المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

إسلاميو السلطة (74): كتل سياسية صنعت خراب العراق

salim alhasaniاعتاد النائب بهاء الأعرجي رئيس لجنة النزاهة البرلمانية السابق، على عقد مؤتمرات صحفية، يُصرح فيها بأن لجنته انهت التحقيق من أكداس الملفات، واحالتها الى هيئة النزاهة. لكن هذه الملفات وهي بالمئات والآلاف التي يسلمها بنفسه السيد بهاء الأعرجي الى النزاهة، تموت هناك ولا يعرف أحد مصيرها. فمن الذي يخنقها ويضعها على رفوف الموتى في هيئة النزاهة والقضاء؟

ويتحدث رؤساء هيئة النزاهة على التوالي عن الآف وعشرات الالاف من ملفات الفساد التي تنتظر الحكم فيها، ويكررون كلمة واحدة وهي تعرضهم لضغوطات كبيرة تمنعهم من اتخاذ الإجراءات القانونية، ويكرر نفس الكلام رئيس القضاء العراقي السيد مدحت المحمود، فمن الذي يضغط عليهم؟

...

بسرعة يأتي اسم السيد المالكي في مقدمة الجواب، فتنطلق ألسنة القادة ووسائل الإعلام تتحدث عنه بأنه هو الذي تحكم بالقضاء وبهيئة النزاهة، وهو الذي مارس ضغوطه على رحيم العكيلي وموسى فرج وعلاء الساعدي، فأخرسهم واحداً واحداً، وقبل ذلك ضغط على مدحت المحمود فأغرقه في الذل والهوان، حيث جعله عرضة للتهجم واللعنات على لسان المواطن العراقي، لأنه خضع لرغبات المالكي.

هذا ما يسمعه المواطن العراقي من قادة الكتل السياسية، حيث يفصّلون الحديث بذلك، ويتظلمون به أمام الشعب العراقي والعالم،...

المالكي بحسب توصيفات الكتل السياسية رجل قوي، يمتلك قدرات الحاكم المتجبر الذي يستطيع أن يجعل المسؤول الكبير المحمي بالدستور والقانون والبرلمان، خاضعاً له يتحرك بإشارة من اصبعه. والمالكي وفق أقول قادة الكتل لديه من أساليب الترهيب ما تجعل قمة الهرم القضائي أي السيد مدحت المحمود ينهار أمامه، يتحمل إهانات الشارع ولعنات الناس وشتائم الإعلام، ولا يجرؤ حتى على تقديم استقالته ليحفظ ما تبقى له من كرامة الانسان.

...

عندما يتشكى قادة الكتل من المالكي، فهذا يعني أنه مكشوف أمامهم، وانهم يعرفون عنه ما لا يعرفه المواطن والإعلامي والمتابع السياسي، فمن خلال إحتكاكهم المباشر معه في التفاوض والعمل والإجراءات، توصل قادة السنة والشيعة والأكراد الى دكتاتورية المالكي وتسلطه وتفرده بالقرار. وقد لمسوا ذلك في ولايته الأولى، واكتشفوا أنه يسحق أكبر المؤسسات القضائية والقانونية والبرلمانية بخطوة واحدة، فما الذي دعاهم الى السكوت عليه طويلاً؟

وما الذي جعلهم يعيدون التصويت عليه لولاية ثانية؟

ألا يُشكّل هذا الموقف إدانة لهم جميعاً؟

إنهم يضعون أنفسهم في دائرة الضعيف المغلوب على أمره، وذلك لوحده يكفي أن يجردهم من صفة القيادة ومواصفاتها. فما حاجة الشعب والعراق لقادة يُعجزهم شخص واحد فيكبّل حركتهم وإرادتهم، مع أنهم يملكون المال والعلاقات الإقليمية والأنصار والأتباع والوزارات والكتل البرلمانية والوظائف والمناصب الموزعة حسب نظام المحاصصة؟

وفي عالم السياسة والاجتماع لا يُلام القوي على قوته، ولكن يُعاب على الضعيف ضعفه، بل يتحول اللوم الى منقصة فاضحة عندما يتولى الضعيف منصب القيادة بما توفره له من جاه ومال وعلاقات واتباع ومناصب ومراكز متقدمة في الدولة.

...

إن النظام الديمقراطي المعتمد في العراق، يُنهي دور المواطن عند صندوق الإقتراع، لتبدأ مهمة البرلمان بكتله ورئاسته ولجانه في الرقابة والتشريع والتصويت على السلطات ومنحها الشرعية، وهذا يعني أن النواب هم الذين يتحملون المسؤولية، ولأن النواب العراقيون هم مجرد وجود جسمي بلا عقل ولا روح ولا إرادة، لتبعيتهم المطلقة لقادة الكتل، فان النتيجة التي نصل اليها، هي أن قادة الكتل هم الذين رضوا بهذا الواقع، فخذلوا قواعدهم الشعبية، وارتضوا لأنفسهم دور الباكي على سوء طالعه والعاجز عن تحريك قدميه، والساكت عن الحق.

يواجهنا هنا سؤال كبير يملأ رأس المتابع والمحلل والمواطن:

كيف يسكت قادة الكتل السياسية على رجل واحد يأخذ بالعراق نحو الخراب، وهم يدركون ذلك تماماً وبكل وضوح كما كان يظهر من تصريحاتهم المتكررة، ومع ذلك يتركونه يمارس سياسته بحرية كاملة، فلا يواجهونه إلا من خلال شاشات التلفزيون والمؤتمرات الصحفية؟

لقد عُرف عن السيد عبد العزيز الحكيم رحمه الله جرأته وشجاعته، مضافاً لها مكانته في العملية السياسية، وعلاقاته الوثيقة مع أعلى مراكز القرار الإيراني، إضافة الى تحكّمه بالمجلس الأعلى ومنظمة بدر ـ قبل انفصالها عن المجلس ـ ورئاسته للتحالف الوطني، فكان بمقدوره أن يتخذ الخطوة الصارمة ليوقف المالكي عند حده، وينتشل العراق من الضياع في الفساد والتردي والخراب، لكنه لم يقدم على موقف شاخص يؤثر فيه على المالكي، فما السبب؟

هل هو العجز أم المنفعة؟.. هل هو السخط أمام الإعلام والرضا بالمكاسب في الخفاء؟

هذا السؤال يجب أن يجيب عليه المجلس الأعلى، وإلا فانه مُدان بتشويه الحقائق والمشاركة في الخراب وخداع المواطن.

...

وما الذي جعل نجل الشهيد الصدر الثاني قدس سره، ووارث زعامته وحامل لوائه السيد مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري بملايينه المتعددة وبجيشه المستميت وبمسؤوليه في الحكومة وكتلته الكبيرة في البرلمان، ما الذي جعله لا يقوم باستبدال النقد والهجوم الكلامي على المالكي، بموقف قائم على الأرض بقدمين ثابتتين فيضع اصبعيه في عيني المالكي يوقف تماديه في التفرد والدكتاتورية والتحكم بالقضاء والتلاعب بالنزاهة كما كان يقول هو وقادة التيار الصدري؟

هل هو العجز أم المنفعة؟.. هل هو السخط أمام الإعلام والرضا بالمكاسب في الخفاء؟

هذا السؤال يجب أن يجيب عليه التيار الصدري، وإلا فانه مُدان بتشويه الحقائق والمشاركة في الخراب وخداع المواطن.

...

كما عرّف الشيخ محمد اليعقوبي نفسه بأنه أحد مراجع الدين، وكان شجاعاً جريئاً في تحدي مراجع الدين بالأعلمية، بل ذهب بشجاعته وجرأته وثقته بنفسه أنه وصف المرجع الأعلى السيد السيستاني بـ (الفرعون) ولم يرتجف صوته وهو يطلق هذا الوصف ضد أكبر مرجع في عالم الشيعة. فرجل بمثل هذه القوة على قول الحق وتحدي العرف والمألوف، كيف يتخلى عن مسؤوليته الشرعية في حفظ حقوق العباد والمستضعفين من الشعب التي تضيع على يد المالكي ورهطه، وبمقدوره أن يتصدى له بالفتوى والحكم الشرعي وبأي وسيلة عملية أخرى تجبره على التوقف عن غيه وتوقف ظلمه وفساده وتماديه؟.

وما الذي منعه من الاقتداء بسيرة استاذه الشهيد الصدر الثاني قدس سره الذي ارتقى منبر الجمعة واعلن مواقفه بكل الشجاعة المعروفة عنه أمام أعتى طواغيت العصر وأكثرهم غطرسة وظلما؟. وكيف رضي الشيخ اليعقوبي أن يسكت وهو صاحب مشروع المرجعية الناطقة، على المالكي وهو يراه يتمادى في تخريب العراق بتفرده وفساده ومخالفاته الشرعية والعملية، وهو المطلع على تفاصيلها من خلال حزبه (الفضيلة) المشارك في الحكومة والبرلمان وهيئة النزاهة ومؤسسات الدولة الأخرى؟.

هل هو العجز أم المنفعة؟.. هل هو السخط أمام الإعلام والرضا بالمكاسب في الخفاء؟

هذا السؤال يجب أن يجيب عليه حزب الفضيلة، وإلا فانه مُدان بتشويه الحقائق والمشاركة في الخراب وخداع المواطن.

...

وتشهد التجارب بصلابة المقاتل الشرس رئيس إقليم كردستان السيد مسعود البرزاني رجل البيشمركة وابن زعيمها التاريخي، بعلاقاته وقواته وقدراته فما الذي حال بينه وبين وقفة يستعيد فيها واحدة من وقفات أبيه رحمه الله، فيتصدى للمالكي بجدية الفعل المؤثر؟.

ويستند السيد جلال الطالباني رئيس الجمهورية على نضال طويل وتاريخ سياسي عميق، وخبرة واسعة، وصلاحيات دستورية وعلاقات دولية، وكان يرى أن المالكي يُغطس العراق بالفساد، ويسير به من أزمة لأزمة، فما الذي منعه من استخدام صلاحياته الدستورية، ولماذا تخلى عن شجاعته في مواجهة المالكي بمسؤولية حامي الدستور وراعيه؟

فما الذي منعهما (الطالباني والبارزاني) من الموقف العملي الجاد؟

هل هو العجز أم المنفعة؟.. هل هو السخط أمام الإعلام والرضا بالمكاسب في الخفاء؟

هذا السؤال يجب أن يجيب عليه التحالف الكردستاني، وإلا فانه مُدان بتشويه الحقائق والمشاركة في الخراب وخداع المواطن.

...

وتأتي المسؤولية على قادة الكتل السنة، فما الذي فعلوه لإيقاف المالكي عن تهميش السنة وإقصائهم، واعتقال أبنائهم كما كانوا يكررون ذلك عبر وسائل الإعلام؟. ووراؤهم تقف السعودية وقطر والحكومات العربية وتركيا، وكل هذه سخية غاية السخاء في تمويلهم بالدعم المالي والسياسي والإعلامي، ولديهم حضورهم في أعلى المناصب والمراكز الحكومية، وبيدهم رئاسة البرلمان ووزارات مهمة وقيادات عسكرية وحجم كبير في البرلمان. فماذا يريدون أكثر من عناصر القوة هذه، ليواجهوا المالكي صانع الفساد والخراب والتهميش، في مواجهة حازمة تحت أنظار العالم والسفارة الأميركية والبيت الأبيض وأنقرة والرياض والدوحة؟

لقد أتعبت صيحات اياد علاوي وطارق الهاشمي وسلام الزوبعي ورافع العيساوي وعدنان الدليمي وصالح المطلك وأسامة النجيفي وغيرهم، لقد اتعبوا وسائل الإعلام بكثرة اللقاءات والتصريحات والشكاوى، وأرهقوا أعصاب المواطن من كثرة التهديد والوعيد، لكنهم لم يتقدموا خطوة واحدة توقف عدوهم اللدود رئيس الوزراء نوري المالكي عن تفرده في السلطة، وتلاعبه بالقضاء وتحكمه بمدحت المحمود من أبسط القضايا لأكبر الملفات، كما جاء ذلك على ألسنتهم صراحة؟

هل هو العجز أم المنفعة؟.. هل هو السخط أمام الإعلام والرضا بالمكاسب في الخفاء؟

هذا السؤال يجب أن يجيبوا عليه، وإلا فهم مُدانون بتشويه الحقائق والمشاركة في الخراب وخداع المواطن.

...

بمقدور قادة الكتل أن يقدّموا الجواب الواضح، لكي نتمكن من توجيه الإدانة القاطعة للمالكي على ما فعله.. ولكي نضعه أمام المسؤولية التاريخية فيما فعله بالعراق وشعبه.

إن الذي نطلبه هنا أجوبتهم على الفترة الأولى من حكم المالكي، ومن المفروض أنهم يمتلكون الوثائق والأدلة على إدانته. إن المواطن العراقي يريد أن يعرف الحقيقة كاملة غير منقوصة، ويريد أن يعرف قادته على حقيقتهم.

هل كانوا شركاء مع المالكي فيما حدث؟.

هل كانوا يخدعون قواعدهم الجماهيرية والشعب العراقي؟

هل كانوا هم السبب الأكبر في الفساد والخراب، أم أن المالكي هو السبب الأكبر؟.

بصراحة لا اعتقد أن أحداً منهم سيقدّم الجواب الصريح، وفي أحسن الحالات، سيأتي جواباً عاماً شعارياً، ومثل هذا الجواب ـ لو جاء ـ فلا قيمة له، فالقضية تحتاج الى وثيقة وورقة موقعة وصورة واضحة الخطوط. وهذا ما لا يجرؤ أيّ واحد منهم على فعله، لأنه سيضع نفسه في دائرة الإدانة، إما بالتواطؤ أو المشاركة أو إنحصار الجريمة به.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

في حضرة من صورته على سطح القمر

أدخل كلية الهندسة هذه المرّة لا كضيف على أحد الطلبة، وإنما كطالب، كواحد من هؤلاء الذين سيصبحون مهندسين بعد أربع سنوات.. تمنى مدرس اللغة العربية أن أدخل كلية الآداب، قال مُمتعضاً، ما أنت والهندسة، يمكن لكل من يدخل كلية الهندسة أن يتخرج مهندس، ويمكن لكل من يدخل كلية الطب أن يتخرج طبيباً، ولكن ليس بإمكان كل شخص أن يكون أديباً، حتى إنه ليس كل من دخل كلية الآداب تخرج أديباً.. أنت أديب بطبعك.. لم يكن أستاذي يعرف ولعي الشديد بالهندسة، والهندسة المعمارية تحديداً، ليس لأن أبي كان في مرحلة ما بناء، ولا لأن جدي كان معماراً، وهو من بنى وصمم أغلب بيوت المدينة، وإنما لأني أعشق البناء حد التوله، أتسمر بمكاني وأنا أتابع عمال البناء وهم يرصفون الطابوقة فوق الطابوقة.. أشعر بفرح غامر وأنا أرى الحيطان تقوم سافاً بعد ساف.. كنت أصمم المنازل على الورق، وأصمم الشوارع والمدن ، حتى أني أنجزت ذات يوم تصميماً لشارع الشط، وحاولت تقديمة للقائمقام، لكنني لم أفلح ..

اليوم هو اليوم الأول لي في الكلية، قضيته بالتعرف على الأساتذة، وعلى زملائي وزميلاتي في القسم.. غالباً تكون الأيام الأولى للتعارف..

أخذت من غرفتي في الحيدرخانة إلى موقف السراي دون أن أعرف السبب.. كنا عشرة طلاب من كليات شتى .. تجمعنا في غرفة.. إعتقل بعضهم قبلي، وإعتقل البعض الآخر بعدي، كنت الوحيد من كلية الهندسة، وطالب آخر من كلية القانون، وطالبان من العلوم، والبقية جميعهم من كلية التربية.. فيما بعد عرفنا أن تهمتنا أننا" شيوعيون خطرون"، وأن علينا قضايا سابقة، وأن حصولنا على صحيفة الأعمال تم عن طريق الخطأ ..

كلنا كنا من خارج بغداد، نسكن في غرف مؤجرة في الحيدرخانة، كانت على ما يبدو مخصصة لسكن الطلاب، وكانت الشرطة السرية تنشط في هذه المنطقة بصفة بائعين، أو ذوي مهن، أو صائعين يتطفلون على الطلبة.. أغلب الظن أن بعض الذين يريدون تحليل خبزتهم قد كتب عنا، تأكدت أن بقية الزملاء مثلي، لم يكونوا ممن يتأنى قبل أن يقول شيئاً، ويقرأون "إتحاد الشعب" علناً، وبعضهم يضع شعار المطرقة والمنجل فوق سريره.

كنا نحاذر الإختلاط مع السجناء العاديين، الذين كانوا ينظرون لنا بنوع من التوقير، ويحاولون جاهدين التعبير عن هذا، وإن بطرقهم الخاصة .

بعد قضاء أربعة أسابيع شعرنا بالخطر، خطر الفصل من الكلية.. كل منا سجل دوامه الرسمي ، وداوم ما يقارب الإسبوع، وهذا يعني أن كل منا مسجل الآن غائب بدون عذر مشروع. إتصلنا بمدير الموقف، شرحنا له الأمر، وطالبناه بالتعجيل في قضيتنا، فإما أن يحيلنا إلى المحاكمة، أو يطلق سراحنا إذا لم يكن علينا شيء

قال: كيف أطلق سراحكم، وهل أنا من إعتقلكم؟

- من إعتقلنا، ولماذا؟

- أعتقلتكم مديرية الأمن، وأرسلتكم لنا كموقفين على ذمة التحقيق، أما لماذا فلا أدري، وهذا ليس شغلي .

- بعد أيام قليلة سيمضي علينا في التوقيف شهر..

- البعض هنا موقوف منذ سنين، ومن دون تهمة محددة، فما قيمة الشهر التي تتحدثون عنه.

-إذا مر شهر سنفصل جميعاً من كلياتنا، وسيضيع مستقبلنا، فهل يرضيك هذا؟

نظر لنا بحنو ، ثم قال : لا .. لا يرضيني، ولكن ماذا بيدي؟

- ساعدنا!

- كيف أساعدكم؟

- خاطب مديرية الأمن .. ذكرهم بوضعنا..

- سأحاول.. أعدكم أني سأكتب كتاباً للجهة المختصة، لمديرية الأمن بهذا الخصوص، وإنشاء الله يصير خير.

شكرناه، ولكن الشهر إنقضى، وهاهوذا الشهر الثاني وقد إنصرم نصفه... تيقنا أننا الآن لم نعد طلبة..

أيقظونا من نومنا، ما زال الوقت مبكراً على الفطور.. قالوا لنا إستعدوا للخروج .. لم يكن لدينا ما نجمعه . اشياؤنا توضع في الجيب ليس إلا ..

في باب الموقف كانت سيارة عسكرية بإنتظارنا.. أركبونا بها، لم يستعملوا العنف، ولكن شيء من الدفع، إذ لا يمكن للشرطي نسيان عادته، أنه مجبول على الأمر والزجر، هكذا يُعامل ممن هم فوقه، وهكذا يعامل من هم دون أو من يحسبهم كذلك.

لم نستطع رؤية شيء من معالم بغداد، فالسيارة القفص لم تكن مشبكة، بل مغلقة بإحكام.. لم ننبس ببنت شفة طيلة الطريق الذي قطعناه بسرعة على ما يبدو، ثم إنزلونا في مكان معروف بالنسبة لبعضنا.. هذه الباحة، باحة الأمن العامة.. صفونا كما يصف التلاميذ عند أخذ تحية العلم في صباحات الخميس، وبعد أن تأكدوا من إنتظامنا وفق ما أرادوا، طلبوا منا الإنتظار ..

ننتظر.. ولكن ننتظر ماذا، هذا هو السؤال الذي كان يدور في ذهن كل واحد منا، والذي لم نكن لنجد له إجابة..

لم يكن يعرف بعضنا البعض، لكننا أصبحنا قريبين جداً من بعضنا البعض، لم يكن أمامنا طيلة الأيام والليالي الطويلة في معتقل السراي سوى الحديث، والحديث في كل شيء تقريباً، لذا فقد أصبحنا نعرف بعضنا البعض كما لو كنا اصدقاء منذ الطفولة، وكما لو كنا من حارة واحدة . تحدثنا عن كل شيء تقريباً، حتى عما يعد من خصوصيات كل منا، لكننا لم نتحدث في السياسة. نحن هنا بفعل السياسة كما يبدو، إذ ما زلنا حتى لحظة خروجنا من الموقف لا نعرف سبب توقيفنا على وجه الدقة.. هل هو سبب سياسي كما إدعى مدير الموقف، أم سبب آخر لا نعلمه، ظلت حيرتنا كما هي، خصوصاً ونحن نصف هذا الصف الكشفي في باحة مديرية الأمن العامة . الوقوف بإنتظار مجهول صعب وقاس، إنه تعذيب من نمط آخر.

أخذ الأفراد المدنيون المتوزعون في الباحة التحية، دفعنا بعضهم إلى الخلف، دون أن نعرف لماذا، فنحن لا نسد طريق أحد، لربما لأننا الوحيدون الذين لم يؤدوا التحية، لم نجد رتبة أمامنا .. تقدم منا رجل ضعيف البنية، ربما تعدى الأربعين قليلاً، تأمل بنا، سأل: همه ذولة؟

أجابه الجواب من كل صوب: نعم سيدي .. همه..

إقترب منا، قال بلهجة تحذير أكثر منها عرض معلومات: أنتم ستقابلون السيد المدير العام .. رغم كل مشاغله قرر أن يقابلكم، فإياكم والإطالة، هي بضعة دقائق يسألكم فيها وتجاوبون.. لا تقاطعون سيادته، هذه مديرية أمن وليس صف دراسي ..

سأله زميلي الذي جنبي: عماذا يسألنا؟

ردّ بعصبية: وما أدراني يا غبي يا ابن الغبيّة .

ثم عقب: واضح أنتم سوف لن تجعلوها تمر بسلام.. والله إن لم تحافظوا على أقصى درجات الأدب فإني سأربيكم.

كان يزعق، ولا ندري لماذا؟ ربما كي يسمع الجميع، وربما كي يصل صوته إلى السيد المدير العام..

لم يكن أمامنا سوى تجاهل هذا المخلوق..

واصل زعيقه، ولكن ليس علينا هذه المرّة، وإنما على النفرات الذين في الباحة ..

قطعت زعيقة إشارة شرطي .. لوّح له بإن يدخلنا..

صرخ: إنتظموا ..

كنا منتظمين على أية حال ..

زعق مرّة أخرى: تقدموا..

تقدمنا.. كسرية مبتدئة من الجنود، كان يوجهنا، ويدفع بعضنا ليحافظ على إستقامة الخط..

همس صاحبي : مهبول هذا!

أغلب الظن أنه سمع ماقاله صاحبي، لكنه لم يقل شيئاً، بلع ريقه، ربما لم يكن بإمكانه فعل شيء، فقد أصبحنا أمام غرفة مدير الأمن العام.

أدخلونا الغرفة بالترتيب وبإنتظام ..

كان مدير الأمن العام يجلس خلف منضدة كبيرة، كدّست عليها الأضابير.. لا يعقل أن تكون هذه الأضابير لنا.. نحن لسنا بهذه الأهمية، ولا بهذا الحجم ..

لكنها كانت لنا فعلاً..

قال: كل هذه المصايب فعلتوها؟!

لم يكن السؤال موجهاً لأحد منا، لذا لم يتلق أي جواب من أي منا..

قلّب أحد الإضبارات ..

-        من منكم صادق سليم عوّاد؟

رفعت يدي : أنا..

- كم عمرك.. أكملت الثامنة عشر قبل شهر..

- كل هذا فعلته وأنت لم تبلغ الثامنة عشر ، فماذا ستفعل لو بلغت الأربعين؟!

- أنا لم أفعل شيئاً، أو لم أفعل أي شيء خطأ .

- يقولون أنك أخطر شيوعي في المدينة؟

- كيف أكون أخطر شيوعي، وأنا غادرت المدينة قبل سنتين .. عندما غادرتها كنت دون السادسة عشر، فكيف أكون أخطر شيوعي، وأنا وفق نظامهم الداخلي لا يُقبل ترشيحي إذا طلبت الإنتماء لهم؟..

- هل هم يتبلون عليك؟

- لا أدري .. ليس لي ذنب سوى كوني من مناصري عبد الكريم قاسم.. هل إقترفت ذنباً لأني ناصرت الزعيم؟

لست أدري كيف جرى مثل هذا الكلام على لساني.. لقد أطلقته هكذا من دون أن أفكر فيه، ولا أعد له، ويبدو أنه غيّر الموقف برمته.

ردّ بإنفعال:

-        لا.. كلنا نناصر عبد الكريم قاسم .. عبد الكريم قاسم زعيمي، وزعيمك، وزعيم العراق كله..

نظر لي بتمعن، ثم تنقل بنظراته بين بقية الشباب..

- إسمعوا يا شباب.. أنا مدين للزعيم بحياتي.. لقد كنت مفصولاً، ثم قام بإعادتي الى العسكرية، ليس هذا فقط، بل قام بترفيعي، وتعييني مديراً للأمن العام، وهو أخطر منصب كما تعرفون ..سأظل من المخلصين للزعيم حتى آخر يوم في حياتي..

- ولكن ليس كل رجال الأمن هكذا..

- نعم .. لقد ورثنا جهازاً خرباً وفاسداً من العهد البائد، لكننا أجرينا إصلاحات كثيرة عليه ، ربما بعضهم من دون ضمير، يكتب ضد بعض الناس جزافاً، ولكن كما يقال لا دخان بلا نار، قد يكون بعض ما يكتبونه صحيحاً.

- الصحيح في كل ما كتبوه ، إننا نحب الزعيم، فإذا كان حبنا للزعيم مما تعاقبون عليه فعاقبونا إذن.

- أريد أن أسمع غيرك.

ثم أشار لطالب القانون: أنت ماذا تقول عما كتبوه عنك؟ هل فعلاً تريد أن تكون زعيم كلية القانون؟

- أنا لم أتعرف على الكلية بعد.. فقط أقل من إسبوع لم يتسنى لي حتى التعرف على اساتذتي وزملائي، فكيف أكون زعيماً سيدي؟

- أنت ولد مُهذب، ليس مثل البعض .

يبدو أن كلمة سيدي التي إعتاد عليها أعجبته، وأنا لم أخاطبه بسيدي .. المهم أحرجته بما هو أهم من (سيدي).

طلب السكرتير فحضر على الفور، قال :

- خذ هذه الأكاذيب والخزعبلات.. الشباب سيقابلون الزعيم الأوحد ، هو يعرف قضيتهم ، فلا تبعثوا هذه الترهات له ..

- تؤمر سيدي ..

- ضيّف الشباب ببسي على الأقل .

قال طالب القانون: ببسي ببسي سيدي، لو ببسي الأمن؟

ضحك، حتى إستلقى على قفاه: لا.. لا تخف.. ببسي ببسي، أصلي مو تقليد..

ونحن نحتسي الببسي البارد، قال: الأمن في زمننا ليس كالأمن زمن بهجت العطية.. إنتهى العهد البائد، نحن نعيش اليوم عهد الجمهورية، جمهورية الزعيم الأوحد. أنتم محضوضون ستتشرفون برؤية الزعيم شخصياً.. أصبحت عقيد في الجيش ولم يتيسر لي مقابلة عبد الإله أو نوري السعيد، فكيف بالملك، أنتم الآن، وبهذا العمر، ستقابلون زعيم الأمة الأوحد، هذا هو الفرق بين العهد المباد وعهد الزعيم الأوحد.

 

****

 

   لم يركبونا هذه المرة بسيارة قفص مصفحة، بل قسمونا إلى ثلاثة أقسام وأخذونا بسيارات خصوصية.. عبرنا القصر الأبيض.. ثم ساحة الطيران.. كانت بغداد تزهو.. بدت لناظري على الأقل أكثر جمالا وبهجة مما عرفتها.. أتكون بغداد قد تغيّرت، أم أن ثمة شيء تغيّر فيّ؟

كانت الشمس تحتجب بين الفيئة والأخرى بالغيوم البيضاء المتقطعة المهرولة، فتبدو شوارع بغداد كما لو إنها في الغبش الطري .. كانت بغداد مظللة وطريّة.. أشجار اليوكالبتوس السامقه ندية، حتى أن بعض قطرات المطر تتساقط من أوراقها البالغة الخضرة و النداوة، والناس يسيرون دونما عجالة، لم تكن السيارات التي أقلتنا تسرع في سيرها كعادة السيارات الحكومية.. كانت تسير كما السيارات الأخرى، وتتوقف عند إشارة شرطي المرور، لم يكن يخطر ببال أي منا أننا سنقابل الزعيم .. ترى كيف وعلى أي نحو سنعرض قضيتنا؟

بعد توقف قصير للإستفسار سُمح لسياراتنا بإجتياز باب وزارة الدفاع.. توقفت السيارات أمام بناية لا تختلف عن مثيلاتها في مجمع وزارة الدفاع، عرفنا أننا الآن أمام مكتب الزعيم عبد الكريم الجدة..

أدخلونا غرفة صغيره، وطلبوا منا الإنتظار.. بعد دقائق قليلة خرج الزعيم عبد الكريم الجدة، توجه لنا، ثم قال من دونما مقدمات: الزعيم منشغل الآن بالوفد الصيني.. حالما ينتهي من مقابلة الوفد سندخلكم على سيادته.

أن ينشغل زعيم العراق بالوفد الصيني، وفد أكبر بلد في العالم، وبوفود الدول الأقل شأنا، وبالمسؤولين في حكومته، أمر في صلب مهامه، ولكن أن ينشغل بنا، ويقتطع من وقته لمقابلتنا فهذا أمر لم نكن نستطيع فهمه، أو هضمه، أو تبريره.. نحن قصر بجمع لسنا أكثر من طلبة لا ندري هل نحن جامعيين، أم أصبحنا خارج الجامعة.. بقدر تعلق الأمر بي أنا صادق بن سليم فإني أعرف حجمي، وأعرف طموحي الذي لا يتجاوز أن أكون طالباً في كلية الهندسة. هل خطأ حدث ما ، أيكون المقصود غيرنا؟..

(   الأمور كما أقول لكم صدقوني.. مرّ بسيارته من أمامي.. أدرت وجهي عنه.. هذه هي المرّة الثانية التي تضعه الصدف أمامي فأشيح بوجهي عنه.. كانت المرّة الأولى في باب المعظم، واليوم عند منحدر جسر الجمهورية.. لماذا لا تصدقوني؟.. صدقوني!.. لقد توقف موكبه، ثم نزل من سيارته، وإتجه صوبي، حتى إذا أصبح بمواجهتي تماماً، رفع إصبعة بوجهي، وخاطبني غاضباً: "لماذا تشيح بوجهك عني؟.. هذه المرّة الثانية التي تفعلها.. لماذا؟ .. أنا إبن الشعب.. خادم الشعب..".. اصارحكم كنت مرعوباً.. ما الذي سيحدث لي؟.. حمايته طوقتني.. ربما لم تطوقني.. ربما طوقته هو، لكنني أحسست أنهم يطوقونني، وينتظرون إشارة من الزعيم ليفتكوا بي.. سألني: من أنت؟ أجبت: أنا عبد جياد سيدي.. من مدينة السماوة..

-        هل عندك معاملة هنا؟

-        لا سيدي .. أنا مجرد زائر، وسأعود اليوم ..

-        ألك حاجة .. أتريد شيئاً..

-        لا أريد أي شيء سيدي..

-        هل ظلمت؟..

-        كلا سيدي

-        إذن لماذا هذا الموقف العدائي مني؟

إستعصت عليّ الإجابة.. نعم، لماذا الموقف العدائي منه؟ أيكون لموقفه منا بعد خطاب كنيسة مار يوسف؟ أنا لم أشعر بأني أعاديه، وإن كنت غاضباً منه..

قلت: سيدي أنا بعين واحدة.. هذه، وأشرت إلى عيني اليسرى: من زجاج.. لم أعرف موكب من الذي مرّ أمامي؟ إعذرني سيدي ..

إبتسم .. ثم تقدم مني وربت على كتفي: لا تهتم .. ولكن إذا كنت بحاجة ، فلا تتردد ، قل لي ما حاجتك؟

-        سلامتك سيدي .. الله يحفظك . )

..................................................................

قال جندي من الحرس : الوفد الصيني سيغادر مكتب سيادة الزعيم .. إستعدوا..

..................................................................

   (الحجي يقطع شيف الرقي إلى أجزاء صغيرة، ويرتبها في الصحن، وأم ليلى منشغلة في باحة الحوش في تنظيف السمك، الذي أصرت أن يشوى في التنور..ليس لي معرفة سابقة بزوجها الحجي، أما أم ليلى فهي قريبة أبي.. رأته صدفة في الصدرية، لم تعرفه أول وهله، كانت تشتري من دكانه مسواك يومها، عندما حاسبها على مبلغ المسواك عرفته: أنت سليم !!

وعرفها على الفور. كنت جالساً في الدكان.. أصرّت على أن تعزمنا على الغداء هذا اليوم . كان بيتها في الصدرية، ليس بعيداً عن الدكان .

قال الحجي: كنت سائقاً للزعيم عندما كان ضابطاً صغيراً في جلولاء ..

كان الحجي يسكن أحد الدور المجمده، العائدة لليهود، ويدفع إيجارها للأموال المجمدة. بعد أن تقاعد من الجيش، إشتغل سائق لوري حمل بين بغداد وبعقوبة ..

     " كان الطريق أمامي مفتوحاً، وكنت أسير بسرعة أكثر من المعتاد.. فجأة مرقت أمامي سيارة، ثم تبعتها سيارات، لا أعرف عددها..خمنت أنه موكب رسمي، لم يخب ظني.. أشارت لي سيارة بأن أقف.. توقفت على جانب الطريق، وتوقف الموكب.. نزل رجل من السيارة الأولى، ثم تقدم مني، ثم سألني: ألست عبيد الفهداوي؟ قلت: نعم سيدي؟ ألم تعرفني : ومن لا يعرف الزعيم الأوحد، محبوب العراقيين .

حتى هذه اللحظة، لا أعرف كيف إستطاع أن يلمحني، ويميزني، بعد كل هذه السنوات.. ثم يوقف موكبه في الخلاء، ويتقدم كي يسلم عليّ، ثم يسألني هل عندي بيت، قلت: لا سيدي، أنا أعيش في الإيجار، في دار من الدور المجمدة في الصدرية ..

أعطاني دارا، وسننتقل لها نهاية هذا الشهر.. ما يحيرني يا ولدي، كيف عرفني..عندما كنت سائقاً له كنت شاباً يافعاً، وأنا اليوم طاعن في السن، كنا نسير في نفس الإتجاه، لو كان قبالتي، لقلت ممكن، إذ من المعروف عن الزعيم أنه ممن لا ينسى الوجوه قط، لكنه كان يسير بنفس إتجاه سيري .. حتى الآن لا أستطيع إدراك ما حدث، لكنني إستلمت ملكية الدار..هو من منحني داراً. )

...................................................

قال لي طالب القانون قبل أن نجتاز باب الغرفة : تماسك!

سألته: هل أنت متماسك؟

لم يكن أي منا متماسكاً، نحن قادمون على ما لا نعرف، وسنواجه رجلاً أضحى أسطورة .. رأوا صورته على سطح القمر ..

كنا مضطربين غاية الأضطراب، مضطربين قبل أن نجتاز باب غرفة الزعيم، لكننا ما أن أضحينا داخل الغرفة حتى تلاشى إضطرابنا دفعة واحدة، كأنه أمر إنساب من دواخلنا .. كنا نحسه ونكاد نراه، ينساب كخيط الدخان، يخرج من دواخلنا، متجاوزاً باب الزعيم، ثم متلاشياً في الفضاء الرحب ..

لم يكن الزعيم في مكتبه، بل كان يستقبلنا عند باب الغرفة، ثم يأخذ أولنا بيده ليجلسه في مكان مقابل المكتب، وهكذا إصطففنا جميعاً ..

كنا نحس الخوف في غرفة مدير الأمن، لكننا هنا شعرنا أننا في مأمن، إحساس ما إنتابنا بإننا أمام رجل بالغ الرحمة، سلس، لا يضام ولا يظلم عنده إنسان، هكذا كان إنطباعنا، وعلى ضوء هذا الإنطباع تصرفنا..

كانت الغرفة واسعة، ولكن ليس ثمة شيء فيها زائد عن الحاجة.. فسحة واسعة أمام المكتب .. لا شيء معلق على الجدران.. لا تحف.. حتى المكتب الذي يجلس خلفه الزعيم بدا متواضعاً، حتى أنه أقل فخامة من مكتب مدير الأمن العامة، وحتى أقل هيبة من مكتب عميد كلية الهندسة .. أيكون هذا الذي أمامنا بجسمه الرشيق وفودية الأشيبين هو شاغل الدنيا، ومعبود الناس؟..

بعد أن إستوى خلف كرسيه، قال دونما مقدمات: أخبرني عبد المجيد بقضيتكم؟

لم يجرؤ أي منا على الكلام .. كنا نريد أن نعرف ماذا أخبره؟..

ثم طفق يحدثنا عن الثورة وأهدافها.. كان يتكلم بسرعة، ومن دونما توقف. أحياناً يخاطبنا كما لو أننا خصوم، وأحياناً كأبناء بررة، محبين، وأنصار مخلصين ..

كنا نحدّق فيه مبهورين، ورغم أن كل ما كان يقوله كان معروفاً، ومعاداً بالنسبة لنا، إلا إننا كنا منبهرين به، كما لو أننا نتعرف عليه لأول مرّة.. ولم نكن نتمنى أن يتوقف عن الكلام .. ما مرد هذا؟!

إحساس غريب ذاك الذي إنتابنا ونحن بحضرة الزعيم، لكننا في النهاية خرجنا من اللقاء الذي كان طويلاً نسبياً دون أن نحقق شيئاً، ودون أن نعرف ما الذي سيحدث لاحقاً، وهل سنعود لكلياتنا أم لا؟.. لم نعرض قضيتنا، وهو لم يتحدث عنها، وكأننا حضرنا لنستمع لخطبة الزعيم ..

قبل أن يودعنا أعطى لكل منا صورة له موقعه بخط يده، ثم ودعنا مثلما إستقبلنا حتى باب الغرفة ..

لم ندري ماذا نفعل وقد اصبحنا خارج غرفة الزعيم .. لم نكن ندري أين نذهب.. إصطففنا أمام غرفة الزعيم عبد الكريم الجدة.. وبقينا ننتظر..

مرّ بنا الضابط الذي أوصلنا إلى غرفة الزعيم، سألنا: لماذا تقفون هنا؟

سأله طالب القانون: واين نقف؟

قال : إذهبوا إلى بيوتكم ..

لم نصدق ما سمعنا، فأسرعنا السير بإتجاه البوابة الرئيسية، كنا نخشى أن يستعيدنا أحدهم، أن يتذكر أنه يبنغي أن يعيدنا إلى المكان الذي جئنا منه، أو يعلم البعض أننا ما زلنا موقوفين ، ولكن لماذا كنا موقوفين اصلاً.. لماذا أوقفونا؟ .. لماذا إستقبلنا مدير الأمن العامة؟.. لماذا أستقبلنا الزعيم؟ .. ولماذا تركونا نذهب إلى بيوتنا؟ ..

خلاصة الأمر أن لا أحد منا عاد إلى كليته، فلقد أصبحنا في عداد المفصولين لتجاوز غياباتنا الحد المسموح به..

 

صباح علي الشاهر

 

إسلاميو السلطة (73): عدا الكلام، ماذا فعل قادة الكتل في قضية السوداني؟

salim alhasani2تلقيت رسالة من السيد نوري المالكي كتب فيها عدة محاور عن قضية الفساد المدوية لوزير التجارة الأسبق الدكتور عبد الفلاح السوداني. وقد أوردتها في المنشور السابق على صفحتي، إلتزماً بالأمانة العلمية وموضوعية الحوار ومسار الوقائع التاريخية.

من الضروري أن ألفت نظر القارئ الكريم، أن الرد الذي تسلمته من السيد المالكي هو الوحيد حتى الآن من بين الشخصيات التي تناولتها في هذه السلسلة، فيما بقي الآخرون على صمتهم، باستثناء السيد نديم الجابري الذي كتب مقالاً عاماً لا علاقة له بالنقاط التي اثرتها عليه، وحين اجبته بمقال فيه المزيد من التفاصيل عن ماضيه وتاريخه وعن حزب الفضيلة، اكتفى بتعليق يُحذّر فيه من قراءة مقالاتي باعتباري حسب وصفه (كاتب مشبوه).

...

جواب السيد المالكي يضع هيئة النزاهة والقضاء العراقي أمام الاتهام المباشر، وكذلك يفتح باب الاتهام على قادة الكتل السياسية بلا استثناء وعلى كبار المسؤولين وعلى النواب جميعاً.

المعلومة المؤكدة أن الوزير عبد الفلاح السوداني، هدد بأنه سيكشف كافة الصفقات التي منحها لمسؤولين كبار في الحكومة، فيما لو تم إعتقاله. وقد انتشر تهديد السوداني بسرعة فائقة بين قادة الكتل والكيانات، وتعاملوا مع تهديده بجدية وخوف، لأن الرجل لو دخل السجن، فانه سيكشف الصفقات التي منحها لهم ويذكر الأسماء الكبيرة وبذلك تسقط من الوجوه علامات التقوى، وتتيبس على الشفاه شعارات الوطنية، وتصبح جميع الكيانات السياسية خارج دائرة الانتخابات. ولا يزال السوداني يمتلك هذا السلاح حتى هذه اللحظة. فلا يجرؤ القضاء العراقي على الاقتراب منه، وبمقدوره ان يدخل ويخرج من أي منفذ حدودي ومن أي مطار بحرية تامة.

ربما يجري اعتقاله كإجراء شكلي لعدة ساعات لا أكثر ثم يخرج حراً طليقاً، بل منتصراً متكبراً على قادة الكتل السياسية. فالأسماء على طرف لسانه، وهذا ما يعصمه من السجن، ويجعله أقوى من هيئة النزاهة الوطنية ومن مجلس القضاء الأعلى ومن مدحت المحمود وكافة افراد فريقه القضائي من دهوك الى الفاو.

فمن الذي ضغط على هيئة النزاهة وعلى القضاء، لينجو السوداني بفعلته؟

...

الجواب العاجل يأتي على ألسنة قادة الكتل والقياديين بأن المالكي هو الذي فعل ذلك، هذا ما كان يسمعه المواطن العراقي على مدى السنوات الماضية. وهو أمر قد يكون صحيحاً أو خاطئاً، فهذا أمر يتحمل المالكي وفريقه الإعلامي الإجابة عليه. لكني أريد أن أثير وجهة نظر أخرى خلاصتها أن السوداني هو الذي أجبر معظم قادة الكتل والشخصيات المهمة في الحكومة على التحرك العاجل للضغط على هيئة النزاهة والقضاء. فهو الذي يحتفظ بالسر الأعظم ولديه الأسماء الفاسدة كلها، وقد أوصل تهديده لهم، فتحركوا سراعاً للتستر على فساده وفسادهم، وهم بمجموعهم يشكلون قوام العملية السياسية وثقلها، ففيهم قادة من المجلس الأعلى وحزب الفضيلة والتيار الصدري وحزب الدعوة، وتنظيم العراق وتيار الإصلاح وكتلة المستقلين والقائمة العراقية وجبهة التوافق وغيرهم، فلقد أنعم عليهم السوداني نعمة لا يُنسى فضلها ولا يضيع أجرها، فأمسك بتلابيبهم فرداً فرداً، وصار بمقدوره أن يأخذ برؤوسهم ولحاهم فيما لو واجه السجن، وبذلك صاروا حصنه وحماته والذائدين عن حياضه.

وهذا ما يعيدنا الى المشهد التلفزيوني الذي ظهر على قناة العربية في حوار بين النائبين صباح الساعدي وعباس البياتي، ليلة إعادة طائرة السوداني من الأجواء الى بغداد، وفيه فقد البياتي تماسكه النفسي والسياسي، حين راح يتهم الساعدي عن خرقه القوانين والأصول، ويتدخل لإعادة طائرة السوداني الى بغداد. وترجع الذاكرة ايضاً الى النائب عبد الكريم العنزي رفيق السوداني في قيادة تنظيم العراق، وهو يجول المنطقة الخضراء ويجري اتصالاته المتتالية لمساندة السوداني قبل أن ينكشف الغطاء عن الجميع. ومثله فعل خضير الخزاعي. كما استبد الخوف بالسيد هادي العامري زعيم منظمة بدر لكونه قد حصل على صفقات الزيوت الضخمة من وزارة التجارة، وامتد الأمر الى قياديين في المجلس الأعلى حصلوا ايضاً على صفقات الزيوت، ولم ينته القلق عند بعض القادة السنة الذين أرضاهم السوداني بمفردات الحصة التموينية.

كل هذه الأسماء والكيانات كانت تخاف من المتهم المُدان عبد الفلاح السوداني، وبذلك صار هو الأقوى وهو صاحب الكلمة الفصل في التحكم بمستقبل قادة البلد، ووضعهم أمام خيارين إما إسكات القضاء أو مرافقته الى السجن.

...

وبحسب رسالة السيد المالكي فأنه أحال رئيس أركان الجيش السيد بابكر زيباري الى هيئة النزاهة، وشخصياً لم أكن أعرف ذلك من قبل، ولعل الكثير من أبناء الشعب لا يعرف ذلك، لكن زيباري لم يتداوله الإعلام ولم يتهدده السجن ولم تقترب منه أجهزة القضاء، لأن الضغط هذه المرة جاء من الكرد والسنة بحكم سيطرتهم في تلك الفترة على أعلى مناصب وزارة الدفاع، ومثلما استقوى السوداني بالاسماء السحرية، فان رئيس أركان الجيش فعل الأمر نفسه، فسارع المتورطون من قادة الكتل وكبار المسؤولين والضباط الى الضغط على هيئة النزاهة والقضاء، لحملها على السكوت، قبل أن يفلت لسان الفريق زيباري ببعض الأسماء.

...

تتضح الصورة أكثر من خلال موقف رئيس هيئة النزاهة الذي عينه السيد حيدر العبادي، فقد أراد ان يكون جاداً مخلصاً في عمله، فاذا به يجد الملفات وقد ضمت الأسماء الثقيلة بالقابها ومناصبها ومواقعها وعشائرها وبيوتاتها، فراح يؤجل الملف تلو الملف، على أمل ان يعثر على واحد خفيف الوزن، وحين خاب ظنه، أعلن عدم قدرته على انجاز المهمة.

نحن أمام مشكلة صادمة، تتجاوز المعقول، حين يتحول السارق المتلبس باللصوصية الى شخص أقوى من القانون والنزاهة والقضاء، لأنه يُشرك معه قادة الكتل مباشرة أو عن طريق وسطاء، وبذلك يحمي نفسه حين تحين ساعة الفضيحة.

...

يتبدل رؤساء الوزارات وسيتبدل العبادي لكن الفساد يبقى على هذه الوتيرة، لأن القوة الخارقة للفاسد هي أكبر من الحكومة والقضاء، فهي حاصل جمع قيادات الكتل وكبار المسؤولين، وبذلك لن يقف أمامها أي حاجز مهما ثقلت موازينه الدستورية.

لكن القضاء وهيئة النزاهة ستكون قادرة على صغار الموظفين، أو على المسؤولين من ذوي الظهر المكشوف، حيث تستعير الصوت المرعب، والقرار الصارم والحكم النافذ، وهذا ما حدث مع وزير البيئة الأسبق سركون لازار صليوه فقد أصدرت حكما بالحبس المشدد لمدة سنتين. وقد تشجعت على ذلك لكونه من المسيحيين الآشوريين وليس وراءه حزب كبير ولا كتلة قوية ولا مليشيا مسلحة.

هيئة النزاهة الوطنية والقضاء امام المساءلة وعليها أن تجيب عن تجميدها ملفات الكبار.

856-MALIKI

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

(بايسكل).. قصة لا تخلو من متعة

latif shafiqالمقدمة: البايسكل هي التسمية الإنجليزية للدراجة الهوائية والتي اعتاد الناس على تسميتها بهذا الاسم منذ أن وطأت أرض الرافدين، ونحن منذ الصغر كنا نسمع بالبايسكل ونمني نفوسنا الحصول على واحدة منها والتي تحتوي على ثلاثة (جروخ) أي عجلات، وهناك أنواع عديدة منها تستخدم لشتى الأغراض ولازالت لحد الآن تملك ناصية المكان والاستخدام في دول عديدة الغنية والفقيرة منها على السواء، ويستخدمها رؤساء بعض الدول المتقدمة لغرض انتقالهم من المسكن وإلى مبنى الحكومة مرورا بشوارع مدنهم دون أن يكترث الناس لهم،وبخلاف مسئولينا الذين يختبئون عن أنظار الناس بسياراتهم المصفحة أو المضللة .

إن سبب استخدام تسميتها بالبايسكل لكون اسمها سيرد ذكره في هذه القصة وبهذا الشكل.

 

القصة:

إن المسافة بين مدينة (ونستن سليم) ومدينة (كرينز بورو) الأمريكيتين الواقعتين في ولاية نورث كورولاينا لاتتعدى 25 كيلو مترا وبالامكان قطعها بالسيارة على طريق (الهاي وي) خلال 25 دقيقة تقريبا، وعلى هذا الأساس انطلقنا تحت وابل من المطر اللذيذ الذي أضفى على الرحلة روعة وجمالا وزادها مشهد الطريق الذي تحفه أشجار باسقة على جانبيه لازالت تحمل لون الخريف الزاهية ومما زادت روعته هو هطول المطر ! هذا المطر الذي يختلف عن مطر مدننا المنكوبة والذي يحيلها إلى مستنقعات وبرك وسيول جارفة وأوحال تهاجم البيوت والأزقة وتدخل كل فج عميق .

بعد أن انقضت المدة المحددة لقطع المسافة بين المدينتين وصلنا إلى المدينة التي تظم الشركة العامة لبيع وتصليح (البايسكلات) من مختلف الأنواع والألوان والأحجام والموديلات والمسماة (تراك)، إن بإمكان المشتري أن يختار ما يرغب من الأنواع والألوان بعد أن تجرى له عملية مطابقة البايسكل الذي اختاره مع موصفات جسمه من ناحية الطول والوزن والقابلية البدنية وحسب مقاييس ثابتة لدا الشركة وبعدها يسلم المشتري نموذجا مماثلا للذي اختاره لكي يستخدمه في الساحة المخصصة لهذا الغرض مع غطاء رأس واقي (هلمت) لتتوفر لديه القناعة بالبايسكل الذي سيستخدمه في المستقبل، وبعد كل هذه الإجراءات والمراسيم والتي لا تخطر على بالنا نحن عند شراءنا البايسكل الذي يعطى لاقتنائها هنا أهمية بالغة لا تتوفر عندنا، وفي نهاية المطاف يتم تسديد ثمنها بواسطة الفيزا كارت أو الكردت ولا يتم استلامها مباشرة بل يتطلب الأمر انتظار بضعة أيام من أجل تأمينها من مخازن الشركة،أما بحضور المشتري إلى نفس المدينة ونفس مكان الشركة لاستلامها أو إرسالها إلى سكنه لقاء مبلغ إضافي.

بعد إتمام الصفقة قمنا بجولة في المدينة ومنها ذهبنا إلى تناول الغذاء في مطعم مصري اسمه (كوشري) وبعده ذهبنا إلى مخزن عربي للتبضع يديره أفراد من المغاربة وقد وفروا علينا التعامل بلغتنا العربية الأم مع بعض الاختلافات باللهجة.

لقد دفعني الفضول لأسأل ابني الذي حجز نوعا من تلك البايسكلات عن سعره فطلب مني أن أخمن السعر فكان تقديري انطلاقا من فكرة أسعار الدول الرأسمالية الباهظة فيمكن أن يكون ب 200 دولار مثلا، عندها ضحك ولدي وقال إن سعره مع الضريبة هو 900 دولار !! وبين لي أيضا بأن هناك بايسكلات تتراوح أسعارها آلاف الدولارات وقد تصل إلى عشرة آلاف دولار، عندها خطرت لي فكرة لو أن مثل هذه البايسكلات موجودة في أسواقنا ويقتنيها من يرغبها فقد يوفروا على سارقي السيارات عناء سرقتها ويتحولوا إلى سرقة البايسكلات لسهولة الأمر.

أعود بذكرياتي المتعلقة بشأن البايسكلات حيث اقتنيت واحدا منها في مقتبل شبابي عندما أكملت مرحلة الدراسة الثانوية فقيل لي أن موظفا بسيطا محتاجا في مدينتنا الخالص والتي تسمى آنذاك (ديلتاوه) يروم بيع بايسكله وأنني لحد هذا الوقت أتذكر اسمه وهو(صالح ويلقب بالمهلب) وهي تسمية يطلقها الديلتاويون على أصحاب الشعر الطويل ويبدوا أن صالح لم يقدم على إطالة شعره تماشيا مع المودة والتي أصلا لم تظهربعد في ذلك الوقت وهي (الخنافس) بل أن الضائقة المالية دفعته إلى عدم حلاقة شعر رأسه لمرات متقاربة في وقت كان أغلب الحلاقين يحلقون شعر رأس رجال وأطفال (ديلتاوه) لقاء كمية من التمر تخصص لهم عند موسم (الكصاص) أي فترة قطاف التمر وجمعه، اتفقت مع صالح على سعر بايسكله واشتريته لقاء مبلغ ثلاثة دنانير وهو مبلغ يعادل ربع راتب ذلك الموظف !! والبايسكل المذكور طراز وموديل (28) أي عالي المرتبة وله مقعد إضافي في الخلف عبارة عن (سيباية) على شكل مسطبة خشبية يمكن أن يجلس عليها شخص آخر وسيرد ذكر فائدتها لاحقا .

أكملت مرحلة الثانوية في ثانوية بعقوبة عام 1952 ولم يحالفني الحظ للتقديم للكليات ففضلت أن لا أقضي السنة (عطال بطال) فتقدمت بطلب تعييني بدرجة معلم ابتدائية (مستخدم) وجرى تنسبي لمدرسة السادة الابتدائية والتي تبعد عشرة كيلومترات تقريبا عن مدينة بعقوبة وبطريق غير معبدة ترابية وتخترق البساتين على طولها، لقد برزت هنا أهمية ذلك البايسكل الذي اقتنيته للنزهة في بداية الأمر، حيث جلبته من الخالص إلى بعقوبة ورجوت مدير المدرسة وعلى ما اذكر أن اسمه (صالح) أيضا أن يبقي البايسكل في داره لحين مجيئي من الخالص إلى بعقوبة صباحا للانطلاق لمدرسة السادة صحبة كوكبة راكبي البايسكلات من معلمي المدرسة ويتصدرهم مديرها في الأمام،منطلقين خلال تلك الطريق الترابية وداخل البساتين وبوقت يستغرق بالقليل نصف ساعة في أوقات الصحو أما عندما يكون اليوم ممطرا فإننا نستعيض عن البايسكلات (بالربل)وهو عربة يجرها حصانان وهي وسيلة قديمة انتشر استخدامها في تلك الأوقات، أما أذا كان سوء الطالع يسايرنا وينهمر المطر فقد تغرس العربة في حفرة من الوحل يصعب انطلاقها فيترتب علينا أن نترجل منها بعد أن نخلع أحذيتنا ونشمر عن سراويلنا ونبدأ بعملية أخراج العربة من الوحل وذلك بأن يقوم بعضنا بجر الحصانين وآخرون يقومون بدفع العربة من الخلف، ولكم أن تتعرفوا عن حالة وهيأة تلك المجموعة من معلمي ذلك الزمان عند وصولهم إلى المدرسة لنشر العلم بين أبناء تلك القرية المسكينة .(معلم مطين حريص خير من معلم كاشخ وفارغ)

انتهت السنة الدراسية وانتهت معها مهنة المعلم الشاقة وعدت سالما إلى مدينة الخالص وبجعبتي بعض الدنانير وفرتها من عرق الجبين ومن فوائد البايسكل العتيد، وبدأت فترة العطلة الصيفية وخلالها الاستعداد للتقديم لأحد الكليات،أما المحروس البايسكل فقد سخرته للتمتع بأوقات العطلة ومنها الذهاب لنهر الخالص وهو عبارة عن ترعة تتفرع من نهر ديالى تغذي بساتين الخالص بالماء، وكذلك من أجل أن يسبح الفتيان فيه أيضا ولا يتعدى غطسه المتر الواحد وبذلك فإنه لا يوفر جانبا لتعلم السباحة، خلال ذهابي إلى نهر الخالص كثيرا ما اصطحب معي أحد أصدقائي ممتطيا مسطبة البايسكل الفريد ومن تلك المرات كانت النزهة بصحبة صديقي نور الدين حسن فارس والذي فرقنا الزمن بوقت مبكر وعلمت بأنه قد حصل على شهادة الدكتوراه بالأدب وهو من الفنانين المرموقين في المسرح والتأليف والفن التشكيلي، تقطع نهر الخالص قنطرة صغيرة لا يتجاوز طولها بضعة أمتار وعرضها كذلك ويشكل الطريق الرابط بعقوبة بالخالص الطريق الرئيس الذي يخترق تلك القنطرة والتي ترتفع عن الشارع ارتفاعا بينا وبسيطا،هذه المرة طلب مني صديقي أن يمتع نفسه بقيادة البايسكل وأن يكون مكاني على (السيباية)، فكان له ما أراد،وهنا حدث ما لم يخطر ببالنا وبما يشبه المفاجأة وذلك خلال بذل الجهد الذي يتطلب ارتقاء القنطرة وبعد الوصول لها استقبلتنا مجموعة من الأشخاص الملثمين وعلى ما أتذكر لا يتعدى عددهم ثلاثة أشخاص يحمل أحدهم بندقية انجليزية من مخلفات الحرب العالمية الأولى وبدأ بإطلاق الأعيرة النارية اتجاه الأرض مطالبا أن نترجل عن البايسكل المسكين وبلهجة أبناء المنطقة وهي (حدرو، حدرو) مكررا إياها بغضب وصوت جهوري وواضح، وما كان منا إلا أن نترك لهم ضالتهم بايسكلي العتيد وأنا أودعه بحسرة وألم ومن الغريب أن (السلابة) لم يطلبوا شيئا آخر فقد صادف أنني كنت ألبس بمعصمي ساعة يدوية نوع (أولما) أهديت لأخي بمناسبة تفوقه في امتحان البكلوريا فطلبت منه أن البسها (لأكشخ) فيها وأفتخر به،رجعنا بخفي حنين مشيا على الأقدام اتجاه المدينة وفي طريق عودتنا التقينا بسائق لوري يقوم بتبديل أحدى عجلات اللوري المعطوبة وبمسافة لا تبعد عن مكان الحادثة فبادرنا بالسؤال عما جرى وما هوسبب أطلاقات الأعيرة النارية؟ وأجبته متهكما : (الجماعة يظهر أنهم ينون أنتاج فيلم سينمائي وهم بحاجة إلى بايسكل فاقترضوه منا)

رجعت إلى بيتنا وعندها بادرتني الوالدة بالسؤال عن البايسكل وسبب عدم وجوده معي فكان جوابي لها غير مقنع واعترفت بحقيقة الأمر فنقلت الخبر للوالد وكان والدي موظفا مرموقا في مدينة الخالص وله مكانة متميزة بين إقرانه من الموظفين ومعروفا بصلابته ونزاهته ومنهم مدير شرطة القضاء لذلك فقد هب إلى مركز الشرطة مسجلا أخبارا بحادثة السلب تحت أثير السلاح .قبلت في الكلية العسكرية الملكية بتاريخ 10 تشرين أول عام 1953 وجرى ما جرى فيها ولغاية السنة الثانية من مباشرتي والتي يطلق عليها بمرحلة المتوسط حيث تتوزع فترة الدراسة في الكلية والبالغة ثلاثة سنوات بتسمية السنة الأولى بالمستجد والثانية المتوسط والثالثة وهي سنة التخرج بالمتقدم ويمنح المتخرج فيها رتبة ملازم ثان إن هذه التسمية كانت تغري الفتيات بقولهن (لو ملازم لو ما لازم) ومنها يتبين مكانة وأهمية تلك الرتبة في ذلك الزمن .، ففي تلك السنة أي سنة مرحلة المتوسط وخلال عام 1954 ورد للكلية تبليغ من مركز شرطة الخالص يتطلب حضوري للمركز المذكور مما أثار تساءل آمر سريتي عن سبب ذلك فبينت له بأنني لا أعرف السبب وأنني تركت المدينة المذكورة قبل ثلاثة سنوات ولم أذهب لها بعد هذا التاريخ، فمنحت أجازة اعتيادية لهذا الغرض وحضرت في مركز شرطة الخالص في اليوم المحدد وبملابس الكلية العسكرية فاستقبلت بحفاوة واحترام بالغين وهنا حدثت المفاجئة المتممة لمفاجئة سرقة البايسكل العتيد حيث أخبرني مأمور المركز بأنه قد تم ألقاء القبض على بعض المشتبه بهم وممن يشك بسرقتهم لبايسكلك العزيز!! مما أثار استغرابي هذا الأجراء والاستدعاء العجيب بعد مضي ثلاثة سنوات على الحادثة والتي أصبحت بنظري بطي النسيان وعندها طلبت من مأمور المركز أن يغلق الدعوى لعدم ثبوت الأدلة . وتم لي غلق قصة البايسكل أيضا والتي صارت مدار تندر زملائي من طلاب الكلية العسكرية بعد أن أوضحت لهم ولآمر السرية أسباب استدعائي المثير والعجيب...    

                        

لطفي شفيق سعيد

ونستون – نورث كورولاينا

12 تشرين ثاني 2015

خليل كلفت فارس الفكر والنضال الذي ترجل

shaker faredhasanفقدت الحياة الثقافية والفكرية والنضالية المصرية يوم الاثنين الأخير احد ابرز اعلامها الكبار، هو الكاتب والمفكر والمناضل الشيوعي خليل كلفت، الذي غادر عالمنا وهو في اوج عطائه الفكري والسياسي والثقافي المنوع .

وكلفت هو مثقف ومفكر وناشط يساري وناقد أدبي وقصصي بارع ومن اهم مثقفي وكتاب جيل الستينات في مصر . بدأ حياته مع كوكبة من اليسار المصري، ولعب دوراً مركزياً في تأسيس حزب العمال الشيوعي المصري . كما ساهم في اغناء المشهد الأدبي النقدي من خلال مقالاته وابحاثه ودراساته الأدبية التي كان ينشرها في مجلتي " الآداب " اللبنانية و" غاليري ٦٨ " المصرية، وصحيفة "المساء" .

بدأ كلفت مشواره بكتابة القصة ثم شغلته الترجمة والنقد الأدبي منذ مقالاته عن الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي، وله مساهمات عديدة في مجالات النقد والترجمةً في الرواية والاقتصاد السياسي .

من اهم مؤلفاته : من اجل نحو عربي جديد، ثورة ٢٥ يناير _ طبيعتها وآفاقها، ثورة يناير ٢٠١١، الثورة والثورة المضادة في مصر .

عرف كلفت بتحرره الفكري وآرائه التقدمية وافكاره التجديدية، وافنى عمره وحياته في الدفاع عن القيم والمثل الانسانية العليا، قيم النضال والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وسلام الشعوب . وقد آمن بأن الأدب للحياة، للشعب، وللناس . ولذلك انغمس بهموم الفقراء والدفاع عن المهمشين والذود عن قضاياهم . ولعل المعاناة العميقة التي عاشها في وطنه كانت بمثابة الوقود التي حركت في اعماقه نار الفكر والثورة المتأججة .

تميزت حياته بالخصب والعطاء والنشاط والابداع، فلم يمتلك شيئاً، ولم يكن من اصحاب الدنيا وعشاقها، وانما كان ناسكاً في محراب الفكر والثقافة، وابناً للشعب المسحوق الجائع وهدفه الاساس مصلحة الوطن وابنائه .

خليل كلفت مقاتل صلب ومناضل عريق وكاتب فذ اتصف بالنقاء الثوري والدفاع عن المبادئ، والايمان الراسخ بايديولوجية الطبقه العامله وفكرها الثوري، الفكر الجدلي الماركسي، لم ينحرف ولم يتراجع، ولم تهتز قناعاته، وظل قابضاً كالجمر على المبدأ والطريق الفكري . فعلى روحه السلام ولتكن ذكراه خالدة، وسيبقى تراثه الفكري زاداً وزوادة لكل المناضلين في المعركة لأجل الخلاص من القهر والظلم والاضطهاد واستغلال الانسان للانسان، وفي سبيل الحرية والعدل الاجتماعي وأخوة الشعوب .

 

شاكر فريد حسن

 

المعرض الدولي للكتاب.. رحلة نافعة

moamar habarحدّثني زميلي الأستاذ معمر عيساني Maamar Aissani، لزيارة المعرض الدولي للكتاب المقام بعاصمة الجزائر 1436 هـ -2015، فوافقت على الفور. وعبر جلسة في أحد مقاهي وسط مدينة الشلف، عرض علي البرنامج المتبع عبر الرحلة، فتم الاتفاق عليه وعلى موعد الرحلة.

الساعة 05 و 30 دقيقة صباحا، أنا الآن في الساحة المخصصة لسيارات الأجرة المؤدية لمختلف ولايات الوطن، لكن تأخرت الحافلة بساعة من الزمن، كانت كافية لنصلي صلاة الفجر مع محمد عبد الفتاح مقدود و الأستاذ بكلية الرياضة البدنية محمد بويلف، وصاحب الكتب المنشورة، ثم لحق بنا الأستاذ عبد الله محمدي بوزينة رفقة إبنته الشاعرة إكرام محمدي بوزينة. كانت فرصة لتناول فنجان قهوة، وتبادل الحديث حول جملة من المواضيع منها..

ضرورة كتابة التاريخ اليومي المرء الذي يعيشه المرء، كأن يتحدث المرء مثلا عن رحلته إلى المعرض الدولي للكتاب التي يقوم بها حاليا، وتبقى جزئياتها فيما بعد للأجيال القادمة. وما يتركه المرء من الكتابة اليومية، يبقى لما بعده وثيقة تاريخية، يعتمد عليها في معرفة الأشخاص والأماكن والظروف والحكم والأقوال، الخاصة بتلك الفترة التي مرّ عليها سنوات وعقود، وأصبحت ماضيا بالنسبة للذي لم يعشها ولا يعرف عنها، إلا من خلال الأوراق اليومية التي كتبت وتركت، ثم يأتي دور المؤرخ الذي يحلل وينتقد ويقارن ويستخلص ويأخذ ويرد.

وفيما يخص الوسائل الإعلامية القديمة كالجريدة والجديدة كالشبكة العنكبوتية، قال أحد الحاضرين، إن الشبكة العنكبوتية ألغت كل قديم. فكان لزاما من التدخل لتوضيح الفكرة، فجاء فيها..

الوسائل الإعلامية لا تلغي بعضها بعضا، بل تدعم بعضها بعضا. ويكفي أن صاحب الأسطر ما زال يحنّ للمذياع ويفضّله على جميع الوسائل الإعلامية، بل يرى أن الجريدة ذات الحجم الكبير، أفضل بكثير من الجريدة الحالية ذات الحجم الصغير، لأن جاذبية تشده إليها منذ الصغر.

ركبنا الحافلة واتجهنا نحو العاصمة، باعتبار أن الحافلة تتوقف في عدّة أماكن لنقل الزملاء. أخذ الشباب الصغار أماكنهم في مؤخرة الحافلة، والكبار تركت لهم الأماكن الأولى، لأسباب تتعلق بنفوس الشباب الطيبة الكريمة.

أقول للصحفي الشاب مصطفى تلملوت Samir Tamaloult.. حاول أن تنقل صورة حسنة عن ولايتك والجزائر، وتجنب الصدام، ولا تكن ألعوبة الكبار، ولا تمل لأحد ضد الآخر. ونصحته أن لا يركز الآن على الجانب المالي، بقدر ما يركز على التدوين والكتابة، والحصول على رصيد لغوي ثقافي، يمكّنه من مواصلة طريقه الشاق.

يتدخل قائد الرحلة، الأستاذ Maamar Aissani، فقد كان نشيطا متحكما في البرنامج المسطر، لطيفا بالزملاء، يستشيرهم في الصغيرة والكبيرة، ويأخذون بنصائحه ويبادلونه الاحترام كلّه.

وزع معمر عيساني ورقة لكل زميل، يكتب فيها الإسم واللقب وتاريخ ميلاده ووظيفته ويكتب كلمة حول الرحلة ويريد نقلها للزملاء. وبعد جمع الورق، تم إعادة توزيع الأوراق من جديد، بحيث لا يقرأ أحدنا ورقته بل يقرأ ورقة زميل آخر، وحين يصل لاسم صاحب الورقة، يشير إليه على أنه صاحب الورقة. والقصد من هذه التسلية هو معرفة الزملاء بعضهم بعضا جيدا.

ومما كتبته في الورقة: "أحلى ما في هذه الرحلة، الالتقاء بزملاء الصفحة الذين ألتقي بهم لأول مرة، حيث تبادلنا الآراء حول مختلف المواضيع، واللّقاء المباشر من عوامل الإبداع والصدق والإخلاص". وقرأ ورقتي الأستاذ الأديب صاحب الصوت الرخيم مجاهد حسين صدام Saddam Housseyn Medjahed.

مع الكاتب بن زخروفة محمد.. يهديني روايته "رحلة شفاء" بخط يديه في جزئيها، بعدما قرأت الجزء الأول، وطلب مني عدم التعليق عليها حتى يقدم لي الرواية في جزئيها، وهو ما كان فعلا.

أقول للروائي الشاب بن زخروفة محمد : حاول أن توظف دراستك العلمية بجذع المشترك بالعلوم والتكنولوجيا في رواياتك وتوجهك الأدبي، لتعطي لرواياتك طابعا علميا. فمالك بن نبي إستطاع أن يوظف بإتقان دراسته الهندسية في مشروعه الحضاري والفكري، لذلك جاءت كتبه رفيعة مميّزة.

تحدّث الزميل خالد جعفر، فقال.. لا أحب أن أكون رأسا، لأن الضربة الأولى تقع على الرأس. ثم تحدّث عن مساوئ إتحاد الكتاب الجزائريين، واعدا المهتمين بتغيير رئاسة الاتحاد، وطرح إسما يعرفه كل أصحاب الرحلة.

الأستاذ كرفاح.. يعتبر أكبرهم جميعا، إتّسم بالهدوء والوقار وحسن الإلقاء وجمال النصيحة والصدق فيها، ومما جاء في كلمته..

تكوين نص، يحتوي على النثر والشعر والخواطر حول الرحلة، باللغة العربية أو الفرنسية أو الإنجليزية، ثم جمعها في كتاب.

ثم أشار أحد الزملاء، بفكرة عنوانها " البحث عن الموجود"، وكل يبحث عن الوجود بطريقته، وعبر الميدان الذي يحسنه، ويعبّر عنه بسطر واحد. وقد أحسن الجميع في اختيار السطر البديع المختصر. وقد قلت: "حين تكتب وتقرأ، فإنك تضيف في وجودك"

يعقب الأستاذ امحمدي بوزينة، وهو أستاذ مكون في الجمارك، قائلا: أتمنى أن أموت في القسم مع طلبتي، باعتبار أن كل إنسان يريد أن يموت في الجهة التي يحبها.

ألقى بعدها الزميل يحي، مقطعا باللغة الفرنسية، وأحسن في الأداء وطريقة الإلقاء.

ألقى الزميل صدام Saddam Housseyn Medjahed، صاحب الحنجرة الذهنية والجسم المتزن وفضاحة اللسان والبلاغة في التعبير، رفقة الزميل يوسف لخمي، والزميل خالد، قصيدة جاء فيها:هو الحبيب الذي ترجى شفاعته.

وألقى بعدها الزميل يوسف لخمي، قصيدة جزائرية ، مطلعها:

مولانا، مولانا، سبحان مولانا..

دعوني، دعوني، أجيب حبيبي.

وكان الأداء رائعا متناسقا، أضفى على الرحلة متعة وجمالا، كانت ضرورية لمواصلة سير الرحلة، فشكرا لهؤلاء الشباب على الصوت الحسن، والكلمات العالية المختارة.

بما أن الرحلة ضمّت عددا كبيرا من العزاب، أنصحهم قائلا: أسرعوا بالزواج، حتّى إذا إنحنى منحناكم بسبب التقدم في السن، وجدتم الولد يقيمكم لكي لا تسقطوا، وتعيشون معه من جديد الحيوية والشباب، يسهل عليك تبادل الأفكار مع إبنك واللّباس، وغير ذلك مما يسهل نقله وتبادله بين الوالدين والأبناء.

داخل المعرض.. لقد خصصت مقالا عن ما لفت إنتباهي داخل المعرض بعنوان " المعرض الدولي للكتاب.. ملاحظات عابرة"، يمكن الرجوع إليه، وسأخصص هذه الورقة للكتاب الذين إلتقيت بهم في المعرض، وهم في الأصل زملاء الصفحة..

معمر البودالي.. إلتقيت به لأول مرة، كان طويلا عريضا، يتحدث بهدوء. تكاثر المعجبون وخاصة المعجبات حوله، فحرمونا الجلوس إليه، فكان لقاء باردا قصيرا، خيّب الآمال ، لم يكن في مستوى الطموح وما كنا نحمله من صورة عن زميلنا القدير معمر بودالي .

نسرين بن لكحل.. لأول مرة ألتقي بالزميلة الأديبة نسرين بن لكحل. كان اللقاء قصيرا جدا، فقد كانت مشغولة بزوار الذين يزورون الجناح الذي تبيع فيه كتابها "عروس الملح" بالتوقيع.

قلت لها ناصحا: حاولي أن لا تردي على المعاكسين لك، وفجري غضبك عبر الأحرف والأسطر. وأشهد لها بحسن الاستقبال الحار، الذي ينم عن صدق وصفاء وإخلاص، فتحية تقدير للأديبة نسرين.

مع المهتم بالتاريخ.. ألتقي في ساحة المعرض، بطالب مهتم بالشؤون التاريخية، وبعدما تبادلنا النقاش حول جملة من القضايا، كنت السّامع الجيد لما أدلى به من معلومات مهمة جديدة مثيرة، عقبت قائلا..

أكتب عن غير حقد، ولا حسد، ولا تقديس لشخص، ودون أن تكتب لجهة ضد جهة. وذكرت الأستاذ الأمريكي مايكل هارت في كتابه "العظماء المائة"، حين عدّد 100 شخصية، ووضع على رأسهم سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون النظر إلى دينهم، ولا ثقافتهم، ولا لغتهم، ولا قربهم أو بعدهم منه، بدليل أن أوربيين وأمريكيين من كبار الشهادات العلمية وأصحاب جائزة نوبل، عرضوا عليه أن يضعهم ضمن الـ 100، وطالبوا منه أن يضع أيضا أوربيين آخرين، لكنه ظلّ يرفض الطلب، قائلا لهم..

كل ما قمت به أني وضعت جملة من المقاييس دون تحيز، فتحصل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحسن معدل، وكل تحصل على ر تبته ومكانته بقدر المعايير التي نالها.

وفي آخر الرحلة تم تسجيل مقطع لثلاثة من الزملاء، سينشر عبر الحصة التي ستعرض لاحقا. وقلت كلمة ، جاء فيها..

"الحضارة ذلك الكل، الذي يجمع الطموح العالي والقدم الراسخ، بما يملك من..

ماضي يغذيه، وحاضر يدفعه، ومستقبل يدفعه"

العودة إلى الديار.. كان من المفروض أن نعود للديار على الساعة 04 و30 دقيقة عصرا، إذ بالرحلة تتأخر في حدود الساعة 08 ليلا. وصلنا للديار على الساعة 10 ليلا.

كان سائق الحافلة في غاية الغضب وسوء الأدب، لم يراعي مشاعر الزملاء الذين يسكنون خارج وسط المدينة، فكان سببا في إزعاجهم، وهم في غاية الإرهاق والتعب، وقد طلبت

من الزميل معمر عيساني، أن لا يكون هذا السائق رفيقنا في الرحلة القادمة إن شاء الله.

كانت محطتنا النهائية بمحطة متوسطة طريق وهران المؤدية إلى الشرفة، رفقة الزميل الطالب محمد عبد الفتاح وزميلي عبد القادر حاج الشريف. إنتظرنا بعض الوقت في العراء، فتوقفت أمامنا سيارة قديمة فحملت كل واحد إلى بيته، لينام ويستريح من يوم شاق متعب، لكن تصفح معرض الكتاب والرفقة الطيبة التي كان لنا شرف التعرف عليها، خفّفت من وعثاء السفر وطول الطريق، تحية لكل من ساهم في نجاح هذه الرحلة، في انتظار رحلات أخرى، إن شاء الله تعالى.

وسلامي الحار لكل الذين شاركوا في الرحلة إلى المعرض الدولي للكتاب، وكانوا سببا في نجاحه، وهم..

معمر حبار   - معمر عيساني - المصور ميلود شبلي - مقدود عبد الفتاح - بن زخروفة

محمد - يوسف لخمي – قانيت محمد الأمين - محمد بويلف - صدام حسين مجاهد مصطفى زياتين - كرفاح للطيب - هاجر عبد الباقي وأختها رفيقة عبد الحميد رولامي - أحمد ملياني - خالد جعفر- عبد المالك فلاحي- سمير تملولت

سفيان البراهمي - يحيى باشا - عبد الله محمدي بوزينة- إكرام محمدي بوزينة.

 

معمر حبار

رحیل "هلموت شمیدت" المفکر والأوروبي الكبير ورجل الدولة الألماني والمرجعیة السیاسیة

saman soraniبالأمس رحل عنّا شخص فذ مولود في الثالث والعشرين من ديسمبر/كانون الأول عام 1918 في مدينة هامبورغ عن عمر ناهز الـ ٩٦ سنة. هذا الشخص کان نابع من أحضان أسرة بسيطة ، عاش من أجل السیاسة بعد أن تدرج في مناصب حزبية و سياسية ووصل في عام ١٩٧٤ الی أعلی منصب سياسي في المانیا ألا وهو منصب المستشار ، فصار بعد أستقالة السياسي الإنساني المشهور في الحزب الدیمقراطي الإشتراکي والحاصل علی جائزة نوبل للسلام عام ١٩٧١ فيلي برانت (13 ديسمبر 1913 - 8 أكتوبر 1992) المستشار الخامس لجمهورية ألمانيا الاتحادية حتی عام ١٩٨٢.

هلموت شمیدت الطموح الی الشهرة لا الی السلطة کان صاحب العقل الإقتصادي الأول في بلده وهو صاحب نظريات مستقبلية في السياسة العالمية وأحد رواد الوحدة الأوروبية المسالمة. ترك بصماته الواضحة في تاريخ ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية و ترك خلفه بالأخص ثقافة السیاسة بعد زرعه سیاسة التسامح في المانیا والإنفتاح علی العالم.

في فترة حکمە کان الصراع الإیدیولوجي بين الرأسمالیة والإشتراکیة في أوجه ، تمکن هو بحنکته السیاسیة أن یبرز قدرته في التفاوض وإیجاد حلول سلمیة للصراع الدائر بین الشرق والغرب أیام الحرب الباردة.

کان هذا القيادي الاشتراكي الديموقراطي السابق مفرطاً في التدخين إلا أنە بقی رجل المواقف الصعبة، ففي كارثة فيضان هامبورغ في فيبرایر ١٩٦٢ استطاع کوزير للداخلية بخبرته الاقتصادية والسياسية والعسکرية أن يلعب دوراً هاماً في عملية الإنقاذ وتلافي أثار الكارثة التي هددت حياة ما يقارب ثلاثمائة ألف شخص.

في فترة حکمه واجهت المانیا أزمات أمنیة كبيرة ، منها بروز جماعة أطلقت علی نفسها "جماعة الجیش الأحمر" ، کانت تعرف أیضا بمجموعة بادر ماینهوف ، إحدى أبرز وأنشط الجماعات اليسارية المسلحة بألمانيا الغربية ما بعد الحرب وکانت تسمی تلك الفترة بـ"الخريف الألماني". وقد أستطاع هو بحکم فطنته السیاسیة الخروج من أزمة السبعینیات بذكاء و بأقل خسارة وقد أعلن هو عن عزمه في التنحي عن منصبه فيما إذا أخفقت جهود حكومته في حلّ أزمة اختطاف طائرة تابعة للخطوط الجوية الألمانية لوفتهانزا من قبل إحدى الفصائل الفلسطينية والتي هبط بها في مطار مقديشو عام ١٩٧٧.

إنسحب هلموت شمیدت قبل ثلاثة عقود من السیاسة ، لکنه كان خير مساهم في النقاشات السیاسیة والثقافية علی المستویین الأوروبي والعالمي.

هنا بعض من أفکاره مستقاة من خطاب لە القاه بتاريخ 2012.09.22 بمناسبة تكريمه لحصوله علی جائزة ويستفاليا الألمانية للسلام:

"الألمان فهموا أخيراً بأنهم أوروبيين ولا يجوز لهم الرجوع الى اللعبة القديمة، أي لعبة ميزان القوى في أوروبا، بل عليهم أيّاً كانت النوايا والاستراتيجيات العمل بجدية في إستخلاص النتائج الإيجابية اللازمة من تجارب القرون الأربعة الماضية، وهي كما يلي:

أولاً: تجارب التاريخ علّمت الأمم الأوروبية وبالأخص قياداتها، بأن نتائج كل المحاولات السابقة في بناء قوة مركزية أحادي القطب في أوربا كانت فاشلة، لذا لا يمكن أن يكون نصيب المحاولات المستقبلية في هذا الأمر غير الفشل. والمساعي الرامية من قبل الأتحاد الأوروبي لتعزيز قدرته في مجالات السياسة الخارجية، الإقتصادية ، المالية والأمنية عن طريق عقد معاهدات وسن قوانين تبقى دون فرصة كبير.

ثانياً: على الألمان أن يتذكروا في هذه الحالة كل من ونستون تشرشل، شارل ديغول، جورج مارشال، هنري ترومان وجورج بوش الأب لتسديد ما عليهم، لأن هؤلاء كانوا رجال دولة وقاموا بمساعدة الألمان في ظروفهم الصعبة. وهذا يعني أن على الألمان أن يدعموا الإتحاد الأوروبي بجدية وتكون مبادراتهم في سبيله هي الأولى . فالمادة 23، فقرة1 من الدستور الألماني تبسط الطريق لهذا الأمر، لأنها تسمح بالتعمق والإعتصام بحبل الإندماج بالطبع يحتاج تبنّي هذا المشروع الى أموال طائلة وعلى الألمان البدء به، وإلا كيف تمكنت دولة المانيا الإتحادية بأن تكون المستفيد الرئيسي من قضية الإندماج الأوروبي؟    

ثالثاً: بغض النظر عن الدروس المستخلصة من تجارب القرون الماضية، يجب أن لا يكون الألمان سبب ولادة الجمود والتراجع أو إضمحلال مشروع الإتحاد الأوروبي. فالدول في القارات الأخرى تنتظر بفارغ الصبر كي يتصرف هذا الإتحاد أخيراً بصوت وحدوي وهذا يحتاج الى الإرادة الكاملة للعمل المشترك مع الفرنسيين والإرادة في العمل مع البولنديين بجدية أكثر. والإرادة في التعاون مع دول الأخرى الجوار تعتبر من الضروريات. فالألمان تغيّروا من حيث علاقاتهم بالعالم وتعلموا من ماضيهم. فهم يستطيعون إثبات ذلك بعد دراسة العواقب عن كثب وبإمعان بعيداً عن الاطروحات الطوباوي.

ومن البديهي بأن القارة القديمة تعيش اليوم صراع فكري، كما تشهد المناقشات الخصبة والسجالات الصاخبة حول القضايا الأوروبية المطروحة والأزمات الإقتصادية في بعض بلدانها، لكن كل ذلك لا ينقص من الحقيقة بإن تلك المجتمعات قامت بتغيير عدتها الفكرية ومهماتها الوجودية وعملت بشكل مثابر على إختلافاتها وحولّت فكرة الإتحاد الأوروبي الى واقع تداولي معاش أثّر في الحياة اليومية لجميع الناس وتجسّد ذلك بشكل خاص في العملة الموحدة، التي تسمى اليورو."

لقد بقی هذا الرجل رغم صراحته الموجعه‌ لخصومه دیمقراطياً الی آخر نفس من سیکارته. ألف شميت نحو ثلاثين كتاباً وكان ناشراً (1983) ثم مديراً (1985- 1989) لصحيفة "Die Zeit" الأسبوعية الألمانية.

وختاما نقول: "هناك شيئين يفعلهما العظماء دائماً، وهو أنهم يُقررون ما يُريدون ثمّ يفعلوا ما يرُيدون، لأنهم يُدركون أهمية حياتهم على كوكب الأرض وأنّ لديهم رسالة خالدة لإسعاد أنفسهم والبشرية كلّها."

 

الدكتور سامان سوراني

من بلاد الهايكو(5)

khalidjawad shbaylفي الطريق الى هيروشيما انتابني إحساس بأنني خلّفت الوجه الجميل لليابان ورائي وأنني مقبل الى مدينة كئيبة ذات وجه يغشاه العبوس أو الحزن، وزدت أكثر بأن الناس فيها أبعد ما يكونون عن المرح، وأن المدينة ماتزال تعاني من عقابيل التلوث الإشعاعي وغير ذلك من ألوان التلوث..كلُّ تلك الهواجس تكوّنت واعتملت على خلفية التاريخ المأساوي القريب لهذه المدينة، لهذا فكّرنا أن ثلاثة أيام ستكون كافية؛ فهل صدق الإحساس؟ وهل صحّ التخمين؟

نخرج من المحطة لنواجه مدينة هيروشيما الواسعة وما أكثر المدن التي تنتهي بلاحقة شيما أو جيما وتعني جزيرة، الساحة فضاء واسع نظمت فيه سيارات التكسي ومواقف الحافلات وعربات الترام. بدت المدينة منبسطة حديثة، والترام يسير بنا نحو مركز المدينة نقطع نهرين متوازيين ومتفرعين ليكونا جزيرتين جميلتين. هي مدينة الاخصرار والازدهار، الناس يبتسمون بل ويمرحون بضحك عال عندما لا يحصل التفاهم! الهواء عليل، البنايات متناسقة الناطحات قليلة إلا في المركز، لا تواجهك في هذه المدينة معابد ولا بنايات أثرية عديدة فقد أتت القنبلة الذرية على كل شيء وما تبقى لابدّ من إزالته للتخلص من الإشعاعات ومخاطرها المدينة نهضت من الرماد!هي مدينة المتاحف، والمطاعم والمشارب كثيرة جداً ولا غرو فالمدينة اشتهرت بمآكولاتها اللذيذة ومشروباتها السائغة، وهي مدينة أرخص من غيرها..كلما تتوغل فيها تحسبها بغداد وقد لبست حلّة قشيبة!

جميع المدن الكبرى التي زرناها منبسطة في بلد يكون ثلثاه من المرتفعات والجبال، وهنا في الجنوب الغربي يكون الشريط الساحلي ضيقاً جداً ويُسمى الجانب من سلسلة الجبال المواجه للبحر سانيو (الجانب المشمس) بينما الثاني يسمى سانين (ظل الجبل) والذي تقع علية مدن مقاطعة هونشو ومنها هيروشيما. لذا يكون تأجير الدرّاجات وركوبها متعة وفضول.

يقع بارك السلام وهو أهم مَعلم فيها على بعد خمسمائة متر من فندقنا..فهو محصور بين فرعي النهر الغربي هون كاوا، حيث جزيرة نكاجيما ضمت البارك والمتحف والنُصُب التذكارية وبناية القبة، والمُلفت أنك لا تجد كلمة حرب بل حذفت لتحل محلها كلمة السلام !! الجزيرة قبل المأساة كانت قلب المدينة النابض بالحياة حيث المعابد والمعاهد والعمارات السكنية والملاعب الرياضية..

أهم مَعلم هو متحف هيروشيما التذكاري للسلام، على الزائر أن يكون متماسكاً لهول مايرى، سيرى عرضاً سينمائياً للمدينة قبل القصف الذري، عمال يذهبون الى المعامل وموظفون الى دوائرهم وطلبة الى معاهدهم وأطفال تدفعهم أمهاتهم بالعربات أو تأخذهم بالدراجات الى رياضهم..حركة دائبة لوسائط النقل المختلفة في شوارع لمدينة تعد كنزاً لمبانيها التراثية ومعابدها ومعاهدها...ثم تتغير الصورة رأسا على عقب، خراب ودمار وقتلى مشوهين وملابس متهرئه وحيوانات نافقة ومصانع ومشافي ومعاهد مهدمة.. ووسائط نقل استحالت هياكل حديد..ثم ترى شيئيات السينما مجسمة بعينات من مخلفات الحرب دراجة ثلاثية لطفل ملابس خوذات العمال ومخزن لبيع الكهربائيات انصهرت محتوياته ومعمل للمصابيح تلاصقت مصابيحه وفقدت أشكالها، ولسان بشري قد اندلق من فم صاحبه.. وجدران لروضة أطفال..ثم وصف علمي للقنبلة ومكان سقوطها على مرمى حجر من المتحف، وتحول مكانها الى حديقة مزدانة بالزهور! المتحف يوثق لكل ما حصل توثيقاً مدهشاً لدقته وواقعيته..لم أر سجلاَ لكتابة الزائرين ولكنني تذكرت متحف جرائم الحرب العدوانية في مدينة هوشي منه (سايغون) الذي وثق كل جرائم الفرنسيين الذين هزموا في معركة ديان بيان فو من مقاصل قطع الرؤوس وغرف التعذيب ثم حل محلهم الأمريكانيون وجرائم القصف بالنابالم ووسائل تعذيبهم للثوار..لقد قرأت في سجل الزوار كتابات الشباب الأمريكيين وأتذكر منها: ليتني لم أكن أمريكياً (ية)؛ أشعر بالخجل أن أكون أمريكياً(ية) وليتني ما خلقت في الولايات المتحدة!

يبدو نصب السلام ذا شبه بنصب الجندي المجهول في بغداد الذي أزيل منها، شُيِّد عام 1952، ويطلق علية القبر الخاوي cenotaph حيث سجلت أسماء الضحايا، الذين يقدر عددهم 140000من غير المشوهين والمعاقين وفي كل صباح يُبدل إكليل الزهور، خلف النصب هناك الشعلة المتوهجة للسلام، احتوى البارك على نصب الضحايا من الأطفال؛ وهناك برج لضحايا الطلبة على شكل سلّم يرتفع الى الأعلى؛ ونصب للأمومة، ونصب الضحايا الكوريين للقنبلة الذرية، وقاعة للمحاضرات ودار استراحة ..وساحة للمهرجانات السنوية للسلام في كل يوم من السادس من آب أغسطس حيث تقرع الأجراس..

عندما تعبر النهر من الجهة الشرقية هناك بناية القبة للسلام وهي في الحقيقة قبة القنبلة الذرية؛ وهي أكثر معلم باق يشير الى حجم المأساة التي طالت المدينة بتدشين أول قنبلة ذرية سقطت بالقرب منها. صمم هذه البناية المعمار التشيكي في عام 1915 لتكون مقر الترقية الصناعية، والبناية تحفة معمارية، صمد الهيكل الصخري وكل ما عداه دمِّر، وبقي هيكل لقبة البناية مسيّجة ويمنع الدخول إليها لمخاطر الاشعاع! لقد قتل كل الذين كانوا بها من الكادر الصناعي وعموم المشتغلين ولم يسلم أحد. لقد بقيت البناية تروي حكاية المأساة ما حدا باليونسكو أن تضمها لمحفوظات التراث العالمي منذ عام 1969.

 853-khalid1

نصب السلام ويظهر من داخله موقد الشعلة ثم هيكل القبة الشهيرة للبناية الوحيدة التي بقيت !

   ما أود أن أقوله بأن بارك السلام هذا لم يكن الهدف منه هو كشف ويلات الحرب الذرية التي راح ضحيتها المدنيون فحسب إنما تكمن أهميته في الدعوة الجادة للتخلص من الحروب نضالاً ونشداناً للسلام العالمي في أن يعمَّ كوكبنا هذا، حيث لا تني الحروب تدمر الإنسان والحيوان وتهلك الزرع والضرع! ونحن في العراق الذين اكتوينا ومازلنا بالحروب أجد من الضروري إقامة النصب شواهدَ لجرائم الحروب ومن أجل أن نجعل السلام مادة يتطلع لها الأطفال لتكبر معهم حيث تكبر الأحلام لبناء عراق السلام.

لا أريد الاستغراق في المتاحف المعتبرة في هذه المدينة، مثل متحف مقاطعة هيروشيما للفنون، ومتحف مازدا والمكتبة العامة..ولكن لا بد من الترفيه والمتعة في رحلة الى جزيرة مياجيما.

هي جزيرة حالمة بكل معنى الكلمة مكن الوصول اليها بالترام لسبعين دقيقة، أو برحلة مائية في قارب، لعل فيها معالم عديدة أولها الغزلان التي تستقبلك بميانة فتسحب الخرائط أو المحافظ أو الملابس وفي كل الحالات هي وديعة تستطيع أن تلمسها وتداعبها؛ فأول إعلان يواجهك وأنت تطأ أرض الجزيرة هو يحذرك منها ومن فضولها! المعبد العائم هو معبد خشبي واسع جداً يجذبك بلونه الأحمر فهو عائم عند المد ثابت عند الجزر وتجد بوابته في وسط الخليج يمر تحتها الصيادون تيمنا بصيد وفير!

في المرتفعات معابد قديمة وأبراج تنزل منها لتدخل السوق الجميل المكتظ بالسائحين، وفي دروبها معامل للمصنوعات اليدوية وصناعة البسكويت الخاص بالمدينة يصنع أمامك لتاكله طرياً. وهناك باركات في غابات المرتفعات تسكنها الحيوانات البرية ومنها القرود. تعد هذه الجزيرة أهم ثالث معلم يزار في اليابان! يمكن المبيت فيها لمشاهدة منظر الغروب.

853-khalid2 

المعبد العائم في جزيرة مياجيما شُيد من الخشب عام1680 وترجع جذوره الى القرن السادس!

قررنا أن نقضي نهاراً في مدينة أوساكا فهي تبعد ساعتين بالقطار الطلقة من هيروشيما، وفي الذهاب ركب مجموعة من الطلبة في العربة وكانت الصدفة أن جلس بجنبي أحد معلميهم وأعجبني انضباط الطلبة هم من ثانوية نيوزيلندية تبادلنا أطراف الحديث مع معلمهم، اللطيف وعرًفني باليابان التي تردد عليها عدة مرات بسفرات مدرسية، وكان محبا لليابان يلم بلغتها بعض الإلمام كان الحديث معه ممتعاً فهو مدرس ملء الفم، ولم ندر كيف انقضت الساعتان، ودَّعنا بعضنا متمنين سفرة طيبة!

هذه أوُوسَكا هكذا تلفظ باليابانية هي ثالث أكبر مدينة بعد طوكيو ويوكوهاما، وهي مركز اقتصادي كبير، فهي مدينة القنوات والجسور، وهي مدينة المسارح لا سيّما مسرح الدمى، وهي مدينة المعاهد وإذا ذُكرت فتذكر جامعة كانساي تأسست 1886، وجامعة أوساكا العريقة التي تأسست عام 1931. وزد على ذلك فهي مدينة المتاحف مثل متحف أوساكا التاريخي والمعارض الفنية وبناية أوميدا ناطحة السماء، وفيها أقدم المعابد المحفوظة في اليابان وهو معبد شيتنوجي البوذي الذي تأسس عام 593م، وفيها الكثير الكثير.

ولكن لابأس أن نسأل في المركز السياحي لعلنا نتحصَّل على خرائط ومعلومات تُغني عن الكتاب الثقيل، وهذا ما حصل فعلا وكم ضحكت الموظفة حين قلت لها نريد أن نقضي عدة ساعات فما هو أهم مايُرى؟! قالت عدة ساعات في أوساكا؟!! فأشارت لنا ببارك أوساكا ومنه الى قلعتها ثم الأكواريوم ثم .. ثم.. فهي محقة عندما ضحكت متعجبة فما مثل أوساكا ما يُرى في ساعات!

ركبنا القطار المحلي ولم نجد صعوبة في الاستدلال على البارك والقلعة، حيث نصبت خارطة كبيرة توضح معالم الطرق للمعالم؛ فهو من الحدائق الهامة فيه نُصب فنية وقاعة مسرح وقاعة نشاط رياضي ثم تمشينا بمحاذاة البحيرة فلاحت لنا القلعة العالية وبرجها الشهير. الصعود يتم بمصعد وهناك من يصعدها على قدمية، هي مثال للقلعة المحصنة بخندق مائي وجدار صخري عال الدخول إليها عبر جسر تاريخيّ تتألف من خمسة طوابق كل طابق يروي عن شيئياته وتصميمة بالتصوير الناطق وما يمكن أن يرى من كل جانب والأفلام التاريخية التي صورت فيه والمعارك التي دارت في القلعة ..أجمل ما في القلعة هي الإطلالات الأربعة على المدينة العملاقة وعماراتها الشاهقة.. فيها أسواق لبيع التذكارات، وبعض المطاعم، ثم رجعنا لنتجول في مركز المدينة وشوارعها وأسواقها وقد أوشك النهار أن ينقضي حين عُدنا الى هيروشيما!

في الفندق الذي كنا نتناول فيه الفَطور، جلست شابتان فسألتني إحداهما أين ستذهبون بعد هيروشيما فقلت لها مداعباً الى " إيدو" فضحكن عندما قلت أتعرفانها فقلن بالتأكيد هي طوكيو. وذات مرة سألت غيرهن من المناوبات هل يقص عليكم كبار السن ما حدث، فقلن نعم نحن نحفظ الحدث وتسلسله الزمني ونحن من المدينة لقد ذهب الكثير من أجدادنا وعوائلهم ضحايا للقنبلة الذرية وما زلنا ندفع الثمن!

فارقنا مدينة هيروشيما مفارقة المحب، فقد طابت لنا مُقاماً بل هي الأطيب في كل ما رأينا في بلاد اليابان ذات المرابع الجميلة..ونفارق اليابان وقد أودعنا فيها زمناً فيه جمال وطيب وفيه عبرة لمن اعتبر.

هذه آخر حلقة، بيد أنني أفكر أن أكتب مادة أخرى بمقالة واحدة عن اليابان خارج هذه الحلقات الخمس، ألتمس فيها عنواناً لعل فيه فائدة تُرتَجى: دروس من بلاد اليابان.  

 

خالد جواد شبيل

 

إسلاميو السلطة (72): خلاف شيعي حول مرتبة الفساد عند القادة

salim alhasani2لترتيب لقاء مع مسؤول حكومي كبير او رئيس لجنة أو وزير أو رئيس وزراء، يحصل الوسيط الذي ينجح في الحصول على الموعد، على مبلغ كبير يتراوح بين نصف مليون دولار الى ثلاثة ملايين دولار. ربما يرتفع المبلغ أكثر لكن ما حصلت عليه من معلومات أوصلني الى هذا الرقم.

يمنح مسؤولون او قياديون في الكتل السياسية كلها بلا استثناء ـ سنة وشيعة واكراد ـ التسهيلات والعقود والصفقات، مقابل رشاوى كبيرة، ولكي تأخذ هذه الرشاوى صيغتها (الأخلاقية) يقول المسؤول الحكومي لرجل الأعمال أن ما يستلمه هو من أجل دعم حزبه او كتلته او كيانه.

قائمة الأسماء البارعة في هذا الاتجاه طويلة، ولكن اذكر على سبيل المثال بعض النماذج منهم مع حفظ الألقاب: ماجد النصراوي، عبد الحسين عبطان، حسن الشمري، حسين المرعبي، وليد الحلي، صلاح عبد الرزاق ، بهاء الأعرجي ، حاكم الزاملي، خالد الأسدي ، خضير الخزاعي، عدنان الأسدي، وغيرهم وغيرهم الكثير من المقربين من السيد عمار الحكيم والشيخ محمد اليعقوبي والسيد هادي العامري والسيد نوري المالكي والسيد مقتدى الصدر والسيد إبراهيم الجعفري والسيد حسين الشهرستاني.

...

أتيت على هذه السطور السريعة، لأقف عند ظاهرة الولاء المتكلس للقادة والكتل السياسية من اتباعهم الذائبين فيهم.

إن العاطفة تتحكم في قسم من القراء الكرام، فتمنعهم من تقبل الحقائق، وتدفعهم الى تبني مواقف سريعة، وفي ثقافتنا المجتمعية، فان الموقف عادة ما يكون على أحد الموقعين المتعاكسين، رفض قاطع أو قبول تام.

لكن المشكلة ليست هنا، إنما في تبدل موقف بعض هؤلاء القرّاء من هذا الموقع الى الآخر المعاكس له وبنفس درجة الحماس، عندما يلمس في أحد المقالات أنه يمس قائده ولو بإشارة عابرة. أو أنه لا يُرضي ما يختزنه من مشاعر النفور تجاه قائد كيان آخر.

قبل أيام كتبت مقالاً بعنوان (اختبار بسيط لموضوعية العلاقة بين جماهير الشيعة وقادتهم) وكان المقال يتناول خبر الطائرتين المحملتين بأسلحة كاتمة، وعن مواقف قادة الكتل الشيعية من هذا الخبر المرعب. وطلبت من القرّاء الذائبين بقادتهم أن يكشفوا ماذا فعل كل واحد منهم، بالسؤال التالي:

(هل يمكن للسادة الذين ينتمون لهؤلاء القادة بأي شكل من اشكال الانتماء والتعاطف، أن يذكر اسمه صراحة ويقول ماذا فعل؟. واذا لم يفعل شيئاً، هل يمكن ان يكتب رأيه في هذا القائد مع ذكر اسمه، بعد ان لمس منه تجاهل الخبر المرعب؟.)

بحسب التعليقات والتي لا تزال موجودة لا نجد أحداً وجه اللوم لقائده. بمعنى أن النتيجة تكشف لنا أن الأتباع الذائبين في التبعية العمياء لا يمكن لهم أن يتخلصوا من هذه الروح الجامدة تجاه الأشخاص الذين لا يعيرون لحياة المواطن أية قيمة، ولا يكترثون بقضية أمنية خطيرة تستهدف أي مواطن بكاتم الصوت.

وعندما واصلت نشر حلقات هذه السلسلة، عاد هؤلاء الأتباع الذائبين، الى سلوكهم في الهجوم على كاتب المقالات، والسبب هذه المرة هو في رتبة الفساد التي تحتلها الكيانات السياسية المنضوية باسم الكيان الشيعي. وكأن الأقل فساداً هو الأجدر بالقيادة! .. وكأن الأقل نهباً للمال العام هو تشريف له وترويج لأهليته!.. أليس هذا ما نفهمه من خلال بعض التعليقات التي تراني أدافع عن حزب الدعوة والمالكي لأني وضعتُ حزب الدعوة في نهاية الترتيب لقائمة الفاسدين من المكون الشيعي؟.

...

نحن أمام معضلة كبرى في نظرة قسم من المجتمع العراقي الى القائد والى أهليته والى مواصفاته.. نحن أمام كارثة مأساوية تستهدف القيم والموازين والاعتبارات من بعدها الأخلاقي والوطني والديني.

لقد قرأت بعضهم يدافع عن حزب الفضيلة، وكيف أني وضعته في المرتبة الثانية من الأحزاب الفاسدة، ويستدل على ذلك بأنه لم يكن يملك إلا وزارة واحدة. بمعنى أن كاتب التعليق لم يعترض على اللصوصية، بل على مرتبتها، فلو جاء حزب الفضيلة في المرتبة الأقل فساداً، لصار مؤهلاً لتولي المسؤوليات في الدولة!.

أنصار المالكي من جانبهم شنو هجومهم ضدي من خلال الرسائل الخاصة وعلى بعض منتديات الواتسآب، بأن ضغينتي من المالكي لا تنتهي، وان عدائي الشخصي له لا يتوقف!

الأكثر من ذلك، أن بعض الآراء وصلتني معترضة بأني لم أحمل على المالكي حملة هجومية من هجمات أيام زمان، وكأن كل ما كتبته عنه من نقد طوال سنوات حكمه، أيام قوته ومجده الحكومي، والذي لا أزال مصراً عليه مقتنعاً به، لا يُقنعهم إلا بإعادة تكراره في كل مقال.

وما يثير الغرابة، أنهم يرودني أن أكون المتحدث باسمهم في ترجمة مشاعرهم الناقمة على المالكي أو على غيره، بعد أن كان بعضهم يقف الى جانبه ضدي! .. ولا أدري لماذا لا يبادرون في تفريغ شحناتهم الناقمة بأقلامهم أو على الأقل بتعليقاتهم الصريحة باسمائهم وصورهم؟

إن إعادة ما ذكرته عن المالكي، سيكون بمثابة لجاجة بائسة لكاتب انتهى رصيده الكتابي، وصرف معلوماته، فراح يجترها بالتكرار والاعادة، بينما أريد ان أقدم للقارئ الكريم، مادة جديدة وأن اكشف معلومات إضافية، وأن أقوم بدراسة التجربة بعد أن تبينت النتائج بشكلها الواضح، لتكون عملية التقييم والمراجعة، هي المنطلق المتماسك لعملية البناء.

على هذه الشريحة من الناس يأنس قادة الكتل بما يجري، ويشعرون بالاطمئنان التام بأن مستقبلهم السياسي سيبقى مستقراً، وعليه فانهم لن يترددوا مطلقاً في مواصلة الفساد وسرقة المواطن المسكين.

...

في تعليق كتبه الدكتور نديم الجابري على احد مقالات اتباع الشيخ اليعقوبي لتحذير الناس من مقالاتي، كتب الجابري ما نصه: ( ان هذا الكاتب المشبوه يخلط الحقيقية بالخيال ليخرج منها نتائج مضللة لأعادة إنتاج الفساد و العمالة بشكل منمق فأحذروه . مع فائق الاحترام). انتهى

يلقى تعليق الجابري بالتأكيد ارتياحاً كبيراً من مؤيدي حزب الفضيلة وأتباع الشيخ محمد اليعقوبي، لأن ما كتبته كان يمس رموزهم القيادية والكيانية، عندما ذكرت في حلقات سابقة أن القيادي في الفضيلة ووزير العدل حسن الشمري اشترط الحصول على مبلغ كبير (أكثر من عشرة ملايين دولار) الى جانب مبالغ شهرية منتظمة لدعم الشيخ اليعقوبي، مقابل الدخول فقط في مفاوضات تولي المالكي رئاسة الوزراء لدورة ثانية. ولم يصدر أي تكذيب رسمي من الشيخ اليعقوبي او مكتبه او من الشمري حتى اللحظة. ومع ان السبب معروف في عدم صدور التكذيب، لأنهم يعلمون بأني سأذكر المزيد من تفاصيل هذه القضية وغيرها، وكذلك الاستشهاد بأسماء الوفد المفاوض وعند ذاك ستكون الفضيحة أكبر. أقول مع ان السبب معروف وواضح لكن أتباع الشيخ اليعقوبي والذائبين في ولائه، لا يريدون تصديق هذه الحقيقة. بينما يميلون الى الترويج لما قاله الدكتور الجابري مع انه كلام عام لا قيمة له من الناحية التوثيقية. وقد نشرت في احدى الحلقات عدة صور لنسخ من جريدة القادسية وفيها مقالات الدكتور نديم عيسى الجابري وهو يمجّد المقبور صدام ويؤلهه. ولم أتطرق وقتها الى أمور أخرى تتعلق بماضي الجابري مثل منحه درجة نجاح في الامتحان للطالب الذي يقدم له (دجاجة)، ومثل كتابته رسائل جامعية لطلبة الدراسات العليا وهي بطبيعة الحال في تمجيد صدام، مقابل مبلغ مالي يتراوح بين (مائة ومائتي دولار).

...

يجتهد أنصار المجلس الأعلى في الدفاع عن السيد عمار الحكيم، عندما أذكر مثلاً أن محافظ البصرة السيد ماجد النصراوي، يرفض تسهيل أي عمل للمقاولين ما لم يحصل على حصتين ماليتين (حصة السيد) و (حصة المحافظ).

ويبلغ الغضب مداها عند اتباع السيد مقتدى الصدر عندما أذكر ان السيد بهاء الأعرجي مارس أكبر عمليات فساد من خلال لجنة النزاهة البرلمانية، وكان يحصل على مبالغ طائلة بعشرات الملايين من الدولارات مقابل تسهيلات أو تغطيات لملفات الفساد، تحت عنوان دعم التيار الصدري. وكذلك يفعل زميله النائب حاكم الزاملي رئيس لجنة الأمن والدفاع.

...

ولا يختلف الأمر عن فساد منظمة بدر، فلأن السيد هادي العامري يتواجد في جبهات القتال، فان ذكر فساد القياديين في كتلته يجعل البسطاء يشنون أعنف الهجوم على كاتب المقال، مستندين الى موقف خارج السياق وهو موقفه القتالي، لكنهم لا ينظرون الى وزارة الداخلية واخوة الوزير محمد سالم الغبان ومنظومتهم الفسادية الكبيرة.

وكذلك الحال بالنسبة لكتلة المستقلين حيث التورط المباشر وغير المباشر لرئيسها الدكتور حسين الشهرستاني طوال فترة ممارسته للمسؤوليات العديدة في الدولة.

ونفس الأمر أتعرض اليه وسأتعرض إليه أكثر عندما اتحدث عن أصيل طبرة وعلاقته مع الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية السابق عدنان الأسدي، وفساده الطويل العريض على مدى ما يقرب من عشر سنوات، وكذلك عندما اتحدث عن فساد المنظومة التي احاطت بالمالكي.

...

وتتسع الدائرة، ومعها يتسع الهجوم ضد هذه السلسلة. فكل طرف متضرر له أنصاره واتباعه، وهم على استعداد لتكذيب الحقيقة مهما كانت واضحة، لأن قوام وجودهم هو الارتباط الجامد بهذا الشخص وذاك، فاذا منحوا عقولهم الدور الذي أراده الله تعالى للعقل، فان معنى ذلك، أن قادتهم سيسقطون من مقاعدهم المقدسة، وهذا أمر أكبر من قدراتهم وقابلياتهم الذهنية والشعورية.

أعود لمحور المقال، لقد احتج أتباع الكتل الشيعية، على ترتيب جدول الفساد لكتلهم، ولم يأت الإحتجاج على فسادها وفساد قادتها.

لا أريد أن يقلق القرّاء الكرام أصحاب الوعي والثقافة، فاني مستمر في هذه السلسلة بعون الله.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

آخر العهد بحميد الطائي!

أخيراً إقتنع حميد الطائي أن لا فائدة ترجى مني، وإني رجل لن تكون السياسية ولا حتى من جملة آخر إهتماماته.. كان هذا أمراً مريحاً بالنسبة لي، خصوصاً وأني أصبحت أبحث عن كل ما يقربنا بعضنا من بعض ..

كان حميد الوسيم، الرشيق القوام، الدمث الخلق، يجيد فن الحوار والإقناع، لكنه ما كان يتحدث عن الشيوعية كفكر، وإنما عن جملة شعارات، يبدو لي أنه لم يقرأ أي من كتب الشيوعية الأساس، هو لا يعرف الديالكتيك، ولا المادية التأريخية، وأظنه لا يفهم الإقتصاد الماركسي، لكنه متحدث بارع في كل ما له علاقة بنضال الحزب المطلبي، هو صوت شعبوي بامتياز، وبتقديري أنه بأمثال هؤلاء إتسعت قاعدة الحزب، ولولا أمثال هؤلاء لظل الحزب حزب صالونات فكرية.

في الكورس الثاني من الدراسة تعمقت علاقتي بحميد الطائي، زرت عائلته في الصالحية عدة مرّات، وتناولت خبز اللحم من يد والدته.. لا أدري لماذا إنتابني إحساس بأن والدة حميد تشبه والدتي، رغم أنها من حيث الحجم تعادل أكثر ثلاث مرات حجم أمي.. كنا نجلس تحت سدرة النبق في باحة الحوش المرصوفة بالطابوق الفرشي، الذي كان ندياً دائماً، نستقبل الشمس، وزقزقة العصافير التي لا تهدأ .

كان أغلب ساكني الزقاق من الصابئة، الذين يمتهن أغلبهم مهنة الصياغة، وكان سكنة الزقاق يعاملون حميد بتوقير وإحترام، والصغار يتعمدون الظهور أمامه والسلام عليه.

في بداية آذار كنا نؤدي الإمتحانات.. تعطل الدوام بضعة أيام على إثر إنقلاب شباط، وتأجلت الإمتحانات من أواسط شباط إلى أوائل آذار..

لم يكن عددنا كثيرا، بيننا طالبتان، إحداهن كانت مولعة بحميد الطائي، وكانتا دائماً هما الأفضل في درس المساج الطبيعي، ولكن ما عدا هذا فكنا نحن المتفوقين، أنا ثم حميد الطائي..

كان الحديث يجري همساً عما يجري خارج المعهد، يتناقلون أخبار الإعتقالات، والتعذيب، والقتل، التي ينسبونها إلى الحرس القومي. أضحت مفردة "حرس قومي" من المفردات التي تصيب الناس بالهلع، من هول ما كان ينقل عنه.

قلت لحميد : الا تعتقد أن فيما يقولونه عن أعمال الحرس القومي مبالغة ؟

-منطقتنا خلت من الشباب، بالأخص الشباب الصابئة، أنهم في كل ليلة يأخذون الشباب من البنين والبنات، من دون أن يعرف أهلهم إلى أين؟

- التوقيف والإعتقال أمر طبيعي في هذا البلد.

-ليس بهذا الشكل، وما يُروى عن التعذيب لا يمكن تصوره، ثم إنهم يعذبون الفتيات داخل المعتقلات ثم يغتصبونهن، وفي الإذاعة والتلفزيون ينشدون نشيد ( الله أكبر)!

-        ...........

-لماذا لم تعقب.. لم تعد القضية قضية سياسة.

-لا.. هي سياسة.. الناس ضحايا السياسة، من يعتقِل ومن يُعتقل..

-تقبل أن يقتل الإنسان لأنه يحب السلام؟

-أنا لا أقبل أي شيء مما يجري الآن، ولا مما جرى سابقاً..

-محايد جنابك؟

-لا.. مستقل..

في اليوم الثاني، وقد جئت متأخراً قليلاً، وجدت حميد الطائي يقف في رأس الشارع المؤدي للمعهد.. إستوقفني :

-إين ذاهب؟.

-إلى المعهد .

-إرجع!.

-لماذا؟

-إبحث لك عن مكان آمن.. الحرس القومي الآن مع العميد، إنهم بإنتظارك.. لا يوجد وقت، عليك بالهرب ..

-ربما حدث خطأ ما؟

-يا رجل!! أنهم يريدون صادق سليم عواد، من أهالي السماوة، والذي يعمل في جهاز المراسلة الحزبي. لقد إعترف عليك بعض جماعتك.. كانوا يحاولون إقناع العميد بمساعدتهم على نصب كمين لك.. أرجوك.. لا تقاطعني، ودعني أكمل.. أنصحك بعدم العودة إلى بيتكم، إذ من المؤكد أنهم سينصبون كميناً لك فيه..

إستدرت، لكنني قبل أن أغذ السير قبضت على كفيه تعبيرا عن إمتناني :

-شكراً رفيقي حميد

-شكراً رفيقي المستقل.. لقد خدعتني طيلة هذه المدّة أنا الذي لم يخدعني أحد، ولكن عافية عليك..

وكان هذا آخر عهدي بحميد الطائي ..

 

صباح علي الشاهر

 

إسلاميو السلطة (71): قيادة حزب الدعوة في زمن المالكي

salim alhasani2بعد النجاح الكبير الذي حققه المالكي في انتخابات مجالس المحافظات في كانون الثاني 2009، يكون قد وصل النقطة الحرجة في قوانين العملية السياسية، فنتائج الانتخابات كان دليلاً مادياً رسمياً على قاعدته الجماهيرية، وهذا أمر يبعث على القلق. فالكتل السياسية تتسامح مع أية شخصية لها حضورها الجماهيري، لكن الأمر غير المسموح به هو الجماهيرية الانتخابية، لما يترتب عليها من استحقاقات في مراكز الدولة والسيطرة على مراكز القرار.

نتائج الانتخابات في العراق، ليست مقدمة نحو البناء والتنظيم الحكومي، إنما هي توزيع جديد لمواقع الصراع، وفي ضوء نتائجها تتراجع العوامل الطائفية والقومية والمذهبية، على خلاف ما هو شائع قبل اجرائها. وهذه إحدى الظواهر الشاذة في العملية السياسية، والتي تستدعي التوقف لأنها تتحكم في الخطوات التالية التي تترتب عليها، وتدخل بشكل مباشر في إعاقة بناء الدولة.

مع ظهور نتائج الانتخابات، تدخل الكتل المعنية بمفاوضات مطولة، للحصول على المواقع التي تضمن من خلالها تحقيق الثراء المالي، وهذا أمر لم يعد خافياً، فالمنصب هو فرع تجاري للكتلة، سواء أكان في مجالس المحافظات أم في البرلمان أم التشكيلة الحكومية.

ووفق هذه القاعدة يمكن أن يلتف أحد الأطراف الشيعية من وراء الكيان الذي ينتمي اليه، ليعقد صفقة سرية مع مجموعة سنية، من أجل إفشال موقف التحالفات الشيعية. والأمر يحدث كذلك عند السنة. ويحدث بين الأكراد لكن بنسبة أقل لخصوصية الوضع الكردي وإهتماماته الإقليمية بالدرجة الأولى.

...

وبعد الانتهاء من التشكيلات النهائية، تبدأ مرحلة أخرى من الحسابات الأكثر تشابكاً، من خلال الصفقات المالية، والمواقف السياسية، حيث يعمل كل طرف على إعاقة الطرف المنافس لكيلا يحصل على رصيد جماهيري يمكن ان يوظفه في الانتخابات القادمة.

عندما طرحت كتلة المالكي مشروع البنى التحتية عام 2009، تشكلت لجنة في التحالف الوطني لمناقشته، فأبدى المجلس الأعلى اعتراضه الشديد على المشروع، وقد جاء سبب الرفض على لسان النائب جلال الصغير القيادي في المجلس: (هل تريدون أن يكون المالكي رئيساً للوزراء لدورة جديدة؟). أي أن سبب الرفض ليس المصلحة الوطنية، إنما التقدير المبكر لما قد تسفر عنه الانتخابات البرلمانية القادمة. ويفعل الأمر نفسه التيار الصدري وحزب الفضيلة وحزب الدعوة وكتلة المستقلين، رغم أنهم يشتركون في الكتلة الأكبر التي تدير الحكومة أي التحالف الوطني.

...

وفي الاتجاه نفسه، فان نسبة الفساد التي تزايدت مع تقدم السنوات في حكم المالكي، كانت تحدث نتيجة هذا التشابك المتداخل في الحسابات المصلحية والتنافسية بين الكتل السياسية كلها بلا استثناء. لكن الذي وضع المالكي في واجهة الاتهام عاملان مهمان:

ـ الأول: أنه كان يراعي موقعه في رئاسة الوزراء مما جعله يغض النظر عن عمليات فساد كبيرة حتى لا تتفكك تحالفاته السياسية أو حتى لا يفتح على نفسه المزيد من جبهات المنافسين. وهو أمر يُدان عليه في كل الأحوال باعتباره المسؤول الأول عن الحكومة.

ـ والثاني: أن الكتل الأخرى كانت ترفع شعارات محاربة الفساد وتطلق خطابات محاربة الفساد، مما ساهم ذلك في إبعاد التهمة عنها، وإلصاقها برئيس الحكومة، على أساس أنها مشاركة في الحكومة من خلال الوزارات وليس صاحبة القرار النهائي. في حين أن ما سرقته الكتل من الوزارات يفوق بأضعاف عديدة الفساد المرتبط بدائرة المالكي.

فعلى سبيل المثال عندما واجه المالكي فضيحة وزير التجارة الأسبق الدكتور عبد الفلاح السوداني، دفع المالكي لوحده ضريبة هذه الفعلة الشائنة، بينما كان السوداني قد منح عقود الصفقات الكبيرة لكل الأطراف، فقد اشترك في هذه السرقة الكبرى المجلس الأعلى وحزب الفضيلة ومنظمة بدر وحزب الدعوة تنظيم العراق والتيار الصدري إضافة الى جماعة المالكي.

سقوط السوداني وسع صداه العراق كله، وأغرق حزب الدعوة في الاتهام المعيب، فكانت هذه فعلة منكرة أخرى.. فعلة ساهم بها العديد من القياديين عندما وقفوا يدافعون عنه، وكأنهم اتفقوا على إحراق تاريخ حزب الدعوة بتضحياته وشهدائه ونضاله بشرارة واحدة.

صحيح أنه انشق عن حزب الدعوة، وصار من قياديي تنظيم العراق الى جانب الرجلين الفسادين الآخرين عبد الكريم العنزي وخضير الخزاعي، لكنه يبقى ضمن نفس الجو العام للحزب.

بكارثة الفساد التي صنعها السوداني، احترقت سمعة الحزب، لأن مهمة وزارة التجارة كانت ترتبط بقوت المواطن الفقير، بلقمة عيشه البسيطة، بحصته التموينية التي لا يعيش يومه من دونها. ربما لم يجن السوداني ما جناه رفيقاه العنزي والخزاعي، لكنه فعل الفعلة المنكرة حين مد يده الى فم الطفل العراقي، فانتزع منها لقمة الصباح والمساء.. فهل هناك قسوة أكثر من هذه؟.

وتزداد القسوة ويتعاظم الهبوط الأخلاقي، عندما تنتفخ أوداج عبد الكريم العنزي وهو يزبد ويرعد في أجواء القرار العليا حيث المالكي وقيادة الحزب، فيحذرهم من التهاون في تخليص السوداني من ورطته، وإلا تكشّفت الملفات وصار أمرهم فرطاً.

يقولون إن المالكي استشاط غضباً عندما علم بمخالفات وزيره السوداني وفساده، وأنه واجهه بأغلظ الكلمات وأقساها، لكن ما فائدة التعنيف اذا بقي في حدود الكلمات الحادة وصرخات التأنيب؟

وقد وجد المالكي نفسه أمام معضلة كبيرة، فمحاكمة السوداني، تعني تحول التحالف الشيعي في نظر الشارع العراقي الى مجموعة لصوص على المكشوف. وكانت مراعاته لهذا الجانب سبباً في سكوته على الجانب السني في فساده الكبير. ومرة أخرى أن المالكي أخطأ ويبقى مداناً في صمته، فقد كان عليه أن يكشف الملفات على الملأ، وليحدث ما يحدث. فما قيمة الحفاظ على العملية السياسية إذا كانت لا تخدم المواطن ولا تحمي الوطن؟. بل ما فائدتها اذا كانت تسرق المواطن وتدمر الوطن؟.

...

عندما يجري الحديث عن هيئة النزاهة الوطنية، فان الجزء الأكبر من خمولها، يعود الى نفس السبب، أي تورط كل الأسماء والكتل بالفساد، مما يجعل أي رئيس لهيئة النزاهة خائفاً على حياته من الإغتيال، أو يجد فيها متجراً رائجاً لجني أرباح صمته، ولأن الحال هكذا فان الكتل الأخرى تستغل الحالة الجامدة لتوجه الاتهامات نحو هذا وذاك.

إن نموذج رئيس لجنة النزاهة البرلمانية السابق السيد بهاء الأعرجي، يُكثّف لنا الصورة هذه، فلقد وجه اتهاماته الى الجميع عدا التيار الصدري، وبرز في فترة من الفترات مدافعاً عن قوت المواطن، وداعياً الى تفعيل القضاء ومحاسبة الفاسدين، لكنه كان في تلك المهمة يقوم بأوسع وأكبر عمليات الفساد من بين أعضاء البرلمان وكبار المسؤولين. وقد جمع ثروات طائلة مستغلاً مهمته في الابتزاز المالي بدءً من الوزراء ومروراً بكبار الموظفين وصولاً الى الدرجات الوظيفية الصغيرة.

لقد توصلتُ بعد اتصالات مضنية وشاقة وحذرة الى أن سلم الفساد في التحالف الشيعي ينتظم كالتالي بدءاً بالأكثر فساداً وانتهاءاً بالأقل:

المرتبة الأولى: المجلس الأعلى

المرتبة الثانية: التيار الصدري

المرتبة الثالثة: حزب الفضيلة

المرتبة الرابعة: حزب الدعوة ومكونات دولة القانون.

يجب أن نضع أمامنا أن الفساد الذي مارسه ويمارسه قادة الكتل السنية، لا يقل سعة وعمقاً عن فساد الكتل الشيعية، ولعله يزيد عليه، كما تكشّف ذلك من خلال إيهم السامرائي وآل الكربولي وصالح المطلك ورافع العيساوي وخميس الخنجر وأسماء كثيرة، وكذلك الحال بالنسبة لقيادات التحالف الكردستاني حيث لديهم مصدرين للفساد الأول من الحكومة المركزية والثاني من حكومة الإقليم.

إن الفرق بين فساد الشيعة وبين فساد السنة والأكراد، هو فرق الخبرة في مجال التعاملات المالية والاقتصادية، فالشيعة حديثو عهد بالحكم، فكانت سرقاتهم مفضوحة، بينما القادة السنة اكتسبوا خبرتهم من قبل، وعرفوا كيف يمتصون قوت الشعب بأقل نسبة من آثار السرقة، كما أن الأكراد الذين تقاتلوا بالسلاح فيما بينهم على مصادر المال أوائل التسعينات، اكتسبوا خبرة السرقة بطرق غير مكشوفة، ساروا فيها عن طريق السياسة، وسلكوها عبر الاتفاقات، ومارسوها من خلال الفيدرالية.

وحين أتحدث عن فساد الكتل الشيعية، فلأن موضوع هذه السلسلة هو (إسلاميو السلطة)، وربما تتاح الفرصة لي لتناول ذلك ان شاء الله، كما أوجه الدعوة للمختصين للكتابة عن فساد هذه الكتل، لإنقاذ القليل المتبقي من قوت المواطن، وعلى أمل استرجاع الضائع من خزائن الفاسدين.

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (70): معركة المالكي في مواجهة غرفة التآمر الكردية

salim alhasaniمع بدء عملية فرض القانون في بغداد، شنت جبهة التوافق أكثر حملاتها الإعلامية شدة، فصفت الحملة بأنها محاولة من المالكي لتغيير الطبيعة السكانية للعاصمة بغداد، فيما راح الدكتور عدنان الدليمي يحوّل البرلمان الى مؤتمر خطابي عن تهميش السنة وتعرضهم للإبادة على يد المليشيات الشيعية وعلى يد القوات المسلحة، كما تصاعدت نداءات الاستغاثة عن الاعتقالات التي وصفتها بالعشوائية. وكانت وسائل الإعلام العربية قد أعلنت حالة الطوارئ في ستوديوهاتها ومكاتبها وبرامجها، للدفاع عما تسميه بحملة حكومة المالكي ضد السنة في العراق.

وفيما كانت القائمة العراقية بزعامة الدكتور اياد علاوي تركز على شعار المصالحة الوطنية، وضرورة الالتزام به من قبل الحكومة، فان جبهة التوافق أخذت الشعار الطائفي لتدور به محلياً وعربياً داعية الى إنقاذ السنة من التوجهات الطائفية لرئيس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي.

...

على مستوى الشارع العراقي، بدأ المواطن يشعر بقدر من الارتياح بعد أن تراجعت بشكل ملحوظ عمليات الخطف والقتل العشوائي والتفجيرات، وهذا ما وضع المالكي على بداية الطريق نحو اكتساب الشعبية العريضة.

لكن الخطأ الذي وقع فيه السيد المالكي أنه رمى بكل ثقله وإهتماماته بالجانب الأمني، وكان يحث الخطى بوتيرة متسارعة لفرض الأمن، مما جعله يتساهل في اختيار القيادات العسكرية من كبار الضباط، وكذلك في طريقة التشكيلات العسكرية والأمنية واختيار قياداتها، فقد اندست مجموعات من البعثيين في مناصب مهمة في المؤسسة العسكرية، والى جانب ذلك كانت القيادة العسكرية الأميركية قد فتحت عليهم علاقات وثيقة، بحيث كانت تتواصل معهم عبر هواتفهم الجوالة، وقد عينت جهات استخبارية خاصة من الضباط الاميركان للتواصل معهم بشكل مستمر. وكان كبار الضباط ينقلون التعليمات والأوامر التي تصلهم من القيادات العليا ومن مكتب القائد العام للقوات المسلحة الى الضباط الأميركان ساعة بساعة.

وتساهل السيد المالكي في نقطة أخرى وهو يصوب نظره باتجاه المعارك الميدانية وملاحقة الجماعات الإرهابية، تساهل في المخالفات البسيطة للضباط الفاسدين، من قبيل استغلال مهامهم الأمنية في ابتزاز أصحاب المحلات التجارية، وتلاعبهم في مرتبات الجنود، وكان هذا الفساد يكبر ويتوسع مع الأيام ليصبح ظاهرة شائعة تطبق على المؤسسة العسكرية.

وتسامح المالكي أيضاً مع المقربين منه، وهذه نقطة خلل لا يمكن تجاوزها، ولا يصح إعفائه من مسؤوليته المباشرة عليها، فلقد كان بعض المقربين منه، مثل صهريه حسين المالكي وياسر صخيل، وسكرتيره كاطع الركابي وغيرهم، يمارسون عمليات الفساد المالي مستغلين قربهم منه. وفي تلك الفترة لم يكن ابنه احمد قد دخل مجال المسؤولية بعد.

كان هؤلاء الثلاثة يقومون بالحصول على تعيينات الضباط أو نقلهم من منطقة الى أخرى مقابل رشاوى مجزية، ولأن العملية تتم بسرية تامة، فلم تكن تظهر على السطح، كما ان طبيعة هذه المخالفات لا تترك وراءها الوثائق والمستندات.

كانت هذه المخالفات وحالات الفساد، تطعن في حركة المالكي القوية نحو فرض الأمن، وتمتص منجزه الأمني من ثقوب صغيرة، يستغلها الخصوم للهجوم عليه.

...

شعرت جبهة التوافق أنها أمام رئيس وزراء عنيد، لا يمكن إبتزازه، او تخويفه بالتهديدات، كما اكتشفت الولايات المتحدة أن الرجل الذي كانت تظنه ضعيفاً، ليس كذلك، فهو قادر على مواجهة الأزمات والصبر عليها، فحاولت إحراجه من خلال الضغط علناً بضرورة قيامه بعمل سريع لحل جيش المهدي، وقد تصاعدت حدة التصريحات الأميركية من السفارة في بغداد الى العاصمة واشنطن على ألسن كبار المسؤولين.

كما اطلقت جبهة التوافق تهديداتها بأنها ستنسحب من الحكومة، ما لم يتم الإلتزام بالبرنامج الحكومي وتحقيق المصالحة الوطنية والتوقف عن عمليات الاعتقال والتراجع عن تهميش السنة وما الى ذلك من شعارات تأزيمية برع فيها قادتها.

وسط هذا التأزم السياسي أقدم زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر على خطوة مهمة، عندما اعلن سحب وزرائه الستة من الحكومة وإعطاء المالكي حرية اختيار بدلاء عنهم حتى لو كانوا من خارج كتلته.

وقد رحب المالكي بهذه الخطوة، ودعا الى إعادة النظر في نظام المحاصصة، وإعادة تشكيل الحكومة بعيداً عن هذا النظام الذي تسبب بالازمات. وكان المالكي يوجه كلامه في الحقيقة الى المجلس الأعلى وحزب الفضيلة وكتلة المستقلين، لكنهم رفضوا هذا الاتجاه، مما فوت فرصة تاريخية، للخروج من المحاصصة، وتشكيل حكومة وطنية قائمة على أساس الكفاءات.

وقد كان موقف المجلس الأعلى وحزب الفضيلة وكتلة المستقلين، قائماً على حسابات مصلحية صرفة، لأن معنى ذلك أن المالكي سيتحول الى زعيم تاريخي وسيكون هو قائد العملية السياسية بلا منازع.

نقطة أخرى تأتي في هذا السياق، فقد كانت هناك اتصالات سرية تدور بين المجلس الأعلى وبين القيادات السنية للعمل على سحب الثقة من حكومة المالكي، وتم عقد اجتماع سري في أربيل، جرى الاتفاق فيه على هذا المخطط، لكنهم اختلفوا في التوقيت المناسب.

 

في مطلع آب 2007 أعلنت جبهة التوافق سحب وزرائها الخمسة ونائب رئيس الوزراء السيد سلام الزوبعي من الحكومة. وكان ذلك بمثابة التمهيد العملي لخطة سحب الثقة.

وفيما ارتبك المشهد السياسي، وصار الحديث يتردد بين الكتل السياسية، عن قرب سقوط الحكومة، واصل المالكي مشروعه في فرض الأمن، وواجه الثغرة الدستورية في تعرض الحكومة للانحلال، عن طريق إصداره قراراً برفض قبول استقالة وزراء جبهة التوافق، واعتبارهم في إجازة، وأيده في هذا الاجراء رئيس الجمهورية السيد جلال الطالباني.

ثم فاجأ المالكي خصومه السياسيين عندما اتجه صوب البصرة معلناً انطلاق عملية صولة الفرسان لفرض الأمن في المحافظة التي كانت تحت سيطرة الجماعات الخارجة على القانون. وكان ذلك في مارس 2008، وكاد المالكي ان يدفع حياته في تلك العملية بعد أن حاصرته قوة من جيش المهدي، لكنه تلقى دعماً من الطائرات البريطانية، كما ان السيد مقتدى الصدر أصدر أوامره بفك الحصار عن مقره.

بعد صولة الفرسان، صار المالكي صاحب الشعبية الأكبر في الشارع العراقي، ونظرت اليه الولايات المتحدة على انه الرجل القوي الذي سيمضي في الحكم بقوة، وهذا ما وضع خصومه في دائرة القلق، مما جعلهم يعودون ثانية الى محاولة تفعيل مخطط سحب الثقة، وقد اشترك في هذا المخطط هذه المرة مسعود البارزاني وعادل عبد المهدي وعبد العزيز الحكيم وطارق الهاشمي وبقية القيادات السنية. كما انضم اليهم بطريقة غير مباشرة السيد إبراهيم الجعفري.

وتركزت الاجتماعات السرية حول الكيفية التي يتم فيها سحب الثقة، وقد دار الأمر بين خيارين:

الأول: استغلال ازمة رئيس البرلمان الدكتور محمود المشهداني مع بعض الكتل، لطرح فكرة سحب الثقة من الحكومة ومن رئيس البرلمان في خطوة واحدة.

الثاني: سحب الثقة من رئيس البرلمان أولاً، ومن ثم يصبح الطريق سهلاً لسحب الثقة من المالكي.

وقد تم اختيار الثاني، وبالفعل تم الضغط على المشهداني لتقديم استقالته، او اقالته، فقرر الاستقالة في نهاية عام 2008، في خطاب القاه في البرلمان.

لكن الخطوة الثانية لم تتحقق، فلقد لجأ المالكي الى أسلوب التفتيت الداخلي لخصومه، ونجح في ذلك خلال فترة وجيزة، فنقل المعركة الى داخل اوساطهم، ونجى من مؤامرة أربيل بسلام.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (69): ولاية المالكي في زمن الفوضى الخلاقة

salim alhasani2في كانون الثاني من عام 2005، وكان العنف يضرب بغداد وغيرها بتفجيرات يومية، التقيت الدكتور كنعان مكية، وكان في زيارة والده المرحوم المعماري الكبير الدكتور محمد مكية في لندن. دار الحديث بيننا حول الخيارات التي تملكها الولايات المتحدة في السيطرة على العنف الذي يعصف بالعراق. كانت وجهة نظري أن الإدارة الأميركية لم تعد تهتم بقضية المصداقية في ادارتها للأوضاع الأمنية المحلية مثل أفغانستان والعراق، فقد كان ذلك مهماً لها خلال الحرب الباردة، اما الآن فهي القوة الأكبر في العالم وقد زال ذاك الإعتبار تماماً، ثم وجهت اليه سؤالاً بحكم قربه من مراكز القرار في واشنطن:

ـ هل أن إدارة بوش تفكر جدياً بالشرق الأوسط الكبير، كاستراتيجية للمنطقة أم أنها تنتظر ما يسفر عنه الوضع في العراق لتحدد ذلك؟.

كان جواب الدكتور كنعان دقيقاً مقتضباً، بأن أميركا لم تجد في العملية السياسية أي توافق سياسي حتى الآن، لا داخل البيت الشيعي ولا داخل البيت السني، كما انها لم تلمس جدية الطرفين في الاتفاق مع بعضهما، وعليه فأنها حالياً تفكر بخيار (الفوضى الخلاقة).

ثم طلب مني أن أنقل رأيه الى الدكتور إبراهيم الجعفري، وحين سمع الجعفري مني هذا الكلام، طلب مني ان أعد دراسة موجزة حول هذا المصطلح، فقدمتها له وأنا أعتقد انه سيستخدمها في تقديم حل عاجل لتلافي تداعيات المستقبل، لكن تبين لي لاحقاً أنه كان يريد ان يستخدمها في أحاديثه التي المعروفة التي اشتهر بها.

...

بعد هذه الواقعة بأشهر قليلة وتحديداً في نيسان 2005، أجرت صحيفة الواشنطن بوست مقابلة مطولة مع وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس، تحدثت فيها عن (الفوضى الخلاقة) وانها السبيل الأفضل لإحداث النقلة التاريخية للدول التي عاشت الدكتاتورية الى الديمقراطية.

في أوساط سياسية مثل العراق، يتزعمها الإئتلاف الوطني والقائمة العراقية وجبهة التوافق بقياداتها المعروفة، لم يكن لحديث رايس أية أهمية، فلقد كانوا مشغولين طوال الوقت بما قاله زعيم هذه الكتلة وذلك الكيان، ومن يتولى هذا المنصب وتلك الوظيفة. وبما سيحصل عليه حزب الفضيلة من وزارة النفط، وكيفية توفير الحماية لمقر السيد عبد العزيز الحكيم رحمه الله في الجادرية، وعن الطلب الذي قدمه النائب عدنان الدليمي بوقف الاعتقالات، وعن جواز السفر الجديد الذي طبعه وأعتمده وزير الداخلية باقر جبر الزبيدي بدون الرجوع الى رئيس الوزراء، وعن سفر وزير الخارجية زيباري الى الخارج، وعن تصريح استفزازي لطارق الهاشمي ضد حكومة الجعفري، وعن توفير غرفة إضافية في مبنى الأمانة العامة لمجلس الوزراء لهذا المسؤول. وعن شؤون كثيرة أخرى يراها زعماء الكتل بأنها أكثر أهمية وحساسية من المشروع الذي اطلقته وزيرة الخارجية الأميركية. ولا أشك بأن كونداليزا رايس كانت تعلم بأنها حين تحدثت بهذه الصراحة والجرأة عن مشروع بخطورة الشرق الأوسط الكبير، واستخدمت المفهوم المثير للجدل بكل وضوح (الفوضى الخلاقة) لا أشك بأنها كانت تدرك أن قادة الشيعة وقادة السنة لن يسمعوا ولن يقرأوا ما تحدثت به، وإن وصلهم الخبر فانهم سيضعونه في ذيل جدول اهتماماتهم الشخصية.. لقد كانت تعرف أن تأخر صدور قرار تعيين موظف من احدى الكتل سيشغل الزعماء أكثر من تسريع الولايات المتحدة لمشروعها الاستراتيجي في العراق والمنطقة.

....

عندما تسلم السيد نوري المالكي رئاسة الوزراء، كانت الساحة العراقية قد دخلت في الفوضى الخلاقة من دون أن يشعر الزعماء بذلك، وكان ذلك يعني أن الولايات المتحدة عليها أن تستكمل خطواتها، مع تزايد العنف وسيطرة الجماعات المسلحة على الشارع العراقي.

لكن المشكلة التي واجهتها القيادة العسكرية الأميركية، تمثلت في كيفية ضبط حركة العنف المسلح، بحيث ينحصر بين السنة والشيعة، فيما يبتعد عن استهداف القوات الأميركية، فبغير هذه المعادلة المنضبطة لن يكتب للفوضى الخلاقة النجاح.

كان على القيادة الأميركية أن تتعامل مع القوى الأربع التالية:

ـ رئيس الوزراء الجديد نوري المالكي.

ـ جيش المهدي بزعامة السيد مقتدى الصدر.

ـ تنظيم القاعدة بزعامة أبو مصعب الزرقاوي.

ـ الجماعات السنية المسلحة والمتعاونة مع حزب البعث.

...

فيما يتعلق بالمالكي واجهت الإدارة الأميركية انقساماً في تقييمه، فقد ذهبت وزارة الخارجية الى أنه رجل قوي وقد وصفته في احد تقاريرها بصاحب النبرة القوية. أما البنتاغون فقد وجده ضعيفاً يحتاج الى الدعم وقد تبنى الرئيس الأميركي جورج بوش الرأي الثاني وطلب تقديم الدعم له لتثبيت موقعه في الحكم.

وحول جيش المهدي تبنت واشنطن تقويضه نهائياً، لأنه يمثل المعادل القوي للجماعات السنية المسلحة في استهداف الشيعة.

أما تنظيم القاعدة فمن الضروري إضعافه الى الحدود التي تجعله عاجزاً عن استهداف القوات الأميركية، فينحصر نشاطه ضد الشيعة.

وفيما يتعلق بالجماعات السنية المسلحة، فيمكن التحكم بها قوةً وضعفاً لضبط معادلة العنف في العراق.

...

وبدأ تنفيذ الخطوات..

في السابع من حزيران 2006، نفذت الطائرات الأميركية غارة جوية قتلت فيها زعيم تنظيم القاعدة أبو مصعب الزرقاوي قرب بعقوبة، وهناك رواية محدودة التداول بأن عملية قتل الزرقاوي قد جرت قبل ذلك بأيام، لكنه تم الإعلان عنها في هذا التاريخ، لتقديم دعم سياسي للمالكي.

في أواخر عام 2006 تم تأسيس مجالس الصحوات بدعم أميركي، وزودتها بالمال والسلاح، فخاضت معارك تطهير مناطق الأنبار من عناصر القاعدة، وبعدها بفترة وجيزة تحولت العمليات الإرهابية الى تفجيرات دموية في مناطق الشيعة في بغداد وغيرها.

في 17 فبراير 2007 قامت كونداليزا رايس بزيارة مفاجئة لبغداد، التقت فيها بنائبي الرئيس طارق الهاشمي وعادل عبد المهدي، وقد تحدثت معهما عن ضرورة تحقيق المصالحة الوطنية، محمّلة المالكي مسؤولية التلكؤ، وأنه لم يقدم على خطوات جادة في هذا الاتجاه. وكان هذا الاجتماع بمثابة التوجيه العملي للهاشمي ليبدأ حملة تصعيد طائفي تُحرّك الرأي العام السني ضد المالكي.

لكنها في لقائها مع المالكي في نفس الزيارة، أثنت على خطته الأمنية وعلى جهوده في فرض الأمن في بغداد والمناطق الأخرى، وعلى مساعيه في إعادة تشكيل القوات العسكرية والأمنية.

وحين أنهت لقاءاتها في بغداد، صرحت كونداليزا رايس للفريق الصحفي المرافق لها بتصريح مثير قالت فيه: (انه لا بد من بذل مزيد من الجهود لجذب السنة الى العملية السياسية التي يقودها الشيعة). نجحت الزيارة في مهمتها، فبعد مغادرة رايس بأيام بدأ التصعيد السني ضد المالكي في وتيرة عالية من قبل قادة الحزب الإسلامي وجبهة التوافق.

...

كان الوسط الشيعي هو النقطة الأكثر تعقيداً التي واجهها المالكي في ولايته الأولى، وقد كانت صورتها الظاهرية منحصرة بينه وبين السيد مقتدى الصدر، لكنها تتوغل في العمق وتتستر بالسرية لتشمل الأطراف الشيعية الأخرى، فالمجلس الأعلى وحزب الفضيلة كانا يتحركان نحو تقوية وجودهما من خلال التحرك المتنقل على أطراف الأزمات، وكان ذلك يسفر بطبيعة الحال عن مزيد من التمزق الشيعي الداخلي، مما أعطى مزيداً من القوة لجبهة التوافق لكي ترفع نبرة التصعيد الطائفي ضد المالكي، الى جانب تحفيز القيادات الكردية على استغلال الظرف للضغط على الحكومة من أجل انتزاع المكاسب.

وقد ساعد ذلك السعودية بشكل قوي على الدخول الى أجواء الأزمة من مداخل عديدة، وتحكّمها في توجيه القيادات السنية، وكذلك التحكّم بطريقة غير مباشرة ببعض الأطراف الشيعية حيث قام بعض قادة الكتل الشيعية بزيارات للسعودية وقطر.

...

في الأشهر الأخيرة من عام 2006 بدأ ضغط الإدارة الأميركية على المالكي، تطلب منه اتخاذ إجراءات سريعة لحل جيش المهدي. وقد حاول إقناع السيد مقتدى الصدر بحله، لكنه واجه رفضاً قاطعاً في هذا المجال. وكان جيش المهدي نتيجة سرعة تشكيله، قد انخرط فيه عناصر من البعثيين ومن غير الملتزمين دينياً، إضافة الى أفراد متورطين بجرائم قانونية.

هنا نقف إزاء نقطة مفصلية في مسار الأحداث، فالقيادة الأميركية كانت تدرك جيداً أن السيد مقتدى الصدر سيرفض حل جيش المهدي، وقد صرح الصدر بذلك أكثر من مرة بشكل قاطع.

نشطت السفارة الأميركية في تشجيع القيادات السنية على المضي في تصعيد حملتها ضد المالكي، واتهامه بالتهاون بشأن جيش المهدي، والتأكيد على تهميش السنة.

...

وفي نهاية عام 2006 وبدايات عام 2007، كان السفير الأميركي زلماي خليلزاد يعقد اجتماعاته المنتظمة مع نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي وعدد من قادة جبهة التوافق، يُحدثهم فيها أن محاولات المالكي في حل جيش المهدي بالطرق الدبلوماسية لن تسفر عن نتيجة، وأن عليهم ان يتعاملوا على هذا الأساس. وفي إحدى هذه اللقاءات قال لهم صراحة: (هذه أفضل فرصة لديكم للتحرك). وهو توجيه لا يقبل إلا تفسيراً واحداً، أي يجب أن تقدم جبهة التوافق على خلق جو واسع من المعارضة والتهييج والإرباك، للضغط على المالكي. وعزز هذا التوجيه بتصريح تلفزيوني على السي أن أن في 13 كانون الثاني 2007 قال فيه: (أن على المالكي أن يلتزم بتعهداته في حل المليشيات المسلحة، فهذا مطلب واشنطن ومطلب الأقلية السنية في العراق).

...

قرر المالكي بدء عملية عسكرية واسعة في بغداد لفرض الأمن، ولم تكن قواته العسكرية قد استكملت استعداداتها بعد، لكن إصراره عليها أحرج القيادة الأميركية فاضطرت الى المشاركة فيها، وكانت المنطقة المستهدفة هي شارع حيفا في قلب بغداد.

خطوة المالكي كانت خارجة عن السياق العام الذي تصممه السفارة الأميركية بالتنسيق مع القيادات السنية، لقد كانت هذه تريد عرقلة أي عمل عسكري أمني، قبل أن يتورط المالكي في مشكلة شيعية حادة مع التيار الصدري لتكون مقدمة لتفكيك الائتلاف الوطني الشيعي.

وقد كان توقيت العملية محرجاً للقيادات السنية، لأنه تزامن مع مشروعها الذي كانت تُعده لبدء تصعيد جديد تحت عنوان تهميش السنة، فالعملية انطلقت في كانون الثاني 2007، أي في نفس فترة الاجتماعات المكثفة لجبهة التوافق مع السفارة الأميركية. وقد جاءت ردة فعل قادة التوافق منفعلة الى حد كبير، حيث اتهمت المالكي بأنه يستهدف السنة في شارع حيفا، وأنها معركة طائفية وليس أمنية. وجرت استضافة المالكي الى البرلمان، حيث واجه النائب عبد الناصر الجنابي بأنه متورط بعمليات اختطاف وان الملفات موجودة عنده، مما دفع الجنابي الى الهروب من العراق بعد انتهاء الجلسة. وهو خطأ كبير يُسجل على المالكي، لأن المفروض من الناحية الأمنية أن لا يواجهه بهذا الكلام علناً، إنما يلجأ الى اعتقاله واحالته الى القضاء، لكنه أضاع هذه الفرصة وتسبب في هروبه من العراق.

...

ومع تواصل إجراءات المالكي الأمنية فيما عرف بعملية فرض القانون، شعرت جبهة التوافق بأن موازين القوة صارت لصالح المالكي، وأن هذه العملية لو نجحت فان مستقبلها السياسي سيكون ضعيفاً أمام رئيس وزراء فرض قوته على المشهد العراقي، وعند ذلك سيخسرون الدعم الأميركي، وكانت عبارة السفير الأميركي لا تزال تجول في رؤوسهم عندما أشار في أحد الاجتماعات بأنهم اذا (اضاعوا الفرصة فسيصبحون على المحك)، وكان يقصد أن عليهم مواجهة النتيجة بعد ان تتخلى الولايات المتحدة عن دعمهم لأنهم اضاعوا الفرصة.

في الحلقة القادمة سأتحدث عن مشروع اسقاط الحكومة، وكذلك إضاعة القيادات الشيعية ومنهم المالكي لفرصة إعادة تشكيل العملية السياسية وفق أسس صحيحة

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (68): إعدام صدام نقطة الفراق بين المالكي والسنة

salim alhasaniحين شكل السيد المالكي حكومته في 2006، كان الوضع الأمني يقترب من الانهيار، فعمليات الخطف الجماعي تجري في وضح النهار، والتفجيرات الإرهابية تنثر الجثث في مناطق متفرقة من بغداد، والجماعات المسلحة تفرض هيمنتها على مناطق واسعة من العاصمة وغيرها من المحافظات، ومثلث الموت ينتزع أرواح الزائرين بين بغداد وكربلاء او النجف، وكانت عمليات التهجير الطائفي تطال السنة والشيعة على السواء. وبلغ الأمر من السوء والتدهور بحيث لجأ المالكي الى إعلان حظر التجوال لإيقاف المزيد من التدهور في الأيام التي يخرج فيها الانفلات الأمني عن بقايا السيطرة، حتى اطلق بعض رجال السياسة على الحكومة أنها حكومة (منع التجول) بعد تكرر هذا الإجراء عدة مرات.

...

دخل المالكي أول مرة مكتب رئيس الوزراء بصحبة السيد الجعفري، وكانت عبارات أخوية جميلة بينهما، فقد طلب منه الجعفري أن يجلس الى المكتب، لكنه رفض ذلك بشدة بأنه لن يجلس في مكانه، كتعبير عن الإحترام مع وجوده في نفس الغرفة، وألقى الجعفري بضعة كلمات وعظية مما اعتاد عليها قولاً لا عملاً، فقد قال له أنه سيدعمه بكل قوته، وأنه مستعد ان يكون مدير مكتبه، ثم انطلق في سيله الوعظي فنصحه بأن يكون أكبر من هذا الكرسي، وأن لا يكون أسيره. ولم يلتفت الجعفري الى ان الأشخاص المقربين منه يسمعون كلامه هذا، وأنهم عاشوا عشقه للكرسي، كما أنهم شهدوا بعد ذلك كيف كان يمنّي نفسه بسقوط المالكي ليرجع أسيراً الى الكرسي، كما رأوا بعد ذلك بأشهر بأنه كان يعقد الاجتماعات المطولة مع أحد الأشخاص لبحث الخيارات الممكنة لعودته الى رئاسة الوزراء، وآخرها اشتراكه مع الدكتور حسين الشهرستاني وآخرين في تنصيب الدكتور حيدر العبادي رئيساً للوزراء، بعد ان يئسا من حصولهما على المنصب الساحر. وهذا ما سأتحدث عنه بتفاصيله فيما يأتي من حلقات ان شاء الله.

....

كان الانهيار الأمني يحمل الصفة الطائفية، وقد وجد بعض قادة السنة أن هذه فرصتهم الحاسمة لإعادة الأمور الى سابق عهدها، ليس بإعادة حزب البعث بشكله المعروف الى السلطة، ولكن بإبعاد الشيعة عن الحكم، وجعله سنياً يستكمل العقود السابقة، وكان هذا التوجه يلتقي مع القيادات البعثية، كما أنه يشكل هدفاً مصيرياً بالنسبة للسعودية وقطر وغيرهما من الحكومات العربية.

ولم يكن من مصلحة هذه الكتل أن يحقق المالكي أي انجاز على المستوى الأمني، لأن ذلك يعني انتقاله في خطوة عريضة من الضعف الى القوة، بينما تريده هي ضعيفاً محاصراً بتحديات الملفات الأمنية، لتنتزع منه ما تريد، ولتزحف هي نحو مراكز القوة في القرار السياسي.

وقد كان التصعيد الطائفي يأخذ مداها المتسارع في ضوء محاكمة صدام حسين، وصدور حكم الإعدام بحقه، مما كان يشكل نقطة فارقة في مسار العملية السياسية، فلقد كانت الجماعات الإرهابية وتنظيمات حزب البعث والقادة السنة، والحكومات العربية، ترغب في إيجاد وسيلة لتخليصه من الإعدام، فقد كان مجرد وجوده على قيد الحياة يمثل دافعاً قوياً باتجاه إبعاد الشيعة عن الحكم، وإعادتهم الى الهامش كما كانوا من قبل. وكانت كافة الأطراف تعلم تماماً أن المالكي يسعى لتنفيذ حكم الإعدام، وأنه يولي هذا الموضوع أهمية متقدمة في برنامجه الحكومي.

كان الموقف الأميركي غامضاً ملتبساً في هذا الخصوص، ولا يخلو من نوايا سرية لعرقلة إعدامه، فقد كانت القيادة العسكرية الأميركية مع هذا الاتجاه، بينما كان الرئيس الأميركي السابق جورج بوش يرغب باعدامه.

وقد بذل المالكي جهوده لتسلم صدام من القوات الأميركية، لكنها كانت تمتنع عن ذلك تحت مبررات عديدة من أجل كسب الوقت، حتى حانت الساعات الحرجة وهي ليلة 29/30 ديسمبر 2006، حيث دارت المفاوضات مع السفارة الأميركية، وانتهت بعد جهود مضنية بتسليمه للحكومة العراقية.

أصر المالكي على تنفيذ الإعدام بسرعة، رغم انطلاق دعوات معارضة شغلت وسائل الإعلام متعللة بعيد الأضحى وضرورة التأجيل لما بعد أيام العيد، لكن إصرار المالكي كان يستند الى معلومتين مهمتين:

الأولى: وجود عملية تم التخطيط لها لتهريب صدام.

الثانية وهي الأهم، أن محامي صدام رامزي كلارك والذي شغل منصب وزير العدل الأميركي سابقاً، رفع دعوى قضائية في واشنطن تهدف الى إنقاذ صدام من الإعدام، وكان على وشك أن يكسبها لصالحه، وكان ذلك يعني أن القوات الأميركية لن تسلم صدام الى الحكومة العراقية، وستبقيه أسيراً لديها.

...

كان إعدام طاغية العراق صدام حسين، هي حادثة الثأر التي حملتها قيادات الكتل السنية والجماعات الإرهابية والحكومات العربية تجاه السيد نوري المالكي، وظلوا يلاحقونه لأخذ الثأر في مجال السياسة والأمن والعلاقات والتحالفات.

لقد أدركت تلك الأطراف مجتمعة، أن وجود صدام يعني بقاء الرمز السلطوي والشعار المحفز للقوى الطائفية كي تواصل مشروعها في إبعاد الشيعة عن حقوقهم، بصرف النظر عن أية آلية معتمدة في النظام الجديد سواء كانت ديمقراطية أم غيرها.

لقد تعاملت تلك الأطراف على انها تعرضت لضربة موجعة باصرار المالكي على اعدام صدام، ومن ثم تنفيذ الحكم بساعات حرجة، كادت أن تنقذه من العقوبة العادلة، وبحكم مشاعرها وطائفيتها، لا يمكن لها أن تنسى ما حدث، وبذلك سارت الأحداث باتجاه آخر، هو الذي ميز علاقة المالكي باطراف العملية السياسية من السنة.

...

لكن المالكي يتحمل اللوم فهو لم يُحسن، إدارة هذه المعركة التي كان محورها وسائل الإعلام، في مقابل استعداد كامل قامت به وسائل الإعلام الطائفية في العراق وفي الدول العربية وخصوصاً الجزيرة والعربية.

وكان على المالكي أن يستفيد من هذه التجربة، ليعيد النظر في كادره الإعلامي الذي بدا مشلولاً غائباً عما يجري ويدور في العراق والعالم. كان على المالكي أن يستبدل هذا الكادر العاجز عن توظيف قضية بهذا الوضوح واحاطة الشعب بمجرياتها وحقائقها، وهنا يتحمل مباشرة هذا التقصير في الاختيار لكنه ابقى عليه، وقد ظل هذا الكادر منزوياً في مكاتبه، غارقاً في شؤونه الصغيرة، منتشياً بما يحصل عليه من امتيازات، بل ان هذا الكادر نجح في خلق الأزمات وإبعاد الكفاءات، وتقريب أصحاب الماضي السيء من بعثيين ومنتفعين. يدفعهم على ذلك أن صاحب الماضي المطعون يكون مطيعاً موالياً، مما يضمن بقاءهم في مناصبهم وامتيازاتهم من دون تهديد.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

من بلاد الهايكو (4)

khalidjawad shbaylرأى البرق شرقياً فحنَّ الى الشرق- ولو لاح غربيّاً لحنَّ الى الغربِ

فإنّ غرامي بالبُريقِ ولمحه – وليس غرامي بالأماكن والتُربِ

روته الصَّبا عنّي حديثاً معنعناً – عن البتّ عن وجدي عن الحزن عن كربي

فقلتُ لها: بلّغ إليه فإنه – هو المُوقدُ النارَ التي داخل القلب

لله درُّك سيدي محيي الدين فما ألمعَ برقَكَ وما أوسع عبارتَك! وأنت تفيض بإشراقات حبّك أنّى توجهت ركائبك وحلّ رحالك في مسجد أو دير رهبان أو معبد بوذيّ تحمل في إهابك دِين الحب..حنانيك سيدي حنانيك؛ أراك تطوي الفيافي والوهاد على ظهر راحلتك من ألأندلس/الغرب الى الشرق/دمشق وأختها الموصل، وأنا أطويها على متن مُجنَّح طائر أوفي جوف أُفعوان من حديد يطوي الفلا طيّا اسمه قطارالطلقة!

بعد أيام ستحل ذكرى وفاة دفين دمشق الخامسة والسبعين بعد المائة السابعة محي الدين بن عربي الطائي الأندلسي 558ه/1164م-638/1240.

وقد جارى ابنَ عربي تلميذُه العارفُ المتصوفُ الرحّالةُ المفكرُ المضطهَدُ عبد الغنى النابلسي دفين دمشق 1050ه/1641م-1143ه/1731 حيث قال:

فقلتُ لأهل الغرب لا تعتبونني- بكم إنني في الجمع من غير ما فرقِ

ألا فاعذروا طرف المحب فإنّهُ – رأى البرق شرقيّا فحنّ الى الشرقِ

كأني بذينيْك الجهبذيْن الإنسانييْن يعرفان أن شاعرأ سيأتي أهلوه من الغرب ليحل في الهند ويولد في بومبي حاضرة الهند "جوهرة التاج البريطاني" ليصبح شاعر الأمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس وهو الشاعر القاص المتعالي رديارد كبلنغ Rudyard Kipling 1865-1936 الذ ي قال من قصيدة يمجد بها الرجال الاقوياء العساكر الذين يأتون من نهاية العالم ليجتاحوه في قصيدة يبدؤها:

الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا

Oh, East is East and West is West and the twain shall not meet.

لقد حمل الزمن إجاباته ونهض الشرق ووقف نداً قويا للغرب وتهاوت مقولة شاعر الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس متناسية أن الشمس تأتي من الشرق!

***

نحن الآن في مدينة ميشيما، وفي محطتها الهامة، علينا أن نستحصل بطاقة السكك الحديد بتقديم وصل الشراء من الخارج، حصلنا على البطاقة وعلينا أن نأخذ القطار الطلقة سيوصلنا الى كيوتو بساعتين وربع الساعة، والقطار هو هيكاري، جاء يتهادى، بدا كأنه تمساح عملاق، تحرك هادئا ثم جرى مسرعاً ولا يصدق راكبه أن السرعة تتراوح بين 280كم/سع الى 300 ، فكان متوازناً، بيدك الكاس مترعة فلا يتحرك سائلها!! وأسرع منه وأروع هو قطار نوزومي الذي لا تتيح لنا بطاقتنا استقلاله..

ها هي كيوتو، حططنا الرحال في محطتها العملاقة وسنركب قطار النفق بنحو تسع وقفات الى حيث نريد في الضاحية الشمالية. حيث الجامعات والمعاهد..وإلى أن نصل هناك، فلا بد من وقفة سريعة على كيوتو ليست كوقفة أبي المُحسّد على الأطلال:

بَليتُ بِلى الأطلال إن لم أقفْ بها – وقوفَ شحيح ضاع في التُرْب خاتمُهْ

وأنا وقفت معه على الهاء! فالشُح لا يستوي مع السياحة في هذا البلد.

هي مدينة التاريخ التليد ومنبع التقاليد وكنز الثقافة اليابانية الأصيلة و حافظتها، ولأنها مهد البوذية، فيها الف وستمائة معبد بوذي وأربعمائة معبد شنتو، من غير المقامات الدينية كل ذلك من المعمار الياباني الأصيل المتعدد الألوان، ما جعلها من ضمن التراث العالمي المصون المسجل والموثق في اليونسكو؛ وهي مدينة بنات الجيشو* برقصهن وهن حاملات المراوح الأنيقة وموسيقاهن الراقية الضاربين في عمق التقاليد التأريخية، وهي مدينة مسرح الكابوكي**، وهي مدينة الكاروك*** والأزياء الشعبية بما في ذلك الكيمونو وهي مدينة المحاربين الساموراي والسومو؛ وهي المشهورة بمطبخها ومطاعمها وفنادقها الباذخة والمنافسة لباريس ولندن وروما، وهي مدينة الشعر والفن المشرِعة أبوابها للفكر والثقافة المعاصرتين، وسيفهم القارىء أنها مدينة الأرستقراطية ولكن مهلاً مهلا..

هي أيضاً مدينة الفكر التقدمي وقلعة من قلاع الشيوعيين واليسار الجديد بشتى تلاوينه، ولا بدّ من وقفة مختصرة (سأتوسع بها في الحلقة الأخيرة عن السياسة والدين في المجتمع الياباني).. فمنذ أن نزعت اليابان ثوب العسكرتاريا أو انزِع عنها شمّر الشيوعيون سواعدهم مع عموم الشعب في بناء البلد وساهم مفكروهم وأدباؤهم وتكنوقراطهم في حملات البناء وحازوا على ثقة الشعب، ولولا حالة الانشقاقت والتجمعات اليسارية الجديدة والتروتسكية، وهي لو تجمعت لغدا الشيوعيون قوة كبيرة ومع ذلك فهم القوة الثانية في كيوتو والثالثة في طوكيو ولا يختلف الحال في الحواضر الأخرى وهامن نتائج الانتخابات للمجالس البلدية Kyoto City Assambly في عام 2013 في كيوتووعدد أعضائه الكلي 69:

الحزب الليبرالي الديمقراطي 22 مقعداً، الحزب الشيوعي الياباني 14 مقعداً، الحزب الديمقراطي في اليابان 13 مقعداً.

أما المجلس البلدي في طوكيو Tokyo Metropolitan Assamblyالذي قوامه 23 بلدية للعام 2013 لمجموع 127 مقعداً فهو:

الحزب الليبرالي الديمقراطي 59 مقعداً؛ كوميتو 23 مقعداً؛ الحزب الشيوعي 17 مقعداً.

وصلنا الى محطة ماتسوساكي واستدللنا الى الفندق لذي بدا قسماً داخلياً للطلبة، صاحبته ذات طبع عسكري، المنطقة جميلة فيها كليات ومعاهد عالية، كان في النزل شاب رائع إيطالي، جاء من شركته الأيطالية موفداً خبيراً في المتاحف، وهناك معلمة أمريكية قضت في النزل تسع سنوات، ونزلاء من جنسيات أوربية، خرجنا نتجول نبحث عن محلات سفن الفن فهي الوحيدة التي تقبل بطاقات الاعتماد وكذلك مراكز البريد أما التصريف في البنوك فسيكون خاضعا لضريبة البنك العالية!التقينا بشابة متحجبة بدت ملامحها عربية و كم فرحت المصرية بلقيانا، كانت تحضر للدكتوراه في جامعة كيوتو في الكيمياء الكهربائية تكلمنا في هذا الميدان فلي خبرة في هذا الأختصاص وهو الطلاء الكهربائي Electroplating وكان القاء معها حميماً خاصة عندما أخبرتنا أن العرب في هذه المدينة قليلون وقلما تلتقي بزوار من ديار العرب!

إذا ذكرت كيوتو فستذكر غابات الخيزُران في أراشيياما، وهي عبارة عن مجمع لمعابد قديمة وقصور في وسط غابة وممرات الخيزران ومطاعم وأسواق تقليدية وأبراج، المنظر جميل جداً، حيث يجد الزائر بيوتاً تقليدية وسط الغابة للأمراء والأغنياء وللشعراء والمفكرين فالجو هنا هادىء ويشجع على التأمل، دخلنا في واحد من هذه البيوت لقاء رسم غال وخلنا أننا سنأكل وجبة دسمة وإذا هي لا تعدو عن كونها قطعة من حلوى الأرز وشاي ياباني لا غير!! وقريب من هذه القرية هناك منتجع لنهر وجسر على نهر هوزوغاوا وجبال مطلّة عليه غير بعيد منه مدينة القردة، والمنظر غاية في الجمال ولمن يتعب هناك عربات أنيقة يجرها شباب لطفاء لقاء مبلغ معقول وكل واحد منهم يصلح أن يكون دليلأ سياحيا لمعرفته بالمنطقة وتاريخها، حيث يريك ويشرح لك أهم معالم المنطقة.. لقد صرفنا يوماً كاملاً ممتعاً في هذه القرية الساحرة.

 850-khalid1

غابات الخيزران في كيوتو

في الشمال الغربي من الكيوتو هناك معبد وقصر ملكي شهير وأعني به كنكاكو-جي، للوصول الى هذا المكان سنأخذ المترو من محطة ماتسوكاساكي حيث نسكن في الشمال الشرقي الى المعبد في الشمال الشرقي ثم نأخذ الباص، وقد صحبنا سيد وسيدة من منطقتنا كانو غاية في الرقة والعذوبة رغم أنهم لا يعرفون الإتكليزية واطمأنوا لتوصيلنا حيث نزلوا قبلنا بموقف واحد، ومن الملاحظ أن إحدى مواقف الباص كان يشير الى اسم المنطفة " ملا سُكينة" باللفظ الذي لا يخطىْ اللفظ العربي!! يتميز هذا الصرح ببرج وقبته الذهبية الفريدة اللا معة، وأكثر من هذا فهناك بحيرة ومرتفعات تتيح للرائي مشاهدة البرج، وكذلك حدائق غاية في حسن التنسيق.. شُيِّد هذا المعبد كقصر عام 1397م، ثم كمنتجع للأمبراطور يوشيمتسو، لكن ابنه حوله الى معبد حتى عام 1950 حين قام كاهن شاب قد انتابه مس من الجنون فأشعل فيه النار حتى آخره! ثم أعيد بناؤه ليصبح أحد أجمل معالم كيوتو وما أكثرها..

رجعنا مشياً على الأقدام وجلسنا على شاطىء نهر يشبه أبا نؤاس في الستينات حيث جلس الناس يشربون ويأكلون، وبقينا حوالي ساعة ونصف الساعة لنواصل رحلتنا الى حيث نسكن..

 850-khalid2

معبد كينكاكو الذهبي في كيوتو

لا أود الإطالة فما يستحق أن يُرى كثير، من القصور والحمامات المعدنية الطبيعية الساخنة أونسن المنتشرة لا في كيوتو فحسب وإنما هي في عموم اليابان ولها تقاليدها؛ ولكن بودي أن اشير إلى أهم يزعج سكان هذه المدينة من تصرفات الأجانب، ولطالما اشتكوا منها ومن يسمع شكاتهم؟!!

مضايقة بنات الجيشا من قبل الزائرين وأخذ لهن الصور دون استئذانهن، أو دعوتهن متوهمين أنهن بنات هوى!

إعطاء البقشيش الذي هو مرفوض وفق التقاليد اليابانية رفضاً تاماً!

التكلم بصوت عال أو المزاح في الشوارع والساحات العامة.

تناول المسكرات بالساحات والشوارع ورايت بنفسي شخصين أوربيين يدخلان المترو وبأيديهم علب البيرة ويتكلمون وينكتون وقالوا أنهم هنا من عشرين سنة يشتغلون وكلاء تجاريين، وذموا بلدهم وامتدحوا اليابان وكانوا يتكلمون اليابانية بطلاقة!

محاولات فتح باب التكسي عنوة، والتكسي يفتح ويغلق آلياً من قبل السائق!

عدم أرجاع الصحون الفارغة الى مكانها في المطاعم اليابانية ذاتية الخدمة سيلفسيرفس.

عدم الامتثال لاحترام المعابد حين تدخل النساء الأوربيات بملابس فاضحة وعدم خلع الأحذية.

(*) الجيشاGeisha بنات أعددن إعداداً خاصأ في ممارسة الرقص والموسيقى على المسرح مع دراية كبيرة بالتراث الفني الياباني، معظم رقصهن يكون للضيوف والحفلات الرسمية والمهرجانات، ولا يتعاطين بيع الهوى.

(**) وهو مسرح يجسد الاساطير الشعبية اليابانية يؤديه الذكور Kabuki .

(***) الكاروك نوع من المحلات يقدم موسيقى اليابان وقد يدعو الى أكثر من ذلك. الكيمونو ملابس خارجية تمثل ملابس تراثية

 

خالد جواد شبيل

 

 

إسلاميو السلطة (67): تأشيرة دخول لحقبة المالكي

salim alhasaniستبقى حقبة المالكي بولايتيه الأولى والثانية هي الأكثر جدلاً في الحاضر وفيما يأتي من حياة العراق، إنها الفترة التي تجاوزت عمرها الزمني، فبدت وكأنها أطول من السنوات الثمان، بل هي أطول بالتأكيد، لما شهدته من تطورات وأزمات، وتقدم وتراجع، وثراء وفقر.. وهي الفترة التي خرجت عن المعقول في عالم السياسة، فتعطلت التحليلات السياسية، وارتبكت تقديرات كبرى المؤسسات البحثية، لأن العملية السياسية صارت غريبة تماماً، ينتقل فيها الشخص المجهول الى دائرة الضوء، ويصبح رجل الحماية مسؤولاً كبيراً، ويترأس أخطر اللجان انسان مغمور لا نصيب له من أبسط مقومات الثقافة. وفي تلك السنوات استعان قادة الكتل بمجاميع من أشباه الأميين ليكونوا مُشرّعين في البرلمان، وأصحاب مناصب رفيعة.. وهي الفترة التي كانت الولاءات متحركة تتحول من اليمين الى اليسار بصفقة عاجلة، ثم تعود تنقلب بصفقة أخرى، وكان لدول الجوار كلها رأيها في العراق، وتأثيرها في مساره. كان صخباً مجنوناً أضاع المواطن في الحيرة والعتمة، وكان زعماء الكتل كلهم مدعومين من الخارج، ينثرون الغبار وينشرون الفوضى لإبقاء المواطن بعيداً عن حقيقة ما يجري، من أجل أن ينعموا بالمكاسب والامتيازات والمناصب العليا.. هكذا انجلت الغبرة بعد ولايتي المالكي المتتاليتين، ليتولى السلطة الدكتور حيدر العبادي، رجل حائر في أكثر الظروف بساطة، ومتردد أمام أوضح الخيارات دقة، فوجد نفسه أن عليه أن يقرر ويفعل في أكثرها قلقاً وتأزماً وخطورة، وهو الذي لم يعهد في حياته القرار والفعل الجريء.

...

ورث السيد المالكي من الدكتور الجعفري، دولة حدودها النظرية خارطة العراق، لكن حدودها الفعلية هي المنطقة الخضراء، وتسلّم منه حكومة قوامها الكلام الفضفاض بعباراته التي لا تستقر على الأرض لحظة واحدة، فيما يغرق الشارع العراقي بالخوف والموت والتفجيرات والفوضى.

ورث المالكي حزباً وضعه الجعفري على طريق الموت، فنفخ فيه المالكي روح القوة، لكن قيادته لم تحسن التصرف، فانساقت وراء تطلعاتها الشخصية، تسير أمام المالكي مرة ومن وراء ظهره مرات من أجل تجميع ما يمكن إلتقاطه من مكاسب وثروة وامتيازات.. تشدد معهم المالكي وتسامح، وكان عليه أن يكون صارماً مثلما كان مع الفوضى الأمنية عام 2007، لكنه لم يفعل للأسف. وفي المقابل كان على قيادة حزب الدعوة ان يراعوا المبادئ والقيم واعتبارات الوفاء والأخلاق، لكنهم لم يفعلوا مع شديد الأسف، بل تمادوا في طمس التاريخ، وتحريق أوراق الماضي.

وتعامل المالكي مع كيان شيعي مهدد بالتفتت، فمنحه من الأصوات والمقاعد ما لم يكن متوقعاً، بل أنه أنعم بفائض الأصوات التي حصل عليها، على العشرات من التابعين لكتلته فدخلوا البرلمان، ومنهم السيد حيدر العبادي الذي ما كان له ان يجتاز عتبة البرلمان لو لا اصوات المالكي في دورتين انتخابيتين 2010 و2014.

...

في الولاية الأولى يتحمل المالكي كل وقائعها وتبعاتها، لأنه وافق على قبول رئاسة الوزراء باختياره الحر، وكان بإمكانه ان يرفض لأنها مسؤولية شعب ووطن، وعندما وافق فعليه أن يتحملها كاملة في الإنجازات والإخفاقات. لكن الأمر في ولايته الثانية يختلف كثيراً، فلقد وافقت عليه الكتل السياسية بعد أن خبرته وجربته على مدى أربع سنوات، بمعنى انها تتحمل مسؤولية ما حدث أكثر منه. لقد صوتت له لشغل ولاية جديدة، فكانت صاحبة القرار في تعيينه، وليس المالكي نفسه. يتحمل قادة الكتل من الشيعة والسنة والاكراد المسؤولية لأنهم وافقوا على منح أصواتهم للرجل الذي تعاملوا معه وجهاً لوجه، وجنباً لجنب، في اجتماعات مغلقة وعلى مساحة مفتوحة.

قال زعماء الكتل السياسية بعد الموافقة على الولاية الثانية، أنهم وافقوا مجبرين، وأنهم تعرضوا لضغوط خارجية، وأنهم صوتوا عليه مرغمين، وقالوا غير ذلك الكثير في محاولة لتبرير مواقفهم. لكن هذا الكلام كله، يعود عليهم بالإدانة لا بالدفاع، فطالما انهم استجابوا للضغوط أو الإجبار أو المساومة أو غيرها، فهذا يعني أنهم رضوا لأنفسهم الضعف، وعلى الضعيف أن يتحمل نتائج ضعفه، ويعني أنهم وافقوا على المساومة، وعلى المساوم أن يتحمل خيانته لجماهيره بعد أن وافق أن يستلم الثمن من هذا الطرف او ذاك، ومن هذه الدولة أو تلك.

لقد قلت هذا الكلام في لقاءات تلفزيونية، وكتبته ايضاً في فترة تصويت الكتل السياسية على الولاية الثانية، قلت بوضوح: لا يحق بعد اليوم لأي كتلة سياسية ان توجّه نقدها للمالكي أو تعارضه في موقف، لأنها جربته من قبل، وعندما منحته اصواتها فعليها أن تحترم ضعفها أمام قوته. وهذا محرك البحث (غوغل) دونكم لتتأكدوا من كلامي.

...

مرة أخرى، تبقى حقبة المالكي هي الأكثر أهمية وحساسية في مسار العراق حاضراً ومستقبلا، فمن خلال فهم تفاصيلها وحصيلتها، يمكن أن نضع اليد على جزء كبير من الحل. وهذا لوحده شرط أساسي يفرض نفسه على كل المعنيين في العملية السياسية من مسؤولين ومثقفين وباحثين ومواطنين، بكل ما حوته التجربة من اخفاقات ونجاحات، وبكل ما فعله المالكي من صواب وخطأ، وبكل مواقف الشركاء في الحكومة والبرلمان والكتل السياسية في حركتهم اليومية المؤيدة أو المعارضة.

سنكون بحاجة الى فتح ملفات مملوءة بالأوراق، لكنها مخفية في أكثر الاماكن تحصيناً لقادة الكتل وكبار المسؤولين.. سنكون مضطرين للتوغل في الغرف المغلقة حيث جرت الاجتماعات والاتفاقات، وفيها تمت صناعة اتجاهات العملية السياسية، فيما تحمّل نتائجها السلبية المنفذون الجالسون في مقاعد الواجهة، ونجى من تبعاتها صنّاعها الحقيقيون.

عملية صعبة وشاقة ودقيقة، لكن يجب أن تُكتب بعد هذه الجولة الطويلة على ما قام به (إسلاميو السلطة) طوال السنوات الماضية.

...

فيما يأتي من حلقات ان شاء الله، سأركزها على دراسة تجربة سنوات المالكي، وخصوصاً الأيام الحرجة التي جاءت بالعبادي الى رئاسة الحكومة، سأتحدث عن اللقاءات السرية، وعن الكلام الذي لم يسمعه المواطن، وعن مؤامرات الساعات الحرجة. وستكون بطبيعة الحال ردة الفعل قوية هائجة من الذين ستمسهم الكتابة، حين يكتشف المواطن حقيقة بعض الأشخاص الذين كان يظنهم بعيداً عن الواجهة، لكنهم كانوا في عمق الحدث، وحين يعرف القارئ أن هناك وجهاً مشوهاً غير الوجه المألوف لبعض القياديين من مكونات دولة القانون والتحالف الوطني والكيانات الأخرى، وحين يمر القلم على جوانب من شخصيات ومواقف القادة، ليكشفها على الحقيقة التي تختلف عن الشائع عند الناس.

ستأتي الحلقات خاتمة لهذه السلسلة الطويلة، لكني لا أدرى كم ستطول هذه الخاتمة، اكتب ما اتثبت منه وأؤمن بحقيقته، والحكم للقارئ.

قبل عدة أسابيع بدأتُ بحقبة المالكي، لكن تطورات المشهد العراقي، اضطرتني الى الكتابة عنها، فكانت بعض الحلقات عن شخصية الدكتور حيدر العبادي، وطريقته في التفكير والإدارة، وعن المخاطر الجدية التي تزحف على العراق بسرعة فائقة، ثم كانت الحلقة عن الدكتور أحمد الجلبي في وفاته المفاجئة.

سأضطر لتلخيص ما بدأته عن حقبة المالكي، مع إضافات جديدة، وأواصل الكتابة بما يضع القارئ الكريم، أمام هذه الحقبة الأهم من مسار العملية السياسية.

سأكتب عن حقبة المالكي بما أملكه وحصلت عليه من معلومات، وليس بالاعتماد على هذا الصخب الإعلامي المتداول، لأن النظرة الأعمق لما تم تداوله ضد المالكي، كان بعضه لصالحه، كما أن العكس هو الصحيح ايضاً. لن أتأثر بالمسموعات، وهذا منهج التزمت به منذ بداية نقدي للمالكي عام 2006 وما بعدها، لكن موجة الاعتراضات والهجوم المضاد الذي شنه المستفيدون من المالكي وقتها، كانت هي الأعلى، وهذا أمر طبيعي في مجتمعاتنا، فالرأي المسموع هو الذي يصدر من بطانة الحاكم، وليس من الطرف الآخر.

...

وأعود مرة أخرى، لأكرر ما قلته من قبل ـ وربما صار مملاً ـ أنني متمسك بصحة ما كتبته وأني مستعد لمواجهة المعنيين قولاً بقول ذي دليل، وكلمة بكلمة ذات شهادة، ومعلومة بمعلومة فيها تفصيل، فيما لو تقدموا بالاعتراض على ما نشرته بصفتهم الشخصية أو الرسمية. كما أنني على استعداد تام للتراجع عن أية معلومة يُثبت صاحب العلاقة خطأها، وسأعلن اعتذاري علناً. لكن حتى الآن لم يحدث ذلك، أما ما يكتبه بعض الأتباع والموالين فهو أمر لا يمكن التعويل عليه في نطاق التوثيق العلمي والكتابة التاريخية.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

زكي بنيامين شاعر من أصل عراقي

shaker faredhasanهناك العديد من الكتاب والادباء والشعراء والمثقفين من اصل عراقي كانت لهم مساهمات في رفد الثقافة العربية، من بين هؤلاء الشاعر والمترجم زكي بنيامين الذي هاجر الى اسرائيل سنة ١٩٥١. وهو من مواليد كركوك العام ١٩٢٧، تعلم في الموصل وفتح عيونه على اللغة العربية والادب العربي ونهل من التراث العربي، وبعد هجرته واصل عمله معلماً في طبريا .

قرض زكي الشعر وعمل في الترجمة من العبرية الى العربية . واشعاره ذات كلمات بسيطة واضحة نابعة من قلب ووجدان انسان عراقي يفيض حباً وشوقاً لبلاد الرافدين ووطن دجلة والفرات بلا حدود، وعامرة بلوعات شجونه واحزانه وآلام روح اجبرته الظروف على ترك وطنه والرحيل عنه . وهي متأججة بزخمها العاطفي والوجداني الجياش، ومتسمة بدقة الالفاظ وشدة الايحاء، علاوة على استخدام الرمز التصويري .

وخلاصة القول، زكي بنيامين شاعر عشق العراق وناسه الطيبين، وظل العراق رغم البعاد هو " الأنا" الرابضة في اعماقه ووجدانه وكيانه وشخصيته .

 

شاكر فريد حسن

 

إسلاميو السلطة (66): من قتل أحمد الجلبي؟

salim alhasani2لا يتحمل المواطن البسيط اللوم عندما لا يعرف الدور الذي قام به الدكتور أحمد الجلبي في اسقاط نظام صدام.. لا تتحمل اللوم الطبقة السياسية في استبعاده عن مراكز القرار العليا، فذلك أمر معروف.. ولا كلام مع القوى الطائفية التي أدركت منذ البداية أن أحمد الجلبي يعمل من أجل إنهاء حكم البعث وحفظ الشيعة من القتل والتهميش والظلم على مدى عقود من التاريخ.

...

كان الموقف الأميركي من الجلبي سريعاً للغاية، فبعد فترة وجيزة من تشكيل مجلس الحكم، حددت واشنطن عداءها له، وحاولت تقليص نفوذه وحصره في أضيق زاوية من هامش العملية السياسية، وكان السبب المعلن أنه سرب معلومات خطيرة الى إيران.

لكن الأسباب الحقيقية أكبر من هذا وأعمق، لقد كانت الإدارة الأميركية قد اتخذت قرارها بشأن الجلبي قبل أن يسقط صنم الدكتاتور في ساحة الفردوس، فلم يكن من مصلحة الإحتلال أن يظهر رمز عراقي شيعي ليأخذ الواجهة السياسية كلها في مرحلته الجديدة، لأن ذلك يعني أنه سيأخذ القوة بيديه، وبذلك يتضاءل الدور الأميركي في العراق من خلال السفارة والحاكم المدني.

كان المرحوم الدكتور أحمد الجلبي، قد ذاع صيته في العالم بأنه الرجل الذي أسقط نظام صدام حسين، وأنه سلك طريقاً لم يسلكه أحد من قبله في إقناع أكبر دول العالم على استخدام القوة العسكرية وإرسال الجيوش لإنهاء نظام دكتاتوري عجزت كل الوسائل عن زعزعته بما فيها الانتفاضة الجماهيرية الكبرى عام 1991 (الانتفاضة الشعبية).

...

خطوة الجلبي بهذه الخطورة والجرأة، تقابلها منظومات متشابكة من المواقف إعلامياً وشعبياً ودولياً. فالرجل من جانب صاحب قضية نجح في تحقيق هدفها بإسقاط نظام الظلم والقتل والإرهاب في بغداد، ومن جانب آخر هو الخائن الذي استعان بالولايات المتحدة لتحتل بلاده، وبين التقييمين صخب من الآراء والافعال وردود الأفعال، وتصادم حاد بين التأييد والرفض. لكن النظرة الهادئة للنتيجة تكشف أن كل هذه التشكيلات المعارضة والمؤيدة وما بينهما، كانت تحمل رؤية الجلبي، وقد اعتمدت النتيجة التي صنعها على مدى سنوات صعبة من الاتصالات واللقاءات والاجتماعات السرية والعلنية مع أخطر الدوائر في الولايات المتحدة وغيرها.

فالذين رموا الجلبي بالخيانة والتآمر على وطنه، انضموا الى مشروعه وأيدوه بالطريقتين المباشرة وغير المباشرة. فالسعودية والكويت والامارات وقطر والأردن وتركيا وغيرها من الدول أيدت الاحتلال الأميركي للعراق، وساندته وقدمت التسهيلات عن طيب خاطر للجيوش الأميركية في زحفها نحو بغداد.

كما أن قادة الكيانات السنية التي ملأت الفضائيات تصريحات ثورية ووطنية، كانت سباقة الى عقد الصفقات السرية مع القيادة الأميركية، بما في ذلك تمويل القوات الأميركية بوجبات الطعام والخدمات المتنوعة التي يحتاجها الجيش الأميركي في قواعده المنتشرة في عموم العراق، وتضم هذه القائمة أسماء سنية لامعة مثل صالح المطلك ورافع العيساوي وعلي حاتم السلمان وأسامة النجيفي وجمال الكربولي الى جانب زعماء العشائر السنية في الأنبار.

ثم انكشفت الغبرة بعد أشهر قليلة عن دخولهم في منافسات شديدة ومفاوضات ساخنة من أجل الحصول على الوزارات والمناصب المهمة مثل نائب رئيس الجمهورية ورئاسة البرلمان والوزارات السيادية وغير ذلك. بمعنى أنهم عبروا الجسر الذي صنعه الجلبي، بل أنهم حازوا على مناصب وامتيازات لم يحصل عليها الجلبي نفسه.

لم يكن الموقف الحقيقي لقادة الكتل السنية، معارضاً للاحتلال الأميركي، إنما كان ناقماً على خطوة الجلبي بحل حزب البعث وإدراج فقرة اجتثاث البعث في الدستور، وإصراره على تشكيل هيئة مستقلة تتولى ملاحقة مجرمي النظام السابق ومنعهم من العودة الى الحياة السياسية. لقد شخّصوا أنه رجل سياسة من طراز خاص، يعرف ما يريد، ويصل إليه من خلال استخدام عقله الكومبيوتري في فتح خيارات مفاجئة كلما أغلقوا باباً أو سدوا عليه طريقاً.

وقد اكتشفت الحكومات العربية بأن هذا الرجل يحمل همّاً شيعياً كبيراً، ويريد حفظ حقوقهم، وسيحقق ذلك سريعاً فيما لو بقي يتحرك على الساحة، فكان لا بد من محاربته إعلامياً وسياسياً وهذا ما كان على مدى السنوات التي تلت سقوط النظام حتى وفاته في الثالث من تشرين الثاني الجاري.

...

كان الجلبي واضحاً منذ الأيام الأولى لإسقاط النظام، حيث اعلن بأن المهمة الأميركية قد انتهت، وعلى إدارة البيت الأبيض أن تنسحب من العراق، لتترك للعراقيين بناء وطنهم بإرادتهم. ولم تكن كلماته مثل غيره، فواشنطن التي خبرت الرجل وعرفته عن قرب وعن بعد، تعرف ما سيقوم به، وتعرف كيف سيحشد ضدها الأجواء السياسية الشعبية والدولية للانسحاب. ولعل حادثة بسيطة وقعت في بدايات تشكيل مجلس الحكم كشفت للحاكم المدني بول بريمر أن الجلبي يختلف عن المجموعة الجالسة امامه بهدوء وأدب.

لقد وصلت سكرتيرة المرحوم الجلبي لحضور اجتماع مجلس الحكم، فمنعها ضابط أميركي من الدخول، فما كان من الجلبي إلا أن نهض من كرسيه غاضباً، وأغلظ القول للضابط الأميركي، بأنها هي التي يجب أن تدخل، وأن عليه ـ أي الضابط ـ ان يخرج من القاعة فوراً. جرى ذلك أمام بريمر وأمام أعضاء مجلس الحكم، فانتاب الطرفين الخوف.. أعضاء المجلس أوجسوا خيفة من ردة فعل ناقمة يطلقها بريمر ضدهم.. والحاكم الأميركي شعر أنه أمام رجل لا يعير قوة الاحتلال بجبروتها وسطوتها وسلطتها الإهمية والإحترام.

...

بعد تشكيل الائتلاف العراقي الموحد، وفوزه في الانتخابات الأولى عام 2005، رشح الجلبي نفسه لشغل منصب رئاسة الوزراء، لكنه واجه معارضة شديدة من المجلس الأعلى، واضطر الى الانسحاب لصالح الدكتور إبراهيم الجعفري المرشح الآخر للرئاسة.

لم يكن موقف السيد عبد العزيز الحكيم رحمه الله المعارض لتولي الجلبي منصب رئاسة الحكومة، صحيحاً حسب رأيي، فلقد كان العراق في بداية مرحلة جديدة، لم تتضح معالمها بعد، وكان الشيعة في تلك الفترة يتعرضون لإستهداف طائفي دموي صارخ، مما كان يستوجب أن تأتي للحكم شخصية علمانية لها خبرتها وقدراتها الخاصة مثل الجلبي، فاذا نجح في المهمة فان المكسب سيجنيه العراق، وإذا فشل فأن تبعاته ستكون بعيدة عن الإسلاميين. وكان معروفاً في أيام المعارضة، أن فترة الحكم الأولى بعد سقوط النظام، ستكون شاقة صعبة، وأن مصلحة العراق تستوجب إبعاد الوجه الإسلامي عن مصدر القرار الأول، لأنه سيواجه التحديات والأزمات المفتعلة من السعودية والمنظومة العربية الطائفية، كما ستقف الدول الغربية مترددة في دعمه، لمنع حصول الإسلاميين على مكسب تاريخي. لقد كان ذلك متداولاً وشائعاً بين معظم الأطراف الإسلامية الشيعية، لكن بعد السقوط تبدلت القناعة خلال ساعات قليلة، وكان السيد إبراهيم الجعفري أول الراكضين نحو كرسي الرئاسة.

لكن الجعفري تُسجل له نقطة إيجابية حين استعان بالجلبي ليشغل منصب نائب رئيس الوزراء لشؤون الخدمات، وهو قرار يمتدح عليه الجعفري. فقد استطاع الدكتور احمد الجلبي أن يعيد في فترة وجيزة بعض الخدمات الضرورية التي كانت مدمرة بالكامل. كما ترأس لجنة العقود التي فرضت سيطرتها على اتفاقات الوزراء وصفقاتهم، وهي الفترة التي لم تُسجل فيها على الحكومة حدوث حالات فساد كبيرة كالتي حدثت لاحقاً. ولو لا وجود الجلبي لكانت البلاد قد سقطت في الهاوية بسرعة البرق، فالجعفري كان متفرغاً للكلام والخطابات، وفي ساعات خاصة الركون الى غرفته ينعم بأجمل الساعات وداعة وراحة.

....

كان المرحوم احمد الجلبي معروفاً من قبل الكتّاب والمثقفين العراقيين، لقد أدرك معظمهم قدراته وعبقريته وامكانياته، لكنهم ـ وأنا منهم ـ لم ينصفوا الرجل، لقد كنا تحت تأثير الجو العام، فخذلنا الرجل ونحن نراه يتحرك في دائرة الاستهداف من قبل القوى الطائفية والطبقة الحاكمة والحكومات العربية.

ويبدو أن الجلبي كان يعرف منذ دخول العراق، أنه في طريقه الى الانحسار أو الموت، لذلك لم يكن يشكو تهميشه وإبعاده عن الدور المطلوب.. ولم يأخذ على القادة السياسيين أنهم جاءوا الى الحكم والسلطة والامتيازات بفضل جهوده الدولية.

كان يعرف ذلك بدقة، فسكت عن العتب واللوم، ومضى يواصل نشاطه، وهو يتوقع أن تسقطه رصاصة طائشة أو قطرة سم أو سبب آخر.

...

كان إسلاميو السلطة يعرفون قدراته وقابلياته، ويتحدث قادة الكتل مع رجالهم واتباعهم في جلساتهم الخاصة عن عقليته وذكائه الفذ، لكنهم يكتمون ذلك علناً، بل ويتضامنون فيما بينهم على إبعاده من مواقع القرار، لأنهم يعرفون أن بروزه الى الواجهة سيكشف الفارق الكبير بينهم وبينه.. وسيتضح الخواء من الكفاءة، وسيلمس المواطن العراقي البون الشاسع بين مسؤولين وقادة صناعتهم الكلام والشعارات وبين رجل يعرف كيف يفكر ويشخص ويفعل. والدليل على كلامي، شهاداتهم فيه بعد وفاته، لأنه لم يعد منافساً لهم، فقد تكفّل الكفن والقبر بإزالة مخاوف المنافسة.

في فترات مهمة، كان يتحدث عن نقاط ملفتة عن مستقبل العراق، ولا سيما في الجانب الاقتصادي، مثل الأزمة العاصفة التي ستضرب العراق وتحيله خواءً وفقراً، لكن أحداً لم يسمع.

وفي فترات أخرى وضع اصبعه على الجوانب المخفية من الفساد الأكبر والأكثر خطورة، وضرب على ذلك الأمثال والأرقام، مما وضع كافة المسؤولين أمام إدانة مباشرة، فكانوا يلوذون بالصمت وكانوا يواجهون مذكراته وكتبه الرسمية بالاهمال.

في أشهره الأخيرة تصدى لكشف ما تقوم به البنوك الأهلية من فساد كبير، ومن تدمير هائل للاقتصاد العراقي، وقدم الأرقام الصادمة، ولفت الأنظار الى مساحات كبيرة من الفساد المخفي، فيما ينشغل الرأي العام بقضايا صغيرة من الفساد، وقد كانت تلك نقطة حساسة، بل دائرة من نار يحترق من يقترب منها، لكنه جازف ودخلها، ثم مات فجأة.

انتهت حياة الدكتور احمد الجلبي.. وفي العراق ينال الذين خدموه حقهم بعد حين.

ومثل الآخرين سأكرر هنا تحيتي للزعيم عبد الكريم قاسم الذي اكتشفه العراقيون بعد سنين من وفاته.

 

 د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

كونفشيوس وطريق الحكماء

emadadeen ibrahimكونفشيوس هو أول فيلسوف صيني ينجح في إقامة مذهب يتضمن كل التقاليد الصينية عن السلوك الاجتماعي والأخلاقي. ففلسفته قائمة علي القيم الأخلاقية الشخصية، وعلي أن تكون هناك حكومة تخدم الشعب. ولقد كانت فلسفته وتعاليمه ذات أثر عميق في الفكر والحياة الصينية، لذا لقب بنبي الصين. ولقد كان كونفشيوس محافظًا في نظرته للحياة، فهو يري أن العصر الذهبي للإنسانية كان في القدم، أي في الماضي، لذا كان يدعو الناس إلي العيش في الماضي، وهذا اغضب حكام العصر الذي كان يعيش فيه، لذلك لقي معارضة شديدة من حكام عصره علي تعاليمه. وقد اشتدت هذه المعارضة بعد وفاته ببضع سنين، واحرقوا كتبه. وهذا الرجل الحكيم استمر تأثير فلسفته في الحياة الصينية ما يقرب من عشرين قرنا. وكان له منهج خاص في دعوته وتعاليمه فهو مثل سقراط يفضل المنهج الشفهي علي الكتابة. كما انه اعتاد أن يتجول ويطوف في جميع الأقاليم الصينية لنشر مذهبه. وهناك مقولة ومعلومة خاطئة أن كونفشيوس كان أحد مؤسسي الديانات وهذا خطا فادح، لان مذهبه لا يتحدث عن اله أو السموات، لكن مذهبه هو طريقة في الحياة الخاصة والسلوك الاجتماعي. وكذلك مذهبه يقوم علي حب الناس وحسن معاملتهم في الحديث والأدب في الخطاب، ونظافة اليد واللسان، واحترام الأكبر سنًا والأكبر مقامًا، وطاعة المرآة لزوجها.و يشير في معرض حديثه عن الحاكم أنه يجب أن يخدم الشعب وليس العكس، وأن يملك الحاكم قيم أخلاقية ومثل عليا. ومن أشهر الحكم التي اتخذها كونفشيوس قاعدة لسلوكه(أحب لغيرك ما تحبه لنفسك). أما الفضيلة عنده فإنها تقوم علي فضيلتين هامتين هي (جن) (ولي) جن تعني الحب أو الاهتمام الحميم بإخواننا البشر. أما لي فهي تصف مجموعة من الأخلاق والطقوس والتقاليد واللباقة والحشمة. ويري أن أساس المجتمع هو الفرد المنظم في الأسرة المنتظمة. ويتفق كونفشيوس مع جوته في أن الرقي الذاتي أساس الرقي الاجتماعي. ويري أن قوام الأخلاق الصالحة هو الإخلاص، والفضيلة الكاملة تخضع للقاعدة الذهبية (ما لا تتمناه لنفسك لا تتمناه لغيرك). ومن أشهر أقواله أن أخلاق الرجل تكونها القصائد وتنمها المراسم (أي آداب الحفلات) وتعطرها الموسيقي. لقد كان كونفشيوس بحق معلمًا للسلوك القويم وفيلسوف عملي لا تنفصم أقواله عن أفعاله، أثرت تعاليمه الأخلاقية والفلسفية في كل الأجيال التي جاءت من بعده. ظل يبحث عن الحياة الفاضلة والأخلاق السامية. اعتبره الكثيرين بحق فيلسوف أخلاقي من الطراز الأول. دعا في كل حياته إلي طريق الحكمة والفضيلة وإلي السلوك القويم.و كل هذه التعاليم كان يعيشها في حياته الشخصية، وهذا ما خلد ذلك الرجل الذي سطر أروع الأمثلة العملية للفضيلة والعيش في رحابها. وستظل تعاليم كونفشيوس دستور عملي يسير علي نهجه كل من يبتغي الأخلاق والفضيلة والمعاني السامية للقيم. ولقد عاشت تعاليم هذا الرجل إلي الآن لسببين أساسين هما: انه شخص معتدل وعملي في تعاليمه، والإخلاص في دعوته، كل هذا جعل أفكاره حية إلي الآن وتنبض بالحياة. ما أحوجنا ونحن في عصر يموج بالأحداث السريعة والتيارات والمذاهب المتصارعة أن نسير علي هدي تعاليم كونفشيوس. ونتمسك باهداب الفضيلة والمثل العليا فهي راحة للقلب والعقل.

محمود دسوفي شاعر المنابر الوطنية

shaker faredhasanمات محمود دسوقي شاعر المنابر وشيخ الشعراء وعميد الثقافة الوطنية في الداخل، واحد ابرز شعراء ادب المقاومة، تاركاً وراءه ارثاً شعرياً وتاريخاً وطنياً ناصعاً زاخراً بالنضال والتضحيات . وتشكل وفاته خسارة للحركة الادبية الفلسطينية وللنضال الوطني الفلسطيني .

محمود دسوقي شاعر منحاز لقضايا شعبه وامته، عرفته ساحات النضال والكفاح ومهرجانات الشعر في المثلث والجليل، وينتمي لجيل دفع ثمن مواقفه وثمن الكلمة الوطنية الحرة والالتزام الوطني الثوري، تارة بالسجن والاعتقال والملاحقة، وتارة بمصادرة ديوانه " موكب الاحرار "، وطوراً بفرض الاقامة الجبرية عليه في بلدته الطيبة .

وقد ربطته علاقة وثيقة مع شعراء الشعب والوطن والمقاومة راشد حسين وسميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق زياد وحنا ابو حنا وحنا ابراهيم وسالم جبران وشكيب جهشان ونايف سليم وغيرهم .

عاش الدسوقي مأساة شعبه بكل ابعادها، وكرس قصائده واشعاره لفلسطين ارضاً وشعباً وقضية، وجعل من هذا الشعر منارة لكل من اراد ان يعرف عن وطنه وكفاح شعبه ويتعاطف مع قضيته المقدسة العادلة، وسكب في قصائده احزانه وذوب فؤاده ونبض عروقه ودمه . وجاءت اشعاره بسيطة صادقة وعفوية معبرة وواضحة الفكرة، متسمة بالطابع السياسي والانساني، وخالية من التكلف والصنعة اللغوية .

من اعماله الشعرية : السجن الكبير، مع الاحرار، موكب الاحرار، ذكريات ونار، المجزرة الرهيبة، صبرا وشاتيلا، طير ابابيل، جسر العودة، زغاريد الحجارةً، الركب العائد، تراتيل الغضب، نداء القدس.

ومن دراساته : الشعر العربي بين القديم والحديث، المعلقات والملاحم الشعرية عند العرب، الاتجاه الوطني في الشعر العربي الفلسطيني، الاستقلال والثقافة الوطنية .

محمود دسوقي علامة مميزة في ادب المقاومة، وشاعر جسد في شعره التجربة الفلسطينية وهموم الوطن، وعبر عن آلام وآمال شعبه في الحرية والعدالة والمساواة، مؤكداً على تمسكه بالهوية الفلسطينية، وتشهد دواوينه العديدة على ذلك .

وبرحيل الدسوقي تفقد الثقافة الوطنية الفلسطينية واحداً من اعلامها، وقامة شعرية باسقة لها دورها ومكانتها وقيمتها في الشعر السياسي والنضالي الرافض والغاضب والمقاوم . فسلاماً له وسلاماً عليه، وعاشت ذكراه خالدة ابد الدهر .

 

شاكر فريد حسن

 

إسلاميو السلطة (65): البحث عن بديل للعبادي

salim alhasaniلن يستسلم السيد نوري المالكي لخسارته رئاسة الوزراء، سيخوض المعركة تلو الأخرى من أجل العودة الى السلطة. هنا تضيع حسابات المعقول والمنطق، وتحل محلها أوهام النصر والقوة.

ومما يشجع المالكي على معركته، ان خصمه هو السيد حيدر العبادي وليس غيره، الرجل الذي يفتش في زوايا السياسة عن نقاط القوة لكي يتخلص منها الواحدة تلو الأخرى، فبينه وبين الحسم أزمة كبيرة، كره شديد، يتقزز في داخله من القرار الحازم، يقضي نهاره وليله في البحث عن السلامة والابتعاد عن الحلول، إنه يريد الحل أن يولد من تلقاء نفسه، كأن يطلع الصباح على العراق وقد انحلت مشاكله، وزالت ازماته.

والمالكي يعرف شخصية العبادي بدقة، لقد خبره في الحزب قبل السلطة وبعدها، ويعرف ان العالم لو شكل حلفاً عسكرياً خاصاً لدعم العبادي، فانه لن يستطيع أن يمسك القلم ويوقع على قرار واحد بيد ثابتة، وأنه سيحاول التريث والبحث عن منفذ ينقذه من محنة التوقيع.

....

الحكومة العراقية اليوم تشكيل وزاري من دون رئيس وزراء، سلطة تنفيذية يغيب فيها الرأس، تتحرك بالأطراف فقط، وهذا هو الوضع المثالي الذي لن يتكرر مرة ثانية، فليأخذوا من المكاسب والامتيازات ما يشاؤون، قبل ان تنتهي فترة العبادي الذي ينظر دائماً الى الجهة المعاكسة ليُقنع نفسه بانه في منأى عن الخطر.

باختيار العبادي رئيساً للوزراء، تم وضع العراق في عين العاصفة، وأمسكت الولايات المتحدة والدول الخليجية وتركيا، بموجّهات الرياح، تتحكم في سرعتها واتجاهها. لقد جاءوا به لأنهم لم يجدوا اضعف منه، واسهل منه، فهو الباب المفتوح الذي لا يعيق الداخل والخارج، وهو الواجهة المطواعة التي تصلح لكل الاطراف. وبهذا الضعف غير المتصور، يكون العبادي ثابتاً في موقعه، حتى يستكمل اعداء العراق مشروعهم، ثم يطلبون منه التنحي، فيستجيب وهو لا يدري ما حدث ولا ما سيحدث.

....

مع هذه الشخصية الضائعة الحائرة للعبادي، يرى المالكي نفسه أمام فرصة العودة التي لا تعوض، فلا بد ان يتحرك قبل ان تولد الفكرة التي يخاف منها، فكرة ان يتنبه قادة التحالف الوطني أو قادة حزب الدعوة الى ضرورة استبدال العبادي بشخصية قوية، وعند ذاك يضيع حلم العودة من يديه.

في تصاعد الأزمة الداخلية في دولة القانون قبل ايام (اواخر اكتوبر 2015) وجدت قيادة حزب الدعوة أن الحل هو بضخ جرعة دعم للعبادي، فتم عقد مجلس شورى الحزب الذي اصدر قرارات عائمة لا أهمية لها على الأرض بدأت بدعم اصلاحات العبادي، وانتهت بدعم اصلاحات رئيس الوزراء، وكأن العبادي كان ينقصه التأييد، ويعوزه الدعم، لقد حصل على دعم المرجعية والشعب والبرلمان، لكنه تجمد في مكانه، يهتز بالتردد من كيفية التنفيذ، فهل ستستبدل قرارات شورى الدعوة، نفسيته ومزاجه وشخصيته، لتصنع منها انساناً جديداً؟.

...

من وجهة نظر واقعية، فان المالكي يجد في قرارات مجلس شورى الدعوة، إعلاناً صريحاً بالضعف، وبانه خطوة متراجعة من الحزب أمام محاولته لاستعادة السلطة. فالمالكي يفكر بعقلية المهاجم الذي يريد ان ينتزع ما يريد، وعليه فان تأييد خصمه الضعيف في الشورى، ما هي إلا محاولة لرفع معنوياته، وليست حركة مضادة تريد ايقاف زحف المالكي نحو الكرسي من جديد.

كان المالكي يتوقع أن تصدر من شورى الحزب إدانة صريحة ضده، للتوقف عن زحفه الشرس، لكنه لم يسمع سوى همسات تأييد ضعيفة للعبادي الضعيف. وهذا ما سيشجعه اكثر على محاولة تهديد رئيس الوزراء مرة ثانية، واخرى، بل قد يلجأ الى خطوة تُطيح بالقيادة كلها. فهو يستطيع ذلك، وهم يعجزون عن مواجهته، لقد صنع لهم الامتيازات وفي لحظة الشدة، تركوه، فهل يتركهم يتمتعون بامتيازاته؟

لن يسمح المالكي بذلك، ولن تهدأ نفسه إلا بالعودة الى كرسي الحكم، من دون ان ينظر الى ما تسببه من كوارث وانهيارات، طالما ان الحساب والمحاسبة لا وجود لها في العراق.

ومن يدري، ربما تجد الولايات المتحدة ومنظومة الدول الخليجية، في حركة المالكي هذه المرة (ومن حيث لا يدري طبعا) أنها تخدم توجهاتها في تعجيل الضربة الموجعة للشيعة في العراق، فأقوى وسائل التخريب حين تأتي من داخل الهدف المطلوب.

...

مرة واحد ننتظر من التحالف الوطني، ان يتخلى عن حساباته الفئوية والذاتية، ويتعامل على ان العراق في خطر، وعليه ان يتدخل بعقلية المسؤول لإيجاد بديل قوي يحل محل العبادي الذي دخل الميدان طارئاً، ويشجع الاعداء على قضم العراق بأسرع مما كانوا يخططون. ولو فعلها قادة التحالف الوطني واتفقوا لمرة واحدة على بديل قوي يحظى حقاً وصدقاً بمؤازرتهم ودعمهم، بعيداً عن حساباتهم السيئة على مدى السنوات السابقة، لو فعلوها فانهم قد يكفرون عن اخطائهم المدمرة التي أوصلت العراق الى هذا الحال. وبهذا يسجلوه سبقاً على كل السياسيين الاخرين في تقديم مصلحة الوطن على المصلحة الشخصية، وهي النقلة النوعية التي طال انتظارها.

...

لنعد بضعة خطوات الى بداية الأزمة، اي استبعاد المالكي من تشكيل الحكومة، وتكليف العبادي بها، فلقد جرت بسرعة شابها الارباك والعجلة والتفكير غير المدروس، بعد ان تشدد الدكتور طارق نجم في رفض الترشيح، رغم انه حظي وقتها بتأييد أهم الاطراف الدولية والعراقية.

فقد يكون الحل بعد هذه التجربة الفاشلة من حكم العبادي، أن بالإمكان ان يعيد التحالف الوطني بحث البديل مرة أخرى، فلقد هدأ ضغط الزمن الدستوري الذي رافق عملية اختيار العبادي، واصبح بالامكان العودة الى الاسماء والخيارات التي تم تداولها في تلك الفترة، وبذلك ينسحب عنصرا الأزمة من المواجهة، فلن يجد المالكي هنا نفسه أمام شخصية ضعيفة، ولن يشعر العبادي ومؤيدوه أنهم خسروا الجولة امام المالكي.

ستكون هذه الخطوة حلاً عاجلاً، لإيقاف التدهور المتسارع في العراق، وتعطيل المشروع المضاد في تفتيته. ومما يدعم هذا المقترح، أن المرجعية العليا والاطرف السياسية ستفكر بشخصية البديل كقرار مصيري بعيداً عن الجو المنفعل الذي رافق تنحي المالكي، وفي نفس الوقت، بعد اختبار عملي لما حدث في فترة العبادي.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

من بلاد الهايكو (3)

khalidjawad shbaylأود قبل أن أصل إلى جبل فوجي أن أتوقف مع الناس ومشاكلهم الاجتماعية؛ وقبل أن ألج موضوعاً عويصاً كهذا، لي أن أقول قولة لا بد منها وهو أن زيارة لمدة محدودة لأيام أو أسابيع قلائل لا تشفي غليل الصادي، فلا بد من الاستعانة بالبيانات الحكومية والكتب المتعلقة بهذا البلد للوقوف على مشاكله هنيهة في وَلْجَة ما وسعني الاختصار فيها.

تُعد نهضة اليابان من اسرع النهضات في التاريخ رغم النكبات والكبوات التي تعرض لها والتي عرضنا لها في ما سبق، هذا النمو الصناعي ذو الإيقاع المتسارع قد أثّر على الوضع الاجتماعي لبلد يُنشد التوازن بين المعاصرة والأصالة، بين الحضارة الوافدة والإرث التاريخي الثقيل وما يحملة من معتقدات وعادات وقيم ألقت بظلال قاتمات وثقوب سود في تضاريس هذا المجتمع، قد لا يراها الرائي أول وهلة حين يكون مأخوذاً بالمعطيات التكنولوجية والشواخص الحضارية التي تواجهه أنّى توجه لاسيّما في المدن..

اليابان مجتمع ذكوري بامتياز، يتجلى ذلك في الفصل بين الجنسين وهو أمر ملحوظ في الشارع وفي مجالات العمل، حيث المواقع الهامة للرجال، أما النساء فلطالما يشتغلن بالوقت الجزئي، وهناك تمييز بين رواتب الجنسين يكون الرجحان فيه للرجل، ولا يحبذ تعيين المتزوجة أو المرأة الحامل، أو الأم. وأزيد أكثر أن المرأة لا حق لها في الميراث وفق العادات اليابانية إلا بوصية ندر أن تكون، فحصة الأسد للإبن الأكبر (العادات الصنية نفسها ولكن تغيرت بعد الثورة)..ستكون هذه العوامل من الأسباب الهامة في انخفاض معدل الزواج، وزيادة هائلة في معدل الإجهاض الى 340000 حالة سنوياً وبذلك سيُسهم في ظاهرة مؤرقة لعلماء الاجتماع في اليابان وهي انخفاض معدل النمو الديموغرافي الى عجز سنوي مقداره مليون نسمة!

وآية ذلك هو عزوف الشباب من الجنسين عن الزواج. سأعطي مثلين من الإحصاءات الرسمية عام 2014؛ للفئات العمرية الأكثر إخصابا والتي تمتنع عن الزواج بالنسب المئوية المصاقبة لها وهي :

عمر 25-29 سنة، للذكور 69.3% وللإناث 54.0%.

عمر30-34 سنة، للذكور42.91% وللإناث 26.6%.

ولا أود الاستغراق بالأرقام بل سأقول أن ثلث الشباب العزاب (بما فيهم الشابات) لم يمارسوا الجنس قط، في بلد تعد عاصمته من أكبر مدن صناعة الجنس في العالم وهي الرائدة في صناعة السينما الإباحية والدمى الناطقة! وعزوف الشباب هذا مقلق للدولة بحيث فتحت مؤسسات مجانية لإعطاء الشباب من الجنسين فنوناً في الحب ولكن من دون طائل!!

ولو توقف الأمر هنا لهان؛ فهناك ظاهرة الانتحار، وهذه الظاهرة متآلفة مع المجتمع الياباني فهي تأريخية ترجع الى طقوس الساموراي والتي تعرف بالانتحار المشرِّف         الذي يجلب الشرف خلاف الاستسلام الذي يبقى وصمة عار honorable suicide

للمستسلم وعائلته! ولكن الانتحار في اليابان ليس من النوع "المشرِّف" حين يسجل مديات تصل تسعين حالة في اليوم وكم استبشر الاجتماعيون حين ثبتت بالسنوات الأخيرة الثلاث على سبعين حالة يوميا، ومن أهم الاسباب الاكتئاب، والضغوط الاجتماعية والاقتصادية وخاصة فقدان العمل وهذايفسر كون الانتحار بين الذكور ضعفه بين الإناث، فقد سجلت سنوات الركود الاقتصادي في التسعينات خاصة 1998 زيادة وصلت الى 34.7% عن العام الذي سبقه..

ورغم أن المعارضة السياسية تضخم من خطورة المشكلات الاجتماعية مثل وجود الفقر الذي يقال أن هناك المليون على الخط أو دونه لكن مفهوم خط الفقر يختلف في اليابان عنه في مصر، ففي مصر يكون 1.25 دولار امريكي لليوم فإن في اليابان الفقر رحيم وحصة الفرد الياباني من البروتين الحيواني عالية إنما ينقص الفقيرالياباني وسائل الترفيه الكمالية الغالية فقط وامتلاك السكن، هناك هامش صغير جداً لا يكاد يُرى في الشوارع والمحطات من المشردين homeless ولا يمكن قياسه بمشردي أوربا!

والعطالة التي تعتبر سبباً هاماً لاكتآب الشباب فهي وفق الإحصائية الرسمية لعام 2014 تبلغ 4% ، ولو قارناها ببعض البلدان للعام ذاته: 7.5% في المملكة المتحدة و7.4% في الولايات المتحدة و4.6% في الصين و 16% في العراق و12.7% في مصر و26.6% في اسبانيا ..وتبذل اليابان مبالغ هائلة للتغلب على المشكلات الاجتماعية ومشكلات التلوث الإشعاعي وهو من عقابيل الحرب العالمية الثانية أو من علل تقنية في المفاعلات الذرية.. ولا أود الاستفاضة في مشكلات الهجرة من الريف الى المدينة ولكنني أود التذكير بأن اليابان تقدم معونات سخية في مساعدة الدول الفقيرة والدول التي مزقتها الحروب ومنها بلدنا..

***

نحن في الحافلة التي تنساب على الطريق السريع نحو جبل فوجي، الطريق خالِ من العقد المرورية، المناظر ساحرة جبال ووهاد خضر وسهول عامرة بمزارع الأرز، وغابات كثيفة، وتلوح قلاع بين المدن الصغيرة، والركاب صامتون ومُنشّدون الى جهاز التلفاز ولا يقطعه إلا صوت السائق بين الحين والآخر لينبّه الى مناطق الوقوف..

هو جبل لا يشبه الجبال الأخرى هو منعزل عن السلسلة الجبلية، مترفع عليها مزهو بشموخه فهو الأعلى طرّاً 3776م؛ يبدو كنسر يفرش جناحيه على الأفق ويبسطهما على الأديم بسطا رفيقاً، وفي الشتاء يبدو رأسُه مكللاً بتاج أبيضَ ناصع، أينما درت حوله يبقى محافظاً على شكله المخروطي الباذخ المهيب، من يرَه سيُحببه ويبقى مرسوماً في ذاكرته، ولا غرابة فهو إيقونة البلد كله؛ مُذّ وقعت عيناي وأنا طفل صغير على صورة له من تلك الصور التي تاتي مع الأقمشة اليابانية استقر مَرآه في الذاكرة، ولم يَبرَحْها أبدا.

846-khalid1 

جبل فوجي إيقونة اليابان كما بدا من غرفة الفندق

استغرقت الرحلة من طوكيو الى قصبة كواغوشي كو ساعة وخمسين دقيقة،وهي قرية البحيرات الخمس والمتصلة ببعضها لتقابل الجبل وتكون معه منظراً آسرا. بقينا نتجول في المدينة منتظرين صاحب الفندق ليأخذنا الى بسيارته محاذيا البحيرة غرباً والجبل شرقاً حتى وصلنا الى الريف وانتهيا الى البيت الجميل الياباني فهو انموذج لمنازل الريف، صالة الطعام والمرافق الصحية، وغرف النوم كل شيئ فرش بالقش الياباني tatami، والفراش على الأرض نموذج للفوتون futon، ومن لا يريد ذلك فهناك أسرّة خشبية رتبت فوق بعضها، لاتوجد كراسي وإنما مقاعد أرضية بمساند ومناضد مناسبة الارتفاع، تنزع الأحذية لتستبدل بأخفاف لكي لا تؤذي بساط القش ولكي لا تـعمل جلبة، لدورات المياه أخفافها الخاصة؛ الشاي (الأخضر) والقهوة يقدمان بسخاء مجاناً.. لم نكن منشغلين بشيئ إلا بمنظر الجبل حين أخبرنا أن الغيوم قد تحجب الجبل في أية لحظة وتمنى لنا مُضيفنا أن نرى منظر الغروب!

 846-khalid2

صالة الطعام في البيت الياباني مفروشة بالتاتامي

كانت ليلة نادرة في الريف الجميل ومع الغروب المنتظر استضاف الجبل السحاب ولم تظهر منه سوى ذروته البركانية التي تمتلىء بالثلج شتاء ويفيض الثلج منها ليغطيها ويجعلها تاجاً أبيض؛ وهو المنظر الذي أينما حللت في اليابان سترى صورته معطوفاً على اسم فوجي لشركات وعلامات تجارية وسلسة مطاعم معروفة عالمية تحمل اسمه ! بدأ الجو بارداً وبلغ التعب مبلغه بعد ان تمشينا في الريف قرابة 8 كم بين البيوت الأنيقة واشجار الكاكي المترعة بثمارها الذهبية!

في الصباح الباكر خرجنا نتمشى الى البحيرات عبر الحقول ومناظر الجبال التي فارقها فوجي ، كان الناس يتمشون ويتريضون على شواطئها والبعض نزَل يصطاد السمك، انحدرنا الى الشاطىء، فنادق ومتحف ومعابد صغيرة ومنتجعات وقاعات رياضة، رجعنا وكان الناس يبتسمون ونبتسم، وتكلمت معنا سيدة ستينية في حديقة منزلها لترينا الزهور والثمار التي زرعتها من خيار ويقطين وفُلفُل..، لم نستطع التفاهم معها سوى تبادل الابتسامات!

أوصلَنا صاحب النُزُل مشكوراً الى محطة الحافلات بعد أن ارانا البحيرات والمناظر الجميلة وصوّرنا بنفسه، ولم يأخذ مقابل خدماته أي مقابل. الياباني لا يستلم أي مبلغ إضافي أو ما يسمى البقشيش، إذا أردت أن تكرم من قدم لك خدمة عن طيب خاطر سيكون مسروراً لو قدمت هدية بسيطة له من بلدك أو تشتري له أي شيء بسيط وحبذا لوكان مغلفاً مع كلمة شكر مكتوبة – لا بأس أن لم يكن مغلفا- إنما المهم أن تقدمه بيديك الإثنين مع انحناءة بسيطة فستجده يطير فرحاً!!

هناك حافلات سياحية تنطلق نحو جبل فوجي تدور حوله مرتفعة إلى أعلى موقف هوالمحطة الخامسة والأخيرة، فيها معبد وسوق لبيع الهدايا ومطاعم وفندق كبير ومنها ينطلق المتسلقون نحو القمة حيث تتوفر لهما كابينات نوم حين يُعييهم الصعود، أفسد الرذاذ علينا التجوال مع قرصة برد، هناك لمن يريد ان يرتقي علواً فيمكن استخدام cable car القمائر المحمولة ..

انتقلنا في الليلة الثانية الى الجهة الأخرى من الجبل في مدينة شيمويوشيدا، للتمتع بمنظر آخر للجبل، فلم يحالفنا الحظ كانت السماء مثقلة بالغيوم وأرسلت غيثاً عميماً لم ينقطع فاكتفينا بالتجول في هذه المدينة الحالمة والتسوق في اسواقها القليلة..

في الصباح سنركب القطار المحلي لثلاث محطات الى حيث حللنا في كواغوشي كو لنواصل رحلتنا بالحافلة الى مدينة ميشيما ومنها بالقطار الطلقة الى كيوتو. لم نرَ الكثير مما يلزم أن يُرى في فوجي سيتي، وأحسبنا استمتعنا كثيراً بالمأكول والمشروب اليابانيين..

 

خالد جواد شبيل

إسلاميو السلطة (64): ما لم يفهمه المالكي ومستشاروه وقيادة الدعوة

salim alhasaniمسك السيد نوري المالكي خيط التأييد الشعبي عندما نجح في خطة فرض القانون في بغداد، وصار واضحاً لشركائه من قادة الكتل السنة أن نجاحه في الجانب الأمني، سينهي حلمهم في الاقتراب من مركز السلطة الأهم، أي رئاسة الوزراء، وهي قضية مصيرية لعدد من قياداتهم، فالمساعدات المالية التي يتلقونها من السعودية وقطر كانت من أجل إحداث خلل في قيادة المنظومة الحكومية والبرلمانية بحيث لا تتحول الأغلبية الشيعية في البرلمان الى حقيقة دائمة، إنما يجب تفتيتها باختراق الكتل الشيعية نفسها، وهذا أمر ممكن بالمال الذي يصنع ما تعجز عنه أي وسيلة أخرى.

...

وفيما كانت هذه الأطراف السياسية تعقد اجتماعاتها السرية وتتداول مشروع سحب الثقة من الحكومة، توجه المالكي في خطوة مفاجئة تمثلت في إعلانه صولة الفرسان لفرض سلطة الحكومة على مدينة البصرة وإعادة الأمن اليها، مما خلقت له أزمة حادة مع التيار الصدري. ويتحمل المالكي مسؤولية هذا الخطأ الفادح، فقد كان عليه أن يجري تنسيقه مع السيد مقتدى الصدر بشأن (صولة الفرسان) لكي لا تبدو أنها تستهدف التيار الصدري. لكنه ربما أراد ان يسجل النصر لنفسه وحده من دون شريك، وقد كانت العملية من دون استعدادات كافية، حيث تعرض مقر المالكي في البصرة للحصار، مما استدعى تدخل الطيران البريطاني لفك الحصار عنه.

حين أنهى عملية البصرة، عاد بقواته الى بغداد ليفرض حصاراً محكماً على مدينة الصدر معقل جيش المهدي في بغداد، حتى اقتحمها بقواته العسكرية، مزيلاً كافة المظاهر المسلحة.

بنهاية عام 2008، أصبح الوضع الأمني مستقراً بشكل واضح، وتحول المالكي الى منقذ العراق من الحرب الأهلية ومن المليشيات المسلحة، وكانت هذه لوحدها كافية لأن تجعل منه زعيماً قوياً في نظر الشارع.

...

كان المنطق العملي يستدعي ان تنتشر قيادة حزب الدعوة وكوادره في أوساط الأمة، بالاستفادة من الشعبية التي نالها المالكي، لكن الذي حدث هو العكس تماماً، فقد تحولت القيادة الى كادر وظيفي في مكتب المالكي، وبذلك صار طموح شريحة غير قليلة من الدعاة، الحصول على مكسب حكومي، بعد ان وجدوا قادتهم ينتفعون بالامتياز الحكومي، بمعنى ان المهمة الحركية صارت وسيلة للحصول على وظيفة رسمية.

يتحمل المالكي هذا الخطأ، فقد كان عليه أن يوجّه القيادة نحو العمل الميداني والمشاريع الاجتماعية بالاستفادة من قوته وشعبيته، لكنه مال الى تجميعهم حوله، أو على الأقل رضي لنفسه ان يكون محاطاً بهم.

وسرعان ما تحول قادة حزب الدعوة الى مدافعين أشداء عن المالكي، يتسابقون على تبرير أي خطأ في سياسته، لنيل القربى منه. فقد وجدوا فيه الحاكم الذي يستطيع أن يمسك بالمزيد من عناصر القوة، وعادة ما يحتمي بالقوي، أصحاب النظرة القصيرة والمصالح الذاتية، وهو المرض الذي كان يتعاظم بسرعة فائقة في التشكيلة القيادية لحزب الدعوة مع الأسف.

....

وكشاهد على ذلك أن المالكي وصلته معلومة خاطئة بأن مجلس الأمن قرر إخراج العراق من الفصل السابع، فسارع الى إلقاء خطاب يبشر الشعب العراقي بهذا النصر الوطني. وقد نشرتُ وقتها في موقع (الوسط) خبراً تحليلاً عن خطأ المعلومة التي يستند اليها المالكي، وأن عليه أن يعيد النظر في مصادر معلوماته لما في ذلك من إساءة للحكومة. وحين صارت القضية موضع تساؤل إعلامي، استضافت قناة الحرة السيد علي العلاق في برنامج حواري مع أشخاص آخرين، وكان محور البرنامج هو عدم خروج العراق من الفصل السابع، وان ما تحدث به المالكي ليس صحيحاً، فكان جواب السيد العلاق: (طالما أن السيد رئيس الوزراء يقول إن العراق خرج من الفصل السابع، فهذا يعني ان العراق قد خرج من الفصل السابع).

وفي مكالمة هاتفية مع مستشاره السياسي السيد صادق الركابي، عاتبته على هذا الخطأ الفادح، وما يشكله من انتقاص للمالكي وللحكومة أمام وسائل الإعلام الدولية وامام أنظار العالم بأسره. فلم يبد أهمية للكلام، ثم استطردتُ في حديثي بأن من الضروري معرفة أين هي نقطة الخلل التي أوصلت معلومة بهذا الوضوح وبهذه الأهمية الى المالكي، وأعدتُ عليه كلاماً سابقاً بضرورة أن يكون جهاز المالكي من الطاقات المتخصصة، لكي لا يقع في هذه الأخطاء، فأجابني السيد صادق الركابي بصوت ثقيل من كثرة ما حمل من استعلاء:

(وأين هي الطاقات العراقية؟. وهل تصدق أنت ان في العراق طاقات؟).

انتهى الكلام، وكانت تلك آخر مكالمة هاتفية بيني وبينه، بل آخر حديث بيني وبينه، ولا أدري حتى الآن ما السبب؟ ربما وجدني من المتخلفين الذين يتصورون وجود طاقات متخصصة في العراق.

وقد كرر المالكي بشراه بخروج العراق من الفصل السابع، في أربعة خطابات متتالية، لأن احداً من مقربيه لم يخبره بأن المعلومة خاطئة.

...

صار الدفاع عن السيد المالكي سلوكاً شائعاً عند القياديين في حزب الدعوة، فلم يعد بمقدورهم تحمّل أي نقد او ملاحظة. والغريب أنهم كانوا يدركون تمام الادراك ان النقد صحيح وان الملاحظة دقيقة، لكن كل واحد منهم ينأى بنفسه عن مهمة النصيحة الصادقة لرفيق دربه وأخيه في الدين أقصد نوري المالكي.

لقد أغلقوا أذنيه عن سماع الرأي الآخر، وعن تلقي النصيحة والتعامل مع الملاحظات. وقد تحدثتُ عن ذلك طويلاً وكثيراً في جلسات خاصة مع بعضهم، وكتبت لهم عدة رسائل، ثم تحولت الى الكتابة في موقع (الوسط) مع مجموعة من الأخوة، حتى وصل الأمر الى الحديث التلفزيوني، وكنت أريد أن يصل هذا النقد اليه، بعد أن برع مستشاروه ومعظم قيادة الحزب وكل المقربين منه، في حجب الصورة عنه.

في واحدة من لقاءاتي التلفزيونية كنت أتحدث عن ضرورة أن ينتقل المالكي من مهمة رجل الإطفاء الآني للأزمات، الى رجل الدولة الذي يستوعب مصادر الأزمات. وبعد اللقاء بدقائق قليلة اتصل بي أحد الأصدقاء من السويد، ولم يكن قد تابع اللقاء، وأخبرني بأن السيد كمال الساعدي اتصل به هاتفياً وكان منفعلاً مستاءً وقال عبارة واحدة: (ما هذا الحقد عند سليم الحسني ضد الحاج أبي إسراء؟).

أخبرت صديقي بأنه معذور، لم يسألك ليسمع منك الجواب، إنما كان شهادة يحتاجها كمال الساعدي عند الأمير.

...

مع صمت القيادة على أخطاء المالكي وتزيين اعماله كلها، كان الكائن المغمور في داخله ينمو بالتدريج، يتضخم مع كلمات المديح وآيات الولاء والطاعة. فصار النقد يمثل عند المالكي شتيمة لا تُغتفر، وتحولت النصيحة عنده الى قدح يعاقب عليه الله والعرف والقانون.

استوى هذا الكائن عملاقاً داخل المالكي، فملأه بالغرور وشعور التفوق، فراحت نفسه تسكن الى المدّاحين يقربهم اليه، يستعين بهم، يسمع منهم ما يرضيه، وكانوا قد أجادوا المهمة وخصوصاً فئة من عناصر النظام السابق، ألفوا المديح والنفاق وأجادوا إرضاء الحاكم، فصوّر له أحدهم أنه ماسك على جمرة لقربه منه، واطلق السيد حسن السنيد شعاره الغريب: (المالكي هو الشيعة، والشيعة هم المالكي). وقد صدّقه المالكي وهو الذي يصف السنيد بالكذّاب. صدّق الكذبة لأنها داعبت الغرور المتعاظم في داخله.

لم يرد أن يفهم المالكي ولا مستشاروه ولا قيادة حزب الدعوة، أنهم أمام مسؤولية شرعية ووطنية كبيرة، وأن إرضاء بعضهم البعض، ومنافسة بعضهم للبعض على المكاسب، سيلقي بتبعاته المأسوية على المواطن والعراق والإسلام والتشيع وحزب الدعوة.. لم يرد أيّ منهم أن يفهم أنها فرصة تاريخية جاءتهم سهلة، وانفتحت أمامهم بوابات الفعل الإيجابي لتعويض المواطن العراقي عن حرمانه الطويل، ولتجسيد مبادئ الإسلام وقيمه عملياً، ولتفويت الفرصة على مؤامرات كبيرة تشترك فيها دوائر الولايات المتحدة والسعودية وقطر وحكومات عربية أخرى لتشويه النموذج الإسلامي، ومن ثم إسقاطه من الحساب السياسي والجماهيري.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (63): المالكي رجل الدولة الذي أضعفه مستشاروه

salim alhasaniبثقة تامة أقول لا أحد كتب نقداً عن المالكي مثلما فعلت، ولم أشعر بالندم على كل تلك المقالات الكثيرة التي تناثرت على فترة حكم المالكي أسبوعاً اسبوعاً، وشهراً شهراً طوال فترتي حكمه. وكانت النتيجة الطبيعية، ردة فعل شديدة، تحملتها بصبر لا أعرف كيف استطعت عليه، وواصلت المنهج النقدي بعناد أعرف أنه ليس من طبعي ولا أدري من أين أتيت به.

كنت أعرف أني سأخسر المالكي صديقاً، وأخسر الأصدقاء الذين ارتبطوا به، إرضاء له، وهذا حال البشر وطبيعة العلاقات عندما يدور الخيار بين صاحب السلطة وبين الصديق الشخصي. فمن ذا الذي يختار صداقة الضعيف ويُفرّط برضى السلطان القوي المتحكم، خصوصاً اذا كان المالكي نفسه وليس غيره.

...

كان السيد نوري المالكي مخلصاً يريد ان يبني العراق، يحاول ان يفرض الأمن، يسعى لأن يوظف الثروة العراقية الهائلة لصالح الشعب.. وليس هذا افتراضاً نظرياً أو تقديراً وجدانياً، إنما هي شخصية المالكي وتوجهاته وقدراته وقابلياته. فلقد جلس على الكرسي الذي يليق به من بين قادة الكتل السياسية في تلك الفترة، واذا كانت عليه ملاحظات فهي مما لا ينجو منها أي انسان.

لقد ذكرت في مقال سابق أن المالكي كان يختزن نمطين في شخصيته، واحدة تستطيع أن تكون متزنة خاضعة لحسابات العقل والحكمة، وأخرى شديدة منفلتة تتمرد على المعقول، ولم يحسن اختيار أي منهما في الوقت المناسب، وكان السبب مما يسمعه من نصائح واستشارات المقربين.

...

أسوق هذه المقدمة السريعة، لأنها تعني الكثير فيما يتعلق بالذي جرى خلال سنوات المالكي، فهي ليست شأناً بسيطاً تتعلق بمشكلة مجموعة أو كيان أو فئة، إنما بمنهج حكم وبناء دولة ومصير شعب، وما أكثر هذه التجارب في دولنا، لكن الكثير منها ضاع بسبب إهمال التدوين وعزوف المشاركين عن كتابة مذكراتهم، وتفضيل الشهود كتمان ما رأوا وما سمعوا.

...

كانت الطريقة التي تم فيها اختيار حكومة المالكي، وطبيعة الأجواء الأمنية المتردية، قد تركت إنطباعاً بأن هذه الحكومة ذات عمر قصير، وأنها مهددة بالسقوط بعد أشهر معدودات، خصوصاً وان البلد انحدر في فوضى أمنية مرعبة، فقد صارت عمليات الخطف الجماعي تحدث بشكل يومي، والاغتيالات العشوائية تجري في معظم الأحياء، وساد الخوف أجواء بغداد وغيرها من المدن، بل أن بعض المناطق في ديالى والأنبار وحزام بغداد قد صارت بحكم الساقطة بيد عصابات الجريمة والتنظيمات الإرهابية.

وقد شعر عدد من القيادات المتطرفة للسنة أن الفرصة باتت مناسبة لإضعاف الحكم الشيعي، بعد أن ساهموا من قبل مع المجلس الأعلى والتحالف الكردستاني في إجبار الجعفري على التنحي. مما منحهم قوية معنوية بأن منصب رئاسة الوزراء ليس قلعة عصية على الاقتحام، وأن التحالفات السياسية يمكن اختراقها بسهولة ومن داخل البيت الشيعي نفسه. وهذا ما شجع بعضهم وخصوصاً الدكتور طارق الهاشمي وبعض قيادات جبهة التوافق والقائمة العراقية على محاولة ابتزاز المالكي الذي كان يواجه مشكلة الملف الأمني المتدهور، وكثرة التفجيرات وعمليات الاختطاف. فاطلقوا شعار تهميش السنة، مع ان الحكومة لم تكن قد باشرت عملها الحقيقي بعد. ثم رموها بالطائفية خلال أحداث شارع حيفا حيث كان أحد معاقل الجماعات الإرهابية في بغداد وذلك مطلع عام 2007.

...

طوى المالكي عامه الأول في الحكم، يحاول أن يمسك خيوط الدولة المنفلتة، لكن البلد برمته كان مفككاً متداعياً، ينذر بالأسوأ مع كل يوم جديد، فالسلطة الميدانية بيد المليشيات المسلحة، ولا سلطة حقيقية إلا داخل المنطقة الخضراء الشديدة التحصين، حيث مقر الحكومة وأهم الوزارات والسفارات.

 

إستطاع المالكي في عامه الثاني (2007) أن يسيطر على التدهور الأمني من خلال تشكيل قوات خاصة تتولى أمن العاصمة بغداد، وقد تطورت فيما بعد لتحمل تسمية "عمليات بغداد" حيث ارتبطت مباشرة بمكتب رئيس الوزراء، وكانت مهمتها تطبيق خطة فرض القانون، وقد تمكنت بالفعل بعد أشهر من العمل من السيطرة على التدهور الأمني بشكل ملحوظ في بغداد وضواحيها.

وقدمت القيادة الأميركية خدمة كبرى له، عندما عقدت سلسلة إتفاقات مع زعماء العشائر في المناطق الساخنة، فيما عرف باسم "مجالس الصحوات" وهي قوات عشائرية تتولى المهام الأمنية في مناطقها مقابل مرتبات شهرية لأفرادها وتوفير السلاح لها والدعم اللوجستي والعسكري. وتمكنت هذه القوات الأهلية من فرض الأمن في مناطقها وطرد عناصر القاعدة والمليشيات الارهابية التي كانت تسيطر عليها، وبدا ذلك واضحاً في المناطق الغربية من العراق.

...

فيما كان المالكي مشغولاً بتوفير الأمن وتحديداً منذ منتصف عام 2007، بدأت الأزمات السياسية تواجه الرجل، فقد اتهمته القائمة العراقية بزعامة الدكتور إياد علاوي بانه يسعى الى الإستئثار بالسلطة، فقررت سحب وزرائها من حكومته، وتبعتهم في ذلك جبهة التوافق مستخدمة نفس السبب، فأعتبرت وزرائها بحكم المنسحبين من الحكومة. وبذلك أصبحت الحكومة مهددة بفقدان نصابها القانوني. ودارت سجالات حادة بين رئيس الوزراء من جهة والاطراف الرئيسية من جهة أخرى، كان التصعيد يأتي من جانبه حيناً ومن جانبهم حينا ً آخر، ولم يبد وقتها المالكي أي مرونة أو تراجع وهو يواجه أزمة وزارية حادة، ويلتقط معلومات مؤكدة بأن هناك محاولات جادة لسحب الثقة من حكومته.

تلخصت اعتراضات خصومه بأنه يتفرد بالسلطة، بما في ذلك المجلس الأعلى حليفه في الإئتلاف الوطني الموحد الذي ينتمي اليه، كما ان التحالف الكردستاني الذي كان حليفه القوي تحول الى خصومته، حين رأوه متشدداً تجاه قضية كركوك، وعقود النفط وصلاحيات رئاسة الجمهورية.

في هذا المقطع أثبت المالكي مقدرته على إدارة الأزمة السياسية، فقد ظل متماسكاً، يرفض الخضوع لإبتزاز خصومه، وهدد بأنه سيلجأ الى تعيين وزراء بدلاء في حال طال غياب المنسحبين عن حضور اجتماعات مجلس الوزراء.

...

في تلك الأزمة دار حديث هاتفي بيني وبين مستشاره السياسي السيد صادق الركابي، فأخبرته بأن المالكي يمتلك فرصة نادرة ليعيد تشكيلة الحياة السياسية في العراق، وذلك بالاستفادة من تصريحات الكتل البرلمانية وقادتها برفضهم المحاصصة، مما يجعله قادراً على وضعهم أمام الاختبار الحقيقي، باللجوء الى البرلمان، وإلقاء خطاب واضح يؤكد فيه ان الخروج من هذه الأزمة يتطلب إعادة تشكيل الحكومة على أساس الكفاءة بعيداً عن المحاصصة، وفي هذه الحالة سيضع الأطراف كافة أمام خيارين، فإما أن يستجيبوا له خوفاً من رأي الشعب، وفي هذه الحالة سينقذ البلد من داء المحاصصة، ويكون الرجل الذي بنى العملية السياسية على أساس صحيح، وإما أن يرفضوا فيتحول هو الى زعيم وطني، يسنده الشعب العراقي كله. وفي الحالتين هو الرابح الأكبر.

بعد هذا الشرح الطويل، أجابني السيد صادق الركابي:

(وماذا اذا ضاعت منه رئاسة الوزراء، وتولاها شخص آخر او كتلة أخرى؟).

لم يعد بإمكاني المناقشة، بل لا يصح مناقشته، بعد كل ما تقدم. ولم أفكر بأن اقترح عليه ان يوصل هذا الرأي للمالكي، لأنه سينقله ميتاً لا روح فيه، وإن ظلت فيه بقية روح، فستموت بالنقاش على ألسنة المشابهين لهذا المستشار الذي يفكر بطريقة المكسب الآني الضيق، وليس بعقلية السياسي الذي يريد ان يصنع الموقف الصحيح.

انتهت المكالمة الهاتفية، وانتقلت الذاكرة بسرعة الى حديث آخر أجريته مع أحد مستشاري الجعفري أوائل عام 2005، عندما قلت له أن من الأفضل أن لا يتولى السيد الجعفري رئاسة الوزراء في هذه المرحلة، لأنها فترة قصيرة ولحكومة مؤقتة، وأنها ستتشكل على أساس المحاصصة، فعليه أن ينأى بنفسه عن خوض هذا المجال، ويعلن انسحابه من الترشح طالما أن الوزارة ستتشكل على أساس المحاصصة، فأجابني مستشار الجعفري وقتها:

(لن يوافق الدكتور على ذلك، لأنه في هذه الحالة عندما يسافر كيف سيكون استقباله في الدولة التي يصلها).

انتهت المكالمة على نفس الطريقة، كانت وجهة نظري ووجهات نظر امثالي تنطلق من جو آخر، لا يريده المحيطون بالرؤساء، فقد كان هؤلاء يفكرون في حدود رحلة جوية الى دولة ما، وطريقة الاستقبال، وليس بما يمكن فعله حالياً لضمان مستقبل بعيد.

مع الجعفري كان رأي مستشاره يعبر تماماً عن طريقة تفكيره، فقد سبقت ان دار حديث مباشر مع الجعفري في منزله بلندن حول هذا الموضوع، كما ذكرت ذلك في حلقة سابقة عن الجعفري. لكن مع مستشار المالكي، أميل الى أنه أساء اليه، فحتى تلك الفترة كنت أعرف أن المالكي كان مستعداً لمثل هذه المواقف، لكنه جنى على نفسه حين استعان بأمثال هذا المستشار.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (62): المدخل الى شخصية المالكي وحقبته

salim alhasani2بين بداية حكم المالكي ونهايته فارق كبير من التحولات في المواقف والصورة والحال، وكأن الرجل الذي حكم العراق في آخر فترته الدستورية الثانية، شخص آخر غير الذي جاء بتوافق سياسي من كافة الأطراف.

ليس الكلام عن التغير في بعده الشخصي، إنما في طبيعة العلاقات التي ربطته مع أطراف العملية السياسية، والمفاجآت الكبيرة التي رافقت سنوات حكمه، وهي أول تجربة رئاسية دستورية كاملة يشهدها العراق بعد سقوط النظام السابق، وفي ظل نظام سياسي استوفى بناءه الدستوري من أهم النواحي.

...

عُرف السيد نوري المالكي بتاريخه الحزبي النظيف في صفوف حزب الدعوة الإسلامية، كان ملتزماً، منضبطاً مضحياً، تميز بالدقة والحرص والمتابعة. لم يتردد في مهمة حزبية، ولم يتلكأ في مسؤولية تنظيمية، ولم يهمل تكليفاً تحمّله. وكانت هذه المواصفات معروفة لمن عمل معه، وهي التي صنعت منه أحد القيادات البارزة في الحزب. وكان يتصرف من موقعه المتقدم في الهيكل التنظيمي وفق سياقات النظام الداخلي والضوابط الحزبية، فلا يتفرد برأي، ولا يتشدد بموقف شخصي، يميل الى الاستشارة، ويُطلع الدوائر التي يعمل ضمنها على حركته. وهذا ما جعله محبوباً من قبل شريحة الدعاة التي تعمل معه، إضافة الى تواضعه وصراحته وبساطة مجلسه وحسن معشره.

...

يمتلك المالكي مواصفات القيادة ورجل الدولة، فشجاعته تؤهله لمواجهة التحديات، وتماسك شخصيته تعينه على الثبات في المواقف الصعبة، كما أنه يستطيع أن يقذف بالكلمة القوية وجه المقابل من دون تردد. وصفة أخرى يمتلكها هي تشاوره واستماعه للآراء المتعددة.

...

استذكر هنا موقفين، الأول لم يقدم عليه أحد من رجال السياسة العراقية، وذلك عندما حدد موقفه برفض تولي السيد إبراهيم الجعفري رئاسة الوزارء عام 2005، رغم اتفاق الإئتلاف الوطني عليه، وأصر هو على موقفه، فكان الوحيد الذي لم يرفع يده عند التصويت على الجعفري، وهي لقطة ظلت عالقة في الأذهان، فقد اعتاد السياسيون على تبديل قناعتهم وتحريك أيديهم تبعاً لمواقف كتلهم، لكن المالكي لم يفعلها.. نقطة تسجل له بلا شك.

وموقف آخر ظل هو الآخر عالقاً في الأذهان على المستوى الدولي، ولم يفعله من قبله أي رئيس عربي، فعندما عقد مؤتمره الصحفي مع الرئيس الأميركي باراك أوباما في واشنطن، ودارت أسئلة الصحفيين على الوضع في سوريا، اعترض المالكي على كلام أوباما بقوله إن مصير سوريا يحدده الشعب السوري، وليس من حق أي طرف ان يتدخل في هذه القضية ويمارس صلاحية عزل الرؤساء وتعيينهم.. نقطة كبيرة تسجل له وللعراق.

...

لكن المالكي بهذه المواصفات التي يحتاجها العراق في فترة ما بعد سقوط الدكتاتورية، لم يُحسن التصرف بها، فقوته الشخصية وضعها تحت رغبة المحيطين به وخصوصاً ابنه واصهاره. وشجاعته المعروفة جعلها ولّاعة أزمات متواصلة مع شركائه السياسيين. أما تماسكه فقد صيّره عناداً وتشدداً في مواقف كثيرة كانت تتطلب المرونة والتفاهم. فيما أسقط صفته الإيجابية في الاستماع للآراء المتعددة، وأعار أذنه وتفكيره للمحيطين به فقط عازلاً نفسه عن الآراء الأخرى.

...

أسفرت إنتخابات 2005 عن فوز الإئتلاف الوطني الموحد بالكتلة الأكبر، واصبح من حقه طرح مرشحه لرئاسة الوزراء، وهي العملية التي دامت عدة أشهر، فقد كان التنافس حاداً بين السيد عادل عبد المهدي عن المجلس الإسلامي الأعلى وبين الدكتور إبراهيم الجعفري عن حزب الدعوة، وقد فشلت كافة سبل المفاوضات من التوصل الى صيغة توافقية، فتم اللجوء الى التصويت، حيث فاز الأخير بـ (64) صوتا، على منافسه الذي حصل على (63)، وكان للتيار الصدري دوره الأهم في حسم التصويت.

غير ان النتيجة لم يكتب لها أن تشق طريقها عملياً، إذ أثار المجلس الأعلى والتحالف الكردستاني والكتل السنية موجة من الاعتراضات ضد الجعفري، أدت الى تأخير تشكيل الحكومة أربعة أشهر.

وبعد ضغط أميركي وتأزم داخلي، اضطر الجعفري الى التنازل، مشترطاً ان يكون نوري المالكي هو المرشح البديل، مدفوعاً من تقييمه الخاص بأن المالكي لن يستطيع إدارة البلاد، وانه سيسقط بعد فترة وجيزة فتعود رئاسة الوزراء اليه.

وقد شكّل قرار الجعفري مفاجأة لقيادة حزب الدعوة، فقد كانوا يرغبون بأن يكون السيد علي الأديب هو المرشح البديل، وكانوا قد تحدثوا مع السفير الأميركي زلماي خليل زاد، حول الموقف الأميركي من الأديب في حال تم ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء، فأجابهم بالموافقة.

تعاملت الأطراف السياسية مع المفاجأة على أنها أمر واقع، وأجمعت كلها بلا استثناء على تأييد المالكي رئيساً للحكومة الدستورية الأولى في البلاد. بعد أن سمعوا أن السفير الأميركي يؤيد ترشيح المالكي، فالرغبة الأميركية هي أمر واجب التنفيذ بالنسبة لقادة الكتل السياسية.

...

بدأ المالكي أيامه الأولى في ترتيب أمور مكتبه، وفي مفاوضات تشكيل الحكومة، بهدوء ومرونة لم يعرفها الآخرون فيه، وأعتقد أنه اصطنع ذلك ليجمع حوله أكبر قدر من التأييد السياسي، فلقد كان يبدي احترامه الكبير للسيد الجعفري ويستمع الى نصائحه، وكان يعمل على إرضاء قيادة حزب الدعوة التي أقصاها الجعفري في فترة حكمه، فكان لا يُعيّن أحداً في مكتبه إلا بالرجوع الى القيادة واستشارتها، مما غمرهم بالثقة التامة بأن السلطة لن تغيره وبأنهم سيكون أصحاب القرار. فمثلاً عندما طلب منه السيد خضير الخزاعي ان يكون السيد ياسين مجيد مستشاره الإعلامي، وافق على طلبه بعد الرجوع الى السيد الأديب، مع أنه يعرف جيداً ان الخزاعي لا يتخذ خطوة إلا بعد حسابات مصلحية شخصية صرفة. كما انه شكّل لجنة للتفاوض مع الكتل السياسية لتكوين الحكومة، وجعل قرار المرشحين لكل وزارة بيد مجموعة كان محورها السيد حسن السنيد.

لم يُظهر المالكي إعتراضاته على الاتفاقات، كان يريد أن يصل الى قبة البرلمان ليلقي خطاب الحكومة ويحصل على التصويت الدستوري رئيساً للوزراء.

ربما يكون الإعتراض الوحيد الذي توقف عنده المالكي بعض الوقت، كان مع خضير الخزاعي، فلقد أراد هذا ان يتولى وزارة التربية، لكن المالكي اعترض على ذلك، بأن التربية هي أساساً من حصة كتلته أي حزب الدعوة/ تنظيم العراق ويتولاها الدكتور عبد الفلاح السوادني منذ فترة الجعفري، وعليه فلا معنى لإحداث هذا الارباك. لكن الخزاعي الغارق في ذاتيته لا يرى إلا منفعته، فأصر على تولي وزارة التربية، مما اضطر المالكي الى تكليف السوداني بوزارة التجارة. وكان الأخير ناجحاً في عمله في التربية، ولم تُسجل عليه حالات فساد او مخالفات قانونية او إدارية. لكن عناد الخزاعي واستجابة المالكي، صنع كارثتين في آن واحد:

الأولى: فشل ذريع في وزارة التربية التي تولاها الخزاعي، مع ركام من الفساد المالي والإداري.

والثانية: فشل معيب في وزارة التجارة، وسقوط السوداني في أعمق درجات الفساد، حيث صارت وزارة التجارة منجم الذهب الذي يوزع حصصه على الكتل السياسية من المجلس الأعلى الى منظمة بدر الى التيار الصدري الى حزب الدعوة الى حزب الفضيلة الى جبهة التوافق الى التحالف الكردستاني الى القائمة العراقية وغيرها.

وخارج سور المنطقة الخضراء، كان المواطن العراقي يموت جوعاً وقتلاً وخوفاً، ومن ينجو ويعود الى البيت متعباً مرهقاً لا يستطيع ان يستمتع بكوب الشاي، فشاي الحصة لم يكن صالحاً للاستهلاك البشري.

يتبع

ملاحظة: بسبب تكرار عمليات التخريب التي طالت صفحتي، ارجو تفضلكم باستخدام خيار (المتابعة) حيث يمكنكم قراءة المقالات والتعليق عليها اضافة الى استخدام الرسائل الخاصة.

ارجو مساعدتك اخي الكريم في مشاركة هذا المنشور بعد أن فقدت آلاف المتابعين.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

هذا حد قصة هوانه.. كلمن يروح لمچانه!!

falih hasunaldarajiتوفي أمس الفنان العراقي الكبير عبد الجبار الدراجي، عن عمر يناهز الثمانين عاما، بعد صراع عنيد، وشرس مع المرض الخبيث.

والمؤلم أنه مات غريباً في إحدى مستشفيات عمان دون أن يرى بلده العراق منذ سنوات بعيدة.. ودون أن يودع صديقا واحداً من أصدقائه.

وبعيداً عن سطور النعي والحزن والبكائيات المعتادة، وددت أن أنعى هذا الفنان الموهوب بطريقة مختلفة.. طريقة تتحدث عن منجزه الثر، وعن جذره الإبداعي، ومحيطه المتنوع، وكينونته المتخمة بالتميز. دون أن أرثيه بأبيات من الحزن، وكلمات من السجع الجاهزة للمراثي دائماً.. فهذا الإنسان والفنان المختلف عن جميع فناني جيله وبيئته، يمتاز بما يؤهله لأن يغني مع عبد الحليم حافظ في حفلة واحدة، وليلة واحدة، وقاعة واحدة.. نعم لقد غنى الدراجي وعبد الحليم حافظ سوية في حفلة واحدة بدمشق، بل أن عبد الحليم خرج من غرفة الإستراحة الخاصة بالفنانين كي يستمع لعبد الجبار، ويستمتع بما يؤديه هذا الفنان العراقي.. ولما أنتهى الدراجي، إستقبله عبد الحليم بالأحضان والقبل، مهنئاً ومعجباً بما قدمه من جمال وروعة وفن عراقي دافئ، فكتبت أحدى الصحف السورية في اليوم التالي عنواناً عريضاً يقول:- (عبد الحليم يقبل رأس الغناء العراقي)!!

قد يسألني احد الأخوة القراء، ويقول لي:- بماذا يتميز المطرب الدراجي عن أقرانه المطربين؟

فأقول له: يتميز عبد الجبار الدراجي عن أبناء جيله بنقاط عديدة.. منها ان هذا الرجل الجنوبي، المتجذر من جذور عمارية، والمولود في بغداد الكرخ، والمترعرع في الموصل وكركوك وبغداد، يكتب الشعر الغنائي بأحلى ما يكون، وسجله في التأليف الغنائي يجبرك على أن توقع له صك الإعجاب بمنجزه الفني الكبير.. كما أنه يلحن أروع الألحان، رغم أنه لم يدخل معهداً موسيقياً، ولم يتلق درساً واحداً في دروس الموسيقى واللحن. ولعل من المفارقات التي تروى عنه انه دخل الإذاعة لأول مرة عام 1958 ووقف أمام لجنة تضم عباقرة الموسيقى والغناء آنذاك أمثال جميل بشير، وروحي الخماش، وجميل سليم، فأذهلهم بما لديه من معرفة، ووعي بأصول الغناء، وهنا سأله الفنان الكبير جميل بشير عن المعهد أو المدرسة الموسيقية التي إستقى منها علومه الموسيقية، فضحك عبد الجبار وقال:

والله أستاذ تعلمتها بمدرسة الحب!!

فقال له جميل بشير مستغرباً:

مدرسة الحب.. ليش أكو مدرسة موسيقية بهذا الإسم؟

فأجابه الدراجي: أستاذ آني أحب الغناء، والموسيقى جداً، لذلك قرأت الكثير عنهما، وبحثت وما زلت أبحث في مصادرهما، وأركض خلف روائعهما في كل مكان، (واليحب أستاذ يركض وره محبوبته)!

فضحك أعضاء اللجنة وصفقوا لهذا الجواب.. فكان ذلك العام، عام تسجيله مطرباً رسمياً في الإذاعة العراقية التي لم يكن من السهل قبول أي مطرب فيها..

ومراجعة بسيطة للأعمال التي كتبها ولحنها وغناها عبد الجبار الدراجي، تضعنا ندهش بمنجزه الفني الكبير. فأغنيات رائعة مثل: (تانيني صحت عمي يجمال) (وعلمتني اشلون أحبك) (وشگل للناس لو عنك يسألوني)، و(صبرتني بكلمة حلوة من مشيت)، وأغنية (على ايدي چويت بنار)، (وعندي صورة)، ورائعة (دكتور جرح الأولي عوفه).. كما غنى من الحانه عددا كبيرا من المطربين والمطربات مثل فؤاد سالم، الذي غنى له (گالت احبك)، وقحطان العطار الذي غنى له (على ايدي جويت بنار).. وانوار عبد الوهاب التي غنت من كلماته والحانه أغنيتها الحزينة (عندي صورة وصاحب الصورة بعيد). اضافة الى سعدي البياتي وسعدي توفيق اللذين قدما الكثير من أعماله الغنائية الرائعة، كذلك الفنانة مائدة نزهت، والفنانة عفيفة اسكندر وغيرهما..

ثمة قضية أردت قولها هنا، فعبد الجبار الدراجي القادم من أعماق الريف الجنوبي لايجيد الحديث باللهجة الجنوبية مطلقا، فلسانه بغدادي وثقافته (مدينية ومدنية) تماماً.. وحتى الحانه، فيها مذاق بغدادي مطعم بنكهة جنوبية.. فهو حين يغني: (هذا حد قصة هوانه.. كلمن يروح لمچانه) لايلفظ حرف الـ (چـ) كما يلفظ من قبل الجنوبيين، إنما يلفظه بطريقة مختلفة تماماً..

لقد أردت أن أقول ان هذا التزاوج البيئي، والتثقيف المنوع في شخصية الدراجي (العامة والفنية)، خاصة وانه قرأ منذ طفولته لكبار الكتاب في العالم، بدءاً من نجيب محفوظ وأنتهاء بغوركي، والبرتو مورافيا قد نسج له ثوباً فنياً خاصاً به لا يشبهه ثوب فني آخر..

الطريف أن أحد الزملاء سألني وأنا أكتب هذا المقال معاتباً بالقول: أتكتب إفتتاحية عن مطرب بسيط، وتهمل التعليق على مؤتمر خطير يعقد في بيروت، فيه خميس خنجر، وظافر العاني وحيدر الملا.. و ..!!

فقاطعته قبل أن يكمل الأسماء، وقلت له:

وعيونك، عندي قندرة عبد الجبار الدراجي أغلى من راس خميس الخنجر، والطراطير المثله!!

 

فالح حسون الدراجي

 

إسلاميو السلطة (61): المالكي خارج صندوق الجزيرة الأسود

salim alhasani2كنت أوشك على الانتهاء من كتابة أولى الحلقات في هذه السلسلة عن حقبة السيد نوري المالكي، عندما شاهدت البرنامج الوثائقي الذي عرضته قناة الجزيرة القطرية ـ الصندوق الأسود والذي خصصته حول المالكي في زمني المعارضة والحكم.

لم أجد صعوبة في اكتشاف الثغرات التاريخية والمعلومات المغلوطة وهي تأتي على لسان المذيع المحترف مشفوعة بمقاطع الصور واللقطات، فجاءت المادة الإعلامية لتحقيق هدف واحد هو صناعة إتهامات ضد حزب الدعوة والمالكي وليس لعرض حقائق ثابتة. وهذا منهج رافق مسيرة الجزيرة الإعلامية، فهي القناة التي تصنع الحروب الطائفية، وهي وسيلة الإرهاب التكفيري وصوته الناطق، ضمن منهجية مدروسة تم إعدادها بخبرات عالية وإمكانات هائلة، انتجت موتاً ودماراً وخراباً ضرب دول المنطقة ولا يزال.

ولكي لا استغرق في مناقشة كل فقرة ومحاكمتها بالمعلومة الصحيحة، مما قد يشتت القارئ الكريم، ويشعر بالملل والتعب، فلقد لجأت الى سرد معلوماتي حول المالكي في الفترة التي تناولها تقرير الجزيرة قطعة واحدة، وعلى شكل محاور أساسية، ويمكن بعدها لمن يشاء من القراء العودة ثانية لصندوق الجزيرة الأسود، للمقارنة وله في هذه الحالة اختيار الرواية الصحيحة.

...

أولاً: لم يكن السيد نوري المالكي رئيساً للجنة الجهادية لحزب الدعوة في أوائل الثمانينات، فقد كانت مهماته تتركز في الجانب التنظيمي منذ أواخر عام 1979 حيث بدأت تشكيلات الحزب تتجمع في دمشق. وقد تميز المالكي في تلك الفترة بالاتزان والانضباط والالتزام الحزبي، لا يتجاوز المهام المناطة به الى غيرها، فلم تكن له علاقة بتدريب المهاجرين من الدعاة في معسكرات سوريا أو معسكرات حركة أمل في لبنان. حيث كان ذلك يجري على شكل وجبات صغيرة تدخل دورات تدريبية مكثفة في ظروف قاسية من التدريب العسكري، لاسيما تلك التي تجري في جبال الزبداني قرب دمشق، تحت إمرة ضباط من القوات الخاصة السورية.

...

ثانياً: في أواخر عام 1981 اتخذت قيادة الدعوة قراراً بنقل معظم كادرها الحزبي الى ايران، وتحويله الى العمل المسلح، حيث استطاعت في عام 1980 تأسيس معسكر قرب مدينة الأهواز باسم (معسكر الشهيد الصدر) وتولى قيادته السيد حسين الشامي، تحت اشراف اللجنة الجهادية للحزب التي ترأسها في تلك الفترة السيد إبراهيم الجعفري، وكانت المهام تتمثل في تدريب قوات الشهيد الصدر، وتأهيلهم للقيام بعمليات عسكرية في العمق العراقي ضد اهداف محددة للنظام الصدامي. وهي عمليات بالغة الخطورة إذ تتطلب اختراق خطوط الجيش العراقي مما كان يعرض بعض المجاميع لمواجهات مسلحة استشهد فيها العديد من أبطال قوات الشهيد الصدر. كما كان طريق العودة يحمل نفس المستوى من الخطورة.

وبسبب مشاكل في العمل، قررت القيادة إجراء تبديلات في قيادة المعسكر، لكن المشكلة التي واجهتها هي شخصية السيد حسين الشامي الذي كان في تلك الفترة يتقدم الصفوف القتالية ويخوض عمليات غاية في الخطورة، مما جعل المقاتلين يرتبطون به عاطفياً. وقد أقدم الشامي على خطوة تُحسب له، عندما فاجأ القيادة والقوات بخطبة حماسية أعلن فيها استقالته من قيادة المعسكر، وأوصى القوات بطاعة الشيخ عبد الحليم الزهيري الذي اختارته قيادة الحزب مسؤولاً للمعسكر ورئيساً للجنة الجهادية بدلاً من الجعفري. ولم يكن الزهيري على علم بهذه القرارات إلا قبيل فترة وجيزة جداً وخلال الطريق من قم الى الأهواز حيث كان برفقة العلامة الكبير الشيخ محمد مهدي الآصفي رحمه الله، حيث أخبره بهذه القرارات وأن عليه أن يلتزم بها.

وحتى هذه الفترة لم يكن للسيد نوري المالكي حضوره في المجال العسكري للحزب، بل كان لا يزال في سوريا يدير شؤون التنظيم هناك.

...

ثالثاً: مع أواخر عام 1982 وبدايات 1983، زاد اهتمام قوات الشهيد الصدر بالمناطق الشمالية من العراق، وكان يستدعي ذلك زيارات متكررة من قبل رئيس اللجنة الجهادية وقائد معسكر الاهواز الشيخ عبد الحليم الزهيري، مما استدعت الحاجة الى الطلب من السيد نوري المالكي الحضور الى الأهواز وتولي قيادة المعسكر وكالة عن الزهيري، وفي تلك الفترة صار عضواً للمرة الأولى في اللجنة الجهادية.

...

رابعاً: استقر الشيخ عبد الحليم الزهيري في مدينة قم حيث تفرغ لشؤون التنظيم والقيادة، وفي تلك الفترة كان معسكر الشهيد الصدر يتعرض لضغوط كبيرة يقودها المجلس الأعلى بدعم إيراني للإستحواذ على المعسكر، وإخضاع كافة المقاتلين لقيادتهم الخاصة، وهذا ما رفضه الحزب، فانتهت الأزمة بخروج قوات الشهيد الصدر من المعسكر حيث توجه قسم منهم الى مقرات العمل الجهادي في كردستان العراق، وأنيطت بالقسم الآخر مهام تنظيمية وحزبية مختلفة.

...

خامساً: في أواسط الثمانينات تولى السيد نوري المالكي لأول مرة رئاسة اللجنة الجهادية، واستمر في هذه المسؤولية عدة سنوات حتى نهاية الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، حيث تحول نشاط المالكي الى سوريا بشكل كامل لإدارة فرع الحزب هناك، واستمر في ذلك حتى سقوط النظام عام 2003.

...

سادساً: في الفترتين الحساستين اللتين شهدتا عمليتي تفجير السفارة العراقية في بيروت وتفجيرات الكويت، لم يكن المالكي على علاقة بالخط الجهادي لحزب الدعوة، ولم يشترك في التخطيط في أي منهما على الاطلاق. بل ان عملية الكويت لم تكن من تخطيط الدعوة أصلا، كما سيأتي بعد قليل.

...

سابعاً: قرر حزب الدعوة القيام بتفجير السفارة العراقية في بيروت عام 1981، نظراً لكونها كانت مركز النشاط المخابراتي في المنطقة، وكان لها التأثير المباشر في تصعيد الحرب الأهلية في لبنان، من خلال تزويد أطرافها المتصارعة بالمال والسلاح والمعلومات الاستخبارية، وقد تم تحديد موعد العملية بعد معلومات دقيقة عن وجود اجتماع مخابراتي رفيع المستوى. وتمت العملية بدقة عالية مستهدفة مبنى السفارة ورجال المخابرات العاملين فيها، من دون تعريض المارة للخطر.

وكانت هناك بعض الدوافع الأخرى وراء العملية كان ابرزها اسقاط الهيبة المخابراتية للنظام العراقي والتي كان يستغلها في الضغط على الدول الخليجية، وعلى المؤسسات والشخصيات في المنطقة للتغطية على جرائمه بحق الشعب العراقي.

...

ثامناً: إن تفجيرات الكويت التي تمت في عام 1983، لم يكن لقيادة حزب الدعوة ولا لأعضائه أي دور فيها، فقد جرت بتنسيق ومبادرة خاصة قام بها المجاهد جمال جعفر (أبو مهدي المهندس) بالاتفاق مع الحرس الثوري الإيراني، وذلك للضغط على الكويت ومنعها من تقديم دعمها اللامحدود لنظام صدام.

لكن الخطأ الفادح الذي حدث، جاء بتصرف فردي ساذج من الدكتور وليد الحلي، الذي بادر لوحده من دون الرجوع للقيادة بالاتصال براديو مونت كارلو مدعياً انه زعيم حزب الدعوة وان الدعوة هي التي قامت بتفجيرات الكويت (مع انه لم يكن عضواً في القيادة). مما تتسبب بأزمة بالغة الخطورة اضرت بالدعاة المقيمين في الكويت والذين كانت اعدادهم تصل الى مئات العوائل، حيث تعرض قسم من العراقيين الى الاعتقال ومن ثم تسليمهم الى النظام العراقي، فيما استطاعت مجموعات أخرى الى الهروب من الكويت في ظروف صعبة.

وكانت خطوة وليد الحلي تمثل كارثة بالمعنى الإنساني والأخلاقي والعملي، لأنه ورط حزب الدعوة بتهمة لم يفعلها، بل كان على العكس يرى في الكويت مكاناً آماناً لتواجد أفراده. كما تسبب الحلي في تدمير حياة المئات من العوائل العراقية الآمنة المقيمة في الكويت. وقد بذلت قيادة الدعوة جهودها لتكذيب الخبر وايصال الحقيقة الى السلطات الكويتية، لكن تلك المحاولات لم تجد نفعاً بعد التأكيدات التي اعلنها وليد الحلي بسذاجته ورغبته المنفلتة في الظهور الإعلامي.

...

لقد أتيت على ذكر هذه الحقائق والتواريخ، لبيان أن ما ذكرته قناة الجزيرة في صندوقها الأسود عن المالكي وحزب الدعوة كان مخالفاً لسياقات الأحداث والوقائع، لكنني في نفس الوقت أؤكد للقارئ الكريم أن ما كتبته على مدى عدة سنوات في إدانة سياسة المالكي تبقى كما هي لم تتغير قناعتي فيها، بل أنني سأكتب كما وعدت القارئ عن حقبة المالكي بدءاً من الحلقة القادمة ان شاء الله، وسأتحدث عن اخطائه واخفاقاته وعن الأشخاص الذين احاطوا به ودفعوه الى ارتكاب المزيد من الأخطاء.

إن الذي أسعى للتمسك به بكل ما استطيع هو نشر الحقيقة وليس البحث عن إتهامات ظالمة ضد الأشخاص، فما أكتبه عنهم في سلسلة (إسلاميو السلطة) اتناول ما لهم وما عليهم بحكم ما أعرفه وعشته وسمعته مباشرة، وهذا ما يجعلني أكرر دائماً بأني على استعداد لتصحيح أي خطأ يرد في هذه السلسلة، وفي نفس أكرر على الذين كتبت عنهم، ان بإمكانهم ان يكون بعضهم لبعض ظهيراً في تكذيب ما أوردت عنهم من معلومات.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

...............................

رجاء اليك عزيزي القارئ: للمرة الثانية تعرضت صفحتي الشخصية على الفيسبوك للتخريب، سأكون في غاية الشكر لو شاركت هذا المنشور مع اصدقائك، على الرابط التالي:

https://www.facebook.com/profile.php?id=100010558086423

ليعود القراء الكرام الى متابعة مقالاتي، وارجو ان يعتمدوا خيار (المتابعة) وليس طلب الصداقة في الوقت الحالي.

 

إسلاميو السلطة (60): أسئلة مباشرة لليعقوبي والصدر والحكيم والعنزي والخزاعي والمالكي والشهرستاني؟

salim alhasaniمليارات الدولارات التي تقاس بالمئات، ضاعت بسبب الفساد، انتقلت من الخزائن الحكومية الى أرصدة أشخاص معدودين يتولون المناصب العليا في الحكومة والبرلمان والقضاء، لتنتهي في خاتمة المطاف في جيوب الكبار جداً، أي قادة الكتل السياسية من سنة وشيعة وأكراد.

هذه حقيقة لا يمكن إنكارها، فالارقام تقول ذلك، وخواء الخزينة يؤكد هذا، وقادة الكتل والنواب والمسؤولون والإعلاميون وأئمة الجمعة والمثقفون والبسطاء، كل هؤلاء يتحدثون بهذا الفساد الذي ضرب العراق طولاً بعرض.

لكن هذه الحقيقة المكشوفة بعلنيتها وبساطتها، لا يوافق قادة الكتل الحديث عنها بالأسماء والوقائع، إنما يجب أن تتم بالعموميات، وبعيداً عن ذكر التفاصيل، لأن ذلك يعني في العملية السياسية كشف المستور، وهذه جريمة تُعاقب عليها اتفاقات الكتل السياسية.

اتباع قادة الكتل يستجيبون للتعليمات، فيتمسكون بها تمسك العبد بأوامر سيده، وطاعة التابع لولي نعمته، فنراهم يدافعون عن قادة كتلهم، بتوجيه الاتهامات لكل من يؤشر على مصاديق الفساد، أو يذكر الوقائع كما حدثت، لأن معنى ذلك أنهم سيكونون جميعاً في العراء أمام الجمهور العراقي، بلا أغطية التدين الزائف، ولا شعارات التشيع والإسلام التي امتهنوا الاحتماء بها بحرفية المخادع اللعوب.

...

في هذه السلسلة الطويلة تحدثت عن معلومات وحقائق عن فساد القادة والكتل السياسية، وهو فساد يشمل الجميع من سنة وشيعة وأكراد. ولأن السلسلة تحمل عنوان (إسلاميو السلطة) فهي تركز عليهم باعتبار ان فسادهم يضر بسمعة الإسلام والإسلاميين وبالشيعة والتشيع، أما غيرهم من العلمانيين ففسادهم يلحق بالشعب وبسمعتهم، حتى وإن كان ما سرقوه اضعاف ما سرقه الذين يتسترون بالعنوان الإسلامي.

في هذه السلسلة الطويلة، لم أتلق جواباً رسمياً من المعنيين، ولم ينشر أحد منهم جواباً رسمياً على وسائله الإعلامية، وكلهم لديهم مكاتب إعلامية وفضائيات وصحف ومواقع الكترونية. إنما وجدت بعض الردود من اشخاص الحواشي والاتباع، وهم يبتعدون عن محور المعلومة ليستغرقوا في الهوامش والمناقشات التي لا تقود الى نتيجة.

سأسهل المهمة عليهم، وكنت من قبل قد سهلتها عليهم أكثر من مرة:

...

أولاً: اليعقوبي وحزب الفضيلة:

ـ هل يستطيع الشيخ اليعقوبي أن ينشر شهادة اجتهاده من فقهاء ومراجع حوزة النجف الأشرف التي ينتمي اليها؟.

ـ هل ينكر الشيخ اليعقوبي أنه رشح مدّاح صدام وأحد كتّاب التأليه الصدامي الدكتور نديم الجابري لمنصب رئاسة الوزراء؟.

ـ هل يستطيع الأستاذ كريم اليعقوبي ان ينكر أنه طلب مني ان اتحدث مع الجعفري لمنح حزب الفضيلة مبلغ مليون دولار من مساعدة كويتية قيمتها أربعة ملايين دولار كانت مخصصة للصحة والتعليم؟.

ـ هل يتمكن الشيخ الكناني المقرب من اليعقوبي ان ينكر انه اتصل في ساعة متأخرة من الليل بسكرتير الجعفري السيد اياد بنيان يطلب منه حصول حزب الفضيلة على مناصب نائب رئيس الجمهورية ونائب رئيس البرلمان ووزارتين اضافيتين، مقابل منح أصوات الفضيلة للجعفري؟.

ـ هل يتمكن السيد المرعبي القيادي المقرب من الشيخ اليعقوبي وإمام جمعة المنطقة الخضراء حاليا، أن ينكر أنه طلب حصول حزبه على وزارات النفط والتجارة والسياحة الى جانب نيابتي الجمهورية والبرلمان، قائلاً نحن حزب جديد ونحتاج الى أموال؟.

ـ هل يستطيع اليعقوبي أن ينكر ان مفاوضه السيد حسن الشمري في الولاية الثانية للمالكي طلب من لجنة التفاوض التابعة للمالكي عدة ملايين من الدولارت، إضافة الى مبلغ شهري ضخم لدعم مرجعية اليعقوبي؟

هذه أسئلة مباشرة لا تحتاج الى مناقشة وحوارات جانبية وتفريعات وتفاصيل، يكفي الجواب بالنفي أو الاثبات، وبعد ذلك يكون الكلام.

....

ثانياً: السيد عمار الحكيم

ـ هل يستطيع السيد عمار الحكيم إنكار أن المجلس الأعلى استولى على مقاطعات كبيرة واسعة المساحة في الجادرية والكرادة والنجف، وخصص لها أفواج الحماية من قوات الجيش العراقي، وان مرتباتهم وتجهيزات ومركباتهم وغير ذلك كلها على نفقة الحكومة؟.

ـ هل يستطيع السيد عمار الحكيم أن ينكر أن محافظ البصرة التابع لكتلته يشترط على المقاولين الذين يمنحهم الصفقات أن يخصصوا حصة مالية له وحصة أخرى للسيد؟.

ـ هل يستطيع السيد عمار الحكيم أن يقول لنا أن قيادات المجلس الأعلى بكبار مسؤوليه ووزرائه لم يحصلوا على عقود الصفقات الكبيرة وخصوصاً في مسألة الزيوت من الوزير الأسبق عبد الفلاح السوداني؟.

ـ هل يتمكن السيد عمار الحكيم أن ينكر أن وزارة النقل الحالية صارت المورد الأهم لثرائه وثراء المجلس، من خلال شركة فلاي بغداد المملوكة لهم؟

ـ هل يستطيع السيد عمار الحكيم وعادل عبد المهدي وهمام حمودي وباقر الزبيدي وغيرهم من قادة المجلس الأعلى ان ينكروا أن التعليمات صدرت اليهم بانتخاب عمار الحكيم لقيادة المجلس، ومن يعترض فعليه ان يترك المجلس؟.

ـ هل يستطيع كل قادة المجلس الأعلى أن ينكروا ان قرار تشكيل المجلس جاء بقرار إيراني وبتمويل إيراني وباشراف إيراني؟.

...

ثالثاً: كتلة المستقلين

ـ هل يستطيع الدكتور حسين الشهرستاني أن ينكر انه قدّم تلك الوعود حول الطاقة والكهرباء وانها كانت كاذبة، ليس بسبب سوء في التقدير او الإدارة، إنما بسبب صفقات الفساد والعقود الوهمية والسرقات الكبيرة؟

ـ هل يستطيع الدكتور الشهرستاني أن ينكر انه كان يختار الشركات العالمية على أساس ما يكسب وما يحصل من عمولات ضخمة عن طريق شبكة علاقاته المرتبطة به، وليس على أساس كفاءة تلك الشركات؟.

ـ هل يستطيع الشهرستاني أن ينكر ان مكتب المرجع الأعلى السيد السيستاني، طلب منه في اول انتخابات للجمعية الوطنية، أن لا يرشح نفسه للانتخابات لكنه خالفها ورشح نفسه؟.

...

رابعاً: السيد عبد الكريم العنزي

ـ هل يستطيع السيد عبد الكريم العنزي ان ينكر انه زوّر شهادة زوجته لتدخل الجمعية الوطنية وبقي يستلم مرتبها التقاعدي طيلة هذه السنوات؟.

ـ هل يستطيع العنزي ان ينكر متاجرته بالعملة المزورة (الدينار العراقي) قبل سقوط نظام المقبور صدام، وكان يعمل على ادخال الدينار المزور الى العراق فيذهب ضحيته ما لا نعلم من المساكين المخدوعين؟.

ـ هل ينكر العنزي أنه استولى على عقارات ومصانع ومؤسسات الدولة في اول أيام سقوط النظام الدكتاتوري وتاجر بمعداتها؟

ـ هل ينكر العنزي أنه استولى على العديد من القصور والمجمعات السكنية وحوّلها الى ملك شخصي له، وأستطاع أن يؤسس واحدة من امبراطوريات الفساد المالي في العراق؟.

ملاحظة: كتب العنزي جواباً مقتضباً في احد المنتديات على الواتسآب دفاعاً عن نفسه، أنه لا يرى الرد على هذه (الاتهامات) إلتزاماً منه بالتقوى وحتى لا يقع في محذور شرعي. بينما الواجب يفرض عليه الرد، لأن كلامي عنه يخص الشأن العام، وعليه أن يدافع عن الحق العام، كما ان الضمير والواجب الأخلاقي والشرعي يفرض عليه ان يكشف الكذّابين من امثالي، حتى لا تتشوه سمعة المسؤولين من إسلاميي السلطة، ويرمون بالباطل معاذ الله!

...

خامساً: السيد خضير الخزاعي

ـ هل يستطيع السيد الخزاعي أن ينكر انه قال لي أن ألتف على قيادة حزب الدعوة، وان اتفق مع الأخ (غالب الركابي/أبو سعود) لكي يكون انجاز معاملات العراقيين في سوريا عن طريقي وبذلك أجعل قيادة حزب الدعوة تركض ورائي؟

ـ هل ينكر الخزاعي انه رتب عملية تصادم متقنة لسيارته في طهران امام المركز الإعلامي في شارع (رامسر ـ زقاق آراسته) من اجل ان يحصل على تعويض من شركة التأمين، وهي شركة أهلية في الجمهورية الإسلامية، وكان يومها يحاضر بوجوب ولاية الفقيه، وحرمة مخالفة قوانينها بما ذلك شرطي المرور؟.

ـ هل ينكر الخزاعي أنه اشترط على قيادة حزب الدعوة عندما طلبوا منه الانتقال من ايران الى سوريا، أن يحصل على سيارة حديثة، وان يتقاضى مرتباً بالدولار، وان يكون سكنه في منطقة (المزة) الراقية بدمشق؟.

ـ هل ينكر الخزاعي أنه رفض الاستجابة الى قرار حزب الدعوة بإعفائه من إدارة إذاعة الحزب، وبقي مصراً على منصبه مع تقاضي مرتبه، حتى انشق عن الحزب؟.

ـ هل ينكر الخزاعي التعيينات التي جاد بها على أفراد أسرته من أبناء وبنات واصهار واخوات واقرباء عندما تولى وزارة التربية؟.

ـ هل ينكر الخزاعي أنه قال اذا لم احصل على منصب نائب رئيس الجمهورية فان العملية السياسية ستنهار كلها؟.

ملاحظة: برر الخزاعي عدم رده على هذه الحقائق التي كتبتها، بأنه يترك الحساب ليوم القيامة. أي على طريقة العنزي. مع انه صاحب مقولة التكليف الشرعي واليد التي تتوضأ، وعليه ان يكشف الحقائق الآن، وليس في الآخرة، لأنه متورط بقضايا تتعلق بالحق العام وبمصير الفقراء والوطن.

...

سادساً: السيد إبراهيم الجعفري

ـ هل ينكر السيد الجعفري كل ما ذكرته عنه في الحلقات العديدة التي نشرتها عنه؟

ولن أعيد مفرداتها لكثرة ما أوردت وفصلت الحديث عنه وصل الى ما يقرب من عشرين حلقة.

ـ هل ينكر الجعفري أية معلومة وردت في كل تلك الحلقات؟ أم انه سيلجأ الى يوم القيامة ايضاً على طريقة العنزي والخزاعي؟.

...

سابعاً: جماعة نوري المالكي

لأنني لم أتناول حقبة السيد نوري المالكي بعد، وسأتناولها بالتأكيد ان شاء الله، فاني سأوجه أسئلتي الى بعض الأشخاص المحيطين به:

ـ هل ينكر المقربون من السيد نوري المالكي من قيادة حزب الدعوة، أنهم كانوا يرفضون أي نقد يتجه ضده من قبلي ومن قبلي اخواني في موقع (الوسط)؟

ـ هل ينكر أحد منهم أنهم كانوا يعانون من تسلط ابنه واصهاره واقربائه على مقدرات الدولة، لكنهم يمتنعون عن مصارحته خوفاً على امتيازاتهم؟.

ـ هل يستطيع أي شخص منهم، أن ينكر بأني كنت اطلب منه تزويدي بملفات الفساد عن أي شخص أو جهة لكي أقوم بنشرها، وكان جوابهم الصمت؟.

ـ هل ينكر أي شخص منهم أني كنت ادعو الى التنبه على الانحدار الخطير الذي تسير فيه الدعوة بسبب هذا الاستغراق في الاميتازات، فكانت ردة فعلهم شديدة قاسية تشويهية، من أجل ان يتنعموا بالامتيازات؟.

ـ هل يستطيع أي شخص منهم أن ينكر معرفة بعضهم لبعض بالفساد والصفقات، لكنهم يتسترون على بعضهم البعض؟.

ـ هل ينكر أي شخص منهم أنه كان على علم بفساد وكيل وزير الداخلية عدنان الأسدي وتورطه في صفقات الفساد والتعيينات المدفوعة الثمن، وأجهزة كشف المتفجرات وغيرها وغيرها؟

ـ هل ينكر أي شخص منهم أنه كان على علم تام بفساد محافظ بغداد صلاح عبد الرزاق، وأنهم أرادوا محاسبته لكنهم تراجعوا بعد ذلك خوفاً من توسع دائرة الفضائح؟.

.....

ثامناً: التيار الصدري

ـ هل يمكن لأحد من قادة التيار الصدري أن ينكر فساد السيد بهاء الأعرجي منذ دخوله البرلمان وحتى وصوله الى نيابة رئيس الوزراء؟.

ـ هل يمكن لأحد من قادة التيار أن ينكر عمليات الاختطاف التي كان يقوم بها عضو كتلة الاحرار حاكم الزاملي؟.

ـ هل يستطيع أي قيادي من التيار الصدري أن ينكر فساد نوابه ووزرائه وطرقهم الملتوية في الابتزاز والسرقة والصفقات المشبوهة؟

...

تاسعاً: كلهم جميعا

ـ هل ينكر كل هؤلاء أنهم يعلمون بفساد السنة والاكراد، وانهم دخلوا معهم في صفقات وتحالفات سياسية ومالية، لقاء مكاسب سياسية ومالية؟.

...

انتظر جواباً رسمياً من ذوي العلاقة ممن وردت أسماؤهم، وليس شعارات وتشقيقات ومسوح تقوى للتهرب من الجواب. بل أني أمنحهم خياراً سهلاً بأن يتفقوا فيما بينهم جميعاً للرد عليّ، فما أنا إلا رجل معتلّ الصحة، وكل وسائلي هي جهاز كومبيوتر محمول وذاكرة اشكر الله عليها.

أخي القارئ أعدك بأني مستمر وستأتيك أسماء وشخصيات أخرى، فلا تعجل علي، وأسأل الله ان يمنّ عليّ بباقي العمر لأكمل هذه المهمة.

رجائي أن تشارك هذا المنشور (شير) إذا كنت مقتنعاً به.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (59): منهج الحسين كشف الفساد والمفسدين

salim alhasaniفي هذه السلسلة الطويلة من (إسلاميو السلطة) تناولتُ وقائع وشواهد واحداثاً كثيرة لم تكن معروفة للكثيرين، كشفتُ فيها قسماً من الأسرار والمعلومات المخفية، وتطرقت لمواقف شخصيات قيادية لها مكانتها المتقدمة في العملية السياسية.

كنت حريصاً على الدقة فيما أكتبه، من خلال المعايشة والشهادة المباشرة، وأكدت أكثر من مرة بأني على استعداد للتراجع والإعتذار والتصحيح فيما لو ثبت لي خطأ معلومة أتيتُ عليها وجاءني التصحيح الموثوق من مصدره المعني. وأعيد هنا نفس التأكيد بأني على استعداد لتصحيح أي معلومة تردني من الأشخاص الذين ورد ذكرهم في هذه السلسلة، قبل أن تتحول الى كتاب بعون الله.

تحدثت عن حزب الفضيلة والمجلس الأعلى وحزب الدعوة، وتناولت شخصيات مهمة مثل السيد الجعفري والمالكي واليعقوبي والعبادي والحكيم ومن يرتبط بهم، كما سأتناول ان شاء الله التيار الصدري وزعيمه السيد مقتدى الصدر وسأفصّل الكلام عن السيد المالكي وحقبته بأشخاصها وتفاصيلها. وكل ما أطلبه من المتابع الكريم أن لا يتعجل القراءة، فهذه سلسلة ومن طبيعتها أنها لا تأتي على كل المعلومات دفعة واحدة.

....

أنطلقُ في هذه المحاولة من عدة مرتكزات أساسية أثبّتها هنا بما استطيع من وضوح:

ـ إن كل الكيانات والأحزاب والقادة والشخصيات والمسؤولين والوزراء الذين دخلوا العملية السياسية تورطوا في الفساد المالي والإداري بدرجات مختلفة، ولا أعتقد ان أحداً منهم قد دخلها ولم يتلوث بها، ما لم يثبت براءته.

ـ إن فساد القيادات الكردية معروف ومكشوف، وهو فساد سياسي ومالي، قام به جلال الطالباني وفؤاد معصوم ومسعود البارزاني ونيجرفان بارزاني وبرهم صالح وكوسرت رسول وهوشيار زيباري وغيرهم من المسؤولين والوزراء، فلقد اعتمدوا مبدأ الابتزاز بأبشع صوره، واستخدموا ثقلهم البرلماني في الضغط وامتصاص المكاسب وتفضيل كتلة على أخرى، وتقديم مرشح على آخر، وقد نجحوا بذلك في عملية المساومات السياسية، وضمنوا لأنفسهم أفضل المكاسب.

...

ـ إن الكتل والكيانات والتحالفات السنية بقادتها السياسيين والعشائريين مثل طارق الهاشمي ورافع العيساوي وصالح المطلك وخميس الخنجر وأسامة النجيفي وسليم الجبوري وآل الكربولي وقتيبة الجبوري وسعدون الدليمي وإيهم السامرائي وغيرهم الكثير ممن دخلوا العملية السياسية، كانوا الأكثر فساداً من غيرهم، بسبب فتح أكثر من منفذ للفساد، فاستغلوا الصفقات والعقود والوزارات ثم انهالت على حساباتهم البنكية أموال السعودية وقطر ودول الخليج الأخرى، إضافة الى علاقاتهم مع المخابرات التركية والأردنية والأميركية.

ـ إن الاتجاهات والكتل العلمانية التي يتزعمها اياد علاوي واحمد الجلبي وغيرهما من شخصيات شيعية علمانية هي أيضاً ممن تورط في ملفات فساد كثيرة ومتشعبة ومتنوعة، ولهم علاقاتهم الخفية وخبرتهم في إدارة علاقاتهم الدولية والمخابراتية.

...

ـ كل هذه الكيانات والزعامات التي ورد ذكرها آنفاً فاسدة ومتورطة بالفساد وقسم منها متورط بالإرهاب والتآمر مع دول خارجية على العراق، ويجب كشفها ومحاكمتها، لكن سوء القضاء العراقي والتوافقات السرية هي التي توفر لها الحماية المطلوبة، فمضت في طريقها حتى الآن تسرق وتتآمر بأمان تام. والنقطة المهمة أن ضررها ينسحب على العراق بثرواته وشعبه، لكنه لا ينسحب على الإسلام وسمعة الإسلاميين كما عرفها وعاشها الشعب العراقي عبر عقود سابقة من الزمن.

ـ ما يهمنا هو الكيانات الشيعية (التيار الصدري، حزب الدعوة، والمجلس الأعلى حزب الفضيلة، تيار الإصلاح وكتلة المستقلين والتجمعات الصغيرة الأخرى)، فهذه الكتل هي التي ترفع عناوين الدين، وتحتمي بشعار الإسلام، وتتحرك في الميدان الاجتماعي والوسط السياسي بمظهرها الشيعي، مما يجعل من فسادها أكثر ضرراً وأمضى تأثيراً، لأنه التشويه النوعي للإسلام والإسلاميين وللشيعة والتشيع. أي أن الضرر يلحق الغالبية المسحوقة من الشعب العراقي عبر قرون الزمن بسبب فساد هذه الكتل والزعامات، كما أنه يمس مباشرة الفكرة الإسلامية برموزها التاريخيين وروادها الحركيين وتضحياتها الكبرى.

...

لقد باشرت الكتابة عن تجربة مهمة وكبيرة من العراق الحديث، مسترشداً بالنهج الإسلامي والحركي في المراجعة والنقد والتقييم، لا سيما وأن غالبية الشهود أحياء ولله الحمد، وبمقدورهم الرد والتصحيح والتخطئة وكشف الحقيقة، مما يجعلنا نصل في النهاية الى صورة واضحة تمثل تسجيلاً وثائقياً لمرحلة لم يُكتب لها النجاح مع الأسف، لكنها مهمة وضرورية للأجيال القادمة للإستفادة منها.

...

لا نريد تكرار تجربة إبن هشام في سيرته حين حذف من سيرة ابن إسحاق ما يثير البعض وما يسئ البعض، فوصلتنا سيرة الرسول (ص) ناقصة مشوهة. ولا نريد أن نترك المنهج القرآني في التشديد على كشف الإنحراف لكي لا نكون كالأمم التي خلت حين كتموا الحق وهم يعلمون. ولا نريد أن نكون كبعض صحابة الرسول (ص) حين منعوا كتابة سيرته وسنته. إنما اعتمدت منهج القرآن الكريم وتعاليم الإسلام ومدرسة أهل البيت عليهم السلام. كما سرت على سيرة كبار فقهاء وعلماء الشيعة في الكتابة والتدوين مثل الشهيد الكبير الشيخ فضل الله النوري حين اصدر كتابه في احداث (المشروطة والمستبدة) والمعنون (تنبيه الغافل وإيقاظ الجاهل) وكان موقفه ذاك سبباً في استشهاده رحمه الله، وكما فعل المرجع الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في ثلاثينات القرن الماضي، حين كان يصدر بياناته النارية وهو يكشف ما يحدث في الحياة السياسية بكل شجاعة وصراحة.

...

ولأني كنت أنتمي الى تنظيم حزب الدعوة، واتشرف بأني لازلت على خطه الفكري (وليس في تنظيمه الحالي) فاني أتمسك بفكره ومبادئه حتى الآن معتزاً ومفتخراً، فأقول ان فكر الدعوة هو المحاسبة والمراجعة والنقد، واشرت في أكثر من مرة الى النشرة الرائعة وهي من عيون الفكر الحركي التي صدرت عام 1966 بعنوان (ازدواج الشخصية في أوساط الدعاة) في العدد العاشر من صوت الدعوة، النشرة المركزية للحزب، وهي الحكم والمقياس والمرجع في هذه الأمور، وفي تحديد مسار الحزب، وليس الاستحسانات الشخصية والامزجة الفردية. فالنشرة صريحة بضرورة المراجعة والتقييم والنقد، للوصول الى اصلاح الدعوة عندما تبدأ بالانحراف عن خطها الأصيل، وعندما تعجز عملية الإصلاح فلا بد من حلها، حفاظاً على سمعة الإسلام.

....

إن ما أتلقاه من تعليقات وردود ورسائل من بعض الاخوة، لا ينتمي الى الفكر الحركي في شيء، ولا يستند الى مدرسة الدعوة، إنما هي تبريرات شخصية تتناول مقطعاً ضيقاً تستند اليه، وزاوية شخصية تنحشر فيها، وغالباً ما يصار الى اعتماد الشخصنة للتخلص من المناقشة الموضوعية والوثائقية، فلم أتلق حتى الآن معلومة تدحض ما كتبت، إنما تلقيت آراءا واتهامات من بعض المتابعين عن الكاتب من قبيل: معقد نفسياً، مُحبط، نرجسي، لم يحصل على منصب، مدفوع من أحد الأشخاص، تُحركه بعض الدوافع الشخصية. وما الى ذلك.

لأكن كما تقولون، بل لأكن أكثر مما قلتم وتقولون، لكن أين هو الخلل فيما أكتب، وأين هو الخطأ فيما كتبت؟.

ولقد تساهلت كثيراً مع المعترضين، حتى قلت لهم: لنرجع الى الفقهاء والمراجع، فإن صدرت منهم فتوى تحرّم كشف فساد المفسدين، فسأتوقف فوراً وأحذف صفحتي على الفيسبوك بكل مقالاتها. ولا أزال انتظر منكم هذه الفتوى، أو انتظر منكم تكذيب معلومة جاءت بها المقالات، وسأبادر الى التصحيح فوراً.

هل تتفق معي اخي القارئ الكريم، أطلب منك في هذه الحالة، أن تدعم هذا المنهج بمشاركة المنشور وليس بتسجيل الإعجاب فقط. فنحن في أيام استشهاد الامام الحسين عليه السلام، الذي خرج طلباً للإصلاح في أمة جده.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

الذكرى الثامنة لرحيل الشاعر العراقي الكبير سركون بولص

786-bolsمرت يوم أمس الذكرى الثامنة لرحيل الشاعر العراقي الكبير سركون بولص، الذي توفي في برلين بتأريخ 22/ 10/ 2007 إثر مرض عضال.

وأورد في ما يأتي المقدمة التي تصدرت كتابي الموسوم [سركون بولص عنقاء الشعر العراقي الحديث- ما قيل وكُتب عنه] الصادر عن المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية عام 2011، والتي ترجمها إلى اللغة الكوردية الأديب الموسوعي جلال زنكبادي وأورها في كتابه الصادر عن سركون بولص قبل عامين.

 

سركون بولص

عنقاء الأدب العراقي الحديث

الذي انبعث من رماده قبل احتراقه

 

• عصر يوم الثلاثاء 23/10/2007

كعادتي، كل عصر، أدلف الى مقهى للانترنيت واقتعد بتراخٍ الكرسي الأسود الدوار، بعد ان أُوزع ابتساماتي على جليسي الأيمن والأيسر، اواجه شاشة الحاسوب، وتلعب اصابعي بلوحة تحكم الحروف ليظهر امامي موقعي الاثيري لتصادفني صورة اعرفها جيداً، فأنا مولع بها وبما تنتجه هذه الجمجمة من ابداع ثر وعميق وجديد ومبتكر، منذ اكثر من ثلاثة عقود ونيف. فضلاً عن اعجاب آخر بذلك الشعر المتموج الحريري الذي يشاكس جبيناً كقطعة جبن تتفرع عنه قسمات وجه وسيم جداً، لا يصلح إلاّ ان يكون احد نجوم هوليود، فالعين التي تجهله تحسبه فوراً ممثلاً سينمائياً، اما بصيرتي وبصري، فلا تخطآن صورة اهم شاعر معاصر معروف، ليس على مستوى العراق حسب بل على مستوى الشعر العربي، وربما العالمي، فانى لذاكرتي ان تخطيء: سركون بولص.

لم اصدق عينيّ حين قرأت تحت صورته:

(رحيل الشاعر العراقي سركون بولص)

فانطلقت الكلمة من فمي زاخرة بالأسى..

- لا .. !

التفت جليسي الايمن دهشاً وسأني بحميمية..

- خير استاذ..

ومن عمق المآساة خرج صوتي محايداً..

- اني اسف

ثم غرزت عينيّ اتملى تفاصيل وجه سركون.

 

• شتاء 1973

شاب خمري نحيل ينبثق فجأة من بوابة حديقة الشهداء ويعبر بخطاه العجلى الشارع الأسفلتي مساء يوم كانوني موصللي ينذر بمطر غزير وشيك، بل ان نثيثاً خفيفاً يداعب على خِفِرٍ وجه المصابيح المصلوبة على الجدران الاسفلتية،.. ويتنكب الشاب المهرول بخطاه الرياضية الليل والبرد والمطر ويدخل البوابة الزجاجية التي تتصدرها قطعة معدنية مكتوب عليها: "المكتبة المركزية في الموصل" وحالما يدفع البوابة الزجاجية حتى تتلقفه على اليمين قاعة يشيع في حشاياها الدفء مليئة برفوف خشبية ووسطها ثمة طاولة من صاج ملتمع تسيجها كراسي انيقة، يتجه الشاب نحو ركن من الأرفف يحتوي على الصحف والمجلات، ويتلقف بلهفة العاشق مجلته الأثيرة الى نفسه والى نفس الجيل الجديد في الأدب العراقي، "الكلمة" المجلة الادبية الشهيرة التي يرأس تحريرها الأديب حميد المطبعي،.. ويجلس على الكرسي ويفتح صفحة الفهرس وباب القصة تحديداً، ليجد للقاص عبد الستار ناصر الذي يحب قصصه، قصة منشورة، فيفتح الصفحة المعنية، ليجد استهلالاً دلالياً تحت عنوان القصة يقول:

[ايها الماضي... ايها الماضي، ماذا فعلت بحياتي

       سركون بولص]

786-bolsولن يستطيع الشاب الحنطي اليافع ان يخفي فرحتين، الاولى حصوله على المجلة قبل صحبه، والثانية هذا البيت الشعري الذي اذهله، مثلما اذهل جيلاً شعرياً متمرداً ومجدداً في الستينات، وهذا الأمر اكتشفه الشاب النحيل لاحقاً، فصار الشغل الشاغل لهذا الشاب البحث عن كينونة سركون، ليكتشف فيه قاصاً في الصف الاول من جيله الستيني المشاكس عبر قصصه المبثوثة في بطون مجلتي [الادب والعاملون في النفط]. وازداد اعجاب الشاب بسركون سيما حين وجده نشر اكثر من ثلاث الى اربع مرات في صفحات مجلة الآداب وبيسر يشهد له ويحسده عليها اغلب اقرانه من جيله او حتى من جيل الخمسينات، لكونها المجلة ـ الأمل ـ الجواز، التي يدخل من بوابتها الأديب اياً كان الى فضاء الشهرة... ومن ثم اكتشف الشاب في بولص فاتحاً لبوابة قصيدة النثر الفتية كمصطلح وكمنجز عبر ما نشر من قصائد نثر ناضجة فنياً في مجلة (شعر) اللبنانية عبر رحلته الاغترابية الشاقة في رحلته الماراثونية من بغداد الى بيروت عبر صحراء قفراء لا ترحم، وبعد ان فتح بوابة قصيدة النثر مع مجايليه من شعراء العراق وسوريا ولبنان تنكب حنايا الغربة الثانية نحو اقاصي الأرض واستقر في مدينة سان فرانسيسكو عام 1969، والشاب الحنطي الناعم لا يزال يركب العربة الخامسة عشر من رحلة عمره...

فانكب الشاب بعدئذٍ وحتى تخرجه من معهد الصحة عام 1975 على قراءة معظم قصائد وقصص سركون بولص، حتى اتى على كل ما نشره سركون من قصائد وتراجم وقصص خلا قصته الشهيرة (الملجأ) فقد عصت عليه ولم يعثر عليها إلا بعد حين.

 

• خريف عام 1975

هي قرية ترتدي النقيضين معاً، فتربتها صبخة تتغلغل في حشاياها ذرات الملح فتحيلها الى تربة تتوامض حبيباتها تحت الشمس كلآليء وسط ديجور لا متناهٍ من ذرات رمال ثواها الظمأ، وبساتينها المثقلة باشجار النخيل والحمضيات والرمان والمشمش تخرّم مساحات شاسعة اقتطعتها بالأتفاق سواعد وذاكرات الفلاحين فيما بينها ليكوّنوا منها شبه مقاطعات من غابات تتوسطها بضع حجرات مبنية من آجر وصلصال ومسقفة بالبواري والبسط... وغير بعيد عنها غرف اخرى اقل ارتفاعاً تتنفس في احشاءها الابقار والاغنام والدواجن...

وذات عصرٍ من عصاري الخريف بخطى قلعة وعيني على الأفق كمن ينتظر زائراً لمحته يتقدم بين تلتين بخطى وئيدة هادئة، ثم وبعد دقائق بان خشبه الملون ومقدمته المدببة كرأس طير وهو ينفث دخاناً اسود، فهمست لنفسي.

لقد جاء الباص الخشبي اخيراً...

وعندما حاذاني توقف وأطل وجه السائق واعطاني مظروفاً ارسله صديقي من بغداد، فانحدرت نحو البيت الملحق بمستوصف القرية حيث اسكن والذي يتميز (بأبهته) عن سائر البيوت وبمعيته جنوباً مدرسة اسمها على اسم القرية، جلست على تخت خشبي في طوار البيت وفضضت غلاف المظروف واخرجت الكتاب، فهمست..

واخيراً حصلت عليك

وكان بيدي كتاب يقول عنوانه

[قصص عراقية معاصرة

   دراسة ونقد

     فاضل ثامر وياسين النصير]

والذي ساعدت وزارة الاعلام العراقية على نشره عام 1971، وعبر هذا الكتاب قرأت اخيراً قصته (الملجأ)، واثلج صدري ما دونه الناقد فاضل ثامر عن سركون بولص والذي سأورده الان بحذافيره.

"ان سركون بولص قاص مثقف، بدأ بداية طيبة وجريئة في الكتابة القصصية إلا ان الصحافة والترجمة سرعان ما التهمته وحددت قدراته الابداعية. وهو يحتل مكانة طيبة لأنه كان من الاسماء القصصية الأولى التي دشنت الستينات بهذه الاتجاهات القصصية الجديدة في العراق. اذ بينما كان معظم قصاصي الستينات الشباب يضعون اولى خطواتهم في طريق الكتابة القصصية وكانوا في طور (التلمذة) والتكوين كان سركون بولص قد استطاع ان يفرض وجوده قاصاً متمكناً يمتلك ادوات القاص الواعي. إلا انه ظل اسير تلك النزعة التشاؤمية والوجودية التي اغرقت عالمه القصصي بالعبث واللامعنى والرفض. ومع ذلك يظل سركون بولص اسماً لا يمكن اهماله بعين قصاصي الستينات كان يؤمل منه الشيء الكثير. إلا ان هجرته خارج العراق واشتغاله في الصحافة اللبنانية حرم القصة العراقية منص وت ذكي وعميق ومثقف" ص38 ـ 39.

وقال المؤلف الثاني للكتاب ياسين النصير في مقدمته: "ويميل سركون بولص الى تزاوج عالمي الخيال والواقع في القصة الواحدة، ولعل مرد ذلك اللغة الشاعرية التي يستخدمها بذكاء فتغلب على امكانية حركة الاشياء عنده. في قصصه ـ صباح ما هناك ـ جو مأساوي يمتزج فيه الحلم ـ يتمنى البطل في الهروب ـ والواقع في معايشته لواقعه النفسي القلق ـ ان سركون محب للمغامرة والتجربة وفي هذه المجالين مدى واسع من الرؤيا والاحلام اللذين يفجران عند القاص امكانية لغوية جيدة" ص20،،،... وبقيت مسكوناً ومنبهراً وممسوساً بالأجواء الوجودية الملغومة التي زرعها هذ القاص المتجدد عبر قصته المختارة (الملجأ).... ـ التي عثر عليها اخيراً الشاب الحنطي النحيل ـ... فإنني قرأتها ليلتها اكثر من اربع مرات، وفي كل مرة كانت كينونتي القصصية الطالعة لتوها من التربة والمشرئبة باستحياء في حنايا الصحف والمجلات التي كنت ازدهي بها وهي تنشر قصصي الأولى،... تتشرب بمعنى جديد لهذه القطعة الأدبية الراقية المسبوكة بلغة متفجرة مشاكسة غير مألوفة، موحية خالية من الحشو والاطناب وامراض الانشاء القاتلة، والمشرقة بنسيج جملها الرشيقة التي تفصح عن ذائقة ادبية ابداعية عميقة مثقفة، ازاحت قليلاً بنزعتها الوجودية البحتة، نفوري السابق وعدم اعجابي بالموجة الوجودية التي ابتكرها جان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار، وصموئيل بيكيت، والبير كامو، الا ان سركون بلمجأه، لم يعدم او يصفد الابواب امام الأمل والحياة رغم تسربل قصته بالسوداوية، وان تصرف بطل قصته في ختام القصة لم يكن نابعاً فقط من عبثيته وسأمه، بل لأجل شيء آخر، اكتشفته فيما بعد، بعد مضي ثلاثة عقود، عندما اعددتها لإذاعة محلية ضمن برنامج (القصة القصيرة)... عندما ابصرت ولم اقرأ البطل، وثمة معادلة غير متوازنة بين الابصار والقراءة، حينها ايقنت، كم كان هذا القاص متقدماً على عصره، وما عزّز يقيني به، وبصرامته مع نتاجه القصصي، انه لم يصدر خلال سني ابداعه الا مجموعة قصصية واحدة، والذي يقرأ قصصه بين دفتي الكتاب، او قصصه الموزعة في بطون الدوريات والصحف، يعرف تماماً ان سركون لم يبتعد عن الكتابة القصصية، بل كان مقلاً في النشر، ولم تنضب قط موهبته القصصية، بل كان مترثياً في اظهارها للناس، لعل العمر يطول به بعد ان يحفر مجراه الابداعي الخاص في انضاح قصيدة النثر ومشروعها السرمدي في البقاء جنباً لجنب مع سائر الابداع الشعري، ثم يعود لا ليحمل صولجان القصة، بل ربما الرواية ايضاً.

 

• ربيع عام 1997

في غرفة رحيبة في الطابق الثاني لدارة والدي الكبيرة المشيدة وفق الطراز الشرقي، رن جرس الهاتف، رفعت السماعة، جاءني صوت الاديب روبن بيت شموئيل من بغداد عبر الهاتف، وسألني مستعلماً..

- هيثم.. هل سبق وان التقيت سركون بولص من قبل..؟

فأجبته بأسى وأسف..

- لا..

- هل قرأت له؟

- طبعاً، اغلب قصصه وبعضاً من قصائده.

فاجأني سؤاله.

- اريد ان تكتب عنه؟

اجبته على الفور..

- ان اكتب عن سركون، هذا شرف كبير، ولكني لست ناقداً.

فأجاب مصححاً..

- كتابة انطباعية.

- عن الشاعر او عن القاص؟

- عن سركون القاص..، لانني بصدد تأليف كتاب عنه باللغتين السريانية والعربية واستكتبت الكثير من الشعراء والقصاصين للكتابة عنه، اراءهم السريعة عن قصصه وقصائده..

قلت له مشجعاً..

- مشروع ذكي وجميل يا روبن.. اهنئك مقدماً..

فقال بتوكيد..

- صحفة واحدة لا اكثر..

- سأحاول

واقفلنا الخط، وجلست اردد الاسم.

- سركون بولص

وتذكرت قصصه التي لا تتعدى اصابع اليدين المبثوثة بين دفتي "الاداب والعاملون في النفط"، والتي اغلب ابطالها انسان مثقف عصامي انزوائي، يعلك الاماكن المغلقة، وتعلكه الزوايا والابواب الموصدة على انفاس شبقة وعتمة سادرة، الذي يتخذ اسم يوسف في بعض القصص، يوسف الضجر، السادي، الانطوائي، السادر في الوحدة، الذي يحاول ان يسلفن حياته الخاصة باسوار من الغموض والصمت الموقوت الذي يمكن ان يتفجر في اية لحظة ويحيل كل شيء الى خواء، والذي يحاول ان ينتزع الارقام التي توازي طرفي المعدلة المتشكلة من ذاته القلقة الحائرة، والعالم المبثوث حوله الزاخر بكل الحيوات الانسانية بكل تشابكاتها السالبة والموجبة منها، وما كان يتمحض من هذه الفعلة التي يمارسها يوسف مع ما حوله من تقوض في المعادلة وتتهاوى على اثر فعلته قصور وهمية من قناعة زائلة، تكون الغلبة فيه في النهاية الى الطرف الأول من المعادلة.

وحالما كنت أتممّ القصص هذه كان اليقين يحتويني ان يوسف هو القرين اللجوج الرابض في اعماق سركون، والذي حطم قمقمة وانطلق من صحراء العراق الغريبة ذات يوم وزوادته قلم وقرطاس وبعض الاوراق المدعوكة في جيب سترته. وبعض الامل في حياة توازن طرفي المعادلة في دياميس المدن المطمورة بالكآبة والاهمال فطار به القرين نحو بيروت ليتلفه يوسف الخال ويرسله الى واحة ظليلة اسمها (مجلة شعر) حين استبدلت جلدها القديم لتكتشف العراقي سركون بولص على حد قول الشاعر انس الحاج ومن ثم الى مجلة (مواقف) التي كان يديرها الشاعر ادونيس. ولكن بيروت على ما يبدو كانت فقط المحطة الأولى في رحلة المحطات الآتية: سان فرانسيسكو، اثينا، باريس، بودابست، برلين، امستردام،... الخ، وسركون ما ان يحط قدميه، كطير مهاجر، على شجرة ويتوائم مع نسغها الصاعد والنازل، حتى يحس بعدم جدوى ذلك، فيحط في شجرة اخرى، وهكذا دواليك، شجرة تسلمه الى شجرة، وغابة تسلمه الى غابة، وكل الغابات ما استطاعت ان تكون له وطناً، بل ان عينيه، وحتى اغماضتهما الاخيرة، كانتا تتطلعان بشوق نحو مرتع الصبا في الحبانية واليفاعة في كركوك، والرجولة المبكرة في بغداد، واخيلته تبرق بحكاية رحلة اجداده الذين عاضدوا الالم بحنكة وجَلَد الاجداد الصناديد، في رحلة الموت من شعف الجبال، وحتى بطون السهول، فكيف لطائر هذا جذره، ان يتخذ من وطنٍ غير وطنه ملاذاً له.

فامسكت القلم وكتبت هذه السطور التي نشرت بين دفتي الكتاب الذي اصدره الاديب روب بيت شموئيل عام 1998 بعنوان: [سركون بولص... حياته وادبه] وباللغتين السريانية والعربية.

وكانت سطوري: "المبدع المقل

قاص ستيني، مثابر، مجدد، مقل، ترك بصماته الواضحة في تطور وتقدم القصة العراقية القصيرة، لغته ثرة موحية، اسلوبه جزل رشيق، تركيبة جملته متماسكة انيقة، عوالمه غريبة متفردة، يجبر القارئ حين يفرغ من قراءة قصة من قصصه على افراغ احشاءه (قصة الملجأ) او ينتحب اسىً وشجناً دون دموع او نشيج مسموع (قصة: وغمرتني اليقظة كالماء). يتقن اكثر من لغتين، خزينه المعرفي ثر موسوعي، خاض غمار القصة كما ينبغي لفارس شجاع دون ان يترجل عن صهوة جواده، مخيلته عميقة في ثرائها، وشهيقه عميق في فتوته وديمومته، ونبض قلبه عميق قوي في تدفقه، ولكن انقطاعه عن النشر (والكتابة) جعل القصة العربية تفقد واحداً من كتّابها المجددين.

انه القاص المبدع سركون بولص."

• عودٌ على بدء..

جاءني الصوت كريح تتكسر على شعاف جبال قصية شاهقة..

- استاذ..

ارتدتني الرعدة وانا اعود الى نفسي، فالتفت وقلت..

- نعم.. نعم.. ماذا حدث..؟

من خلل نظرة متفرسة عميقة اجابني جليسي الايمن على الحاسوب..

- لأكثر من ساعة لم تتصفح من الحاسوب إلاّ هذه الصورة.

وأشار إلى صورة سركون المصفدة على الشاشة والمطوقة بشريط أسود أعلى الزاوية اليمنى من شعره.

 

هيثم بهنام بردى