحاضر، للتواجد في لحظة لا تنفك عن الانسحاب والهروب، هي فقط تلك المؤهلة للاتسام بنعوت الهرطقة، بصفات الفضح والتعري، سعيا لنيل طهارة أو براءة غير مكتملة، وما ذلك إلا لاستحقاق تلك اللحظة القادمة من رحم المستقبل.

ما يميز الثوري، هذا الحالم الجسور، عن السياسي الواقعي هو تماما ما يفصل الحاضر عن المستقبل.. صحيح أنهما يتشابكان معا مع الحاضر، لكن الفارق جوهري رغم ذلك، فإذا كان الواقعي أو المحافظ اليميني يتشابك مع الحاضر لامتلاكه والاستحواذ عليه بتأبيده، فالآخر أيضا يهتم بحاضره ولكن لكي يتهمه ويدينه ويثور عليه..

هناك حالة شعرية تنتزع من السياسة مكونها التآمري، تقتل نزوعها الواقعي البارد، لتصيبها بالحمى: تصبح السياسة نوع من الرومانس، تتصالح مع الحب والمرض الجميل للحمى والوهم الذي يشبه الواقع. الثورية سياسة محمومة، سياسة هذيانية، سياسة ارتياب من كل ما هو ناجز وواقعي. في الحمى تموت كل الجراثيم الكئيبة لصقيع الواقعية، ليبقى الواقع مسرحا لتلك الروح المتهيجة، الحمى السياسية كأزمة محببة هي إذن الوجه الآخر للتاريخ، هي وجهه الشعري، هي شرارته التي تمنح الثوري ثوريته.

في الفلسفة الهيغلية التي قلبها ماركس مقولة مركزية مفادها أن كل فلسفة هي مثالية، أما هنا، مع تروتسكي، ودون خيانة المعلم الأول، تنداح الثورية، بصفتها "ممارسة" عائدة نحو المنبع الهيغلي، لتغدو الثورية مثالية ممسوكة باليد، مما يعني أن هناك شيء من الانشداد لمثالية أفلاطونية تفضح باستمرار اللاثوري في الثوري، تفضح ستالين وروسبيير ويهوذا الذي ينتظر دائما.

يمتزج الثوري في الثورة حد إدمانها، لهذا قال ستالين في ثناء غير مقصود، أن قوة تروتسكي تتناسب طرديا مع قوة الثورة، "تظهر في الفترات التي تسجل فيها الثورة تقاطعا وتقدما وتتراجع حين تتراجع الثورة".. هذا صحيح، ستالين على حق، إذ لا يتحرك الثوري إلا على إيقاع الثورة، يغيب الثوريون، تغيب مصالحهم وأحزابهم، لتبقى الثورة وحدها، الثورة الدائمة كما نظر لها تروتسكي نفسه: "ليس ثمة غير الجهلة يفكرون أن الثوريين هم الذين يصنعون الثورة، وأن في وسعهم ايقافها حين يشاؤون".

تركة تروتسكي حافلة بالفضائح، فضائح ثورة على مقاس ستالين، وحافلة بالتاريخ كما بالأفكار.. ما يلفت حقا هو مفهومه النابذ للدولة "كل دولة" باعتبارها تنحى باستمرار إلى أن تكون جهازا قمعيا، فالتصور التروتسكي يرتاب من كل سيرورة لترسيخ الدولة وتثبيتها كمعطى نهائي ومكتمل، ينشأ عن نبذ هذه الدولة بمفهومها البيروقراطي والقمعي المناهض لكل امكانيات التغيير، والنقيض التام-بالتالي- لكل سعار ثوري، ينشأ مفهوم محايث لا يقل أهمية: الثورة الدائمة، التغيير الدائم، التغيير بصفته أصلا في مقابل الاستقرار كتأبيد لواقع معطى.

يبقى تروتسكي بطل لمأساة اغريقية لم يكتبها سوفوكليس ولا اسخوليوس. بطولة تقع في قلب التصالب الشديد بين حتمية التاريخ وحرية الفرد -ما هو الهامش المتاح للبطل في تغيير الواقع ونحت المستقبل ضمن كل ذلك الهياج لمعمعة التاريخ؟- بطولة تمنح دويتشر الجرأة على اختيار عنوانه: هاقد تحول تروتسكي إلى نبي متخم بالنبوءة والحلم ولكن أيضا الخيبات..

كتب تروتسكي: "الموت للطوبى !.. الموت للإيمان !.. الموت للحب!.. الموت للأمل!.. هكذا يرعد القرن العشرون وسط فرقعة الحرائق ودوي المدافع..

-استسلم، أيها الحالم المثير للرثاء. ها أنذا قرنك العشرون الذي طال انتظارك إياه، "مستقبلك".

-كلا، يجيب المتفائل غير المنهزم، أنت لست سوى الحاضر".

 

تشيخوف في ذكريات معاصريه

توجد سلسلة شهيرة جدا من الكتب باللغة الروسية التي صدرت في الاتحاد السوفيتي (1917 – 1991) آنذاك حول الادباء الروس الكبار في ذكريات معاصريهم من الادباء والاصدقاء والنقاد، وهي سلسلة مهمة جدا وعميقة وعلمية و رائعة وممتعة عن هؤلاء الادباء وما كتب عنهم الاصدقاء والزملاء الذين عاصروهم في زمانهم . وكانت دور النشر السوفيتية في حينها تحاول اصدار نفس ذلك الكتاب بطبعات جديدة منقحة ومزيدة بين فترة واخرى، وتضيف لتلك الطبعات فصولا جديدة وتنقح الطبعات تلك وتغنيها بهوامش وملاحظات جديدة يكتبها كبار المتخصصين في ادب هذا او ذاك من الادباء الروس هؤلاء . لقد كان الهدف من تلك السلسلة هو رسم صورة موضوعية قدر الامكان طبعا و متكاملة لهذا الاديب او ذاك ومن مختلف الجوانب الفنية والنقدية والانسانية، وقد سبق لنا ان عرضنا كتابا صدر ضمن هذه السلسلة عن تولستوي (انظر مقالتنا بعنوان تولستوي في ذكريات معاصريه)، ومن جملة الادباء الروس الكبار الذين صدرت عنهم مثل هذه الكتب هو انطون تشيخوف طبعا (1860 – 1904)، اذ ظهرت الطبعة الاولى حوله ضمن هذه السلسلة من الكتب بعد اكثر من اربعين سنة بعد وفاته، في عام 1947، اما الطبعة الثانية، التي جرى تنقيحها والاضافة اليها فقد صدرت عام 1952، وصدرت الطبعة الثالثة عام 1954 (عام الذكرى الخمسين لوفاة تشيخوف) وهي ايضا مزيدة ومنقحة مقارنة بالطبعة الثانية تلك، ثم صدرت الطبعة الرابعة عام 1960 منقحة ومزيدة ايضا (وهو عام الاحتفال في الاتحاد السوفيتي والعالم ايضا بمرور مئة عام على ميلاد تشيخوف)، ثم الطبعة الخامسة عام 1986 منقحة ومزيدة مثل حال الطبعات السابقة والتي تم طبع 100 الف نسخة منها، وسنحاول في مقالتنا هذه عرض هذا الكتاب المهم في مسيرة الدراسات البيبلوغرافية و النقد الادبي الروسي عن تشيخوف بطبعاته المختلفة تلك للقارئ العربي، انطلاقا من محاولتنا المتواضعة اغناء المكتبة العربية بمصادر وآراء متنوعة حول تشيخوف - هذا الاديب الروسي و العالمي الكبير، والذي اصبح في الوقت الحاضر واحدا من أقرب الادباء الروس الى القارئ العربي .

تم ترجمة بعض تلك المقالات عن تشيخوف الى العربية، وخصوصا مقالات الادباء الروس المشهورين الكبار، مثل غوركي وكورولينكو وكوبرين وغيرهم هنا وهناك في عالمنا العربي (انظر، مثلا، مؤلفات تشيخوف باربعة أجزاء، والتي قام بترجمتها المترجم المصري الكبير د. ابو بكر يوسف، والتي نشرتها دور النشر السوفيتية في الاتحاد السوفيتي آنذاك حيث كان كل مجلد من تلك المجلدات يبتدأ بترجمة مقالة من مقالات هؤلاء الادباء الروس الكبار عن تشيخوف)، ولهذا فاننا سنتحدث هنا عن المقالات الاخرى، التي لم تترجم و لا يعرفها القارئ العربي في تلك السلسلة من الكتب .

مقدمة الكتاب (طبعة عام 1960 وعام 1986) جاءت بقلم كوتوفا، التي أشارت الى ان هذا الكتاب يعكس السيرة الحياتية لتشيخوف وعلاقة الادباء والفنانين الروس تجاهه، وتشير بالذات الى اسماء محددة في تلك الفترة وهم ليسكوف وغريغوروفيتش وكورولينكو وغوركي وكوبرين وبونين وحتى تولستوي من الادباء، ثم تتكلم عن علاقة تشيخوف برجالات الفن الروسي مثل الموسيقار تشايكوفسكي وبالرسامين التشكيليين ريبين وليفيتان والفنان المسرحي ستانسلافسكي وحتى بعلماء الطبيعة مثل تيميريازوف وغيرهم، مؤكدة ان حياة تشيخوف تعكس في الواقع كل مسيرة الفنون والعلوم الروسية في نهاية القرن التاسع عشر، ثم تأتي بعد هذه المقدمة تلك المقالات التي تناولت معظم جوانب حياة وابداع الكاتب وذكريات هؤلاء الاصدقاء حولها، و تبتدأ قبل كل شئ بطفولة تشيخوف والظروف الصعبة التي مر بها، والتي أدٌت به الى ان يقول مرة كلماته الشهيرة حولها – (في طفولتي لم تكن لديٌ طفولة)، وهي جملة مؤلمة جدا نجد صداها في مقالات المحيطين به آنذاك من اخته وبقية اخوته والعوز الذي كانوا يعيشون في اطاره، ولكننا نجد في تلك المقالات ايضا الاشارة الى ذلك التميز عند هذا الصبي الموهوب وبدايات حبه للمسرح والاداب منذ نعومة اظفاره كما يقال (تم حذف هذه المقالات عن طفولة تشيخوف في طبعة 1986 وذلك لصدور كتاب مستقل لاخيه بعنوان - حول تشيخوف)، ثم نطالع بعدئذ مقالات متعددة تتناول مختلف الجوانب الابداعية لتشيخوف بقلم ادباء ونقاد وصحفيين روس، عدا تلك الاسماء الكبيرة التي أشرنا اليها اعلاه، ولا يمكن بالطبع التوقف عند كل هذه المقالات وعرضها في اطار هذه المقالة، ولكننا اخترنا – كامثلة ليس الا – التوقف قليلا عند بعضها، ومنها مقالة بقلم غارين – ميخايلوفسكي، وهو اسم معروف في دنيا الفكر الروسي نهاية القرن التاسع عشر . يتحدث ميخايلوفسكي في مقالته تلك عن اهمية القصة القصيرة التي اعطاها تشيخوف للادب الروسي والعالمي ايضا، ويشير الى ان تشيخوف ناضل طويلا وبعناد من اجل تثبيت هذا النوع من القصة القصيرة قائلا – (.. تشيخوف خالق القصص القصيرة الصغيرة، وهي ألاصعب بين انواع القصص، وقد حمل هذه القصص طويلا في حقيبته، الى ان استطاعت هذه القصص ان تحصل على حق المواطنة ...)، وهي ملاحظة صحيحة ودقيقة فعلا، ومن المقالات الاخرى في هذا الكتاب نود ان نشير الى مقالة الرسام التشكيلي الروسي الكبير ريبين، اذ انه يقول عن تشيخوف عندما التقاه مرة، انه يذكره ببطل رواية تورغينيف الاباء والبنون – بازاروف، وهي ملاحظة لم ترد ابدا في مقالات الاخرين عن تشيخوف، ولا يوضح الفنان التشكيلي سبب ذلك، ولكن الملاحظة هذه تبقى طريفة بعيون فنان مثل ريبين تجاه تشيخوف، وربما يمكن استنتاج اهمية رواية تورغينيف في الوعي الفني الروسي آنذاك وربط هذه الصورة الفنية بالموقف من تشيخوف باعتباره اديبا جاء بشئ جديد في دنيا الادب وقال كلمة جديدة في هذا العالم مثل بازاروف – بطل تورغينيف، ومن المقالات التي نود الاشارة اليها في ختام هذا العرض السريع للكتاب هي ما كتبه عالم الاجتماع الروسي كوفاليفسكي (1851- 1916)، (وهو محامي ومؤرخ وعالم اجتماع أقالته السلطة الروسية القيصرية من وظيفته في جامعة موسكو لافكاره التحررية (كان بدرجة بروفيسور)، فسافر الى الغرب وقام بنشاط علمي في باريس وبروكسل ثم اسس عام 1901 في باريس المدرسة الروسية العليا للعلوم الاجتماعية)، اذ التقى تشيخوف عدة مرات في فرنسا وايطاليا واصبحا قريبين من بعضهما، وكتب عن تشيخوف مقالة جميلة نشرت في روسيا عام 1915، وهي مقالة غنية بافكارها تناول فيها تشيخوف – انسانا وطبيبا ومثقفا ايضا، ونقدم للقارئ مقطعا من جملة بسيطة من هذه المقالة، تعبربعمق و بصدق عن جوهر افكار تشيخوف - (لم يكن تشيخوف يهتم بقضايا النظام الجمهوري او الملكي .. ولكنه كان يتمنى ان يرى روسيا حرة ..) وما أعظم هذه الكلمات وما أعمقها!.

عبدالسلام جلود .. شاهد عيان لنظام القذافي!

abdulrazaq mohamadjafarأوجزت في الحلقات السابقة كشاهد عيان مسيرة معمر القذافي. أن كل ماورد في الحلقات السابقة لم يقصد به التهكم على شخص أبو منيار معمر، بل لما أقترفه من أعمال حطمت طموحات الشعب الليبي في تحقيق مبادئ ثورة الفاتح من سبتمر 1969 العظيمة ولغاية

السابع عشر من شباط (فبراير) 2011 !

فلقد دونت الدوريات والمواقع الألكترونية كل ما اقترفه نظام القذافي من كبح لمطالب الشعب لغاية،1986، حيث صـارت بعد ذلك سرية!

وعلى اية حال، أنني لن اقدم أي جديد اذا ما ذكرت اسماء ضحايا ذلك النظام الذين استشهدوا او الذين زج بهم في سجون مجهولة لا يعرفها الا الله والمحيطين بالقذافي، لأن اي صراع بين شعب أعزل

ونظام يملك كل الأمكانيات البوليسية التي يهيمن بها على الشعب، سـيطمس الحقيقة ويلونها وفق مزاجه!..،و سـيطمس معالم جرائمه بتلفيق قصصاً بعيدة كل البعد عن الحقيقة، وما من احد لا يعرف ان الحقيقة لا تموت، طال الزمن أم قـصر،و سيأتي اليوم الذي يحاسب فيه كل قائد مستبد لم يكترث لمعارضة كل من يقف في وجهه !

الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل، وهكذا دفع القذافي ووعاض السلاطين من حوله ثمن ما اقترفوا من هدر لحقوق الشـعب وديع لم يخنع للضيم، وقاوم كل المستعمرين منذ العهد العثماني والأستعمار الأيطالي والبريطاني والأمريكي !

وفيما يلي حادثة شاهدتها وعشتها في لحظة اندلاعها في السابع من نيسان (أبريل) 1971م :

كنت في صباح ذلك اليوم وبعض الزملاء من التدريسيين في / كلية العلوم / الجامعة الليبية (الفاتح / حالياً)، نتأهب للذهاب الى قاعات المحاضرات عند الساعة التاسعة صباحاً، وفجأة سـمعنا ضجيج وهتافات تمجد بثورة الفاتح مثال ذلك ترديد اسم الفاتح لعشرات المرات هكذا. (الفاتح،..الفاتح،..الفاتح،..)، فهرع البعض منا وتخلف البعض الآخر، خوفاً أو تجنبا من التعرض لأي مكروه، وما ان وصلنا

واذا بنا امام حشود هائلة من طلبة الثانويات وسط الساحة الفاصلة بين مبنى كلية العلوم والقسم الداخلي (مبيت الطلاب)، يتقدمهم الرائد عبدالسلام جلود (الرجل الثاني في تسلسل الضباط الأحرار آنذاك )، وهو يطلق من مسدسه عدة طلقات نارية في الهواء، وطلبة الثانويات

 

* الرائد عبدالسلام جلود

(يصرخون ويحثهم للهجوم على مبنى القسم الداخلي)!

وبعد لحظات تم الألتحام بين طلبة الثانويات المهاجمين بقيادة الرائد عبدالسلام جلود وطلبة الجامعة المعتصمين في دهاليز البناية، ثم دارت معارك بالعصي والحجارة بين طلبة الجامعة والثانويات، وما زلت اذكر ليومنا هذا احد المناظر المزرية،عندما اصـيب احد الطلبة في عينه اليمنى و صارت الدماء تـسـيل منها بغزاره، وهو يصرخ بألم شديد كالطفل الرضيع،فألتف من حوله زملاءه، وسـحبوه جانباً لأسعافه، ثم تم نقله بسيارة احد الطلبة لمستوصف الجامعة!

شعرنا نحن الأساتذة المغتربون بخطورة الموقف، ولذا هرعنا نحو موقف السيارات وتمكنا من الصعود في سيارة احد الزملاء واتجهنا الى غابة في اطراف بناية كلية العلوم .. وبعد ان علمنا بهدوء الحالة، ثم نقل كل فرد منا الى منزله، وتركنا سياراتنا في الساحة المخصصة لها في كلية العلوم .. وفي اليوم التالي علمنا ان ما حدث أطلق عليه:

"حركة السابع من ابريل"!، ثم صار ذلك التاريخ من اشهر المناسبات

بعد الفاتح من سبتمبر !

نشـر الكاتب الصحفي الكندي (ايرك مرجولس) مقالتة (أمريكا ضيعت الكرة)، في 24 يونيو 2007، ما يلي:

أعادت أمريكا بناء اوربا بعد الحرب العالمية الثانية، الا انها لم تساهم بما فيه الكفاية لتطوير العالم الأسلامي، وكانت تتدخل في صناعة ذويلات خانعة لها مثال ذلك أختيار ضابط صغير لا يملك من مقومات السياسة سوى شعارات الوحدة فوضعته على رأس السلطة بعد انقلاب مشبوه ضد الملك السنونسي،..وهنا اتذكردعاء قاله الملك أدريس رداً على شعار المتظاهرين ضده في احدى السنوات، عندما اخبره المرافق انهم ينادون أبليس ولا أدريس،..فرفع يده الى السماء وقال : اللهم استجب لرغبتهم، وهكذا سلط الله عليهم القذافي الذي سارت الأمور في عهده من سيئ الى أسوء، ولا ادري ماذا يخبأ الزمن لهذا الشعب البطل الذي قاوم كل اصناف الأستعمار ليقع في وحل أول وآخر جماهيرية!

كما ان القذافي لم يخفي اعماله البوليسية ضد المعارضين، وذكر ان اعمال التنصت على المكالمات الهاتفية بين اعداء الثورة فضحت مخططاتهم، و معارضتهم للثورة بتركهم النهج المفيد لهم، فبدلاً من ان يركبوا موجة الثورة الفتية، (وفق رؤيته) عارضوها وظهروا كأنهم قوة مضادة لثورة الفاتح من سبتمبر ولذا اصطدم بهم!

اضافة الى ذلك قال العقيد : بالرغم من ان الأخوان المسلمين لهم ايدولوجية رجعية يمينية، فأنهم لم يشتركوا في الأعمال المضادة لثورة الطلاب !

كما أشار العقيد معمر القذافي الى وجود بعض القوى الحزبية من القوميين والبعثيين قد أيدوا ثورة الفاتح على انها ثورة عربية قومية، ولكن لم يحول ذلك عن مواجهات النظام مع طلبة الجامعة الليبية، والتي كانت متكونة من فرعين الأول يدعى (جامعة طرابلس)، وتضم الكليات العلمية مثل كلية العلوم ( الكلية الأم )، وكلية الزراعة والهندسة، والفرع الآخر ويدعى بجامعة بنغازي، وتضم الجامعات الأدبية، ورآسة الجامعة.

وفي بداية ديسمبر 1975 انتخب طلاب جامعة بنغازي ممثليهم في رابطة جامعة بنغازي خلافاً لرغبة معمر القذافي الذي اعلن رفضه لأي مؤسسة طلابية مستقلة لصعوبة السيطرة عليها، ولذا اعلن القذافي حل الأتحاد العام لطلبة ليبيا ورابطة جامعة بنغازي في اليوم التالي!

وبسبب تلك الأحداث شـن قائد النظام معمر القذافي حملة على الحركة الطلابية، متهماً الطلبة بالعمالة للمخابرات الأجنبية رافضاً تكوين اتحاد طلبة يتدخل بالشؤون السياسية للدولة، واعلن عن تصميمه لتصفية تلك الحركة !

أعلن رئيس النظام،قائد ثورة الفاتح العقيد معمر القذافي خطاباً في 15 نيسان (ابريل) 1972 في مدينة زواره، خطاباً بين فيه الأنعتاق من كل القيود الأدارية، فعطل القوانين وطهر البلاد من اعداء الثورة،..واعلن عصر الثورة الشعبية والثقافية والأدارية، والغى كافة الألقاب الأدارية وابقى على لقب رئيس الدولة ورئيس الأركان !

 

ومرًت الأيام ثم صدر الكتاب الأخضر مطلقاً عليه "النظرية الثالثة". اشتمل خطاب زوارة على خمس نقاط هي في حقيقتها إلغاء للدولة متمثلة في:

1- ألغاء القوانين المعمول بها.

2- اعلان الثورة الثقافية

3- القضاء على الحزبيين، ومن تحزب خان!

4- القضاء على البيروقراطية وكافة المظاهر الأوربية.

5- اعلان الثورة الشعبية.

ادى هذا الأعلان الى سجن العديد من خريجي الجامعات والكتاب والمفكرين والأعلاميين والمثقفين، لمجر عدم الترحيب بمحتويات ذلك الكتاب، وصاروا يستهزؤن بمحتوياته مثل: البيت لساكنه، والبيت لا يخدمه الا اهله، والمركوب لا يركبه الا مالكه!. وغيرها من المقولات التي يصعب تطبيقها فعمت القذارة في كافة ارجاء العاصمة !وتحولت عروس البحر الأبيض التي يمكن السير فيشوارعها الرئيسة بمركز المدينة، من دون حذاء،.. ولا تتسخ أقدمك!

وبعد فترة اعلن القذافي تخليه عن مهامه السياسية والأدارية وأحتفظ بقيادة البلاد والجيش!

مالك بن نبي كما قرأت له

moamar habarمقدمة القارئ: أثناء المخيم الصيفي الذي جمع شعبتي الشلف وغليزان، التابعتين لجمعية العلماء المسلمين، ألقيت جملة من المحاضرات، منها محاضرة للمفكر مالك بن نبي. تدخل صاحب الأسطر موضحا ومصححا بعض النقاط، فأعجب بها الأساتذة والطلبة، حتى أنهم طالبوه بتخصيص محاضرة عن بن نبي، فاكتفى صاحب الأسطر، بعرض قراءاته للمفكر مالك بن نبي، لعلّها تساهم في تقريب المفكر إلى القارىء، وتزيل بعض اللبس عن حياته وفكره، فكانت الأسطر التالية:

أصدقاء بن نبي: في كتاب "العفن"، لم يذكر بن نبي غير صديق واحد، هو حمودة بن ساعي،رحمة الله عليهما، ولم يثني على أحد غيره، وانتقد الجميع دون استثناء، وذكرهم بالإسم والصفة، بما فيهم علماء الدين ورجال السياسة، والفرنسيين، والوحيد الذي لم ينتقده ، هو زميله حمودة بن ساعي.

تجارب بن نبي:  القول أن بن نبي تأثرا بعنصر واحد في حياته، مبالغ فيه ومجانب للصحة والدقة.

وفي الحقيقة، مالك بن نبي تأثر بجملة من النقاط التي رآها، وعايشها في الصغر والكبر، منها..

طفولته، وقد خصص لها كتابا كاملا. دراسته بالغرب، التي أثرت على طريقة معالجته لأفكاره. البطالة التي تعرّض لها، حتّى أنه فكّر في الانتحار، وعمل بأحقر الوظائف والمهن. مواقف علماء الدين تجاهه، ومواقف رجال السياسة. الصدمات التي تلقاها من القادة السياسيين. الاستدمار الفرنسي وأتباعه وخططه. وفاء زوجه له ومساعدته ووقوفه إلى جنبه.

هذه بعض العوامل التي أثّرت في فكر بن نبي. ويمكن للمتتبع أن يقف على عوامل أخرى، تختلف درجة تأثيرها وتوقيتها.

دراساته الشرقية: مالك بن نبي لم تكن له ميولات للدراسة في العلوم التطبيقية، بل كان له ميل نحو الدراسات الشرقية. لكن الاستدمار رفض أن يدخلها بن نبي، لأنه يريد أن يحتكر لنفسه علم الدراسات الشرقية لنفسه وأبناءه ومن يقاسم الفكرة والأطماع، ليسطير على الشعوب المراد دراستها والسيطرة عليها. والاستدمار الفرنسي يريد أتباعا يربيهم على فكره ومنهاجه، حتى يكونوا معول هدم ذاتي وداخلي، دون إثارة صوت يلفت الانتباه.

خيانة صابورشاهين: مالك بن نبي لم يكن يثق في ترجمة عبد الصابور شاهين، لذلك كان يعيد قراءتها وتصحيحها. وشاهين كان شابا مغمورا، وكتب بن نبي هي التي كانت من وراء شهرته.

إن إتّهام شاهين بن نبي بالجنون، يعتبر من سوء أدب التلميذ مع أستاذه، والخيانة لأفكاره، وتنكر لجميله، يجعل القارئ يعيد النظر فيما ترجمه شاهين.

بن نبي وعبد الناصر: علاقة بن نبي بجمال عبد الناصر، علاقة مفكر بسياسي. إستغلّها عبد الناصر لأغراضه السياسية، ليظهر أنه محب للفكر وأهل الفكر. واستغلّها بن نبي في دعم الثورة الجزائرية، عبر محاضراته وكتبه، واتصالاته.

لكن من أخطاء بن نبي، أنه علّق كل مشاريعه وأفكاره واهتماماته بعبد الناصر، حتّى إذا انهار في حرب الـ 06 ساعات، تبيّن له سوء تقديره، وعدم حسن تدبيره، وأن وقتا ثمينا ضاع وضيّعه.

شريعة بن نبي: بن نبي لم يدرس الشريعة عمدا ولم يتجه إليها، ويقول في مذكرات "الطفل"، أن أقصى ماحفظه في الكتاتيب، حين كان طفلا هو جزء "قد سمع".

والمتتبع لكتبه، يجد أن عدد الآيات التي إعتمد عليها بن نبي في شرحه لأفكاره ، هي آيات معدودات، يمكن للقارئ أن يعدها إن أراد.

لذلك كتب بن نبي، ليست كتب فقهية دينية، ولا يمكن للمتتبع أن ينتقده من الناحية الفقهية الشرعية، فهو ليس كذلك.

لكن رزق نظرة دينية ثاقبة، أكدتها العقود والأزمنة، وشهد لها أهل العلم في الدين والشريعة، وأهل الفكر.

فضاء بن نبي: من الأخطاء الفادحة أن يقول المرء، أن مالك بن نبي، كان يعيش في الفضاء. والحقيقة أن بن نبي، كان يرفعنا نحو الفضاء.

لاتبدأوا بـ: "العفن" : طلب مني الكثير، أن أحدّثه عن كتاب "العفن" لمالك بن نبي. وفي كلّ مرّة أسأل محدّثي قائلا: هل قرأت كتب بن نبي؟.

المطلوب من القارئ أن يجعل كتاب "العفن" آخر مايقرأ، لأن الكتاب يحتوي على حقائق وأسماء، قد تصدم القارئ لأول مرّة، خاصة إذا لم يكن له إطّلاع بكتبه الأخرى.

النصيحة النابعة من تجربة قراءة سلسلة مالك بن نبي، لاتبدأ بقراءة "العفن"، واجعله آخر ماتقرأ، بعدما يطوف القارئ على كتب مالك بن نبي، ويقف على أفكاره ومنهجه في الطرح والتحليل، والصراعات التي فرضت عليه مع مختلف الجهات العلمية والدينية والاستدمارية، والداخلية والخارجية.

سلامة عقل مالك بن نبي : الذين يتهمون مالك بن نبي بالشك المبالغ فيه، و"بالجنون"، والاضطراب، يقال لهم ..

لو افترضنا جدلا صحة ماتقولون، هل أثر هذا "الجنون" و "الاضطراب" و"الشك المبالغ فيه" على أفكاره، ومنهجه، وتحليلاته، ومواقفه؟.

القارئ لكتب مالك بن نبي كلّها، لايلاحظ ذلك إطلاقا، بل يلمس عمقا في الفكرة، وبعدا في التحليل، وصفاء في المنبع، وطموحا في الهدف، ووقارا في الأخلاق، وصراحة معلنة، وثباتا في حياته، ولم يتغيّر ولم يتبدّل. وحياته حين كان طالبا، هي نفسها في العمق والصفاء حين كان كاتبا، بل حين تعرّض للإهانة، وهو يبحث عن شغل صغير، لايناسب علمه وجهده.

الصراع الفكري في البلاد المستعمرة: يعتبر كتاب "الصراع الفكري في البلاد المستعمرة"، من أعظم الكتب التي ألّفها مالك بن نبي. والسبب في ذلك، أن الكتاب صالح في كل الأزمنة والأمكنة وفي جميع الظروف.

يكفي القارئ أن يستبدل ظروف الاستدمار الفرنسي التي عاشها بن نبي، والأشخاص الذين ذكرهم، والحوادث التي جابهها وتعرّض لها، بالظروف التي يعيشها الآن، والدقيقة التي يمر بها الآن، والأشخاص الذين يعفهم الآن، فلا يجد فارقا في الزمن والحادثة والشخص، مايدل على عمق الكتاب، وصدقه ونبوءته.

إن كتاب "العفن"، يتطلب إعادة الدراسة والقراءة من هيئات تحول الأحرف إلى مشاريع وإنجازات، تمس هياكل المجتمع، لتعالج عبره وبواسطته، آلامه وتصحح آماله.

مع الظاهرة : المتتبع لكتب مالك بن نبي، يلاحظ أنه ألف في بداية حياته الفكرية كتابين إثنين، هما  ..

"لبيك"، التي كانت القصة الأولى والأخيرة، ولم يعد إليها إطلاقا.

و"الظاهرة القرآنية"، التي تعتبر دراسة مقارنة بين القرآن والكتب السماوية الأخرى. ولم يعد لهذا النوع من الكتب. ويعتبر كتاب "الظاهرة القرآنية"، أول كتاب وآخر كتاب يكتبه في هذا الفن.

بينما الكتب الأخرى، كانت متسلسلة بإحكام، وواصل في كتابتها إلى آخر مرحلة من حياته، ولم يكن هناك إنقطاع، بل تثبيت لأفكاره والحرص عليها وعلى نشرها. وقد شملت الكتب، والمحاضرات، والمقالات، بعدما جمعها في كتب.

 

اليوم بتنا هنا والصبح في بغداد

khadom almosawi"يوم انتهينا الى السجن الذي ما انتهى

وصيت نفسي وقلت المشتهى ما انتهى

يا واصل الاهل خبرهم وقل ما انتهى

اليوم بتنا هنا والصبح في بغداد"

سعدي يوسف

بعد نهار طويل وليلة كاملة قضيتهما رغما عني في مطارات وطائرات لا خيار لي فيها ولا رأي، حصيلتها تعب شديد وانتظار ممل، وصلنا بغداد صباحا، عند الساعة السابعة. بتنا هناك، في المطارات والفضاء وصبحّنا في بغداد. اجل وصلنا الصبح الى دار السلام. وجدتها عند الصبح غافية وهواءها عليلا، تفرك عينيها من عمق النوم او السهر، لا ادري.. اذ نحن في شهر ربيعي، نهاية كانون الثاني/ يناير. السماء كانت زرقاء فعلا تلونها اسراب طيور هائمة تبحث عن مستقر لها في زوايا الكرة الارضية، وسحابات بيضاء متناثرة هنا وهناك. استبشرت بها خيرا رغم كل ذاك التعب والإنهاك.

خرجت من بناية المطار بعد الاجراءات الروتينية، ختم الجوازات وانتظار الحقائب. ثمة اشياء تحدث وتشير لنفسها بفضول او بتركيز او لحسابات اخرى.. امور كثيرة منها مثلا دخول "مدنيين" الى الادوار الممتدة من المسافرين الواصلين بانتظار المرور عبر طاولات او غرف شرطة الحدود وختم الجوازات، وإخراج معارفهم بعد قُبل واحتضان وكلمات الحمد لله على السلامة والوصول دون الالتزام بانتظار الادوار وكأنهم مسافرون اخرون، او ليسوا كالآخرين، او الاخرون ليسوا مثلهم. فلابد ان تعرف احدا من هؤلاء" المدنيين" لياخذك كما شاهدت وربما هناك امتيازات اخرى ايضا. الله اعلم!!. المهم هذه ظواهر تتكرر فقط في عالمنا الثالث، وفي بلداننا العربية خصوصا، وتحت افياء حكومات التحزب الاستبدادي والتقسيم الطبقي حتى للمسافرين، مثل درجات جلوس الطائرة، الاولى والسياحية. وحتى هذه فهي حسب ما تملك وما في الجيب، ليست كما يحدث او حدث في مطار بغداد الدولي!.

في سفرة سابقة، كان كل شيء فيها مريحا.. كانت هناك حافلات كبيرة تنتظر القادمين، فيها مكان مخصص للحقائب ومقاعد للركاب، تشعرك باستقبال لطيف نسبيا مصحوبا باحترام عام، ومجانية تبرعا من وزارة النقل. وهي خاصة في المطار والوضع العراقي في بغداد. اذ لابد ان تنتقل من المطار بهذه الحافلات رغما عنك ايضا، اذا كنت مواطنا عاديا، لا تعرف "المدنيين" الذين ذكرتهم، الى ساحة العباس بن فرناس. ويسمونها ساحة العباس دون قصد طبعا!. متى تنتهي هذه القصة؟!. ولكن هذه المرة غابت هذه الحافلات الكبيرة، وشاهدت سيارات من الدفع الرباعي سوداء ووقفت منتظرا دوري ولم يعبا احد بي. فكل سيارة تأتي يصعد فيها مسافرون بتوصية وإشارات وتحيات. رجال مدنيون مع هواتف يتحدثون ويسيّرون السيارات. يتنادون احيانا بأسمائهم: ابو سجاد، ابو كرار.. ابو... الجماعة توصلهم؟. فسالت احدهم كيف اصل الى ساحة العباس؟ لم يرد علي وآخر اجاب على عجل دون ان يلتفت لي: سيأتي "كوستر" هناك موقفه.. قلت له: وهذه السيارات.. رد ايضا وهو مشغول بهاتفه المحمول: محجوزة حجي!.

صعدت في "الكوستر"، الحافلة متوسطة الحجم. حيث حشرت الحقائب مع المسافرين بطريقة السردين والسائق يصيح مطالبا بجمع خمسة آلاف دينار عراقي اجرة الراكب الواحد ( اقل من خمسة دولارات)، بسرعة كيلا نتأخر، (عن ماذا؟!). هذه المرة تبدلت هدية وزارة النقل للقادمين الى بلدهم من انحاء المعمورة. ولا حاجة للشك في مثل هذه الاشياء الصغيرة.. خمسة آلاف دينار لا تستحق حتى التفكير فيها، ولكن..! لا مكان او فراغ في الشاحنة وصارت بأجور هذه المرة.. وتدافع المسافرون دون اصول واحترام لكبير او صغير، رجل او امرأة.. اجل هذا ما شاهدته وأنا اتحسر على تلك الايام.. ومن اين جاء هؤلاء العراقيون وكيف صارت الامور الان؟. الديكتاتورية والحصار وأخلاق الريف والمدينة والهجرة والاغتراب والمنافي والملافي ..و..و..

نزلت الشمس الى بغداد وابتدأت حرارة الجو تشع ويتصبب العرق وغابت العصافير عن اجواء المدينة.. حتى الطيور تهرب من صخب المدن ومن اجوائها المشحونة بالغازات ودخان السيارات وأصوات الازدحام الغريب في شوارع عريضة محصورة بين بيوت حجرية وفضاءات ملبدة بما لا تعرفه الطبيعة في تلك الايام. في بغداد الان.. كلما تقترب من المدينة كلما تبتعد عن المدنية، وعن ايام الزمن الجميل.

وصلنا بغداد اذن.. ودخلناها باشتياق وحنين للناس والأمكنة والشوارع والذكريات.. بغداد لم تعد كما تركتها او هاجرت منها.. وفيها كما في مصر على قول المتنبي العظيم.. لكن الاجمل للمغترب هو ما يراه ايام الجمع من كل اسبوع في شارع المتنبي. شارع المكتبات والمثقفين العراقيين. تفتيش في مدخله لتنبيه الداخل الى ظروف الامن ورعب الانفجارات التي هشمته في مرات سابقة. وملأت صور الشهداء مقهى الشابندر في نهايته التي ترفع صور عراقيين ومشاهد من زمان اخر على جدرانها.. من السياسيين او المثقفين، شعراء وأدباء وروائيين وفنانين وأضيف لهم الشهداء الجدد.

لفت انتباهي في الكتب المعروضة على الارصفة او في واجهة المكتبات التي تصطف على جانبي الشارع، اصدارات جديدة وقديمة عن اليهود، في العراق خصوصا وتاريخهم، ومؤلفات لهم.. مصفوفة بشكل واضح كأنه استهداف مطلوب. قال لي زميل فلسطيني مختص حين اخبرته عنها بأنها لا تبتعد عن دور للكيان فيها، لترويج وتغلغل وتعريف وأهداف اخرى لا يعلمها إلا الراسخون بعلم مثل تلك الظواهر والانشغالات الثقافية. في فلسطين المحتلة والدراسات الاكاديمية يحاولون ذلك وحسب التوجهات طبعا. فأين ما يجدون فرصا او مناخات تتيح لهم مثل ذلك لا يتوانون عنها ولا يتأخرون. هل ننتبه ام انها شكوك ليست في محلها، كما يحاول بعضهم التبرير؟!. قلت لذلك الصديق: قد تنفع هذه الاصدارات في المعرفة والإطلاع على التاريخ والمصير والمسار، لاسيما في التاريخ السياسي العراقي، والأدوار والمكانات والتعايش والإنسانية.. ورد بجدية وأين كانت هذه المؤلفات وماذا تروم بعد؟!.

كما لفتني بوضوح ايضا في الاصدارات الجديدة الكثيرة عن اليسار وأحزاب اليسار. اكثر من عنوان عن الحركة الشيوعية والحزب الشيوعي ومناضلين شيوعيين ومذكرات لقيادات شيوعية واطاريح عن الحركة والشخصيات.. هذا اهتمام مهم وجدي في ظروف عراقية بامتياز. ففي الوقت الذي تهيمن فيه قوى دينية تحارب اليسار في ادبياتها وسياساتها تجد الشارع لا يضن على اليسار بمثل هكذا اهتمام وانتشار. هل هي الديمقراطية التي يتحدثون عنها تباهيا وكأنها موضة جديدة؟ ولكن لماذا في الكتب فقط؟. ذكر لي صديق يحمل صفة مدير عام في وزارة عراقية، وجري الحديث عن دوره او التعاون الوطني وضرورة العمل المشترك لخدمة العراق العظيم. قال بخفوت قد لا تتصور اذا قلت لك ان بعض المدراء الاخرين، المحظيين او حملة (البازباند) المذهبي والطائفي والمكلفين بأعمال ليست من عنوان وظائفهم يرون فينا اعداء اشد من الاعداء الحقيقيين الذين يتربصون بهم قبل غيرهم ويحاربونهم في كل مجال، خلاف ما نحاول ان نريهم حرصنا معهم على خدمة الشعب والوطن.. انهم لا ينظرون لنا غير طابور ضدهم ويتركون الاعداء الحقيقيين يلعبون في الميدان كما يرغبون ويخططون.. وكالعادة.. لا يفيقون إلا والفأس قد وقع في الرأس.. ولات ندم بعدها.. بعد حرق روما ونيرون يصرخ.. على الجميع!. ضحكت معه وذكرته بما قاله ابو تمام:

إذا جَارَيْتَ فـي خُلُقٍ دَنِيئـــا       فأنتَ ومنْ تجارِيه سـواءُ

رأيتُ الحرَّ يجتنبُ المخازي     ويَحْمِيهِ عنِ الغَدْرِ الوَفاءُ

وما مِنْ شِدَّة إلاَّ سَيـــــــأْتي       لـها مِنْ بعدِ شِدَّتها رَخاءُ

لقد جَرَّبْت هذا الدَّهْرَ حتَّـى     أفَـادَتْني التَّجَارِبُ والعَناءُ

فلا والله ما في العيشِ خـيرٌ       ولا الدُّنيا إذا ذهبَ الحَيـاءُ

إذا لم تخشَ عاقبة الليـالي       ولمْ تستَحِ فافعَلْ ما تَشـاءُ

 

ايليا ايرنبورغ والحرب العالمية الثانية

من الوقائع التي وقفت امامها مندهشا ومتعجبا في تاريخ الكاتب السوفيتي الكبير ايليا غريغوريفتش ايرنبورغ (1890 –1967) - هو عدد المقالات التي كتبها اثناء الحرب العالمية الثانية، والتي بلغ عددها اكثر من مجموع ايام تلك الحرب نفسها، ومن المعروف ان الحرب الالمانية ضد الاتحاد السوفيتي بدأت بتاريخ 22 حزيران / يونيو عام 1941 وانتهت بتاريخ 9 مايس / مايو عام 1945، وهذا يعني انها استمرت 1418 يوما حسب أرقام كل المصادر عن تلك الحرب، وهذا يعني ايضا ان ايرنبورغ كان يكتب بعض الاحيان اكثر من مقال واحد في اليوم الواحد، واحاول في هذه السطور الوجيزة ان اتوقف عند هذه الظاهرة الفريدة والغريبة والرائعة والمتميزة فعلا في تاريخ الادب الروسي في القرن العشرين، وان ارسم للقارئ العربي صورة عامة واجمالية عن روحية تلك المقالات وطبيعتها واتجاهاتها واتمنى ان استطيع لاحقا ان اترجم الى العربية مجموعة مختارة منها في الاقل، اذ اني اعتقد اعتقادا جازما ان ايليا ايرنبورغ قد اعطانا نموذجا فريدا و رائعا يمكن ان يكون درسا كبيرا ومهما فعلا لاي كاتب او اديب في العالم اثناء تعرض وطنه الى محنة كبرى، مثل تلك المحنة الرهيبة التي حدثت زمن الهجوم الالماني النازي ذاك على الاتحاد السوفيتي في حينه في تلك الايام العصيبة آنذاك .

لم استطع – بدءا – ان احدد عدد تلك المقالات اثناء الحرب العالمية الثانية التي كتبها ايليا ايرنبورغ لكثرتها الكاثرة كما يقال، فقد اشارت بعض المصادر الى انها اكثر من 1500 مقالة، بينما ذكرت مصادر اخرى انها حوالي 2000 مقالة تقريبا، اذ كتبت تلك المصادر الى ضرورة ان تدخل ضمن اعدادها حتما المقابلات والتحقيقات الصحفية والاذاعية (لم يكن عندها كما هو معروف طبعا البث التلفزيوني) السوفيتية والعالمية معه اثناء الحرب تلك، وفي كل الاحوال، ورغم هذا التباين الواضح في اعداد تلك المقالات التي كتبها حول الحرب، فانها لم تدخل في مؤلفاته الكاملة، التي صدرت باشراف ايرنبورغ نفسه في الستينات من القرن الماضي في موسكو، ولكن صدر في روسيا الاتحادية كتاب عام 2004 بعنوان – (الحرب 1941 - 1945) والذي يقع ب 796 صفحة من القطع المتوسط، وتم طبع 10000 نسخة منه، وقد جاء في اعلان دار النشر التي قامت بالاعداد لهذا الكتاب وطبعه ونشره، انه اول اصدار في الستين سنة الاخيرة في روسيا لمقالات اكبر الادباء شهرة في الاتحاد السوفيتي اثناء الحرب العالمية الثانية (ويسمونها في روسيا الحرب الوطنية العظمى) وهو ايليا ايرنبورغ . يضم الكتاب 200 مقالة مختارة من تلك المقالات ليس الا، وقد انتقاها المعدون لهذا الكتاب بعناية خاصة ودقيقة، وأخذوها من الجرائد الحربية التي كانت تصدر في جبهات القتال و من جرائد المقاومة في المناطق المحتلة السوفيتية آنذاك من قبل الغزاة الهتلرين، و حتى من تلك الجرائد التي كانت تصدر في البلدان المحتلة الاوربية الاخرى عن طريق المقاومة السرية للاحتلال وباشرافها، ويشير الاعلان هذا الى ان هذه المقالات ليست عرضا للاحداث اثناء تلك الحرب، وانما هي افعال ساهمت فعلا في تعبيد الطريق نحو النصر . هذا وقد جاء في مستهل مقدمة الكتاب (التي كتبها بوريس فريزينسكي) مقطع مما كتبه الشاعر الروسي السوفيتي الشهير سيمونوف عام 1973 حول ايرنبورغ، والذي أشار الى ان ما فعله ايرنبورغ في مقالاته تلك قد جعله مؤثٌرا على (عقول وقلوب القراء اثناء الحرب) واصبح نتيجة ذلك (حبيب الجيش المحارب ... و حبيب الشعب المحارب)، اما القائد العسكري والذي يحمل رتبة مارشال الاتحاد السوفيتي باغاريان، فقد أشار في مستهل تلك المقدمة ايضا الى ان قلم ايرنبورغ في تلك الحرب (كان أكثر فعالية من الرشاشات)، وجاءت تلك المقدمة نفسها وبعنوان – (لنتذكر .) (حرب ايليا ايرنبورغ) وهي واقعيا     بمثابة دراسة تحليلية عامة لتلك المجموعة الكبيرة من هذه المقالات، ونقرأ فيها ما يأتي من السطور – (هذا كتاب لا يهدف الى متعتكم . انه ليس رواية مغامرات ...مثلما يصورون الحرب في مختلف قنوات التلفاز في ذكرى الانتصارات ...وهو ليس دليلا جدٌيا في تاريخ الحرب، والذي يؤدي بالقارئ ان يعرف اسبابها ونتائجها واسرارها وشخوصها وعملياتها... وليس هذا كتاب مذكرات مشارك في الحرب وصورا من الحياة العسكرية ومعاناة المؤلف فيها ...انه مجموعة مقالات ايرنبورغ التي كتبها اثناء اربع سنوات لتلك الحرب وكلماته الى المقاتلين قبل كل شئ ...) . ختاما لهذا العرض السريع لهذه المقالات المهمة اود ان أشير هنا الى عناوين بعضها ليس الا، والتي يمكن ان توضح بشكل او بآخر قيمتها واهميتها ولو باختصار، وهي كما يأتي -

في اليوم الاول // حانت الساعة // باريس تحت أحذية الفاشست // ائتلاف الحرية // نحن لا ننسى // الكذب // الحياة والموت // ديغول // نحن سنصمد // جبهة الشعوب // الروح السوداء // دموع من الثلج // الساعة تقترب // الشهود // الحرب الثانية // ...الخ .

ايليا ايرنبورغ بالنسبة للقارئ العربي هو روائي وناقد ادبي وشخصية اجتماعية كبيرة، ولكن القارئ العربي لا يعرف بشكل معمق الجوانب الابداعية الاخرى له، اذ انه – اضافة الى ماذكرنا – شاعر كبير ومترجم عن اللغتين الفرنسية والاسبانية ومصور التقط عشرات الصور الفنية، والان نضيف انه كاتب مقالات من الطراز الاول، وقد استطاع عبر مقالاته تلك اثناء الحرب العالمية الثانية ان يثبت قوة الاعلام وسلطة الكلمة المكتوبة ودورها العظيم في تلك المنعطفات الكبرى بتاريخ الشعوب.

معلومات إضافية