المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

إسلاميو السلطة (37): مساومات الدكتور نديم الجابري

salim alhasaniنشر الدكتور نديم الجابري مقالاً على صفحته في الفيسبوك، ناقش فيه ما جاء في الحلقة (32) من سلسلة (إسلاميو السلطة).

المقال جاء دفاعاً عن موقفه وموقف حزب الفضيلة مما ذكرته في تلك الحلقة حيث كنت قد كتبت بأن حزب الفضيلة طرح اسم الدكتور الجابري كمرشح لرئاسة الوزراء من أجل الإبتزاز والحصول على أكبر قدر من المكاسب والمناصب الحكومية، لأنه يعرف ان حظوظ الجابري بترشيح الإئتلاف الوطني غير ممكنة.

وقد اعترض الدكتور الجابري في مقاله على ما ذكرته، مشيراً الى عدة نقاط سأدرج نصها ثم اناقشها، يقول:

(1 - أن ترشيحنا لمنصب رئاسة الوزراء لا صلة له بالابتزاز إطلاقا . إنما تم بعد حوار دار بيننا و بين جناب الشيخ اليعقوبي بعد ترشح كل من الجعفري و عادل عبد المهدي لرئاسة الوزراء . حيث سألني سماحة الشيخ كيف ترى الأمور اذا تولى أحدهم الرئاسة؟ اجبته: في كلا الحالتين البلد مقبل نحو حمامات من الدم . ثم سألني لماذا؟ اجبته: لأن أهل السنة لن يقبلوا بالاثنين بأحتساب أن الفتنة الطائفية اندلعت في عهد الجعفري ولأنهم يتحسسوا من الجهة التي ينتمي إليها السيد عادل عبد المهدي و ليس من شخصه. ولذلك ستزداد أعمال العنف والإرهاب في حال تولي أي منهما. و في أعقاب ذلك ..، قال سماحة الشيخ نحن نثق بتنبؤاتكم السياسية ونأخذها محمل الجد ولكن لماذا تتفرجون على الموقف؟ و لماذا لا تسعوا لمعالجته؟. ثم أضاف هل انتم قادرون على إدارة البلد و إنقاذه؟ قلنا له نعم وسننجح أن شاء الله خصوصا كوننا الشخصية الوحيدة التي تحظى بقبول أهل السنة وذلك كوني من أهل الداخل ولا تربطني علاقة مع الجانب الإيراني. وفي ضوء هذا الحوار طلب سماحة الشيخ منا الترشح لرئاسة الوزراء ونحن قبلنا التحدي رغم توقعنا للمخاطر والتسقيط السياسي كمحاولة لإنقاذ العراق ولكن انهيار الحزب تحت الضغط الإعلامي والتدخلات الخارجية وحملات التقسيط التي نفذها حلفاؤنا حالت دون نجاحنا . 2 - لذلك لم يكن ترشيحنا للرئاسة ذات صلة بالابتزاز بدليل عرضت علينا الكثير من المناصب للحزب ولنا شخصيا بما فيها منصب نائب رئيس الجمهورية أو نائب رئيس مجلس النواب مقابل التخلي عن الترشيح فقط وليس لتأييد أي من المرشحين إلا أننا رفضنا ذلك رفضا قاطعا لأنه لا يمكن إنقاذ البلد من خلال هذه المناصب 3 - و في أعقاب تراجعنا عن الترشيح للرئاسة تفاوضت شخصيا مع وفد حزبي مع كلا المرشحين لأن الحزب وسماحة الشيخ كانوا يميلون للسيد الجعفري وانا كرئيس للحزب كنت اميل إلى السيد عادل عبد المهدي. لم نتقلب في تحديد المرشح الذي نريده إنما اتفقنا على تأييد السيد عادل بعد أن اقنعتهم بجدوى هذا التأييد وحصل الاتفاق معه على شرط الشراكة في إدارة البلد وليس على أساس المغانم. عليه من الضروري تصحيح معلوماتكم . مع فائق الاحترام) انتهى كلام الدكتور الجابري.

 

أقول:

أولاً: إن مفهوم المحاصصة هو أساساً يستبطن معنى الإبتزاز، بل أن آليات المحاصصة في العملية السياسية العراقية هو الابتزاز بين الكتل، وهذا أمر لا أطيل الوقوف عنده لوضوحه عند العراقيين كافة.

ثانيا: أغفل الدكتور نديم الجابري ذكر اسم المرشح الرابع وهو الدكتور حسين الشهرستاني، وهذه مسألة مهمة في سياق الأحداث التي نتحدث عنها، لأن الجولات الأولى من المفاوضات انتهت الى استبعاد الجابري والشهرستاني من المنافسة، وحصرها بين السيدين إبراهيم الجعفري وعادل عبد المهدي.

ثالثاً: لم يذكر الدكتور نديم الجابري ما حدث في آخر اجتماع تفاوضي قبل اجتماع الائتلاف الوطني للتصويت على المرشح، وهي النقطة الأهم في سياق الاحداث، فبعد انتهاء الاتفاق مع حزب الفضيلة على التصويت لصالح الدكتور الجعفري، تراجع حزب الفضيلة عن موقفه، ففي ساعة متأخرة من الليل كانت قد تجاوزت الثانية صباحاً، ولم يبق على التصويت سوى عدة ساعات، اتصل احد الشيوخ من قيادات حزب الفضيلة بسكرتير الجعفري الخاص السيد اياد بنيان، وقال له: أن السيد عبد العزيز الحكيم قد عرض علينا أن نحصل على منصب نائب رئيس الجمهورية ومنصب نائب رئيس البرلمان إضافة الى وزارتين، فاذا يوافق الجعفري على هذا المطلب، فسنصوت له.

فأجابه السيد اياد بنيان بعبارة قاطعة: إنني لا استطيع ان أخبر السيد الجعفري بذلك في هذا الوقت المتأخر، لأني أعلم بأنه لن يساوم في هذه المسألة، وعليكم أن تتعاملوا على ان هذا قرار الجعفري النهائي.

وفي الصباح اخبر بنيان الجعفري بما جرى، فأستحسن موقفه بأنه فعل الصواب في جوابه لحزب الفضيلة.

بل ان حزب الفضيلة وقبيل بدء عملية التصويت عرضوا على الجعفري مطلبهم بالحصول على ما عرضه عليهم الحكيم، لكنه رفض ذلك، وهذا موقف يُسجل له.

ما أرجوه من الدكتور نديم الجابري أن يستعين بالشهود وهم أحياء ولله الحمد، لتذكر تفاصيل تلك الأيام.

خامساً: أن مقدمات الحرب الطائفية التي تحدث عنها الجابري، لم تكن قد ظهرت بعد في تلك الفترة، إنما حدثت أول بداية لها بعد تفجير مرقدي الامامين العسكريين في سامراء عليهما السلام في الثاني والعشرين شباط 2006، وقد تم استيعاب الحادث بسرعة من قبل المرجعية العليا، وهدأت الأمور في أيام قليلة، وكانت عبارة السيد السيستاني المشهورة (السنة أنفسنا) التي تحولت الى شعار وطني غطى المساحة العراقية. وعلى هذا فأن ما ذكره الدكتور الجابري حول رؤيته وطلب الشيخ اليعقوبي للترشح وإنقاذ البلاد من الفتنة الطائفية، يتعارض مع التسلسل الزمني للاحداث، فتفجير مرقد العسكريين عليهما السلام حدث بعد قرار الإئتلاف الوطني بحصر التنافس بين السيدين الجعفري وعبد المهدي، وبعد استبعاد الجابري من المنافسة.

سادساً: الانهيار الذي يتحدث عنه الدكتور الجابري في حزب الفضيلة وتعرضه للتسقيط، لم يكن في الحقيقة كذلك، إنما كان نتيجة انتشار نسخة من صحيفة القادسية التي كان يصدرها النظام السابق، العدد 2405 الصادر بتاريخ 12 كانون الثاني 1988 وفيها مقال مطول للدكتور نديم عيسى الجابري بعنوان (مبدأية الموقف العراقي وإقتداره) وفيه يمجد بالدكتاتور المقبور ويهاجم بشدة المعارضة الإسلامية والكردية والجمهورية الإسلامية في ايران، أي ضمن المنهج المألوف في صحافة النظام البعثي في تلك الفترة.

وقد انتشرت نسخ تلك الجريدة في الأيام الأولى من شباط 2006 في مدينة الصدر ومناطق أخرى من بغداد، مما وضع الشيخ اليعقوبي أمام حرج شديد، بان رئيس حزبه، كان من كتاب النظام والمؤلهين لصدام.

هذا ما أردته توضيحه للقارئ الكريم، في مقابل ما كتبه الدكتور نديم الجابري، وفي التوضيح إضافات تفصيلية عما ذكرته في الحلقة موضع النقاش.

والسلسلة مستمرة بعون الله

 

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

الموظف النزيه .. حكايا من أيام زمان!!

karim alasadiعاد أخي الأكبر جادر من أقامة عمل بدت لنا طويلة طويلة في العاصمة بغداد ليستقر معنا في البيت في مدينتنا الصغيرة بعد ان حصل على وظيفة في بلدية المدينة في ناحية الفهود...

بعد فترة من عمله هذا أصبح رئيساً لدائرة الكهرباء التي انفصلتْ عن البلدية فيما بعد وأصبحت دائرة مستقلة لها مبنى مستقل لايبعد كثيراً عن بيتنا في حي المحمدي الواقع على ضفة النهر والذي يسميه العامَّة من أهالي المدينة ـ حي الأحمدي ـ.

منطقتنا زراعية في الأساس حيث يعتمد الناس على الزراعة ومنتجات المواشي والدواجن وصيد الأسماك والطيور .

بعض الفلاحين في قرى المدينة كانوا بحاجة الى مضخات كهربائية تُنصب على ضفة النهر أو الجدول القريب من بساتينهم لأيصال مياه النهر دون عناء كبير الى أشجار النخيل والنباتات والمزروعات.

كان لدينا الكثير من معارفنا من الفلاحين أصحاب البساتين والحقول، وبعضهم من أتى الى بيتنا في زيارة صديق ليطلب من أخي تزويد حقله بالكهرباء ليتمكن من نصب مضخة ري.

لم يُقصر أخي في عمله ولم يرغب ان يرد طلب أحد ولكن طاقة المكائن الكهربائية في المدينة كانت محدودة بالفعل ولا تكاد تكفي للمشتركين داخل مركز الناحية، بل ان التيار الكهربائي ينقطع بعض الأحيان بسبب زيادة الحمولة أو كلل المكائن عن العمل المستمر مما يستدعي حضور مهندس مختص للصيانة أو لأصلاح العطب .

أتذكر الى الآن المهندس المصري رجائي الذي كان يأتي مع أخي بعد العمل الى البيت لتناول الغداء معنا في غرفة الضيوف، حيث لايسمح له أخي بالذهاب الى مطاعم المدينة طالما كان ضيفاً على مدينتنا وقد أتى لأصلاح مكائن كهرباء الناحية!

والى الآن أتذكر أيضاً تلك اللحظة اننا بعد ان فرغنا من تناولنا الغداء المتنوع والوافر في بيتنا وقد وضع المهندس رجائي نظارته الشمسية قربه خطر على بالي ان أمسك النظارة وأرى نوعيتها وفي أي بلد صُنعت بعد ان استأذنتُ من المهندس رجائي، فطلب مني ان أضعها على وجهي وحين فعلتُ هذا قال لي:خلاص هذه النظارة تليق بك لقد صارت لك فأقبلها هدية مني!

ولم ينفع رفضي وأصراري على أرجاع نظارته له فقد أصر أخونا المهندس المصري القبطي ان يمنح نظارته الفرنسية الفاخرة هدية لأخيه وأخ زميله العراقي ربما امتناناً وشعوراً بالعرفان عن الكرم الذي يستقبله في بيتنا دون انتظارنا لمردود مادي.

في يوم من الأيام بعيد في حساب الزمن قريب في زمن الذاكرة أتت زوجة خالي الحاج حنين الى بيتنا لزيارتنا من قريتهم التي تبعد عن بيتنا حوالي ثلاثة أو أربعة كيلومترات.

خالي الحاج حنين لم يكن شقيق أمي أو أخاها المباشر وأنما قريبها الّا اننا اعتدنا ان نسميه خالي وكان نعم الخال : كريماً، شهماً، طيّباً، مضيّافاً يقع مضيفه مباشرة قرب بيته، وحنوناً وقد سبكه أسمُهُ حيث كلمة حنين في اللهجة العامية العراقية صفة أو نعت وتعني حنون !

لخالي الحاج حنين وعلى مسافة قصيرة من بيته بستان كبير فيه أنواع متعددة من النخيل ومنها النادر والنبيل، وأنواع نخيل التمر في العراق كثيرة تربو على اربعمئة نوع!

وعائلتهم في الأساس عائلة فلّاحين، وقد اعتادوا ان يجلبوا لنا معهم شيئاً من هدايا القرى والحقول .

أقول أتت خالتي زوجة خالي حنين في ذاك اليوم لزيارتنا في البيت وكانت تحمل سلة مصنوعة من خوص سعف النخيل وفيها دجاجتان صغيرتان كهدية لنا من الريف.

كان هذا ديدنهم دائماً معنا حين نتزاور، وفي موسم الرطب تكون هداياهم سلالاً من الرطب رغم اننا نمتلك بستان نخيل ورثناه عن جدي وجدتي في قرية الحمّادية القريبة من قرية بيت خالي!!

أتى أخي من العمل فوجد خالتي في البيت فسلّم عليها ورحَّب بها ثم دخل الى غرفته.

كان يعلم ان خالي بحاجة الى مضخة تعمل بالكهرباء لبستانه.

كانت غرفة أخي من امكنتي الأثيرة في البيت حيث جلب معه من بغداد مجموعة كبيرة ورائعة من الكتب والمجلات شكّلت الى جنب مكتبة مدرستنا أول خطوات مسيري في عالم القراءة والأطلاع على الأدب العربي والآداب الأجنبية.

كنتُ في غرفته حين نادى أمي لتحضر بعض الوقت الى غرفته، وكان قد لمح وجود الدجاجتين في السلة التي جلبتها خالتي معها !

خاطب أخي أمي قائلاً:

أنا أعرف ان خالي بحاجة الى الكهرباء، لكنه واسوة بالفلاحين الأخرين سيحصل على الكهرباء حينما سيكون الأمر ممكناً للجميع .أنا لا أستطيع ان استثنيه من الناس الذين يحتاجون الى الكهرباء وأعطيه الكهرباء وحده. أرجوع ارجاع الدجاج الذي جلبته خالتي، فأنا موظف نزيه.

سمعتُ هذا الكلام من أخي ورأيتُ ارباك أمي الذي بدا واضحاً على ملامح وجهها وهي تتعرض للأحراج، فقالت له :

وليدي هذا من بيت خالك هدية لنا وليس من أجل الكهرباء ...هم يهدون دائماً لنا من بستانهم وبيتهم الرطب أو الطيور أو البيض، من الصعب علي أرجاع زوجة خالك مع هديتها، لا استطيع القيام بهذا، استحي منهم ومن خالك!!

أما انا فقد كنتُ محرجاً بسبب الجميع : لتقديري وفهمي لموقف أخي، لتفهمي وتعاطفي مع موقف أُمي، ولخجلي من الموقف الذي ربما ستتعرض له خالتي!

أخيراً وجدت أمي حلاً للتخلص من الهدية دون أحراج أو أيذاء أي أحد حيث قامت بأرسال الدجاجتين الى بيت أختي القريب والواقع في نفس الحي!

بقي أخي على هذه النزاهة حتى بعد ان أصبح في فترة ما محاسباً لبلدية قضاء الجبايش تقع تحت تصرفه ميزانية قضاء كامل.

وفي فترة رئاسته لدائرة كهرباء الفهود كان بأمكانه ان يجني آلاف الدنانير من طالبي الكهرباء لو أراد ان تُقدم له على شكل هبة أو أكرامية ، دون ان يتعرض لمساءلة قانونية . ولكنه كان متأثراً بشتى الأقوال والمواقف والسير التي تحث على النزاهة والأمانة والصدق ويقظة الضمير ومنها قول حكيم وزعيم الهند الكبير غاندي، ذلك القول الذي خطَّه أخي بخطه الجميل على جدار غرفته المطلي بالأزرق السماوي، ذلك القول الذي يقول:

هناك محكمةٌ عليا أعلى من محاكم العدالة هي محكمة الضمير.

وأنا أكتب هذه القصة الواقعية أدرك البعد الخيالي فيها الذي يضفيه عنصر الزمن أو عنصر المفارقة بيد انني اعتمدتُ فقط الأسلوب الأدبي لرواية أحداث حقيقية في حقل أدبي أثير عندي هو أدب المذكرات ألذي يروي عن أيام زمان!!

 

كريم الأسدي

كتبتُ هذا النص في 24.09.2015 في برلين

إسلاميو السلطة (36): ملامح عامة عن حقبة المالكي

salim alhasaniحقبة من ثمان سنوات ارتبطت باسم السيد نوري المالكي، كان فيها صانع الحدث العراقي بلا منازع. شغل فيها الأجواء السياسية داخلياً وإقليمياً، خاض عشرات المعارك السياسية والعسكرية، وكانت معظمها حادة ملتهبة، تقترب نارها من ثيابه، حتى ليظن خصومه أنها الحارقة، لكنه ينجو في كل مرة، يخرج سالماً معافى، وفي بعضها أقوى من السابق، فيما ينزوي خصومه وما أكثرهم، منهكين من ضراوة المواجهة.

تتقبل شخصية المالكي نمطين متناقضين من سلوك الرجال، فقد كان بمقدوره أن يصبح زعيم العراق المنشود، أو ان يكون الحاكم المتسلط الذي يدور حول نفسه. وتلك صفة نادرة لا تتوفر بسهولة في الحكام، لكنها في نفس الوقت صفة قاتلة إذا لم يعرف أيهما يختار في أوقات التصدي. وقد أصاب وأخطأ في استخدام تلك الصفة.

كان المالكي هو الرجل الذي يحتاجه العراق المنهار، لينتشله من التدهور الأمني والسقوط في الحرب الأهلية، ويضعه على بداية الطريق نحو البناء والاستقرار والأمن. وقد بذل جهوداً مضنية من أجل السيطرة على التدهور الأمني، فاعتمد في بغداد خطة فرض القانون، وقاد بنفسه عملية صولة الفرسان في البصرة حتى كاد ان يفقد حياته فيها، وكانت النتيجة باهرة خلال فترة قصيرة، حيث شعر المواطن العراقي بتحسن ملحوظ في مجال الأمن، وتراجعت احتمالات الحرب الأهلية الى أدنى مستوياتها، بل إختفى الحديث عنها مع ضبطه للأوضاع الأمنية.

اكتسب السيد المالكي شعبية عريضة أزاحت شعبية سلفه السيد إبراهيم الجعفري، وصارت المقارنة بين الرجلين تسجل فارقاً كبيراً، فقد نظر المواطن العراقي الى المالكي على أنه رجل دولة يمتلك القوة والحزم والصرامة في مواقفه.

وفيما كان يبذل جهوده في المجال الأمني، فان المالكي أولى إهتمامه لحزب الدعوة وعقد عام 2007 مؤتمره الأول في عراق ما بعد السقوط، وفيه تم انتخابه أمينا عاماً للحزب. ووقتها وجد الدعاة أنه أعاد للدعوة قوتها بعد أن تداعت في فترة الجعفري.

وانتزع المالكي إحترام الولايات المتحدة عندما طالبها الإنسحاب من العراق، وثبت بوجه ضغوطات السفير الأميركي وقائد القوات الأميركية، بل نجح في حمل الرئيس جورج بوش على استبدالهما. وفي نفس الوقت كان يتعامل مع قادة الكتل السياسية بمواقف ثابتة ولم يستجب لمشاغبات جبهة التوافق، وعندما سحبت الأخيرة وزرائها من حكومته لإبتزازه، صمد أمام أول أزمة سياسية أوشكت ان تطيح بحكومته، وأدار الأزمة بقوة، فاضعف جبهة التوافق وهددها باستبدال وزرائها بغيرهم إن لم يعودوا الى مجلس الوزراء، وكان له ما أراد.

 

في تلك الفترة بدأت الأمور تتكشف، فبحسب ما قاله رئيس الأورغواي الرجل الذي بقي فقيراً بعد توليه الرئاسة: (السلطة لا تغير الأشخاص، إنما تكشفهم على حقيقتهم). وقد كان العامل وراء تكشفها، أن المالكي أعار سمعه للفئة المدمرة.. أشخاص يتكررون في كل زمان، يزينون للحاكم سوء عمله، تنزلق ضمائرهم تحت قدميه طوعاً، إن ارتفعت كراماتهم فلا تبلغ حذاء الحاكم. وهنا كانت المشكلة التي إشترك في صناعتها السيد نوري المالكي مع هؤلاء.

ولكي لا يطغى التوصيف على التشخيص، لا بد من إستثناء نماذج قليلة لا يزيدون على الإثنين أو الثلاثة من مقربي المالكي، كانوا يصبرون من أجل منع التداعيات الأخطر والأكبر، ابتعد بعضهم عندما شعر بأن العلاج لم يعد ممكناً، وامتنع بعضهم عن تولي المناصب في الإدارات الحكومية والبرلمان، وقد أكتب عن ذلك في مجال آخر بالاسماء إن بقيت للعمر بقية.

ولأنه أعارهم سمعه، فقد تكاثر حول المالكي المزيد من مقتنصي الفرص، يغرقونه بالتزلف وينعم عليهم بالمكاسب، فبدأ مسار الإنحدار في إدارة الدولة، وصارت منجزاته الأمنية تتهاوى فيما يتصاعد الفساد وينتشر، وصار عنده الاهتمام بحزب الدعوة هامشياً أو نسياً منسياً.

كان المالكي على بعد خطوات قليلة من الزعامة الوطنية، لكن تلك الفئة شجعته على خلع ثوب الداعية الذي يعمل من أجل الناس، ويلبس رداء الرجل الآخر.. الحاكم المتفرد، المحاط بالأسرة والعشيرة والوجوه المتزلفة. فأضاع الزعامة وفرّط بالمخلصين. والأهم من كل ذلك أن المواطن العراقي لحقته خسارات فادحة، خسارات طالت الروح والأرض والأمل.

من زاوية أخرى مؤلمة تجرح القلب، خسرنا نحن المالكي أيضاً.. خسرنا مواصفاته القيادية، كشخصية كان بإمكانه أن يقود العراق الى الخير، وأن يتصدى لحكومات الجوار التي تكيد بالعراق فيوقفها عند حدها، بل ويجبرها على الإنكفاء داخل حدودها.. خسرنا نشاطه ومثابرته وجديته في العمل وهي صفة لا يمكن إنكارها، وقد عرف بها طوال زمن المعارضة، وبها كان يمكن أن يبني عراقاً ينعم به الجميع.. وخسرنا نبرته القوية التي يواجه بها الآخرين وجهاً لوجه فيعديهم الى حجومهم الحقيقية.. خسرنا فيه هذا وغيره من مواصفاته الشخصية، والسبب أذنه التي تسمع لكلام وتصم عن كلام، والسبب ايضاً فئة السوء التي احاطت به فانفتحت لها خزائن العراق، لكنها فتحت عليه لسان التاريخ.

لقد خاض المالكي أشرس المعارك مع خصومه، وحقق النصر تلو النصر، لكنه خسر نتائجها مرة واحدة، عندما أهمل المعركة الأهم، مع نفسه، فكان ضعيفاً أمام نجله احمد، يتلاعب به من يد ليد، ويضعه أمام الإحراجات الكبيرة ثم يدعه لوحده يعالجها بالمكابرة والتعتيم والاستعانة بمقربيه المتزلفين.

كان المالكي هذا الرجل القوي، ضعيفاً أمام أصهاره يحركون يده ليوقع على هذا العقد وذاك، ويُصدر أمر تعيين هذا المسؤول وذاك، ويقتطع لهم الأراضي والعقارات والأملاك.

كان المالكي هذا الرجل النظيف بتاريخه، متسامحاً لدرجة الخلل الفادح، عندما يمنح العقود الكبيرة لمقربيه ولرجال اعمال مشبوهين، ليؤسسوا ممالكهم المالية الخاصة داخل العراق وخارجه.

كان المالكي القوي، منهاراً امام محاولات الفساد التي يقوم بها مقربوه وأقرباؤه وابنه واصهاره والمتزلفون وضعفاء النفوس المحيطين به.

في ولايته الأولى تفجرت فضيحة وزير التجارة الدكتور عبد الفلاح السوداني، فكان بعض مقربيه يتولون مهمة الدفاع بدل أن يتخذوا الموقف المطلوب في المطالبة بمحاسبته.

يتذكر أو لا يتذكر الكثير من القراء الكرام، كيف أن الدكتور حيدر العبادي رئيس الوزراء الحالي، خرج على وسائل الإعلام وقتها وكانت فضائح السوداني قد صارت حديث البرلمان والشارع، خرج العبادي ليقول: (إن الدكتور عبد الفلاح السوداني هو أنزه وزير في الحكومة).

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

.............................

ملاحظة

تفضل أحد الأخوة الأعزاء بتقديم خدمة لكم ولي، وذلك من خلال تخصيص رقم لإرسال مقالاتي اليكم عبر الواتساب، وقد بدأت هذه الخدمة بالعمل، فمن يرغب من الأخوة الكرام تلقي مقالاتي القادمة (اسلاميو السلطة) وكذلك مقالات أخرى اكتبها حول الوضع السياسي في العراق، حفظ هذا الرقم (447990066520+) في قائمته في الواتسآب وتوجيه رسالة عبر الواتساب يكتب فيها اسمه او الاسم الذي يختاره فقط، مع الإشارة الى ان هذا الرقم ليس رقمي الشخصي.

 

المفكرعبد الخالق محجوب القائد الشيوعي السوداني

abduljabar noriتوطئة: صحيح أننا سلكنا هذا الطريق الوعربواسطة هدى النظرية الماركسية وكانت الحافز لوثبة شعبنا ومطالبته للحرية والديمقراطية فهي ثمار "النظرية الشيوعية".. مقتطف من دفاعه أمام محكمة النميري العسكرية 1971

العرض: المفكرعبد الخاق محجوب 1927 – 1971 قيادي بارز في الحركة الشيوعية العربية والسودانية، وعقلية الحزب، فهو السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني 1949 – 1971، والنائب البرلماني عن دائرة "أم درمان " ترك ماثرة فكرية وسياسية وقيادية وحداثوية في صياغة الفكر الشيوعي بقياسات الزمكانية السودانية، في 1947 ساهم في بناء المنظمات والنقابات العمالية الحرّة التي بدأت تدافع عن حقوق الشعب السوداني المحروم، وأثرى المكتبة الشيوعية بمؤلفاته القيّمة وبحوثه الماركسية في عام 1953 تمكن من ترجمة وطبع أول كتاب شيوعي في مطبعة قانونية ونشرها في السوق هو كتاب (في علم اللغات) لمؤلفه " جوزيف ستالين " وفحواه دعوة في الثقافة الثورية ضد الأستعمار وخصوصا الأستعمارالبريطاني الجاثم على الشعب السوداني المعدم، وحاول جاهداً في 1954 تغيير جميع القوانين البريطانية المتعسفة بطريفة ديمقراطة سلمية، وكان له دور كبير في أشعال الشارع في أم درمان – منطقته الأنتخابية – وصارت الشرارة الأولى في توعية الشعب السوداني في أنتزاع حقوقه، وطرد المستعمر بحيث قاد هذا القائد الشيوعي الفذ الحزب وسط الجو السوداني الملبد بأفتك المطبات السياسية وأعداء اليسار الماركسي التقدمي وأعداء السودان المتمثل بالرتل الخامس الداخلي وأعداء الخارج الشمالي والجنوبي: 1- التيارات الطفيلية داخل الحزب . 2- تمرد الجنوب التي فتحت أبواب التدخل الأجنبي بشكل سافر وخاصة بريطانيا والدول الأقليمية المجاورة وإلى أشبه بحربٍ أهلية بين الشمال والجنوب . 3- وكانت قيادته للحزب في أوج قمة السونامي الناصري بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، وظهور التيار الوحدوي القومي في الوحدة الأندماجية التي تتقاطع مع الآيديولوجية الماركسية التقدمية، وللتذكير أن الفكر الناصري الوحدوي (الأندماجي – القسري) بقيادة جمال عبد الناصر هو الذي أسقط ثورة 14 تموز 1958 المجيدة في العراق وأغتيال زعيمها الشهيد وقائد الثورة " عبد الكريم قاسم ". 4- العسكرتارية والأنقلابات المتكررة، فقد شهدت السودان (13) أنقلابا عسكريا منذ الأستقلال عام 1956 فله سجل حافل بالأنقلابات العسكرية، ومن أكثر هذه الأنقلابات دموية وبشاعة هو أنقلاب 25 مايو 1969 بقيادة العميد (جعفر نميري )الذي سحق بدباباته المئات من مناوئيه ومعارضيه، وخاصة قواعد الحزب الشيوعي السوداني وقياداته وكوادره المتقدمة وأعدم سكرتير الحزب عبد الخالق محجوب شنقاً أثرأنقلاب 19 يوليو971 الذي قام به الجناح العسكري للحزب الشيوعي السوداني بقيادة المقدم "هاشم العطا" ولم يكن برضا " عبد الخالق محجوب لعدم توفر الضروف الموضوعية لهكذا حدث مصيري والسودان محاطة بأعداء مؤدلجين في الداخل من القوميين العرب والأسلامويين، ومؤمرات المخابرات البريطانية في دعم أية حركة رجعية يحفظ لها أمتيازاتها ودعم التمرد في الجنوب السوداني، أبدى توقعه بأنّ عمر ثورة "هاشم عطا" ليس أكثر من ثلاثة أيام، نجح الثوار في البداية وأعتقلوا النميري لمدة ثلاثة أيام كما توقع حدس القائد الفذ " عبد الخالق محجوب "حينها لاحق جهاز الأمن النميري والمخابرات البريطانية وجهاز الأمن الساداتي قيادة ورأس الحزب الشيوعي السوداني " عبد الخالق محجوب "وألقي القبض عليه في أم درمان / سبتمبر 1971 ونفذ النميري حكم الأعدام بالجميع، أولهم زعيم الحزب " عبد الخالق محجوب شنقا والضباط الشيوعيين رميا بالرصاص، ولم يكتفي بهذا الأجرام بل جعل من الخرطوم أنهاراً من دماء كوادر وأعضاء الحزب ومؤيديه، وبشكلٍ هستيري فتح أبواب السجون والمعتقلات للشعب السوداني المقهور.

{وسط هذا الصراع والمماحكات الفئوية والطبقية، والتيارات الطفيلية داخل الحزب، والتيارات الدينية المتزمتة والناصرية التي غزت عقول الشرق الأوسط برمته، تمكن هذا القائد المحنك والمناضل الشيوعي الدؤوب وخلال 22 سنة من قيادته للحزب الشيوعي السوداني أنْ يجعل منه أوسع وأقوى حزب شيوعي عربي في المنطقة العربية كماً ونوعاً}.

معتقده السياسي: *له رأي ثوري في المقولة {ينام فيها الحاكم وفي شعبه جائع وبين رعيته فقير ومحتاج} يقول: أنّها مفاهيم مثالية طوباوية ليس لها وجود على الخارطة الحياتية، من البلاهة أنْ يؤمن بها الأنسان لكونها معتقد السفيه والمهزوم، الثوريون يدخلون معركة الجذور طالبين رأس التنين هؤولاء يخلدهم التأريخ، فتلك المفاهيم البالية لا تغيّر فيها الدكتاتوريات التي مسكت بتلابيب التأريخ في غفلة من الزمن كنبوخذ نصو وهتلر وموسوليني والحجاج وصدام فهم يستهزؤون بأفكار مونتسكيو وروسو * كان ذو حضور مؤثر في المحافل الشيوعية العالمية . * حاول أيجاد صيغة سودانية للماركسية بدلا من التطبيق الحرفي للتجربة السوفيتية والصينية . * عارض أنقلاب " نميري " 25 مايو 1969 لتعارضه مع مبادىء الديمقراطية والحرية ودفع حياته ثمنا لهذا الأنقلاب التعسفي معتليا خشبة المشنقة وهو يهتف بحياة الحزب والشعب السوداني . * كانت رسالته الأساسية نشر الوعي بين الجماهير تطبيقاً لمقولة ماركس:{ليس المهم تواجد الفقر والعوز بل توفر الوعي للخلاص عبر التغيير}، أثناء محاكمته الصورية أمام المحكمة العسكرية النميرية، سألهُ القاضي ماذا قدمت لشعبك ؟ أجابه عبد الخالق وبهدوء شديد (الوعي بقدر ما أستطعت) . * محاربة (العسكرتارية) وشجب الأنقلابات والوقوف ضدها وحتى أنّهُ عارض ثورة الضباط الشيوعيين في 19يوليو 1971 بقيادة هاشم العطا – التي نجحت وألقوا القبض على جعفر نميري وأودعوه السجن لثلاثة أيام وفشلت بسبب الموقف الخسيس من العقيد معمر القذافي الذي أجبر الطائرة البريطانية المتجهة إلى الخرطوم للألتحق بالثوار والتي على متنها خمسة ضباط من الخط العسكري للحزب والمشاركين في الأنقلاب - على الهبوط في بنغازي الليبية وسلمهم إلى النميري الذي أعدمهم فوراً وكذلك تدخل السادات بقصف الثوار ومعسكراتهم في الشمال والوسط بالطائرات وكان دور المفضوح للمخابرات البريطانية في أعادة النميري والقضاء على الحزب الشيوعي السوداني الذي تنامى بقوة على الساحة الداخلية والخارجية – .

ولعنة التأريخ لحقت بالخونة حيث قُطّع القذافي على يد ثوار الربيع العربي، وأغتيل السادات على يد الأخوان، وأصيب النميري بالسرطان وخرج للعلاج، وأشعلت الخرطوم أنتفاضة شعبية منعوه من الدخول فلجأ إلى القاهرة مهزوماً كسيراً مخذولاً وذليلاً--- اللهم لا شماته !!!.

المجد كل المجد للقائد والسكرتير والمفكر وعقلية الحزب الشيوعي السوداني الأستاذ " عبد الخالق محجوب "

 

عبد الجبار نوري - السويد

........................

هوامش البحث

كتاب الديمقراطية في الميزان –محمد أحمد المحجوب، كتاب دفاع أمام المحكمة العسكرية – عبد الخالق محجوب، كتاب عنف البادية – د- حسن الجزولي، جريدة الرأي العام

إسلاميو السلطة (35): خيارات الجعفري السيئة

salim alhasaniفي الثاني من نيسان 2006 وصلت الى بغداد وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس بصحبة وزير الخارجية البريطاني جاك سترو في زيارة مفاجئة. كان الهدف من الزيارة إنهاء أزمة تشكيل الحكومة بالضغط على السيد إبراهيم الجعفري لسحب ترشحه عن الإئتلاف الوطني لرئاسة الوزراء.

في الاجتماع مع الجعفري، تحدثت رايس عن الصعوبات التي سيواجهها امام البرلمان في حال تمسك بتشكيل الحكومة، لأنه لن يحصل على الأصوات المطلوبة.

حاول الجعفري أن يُهوّن من المشكلة البرلمانية، فقال ان الدستور ينص على ان الكتلة الأكبر هي التي تقدم مرشحها لتشكيل الحكومة، وأنه فاز عن الائتلاف الوطني بهذا الترشيح. فعادت رايس لتؤكد أنه يواجه معارضة الكتل السياسية، وانه ليس بمقدوره ان يشكل الحكومة.

جرّب الجعفري محاولة أخرى، فوجه كلامه الى الوزير البريطاني بسؤال مباشر:

ـ ماذا ستفعل لو كنت مكاني وقد فزت بانتخابات الكتلة الأكبر؟.

أجابه جاك سترو:

ـ ببساطة كنت سأنسحب.

قضى السيد الجعفري نهاراً سيئاً، فلقد سمع طلب الانسحاب مباشرة من رئيسي الدبلوماسيتين الأميركية والبريطانية، مما يعني أنه خسر الموقف الغربي والعربي كله، وبذلك سيشعر خصومه بقوة كبرى مما يجعلهم يتمسكون بمعارضته.

بذل جهداً آخر، حاول أن يجري تعديلاً على قناعات كونداليزا رايس، فزارها مساء ذلك اليوم في السفارة الأميركية، وطلب منها أن تصارحه بالموقف الأميركي بشأن توليه رئاسة الحكومة، فأجابته بأن مشكلته هي مع الكتل السياسية، واذا استطاع ان يُقنعهم فان الإدارة الأميركية لا تمانع.

لم يكن سؤال الجعفري ذكياً على الاطلاق، ولذلك لم تجد وزيرة الخارجية الأميركية صعوبة في الإجابة عليه، ولعلها قد أدركت في تلك اللحظة أن الرجل لا يصلح للحكم، لأنه لا يعرف أن كبار المسؤولين الأميركان لا يجيبون على مثل هذه الأسئلة بالنفي والايجاب، إنما يصنعون جو القبول والرفض، والسياسي البارع هو الذي يستطيع أن يتحكم باتجاه الرياح وسرعتها، فيغير القناعات من هذا الاتجاه لعكسه، وإذا ما عجز عن ذلك، فيتخذ القرار لوحده من دون حاجة الى سؤال.

بعد عودة رايس الى واشنطن، وصل خبر خاص الى مكتب الجعفري مفاده أن الرئيس الأمريكي بوش قد حدد مهلة نهائية لحسم الأزمة، فليس أمام الأطراف العراقية سوى (48) ساعة فقط، فإذا لم يتنح الجعفري، فلا بد أن توافق الأطراف المعارضة، وتقبل به رئيساً للوزراء، إنها مدة محددة غير قابلة للتمديد.

إنتهى اليوم الأول، رغم الاتصالات والاجتماعات المتواصلة، دون تحول في المواقف.

في مساء اليوم الثاني إجتمعت قيادة حزب الدعوة بالجعفري، وأبدت له أن الأزمة غير قابلة للحل، ولا سبيل أمامه سوى الإنسحاب. كان المتحدث الرئيسي معه هو الشيخ عبد الحليم الزهيري، فقد بسط الحديث بالتفصيل عن انغلاق كافة الأبواب بوجهه، فالمرجعية لا تدعمه، والكتل السياسية من أكراد وسنة وشيعة تعارضه باستثناء التيار الصدري، وكذلك لم يعد يحظى بدعم إيران والولايات المتحدة، وعليه فان إمكانية حصوله على رئاسة الوزراء أصبحت بحكم المستحيل.

كان كلام الشيخ الزهيري ثقيلاً على قلب وسمع الجعفري، فحاول أن يجد فراغاً يستطيع من خلاله أن يسير بضع خطوات، عسى أن يكون فيها أمل البقاء. وجه سؤاله قائلاً:

ـ هل هذا رأيك أم رأيكم انتم في قيادة الدعوة؟.

أجابه الزهيري:

ـ أنا أتحدث نيابة عن القيادة بعد ان توصلنا الى هذه النتيجة.

لم يعط الجعفري رأيه النهائي، فقد كانت تنتظره على بعد مسافة قصيرة في حديقة قصره، مجموعة أخرى ليجتمع بها بشأن إتخاذ القرار النهائي.

افترقوا بوداع بارد بينه وبين وفد القيادة، وقد بدا الامتعاض على وجه السيد الجعفري واضحاً.

كانت قيادة حزب الدعوة قد حصلت قبل الاجتماع، على جواب السفير الأميركي بشأن ترشيح السيد علي الأديب بديلاً للجعفري، مع توضيح بأنه يحمل الجنسية العراقية وشهادة الجنسية لكنه من جذور إيرانية. جاء الجواب بأن الإدارة الأميركية ليس لديها اعتراض، حتى لو لم يكن يمتلك شهادة الجنسية، يكفي انه مولود في العراق ويحمل جنسيته. وكان ذلك يعني أن الأديب صار على بعد خطوة قصيرة من رئاسة الوزراء.

كتب الجعفري رسالته الى اجتماع الائتلاف الوطني الذي كان مقررا صباح اليوم التالي، وفيها أرجع مسألة ترشحه لرئاسة الوزراء الى الإئتلاف ليرى رأيه، وقد كلف السيد المالكي بقراءتها. وقد اتخذ الإجراءات اللازمة ليكون المالكي هو بديله وليس الأديب.

في صباح اليوم التالي فوجئت قيادة الدعوة بهذا القرار المفاجئ، لكن الأمر قد تم حسمه.

خضع اختيار الجعفري لحسابات خاصة به، فقد كان على علاقة متحسسة مع الاديب على طول تاريخهما في المهجر، وينظر اليه على انه المنافس الأقوى في زعامة الحزب من الناحية العملية، بينما نظر الى المالكي على أنه سيكون خاضعاً لرأيه، وسيتمكن من التحكم به والسيطرة على قراراته. كما ان المالكي لا يجيد الدبلوماسية والمواقف المرنة، وعليه فانه لن يتمكن من إدارة العملية السياسية وسيضطر الى التنحي بعد عدة أشهر، فيعود هو ثانية الى رئاسة الوزراء. هكذا حسبها الجعفري، حسبة خاطئة من أول سطر لآخر الصفحة، كما أثبتت الأيام ذلك.

في تلك الليلة التي قرر فيها التنحي، جلسنا معه في حديقة قصره، سكرتيره الخاص ومسؤوله الأمني وأنا. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً. لم ينتشر الخبر بعد، لكن الحرس قد اكتشفوا بأن الأمر قد انتهى.

سألنا الجعفري:

ـ ماذا تقرأون في عيون الشباب؟

أجبته: الحيرة والقلق.

بعد انسحاب الجعفري، قدم رجال بارزون في الدولة إعتذارهم له، أسماء كبيرة لامعة في التشكيلة الحكومية الجديدة طلبت منه الصفح والسماح، أشخاص لهم موقعهم المتقدم في الدولة قالوا له إن الأمر لم يكن بيدهم، عانقوه معتذرين في اول لقاء به.

عانقه بحرارة السيد جلال الطالباني وقال:

ـ أنت تعرف أني أحبك ولكنك تعلم أن الأمر ليس بيدي.

عانقه بحرارة طارق الهاشمي وقال:

ـ أطلب العذر منك سيدنا فالأمر ليس بيدي.

وشبيه بذلك قالها له اشخاص احتلوا المناصب السيادية في الحكومة، فلم يكن الأمر بأيديهم، انما جاءهم القرار من واشنطن التي يلعنونها في وسائل الإعلام علناً ويطيعونها سراً.

موقفان يتصدران مسيرة الجعفري في السنوات العشر الأخيرة:

الأول: ساهم بشكل مباشر في تولي السيد نوري المالكي رئاسة الوزراء، على أمل ان يسقط سريعاً ويعود هو للسلطة مرة أخرى.

الثاني: ساهم بشكل فاعل في تولي الدكتور العبادي رئاسة الوزراء، على أمل ان يتحكم به لما يعرفه عنه جيداً من ضعف وتردد وحيرة.

الاختيار الأول ادخل العراق في حقبة فساد لا يستوعبها التصور. والخيار الثاني سيدخل العراق في حقبة من التردي والانهيار لا يتسع لها الخيال.

سأتحدث عنهما ان شاء الله وجعل للعمر بقية.

يتبع.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (34): جنون التنافس على السلطة

salim alhasaniفي النصف الثاني من آذار 2006 إزداد الانقسام في مواقف الشخصيات والكتل السياسية، بين من يدعو الجعفري الى التنحي وهم الأغلبية، وبين من يدعوه الى التمسك بنتائج التصويت داخل الائتلاف الوطني وهم الأقلية، وكان مكتب الجعفري يشهد لقاءات مكثفة تستمر حتى ساعات متأخرة من الليل.

حاول السيد عادل عبد المهدي أن يدفع الجعفري الى الإنسحاب، فقد إجتمع به في مكتبه الخاص، وتحدث معه طويلاً حول الأزمة التي تعصف بالبلد، وان أي حل لا يوجد في الأفق إلا بالتنحي. لكن الجعفري أجابه بأنه يتمسك بما آلت إليه نتائج التصويت، وعلى الذين يدعوه الى الإنسحاب أن يحترموا نتائج التصويت والآليات الديمقراطية، وأن لا يعيقوا أول تجربة ديمقراطية يشهدها العراق.

وفي نفس الوقت كان الدكتور أحمد الجلبي يدفع بالفريق المؤيد للجعفري في الإئتلاف الى التمسك بترشيحه، كما طلب شخصياً من الجعفري أن يتمسك بموقفه وعدم التنازل أمام الضغوطات التي يقوم بها المجلس الأعلى والكتل الكردية والسنية. وكان الجلبي يرى بأن مستقبله مرتبط ببقاء الجعفري في السلطة، حيث منحه مناصب مهمة في حكومته عام 2005.

كانت جبهة التوافق قد بعثت رسالة الى الإئتلاف الوطني تستفسر فيها عن موقفه النهائي من ترشيح الجعفري، وتطلب إجابة سريعة، لكن السيد عبد العزيز الحكيم لم يقدم الجواب، مستغلاً اختلاف قادة الإئتلاف فيما بينهم والدوافع الخفية لبعضهم في تنحية الجعفري.

ففي تلك الأيام وتحديداً في أواخر آذار 2006، تصاعد الحماس عند بعض الأشخاص لخلافة الجعفري في تشكيل الحكومة، فقد حملوا وجهين في آن واحد، الأول يُظهر الحرص على تولي الجعفري رئاسة الوزراء، والثاني يغطيه الاستياء من الجعفري ويدعو الى تنحيه.

وكان من ضمن هؤلاء السيد خضير الخزاعي والسيد عبد الكريم العنزي والسيد علي الأديب والسيد نوري المالكي والدكتور حيدر العبادي.

بل ان الأحلام جعلت بعض الأشخاص الذين لا يعرفهم الشارع العراقي، وفشلوا في الانتخابات البرلمانية يمنّون أنفسهم بالرئاسة مستغلين أجواء الأزمة. ففي تلك الأيام كان السيد علي الدباغ الذي شارك وقتها في الانتخابات البرلمانية وخرج منهاً خاسراً، يتردد على مكاتب الجعفري ويبذل جهوده بإلحاح للحصول على أي خبر، ثم يبادر بعد ذلك الى الاتصال بوسائل الإعلام ليدلي بتصريحات يروم من ورائها الترويج لنفسه. وقد استغربت كل الاستغراب ذات مرة عندما سألني عن تطورات المفاوضات، فأجبته بجواب عام بأن الأمور لا تزال معقدة، فسارع الى الاتصال بإحدى وكالات الأنباء، واختلق لها تصريحاً بأن هناك أسماء عديدة متداولة لتولي رئاسة الوزراء ومنها اسمه. ولم يشعر الدباغ بأي حرج وهو يخترع هذه الكذبة. لكنني بعد كل هذه السنوات، أجد نفسي مخطئاً فلقد كان استغرابي ساذجاً، وأن المسؤوليات والمناصب المهمة في العراق يتم نيلها على هذه الشاكلة.

وفي تلك الأيام ايضاً وبينما كان التصور السائد أن السيد نوري المالكي هو أكثر المتحمسين في الدفاع عن الجعفري، أظهرت زلة لسان منه، أنه كان ضمن المنسقين من وراء ظهر الجعفري.

فذات مرة جاء المالكي الى قصر الجعفري، فاستقبله الأخير ممازحاً بأنه يصلح لرئاسة الوزراء، لكن الأميركان لا يوافقون عليه. أجابه المالكي فوراً: إن الأميركان لا يعترضون، وقد أخبرني السفير الأميركي بذلك.

أصيب الجعفري بصدمة مفاجئة، وعند انتهاء اللقاء، طلب من مدير مكتبه الدكتور عبد العزيز التميمي أن يستفسر من زلماي خليل زاد بصحة ما قاله المالكي. عاد التميمي من السفارة الأميركية ليؤكد أن المالكي التقى بالسفير، وان الكلام جرى حول موقف الإدارة الأميركية من توليه رئاسة الوزراء، وان زلماي أخبره بعدم وجود أي اعتراض على ذلك.

كما أن الدكتور حسين الشهرستاني رئيس كتلة المستقلين في الإئتلاف الوطني، كانت له اتصالاته الخاصة، وكان يسعى لأن يُبعد الجعفري، على أمل أن يستقر الخيار عليه، وحين شعر بأن الأمور معقدة، فانه أراد ان يزيدها تعقيداً، ففي الأجواء القلقة يفوز الراغبون برغباتهم، فأقدم على موقف سريع، وذلك بإعلانه أن كتلة المستقلين ستلجأ الى البرلمان لوحدها وتطرح مقترح التصويت على الجعفري، وعند ذلك سيواجه الجعفري معارضة الأغلبية. ولم يُعر الشهرستاني في هذه المحاولة أي اهتمام لوحدة الائتلاف الوطني باعتباره الكتلة الشيعية التي يُراد تمزيقها من قبل الحكومات والكتل الطائفية وكل الجهات التي لا ترغب بتولي الشيعة منصب رئاسة الوزراء. كما أنه لم يحترم رأي المرجعية العليا التي كانت تُصر على ضرورة الحفاظ على وحدة الائتلاف الوطني. فالشهرستاني رجل يحترم المرجعية في الظاهر، لكنه يُطيع مصالحه الشخصية في العمق. وقد فعلها من قبل عندما شكل كتلة المستقلين، فقد كان رأي المرجعية أن يكون ضمن اللجنة التي تختار الأشخاص المناسبين للبرلمان، على أن لا يشترك هو في الترشيح، لكنه لم يلتزم بذلك، فمقعد البرلمان مقدمة لمناصب أكبر، وهذا ما يريده هو وغيره.

السيد الجعفري أراد ايضاً ان يستغل المرجعية في معركته مع خصومه، فقد بعث رسالة الى المرجع الأعلى السيد السيستاني، يسأله فيها عن موقفه من توليه رئاسة الحكومة، وأشار في رسالته بأنه سينشر الجواب على وسائل الإعلام.

قلتُ للجعفري بعد أن علمت بخبر الرسالة، أن هذه الخطوة لم تكن صحيحة، فصيغة الرسالة تعني الضغط على المرجع الأعلى باتجاه واحد، وهو القبول، وأن عبارة (نشر الجواب إعلامياً)، بمثابة التحدي له بأن عليه أن يمنحه الدعم والتأييد الشخصي.

كنت أظن ان الجعفري قد فاتته هذه الملاحظة، لكنه عاد ليؤكد لي أنه كان يقصد هذا المعنى، فاذا ما كانت المرجعية ترفض ترشحه لتشكيل الحكومة، فانها ستمتنع عن الجواب.

لم يضع الجعفري في باله موقع المرجعية العليا وضرورة الحفاظ على هذا الموقع الذي يمثل الملجأ الأكبر والأهم للشعب في ظروف الأزمات الحادة التي يمر بها العراق، ولم يُفكر للحظة واحدة أن المرجعية تتصرف بحكمة عالية في ابداء الرأي، وهي عصية على رغبات السياسيين ومصالحهم. فهي تتحمل مسؤولية دين وتاريخ وأمة، وهذا هو التاريخ الشيعي بطوله وعمقه، يحكي عن مواقفها الرائعة في الثبات والقوة. لكن الجعفري وغيره لا يريدون قراءة ذلك، فالمصلحة الشخصية تحجب العين عن قراءة الكلمات.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

بدل رفو ووطن جديد في الغربة (شهادة)

badal raffowتعرفت الى الشاعر المبدع بدل قبل اكثر من ثلاثين سنة، عندما كان طالبا في قسم اللغة الروسية بكلية الاداب في جامعة بغداد في ثمانينات القرن العشرين. لقد لاحظته رأسا بين طلبتي الاخرين، اذ كان يساهم بشكل متميز اثناء تدريسي لمادتي الترجمة والشعر الروسي آنذاك، وبدأت اتحدث معه وعرفت منه انه يكتب بعض القصائد، فشجعته على الاستمرار بذلك، وكنت مقتنعا ان هذه البدايات ستؤدي به الى السير الحثيث في طريق الابداع الشاق والرائع بآن، وبالذات في مجالي الشعر والترجمة،وكم كنت سعيدا عندما بدأت اتابع مسيرته فيما بعد. فرقتنا ظروف العراق المعقدة والرهيبة،وعلمت انه استقر في النمسا،هذا البلد الذي يليق بالمبدع ويتناغم معه، وقلت في نفسي انه سيجد مكانته اللائقة به.

765-badalوسارت الاعوام، وفجأة، في عام 2004، دخل بدل عليٌ في مكتب عملي، وكنت آنذاك العميد المنتخب لكلية اللغات في جامعة بغداد. عرفته رأسا، رغم ان الاعوام الطويلة قد بدت واضحة على معالمه، وقمت واستقبلته بالاحضان، ولاحظت الدموع تنساب من عينيه، وبالكاد حبست انا دموعي. كان اللقاء رائعا. وبعد ان ترك المكتب، سألوني الزملاء الذين كانوا حولي – (من هذا الذي بكى وكاد يبكيك ويبكينا معه؟)، فقلت لهم، انه واحد من طلبتي النجباء، الذي احتفظ طوال حياته بذكرى احد اساتذته، الذين درسٌوه الشعر الروسي والترجمة، والذي تنبأ له بمستقبل وضٌاء في عالم الادب الرائع الجميل.

وهكذا عادت العلاقات الطبيعية بيننا، من مراسلات ومتابعات لكل النشاطات الفكرية، وقد سألني بدل قبل ايام، هل يمكن لي ان اكتب مقدمة لهذه المجموعة الشعرية، فاجبته بعد دقيقة من استلامي طلبه قائلا – نعم وبكل سرور، وان هذا شرف كبير لي، فاجابني بدل رأسا قائلا – هذا أسرع جواب لطلب تقدمت به طوال حياتي.

كان بدل (ولا يزال) يجسٌد روح وطنه، واصبح بعد ان استقر في النمسا جسرا ثقافيا وحضاريا شامخا، ينقل ثقافة وحضارة العراق الى النمسا وثقافة وحضارة النمسا الى العراق، ويا له من دور حضاري وثقافي متميز.

طلب مني بدل ان أقرأ القصائد، ومنحني الصلاحية المطلقة بتصحيح وتشذيب ما اريد، وقال لي انه موافق مسبقا على كل ما اقوم به، وقد قرأت القصائد بكل سرور ولم أدخل اي تعديل او تصحيح عليها (وهذا ما كنت اعمله مع كل الكتب المترجمة التي راجعتها في حياتي) وذلك لاني اؤمن، ان الترجمة هي عملية ابداع ذاتي ترتبط بشخصية المترجم، وانه المسؤول حتى عن اخطائها،وانا على ثقة، ان الشاعر يبدع عندما يترجم الشعر من لغة الى اخرى.

ترجمة الشعر مغامرة يخوضها الشجعان، وقد ينجحون، وقد لا ينجحون، ويكفي ان (الشجاع) بدل قد ترجم لنا هذه المقاطع –

فوق بعض الحيوات

لا ينمو العشب

وبعد اجيال

يظل الهوى القديم

والحقد القديم.

 

الوطن...ينبوع عميق

كالبئر وكالبحر

 

لا تسأل من اين قدومه،

ومن هو،

ولكن اسأل عن مدينة

اسمها قلب الانسان.

 

صار الشئ سيدا

والانسان عبدا..

 

عيناك

تقتلان الظلام ببريقهما،

وتنهيان الشوك والموت..

 

ونحن نرتشف نورك

ونهديه لقلوبنا..

 

يداك

عالم ملئ بالاحلام

السرية الملونة.

ما اروع العيش في يديك!

 

هذه مقاطع شعرية رائعة، أليس كذلك؟

 

 

أ.د. ضياء نافع

الذكرى السنوية الأولى لرحيل الصديق العلامة السيد هاني فحص

abduljabar alrifaiفي مثل هذا اليوم إلتحق بالرفيق الأعلى صديقي الغالي السيد هاني فحص، في بيروت، صباح يوم الخميس 18 سبتمبر 2014..

كان هاني فحص مرآة كنت أرى فيها: المثقف، الأديب، الشاعر، الفنان، الناقد، المتمرّد خارج فلسفات العدمية والعبث، القلب الفوّار بعشق الإنسان، الثائر العابر للأيديولوجيات، رجل الدين العابر للأديان، الشيعي العابر للطوائف، المتصوف العابر للأديان، الإمام خارج المسجد، الخطيب خارج المنبر، المؤمن خارج المسجد، القدّيس خارج الصومعة، الراهب خارج الدير، المحاضر خارج الجامعة، المعلم خارج فصول المدرسة، المربي خارج المنزل. يجتمع تحت جبّته؛ محمد وعيسى، وفي قلبه؛ فاطمة الزهراء ومريم العذراء، وفي ضميره؛ الحسين الشهيد والمناضل جيفارا.. من دون أن تطرد شخصية أخرى أو تنفيها، ذلك أن رؤيته للعالم على الدوام أرحب من ضيق المعتقدات، وانطواء الآيديولوجيات، وكراهية التعصبات. إنه يتذوق كل ماهو جوهري في الأديان، ويبصر كل ما هو مضئ، ويتلذذ بكل ماهو رؤيوي، ويعشق كل ماهو جميل، من مزايا وخصائص وحالات الإنسان.

822-jabar

هو مرآتي التي رأيت فيها صورتي المفتقدة منذ مراهقتي حتى اليوم، ولم أكتشفها إلا في نماذج بشرية نادرة.

صحبته في مؤتمرات وندوات عديدة في لبنان وخارجها، كان يتدفق كالشلال، يفيض دفئا وتراحما وسلاما، وأدبا ومعرفة. يحمل هموم المهمشين، يتفجع لأوجاع المعذبين، يتحدث عن المحرومين وكأنهم أبناؤه، يفاجئ مستمعيه في التحدث عن تدين قلّما عايشوه، ودين قلّما تعرفوا عليه، يحكي عن إسلام قلّما نراه في حياة المسلمين، وعن تسامح في الأديان؛ تتنكر له حروب الأديان والطوائف اليوم وأمس. يدلّل على أن هذا الدين الذي يعتنقه، والايمان المشبعة به روحه، والتدين الذي يعيشه، هو ذاته دين وإيمان وتدين الناس في قريته، وعامة الناس الذين منهم أبواه، ممن يزدريهم بعض المتنطعين من رجال الدين؛ بوصفهم يخطئون في ضبط مخارج حروف الآيات، ويلحنون في تلاوة الأذكار والصلوات.

ذاكرته تحكي لنا أمثلة لعجائز من الأمهات وشيوخ من الآباء، ممن يعيشون تجاربهم الروحية الفطرية البريئة الحميمية، بعيدا عن ما سممتْ به فضاءَ التدين في مجتمعاتنا داعشُ وأمهاتها. قال لي يوما: انه طالما غمره شعاع النور المنبعث من أفئدة الفلاحات والفلاحين والعاملات والعمال، لكنه كان قلما يكتشف مثل ذلك النور في بيئة رجال الدين. أجبته بما قاله شاعر الفرس الكبير حافظ الشيرازي:

"در خرابات مغان نور خدا مي بينم"، بمعنى؛ أرى نور الله في حانات الكاهن المجوسي. ابتهج طربا، وهو يشدو بيت شعر حافظ، ثم كتبه على ورقة.

ظلّ هاني فحص كتابا ناطقا مفتوحا، ترسم حروفَه لوحاتٌ ألوانها مشرقة بالنور، ويجسّد خطواته سلوكٌ غريبٌ على رجال الكهنوت، يعزف قلبُه أنشودةَ الخير، وتشفُّ روحُه عن ترانيم تجربة العاشق الذي يسكره الوصال مع الحق.

822-jabar1

لم يحكم بنجاسة شخص بشري، لم يكفّر أي فرد أو جماعة، كما هي مهنة بعض رجال الدين، ولم يقضِ بمآلات أصحاب المعتقدات المختلفة في اليوم الآخر، أو من يرفضون الأديان والمعتقدات كافة. كان إيمانه يتسع للجميع، إيمانه ينبع من ثقته العميقة برحمة الله، التي كتبها الله على نفسه. وهي رحمة يبخل بها المتحجرون التكفيريون، ممن يزعمون انهم يرتبطون بقرابة خاصة من الله، وهو الذي منحهم تفويضا مقدسا، بإخراج من يشاؤون من خلقه من فيوض رحمته، وتضييق ماهو واسع منها، حين تشحّ نفوسهم فتبخل برحمة الله، التي وسعت كل شئ، وكرمه الدائم الذي لا ينقطع ولا ينضب، الذي لم يختصه بأحد وأتاحه لكل الناس، فيما يزعم هؤلاء ان ذلك الكرم وتلك الرحمة مما استأثرهم الله فيها، وهي خاصتهم لا يشاركهم فيها مخلوق. طبع الله على قلوبهم، فلم تبصر كيف يهبُ الله الرحمة لأؤلئك الذين تساموا في مقامات السير اليه، فتصير طبيعتهم هي الرحمة، أي انهم أصبحوا هم من يمنح الرحمة، بدلا من ترقب ان يفيضها الله عليهم.

لم يكن السفرُ الى الله عند سيد هاني رهبنةً وعزلةً وهروبا من العالم، مثلما يهرب بعض المتصوفة والرهبان، ويستغرقون بحالة زهد وأوراد وأذكار، يغيبون معها عن العالم، ويعتزلون الحياة، بل كان السفر الى الله لديه، هو السفر والاستغراق في أوجاع الانسان وأحزانه وشقائه. كان قديسا لا كالقديسين، راهبا لا كالرهبان، مؤمنا لا كالمؤمنين، متدينا لا كالمتدينين، رجل دين لا كالحوزويين، معمما لا كالمعممين. دينه يسمح له بقبول كافة الأديان، إسلامه يسمح له بقبول جميع المسلمين، تشيّعه يسمح له بقبول كل المذاهب والفرق.

مشكلة هاني فحص خروجه على ثقافة القطيع، ورفضه لنفسية العبيد. كان يفكر وحده، يغرد وحده، يمشي وحده، لكنه لا يخوّن أحدا، لا يتهم أحدا، ولا يحارب أحدا. جسور في مواطن يتغيب فيها معظم أهل الرأي في الدين والدنيا. يقول علانية ما يقوله غيره في السر.

لا يكف عن حكاية آلام المغلوبين في الماضي، وأوجاع البؤساء في الحاضر. لا يكرر صورا تاريخية متخيلة للمعتقدات والجماعات، كما يفعل معظم زملاؤه رجال الدين؛ بل يحرص على البوح بالمسكوت عنه في ذلك التاريخ، فهو لا يني يفضح اضطهاد الرقيق والأماء وغيرهم في التاريخ، ولا يتردد في الحديث عن انتهاكات كرامة الكائن البشري في الماضي والحاضر.لم أره يوما في موقف، ولم أقرأ له نصا، لم أجده فيه منحازا للانسان كإنسان، قبل أي تصنيف أثني أو ديني أو طائفي.

رأيت فيه مالم أره في الكثير من زملائي في حلقات الدرس الحوزوي، أفق ايمانه لا تنهكه الأسوار، ولا تغلقه السجون، بصيرته تمنحه قدرة على قراءة الأسرار المخطوطة على أفئدة العشاق المتيمين في موكب العشق الالهي.

كلانا سيد هاني وأنا درسنا في حوزة النجف، لكنه سبقني بعقدين، اذ انخرط في الحوزة بداية الستينيات من القرن الماضي، وغادر الى لبنان مطلع السبعينيات، فيما التحقت أنا في حوزة النجف عام 1978، كما سبقني في أنه كان أحد رواد حركة تنويرية، تضم الصديق العلامة السيد محمد حسن الأمين وغيره في النجف، مثّلت بؤرة ضوء في الحوزة، واستطاعت أن تتواصل بحيوية من جيل الستينات الأدبي في العراق، والمثقفين العرب في مصر ولبنان، عبر الدوريات الثقافية والأدبية. وهي طيف شعاع تنوير لبناني، انبثق في حوزة النجف قبل مائة عام تقريبا، ووجد نموذجه المتطور مع هذه الجماعة.

في غياب سيد هاني من سيكون؛ سفير الشيعة للعالم في زمن الانكفاء، سفير الشيعة للسلام في عصر حروب الطوائف، سفير الشيعة للسنة في عصر التوحش والتكفير؟!

لم أرَ سيد هاني يترفع عن الحضور والمساهمة في مختلف أنواع المنتديات والفعاليات والمواقف المجتمعية؛ الدينية والثقافية والأدبية والسياسية، مهما كان نمط ومعتقد جمهورها، شريطة أن تنتمي لهموم الوطن والانسان، مثلما هي همومه على الدوام.

   خسارة عالمنا الشقي لسيد هاني فحص لا تعوض، ذلك أنه؛ المثقف المتنوع، رجل التسامح والحوار، عاشق الإنسان، المتمرد على كهوف الماضي المظلمة، المصباح في ليل الحاضر الطويل، الحالم بإنسان يتخطى أقفاص الهويات وزنزانات الطوائف، في عصر أمسى فيه من يراجع أو ينتقد أخطاء وخطايا طائفته يغامر بفقدان هويته.  

فقدت أخا نبيلا غيورا على الانسان والأوطان والايمان وجوهر الأديان، وسأبقى وفيّا لقيمه وإيمانه وكدحه المتواصل، من أجل؛ الحق، العدل، الخير، الفضيلة، والجمال. وأعاهده؛ ان ماضيه لن يمضي من ذاكرتي وحياتي أبدا.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

إسلاميو السلطة (33): طعنة من الخلف تحت عنوان التفاوض

salim alhasaniفي الأيام الحرجة التي مرت على السيد إبراهيم الجعفري ضد خصومه الراغبين بابعاده عن تشكيل الحكومة، إزداد اعتماده السيد فالح الفياض، فقد كان مفاوضه الوحيد، لقد منحه ثقته المطلقة، ووضع حاضره ومستقبله السياسي بيده. وقد اطمئن بأن الفياض سيأتيه برئاسة الوزراء، ومما زاد من قناعته هذه ان الفياض بعد كل جلسة مفاوضات مع الكتل السياسية يعود اليه محملاً بالأمل الكبير، فيما كان الواقع يتجه على العكس.

شعرتُ بأن الفياض يضمر أمراً يخفيه على الجعفري، ومما عزز قناعتي أنه منذ أول يوم اعلن فيه السيد جلال الطالباني عدم قبوله تولي الجعفري رئاسة الحكومة، قال لي الفياض: هناك معارضة للسيد الجعفري، يجب ان نفكر ببديل ضعيف. وذكر اسم الدكتور حسين الشهرستاني.

أبديت استغرابي من طريقة تفكيره، فالجعفري فاز بانتخابات الإئتلاف الوطني، وهذه أول تجربة دستورية لتشكيل الحكومة. ثم كيف يفكر ببديل ضعيف مع أن القضية تتعلق بمصير شعب وبلد؟

إن ما طرحه السيد فالح الفياض، هو المنهج العام الذي يتبناه رجال العملية السياسية في العراق، ويلتزمون بتطبيقه بدقة عالية، فالضعيف هو الخيار المفضل للمناصب المهمة حتى يمكن التحكم به والتلاعب فيه. وحين يتولى هذا الضعيف المنصب، فانه يستعين بأشخاص تتوفر فيهم مواصفات الضعف في التفكير والشخصية.

وهذا المنهج هو الذي يفسر لنا، كيف تسرب البعثيون بماضيهم الإجرامي الى مفاصل مهمة في الدولة، فالمسؤول الجديد يريد الأتباع الموالين والخائفين، والبعثي هنا سيقدم الولاء للرئيس والوزير والوكيل، لأنه يخاف على ماضيه من الانكشاف. بمعنى أنه اتفاق ضمني يعرفه المسؤول الذي جاءت به المحاصصة، ويعرفه البعثي الذي شفع له ماضيه المخزي.

في أواخر شباط 2006 أوفد الجعفري السيد الفياض الى طهران عدة مرات، وكان يعود في كل مرة يحمل معه بشرى سارة، بأن الأمور ستكون في صالحه، وأن الضغط الإيراني على السيد عبد العزيز الحكيم في تزايد من أجل تغيير قناعته في معارضة الجعفري.

في آخر زيارة له خلال تلك الأزمة تلقى سكرتير الجعفري اتصالاً هاتفياً من السيد فالح الفياض من طهران، بأن الأمور تجري بشكل جيد، وسيحضر في اليوم التالي ثلاثة من المسؤولين الإيرانيين على مستوى رفيع للضغط على السيد عبد العزيز الحكيم وحمله على تغيير قناعته ومن ثم موافقته على تشكيل الجعفري للحكومة الجديدة.

في الاجتماع المسائي المعتاد وبحضور الجعفري، أبديتُ تحفظي على الخبر، وكررت مرة أخرى أن المسؤولين الإيرانيين لو أرادوا تغيير قناعة السيد عبد العزيز الحكيم، فانهم لا يحتاجون أكثر من اتصال هاتفي قصير.

انقضى اليوم التالي وما بعده ولم يحضر المسؤولون الإيرانيون، لقد كان واضحاً أنها محاولات لتضييع الوقت على الجعفري.

عاد الفياض من طهران الى بغداد بصحبة المجاهد المعروف الحاج أبو مهدي المهندس، فطلب مني الجعفري ان اتصل به استعجله المجيء الى مكتب الجعفري، لكنه لم يجب على هاتفه، فذهبت الى قصر الفياض، وكان الحاج أبو مهدي يجلس في غرفة الضيوف بمفرده، فسألته عن نتائج حديثهم مع الإيرانيين، فأجاب بان المهمة لم تكن ناجحة، وان تولي الجعفري رئاسة الوزراء أمر صعب.

عدت مع الفياض الى مكتب الجعفري، وقبل دخوله سألته عن نتائج مهمته، فأجاب بانها جيدة وان الأمور لصالح السيد الجعفري. أضاء في داخلي ضوء ساطع بأن الرجل يخفي الحقيقة، وسيقدم للجعفري خلافها.

اجتمع الفياض بمفرده مع الجعفري، وفي المساء واثناء الجلسة المعتادة، بعد العشاء، أخبرت الجعفري بما سمعته من الحاج أبي مهدي، فلم يعرّ ذلك اهتماماً، كان كلام الفياض قد ملأه أملاً وثقة حتى لم يعد مستعداً لسماع ما يفسد عليه تلك النشوة الغالية.

كنت أكرر رأيي مراراً بأن السيد عبد العزيز الحكيم لا يمكن أن يخالف الإيرانيين برأي، فالمجلس الأعلى هو مشروع إيران، ولد هكذا، واستمر على هذا، وسيبقى على ذلك، وكان الفياض يتدخل بحماس لمعارضة هذا الرأي، بأن الحكيم لم يعد يحظى بدعم الإيرانيين، وانهم غاضبون على موقفه من الجعفري.

وفي واحدة من هذه النقاشات، قلتُ بوضوح أن السيد عبد العزيز الحكيم يعرف جيداً ان مخالفة الرأي الإيراني يعني انتهاء مستقبله وانهيار المجلس الأعلى، فأجاب الفياض جوباً سريعاً: هذا ما سيحدث ولكن بالتدريج. وكان جوابه متروكاً للزمن ليقرر صحته، بينما في مثل هذه القضايا الحساسة، يجب ان يكون الدليل ملموساً باليد، مرئياً للعين.

في أواسط آذار 2006 بلغت الأزمة ذروتها، وصارت حديث الشارع العراقي، وقد إستاء التيار الصدري من موقف المجلس الأعلى، فبدأت تظهر في مدينة الصدر معقل التيار، إستعدادات مسلحة، مع وصول أنباء بأن مدينة الصدر تستعد للخروج بتظاهرات مؤيدة للجعفري.

تفاقم الوضع أكثر في مدينة الصدر ومناطق أخرى كان يتواجد فيها جيش المهدي، وأكدت المعلومات الخاصة أن أنصار السيد مقتدى الصدر سيلجأون الى السلاح لإنهاء هذه الأزمة، وكان ذلك يعني تحديداً الهجوم على مكاتب المجلس الأعلى.

تدخلت المرجعية الدينية التي كانت تتعرض لضغوط كبيرة لإبداء رأيها وحسم هذه القضية الملتهبة، فأعلن السيد السيستاني ضرورة أن يلتزم الجميع بآليات الإئتلاف، وكانت تلك إشارة واضحة الى أن يتم الإلتزام بنتائج الإنتخابات.

لكن المجلس الأعلى قدم مقترحاً في الأسبوع الأخير من آذار 2006 بأن يصار الى اجتماع تتم فيه مناقشة ترشيح الجعفري، وقد وافق السيد الفياض على المقترح.

عصر ذلك اليوم قلتُ للدكتور الجعفري بحضور الفياض، أن الموافقة على هذا المقترح خطأ فادح، فهذا يعني إلغاء نتيجة التصويت، وبالتالي سحب ترشيح الجعفري، في حين أن المرجعية قدمت رأياً واضحاً.

دافع الفياض عن وجهة نظره بطريقة مرتبكة، بأن الموافقة على عقد الاجتماع ستحتاج الى وقت طويل قبل عقد الاجتماع.

لم يعلق الجعفري بشئ، كان صامتاً، وقد لمحت في عينيه، تلك النظرة التي أعرفها، كانت صريحة بالنسبة لي، إن الأمور بدأت تسير بالاتجاه الصعب.

في تلك الأيام راجت في بعض الأوساط السياسية، مطالب ومقترحات ووجهات نظر، كان منها، أن إنسحاب الجعفري لا بد أن يكون مشروطاً بعدم ترشيح السيد الطالباني لرئاسة الجمهورية، وكان منها أن يتنحى الجعفري شرط أن يتولى زعامة الإئتلاف. وقد أسفرت تلك الآراء عن لين واضح في موقف السيد الطالباني وقلق داخل المجلس الأعلى.

وقد كان بإمكان السيد فالح الفياض أن يستفيد من هذه الآراء في مفاوضاته مع الأطراف السياسية، لكنه أهملها تماماً، حتى أن أحد مفاوضي التيار الصدري أخبرني بضرورة أن يعلم السيد الجعفري ببرود الفياض في المفاوضات، وانه لا يبدي تفاعلاً مؤثراً لصالح الجعفري. وقد أخبرتُ سكرتيره الخاص السيد اياد بنيان بذلك، بعد أن وجدت أن الجعفري صار يضيق بملاحظاتي على أداء الفياض في المفاوضات.

لقد وضع الجعفري حاضره ومستقبله بيد رجل واحد، وكان ينتظر منه أن يعود ذات يحمل له خبر الانتصار، ولم يرد أن يسمع كلمة واحدة، بأنه أخطأ الاختيار، فلقد كان الفياض ـ وهذه قناعة خاصة عندي لم تتغير طوال هذه السنوات ـ بأنه أدار المفاوضات على نحو يخسر فيه الجعفري الجولة، وسيجد نفسه مضطراً الى التنازل لصالح أقرب الأشخاص اليه، أي الفياض نفسه.

 

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

الأديبة العربية المعاصرة لما عبد الله كربجها

younis odaقاصَّةٌ يتضوع بين ثنايا حروفها أريجُ الياسمين الشامي الأخاذ، تنساب كلماتها بسلاسة راقية رقراقة الى القلب، وتنثر شذاها بين الضلوع. كاتبة متألقة متمكنة مخلصة، صاحبة رسالة إنسانية سامية، هدفها نشر السلام والمحبة، كي تعيش البشرية بحب وانسجام، بعيداً عن الحروب والفتن. إنها ابنة " حماه"، بلد النواعير والخصب والخضرة، ومياه الحياة التي ما فتئت تسكب محبة في الجوف الآدمي، قبل السهول والأودية ومزارع الأمل والسعادة.

"لما عبدالله كربجها"، قاصة عربية سورية يسكب يراعها المحبة والحبور والتفاؤل دائما بيوم جميل يطوق أعناق الانسانية جمعاء. لا تعترف بالحدود المصطنعة ،ليس بين الدول العربية فقط، بل على المستوى العالمي؛ رسالتها موجهة إلى كل مخلوق آدمي قَدَّرَ الله له العيش على هذه البسيطة الرحبة. فإن كانت الأهرامات في الدنيا ثلاثة، فهي الهرم الرابع: تواضعاً ومعرفةً وأداءً وتميزاً. كتبت القصة الإجتماعية وأجادت، وسبرت غور المجتمعات والنفوس، لترسي من هناك اشعاع الاصلاح والفضيلة ومكارم الاخلاق، كما كتبت القصة الساخرة الهادفة، وما تخلفه في نفس القارئ من فهم وادراك لما بين السطور من عبر ودروس، كتبت لابناء العالم الرحب؛ رجال المستقبل ورواده: الأطفال. تماهت مع الطفولة وزرعت فيها بذور الحياة والأمل، وشحذتها بالاخلاق وحب التميز خُلُقاً وأداءً. "لما كربجها" مُصْلِحةٌ اجتماعية من الطراز الاول، أو رسولة سلام ومحبة، حطت ركابُها بين ظهرانينا، لتذيب التعصب والانغلاق والتقوقع والكره المقيت، ساكبة ترياق الحياة، وبلسم التسامي عاليا ليشعر الانسان،أيا كان عرقه أو دينه أو مذهبه، بحياة تستحق أن تسمى "حياة" كريمة.

تعتبر الطفولة هي الأمل والحياة لكل شعوب العالم. كتبت لهم القصص التعليمية والتثقيفية، ونذرت قلمها لخدمتهم واعلاء شأنهم، فالطفولة هي البراءة وهي القلوب النظيفة والمخلصة التي يجب ان تُرعى وتُربى على المحبة والعطف، والأخذ بايديها نحو العلا.

821-luma

الله اعلم حيث يجعل رسالته، فجهود طيبة مباركة لا يمكن أن تذهب طي النسيان، أو في متاهات اللامكان واللازمان: بدأت الأديبة القاصة " لما كربجها" في جني ما زرعته وبثته في القلوب من فضيلة واخلاص ومعرفة، فها هي اليوم تحصد الجائزة تلو الجائزة؛ تكريما وتقديرا لدورها المجتمعي والاصلاحي بالكلمة القلبية الصادقة. فقد حصلت على المركز الأول في مجال القصة على مستوى الجمهورية العربية السورية للأعوام 2003، 2005، 2013، وفي مجال المقال في عام 2004. وضمن مسابقات اتحاد الكتّاب العرب عام 2009، حصلت على المركز الاول. وأخيرا، حصلت القاصة"كربجها" على المركز الثاني في مسابقة مجلة"الثقافة العربية الكبرى". ليس وراء هذا التكريم الا التميز والاخلاص في المهنة؛ تلك الرسالة التي نذرت نفسها لها للسمو بالبشرية واعلائها، ونبذ التفرقة وما يعكر صفو سيرها.

فالبلاد التي انجبت نزار قباني، غادة السمان، عمر ابي ريشة، حنا مينة، العقاد، على سبيل السرد لا الحصر، لم تعقم، وما زالت تلد الرموز العلمية والادبية الرائعة، والتي يشار اليها بالبنان، ليس على الصعيد المحلي او العربي فحسب؛ بل العالمي. ليست قاصة فحسب؛ بل صحفية متألقة تصدرت قائمة الصحفيين الناجحين. اجرت لقاءات مع قامات وقيم رفيعة في المجتمع، طرحت اسئلتها بكل ثقة وتمكن، فأثلجت صدور جمهورها، ونالت إعجابهم لفن ادارتها دفة الحوار. صحفية إن تكلمت أسمعت، وان سمعت أنصتت وتمثلت ما يقال، وقرأت ما بين السطور. كتاباتها وحواراتها وتعليقاتها رزينة بعيدة عن الاسفاف وعن لهو الحديث أو التهور. تحرص على تنمية وتطوير ذاتها وتسليحها بالمعرفة، وتتبادل الافكار مع اهل الفكر. فلئن كان ل"مي زيادة" صالونها الادبي الخاص لتبادل الافكار مع جهابذة المعرفة آنذاك امثال طه حسين والعقاد وغيرهم، فأديبتنا القاصة"كربجها" تحرص على شبيه بالصالون الادبي-الاصبوحات الفكرية، التي قلما فاتتها واحدة منها، لايمانها بأهمية لقاء اساطين المعرفة، وعمالقة الشعر والقصص هناك.

حاليا تعمل على مجموعة قصصية لها روح الرواية تنطلق من أزمة الوطن بعنوان" أميرة البلاد النائمة". لا تدخر جهدا في التواصل مع مجلات راقية لنشر ما يهدله يراعها النضاخ بالكلم الطيب: فهي عضو فعال في مجلة"كفربو" الالكترونية التي تضم نخبة مميزة من اصحاب الاقلام النظيفة البيضاء والفكر النير. مما يؤثر عنها:

-الإنسان عندما يتسامى برسالته، ويقترب من هموم الناس ويعبر عنها بما يرضي الله ويرضيهم، حينها يصل إلى الجميع.

-أعتز بانتمائي إلى الدم العربي.

-لا افرق بين طائفة واخرى، وكثيرا ما يستعصى على الكثيرين انتمائي فاجيب:" انني سورية المذهب والانتماء".

-الروح والدين لا يحق لنا التدخل فيهما، فهما من الامور الخاصة بالله سبحانه وتعالى.

-جميع الاديان السماوية، وحتى الوضعية، قامت على اساس الإنسانية ونادت بالمحبة والتسامح.

-للنجاح في حياة المبدع ضريبة كبيرة وعظيمة، لكنه ايضا يفرض عليه سطوة رائعة، ونشوة تلُفُّ كل ما يعتريه من مدارك وأحاسيس، نشوة تحلق به في سماء العبقرية وفي لجة مفعمة بالتوازن النفسي والعقلي".

القاصة "كربجها" منفتحة على أصحاب الفكر ممن يشاطرونها الهمَّ الانساني والعمل الفكري. تتواصل معهم، تأخذ بنصائحهم وثمرة تجاربهم، وتثري الحوار بتعقيب هنا او هناك للوقوف على أمر يقض مضاجع البعض، وفي كثير من الاحيان يكون ردها تثقيفيا تناصحيا. ففي رد لها على الاستاذ عبد المنعم الجبوري قالت:" الكلمة أمانة ومسؤولية أمام الله وأمام الانسان، والقلم سلاح لحمل هذه الامانة..لذلك يدي بيدك وبيد كل شريف لصنع قادم أجمل تخلفه الكلمة بنواياها الحسنة والعمل الصالح دون غاية سوى ارضاء الله سبحانه وتعالى". في أحيان كثيرة وُجِّهت اليها بعض الاسئلة الخاصة بسعيها نحو العالمية، ولكن اجابتها كانت قاطعة وملجمة:" أنا لم افكر بهذا ابدا، ولا تهمني العالمية اطلاقا، ما يهمني هو ايصال رسالة المحبة والعيش بسلام وود لكل انسان". هذا كلام رائع وخاصة الجزئية المتعلقة بقادم الأيام، ولا إخالني اجانب الحقيقة لو قلت أنها وما نادى به الشاعر التركي"ناظم حكمت" سواء، إذ يقول:

إن أجمل الأيام يوم لم نعشه بعد /   وأجمل البحار بحر لم ترتده أشرعتنا بعد.

تحسن انتقاء الكلمات ذات المعنى والمدلول المحددين ليطمئن قلبها من وصول الفكرة الى جميع الاطياف في المجتمع أيا كان: محليا، اقليميا أم دوليا. فكر ينم عن ثقافة موسوعية عميقة، همها المخاطَبُ، ونكران الذات، والعمل القومي والفكر العربي هما ديدنها. ففي واقعة تشهد انتمائها للعروبة على المستوى العربي، ردت على الاستاذ فواز الملحم:"الحياة لا تقف عند احد، بل تلف وتدور، ولكل دوره، والله ليس بغافل عن أحد، لكننا في ذلك الوقت لن نتخلى عن أي شقيق عربي، ولن نسمح لاحد بالتكالب عليه، هذا هو ديننا وهكذا تربينا وعشنا في سورية..حينها سننسى آلامنا وجراحنا، وسنذكر فقط أن جميع العرب اخوة، وأن جميع الثيران تم اكلهم يوم اكل الثور الابيض". حقا هذه رسالة في منتهى الحكمة، والتصرف الايجابي تجاه من يخطئ، فلا مجال لديمومة اذكاء الفتن والحروب بين الاشقاء، فالتسامي فوق الجراح، ولم الشمل وتقوية اواصر الاخوة واللحمة هو ما تنادي به الاديبة" لما كربجها".

الكتاب هو عشقها وسميرها المخلص، لا تتركه الا حال الإنتهاء منه، أما الشعر فلا يروقها أو يثير اهتمامها الا اذا حلّقَ بها عاليا وبقيت آثارة عالقة في النفس والروح. من هنا تبرز نوعية القراءة-وليس الكمية- التي تتعامل معها الاديبة" لما". فقد سئل أديب مرة عن أعذب بيت من الشعر يروقه فقال هو البيت الذي اذا قرأته تمنيت لو كنتُ قائله. فثقافة أديبتنا لا تتوقف عند الموروث العربي فحسب، بل تتخطاها الى الاداب العالمية. لقد اطلعت على الاداب الغربية والشرقية، فهي تقرأ كل ما تقع عليه يدها من انتاج عربي او عالمي، وقد لاحظتُ مدى اطلاع الاديبة"لما" على الادب الروسي وتأثرها به وذلك من خلال استشهادها بآراء وأفكار عظماء كتّابه. في روايته"الاخوة الاعداء" ل" ديستوفسكي"، تتطرق اديبتنا الى حوار ذاتي بين "زوسيما" ونفسه إذ يقول:"الجحيم هو عذاب الانسان من أنه اصبح لا يستطيع أن يحب". وفي حادثة مشابهة، فاهت احدى صديقات الاديبة"كربجها" باننا لم نعد نحب بعضنا بعضا.وهنا تظهر سعة الصدر، وجرعة الايمان التي تسيطر على شخصية الاديبة حيث ردت:" الله يحبنا جميعا، وعندما نرفع ايدينا اليه وندعوه على اختلاف انتماءاتنا واتجاهاتنا ومذاهبنا لا يردنا خائبين، وانما يختار لنا الخير.

تعيش القاصة" لما" حياة توحُّد مع الوطن الذي تعشق، وهو في اعلى مراتب اولوياتها. كيف لا وهي سليلة اسرة وطنية مخلصة لتراب هذا الوطن المعطاء، وحكاية جدها تجسد ذلك في ذكرى عيد الجلاء. تتحف قراءها بجمل زاهية في الوطن وعنه، وتقدمها على طبق من ارقى الياسمين الشامي:"الزمن يمر والايام تمضي والناس تتغير، لكن الاشياء الثابتة تبقى على حالها مهما طال الزمن وتبدل، فالوطن يبقى انتماؤنا الاول والاخير، يبقى عزتنا وكرامتنا التي يستحيل ان نتنازل عنها، يبقى نبضا حارا متأصلا في روحنا ودمنا وحياتنا وعمرنا باكمله، يرفض أن يبقى مجرد كلمات تتخفى وراء الشعارات الرنانة". كلام الاديبة "لما" لا يخلو من تأثرها بما تمتلكه من ثقافة عالمية موسوعية، ويكأن ما حل بالعاصمة البريطانية-لندن- في 2/9/1666 من حريق لبعض الاحياء، ثم عودتها اشد عودا واصلب قامة، هو ما يعطيها القناعة بأن الوطن سيتعافى قريبا وبعون الله، ويعود اكثر قوة وصلابة وتالقا.

تنظر الاديبة "لما" الى شخصية ابيها بكل تقدير واحترام وإعجاب. كالطود العظيم يقف شامخا متحديا فلول المعتد الأثيم. يشاء الله تعالى أن يقيض على يديه ضربة موجعة في خاصرة اعداء الوطن والامة في "حرب تشرين التحررية". ضربة ملؤها الإيمان والعزم اطلقها صاعقة تجاه طائرة اسرائيلية، فهوت من علياء الكبرياء الى اسفل سافلين، تلثم الثرى لتتحول الى كتلة لهب ثم كومة فحم. لم يكن أباً فحسب؛ بل كان الأب والبطل والشجاع والقاص الذي ما فتئ يقصص على عائلته اروع القصص والبطولات التي خاضها هو شخصيا واترابه دفاعا عن ثرى الوطن.منحه الرئيس الراحل حافظ الاسد وسام البطولة، تقديرا لاخلاصه وتضحيته في سبيل الوطن. تمشي بجانبه ويكأنها تمتلك الدنيا بما رحبت؛ انها في ظل رجل عملاق ليس ككل الرجال، فطالما نفث في روعها وافراد العائلة كلاما ساحرا عن الوطن:" الوطن فخر واعتزاز، إن ضاع لن نجد له بديلاً سوى الذل والهوان، أحبوا بعضكم بعضاً، كونوا يداً واحدة، انطلقوا في الحياة من مخافة الله وﻻ تبنوا علاقاتكم الإنسانية على أساسات مادية". ما فاهت به اديبتنا القاصة" لما" في حق والدها لا يثمن، ولكنها توجز ذلك في كلمات قليلة، لكنها توزن بميزان الذهب:" لأجلك يا أبي .. يا وطني الأول سنكون الأفضل..أبي رجل كبير يشبه الأرض حنانا وصلابة، كنت عندما أمشي بجانبه اشعر بالأمان والثقة، بالقدرة على الحياة دون خوف".

الحروب مدمرة، تقتل، تسحق، تمحق، لا تبقي ولا تذر. تكرهها وتمقتها وتمج من يذكي جذوتها. في المقابل، تمد يدها للمصالحة مع الجميع من افراد وجيران واخوة، وربما تفشل في تحقيق المصالحة، الا أنها تصر على ترسيخها بدل العداوات المفتعلة. فالحروب تسببت في ازهاق ارواح الابرياء وتشريد الكثيرين الذين طرقوا ابواب الهجرة القسرية وما بها من عذاب جسدي ونفسي، وهذا ما يدمي قلب الاديبة"لما كربجها". ترأف بحالهم وتحنو اليهم وتتحسر على من أصبحوا لقمة مستساغة للحيتان في عرض البحر. تتنهد، وبقلب موجوع وتختم:"ولكننا لا نريد الرحيل عنك يا وطني".

وتختم اديبتنا بسؤال فلسفي قل نظيره:" الى اين نحن ذاهبون؟". ثم تستدرك، فتسيل الكلمات على لسانها رطبة مستساغة ندية، داعية الجميع الى التكاتف، وخاصة الاصدقاء المخلصين، مطالبة اياهم بالوقوف الى الي جانبها والترفع عن الصغائر والنظر لما هو اعظم: الوطن برمته، شماله وجنوبه، شرقه وغربه، ابناؤنا الذين يحتاجون منا نظرة جديدة للحياة.

 

بقلم: يونس عودة/ الاردن

سيف الديــن الولائـــي

tarik alrobaieكل نظام قمعي استبدادي وحالما يهيمن على مقاليد السلطة ،غالبا ما ترافقه جماعة من المداحين والمصفقين تُشيد بأمجاده الوهمية، وتُلمع صورتــه القبيــحة في عيـون الناس. ويقف في مقدمة هذه الجماعة الكثير من الشعراء والمطربين والملحنين، حيث إن للأغنية تأثيرها الكبير في خلق وتحديد اتجاهات الرأي العام نحو شخصية الدكتـاتور. وهذا ما حصل بعدما تسلم صدام السلطة إثر انسحاب مريب للرئيس السابق احمد حسن البكر في عام 1979. والملاحظ إن ظهور صدام رافقته موجه كبيرة من الأغاني الحماسية من جوقة المداحين والمتملقين والخائفين على حيــاتهم جعلت منه المنقذ للعراق، والفارس المنتظر الذي كانت تحلم به الأجيال . كان الجميع يتسابقون إلى الفوز برضاه، إلا ما رحم ربي من العراقيين الذين لم يستسيغوا أن يفرطوا بمبادئهم وقيمهم، وان يشوهوا تأريخهم بمدح طاغية والتغني على أعتاب قصوره الشامخة بدماء الأبرياء وعذاباتـهم .

ومن أولئك الأفذاذ الذين وقفــوا هذا الموقف المشرف هو الشاعر الغنائي الكبير سيف الدين الولائي . فقد امتنع عن الكتابــة حالما شاهد بأن سفينة العراق تتخبط في بحر لا قرار له يقودها قبطان معتوه . وكان لا بد للسلطة البعثية في بادئ الأمر أن تسترضي الشاعر وتُمنيـه بالمنصب والجاه قبل إتخاذ أية خطوة أخرى، فهو قمة شعرية عالية، وذا شعبية واسعــة، والكلمة التي تصدر منه تمثل إضافة كبيرة إلى رصيد الحاكم المستبد. وفي أول سنة من حكم الدكتاتـور عرض وزير الثقافة والإعلام آنذاك لطيف نصيف جاسم على الشاعر أن يتولى منصب رئيس جمعية الشعراء الشعبيين في العراق. وكان ذلك من المناصب المهمة التي تضفي على من يتولاها الجاه والشهرة وتقربه إلى السلطة وتغدق عليه الأموال . وكان الكثير من شعراء السلاطيــن يتنافسون على الفوز به، لكن الإجابة لم تكن كما يشتهي لطيف، فقد رفض الشاعر ذلك المنصب بإصرار، فاتحا صدره لرماح البعث المتوقعــة في مثل هكذا حالات. لقد أعلن التـــمرد .

إن سيرة حياة الشاعر سيف الدين الولائي انتهت بمأساة كبيــرة، وقد دفع لأجل مبادئه وقيمه ثمنا باهضا من الغــربة والتهجير وفراق الأهل، وحسرات لا تنتهــي على ضيــاع الوطن الذي عاش وتربــى وكتب أعذب أغنياتــه فيــه . تلك الأغنيات التي ما زالت إلى يومنــا هذا حاضرة في وجدان كل العراقيين، تستثير مشاعرهم، وتحفز عواطفهم، وتسمو بهم إلى فضاءات واسعة من الرقـــي والإنسانية . فبعد تهجيره إلى الحدود الإيرانية مع المئات من العوائل العراقية عام 1980، استقر به المقام في دمشق التي لم يلبث بها على قيد الحياة طويلا، فما لاقاه من الم وقهر وحرمــان وظلم كفيل بأن ينهك قلبه الضعيــف . فوافته المنية يوم 25-11- 1984 بعد رحلة حياة حافلة بالأبداع والعطاء، ودفن في مقبــرة الغرباء بجوار زوجتــه التي سبقته إلى العالم الآخر بفترة قصيــرة .

اليوم نحن أمام مسؤولية أخلاقية تجاه الشاعر الغنائي الكبير سيف الدين الولائي، مسؤولية تحتم على الجهات المعنية في الحكومة العراقية أن تعيــد لهذا الشاعر اعتباره، وتبرز مكانته العالية في عالم الفن والأغنية، وما تركه من آثار ايجابية في شخصية الفرد العراقــي . كذا عليها أن تعتز وتستذكر موقفه الشجاع الذي اتخذه إزاء أبشع دكتاتورية عرفها العراق في تأريخه الحديث، ولم يخضع لإغراءاتها وتهديداتها فدفع حياته ثمنا لتلك المواقف العظيمة . إن إطلاق اسم الشاعر العراقي الذي حاول صدام أن ينتزع منه عراقيــته على مؤسسة أو ساحة، أو شارع أو أي مَعْلَم آخر من المعالم الثقافيــة والفنية في بغداد يعد جزءاً من الوفاء لهذا الإنسان العظيم وتخليدا لذكراه . فكما إن الكثير من أسماء مؤسساتنا وشوارعنا قد تغيرت بعد سقوط الصنم بأسماء أخرى تعتقد الجهات المعنية بأن أصحابها ناضلوا وكافحوا ضد الطغيــان فإن سيف الدين الولائي لا يقل عنهم شأنا بل ربما تجاوزهم بكثير في الإبداع والتضحيــة.

للشاعر مئات القصائد التي تنافس على غنائها ألمع نجوم الطرب العراقي والعربــي ومازالت حاضرة بقوة إلى يومنا هذا . فمن تلك الأغاني، غريبة من بعد عينج يايمه – أدير العين ما عندي حبايب – من علمك ترمي السهم ياحلو بعيونك – أخاف احچـي وعليً الناس يگلون – عروسة والحبايب زافيها – ما اگدر أگلك مع السلامة روح والتي غنتها الفنانة الأردنية سميرة توفيق . ويبدو إن كلمات الولائي التي تفيض عذوبة وشجنا مع ألحانها المميزة أعجبت الذائقة الأوربية أيضا، فقد غنت له إحدى المطربات السويديات أغنية _غريبة من بعد عينج يايمه – كذا مطربة أخرى من النرويج غنت _ حرگت الروح لمن فارگتهم بجيت ومن دموعي غرگتهم ... وكِلتـا المطربتيـن اجادتــا في أدائهما إجادة رائعة ومؤثرة . رحم الله شاعرنا العراقي الكبير سيف الدين الولائي .

 

طارق الربيعي

قراءة في سجل الربان الكبير عصام عمسو

khadom finjanيتعذر على أي عراقي منصف - من الذين عملوا في البحر في حقبة الستينيات والسبعينيات - اختزال حياة الكابتن العراقي الراحل (عصام عمسو) بكلمات مختصرة، فقد غرس هذا الرجل مفاهيمه التعليمية الصحيحة في عقول وقلوب الرجال الذين تدربوا على يده. كان مثالا شامخا للرجل الملتزم، وكان رمزا متميزا من رموز الموانئ العراقية في أوج عظمتها، وفي قمة ازدهارها.

الراحل من مواليد بغداد في الخامس عشر من تشرين الثاني عام 1939، واسمه الكامل (عصام عبد المسيح عمسو). التحق عام 1951 بالمدارس البحرية البريطانية على نفقة الموانئ العراقية وهو في سن الثانية عشر، ووافته المنية في فلوريدا في الرابع عشر من آب عام 2015. كان رحمه الله من أوائل الملاحين الذين تلقوا تعليمهم البحري العالي في المملكة المتحدة، وكان يمثل أهم نجوم وعناصر الكوكبة الأولى، الذين طرزوا شواطئ العراق بفنارات متلألئة بالخير والعطاء الدائم، وتركوا بصماتهم التطويرية على واجهات الأرصفة، وفي منعطفات شط العرب. نذكر منهم شيوخ البحر من الربابنة الكبار: خالد الأسدي، ومضر سالم علوان، وطارق عبد الصمد النجم، ومحمود محمد أحمد المهنا، وعصام بني، وصبيح محمد صالح، وخلف صيهود سنباد، وباسم بلال، وسمير ناصر بولص، وصليوه يوسف، وضياء توفيق علي، وفاضل الجلبي، وباسل رؤوف صادق، الذين شاءت ارادة الحكومات الغبية أن يتأرجح مصيرهم بين خيارين اثنين لا ثالث لهما. أما الموت في الغربة، ومن ثم الرقود الأبدي في مقابر القارات البعيدة. أو الضياع في أرض الشتات من دون أن ينالوا أبسط استحقاقاتهم الوظيفية.

كان (أبو ميسون) أصغر مدير للشؤون البحرية، وأول مدير من الدفعات الفتية الأولى، الذين تلقوا تأهيلهم البحري العالي في المملكة المتحدة، لكنه وعلى الرغم من صغر سنه حقق نجاحاً فريداً في عمله، وكان له الدور الكبير في ارتباط العراق بالمنظمة البحرية العالمية، وله إسهامات مباشرة مع المشاور القانوني الأستاذ عبد الحليم جواد في صياغة قانون الخدمة البحرية المدنية، وفي تأسيس المدرسة المهنية البحرية، وفي تأسيس أكاديمية الخليج العربي للدراسات البحرية.

لو عدنا قليلا إلى الوراء لوجدنا أن الغالبية العظمى من الرواد الأوائل من العاملين في سفن الموانئ العراقية وسفن اسطول صيد الأسماك، وسفن النقل البحري وناقلات النفط، تخرجوا بإشراف وتوجيه الكابتن عصام عمسو، وعملوا معه عندما كان مديراً لدائرة الشؤون البحرية، كانت الحفارات في زمنه تعمل على مدار الساعة ومن دون توقف في جميع المقاطع الملاحية الضحلة، والممرات الضيقة. كان انتاجها اليومي يضاهي انتاج حفاراتنا السنوي هذه الأيام.

كانت السفن الخدمية العاملة بتوجيهاته تعمل من دون انقطاع، ومن دون عطلات مفتعلة، ومن دون تصرفات مريبة. وكانت عمليات المناورة والإقلاع والإرساء لكل السفن الأجنبية المترددة على الموانئ العراقية تجري على قدم وساق من دون حوادث. فالرجل الذي نتكلم عنه كان هو المايسترو المسيطر على تحركات السفن والوحدات العائمة في أدق مفاصلها المعقدة.

لا أذكر أنه دخل مقر الموانئ العراقية من دون ارتداء ملابسه الرسمية، ولا أذكر أنه صعد في يوم من الأيام إلى برج القيادة بملابسه الرياضية أو بقميص النوم، كان غليونه المعبأ بأفضل أنواع التبوغ يضوع بروائح النكهات المنعشة، وينفث سحب الدخان المعطر بالعزة والافتخار، فينشر عبق الأصالة والرقي في أروقة القسم البحري.

أذكر أنه (رحمه الله) كان شديد الحرص على تطبيق الأنظمة البحرية الصارمة، من دون أن يتحيز لأحد، ومن دون أن تكون لديه أية ميول طائفية أو عرقية، ولا أذكر اننا سمعنا بمفردات الفساد الإداري في تلك الحقبة المتميزة بالعفة والنزاهة والتكامل.

لكن حظوظنا البائسة هي التي حرمتنا من هؤلاء القادة الأفذاذ، فقد وقعت المناصب العليا في مرحلة الثمانينات بيد المتحزبين والوصوليين والانتهازيين والمتذبذبين والمتملقين والمتزلفين، الذين توحدوا جميعهم في استفزاز أصحاب الكفاءات النادرة، وتخصصوا بإزعاج أصحاب المواهب الرائعة، كان المتطفلون يعملون ليل نهار من أجل التخلص من هذه القامات السامقة، والاستغناء عنها نهائيا بأساليب كيدية واهية. فكانت محطات الهجرة هي الملاذات الآمنة للهاربين من المضايقات المستمرة، وهي الخيار الأفضل في مغادرة العراق إلى غير رجعة. وهكذا ألقى الكابتن (عصام) مراسيه في المرافئ الأوربية والغربية البعيدة، ليدير موانئها ويشرف على عملياتها المينائية، فكان هو العنصر الفاعل واللاعب الماهر في الملاعب البحرية الدولية.

رحل الربان عصام عمسو إلى جوار ربه، لكنه خلف وراءه عشرات الرجال والقادة من الذين ساروا على نهجه، والتزموا باستقامته، فكانوا هم الأوفياء لهذا البلد الذي تحامل عليه الغرباء وأصحاب العقول المعطوبة والنفوس المريضة.

كنت اتحدث معه عبر الهاتف المحمول قبل وفاته بعامين اثناء وجودي على ظهر سفينة الحاويات (MAG PEARL)، كانت فرحته لا حدود لها عندما سمع أخبار تلاميذه الذين حملوا على أكتافهم وزر إدارة أسطول الموانئ في أحلك ظروفها. كان مسرورا مبتهجا بما حققه لأهله ولبلده. وهذا هو الوفاء الوطني العظيم، الذي ظل ينير الطريق لأجيال وأجيال من الخبراء البحريين والمهنيين بدعم وتوجيهات هذا الرجل العملاق.

الرحمة والخلود لأبناء العراق الذين شاءت الأقدار أن يموتوا بعيدا عن أرضهم وديارهم، واللعنة الدائمة على الذين حاربوهم وتسببوا في تهجيرهم.

ربنا مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين

 

كاظم فنجان الحمامي

 

حينما يتخلص المفكر من هيمنة الأيديولوجيا

قرأت للرفاعي الكاتب، وعرفته انسانا، فوجدته من العراقيين القلائل الذي يمكن أن يقال عنه أنه تخلص وما زال بعيدا عن التبويب والتصنيف، أقول ذلك لأنه يسعى للحرية، ويشعر بقيمتها للانسان، ولأنه تخلص من هيمنة الأيديولوجيا، وأسر العقائد المغلقة، لينفتح على عالم الفكر الرحب، صار قلبه وعقله بستاناً لكل معرفة، يجتمع فيه الدين والفلسفة والتصوف والاجتماع وعلم النفس، وعلوم التفسير والتأويل ومناهج السيميولجيا.

كأن أركون يحاورك يارفاعي وأنت تحاوره، وكأن ملكيان تكتبه ويكتب نيابة عنك، علنا نستطيع أن نصنع شيئاً من صنيعك، في فك إسار الدين من مؤدلجيه، وفي سعيك للتعلق بأبستملوجيا الدين،كي يكون النص حراً مُلكاً للمتلقي، يفهمه حسب الطاقة والقدرة، بما يجعله انفتاحا في الرؤية، واشراقا للمعرفة بتنوعاتها حسب ثقافة المتلقي.                                

جمع الرفاعي فلاسفة ومفكري ومثقفي الشرق والغرب في مجلة واحدة، كأنه ينظر للوحة واحدة بألوانها المختلفة، كل لون فيها يزيد اللوحة جمالا وبهاء.

لقد وجدنا نيتشه، ووجدنا ملكيان، حاور أركون، وشغف بسورين كيركگورد، حاور شبستري، واهتم بفلاسفة التأويل (شلايرماخر، وغادامير، وبول ريكور). كذلك ساح في رحابة وحدة الوجود لابن عربي، فكان سبينوزا ينطق وحدة للوجود، تجمع الطبيعة الطابعة مع الطبيعة المطبوعة، فكأن الوجود وجهان لعملة واحدة، روحان حللنا بدنا.

لأن قضايا اسلامية معاصرة، هذه المجلة كانت بادارة عقل مثل الرفاعي، فقد كون لها معجمها المفاهيمي الخاص، الذي يعبر من الخاص للعام كي يحضر فيه، ومن العام للخاص لتنشيط الوعي بالهوية.

استطاع الرفاعي ان يجمع ثقافات الاختلاف والتنوع على قاعدة فاليري (الذئب مجموعة خراف مهضومة)، لتنصهر في ثقافة الثقافة وفكر الفكر، خالصا للانسان حينما يريد أن يبقي على انسانيته، بوصفه كائنا خلاقاً بمعزل عن المكان، لأن الابداع لا مكان جغرافي له.

   نعم له مجال فكري حيوي، استطاع الرفاعي تأسيسه بمجلة قضايا اسلامية معاصرة، ومركز دراسات فلسفة الدين، وسلسلاسل كتب: فلسفة الدين وعام الكلام الجديد، تحديث التفكير الديني، وفلسفة وتصوف، وكتاب قضايا اسلامية معاصرة .. فاستحق بجدارة لقب الانسان المؤسسة، أو المؤسسة الانسان، بجهده الفكري، وبقدرته على التواصل مع الآخرين، حينما يعلنون محبتهم للانسان.  

ارتقت معاني الاختلاف في قاموس الرفاعي، لتعانق الحب والتسامح والتعايش، من أجل أن تحقق الأنا وجودها، الذي يعرف بوجود الآخر، فالذات عينها كآخر كما يقول ريكور.

لذلك وجدنا مفكراً مثل الرفاعي، يذهب للاشتغال في مباحث تسمو بنا، لتحقيق انسانيتنا، ببعديها الروحي الوجداني والعقلاني البرهاني، حينما يذهب مع علم الكلام الجديد لكسر دوغمائية علم الكلام التقليدي، ولفلسفة الدين للخلاص من وصاية المشايخ الوثوقيين، ومسيسي الدين.

   وجد الرفاعي أن خلاص الانسان يبدأ من معرفته لذاته وقدراته، على قاعدة سقراط (إعرف نفسك)، لأن من عرف قدر نفسه لا يعرف ربه فقط، بل يعرف قدر الآخرين. إذ يعرف طاقاتهم، امكاناتهم، فيضعها موضعها الصحيح، لا على اساس المتبنى الايديولوجي والعقائدي، بل على أساس الابداع والفاعلية في مختلف المجالات.

هكذا تجتمع انسانية الرفاعي، ببعديها العرفاني والبرهاني، بنظرته المحايدة والايجابية للابداع، سواء كان من شرق الكرة الأرضية أم من غربها، من شمالها أم من جنوبها.

ما بال الكثير من متأسلمي السياسة لا يسمعون صوت هذا الرجل، ما بالهم نسوا قيمة الدين الانسانية في تحقيق العدالة الاجتماعية، التي غابت بوجودهم على رأس السلطة .. أعان الله الرفاعي.

 

د. علي المرهج

أستاذ الفلسفة في كلية آداب المستنصرية ببغداد.

كنت في بيت غوغول بموسكو

لأن غوغول لا يمتلك بيتا ولا عائلة في روسيا (رغم انها جارت عليه فهي عزيزة طبعا!)، كان الاصدقاء يفتحون له أبواب بيوتهم ويستضيفونه فيها بكل رحابة صدر وحب ولأي فترة يشاء، وهكذا استقر غوغول في الثلاث سنوات الاخيرة من حياته في هذا البيت، الذي تحول الان الى متحف في غاية الروعة والجمال والرشاقة والروح الابتكارية الابداعية، (المتحف الذي يساعد الناس على فهم غوغول بشكل أعمق ) كما قال عنه أحد النقاد .

عندما اقتربت من سياج ذلك البيت، هذا السياج الذي رأيته عشرات السنوات وعشرات المرات في الصور الموجودة في الكتب والمصادر الروسية العديدة حول غوغول، (والذي كنت أحلم ان ازوره يوما كي أشاهد تلك الجدران التي احتضنت غوغول أواخر ايام حياته)، أقول، عندما اقتربت من ذلك السياج بدأ القلب ينبض بشكل غير اعتيادي، وتذكرٌت شاعرنا العربي العاشق، الذي كان (يقٌبل ذا الجدار وذا الجدارا)...، ولاح تمثال غوغول في الفناء أمام ذلك البيت، هذا التمثال الذي افتتحوه في موسكو عام 1909 لمناسبة الذكرى المئوية الاولى لميلاده، والذي لم يكن يحبه ستالين عندما كان يمر يوميا جنبه عندما كان يذهب للعمل في الكرملين، والذي – بسبب هذا اللاحب – رفعوه ووضعوا بدلا عنه تمثالا آخر لغوغول يتناغم مع مفاهيم ستالين وافكاره، (انظر مقالتينا بعنوان قصة تمثال غوغول في موسكو / و/ عود على قصة تمثال غوغول في موسكو) . وقفت عند هذا التمثال الخالد للنحات الروسي أندرييف، الذي صبٌ فيه كل أفكار غوغول وابعادها المضحكة والمبكية والحزينة والغرائبية والعميقة والمتنوعة والواقعية والخيالية ....الخ.. وتأملته بامعان   وهو جالس ويرتدي (معطفه) العتيد ملتفتا قليلا الى اليسار ويحدٌق فيما يجري حوله بحزن شديد (و كدت أقول برعب هائل)، وفي اسفل قاعدة هذا التمثال وجدت كل أبطال غوغول يحيطون به من كل الجوانب، وتأملتهم بدقة وتحدثت اليهم (وعنهم) مبتسما، اذ انهم اصدقائي . ها هو ذا خليستيكوف – المفتش المزيٌف متحدٌثا مع بوبتشينسكي ودوبيشينسكي المرعوبين منه، وها هو تشيتشيكوف يشتري ألارواح الميٌتة للفلاحين الاقنان من الاقطاعيين هنا وهناك وملامح الخداع والحيلة واضحة في عينيه، وها هو تاراس بولبا بخصلة شعره الغريبة شاهرا سيفه العتيد في تلك المعارك الرهيبة، وها هو الموظف المسكين اكاكي اكاكيفتش مرتديا معطفه الذي طاف به بلدان العالم ولا يزال، وها هو بطل قصة الانف يركض مندهشا وراء الانف في شوارع بطرسبورغ ، وها هو ذاك الذي يحمل اطار لوحته التي سيخرج منها البطل حيا، وها هوذاك وها هوهذا وها هو ...آه ما أكثرهؤلاء الابطال الغرباء الاطوار والمجانين ولكنهم – مع ذلك - يحيطوننا في كل مكان وزمان ويعيشون معنا لحد الان ويشاركوننا – شئنا أم أبينا - كل الهموم والمعاناة والمصائب في حياتنا اليومية الكئيبة والمعقدة والصعبة...

أترك التمثال وتلك ألاجواء المحيطة به وأفتح باب البيت - المتحف وأدخل. أدفع ثمن البطاقة . في الغرفة الاولى أرى معطفا معلقا عند المدخل . انه طبعا نفس ذاك المعطف الغوغولي الشهير. أنظر اليه بامعان وتأمٌل وابتسم . امام المعطف يوجد صندوق حديدي يحتوي على تلك الحاجيات البسيطة للموظف (العالمي!!!) المسكين . انتقل الى الغرفة الاخرى، واسمها غرفة المفتش. هناك نفس تلك المنضدة التي جلس خلفها غوغول وهو يقرأ نص مسرحيته الشهيرة . نجلس على مصطبة امام تلك المنضدة وفوقنا صورة القيصر الروسي الذي حضر العرض الاول لتلك المسرحية عام 1836، ونستمع الى جملة غوغول في بداية تلك المسرحية الخالدة عن دعوته لاعلامهم بالنبأ الاكثر ازعاجا وهو الخبرعن امكانية وصول المفتش الى بلدتهم ... ثم ننتقل الى الغرفة الاخرى حيث سرير غوغول والمنضدة التي كان يكتب عليها واقفا . كم هي متواضعة تلك الغرفة، والتي كان يستقبل فيها اقرب الاصدقاء .جنبها كانت الغرفة الرهيبة، والتي تحتوي على موقد التدفئة، وامامها الكرسي الذي جلس عليه غوغول امام ذلك الموقد وأخذ يحرق الجزء الثاني من روايته العظيمة – (الارواح الميتة) وبقية أوراقه الاخرى وهو يحدٌق فيها بحزن . واجتمعنا هناك، وأغلقوا الستائر، وأشعلوا المدفأة كهربائيا، وبدت الاوراق تحترق امامنا . آه يا له من منظر مؤلم ورهيب وحزين . ثم ننتقل الى الغرفة المرعبة، والتي توفي فيها غوغول. يجلسوننا على مصطبة وامامنا مرآة قديمة على واجهة دولاب قديم، وخلفنا القناع الذي عمله نحات لوجه غوغول عندما توفي . يوجهون حزمة ضوء (بروجكتور) على القناع بعد ان يسدلوا الستائر وتصبح الغرفة معتمة، ووراء القناع تلك الاريكة التي توفي عليها غوغول، ونرى في المرآة وكأنه راقد هناك وقناع وجهه وكأنه يضطجع على الوسادة وقد فارق الحياة، ويصدح مع هذا المنظر الرهيب غناء كنسي حزين يصاحب عادة تلك الاحداث . يستمر هذا العرض عدة دقائق ويتحسس المشاهد كل تلك الاجواء الرهيبة والحزينة عندما رحل غوغول عن الحياة ، وبعد ان ينتهي العرض نرى تمثالا من البرونز عنوانه – غوغول الذي يموت، يجسٌد الكاتب وهو شبه جالس على كرسي والالم ينعكس على وجهه بشكل واضح وعنيف . ننتقل بعدئذ الى الغرفة الاخيرة، حيث يعرض هذا المتحف لوحات مجسٌمة لنتاجات غوغول مع موسيقى تتناسب وتلك النتاجات، وهناك شاهدنا لوحات مجسمة ومدهشة جدا لتلك الاعمال الابداعية له . لقد وقفت طويلا عند لوحة مجسمة لقصة شارع نيفسكي وقد صورها الفنان رأسا على عقب، لدرجة ان احد المشاهدين لم يستوعب الفكرة وسأل – (لماذا الشارع بالمقلوب؟) فضحكت المشرفة على تلك الغرفة وقالت له – (اسأل غوغول)، أما اللوحة التي تجسٌد قصة يوميات مجنون فقد كانت تصوٌره وهو يبحلق في الفراغ ويعلق قلما في منتصف جبينه شامخا أعلى من رأسه رمزا للتاج، اذ ان المجنون يعلن في نهاية القصة انه ملك اسبانيا، لكن الجميع لا يعترفون به، وكانت اللوحات الاخرى لا تقل روعة وجمالا،وخصوصا تاراس بولبا والمفتش والارواح الميتة ...الخ تلك النتاجات الابداعية الخالدة لغوغول .لقد وقفت طويلا وأنا اتامل هذه الاعمال الفنية لدرجة ان مسؤولة المتحف انتبهت الى ذلك وسألتني – من أي بلد انت؟ ولما قلت لها انني عراقي اندهشت بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى وقالت لي انني أول عراقي تراه يزور متحف غوغول ويتأمل المعروضات بهذا الشكل ويهتم بكل تفاصيلها ويتفحصها بدقة، وطلبت منٌي أن أكتب في دفتر الزيارات شيئا – ما عن انطباعاتي، فكتبت بالعربية جملة حول هذا المتحف واهميته بالنسبة للكاتب العظيم والذي يعرفه القارئ العراقي والعربي عموما، والذي نقرأ نتاجاته الخالدة بلغتنا العربية منذ سنين طويلة ونتفهمها بعمق .

ان هذا المتحف الفريد بكل معنى الكلمة من نوعه فعلا يستحق ان يكون رمزا ونموذجا لمتاحف الادباء في العالم (وكم نحن بحاجة الى تلك المتاحف في العراق، رغم ان التمني رأس مال المفلس !!!)، اذ ان هذا المتحف لا يعرض فقط ما بقي من كتب ووثائق وأثاث لغوغول، وانما يعرض تاريخ نتاجات الكاتب وتجسيدا تحليليا فنيٌا وعميقا لتلك النتاجات ،وضعتها أيادي فنانين متخصصين كبار درسوا بدقة ابداع غوغول، اضافة الى مسيرة حياته، وكل ذلك يؤدي طبعا الى التغلغل في أعماق تلك النتاجات واستيعاب قيمتها الفنية الحقيقية .

 

أ.د. ضياء نافع

 

عبور تقية الكتابة .. على هامش ماكتبه عبد الجبار الرفاعي

abdullatef-herzأدب البوح نادر بين العرب، وأندر بين المفكرين منهم بالذات، وأندر بين الإسلاميين على الإطلاق. فكأن الذات تجد في الحديث عن هواجسها جزءاً من ممارسة التأنيب لها، الذي يفصمها عن وحدانية الفرد المُبدع والاستثنائي، حيث الاعتراف يعني النقص والاتهام، بحسب الثقافة النرجسية المُترسبة في الوجدان الجمعي، القائم على صنع الأقنعة.

لقد كان فكرنا مضطربا مع أناه. فكر عاطفي يهرب من الصراحة مع عاطفته، فانتهى الى جمود في القول وانسداد في الفعل.

لكن شيخنا عبدالجبار الرفاعي عاد من رحلة المنفى إلى رحلة الوطن، ومن سيرة التراث إلى سيرة الفلسفة والعرفان، ومن سيرة النقد إلى جدل العاطفة, ومن سيرة النخبة إلى أورو ولجش وأوما في أرض سومر. فها هو السردي ينتقد البرهاني، وهاهو الوجداني يُراجع التحليلي. لقد انتقد المنفى كثيراً، و قد آن للوطن أن ينتقد مرحلة المنفى. نحن بحاجة إذن للحديث عن الجرح النازف، فمجرد الكناية والإشارة لم تعد كافية للفهم، ومقاومة مصادر القبح والفساد في السياسة، وفي الفكر.

ها هو ذا عبدالجبار الرفاعي ينشر مقالات جديدة حديثا، في نقد ذاتي لتجربته، كيف دخل في الأيديولوجيا، وكيف تحرر منها. ما الذي كان على ابن مدينة الرفاعي في الناصرية، حين جذبه سيد قطب، ثم محمد باقر الصدر، لينخرط في الجماعات الإسلامية، ومشاغل السياسة المباشرة، وما الذي أخرجه منها، ليلتقي استاذ الفقه الرفاعي بفيلسوف الكينونة والزمان هيدغر، ويتصفح شيخ علم المنطق الأرسطي الرفاعي، وأستاذ بداية الحكمة ونهاية الحكمة للطبابطائي الفيلسوف الدانماركي المؤمن كيركگورد، وابن عربي وجلال الدين الرومي، وغيرهم من فلاسفة وعرفاء ومتصوفة الشرق والغرب، فإذا بالرفاعي ناقداً لشريعتي، مُترجماً لمثنوي الرومي، صريحاً مع ما قرأه، وكوّن ذاته المفكِّرة، وصريحاً مع أصدقائه الذين كونوا جزءاً من ذاته العاملة. حيث شجاعة الوجود شرط المعرفة الشجاعة.

ها هو ابن ريف الرفاعي يقف يتأمل الجذوع، بعدما كان قد رمى البذور. كل شيء يخرج من القوة إلى الفعل، إلاّ نحن نبقى في مرحلة الهيولى، وحيرة اللافعل، أو نتقهقر فنعاكس الحركة الجوهرية، في عذابات من الأحزان بعود أبدي من الخسران.

لقد تعبنا في بستان الوطن كثيراً، فلماذا سِلال الحصاد فارغة، إلاّ من الحجارة؟!

قبل هيغل أم لم يقبل، فإن السؤال وحده هو الفكرة الشاملة،كل ما عداه فكرة ناقصة. وصداقة لا تحتمل السؤال هي رِفقة مزوّر.. وطن لا أسئلة فيه سوف يُصاب بالشيخوخة المبكّرة. لذا يشعر الشباب العربي اليوم بتناقض بينهم وبين أوطانهم، فهي قد فُصّلت على مقاسات المقبورين، وليس الأحياء المُراقبين.

لابد أن تُنشد ما لا يشبهك، كي تصل إلى الذي ينفعك. وكاره الاختلاف سيقتل حتى التشابه. وفي خناق الاكتفاء بالادعاءات، وغياب البرامج التطبيقية، جفت منابع الإلهام، وغابت القدوة الحسنة التي تجعل صعاب الحياة مُحتملة من قبل الشباب وطاقات المجتمع الجديدة. وكيف يُمكن ذلك، مادام هناك جمود في مراجعة وانتقاد المشاريع السابقة؟!

نحن بحاجة إلى معلّم حقيقي يرفع الروح المعنوية، عبر تسجيله لخبرته العلمية، كيف تكوّنت وإلى أين انتهت، كي نُدرك حقيقة مصائر الإطروحات التي مضت، ويمكن عدم تكرارها في الإطروحات التي سوف تُمضى.

أزمتنا السياسية هي أزمة أخلاقية وأزمة روحية، لذا لا ينفع معها أي حل اقتصادي وتغييري في مراتب السلطة وشكل الحُكم.

لقد ماتت الاتجاهات المثالية التي عاشتها الأجيال السابقة، بل صار حولها غبار كثيف، وتساؤلات تبلغ حدّ الاتهام، بل الإدانة، فالخراب الكبير الذي نعيش فيه أكبر بكثير من أن يكون وليد مرحلة واحدة.

لكن من الذي سيفتح لنا قلبه، ويحدّثنا صراحة عن حقيقة التجربة السياسية والمعرفية، التي قرأت الوطن والدين والروح والقلب والثقافة بعيون مُحدّدة الألوان؟!

في رسالته الأخيره لصديقه التاريخي، القائد في حزب الرفاعي القديم حزب الدعوة، يخرج الشيخ الرفاعي من جدل قراءة الكتاب التدويني إلى قراءة الكتاب التكويني. من قراءة الوجود المكتوب إلى كتابة النص الموجود .. يسائل الرفاعي الناس الذين هم سطور في كتاب حياته .. بعضهم كان شغوفاً بالحروف، واليوم هو جزء من شغف استراتيجيات القوة، ومناصب الزعامة الدينية او السياسية.

لكن أن وجد شيخنا الرفاعي نفسه قد عاش أعماراً متعددة، حيث اضافت له الكتب والنظريات والفلسفات خبرات عديدة، وسّعت وجوده العقلي، فإنه وجد أن عُمره الذي (أكلته الحروف) قد أكلته الحروب أيضاً.

لقد قلصّت تجارب أصدقاء السياسية من سعادة الأنا, خاصة في منعطف تاريخي بات الكتاب فيه للجميع، وبات الوطن للا أحد!

(مناسبة جميلة للبوح ببعض جروح الروح، وأنين تراب وطننا المنكوب العراق). هكذا يُعبّر الشيخ عبدالجبار الرفاعي الذي انزلق ضماد جراحه القديمة، ليهدر صوتُه جرحَه، وينفلت انتقاده بصرخة مسائلة عن الذي كان، وكيف أنه نقيض الذي هو كائن.

لقد انتهى قوس صعودنا في المنفى ونزولنا في عودتنا إلى الوطن، لكن الأنين القديم ذاته لم يتغيّر, ألا يوجد غير الألم حكمة في هذه البلاد؟!

ها هو ذا الرفاعي بعد صمت طويل عن تقييم تجارب الأصدقاء يخرج عن ما أُسميه بـ (تقية الكتابة). التي لولاها لتاهت طاقة الرفاعي الكبيرة في دهاليز وأزقة المصالح والضغائن التي لا تنتهي. لكن بعد رحلة قطار إبداعي طويل يتوقف نظر الرفاعي على جسر الأيديولوجيات التي عبرها ذات يوم.

حيث يشدد الرفاعي على أنه: (لا يبقى في ضمير الأيام إلا المنجز الحقيقي والموقف الشهم، وعلاقات الثقة الصادقة) .. تلك القيم التي تُعليها الثقافة، وتُهينها السلطة.

حيث انتهت الأحزاب الاسلامية في وطننا بما يخالف الأطر الشرعية والروحية الأخلاقية التي كانت تدعو إليها وتبشر بها، وتتصادم مع ضروريات الإنسانية التي كانت تحتفي بها.

إنها قيم مُتمزقة في قيادات متخبطة. هؤلاء لم يصلوا الى هذا الخراب العام، لو لم يكونوا هم أنفسهم يعانون من خراب خاص، فالسلام الروحي لا يصنعه وسواس التدمير وانطفاء القلب والروح والعقل، فلا التقوى ولا المدنية حالة صوتية.

ولم يصبح باب الحوار السياسي مسدودا، وممانعة بناء الدولة شديدة، وتخريب الحياة السياسية في وطننا العراق غاية، إلاّ بسبب كون القائمين في السلطة لم يدخلوا عملية التهذيب النفسي، والتربية الروحية الخُلقية، وبناء العقل، لذلك أخفقوا في نقد الذات وإصلاحها.

فمن لا صوت غفران له مع نفسه، يستحيل أن يصل إلى حالة من السلام والاندماج والتفاهم مع غيره. ومَن لم يع الإحسان، سقط في ذهنية التآمر والعدوان والضغينة.

تلك حكمة حياة يعتز بها الرفاعي، ذلك إنه بلغ حكمتها بمشقة الصراحة مع الذات، التي باتت تحتاج إلى تكملة الآن بالصراحة مع الآخرين.

(ثقافة المسافة) لا يعيها إلا من جاهد نفسه بتشذيب، و إثراء العقل العملي والنظري، فيكون قادراً على وعي الوجود، كاختلاف جدير بالاحترام، حيث الوجود حقيقة مُشككة، وليست حقيقة شكوكية مرتابة ومعادية.

إن من يرى الوجود متعدداً مختلفاً ولوداً بالجديد، هو ذلك القادر على الاعتراف والبداية والاستفادة من الآخرين، أما الغارق في نرجسية الذات فهو يرى نفسه مُنتهى وليس بداية.

هنا يُذكّر الرفاعي أصدقاء الأمس بمحدودية الإنسان، التي تجعله من الطبيعي أن يفشل ويتعلّم، ولا مبرر أن تكون في السلطة، فتنسى حقيقة كينونتك. يكتب الرفاعي: (علّمتني تجارب الحياة أن الاعتراف بالفشل، والتحري عن أسبابه هو بوابة النجاح، بل أدركت أن الفشل الحقيقي هو العجز عن اكتشاف الفشل، أو التنكر له)، لكن أي حزن يتفجّر بالرفاعي الصموت بأن يردد: (أتفق مع الجميع/أختلف مع الجميع)؟!

إنها خطوة المثقف مع حشد السياسيين، إنه حزن الصامت في زمن الثرثرة، هي خطوة وحيدة، لكنها خطوة العابر، بينما أولئك خطوات شتى متضاربة ودائرية متخبطة، لم تستطع عبور جسر الأمنيات، ولا جسور التحّرر، هي لازالت داخل النمط القديم من صورة العالَم ما قبل المراجعة، وتلك هي التي لا يريدها الرفاعي، وهو حزين أن رفاق كُثر من زملائه، لازالوا فيها ماكثين أحقاباً.

في المرحلة المبكرة من حياة الرفاعي كان الاسلاميون يتحدثون عن جهادهم من أجل العدالة الاجتماعية، وكانوا يعانون من مطاردة حزب البعث في عملهم الدعوي والتنظيمي، وكانوا جسورين في اقتحام مبدأ التقية بمفهومها الفقهي، حيث كانت الخمسينات من القرن العشرين تعتبر الحديث عن العمل السياسي كسر لتاريخ الصمت الموروث لدى بعض فقهاء ما بعد العهد الصفوي والعثماني والقاجاري، وتجربة الشيخ النائيني وأستاذه الآخوند محمد كاظم الخراساني الأليمة.

الخطاب السياسي وتأسيس العمل التنظيمي مرحلة عاشها الرفاعي بكل وجدانه، كشاب مسلم متوقد جسور، يحمل هموم المصالحة بين دينه وعصره، في مواجهة أشرس سلطة قمعية بوليسية،كان يقودها أعنف دكتاتور آنذاك.

لقد ذهب كثير من أصدقاء للرفاعي في حزب الدعوة ضحايا، ذابوا في تيزاب التعذيب، ومقاصل المشانق، وأستنزف أرواحهم الاعتقال والمنفى

الرفاعي الآن شيخ في الستين، ينظر من شرفة خبرته العملية والنظرية إلى نهاية السُلم الطويل من الذكريات، فيُفاجأ أن لا كثير حوله في شُرفة التأمل والمراجعة، وأن الكثير قد تركوا ذلك الواحد يرتقي سلالم العطاء الفكري، وثراء الإصدارات الكثيرة المتنوعة لوحده، بينما هم قد اشغلتهم الحديقة الخارجة للارتقاء، حيث متعة السلطة، وكثرة المغانم الآنية.

لقد كان حزب الدعوة في مرحلته السرية والنضالية أمل الجماهير، فإذا هو اليوم يقود السلطة في وطننا، واذا بالجماهير تتظاهر ضده،كعنوان بارز في تشكيلة حكومية فاسدة، ومن عبث الأيام أن البعثيين صاروا ينتقدون سياستيه الداخلية والخارجية، بينما كان حزب الدعوة ينتقدهم في الغابر من الأيام المتشابهة الأخطاء والوجع.

ماذا يفعل الرفاعي، ألا يعلم أن الذين ينتقدهم ليسوا مجموعة من الجهلة بل هم نخبة، أخطاؤها ليست عن جهل، بل عن علم؟!

هنا يكون البوح الوجداني مِراساً نقدياً، وسرد التجربة الشخصية نوعا من آلية تأويل لمسألة كلية.. هؤلاء قد اعتادوا منطق العنف، فلماذا لايتم استخدام لغة اللين، فلنعد نستنطق القلب مرة أخرى، ذلك الطفل الذي ضيعناه في الصدر، وحجبناه في اللافتات والألقاب. لماذا لايتم تقديم الصداقة كرسالة، والاستذكار العاطفي الأدبي كأسلوب؟!

الرفاعي الذي بصّرته القراءة برحابة الوجود، أحزنته الصداقات القديمة بتضييق الوجود، وجعلته يشعر بمزيج مُرّ من الغربة في العالَم. فهل يستطيع الحرف مواجهة السلطة، عبر تحويله إلى جرس يُقرع فيه نداء الضمير؟!

هنا يمثل مقال شيخنا الرفاعي صيحة، كونه تذكيراً بالسؤال الذي أضعناه، حينما تم قبر فكر الدعاة في السلطة. إنه السؤال الجوهر الذي زوّره المظهر. إنه سؤال ما قبل السلطة، حينما كان خطاب الإسلاميين موجّه لبناء السلطة وليس الغنيمة.

في مِران المراجعة لا يجد الرفاعي سوى بهاء اللغة الصوفية، وخطاب الوجدان، والاستذكار عبر خطاب الألفة، وحنين الصداقة، سبيلاً لرفع الستارة، كي يشع ضياء الصباح، لقوم بات الليل طبيعتهم الثانية.. ومخلوقات كهذه هي بالتأكيد لم تعد تقرّ بالعدالة، إلاّ بكونها ضرب من المجاز، والأسطورة التي لا تقع!

 

عبداللطيف الحرز

...............

للاطلاع

أتفق مع الجميع .. وأختلف مع الجميع : د. عبد الجبار الرفاعي

http://almothaqaf.com/index.php/memoir/897608.html

 

إسلاميو السلطة (32): مؤامرات البيت الشيعي من أجل الحكم

salim alhasaniخطوة واحدة بين المبادئ وبين المنصب، هي مسافة لا قيمة لها في رحلة العمر، لا أهمية لها في سفر المسافات الطويلة، لكنها عند كرسي المنصب تتسع بجنون، فتصبح أطول المسافات. وتتحول عندها المبادئ والقيم والأصدقاء والتاريخ مجرد كلمات تافهة. إنها الخطوة التي ضاع فيها الرجال وتاهت عليها الكيانات وتقاتل في سباقها الأخوان.

ليس لهذا الكرسي قواعد ثابتة، فقد ناله الذكي والغبي والقوي والضعيف، لكن القاعدة الثابتة والتي لا يصدقها من يناله أنه لا يدوم لهم.

كان الصراع على كرسي رئاسة الوزراء في ربيع عام 2006 قد بلغ ذروته، وتحول لهدف مباشر للبعض وغير مباشر للبعض الآخر، كان هدفاً للدكتور إبراهيم الجعفري والسيد عادل عبد المهدي والدكتور حسين الشهرستاني. وكان وسيلة إبتزاز من قبل حزب الفضيلة الذي يتزعمه الشيخ محمد اليعقوبي، فقد زج بأمينه العام الدكتور نديم الجابري في قائمة التنافس من أجل أن ينتزع أكبر قدر من المكاسب من بقية المتنافسين، فمن يدفع أكثر فستكون له أصوات حزب الفضيلة داخل الإئتلاف الوطني. وقد تقلّب مفاوضو الفضيلة مرات عديدة في دعم المتنافسين الثلاثة، مع انهم كانوا يوقّعون بأيديهم على ورقة الاتفاق لكنهم يأخذون الورقة ليساوموا بها المرشحين الباقيين، لكي يزيدا الدفع.

قبل يومين من التصويت على مرشح الإئتلاف الوطني لرئاسة الوزراء، وكان حزب الفضيلة قد وقع اتفاقاً لمنح اصواته للدكتور إبراهيم الجعفري، وفي ساعة متأخرة من الليل تجاوزت الثانية صباحاً، اتصل ممثلهم بسكرتير الجعفري الخاص السيد اياد بنيان، يخبره بأنهم يريدون وزارة إضافية وإلا فأن أصواتهم ستذهب الى منافسه السيد عادل عبد المهدي. وقد تصرف اياد بنيان بشجاعة حين أجابه بانه لن يستطيع اخبار الجعفري في هذه الساعة المتأخرة، لكن على حزب الفضيلة أن يعتبر أن هذا الطلب مرفوض بشكل قاطع.

فاز الجعفري على منافسه عبد المهدي بفارق صوت واحد، وتوجه قادة الإئتلاف الوطني الى منصة المؤتمر الصحفي لإعلان النتيجة رسمياً على وسائل الإعلان، لكن السيد عبد العزيز الحكيم رحمه الله، انسحب بعد لحظات في حركة لا تخطئ العين أنه خرج ناقماً من معركة لم ينتصر بها.

عاش السيد ابراهم الجعفري ما يقرب من أسبوعين في واحدة من فترات السعادة الغامرة، حلّق فيها على بساط الأحلام، يجوب قارات الخيال واحدة واحدة، يرتشف جرعات النرجسية من منابعها الصافية، ثم يعود فيجد نفسه بين مستشاريه يسمع المقترحات والآراء، يسمعها خشنة، فيقصد غرفته الخاصة يريح أذنيه بالصوت الناعم.

فوجئ الجعفري بتصريحات صاعقة من السيد جلال الطالباني يرفض فيها تكليفه بتشكيل الحكومة، ويدعو الى اختيار مرشح آخر لرئاسة الوزراء. كان تصريح الطالباني في حقيقته، الإعلان عن نهاية الاتصالات واللقاءات السرية، وبدء عملية تنحية الجعفري. وقد كان للسيد عبد العزيز الحكيم رحمه الله دوره المحوري في إقصائه.

وقد تلاحقت الاجتماعات والمداولات، وكان معظمها يجري بطريقة سرية، حيث وجدها كل طرف فرصة مناسبة للمساومات، ومحاولة الحصول على اكبر قدر من المكاسب، فأجواء الأزمة في العراق، تتفتح فيها أبواب التجارة والصفقات والامتيازات والمال الوفير.

شعر الجعفري بالخطر على مستقبله السياسي، فحاول أن يستعين بقيادة حزب الدعوة ليقفوا الى جانبه، لكن تفاعلهم معه كان بارداً، فلقد عاملهم باستعلاء مكشوف على مدى الفترة الماضية، لكن الحاجة دفعته الى محاولة استبدال الفتور المتعمد بالمودة المصطنعة. وبالمقابل بادله معظمهم بالاستجابة المفتعلة. ولم يكن ذلك السلوك خاصاً به وبهم، بل هو سلوك عام يطبع كافة الكتل السياسية من كل الاتجاهات والمذاهب.

جلس الجعفري في أحد الاجتماعات في حديقة قصره مع السيد علي الأديب والسيد نوري المالكي والدكتور حيدر العبادي، وقد كان الاجتماع ساخناً، حيث وجه كلامه الحاد للعبادي، يكاشفه بنبرة غاضبة أنه يجري اتصالات سرية من وراء ظهره مع السيد الحكيم لإبعاده عن الرئاسة وأخذ مكانه. وقد شعر العبادي بحرج شديد، وكان بين فترة وأخرى يضع كلتا يديه على وجهه من شدة الإحراج.

والحقيقة أن السيد حيدر العبادي لم يكن هو صاحب المبادرة في الإلتفاف على الجعفري، إنما استغل السيد عبد العزيز الحكيم بساطته وسذاجته، فأراد ان يقدم له عرض ترشيحه لرئاسة الوزراء، من أجل ان يوجه الضربة الموجعة لموقف حزب الدعوة. ويبدو أن إغراء السلطة جعله ينسى وجود شخصيتين قويتين بعد الجعفري هما الأديب والمالكي، مثلما نسي أنه أحد أعضاء القيادة وعليه أن يستشيرهم على الأقل قبل ان يقرر في مسألة حساسة كهذه.

شجعت مساعي السيد الحكيم رحمه الله، الأطراف السنية والكردية على التمسك بمطالبها في تنحي الجعفري، فقد بدا واضحاً أن الكتلة الشيعية الأكبر في البرلمان، ما هي إلا صورة ظاهرية، فيما تعيش بداخلها التفكك والتآمر والتنافس الحاد.

وفي تلك الأيام كان السيد خضير الخزاعي يلتقي بالجعفري ويحضر بعض الاجتماعات، حيث يتحدث بقوة وبطلاقة الخطيب والشاعر على ضرورة التماسك والتمسك بالجعفري لحفظ البيت الشيعي، فيما كان يعقد الآمال سراً على أن يتولى هو رئاسة الحكومة بديلاً عن الجعفري. ففي أحد الجلسات تحدث عن لقائه بالسيد عبد العزيز الحكيم، وكيف واجهه بقوة وصراحة، وكيف أحرجه بالحجج الدامغة على ضرورة أن يتراجع عن موقفه المضاد من الجعفري. فبادرته بالسؤال: لماذا لا تصرح بهذا الكلام على الإعلام؟. فضعف اندفاعه الكلامي، واعتذر عن ذلك متمثلاً بالقول المشهور: (أنفك منك وإن كان أجدع).

كشفت تلك التجربة مدى هشاشة الموقف الشيعي، وأن المكائد والمؤامرات تنطلق من قياداته على بعضهم البعض، قبل أن تأتي من الخارج، بل أنهم يستعينون بخصومهم السياسيين على مكونات كتلتهم، فمن أجل المكسب والمنصب، يعيد التاريخ نفسه ألف مرة.

في الحلقة القادمة حديث عن محاولات المالكي والشهرستاني للفوز برئاسة الوزراء.

أرجو متابعتي على تويتر حيث انشر وجهات نظر وبعض الإجابات على أسئلة القراء حول سلسلة (إسلاميو السلطة) وبعض الاخبار الخاصة عن الوضع السياسي في العراق.

@saleemalhasani

https://twitter.com/saleemalhasani

 

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

إسلاميو السلطة (31): فالح الفياض في عالمه الغامض

salim alhasaniلم يُعرف عن السيد فالح الفياض أنه ناجح في عمله التنفيذي أو في إدارته، فأهم الملفات وأخطرها تضيع بين عشرات القضايا التي يُمسك بها. لكنه ينشط في المفاوضات واللقاءات والاتصالات الخاصة والاجتماعات السرية. ولعل استغراقه في التفكير بكيفية إدارة علاقاته ولقاءاته بين مجاميع مختلفة من الشخصيات والكيانات هو الذي يجعله يهمل التنفيذ والإدارة، فلقد أدرك ان العملية السياسية تسير على الاتفاقات الخاصة، وليس على العمل الإداري وإنجاز المهام.

ولأن رؤساء الوزراء الثلاثة (الجعفري والمالكي والعبادي) يفضلون الكلام على العمل، ويقدمون الاتفاقات الخاصة على الإنجاز الميداني، فقد وجدوا في الفياض الرجل المناسب لهم. هذه صفة واحدة من ضمن صفات أخرى تثير الريبة، سأتحدث عنها في وقتها المناسب ان شاء الله.

كان مكتب السيد فالح الفياض سلة مهملات كبيرة، فيها تنتهي المعاملات والملفات والمتابعات التي تتعلق بالشؤون المناطة به. ولم يكن يتواجد في مكتبه إلا عدة ساعات في الأسبوع كله، واحياناً تمر الأسابيع من دون ان يدخله، فاللقاءات الخاصة في الأماكن البعيدة عن الأنظار هي مكانه المناسب، يتفق وينسق مع اشخاص وجهات من مختلف الاتجاهات بهمس الحريص على كلماته، وبحذر من لا يقطع خيطاً مع الآخرين.

في كانون الثاني من عام 2006 قام السيد الجعفري بزيارة الى النجف الأشرف للقاء مراجع الدين إضافة الى الشيخ اليعقوبي والسيد مقتدى الصدر، وعند خروجنا من مكتب السيد الصدر، كنت في نفس السيارة مع فالح الفياض، فجاء شاب من المكتب وقدم له ملفاً بغلاف أحمر داكن، وأخبره أنه من مكتب السيد الصدر، وحين تحركت السيارة قذفه الفياض بإهمال وراء رأسه متمتماً: (سننظر فيه يوم الأربعاء من العام القادم). قلت له: إن الملف لابد ان يكون مهماً لأن حامله كان يكرر بأنه من مكتب السيد مقتدى، ولم يسلمه اليك إلا بعد ان تأكد من أنك الشخص المقصود. فعبّر بحركة من رأسه ويده بعدم الاكتراث.

استفاد من تجربته مع الجعفري، حيث كان معظم أفراد عشيرته على علاقة باردة معه، حتى أنه في انتخابات عام 2010 لم يفز بمقعد برلماني في حين ان أفراد عشيرته لوحدها كافية لأن تدخله البرلمان، مما جعله يعالج هذا الخلل عندما تسلم منصب مستشار الأمن الوطني، فقد ملأها بموظفين من بني عامر، ومنحهم الصلاحيات والدرجات حسبما يشاء أو يشاؤون، وجعل إمكانات مستشارية الأمن الوطني مؤسسة عشائرية صرفة، لينتفع بالموظفين والمسؤولين والعاملين مستقبلاً، الى جانب تأمين نفسه من النقد والشكوى، نظراً لعدم إلتزامه بالدوام الرسمي وتحويل المخاطبات الحكومية والتقارير الأمنية الى ركام من الأكداس في مكتبه المهجور غالباً.

للسيد فالح الفياض طريقته في إفشال المشاريع، فهو عندما يجد نفسه أمام مشروع ناهض بالأدلة والمبررات الموضوعية، فانه لا يواجهه بالرفض، لأنه في هذه الحالة سيخسر جولة النقاش والضرورة، فيعمد الى الحديث على ان هذا المشروع مُدرج ضمن أولويات العمل، وسيأخذ طريقه الى التنفيذ خلال الأيام القليلة القادمة.

فذات مرة وبعد أن وجدتُ أن مقترحات المشاريع الإعلامية والثقافية التي أقدمها الى الدكتور إبراهيم الجعفري، تبتلعها بئر الفياض العميقة، ثم ينتهي أمرها الى النسيان، قررت أن أبدأ معه بمناقشة المشاريع على أمل أن يقتنع بها وعند ذلك يمكن أن يكتب لها النجاح. فطرحت عليه مقترح (الإعلان الوطني للإعلاميين) بأن يُصار الى طرح محاور بحثية وثقافية وإعلامية يشترك في كل محور منها كتّاب من السنة والشيعة لخلق جو منسجم سيفرض نفسه مع الأيام ليتحول الى مشاركة حقيقة في تقديم ثقافة وطنية ترفض الطائفية. فبادرني بالقول أن هذا المشروع له خطة أعددناها سابقاً مع السيد الجعفري، وشكلنا لجنة لتنفيذه، وهو يجري بهدوء تام ولا نريد الحديث عنه علناً حتى نضمن نجاحه.

وكان ذلك يعني ألا أفتح الحديث معه مرة ثانية بخصوص هذا الموضوع، لأنه يحظى باهتمام بالغ، وضمن آليات يغلب عليها الحذر والتكتم. ولم أكتشف إلا بعد فترة من الزمن أن ذلك كله كان خيالاً نسجه الفياض بسرعة ليقطع علي الطريق في طرحه على الجعفري.

هذه القدرة على التفكير السريع، هي التي مكّنته من التوغل في مفاصل مهمة من العملية السياسية، فيصبح قريباً من الأطراف المتنافسة والمتصارعة بنفس الدرجة تقريباً، فالجواب السريع حاضر في ذهنه، لقد استعد له من قبل، فيقدمه لهذا حين يواجهه بعتاب، ويلقيه على أسماع ذلك حين يسأله رأياً.

لم يهاجر السيد فالح الفياض من العراق، فقد قضى عدة سنوات معتقلاً في زمن النظام السابق، ثم خرج بقرار جمهوري خاص من الطاغية صدام، وأمضى فترة ما بعد السجن في العراق. ومع ذلك فان شخصيته ونمط تفكيره وآليات علاقاته تفرض عليك الاعتقاد بأنه خضع لدورات عالية التأهيل في مؤسسات دولية.

كنت أرصد حركاته عندما يجمعنا المكان ويكاد يكون ذلك بشكل يومي في ساعات الليل على العشاء مع السيد الجعفري وبعض مقربيه، فيسرح أحياناً مع نفسه، يعتزل الحضور وجو الحديث، يدخل عالمه السري، يتراخى جفناه.. حالة من الوسن المفاجئ، أو غفوة طارئة، أو خلوة عاجلة مع الذات، ثم يعود الى الحديث بكامل نشاطه وحيويته، وكأن لحظات الانقطاع الغامضة لم يكن لها وجود.

تمر عدة ساعات ونحن في غرفة واحدة، فلا يتلقى سوى اتصالين او ثلاثة من أصدقائه حول شؤون عادية، بينما تختفي الاتصالات مع رجال السياسة والنواب، ولم نكن أيامذاك قد دخلنا زمن الآيفون والرسائل النصية، كان النوكيا هو سيد الأجهزة، وكان التواصل عادة بالصوت لا بالحروف. وقد لفت نظري أنه يترك هاتفه الآخر عند مرافقه الشخصي، فلا نعرف من أتصل به، أو بعبارة أدق لا يريد أن يعرف الحاضرون من الذي يتصل به، بما في ذلك الجعفري نفسه رئيس الوزراء.

وفيما كان يختص لنفسه قصراً من قصور المنطقة الخضراء على مقربة من قصر الجعفري، وبحماية خاصة وكادر خدمي يدين له بالولاء المطلق، إلا أنه جعل عائلته تقيم خارج العراق، فترة في الأردن، وفترة في بيروت، وحاليا في الإمارات.

لا مجال للعاطفة ومشاعر الصداقة والعلاقات الاجتماعية في نفسه، لقد جعلها كلها ضمن قوانينه الخاصة، على شاكلة رجال المافيا الذين نسمع عنهم ونرى افلامهم. وقد قسّم علاقاته على درجات، لكنها درجات غامضة، فقد تحسب أن فلاناً أقرب اليه من الآخرين، لكنه سرعان ما يدير ظهره عنه في فترة من الزمن، ثم يعود بعد فترة فيحتضنه بشوق العزيز الغائب. يفعل ذلك مع عدد من الأشخاص، ولا يفعل هذا مع آخرين، فهناك قائمة علاقات كتبها بحبر سري ودسها في صدره، ولا أحد يدري متى وكيف يعيد كتابتها ويجري عليها التعديلات الضرورية.

في أشد أوقات الأزمة بين الجعفري والمالكي، استعان به الأخير ليتولى منصب مستشار الأمن الوطني، فلم يسجل نجاحاً يذكر، بل ساءت الأمور في إدارته، وحين انهارت الأوضاع الأمنية بعد سقوط الموصل، أناط به المالكي مسؤولية الإدارة العامة للحشد الشعبي. وشكل العبادي حكومته، لكن التغيير لم يقترب من الفياض، واصل مهامه كما في السابق، محتفظاً بعلاقاته، ماضياً على أهماله للشؤون التنفيذية والإدارية.. ما سرّ هذا الرجل؟

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

اضواء وظلال عن بعض سبعينات الجواهري في براغ

rawaa jasaniلم يرح الجواهري ركابه كما وعد في قصيدة العودة (1969) وبقي حتى سنوات عشر تالية يروح العراق زائراً أو مقيماً مؤقتاً ليعود الى براغ حيث شقته – او شقيّقته كما كان يصطلح عليها – والى اجوائه الخاصة التي تعود عليها وألفها منذ عام 1961.

وفي ضوء تلكم الاقامتين، في بغداد وبراغ، كان الجواهري مطمئناً ومسروراً، حيث البديل قائم وان تعددت واختلفت الظروف. وبقيّ يحسب الحساب لهذا الواقع بكل جدية. وقد بذل منتهى الحرص لتجاوز أي اجراء او قصور قد يؤدي لفقدانه مثل ذلك الامتياز، أي حق الاقامة الدائمة في براغ.

كان البرنامج اليومي لحياة الجواهري في مستقره البراغي خلال فترة السبعينات تقليدياً الى حدود بعيدة. ومن بعضه اعداد طعامه بشكل شخصي والتمشي، وسماع الاخبار من الاذاعات بشكل خاص، دون التلفزيون الذي لم يكن على ود ٍ معه، على أقل وصف، وطيلة حياته. فضلاً عن القراءة طبعاً، وارتياد مقاه ٍ محددة من أبرزها "سلافيا" المطل على نهر الفلتافا البراغي، و"سلوفنسكي دوم" الذي كتب فيه مملحته الى صالح مهدي عماش، ومقهى "اوبسني دوم" الذي كان يسميه بـ "الحضرة"، وصالونا فندقي "يالطا" و"الكرون". اما وجبات الطعام، وخاصة في فترة الغداء، فكان يتناولها في البيت بشكل عام، وعند الضرورة في المطاعم والحانات الشعبية والبسيطة، ووقوفاً بعض الأحيان...كما كان يشارك حضوراً أو شعراً في عدد من الأمسيات والفعاليات الرسمية أو الاحتفالية العربية والعراقية التي تقام بهذه المناسبة الوطنية او الاجتماعية أو تلك.

ويشير نجاح، النجل الثالث للجواهري، والمقيم في براغ منذ عام 1960 بهذا السياق بأن معارف والده وأصدقاءه المقربين في براغ خلال السبعينات، بعد ان عاد من عاد منهم الى العراق، كانوا محدودين جداً، وفي مقدمتهم الراحل موسى اسد، الذي كان عاشقاً للجواهري شاعراً وانساناً وصديقاً، وعدد من الممثلين السياسيين العراقيين والعرب في مجلة قضايا السلم والاشتراكية واتحاد النقابات العالمي واتحاد الطلاب العالمي والذين كانوا يتغيرون بين فترة وأخرى.

ويضيف نجاح "لقد كان الوالد يميل الى مداراة نفسه بنفسه، ويركن في الغالب الى اصدقاء محدودين، وحتى الى واحد فقط، في بعض الاحيان، وبما ينسجم ومزاجه. وكان يعتمد في تلك الفترة عليّ وابن اخته رجاء الجصاني في انجاز ما لا يستطيع انجازه منفرداً، كمعاملات السفر والترحال ومتطلبات الاقامة وغيرها من الشؤون الشخصية".

وفي احاديث خاصة كان الجواهري يستذكر باهتمام كيف كانت براغ في السنوات السابقة حيث للمرء اكثر من اختيار، مشيراً باعتزاز الى الراحلين فيصل السامر وزكي خيري وقاسم حسن، والى آرا خاجادور وعزيز الحاج ونوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ وعادل حبه وأقرانهم.

واستناداً لاستذكارات الجواهري، فان زيارات وسفرات المثقفين والشعراء والسياسيين العراقيين والعرب الشخصية والرسمية الى براغ لا تكتمل ما لم "يداهمونني في البيت او المقهى سواء شئت ذلك أم كرهت" حسب تصريحاته. وفي عودة لبعض الارشيف المتوفر نجد العديد مما يوثق اشارات الجواهري بهذا الخصوص.

وعلى سبيل المثال تقول الشاعرة لميعة عباس عمارة في ذكريات لها منشورة في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية (4/9/1996): "كان آخر لقاء لي مع الجواهري في براغ خلال السبعينات. لم يتغيّر الجواهري، ظل ذلك الرشيق، الأنيق، الوسيم، الظريف، الصعب. وبقيت أنا تلك المعجبة السعيدة لأنها تنفست من هواء غرفة ضمته، وجلست يوماً مجلسه"... وبالمناسبة، سبق للجواهري ان قال حول الشاعرة ذاتها في حوار نشرته صحيفة الجمهورية البغدادية بتاريخ 8/11/1975 : "انها أحسن من كثير من الشعراء... والحقيقة انها شعرها رقيق، وهي "بنت طيبة"... ان الشاعر لا يمكن ان يكون كريهاً أو خبيثاً أو لئيماً وبغيضاً... ولميعة تنطبق عليها الميزات الجيدة، فهي وديعة ورقيقة وانسانة".

وفي السبعينات أيضاً، وتحديداً في أوائل تشرين الثاني (نوفمبر) من سنة 1970، وكذلك في صيف 1975 يزور الجواهري في براغ، المترجم والكاتب سليم طه التكريتي الذي يتحدث عن تينك الزيارتين في كتابه "محمد مهدي الجواهري" الصادر عن دار الساقي اللندنية 1989 عن مدى اهتمام الشاعر الكبير به في براغ. ولكن التكريتي يختلق ويتصيّد أيضاً ما أشبع رغبته ودوافعه، أسوة بما جاء بمجمل الكتاب. وقد علّق الجواهري حول ذلك ببساطة، واستغراب، وتسامح "جازاه الله... ذلك الأعمى، ناكر الجميل، سليم طه".

وإذ يشير الشاعر الخالد في الجزء الثاني من ذكرياته (ص 325) الى "مداهمة" الراحل صالح مهدي عماش، ود. سعدون حمادي، ووفد رسمي عراقي مرافق لهما، مقهاه المفضل في السبعينات "سلوفنسكي دوم".. يوثق ارشيف الرسائل الموجهة للجواهري عام 1976 رسالة من د. محمد حسين الأعرجي عنونها بـ "استاذي الكبير، الحبيب ابا فرات حفظه الله وأطال من عمره، ومن بين ما جاء فيها: "لا أعرف كيف أشكرك على ضيافتك الكريمة، واهتمامك الأبوي بي، فلقد شرفتني بهما شرفاً كبيراً لا يقوم به حمدٌ، ولا يوفيه شكر...".

كما تشير بعض الأوراق والوثائق الشخصية زيارة الشاعر مظفر النواب لبراغ عام 1970 والى لقاءات عديدة حصلت بين الشاعرين، وامتدت لسهرات مشتركة كان من حصيلة احداها سبعة أبيات للجواهري "يؤرخ" فيها لحوار جرى بين النواب، الشاعر والرسام، واحدى جميلات التشيك – وما أكثرهن".

كما يشير د. زاهد محمد في كتابه "الجواهري صناجة الشعر العربي في القرن العشرين" (ص 55) الى زيارته براغ عام 1971 ولقائه مع الجواهري وتطرقهما للحديث عن الأوضاع في العراق، من جملة ذكرياته عن الشاعر.

وفي السياق ذاته تجدر الاشارة الى حرارة ترحاب الجواهري بالكاتب والصحفي العراقي الراحل شمران الياسري (ابو كاطع) خلال اقامته في براغ اواسط السبعينات، والتي وصلت الى حد اعارته شقته (شقة الجواهري) ليسكن فيها ابو كاطع فترة غير قصيرة وهو أمر نادر لا يكرره الشاعر الكبير، إلا استثناء.

ويحدث ان يزور الشاعر الفلسطيني سميح القاسم براغ عام 1973 ويلتقيه الجواهري، وهو من محبيه، أكثر من مرة، وتجمعه والضيف الزائر سهرة في مغنى "كاسكادا" الشهير وسط العاصمة التشيكية، وتلك دليل مودة متميزة من الجواهري. ومن وحيّ تلك السهرى يكتب الجواهري قصيدة غزل متفرّدة بعنوان "يا بنت شيطان" ومطلعها:

يا بنت شيطان كفاهُ أن يكون اباك، فخرا

كان التقرب منه كفرا، وارى التغرب عنك: كفرا

وهكذا تختلف الزيارات واللقاء ونشاطات ويوميات الجواهري في براغ خلال السبعينات، وهي اذ تتنوع مستوىً وشكلاً، وحتى مضموناً، إلا انها تبقى جميعها في اطار حياة شاعر متنوع والارادات والأمزجة والمواقف والرؤى، وكل ذلك بعض من تفرّده.

ولربما من المناسب هنا، رداً على تقولات البعض من جهة، ولتوثيق الاحداث والوقائع، وذلك هو الأهم، نشير الى ان مستقر الجواهري البراغي خلال السبعينات لم يكن سوى شقة اعتيادية الموقع والبناء والأثاث، في منطقة براغ السادسة، حيّ بترشيني، تتكون من غرفتي نوم، وصالون استقبال متواضع، ومطبخ ومرافق صحية، تقع في عمارة تقليدية، أثاثها أكثر من بسيط ...ولكن تلك الشقة التي قضى فيها الجواهري زهاء ثلاثة عقود، نظم فيها الشاعر العديد من قصائده البارزة وحدد فيها مسواقفه الأهم. كما ان تلك الشقة الصغيرة المتواضعة – لا غيرها – شهدت لقاءات واستضافات الجواهري لعشرات المفكرين الأدباء والمثقفين والمسؤولين السياسيين والرسميين العراقيين والعرب، وحتى بعض الأجانب.

 

رواء الجصاني

مع تحيات "مركزالجواهري" فـي براغ

عن بعض العراقيين الذين مروا بموسكو (16)

انطلقنا معا من بغداد الى موسكو عام 1959، ودرسنا مبادئ اللغة الروسية واولياتها في نفس الكلية التحضيرية بجامعة موسكو، ثم افترقنا بعد انهاء الكلية التحضيرية للدراسة في جامعات روسية مختلفة كل حسب اختصاصه، وكنا نلتقي بعض الاحيان في موسكو طبعا اثناء اجتماع الطلبة العراقيين في مؤتمراتهم المتنوعة، ثم بدأنا نتابع بعضنا البعض في بغداد في السبعينات عن طريق مقالاتنا التي بدأنا بنشرها هناك، اذ أصبح هو تدريسيٌا في الجامعة المستنصرية وانا تدريٌسيا في جامعة بغداد، ثم فرقٌتنا ظروف العراق المتشابكة والرهيبة مرة اخرى، وهكذا وجدته اخيرا وهو يعيش في الدنمارك وانا في روسيا، وعدنا – من جديد - نتابع بعضنا البعض عن طريق مقالاتنا هنا وهناك في المواقع العراقية الالكترونية المختلفة . انه الاستاذ الدكتور عبد الجبار منديل .

تذكرت انه كتب ونشر رواية عن الطلبة العراقيين في روسيا، وتذكرت اني اطلعت عليها في حينها، ولكن في زحمة حياتنا الصاخبة في بغداد الثمانينات من القرن الماضي، عندما لم نكن نستطيع ان نفكر بعمق ونتأمل بهدوء ما الذي يجري حولنا بسبب تلك الاحداث الكبيرة الجسام التي كانت تجري امامنا بعنف وتحيط حياتنا اليومية، وهكذا لم نلتق في بغداد معا ولم نقدر ان ندردش معا حول تلك الرواية واهميتها ومكانتها في دنيا الادب العراقي آنذاك ولا عن ذكرياتنا حول دراستنا معا في الاتحاد السوفيتي في تلك الفترة، وافترقنا من جديد ... وبعد سنوات طويلة من حياتنا العراقية الجديدة و الصاخبة في بقاع العالم المختلفة، وجدت عنوانه وكتبت اليه وطلبت منه ان يرسل لي روايته تلك، وارسلها اليٌ مشكورا . انها رواية – (كيف حال الفرات ؟)، والتي كتب على غلافها – (رواية عن الطلبة العراقيين في الخارج)، ومن الواضح انه لم يستطع ان يكتب على غلافها آنذاك في العراق بدلا من تعبير - (في الخارج) تعريفا أكثر دقٌة وهو - (في الاتحاد السوفيتي)، رغم ان مكان الاحداث كان واضحا منذ السطور الاولى لتلك الرواية حول ذلك، اذ نقرأ في سطرها الاول ما يأتي – (في مساء خريفي من عام 1959 كانت طائرة فايكاونت تطير على ارتفاع 7000 م فوق أراضي الاتحاد السوفيتي ...). ويمكن القول – حسب معلوماتي المتواضعة حول ذلك - انها الرواية الوحيدة فعلا (وبشكل مباشر ودقيق ومحدد) عن حياة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي آنذاك و روسيا الحالية، منذ تلك الايام الخوالي في الستينات الى حد الان، واريد ان اتوقف عندها في هذه الحلقة من سلسلة مقالاتي (حول بعض العراقيين الذين مرٌوا بموسكو)، اذ انها تشكٌل فعلا – من وجهة نظري - علامة متميٌزة جدا في مسيرة الادب المعاصر في العراق و طبعا في حياة العراقيين الذين درسوا في الاتحاد السوفيتي آنذاك .

تقع الرواية في 136 صفحة من القطع المتوسط، وقد صدرت في بغداد عام 1988 بمقدمة وجيزة جدا يشير فيها المؤلف أ.د. عبد الجبار منديل الى انه كتبها قبل (اكثر من سبعة عشر عاما ثم طويتها بين اوراقي ...وعندما عدت اليها وجدت انها لا تستحق ...الاهمال، وها انا اضعها بين يدي القارئ بدون أن اغيٌر فيها ولا كلمة واحدة .. .).

جمالية هذه الرواية تكمن بالذات في بساطتها الرقراقة، اذ لا توجد فيها حوادث دراماتيكية معقدة، وهي تنساب بهدوء وبشكل عميق وسلس وهادئ جدا، وتتناول الحياة اليومية للطلبة العراقيين في الاقسام الداخلية التي كانوا يسكنون بها، وعلاقاتهم مع بعضهم البعض، ومع الطلبة الروس الذين يحيطون بهم، و تتحدث طبعا عن همومهم اليومية و حنينهم الى العراق...الخ، وبالتالي فانه يمكن القول انها رواية فكرية بسيطة وشفافة تتناول حياة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي في ستينيات القرن العشرين و تعكس فلسفة كل واحد من هؤلاء الطلبة ليس الا، رغم ان البطل المحوري في تلك الرواية هو احمد، الذي يجسد مؤلف تلك الرواية، او اي طالب عراقي آخر كان يعرض افكاره وهو يعيش في احضان الطبيعة الروسية . اقدٌم هنا مقطعا واحدا من تلك الرواية، والذي يمكن ان يرسم – من وجهة نظرنا – صورة عامة لطبيعة هذا النتاج الفني الرشيق وخصائصه –

(منذ ان تركوا القطار الكهربائي في قرية بتروفسكايا قطعوا اكثر من خمسة عشر كيلومتر. كان فولكوف قائد المسيرة يتقدمهم بقامته المديدة وشعره الاحمر وهو يسير في غابات التايغا الروسية ويوجه المجموعة بنفس الثقة التي يوجه بها الفلاح العراقي مشحوفه في الهور . كانت غابات التايغا تبدو كبحر بلا ضفاف . لم يتصور احمد ان الغابات يمكن ان تكون بهذا العمق وهذه السطوة. الطبيعة الروسية تبدو في ايام عرسها ... الاولاد والبنات الروس يبدون مسحورين بجمال الطبيعة، ولكن لا احمد ولا نبيل ولا سليم شاركوهم هذا الانجذاب الغريب نحو الطبيعة . كانت الفتيات ..يستلقين على الارض ويعانقنها بنشوة وهكذا كان يفعل الفتيان . الارض مغطاة بالاوراق الرائعة الالوان الندية.أشجار السرو والبتولا والصنوبر كانت تبدو ساحرة بتطاولها نحو السماء. كانت عالية رشيقة ومستقيمة ساحرة. كان الفتيان الروس يسمونها باسمائها ويعرفون عشرات الانواع منها، واذا كان أحمد لم يشاركهم فرحهم بطبيعتهم وغاباتهم الروسية فانه يستطيع ان يفهمهم. ما الذي يمكن ان يحدث لو سجن في شوارع مدينة حديثة بين صفائح الفولاذ والاسفلت، ثم اطلق سراحه بعد ذلك على طبيعة عراقية فيها نخيل وفي ظل ظليل وفيها الفرات وفيها المروج الخضراء!..ماذا كان يمكن ان يحدث؟ انه يفهمهم تماما .

اقتربت منه أكسانا وكانت تختلق المناسبات لمحادثته :

-هل تصدق ما يقال في الغرب من ان الروسي فلاح بطبعه..لذلك يحب الطبيعة ؟

-كلا بالطبع ..

-ان الروسي فنان بطبعه لذلك يحب الطبيعة !

لم يجب، فهي لا تعرف الحقيقة كلها.) (ص. 53-54)

هذا مقطع واحد من الرواية كما أشرت أعلاه، وهو ليس وحيدا بالطبع، ولكنه – كما نظن – يمكن ان يعكس طبيعة مضمون رواية (كيف حال الفرات؟)، للروائي (المنسي!) عبد الجبار منديل، ولا اريد التوغل في عمق هذا المضمون الجميل للرواية، ولا في جوهر البنية الابداعية الرشيقة لها، ولا في اسلوبها الساحر، اذ ان كل هذه العناصر تقتضي دراسة معمقة واتمنى ان تسمح ظروفي بتحقيقها يوما . ختاما لهذه المقالة استشهد بالسطور الاخيرة لرواية الكاتب المبدع أ.د. عبد الجبار منديل –

(ثم ابتعد القطار عن (روستوف)، وعن الدون الهادئ. شعر أحمد انه ترك خلفه كل ما يذكٌره بالفرات. ألقى نظرة أخيرة الى الدون ..ثم فجأة قفزت الى مخيلته عينا ليديا بفورتهما الفراتية، فعدل من استلقائته ونظر بأتجاه القطار....!)

 

أ.د. ضياء نافع

 

إسلاميو السلطة (30): رجل المخططات العميقة في العراق

salim alhasaniرجل يُصعب استفزازه، بل يستحيل ذلك، فهو يضع أعصابه ومشاعره في صندوق محكم الإقفال، ويدفن رأيه الحقيقي تحت طبقات من الآراء التمهيدية، إنه السيد فالح الفياض مستشار الأمن الوطني حالياً، والرجل الوحيد في العراق الذي احتفظ بأقوى العلاقات مع ثلاثة رؤساء للحكومة، يعادي سابقهم لاحقه (الجعفري والمالكي والعبادي)، لكن الفياض حافظ على قوة علاقته بهم قبل السلطة وبعدها، وتكفي هذه لوحدها أن تكشف ذكاء هذا الرجل ودهائه، خصوصاً في أجواء يسودها الشك والتوجس والحذر والعمل بأدنى الاحتمالات.

بسرعة خاطفة وفي وقت قياسي قصير، استطاع أن يكون الرجل الأول عند السيد الجعفري، منذ أيام مجلس الحكم. حتى قال أحد المقربين من الجعفري: (ما يريده فالح الفياض يتحقق حتى لو رفضه الجعفري، وما يريده الجعفري لا يتحقق إلا بعد موافقة الفياض).

فما هي القوة السحرية التي يستخدمها هذا الرجل ليتحكم بالجعفري المعروف باعتداده برأيه وشدة عناده، فيصبح هو المهيمن على قراراته وتوجهاته وعلاقاته، وحتى في أدق الأمور الخاصة المتعلقة بالجعفري؟.

أين هو سرّ القوة في السيد فالح الفياض بحيث كان هو رئيس الوزراء الفعلي للعراق خلال فترة الجعفري، وكان هو عقل الجعفري بعد تنحيه عن الحكم، ومدير مشاريعه وتجارته وممتلكاته وأراضيه في العراق والإمارات؟.

وفيما كان الجعفري لا يطيق النظر الى بعض الشخصيات السياسية، فان الفياض كان يحتفظ بعلاقات وثيقة معها.

اختص لنفسه عدداً من المساعدين والاتباع من عشيرته، اختارهم بعناية فائقة، فمرافقه الخاص وحارسه وسائقه الشخصي لعدة سنوات، شاب لا يتكلم إلا بسؤال، وعادة يكون جوابه (لا ادري).

يخرج ويعود ويسافر ويرجع في أجواء لا يعرفها أحد، واحياناً حتى الجعفري نفسه لا يدري أين كان بالفعل؟ فذات مرة اختفى عدة أيام زادت على الأسبوع، مما أثار قلق الجعفري، وطلب من سكرتيره الخاص أن يتصل به لأمر ضروري، لكن هاتفه كان مغلقاً، وكان حرس الفياض ومرافقه الخاص يجيبون بكلمة واحدة (لا ندري).

في كثير من اجتماعات المستشارين مع الجعفري، وعندما تتوزع وتتعدد الآراء، ينظر الجعفري اليه يطلب رأيه، فتأتيه إشارة من الفياض او كلمة، وعلى ضوئها يوافق الجعفري أو يرفض. وأحياناً يوافق الجعفري لكن الفياض يرفض، فيتبعه الجعفري بالصمت المؤيد.

طلب منه الجعفري أن يُطلعني يومياً على مفاوضاته مع الكتل السياسية، وذلك بعد اجراء الانتخابات البرلمانية نهاية 2005، وبعد أيام سألني الجعفري عن ذلك، فأجبته بأنه فعل ذلك مرة واحدة فقط وانها كانت معلومات لا قيمة لها، فوسائل الاعلام تتداولها بتفصيل أكثر، لم يغضب الجعفري ولم يعاتب الفياض على عصيان أوامره، في حين كان سينفجر غضباً لو كان ذلك من غيره.

عندما ظهرت نتائج الانتخابات بدايات عام 2006، ودخل الإئتلاف الوطني مفاوضات التنافس على مرشحه لرئاسة الحكومة، واجه الجعفري مشكلة ترشحه عن حزب الدعوة، نظراً للعلاقة السيئة مع قيادته، وكان الفياض يلتقي أيامها بالسيد نوري المالكي على أساس أن يُلين موقفه المعارض للجعفري، ثم يعود الى الجعفري فيؤكد له أن المالكي في غاية التشدد، ولا يمكن إقناعه بترشيحك.

بعد أيام رافقت الجعفري الى قصر السيد جلال الطالباني في دعوة غداء موسعة للكتل السياسية، فتحدثت مع السيد نوري المالكي حول موقفه من الجعفري، وكان رأيه أن نقطة الخلاف الوحيدة هي موقفه من حزب الدعوة، فقلت له أنه سيبتعد أكثر عن حزب الدعوة فيما لو تشددت معه، والأفضل أن تصارحه انت في البداية حول هذا الموضوع، ثم تطلب من الاخوة في القيادة فتح صفحة جديدة معه تكون على أساس شروط وضوابط محددة، فأبدى المالكي استعداده التام للتفاهم مع الجعفري.

في طريق العودة اخبرت الجعفري بما دار مع المالكي، فكان الخبر مفاجأة غير متوقعة، فقد وشت ملامحه بالاستغراب مما كان يسمعه عن تشدد المالكي، وعند العودة طلب من سكرتيره ان يحدد موعداً يدعو فيه المالكي للحضور.

كنت أتوقع ساعتها أن الجعفري سيُخضع الفياض لعتاب شديد، وربما يتخذ منه موقفاً صارماً لأنه نقل له صورة مغايرة للواقع، لكن الجعفري غفرها بالصمت.

وفي مساء ذلك اليوم تحدثت مع السيد الجعفري في ساعة متأخرة من الليل وبحضور السيد فالح الفياض، عن أهمية أن يبدي خطوة إيجابية مع الدعوة، وأشرت له بأن الفجوة بينه وبين القيادة ستكون أضرارها عليه وعلى الحزب، لأن الذاكرة الشعبية تحتفظ بشواهد كثيرة عن تأزم العلاقة بين الرؤساء وأحزابهم، وقد اهتم الجعفري بهذه الملاحظة، لكن الفياض أبدى تعليقاً سريعاً بخصوص أحد القياديين، جعل الجعفري يتنازل عن تفاعله.

كنتُ ولا أزال اعتقد بأن فالح الفياض كان له دور مهم في إزاحة الجعفري عن الحكم. كما أنني على ثقة بأنه فكر ودبر طويلاً للوصول الى رئاسة الوزراء، وذلك من خلال شواهد ووقائع كنت حاضراً فيها، وهذا ما سأتحدث عنه في الحلقات القادمة ان شاء الله.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

أتفق مع الجميع .. وأختلف مع الجميع

abduljabar alrifaiبسم الله الرحمن الرحيم ..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

فوجئت بعد أقل من ٢٤ ساعة بتداول هذه الرسالة الخاصة، في وسائل الاتصال الألكترونية عندما راسلني بعض تلامذتي وأصدقائي يطلب مني توضيحات بشأن مناسبة هذه الرسالة.كما فوجئت لاحقاً بتفشي نشرها في مجموعات الواتس أب وڤايبر، والفيس بك، وغيرها من وسائل التواصل. واقترح بعض الأصدقاء اصدارها لاحقاً مع التعقيبات في كراس.. ومما أثار دهشتي نشر بعض الأشخاص لنسخة مزورة من هذه الرسالة في صحف عراقية ألكترونية، بتحريفها، وتقويلي ما لم أقله، وتوظيفها بطريقة رخيصة في الصراعات على المال والسلطة في بلدنا ..كل ذلك اضطرني لنشر هذه الرسالة في الصحافة، لوضعها كما هي في متناول القراء.

ولا أجدني في حاجة للاشارة إلى أن كل كلمة خارج نص الرسالة هذا، ينسبها بعضهم لهذه الرسالة، انما هي افتراء محض.

 

توضيح:

الرسالة هي جواب عبدالجبار الرفاعي لتحية وتبجيل تلقاهما من صديق قديم (عضو فاعل ومؤثر في قيادة حزب الدعوة منذ ١٩٨٠ حتى اليوم)، عبر صديق مشترك.

 

صديقي العزيز:

مبادرتك غالية، أثارت شيئاً مما هو غاطس في ذاكرتي، من لواعج الأسى الذي يغرق فيه العراق .. فيما يلي جواب كتبته على ما تفضلت به من نقل تحيات وتبجيل صديقنا المشترك، فوجدتها مناسبة جميلة للبوح ببعض جروح الروح، وأنين تراب وطننا جميعاً العراق، الذي إن غرق غرقنا معاً، وإن نجا نجونا معاً .. تحياتي ودعواتي لصديقنا القديم، الذي مضى على صداقتنا ما يقارب ٤٠ عاماً. والصديق الصدوق: هو؛ أنا تثري الأنا، هو؛ الأنا الآخر، الآخر الأنا. متمنياً التفضل بإيصال هذه الرسالة له.

 

أخي الكريم:

أنا أصغي لصوت عميق صباح كل يوم، وهو يلح عليّ: إن الحياة قصيرة جداً، الموت مباغت، سيداهمني في أية لحظة، لكن لا يبقى في ضمير الأيام إلاّ المنجز الحقيقي، والموقف الشهم، وعلاقات الثقة الصادقة .. أنت تدري صدر لي حتى اليوم ٦٥ مجلداً، في ٤٢ عنواناً لكتاب، مع المجلة الفصلية (قضايا اسلامية معاصرة)، التي مضى عليها عشرون عاماً، وكرّمها (المعهد البابوي في الڤاتيكان بروما)، بإصدار كتابه السنوي عام ٢٠١٢ لمختارات من نصوصها بالإيطالية والانجليزية والفرنسية، بوصفها المجلة الأولى في الدراسات الدينية بالعربية في ربع القرن الأخير، مضافاً إلى تسجيل رسائل ماجستير في جامعات لبنانية وعراقية ولندن وباريس حولها، وحول التفكير الديني لصاحبها .. مع كل ذلك أنا صامت، لا تجدني في تلفزيون أو راديو، أو منبر، والقليل الذي أنشره في الصحافة محورُه مشاغلي الفكرية .. تعلمت أنه: لا مُعلّم للأخلاق كالصمت، الصمت لغة حيث تفشل اللغة .. لا مُعلّم للأخلاق كالإصغاء لصوت الضمير .. تنضب الأخلاق لحظة تكون حياةُ معلّمي الأخلاق خارجَ الأخلاق .. تجربة حياتي تُختَصر في أن السلام الروحي الذي أعيشه إنما تحقق لحظة أصبحتْ حياتي صوت غفران، يتحدث إلى ضوضاءِ عالمٍ يضجّ بكل هذا القبح والعداء والتعصب والدم المسفوح .. قلبي يمحو كلّ غلّ وحقد، كي لا يتسمم فيموت .. أخلاقي يغذيها على الدوام العفوُ والعبور والتغافل، وتكرّسها مداواةُ الاساءة بالإحسان .. أحرص باستمرار على تطهير ضميري مما يلوثه من تعصبات وكراهية وعدوان .. أبادر للصفح على الدوام، وإن كان الصفح في مفهومي غير النسيان، فأنا لا أنسى مواقف البشر، لذلك لا أضعهم كلهم في سلة واحدة، وانما أحرص على أن أراهم كما هم: الجميل جميل، القبيح قبيح. الخائن خائن، الأمين أمين. الغادر غادر، الوفي وفي. المحسن محسن، المسئ مسئ .. لقد درّبت نفسي سنوات طويلة، فترّبيت مثلما يتربى المرتاضون، بحيث أصبحت أرى: ماهو مضيء قبل ماهو مظلم، ماهو جميل قبل ماهو قبيح، ماهو ايجابي قبل ماهو سلبي، ماهو مريح قبل ماهو مزعج، في الأشخاص الذين أتعامل معهم،كي أحاول رسم صوري لنفسي عنهم، تسمح لي بقبولهم والتعامل معهم كما هم، بلا معاناة وألم من عاهاتهم، أو نفور وقطيعة من عقدهم .. أعيش سلاماً روحياً، لم أظفر به إلاّ بمشقّة بالغة، ومراجعة نقدية قاسية لتجاربي ومواقفي وأفكاري، أعانتني عليه تربيتي لذاتي على: الاعتراف بعجزي، والبوح بضعفي البشري، والجهر بفضح أخطائي، والإعلان عن تناقضات ومفارقات سلوكي .. علّمتني تجارب الحياة أن الاعتراف بالفشل، والتحري عن أسبابه هو بوابة النجاح، بل أدركت أن الفشل الحقيقي هو العجز عن اكتشاف الفشل، أو التنكر له .. الاعتراف بالفشل يخلصنا من تكرار الطرق الخاطئة للوصول إلى أهدافنا، وبلوغ أحلامنا .. إن ما سهّل عليّ هذا العبور الشاق، هو اكتشافي أن الحياة مليئة بالشر، وأن الانسان كائن تمتلئ ذاته بالدوافع المتناقضة، والرغبات المتضادة، وأن الاجتماع البشري حلبة تدافع وصراع، لا يكفّ البشر فيها عن توظيف مختلف الوسائل بغية بلوغ أهدافهم، وغالباً ما يتلفع ذلك الصراع بغطاء يخفي كل فظاعاته، وتختبئ - بخبث - تحته كل الشناعات المتوحشة .. لقد وفرتْ عليّ مواقفُ الغدر والكيد والتآمر - من بعض من كنت أحسبهم أقرب الأصدقاء - الكثيرَ من الجهود في اكتشاف النزعات العدوانية المختبئة في النفس البشرية، كما نبهني علمُ النفس الحديث إلى الدوافع المتضادة في النفس البشرية، وكيف تفضحها الهفوات وفلتات اللسان والنسيان .. كلُّ ذلك وغيره هتك شيئاً من طبقات الأقنعة الزائفة، التي كانت تحجب عني الصورةَ الحقيقية للإنسان، ووفّر لي القدرة على التعامل مع كل شخص بما يشبهه وينشده، لا بما يشبهني وأنشده، لا بمعنى النفاق في مواقفي أو تغييب شخصيتي، وإنما احتراماً لكرامته، وحذراً من انتهاك خصوصيته، لذلك لم أحرص على أن يكون صديقي أو تلميذي أو ولدي، نسخة محاكية لي، كما حرصت على الدوام ألا أكون نسخة لآبائي ولمعلّمي وأصدقائي، تبقى دائماً مسافة لن تتلاشى بيني وبينهم: "هم هم، وأنا أنا" .. كل ذلك في إطار حياتي الروحية الأخلاقية، ومعايير القيم الالهية الرحمانية الإنسانية التي أدين بها .. نواميس الأخلاق الكونية علمتني: أن الكراهية لا تنتج في علاقتي بالآخر إلاّ كراهية مضاعفة، تمرض القلب، وتسمم الروح، وأن الحب لا ينتج في علاقتي بالآخر إلاّ حباً مضاعفاً، يشفي الروح، ويبهج القلب .. تعلمت أنه ليس بوسعي الاحتماء من الاغتراب - الذي يجتاح حياة كل انسان - والشعور بالأمان، إلاّ بالمحبة والإيمان.

 

صديقي الغالي:

أنت من أصدقائي الأعزاء منذ ٣٠ عاماً في المنفى، هل لديك أية معلومة اني انتميت الى حزب عراقي، او مارست عملاً سياسياً، استهدفت فيه حزب الدعوة، وحاولت تسقيطه، او تفرغت للكتابة ضده، مثلما فعلت معظم الشخصيات التي انقطعت عن الحزب، فانشق بعضهم، وشكّل جماعة مناهضة للدعوة باسم الدعوة، بل تحالف مع الغير للعمل ضد الدعوة .. كما تعلم، انا استطيع فعل كل ذلك، لكن رسالتي في الحياة خارج هذا العبث الغرائبي، وتكديس الغنائم الوسخة للورثة غداً، بوسائل ليست بريئة ونزيهة، بل بشعة .. نعم؛ لدي وجهات نظر واجتهادات في بناء بلدي، كما لدي علاقات وصداقات، لا تتطابق كلها مع رؤية الدعوة ومواقفها وحساسياتها .. فأنا؛ أتفق مع الجميع وأختلف مع الجميع، بمعنى ان نهج حياتي الأبدي: "أسير مع الجميع وخطوتي وحدي".. لم أجد فلاحاً لدنياي وآخرتي في هذه الجماعات، فتخليت عنها نهائياً سنة 1985.. منذ ذلك التاريخ وأنا أعيش بهدوء وطمأنينة، تترسخ ثقتي بالله، ويتكرس حبي لله والإنسان والعالم كل يوم .. انتميت لحزب الدعوة الإسلامية في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، في ظروف هي الأشرس والأعنف في ملاحقة البعث الصدامي للدعاة، كان الشهيد حسين معن مسؤولي، ونهضت بمسؤولية الحزب في مدينة الرفاعي وقتئذ، ثم أصبحت عضواً في اللجنة المركزية للحزب بالكويت، مدة إقامتي هناك، ثم عضواً في لجنة الدعوة في سوريا سنة 1984 .. ابتعدت عن التنظيم في منتصف الثمانينات "1985"، من دون الدخول في ضجيج وصخب وصراع أو معارك، مثلما فعل بعض رفاقي، ممن تركوا الدعوة، وتورط بعضهم؛ بما تعرفه أنت من مغانم في الوطن والمنفى .. وبالتدريج نأيت عن العمل السياسي، وانصرفت للمشاغل العلمية في الحوزة، والإنتاج الفكري .. كنت ومازلت يهمني الاحتفاظ بكل ما هو انساني في علاقاتي الاجتماعية وصداقاتي التاريخية مع أولئك الناس، الذين أمضيت معم تجربة من أخصب تجارب حياتي .. أنت تدري كل وقتي منذ ثلاثين عاما مستهلك للعمل في الدراسة والتدريس في الحوزة والجامعة، والمطالعة والكتابة ..كم اشتاق إليك وإلى كل الأصدقاء المهذبين، ممن أجد في اللقاء بهم كل مرة راحة، وأنا اذهب الى البيت فأنام بهدوء، بعد كل لقاء بهم، لكني دائماً أعتذر منك ومنهم، ولعلكم تحسبوني أتهرب من اللقاء؛ لكن يسرقني عن التواصل معكم السكر بالعمل المزمن .. حاولت أن ألوذ بالكتابة، التي أجد فيها أحياناً دواءً لشئ من مواجع الروح وشناعات العالم .. تنبهتُ مبكراً إلى أن النجاح ليس ثمرة الموهبة وحدها، الموهبة بلا مثابرة بمثابة الألماس الغاطس في طبقاتٍ قصيةٍ من الأرض، لا يتكشّف إلاّ بالحفر العميق جداً، الحفر العميق الذي تتكشّف به الموهبة هو الجدية والمثابرة .. بلا مثابرة لاتسمح ذاكرة الأيام أن تحمل بصمتنا .. التاريخ لا يسمح أن يُخلّد أي اسم لا يحفر توقيعه على الصخر بأظفاره، ولا ينحت صورته على الحجر بأسنانه.   من مهنة أبي في فلاحة الأرض، التي لا يبرح صاحبُها الحقلَ إلى الليل كل يوم، ليعودَ إليه في الصباح الباكر كل يوم، تدربت من فلاحة الأرض على ألا أبرح الكتابةَ حين أكتب إلاّ للكتابة مجدداً ،حين أقرأ لا أنتهي من قراءة نص إلاّ وأبدأ من جديد قراءة نص آخر، حين أعمل لا أنتهي من عمل إلاّ وأبدأ من جديد في العمل الذي يليه.

منذ شهرين كنت أعمل كل يوم ١٥ ساعة، مشغولاً بتحرير كتابي الجديد، عن: "الدين والظمأ الأنطولوجي للمقدس". وحاجة الكائن البشري الأبدية للدين. فرغت منه قبل أمس، والحمد لله ذهب لبيروت للطباعة. ربما ينفع من يهتم بدراسة مأزق الدين والتدين في عالم الإسلام اليوم. يتضمن فصلاً في ٦٠ ص، هو محاولة أولية للحديث عن رحلتي الروحية الأخلاقية الفكرية، أي سيرة للعقل والروح والقلب، يمكنك والقراء الاطلاع عليها، لمعرفة ما ربما هو محتجب من ذاتي، وكي تشاهد ما نسجته دروب أحلامي، ورسمته خرائط أيامي، وتكلّمت عنه أقدامي الحافية، التي لم يرهقها تراب الأزقة.

لله الحمد، منذ أمس بدأت بتحرير كتاب آخر، وهكذا لدي برنامج يغطي كل ما تبقى من أيامي .. أنا سعيد في حياتي، أعيش سكينة وطمأنينية، أمضي في نهاري، بعد أن أصلي الفجر، في نشوة الإدمان على العمل، أنام وأصحو بسلام، من دون خطايا انتهاكات لكرامة الناس تلاحقني، أو كوابيس سرقة الوطن تطاردني .. نعم، لا يقلقني إلاّ مصير وطننا العراق، أنا قلق على مصيرنا الروحي الأخلاقي العقلي، مذعور مما قد نهوي اليه، لنسقط في قاع تلك البئر السوداء، فندفن دنيانا وآخرتنا وديننا في مقبرة وطننا العراق.

أليس: "الحجر الذي أهمله البناؤون هو حجر الزاوية"! ..

أليس: "من ثمارهم تعرفونهم"! ..

"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ"..

كل الود والامتنان والدعاء.

 

عبدالجبار الرفاعي

٢-٩-٢٠١٥

 

شهيد الفلسفة

emadadeen ibrahimهو الفيلسوف والحكيم اليوناني (سقراط) أبو الفلسفة القديمة. ذلك الرجل الذي مات وتجرع السم من أجل مبادئه وأفكاره، وضرب المثل لكل من جاء من بعده، في تحمل الشدائد والصبر علي المكاره من أجل ما يعتنقه ويعتقده من أفكار وقيم ومبادئ. هذا الرجل الذي حرك المياه الراكدة في المجتمع الأثيني . وقف بشجاعة وثبات ضد كل ما هو قديم من القيم والعادات الموروثة والتي تتناقض مع العقل. هذا الفيلسوف الذي حاباه الله بعقل مبدع رغم خلقته الدميمة، لكنه كان يحمل قلب متسع ومنفتح علي كل ما هو خير وحق. كان يتجول في شوارع أثينا يسال ويحاور ويظهر جهل الآخرين وعدم معرفتهم. حتى صار منهجه مشهورًا بالمنهج السقراطي أو منهج الحوار. كان مقتنعا أن الأفكار تولد وتنبت وتترعرع في بيئة الحوار والمناقشة. وأن الأفكار مثل النبات تنمو بالحوار، فالحوار بالنسبة للأفكار كالماء للنبات.هذا الرجل الذي وقف ضد العادات القديمة وحارب من اجل القيم والعدل. ولم يترك لنا سقراط مولفاته وكتب مثل معظم الفلاسفة بل جل ما نعرفه عنه وعن أفكاره مستقي من خلال روايات تلاميذه عنه، وتعتبر محاورات أفلاطون من أكثر الروايات الماما بشخصية سقراط وحياته وكذلك أفكاره. لقد ترك لنا هذا الرجل أفكارا تصلح لان تطبق الآن، ولا نبالغ في القول انه كان مصلحًا وحكيمًا وفيلسوفًا .لقد قدم لنا منهجا هو من أهم المناهج التي يمكن استخدامها في العلوم الحديثة وخاصة علم البيداجوجيا (علم التربية) وهذا المنهج يسمي الحوار السقراطي أو منهج التهكم والتوليد. يسخر ممن يحاوره ويظهر له جهله ويستخرج ما بداخله من معرفة، حتى انه يقول عن منهجه، انه يشبه طريقة أمه التي كانت تعمل قابلة أي تولد النساء، ويقول أن أمه تستخرج الرجال من أرحام النساء، وهو يستخرج الأفكار من عقول الرجال. بحث هذا الحكيم عن قيم الحق والخير والجمال . دافع عن أفكاره ومبادئه حتى الرمق الأخير لم يهرب من الموت رغم العروض الكثيرة من تلاميذه وأصدقائه بالهرب. وهذا ليس بعجيب علي هذا الرجل الذي عاش من اجل مبادئه ومات من اجلها . حارب الظلم والاستبداد في عصره، لم يتراجع رغم التهم التي رماه بها أهل أثينا وحكماها من إفساد الشباب، والسخرية من ديانتهم . ورغم ذلك لم يتراجع ويستسلم ويضعف، بل صمد وحارب من اجل ما يعتقده وضرب النموذج الطيب لكل ما هو خير وحق وعدل. بل وقف في المحاكمة كما يحكي لنا أفلاطون في محاوراته يدافع عن مبادئه في قاعة المحاكمة، ويقول أنه إذا كان هناك في هيئة المحلفين من يعتقد انه يجب ان ينسحب ويتخلي عن الفلسفة، فينبغي لهذا الشخص أن يفكر أيضا في انه لابد للجنود أن تنسحب من المعركة عندما يبدوا لهم أنهم سيقتلون فيها. ومن أجمل وأروع ما وصف لنا أفلاطون في محاوراته عن اللحظات الأخيرة في حياة أعقل وأحكم الناس في أثينا كما قالت عرافة معبد دلفي عنه. كانوا يدخلون عليه في سجنه يجدوه مبتسما هادئ عليه علامات الرضا، ولما لا وهو يعرف ان الحياة الدنيا ورائها حياة اخري وهناك العدل وليس الظلم . عرضوا عليه الهرب رفض، وتجرع السم في شجاعة منقطعة النظير، ومات هذا الرجل الذي ستظل كل أقواله وأفعاله خالدة علي مر الزمان، تحكي بطولة نادرة وتضحية كبيرة في سبيل المبادئ والقيم والأفكار، إنه بحق شهيد الفلسفة.

إسلاميو السلطة (29): الذين سرقوا حزب الدعوة

salim alhasaniلم يعد بالإمكان الدفاع عن حزب الدعوة الإسلامية بعد هذه التجارب المتكررة في رئاسة الوزراء. ستكون مجازفة محققة لمن يحاول الدفاع أو شرح الظروف وتفسير الملابسات. القادة والكادر المتقدم في حزب الدعوة أنفسهم لم يجازفوا في الدفاع مع ان النقد الحاد والاتهامات الكبيرة تستهدفهم جميعاً وتنال من مصداقية الحزب، ومع ذلك لا نقرأ دفاعاً رسمياً، ولا نسمع رأياً مسؤولا.

صار حزب الدعوة بعد تجربة الحكم، بنظر غالبية الشارع العراقي، يمثل الفساد والفشل والكذب والخداع وغير ذلك من اوصاف الحاكم الظالم الذي لا يحترم الشعب والانسان والقيم والمبادئ والأخلاق.

في بضع سنين أتى مجموعة من القياديين على تاريخ نصف قرن بأكمله، نصف قرن من التضحيات والمواقف والثقافة والعمل والنشاط، أحرقوا تجربة كانت تمثل أملاً فصارت بؤساً مشؤوماً في عيون الكثيرين وعلى ألسنتهم.

حزب الدعوة اليوم بلا قيادة، ليس هؤلاء قادته، فمعظمهم يستغل اسمه، يعتاش على التسمية، يرتزق منها، ولو وجدوا بديلاً يخدم مصالحهم لما ترددوا في الارتماء فيه.

ليس هذا الكيان الذي ينتمي اليه حيدر العبادي ونوري المالكي وعلي الأديب وعبد الحليم الزهيري وعلي العلاق وصادق الركابي وحسن السنيد ووليد الحلي وعباس البياتي وكمال الساعدي وفلان وفلان هو حزب الدعوة الذي عرفه العراق، والذي يشكل جزءاً كبيراً من ذاكرته السياسية والثقافية.

حزب الدعوة الذي يجري تداول اسمه حالياً، هو حزب مسروق، سرقه خضير الخزاعي مثلما سرق وضوء الصلاة، وسرقه عبد الفلاح السوداني مثلما سرق قوت الفقراء، وسرقه عبد الكريم العنزي مثلما سرق عقارات الدولة ومستودعاتها.. وسرقته بقية الأسماء المتداولة في المشهد السياسي الحاكم.

حزب الدعوة الحقيقي هو الذي يعرفه العراق، هو ذاك الذي أسسه الامام الشهيد محمد باقر الصدر، وضم في قيادته وعضويته عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي وعز الدين سليم وعارف البصري ونوري طعمة وجواد الزبيدي ومهدي العطار وآلاف الشهداء من الدعاة الأبرار.. وحزب الدعوة هو الذي ضم في عضويته مرتضى العسكري ومحمد مهدي الآصفي ومحمد حسين فضل الله وحسن نصر الله ومهدي عبد المهدي وضم مجموعات صادقة صافية مخلصة من قوات الشهيد الصدر وانضم اليه الآلاف والآلاف من الشهداء ومن المجاهدين المناضلين الذين ساروا باتجاه واحد وعلى خط واحد نحو هدف واحد.. كانوا يحملون رسالة الدعوة في التغيير وخدمة المجتمع والانسان.

حزب الدعوة هو الذي يرى في السلطة وسيلة من وسائل الخدمة العامة، وخطوة من خطوات العمل، وليست هدفاً وغاية.. ويرى أن الذي يتولى حكم البلاد هو الأكفأ حتى لو كان من خارج كيانه.

من الظلم أن يتحدث بعض الإعلاميين عن فشل حزب الدعوة، بينما تاريخه وفكره ومساره يبرأ من هؤلاء الذين أساءوا الى الشعب العراقي. فهل يمكن أن نرمي الأنصار في صدر الرسالة بالنفاق لأن بعض أفراد الأوس والخزرج كانوا منافقين؟.

هل من الانصاف أن نتهم أصحاب الأئمة عليهم السلام بالسرقة لأن بعضهم خان إمامه واستولى على أمواله؟.

يستند حزب الدعوة الإسلامية الى تراث فكري ومفاهيمي ضخم، ومن مرتكزاته الفكرية ما خصصته النشرة المركزية في عددها العاشر بعنوان (أزدواج الشخصية) حيث دعت الى أن الحزب في حال ابتعد عن خطه الإسلامي ولم يتمكن من مراجعة مسيرته وعجز عن الإصلاح فمن الواجب عليه أن يقوم بحل الحزب، لأن سمعة الإسلام وتاريخ الدعوة هي القيمة العليا التي يجب أن لا يلحقها ضرر في تصور الجمهور.

لقد بدأت الانتكاسة في شكلها المكشوف، بعد فترة وجيزة من ولاية المالكي الأولى، حين تنافس بعض قياديي حزب الدعوة على إظهار الولاء للمالكي من أجل الفوز بالمكاسب، وحاربوا كل نصيحة لتصحيح المسار، وواجهوا بغضب كل عملية نقد تؤشر على الخطأ منذ البداية. ومضوا على ذلك في ولاية المالكي الأولى والثانية وحين أدركوا بأن الثالثة لن تكون له، يمموا وجوههم شطر العبادي في نفس الطريقة السابقة، لقد امتهنوها فأجادوها.

كنا مجموعة نكتب في موقع (الوسط) .. مجموعة من الدعاة لبثنا في حزب الدعوة عمراً، وكنا نكتب عن تاريخ الدعوة وعن المخاطر التي تواجهها نتيجة هذا الانجراف المتهالك على المكاسب والامتيازات، وعن تحول المالكي الى التفرد والحكم العائلي، وعن نفوذ ابنه واصهاره في مفاصل مهمة من الدولة، وعن أمور كثيرة أخرى، فكان الجواب المضاد يأتي هجوماً عنيفاً ونقمة بالغة الغضب. وفي المرات القليلة التي تجري فيها الحوارات والاتصالات، كنا نتمسك بثوابت الدعوة الاسلامية في استخدام السياسة لخدمة الشعب لا خدمة الشخص، وفي كون الداعية نموذج العامل للصالح العام لا للصالح الخاص، وفي كون الداعية اول من يضحي واخر من يستفيد.. كنا ندعوهم للإحتكام الى تلك الأفكار وهي الفيصل بين ما نريد وبين ما يفعلون، فيكون الجواب صمماً وهجوماً واتهامات.

ذات يوم جمعني المكان مع الدكتور وليد الحلي، فتحدثت اليه عن خضوع القيادة للمالكي وعن تحكم ابنه احمد بهم وبمراكز القرار، وكذلك اصهاره، فأين قيم حزب الدعوة وماذا بقي منه؟. فأجاب الحلي بأنه في بعض الحالات استطاع أن يُقنع الحاج احمد نوري المالكي بالتراجع عن موقفه.

لقد اعتبر ذلك شجاعة نادرة وانجازاً رسالياً لا يقوى عليه غيره. إن المقياس قد إنقلب عنده فصار يرى الخلل صحيحاً، وهانت عليه كرامته فجعلها رهينة لشاب طائش. وقد تحول الدكتور الحلي الى صوت ناقم على المالكي بعد أن تلاشت إمكانية الولاية الثالثة، ونقل متاعه وكرامته الى العبادي يسبح بحمده بكرةً وأصيلاً.

وجمع المكان يوماً أحد كتاب (الوسط) مع القيادي الدكتور عبد الزهرة البندر فسأله الأخير عن رغبته في الذهاب الى بغداد، فقال له: أرغب بذلك لكن أحد اصهار المالكي توعدني بالاعتقال فور وصولي الى المطار عقاباً لما أكتبه في موقع (الوسط). فأجابه الدكتور البندر بأنه سيتوسط عند صهر المالكي ليسمح له بزيارة العراق.

لم يتوقف الدكتور عبد الزهرة البندر بتاريخه وموقعه القيادي عند الموازين المقلوبة والخلل الفاضح، بل تعامل على ان القضية طبيعية، وانه سيقدم لمحدثه خدمة كبيرة بإقناع شاب متهور نصفه خواء والنصف الآخر جهالة، حتى يرفع غضبه عنه.

وعلى هذه الوقائع شواهد كثيرة، وعلى هؤلاء وأمثالهم الذين تنقلب عندهم الموازين ينطبق قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ).

أرجو من الاخوة القراء الكرام، بعض الصبر، واعذروا تأخري وتقصيري في الرد على كل رسائلكم فهي كثيرة ولكم الشكر عليها، سأواصل الكتابة وستقرأون الكثير في سلسلة (إسلاميو السلطة)، والله المستعان.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

العلاقات العراقية – الروسية .. 71 عاما

الى روح المواطن العراقي الذي قاد الجانب العراقي في المفاوضات العراقية – السوفيتية عام 1944 في طهران المرحوم عباس مهدي (1898 - 1961)، والذي تم تعينه بعدئذ وزيرا مفوضا (اي سفيرا) لاول سفارة عراقية افتتحت في موسكو عام 1945 .

 

اقامت سفارة جمهورية العراق في موسكو امسية ثقافية رائعة يوم 3 ايلول / سبتمبر من هذا العام تحت شعار مهم وكبير ويتناغم مع روح عصرنا ويتجاوب مع متطلبات كل الشعوب ويصلح ان نتوجه به الى تلك الشعوب ونتحدث معها حوله بالذات في هذا الوقت، والشعار الذي تم صياغته بشكل ناجح ودقيق وملائم فعلا هو – (من أجل السلام نحارب الارهاب)، وجاءت هذه الامسية بمناسبة الذكرى الحادية والسبعين لاقامة العلاقات العراقية – الروسية (1944- 2015) .

يتذكر المتابعون لنشاطات السفارة العراقية بموسكو انها اقامت مثل تلك الاحتفالية في العام الماضي (انظر مقالتنا المنشورة حول ذلك بعنوان – سفارتنا تحتفل بالذكرى السبعين لاقامة العلاقات العراقية – الروسية) . يجب الاشارة هنا - قبل كل شئ - الى ان السفارة العراقية بموسكو قد اقامت تلك الحفلة لاول مرة في تاريخها بمناسبة الذكرى السبعين لتلك العلاقات، وان اقامة الامسية الثقافية هذه الآن يؤكد ان السفارة العراقية ارادت الاستمرار بهذا التقليد الحضاري الجميل والمهم سياسيا في مسيرة العلاقات العراقية – الروسية وتعزيزها، وهو موقف سياسي عراقي واضح المعالم ودقيق جدا تجاه روسيا الاتحادية وآفاق التعاون اللاحق معها اولا، وثانيا، فان هذه الفعٌالية تمتلك امام روسيا وقادتها كثيرا من المعاني السياسية المهمة في هذا الشأن، ولهذا يمكن القول بكل تأكيد ان السفارة قد نجحت في تحقيق هذا الهدف نجاحا باهرا، وليس من قبيل الصدفة بتاتا حضور وكيل وزارة الخارجية الروسي بغدانوف (ممثل الرئيس الروسي بوتين في جولاته المهمة والمتعددة الاطراف في الشرق الاوسط في الآونة الاخيرة)، والذي قدمه السفير العراقي الدكتور اسماعيل شفيق محسن عند افتتاح الامسية المذكورة ليلقي كلمة الجانب الروسي بعد عزف النشيدين الوطنيين العراقي والروسي . تناولت كلمة بغدانوف تطور العلاقات العراقية الروسية طبعا، وكيف ان موسكو قد استقبلت كبار القادة العراقيين في الآونة الاخيرة وتباحثت معهم، وكيف اتفق الجانبان على عدة خطوات لاحقة، وقد اشار السفير العراقي الدكتور اسماعيل شفيق محسن في كلمته الجوابية الى تلك العلاقات ايضا، وقال ان العلاقات الاقتصادية بالذات بين العراق وروسيا قد تضاعفت عشر مرات في الفترة الاخيرة، واستشهد بكلمة بغدانوف نفسه والذي قال عن تلك العلاقات – انها تمرٌ بمرحلة الربيع والازدهار .

انعقدت هذه الامسية الثقافية في واحدة من أجمل قاعات موسكو والتي تسمى (دار الموسيقى)، وهو مجمع متكامل يقع في بناية جميلة ومتميزة في قلب موسكو تضم العديد من الصالات الخاصة لمختلف الفعاليات . كان برنامج الامسية متنوعا جدا، وابتدأ بافتتاح معرض اللوحات التشكيلية لفنانين عراقيين، وقد توقفت طويلا عند صور لوحات فنان تشكيلي شاب وصل الى موسكو من كردستان العراق اسمه امانج امين، وكانت لوحاته تجسٌد الاوضاع الحالية في عراقنا الجريح وتتحدٌث عنها، وقد نفٌذها بشكل فني رفيع المستوى - بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى – وعرض فيها (بمهارة وبالوان مناسبة ومتناغمة لروحية تلك اللوحات ومضامينها) المآسي التي تحدث الان على يد الارهاب ضد ابناء الشعب العراقي بكل قومياته واديانه وطوائفه . لقد كانت تلك اللوحات تجسٌد فعلا مضمون شعار الامسية والذي أشرت اليه في مقدمة هذه المقالة وهو - (من أجل السلام نحارب الارهاب) . تحدثت طويلا مع هذا الفنان التشكيلي المبدع حول لوحاته وتقنيتها، وشرح لي بكل تواضع وادب ورقٌة مضامين تلك اللوحات ورمزيتها، وقمت بترجمة ما قاله لي الى الروسية للزملاء الروس الذين كانوا يحيطون بنا اثناء ذلك، وقد ابديت أسفي لاني لا استطيع ان أتأمل تلك اللوحات الاصلية التي ابدعها، واتمتع بالتأمل بها، فقال لي انه أعدٌ شريطا سينمائيا تفصيليا لتلك اللوحات سيتم عرضه على الجمهور اثناء الحفل الموسيقي لتلك الامسية، وهذا ما تم فعلا، اذ تم العرض السينمائي على شاشة كبيرة مثبٌتة على الجدار الخلفي لخشبة المسرح، وكان هذا العرض السينمائي الجميل متناسقا ومنسجما - وبشكل هارموني رائع - مع تلك الموسيقى العراقية والعالمية التي قدمها عازفون فنانون عراقيون قادمون من العراق ومن بعض الدول الاوربية ايضا، وساهم معهم بالطبع بعض العازفين الروس (واحدة منهم ذات أصل عراقي، اذ انها ابنة احد العراقيين الذين تزوجوا من روسية، وعزفت على البيانو بشكل مدهش الجمال والروعة والاتقان. والعازفة هذه ولدت في موسكو، وكانت تجسٌد امام الجمهور طبعا العلاقات العراقية – الروسية بابهى صورها وأجمل معانيها.)

كان العزف الذي قدمه العازفون العراقيون على آلة العود جميلا وممتعا جدا، وخصوصا ان أحد العازفين قدٌم مقطوعات متتابعة ومتناسقة لاغان روسيٌة مشهورة جدا لدرجة، ان الجمهور الروسي اندمج معها كليا واخذ يصفق انسجاما مع عزفه لتلك الاغنيات، وكان هذا العزف بمثابة تحية للجمهور الروسي الذي حضر في تلك الامسية، وكذلك الحال مع العازف الذي قدٌم مقطوعات لاغان عراقية مشهورة لدرجة، ان الجمهور العراقي اندمج معها وأخذ يصفق مع عزفه لتلك الاغنيات العراقية، وخصوصا الاغنية الكردية الشهيرة – (هره ليلي)، والاغنية الاخرى (المصلاوية) المعروفة، والتي تقبلهما الجمهور العراقي بحماس منقطع النظير، بل وحتى بعشق، وصفق لهما طوال العزف بانسجام واعجاب شديدين، باعتبارهما رمزا لوحدة العراق الحبيب من شماله الى جنوبه، اي من كردستانه وموصله الى بصرته.

الامسية العراقية هذه بموسكو – باختصار – عمل رائد ومهم جدا وجميل في تاريخ العلاقات العراقية – الروسية، قامت به السفارة العراقية بموسكو برئاسة سفيرها الدكتور اسماعيل شفيق محسن (لولب الامسية من بدايتها الى نهايتها) الى الاعضاء في السفارة (شاهدتهم كيف كانوا يركضون باهتمام طوال فترة الامسية وهم يحاولون تنفيذ كل ما يجب القيام به) الذين ساهموا – كل حسب اختصاصه وموقعه – في تنظيم تلك الامسية ونجاحها الباهر، والتي تعني – بلا شك – اشارة عميقة وصريحة الى رغبة العراق لتطوير العلاقات العراقية – الروسية وتعزيزها، لأنها مهمة وضرورية لجمهورية العراق ولروسيا الاتحادية في آن .

شكرا جزيلا للسفارة العراقية في موسكو على هذا النشاط الكبير والمهم والممتع من اجل تقديم الوجه المشرق للعراق.

 

أ.د. ضياء نافع

 

إسلاميو السلطة (28): حسابات التآمر المعقدة على الحكم

salim alhasaniسؤال مشترك بين عدد كبير من الرسائل التي وصلتني على الخاص في الفيسبوك، إضافة الى بعض التعليقات، مفاده: كيف اختارت قيادة حزب الدعوة الدكتور حيدر العبادي لمنصب رئاسة الحكومة، وهو بهذه الشخصية التي تحدثت عنها في الحلقات السابقة؟

رغم تعقيدات الجواب بما يتضمنه من تفصيلات، فأني سأحاول اختصار المشهد تاركاً التفاصيل عندما أصدرها في كتاب مستقل ان شاء الله.

كان تمسك السيد المالكي بولاية ثالثة عقبة كبرى واجهت الكتل السياسية، فلقد أجمعت على معارضة توليه تشكيل الحكومة، لكن المشكلة كانت تكمن في قوته البرلمانية من خلال العدد الكبير لمقاعد دولة القانون التي يتزعمها. وقد بدا واضحاً في هذه الأزمة أن المرجعية العليا لا تريد الولاية الثالثة. وقد استجابت قيادة حزب الدعوة لرأي المرجعية الذي عبرت عنه في رسالة خاصة أبدت فيها رغبتها بترشيح شخصية جديدة لتولي رئاسة الوزراء.

في ضوء هذا الموقف تصاعدت المفاوضات بين مكونات التحالف الوطني حيث تم تداول عدة شخصيات منهم الدكتور إبراهيم الجعفري والدكتور حسين الشهرستاني والسيد عادل عبد المهدي والدكتور حيدر العبادي والدكتور طارق نجم. وكانت المفاوضات ومواقف الكتل الأخرى تقود الى تقليص مستمر في المرشحين، حتى تم الاتفاق على ترجيح كفة الدكتور طارق نجم لتولي تشكيل الحكومة، لكن المفاجأة كانت عندما رفض نجم المنصب بشكل قاطع، وقرر الابتعاد عن الأجواء السياسية وجلسات التداول والمناقشات المتلاحقة، بمغادرة بغداد الى لندن في الأسبوع الأول من شهر آب/ أغسطس 2014.

ورغم مغادرته بغداد، فان الرأي العام في الأوساط السياسية والإقليمية والدولية صار مجمعاً على ترشيحه لمنصب رئاسة الوزراء، مما جعله يعطي رأيه النهائي بالرفض ثم يغلق هاتفه ويمتنع عن تلقي الاتصالات الهاتفية من شخصيات لها مكانتها الدولية من ضمنهم الرئيس الأميركي باراك أوباما ونائبه جو بايدن، في موقف يُعد الأول من نوعه في مسار العملية السياسية.

صباح التاسع من أغسطس، حضرتُ دعوة طعام في منزل الصديق الأستاذ حسين السكافي الى جانب الدكتور طارق نجم والأستاذ جليل الخير الله، ودار الحديث عن الوضع المعقد وسبب رفضه قبول الترشيح، فكان الدكتور طارق يوجز الكلام ببضعة كلمات مؤكداً عدم قبوله الترشيح بأي شكل من الأشكال. ومع معرفتنا بأنه يختزن الأسرار والمعلومات في صدره، ولا يبوح بها، فقد حاولنا نحن الثلاثة حمله على الكلام والدخول في نقاش حول موضوع بهذه الأهمية البالغة، لكنه أصر على رأيه بكلمات موجزة يزيد فيها التأكيد على الرفض.

في الحادي عشر من أغسطس تم الإعلان عن تكليف الدكتور حيدر العبادي بتشكيل الحكومة من قبل السيد فؤاد معصوم، وعند ذاك شعر الدكتور طارق نجم بالتخلص من عبء الضغوط. هذا ما لاحظناه نحن الثلاثة في جلسة ثانية في منزل الصديق حسين السكافي ومع الصديق جليل الخير الله ايضاً.

ولأن القضية قد حسمت فقد قررت أن أطرح رأيي بخصوص الدكتور العبادي، ففصلت الحديث عن شخصية العبادي، عن تردده وحيرته وضعفه وعدم صلاحيته لهذه المهمة في الظروف العادية فكيف به والعراق يمر بأصعب فترة وأخطر مرحلة. وقد كنت أجد بأن الكارثة ستحل بالعراق من خلال هذا الترشيح، فطلبتُ من الأخ جليل الخير الله، ان يجري اتصالاً ببعض الاخوة المعنيين لتدارك الأمر، لكن الدكتور طارق نجم منعه من اجراء أي اتصال، مصراً على موقفه برفض المنصب بأي شكل من الأشكال.

ستواجهنا الآن نقطة مهمة، تتلخص بالدعم الذي ناله العبادي من كافة الأطراف العراقية والإقليمية والدولية، وبشكل غير مسبوق، وكيف يمكن ملائمته مع رغبة تلك الأطراف في تولي طارق نجم منصب رئاسة الوزراء؟.

لم يكن يدور في أذهان الكثير من تلك الأطراف وخصوصاً العراقية، أن يُصار الى ترشيح الدكتور حيدر العبادي، فكانت الأنظار تتجه الى شخصية معتدلة قوية، وهذا ما يتمثل في الدكتور طارق نجم بحكم خبرته التفاوضية وادارته لأزمات حساسة خلال السنوات السابقة، بعقلية هادئة متزنة. لكن رفضه القاطع للمنصب، وترشيح العبادي وضعهم أمام مفاجأة الاختيار من قبل التحالف الوطني، فوجدوها فرصة ثمينة لا يمكن التفريط بها، ولعلهم لم يتوقعوا ان يكون هو المرشح البديل، لما يُعرف عن العبادي من إيثاره السلامة والنأي بنفسه عن المواقف الحاسمة وتردده في تنفيذ القرارات المصيرية. لقد كان هدية التحالف الوطني التي جادت بها الظروف. وأكثر من يتحمل المسؤولية في هذا المجال السيد إبراهيم الجعفري الذي كان له الدور البارز في ترشيحه ليحصل على وزارة الخارجية ثمناً لجهوده.

يتأكد هذا الرأي من خلال رصد سريع للساحة الإعلامية في هذه الأسابيع، فبعد أن تكشف ضعف العبادي للجميع، وبعد ان ظهر واضحاً عدم استثمار الفرصة التاريخية التي منحها إياه الشعب والمرجعية، فقد بدأت الكيانات السياسية تفكر باحتمال سقوط العبادي قريباً، وسقوطه في هذه الحال ربما يعيد الى الواجهة الدكتور طارق نجم ثانية، وهذا ما يفسر تعرضه الى هجمة إعلامية للنيل منه، يشترك فيها المجلس الأعلى وجناح السيد نوري المالكي وكيانات سنية من خلال واجهات إعلامية وكتابية عديدة، وإن كان كل طرف يتحرك بمعزل عن الآخر.

 

ولتكثيف الفكرة، نضع هنا عدة محاور:

الأول: من خلال مراجعة ظروف استبعاد المالكي واختيار العبادي، أصبح واضحاً أن الشخصية الأقوى والأكثر ترجيحاً لخلافته هو الدكتور طارق نجم. ويجد السيد المالكي فرصته الأخيرة للعودة الى السلطة في استقالة العبادي او اسقاطه، وعليه فلا بد من استبعاد طارق نجم بإسقاطه إعلامياً، حتى يخلو له وجه السلطة.

الثاني: تتوقع الأطراف السنية أن العبادي في حال اضطراره الى الاستقالة فان المرجعية سيكون لها دورها الأهم في تعيين خليفته، وهذا يعني أن السيد طارق نجم سيكون هو مرشحها، وعليه فلا بد من تشويه صورته بنظر المرجعية، أو على الأقل الإيحاء لها بانه يواجه معارضة شديدة، وبذلك تتخلص من شخصية قوية يمكن ان تدير البلد.

الثالث: يرى المجلس الأعلى أنه امام فرصة تاريخية للفوز برئاسة الوزراء، بالاستفادة من الموجة الإعلامية التي بدأت تتصاعد ضد حزب الدعوة، وان الوجوه البارزة فيه احترقت ولم تعد مقبولة لتولي منصب رئاسة الحكومة باستثناء الدكتور طارق نجم، وعليه فلا بد من ضربه إعلامياً من الآن قبل حدوث أي تطور مفاجئ.

ومع ان السيد طارق نجم كان قاطعاً في رفضه للمنصب، ومصراً على موقفه، ولعله سيكرر نفس موقفه الرافض فيما لو حدث متغير بشأن مستقبل السيد العبادي، إلا أن وجوده قريباً من أجواء العملية السياسية يخيف أصحاب التنافس الحاد على مواقع السلطة، بما في ذلك الدكتور العبادي نفسه. وقد كتبت في بداية تشكيل الحكومة مقالاً بهذا الخصوص، لأن من طبيعة التركيبة النفسية للحكم في الشرق، هو تحسس الحاكم من أي شخصية يحتمل فيها المنافسة، حتى لو كانت هذه الشخصية تزيده قوة، لكنه يفضل إقصاءها ليضمن البقاء، ففي قضية مصيرية تتصل بالمنصب لا مجال للاحتمالات مهما كانت ضئيلة.

والذي دفعني الى إثارة هذه القضية في وقت مبكر، معرفتي الشخصية بالدكتور العبادي، فهو لطيبته وبساطته سيأخذ أي تحذير كاذب أو مغرض على أنه صحيح ومؤكد، وقد شخّصت بعض الأطراف هذا الجانب عند العبادي فبدأت تحذره من طارق نجم.

على هذا النحو المعقد تسير الأمور في العراق، وتجري المفاضلة بين المرشحين، والنتيجة أن الأضعف هو صاحب الحظ السعيد في تولي المنصب الأصعب، إنها لعبة بائسة، تُسعد قادة الكتل، وتصيب المواطن بمعيشته وحياته.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

كاظم حبيب شبَّ على شيء و شابَ عليه! (1)

alaa allamiقد لا ينطبق هذا المثل السائر - والقابل للنقاش علميا- والقائل (من شبَّ على شيء شاب عليه) على شخص كما ينطبق على كاظم حبيب، الكاتب الانتهازي بل والعريق في الانتهازية، منذ أيام تنظيراته المؤسسة والمؤيدة للتحالف مع نظام البعث في الجبهة الوطنية في السبعينات من القرن الماضي، والذي يحب أن يصف نفسه ويصفه حاشيته بالبروفسور والمفكر اليساري والتقدمي والاقتصادي الضليع، فهذا الرجل شبَّ على الملق وانتهاز الفرص والتقلب بين المواقف الفكرية والسياسية مع ثبات ملحوظ في موقع خدمي واحد هو الدفاع عن زعامة الحزبين القوميين الاقطاعيين في إقليم كردستان/ العراق لدرجة انه أصبح عراباً لمجموعة من الكتاب والإعلاميين العراقيين شكلوا منظمة دعائية رسمية للدفاع عن تلك الزعامات وعقدوا مؤتمرها التأسيسي في أربيل تحت اسم مخادع هو "التجمع العربي لنصرة القضية الكردية" وهو في الحقيقة ليس إلا تجمع للدفاع عن حكم العائلتين الحاكمتين (البارزانية والطالبانية) في الإقليم وليس للدفاع عن الشعب الكردي الذي تنهب هاتان العائلتان ثرواته النفطية وغير النفطية ولا تعلن عن أموال عائداتها حتى لشركائها في الحكم ولا ينبس هذا التجمع بكلمة حول هذا الموضوع!

كاظم حبيب هذا اتخذ منذ أسابيع قليل من واحدة من صحف الإسلام السياسي الشيعي بعد أن ساءت سمعتها كثيرا بسبب طائفية وقمعية مالكها ورئيس تحرير هي "العالم" وتنكرها لاستقلاليتها التي بدأت بها، التي هجرها أغلب كوادرها ومحرريها الشجعان وأسسوا صحيفة بديلة ومستقلة أخرى هي "العالم الجديد" بعد أن فضحوا صاحب هذه الجريدة وكشفوا ممارساته الممجوجة تلك، اتخذ – حبيب - منها منبرا له ونشر فيها سلسلة من المقالات يلاحق عبرها الحركة الاحتجاجية المتصاعدة في العراق. هذه وقفة سريعة للرد على أبرز أكاذيب وتلفيقات كاظم حبيب الجديدة "القديمة".

- تعليقا على مشاركة التيار الصدري في تظاهرات ساحة التحرير في بغداد في الجمعة الرابعة 28 آب كتب حبيب (بأن الصدريين قد أدركوا بحس جديد وسليم بأن المظاهرات الشعبية الشبابية قد لعبت دوراً مهماً في تحريك المرجعية الدينية الشيعية باتجاه تأييد مطالب الشعب الأساسية...) يقفز حبيب قفزة "كنغرية" على عدة حقائق هنا سجلتها حتى مجموعات تشارك في قيادة التظاهرات من الديموقراطيين واليساريين ومنها أن التيار الصدري جزء أساسي من نظام حكم المحاصصة الطائفية والعرقية ولديه 40 نائبا في البرلمان وأربع وزارات خدمية فاشلة ونائب رئيس وزراء متهم بالفساد هو بهاء الأعرجي، وإنه يحاول ركوب موجة التظاهرات بدلا من ان يبادر الى " إصلاح حصته" من نظام الحكم ومحاسبتها أو مراجعة أدائها. والحقيقة الثانية هي أن التيار الصدري لا يؤمن بما يكرره حبيب هنا من (إن المرجعية الدينية النجفية تحركت باتجاه تأييد المطالب الشعبية) وهو قول سليم كرره حبيب ولكن على طريقته العقيمة في تسويق المفاهيم لأغراض التملق السياسي بل يقولون بعكسه تماما ويزعمون أن المرجعية هي التي أطلقت الحركة الشعبية الاحتجاجية وهم يشاركون في التظاهرات من منطلق طاعة المرجعية وتأييدها رغم خلافاتهم القديمة معها. وسنتوقف في موضع آخر عند تملق حبيب للمرجعية الدينية النجفية نفسها في مقالة أخرى له.

- في جرده للقوى المعادية لتظاهرات الصدريين والمظاهرات الاحتجاجية بعامة، يكتب كاظم حبيب (إلا إن هذه المظاهرات تواجه اليوم حملة ظالمة من أتباع المالكي وأتباع أسامة النجيفي ومن أياد علاوي شخصياً، أي من تلك الجماعات والشخصيات الطائفية المتشددة، سواء أكانت شيعية أم سنية، المتضررة من عملية الإصلاح والتغيير التي تسعى إلى إحباط العملية الإصلاحية التي بدأ بها السيد العبادي). ثمة هنا عدة قفزات كنغرية (نسبة الى حيوان الكنغر) وترهات نلخصها في التالي:

- قفز حبيب أولا على طرف مهم يعادي الحركة الاحتجاجية علنا وبعمق و بدراية دبلوماسية محسوبة هي زعامات الحركة القومية الكردية وخصوصا قيادتي آل بارزاني وآل طالباني، وموقفها المعلن المعادي لأي تغيير أو إطاحة بنظام حكم المحاصصة الطائفية ودولة المكونات أو حل لمجلس النواب أو إلغاء أو تعديل حقيقي للدستور الاحتلالي الذي دفعت تلك القيادات رشا بملايين الدولارات للخبير الأميركي بيتر غالبريث كي يتدخل ويدس بعض المواد الخطيرة فيه ( كتبت عن هذا الموضوع أكثر من مرة في الصحافة العراقية والعربية و بشكل موثق قبل وبعد فضيحة محاكمة غالبريث وشركاه في بريطانيا) .إن وموقف الزعامات الكردية هذا معلن وصريح، وهو لا يقل عداء للحركة الاحتجاجية من المالكيين والعلاويين والنُجيفيين، بل إن علاوي - والحق يقال ورغم عمالته لأكثر من 16 عشر جهاز تجسس دولي باعترافه هو- كان معاديا للمحاصصة الطائفية لفظيا، طوال فترة مشاركته في اللعبة السياسية بعد الاحتلال، ولكنه وكانتهازي لا يقل عراقة عن كاظم حبيب ارتضى أن يسبح في مستنقعات الحكم طولا وعرضا سطحا وقاعا. والسؤال هو : لماذا سكت ويسكت كاظم حبيب وزملاؤه في تجمع " المناصرة" سكوتا مطبقا هنا على مواقف قيادتي البارزاني والطالباني وتحذيراتهما بالانفصال إذا تم المساس بالدستور الاحتلالي واللعبة السياسية الطائفية عموما؟ و أسجل مبكرا، أن حبيب سكت في مقالة أخرى سكوتا جزئيا وماكرا عن تلك القيادات حين عدد الأطراف المعادية للحركة الاحتجاجية الشعبية ضد النظام الفاسد في مناسبة "مقالة" أخرى سنتطرق لها لاحقا.

- القفزة الثانية هي تلك التي يقوم بها حبيب على سقف الخلاف الثأري القديم بين الصدريين والمالكيين والذي تعود بداياته الى الحملة العسكرية التي قادها المالكي ضد الصدريين والمجموعات المسلحة الأخرى تحت مسمى "صولة الفرسان"، بعد أن هدده أهالي البصرة علنا عبر فعالياتهم الشعبية بأنهم سيهجرون المدينة جماعيا ما لم يتدخل لإنقاذهم من سطوة وعبث المليشيات الشيعية والجماعات التي سميت آنذاك بالخارجة على القانون. ومن حق أهالي البصرة أن يتهموا كاظم حبيب أنه ينحاز وبطريقة مباشرة للجماعات المسلحة ضدهم ويقف مع الجماعات المسلحة التي ضربها المالكي باسم الدولة العراقية وقبل أن يفقد السلطة تماما بسبب ضياع البصرة. كان ينبغي لكاظم حبيب على الأقل، وككاتب يسمي نفسه يساريا وماركسيا، أو حتى كمراقب مستقل، ألا يتخندق مع هذا الطرف المسلح ضد ذاك، ويكتفي برصد وتحليل الحالة الصراعية، إذا جبن عن فضح الطرفين، وكان كلاهما في خندق النظام المحاصصاتي الحاكم. و أسجل هنا – لإنعاش ذاكرة البروفيسور حبيب – ما يلي : حين كان الصدريون يستأهلون التحية والاحترام خلال قيادتهم لانتفاضتين مسلحتين باسلتين ضد قوات الاحتلال في سنواته الأولى، كان كاظم حبيب وأمثاله من انتهازيين في "مجلس إعادة الإعمار والتنمية" الذي أسسه الحاكم الأميركي الأول للعراق الجنرال جاي غارنر يمارسون "نضالهم الشرس" بالجملة والمفرد في الدفاع عن الاحتلال ويطلقون عليه "التحرير والتغيير المبارك في العراق الجديد" الذي جاء الاحتلال فيما كان الكتاب اليساريون الوطنيون يتضامنون ويؤيدون الصدريين في وقفتهم البطولية والمشرفة تلك ضد الاحتلال الأميركي الهمجي، أما كاظم حبيب فقد كان ينظر إليهم آنذاك كمليشيا مهوسة بالقتل وأسوأ من تنظيم القاعدة لنقرأ ما كتبه آنذاك (وتقف وراء القتلة تنظيمات إسلامية سياسية طائفية متطرفة كثيرة وقوى بعثية صدامية، ومن بينها وأكثرها خطراً مماثلاً لخطر القاعدة هو ميليشيات جيش المهدي، المسلحة تسليحاً عالياً والمدربة تدريباً جيداً والمهووسة بالقتل إلى حين ظهور المهدي, فهم جيشه في الأرض وهم الذين يعاقبون الناس, أنهم الخصم والحكم في آن/ من مقالة بعنوان ماذا وراء عودة مقتدى الصدر إلى العراق؟28/05/2007). نرجو ألا يتهمنا بعض الحمقى بالوشاية والتسبب بالأذى للبروفيسور كاظم حبيب لأن هذا الكلام لم يرد في رسالة شخصية أو أنه قاله كاظم حبيب همسا لسيده بول بريمر بل في ورد مقالة نشرها هو في العديد من وسائل الإعلام والمواقع على النت آنذاك، ويكفي أن يوضع عنوانها في محرك البحث غوغل لتظهر تلك المصادر للقارئ. الخلاصة هي أن مواقف كاظم حبيب من الصدريين يتطابق تماما، وإنْ بشكل غير معلن، مع مواقف السفير الأميركي فهو ضدهم إن كانوا يقاتلون ضد جيش الاحتلال وهو معهم حين تضطر الدولة الى الوقوف ضد تعدياتهم وقمعهم الديني للمدنيين في البصرة وغيرها وهو معهم حين يحاولون سرقة الهبة الجماهيرية الراهنة وإنقاذ نظام المحاصصة الطائفية والعرقية !

- زيادة في التملق السياسي للصدريين، يحشر كاظم حبيب نفسه في انشقاقاتهم و خلافاتهم الداخلية فينحاز ضد فريق منهم إلى جانب فريق آخر يقوده زعيم التيار مقتدى الصدر واصفاً المنشقين عليه أي جماعة العصائب بزعامة الخزعلي (بمجموعة من الإسلاميين السياسيين المتطرفين الذين مارسوا مختلف أنواع العنف في الصراعات الدائرة بالبلاد والقتل على الهوية)! وهذه واحدة من أقدم وأوسخ صفات الانتهازيين السياسيين حين يتطوعون للدفاع عن طرف ضد آخر في ظاهرة أو كيان لا علاقة لهم به من بعيد أو قريب ويصدرون الأحكام القضائية والسياسية ضد طرف منهم لإرضاء طرف آخر لا يأبه لهم ولا يحترمهم!

 

علاء اللامي

كاتب عراقي

من تجارب الشعوب: مدينة دريسدن الألمانية دمرتها الحروب ثم إستعادت عافيتها

hashem mosawiإعتدت في محاضراتي الأكاديمية، عندما أتحدث عن الحفاظ العمراني، أن أختار مدنا من مختلف القارات، مرت بتغيرات عميقة في تاريخها، وأحيانا أختار مدنا زرتها وإطلعت على معالمها وعرفت تاريخها ودرست أساليب الحفاظ التي أتبعت في المحافظة على ملامحها العمرانية وموروثها الحضاري .

ومن تلك المدن التي أقدمها للقارئ اليوم هي مدينة دريسدن الألمانية السكسونية، والتي رغم ما نالها من دمار إبان الحربين العالميتين، لكنها تميزت بإحتفاظها بأهم معالمها العمرانية التاريخية، بفضل عمليات الحفاظ وإعادة الإعمار المتميزة فيها تمكنت من إستعادة تلك الشواخص المعمارية والرموز التاريخية .

وسنحاول هنا أن نعود بشكل مختصر الى تاريخ هذه المدينة . حيث ذكر أسم دريسدن لأول مرة في الوثائق عام 1206م . وفي عام 1216 م كانت البلدة التي تقع على الضفة اليمنى من نهر الألبه يشار إليها بإسم " نيون دريسدن " .كما يذكر المؤرخون بأنه تم إنشاء الأسوار الحصينة التي تحمي المدينة للقلعة وللبلدة، في القرن الرابع عشر الميلادي . وقد وهب الإمبراطور "سيكسموند دوقية ساكسه –فيتنبورك الى فريدريك الحربي كإقطاعية خاضعة لسلطانه فضلا عن منحه لقب إليكتر (الناخب)، عام 1423م، فعرفت تلك المنطقة بإسم الإليكتورية الساكسونية

814-hashim

وفي عام 1464م بعد وفاة فريدرك تقلد إيرنست وألبرت الحكم معا، وأصبحت دريسدن مقر حكم ألبرت وأولاده . في عام 1491م وبعد الحريق المدمرالذي حل بالبلدة تم إعادة بنائها بإستعمال الحجر كمادة بنائية للبيوت والسقوف القرميدية، وفي مطلع القرن السادس عشر الميلادي تم تحويل القلعة في البلدة القديمة الى قصر، وتم تحصين أسوار المدينة القديمة والتي لا تزال أثارها المطلة على نهر الألبه باقية الى يومنا هذا . ومن أهم الأحداث التي تفتخر بها هذه المدينة، أن مارتين لوثر الواعظ البروتستاني الشهير، قد كان يلقي مواعظه في مصلى القصر قد يلقي مواعظه في مصلى القصر عام 1517م . في عام 1691م أصبح فريدريك اوكوستوس الأول المعروف بإسم أوكوستوس القوي أميرا ناخبا، وقد عرف عنه إهتمامه بالبناء، فبنيت في عهده أعمال ذاع صيتها في العالم . منها معارض تسوينكر وكنيسة البلاط "هوف كيرشه" . وشهد عنم 1806م إلتحاق سكسونيا بحلف الراين لنابليون، وأصبحت مملكة . وفي عام 1809م أزال نابليون الأسوار الحصينة . وفي عام 1918م تم إلغاء الملكية، وأصبحت دريسدن عاصمة ولاية سكسونيا الحرة .

 814-hashim2

برج هاوسمان

وكما ذكرنا في بداية هذا المقال بأن دريسدن تعرضت الى ويلات الحروب، فقد شهدت في الثالث عشر من شبنط عام 1945م غارة جوية شنتها القوات البريطانية والأمريكية، تدمر من خلالها مركز المدينة . وضمن جهود الإحياء للتراث، فقد تم إعادة إعمار كل من القصر وكنيسة السيدات (فراون كيرشه)، إستجابة للنداء الجماهيري الذي نظمه أهالي مدينة دريسدن بحملة عالمية أطلق عليها " صيحة من دريسدن طالبوا فيها المجتمع الدولي المساعدة لإسترجاع كنيسة فراون كيرشه ( التي تركتها الغارة حطاما منثورا) كي تكون المركز المسيحي لعالم السلام في أوربا الجديدة . ولم يتم إعادة إعمارها إلا في عام 2005م

تميزت مدينة دريسدن بممراتها العريضة ما بين المباني العامة والقصور نظرا لإرتفاع تلك المباني العالية، ذات الواجهات الثرية . أما في المناطق السكنية فتكون الممرات أضيق وبنسب إحتواء تتراوح ما بين (2.5:1) و(3.1)، وتفتح تلك الممرات على ساحات واسعة تتخلل أرجاء المدينة وتتميز تلك الساحات بأنها معرفة بوضوح من خلال إحاطتها من ثلاث جهات على الأغلب بالكتل وأحيانا من أربع جهات فلا يكون لها منفذ سوى ممر واحد ضيق نسبيا أو أكثر، وتحتوي البيازا على شاخص مهيمن وعدة شواخص ثانوية، على غرار المدن الرومانية

ورغم أن المدينة قد تعرضت خلال فترات متتالية للتدمير وإزالة المعالم والشواخص المعمارية ذات الأهمية التاريخية، إلا أن إدراك أهاليها لأهمية موروثها الحضاري، فضلا عن جودة التوثيق ودقته، أسهم في الحفاظ على الملامح المعمارية والعمرانية التاريخية للمدينة من خلال إعادة إنشاء المباني المهدمة على صورتها الأولى .

 

د. هاشم عبود الموسوي

 

إسلاميو السلطة (27): في عهد العبادي نهاية العراق

salim alhasaniلا يصلح الدكتور حيدر العبادي لمهمة كبيرة بحجم رئاسة الوزراء، ولن يستطيع ان يقطع بالعراق الخطوات الضرورية لإبقائه دولة حتى لو كانت فاشلة كما هو الآن. كيف يستطيع ذلك وهو يريد أن يرضي المجلس الأعلى والتيار الصدري والتحالف الكردستاني والقوى السنية ومجلس القضاء والبرلمان ودول الجوار والولايات المتحدة ودول العرب ودول الغرب؟

كيف يستطيع أن يُنفّذ قراراً حقيقياً في مجال مفصلي من مفاصل الدولة، وهو يتيه في خيار بسيط من الخيارات الفعلية والمفترضة؟

كيف يتمكن من دفع البلد نحو الأمان، وهو يحوّل الخط المستقيم الى متاهة متشعبة؟

إن معرفتي بشخصية الأخ حيدر العبادي هي التي تمنحني ثقة القول فيه من دون تردد، فالرجل لا يصلح لمسؤولية إدارة الدولة حتى لو جاءته رُسل الدول الكبرى بالمستشارين والخبرات تضعها بين يديه.

لقد ضحك الحظ للعبادي ضحكة مجلجلة حين تم اختياره لرئاسة الوزراء في هذا الظرف بالذات، حيث التدهور الأمني والخراب الاقتصادي والانهيار الخدمي. ولو كان الوضع أفضل بعض الشيء، لكان ذلك من سوء حظه، لأن قصوره وتردده سينكشف سريعاً، لكن الحظ كان معه للتغطية على ضعفه.

في المقابل أدار الحظ للعراق ظهره، واتجه بعيداً عنه تاركاً فوقه غيمة معتمة من المجهول والمصاعب والمخاطر، حين صوّت البرلمان على تشكيلة العبادي، وحين زخت عليه الحكومات الإقليمية والدولية برقيات التهنئة. لحظتها لم يتصور العراقيون أنها برقيات شماتة بعبارات التهنئة، وحتى لو كُتبت بأوضح عبارات التحذير، لقرأوها بعين الأمل، فلقد أرهقهم الحال المتدهور في المعيشة والأمن والخدمات.

وحين ارتقى العبادي منصة البرلمان يخطب ببرنامجه الحكومي ويقُدّم وزراءه، لم يقارن العراقيون بين وعده قبل أيام بأنه سيأتي بحكومة تكنوقراط رشيقة، وبين هذه التخمة من الوجوه الناضحة بالمحاصصة والمستندة على الفشل. كان الأمل أيضاً يحجب عنهم رؤية الحقيقة التي ملّوا النظر اليها على مدى السنوات السابقة.

في ذلك اليوم أضاع السيد حيدر العبادي فرصة النجاح الأولى، لقد كان بمقدوره أن يستثمر التأييد الذي حصل عليه من قبل الجميع في الداخل والخارج، ليفرض شرطه الإصلاحي التاريخي، بتشكيل حكومة بعيدة عن المحاصصة، وإلا فليجدوا غيره. لو فعلها العبادي لكان المنقذ الحقيقي، والوطني الصادق، والزعيم التاريخي. لكنه الكرسي الذي تحترق من أجله المبادئ والأفكار والقيم، ففضل الجلوس عليه بسرعة، وفاءاً للمحاصصة التي جاءت به. وكان قد فعلها من قبله المالكي، ومن قبلهما الجعفري ومن قبلهم علاوي. إنه الكرسي الذي جلس الشيطان على مسنده الأيمن منذ عصور موغلة في القدم، وكساه بوهم الخلود، فكان مصرع الرجال فيه وعليه.

وهنا أيضاً لم يأخذ الشعب على العبادي أنه ساير الخطأ ومضى عليه، وأنه سيكون مثل السابقين، والشعب معذور يومها، فهناك معارك طاحنة تدور على أطراف بغداد، ونازحون يتركون منازلهم الى حيث لا يعلمون، وميزانية يصفر فيها الخواء، وتهديدات متضخمة كل يوم، فكانوا على استعداد لرؤية تباطؤ التدهور على انه منجز كبير.

مهما كانت الأسباب والمبررات التي حصرت الخيار بالعبادي ليكون هو المرشح لرئاسة الوزراء، فان الترشيح يبقى خطوة خاطئة، وقد بعثتُ بعد دقائق قليلة من الإعلان عن ترشيح العبادي، رسالة هاتفية الى أحد المعنيين باختياره قلت له: إن هذا الاختيار كارثة، ولو تم الأمر فأن العراق يتجه نحو الانهيار. (سأكتب عن الأيام والساعات الحاسمة التي تم فيها اختيار العبادي عندما اصدر كتابي ان شاء الله).

لقد كان للسيد إبراهيم الجعفري دوره البارز في هذا الترشيح، بعد ان فقد هو الأمل بالفوز برئاسة الوزراء، فعمل على التسريع بتكليف العبادي ليضمن لنفسه وزارة الخارجية، وليحقق طموحاته في التحكم بالرئيس الضعيف.

لا يسير العبادي بساقين، إنما بساق واحدة وعكاز معاند، تخطو ساقه خطوة للأمام ويدفعه العكاز في الثانية للوراء. والجعفري يعرف ذلك جيداً من خلال التاريخ الطويل بينهما، فأراد أن يكون اليد التي تحدد مساره، فتقوده ذات اليمين او ذات الشمال، وسيمشي العبادي منساقاً وراء إرادة الجعفري حيثما يشاء.

نفس الهدف والغاية عند الجعفري، فلقد فعلها من قبل في ترشيح السيد نوري المالكي بدلاً عنه ليتولى حكومة عام 2006، فبعد ان فقد الأمل بإمكانية فوزه بالرئاسة، بذل جهده لاستبدال السيد علي الأديب المرشح الأقوى آنذاك، بالسيد نوري المالكي في اختيار مفاجئ، وكان السبب تصوره أنه سيضم المالكي تحت جناحه، وسيجعله طوع أمره، لكن حساباته جاءت خاطئة فعاش أسوأ سنوات حياته السياسية في تلك الفترة.

أعود فأكرر بأن العبادي لا يصلح لمهمة الحكم لا في هذه الظروف ولا في غيرها، بحكم معرفتي الشخصية به.

وأعود للقول بأن الحظ كان ضاحكاً للعبادي، فوقفت معه أقلام الإعلاميين ترسم طريق الأمل وتلون درب الأمنيات، وتبتعد عن توجيه النقد له حين تراه يتحدث برؤيته البسيطة لتعقيدات السياسة والأمن.

لم يواجه العبادي النقد وهو يتحدث عن خمسين ألف فضائي بعملية مراجعة مباشرة منه، من دون ان يحيلهم الى القضاء أو يتخذ موقفاً صارماً بحق المتورطين من ورائهم.

لم تتناوله الأقلام وهو يتحدث للقادة العسكريين عن نظريته الاستراتيجية بعدم الهروب لأن الهروب يجعل قتلهم محتماً، على طريقة ما كان ينصحنا به آباؤنا أيام الطفولة، حين كانت ألعابنا وعراكنا يقوم على المطاردة، فالمهزوم هو الطريد والمنتصر هو الذي يرميه بالحجر.

ولم يتعرض العبادي للنقد وهو يهمل التحقيق في قضية سقوط الموصل وجريمة تكريت (سبايكر) ويتركها خاضعة للمساومات والصفقات بين الكتل، بينما هو الذي يتحمل مسؤولية التحقيق مباشرة باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، وعليه أن يعرف الأسباب لكي لا تتكرر الانتكاسة في معركة قادمة.

ولم تنغص أيامه حادثة سقوط الرمادي، ولا إهمال التحقيق فيها، ولا وعوده بانه سيستعيدها بعد ساعات قليلة، ولا غير ذلك. لكنه واجه عامل الزمن الذي يعيشه الجمهور على حقيقته، لأنه هو الذي يدفع له الضريبة كل دقيقة وساعة ويوم.

في أواخر تموز ازدادت حرارة الشمس التهاباً، فبدأ التظاهرات الشعبية، ووقفت المرجعية الدينية تطالب بالإصلاح.

كان على بعد خطوة واحدة، ثم تُدخله الجماهير دائرة غضبها نتيجة تردي الأوضاع الخدمية والأمنية والاقتصادية، لكنه نجى منها حينما منحته المرجعية دعمها، وهتفت الجماهير مؤيدة لحزمته الإصلاحية. فتحولت الفرصة الى لحظة تاريخية نادرة، من تلك اللحظات التي يقضي كبار الساسة في العالم حياتهم السياسية يكافحون من أجل الفوز بها مرة واحدة في أعمارهم. جاءت الى العبادي سهلة مريحة، جاءته ساعية تقطع المسافات وتجتاز المعقول وغير المعقول لتحيط به من كل جانب، حتى تضمن لنفسها أنه سيراها.

عندما أطلق الدكتور حيدر العبادي حزمته الأولى، كانت حزمة رجل دولة مصمم على التغيير، مستعد أن يموت شهيداً برصاص شركائه السياسيين. لقد ضربهم بالمفاجأة الصاعقة، فاضطروا ان يحنوا رؤوسهم أمام إعصاره، وأن يؤيدوا قراراته بدءاً من رئيس الجمهورية وصولاً الى أضعف عضو في أصغر كتلة. وشهد البرلمان جلسة هادئة جرى فيها التصويت على قرارات الحكومة بعدد ساحق من دون مناقشة او اعتراض.

هاجت المشاعر في نفوس الملايين، يؤيده الشعب في مشروعه الإصلاحي، ويتوقع صباح كل يوم اتخاذ العبادي إجراءات حازمة، فأفرطت في مديحه والثناء عليه، لأنها نظرت اليه نظرة المنقذ التاريخي الذي سيملأها إصلاحاً للأخطاء ومحاسبة للفاسدين.

طال الانتظار جمعة بعد جمعة، ومع الانتظار بدأ العبادي ينسحب تدريجياً، لقد قال كلاماً وهذا أمر ممكن، لكن المشكلة في التنفيذ.. هذه العملية التي تنغص عليه حياته منذ سنوات طويلة، فالتنفيذ يعني إجراءاً عملياً، ويعني غضب البعض وانزعاج الآخر واستفزاز الثالث، وهو رجل مسالم يريد ان يرضي الجميع، فكيف السبيل الى الخلاص.

ربما يحقق العبادي بعض الإصلاحات، لكنها أيها المواطن العراقي، ليست كما تتوقع.

بعبارة واحدة، من أجل أن تبقى تؤيد السيد العبادي، ما عليك سوى أن تُقلل من سقف توقعاتك، إجعلها قريبة من الأرض. وبخلاف ذلك فتأكد بأن العبادي لن يصلح لمهمة حكم العراق.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (26): كيف يفكر حيدر العبادي؟

salim alhasaniحسب معرفتي الشخصية بالدكتور حيدر العبادي، فهو من طراز الأشخاص الذين يستغرقهم اختصاصهم الأكاديمي فيعممون ضوابطه وقواعده على الحياة كلها. إنه يعيش المجتمع والحزب والسياسة من خلال الهندسة، بقوانينها وقواعدها، فيتعامل مع المواقف والأحداث والأصدقاء والأعداء ومع المشاريع والمقترحات والتحديات والإجراءات على هذا الأساس. فتراه دائماً في عالم رقمي.. في ورشة تحركها قوانين الميكانيكا والكهربائية.. هي الحياة في نظرنا، وهي في نظره مكتب كبير تنتشر فيه المعادلات الرياضية والتشكيلات الهندسية وعليه ان يفكر ويتصرف بحسب أسسها وقواعدها.

في اول اجتماع أمني عقده بعد تشكيله الحكومة، طرح توجهاته السياسية والعسكرية وفق هذه الاعتبارات، فلقد تحدث عن التحالف الدولي لمحاربة داعش الذي شكلته الولايات المتحدة، وأعتبر ان انضمام السعودية وقطر والأردن وغيرها هو مكسب للعراق، مبرراً ذلك بأنه لو رفض دخول هذه الدول في التحالف، فانها ستكون مع تنظيم داعش، وعليه فمن الأفضل ان تكون مع العراق وليس ضده.

بهذه البساطة فهم السيد رئيس الوزراء مواقف الحكومات وارتباطها في منظومة السياسة المعقدة الخفية المحفوفة بالسرية والمصالح والوجوه المتعددة. لقد تعامل مع الموضوع على انه معادلة رياضية لحساب الأوزان، فما لم نضعها في كفتنا فانها ستكون في الكفة الأخرى، وبذلك نتحمل الخسارة.

بهذا الفهم الميكانيكي اختصر العبادي الصراع الدولي والمصالح الإقليمية والسياسة الخارجية والجهود المخابراتية، فخرج بنتيجة مريحة سهلة، آمن بصحتها فاعتمدها ثم تركها تسير على تلقائيتها، لأن الكفة صارت لصالح الحكومة العراقية عددياً، فلا حاجة للقلق وإرهاق الأعصاب بما يفعله السياسيون من تحليل وتفكيك واستقصاء ومقارنات بعيدة عن عالمه الهندسي.

من حواراتي معه في فترات متفرقة، وجدت أن طيبة العبادي وبساطته تحجب عنه رؤية الآخرين على حقيقتهم، وتحول دون قدرته على معرفة توجهاتهم. إنه يعرف وجود نوايا دفينة وعقول شريرة وإرادات غاطسة عندهم.. ويعرف جيداً أن هناك مؤامرات ومخططات ودسائس، لكنه حين يواجه كل واحدة منها، فانه يطبق عليها منهجه الهندسي، فحين يسمع بتحرك أو مشروع من جهة مضادة او منافسة، فانه لا يدخل في اعماقه ويفكك حلقاته، إنما يضعه على مقاييسه الخاصة، وعندما لا يجد فيه خللاً ظاهراً يخالف عقائده الهندسية ومبادئه الرياضية، فانه يعتبره صحيحاً لا داعي للخوف والحذر منه. ولو حاول أحد أصدقائه أن يُقنعه بأن الصورة الظاهرية للمشروع المضاد تُخفي حقيقتها السرية، فانه لا يستطيع أن يقتنع بذلك، لأنك تُقدم له فرضية تقوم على التحليل، بينما هو يمسك بيديه القانون الرياضي الذي لا يقبل الخطأ.

في عام 1980 واجه حزب الدعوة الإسلامية مشكلة كبيرة أدت الى انشقاق حركة الدعوة الإسلامية عنه بزعامة الشهيد الأستاذ عز الدين سليم (أبو ياسين). قبل حدوث الانشقاق جرت المداولات الساخنة حول آلية اختيار قيادة الحزب، وانقسمت المواقف بين الإنتخاب وبين الإختيار، وكان الشيخ علي الكوراني يعارض الانتخابات، لكنه اقترح بأنه سيوافق على مبدأ الانتخاب فيما لو جرت عملية استفتاء لمعرفة رأي الدعاة في هذا الخلاف. وفي تلك الأجواء الساخنة حضر المداولات أعضاء التنظيم في بريطانيا وكان من بينهم الأخ حيدر العبادي. وفيما كانت الاجتماعات متلاحقة والآراء متضاربة، فانه التقط من بين كل هذا اللهيب المتصاعد، مفردة استفتاء الدعاة، فاعترض بأن ذلك لا يمكن ان يتم، بل هو إجراء مستحيل، لأن الاستفتاء يعني معرفة رأي كل داعية، فاذا تم استفتاء الموجودين حالياً وظهرت النتائج، فربما نكتشف لاحقاً بأن هناك داعية في مكان ما، لم يصله الاستفتاء وبذلك تصبح النتيجة باطلة.

كان ذلك قبل أكثر من ثلث قرن من توليه منصب رئاسة الوزراء، ولا يزال نفس التحفظ لديه وهو يتعامل مع مشروعه الإصلاحي، فعندما طلب في خطابه الشعب العراقي بمنحه التفويض لحل البرلمان وتعديل الدستور، وخرجت التظاهرات تمنحه ذلك، فانه لم يقتنع. لأن التفويض الذي يقصده العبادي هو أن يكون مدوناً مكتوباً وموقعاً ومصدقاً بشكل رسمي، لكي يتحول الى رقم عددي يمكن اعتماده في معادلاته الرياضية.

لن يشعر السيد العبادي بالندم بعد حين، عندما يخسر شعبيته وعندما يتحدث الجميع انه فرّط بالفرصة النادرة التي جاءته من قبل دعم المرجعية والشعب، من دون أن يُحسن استثمارها، فبدل ان يكون زعيمه التاريخي فانه تحول الى مرفوض تطالبه الجماهير بالرحيل.. لن يشعر السيد العبادي بالندم فيما لو واجه هذه النتيجة، لأن موقفه جاء على قواعد هندسية صحيحة برأيه، وعليه فان الخلل في عدم رؤية الآخرين للرسم الهندسي من كل الجهات.

ليس في شخصية العبادي مكان للتعقيد والإخفاء والإلتفاف، وحين يتهمه البعض بالتسويف والمماطلة، فأنهم يرمون براءته بتهمة ظالمة، فالعبادي لا يغدر ولا يخون ولا يتآمر، لكن خيطاً رفيعاً بين حالتين من حالاته هو الذي يوهم منافسيه ومراقبيه بأنه يضمر أمراً كبيراً، ويخفي مخططاً رهيباً، وما ذلك إلا بسبب تفكيره المكشوف. فالعبادي نادراً ما يفكر مع نفسه لوحده، إنما يشرك الآخرين معه، فعندما تضعه الظروف أمام إتخاذ موقف، فانه يطرح الرأي ثم يضربه بآخر، فيسعفه رأياً ثالثاً مستجداً، لكنه يجد فيه ثغرة مخلة، فيحشوها بعذر عاجل، قبل أن يقذفه بحجة دامغة، فينهار البناء كله، ليبدأ من جديد، وهكذا يمضي الحوار والتفكير والنقاش. يفعل العبادي ذلك بصوت مسموع، فيظن محدثوه أنه يحتال عليهم أو يريد أن يرهقهم بالنقاش أو غير ذلك، بينما كان هو يفكر من أجل ان يصل الى نتيجة قاطعة.. أن أنه يفكر بصوت مسموع.

لقد دفع العبادي ثمناً مكلفاً باعتماده هذه الطريقة، فتعامل معه اخوانه واصدقاؤه في العمل السياسي على انه يعيش التردد في اتخاذ القرار، مما يضطره في بعض الحالات الى محاولة دفع هذه التهمة عنه، فيقدم على قرارات مفاجئة كما فعلها بقراراته الإصلاحية.

لكنه في اليوم التالي واجه مشكلة التنفيذ، وهنا صار عليه أن يلجأ الى قواعد الهندسة ومعادلات الرياضيات، فهي الكفيلة بإخراجه من مأزقه ومن ثم تحقيق طموحاته لينعم بها الشعب ويستقر فيها العراق.. فالشعب يريد القضاء على الفساد، ومن مظاهر الفساد هذا التضخم في المناصب والوزارات، وعليه فتقليصها سيقلل الفساد. ومن هنا اصدر حزمته بدمج بعض الوزارات ببعضها، وبذلك يتراجع العدد من 33 الى 22، والعدد الثاني اصغر من الأول، إذن فالنتيجة مضمونة.

عاتبته ذات يوم عن تقريب السيد نوري المالكي بالبعثيين في مناصب حساسة، فدافع عنه بالقول انني عندما تسلمت وزارة الاتصالات، كان هناك احد الخبراء البعثيين، وكنت بحاجة الى خبرته، لذلك أستعنت به رغم ماضيه البعثي.

فأعترضتُ عليه بأن هذا الموظف البعثي ليس هو الوحيد في العراق، وأن في مجال الاتصالات الكثير من الخبرات المتخصصة وكان بامكانه الاستعانة بهم. فأجابني بعد برهة تفكير، نعم هذا صحيح. لقد قالها العبادي وكأنها كانت غائبة عنه، ثم استدرك قائلاً: ولكن هذا غير مضمون فربما يكون البديل أقل كفاءة. وقبل أن أعترض عليه، برقت في ذهنه فكرة مضادة قائلاً: ولكن كان يجب ان استعين ببديل لأن التجربة الزمنية ستكشف أيهما أفضل.

هكذا يفكر الدكتور حيدر العبادي، وللقارئ الكريم أن يحدد موقفه في التشاؤم او التفاؤل من اصلاحته.

يتبع

 

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (25) ترشيح العبادي لرئاسة الحكومة

salim alhasaniلا يخلو اختيار الدكتور حيدر العبادي لتولي منصب رئاسة الوزراء من حسابات شخصية عميقة من قبل قياديين في التحالف الوطني وحزب الدعوة. فلقد وجد هؤلاء فيه البديل الذي يناسبهم ومن خلاله يمكن لهم ان يحققوا طموحاتهم، بمعنى ان الحسابات كانت خارجة تماماً عن الاعتبارات الوطنية وعن المسؤولية الشرعية والأخلاقية والمهنية.

الكلام هذا ربما يشكل صدمة للكثير من القراء الكرام، لكنه حقيقة حصلت وتمت وأخذت طريقها الى الواقع العراقي فصار العبادي رئيساً للوزراء.

يمتاز العبادي بالتواضع والبساطة والأدب، إنه شخصية سهلة ليس فيها تعقيدات وتلافيف غامضة، لا يحتاج محاوره الى قراءة أفكاره والتعمق في التحليل والتفكيك، فهو يتبرع بالكشف عنها بسرعة، كما أنه متسامح في الشروط والمطالب، يميل الى الاحتفاظ بأكبر قدر من المقبولية لدى الاخرين، وهذا ما جعل الفرقاء السياسيين في فترة المعارضة يفضلون ان تجري مفاوضاتهم مع حزب الدعوة عن طريقه أو ان يكون أحد أعضاء الوفد المفاوض، وهي الصفة نفسها التي اكتشفها فرقاء العملية السياسية ففضلوه على غيره من قيادات حزب الدعوة.

هذه الصفات جعلته ميالاً الى الابتعاد قدر الإمكان عن اتخاذ القرار، فهو يرى فيها مهمة متعبة، فالقرار يعني تبعات تنفيذية، ويعني الوقوف مع البعض ضد البعض الأخر، ويعني الدخول في مجال الاختبار والمسؤولية والنقد والتقييم، وكل ذلك مما لا ينسجم مع تركيبته النفسية وطبيعته الشخصية.

ولعل هذه من أبرز الصفات التي صارت معروفة بأنها من مختصاته داخل حزب الدعوة، وخصوصاً في التشكيلات التي عمل فيها العبادي وبضمنها القيادة. فلكي ينأى عن اتخاذ القرار يلجأ الدكتور حيدر العبادي الى الخوض في حوارات جدلية لا تنتهي الى نتيجة عادة، فهو يطرح الرأي، ثم يعود فيرفضه مثيراً عليه جملة من الاعتراضات، قبل ان يعيد صياغته على هيئته الأولى حيث يجد له مبررات مفاجئة، وحين يوشك أن يصبح مقبولا يقف معترضاً فاتحاً فيه مجموعة من الثغرات، وتستمر حالة القبول والرفض، وذبذبة الترجيح والاستبعاد، ومؤشر الاستحسان والاستهجان، في تواصل طويل لا ينتهي إلا بالتخلي عن أصل القضية أو تأجيلها أو إناطتها لغيره.

لقد استغربت كثيراً عندما علمت أن السيد إبراهيم الجعفري كان له الدور البارز في اللحظات الأخيرة في ترشيحه لتولي المنصب، بعد أن تأكد بأنه لن يناله. فالجعفري يعرف العبادي بدقة وتفصيل، وهو الذي كان يقول عنه أن القضية التي يتولاها أبو يسر (حيدر العبادي) لا بد ان تنتهي بالفشل. ولا يختلف تقييم الجعفري عن معظم أعضاء قيادة الحزب، فهم يصفونه بالشخصية الجدلية لكثرة النقاش والتفريعات والاشكالات التي يثيرها في أي موضوع يجري بحثه.

ليس استغرابي لأن الجعفري يريد أن يضمن لنفسه حصة من الوزارة في حصوله على منصب وزير الخارجية، إنما لأن القضية تتصل مباشرة وبالصميم في حاضر ومستقبل العراق وشعبه، بحياة الناس وأمنهم ومعيشتهم وخدماتهم، بالتحديات والتهديدات التي تزحف عليه من الجوار، بالتدهور الأمني الذي يُنتج الموت على يد جماعات داعش. كيف يصل المقياس الأخلاقي عند السيد الجعفري الى هذا المنسوب الخطير، فيدعم تولي العبادي رئاسة الوزراء، من أجل أن يفوز بوزارة الخارجية، ومن أجل أن تكون له قوة التأثير والتحكم بالعبادي بحكم العلاقة التنظيمية والفارق الحزبي بينهما في السنوات السابقة؟

إنها إدانة مباشرة تواجه الجعفري في هذا المجال، كما أن تنتصب بوجه القياديين في حزب الدعوة الذين أيدوا اختيار العبادي لهذا المنصب الحساس، وهم الذين يعرفون شخصية الرجل وضعفه وتردده وهجرانه للحسم والمواقف القاطعة.

في عام 1999 قررت قيادة الدعوة تشكيل لجنة لإعادة كتابة النظام الداخلي للحزب، وكانت اللجنة تضم الجعفري والعبادي، وقد مضت الأشهر والسنوات من دون ان تكتب صفحة واحدة، حتى سقط النظام عام 2003 وصارت المهمة منتهية بحكم التغيير السياسي.

وقبيل سقوط النظام تم تكليف العبادي بإعادة النظر في نشرات الحزب، لوضع منهجية يجري على ضوئها تحديد الموقف من بعض الأفكار لتواكب المتغيرات، ومرت السنوات متلاحقة حتى يومنا هذا من دون ان يقطع العبادي خطوة واحدة.

وطوال السنوات التي كان فيها العبادي في قيادة الدعوة، لم تكلفه القيادة بمهمة تنفيذية مفصلية، لعلمهم أنها ستنتهي الى النسيان والإهمال، وحتى في عضويته للجنة التنظيمية في بريطانيا كان العبادي صاحب الصوت الخافت تحت قوة صوت الجعفري وهيمنته على اللجنة.

وعندما أنهت القيادة عضوية الجعفري من الحزب، تولى العبادي مهمته ناطقاً رسمياً للدعوة، ومع ان ذلك حدث عام 2008، أي في فترة حساسة ومزدحمة بالأحداث والتطورات والمتغيرات، فان حضور العبادي كان ضعيفاً كناطق رسمي للحزب، فقد كان يصرح كعضو برلماني يدافع عن السيد المالكي، واكتفى بتصريحاته الحزبية في نفي بعض الأخبار وهي مرات قليلة جداً.

في بدايات عام 2001 دار الحديث مع الأخ حيدر العبادي بحضور السيد حسين الشامي حول عمله في التدريس عبر الانترنت في احدى الكليات الإسلامية في لندن. وقد سألته عن الطريقة التي يعتمدها في إجراء الإمتحانات، فأجابني بأن ذلك يتم عبر البريد الالكتروني، حيث يرسل الأسئلة ويأتيه جواب الطالب عبر الايميل. فقلت له ولكن هذا لا يخضع لأي رقابة، وبمقدور الطالب ان يستعين بغيره أو بمواقع الانترنت للحصول على إجابات صحيحة. فلم يبد العبادي أي اهتمام، حيث قال نعم هذا أمر ممكن جداً، ولكن مع ذلك فانه نافع، لأن معنى ذلك ان الطالب لجأ الى الاستعانة بغيره من اجل الجواب، وهذا يكفي لأن يتعلم. إن العبادي وجد لنفسه المبرر الذي يبعده عن اتخاذ موقف في هذه المشكلة، فاعتمده واراح نفسه.

في الحادثة التي أثارت جدلاً كبيراً حين أقام نقيب الصحفيين مؤيد اللامي حفلة غنائية أحيتها المطربة مادلين مطر في متنزه الزوراء، وكتب على واجهة المسرح عبارة تشير الى ان الحفل برعاية الأستاذ نوري المالكي، مما أثار إمتعاض الناس بأن أمين عام حزب الدعوة الإسلامية يرعى حفلاً غنائياً لمطربة معروفة بمجونها وانحرافها الأخلاقي.

تداولتُ الأمر عبر الإيميل مع السيد حيدر العبادي، وطلبتُ منه ان يُصدر بياناً باسم الدعوة يستنكر فيه هذا التصرف بوضع اليافطة في واجهة الحفل، وقد راح العبادي يناقش في جدوى اليافطة ومدى صحتها ومقدار ضررها على الحزب، ولماذا كُتبت؟ ومن كتبها؟ كما ناقش مقترحات التعامل مع الواقعة، وقدم الحلول واجرى عليها تعديلات، وخاض دورته المعتادة، حتى انتهى الى عدم اتخاذ أي موقف، وعدم تدخله في هذا الموضوع بأي شكل من الاشكال.

يعرف الجعفري كما يعرف قياديو الدعوة هذا الجانب في شخصية العبادي، ومع ذلك قدموه لتولي رئاسة الحكومة، وبمجرد أن تم الإعلان عن الخبر حتى حصل العبادي على أكبر موجة من التأييد السياسي الداخلي والخارجي، لدرجة أن مجلس الأمن الدولي خرج عن تقليده وقدم تأييده للعبادي في سابقة ـ لم اسمع عنها أنا على الأقل حدثت مع غيره ـ . لقد وجدوا في العبادي الرجل الأمثل ليتولى حكم العراق في مرحلته الحرجة. إنهم عرفوا شخصيته خلال سنواته مع المالكي وفي البرلمان، فوجدها كل طرف فرصة جاءت من المستحيل لتجلس على حقيقة المنصب الأهم في العراق.

يتبع.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html