المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

العراق السرّي (4): معصوم للمالكي: الحق معك لكنّي أتعرض لضغوطات

salim alhasani2بعد انتخابات 2014، انتهت المدة الدستورية لرئيس الجمهورية السيد جلال الطالباني، فظهر التنافس حاداً بين ثلاث شخصيات كردية على المنصب: الدكتور برهم صالح، الدكتور فؤاد معصوم، الدكتور نجم الدين كريم. وقد أثار التنافس مشكلة داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، بحيث فشلت محاولات التفاهم والاتفاق على مرشح واحد. لكن حظوظ نجم الدين كريم بدأت تتراجع أمام قوة المنافسين الآخرين.

حاول السيد فؤاد معصوم استخدام العامل العاطفي للتأثير على السيد برهم صالح، فقد تحدث اليه بأنه متقدم في السن، وأن هذه فرصته الأخيرة لتولي منصب رفيع في الدولة، فيما يحتفظ المستقبل بفرص كثيرة للدكتور برهم صالح. غير أن حديث العاطفة لم يدخل قلب صاحبه، فهذه سلطة ومكاسب ومناصب ولا مجال للتفريط بالفرصة القريبة لبضعة أسابيع، فكيف الحال بأربع سنوات طويلة ثقيلة المرور؟

حصل برهم صالح على دعم أميركي لتولي منصب رئاسة الجمهورية، فزاده ذلك تمسكاً بموقفه، ثم جاءه خبر على لسان الدكتور حسين الشهرستاني بأن مرجعية السيد السيستاني ترغب في توليه منصب الرئيس، وكان ذلك يعني أنه سيجلس قريباً على كرسي الجمهورية، باعتبار أن الكتل الشيعية لن تعارضه بعد دعم السيد السيستاني له.

اللافت هنا أن الشهرستاني الذي أتعب المواطن العراقي بالتصريحات المتتالية ضد إقليم كردستان، هو الذي يحمل بشرى الرئاسة الى برهم صالح خصمه العنيد بخصوص السياسة النفطية، معززاً موقفه في منافسة الدكتور معصوم الرجل اللين والأقرب الى التحالف الشيعي. كما وعده الشهرستاني بأنه سيقف الى جانبه ضد معصوم لتولي رئاسة الجمهورية، وكان ذلك ما تريده السفارة الأميركية. خصومة الإعلام هنا تختلف عن حقيقة المواقف السرية.

...

بلغ خبر هذا التحرك السيد نوري المالكي، فأجرى اتصالاته لدعم الدكتور معصوم وإبقائه في دائرة المنافسة وعدم التراجع. ونتيجة ذلك صار القرار داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، الى اعتماد التصويت لإختيار مرشحه لرئاسة الجمهورية، وقد ساهم المالكي هنا في إقناع بعض الشخصيات الكردية بالتصويت لمعصوم.

جرى التصويت بين الرجلين ففاز معصوم بفارق ضئيل على منافسه، وبذلك تم طرحه كمرشح القوى الكردية لشغل منصب رئاسة الجمهورية في 23 تموز 2014.

...

وقف المالكي أمام خيارين دقيقين:

الأول: اعتماد مبدأ الرزمة الواحدة في الاتفاق على الرئاسات الثلاث، كما جرت العادة في التشكيلات السابقة.

الثاني: الاتفاق على كل رئاسة بمعزل عن الأخرتين.

وقد أخذ المالكي بالرأي الثاني، في محاولة لوضع البرلمان أمام قيد التوقيتات الدستورية، وبذلك يستطيع أن يمنع المفاوضات من التمدد الزمني.

كان المالكي يستند في خياره الى أن كتلته هي الأكبر، وعليه فلا حاجة الى إضاعة الوقت بالدخول في مفاوضات الرزمة الواحدة، لكن تقديره لم يأخذ في الاعتبار أن تخطيطاً سرياً يجري ضده من قبل شركائه الشيعة.

وفي تلك الأيام كان الحديث عن مفاوضات بين القائمة العراقية بزعامة السيد إياد علاوي وبين التيار الصدري والمجلس الأعلى لتشكيل الكتلة الأكبر، لكن السيد المالكي كان حذراً في هذا المجال، فأبقى المجال مفتوحاً لتشكيل التحالف الوطني، لمنع شركائه الشيعة من الاتجاه نحو القائمة العراقية.

وكان السيد إبراهيم الجعفري يُصر على المالكي بتوقيع وثيقة التحالف، لكن الأخير يرفض ذلك، رغم حضوره في مؤتمرات صحفية مشتركة، فالمالكي كان يعرف أنه لو وقع وثيقة التحالف رسمياً فانه سيخسر قوته في كونه صاحب الكتلة الأكبر دستورياً، وكان المالكي ينتظر انعقاد الجلسة الأولى ليضمن إقرار دولة القانون بانها الكتلة الأكبر، وهذا ما نجح فيه بالفعل. وقد سبق أن نشرت في الحلقة الأولى من هذه السلسلة صورة الكتاب الموقع من قبل رئيس البرلمان بحكم السن الدكتور مهدي الحافظ، وفيه يؤكد أن دولة القانون هي الكتلة الأكبر.

...

أدركت الكتل السياسية، بأن الطريق باتت سالكة أمام المالكي ليشكل الحكومة وفق السياقات الدستورية، وهنا بدأت عملية الالتفاف لإبعاد المالكي عن السلطة.

في أحد اجتماعات قادة الكتل الشيعية، طرح السيد عمار الحكيم ترشيح الجعفري لرئاسة الحكومة، فواجهه المالكي بالقول أن هذا يخالف الاستحقاق الانتخابي، ولا بد من احترام الصيغ الدستورية في الترشيح. فسكت الحكيم ولاذ بالصمت، لكنه أوقد في نفس الجعفري أملاً كبيراً بإمكانية حصوله على الرئاسة فيما لم جرى إبعاد المالكي.

...

أدرك المالكي أن الالتفاف عليه بدأ يزداد، فطلب من السيد فؤاد معصوم أن يوجه له كتاب التكليف لكونه مرشح الكتلة الأكبر، فماطل معصوم بأنه يعاني من ضغوط كبيرة، وأنه لا يريد أن يخالف رأي المرجعية الدينية والسفارة الأميركية والجهات السياسية، وعليه لا بد من التريث.

كانت رسالة المرجع الأعلى السيد السيستاني الى قيادة حزب الدعوة باختيار رئيس وزراء جديد، هي النقطة الحاسمة، فقد وضعت المالكي في مكان حرج.

حاول الجنرال قاسم سليماني إقناع السيد محمد رضا السيستاني بأن يُصار الى تكليف المالكي، وأنه سيتنازل بعد ذلك، أو انه سيواجه صعوبة أمام البرلمان فيسقط حقه في تشكيل الحكومة، وفي الحالتين فان رأي المرجعية سيتحقق في تولي شخص جديد رئاسة الوزراء، كما أن الاستحقاق الانتخابي سيمضي طبقاً للدستور، لكن السيد محمد رضا أبدى تحفظه على المقترحين، بأن المالكي بمقدروه ان يشكل الحكومة فيما لو جرى تكليفه.

....

عاد رئيس الجمهورية يكرر على المالكي بأنه سيوجه له كتاب التكليف، لكنه يواجه ضغوطات هائلة من مختلف الأطراف. في نفس الوقت كانت مجموعة من قيادة حزب الدعوة قد شعرت بأن حظوظ المالكي باتت ضعيفة، فقرروا التخلي عن دعم المالكي، واللجوء الى مرشح آخر. وقد كانوا يرون أن الالتزام برأي المرجعية يفرض عليهم ذلك، لكن الذي يلامون عليه، أنهم لم يحيطوا السيد السيستاني علماً بأن ذلك يخالف الدستور، وأن من الأفضل اعتماد مقترح الجنرال سليماني.

في الساعات الأخيرة للمهلة الدستورية، تم تداول عدة أسماء في اجتماع سري لم يعلم به المالكي، حتى استقر الرأي على الدكتور حيدر العبادي، وتم تكليفه من قبل رئيس الجمهورية فؤاد معصوم.

بادر المالكي الى إلقاء خطاب تلفزيوني، واعلن فيه أنه قدم شكوى ضد هذا التكليف الى المحكمة الاتحادية، لكونه يُعد خرقاً دستورياً. وكانت خطوة المالكي مُحرجة جداً لكافة الأطراف، فتدخلت السفارة الأميركية بقوة لتطلب من الهيئة القضائية المختصة بعدم النظر في القضية، وزيادة في الاحتياط، طلبت من عدة قضاة السفر الى أربيل، فسافر خمسة منهم من مجموع التسعة التي تتشكل منها الهيئة.

...

قدم المالكي مقترحاً الى قيادة حزب الدعوة، بأن يُصار الى تنازل مشترك، بمعنى أن يتنازل هو والعبادي عن الترشح، ويتم اختيار مرشح ثالث. لكن العبادي رفض ذلك، فلقد حصل على منيته وحلم حياته، وعند ذاك تسقط الاعتبارات الأخرى.

بمجرد اعلان الخبر، انطلقت برقيات التهنئة والتبريك والدعم تنهال على العبادي من الولايات المتحدة والدول العربية، تظاهرة تأييد لم تحصل من قبل بهذه السرعة.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة، والعراق السرّي للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

العراق السرّي (3): الجعفري وزير خارجية ضد مصلحة العراق

salim alhasaniلا يعرف المواطن العراقي سوى الشكل الظاهري من حركة السيد إبراهيم الجعفري وزير خارجية العراق، فهو في حركة مستمرة بين الدول، لكن هذا النشاط لا ينعكس على مصلحة العراق مطلقاً، كما أن الكثير من اجتماعاته ولقاءاته تجري بشكل فردي، من دون تنسيق مع رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي.

في زيارته الأخيرة الى تركيا كان المقرر أن يتفاوض مع الحكومة التركية لإطلاق حصة العراق من المياه، لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً، فقد أيد الموقف التركي في حبس المياه وعدم تزويد العراق بحصته، وهو ما انعكس جفافاً في مناطق شاسعة من العراق وخصوصاً في جنوب العراق.

...

يصطحب السيد الجعفري في زياراته المكوكية كادراً كبيراً يرافقه يضم أفراداً من الخدميين والضيافة خلافاً لما هو متعارف عليه في الزيارات الرسمية، إضافة الى الكلفة المالية المرتفعة لذلك، في وقت تعيش الحكومة العراقية وضعاً مالياً سيئاً.

ويتصرف الجعفري في سفراته بطريقة تثير إستياء شركات الطيران الجوية، حيث يُبقي عدداً من أفراد حمايته يحيطون به وقوفاً خلال الرحلة، في مظهر يستفز المسافرين، فضلاً عن انزعاج المضيفين لكونه يتعارض مع إجراءات السلامة اثناء الرحلة.

يتعمد الجعفري إطالة فترة السفر، حيث يقضي عدة أيام إضافية في جولات سياحية للإطلاع على معالم الدول التي يزورها، وهذا ايضاً يخالف العرف الدبلوماسي ويتسبب في مزيد من إهدار الأموال.

...

يركز الجعفري لقاءاته مع نمطين من الدول، الأولى ذات المصالح التجارية، مما يفتح المجال أمام احتمالات القيام باعمال تجارية فيها، وهذا ما لوحظ على الجعفري في فترته الأخيرة، حيث اصبح أحد الامبراطوريات المالية في العراق.

والثاني الدول المعادية للعراق والتي تكيد له المؤامرات، وابرزها السعودية وقطر وامثالهما، حيث يمتلك الجعفري بأوثق العلاقات معها. وهو يدافع عنها في مؤتمراته الصحفية، ويصفها بأنها متضررة من الإرهاب.

المشكلة الأكبر أن السيد العبادي لا يمتلك قوة محاسبة الجعفري، ومساءلته، مما يجعل الجعفري يتصرف بحرية تامة، من دون إحترام رأي العبادي، بل أنه لا يعرف إلا القليل عن سفرات وزيارات وزير خارجيته المتكررة.

...

والملفت ان الجعفري وهو يتجول في اليابان وسوسيرا وفرنسا وتركيا ودول العالم، يوجه من هناك رسائل وعظية عن الامام الحسين عليه السلام وعن شهداء الحركة الإسلامية، وعن التواضع وغير ذلك، وكأنه يمارس مهمة المبلغ الديني، وينسى انه يمثل سياسة العراق الخارجية، وعليه أن يحترم مهمته الحساسة بتقديم رؤية عراقية لما يجري في العالم، وكذلك التوغل في مجريات السياسة الدولية التي تخص مصالح العراق.

الجعفري بهذا السلوك، لا يُضعف موقف العراق ويقلل من قيمته الدولية، إنما يُحول المنصب الدبلوماسي الى شأن شخصي للإنتفاع وجني المكاسب مالياً وذاتياً.

ولأنه يعرف أن العراق ليس فيه رئيس وزراء يحاسب ويتابع، فقد تمادى في تصرفاته، وجعل وزارة الخارجية بيتاً ثانياً له يتحكم به اقرباؤه لتحقيق نزواته ورغباته في التجوال والسياحة.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة، والعراق السرّي للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

العراق السرّي (2): مدحت المحمود رجل العراق الأقوى

salim alhasaniبعد اسقاط نظام صدام، وجّهت القيادة الأميركية إهتمامها لمفصلين أساسيين في تصميم العملية السياسية، الأول: إعادة بناء الجيش، حيث ربطت قسما من الضباط العراقيين بتشكيلاتها السرية ارتباطا ًوثيقاً وصل لدرجة احتفاظ الأميركان بأرقام هواتفهم والتواصل معهم بشكل مستمر، كما منحت بعض كبار الضباط امتيازات استثنائية فقد خصصت لهم مبالغ مالية شهرية عن طريق السفارة الأميركية، وضمانة حمايتهم وإقامتهم الدائمة في الولايات المتحدة بعد انتهاء فترة خدمتهم أو في الحالات التي تقدرها القيادة العسكرية الأميركية، ومن الذين تركوا العراق ويقيمون حالياً في الولايات المتحدة وزير الدفاع السابق عبد القادر العبيدي، واللواء عبد العزيز الظالمي. كما أولت إهتمامها بعدد من الضباط وأبقتهم في مراكز قيادية منذ زمن الحاكم الأميركي بريمر، كالفريق أول ركن طالب شغاتي الكناني، الذي شغل مناصب مهمة في المؤسسة العسكرية، باسثناء فترة بسيطة ابعده فيها المالكي، لكن السفارة الأميركية طلبت من السيد العبادي تعيينه بمنصب قائد القوات المشتركة، فوافق على طلبها وهو يمارس مهامه حالياً في هذا المنصب الخطير.

...

أما المفصل الثاني الذي إهتمت به إدارة بريمر فكان المؤسسة القضائية فقد وضعوا على رأسها السيد مدحت المحمود وأولوه ثقتهم العالية، فاستمد قوته من الدعم الأميركي، وتعززت مكانته على رأس السلطة القضائية بعد إقرار الدستور، وبعد ترتيب قوانينها الخاصة، فحصل مدحت المحمود على سلطة استثنائية تحفظ له البقاء فيها والتحصن بقوانينها، بما يجعله أقوى السلطات في الدولة، فلا تستطيع عزله الرئاسات الثلاث، ولا تتمكن من تقييد صلاحياته.

...

يعرف قادة الكتل والنواب والوزراء وكبار المسؤولين، هذه الحقيقة، وهم حين يصرحون عن فساد القضاء ويوجهون له أقسى الاتهامات، فلأنهم يعرفون أن ذلك هو السبيل الوحيد الذي يدافعون فيه عن ضعفهم تجاه هذا الخلل الفاضح.

لقد خسر الدكتور اياد علاوي رئاسة الوزراء بسبب تفسير المحكمة الاتحادية للكتلة الأكبر، وظل يبث شكواه على وسائل الإعلام، لكنه لم يتخذ خطوة عملية جادة ضد المحمود، بل أن تهديده باللجوء الى المحاكم الدولية والأمم المتحدة، بقي مجرد كلمات استهلاكية لا أكثر. وراح يلقي باللائمة على إيران بأنها لا تريده أن يتولى تشكيل الحكومة، ثم تحول الى إتهام المحمود بانه يخضع للإرادة الإيرانية وللمالكي.

وعلى هذا السياق سار قادة الكتل السياسية في تكرار نفس الاتهام، بان المحمود خاضع للمالكي.

يواجههم هنا السؤال التالي:

إذا كانوا يعرفون تحكم المالكي بمدحت المحمود، فكيف يرضون بانتهاك القضاء والتلاعب به، وهم يشكلون مجتمعين الأكثرية العددية في البرلمان مقابل كتلة المالكي، وبمقدورهم أن يصنعوا الكثير في مواجهة هذا الخلل الذي ضاعت فيه السلطة القضائية وتحولت الى أداة حكومية، كما يقولون على مدى سنوات وسنوات؟

ومن جانب آخر، يواجهنا السؤال التالي: إذا كان المحمود تابعاً للمالكي فكيف يخذله في أهم معاركه السياسية، ويتخلى عن حسم الدعوى القضائية التي قدمها الى المحكمة بالطعن في دستورية تكليف معصوم للعبادي بتشكيل الحكومة، ولو حسمها لما خسر المالكي رئاسة الوزراء، ولما وصلت الى العبادي. ولا تزال الدعوى قائمة حتى اللحظة لم يسحبها المالكي بعد؟

...

والملفت أن أشد الأعداء المتضررين من المحمود في فترة المالكي، وأقصد بهم قادة الكتل السنية والكردية والشيعية، تركوا ملاحظاتهم السابقة على المالكي، ولم يوجهوا أصابعهم اليه لإدانة فترته الطويلة في التلاعب بالقضاء كما كنا نسمع، ولم يتخذ أي منهم خطوة عملية جادة لإدانة المحمود على ما اقترفته يداه طوال السنوات الماضية. بل أن التهديدات وكلمات الوعيد التي أطلقها زعماء الكتل السياسية وقادتها مثل أسامة النجيفي وإياد علاوي ورافع العيساوي وصالح المطلك ومسعود البارازني وخميس الخنجر وغيرهم، قد تلاشت بعد ان صار الطريق سالكاً أمامهم للأخذ بثأرهم من المحمود ومن المالكي.

والأمر نفسه ينطبق على السيد مقتدى الصدر والسيد عمار الحكيم وقادة الفضيلة وغيرهم عندما كانوا يتحدثون ويقولون إن المالكي سيواجه اليوم الأسود عندما تنتهي ولايته، وسيعلم أي منقلب ينقلب بعد أن تؤول السلطة الى غيره، وبذلك يفقد سيطرته على القضاء والتحكم برئيسه مدحت المحمود كما كانت تصريحاتهم تملأ وسائل الإعلام بذلك.

...

إن القضية المثارة في هذا المقال ـ والذي قبله ـ هي دستورية حكومة السيد العبادي، وعليه فلا بد أن يتحمس لها العبادي والكتل السياسية، من أجل أن يبعدوا أية شبهة طعن في دستوريتها، فما الذي يمنعهم من تقديم طلب الى السيد المحمود ليعطي رأيه بخصوص شكوى المالكي؟

أليس من المنطق أن يكون العبادي وقيادة حزب الدعوة والكتل الشيعية هم الأكثر إهتماماً بهذه القضية الدستورية، لينقذوا سمعتهم مما يرميهم به المالكي من تآمر عليه؟.

هل نجد منهم خطوة بهذا الاتجاه، ليعرف المواطن رأي القضاء بها؟ والأهم إيقاف المالكي عند حده في عرقلة حكومة العبادي، وإبعاد التهمة الشنيعة عنهم بالالتفاف على الدستور وعلى الاستحقاقات الانتخابية.

ونفس السؤال يتوجه الى السيد المالكي: فما الذي يدعوه الى السكوت وعدم متابعة دعواه القضائية، إذا كان يرى انه صاحب الحق؟

واذا كان قد يئس من السلطة، فان ذلك لا يعفيه من كشف الحقيقة عن طريق القضاء، ومن ثم إعلان تنازله، وبذلك يسجل موقفاً تاريخياً عالي المضمون من بعديه الأخلاقي والسياسي.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة، والعراق السرّي للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

العراق السرّي (1): حكومة غير دستورية تحكم العراق بتوافق القادة

salim alhasani2يحتاج البحث في دستورية حكومة السيد العبادي قدراً من الهدوء لإعادة تشكيل المشهد الذي أنتجها. لكن إمكانيات توفير هذا الهدوء تتلاشى عند أول خطوة، والسبب يكمن في الخلط بين تقييم حكومة السيد المالكي وبين الطريقة التي تم فيها إبعاده عن الولاية الثالثة، حيث يترك قسم من القراء الكرام مناقشة محور الموضوع، ويتجهون نحو إخفاقات المالكي في الأمن والخدمات، وما آلت اليه الأوضاع من تفشي الفساد وضياع عدة محافظات بيد داعش. أما الكلام عن دستورية حكومة العبادي فيضيع وسط هذه الانفعالات الساخنة.

ولكي لا نكرر الحالة نفسها، فأني أؤكد اداناتي السابقة للمالكي فيما كتبته من مقالات عبر السنوات الماضية وحتى آخر مقال، ويبقى رأيي فيه بأنه تسبب بكوارث كبيرة وخصوصاً في ولايته الثانية، أبرزها تفشي الفساد في العراق بشكل مدمّر، إضافة الى التدهور الأمني الذي انتهى بفقدان ثلث مساحة العراق على يد داعش.

لقد أخطأ المالكي وهو الذي يتحمل أخطاءه مباشرة، حتى لو جاء بعضها عن طريق المقربين منه، لأنه هو الذي جعلهم يحظون بالنفوذ والقوة، وكان عليه أن يبادر الى محاسبتهم بعد أن أخطأ في تقريبهم منه.

...

انتهت فترة المالكي وجاء الدكتور حيدر العبادي مدعوماً مؤيداً مباركاً من قبل كافة الأطراف العراقية والإقليمية والدولية، في تظاهرة تأييد لم يحصل عليها رئيس من قبل، وقد بلغ من أسباب الدعم ما جعل المرجعية تقف وراءه علناً، وتخرج الجماهير تفوضه بفعل ما يريد، واستجاب البرلمان لإصلاحاته ووضع صلاحياته تحت تصرفه. وقد أراد منه الشعب ان يعزل مدحت المحمود فقط، كان يرضيهم هذا المطلب لتبرد قلوبهم الحرّى وتبرد نفوسهم الثائرة، لكنه بدل ان يستجيب لهم ويتحول الى زعيم العراق التاريخي، فانه تراجع واختار أقصر الطرق للإنسحاب، واعلن تخليه عن تفويض الشعب، وانزوى في مكتبه يتحمل سخرية الشارع العراقي.

ويزداد الأمر إثارة عندما نلاحظ ان السيد حيدر العبادي الذي بث شكواه من المالكي وعرقلته لإجراءاته في إدارة الدولة، وراح يرددها على الأميركان والإيرانيين والمرجعيات وقادة الكتل ووسائل الإعلام، لم يستثمر هذه الفرصة ليوقف المالكي عند حده، ويعاقبه على سوء أعماله السابقة، من أجل ان يعيد الحق الى نصابه، وهي أولى مسؤولياته في الحكم.

لم نجد العبادي يتحرك بهذا الاتجاه خطوة واحدة أي باتجاه رئيس السلطة القضائية، بل أنه يرفض الاقتراب من مدحت المحمود رغم ان الشعب العراقي هتف على مدى أسابيع عديدة يطالب بإقالته.

فهل يحتفظ العبادي بهذا الإجراء ليوم الشدة؟

...

لن يقترب العبادي من مدحت المحمود ولن يعترض له طريقاً، والسبب أنه يدرك أن حكومته غير دستورية، فاذا ما أراد ان يزيح رئيس القضاء عن موقعه، حتى ولو بأكمل الطرق القانونية وأتمها، فانه سيجد في نفس اليوم صدور قرار المحكمة الاتحادية بصحة اعتراض المالكي، وأن الكتلة الأكبر هي دولة القانون، أي أن ترشيحه كان باطلاً لأنه جاء بالتفاف على الدستور اشترك فيه السادة: إبراهيم الجعفري وفؤاد معصوم وقادة الكتل الشيعية.

في وثيقة لا تقبل الجدل اضعها في نهاية هذا المقال وهي تبين أن لا وجود دستوري للتحالف الوطني، فقد وجّه السيد مهدي الحافظ كتاباً رسمياً الى رئيس الجمهورية والى رئيس البرلمان يقول ما نصه:

(فخامة السيد رئيس الجمهورية المحترم

سيادة رئيس مجلس النواب المحترم

تحية طيبة

كما تعلمون كنت رئيساً لمجلس النواب بحكم (السن) وأدرت ثلاث جلسات في (1، 13 و 15 تموز 2014 ) ولم يحصل أن تقدم أحد بأي طلب لي سواء من الإئتلاف الوطني أو غيره بشأن الكتلة الأكبر في مجلس النواب. وكان ملحوظاً أن كتلة دولة القانون هي الكتلة الأكبر في مجلس النواب.

مع التقدير والشكر

النائب مهدي الحافظ)

أضع صورة الوثيقة أدناه، وهي تفسر لنا مواقف العبادي، وعدم قدرته على الإصلاح، وسيبقى كذلك ملاحقاً بهذا الهاجس، فأي خطوة تزعج الآخرين، وخصوصاً السفارة الأميركية، ستكون نتائجها كشف المستور، وأي ضغط على مدحت المحمود ستعني الإفصاح عن عدم دستورية حكومته.

 876-salim

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة، والعراق السرّي للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

من الأرشيف: لقاء مع المرحوم السيد مهدي السويج

qusay askarالسيد مهدي السيد محمد احمد من وجوه البصرة المعروفة، كاتب وباحث وشاعر، كان من المفروض أن يتفرّغ للشعر لكن حبه الفقه والبحث فيه صرفه عن الشعر إلى الأمور والقضايا الدينية والكتابة والتأليف فيها، قبل عام 1993 زرته في بيته بمنطقة الحجيرة التابعة لمنطقة السيدة زينب في ريف دمشق واجريت معه لقاء نشرته جريدة المؤتمر العدد 69 الجمعة أيلول سبتمبر .أول ما بدأت لقائي معه بالشعر1994 حيث ربطته علاقة صداقة بكثير من الشعراء منهم الجواهري والصافي النجفي يقول: أول لقاء لي مع الجواهري كان في الأربعينيات يوم مات وزير الداخلية سعيد جريو، فشاركت في حفل تأبينه في بيت جريو بقصيدة رثاء مطلعها:

نادي السياسة مكلوم الحشا كمدا   إذ لم يجد مثل سعد مخلصا أبدا

وعلى الرغم من أني كنت صغير السن إلا أن الجواهري نشر قصيدتي التي كانت بحدود 28 بيتا في جريدته "الرأي العام" عام 1949. ونصحني الجواهري أن أترك الفقه لأنبغ في الشعر كذلك الصافي النجفي الذي التقيته في دمشق في مقهى هافانا عام 1960 و1965 فنصحني كذلك بترك الفقه والتفرغ للشعر. ويصيف أنه دعي مع الشيخ البازي إلى مهرجان الشاعر شوقي في الستينيات فنظم قصيدة ضارع بها قصيدة البردة ألقاها في المهرجان نفسه نيابة عنه الشيخ البازي ومطلع قصيدة السيد السويج هو:

عهد الصبا ومغاني الحب في أضم   رسمته أسطرا من مدمعي ودمي

ومنها هذا البيت أيضا:

محمد شعلة قدسية سطعت   فمزقت من سناها حالك الظلم

ولم أغفل أن أتحدث فيها عن عيد الغدير . القصيدة طبعت في النجف، البصرة، الشارقة والدوحة، واتصل بي الملحن سمير بغدادي حيث أراد أن يلحنها لتغنيها مائدة نزهة فلم أوافق لأسباب فقهية.

وعن علاقته بالسياسيين يذكر السيد السويج رحمه الله علاقته بالرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر فيقول: أولَّ تخرِّج ِ البكر من الكلية العسكرية تعيَّن في البصرة ملازما ثانيا . كان يتردد على مسجد السيد الحكيم في المعقل، وكنت أقرأ عند السيد الحكيم مجالس التعزية، وأذكر أن البكر كان يلف سجائره بيده ويقدمها لي. كان يحضر المجلس بالتوالي، ويبدو أنه اطلع على مؤلفاتي منذ كان ملازما وعنده بعض التسجيلات الحسينية بصوتي وبعد أن أصبح رئيسا للجمهورية استدعاني وقال نريد أن نحدث وزارة ونعينك وزير دولة للشؤون الدينية، فشكرته واعتذرت، وعرض عليّ ايضا الانضمام إلى الحزب الحاكم فأعلنت استقلالي.

للسيد السويج مؤلفات عناوينها تلفت النظر في حقول مختلفة، في الشعر والتاريخ والفقه، والحديث ومنظومة في الإملاء لكن لايبدو غريبا أن يكتب مختص في شؤون الدين والفقه منظومة في الحديث ورجاله والفقه واصوله والإملاء وطرقه أمّا الغريب فهو أن يكتب وينظم له العنوانات والموضوعات التالية:

نظم قواعد اللغة الإنكليزية .

نظم قواعد اللغة الإنكليزية في الحذف والتقدير.

نظم قواعد اللغة الكردية.

غير أن استغرابنا زال سريعا حينما سألناه فوضح لنا الأمر يقول رحمه الله:

ابني المرحوم عباس الذي أعدمه النظام كان بالمدرسة المتوسطة في الستينيات وقد حدث أن رسب في اللغة الإنكليزية فوعدته أن أنظم له قواعد الإنكليزية على الرغم من أني لا أعرفها فاشتريت كتبا وقرأت عن اللغة الإنكليزية وقواعدها وخلال أيام قليلة استوعبتها واستوعبت أفعالها القياسية وشواذها بقائمة المضارع والماضي واسم المفعول والفاعل من لفظ واحد، ثم أعقبتها ب 500 بيت للتمارين من أجل تعليم الطلاب لغة السياحة، وعندما أنجرت العمل دعتني إذاعة لندن مرتين آخرها عام 1970 أخبروني أنهم على استعداد لاستضافتي وتحمل نفقات السفر غير أني لم أذهب.

بعض من المنظومة في الإنكليزية:

إلى كبير وصغير تنقسم   حروفهم ثم عليها يرتسم

قسمان فالأول للطبع رفع   والثانِ في كتابة لهم وضع

فاسم كبير (كابتل) جاء وقد   سموا الصغير (صمول) حسب ما ورد

و(برنت) طبع (رايتنك) كتابه   عليك أن تراعي كلا بابه

هناك كتيب أهداني إياه عن السيدة الفاضلة أم الإمام العباس "ع" وكتيب آخر جمع فيه فتاوى علماء المسلمين من جميع المذاهب بتكفير الوهابية والطعن في فكرهم ليثبت للوهابية أنهم على خطأ في تكفير المسلمين بخاصة اصحاب المذاهب الأربعة فضلا عن المذهب الجعفري.

وهناك كتاب فعلا غريب أهداني إياه سرقه مني أحد الأصدقاء واسم الكتاب "مضحك الحزين ومسلّي السجين" جمع فيه الكثير من النكات الإيروتيكية وقد قدم للكتاب بمقدمة يعلل فيها تأليفه في هذا الباب حيث ذكر جملة من الفقهاء الذين سبقوه في تناول هذا الموضوع.

رحم الله الشاعر الفقيه الباحث السيد مهدي السويج.

محمد عز الدين الصندوق عاشق العلم والفن والفلسفة

raed jabarkhadomتفتخر الامم والشعوب الحية والمتقدمة، بعلمائها ومفكريها وادبائها وفنانيها، وكل من له مساهمة فاعلة ومنجز ابداعي في الحياة الثقافية والمعرفية الانسانية، لان الحياة والمجتمعات والمؤسسات من دون ابداع ومبدعين لا قيمة لها.

والاستاذ الدكتور محمد عز الدين الصندوق، احد العلماء العراقيين المبدعين الذين جمعوا بين العلم والفن والفلسفة.

والصندوق عالم ومفكر وفنان، ولد في بغداد، واكمل دراسته الجامعية الأولية في جامعة بغداد، كلية العلوم، قسم الفيزياء، وحصل على الدكتوراه من جامعة مانجستر في انكلترا عام 1990. وعمل في الصناعة والمجال الأكاديمي، وآخر مناصبه العلمية في العراق كان رئيساً لقسم هندسة الليزر والإلكترونيات البصرية في جامعة النهرين. كما سبق له وان كان أحد اعضاء الهيئة التدريسية في كلية بابل الحبرية للفلسفة واللاهوت، وعضو في لجنة فلسفة العلوم في بيت الحكمة.

يعمل الصندوق حالياً أستاذاً لتكنولوجيا الطاقة المتجددة للدراسات العليا في جامعة Surrey في إنكلترا، وعضواً في لجنة الفيزياء الهندسية في معهد الفيزياء في لندن. وعضواً في جمعية فلسفة العلوم البريطانية، واشرف الصندوق وما يزال على الكثير من طلبة الدراسات العليا في العراق وانكلترا.

الصندوق مهتم بالفكر الفلسفي منذ بواكير حياته الثقافية الاولى ، وبعد تخصصه في مجال الفيزياء الذي كان سببه الفلسفة لم يترك قراءة الفلسفة وممارستها . وقد ساهم في الكثير من أنشطة قسم الفلسفة في كلية الاداب ـ جامعة بغداد منذ عام 1992 كما كان احد الكوادر التدريسية في قسم الفلسفة في كلية بابل للفلسفة و اللاهوت.

871-raedوالصندوق متخصص في فيزياء البلازما "انتقال الجسيمات المشحونه" ومهتم بأساسيات ميكانيك الكم. وله العديد من البحوث المنشورة في مجال تخصصه. بالإضافة لنشاطه العلمي في مجال اختصاصه فهو مهتم بفلسفة العلوم، وانعكست دراساته العلمية على طروحاته الفكرية.

وللصندوق عدد كبير من المنشورات العلمية الأكاديمية والاعمال الفكرية باللغتين العربية والإنكليزية. الأسلوب العلمي يبدو جلياً في جميع اعماله الفكرية والفنية. وتتميز معظم اعماله بالجرأة وحداثة الفكرة وربما غرابتها.

فمن اعماله المميزة في مجال الفيزياء:

1ـ اقترح عام 1997 تعديلاً للصياغة النظرية لمعادلة عالم الفيزياء الأمريكي ديفد بوم (Bohm) التي اكتشفها عام 1949 والخاصة بالانتشار الشاذ للبلازما. حيث بين ان الكسر (1\16) قد يعود إلى التركيب الهندسي للمنظومة.

2ـ في عام 2007 قدم تفسيراً ميكانيكيا لفرضية الأمواج الثلاثة التي تفسر الجسيم الدقيق على ضوء التصور الموجي. كان النموذج الذي اكتشفه على شكل الترس Gear. النموذج المقترح جاء متفقاً مع الفرضية وامكن استخدامه في اشتقاق المتجه الرباعي كما تعرفه النظرية النسبية الخاصة .

اما في مجال فلسفة العلوم والتكنولوجيا فقام بما يأتي:

1ـ يعتقد الصندوق بأن الدلة الرياضية المعقدة (Complex function) التي تلعب دورا أساسيا في فيزياء الكم يعود مرجعها إلى عدم قدرة التجربة العلمية على المستوى الميكروئي (المتناهي الصغر) على تجاوز حدود ذلك العالم الصغير وليست ناتجة عن تركيب احصائي كما سبق وان طرحه دبرولي في الثرموداينمك الخفي .

2ـ استخدم النموذج الإحصائي لدراسة تطور العلوم عند العرب والمسلمين وقارنه بالنموذج الغربي. ويفسر التطور العلمي على أساس ارتباطه بالحرية الفكرية.

3ـ يعتبر فلسفة التكنولوجيا المرحلة الرابعة للفكر الإنساني الذي وضع تسلسله الفيلسوف الفرنسي اوغست كونت في مراحله الثلاث. فهو يعتقد بانحسار الإقبال على العلوم لصالح التكنولوجيا.

4ـ استخدم التشبية العلمي في دراسته للمجتمع البشري، حيث يرى ان المجتمع البشري مشابه لمائع البلازما. وهو بذلك يسير بنفس منحى عالم الفيزياء الأمريكي بوم. هذا النموذج يفسر الكثير من الظواهر الاجتماعية. يعتبر المجتمع كيان كلي (Holism) مترابط وما الظواهر الاجتماعية الا ناتج للتفاعلات الفردية.

اما في مجال الفن والرسم تحديداً فهو يشكل أحد وسائل التعبيرالتي يعتمد عليها الصندوق، بالإضافة للعلم والفلسفة، ولديه الكثير من الاعمال الفنية الرائدة التي وظف العلم والفلسفة في اعماله ، وشارك الصندوق في مجموعة من المعارض الفنية وفاز بالكثير من الجوائز التكريمية.

يعتقد الصندوق بان العلم يمكن ان يدرس كل شيء (ما عدا الميتافيزيقيا) لذا اهتم بمحاولة معرفة حدود المعرفة العلمية و تأثيرها الاجتماعي. و قدم عدة دراسات في الفيزياء و حدودها . ويؤكد على ان واقع الفيزياء الحديثة و منذ عشرينات القرن الماضي و حتى الان تعيش إشكالية تجاوز حدود المعرفة لما يعرف بدالة الموجة المعقدة. و هذه الإشكالية لعبت و تلعب دورا كبيرا في الفكر الفيزيائي المعاصر. حتى انها افرزت ما يشبة الاديولوجيا او (Paradigm) الذي سيطر على الفكر الفيزيائي. وتوقع الفيلسوف كارل بوبر (1902ـ1994م) بان علماء المستقبل قد يتحولون للعمل في مجال التكنولوجيا اكثر من الفيزياء. وقد درس الصندوق هذه الظاهرة و توصل الى ان عصر العلم يواجه صعوبات تقنية و منطقية تحد من النشاط العلمي الصرف (Pure science). وتوصل الى نتيجة مهمة جداً كما اشار لها بوبر وهي ان التكنولوجيا اليوم تبرز كنشاط بديل للكثير من العلوم والفلسفات .

لقد تبنى الصندوق قانون المراحل الثلاث الذي طرحه الفيلسوف الفرنسي اوغست كونت (1798ـ1857) الذي ينص على ان البشرية مرت بمراحل او حالات ثلاث في تفكيرها وهي :

1ـ الحالة اللاهوتية: هي الحالة التي اتجه فيها الفكر البشري إلى البحث في كنه الأشياء وأصلها ومصيرها، فتخيل وجود قوى غيبية خفية هي علة ما يحدث في العالم.

2- الحالة الفلسفية او الميتافيزيقية: وهي الحالة التي أصبح فيها الفكرالبشري يفسر الظواهر ليس اعتماداً على علل مفارقة أو قوى غيبية، بل اعتماداً على علل ذاتية يصور له الوهم أنها باطنية في الأشياء، في حين أنها ليست إلا معان مجردة مثل : العلة والقوة والنفس والماهية …

3- الحالة الوضعية او الواقعية : وهي الحالة التي بلغ فيها الفكر البشري سن الرشد وأصبح يدرك أن المعرفة المطلقة مستحيلة، وبدأ يكتفي بمحاولة معرفة الظواهر وما يربط بينها من علاقات - دون الاهتمام بعلل الأشياء وماهياتها- وصياغة هذه العلاقات في شكل قوانين.

ولا اعرف بالضبط ما هو موقف الصندوق من هذه المراحل عند كونت، هل هو يتفق معه بالكامل بشأنها ام لديه موقف آخر مغاير، ولكن الواضح ان الصندوق قد اضاف على هذه الحالات او المراحل الثلاث مرحلة جديدة لتطور الفكر البشري من خلال ادخاله التكنولوجيا كمرحلة رابعة. فحسب نموذج كونت كل مرحلة لها واقع اجتماعي مميز لها، و باعتبار التكنولوجيا المرحلة الرابعة عند الصندوق فان المرحلة الاجتماعية المصاحبة لها هي مرحلة العولمة.

العالم اليوم يقفز قفزات كبرى في التكنلوجيا تفوق المراحل السابقة من تاريخ الفكر والعلم والفلسفة، ولكنني اعتقد ان هذا التطور والتقدم لم يحصل لولا التقدم الكبير في مجالات العلم وفلسفة العلم، وهذا ايضاً يذكرنا بالنهضة الاوربية الكبرى في مجالات العلوم والفنون والآداب، وما احدثته بعد ذلك من ثورة صناعية وعلمية هائلة فاقت العصور والحقب التاريخية السابقة، ولم يكن هذا ليكون لولا التأثر الكبير بحركة العلم ونهضته في عصور تاريخية سابقة سواء في الغرب او عند العرب والمسلمين وازدهارهم العلمي والحضاري والفكري.

يكرس الصندوق اليوم اهتمامه الكبير لنشر ثقافة الاصلاح والتنوير والتغيير وغرس الوعي العلمي والفلسفي والفني في نفوس الكثيرين، سواء من خلال محاضراته ودروسه او بحوثه او دراساته او مقالاته او لوحاته الفنية الرائعة التي جسدت ذلك بصورة واضحة تجذب نحوها الكثير من المريدين.

وقد وظف ووفق الصندوق في علمه وفلسفته وفنه بين كل هذه التخصصات الكبيرة والمثيرة، فهو مفكر عشق كل هذه المجالات والتخصصات التي تجمع بين العقل والحواس والعاطفة، وقليل ما تجتمع تلك الاهتمامات والتخصصات في انسان، وانشغالاته العلمية والبحثية والمختبرية الكثيرة لم تشغله وتفصله وتبعده عن التفكير الفلسفي ولا عن ريشة الفنان وزهو الوانه الجميلة.

ان وجود الصندوق حالياً في بريطانيا، جعله يعيش حالة من الدهشة الفلسفية، لما يعاينه من تطور وتقدم علمي وفكري وتكنلوجي كبير في الغرب، ومن التخلف والتأخر الذي تعيشه الشعوب والمجتمعات العربية والاسلامية، بفضل السياسات المنحرفة من جهة والتطرف الديني وتنامي الحركات الارهابية والفكر الاصولي من جهة اخرى. ولذلك فهو دائم الكتابة، ناقداً ومحللاً ومعالجاً، لواقع المجتمعات العربية والاسلامية اليوم، ويذكرنا بالتاريخ الكبير لحضارتنا العربية والاسلامية وازدهارها المجيد في مجالات العلوم والفنون والفلسفة والآداب، والمواقف العقلية والتنويرية التي كانت سائدة في فترات تاريخية سابقة، ولكن بسقوط بغداد عام 656هـ ـ 1258م، انتقلنا الى مرحلة انحطاط وظلام دامس في تاريخنا العربي والاسلامي لم نخرج منه الى اليوم.

يقول الصندوق في مقال له عنوانه (الفكر المشوه والانتحار الاجتماعي) يبين فيه واقعنا العربي اليوم مقارنة بالواقع الغربي المتقدم : (قام المفكرون الاسلاميون بتقييد الفكر ومنع المخ البشري من ممارسة دوره منذ القرن العاشر وحتى الان . لقد اتضحت الاعاقة الفكرية المزمنة الناتجه عن تلك القيود الحديدية بالتخلف الاجتماعي والحضاري الذي صاحب هذه المجتمعات خلال القرون الماضية ولحد لان. لقد ادى هذا الى توقف الانجاز العلمي والذي هو اساسا ناتج لمجابهة الطبيعة وتحدياتها كما تراجع تبعاً لذلك التراكم المعرفي لعدم وجوده اساساً. وهكذا قادت هذه القيود الحديدية الى اعاقة فكرية دائمة. هذه الاعاقة الدائمة الناتجة عن القيود الفكرية ولمدة قرون عدة ادت الى ما هو عليه من وضع في المجتمعات العربية الاسلامية من عدم القدرة على مجابهة التحديات على اختلاف انواعها.)

ومن الامور التي يشير اليها الصندوق في واقعنا العربي هي ان الفكر الديني هو الفكر المسيطر الوحيد على المجتمع خلال قرون مضت والى اليوم، لذا لم يظهر أي فكر بديل او إصلاحي على الساحة، وان ظهر فبصبغة دينية ايضاً، فقد كان الجامع او الكتاتيب او دور العبادة هي مصدر المعرفة الوحيد، اما بالنسبة لعامة الناس فكان الوعظ الديني مصدر معرفتهم الأساسي. لقد تجاوز الغرب هذه الحالة و تطورت دور المعرفة الدينية الى جامعات علمية تدريجيا نتيجة الإصلاح و التطور الفكري.

ان المجتمعات العربية الإسلامية سواء في الماضي او اليوم، تتربى على قبول الوعظ كمصدر معرفي جماعي، والوعظ يعني رفض الفكر النقدي و القبول و التسليم لما يقوله الواعظ، هكذا تربت هذه المجتمعات و حتى الآن. فكثير من الوعاظ حولوا الكثير من الاختصاصيين مثل الأطباء و المهندسين و المثقفين الى إرهابيين و قتلة. اما المجتمعات الغربية فهي تربي الأطفال في المدارس ومنذ نشأتهم على مناقشة المعلم و عدم تقبل كل ما يقال، وعلى الفكر النقدي والحوار والمناقشة، والفكر النقدي ـ من وجهة نظر الصندوق ـ يتم ارضاعه لهم اجتماعياً، وهذا ما جعل منهك اناس يتقبلون الافكار ويختلفون ويتحاورون اعتماداً على العقل والحجة والبرهان، دون اللجوء الى العنف والتطرف والالغاء والكراهية والتصفية.

اننا اليوم بامس الحاجة الى ثورة علمية وفكرية وسياسية واصلاحية تنقذنا مما نحن فيه من جهل وهمجية وتطرف وكراهية، وهذا لن يكون الا بنقد الذات واصلاحها ومعالجة عيوبها، والتحاور مع الآخر، والاخذ باسباب التقدم العلمي والتكنلوجي المعاصر، وان نفتح عيوننا على العالم ونقتبس منه ما يؤدي الى تقدمنا وانارة حياتنا وتقدم حاضرنا ومستقبلنا، وهذا لن يكون الا بجو ملىء بالحرية والنقد والاختلاف.

نعم اننا بحق نعد الصندوق عاشقاً للعلم والفن والفلسفة، وسلطنا ضوء بسيط على فكره وفنه وعلمه الكبير في هذا المقال، فهذا غيض من فيض، عسى ان نوسع ذلك في بحث مستقل في قادم الايام تفي حقه ومكانته العلمية والفكرية والفنية، وتكشف عن ريادته وابداعه الجميل وسعة افقه وخياله، في الساحة الفكرية والثقافية العراقية والعربية والعالمية.

 

د. رائد جبار كاظم

 

إسلاميو السلطة (88): حسين الشهرستاني استغلال الدين من اجل السلطة

salim alhasaniيشكل انخراط الدكتور حسين الشهرستاني في العملية السياسية، أحد مظاهر الانتكاسة التي طبعتها، فقد تنقل الرجل على مواقع مهمة في الدولة، كان يترك وراءه ركاماً من الفشل الكارثي، حيث تسنم مواقع حساسة تتصل بمناطق العصب من العراق، مثل الكهرباء والنفط والطاقة، فكان أحد صنّاع الخراب الاقتصادي لثروات هذا الوطن الغني المنهوب من قبل قادته السياسيين.

دخل الشهرستاني الحياة السياسية، من بوابة المرجعية، وكان ذلك كفيلاً لأن يختصر له المشوار. كما جاءها بعنوان مستقل، وهو الفراغ الذي كان موجوداً في بدايات تشكيل العملية السياسية، حيث تتوزع الشخصيات المهمة على أحزاب وكيانات معروفة. وبذلك استطاع أن يحظى بثقة المرجعية العليا ليكون أحد أعضاء لجنة اختيار المرشحين في قائمة الائتلاف الوطني، وكانت المرجعية قد اشترطت على أعضاء اللجنة بعدم ترشيح أنفسهم للانتخابات. لكن الشهرستاني عصى أمر المرجعية وخرق الشرط، فشارك في الانتخابات رئيساً لكتلة المستقلين. وهو بذلك لا يختلف عن غيره من قنّاصي الفرص، والعابرين على جسر العناوين والجهات الكبرى عند الشيعية، أي المرجعية الدينية، والهوية الإسلامية، والانتماء العائلي، والارتباط بخط الشهداء.

...

حاول الشهرستاني أن يُعتّم كثيراً على إستياء مكتب السيد السيستاني منه، بعد هذه الخطوة الإستغلالية، وكان يتصرف وكأنه لا يزال يتمتع بعلاقات وثيقة مع مرجعية السيد السيستاني، وأنه محل ثقتها واعتمادها. وكان في نفس الوقت يبذل جهوده الحثيثة ومساعيه المتواصلة لتقبل إعتذاره وتعذر له خديعته. فلا سبيل له للبقاء في دورات البرلمان ومراكز السلطة التي يتطلع اليها، فيما لو عرف الشارع العراقي فعلته في خيانة المرجعية والعهد الذي قطعه على نفسه أمامها.

كان الدكتور حسين الشهرستاني ينشد المنصب الرفيع، يطلبه حثيثاً، يريد بلوغه بأسرع وقت ومن أقصر طريق، قبل أن تتبدل المعادلات وتتغير الظروف، وهو رجل لا يملك من خبرة السياسة وثقافتها وفكرها ما يؤهله لتقديم الطروحات والأفكار والنظريات والحلول، فأدرك أن عليه أن يُسرع باستغلال الفرصة قبل زوالها، وهو في ذلك يشترك مع الجوقة التي دهمت العملية السياسية، فتقاسمتها بالمحاصصة، وتشاطرت المكاسب بالتوافقات.

وقد حقق خطوته الأولى بشغل منصب نائب رئيس البرلمان في حكومة السيد إبراهيم الجعفري عام 2005.

...

بعد الانتخابات البرلمانية نهاية عام 2005 وخلال مفاوضات الائتلاف الوطني باختيار مرشحه لرئاسة الوزراء، خاض الدكتور حسين الشهرستاني ميدان التنافس، مشكلاً بذلك مفاجأة في الوسط الشيعي والسياسي، لا تقل عن مفاجأة حزب الفضيلة الذي طرح الدكتور نديم الجابري أحد أقلام قادسية صدام المشؤومة، في التنافس على رئاسة الوزراء.

وقد كان دخول المنافسة محاولة من أجل الحصول على منصب رفيع في التشكيلة الجديدة، لأن حظوظ فوزه كانت محدودة، وهي نفس العملية التي مارسها حزب الفضيلة.

وفي الحقيقة فان تلك الخطوة مهما كانت دوافعها، إلا أنها أضعفت التماسك الشيعي، وأسهمت في ضعضعة كيانه البرلماني والذي أرادته المرجعية العليا أن يكون متماسكاً قوياً موحداً. وقد كانت الأجواء العامة أيامذاك منشدة نحو السيد الجعفري صاحب الشعبية الأكبر في العراق، قبل أن يفقدها تدريجياً وبوتيرة متسارعة بسبب اخطائه المتكررة، حتى آل به الأمر الى ما يثير الرثاء والسخرية مع الأسف.

...

نشط الشهرستاني في تلك الفترة في عقد اجتماعات سرية في قصره في المنطقة الخضراء، وقد اعتاد أن يعقد اجتماعاته مع شخص أو شخصين حرصاً على سريتها، وحتى يستطيع أن يمرر محاولاته من خلال أفراد معدودين، لعدم قدرته على إقناع الحاضرين في اجتماع موسع.

كما أنه كان يتحرك بمفرده في الاتصال بالسفير الأميركي زلماي خليلزاد، والاجتماع به بعيداً عن جو الائتلاف الوطني، ففي داخله تطلع كبير، لكنه كان يُدرك انه بحاجة الى دعم قوي ليقترب مما يريد، وبذلك يستطيع أن يضمن لنفسه منصباً مهماً.

...

سحب الشهرستاني ترشحه من المنافسة بعد ان حصل على وعد من المجلس الأعلى بتولي وزارة سيادية مقابل سعيه لإقناع كتلة المستقلين بمنح اصواتها للسيد عادل عبد المهدي. وكان ذلك كافياً بالنسبة له في تلك الأيام. فبذل جهوده لإقناع كتلته بدعم مرشح المجلس الأعلى، والابتعاد عن مرشح حزب الدعوة أي السيد إبراهيم الجعفري، لكنه عجز عن ذلك، لعدم قدرته في الحوار والإقناع إضافة الى ضعف قابلياته القيادية، فصار القرار أن يترك لكل عضو تحديد موقفه بنفسه.

تولى الشهرستاني في حكومة المالكي الأولى منصب وزير النفط، وفيها تصرف بثروة العراق الأهم، بحسابات خاطئة، من خلال جولات التراخيص. كما استغل منصبه في عقود وصفقات فاسدة. وقد تصرف بمزاجية عالية في التعامل مع الشركات الأجنبية، فكان يرفض المشاريع الرصينة التي تخدم العراق، لأنه لا يروقه الوفد المفاوض، فيصرّ على عرقلته ومن ثم رفضه، من دون سبب معقول.

ومزاجية الشهرستاني ونرجسيته توضحت من خلال كثرة الدعاوى التي أقامها ضد الإعلاميين والمنتقدين لإدائه في الوزارة.

وفي حكومة المالكي الثانية تولى منصب نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة، فواصل سياسته التخريبية، وتقديراته السيئة، حتى تحول الى واحدة من نكات الشارع العراقي، لكنها نكتة تزيده مرارة، ولا ترسم على شفتي المواطن بسمة ارتياح. وابرزها تكراره الدائم بتصدير الكهرباء عام 2013.

أمر آخر غريب في شخصية الشهرستاني، تتمثل في إصراره المريب على تولي شؤون الطاقة، فبعد ان فقد الأمل في حصوله على رئاسة الوزراء في ضوء استبعاد المالكي لولاية ثالثة، حصل على وعد من السيد العبادي بمنحه وزارة النفط مقابل النشاط الذي قام به لإيصاله الى الرئاسة. وحين اخلف العبادي في تحقيق وعده، أظهر سخطه عليه، واحتجب في قصره مقاطعاً الحكومة، حتى استرضاه العبادي بوزارة التعليم العالي إضافة الى عضوية لجنة الطاقة.

...

يُشكل نموذج الشهرستاني ظاهرة مؤسفة في التحول السريع للشخصية، عبر استغلال العناوين الدينية من اجل الطموح الشخصي والانغماس في المكاسب السلطوية.

ليس هذا وحده ما يبعث على الأسف عند المواطن العراقي، بل أن شدة الأسف تزداد في نفوس المعتقلين الذين استغل عنوانهم وعذاباتهم أيام المعارضة، ليصل الى ما يريد، وحين ضحك له الحظ، تركهم وراء ظهره وأدار وجهه عنهم، وكأنه لم يلتق بهم ذات يوم.

...

ملاحظة: سأتوقف عن الاستمرار في نشر هذه السلسلة، تمهيداً لتهيئتها في كتاب مستقل، وفيه أذكر ما لم يسمح لي المجال بذكره من تفاصيل ووقائع وأشخاص لم اتناولهم في هذه الحلقات، وخصوصاً فيما يتعلق بـ (حريم السلطة) وعلاقتهن بشخصيات مهمة، لقد حرصت على عدم ذكرها في حلقات السلسلة، تحاشياً من عاصفة التعليقات. أما ما يتعلق بالحلول فسأنشرها ضمن سلسلة مقالات جديدة أعتزم البدء بها ان شاء الله، تتناول الراهن العراقي وما يجري فيه وإمكانيات الحل.

 

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

ثرثرة على ضفاف الكتابة نبذه عن حياة الفيلسوف اوغيست كونت

fatima almomaniاوغست كونت Auguste Comte 1798-1857 يعد تلميذا لـ سان سيمون Saint-Simon وهو فيلسوف فرنسي وعالم اجتماع، بحيث أكد على ضرورة بناء النظريات العلمية المبنية على الملاحظة، إلا أن مؤلفاته كانت على جانب عظيم من التأمل الفلسفي، ويعد هو نفسه الأب الشرعي والمؤسس للفلسفة الوضعية. أسس المذهب الوضعي القائل أن لا سبيل إلى المعرفة إلا بالملاحظة والخبرة. إذ تقوم الفلسفة الوضعية على أن الفكر الإنساني لا يدرك إلا الظواهر المحسوسة في العالم الذي نعيشه. .

فالمذهب الوضعي الذي وضع "أوجست كونت " أسسه مذهب مادي إلحادي يقوم على الإيمان بالمادة وحدها، وينكر كل ما وراء المادة والحس، ويرى أن المعرفة اليقينية هي المعرفة الحسية المادية التي تقوم على الملاحظة والتجربة الحسية. وكل معرفة لا تقوم على الحس أو التجربة فإنها عند هؤلاء وهم وخيال . فهذا المذهب إذن ينكر جميع الأديان، ويرفض الغيب والمغيبات عن الحس، ويطعن في كل معرفة تأتي عن طريق الوحي.

ولقد شكل هدف كونت الأسمى هو إصلاح المجتمع ليعيش الناس في توافق وانسجام، ومذهبه عرض في كتابه: محاضرات في الفلسفة الوضعية، (1830- 1842) وفيه يبين المراحل الثلاث التي اجتازها الفكر في تطوره. يرى كونت Comte أن تاريخ البشرية ينقسم إلى ثلاث مراحل من التقدم الشامل: المرحلة الدينية، والمرحلة الميتافزيقية، ثم المرحلة العلمية. تمثل المرحلة الأولى المرحلة اللاهوتية théologique: حيث يعتقد الناس أن الموضوعات الجامدة التي لا حياة فيها هي موضوعات حية ولقد مرت هذه النظرية العامة نفسها بثلاث مراحل:

Animism or Fetishism -1: والتي تنظر إلى كل موضوع على أن له إرادته الخاصة.

Polytheism -2: والتي تعتقد أن الكثير من الإرادات السماوية تفرض نفسها على الموضوعات.

Monotheism -3: والتي تعتقد بوجود إله واحد يفرض نفسه على الموضوعات وعموما فإن المرحلة اللاهوتية تتميز بسيطرة اللاهوت على النظام ويتسم الأفراد بالبدائية حيث يعتقدون في الخرافات وتعتبر العبودية والعسكرية من السمات الرئيسية لهذه الفترة.

أما المرحلة الثانية وهي المرحلة الميتافيزيقية métaphysique: وهي الفترة التي حدث فيها تفسير للسببية بلغة القوى المجردة، حيث تحل الأسباب والقوى التجريدية محل الإرادات وتسود فكرة وجود كيان عظيم واحد هو الطبيعة.

أما المرحلة الثالثة والأخيرة فهي المرحلة الوضعية positivisme : وتتميز هذه المرحلة بأنها مرحلة إيجابية يحل فيها العلم محل الخرافات حيث يطور البشر عملية التفسير بمصطلحات العملية الطبيعية والقوانين العلمية وعند هذه النقطة من تطور المجتمع يصبح من الممكن التحكم في الأحداث الإنسانية، ويعتقد كونت Comte أن المدنية الأوروبية قد وصلت بالفعل إلى المرحلة الوضعية من التحكم في الظروف الطبيعية وأصبحت على حافة الوضعية فيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية .

وبهكذا شكل لكل مرحلة تطور مادي مماثل، ففي المرحلة اللاهوتية تسود الحياة العسكرية وفي المرحلة الميتافيزيقية تسود الأشكال القانونية أما المرحلة الوضعية فهي مرحلة المجتمع الصناعي، وهكذا يتمسك كونت بأن التطور التاريخي يكشف عن حركة متوافقة للأفكار والمؤسسات.

لقد كرس للدعوة إلى العلم أكثر من اهتمامه بموضوع العلم وبحيث كان ينظر إلى العلوم على أنها أما عمليه تطبيقيه او نظرية او إنها علوم وضعية او أنها علوم وضعيه ملموسة و أخرى مجرده حيث تهتم الأولى بالظواهر الملموسة وتعالجها بينما الثانية تنشغل باكتشاف القوانين الطبيعية التي تحكم هذه الظواهر وتحدد وجودها إذ تحتل الرياضيات قاعدة السلم لأنها تهتم بالجوانب المجردة لجميع الظواهر يليها الترتيب الميكانيكا والتي خلط كونت Comte بينها وبين الفلك ثم الفيزياء و الكيمياء فالبيولوجيا وفوق كل ذلك يكون علم الاجتماع أو الفيزياء الاجتماعية.

في الواقع إن كونت نقل المنهجية التجريبية من ساحة العلوم الفيزيائية لكي يطبقها على المجتمع نفسه ومختلف الظواهر الإنسانية. وهنا تكمن إحدى الميزات الأساسية للفلسفة الوضعية. فهي فلسفة علمية دقيقة لا تؤمن إلا بالحسابات والمعادلات الرياضية والقوانين الفيزيائية. إنها فلسفة تهتم باكتشاف القوانين، سواء أكانت القوانين التي تتحكم بالظواهر الطبيعية والفيزيائية، أم القوانين التي تتحكم بتصرفات البشر وعقليتهم. وكان كونت Comte يتصور أن البشرية كلها سائرة لا محالة باتجاه المرحلة الوضعية أو العلمية. ولكنها لن تتوصل إليها في نفس اللحظة. فالمجتمعات الأوروبية أو الغربية سوف تسبق غيرها إلى ذلك.

مهما يكن من أمر فإن اوغست كونت تغير نسقه الفلسفي الذي كان يحكمه العقل صار يقوم على منطق الحب والسبب في ذلك قصة الحب التي عاشها والتي لم تغير مجرى حياته فحسب وإنما نسقه الفلسفي الذي كان منخرطا في البحوث الوضعية العلمية الجافة. لقد استفاق كونت Comte من غفلته وعرف أن هناك قيماً أخرى في الحياة غير قيم الصناعة والتكنولوجيا والتقدم المادي. ولكن للأسف فإن الحضارة الغربية لم تتبع كونت الثاني وإنما ظلت متعلقة بكونت الأول. بل واعتبرت أن كونت الثاني خان كونت الأول كما سبق وقلنا…

إجمالا لقد مثلت فلسفة اوغيست كونت على إنها فلسفة العصر الصناعي والتكنولوجي الذي كان في طور انبثاقه أيام أوغست كونت إبان القرن التاسع عشر. وترجع أهمية هذا الفيلسوف بالضبط إلى أنه عرف كيف يستبق على هذا العصر الجديد وينظّر له حتى قبل أن يولد.

 

...............

1- كلود هنري سان سيمون1760) ـ 1825 Claude Henri Saint-Simon(فيلسوف واقتصادي فرنسي، ولد في باريس وتوفي فيها. كان كلود هنري سان سيمون مصلحاً اجتماعياً وأحد مؤسسي الاشتراكية المسيحية. نادى بالأخوة بين البشر وبضرورة التنظيم العلمي للصناعة والمجتمع.

 

 

ذكرى رحيل العراقي البروفسور نعيم دنكور

870-nabil1ولد السيّر البروفسور نعيم دنكور في العاصمة بغداد عام 1914م، لعائلة أصيلة بارزة في الطائفة اليهودية في بغداد، جدهُ الحاخام الأكبر عزرا دنكور، أسست عائلته أقدم المطابع الأهلية للكتب عام 1904م، وكانت تستورد الورق من السويد، والدهُ الراب الياهو عزرا دنكور تاجر الورق في بغداد (تولد 3 حزيران 1883م) الذي درسَ في مدارس بلدته ثم انصرف إلى التجارة والأعمال، واهتم بالمطبعة التي أنشأها أبوه فوسعها وطورها، ونشر بعد الحرب العالمية الأولى مئات الكتب العربية ولا سيما كتب دائرة المعارف، والكتب المدرسية للمدارس الابتدائية والثانوية والعليا، وكان في مقدمة مستوردي الورق وآلات الطباعة والحروف المطبعية، أسرة دنكور هي أول من طبع القرآن الكريم في مطابعها، أصدر سنة 1929م جريدة (الدليل) التجارية الأسبوعية، ثم أخرج سنة 1936م (الدليل العراقي الرسمي) في مجلدين ضخمين بالغتين العربية والانكليزية، وقد غادر الياهو العراق في تشرين الأول 1973م وأدركته المنية فيها في 26 تشرين الأول 1976م (1) .

أكمل السير نعيم دنكور دراسته الابتدائية والثانوية في بغداد وسافر إلى المملكة المتحدة عام 1930م لدراسة الهندسة في جامعة لندن، بعد إكماله الدراسة عاد إلى العراق الوطن الأم للالتحاق بالجيش العراقي لأداء الخدمة الإلزامية، ثم قام ببناء مؤسسات ضخمة ناجحة في العقارات والصناعات، تزوج عام 1946م من رينية دنكور وهي أول ملكة جمال بغداد منذ عام 1947م، وقد توفيت في لندن عام 2008م، وقد عرفت خير مثال للمضيفة الفاضلة التي تميزت بكرمها العراقي وأدب الضيافة لكبار الأسر النبيلة في أوروبا، ضمن مشاريع السير نعيم دنكور الناجحة حصل على امتياز شركة كوكا كولا في العراق مع شريكه المسلم أحمد صفوت في خمسينات القرن الماضي.

870-nabil2

بالرغم من نجاحه الباهر في مجال العمل والصناعات الحرة في العراق هاجر من البلد عام 1964م بسبب الأوضاع السياسية المضطربة وملاحقة الحكومة لليهود في العراق، عندما ترك العراق استقر في المملكة المتحدة تاركاً خلفه كل ممتلكاته وتجارته الناجحة وأصدقاءه، بعد مجيء البعث إلى السلطة في تموز عام 1968م، أصدرت مرسوماً على يهود العراق أما العودة أو مصادرة جميع ممتلكاتهم، اختار اللجوء تاركاً ممتلكاته وأمواله، مارس حياته العملية في انكلترا في بناء العقارات وتطوير الأعمال التجارية، وبعد فترة وجيزة التحق به أبناؤه الأربعة تاركين موطنهم الأصلي العراق.

ضمن أعماله الخيرية أسس مركزاً اجتماعياً في غرب كنسنغتون للمهاجرين الجدد وتقديم الخدمات المختلفة لهم، هذا المركز الخيري يعد صرحاً علمياً كبيراً ومشروعاً ثقافياً اجتماعياً عظيماً، حيث النسبة العظمى من الطلاب فيه من ذوي اللاجئين الذين لا يجيدون الانكليزية، وتكون الانكليزية اللغة الثانية لهم، فيساعدهم المركز ليتخطوا الحواجز اللغوية من المرحلة السابقة إلى المستوى (A) .

عام 1971م أسس مجلة (سكرايب) ليهود بابل، وذلك لتوحيد الشتات اليهودي العراقي، وقد ترأس تحريرها باعتباره المساهم الكبير فيها لأكثر من ثلاثين عاماً، كان للمجلة دور في توثيق تاريخ تجارب المهجر، كما أنشأ مؤسسة (المنفيون) كمؤسسة خيرية في مساعدة ودعم الجانب التعليمي في بريطانيا وأنحاء العالم، ومن ضمن نشاطات المؤسسة مساعدة المدارس من الهدم ومشروع الأرز في القدس وإرسال عشرة آلاف من الأكياس أسبوعياً للمدن الفقيرة.

عند سماع البروفسور نعيم دنكور بالحصار والجوع والمرض الذي أصاب العوائل العراقية نتيجة الحصار الاقتصادي المفروض على العراق بعد حرب الخليج الأولى، قام سراً بإرسال ما يقارب من مليون باون استرليني عبرَّ مكاتب تحويل للأموال موثوق بها لدعم العوائل المحتاجة، لكن كان للسير دنكور شرطان في منح هذه العوائل، الأول أن لا يعرف المحتاج من أرسل المساعدات والثاني أن لا يقال للبروفسور دنكور مَن استلمها(2).

قدم البروفسور نعيم دنكور عام 2005م منحة مليون جنيه استرليني لطلاب الجامعات البريطانية، وفي تموز عام 2006م حصل على أعلى وسام في بريطانيا من الملكة اليزابث الثانية في عيدها الثمانين، عندما منحته وسام الإمبراطورية البريطانية جزاء لأعماله الخيرية في دعم مجال التعليم.

يعد البروفسور نعيم دنكور من كبار المؤرخين والمعلقين السياسيين والنقاد في بريطانيا في مقالاته وتعليقاته في الصحف البريطانية ولا سيما في مجلة (سكرايب)، تظهر هذه المقالات على مدى إطلاعه على ما يحدث في بريطانيا والعراق والبلاد العربية والإسلامية.

من ضمن مشاريعه الخيرية، ذكرت صحيفة (التايمس) أن المليونير العراقي دنكور تبرع بثلاثة ملايين باوند كمنح لزمالات علمية للتلاميذ العراقيين الفقراء في الجامعات البريطانية وفي غيرها من الأقطار، لذلك نقدم للبروفسور دنكور كل التقدير والإحترام الخاص لمواقفهُ الوطنية والنبيلة في مجال دعم العلم والتعليم ومساعدة الفقراء والمحتاجين، الذي بقى طوال حياته بمشاعره وقلبه مشدوداً للعراق.

عام 2010م انتخب البروفسور نعيم دنكور رئيساً فخرياً لرابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق بدعوة من البيروفسور سامي موريه، يعتبر دنكور من مؤسسي صندوق رأس الجالوت في لندن(The Exilarch's Foundation، London) الذي يرأسه. ويعتبر من كبار أعيان العراق في لندن، إذ وهب الكثير من ثروته لخدمة أبناء وطنه العراق .

رحل السير البروفيسور نعيم دنكور يوم 20 نوفمبر 2015م في لندن بعد أن تجاوز عمره الواحد بعد المئة.

 من القصائد الرائعة للشاعر د. جبار جمال الدين، مهـنئاً بهـا البروفيسور نعيم دنكور على لقب "سير" من ملكة بريطانيا اليزابث الثانية "إذ قال :

لَقَبُ "السِّير" الّذِي قَدْ حُزْتَهُ............هُـوَ فَخْرٌ لِيهــــــــــــــُودٍ وَعَـرَبْ

يَا نَعِـيمٌ! وَلَكَ الـنُـعْـمــَى الّتِي...........ِهيَ لِلْحُرِّ ابْتِــــــــــــــغاءٌ وَطَـلَبْ

يَدُكَ الْبَيْضاءُ كَمْ بَاعٍ لَهَا فِي.............دُرُوبِ الْخَيْرِ شَـــــــعّتْ كاللَهَبْ

قَدْ جَمَعْتِ المَجْدَ مِنْ أطـْرافِهِ............وَالنّدِى جاءَكَ مِـــــــــــنْ أمٍ وَأبْ

يا سَلِيلَ الرّابِ دَنْكُورٌ وَمــنْ.............شَيّدُوا للْشّعْـــــبِ مَجْدًا مِنْ ذَهَبْ

وَارِثَا آشُـورَ وسِنْـــــحارِيبَ.............والنّهْـرَينِ والْمَــــــــــاءُ العـَذِبْ

يَا ابْنَ فِيلونَ الذينَ خــــَطّ لَهُ............فِي ثَـنايا فِكْرِهِ أعْــــــــلى الرُتَبْ

ياابنَ مَيْمُونَ الّذِي أصْغَى لَهُ............مسمعُ الأفلاكِ مِن شرْقٍ وغربْ

يا ابنَ كمونه يا مـنْ قدْ عَلا.............جاوزَ الجوزاءَ فيمـــــَا قَـدْ وَهَبْ

لقبُ "السـير" دليـــــــلٌ إننا.............أمّـةٌ ســيـدَةٌ طُـــــــــولَ الحِـقَـبْ

والعراقيُّ أبِيٌّ شـــــــــــامِخٌ.............نفسُهُ دونَ عَطـــــــــاءٍ لمْ تطِبْ

ياابنَ عِزرا ايّها الكاتبُ فِي..............صَفْحَةِ الكاتبِ ما يَجْلي الكَرَبْ

وحِوارٍ بـينَ أدْيـــــــــانٍ لَه..............غايةٌ تَسْمو على أسْمَى الشّـهُبْ

حَسْبُ دنكور فــــــــــخارا...............إنّهُ عـالمٌ فَـذٌ أريبٌ فِـي الأدَبْ

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

.....................

المصادر

1- بصري. مير. أعلام اليهود في العراق الحديث . دار الوراق للنشر. لندن. ط3. 2009. ص174.

2-   الحيدري. نبيل. مقال حول توثيق دنكور لفلم عن يهود العراق في قصة لاعبي كرة الطائرة. موقع الكتروني. فراديس العراق. http://www.iraqparadises.com/?page=news&id=4210

 بصري.مير. أعلام اليهود في العراق الحديث . دار الوراق للنشر. لندن. ط3. 2009. ص174

الحيدري. نبيل. مقال حول توثيق دنكور لفلم عن يهود العراق في قصة لاعبي كرة الطائرة. موقع الكتروني. فراديس العراق. http://www.iraqparadises.com/?page=news&id=4210

 

إسلاميو السلطة (87): إنقاذ العراق بيد السيد السيستاني والنخب المثقفة

salim alhasaniباشر المرجع الأعلى السيد السيستاني تأثيره على العملية السياسية العراقية بشكل مباشر من خلال تبنيه فكرة (الإئتلاف الوطني) للمشاركة في انتخابات الجمعية الوطنية عام 2004، وكانت تلك الفكرة هي الأساس الذي سارت عليه الكيانات الشيعية في الدورات الانتخابية التالية، كما أنها كانت العامل الحاسم في تحديد هوية رئيس الحكومة، نتيجة تحوله الى الكتلة البرلمانية الأكبر. وبذلك لا يمكن عزل المرجعية العليا عن مسار العملية السياسية.

ومع ان السيد السيستاني أبدى في مواقف وفترات عديدة استياءه من السلوك السياسي لقادة الكتل والحكومة وكبار المسؤولين، إلا أن ذلك لا يبعده عن الارتباط بالعملية السياسية. فالشخصيات القيادية ذات الموقع الاستثنائي، لا يمكن لها ان تنسحب من نتائج الخطوة الأولى، وهذا ما يفرضه منطق التاريخ وحركته المترابطة. فالميرزا حسين النائيني صاحب المدرسة الأصولية الكبرى في الحوزة الدينية، ارتبط اسمه بالحركة الدستورية في إيران، رغم أنه كان يقيم في العراق، لكن آراءه الداعمة والموجهة لها، أبقته في دائرة الحدث حتى بعد أن تخلى عن قيادته للحركة، وسحب كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة في وجوب المشروطة) من المكتبات.

كما أن الامام الشهيد محمد باقر الصدر، ارتبط بالعمل الحركي من خلال تأسيسه لحزب الدعوة الإسلامية، وظل ذلك ملتصقاً به حتى بعد خروجه من الهيكل التنظيمي عام 1961.

إن هذا الارتباط يأخذ طابعه النسيجي مع الحدث بكل ما يترتب عليه من نتائج، وقد يمتد لحقب طويلة تالية. لأن المسار التاريخي متصل الحلقات بما لا يمكن فصل إحداها واعتبارها غير موجودة، أو يجرى رميها بعيداً عن الخط العام الذي تشكّل وتحوّل الى مسار شاخص في الساحة.

...

وفي ضوء هذا المنطق التاريخي، فان مشروع السيد السيستاني في تشكيل الإئتلاف الوطني، وتعيين لجنة خاصة لتحديد المرشحين في انتخابات الجمعية العامة عام 2004، قد تحول الى أمر واقع في الشارع العراقي، أي أن الكيان البرلماني الشيعي هو نتاج المرجعية العليا.

ثم كان للمرجعية دورها المؤثر في أزمة الإئتلاف الوطني عام 2006 حين تعالت المعارضة ضد السيد إبراهيم الجعفري، فاقترح السيد السيستاني اختيار مرشح جديد من داخل حزب الدعوة، وبذلك تم اختيار السيد نوري المالكي ليشكل حكومته الأولى، كما حصل المالكي على دعم المرجعية لتشكيل حكومته الثانية.

ولو لا موقفها القاطع باختيار رئيس وزراء جديد، لضمن المالكي ولايته الثالثة. لكن موقفها حال دون ذلك، فتم ترشيح الدكتور حيدر العبادي الذي منحته المرجعية دعمها وتأييدها.

...

وطوال سنوات ما بعد سقوط نظام صدام، كانت المرجعية العليا مواكبة للعملية السياسية، ولها رأيها في مفاصلها المهمة، مثل إلزام المواطنين بالمشاركة في الانتخابات، والضغط على البرلمان لاعتماد نظام القائمة المفتوحة، والتأكيد على أهمية الالتزام بالتوقيتات الدستورية، وتوجيه الكتل السياسية بعدم استحداث مناصب سيادية فائضة عن الحاجة، وغير ذلك من مواقف تركت أثرها على العملية السياسية.

استخدم السيد السيستاني تقليداً ثابتاً مع المسؤولين في الحكومة، حيث يلجأ الى رفض استقبالهم في فترات عديدة كتعبير احتجاجي عن عدم رضاه على الأداء السياسي. وقد استخدمت المرجعية هذا الأسلوب مع السيد العبادي حين رفضت استقباله.

...

لكن على طول هذا الخط، كانت هناك مشكلة في التواصل بين دور السيد السيستاني وبين النخبة المثقفة من الشعب العراقي، حيث نلاحظ أن جمهور النخبة في حركته الغالبة يميل الى سلوك المواطن العادي، بمعنى انتظار الحل من المرجعية مباشرة، من دون القيام بجهد تمهيدي.

إن تجارب التاريخ القريب في العراق، تتحدث عن نشاط مكثف كانت تقوم به النخبة الثقافية والاجتماعية في العراق، ثم تتجه بعد ذلك الى المرجعية لتطلب رأيها، فيأتيها الجواب محدداً من خلال الفتوى الدينية أو التوجيه. لقد حدث ذلك خلال فترة الاحتلال البريطاني ومشاريع الاستفتاء التي أطلقها الحاكم البريطاني عام 1918، وحدث كذلك في مقدمات ثورة العشرين، وفي الموقف من الانتخابات التأسيسية والدستور الملكي، وفي معارضة الاتفاقية البريطانية العراقية عام 1922، وغير ذلك من المواقف الكبيرة.

...

في وضع العراق الحالي، فان المخاطر أكبر مما يمكن رصده، نظراً للمخططات العميقة التي تشترك فيها الدول الإقليمية مع الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب، وهي تستهدف الدولة العراقية، والكيان الشيعي تحديداً، وذلك بتوجيه ضربة قاصمة تأتي على قوته وتحويله الى وجود محاصر في عدد من المناطق العراقية، فيما تنشأ دولة سنية تبسط نفوذها على مناطق تواجد داعش في سوريا والعراق.

لقد تحدثت وسائل الإعلام وكبار الخبراء في المؤسسات البحثية الأميركية عن هذا التوجه، في مقابل برود أو موافقة من قبل رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي الذي يرتبط مع السفارة الأميركية بالتزامات تمنعه من التأثير على مسار ما يحدث.

لقد تحدثنا أكثر من مرة عن كارثة تزحف على العراق وشعبه، وستصيب الكيان الشيعي أول ما تصيب، وهذا ما يستدعي من النخبة المثقفة أن تتجه الى المرجعية الدينية تطلب منها التدخل لطلب استقالة العبادي، فالمرحلة تتطلب الإنقاذ العاجل.

...

الدور المسؤول هنا يتحمله المثقف العراقي ليقول كلمته باتجاه هذا الخيار، أما التظاهرات والشعارات العامة فهي ممارسات غير مؤثرة، تستهلك الجهد والوقت، لكنها لا تصنع الموقف، والاشهر الماضية تكفي دليلاً على ذلك.

هل تتفق أخي المثقف مع هذا الحل، أرجو ان تشارك هذا المنشور، وان تسجل رأيك بالطلب من المرجعية العليا التدخل العاجل، مع ملاحظة مهمة أن القضية لا تخص المتدينين انما تشمل الجميع من إسلاميين وعلمانيين، لأنها قضية وطن وشعب وهي تتجاوز حدود الانتماء الفكري والعقيدي.

 

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

الكاتبة والباحثة المغربية الراحلة فاطمة المرنيسي

shaker faredhasanغيب الموت قبل ايام فاطمة المرنيسي، وهي كاتبة وباحثة ومفكرة مغربية جريئة متخصصة في مجال العلوم الاجتماعية، انها باحثة جادة تتبنى الأفكار العلمية المضيئة، ومقاتلة على جبهة الفكر والحرية، وطاقة فكرية هائلة تستند الى الشجاعة في اقتحام ودخول ميادين وحقول صعبة وشائكة، أبرزها موضوعة المرأة والمتطلبات الحقيقية الصارمة للخوض في هذا المجال المعقد والملتبس، حيث تسيطر الأسطورة والخرافة والتقاليد السلفية التي تتعارض مع الدين وأحكامه او تتساوق معه أحياناً.

ولدت المرنيسي عام 1940 في مدينة فاس بالمغرب ونشأت في بيئة اسلامية مؤمنة، فتعلمت وحصلت على عدة شهادات اكاديمية، وعملت في جامعة الرباط.

وفاطمة المرنيسي كاتبة متميزة ومتفردة في علاقة المرأة وأثرها في المسائل والقضايا الاجتماعية الساخنة والمحورية. وقد تغلغلت في مساحات الممنوع والمحظور والمحرّم وطرحت اراء فكرية مختلفة ومغايرة اثارت جدلاً ونقاشاً حاداً وعنيفاً بين مؤيد لطروحاتها من التنويريين الجدد، ومعارض لأفكارها من جماعات التكفير وقوى التعصب الديني.

لفاطمة المرنيسي عدد من الجهود البحثية والمنجزات الكتابية والمؤلفات في حقل الفكر والبحث العلمي والتاريخي أبرزها: " الجنس، الأيديولوجيا والاسلام، الجنس كهندسة اجتماعية، السلوك الجنسي في مجتمع اسلامي رأسمالي، ما وراء الحجاب، السلطانات المنسيات، الحريم السياسي" وغير ذلك.

في بحوثها ودراساتها تحاول فاطمة المرنيسي معالجة مشكلة المرأة بجدية وجرأة غير معهودة ومألوفة، وهي تقف في وجه حجاب العقل وتجيء باراء وأفكار وتفسيرات واستنتاجات اعتماداً على مصادر تراثية كثيرة. وتشير المرنيسي الى تزايد الخطابات الفكرية حول المرأة، الساعية والرامية الى تغييب الخطاب العلمي التاريخي الذي يمكن المرأة العربية من النهوض والتطور والظهور بصورة أفضل وأحسن.

وفي كتابها "ما وراء الحجاب" تتناول مسألة الحجاب من داخل المجتمع الاسلامي، بنموذجه المغربي وطابعه التقليدي السلفي، والمتجدد في أصوليات ثقافية ودينية .

وترى المرنيسي ان الفيلسوف العربي القرطبي ابن رشد سعى من وراء حجاب عصره الى كشف وتشخيص مأزق مجتمعه الذي لا يجد سبيلاً الى التقدم والخروج من تحجّره ما دام نصفه، ان لم يكن ثلثاه من النساء، ولا يعملن شيئاً يسهم في تقدمهن وتقدم مجتمعهن وتلك الحدود الموسومة جعلت نصف الجماعة كلاً على نصفه الاخر.

اما في كتابها "الحريم السياسي" فتناقش مكانة ومنزلة المرأة السياسية في الفكر الاسلامي وتطرح الكثير من المسائل والاشكالات وتقدم اجابات على أسئلتها : أيحق للمرأة أن تتسلم القيادة، واذا كانت بعض النساء قد تبوأن مراكز قيادية في المجتمع الاسلامي كعائشة زوجة النبي وشجرة الدر ؟ فهل كان هذا خروجاً على القواعد؟!!

وتذهب المرنيسي الى التأكيد والقول : "أن مسح المرأة الى شيء محجب، خبيء، هامشي، متناقض لحد القصور الذاتي، في نطاق القانون الدستوري قد صمّغ الأعتاب التي حدّدت الهوية التسلسلية التي نظمت السياسي والجنسي، وان هويتنا التقليدية لا تكاد تتعرف على الفرد الذي احتقرته لأنه مخل بالتناسق الجماعي، ففكرة الفرد في الحالة الطبيعية، في المعنى الفلسفي للعبارة، غير موجود في الاسلام" .

وتدعو فاطمة المرنيسي الى ضرورة تجديد وتحديث المجتمع العر بي الاسلامي على اسس أخلاقية، وطنية وعلمية، وتحذر من المبالغة في القلق والخوف على المرأة من الحداثة والسياسة.

وفي الختام، فاطمة المرنيسي وجه نسوي تنويري مشرق في الثقافة العربية المعاصرة، ومثقفة واعية تثير التأمل وتستفز الجدال والتفكير وتعاني البحث عن الجديد في حركة المجتمع، وهي كغيرها من كاتبات ونساء مثقفات معاصرات، أمثال: نوال السعداوي وسلوى الخماش وبلقيس حميد حسن ورجاء بن سلامة وغيرهن ممن طرحن قضايا المرأة بصورة حادة ومختلفة، وقدّمن بدائل منهجية لكل ما هو ضار وفاسد ومتخلّف في حياة "السلطانات المنسيات"، وتشكل وفاتهاخسارة جسيمة للفكر النسوي النهضوي .

 

شاكر فريد حسن

 

المرنيسي .. لا نقول وداعاً

dawd alkabiنعم .. لا نقول وداعا، لأن كلمة (الوداع) سمجة وغير مستحسنة، وثقيلة على اللسان، فلا نحبذ أن نقولها بحق فاطمة المرنيسي، تلك المرأة المتنورة، والكاتبة المغربية، والمصلحة الاجتماعية، والمدافعة الكبيرة عن قضية المرأة حيث طالبت بتحررها من ربق عبودية الرجل وعبودية النص الديني الذي فسره رجال الدين واولوه بحسب ذهنينهم وعقليتهم الساذجة، ولا يزال صدى هذه العبودية بين الاوساط الدينية قائما على قدم وساق، فعلى الرغم من التطور الملحوظ الذي ظهر من المرأة على كافة الاطر العلمية والتقنية والثقافية والانسانية ؛ الا أنها لا تزال مطاردة ومتهمة، وبالخصوص في المجتمعات الاسلامية، فهي لا تتحرك الا بامر الرجل، زوجها، او اي محرم، وان خرجت من دون علم زوجها فقد لعنتها الملائكة والناس اجمعين، بحسب النصوص الدينية .

نعم أن رحيل المرنيسي يُعد خسارة كبيرة على الاوساط الثقافية والتنويرية والادبية، لكن ما تركته من نتاج ذهني ومعرفي ثر لايمكن بعد ذلك نعتبرها غائبة عن الوجود، بل هي حاضرة من خلال هذا النتاج لمن يريد أن يستحضر المرنيسي الكاتبة والانسانة .

 

*مولد المرنيسي ونشأتها

ولدت فاطمة المرنيسي عام ١٩٤٠ في فاس، وترعرعت في أوساط عائلية واجتماعية بورجوازية محافظة، وكانت عائلتها مقربة من الحركة الوطنية المناوئة للاستعمار الفرنسي، وعاصرت في طفولتها ظاهرة "الحريم" في بيوت الطبقة الغنية في فاس .

وحينما شبت وترعرعت درست وتعلمت في الرباط، قبل أن تنتقل إلى فرنسا ثم إلى أميركا لاستكمال تكوينها العلمي . ودرست العلوم السياسية في جامعة السوربون في فرنسا، وحازت على شهادة الدكتوراة. حتى اهتمت في كتاباتها بالإسلام وتطور الفكر الإسلامي، والمرأة والتطورات الحديثة التي يشهدها العالم اليوم .

وقد عملت باحثة بالمعهد القومي للبحث العلمي بالرباط، وبكلية الآداب والعلوم الإنسانية (جامعة محمد الخامس بالرباط)، وعضوا في مجلس جامعة الأمم المتحدة. وقامت بتأسيس جمعية من أجل حقوق المرأة تحت اسم "قوافل مدنية"، وقامت بأسهامات اخرى كإطلاق تجمع "نساء، أسر، أطفال".

تُرجِمت كتب فاطمة المرنيسي إلى أكثر من ثلاثين لغة وحصلت على جوائز متنوعة عالمية لقاء أعمالها، بما فيها جائزة إيرازموس الأوروبية وجائزة أمير أستورياس الأسبانية.

وعملت أستاذة جامعية في جامعة محمد الخامس بالرباط، كما كانت عضوَا في مجلس جامعة الأمم المتحدة، وقد حصلت على الكثير من الجوائز الأدبية في مسارها، منها جائزة الأمير أستورياس للأدب، التي تعد أرفع الجوائز الأدبية في اسبانيا.

حلقت إلى جامعة السوربون، لنيل الإجازة الدراسية في علم الاجتماع، وقررت منذ البداية، أن تنصب نفسها للدفاع عن حقوق المرأة وتحررها، وحريتها الشخصية، وحرمة وكرامة النساء عموما، في عالم عربي مطبوع، بسيادة المجتمع ألذكوري، المعتمد على إقصاء المرأة، المعتبرة عورة وقاصرة ومبتورة، إلا أنها مثيرة للشبق.

وقد ركزت معظم إسهاماتها على مقاربة التأطير الديني لمكانة المرأة ووظيفتها، وذلك من خلال التناول المباشر للنصوص الإسلامية، أو من خلال نقد الأدبيات الفقهية ذات الدور الحاسم في إنتاج القوانين الوضعية وتكريس الأطر الاجتماعية المحددة لوضعية المرأة العربية المسلمة.

ومضت في طريقها الى القول بوجود فجوة بين النص الديني -الذي رأت فيه إطارا متقدما لحرية المرأة- والواقع التاريخي الذي اتخذ منحى تراجعيا تقييديا في عصور ما بعد النبوة، وقد تَجَسّد هذا التوجه في أبحاثها حول الجنس وتوزيع السلطة في الفضاء الاجتماعي، ودور المرأة في التاريخ الإسلامي .

ترجمت رسالتها الدكتوراة وعنوانها "وراء الحجاب" والتي نشرت عام 1975 إلى ثلاثين لغة، وتعد اليوم عملاً مقياسياً في بحوث النوع الاجتماعي بين الثقافات، من الولايات المتحدة إلى ماليزيا. ويعدّ عملاً آخر لها عنوانه "الحجاب والنخبة الذكورية" والذي نشر في فرنسا عام 1987 كذلك عملاً كلاسيكياً.

 

*تراثها الفكري والادبي

تركت لنا فاطمة المرنيسي نتاج فكري وادبي يمكن له أن يشارك مشاركة فاعلة في ديمومة الثقافة العربية المتجددة والفكر التنويري الذي ينبذ الافكار القديمة البالية والتي اكل الدهر عليها وشرب، وهو:

1-"ما وراء الحجاب".

2- "الإسلام والديمقراطية" .

3-"هل أنتم محصنون ضد الحريم".

4-"سلطانات منسيات".

5-"أحلام النساء الحريم" .

6-"شهرزاد ليست مغربية".

 

*نبأ رحيلها الذي نشرته العديد من وسائل الاعلام، جاء فيه:

توفيت صباح امس الاثنين (30/11/2015)، عن عمر ناهز 75 عاما، الكاتبة والسوسيولوجية المغربية فاطمة المرنيسي . ولدت المرنيسي عام 1940 في مدينة فاس بالمغرب ونشأت في بيئة اسلامية محافظة، فتعلمت وحصلت على عدة شهادات اكاديمية، وعملت في جامعة الرباط . تابعت دراستها بالرباط ثم فرنسا فالولايات المتحدة ومنذ ثمانينات القرن الماضي أصبحت مدرسة في جامعة محمد الخامس بالرباط .

وتعد فاطمة المرنيسي كاتبة متميزة ومتفردة من خلال ابحاثها في علاقة المرأة وأثرها في المسائل والقضايا الاجتماعية الساخنة والمحورية. وقد تغلغلت في مساحات الممنوع والمحظور والمحرّم وطرحت آراء فكرية مختلفة ومغايرة اثارت جدلاً ونقاشاً حاداً وعنيفاً بين مؤيد لطروحاتها من التنويريين الجدد، ومعارض لأفكارها من جماعات التكفير وقوى التعصب الديني.

لفاطمة المرنيسي عدد من الجهود البحثية والمنجزات الكتابية والمؤلفات في حقل الفكر والبحث العلمي والتاريخي أبرزها “الجنس، الأيديولوجيا والاسلام، الجنس كهندسة اجتماعية، السلوك الجنسي في مجتمع اسلامي رأسمالي، ما وراء الحجاب، السلطانات المنسيات، الحريم السياسي، هل أنتم محصنون ضد الحريم ؟ وشهرزاد ليست مغربية أو الغرب.

تحاول فاطمة المرنيسي، في بحوثها ودراساتها، معالجة مشكلة المرأة بجدية وجرأة غير معهودة ومألوفة، وهي تقف في وجه حجاب العقل وتأتي بآراء وأفكار وتفسيرات واستنتاجات اعتماداً على مصادر تراثية كثيرة . وتشير المرنيسي الى تزايد الخطابات الفكرية حول الساعية والرامية الى تغييب الخطاب العلمي التاريخي الذي يمكن المرأة العربية والاسلامية من النهوض والتطور والظهور بصورة أفضل وأحسن.

تهتم كتاباتها بالإسلام والمرأة وتحليل تطور الفكر الإسلامي والتطورات الحديثة. بالموازاة مع عملها في الكتابة تقود كفاحا في اطار المجتمع المدني من أجل المساواة وحقوق النساء، حيث أسست القوافل المدنية وجمع “نساء، عائلات، أطفال”. في ماي 2003 حصلت على جائزة أمير أستورياس للأدب مناصفة مع سوزان سونتاغ .

 

داود سلمان الكعبي

.......................

مصادر المقال

العديد من المواقع الالكترونية

 

ادوار الخرّاط كاتباً ومبدعاً

shaker faredhasanادوار الخراط الذي وافاه الأجل المحتوم، هو قاص ومبدع مصري عانى الاضطهاد والملاحقة والتهميش والتعتيم الاعلامي المبرمج. وهو من مواليد الاسكندرية عام 1926، وفي شبابه قرأ وتعرف على الفكر اليساري الديمقراطي والانساني، وانتمى الى اليسار الاشتراكي التروتسكي، ولهذا طاردته السلطات المصرية وسجنته بسبب أفكاره المتنورة ومعارضته للنظام الحاكم.

بدأ الخراط الكتابة منذ نعومة اظفاره وكان يكتب من أجل التغيير، تغيير الذات وتغيير الاخر.وقد اصدر كتباً كثيرة في السيرة الذاتية والقصة والرواية والدراسة والتعريب، ومن أعماله المنشورة في القاهرة وبيروت: \"حيطان عالية، ساعة الكبرياء، اختناقات العشق والصبا، أمواج الليالي، الحيطان الأربعة، رامة والتنين، الشيء الاخر، الزمن الاخر، أضلاع الصحراء، مخلوقات الاشواق الطائرة ومحطة سكة الحديد، يا بنات الاسكندرية، الاسكندرية ترابها زعفران، اسكندريني، حجارة بوبيلو، حريق الاخيلة، رقرقة الاحلام، مختارات من القصة القصيرة، الحساسية الجديدة، عدلي رزقالله ومائيات صغيرة\" وسواها. هذا بالاضافة الى الكتب التي ترجمها وهي: الخطا المفقود، الحرب والسلام الغجرية والفارس، شهر العسل المرن، ميديا، جثمان الاستعمار، الشوارع العارية، نحو التحرير، حوريات البحر، الاسلام والاستعمار\" وغيرها.

ادوار الخراط كاتب ملتزم سياسياً وفكرياً ومتميّز في التعامل مع الواقع الراهن، وهو ساكن في روح العصر واتصف بالصراحة والشفافية والرفض لما هو سائد في الحياة والمجتمع المصري والعربي. وكتاباته عناوين جديدة لماساة ومعاناة الانسان البائس المقهور والمغترب، وهو كغيره من المثقفين والكتاب انتقد الانظمة العربية الاستبدادية الحاكمة وطالب بتغيير نظمها وقوانينها الداخلية ودعا الى حرية الفكر واليمقراطية والمساواة للمرأة ومنح الحقوق المدنية لكل طبقات وشرائح المجتمع . وصفوة القول، ادوار الخراط كاتب وباحث ومبدع وقف بعكس التيار السائد، وكتاباته تشكل بصمات على طريق النضال الوطني والقومي والاجتماعي، وهو لم يحظ باهتمام نقدي واسع، فهل ينصفه النقاد بعد موته ؟؟!

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

وفاة فاطمة المرنيسي رزء فادح للمغاربة

hamid taoulostالموت الحقيقة الوحيدة التي لا تنتظر، ولا تستأذن، ولا يفرق بين طفل وشاب أو كهل، والتي الكل ذائق من كأسها مهما طال الزمان أم قصر، وتأتي من حان أجله دون مماطلة أو تسويف في أي مكان وفي أي لحظة، بعد سنين أو أيام أو دقائق، كما حدث صباح هذا اليوم "الإثنين 30 11 2015 مع الكاتبة والباحثة المغربية الفاسية فاطمة المرنيسي، التي باغتتها المنية في ألمانيا، عن عمر يناهز 75 عاما، كانت كافية لحفر بصماتها خلالها، وترسخ تأثيرها بالغ في الحياة العلمية والثقافية في لمغرب والوطن العربي، وعلى المستوى الإنساني، بدراسات وبحوث وإصدارات اهتمت بوضعية المرأة في علاقتها بالثقافة والسياسة والاقتصاد، تطرقت خلالها إلى مسائل كانت تعتبر من المحظورات، كالجنسانية ومكانة المرأة في التراث وغيرها من المسائل المسكوت عنها، ومن أشهر ما خلفته المشمولة برحمة الله تعالى، من كتب أغنت المكتبة الوطنية والعالمية، وشكلت مرجعا أساسيا ونصيرا للحركة النسائية المغربية والعربية: "الحريم السياسي"، و"الجنس كهندسة اجتماعية"، و"هل أنتم محصنون ضد الحريم؟"، و"الجنس والأيديولوجيا والإسلام"، و"ما وراء الحجاب"، و"شهرزاد ترحل إلى الغرب"، و"نساء على أجنحة الحلم"، وغيرها من عناوين كتب العالمة السوسيولوجية المغربية. لذلك فإن رحيل الفقيدة، لا يعد خسارة لأسرتها الصغيرة الموقرة فحسب، بل إنها خسارة للمغاربة عامة، وجموع النساء خاصة،اللواتي فقدن فيها مناضلة منحازة لهن، ومنافحا عن قضاياها، واهبة حياتها لتوجيه سهام النقد إلى وضعيتهن في العالم العربي الإسلامي، مركزة من خلال كتاباتها على العوامل الاجتماعية والثقافية، التي ساهمت في وصول المرأة العربية إلى هذا الوضع المتردي..

وبمناسبة هذا الرزء الفادح، نسأله تعالى أن يجزي الفقيدة الكبيرة الجزاء الأوفى، على ما أسدت لوطنها من خدمات جليلة، وأن يتغمدها بواسع رحمته، ويسكنها فسيح جنانه، ويحشرها في زمرة النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا".

 

حميد طولست

إسلاميو السلطة (86): الى المرجعية العليا قبل حدوث الكارثة

salim alhasani2وجد قادة الكتل السياسية بالسيد حيدر العبادي، الشخص المناسب لما يريدون، وجاءت التجربة الميدانية لتعزز قناعاتهم. فعندما أعلن حزمته الإصلاحية وقام بتقليص الحكومة بدمج بعض الوزارات ببعضها، قرر العبادي أن يعفي السيد باقر الزبيدي من منصبه. لكن هذا لم يحصل، لأن السيد عمار الحكيم اعترض على ذلك، ولأن السيد باقر الزبيدي نفسه تصدى للموضوع عملياً، فوجه تهديده للعبادي بأنه سيخرج على وسائل الإعلام يهاجمه بشدة (أي يهاجم رئيس الوزراء) في حال تم ابعاده من منصبه. وعندما سمع العبادي كلمات التهديد أضطر للتراجع وأبقى الزبيدي في منصبه مضافاً.

لم يفعل الزبيدي ذلك لو لم يكن متأكداً بأن رئيس الوزراء الذي يحظى بدعم المرجعية والشعب والبرلمان، رجل ضعيف لا يمكن أن يواجهه بالرفض، وليس بمقدوره الثبات على موقفه في إبعاده من الحكومة.

وهذه الصفة يعرفها قادة حزب الدعوة وقادة المجلس الأعلى، وقادة التيار الصدري وقادة الكتل الأخرى. كما أن العبادي نفسه لا يستهجن هذا الوصف، ولن يعترض عليه، فكما ذكرت في الحلقة السابقة، أنه يرى في هذا الضعف بوابة الحظ التي قادته الى السلطة، وهي ضمانته في البقاء، وهو يستخدم التردد استراتيجية له في حفظ موقعه رئيساً للوزراء، وبذلك فان جميع الأطراف السياسية راضية بما يجري، بل أنها تعيش أفضل حالاتها وظروفها تحت حكم السيد حيدر العبادي.

...

في ظل هذا الواقع، لن يشهد المواطن العراقي لحظة الإصلاح، ولن يرى فاسداً كبيراً يدخل السجن، كما ان كافة لجان التحقيق والقضايا المعلقة ستبقى على حالها من دون تحريك او لمس. وماذا يريد قادة الكتل السياسية أفضل من هذا الحال؟

لم يتبق للعراق كدولة إلا وقت قليل، ومن ثم يأتي الانهيار الكامل، فلقد أوشكت السعودية والولايات المتحدة ومعهما تركيا والحكومات العربية على استكمال مشروع (الدولة السنية) بالمساحات التي تسيطر عليها داعش في سوريا والعراق. وهي تعمل على تحويل هذه المنطقة الى أمر واقع لا يمكن تغييره عسكرياً، لأنه يُشكل حدود الدولة الجديدة.

إن نقطة الجدل القائمة حالياً، تتعلق في ترسيم الحدود النهائية للكيان السني، وقد جاء ذلك بعد أن دخل العامل الروسي في الأزمة، من خلال الدعم الكبير الذي قدمه لنظام بشار الأسد، فهذا ما أربك اللمسات النهائية، وقد جاء بشكل غير متوقع من جانب الرئيس بوتين.

...

جاء تكليف العبادي في وقت ظهر فيه الغضب الأميركي على قادة الشيعة، رغم أن جماهير الشيعة كانوا موضع الاستهداف المباشر من قبل تنظيم داعش. وأدلى الرئيس الأميركي باراك أوباما بعدة تصريحات كانت واضحة المعنى بأن الشيعة لم يحسنوا استخدام الفرصة التي مُنحت لهم، وهذا ما جاء في حوار مطول اجراه معه الصحفي الأميركي توماس فريدمان لصحيفة نيويورك تايمز في الأسبوع الأول من آب أغسطس 2014 ، وكان ذلك الحديث بمثابة الخط العام الذي اعتمدته الولايات المتحدة بشأن مستقبل العراق، وذلك بتقليل قوة الشيعة السياسية والميدانية، ودعم الوجود السني من خلال اعتماد آلية دقيقة في التعامل مع داعش، بحيث تأتي الضربات العسكرية الأميركية محسوبة بالميزان وليس من أجل القضاء الحقيقي على هذا التنظيم الإرهابي.

تلقى قادة الكتل السنية الشرح الأميركي باستجابة عملية، فيما أهمل قادة الشيعة ذلك، وكأن القضية لا تعنيهم، بل هي لا تعنيهم بالفعل، فهناك تشكيلة حكومية جديدة، وعليهم أن يبتزوا رئيس الوزراء المكلف حيدر العبادي بأكبر قدر ممكن من المكاسب.

...

كان الرئيس الأميركي أوباما قد كشف لأول مرة في حوار مع توماس فريدمان (في 5 نيسان 2015 ونشرته جريدة نيويورك تايمز في 7نيسان) عن مشروعه لتقسيم المنطقة، حيث عبر عنه بـ (البلاد السنية). وكان ذلك يعني أنه قد دخل في عمق التوجهات الحقيقية لحكومات المنطقة وقياداتها الميدانية، وهو التصنيف الطائفي. وكان ذلك يعني أن من أجل طمأنة أتباع الولايات المتحدة، لا بد من اضعاف الشيعة في المنطقة، حيث سيجد هؤلاء ان ضعف الشيعة في العراق، يكفي لطمأنة السعودية والحكومات الخليجية من القوة الإيرانية.

لم يتنبه قادة الشيعة الى الكلمات الأكثر في تلك المقابلة، عندما أشار أوباما الى ان الولايات المتحدة لا تعارض التدخل العربي المباشر في سوريا بقوله: (لماذا لا نرى العرب يقاتلون من أجل حقوق الانسان في سوريا، او يقاتلون ضد بشار الأسد). لم يتنبه قادة الشيعة الى كلام أوباما، لأننا لم نسمع منهم من اتخذ موقفاً أو اعطى رأياً بخصوص هذا الكلام الخطير والذي يمس الوضع العراقي مباشراً.

...

نحن إذن أمام تطورات متسارعة، وفي مثل هذه الحالات، فان المفاجأة هي التحول النهائي الذي يدهم الساحة، مما يستوجب القيام بخطوة جادة لحفظ ما تبقى، قبل ان ينهار الوضع بكامله.

إن القضية الحساسة صارت تختص بالوجود الشيعي، أما القيادات والكتل السنية فقد ضمنت لنفسها مستقبلها من خلال الاتفاق على (الدولة السنية)، وهي لن تحتاج الى جهد أكثر من الانتظار وانتزاع ما يمكنها من مكاسب على الأرض باستغلال حالة الفوضى السائدة في الدولة، وضعف حكومة العبادي.

فمن يتحمل مسؤولية حماية الشيعة من الخطر الزاحف عليهم؟

من المؤكد ان القيادات الشيعية غير معنية بالأمر، بكل تشكيلاتها واسمائها. إنما ينحصر الموقف في المرجعية العليا ممثلة بالسيد السيستاني، فهو الذي منح هذه الحكومة دعمه، وهذا ما يجعله معنياً بتحديد مستقبلها في حال وجد فيها أنها غير مؤهلة لإنقاذ العراق من كارثة تتهدده بشكل جاد.

لقد تدخل السيد السيستاني في قضية مصيرية عندما كتب رسالته الشهيرة باختيار رئيس وزراء جديد، وكانت تلك خطوة حاسمة، أنهت سعي المالكي للحصول على ولاية ثالثة. وهي الرسالة التي كانت سبباً مباشراً في تولي العبادي رئاسة الوزراء. مما يجعل المواطن العراقي ينتظر من المرجع الأعلى أن يحدد موقفه من العبادي الذي لا يوجد أي مؤشر يبعث على التفاؤل في مستقبل العراق من جراء سياسته.

...

لقد صار واضحاً أن العبادي يعارض التنسيق مع الحكومة الروسية في ضرب تنظيم داعش، مع أن القوة الروسية أثبتت فاعليتها الكبيرة وجديتها في توجيه الضربات القاصمة للتنظيم الإرهابي في سوريا، وهي مستعدة لتقديم دعمها للعراق كما أكدت ذلك أكثر من مرة، لكن العبادي هو الذي يقف بوجه الإقبال الروسي، التزاماً منه بالتعليمات الأميركية.

العبادي أيضا وكما توضح تجربة أكثر من عام على حكمه، أنه لا يميل الى الحشد الشعبي، والسبب نفسه في ذلك أي التعليمات الأميركية.

في هذه الحالة فان شيعة العراق يرتبط أمنهم ومصيرهم برئيس وزراء يرفض حلفاءهم الجدد أي الروس، ويُضيّق على قدرتهم العسكرية أي الحشد الشعبي. بينما يستعين بالولايات المتحدة صاحبة المشروع التقسيمي وحاملة فكرة الدولة السنية في المنطقة.

بعبارة واضحة، فان رئيس الوزراء الشيعي السيد حيدر العبادي الذي جاء بدعم المرجعية وبترشيح الكيانات الشيعية، أعطت تجربته حتى الآن بأنه يساعد على تسهيل مشروع يستهدف شيعة العراق، ويحقق ما تريده الحكومات الإقليمية في إقامة كيان سني واسع يمتد على محافظات العراق وسوريا الخاضعة تحت سيطرة داعش.

...

النتيجة مؤلمة وصادمة، لكنها واقع ماثل شاخص في قمة المشهد العراقي، صورة محددة الملامح تُعطي نفس النتيجة مهما كانت زاوية النظر اليها. فهل نترك الأمور تسير على حالها فيما يجري تشييع العشرات من الشهداء يومياً في جبهات القتال، وهي معارك قد تم تحويلها الى مناطق لاستنزاف الدم الشيعي الشاب؟

 

إن من الواضح ان حكومة العبادي لا تملك رؤية محددة في سياستها القتالية مع تنظيم داعش، كما انها لم تضع حتى الآن سياسة خارجية لها في التعامل مع الأطراف الإقليمية والدولية، وهذا يعني أنها حكومة عبثية ضائعة في المعيار الدقيق للمنهج السياسي للحكومات.

ومما يزيد من حالة الفوضى، استراتيجية التردد التي يعتمدها العبادي كما تحدثت عن ذلك في الحلقة السابقة، والتي يحاول من خلالها كسب الوقت لأطول فترة ممكنة، من دون خطوة جادة تخدم العراق وشعبه.

...

من المؤكد أن قيادة حزب الدعوة لن تُقدم على بحث هذا الموضوع الحساس، فتبادر الى دعوة العبادي للاستقالة، ومن المؤكد أيضاَ أن الكتل الشيعية لن ترغب بطرح هذا الموضوع من الأساس، فالعبادي هدية القدر لها فكيف تُفرط به؟ ونفس الرغبة تمتد لتسع كافة المكونات السياسية من السنة والكرد. وتشمل الحكومات الخليجية وتركيا والولايات المتحدة والغرب.

أما التعويل على الشعب العراقي فهو مضيعة للوقت، لأن العملية السياسية قائمة على أساس انتهاء دور المواطن عند صندوق الاقتراع، وبعدها يتحول الى وجود ثقيل غير مرغوب فيه.

...

لم يعد في المشهد العراقي إلا المرجعية العليا ممثلة بالسيد السيستاني، ليقول كلمته الفاصلة في هذا الصدد، حيث يقف العراق على حافة الانهيار، وتدفع الظروف بالشيعة الى شفا الكارثة، ما لم يُصار الى استبدال رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي.

لم تعد خطب الجمعة والنصائح والتوجيهات تجدي نفعاً معه، إنه تخطيط عميق بإلتزامات وثيقة مع الولايات المتحدة، ولا يمكن لمثل هذه الروابط أن تتقطع بكلمة أسبوعية أو توجيه عام، إنما تحتاج الى رأي قاطع يُسجّل فيه المرجع الأعلى السيد السيستاني موقفه لإنقاذ البلد وأهله. لقد أصبحوا تحت مسؤوليته المباشرة، والوقت يمضي سريعاً، والتحولات الكارثية تقع فجأة بلا سابق انذار، والله المستعان.

 

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

تداعيات في مقهى

ahmad alhiliاعتدت أن أذهب بين وقتٍ وآخر ولا سيما في فترة الصباح إلى مقهى يحمل اسم " مقهى أبو سراج" وهو مقهىً يمتد بشكل طولي بمحاذاة شط الحلة قريباً من أقدم وأعرق جسر في المدينة والذي اعتاد الحليون أن يطلقوا عليه تسمية " الجسر العتيق"، هذا الجسر الصغير يقتصر دوره الآن على عبور المشاة فقط للمشاة فقط و يعاني على الدوام زحاماً شديداً في الذهاب والإياب، وعلى جانبيه حتشد خليطٌ غير متجانس من الباعة ؛ هناك بائع أو بائعين للسمك يضع أحدهم في إناء كبير ثلاث أو أربع سمكات وهناك بائعو السنارات وخيوط الصيد ومستلزماته وكذلك بائعو مبيدات الحشرات وغيرهم، هذا الجسر سيرسّخ ثيمته بشكل نهائي شاعر الحلة موفق محمد بإحدى قصائده حيث قال؛

جسر الحلة / مكتئباً أسيان/ طالت لحيته وابيضّت/ فتعلّق فيها الصبيان !

علمتُ أيضاً أن عدداً من مثقفي المدينة يرتادون هذه المقهى، فذهبت إليها وهناك أتيح لي أن تعرفت على المكان الذي اعتاد أن يجلس فيه الناقد ع . ع، والذي كنت معجباً بكتاباته النقدية التي ينشرها في كبريات الصحف العراقية، وكان قد شاع في الأوساط الثقافية العراقية أن كتابه عن الشاعر بدر شاكر السياب يعد من أهم وأفضل الكتب التي صدرت عن هذا الشاعر الذي ترك بصمة لا تُمحى في ميدان الشعر، بيد أن الذي حببني إلى هذا الناقد بصفة خاصة أن اسلوبه كان واضحاً وإن تكن جمله قصيرة ومقتضبة إلا أنها منغّمة ومحملة بالمعاني العميقة، بعكس نقاد آخرين اعتادوا أن تأتي كتاباتهم النقدية متخمة بمصطلحات واستشهادات فجة مقتبسة من الكتابات النقدية المترجمة ربما ليس للكثير منها علاقة بما يتكلمون عنه، فهم والحال هذه لا يقدمون نقوداً للنصوص المعنية وإنما يستعرضون أنفسهم وثقافتهم ليس إلا، سيما وأن الناقد الحلي الشهير الدكتور علي جواد الطاهر كان أثنى على ناقدنا واعتبره واحداً من أنبه تلامذته وعقد عليه آمالاً كبارا في استكمال ما كان بدأه هو في مشوار النقد الأدبي، وبعد مرور وقت ليس بالقصير، استطعت أن أقترب من عالم الناقد المثير على الرغم من تحفظه الشديد من الأشخاص الجدد الذين كانوا يرومون الدخول في حلقته، لاحظت أنه كان يأتي إلى المقهى صباحاً على دراجته الهوائية التي كان يُطلق عليها تسمية " العراقي"، الذي كان رفيقه الدائم في تنقلاته داخل المدينة، وقد علمت أنه رفض التعيين في دوائر الدولة وهو اختار العزوبية بمحض إرادته، لأنها تتواءم وتنسجم مع شخصيته الانعزالية، وقد مر ناقدنا بأوقات عصيبة جداً بعد أن تم فرض الحصار الاقتصادي على العراق ....

استطعت أن أقتنص عدداً من الحكايات الطريفة حوله وفيما يلي أبرزها؛

الجماعة ضايجين منّك

أثناء جلوسي بقربه وهو منهمك بتصفح جريدته، كنت كثيراً ما أستمع إليه وهو يردد وكأنه يحدث نفسه ؛ "الجماعة ضايجين منك "، لم أشأ أن أسأله عن ذلك، لأنني لم أكن قريباً منه بما يكفي لكي أسمح لنفسي بمثل هذه الأسئلة التي ربما سببت نفوره مني، وكعادتي في مثل هذه الحالات سألت أحد أقرب أصدقائه وهو فنان تشكيلي يحمل لقب " الصعلوك" أيضاً والذي صارت تربطني به علاقة وطيدة، فأخبرني بأن هناك حكاية تقف خلف هذه الجملة، وهي كالتالي؛

في وقت ما أصبح عدي صدام حسين رئيساً للتجمع الثقافي العراقي، وهو مجلس بصلاحيات أعلى بكثير من إمكانيات اتحاد الأدباء والكتاب، وقد حاول بعض الأدباء الإفادة من وجود ابن الطاغية رئيساً لهذا التجمع فتكلموا معه عن الأوضاع المزرية التي يعاني منها غالبية أدباء العراق ولا سيما الأدباء الكبار، فأوعز بتهيئة قوائم بهم وتنظيم أسمائهم ضمن درجات هي أ وب وج من أجل صرف مخصصات نقدية لهم، وأرسلوا تبليغاً رسمياً لهم، وحين وصل المغلف الذي يتضمن التبليغ إلى يد ناقدنا وفتحه بتوجس شديد، وحين اطلع على ما فيه رده بتحفظ شديد إلى الشخص الذي سلّمه إياه طالباً منه أن يعيده إلى الجهة التي ارسلته له، طالباً أن يقول لهم إنه غير محتاج وإذا شاءوا فليأخذوا هم هذه المخصصات، ولم تمر سوى أيام قلائل، وأثناء جلسة ليلية في مقر اتحاد الأدباء ببغداد همس أحدهم في أذنه ؛ "الجماعة ضايجين منك "، فهم الأمر ولكنه تساءل بحذر محاولاً إخفاء اضطرابه ؛ " منو يا جماعة ؟، أخبره محدثه أنهم " جماعة الجماعة " ... فشكلت لديه هذه الجملة هاجساً مزمناً، وأخذ يرددها باستمرار بينه وبين نفسه حين يتاح له أن يكون وحيداً أو يحس أنه بمأمن من المحيطين به ...

برهوم أنا جبار

أتيح لي أن أحظى معه بعدد من الجلسات الليلية في مكتبة أحد أصدقائنا، وكثيراً ما كنت أراه منطلقاً ومنشرحاً كما لم أره من قبل، وكان مولعاً بشكل خاص بأن يغني بصوته الرخيم أغنية نجاح سلام الشهيرة ؛ برهوم حاكيني"، إلا أنه كان يضيف إليها من عندياته ؛

برهوم أنا جبار شغلي نقد أشعار !

همس أحدهم بخبث أنه في فترة ما من حياته كان يعشق من طرف واحد شاباً اسمه ابراهيم .

ضحوكُ الوجه

في إحدى الليالي وبينما صديقنا الفنان التشكيلي يعزف على عوده مغنياً بيتين شعريين رائعين مستلين من قصيدة بعنوان " ليل المُعنّى" كان نظمها شاعر ضرير اسمه غالب ليلو البزاز كان من أصدقائنا ومن روّاد المكتبة أيضاً إلا أنه لم يكن من محتسي الخمر والبيتان هما ؛

لا الصبحُ عندي كصبح الناس

مبتسِماً ولا الليلُ في آفاقِه قمرُ

يا ليت ما كان لي حِسٌّ يُعذّبني

كم كان يُبهِجني لو أنني حجرُ

لم تمر سوى أيام قلائل حتى جاءنا ناقدنا بقصيدة خمرية تتألف من أكثر من ثلاثين بيتاً جادت بها قريحته، وقد قالها مثنياً على جودة الخمرة التي اعتاد صديقنا صاحب المكتبة أن يجلبها لنا، يحضرني منها الآن هذه الأبيات ؛

ضحوكُ الوجه وضّاحُ الجبينِ

يسلُّ الشمسَ من فلكِ الظنونِ

ولم أوهبْ سواه فقلتُ مرحى

لما وهبَ الكريمُ إلى الغبينِ

حُبالى يا حُليماتٍ عِتاقاً

ولِدنَ قبل ميلاد القرونِ

وقالوا قد تُجَنُّ به فندّتْ

من الأعماق ؛ بوركَ من جنونِ

 

أخشى أن يُهشّم هذا الرأسَ الجميل

أثناء جلوسنا في هذه المقهى، لاحظت أن بعض المتطفلين من أدعياء الأدب كانوا يحشرون أنفسهم في مجلسه، حضر أحدهم بهيأته الرثة وكانت تبدو عليه امارات الثمل على الرغم من أن الوقت ما يزال ضحىً، لاحظت أن الناقد كان كعادته في كل يوم منشغلاً بقراءة إحدى الجرائد، وهو وقت مستقطع شبه مقدس لم يكن مسموحاً لأحد أن يثير فيه أية مواضيع أخرى، إلا أن الوافد الجديد اقتحم المكان وجلس بالقرب منه مباشرة قائلاً له ؛ "أستاذ جبار، لقد كتبت بالأمس قصيدة جديدة وأرجوا منك أن تستمع إليها وتبدي رأيك فيها "، أحس الناقد بالمأزق الذي حط على طاولته منتبهاً إلى مدى رعونة وصلف ضيفه بالإضافة إلى رثاثة ملابسه، فحاول تهدئة الأمور موعزاً له أن يقرأ قصيدته، فوجد هذا فرصته وأخذ يقرأ ويقرأ بكل حماسة واندفاع، وحين أوشك على إنهاء قصيدته الطويلة جداً، حانت منه التفاتة إلى وجه الناقد، فوجده منشغلاً كلية بقراءة جريدته، فاستشاط غضباً، قائلاً ؛ ما هذا أستاذ جبار ! أنا أقرأ لك قصيدتي وأنت لا تكف عن قراءة جريدتك، يبدو أنك لا تحترمني ! فقال له ؛ أقرأ يا أخي أقرأ فأنا أصغي لك !، لم يشأ الشاعر إلا أن يقول بغضب ؛ بل أن تحتقرني ! ثم هجم على الناقد الذي يبدو أنه كان متأهباً ومتوقعاً حدوث ذلك، فانفلت من مكانه، لحقه الشاعر ممسكاً بإحدى كنبةً صغيرة وهو يسبه ويلعنه، فتدخل عدد من الأصدقاء وحالوا بينهما ثم دفعوا الشاعر إلى خارج المقهى، وبعد أن اطمأن الناقد وعاد إلى مجلسه سأله أحد الأصدقاء مازحاً ؛ مؤسف أن نراك بمثل هذا الجبن أستاذنا، فرد بأريحية واضحة ؛ كيف تريدون مني أن أرد على هجوم وحش كاسر، وأنا لن أسمح له بتهشيم هذا الرأس الجميل !

عبثيات خارج السياق

في يوم ما اتفق ثلاثة أشخاص أو أصدقاء، سمّهم ما شئتَ ؛ صاحبنا الناقد وصديقه الحميم الفنان التشكيلي وشخص آخر اسمه ع. أ على الذهاب إلى " الكاولية"، وعلى الرغم من تحفظ الناقد الشديد وانطوائه على نفسه إلا أنه وجد نفسه مسوقاً بصورة قهرية للقيام بهذه المغامرة غير محسوبة العواقب، وبطبيعة الحال فإن من قام بترغيبه بذلك هو الشخص الثالث الذي عرف عنه أنه يهوى ويعشق أمكنة كهذه لا سيما وأن بيتهم كان مفتوح الأبواب، وقد ظل لمدة طويلة يتكلم بطريقة ساحرة عن هذا المكان المسمّى بـ " الفوّار" الواقع إلى الجنوب الغربي من مدينة الديوانية، تكلم بطريقة أخّاذة ومسهبة عن الأجواء الغرائبية المغرية الموجودة هناك، عن القوادين ذوي الشوارب الكثة الغليظة الذين يلبس أحدهم الكوفية والعقال وعن تبسّطهم بالحديث مع الزائرين الجدد الوجلين، وعن القوّادات المحترفات اللواتي يبرعن في التعامل وإخفاء بعض الصبايا الهاربات من قسوة أزواجهن وأهلهن، وأسهب في الحديث عن الصبايا الصغيرات الساحرات اللواتي ربما وقعت إحداهن في حب أحد الزبائن فتأخذ هي بالإنفاق عليه بإسراف وقد يؤدي بها ولعها وهيامها به إلى اعتزالها البغاء والاقتصار عليه بوصفه حبيباً أوحد   وتكلم أيضاً عن حلقات القمار التي ربما ربح أحدهم فيها المال الوفير بضربة حظ مواتية، ومنذ الوهلة الأولى كان من السهل على الفنان التشكيلي أن يقتنع بفكرة الذهاب إلى مستعمرة اللذة هذه، فأخذ يحبب الفكرة إلى الناقد، الذي اقتنع أخيراً واشترط عليهما أن يكون أمر ذهابه معهما سرياً، وأنهما حين يتحدثان بعد عودتهما عن ذلك فلن يأتيا على ذكره قط، فتعهّدا له بذلك .

ربما يستهجن البعض توريط ناقدنا الحصيف بخوض مغامرة غير محسوبة العواقب كهذه، وقد يندهشون من موافقته أصلاً على خوضها ولكن هناك خلف الستار يمكن تختبئ بعض الحقائق على غرابتها، وسنتكلم الآن عن أكثرها حسماً، فاستناداً إلى حقيقة عزوبيته المديدة وإصراه عليها، تلك العزوبية التي توفر له عالماً مثالياً للكتابة النقدية وممارسة رياضة التأمل وتحلل من المسؤوليات صغيرة كانت أو كبيرة التي ينفر منها، ولكنها بمرور الوقت أضحت وبالاً عليه وأخذت تأكل في جرف صموده وإصراره، فعلى سبيل المثال حين اقتاده قسراً إلى للانضمام إلى صفوف الجيش الشعبي إبان فترة الحرب العراقية الإيرانية والتي لم ينجُ منها أحد ممن لم تشملهم، بحكم سنهم الخدمة الإجبارية، وعلى أية حال تم اقتناصه بوشاية أحدهم رغم حرصه الشديد على الاختفاء والتواري عن الأنظار، أعطوه صرة الملابس وباقي التجهيزات، وفي اليوم التالي وحال وصوله إلى المعسكر زوّدوه ببندقية كلاشنكوف روسية ووجد نفسه ذات صباح يتدرب مع المتدربين، يهرول ويطلق صيحات الحرب، عاد ذات مرة من التدريب الصباحي مجهداً محطماً، فوجد في حظيرته عدداً كبيراً من القرويين ممن تم اقتناصهم في اليوم السابق، فعرّفوه إليهم وعرّفوهم إليه، وكان الجميع ينادونه بـ الأستاذ، وبعد أن استراحوا في القاعة المخصصة بانتظار وجبة الغداء، تكوّموا على شكل مجموعات يتحدثون عن شؤونهم الخاصة ويتحاشون التحدث عن الحزبيين و الوشاة الذين كانوا السبب الأساس في قدومهم إلى هنا، وعلى أية حال تأقلم الجميع مع وضعهم الجديد بوصفه واقعاً مفروغاً منه، أخذ كلٌّ منهم يتحدث عن شؤونه وشجونه، يتذكرون زوجاتهم ويسهبون بالحديث عن أبنائهم ومشاكساتهم المحببة، شكل هؤلاء الريفيون الجدد ما يشبه التكتل داخل هذا التجمع الحضري، إلا أنهم لم يكن لهم بد من التواصل مع باقي أفراد حظيرتهم، أراد أحدهم أن يتقرب أكثر من ناقدنا كاسراً حاجز الأستاذية قائلاً ؛ " شسمه الزغيّر" ؟ هذا السؤال البريء المباغت كان بمثابة لكمة قوية مفاجئة يوجهها ملاكم محترف إلى فم ملاكم مبتدئ، عقدت الحيرة لسانه، حاول أن يتملّص من الإجابة، إلا أن أحد رفاقه أوضح لهم أن " الأستاذ" غير متزوج، فانتبهوا له باندهاش واستنكار؛ " شلون ؟ قال آخر ؛

ــ بهذا العمر وبعدك ما متزوّج، شنو السبب ؟

لم يلبث الأمر أن تحوّل إلى المزاح والطرافة الريفية السمجة ؛ حين همس أحدهم في أذن أصحابه فانفجر الجميع بضمنهم أصحابه ضاحكين ضحكاً مديداً دمعت له عيون بعضهم، فهم الأستاذ أن هذا المارق قال لهم "أظنه ماعنده سلاح !"

لم يعلم أحدٌ أن ثمة حوارات كانت ثتور وتحتدم بين الفينة والأخرى بينه وبين كائن آخر، كائن سري هو جزءٌ منه، من جسده، كان هذا الكائن يحس بالظلم والحيف والغبن الذي يعانيه جرّاء قرار القدر المجحف الذي قضى بأن يكون جزءاً منه، وبالتالي إرغامه على تجرّع سلسلة الحرمانات المديدة والتي يبدو أن لا نهاية لها، كان يُحس ببعض الحنو الذي لا طائل من ورائه، حين تمتد كفّه إليه وهي تربت عليه مواسية ...

من بين الحوارات التي جرت بينهما نقتبس الحوار التالي ؛

- أصدقني القول واخبرني ؛ هل ثمة ما يلوح في الأفق القريب أو البعيد من شأنه أن يبدد وحشتي ؟

- همممممممم !

- إذن لا أنتظر حلاً لمعاناتي وأنا في عهدتك، تلك العُهدة التي كُتبَ عليَّ أن أدفع فاتورتها الباهظة .

- قليلاً من الصبر يا صاحبي !

- وهل أنا بارعٌ في شيءٍ سوى الصبر ؟ لو أتيح لي أن أنفلت منك لخرجت بتظاهرة أجمع فيها حشداً ممن هم على شاكلتي فنجوب الشوارع نهتف بأعلى أصواتنا ؛ فلتسقط العزوبية وليسقط العزّاب ولا سيّما العاطلون ! ولكنني أوجه إليك سؤالاً ؛ ألم تفكّر لحظة فيما يفعله الأزواج مع زوجاتهم ليلاً ؟ لماذا لا تتزوّج وتنقذني من هذه الصحراء القاحلة التي أجد نفسي ملقىً فيها وأنت معي بطبيعة الحال؟

- أنا أعتبر الزواج مسؤولية، وأنا كما يعرف الجميع أتهرّب دوماً من حملها .

- هذا يمكن أن ينطبق على الأشياء التي لا تربطك بها صلة، أما أنا، فجزءٌ أساسيٌّ منك بل وأخطر جزء شئت أم أبيتَ، أم أنك تفضل أن تعطيني أذنك الطرشاء؟

اتفق الثلاثة على يوم حددوا فيه موعد انطلاقهم، وبعد أن علم الأستاذ أن الطريق إلى هناك طويل قرر أن يستثمر وقت وجوده في السيارة فاصطحب معه أحد الكتب النقدية المهمة .

مضت ساعات طويلة ملأت فيها الوساوس والقلق قلب الناقد، فلم يُتح له أن يخوض تجربة شائكة كهذه، هل هي ورطة وجد نفسه ملقىً فيها، فكّر بالرجوع وترك صاحبيه لحالهما، ولكنه تذكر الحوارات المستديمة بينه وبين عضوه وتقريعه المستمر له فآثر المضي قدماً في هذه التجربة الجديدة والمثيرة على ما يحوطها ويكتنفها من تبعات ...

وأخيراً وصلوا إلى المكان المقصود، وجدوه عاجاً وصاخباً، فأصوات مكبرات الصوت تطرق أسماعهم بأغنيات غجرية تقليدية، والزبائن الثملون يتطوّحون هنا وهناك، بعضهم ممن قضى وطره يتحلّقون حول طاولة يلعبون القمار، وآخرون يقفون أمام البيوت الصغيرة على أمل أن تخرج لهم القوادة من أجل أن تتكلم معهم عارضة بضاعتها (أي ما لديها) من الفتيات ثم يتم الاتفاق على السعر، ولم تكن المتعة متوفقة على ممارسة الجنس فقط، فقد كان البعض يهوى الرقص فحسب، حيث يدخلون الزبون إلى إحدى الغرف ويجلسونه على كرسي وثير وتأخذ إحدى الفتيات بالرقص ويتمايل جسدها البض أمامه ومن خلفها عدد من العازفين وأحياناً بعض الضاربات على الطبل، فيشكل ذلك بالنسبة إليه عالماً اسطورياً، ويشعر بالاكتفاء ويداهمه إحساس بالأهمية ولو لساعة أو ساعتين حسب الوقت المتفق عليه ...

ومن أجل تسهيل المهمة عليهم اقترح الفنان التشكيلي أن يحتسوا كأساً أو كأسين من الخمرة التي كانت تباع في دكاكين صغيرة يديرها أشخاص مصريون، فذهب ع . أ وجلبها إليهم .

ثم اقتادهما إلى بيت سبق له وأن تعامل معه في وقت سابق، خرجت امرأة مسنة تبدو على سيماها بقايا جمال غابر، أخبرته أنه لا توجد لديها فتيات الآن، وأن الفتاة التي جاء من أجلها تزوجت وانتقلت للعيش في المدينة مع زوجها، سألها ؛ من يكون هذا الذي تزوجته ؟ قالت ؛ إنه أحد أثرياء مدينة الحلة الذي وقع في غرامها وأصر على التزوج بها مهما كلف الأمر .

ذهب بهما إلى بيت آخر، فسمع صياحاً وصراخاً يأتي من الداخل، فهم أن هناك مشادة كلامية، هدأت الأمور قليلاً، فتقدم وطرق الباب، خرج له رجل عريض المنكبين بكوفية وشاربين كثين، اختبأ الأستاذ خلف الفنان التشكيلي، وبعد أخذ ورد أدخله إلى البيت وأراه الفتاة، صاح عليهما، وبالكاد استطاع الأستاذ الوقوف على قدميه، فشجعه الفنان ممسكاً بيده ودخلا سوية، وحين وقعت عيناه على الفتاة استظرفها وأظهرت هي موافقتها عليه مقابل المبلغ الذي اتفقوا عليه، وخرج الاثنان من البيت حتى يقضي صاحبهما وطره ...

حين عادا بعد نصف ساعة وجداه أشعث الشعر ممزق القميص، طلبا منه أن يحكي لهما عما حدث، قال لهما والغصة والغضب يأكلانه أكلاً ؛ لقد سرقت العاهرة نقودي ولم تسمح لي بممارسة الجنس معها، وحين طالبتها بأن تعيد لي نقودي صرخت وانهال جميع من في البيت عليَّ بالضرب ...

ابتلعها صاحبنا، وظل لوقت طويل مختبئاً في بيته لا يجرؤ على الخروج، وبعد حوالي ثلاثة أشهر خرج وذهب كعادته إلى المقهى فوجد هناك في ذات المكان صديقيه الفنان التشكيلي ومرشدهما العتيد ع . أ، بالإضافة إلى أصدقاء آخرين نظر الثلاثة كلٌّ منهم إلى الآخر، وأخيرا نطق الأستاذ قائلاً بحنق شديد مخاطباً ع . أ ؛ " هيه كلهه خمس دقايق خليتنه نروح لهناك وتحملنه كل هذه البهذله والرزاله، ݘان خلّيتنه نفضهه ابيتكم " !

 

أحمد الحلي

 

إسلاميو السلطة (85): إستراتيجية التردد عند الدكتور العبادي

salim alhasaniبعد تكليفه بتشكيل الحكومة، حاول الدكتور حيدر العبادي اظهار بعض القوة أمام شركائه السياسيين، فأشار الى انه سيتخلى عن التكليف إذا لم يستطع تشكيل حكومة كفاءات، وعزز موقفه بأنه يلتزم بتوجيهات المرجعية العليا، وكانت تلك اول مرة يسمعها المواطن العراقي من شخص في طريقه الى رئاسة الوزراء. وقد حظي تصريحه باهتمام وسائل الإعلام العراقية والدولية، وكان لها وقع مؤثر في الشارع العراقي الذي شعر بقدر كبير من الارتياح لبروز رجل دولة بعقلية أكاديمية وبحس وطني يتقدم المشهد السياسي، ولديه التوجه في تصحيح المسار الخاطئ للعملية السياسية.

لكن العبادي لم يستطع أن يمضي مع إشارة التهديد، ففضل التعامل مع الواقع المحيط به، واستمر في خوض المفاوضات ليتوصل الى تشكيلة وزارية ضعيفة مترهلة يعوزها بعض الوزراء منهم وزير الدفاع ووزير الداخلية.

في التاسع من أيلول 2014، عرض العبادي برنامجه الحكومي على البرلمان، ثم أعلن اسماء وزرائه لنيل الثقة، وهذه المرة واجه البرلمان بعبارة حاسمة بأنه سيقدم بعد اسبوع واحد فقط، مرشحيه لوزارتي الدفاع والداخلية، في حال عدم اتفاق الكتل، لكنه لم يلتزم بتعهده، فلم يُعين الوزيرين إلا بعد أكثر من شهر.

وتحدث العبادي بكلمات قاطعة، أنه سيرفض التعيينات بالوكالة، لكنه عاد فاستخدم هذا تعيين الوكالة في مواقع مهمة في الدولة.

...

لقد كان أمام العبادي فرصة نادرة ليؤثر على المنحى العام في سلوك الكتل السياسية، فقد كان بمقدوره أن يكون أكثر إنسجاماً مع نفسه ومدرسته الفكرية، وهو القيادي في حركة إسلامية ذات جذور راسخة، لا ترى في الحكم إلا وسيلة من أجل غاية أكبر هي خدمة الانسان والمجتمع وتحقيق العدالة. فقد كان بمقدوره أن ينذر الكتل السياسية بأنه سينسحب من المهمة فيما لو استمروا بمطالبهم الصعبة وشروطهم الضاغطة، وأنه لن يكون شريكاً في عملية تفضّل المنتمي المشكوك بنزاهته وكفاءته على غيره المعروف بالنزاهة والكفاءة، لأنه يريد بناء دولة وتصحيح واقع منهار، لا أن يكون امتداداً لحالة خاطئة.

لقد إقترب الدكتور العبادي من منصة الزعامة الوطنية، وهو الموقع الشاغر في العراق، رغم حاجة البلد اليه، ورغم الفرص التي جاءت بنفسها زاحفة الى بعض الشخصيات، لكنهم أضاعوها، فقد فضلوا الرئاسة الحكومية على الزعامة الوطنية، وفرحوا بكرسي مؤقت رخو القوائم، على مكانة قيادية مفتوحة الزمن، راسخة الأساس بتأييد الشعب الثابت وليس بمواقف الكتل السياسية المتقلبة.

قد يبدو هذا الرأي مثالياً بعيداً عن الواقع، وقد يرده البعض ببساطة أن الكتل السياسية لن تتراجع عن مواقفها وبذلك يفقد العبادي منصب رئاسة الوزراء. لكن التجربة أثبت خلاف ذلك، فعندما أعلن العبادي حزمته الإصلاحية الأولى، هبّ الشعب العراقي يقف داعماً له، مما اضطر البرلمان وقادة الكتل الى مماشاته وتأييده وتفويضه بتنفيذ اصلاحاته.

فإذا لم يكن العبادي على دراية بهذه الحقيقة، فان معنى ذلك، أنه لا يعرف تقدير الأمور وقراءة الواقع، فكيف يسمح لنفسه ان يشغل منصباً بهذه الحساسية وفي هذه الظروف؟.

يضاف الى ذلك، أن العبادي جاء بدعم المرجعية العليا وبتأييد هائل من الداخل والخارج، مما يجعله قادراً على فرض شروطه لتشكيل الحكومة، خصوصاً إذا جاءت على أساس التخصص والكفاءة والنزاهة، وأشرك فيها مختلف المكونات العراقية، فهناك فرق بين القبول بالمحاصصة، وبين إشراك الكفاءات الشيعية والسنية والكردية. ولو فعل ذلك فأنه سيقطع الطريق ليس على اطراف العملية السياسية وحدها، بل أنه سيضع الولايات المتحدة أمام مسؤوليتها في دعم العراق عسكريا، بعد أن حقق التشكيلة الحكومية الجامعة للمكونات العراقية، وتجاوز الخطأ الأكبر في العملية السياسية وهو المحاصصة.

...

إن التأمل في الطريقة التي سار عليها العبادي، ومن خلال مراجعة مسار حياته الحزبية، أستطيع أن أعود للتأكيد بأنه شخصية مترددة تبتعد عن نقاط القوة، وتلجأ الى زوايا الضعف. وأضيف هنا نقطة أخرى، وهي أن التردد عند العبادي يتحول الى استراتيجية معتمدة من قبله، بمعنى أنه اكتشف في عمله الحزبي والسياسي، أن التردد يضمن له القدر الأكبر من المكاسب الذاتية، وأن الضعف يحميه من منافسة المنافسين، ويحول دون خلق الأعداء، وهذا ما يريده تحديداً.

إن العبادي هنا يعتمد استراتيجية التردد، ويتمسك بها، من خلال التنقل المستمر على نقاط محدودة تضيع فيها البداية والنهاية، وهو بهذه الحركة يستطيع أن يكسب عامل الوقت الذي يراهن عليه من أجل الوصول الى آخر يوم من سنواته الأربع.

في أجواء التنافس الحاد والتصارع السياسي على المناصب، يتداول أصحاب القرار فكرة مفادها (القوة تكمن في الأضعف) بمعنى أن المرشح لشغل منصب مهم، يجب أن يكون ضعيفاً حتى لا يُثير قلق الآخرين. وأغلب الظن أن العبادي استخدم هذا المنهج ليُقنع الآخرين بانه الضعيف الذين يبحثون عليه، ولن يجدوا أضعف منه، لكي ينافسه على منصبه.

بهذه الاستراتيجية قطع العبادي مسيرته الحزبية والعملية، وطوى السنوات وهو آمن في زاويته المحصنة بالتردد والضعف، فكان يقع الخيار عليه حين يحتدم الجدل بين المتنافسين.

...

ووفق هذه الرؤية فان الإصلاحات التي أعلن عنها، كانت حركة مرواغة ضمن استراتيجية التردد، فاذا رفضتها الأطراف السياسية، فانه سيكون معذوراً، واذا وافقت عليها، فأنه سيضرب حزمته الإصلاحية بالتردد، ثم يطرح واحدة جديدة، ويعيد الكرة مع حزمة ثالثة. بهذه الاستراتيجية أكمل العبادي سنته الأولى وتوغل في الثانية بعدة أشهر، وسيستمر على ذلك طالما أنه نجح فيها حتى الآن.

 

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

إسلاميو السلطة (84): السيد مقتدى الصدر في مواجهة الدكتور العبادي

salim alhasani2ورثها الدكتور حيدر العبادي من السيد نوري المالكي ثقيلة مبعثرة، ثلث مساحة العراق ساقطة بيد تنظيم داعش، خزينة يصفر فيها الخواء، جيش متخم بالرتب العالية لكنه عاجز عن الصمود، مظاهر الفساد تملأ الدولة من رأسها لذيلها في تضامن محكم بين قادة الكتل السياسية وصولاً الى أصغر أتباعهم في أقصى ناحية، مؤسسة قضائية تُباع برخص وتشترى بأرخص، خدمات متردية تقف على ركام هائل من العقود والصفقات الفاسدة، نفوذ إقليمي يقتحم مصادر القرار الحكومي والمعارض من الجهات الأربع، شعب أنهكه الماضي والحاضر ففقد طعم الإحساس بالزمن والتطلع للمستقبل.

إزاء هذا الواقع الكئيب، رسم الدكتور حيدر العبادي برنامجه لإدارة الدولة ومحاولة إيقاف انحدارها نحو الانهيار، فقد قرر ان لا يشترك في حكومته الأشخاص الذين تورطوا بالفساد، وقرر أن يجري تعديلات جذرية ليستعيد بها هيبة الحكومة، بعد ان صارت دوائرها ومؤسساتها وتشكيلاتها مترهلة بشكل ملحوظ، وقرر أن يطرح حكومة محدودة الوزارات، إضافة الى إلغاء التعيين بالوكالة.

...

كانت صدمة العبادي الأولى مع السيد مقتدى الصدر، فقد اتخذ العبادي قراراً بعدم إشراك السيد بهاء الأعرجي بأي منصب في حكومته، لكن زعيم التيار الصدري أظهر امتعاضه من هذا القرار، ووجه تحذيره لرئيس الوزراء، بأن يتراجع عن موقفه هذا، ثم أنذره بأن عليه ان يُعيّن الأعرجي بمنصب نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة، وإذا ما امتنع عن ذلك فان التيار الصدري سينسحب من الحكومة.

هنا نقف أمام نقطة شديدة الغرابة من قبل الرجلين:

لقد تحدث السيد مقتدى الصدر طويلاً عن رفضه المحاصصة، وشجب في أحاديثه وتوجيهاته الاستعانة بغير أهل الاختصاص في مجال الدولة التي تتطلب تخصصاً ميدانياً، كما أنه أظهر غضبه وتحذيره الشديد لكل من يُفكّر في ممارسة الفساد من التيار الصدري، معتبراً أن ذلك إساءة بالغة للتشيع ولآل الصدر ولسمعة والده الشهيد الصدر الثاني قدس سره.

لكننا نرى السيد مقتدى الصدر قد فرض المحاصصة فرضاً على العبادي وهو يخطو أول خطواته نحو تشكيل الحكومة.. وأجبره على تعيين شخص بعيد كل البعد عن مجال الاختصاص وهو نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة، أي المنصب الذي يتولى قضايا الكهرباء والنفط والصناعة والموارد المائية وما الى ذلك من مجالات حساسة تقوم عليها الدولة.. كما أنه حدد شخصاً باسمه ليتولى هذا المنصب وهو السيد بهاء الأعرجي.

نقطة مهمة تستمر في التضخم لتتحول الى سؤال كبير جداً أمام السيد مقتدى الصدر في هذا الموقف والتحذير والاختيار.

...

رافقت النائب بهاء الأعرجي ظلال الفساد منذ دخوله الى البرلمان عن الكتلة الصدرية، فقد تنامت ثروته بطريقة لا يقدر عليها أشهر رجال الأعمال وأكثرهم خبرة في عالم المال والاقتصاد. وامتدت علاقاته بسرعة خاطفة لتصل الى عمق الوسطين الشيعي والسني وتحديداً مع رجال الأعمال وأصحاب الشركات فيهما، إضافة الى أبرز السياسيين من الطرفين الذين عرفهم الشارع العراقي بأنهم من كبار الفاسدين. وهذه لوحدها تكفي لأن يقف السيد مقتدى الصدر متأملاً لفترة طويلة جداً، قبل أن يرمي بثقله الجماهيري والسياسي والعائلي، بحيث يجعل من تعيين الأعرجي في هذا المنصب شرطاً لمشاركته في حكومة العبادي، فمثل هذا الموقف لا يتخذه قادة الكتل إلا في القضايا المصيرية القاطعة التي لا تقبل التفاوض والحوار والتفاهم والأخذ والرد. فهل يُمثّل الأعرجي هذه الأهمية الكبرى عند السيد مقتدى الصدر؟.

...

في برلمان 2006 تولى النائب بهاء الأعرجي رئاسة اللجنة القانونية، وكانت من ضمن اختصاصاتها ومهامها شؤون البنك المركزي العراقي والبنوك الأهلية، ومن خلال هذه المهمة نشأت علاقاته مع الكثير من رجال الأعمال، وكان معظمهم من الذين حصلوا على الثراء الطارئ، مستغلين ظروف العملية السياسية ورخاوة الأجواء العامة للدولة، فصنعوا ثرواتهم بالطريقة المعروفة.

وفي برلمان 2010 تولى الأعرجي رئاسة لجنة النزاهة البرلمانية، وهنا تحققت القفزة المشهودة لثرائه، بحيث صارت حديث المسؤولين والمتابعين والإعلاميين وحتى المواطن العادي.

وكان متداولاً في الأوساط العامة والخاصة أنه حوّل هذه اللجنة للإبتزاز، حيث ينتزع منها العمولات مقابل التعتيم على المتورطين بالفساد، كما أنه كان شريكاً في صفقات كبيرة، وجنى من وراء ذلك ثروة طائلة فصار من ورائها أحد الأمبراطويات المالية في العراق.

وقد اشتهر الأعرجي بأنه كان يأخذ مبالغ كبيرة لقاء وعوده لرجال الأعمال وأصحاب المصالح بتسهيل معاملاتهم وتمرير صفقاتهم، وحين لا ينجح في ذلك فانه يرفض إعادة المبالغ التي استلمها، بحجة أنه أعطاها للتيار الصدري، ولا يمكن اعادتها.

...

كان صوت النائب بهاء الأعرجي يخرج ثائراً حزيناً متألماً على الجرائم البشعة التي يذهب ضحيتها العشرات والمئات والالاف من الأبرياء بسبب استخدام الأجهزة الأمنية لجهاز كشف المتفجرات الفاشل. وقد أدخل الأعرجي السرور الى قلوب أهالي الضحايا حينما توعد بملاحقة هذه القضية بأفرادها والمتورطين فيها، ليضعهم أمام الحساب العسير من وراء هذه الصفقة الفاسدة التي مثلت رمز الفساد الأكبر في العراق.

باختصار شديد تنتهي حلقات هذه الصفقة بشخصين اثنين، الأول وزير الداخلية السابق جواد البولاني والثاني رجل الأعمال فاضل الدباس. الأول هو الذي وافق على الصفقة وأمضاها بقلمه، والثاني هو المسؤول عن ترتيبها من خلال شركة اردنية تابعة له.

وكانت مهمة لجنة النزاهة البرلمانية متابعة هذه القضية، واحالتها الى القضاء، وهذا ما تعهد به الأعرجي، وهو ما لم يحدث.

لا يعرف الكثير من العراقيين، أن بين الأعرجي والبولاني علاقات وثيقة في مجال المال والأعمال، ولا يعرفون أيضاً أن بين الأعرجي وفاضل الدباس علاقة أكثر من ذلك صلة وعرىً لأنها تتصل بالمال والصفقات، فالدباس مثل الأعرجي، تحول فجأة الى رجل أعمال كبير بعد سقوط النظام، وأسس مجموعة من الشركات التجارية، كما أنه صاحب البنك المتحد للاستثمار وممول إئتلاف العراق، وهو يجلس مع المسؤولين الشيعة متحدثاً عن شيعيته، ومع السنة متحدثاً عن سنيته، أي انه المسلم السني والشيعي بحسب المكان والأشخاص الحاضرين.

هل وقفت السدود وحواجز الحمايات واللجان والإجراءات المكتبية، لتمنع وصول هذه الصورة الى السيد مقتدى الصدر؟. لا أملك جواباً بصراحة حتى اللحظة. ففي العراق الجديد تحدث أمور غريبة يقف عندها التفكير عاجزاً عن إعطاء رأي.

...

يتذكر المواطن العراقي، المؤتمرات الصحفية التي كان يُكثر النائب الأعرجي من عقدها في مجلس النواب، وفيها يُعلن أن الأسبوع القادم سيشهد كشف ملفات فساد تتعلق بالكهرباء ووزارة الصناعة ووزارة التجارة ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية وغيرها. تمر الأسابيع والأشهر، وتنتهي المؤتمرات الصحفية بمؤتمرات صحفية جديدة، وتتجدد الوعود والمواعيد مع زيادات واضافات، لكن النتيجة هي التكتم والإهمال.

في بعض الأوقات وخلال المؤتمرات واللقاءات التلفزيونية، يضطر النائب الأعرجي الى القول بأنه أحال هذا الملف وذاك الى القضاء، وبذلك فأنه أدى المهمة وانجزها على أحسن وجه، ويشعر المواطن العادي بأن النائب الأعرجي أفرغ ما في ذمته وقام بواجبه، لكن هذا المواطن لا يعرف أن المهمة لم تنجز، وأن من واجبات لجنة النزاهة متابعة مسار الملفات في القضاء للتأكد من سلامة التحقيق والملاحقة والمتابعة والإجراءات.

إن النقطة المهمة التي كان يجري التلاعب بها، تكمن في هذا المسافة البسيطة بين إحالة ملفات الفساد للقضاء وبين متابعتها، فهي مسافة تتمدد لتتحول الى عالم مفتوح من الفساد، يجري فيه عقد الصفقات الجديدة للتأجيل والتمديد ومن ثم للضياع والإهمال.

...

هذا ما يتعلق بالسيد مقتدى الصدر حين أصر على تعيين الأعرجي في منصب رفيع هو نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة.

أما ما يتعلق بالسيد حيدر العبادي، فان رفضه للأعرجي كان يستند الى معطيات ثابتة مؤكدة يمتلكها ويطمئن الى دقتها، ولذلك استبعده من أي منصب، فكيف يخضع لضغط الصدر ويوافق على منحه هذا المنصب الرفيع؟.

إن تراجع العبادي في موضوع حساس كهذا، يعني أنه غير مؤهل لتحمل مسؤوليات بحجم رئاسة الوزراء، وأنه يجازف بمستقبل الحكومة بالخضوع للضغط وهو في خطوته الأولى. وكان عليه أن يدرك أن ضعفه في أول خطوة ستشجع الآخرين عليه، وهذا ما حدث بالفعل، فخلال تشكيل حكومته تنازل عن وعده الكبير الذي أطلقه للشعب العراقي، بأنه لن يختار في حكومته إلا أصحاب الإختصاص والمعروفين بالنزاهة عملاً بتوجيهات المرجع الأعلى السيد السيستاني.

جاءت التشكيلة على عكس ما وعد به، فقد استجاب لطلبات الكتل السياسية، فوافق على منح مدرس اللغة العربية وزارة الإسكان، وأعطى شخصاً قانونياً وزارة الصناعة، وكلف الزراعي بنيابته لشؤون الخدمات، وتنازل عن شرط النزاهة فيهم، ضمن تنازلات أخرى يأتي الحديث عنها.

 

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (83): العراق من المالكي الى العبادي

salim alhasaniكانت السنوات الثمان لحكم السيد نوري المالكي، صراعاً ساخناً على السلطة بعناوين مختلفة. اشترك فيه السنة والشيعة والكرد، فلكل طرف مصالحه وأهدافه التي يحاول ان يحققها من خلال زيادة درجة الفوضى والاضطراب السياسي.

تأتي الإدانة بالدرجة الأولى على المالكي نفسه، فهو صاحب السلطة التنفيذية، وبيده الأمر والنهي، وما حدث في العراق خلال سنوات حكمه يتحمل نتائجها بالكامل. لقد ضرب الفساد العراق وجال في مؤسساته ووزاراته ودوائره، فتحول الفاسدون الى إمبراطوريات مالية، من دون أن تكشفهم هيئة النزاهة والمؤسسة القضائية، ولا يزال معظمهم في العراق ينعم بما سرقه ويعيش في أمن وأمان وهدوء تام.

...

طال الفساد أرواح الشعب، فحصدتهم المفخخات وهي تمر باطمئنان وحرية من السيطرات والمفارز التي تستخدم جهازاً فاشلاً لكشف المتفجرات، ولم يترتب أي إجراء جدي لمحاسبة المتورطين في هذه الصفقة الدموية، رغم كثرة التصريحات وكميات الادانة والأسف التي رماها النواب والمسؤولون على اسماع الشعب المسكين.

سكت المالكي عن قصة هذا الجهاز، لم يتخذ خطوة جادة مؤثرة تلاحق المتورطين في هذه الصفقة الفاسدة الدموية، باستثناء اعتقال شخص واحد هو جهاد الجابري، في حين ان قضية بهذا الفساد الكبير وما تسببته من إزهاق آلاف الأرواح البريئة، كانت تستدعي ثورة تحقيقية عاجلة تمسك بكل المتورطين والمشتركين في هذا الملف من الفساد. فقد كان هو المسؤول الأول عن الأمن فضلاً عن الشؤون التنفيذية الأخرى في الدولة.

...

في هذا الملف أي جهاز كشف المتفجرات، أثبت قادة الكتل السياسية كلهم بلا استثناء، أن الدم العراقي لا قيمة له عندهم، وأن الانسان العراقي كائن مهمته التصويت في مواسم الانتخابات لا أكثر.

ولا يختلف برود القادة واستهانتهم بأرواح العراقيين عن بقية الجوقة الكبيرة، من وزراء ووكلاء ومدراء ونواب وقضاة ومسؤولين. لقد كانت تكفيهم بضعة كلمات كاذبة أمام وسائل الإعلام ليصدقها المواطن الفقير الذي اتعبته الحياة من جهة، وأسرته الطاعة لقادته من جهة أخرى. وبذلك ازداد المسؤولون والقادة قناعة بأن الطريق سالكة أمامهم لمزيد من السرقات والفساد.

مع نهاية حكم المالكي كانت مساحات شاسعة من العراق قد سقطت بيد تنظيم داعش، والموازنات الانفجارية استحالت الى خواء، وقضية البنك المركزي وتلاعب البنوك الأهلية جاء على ما تبقى للعراق من أموال.

...

انتهت فترة المالكي، او أن بقاءه في السلطة لم يعد ممكناً، بعد شمول الرفض كافة الكتل السياسية، كما جاء رأي المرجعية العليا قاطعاً في مستقبله السياسي. وكان ذلك يتطلب اختيار رئيس وزراء جديد، يعالج ما تركه المالكي من مشاكل وتبعات، وينقذه من أزماته ويخلصه من تحديات الإرهاب والمؤامرات الإقليمية، ويستعيد المحافظات التي احتلها تنظيم داعش.

إن مهمات بهذه الضخامة، كانت تحتاج الى شخصية قوية كفوءة تملأ مكان المسؤولية، وبالتأكيد فان الدكتور حيدر العبادي كان هو آخر من يقع عليه الاختيار لهذه المهمة وفي هذا الظرف بالذات. فلا خبرته ولا طريقة تفكيره ولا شخصيته ولا تاريخه ولا مواقفه تشير الى أنه سينجح ولو على سبيل الإحتمال الضعيف. وهذا ما كان يعرفه الدكتور إبراهيم الجعفري الذي كان يفهم شخصية العبادي أكثر من غيره، فقد كان يرى من قبل أن المهمة التي تناط بالعبادي يكون مصيرها الموت والخراب.

العبادي المعروف بهذه المواصفات، كيف يحظى بالتأييد والترشيح من قبل قيادة الدعوة، وايضا يطرحه الجعفري والشهرستاني كمرشح، ويتفق عليه قادة الكتل الشيعية رئيساً للحكومة، ويكلفه الدكتور فؤاد معصوم بالمهمة الأصعب، ثم تأتي آراء كل الكتل السياسية بالموافقة، وتلحقها موجة دولية غير مسبوقة من التأييد العاجل؟

...

عند طرح هذا السؤال، يأتي الجواب بأن كل البدلاء لم يحصلوا على الاتفاق المطلوب، وأن العبادي هو الذي نال هذا الاتفاق. لكن هذا الجواب هو نفسه الذي يجعلنا نعود الى السؤال مرة أخرى: ما السبب وراء وقوع الاتفاق على العبادي الضعيف المتردد؟

ألم يكن من الأفضل اللجوء الى مرشح شيعي كفوء من خارج الوجوه المعروفة التي جربناها في مواقع المسؤولية على مدى السنوات الماضية، بدلاً من اختيار العبادي المعروف بأنه سيصنع الكوارث ويُغرق البلد بمزيد من الأزمات ويسلك به مسالك الخراب؟

...

عندما احتدم التنافس على طرح مرشح لتشكيل الحكومة، رفضت قيادة حزب الدعوة ترشح الجعفري الذي كان يستعد لخلافة المالكي، وكان قد هيأ برنامجه الحكومي، لكنه فوجئ بالاعتراض عليه، فلم يكن مقبولاً من الدعوة بعد تجربته المرة خلال سنة حكمه، حيث أدار ظهره لهم وعمل على تهميشهم بشكل متعمد ومبالغ فيه، وحين شعر بأنها ضاعت منه، ركز بصره على الأضعف، كما كان يظن في المالكي عندما رشحه لخلافته عام 2006، على أمل ان يفشل بعد عدة اشهر ويضطر الى التنحي فتعود الرئاسة اليه.

لقد وجد الشهرستاني والجعفري والسيد مقتدى الصدر والسيد عمار الحكيم وكذلك قادة السنة وقادة الأكراد، في العبادي الشخص الأضعف الذي يمكن أن يحقق طموحاتهم فمنحوه التأييد العاجل.

أما الحكومات الإقليمية والولايات المتحدة، فلم تكن بحاجة الى التحليل والتفكيك والدراسة، فلقد كانت تريد أولاً اسقاط المالكي، وهذا ما حدث، ثم جاءت الهدية ثمينة غالية عندما وجدوا ان بديله هو الدكتور حيدر العبادي، رجل لا يعترض عليهم، ولا يفكر بذلك ولو من باب مداعبة الخيال. كان أثمن هدية لهم، كان مفتاح الخراب السريع للعراق، وتفتيت كيانه الشيعي الحاكم.

...

في فترة متقدمة تعود للسنة الأولى والثانية من حكم المالكي، كنت أخوض النقاشات المطولة مع الشيخ عبد الحليم الزهيري عندما يأتي في زياراته الى لندن، وبحضور عدد من الأصدقاء، كنت أصارحه بالمنهج الخاطئ الذي تتعامل به القيادة مع المالكي، حيث يريد القسم الأكبر من أعضائها التقرب اليه، من خلال غض الطرف والإحجام عن نصحه في تزايد نفوذ اصهاره ونجله في شؤون مكتبه، وأهمية تدارك الأمر قبل أن يتحول الى ما هو أسوأ.

في أوقات متفرقة تأتي عارضة أحياناً من دون موعد أو تخطيط، وهي أيضاً تندرج الآن ضمن الذكريات التي لا تؤثر شيئاً على الواقع، كنتُ أخوض حديثاً ساخناً مع بعض القياديين في حزب الدعوة، وأعيد تكرار كلامي، فيعيدون تكرار دفاعهم بلهجة حماسية، وأحيانا يبلغ الحماس مداه الأعلى في تبرير كل ما له صلة بالمالكي. وتمر عدة أسماء بشكل خاطف على الذاكرة لحظة تسجيل هذه السطور، مثل السادة: وليد الحلي وصادق الركابي وعلي العلاق. فقد كانوا صوت المالكي المنطلق من المنطقة الخضراء، يرددونه بحماس المؤمن الذائب طاعة بشخصية قائده.

...

في سنوات المالكي، كانت الأخطاء تتجمع، تتكدس بسرعة في مكاتب القرار الأول في العراق، وكان المقربون من المالكي يرون ويسمعون ويلمسون، لكنهم وضعوا حواسهم في علبة محكمة الإغلاق، واستبدلوها بحواس مزيفة تزين الخطأ وتدافع عن صانعه وتبرر لفاعله. والأكثر من ذلك برعوا في صناعة الاتهامات والتشكيك، لإسكات أي صوت ناصح.

قد يكون هذا الكلام مكرراً في بعض مقاطعه، لكن الذي يدعوني اليه، هو التجربة التي تكرر نفسها مرة أخرى، فالذين دافعوا عن المالكي أيام حكمه وقوته، عادوا لممارسة نفس الدور مع العبادي، ويقف في واجهة هذه الأسماء السادة: وليد الحلي، علي العلاق.

ليس العبادي شخصاً مؤهلاً لهذا المنصب على الاطلاق، لقد جاءته نقاط القوة، فأثارت استياءه، وراح يبحث عن الخيارات الممكنة من أجل ان يفلت منها، بحثاً عن مأمنه في الزاوية الضعيفة.

...

ويزداد الأمر خطورة من خلال تفكيك بعض المعطيات التي تضع أمامنا صورة مخيفة عن مستقبل العراق، خلاصتها إعادة انتاج الأزمات مرة أخرى بدرجة أعمق وأشد مما جرت على عهد المالكي، فداعش المتوغلة في العمق العراقي، ستكون عامل الدعم للمشروع الإقليمي في ضرب الكيان الشيعي. والتنسيق السعودي مع القيادات السنية سيفرز خطوات مهمة على الساحة، كما أن التأثير الأميركي على العبادي وعلى قيادات السنة ينشط بشكل فاعل.

معطيات ما جرى خلال عام من حكم العبادي يقودنا الى الاعتقاد بأن الكارثة على الطريق، وأن الحل يكمن في البحث عن بديل للعبادي. وهي مهمة صعبة بطبيعة الحال، ليس بسبب عدم وجود بديل، إنما لأنه الخيار الذي يصعب ان يُفرط به قادة الكتل السنية، والمحور الإقليمي والولايات المتحدة.. لقد حصلوا على الفرصة الغالية ممثلة بالعبادي، فكيف يمكن التفريط به؟

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

وداعا الرايس احماد أمنتاك

abdulsalam bomasrلقد غادرنا اليوم فنان أمازيغي مرموق اسمه الرايس احماد أمنتاك (أحمد آيت الرايس) (1927- 2015). ويعتبر الرجل، بحق، المدرسة الفنية الغنائية والشعرية الأمازيغية التي بصمت لعقود طويلة تاريخ الأغنية الأمازيغية بالجنوب. احماد أمنتاك ترك للغة والثقافة والفن الأمازيغي تراثا ضخما وخزانا كبيرا للكلمة المرموقة والمعنى الجميل، ما مكنه من ولوج عالم الخلود الأبدي.

لقد تمكن الرجل من بناء مدرسة شعرية وموسيقية وجمالية متميزة واضحة المعالم، أطربت، وما زالت، أجيالا متعاقبة منذ خمسينيات القرن الماضي. ونجح في خلق وتوجيه كثير من المجموعات الغنائية الحديثة التي أبدعت على منواله، وقرضت الشعر على طريقته، وأنبثث الألحان على شاكلة ألحانه.

الرايس احماد أمنتاك، نموذج الفنان الأمازيغي الأصيل، منح الخزانة الإبداعية الوطنية قرابة 80 قرصا وأكثر من 50 شريط كاسيت مكونة من عشرات الألحان وآلاف الأبيات الشعرية. إنه خزانة فنية وشعرية قائمة بذاتها، أسهمت بقوة وإلحاح في بناء صرح الثقافة الوطنية إلى جانب عمالقة الكلمة واللحن الأمازيغ منذ القدم. ويعد أيضا، صلة وصل متينة بين الماضي والحاضر، خاصة وأنه تشرب أصول فن الروايس من أخصب منابعه: لقد عاصر أكبر الرواد وتأثر بهم واشتغل إلى جانبهم أيضا، ومن بين أبرزهم الرايس بوبكر أزعري ومولاي علي ومحمد ساسبو وجامع الحامدي وسعيد أشتوك والرايس محمد ألبنسير...

لقد أصر احماد امنتاك بقوة على مواصلة مشواره الشعري والفني الموسيقي بصوته الشجي وألحانه الدافئة وكلماته القوية حتى النهاية. وظل واقفا متحديا أمام الظروف القاسية التي طبعت السياقات الفنية والسياسية والاجتماعية بالبلاد، بل كان دوما لسانا فصيحا معبرا عن آمال وانشغالات الشعب وآلامه. وجعل من القيم موضوعا لقصائده، داعيا إلى التحلي بمكارم الأخلاق واحترام الغير. وكان متفننا في وصف الطبيعة والنفاذ لأعماقها وجعها رديفا لمشاعر الحب النبيلة.

وتمكن الرايس احماد أمنتاك، ابن دوار بيطلجان بقبيلة "اركيتن" بإقليم تارودانت من تجاوز الحدود الضيقة للمجال الذي ينتمي إليه بواسطة الكلمة الشعرية القوية والنبيلة. لقد بدأ مساره الفني بولوج عوالم المحاورات الشعرية بالساحات العامة بقبيلته، فسطع نجمه بقوة بين ثلة من الشعراء في زمانه، وتنبأ له كثيرون بمستقبل زاهر في ميدان الكلمة والأداء. وخاض بذلك تجربة الغناء والتلحين إلى جانب قول الشعر، فسار ذكره على كل لسان، خصوصا بعد تميزه الفني على مستوى الكلمة واللحن والأداء وغزارة الإنتاج.

يجعلنا فقدان شخصية مرموقة كالرايس احماد أمنتاك نطرح الكثير من الأسئلة حول دور المؤسسة الرسمية والمجتمع المدني وجمهور الباحثين ببلادنا في الاهتمام بالوجوه والشخصيات الثقافية والفنية الوطنية. كما يجعلنا ذلك نطرح سؤال التهميش والإقصاء اللذين يطالان كثيرا من حاملي الثقافة الوطنية الغنية في جميع أبعادها وتشكلاتها. إن فقدان مثل هؤلاء ليس أمرا هينا، بل هو خسارة كبيرة تطال موروثنا الثقافي وعمقنا الهوياتي، وينبغي أن يكون وجودهم بيننا اليوم كمثل وجود كنز لا يقدر بثمن. كما يجب أن نجعل مغادرتهم وداعا مليئا بكل معاني الاعتراف والتقدير والاحترام.

 

عبد السلام بومصر

 

إسلاميو السلطة (82): لماذا يسكت القضاء وقادة الكتل عن دستورية حكومة العبادي؟

salim alhasani2بمجرد أن حصل الدكتور حيدر العبادي على تكليف تشكيل الحكومة، أغلق باب الحوار والتفاوض والمناقشة في أي حل آخر، ورفض عدة خيارات لتهدئة الأزمة التي قادت الى تكليفه من قبل رئيس الجمهورية.

رفض العبادي تنازله عن قبول التكليف، مقابل انسحاب المالكي أيضا، حيث يُصار الى مرشح جديد، وفي هذه الحالة تخرج القضية عن اللجوء الى القضاء وعن وصفها بالتآمر والالتفاف، ويمكن بذلك حفظ تماسك الكيانات الشيعية.

ورفض العبادي مقترحاً آخر بأن يكون المالكي هو المكلف بتشكيل الحكومة، وعندما يواجه الاعتراض في مجلس النواب، فانه سيفشل في نيل الثقة، وبذلك يعود التكليف الى العبادي، لكنه رفض هذا المقترح ايضاَ. وقد كان هذا المقترح من أجل الحفاظ على الإجراءات الدستورية وعدم إحداث شرخ جديد في الجانب الذي يختص بالاستحقاق الشيعي.

...

كان العبادي متمسكاً بالتكليف الى أبعد الحدود، مستنداً الى ان الدعم الدولي يجب مراعاته، ولا يمكن القبول بأي خيار آخر بعد هذه الموجة الإعلامية العالية من التأييد والمباركة.

إن نقطة الارتكاز التي وقف عليها العبادي وهي التأييد الدولي الواسع والسريع، هي نفسها التي تثير الشك في اختيار العبادي، لأنها لم تحدث مع غيره بهذه السرعة وبهذا الاندفاع الدولي المكثف، مع أن التقليد الدبلوماسي يقضي بأن يأتي التبريك بعد نيل الحكومة الثقة وليس بعد دقائق من اعلان تكليف المرشح بتشكيلها.

...

استفاد العبادي من المعارضة الشديدة التي يواجهها المالكي من قبل الأطراف السياسية في تشكيل الحكومة، الى جانب موقف المرجعية الذي حدد ضرورة اختيار رئيس وزراء جديد. وكان ذلك من المفروض أن يمنحه قدراً من الإرتياح بحيث يمكن أن يناقش المقترحات بهدوء وموضوعية، ليرى هل تخدم المصلحة الوطنية والشيعية، أم أنها ستكون مغمسة بالشكوك والاتهامات والطعن الدستوري؟

إن تشبث العبادي بالنتيجة التي حصل عليها، ورفضه مناقشة الخيارات المطروحة، يضعه في دائرة الإتهام، بانه كان يريد ان يتجاوز هذه الدائرة المعقدة الملتبسة من الناحية الدستورية، كما أنه كان يريد أن يضمن لنفسه الحصول على منصب الرئاسة الذي انتظره طويلاً، فقد كان يحاول أن يكون خليفة الجعفري، ثم تحرك بكتمان شديد من اجل ان يكون خليفة المالكي بعد الولاية الأولى، وعليه فقد رآها صارت له، فكيف يجازف بمناقشة الخيارات، في ساحة محكومة بالمتغيرات السريعة، وفي كيان سياسي لا يأمن قادتهم بعضهم بعضا.

...

لا تزال دعوى السيد نوري المالكي في المحكمة الاتحادية قائمة، حول المخالفات الدستورية التي قام بها رئيس الجمهورية الدكتور فؤاد معصوم في تكليف السيد حيدر العبادي بتشكل الحكومة.

مدحت المحمود حالياً يلتزم بالضغط المفروض عليه من قبل الأطراف السياسية، والأهم ضغط السفارة الأميركية التي أعطته إشارة قوية من التحذير وخيمة من الحماية في آن واحد، ليبقى الملف مركوناً لا تمسه يد القضاء.

...

هنا تنطلق الأسئلة بوجه الشخصيات المعنية بهذه القضية، وهي شخصيات لها موقعها المهم في الدولة:

ـ لماذا يسكت السيد المالكي عن حقه الدستوري ويقبل بما لحقه من حيف في التآمر عليه بتجاوز دستوري، ولا يتابع دعواه القضائية بشأن كتلته الأكبر؟.

ـ لماذا لا يدافع السيد حيدر العبادي عن حقه وسمعته وحكومته، وهي تواجه هذا الطعن الدستوري، مع أن مهمته أسهل بكثير من مهمة المالكي، لأنه شكّل الحكومة بمساندة الأطراف السياسية، مما يدعوه الى كشف الحقيقة ومطالبة القضاء بحسم هذا الموضوع ليقطع الطريق على المالكي وعلى المشككين وعلى بعض الكتّاب؟

ـ لماذا يترك السيد مدحت المحمود القضية مركونة، بينما يفرض عليه الواجب المهني، ان يحسمها بحكم قضائي لصالح المالكي أو العبادي؟

لقد تعرض المحمود لهجوم إعلامي على مدى السنوات الماضية بأنه يخضع لضغوط المالكي، فهذه فرصته ليدفع عن نفسه تهمة معيبة كبيرة تمس شرفه المهني، ويقضي بالعدل بعد أن زالت سطوة المالكي.

ـ لماذا لا يتابع القضية السيد رئيس الجمهورية فؤاد معصوم وهو المعني بها مباشرة، فيطلب من القضاء حسم القضية وإبداء الرأي القاطع؟

ـ ولماذا يهمل السيد إبراهيم الجعفري هذا الموضوع المعقد والشائك، وهو رئيس التحالف الوطني، مع أن القضية تمسه ايضاً، حتى يثبت صدقه امام الشعب، في الصفة التي يحملها كرئيس للكتلة الأكبر، ويدفع عن نفسه الاتهام بالخديعة؟

ـ لماذا لا تقوم بهذه المهمة قيادة حزب الدعوة بنفسها، وتطلب من القضاء حسم القضية، لتتخلص من تهمة التآمر التي ستبقى تلاحقها من المالكي وأنصاره، وهي تهمة جارحة لحزب الدعوة ولكل شخص منهم؟

ـ ولماذا تسكت الكتل البرلمانية الأخرى، ولا تطالب القضاء باعطاء الرأي في هذه القضية، وهي المعنية بها مباشرة بحكم مشاركتها في الحكومة؟

...

لا مجال هنا للكلام عن وضع البلد وظروفه الصعبة التي لا تسمح بفتح هذه القضية التي قد تفجر أزمة كبيرة، تربك الوضع كله. فهذا الكلام يعني أننا نؤسس لظاهرة التآمر والالتفاف والاختراق للقوانين والدستور تحت هذا المبرر. وعليه فما حاجة العملية السياسية الى الدستور اذا كان العمل به وإحترامه يتسبب لنا بالمشاكل والأزمات المخيفة؟.

نحن هنا أمام قضية دستورية، لا علاقة لها بما فعله المالكي وما اقترفت يداه من أخطاء. ولا علاقة لها بإصلاحات العبادي ومدى جديته في تنفيذها. ولا صلة للموضوع أصلاً بالمواقف السياسية والأوضاع العسكرية والظروف الاقتصادية، إنها قضية قضائية محددة، لها موقعها المصيري في مسار البلد، لنعرف هل يمارس السيد العبادي مهامه كرئيس دستوري للحكومة؟ أم أنه سرق هذا المنصب بالتفاف وتواطؤ مع أطراف عراقية ودولية؟

إن كل الأطراف المشاركة في العملية السياسية مطالبة بحسم هذا الموضوع، لتثبت للشعب بعض المصداقية من أنها تحترم الدستور والقضاء.. وتحترم الشعب؟

فما نريده هو الحقيقة، لنكتشف من يضلل الشعب، ومن يصدقه القول.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

علي الدباغ يحيل دفاعه الى محكمة العدل الإلهية

salim alhasani2اطلعت على مقال السيد علي الدباغ وفيه يرد على ما ذكرته عنه في الحلقة (78) عن تورطه في فساد مالي في صفقة السلاح الروسي. سألخص مناقشتي لما كتبه بالنقاط التالية:

أولا: دافع السيد الدباغ عن نفسه بذكر كلام عام لا يستند الى وثيقة ولا الى شهادة يمكن الركون اليها، إنما استغرق في العموميات، وإيراد عناوين عامة من دون أسماء مثل (صديق مهم، وزير سابق، موقع الكتروني، جهة سياسية مهمة، شخص اعطاني معلومة، ضيف زار المالكي، وسيط لبناني معروف...)، وما الى ذلك من عناوين عامة لا يقترن بها أي اسم، مما يستفرغ سرده الدفاعي من مضمونه الوثائقي المعتمد في مثل هذه الحالات، فما قيمة هذه الإشارات العابرة في الدفاع والاتهام والتوثيق، ما لم تكن بالاسماء؟.

...

ثانياً: ينتقل السيد علي الدباغ الى مجموعة أخرى من الشواهد الغائبة من قبيل: (سأترك الحديث عن هذا التآمر لفرصة أخرى.. لدي تسجيل عن المالكي (ضمن ما امتلكه بين يدي من تاريخ غني) في لجنة الأمن الوطني... ولا زال لدي أكثر فيها). إن هذه العبارات التي يوردها السيد علي الدباغ، هي الأخرى لا قيمة لها من الناحية التوثيقية، ولماذا يحتفظ بها ولا يكشفها دفاعاً عن سمعته؟.. لقد كرر أكثر من مرة في احاديث صحفية نفس الكلام، ووعد بأنه سيكشف ويتحدث ولديه وثائق ومعلومات، فما الذي يجعله يتحمل هذا التشويه الإعلامي والتسقيط السياسي كما كان يقول، من دون ان كشف ما لديه؟ هل يختزنها ليوم الشدة؟

...

ثالثاً: ثم ينتقل السيد علي الدباغ الى اعتماد أسلوب الإحالة الى يوم القيامة ومحكمة العدل الإلهي عندما يتحدث عن الرشاوى المتهم بها، فيدافع عن نفسه بالعموميات والكلام الوعظي، على طريقة السيد عبد الكريم العنزي والسيد خضير الخزاعي، وبذلك يصل مجموع الأشخاص الذين أجّلوا الدفاع عن انفسهم لما جاء في هذه السلسلة، ثلاثة حتى الآن. وهنا أسأل: هل نحتاج الى قضاء في العراق أو في هذه الدنيا على ما يرتكبه المتهمون والمتورطون في قضايا الفساد، طالما صار بإمكانهم تأجيل دفاعاتهم الى محكمة العدل الإلهية؟.. وهل توجد في قوانين العالم ودساتير الدول مثل هذه الفقرة؟.

رابعاً: لم يتحدث السيد علي الدباغ عن شراكته في الصفقات وفي هذه الصفقة تحديداً مع وزير الدفاع وكالة سعدون الدليمي والسيد عبد العزيز البدري، حيث كان هو الشخص الثالث الذي سيحصل على حصة من عمولة الصفقة. وحاول أن يوهم القارئ بقوله (كيف له ان يعرف بصفقة سلاح بهذه السرية)، في حين أن معرفته بالصفقة هي لشراكته التجارية الوثيقة مع وزير الدفاع العراقي، وبضمنها هذه الصفقة موضوع الحديث والاتهام. كما لم يتحدث السيد الدباغ عن العبارة الشائعة عنه والمتداولة في المنطقة الخضراء (عربون المحبة) مقابل أي تسهيل يقوم به لرجال الإعمال.

في ختام هذا المقال، أرغب بتذكير السيد علي الدباغ، بأنه كان يطرح نفسه على انه خبير في شؤون المرجعية، وانه المقرب من مرجعية السيد السيستاني، لكنه فجأة تحول الى مرجعية الشيخ اليعقوبي المناهضة للسيد السيستاني، وصار أمين عام حزب الفضيلة، وذلك بعد ان فشل في الانتخابات البرلمانية عام 2005، وقد انضم الى حزب الفضيلة من أجل ان يحصل على منصب وزاري خلال تشكيلة حكومة المالكي الأولى، حيث كان حزب الفضيلة يطالب بوزارة ذات مردود مالي، مثل النفط او التجارة او المالية. وعندما فشل حزب الفضيلة ولم يحصل على أي حقيبة وزارية، انتفت حاجة الدباغ لموقع الأمين العام لحزب الفضيلة، فاستقال بعد أيام، خصوصاً وان مساعيه ووساطاته نجحت في الحصول على منصب الناطق الرسمي.

أذكّر السيد الدباغ أيضاً بأنه كان يحرص دائماً على حضور اجتماعات مجلس الوزراء، رغم ممانعة بعض الوزراء واحياناً اعتراض رئيس الوزراء السيد المالكي على حضوره، لكنه كان يفرض نفسه في الحضور تحت مبرر لا بد أن يعرف ما يدور حتى يتحدث للاعلام، وقد تم التحفظ على حضوره في مجلس الوزراء، لأنهم اكتشفوا انه يطلع على النقاشات والمشاريع فيسبق غيره في ترتيب أموره مع رجال الأعمال لضمان الصفقات قبل غيره.

أذكّر السيد علي الدباغ، بأنه في الفترة التي كان يدور الحديث فيها عن رفض تشكيل الدكتور الجعفري حكومة 2006، زارني في المكتب وحاول كثيراً ان يسألني عن البدائل المطروحة، ولم أعطه جواباً محدداً، لكنه وفي فورة حماسه، اتصل بإحدى وكالات الانباء وقدم لها تصريحا مهماً بان هناك عدة أسماء مطروحة لخلافة الجعفري، ومنها اسمه (أي علي الدباغ)!! وقد استغربت من هذه الجرأة على اختلاق حادثة وحديث لا وجود لهما ولا مكان ولا أساس إلا في رأسه. ولم يلتفت بأن هذا الكلام المكذوب الذي يختلقه، يسمعه بعض الجالسين في الغرفة. لقد شغله الطموح الجامح عن النظر لما حوله.

للاطلاع

رد علي الدباغ على سليم الحسني

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

رد علي الدباغ على سليم الحسني

ali adabakد.علي الدباغ يكشف من خلال رده على د. سليم الحسني، عن أرقام ومعلومات خطيرة حول صفقة السلاح الروسي.

 

السيد سليم الحسني المحترم ..

تحية طيبة

أودّ ان أشير الى انك تحاول توثيق معلومات تعتبرها صحيحة وتستقيها من أشخاص تقدح انت غالباً في مصداقيتهم وفي فعلهم وفي قولهم وتعتبر الكذب صفة ملازمة لهم وهذا يستوجب ان لا يكون فعلهم وكلامهم حجة عندك، وفي مقدمتهم عزت الشابندر ونوري المالكي بينما وثّقت وأكدت ورددت فعلهم وكلامهم بما يتعلق بصفقة السلاح الروسية وكان توثيقك صدىً كاملاً لعملٍ دنئ ارتكبه جناة غارقون في الفساد، وكان للمالكي الدور الأكبر فيها في تصفيتي وتشويه سمعتي بأن زجّ اسمي عن طريق طاقمه الإعلامي في ضخ إعلامي مدفوع الثمن. بل انك أضفت إتهامات أختلقتها أنت عن تقبلي الرشاوى في اتهام لا يمكنني السكوت عنه.

بداية أودّ القول في ان ماكتبته انت عني والاتهامات التي رددتها والتي إختلقتها، إن كان صحيحا- وهو ليس بصحيح- فاني اطلب من الله المغفرة والعفو، وان كان ماقلته انت غير صحيح - وهو بالتأكيد غير صحيح- فاني اسأل الله لك الهداية لطريق الحق لتتجنب ان تقذف ابرياء بتهم باطلة سيحاسبك الله عليها.

وحيث انك أخذت بظاهر الأمر من مواقع الإنترنيت والحملة الإعلامية المدفوعة الثمن وخصوم سياسيين لا يمكن قبول شهادة لهم وقد تبين حجم فسادهم وإفسادهم وحبكهم المؤامرات والتسقيط السياسي بما لا يترك اي هامش للشك او الظن في سلوكهم بل اصبح صفة متلازمة لهم اودت بالبلد لما وصل اليه، وقد أجد بعض العذر للقارئ العادي ان يتأثر بما يُنشر مرئيا، مسموعاً ومقروءاً لكني لا أعذر شخص مثلك يريد توثيق أحداث مهمة بأن يأخذها كما يوجه لها الفاسدون والمفسدون وتجار الرذيلة وسماسرة الشرف وسُراق قوت الناس دون أن يُقلّبها في ثنايا عقله ليستنبط من بواطنها ما يُمكن ان يُقال عنه انه أقرب للواقع التي جرت به الأحداث، وإذا كان هكذا وبهذه السطحية يُكتب التأريخ فاني أنصح مخلصاً ان تعيد الكثير من الوقائع التي رويتها في حلقاتك السابقة لأنك إستقيتها دون ان تُقاطعها أو تتحقق منها على الأقل لتعرف الوجه الآخر لتتمكن ان تستنبط منه ما يرتاح له ضميرك وما تقتضيه الأمانة والدقة والتوثيق في الرواية.

وقد دفعني لان أكتب لك ما قلته في احدى حلقاتك بأنك ستراجع نفسك في ما كتبته إن تبين لك خطأ ما ترويه وتكتبه لكي أرى مدى التزامك بما ألزمت به نفسك ككاتب يحاول توثيق مرحلة مهمة من تأريخ البلد عصفت به الامواج.

وأود هنا ان أضيف وأبيّن بعض مما امتلكه من حقائق عن صفقة السلاح الروسية وهي أعمق بكثير مما ظهر لك ولغيرك من المتابعين وليكن هذا بداية لك ان تستزيد من غيري لتتعمق وتكتشف مافيا الفساد وانتشارها، والى أين تطور امر صفقة السلاح الروسية ومن أدارها في النهاية لتقع على أصل اللعبة والسيناريو ومنابعها وأيلولتها.

صفقة السلاح الروسية بدأت بزيارة وفد كبير برئاسة وزير الدفاع وكالة سعدون الدليمي في آب ٢٠١٢ حيث بقي الوفد طيلة شهر رمضان يتفاوض على صفقة كبيرة محاطة بكل الكتمان والسرية حسب ما تقرر في الاجتماع الأمني الوزاري الاسبوعي. رجع الوفد بنتائج عالية الإيجابية كما أوجز ذلك الدليمي في مجلس الوزراء.

بعدها بأيام وصلتني معلومة مهمة مِن موسكو بأن هناك مجموعة وصلت جزء منها عراقي - تبين لي فيما بعد انها ترتبط ارتباطا وثيقا بمركز القرار- ، هذه المجموعة دخلت على الخط لتقدم نفسها على انها المفاوض بتفويض من القائد العام للقوات المسلحة وليس وزارة الدفاع وقد وصلتني المعلومة موثقة من الحلقة القريبة من بوتين والذي كان وقتها رئيسا للوزراء وبيده مفاتيح السلطة، عن طريق صديق مهم وزير سابق في روسيا ويرتبط بالكرملين مباشرة وليس له أي مصالح في العراق. وقد تجنبت بداية ان أخبر المالكي بذلك لأيام في صراع ذاتي مع نفسي بأني لا اريد ان ادخل في مافيات الفساد التي كانت مرئيّة لي ولغيري، لكني في النهاية حسمت هذا الصراع مع نفسي وأخبرت المالكي إبراءاً لذمتي امام الله ووفاءاً لبلدي في يوم ١ أيلول ٢٠١٢، بان مجموعة دخلت على الخط وتقدم نفسها بأنها مفوضة بالتفاوض مع الروس، كل ذلك ولا ازال لم اكتشف ان هذه الخلية نافذة ومتمكنة، قد يكون غفلة مني او سوء تقدير، إستدرجني المالكي باهتمامه العالي للحصول على معلومات أدق وأوثق من الجانب الروسي وطلب مني التواصل مع مصدر المعلومة للحصول على تفاصيل أكثر وحاولت بذلك مع الوزير الروسي، ورجعت للمالكي تحديدا في ٦ أيلول ٢٠١٢ بان الروس لم يُفصحوا لي عن أي تفاصيل. تسرّب خبر تلك المجموعة المفاوضة في الصحافة الالكترونية عن طريق موقع إلكتروني كان قريبا من جهة سياسية مهمة بتفاصيل شبه دقيقة عن القصة، وأشهد للذمة والامانة باني لم أتحدث عما وصلني من معلومات لأي شخص مطلقا، تأكدت حينها بأن الاحتمال الأقرب بأن ذات المصدر قد سرّبَ المعلومة لتلك الجهة التي تحدثت عن المجموعة بأنها من حزب الدعوة، وفاتحت المالكي بنهاية أيلول بمقترح بان ندعو الشخص الذي اعطاني المعلومة و القريب من بوتين - والذي كان مصدراً لتلك المعلومة- لبغداد ليقابل المالكي ويعطيه الصورة مباشرة بنفسه (هذا الشخص معروف للمالكي وقد زار المالكي والطالباني مهنئا بالولاية الثانية ناقلا رسالة شفوية من بوتين في شباط ٢٠١١)، وفعلا جاء الرجل لبغداد بزيارة سرية لعدة ساعات يوم الثلاثاء ٢ أكتوبر ٢٠١٢ قبل الزيارة الرسمية لموسكو بأسبوع وكان الحضور في اللقاء المالكي والضيف ومترجمه وانا والسيد حامد الموسوي (مدير مكتب المالكي)، وقدم الضيف إشارات واضحة للمالكي عن ما يدور عن الصفقة في موسكو ونصح ان يكون هناك اتصالا مباشرا بين بوتين والمالكي لقطع الطريق امام اي جهة قد تدخل على خط الصفقة الروسية. وانتقلنا بعدها للغذاء في بيتي حيث ردد عليّ الضيف بان اؤكد على المالكي قطع الطريق على اي جهة تريد الدخول على الخط، وفعلا فقد فعلت ذلك في اليوم التالي يوم الأربعاء حيث أخبرت المالكي في لقائنا الصباحي وبحضور السيد حامد الموسوي ايضا(وهو شاهد وحي يُرزق وتستطيع ان تستوثق منه عن هذا الحديث وحديث الامس، حيث هو في لندن) بان الضيف أكد عليَّ بأن أعيد ما قاله بصورة أوضح اذا كان توضيحه ليس كافياً. كل ذلك ولحد هذه اللحظة فاني لم أُدرك بعمق هذه المجموعة ومدى نفوذها وارتباطها، إلاّ في اليوم التالي لوصولنا لموسكو حيث رأينا وسيطا لبنانيا معروفا بانه سمسار محترف وكان قد استطاع ان يتسلق ليصل الى حواشي المالكي يتردد على فندق الراديسون الذي كان مخصصا للوفد للإقامة فيه ويصعد للطابق العلوي ليلتقي بأشخاص معلومين كانوا ضمن الوفد الرسمي، أدركت حينها ان الامر أعمق بكثير من خلية سمسرة وان السمسار هو من داخل البيت.

عند عودتنا من موسكو بدأ المالكي يتحرك ويفبرك قصة عن بوتين، استطعت ان أثبت كذبها نقلا وعقلاً، عقابا صارما لي لأَنِّي عرفت أكثر مما يجب وتدخلت في أمر جلل وولجت بابا كان مستورا وفي غاية الكتمان والسرية، هنا برز كل الخلاف المتراكم والازمات التي كنت اعانيها من حواشي المالكي ليبدأ التآمر المنظم، سأترك الحديث عن هذا التآمر لفرصة أخرى ولنركز على الصفقة الروسية.

لدي تسجيل عن المالكي (ضمن ما امتلكه بين يدي من تاريخ غني) في لجنة الأمن الوطني والتي تسمى مجلس الأمن الوطني تحدث فيها عن الموضوع بناءا على استفسار من هوشيار زيباري بأن لا معلومات لديه عن اي شخص مرتبط بالامر وهو يحقق بذلك وان الصفقة الروسية ستمضي بقوة.

بداية الشرارة كان إيميل من مكتب المالكي لأحد الاعلاميين مرتبط بالمستشار الإعلامي للمالكي عن قصة مفبركة حُشر فيها اسمي كيداً، وحصلت عليه من صديق، ونسي هذا الإعلامي ان يحذف اسم المرسل الاول الذي هو المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء ولَك ان تتصور عندما يرد لأحد الاعلاميين خبراً بهذه الجرأة فيه اتهام صريح للناطق باسم الحكومة بالضلوع في صفقة سمسرة للسلاح كيف سينتشر وكيف كانت خطة ما بعد تسريب هذا الايميل. وقد أطلعت المالكي على هذا الامر وانه شخصيا يستهدفني باغتيال سياسي وكيدٍ واضح وكان ذلك آخر لقاء لي معه الى نلتقي عند الحكم العدل لأقاضيه اذا لم يكن بالاضافة الى ذلك وقوفي امام محكمة موثوقة تحاسب الرجل على كل فترة حكمه. هذا الايميل كان جزء من الاتهام والذي خطط له المالكي للإساءة لي.

هذا الايميل أطلعتُ عليه كل من الشيخ عبد الحليم الزهيري والسيد عمار الحكيم والسيد الجعفري واسامة النجيفي وهادي العامري وعادل عبد المهدي وهمام حمودي ضمن دفاعي عما يخطط له حواشي الرجل. ويكفيني دليلاً باني وقفت في مؤتمر صحفي لأعلن باني قد أخبرت المالكي بالقصة في أكبر تحدٍ لمصداقيته والتي أنكرها وكذبها ويعرف من يحيط به بأن كلام الرجل كيدا وزوراً وكذباً كما هو معروف عنه.

سؤالي لك ولكل من يدور في خلده أني ضالع ولو بنسبة بسيطة في هذا الفعل الفاسد؟

كيف يمكن لي ان ادخل لأمرٍ كبير بهذا الحجم مُحاط بالكتمان والسرية وما هو تأثيري فيه؟؟

وهل دولة مثل روسيا الاتحادية بهذه السذاجة حتى ادخل انا على هذا الامر ويقبلون مني ان أكون وسيطا؟

اضافة الى ان التأثير الكبير على هيئة القضاة من قبل أشخاص معروفون لك وغير معروفين حاولوا ان يعيدوا كل التحقيقات في هذه القضية في هيئة النزاهة ومحققيها والقضاء ومحاكمه بطريقة مثيرة للعجب، لزج إسمي كمتهم في القضية لعدة مرات، لكن كل كيدهم كان في تضليل ولم يفلحوا وبقيت شاهداً في كل المراحل المعادة والمتكررة من التحقيقات وأعطيت لهم ما أمتلكه من معلومات عن هذا الامر ولم يستطع أحد وبكل الضغوط ان يجد اي شعرة ارتباط لي في ما رواه المالكي وبطانة السوء وخلية الشيطان التي كانت تحوط به.

الى هنا اكتفي بالحديث عن الصفقة الروسية ولا زال لدي أكثر فيها، لانتقل لما أسهبت في الحديث عنه والنيل مني باني اقبل الرشاوى، وحيث ان الكتابة أمانة امام الله وامام الناس عليّ وعليك وعلى كل من يكتب، فاني أقول امام الله أني لم اتوسط في أي معاملة تجارية أو عقد او صفقة مدنية او تجارية او عسكرية او اي عقد مرتبط بالدولة لأي شخص قريب مني او بعيد مع اي وزارة او مؤسسة من مؤسسات الدولة بل وأتحدى بثقة مطلقة اي شخص يستطيع ان يُبين باني فعلت ذلك خلال وجودي في مهمتي الرسمية واُضيف على ذلك باني لم أمارس اي عمل تجاري لنفسي خلال تلك الفترة.

من خلال كل ذلك اختم حديثي لك بأني اقبل من ينقدني عن أدائي المهني ولا أغفر ولا أقبل لمن ينال مني ومن سمعتي، وأتجنب الحديث عن نفسي لان ذلك مذمة لي لكني أدرك وبكل وعي مسؤوليتي الوطنية والشرعية ولن يفت في هذا الإدراك ما تعرضت له كما تعرض غيري من أشخاص تحدثوا ونالوا مني لا يوجد من بينهم صالح او صادق وهكذا عندما تأتي المذمة من هؤلاء فلا ضير ولا بأس.

ختاما وجب عليّ ان ابين لك بعض ما خفي عنك من حقائق وخفايا.

شكرًا

 

علي الدباغ

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

إسلاميو السلطة (81): أخطاء المالكي وأخطاء قادة الشيعة

salim alhasaniفي الحلقة (80) سجلت وقائع الأيام والساعات الحرجة التي سبقت إبعاد السيد نوري المالكي عن رئاسة الوزراء، وتكليف السيد حيدر العبادي بتشكيل الحكومة.

قناعتي الشخصية بعد تقصي المعلومات من أبرز المشاركين في صناعتها، تجعلني أعتقد بأنها مؤامرة نجحت في تحقيق أغراضها. لكن الأمر لا ينتهي عند هذه النتيجة، فهناك تداعيات مهمة وخطيرة ترتبت عليها، وقد ظهرت بعض نتائجها السريعة، فيما سيتكفل الزمن ببعضها الآخر.

...

لا نختلف على الأخطاء الكبيرة التي ارتكبها المالكي، وقد كانت فادحة في مجالات حساسة من الدولة، وستبقى آثارها لفترة قادمة. ربما يأتي الاختلاف في مستوياتها وفي مفرداتها وشواهدها، لكن الرجل تولى فترتين كاملتين وكان عليه أن يترك الثانية وقد وفّر قدراً من الأمن والحماية للشعب العراقي، لكن هذا لم يحدث فما صنعه في ولايته الأولى تهاوى في النصف الثاني من ولايته الثانية، حتى سقطت مساحات شاسعة من الأراضي العراقية تحت سيطرة تنظيم داعش، بما حملته من كوارث إنسانية ومجازر جماعية، كانت أفظعها جريمة تكريت (سبايكر).

وكان عليه أن ينهي ولايته الثانية وقد حقّق قدراً مقبولاً من التحسن المعيشي والخدمي للعراقيين، لكنه ترك واقعاً اقتصادياً سيئاً يُصعب تداركه.

وبذلك لم يكن مقبولاً من الناحية الظاهرية على الأقل أن يتولى دورة ثالثة. كما أن حسابات السياسة ومواقف الكتل البرلمانية لم تكن لتعطيه أملاً في ذلك.

...

يتحمل المالكي في ولايته الثانية القسم الأكبر من الأسباب التي صنعت هذا الصف العريض من الخصوم والأعداء والساخطين، مما جعلهم يرون أن مستقبلهم السياسي أصبح في خطر فيما لو واصل حكمه في ولاية ثالثة.

لقد كان واضحاً لكافة الأطراف أن أيام المالكي في السلطة تتجه نحو التوقف، مهما كانت نتيجة الانتخابات البرلمانية. فهناك تفسير المحكمة الاتحادية للكتلة الأكبر الذي أصدرته عام 2010، حيث يمكن الاستفادة منه في تشكيل تحالف برلماني للتفوق على كتلة المالكي. وإذا عجزوا عن ذلك فأنهم سيواجهونه بالمشاكل في عملية تشكيل الحكومة والامتناع عن منحها الثقة في البرلمان.

...

حصل المالكي على فرصة من ذهب قبل الانتخابات البرلمانية 2014، عندما أسفرت مفاوضات سرية بين بعض قيادة حزب الدعوة والمجلس الأعلى على ترشح المالكي لولاية ثالثة، من خلال تشكيل ائتلاف يحتل موقع الكتلة الأكبر. لكن المالكي رفض القبول بهذا الاتفاق، فأصبح لاغياً نتيجة ذلك.

كان المالكي يرى في هذا الاتفاق تقويضاً للفكرة التي استقرت في رأسه وهي تشكيل حكومة أغلبية برئاسته، تضم دولة القانون الى جانب بعض الأطراف الكردية والسنية، وبذلك يمكن إدارة حكومة قوية متماسكة في مواجهة المعارضة.

فشلت جهود بعض أعضاء قيادة الدعوة في إقناعه، فقد كان المجموعة المحيطة به والمقربة اليه تشجعه على فكرة حكومة الأغلبية، وقد لعبت النائبة حنان الفتلاوي وهيثم شغاتي دوراً مهماً في تعزيز هذه الفكرة عنده المالكي. وكان هيثم شغاتي من المقربين من المالكي بشكل كبير، وهو شخصية ذات علاقات واسعة وخاصة مع الأميركان. وقد نقل نشاطه من المالكي بعد انتهاء ولايته الى رئيس البرلمان سليم الجبوري، والغريب انه يمتلك نفس القدرة في التأثير على الجبوري.

كما كان لرجل الأعمال عصام الأسدي نفوذه وتأثيره على المالكي، وقد بلغ من درجة النفوذ ما جعله يعمل على إضعاف العلاقة بين قيادات حزب الدعوة وبين المالكي، وتمكن من عزل القيادة بشكل كبير عنه، وصار المقرب الأول من المالكي.

هنا لابد من القول إن الفرصة الأولى التي أتيحت لعصام الأسدي في الدخول على خط المالكي، كانت بوساطة بعض أعضاء قيادة الدعوة، فبريق المال الذي يشع منه أغواهم في تحقيق مراد رجل الأعمال الذي تكفيه فرصة واحدة فقط لا أكثر.

...

إن تجربة المالكي بالنهاية التي رآها العالم، كشفت هشاشة معيبة في الوسط الشيعي، لدرجة أنها فضحت قادة هذا الكيان الذي يشكل الأغلبية السكانية في العراق .. فضحت سطحيتهم وكشفت بساطة فهمهم السياسي. فمن أجل إبعاد شخص عن السلطة، عجزت القيادات الشيعية عن سلوك الطرق الدستورية والمواقف المعلنة لتتضامن فيما بينها، وتعطي كلمتها في عدم منح المالكي فرصة أخرى. فكان الأمر بكلمات مباشرة وتعبير واضح، مؤامرة مرتبكة التخطيط والتنفيذ، انتزعت السلطة من المالكي، من خلال إجراءات سرية حتى اللحظة الأخيرة.

...

لقد كان المحور الإقليمي الذي تزعمته السعودية، يُجري كافة الاستعدادات لإنهاء حكم الشيعة في العراق، ولا يمكن لهذا المحور أن يتنازل عن هدفه هذا، لأنه يرى فيه منطقة القلب فيما تسميه بالهلال الشيعي الممتد من إيران الى لبنان. وعندما عجزت عن اسقاط نظام بشار الأسد عسكرياً، رغم الضخ الهائل للمقاتلين الأجانب في تنظيم داعش وتمويلهم بالمال والسلاح، توصلت الى ضرورة أن يُصار الى تعديل في الخطة من خلال تفتيت الكيان الشيعي داخلياً، مقابل زيادة الدعم للقيادات السنية.

إن المحور الإقليمي اكتشف أن الكيان الشيعي أضعف بكثير مما كانت تتصوره، فقادته يمكن التلاعب بهم بسهولة، نظراً لسطحية تفكيرهم السياسي، وعدم امتلاكهم نظرة بعيدة لما يدور خارج مصالحهم الشخصية والفئوية. كما اكتشفت أن صناعة الفوضى في العراق أبسط بكثير مما كانت تعتقده، وقد حدث ذلك بالفعل، وسبق أن تحدثت عن ذلك في حلقات سابقة.

...

وصل المالكي في نهاية دورته الثانية الى نقطة النهاية بما آلت اليه ظروف العراق، وبعد أن أعلنت الأطراف السياسية مواقفها الرافضة له، كما جاء رأي المرجعية العليا ليحسم الأمر نهائياً في عدم إمكانية التجديد له.

لكن الخطأ الذي يتحمله قادة الشيعة، أنهم تعاملوا مع المالكي كقضية عليا، بمعنى يجب إزاحته بأي شكل، فكان الالتفاف على الدستور، ولم يفكروا بخيارات أخرى، والسبب أن المصالح الشخصية والفئوية كانت تحجب الرؤية عن الخيارات الأخرى. فلقد كان مجموعة من الأشخاص المتطلعين للرئاسة يتسابقون للفوز بهذا المنصب الذي تتصاغر عند قوائمه هموم الوطن والكيان الشعبي الكبير، والذي تمتنع من أجله العين من التحديق في المخاطر الزاحفة من السعودية وتركيا وحدود سوريا، وما ورائها من مخططات عميقة.

كان السادة: إبراهيم الجعفري وعادل عبد المهدي وحسين الشهرستاني وحيدر العبادي يتسابقون للجلوس على كرسي الرئاسة بأي طريقة، ولم يجدوا أقصر من الحركة الالتفافية السريعة على الضوابط الدستورية.

ففي تلك الأيام والساعات الحرجة، كانت تزداد وتنقص حظوظ هذا وذاك، وقد وصل حظ الجعفري في وراثة المالكي الى ما يقارب القمة يوم الأربعاء المصادف 6 آب /أغسطس 2014، وعليه فقد كان حريصاً على تنفيذ عملية الالتفاف بأسرع وقت ومن اقصر الطرق، فالهدف هو منصب لا تقاومه الإرادات، وتنهار عنده الثوابت.

كان الجعفري قد أوشك ان يستكمل استعداداته للإلتفاف على المالكي حتى أنه كتب برنامجه الحكومي على جهاز الآيباد، في الوقت الذي يخفي ذلك عن المالكي حين يتصل به ويجتمع معه، بل ويُشعره بأنه يدعمه. لكن حظوظ الجعفري تراجعت في جو من التنافس والتسابق الساخن، خصوصاً بعد ان اكتشف المالكي خداعه، مع أنه كان يفكر بأن يطرحه لخلافته فيما لو انغلقت الأبواب نهائياً. وما جرى على الجعفري جرى على غيره من الأسماء السابقة، حتى استقر الأمر على العبادي، وكان خياراً مثالياً لما يمتلكه من شخصية ضعيفة ونزعة نادرة في الخوف من الحسم والقرار، والاستجابة السخية لمطالب الذين يخافهم وما أكثرهم.

...

لقد فتح لهم الاتفاق على العبادي فرصة الحصول على المكاسب الأقل مرتبة، بعد أن فقدوا الأمل في حدها الأعلى. فأخذ الجعفري أجره بوزارة الخارجية، وعادل عبد المهدي في النفط وحسين الشهرستاني بالتعليم العالي والسيد عمار الحكيم صار يتحكم بعدة وزارات ومناصب وامتيازات، والسيد مقتدى الصدر ضمن عدة وزارات الى جانب منح بهاء الأعرجي منصب نائب رئيس الوزراء، وقد أصر السيد مقتدى الصدر على الأعرجي لدرجة أنه أبلغ العبادي بأنه سيسحب وزراءه ويقاطع حكومته ما لم يحصل بهاء الأعرجي على هذا المنصب بالتحديد وليس غيره.

هكذا تعامل قادة الشيعة، في أجواء حساسة مضطربة تستهدف الحكم الشيعي من الأساس، وتستهدف وحدته وكيانه وأمنه. وبذلك شعرت السعودية والغرب والولايات المتحدة بأن الأمور تسير بانسيابية عالية، لم يكن يحلمون بها، فقادة الشيعة بنظرتهم القصيرة وبفهمهم الساذج وبمصالحهم المتضخمة، يمكن توجيههم عن بعد ببساطة، يكفي أن يصنعوا لهم جواً ضاغطاً، فيضيعون فيه من حيث لا يشعرون.. وربما من حيث يشعرون، فمن يدري.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (80): التفاف الكتل الشيعية على المالكي

salim alhasani2نظراً لحساسية هذا الموضوع، سأكتفي في هذه الحلقة بسرد الوقائع التي جرت في عملية الالتفاف على المالكي من الناحية الدستورية، وكان قياديو الكتل الشيعية من أبرز صُناعها. المعلومات الواردة في هذه الحلقة أخذتها مباشرة من شخصيات مشاركة في الأحداث، بعضها مع المالكي والبعض الآخر ضده.

سأسجل الأحداث في تسلسل زمني، مع إبقاء المجال مفتوحاً أمام المعنيين بهذه القضية بالرد والتوضيح والإعتراض، وسأقوم بنشر ردودهم فيما لو صدرت بصفتهم الشخصية أو عن طريق مكاتبهم أو أي طريق رسمي، إلتزاماً بموضوعية التوثيق.

...

في 15 تموز 2014 تم الاتفاق على اختيار الدكتور سليم الجبوري رئيساً للبرلمان، وتولى الدكتور حيدر العبادي منصب النائب الأول لرئيس البرلمان.

وفي 24 تموز تم الاتفاق على تولي الدكتور فؤاد معصوم منصب رئاسة الجمهورية، وجرى التصويت عليه في جلسة البرلمان.

يوم الاثنين 11 آب /أغسطس تسلم الدكتور فؤاد معصوم كتاباً من السيد إبراهيم الجعفري باسم التحالف الوطني بترشيح الدكتور حيدر العبادي لمنصب رئاسة الوزراء، فجرى تكليفه في نفس اليوم بتشكيل الحكومة في اجتماع عُقد في منزل الدكتور فؤاد معصوم.

....

لا كلام على الاختيارين الأول والثاني، إنما الكلام في الاختيار الثالث أي تقديم التحالف الوطني اسم الدكتور حيدر العبادي مرشحاً عنه لتولي منصب رئاسة الوزراء، ومن ثم تكليفه من قبل رئيس الجمهورية فؤاد معصوم بتشكيل الحكومة.

هنا نقطة الخلاف الأساسية، وهي في الحقيقة عملية إلتفاف اتفقت عليها الكتل البرلمانية لتجاوز الدستور. فالتحالف الوطني ليس له وجود رسمي بعد انتخابات عام 2014، وحتى هذه اللحظة، أي لا يحق له ان يقدم مرشحاً لرئاسة الحكومة.

...

كان المالكي قد نال الولاية الثانية، من خلال تفسير المحكمة الاتحادية للكتلة الأكبر، بانها أكبر الكتل التي تحضر جلسة البرلمان الأولى. وبهذا التفسير عقدت دولة القانون والإئتلاف الوطني تحالفاً باسم التحالف الوطني تم تسجيله رسميا في المفوضية العليا للإنتخابات قبل انعقاد أولى جلسات البرلمان. وبذلك تم ضمان استبعاد القائمة العراقية بزعامة السيد اياد علاوي التي حصلت على اكبر عدد من المقاعد في انتخابات 2010، من تشكيل الحكومة.

...

أفرزت الانتخابات البرلمانية عام 2014 فوز دولة القانون بالكتلة الأكبر، وهذا ما جعلها تمتلك حق تقديم مرشحها لرئاسة الوزراء. لكن المشكلة التي واجهتها الكتلة أن مرشحها السيد نوري المالكي يواجه معارضة شديدة من قبل بقية الكتل البرلمانية. وهذا حقها الذي لا يمكن الإعتراض عليه، فلكل كتلة موقفها في القبول والرفض، ولا يمكن للمالكي أن يعترض على ذلك.

عقدت أولى جلسات البرلمان المنتخب، في الأول من تموز 2014 برئاسة الدكتور مهدي الحافظ، ولم تكن إجراءات تشكيل التحالف الوطني قد تمت وفق الصيغ القانونية، أي لم يتم تقديم الطلب لرئيس الجلسة الأولى، وقد أكد الحافظ أنه لم يتسلم أي كتاب رسمي من المفوضية بتشكيل التحالف الوطني. وعليه فان الكتلة الأكبر هي دولة القانون، وبذلك انحصر تكليف الحكومة بمرشحها أي السيد نوري المالكي.

...

كان الشارع العراقي يتعامل مع التحالف الوطني على أساس وضعه السابق قبل انتخابات 2014. كما أن المؤتمرات الصحفية والاجتماعات المشتركة للكتل الشيعية عززت هذا التصور في الأوساط العامة.

أما المالكي فقد كان يعرف هذه المسألة الدستورية، لذلك رفض التوقيع على أي وثيقة تُشير الى وجود التحالف الوطني، طوال اللقاءات والاجتماعات التي كان يعقدها قادة الكتل البرلمانية الشيعية.

...

بعثت قيادة حزب الدعوة رسالة الى المرجع الأعلى السيد علي السيستاني دام ظله، مؤرخة في 23 حزيران 2014 تسأل رأيه في اختيار رئيس الوزراء، فجاء الجواب خطياً بتاريخ 8 تموز باختيار رئيس وزراء جديد. ولم يدخل جواب المرجع السيستاني في التفاصيل والآليات، باعتبار أن ذلك من شؤونهم السياسية.

...

رفض المالكي التنازل عن حقه الدستوري كمرشح للكتلة الأكبر، وكان الوقت يمر لصالحه، لكنه ليس في مصلحة معارضيه، وقد شعر رئيس الجمهورية بضغط الوقت، بعد أن قاربت المدة الدستورية على الانتهاء، إلا أنه كان يماطل في تكليف المالكي، بانتظار أن يتفق قادة الشيعة على موقف نهائي بشأن المرشح.

وكانت آخر الأخبار التي وردت من الدكتور فؤاد معصوم الى المالكي يوم الأحد 10 آب/ أغسطس تفيد بأنه سيبعث له كتاب التكليف صباح يوم الأثنين 11 آب، وهو اليوم الأخير من المهلة الدستورية. وكان قبل ذلك يتعلل بالتأخير بأنه كتب مسودته، وأنه كلف مكتبه بطباعته على ورقة رسمية، وما الى ذلك من اعذار كان يرجو منها كسب الوقت.

...

أخبر السيد فؤاد معصوم قادة الكتل الشيعية يوم الأحد 10 آب، بأنه سينتظر قرارهم لغاية الساعة الثالثة من بعد ظهر اليوم التالي، وفي حال عدم توصلهم الى اتفاق على مرشح نهائي، فانه سيضطر الى تكليف المالكي بتشكيل الحكومة.

....

يوم الأحد 10 آب كان يشهد مداولات واجتماعات واتصالات مكثفة بين قياديي الكتل الشيعية، وفي النهاية وقع الخيار على الدكتور حيدر العبادي، بعد ان فشلت كافة الطرق للاتصال بالدكتور طارق نجم الذي أغلق هاتفه الجوال ورفض استلام أية مكالمة أو رسالة نصية، فقد رفض بشكل قاطع أن يتولى هذه المهمة، وغادر بغداد الى لندن للإبتعاد عن الضغوط والاجتماعات والاتفاقات السرية.

في مساء نفس اليوم، أي العاشر من تموز، عقد اجتماع سري في منزل الدكتور حسين الشهرستاني حضره الجنرال قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس والسيد هادي العامري، إضافة الى الدكتور حيدر العبادي، وقد كان هذا الاجتماع بتخطيط من الشهرستاني لإقناع الجنرال سليماني بالموافقة على العبادي، فقد كان يرغب بتقديم خدمة للرئيس القادم من أجل أن يحصل على إحدى الوزارتين الخارجية أو النفط. وقد تم إبلاغ الجنرال سليماني في هذا الاجتماع بأن اختيار العبادي جاء بقرار من قيادة حزب الدعوة. ولم يكن المالكي على علم بهذا باجتماع قيادة الدعوة ولا بقرار ترشيحهم العبادي.

بعد اجتماع منزل الشهرستاني، توجه السيد هادي العامري الى منزل السيد المالكي في محاولة لإقناعه بالتراجع عن موقفه بعد اختيار العبادي بديلاً منه، لكن المالكي واجهه بكلام شديد، معتبراً أن هذه الخطوات والاجتماعات السرية، تتعارض مع الدستور باعتبار ان دولة القانون هي الكتلة الأكبر، وان الترشيح يجب ان يكون بكتاب رسمي من رئيس الكتلة (المالكي) الى رئيس الجمهورية، ولم يكن للعامري ما يدافع به عن موقفه وموقف القيادات الشيعية الأخرى، لعلمه بأن كلام المالكي يتطابق مع الدستور، بينما تجري الاجتماعات والاتفاقات بما في ذلك ترشيح العبادي خلافاً للدستور.

...

قرر المالكي أن يعلن الخبر على الرأي العام، فاستدعى فريقاً إعلامياً من قناة العراقية، وسجل خطابه الذي أذيع عند منتصف ليلة 10/11 آب، وفيه تحدث عن الخرق الدستوري وحمّل رئيس الجمهورية فؤاد معصوم مسؤولية هذا الخرق.

يوم 11 آب/ أغسطس عقد السيد إبراهيم الجعفري إجتماعاً في منزله ضم السادة: ضياء الأسدي عن التيار الصدري، وعمار طعمة عن حزب الفضيلة، وباقر الزبيدي عن المجلس الأعلى وحسين الشهرستاني عن المستقلين، وحيدر العبادي.

ظهر اليوم التالي أي 11 آب بثت قناة العراقية خبر تكليف العبادي بتشكيل الحكومة وظهر في المقطع المصور الذي تم في منزل الدكتور معصوم، رئيس البرلمان سليم الجبوري والسيد إبراهيم الجعفري ومعه الأشخاص الذين كانوا في منزله، فقد اتفقوا على التوجه الى منزل معصوم فرادى، وليس في موكب واحد، وجاء ذلك باقتراح من الجعفري مبرراً هذا الإجراء الاحترازي لضمان سرية التحرك وعدم وصول خبره الى المالكي.

...

بعد ذلك بساعات أي عصر نفس اليوم، عقد المالكي مؤتمراً صحفياً، وبعد الانتهاء منه، تحدث الى بعض اعضاء حزب الدعوة بكلام مباشر حمّلهم فيه مسؤولية هذه العملية (التآمرية)، فأبدى بعضهم الندم والتراجع ووعدوه بأنهم سيذهبون الى العبادي ليطلبوا منه التنازل عن تكليف تشكيل الحكومة.

رفض العبادي التنازل وتمسك بالتكليف الذي حصل عليه من معصوم. كما رفض مقترحاً آخر، سأتحدث عنه في حلقة أخرى.

بعد أقل من ساعة على انتشار الخبر في وسائل الإعلام، تلقى العبادي سيلاً من برقيات التأييد والدعم من زعماء الدول العربية والغربية والولايات المتحدة، بما في ذلك مجلس الأمن الدولي، في تأييد لافت لا أعتقد انه حدث من قبل، فقد جرت التقاليد على أن يرسل قادة الدول وخصوصاً الغربية برقيات التأكيد بعد تشكيل الحكومة واكتسابها الصفة الدستورية.

...

قال السيد فؤاد معصوم فيما بعد عندما عوتب من بعض الأشخاص عن تصرفه هذا رغم ما فيه من مخالفة دستورية: (لو لا خطاب المالكي الناري منتصف الليل، وارساله القوات العسكرية التي حاصرت القصر الرئاسي، لكلفته بتشكيل الحكومة).

...

أذاع المالكي خطاباً ثانياً تحدث فيه عن خرقين دستوريين ارتكبهما السيد فؤاد معصوم، وأعلن بأنه سيرفع الأمر الى المحكمة الاتحادية.

تدخل الأميركان للضغط على رئيس مجلس القضاء السيد مدحت المحمود، بعدم البت بهذه القضية، لأن الرأي الدستوري والقانوني سيكون لصالح المالكي باعتباره رئيس الكتلة الأكبر، ووجدوا أن الحل هو تجميد البت بالقضية، وضمنوا له الحماية التامة.

...

كان السيد مقتدى الصدر يصر على حسم القضية لإبعاد المالكي بأي شكل، ثم اشترط بعد ذلك أن يتولى السيد بهاء الأعرجي منصب نائب رئيس الوزراء.

حصل السيد إبراهيم الجعفري على وعد من العبادي بتولي منصب وزارة الخارجية في منافسة حادة جداً على هذا المنصب بين السادة علي الأديب وخضير الخزاعي وحسين الشهرستاني، وقد فاز بها الجعفري لأنه كان واجهة ترشيح العبادي، من خلال استغلال موقعه القديم كرئيس للتحالف الوطني، ومع علمه بأنه يقوم بعملية خداع للرأي العام إضافة الى علمه بمخالفة الدستور.

حصل حسين الشهرستاني على منصب وزارة التعليم العالي، بعد أن ضاعت منه وزارة الخارجية، وبعد أن أخلف العبادي في وعده بمنحه وزارة النفط، وقد احتج الشهرستاني في البداية على ذلك، حيث أعلنت النائبة (سميرة الموسوي) عن كتلة المستقلين، في جلسة التصويت على الحكومة، أن السيد الشهرستاني لا يشترك في التشكيلة الحكومية، وكان ذلك باتفاق بينها وبين الشهرستاني للضغط على العبادي. ولم يوافق الشهرستاني على التفريط بوزارة النفط والقبول بوزارة التعليم العالي إلا بعد أن منحه العبادي منصباً اضافياً وهو عضوية لجنة الطاقة.

...

سأتحدث في الحلقات القادمة عن تداعيات ماحدث مع تفاصيل أخرى

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (79): إسقاط المالكي أرادته السعودية للأسد فطبّقه الشيعة

salim alhasani2ما أكتبه هو حدث لا زال متداولاً حتى الآن في الأوساط السياسية والعامة، شهوده أحياء ولهم مكاتبهم الرسمية واجهزتهم الإعلامية، كما أن معظمهم في مواقع القرار المتقدم في الدولة في سلطاتها الثلاث القضائية والتشريعة والتنفيذية، بمعنى أن من سيأتي ذكره كطرف خاطئ أو مصلحي أو متآمر أو كاذب أو مظلوم أو غير ذلك بإمكانه الدفاع عن نفسه.

ما أكتبه في هذه الحلقة ـ وما بعدها ـ سيمر على قياديين في حزب الدعوة وغيره، وسيتصل بالمرجعية العليا ممثلة بالسيد السيستاني دام ظله، وسيرتبط بالدستور مباشرة، مما يجعل السطور متحركة على مواقع حساسة ومهمة في المشهد العراقي.

المعلومات التي استند عليها، تنقسم الى قسمين:

الأول: عشته مباشرة من خلال الحديث والحوار والرسائل الالكترونية والنصية مع عدد من الشخصيات المعنية مباشرة بالحدث، بل من الذين صنعوه بمواقفهم سواء بالموافقة أو المعارضة او ما بينهما.

الثاني: معلومات تقصيتها بدقة وعلى مدى أشهر، من أهم الأشخاص المشاركين فيما حدث، بما في ذلك الحوارات والنقاشات والسؤال والمحاججة والمقارنة والأخذ والرد.

ومع ذلك فأني أكرر مرة أخرى بأن ما أكتبه هو نتائج ما توصلت اليه، وإذا كان للمعنيين رأي آخر يصحح أو يعترض ما أسجله في هذه الحلقة ـ وما بعدها ـ فسأقدم لهم شكري وسأنشر ردهم وتصحيحه مشفوعاً بالاعتذار إذا ما أثبت صحته.

...

تبدأ الحكاية بفوز (دولة القانون) بالكتلة الأكبر في الانتخابات البرلمانية لعام 2014، فأصبح لزاماً على رئيس الجمهورية تكليف مرشحها بتشكيل الحكومة بحسب الدستور.

غير أن هذه البساطة الظاهرية يقف وراؤها ركام هائل من التعقيدات والمواقف المضادة لتولي المالكي ولاية ثالثة. فلقد وضع الرجل نفسه في دائرة الاتهام على مدى سنوات حكمه، ولم يُقدّم خطوة مؤثرة على صعيد مكافحة الفساد.

يحتج المالكي في أحاديثه العامة بأنه أحال ملفات فساد الى القضاء، ويدافع عن نفسه بأنه كان يسعى لمكافحته، لكن المواطن العراقي لا يمكن أن يأخذ بهذا الكلام. لقد حكم المالكي ثمان سنوات كان بمقدوره أن يفعل الكثير فيها، وكان يمتلك من القوة ما يجعله ينهض بالعراق في نقلة نوعية مشهودة. فلقد بلغ سعر النفط في زمنه أعلى مستوياته، وكانت الموازنات انفجارية، ثم انجلت حقبته عن خزينة خاوية، وعن دولة تعاني الإفلاس وعن تقديرات مستقبلية بمجاعة ستصيب شعبه.

في ولايتي المالكي الأولى والثانية تصاعدت حالات الفساد حتى صارت حديث الإعلام الدولي، ومضرب المثل على كل لسان، وكان هو الذي يتحمل المسؤولية المباشرة مهما كانت الأسباب والظروف والدوافع والمؤثرات. فرئيس الدولة هو الوحيد الذي لا يمكن أن يدفع عن نفسه التقصير في هذا المجال، بل لا يصح إيجاد التبرير له، لأنه الحاكم وبيده القرار، وبجواره خيار سهل هو الاستقالة عندما يجد نفسه غير قادر على محاسبة المفسدين، وعندما يعجز عن إيقاف الفساد، وعندما ينتظر طويلاً إجراءات القضاء بشأن الفاسدين والفساد.

لا يتعامل التاريخ في هذه القضايا مع النوايا والمشاعر والرغبات، إنما المقياس ينحصر في الفعل ونتيجته، وفي الخطوة وأثرها.

وبحسب هذا المقياس لا يمكن أن يكون المالكي خارج نطاق الإدانة، بل لا يمكن أن يكون إلا في مركزها، فهي تقف أمامه، تلاحقه، تلتصق به. وعليه أن يخطو الخطوة الأخيرة، وهي أن يكشف ما عنده من وثائق وملفات وأرقام ضد الآخرين.. ضد شركائه وخصومه.

كان المالكي يتحدث عن المستقبل، يُقدم الوعود، لكنها لا تتحقق.

صحيح أن كل المسؤولين والقادة والوزراء والنواب، يفعلون ذلك، لكن الذي يجعله مداناً أكثر من غيره أنه صاحب المنصب الأعلى، فهو الحاكم، رئيس الوزراء، المسؤول التنفيذي الأكبر، صاحب القرار النهائي في الحكومة.

المستقبل موضوع لا يجوز للرئيس أن يتحدث عنه بالكلام، إنما يتناوله بالفعل، وحين يتحقق ويتحول الى حاضر أو ماض، فيحق له أن يتحدث ويطيل الكلام كما يشاء.

...

انتهت حقبة المالكي، وانقسم العراقيون في تقييمه الى أنصار وأعداء.

مؤيدون يرون فيه الحاكم القوي الذي أراد ان يخدم العراق، لكن شركاء العملية السياسية لم يسمحوا له بذلك من خلال إفتعال الأزمات وخلق المصاعب ووضع العقبات. وكل هذا صحيح، لكننا نرجع الى منطق التاريخ، ولغة السياسة، فالمالكي في النهاية لم ينتصر عليهم، لم يكن أقوى من الأزمات والمصاعب والعقبات، ولا مجال للأخذ بنواياه لإنصافه، لأن التاريخ لا يتعامل بالنوايا كما قلنا، فالتاريخ يُسجل الواقع كما حدث، والواقع لا تصنعه النوايا.

والمالكي له أعداء يلاحقونه بالإدانة ويضعون على كتفيه أثقال الخراب وما آلت اليه الأمور، من ضياع مئات المليارات من الدولارات الى سقوط الموصل ومساحات من العراق بيد تنظيم داعش، الى جريمة تكريت (سبايكر)، الى خواء الخزينة وصولاً الى حكم السيد العبادي وربما لما بعده. وسواء كانت منطلقات هؤلاء من دوافع موضوعية أو بتأثير الخصومة الحاقدة، إلا أن التاريخ يأخذ بأقوالهم لأن النتيجة التي ينظر اليها تتطابق مع إفاداتهم بحق حقبة المالكي.

...

قضية واحدة بقيت معلقة حتى هذه اللحظة، ومن حق المالكي أن يتكلم بها ويتابعها، ويدين المشتركين فيها، وأقصد المؤامرة التي دُبرت ضده في ليل (الأحد 10 آب 2014) وتم تنفيذها ظهيرة (الاثنين 11 آب 2014).

إنها الساعات الحاسمة والأكثر غموضاً في حقبة المالكي بسنواتها الثمان. فقد كانت تجري في غرف مغلقة، وعبر اتصالات هاتفية خافتة، وبملامح مستعارة. عرف المالكي بعضها وسمع بعضها ونظر الى بعضها، لكنه كان متأخراً عنها بخطوة واحدة، أو انهم سبقوه بخطوة واحدة، وتلك هي طبيعة التآمر، فكانت النتيجة لهم، كما أرادوها، وبعبارة صريحة كما أرادتها الولايات المتحدة والأطراف الإقليمية.

كانت خطوة متقنة، مرت على أطراف مهمة ومؤثرة في الساحة العراقية، وأغلب الظن أن فترة من الزمن ستمر قبل أن يكتشفوا تداعياتها السلبية. سيكتشفون أن الخطأ الذي وقعوا فيه، لا علاقة له بالمالكي، إنما بالموقع الشيعي في رئاسة الوزراء.

ولكي نقترب من الواقع في الحديث، يجب أن نستذكر كلمة وزير الخارجية السعودي السابق سعود الفيصل في آخر زيارة له الى موسكو في أواخر آب 2014، حيث قال الفيصل للرئيس الروسي بوتين: (لا نريد اسقاط النظام السوري، سياستنا الجديدة هي تغيير رئيس الجمهورية السوري فقط) وأشار الى ان المطلوب هو تطبيق النموذج العراقي في تنحية المالكي على سوريا.

لقد صارت عملية الإطاحة بالمالكي نموذجاً تريد السعودية تكراره في سوريا، بعد أن كانت من قبل تقول وعلى لسان الأمير بندر بن سلطان: (نريد اسقاط بشار الأسد فقط حتى لو جاء شخص من نفس عائلته وحزبه وطائفته). لكن روسيا كانت ترفض هذا المشروع، لأنها روسيا الدولة التي تحكمها العقول العميقة بتجاربها ونظرتها وخبرتها وفهمها للصراعات الدولية والأزمات الإقليمية، فالاستغناء عن بشار الأسد بطريقة المؤامرة تفهمه موسكو على أنه تمهيد لتداعيات أكبر ستتلاحق تلقائياً بعد فترة وجيزة.

ما لم تنجح به السعودية في سوريا بسبب الرفض الروسي، نجحت فيه بالعراق، وصارت تستشهد به كنموذج دلالي يمكن تكراره في مناطق أخرى. والسعودية هنا ليست سعودية الرياض وآل سعود، إنما التخطيط الأميركي البعيد بلسان عربي بدوي.

ما حدث مع المالكي كان، يُراد له أن يكون نسخة عن نموذج سوري، لكن ضيق النظر الشيعي، جعله الأصل الذي يصلح لصناعة نسخة سورية عليه.

هذه هي النقطة المفصلية التي ستثير استياء بعض المعنيين الذين شاركوا فيما حدث، لكنها بالتأكيد لن ترضي مؤيدي المالكي وانصاره، بعد ما سبق من كلام حاد ضده في هذا المقال ـ وفي كم كبير من المقالات التي كتبتها في نقده في الفترات السابقة ـ

ولن ترضي أعداء وخصوم المالكي لأنهم سيجدون في الكلام والتفاصيل في الحلقات القادمة أنني اتحدث عن مؤامرة مخالفة للدستور تم من خلالها إزاحة المالكي، وليس بجهودهم كرجال سياسة انتصروا من خلال المعارضة.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (78): سقوط الموصل

salim alhasani كان العامان 2013 و 2014 هما الأكثر أهمية وخطورة على العراق والمنطقة، فخلالهما حدثت تطورات متسارعة كانت تجري في مسارات عميقة، تتجه نحو تغيير الشكل الظاهري للمنطقة. وكانت هذه التطورات من الصخب بحيث لم تعد السرية والتكتم تجدي نفعاً، فالأرض مفتوحة والتحركات تمشي على السطح، والمخططات الإقليمية والدولية موضع حديث الإعلام والفضائيات ومراكز الأبحاث المختصة.

كما صار الحديث عن اختفاء الحدود بين العراق وسوريا، أمراً متداولاً، بمعنى أن التوغل الداعشي في العمق العراقي صار محسوماً إنما الكلام في ساعة الصفر.

كان الفساد قد اتسع في المؤسسة العسكرية بشكل يفوق التصور، فقد كان وزير الدفاع وكالة السيد سعدون الدليمي يقوم بارسال السلاح الى عدد من زعماء العشائر في الانبار حيث يجري بيعه على تنظيم داعش، كما اشترك الدليمي مع عبد العزيز البدري والناطق باسم الحكومة السيد علي الدباغ في أخذ عمولة ضخمة وصلت الى (200) مليون دولار في صفقة السلاح الروسي، وقد انكشف أمرها في تشرين الثاني 2012 وظلت تداعياتها مستمرة لعدة أشهر. لكن المؤكد أن الثلاثة (الدليمي والبدري والدباغ) كانوا أبطالها. وقد عُرف عن الدباغ أنه رجل اعمال يتخذ من السياسة وغيرها مجالاً لنشاطاته التجارية، وقد تعامل على ان تركيا وروسيا هي من شؤونه الخاصة، فكل العقود والاتفاقات التي تجري مع هاتين الدولتين يجب أن تكون له يد فيها. كما كان يتقبل الرشاوى من دون حرج، مستخدماً العبارة التي صارت مشهورة في أوساط المتعاملين معه: (عربون محبة)، وذلك عندما يستلم الرشوة ويعد صاحبها بأنه سينجز له الصفقة المطلوبة، لكنه عندما يفشل في ذلك، يرفض إعادة الرشوة الى الراشي بقوله: (هذه عربون المحبة).

والى جانب هذا الفريق الثلاثي الفاسد، كان جماعة في مكتب السيد المالكي يقومون بدورهم المماثل، فيحصلون على عمولات ورشاوى كبيرة مقابل التوسط لنقل الضباط الى المناطق التي يرغبون فيها. وقد برز في هذا النشاط كاطع الركابي وحسين المالكي وياسر صخيل. وكان كاطع الركابي قد اتسعت دائرة نشاطه لتشمل مناطق الوسط والجنوب، فكان يرسل موفدين عنه أو يذهب بنفسه الى القيادات العسكرية في البصرة لجباية ما عليهم من تعهدات شهرية، مقابل الخدمات التي قدمها لهم من قبل.

وتنتهي هذه الحلقات بمدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول فاروق الأعرجي، الذي جعل من المكتب بؤرة الفساد الأولى في المؤسسة العسكرية.

أما نجل رئيس الوزراء أحمد المالكي فقد كانت سلطاته واسعة مفتوحة على المؤسسات والدوائر المدنية والعسكرية. وهذه النقطة هي السمة العامة لرؤساء العالم الثالث، وهي رغم وضوحها وسعتها فانهم لم يرغبوا بالنظر اليها، او أخذ العبرة ممن سبقهم في نتائجها المريرة عليهم وعلى شعوبهم.

...

كانت القيادات العسكرية المهمة في مناطق نينوى وصلاح الدين قد تم تحضيرها من قبل الأكراد لتكون تحت سلطتهم، مستغلين نظام المحاصصة في الجيش العراقي وقياداته العليا من جانب، وطريق الفساد والرشاوى من جانب آخر.

فمثلاً أصر الزعماء الأكراد على تعيين (العميد الركن هدايت عبد الرحيم) قائداً للفرقة الثالثة في الموصل، وهو ضابط كردي معروف لدى قيادات الجيش بأنه لا يمتلك الكفاءة والمقدرة، لكن عنصر القوة الذي يمتلكه هو قربه من الزعامة الكردية، وقد توسط لتعيينه عدد من الشخصيات الكردية منهم الدكتور فؤاد معصوم والسيدة هيرو الطالباني والسيد لطيف رشيد. كما أن العميد الركن هدايت عبد الرحيم نفسه كان يوزع الرشاوى لتسهيل المهمة والحصول على هذا الموقع الحيوي في ظروف بالغة الخطورة من الناحية الأمنية.

وبنفس الطريقة أو ما يشابهها تولى اللواء ركن نذير عاصم كوران منصب قائد الفرقة الرابعة في صلاح الدين.

...

في داخل الموصل كان محافظها السيد أثيل النجيفي وبمساعدة شقيقه رئيس البرلمان السيد أسامة النجيفي وعدد من قادة الكتل والشخصيات السنية، ينشرون بشكل مكثف مشاعر العداء للجيش العراقي، مستخدمين الشعارات الطائفية للتأثير على السكان. وهي الموجة التي انطلقت من مخيمات الاعتصام في الأنبار وتوسعت لتشمل صلاح الدين ونينوى، حيث كانت المطالب تركز على سحب الجيش العراقي من المدن. وقد ساند الإعلام الخليجي هذا الاتجاه بشكل مكثف، بحيث أصبح وجود الجندي العراقي في محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى يثير سخط الأهالي، ونجحت الدعاية الطائفية في تصوير الجيش العراقي في تلك المناطق على انه قوات شيعية صفوية تابعة لإيران وليس للعراق.

...

حول العراق كانت الأمور تجري بسرعة وعلن، لكن قادة الكتل الشيعية، كانوا تحت سقوف القاعات المكيفة، يلقون محاضراتهم وخطبهم وتوجيهاتهم لأتباعهم، وكل طرف منهم يحاول أن ينال من الآخر ويستقوي عليه، مما جعل التحالف الإقليمي المعادي للعراق يشعر بأقصى درجات الإطمئنان على سير مشروعه، فالقوم الذين يريدون النيل منهم، لا شأن لهم بما يدور خارج قصورهم الفخمة في المنطقة الخضراء والجادرية والنجف الأشرف.

...

في بداية كانون الأول 2013 زار الأمير بندر بن سلطان موسكو، وكانت تلك مهمته الأخيرة. فقد كان عليه أن يسعى لإقناع الرئيس الروسي بوتين بالتخلي عن دعم نظام بشار الأسد، وتغيير موقفه المنسجم مع إيران والعراق. هكذا أبلغته الإدارة الأميركية، وهو ما سربته الصحافة الروسية وقتها بأن الأمير بندر جاء يتفاوض نيابة عن واشنطن ولكن بأسلوب سعودي.

وكان بندر قبل توجهه الى موسكو قد استكمل كافة الإجراءات العملية لتهيئة تنظيم داعش للتوغل الى عمق الأراضي العراقية، للتعويض عن فشل مشروع سحب الثقة عن حكومة المالكي. أو بعبارة أدق تطبيق الخطة البديلة في تخريب العراق. ضمن المشروع الأكبر وهو الفوضى الخلاقة الذي تحدثنا عنه في حلقة سابقة.

وفي الحقيقة فأن واشنطن كانت قد انتهت من أدوار بندر بعد مسيرته الحافلة في المجال المخابراتي، وخصوصاً في تجنيد الإرهابيين من الشيشان وغيرها، حيث نجح في ذلك الى حد كبير، لدرجة أنه وعد الرئيس الروسي بأنه سيضمن له عدم استهداف الجماعات المسلحة للمصالح الروسية فيما لو أبدى تراجعاً عن مواقفه المؤيدة لسوريا وايران والعراق.

انتهى دور بندر بعد تلك الزيارة الى موسكو، فقد كان على الولايات المتحدة أن تمهد الطريق لتوغل داعش الى العراق بالتنسيق مع السعودية وتركيا. وهي مرحلة جديدة وحاسمة في واقع المنطقة، بدليل أن الملف السوري قد جرى سحبه بعد عدة أسابيع من تلك الزيارة من الأمير بندر وتسليمه الى وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف الذي يشغل حاليا ولاية العهد، لتفضيله الخيارات العسكرية، وهو ما يتضح في دوره الحالي في العدوان على اليمن.

في نيسان 2014 صدر الأمر الملكي بإعفاء الأمير بندر بن سلطان من رئاسة الاستخبارات السعودية.

...

في 30 نيسان 2014 جرت الانتخابات البرلمانية. كانت الكتل كلها مشغولة بمقدماتها من حيث الدعاية الانتخابية التي هبطت الى أدنى مستوياتها الأخلاقية. كانت عمليات البيع والشراء تجري علناً بالخديعة والإحتيال وتوظيف أموال الفساد لهذا اليوم المنتظر. يوم يعدل دقائقه ذهباً، فأصوات المواطنين في هذا اليوم، طريق الوصول الى قبة الخراب البرلماني، حيث تتفتح من هناك أبواب الإبتزاز والصفقات السياسية قبل ان تستقر على ممالك الثراء المغمسة بدم المواطن وعرقه وبؤسه.

أفرزت الانتخابات فوز السيد نوري المالكي بالكتلة الأكبر، لكن الطريق كان صعباً أمام الدورة الثالثة، فأي تحالف بين كتلتين سيقلب الحساب العددي، وتضيع منه السلطة. أي أن السند القضائي الذي إتكأ عليه في الحصول على ولايته الثانية، صار سيفاً مسلولاً عليه، وهذا ما سيكون موضوع الحلقة القادمة ان شاء الله.

وفيما تشرق الشمس وتغرب على الكتل السياسية وهي في اتصالات مستمرة حول اتفاقات تشكيل الحكومة الجديدة برئاساتها الثلاث وتوزيعاتها المعقدة، كان تنظيم داعش يأخذ مواقعه للإنقضاض على محافظات نينوى وصلاح الدين وديالى وبقية الأنبار وحزام بغداد.

...

قبيل الانتخابات هدأ الوضع الأمني بشكل مثير للريبة، في حين كان المتوقع أن ينشط تنظيم داعش بعملياته للتأثير على سير الانتخابات، لكن ذلك لم يحدث.

لم يكن ذلك بسبب قوة الخطط الأمنية، ولا بانتظار نتائج الانتخابات، كما ذهبت بعض الآراء، إنما لأن ظروف ما بعد الانتخابات ستفرز إنصرافاً كاملاً نحو تشكيل الحكومة وعقد الاتفاقات السياسية، وبذلك يصبح الأداء الحكومي أكثر رخاوة وتفككاً. وهي حالة رصدتها أجهزة المخابرات الإقليمية من قبل، كما لمسها المواطن العراقي بنفسه خلال فترة التفاوض والخلاف على تشكيل الحكومة الثانية للمالكي. ومن الطبيعي أن تكون الجماعات الإرهابية وقياداتها التي تتحرك بتوجيه مخابراتي دقيق، فضلاً عن امتلاكها خبراتها الخاصة، قد أدركت ذلك وانتظرته وخططت وأعدت وتجهزت.

...

حانت ساعة الصفر وبدأت العملية الأهم لتنظيم داعش بمساعدة المحور الإقليمي وتحت سمع ونظر الولايات المتحدة.

في التاسع من حزيران كانت مجموعات من داعش قد دخلت المدينة، ودارت اشتباكات محدودة، وقد استطلع المالكي الأوضاع باتصالات هاتفية مع القيادات العسكرية، فكان الجواب يأتيه بأن الوضع مسيطر عليه، وكان للفريق الركن مهدي الغراوي قائد الشرطة الاتحادية في الموصل دوره في تضليل المالكي، فقد وعده بأن المعركة لو اندلعت فانها ستكون مقبرة داعش.

كان المالكي قد بعث قائد القوات البرية الفريق أول ركن علي غيدان ونائب رئيس اركان الجيش الفريق أول ركن عبود كنبر لقيادة العمليات، وقد واجها الارباك في القطعات العسكرية، كما أنهما لم يتصرفا بالمسؤولية المطلوبة في مثل هذه الظروف.

في منتصف ليل 9/10 حزيران 2014، وصلت الأوامر الصارمة من قبل مسعود البارزاني الى قائدي الفرقتين الثالثة والرابعة بالانسحاب من الموصل وصلاح الدين، وكانت الأوامر صارمة بحيث جرى تهديد قائديهما الكرديين (هدايت عبد الرحيم ونذير عاصم) بالقتل في حال تأخرهما بالانسحاب. وكان ذلك يعني تمهيد الطريق لدخول تنظيمات داعش، وإحداث إرباك شامل في القطعات العسكرية في الموصل وصلاح الدين.

وفي نفس الليلة أجرت القيادات الكردية اتصالاً مع بغداد تعرض على المالكي تدخل قوات البيشمركة لحماية الموصل، لكنه رفض ذلك.

اتصل الفريق أول ركن علي غيدان بالمالكي يسأله عن موقفه من عرض القيادة الكردية، فأجابه المالكي: كيف تثق بمسعود البارزاني، إنه يريد اقتطاع الموصل وضمها الى كردستان.

سقطت الموصل.

كان ذلك يوم العاشر من حزيران 2014، يوم دموي جرت فيه احداث كبيرة مفجعة، تكشفت عن مجازر وجرائم كبيرة، أبرزها جريمة تكريت/ سبايكر.

 

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (77): قادة تدمير العراق

salim alhasani2فيما كانت السعودية تتقدم باتجاه تأزيم الوضع في العراق، من خلال خطة بندر التي تناولتها في المقال السابق، فان الكتل السنية تجمّعت فيما بينها لتطرح مشروع سحب الثقة عن حكومة المالكي في حزيران 2012. وسرعان ما استجاب زعيم التيار الصدري لهذا المشروع، وانضم الى الداعين لسحب الثقة، وكان عدد نوابه حاسماً في هذه الخطوة (أكثر من أربعين نائباً). ومع أنه تراجع في الساعات الأخيرة، لكن ذلك كان كافياً للجميع ليعرفوا أن الوضع الشيعي من الهشاشة بحيث يمكن التلاعب به من خلال مشاريع سياسية ذات عناوين مختلفة. وكان موقف السيد عمار الحكيم لا يختلف عن موقف السيد مقتدى الصدر، لكنه كان ينتظر اللحظة الحاسمة ليدخل في تصويت سحب الثقة، خصوصاً وأنه لمس أن السيد مقتدى الصدر تعرض لنقد شيعي في الشارع العراقي من جراء انسياقه مع القيادات السنية، فآثار انتظار أي من الكفتين ستميل ليضع رهانه عليها.

على طرف الحدود الآخر، كانت الاستعدادات تجري لإعداد وتأهيل الجماعات المسلحة، تمهيداً لتوسيع دائرة الحرب في سوريا. وكانت اجتماعات سرية تُعقد في تركيا بين الاستخبارات التركية والقطرية والسعودية بتوجيه أميركي، هدفها التمهيد لاحتلال مدينة حلب السورية وجعلها نقطة التوسع باتجاه دمشق والرقة والحدود السورية العراقية. وقد تم اتخاذ هذا القرار بعد فشل الولايات المتحدة في استحصال قرار من مجلس الأمن باستخدام القوة العسكرية نتيجة الفيتو الروسي.

وبعد شهر واحد من فشل مشروع سحب الثقة عن حكومة المالكي، بدأت معركة السيطرة على حلب أي في تموز 2012.

...

أغرب ما في تلك الأحداث، أن الصحافة العربية والدولية كانت تنشر التقارير السرية عن التحركات الإقليمية باتجاه تصعيد الحرب في سوريا، وكانت تتحدث عن انعقاد بعض الاجتماعات في العاصمة التركية أنقرة بمشاركة رئيس المخابرات الإسرائيلية، وعن تطوير الأمير بندر لخطته بحيث يُصار الى تشكيل جيش واسع باسم (الجبهة الإسلامية) يضم تنظيمات النصرة وداعش والجيش الحر وتكون قاعدته في الإردن.

رغم كثرة الحديث والمعلومات التي انتشرت في تلك الفترة، إلا ان الكيانات السياسية كانت مهتمة بقضية واحدة، هي انتخابات مجالس المحافظات لعام 2013 حيث كانت الاستعداد لها يأخذ كل جهودها، وماعدا ذلك لا يشكل أية أهمية.

...

كشفت نتائج الانتخابات ومفاوضات تشكيل مجالس المحافظات، واقعاً من التردي السياسي والأخلاقي يُصعب تصويره ورسمه.. كانت نزعة مجنونة نحو الفوز بالمناصب بأي شكل ضمن حسابات مصلحية صرفة من قبل كافة الكيانات السياسية من سنة وشيعة، لقد تم سحق الاعتبارات والموازين بأقدام قادة الكتل، وتصارعوا فيما بينهم عبر ممثليهم لإنتزاع المكسب الفئوي بالمال أو الغدر أو الخداع أو الصفقات.

فعلى سبيل المثال كان النائب ووزير الأمن الوطني السابق شروان الوائلي قد شارك في انتخابات محافظة ذي قار بقائمته، وفاز بمقعد واحد فقط. أي أن ممثله سيكون عضواً في مجلس المحافظة لا أكثر. لكن ذلك لم يمنعه من عرض هذا المقعد للمساومات في جو التفاوض المصلحي السائد. فاذا ما احتاجته إحدى الكيانات لإعطاء صوته لها للتفوق على منافستها، فأنه يشترط أن يكون هذا المقعد هو صاحب الامتياز الأول، لدرجة أنه طالب بمنصب محافظ ذي قار لهذا المقعد الواحد، مقابل أن يسند إحدى الكتل على منافستها.

كانت مناصب كثيرة في محافظات السنة والشيعة تباع بعشرات الملايين من الدولارات.

وقرر بعض أعضاء مجلس النواب، الاستقالة من البرلمان والدخول في عضوية مجلس المحافظة، لأن المكسب هنا سيكون أفضل من مكسب مجلس النواب.

صورة مشوهة ستصيب المواطن بالاشمئزاز القاتل من العملية السياسية كلها، لو تعرّف على تفاصيلها، وكيف جرت المفاوضات والصفقات في مجالس المحافظات، فيما كان أعداء العراق يخططون لتمزيقه، ويجهّزون الجماعات الإرهابية بالوسائل والإمكانات اللازمة لإقتطاع أجزاء منه في الساعة المناسبة.

...

في مجالس المحافظات كانت الكتل السياسية كلها، قد انطلقت باتجاه هدف محدد، هو كيف تأخذ من العراق ما تبقى من ثرواته، كانت تراه يسير نحو منحدر حاد، صنعته بأيديها، وأوصلته الى نقطة السقوط، وعليها أن تنتزع ما يمكنها سلبه، ثم تترك ناسه يسقطون لوحدهم، فيما ينعمون بعيشة هانئة قائمة على مليارات الدولارات، وعلى مقاطعات واسعة من الأراضي والعقارات، فقد تأكد لها أن العراقي الفقير يغضب لعدة ساعات ويصرخ في بعض الساحات، ثم يعود مرهقاً متعباً الى منزله يلعن أمسه ويومه وغده، لكنه لن يتخلى عن تبعيته لهذه الكتلة وتلك، ولهذا القائد وذاك.

هذا العراقي المسكين المظلوم الفقير، بسيط طيب القلب، يقبل بالفقر، يستعين بالشكوى على مصاعب حياته، صبور على ضياع حقه من أجل ان يفرح قائده.

...

في 21 تموز 2013 فرّ المئات من المعتقلين من سجني أبو غريب والتاجي، وتم تغطية الرقم الحقيقي للفارين، لكنه لم يكن من الممكن التغطية على أنهم كانوا من أعتى الإرهابيين ومن قادة الجماعات الإرهابية بتسمياتها المتعددة.

تحولت الحادثة رغم خطورتها من أمنية الى سياسية، فضاعت نتائج التحقيق، وتلاشت مثل غيرها في مكان ما من لجان التحقيق والقضاء، وضاع أثر المتورطين، ونجى المقصرون.

ألقى وزير العدل السيد حسن الشمري باللائمة على وكيل وزير الداخلية السيد عدنان الأسدي، وفعل الثاني مثله فألقاها على الأول، فتخلصا بذلك من المسؤولية، أما لجنة التحقيق فقد كانت تقوم بدورها مثل مئات اللجان التي سبقتها، أي التحقيق حتى ينسى المواطن أمر الواقعة والفضيحة، وعند ذاك تنتهي المهمة.

كانت حادثة الهروب معروفة حتى لسكان أهالي منطقة أبو غريب، من خلال مشاهدتهم للإجراءات التمهيدية لتهريب السجناء، من عمليات حفر وتجميع السيارات ووضع السواتر والتي كانت تجري قبل موعد الهروب بعدة أيام. كما أن الأجهزة الاستخباراتية بعثت كتبها الرسمية الى الوكيل الأقدم لوزير الداخلية، تؤكد له أن هناك معلومات مؤكدة بوجود مخطط لتهريب السجناء من (أبو غريب)، لكن عدنان الأسدي لم يكترث للقضية، ولم يتعامل معها على انها كارثة أمنية تهدد حياة المواطنين والوضع الأمني، فاهتمامات الأسدي تستهلكها الصفقات التجارية ونشاطات أصيل طبره ومدير مكتبه العقيد عدي، وجباية الرشاوى من الضباط مقابل نقلهم من مكان الى آخر حسب الطلب، وتسعيرة التعيينات وأمور أخرى، يعرفها ويعرف أني اعرفها، ولذلك لن يرد على هذا المقال، وإن رد فسأقدم له التفاصيل.

أمام وزير العدل حسن الشمري، فهو أيضا لا يعنيه الأمر بقدر ما تهمه الصفقات التي يعقدها ويرسل النسبة المالية المحددة للشيخ محمد اليعقوبي باعتبار أن شؤون حوزته تتطلب الدعم، وهو الآخر لن يرد على هذا المقال، لأنه يعلم بأني سأقدم له التفاصيل بشهودها.

...

والى جانب هذا وذاك، لم يتخذ السيد رئيس الوزراء نوري المالكي، خطوة عملية جادة مؤثرة لهذه الكارثة الأمنية، مع أن القضية تتصل به مباشرة كمسؤول أول فهو يتولى وزارة الداخلية وكالة، وهو القائد العام للقوات المسلحة والمسؤول التنفيذي الأول عن الدولة.

كان متوقعاً كإجراء شكلي على الأقل ان يقوم المالكي بإعفاء عدنان الأسدي من منصبه، لكنه لم يفعل. فالأسدي رجله ويده وعينه في وزارة الداخلية، وهو موضع ثقته واعتماده، وعليه فان مخالفته وفساده وتقصيره لا يصل الى مستوى الجناية، ولا حتى الى مستوى الجنحة.

...

بلد هذا شكله، وهذا حاله في التعامل مع أهم القضايا وأكثرها حساسية وخطورة، ما الذي يمنع أعداءه من التخطيط لتمزيقه واحتلال أراضيه؟.

وشعب صبور يُفرّغ غضبه بتظاهرة لعدة ساعات في الأسبوع، ويؤدي دوره في تغيير حاله، بالتعويض الشكلي في عاشوراء هاتفاً: هيهات منا الذلة، ويمشي مئات الكيلومترات نحو كربلاء رافعاً رايات: لبيك يا حسين، مستعيضاً بها عن الفعل الذي أراده الحسين عليه السلام.. شعب بهذه المواصفات، كيف لا يستغله قادة سياسيون بشعارات وكلمات من سنخ ما يعشقه، فيبادل سرقاتهم ولاءاً، ويقدم لهم فروض الطاعة وهم يمتصون قوته.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

ابراهيم الحريري .. اين؟!

ذكّرتني مقالات ابراهيم الحريري الأخيرة في جريدة طريق الشعب، وانلتي يهربُ منها ويرجع بالاقناع أو الإكراه، بدماثة خلقه.. عليه أن يكون ضمن طاقم الجريدة ولو لم يعمل أي شيء، ولا يكلُ عن التفكير بالمشاريع والأعمال القادمة، ولا يكلُ من السفر، فدائماً لديه مشروعُ سفر، يُفضّل أن يكون لبلدٍ عربي. إقامتهُ الطويلة في دمشق، تعدُ معجزة ..

كيف استطاع المكوث في دمشق كلّ هذه السنوات، فمنذُ عودته للعراق العام 1974م، وخروجهُ منه كما أكّدهُ بمقالاته الأخيرة، لا يعرفُ الاستقرار.. اذا لم يسافر فأنّهُ يفكّرُ به، أخِر مرّة التقيتُ به بدمشق، أخبرني بأنّهُ يود السفر الى القاهرة !! لم أهتم لكلامه، لأنهُ دائمُ الحديث عن السفر ومشاريع الكتابة التي يحرصُ أكثر من السفر على تنفيذها، ولكن شعرت بنبرة حزنٍ وعتاب بكلامه، حاول جاهداً أن يخفيهما، وسألني لماذا لا أعطيه بعض المواد لجريدة الغد الديموقرطي، وكان يعملُ محرراً في الجريدة، فقلتُ له بأنني قليلُ الكتابة، كنا بمقتبل العمر .. لا تتجاوز أعمارنا العشرين عامّاً أو أكثر بقليل، بينما ابراهيم الحريري، يسبقنا بأجيالٍ وأجيال، فعاد الى الموضوع، وسألني ماذا بشأن المقابلات الصحفية، فعرِفتُ سبب حزنه وعتابه المشوب بأسى يصعبُ وصفهُ، فقد كان يعملُ بتفانٍ.. بجرائد وأدبيات المعارضة، وأكثر الأحيان مجاناً، دون أن يلتفت احدٌ الى جهوده، ولو بمقابلة صحفية أو زاوية صغيرة، رغم إن حضوره ملفتٌ بأكثر هذه الجرائد.. سواءاً الحزبيةُ منها أو الوطنية والمستقلة، ولا تخلو أيّةُ جريدة من إحدى بصماته، بل والأبعد من ذلك، كان يوزعها مجاناً على جميع العراقيين، كانت هذه أخِر مرّة ألتقي بهِ في دمشق الى الآن، ولكن بعد عدّة شهور، سألتُ عنه فأخبرني احدُ الاصدقاء، بأنّهُ سافر الى القاهرة، وخلال أسابيع وصلني منه بالبريد كتابان، اصدرهما في القاهرة على ما اعتقد، اثناء إقامته فيها، وكتبتُ له رسالة شكر وامتنان على هذه الهدية القيّمة، ولكن سرعان ما وصلتني رسالةٌ منه، يُخبرني بأن إقامتهُ في القاهرة باتت مستحيلة، وينوي السفر قريباً،كنتُ أعرف إنّهُ لا يستطيع أن يُقيم بأي مكانٍ فترة طويلة، ولا بد أن يكون قد خطط للسفر الى مكانٍ آخر أو دولة أخرى، افنى معظم حياته خارج العراق، وكان السبب بعدم استقراره بدولةٍ من الدول.. الى حين عودته للعراق،نجا من الموت أكثر من مرّة باعجوبة، ابتداءاً من ستينيات القرن الماضي لحين عودته الى العراق، وعودته للعمل بجريدة طريق الشعب، ولكن هذه المرّة، عاد مقتنعاً أو طوعاً، وليس بالاكراه على ما أعتقد، لأنّهُ في مقالاته الأخيرة، يبدو متفائلاً، رغم الفساد الذي يكادُ أن يقضي على العراق ومستقبله الذي كان بالنسبة لنا من جميع الأجيال والانتماءات اشبه بالحُلم، حتى نسينا طريق العودة إليه، ولكننا عدنا.. أعني جميع أو أكثرية المنفيين والهاربين من بطش النظام وحروبه والمعارضين، ولكن ليس للعراق الذي كنا نحلمً به، المهم اذا اراد احد الاصدقاء معرفة مكان إقامته فما عليه سوى أن يعرف أين تصدرُ جريدة طريق الشعب - جريدة الحزب الشيوعي العراقي .. من أيّ بلد، فإنّهُ حتماً سيجدهُ فيها

 

قيس العذاري

 

إسلاميو السلطة (76): المالكي في مواجهة المحور الإقليمي

salim alhasaniأنهى السيد نوري المالكي ولايته الأولى، في جو ملتهب من الأزمات السياسية، كان معظمها مفتعلاً بسبب الاستقطاب الطائفي، وقد جاءت نتائج الانتخابات المحلية للمحافظات عام 2009 لتكشف عن قوته، مما جعل شركاءه الشيعة في المجلس الأعلى والتيار الصدري، يتناغمون مع خصومه في هدف واحد هو منعه من الوصول الى ولاية ثانية. أما حزب الفضيلة فكان ثابتاً على طريقته في الانفتاح على الطرف السياسي الذي يدفع أكثر مالاً ومناصب.

...

حصل قادة الكتل السنية على دعم مفتوح من السعودية وقطر على المستويات السياسية والمالية والإعلامية، من أجل أن يخوضوا معركة مصيرية تهدف الى قلب المعادلة البرلمانية من خلال هذه الانتخابات، لتُبعد الكتلة الشيعية الأكبر عن رئاسة الحكومة، وجعلها بواجهة شيعية ممثلة بالدكتور إياد علاوي زعيم القائمة العراقية.

في تلك الفترة كان الأمير بندر بن سلطان، يشغل منصب رئيس مجلس الأمن الوطني السعودي، وكان يستعد لتوسيع دائرة نفوذه مستغلاً نفوذ والده سلطان بن عبد العزيز ولي العهد آنذاك، ويبذل جهوده لطرح مشروعه في إعادة توزيع مراكز القوة في المنطقة، وذلك بتدمير سوريا بالكامل والذي عُرف فيما بعد باسم (خطة بندر). وتتلخص بأن العراق هو النقطة المحورية في المنطقة، ولا بد من إبعاد الشيعة عن الحكم، حتى يمكن التوجه بعد ذلك لإشعال الحرب داخلياً في سوريا، وبذلك يمكن مواجهة إيران براحة كبيرة، بعد ان يسقط حكم الأسد وتتدمر سوريا وينتهي نفوذ حزب الله في لبنان. وقد تم وضع الخطة عام 2008، بالتعاون مع السفير الأميركي السابق جيفري فيلتمان في بيروت.

...

كانت إسرائيل قد تبنت (خطة بندر) وعملت على دعمها من خلال التصعيد الإعلامي والتهديد بضرب إيران، والتحذير من الخطر الشيعي في المنطقة. كما عملت السعودية على تكليف رئيس الوزراء السابق سعد الحريري بتوثيق علاقته برئيس إقليم كردستان لدفعه الى دعم الدكتور إياد علاوي أو السيد عادل عبد المهدي بعد الانتخابات البرلمانية عام 2010. وبالفعل قام الحريري بهذه المهمة، وكان على اتصال مستمر بالبارزاني كما وجه له دعوة لزيارة لبنان واجتمع معه في بيروت في نيسان 2010.

كما استقبل الملك السعودي في نفس الفترة أي نيسان 2010 السيد مسعودي البارزاني والسيد عمار الحكيم وطارق الهاشمي في سلسلة متتالية من الزيارات. كما استقبل وزير الخارجية السعودية السابق الأمير سعود الفيصل وفداً من قيادة التيار الصدري.

لقد كان هذا النشاط من الزيارات واللقاءات قد تم تهيئته قبيل الانتخابات البرلمانية بأيام قليلة، وبتنسيق مباشر مع الدكتور اياد علاوي الذي أمضى عدة أيام في الرياض عقد فيها سلسلة اجتماعات مكثفة للتمهيد لمرحلة ما بعد الانتخابات.

وحين افرزت الانتخابات فوز القائمة العراقية كأكبر الكتل بفارق صوتين عن كتلة دولة القانون التي حصلت على 89 صوتاً، شعر خصوم المالكي بإرتياح كبير، لقد نجحوا في تمهيد كافة الأجواء لإقصائه عن الحكم، وكانت الجولة توشك أن تُحسم سعودياً في إختراق وتمزيق الكيان الشيعي السياسي، وبدء الخطوة الأولى نحو إعادتهم الى الهامش، بعد فترة انتقالية يتولى فيها السيد اياد علاوي رئاسة الحكومة.

...

كانت خطة بندر مثيرة للقلق داخل إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش، خوفاً من حدوث تطورات سريعة لا يمكن السيطرة عليها، ولذلك تعاملت معها بكثير من الحذر، وقد كان ذلك سبباً مهماً في اتخاذ قرار دعم المالكي لتولي رئاسة الوزراء، لكونه الرجل الذي يستطيع ان يسيطر على الأوضاع في العراق فيما لو نجح بندر بمساعدة إسرائيلية في فرض تنفيذ خطته بما يخرجها عن السيطرة. لأن الإدارة الأميركية كان يهمها أن تنتهي ولاية بوش الثانية من دون بروز حرب إقليمية جديدة، وكذلك قطع خطوات مهمة في الاتفاق النووي مع إيران، وهو ما كانت تعارضه بشدة السعودية وإسرائيل.

أما إيران فقد كانت تعرف هذه التحركات وتدرك مخاطرها على مستقبلها وعلى نفوذها الإقليمي، فكان خيارها المتقدم هو أن يتولى المالكي الحكومة الثانية.

هذا هو الذي يفسر الاتفاق المثير للجدل بين إيران وأميركا على المالكي.

...

ومع اتفاق إيران وأميركا، انصاع قادة الكتل الشيعية والسنية والكردية، وأعلنوا موافقتهم على تولي المالكي ولايته الجديدة.

إن خطوة بهذه الأهمية لم تكن بمستوى استيعاب المالكي لخطورة المرحلة التي يقودها، ولا بمستوى فريقه المحيط به، ولا حتى بمستوى قادة الكتل الشيعية.

لكن القيادات السنية كانت تدرك أن تنازلها عن رفض المالكي يجب أن يقابله عمل من نوع آخر، من أجل ان تبقى محتفظة بالدعم السعودي.

...

كان على المالكي في ولايته الثانية، أن يتعامل على انه يدخل مرحلة جديدة مختلفة كلياً عن السنوات الأربع السابقة، وقد أهمل عملية بناء الدولة الى حد كبير، حيث ركز إهتمامه على متابعة خصومه السياسيين، ومبادلة أزماتهم المفتعلة بتصعيد مقابل، بينما كان عليه أن يكون صارماً في ضبط أوضاع البلد داخلياً، وتحديداً محاربة الفساد، والبدء من دائرته الأقرب، فقد انساق فريقه المقرب في عمليات فساد كبيرة، وكان يغض الطرف عنها، مع أنه كان بحاجة الى وقفات جادة لمحاربة الفساد، لكنه لم يمنح هذا الجانب إهتماماً يذكر، فيما كانت حالات الفساد تزداد بشكل متصاعد وكارثي، بدءاً من مكتبه وانتهاءً الى كل مؤسسات الدولة.

...

كانت معركة المالكي في ولايته الثانية، مع المحيط الإقليمي بالدرجة الأولى، وكانت الكتل السياسية السنية تقوم بدور أدوات تركيا والسعودية وقطر في مواجهته، كما كان المجلس الأعلى والتيار الصدري وغيرهما ينساقون بقصد أو بدونه، ضمن المشروع الإقليمي.

لكن المالكي في معركة بهذه الخطورة، لم يأخذ استعداداته لخوضها، وأول ما يؤخذ عليه في هذا الخصوص، أنه كان يجب أن يتصرف على أنه بلا شركاء ولا أصدقاء ولا حلفاء. وكان عليه أن يعيد ترتيب فريقه، وقد خبرهم واحداً واحداً في سنواته السابقة، وهذه مسألة بالغة الأهمية لم تحظ من المالكي أي إهتمام، فلقد أبقاهم حوله يأخذون قوته السياسية والجماهيرية، فيتصرفون بها لشؤونهم الخاصة.

يبدو أن المالكي كان واثقاً من نفسه بأنه يستطيع أن يتجاوز أية أزمة مثلما تجاوزها من قبل، وكان يستند لتجربة شخصية مكونة من أربع سنوات عصيبة، قضاها في تحديات متتالية، ووقف خلالها عند حافة الإنهيار الحكومي أكثر من مرة، غير أنه خرج من كل واحدة منتصراً مستقراً في مكانه.. وهذا ما عزز قناعته بأنه سيواجه التحديات بمفرده.

...

في تموز 2012 تولى الأمير بندر بن سلطان رئاسة الاستخبارات السعودية، وقد مرّ هذا التطور عابراً على الساحة العراقية، لكنه كان بداية التحول الخطير باتجاه العراق. فبعد هذا المنصب، فرض بندر تطبيق خطته بتدمير سوريا فرضاً على الواقع، وكان من ضمن بنود خطته محاصرة رئيس الوزراء الشيعي بالأزمات، ثم الانتقال بها نحو التصعيد الميداني، لخلق الجو المناسب لتدفق الجماعات المسلحة من سوريا الى العراق، فيما لو تعثرت خطوات تدمير سوريا، وتأخر اسقاط نظام بشار الأسد.

بعد اشهر قليلة من بدء نشاط الأمير بندر بن سلطان، أعلنت عشائر وكتل سنية في الانبار قيامها باعتصام مفتوح، وقد نصبت المخيمات على الطريق الدولي أواخر عام 2012، وكانت تلك هي الواجهة لتوغل المزيد من قوات داعش الى العراق، والشروع بعملية نشر الخراب من سوريا الى العراق.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html