شهادات ومذكرات

معالم فنيّة بغدادية لاتنسى (4): تسجيلات جقماقجي

jawadkadom gloomحين عزمت على كتابة انطباعاتي عن المعالم الثقافية والفنية الغائبة في بغداد والتي كانت زادنا الروحي وضرعنا الذي ننهل منه الجمال والابداع، قررت مع نفسي ان ازور ماتبقّى من أثَر لها وأمرّ على اماكنها وربما اطلالها واكتب عنها ما يعتور في نفسي واتذكر ايام الفتوة والصبا وملاعب الشباب الباحث عن المعرفة والفن الراقي. لااخفيكم انني بكيت بكاءً مرّا عندما وقفت على طلل محلات جقماقجي المنزوي في اخر شارع الرشيد وعلى بعد بضع خطوات من مدخل شارع ابي نؤاس، تطلّعت من خلال الزجاج الامامي للمبنى الذي كان غائما بسبب التراب ومغلقا بمشابك حديدية لكني استطعت ان ارى بوضوح آلة الكرامافون الرابضة على احد المناضد وقد علاها الغبار الكثيف ويبدو ان لا احد قد همّ بفتح المكان منذ عدة سنوات بسبب الصدأ المتراكم على الاقفال والاتربة والاوساخ التي طغت على الاجهزة المتبقية في المحل والتي لم تمتدّ اليها ايدي العناية  منذ امدٍ طويل جدا  لكنني اصررت على طبع قُبلة على ضريح تلك الموسيقى والغناء الذي أطربنا وأسعدنا يوما ما، وكانت قبلتي من وراء زجاج المبنى غير انها لامست كل مشاعري وحرّكت كل شجوني واعادتني الى بيتنا القديم وطاولة ابي الذي وضع كرامافونه تماما كالذي اراه الان وانا اتطلع الى مثوى جقماقجي وقبره المنسي وتساءلتُ مع نفسي، ما الذي تفعله اسطوانة  جقماقجي امام القفزة الهائلة في عالم التسجيلات بدءاً من الكاسيت الى البلوتوث مرورا باقراص السي دي سوى ان تقبر نفسها منزويةً في اخر شارع الرشيد وتتطلع الى مياه دجلة باكية ناحبة، وقد عافها مريدوها الاوائل وصارت نسيا منسيا؟؟

وللحديث عن تأريخ شركة جقماقجي نذكر ان بداية تأسيسها كانت العام/1918 ولكنها لم تكن تتخصص بالفن والموسيقى والغناء اول الامر، انما كانت تقوم باستيراد بعض المواد التي لها علاقة بالغناء والموسيقى وبيع اسطوانات شركة "بيضافون" دون القيام بعمليات التسجيل التي برعت بها لاحقاً ثمّ تطورت وقامت ببيع  الحاكي (الكرامافون) الذي يعمل بواسطة تدويره باليد لكي يواصل الكلام او الغناء مما نسميه في العراق بلهجتنا الدارجة " التكويك " واجزاء اخرى من الاجهزة الكهربائية البسيطة التي وصلت العراق في اول عهده بالكهرباء كما قامت باستيراد الاسطوانات التي توضع وتركّب على الحاكي وعلى نطاق واسع والتي بدأ الغرب بصنعها من الحجر وهو الابتكار الاول في عالم صناعة الاسطوانات حيث الحجر الاصمّ الصلد يتفتق ويصدر الحانا عذبة وشجية ترخي الاعصاب وتبعث السعادة والهناء والاسترخاء والخدر في النفوس فلا عجب ان جذوة الجمال وحرارة الشدو يصهر حتى الصوان ويجعله يقطر عذوبة واغانيَ شجية مثلما فطرَ قلب مالك الشركة الحاج فتحي جقماقجي وجعله يعشق الغناء والوتَر الساحر وهو الذي كان قد تمرّس باصلاح وصيانة الاسلحة القاتلة الفتّاكة يوم كان يعمل في الجيش العثماني يقوم بادامة وصيانة البنادق والمدافع والمسدسات البدائية الصنع

فهذا المنعطف في حياته نحو مواطن السحر والجمال جعله يستثمر ماعنده من مال ليتجه الى صناعة الموسيقى وبثّ الغناء والشدو وترك ادوات القتل والدمار والموت ليعيد الى الناس الحياة والبهجة والمسرات، كيف لا وهو ابن الموصل الحدباء ومن منبت ابراهيم الموصلي عبقري الغناء والالحان الخالدة

211-jawadوصاحبنا فتحي جقماقجي هذا شدّ رحاله الى بغداد مع اسرته ليعيد اليها شيئا من العصر الذهبي يوم كان زرياب يصدح مع مغنيات بني العباس ويملأ الاركان غناء يلهب الروح ويرعش البدن وسرعان ما ذاع صيته واقبل الناس على شراء اسطواناته وعمل على تأسيس استوديو خاص به في منطقة البتاويين وكان هذا الاستوديو اكثر سعة وتقنية من الاستوديو الصغير الذي أنشأه اول الامر  في (عقد النصارى) وتم استئجاره بالتعاون مع احد مهندسي الصوت العاملين في دار الاذاعة العراقية وهو السيد ناجي صالح وبصحبتهما الموسيقار المبدع جميل بشير بعد ان فتح محلا صغيرا في منطقة الحيدرخانة  العام/ 1948 ويجذب اكثر المطربين ويسجل اغانيهم باسطواناته التي كانت تباع بكميات كبيرة . ومن ذلك الاستوديو صدح صوت مطربي بغداد مثل محمد القبانجي ورشيد القندرجي وسليمة مراد وزكية جورج ومنيرة الهوزْوز وانصاف منير ورضا علي وناظم الغزالي وغيرهم الكثير مما يصعب حصرهم كما سجّل اغاني مطربي الريف العراقي امثال داخل حسن ومسعود العمارتلي وحضيري ابو عزيز وناصر حكيم  ولميعة توفيق ووحيدة خليل وزهور حسين و...و...

بالرغم من ان العراق كان سبّاقا للكثير من الدول العربية وغير العربية في التأسيس المبكر  لدار الاذاعة اللاسلكية وانتشار موجات الراديو وسماعها في اكثر بقاع بلاد الرافدين حتى البعيدة منها   والذي كان لايخلو من نشر العديد من الاغاني والموسيقى الى السامعين في اوقات متفرقة بالاضافة الى الاخبار والتمثيليات الاذاعية والنشاطات الاخرى لكنه لم يكن بديلا ومنافسا  لشركة جقماقجي وعجز عن تحويل انظار الناس اليها بل كان شريكا وفيا لها في تغذية ارواح السامعين وفتح آفاق عقولهم وتنويرهم

لم يكتفِ العمّ فتحي بجمع مطربي العراق ونشر ابداعاتهم الغنائية وكان ولداه نجم الدين وعبد الله هما جناحاه الطائران الى القاهرة وبيروت ودمشق وحلب بين حين واخر ليجلبا احدث الاسطوانات لاشهر المطربين من مصر وسوريا ولبنان والتي كانت تلك الاسطوانات الحجرية تطبع في اليونان وبعض دول اوروبا بعد ان يتم تسجيل الاصوات في تلك المدن اولا ثم ترسل الى الخارج لاجل طبعها . واتذكر ابي يوم كان يقصد بغداد وبحوزته  اسطوانات سيّد درويش ومحمد عبد الوهاب وام كلثوم وفريد الاطرش واسمهان وعبد الغني السيد ومحمد عبد المطلب ووديع الصافي وحليم الرومي مع تلاحين الاخوين رحباني المجددين لروح الغناء العربي وقتذاك، ليس هذا فحسب بل اهتمت شركة جقماقجي بتسجيل اصوات خيرة المنشدين وقرّاء القرآن الكريم والموشحات ويندر جدا ان يخيب سعيك حينما تطلب اسطوانة منه حتى للمطربين قليلي الشهرة حتى ان دار الاذاعة العراقية كثيرا ما كانت تستعين بها حينما لم تجد في ارشيفها - رغم سعته – عند تقديم بعض برامجها الغنائية كما كانت مرجعا لطلبة المعاهد الموسيقية كمعهد الدراسات النغمية اذ كان خزينها الموسيقي هائلا وتحتفظ بأندر التسجيلات غير المتداولة

وقد شهدت تسجيلات جقماقجي تطوّرا ملفتا للانظار بعد ان آلت ادارتها الى السيد سمير الحفيد الوفيّ للجد فتحي جقماقجي بسبب تعلّقه بالموسيقى الغربية وبالاخص الكلاسيكية منها الى جانب الموسيقى الشرقية والعربية على الاخصّ، ففي الثمانينات بدأنا نسمع السيمفونيات الباهرة للعمالقة باخ وبيتهوفن وهايدن وجايكوفسكي وأخذتنا السوناتات الى عالم آخر لم نألفه من قبل ولم تعتدْ عليها اسماعنا فصرنا نهيم ببحيرة البجع والف ليلة وليلة وحلاّق اشبيلية ومعظم سيمفونيات صانعي الموسيقى الغربية بعد شيوع عالم الكاسيت الصغير وانتشار اجهزة التسجيل حيث واكبت هذه التطورات في اتساع الثقافة الموسيقية ولم تعد تقتصر على النخبة وكانت شركة جقماقجي في الصدارة لمواكبة تلك القفزات السريعة في نشر الابداع الموسيقي على اوسع نطاق

ونظرا لاهمية هذا الصرح الفني الذي حفظ الكثير من الكنوز الغنائية منذ تأسيسها المبكر فقد عرضت الحكومة الكويتية اواسط السبعينات شراءها وقدّمت مبالغ مغرية للغاية للسيد سمير جقماقجي لكنه رفض هذا العرض وفضّل عدم اضاعة تلك الثروة الموسيقية الهائلة باعتبارها إرثا حضاريا موسيقيا يخصّ العراق عموما وعائلة جقماقجي بالاخص

وفي اواسط التسعينات من القرن الماضي بدأ النزع الاخير يدبّ في اوصالها ولم تعد تقف على قدميها امام السيل  العارم من دكاكين الموسيقى واتساع ثورة الكاسيت بغثّها وسمينها فتمّ اغلاقها وتصفيتها . والحق انها كانت بمقدورها ان تستمرّ وتواصل عطاءها لولا الاهمال المتعمد من لدن القائمين على حفظ التراث الموسيقي العراقي الاصيل بمقاماته والذي أرسى اسس الموسيقى العربية وتعلّم منها كبار موسيقيي العرب والموسيقى الشرقية عموما

اجل سفحت دمعة حرّى يوم زرت اطلال شركة جقماقجي وانا اقوم باعداد هذه المقالة وبكيت قبلها أيضا يوم احتلت بلادي العام/2003 ونهبت آثارها ولا اعلم هل سأبكي ثالثة على اثَرٍ عزيز ضائع في مقبل الايام في هذا الزمن الوغد العاثر، من يدري !!؟

 

جواد كاظم غلوم

 

جان جينيه .. القبر والمدينة

rahman khodairabasحالما وصلت العرائش – وهي مدينة في شمال المغرب – حتى اقترحت على صديقي المغربي (بوسته سعيد) ان ازور قبر الأديب الفرنسي الكبير جان جينيه. وقد فوجئت بانه يعرف المقبرة، كما يعرف ادق التفاصيل عن حياة وموت هذا الرجل الذي شغل العالم في القرن المنصرم. جان جينيه لص محترف، فقد ولد لأمراة اسمها كامبل جينيه، تخلصت منه، بعد ان عهدت به الى ملجأ  لرعاية اللقطاء، لأنها كانت غير قادرة على رعاية طفلها وهي تبيع جسدها. ولأنه مجهول الأب فقد استخدم اسم امه. جينيه الذي تلظى في جحيم الفاقة والفقر واليتم والذل في طفولته. انحدر الى القاع، متسلحا بكراهية للمجتمع الفرنسي مما جعل سيمون دي بوفوار تفسر ذالك على أنّ جينيه كان منبوذا من المجتمع فحاول ان ينتقم من ذالك المجتمع فتوجه الى السرقة. ولا اعتقد ان الجنوح الأخلاقي وسلوك جريمة السرقة يعتمد على العامل النفسي فقط ، بل يتخطاه الى عوامل مختلفة ومنها الحرمان أو الفاقة التي منعته من أنْ يتمتع كأقرانه  حينما كان صبيا ، فبقي محروما حتى من الحاجات الأساسية في الحياة.يقول في مذكراته " ان مدرس الفرنسية طلب منه ان يقرأ في درس الإنشاء،  فقرأ يصف منزله، فغرق زملاؤه في القسم من الضحك، وحينما استفسر المعلم عن باعث الضحك فيهم. قالوا له: انهم يضحكون على جان لأنه لقيط ولامنزل لديه ". لقد كان زائرا مزمنا للسجن، الذي راى فيه  "مهربا من الحياة لكي يعود الى جوهرها " وفي اغوار السجن كتب أعظم اعماله الأدبية ومنها روايته الرائعة (معجزة الوردة)، وكأنه يتعرض الى عملية هائلة من الصراع بين الأضداد وعواملها المنتجة، وقد تمخض ذالك عن عملية صهر كبيرة انتجت قيما وافكارا افاضها في الكثير من اعماله المسرحية والروائية. وكأنه يقوم بعملية تطهيرية شاملة. حتى انه حاول ان يقلع عن السرقة، وحينما استشار رفيقه في السجن الكاتب المنحرف (جوهاندو) بانه يريد ان يتخلى نهائيا عن سلوك اللصوصية، ولكن الأخير غير قناعته مؤكدا ان الإستمرار في السرقة افضل من احتراف الكتابة !. ولعل كتابه (يوميات لص) يلقى اضواءا على الزوايا المعتمة من حياته.كما يكشف جوانب خفية من العلاقة بين الفرد والمجتمع في ظل الأنظمة الرأسمالية. و كان صريحا وصادقا في ذالك، وكأنه يريد ان يواجه كل عوامل الأنحدار الأخلاقي باسلحتها. مما حدا بسارتر ان يقول عنه "قراءة كتابات جينيه تشبه قضاء ليلة في مبغى"

  تقع مقبرة النصارى بمحاذاة البحر. كان علينا ان نجتاز حي القصبة. كتلة من البناء الذي يعود الى بدايات القرن المنصرم.شبكة من الأزقة الملونة، تحتمي من وهج الشمس باقواس مزخرفة، تتدلى من جدرانها ونوافذها الورود والنباتات. ازقة ملونة بالأزرق والأبيض. تنزلق باشكال حلزونية باتجاه السوق. سقوفها المقوسة والنوافذ، توحي لك بالطراز الأندلسي.وكأنك قد انتقلت الى وهج الماضي الجميل للحضارة الأندلسية التي زحفت باتجاه المغرب الأقصى بعد ان طاردها الأسبان. لقد حافظ سكان المدينة على طابعها المعماري القديم - على الأقل في حي القصبة - اما الأحياء الأخرى فقد تسلقها الأهمال، او البناء الذي لاينتمي الى روح المدينة. رائحة الورد والخضرة التي تطرز جدران الزنق الملونة، تشيع في الذاكرة هوس العرائشيين الأوائل بمفهوم الحقل، الذي يشاطر البحر في ان يهب الناس نسغ حياتهم ووسيلة بقائهم. لذالك فلا غرابة ان يطلقوا على البساتين اسم (الجنان). تلك الجنان التي التهمتها المدينة في توسعها العشوائي. قال لي سعيد: " كان البناء في عهد الأسبان يسمح لأهل المدينة ان يروا البحر من كل الأتجاهات ". زرقة البحر تتسرب في جدران المدينة.ورائحة  شواء السردين ينبعث من المطاعم الصغيرة الملاصقة للمرسى. اتجهنا الى منحدر، حيث جنان بوحساينة. كان منزل جان جينيه يتوسط الشارع. ويعلو عليه بحوالي اربع درجات اسمنتية. كانت الوانه الزرقاء قد خبت وتآكلت من رطوبة البحر.عرفنا المنزل عن طريق سيدة من الجيران اشارت اليه " هذا منزل الشاعر النصراني " وكلمة نصراني في شمال افريقيا تعني القومية اكثر مما تعني الدين. كان بين منزله وقبره دقائق وجيزة من الهبوط. قيل : ان جينيه كان يتسكع في المقبرة وهو يتأبط كتبه. يجلس تحت ظل شجرة ليقرا او يكتب. لم ار الشجرة قرب القبر، قيل لي : ماتت الشجرة بعد موته بعدة سنين ولم يبق منها غير جذرها. قبل استقراره في مدينة العرائش عاش جان جينيه  في مدينة طنجة ردحا من الزمن، وقد كتب عنه الكاتب المغربي محمد شكري ( جينيه في طنجة) مستعرضا يومياته وجملة افكاره وروحه المتسامحة التي تميل الى مساعدة الفقراء والمقهورين من الناس. لم تكن دراسة محمد شكري عن جينيه عميقة، او تفيد القاريء في فهم شخصية هذا الأديب او فحوى التحولات الفكرية التي تعرضت له شخصيته.

يبدو أنّ العرائش قد راقت لجينيه،فاتخذ منها ملاذا للتأمل والأسترخاء، والتقرب الى البساطة والعفوية التي عشقهما منذ طفولته، بعد ان هاجر من بلده فرنسا وهو متوج بشهرة يحسده عليها كتّاب وادباء كبار.  فقد كتب عنه الفيلسوف الوجودي سارتر كتابا مهما مشبعا برؤية فلسفية بعنوان (القديس جينيه. ممثلا وشهيدا) ورغم انه كان يبرر جنوح جينيه ويعتبره ضحية  لقيم عصره المختلة، ولكنه استطاع ان يتخذه مثلا لقيم العبثية في أسمى تجلياتها.  كما اعتبره كوكتو اكبركتّاب عصره. وإختارته مؤسسة لاروس عام 1976 كواحد من ادباء فرنسا العظام. وهكذا فقد كان تسكعه في أزقة العرائش ومقاهيها شكلا من االعودة الى النبع، الى التعايش مع المتعبين والمشاغبين والصيادين والشحاذين ومدمني الخمر والأفيون، التعايش مع الصالحين  والطالحين وذوي الدخول المحدودة او الذين يعيشون تحت خطوط الفكر والكفاف. لم يتعايش معهم بصفته منقذا او مصلحا، ولكنه حاول ان يقترب من ماضيه ويحس بمتعة تأمله. لم يكن ملاكا في تطهره ولكنه لم يكن شيطانا، فقد عاش كانسان بسيط، ينفق على نفسه مما تدر عليه مؤلفاته.في بداية ستينات القرن الماضي تحول من شخصية مشاكسة الى انسان يمتليء بالوداعة. فقد هجر اسلوب العبث واللامبالاة  الى معانقة الهموم والقضايا الأنسانية التي تقضّ مضاجع عصرنا، كاهتمامه بقضايا الزنوج والفصل العنصري. اضافة الى انشغاله بالقضية الفلسطينية. لقد كتب عن العمل الفدائي المقاوم. واصبح صديقا للفلسطينيين في مخيماتهم، وحينما حدثت مجزرة صبرا وشاتلا، كتب عنها، وكان ضمن اول وفد صحفي واعلامي يدخل المخيم بعد المجزرة وقد كتب عنها اربعة ايام في شاتيلا، تحولت الى مسرحية من اخراج فنان مسرحي فرنسي. يقول في كتابه: "حفلة وحشية جرت هناك، سمر ورقص ونداء وتأوهات " وقال في نفس الموضوع " لقد كان عليّ أنْ أذهب الى شاتيلا لأدرك بذاءة الحب وبذاءة الموت، فالأجساد في الحالتين ليس لديها ما تخفيه "  كان الوحيد من كتاب الغرب ومفكريه من كتب عن المجزرة وفضح فيها القاتل، سواء الذي قام بحفلة القتل الأليمة او من تستر عليها ووفر الظروف الملائمة لحدوثها . كانت كلماته تنزف دما، حتى جعل العالم يشعر بالعار من هذه الوحشية التي ترتكب ضد البشر الأبرياء. لقد أدان جان جينيه السكين المتوحشة التي ذبحت البشر العزّل. وابرز الى المجتمع الغربي فجيعة المأساة التي مرت بصمت.

  كان قبر جينيه يختلف عن القبور المحيطة به. يستلقي على ربوة صغيرة. لايفصله عن البحر سوى سور حجري قديم. تبدو شاهدة القبر بيضاء ناصعة وكأنها قد جُددت مرات لبواعث سياحية، حيث ان قبره يستقطب الكثير من المثقفين.كُتب على شاهدة القبر (جان جينيه من 1912 الى 1986). كان قبرا بسيطا يتخلله الرمل البحري. يبتعد قليلا عن قبور الجنود الأسبان الذين قتلوا اثناء اداء واجباتهم في تحقيق سياسة جنرالاتهم التوسعية. لكن جينيه الذي اوصى بأن يدفن في العرائش بعد موته، اراد ان يكون قريبا من اناسه البسطاء الذين اعتزوا به حيّا وميتا، رغم ما رافق حياته من جدل حول بعض ميوله الشاذة. لقد انصاعت فرنسا لرغبته قبل موته في نقل جثمانه الى المغرب، كما استقبله المغاربة استقبالا رسميا وشعبيا ليدفن في مقبرة  (النصارى) ولكن جينيه المتمرد على وطنه الأم في حياته، يستمر في تمرده حتى في موته.

   في ربوة غير بعيدة عن المقبرة، تستقر ليكسوس أو (التفاحة الذهبية) وهو الأسم الفينيقي لمدينة العرائش القديمة، التي لم يبق منها سوى اطلال لذكرى حضارات كانت تمتد من البحر الى المحيط، وهاهي مازالت قابعة على الربوة تنتظر من يفك اسرارها. نهر اللوكوس ما زال شاهدا على عمق الحضارات التي مرت على تلك السهوب والربوات، وقبر جينيه يغرق في الظلمة ليلا بينما تبدو الحياة في الصيف العرائشي غارقة في الأضواء. افواج من الناس يتبضعون او يحتسون القهوة،او يتسكعون في الطرقات المفتوحة على البحر، بينما امواج الأطلسي تعانق الصخور.

 

 اوتاوة /كندا

 

انستاس ماري الكرملي .. رحلة حياة حافلة وذكرى خالدة

asmaa mohamadmustafaانستاس ماري الكرملي .. هو اسم شهرته، واسمه الحقيقي بطرس جبرائيل يوسف عواد. كاتب ولغوي مدقق شغوف باللغة العربية، ورجل دين مسيحي كان له محبوه ومريدوه لأخلاقه ومزاياه، ولد في بغداد، الخامس من آب  1866م، وتوفي في السابع من كانون الثاني 1947م تاركاً مكتبة تعد من أضخم المكتبات الخاصة في العراق، ضمت نحو عشرين ألف مجلد، بينها 1335 مجلدا مخطوطا.

إهتم الكرملي خلال حياته بموضوعات اللغة والتأريخ والأقوام والملل والنحل والبلدان وغيرها.

ذاع صيته وصيت مجلسه الأسبوعي ـ مجلس الجمعة ـ الذي كانت تحضره أسماء ثقافية كبيرة كمصطفى جواد وعبد الرزاق الحسني ومحمد رضا الشبيبي وروفائيل بطي والملا عبود الكرخي . وعُرف بغزارة نتاجه الفكري والثقافي من كتب ومقالات وبحوث . ترك الكثير من المؤلفات بعضها مازال مخطوطاً، وتعرض الكثير من مؤلفاته الى الإتلاف سنة 1914 في أثناء نفيه الى الأناضول، بسبب موقفه من اللغة العربية، فضاع على الأجيال ارث كان يمكن الاستفادة منه . وعُرفت عنه مراسلاته مع كبار أعلام عصره بشأن القضايا العلمية واللغوية التي إهتم بها، كأحمد تيمور وأحمد زكي باشا ومحمود شكري الآلوسي، وكانت له أيضا مساجلات مع آخرين انتهى بعضها بالخصومة .

كتب فيه الشاعر الفلسطيني نديم الملاح ـ والأبيات الشعرية منشورة في كتاب: في ذكرى الاب الكرملي الراهب العلامة (1):

حـــي الاب العـــلامـة        والـجـهـبـذ الفـهـامـــة

من عاش للفضل ركنا        وللــبــيــان دعــامـــة

فـيــا لـــه عـبـقــريـــا         في المجد نال الامامة

الـكـرمـلـــي جـديــــر         مـنـا بـكــل كــرامــة

 

لمحات من سيرة حياته

تصفحنا عن سيرة حياته مجموعة من الكتب، واستخلصنا منها الآتي حيث تعاملنا مع بعض المعلومات الواردة، بتصرف بما يتعلق بعرض السيرة:

(سمي بأربعة أسماء بطرس وبولس وعبد الاحد وماري .. أبوه ميكائيل ماريني واسمه الحقيقي جبرائيل عواد الماروني من بحر صاف في بكفيا من قرى لبنان .. وأبدل اسمه جبرائيل بميكائيل لأمور سياسية كانت في ذلك العهد وكان بعضهم يتأثر الموارنة فيقتلونهم . فرحل من لبنان مرافقا أحد المنتمين الى نابليون بونابرت وكان قد جاء الى سورية ثم رحل منها الى الاستانة ومنها الى فارس والعراق فكان جبرائيل رفيقه وترجمانه وكان يفهم 14 لغة .

وفي بغداد عرف مريم مرغريتة (او لؤلؤة) من بيت اوغسطين جبران الكلداني البغدادي .. فتزوجها فولد منها خمسة بنين وأربع بنات وبطرس كان الابن الرابع من ابناء جبرائيل .

209-instasفي الثامنة من عمره دخل بطرس مدرسة الآباء الكرمليين ومن ثم مدرسة الإتفاق ومدرسة اللاتين  . تعلم مبادئ الصرف والنحو واللغة الفرنسية . وفي سن السادسة عشرة عين مدرسا للغة العربية وآدابها في مدرسة اللاتين ونشر مقالات علمية وادبية ونحوية ولغوية عديدة باسمه وبأسماء مستعارة .. غادر الى بيروت وشفرمون قرب لياج في بلجيكا التي بدأ فيها الحياة الرهبانية، وغادر الى لاغتو قرب نيس في كورة جبال الالب البحرية، وفيها درس الفلسفة، ومن ثم ذهب الى مونبليه في ليرو في فرنسا، وقرأ اللاهوت وتفسير الكتاب المقدس والتأريخ الكنسي الأكبر. ورحل الى الاندلس ومن ثم عاد الى بغداد سنة 1894 وأصبح مديرا للمدرسة الكرملية الى سنة 1897 حيث أودعت إدارة المدرسة الى راهب آخر، فتفرغ بطرس للوعظ والخطابة والكتابة في المجلات والجرائد الفرنسية والعربية . وطلبته الصحف الكبيرة ليكتب فيها، وأغلب مباحثه لم يطرقها قبله طارق لأنه عني بما بقي مهملاً وليس بما أوضحه العلماء، ونُقِل كثير من مقالاته الى الفرنسية والانكليزية والروسية والالمانية والايطالية والاسبانية والتركية، ومن الكتاب من نقلها الى لغته فأدعاها لنفسه) . (2)

و(من المجلات والجرائد التي كتب فيها: الآثار، الاخاء، الاعتدال، الاهرام، البشير، البلاد، البلاغ، البيان، الثقافة، الجهاد، الجوانب، الحياة، دار السلام، الرسالة، رسالة القديسة تريزة، الرصافة، رقيب صهيون، الزمان، الزهراء، الزهرة، الزهور، السيدات والرجال، الشرق، الصفاء، صوت الحق، الضياء، الطيارة، العالم العربي، وصحف أخرى) . (3)

وكتب في تلك الصحف مقالات باسمه الصريح وأخرى بأسماء مستعارة، ومنها، كما جاء في كتاب: في ذكرى الأب الكرملي الراهب العلامة:

(مستهل ـ في مجلة الهلال، ومعتدل ـ في مجلة الاعتدال، وباحث ـ في مجلة المباحث، وكان لديه أكثر من أربعين توقيعا، منها:

أمكح، ويمثل الحروف الاولى من اسمه انستاس ماري الكرملي الحافي، والحافي يطلق على الرهبان الكرمليين وقد مر عليه الكلام .

ـ أحد القراء ـ في المقتطف، والمقتبس .

ـ بعيث الخضري وهو تعريب اسمه انستاس، في مجلات المشرق والمسرة وصوت الحق .

ـ  منتهل .

ـ ساتسنا، وهو معكوس اسم انستاس.

ـ فهر الجابري، في الهلال والمقتطف والزهراء .

ـ كلدة، وهو اسم العراق القديم في العصور الآشورية والكلدانية، في المقتطف ومجلة " المعلمين ببغداد".

وغيرها من التواقيع). (4)

ولماكان قد تفرغ لدرس اللغة العربية وأسرارها اضطر الى أن يدرس الآرامية والعبرية والحبشية والفارسية والتركية والصابئية  فأخذ منها ومن أصولها وألفاظها مايحتاج اليه منها ولهذا كانت مباحثه في هذا الموضوع وافية بالمقصود.

وفي تموز من سنة 1911 أنشأ مجلة في بغداد سماها (لغة العرب).. واختاره المجمع العلمي العربي في دمشق سنة 1920 ليكون عضو شرف فيه، هو والعلامة محمود شكري الآلوسي . وعين عضوا في مجلس المعارف في العراق سنة 1917، وعضوا في لجنة  الترجمة والتعريب سنة 1921.

نفته الحكومة العثمانية الى الأناضول سنة 1914 لأنه سمى مجلته لغة العرب ونشر فيها مقالات يحبب فيها العرب للناس وعاملوه العثمانيون في منفاه بقساوة وأنزلوا فيه أشد العذاب . وفي سنة 1916 عاد الى بغداد . وفي سنة 1917 أصدر في بغداد جريدة العرب، وكانت على نفقة الدولة وأدار شؤونها سنة كاملة . وفي السنة نفسها أصدر وضيعة باسم دار السلام.

رحل الى اوربا خمس مرات وقدرت الحكومة الفرنسية مباحثه العلمية فأهدته وسام العلم في سنة 1920. (5)

 

ثقافته

وعن ثقافته كتب  د. ابراهيم السامرائي في كتابه: الأب انستاس ماري الكرملي وآراؤه اللغوية، ماننقله هنا من خلاصة، بتصرف، لما كتبه السامرائي:

عُرف الأب انستاس الكرملي بغيرته العظمى على العربية وكان يرى في الخروج عن سنن العربية خطأ لايتساهل فيه فلايتخذ من الشيوع مجوزا ومسوغا، لذلك حارب العامية ودعا الى نبذها لكنه، ومما يُستقرَأ مانشر في مجلة لغة العرب،  شجع على دراسة الأساليب العامية دراسة نحوية تأريخية خدمة للغة الفصيحة .. عرف بكثرة مطالعاته، تستهويه اللفظة فيبحث في بنائها وأصلها واشتقاقها وقرابتها من لغة سامية أخرى او غير سامية، وتستهويه  حكاية شعبية او مثل شعبي فيحرص على تسجيله على النحو الذي سمعه من أصحابه باللحن العامي، وهو دقيق في التسجيل ويفرق بين عامية الموصل وعامية بغداد وعامية المسلمين وعامية النصارى او اليهود في المدينة الواحدة، وتستهويه قصة او حكاية او مسرحية لكاتب فرنسي لغرض نبيل ترمي اليه فيعمد الى ترجمتها، ويميل الى معرفة البلاد فيبحث فيها بحثا لغويا اجتماعيا تأريخيا، ويستهويه كتاب قديم في التأريخ فيعمد الى تحقيقه وإخراجه . ومن مزاياه الحسنة أخذه بيد الناشئة من المتأدبين والكتاب وتشجيعهم . ومن عاداته أنه كان يجيب على كل رسالة ترد اليه من مختلف طبقات الناس وفي اليوم نفسه الذي يتسلمها، إلا إذا كان الجواب يستدعي بحثا ورجوعا الى المصادر . وكان يحافظ على المواعيد . (6)

 

مؤلفاته

ألفَّ الكثير من المؤلفات، وأغلبها ضخمة وفي مجلدات كان يقصدها علماء بغداد والكاظمية والنجف وكربلاء، إلاّ أن الأتراك استولوا على أغلبها في سنة 1914  حين نفوه فمنها أحرقوها ومنها تصرفوا فيها ونجت من أيديهم بعض المؤلفات.. ومما هم بتأليفه معجم معنوي تام، وجمع أمثال العوام في بغداد والبصرة والموصل وضم اليها حكايات عامية باللغة المألوفة عند نصارى بغداد، وجمع حكايات من ألسن المسلمين من رجال ونساء، وألف كتبا جمع فيها فهارس خزائن الكتب الموجودة في العراق، مزقهتها أيدي الجهلة من الأتراك، وكان قد شرع الكرملي بطبع كتاب العين للخليل  إلاّ إن الحرب أوقفت ذلك الكتاب،وأيضا ألفّ كتابا ضخما في الصرف والنحو مع تمارين عديدة للمدارس، ووضع كتابا في المترادفات وآخر في الأضداد وآخر في أمثال العرب، لكنها كتب ذهبت مع ماتلف من كتبه . (7)

 

من مؤلفاته وتراجمه:  (8)

الفوز بالمراد في تأريخ بغداد ـ وقد شحنه ناشره أغلاطا جمة أفسدت الكتاب وشوهته التشويه وطبع في بغداد، كتاب التعبد ليسوع طفل براغ، نخبة من كتاب العروج في  درج  الكمال والخروج من درك الضلال، بالعربية والفرنسية، خلاصة تأريخ العراق في البصرة، جمهرة اللغات، خواطر علمية، كتاب الجموع، السحائب، العجائب، الرغائب، الغرائب، أديان العرب، حشو اللوزينج، مختارات المفيد، متفرقات تأريخية، الأنباء التأريخية، اللمع التأريخية والعلمية، Melanges، الغرر النواضر، النغم الشجي في الرد على الشيخ إبراهيم اليازجي، الكرد قبل الإسلام، المجموعة الذهبية، أرض النهرين (معرب عن الانكليزية تأليف أدون بفن)، تذكرة الشعراء او شعراء بغداد وكتابها، نشوء اللغة العربية ونموها واكتمالها، المساعد ـ معجم لغوي، مجموعة من الأغاني العامية العراقية، ديوان التفتاف اوحكايات بغداديات، أغلاط اللغويين الأقدمين، رسالة في الكتابة العربية المنقحة، النقود العربية والإسلامية وعلم النميات،  خواطر الأخت ماري ليسوع المصلوب ـ ترجمة الكرملي، أخص فروض الرهبان الثالثيين الكرملين،الإكليل للهمداني ـ تحقيق الكرملي، ترجمة حياة الأب مارية يوسف، خلاصة تأريخ العراق منذ نشوئه الى يومنا هذا، رسالة في الكتابة العربية المنقحة، سورة الخيل التي نزلت في بغداد ـ تحقيق الكرملي، الكلم الأخيرة وهي المحادثات الأخيرة التي فاهت بها القديسة تريزة للطفل يسوع ـ ترجمة الكرملي، الكوفية والعقال، لذكرى الملك فيصل الأول: خطاب، مبادئ أصول الديانة المسيحية لصغار الأولاد، مرشد الرهبانيين الثالث، مناظرة لغوية أدبية بين عبد الله البستاني وعبد القادر المغربي وانستاس الكرملي، نُخب الدخائرفي أحوال الجواهر لابن الأكفاني السنجاري ـ تحقيق الكرملي،نشوء اللعة العربية ونموها واكتهالها .

 

ومن كتبه المفقودة:

تصحيح أغلاط لسان العرب، تصحيح تاج العروس، تصحيح أقرب الموارد وماجاء فيه من المفاسد، الألفاظ اليونانية في اللغة العربية، الألفاظ الرومية (اللاتينية) في اللغة العربية، الألفاظ الدخيلة (من عبرية وهندية وقبطية وحبشية وتركية) في العربية، الألفاظ الفارسية في اللغة العربية،الألفاظ الارمية (السريانية والكلدانية) في العربية، الألفاظ العربية في اللغة الفرنسية .

 

ومن الكتب التي كتبت عن الكرملي او حقق فيها آخرون:

الكرملي الخالد ـ  المؤلف جورج جبور ي، البرهان الجلي على علم الكرملي ـ المؤلف أمين ظاهر خير الله، المحجة البيضاء في حجة نعت الجموع بفعلاء  ـ  وهو الجزء الثاني من البرهان الجلي،  أديان العرب وخرافتهم ـ  المؤلف الكرملي انستاس ماري ـ تحقيق وليد محمود خالص،، الرسائل المتبادلة بين احمد زكي باشا والاب انستاس فادي الكرملي ـ المؤلف رحماني حكمت، الأب انستاس ماري الكرملي وآراؤه اللغوية ـ  المؤلف ابراهيم  السامرائي،  سدنة التراث القومي ـ المؤلف روكس بن زائد العزيزي، رسائل أحمد تيمور الى الأب أنستاس ماري الكرملي ـ المؤلف: كوركيس عواد وميخائيل عواد، الرسائل المتبادلة بين الكرملي وتيمور ـ المؤلف:  كوركيس عواد وميخائيل عواد،  الأب انستاس ماري الكرملي حياته ومؤلفاته (1866ـ  1947)  المؤلف كوركيس عواد، ذكرى الاب الكرملي الراهب العلامة ـ المؤلف سالم الآلوسي، الاب انستاس ماري الكرملي ـ المؤلف عامر رشيد السامرائي،  أنستاس ماري الكرملي ثقافيا وفكريا في تأريخ العراق  (1866-1947) ـ المؤلف كريم عبد الحسن فرج سلمان  الغراوي، مزارات بغداد باللهجة العامية البغدادية والعربية الفصيحة ـ جمع الأب انستاس ماري الكرملي ـ تحقيق د.باسم عبود الياسري ـ مراجعة وتقديم د. طالب البغدادي .

 

وهذا الكتاب الأخير جاء فيه:

(إنه غريب جدا أن يكتب واحد من أهم من عني بالعربية في مستهل القرن العشرين باللهجة العامية وهو وهو أحد المدافعين عن فصاحة اللغة العربية وبلاغتها سيما أن الكتاب الذي بين أيدينا قد جمع في الفترة التي كان العراق يقبل خلالها على تكوين دولته وتأسيسها. ومن البديهي إن البنيان الثقافي هو حجر الأساس والمركز المحوري لبناء الدولة الجديدة. وإن اللغة هي جوهر البنيان ولايخفى أن المساس بهذه اللغة قد يساهم في نخر البنية الثقافية وهي في مهد تأسيسها في الدولة الحديثة. ولاشك في أن الكتابة والتدوين بالعامية تمثل جانبا مهما من جوانب تخريب اللغة كتعبير ثقافي كان على المؤلف ليس فقط أن يبتعد عن استخدام هذه الأداة السلبية، بل أن يتصدى للمحاولات الهادفة الى المساس باللغة الفصحى كأداة وحيدة في البيئة الثقافية والفكرية والمحاولات التي تهدف الى تطبيع العامية كأداة تعبير مكتوب او مدون. تلك المحاولات المتمثلة باطروحات بعض الكتاب المصريين واللبنانيين والذين امتد تأثيرهم الى بعض الهوامش الثقافية في العراق) .  (9)

ولكننا نرى أن كتاب الكرملي عن مزارات بغداد والذي جاء بالعامية مع إن الكرملي كان نابذا للعامية، قد يصب في الاستثناء الذي اتخذه الكرملي في موقفه من العامية حيث نبذها ونبذ الكتابة بها إلاّ أنه كان ضمن يشجع على دراسة الأساليب العامية دراسة نحوية تأريخية، كما ذكرنا آنفاً في هذا الموضوع حين تناولنا ثقافته.

 

من رسائله

تبادل انستاس ماري الكرملي رسائل مع أحمد تيمور وأحمد زكي ومحمود شكري الآلوسي كما ذكرنا آنفا، وفي مايأتي رسالتين متبادلتين بين الكرملي وأحمد زكي الذي كان يشغل منصب سكرتير مجلس الوزراء في مصر آنذاك، وهما رسالتان منشورتان مع مجموعة من الرسائل المتبادلة بين الكرملي وزكي في كتاب: الرسائل المتبادلة بين شيخ العروبة أحمد زكي باشا  والأب انستاس ماري الكرملي، ونشرتها أيضا مجلة المورد في عددها الثاني من السنة السادسة   :

 

الرسالة الاولى 

من الأب انستاس الكرملي الى أحمد زكي باشا بغداد في 10 آب سنة 1918 

الى حضرة العلامة الكبير أحمد زكي سكرتير مجلس النظار في مصر حرسه الله

بعد إهداء مايليق بتلك الذات التي أفديها بالنفس أعرض أن السيد محمود شكري الآلوسي التمس الي  أكتب الى مصر لأطلب كتاب الأصنام لابن الكلبي وقد قال لي إنكم عنيتم بنشره مع كتب أخرى وقد رآه أحد النجفيين من آل كاشف الغطاء حينما كان في مصر . ولما أجبت طلبه قيل لي إن الكتاب لم يطبع فكلفني أن أكتب الى مقامكم السامي لنقف على جلية الامر.

ثم إني كنت قد اشتريت كتاب نكت الهميان في نكت العميان وكنتم قد وعدتم بنشر فهرس له فهل نشر هذا الفهرس . فنرجوكم أن تكلفوا أحداًليبعث لنا بنسخة من  هذا الفهرس وبنسختين من كتاب الأصنام والسيد الآلوسي يقرؤكم السلام مع الداعي .

***

الرسالة الثانية من أحمد زكي باشا الى الاب أنستاس الكرملي

عن رمل الاسكندرية في 27 أكتوبر سنة  1918

وصلني في 2 دسنبر سنة 1918

صديقي الجليل الأب انستاس

مرحبا بكتابك أيها الصديق الجليل . لقد جاء عندي في مقام البشرى بل في مقام بشريين لابشرى واحدة . حيث حمل لي نبأ سلامتك وسلامة صديقي العلامة الفاضل السيد محمود شكري الآلوسي .

لقد كنت أخشى عليكما وقع تلك الحوادث المدلهمة المحيطة بكما، وأشفق أن ينالكما من الأذى مانال كثيرا من الناس وأأسفاه. ثم انكشف الغمام فإذا بعناية الرحمن تحوطكما وتقيكما طوارق الحدثان وبغي الإنسان، فلاعجب إن كان وقع كتابك في نفسي عظيما إذ جاءني بذياك النبأ المفرح وبدد مخاوفي، وأنا أيها الصديق أدرى الناس بفضلكما الجم ويدكما الطائلة على الادب وجهادكما الكبير في سبيله .

فأنا اتقدم اليك والى صديقي الآلوسي بخير التهاني وأرجو لكما العمر المديد والعيش الرغيد . هذا وقد بادرت عند مجيء كتابك فأوعزت الى دار الكتب السلطانية بإرسال نسختين من كتاب) الأصنام (برسم بغداد . فلذلك رأيت أنفسنا مضطرين بحكم الضرورة أن نتربص ريثما يصبح النقل ميسورا وحينئذ انتهز اول فرصة لإرسالهما اليك مع نسختين أيضا من كتاب (نكت الهميان في نكت العميان) مصحوبتين بالفهرست .

وربما تمكنت من إرسال نسختين من كتاب (التاج) للجاحظ، فقد تم لي طبعه بعناية وتحقيق هما الغاية في اعتقادي .

وتفضل أيها الصديق بقبول فائق تحياتي وبإهدائها الى الصديق المحترم السيد الآلوسي، والله المسؤول أن يسمعنا عنكما خير الأخبار وأن يتكرم علينا باللقاء في  أبرك الأوقات وأقرب الأيام  . "(10)

***

 

كتابات حديثة عن الكرملي

كتب عنه الكثيرون، اخترنا مما مانعرضه في أدناه، الى جانب عرض رسالة نعي نشرت بعد وفاة الكرملي وكلمة ألقيت في الحفل التأبيني لوفاته .

فأحد الموضوعات التي اخترناها يعود الى كاتب كانت تربطه علاقة أبوية بجورج جبـّوري الذي حدثه كثيرا عن الكرملي، وقد عرف جبوري أنستاس  في أثناء وجودهما معا في دير الآباء الكرمليين في بغداد .

وأما الموضوع الآخر الذي اخترناه فهو لكاتب أعجب بالرسائل المتبادلة بين الكرملي وتيمور، حتى قال لنفسه: هكذا تكون الرسائل والكتابة .

كما وجدنا في أثناء قراءتنا عن الكرملي وبحثنا عن المزيد من المعلومات لدعم هذا الموضوع، أن ابن أحد معارف او مريدي او تلامذة  الكرملي عرض كلمة كتبها والده بحق الكرملي بعد وفاته، وتضمنت الكلمة الكثير من المحبة والإخلاص لشخص الكرملي .

***

 

في ذكرى رحيل انستاس الكرملي

كتب نبيل يونس دمان عام 1997 ونشر لمناسبة مرور 50 سنة على وفاته، في كل من موقع بخديدا، ومجلة الثقافة الجديدة، والقيثارة، وحويودو، وكتب أيضا أن الذي دفعه لكتابة هذا الموضوع، هو العلاقة الأبوية الصادقة التي ربطته بالأستاذ جورج جبـّوري في السنوات الأخيرة، وماحفز دمان على الكتابة عن الكرملي أحاديث جبوري الدائمة عن الراحل، حيث عاشا معا سنوات عديدة في دير الآباء الكرمليين في بغداد، إذ عمل جبوري معلما ثم مديرا للفترة من 1939  حتى عام  1952،

تناول دمان في موضوعه نبذة عن حياة الكرملي  ومجلسه الأسبوعي ومنجزاته  وطبائعه وتكريمه ومجلة لغة العرب  التي أصدرها الكرملي وتأبينه .

 

ومما جاء في موضوع دمان عن مجلس الكرملي الاسبوعي:

(ذاع صيت مجلسه الأسبوعي (مجلس الجمعة) في أنحاء المعمورة وأصبح قبلة اصحاب المكانة المتميزة في الأدب، واللغة، والفلسفة، وكم قصده زائرون للعراق من العلماء المستشرقين والباحثين ذوي الباع الطويل في علم اللغات والتأريخ .

كان هناك شرطان وضعهما العلامة أمام رواد مجلسه، وهما تحريم النقاشات السياسية والدينية، وقد كانت فكرته تلك ذكية جدا، لتجنب الاحتكاكات والإشكالات التي تحصل من الخوض في الموضوعين أعلاه . أما الانصراف الى الأدب وأبحاث اللغة فهي بحد ذاتها مكملة وموحدة، ومن النادر حدوث انقسامات وانشقاقات فيها

من جملة حضور مجلسه الأسبوعي، أسماء أدبية لامعة، أمثال: يوسف غنيمة، حامد الصراف، رزوق عيسى، كاظم الدجيلي، عبد الرزاق الحسني، هاشم الوتري، مصطفى جواد، مهدي مقلد، محمد رضا الشبيبي، روفائيل بابو إسحق، روفائيل بطـّي، الملا عبود الكرخي، عباس العزاوي .. وغيرهم كثير

كان مجلس الجمعة يبدأ في الثامنة صباحا، وينتهي في الثانية عشرة، عندما تشق أركان الدير، دقات ناقوس الكنيسة، مؤذنة حلول فترة الظهيرة . عندما ينفرط عقد الزائرين ليلتحم مرة أخرى في الجمعة التي تليها، ولعشرات السنين كان الجو الهادئ والمنظم الذي يوفره الأب العلامة بمثابة حافز ودافع، للمزيد من النقاش الهادف، والبحث المتواصل، في شتى المواضيع المطروحة . وغالبا ما كان انستاس يستعين بمصادره من الكتب، التي تعد بالآلاف في خزانته والتي عني بجمعها وترتيبها ووضع الهوامش والخطوط والملاحظات عليها، في إقناع الحاضرين برأي معين . كما كان يوفر طاولة وعليها الكتب والمجلات والجرائد المحلية والعربية والأجنبية الصادرة حديثا في مختلف اللغات، ليطلع عليها مجلسه الموقر الذي كان بمثابة مجمع علمي عراقي مصغر .

 

وعن طبائعه كتب دمان:

نشأ هذا الإنسان نشأة ناسك متعبد، زاهد، لا يملك من متاع الدنيا شيئا ً، لا أسرة له ولا األاد بل أولاده في الروح كتبه وغزارة إنتاجه .

كان ضخم الجثة، قوي البنية، جبلي القوام، أطلق للحيته العنان فجاءت كثة، طويلة، ومهيبة، له صوت كأنه الزئير، وضحكاته كانت تشق أنحاء الدير، وغضبه في ذات الوقت وانفعاله في ما يراه انحرافا، يصل حد استعماله عصاه .

عندما يرى فاحشة ترتكب بحق اللغة فإنه يكرر القول " إذا لم يتم تصحيحها فإني سأقاطع صاحبها، بل سأبصق عليه !! "، وطالما استعرت الحملات الكتابية بينه وبين فطاحل عصره، وأدت بعضها الى المقاطعة التامة، وأمثال تلك المساجلات: مع عبد الله البستاني، لويس شيخو اليسوعي، جبر ضومط، أمين معلوف، أسعد داغر، ابراهيم اليازجي وغيرهم .

أما من ناحية التدبير والمال فقد كان مقتصدا، يحسب لكل شيء حسابه، وربما لهذا السبب نعته البعض بالبخل، لكنه بتلك العقلية الحسابية، استطاع أن يشتري آلاف الكتب ويقوم بعدة رحلات الى سوريا، مصر، لبنان، فلسطين، وأوربــا، من أجل أبحاثه، وكم كان يرنو لاستقباله علماء وفلاسفة عصره من المصريين والسوريين واللبنانيين والفلسطينيين أمثال: أحمد باشا تيمور، يوسف أفندي سركيس، قدري طوقان وغيرهم .

 

وعن تكريمه كتب:

بتأريخ 7 من تشرين أول عام 1928، أقيمت في دار رئيس الوزراء محسن السعدون حفلة يوبيلية كبرى للعلامة انستاس الكرملي، وتوالى الخطباء والشعراء من على منصة الاحتفال، يشيدون بالمحتفى به، حيث يكرم العلم والإبداع .

وقد ورد في كلمة أحد تلامذته وهو أحمد حامد الصراف البيتين الآتيين:

وعشنا وعاشت في الدهور بلادنا

                         جوامعنا في جنبهن الكنائس

وسوف يعيش الشعب في وحدة له

                         عمائمنا في جنبهن القلانس

 

ومما قاله فيه صاحب مجلة القربان الحلبية ما يأتي:

(إن المحتفى به هو الكاتب المبدع الذي لم تخلُ مجلة من مقالاته الرنانة وهو اللغوي المدقق الذي أماط اللثام عما جاء في معاجم اللغة مثل لسان العرب وتاج العروس ومحيط المحيط وأقرب الموارد من أغلاط ومفاسد) وبعث أبرز شعراء ايران قصائدهم باللغة الفارسية ومنها قصيدة خسرو ميرزا الميمية تحت عنوان) در تهنيت دشن أدبا وبراي حضرة أب أنستاس كرملي).

وقد جاءت أصوات التكريم من كل مكان في الشرق والغرب ومن أنحاء العراق، الكويت، ايران، مارسيليا، المانيا، مصر، لبنان، فلسطين، فرنسا . وبلغ الزهد والتواضع مبلغه في كلمة المحتفى به المؤثرة، والتي جاء فيها:

(إني لا أرى هذا الإطراء جديرا بي، بل خليقا بكم، إذ أراكم تجلون العلم والفضل حتى في من ينتسب اليه انتسابا، وإن لم يكن من أهله، فالمجد والشرف لكم يا سادتي لا لي . إذ أراني بعيدا عن كل ما عددتموه ونسبتموه لي، في حين لا أجده إلا فيكم يا سادتي الصيد الأشاوس).في عام 1946 أقيمت لراهبنا المتبتل انستاس حفلة تكريمية أخرى في نادي الكرمل في حيفا – فلسطين . وكان في حينها يصارع أمراضه وينيخ تحت ثقل شيخوخته البالغة ثمانين عاما .

وقد وصفته الآنسة قدسية خورشيد بالقول:

(دخلت دير الآباء الكرمليين – وكنت اول سيدة تخطو حدود الكنيسة الى الدير– ودخلت غرفة عارية إلا من منضدة وبضعة كراسي وواجهة كتب والشيخ يجثم كالنسر العاجز ونهض الشيخ يستقبل زائريه، وأحسست بهيبة عظيمة تغمرني لمرأى الرجل العظيم وكأنه الطود المتهدم يتقدم بخطوات مضطربة ..).

 

وعن لغة العرب كتب:

لعلّ أهم معلم تأريخي ومرجع مهم في التقصي والبحث عن أحوال العراق والبلدان، هو مجلة "لغة العرب " الشهرية التي أصدرها الأب انستاس في تموز 1911، واستمرت حتى القبض عليه من قبل الجندرمة في ايلول 1914، ومما جاء في الأسطر الاولى من افتتاحية عددها الأول ما يأتي :

(بسم الله الفتاح المعني .. بعد حمده تعالى، والشكر على آلائه والإتكال على مدده، قد عقدنا النية على إصدار هذه المجلة الشهرية خدمة للوطن والعلم والادب) .

عادت الى الصدور مرة أخرى في تموز 1926 واستمرت حتى كانون أول 1931 وقد جاء في إغلاق المجلة ما يأتي:

(وقد عزمنا عزما أكيدا لا يحتمل الرد ولا الاستئناف على إغلاق المجلة من الآن، لأننا مع مقاساتنا أتعابا جمة ومشاق هائلة ناهكة كنا نكابد خسائر باهضة طول سني صدور المجلة).. إذن كان العامل المادي سببا في انطواء الصفحة الأخيرة لتلك المجلة البارزة، وقد حفلت في أعدادها بل في مجلداتها التسعة الضخمة، بمواضيع عديدة نقتبس بعضا من عناوينها ونترك للقارئ العزيز تقدير أهميتها:

الكلدانيون، الصابئة، اليزيدية، مخطوطة في تراجم علماء الموصل، الحفر والتنقيب في أطلال بابل، نظرة عامة في لغة بغداد العامية، مشاهير كتاب العراق، السائح الغربي في العراق العربي، منارة سوق الغزل، الخرز ومعتقداته، اللغة الكردية، طوب أبو خزامة، في كنوز العرب، أسماء محلات بغداد، تأريخ المطابع في العراق، أسرة ترزي باشا، وغيرها كثير جدا .

 

وعن تأبينه كتب:

إهتز العراق لنبأ وفاة عالمه الفذ انستاس الكرملي في 7 من كانون الثاني عام 1947، فحمل جثمانه في المستشفى التعليمي إلى باحة مدرسة اللاتين، وتوالت الكلمات والأشعار والرسائل في ذلك المصاب الجلل، وكتبت عنه الصحف العراقية جميعها وصحف مصر وفلسطين وسوريا ولبنان .

وقد ألقى الشاعر مهدي مقلد  قصيدة  في تأبينه نقتبس منها هذين البيتين :

فالقلب من دين ابن مريم وحيه

                         والفكر من لغة النبي محمد

إن ابن مريم والنبي محمدا

                         نوران نور هدى ونور توحد

 

ومما جاء في خطاب المؤرخ العراقي يعقوب سركيس:

عرفت الراحل رحمه الله لأول مرة عام 1899 وكان تعارفنا في شطرة المنتفق، وقد قصد تلك الديار لملاقاة الصابئة حيث يسكنون، فذهب الى الناصرية لاختبار أحوالهم الدينية وحضور طقوسهم والاطلاع على كتبهم .. .

ومما قاله مير بصري ما يأتي:

وكم طار لبه سرورا بلفظة عثر عليها بعد لأي فصاح كما صاح أرخميدس حين اكتشف مبدأ موازنة الأجسام الغائصة في السوائل: وجدتها، وجدتها .. !.

ومما قاله كوركيس عواد ما يأتي:

حدثني ذات يوم أن ملك بلجيكا السابق ألبرت الأول حين زار بغداد سنة 1930 .. طلب جلالته أن يرى الأب انستاس ...

ومما قاله د. مصطفى جواد ما يأتي:

أرسل الي مرة وأنا بباريس سنة 1936 رسالة يقول فيها " إني ترجمت من الفرنسية كتابين صغيرين دينيين تم طبعهما ولم أبعث اليك بنسختين إشفاقا ً من أن تظن أني أدعوك الى النصرانية.

ومما قاله جورج جبّوري مدير مدرسة اللاتين في ختام كلمته هذا البيت:

أبتي أعِنـّي من عقال لساني

                         قد هدني شجني فعاق بياني

ولعل ما جاء في كلمة الأستاذ محمد فاتح توفيق من عظيم الدلالة بالقول:

لقد بلغ من شغفه بالفصحى أنه يحسن الإصغاء إلى القرآن الكريم وهو ذلك الراهب الناسك، وما مرة زاره فيها مقرئ العراق الشهير) الحافظ مهدي (إلا وألح عليه بأن يتلو على مسامعه آيات من الذكر الحكيم، فيشق سكون الدير ذلك الصوت الرخيم وهو يصغي عليه بكل جوارحه(. (11)

   ***

رسالة نعي

ومن خلال بحثنا عمايتعلق بالكرملي، وجدنا رسالة نعي نشرها أحد أصدقائه ينعى فيها الكرملي . الرسالة بعثها الى الكاتب نبيل يونس دمان بعد نشره موضوعه عن انستاس الكرملي، السيد إخلاص ابن محمد فاتح توفيق صديق الكرملي، وفيها ينعى والده  صديقه الكرملي موضحا أن الرسالة منشورة في إحدى الصحف القديمة، وأن والده كانت  تربطه بالكرملي علاقة معرفة وكان دائم الإتصال به وزاره عند مرضه وكان يحدث عائلته عنه، كما ذكر إخلاص قائلا: كان والدي يكن محبة كبيرة وإحتراما لأستاذه الكرملي ويثني عليه في كل مناسبة .

نص الرسالة التي نشرت في الصحف بعد وفاة الكرملي، وكتبها محمد فاتح توفيق في بغداد، والذي كان قد زار انستاس الكرملي قبل وفاته بليلة:

واأسفاه على العلامة الكرملي (12)

رجل عرك الدهر وخبر الحياة وذاق حلوها ومرها وجرب خيرها وشرها فخرج منها لا يبالي بها أقبلت أم أدبرت أسعدت أم أشقت وافقت أم عاكست. ولقد مرت عليه مصائب ومحن تكفي واحدة منها أن تزلزل أقوى رجل وتحطم أعصابه وتسممه إلى الموت أو ما هو أمر منه وأدهى. ولكنه صمد لها وقاوم ولم تزعزعه الحوادث الهوج ولم تفت في عضده الملمات والأحداث ولم تلن قناته.

ولكن أمرا واحدا أزعجه ايما إزعاج وأضجره كل الضجر وأقض مضجعه وآلمه أشد الإيلام وحز في نفسه، ذلكم هو التفريق بينه وبين حبيبته (وفراق الأحباب خطب عسير) ولعلكم علمتم من تكون حبيبته هذه. هي اللغة العربية الكريمة، لغة القرآن الكريم، اللغة التي لم يبلغ احد مبلغه في حبه لها وتكريمه إياها والعناية بها والتفرغ لها والتخصص بها، وساعده على ذلك فراغه ورهبنته حيث لا زوجة ولا ولد ولا هو مسئول عن أحد. زد على ذلك علمه بلغات أجنبية شتى فقد كان يتقن الفرنسية واللاتينية واليونانية والعبرية والسريانية والكلدانية والصابئية والتركية والفارسية والإنكليزية وقليلا من الإيطٌالية ويفهم البرتغالية وقد نسي الحبشية والاسبانية  بعد أن تعلمها. ولا يعرف اللغة الألمانية بعكس ما يعتقد الكثيرون وقد سألته عن ذلك فقال: طلبتني الكنيسة هنا وكنت أدرس في فرنسة قبل أن تتاح لي فرصة تعلم الألمانية. وإذا بلغ علم المرء باللغات هذه الدرجة مع شوق ورغبة وإلحاح في الدراسة والتتبع والبحث والتنقيب فهو علامة عصره الأوحد وهكذا كان الأب الكرملي بل وأكثر وإن خزانة كتبه تحتوي على نحو ستة عشر ألف كتاب منها ألف وخمسمائة كتاب مخطوط.

وإن ما يؤسف له أشد الأسف أن يعيش هذا العلامة الذي خدم العربية أجلَّ خدمة أكثر من ستين عاما عيشة لايرضاها له صديق ولا عدو إلا من قدّ قلبه من صخر أو أنتزعت منه الرحمة والشفقة ولم تبق لديه إنسانية ولم يردعه دين ولاضمير. وقد وجد من وصفته الآن بالقسوة والغلظة بل كانوا أكثر من واحد وكانوا المسلطين عليه المسيطرين عليه وقد نغصوا عليه عيشه ولم يتركوه يهنأ في حياته بل حاربوه وناصبوه العداء وكرهوه ولم يخشوا ربّا ولم يحترموا شيخوخته وعلمه وخدمته للأمة والبلاد ذلك لأنهم أناس غرباء عن هذا البلد فلا يروق لهم أن يروا أحدا يخدمه و يتمتع بالتجلة والإحترام، ولكنهم مهما فعلوا ما استطاعوا أن يذلوا نفسه الكبيرة وروحه العظيمة فآبوا بالذل والخسران وبسخط من الله والناس وآب برضى الرحمن وإكبار الناس له وإجلالهم إياه وإعزازهم له.

كان رحمه الله طيب القلب رحب الصدر واسِعَهُ جم التواضع يلقاك بالبشر والترحاب حتى لتطمئن إليه وتسكن إليه من أول لقاء له وما هي إلا دقائق حتى تحسب نفسك كأنك تعرفه منذ سنوات.

كل من حضر مجلسه لا يمكن أن ينسى اثنين: الأب الكرملي رئيس المجلس وجامع الشمل والمرحوم الأستاذ علي غالب العزاوي المحامي الذي اغتالته يد آثمة فقد كان زينة المجلس ودرة ثمينة افتقدناه قبل سنة فخلا المجلس من ذلك

النور البهي وذي القلب الزكي والنكتة البارعة والبديهة الحاضرة والأسلوب الأدبي.

أما الأب أنستاس فحدث عن البحر ولا حرج ماخاضوا بحثا إلا وهو في مقدمتهم ولا ناقشوا في موضوع إلا وكانت له اليد الطولى والباع الطويل والرأي السديد والقول الفصل والحكم الأخير.

إيه أيها الموت: أنت أكبر أعدائنا، تكدر صفونا وتفرق شملنا وتخرب جمعنا، فلولاك لكانت الحياة حلوة طيبة ولكنك أفسدتها فما تصلح لشيء ولا هي تطلب أو تراد. ما قيمة الفاني الزائل؟ بل ما قيمة السعادة والأمل والهناء؟ إن كنت أنت نهاية كل شيء.

أيها الأب الجليل رحلت عن هذه الدنيا الفانية وفارقتنا ولكن ذكراك لاتزال في القلوب عامرة وسنظل نذكرك ماحيينا وسيذكرك بعدنا أجيالنا مادامت الحياة ومادام إنسان على الأرض. أيها الراحل الكريم نم آمنا مطمئنا فقد خلفت من يحفظ ذكرك ويسير على نهجك و يعنى بحبيبتك العربية، أولئك هم أصفياؤك وطلابك المخلصون.

***

كلمة محمد فاتح في الحفل التأبيني

أما كلمة الأستاذ محمد فاتح توفيق في الحفل التأبيني المقام على روح الكرملي بتأريخ 14- 2- 1947، والمنشورة في كتاب: الكرملي الخالد - تأليف جورج جبوري - بغداد 1947،  فنصت على مايأتي :

أيها الأب الراحل

لقد اجتمع الشمل وانتظم العقد ولكن مالي لا أراك بيننا؟ ولا أسمع صوتك مدويا فينا؟ عجبا، أشغلك عنا شاغل؟ أم حال دون حضورك حائل؟ أحقاً اقعدك الموت وأقبرك وأسكتك القدر؟ إن الدهر لظالم غشوم وإن الزمان لغادر خؤون وإن الموت قاهر...

كنت واسطة العقد وجامع الشمل ورئيس الجمع فأين أنت اليوم؟ كنت تحيي هذا وذاك وشخص كل فرد بعنايتك وتسأل عن الغائب وترحب بالحاضر وتهش وتبش له حتى ليأنس اليك الغريب ويطمئن الى مجلسك وكأنه قد عاش الدهر معك.

كنت رفيقاً بتلامذتك مشجعاً إياهم ومعيناً وكنت شديداً على خصومك أعداء اللغة العربية التي رعيتها طوال سني حياتك الزاخرة بجلائل الأعمال، تقرعهم بلواذع نقداتك وتسخر منهم باسلوبك الخاص وتتهكم عليهم فتجعلهم هزأة وأضحوكة، وكنت قوياً كثير الغلبة والانتصار لا يصمد أمام اعصارك مكابر ولا معاند.

أيها الراحل الكريم لست مستطيعاً تعداد صفاتك ومزاياك، فأين مني خوض هذا البحر الزاخر وما ذاكره قطرة من بحرك العظيم وذرة من صحرائك الواسعة.

أيها البحاثة اللغوي لم يشهد الدهر- إلا نادراً- إخلاصاً كإخلاصك للغة القرآن وحبا كشغفك بالعربية الفصحى.

وكنت أكثر ما تشكو حرمانك الكتابة والبحث والتنقيب ناسياً مرضك وما تعانيه من آلام وأوجاع.

كنت إذا ما عثرت على كلمة جديدة او كشف جديد في اللغة كمن وقع على كنز او كقائد منتصر، ولو أعطيت الدنيا بأسرها لما رضيت بها بديلاً عن حبيبتك الغالية لغة القرآن.

لم تكن تعتمد في بحوثك وتنقيباتك إلا على أصول صحيحة وقواعد متينة ومصادر ذات قيمة فكنت ترجع في اللغة الى القرآن الكريم والى الحديث الشريف والى مضانها الأصلية في أمهات الكتب الصحيحة لأئمة البيان واللغة.

ولقد بلغ من شغفك بالفصحى أنك تحسن الإصغاء الى القرآن الكريم وأنت ذاك الراهب الناسك، وما مرة زارك فيها مقرئ العراق الشهير الأستاذ الحافظ مهدي إلا وألححت عليه وألححت بأن يتلو على مسامعك آيات من الذكر الحكيم فيشق سكون الدير ذات الصوت الرخيم وأنت تصغي اليه بكل جوارحك.

وبلغ من حبك للفصحى أنك لم تستطع أن تسمع أي خطأ فيها ولو صدر من أعز أصدقائك وتلامذتك ولا تغفر للمخطئ خطيئته إلا اذا رجع عنها.

ماذا أذكر عنك أيها العلامة الراحل ؟ فقد كنت شابا في شيخوختك بل هيهات أن يبلغ الشباب مبلغك من القوة والثبات والصبر على العمل والجلد ومتابعة البحث والتنقيب والدرس، ولن يكون الشباب مثلك في النشاط والمرح والتفاؤل والانبساط. ثم لن يكون الشباب أمتن منك بناءً وأكثر قوة وأصلب عوداً وأقوى قلباً.. أين للشباب صوتك الجهوري القوي النبرات الذي يشق الفضاء شقاً ويدخل السمع كالرعد القاصف، وأين للشباب تلك اليد القوية والكف الحديد التي كنت تعصر بها أيدينا؟ وأين للشباب تلك الذراع المتينة التي تجذب بها محبيك ليكونوا على مقربة منك، فإذا هم مندفعون اليك.

لم يستطع المرض أن ينال منك إلا قليلا، شلل أصاب اليمنى من كفك ورجلك ثم لا شيء بعد ذلك .. ألم نزرك مساء الاثنين - قبل رحيلك بليلة - وكنت زينة المجلس حديثاً ودعابة . وأنت تحس ونحن أيضاً أنك تسير في طريق الشفاء ثم ودعناك ودعونا لك بالشفاء التام ونحن آملون أن نراك بعد ذلك خيراً وأحسن حالا. ولقد ناديتني بعد خروجنا، بصوت قوي مجلجل فرجعت اليك وأعنتك على النزول من السرير وشكرتني فودعتك ولم أعلم أنه الوداع الأخير..

وقد أضحكتنا كثيراً في تلك الأمسية بنكاتك العذبة وملحك المستعذبة ولكنك أبكيتنا مر البكاء في الأمسية التالية . فهل كنت تدري أنك راحل؟ .

أيها الفقيد الكريم إن حزننا لفقدك عظيم وإن رزأنا بموتك جسيم،  ولقد أطلب العزاء وأبغي السلوان وأين مني ذلك؟

لا أدري من أعزي ! فكلنا خليق بالعزاء وكلنا فقير الى السلوان، يا فقيد اللغة الأعظم.

***

 

الأب أنستاس الكرملي أشهر حراس لغة العرب (13)

وهذا مقال للكاتب شكيب كاظم الذي انطلق في كتابته من إعجابه بالرسائل المتبادلة بين الكرملي وأحمد تيمور، وجاء فيه:

يوم قرأت كتاب، الرسائل المتبادلة بين الكرملي وتيمور، التي عُنِي بتحقيقها والتعليق عليها الأساتذة كوركيس عواد وشقيقه ميخائيل عواد وجليل العطية، ونشرته مديرية الثقافة العامة في وزارة الإعلام العراقية، في ضمن سلسلة كتب التراث، حاملة الرقم التاسع والعشرين في سنة 1394 هـ ـ  1974م، حدثت نفسي هكذا تكون الرسائل والكتابة، فهي واحة وارفة الظلال للنقاش وتبادل الآراء، في اللغة والنحو والكتب والمخطوطات والمستدركات.

وهكذا يتراسل الكبار والعلماء . ولقد رأيت أن أحمد تيمور باشا كان واسع الصدر، يتقبل آراء الاب انستاس ماري الكرملي، في قضية ما، وما كان معاندا، وهكذا أيضا يكون سلوك العلماء الواثقين من علمهم، معترفين بأن فوق كل ذي علم عليم.

ولقد لمسنا هذا السلوك العلمي العالي لدى العديد من أساتذتنا الأجلاء أيام الدرس الجامعي، فكانوا بحق مثالا يقتدى به في العلم والتواضع والثقة بالنفس، وبأن نصف العلم لا أعلم ومن قال علمت فقد جَهِلَ ولقد وقف الكرملي عند هذه الخصيصة لدى أحمد باشا تيمور وهو يكتب ترجمة له نشرها في مجلة لغة العرب في عددها الثامن الصادر عام  1930، وأعاد محققو الرسائل هذه نشرها قائلا وكان إذا رأى منا فكرا اصوب من فكره، عدل للحال عما له ليتبع ما قلنا به، ولم نرَ فيه ما يشم منه المعاندة او المكابرة او المباهاة، او الإدعاء او الترفع او التكبر او التجبر، ص 28 من الكتاب آنف الذكر ومن ذلك قول تيمور في رسالته المؤرخة في 28 فبراير، شباط 1923 للكرملي أوافقك على أن الاختصاص أطيب من الأخصائي … وأشكرك على ما أفدتني به عن ياء التأكيد أما استعمال لاسيما بغير واو في أولها فقد كنت رأيته أنت أيضا في كلام الفصحاء المولدين غير أني كنت اتوقف فيه وأحمله على خطأ الناسخ حتى رأيت قولا لبعضهم بجوازه ذاكرا السيوطي في همع الهوامع المطبوع في مصر أوائل ص235.

 

مجلسه الاسبوعي

لقد أحب الأب انستاس ماري الكرملي، لغة العرب، وأنزلها منزلة سامية من نفسه تدل على ذلك مقالاته وكتبه، وما كان درسه للاهوت وعلوم الدين المسيحي مبعدة إياه عن هذا المجال فضلا على مجلسه الأسبوعي، الذي يعقده ضحى كل يوم جمعة، والذي كانت تدور فيه الأحاديث الثقافية واللغوية والنحوية وكان يرفع في المجلس لافتة تشير الى ضرورة عدم الحديث في أمور السياسة والدين، لأنه وجد الحديث فيهما مدعاة للتفرقة والاحتقان . وهو الذي كان يبحث عن نقاط الالتقاء والمشتركات، فكان مجلسه مقصدا لعِلية المثقفين والباحثين أمثال الدكتور مصطفى جواد وأحمد حامد الصراف ويوسف غنيمة وعبد الرزاق الحسني ومحمد رضا الشبيبي وروفائيل بطي والمؤرخ عباس العزاوي المحامي وغيرهم.

 

لغة العرب

ولد بطرس ميخائيل الماريني في بغداد، في الخامس من اب 1886 من أب لبناني الاصل هو جبرائيل يوسف عواد، وأم بغدادية اسمها مريم اوغسطين، وقد ذهب لدراسة العلوم الدينية في بلجيكا سنة  1887، وأمضى فيها سنتين لينتقل الى جامعة مونبليه في فرنسا لتلقي العلوم العالية في الفلسفة اللاهوتية حيث أمضى ست سنوات فيها ليرسم كاهنا باسم انستاس ماري الكرملي وليعود الى أرض العراق، متوليا إدارة المدرسة الكرملية في بغداد. وفي شهر رجب 1339 تموز 1911 أصدر مجلة ثقافية لغوية جامعة، أسماها لغة العرب عالج فيها المسائل اللغوية والتأريخية والاجتماعية والادبية، وكان هو صاحب امتيازها في حين كان مديرها المسؤول كاظم الدجيلي . وقد أحسنت مديرية الثقافة العامة، في وزارة الإعلام العراقية صنعا إذ كلفت عددا من المختصين بالإشراف على إعادة طبع المجلد الاول الذي ينسحب على المدة من 1 تموز 1911 وحتى  12من مايس 1912 وهم الأساتذة زكي الجابر والدكتور ابراهيم السامرائي وعبد الجبار داود البصري واشتمل على عشرة أعداد قرأته في شهر نيسان من عام 1988 ويبدو أن هذا المشروع توقف، كما توقف مشروع الدراسات المقارنة في حقل الاستشراق الذي تولاه الدكتور محسن جاسم الموسوي، وصدرت من هذه المجلة الاستشراق خمسة أجزاء ما عتمت أن توقفت، بسبب أحداث الخميس الثاني من آب1990  واحتلال الكويت، وفرض الحصار على العراق، في حين واصلت الجهات الثقافية في مصر، إعادة نشر مجلة ابوللو، التي تولى إصدارها الشاعر المصري، أحمد زكي أبو شادي مؤسس جماعة ابوللو الثقافية قبل مغادرته مصر نحو الولايات المتحدة الأمريكية، وليموت فيها عام 1955 وقد أطلعت على عدد منها مصورة عن النسخ الأصلية.

 

ألف مقالة

يوم كتبت عن محمد بهجة الأثري حديثا، قلت إن مخطوطه أكثر من مطبوعه، إذ ترك الكثير من المخطوطات من غير أن يتولى طبعه، وهذا الامر ينطبق كذلك على الكرملي، إذ يذكر الباحثون أنه ترك أكثر من ألف مقالة او دراسة مخطوطة، وهذا شيء يؤسف له فما جدوى الكتابة من غير النشر؟ فعملية التلقي والتوصيل تتألف من أقانيم ثلاثة، او اثفيات ثلاث كما قال العرب. الباث والمبثوث والمبثوث له، او الكتابة والمكتوب والمكتوب له، ولا تكتمل عملية الكتابة إلا بالنشر لذا ذهبت جهودهم أدراج الرياح بعد مفارقة الحياة. إذ غالبا لا يتولى الأبناء نشر بعض هذا المخطوطات، والقضية ستكون لدى الكرملي أكثر مأساوية كونه راهبا لم يخلف ذرية،  وليست لدينا هيئات متخصصة تتولى هذا المخطوط ونشر ما يستحق النشر. ومع ذلك فقد تولى الكرملي فضلا عما نشره في مجلة لغة العرب نشر بعض الكتب والتحقيقات منها:

النقود العربية وعلم النميات طبعته المطبعة العصرية في القاهرة 1939

نشوء اللغة العربية ونموها وإكتهالها طبعته المطبعة العصرية في القاهرة  1938

أغلاط اللغويين الاقدمين ـ بغداد  1932

كما تولى تحقيق أجزاء من بعض المخطوطات، منها الجزء الثامن من كتاب الإكليل لأبي محمد الحسن بن أحمد الهمداني، وقطعة صغيرة من معجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي سيحقق، إذ تولى تحقيقه كاملا ونشرته دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد، في العقد الثمانيني من القرن العشرين ؛ الدكتور مهدي المخزومي، والدكتور ابراهيم السامرائي رحمهما الله لكن أسفت، لاشتجار الخلاف بينهما حتى وصل الى الصحف.

 

كتابة اذن

ولقد قرأت في جريدة القادسية يوم 3 من نيسان  1988، مقالا للأستاذ الشيخ جلال الحنفي البغدادي رحمه الله في مسألة كتابة اذن بالنون لا بالألف، راجعا بهذا الترجيح الى رأي العلامة الكرملي قائلا ليقل قائلكم اذن بنون ظاهرة، ولا يقل اذا بألف عليها فتحتان . وذلك إن الوقوف على هذا الحرف إنما يكون بنون مسموعة، فإن كتبت بألف عليها فتحتان فوقف عليها وقف بألف وهذا ما يتأتى به من المعنى ما ليس بالمراد، والذين يكتبون ذلك بألف عليها فتحتان ينطقون اللفظ عند الوقوف عليه بالنون الساكنة.

لقد علمنا العلامة الكرملي أن نكتب اذن بالنون، آخذا بما استصوبه من طريقة كتابة بعض الأئمة الأقدمين، ممن كانوا يكتبون ذلك بالنون لا بالألف ذي الفتحتين أي بالتنوين، وكذلك لابد من إبراز النون وقفا ووصلا، في مثل:أن لا  يتعرض مصحح لمذهبي الإملائي في رسم الكلمة فإن هناك من يكتبها إلا وفي ذلك من مواقع الإشباه ما لا يخفى، وما دمت بدأت حديثي هذا عن الرسائل المتبادلة بين أحمد باشا تيمور، والاب انستاس ماري الكرملي فبودي أن اقدم بعد أن تحدثت عن الكرملي نبذة مختصرة عن أحمد باشا تيمور، هذه الشخصية الثقافية الباهرة مما قد لا يعرفه شباب أيامنا هذه فقد ولد سنة 1228 هـ  1871م وهو من عائلة ثرية شُغف بحب القراءة والكتابة، واقتناء المخطوطات النادرة حتى أصبحت مكتبته من كبرى المكتبات، وأكثرها احتيازا للمطبوع والمخطوط، وسميت بالخِزانة التيمورية وقد أهديت المكتبة الى الحكومة المصرية بعد وفاته وهو شقيق عائشة التيمورية التي كانت من رائدات النهضة العربية نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين الى جانب ماري الياس زخور زيادة التي عرفت باسم مي زيادة ومَلَك حفني ناصف الذي تولى أبوها حفني ناصف رئاسة الجامع الازهر، وأبو المفكر الذي طواه الموت سراعا وخلف لنا كتابا رائعا عن الديانة الموسوية؛ الدكتور عصام حفني ناصف. وأحمد باشا تيمور هو أبو القاص والروائي المصري المعروف المتوفى صيف عام  1973م محمود تيمور، وكان سبب موته مرض نجله الاديب كذلك محمد، وما أن أخبره الطبيب الفرنسي المعالج لنجله محمد، أن حالته ميؤوس منها حتى سقط الأب مغشيا عليه، فكان هذا الخبر سببا في موته ومكث ثلاثة أيام على هذه الحال وتوفي محمد بك وهو لم يدر بما حدث ولم يجرؤ أحد على إخباره بموت ابنه، وتوفي في الثاني من مايس، عن عمر يناهز الحادية والثمانين.

انتقل الاب انستاس ماري الكرملي رجل الدين المسيحي الناذر نفسه لخدمة لغة القرآن الكريم والذب عنها والمدافعة ؛ لغة العرب الى رحمة الله صباح الثلاثاء السابع من شهر كانون الثاني 1947 ليعيد لذاكرتنا جهود وكتابات المسيحيين الذين دعوا الى المحبة ونقاط الالتقاء والتوافق بين أصحاب الديانات السماوية الثلاث.

***

 

ختاما

وبعد عرضنا لبعض اللمحات من حياة الكرملي وسيرته المهنية والثقافية ومؤلفاته وإصداراته وماكتب عنه وقيل بحقه، نقول إن انستاس ماري الكرملي مازال في الذاكرة بالرغم من مرور كل هذه السنوات على وفاته، فهو رجل حين تقرأ عنه تحبه لعلمه وثقافته ومواقفه وطبائعه .

 

..............

الهوامش

(1) سالم الآلوسي، في ذكرى الاب الكرملي الراهب العلامة، سلسلة الكتب الحديثة 31، لمناسبة احتفال وزارة الثقافة والإعلام بذكرى مرور ثلاث وعشرين سنة على وفاة الكرملي، وزارة الثقافة والإعلام، مديرية الثقافة العامة، بغداد، 1970.

(2) حكمت رحماني، الرسائل المتبادلة بين شيخ العروبة أحمد زكي باشا والأب انستاس ماري الكرملي، بغداد، 1977 ..

(3)  د. ابراهيم السامرائي، الأب انستاس ماري الكرملي وآراؤه اللغوية، معهد البحوث والدراسات العربية، مطبعة المعرفة، 1969 .

(4)  سالم الآلوسي، في ذكرى الاب الكرملي الراهب العلامة

(5 حكمت رحماني، الرسائل المتبادلة بين شيخ العروبة أحمد زكي باشا والأب انستاس ماري الكرملي

(6)  د. ابراهيم السامرائي، الأب انستاس ماري الكرملي وآراؤه اللغوية.

(7 حكمت رحماني، الرسائل المتبادلة بين شيخ العروبة أحمد زكي باشا والأب انستاس ماري الكرملي .

(8) المصدر السابق، وفهارس خزائن دارالكتب والوثائق الوطنية، بغداد:

(9) كوثر جاسم، عرض لكتاب مزارات بغداد باللهجة العامية البغدادية والعربية الفصيحة، الكتاب جمع الأب انستاس ماري الكرملي، تحقيق د.باسم عبود الياسري، مراجعة وتقديم د. طالب البغدادي، نشر العرض في مجلة الموروث، وموقع ذاكرة بغداد 2012 .

(10) حكمت رحماني، الرسائل المتبادلة بين شيخ العروبة أحمد زكي باشا والأب انستاس ماري الكرملي .

(11) نبيل يونس دمان، ذكرى رحيل انستاس الكرملي، موقع بخديدا، 1 من شباط 2007.

(12) نبيل يونس دمان، رسائل تبادلناها حول العلامة انستاس الكرملي، موقع الناس، 30 من أيلول 2011 .

(13) شكيب كاظم، الأب انستاس الكرملي أشهر حراس لغة العرب، جريدة الزمان، صفحة ألف ياء، 20 من شباط 2013 .

 

المصادر

ـ سالم الآلوسي، في ذكرى الاب الكرملي الراهب العلامة، سلسلة الكتب الحديثة 31، لمناسبة احتفال وزارة الثقافة والإعلام بذكرى مرور ثلاث وعشرين سنة على وفاة الكرملي، وزارة الثقافة والإعلام، مديرية الثقافة العامة، بغداد، 1970.

ـ حكمت رحماني، الرسائل المتبادلة بين شيخ العروبة أحمد زكي باشا والأب انستاس ماري الكرملي، بغداد، 1977 ..

ـ د. ابراهيم السامرائي، الأب انستاس ماري الكرملي وآراؤه اللغوية، معهد البحوث والدراسات العربية، مطبعة المعرفة، 1969 .

ـ فهارس دارالكتب والوثائق الوطنية، بغداد .

ـ كوثر جاسم، عرض لكتاب مزارات بغداد باللهجة العامية البغدادية والعربية الفصيحة، الكتاب جمع الأب انستاس ماري الكرملي، تحقيق د.باسم عبود الياسري، مراجعة وتقديم د. طالب البغدادي، نشر العرض في مجلة الموروث، وموقع ذاكرة بغداد 2012 .

ـ نبيل يونس دمان، ذكرى رحيل انستاس الكرملي، موقع بخديدا، 1 من شباط 2007.

ـ نبيل يونس دمان، رسائل تبادلناها حول العلامة انستاس الكرملي، موقع الناس، 30 من أيلول 2011 .

ـ شكيب كاظم، الأب انستاس الكرملي أشهر حراس لغة العرب، جريدة الزمان، صفحة ألف ياء، 20 من شباط 2013 .

 

مصمص .. يا بلدي !!

shaker faredhasanمصمص بلدي ومسقط رأسي التي ولدت فيها وتعلمت حروف الأبجدية في مدرستها، وطفت في أزقتها واحيائها وشوارعها ولعبت "الطميمة" على بيادرها، وأكلت أرغفة الخبز من طوابينها والبيض من دجاجاتها، وشربت الماء من الجرار التي كانت النسوة يملأنها من عيونها وينابيعها: "عين القبو " و"عين الغنم" وقضيت الشبوبية مع أترابي . فكنا نحصد بالمناجل العشب والحشيش للمواشي وننصب الفخاخ لصيد "الزرعي" و"ديك السمن" في حقولها ورباها، ونبحث عن أعشاش الطيور بين أفنان أشجارها في مناطق "البساتين" و"العماير" وحبايل الغنام " و"الشنقارة" و"خلة الكامل" و"خلة العزونة"..!!

مصمص بلد الفلاحين والكادحين والعمال الذين كانوا يخرجون من بيوتهم في ساعات الصباح الباكر للعمل الأسود في تل أبيب ورمات غان واليازور، ويسافرون في باصات / تركات غير مكيفة وغير مريحة كان يقود احداها ابن القرية المرحوم سعود صادق عبد المالك، وكانوا ينامون ويبيتون في اماكن العمل على أوراق الاسمنت، وفي نهاية الأسبوع يعودون إلى بيوتهم وذويهم بسلالهم المحملة ب"خبز اليهود"، الذي كنا نشتهيه ونغمسه بالزبدة العربية الأصلية المصنوعة من حليب الشياه قبل أن تدخل "تنوفا" الوسط العربي..!!

مصمص قريتي الوادعة التي لم يكن فيها سوى سيارتين، يملكهما المرحوم حسين خليل (أبو جلال) والحاج كمال صالح (أبو رياض) ودكانين الأول للمرحوم ابراهيم محمد (أبو احمد) والثاني للمرحوم الحاج حسين محمود (أبو حاتم) . وكنا نحن الأطفال نشتري العلكة والبسكويت لذيذ الطعم، الذي كان يصنع ويوضع في صناديق قصدير، اما البوظة فكنا نشتريها من العم (أبو جمال) القادم من الناصرة على دراجته مقابل ربع أغورة او بيضة بلدية ..!!

مصمص بلد الأفراح والليالي الملاح التي كانت أعراسها مهرجانات ونموذجاً للتآخي والألفة والتعاضد والمحبة، وزفات عرسانها كانت تملأ الشوارع، ويضرب بها المثل في الجود والكرم وتقديم الحلويات والمشروبات والمرطبات والقهوة السادة للمشاركين في الفرح .. ولا تسل كيف كان أهلها وناسها يتعاونون في بناء دور السكن وتحضير جبلات الباطون بالأيدي والطواري والجزمات، وفي أيام الحصاد والدراس على البيادر ...!!

مصمص القلعة الثقافية وبلد العلم والمتعلمين، فمنها خرج المعلمون الأوائل طلعت صالح شرقاوي والمرحوم يوسف عبد الخالق، ومن رحمها بزغ الشعراء والأدباء والمتثاقفون والصحفيون وعشاق الكلمة وكتاب المقالة الأدبية والسياسية والصحفية والكلمة الزجلية والأهزوجة الشعبية، ومنهم: المرحوم الشيخ إبراهيم محمود شرقاوي، الذي كان يتمتع بصوت رخيم عذب، خصوصاُ في قراءة الموالد النبوية، والشاعر الشهيد راشد حسين، والأديب المرحوم طيب الذكر نواف عبد حسن، والمبدع أحمد حسين، صاحب "عنات" و"ترنيمة الرب المنتظر" و"الوجه والعجيزة" و"بالحزن أفرح من جديد" و"رسالة في الرفض "وغيرها، والقاص المغمور الراحل محمد طه حسن، الذي توقف عن الكتابة ولم يواصل المشوار الادبي وكان له مساهمات عدة في مجال كتابة القصة القصيرة نشرت في صحيفة "اليوم" المحتجبة، في ستينات القرن الماضي، وكاتب هذه السطور شاكر فريد حسن، إضافة الى رياض حسين اغبارية الذي كان يكتب زاوية أسبوعية في صحيفة "نداء الأسوار" العكية المتوقفة عن الصدور، ومحمود إبراهيم شرقاوي، صاحب الزجليات والأهازيج الشعبية والمقالات الاجتماعية التي نشر العديد منها في صحيفة "الاتحاد"، وأيضاً كمال حسين الذي صدر له ديوان شعر، ود. مسعود احمد اغبارية الذي يكتب المقال السياسي ونشر الكثير من المقالات في صحيفة "الفجر" المقدسية و"الصنارة" و"كل العرب" و"الاتحاد" و"حديث الناس" . وكذلك الصحفيون عبد الحكيم مفيد وحامد اغبارية وعادل فريد اغبارية وطه اغبارية والكاتب نبيل فتحي أبو شهاب والدكتور يوسف عبد الخفيظ، زد على ذلك الشاعر الصاعد رأفت جمال اغبارية والناشئ رشيد حاج عبد، وغيرهم من المساهمين في الكتابة الشعرية والادبية والسياسية والصحفية .

مصمص تلك البلدة التي ازدهرت فيها لجان العمل التطوعي والحركات الوطنية والتنظيمات السياسية كالحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية وأبناء البلد والحركة التقدمية والحركة الاسلامية، ولاحقاً التجمع الوطني الديمقراطي، وأسست للمشروع الوحدوي، وكانت تعج بالعمل التطوعي والنشاط السياسي المثقف، وشهدت معارك سياسية انتخابية ساحنة للسلطة المحلية .

حقاً .. انها أيام جميلة لا تنسى وحياة بسيطة كخبز وأكواخ الفقراء، بينما اليوم أصبحنا مستهلكين وأسرى لثقافة استهلاكية متعولمة، وأخذ الوعي السياسي يتراجع وينحسر، والقيم الجماعية في خبر كان، وأصبح الناس يركضون ويلهثون وراء المادة والمال، ومهووسين بالمظاهر الزائفة الكاذبة، والمراءاة والتفاخر والتنافس فيما بينهم . وتسربت بين الشباب مظاهر سلبية مرفوضة كالسياقة بتهور وارتياد مقاهي لبنرجيلة ورفع صوت المسجل في الشوارع، وانعدمت الثقافة رغم كثرة المعلمين والمتعلمين وبتنا مجتمعاً بلا مثقفين .. فهل يعيد التاريخ نفسه من جديد ..؟ انه حلم بعيد المنال ..!

 

من أدب أعوام الحصار

adnan aldhahirمعروفة أعوام الحصار المضروب والمفروض على العراق خلال تسعينيات القرن الماضي وأوائل سنيّ القرن الحالي حتى الغزو وسقوط صدام حسين ونظام حكمه في التاسع من شهر نيسان 2003 .

عانى العراقيون جرّاء هذا الحصار ما عانوا حتى سمعنا بالأعاجيب وما هو أكثر غرابةً من أكبر الغرائب. لست بصدد التعرّض لتفاصيل تلك الأعاجيب فقد باتت معروفة لكني وددتُ أنْ أؤرّخَ لجانب منها من خلال ما كان يصلني من رسائل وما جمعتُ من رسائل وصلت إلى بعض المعارف والأصدقاء العراقيين تُفصحُ عمّا هم فيه من ضيق وحاجة وعوز وما يطلبون من نقود وملابس وأدوية . أعرض هنا خُلاصات للبعض من هذه الرسائل التي تسرّبتْ إلى خارج العراق خلال الأعوام 1991 ـ 1996 . سأتحفّظ على ذِكر الإسماء لأنَّ أصحابها (أو بعضهم) ما زالوا على قيد الحياة. كما سأكتب هذه الرسائل بلغتها وبكلماتها كما جاءت دون أنْ أتدخّل إلتزاماً بمبدأ الأمانة وأحترام ذكرى الغائبين أمواتاً وأحياءً .. علماً أنها في المتوسط لغة جيدة في العرض والتعبير والقواعد.

الجزء الأول

الرسالة الأولى /

بسم الله الرحمن الرحيم

السبت 28/12/1991

أخي ..

تحياتنا وأشواقنا راجياً لكم دوام الصحّة .. صحتنا جيدة لله الحمد.

لم أذهبِ إلى (...) منذ مدّة تزيدُ على خمسة أشهر لعدم وجود سيارة عندي حيث بعتها لأكمل بناء المُشتمل المُرفق بالبيت واستقرضتُ مبلغاً آخرَ وعلى كل فقد أكملتُ بناءه وتسجيله في دائرة العقاري (الطابو).

أرسلُ لك مع رسالتي هذه تصويرين حسب طلبك ولو أنها قديمة ولكنها تفي بالغرض.

لم يتسنَ لي إبداء شُكري وتقديري لك على الهدايا المرسلة مع الأخ (...) وبالمناسبة إنَّ القاط كان خالياً من حذائه لستُ أدري هل نسيته أم تناسيته فهل تعتقد بأنه سأكون أفندي حافي أو تريدني أفندي (مِن صُدُك)؟ فلا بأس إنْ وصلني منك حذاء جوزي قبغلي نمرة 43 حتى يكتمل الشمل ويدعو لك بطول العمر.

وختاماً تقبّلْ أحر الأشواق والأمنيات لك وللعائلة الكريمة واسلمْ.

أخوك / توقيع

 

رسالة أخرى

بسم الله الرحمن الرحيم

الإثنين 11/5/1992

أخي العزيز

قبلاتنا وأشواقنا ونرجو لك الصحة التامة .. صحتنا جميعاً والعائلة والأهل جيدة.

في إحدى المناسبات جلس جنبي (...) فكانت ذكرياته معك ومع بعض الأصدقاء وخصَّ منهم دكتور (...) وطلب مني إبلاغك سلامهما وتحياتهما فأليك ما طلب مني مع الممنونية.

أخي ـ

ولدنا (...) في حاجة إلى بعض المساعدة فهلاّ أسديتها له وأكون شاكراً لصنيعكم وممتنّاً له ويكونُ فضل كبير في عُنقي حيث أنه يحتاج إلى تبديل جواز سفره وتأشير دفتر خدمته (فحص سنوي) وهذا يحتاج أيضاً إلى الحصول على ورقة عمل من السفارة مقابل ثمن بالعملة الأردنية 500 ديناراً تقريباً.

أنا لا أستطيع مساعدته بأي حال من الأحوال لظروفنا المادية والمعاشية الصعبة جداً جداً وأعتقد أنك تسمع بذلك.

أرجو أنْ لا تقطع الرسائل وإذا كان بالإمكان الإتصال بنا تلفونياً لسماع صوتك فلا تبخلْ علينا بذلك.

توقيع.

 

رسالة أخرى

بسم الله الرحمن الرحيم

الجمعة 31/7/1992

أخي العزيز

أشواقنا جميعاً فرداً فرداً وبلا إستثناء .. نحنُ بخير ...

إستلمتُ رسالتيك مرة واحدة في الأسبوع الماضي وأعتذر أنَّ (...) أعاد إليك الحذاء الذي أرسلتَ لي عن طريقه لأنه لا يستطيع دفع الأجور الكمركية. وعلى كلٍّ فمَثَلنا الآن هو (أنْ تسمع بالمعيدي خير من أنْ تراه) فلنظلَّ في الإنتظار والترقب لذلك (المشحوف / يقصد الحذاء) العتيد علّنا نحظى به ويحظى بنا وبورك بك يالمركوب (الحذاء) الجديد السوجري (يقصد الإنكليزي فلقد كنتُ حينذاك في بريطانيا) !

شُكراً لوصاياك (السكّرية) ولو أني ملتزمٌ بها أشد الألتزام منذ عام 1983 ولكن بعض الأحيان أكون ضعيفاً تجاه بعض (المواجيل) وانزل دايف (دايف كلمة إنكليزية لها علاقة بالسباحة) حسب الأصول كما إني أهملتُ مدة طويلة إجراء الفحوص اللازمة وفجأةً اكتشفتُ تردّي صحتي فراجعتُ الطبيب الإختصاصي والتزمتُ بالحمية والآن حافظتُ على وزني 70 كلغم ونسبة السكّر قبل الفطور ما بين 100 ـ 110 وبعد الأكل تتراوح بين 140 ـ 200 وهي نسبة جيّدة ومع ذلك فإني مُلتزم بالرجيم وسأحافظ عليه إنشاء الله .

شكراً للهديّة وشُكراً لموقفك النبيل من (...) وهذا هو عهدي بك.

أكرر السلامات والتحيات من الجميع واسلمْ.

توقيع

ملاحظة: ما كانت زمن كتابة هذه الرسالة من عام 1992 ... ما كانت هناك أزمة وضائقة ونتائج الحصار لم تظهرْ بعدُ لذا كان مزاج كاتب هذه الرسالة رائقاً ممازحاً  يسوق النكات والطرائف . لكن بعد حين ستظهر نتائج الكارثة على غالبية العراقيين ومن خلال ما سأنشر من رسائل.

رسالة أخرى  

بسم الله الرحمن الرحيم

بغداد

الجمعة 24/12/1993

أخي العزيز

تحيات الجميع فرداً فرداً لكم جميعاً وأيضاً فرداً فرداً مع أطيب التمنيات .... وتساقط الثلج والبرد القارص.

إستلمنا بريدكم الحلو مع ما فيه ولكم ألف شكر ولا أقول ولو جاء متأخراً بعض الشئ ولا أريدك تنادي كما يغني مُغني البادية في شعره السويحلي:

يا ذيبْ ليش اتعوي

حالكْ مثل حالي !!

فهلاّ من قطعة شعرية تصف الحالة ولكنها شرطَ أنْ تكون تفاؤليّة تُدعّم المعنويات وتترس الجيوب الخاوية الهاوية على عروشها !!

أخي: ليست الحاجة إلى الحذاء فقط ولا إلى الدواء فحسب فالحاجة أكبر وأكبر ! وعلى كلٍّ أُكرر الشُكر والثناء على هذا الشعور الأخوي ويا ليت تبعث ما تستطيع من مواد (أيّة) مواد مع طارش وإنْ تعذّرَ ذلك الطارش فما خفَّ حمله وغلا ثمنه كما يُقالُ وأنت سيّد العارفين بقولي هذا .

ملاحظة: الفرق واضح بين وضعية ونفسية ومضمون هذه الرسالة والرسالة التي سبقتها فهي تعكس تدهور الأوضاع المعاشية للعراقين بعد مرور عام واحد وأكثر بقليل.

الرسالة الثالثة

بسم الله الرحمن الرحيم

الأحد 13/3/1994

أخي العزيز

إلحاقاً لرسالتي المرفقة أودُ أنْ أُبيّن ما يلي:

1 وصلني بريد (...) ومعه إستيضاحاتك التي سبقَ وأنْ أجبتُ عليها في تلك الرسالة التي كتبتها قبل إطلاّعي على الرسالة

2 تمّ الإتصال مع الأخ (...) أيضاً هذا اليوم وقرأتُ له مقطع الرسالة الخاص به حول التايرات والمركوب [ يقصد الحذاء ] ... والإجابة في الرسالة الأخرى..

3 وصل كلُّ ما أرسلته من الأول وإلى الآخر وحتى طرد الملابس فأرجو أنْ تطمئنَّ على ذلك ..

4 قصيدتك الرمزية حلوة ولكنْ الذئاب تعوي ليلاً ونهاراً تسرح وتمرح ... وتعوي .... إرجعْ إلى الماضي فالذئاب موجودة ولم تزلْ لماذا؟ من المسؤول ... هل التاريخ وحده أم الناس ! ولماذا الناس؟! مَنْ غَلبهم إلى هذا الحد الذي وصلوا إليه؟! هل التبلّد أم هل المادة التي فتحت ولم تزلْ قرائحهم و... و.... وعلى أية حال لا يزال الإيمان بكل شئ وفي كل شئ هو المحور المُعوَّل عليه لقلع الأسنان وعودة ليلى إلى حبيبها ... واسلم .

5 الطرد الأول وصلَ بسرعة فائقة و(...) يوصيك به خيراً: جينز رقم 32 أبو النعلجة .

توقيع

الرسالة الرابعة

بسم الله الرحمن الرحيم

بغداد الثلاثاء 9/4/1996

أخي العزيز

سلامٌ عطر وتحية وشوق وأرجو لكم دوام الصحّة

صحّتنا لله الحمد وأمورنا على الماشي (أبراضة امشي براضة) كما تقول الأغنية ...

أخي ـ شُكراً لطردكم الأخير وتمَّ استلامه وفيه ما تشتهي الأنفسُ وتلذ خاصةً الأسود والجوزي !! ولستُ أدري كيف خطر ببالك أنْ ترسلَ لي جاكيت أخضر وأنا لستُ من لابسي هذه الألوان ! وعلى كلٍّ تربّصَ له (...) / ضرّتي حالياً وأبدله مع بلوز ست (...) وهكذا كشخ به مع الحذاء الأسود وفانيلتين مع ... على كل شُكراً وألف شكر لكل ما أرسلته وأريدُ أنْ أُذكّركَ والذكرى تنفع المؤمنين أليس ل (...) نصيب؟! آملُ أنْ يكونَ من لندن إنْ شاءَ الله. وقد استلم (...) حصّته كاملة وحسب الورقة المُرفقة بالطرد تفصيليّاً .

آمل أنْ تتصلَ بنا تلفونيّاً من لندن إنْ استطعتَ وكذلك آملُ أنْ لا تنقطع رسائلك عنّا .

أُكرر أنه تمَّ استلام جميع ما في الطرد وحسب الورقة المُرفقة معه .

توقيع

تعقيبات: كاتب هذه الرسائل رجل قوي الشخصية ثابت الجنان لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية ساهمتا في تشكيل وتكوين بنائه النفسي المتوازن الذي جمع فيه الثبات والصمود وتحمّل المصائب مع السخرية مما كانوا فيه زمان الحروب والحصار والعوز والجوع ثم روح النكتة . أسلوبه اللغوي متين ولغته سليمة .

نلاحظ حرصه على إبتداء رسائله بالبسملة ! يطلب العون من قوى خارج ذاته يحسبها تساعده وتقف معه وتشد أزره !

 

الجزء الثاني

مجموعة أخرى من رسائل أعوام الحصار كتبها أشخاص آخرون نرى في بعضها ظاهرات مختلفة حيث ارتجاج الثقة بالنفس والضعف أمام الحصار والمرض والجوع ثم الإلحاح في طلب المساعدات والأدوية والمزيد من النقود . لم يذكرْ كاتب هذه الرسائل السنين بل إكتفى بكتابة تاريخ اليوم والشهر. إستغرقت هذه الرسائل الأعوام 1992 ـ 2000 وإنها لا تبدأ بالبسملة .

الرسالة الأولى

24/6

أخي الورد

تحية حب واحترام وتقدير. سؤالنا عنكم وعن أحوالكم .

عزيزي: للمرة الثانية أكتب لكم بناءً على طلبكم حيث كتبتُ لكم رسالة في الأسبوع الماضي ولعلها الآن بين أياديكم ... أكتب لكم ثانيةً وأقولُ لكم إنًّ صحّتي جيدة جداً ولله الحمد وإني أخرجُ من البيت إمّا ماشياً  على الأرجل (أضرب قدم) وإما بالسيارة إذا دعت الحاجة إلى ذلك فأرجوك أنْ لا تقلق وأول أمس كنتُ في ضيافة (...) وكان الغداءُ عال العال.

أخي:

أُكرر لك الشُكر والتقدير للمرة الثالثة وإني على إستعداد لتقديمه إليكم رابعاً وخامساً .... إلخ .

عزيزي

أرجوك لا تفكّرْ بموضوع الحذاء حيث أني لا أحتاجه في الوقت الحاضر وبالمناسبة فقد تسلّمتُ البلوز وكان الإرسالُ في محله حيث أنَّ بلوزاتي قديمة (ما ينطلع بيها) وألبسها مع الدشداشة في البيت . وكذلك وصلت القُمصان لكن عندي منها الكثير الكثيرعدا الفانيلة أُم الرقبة فهي هدية جميلة ومحترمة ولا بأس من زوج أخر منها وفَرِد !

توقيع

رسالة أخرى

11/6

أخي الورد

منذُ مدة طويلة لم أكتب لك وحان الوقتُ لأنْ أُحرر لك هذه الرسالة مبتدئاً بالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته سائلاً عن صحتك والعائلة شاكراً لك ما قدّمتَ وأخّرتَ ومن باب الإعتراف بالجميل فأنتَ أخ الرجولة ومُفرّج الكربات وقت الشدائد التي ستزول إنشاء الله ولكنْ يبقى الفضلُ ثابتاً في الجِنان وكل ما وصلنا منك كان في محله حيثُ رممتُ السيّارة ـ إلاّ الباتري ـ لغلاء سعره وكذلك صلّحنا المُجمّدة إلاّ الثلاّجة ... المهم لك منّا الشكر والإمتنان.

أخي

قبل العيد بثلاثة أيام وصلنا إشعار من دائرة الطرود ف (عضّت دشداشتي بسنوني) وذهبتُ مُسرعاً وبعد إجراء المراسيم الكمركية أخذتُ الطرد ورجعتُ إلى البيت و(ذبيتْ زَرِك) في الكارتون لعلّي أجد الموعود ولكنْ لم أجدْ الحذاء ... المهم ... وزّعتُ المحتويات حسب توزيعك لها . وفي اليوم التالي وصلني البلوز الصوف فكان فرحنا في العيد فرحتين .

الآن يحقُّ لي أنْ أسأل عن (...) و(...) وعن صحتهما ودراستهما وكذلك عن السيدة (...) . أما الفانيلة أُم الرقبة فكانت من نصيب (...) وفرحت بها فرحاً شديداً وهي تهديك تحياتها ونجحت إلى الصف الثاني متوسط.

من المفيد أنْ أُقدّمَ لك عذري عن رداءة الخط حيث إني تركتُ الكتابة منذ عقود من الزمن ولا أحتاج القلم إلاّ مرّةً واحدة كل ثلاثة أشهر للتوقيع على قائمة الراتب.

أخي: أمس كان موعد خطوبة (...) وكان الواجب يقضي أنْ أحضرَ حسب طلب والدتها لكنَّ الحرَّ كان حائلاً دون ذلك ... المهم أنهم بحالة جيّدة .

أخوك / توقيع

 

رسالة أخرى

27/5

أخي الأعز

تحية حب واحترام وكل يوم تزداد إليكم الأشواق وسماع الأخبار إذْ بعثتُ لكم قبل هذا أربع رسائل ولكن لم يردني منكم أيُّ جواب حتى أنك لم ترسلْ لنا بطاقة معايدة والآن أقولُ لكم أسعد اللهُ أيامكم وأعاد عليكم العيد وأنتم بأحسن حال وأوفر صحةً .

صحّتي كما هي إذْ أقومُ كل يوم 26 من الشهر بالفحوص الدورية عند اللجان الإستشارية وعلى النحو التالي:

100 دينار أجور فحص العين

450 ديناراً شراء القطرة

50 ديناراً فحص الضغط

275 ديناراً حبوب الضغط

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المجموع: 875 ديناراً مع العلم أنَّ كل هذا يجري في المستشفيات الحكومية ولو جرى ذلك في الخارج لكان المبلغ مضروباً في 10 أو أكثر.

أما بخصوص الطرد فقد وصلنا وفرحنا به بما احتواه ودفعنا عليه الكمارك والمهم هو القمصان فكلها كبيرة

(L)

ونصف ردن أظنّكَ نسيتَ أني لا ألبس مثل هذه القمصان بل ألبس قميص ردن ومتوسط

(M)

خالص الدعاء لكم بالموفقية وكمال الصحة .

توقيع

 

رسالة أخرى

4/11 الجمعة مساءً

أخي الورد

تحية حب وحنان ... سُررنا لتحسّن صحتك أما ركوب الدرّاجة فيمكن حالياً الإستعاضة عنها بدراجة 3 عجلات ....

يوم الأربعاء 1/11 زارتنا (...) و(...) وبعد تناول العشاء رغبن الكتابة إليك فلم أُمانع وصباح اليوم بعثتُ بالرسالتين مشفوعتين برسالة منّي وما أنْ رجعتُ إلى البيت وجدتُ ساعي البريد يحمل إلينا رسالتك المؤرّخة 26/10 فكررنا الشكر لله على تحسّن صحّتك ودعونا لك بدوام العافية كما سُررنا بالتصاوير فشكراً لك على هذه الهدية الغالية.

تسألُ كيف أقضي الوقت؟ فأذكّركَ بالحكمة القائلة (الما عندة شغل يلعب ....) كما أنه لطول ما أجلس  ... فركسن وعندما أشعر بالملل أخرج للتجوّل في المنطقة إو إلى الكاظمية أو إلى أي مكان.

اليوم زارنا آل (...) وتناولنا طعام الغداء سويّةً على شرف سلامتك وجل أحاديثنا كانت تدور حول ذكركم وكانت الوجبة الرئيسة من الطعام طيراً يُسمّى بَشّةْ مع الدولمة وعند المساء خرج الجميع ومعهم (...) لمشاهدة إحدى التمثيليات في مسرح 14 رمضان.

أما فيما يخص القرطاسية فإنَّ وزارة التربية قد تكفّلت بتجهيز كافة الطلبة بالكتب والقرطاسية ... أما الطلب إليك بإرسال قرطاسية فهو من باب (الطِلِب) ليس إلاّ فلا تقلق.

بالمناسبة ... أرجو أنْ لا تنزعج فأسألُ إذا كان بالإمكان مساعدة (...) بالحصول له على قبول للتوسع في دراسة إختصاصه (الإحصاء والحاسبات) حيث أنه تخرّج هذا العام من الجامعة وهو يرغب مواصلة الدراسة بعد أداء الخدمة العسكرية.

يوم الجمعة القادم ستتم خطوبة (...) على إبنة عمّته وقد طلبوا منّا المشاركة ... ومن الجدير بالذكر أنَّ (...) إبن المرحومة (...) شاب لطيف وذكي وهو في المرحلة الرابعة بكلية الطب.

بمناسبة زحف البرد عندكم فنحنُ ومنذ أربعة أيام والأمطار لم تكف عنّا وأول أمس قمنا بفرش أرضية الدار لإتقاء البرد كذلك قمنا بشراء كمية كافية من النفط للصوبات فأهلاً وسهلاً بالشتاء وعندنا له ملابس تقينا من ضرره.

 

رسالة أخرى

2/10

الحمدُ لله في علاه ... الحمدُ لله على السلامة

أخي:

تحية وأشواقاً حمدنا الله عزَّ وجلَّ كثيراً حيث أول أمس وصلتنا رسالتك المؤرّخة في 21/9 وكانت تحمل بين طيّاتها الكثير والكثير ولكن الأهم هو سلامتك وأوصيك بالإبتعاد عن أكل الدهنيات.

حالَ تسلّمي رسالتك إتصلتُ بالحاجة (...) وأخبرتها بأنك أرسلتَ وصل إرسال الطرد فأجابت بأنهم استلموا الطرد لذا أرجو أنْ لا تقلق ولا تراجع دوائر البريد فالطرد المرسل إلى (...) وصلَ.  وكما أخبرتك سابقاً وفي أحد الطرود كان لي بلوز وكذلك الطرد المرسل لي إستلمته في حينه. أُكرر بأنَّ كل الطرود وصلت ولم يعُدْ هناك مجال للشك والإنكار.

أمّا بخصوص (...) فقد اشترينا لها حذاءً وشحّاطة وقرطاسية كافية أما طلبها حذاء الرياضة فلإرتفاع سعره في بغداد إذْ يناهز الألفي ديناراً.

توقيع

 

رسالة أخرى

12/11

أخي

تحية حب واحترام

أرجو أنْ تكونَ بخير وصحة ممتازة راجين لكم الموفقية وهدوء البال.

إننا بخير ولله الحمد وقد داهمنا البردُ بدون سابق إنذار مما اضطرني إلى إرتداء الملابس الشتوية بدون كوي.

أعتقدُ هذه الرسالة السادسة ولم يصلنا منك سوى رسالة واحدة .

أخي

سبقَ وأنْ كتبت لك الست (...) تطلبُ نوعاً من الدواء إسمه فلدين وأنا لا زلتُ أراجع لإستلام حصّتي من الدواء ، أما القطرة فأجد صعوبة للحصول عليها وهي خاصة للحساسية المهم إني أُراجع بانتظام فلا تقلق والله هو المُشافي والمُعافي .

الآن الساعة العاشرة مساءً و(...) و(...) تأكلان البرتقال وتدعوان لك بالعز والرخاء.

الجميع بخير يزفون لك السلام والتحيات.

أخوك / توقيع.

 

الجزء الثالث

رسالتان من سيّدتين في العراق لقريب لهما مقيم خارج العراق.

الرسالة الأولى

بغداد ـ الرصافة

1/11/1994

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ العزيز أبو ...

تحياتنا وأشواقنا جميعاً نهديها إليكم عسى أنْ تكونوا بصحة وعافية ونحمد الله على سلامتك من العملية .... لقد سبق لي أنْ أجريتُ عملية إستئصال حصوة في المرارة.

لقد مرّت علينا سنوات طويلة عِجاف ضقنا فيها المرارة والألم.

لقد تقاعدتُ عن الوظيفة لمدة أربع سنوات ولسوء الحالة الماديّة رجعتُ إلى الوظيفة رغم أنَّ الراتب لا يكفي مصرف يومين فقط.

توقيع / أم ...

الرسالة الثانية من سيدة لأحد أقاربها

أخي العزيز أبو ...

تحية عطرة وأشواق حارة أبعثها إليكم من أعماق قلبي المشتاق لرؤيتكم عسى أنْ تكونوا بخير وسالمين دوماً.

صحتنا جيّدة ولكن الشئ الذي يؤلمني ولا يُريحني هو ما نمرُّ به من ظروف معاشية جداً قاسية حيث أنَّ ولدنا (...) لا يداوم إلاّ يومين في الأسبوع وذلك لقلّة المواصلات بيننا وبين بغداد إضافةً لمعاناة الطريق أما ولدنا الآخر (...) فهو جندي وإنشاء الله ستنتهي هذه المعاناة والمرارة التي أُلاقيها بسبب الحصار وتعود الحياة والأيام لطبيعتها.

ملاحظة:

(المال مالُ الله والصخي حبيب الله والله يُجزي المُحسنين)

توقيع

تعقيب مني: هذه جملة شهيرة في العراق يستعطي الشحّاذون بها مستدرّين شفقة وإحسان المارّة في الشوارع والطُرُقات في العراق.

يسخرون ... يسخر العراقيون رغم الجوع والحصار وظلم وقسوة النظام الحاكم يومذاك. روح السخرية متأصلة فيهم لكثرة ما نالهم من أذى وحيف وتقتيل على مدى قرون وقرون فهانت الحياة في عيونهم ولم يبقَ أمامهم إلاّ السخرية والضحك الدامع.

لا أعرف ما حلّ بمراسلات الفترة الممتدة بين 1996 حتى إلى التاسع من نيسان 2003 يوم وعام سقوط نظام الطاغية الدموي الفاشي المجنون ! لم يصلني شئ منها ولم يزودني الأصدقاء بها.

 

عدنان الظاهر

 تشرين الأول (أكتوبر) 2013

 

معالم بغداد الثقافية (3): فرقة المسرح الفني الحديث ومعلمها الخالد "مسرح بغداد"

jawadkadom gloomيكاد يجمع اغلب المهتمين بالثقافة والفن بان المسرح يعدّ من اهم الفنون رقيا وسموّا والتصاقا بالمجتمعات فمن يملك مسرحا متطورا يملك شعبا واعيا مثقفا مدركا لحقوقه وواجباته ويعرف مسار تقدمه الصحيح والسليم، ولنعد الى التاريخ قليلا ونرى كيف ازدهر الفكر الاغريقي واتسع عقل الانسان وحلّق  بعيدا في ميادين الفلسفة والرياضيات والآداب والعلوم البحتة والطبّ، كل هذا النموّ المذهل يكمن في ان احد اسباب صعوده هو المسرح الذي كان احد معلّمي الاغريق وهو الحافز على النموّ والتطور العقلي وأحد ادوات التنوير، فمن لايمتلك مسرحا راقيا تضيق به مدارج التحضر ويقع في هوّة التخلف والجهل، ومازلت اتذكر مقولة آرثر ميلر حين تقدّم منه احد الصحافيين على بوابة مسرح البوردواي وسأله عن حال الشعوب التي لاتأبه بالمسرح فردّ عليه قائلا :ان القدَر اذا اراد ان يؤذي قوما ويطيح بهم حرمهم من المسرح

لكننا ونحن العاقّون بشأن معالمنا الثقافية المبهرة التي كانت يوما ما مقصد الباحثين عن المتعة والفائدة وبثّ البهجة في النفس قد أسأنا كثيرا لأرثِنا المسرحي، فهل يعقل ان مسرحا باهرا مثل مسرح بغداد الذي يقبع في وسط بغداد وفي شارع السعدون بالذات يكون مكبّا للنفايات ومأوى للحيوانات الشاردة السائبة ومرتعا للسكارى والهائمين والبائلين في الخرائب؟؟؛ أيعقل ان تكون ابهى الامكنة الراقية خرائب مهملة يتقزز منها المارّة ويحيدون النظر عن مشاهدها المحزنة المبكية، أنظل نقتات على ذاكرتنا العراقية الضائعة ويتلاعب بها الاهمال والنسيان ونحن ساكتون نعتصر أسىً ونضرب كفّا بكفّ ؟؟ مئات المرات سألنا المعنيين : لماذا لايتم تأهيل هذا المسرح واعادة ترميمه وتصفية المشاكل والمعوقات مع مالك العقار، ألسنا نحتفي في هذه السنة ببغداد عاصمة للثقافة العربية خاصةً وان البناء الخاص بالمسرح لايحتاج كثيرا الى عناية مفرطة بل الامر يستدعي حملة واسعة لتنظيفه وإدامته واجراء صيانة ليست كبيرة وتسوية الخلافات القائمة مع مالك العقار وحبذا لو يتم استملاكه ليكون صرحا ثقافيا مقصدا للزائرين اذا تعذر اعادة نشاطه المسرحي

207-hawad1كان الرومان اذا بنوا وخططوا لأعمار مدينة ما ؛ يشمّر مهندسوهم عن سواعدهم ويعزمون على تشييد المسرح اولا وقبل أيّ مرفق آخر وكان موقع المسرح يشيد أول الامر بالخشب لسهولة نقله من موقع الى اخر وبعد ثبات المدن الرومانية واستقرارها عملوا على بنائه بالحجر وصمم دائريا بمدرجات يستطيع المتلقي اينما قعد ان يتابع الممثلين بحركاتهم واقوالهم وانفعالاتهم ومدى تجسيدهم للشخصيات التي يمثلونها فكيف بنا ونحن نمتلك مثل هذه المسارح الجاهزة البناء ونعمل على هدمها  لتصبح اطلالا مهملة وآثارا منسية؟!

لاننكر ان وزارة الثقافة بالتعاون مع منتدى المسرح قد استضافت مؤخرا الاستاذ يوسف العاني وتحدث على مدى ساعتين عن ذكرياته مع فرقة المسرح الحديث وأثار المواجع وفتق الجراح وعرض بإسهاب مايعانيه مسرح بغداد اليوم والثقافة عموما من تهميش واضح بسبب الرؤى السياسية العقيمة وموقف البعض من ساستنا ومسؤولينا بشأن الفن عموما  والمسرح خاصة باعتباره من "المحرمات" وانه يشغل الناس عن العبادات وضرورة صرف الوقت في طاعة الله وما الى ذلك من الكلام السقيم والمبررات الواهية التي هدفها التهرّب من المسؤوليات بذرائع دينية لم تثبت صحّتها اطلاقا ومعظمها قائمة على المزاج والهوى والتخرصات الضيقة الافق وما ان انتهت المحاضرة قال بالنص ( اذا اراد المسؤولون تكريمي حقا عليهم اولا وقبل كل شيء ان يعيدوا مسرح بغداد وهذا كل ما اطلب)، لكن شيئا من هذه المطالب لم يتم ولم تتخذ اية اجراءات بشأن تأهيله

لانريد هنا ان نستعرض تاريخ فرقة المسرح الفني الحديث منذ تأسيسها في الثالث من نيسان/1952 على يد الاستاذ الكبير الفنان ابراهيم جلال رئيسا لها والفنان يوسف العاني سكرتيرا فهي من دفعت المسرح العراقي للارتقاء وجعلته في مصاف المسارح العربية الراقية وذاع صيته في كل الدول العربية وزارها عمالقة الفن المسرحي امثال السيدة فيروز بصحبة الاخوين رحباني والممثلة القديرة امينة رزق وسناء جميل والكاتب المسرحي السوري اللامع سعد الله ونوس ناهيك عن مسرحيينا الكبار الذين اعتلوا خشبته وقدّموا ابهى العروض التي لاتزال شاخصة في اذهاننا امثال خليل شوقي وزينب وناهدة الرماح وآزادوهي صاموئيل وسامي عبد الحميد وعبد الجبار عباس وفاضل خليل وفاروق فياض ومي شوقي واحلام عرب وقاسم محمد/ مخرجا وممثلا وغيرهم الكثير مما لايسعنا ذكرهم في هذه المقالة القصيرة ويكفي الفرقة فخرا انها قد مثّلت بلاد الرافدين بعراقته وإرثه الزاخر وأخذت تقدّم عروضها في لندن وباريس وبعض العواصم الاوربية وعرّفت العالم بالمسرح العراقي الثابت الخطى وكان له الفضل الاكبر في نقل المسرح من لغته التبسيطية في معالجة حكايا تراثنا الى وضع اللمسات الفنية الحديثة والثريّة من اجل نموّ مسرح عراقي ناضج الملامح يرقى الى مصاف المسارح العتيدة فلم يكتفِ بمعالجة اوضاع مجتمعنا حصرا بل اتسعت نشاطاته وعمل على تعريب وتعريق كبار المسرحيات العالمية الخالدة اذ رأينا على خشبته معظم مسرحيات بريخت وأبسن ووليم شكسبير وموليير اضافة لعشرات المسرحيات العراقية التي خلّدها في ذاكرتنا العراقية مثل النخلة والجيران وبغداد الازل بين الجد والهزل والملا عبود الكرخي والخان والبيك والسائق وغيفارا عاد وكثير غيرها وربما تربو عددها على الثمانين مسرحية طوال مدة نشاط تلك الفرقة اذ كانت انموذجا للمسرح الاصيل المعبّر عن أحلام وتطلعات الناس وآمالهم التي ينشدونها وقد تخرج من صفوفها خيرة المسرحيين العراقيين يوم كانوا شبابا خلال سنيّ الستينات والسبعينات والذين مازالوا بين ظهرانينا كالأستاذ عقيل مهدي ومقداد عبد الرضا وجواد الاسدي ورياض شهيد وفاضل خليل وعواطف واقبال نعيم و....و.

ولشد مايثير اعجابنا ان كثيرا من المناشدات لانقاذ مسرحنا هذا قد ذهبت ادراج الرياح فلا احد يصغي لمطالبنا المشروعة فهذا كبيرنا سامي عبد الحميد كتب كثيرا وقابل العديد من المسؤولين في وزارة الثقافة والعاملين المتنفذين في منتدى المسرح وتساءل مرارا: لماذا هذا الاهمال المقصود ونحن نعيش سنة اعتبار بغداد عاصمة للثقافة هذا العام؟؟ . وانضم السيد فاضل خليل اليه وقاما بحملات تهدف الى اعادة الحياة اليه وساهمت صحافتنا في تلك الحملة لكن لم تظهر اية بوادر للتحرك سوى الجلسات على المقاعد الوثيرة التي لاتغني ولاتثمر ونصيح ملء افواهنا وكأننا ننفخ في قِربة منخورة ويبدو ان هناك من يتعمد تعطيل وتسويف تأهيله بشكل مقصود ليبقى المسرح خربة ووكرا للنفايات لتحطيم معالمنا الجميلة وتدمير حتى نفوسنا التي تهفو الى ذلك اليوم الذي تمتد اليه ايادي الاعمار فنعلق بآمال كاذبة ووعود فاقت مواعيد عرقوب في التسويف والتأجيل والمماطلة والاّ فما قيمة "ملاليم" تصرف لإعادة مجدِ المسرح العراقي وترميم جزء مهم من ذاكرتنا الجمعية وإرثنا وهويتنا العراقية حيث كان المسرح شاهدا على مدنية ورقيّ عاصمة الرشيد وملاذا للعوائل العراقية التي كانت تستمتع بعروضه المتميزة اذ لم تقتصر العائلة العراقية المحبة للفن الراقي الناضج على استمرارية زيارة ذلك المسرح العتيد بل كانت الاسر تأتيه من محافظات العراق القريبة والبعيدة لترى مايقدمه مسرحيو فرقة المسرح الفني الحديث ناهيك عن افواج الشباب المثقف الآتي من كل حدب وصوب لتقصد عرض بغداد الازل وتستمتع بوقفة يوسف العاني وهو ينشد البيت الشهيرمحوّرا بببعض مفرداته : أنا ابن جلى وطلاّع الثنايا .... متى أضع السدارة تعرفوني وبشعر الملا عبود الكرخي حين كان العاني يلهجها بلسانه المعسول وطرافته الكوميدية وحركاته التي تبعث البهجة والسرور في نفوسهم وتنبهر بعفوية عبد الجبار عباس وفطريته التمثيلية التي لانظير لها وشهقة زينب حين ترفع يديها وتنادي بقلبها ولسانها : انا أمّك ياشاكر. وهل ننسى الموقف الرهيب للسيدة ناهدة الرماح حين فاجأها العمى وهي في غاية الاندماج بأحد أدوارها التمثيلية

207-jawadفقد رسخت كلماتهم وحواراتهم وحركاتهم التمثيلية وأحدثت اثَرا في ذاكرتنا ويصعب جدا نسيانها كما لو انها حفرت نقشا في خشبة هذا المسرح الذي سحرنا يوما ما ولازال شرخ ذلك السحر محفورا في نفوسنا لسبب بسيط جدا، انه الذاكرة الكلية لاهل وادي الرافدين، انه اسطورتهم الباقية التي تتمثل بالتاريخ والتراث والهوية

لم يكفِهم انهم سرقوا اموالنا وثرواتنا ونصبوا شراكا طائفية لاصطياد اولادنا وغسل ادمغتهم وحشدوا اذنابهم وحاشيتهم احزابا ضيقة الافق تأتمر بعقل قاصر وطامعٍ أشِر وموتورٍ يتصيد عدوّه بفعل غادر وشكّلوا كيانات عزلت نفسها عن الوطن وتظللت بالقبيلة واحتمت تحت عباءة مشايخ زعيم العشيرة وانضوت بمواكب المذهبية الفرعية ونسيت بلادها على سعتها، لم يكفِهم هذا بل رفعت معاولها لهدم اضرحتنا الفنية وتشويه معالمنا الزاهية وطمس آثارها ومحوها من الارض واخفاء أثَرها تمهيدها

هؤلاء هم لصوص التاريخ وماسحو الذاكرة ومزوّرو التراث الزاهي وهادمو الجمال ومدبِّرو المكائد الذين يريدون وأد بلاد الرافدين وسرقة إرثه مثلما سرقوا ثرواته وكنوزه وحطّموا تماثيله وأبدلوا سمات الابداع بتماثيل غاية في القبح والدونية والانحدار الفنيّ

سأوقظ فنان بصب الحرية جواد سليم من مهجعه وأدعوه لسحب الشعار الرائع الذي صمّمه لفرقة المسرح الفني الحديث

ومن ثمّ سأعرج على اسماعيل الشيخلي وصديقه النائم الى جنبه الفنان كاظم حيدر وأقول لهما: "ان الديكورات والملابس والاضاءة التي صنعتموها بأيديكما للفرقة قد غدت حطاما وعفا عليها الزمن الوغد وغطّاها التراب وأبادها النسيان فأولادكم وأحفادكم لم يحفظوا الامانة ولم يصونوا إرث اهليهم وغدت نسيا منسيا فلاتهنوا ولاتحزنوا فانتم الاعلون مهما فعلت بكم اصلابكم وأخلافكم ناكرو الجميل والاحسان

 

جواد كاظم غلوم

 

نيوتن التفاحة..

jawad ebadaالى أحمد العــــــــــربي ..

الى المــــــنسي في حَــــــــجته ..

الى الذي قــال لعــروسته انتـــــــظريني ..

بكائي اليك والى الذين سكنوا القيامة قبل أوانها ..


 

 

نيوتن التفاحة..

 

جلس العجوز تحت شجرة التفاح فألقت الشجرة بإحدى حباتها عليه فاكتشف قانون الجاذبية...

كانت أوربا تشبه فتاة جميلة تتجهز لتُـــزف الى عرسها، وكان الشرق كعجوز هتماء مثقلة الخطى في وحل الجهل والخرافة، تصارع الأرواح الشريرة التي بتـــثها في كل مكان.. كانت دول الشرق قد  أرسلت بعثاتها الطلابية لتتعلم طقوس العرس، عرس النهضة العلمية والتقنية.. كان اليابانيون قد أرسلوا بعثاتهم في الوقت الذي أرسل العرب أيضا بعثاتهم،من بينهم مصر وأهل الشام والمغرب الأقصى..

بمجرد وصول الطلبة اليابانيون الى بلاد النهضة طفقوا يبحثون عن النتائج العلمية المترتبة عن اكتشاف الجاذبية، ويتعمقون في التفاصيل العلمية الدقيقة المتعلقة بالتفاحة الساقطة على "نيوتن".  وتنازع طلبة البعثات العربية وتشاجرو وعض بعضهم بعضا وتناحروا عن زعامة البعثة العربية.

قال أهل الشام: نحن أهل أرض عظيمة توالت عليها الديانات والرسل، ونشأت بها أعرق حضارات أهل الأرض، نحن من سيظفر بالقيادة .

وقام لهم أهل مصر غاضبين: نحن أبناء أم الدنيا وقلب الأمة وفينا قامت حضارة امتدت لأكثر من سبعة آلاف  سنة.. لا أحد سوانا يصلح للقيادة.

فانتفض  المغاربة: ألسنا نحن من قاد المسلمين لفتح الأندلس، وبنينا فيها ما لم يبنه غيرنا، وبلغ حكمنا مشارف فرنسا شمالا و السينغال جنوبا، وامتد الى افريقية شرقا. وكان الدينار المرابطي هو عملة العالم ومراكش أقوى عواصمه.. نحن من نستحق القيادة..

هكذا تفرق العرب بعد أن اتفقوا على ألا يتفقوا حتى يلج الجمل في سَـــم الخياط.

في ذلك الوقت كان اليابانيون يوزعون الأدوار فيما بينهم لتسهيل الاستفادة من الثورة العلمية وفهم حقيقة التفاحة والجاذبية، وكان النظام القائم في اليابان يتابع العثات الطلابية اليابانية، ويحرص على اقامة البنية التحتية الكفيلة بتحقيق الاستفادة من التقارير العلمية التي يرسلها المبثعتين، ويقيم المهرجات والحفلات احتفاءا بالعائدين المتفوقين في مختلف  المجالات العلمية.  خاصة وأن البعثة الطلابية لم تترك علما ولا تقنية ظهرت في بلاد الغرب إلا واحتكت بمصادرها، وخالطت أهلها، حتى يتأتى لها تمام الاستفادة منها. وكان الطالب الياباني المبثعث  يقضي يومه في الدراسة والبحث والتدريب، وليله إما في إجراء التجارب وتطبيق ما تعلمه، أو في العمل لتسديد تكاليف الدراسة حتى لا يكون عبئا ثقيلا يستنزف الموارد المالية للبعثة.

كان "إندو" الياباني يــــعد الدقائق والساعات، ويعد معها انجازاته، كان قد قطع العهد على نفسه ألا يمر يوم من غير ان يتعلم شيئا جديدا مفيدا لأمته، كان همه الوحيد هو كيف يساهم في بناء مجد اليابان، ويعيد الحضارة الى الشرق بعدما حصَّــــلها الغرب وأخذ يبتز بها العالم.

كان إنــــدو يكف نفسه عن الانجرار وراء مغريات اللذة في الغرب، ولم يكن من الممكن أن تجده في ملهى من الملاهي الليلية  ولا في سواها من مواطن اللهو ؛ لم يكن ذاك ممكنا لاعتقاده اعتقادا حاسما أن النفس كلما أُفسح لها المجال لتخالط مواضع اللهو والطرب ومواطن اللذة كلما ركنت الى الكسل والخمول والرضا، وماتت فيها حوافز الطموح والرغبة في البناء والنجاح، وماتت فيها جدور الشعور بالانتماء الى الامة، والانشغال بهمومها والتفكيرفي مستقبلها... فاللاهي والقاعد الى لذته يعيش لذاته لا لغيره، وبهؤلاء لن تبنى اليابان وستبقى في غيابات الجب، جب المشرق الذي لم تعد تشرق عليه شمس. كانت لذة إندو هي الانجاز والعمل والتفكير في الحلول، كان يعتقد أن أمته تمر بفترة دقيقة للغاية، دقيقة بما يكفي لتجنب ما يفرق الناس ويثير الفتن وتجنب الاسقاط العمودي للتغيير أو الاصلاح، إنما يجب أن يحدث ذلك بالتغلغ في عمق المجتمع بمرونة و بشكل أفقي.

عاد إندو لوطنه بعد أن كان قد تعلم أسرارا وعلوما كثيرة. فسهر على انشاء معهد لتكوين وتدريب الشباب على صناعة وتركيب المحركات التي سعد كثيرا بتعلمها. وفي المقابل وضعت حكومة اليابان كل التسهيلات أمامه، وأمدته بالدعم اللازم لينقل التقنية الى اليابانيين دونما حاجة الى جلب خبراء أجانب، قد يستغلون خبرتهم لابتزاز اليابانيين.. ولم يمر الكثير من الوقت حتى نجح إندو في تدريب عدد مهم من الشباب، الذين تولى كل واحد منهم مهمة تدريب شباب أخرين من مناطق مختلفة.  في السنة الثانية على عودته كان المعهد قد أصبح في مقدوره تطوير وتصنيع مختلف أنواع المحركات، الشيء الذي دفع مجلس إدارته الى التفكير في انشاء مصنع مواز للمعهد. ومن تم كانت الشرارة الأولى لانطلاق نهضة الأمة اليابانية.

في الوقت الذي تألق فيه إندو الياباني في بلاد الغرب وتألق عندما عاد الى موطنه، كان العربان غارقين في صدمة الحضارة الغربية المتصاعدة، كانت قدرتهم على مقاومة المغريات ضعيفة للغاية، كيف لا تكون ضعيفة وهم كانوا كحصان تفلت من عربة مثقلة بظلمات عصر الانحطاط فأنسته الفرحة أنه تحرر من العربة فراح يركض ويركض بدون وجهة.

يقول التاريخ أن أهل المغرب تفوقوا على المشارقة في مجال الفكر والفلسفة، لهذا كان سعيد المغربي مخلصا لهذا القول فكان يؤمن بأن دوره في البعثة هو تحصيل الفلسفة. وبالرغم من أن أصدقاءه يصفونه بالمتنور إلا أنه لم يكن متنورا بالحجم الذي يجعله قادرا على نفض غبار التبعية للماضي. كان سعيد قد  التحق بكلية الفلسفة والتي لم يكن يلتحق بها من الطلبة الاوربيين الا القليل. لأن الحاجة في ذلك الوقت لم تكن الى الفلسفة، بقدر ما كانت الحاجة الى العلوم البحثة. فالفلسفة أدت ما عليها من دور في تحطيم بناء العقل الخرافي واكتفت بالمراقبة،  حيث لم تعد أوربا بحاجة الى أعداد كبيرة من طلبة الفلسفة من أبنائها. رغم عــــلم سعيد بذلك ظل مصرا على دراسة الفلسفة، ورغم علمه بأن بلاده أكثر حاجة من أوربا للتمرس في العلوم التجريبة والتقنيات الجديدة في مختلف الميادين.  لقد كان شعوره بالانتماء الى وطنه خافت جدا، فراح  يتفلسف ويدرس الفلسفة الى أن بلغ الدكتوراه، فأنجز بحثها حول تفاحة نيوتن.. وهل يجب أن ننسب التفاحة الى نيوتن أم نيوتن الى التفاحة؟ ألا يمكن أن تكون التفاحة حاولت التأكد من وجودها بممارسة فعل السقوط على نيوتن؟، ما يعني أن التفاحة هي الفاعل والعنصر المتحرك.. بالتالي يجب أن ينسب التاريخ  نيوتن الى التفاحة، فيقول "نيوتن التفاحة" وليس" تفاحة نيوتن"، كما هو شائع،  لأن في ذلك تهميش لكائن له وجود مستقل هو التفاحة. وسيترتب عن ذلك أن كل الموجودات غاية في ذاتها وليس الانسان وحده الغاية، وكل كائن يعيش وجودا حقيقيا، حتى التفاحة.... كانت هذه هي جل انشغالات سعيد، حيث أراد أن يصحح التاريخ الذي يظلم التفاح.. ولم يتساءل يوما عما يمكن أن يستفيده بلده من هكذا أسئلة سوفسطائية، ولم يتساءل يوما عن قانون الجاذبية المكتشف على اثر سقوط التفاحة، وما يمكن أن يترتب عن هذا القانون من نتائج علمية وتقنية. كان فهمه للفلسفة فهما مهزوزا، إذ لم يكن يرى فيها سوى القدرة على طرح الأسئلة كيفما كانت و الخروج عن المألوف ومعاكسته في أيما موضع...

عاد سعيد الى المغرب بدكتوراه في فلسفة "نيوتن التفاحة" فتم تعيينه مسؤولا رفيعا ونُثرت عليه الأوسمة والنياشين، وتم تخويله امتيازات هائلة بحكم دراسته بالخارج. كانت عقدة التخلف الحضاري قد تشربتها النفوس، فطفقت تجلد ذاتها بتقديس الأجنبي والقادم من الخارج. وكان احتقار الذات سائدا في المغرب. كباقي الأقطار العربية المتخلفة عن ركب الحضارة. لقد  صار بإمكان سعيد أن يحصل على ما تصل اليه رغباته نظرا للمنصب الذي تولاه والذي لا يُفوت الا لأبناء علية القوم أو لمن حالفه الحظ بفرصة الالتحاق بالمبثعتين الى أوربا. كل ذلك مكن سعيد من انشاء معهد لتعليم الرقص الغربي وأنفق عليه مزانيات هائلة من المال العام، بعد اقناع المسؤولين بجدوى الرقص في التقدم الحضاري، وأنشأ معهدا للثقافة الجنسية، ومعهدا أخر لحوار الثقافات والاديان.

كان الوطن قد أصبح أكثر نفاقا وزيفا ففي العلن يظهر أنه يسير نحو الحداثة،  ولكنه في الواقع كان يحمل في أحشائه كل الأنماط التقليدانية، الى هذا الاتجاه كان يسير فهم المغاربة للحداثة.

وكما أن المغاربة اشتهروا بالفلسفة اشتهر المشارقة بالأدب، كان منصور المصري يعشق الشعر ويهيم في حبه، فقرر الانفصال عن البعثة التي بُـــعث معها على أساس أنه سيدرس الطب أو الهندسة الميكانيكية، والتحق بكلية الآداب وأصبح شاعرا مخضرما، من بين ما قال في التفاحة :

تبكي الطبيعة تفاحا

أ تذرف عين الطبيعة بالتفاح؟

متى ستحن أيها الأدمي

الى حضن المغارة...

الى فاجعات

الآلهة...

متى تعود الى عورة

الغابة...

أتبكي الطبيعة تفاحا؟

فلتبكي أيها الأدمي جراحا...

كان منصور شاعرا ولكنه كان أنانيا، لأن مصر كانت بحاجة الى الطب والهندسة أكثر من حاجتها الى الشعر (مع كامل الاحترام لجلالة الشعر الذي يحمل الهم الانساني ويرمم الجراح...)، عاد منصور الى مصر فأنشأ جريدة ليبرالية كان هدفها الوحيد هو أن تخلع المرأة المصرية اللباس التقليدي وأن تلبس السراويل الطويلة والتنورات القصيرة وأن تكشف عن صدرها شيئا فشيئا، الى أن يتحقق لها كامل التصالح مع جسدها.. كانت جريدة منصور تتوقف كثيرا في المقال الافتتاحي الذي يكتبه منصور بنفسه عند مواصفات المرأة العصرية، كان يحاول جاهدا اقناع القراء بأن المرأة كلما كانت بعيدة عن هذه المواصفات كلما كانت قريبة الى فصيلة الضفاضع أو وحيد القرن.. كانت المرأة المعاصرة في نظر الجريدة وفي نظر منصور الذي أضحى مُنظرا لقيم الحداثة وتوزيع الثروة بالعدل، هي التي ترتدي بنتلون الجينز الضيق، والذي يكشف عن التوزيع العادل والحداثي للثروات، ولا للمرأة المعاصرة أن ترتدي ما لا يحجب الرؤية عن ممتلكات الصدر بشكلها كاملا شحما ولحما، حتى لا تُـــتــهم بالتملص الضريبي بالتكتم عن الممتلكات .. وأن تحرص  إذا لبست التنورة أن تظهر الحداثة بكل وضوح على مستوى الفخذ.. ولا ينسى منصور تذكير نساء بلاده أنه سيفعل كل ما بوسعه لفتح محلات بيع أدوات الزينة والتجميل، حتى يسهل نشر قيم الحداثة على نطاق واسع. كانت الجريدة تحاول إقناع الناس بأن أول خطوة تجاه التطور والعصرنة هي الجسد وجسد المرأة تحديدا.. وهكذا تناغم منطق منصور و جريدته في فهم الحداثة مع الاتجاه العام لفهمها في الوطن العربي.

كان بسام السوري قد أغوته باريس بالمكوث فيها، اقتنع أخيرا بأن وطنه تفصله آلاف السنين عن الحضارة الغربية وهو لن يستطيع لوحده تغيير العالم. فابتلعته باريس، التي تزوج بإحدى شقراواتها..    ذات مرة، قرر بسام أن يقوم بزيارة لموطنه رفقة زوجته الفرنسية، ويلقي خلالها محاضرة حول ضرورة التخلص من التقليدانية، لمسايرة التقدم المطرد في الغرب.. لقد ارتكب بسام خطأ قاتلا عندما سمح لزوجته ذات العينين الزرق والشعر الأشقر بمرافقته..  حيث ما إن ذخل الى قاعة المحاضرة رفقة إلــــــين حتى قاموا إليه مجاهدين.. أنِ ارجع من حيث أتيت، وإلا قطَّعناك إربا أنت وتلك الكافرة..

ورغم كل ذلك قرر الثلاثة تأسييس الجامعة العربية...

 

العملاق محمد حسين آل ياسين

saleh altaei(مقامة مهداة إلى الأعلام الباسقة والقمم الشاهقة الدكتور الشاعر محمد حسين آل ياسين والشاعر الفلسطيني سعود الأسدي والشاعر غني العمار)

سيدي الشاعر آل ياسين أنت عملاق بأصلك وعلمك وسمو أخلاقك فإلى أين تريد أن تصل مع كل مرة تضطر لأن تثبت سمو قامتك واعتدال هامتك وصدق أرومتك وعظيم علمك؟ إنك إذا بقيت تتسامى ستناطح السحاب فلا نعد قادرين على الارتواء من النظر إلى إطلالتك البهية وسماع أناشيدك السماوية. أنا وكل الذين عرفوك أثبتوا انك نبي في وقت طلقت البشرية العلاقة بالأنبياء وارتبطت بزواج كاثوليك غير قابل للانفصام مهما أشتد الخصام مع الشياطين والماكرين والأدعياء من الرجال والنساء.

في أكثر من مناسبة أكد صديقي العتيد الشاعر المجيد المقيم في مدينة الناصرة بين الجنان والخاصرة في الأرض الطاهرة من فلسطين الحبيبة المحزونة السليبة أن الشاعر (نبي) بلا رسالة مكتوبة ولا خيمة منصوبة، وهو هنا يتحدث عن الشاعر الأصيل ذو القول الفضيل والفكر الجميل والحديث الهديل، وليس عن أنصاف الشعراء من لقالق الأمراء اللاهثين خلف الدولار والناهقين مثل الحمار.

ولقد أسعدتني الأيام عندما أغرتني بعيش مرحلة إثبات هذه النظرية التي لم تكن في يوم ما من تاريخها بربرية ولا علاقة لها بالإلحاد والفوضوية والنبوات الكاذبة التاريخية، فقد تحققت أمام أعين جمع كبير من الأدباء القصاصين والروائيين والشعراء والإعلاميين الأصلاء والحكام وحمايتهم ومن يهتم لأمرهم في حفل ختام المتنبي.

206-salihفمن المعروف أن الذين يوزعون الجوائز ودروع الإبداع في ختام المناسبات والمهرجانات وباقي الجلسات والاحتفالات يود أحدهم أن لا يغادر منصة المسرح ليبقى في ساحته يجول ويمرح، يفخرون ويتطاولون حينما يتقدم نحوهم المكرمون وللدروع يستلمون حتى لو كانوا من الزاحفين على اليدين مثل البلهاء والمجانين، أما أبن آل ياسين هذا الرجل الفطين فلم يرضى أن يكون مثل أولئك المدقعين من الجاه الباحثين عن الوجاه، فهو ما إن شاهد المُكرَمَ يتجه نحو المنصة يتكئ على عصا ألجاهُ إليها عقله الذي تجبر وعصى فأنجلط وشصى؛ حتى هرول إلى السلم من دون أن يتأزم وهبطه وهو الكبير مسرعا نحو الشاعر (العمار) فأحتضنه وكرمه بإكليل الغار ثم عاد من جديد إلى منصة المسرح.

يومها لم أرى هذا الشاعر الدكتور الذي أدخل إلى نفسي الحبور نبيا فقط بل رأيته قد جمع أخلاق الأنبياء وسفحها أمام الحاضرين ليثبت لهم عن يقين أن الشاعر نبي لا يهتم بمن عصى وأشرك، حتى لو كان من آل برمك.

 

خلاصة القصة أن الشاعر الواسطي غني العمار قام بتأليف أنشودة مهرجان المتنبي بنسخته الحادية عشرة/ 2013  وهي أنشودة في منتهى الروعة. والشاعر العمار كان قد أصيب منذ مدة ليست بالطويلة بجلطات متكررة أصابته بالشلل، ولأنه شاعر فقد كابر جرحه ورفض أن يركع لسطوة المرض وهو الذي رفض أن يركع للطغاة فأدخلوه ظلمات سجونهم دهرا، فقام بتأليف نشيد افتتاح المهرجان، وأسهم بقصيدة رائعة قرأها مع باقي الشعراء. وفي الحفل الختامي نودي عليه ليستلم الدرع والشهادة فتقدم وهو يحبو ببطء نحو المنصة وبعض المسؤولين عن تنظيم الحفل يوجهوه مرة إلى سلم اليمين ومرة إلى سلم اليسار  وأرادوا منه في الثالثة أن يتقدم نحو المسرح لكي يستلم الشهادة.

وكان دور لدكتور الشاعر محمد حسين آل ياسين في بتوزيع الشهادات، ولم يكن منتبها لما يدور؛ لأنه كان مشغولا بالحديث مع الشخص الذي يسلمه الشهادات فجاءه من طلب منه أن يسلم الشهادة إلى العمار من فوق المسرح، فلما انتبه لما يدور أخذ الشهادة من يد الرجل وهرول مسرعا نحو سلم المسرح فنزله واتجه صوب العمار ثم احتضنه بحنان وقبله وقدم له الشهادة وعاد إلى المسرح ليوزع باقي الشهادات.  

 

معالم ثقافية بغدادية لاتنسى (2): سينما غرناطة

jawadkadom gloomملامح الجمال بين غرناطة بغداد والأندلس: في وسط بغداد من جهة الباب الشرقيّ لدار السلام وفي شارع ضيّق نسبيا يؤدي الى ساحة الطيران تقبع سينما غرناطة بصرحها العتيد وتصميمها المعماري الإيطالي ، والتي كانت مقصد المثقفين والباحثين عن افلام راقيّة ثريّة في مضامينها واسلوب اخراجها وحركات ممثليها ومرفأً للاستجمام المريح للحصول على المتعة والفائدة واشباع حاجات الانسان الروحية من خلال الفن

ومع ان بغداد تحفل بالعديد من دور السينما التي تخطت الاربعين دارا ولايكاد حيّ من احيائها او شارع من شوارعها يخلو من صالة سينمائية واحدة على الاقل ، لكن سينما غرناطة تميزت عن غيرها بأنها مهوى النخبة الثقافية الراقية والتي كانت تبحث عن افلام ورقوق سينمائية جديدة ومتميزة تثري عقولنا وتصقل ارواحنا جمالا وتذكّرنا بغرناطة الاندلس وتأريخها الخالد وعلمها الجليل وزهرها الرطيب وشجرها الوارف  الذي تخطّى الآفاق حتى وصل هنا الى بغداد  احد اغصانها المثقلة بالثمر اليانع الشهي متمثِّلاً بسينما غرناطة

كان روّاد السينما وخاصة المثقفون منهم يترقبون يوم الاثنين من كل اسبوع للاطلاع على آخر الافلام التي سيتمّ عرضها وكنا نشدّ الرحال الى غرناطة في ذلك اليوم دون ان نعرف ماذا سيعرض لاننا موقنون ان جديدا رائعا من تلك الافلام سوف يتم عرضه ومن النادر جدا ، بل ومن المستحيل ان نفاجأ بأفلام ليست على مستوى عالٍ طالما ان غرناطة سوف تعرضه ضمن حفلاتها الصباحية والمسائية

كنا عادة مانختار الحفلة الاخيرة بعرضها المسائي الذي يبدأ الساعة التاسعة والنصف بعدها يتم غلق السينما حتى اليوم التالي لاننا طوال فترة النهار جالسون على مقاعد الدراسة وبعد انتهاء المحاضرات نلتقي وزملاءنا قاصدين المكتبة المركزية الواقعة خلف كلية الآداب حيث ادرس واعدّ البحوث التي كلفنا بها مع رفاقي وصحبي ثم ننتقل بعدها الى ايّ غاليري مفتوح او ندوة ثقافية او قاعة الفن الحديث وما كان اكثرها ايام السبعينات ونقف مبهورين امام ابداع فنانينا الرواد ومابعد الرواد او نستمع الى محاضرات من عقول فذة تمرست على العلم والادب الرصينين في مبنى اتحاد الادباء او قاعة الحصري بكلية الآداب وقد تكون محطتنا الاخيرة قاعة الفن الحديث القريبة من غرناطة ثم نعطف يسارا لمشاهدة اخر عروضها

ورغم خلو جيوبنا الاّ من القليل لكننا ندّخر مابوسعنا من مال لاشباع حاجتنا الروحية ومشاهدة اجمل عروض الفن السابع حتى اننا ننسى إشباع بطوننا . وان كان ولابدّ من سدّ الرمق فاننا نكتفي بساندويجة صغيرة زهيدة الثمن من بائع متجول يقف امام باب السينما

سينما غرناطة التي كنا نسميها " ياقوتة صالات الفن السابع" تأسست في اوائل الأربعينات وسميت اول الامر سينما دار السلام تيمّنا بعاصمتنا بغداد التي نعَتها اهلنا ومحبوها بهذا الاسم ، وفي مطلع الستينات تغير اسمها فسميت " سينما  ريو " وفي سنة /1971 استقر مالكها الجديد على تسميتها غرناطة حبّا بالاندلس وحضارته الزاهية العريقة وكأنها صورة بهيّة خلاّبة من صور غرناطة الاندلس

وقد عمل مالكوها على تأثيثها من أرقى الاثاث الايطالي والاميركي الفاخر لتكون في غاية التميّز عن بقية الصالات لكونها كانت مقصد العوائل العراقية العريقة ومهوى النخبة البغدادية المثقفة اضافة الى تصميم بنائها وسعة مساحتها وأجنحتها ومقصوراتها الفارهة ذات الطراز الايطالي الملفت للنظر ، ولاننسى التنظيم في عمليات الدخول والخروج واختيار المقاعد وفق الارقام في جميع اقسامها وكثرة الادلّاء الذين يشيرون الى مقعدك المخصص بكل يسرٍ وسهولة

ولازال يرنّ في مسامعي ذلك الجرَس الجميل الذي يؤذن ببدء الفيلم وفي اوقات الاستراحة ، والذي كان يشبه تماما صوت قرع الاجراس في الكنائس

وقد لمع نجمها وتألقت وصارت هدفا للزوار والباحثين عن المتعة الفنية الراقية حين عرض فيها الفيلم الشهير " مدافع نافارون " عام/1962 والتي مثّلته الممثلة اليونانية الشهيرة ايرين باباس الى جانب غريغوري بيك ثمّ اتجهت بعد ذلك الى عرض احدث النتاجات السينمائية الفرنسية التي كانت تؤخذ مضامينها من روايات عمالقة كتّاب الرواية الفرنسيين امثال فيكتور هوجو وبلزاك وموباسان واندريه مالرو وغيرهم ، كما تعرّفنا على احدث الوجوه التمثيلية البارعة مثل آلان ديلون ولي فنتورا وكاترين دينوف وسيمون سينوريه ومارلين جوبيت ولم انسَ ابدا حركات ورقصات انطوني كوين على انغام السانتوري في فيلم " زوربا " للموسيقار اليوناني ميكيس ثيودوراكيس عن قصة الكاتب اليوناني  كازنتزاكي والذي تمّ عرضه اوائل السبعينات في غرناطة ، لكن فيلم " الاخوة كارامازوف "  المأخوذ من رواية فيودور ديستويفسكي  قد احدث شرَخا في ذاكرتنا لايمكن ان يمحى ابدا يوم عُرِض في غرناطة ايضا وكان دليلنا ومفتاحنا للولوج الى عالم الرواية الروسية ومنها تعرّفنا الى عمالقة الادب الروسي الاوائل ( ليو تولستوي وبوشكين وغوغول وتورجينيف ويليه غوركي وماياكوفسكي وغيرهم) لكننا لم نكن نعبأ بالادب السوفياتي ولا السينما السوفياتية مثلما كان الادب والفن الروسي والكتّاب والشعراء الروس شغلنا الشاغل على الرغم من اننا كنا مشبعين بالفكر الماركسي والمفاهيم الاشتراكية ، يومها كان المركز الثقافي السوفياتي يقدّم عروضه ببغداد مجانا ولم نكن نزوره الاّ لماما لشعورنا بضآلة ابداع الافلام المأخوذة من روايات مابعد الثورة البلشفية  امام الرقوق السينمائية الاخرى والعروض الجديدة التي تقدمها صالات السينما ببغداد وبالاخص سينما غرناطة لروّادها اذ كانت اغلب الروايات الروسية يتمّ انتاجها في استوديوهات هوليوود الاميركية وفي بلدان اوروبا الغربية والتي كان بريقها اكثر لمعانا مما كان ينتجه الاتحاد السوفياتي السابق

ومن الطرائف الغريبة والجميلة معا والتي لايمكن نسيانها ماحييت؛ اننا طلبة الآداب كنّا نحْضر احدى المحاضرات وكانت المحاضرة تتحدث عن فصل من كتاب " منهج البحث الادبي  " للدكتور الناقد الالمعي علي جواد الطاهر فأشار ضمن كلامه الى ضرورة أخذ قسط  من الراحة كأنْ تذهب الى المسرح او السينما في حالة الارهاق اثناء جمع المعلومات عن بحثك ، وصادف في امسية ذلك اليوم ان قصدت سينما غرناطة واذا بأستاذي الطاهر والسيدة حرمه كانا ضمن روّاد السينما وحييتهُ بتحية المساء فردّ عليّ مرحبا لكنه استرسل قائلا لي:

--ما الذي جاء بك الى السينما وأمامك بحث لم تكملْه؟؟

فأجبته ضاحكا:

--أنت استاذي العزيز نصحتنا اليوم في درسك بترك بحثك لو كنت في حالة اعياء او ارهاق وعليك الذهاب الى المسرح او السينما لطلب الراحة والاستجمام بفيلم او عرض مسرحي وها انا امتثل لوصاياك .

ابتسم لي وربَتَ على كتفي مازحا وهو يقول:

--خيرا فعلت بُنَيَّ المجتهد وودّعني متمنيا لي مشاهدة ممتعة وليلة سعيدة

هذه الصالة العريقة مازالت قائمة في مكانها لكن لااحد يزورها سوى نفر قليل لايتعدى بضع عشرات من الروّاد الهاربين من القرّ والصرّ وممن يرتجي المأوى والراحة لبعض الوقت وربما من محبّي هذه السينما لكي يقف على اطلالها ويبكي ماضيها الذي كان يوما ما متألقا زاهيا عسى ان يعيد شيئا من ذكرياته حين كانت مرتعا للفن والجمال الهارب . اما القائمون عليها فهم يشكون من زوال ذلك البريق الهائل الذي كان يزيّن طلعتها فقد عمّ الخراب شارعها الجميل واكتظ باعة الخردة والملابس والاحذية الرخيصة وزحفوا على رصيفها ، اضافة الى طفح المجاري القريبة منها وتراكم النفايات ومخلفات الباعة امامها ، كل تلك المنظر البائسة تبعث على الأسى لما آل اليه حال هذه الماسة الرائعة الجمال وكأنها وضعت بيد فحّام . اما امانة بغداد فالحديث معها يطول فما زالت تغمض بصرها عن الحال البائس الذي تعانيه رغم المناشدات الكثيرة من قبل القائمين عليها لاجل اصلاح مايمكن اصلاحه ويبدو انها لاتعي اهمية الحفاظ على مثل تلك الامكنة الخالدة في ذاكرة العراقيين ، لكنها تصرّ على فرض ضريبة الملاهي من ايرادات السينما الشحيحة اصلا ناهيك عن انقطاع الماء والكهرباء لساعات طويلة حالها حال المرافق العامة الاخرى وعدم توفر الوقود اللازم لتشغيل اجهزة السينما

نعجب لماذا تهمل هذه الامكنة الجميلة بهذا الشكل ؟؟ أليس حريا بنا ان نعيد شيئا من التألق والسحر لهذه الصروح الثقافية الفنية فما ضرّ لو امتلكت وزارة الثقافة تلك المعالم الجميلة بغية اعادة تأهيلها وجعلها مزارا ثقافيا او متحفا فنيا بالتعاون مع دائرة السينما والمسرح وان تتبنى امانة العاصمة تجديد ماتقادم منها وتوفير احتياجاتها واعادة شيء من الالق السالف لتكون محجّا ومقصدا للباحثين عن مواطن الجمال لبغداد الازل

لاادري لماذا يتقصدون تخريب مثل هذه الامكنة الزاهية ويبقونها اطلالا يبكي عليها محبوها !! ويبدو انهم يتعمدون إفساد كل ماهو بهيج وهدم كل ماهو عامر وطمس معالم عاصمتنا البهيّة وتضييع التراث الفني وتهميش الوعي واضاعة الذكريات العذبة ويبدو انهم لايكتفون بهدم معالمنا الثقافية القديمة الثريّة برقيّها الفني وتشويه اضرحتنا النجيبة مثلما عمدوا ويعمدون الان على تعتيم طرق مستقبلنا ووضع العثرات والمطبّات في خطانا المقبلة

 

جواد كاظم غلوم

 

كيف احتفلنا بالذكرى المئوية الثانية لميلاد بوشكين في جامعة بغداد

احتفلت روسيا ومنظمة اليونسكو العالمية والكثير من بلدان العالم عام 1999 بالذكرى المئوية الثانية لميلاد الشاعر الروسي الكبير ألكساندر سرغيفيتش بوشكين (1799-1837)، وكنت آنذاك معاون عميد كلية اللغات للشؤون العلمية في جامعة بغداد، واقترحت ان نساهم باحتفالات العالم هذه ونقيم حفلا في كلية اللغات بهذه المناسبة، وقد أيدني مجموعة من الزملاء وبحماس، وهكذا ذهبت الى عميد الكلية وطرحت عليه هذه الفكرة، فتقبلها العميد أ.د. مخلف الدليمي بالترحاب باعتبار ان هذه الفعالية تعني (كسرا للحصار)، وهو التعبير السائد في ذلك الوقت لكل نشاط خارج النطاق التقليدي والاعتيادي. بعد ان حصلت موافقة العمادة على المقترح كان يجب مفاتحة رئاسة جامعة بغداد لاستحصال الموافقات الاصولية حسب مقتضيات التعليمات السائدة آنذاك، اذ ستجري دعوة سفير روسيا الاتحادية في بغداد للمشاركة في تلك الاحتفالية، وهكذا تم توجيه كتاب رسمي من عمادة كلية اللغات الى رئاسة جامعة بغداد بهذا الشأن، الا ان رئيس جامعة بغداد أ. د. عبد الاله الخشاب لم يحسم رأسا الموضوع. لقد كان الدكتور الخشاب اداريا حاذقا وحذرا جدا، وبالتالي كان يتجنب الوقوع في اي خطأ اداري محتمل، وبالطبع كان يعرف ويفهم ان موضوع بوشكين وروسيا والسفير الروسي ترتبط بالسياسة قبل كل شئ، وان هذا يقتضي عدم اتخاذ قرار نهائي دون  الرجوع الى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي و استحصال موافقتها، وهكذا حسم الموضوع وأحال طلب كلية اللغات الى الوزارة لبيان الرأي بشأن ذلك، ولم تستطع الوزارة المذكورة من المديرية الفلانية الى المديرية الفستانية ان تحسم الموضوع ايضا ولنفس الاسباب طبعا، وهكذا تم احالة الامربرمته  الى الوزير نفسه، وكان آنذاك أ. د. عبد الجبار توفيق، ولم يستطع الوزير ايضا حسم هذا الموضوع الدقيق والذي كان يفهم انه يمتلك طبعا ابعادا سياسية  بالنسبة لذلك الزمان، وهكذا قرر ولنفس الاسباب،و من اجل التخلص من تبعات المسؤولية ان يرفع طلب كليتنا الى رئاسة الجمهورية لاستحصال رأيها وموقفها حول ذلك. كنا نحن في كلية اللغات بالطبع نتابع تفاصيل هذه الاخبار بقلق وحذر شديدين، بل اني بدأت اسمع بعض التأنيبات تجاهي شخصيا وبعض الاشارات والتلميحات والملاحظات بشأن اقتراحي هذا، ولكننا لم نستطع – بعد كل هذه الاخباروتطور الاحداث - القيام باي خطوة للتسريع باستحصال الموافقات او حسم القضية بخصوص ذلك الحفل لحساسية الموضوع والابعاد التي دخل في متاهاتها، وفي يوم من الايام رنٌ جرس الهاتف في مكتب السيد عميد كلية اللغات، واذا بالمتكلم وزير التعليم العالي والبحث العلمي أ.د. عبد الجبار توفيق نفسه، والذي قال للعميد ان رئاسة الجمهورية تطلب الاجابة عن سؤالين بشأن الاحتفالية المذكورة لتقرر حسم الموضوع، وهما – اولا هل بوشكين يهودي؟ والسؤال الثاني – ما هو موقف بوشكين من الحزب والثورة؟( وهو السؤال التقليدي والسائد آنذاك بالنسبة للجميع)، واستدعاني العميد فورا وطلب مني الاجابة عن هذين السؤالين (المهمين!!) بدقة ووضوح، لان رئاسة الجمهورية ستحدد على اساس تلك الاجابة - السماح او عدم السماح باقامة تلك الاحتفالية، وقد اجبت رأسا بشأن السؤالين المذكورين وقلت له، ان بوشكين ليس يهوديا وانه روسي مسيحي (ارثذوكسي) ومن ابوين روسيين بالولادة (مستخدما طبعا المصطلحات التي كانت سائدة في حينها)، وانه ولد عام 1799في موسكو وتوفي عام 1837 في بطرسبورغ، اي قبل تأسيس الدولة العراقية بعشرات السنين، ولهذا لا يمكن ان يكون له اي موقف تجاه الدولة العراقية، وبالتالي لا يمكن ان تكون له علاقة بتاتا بالحزب والثورة في العراق، وهكذا وبناء على تلك الاجابة تمت موافقة  رئاسة الجمهورية على تنظيم الاحتفالية، والتي حضرها وزير التعليم العالي والبحث العلمي نفسه والسفير الروسي والجالية الروسية في بغداد ورئيس الجامعة وممثلو وزارة الاعلام والصحافة واساتذة جامعة بغداد وطلبتها، وقد كنت عريف الحفل فيها  لأني صاحب المقترح اولا، ولانه يجب التحدث باللغتين العربية والروسية في ذلك الحفل ثانيا، وكانت تلك الاحتفالية بحق نموذجا ابداعيا رائعا لقسم اللغة الروسية في كلية اللغات والتي أشادت بها في حينها وسائل الاعلام العراقية والروسية. لقد ساهمت الفنانة التشكيلية نادية محسن السوداني برسم عدة لوحات خاصة بتلك الاحتفالية لبوشكين وزوجته ورسومات مستوحاة من قصائده، وقد وضعنا تلك اللوحات الفنية العديدة في مدخل القاعة، وافتتح المعرض التشكيلي هذا السفير الروسي و ابدى اعجابه الشديد بكل تلك اللوحات، و يمكن القول ان السفير الروسي لم يكن ابدا يتوقع ذلك، وقد أهدينا له في نهاية الحفل باسم كلية اللغات لوحة جميلة جدا من هذا المعرض تمثٌل زوجة بوشكين- ناتاليا غونجروفا، وقد كان ممتنا جدا لذلك لدرجة انه رفع تلك اللوحة بكلتا يديه امام القاعة لغرض عرضها على الجمهور وذلك وسط تصفيق حاد من الجميع. هذا وقد تضمن منهاج الحفلة المذكورة فقرات عديدة ساهم في تقديمها طلبة قسم اللغة الروسية واساتذة كلية اللغات، حيث كان هناك عرض لاطاريح الماجستير التي انجزها القسم المذكور باللغة الروسية حول اللغة الروسية وآدابها، والذي أثار انتباه الجالية الروسية واندهاشها، ومن الطريف ان نذكر هنا ان المرحوم الاستاذ الدكتور حسين محفوظ  من قسم اللغة الفارسية في كلية اللغات كان من اشد المتحمسين لتلك الحفلة وانه أصرٌ ان يشارك في تلك الاحتفالية بكلمة حول بوشكين ومكانته واهميته الكبيرة (باعتباره احد التدريسسين سابقا في الكلية الشرقية في جامعة بطرسبورغ - لينينغراد آنذاك)، والتي قدمها ارتجالا كعادته وبلغته العربية الفخمة، وقد قدٌم لنا المرحوم محفوظ ايضا لوحة  صغيرة جدا لبوشكين رسمها بنفسه للشاعر الروسي، ولم تكن في الواقع سوى تخطيط بالقلم الجاف وعلى ورقة مستلة من دفتراعتيادي لوجه الشاعر، والذي لم يكن يوحي لا من قريب ولا من بعيد به، والذي قال انه قام به اثناء عمله في لينينغراد آنذاك، ولكننا تقبلنا منه ذلك رغم كل هذا وعرضنا التخطيط في مدخل القاعة بشكل بارز احتراما وتقديرا لشخص بمستوى ومكانة الاستاذ الدكتورحسين محفوظ واحتراما لحماسه بالمشاركة في تلك الاحتفالية.

لقد تضمن هذا الحفل كلمة لرئيس جامعة بغداد وكلمة للسفير الروسي  والتي ألقاها باللغة العربية والتي استقبلها الحضور بتصفيق حاد وقصيدة للشاعر عبد الرزاق عبد الواحد حول بوشكين والتي القاها في مهرجان بوشكين عام 1974 في روسيا وحاز على جائزة في حينها، وساهم طلبة قسم اللغة الروسية بتقديم فعاليات مختلفة من القاء قصائد وعرض مقاطع من مسرحيات بوشكين باللغة الروسية، وقد سبق لي ان كتبت عن القاء الطلبة الروس من جامعة موسكو والذين كانوا يدرسون عندنا لبعض قصائد بوشكين في تلك الاحتفالية بترجمة المرحومة الاستاذة الدكتورة حياة شرارة (انظر مقالتي المنشورة في عدة مواقع الكترونية بعنوان – حياة شرارة والادب الروسي في العراق – لقطات)

 

رحيل الشاعر والكاتب الفلسطيني علي الخليلي

afyf shalyotفقدت الأوساط الثقافية الفلسطينية في الأسبوع الماضي  الكاتب والشاعر الكبير علي الخليلي، حيث توفي في رام الله بعد معاناة شاقة مع المرض، وكان الخليلي نشيطاً في الحركة الأدبية الفلسطينية بل من روادها، عمل محرراً أدبياً لفترة طويلة من الزمن في صحيفة الفجر المقدسية، وهو من مؤسسي رابطة الكُتّاب والأدباء الفلسطينيين، ومن أبرز الشعراء الفلسطينيين وكتب في مجال التراث والأدب . وقد سنحت لي الفرصة أن أتعرف على هذا الأديب الانسان الرائع عندما كنت لا أزال طالباً في المدرسة الثانوية، وهو كان محرراً أدبياً لصحيفة "الفجر" ومكتبها الرئيسي كان في مدينة القدس آنذاك، فكنت أراسله وأسافر أحياناً لمدينة القدس خصيصاً لألتقيه في مكتبه، وقد لقيت منه كل تشجيع ودعم، فقد كان ينشر لي قصصي القصيرة في صحيفة "الفجر" ومجلة "الفجر الأدبي" . أني لا أزال أذكر تواضعه، أبويته، انسانيته، ثقافته الواسعة، وقد كان يؤكد لي على أهمية تواصل الأدباء الفلسطينيين في كافة المناطق، لهذا كان يولي أهمية خاصة لنشر الانتاجات الأدبية للأدباء الفلسطينيين من المثلث والجليل في الصحف والدوريات الصادرة في الضفة الغربية.

ولد الشاعر والكاتب علي الخليلي في مدينة نابلس في العام 1943، أنهى دراسته الثانوية فيها  لينتقل في العام 1962 إلى بيروت، حيث درس في جامعتها العربية وتخرج من كلية التجارة، ليعود بعدها الى وطنه حيث عمل محرراً في جريدة الفجر المقدسية وترأس تحرير مجلة الفجر الأدبي. قضى سنوات من عمره في ليبيا لم ينقطع خلالها بطبيعة الحال عن الشعر والأدب. كان أول رئيس لاتحاد الكتاب الفلسطينيين كما أسهم في تأسيس نقابة الصحفيين . في العام 2011 اختارته وزارة الثقافة الفلسطينية  شخصية العام الثقافية، وفي العام نفسه قلده الرئيس محمود عباس وسام الاستحقاق والتميز، تقديرا لدوره الأدبي والثقافي وإسهاماته في المجالات الإبداعية في ميادين الشعر والقصة والدراسات للموروث الشعبي الفلسطيني .

  أصدر أكثر من 46 مؤلفاً من بينها 15 ديواناً شعرياً، إضافة إلى عدد من الروايات أبرزها رواية "المفاتيح تدور في الأقفال"، ومن ضمن مؤلفاته  ثلاثة عشر كتاباً تناولت موضوعي النقد والتراث. من أبرز مؤلفاته في مجال التراث : "التراث الفلسطيني والطبقات"، "أغاني العمل والعمال في فلسطين"،"البطل الفلسطيني في الحكاية الشعبية"، و"أغاني الأطفال في فلسطين" .وفي مجال الشعر أصدر: "نابلس تمضي إلى البحر"، " ما زال الحلم محاولة خطرة "،" جدلية الوطن"،"تضاريس من الذاكرة"، "انتشار على باب المخيم" و "الضحك من رجوم الدمامة" .

إن انشغال علي الخليلي في الصحافة سنوات طويلة، لم يؤثر على عطائه الأدبي، بل على العكس تماماً، فكونه منخرطاً في الحركة الثقافية الفلسطينية من خلال عمله في الصحافة، والصحافة الأدبية بالذات، جعلته في قلب الحدث الثقافي . وهو يعتبر من أبرز الكتاب الفلسطينيين المتنورين الذين نادوا وعملوا على احترام الرأي والرأي الآخر، وإتاحة الفرصة للنقاش الحر والجدل بعيداً عن التعصب أو الانغلاق أو التحيز لجهة سياسية أو ثقافية معينة .

برحيل الكاتب والشاعر علي الخليلي تكون الحركة الثقافية الفلسطينية قد خسرت علماً من أعلامها، فقد مثّل علي الخليلي  حالة مميزة خلال العقود الماضية حيث ساهم وبغزارة بمجالات متعددة في الشعر والأدب والبحث الميداني، وعُرف عنه المثابرة والعطاء المستمر كالنبع الذي لا ينضب . ففي مجال توثيقه للتراث الفلسطيني قام بجمع أغاني الأطفال ليثبت أن أغاني الأطفال في فلسطين هي جزء أساسي من التراث الشعبي . وقام باعداد بحث آخر عن أغاني العمل والعمال في فلسطين بهدف تتبع الجذور الفولكلورية الفلسطينية للعمال خلال أغانيهم .  وفي كتاباته الفكرية ناقش موضوع الصراع الأزلي بين الثقافي والسياسي، وناقش مستقبل الأدب الفلسطيني بكل أشكاله وأنماطه في القصيدة والرواية والقصة القصيرة .

وفي قصائده تناول الوطن بكل تكويناته المكانية ممثلة بالمدينة، القرية والمخيم .  فمثلت المدينة في قصائده الحصن المنيع وعمق جذور الانسان الفلسطيني من خلال ابراز معالم المدينة المختلفة . أما القرية فمثلت في قصائده العمق التاريخي من خلال ابراز قيم الفلاح، فالفلاح هو الذي يشكل الحماية للأرض، وهنا يبرز التلاحم الروحي بين الانسان الفلسطيني وأرضه. أما المخيم فكان يمثل في قصائد الخليلي مأساة الشعب الفلسطيني الذي أُقتلع من جذوره .

عالم الفرح لدى الخليلي في شعره يتمثل في شعاع من الأمل الذي كان ينبعث في نفس الشاعر، واستطاع هذا الأمل رغم مأساوية الواقع الذي يحيط به، أن يفرض نفسه بوصفه واقعا قائماً من حول الشاعر . من جهة أخرى هنالك عالم الرعب والفجيعة والموت الذي كان يصل أحياناً الى قمة عذاب النفس البشرية وشقائها، إلا أن الشاعر علي الخليلي جعل عالم الفرح والذي يزخر بألفاظ الانبعاث والحياة يقف على قدميه أمام عالم الفجيعة .

مع رحيل الكاتب والشاعر علي الخليلي، فقد المشهد الثقافي الفلسطيني أديباً بارزاً يمتلك طاقات كبيرة، فقد استطاع من خلال عطائه الأدبي الغزير والنوعي أن يشكل تجربته الأدبية الغنية، التي قُدّر لها أن تستمر وتقطع شوطاً وتطوراً واضحاً في الربع الأخير من القرن العشرين وما بعده .       

 

تجربتي مع التعليم

hamid taoulostبمناسبة اليوم العالمي للمعلم، أبحرت بي الذاكرة في  أغوار تجاربي مع التعليم العمومي، مند الفصول المدرسية الأولى والتي بدأت مع نهاية خمسينيات القرن الماضي وبداية ستينياته، والتي حكيت بعضا منها في مقالتي السابقة المعنونة بـ"عيد المعلم" وسأسرد هنا تجاربي مع ممارسة مهنة التدريس التي بدأت مع بدايات السبعينيات، وسأستهلها بتجربة ولوجي المدرسة العليا للأساتذة بظهر المهراز فاس، والتي كنت كما غيري كثير من الملتحقين بها، نعتقد أن مدارس ومعاهد تكوين المعلمين والأساتذة هي مصانع حقيقية لتخريج المعلمين المدربين والأساتذة القادرين على مواجهة تحديات العملية التعليمية الخطيرة، إلى أن التحقت بها مباشرة بعد حصولي على الباكلوريا ، رغبة في الانخراط في سلك التعليم وامتهان مهنة التدريس النبيلة التي كنت أظن أنها مهنة يخضع ممارسوها لتداريب جادة ومكتفة على تعلم كيفية التدريس، خلال مدة دراسة الطالب/الأستاذ بمعاهد التكوين، كما هو حال كل مهن العالم، من طب ومحاماة والنجارة، التي لا يسمح للراغب في مزاولة واحدة منها، إلا بعد تلقي التدريب الضروري للنجاح فيها، حيث يتدرب الطبيب في عيادة طبيب ذي خبرة، ويتمرن المحامي في مكتب محام ذي دراية، ويتكون النجار على يد " معلم رقايقي" . لكن المفارقة المضحكة التي عشتها وباقي الطلب/الأساتذة، كما كانوا يسموننا  خلال الأربع سنوات التي قضيتها في هذا المعهد المنشأ خصيصا لتخريج الأساتذة، كما يظهر ذلك من تسميته التي توحي بأن كل مناهجه التعليمية، ومواده الدراسية، مخصصة بالكامل  للتدرب على اساليب التطبيق والتمرن على ممارسة طرق التعليم، ومناهج التدريس التي لم أتلقى، أي حصة في المعهد الذي التحقت به، لا في السنة الأولى، ولا في الثانية، ولا في الثالثة، وحتى في السنة الرابعة، سنة التخرج التي عينت في نهايتها مباشرة، بإحدى المؤسسة التعليمية المغربية والتي كانت بمدينة أكادير، والتي ولجت فصولها كالمحارب الأعزل، ووقفت أمام تلميذات السنة أولى باكالوريا سكترتاريا، التي كلفني المدير بتدريس مادة السكرتاريا بها كـ " العربي في الشماعين"، ليس نقصا من قيمتي المعرفية، ولكن لأن تلك المادة لا صلة لها بتخصصي الأدبي، وبعيدة كل البعد عما  تعبت لأربع سنوات من أجل الحصول على شهادة عليا فيه، ولأن السنة الأولى بالنسبة للأستاذ حديث التخرج، سنة حاسمة من جهة التكوين الحقيقي، فيها يتدرب على عملية التدريس التي لم يتلقى حولها تدريبا فعليا قط، ويضطر لممارستها عمليا على ارض الواقع، حيث يخطئ ثم يطور تجربته بالاستفادة من الأخطاء التي يقع فيها،  استعدادا لاجتياز امتحان الكفاءة ..

والأكثر إضحاكا مما سبق، هو ما يردده  المسؤولون عن التعليم، من مصطلحات من قبيل ضمان جودة التعلم والمردودية، وهم يعرفون ان العلاقة الإرتباطية الإيجابية بين حماسة المعلم ومستوى تحصيل تلامذته، مفقودة لدى كل مدرس لم  يتلق تدريبا تقنيا متينا، ولم يكتسب تجارب ميدانية لازمة، تعينه تأدية مهمته الصعبة والخطيرة، التي كتب على مزاوليها وحدهم ودون غيرها من المهن، أن يمارسوها دون تلقي أي تدريب عملي، لأن المسؤولين عن التربية والتعليم -في زماننا ذاك - كانوا يعتبرون ان التحصيل هو الاساس، وأن الفصل هو المجال الحقيقي للتدرب، والميدان اللائق للتمرن، وكأنهم يعملون بالمثل المغربي الدارج "تِْعلمُو يا الحجامة في روس لِتَما "  مع علمهم أن ذلك، ضرب من الجنون، ومغامرة غير محسومة العواقب، تؤثر على مستوى حماسة المدرس في قيامه بالعملية التعليمية، خاصة وأنه حديث التخرج، ومن البديهي والتربوي ألا يقتحم المهنة بلا سند، ناهيك أن يسند إليه تدريس مواد لم يسمع بها من قبل . الشيء الذي لا يرقى بالأداء التعليمي إلى درجات الكفاية المهنية المتوخاة، ولا يكسب آليات الاشتغال مهارات الإتقان المطلوبة لإنجاح السياسة التعليمية ككل، سيما وأن التدريس بطبيعته فن وصنعة، وخدمة مجتمعية، ونشاط فكري عملي غير روتيني، تنطبق عليه جميع مواصفات المهنية، التي لا يمكن أن تكون نظرية محضة، وتستدعي اهلية ولوجها سنوات من الدراسة والتكوين والتدريب، والاستفادة من تجربة أصحاب الخبرة من المعلمين المعمّرين .. حتى يُضمن لحديثي التخرج القدرة والجلَد على التعامل مع شقاء المهنة قبل نعيمها، فيقدمون للمجتمع من خلال عملهم شعاعا روحيا لا ينطفئ وغذاء إنسانيا لا ينسى ..

ولأنه كما يقال : " ليس كل من علّم بلغ في تعليمه رتبة المعلم المربي، وقد يقوم به شخص فلا يؤاخذ عليه، ويقوم به آخر فيعاتب ويؤنب لموقعه القدوة، الذي قيده بحبال الالتزام "، إذ ليس الغرض من التعليم، تحصيل العلم فحسب، ولكن الأساس هو تقوية الخلق والارتحال عن الصغائر والاستيعاب جيداً بأن العلم أنفس بضاعة يراد لها أطهر وعاء ..

ولأنه وكما يقال كذلك، وراء كل طالب نجيب، همة عالية، ومعلم ناجح اجتمع له عقل وعلم، وتحصيل علمي وثقافي متين ودربة مواكبة للمستجدات في مختلف المجالات، وخاصة ما يتعلق منها  بالتخصّص المُدرس .. إلى جانب الأدوات التعليمية المتطورة، وأساليب التدريس المكتسبة من تجارب المعلم الشخصية وخبرات وتجارب زملائه الذين سبقوه للميدان ؛ تلك التجارب والخبرات التي اكتسبها من سبقوني للمهنة، هي التي اعتمدت عليها لتعويض نقص دُربتي في تقنية العملية التدريسية –التي لم اكتسبها خلال سنوات الدراسة بالمدرسة العليا للأساتذة (ياحسرة)كما سبق أن ذكرت اعلاه -، ووظفتها للرفع من مردوديتي التربوية، حيث استفدت من تجارب بعض زملائي، وإرشاداتهم السخية لصقل مهنيتي التعليمية، وعلى رأس الذين استفدت من تجاربهم الثمينة، إحدى الأستاذات المتميزات، الأستاذة "نبيه " التي قدمت لي الكثير -قبل أن تصبح فيما بعد زوجة لي وأما لأبنائي –  من الدعم اللوجيستيكي والديداكتيكي الذي ساعدني في تلمس الطريق الصحيح في خضم سبل التدريس، وتطوير منهجية المهنية , حيث كانت تخاطبني دائما وبروح متفكهة "إذا أردت ان تصبح مربيا مثاليا وناجحا " فكن طبيعيا، واحذر التكلف، وتجنب النمطية والروتين،  وراقب تلاميذك، وتفقد أحوالهم، وتأمل في ملامح وجوههم، واحرص على أن لا ينام أحد منهم، أو يسرح بخياله، أو ينشغل مع زميله،  أو يفكر في أمر خارج الموضوع، وإذا شعرت بالملل يدب إليهم، فأزله سريعا بالإثارة  والتشويق، وفاجئ التلاميذ، بطرفة أو لعبة أو تغيير الأسلوب،  ولا تتردد في ممازحتهم وملاطفتهم، من حين لآخر، لأن ذلك سر من أسرار انجذابهم إليك ويجعلهم يحبون حصتك، ولكن احذر الافراط في المزاح والضحك، حتى لا تتحول إلى بهلوان أو مهرج، لأن كثرة ضحك المعلم يقل هيبته، وكثرة مزاحه استخف به تلامذته .

ومن بين ما تعلمت  من توجيهات الأستاذة نبيه مشكورة -وهو كثير جدا-، أن أتدرج في كمية ونوعية المعلومات التي أرغب في إيصالها للمتعلمين، وأن انتقل في إلقائي للدروس من السهل إلى الصعب، ومن المعلوم إلى المجهول، وأن احرص على التدريب الرأسي لا الأفقي، وعلى التركيز لا التكاثر، لأن الفائدة الحقيقية والمتعة والإثارة،كما يقول علماء التربية، تكمن في تعميق الموضوع وسبر أغواره، وعرض البيانات والمعلومات والأفكار المحدودة، التي يمكن للتلميذ تذكرها وفهمها وحفظها بسهولة، لأنه يقول المثل : "ليس الأهم مقدار ما تعلم، ولكن الأهم هو مقدار استطاعتك إيصال ما تعلم إلى من لا يعلم " لأنه ليس من الحكمة أن يعرض المعلم كل الأفكار المعدة قبلا، دفعة واحدة وفي وقت واحد، بل يجب أن يكتفي بفكرة واحدة، وتكرارها بأساليب مختلفة ومن غير تكلف، حتى يسهل على التلاميذ استيعابها، بعدها يستمر في تقديم غيرها من الأفكار جديدة،

وكم كانت الأستاذة نبيه، تلح، علي بأن أكون واقعيا منطقيا، -في دروسي المعدة إعدادا جيدا –وأن اتجنب إلقاءها من الورقة، لأنها عملية رتيبة ومورثة للسأم (للتلميذ)، ومزرية للأستاذ، إلى غير ذلك من الارشادات التي استأنست بها في مسيرتي المهنية، والتي لم اسمع قط عنها من أي أستاذ من اساتذتي الإجلاء خلال سنوات الدراسة بالمدرسة العليا للأساتذة، التي ينطبق عليها المثل الشعبي المغربي " شنعتو عليا ما غطا ودنيا ".

وإلى اللقاء مع تجربة أخرى من تجاربي مع مهنة التعليم ..

حميد طولست

 

معالم ثقافية بغدادية لاتنسى (1): مكتبة ماكينزي

jawadkadom gloomكان من النادر جدا ان يزور مثقفو العراق  بغداد دون ان يحثّوا الخطى الى مكتبة ماكينزي التي كانت تقع في قلب شارع الرشيد شريان بغداد الثقافي والاقتصادي معا،والتي رفدت المثقف العراقي بكل ماهو جديد وراقٍ في سنوات القرن المنصرم مما كانت تطبعه لندن واوربا عموما من كتب ومؤلفات غاية في الثراء الفكري، كان معظم روّادها من المثقفين العراقيين التي استهوتهم الثقافة الغربية الى جانب اهتمامهم بتراث اسلافهم فأنجبت عقولا متنورة نتجت عن تلاقح فكري حضاري بين الشرق والغرب، مع ان مؤسسها السيد كينث ماكينزي الاسكتلندي المولد والمحتد حرص كثيرا على تزويد المكتبة بالمؤلفات الانجليزية التي تعنى بثقافة العالم الاسلامي ومنها كتب التراث العربي والتأريخ وادب الرحلات وقد عدت ماكينزي وقتذاك من افضل المكتبات التي تخصصت في العلوم الاسلامية كلها تقريبا اضافة الى بعث التراث العربي الاسلامي واعتبرت مصدرا اساسيا لهذه العلوم ليس في العراق والوطن العربي فحسب وانما في اقطار العالم اجمع

وكينث ماكنزي هذا قد شدّ رحاله الى بغداد بصحبة صديقه همفري بومان المكتبيّ اللندني العريق الذي توسّم في كينث القدرة على ادارة عمله ونشاطه ببغداد بعد ان وضعت الحرب العالمية الاولى اوزارها العام / 1918  والغريب ان صاحبنا كينيث ماكنزي الجريح في الحرب الاولى والذي لمّا يشفَ تماما بعد لجراحه البليغة  ؛ اصرّ هو ورفيقه ان يطّلعا على احتياجات المدارس والمؤسسات التعليمية العراقية من الكتب والتآليف المتنوعة لتكون مصادر للبحث والدراسة في بلادنا وفعلا اتفقا مع الحكومة العراقية على انشاء مكتبة تقوم بتغطية احتياجات الدولة من لوازم وقرطاسية ومصادر ومناهج وتلبية الطلب الذي تريده الدولة لمدارسها ومعاهدها ولجميع المراحل وتم تهيئة مكان مناسب في سراي الدولة لهذا الغرض وكان ماكنزي اول الامر يستلف ماليا من الدولة لإدارة مكتبتهِ  بسبب افلاسه وخواء جيبهِ لكنه سرعان ما بدأ يقف على قدميه ويعيد المبالغ التي استلفها من الحكومة واخذ يموّل مكتبته ذاتيا وماهي الاّ بضع سنوات حتى انفصل عنها  في العام /1925 واصبحت مستقلة تماما بعد ان حققت ارباحا جيدة واخذ يدير نشاطها ذاتيا ونقلت محتوياتها من موقع السراي التابع للحكومة الى بناية النادي البريطاني الذي كان موقعه في قلب شارع الرشيد (والذي كان يسمّى وقتذاك شارع الجديد لحداثته ورقيّه) بجوار جامع السيّد سلطان علي في منطقة السنك واصبح اسمها باللغة الانجليزية (Mackenzie & Mackenzie Proprietars Bookshop ) منارة للعلم والادب والرقيّ الثقافي الثريّ ومقصدا للمثقفين الباحثين عن المعرفة الرصينة سواء من علوم اسلافنا الاسبقين او مايردنا من الفكر الغربي من ثقافة الحداثة والتنوير

ثمّ انتقلت مرة اخرى بكامل محتوياتها الى بناية جديدة اخرى في احد محلات بناية (لينج) التابعة للبريطانيين وكان موقعها في شارع الرشيد ايضا

اتسعت رحلات ماكينزي المكوكية بين بغداد ولندن واخذت الطرود الخاصة بالكتب تتناقل بين حين واخر بين العاصمتين حتى ان احدث المؤلفات التي تصدر في لندن  سرعان ماتراها في بغداد في غضون شهر واحد وهذه المؤلفات التي كان ينتقيها ماكينزي كانت تخص مجالات العلوم والاداب والفنون كافة ولم تعد تقتصر على المناهج الدراسية والمصادر العلمية التي كانت مطلب الدولة حصرا

وفي احدى زياراته المتكررة للعاصمة البريطانية، شدّه الشوق والحنين الى ملاعب صباه ومسقط رأسه في اسكوتلندا التي ولد فيها عام /1880 فقرر زيارة معارفه وما تبقّى من اهله هناك وكانت الصدف الجميلة له بالمرصاد فرأى حبيبة صباه وهي ايضا احدى قريباته وعزم على ان يتزوجها على عجل ودون تباطؤ وفعلا تمت مراسيم الزواج خلال تلك الزيارة وبعد ذلك اصطحبها معه الى بغداد، اذ كانت تلك الفتاة وجه السعد عليه  بشكل لم يكن يتوقعه هو نفسه حيث استمرت الطرود البريدية بالضخّ بين بغداد ولندن دون توقّف وامتدّ نشاطها الى مختلف بلدان العالم حتى وصلت الولايات المتحدة الاميركية ومعظم دول آسيا والشرق الادنى مرورا بايران وشبه القارة الهندية شرقا، عدا نشاطها الواسع الذي امتدّ غربا حتى شمل معظم اوروبا

ففي احد اعلانات المكتبة عام/1924 نقرأ: "ان مكتبة ماكينزي على استعداد لتوفير ايّ كتاب او مطبوع او مصدر معرفي من جميع انحاء العالم والبحث عنه اينما كان كما انها مستعدة لتسلّم شحنات من الكتب اسبوعيا من دور النشر الانجليزية والاميركية " .

ولأن السيد ماكينزي مغرمٌ بالعراق وبغداد بالذات الى حدّ الشغف فقد قام بطبع عدة كتب عن العراق في عشرينيات القرن الماضي منها (مراد الى مراد )والذي طبع في لندن سنة/ 1911 لمؤلفته المس غيروترود وقد اعاد هو طبعه في العام/ 1924 على نفقته الخاصة، ويتضمن الكتاب وصفا رائعا ساحرا لهذه المدينة التي يصفها دوما بمدينة السلام والتي احبّته وأحبّها، كما طبع كتبا اخرى مثل (مدن العراق القديمة) لمؤلفته دورثي مكاي وتم طبعه العام /1926 وكتاب (طريق الصحراء من بيروت الى بغداد) للمؤلفة نفسها وكتاب تشارلس هوبر المسمّى (القانون الدستوري في العراق) والذي طبعه العام /1928 وغيرها وغيرها الكثير فيما يخصّ الشأن العراقي حصرا اما بقية مطبوعاته في الشؤون الاخرى فيصعب حصرها في هذه المقالة القصيرة

ونظرا لكثافة الطلبات على مطبوعات مكتبة ماكينزي وصعوبة تلبيتها كلها وعدم قدرته وحده على تسيير نشاطها الآخذ بالتزايد بوتائر سريعة فقد اضطر الى الاستعانة بصهره وشقيق زوجته الاسكتلندية  السيد " دونالد ماكينزي " والذي كان يقيم في لندن وطلب منه سرعة الحضور الى بغداد ليكون عونا له في ادارة المكتبة وفعلا وصل السيد دونالد  واصبحا معا يقومان بادارة المكتبة وبشكل افضل من السابق من خلال رحلاتهما المكوكية بين العاصمتين

وفي شتاء يوم بارد وتحديدا في الواحد والعشرين من كانون الثاني /1928 غيّب الموت صاحبنا كينيث ماكينزي اثر اصابته بجلطة مفاجئة في الدماغ بينما كان يعيد ترتيب بعض الرفوف وسط مكتبته ونقل على اثرها الى المستشفى لكنه فارق الحياة بعد ساعتين من وصوله ودفن في المقبرة البريطانية في بغداد لكن المكتبة واصلت نشاطها فقد استمرّ صهرُه  "دونالد " في مساعيه ليُبقي تألّقها ويعمل على مواصلة نجاحها ورفدها بالمزيد من الكتب والمؤلفات التي تعنى بالفكر الماركسي الذي كان جديدا على العراقيين وقتذاك  واغنائها بالمفاهيم والاطر الاشتراكية لما عرف عن دونالد الميّال للفكر الماركسي الجديد ونزوعه الاشتراكي الواضح، والحق ان مكتبة ماكينزي اصبحت في عهده شعلة وهاجة لتعميم وجهات النظر والمباديء الاشتراكية وطرحها للقاريء العربي والتعريف بها ؛ تماما مثلما كان الكاتب المصري سلامة موسى يبشّر بهذه المفاهيم اليسارية الجديدة بمصر

وفي سنة/1946 توفي السيد دونالد ماكينزي الشريك الوفيّ للسيد كينيث وآلت المكتبة بكلّ محتوياتها لإدارات عراقية متنوعة وأخذ نشاطها يتمايل بين مدّ وجزر لكنها لم تقم بذلك الجهد الذي كان يوليه السيدان الآنفا الذكر ومازلت أتذكر في احدى  زياراتي لهذه المكتبة العريقة يوم تمّ قبولي طالبا في كلية الآداب عام/1969 حيث كنت ابحث عن ضالّتي عن الشاعر الانجليزي ووردزوث فلقيت معظم ماكتب وتناولتها من الرفوف بسعادة غامرة وتكررت زياراتي لها كلما احتجت شيئا لم اجده في غيرها، يومها كانت تتخذ شقة عالية في احدى العمارات مقرا لها في نفس شارع الرشيد، ورغم ضيق المكان فقد كان روّادها يرتقون سلالم البناية بلهفة بحثا عمّا يحتاجونه وأتذكر ايضا ان المكتبة في اواخر عمرها اختصت ببيع الكتب والمؤلفات المطبوعة باللغة الانجليزية واللغات الاوروبية حصرا وقلما تجد كتابا عربيا معروضا للبيع في رفوفها الى ان تمّ اغلاقها نهائيا في العام /1977 وغادرت الى غير رجعة

 

جواد كاظم غلوم

 

عبد الجبار الرفاعي .. المفكر الحر والصوت المعتدل للدين

abduljabar alrifaiقد لا نبدو مبالغين إذا قلنا إن التعامل مع وجود الإنسان كقيمة عليا، وفهم الدين بوصفه صنواً للإنسانية، بات شحيحا الى درجة لافتة للنظر في الكثير مما يقدم من كتابات، يفترض أنها وضعت لإعادة بناء الأواصر وردم الهوة الشاسعة بين الإسلام كدين يقرُّ الحوار ويتصدى لصلادة التعصب، والمسلمين في انشدادهم وانصياعهم لعقائد موروثة لم تكن بمأمنٍ من تسرِّب مظاهر التطرّف إليها، فضلاً عن غياب تشخيص معضلات عصرنا وخضوعه لظروف معقدة فرضتها إملاءات مناخ، ما انفك الجهل يعصف به. يشايع هذه الشحة في نشدان البعد الإنساني والعقلاني للدين الأعم الأغلب من دعوات المتشدقين بمظاهر الدين من دون فحص أو تدبر، لاسيما ما تواشج من دعواتهم مع ضرب من المواقف العنيفة أو المتشنجة، التي حملتها صور شوهاء ظهر عليها المسلمون هنا وهناك بعد زلزال الربيع العربي، وما رافقه أو تمخض عنه من تغذية لشتى أشكال العنف والعاهات الاجتماعية، وإذكاء لنيران الفتن الطائفية المقيتة.

ولعل تبنّي روحيِّة العارف وبصيرة الفيلسوف في مناقشة ومعالجة سؤال الدين والتدين هو مما لم يتوار وجوده تحت تأثير العقائد المتشددة وحسب، وإنما جاء كنتيجة طبيعية لتلاشي صورة الفكر القائم على إعادة الاعتبار لثقافة التنوّع والاختلاف، وخيارات التنوير والرؤية المكافحة ضد الأطر الأيدلوجية الضيقة، التي رسَّختها النزعات السياسية في الدين، وتأبدت لدى جلّ من تصدى لصياغة ملامح العلاقة بين الإنسان والدين. لقد شاع اختزال الإنسان داخل أطر وحواضن ضيقة وبات من الظاهر للعيان الآن انزلاق الكثير من النخب الثقافية في هاوية التطرّف، والانسياق وراء خطاب التعسكر تحت لونٍ من مدخرات التاريخ الإسلامي، يتوارى فيه الجانب الإنساني، وتغيب بوارق الفكر المتقد.

ولكن وعلى الرغم من إحكام التيار المتشدد لقبضته على جزء كبير من صور الفكر الإسلامي، وقلّة المواقف الداحضة أو الناقدة للنظرة السوداوية، ولنمط التفكير النابش في التاريخ، بحثاً عن مواقف تجانس مذاهب التفسير التي تُكره النصوص لقبول الفكر المتشدد، ثمَّة خطى ودروب نهضت بها قامات ثقافية ساطعة، ما أن تمرَّ على خاطرك حتى تجد نفسك مأخوذاً لدخول آفاق لم تكن تتوقع أنك ستدركها، ومشدوداً لوهجها المعرفي الذي يمضي بك لاتجاهات ومعانٍ تسمو على كل ما يطغى على هذا العالم من شوائب ومحن تهز الإنسان.

المفكر الإسلامي الحر الدكتور عبد الجبار الرفاعي إحدى هذه القامات، التي استوعبت أزمة المشهد الثقافي الإسلامي، وتنبهت لخطورة استئصال البعد الإنساني للدين منذ ما يزيد على ثلاثة عقود. التحديث والحراك وعدم المصادقة على الفكر من دون مساءلة متونه ومطاويه والبحث في ثناياه، كان وما يزال ديدنه وهاجسه في ارتياد صروح البحث والتأمّلات الفلسفية، يقول في مقدمة كتابه (إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين): "إنَّ هاجسي فيما أكتب هو إثارة الأسئلة، وتكرار طرحها بلا وجل، او خشية من أحد، ذلك أن المعرفة تبدأ دائماً بالسؤال، ويقودنا السؤال للتوغل فيما هو مسكوت عنه، أو مجهول، أو ممنوع التفكير فيه، وأية محاولة للتحديث والإصلاح لا تنبثق من أسئلة عميقة ومحورية سرعان ما تضمحل وتتلاشى."1 أن تقرأ للرفاعي يعني ذلك أنك تسعى لبلورة فهم فلسفي ثري ومرن، يترك لمخيّلك مسافة للحركة، وينعش مدارات وجودك بمسحة من الصدق والترفّق والاقتراب من إمكانية ترويض ما يختلج في داخلك من تخبطات، وما ينبث في وعيك من تساؤلات.

إنَّه لمن دواعي فخري وسروري أن تتاح لي فرصة الكتابة عن الرفاعي المفكر والإنسان الفذ، الذي تسود مشروعه أهم محاور التنوير، وتتوطد في خطابه وتطلعاته كل مقومات الإصلاح، وما أحوجنا في هذه المرحلة بالذات لإصلاح يبدد عن سماواتنا ما تلبد على شمسها من أرث تاريخي قديم لغيوم ثقيلة الحركة. أقول هذا على الرغم من كوني لست ممن حالفهم الحظ في التعرف على شخص الرفاعي منذ زمن بعيد، إلا إنَّ معرفتي برسالته الفكرية، وكشوفاته في البحث عن الجوهر المشترك للأديان، والأبعاد الإنسانية والحضارية التي اصطبغ بها فكره على وجه الإجمال، تعود إلى مطلع الألفية الثانية، إذ أعارني صهري السيد فلاح حسن الموسوي ـ أحد طلاب الرفاعي في قم أوائل تسعينيات القرن الماضي ـ أعداداً من مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" فاتحاً لي نافذة الاطلاع على عددٍ غير قليل من بحوث ومقالات الرفاعي، فوجدته مفكراً بنبرة تزرع الثقة في المتلقي، ينزع لتناول الملتبس، ولم يأنف عن ذكر أشد المناطق الفكرية حراجة في منظومة العقل الإسلامي، كالموقف من الحداثة، والحريات الفردية، وحقوق المرأة، وسوى ذلك مما تمازج مع محاولات إعادة قراءة وتفسير أشد النصوص جفافاً، ولاسيما في إطار معرفة ما يختفي خلف ستائر مفهومات إشكالية،كالسلطة والسيطرة والنفوذ السياسي، وما عليها من قداسات في التفسيرات التقليدية للشريعة. ولشدَّ ما أعجبتني فيما أتيح لي أن أقرأ من مؤلفاته عينه اللماحة الراصدة وغير الأسيرة للآيدلوجيات، ثمَّ نوع التدين الشفاف الذي ينشده ويصفه قائلاً: "ظلت التجربة الدينية لأمي منبعاً لا ينضب يستقي منه تديني. هي من غرست المنحى الميتافيزيقي في حياتي، وإلى نمط تدينها، الفطري العفوي الشفيف، يعود الفضل في رسوخ إيماني وتجذره، ومقاومته لأية مجادلات، أو مناقشات، أو إشكالات، أو قراءات تشكيكيَّة. إيماني مطمئن في فؤادي، في فضاء محصن منيع، بعيد عن شطحات عقلي، ومشاكساته، واستفهاماته اللاهوتية، القلقة والحائرة. فشل عقلي في أن يطيح بإيماني، أو يقوضه، أو يزلزله. مازالت أطياف كلمات أمي حاضرة لحظة استيقاظي، بالرغم من مضي أكثر من خمسين عاما."2

إنَّ ما يحمله الرفاعي بين جنباته من خلق رفيع، وتواضع كبير، جعل المسافة، بينه كمفكر وأستاذ قدير، وبيني كطالب ما زال يحبو على التخوم، غير مرئية، حتى إنَّها لم تعد مسافة فاصلة وإنما جواً مشحوناً بالمحبة والفرح الإنساني. كلَّما تلقيت اتصالاً هاتفياً أو بريداً إلكترونياً منه، وهو السباق المبادر على الدوام، ازددت انبهاراً بما له من روح متسامحة، لابد لك أن تتحسَّسها وهي تتجاوز حدود الأديان والطوائف، وتتغاضى عن أوار الخلاف المستعر بينها، لتراهن على خيار الثقافة لتحرير الإنسان مما أختلقه من معوقات تحول دون انفتاحه على الحياة. ما أن أقرأ اسمه على شاشة هاتفي، ثمَّ أسمع تحيته المشرقة ببهاء روحه حتى أشعر بدفء يغمر المكان، يجعلني على مقربة من وعيه، وهو ينافحُ عن الخيارات المثلى لتنظيم الفوضى والعبث المتحكم بصورة المشهد الحياتي والثقافي الإسلامي، تنصهرُ حمولاته المعرفية عقلاً وروحاً في خطابه، فأجدني مسحوراً بما تكتسيه لغته من بلاغة، تستدرج بواطن النصوص والمعاني، لتصل بها لفهم الثقافة والموقف من الدين، بأسلوب لا ينأى بنفسه عن السياق التاريخي المعاش وما له من متطلبات ملموسة.

ومن بين ما أثار اهتمامي لديه أنه حين يسرد متحدثاً عن ملاذاته الفكرية وكشوفاته المعرفية في الفلسفة والدين، لا ينفصل موقفه متكلماً عنه كاتباً، ويتضح ذلك على وجه التحديد فيما يدعو إليه في كتابه "انقاذ النزعة الإنسانية في الدين" إذ يتوق لـ "بناء فهم آخر للدين، وتأويل مختلف للنصوص الدينية، عبر قراءة شاملة لهذه النصوص، تستلهم نظامها الرمزي، وما تختزنه من معان ودلالات ، لا تبوح بها إلاّ من خلال عبور المنظومة المغلقة للفهم التقليدي لها، وتوظيف منهجيات ومفاهيم وأدوات ومعطيات المعرفة البشرية والعلوم الإنسانية الراهنة، لتفسيرها في ضوء متطلبات العصر ورهاناته. انه تفسير لا يختزل الدين في المدونة الفقهية فقط، ولا يقوم بترحيله من حقله المعنوي القيمي الأخلاقي إلى حقل آخر، يتغلب فيه القانون على الروح، ويصبح الدين أيديولوجية سياسية صراعية، أيديولوجيا تهدر طاقاته الرمزية والجمالية والروحية والمعنوية."2.

يواصل الرفاعي في هذا الكتاب تتبع شفرات النصوص، ورسم الأسس النظرية التي يشيِّدُ عليها دعائم النظر للدين من منظور إنساني متعدد الوجوه، لا يهاب الإقدام على إزالة الصدأ عن الخطاب الديني، فيدشن طريقاً جديدة في تفكيك ما تكلَّس من أنساق الثقافة الدينية، يكتب: "وظيفة الدين هي إنتاج المعنى، الدين يضيء ما هو مظلم في حياتنا، ويكشف عن الجمال في الأشياء، بل إنَّه لا يقتصر على كشف جمال الأشياء، بل قد يستطيع المتديِّن من رؤيتها شفيفة رقيقة، متناسقة مع عناصر الكون ونظامه، لترتسم معه في لوحة مشرقة، وهكذا يغدو العمل في حياة المتديِّن أيسر وأقل مشقة، ويمنحه قدرات إضافية على مواصلة الكدح والجلد والمثابرة"3.

لم يدر الرفاعي ظهره للأزمات وللمجالات الثقافية الملوثة، كما فعل سواه ممن يدعي الانتماء للأوساط الفكرية، بل ناقش وجادل في المحافل والمؤتمرات الدولية، ساعياً لفك عرى التلازم الكارثي بين الإسلام والإرهاب. ويمكننا أن نعد رأيه في الإسلام السياسي من أشد الآراء قوة ودقة وصلابة، إذ أزال فيه الأقنعة بمنتهى الصراحة والوضوح، وذلك في قوله: "لا أدافع عن فشل الإسلاميين في إدارة السلطة، كما لا أتجاهل ما يبدو من حقيقة أن السلطة قد تكون مقبرتهم، بسبب عجزهم وقصورهم عن إدراك الجذور العميقة للدولة الحديثة، وافتقار الكثير من المسؤولين، إلى أي تكوين أكاديمي أو معرفي أو فكري، يؤهلهم لإعداد نظم وبرامج وخطط اقتصادية وإدارية وتربوية وعلمية وثقافية معاصرة، فضلا عن عدم توفرهم على تدريبٍ وخبرة عملية في إدارة الدولة وبناء مؤسسات السلطة. إنهم يفكرون في مرحلة ما قبل الدولة، لذلك يحرصون على استدعاء القبيلة وقيمها وتشكيلاتها العتيقة، ويغرقون في كهوف الماضي، ويفرطون في استهلاك التاريخ، وكأنهم لا يعيشون في عالمنا إلا بأبدانهم، في حين تلبث عقولهم وأرواحهم مع الموتى"4. في ظني إنَّه ليس من السهل أن نجد لهذا الرأي أسوة في الكثير مما نقرأ ونسمع من آراء، لا يشيّد أصحابها نقداً موضوعياً حقيقياً لسؤال الدين والمشروع السياسي.

انهمك الرفاعي بإعادة بناء المرتكزات في الثقافة العربية الإسلامية التي انهارت تحت تأثير ما لفظته الحروب من خراب وأزمنة سيئة فاقت مشكلاتها حدود التوقع. لم يبدُ في طروحاته ومعالجاته لكل ما هو شائك ومتوارث من نظم قيمية وعقائدية ارتباطاً بخطط ومناهج الأيدلوجيات أو التقلبات الحزبية، وما كانت حواجز الأيدلوجيا وأسوارها لتتسع لجناحيه أو تستحوذ على أهمية فيما قدَّمه من مسيرة فكرية غنية، ذاق فيها كربلاءات الوطن وإشكالات المنفى المترعة بكل ما للاغتراب من وجوه ومعان... وعن رؤية الرفاعي للآيدلوجيا يكتب عبد اللطيف الحرز: (ترجمة الرفاعي لكتاب "العقلانية المعنوية: مقاربات في فلسفة الدين"، وإصدار محور "الاتجاهات الجديدة في علم الكلام" لسنتين في مجلة قضايا إسلامية معاصرة، بمثابة حلقة تمهيدية للخروج إلى مرحلة نقد الأيديولوجيا ومفاهيم لاهوت التحرير والمثقف الداعية، والإنتقال من "أدلجة الدين الى فلسفة الدين"، ومن ثم "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين". إذ لم يعد بالإمكان إبقاء الفكر رهين المحبسين: محبس التراث، ومحبس الهوية. محبس الإنتماء ونقاوة المنهج)4.

تتعاضد في رؤى الرفاعي، وفيما شيَّده من مشاريع فكرية رصينة في مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" وفي "مركز دراسات فلسفة الدين"، متبنَّيات البحث عن كيان الإنسان في الرسالة الدينية، ورفض الإنكفاء داخل حدود النمطية السائدة في مواجهة سؤال الإنسان والتجربة الدينية. وربما فسَّر لنا ذلك اقترابه من ميراث الصوفية وجلال الدين الرومي، الذي يطلق عليه صفة "مولانا"، متحدثاً عن ذائقته الدينية: "إنَّ مولانا اشتق مذهباً جديداً في تأويل الدين ونصوصه، يمكن تسميته بـ (مذهب العشق)، مذهب تتغلب فيه الروح على القانون، ماهيته التراحم والمحبة، تتسع مدياته الإنسانية، بنحو يحرر البشرية من العدوان والتعصب، ويفتح آفاق التواصل والتفاهم بين مختلف المجتمعات. ميراث مولانا يلهمنا مفاهيم ومقولات ورؤى تنشد احترام كرامة الكائن البشري، ترسخ النزعة الإنسانية في الدين، تشبع حياتنا بالمعنى، تخلع على ديننا صورة أجمل، تهبنا أفقاً بديلاً للتواصل مع مختلف أتباع الأديان والفرق والمذاهب"5.

لقد توخى التجديد في كيفية استلال التجارب من التاريخ، وفي إعادة النظر فيما أنتجه العقل العربي، وغاير المنظور الاسلامي السائد لمفهوم العقل في معالجة الأبنية الدينية، ولم يكن نشدانه للفكر صفة مجردة مفرغة من المحتوى الروحي، إذ مازجها روحه وأنساغه الوجدانية، التي نهلت من مشارب التصوف، وامتصت من بواطن العرفان، نقرأ له في هذا السياق: "مسار القلب لديّ غير مسار العقل، أي إن وجهته بموازاة العقل، إن كان للعقل وجهة أو مسار. قلق عقلي واستفهاماته المتواصلة لم يزعزع إيماني، أو يطيح بتديني، أو يهزم أخلاقي، ويبدد نزعتي الإنسانية. إيماني حقيقة أنطولوجية لا أستطيع الإطاحة بها، حتى لو قررت التخلي عنها. إنها نحو من الإشراق الروحي الذي لا يمكنني توصيفه بوضوح، لأنه مما يوجد، لا مما يُدرك، كما نصطلح في المنطق هو نوع من الحضور الوجودي الذي يتوطن القلب، وليس نوعا من العلم والتصور والفهم المتوطن الذهن. إنه نمط من المحبة أو العشق الذي يغرق فيه قلبي."6

حري بالثقافة العربية أن تحتفي بالرفاعي، فهو كما يقول أركون: "المثقف الذي يتحلّى بروح مستقلة محبة للاستكشاف والتحرِّي، وذات نزعة نقدية واحتجاجية، تشتغل باسم حقوق الروح والفكر"7. ولا شك أن هناك الكثير ممن سبق في الوقوف على ما لهذا المثقف المتحدّث من مواهب وميزات وأبعاد شخصية، استقطبت اهتماماً من نوع خاص داخل الأوساط العلمية.

عبدالجبار الرفاعي مفكرٌ إسلامي، قدَّم فهماً مغايراً للدين، لا يفرغه من محتوياته الرمزية، ولا يزيل عنه مكوناته الجمالية، ليقصره على المدوَّنة الفقهية، ثمَّ إنَّه أعاد للمثقف تمثل الموقف النقدي التفسيري لواقع مأزوم، أمسى الدين فيه أداة لتمرير أيدلوجيات، لا تنسجم مقاصدها ومراميها مع البعد الإنساني للدين.

لقد كرّس حياته خدمة للثقافة الحقيقية المنغرسة في الأصالة اليقظة المنفتحة على روح التجديد، وحظي بمحبة وتبجيل المثقفين، وهو نموذج المفكر المرسِّخ لنواميس الرؤية المضيئة، التي تكتشف أزمة الإنسان حيال واقعه، وتبني أسسها على المراجعة الشاملة لطبيعة العلاقة بين الدين والإنسانية، وعلى الجرأة في رصد ما يتجاهله الآخرون، ثمَّ تفكيك كلَّ ما يُعتقد أنَّه قناعات غير خاضعة للفحص والتدقيق.

تحية مفعمة بروح المحبة الصادقة والاحترام العميق لك أيَّها المعلم الكبير عبد الجبار الرفاعي، أيَّها السامق المضمَّخ بحنّاء الجنوب، وعراقة سهول حضارة سومر.

..................

-   كاتب عراقي مقيم في سويسرا.

1 إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد 2013، ط2، ص 16- 17.

2 دعوة للخلاص من نسيان الإنسان في أدبيات الجماعات الإسلامية. عبد الجبار الرفاعي. قضايا إسلامية معاصرة. ع 53-54، ص6.

3 إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، ص 25.

4 ملحق العالم، ع 7، آذار 2013.

5 إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، ص 71- 74.

6 دعوة للخلاص من نسيان الإنسان في أدبيات الجماعات الإسلامية، ص 10-11.

7 الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد، محمد آركون، ترجم هاشم صالح، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1993.ص 5.

 

فنانون .. بلاحدود

rahman khodairabasللجمعة في بغداد نكهة فريدة ومذاق خاص. ولاسيما لدى فناني المرسم الحرّ. يأتون من احياء بغداد، او من المحافظات البعيدة حاملين الخفيف من ادواتهم والثقيل من احلامهم، يتوهجون شوقا الى مرسمهم الحر ما بين (المتنبي النُصب)، الشامخ في عبقريته الشعرية التي اسمعت من "به صمم" وبين (المتنبي الشارع) الذي اكتسب صيته عبر السنين كأعرق عش للوراقين والكتبيين وعشّاقي الحرف. يصل هؤلاء الفنانون بصعوبة الى وجهتهم، مخترقين زحام الطريق واخطاره، الزمن الضائع في السيطرات - التي لاتسيطر الا على الزحام -. وسائل النقل التي تنتمي الى عصور غابرة . يكملون مشوارهم مشيا، بعد ان يتعذر على السيارات العادية الوصول،. هاهو المتنبي الشارع يتجلى امامهم بلون الحلم وبمذاق الألم . رائحة الكتب تسيل مع خيوط الصباح . تلك ألكتب التي تستلقي على قارعة الرصيف، او تتسلق الرفوف، او تنزوي في الواجهات الزجاجية لمكتبات قديمة او مستحدثة، لم يجدوا نعيم الشطري في مكتبته او يسمعوا صوته وهو يعلن مزاد الجمعة . مات نعيم بعد ان عاش للكتب كل حياته واصبح من ذكريات الشارع، حيث كانت (بسطته) قبلة الباحثين عن الكتب في مزاده العلني . دار المدى واصبوحاتها الأسبوعية. حيث الكتب والبوسترات وقاعة المحاضرات . اصبحت هذه الدارفضاءا فسيحا للثقافة، فقد كرست جهودها من أجل تقديم الأدب الأنساني،ومن أجل احياء التراث . وذالك عبر مساهماتها المتعددة في إنعاش الثقافة العراقية، من خلال تقديم المحاضرات في مختلف المجالات الأدبية والفنية . كما لم تدخر وسعا في تكريم الأدباء او تأبين المفكرين .كما ابدعت في اختيار المحاضرات الأسبوعية،إضافة الى اهتمامها بالتراث الغنائي القديم .

سوق السراي عامر بمحلات القرطاسية يتوسطهم المحل الصغير حجما والكبير تأثيرا لعلي المندلاوي الذي اصبح محطة للفنانين، فهو يزودهم بمستلزمات الفن، ولايتردد ان يقدم نصائحه الى هواة الرسم ومحترفيه . سوق القرطاسية لايستغني عن مطعمه الصغيرلبيع الكبة. هذا المطعم كان من بقايا الزمن الجميل . مرة في شهر نيسان الماضي وجدت فيه السيد احمد القبانجي ياكل كبته بهدوء لكن سيل من الشباب والشابات لم يتركوه يزدرد لقمته كانوا فخورين ان يلتقطوا معه صورا تذكارية . قلت في نفسي : ما ابهى الفكر العقلاني الحر الذي يمثله هذا الرجل المعمم .

في الزاوية تبدو مقهى الشابندرطافحة بتخوت السمر وكؤوس الشاي وحكايات الأدب . يؤوي اليها رواد المتنبي والطارؤون على المدينة،هذه المقهى التي تعرضت للعنف الأرهابي، ولكنها تحدت الموت، وعادت الى الحياة من جديد. تستقبل الناس على اختلاف خلفياتهم، تقدم لهم قدحا من الشاي مشفوعا باغان تحكي قصة حزن عاشها الوطن، في جدران هذه المقهى تتنفس تأريخ بغداد كما تستعيد مجد العراق من خلال ارشيف الصور واللوحات التي تمثل امكنته واعلامه ومفكريه وادباءه . رواد المقهى يستعيدون بغدادهم . منهم من لم يستطع ان يغادرها، ومنهم من يبحث فيهاعن سمار الأمس الذين اختفوا وراء غبار الأزمنة، مغتربون يبحثون عما تناثر من اعمارهم في المنافي البعيدة . شعراء يبحثون صدى همس أشعارهم، نقاد ومسرحيون وطلاب علم وأدب واكاديميون .

المتنبي والقشلة والقيصرية ودجلة والدوبة والكتب المعلقة على غسيل العرض، ومقهى الشابندر واروقة السراي وافواج الناس.ألا يكفي هذا المزيج ان يصبح واحة لعطش بغدادي ؟ هذه الواحة تبدا من اول مكتبة في المتنبي وتنتهي بموجات دجلة، ياتي محبو الشارع مسرعي الخطوات، وكأنهم يغتنمون لحظة شحيحة تؤطرها المخاوف والأحتمالات . منهم من يبحث عن كتب جديدة ومنهم من يبحث عن الفرجة وهو يقايض صباحا (متنبيا) بهموم اسبوع كامل .

المرسم الحر رئة المتنبي التي تنبض بسحر اللون وجمالية الفكرة . وهو يقع في هذه البقعة الغارقة باطياف الحروف والكلمات . أما على صعيد التأسيس فيعود الفضل في انشاء المرسم الحر الى الفنان التشكيلي حسن الصباغ - كما ذكر ذالك في مقابلة صحفية - هذا الفنان النحيل والشفاف والقادم من مدينة العزيزية، اراد ان يضع لمسة حب وحنان على وجنة بغداد . كان يحلم ان يصبح الفن حرا والمرسم متاحا للجميع بعد ان ينعتق من أغلاله الأكاديمية، ليلتقي بالناس على اختلاف اعمارهم وثقافاتهم ومهاراتهم، وليجعل من هؤلاء الناس من مجرد مشاهدين الى مشاركين . لذالك فقد اجتهد هو وزميله الفنان كريم الواسطي لكي يكرسا هذه الفكرة . في البداية كان يعرضان رسوماتهما على نهر دجلة . وقد حققا نجاحا من خلال الحشود التي كانت تشاهد اعمالهم . وبعد النجاح الذي تحقق انضم اليهما عدد كبير من الفنانين، حيث انتقلوا معا الى اروقة القشلة . وقد اشاعا فكرة الأندماج الحقيقي بين الفن ومتلقيه . في كل جمعة تثمر الفكرة وتتسع وتستوعب اعدادا اخرى من الناس. وهكذا اصبح المرسم الحر حقيقة ماثلة للجميع، واصبح مدرسة فنية تستعصي على الحدود .

لقد كرس المرسم الحر اهتماما كبيرا باشراك الأطفال في الإبداع، وذالك من خلال تهيء مستلزمات الرسم من اقلام واوراق وأصباغ، وقد اصبح تظاهرة فنية ىكبيرة، تركت أثرها على الكثير من الناس . لذا فقد تحول الى لقطات من الفرح والمحبة والإلفة بين الناس . وهذا ما نحن بحاجة اليه . اشاعة روح المواطنة بين العراقيين، لأن الفن ليس فيه محاصصة . الفن تتويج لجهد انساني يهدف الى العناق بين البشر، بغض النظر عن خلفياتهم الفكرية والوانهم وعقائدهم، المرسم الحر ساهم في إشاعة هذه الثيمة التي انست هؤلاء المتعبين بعض همومهم. اذن فالمرسم الحر إجتهد كي يقدم البديل عن اليأس والنكوص والإذعان للموت البطيء .. المرسم الحر إقترح الحياة. إمتص هول الفاجعة وحوّلها الى فرح فني. هذه اللقطات الفنية في المرسم الحر بحاجة ان تستمر وتتعزز ليعود للوطن بهائه، اي أنها تحتاج الى الديمومة، وان لاتنتهي بانتهاء الفعاليات الرسمية لبغداد كعاصمة للثقافة. لذالك اتمنى ان يتكرس هذا التقليد وان يتوطد . وذالك لأن المرسم الحر سيساهم في حماية المجتمع من النزعات السلبية التي تنخر به. اذا اردنا ان نحرر المجتمع من اوجاعه، فعلينا أنْ نغرس هذا الفن بين الجميع ولاسيما الأطفال الذين نعوّل عليهم في بناء مستقبل اكثر امنا .

لقد كانت جهود هؤلاء الفنانين اكبر من انجازات وزارية لها ميزانياتها وحاشيتها وإعلامها. حيث انهم - اي الفنانين - استطاعوا ان يعملوا المستحيل لأنجاز هذه الأعراس الفنية، معتمدين على قدراتهم الذاتية . فكانوا يهيؤون لوازم الرسم والأصباغ والأوراق، ثم يقومون بعرض مهاراتهم الفنية، او يعطون دروسا مجانية ونصائح الى الأطفال والشباب ويتحملون مشقات الطريق واخطاره . وبعد انتهاء فعالياتهم يقومون حتى بتنظيف الممرات من الأوساخ والأوراق والأصباغ . وبعد انتها الفعالية يتوجهون الى الفيس بك من اجل نشر ما فاموا . فطوبى لهم وهم يبدعون وطوبى لهم وهم يزرعون قيم الفن الحرية والأخاء بين الناس .اليس حريا بوزارة الثقافة ان تدعمهم ماديا ومعنويا؟ وذالك من اجل الأستمرار لنهج محفوف بالعطاء .

ان فكرة المرسم الحر هي تحد كبير لعوامل الأحباط الذي يعيشها الأنسان العراقي. انها جرعة الأمل التي لابدّ منها . لذا فكم هو جميل أن تنتقل هذه الفكرة الى عموم العراق، لجميع مدنه ومراكزه. وذالك في محاولة لرأب الصدع وتمزيق اليأس . لذا فنستطيع من خلالها بناء انساننا فنيا، ان نسوره من الأنحدار الى مستنقعات العنف والكراهية .

 

أوتاوة /كندا

 

القاص والناقد انور عبد العزيز .. كما عرفته

mohamad salihaljaboriتعرفت عليه من خلال زياراتي المتكررة الى مقهى الاكابر في الدواسة في الموصل، كنا نتبادل التحية عن بعد، وتطورت تلك المعرفة عندما شرعت في الكتابة في الصحف الموصلية. يجلس في نهاية المقهى تحيط به مجموعة عن محبية من الادباء والاعلاميين (سعد الدين خضر، عبدالجبار حسن الجبوري، الراحل موفق العساف، محمد صالح ياسين الجبوري، يوسف، فارس الغلب، صباح سليم، كرم الاعرجي، عمر حماد، عمر عناز). دخان سيكارته ينبعث من الزاوية، وفي متناول ايديهم (أقداح الشاي والحامض) وهم يناقشون أمورا كثيرة. أبو ياسر (صاحب المقهى) اعتاد على جلستهم وتلبية طلباتهم ويانس لقربهم واصبحت المقهى مقرا لهم ينتظرون وصول الصحف الى مكتبة الضحى وزهرة نينوى، وهذا المشهد يتكرر يوميا، احيانا يطلعهم على مقال كتبه في جريدة أوملاحظة يحتفظ بها في محفظته التي لاتفارقه ابدا. ابتسامتة المميزة، وتفاؤله وقدرتة على تجاوز الصعاب سمات يمتاز بها و هو يبعث فينا الامل ويشجعنا على مواصلة الكتابة مرات عديدة اطلعته على ماكتبت وادلى لي بملاحظاته القيمة وعندما يتحدث تجده في عنفوان الشباب، (ألا ليت الشباب يعود يوما لاخبره بما فعل المشيب) .. جلسة هادئة تسودها الالفة والمحبة والتسامح والسرور وهي تبعث روح التجديد والتفاؤل والامل .. يتذكر الادباء ويتأثر لفراقهم ويحن للقاء بهم ويثني عليهم ويتحدث عن محاسنهم ويذكرهم بخير.. طيب القلب، عزيرالنفس كريم مسامح، هادى الطبع متالق مع الجميع احب الناس فأحبوه، لم يذكر أحد بسوء يؤثر على نفسه متواضع صبور.. ان اكثر مايزعجه هو عندما يسمع ان ادبيا اوشاعرا لايستطيع طبع نتاجاته الادبية او تهمش الثقافة و الادب أوان يكون المال هوسيد الموقف ويسيطر على الثقافة والادب.. صمته يوحي الى اشياء كثيرة فهو يحمل الهموم في قلبه، لكنه يقابك بابتسامة ومحبة. وقد علمت ان الطالبة (نفلة العزي) قدمت رسالتها لنيل شهادة الماجستير عن قصص (انور عبد العزيز) وهذا بحد ذاته دليلآ واضحا على ابداعه وتأ لقه وقدرته وحجة دامغة على نجاحه فهو االقاص المبدع والاستاذ المتألق في اللغة العربية تشع انواره في ميدان اللغة والادب ولاسيما انه عمل مدرسا للغة العربية فترة طويلة، أقف خجلا .. وانا اكتب عن استاذ مقتدرمبدع راجيا منه السما حة وربما لم انصفه ولكني اردت ان اعبربهذه الكلمات البسيطة عن شخصية مرموقة رصينة محبوبة فهو شامخ كالجبل الشاهق لاتهزه الرياح، ومعذرة استاذي الفاضل أطال الله في عمرك

 

بقلم :محمد صالح يا سين الجبوري كاتب وصحافي -الموصل - العراق

 

سماوتنا سماوات

الشمس تنهض تبدو مسرعة، إذ قبل لحظات كانت ترسل بأشعتها من خلل سعيفات النخيل، أما الآن فقد إنفلتت، وطفقت تمخر في عباب السموات .. بعد ساعتين، في منتصف الضحى، سيأتي بائع البخصم والصودا سيفون، وبعده بقليل يأتي بائع الثلج الذي تعاقد معه عمي ليأتينا بربع قالب ثلج كل يوم .. في كل مرّة يضع عمي ربع قالب الثلج في السطل الكبير .. ربما لا يستطيع تقييم قيمة الماء المثلج في عز الظهيرة إلا أولئك الذين إغتسلوا بعرقهم تحت شمس الله المُحرقة.

يمضي الوقت بطيئاً، ثقيلاً، وتثقل خطوات العمال الذين ينتقلون بين الطابوق والإسمنت والرمل، وتتقارب توقفات الخلفة الذي كان في كل مرّة يمسح عرق جبينه بكمه، ثم يرسل نظراته في أحشاء البريّة، علًّ نظراته تكتحل ببائع الثلج أو البخصم أو الصودا سيفون .

أرض البرية السبخة يتراقص بريقها، هي تعكس أشعة الشمس، تعكسها بفوضوية، وكلما ركزّت عينيّ بالبعد كلما غامت الرؤية وتداخلت الأشياء، وأضحى الأفق مُغبراً .

خيّل لي أني اسمع دوياً عن بعد .. ربما هو دوي الأرض إذ تتمطى جزعة من حرارة الشمس التي لا ترحم، وربما هو فحيح الهواء المُغبر إذ يلامس الأرض. الريح تتدحرج على أديم أرض الله المنسرحة على المدى، فتدحرج الكسر الطينية، التي تشققت من وجه الأرض، كأن يداً حنونة تمسح عن وجه الأرض المتجدر والمتشقق نتوءاته، فتعيدة أملساً منبسطاً، الريح تجمّل الأرض المجدورة .

ما بيننا وبين الفيء، والسوق المسقوف، وتلك المقاهي شبه المظلمة ليس سوى خطو ربع ساعة، لكننا وسط هذا الجحيم نحس بأننا في عالم آخر.

 عندما قال صديقنا المتفيقه: (سماوتنا سماوات) خلناه يهذي كعادته، أو يتلاعب بالألفاظ، وهو ما إعتاد عليه، فسماوتنا ما هي في حقيقة الأمر سوى بقعة صغيرة من الأرض، تنحصر بين شارع آل مصيوي شمالاً ، وشارع الجسر جنوباً، ما بين سكة القطار غرباً وبضعة بيوت في القشلة غرباً. بضعة دقائق تكفي لقطع السماوة من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب. عندما تكون في السوق المسقوف فإنك ستكون في قلب السماوة، ليس مجازاً وإنما واقعياً وعملياً.

سماوتي، سماوتنا الصغيرة كصبية ذات السبعة عشر، الهادئة لحد التخثر، المتململه لحد الهيجان، سماوتنا النقيض ونقيضه، صغيرة كحضن الأم، واسعة وكبيرة كالحلم.

دفتر واحد يكفي لتدوين أسماء أهل السماوة كلهم، ولكن كل دفاتر الدنيا لا تكفي لتضع مفردة (إكتمل) عندما تنشغل بسر السماوة ولغزها. أي شيء هذا الذي كلما توهمت أنك عرفته تفاجأت بأنك لا زلت في الكلمة الأولى، في السطر الأول، في الصفحة الأولى، في الكتاب الأول من سفر المدينة المدهشة، السهلة والمعقدّة، البسيطة والمركبة، المفهومة كالبداهة للوهلة الأولى، والعصية على الفهم والإدارك كلما توغلت في حشاياها وثناياها، ماضياُ وحاضراُ، وربما مستقبلاً.

 نعم صديقي المتشدق، الحالم، الصامت عن قول المُعاد والمُكرر، المِهذار في طرح كل ما هو مُثير للإدهاش، سماوتنا سماوات.

قال مدرسنا المصري: قيّض لي العيش في العديد من المدن خارج مصر المحروسة، لكن المدينة الوحيدة التي لم أشعر فيها بأني غريب، هي السماوة.

كان رد صديقنا المتفيقه: ليس هذا بسبب الأرض، فالأرض هي الأرض، ولا الناس فالناس هم الناس، ولا المناخ فسماوتنا ليست الريفيرا.

سالناه: فما هو السبب إذاً؟ .

نظرنا بإستخفاف: لأنها السماوة يا أغبياء.

قال هذا وغادر مجلسنا دون أن ينظر في عين أي منا.

هل أجاب صديقنا المتفيقه على السؤال أم أن السؤال مازال بلا إجابه؟

ترى هل نلوذ بما لا يُفهم عندما نعجز عن توضيح ما يستوجب الإيضاح؟

شيء ما لا نستطيع إقتناصه، ولأننا لا نستطيع إقتناصه، فإننا لا نستطيع توصيفه. ربما نحوّم حوله، لكننا نعجز عن الوصول إلى جوهره أوحقيقته، ربما نحتاج إلى أحاسيس أخرى لم نوهبها، أو ربما لوعي لم نتملكه بعد، كي نكون على مشارف إجتلائه ومعرفة كنهه.

سماوتنا سماوات.. شيء أعتقد به، لكنني غير قادر على وصفه، فهل يلومني أحد؟

إنتابني هذا الشعور بقصور الوعي، عندما كنت أستمع إلى حارس الوركاء وهو يحدثنا عن أولئك الذين نحن ورثتهم، لكننا لسنا أحفادهم . كان منطقه بسيط وواضح، من بنى هذا الحجر أصبح هو ذاته حجر، ولا يمكن أن نكون من نسل حجر، لإننا بإختصار بشر.

صاح الأسطى : ابو الثلج وصل .

حدّقنا جميعاً بإتجاه المدينة، لكننا لم نر شيئاً. الضوضاء بدت أكثر وضوحاً. ماذا يحدث في المدينة ؟

قال أحدهم : ربما التلاميذ كعادتهم يتظاهرون .

قلت له : يا فالح نحن في عطله، وأنا الذي أمامك من التلاميذ.

-  إذن  ما الذي يحدث؟

لوّح لنا أبو الثلج من بعيد، على غير عادته كان يلوح بيشماغه، وعلى ما يبدو كان يصرخ من دون أن يسمعه أحد ..

تبين فيما بعد أنه يسوق عربته التي يجرها حمار من دون أن يحمل على ظهرها شيئاً.. أصبنا بالخيبة جميعاً، فنحن في هذا الجحيم أحوج ما نكون إلى الثلج، وصاحبنا المنتظر لم يأتنا بالثلج، ولا بأي شيء على ما يبدو، جاء بمفرده ولا نفع لنا فيه ولا حاجة لنا بعربانته الفارغة، وحمارة الذي كان يجري الهوينا.

لم يعد يهمنا متى يصل. لذا عاد العمال إلى عملهم، وعندما وصل لم يهتم به أحد، غير أنا جميعاً كنا بحاجة لمعرفة لماذا لم يأت بالثلج معه.

لم يسأله أحد عن هذا، لكنه تطوع بالإجابة: لا يوجد ثلج اليوم .. معامل الثلج متوقفه. لا يوجد داطلي، ولا بخصم، الأفران متوقفه..

سالناه جميعاً، ومرّة واحده وكما لو كنا جوقة إنشاد: لماذا؟

-  الناس إما في الشوارع تتظاهر، أو في المقاهي تستمع إلى الراديو.

-  لماذا؟

- ثورة .. حدثت ثورة .. الدنيا مقلوبة.

لم يكن بالإمكان فهم كلامه ، فتتالت عليه الأسئلة التي لم يجب عن أي منها ، لكنه واصل إخباره.

- لا تسألوني، وإسمعوني حتى الآخر.. قام الجيش بثورة .. قُتل الملك والوصي، والدنيا مخبوصة .

صاح عمي بالجميع : إلى عملكم . ما لنا وما يحدث ..

عاد العمال إلى عملهم، أما أنا فيممت وجهي صوب المدينة .

صاح بي عمي : إلى أين ياولد؟

لم أجبه .

صرخ : خلي الثورة تنطيك يوميتك، هاي شواربي لو فلحت ياخايب .

 

مع البروفسور محمد عبد اللطيف مطلب

adnan aldhahirقبل ثورة تموز 1958:لم أكن أعرفه في مدينتنا الحلة سوى أنه كان سجيناً سياسياً محكوماً لفترة سجن طويلة . هذا ما كان معروفاً وشائعاً عنه زمان الحكم الملكي . لكني كنتُ أعرف أخاه (عزيز) زميلي في ثانوية الحلة للبنين خلال الأعوام الدراسية 1951 ـ 1954 . ثم كان والد الفقيد الصديق الحاج (مِراراً) عبد اللطيف مطلب شخصية محترمة معروفة في مدينة الحلة في أوساط تجّار الحبوب وغيرهم من التجّار كما كان معروفاً في أوساط الطلبة ولا سيّما الطلبة التقدميين والدمقراطيين واليساريين . كان تعاطف واحترام فئات الطلبة هذه له مُبرراً وله قاعدة وجذور . منها أنه كان شخصية وطنية نظيفة ووالداً لسجين سياسي ثم كان سخيّاً كريماً محبّاً للخير ومتبرعاً دائماً لأي نشاط إنساني . كان هذا الرجل يستغل مناسبات الحج والعمرة لإستحصال جواز سفر يحج فيه ويعتمر لكنه بعد كل حج وإعتمار يدلف سرّاً لحضور فعاليات ومؤتمرات السلام والدعوات لنزع السلاح وتحريم الأسلحة الذريّة . كانت لذا علاقته وثقى بالشيخ عبد الكريم الماشطة فهو الآخر كان ينهج هذا النهج ذاته وبالتنسيق السري المحكم بينهما .

 

بعد ثورة تموز 1958

بعد أنْ أمضى الفقيد الراحل الدكتور محمد عبد اللطيف مطلب قرابة عشرة أعوام في السجن أمضى أكثرها في سجن نكرة السلمان الصحراوي المعروف ... وبعد ثورة تموز 1958 أعيد لوظيفته السابقة مُعيداً في كلية الهندسة لكنه سرعان ما حصل على بعثة دراسية إلى جمهورية ألمانيا الدمقراطية لدراسة الدكتوراه . هل كانت تلك زمالة حزبية أو إنها كانت إحدى بعثات وزارة التربية يومذاك ؟ لا أدري . غادر العراق خريف عام  1959  على ما أحسب متوجهاً إلى مدينة وجامعة دريسدن في ألمانيا الدمقراطية حيث درس وأكمل دراسته متخصصاً في علوم الفيزياء الذرية وكانت دراسته دراسة نظرية . ثم واصل بحثه النظري وحاز على أعلى درجة علمية حسب الأعراف الجامعية في العالم وهي درجة دكتوراه هابيل التي تقابل شهادة دكتوراه علوم

D.Sc.

وهذه الدكتوراه أعلى من شهادة دكتوراه فلسفة الكثيرة الشيوع

Ph.D.

 

1972 ـ 1978

توثّقت علاقتي به خاصة في وبعد عام 1972 حيث كان هو أستاذاً في قسم الفيزياء من كلية علوم جامعة بغداد وكنت يومذاك مُدرّساً في قسم الكيمياء في نفس الكلية . ما كنّا من جيل واحد إذْ أنه أكبر مني بعشرة أعوام في أقل تقدير . أصبحنا في هذه المرحلة قريبين جداً من بعضنا وشدّتنا روابط قوية حميمة حلاّوية ـ علمية ـ سياسية . كان معي في غاية السخاء في تقديم التبرعات الشهرية الضخمة للحزب الشيوعي فقد كان راتبه الشهري ضعف راتبي وربما أكثر . وكان عازباً يسكن لوحده في مشتمل قريب من كلية العلوم في الأعظمية مقابل ساحة عنتر ... وكنتُ أسكن وعائلتي بيتاً في شارع المغرب بجوار مستشفى وليد الخيّال وصيدلية السيد عامر . ما كنا تفترق إما أكون معه في مكتبه في قسم الفيزياء حيث الشاي العادي أو الشاي الحامض أحياناً حسب مزاجه ... وقد اكتشفتُ أنه يقدّم الشاي الحامض للنخبة العزيزة فقط ! وعلى رأس هذه النُخبة العزيزة طالباته ! أما أولاد الخايبة الآخرون من أمثالي فنصيبهم الشاي العادي . نعم ... إما أكون معه في مكتبه أو أنْ يكون معي في مكتبي في قسم الكيمياء . وأحيانا نتناول غداءً بسيطاً في نادي الطلاب حيث كنا نرتاح أنْ نكون بين طلبتنا وأولادنا نقاسمهم المقسوم وكانوا أحيانا يلتحقون بنا ويأمرون بجلب المزيد من الشاي أو باقي المشروبات الغازية . أغلب نقاشاتنا كانت تدور ـ بعد أنْ نتعب من قضايا النواة والذرّة ـ حول أمور سياسية ملتهبة وكنا يومذاك في زمان الجبهة الوطنية أو الجبحة الوطنية كما كان يصفها الفقيد الشهيد الدكتور صباح الدُرّة ! صدر له في تلك الفترة كتيب صغير عن دار حكومية لعلها دار الجماهيرية أو غيرها مقابل مكافأة رمزية مقدارها خمسون ديناراً . بعد قراءتي المتأنيّة لهذا الكتيب وجدتُ فيه معالجة جديدة جريئة ونقداً جارحاً مُبطّنا لبعض مقولات الفلسفة الماركسية وبيّن بذكاء ما فيها من خطل وأخطاء . كنتُ شديداً معه في نقاشاتي تلك وفي إعتراضاتي فكان يلين حيناً ويشتدّ ويُصر على مواقفه ووجهات نظره في أحيان أخرى ، لكنه حين يجدني عنيداً ومناقشاً صلباً بالحق يفهم ما يقول وقد سبر أغوار ذلك الكتيب ... حينذاك ينسحب بلطف وهدوء ولكن بدون إعتراف ولا إعتذار متخذاً موقف التقية المعروف ومردداً [[ والله ... ما أدري ... هذا هو إجتهادي ... لا علاقة له بدراستي في جمهورية ألمانيا الدمقراطية ولا بأساتذة جامعاتها ]]. كان السائد يومذاك أنَّ وضع المثقفين وأساتذة الجامعات في ألمانيا الدمقراطية أفضل من نظيره في الإتحاد السوفياتي... لذا ما كان مستغرباً أنْ نسمع عن نقد للماركسية اللينينية وللطريق السوفياتي في بناء الإشتراكية فالشيوعية خارج حدود الإتحاد السوفياتي .

كان واضحاً للجميع أنَ الصديق والزميل الجامعي الدكتور محمد عبد اللطيف مطلب هو رجل عازب لا زوجة ولا أولاد ولكن خاب ظن الجميع ... ففي إحدى رسائله لي ـ بعد مجيئ وعائلتي إلى المانيا ـ أخبرني أنه لم يعد ذاك الرجل الأعزب أبو جاسم إنما هو اليوم أبو فارس. فهمت فيما بعد أن له زوجة ألمانية أنجبت له ولداً اسمه فارس.

كنتُ أيام زمالتنا في كلية العلوم أتندر معه وأسأله متى تتزوج أبا جاسم؟ كان جوابه واحداً لا يتغيّر مثل طابع البريد : الله وإيدك ! أي جدْ لي العروس المناسبة .

لم يتحملنا نظام البعث ـ ونخبة أخرى من أساتذة الجامعات العراقية .. 76 أستاذاَ في القائمة الأولى وكلانا كان فيها ـ فصدر أمر في ربيع عام 1978 من مجلس قيادة الثورة / مكتب أمانة السر بنقل بعضنا إلى دوائر أخرى لا علاقة لها بالبحث والتدريس .. وأحيل بعضنا على التقاعد ثم صدرت قوائم وقوائم لا حصرَ لها  بعد هذه القائمة . كان الراحل من بين المحالين على التقاعد ! غادر كلانا العراق في صيف عام 1978 هو إلى ألمانيا الدمقراطية وأنا إلى بلجيكا وهولندا وباريس وسويسرا ثم فرنسا وأخيراً أخذت وعائلتي طريق البحر متجهين إلى العاصمة الليبية طرابلس .

لم يستطع ممارسة تدريس إختصاصه الدقيق في جامعات ألمانيا الدمقراطية فمارس تدريس الفلسفة الإسلامية في أحد المعاهد المسائية المخصصة لكبار السن ... حسبما كتب لي في إحدى رسائله .

في رسائل أخرى متبادلة بيننا منتصف ثمانينيات القرن الماضي كتب لي واصفاً ما حلَّ بقصرهم المشيّد قريباً من نهر الفرات في الحلة إثر فشل إنتفاضة شعبان 1991 .. وكان بيتهم مقراً لقيادة الإنتفاضة في مدينة الحلة إذ قصفه البعثيون بالمدافع والصواريخ وأحاله إلى ركام ! قال الفقيد إنه غير آسفٍ على ما حلَّ بدارهم في الحلة لكنه حزين وآسف على ما حل بمكتبته العامرة بشتى أنواع الكتب والمصادر إذْ أُحرقت فاستحالت رماداً وركاماً .

توفي الفقيد وضاعت مني أخباره سوى شَذَرات لا تُغني ولا تنفع !

 

مُلحق /

أُثبّت هنا نص رسالة من الفقيد إبن الحلّة البار وجهها لي في 7.10.1994 من مدينته الألمانية درسدن وأنا مقيم كنتُ ولم أزل في مدينة ميونيخ الألمانية . ثم سألحق بها صورة من هذه الرسالة بخط يده لنشر الجميع في المواقع لأهمية ومكانة الراحل الوطنية والعلمية والسياسية فلقد كان ضحية البعثيين شأن الكثيرين من مثقفي وعلماء ومناضلي العراق من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين .

نص رسالته لي:

(د. محمد عبد اللطيف مطلب

7/ 10 / 94

أخي عدنان

تحياتي القلبية إليك من منطقة من أجمل مناطق ألمانيا، حيث يَعقدُ الطلبةُ مؤتمرهم السنوي وليتك كنتَ هنا لنجدد الذكريات والأحاديث الممتعة والمفيدة .

 ما هو عملك الآن؟ هل تواصل مسيرتك العلمية؟ أما أنا فمشغول في الغالب في محاضرات حول التراث العربي ـ الإسلامي في العلم والفلسفة ألقيها في

Volkshochschule

أتمنى لك ولعائلتك الصحة والرفاه والسلام

توقيعه .

كتب على ظهر مظروف رسالته عنوانه البيتي كما يلي :

Dr. Mohamed Matlab

Hochschulstraße 28

01069 Dresden

180-adnan 

  

علي الخليلي .. وداعاً يا شاعر الوطن

shaker faredhasanمات علي الخليلي، الأديب الألمعي، والقامة الشعرية السامقة، والمبدع الحداثي المتجدد، وأحد الآباء المؤسسين للمشهد الشعري الفلسطيني المقاوم تحت حراب الاحتلال في المناطق الفلسطينية عام 1967. انه سادن الثقافة الوطنية الفلسطينية الملتزمة، وحارس الحلم الفلسطيني الأبدي، وراعي الأقلام والمواهب الادبية. عرفناه انساناً هادئاً متزناً واعياً وعقلانياً، عزيز النفس، نقي المشاعر، راقي الفكر، معلماً مميزاً، ومنارة ادبية متوقدة الشعلة، لم تشغله هموم المناصب والمواقع، ولم يبحث يوماً عن منصة او مال او جاه بل اكتفى بالقليل، بوظيفة تسد الرمق وتوفر الرغيف وكفاف العيش البسيط . انصب عمله ونشاطه في رعاية الغرسات والأفنان الادبية الفلسطينية، وترسيخ الوعي الثقافي والفكر الديمقراطي، ونقد الواقع الاجتماعي والسياسي والادبي والثقافي، ساعياً ومؤمنا بالتغيير عبر الانحياز للجماهير المسحوقة المطحونة . وكان يرى في الثقافي اداة التغيير الحقيقة، ولذلك انتمى للثقافة الوطنية الشعبية الديمقراطية وللحقيقة والنسق الكتابي الابداعي الملتصق بقضايا وهموم الناس والشعب والوطن والمجتمع والمستقبل، الملتحم بحركة التاريخ وصيرورته، مكرساً كل مواهبه وطاقاته الابداعية وجهده للادب الجاد الهادف وللشعر الوطني الانساني وخدمة الحركة الادبية والثقافية والقضية الوطنية التحررية، وتميزت حياته بالعطاء الثر والبذل الوفير.

وان نسينا يوماً فلم ولن ننسى نحن ابناء الجيل الادبي الفلسطيني، الذي ظهر ونشأ وترعرع في سبعينات القرن الماضي وتربى ادبياً على يدي علي الخليلي، جيل عبد الناصر صالح وعادل الاسطة ومحمد حلمي الريشة وعبد الحكيم سمارة وابراهيم عمار واسامة العيسة وباسم النبريص وصقر ابو عيدة ومحمد كمال جبر وسامي الكيلاني واحمد رفيق عوض ووليد الهلسة وفداء احمد وعدوان علي الصالح ومصطفى مراد وغيرهم الكثير . لن ننسى ايام القحط الثقافي وقلة المنابر الادبية عندما كان علي الخليلي على ظهور خيلها في عز الشبوبية، يوصل الليل بالنهار في مزاولة عمله محرراً لمجلة "الفجر الادبي"، التي استقطبت واحتضنت كل المواهب والاقلام الادبية الصاعدة، فكان يتلقف بشغف كل مادة ادبية تصل الى يديه فيقرأها بتمعن ودقة ويجري عليها التعديلات الضرورية، اذا كانت بحاجة لذلك، لتصبح صالحة للنشر فيدفع بها للطباعة . وهكذا رعى جيل كامل من الشعراء والمبدعين، الذين اصبحوا اسماء لامعة ورموزاً مضيئة في سماء الادب وفضاء الابداع الشعري والقصصي والروائي الفلسطيني.

 ولن تنسى "نابلس" عاصمة جبل النار، ناسها وازقتها وحاراتها واسواقها وشوارعها وارصفتها وساحاتها وميادينها، علي الخليلي صاحب الشنب العريض، والقامة المنتصبة، الذي كان يصول ويجول فيها حاملاً مصباح "ديوجين" ليشعل نور المعرفة ويبث الوعي وينشر الكلمة والثقافة الوطنية ويذوت القيم الديمقراطية، التي يؤمن بها .

علي الخليلي اديب متميز في مختلف اجناس والوان الكتابة الابداعية من شعر ورواية ونقد ومقال سياسي وادبي ودراسات تراثية، ومنجزه الثقافي يتلخص في الدفاع عن القيم المبنية على التعددية الفكرية والثقافية، وقيم المحبة والجمال والتسامح والتكافل الانساني. وحين نقرأ نصوصه وقصائده الشعرية، التي خطها يراعه وفاضت به قريحته والهامه ووحيه الشاعري، عن الوطن وجراحاته وعذاباته اليومية، وعن هموم شعبه وواقع المشردين في مخيمات الصمود والشقاء والبؤس، نجدها تشتعل حباً وحنيناً ووهجاً وتوقداً وتفاؤلاً وانتماءاً حقيقياً لجياع وفقراء الارض والدنيا، وصناع الحياة والمستقبل مبشرة بالنهار الآتي حتماً بعد ليل الاحتلال الجاثم على صدر شعبنا .

فوداعاً يا صديقي القديم علي الخليلي، وسلاماً لروحك، التي عانقت تراب فلسطين، ولك منا في وقفة الوداع دفء المحبة ووافر العرفان .

  

دعوة للخلاص من نسيان الإنسان فـي أدبيـات الجماعـات الإسلاميـة

abduljabar alrifaiأن يقدم شخص شهادة عن نفسه فإنها بالضرورة تكون متحيزة، فما من كائن الاّ وهو عاشق لنفسه، لذلك ينزع كل منا لتنزيه الذات، ويعمل على رسم صورة زاهية مشرقة لها، من أجل أن ترمقه العيون بكثافة، ويُحدث ضجيجا من حوله يشبع غروره ونرجسيته. أحاول أن أتحدث بشئ من الحياد، ربما المتعذر، وأسعى لأن أكون أشدَّ جرأة في الإعتراف والبوح أمامكم، بالرغم من أني جئتكم من محيط يتغلب فيه التكتم والإضراب عن الإعتراف والكشف عن الحياة والتفكير الشخصي. فقلما كتب شخص في عالمي الذي عشت وتعلمت فيه سيرة ذاتية تبوح باعترافات وأسرار خاصة، أو تتحرر من التبجيل والتمجيد والثناء.

أمضيت أكثر من نصف حياتي في الحوزة العلمية في النجف ثم قم. مكثت فيها منذ 1978 حتى اليوم، تلميذا ثم مدرسا ومؤلفا. مسيرة حياتي تحركت عبر محطات ثلاث حتى اليوم: القرية، الحركة الاسلامية، الحوزة العلمية.كل واحدة من هذه المحطات أنفقت فيها عدة سنوات، ففي 1-7-1954 ولدت في قرية آل حواس، التي ترتبط إداريا بقضاء الرفاعي، في محافظة ذي قار من العراق، حسبما يفيد سجل النفوس المدون عام 1957، وهو تاريخ لا يمكنني التحقق منه وتوكيده، ذلك إن أهل الريف يومذاك لم يدركوا الكتابة، وكانوا يعيشون المرحلة الشفاهية، وعادة ما يعتمدون على تقويم محلي وعائلي وشخصي، تتحدد السنوات فيه طبقا لما يحدث فيها من فيضانات، أو أمراض وبائية، أو مجاعات، أو نكبات عائلية، أو زراعة وحصاد محاصيل، أو إنتاج حيواني غير طبيعي، أو حوادث شخصية، وفي مثل هذا التقويم يتركز الإهتمام على  السنوات ومواسم الزراعة، فيما يتقلص رصد الأشهر فضلا عن الأيام، إلاّ في حالات إستثنائية. والدتي تقول أن سنة ولادتي هي: "موحان الثاني"، وموحان تسمية شائعة لفيضان نهر دجلة، وتبعا له الغراف المتفرع عن النهر، الذي يسقي سهول الحضارة السومرية. الفيضان الأول وقع عام 1948 ، والثاني 1954 كما تشير الى ذلك تواريخ فيضانات دجلة. أما يوم ولادتي فهو 1 يوليو "تموز". اليوم الأول من يوليو "تموز" أشترك فيه مع كافة العراقيين من جيلي والأجيال الماضية، ممن يجهل آباؤهم تواريخ ولادتهم، ويبدو إن الجهات المسؤولة عن تنظيم الإحصاء السكاني إقترحت اليوم الأول لمنتصف السنة، كموعد شامل لكافة المواليد المجهولة. وهذا ما حرمني معرفة برجي الخاص، وتفاؤلي أو تشاؤمي، مما يتوقعه قراء الطالع من المنجمين.

منتصف القرن الماضي كان العيش في قريتنا بالغ القسوة، كل شئ في حياتنا بدائي، الإملاق متاعنا، يتكرر طعامنا، الذي يفتقر الى أي شئ سوى خبز القمح وأحيانا الشعير، تبتكر أمي كزميلاتها من نساء القرية بعض الأكلات في فترات متباعدة، لو توفرت لديها بعض مكوناتها، مثل "الحميض" وهو قليل من الرز الردئ مطبوخ باللبن، المشتقة تسميته من حموضته، يصيبني الغثيان حين أضطر لتناوله، مع عدم توفر أي غذاء سواه، أو "البحت" وهو  الرز مطبوخ بالحليب، الذي كنت أترقبه فترات الربيع، حيثما تلد الأغنام والأبقار، فيتوفر الحليب. كذلك في فصل الربيع تضاف الى طعامنا "التولة" "الخباز" وهي نبات بري مسلوقا.

نبدأ يومنا بإستيقاظ أمي فجرا، وهي تتلو ترنيمتها اليومية "اللهم صلي على محمد وآل محمد، أصبحنا وأصبح الملك لله، سبحان الله، لا اله الا الله، الحمد لله رب العالمين..."، كنت منذ طفولتي أغفو بجوارها، وأستفيق على نغم تهليلها وتسبيحها وتمجيدها. إستلهمت دروسي الروحية منها، لم تكن كلمات، بل هي ضوء وصور وحقائق، تتحسسها مشاعري، تشع على فؤادي، وتهيمن على وجداني، أحيانا ينتابني شئ من الدهشة، أمام المشهد الذي ترسمه كلماتها. انها ليست كلمات يابسة متخشبة، وانما هي شموع تخلع على قلبي إنشراحا وإبتسامة.

ظلت التجربة الدينية لإمي منبعا لا ينضب يستقي منه تديني. هي من غرست المنحى الميتافيزيقي في حياتي، والى نمط تدينها، الفطري العفوي الشفيف، يعود الفضل في رسوخ إيماني وتجذره، ومقاومته لأية مجادلات، أو مناقشات، أو إشكالات، أو قراءات تشكيكية. إيماني مطمئن في فؤادي، في فضاء محصن منيع، بعيد عن شطحات عقلي، ومشاكساته، واستفهاماته اللاهوتية، القلقة والحائرة. فشل عقلي في أن يطيح بإيماني، أو يقوضه، أو يزلزله. مازالت أطياف  كلمات أمي حاضرة لحظة إستيقاظي، بالرغم من مضي أكثر من خمسين عاما.

 أمضيت طفولتي في القرية، وفي قرية مجاورة أكملت الابتدائية، كنت وأبناء جيلي من الفتيان محظوظين، بتأسيس مدرسة إبتدائية في العام الدراسي 1959/1960  في قرية تقع على بعد 5 كم، شمال شرق قريتنا، سجّلني أهلي في الصف الأول الإبتدائي، مع الدفعة الجديدة، مطلع العام الدراسي الثاني لإفتتاح المدرسة. "المتنبي" إسم مدرستي، هذا الإسم محفور عميق في ذاكرتي، لولا "المتنبي" مكثت راعيا ثم فلاحا أميا، وجنديا في حروب صدام المزمنة لاحقا. "المتنبي" أول اسم للمشاهير أسمع به، بعد أسماء الشخصيات المقدسة للأنبياء والائمة والأولياء ومراجع الدين، لا سيما السيد أبوالحسن الاصفهاني "المرجع الشيعي الأعلى في النجف، توفي عام 1946  "، الذي ظل أبي يتحدث عنه حتى آخر يوم من حياته، بإعتباره مرجعا عظيما "إهتزت الأرض لحظة وفاته"، حسب إعتقاد الناس في قريتنا. مالبث "المتنبي" يعني لي أكثر من كونه "حكيم الشعراء وشاعر الحكماء". إنه صديق فتوتي ، ما زالت لإسمه نكهة وحساسية بالغة في وجداني، فحين يرد اسمه في كتاب، أو يذكره أحد أشعر بقرابة وعلاقة حميمية خاصة تربطني معه، انها بمثابة علاقتي بأهلي.

 "مدرسة المتنبي" نقلتني الى سياق آخر في الحياة، حين أتاحت لي نافذة صغيرة جدا، لكنها مضيئة، تريني أفقا أوسع وأشمل وأغنى من أفق مجتمعي الريفي ومفهوماته عن الكون والحياة.

عشت طفولتي وفتوتي في القرية، ثم تنقلت منذ شبابي في مدن وبلدان عديدة، انخرطت في التعليم الحديث، الإبتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعة، وانتقلت الى الحوزة العلمية في النجف ثم قم. إنتميت لحزب الدعوة الإسلامية في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، في ظروف هي الأشرس والأعنف في ملاحقة البعث الصدامي للدعاة، ونهضت بمسؤولية الحزب في مدينة الرفاعي وقتئذ، وابتعدت عن التنظيم في منتصف الثمانينات "1985"، بعد أن بدأت أدلجة الدين والتراث تضمحل في وعيي، من دون الدخول في صراع أو انشقاق، وبالتدريج نأيت عن العمل السياسي، وانصرفت للمشاغل الفكرية. أمضيت 35 عاما في الحوزة العلمية، تلمذت على يد علماء وفقهاء معروفين، وتلمّذ على يدي المئات من طلاب الحوزة العلمية. وبموازاة ذلك واصلت تعليمي الأكاديمي، حتى ناقشت الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية سنة 2005.

 امتدت صداقاتي مع مختلف الناس، كان وما زال هاجسي في بناء العلاقة التقارب في المشاعر، واحترام الخصوصية، من دون اشتراط وحدة الرؤية الكونية، أو المعتقد، فالعدالة "بمفهومها الفقهي" ليست شرطا في صداقاتي، كذلك التدين ليس شرطا، وربما انجذبت لمن يختلف معي أشد من سواه، ذلك انه طالما استفز عقلي، وحرضني على التفكير، وإعادة النظر في بداهاتي وجزمياتي ومسلماتي. الكتب التي تغويني وأستمتع بمطالعتها من ذلك النوع الذي يحدث مفرقعات وانفجارات في ذهني، أشد الكتب إغواء أشد الكتب إثارة. هكذا كنت مع نيتشه الذي قرأته متأخرا، لا سيما كتابه الرؤيوي "هكذا تكلم زرادشت" الذي وصفه ب "إنجيل خامس". 

لا يتسع الوقت للتحدث بإسهاب عن تجربتي في الحركة الاسلامية، وهي تجربة بالغة الأهمية أضافت لحياتي الكثير، وأغنتها بنمط آخر من العلاقات الإجتماعية، وتفكير وفهم مختلف لرسالة الدين ووظيفته في الحياة، لا يتطابق مع مضمون الدين الذي ارتضعته من أمي، وبيئتي الريفية الإيمانية الفطرية البسيطة. انه فهم تعبوي ايديولوجي، يطغى فيه الخطاب النضالي المناهض للظلم والإستبداد السياسي، وصوت العاطفة والمشاعر على الروح. تدربت على العمل السياسي السري، والترويض على الطاعة والإنقياد والولاء، والتعاطي مع الأدبيات الحزبية كنصوص جزمية يقينية، لا يمكن التفكير بنقدها فضلا عن نقضها ورفضها.  

الحوزة العلمية هي المحطة الثالثة، أعتز بهذه التجربة التي بدأت عام 1978 ومازالت متواصلة، على مدى خمسة وثلاثين عاما. اكتشفت في الحوزة العلمية مسالك التراث ودروبه الوعرة، وتذوقت فيها لذة النصوص الفلسفية والعرفانية وغيرها. نتعلم في الحوزة مفاتيح المعارف التراثية، في مراحل ثلاث هي: المقدمات، السطوح، والبحث الخارج. تستوعب هذه المراحل دراسة النحو والصرف والبلاغة، والفقه والأصول وعلوم الحديث والتفسير، والمنطق، والفلسفة، والعرفان، وعلم الكلام. ندرس كلاسيكيات النصوص، ونتمرن سنوات طويلة على تفسيرها، وتفكيك ألغازها، وضمائرها، ونغور في ما تحيل اليه من مضمرات ومعان حافة يتسع لها فضاؤها الدلالي. وعادة ما نعود الى الحواشي والتعليقات والشروح، كيما نفهمها.  

 أغنت الحوزة حياتي بتجارب عميقة مركبة متميزة، في مجتمع لا يشبه عوالمي الأخرى في القرية والعمل الحزبي السري. دراستي في الحوزة أضاءت آفاق رؤيتي للماضي والحاضر والمستقبل. لو لم أمض كل هذه السنوات في سياق تلك التجارب لا يمكن ان أتحرر ــــ ان تحررت بالفعل ــــــ من سطوة التراث وسلطته وقيوده، ومقاومته لأي فعل للتغيير.

مشكلة عالمنا ان من يتشبثون بالماضي لم يجوبوا أنفاق التراث ومسالكه الوعرة. رؤيتهم صاغتها أدبيات تبجيلية رومانسية، لا تقول معنى، بقدر ما تنشد شعرا يطرب له الحالمون بعالم متخيل سعيد، و"جيل قرآني فريد".

خلاصي من سطوة التراث ليس بمعنى الخروج على الدين، أو الخروج من الدين، أو التحلل من التدين، والتبجح الزائف بما يجرح الضمير الديني للناس، مثلما يفعل بعض المتنطعين المراهقين. تعلمت من التراث والواقع ان الدين أبدي في الحياة البشرية. الإنسان كائن متدين، وان اختلفت تجليات التدين ، وتباينت التعبيرات الدينية في حياته، تبعا للزمان والمكان والثقافة، وتنوع البشر واختلافهم. الحياة لا تطاق من دون خبرات وتجارب دينية، ذلك ان نزعة التدين كما أعيشها تمثل لدي ظمأً انطولوجيا لا يُروى، الاّ من خلال التواصل مع المطلق.

 الايمان، الأخلاق، والنزعة الإنسانية ثوابت محورية في شخصيتي. تفكيري بل كل شئ يخضع للتحول والتغيير في حياتي، ذلك ان عقلي لا يكف عن التساؤل والمراجعة، لكن ضميري الديني يتمثل في هذه العناصر الثلاثة المتضامنة، انطفاء أيّ منها يعني انطفاءها بتمامها. في حياتي لا إيمان بلا أخلاق، ولا أخلاق بلا إنسانية. لا أزعم أن لا إنسانية وأخلاق خارج إطار الإيمان، فقد عشت مع أخلاقيين وإنسانيين مثاليين، خارج إطار الأديان، لكن في شخصيتي: الإيمان، الأخلاق، والإنسانية كل مترابط، الأخلاق والإنسانية في حياتي هما الإيمان، والإيمان كذلك هو الأخلاق والإنسانية.

  كلما اتسعت خبرتي بالنصوص أشرق إيماني، وتنامى حسي الأخلاقي، وتعمقت نزعتي الإنسانية. وبالرغم من إحترامي لكافة أصحاب التجارب الدينية، غير أني لا أتذوق حلاوة الإيمان، ولا تضئ التجربة الدينية روحي، من دون التمسك بتقليد طقوسي مستمد من الشريعة. الصلاة والطقوس التي أؤديها هي معراج وصالي مع الحق، وهي جسر عبوري اليه في مدارج التسامي والصعود. وحسب تعبير المتصوفة والعرفاء: الشريعة توصلنا الى الطريقة، والطريقة تقودنا الى الحقيقة، فحين نتخلى عن الشريعة لا ننال الطريقة، وبالتالي لا ننتذوق الحقيقة.

الدين الذي أعتنقه هو الإسلام الرحماني الانساني، الدين فيه هو الحب والحب هو الدين.  "المحبة أصل الموجودات"   كما يقول إبن عربي. ويكتب أبو العلا عفيفي شارحا مفهوم المحبة لدى صاحب الفصوص: "الحب موجود على الدوام متبادل بين الحق والخلق. والشوق والحنين واللقاء موجود على الدوام أيضا، لأن الحق دائم الظهور في صور الخلق، يدفعه الى ذلك الحب الكامن فيه نحو ذلك الظهور. والخلق دائم الفناء، يدفعه الى ذلك الحب الكامن فيه نحو التحلل من الصور والرجوع الى الأصل"  .

عقيدتي أن الشفقة والعطف على الناس تتقدم على الغيرة على الله، يكتب محيي الدين:"أعلم إن الشفقة على عباد الله أحق بالرعاية من الغيرة على الله. أراد داود بنيان بيت المقدس فبناه مرارا، فكلما فرغ منه تهدم، فشكا الى الله، فأوحى الله اليه: إن بيتي هذا لا يقوم على يدي من سفك الدماء، فقال داود: يارب، ألم يكن ذلك في سبيلك؟ فقال: بلى، ولكنهم أليسوا عبادي؟ والغرض من هذه الحكاية مراعاة النشأة الإنسانية، وإن إقامتها أولى من هدمها" .

يتساءل بعض الزملاء: كيف تسنى لك المحافظة على تدينك، وتنمية ايمانك على الدوام، مع انك تطرح أسئلة لاهوتية مشاكسة، وتمارس نمطا من التفكير الديني الحر، العابر للطوائف والتعصبات المذهبية؟

مسار القلب لديّ لا يتطابق مع مسار العقل، أي إن وجهته بموازاة العقل، إن كان للعقل وجهة أو مسار. قلق عقلي واستفهاماته المتواصلة لم يزعزع إيماني، أو يطيح بتديني، أو يهزم أخلاقي، ويبدد نزعتي الإنسانية. إيماني حقيقة أنطولوجية لا أستطيع الإطاحة بها، حتى لو قررت التخلي عنها. إنها نحو من الإشراق الروحي الذي لا يمكنني توصيفه بوضوح، لأنه مما يوجد، لا مما يُدرك، وكما نصطلح في المنطق هو نوع من الحضور الوجودي الذي يتوطن القلب، وليس نوعا من العلم والتصور والفهم المرتسم في الذهن. إنه نمط من المحبة أو العشق الذي يغرق فيه قلبي. هل يستطيع العاشق توصيف حالته بدقة لنا؟ وهل بوسعه التخلص من الوجد والهيام، لو قدّم له عقله عشرات الحجج على خطأ عشقه وعيوب معشوقه؟ وحسب كيركيغارد فأن الإيمان لا يفوق العقل فقط بل يختلف عنه، لأنه "حقيقة أنفسية" وليست آفاقية. لو كان الإيمان أمرا عقليا يتصدع وينهار بالتساؤلات الحائرة، والأفكار القلقة. الإيمان كما أعيشه جذوة مشتعلة لا تنطفئ، بصيرة باطنية، نور يضئ روحي. هو حقيقة باطنية لا تشع الاّ في القلوب التي تسكنها. من يفتقدها لا يكتشف اشعاعها.

تتلخص اهتماماتي في هذه المرحلة من حياتي بـ "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين"،  لكن قد يقال: وهل هناك "إنسانية في الدين" كيما ينبغي أن نبادر إلى "إنقاذها"؟ ولعل من يضيف الى ذلك فيقول: إن وظيفتنا هي إنقاذ الإنسانية "من" الدين، وليست إنقاذ الإنسانية المزعومة "في" الدين؟

مهمتي تتمحور حول التدليل على: أن الدين ظل على الدوام أحد أهم منابع إلهام قيم المحبة والتراحم والتعاطف والشفقة واحترام كرامة الكائن البشري. مع أني أعترف بما تنوء به مجتمعاتنا من خطابات عاصفة، ومفاهيم مشوهة، تثير التعصبات والكراهيات والدعوة لقتل الآخر والنزاعات المسلحة، وما يستتبعها من انقسامات وحروب مزمنة، تغذِّيها على الدوام الجماعات الدينية السلفية. وان هناك نماذج متنوعة لذلك، مما تبثُّه الفضائيات والمواقع والصحف الإلكترونية والمنابر، وأدبيات السلفية الجهادية وغيرها من تلك الجماعات، وعدوانها الواسع على السلم الأهلي، ودعواتها التحريضية لتفتيت مجتمعاتنا.

لا أريد التغاضي عن ذلك، ولا التقليل من أهميته، ولا الدعوة إلى تجاهله. بل إنني احتج على كل هذا الواقع المأساوي للدين، وانقد كل هذا الزيف المهول الذي يوضع من قبل أطياف من الإسلاميين على اسمه.

لا يمكن تجاهل أثر تلك الخطابات في تلويث المجال الإجتماعي العام، وتهشيم مرتكزات العيش المشترك في مجتمعاتنا، مثلما لا يصح إنكار الحضور الكثيف والفاعل والمؤثر لها، ودورها في تفشي أنماط همجية متوحشة من العنف الديني. وقد تكرس أثر هذه الجماعات، وأتيحت لها فرصة تاريخية هامة في الاستيلاء على المجال العام، بعد هيمنة الإسلام السياسي على السلطة، الذي انتهت إليه ثورات الربيع العربي في بعض البلدان، واحتكارهم لتمثيل المجتمعات، واختزالهم التنوع الأثني والديني والمذهبي بأيديولوجياتهم الخاصة، وتوظيفهم الديمقراطية والانتخابات كسلّم يستخدم لمرة واحدة، حتى إذا تحقق الغرض منه طرح جانبا! من دون وعي لفلسفة الديمقراطية، ومضمونها الحقيقي من الحريات والحقوق والتداول السلمي للسلطة. مضافا إلى تفجر الطائفية، وكافة التعصبات الموروثة بصورة لم يسبق لها مثيل في شرق المتوسط، بنحو أضحى الاحتماء بأمراء الطوائف الوسيلة الوحيدة في بعض البلدان لضمان الحياة، في مجتمعات تقوضت فيها واضمحلت معظم بنى الدولة الحديثة.

في مثل هذه المناخات يبدو الحديث عن "النزعة الإنسانية في الدين"، كمن يحكي لنا عن ماض مضى ولن يستعاد، أو من يحلم بعالم رومانسي مثالي، لا صلة له بمجتمعاتنا اليوم.

لا أدافع عن فشل الإسلاميين في إدارة السلطة، كما لا أتجاهل ما يبدو من حقيقة أن السلطة قد تكون مقبرتهم، بسبب عجزهم وقصورهم في إدراك الجذور العميقة للدولة الحديثة، وافتقار الكثير من المسؤولين، إلى أي تكوين أكاديمي أو معرفي أو فكري، يؤهلهم لإعداد نظم وبرامج وخطط اقتصادية وإدارية وتربوية وعلمية وثقافية معاصرة، فضلا عن عدم توفرهم على تدريبٍ وخبرة عملية في إدارة الدولة وبناء مؤسسات السلطة. إنهم يفكرون في مرحلة ما قبل الدولة، لذلك يحرصون على استدعاء القبيلة وقيمها وتشكيلاتها العتيقة، ويغرقون في كهوف الماضي، ويفرطون في إستهلاك التاريخ، وكأنهم لا يعيشون في عالمنا إلا بأبدانهم، في حين تلبث عقولهم وأرواحهم مع الموتى.

دعوتي الى "انقاذ النزعة الإنسانية في الدين"، تعنى بناء فهم آخر للدين، وتأويل مختلف للنصوص الدينية، عبر قراءة شاملة لهذه النصوص، تستلهم نظامها الرمزي، وما تختزنه من معان ومداليل، لا تبوح بها إلاّ من خلال عبور المنظومة المغلقة للفهم التقليدي لها، وتوظيف منهجيات ومفاهيم وأدوات ومعطيات المعرفة البشرية والعلوم الإنسانية الراهنة، لتفسيرها في ضوء متطلبات العصر ورهاناته. انه تفسير لا يختزل الدين في المدونة الفقهية فقط، ولا يقوم بترحيله من حقله المعنوي القيمي الأخلاقي إلى حقل آخر، يتغلب فيه القانون على الروح، ويصبح الدين أيديولوجية سياسية صراعية، أيديولوجيا تهدر طاقاته الرمزية والجمالية والروحية والمعنوية.

يسعى هذا التفسير إلى اكتشاف وظيفة الدين الأصلية في إنتاج معنى لحياة الإنسان. وهي وظيفة عجزت معظم الجماعات الإسلامية اليوم عن إدراكها، وأغرقت أنفسها والمجتمعات في نزاعات ومعارك يتجلى فيها كل شيء، سوى الأخلاق وقيم التراحم والمحبة في الدين.

أعني بـ"الإنسانية في الدين": الخلاص والتحرر من "نسيان الإنسان" في أدبيات الجماعات الاسلامية، والاعتراف ببشريته ومكانته في الأرض، وتصحيح نمط علاقته بربه، وتحويلها من صراع مسكون بالخوف والرعب والقلق، الى علاقة تتكلم لغة المحبة، وتبتهج بالوصال مع معشوق جميل. 

 أعني بـ"الإنسانية في الدين": عدم التنكيل بالجسد، والتضحية بمتطلباته الضرورية وحاجاته الغريزية، لحساب الأيديولوجيا، والفهم المبسط للتربية الروحية، الذي يفضي الى تجاهل طبيعة جسد الإنسان وقمعقه وتعذيبه، بمحاربة الغرائز والعمل على اجتثاثها.

أعني بـ"الإنسانية في الدين": الدعوة للسلام واحترام كرامة الكائن البشري، وإشاعة السلام بين المجتمعات البشرية، عبر دراسة الأديان ومقارنتها، والغوص في أعماقها لاكتشاف جوهرها المشترك، ومنابع السلام الكامنة في نصوصها وتراثاتها الدينية. والحوار بين الخبراء والمختصين فيها، خارج إطار المجاملات وعبارات التبجيل والعلاقات العامة. اذ "لاسلام بين الشعوب ما لم يكن هناك سلام بين الأديان. ليس هناك سلام بين الأديان بدون حوار بينها. ولن يكون هناك حوار بينها بدون وجود نظام أخلاقي كوني، ولن يستمر الكون بدون نظام أخلاقي كوني يدعمه المتدينون وغير المتدينين على حد سواء". حسب تعبير اللاهوتي الألماني  هانز كونغ.

  أعني بـ"الإنسانية في الدين": استلهام الميراث المعنوي العميق، واستدعاء التجارب الروحية التطهيرية التنزيهية السامية في التاريخ، وبناء إلهيات عقلانية مستنيرة، تحررنا من التفسيرات التعسفية القمعية للنصوص. وتحديث الإلهيات يتطلب الخروج من السياقات الكلاسيكية للتفكير الديني، وعدم التوقف عن طرح تساؤلات بديلة، والتوكؤ على منهجيات ومفاهيم، مستوحاة من المكاسب الجديدة لفلسفة الدين وعلوم التأويل وفتوحات المعارف البشرية، تفضي إلى التحرر من الصورة النمطية للإله، التي تشكلت في سياق الصراعات الدامية، والفتن والحروب العديدة بين الفرق والمذاهب، والسعي لترسيخ صورة رحمانية للإله، تستلهم ما يتحلى به من صفاته الجمالية، وأسمائه الحسنى، ورحمته التي وسعت كل شئ. ف"لن ينقذنا الاّ إله". حسب تعبير هايدغر.

 أعني بـ"الإنسانية في الدين": إنجاز مصالحة بين المتدين ومحيطه والعصر الذي يعيش فيه، والإصغاء لإيقاع الحياة المتسارعة التغيير، ووتيرة العلوم والتكنولوجيا التي لا تكف عن مفاجأتنا كل يوم بجديد، تتبدل معه صورة العالم، وتختلف تبعاً لها أساليب تعاطينا مع الواقع، وتتيح لنا وسائل تكنولوجيا المعلومات والنانو والهندسة الجينية مغامرات وعي، توقظ عقولنا وتخرجها من الحالة السكونية، وتقدم لنا سلسلة معطيات ومعارف وأدوات، تصوغ لنا تصورات وإدراكات وأفكارا، تتبدل معها رؤيتنا للكون والحياة. 

لا تعد دعوتي لـ" انقاذ النزعة الإنسانية في الدين" بأجوبة، وإنما يهمني طرح الأسئلة، وأحرص على تنمية روح التفكير النقدي، الذي يفضي بدوره، وبنحو متواصل، للتساؤل المستمر، وتدريب التفكير على عدم الكف عن التحري وفحص المسلمات. ولا يتجاوز ذلك إلا بمقترحات وافتراضات وآراء، يعرضها للنقاش والحوار والتفكير. إنه محاولة للتفكير خارج الأسيجة التقليدية، ودعوة لمغادرة القطعيات واليقينيات والجزميات، وتكرار المكررات وشروح الشروح التي شوهت التفكير الديني وكبلته.

 

......................

 - كلمة تحرير العدد الجديد 53\54 لمجلة قضايا اسلامية معاصرة... وهي في الأصل شهادة في حفل تكريم "الحركة الثقافية- أنطلياس" بلبنان، 3-3-2013، للدكتور عبدالجبار الرفاعي. والذي منح فيه درع الحركة الثقافية الذهبي، لمنجزه المعرفي في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، وجهوده في تحديث التفكير الديني في الإسلام، وإشاعة ثقافة العيش سويا في فضاء التنوع والإختلاف.

 

القديم المضيء .. سعدي المصّور أنموذجاً

thamer ameenلم تكن الحداثة يوما وحدها صورة معبّرة عن الابداع، وأداة مثلى لارساء أسس متينة لنهضة ابداعية شاملة وعميقة، فقد وجدنا في ميادين معرفية وانسانية مختلفة تعدد التيارات والمدارس والطرق التعبيرية التي اسهمت في النهوض بالذائقة واشاعة الجمال في فضاء الحياة البشرية. وعالرغم من تعدد الاتجاهات (الفنية والفكرية  والجمالية) التي عرف بها الابداع، الاّ ان الخصوصية كانت حاضرة في كل ميدان من هذه الميادين، كما ظل الانسان مولع بالتأسيس والاكتشاف لكل ماهو جديد يمكن ان ينهض بالذائقة وبالوعي الانساني والحضاري .

ففي الشعر الشعبي العراقي تحديداً والذي يعد رافدا من روافد ثقافتنا وابداعنا العراقي، نجد ان في مسيرة القصيدة الشعبية العراقية مثابات مضيئة ممثلة بالعديد من القصائد التي بلغت درجة عالية من الرصانة والعذوبة والتي لايمكن حصرها في هذا الحيز المحدود وبالتالي ليس من الانصاف اغفال الكم الكبير من الشعر الجيد والعذب قبل تجربة الشاعر الكبير "مظفر النواب" التي أطلق عليها الناقد د. حسين سرمك بـ (الثورة النوابية) في كتابه الممتع الذي حمل ذات العنوان والذي وصف فيه الشعر قبل هذه الفترة بـ (حديث يومي وصفي مباشر منحه التنظيم العروضي شكل القصيدة ص 25)، في حين نطالع نماذج من الشعر القديم اذا ماوضعناها في ظرفها الموضوعي والتأريخي فأنها تفوق جمالا وابداعا للكثير من الشعر الذي يكتب اليوم تحت مسمى الشعر الحديث .

نتوقف عند شذرة من شذرات الشعر القديم هي قصيدة " كسر الخواطر " للشاعر سعدي المصّور، وهو شاعر ستيني عرف بغزارة نتاجه الشعري وبمشاكساته ومساجلاته الشعرية، وكتب بمختلف الأساليب والأوزان والأشكال الشعرية التقليدية، حيث نجد في هذه القصيدة مايدعم قولنا من ان هناك الكثير من الشعر القديم الذي تجاوز من حيث خصائصه الفنية ملامح عصره وكان نموذجاً يستحق الاشادة والاستذكار.

 

كسر الخواطر

شعر : سعدي المصّور

جاوينك يمن بسمك تنخيت            وصبح بأمرك دليلي وانته تآمر

جرح كلبي هواك وآنه ضحيت      وتدري اشكد كلف جرح الضماير

                                    .....

خون اشلون تهوه وانته معذور      خون ولا توافي وآنه راضي

الجميع اعضاي مرخص واطلب اتجور     او عن كل التفعله آنه غاضي

أوهاذي موش بيدي تدري معذور     خصيم انته بهوانه وانته قاضي

حرت مدري شكله والله مليت         ومن أنشد جواب النشد حاضر

لشخص المايحبك ليش حبيت         ولفك عامد الكسر الخواطر

                                    .....

كسّر خاطري وجاويني بجلاي         أشوطي مثل زهرانه ابزهرهه

ودك جرف الصخر وارجع على الماي   وكل صدمه يظل شاهد أثرهه

أغض طرف الوصل عن داي ودواي    روحي اتريد تعويض السهرهه

تنشدني وتكلي ليش خاويت            نهارك هايم وليلك امساهر

شنهو انته غشيم وهجي سويت        كلبك يامجان البيه عامر

                                   .....

آنه عله النفس من آخذ اعهود        أكول أتجلد ولازم أعوفك

لجن كلبي رجيج ومن تجي اردود   اعيوني تريد توكع من تشوفك

وأريد أنسه هواك وحبك ايزود       بكثر خوفي عليك ومني خوفك

أبني البيت وانته اتهدم  البيت         وآنه ارخه الرسن بهواك صابر

أريد اتحس مته وتكلي حسيت        ولعد كسر التكسره اتصير جابر

                                  .......

هويته وعرف لن آنه هويته           وسباّح الكلب سويته اله رجاب

حط رجله وتولاني او وليته          اوياويله  اليطيح ابولية احباب

معذبني وعذابي آنه اشتريته          يلكد وين يامر وآنه انساب

آنه الجبت جمره اوبيدي خليت       واصيح النار اجت يهل الضماير

آنه وياك هذا المثل سويت            الكاعد بالنده اويكسر الخاطر 

 

بروفایل الحداثة الدينية (7): ألفة يوسف

mushtaq alhuloكاتبة وباحثة واکاديمية اصلاحية تونسية ومديرة المكتبة الوطنية التونسية.

ولدت ألفة يوسف عام 1966 بمدينة سوسة التونسیة، وهي أكاديمية مختصة في اللغة العربية واللسانيات، وأطروحتها في دكتوراه الدّولة كانت تحت عنوان "تعدّد المعنى في القرآن"، واختصاصها الاصلي اللسانيات، مع اهتمام بمعاني الآيات ودلالاتها عند المفسرين والفقهاء والأصوليين.

لکونها ولدت في أسرة محافظة، كانت تمثل صوتاً محافظاً في الوسط الثقافي التونسي، ولكنها شهدت تحولاً في التوجه الفكري، عبرت عنه بكتابها (حيرة مسلمة) الذي صدر عام 2008م وأثار جدلاً واسعاً، حيث قالت فيه: "أن الإسلام الذي نعرفه اليوم هو من اختراع الفقهاء"، وهاجمت الأحكام الفقهیة التي تخص المرأة.

 

نشاطاتها الثقافية

بدأت ألفة مسيرتها الجامعية كأستاذة مساعدة عام 1989، ثم أستاذة جامعية في 1992، وأستاذة محاضرة منذ 2002 بكلّية الآداب والفنون والإنسانيّات بمنّوبة، وأستاذة منذ أكتوبر 2007 بالمعهد العالي للّغات بتونس. درّست اللّسانيّات والأدب والحضارة واشرفت على عدد من اطاريح الماجستير.

أصبحت مديرة المعهد الأعلى للطّفولة بقرطاج درمش (من أكتوبر 2003)، ثم مديرة المكتبة الوطنية التونسية. لكنها استقالت عقيب الثورة التونسية في 14 حزيران 2011.

انتجت للتّلفزيون التونسي على مدى سنوات برامج تهتم بالإصدارات الحديثة وبمسائل ثقافيّة واجتماعيّة متعددة منها الطفولة.

 

مؤلفاتها

ـ نساء وذاكرة (عمل مشترك، تونس 1992): اعتمد الكتاب على منهج التّاريخ الشّفوي واحتوى على شهادات نساء تونسيّات برزن في مجالات مختلفة مطلع القرن الماضي.

ـ بحوث في خطاب "السّدّ" المسرحيّ (عمل مشترك، تونس 1994): يدرس هذا الكتاب مسرحيّة "السّدّ" لمحمود المسعدي، من منظور دلالي وسيميائيّ.

ـ المساجلة بين فقه اللغة واللسانيّات (تونس 1997): يهتمّ هذا الكتاب بتقبّل اللغويّين العرب المعاصرين لعلم اللسانيّات.

ـ الإخبار عن المرأة في القرآن والسّنّة (سحر للنّشر، تونس 1997): يعتمد هذا الكتاب نظريّة الإخبار مقارنا بين المرأة في الجاهليّة والمرأة في الإسلام. ويستند إلى علم الاجتماع وفلسفة الأديان.

ـ تعدّد المعنى في القرآن (سحر للنّشر، تونس 2003): في الأصل كان اطروحتها للدكتوراه، حاولت فيه تقديم اصناف تعدّد المعنى في القرآن من خلال المفسّرين. وينتهي البحث إلى الإقرار بوجود معنى أصليّ للقرآن هو القرآن في اللوح المحفوظ، وهذا المعنى ممتنع لا يعلم تأويله إلاّ الله بحسب مؤلفته.

ـ ناقصات عقل ودين (سحر للنّشر، تونس 2003): مقاربة نفسيّة لبعض أحاديث الرّسول.

Le Coran au risque de la psychanalyse, Albin-Michel, Paris 2007 

كتاب ألفته باللغة الفرنسية وهو مقاربة نفسيّة روحانيّة للقرآن تنشد تجاوز تعدّد المعاني والطّقوس الشّكليّة وتسعى إلى تفاعل جوهريّ مع النّصّ الدّينيّ.

ـ حيرة مسلمة: في الميراث والزّواج والجنسيّة المثليّة (سحر للنّشر، تونس 2008)، وهو مراجعة لرأي مفسّري القرآن لقضايا الميراث والزّواج والجنسيّة المثليّة وتبيين الفرق الهائل بين انغلاق المفسّرين من جهة وانفتاح النصّ القرآنيّ من جهة أخرى.

ـ شوق. . قراءة في أركان الاسلام، تونس 2010.

ـ سلسلة بعنوان «والله أعلم»، تونس 2012.

 

الإنتاج التّلفزيوني

كتاب في دقائق (1994-2004): برنامج يقدّم الإصدارات الحديثة.

كتاب من التّراث (1994-1999): برنامج يقدّم أمّهات كتب التّراث.

ساعة حوار (1994-1995-1997): برنامج اجتماعيّ يتحاور فيه الشّباب في مسائل اجتماعيّة وثقافيّة متعدّدة.

مساجلات (2000-2001): برنامج ثقافيّ يناقش قضايا الأدب والفلسفة والعلوم الإنسانيّة.

كتاب اليوم (2000-2001): برنامج مباشر يعرّف بأهمّ مفاهيم العلوم الإنسانيّة.

على هامش السّيرة (2007): برنامج يتناول سيرة الرّسول تمزج فيه بين القراءات التراثيّة والقراءات الحديثة.

 

توجهها الفكري

اتسمت کتابات ألفة واثاراتها في الفكر الديني بالجرأة والصراحة والتوجه الحداثي، وتناولت في أبحاثها الموروث الديني بالتحليل والمقارنة. كما اشتهرت بمقاربتها النقدية للفكر الإسلامي وتحليل التصورات "الغير مفكر فيها" عن الدين والنصوص الدينية. وتعتبر مهمتها، التفكير معا في إطار الاحترام وإعادة البعد الروحاني إلى الإسلام، ايمانا منها بالقاعدة القاضية بأن: لا توجد مقدسات في التفكير، وأن الاجتهاد شيء أساسي لأي دين. تطرح ألفة التساؤلات التالية التي تكشف معاناتها وإشكالها على الفكر التقليدي السائد، وتنطلق منها في بحوثها، فتقول:

 لا يمكن لمن أوتي حظّا ولو قليلا من القدرة على التّفكير أن لا يتساءل، إذ ينظر إلى حال الإسلام والمسلمين اليوم:

ما الّذي جرى للمسلمين حتّى يصير الإسلام رديفا للانغلاق والتّشدّد؟ ما الّذي جرى للمسلمين حتّى يصبح الطّبري أو الرّازي في بعض الأحيان أكثر تفتّحا من مشايخ الأزهر أو سواه من المؤسّسات الرّسميّة الّتي تحاول مأسسة دين لا يقوم إلاّ على علاقة فرديّة بين الإنسان وخالقه؟ ما الّذي جرى لنا حتّى نعبد الفقهاء والمفسّرين ونؤلّه كلامهم وننسى أنّهم مثلنا بشر يجتهدون فيخطئون ويصيبون، وننسى أنّ الله تعالى عرض علينا الأمانة مثلما عرضها عليهم؟ ما الّذي أصابنا حتّى تصبح بعض القنوات التّلفزيّة "طريقنا إلى الجنّة" وكأنّ الله تعالى حباهم بمفاتيح جنانه دون سواهم؟ ما الّذي جرى لنا حتّى نسيء "تسويق" الإسلام المشرق، إسلام حرّية المعتقد والمحبّة والتّسامح ونستبدل به "إسلاما" غريبا مفزعا لا يرى في المرأة إلاّ عورة يجب سترها ولا يرى في الرّجل إلاّ حيوانا نهما ينحصر تفكيره صباح مساء في الجنس، فيلهيه شعر امرأة عن واجبات دينه ودنياه؟ ما الّذي دهانا حتّى لا نقدّم لشبابنا إلاّ صورة إسلام شيخ يصرخ فيحرّم الغناء والصّورة والفنون وحلق اللّحية ويذكّر بعذاب القبر لمن تجاوز محرّماته ويجزم بقائمة الدّاخلين إلى النّار والدّاخلين إلى الجنّة بأسماء النّاس وألقابهم وبأرقام بطاقاتهم الوطنيّة أحيانا؟ ماذا أصابنا حتّى لا نقدّم للغرب إلاّ صورة "مسلم" حركيّ يفكّر في "الاستشهاد" بتفجير نفسه لقتل النّفس الّتي حرّم الله، بحقّ الاختلاف في الرّأي أو اختلاف العقيدة.

 (http://olfayoussef.blogspot.com)

 

وفاة الكاتبة الأمريكية باربرا ميرتز عالمة المصريات وعاشقة المعابد والكتابة الهيروغليفية

ahmad fadelبمنزلها في فريدريك بولاية ميريلاند توفيت الخميس 8 أغسطس / آب الكاتبة الأمريكية المخضرمة وعالمة المصريات باربرا ميرتز عن عمر ناهز ال 85 سنة بسبب مضاعفات الإنسداد الرئوي بحسب ما صرحت به إبنتها إليزابيث ميرتز .

الكاتبة الأمريكية صاحبة الكتب الأكثر مبيعا في العالم سبق وان كتبت يأسماء مستعارة هي إليزابيث بيترز وباربرا مايكلز حتى استقرت على إسمها الحقيقي  ولا يعرف سبب ذلك التصرف، لكن من المرجح انها اختارتها من الأسماء الأولى لأطفالها .

السيدة ميرتز كتبت أكثر من 70 كتابا تفاوتت بين الرواية الطويلة والقصة القصيرة والدراسة العلمية وهي بهذا تكون أول كاتبة غربية تعنى بهذا الجانب على مدى سنوات عمرها الطويل، ومن أهم أعمالها " الأرض الحمراء " و" أسود الأرض : الحياة اليومية في مصر القديمة " و" المعابد والمقابر والهيروغليفية : التاريخ الشعبي في مصر القديمة "، قال عنها الناقد الأمريكي الراحل أورفيل بريسكوت في أحد مقالاته في النيويورك تايمز أنها تتمتع بحماس نادر تجاه هذا الجانب من علم المصريات ويبدو أنها كذلك لديها معرفة واسعة بأسرار وخبايا ذلك العلم، بريسكوت كان قد كتب ذلك عقب استعراضه كتابها " المعابد والمقابر والكتابة الهيروغليفية " .

ميرتز في قصصها البوليسية تقترب كثيرا من أجاثا كريستي لتأثرها الشديد بها ولأن الأخيرة كانت قد سبقتها في رحلاتها العلمية إلى مصر والعراق صحبة زوجها عالم الآثار وأنتجت من واقع هاتين الحضارتين بعضا من أنجح رواياتها البوليسية، لكنها لم تستمر كما استمرت ميرتز التي تأثرت أيضا بجين أوستن في بعض أعمالها الرومانسية ، أما باقي أعمالها فقد تناولت من خلالها بحوتا علمية وتاريخية كان من أشهرها بحثا مستفيضا عن علم الآثار الأترورية، وآخر عن توحيد إيطاليا في القرن التاسع عشر، وعن أشهر النساء في التاريخ القديم حمل إسم بطلات مقدامات ، وكثيرا ما كانت السيدة ميرتز تستخدم بعضا من شخوص رواياتها أساسا للخوض في مغامرات باتت معروفة فيها منها فيكي بليس أول هذه الشخصيات وهي مؤرخة الفن في المتحف الوطني في ميونخ، جاكلين كيربي أمينة مكتبة الروايات الرومانسية والمفضلىة لديها، أميليا بيبودي عالمة المصريات في العصر الفيكتوري والتي لعبت البطولة في 19 رواية، هؤلاء الثلاثة نجدهم في عديد رواياتها يتنقلون في مناطق الشرق الأوسط وأوربا، وهناك بطلات استخدمن مهاراتهن الجنسية كوسيلة للوصول إلى غاياتهن .

أجمل ما يمكن قراءته في روايات ميرتز هو ذلك الصراع الأزلي بين الإنسان كأداة عمل لديمومة مناحي الحياة وعاطفته التي يمكن لها أن تحد من نشاطه العملي بسبب أن الآخر قد لا يستسيغه فيكون عامل إحباط لهذا النشاط ، هذه الرؤى والأفكار كثيرا ما تعين القارئ على معرفة ما يفكر به أبطال رواياتها، وقد تكون مريتز هي نفسها بيبودي إحدى تلك الشخصيات كما في رواية " التمساح على الرمال " الصادرة عام 1957 وهي أول رواية في سلسلة بطلتها عالمة المصريات تلك التي غالبا ما كانت تتصارع أهوائها بين الرغبة بالتفرغ لعملها وعاطفتها، فهي تحاول أن تكون مستقلة بآرائها،  لكنها في النهاية تحاول التوفيق بين حبها لهذه القطع الطينية القديمة وحبها لأول رجل يقتحم أحلامها .

ولدت باربرا ميرتز في 29 سبتمبر أيلول 1927 في كانتون بولاية إلينوي، قالت أنها أصبحت مفتونة بمصر القديمة عندما تولت خالتها المعهد الشرقي في جامعة شيكاغو عندما كان عمرها 13 سنة، حصلت على درجة البكالوريوس في علم المصريات كما حصلت على الدكتوراه عام 1952 بنفس التخصص، إلا أنها لم تتمكن من العثور على عمل في الأوساط الأكاديمية بسبب التمييز على أساس الجنس آنذاك، لم تشعر بالقلق حينها لأنها وجدت في زوجها خير من سيحقق أحلامها عمليا وذلك بالسفر إلى موطن الآثار التي عشقتها في مصر، وهكذا سافرت مع ريتشارد ميرتز زوجها اوائل عام 1960 حيث كانا يعيشان في ألمانيا وانفصلا عام 1969، تم تكريمها بجائزة غراند ماستر التي تمنح عادة لكتاب الخيال العلمي الأمريكان وهي من أرفع الجوائز هناك تاسست عام 1957 .

وهكذا طويت صفحة جميلة ومهمة من صفحات الروائية والعالمة الآثارية باربرا مريتز التي أماطت الكثير من أسرار الحضارة الفرعونية في مصر عبر رواياتها ودراساتها التي لم تقف عند حدود هذه الحضارة فقط بل حاولت قبل رحيلها إماطة اللثام عن الحضارة الرومانية، لكن القدر لم يمهلها ذلك ورحلت دون أن تكشف لنا ما أحاط بتلك الحضارة من أسرار .

 

كتابة / دانيال إي . سلوتنك

عن صحيفة / نيويورك تايمز

ترجمة / أحمد فاضل

 

اريد زوجا .. اريد عريسأ

rafed alkozaiبس لاتصير عدنا، يعني راح تصير كارثة وطنية

تناقلت الاخبار من غانا في افريقيا عن مظاهرة نسائية ضخمة بالالاف من النساء الارامل والمطلقات والعوانس وهن متوجهات الى اشهر مرجع ديني في غانا وهو مفتي الدولة الغانية وهن يرفعن شعارا واحدا نريدا ازواجا .. نريد ازواجا .. والا لاتلومنا اذا اتجهنا الى طريقة اخرى لتحقيق رغباتنا .. واستمرت المظاهرات الى ثلاثة ايام حتى اصدر المفتي فتوى بتعدد الزوجات مع مكافئة مالية مجزية من بيت الزكاة الغاني للذي يتزوج اكثر من واحدة من المطلقات والارامل مع هبة شهرية لمدة سنة لكل زواج ثاني وتم زواج 4654مطلقة وارملة وعانس خلال اسيوع والاعداد بتزايد ..

لو صايرة عدنا بالعراق او احدى الدول العربية جان صارت كارثة واعتبرتها الصحافة والقنوات الفضائية مادة اعلامية دسمة يفوق مشاهديها برنامج قناة ام بي سي عرب ايدل ..

وفي العراق تكون المظاهرات توزعت في النجف وكربلاء وتكريت والبصرة والاعظمية والكاظمية وتكريت وكركوك واربيل والسليمانية لتعدد المرجعيات الدينية في هذا البلد التي يحتاج الزواج من زوجة ثانية تغير مادة قانونية في القانون العراقي (لايحق للزوج الزواج من زوجة ثانية الا بموافقة الزوجة الاولى) واغلب الزوجات الاوائل صادرن الحق الشرعي للرجل من الزواج من ثانية وثالثة ورابعة واكتغن بمادة الا تعدل ..

هل نحن بحاجة الى مظاهرات نسائية صاخبة للنساء الارامل والمطلقات والعوانس مع ازدياد الارهاب والبطالة وازمة السكن للمطالبة بحقهن اريد زوجا  اريد زوجا ..

انه شعار نادت به بعض المسلمات الاوائل في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب مع ازدياد الجواري التي حصل عليهن المسلمين من الفتوحات الاسلامية وتكررت في عهد الوليد بن عبد الملك بعد فتح افريقيا والمغرب العربي حيث وزع الخليفة النساء حتى للعرجان والعميان  والمجانين  والمصابين بالجذام حتى اصبح حصة الرجل اربعة نساء  وكانت سنة الحب كما وصفها الشعراء العرب انذاك ..

انها مظاهرة اريد زوجا حقا شرعيا للمرأة في زمن العولمة الجديد في غياب الخطاب وطالبي الزواج واندثار الرجال بالارهاب الاعمى ....

 

الدكتور رافد علاء الخزاعي

 

نجاتي صدقي والادب الروسي

نجاتي صدقي - مثقف عربي كبير تصلح  سيرة حياته ان تتحول الى فيلم سينمائي مشوٌق جدا، يبتدأ من القدس في فلسطين عام 1908 حيث ولد ويمر عبرالحجاز وسوريا ومصر والقدس مرة اخرى ثم موسكو وباريس ومدريد ودمشق وبيروت وقبرص وينتهي في اثيناعام 1979 حيث توفي.

لا تهدف هذه المقالة الى رسم صورة تفصيلية لهذا المثقف الفلسطيني الكبير والمتميز ومسيرة نضاله السياسي ، هذه المسيرة التي ابتدأت عام 1924 عندما ارتبط بالحركة الشيوعية في القدس وتم  ترشيحه للدراسة في جامعة ستالين الشيوعية لكادحي الشرق في موسكو (والتي لم يترجم العرب تسميتها بشكل دقيق وواضح في معظم المصادر ولا ادري اذا كان الامر صدفة أم...) والذي كان نجاتي صدقي الطالب العربي الوحيد فيها عام 1925، والتي سيدرس فيها فيما بعد يوسف سلمان يوسف (فهد) من العراق وخالد بكداش من سوريا لكن بعد تخرجه عام 1929 اذ انهما درسا في ثلاثينيات القرن العشرين (تأسست هذه الجامعة عام 1921 و الغيت عام 1938 وتخرج فيها 29 طالبا اجنبيا فقط منهم الزعيم الفيتنامي هوشي منٌه والشاعر التركي ناظم حكمت). يعود نجاتي صدقي الى فلسطين بعدذلك، ثم يعتقل ، وبعد اطلاق سراحه يكلفه الكومنتيرن (مركز ادارة الحركة الشيوعية العالمي في موسكو) بالسفر الى باريس لاصدار صحيفة (الشرق العربي) وبعد 36 عددا منها يرسلوه الى اسبانيا للمشاركة في الحرب الاهلية ضد فرانكو لتحريض الجنود المغاربة الذين يعملون معه على التمرد ثم يعود الى باريس ويتقاطع مع الشيوعيين الفرنسيين فيعيدونه الى دمشق و هناك ايضا يتقاطع و يختلف مع خالد بكداش  ثم يتناقش مع الكومنتيرن لانه يرفض اتفاق هتلر وستالين عام 1939 حول عدم الاعتداء، وتؤدي هذه المواقف الفكرية المتميزة له  الى قطع علاقته التنظيمية مع الحركة الشيوعيةعموما، ومن اجل كسب لقمة العيش يبدا بممارسة العمل الادبي،منطلقا من معرفته للغات الروسية والفرنسية والاسبانية ويعطي لنا اوائل الكتب والدراسات في الادب الروسي والفرنسي والاسباني، ومقالتنا هذه مكرسة لالقاء نظرة عامة ليس الا على مساهماته في مجال الادب الروسي فقط.

الكتاب الاول في مجال الادب الروسي ظهر عام 1945 بعنوان – بوشكين امير شعراء روسيا، وقد اصدرته دار المعارف في القاهرة ضمن سلسلة (أقرأ) الشهيرة.لقد  (منح) نجاتي صدقي لقب (امير الشعراء) لبوشكين على الطريقة العربية ولاول مرة في تاريخ الدراسات العربية للادب الروسي ولا زالت هذه التسمية تستخدم لحد الان في بعض الكتابات العربية حول بوشكين،اذ لا يسميه الروس ولا اية امٌة اخرى بهذه التسمية (السلطوية)، رغم انه توجد بعض التسميات الروسية له مثل (شمس الشعر الروسي). ان اختيار بوشكين من قبل نجاتي صدقي يعني انه كان يفهم جوهر الادب الروسي بعمق بعيدا عن اخضاع الادب للسياسة، ويعرف ان بوشكين هو البداية الحقيقية للادب الروسي وانطلاقه وتألقه، وهذه مسألة في غاية الاهمية بالنسبة للفكر العربي في تلك الفترة التي كان كل شئ فيها يخضع للسياسة، ولو كان صدقي يخضع لذلك لاختار اديبا آخر بدلا عنه، و ربما يمكن القول حتى ان اختيار بوشكين يعني ان نجاتي صدقي اراد ان يعبر عن تأكيده لخلافاته مع رفاقه القدامى .ان كتاب نجاتي صدقي عن بوشكين هو اول كتاب نقدي مستقل ومتكامل عن الاديب الروسي – حسب علمنا المتواضع – بالعربية، وقد جاء شاملا وتناول بوشكين ومسيرة حياته وتأثره بالادب الفرنسي والانكليزي ،وخصوصا بشكسبير وبايرون، وتوقف عند موقفه منهما ، وقدٌم نماذج ابداعية له، وهي نقاط مهمة جدا في دراسة نتاجات بوشكين لا زال القارئ العربي بحاجة الى تأملها والتعمق في مختلف جوانبها، ومن الضروري هنا الاشارة الى ان الاديب اللبناني الكبير ميخائيل نعيمة قد كتب مقدمة هذا الكتاب واشاد بما جاء فيه لأن المؤلف يستند الى مصادر روسية وبلغتها الاصلية . أصدر نجاتي صدقي عام 1947 كتابا آخر في الادب الروسي بعنوان – (تشيخوف) وصدر ايضا ضمن سلسلة – اقرأ المصرية ، وهو ايضا اول كتاب عربي حول هذا الاديب الروسي الكبير، وقد سبق لي ان أشرت الى ذلك في مقالتي بعنوان – (شاكر خصباك وتشيخوف) المنشورة في العديد من المواقع الالكترونية، ولا زال هذا الكتاب لحد الآن يمتلك اهميته وقيمته الفكرية في المكتبة العربية، اذ رسم نجاتي صدقي فيه صورة قلمية موضوعية ودقيقة لهذا الكاتب الروسي وترجم – وبشكل رائع - نتاجات مختارة من ابداعه في مجال المسرح والقصة القصيرة، ويمكن القول – وبلا شك – ان اختيار تشيخوف من قبل نجاتي صدقي كان يرتبط ايضا بفهمه واستيعابه العميق للادب الروسي، اذ ان بوشكين وتشيخوف يجسدان قمتين متكاملتين ومنسجمتين في مسيرة الادب الروسي وتطوره في بداية القرن التاسع عشر ونهايته .الكتاب الثالث له صدر عام 1956 في القاهرة ايضا وضمن نفس السلسلة وهو بعنوان – غوركي،والذي يمكن اعتباره ابرز اديب روسي في ذلك الوقت . ان هذه الكتب الثلاثة التي قدمها نجاتي صدقي للمكتبة العربية تعد في الوقت الحاضر مساهمة مهمة جدا في مجال الدراسات العربية حول الادب الروسي ولا زالت تعتبر من ابرز المصادر في هذا المجال. وهناك كتاب آخر أصدره نجاتي صدقي عام 1952 في بيروت بعنوان – (المختار من القصص الروسي) لم استطع – مع الاسف – الاطلاع عليه ولهذا لا يمكن لي تعريفه و تقويمه ، رغم انني على قناعة تامة من قيمته العلمية والفنية.لقد منحنا هذا  الاديب والباحث كتبا ادبية  ودراسات ومقالات قيٌمة لا زالت تنبض بالحياة ولا زال القارئ العربي يطالعها ويرجع اليها باعتبارها مصادر مهمة في الادب الروسي ومسيرته وتاريخه،وكثيرا ما كنت اوصي طلبتي في قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد بالاطلاع عليها، وقد اعادت بعض دور النشرالعربية طباعتها من جديد، اما تلك المقالات والاصدارات السياسية التي كتبها نجاتي صدقي قبل ذلك فقليلا ما يتذكرها القراء الآن.

 

أنطونيو ماتشادو: البلبل الصادح في بستان الشعر الإسباني الحديث الوارف الظلال

alhasan alkyriنبذة عن حياة الشاعر: لقد رأى أنطونيو ماتشادو، الشاعر الإسباني الكبير، النور سنة 26 من شهر يوليوز من سنة 1875 م وذلك بمدينة إشبيلية في جنوب إسبانيا. وسيغيبه القدر المحتوم كما نعلم في 22 فبراير من سنة 1939 م، ولكن هذه المرة في بلد مجاور وليس في بلده أقصد "كوليور" بفرنسا. ويشكل هذا الشاعر الفذ أحد الوجوه الممثلة لمجموعة الثمانية والتسعين (1898) بإسبانيا رغم انضمامه المتأخر إليها. انتقل إلى العاصمة  مدريد رفقة العائلة الكبيرة عندما تم تعيين جده أستاذا بجامعة مدريد المركزية. وهناك درس في المستوى الثانوي للحصول على شهادة البكالوريا في معهد سان إسيدرو وكاردينال سيسنيروس. وقد كان ينقطع عن الدراسة بين الفينة والأخرى بسبب موت أبيه ثم موت جده بعده بحوالي ثلاث سنوات. ففي سنة 1899 سينتقل إلى عاصمة الثقافات باريس حيث يوجد شاعر آخر وهو ليس إلا أخوه الأكبر طبعا مانويل ماتشادو. وهناك سيشتغلان معا في مجال التأليف المسرحي، دون أن ننسى اشتغاله مع درا النشر الفرنسية "غارنيي" كمترجم. وهناك سيتعرف على كتاب مكرسين من قبيل أوسكار ويلد وبيو باروخا، وسيحضر إلى المحاضرات التي كان يلقيها هنري بيرغسون التي تركت فيه فعيلها موسوما وموشوما. بعد عودته إلى إسبانيا احترف التمثيل وأنهى دراسته الثانوية حاصلا بذلك على شهادة البكالوريا. بعده عاد إلى مدينة الأنوار  وهناك سيلتقي بوجه مؤثر في الحداثة الشعرية في العالم الناطق بالإسبانية ألا وهو الشاعر النكاراغواياني روبين داريو وذلك سنة 1902. مرة أخرى سيتقدم لمباراة في ميدان التعليم وسيحصل على منصب مدرس للغة الفرنسية في معهد صوريا، وهناك سيدخل في صداقة مع بثينتي غرثيا دييغو وسيتعرف على فتاة غضة تشتغل في منزله وسيتزوج بها سنتين بعد ذلك وهو ابن 34 سنة وهي بنت 15 ربيعا؛ إنها إحدى ملهماته نقصد ليونور إثكييردو التي تتحدث عنها القصيدة التي سنرى في قادم الأسطر.

ويبدو أن للشعر تصورا خاصا في فهم أنطونيو ماتشادو، فهو نبض عميق للروح وتعبير حميمي عن الأحاسيس والأشواق الإنسانية. إن هذا الشعر رغم ارتباطه بالذات الشاعرة ينبغي أن يكون حوار الإنسان مع الإنسان أي حوار الإنسان مع زمانه وعصره. إنه شعر ينبغي أن يحمل صورا مشبعة بالأحاسيس الذاتية دون الاقتصار على الجنوح نحو الجانب الفكري في التصوير. كما تجدر الإشارة إلى أن أنطونيو ماتشادو رفض القيم الفنية لتيار شعري معروف هو السوريالية لأنه يفتقد في نظره  للبنية المنطقية، فهو تيار لا إنساني، ذلكم أن الشعر في نظره يجب أن يقول ويقال بالقلب.

 

من دواوينه الشعرية

1 - نشائد حزينة  1903.

2 - نشائد حزينة: أروقة، قصائد أخرى. 1907.

3 - حقول كاستييا. 1912.

4 -  صفحات مختارة. 1917.

5 - الأشعار الكاملة. 1917.

6 - قصائد. 1917.

7 - أغان جديدة. 1918.

 

من أعماله المسرحية

1 - خوان دي مارانيا 1927.

2 - ابنة العم فرناندا. 1931.

 3 - دوقة بيناميخي 1932.

 

من أروع قصائده

   تعد قصيدة "حلمت أنك كنت تحملينني" / Soñé que tu me llevabas واحدة من أقدر القصائد على الكشف عن الخطوط العريضة التي تميز شعر أنطونيو ماتشادو. وهي مضمنة في ديوانه الذي أتينا على ذكره أعلاه وهو" حقول كاستيا Campos de Castilla " والذي صدر سنة 1912.

   هذه القصيدة مليئة بالأحاسيس التي تعتمل في وجدان الشاعر نتيجة موت حبيبته ليونور إثكييردو وغربته نتيجة انتقاله من مدينة  صوريا إلى مدينة جيان. ويظهر أن الموضوع الذي يتم تناوله في هذه القصيدة هو تذكر طبيعة صوريا ومغاني الأنس وأيام الوصال بينه وبين حبيبته ليونور.إنه يحلم أنه في جولة ترفيهية حميمية رومانسية رفقة معشوقته التي أخذها منه القدر على حين غرة نتيجة إصابتها بمرض السل المميت سنة 1912. بعدها يستيقظ الشاعر من حلمه إلى واقعه.

 

ترجمة القصيدة إلى العربية

حلمت أنك كنت تحملينني

حلمت أنك كنت تحملينني

عبر طريق أبيض

وسط القرية الخضراء،

نحو زرقة الجبال،

نحو القمم الزرقاء،

في صباح هادئ.

 

أحسست يدك في يدي،

يد الصديقة،

صوتك الصغير في مسمعي،

كجرس جديد،

كجرس أعذر،

في فجر ربيعي.

 

كان صوتك ويدك،

الحقيقيان في الأحلام!

لتطل أيها الأمل،

من يدري ما الذي تبتلع الأرض!

 

القصيدة الأصلية بالإسبانية

Soñé que tú me llevabas

                                                        Soñé que tú me llevabas

                                                         por una blanca vereda

                                                        en medio del campo verde,     

                                                        hacia el azul de las sierras,

                                                          hacia los montes azules,        

                                                          una mañana serena.

                                                         Sentí tu mano en la mía,   

                                                         tu mano de compañera,  

                                                         tu voz de niña en mi oído

                                                        como una campana nueva,

                                                        como una campana virgen

                                                        de un alba de primavera.

                                                        ¡Eran tu voz y tu mano,

                                                        en sueños, tan verdaderas!...

                                                        Vive, esperanza, ¡quién sabe

                                                        lo que se traga la tierra!

 

خلاصة عامة

هكذا، نكون قد قدمنا إطلالة سريعة عن وجه من الوجوه المعروفة في مجال الشعر الغنائي الإسباني الحديث، يتعلق الأمر بالشاعر الفذ أنطونيو ماتشادو Antonio Machado؛ ووقفنا على أهم اللحظات التي وسمت حياته، كما ألمحنا إلى معنى الشعر في فهمه وتصوره. ويبدو من خلال تقديرنا المتواضع أن هذه القصيدة الغنائية التي أقدمنا على ترجمتها من اللغة الإسبانية إلى اللغة العربية تبين بكل جلاء أوجها عديدة للتشابه والتصادي والتأثير والتأثر والتناص بين القصيدة العربية الوجدانية ونظيرتها الإسبانية الوجدانية، خاصة ما تعلق بفني الغزل والرثاء، فكأني بالشاعر الإسباني أنطونيو ماتشادو الشاعر العربي الغزل جميل بثينة أو قيس بن الملوح يسرد لنا إحدى لحظات العشق مع من يهواها قلبه أو ذلكم الشاعر العربي الكبير مالك بن الريب يرثي نفسه متذكرا أحبته ومتحسرا على تيتيم فرسه. ولسنا نتعجب، ذلكم أن أنطونيو ماتشادو سليل الثقافة العربية الإسلامية الأندلسية شاء من شاء وأبى من أبى، فلا يمكن أن نحجب الشمس بالغربال، وما اعترافات مغيل آسين بلاثيوس ووماريا خسوس روبييرا ماتا وإميليو غرثيا غومث في هذا الباب إلا خير دليل على ما نحن ذاهبون إليه هاهنا.

 

آمال عوّاد رضوان قامةٌ أدبيّةٌ باسقة- بقلم نزيه حسون

amal awadaفي مِحرابها الشّعريّ، لا تستطيعُ إلّا أن تُصلّي بخشوعٍ .. وفي رحاب كلماتِها المُجنّحة، لا يمكنك إلّا أن تضيءَ شمعةً، وتَخرجَ بخطى وئيدةً، كي لا تخدُشَ الجَمالَ، أو تمَسَّ ملائكيّةَ الصُّور..

هذا العالمُ الشّاعريُّ المُتوهّجُ يَسرقُكَ، منذ اللّحظةِ الأولى الّتي تقتربُ فيها نحوَهُ.. ويجعلُكَ تتداخلُ فيهِ تداخُلًا عضويًّا، كأنّكَ جزءٌ مِن هذا العالم الشّعريّ الشفيف، الذي تَسكبُهُ آمال عوّاد رضوان بحروفِها النديّة على أديم الورق، ليتسرّبَ بسرعةِ العطرِ المتطايرِ إلى قلب المتلقّي، لا سيّما إذا كان المتلقّي شاعرًا، يثملُ مِن خمرِ الكلمةِ ونبيذِ الفِكرة.

هذا هو الشعور الّذي انتابَني بعدَ قراءةِ ديوانِها الأخير، وقد تأتي شهادتنا في شِعر آمال مجروحةً، لاسيّما أنّها صديقةٌ عزيزةٌ، وجذوةٌ إنسانيّةٌ تتوهّجُ بالنُّبل والعطاء، ولكن للحقيقةِ الجافّة والموضوعيّةِ المُطلقة، فإنّ حُكمَنا هذا هو على ما تكتبُ وما تُبدعُ آمال عوّاد رضوان، ولعلّ نزعةَ العطاءِ ونزعةَ الإنسانيّةِ الّتي تتميّزُ بها آمال عوّاد رضوان، قد تكونُ المُكمّلُ الطبعيّ لشِعرِها الإنسانيّ الرقيق الشفيفِ.

الشاعرُ الحقيقيُّ إنّما تكونُ أشعارُهُ مرآةً لخبايا نفسِهِ.. وهُويّةً صادقةً لمكنوناتِ روحِهِ.. وهذا الأمرُ إنّما ينطبقُ عميقًا على شخصيّةِ الشاعرة آمال عوّاد رضوان، وعلى حيثيّاتِ روحِها السامية، وليسَ هنالكَ أجملُ مِنَ الشاعر الصّادق....

وعندما سُئلتْ في إحدى اللقاءاتِ الّتي أُجريتْ معها، كيف يبتدئُ اليومُ طريقَه إلى الشّعر عند الشاعرة آمال عوّاد رضوان؟ كان جوابها ما يلي: بالحُبّ يبتدئُ طريقي إلى الشعر، ولمّا أزلْ أتدرّجُ على سُلّمِ مَجدِهِ السّماويّ، فالشّعرُ هو امتدادُ روحي المُتّقدةِ باليقظةِ، المُفعمةِ بالحُلم! الشعرُ هو عشقي المُمجِّدِ لحياةٍ أنا جديرة بها، وهي جديرةٌ بي وباستحقاق، بشتّى طعومِها الحلوةِ والمُرّةِ والمُغايرةِ بمَذاقاتِها، في ظِلِّ الصعوباتِ الكثيفةِ والمُتناقضات العنيفةِ.

الشعرُ هو برفير يُسربلُني الحياةَ، ويَطأ الموتَ والآلامَ والأحزانَ بلغةِ انعتاقِهِ مِنَ الجُمودِ، حينَ يتوشّحُ صلاةً تتناهى إليها كلُّ الحروفِ الشّفّافةِ، وشتّى الكلماتِ مُتراميةِ الهندسةِ والإتقان. الشعرُ هو الحُبُّ الّذي يتفتّقُ نورًا يَرِقُّ بتصويرِهِ، ويَشِفُّ ببلاغتِهِ، فتسمو النفوسُ إليهِ وتحنو بهِ، الشعر هو أسمى النِّعَمِ الربّانيّةِ، وأقدسُ أسرارِها التي تُعزّزُ اتّحادَ الإنسانِ بالحياةِ الكريمةِ، والإنسانِ بالإنسانِ وبالوجودِ، وفقط بالحبِّ نتمكّنُ مِنَ المعرفةِ والتمييزِ والتكهُّنِ والاعترافِ، فالشعرُ اختراقٌ للنواميسِ المألوفةِ، والأعباءِ الثقيلة، والكوابيسِ المُلازِمة.

ولعلَّ الجوابَ هذا هو خيرُ ترجَمةٍ لحقيقةِ وإنسانيّةِ شاعرتنا آمال عوّاد رضوان، فلا انفصالَ بينَ كيانِها وشخصيّتِها، وبين ما يَسكبُهُ قلمُها.

وكما قالت آمال: "الشّعرُ هو امتدادُ روحي المُتّقدةِ باليقظةِ، المُفعمةِ بالحُلم"!

الحقيقة الّتي أعترفُ بها دائمًا، أنّني لستُ بناقدٍ لكي أخوضَ غمارَ أعمال آمال عوّاد رضوان، مُحَلِّلًا نصوصَها بشكلٍ نقديٍّ أكاديميّ، بل أترك ذلك الأمرَ للنّقّاد، ولكنّي كشاعرٍ يَملكُ ذائقةً شعريّةً وأدبيّة، أعترفُ أنّني كلّما قرأتُ مِن أشعار آمال عوّاد رضوان، كلّما ازددتُ جوعًا إليها، فهي تنقلُني وبسرعةِ البرق إلى عالمٍ شاعريٍّ حالِم، أدخلُهُ بشوقٍ جارحٍ.

وبالتالي، تبقى آمال عوّاد رضوان قامةً شعريّةً باسقةً، تُعرِّشُ يانعةً في سماءِ المَشهدِ الأدبيّ، ودائمًا نتمنّى لها المزيدَ مِنَ التوهّجِ والإبداع.

 

في مضارب بوذا وما حولها (5-5)

khalidjawad shbaylالحافلة (تاتا) تصعد الجبال الرواسي وصوت المحرك يئز أزيزاً عاليا، وحيث جلسنا خلف السائق، يكاد  صوت المنبه بين الفينة والإخرى يمزق طبلة الأذن حيث يكون المنعطف حاداً، الطريق ضيق كثير الحفر، غير معلّم، جمال الطبيعة أخّاذ، خضرة ومياه، وجبال عالية جدا ووديان عميقة مخيفة، إنه الجمال والجلال، وقل الرهبة ولا تخف...أطردُ خوفي بابيات الجواهري التي ماانفكت تقتحمني دون إرادتي (الخفيف):

أرجِعي مااستطعتِ لي من شبابي***يا سُهولا تدثرت بالهِضابِ

أنا أبغض الموتَ اللئيمَ وطيْفَهُ***بغضي طيوف مخاتل نصّابِ

ذئبٌ ترصّدني وفوق نيوبه***دمُ أخوتي وأقاربي وصحابي

زاد المطر خضرة الطبيعة نضارة، ورائحة الغابات البكر تنعش النفس، وتدخلها في سكينة وفقا للمثل الفرنسي: بعد المطر يطيب الحال après la pluie c’est le beau temps حتى إذا ما تقترب السيارة من حافة الطريق وأرسل نظري الى الوادي السحيق ليُدركَ عمقه وقد لا يدركُه، عندها أتأسى بقول أبي المحسَّد (الخفيف):

وإذا لم يكُن من الموت بدٌّ***فمن العار أن تكونَ جبانا

كنا قد مددنا أرجلنا حيث وجدنا لها مستراحا بما يشبه الدكة، أخذ الركاب يتوافدون أمتلأت السيارة، وفقدنا المستراح الذي تبين أنه محسوب من المقاعد،،، هدفنا بوخارا Pokhara  النيبالية، وكثيرا ما يلتبس الأسم مع بخارا Bukhara الأزبكستانية..الأولى مدينة تقبع عند أقدام الهملايا وعلى ساحل بحيرة فيوا. والمسافة التي نقطعها 360كم  للوصول بزمن أمده سبعُ ساعات ونصف الساعة، صعدت سيدة أنيقة بصندوق كبير ناء بحمله مساعد السائق فاحتار أين يضعه، وكان مستقره  فوق "البنيد" ظهرت على الصندوق حركة ملفته، سألته بفضول عمّا به فأجاب: ديك سيدي، فضحكنا مرة واحدة: "هذا ديج لو طِلي" وبالمناسبة أن "طلي" فصيحة تعني خروف أكبر من الحمَل! وبعد هنيهة صعد رجل جبلي يحمل سَخْلة جميلة سوداء لماعة الشعر ربطت بكرسي مجاور وكانت خير سلوى لي فقد كانت وديعة ينقصها الحنان، تحب الملاطفة، ورأسها لا تُشبه رؤوس سِخالنا فهي (الرأس) كُرِيّةٌ محدودبةُ الخَطْم!

 نحن أربعةُ سائحين، شابة يابانية وجلة خائفة من الطريق، وخلفنا رجل كهل هندي وزوجته، جاءا من جنوب الهند، وكانا في غاية الإنطلاق والإنشراح.. لم يبق شبرٌ لم يُستَغل، الناس رُصوا رصاً وقوفاً وجلوسا، كأسماك في علبة سردين. والسعال أعقبه قيء من السيدة التي جلست قدامنا تطاير رذاذُه في وجوهنا وعلى أقدامنا.. وأصاب سيدة تجلس بحذائها تلتقط حبات الرمان التقاطا وتضعه في فمها ولم تكترث لما أصاب رمانها من شظايا جارتها!

والنيبال هي بلد الذُرى الشاهقات Peaks  هناك 240 منها يزيد ارتفاعه على 6100م، وأعلاها طراً قمة أيفرست 8848م والتي تسمى سقف العالم..جمال الطبيعة وتنوعها تجتذب السائحين الهواة لتسلق الجبال ورياضة المشي في الطرق الوعرةTrekking ورياضات أخرى مثل الطيران الشراعي بما فيه paragliding،، أما السياحة الدينية فلا تقل أهمية مثل حج مسقط رأس بوذا في حدائق لمبيني وزيارة المعابد الهامة التي تشكل مدنا مغلقة ذات معمار ساحر، مثل معبد شجرة التنوير في بوخارا..الشعب النيبالي يتكون من مجموعتين رئيستين، هما سكان الجبال وهم من العرق التيبتي، وسكان الهضاب والسهول، وجلهم من العرق الآري الهندي، في النيبال هناك 40 مجموعة عرقية وما يقرب من تسعين لغة، والديانة الأكبر الهندوسية  70% والبوذية 20% والإسلامية 4.5% معظمهم من أصول هندية وكشميرية..وحوالي 5% لديانات قديمة...الأقلية المسيطرة هم النيوَر  3.7%، والتامانغ 4.9%، وهما الأكثر سيطرة في الجيش ومصالح الدولة، والماغر2.3%، والغرنغ من أصول تبتيه 1.2% ويتسمون بالبساطة والطيبة... النيبال جمهورية منذ 28ماي 2008، يقود الحكم الشيوعيون الماويون بعد سنتين من الكفاح المسلح حيث حصل استفتاء على نظام الحكم وانتخابات حرة.

الآن نحن في بوخارا الجميلة الحالمة النظيفة، تطوقها الهملايا من كل مكان عندما تنقشع الغيوم تظهر قمة الأنابورنا الجميلة الفضية تارة والذهبية عند الشفق والغسق، نجلس في شرفة الفندق ونرى منظرا يفوق الخيال، فما أن يتوقف المطر تنطلق الطائرات الشراعية من قمم التلال المحيطة الفراش المبثوث على ارتفاع 2800م بألوان مختلفة تحلق فوق بحيرة فيوا الساحرة...التمشي عل ساحل البحيرة ومنظر الصيادين وانعكاس الجبال في سطح الماء تشكل لوحة رائعة تفوق الوصف، أمضينا في هذه المدينة قرابة الشهر حيث أجرنا (سويت) واستفدنا من المطبخ وهذا أمر في غالية الأهمية....

معبد شجرة التنوير يقع على قمة جبل مطل على البحيرة والمدينة ومطل من الجانب الآخر على الهملايا وقمة أنابورنا تحديدا، الطريق معبد في بدايته فقط وأغلبه حفر وصخور وهو ضيق عندما تتقابل سيارتان يتم التجاوز بحركة بطيئة للغاية ومنظر الوادي مرعب! وأنا اتسائل في نفسي هل تستحق زيارة المعبد كل هذا التعب؟! ضاق الطريق بالسيارة وتوقفت في الغابة.. علينا قطع ارتفاع 500 متر مشياً، ولكن وجود السائحين والسائحات والحجاج من مختلف القارة الهندية جعلنا في شبه تظاهرة، من مختلف الأجناس والأديان والأعمار كل يأخذ بيد الآخر عند اللزوم، والكل أصدقاء.. وصلنا بشِق الأنفس. والمنظر لا يوصف بالكلمات، كانت الهملايا شعلة فضية تمتد نحو السماء ورغم روعة معمار المعبد الذي بناه اليابانيون على شكل باغودا مخروطية في قمة الجبل، فإن الطبيعة كانت هي المعبد الأروع! البحيرة مع المدينة ومع الوهاد والجبال تُجبر الرائيَ أن ينسى نفسَه وينسى الزمان، ليصبح أسير المكان! الكل صامت وكأن على رأسه الطير.

زرنا القرية التبتية وهي قرية اللاجئين من أهل التبت الصينية عبروا الحدود الى النيبال والهند هربا من الثورة عام 1948 وعلى رأسهم الدلاي لاما..البيوت جيدة ولهم معمل للسجاد التبتي الشهير ومعرض مشغولات يدوية، الأمم المتحدة تشرف على بقائهم.. مقابل القرية التبتية مساقط  المياه Davis Fall وتعني مياه العالم الأسفل والتي تتدفق عبر السد من بحيرة فيوا لتشق دروبا في أنفاق تحت الأرض...ثم الدخول الى كهف بوذا وهو كهف كبير يضيق حينا بالكاد تمر منه، ويتسع حينا آخر، لينتهي عند أنفاق مسقط المياه، المشهد يبدو مخيفا  حين تنهمر المياه بقوة وبهدير رهيب..المكان مقدس حيث يوجد هيكل يعتقد أن بوذا عاش فيه!

لا تتم المتعة دون تأجير قارب مجذافي ليجوب بحيرة فيوا الساحرة، كان من الصدف أن نؤجر عند أكرم وهو شاب يتكلم العربية سبق له أن عمل في السعودية – هناك مليونا عامل وعاملة من العمالة النيبالية في الخارج جلهم في دول الخليج، توليت الجذف عنه، وزرنا معبد براهي مندير في جزيرة صغيرة جدا تتوسط البحيرة. يزدحم فيها السائحون لإطعام الحمام، قضينا وقتا ممتعا.

كانت الأمسيات التي نقضيها في الشرفة لا تُنسى، وهي مجهزة تجهيزا جيدا، وقلما يشاركنا غيرنا من نزلاء الفندق، وتعرفنا على سائح جاء بسيارته من ألمانيا، وكان يدون كتاباته بالشرفة، وكان صديقنا الباسكي وزوجته الامريكية رائعان وتقدميان ومؤيدان للقضية الفلسطينية ومتعاطفان مع الشعب العراقي، ولم يكن تضامن الكوريات(كلهن نساء) بأقل، وكان الصينيون كرماء الخلق والنفس، وسعيد منهم من يتكلم الإنكليزية..أيقظتنا الكوريات في الصباح الباكر لتناول الفطور سوية، حيث كانت قمة أنابورنا مازالت ذهبية ساحرة وقد أعجبهم الأكل العراقي. كنا نتناول طعاما عراقيا من الشيخ محشي الى الكبة الى السمك والدجاج آمنين مطمئنين... أما أطباق المقبلات الصغيرة فقد فتن بها كل من شاركنا، وخاصة صاحبة الفندق التي لم تفوت دقيقة في متابعة دروس الطبخ! وكانت دعاية طيبة للمطبخ العراقي أو العربي عموما، رائع أن يتعارف الإنسان مع أخيه الإنسان بغض النظر عن الدين والقومية ويكسب صداقات وذكريات تبقى في الضمير والوجدان قبل الذاكرة. كانت صداقتنا مع الطيور حميمة هي الأخرى فلطالما كانت توقظنا عند الشرفة لأجل أن تحظى بما نجود به وبلغت "ميانتها" أنها كانت تقفز على المائدة لتسرق ما شاء لها أن تتخير!

عندما زرت بوخارا قبل اثني عشر عاما لم تكن سوى قرية صغيرة شوارعها غير مبلطة، بما في ذلك الشارع الرئيسي، وكانت هناك كازينو على البحيرة تعشيت فيها سمكا كأنه المسكوف العراقي، وكان فيها بنك آلي واحد، وبضعة دكاكين، وحانوت لبيع أدوات التسلق والتريكنغ... وحين رأيت منظر أنا بورنا ذهلت ورحت أجري الى الاوتيل لأستخدم جهاز التصوير فلم الحق، وتأسف لأنني مغادر.. تعهد صاحب الأوتيل أن يجلسني في صدر الحافلة قائلا أن منظر الشروق على الجبال أجمل .. وفعلا جلست واستمتعت بالتصوير، وكان مكاني يحسد عليه..كان السائق شابا خفيف الحركة يستمع ملوسيقى ثم لا يلبث يبدلها وهكذا كان ديدنه، بدأ المظر بالهطل.. زلقت الحافلة ولم يسيطر عليها مالت جهة الوادي وقلت في نفسي قضي الأمر ثم مالت جانبا وارتطمت بالجبل وتكسر الزجاج وانقذفت الكامرة مع الحقيبة جهة الوادي وجرحت جرحا غير خطير أدماني، مازالت آثاره في يميني...لم تعد الحافلة صالحة للسياقة فنقلت الى أول حافلة قادمة وعالجتني سائحات هولنديات بما يمتلكن من مواد طواريء... ما زالت الذكرى في ذهني أكثر منها في يدي!

***

نحن في طريقنا الى العاصمة النيبالية، هذا مكان الحادثة..الطريق جيد الآن، المناظر تخلب القلب قبل العين، أجملها حين تصطدم الغيوم بقمم الرواسي، الحافلة سياحية..السائحون قليلون.. النيباليون ودودون ويجيدون الإنكليزية رغم أن ثلث السكان أمي...التعليم في النيبال راق جدا، والمستوى الثقافي لا بأس به...وصلنا كاتمندو...أجمل مافيها الأحياء القديمة والمعابد سواء في العاصمة مثل دربار ستي، وسواء في باتنا،،مدن قوامها معابد بوذية وهندوسية يبلغ العمر فيها 800سنة عل أقل تقدير، الدخول للمدن القديمة يكون برسوم حسب المدة...ازدحام المواصلات في المدين القديمة من السيارات والركو والموتوبايكات يفسد الهواء لا سيما أن المدينة محاطة بالجبال، ما يمنع التهوية..زرنا المعابد، وأهمها معبد البرج ذي الأثني عشر طابقا، صعدناه وهو تحفة نادرة..ترددت وئام في الطابق السابع حين بدت السلالم الخشبية بدون مساند من الجانبين تسلقت وتبعتني على مضض..هنا نحن وصلنا القمة.. والمشكلة عند النزول، قالت: لاأنزل مهما كانت النتيجة ولم تنفع تشجيعاتي ومحاولات اقناعي، أدرك الحال أحد الحراس فطلب منها أن تمسك كتفيه، وأن تخطو خطوة خطوة...وهكذا أستطاعت النزول..وكم كنت متوجسا أن اصطحبها في التحليق الشراعي (بارا غلايدنغ).

 قبل أن أختتم أجيب على سؤال سألنيه سائل كريم أو سائلة كريمة (صباح): هل كنت تتذكر العراق في حلك وترحالك؟ وجوابي سيكون بأبيات لشيخ المعرة:

كفى بشحوب أوجهنا دليلا*** على إزعامنا عنك الرحيلا

كلفنا بالعراق ونحن شَرخٌ*** ولم نُلمِمْ به إلا كهولا

شرِبنا ماء دجلةَ خير ماءٍ*** وزُرنا سيّدَ الشجرِ النخيلا

فلله درك يا أبا العلاء، لم نلمم ونحن في شرخ الصبا ولا شيبا ونحن في خريف العمر!

أتوقف هنا لأقول كاتمندو تحفة بل متحف رائع، إنك تنسى الحاضر لتغرق في الماضي، فما أروع أن يغرق الأنسان في الماضي حينما يكون الحاضر بئيس...

 

فاروجان كريكور علم من أعلام البصرة

khadom finjanصار أسمه منذ ستينيات القرن الماضي، وحتى يومنا هذا، رمزا من رموز الوكالات البحرية، وصار علماً من أعلام الأنشطة الملاحية التجارية في عموم الموانئ العراقية والخليجية، حتى لا نكاد نذكر اسم الوكالات البحرية، أو نتطرق لأسم أي خط من خطوط الشحن البحري، إلا ويرد اسم فاروجان (أبو هيلين) في سياق الحديث. .

لسنا مغالين إذا قلنا أن اسمه صار دالة لمعظم الخطوط التجارية المترددة على الموانئ العراقية، وعلامة فارقة في سجلات الشركة العامة للنقل البحري، وعنواناً من عناوين الثقة والاطمئنان في منظور الشركات الخليجية المرتبطة بموانئنا.

لم يتلق تعليمه العالي في الكليات والمعاهد والمراكز العلمية التخصصية، ولم تكن له في مؤسساتنا أي كتلة سياسية تدعمه وتحتضنه، كانت موهبته وخبرته وإخلاصه وتفانيه وأخلاقه العالية وسمعته الطيبة ونزاهته هي الجسور التي عبر فوقها حتى تبوأ أعلى المناصب، ونال أرفع المراتب. .

 

أسرة مينائية معقلية

ولد الأستاذ الكبير فاروجان كريكور خاجيكيان في اليوم الثالث عشر من شهر أيلول (سبتمبر) من عام 1936 في منطقة المعقل، وعلى وجه التحديد في دور السكك، كان والده يمثل مديرية السكك في قاطع أرصفة ميناء المعقل، وكان هو المسؤول عن تحميل وتفريغ عربات القطار بالبضائع المستوردة والمصدرة في الحقبة التي لم تكن فيها المركبات البرية بهذا الكم الهائل، ولم تكن بهذه الطاقات الاستيعابية الكبيرة. .

التحق فاروجان في صغره بمدرسة الأرمن الابتدائية المختلطة بالمعقل، ثم درس في متوسطة المعقل للبنين، وأكمل دراسته الثانوية في الفرع التجاري لإعدادية نقابة المعلمين المسائية بالبصرة.

بدأت حياته الوظيفية عام 1954 في قطاع النقل والإخراج الجمركي، واستطاع بعد عامين بالتمام والكمال أن يفتح مكتباً باسم (تحميلات ونقليات فاروجان)، فسجل منذ ذلك اليوم نجاحاً محدوداً، بالمقدار الذي سمح له باقتحام حصون شركة النقل البحري، مستعيناً بخبرته الميدانية، فارتبط وظيفيا بفرع الوكالات البحرية، مبتدأً السلم الوظيفي من درجة (ملاحظ)، كان ذلك في اليوم الأول من شهر حزيران عام 1969، لكنه سرعان ما أحرز المزيد من النجاحات المهنية والمهارية، وربما ساعدته لغته الإنجليزية، التي يتقنها لفظاً وحواراً وكتابة، ويجيدها إجادة تامة. .

لم تكن الابتسامة تفارق وجهه الحليق حتى في أحلك الظروف، ولم يكن يغادر العمل حتى بعد انتهاء الدوام الرسمي، وغالبا ما كان يمضي الليل كله، يتابع تفريغ هذه السفينة، أو يراقب وصول سفينة أخرى قادمة من أوربا أو آسيا، أو يحصي الحاويات المشحونة والمعادة بأسلوبه التقليدي الذي لا يحتمل الخطأ. .

استمر في عمله بهذه الروح وعلى هذا المنوال حتى ارتقى إلى درجة مدير، وترأس فرع الوكالات في البصرة، وكان معاوناً للمدير العام في الشركة العامة للنقل البحري، وظل في هذا المركز الإداري المرموق لحين إحالته إلى التقاعد في اليوم الأخير من الشهر الأخير من عام 1999. . .   

تزوج فاروجان من السيدة (أليس مهران كُلاميريان) في التاسع عشر من آب عام 1960، وكان والدها مراقباً للعمال في قسم الهندسة المدنية التابع للموانئ العراقية، وهي من خريجات ثانوية البنات بالبصرة، ثم التحقت بدورة تربوية أهلتها للعمل بدرجة (معلمة) في سلك التعليم، فاختارت ضواحي منطقة (الهارثة) ومدارسها الريفية المتواضعة، انتقلت بعدها إلى مدرسة الزهاوي بالعباسية، وأحيلت إلى التقاعد عام 1986، وكانت من خيرة المربيات الفاضلات.

 

سر النجاحات الفاروجانية المتواصلة

كل القصة وما فيها أن هذا الرجل يقدس عمله إلى درجة الولاء المطلق للموانئ والأرصفة والسفن والبضاعة المشحونة في عنابرها، يعرفنا كلنا بالاسم، ويعرف كل الذين عملوا معه أو في معيته، لم ينس منهم أحد، فهو (أطال الله بعمره) يمتلك ذاكرة فولاذية لا تصدأ، ولا تعرف للعطب، أما أسلحته التي أحرز فيها هذه السمعة الطيبة، فهي كلامه الصادق المباشر، الذي لا يعرف اللف والدوران، ومواعيده الدقيقة، واحترامه للعلاقات الوظيفية المبنية على السياقات الصحيحة، ومرونته في التعامل الحضاري مع الصغير والكبير.

 لا مراء أن كل شخص على وجه الأرض يحب النجاح، ويحب أن يكون متفوقاً ومتقدماً على أقرانه، لكنني أجد نجاح فاروجان له طعم آخر، وله سر خفي لا يعرفه الناس، قلت له ما سر نجاحك يا أستاذ أبو هيلين، فأجابني ببساطته المعهودة: (شوف كاظم، أنا لا أحابي أحد، ولا أعادي أحد، ولا انظر إلى المستوى الاجتماعي للناس، ولا إلى رصيدهم المالي، ولا إلى وضعهم الوظيفي، فما تزرع تحصد، وهذا هو سر النجاح والتفوق، لأنك إذا عرفت سر وقانون النجاح ستتفجر عندك كل الطاقات المخزونة بداخلك، والتي أوجدها الله فيك، ويتعين عليك أن تحسن الظن بالناس، ولا تنسى التفاؤل الذي يمنحك قوة التفكير الايجابي، ويخلصك من الأفكار السلبية، فكثير ما تمر على الإنسان تجارب ظاهرها محنة، لكنها تحتوي على الخير كله، فمن يدري رب ضارة نافعة، وربما تكون المشاكل التي نواجهها أحياناً هي النافذة التي سيأتي منها الخير المجهول، الذي لا يعلمه إلا الله، ومن الله التوفيق). 

 

مواقف مخزونة في الذاكرة

تألق هذا الرجل بمشاركته الفاعلة عام 1979 في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، ونال استحسان الجميع باعتراضه على الزيادة القسرية، التي اقترحتها رئاسة المؤتمر بنسبة 15% على أجور شحن بضائع السفن المتوجهة إلى الموانئ العراقية، فكان فاروجان أول المعترضين على تلك الزيادة المفروضة على العراق، واستطاع بشجاعته الأدبية، ولغته الانجليزية المتقنة أن يقنع أعضاء المؤتمر، بعد أن استعرض أمامهم سلسلة من المبررات والوثائق والأدلة العلمية التي دحضت تلك الزيادة المقترحة.

كانت له مواقف أخرى تميزت بتحدي المعضلة الكبيرة التي واجهتها الموانئ العراقية في سبعينيات القرن الماضي، والتي تفجرت فيها أزمة اكتضاض السفن الوافدة إلى العراق، وتكدسها في منطقة الانتظار وتجمعها عند مقتربات خور عبد الله.

لم تكن الوزارات العراقية تنسق أنشطتها الاستيرادية وقتذاك مع وزارة النقل والمواصلات، فالتعاقدات الارتجالية غير المدروسة، والصفقات التجارية العشوائية غير المخطط لها، هي السبب المباشر في تفجر هذه الأزمة وتفاقمها، فوجد فاروجان نفسه في خضم هذه المعركة التي تكاثرت فيها الخروقات، وتعددت فيها المعضلات، وتراكمت فيها الأخطاء، فكان أول من فكر باستحداث لجنة أو هيأة وطنية تعنى بتنظيم نقل البضائع المستوردة عبر الموانئ العراقية، وكان من بين القلائل الذين وقفوا بوجه العاصفة، فواصل الليل بالنهار، وكرس جهوده كلها في تذليل تداعيات تلك المشكلة. .

ولهذا الرجل النبيل مواقف أخرى تعكس عفته وأمانته، أذكر أنني في يوم من الأيام كنت مكلفاً بإرشاد سفينة الركاب الإماراتية (جبل علي) من ميناء أم قصر إلى البحر، لم تكن السفينة جاهزة للإبحار، ولم تكن فيها غرفة مريحة مخصصة للمرشد، فخصص لي رئيس الضباط غرفة كبيرة من غرف الدرجة الأولى، دخلت الغرفة واستلقيت على السرير لحين اكتمال أعمال السفينة، بانتظار جاهزيتها للإبحار، فجلبت انتباهي قطعة ذهبية براقة مربوطة بسلك، ومعلقة بسقف الغرفة، نهضت من سريري والتقطها، فإذا بها قطعة ثمينة، مصنوعة على الطراز الهندي، تشبه السوار، غادرت غرفتي على الفور، وتوجهت إلى مكتب الأستاذ فاروجان في السفينة، فوضعت السوار على المنضدة، وسردت له الموقف، فشكرني وأمسك بيدي، واصطحبني إلى غرفة القبطان، وطلب منه تحرير وصل رسمي باستلام السوار، وإشعار الشركة المالكة، ولم تمض بضعة أيام حتى استلمت مكافأة مالية مجزية من الشركة الإماراتية، وكتاب شكر وتقدير من الموانئ العراقية، محفوظة نسخة منه الآن في اضبارتي الشخصية. .

 

المحطة الأخيرة

على الرغم من اقترابه من عتبة العقد الثامن من العمر، مازال (أطال الله بعمره) يحتفظ بحيويته القديمة، ينهض في الصباح الباكر، يرتدي ثيابه الأنيقة، يجلس في مكتبه الصغير، يتواصل مع إدارات خطوط الشحن البحري في الخليج وأوربا، يجيب على استفسارات الوكالات البحرية الأخرى، ولا يبخل على تلاميذه بالنصح والتوجيه، فالرجل حجة في اختصاصه، وعلم من أعلام الوكالات البحرية، لا يشق له غبار في هذا المضمار. .

ربما يعترض المعترضون على إدراجنا لأسم الأستاذ الكبير فاروجان في قائمة أعلام البصرة، خصوصاً بعد أن اعتاد الناس على اقتصار هذه القائمة على الأدباء والفقهاء، لكننا نقول لهؤلاء أن البصرة قلعة مينائية كبيرة من قلاع العلوم والفنون والآداب، وواجهة بحرية مهيبة، كانت فيما مضى جسراً للعالم القديم، ترتبط بها القارات الثلاث بقوافلها البرية والبحرية، فمن غير الجائز أن نغفل ذكر أعلامها الذين كان لهم الفضل الكبير في إعلاء شأنها البحري والملاحي والتجاري في حوض الخليج العربي والمحيط الهندي. .   

 

حكاية شاعر خذله النقاد .. قيس لفتة مراد عاش في عذاب الجليد ومملكة اليأس

zayd alheliهل اسمي ما انتهت اليه حياة "الشاعر قيس لفتة مراد" المبدع، متعدد المواهب، حالة قدرية؟ ام سوء تقدير من قبله، ام غدر الزمن، ام جحود من خدمهم في حياتهم، ومدّ لهم يديه المتواضعة، ام أمر نفساني جابهه، ام كل ذلك مجتمعاً ..

أزعم انني، كنتُ من المقربين اليه، ومن المقربين اليّ طيلة سنوات طويلة، تمتد الى أعوام منتصف ستينيات القرن المنصرم، وربما السطور القادمة توضح ذلك، حيث الصحبة الأثيرة .. وشريط البداية يبدأ لقطاته بما يلي :

في منتصف ستينيات القرن المنصرم، التحقق عدد من الصحفيين والاعلاميين والفنانين، بإذاعة عراقية وليدة هي" إذاعة القوات المسلحة" تأدية لخدمة العلم، ضباطا وجنود، منهم العبد لله، كاتب هذه السطور، والشاعر خالد الحلي، مظهر عارف، لطفي الخياط، سامي قفطان، راسم الجميلي، فاضل خليل،علي الانصاري، سمير القاضي، عمانوئيل رسام، حسام الساموك، داود القيسي، رشدي عبد الصاحب، جاسم الخياط، اموري الرماحي، عبد الجليل علي، وغيرهم .. كان الالتحاق بهذه الاذاعة عملية شاقة، بل شاقة جداً، تحتاج الى (حظ) واقتناع مراجع عليا في الدولة، حيث كان القتال المؤسف على اوجه في شمال الوطن، وحجز مكان آمن في بغداد حيث الأهل، اشبه بالحلم، وقد سعى في وقتها المرحوم عبد العزيز بركات نقيب الصحفيين، الى استحصال موافقة المرحوم الرئيس عبد السلام عارف، على اصدار قرار بنقل كوكبة من المشتغلين في الاعلام الى تلك الاذاعة وكنتُ حينها أعمل محررا في صحيفة "العرب" البغدادية

..

(2)

 وقد استطاعت الاذاعة الفتية ان تحقق حضورا لافتاً على خارطة البث الاذاعي العربي .. وفي اثناء الانهماك في اعداد البرامج، وكتابة التعليقات، وتهيئة اللقاءات والتسجيلات اللازمة لعملية البث اليومي، دخل علينا الصديق راسم الجميلي ونحن في قاعة التحرير البسيطة في مبنى متآكل ضمن ابنية الاذاعة والتلفزيون في الصالحية ببغداد، صحبة رجل في العقد الثالث او اكثر، نحيف الجسم، بل ضئيله، سمات بشرته تميل الى البياض، هادئ الملامح، خفيض الصوت، حتى اننا بالكاد سمعنا صوته وهو ينطق بكلمة السلام علينا! ..

قال الجميلي: اقدم لكم زميلنا الجديد "قيس لفته مراد" لم يثر فينا ذكر إسمه شيئا، سوى الصديق فاضل خليل (الدكتور فيما بعد) الذي قام وقبّله، فبدأت ابتسامة القادم تتوضح بخجل ... ثم، نعرف بعد ذلك ان " قيس لفتة مراد" جاء نقلاً الى بغداد من الناصرية بقرار من رئيس الوزراء طاهر يحيى، بعد ان صادف ان اثناء زيارة رئيس الوزراء الى الناصرية وجود معرض فني خاص بالخط والرسم والزخرفة، كان مقاماً ضمن منهاج الزيارة لأعمال فنان شاب، اسمه قيس لفتة مراد ... ويبدو ان رئيس الوزراء اعجب بأعمال هذا الفنان، فأوعز بنقله الى صحيفة " الثورة العربية " التي كانت ناطقة بأسم الاتحاد العربي الاشتراكي، للأستفادة من موهبته في اعمال التصميم والخط .. وحين تمت دعوة مواليده لخدمة الاحتياط، اختير للالتحاق في العمل ضمن كادر اذاعة "القوات المسلحة "

وانني اتذكر ان قيساً، حين قدمه لنا راسم الجميلي، كان يتأبط، نسخة من تلك الجريدة، وعلى صفحتها الادبية قصيدة له، اظن كان عنوانها (الهناء) وقد جادله في اختيار العنوان والمضمون، الشاعر والصحفي نعمان محمود سيرت الذي كان احد العاملين في الاذاعة، بطريقة استفزازية، لكن "قيس" لم يحفل بملاحظات الزميل سيرت .. القاسية،

 

(3)

 ... ولم تمض ايام، حتى تكشفت لنا مواهب هذا الزميل الجديد، مثلما تكشفت لنا اسباب اهتمام صديقنا فاضل خليل بالقادم الجديد، واتذكر ان قيساً اعد برامج شعرية وثقافية مهمة، وتخصص برجالات التصوف، وسيرّ الاقدمين، وفيما يخص الصديق فاضل، فتبين إنه مثل دورا في مسرحية كتبها " قيس لفتة مراد " في الناصرية في بواكير شبابه عنوانها (اكازو) وهي مسرحية مستوحاة من التراث السومري، وعلمت لاحقها انها من اخراج الصديق المرحوم عزيز عبد الصاحب ... اذاً، نحن ازاء شخصية متعددة المواهب، ومنذ ذلك الوقت تعززت العلاقة وتوثقت لتستمر حتى وافاه الاجل المحتوم (توفي في الاسبوع الاخير من شهر آب عام 1995)

 و بدأت شهرة قيس، تأخذ مدى، وبدأ اسمه يتردد في الاذاعة، وبعد تموز 1968، صدرت جريدة " الثورة " المعروفة، وتم اختياره، ليكتب عموداً يوميا في صفحتها الأخيرة بعنوان " قناديل " ويغني له حسين نعمة اغنية من نظمه اشتهرت بشكل لافت، ويصدر له ديوان شعر وتبدأ احواله المعيشية بالاتساع والنمو، فيشير عليه بعض معارفه بالزواج، فيقترن بفتاة تصغره بسنوات هام بها كثيرا لجمالها، وهو المحروم من لذائذ الحياة، ورزق بأطفال، وهنا، اتذكر انه جاءني يوما الى صحيفة " الثورة " وكنتُ حينها مديرا لتحرير عددها الاسبوعي، عارضاً معاونته في تدبير عمل لزوجته في الجريدة، لأسباب اوجزها لي، لا مجال لذكرها هنا، وفعلا لبيّت طلبه، وتم تعيين زوجته في القسم الاداري ..

 احسستُ، من خلال لقاءاتي بقيس انه كان خائفا على الدوام، وقد نقلتُ هاجسي الى الاستاذ عزيز السيد جاسم، الذي كان دائم السعي الى تفقده ورعايته، فأيد ملاحظتي ... كان دائم الحيرة بين الاشياء، لا يقتنع بشئ، وحين يصل الى مرتبة اليقين في قضية ما، من قضايا الحياة، أجده يبدأ رحلة البحث من جديد، لذلك كنتُ اراه دائما معلق الانفاس، مندهشا يسائل نفسه، والكون ولا من مجيب ... انه مسكون بالحيرة والتساؤل يملك قدرة على الابحار نحو مستقبل ضبابي ... كان من الاشخاص الذين يخافون من أشياء مجهولة، حتى يتصور المرء انه من جنس بشر لا يعرفون ما يريدون !

 

 (4)

لم يهتم النقاد بـ " قيس " كشاعر، والغريب في هذه الجزئية، ان من هام بها حباً، واعني بها شريكته في الحياة  "ام عياله" شاطرت النقاد هذا الرأي !! وقد شكل ذلك حالة من اليأس لديه، لكنه كان يأساً مكبوتا ...وربما في السطور التالية التي كتبها قيس مخاطبا زوجته، ما يشيء الى حالة من النكوص انتابته:

تشكين إني شاعر، أنا شاعـر

كبير ولكن الحظـوظ عواثـر   

لاذنــب لـي أن لم ينلني ناقــــــــــد         

يعرف بــي أو ينلنـي خـــــــــــابر

لأنـي أبى إن أمـــرغ جبـــــهـتي   

بأعتابهم إن مرغ الوجه شاعـــر

حرام على قيثارتي أن أهينــــها

بزيف كما هانت لغيري القيا ثر

 

كان يحلم بالحب، بمعانيه الطلقة السمحاء الصافية، يسوّغ وجوده ويبني مستقبله ويرسمُ أحلامه، وينفض عنه صدأ القلق والحيرة والضياع النفسي المعتم، لكن اين هذا الحب ؟ لقد كان يحس في محيط مجتمعه اساليب (الألتواء) على مرآى من عينيه ومسامعه، دون ان يقدر على فعل شئ ..!

لذلك،عاش قيس لفتة مراد سنوات حياته، قلقاً، صامتاً، معذباً ضجرا، يائساً ... كان يعرف كل شئ عن ما يجري حوله، وقد أسرني بالعديد مما يحسه، لكنه آثر الصمت ... حتى قتله الصمت !

وهو القائل:

رأيت سرباً صغيراً

من طيور غريبة الأشكالِ

تتهاوى فوقي بأجنحةٍ بيضٍ

كثلج الذرى وصفوفٍ طوالِ

قال ...قاري هذي طيور الكراكي

تقصد الهور من اعالي الجبالِ

ان هذا الذي سرى يشعر بي

طائرٌ نادمٌ عزيز المنالِ

فهو عند الشتاء طيرٌ جنوبيٌّ

وفي الصيف من طيور الشمالِ

 

(5)

ورغم ان المعلومات المتوفرة عن قيس لفته مراد، تقول إنه ولد في مدينة سوق الشيوخ في محافظة ذي قار، ووالده كان رائدا في صحافة مدينة الناصرية، حيث اصدر صحيفة شهيرة هي (المنتفك) في اواسط ثلاثينيات القرن المنصرم، وظلت تصدر لمدة اربع سنوات، لكن المفارقة هنا، ان والدا بمثل هذه السمو الصحفي والثقافي، لم يتمكن من توفير جو دراسي مناسب، لولده، حتى إنه لم يستطع ان يكمل دراسته الابتدائية، وفي ذلك سر لم يفك لغزه الذين تناولوا سيرة هذا الشاعر، المظلوم حياتيا حتى آخر ايامه، مثلما لم يفكوا لغز أصل عائلته الوافدة الى الناصرية من احدى المحافظات الكردية، فقد ذكر لي مرة إن اصلهم من الكرد الفيلية ..

وبغض النظر، عن جذور قيس لفته مراد، لكن حبه لمدينة " الناصرية " ظل الحب الاكثر حضورا في حياته .. فـ "قيس" هو عبارة عن الناصرية كلها وهو القائل:

ولي في الناصرية إلف شوق      قــديم وقعـــه أبـــدا جـــديـــد

أعدني يا زمان إلى ربوعـــي       فغيـــر الناصــرية لا اريـــد

 

وايضا قال:

أنا من أور من بقايــــا حنيــن

حين تسترجع الطفـــولة أور

أنا بقيـــا العشــــاق والشعراء

ادخرتها مــــن الليالي الدهور

سأحكــي لديك أحلـــى الحكايا

أنا عنــــدي منها الكثير الكثير

 في ضلوعي أحزان كل الليالي

ولأنت الحزن المضاف الأخير

 

(6)

عانى قيس الكثير من المحن، يعرف سببها، دون مقدرة على حلها، لاسيما في سني حياته الاخيرة، حتى إنه غادر سكن الزوجية، واستأجر غرفة بسيطة في المنطقة القريبة من سينما " السندباد " ببغداد، وكثيرا ما مررت به، ورأيت الذبول يكتنفه بشكل واضح، ورغم ضيق ذات اليد، كان كريما مع من كان يعتقد انه من محبيه، لكن عندما ساءت حالته الصحية، وتم نقله الى مستشفى " ابن النفيس " ابتعد عنه الجميع، إلا قلة قليلة، وتدهورت حالته الصحية كثيرا، وعجزت كليتاه عن القيام بواجبهما رغم جهد الاطياء، فألح بشكل عجيب، على ان يُنقل الى غرفته، ... وبين جدران تلك الغرفة الموحشة، قال:

  عشت عشرين إلف يوم وليل

لم أذق راحة بها أو سلاما

كيف قاومت عبء تلك الليالي

والليالي اعبأ وها تتنامـــى

كل ليـــل يأتــي أقــول لنفسـي

ليت ليلي هذا يكون الختاما

 

(7)

تشرّد الخطأ بقيس لفته مراد في سكون الليل، وهدأة خيمته وحيدا... معه ظلّه ومعه عدّة الكآبة وعتاد الحزن، ومعه جعبة للذكرى .. ذكرى الماضي الجميل في الناصرية .. ومعه حفنة من اعشاب العمر الباقية، وخافق ظل يعتقد انه مازال قادرا على الهوى، مفعما بالشعر، بالفنون، لكنه مجرد اعتقاد واهم، وهنا يستذكر قيس لفته مراد، الزمان وما آل اليه وضعه، فيقول:

اين اهلي ورفاقي

اين اين اللذات

كل شيء تغير اليوم فيها

الورى والبيوت والطرقات كل شيء فيه غريب . .

 

 (8)

وانا اتحدث بين فترة واخرى مع كريمته الشابة " ايناس "  الساعية الى التذكير بالصديق الشاعر قيس لفته مراد، أجد إنها تدرك ان والدها كان يعيش في عذاب الجليد، وفي مملكة اليأس يحيا، فلم يقدر ضمن ظروف نعرفها وتعرفها، على الرفض والمقاومة ..

اليس هو القائل، موصيا اولاده :

وستكبرون وتنضجون

كما نضجت أنا بناري

وتعون ان أباكم للوهم عاش

وللقتارِ

هذا جناه أبي عليَّ

وقد جنيتُ على صغاري!

من آثارقيس لفته مراد الأدبية: ديوان من أغاني الحلاج واقصوصة قصيرة بعنوان (عودة إلى طفولتي) وديوان (العودة إلى مدينة الطفولة} وديوان (الفانوس) ومسرحية (الضحك ممنوع في المدينة) و(ديوان من شعر قيس لفته مراد) و(ديوان أحلام الهزيع الأخير) ومسرحية (اكازو) 

كما له مجاميع قصصية وعشرات الدراسات والخواطر ..

 

معلومات إضافية