المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

إسلاميو السلطة (96): حزب الدعوة من المعارضة الى الحكم

salim alhasani2في بداية عام 1984 قرر حزب الدعوة تشكيل لجنة ثلاثية لجمع تاريخه وتراثه من قياداته والشخصيات التي انتمت اليه، سواء استمرت معه في التنظيم أو انفصلت عنه.

كان العضوان الآخران في هذا المشروع المرحوم الأستاذ صالح محمد الأديب أحد مؤسسي حزب الدعوة، والاستاذ الكبير السيد حسن شبر حفظه الله. وقد استفدت من تلك التجربة الكثير، ولا أزال أشعر بفضلهما عليّ في فتح أبواب مقطع مهم وحساس من تاريخ العراق، كاد أن يلفه النسيان، كما أن طبيعة العمل والاطلاع على خصوصيات مهمة، ووثائق نادرة، وأحاديث سرية، ومواقف غير معلنة، وغير ذلك من شؤون الحدث التاريخي، تعد تجربة نادرة لمن يهتم بالتاريخ.

خُطط للمشروع أن يبدأ نشره حالما تسمح الظروف السياسية، وقد بادر الاستاذ حسن شبر بالكتابة ونشر عدة أجزاء عن تاريخ حزب الدعوة.

...

لقد فرضت المهمة لقاء شخصيات لم يتحدثوا من قبل عن وقائع التأسيس وظروفه وما تلاه، وبقوا صامتين يختزنون تجربة كبيرة بداخلهم، يحرصون على تفاصيلها الدقيقة، ويشعرون بالخوف عليها من الضياع، لكن الظروف لم تكن تسمح بالبوح بها أو نشرها في وسائل الإعلام، ففي أواسط الثمانينات كان نظام صدام على أشده في القوة والقمع، وكان لا يزال في العراق رجال من الرعيل الأول يكتمون انتماءهم للدعوة، ويتخفون عن الانظار، مما جعل مجرد التفكير بالنشر يتلاشى كلياً بمجرد تذكر اصدقاء الأمس.

لم يكن الحصول على تلك المعلومات النادرة، من أفواه أصحابها، عملية سهلة لهذه الاعتبارات ولأسباب شخصية أخرى تتعلق بهم، لكن السيد حسن شبر والمرحوم الحاج الأديب بذلا أكبر الجهود لإقناع الشهود على التاريخ بالحديث، وهذا ما كان.

...

مضت الشهور والسنوات، والمعلومات تتجمع بشكل تصاعدي، تتطلب السفر والتنقل والسهر، وكان الاستاذ شبر حيوياً نشطاً لا يتعب، ولا يتكاسل، بل كنت أشعر في أوقات كثيرة أنه أكثر نشاطا مني وأنا الشاب يومذاك.

عندما رحل عنا الحاج الأديب بعد مرض لم يمهله طويلاً، شعرنا بوحشة كبيرة، إنه الركن الثالث والأول في المشروع، إنه الروح الطيبة الندية التي تمسح بكلماتها العذبة على أحاسيس التعب، فتفجر القوة بأقصى مدياتها.. إنه القلب الكبير الذي يستوعب الاخرين دون أن يضيق بهم، بل كانوا يضيعون في فسحة صدره الرحب.. إنه الإنسان الفياض تواضعاً وأدباً، يتصرف كداعية ينتمي لحزب الدعوة وليس أحد مؤسسيه.

ذات مرة شكوت له شخصا التقيته ليزودني معلومات عن مقطع من تاريخ الدعوة، وقد نال من بعض قدماء الدعوة، فأطفأ حرارة الشكوى بحكمته التلقائية: "هذه طبيعة البشر، بعض الناس تكون ردة فعله قاسية، وبعض الناس يمتص ردة الفعل، أنا أقول لك أن قسماً من الحق معه وهذا من حرصه، ولكن عليه أن يغير من نفسه فلا يقسو على أخوته، وأرجو في المرة القادمة حين تلتقي به أن تخبره بأن أخوته يكنون له التقدير والاحترام).. كلمات صادقة كان يلتزم بها قبل أن يقولها.. كان يجسدها في سنوات عمره الطويل، فخرجت واضحة مقنعة. ثم أنهى كلامه بالقول: (نحن أمامنا مهمة جمع التاريخ، أما المشاعر فهي خاصة بأصحابها، ونحاول ان ننصح ونصحح الخطأ اثناء هذه المهمة). وقد علمت بعدها، أن الحاج صالح الأديب قام بالفعل بزيارة ذلك الشخص وأعاد التواصل معه.

...

أيام وشهور وسنوات، كنت أسجل وأدون أحاديثه عن تاريخه في حزب الدعوة، يذكر الوقائع بتفصيل مذهل كأنه يقرأها أمامه، كأنها حدثت قبل لحظات، بدقة وأمانة علمية، حتى انه أحياناً يستدرك فيغير كلمة مما يقول، مع ان المعنى هو واحد، لكنه يريد أن يذكر نص ما سمع قدر الإمكان.

في كل مرة، كنت أشعر بأن الجلسة معه قصيرة جداً، لكن عقارب الساعة تخذل المشاعر، فاقترح عليه أن نواصل الحديث في يوم آخر، فيبادر بأدبه الجم المعروف عنه: (لقد أطلت عليك، لم أقصد أن أتعبك) فاعتذر اليه بأني لا أريد إرهاقه أكثر. ويواصل حديثه حتى أشعر ان الوقت تأخر به، وأن أمامه 45 كيلومترا يجب أن يقطعها في طريق عودته لمنزله في هذه الساعة المتأخرة من الليل.

كنت أحاول في مرات كثيرة أن أضرب معه موعداً مبكراً، حتى يمكنه العودة لمدينة (كرج) قرب (طهران) قبل مغيب الشمس، أو أزوره في مسكنه، لكنه يرفض ذلك، مراعياً عملي كرئيس تحرير لجريدة الجهاد وساعات الدوام، وكان يقول: "هذا عمل مهم وذاك عمل مهم، ولا ينبغي أن ننجز عملاً على حساب آخر"، وقد اقنعته بزيارة منزله أيام الجمع، لكنه عاد بعد فترة وأصر على عقد اللقاءات في مكتب جريدة الجهاد في طهران، لأنه شعر بأن الاستاذ حسن شبر لديه التزاماته الكثيرة وان طول الطريق يؤثر على جدوله المزدحم.

لم أكن أسجل من الأستاذ المرحوم صالح الأديب سيرته الشخصية، بل هي سيرة حزب، الى جانب سلسلة دقيقة الانتظام من القيم والأخلاق النادرة.

...

أيام وشهور وسنوات بين كبيرين في خصائص كثيرة (شبر والأديب) أقضي ساعات طويلة، وأحياناً النهار بطوله وشطراً من الليل، تتلوها المكالمات التلفونية مع الاستاذ شبر، حول جدول المواعيد واللقاءات والأسفار، وحول تنظيم هذه المجموعة من المعلومات وتلك، ومستجدات أخرى.

أوراق وأشرطة تسجيل ووثائق.. تحكي قصة مسيرة حركية انبعثت من عتمة الزمن، من ركام ثقيل من الجمود والإحباطات.. من قناعة سائدة بأن الإسلام طقوس مجالها مساجد باردة، وكتب تتحدث عن سيرة الماضين دون اكتشاف دلالاتها، وتفاسير قديمة للقرآن تعيد ما كتبه السابقون.

من تلك الضواغط الكابحة، ومض ضوء في الظلام، كان بريقاً لامعاً، تحول في غضون سنوات قليلة الى حركة تزيل الجمود، الى تيار يصنع تاريخاً جديداً، اسمه حزب الدعوة الاسلامية.

...

لكن الصورة المشرقة لعقود من النضال والكفاح والتضحية والإخلاص، ضاعت بعد عام 2003، فتشوهت مواقف المضحين في السجون والقبور والميادبن، على يد مجموعة قليلة العدد، فقدت توازنها أمام المكاسب والامتيازات والسقوط في الفساد، فصار اسم الدعوة سُبة وللأسف، لأن الناس لا يهمهم الماضي والمفهوم والنظرية، إنما يحكمون على ما يرون أمامهم، ولهم الحق الى حد كبير. وكانت النتيجة أن الصفحات الوضّاحة احترقت على يد أشخاص كشفتهم الأيام سريعاً في أول تجربة مع الإغراء السلطوي. والأكثر مرارة أن هؤلاء لا يريدون أن يطفئوا النار المشتعلة وهي تلتهم بقايا صفحات حزب الدعوة.

...

لا يعرف سوى عدد قليل من الأشخاص، أن حزب الله في لبنان كان جزءاً من حزب الدعوة الاسلامية، ثم انفصل عنه، حيث أصبح أعضاء لجنته في لبنان والمكونة من خمسة أشخاص هم قادة حزب الله في أول انطلاقته، بقيادة الأمين العام الأول الشيخ صبحي الطفيلي وعضوية الأستاذ محمد رعد والشيخ نعيم قاسم والأستاذ محمود القماطي والأستاذ محمد الخنسا.

وربما لا يعرف القسم الأكبر من الجيل الحالي أن شخصيات بارزة وعلماءً كباراً ومراجع دين كانوا في فترة من الفترات أعضاء في هذا الحزب منهم آية الله السيد كاظم الحائري والمرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله والمرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين والعلامة الكبير مرتضى العسكري رحمه الله وأمثالهم من أعلام الفكر.

...

يتناقل الدعاة روايات كثيرة عن بطولات نادرة لأبناء الدعوة في سجون النظام الصدامي، فقد كان بعض الدعاة يوصي بقية اخوانه المعتقلين، بأن يدلوا باعترافات وهمية ضده، ويقولوا للجلادين، بانه هو مسؤولهم التنظيمي، وانه هو الذي يعرف كل شئ، لينقذوا بهذه الاعترافات الوهمية أسرار الدعوة. فمثلاً كان الشهداء الخمسة (الشيخ عارف البصري ورفاقه) قد رتبوا اعترافاتهم بحيث تتجمع عند الشيخ البصري الذي يتحمل كامل المسؤولية، وكان الشيخ رحمه الله بدوره قد اتفق قبل اعتقاله مع الدكتور فخري مشكور وخلال زيارة له في بيروت بعد عودته من آخر حجة له عام 1974، أن يدعي بأن إرتباطه به فيما لو تم اعتقاله، وبذلك تنقطع خيوط المتابعة على أجهزة الأمن.

وعشرات ومئات الحكايات عن أمثال هذه التضحية والايثار والصمود، بحيث أن أي محاولة لوصف صمود أولئك الرساليين، لن تكون وافية، ولم نقرأ في كتب السيرة والتاريخ، مواقف بهذه الدرجة العالية من الصمود والشجاعة والاخلاص، لدرجة أن يتبرعوا بالتورط بقضايا لم يفعلوها، من أجل التخفيف عن عذاب داعية آخر، ومن ثم حفظ الدعوة من خسارة بعض الخطوط التنظيمية. وكانت مثل هذه المواقف تعني المزيد من التعذيب ومن ثم الموت.

...

بعد السقوط عام 2003، تغير الحال كثيراً، صرنا نتحدث عن تلك التجارب وكأنها لأناس آخرين ليسوا من حزب الدعوة الموجود في السلطة، بل نُسيت أسماؤهم فلم يعد لهم ذكر على ألسنة القادة أو في التثقيف التنظيمي، وكأنهم لم يكن لهم وجود، فما الذي حدث لتتغير المواقف وتنقلب الموازين؟

يتصور البعض أن السلطة هي المفسدة الكبرى، وان تلك الرموز الصامدة ما كانت لتبقى كما هي لو انها عاشت هذه الفترة، لكنه رأي يظلم التاريخ والحقائق والرموز التي لم تتغير بعد السقوط.

فالحقيقة الميدانية تشهد بأن الكثير من الدعاة بعيدون عن مواقع السلطة والمراكز الحكومية، وهم يفضلون البقاء بعيداً عنها متمسكين بمواقفهم، لكن صمتهم هو الذي يحجب الناس عنهم، فهناك عشرات الأسماء النزيهة التي تمارس العمل بصمت، ومئات المجاهدين المضحين الأبطال من قوات الشهيد الصدر.

...

إن القيادة التي تتصدى لحزب الدعوة اليوم، ليست هي التي تحمل مسؤولية التاريخ الدعوتي وهمومه وتطلعاته، إنها في دائرة الاتهام، لأنها رضيت أن تحوّل الدعوة الى جسر عبور، وهي تسمع وترى النظرة العامة التي يبادلها الناس للحزب، فلا هي تنتفض على نفسها لتحسّن الصورة من خلال كشف الفاسدين والمفسدين، فتبعدهم عن الحزب، ولا هي تختار اسماً آخر تعمل به في السياسة، لصون التاريخ وسمعته وتجربته الكبيرة.

ستكون الصورة صادمة أمام القارئ الكريم، عندما يعلم أن معظم أعضاء القيادة، كانوا في اجتماعات الحزب، يمسكون ملفاتهم ليقدموها للسيد نوري المالكي حتى يوقّع لهم طلباتهم الشخصية، وكيف كانت همومهم محصورة في محاولة كسب رضاه بأي ثمن، وعندما أدبرت السلطة عنه، هرعوا صوب العبادي يمنحونه الولاء والطاعة. دورة متكررة من الولاء والانصياع لصاحب السلطة.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

مالك بن نبي.. إحترامه لابن باديس

moamar habarكتاب "ابن باديس حياته وآثاره"، للأستاذ عمار طالبي، الجزء الثاني، طبعة 2009، دار الامة، الجزائر، من 534 صفحة..

إحتوى على رسالة للمفكر مالك بن نبي باللغة الفرنسية ومن 06 صفحات، حول الشيخ ابن باديس رحمة الله عليه. وبعد قراءتها كانت هذه الملاحظات..

كتبت الرسالة بتاريخ 08/04/1966، أي 26 سنة بعد وفاة ابن باديس، و07 سنوات قبل وفاة مالك بن نبي، و04 سنوات بعد إسترجاع السيادة الوطنية، وكان عمر مالك ب نبي 61 سنة أثناء كتابته للرسالة.

يتضح من خلال ذكر هذه الأرقام، أن بن نبي كان في كامل نضجه العقلي، ومسؤول عن كلامه وموقفه من ابن باديس، بالإضافة إلى كونه كان في 07 سنواته الأخيرة، بعد أن إنتهى من كتابة جل كتبه، خاصة تلك التي رسمت حياته، كـ..

"الظاهرة القرآنية" و"لبيك"، و"الفكرة الإفريقية الآسيوية"، و"شروط النهضة"، و"وجهة العالم الإسلامي"، و "بين الرشاد والتيه"، و "ميلاد مجتمع"، و"الصراع الفكري في البلاد المستعمرة"، ناهيك عن المذكرات التي كتبت ضمن هذه الفترة.

ولم يبقى غير كتب "المسلم في عالم الاقتصاد"، و"مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي"، و"دور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين".

الرسالة تعبّر بوضوح عن التواصل بين الطالب عمار طالبي وأستاذه مالك بن نبي، وأن جهد بن نبي لم يذهب سدى، واتضحت آثاره الطيبة في الإنتاج العلمي لتلميذه عمار طالبي، والكتاب "ابن باديس حياته وآثاره"، ثمرة من تلك الثمرات، ناهيك عن مقالات أخرى سبق للقارئ المتتبع أن اطلع عليها.

يتضح من الرسالة إعجاب بن نبي الشديد بابن باديس، وهو يعلم أن الذين عايشوا المرحلة مازالوا أحياء، مؤكدا على أنه يتفق مع بعض جوانب المرحلة ويختلف في بعض جوانبها.

يمر على مؤتمر 1936 عن غير عادته ويثني على ابن باديس، لأنه في نظره ابن باديس قاوم صاحب مقالة "أنا فرنسا". فكان يومها رجل سلم واستطاع أن يعيد الهدوء، لكنه لم يقبل تشويه اليهود لمسجد.

يثني على مجهوده الشعري ويصفه بالشاعر الملهم، حين ألف أشعاره التي تعيد للشعب الجزائري أبعاده الحقيقية في التاريخ الاسلامي، في وقت كان الاستدمار الفرنسي يلقن لصغار الجزائريين نشيد « nos ancêtres les gaulois »

يصف ابن باديس بأنه كان معلما، مؤمنا، وصبورا، وطبيبا وهو يعود للأصول ويحاول الربط بين أصله ومصادره التي ضاعت في أواخر الفكر الإسلامي.

وبن نبي يقارن ابن باديس بابن تومرت، حين يقول.. كان المجدد ومهندس تاريخ هذا الوطن، وكان المجدد الذي أعاد وجهة العالم الاسلامي، كما كان من قبل ابن تومرت في إفريقيا الشمالية، لأن ابن تومرت كان ضد الفكر الضيق للفقيه، لذلك استطاع أن يعيد الوعي الاسلامي إلى القرآن والسنة.

ويعترف بن نبي أن ابن باديس لاقى صعوبات كبيرة في تحرير العقول، حين واجه الاستدمار والقابلية للاستدمار، التي أفسدت المجتمع وجعلت من مهمة المصلح في غاية الصعوبة.

ويرى أن الاصلاح الجزائري الممثل في ابن باديس يعتمد على قوله تعالى" إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم"، ويعترف أن هناك صعوبة في التطبيق الحرفي لدى النشاط السياسي. والذي يقرأ تراث بن نبي، يدرك جيدا لماذا ذكر هذه الملاحظة بالذات، لأنه ظل يعيب على السياسيين تقديم الحقوق على الواجبات، وكان ينصحهم دوما، أن مشكلتنا في القابلية للاستدمار، وإذا عولجت تم طرد الاستدمار.

ويعترف بن نبي وهو يعيد قراءة تراث ابن باديس ويستحضر أيامه، فيقول .. لايمكن محاكمة المصلح ابن باديس حسب القواعد العلمية الصارمة التي تعتمد على الافتراضات وتضع الافتراضات في مواجهة قواي التاريخ والمجتمع. وكأنه يريد أن يقول أن ابن باديس كغيره من الرجال، يصيب ويخطئ، وينظر إليه ضمن ظروف عامة، تراعي الظروف التي عاشها.

ويرى أن ابن باديس جاء في فترة سيطرة الدراويش الذين جددوا دورة الموحدين، والتي لم يعتمدون فيها على الفقه والرباط. لذلك تجده يقارنه بان تومرت، باعتباره عاش في فترة سيطر فيها الدراويش على المجتمع.

ثم يقول.. وبالاضافة الى دوره لدى الراي العام، كذلك ساهم ابن باديس في تكوين جيل من المتعلمين تعليم حر وكذا شعرائنا من أمثال حمة العيد.

وطالب بن نبي بضرورة إعادة قراءة وتحليل دروس ابن باديس، المتمثلة في مجالس التذكير، لما امتازت من حرية وفكر. وقد نقل عينة من شرح ابن باديس عبر آية 15-16 من سورة المائدة، موضحا خلالها أن ابن باديس لم يعتمد على التفسير الحرفي للآية، بل يظهر من خلال تفسيره، ذلك المدافع عن دينه والناقد، والباحث، والمصلح، والصوفي الذي يتحدث باستمرار وباحترام.

يختم رسالته بقوله.. على القارئ أن يدرك جيدا أن ابن باديس كذلك مفكر يعيش غبنا في مجتمعه وحضارته بطريقته الخاصة، وأن ابن باديس أعاد نشر كتاب "العواصم من القواصم"، لابن العربي بأمواله الخاصة رغم مافي الكتاب، مايدل على أنه شخصية متفاعلة مع تاريخ الحضارة.

ومن الملاحظات الشخصية التي يبديها القارئ، وهو يقرأ رسالة مالك بن نبي حول ابن باديس، هي..

مجهودات ابن باديس كانت تصب في التحضير للثورة الجزائرية.

يشبه ابن باديس بابن تومرت، لان كلاهما عاش في فترة الانحطاط، وكلاهما جدد الدين معتمدا على الكتاب والسنة.

رغم إختلاف بن نبي مع ابن باديس خاصة في المواقف السياسية تجاه الاستدمار الفرنسي، ومنها مشاركة جمعية العلماء في مؤتمر باريس 1936، والاستنكار الشديد الذي أبداه في مذكراته وكتبه السابقة، إلا أن بن نبي ومن خلال هذه الرسالة التي كتبها سنة 1966، يبدو أنه كان رحيما مع ابن باديس ومحبا له، ويرفض محاكمته وفق القوانين العلمية الصارمة. وهذه الملاحظة في غاية الأهمية، لمن وقف على كتب بن نبي، واستطاع أن يقارن بينها وبين هذه الرسالة.

يبدو واضحا من خلال الرسالة، أن بن نبي يبدي إحتراما كبيرا وتقديرا جليا، لابن باديس، رحمة الله عليهما جميعا.

المطلوب من المجتمع الجزائري إحياء تفسير ابن باديس والمعروف بمجالس التذكير، عبر المساجد، والدروس، والمحاضرات، والمقالات، والكتب، والشرح المناسب.

 

معمر حبار

 

إسلاميو السلطة (95): قيادات السنة والشيعة والأكراد .. هكذا تجري الأمور

salim alhasaniقام الكيان السياسي للشيعة على تجمع غير متآلف من المكونات السياسية، وقد ظلت الفوارق بين توجهاتها، أحد الأسباب المهمة في عدم قدرته على صياغة مشروع عمل سياسي موحد، وعدم امكانيته في الاتفاق على منهج عمل ضمن الدائرة الشيعة.

إن النظرة التفكيكية لمكونات التحالف الوطني تعطينا نتائج مهمة حول صعوبة انسجامه، فلقد تأسس بعنوان شيعي شكلي، وليس من واقع الهموم الشيعية التي تفرض على المتصدين تحقيق العدالة وتوظيف الثروة الوطنية لخدمة الشعب، لا سيما وأن الظلامة الشيعية على مدى التاريخ، يُفترض أن تشكل الدافع القوي لتقديم البديل الناجح سياسياً واجتماعياً.

كما أن ارتباطه بالمرجعية العليا لم يستند الى علاقة دقيقة تعتمد الآليات والشروط والأسس المحددة، إنما علاقة الكيان السياسي بالجهة الداعمة، وبعبارة أدق علاقة حاجة من صاحب المصلحة بجسر العبور. وهذه نقطة خلل كبيرة لأنها متحركة مرنة، وليس فيها ضوابط قاطعة تُلزم الأطراف بالعودة الى المرجعية في حالة نشوب أي خلاف داخلي.

وقد وافقت مكوناته على هذه الصيغة من أجل كسب الأصوات الانتخابية، كمعبر نحو رئاسة الوزراء، أو مراكز السلطة المهمة.

فكرة التحالف الوطني كانت رخوة وفق اعتبارات العمل السياسي. وقد جاءت ردة فعل لحالة الفرز الطائفي التي حكمت الواقع العراقي، مثلما انضوى السنة في تحالفات كبيرة تحت نفس السبب. أما الأكراد فقد كان تحالفهم هو الوحيد الذي تقترب مكوناته من بعضها البعض في التوجهات والاهداف، فمكنها ذلك من توحيد مواقفها الى حد كبير، وفي حصر خلافاتها الداخلية ضمن اطارها الإقليمي.

كان الكيان السياسي الشيعي منذ تأسيسه في انتخابات الجمعية الوطنية باسم الإئتلاف الوطني، ومن ثم تحوله الى التحالف الوطني، يحمل بداخله عناصر التضارب الحاد، ولم يفكر قادته بوحدة الموقف وبتماسك الكيان، فبعد تحوله الى كتلة سياسية كبيرة، راح يتصرف كل كيان وفق مصالحه السياسية، وليس بتوجيه المرجعية.

...

فالمجلس الأعلى كان يمتلك مشروعه الخاص، فقد تحول الى كيان عائلي قبل سقوط نظام صدام، وتقبل قادته هذا الواقع، ورضوا ان يكون ولاءهم لأي شخص من آل الحكيم وبعبارة أدق الولاء لشخص باسم أسرة الحكيم، فانحصرت اهداف قادة المجلس في تدعيم وكسب رضا الشخص الذي ادّعى تمثيل العائلة الحكيمية، بينما سائر عائلة الحكيم لا تقره على زعامته ولا على مسلكه، وهي مسألة يتم التعتيم المتعمد عليها من قبل قيادات المجلس، لضمان هذه القيادات حصولها على المكاسب الحكومية بصورة شخصية.

...

وحزب الفضيلة تشكل من أجل هدف واحد هو المساهمة في صناعة مرجعية الشيخ محمد اليعقوبي المتمردة أساساً على النظام المرجعي في الحوزة العلمية من حيث الاعتبارات والسياقات التاريخية والعلمية التي درجت عليها عبر عقود طويلة من الزمن. فتحدد هدف الحزب من العملية السياسية بالبحث عن أفضل الطرق لجني المكاسب من أجل تثبيت مرجعية اليعقوبي مالياً. وهذا يعني أنه يسعى الى تقوية نفوذه من أجل أن يتمكن اليعقوبي من منافسة المرجعيات القائمة، ليأخذ مكانه وسطها مستقبلاً، أي أن مشاركة حزب الفضيلة في العملية السياسية، هي وسيلة لتمكين اليعقوبي من المرجعية.

...

أما منظمة بدر فقد نشأت بقرار إيراني، وبقيت محافظة على ارتباطها بالقرار الإيراني، بمعنى أنها لا تملك هدفها الواضح، ولا يمكن لها ان تبلور هدفها، فهي تخوض العملية السياسية لتكون مجموعة عددية في البرلمان، ثم تنتظر توجيهات القيادة الإيرانية في حسم الموازنات لهذا الطرف أو ذاك.

...

التيار الصدري حالة خاصة قائمة بذاتها، فهو تجمع جماهيري إرتبط بالشهيد الصدر الثاني وانتمى الى خطه، وبعد سقوط نظام الدكتاتورية، أعلن عن ارتباطه بنجله السيد مقتدى الصدر، محتفظاً بولائه لمدرسة والده الشهيد، فسار عاطفياً تحت قياده نجله. وقد تعرض لعدة انشقاقات بسبب تحول الولاء العاطفي من السيد مقتدى الصدر الى غيره، أبرزهم حتى الآن الشيخ اليعقوبي من خلال حزب الفضيلة، والشيخ قيس الخزعلي من خلال عصائب أهل الحق. وقد يتعرض التيار الصدري الى انفصالات أخرى إذا بقي رهان قائده على الجانب العاطفي فقط. كما تتهدده مخاطر أخرى وهي تعاظم نفوذ عدد من أعضائه بعد أن جمعوا ثروات طائلة باسم التيار الصدري، استغلوا فيها مناصبهم الحكومية والبرلمانية، مما يمكّنهم من الانفصال عن التيار لتكوين كياناتهم الخاصة، أو اضعاف قائده تحت ضغط عامل المال الضخم والمؤثر في مثل هذه الحالات.

...

وإذا كان حزب الفضيلة قد تنبه الى أهمية الجانب المالي في تدعيم كيانه، أي استغلال السياسة للحصول على المال، فان عصائب أهل الحق أرادت أن تستنسخ تجربة منظمة بدر بالارتباط التام بإيران، وهذا ما يجعلها تتمكن من القوة من دون الحاجة الى الاعتماد على آليات العملية السياسية. وهذا ما يجعلها أقل درجة من حيث القوة مقارنة مع منظمة بدر التي تتمول مالياً من خلال العملية السياسية.

....

كتلة المستقلين في التحالف الوطني، هي الكذبة التي مرت على الكثيرين، وقد كان بطلها الدكتور حسين الشهرستاني الذي حصل على دعمها في البداية، باعتباره سيتولى تشكيلها من دون الترشيح في البرلمان، لكنه سرعان ما نقض وعده، وتخلى عن التزامه، ودخل البرلمان ثم حصل على المناصب العليا، وواصل طموحاته الشخصية لتولي رئاسة الوزراء، رغم بساطته السياسية والإدارية وأكوام الملفات من الفساد التي تتجمع وراء ظهره. وبعضها - وليس ابرزها- مشروعه بتصدير الكهرباء الى دول الجوار عام 2013، وعقود النفط التي يعاني العراق من عواقبها اليوم.

...

ثم نصل الى حزب الدعوة، بتاريخه الكبير وسمعته العريضة، لكن مشكلته أنه دخل الى العملية السياسية دخولاً معوجاً، وكأنه غير الحزب الذي قضى عقود الزمن في التنظيم والالتزام بالثوابت والمبادئ. فانقسم أعضاؤه الى قسمين: دعاة السلطة وهم الأقلية العددية لكنهم الأقوى وأصحاب القرار، ودعاة الحركة وهم الأكثرية لكن تأثيرهم معدوم على مستوى القرار.

ومن خلال ممارسات دعاة السلطة، فقد الحزب سمعته الجماهيرية ومكانته الاجتماعية، وضاع تاريخه واحترقت صفحات ماضية. فهذه القلة تولت المناصب والمراكز الحكومية، فانجرفوا وراء تيار الامتيازات والمكاسب، وغرق الكثير منهم في الفساد، وسلطوا ألسنتهم على النصائح والملاحظات التي كان يسديها لهم اخوتهم من دعاة الحركة.

...

في مقابل هذه الوجودات الشيعية، فان التحالف الكردستاني ضمن لنفسه القوة المالية والسياسية من خلال ممرين واسعين الأول فيدرالية الإقليم، والثاني نسبة ثابتة من الموازنة المركزية، وهذا هو الذي جعل إقليم كردستان ينجح في تحقيق إنجازات أمنية وعمرانية، لأن عمليات الفساد مهما كانت عظيمة وكبيرة لكبار مسؤوليه، فأنها لا تؤثر على الموارد المالية الثابتة التي تحصل عليها حكومة الإقليم.

كما حصّن الإقليم حدوده من التهديدات الخارجية من خلال ارتباطه مع الولايات المتحدة، وعلاقاته الوطيدة مع إسرائيل، وبذلك صار المنطقة الآمنة وسط ساحة متفجرة من الأزمات، وملتقى الشخصيات والمسؤولين والأجهزة المخابراتية التي تكيد بالعراق.

...

أما المكون السني فحاله لا يختلف عن المكون الشيعي، حيث برع قادته في تكوين التحالفات والقوائم الانتخابية وخاضوا صفقات السياسة للفوز بالمكاسب المالية، لكن الذي أبعدهم عن عيون الرقباء أنهم حظوا بمساندة الدول العربية لهم مالياً وسياسياً وإعلامياً، وذلك من خلال التظلم باسم التهميش والاقصاء.

لقد عقد قادة الكتل السنية اتفاقاتهم الإقليمية، وخاضوا مجال الفساد في أعمق مناطقه، من خلال المناصب الحكومية والبرلمان، والدعم الخليجي، لكنهم تركوا جماهيرهم في مواجهة المشاكل اليومية، وجعلوهم مسرحاً لنشاط تنظيم داعش.

...

بين هذه المكونات السياسية (السنة والشيعة والأكراد) تجري اتفاقات من نوع آخر، هي أكثر من اعتبارات الدين والوطن والإنسان، إنها الصفقات المالية، فعادة ما يشترك في ملف الفساد الواحد اشخاص من هذه المكونات.. وغالباً ما يلجأ المسؤول الكبير الى عقد صفقته بالاعتماد على رجال اعمال من المكونين الاخرين، وبذلك تمضي الأمور تحت حماية المحاصصة التي تغطي سلطات الدولة القضائية والتنفيذية والتشريعية.

على هذا النحو سارت العملية السياسية، وعلى هذه الشاكلة تسير حالياً، فيما يقف في الطريق مشروع كبير يهدف الى تحقيق أغراضه في تفتيت العراق وتوجيه أكبر الضربات على يد محور الشر (قطر ـ السعودية ـ تركيا).

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (94): مستقبل العراق تحت حكم العبادي

salim alhasani2تسارعٌ مرعب للأحداث في المنطقة، والعراق يقف في قلبها، فيما يجري في العواصم الإقليمية والدولية صناعة القرارات والمواقف، وفق رؤى استراتيجية عميقة.

ميدان هذا النشاط الدولي هو العراق وسوريا، حيث يُراد خلق كيان سني إقليمي من قبل محور الشر (قطر ـ تركيا ـ السعودية) وبتوجيه واسناد من الولايات المتحدة وإسرائيل.

ونحو هذا المخطط العميق، تتجه الأمور في العراق وحوله، وتتوزع المواقف الدولية في غلبة عددية كاسحة داعمة لمحور الشر، في مواجهة الكيان المستهدف وهو العراق وشعبه، والأكثر استهدافاً هم شيعته في الوسط والجنوب.

...

من الطبيعي أن يخاف العراقيون على مستقبلهم، عندما لا يرون استراتيجية واضحة تقوم عليها حكومتهم، ويزداد الخوف عندما ندرك أنها عاجزة عن وضع رؤية استراتيجية، فالسيد حيدر العبادي بحكم تاريخه وعمله السابق، لم يجرب خوض مجال السياسة بمعناها الحقيقي، فبناؤه الثقافي قائم على أساس ثقافة دينية ومفاهيم إسلامية عامة.

أما وزير خارجيته السيد إبراهيم الجعفري، فحاله معروف للعراقيين، ومع الأسف فان وضعه الكلامي يزداد سوءاً بمرور الأيام، وهو يدير الدبلوماسية العراقية بطريقة المواعظ والخطب الارشادية لتهذيب النفس وتربية الذات.

...

إن الحكومة المركزية في بغداد، تعيش حالة الشلل شبه الكامل في صناعة القرار، وسيكون الحديث تكراراً مملاً في هذا المجال، فلقد صار الأمر في غاية الوضوح للمواطن العراقي، بحيث ان السيد رئيس الوزراء، مضى عليه ما يقرب من سنة وهو متردد في توقيع كتاب تعيين مدير المخابرات العراقية، مع أنه اختار الشخص وهو الناشط السياسي (مصطفى الكاظمي). وسبب تردد العبادي حيرته في موقع الكاظمي، هل يعيّنه بديلا للسيد (محمد عبد الجبار الشبوط) في شبكة الإعلام العراقي، أم مديراً لجهاز المخابرات؟ ويبدو أن العبادي لا يجد فرقاً مهماً بين المنصبين والمهمتين والمجالين، أي الإعلام والمخابرات!.

...

ومشكلة أخرى تقف أمام السيد العبادي، ولا يجد لها حلاً حتى الآن، وهي القاعة الكبرى التي بناها رئيس المجلس الأعلى السيد عمار الحكيم والمطلة على نهر دجلة، فهذه القاعة هي تجاوز على الشارع العام، وقد وعد العبادي بأنه سيزيل التجاوزات ويفتح الشوارع المغلقة، لكنه اصطدم بمعضلة قاعة عمار الحكيم، فكيف السبيل لحل هذه المشكلة المعقدة؟

حتى الآن يُقلّب السيد رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، الخيارات من أجل أن يُقنع عمار الحكيم بإزالتها، فإذا ما طلب منه مباشرة إزالتها فقد يرفض رئيس المجلس الأعلى وقد يصل الرفض الى درجة العناد وهذا ما لا يريده العبادي. وإذا أزالها بدون الحصول على رضاه فانه سيثير غضب عمار الحكيم، وبذلك يدخل في أزمة سياسية حادة مع أحد مكونات العملية السياسية!.

...

مخططات ومشاريع وتفكير عميق وإجراءات صارمة يتخذها أعداء العراق، في محور الشر (قطر ـ تركيا ـ السعودية). يقابلها السيد حيدر العبادي بمواقفه هذه. فكيف سيكون عليه شكل العراق تحت حكم العبادي؟

الأخطر من ذلك أن السيد العبادي منسجم مع المشروع الأميركي ـ بعلم أو بدون علم ـ بما يرمي اليه المخطط العميق.

القرار خارج يد العبادي، فلا يمكن أن نتوقع انه سيقدم استقالته، لكن المسؤولية تقف امام قيادات الشيعة وامام المرجعية الدينية، فالعراق امام الخطر.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (93): سؤال للقيادات الشيعية: لماذا تسمحون للعبادي بتفتيت العراق؟

salim alhasaniيتلخص المشروع الأميركي في المنطقة بإقامة دولة إقليمية سنية على المناطق التي تحتلها داعش في سوريا والعراق. وقد تم التعجيل بهذا المشروع بعد أن دخلت روسيا بشكل قوي في سوريا من خلال ضرباتها الصاروخية والجوية مما ساهم في تقدم الجيش العربي السوري في مناطق مهمة كانت تحت سيطرة تنظيم داعش.

إن هذا التطور دفع الولايات المتحدة الى تقديم جدولها الزمني، بان يُصار الى تحرير المناطق العراقية بواسطة القوات الأميركية والجيش العراقي، ومنع قوات الحشد الشعبي من الاقتراب منها، وهذا ما حدث في معركة الرمادي التي تحررت لكنها ستكون خارج نطاق السيطرة الحكومية المركزية.

وسيتكرر المشهد نفسه في الموصل أيضاً. حيث تم الاتفاق بين أنقرة وواشطن على هذا الجهد المشترك بموافقة رئيس إقليم كردستان السيد مسعود البارزاني. أما دور قطر فيكون هو الدعم المالي لهذه الدولة السنية.

...

يعلم الدكتور حيدر العبادي بهذا المشروع وشكله القادم، لكنه لا يستطيع أن يقف ضده، كما لا يستطيع ان يصارح الشعب العراقي به، لأنه يُدرك خطورة ذلك، كما انه سيجازف بمستقبله السياسي فيما لو أقدم على خطوة بهذه الجرأة، وهو رجل ينشد السلامة قدر الإمكان، ويبتعد عن مناطق الاحتكاك، وينأى بنفسه عن المواقف الصعبة.

...

الى جانب هذه الصورة، يمكن أن ينظر المواطن العراقي الى جانبها الآخر، حيث يقف قادة الكتل السنية، وقد تعاملوا مع هذه التطورات والأحداث بأقل قدر من الاهتمام، حتى عندما تحررت الرمادي، فانهم لم يُظهروا الاهتمام المطلوب، مع أن الحدث له أهميته وأبعاده الكبيرة.

ويمكن للمواطن العراقي أن يتابع حركتهم في الأشهر الأخيرة وقد خفت حدتها وتراجع نشاطها. ويعود السبب في ذلك الى انهم قد تلقوا الضمانات الأميركية والخليجية بأن الأمور تجري في سياقها الطبيعي، وأنهم سيجنون المكاسب جاهزة على أحسن وجه. وكل ما عليهم هو عدم خلق المشاكل لرئيس الوزراء حيدر العبادي، وتركه وشأنه وكأنهم على انسجام تام معه. كما تلقى الزعماء الأكراد نفس التوصية بضرورة عدم إثارة المشاكل مع العبادي، وقد سبق السيد فؤاد معصوم الوقائع عندما أعلن في تشرين أول الماضي أن استبدال العبادي سيُدخل البلاد في أزمة خطيرة، مع أن مثل هذا القضية لم تطرح بين الكتل، لكنه أراد أن يقطع الطريق على أي محاولة من هذا القبيل، أمام الرجل الذي لا يعترض، وإن اعترض فانها كلمة عابرة سرعان ما يتراجع عنها.

...

يصل الكلام هنا الى قادة الكتل الشيعية، حيث يعلم أعضاؤها بطريقة العبادي وطبيعته الشخصية، وأنه منساق وراء مشروع أميركا والحكومات الإقليمية. وهذا ما يدفعنا الى توجيه السؤال التالي الى هذه القيادات:

ـ ما الذي يمنعكم من إفشال المخطط الأميركي ـ الإقليمي عن طريق استبدال العبادي بأي شخصية أخرى قادرة على الوقوف بوجه مشروع تدمير العراق وتفتيته؟

ليس هذا سؤالاً عابراً حتى يمكن لقيادات الشيعة تجاوزه أو إهماله، إنما هي قضية مصيرية لها أبعادها التي تمس الوحدة العراقية ومصير الشعب والكيان الشيعي،

إن قادة الكتل الشيعية يعلمون ان العبادي هو الجسر الضروري لعبور المخطط الأميركي ـ الإقليمي لتدمير العراق، فلماذا لا يُغيّرونه بأي بديل يقف بوجه هذا المخطط؟

إن عدم تغيير العبادي في هذه الظروف الحرجة والمتسارعة، يضع قادة الكتل الشيعية أمام أحد أمرين:

إما أنهم لا يعرفون بالمخطط واعتماده على نموذج العبادي.

أو انهم مستفيدون من المخطط وسكوتهم مُشترى.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

يونس بحري إسطورة الإعلام العراقي

nabil alrobaeiيُعتبر يونس بحري أحد الإعلاميين الذين ذاع صيتهم مطلع أربعينات القرن الماضي بعد انقلاب مايس عام 1941م، فهو كاتب وصحفي ومذيع ومغامر وسائح، كانت إبداعاته مرتجلة بسبب نبوغه وطموحه، جاب أوروبا وآسيا، سافر لعدة مدن منها افغانستان وإيران والهند وجاوة وحضرموت وليبيا وتونس وباريس الذي سجن فيها، ثم عاد إلى العراق عام 1933م وكتب قصصاً عن أسفاره تصلح حديثاً للمجالس.

ولد الإعلامي يونس صالح أغا الجبوري عام 1897م أو 1900م (كما تذكر بعض المصادر)(1) في مدينة الموصل / محلة السوق لأسره كادحة، فوالده صالح أغا عمل يوزباشي في الجيش العثماني يقوم بتأمين البريد بين استنبول مركز الدولة العثمانية وولاية الموصل.

درسّ في طفولته لدى الكتّاب بمدينة الموصل، وبعد ذلك التحق بالمدارس الرسمية حيث أكمل الدراسة الابتدائية والمتوسطة ثم التحق بدار المعلمين الابتدائية في بغداد عام 1921م، حيث ذاق ذرعاً بهذا الدار من مديره، لكنه طرد منه بعد مرور شهرين أو ثلاثة لمجادلته مدير الدار، وتوجه نحو الوظيفة وتعين كاتباً في وزارة المالية عام 1923م، ومثلما لم تسعه مدينته الموصل، لم يعد العراق يسعه، فغادر العراق عام 1923م إلى استنبول وانخرط فيها لدراسة العلوم البحرية، ولكن الظروف الصعبة التي عاشتها تركيا العثمانية بعد الحرب الأولى ومخاض تركيا في حرب الاستقلال جعلته يرجع ثانية إلى العراق، ثم قرر السفر خارج العراق سائحاً في عدد من الدول الأوروبية والآسيوية ولم يكن يمتلك الكثير من المال فعمل باعمال بسيطة ثم عاد إلى الموصل عام 1925م(2).

في 29/2/1929 التقى لأول مرة بفتاة هولندية في مدينة نيس بفرنسا، والحسناء الهولندية تنتمي لأسرة ارستقراطية وأمها بارونة المانية ثرية، ووقعت بينهما رابطة حميميه من الحب والغرام وكانت رغبته بالزواج منها عارمة جداً، إلا أنها كانت عازمة على الاستقرار بينما كان صاحبنا في أوج جموحه وطموحه والسعي وراء ملاكماته الصحفية ومغامراته في تحقيق بعض المآرب المادية التي كان يسعى إليها (3).

تزوج يونس بحري لأول مرّة من امرأة موصلية اسمها (مديحة) فأنجبت له ولدان وبنت هما (الأدميرال رعد يونس بحري قائد الاسطول الفلبيني .د. لؤي بحري، استاذ الحقوق الدولية في جامعة بغداد، د. سعدي يونس، الفنان الاكاديمي المسرحي لهُ الفضل في ادخال فن التمثيل النيتومايم إلى العراق في الستينات من القرن الماضي، د. منى بحري، الاستاذة في جامعة بغداد كلية التربية قسم علم النفس)، لكن هؤلاء الابناء تبنت تربيتهم جدتهم لأمهم (مريم خانم) بسبب اهمال والدهم لهم، كانت جدتهم تمتلك مدرسة لتعليم فن الخياطة في الموصل، اهمل يونس بحري عائلته بسبب رحلاته المكوكية في البلدان الاوروبية والآسيوية، تعلم من خلال رحلاته اكثر من ستة عشر لغة عالمية اساسية قراءة وكتابة عدا اللهجات المحلية، كان بحري مزواجاً فتعددت زيجاته حتى وصلت إلى اكثر من اربعين، فكان يتباهى بهنَّ أمام أصدقاءه قائلاً : بدأت بشهريار الإيرانية وانتهيت بشهرزاد السورية .

893-YOUNSعام 1925م عاد إلى العراق باسم (السائح العراقي)، عاد مثقفاً بلغات ومعلومات واسعة، نشر مقالات انتقد فيها ساطع الحصري انتقاداً مريراً وشتمه لسوء تصرفه في مؤسسة المعارف العراقية، غادر العراق عام 1929م إلى الكويت ومنها إلى السعودية كان مغامراً حتى وصل اليمن والتقى الإمام يحيى بن حميد الدين زعيم اليمن فأكرم وفادته، كما عبر البحر الأحمر نحو أفريقيا واخترق أرتيريا والحبشة والسودان الشرقي ومن ثم السودان الغربي وعبر الصحراء الكبرى مشياً على الإقدام لوحده، وصل بعد 48 يوماً إلى جبال الأطلس، ووجد نفسه في المغرب، فزار فاس ومكناس ومراكش وكازابلانكا والرباط وطنجة، ثم عبر إلى أوروبا نحو اسبانيا ووصل فرنسا والمانيا وبلجيكا وابحر إلى انكلترا، وصلها منتصف الثلاثينات حتى شارك مع سباحو العالم لعبور بحر المانش باسم العراق وفاز بالمركز الأول مسجلاً سابقة لا مثيل لها فأطلق عليه تسمية يونس بحري ومنح جواز سفر دبلوماسي ألماني بهذا الاسم ولأول مرة .

ذكر البروفسور إبراهيم العلاف في حلقة لقناة الموصل المتلفزة حول حياة يونس بحري، إذ قال: كان رجلاً عجائبياً حقاً، ففي فترة من حياته في الهند كان يعمل كراهب في النهار وراقص في ملهى بالليل، ويجد مع ذلك وقتاً ليقوم بعمل إضافي مراسل لأحدى الصحف الهندية، وفي وقت آخر أصبح مفتي في اندونيسيا ومره جاءه أحد سكان الجزيرة المعروفين مصطحباً معهُ فتاة في منتهى الجمال يريد منه أن يعقد قرانه عليها .. فأستحسفها يونس لأن الرجل كان مُسناً ودميماً وافهمه أنه لا يجوز شرعاً عقد قرانه عليها، فصدقه الرجل لأنه (مفتي) وترك الفتاة فتزوجها المفتي".

عام 1930م اشترك يونس بحري مع الأديب الكويتي الشيخ عبد العزيز الرشيد بإصدار مجلة في اندونيسيا باسم (الكويت والعراق)، كما أصدر مجلة أخرى بعنوان (الحق والإسلام)، كما أكد الأستاذ قاسم الخطاط إذ قال: في عام 1931م عاد يونس بحري إلى العراق فأصدر جريدة باسم (الميثاق)، وعندما وقعت حادثة اصطدام سيارة الملك غازي ملك العراق بعمود الكهرباء أدت بوفاته (4)، صدرت جريدة الميثاق وبصفحتها الأولى كلها مجللة بالسواد تحت عنوان (مقتل الملك غازي) والإشارة في المقالة إلى وجود أصابع انجليزية وراء الحادث للتخلص من الملك الوطني الشاب الذي كان يدعو إلى التخلص من الاستعمار، وبدأ يوزعه في بغداد فجراً وهو على دراجته النارية، متهماً الانكليز وعملائهم الأمير عبد الإله ونوري السعيد بقتل الملك، مما تسبب ذلك في مظاهرات صاخبة نجم عنها هجوم المتظاهرين على القنصلية البريطانية في الموصل، وحين خرج القنصل البريطاني مونك ميسن قتله عدد من المهاجرين، مما دعا الشرطة إلى الذهاب لبيت يونس بحري لإلقاء القبض عليه وتقديمه إلى المحاكمة، لكن بحري هرع إلى السفارة الألمانية يحتمي بالسفير غروبا الذي قام بوضع خطة لتسفيره خفية عام 1939م إلى ألمانيا قبل اندلاع الحرب الثانية، وذلك من خلال التمويه، إذ جعله عضواً ضمن أعضاء وفد صحفي وصل بغداد على متن طائرة خاصة حشر بحري نفسه فيها ضمن أعضاء الوفد، فوصل برلين.

 

يونس بحري وإذاعة قصر الزهور

قبل مغادرة بحري العراق عام 1939م عمل كمذيع أول في إذاعة قصر الزهور التي أقامها الملك غازي، وجد فيه الملك غازي إنساناً يؤدي من خلاله أغراضه السياسية وخصوصاً بعد أن نصب بحري أول مذيع في الإذاعة العراقية عام 1936م، وهو أول من نطق على موجات الأثير (هنا بغداد .. إذاعة المملكة العراقية) بصوته الجهوري.

في رحلة بحري إلى ألمانيا عام 1939م عمل مذيعاً في محطة برلين العربية الإذاعية مع المذيع تقي الدين الهلالي، وقد أشار على ادولف هتلر على ضرورة افتتاح وقت الإذاعة الأول بسور من القرآن الكريم لجذب المستمعين العرب لمتابعة الإذاعة، يبدأ يونس بحري خطاباته بـ(هنا برلين، حي العرب)، من خلال دعوته لتحرير البلاد العربية من الاحتلالين البريطاني والفرنسي، كانت لبحري علاقات متميزة بالحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين ورشيد عالي الكيلاني، كانا حلفاء للألمان ضد الانكليز، وبعد اندحار ألمانيا توجه إلى أمارة شرق الأردن التي وصلها بما يشبه المعجزة، وهناك التجأ إلى الملك عبد الله أمير شرقي الأردن، وقد طبع بحري خطاباته عام 1956م في بيروت تحت عنوان (هنا برلين) بثمان أجزاء.

 

يونس بحري إماماً لجامع في باريس

ارتبط اسم يونس بحري بإذاعة برلين، حيث أكد عبد السلام العجيلي في مذكراته قال: بأحداث كثيرة، وحكايات غريبة، مثيرة تارة ومضحكة تارات، من تلك مثلاً حكايته في جامع باريس الذي بني في العشرينات من هذا القرن، وكان يحوي، إلى جانب المسجد والسوق والحمامات العربية، مطعماً مغربياً وملهى ليلياً. كان يونس يؤذن للصلوات الخمس في مئذنة المسجد بصوته العريض، ويتولى الإمامة بالمصلين عند الحاجة، وفي الليل كان يرأس تخت الموسيقى في الملهى، فيعزف على العود، ويغني الأدوار التي كان يجيدها تمام الإجادة، ولا يتأخر عن المشاركة في الرقص الشرقي مقلداً أشهر العوالم في شارع عماد الدين في القاهرة، ويروون أن فيصل بن الحسين، ملك العراق، حين زار باريس في إحدى السنين، وصلًى الجمعة في مسجدها لاحظ أن خطيب الجمعة كان يلقي خطبته البليغة المؤثرة بلهجة عراقية بينة، وحين أثبت تحت عمامة الإمام الضخمة وجه يونس بحري لم يملك نفسه عن الضحك وهو يقول : هكذا جامع يحتاج إلى هكذا خطيب (5).

 

يونس بحري يسبح مع التماسيح

قبل أن تستقل جزر الميلانو ويصبح اسمها اندونيسيا، وهي مشهورة بنهرها الكبير الذي يتجنب الناس السباحة فيه لكثرة تماسيحه وخطرها على كل من يغمس قدمه في مائه. وجد يونس نفسه ذات يوم في تلك الجزيرة خالي الوفاض، فتفتق ذهنه عن طريقة طريفة يملأ بها جيبه الخالي، أعلن في الجرائد المحلية أن السائح العراقي المشهور يونس بحري سيقطع ذلك النهر الخطر سباحة، متحدياً التماسيح الشرسة المفترسة، وأن على من يرغب في مشاهدة هذا التحدي أن يحضر إلى ضفة النهر في مكان معين، وفي اليوم الفلاني والساعة الفلانية بشرط أن يدفع سلفاً ثمن تذكرة المشاهدة.

وسرى هذا النبأ سريان الهشيم في أنحاء الجزيرة، فتقاطر الناس متزاحمين على شراء التذاكر حتى تحصل منها مبلغ كبير . وقبل الموعد المضروب بيومين دسّ يونس بحري إلى الحاكم الهولندي في الجزيرة من يقول لهُ بأن هناك أجنبياً مجنوناً يعتزم أن يقطع النهر المخيف سباحة على يديه، ملقياً نفسه في فكوك التماسيح الفتاكة، مما لا نجاة له فيه من الهلاك، وأن هذا الأجنبي من بلد تحكمه بريطانيا العظمى فلا يبعد أن يتسبب هلاكه بأزمة سياسية بين بريطانيا وهو لندا!! عند هذا... وزيادة في الاطمئنان أمر بأن يقف على باب الفندق الذي يقيم فيه ذلك الأجنبي المجنون حارسان مسلحان يحظران عليه الخروج إلى أن ينتهي الموعد المعلن عنه، وهكذا خرج يونس بحري من هذه العملية ببضع مئات من الجنيهات قبرَ بها إفلاسه (6).

 

يونس بحري مؤسس حزب التراخي العراقي

ذكر السيد سعيد علي في يوم كان في النجف الأشرف كان ذلك قبل ثمان وعشرين سنة، كان في مكتبة الشيخ محمد كاظم الكتبي في قيصرية علي أغا في سوق الحويش من النجف، وكان في المكتبة الكتبي والعلامة محمد صادق بحر العلوم والشاعر الشيخ عبد الغني الخضري والمحامي محمد رضا السيد سلمان، وما هي إلا دقائق حتى جاء الأستاذ على الخاقاني صاحب كتاب (شعراء الغري) ومجلة (البيان) مصحوباً... برئيس حزب التراخي يونس بحري! فعجبنا كيف اهتدى الخاقاني إلى يونس بحري وكيف أدرك بحري الخاقاني، وكيف جاء يونس بحري النجف الأشرف ليكون في مجلسنا يقعد متربعاً كما نفعل...واني لأذكر أن صاحب المكتبة الشيخ محمد كاظم الكتبي قد سأله عن حزبه التراخي الذي يرأسه فقال يونس بحري : إنه لا مناص لي من البداية فأقول إنه قبل عقدين من السنين أنشأت بألماني جريدة عربية لقبتها بـ(جريدة التراخي) وفسرتها بأنها صوت حزب التراخي بالعراق وجعلت أرسل بها إلى مشاهير العراق كنوري السعيد، وتوفيق السويدي، وبهجة العطية، وأحمد مختار بابان، وفاضل الجمالي، والسيد محمد أبي طبيخ، والسيد محمد الصدر، وسعد صالح، وصالح جب، وأرشد العمري، وغيرهم من الحاكمين في ذلك الزمان، وأدعوهم في صحائفها إلى الانضمام إلى حزب التراخي هي ثوب عليهم وبطش بهم، وسعى إلى انقلاب واجتهاد في دينونة وحساب فيأمر نوري السعيد مدير الأمن العام بهجة العطية بالتحري والتفتيش، فيتراكم في مكتب العطية من أوراق العيون وآذان والجواسيس والمخبرين، ما كان تلاً من الحدس والتخمين، وما فسر هذا التل من الأوراق ولا وضّح شيئاً من أسرار الحزب وأهدافه، وبعد سنين قصدت بغداد . والكلام ما زال ليونس بحري. لأزور الربوع فإذا بالشرطة يعتقلوني في المطار ويقودونني إلى بهجة العطية مكبلاً بالقيود الحديدية، وإذا بمدير الأمن العام بهجة العطية يسألني البوح والإفشاء، والاعتراف لأن نوري السعيد الملقب بأبي صباح يريد أن يكتشف حقيقة حزب التراخي، فقلت لهُ: لئن جمعتني نوري به فسوف أبوح له بكل أسرار الحزب، ولأن بهجة العطية كان يريد أن يحظى من نوري السعيد وأجلسني الأخير عن يساره، وهو يسألني بلهجة من أخذ بتلابيب الكابوس، وقد كنت كابوسه أن أفضل الكلام عن حزب التراخي: ما مرماه، ومن هم أعضاؤه؟ فقلت لهم مستريحاً مطمئناً، لا تفصيل ولا برطيل حزب التراخي أعضاؤه من أمثالكم فمن التراخي عضوه دخل في حزب التراخي.. وما إن سمعنا هذا حتى أغرقنا في الضحك، وسأله الخاقاني عن مآل نوري السعيد بعد أن سمع عبارته النابية؟ فقال يونس بحري:إن نوري السعيد كاد يموت من الضحك (7).

انتقل يونس بحري إلى بيروت في الخمسينات، وكان اسمه ذائع الصيت، فيحتفى به ويوثق البعض علاقته به، ويقيم في بيروت زمناً، وكان صديقه الصحفي الكبير جبران تويني (ابو غسان) صاحب صحيفة (النهار) صديقه المفضل، ومن بيروت زار سوريا والأردن، وزار مصر بطلب من القيادة المصرية الجديدة واحتفى به الرئيس جمال عبد الناصر وأنور السادات .

لما وصلت أخبار يونس بحري في مصر إلى العراق ولقاءاته بالقادة المصريين، خشي الهاشميون في العراق والأردن، وبالأخص نوري السعيد أن يكون ليونس بحري دوره الإعلامي في مصر ضد كل من نظامي الحكم في العراق والأردن، فوجد كل من عبد الإله والملك عبد الله في الأردن أن يرسلا بطلبه، وأن يصفحا عنه أن اعتذر لهما، فما كان منه إلا أن يعتذر فيصفحا عن كل ما ارتكبه بحقهما، وما كاله ضدهما من شتائم مقذعة .

وفي مصر، تعرف من خلال صديقه الفنان الموصلي الأصل نجيب الريحاني بالراقصة جمالات، فشبكها حباً وهياماً .. ومن خلالها أيضاً تعرّف على الفنانة المطربة هدى سلطان معرفة عميقة وهام بها وهامت به وقد أهداها خاتماً نادراً من الماس، يؤكد الدكتور عبد الرحمن بدوي في لقاء مع د. إبراهيم العلاف حين ألتقاه عام 1982م في باريس، أن الدكتور بدوي كان يعرف يونس بحري منذ أيام باريس، وانهُ التقى به في القاهرة ابان الخمسينات، وكانت أغنية المطربة المصرية هدى سلطان المشهورة ( من بحري ونحبوه) كانت بحق يونس بحري الذي " شبك جمالات وشبكها"، كان صديقة الشاعر فتحي قورة قد كتب كلمات تلك الأغنية الشهيرة، لا نعرف مدى مصداقية هذه المعلومة.

عام 1956 أثناء وجود يونس بحري في مصر، توصل نوري السعيد إلى سحبه من ترسانة الرئيس جمال عبد الناصر وشبكته الإعلامية، فوصل يونس بحري إلى العراق واحتفى به، كما اتفق معه أن يكون مسؤولاً في الرد على إذاعة صوت العرب من القاهرة، كي يلقن عبد الناصر دروساً لا ينساها، فوافق يونس ودون أن يعلم أن القدر له ولكل النظام الملكي في العراق بالمرصاد.

 

عودة يونس بحري قبل ثورة تموز1958 إلى العراق

قبل ثورة تموز 1958م عاد يونس بحري إلى بغداد، فأرسل في طلبه نوري السعيد، وطلب منه أن يذيع مقالاته ضد عبد الناصر ففعل، فاعتبر بعد ثورة 14 تموز 1958 كأحد أنصار نوري السعيد، بعد ساعات من ثورة تموز القي القبض على صديقه اللبناني صلحي الطرابلسي الذي اعلم الجهات المسؤولة عن مكانه، فاعتقل يونس بحري وكان ثاني المعتقلين بعد سعيد قزاز وزير الداخلية في الموقف العام، كان معه في السجن وفي قاعة واحدة توفيق السويدي وكلاهما يُكنى (بأبي لؤي)، وفي يوم جاء ضابط السجن منادياً : من (أبو لؤي) .. فخاف السويدي لأنه توقع أن يكون وراءه شراً ولم يجب .. وأجابه يونس بحري وكانت المفاجأة أن الضابط أحضر مظروفاً يحوي مائة دينار فوقع بحري واستلمها .. وبعد ايام جاءت رسالة إلى توفيق السويدي تقول : هل استلمت المائة دينار؟

اعتقل بحري لفترة تقارب السبعة أشهر واطلق سراحه دون محاكمة لعدم كفاية الأدلة، وبوساطات من زعماء وقادة عرب وأجانب، وقد تعرف أثناء اعتقاله إلى رئيس عرفاء السجن (رسن) فقال له مرة: لماذا لا تقوم بانقلاب وتستولي على السلطة؟

فأجاب: كيف وأنا رئيس عرفاء؟

فقال: وكيف استطاع رئيس عرفاء دولة افريقية القيام بثورة ... وحين سمع عبد الكريم قاسم هذه المحادثة أرسل في طلبه وقال له: أتريد أن تفسد عليّ جنودي؟

بعد إطلاق سراحه أفتتح عام 1959م في منطقة الكرادة ببغداد مطعم (بوران) في شارع الرشيد، وأخذ يرتاده كبار الشخصيات السياسية والفكرية والسفراء، فكان أشبه بمنتدى، وكان يونس يقوم بطبخ الأكلات المختلفة التي تعلمها أثناء سفراته، وهناك صادف مرور عبد الكريم قاسم الذي تسبب بهروبه مرة أخرى من العراق وسافر إلى لبنان، كان يتصل بشخصيات عسكرية معادية لثورة تموز ويحضر بعض لقاءاتهم لتغيير نظام عبد الكريم قاسم بسبب تفرده بالحكم.

عاد يونس بحري إلى بغداد في سبعينات القرن الماضي بعد أن أدركته الشيخوخة حتى توفى عام 1979م يصفه البعض بأسطورة الأرض باعتباره مؤسس لـ(16) إذاعة واتقنَّ 16 لغة، وحمل 15 جنسية، يونس بحري من تباينت الناس في تقيمها لهُ، فثمة من وصفه بأقذع التهم، وثمة من انصفه ومنحه الحق المشروع لحريته التي مارسها سياسياً وثقافياً وإعلامياً، وصف من البعض بالدعارة والتجسس وانعدام الأخلاق، ووصف من البعض الآخر بصفات العظمة الخارقة .

كان يتصف يونس بحري بسرعة الإقناع والجاذبية والسحر وسرعة البديهية والنكتة، فهو جهوري الصوت، يتقن التقليد والتمثيل ببراعة، لا يهمه نقد الآخرين أو شتائمهم أو مدحهم له، فلسفته في الحياة (الحياة لحظة زمنية لا فرق فيها بين كبيرة وصغيرة)، لهُ القدرة الخارقة للاتصال بالملوك والزعماء والوصول إلى صناع القرار، عمل مستشاراً لرؤساء وملوك، ومحرراً ورئيس تحرير، أصدر عدة صحف، وبائع كتب متجول، وموزع صحف، وكاتباً ومؤلفاً، عمل مذيعاً ومدير إذاعة ومعلقاً رياضياً وسباحاً ورحالة.

ليونس بحري مؤلفات كثيرة، وأول كتاب أصدره كان تحت عنوان (العراق اليوم) عام 1924، ويؤكد البروفسور إبراهيم العلاف أن الكتاب محفوظ في مكتبة الأوقاف في الموصل، ومن كتبه المنشورة ما يلي :

1- صوت الشباب في سبيل فلسطين الدامية والبلاد العربية المضامنة . 1933 .

2- العراق اليوم (بيروت 1936)

3- تاريخ السودان . القاهرة 1937.

4- هنا بغداد . بغداد 1938.

5- الجامعة الإسلامية . باريس 1948.

6- دماء في المغرب العربي . بيروت 1955.

7- الحرب مع إسرائيل وحلفائها. بيروت 1955.

8- تونس . بيروت 1955.

9- الجزائر. بيروت 1956.

10- ليبيا. بيروت 1956.

11- المغرب . بيروت 1956.

12- هنا برلين : حي العرب (8 أجزاء). بيروت 1956.

13- سبعة أشهر في سجون بغداد . بيروت 1960.

14- موريتانيا الإسلامية . بيروت 1961.

15- ليالي باريس (باريس 1965)

16- محاكمة المهداوي . 1961.

17- وحدة أم اتحاد . 3 سنوات تخلق أقداراً جديدة . 1963.

18- العرب في المهجر . بيروت 1964.

19- العرب في أفريقيا.

20- أسرار ثورة مايس 1941 . بغداد 1968.

21- ثورة 14 رمضان المباركة . بيروت 1963.

 

أكد البروفسور إبراهيم العلاف انه : صاحب شخصية نادرة، مثل يونس بحري ما كان له الطبع ولا الرغبة في أن يقضي وقته مع عائلته، فهو صاحب نفسيه قلقة مهاجرة، وسايكولوجية غير مستقرة لا تهجع أبداً، فهو إنسان غير غادي، قادر على أن يكون شخصية قيادية له كاريزما ساحرة في لحظة تاريخية معينة، لكن سيرة حياة بحري بحاجة إلى دراسة وتحقيق وفحص دقيق، لأن هناك جملة أسرار لم يكشف عنها حتى اليوم، لكن تعتبر مؤلفاته مصادر أساسية لسيرته الشخصية والإعلامية والأدبية، لكن المؤرخ معن عبد القادر آل زكريا يستعد لنشر كتاب يتحدث عن حياة السائح بحري يتضمن أكثر من 1000 صفحة وأكثر من 500 صورة ووثيقة تخص بحري، حيث ابتدأ آل زكريا مشروع كتابه سنة 1990، ومن المحتمل أن ينشر الكتاب في لندن .

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

................

المصادر

1- هناك من يرى أن ولادته عام 1900 أو 1904 في نص التقارير الصادرة من السفارة الهولندية حول سيرة يونس بحري . المصدر مجلة الموسم . العدد3. السنة 2013 . ص256.

2- مير بصري. اعلام السياسة والأدب في العراق. ص288/289.

3- مجلة الموسم . العدد3. السنة 2013 .ص256 .

4- مجلة الموسم . العدد3. السنة 2013. ص256 .

5- د. عبد السلام العجيلي . حفنة من الذكريات. ص184/186.

6- د. عبد السلام العجيلي. في كل واد عصا. ص119. دار الحوار. اللاذقية. ط1. 1984

7- مجلة الموسم. العدد. السنة 2013. ص273/274.

 

سر رابعة العدوية عاشقة الله معشوقة النساء

mulehim almalaekaرابعة العدوية شهيدة العشق الالهي، بدأت حياتها مغنية في سوق العبيد بالبصرة، وتدرجت من قينة يمر بها الرجال لبضع دراهم حتى تفرغت للعشق الالهي واعتزلت عالم الرجال لدرجة انها رفضت الزواج حتى مماتها، لكنها احتمت بعالم النساء ووجدت في عشرة المسترجلات منهن ملاذا. لست باحثا في تاريخ التصوف والعشق الإلهي، لكن الصدفة ساقت لي بضع وريقات من مخطوطة باريس فكتبت هذا الكشف.

لماذا رفضت رابعة (أم الخير) اسماعيل العدوية الزواج وهي الجميلة الساحرة؟ لمن غنت رابعة ومن سرقها وكيف بيعت في سوق النخاسين؟ ما علاقتها بعبيد أل معتوق " آل عيتك او عتيك كما تختلف الانساب لهم" بالبصرة؟ ومن انفق عليها في ربيع عمرها، ولمن غنت بصوتها الشجي ولمن رقصت بجسدها المثير المغناج؟

ولدت في السيبة بالبصرة اولا وانتقلت مضطرة بعد وفاة ابيها وامها الى حي عُرف فيما بعد بحي بشار بالبصرة القديمة، وسميت رابعة لأنها البنت الرابعة لأب يعمل صيادا في شط العرب (نهر العرب كما كان يسمى)، وأم كانت تحيك الحصران كما هو شائع في قرى البصرة.

وكما تنقل الموسوعة الشعبية ويكيبيديا فقد كانت رابعة تخرج لتعمل مكان أبيها المريض بقاربه عبر نهر أبو فلوس جنوب البصرة ثم تعود بعد عناء تهون عن نفسها بالغناء، وبعد وفاة والديها غادرت رابعة مع أخواتها (الاربع) البيت بعد أن دب في البصرة جفاف وقحط أو وباء وصل إلى حد المجاعة ثم فرّق الزمن بينها وبين أخواتها، وبذلك أصبحت رابعة وحيدة مشردة، وأدت المجاعة إلى انتشار اللصوص وقُطَّاع الطرق، فخُطفت رابعة من قبل أحد اللصوص وباعها بستة دراهم لأحد التجار القساة من قبيلة آل عتيق البصرية، وأذاقها التاجر سوء العذاب، ولم تتفق آراء الباحثين على تحديد هوية رابعة فالبعض يرون أن آل عتيق هم بني عدوة ولذا تسمى العدوية.

 

فصول غريبة في حياة أم الخير

في تاريخ حياتها غموض كبير. كتاب "الصبابة والأغاني بحياة الغلمان والغواني" للإمام أحمد بن سليمان بن كمال باشا والذي قام بتأليفه بتكليف من السلطان سليم الأول فرغ من كتابته في عام 905 للهجرة، لم يُنشر بل بقي مخطوطة انفردت بنشر فصول غير معروفة عن حياتها. والمخطوطة يعرضها متحف صغير في باريس وتوجد نسخ مصورة منها للباحثين، وقد نقل عنها محقق الكتاب نجيب نجيب الله الافغاني المستعرب الذي رافق الشيخ محمد عبده حله وترحاله الفصول الاغرب عن حياة أم الخير، ولمن يرغب في متابعة شأن رابعة يمكن العودة الى المخطوطة في متحف الرسائل والمخطوطات بباريس Museum of Letters and Manuscripts.

الجأها الفقر بعد وفاة والديها الى امتهان الغناء، وكان فنا شائعا في احياء البصرة القديمة التي عرفت كمناطق للهو والطرب وممارسة الدعارة، وكانت البصرة تنأى بنفسها عن احياء "العبيد" فيها، والتي انتشرت في مناطق السيبة، وما عرف ببشار واطراف ما عرف فيما بعد بالزبير.

كانت تغني وهي جالسة خلف خمار يخفي عن الاعين سحرها الأخاذ، واحيانا كانت تغني من غرفة قريبة اسدل على مدخلها ستار كثيف يمنع الجُلاس من رؤية وجه المغنية. رابعة العدوية كان يمكن ان تصبح غانية لو شاءت، الا أن ظروفها منعتها، وربما كان لبيئة البصرة الظالمة دور في اخفائها.

وما كان لمسلمة في القرن الثاني للهجرة ان تغني، وما كان لامرأة ان تظهر بين الرجال وتجالسهم، ولكن رابعة حسب مخطوطة "الصبابة والأغاني بحياة الغلمان و الغواني" فعلت ذلك معتمدة على رغبة جامحة في التحرر انتابتها بعد وفاة اهلها. رابعة كانت تكره الرجال، وينقل الإمام أحمد بن سليمان بن كمال باشا انها كانت تعاشر نسوة بعينهن معاشرة الانثى حين تهب نفسها للذكر، أي انها كانت تساحق المستفحلات من النساء و يالكثرتهن في البصرة القديمة آنذاك.

 

عاشقة الله، عشيقة المحاربة ام عمير!

ولعل في هذا الخبر تفسير لعزوفها المستمر عن الزواج، وفي نفس الوقت هو يسلط الضوء على مساحة الحرية التي استطاعت ان تنفذ اليها رابعة العدوية من خلال النسوة المستفحلات، وينقل نفس المصدر أن أم عمير البصرية التي شاركت في معارك وغزوات عدة وغنمت دروعا وسيوفا وخيلا من رجال قتلتهم، هذه السيدة المقاتلة هي التي كانت عشيق(ة) رابعة وحاميتها، فقد اوقفت جاريتين لمساعدتها في مهنة الغناء، وكان الغناء صوفيا في عصر لم يفهم الناس فيه الصوفية بعد، ففسروا - خلال سنوات القرن الثاني للهجرة - عبارات العشق والغرام والهيام التي فيه على انها معالم ابتذال دنيوي وبات الرجال ينفقون دراهمهم في بيت رابعة طمعا في سماع الكلمات الساحرة ولاستراق نظرة من سيدة الحسن السمراء المفعمة بالحيوية والاثارة.

عشقت رابعة حبيبا خياليا، وبهذا كان تحقق العشق محالا، فوجدت في عشق النساء بديلا قد يشبع الروح والجسد، عشق النساء يستلزم المصاحبة، وتلامس الاجساد وانسحاق الشفاه تحت الشفاه، ومرور الاصابع فوق الاكام وتحسس الهضاب وانسياق الانامل في سياحة مسام الجسد دون سراع ودون عجالة بل حسب ما يشتهي العصب الموجوع بحثا عن تكامل اللذة .

 

ما الذي جاء بقبرها الى بيت المقدس؟

وبقيت رابعة في كنف أم عمير، معشوقة مكرّمة تخدمها الوصائف والجواري، ويغسلن كل ليلة جسدها الخمري اللون بماء الورد لتكون حاضرة لبعلتها أم عمير فتقضي الليل معها دون إثم ودون فضيحة، فالمجتمع لا يلتفت الى عشرة النساء ببعضهن، كما لا يلفت الى عشرة الرجال ببعضهم– كما نقل عن صبيان البطحة بعدها، وعن غلمان أم الزبير أو الزبير في بصرة العراق حاليا الذين عشقوا بعضهم فتلوّن حبهم، وخافوا حدود الاسلام الصعبة، فاعلنوا زهدهم وتمشيخهم ودروشتهم ملتصقين غالبا بمن هاجروا من آسيا الوسطى من الدراويش. ولكن لم يكن لأحد ان يُعلن حقيقة الامر، فالدراويش آنذاك باحثون عن لذة خارقة مع الله، وهي لذة لا تتحقق، فيحيدون عنها الى ما يشبهها في التلذذ بعالم الذكور الذي لا خطر من انكشافه ولا خطر في ملاحظته ولا تجلب عشرته العيون والرقباء كما تفعل عشرة الرجال بالنساء.

مثل هذا شائع في الكنائس والأديرة، فالمثلية (بلغة يومنا هذا) شائعة بين الراهبات كما انها شائعة بين القساوسة والرهبان.

ماتت رابعة في بيت المقدس بعد ان سافرت اليها مع زرافات المتصوفة الذين قدموا الى المدينة المقدسة منذ مطلع القرن الثاني للهجرة مبتعدين عن بيئة مكة والمدينة الصحراوية المحافظة. ونقلا عن صحيفة القبس الكويتية "في القرن الثاني للهجرة قدم عدد كبير من الصوفية إلى الديار المقدسة، وفي مقدمة هؤلاء أم الخير رابعة بنت اسماعيل العدوية، وبشر الحافي، وذو النون الحصري، وإبراهيم بن أدهم، والسري بن المفلس السقطي".

وذهب المؤرخ العراقي رشيد الخيون في مقال نُشر في صحيفة الاتحاد الاماراتية بتاريخ (31.08.2013) الى أن المؤرخين اختلفوا حول شخصية رابعة مؤكدا أنّ " اخبار العدوية البصرية تداخلت مع رابعة الشَّامية ابنة إسماعيل وزوجة ابن أبي الحواري الكاتب (ت 230 هـ). ورد التداخل في أهم مصدر عن رابعة «صفوة الصَّفوة» لابن الجوزي (ت 597 هـ)، الذي جعل قبر الشَّامية قبراً للبصرية بالقدس، يقول الحموي (ت 626 هـ): قد اشتبه على الناس فقبر البصرية بالبصرة وهذا قبر الشَّامية (معجم البلدان). ولكم القياس كم ضريحاً صار ضريحاً لغير صاحبه المشهور به، بل كم ضريحاً لا وجود لرفات فيه إلا في المخيلة! وكم دماء سفكت حوله. وأقول: أيتهما صاحبة المسجد الذي صار مكاناً للاحتجاج: الشَّامية أم البصرية؟ وهذا الذهبي (ت 748 هـ) في «تاريخ الإسلام» يذكر توهم ابن الجوزي، في حياة الرابعتين، وكذلك توهم ابن خلكان (ت 681 هـ) بين الرابعتين (وفيات الأعيان).

وجد المقدسي (ت 380 هـ) قبرها بالبصرة (أحسن التقاسيم)، أما الجاحظ (ت 255 هـ) فيذكرها في «الحيوان» و«البيان والتَّبيين» برابعة القيسية، ولا يأتي بخوارق لها، فعلى ما يبدو أن ما نُسب إليها وضعه المتأخرون. ولوفاة العدوية تاريخان (135 هـ) و(185 هـ).

عُرفت رابعة بالعشق الإلهي، ولا نعلم أيهما الشَّامية أم البصرية، ما سماه ابن عربي (ت 638 هـ) بـ«الحب المعلول»: «قول المرأة المُحبة، يُقال إن هذا القول لرابعة العدوية المشهورة» (الفتوحات المكية)، ومِن هذا صاغوا عبارة العشق الإلهي." انتهى ما ذهب اليه رشيد الخيون بشأن ام الخير آل معتوق التي نجهل عنها كل شيء تقريبا.

 

ملهم الملائكة

 

في رثاء صديقي المرحوم فزاع الحسون .. لا شئ يستحق التضحية بالحياة إلاّ الحياة بكرامة

892-fazaaيؤسفني أن معظم ضحايا صدام اليوم في السلطة في العراق، نسوا الأيدي الرحيمة التي آوتنا في تشردنا وغربتنا الموجعة، ومن أبرز هؤلاء المرحوم الحاج فزاع الحسون، الذي تعرفت عليه عبر أخي شريف القحطاني (أبو عادل) في الأيام الأولى لوصولي الكويت ربيع 1980. وكنت قبل ذلك أسمع ثناء أخي أبي عادل عليه منذ سنوات، وهو لا يكف عن تبجيل سجاياه الانسانية، وشهامته، وتدفق عواطفه، وغيرته، ونبله. ويدلل على أنه من الشخصيات الفذة في الشجاعة والتضحية والتفاني في العمل التطوعي لإسعاف العراقيين المشردين في الكويت، ممن يعرفهم ولا يعرفهم. رغم أنه لم يكن محتاجاً لهم، كان يغامر بمصالحه وممتلكاته، وأمنه الشخصي والأسري، بل وحياته، من أجل إيوائهم، وتيسير سبل هروبهم الى الكويت، حتى أصبحت مزرعته في المنطقة الحدودية في العبدلي بجوار صفوان محطة عبور للكثير من العراقيين الفارين من جحيم فاشية صدام، ومنهم أنا. وتلك مجازفة مرعبة، يمكن أن تكون ضريبتها وقتئذ مصادرة المزرعة، وكل ثرواته، مضافا الى اعتقاله، لكنه ظل يغامر، ولم يكترث بكل ما من شأنه تهديد حياته وأمنه.

892-fazaaفي رحلة الضياع العراقي صارت داره ملاذاً لمجموعات من الشباب العراقيين، يوفر لهم المأوى، وكل متطلبات العيش الكريم، ولا يتردد في بناء شبكة علاقات اجتماعية كريمة لهم، مع مجموعات من أصدقائه ومحبيه، ممن يشتركون في السهرات الجميلة في ديوانيته. وطالما وجدته ينوه بمكارمهم وتضحياتهم وثقافتهم. أحياناً أخجل لفرط ثقته واحترامه وتكريمه لي حين يعرفني على صديق له. وهكذا كان يفعل مع كل الأصدقاء المشردين منا في الكويت. كنا نشعر مع الكثير من الكويتين بمسافة يصعب علينا عبورها، تعكسها برودة مشاعرهم، وسلبيتهم، لكن فزاع الحسون ظل من القلائل الذين يحرصون على محو كل أشكال المسافات والحدود معنا، بلا تمييز بين شخص وآخر.كان يحتفي بكل مشرد جديد، فأراه يبتهج، كأنه في حفلة مسرات، أنصت لصوت ضميره يتغنى بأنه استطاع إنقاذ كائن جميل آخر من طاحونة الموت العبثي في العراق، ومقصلة صدام الشريرة. إنه من أولئك الذين كانت سعادتهم تتلخص في إسعاد الآخرين.

لا أتذكر أني عرضت عليه مشكلة لأحد الأصدقاء ولم يسخّر كل امكاناته لحلها أو تذليلها. عيشنا في الكويت كان سلسلة مزمنة من المواجع والمفاجئات، إذ كان دخولنا للبلد غير قانوني، وهكذا كانت اقامتنا، وسفارة صدام لا تكف عن التلصص على حركاتنا وعلاقاتنا وأنشطتنا، ولا تتردد في مطاردتنا، واختطاف بعض أحبتنا، سنوات الحرب المجنونة في الثمانينات. لحظة يلتحق بنا أحد الناجين من حرائق صدام نحرص على تأمين المتطلبات الضرورية لإقامته، والتشبث بكل ما يشي بأن وجوده في البلد شبه قانوني، كنا نتذرع بوصفه يعمل في احدى الشركات الكويتية، وليس معارضاً للنظام ببغداد، ولم تكن لدينا وسيلة لتأمين بطاقة عمل سوى "شركة الحسون"، التي تصدر لنا مثل هذه البطاقات، نعم هي لا تعد وثيقة حكومية، ولا تغني عن الإقامة الرسمية في جواز السفر، لكنها تعمل على بث شئ من الطمأنينة في قلوبنا، حين تشعرنا بتضامن أهل هذا البلد معنا، واستعدادهم لحمايتنا، والتضحية من أجلنا. الحسون رحمه الله كان همه دعمنا ورعايتنا، وحماية أمننا، وتأمين كافة ما يمكنه تأمينه من وسائل استقرارنا.

أدرك الحسون ألا شئ يستحق التضحية بالحياة إلا الحياة بكرامة، فمن دون الاستعداد للتضحية بالحياة سيتنازل الكائن البشري عن كرامته وحريته وانسانيته، وينخرط في قطعان العبودية الطوعية، ممن تمسي وظيفتهم تقديم فروض الطاعة والمهانة لكل متسلط مستبد. وهو ما كان يعلنه بصراحة، ويقوله سلوكه، وتحكيه مواقفه. وذلك سر ما كان يعلنه صوت ضميره، ويعكسه شعوره العميق بالمسؤولية الانسانية الأخلاقية حيال العراقيين المعارضين لصدام، لأنه يعرف جيداً توحش صدام وفاشيته.

ما كنا نرغب بدعوة الحاج فزاع للانضمام الى حزب الدعوة، الذي كنت أحد أعضاء لجنته في الكويت، قبل أكثر من ثلاثين عاماً. ولم يكن يعرف هو الكثير من التفاصيل الجزئية لنشاطاتنا ضد صدام، لكنه كان يعلم أن كل ما نقوم به لا علاقة له بالكويت حكومة وشعباً، كل جهودنا مكرسة لإنقاذ وطننا العراق، لذلك لم يمتنع من الاستجابة لأية حاجات ملحة تخص عملنا، وإن كانت تنطوي على مجازفة. فمثلاً كنا في حيرة لتأمين محل لجهاز استنساخ حديث، نُكثّر به بعض بياناتنا ومنشوراتنا وأدبياتنا الخاصة المناهضة لنظام صدام، فتحدثنا معه حول ذلك، بلا أن نضعه في صورة ما نروم فعله، ونوع ما نستنسخه في الجهاز، فوافق بلا تردد، وبالفعل أودعنا جهاز الاستنساخ لديه مدة وجيزة، ريثما استأجرنا شقة في منطقة خيطان، تضم كافة الممنوعات بحوزتنا، مما هو ضروري لعملنا ضد صدام. وتعاهدنا كل أعضاء اللجنة ألا نعرف محل هذا الوكر، ما خلا الأخ الذي أوكلنا اليه هذه المهمة، وهو رجل معروف بكتمانه وصرامته.

رحم الله الصديق النبيل الحاج فزاع الحسون، ورفع مقامه في الصديقين، الذي كان قلبه وطناً يوم غربتنا، وبيته ملاذاً يوم تشردنا، وماله زاداً يوم فاقتنا، وارادته الحرة مصدر طاقتنا يوم خوفنا، وتضحياته وقوداً يوم ضعفنا، وأحلامه بالغد ملهمة يوم يأسنا.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

...................

توفي في الكويت يوم 27 ديسمبر 2015.

صحفيون برتغاليون في الذاكرة.. رؤول براغا نموذجا

faysal roshdiيبدو أن بلد البرتغال هو بلد غائب عن ثقافتنا العربية، فعندما يرتبط الحديث بهذا البلد فإننا نقف عند خمس شخصيات، أربعة في الرياضة وشخصية واحدة في الأدب. فأبرز الوجوه الرياضة المعروفة هناك: أوريزبيو، لويش فيكو، كريستيانو رونالدو، جوزي مورينو. أما في الأدب فهناك جوزي ساراماغو الحاصل على جائزة نوبل للأدب عام 2010، وكأن هذا البلد لم ينجب سوى هؤلاء. ماذا عن الصحافة البرتغالية؟ لماذا لا نسمع بها في عالمنا العربي؟ ومن هم أهم الصحفيين البرتغاليين؟

هذه الأسئلة تقودنا إلى بحث عميق، فالصحافة البرتغالية، تقتصر على الشأن البرتغالي بالدرجة الأولى ثم يلي ذلك الشأن الأوربي، ثم الشأن العالمي. إلا أن أحداث الربيع العربي جعلت البرتغال تهتم بالشأن العربي، لأن منطقة الشرق الأوسط منطقة توتر. ولا ننكر أن العرب لم يهتموا بالشأن البرتغالي وهذا راجع إلى عائق اللغة، وكذلك المترجمين المهتمين بالشأن البرتغالي الذين يعدون على رؤوس الأصابع .

فبالعودة إلى مسألة أساسية، وهي اهتمام الإعلام البرتغالي بالشأن العربي، فقد أصبحت أهم النقاشات في البرامج التلفزيونية البرتغالية تخص الشأن العربي، من خلال تسليط الضوء على دول الربيع العربي: تونس، مصر، ليبيا، سوريا، اليمن. وهنا برز الصحفي البرتغالي اللامع رؤول براغا بيرش raul braga pires في تحليل أحداث التي تقع في هذه الدول، من خلال تحليل دقيق ونظرة ثاقبة في تحليل الأحداث. لم يكتفي رؤول بالشأن السياسي بل حتى مجالات أخرى تطرق اليها وهي كالتالي : ثقافية، اجتماعية، ورياضة.

رؤول براغا هو خريج المعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية، المعروف باسم iscsp بالعاصمة البرتغالية لشبونة، بالموازاة مع دراسته في المعهد، اطلع على الثقافة العربية الإسلامية، جعلته يهتم بها أكثر فأكثر بهذه الثقافة . لم تكن الدراسة هي التي جعلته يحب العرب، بل هو حب قديم ارتبط به براغا حينما كان يدرس التاريخ العربي في الأندلس.

سافر رؤول الى المغرب من أجل التعرف أكثر على الثقافة العربية، فدرس هناك واحتك بالمجتمع المغربي وعرف خصوصيات الثقافة العربية الاسلامية، المبنية على التسامح والاحترام الآخرين، فأعجب بهذه الثقافة، فبدأ رؤول في تعلم اللغة العربية التي اعتبرها من أجمل لغات العالم.

بالموازاة مع عمله أستاذا في الجامعة، عرف العالم العربي ما يطلق عليه بالربيع العربي، فكتب كتابا حول هذا الربيع بعنوان" الربيع العربي في المشرق و المغرب" وهو كتاب يحلل فيه براغا الأسباب التي قادت إلى ثورات بهذه الدول.

عودته إلى البرتغال، كانت عودة لابد منها، إذ أصبح من أهم الصحفيين، قدمت له عروض كبيرة جدا من طرف قنوات تلفزيونية، فلبى رغبة الانضمام إلى التلفزيون sic، الذي قدم فيه برنامجه الشهير مختارات رؤول براغا بيرش. رصد فيه كل ما يتعلق بالشؤون العربية وكذلك الإفريقية، وأصبح أشهر صحفي في البرتغال.

برنامج براغا هو بمثابة نافذة برتغالية على العالم العربي، استطاع صاحبه أن يصبح من أفضل الصحفيين البرتغاليين، فهذا الاسم رؤول براغا بيريش هو مفخرة البرتغال في العالم.

 

فيصل رشدي، باحث من المغرب

 

إسلاميو السلطة (92): العبادي يقيل المجاهد أبو مهدي المهندس

salim alhasani2العبادي أداة المشروع الأميركي في تفتيت العراق

وضعت الإدارة الأميركية عينها على الدكتور حيدر العبادي ليتولى الحكم في العراق، بعد أن حسمت أمرها بإبعاد السيد نوري المالكي عن الولاية الثالثة. وقد وجدتها فرصة نادرة عندما أجمعت القوى العراقية على رفض بقائه في السلطة، وكانت حريصة كل الحرص على إخفاء معالم مشروعها بشأن العراق عن المرجعية العليا، لأن الولايات المتحدة تعلم أن المرجعية لو اكتشفت ما تبيته للعراق، فانها بالتأكيد ستتصرف بطريقة أخرى غير التي حصلت.

لقد كانت السفارة الأميركية تعرف تماماً أن السيد العبادي يسعى لتولي منصب رئاسة الوزراء منذ عام 2006، فعندما تعرض السيد إبراهيم الجعفري الى معارضة القوى السياسية، نشط العبادي في اتصالاته ليكون بديلاً عن الجعفري، لكنه لم يستطع أن يحقق أمنيته، فلقد كان ثانوياً في صفوف القيادة، ولم يكن له حضوره في المشهد السياسي، وقد حاول أن يعتمد على دعم المجلس الأعلى، لكنه لم ينجح، حيث حسمها السيد الجعفري باختيار السيد المالكي للمنصب.

كما رصدت السفارة الأميركية، أن السيد العبادي كان يسعى أن يتولى رئاسة الوزراء، بعد المعارضة التي واجهها المالكي من قبل التيار الصدري في ولايته الثانية. وقد أجرى العبادي اتصالاته الفردية مع بعض الأطراف لدعمه، لكنه لم ينجح في ذلك، والسبب يكمن في طريقته البسيطة وتردده، وكذلك خوفه من المالكي. ففي تلك الفترة نشرتُ خبراً في موقع (الوسط) عن حديث جرى بينه وبين أحد الوزراء السابقين يسأل رأيه بالانضمام الى حكومته فيما لو وقع الاختيار عليه كبديل للمالكي. وقد شعر العبادي بالقلق من انتشار الخبر، فتأخر بالتكذيب عدة أيام. ويومها دار حديث هاتفي بيني وبين الشيخ عبد الحليم الزهيري حول الموضوع، يسألني عن دقة الخبر، فأكدت له ذلك وأنني على معرفة بالوزير السابق، لكني امتنعت عن ذكر اسمه. فسألني الزهيري عن سبب تأخر العبادي في النفي، أجبته: إنه في مثل هذه الحالات يكون النفي بمثابة انسحاب من المنافسة، هكذا ستفهمه أميركا وإيران، فكل منهما تريد شخصية قوية واثقة من نفسها.

وأضفت له: لكني لا أتوقع أن العبادي سيبقى صامتاً وأنه سيلجأ الى التكذيب نتيجة خوفه من المالكي. وبالفعل بعد أيام قليلة صدر تكذيب من العبادي، وقد نشرت التكذيب في موقع الوسط، مع إشارة بأن الوسط متأكد من صحة الخبر.

...

إن أجهزة المخابرات المحترفة ترصد هذه النقاط البسيطة، وتضع تقييمها للأشخاص في خزينها المعلوماتي، من أجل توظيف حركتهم في اللحظات الحاسمة، وهذا ما لمسته في العبادي.

علينا ان نتوقف هنا عند نقطة مهمة، وهي أن الإدارة الأميركية لا تتحكم في مثل هذه المواقف بطريقة شطرنجية، بحيث تزيل هذا الرئيس وتضع مكانه آخر، إنما تصنع الأجواء بما يُمهد الطريق لهذا ويغلقه على ذاك. فعندما أرادت أن تزيل الجعفري عن رئاسة الوزراء، دفعت القيادات السنية وكذلك المجلس الأعلى الى معارضة تشكيله الحكومة مع أنه الفائز بانتخابات الإئتلاف الوطني. وبذلك استطاعت أن تخلق الجو الضاغط الذي حال بينه وبين رئاسة الوزراء.

ولو أن الاختيار وقع على مرشح آخر غير العبادي كخليفة للمالكي، لربما فعلت أميركا ما فعلته مع الجعفري.

...

حينما تم ترشيح العبادي بالشكل الذي تحدثت عنه سابقاً ـ وسأتحدث عنه في حلقات قادمة بطريقة أخرى وبمعلومات إضافية ـ كان الأمر مكشوفاً بأن أميركا حصلت على فرصتها، وأنها كانت قد أعدت لرجلها الأجواء مسبقاً وذلك من خلال التأييد الدولي السريع والمكثف بعد ساعات قليلة من بث خبر تكليفه من قبل الرئيس فؤاد معصوم، وهو مشهد لم يحدث من قبل، فالتأييد والمباركة عادة تكون بعد التصويت على الحكومة، وليس بمجرد التكليف، لأن الشخص المكلف قد ينجح أو يفشل في الحصول على ثقة البرلمان.

لقد أرادت الولايات المتحدة أن تنفخ في العبادي روح الشجاعة والثقة حتى يتمسك بالمنصب، من خلال التحشيد الإعلامي الرسمي دولياً وإقليمياً، وهو ما أعطى مفعوله، إذ رفض بعد ساعات قليلة من الإعلان مقترح تنازله عن التكليف والاتفاق على مرشح ثالث.

...

بعد تشكيل حكومة العبادي، بدأ خطوات المشروع الأميركي باتجاه الدولة السنية الإقليمية، وكان ذلك يتطلب تشكيل التحالف الدولي لإشراك الدول الخليجية في الشأن العراقي، وسرعان ما وافقت الحكومة العراقية على ذلك، مع ان أبرز أعضاء التحالف أي الحكومات الخليجية هي صانعة الجماعات الإرهابية وداعمة الأعمال التخريبية في المنطقة. وقد وضعت الولايات المتحدة إضافة جديدة لهذا التحالف تحدث ايضاً لأول مرة، حين أعلنت أنها ستشرك شخصيات وكيانات سنية عراقية فيه. ولم تعترض الحكومة الجديدة، بل أنها أبدت تفاعلها مع هذا التوجه، وصار السيد إبراهيم الجعفري صوته المروج له، من خلال حضوره عدة مؤتمرات يدافع عن السعودية وقطر والامارات والمنظومة الخليجية كلها بانها مهددة من قبل الإرهاب، وتوسّل الجعفري الى السعودية لفتح سفارتها بالعراق.

...

كان مخططاً أن تسقط محافظة الانبار بكاملها مع سقوط الموصل، لكن ذلك لم يحدث لعاملين أساسيين: الأول بطولات الحشد الشعبي التي استعادت السيطرة على تداعيات انهيار الجيش. والثاني قوة الفرقة الذهبية التي كانت تتولى حماية الانبار بقيادة الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي الذي كان يتعرض لتهجم شديد من قبل قادة الكتل السنية وخصوصاً قيادات الإعتصام.

وقد قام العبادي بعد فترة وجيزة من توليه الحكم، استبداله باللواء فاضل البرواري وهو ضابط كردي على علاقة وثيقة بالقيادة الأميركية وأحد رجال السيد مسعود البارزاني.

في تلك الفترة كانت الإدارة الأميركية قد بدأت بأرسال قواتها تحت اسم المستشارين العسكريين، وسط تضارب شديد في أعدادهم ومهامهم.

وفي أيار 2015 وبشكل مفاجئ سقطت مدينة الرمادي مركز محافظة الانبار، وقد تزامن سقوطها مع سقوط مدينة تدمر في سوريا. وكان سقوطها مفضوح الأسباب فقد انسحب اللواء برواري من دون خوض أي معركة، بل وحتى من دون تعرض قواته الى هجوم من قبل تنظيم داعش، وقد جاء ذلك تنفيذاً لتعليمات اصدرها رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني الى (برواري) بناءاً على توجيهات من القيادة العسكرية الأميركية.

ورغم أن الخبراء العسكريين والصحافة الدولية تحدثت عن عدم وجود أي مبرر لهذا الانسحاب، فان السيد العبادي اكتفى بالتصريح أنه سيشكل لجنة تحقيقية، ثم لجأ الى إهمال ذلك، كما ترك محاسبة اللواء برواري بعد أن علم أن الأمر جاء من الأميركان.

...

إن ما تريد الولايات المتحدة هو إعادة توزيع القوى في المناطق السنية، بحيث تكون تحت سيطرة تنظيم داعش، ومن ثم يجري تحريرها بيد القوات الأميركية والجيش العراقي، وبعد ذلك يتم إبعاد الجيش العراقي عنها، ووضعها تحت سلطة القوات السنية التي يجري تشكيلها باسم الحرس الوطني أو العشائر السنية، وبذلك تخرج عن سيطرة الحكومة المركزية.

وتبدو الصورة واضحة من خلال، رفض القيادة الأميركية والقيادات السنية تحرير الرمادي بقوات الحشد الشعبي، وقد دفع أهالي الرمادي ومناطق الانبار ضريبة هذا التخطيط عندما اضطروا الى النزوح في ظروف سيئة، وسط صمت قياداتهم السياسية، لأنهم تلقوا تعليمات من الأميركان بأن هذا هو الطريق المؤدي نحو الدولة السنية.

وتظهر الصورة بوضوح أكبر من خلال إصرار القيادة الأميركية على أن تحرير الرمادي يحتاج الى مزيد من الوقت والترتيب، فقد كانت استعدادات تشكيل الدولة السنية غير مكتملة، ولا يزال أمامها بعض الوقت لإنجاح هذا المخطط.

...

في هذه الأيام الأخيرة من عام 2015، قررت الإدارة الأميركية تنفيذ خطوة أخرى من مخططها وذلك باضعاف الحشد الشعبي، وتفكيك قواته وقياداته، وقد استجاب العبادي لذلك، حيث طلب من المجاهد الكبير (أبو مهدي المهندس) نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي والقائد الفعلي له، بترك مهامه ومسؤولياته في الحشد. وبذلك يكون الدكتور حيدر العبادي الأداة المناسبة للقرار الأميركي في تنفيذ المشروع الأخطر في إضعاف الشيعة وتفتيت العراق.

ستكون المفاجأة أكبر من كل ما سبق، فيما لو قلت للقارئ الكريم: لا تستغرب أن العبادي نفسه لا يدري ما وراء ذلك، فهو ينفذ التعليمات ظناً منه أنه يؤدي مسؤولياته على أحسن وجه.

لمن لا يعرف العبادي سيستغرب.. لمن يعرف العبادي شخصياً يرى الأمر كما هو على حقيقته.

....

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (91): السرّ الخفي وراء اختيار العبادي لرئاسة الوزراء

salim alhasaniكانت الإدارة الأميركية قد توصلت الى أن فكرة الإقليم السني غير مجدية، وأنها لن تكون فاعلة في التأثير على خارطة المنطقة، فالمطلوب هو حاجز جغرافي قوي يفصل التواصل الشيعي من ايران والعراق الى سوريا ولبنان. ولن يكون الإقليم هو الحاجز المطلوب إنما الدولة السنية.

وقد أدركت الولايات المتحدة أن الإقليم السني يحتاج الى مداولات ومسار دستوري يأخذ زمناً طويلاً، وحتى اذا تحقق ذلك فأن التعقيدات السياسية في العراق ستجعله ضعيفاً لا يمكن الركون اليه في تحقيق ما تريده من تقسيم جذري للمنطقة. وهذا ما جعلها ترفض فكرة الإقليم، وتتبنى فكرة الدولة السنية.

بدأت واشنطن بتهيئة الساحة الإقليمية لتقبل واقع الدولة السنية الممتدة بين سوريا والعراق. وكان ذلك يجري على العلن وبالمكشوف، لكن الإستغراق الشيعي في مشاكله الخاصة وفي همومه البسيطة حال دون اطلاع قادتهم على ما يجري. بينما كان قادة الكتل السنية على دراية كافية بهذا المخطط الدقيق، وقد شعروا بالامتنان من الإدارة الأميركية التي تعهدت لهم بتحقيق كيان على الأرض يخدمهم ويخدم الأكراد ويخدم الحكومات الإقليمية، ولا ننسى المحصلة النهائية وهي حصول إسرائيل على المكسب التاريخي الذي تنتظره في تفكيك المحور الشيعي (إيران ـ العراق ـ سوريا ـ حزب الله).

...

كان السيد مسعود البارزاني هو الوحيد من بين القادة السياسيين على إطلاع تام بما تريده الولايات المتحدة، وذلك بحكم علاقاته المفتوحة مع المسؤولين الأميركان، والأهم من ذلك علاقاته الخاصة مع إسرائيل، من خلال الزيارات المتبادلة والرسائل المستمرة بين أربيل وتل أبيب.

وقد حاول البارزاني استعجال الخطوات، والاعلان عن انفصال كردستان في دولة مستقلة، وهو ما عبّر عنه بالمفاجأة السارة الى الشعب الكردي بمناسبة التحضير لأعياد النوروز في آذار 2014، لكن الولايات المتحدة منعته من الإعلان عن خطوته، لعدم استكمال بعض الخطوات الضرورية، وكان أبرزها وأهمها إسقاط عدة محافظات بيد تنظيم داعش في عملية عسكرية واسعة تمتد على كل المناطق السنية من الحدود الإيرانية وحتى الحدود السورية، بمعنى أنها ستشمل احتلال محافظات ديالى ونينوى وصلاح الدين والانبار.

وفي تلك الأيام وتحديداً في 29 آذار 2014، زار الرئيس الأميركي السعودية وعقد سلسلة اجتماعات مع الملك عبد الله وكبار المسؤولين السعوديين، وقد رشح عن الزيارة أنها كانت الأهم وانها حددت مستقبل المنطقة فيما عُرف بـ (الحلف القوي)، وقد ظلت هذه التسمية موضع استفهام عدد من الخبراء، فقد رآها البعض انها تعني التحالف القوي بين السعودية والولايات المتحدة، فيما فسرها بعضهم الآخر على أنها تعني إشارة الى تغييرات مقبلة ستشهدها المنطقة، وان (الحلف القوي) هو العنوان المرن لمنظومة إقليمية تشترك في مخطط صادم ستشهده المنطقة.

...

تشددت تركيا في تلك الأيام في مطلبها بإقامة منطقة عازلة شمال سوريا، وكانت تريد بذلك اقتطاع شمال سوريا والتحكم فيها عسكريا، لتدعيم موقفها في التحول الجديد الذي سيشهده العراق. فقد كانت تركيا على معرفة تامة، بل وعلى تنسيق مباشر مع الولايات المتحدة حول المخطط القادم. حيث كانت المهمة التركية محددة في فتح المزيد من الحدود أمام عناصر تنظيم داعش، كما تم تكليف القنصل التركي في الموصل بالتنسيق مع الأكراد ومع محافظ نينوى (أثيل النجيفي) لتصعيد الأجواء الشعبية ضد القوات العراقية الموجودة في الموصل، وتهيئة الأجواء لاستقبال المدينة لمقاتلي داعش.

(إن هذه المعلومة التي أذكرها هنا هي مما ورد في لجنة التحقيق بسقوط الموصل، لكن تم التعتيم عليها بصفقة سياسية قوية بين رئيس اللجنة حاكم الزاملي ومجلس القضاء ورئيس إقليم كردستان وعدد من القيادات السنية).

...

كان المالكي في تلك الأيام أي آذار 2014، قد حصل على معلومات بهذا المخطط، ورصدت أجهزته الاستخبارية وصول مسلحي داعش وانتشارهم في مناطق من محافظة ديالى، فعقد اجتماعاً مع السيد هادي العامري رئيس منظمة بدر لمناقشة التطورات المتسارعة، وتم الاتفاق على تشكيل قوات شعبية (الحشد الشعبي) تتولى مهمة الدفاع عن محافظة ديالى من السقوط بيد داعش، وبالفعل استطاع العامري من تحشيد قوات الحشد الشعبي الى جانب مقاتلي منظمة بدر، وخوض معارك متفرقة في مناطق وقرى ديالى.

وفي نفس الوقت بعث المالكي بقوات إضافية لحماية سامراء من السقوط، وكانت مدعومة ايضاً بقوات الحشد الشعبي.

من الضروري الإشارة هنا، ان تسمية هذه القوات (الحشد الشعبي) لم تأخذ سمعتها في وسائل الإعلام، لكونها كانت تحت قيادة العامري مما جعلها تبدو وكأنها قوات بدر، كما كان قسماً منها تحت قيادة الشيخ الخزعلي فبدت وكأنها من قوات عصائب أهل الحق. ولم تأخذ هذه التسمية سمعتها وصفتها الرسمية إلا بعد صدور فتوى المرجعية في حزيران 2014.

...

وقع المالكي في خطأ كبير عندما أهمل الجانب الإعلامي، وأبقى الكثير من هذه التطورات طي الكتمان، وربما لجأ الى ذلك تحت ضغط المعركة الانتخابية التي جرت في نيسان 2014. ثم وقع في خطأ أكثر فداحة عندما أبقى الأمر بعد الانتخابات مخفياً عن المرجعية الدينية، وكان عليه أن يُطلعها على التفاصيل بحكم موقعها الديني ورعايتها العامة للأمة. فقد أهمل هذا الجانب متأثراً بأزمة العلاقة بينه وبين مكتب السيد السيستاني. وقد كان بإمكان المالكي أن يخرج على الشعب العراقي بخطاب يشرح فيه هذه التفاصيل ويصارح الشعب العراقي بما يجري.

...

في التاسع من حزيران كانت مجموعات من داعش قد دخلت الموصل، ودارت اشتباكات محدودة، وقد استطلع المالكي الأوضاع باتصالات هاتفية مع القيادات العسكرية، فكان الجواب يأتيه بأن الوضع مسيطر عليه، وكان للفريق الركن مهدي الغراوي قائد عمليات الموصل دوره في تضليل المالكي، فقد وعده بأن المعركة لو اندلعت فانها ستكون مقبرة داعش.

(وقد سبق أن أشرت في حلقة سابقة من هذه السلسلة، أن السفارة الأميركية لها علاقات خاصة مع كبار الضباط في الجيش العراقي، وانها تعهدت لهم بمنحهم إقامة دائمة في الولايات المتحدة، بعد انتهاء خدمتهم أو في حال تعرضهم لأي ظرف طارئ، بمعنى أن ولاءهم الحقيقي للقيادات والاوامر الأميركية)

كان المالكي قد بعث قائد القوات البرية الفريق أول ركن علي غيدان ونائب رئيس اركان الجيش الفريق أول ركن عبود كنبر لقيادة العمليات، وقد واجها الارباك في القطعات العسكرية، كما أنهما لم يتصرفا بالمسؤولية المطلوبة في مثل هذه الظروف.

...

في منتصف ليلة 9/10 حزيران 2014، وصلت الأوامر الصارمة من قبل مسعود البارزاني الى قائدي الفرقتين الثالثة والرابعة بالانسحاب من الموصل وصلاح الدين، وكانت الأوامر صارمة بحيث جرى تهديد قائديهما الكرديين (هدايت عبد الرحيم ونذير عاصم) بالقتل في حال تأخرهما بالانسحاب. وكان ذلك يعني تمهيد الطريق لدخول تنظيمات داعش، وإحداث إرباك شامل في القطعات العسكرية في الموصل وصلاح الدين.

وفي نفس الليلة أجرت القيادات الكردية اتصالاً مع بغداد تعرض على المالكي تدخل قوات البيشمركة لحماية الموصل، لكنه رفض ذلك.

اتصل الفريق أول ركن علي غيدان بالمالكي يسأله عن موقفه من عرض القيادة الكردية، فأجابه المالكي: كيف تثق بمسعود البارزاني، إنه يريد اقتطاع الموصل وضمها الى كردستان.

بعد سقوط الموصل بيومين، صرح رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني بأن قضية (كركوك) قد أصبحت من التاريخ وهي الآن جزء من كردستان.

...

تمت بذلك المرحلة الأولى من المشروع الأميركي في إقامة الدولة السنية، وبدأت المرحلة الثانية، بالبحث عن خليفة للمالكي، شريطة أن يكون ضعيفاً.

في الحلقة القادمة: العبادي أداة المشروع الأميركي في تفتيت العراق

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (90): عقدة الضعف عند الجعفري وقادة الكتل الشيعية تجاه السعودية

salim alhasaniفي موسم الحج من عام 1987 قامت قوات الأمن السعودية بارتكاب مجزرة وحشية بحق الحجاج الشيعة، وكانت تستهدف بالدرجة الأولى الحجاج الإيرانيين الذين اعتادوا على تنظيم مسيرة سلمية باسم (مسيرة البراءة) ضد إسرائيل وأميركا، ويشارك فيها الشيعة من البلدان الأخرى.

خلّفت المجزرة آلاف الضحايا من الشهداء والجرحى، وكان من بينهم العديد من العراقيين منهم الشهيدة زوجة القيادي الكبير المرحوم مهدي عبد المهدي، والشهيدة زوجة الشيخ رياض الناصري ووالدة الإعلامي ضياء الناصري. كما تم إعتقال العشرات وتعذيبهم في السجون السعودية.

...

كان السيد إبراهيم الجعفري في ذلك الموسم ضيفاً على الحكومة السعودية في موسم الحج الى جانب عدد من أعضاء المجلس الأعلى. وعندما حدثت المجزرة، وانجلت غبرتها الحمراء وبشاعة الجريمة، طلبت عدد من الشخصيات الإسلامية من الجعفري أن يعلن احتجاجه على السلطات السعودية، وأن يتخذ موقفاً يدين به المجزرة باعتباره كان رئيس الوفد، لكن الجعفري امتنع عن ذلك بحجة أنه يمثل وفداً رسمياً بالتنسيق مع المجلس الأعلى ولا بد ان يلتزم بتعليمات رئاسة المجلس.

تدخل عدد من الشخصيات الدينية لإقناعه بضرورة أن يصدر عنه أي موقف احتجاجي، مهما كان بسيطاً، وذلك لإظهار أن الوفد يحتج على ما حصل، وأنه يخشى على العراقيين المعارضين من تعرضهم للاعتقال وربما تسليمهم الى السلطات الصدامية، واقترحوا عليه أن ينقل اقامته من الضيافة السعودية، الى مقرات الحجاج العراقيين المهاجرين، فرفض الجعفري هذا المقترح، وأصر على مواصلة إقامته في الضيافة السعودية.

...

انتهى موسم الحج وعاد الجعفري الى اقامته في إيران، وقد تعرض الى نقد شديد من الأوساط العراقية، لكنه كان يبرر ذلك بأنه كان يسعى الى تهدئة الأمور.

وقد حفظت السعودية للجعفري هذا الموقف، فبعد الانتفاضة الشعبانية، وانعقاد مؤتمر المعارضة في بيروت في عام 1991، كان الجعفري يحظى بترحيب الحكومة السعودية في زيارات متتالية.

لم يكن الجعفري على علاقة تنسيق مع الحكومة السعودية، فهو ليس من هذا النوع، لكنه الضعف الذي يجده في نفسه أمام قوة إقليمية يراها مؤثرة وصاحبة قرار ودور في المنطقة، مما يجعله يبتعد عن أي موقف يتسبب في إزعاجها، مع أنه يعلم تمام العلم أنها تقف وراء الإرهاب وتشارك في تدمير العراق وقتل ناسه.

...

يعلم الجعفري وكذلك السيد حيدر العبادي أن ما فعلته السعودية وقطر وتركيا بالعراق، هو أكثر من حرب عسكرية في مواقع حدودية، كان حرب إبادة تستهدف الأبرياء، وكان تآمراً بأبشع أشكاله لإشعال الحرب الطائفية داخل العراق، وكان تدميراً لمحاولات بناء البلد.. كان منهج تخريب شامل استخدمت فيه تلك الدول الفتاوى والمال والسلاح والسياسة والاعلام وغير ذلك من وسائل التبني والدعم على مدى سنوات ما بعد سقوط صدام، ولا تزال تخطط وتنفذ وتسعى لبلوغ الهدف نفسه.

مثل هذا التاريخ العدواني لا يمكن شطبه من سجلات الواقع بكلمة (صفحة جديدة) أو برغبة مخادعة في محاربة تنظيم داعش الذي أنشأته ومدته بعناصر البقاء والاستمرار.

 

يعلم كافة قادة الكتل بذلك، لكنه الضعف تجاه السعودية، وعقدة الضعف هذه تشمل كافة قادة الكتل الشيعية وشخصياتهم السياسية، بما فيهم السيد مقتدى الصدر والسيد عمار الحكيم والشيخ محمد اليعقوبي.

...

منذ أكثر من قرن من الزمن حدثت مجزرة الأرمن في الدولة العثمانية، ورغم عدم وجود أدلة قاطعة على تورط السلطان العثماني آنذاك، ورغم تغير العالم وخارطته وتلاشي الدولة العثمانية، إلا ان الحكومة الأرمنية لا تزال تلاحق تركيا بتلك المجزرة، وترفض كل محاولات الإعتذار التركية. فما أغرب حالنا مقارنة بموقف الأرمن وبقية الشعوب والدول.. ما أسرعنا الى رغبة التناسي، وما اسهل تنازلنا عن قضية الإنسان المفجوع بأبنه واخيه وزوجه وابيه وأمه.

لم يعترض أحد من قادة الكتل الشيعية على فتح السفارة السعودية في العراق، مع أن هذه الخطوة تمثل تبرئة رسمية لكل التاريخ العدواني والاجرامي لآل سعود بحق الشعب العراقي. لا يعترض أحد منهم، ولا يدعو الى القيام بتظاهرات أو اصدار بيان احتجاج كأضعف الإيمان.

والسبب في هذا الضعف، هو أن قادة الكتل يشعرون ان مصلحتهم مع الوضع الإقليمي، مع السعودية ومع تركيا ومع قطر. وهذا ما لاحظه المواطن العراقي من خلال البرود مع العدوان التركي على العراق، فلم نسمع إلا تصريحات لا تضر ولا تنفع، أما المواقف الجادة من قبيل التظاهر والاعتصام وغلق السفارة التركية، وما الى ذلك، فلم يُقدم عليه أحد، لأن الجميع لهم مصالح تجارية مع شركات ورجال اعمال أتراك. وعند هذه النقطة، تصبح مشاعر الناس لا قيمة لها، لأن الاستجابة لصرخة المظلوم والغيرة على السيادة العراقية، يقابلها تفريط في مكسب مالي وفير وتجارة دنيوية رابحة.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

إسلاميو السلطة (89): العبادي بطل مسرحية الفنان محمد صبحي

salim alhasaniعندما سيطرت أزمة التوغل العسكري التركي في شمال العراق، على المشهد العراقي، لم يكن بمقدور الكتّاب العراقيين العودة الى تصريحات السيد حيدر العبادي في مؤتمراته الصحفية وفيها يتحدث عن طلب الدعم والسلاح والتدريب من تركيا، وكان السبب في إحجام الكتّاب ـ ومنهم كاتب المقال ـ أن ذلك سيُفهم على أنه إضعاف للموقف العراقي في مقابل العدوان التركي الصارخ.

لقد أجبرتنا ـ ولا تزال ـ اللحظة التي نعيشها على غض النظر عن أخطاء العبادي، لتركيز الضوء على الموقف التركي في انتهاك السيادة العراقية، وفي تنفيذ مخطط تقسيم العراق. لكن المشكلة أن العبادي سيكرر هذا الخطأ مستقبلاً، هذا إذا لم يكن قد أعطى وعوداً وتعهدات وتنازلات لأطراف عديدة بطريقته الشفهية.

...

لا يعرف الكثير من العراقيين أن الدكتور حيدر العبادي لا يعتمد على التوثيق والكتابة والتسجيل، وحين باشر مهامه رئيساً للوزراء، كان يلتقي بمفرده مع السفير الأميركي ومع الوفود السياسية الخارجية ومع الكيانات العراقية من دون تسجيل محضر الاجتماعات.

يتذكر المتابع، أن العبادي اجتمع بوفد من مجلس محافظة الأنبار وشيوخ عشائرها في بدايات ولايته، وحين عرضوا عليه فكرة زيارة الولايات المتحدة، أعطاهم موافقته، فزاروا واشنطن واجتمعوا بكبار المسؤولين في البيت الأبيض، في سابقة لم تحدث من قبل، لأنهم عقدوا اتفاقاتهم بالحصول على السلاح والدعم العسكري والتدريب بشكل مباشر.

إن السيد حيدر العبادي يمارس مهمته في إدارة الدولة، بنفس الطريقة التي درج عليها في حياته الشخصية، فكلامه ومباحثاته مع رؤساء الدول وقادة الأحزاب والمسؤولين، لا يختلف عن كلامه مع صديق أو شخص يلتقيه في جلسة أو مناسبة.

ففي اللقطة التي تداولتها الفضائيات بكثرة في حديقة قصر (ألماو) خلال اجتماع قمة السبعة الكبار في المانيا، تعامل العبادي مع الموقف بكل بساطة، لقد وجد الرئيس الأميركي باراك أوباما جالساً، وعليه فهي فرصة مناسبة لأن يتحدث معه بشأن العراق ويطلب منه دعماً عسكرياً لضرب تنظيم داعش وتنتهي المشكلة!. ولم يخطر بباله أن حركته تلك مستهجنة في العرف الدبلوماسي.. العبادي لا يراها تختلف عن الجلوس في حديقة عامة مع اشخاص آخرين.

...

عاتبني العبادي ذات يوم على نشري خبراً في موقع (الوسط) عن سعيه للحصول على رئاسة الوزراء خلال فترة المفاوضات الطويلة التي سبقت تشكيل حكومة المالكي الثانية، وكان قد مرّ ما يقرب من عامين على الخبر. ولأنه حاول أن يُظهر لي بأنه غير مكترث بالقضية، فقد سلك طريقاً ملتوياً، لقد تصوره ملتوياً، أما بالنسبة لي فقط كان واضحاً مكشوفاً.

قال لي: إنك نشرت خلال فترة المفاوضات على حكومة المالكي الثانية، خبرين عني، وقد كذبتهما ببيانين، لكنك بقيت تُصر على الخبر الثاني.

قلت له: اذا كنت تقصد خبر لقائك برئيس جهاز الاستخبارات السعودية مقرن بن عبد العزيز، فقد نشرت تكذيبك على موقع الوسط.

قال: لا، ليس خبر مقرن بن عبد العزيز، إنما الخبر الثاني، لكني لا أتذكره.

بعبارته هذه تعززت عندي أكثر بساطة الدكتور حيدر العبادي التي أعرفها من قبل. فهو يعاتبني على نشري خبرين عنه، ويعرف الخبر الأول وليس هو الخبر المقصود، إنما الذي يثيره الخبر الثاني، ومع ذلك فهو لا يتذكره!.

كان يحاول ان يُظهر لي بأنه لا يولي الحادثة أهمية، مع أن أساس حديثه كان منصباً عليها.

وقد بقيت صامتاً فترة من الوقت، فيما يتلوى هو بالكلمات، فأشفقت عليه وأنقذته من معاناته بالقول:

ـ تقصد خبر سعيك لمنافسة المالكي على رئاسة الوزراء؟

فهتف بلهفة طفل: نعم نعم.

...

تذكرني هذه الواقعة بمسرحية (لعبة الست) للفنان المصري المبدع (محمد صبحي) حين أراد صاحب العمل أن يمتدحه فقال له: أنت أمامك مستقبل (...) ونسي الصفة، وظل يفكر بالكلمة التي يريد قولها. فعرض عليه محمد صبحي مجموعة صفات، لكنه كان يقول له: لا، هي كلمة من أربعة حروف لكني نسيتها.. وبعد جهد قال (كبير).

 

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

حديث مع فيرا

التقينا (فيرا وانا) في ايلول / سبتمبر عام 1960 في شعبة رقم 6 في الصف الاول بالقسم الروسي في كلية الآداب بجامعة موسكو. درسنا سوية وافترقنا عام 1964 . كنا نظن انه فراق ابدي، ولكننا التقينا – على الرغم مما كنا نظن - مرة اخرى عام 2015، اي بعد أكثر من نصف قرن من الزمان . تحدثنا وتحدثنا وتحدثنا وتحدثنا .....، وحاولنا ايجاز الاحداث التي عشناها طوال نصف القرن هذا وضغطها في ساعات ليس الا ...و قلت لها في نهاية اللقاء ضاحكا - اريد ان اكتب مقالة عن احاديثنا هذه، فتعجبت فيرا من ذلك، وقالت - لكنني لا أتميز باي شئ عن الآخرين، فقلت لها نعم، هذا صحيح، وأنا ايضا لا أتميز عن الآخرين، ولهذا السبب اريد ان اكتب ذلك، لان التاريخ يصنعه هؤلاء الذين لا يتميزون بشئ عن الآخرين، اي الناس الاعتياديون، الذين يسجلون- بصدق- ما شاهدوه اثناء مسيرة حياتهم، وان ذلك بالذات هو الذي يجسٌد ويمثٌل حياة (الناس الاعتياديين الآخرين كافة) في كل مكان وزمان في عالمنا الواسع الكبير، والضيق والصغير في آن، سواء كان في العراق أو روسيا أو في أي مكان آخر .

توقفنا طبعا في أحاديثا تلك اولا عند مصائر طلبة شعبتنا في جامعة موسكو آنذاك . كان معنا اربعة طلاب من فيتنام الاشتراكية (كانت هناك دولة فيتنام الجنوبية). اثنان منهما أكملا دراستهما، والاثنان الآخران سافرا الى فيتنام عندما كانا في المرحلة الاخيرة ولكنهما لم يعودا الى موسكو لاكمال الدراسة، وانقطعت أخبارهما نهائيا . قالت فيرا انها التقت (بعد اكثر من عشرين سنة تقريبا من انهاء الدراسة) في موسكو بواحد من الخريجين بالصدفة، وانه أخبرها بان الفيتنامي الآخر(الذي أكمل دراسته ايضا) قد كتب عنهما تقريرا الى السلطات الفيتنامية آنذاك في كونهما لم يكونا متعاونين مع سياسة الحزب الشيوعي الفيتنامي ومنظماته في موسكو، ولهذا تم عرقلة رجوعهما لاكمال الدراسة، وان مصيرهما لحد الآن لازال مجهولا (اي بعد عشرين سنة من ذلك التقرير) . تألمنا بشأن هذه الحادثة التراجيدية طبعا، وتذكرنا كيف انهما كانا من أبرز الطلبة الآخرين، بما فيهم الفيتناميين الاثنين الخريجين، ولم يمارسا اي نشاط سياسي ابدا، وكانا محبوبين ومحترمين جدا من قبل الاساتذة والطلبة جميعا، ويتقنان اللغة الروسية بشكل جيد جدا لا يمكن مقارنته ابدا مع مستوى الاثنين الآخرين، وكانا يتفاعلان بحيوية الشباب اليافع مع الحياة الثقافية الروسية بشكل عام والحياة الجامعية بشكل خاص . قلت لها، انني أعرف بعض الحالات المأساوية المشابهة في بلداننا، حيث كتب البعض من خريجي المعاهد السوفيتية عن زملائهم، وما الذي أدٌت اليه تلك التقارير المأساوية . سألتها عن مصير هذا الذي كتب التقرير، فقالت انه قد تم تعينه ملحقا ثقافيا للفيتنام في موسكو نهاية الستينات، وبقي بمنصبه عدة سنوات، ثم عاد الى الفيتنام في بداية السبعينات من القرن الماضي. سألتها عن الطالب الايطالي، الذي كان يدرس معنا ضمن زمالات الحزب الشيوعي الايطالي، فقالت انه أصبح بعد تخرجه معاديا للاتحاد السوفيتي والحركة الشيوعية بشكل عام في بلده، ولم يتميز بمعرفته العميقة للغة الروسية وآدابها، ولم يساهم بحركة الترجمة من الروسية الى الايطالية كما كان مفروضا ومتوقعا، فقلت لها ان هناك الكثير من المشابهين له بين خريجينا في الجامعات والمعاهد السوفيتية، الذين كانوا (يتاجرون بالافكار الاشتراكية!) وبشكل هائل اثناء دراستهم في الاتحاد السوفيتي، وان أحد أصدقائي المرحين كان يصف هذه الظاهرة بانها (تحوٌل فكري جذري يحدث في الطائرة من موسكو الى بغداد !). سألتني عن غازي العبادي وناشئة الكوتاني، اللذين كانا في شعبتنا، فقلت لها ان غازي العبادي قد توفى منذ فترة طويلة، وانه اصبح قاصا وروائيا معروفا في العراق وصحافيا مشهورا ومترجما عن اللغة الروسية، واصدر العديد من الكتب القصصية والروائية، وانني كتبت عنه عدة مقالات، أما ناشئة الكوتاني، فانها عادت مرة اخرى الى موسكو بعد تخرجها، وحصلت على شهادة الدكتوراة في اللغة الروسية من جامعة موسكو، وان استاذتنا المرحومة البروفيسورة فالنتينا بروخوروفا كانت مشرفتها العلمية اثناء دراستها في قسم الدراسات العليا، وهكذا اصبحت ناشئة الكوتاني استاذة لامعة ومتميزة في قسم اللغة الروسية في كلية الآداب بجامعة بغداد في السبعينات، بعد حصولها على شهادة الدكتوراه من جامعة موسكو، الا انها اضطرت ان تترك العراق مع عائلتها في بداية الثمانينات أثناء الحرب العراقية – الايرانية، والاوضاع العراقية الرهيبة والمتشابكة آنذاك، وسافرت الى لندن، وبقيت هناك لحد الآن واصبحت مواطنة انكليزية ولكنها احتفظت طبعا بصفاتها وروحيتها وشخصيتها العراقية الاصيلة والمتميزة، واحتفظت باختصاصها ايضا، اذ انها أخذت تعمل في مجال تدريس اللغة الروسية هناك.

سألت فيرا عن حبها المتوهج والعظيم للشعر الروسي في تلك الايام الخوالي، وخصوصا ليرمنتوف، وهل لازالت محافظة على هذا الحب ؟ قالت نعم، لكن ليرمنتوف قد تراجع قليلا في روحها وقلبها، مقارنة مع أيام الدراسة في جامعة موسكو قبل نصف قرن، عندما كانت الرومانسية مسيطرة عليها، ولكنها لازالت مندهشة امام ابداعه العظيم، ولم تفهم لحد الان كيف استطاع هذا الضابط الروسي الشاب ان يصف الارض متوهجة باللون الازرق في بداية القرن التاسع عشر في احدى قصائده، وهو ما أكٌده رجال الفضاء في نهاية القرن العشرين، عندما شاهدوا كرتنا الارضية وهم يحلقون في أجواء الكون والفضاء، ولا زالت لا تستوعب كيف وصف ليرمنتوف كل احاسيس الحب الانساني واعماقه وهو في ذلك العمر، اذ انه عاش 27 سنة لا غير . قلت لها باني لم انتبه فعلا الى تلك الكلمات، التي وصف ليرمنتوف فيها الارض وهي تتلألأ باللون الازرق، وانني سأشير حتما الى ملاحظتها الدقيقة والعميقة والجميلة هذه حول ذلك، واعتبرها اضافة نوعية وجديدة واصيلة الى الدراسات النقدية والتحليلية حول ابداع ليرمنتوف، واخبرتها بأني كتبت مقالة عنه ونشرتها، وأشرت في بدايتها الى اندهاشي ايضا من كونه قد استطاع انجاز كل تلك النتاجات الابداعية ضمن هذه السنوات القصار . قالت فيرا انها كانت تحلم ان تكتب بحثا بعنوان (بوشكين وليرمنتوف والحرب)، وانها ارادت ان تقارن موقفهما من ظاهرة حياتية كبيرة في تاريخ روسيا، وانها لازالت تعتقد ولحد الآن، ان ليرمنتوف اكثر واقعية وعمقا في وصفه للحرب من بوشكين، فسألتها – ولماذا لم تكتبي هذا البحث ؟ فقالت مبتسمة، ان الحياة عرقلت كل تلك الاحلام الادبية يا ضياء، وانا الآن – في هذا العمر - لا استطيع تحقيق هذا الحلم، وضحكت فيرا وأضافت – (لكني رجعت نهائيا الآن الى بوشكين – النبع الخالد والصافي للشعر الروسي، ولا زلت أقرأ بين فترة واخرى رواية بوشكين الشعرية (يفغيني انيغين) واتمتع بها، وقد قرأت مرة الفصل الاول من تلك الرواية عن ظهر قلب امام أصدقائي، وقد اندهشوا وهم يستمعون اليٌ وكذلك اندهشت انا ايضا، لأني لم اكن اعرف اصلا باني قد حفظتها عن ظهر قلب نتيجة تلك القراءة شبه الدائمة !). سألتها عن ماياكوفسكي، والذي أتذكر انها كانت تتغنى باشعاره بعض الاحيان وتستشهد بها فقالت - نعم، كنت معجبة به وبمواضيعه المتفردة والمدهشة والغريبة، ولكني ابتعدت عنه بالتدريج، وأعتقد انه انتحر فعلا (عندما وصل الى عمر بوشكين !)، وليس مثل يسينين الذي اظن انهم قتلوه ولم ينتحر، وسألتني فجأة – هل تعرف قصائد روبتسوف الذي قتلته خطيبته؟ لقد كان ايضا بذلك العمر. قلت لها لا اعرفه ولم اسمع به، فتعجبت من جوابي، ثم قالت متذكرة – (ها، لانك تركت روسيا في ذلك الوقت) .

حديث فيرا استمر طويلا، اذ تشعب الكلام عن مسيرة الادب الروسي، وربما يتطلب مني ان اكتب حلقة اخرى حول هذا الحديث الممتع والرشيق، لهذا اتوقف الان، واختتم هذه المقالة بشئ ما عن روبتسوف الذي أشارت اليه فيرا .

ولد نيقولاي ميخايلوفيتش روبتسوف عام 1936 وتوفي عام 1971 / أول ديوان له صدر عام 1962 بعنوان – (امواج وصخور) بشكل سري / أصدر بعدئذ أربعة دواوين عن طريق دور نشر رسمية وهي – ليريكا 1965 / نجم الحقول 1967 / الروح تحتفظ 1969 / ضجيج الصنوبر 1970 /،وصدرت بعد وفاته دواوين – الأزهار الخضراء والسفينة الاخيرة والثلج الاول والسنونو وغيرها .. كتب عنه بلاتونوف ما يأتي –

.. علاقة الاحترام والحب تجاه القرية، وتقبٌل الانسان للطبيعة بتناغم متكامل، والاخلاص للبيت والوطن والمٌثل الروحية للاجيال الروسية السابقة – كل ذلك جعل شعر روبتسوف استمرارا متوازيا لشعر يسينين، وقد امتزج هذا الشعر بقصائد توتشيف وفيت وبونين ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

كبس وكر سري شيوعي عراقي (وثيقة)

في بداية شباط 1955 وصلت معلومات الى الاجهزة الامنية الملكية (مديرية التحقيقات الجنائية) معلومات عن بيت حزبي سري للحزب الشيوعي العراقي المحظور في حينها، فأعدت حملة لكبس البيت واعتقال من فيه ونصب كمين بداخلة لاعتقال القادمين للبيت (الوكر)، وقد أعد محضر بعملية الكبس وما تبعها من اعتقالات واحالة المعتقلين الى المحكمة المختصة ابتهاجا بتحقيق ضربة لتنظيمات الحزب في بغداد، ونشر المحضر في احدى الصحف العراقية في حينها، وبنفس أسلوب نشر الموسوعة التي اصدرتها التحقيقات الجنائية عام 1949 بعد اعدام قادة الحزب، حول اعتقال قيادات وكوادر الحزب وافاداتهم اثناء المحاكمة والتحقيق .

نعيد نشر هذا المحضر كوثيقة لها اهميتها للمختصين والباحثين واصحاب الشأن:

محاكمة اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي السري تفاصيل اكتشاف الوكر في محلة الطاطران والقاء القبض على اعضائه اتصف كشف الجهات المختصة الوكر الشيوعي في محلة الطاطران بأهمية خاصة حيث ثبت لدى المسؤولين بان هذا الوكر هو اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي السري في بغداد وقد انعكس صدى هذا الكشف في الصحف العربية والعالمية التي اعتبرته ضربة قوية توجهها الشرطة العراقية ضد النشاط الشيوعي في العراق .

يقع الوكر في الدار المرقمة 68 ـ 148 في محلة الطاطران التي تحتوي على ثلاث غرف اثنان منها في الطابق الأعلى والثالثة في الطابق الأسفل. وقد القي القبض في حينه على كل من عبد الله علك ومهدي عبد الكريم وكريم احمد وغريبة عبود ورسمية عبد الجبار وعدنان احمد الدبو ويحيى حسن ويس وعبد علوان الطائي وحمدي فؤاد وخضير عبود لفتة والآنسة حياة النهر (طالبة) والآنسة آمنة النهر (طالبة) وتحسين حسين وخالد محي ومحمد جواد اسماعيل الملقب ـ سامي سيدهم ـ .

وتفصيل الحادث ان شرطة التحقيقات الجنائية أخبرت بوجود نشاط شيوعي في محلة الطاطران ينظمه البيت المذكور فاتخذت الاجراءات الخاصة بالكبس والتوقيف ثم جردت حملة من مفوضي وافراد شرطة التحقيقات يصحبهم حاكم تحقيق الرصافة الشمالي ومختار المحلة .

وحين كبس الدار عثر على كتب ومناشير شيوعية كثيرة مع 3 طابعات ثم القي القبض على كل من عبد الله علك ومهدي عبد الكريم وكريم احمد وهو معلم في كويسنجق سابقا وقد حكم عليه من قبل المجلس العرفي سنة 1949 وهو يمت بصلة النسب الى الشيوعيين الخطرين حميد عثمان وعثمان خوشناو وغريبة عبود زوجة عبد الله وارسلوا مخفورين الى الدائرة المختصة .

لقد تحقق لدى المسؤولين خطورة هذا الوكر فلذلك نصبوا كمينا في الدار فأسفر ذلك عن القبض على بعض الذين اعتادوا الاتصال بالدار لأغراض حزبية. وفي الساعة السابعة والنصف من يوم 1 / 2 / 955 حين كبس الدار المذكورة حضر شخص يرتدي معطفا داكنا وهو يركب دراجة هوائية فطرق الباب ثم دخل وعند تفتيشه من قبل الشرطة وجد بحوزته 500 منشور شيوعي وبعض رسائل الاتصال الحزبي وفي العاشرة والنصف ليلا من اليوم المذكور قدم الى الدار كلا من خالد محي وزوجته رسمية عبد الجبار فقبض عليهما في الحال وارسلا الى الدائرة المختصة وفي اليوم التالي وفي الساعة العاشرة والنصف قدم الوكر عبد علوان الطائي الصادر بحقه أمر القاء قبض وعند مشاهدته افراد الشرطة حاول الهرب فانذر بالوقوف فلم يذعن ثم اطلق عليه عيارة نارية اصابته في رجله وقبض عليه ولدى تفتيشه وجد بحوزته 54 رسالة حزبية مع تصاوير لقادة الاحزاب الشيوعية في العالم ومن جملتها صور ليوسف سلمان ـ فهد ـ ومحمد زكي بسيم ـ صارم ـ ومحمد حسين الشبيبي ـ جهاد ـ الذين اعدموا في عام 1949 وفي الساعة 30ر3 بعد ظهر ذلك اليوم حضر الوكر ايضا سامي سيدهم فقبض عليه وفي الساعة 20ر6 حضر الوكر المهندس جبار مجيد عوض فقبض عليه وقد فرج عنه اخيرا بكفالة وفي الساعة 45ر7 حضر الوكر سيد كاظم حمزة وزوجته فقبض عليهما ثم اطلق سراحهما بكفالة ضامنة .

ونظرت محكمة جزاء بغداد الاولى يوم أمس في هذه القضية فاستمعت المحكمة الى عدد من الشهود ثم أجلت الى يوم آخر للاستمرار في الاستماع الى بقية الشهادات وكانت المحاكمة قد جرت في جلسة سرية لم يسمح للصحفيين بدخولها . بغداد / 19ـ 12ـ 2015

 

خالد حسين سلطان

 886-sh

زحامٌ وأسبرين عند بوّابة نقطة التفتيش .. "يومٌ كبقية الأيام في بغداد"

jawadkadom gloomاعتدتُ ان ألازم بيتي فهو جنّتي الصغيرة التي ألوذ وأستكين بها بعيدا عن الصخب وهيستريا المفارقات والفوضى الغريبة الاطوار والمتعددة الطراز وحالات غياب السلطوية وإشاعة "الأناركيزم"، ولو كان السيد باكونين عميد الفوضوية معي لشابَ رأسه عجبا وكفر بفوضويته؛ وكيف لي ان اخرج منها تلك جنّتي وبيتي وهذا الجحيم يحيط بي من اية جهة يممتُ وجهي اليها،لذا صار الكتاب اقرب المقرّبين اليّ وكأني مصاب بداء حبّ الكتاب "الببلومانيا" او كما يسمى ايضا "الداء اللذيذ" وكلما قفزتْ في عقلي فكرة ما أتركه غير مودّع ليبوح قلمي مافي داخلي وأسطّره على الورق وحالما انتهي من الكتابة أعود اليه معتذرا عن مدة غيابي قصرتْ ام طالت، ولايدفعني ايّ حافز للخروج الاّ للضرورات القصوى أو مثلما يقول أصدقاؤنا المصريون "الشديد القويّ"

خرجت مرغما لاستلام مرتّبي التقاعدي وشراء ما يلزمني لخلوة بيتية قد تطول اسابيع عديدة فما أقبح الحاجة للمال حتى لو كانت من حقوقك كي تجعلك تغوص في تلك الأوحال والغرائب غير المستساغة ... صدفة وأنا امدّ يدي الى راديو السيارة لتشغيله في غمرة ازدحام المركبات نهار يومٍ غائم معتم بسحاباتهِ السود من تشرين الثاني ينبئ بأمطاره الغزيرة مثل شلالات كثيفة تسقط من السماء لكنها لم تفلح في إزالة وعث المهازل والمباذل والسلوك غير السويّ الذي يصاحبنا اينما اتجهنا وحيثما أزفنا،

رأيت أبناء بلدي الفقراء المهمشين ممن يفترشون الرصيف لعرض بضاعتهم واستغلال حالات الزحام لترويج ما بأيديهم من سلع بائسة شبيهة بحالهم المائل ؛ فهذا يبيع الشاي على ركّاب السيارات المصدّعة رؤوسهم من الانتظار والملل قرب نقاط التفتيش وذلك الشيخ المسكين والمرأة الذليلة والطفل الغائب عن مدرسته يستجدي الناس عبر نافذة السيارة رغم شدة هطول المطر لعل أحداً يرحمه ويغدق عليه عملة بخسة القيمة وعربات المعوّقين تنسلّ بين السيارات لعل حظوة من الدراهم المعدودة تفلت من جيب أحدهم لتستقرّ في يدي هؤلاء المسحوقين من الكثرة الكاثرة من الأرامل والاطفال والفتية والشباب العاطل عن العمل والشيوخ المهملين دون رعاية

كان صفير منبهات السيارات يعلو بامتعاض شديد وصولا الى نقطة التفتيش المرابطة امامي، فتحت المذياع لأخفف من الملل عسى ان تنبعث حكاية ما او مقطوعة موسيقية لتؤنسني من عبء ما انا فيه، اذ لم ينفع معي شريط الاسبرين الذي أصحبه دائما في كلّ خروج من البيت من إزالة الدوار المتسرّب الى رأسي، ومع اني أخذت حبتين منه تخفيفا للصداع الذي يلازمني ويشتدّ بي أكثر أثناء حصول الخناق المروري ؛ فإذا بأغنية لمطربنا العراقيّ سعدون جابر تلاعب أسماعي ومنها هذا الدارمي الجنوبيّ الجميل بصياغته الشعرية :

"ماأرجهْ بالصفصاف يطلعْ ثمرْ بيه .. وآنه على چيد اعدايْ ازرعْ وباريه "

وهو من صياغة الشاعر الشعبيّ البارع عريان السيد خلف ؛ قلت في نفسي متسائلا وأنا أشغل نفسي لعل الوقت يفوت خفيفا ؛ لماذا الاستهانة بهذه الشجرة المباركة التي جعلها الله عقارا ناجعاً ومنها ابتكر علماء الطب والصيادلة والكيمياويون علاج الاسبرين الذي استخدمته توّا حتى صار أليفي؛ ولماذا لم تُنصف تلك الشجرة المورقة على مدار السنة لتقدّم خدماتها الشافية وتمنح عافيتها لمن تفاقم الالمُ في جسده ولعبت به الحمّى وحرارة الجسد وجعلته موطئاً لأوجاعها وتبثّ فيه الوهن والصداع وارتخاء العضلات وضمورها

وكم كان الطبيب الإغريقي النطاسيّ "ابيقراط" مصيبا حينما شعر مرّةً بالوهن والصداع وزيادة سخونة الجسد فدلّه عقله الثاقب الى شجيرة صفصاف قريبة منه واخذ يمضغ من اوراقها حتى شعر بالعافية تعود مجددا الى جسمه ... وقبله كان المصريون الفراعنة يخرجون لحاء الصفصاف مع خصلة من اوراقه ويغمرون المزيج بالماء نقيعاً مطبّباً ويتركونه أمدا غير قصير حتى يكون جاهزا للشرب كعقار لمعالجة أمراض الحميّات والصداع وآلام الرئتين وتحسين جهاز التنفس لوفرة مادة " الساليسلك " فيه واستمرت الجهود حتى تم تحضير مادة الصفصافين النفيس الغالي الثمن من تلك الشجرة البلسم بعد عمليات مختبرية معقدة حتى جاء الصيدلاني البارع " فردريك هايدن " واخترع حامض الصفصافيك الزهيد وصار في متناول ايدي الناس ؛ فقرائهم وأثريائهم ثم جاء الطبيب الالماني " فيليكس هوفمان " الذي عمل على انتاج حبّة تابلت طبية مستخرجة من تلك الاوراق لتقضي على الحمّى وتخفف الالم عند الانسان المصاب وتكافح التخثّر في الدم وتجعله يسيل في انحاء الجسد منعا لحدوث الجلطات المميتة وأطلق عليها اسم "الاسبرين " والتي أشاعته عالميا شركة " باير " الطبية الشهيرة ... لكن شاعرنا الغرّيد عريان السيد خلف كاتب كلمات الاغنية قد تناسى بلسمها الشافي المُعافي ويأبى ان يقرّ به معيبا عليها انها لا تثمر ولا يرجى منها طعام ؛ وهل انفع للمرء ثمرا نأكله ليقيم الاوَد ويسد الرمق لفترة وجيزة ام دواء ناجعا يشفينا ويعيد الينا نشاطنا ويبرز صحتنا لوقت دائم؟؟!

حسنا من شاعرنا المبدع الكبير عريان ومطربنا المجدّد سعدون جابر انهم يرعون ويبارون هذه الشجرة الشافية عسى ان تخفف عنا صداع مانعاني منه من زحام مروري لايرحم ونقاط تفتيش خانقة خاصة في ايام ذروة الشتاء وغيثه الغزير الذي لم يستطع على كثافته وانهماره المفرط من ان يغسل مفاسدنا وينصع قلوبنا ويروي ظمأنا الى الامن والسلام وراحة البال بل زادنا غرقا وفاض بنا كيل الهموم حتى طفح في باحة بيوتنا وانسلّ فائضا في حجراتنا ومرافق بيوتنا كلها ولم يكن لنا من بدٍّ الاّ ان نرتقي على السطوح والغرف العليا لنأمن شروره وطغيانه

أوووه اين ذهب بي خيالي الجانح ؟؟ أهكذا كانت الاغنية الشعبية فعلت فعلها بي وأدخلتني في متاهات الداء والدواء وعربتي تمشي مشي السلحفاة وها اني اقترب من نقطة التفتيش كي أفلت من خناقها وانطلق الى مبتغاي فقد أزف الكثير من الوقت وانا مازلت لم اتجاوز بوابة التفتيش التقليدي البدائي والتي يأبى مسؤولونا الأمنيون الاستعانة بالأجهزة والمبتكرات الحديثة السونارية لسبب لاأدريه بالضبط وأهجس واتمنى ان يكون هاجسي في غير محله فربما القصد منه تعطيل مصالح الناس وبعث التذمر في نفوسهم وزيادة بلواهم والاّ فما الداعي الى هذا الإجراء غير الموفق مادام الإرهاب يسرح ويمرح ويقتل ويسفك ويطيش مثلما تنتشر ايضا الجريمة المنظمة ورجال العصابات والخاطفون يتحرّكون بكل حرية بين ظهرانينا

وصلت الى مقصدي متأخرا دون ان تتلمّس أناملي وتتحسس قرقعة دنانير مرتبي غير الوفير فقد اغلق شبّاكا السحب والإيداع في المصرف لأعود خالي الوفاض الى جنّتي الصغيرة وحمدت الله على سلامة الوصول رغم المنغّصات الجمّة التي أثقلت كاهلي والافكار التي سرحت بي بعيدا ؛ على ان أعيد نفس الكرّة والفرّة والدورة المرهقة غداً محاولا إقناع نفسي وتطييب خاطرها مرددا ماقاله السابقون "وان غدا لناظرهِ قريب" فلا الأباعد اقتربوا ولا ذوو القربى رحموا وللهِ في خلقهِ من ابناء وطن القهرين لا النهرين شؤون وشجون أعجز من ان تُحصى

 

جواد غلوم

مسيرة نادل من تونس

alarabi benhamadiهو حي حديث، تأسس منذ ما يقرب من عقدين، بناءه لم يكتمل بعد، يفتقر إلى عديد المرافق الحيوية، فضلات البناء منتشرة في غالب أرجاءه، غالب سكانه من الطبقة الوسطى، جزء منهم من الجالية المهاجرة، لذا فهناك عديد المساكن المغلقة أو المسوغة، ولولا قطار الاحواز و لولا قرب هذا الحي من البحر الباعث للحياة والزهو ولولا إطلالة جبل بوقرنين المكسو أشجارا خضراء أزلية والحافظ لإسرار أبدية لما تمدد هذا الحي في كل الاتجاهات وبقي منكمشا على نفسه. اخرج كل صباح من منزلي الكائن بنهج صغير تحت مسمى دمشق، قاصدا دكان تاجر صغير للمواد الغذائية، متقاعد منذ بضع سنوات من سلك الأمن، لاقتني صحفا وبعض المستلزمات الصغيرة إن لزم الأمر. أول ما يعترضني، على يميني، وانا ادخل نهج اللاذقية المتقاطع مع نهج دمشق، العم بشير، قابعا داخل دكانه المتفرع عن منزله حيث يقيم فيه صحبة زوجته المريضة بالسكري وابنه المتزوج من موظفة بالشركة العقارية للسكنى، ما يفسر، حسب ما يروج، وجود منزلهم في ركن يفتح على شارعين رئيسيين من الحي!. يجلس العم بشير، الشيخ الثمانيني، فوق كرسي ساعات وساعات وهو يحدق في أقفاص الطيور المعلقة في مدخل الدكان من جهة اليسار بينما تعبث يده بسبحته وبجانبه مذياع جامد في محطة إذاعة الزيتونة للقران الكريم، فتختلط أصوات العصافير بالقرآن المنبعث من راديو الترانزيستور، فهو مغرم بالطيور، يشتريها للمتعة والمتاجرة، ولا يبرح دكانه إلا ليدخل منزله أو يذهب للمسجد المحاذي، تاركا الباب مفتوحا إلا من كرسي يضعه في المدخل رغم سابقة سرقة احد عصافيره ... وقد اشتهر في الحي، كذلك، بصيانة الدراجات الهوائية التي جعل من دكانه ورشة لها. غير أن عدد زبائنه قليل للغاية، لعدم الاختصاص وفقدان الحيوية المطلوبة نظرا لكبر سنه واستفحال مرض السكري . وبقدر ما هو لطيف مع الجيران الذي يرد على تحياتهم بأحسن منها، فهو جاف مع الحرفاء، فلقد صرخ مرة من المرات في وجه أستاذ فيزياء جاء ليصلح دراجة ابنه قائلا: آلم تجد إلا هذا الوقت لتأتيني فيه، آلا ترى أننا نقترب من صلاة الظهر؟ ومرة قذف على طول يده بمنفاخ دراجة لأنه لا يضخ ما يكفي من الهواء، ومرة أخرى غضب على شيخ فقير لأنه لم يكن قادرا تسديد سوى دينارين عوض ثلاثة، مقابل رتق ثقبين بدراجته حيث توجه باللوم قائلا: لا تدفع لي شيئا ورح في حالك او ادفع ما تريد! مضيفا:لولا تعفن جو المقاهي والكفر وسب الجلالة داخلها، لما وجدتني هنا أمارس هذا العبث! ...وتردد بعض الألسن الطويلة أن العم بشير لا يحسن إلا رتق و نفخ الدرجات!. أصبحت أجالسه من حين إلى آخر، بعد أن كنت أمر مرور الكرام من أمام دكانه محيأ، فعرفت انه قضى زهرة شبابه وكهولته متنقلا بين مقاهي باب البحر بالعاصمة، كنادل، إضافة إلى فترة قضاها مع السيد الهادي نويرة الوزير الأول السابق كمساعد في نفس اختصاصه، وفترات أخرى متقطعة قضاها كحافظ خزينة بمقهى قبالة شارل نيكول ونادل في مطعم (لمباسادور) وغيرها . حدثني كذلك عما بقي في ذاكرته من أحداث الحرب العالمية الثانية، وهو في سن السادسة، قائلا، إن الألمان كانوا يشترون منا فطائر البباروني الموشاة بالسكر ويدفعون لنا المقابل وزيادة، متمثلا في أصناف من طوابع الشكولاطة، كما ينزلون إلى الأحياء الشعبية الريفية بمسقط راسي بحثا عن البيض سائلين: فاطمة هل لك بيض؟ ولا يخفي إعجابه بتصرفات وسلوك الألمان مقارنة بغيرهم، وهو شعور لمسته عند جل التونسيين الذين عايشوا فترة الحرب تلك. فالألماني في الخيال الشعبي، جنوبا وشمالا، هو رجل شجاع وذكي ومثالي في سلوكه والصناعة الألمانية هي الأفضل عالميا. قضى العم بشير، إذن، ثلث قرن متنقلا بين مقاهي باب البحر قبل الحماية بقليل وبعد ذلك. يقول كنت ادخل مقهى باريس بالعاصمة في مظهر جذاب كالعريس، واضعا رباط عنق نوع فراشة، وكأني متجه إلى حفل رسمي،أما غالب الحر فاء والرواد، في ذلك الوقت هم من الأوربيين أو اليهود الذين لا يبخلون عنا بالبخشيش الذي يغني في كثير من الأحيان عن مرتباتنا الشهرية، وكان مقهى باريس العريق لا يكتفي، في ذلك الوقت، بتوفير المشروبات المختلفة للزبائن بل يتعدى ذلك إلى عديد المأكولات الجافة المتكونة أساسا من أرقى أنواع اللحوم والسمك وغيرها مما لذ وطاب. لكن بقدر انضباط النادل في تلك المقاهي الفاخرة و التاريخية: مقهى باريس، الروطاند، شي لوناقر وغيرها، فانه لا يبخل على نفسه أثناء العمل من تذوق بعض المشروبات الروحية، من حين إلى آخر، كمقدمات، في انتظار الجلسة الرئيسية مع نهاية العمل. عندها يغير العم بشير هيئته بهيئة أخرى لا تقل أبهة، فتراه يتبختر بباب البحر في جبة قمراية أو استكرودة أو حرير، متوجها إلى حيث اللهو والشرب، وصرح انه في إحدى المرات ضبطني عرفي وانأ ارفل في لباسي الفاخر، فرفع صوبي يديه مازحا ومتوعدا:يا شقي انك تلبس أفضل من عرفك!. ولا يزال العم بشير يحتفظ على البعض من هذه الملابس إلى اليوم في خزانته، كما يواصل العناية بمظهره رغم انه دخل مرحلة العجز. يشكو ويتألم العم بشير من حال المسلمين، اليوم، الذين يقتلون بعضهم بعضا بتحريض من الأمريكان واليهود، فعوض قتل الكفار واليهود كما أوصى بها الرسول والدين، فهم يفجرون أنفسهم في بلاد الإسلام ويدعون أنهم شهداء، وهو بقدر ما يستنكر ما حدث في سوسة وباردو وغيرها من أعمال إرهابية، لا يرى حرجا مما يحدث من إرهاب في الدول الغير إسلامية، لكنه بالمقابل يُثمّن كرم اليهود التونسيين والأجانب في علاقة بممارسة مهنته طوال ثلث قرن كنادل في فلب العاصمة التونسية. هو لا يتخلف ولو دقيقة عن القيام بالصلوات الخمس، ساعده في ذلك، قرب المسجد الذي لا يبعد أكثر من خطوتين من منزله. وكلما يتذكر سنوات اللهو والمرح يردد: ربي يغفر ويسامح رغم أني لم اظلم ولم أمس أحدا بسوء، كل ما فعلته أنني عشت لنفسي ولم ابخل عليها بما توفره الحياة. والواقع أن مسيرته لا تختلف عن جل الناس الذين في سن معينة يغيرون مجرى حياتهم و ينتقلون من اللهو إلى العبادة، ففي حين تتصرف الغالبية منهم باعتدال وتسامح بقية أيامهم، ينقلب البعض منهم على أنفسهم فيصبح جزء من حياتهم عدو للجزء الآخر، وقد يكون هذا التغيّر عنيفا لدى البعض فيصبحون عدوانيين. عمي البشير لا يتمتع بمعاش كبير فهو يتلقى منحة شيخوخة محدودة نتيجة ثمرة عمل ثلاثة عشر سنة بمقهى الروطاند، أساسا، ما يفسر سعيه الى تحسين وضعه عبر صيانة الدرجات، ما مكنته صحته ومزاجه من ذلك الذي يطغى عليه الحمق بفعل السكري الذي قد يكون في علاقة مع طبيعة عمله بمقاهي باب البحر بالعاصمة طوال ثلث قرن. هذا الرجل قد يكون أفادني أكثر مما أفدته وقد يكون قد كشف عن المهم دون أن يفصح على الأهم. العربي بنحمادي كاتب من تونس

القيصر اسمه كاظم

firas amdaniكانوا يحتلون القصور هم قياصرة الروم وحين مضوا اندثرت معلم وجودهم وتلاشت تلك القصور ولم يتركوا لهم في قلوب الناس من أثر، وهناك من هم قياصرة في القلوب وآثارهم فيها باقية لا تزول، وعلى هذا فالقيصر ليس هرقل الروم وهو ليس حاكم روما القديمة، القيصر أسمه كاظم مالك قلوب الناس .

ولد في بلاد يقال لها بلاد الحضارات وهي كذلك ومن بيئة تحمل في عنفوانها إرث تلك الحضارات الشامخة ومنها حضارة بابل التي تركت الطين والأنين ليعتصر وجعا تلوكه الذاكرة كلما اشتدت الخطوب وإدلهمت وزادت المخاطر، هو صورة عن الموصل التي أحب وغنى وبكى وعشق في أنحائها وسار في طرقاتها وتمعن في صورتها على موج الشط المتهادي من سدها العظيم مرورا بأفياء الشجر لتبقى تلك الصورة تتحرك معه حيث حل، بينما هو من كل بلاد العراق مدينة وقرية وأخرى حتى انه تعشق معنى المدن هناك فكانت سامراء الرائعة والتي سموها (سر من رأى) لجمالها وتاريخها وطيبة أهلها وكانت بغداد قلعة الأسود ومنارة العلم والعلماء و ميسان السومرية والبصرة الفيحاء وكل مدن وقرى ما بين النهرين .

ذلك هو كاظم الساهر الذي يئن في داخله وجع وطن تركه في التسعينيات وهو يحن إليه وكلما غنى في مكان كان يأمل أن تصل كلماته إلى أسماع محبيه في العراق، وبرغم إن إمبراطوريته إمتدت إلى أنحاء متعددة في العالم وأنضم إليه المزيد من المحبين وإجتمعت على سلطنته الملايين من القلوب لكنه بقي يرجو أن يكون من أهم أبناء إمبراطوريته عشاقه العراقيون الذين يتذكرون منه تلك الكلمات في بداياته وكانت كلمات جميلة وحقيقية ما تزال في الوجدان والروح والذاكرة لا تزول ولا تندثر وتترك الأثر تلو الأثر فكأنها حضارة قائمة بذاتها مبتكرة مبدعة تعبر عن فن وفكر ورؤية وروح عالية ملهمة.

نشأ الفنان كاظم الساهر في البيئة العراقية القاسية وواجه تحديات العمل والحرب والسياسة وهو شاب يافع وكان يطمح في الوصول إلى مستوى من الحضور والإبهار لكنه جوبه بتحديات كبيرة أوقفته في بعض المحطات ليراجع مسيرته وطبيعة محاولاته ليكون قويا في اللحظة التالية ويبتكر لنفسه طريقة ألهمت الآخرين فيما بعد برغم كل العوائق التي واجهته ومحاولات البعض لتعطيله ونقده بشكل يبدو إنه مقصود لوقفه وليس لتقويمه وهي محاولة بائسة كشفت عن زيف هؤلاء ورجعيتهم وتصدع أفكارهم وفشلهم الذريع في العمل النقدي الذي حولوه إلى مساحة يتبارون فيها لا للتقويم بل للتهديم والتعطيل والتحطيم، فشلت في تحجيم قدرات الفنان العراقي الذي أبدع بإبهار لافت وغادر مساحة المحلية ليكون موسيقارا عربيا ملهما للأجيال ثم علما ومحكما وهو المستوى الذي يكون فيه الفنان الحقيقي قادرا على تقويم وتقييم الخيرين ونصحهم ودعمهم ودفعهم إلى مزيد من العطاء والإبداع، وهذا ما شاهده الملايين من متابعي (ذا فويس) .

يظهر القيصر اليوم ليس كفنان يؤدي الغناء الحديث بمهارة بل هو صوت العراق يعبر بطرق مختلفة عن قدرات وطنية لا تنتهي وتتصاعد وتتجدد وتنتشر وتفتح آفاقا جديدة لوطن يبحث عن فرصة إلى المستقبل وطريق يؤدي إلى الأمام يتجاوز المصاعب والتحديات والهموم والعذابات ويحيلها إلى أداة قوة وحضور ونهوض، فالعراق يحضر اليوم في كل مكان بفضل مبدعيه من فنانين تشكيليين ومسرحيين ومغنين وأطباء ومهندسين وكتاب وصحفيين يشرعون في كل ساعة لينتجوا ما يبهر العالم وحتى اللهجة العراقية التقليدية أخذت طريقها إلى مسامع وقلوب الجماهير العربية التي صارت تحب سماع تلك الكلمات بصوت القيصر الساهر وتتعود عليها بأصوات آخرين بعد أن أسس كاظم لها حضورا في الوجدان والعقل العربي الجمعي الذي صار يعرف الكثير عن العراق ويأمل في نهوضه وعودته إلى مكانته الطبيعية الإنسانية والحضارية.

 

فراس الغضبان الحمداني

 

بمناسبة ذكرى رحيل أيقونة العراق الموسوعية

zaheed albayatiبعد 46 عاما على رحيله ما زال الراحل مصطفى جواد حارسا للغة العربية

بعد مرور نحو نصف قرن على رحيل ايقونة العراق الموسوعية، ما زالت اللغة العربية تفتقد حارسها المخلص الأمين مصطفى جواد الذي ودع الحياة في 17 / 12 / 1969 ولا نريد اعادة سرد تلك المعلومات المكررة هنا بقدر محاولة لقراءة جواد من خلال عيون الآخرين واقوال نخبة من العلماء والاكاديميين والكتاب بدءا باستاذه "طه الراوي" الذي كان أول من أهداه كتاب المتنبي لما وجده يحفظ له قصيدة طويلة بساعة واحدة وبصوت شعري سليم بأوزانه، ومنها بدأ يشق طريق التألق والابداع والشهرة عبر محطات ليست يسيرة فكانت محطة الأب انستاس الكرملي مدخلا الى مكتبة ضخمة غنية بالمراجع والمخطوطات الى جانب صفحات "مجلة العرب " قبل الرحيل الى اروقة جامعة السوربون الشهيرة .. ليواصل ابداعه في اكثر من مجال بعد عودته حتى اصبح ما عليه نحاول الوقوف على ما قيل فيه :

882-zahid

-وصفه شيخ بغداد العلامة الراحل د. حسين علي محفوظ :

كان مصطفى جواد مرآة تاريخ بغداد، ومرآة خطط بغداد .. و يعد من فلاسفة النحو العربي، وهو من أعلام المؤرخين وأكابر المحققين. لا بل هو في الطراز الأول في العربية والتحقيق والتاريخ، استاذ الكل واليه تنتهي المعرفة في اللغة والتاريخ في عصره.

 

- الشاعر الراحل مصطفى جمال الدين رثاه بعد وفاته بقصيدة رائعة قال فيها:

ضاحٍ على وهج الحروف توقدا هيهات يُطفئ لمحَ عينيه الردى

ومحطمٌ سُدَفَ الخلود بروحه هل كيف يلقاهُ رتاجاً موصدا

يا حارس اللغة التي كادت على صدأ اللهى أن لا يرنّ لها صدى

هبّت عليها الحادثات فلم تدع غصناً بعاصف حقدها متأودا

فأقام محنتها على حيث إلتقى بيديه صحو الأمس يبلغها الغدا

 

- رئيس المجمع العلمي العراقي الاسبق الراحل الدكتور عبد الرزاق محي الدين قال فيه:

مصطفى جواد رجل في مجمع ومجمع في رجل .. لقد أولدك العراق فكنت من انجب ابناءه راعيا لطامس اثاره وكاشفا عن دارس اخباره،وتبنتك العربية فكنت من اكرم ابنائها برا بها وحدبا عليها بل كنت من صفوة الصفوة ولب اللباب .

 

- شيخ المؤرخين العرب الراحل د. حسين امين تحدث عنه:

مصطفى جواد عراقي اصيل، رجل صريح، صادق الكلمة، لا يخاف من احد، وصرح انه من قرة تبة، وانه تركماني الاصل الذي جمع بين الاصل التركماني والابداع اللغوي في العربية ذلك الابداع الكبير ..مصطفى جواد النبتة اليانعة، المؤرقة، المثمرة، التي اعطى للعربية الكثير من الابداع والتطوير والازدهار، و يستحق من الدولة ان تكرمه ومن الشعب ان يذكره، دائما لما قدمه للثقافة العربية من علوم رائعة .. شخصية نادرة أنجبته العراق، ولا يزال العراق يفتخر بمصطفى جواد، ويعد رمز من رموز العراق الكبيرة ..

 

- النحات الراحل محمد غني حكمت الذي يحتفظ بقالب جبسي لوجه مصطفى جواد في مشغله منذ وفاته على امل تجسيده في نصب خاص به ورحل قبل ان يحقق أمله تحدث في الفيلم الوثائقي الذي يحمل اسمه واصفا اياه :

ابالغ اذا قلت .. مصطفى جواد جعلني أعشق العراق أكثر، وهو عاشق كبير للعراق، فقد تعلمت منه كيف احب العراق ..

 

- الموسوعة الحرة (وكيبيديا):

مصطفى جواد، علّامة ومؤرخ لغة عربية عراقي. يُعَد أحد عمالقة اللغة العربية البارزين في العراق الذين خدموا اللغة العربية وأسّسوا قواعدها. كان معلما ومربيا ورائدا وأديبا وفنانا وفيلسوفا وعبقريا. وبالرغم من كونه تركمانيا، إلا أنه خدم اللغة العربية أكثر من لغته الأم التركمانية، وقال كلمته المشهورة "جئت لأعلم العرب لغتهم". وكتب العديد من الأبحاث عن اللغة العربية وله مؤلفات حول سُبُل تحديث اللغة وتبسيطها. واشتهر لدى عامة الناس بسبب برنامجه التلفازي والإذاعي اللغوي الشهير "قل ولا تقل"، الذي تم إصداره لاحقا في كتاب.

 

- الراحل الدكتور علي جواد الطاهر قال عنه في أربعينية وفاته:

أمّا مصطفى جواد فليس كنزاً بهذا المعنى المادي، وبهذا المفهوم الضيّق، إنّه كنز ضاع دون أن يستثمر، وتبدد قبل أن يستنفد. لقد ذهب الرجل وذهب الكنز معه، ولا يمكن في هذه الحال ردّ الفائت وتعويض الخسارة.

 

- الكاتب توفيق التميمي دون عنه في الصباح:

مصطفى جواد واحد من اولئك المثقفين العراقيين التركمان الاصلاء. انه من عمالقة اللغة العربية البارزين في العراق الذين خدموها وأسسوا قواعدها وذادوا عن حياضها من اللحن والدخيل الطارئ والشاذ، حتى حاز على لقب اجمعت عليه الأوساط الشعبية والأكاديمية وهو حارس اللغة العربية، فالمرحوم مصطفى جواد كان وما زال رمزا تركمانياً عراقيا خالداً خدم العراق وشعبه طيلة حياته، فكان معلما ومربيا ورائدا وأديبا وفنانا وفيلسوفا وعبقريا، يحق لأبناء شعبه العراقيين بكل تلوناتهم العرقية والدينية الافتخار به..

 

- شيخ الوثائقيين العرب الراحل د. سالم الآلوسي قال عنه:

لم تجتمع في اي شخصية عراقية، كما اجتمعت فيه هذه الصفات كمؤرخ وأديب وعالم في اللغة وعالم في الفلكلور، وعالم في البلدانيات .. هذه هي التي ميزت مصطفى جواد وجعلته مميزا من بين الشخصيات العلمية والأدبية ليس في العراق فحسب وانما على مستوى الوطن العربي..

لم يلمس اي فرد من اصدقائه ومحبيه اي ميل الى اي طائفة، المسيحيون يحبونه،اليهود،الشيعة، السنة، الأكراد يدينون له بالأكبار، وبالاعجاب المطلق، لانه يمثل الشخصية الوطنية العراقية .

 

امام هذا الكم من الكلم الطيب بحق مصطفى جواد من كبار الادباء والمثقفين ليس لنا الا القول في ذكرى رحيله سوى بانه كان حقا انسان بمرتبة عالم، وعالم بمرتبة مواطن .. ومواطن بمرتبة عراقي .. ومثال استطاع تغليب العراقية على العرقية، مجسدا روح المواطنة بأروع صورها .. ما احوج العراق اليه والى نماذج من نوعه في يومنا العصيب هذا؟

 

زاهد البياتي

كاتب وباحث

الحركة الادبية والفنية في قضاء شط العرب (التنومة)

sadam alasadiالادب غذاء الروح وموسيقى النفس ولا تخلو بقعة ارض منه اينما وقعت فكيف بالعروس النائمة على دفء شط العرب – مدينة التنومة فقد تألق هذا القضاء موقعا وسكانا ً وخاصة بعد ثورة 1968 واسباب ذلك واضحة لكل متابع ومنها جامعة البصرة التي كانت في القضاء نشأة وولادة حتى انتقلت بعد ذلك ايام الحرب في الثمانينات وموقع المنطقة القريب من المركز ووجود المنظمات الجماهيرية التي حرصت على قيادة الشباب والاقلام الشابة والتنومة معروفة بشبابها وادبائها ومثقفيها فهي التي خرجت اجيالا تمتد الى اربعة عقود منذ الخمسينات ومطلع التسعينات وهكذا سميت الحركة الادبية في القضاء للأسباب المبينة ولوجود المواهب الادبية والثقافية والفنية .

ولغرض الاختصار اود ان اقسم الاغراض والالوان الادبية والفنية هذا التقسيم:

(بداية الحركة الادبية في مطلع الستينات وحتى اليوم فقد وجد الاديب والمسرحي والقاص والخطيب والشاعر وكذلك الفنان الرسام والخطاط والنحات)

1- فترة الستينات من 59/69 الشاعر عبود عنيد هاشم الذي صدر له مجموعة شعرية وكان الشباب الاوائل طلبة في الاعدادية وبعضهم في المعاهد والجامعة ومن هؤلاء .

- صباح عطوان الزيدي الكاتب المسرحي المعروف في تلفاز العراق

- المطرب رياض عبد الزهرة الذي سمي برياض احمد

- الاستاذ صباح الربيعي المذيع المعروف وخريج قسم اللغة العربية

- السيد قاسم عبد الهادي السواد – خريج الاعدادية شاعر يعمل في النفط

- السيد حسين علي الطيار – خريج المتوسطة

- الدكتور صدام فهد الاسدي – استاذ حاليا في كلية التربية

- الدكتور قصي الشيخ عسكر استاذ في بريطانيا

- عبد الله ياسين شاعر شعبي

 

2- فترة السبعينات من 71/ الى مطلع الثمانينات 1980

كانت نفس الاسماء المشار لها في اعلاه منذ انتقل الكاتب صباح عطوان الى بغداد للعمل في الصحافة وكذلك الاستاذ صباح الربيعي والاستاذ قصي سافر الى الخارج ولم يرجع حتى الان وقد ظهرت بعض الاصوات الادبية والثقافية منها:

- الاستاذ الشهيد حسين زيدان دويج الذي عمل في المنظمات الشبابية وانتمى الى نقابة الفنانين في البصرة وقد استشهد في معركة القادسية عام 1987

- الشاعر الشعبي هاشم مزيد الجزائري . يسكن كربلاء حاليا

- الاستاذ عدنان حميد مشيمش قارئ مثقف وكاتب قصة وخاطرة / معلم قديم

- الاستاذ محمد جاسم بلال المعلم في مدرسة الصمود وهو شاعر ويكتب قصيدة عمودية جيدة ولم يطبع ولم ينشر / حاصل على شهادة ماجستير في العلوم الدينية

- النائب ضابط المتقاعد عبد الرزاق عبد الصاحب النجار يكتب القصيدة الشعبية والفصيحة .

- الرسام والخطاط سامي فهد الاسدي الطالب في مدرسة التنومة ومتوسطة شط العرب والذي خرج من القطر سنة 1971 وتوفي سنة 1995 هو من الفنانين العراقيين المشهورين في الخارج .

- الشاعر الشعبي جبار داحس مزيد الصكر كاسب لم ينتم للتعليم وكان يمثل في المسرحيات التي تعرضها المدارس والكليات

 

3- فترة الثمانينات وما بعدها:

ظهرت اقلام مبدعة وفنانون مقتدرون فهم:

- الرسام المشهور في القضاء ثامر عبد الصاحب خريج معهد الفنون الجميلة والذي كان يعمل في المنظمات الجماهيرية الفتوة والشباب .

- الرسام يوسف قاسم كريم وهو عامل في احدى الشركات .

- المخرج والممثل المسرحي محمد سعيد الذي كان طالبا ً في الاعدادية وقام بأخراج بعض الاعمال في القضاء قدمت اثناء الاحتفالات وخاصة ايام الحرب

- الفنان والمطرب عدنان عذار الذي كان يغني الاناشيد

- الشاعر حبيب سبيط الذي ركز اهتمامه على الاغنية والنشر في الصحف وكتب عنه الشاعر صدام الاسدي عدة بحوث في الانترنت ومؤلفات نقدية كثيرة

- الفنان والعازف شاكر محمود وهو الوحيد الذي كان يهتم بالعود والكمان في تلك الفترة ويلحن للمنظمات الجماهيرية وقد لحن ستة اناشيد خلال المعركة من تأليف صدام فهد الاسدي قدمت في السنوات 82/83/84 .

- الاديب والشاعر حامد مطشر خريج كلية التربية / قسم الرياضيات والذي قدم قصائده على مسرح الجامعة وفي القضاء كذلك .

- الشاعر والمهوس يعقوب مزبان العيداني، رئيس الجمعيات الفلاحية سابقا فهو يقدم بعض الاهازيج في المناسبات الوطنية

 

4- الخطاطون المعروفون في القضاء وهم:

- الاستاذ حسين غضبان المعلم في مدرسة الصمود وما زال

- الخطاط حاتم قدوري الحمد خريج معهد البتروكيمياويات

- الخطاط اسعد رؤوف عسكر شقيق الشاعر قصي رؤوف عسكر وهو شيخ وخطيب يسكن حي الجامعة حاليا .

- عازف العود الفنان سبتي فرحان خريج معهد الفنون

- الفنان طالب كاظم خريج معهد الفنون والمعلم حاليا .

 

تقسيم الالوان الادبية

1- الشعراء: الشاعر الكبير احمد مطر، قصي رؤوف عسكر، قاسم عبد الهادي السواد، صدام فهد الاسدي، محمد جاسم بلال، هاشم مزيد الجزائري، جبار داحس الصكر، حبيب سبيط، عبدالله ياسين (ابو ثائر)، عبد الرزاق عبد الصاحب

2- الرسامون: حسين شويل، يافذ ثامر عبد الصاحب، سامي الاسدي

صلاح مهدي صالح، يوسف قاسم كريم

3- المسرحيون: حسين زيدان دويج، صدام فهد الاسدي، محمد سعيد

4- العازفون : شاكر محمود، طالب كاظم، سبتي فرحان

5- المطربون:

- الفنان رياض احمد، عدنان عذار

6- الخطاطون: الاستاذ حسين غضبان، حاتم قدوري، اسعد رؤوف

7- المثقفون وكتاب القصة: عدنان حميد شميش، عقيل محمد الحامدي

صباح الربيعي، الاستاذ الاديب سالم القرني .

8- الممثلون: حسين زيدان، توفيق كاظم، جهاد احمد، ناصر حسن، صدام فهد الاسدي

 

نشاطات القضاء اثناء الحرب

1- الخطابة والمعارض الفنية: اقيم مهرجان واحد للخطاية داخل قاعة شط العرب شارك بها الاستاذ سامي مدرس اللغة الانكليزية واقيمت معارض فنية بانتصار العراقيين للفنان يافذ ثامر عبد الصاحب والفنان الطالب صلاح مهدي صالح وقد شاركت بعض الفتيات الرسامات في هذا المعرض

2- الخط والزخرفة: اقيمت في قاعة التنومة بع المعارض للخط والزخرفة شارك بها الخطاطون – اسعد رؤوف عسكر وحاتم قدوري والاستاذ الفنان حسين غضبان وكذلك معرض اخر تم على حدائق المنتزه وخلال الحرب ايضا ً

3- المسابقات والفعاليات الفنية: اجريت بين خمسة مادرس عام 1987 ثانوية شط لعرب للبنين وثانوية شط العرب للبنات ومتوسطة الفيحاء المختلطة ومتوسطة ام القرى ومتوسطة القعقاع وقد فازت متوسطة الفيحاء بالجائزة الاولى .

نهاية المطاف: بعد السنوات الثمان من الحرب واهل القضاء بين استقرار ورحيل واياب منقطع تشتتت الحركة الادبية والثقافية وقد انتقل بعض الفنانين والشعراء الى غير محافظة وبعضهم قد ترك الشعر وبقي ينشر في المجلات ومن الذين تركو القضاء ولم يرجعوا حتى الان قصي رؤوف عسكر وصباح عطوان – وصباح الربيعي – وحسين شويل ومحمد سعيد وهاشم مزيد الجزائري ومنهم من ظل يراوح في مكانه دون عطاء مثل الشاعر محمد جاسم بلال ومنهم تفرغ الى العمل الوظيفي وبقي ينشر في الصحف مثل الشاعر قاسم عبد الهادي السواد والشاعر عبود عنيد ولم يذكر له صوت ولا ندري اين ذهب به الزمن .

اما الشاعر صدام فهد الاسدي فهو مستمر في عطائه الادبي يحضر المهرجانات الشعرية الجامعية والمدرسية وما زال ينشر في جريدة العراق اضافة الى ما نشره في جلات الخليج قبل فترة مثل مرآة الامة والمجالس وطبع اعماله الشعرية الكاملة في لبنان ثم سوريا واصدر اكثر من سبعة كتب نقدية (نحت من ضباب) (قلائد نقدية) (البصرة في الشعر العراقي المعاصر) طبع اعماله النثرية في لبنان 2015 ومازال يدرس في كلية التربية الدراسات العليا وحصل على الاستاذية يوم 17/8/2008

ان عودة المنطقة الان خلال الاشهر الاولى من مطلع 1993 سوف يعيد للقضاء قوته وعلينا ان نجمع شمل الادباء والفنانين ونقسمهم الى نشاطاتهم المختلفة لنعوض ذلك الفراغ الذي لا يعوض

 

الاستاذ الدكتور صدام فهد الاسدي

 

رحيل الكاتبة فاطمة المرنيسي

abdulkarim qasimفقدت الثقافة العربية التنويرية بتاريخ 30/11/2015 واحدة من كاتباتها الكبيرات، هي المفكرة المغربية فاطمة المرنيسي (1940 – 2015).

عرفت بالكتابة عن موضوعات جريئة تناولتها الذهنية العربية لم تكن تسلم الأقلام عند تناولها حالها حال الكاتبات الجريئات مثل نوال السعداوي وسلوى الخماش.

قرأت الكثير من مقالاتها وامتلك من كتبها عدد متواضع منها: ما وراء الحجاب، هل انتم محصنون ضد الحريم؟ ، الحريم السياسي، الخوف من الحداثة..

حيز اشتغال المرنيسي المرأة العربية أولا والإسلامية ومحاولتها كسر المنغلق للنص الديني الموروث المتعلق بالمرأة، الذي أدى الى انعطافه نحو التطرف بسبب هذا الانغلاق والذي لم يكن أصلا في الدين الإسلامي السمح. .لكنه وقع أسير الفهم غير المنفتح للنص الديني وما نلاحظه من بروز تيارات الاخوان و القاعدة و داعش.

في كتابها الحريم السياسي المترجم الى اللغة العربية تشخص أن قضية المرأة في المجتمع العربي من أبرز المسائل المعروضة على ساحة الفكر في هذا المجتمع..وإن في علاجها من مختلف الزوايا مفتاح الحل لكثير من العقد الأخرى.

في معرض دراسة قضية المرأة في الحضارة العربية الإسلامية أن هنالك مفاهيما وأحكاما فسرها الفقهاء في القرون الوسطى ما تزال سائدة وكأنها حقائق أزلية مع أنه كان يمكن تفسيرها باتجاه تقدمي إنساني أو معالجتها بأسلوب آخر.

حاولت المرنيسي بأطروحاتها وتفسيراتها أن تثير الكثير من الجدال حول ظواهر قديمة تشكلت في عصور القهر والتسلط والتمسك بفردانية الرأي على اعتبار أن الإسلام في جوهره لم يجزه بل أجاز على العكس منه، الاستماع بكل حرية للرأي المخالف، وكان الرسول الكريم محمد (ص) في هذا، القدوة الحسنة عندما قال للمؤمنين في زمنه بما يجب أن يعتبر قدوة في عصرنا ومعلما من معالم الطريق حينما قال: ( أنتم أعلم بأمور دنياكم).

القرآن الكريم يغري الجميع بالمناقشة والإتيان بالدليل على صحة الظواهر فيتظاهر جدلا بأنه لا يقطع بأنه حق وان الآخر على باطل فيقول: (وأنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) آية 24 من سورة سبأ.

المناقشات موجودة في المجتمع الإسلامي وعبر تاريخ طويل لأن الإسلام الصحيح يقرره الإسلام الصحيح نفسه، هو ما كان منبعثا عن يقين واقتناع لا عن تقليد وإتباع، أحيانا إيمان المقلد غير صحيح؛ في هذا قال الله تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) آية 170 من سورة البقرة.

لقد تطرقت المرنيسي الى جوانب كثيرة في حياة المسلم وخوفه منها، من أبرز تلك القضايا الخوف من الديمقراطية. المسلمون عموما، العرب بشكل خاص، لا يعانون من خوفهم من الديمقراطية بمقدار خوفهم من خسارة ثقافية هي عدم الوصول الى أهم مكتسبات القرون الأخيرة. بخاصة التسامح كمبدأ وممارسة، أي الإنسانية العلمية التي سمحت بتألق المجتمع المدني في بلدها المغرب.

فالأفكار الإنسانية، حرية الفكر، السيادة الفردية، حق المبادرة، التسامح..الخ قد انتشرت في الغرب، بواسطة مدارس الدولة العلمانية، بينما لم تعلن الدولة الإسلامية نفسها أبدا أنها دولة علمانية، باستثناء بعض الحالات مثل تركيا ولم تعمل على تثقيف المبادرة الفردية وتنميتها.. بل على العكس من ذلك فإن هذه الأخيرة لم يتعامل معها الاصلاحيون.

كان القوميون في الواقع سجناء تاريخ يعوق الحداثة في خيار تعارضي حتمي:

1ـ إما التفكير بالحداثة مع المطالبة بالتراث الفلسفي الإنساني للغرب الاستعماري، وهذا يعني المخاطرة بفقدان الوحدة. لأن من يقول بالتقليد العقلاني أي الرأي والعقل يقول بإمكانية الاختلاف، وهكذا فإن فتح الطريق للاختلاف في وجه الاستعمار سيؤدي الى إضعاف الأمة الإسلامية.  

2ـ أو بالمقابل المحافظة على معنى الوحدة تجاه المستعمر وذلك بالتجذر في الماضي. لكن في هذه الحالة لابد من التمسك بتقليد الطاعة، وإبعاد التقليد العقلاني. ولاسيما الانغلاق في وجه كل ما يمكن أن يؤدي الى إحياء هذا التقليد.

ومع الأسف كان الحل الثاني هو الذي اختاره السياسيون، وبلا عمد تقريبا. ونظرا لأن جوهر التراثيين العقلانيين، الإسلامي والغربي هو حرية التفكير والاختلاف، فقد تمت التضحية به وذلك للحفاظ على الوحدة.

 

عبد الكريم قاسم

 

 

العراق السرّي (6): الجعفري، محاولة العودة للرئاسة من خلال تركيا والسعودية والأكراد والسنة

salim alhasaniلا يعرف وزير الخارجية العراقي السيد إبراهيم الجعفري، الفرق بين تقديم شكوى الى مجلس الأمن الدولي، وبين تقديم طلب لعقد جلسة طارئة. فحتى لحظة كتابة هذا المقال أي 13 كانون الأول 2015، فان الخارجية العراقية لم تتخذ الإجراءات الصحيحة والمتعارف عليها في مثل هذه الحالات والتي تستوجب تقديم طلب لمجلس الأمن الدولي بعقد جلسة طارئة لمناقشة التدخل العسكري التركي في شمال العراق.

الشكاوى الى مجلس الأمن الدولي يتم اعتمادها في الحالات ذات المرتبة المتدنية من الأهمية، والتي لا ترتبط بتطورات عاجلة، فتأخذ طريقها الى جدول أعمال المجلس عن طريق السياقات الزمنية من حيث الترتيب، وهي عادة تستخدمها الدول من أجل تسجيل موقف للرأي الدولي وليس من أجل الحصول على خطوة عملية سريعة.

أما طلب عقد جلسة طارئة، فهذا ما تلجأ اليه الدول عندما تتعرض الى عدوان، أو خرق لسيادتها أو تجاوز على أمنها، وكل هذا حدث في الحالة العراقية، لكن السيد الجعفري لم يلتفت اليه بعد.

ولا نريد ان نعود لتحميل السيد حيدر العبادي مسؤولية هذا البرود، فالرجل هذا شأنه ولا رجاء منه سواء تعرض العراق الى تهديد أو احتلال أو دمار.

...

من خلال حديث السيد إبراهيم الجعفري مع المسؤولين الأتراك، وكما جاء في حديثه أمام مجلس النواب في 13 كانون الأول 2015، يتضح أنه كان يخوض حواراً لإقناع الجانب التركي بالانسحاب، فقد اتصل بوزير الخارجية التركي هاتفياً، ثم انتظر وصول الوفد التركي الى بغداد، وفي الحالتين كان يتحاور معهم حول الانسحاب من دون ضجيج. فوجد فيه هؤلاء الذين خبروا السياسة والدبلوماسية والأزمات، وزيراً ليناً متسامحاً معهم، فاستخدموا لعبة الوقت التي قدمها الجعفري لهم، وهي لعبة يحبها لما فيها من مسار طويل في الحوار والسفر والزيارات والكلام الطويل.

كانت طريقة المسؤولين الاتراك ناجحة مع الجعفري، فلقد استوعبوا ساعات الحدث الأولى، وهي الأهم في مثل الحالات، وبذلك استطاعوا أن يطمئنوا الى أنهم كسبوا الجولة الأولى، وهذا يكفيهم حتى الآن، وسيحصل بذلك على رضى الأتراك والأكراد وآل النجيفي والقيادات السنية.

علينا أن نتذكر الذكاء الروسي في التعامل مع أزمة شبه جزيرة القرم، وكيف انهم استطاعوا أن يمتصوا ردود الفعل الأولى، ثم بسطوا سيطرتهم المستمرة على الأرض وانهوا الأمر لصالحهم. ومن المؤكد أن السيد الجعفري لا يعرف هذه المسائل، أقول ذلك من خلال علاقتي الشخصية الطويلة معه، وقد كنت ألمس أنه غير ملم بالسياسة الدولية، بل أنني من خلال العديد من الحوارات والاحاديث المتفرقة، كنت أراه يفهم الواضح منها بطريقة خاطئة، وكنت اقترح عليه قراءة بعض الكتب الأساسية في هذا المجال، لكنه كان يميل الى الجانب الوعظي لترويج نفسه في الأوساط الاجتماعية البسيطة، حيث يؤكد طرح المفاهيم التي لا يلتزم بها.

...

لقد سلك الجعفري أطول الطرق في تعامله مع العدوان التركي على العراق، وكأنه أراد ان يمنح تركيا ما تريده من مساحة تحرك، لتحقق مشروعها الاحتلالي في شمال العراق. وإذا كانت هذه الصورة تبدو شديدة عليه وعلى قسم من القراء المتعاطفين معه، فان المؤكد أنه لا يريد إزعاج الرئيس التركي أوردغان، لأنه يحمل في صدره حلم العودة الى رئاسة الوزراء من خلال علاقاته الجيدة مع المحيط الإقليمي، وخصوصاً السعودية التي يبادلها حميمية لافتة وتبادله مثلها.

وقدم الجعفري دليلاً آخر لإقناع المحور الإقليمي والجانب الأميركي بأنه لا يخرج عن طوع أعداء العراق وأعداء الشيعة، عندما لجأ الى جامعة الدول العربية، وكثف اتصالاته بالأمين العام نبيل العربي رجل السعودية المعروف، كما أن الجامعة العربية هي مؤسسة صناعة الخراب في المنطقة وداعمة العناصر الإرهابية من تنظيمات النصرة وداعش وغيرها.

...

عندما يتحدث الجعفري عن نشاطه وحركته في هذا الموضوع، فأنه يضعنا أمام صورة المسؤول الذي يستجدي التعاطف من سفراء الدول في العراق، وهذا ما قاله صراحه في كلامه للبرلمان، وهي محاولة أخرى منه للتأكيد بأنه لا يتسبب بأي إحراج للأتراك، وهذا ما يريده بالضبط رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني وقادة الكتل السنية وآل النجيفي الى جانب السعودية وقطر وأميركا.

بل ان السيد وزير الخارجية وضع العراق تحت الإمرة والتوجيه والقرار الأميركي عندما أبلغ السفير الأميركي بأن الحكومة العراقية لا تريد التحالف مع روسيا، وأنها رفضت التدخل والمساعدة الروسية لدعمها في مواجهة التدخل التركي، وهي رسالة صريحة لا تقبل التأويل.

وكان الجعفري قد طلب من ممثل العراق في الأمم المتحدة بعدم تأييد الموقف الروسي في جلسة مجلس الأمن الدولي، حين تحدث الوفد الروسي بشدة ضد التدخل التركي في شمال العراق، مما دفع موسكو الى القول أن الحكومة العراقية خذلتنا في مجلس الأمن.

...

التدخل التركي في العراق، كان هو الاختبار الحقيقي لأداء الجعفري في الخارجية، وكانت فرصته لأن يزيح عن نفسه ركاماً من التعليقات الساخرة التي لاحقته طوال الفترة الماضية، بأنه الرجل الغارق في مفاهيم مرتبكة والمتستر بالعبارات الغامضة غير المفهومة، في تحليق مستمر في عالمه الخاص. كانت هذه التجربة فرصته للعودة الى الواقع، ولممارسة مهمته في عالم السياسة الدولية، وهي الميدان الذي يكشف القدرات الذاتية للدبلوماسيين، فضلاً عن كونه يكشف القابليات الحقيقية للمفكرين. لكن الجعفري خرج من التجربة كما هو، نفسه الذي نعرفه، يسلك أطول الطرق حتى يبتعد عن المواجهة، وحتى يخفي توجهاته الخاصة التي تضغط عليه بأن يحتفظ بعلاقة جيدة مع الأقوياء سواء أكانوا من الدول أم الجهات أم الشخصيات. ثم يجلس مع نفسه راضياً بما حققه من إنجازات لا تمشي على الأرض ولا يعترف بها الواقع.

...

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة، والعراق السرّي للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

حكاية نائب العريف حميد

ahmad alhiliتوفرت معلومات استخبارية لدى قطعاتنا العسكرية في شرقي البصرة بأن الإيرانيين سوف يشنون هجوماً كبيراً على قاطع نهر جاسم الذي لم تجف على أديمه بعد دماء جنودنا وجنودهم بينما تركت بساطيل الجنود القتلى المدماة متناثرةً هنا وهناك بإزاء الساتر الترابي كجزء من بقايا المعركة الطاحنة السابقة، أسرع القادة الكبار لرسم الخطط بغية صد الهجوم المرتقب، واتفقوا على ضرورة أن تكون هناك بالإضافة إلى وقود الحرب الدائم ؛ جنود المشاة فصائل متمرسة بالرمي على الدوشكات أو الأحادية كما يُطلق عليها، وتم إرسال أوامر بهذا الصدد إلى كافة الوحدات العسكرية الموجودة ضمن قاطع الفيلق الثالث، بأن ترسل كل وحدة خمسة جنود من هذا الصنف من أجل إدخالهم بدورات سريعة في مقر قيادة تستمر أسبوعين لغرض تحسين مهاراتهم في الرمي، وبطبيعة الحال في مثل هذه الأحوال فإن هذه الوحدات سترسل الجنود الفائضين عن حاجتها وهم في غالبيتهم من غير المنضبطين من الذين لديهم هروبات سابقة أو الذين غالباً ما يتسببون بإثارة المشاكل والبلبلة داخل وحداتهم، وحين تم تبليغي مع زملائي بالأمر، لم نكن نعرف ماهيته وأهدافه إلا فيما بعد، وذهبنا جميعاً إلى مقر الفيلق، وبالفعل كانت دورة مكثفة جداً تتعلق بتحسين أدائنا بهذا السلاح، وقد حدثت هناك مشاكل كثيرة ومشادات بين الجنود أنفسهم، خاصة وأن غالبيتهم من أرباب السوابق ولديهم محكوميات عن جرائم ارتكبوها، فعلى سبيل المثال هناك شخص رأيته بأم عيني كان خرج قبل حوالي شهر من السجن جراء قتله ثمانية أشخاص دفعة واحدة انتقاماً لقتل أبيه وأمه على يد أحد هؤلاء الثمانية...، وعلى أية حال وبعد انتهاء الدورة وقف القائد العسكري وخاطبنا بتودد وحميمية قائلاً ؛ ستكون مهمتكم مشرفة وخطيرة وعظيمة، فعلى عاتقكم ستقع مسؤولية صد الموجات الأولى لهجوم العدو، وسوف نأخذكم في يوم غد إلى الصحراء من أجل إجراء اختبار لكم للوقوف على قدراكم ومهاراتكم في الرمي، وقد خصصنا جوائز قيمة للمتفوقين منكم بل وللجميع أيضاً وهذا شرف عظيم لكم ولنا، جرت همهمة بيننا، همست لمن كان يقف بقربي ؛ اذن يريد هذا الأحمق منا أن نكون وقوداً لحربهم المجنونة، قال ؛ هذا أخرق وأحمق، وهمهم آخر ؛ سيقبض أبناء القحبة هؤلاء الأوسمة وأنواط الشجاعة بينما ستتوسد أشلاؤنا التراب ...

حين فهم الجميع ما أعلنه للتو هذا المعتوه الأرعن، اتفقوا على أن لا يصيب أيٌّ منا هدفاً من الأهداف المحددة مهما كلّف الأمر ومهما كانت المغريات أو العقوبات، ذلك أن نجاحنا في هذا الأمر معناه هلاكنا !

وبالفعل جرت الأمور هكذا، وقف القائد محبطاً ومهموماً، وهو يصب غضبه ولعناته علينا واصفاً إيانا بالجبن والتخاذل في وقت تعرّض وطننا إلى الخطر الوشيك ولم يتورع هذا المأبون عن قذفنا بأقذع النعوت والشتائم، مخدداً إيانا بإنزال أقسى العقوبات بنا، وبطبيعة الحال لم يكن أمامنا من بد إلا أن نصمت، وإن أخفينا في دواخلنا ضحكاً مكتوماً ...

وهكذا تشاء المقادير أن يصار إلى تنسيبنا جميعاً بوصفنا فاشلين بهذه الدورة إلى وحدات أخرى لا علاقة لها بالمعارك الطاحنة التي تجري بين الفينة والأخرى في قاطع شرق البصرة، وتم تنسيبنا جميعاً إلى عدد من المواقع الثانوية كفصائل حماية الجسور الداخلية، وهناك من تم تنسيبهم إلى السيطرات، أما أنا ومعي عشرة متدربين فقد تم إرسالنا إلى أحد أكداس العتاد في منطقة أرطاوي التي تقع في عمق الصحراء بمنتصف المسافة بين الناصرية والبصرة، وبالتحديد في منطقة تسمى بـ تل اللحم .

حين ذهبنا إلى هناك، وسلمنا أوامر تنسيبنا إلى آمرية الكدس، وجدنا المكان يعج بجنود جدد غريبي الهيئة والأطوار، وفهمنا أن هؤلاء تم تنسيبهم قبل يومين ليكونوا ضمن حراسات الكدس الداخلية، ولكن الآمرية لم تشأ أن تسلمهم أية أسلحة، لأن غالبيتهم من المجانين أو أنصاف المجانين، وهم جاءوا إلى هنا بناءً على قرار لجنة شرحبيل التي أعادت النظر في كافة قرارات الإعفاء من الخدمة السابقة، وأوكل إلى قسم من هؤلاء مهمة التنظيف وجمع الأوراق أو أكياس النايلون العالقة بكثافة في أسيجة الأسلاك الشائكة، رأيت أحدهم في غرفة قلم الوحدة منحنياً عند حافة الجدار وهو يخاطب شيئاً بصوت مسموع، ظننت في بداية الأمر أن الشوق استبد به فأخذ يحاطب حبيبته الغائبة وحين استفسرت من العريف عما يفعله، أشار إليَّ أن أكتشف ما يقوم به، اقتربت منه فوجدته يخاطب سرباً من النمل يمشي بمحاذاة الحائط ويقول ؛ " إذا أنتِ تختبئين هنا، فأين نذهب نحن ؟"

حددوا لنا الأمكنة التي سنقيم ونتواجد فيها لغرض الحماية، وهي تقع خارج كدس العتاد الضخم جداً، وكانت أمكنة الحماية عبارة عن تلال عالية مصنوعة يرتفع كلٌّ منها حوالي عشرة أمتار و يفصل بين تل وآخر حوالي الـ 100 متر وتم وضع بندقية أحادية فوق كل تلة ...

وتنفسنا الصعداء، فإن وجودنا في هذا المكان النائي معناه أننا أصبحنا نعيش بعيداً جداً عن المعركة وأجواءها الكابية، بمعنى آخر فإننا أصبحنا نعيش "خده وخدر" على حد قولهم، بعكس ما كان يعانيه رفاقنا في وحداتنا الأصلية من التدريب المضني المستمر والتعرض الدائم للقصف المدفعي المعادي ...

إذن هي ضربة حظ، أو كما يقولون، ربَّ ضارة نافعة ...

كان الوقت متاحاً لدينا بوفرة في وحدتنا الجديدة بشكل لم نألفه من قبل، فأخذنا نتجول هناك وهناك من أجل استكشاف هذا المكان الصحراوي الجميل والممتد إلى ما لانهاية، لاحظنا الأرض الرملية تمتلئ بأنواع عديدة وكثيرة من الحشرات ذات الألوان المتناسقة وأكثر ما استلفت نظرنا هو الحصى غير المألوف، كان أشبه بالخرز والفصوص ... كما تدب هناك بعض العظايا والأفاعي والعقارب ...

لفت نظري في بداية الأمر وجود أعداد من العصافير التي لم نر مثلها في أمكنة أخرى، وهي تأتي بالقرب منا هرباً من حر الصحراء اللاهب، ولاسيما وأن وقت قدومنا إلى هذا المكان كان في ذروة الصيف وطمعاً بالظلال التي توفرها أبنية الملاجيء وكذلك طمعاً بوجود الماء ولالتقاط بعض الطعام أيضاً، ونظراً إلى أنها كانت جميلة جداً فقد أثارت فينا الرغبة لاصطيادها ووضعها في أقفاص لغرض جعلها طيور زينة فنأخذها معنا في إجازاتنا إلى أهلنا، ولكننا تفاجأنا بأنها غير قابلة للتدجين مطلقاً، فبعد أن أمسكت مجموعة منها ووضعتها في قفص كنت أعددته لهذا الغرض أصبت بالذهول والصدمة بما تقوم به، فقد أخذت تطير بسرعة وتضرب رأسها بشدة بجدار القفص، وبعد أن تفعل ذلك لعدة مرات تسقط ميتة، فعلمت أنها تقوم بالانتحار، فحزنت كثيراً وساورني شعورٌ بالذنب بقي يعيش معي لمدة طويلة جداً .

حكاية نائب العريف حميد

كان من ضمن من تم إرسالهم في مجموعتنا شخص برتبة نائب عريف اسمه حميد، وكان في مقتبل العمر ووحيداً لأمه، وقد لاحظنا أنه ومنذ الوهلة الأولى قد ولع بالحصى الغريب المتناثر بكثافة من حولنا، فأخذ يجمعه ويشكله على شكل مجموعات، كل مجموعة لها لون محدد، وكان حريصاً ومتكتماً، إلا أنني استطعت الاقتراب من عالمه، على الرغم من اقتناعي بعدم جدواه، إلا أن ذلك لم يمنعني من اعتبار ذلك وسيلة لا بأس بها لقضاء الوقت الفائض لدينا ...

كان حميد يذهب إلى أماكن بعيدة جداً للحصول على مجموعات جديدة من الحصى الذي تعود أن يعتبر بعضه أشخاصاً يتكلم معهم في أوقات معينة ويصغي إلى همهمتهم المكتومة، لم أشأ أن أثير شكوكي حول جدوى ما يقوم به ، فهذا هو عالمه الخاص الذي بناه بصبر ودأب لبنة لبنة وليس من حقي أن أنسف معتقداته بهذا الشأن ...

كنت أزوره في غرفته المخصصة الواقعة أمام التل من أجل أن نتناول القصعة معاً في كثير من الأحيان، وكان يطلعني في كل مرة على الأنواع الجديدة من الحصى التي حصل عليها، وكذلك كان يُطلعني على الكثير من الحكايات حول المكان الذي نحن فيه والذي يستوطنه أيضا عدد من البدو المتناثرة خيمهم وجمالهم هنا وهناك

وهو عقد صداقات مع بعضهم، أخبرنا أن هناك كائن أخر يستوطن هذا المكان معنا هو الذئب ...

وفي حقيقة الأمر فإني لم أشاهد ذئباً طوال مدة مكوثي هناك، ولكني لا أخفي أن حضور الذئب بكل جبروته وهيمنته كان يملأ المكان من حولنا، أخبرني أن الذئب كائن مسلح بالإضافة إلى أنيابه ومخالبه الباشطة بقدرات سحرية غريبة، فهو ( يختر) أي يسحر ضحاياه، بحيث تقوم بالركض خلفه بخفة وسرعة، وفي إحدى المرات، وكما أخبره محدثه البدوي فإن شخصا منهم افتقد أخاه، بحث عنه فلم يجده وبعد أن ابتعد عن المكان وجده يحث الخطى في البرية خلف أحد الذئاب، ناداه باسمه إلا أنه لم يُصغِ إليه واستمر في الركض خلف الذئب، وحين كان يحمل بندقية فإنه صوّب باتجاه الذئب فأحس هذا به فهرب بعيداً وجثم هناك بحيث لا يتمكن من التصويب بدقة عليه، وأسرع إلى أخيه الذي لم يكن واعياً لما يدور حوله، فهزه بشدة ثم صفعه من أجل أن يوقظه مما هو فيه، ولكن لم يظفر بطائل، وحين اقتاده بقوة من أجل أن يعودا معاً انفلت منه وذهب باتجاه الذئب الذي كان من مكانه البعيد يتربص بطريدته، أخرج بندقيته وصوب باتجاه الذئب وأطلق طلقة، إلا أن الذئب كان قد هرب بعيداً في الوقت الذي كان يتهيأ للتصويب عليه، وحين عجز عن إيقاظ أخيه وإعادة وعيه إليه، لم يجد أمامه من بد سوى أن يحمل أخيه ثقيل الوزن على ظهره، فوجدها الذئب فرصة مواتية للقدوم بسرعة باتجاههما، طرح أخاه جانباً وأمسك ببندقيته وصوبها باتجاه الذئب الذي سرعان ما توارى بعيدا، وهكذا دواليك، وأخيراً وجد نفسه يدور في ذات المكان وكأنه في دوامة، حاول أن يعثر على أحد يساعده، وأخذ ينادي بأعلى صوته بأسماء أخوته وأعمامه وأخواله ولكن لم يأته أي جواب، وكان الليل يوشك أن يهبط عليه وهو في هذه الحال، ومعنى ذلك أن هناك احتمالاً كبيراً في أن تأتي ذئابٌ أخرى، وفي ذلك قضاءٌ مبرم عليهما معاً، فكّر بالأمر ملياً وحسم أمره سريعاً، نادى الذئب الجاثم بعيداً متربّصاً ؛ هذه هي فريستك فخذها !! وترك أخاه يهرول باتجاه الذئب بينما أسرع هو في العودة إلى دياره خائباً وإن يكن ناجياً بنفسه ...

وبين آثار أقدام الكلاب الموجودة بوفرة في المكان، عرّفني حميد على بعض آثار أقدام الذئب ولاحظت أنها أكبر بقليل من تلك التي لدى الكلب وكما هو واضح ومرئي على الطين المتيبس فهي مزوّدة بمخالب كبيرة وحادة ... في أثناء الليل، كان الرعب يملأ قلوبنا من احتمال قدوم أحد الذئاب إلينا، فكنا نحكم إقفال الملجأ على أنفسنا، وحين تأتي الدورية في الأسفل كنا نوقد اللايت باتجاههم للدلالة على تواجدنا ويقظتنا في المكان وأننا مفتوحو الأعين . لاحظت أن نباح الكلاب يأخذ يعلو في بعض الليالي بشكل لم نألفه من قبل وكأنها تتعرض للضرب المبرّح، أخبرني حميد أن معنى ذلك أن أحد الذئاب قد دخل المنطقة فهي تشم رائحته مما يتسبب في اضطرابها وهياجها ...

روى لي حميد حكاية نقلا عن ابن أحد شيوخ البدو في المنطقة أنهم ونتيجةً لفقدانهم عدداً من قطعان الغنم باستمرار هجمات الذئاب فإن أباه جلب في وقتٍ ما كلباً ألمانياً من فصيلة ممتازة، فهو بالإضافة حجمه الضخم شجاع وجريء وذكي جداً وقد ظل هذا الكلب حارساً وفياً لنا ولخيامنا، وفي أحد الليالي الباردة جداً سمعنا عواءه وهريره ينطلق بشكل غير مألوف، وحين ذهبنا أنا وأبي إلى حظيرة الغنم وجدناها جميعها وقد قطع الذئب إليتها ووجدنا أفضلها مفقوداً، وحين خرجنا باتجاه صوت كلبنا الذي يبدو أنه ابتعد كثيراً عن مضاربنا، فأخذنا بالمناداة عليه بأعلى صوتنا طالبين منه أن يعود، ولكنه استمر في ملاحقته للذئب، وعلمنا من خلال اختلاط صوتيهما وزمجرتهما أنهما يدخلان معاً بين حين وآخر في معركة شرسة، ومن الواضح أن رجحان الكفة فيها هي للذئب الذي يمتلك أسلحة قاتلة، ولكن كلبنا استمر في تعقب الذئب والاشتباك معه ولم يسمح له بأن يستولي على غنيمته من دون حساب عسير وعقاب مر يتوجب عليه دفعه ، وأخيراً رأينا كلبنا يعود أدراجه وقد أُثخن جسده بالجراح المميتة ولكنه كان يمسك بين فكيه بنصف الشاة المفقودة، ويبدو أن الذئب علم أخيراً أنه لا سبيل أمامه للفوز بغنيمته إلا بأن يقتسم ما غنمه مع هذا المدافع الشرس، ولم يلبث هذا الكلب أن مات بعدها بيومين ....

وبالإضافة إلى مرويات حميد عن الذئب وقدراته الخارقة، فقد أخبرنا عدد من نواب ضباط المقر في وقت سابق أنه تم العثور مؤخراً في المكان على ملابس ممزقة لجنديين منتسبين إلى وحدة أخرى بالإضافة إلى بعض أشلائهم بعد أن تسللا عبر الأسلاك الشائكة محاوليْن الذهاب إلى بيوتهما من دون أخذ إجازة، في إشارة إلى أن الذئاب افترستهما، وعلى أية حال، وحتى إن كانت الحكاية صحيحة، وهي كذلك بالفعل، لأننا سمعناها من مصادر أخرى، فإننا فهمنا الأمر على أنه محاولة لمنعنا من القيام بذلك ...

سمعت قبيل وقت الفجر في أحد الأيام صرخة ذعر تنطلق من التلة المجاورة، كان أحد الجنود الذين يتولون الحراسة، كان يصرخ في سماعة الهاتف مخاطباً المقر ؛ أنقذوني لقد داهمني الذئب ! وبعد قليل حضرت الدورية وهي مدججة بأسلحتها فلم يجدوا شيئاً، كان الجندي يقف حائراً متلعثماً لا يدري ما يقول، بينما كانت الجمال تتناثر هنا وهناك، ويبدو أن أحدها أطل برأسه الكبير قريباً من الشباك الذي يحتمي فيه الجندي، فحسبه هذا ذئباً خاصة وأنه لم يكن بوسعه أن يرى باقي جسده .

وفي أحد الأيام، وكان الوقت ظهراً شاهدت طائراً غريباً آخر بألوان زاهية أكبر حجماً لم أشاهده من قبل هنا يحط بالقرب من خزّان الماء التماساً للظل وليروي ظمأه أيضاً، كان يبدو عليه التعب والانهاك، الأمر الذي أتاح لي أن أتفحصه ملياً، وعلى الفور عرفت أنه هدهد من العرف الجميل الذي يزين رأسه، فرحت كثيراً إذْ لم أشاهد الهدهد مشاهدة عيانية مباشرة، وتملكتني رغبة شديدة في أن أصطاده حياً، لم أشأ أن أقذفه بشيء صلب خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى قتله، فنقّعت منشفة بالماء واقتربت منه حذراً ثم رميتها باتجاهه فسقطت عليه، وأمسكت به وللحال تصورت نفسي الملك سليمان وتذكرت أبياتاً من قصيدة الشاعر أحمد شوقي الجميلة التي قالها في الهدهد، وضعته في قفص العصافير التي مارست انتحاراً جماعياً وتركتني أتقمص دور القاتل رغم أنفه، كنت متوجساً أن يقوم الهدهد بفعلتها ذاتها، قدمت له الماء وبعض الحبوب، مر وقت طويل ثم أخذ يشرب الماء، فرحت كثيراً، كان موعد إجازتي الدورية قد اقترب، ولما حانت أخذته معي إلى بيتنا، كانت مفاجأة كبيرة ومذهلة لدى جميع أبناء محلتنا الشعبية، وأخذوا يأتون إلى بيتنا على شكل مجموعات أو فرادى، الكل يريد أن يشاهد الهدهد، وكنت قد علّقته في باحة البيت، وفي اليوم التالي استيقظت مبكراً بغية أن أطمئن عليه، نظرت إلى القفص فلم أجد الهدهد فيه، تملكني أسىً وحزنٌ شديد، علمت بعدها أن إحدى العجائز ممن يتعاطين السحر احتالت ونفحت صبياً بعض النقود من أجل أن يسرقه لها، فكان أسفي وندمي أكبر ...

في إحدى المرّات وبعد عودته من إجازته الدورية، جلب حميد معه علبة صغيرة ثمينة من تلك التي اعتادت النسوة من ذوي اليسار على وضع حليّهن الذهبية فيها، وللحال أدركنا أنه يريد أن يضع أجمل ما لديه من الحصى فيها، كان هذا الحصى الصحراوي يشكل بالنسبة إليه عالماً متكاملاً يوفر له متعة ولذة ما بعدها متعة ولذة وبدلاً من أن يتفاعل مع بقية الجنود في حظيرته فإنه يظل منعزلاً عاكفاً على ما هو فيه ....

بعد مرور عدة أشهر، افتقدناه، وحين سألنا عنه أخبرنا الجنود الذين في حظيرته أنه مريض منذ أيام ، وسجلوا له عيادة وذهبوا به إلى الوحدة الطبية ولكن حاله لم تتحسن، وقال الطبيب إنه يعاني نوعاً غريباً من الكآبة والسوداوية ...

ويوماً بعد يوم ازدادت حالته سوءاً، كان جسده يشحب ويذبل ووجهه يزداد اصفراراً ...، بعد ذهابه في إجازته إلى مدينته ذهبوا به إلى الأطباء إلا أنهم وبالرغم من المبالغ الطائلة التي أنفقوها لم يجدوا علاجاً شافياً له لأنه ببساطة لم يستطع أحدٌ منهم تشخيص مرضه وعلته، كان يتحول أمام ناظريهم من شاب في مقتبل العمر إلى كهل، إلا أن بطنه كانت تنتفخ يوماً بعد يوم وكانت تخرج منها أنواع غريبة وكثيفة من الديدان ...

وأخيراً لم يجدوا بداً من القبول بنصيحة إحدى قريباتهم بعد أن تفحصته ملياً، أخبرتهم أنه ربما يعاني من تلبس الجن في بدنه، ذهبوا به إلى أحد الشيوخ وحين عاين حالته أدرك على الفور ما به، سأله هل أنت مهتم بجمع الخرز أو الحصى، قال نعم، قال إذن فقد وقعنا على مكمن الداء، أخبر ذويه أنه "مسگي" بضرورة الإسراع والذهاب إلى مدينة السماوة قبل أن يدخل في طور الجنون المطبق، وأرشدهم إلى امرأة اسمها أم علي تسكن هناك، ويُطلقون عليها لقب "الطگاگة" وهي مختصة بمعالجة الأمراض التي تنجم عن التعامل مع الجن ...

حين ذهبوا إلى هناك ووصلوا إليها، رأت الحالة التي عليها المريض، هيأت "طشتاً" أي وعاءً كبيراً من الماء الدافئ ووضعته في باحة دارها، ثم طلبت من أن يخلع ملابسه ويبقي على القطعة الأخيرة من ملابسه الداخلية، ثم أخرجت من صرة صغيرة سلسلة ناعمة طويلة في نهايتها خرزة كبيرة وضعت السلسلة والخرزة في الماء فيما حميد جالساً مرددة بعض الكلمات غير المفهومة أخذت الخرزة تسبح كأنها سمكة، فقالت إنه مسگي، وطلبت من أهله أن يحرقوا جميع ملابسه التي في البيت وأن يلقوا بجميع الحصى الذي جمعه في التنور مرددين بعض الأدعية التي كتبتها لهم من أجل ترديدها عند قيانهم بعملية الحرق ...

وفعلوا كل ما طُلب منهم، وبالفعل أخذت حالته تتحسن رويداً رويدا بعد أن كان شارف على الهلاك ...

أخبرنا أحد العارفين، أن منشأ تلبس الجن في بعض الحصى يعود إلى أن الذئب باستطاعته أن يرى الجن ليلاً في الصحراء فيركض وراءه بغية افتراسه فيهرب هذا منه وعندما يوشك أن يلحق به فإنه لا يجد أمامه فرصةً للنجاة سوى أن يدخل في أية حصاة يجدها بقربه، فيأتي الذئب ويتشمم الأرض وسرعان ما يدرك أن الجن اختبأ في هذه الحصى تحديداً فيبول عليها، الأمر الذي يؤدي إلى حبسه فيها إلى الأبد ....

 

أحمد الحلي

 

العراق السرّي (5): هذا هو العبادي، فهل يصلح للحكم؟

salim alhasani2أكثر من مرة كتبتُ عن شخصية السيد حيدر العبادي التائه في داخله والضائع فيما حوله. لكني أجد صعوبة في إيصال هذه الفكرة الى القارئ، والسبب أن هذا التقييم يبدو قاسياً في صياغته، كما أنه يحتاج الى معايشة وتعامل مباشر مع العبادي، وهذا بطبيعة الحال غير متوفر إلا لمن يحتك بالعبادي عن قرب ويخوض معه تجربة عمل، عند ذاك سيكتشف الشخصية الحقيقية للعبادي التي تختلف كثيراً عن صورته التلفزيونية المرئية والمسموعة من قبل المواطن العراقي.

خلال أشهر قليلة ارتفع العبادي عبر مجموعات إصلاحاته، الى منصة البطل السياسي الذي يستطيع أن يحقق المعجزة في هذا البلد المنهك، ثم هوى سريعاً الى الشخص الضعيف المتردد.

كيف يُفرّط بالفرصة الذهبية التي جاءته عندما حظي بدعم الأطراف السياسية والبرلمان والشعب والمرجعية، فيختار التأجيل والتريث ثم التراجع، ويتحول في نظر الشارع العراقي الى رئيس فاقد القدرة على التنفيذ؟. عاجز عن الإيفاء بما يتخذه بنفسه؟

إن هذا السؤال الذي يبدو غريباً، ستتلاشى الحاجة اليه لمن يعرف العبادي، وطريقة تفكيره وكيف يتعامل مع الأمور.

فالقرار عند العبادي عملية فائضة عن الحاجة الطبيعية للإنسان، لكن الظروف قد تواجهه لتفرض عليه إتخاذ القرار، وفي هذه الحالة، لا بد أن يخوض عملية تفكير متأنية ليأتي القرار صائباً.

هنا تبدأ المرحلة الطويلة عند العبادي، فالتفكير يعني حواراً مستفيضاً يستعرض كافة الاحتمالات والخيارات للوصول الى القرار المناسب، لكن القرار هو الهاجس المزعج الذي ينغص عليه حياته، فيطرده العبادي من خلال إطالة فترة الحوار والنقاش والدراسة الى أبعد حد ممكن.

وحتى عندما يقطع هذا المشوار الطويل فانه يبقى يعيش صراعاً داخلياً صعباً من أجل البحث عن مبرر للتأجيل أو التراجع أو إيجاد بديل لكل الجهد الذي بذله على مدى ساعات وإيام مع نفسه ومع فريقه الاستشاري.

لكن العبادي تنتابه أحياناً وفي أجواء خاصة نوبة من الاندفاع المفاجئ، فيخضع لها من دون شعور وتخطيط وتدبر، وفي هذه الحالة يجد نفسه مدفوعاً لإتخاذ قرار. هذا هو الذي يُفسّر جلوسه على مقربة من الرئيس الأميركي أوباما في المشهد الشهير والذي تسبب له بحرج شديد أمام وسائل الإعلام. وهذا هو الذي يُفسّر للمواطن العراقي حزمة الإصلاحات التي اتخذها العبادي بإلغاء مناصب نوابه ونواب رئيس الجمهورية. وعندما وجد أن القضية أصبحت جدية وانها تحتاج الى تنفيذ، بدأت معاناته الكبيرة، وقد ازدادت المعاناة عندما أيدته المرجعية وسانده البرلمان ودعمه الشعب.

...

في موسم الحج عام 1996، وبعد انتهاء مناسك الحج، وفي حملة الهدى التي يديرها (أبو آلاء/ عدنان جواد فلفل)، كنت اتحدث معه حول أمور عامة فانتابته هذه النوبة قائلاً: (يجب ان أعيد رمي الجمرات). لم يكن للحديث أي علاقة عن الحج ومناسكه، ولا أدري كيف اُلقي في فؤاده هذا الإيحاء؟

...

عندما قيل للعبادي أن إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ليس من صلاحياته، إنما هي من صلاحيات السيد فؤاد معصوم، وأنه قد يواجه مشكلة قانونية، أرسل مدير مكتبه السيد مهدي العلاق رسالة الى السيد فؤاد معصوم يطلب منه إصدار قرار بإلغاء مناصب نوابه، فلم يرد معصوم على الرسالة وأبدى امتعاضه من عدم معرفة العبادي بالسياقات الرسمية.

حاول العبادي معالجة المشكلة بزيارة رئيس الجمهورية، وأعرب له عن تورطه في هذه الحزمة الإصلاحية، وطلب منه أن يساعده فيها بأن يُصدر قراراً بإلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية، لكن معصوم رفض ذلك. تنازل العبادي أكثر، حيث تعهد للسيد معصوم بأنه لن يكرر ذلك مستقبلاً، وانه سيتشاور معه في القرارات والمواقف، لكن معصوم أصر على الرفض.

 

وكما ذكرت في مقال سابق، أنه عندما أصدر حزمته الإصلاحية في دمج الوزارات، اعترض وزير النقل السيد باقر جبر الزبيدي، وتدخل المجلس الأعلى، فاضطر العبادي الى التراجع وأبقى الزبيدي في الوزارة.

...

يتذكر الجميع تأخر تحرير مدينة تكريت عدة أسابيع، وكان السبب أن العبادي خضع لرغبة عدد من قادة الجيش بمنع الحشد الشعبي من تحرير المدينة، وحين تأخر الوقت كثيراً وتعرض للاحراج عاد ولجأ الى الحشد الشعبي يطلب من قادته تحرير المدينة.

ويتذكر المواطن العراقي عدد المرات التي تحدّث فيها العبادي عن عدم استعانته بالقوات الأميركية في تحرير الأنبار، وانه لن يسمح إلا بعدد محدود من المستشارين الأميركيين. لكن الحقيقة التي لا يعرفها المواطن، أن عدد القوات العسكرية الأميركية الموجودة حالياً في الأنبار يفوق بعدة أضعاف ما تذكره الحكومة في تقاريرها، وانها ستستمر في التزايد لتحويل الأنبار الى قاعدة للتواجد العسكري الأميركي في العراق. لكن العبادي لا يستطيع الإعتراض على القرارات الأميركية، ولا يستطيع مصارحة الشعب العراقي، ولا يستطيع اتخاذ موقف في هذا الخصوص.

...

طلبت قوات الحشد الشعبي من السيد حيدر العبادي، أن يزودها بدبابات وعربات مدرعة لدعم الحشد الشعبي في معاركه ضد داعش، وعندما فاتح العبادي وزير دفاعه السيد خالد العبيدي، رفض العبيدي الاستجابة للقائد العام للقوات المسلحة، فاضطر العبادي الى السكوت، لأن وزير الدفاع قال له أنه يحتاجها في عمليات عسكرية.

لقد نسي العبادي في تلك اللحظة أن يسأله أين هذه الدبابات وكم عددها وكيف يخفيها عنه وهو رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة؟.. بل نسي العبادي أنه هو صاحب القرار الأول في هذه القضايا الخطيرة التي تتصل بالأمن والمعارك مع تنظيم داعش.

 

ويتحدث وزير الدفاع في جلساته الخاصة أنه يُخفي هذه الدبابات ويدَخرها لمعركة الموصل من دون علم العبادي. وهذا يوضّح لنا كيف تسير الأمور العسكرية في العراق في هذه المرحلة الحرجة، وكيف يتم التصرف بالسلاح.

...

لا يستطيع السيد حيدر العبادي أن يستفسر من وزير دفاعه، عن الصفقات المشتركة التي يعقدها مع اللواء علي الأعرجي أمين السر العام في وزارة الدفاع واللواء محمد جواد العبادي (لقب العبادي اتخذه لنفسه مؤخراً) الأمين العام لوزارة الدفاع. لا يستطيع السيد رئيس الوزراء أن يسأل الأشخاص الثلاثة عن سفراتهم المتكررة الى العاصمة الأردنية من دون أخذ الإذن منه، مع وجود شكاوى ومعلومات منتشرة في المؤسسة العسكرية بأنهم يعقدون صفقات كبيرة فيما بينهم مع رجال اعمال وشركات ومافيات سلاح وسياسة.

...

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة، والعراق السرّي للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

الصداقة والصديقةفي ذكرى محمد العالمي الوالي

ahmad babanalalawiالدهر يأتي، بأفراح، وأحزان.

وكل شيء على ظهر هذه البرية فان.

والموت بئر جميع الناس وارد .

وطريق لابد يوما فيه يمشي كل إنسان.

اذا كان الموت طبيعي لا محيص عنه، وكانت الأسباب التي هي مادة الحياة، تبدو في الظاهر في وزن الأسباب التي هي جالبة للموت.. فإن البون شاسع بين من فتح الله عليه بصره وعقله، وأتاه حظا من الحقائق والمعارف يرقى بها في درجات سلالم الفضائل..

كتبت في صفحتي (على شبكة التواصل الاجتماعي) بعد لحظات من سماعي نعي صديقي وأخي" الشريف" محمد العلمي رحمة الله عليه " إنني أعزي نفسي أولا لأنني فقدت صديقا من أعز الرجال وأحبهم إلى قلبي.." وكتبت أيضا في نفس الصفحة: "بعد أسبوع على رحيل صديقي الأستاذ محمد العلمي، الوالي: أنا حزين على رحيل هذا الصديق الذي كنت أجد في مجالسته بمكتبته الفيحاء بشارع علال بنعبد الله بالرباط.. نفحات ثقافية تقوم الفكر وتنعش الوجدان..

حقا لقد طويت صفحة من أجمل الصفحات التي عرفتها المجالس الأدبية والفكرية..

ولا أعتقد أن أحدا بمقدوره أن يقوم بالدور الثقافي والفكري والتثقيفي الذي قام به محمد العلمي طيلة عقود.. ولا ريب بأن أصدق ما تمتحن به مقاييس الحياة الأمم أن تعرف الفضائل التي يزنون بها مقادير الرجال..

وإذا كان الكلام عن الصداقة يعتبر سرا وضربا دونه حجاب، لأنه لون من ألوان الوجد والمحبة والروابط الروحية، لا يعي كنهها ولا يحيط بمعانيها ولا يدرك أبعادها إلا من كان صادق الوعد، مخلصا للأواصر التي تجمع القلوب..

إن فضيلة الشيء لا تكمل إلا بحصول ثمرته ، وثمرة الصداقة الوفاء الذي وقر في الصدور..

فالشيء الموقور في الصدور يدرك بالبصيرة أي بالذوق والوجدان، أما الكلام عن الصديق فهو وقوف عند بعض وقائع الصحبة..

والحق أنني مهما قلت، فلن أوفي الصديق " العلمي" حقه..ولن أشفي غليل المدح من محه مدحا ..

فالكلام يبسط عن المناقب والفضائل ومما إلى ذلك مما يطول الكلام عنه..

وخلاصة القول أن المنون رمى بسهمه، فأصاب صرحا شامخا من الأخلاق والشمائل والمكارم.. وحب العلم حب المتيمم والعاشق الولهان..

سوف يتذكر رواد مكتبة "عالم الفكر" ذلك الركن القصي بشارع علال بن عبد الله بالعاصمة الرباط..، الذي قد لا يلفت نظرا السابلة بسبب الضوضاء والجلبة التي تلف الشارع الكبير ومحيطه ..

لقد أصبح للمكان جاذبيته المغناطيسية يؤمه الكتاب وطلاب العلم وقادة الرأي والفكر من كل حدب وصوب (من الشرق والغرب) لقد أضفى محمد العلمي على هذا الركن المنزو، إشعاعا ثقافيا عابرا للحدود..، حوله إلى نادي للفكر ومجلسا للأدب والثقافة ومكتبة للباحثين والدارسين وطلاب العلم من مختلف المشارب والتخصصات..

في قلب هذه المكتبة الصغيرة كانت تدور حوارات ومناقشات فكرية رفيعة تتناول كل القضايا وتبحث في كل المواضيع: في الفلسفة والاجتماع، والسياسة والتاريخ والأدب والقانون والاقتصاد...، كما كانت تتخللها مستملحات تروح عن النفس وفي بعض الأحيان تنبعث من المسجل أنغام سجية جميلة تشنف الأسماع..

كنت أشعر وأنا أحضر هذه المجالس الخصبة والثرية أن الثقافة رسالة مقدسة يحق لصاحبها أن يصان شرفه بين أعلى الطبقات الاجتماعية، وأعلى المقامات الإنسانية..

ولعل رسالة العلمي تتلخص في أن نطلب الكرامة من طريق الأدب والثقافة.

لا تحسبوا أبدا أننا وحدنا أصبنا بفقدان هذا العلم البهي من أعلام الثقافة بالمغرب.. الذي كان يعيش قضايا الثقافة بعقله وقلبه.. بل يشعر باللوعة كل من يحمل هما، ثقافيا وفكريا، وكل باحث عن المبادئ المقومة للفكر والمهذبة للأخلاق، والموقظة للضمائر وكل محب للحكمة التي هي علم الحق والعمل بالحق..

اسألوا المصنفات في الأدب والفنون والتاريخ واللغة والتراجم..، بل اسألوا كتب التراث كلها سوف تخبركم " باكية عليه جوابا".

لو كان بالموت عار ومنقصة

ما مات النبي صاحب القدر الرفيع

والوسيلة والمقام العالي

قل للذين بموت الشريف حزنوا لا تحزنوا!

إن جار لطه خير الأنام..

أيها السالك مدارج الأنوار..

المتبتل في محراب الأنبياء

المرثل للذكر مع الذاكرين

المسبح بتسبيحات الأولياء والعارفين

لك منا أزكى السلام وصادق الوفاء وجميل الدعاء

 

أحمد بابانا العلوي

 

العراق السرّي (4): معصوم للمالكي: الحق معك لكنّي أتعرض لضغوطات

salim alhasani2بعد انتخابات 2014، انتهت المدة الدستورية لرئيس الجمهورية السيد جلال الطالباني، فظهر التنافس حاداً بين ثلاث شخصيات كردية على المنصب: الدكتور برهم صالح، الدكتور فؤاد معصوم، الدكتور نجم الدين كريم. وقد أثار التنافس مشكلة داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، بحيث فشلت محاولات التفاهم والاتفاق على مرشح واحد. لكن حظوظ نجم الدين كريم بدأت تتراجع أمام قوة المنافسين الآخرين.

حاول السيد فؤاد معصوم استخدام العامل العاطفي للتأثير على السيد برهم صالح، فقد تحدث اليه بأنه متقدم في السن، وأن هذه فرصته الأخيرة لتولي منصب رفيع في الدولة، فيما يحتفظ المستقبل بفرص كثيرة للدكتور برهم صالح. غير أن حديث العاطفة لم يدخل قلب صاحبه، فهذه سلطة ومكاسب ومناصب ولا مجال للتفريط بالفرصة القريبة لبضعة أسابيع، فكيف الحال بأربع سنوات طويلة ثقيلة المرور؟

حصل برهم صالح على دعم أميركي لتولي منصب رئاسة الجمهورية، فزاده ذلك تمسكاً بموقفه، ثم جاءه خبر على لسان الدكتور حسين الشهرستاني بأن مرجعية السيد السيستاني ترغب في توليه منصب الرئيس، وكان ذلك يعني أنه سيجلس قريباً على كرسي الجمهورية، باعتبار أن الكتل الشيعية لن تعارضه بعد دعم السيد السيستاني له.

اللافت هنا أن الشهرستاني الذي أتعب المواطن العراقي بالتصريحات المتتالية ضد إقليم كردستان، هو الذي يحمل بشرى الرئاسة الى برهم صالح خصمه العنيد بخصوص السياسة النفطية، معززاً موقفه في منافسة الدكتور معصوم الرجل اللين والأقرب الى التحالف الشيعي. كما وعده الشهرستاني بأنه سيقف الى جانبه ضد معصوم لتولي رئاسة الجمهورية، وكان ذلك ما تريده السفارة الأميركية. خصومة الإعلام هنا تختلف عن حقيقة المواقف السرية.

...

بلغ خبر هذا التحرك السيد نوري المالكي، فأجرى اتصالاته لدعم الدكتور معصوم وإبقائه في دائرة المنافسة وعدم التراجع. ونتيجة ذلك صار القرار داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، الى اعتماد التصويت لإختيار مرشحه لرئاسة الجمهورية، وقد ساهم المالكي هنا في إقناع بعض الشخصيات الكردية بالتصويت لمعصوم.

جرى التصويت بين الرجلين ففاز معصوم بفارق ضئيل على منافسه، وبذلك تم طرحه كمرشح القوى الكردية لشغل منصب رئاسة الجمهورية في 23 تموز 2014.

...

وقف المالكي أمام خيارين دقيقين:

الأول: اعتماد مبدأ الرزمة الواحدة في الاتفاق على الرئاسات الثلاث، كما جرت العادة في التشكيلات السابقة.

الثاني: الاتفاق على كل رئاسة بمعزل عن الأخرتين.

وقد أخذ المالكي بالرأي الثاني، في محاولة لوضع البرلمان أمام قيد التوقيتات الدستورية، وبذلك يستطيع أن يمنع المفاوضات من التمدد الزمني.

كان المالكي يستند في خياره الى أن كتلته هي الأكبر، وعليه فلا حاجة الى إضاعة الوقت بالدخول في مفاوضات الرزمة الواحدة، لكن تقديره لم يأخذ في الاعتبار أن تخطيطاً سرياً يجري ضده من قبل شركائه الشيعة.

وفي تلك الأيام كان الحديث عن مفاوضات بين القائمة العراقية بزعامة السيد إياد علاوي وبين التيار الصدري والمجلس الأعلى لتشكيل الكتلة الأكبر، لكن السيد المالكي كان حذراً في هذا المجال، فأبقى المجال مفتوحاً لتشكيل التحالف الوطني، لمنع شركائه الشيعة من الاتجاه نحو القائمة العراقية.

وكان السيد إبراهيم الجعفري يُصر على المالكي بتوقيع وثيقة التحالف، لكن الأخير يرفض ذلك، رغم حضوره في مؤتمرات صحفية مشتركة، فالمالكي كان يعرف أنه لو وقع وثيقة التحالف رسمياً فانه سيخسر قوته في كونه صاحب الكتلة الأكبر دستورياً، وكان المالكي ينتظر انعقاد الجلسة الأولى ليضمن إقرار دولة القانون بانها الكتلة الأكبر، وهذا ما نجح فيه بالفعل. وقد سبق أن نشرت في الحلقة الأولى من هذه السلسلة صورة الكتاب الموقع من قبل رئيس البرلمان بحكم السن الدكتور مهدي الحافظ، وفيه يؤكد أن دولة القانون هي الكتلة الأكبر.

...

أدركت الكتل السياسية، بأن الطريق باتت سالكة أمام المالكي ليشكل الحكومة وفق السياقات الدستورية، وهنا بدأت عملية الالتفاف لإبعاد المالكي عن السلطة.

في أحد اجتماعات قادة الكتل الشيعية، طرح السيد عمار الحكيم ترشيح الجعفري لرئاسة الحكومة، فواجهه المالكي بالقول أن هذا يخالف الاستحقاق الانتخابي، ولا بد من احترام الصيغ الدستورية في الترشيح. فسكت الحكيم ولاذ بالصمت، لكنه أوقد في نفس الجعفري أملاً كبيراً بإمكانية حصوله على الرئاسة فيما لم جرى إبعاد المالكي.

...

أدرك المالكي أن الالتفاف عليه بدأ يزداد، فطلب من السيد فؤاد معصوم أن يوجه له كتاب التكليف لكونه مرشح الكتلة الأكبر، فماطل معصوم بأنه يعاني من ضغوط كبيرة، وأنه لا يريد أن يخالف رأي المرجعية الدينية والسفارة الأميركية والجهات السياسية، وعليه لا بد من التريث.

كانت رسالة المرجع الأعلى السيد السيستاني الى قيادة حزب الدعوة باختيار رئيس وزراء جديد، هي النقطة الحاسمة، فقد وضعت المالكي في مكان حرج.

حاول الجنرال قاسم سليماني إقناع السيد محمد رضا السيستاني بأن يُصار الى تكليف المالكي، وأنه سيتنازل بعد ذلك، أو انه سيواجه صعوبة أمام البرلمان فيسقط حقه في تشكيل الحكومة، وفي الحالتين فان رأي المرجعية سيتحقق في تولي شخص جديد رئاسة الوزراء، كما أن الاستحقاق الانتخابي سيمضي طبقاً للدستور، لكن السيد محمد رضا أبدى تحفظه على المقترحين، بأن المالكي بمقدروه ان يشكل الحكومة فيما لو جرى تكليفه.

....

عاد رئيس الجمهورية يكرر على المالكي بأنه سيوجه له كتاب التكليف، لكنه يواجه ضغوطات هائلة من مختلف الأطراف. في نفس الوقت كانت مجموعة من قيادة حزب الدعوة قد شعرت بأن حظوظ المالكي باتت ضعيفة، فقرروا التخلي عن دعم المالكي، واللجوء الى مرشح آخر. وقد كانوا يرون أن الالتزام برأي المرجعية يفرض عليهم ذلك، لكن الذي يلامون عليه، أنهم لم يحيطوا السيد السيستاني علماً بأن ذلك يخالف الدستور، وأن من الأفضل اعتماد مقترح الجنرال سليماني.

في الساعات الأخيرة للمهلة الدستورية، تم تداول عدة أسماء في اجتماع سري لم يعلم به المالكي، حتى استقر الرأي على الدكتور حيدر العبادي، وتم تكليفه من قبل رئيس الجمهورية فؤاد معصوم.

بادر المالكي الى إلقاء خطاب تلفزيوني، واعلن فيه أنه قدم شكوى ضد هذا التكليف الى المحكمة الاتحادية، لكونه يُعد خرقاً دستورياً. وكانت خطوة المالكي مُحرجة جداً لكافة الأطراف، فتدخلت السفارة الأميركية بقوة لتطلب من الهيئة القضائية المختصة بعدم النظر في القضية، وزيادة في الاحتياط، طلبت من عدة قضاة السفر الى أربيل، فسافر خمسة منهم من مجموع التسعة التي تتشكل منها الهيئة.

...

قدم المالكي مقترحاً الى قيادة حزب الدعوة، بأن يُصار الى تنازل مشترك، بمعنى أن يتنازل هو والعبادي عن الترشح، ويتم اختيار مرشح ثالث. لكن العبادي رفض ذلك، فلقد حصل على منيته وحلم حياته، وعند ذاك تسقط الاعتبارات الأخرى.

بمجرد اعلان الخبر، انطلقت برقيات التهنئة والتبريك والدعم تنهال على العبادي من الولايات المتحدة والدول العربية، تظاهرة تأييد لم تحصل من قبل بهذه السرعة.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة، والعراق السرّي للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

العراق السرّي (3): الجعفري وزير خارجية ضد مصلحة العراق

salim alhasaniلا يعرف المواطن العراقي سوى الشكل الظاهري من حركة السيد إبراهيم الجعفري وزير خارجية العراق، فهو في حركة مستمرة بين الدول، لكن هذا النشاط لا ينعكس على مصلحة العراق مطلقاً، كما أن الكثير من اجتماعاته ولقاءاته تجري بشكل فردي، من دون تنسيق مع رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي.

في زيارته الأخيرة الى تركيا كان المقرر أن يتفاوض مع الحكومة التركية لإطلاق حصة العراق من المياه، لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً، فقد أيد الموقف التركي في حبس المياه وعدم تزويد العراق بحصته، وهو ما انعكس جفافاً في مناطق شاسعة من العراق وخصوصاً في جنوب العراق.

...

يصطحب السيد الجعفري في زياراته المكوكية كادراً كبيراً يرافقه يضم أفراداً من الخدميين والضيافة خلافاً لما هو متعارف عليه في الزيارات الرسمية، إضافة الى الكلفة المالية المرتفعة لذلك، في وقت تعيش الحكومة العراقية وضعاً مالياً سيئاً.

ويتصرف الجعفري في سفراته بطريقة تثير إستياء شركات الطيران الجوية، حيث يُبقي عدداً من أفراد حمايته يحيطون به وقوفاً خلال الرحلة، في مظهر يستفز المسافرين، فضلاً عن انزعاج المضيفين لكونه يتعارض مع إجراءات السلامة اثناء الرحلة.

يتعمد الجعفري إطالة فترة السفر، حيث يقضي عدة أيام إضافية في جولات سياحية للإطلاع على معالم الدول التي يزورها، وهذا ايضاً يخالف العرف الدبلوماسي ويتسبب في مزيد من إهدار الأموال.

...

يركز الجعفري لقاءاته مع نمطين من الدول، الأولى ذات المصالح التجارية، مما يفتح المجال أمام احتمالات القيام باعمال تجارية فيها، وهذا ما لوحظ على الجعفري في فترته الأخيرة، حيث اصبح أحد الامبراطوريات المالية في العراق.

والثاني الدول المعادية للعراق والتي تكيد له المؤامرات، وابرزها السعودية وقطر وامثالهما، حيث يمتلك الجعفري بأوثق العلاقات معها. وهو يدافع عنها في مؤتمراته الصحفية، ويصفها بأنها متضررة من الإرهاب.

المشكلة الأكبر أن السيد العبادي لا يمتلك قوة محاسبة الجعفري، ومساءلته، مما يجعل الجعفري يتصرف بحرية تامة، من دون إحترام رأي العبادي، بل أنه لا يعرف إلا القليل عن سفرات وزيارات وزير خارجيته المتكررة.

...

والملفت ان الجعفري وهو يتجول في اليابان وسوسيرا وفرنسا وتركيا ودول العالم، يوجه من هناك رسائل وعظية عن الامام الحسين عليه السلام وعن شهداء الحركة الإسلامية، وعن التواضع وغير ذلك، وكأنه يمارس مهمة المبلغ الديني، وينسى انه يمثل سياسة العراق الخارجية، وعليه أن يحترم مهمته الحساسة بتقديم رؤية عراقية لما يجري في العالم، وكذلك التوغل في مجريات السياسة الدولية التي تخص مصالح العراق.

الجعفري بهذا السلوك، لا يُضعف موقف العراق ويقلل من قيمته الدولية، إنما يُحول المنصب الدبلوماسي الى شأن شخصي للإنتفاع وجني المكاسب مالياً وذاتياً.

ولأنه يعرف أن العراق ليس فيه رئيس وزراء يحاسب ويتابع، فقد تمادى في تصرفاته، وجعل وزارة الخارجية بيتاً ثانياً له يتحكم به اقرباؤه لتحقيق نزواته ورغباته في التجوال والسياحة.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة، والعراق السرّي للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

العراق السرّي (2): مدحت المحمود رجل العراق الأقوى

salim alhasaniبعد اسقاط نظام صدام، وجّهت القيادة الأميركية إهتمامها لمفصلين أساسيين في تصميم العملية السياسية، الأول: إعادة بناء الجيش، حيث ربطت قسما من الضباط العراقيين بتشكيلاتها السرية ارتباطا ًوثيقاً وصل لدرجة احتفاظ الأميركان بأرقام هواتفهم والتواصل معهم بشكل مستمر، كما منحت بعض كبار الضباط امتيازات استثنائية فقد خصصت لهم مبالغ مالية شهرية عن طريق السفارة الأميركية، وضمانة حمايتهم وإقامتهم الدائمة في الولايات المتحدة بعد انتهاء فترة خدمتهم أو في الحالات التي تقدرها القيادة العسكرية الأميركية، ومن الذين تركوا العراق ويقيمون حالياً في الولايات المتحدة وزير الدفاع السابق عبد القادر العبيدي، واللواء عبد العزيز الظالمي. كما أولت إهتمامها بعدد من الضباط وأبقتهم في مراكز قيادية منذ زمن الحاكم الأميركي بريمر، كالفريق أول ركن طالب شغاتي الكناني، الذي شغل مناصب مهمة في المؤسسة العسكرية، باسثناء فترة بسيطة ابعده فيها المالكي، لكن السفارة الأميركية طلبت من السيد العبادي تعيينه بمنصب قائد القوات المشتركة، فوافق على طلبها وهو يمارس مهامه حالياً في هذا المنصب الخطير.

...

أما المفصل الثاني الذي إهتمت به إدارة بريمر فكان المؤسسة القضائية فقد وضعوا على رأسها السيد مدحت المحمود وأولوه ثقتهم العالية، فاستمد قوته من الدعم الأميركي، وتعززت مكانته على رأس السلطة القضائية بعد إقرار الدستور، وبعد ترتيب قوانينها الخاصة، فحصل مدحت المحمود على سلطة استثنائية تحفظ له البقاء فيها والتحصن بقوانينها، بما يجعله أقوى السلطات في الدولة، فلا تستطيع عزله الرئاسات الثلاث، ولا تتمكن من تقييد صلاحياته.

...

يعرف قادة الكتل والنواب والوزراء وكبار المسؤولين، هذه الحقيقة، وهم حين يصرحون عن فساد القضاء ويوجهون له أقسى الاتهامات، فلأنهم يعرفون أن ذلك هو السبيل الوحيد الذي يدافعون فيه عن ضعفهم تجاه هذا الخلل الفاضح.

لقد خسر الدكتور اياد علاوي رئاسة الوزراء بسبب تفسير المحكمة الاتحادية للكتلة الأكبر، وظل يبث شكواه على وسائل الإعلام، لكنه لم يتخذ خطوة عملية جادة ضد المحمود، بل أن تهديده باللجوء الى المحاكم الدولية والأمم المتحدة، بقي مجرد كلمات استهلاكية لا أكثر. وراح يلقي باللائمة على إيران بأنها لا تريده أن يتولى تشكيل الحكومة، ثم تحول الى إتهام المحمود بانه يخضع للإرادة الإيرانية وللمالكي.

وعلى هذا السياق سار قادة الكتل السياسية في تكرار نفس الاتهام، بان المحمود خاضع للمالكي.

يواجههم هنا السؤال التالي:

إذا كانوا يعرفون تحكم المالكي بمدحت المحمود، فكيف يرضون بانتهاك القضاء والتلاعب به، وهم يشكلون مجتمعين الأكثرية العددية في البرلمان مقابل كتلة المالكي، وبمقدورهم أن يصنعوا الكثير في مواجهة هذا الخلل الذي ضاعت فيه السلطة القضائية وتحولت الى أداة حكومية، كما يقولون على مدى سنوات وسنوات؟

ومن جانب آخر، يواجهنا السؤال التالي: إذا كان المحمود تابعاً للمالكي فكيف يخذله في أهم معاركه السياسية، ويتخلى عن حسم الدعوى القضائية التي قدمها الى المحكمة بالطعن في دستورية تكليف معصوم للعبادي بتشكيل الحكومة، ولو حسمها لما خسر المالكي رئاسة الوزراء، ولما وصلت الى العبادي. ولا تزال الدعوى قائمة حتى اللحظة لم يسحبها المالكي بعد؟

...

والملفت أن أشد الأعداء المتضررين من المحمود في فترة المالكي، وأقصد بهم قادة الكتل السنية والكردية والشيعية، تركوا ملاحظاتهم السابقة على المالكي، ولم يوجهوا أصابعهم اليه لإدانة فترته الطويلة في التلاعب بالقضاء كما كنا نسمع، ولم يتخذ أي منهم خطوة عملية جادة لإدانة المحمود على ما اقترفته يداه طوال السنوات الماضية. بل أن التهديدات وكلمات الوعيد التي أطلقها زعماء الكتل السياسية وقادتها مثل أسامة النجيفي وإياد علاوي ورافع العيساوي وصالح المطلك ومسعود البارازني وخميس الخنجر وغيرهم، قد تلاشت بعد ان صار الطريق سالكاً أمامهم للأخذ بثأرهم من المحمود ومن المالكي.

والأمر نفسه ينطبق على السيد مقتدى الصدر والسيد عمار الحكيم وقادة الفضيلة وغيرهم عندما كانوا يتحدثون ويقولون إن المالكي سيواجه اليوم الأسود عندما تنتهي ولايته، وسيعلم أي منقلب ينقلب بعد أن تؤول السلطة الى غيره، وبذلك يفقد سيطرته على القضاء والتحكم برئيسه مدحت المحمود كما كانت تصريحاتهم تملأ وسائل الإعلام بذلك.

...

إن القضية المثارة في هذا المقال ـ والذي قبله ـ هي دستورية حكومة السيد العبادي، وعليه فلا بد أن يتحمس لها العبادي والكتل السياسية، من أجل أن يبعدوا أية شبهة طعن في دستوريتها، فما الذي يمنعهم من تقديم طلب الى السيد المحمود ليعطي رأيه بخصوص شكوى المالكي؟

أليس من المنطق أن يكون العبادي وقيادة حزب الدعوة والكتل الشيعية هم الأكثر إهتماماً بهذه القضية الدستورية، لينقذوا سمعتهم مما يرميهم به المالكي من تآمر عليه؟.

هل نجد منهم خطوة بهذا الاتجاه، ليعرف المواطن رأي القضاء بها؟ والأهم إيقاف المالكي عند حده في عرقلة حكومة العبادي، وإبعاد التهمة الشنيعة عنهم بالالتفاف على الدستور وعلى الاستحقاقات الانتخابية.

ونفس السؤال يتوجه الى السيد المالكي: فما الذي يدعوه الى السكوت وعدم متابعة دعواه القضائية، إذا كان يرى انه صاحب الحق؟

واذا كان قد يئس من السلطة، فان ذلك لا يعفيه من كشف الحقيقة عن طريق القضاء، ومن ثم إعلان تنازله، وبذلك يسجل موقفاً تاريخياً عالي المضمون من بعديه الأخلاقي والسياسي.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة، والعراق السرّي للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

العراق السرّي (1): حكومة غير دستورية تحكم العراق بتوافق القادة

salim alhasani2يحتاج البحث في دستورية حكومة السيد العبادي قدراً من الهدوء لإعادة تشكيل المشهد الذي أنتجها. لكن إمكانيات توفير هذا الهدوء تتلاشى عند أول خطوة، والسبب يكمن في الخلط بين تقييم حكومة السيد المالكي وبين الطريقة التي تم فيها إبعاده عن الولاية الثالثة، حيث يترك قسم من القراء الكرام مناقشة محور الموضوع، ويتجهون نحو إخفاقات المالكي في الأمن والخدمات، وما آلت اليه الأوضاع من تفشي الفساد وضياع عدة محافظات بيد داعش. أما الكلام عن دستورية حكومة العبادي فيضيع وسط هذه الانفعالات الساخنة.

ولكي لا نكرر الحالة نفسها، فأني أؤكد اداناتي السابقة للمالكي فيما كتبته من مقالات عبر السنوات الماضية وحتى آخر مقال، ويبقى رأيي فيه بأنه تسبب بكوارث كبيرة وخصوصاً في ولايته الثانية، أبرزها تفشي الفساد في العراق بشكل مدمّر، إضافة الى التدهور الأمني الذي انتهى بفقدان ثلث مساحة العراق على يد داعش.

لقد أخطأ المالكي وهو الذي يتحمل أخطاءه مباشرة، حتى لو جاء بعضها عن طريق المقربين منه، لأنه هو الذي جعلهم يحظون بالنفوذ والقوة، وكان عليه أن يبادر الى محاسبتهم بعد أن أخطأ في تقريبهم منه.

...

انتهت فترة المالكي وجاء الدكتور حيدر العبادي مدعوماً مؤيداً مباركاً من قبل كافة الأطراف العراقية والإقليمية والدولية، في تظاهرة تأييد لم يحصل عليها رئيس من قبل، وقد بلغ من أسباب الدعم ما جعل المرجعية تقف وراءه علناً، وتخرج الجماهير تفوضه بفعل ما يريد، واستجاب البرلمان لإصلاحاته ووضع صلاحياته تحت تصرفه. وقد أراد منه الشعب ان يعزل مدحت المحمود فقط، كان يرضيهم هذا المطلب لتبرد قلوبهم الحرّى وتبرد نفوسهم الثائرة، لكنه بدل ان يستجيب لهم ويتحول الى زعيم العراق التاريخي، فانه تراجع واختار أقصر الطرق للإنسحاب، واعلن تخليه عن تفويض الشعب، وانزوى في مكتبه يتحمل سخرية الشارع العراقي.

ويزداد الأمر إثارة عندما نلاحظ ان السيد حيدر العبادي الذي بث شكواه من المالكي وعرقلته لإجراءاته في إدارة الدولة، وراح يرددها على الأميركان والإيرانيين والمرجعيات وقادة الكتل ووسائل الإعلام، لم يستثمر هذه الفرصة ليوقف المالكي عند حده، ويعاقبه على سوء أعماله السابقة، من أجل ان يعيد الحق الى نصابه، وهي أولى مسؤولياته في الحكم.

لم نجد العبادي يتحرك بهذا الاتجاه خطوة واحدة أي باتجاه رئيس السلطة القضائية، بل أنه يرفض الاقتراب من مدحت المحمود رغم ان الشعب العراقي هتف على مدى أسابيع عديدة يطالب بإقالته.

فهل يحتفظ العبادي بهذا الإجراء ليوم الشدة؟

...

لن يقترب العبادي من مدحت المحمود ولن يعترض له طريقاً، والسبب أنه يدرك أن حكومته غير دستورية، فاذا ما أراد ان يزيح رئيس القضاء عن موقعه، حتى ولو بأكمل الطرق القانونية وأتمها، فانه سيجد في نفس اليوم صدور قرار المحكمة الاتحادية بصحة اعتراض المالكي، وأن الكتلة الأكبر هي دولة القانون، أي أن ترشيحه كان باطلاً لأنه جاء بالتفاف على الدستور اشترك فيه السادة: إبراهيم الجعفري وفؤاد معصوم وقادة الكتل الشيعية.

في وثيقة لا تقبل الجدل اضعها في نهاية هذا المقال وهي تبين أن لا وجود دستوري للتحالف الوطني، فقد وجّه السيد مهدي الحافظ كتاباً رسمياً الى رئيس الجمهورية والى رئيس البرلمان يقول ما نصه:

(فخامة السيد رئيس الجمهورية المحترم

سيادة رئيس مجلس النواب المحترم

تحية طيبة

كما تعلمون كنت رئيساً لمجلس النواب بحكم (السن) وأدرت ثلاث جلسات في (1، 13 و 15 تموز 2014 ) ولم يحصل أن تقدم أحد بأي طلب لي سواء من الإئتلاف الوطني أو غيره بشأن الكتلة الأكبر في مجلس النواب. وكان ملحوظاً أن كتلة دولة القانون هي الكتلة الأكبر في مجلس النواب.

مع التقدير والشكر

النائب مهدي الحافظ)

أضع صورة الوثيقة أدناه، وهي تفسر لنا مواقف العبادي، وعدم قدرته على الإصلاح، وسيبقى كذلك ملاحقاً بهذا الهاجس، فأي خطوة تزعج الآخرين، وخصوصاً السفارة الأميركية، ستكون نتائجها كشف المستور، وأي ضغط على مدحت المحمود ستعني الإفصاح عن عدم دستورية حكومته.

 876-salim

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة، والعراق السرّي للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

من الأرشيف: لقاء مع المرحوم السيد مهدي السويج

qusay askarالسيد مهدي السيد محمد احمد من وجوه البصرة المعروفة، كاتب وباحث وشاعر، كان من المفروض أن يتفرّغ للشعر لكن حبه الفقه والبحث فيه صرفه عن الشعر إلى الأمور والقضايا الدينية والكتابة والتأليف فيها، قبل عام 1993 زرته في بيته بمنطقة الحجيرة التابعة لمنطقة السيدة زينب في ريف دمشق واجريت معه لقاء نشرته جريدة المؤتمر العدد 69 الجمعة أيلول سبتمبر .أول ما بدأت لقائي معه بالشعر1994 حيث ربطته علاقة صداقة بكثير من الشعراء منهم الجواهري والصافي النجفي يقول: أول لقاء لي مع الجواهري كان في الأربعينيات يوم مات وزير الداخلية سعيد جريو، فشاركت في حفل تأبينه في بيت جريو بقصيدة رثاء مطلعها:

نادي السياسة مكلوم الحشا كمدا   إذ لم يجد مثل سعد مخلصا أبدا

وعلى الرغم من أني كنت صغير السن إلا أن الجواهري نشر قصيدتي التي كانت بحدود 28 بيتا في جريدته "الرأي العام" عام 1949. ونصحني الجواهري أن أترك الفقه لأنبغ في الشعر كذلك الصافي النجفي الذي التقيته في دمشق في مقهى هافانا عام 1960 و1965 فنصحني كذلك بترك الفقه والتفرغ للشعر. ويصيف أنه دعي مع الشيخ البازي إلى مهرجان الشاعر شوقي في الستينيات فنظم قصيدة ضارع بها قصيدة البردة ألقاها في المهرجان نفسه نيابة عنه الشيخ البازي ومطلع قصيدة السيد السويج هو:

عهد الصبا ومغاني الحب في أضم   رسمته أسطرا من مدمعي ودمي

ومنها هذا البيت أيضا:

محمد شعلة قدسية سطعت   فمزقت من سناها حالك الظلم

ولم أغفل أن أتحدث فيها عن عيد الغدير . القصيدة طبعت في النجف، البصرة، الشارقة والدوحة، واتصل بي الملحن سمير بغدادي حيث أراد أن يلحنها لتغنيها مائدة نزهة فلم أوافق لأسباب فقهية.

وعن علاقته بالسياسيين يذكر السيد السويج رحمه الله علاقته بالرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر فيقول: أولَّ تخرِّج ِ البكر من الكلية العسكرية تعيَّن في البصرة ملازما ثانيا . كان يتردد على مسجد السيد الحكيم في المعقل، وكنت أقرأ عند السيد الحكيم مجالس التعزية، وأذكر أن البكر كان يلف سجائره بيده ويقدمها لي. كان يحضر المجلس بالتوالي، ويبدو أنه اطلع على مؤلفاتي منذ كان ملازما وعنده بعض التسجيلات الحسينية بصوتي وبعد أن أصبح رئيسا للجمهورية استدعاني وقال نريد أن نحدث وزارة ونعينك وزير دولة للشؤون الدينية، فشكرته واعتذرت، وعرض عليّ ايضا الانضمام إلى الحزب الحاكم فأعلنت استقلالي.

للسيد السويج مؤلفات عناوينها تلفت النظر في حقول مختلفة، في الشعر والتاريخ والفقه، والحديث ومنظومة في الإملاء لكن لايبدو غريبا أن يكتب مختص في شؤون الدين والفقه منظومة في الحديث ورجاله والفقه واصوله والإملاء وطرقه أمّا الغريب فهو أن يكتب وينظم له العنوانات والموضوعات التالية:

نظم قواعد اللغة الإنكليزية .

نظم قواعد اللغة الإنكليزية في الحذف والتقدير.

نظم قواعد اللغة الكردية.

غير أن استغرابنا زال سريعا حينما سألناه فوضح لنا الأمر يقول رحمه الله:

ابني المرحوم عباس الذي أعدمه النظام كان بالمدرسة المتوسطة في الستينيات وقد حدث أن رسب في اللغة الإنكليزية فوعدته أن أنظم له قواعد الإنكليزية على الرغم من أني لا أعرفها فاشتريت كتبا وقرأت عن اللغة الإنكليزية وقواعدها وخلال أيام قليلة استوعبتها واستوعبت أفعالها القياسية وشواذها بقائمة المضارع والماضي واسم المفعول والفاعل من لفظ واحد، ثم أعقبتها ب 500 بيت للتمارين من أجل تعليم الطلاب لغة السياحة، وعندما أنجرت العمل دعتني إذاعة لندن مرتين آخرها عام 1970 أخبروني أنهم على استعداد لاستضافتي وتحمل نفقات السفر غير أني لم أذهب.

بعض من المنظومة في الإنكليزية:

إلى كبير وصغير تنقسم   حروفهم ثم عليها يرتسم

قسمان فالأول للطبع رفع   والثانِ في كتابة لهم وضع

فاسم كبير (كابتل) جاء وقد   سموا الصغير (صمول) حسب ما ورد

و(برنت) طبع (رايتنك) كتابه   عليك أن تراعي كلا بابه

هناك كتيب أهداني إياه عن السيدة الفاضلة أم الإمام العباس "ع" وكتيب آخر جمع فيه فتاوى علماء المسلمين من جميع المذاهب بتكفير الوهابية والطعن في فكرهم ليثبت للوهابية أنهم على خطأ في تكفير المسلمين بخاصة اصحاب المذاهب الأربعة فضلا عن المذهب الجعفري.

وهناك كتاب فعلا غريب أهداني إياه سرقه مني أحد الأصدقاء واسم الكتاب "مضحك الحزين ومسلّي السجين" جمع فيه الكثير من النكات الإيروتيكية وقد قدم للكتاب بمقدمة يعلل فيها تأليفه في هذا الباب حيث ذكر جملة من الفقهاء الذين سبقوه في تناول هذا الموضوع.

رحم الله الشاعر الفقيه الباحث السيد مهدي السويج.