شهادات ومذكرات

آلوندرا دي لا بارا وآرتورو ماركيز .. قيثارتان مِن بلاد السِحر والجَمال

المايسترو سنيورا "ألوندرا دي لا بارا / Alondra de la Parra" هي أميرة فاتِنة في الـ33 مِن عُمرها، تعشَق الموسيقى وتعزفها بمَهارة وتحمِل شَهادة الماجستير في مَجال قيادة الفرق السمفونية، تقيم حالياً في الولايات المُتحدة الأمريكية، لكن جذورها مِن المَكسيك تلك البلاد التي لطالما سَحَرتني بعَظمة حَضارتِها وجَمالها وطيبة شَعبها. رَغم صُغر سِنّها إلا أنها اليوم واحِدة مِن أشهَر قادة الفرق السمفونية،ومِن أجمَل مَن حَمَلت أنامِله عِصي قيادتها، ولديها اليوم فِرقتها الخاصة التي قامَت بتأسيسِها عام 2004 لدَعم المَواهِب الموسيقية الشابة بالقارة الأمريكية، أسمَتها أوركسترا الأمريكتين السمفونية ومَقرّها نيويورك. قبل أشهُر إستضافتها أوركسترا برلين السمفونية لقيادَتِها بحَفلة سمفونية عُزفت فيها 6 مَقطوعات لمُؤلفين موسيقيين مِن أمريكا اللاتينية حالفني الحَظ لحُضورها والإستمتاع بها. تجربة نادِرة لاتتكرّر يَومياً سَعُدت وإستمتعت بها، إمرأة تقود بحِرفية وإقتِدار وبلمسَة أنثوية فرقة سمفونية تعزف مَقطوعات تجمَع بَين موسيقى أمريكا اللاتينية بخصوصِيّتها التراثية المَعروفة وبَين البناء السمفوني الأوركسترالي.

مِن المَقطوعات التي عُزفت بالحَفل كانَت"أل تروبيكو" للموسيقار المَكسيكي كارلوس شافيز، و"تانغازو" للموسيقار الأرجنتيني آستور بيازولا، و"هابانغو" للموسيقار المَكسيكي خوسيه بابلو مونكايو، لكن أبرَزها وأجمَلها كانت مَقطوعة "دانزون رقم 2 / Danzón no. 2" للموسيقار المَكسيكي "آرتورو ماركيز / Arturo Márquez" التي ترَكت في نفسي كما في نفوس أغلب الحاضرين أثراً جَميلاً دَعانا للتصفيق مُطالبين بإعادة جُزء مِنها في نهاية الحَفل، والتي أحبَبت أن أتحَدّث عَنها في هذا المَقال.

(دانزون رقم 2) مَقطوعة ضَخمة كتبَت للأوركسترا بمُرافقة البيانو ويَستغرق عَزفها قرابة 10 دقائق، ألفها عام1994 الموسيقار المَكسيكي آرتورو ماركيز الذي ولد سَنة 1950 ولايزال على قيد الحياة، والذي إمتاز باستخدامه للموسيقى المَحلية المَكسيكية وتطويعَها في قالب أوركسترالي، وعَزفتها لأول مَرة بنفس السَنة أوركسترا المَكسيك السمفونية بقيادة فرانسيسكو سافين، وترافق ذلك مَع انتفاضة حَركة باتِستا ضِد الحُكومة المَكسيكية. هي حَتى الآن المَقطوعة الأشهَر لماركيز مِن ضِمن8 مَقطوعات دانزون، فمُنذ عزفِها لأول مَرة قبل 20 عاماً أصبَحَت واحِدة مِن أشهَر المُؤلفات العالمية سَماعاً وعَزفاً بالحفلات الموسيقية الى جانِب أشهَر مُؤلفات أساطين الموسيقى العالمية، ليسَ فقط بالمَكسيك حَيث تعتبر النشيد الوطني الثاني بَل في كل العالم، وهو أمر سَنفهَمُه ونحسِّه إذا إستمَعنا للمَعزوفة بتركيز وإمعان، فهذه المَقطوعة هي خلطة سِحرية وتجسيد رائِع للموسيقى المَكسيكية التي لا يُمكن مُقاومة أنغامَها المُثيرة الراقِصة عِند سَماعِها ولكن في قالب سمفوني رَصين وبناء أوركسترالي أخّاذ.

لابُد مِن الإشارة الى أن موسيقى الدانزون هي بالأساس مُوسيقى راقِصة كوبية الجذور ولها أيضاً شَعبيّتها في المَكسيك وبورتو ريكو، وهي تعتبر في دُول أمريكا اللاتينية كالفالتز Waltz في الدول الأوروبية، وقد كان آرتورو ماركيز مُبدعاً وفذاً في تجسيد طَبيعة هذه الموسيقى بمَقطوعتِه الرائِعة "دانزون رقم 2". تبدأ المَقطوعة بلحن رَئيسي أول هاديء بطيء على الكلارنيت والأوبو يَأخـذ بالإسراع شَيئاً فشَيئاً بمُشارَكة الوَتريات، ثم يَتوقف هذا اللحن بدُخول البيانو مُنفرداً مُمَهداً لصُعود كل الأوركسترا وبداية عَزفها للحن الرَئيسي الثاني القوي السَريع الذي يُجَسّد روح الرَقص اللاتيني إلى أن يَصِل للذروة، بَعدَها يَنخفِض أيقاع العَزف مُجَدداً ليُعيدنا للحن الرئيسي الأول تدريجياً مَع البيانو وكمان مُنفرد يَتبَعَهُما دُخول مَهيب شاعِري للوَتريات ثم الهَوائيّات يَنتهي بوقفة تمَهّد صُعود الأوركسترا كامِلة في تسارُع لحني مُتقن البناء يُختتم بإعادة عَزف للحن الرَئيسي الثاني بقوة وسُرعة راقِصة وتناغُم ساحِر حَتى يَصل الى ذروة تنتهي بخاتِمة انفِعالية مُفعَمة بالعَواطف تليق بمِثل هكذا عَمَل يَبدوا أن مُؤلفه قد قرّر له مُسبقاً أن يَتخلد.

هي مِن وجهة نظري المُتواضِعة عَمَل رائِع ومُتكامِل يَستحِق الإستِماع والإستِمتاع بتوليفة أنغامِه الفريدة، وفي الرابط أدناه تسجيل لأوركسترا الأمريكتين السمفونية وهي تعزف مَقطوعة دانزون رقم 2 بقيادة مُؤسّسَتها المايسترو الوندرا دي لا بارا :

http://www.youtube.com/watch?v=onB1-1xt8Ic

 

مصطفى القرة داغي

زكي الجابر مات مرتين .. عالم في الإعلام والشعر والتواضع !

zayd alheliاشارة: نشرتُ في العام الفائت، في صحيفة (الزمان) الدولية، لمناسبة الذكرى الثانية لوفاة د. زكي الجابر، مقالة اعتبرتها مجلة (حروف) الجزائرية، المقالة الأهم عن شخصية د. الجابر .. وقد وجدتُ، من المناسب اعادة نشرها، في الذكرى الثالثة لوفاة الرجل الكبير زكي الجابر، ليتسنى لمن لم يقرأها، قراءتها، لاسيما انني لم انشرها في وقتها بالمواقع الالكترونية .. واتمنى ان تكون المقالة بمستوى وصف مجلة (حروف). مع تحياتي ..

 

زكي الجابر مات مرتين .. عالم في الإعلام والشعر والتواضع !

 

311-zakiأعتدتُ فتح بريدي الألكتروني فجرأ، حيث صفاء الفكر وهدوء الجو، فأبدأ بالرد على رسائل الأصدقاء مع أرتشاف فنجان القهوة، وبعد ذلك أخلد الى النوم ، لكن الصديق الدكتور مليح صالح شكر فاجأني في سكون الليل وهزيعه الأخير، برسالة حملت عنواناً، صادما، مخيفاً هو (الى رحمة الله) فدارت بي الدوائر، لم ينفع فيها استعجالي في فتح الرسالة .. قلقت جدا، ترى ما الشئ المهم الذي دعا الصديق مليح الى وضع هذاالعنوان لرسالته .. هل هي طريقة في المزاح ؟ كلا، فمليح، كما أعرفه يحمل الجدة في سلوكه وفي نمط حياته .. وبعد لحظات عرفتُ ان رسالة مليح تحمل خبر رحيل الدكتور زكي الجابر .. كان ذلك يوم الأحد 29 كانون الثاني 2012.

ومن لا يعرف الدكتور الجابر، فهو ليس أعلامياً !

نعم، أقولها بالفم المليان، فالرجل قامة كبيرة، بل كبرى في خارطة الإعلام العراقي والعربي، ولستُ بمبالغ ان قلت ان د.الجابر له بصمة عالمية في رؤاه وثقافته وشاعريته ، وطلبته الذين تتلمذوا على يديه سواء في جامعة بغداد من خلال قسم الصحافة قبل ان يتحول الى كلية، وكلية الفنون الجميلة في أواسط ستينيات القرن المنصرم او طلبته في جامعات القاهرة والرباط وجده، او من خلال أشرافه على دراسات أكاديمية في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بتونس حين توليه موقع المسؤولية الاعلامية فيها ..

ولاتغيب صورته عني، عند زياراته المتكررة لجريدة الثورة في العام 1970 لاسيّما في موقعها بشارع ابي نؤاس ببغداد، حيث كان يحرص بأستمرار على زيارة صديقه وأبن مدينته البصرة الزميل الصحفي المعروف (ضياء حسن) حين توليه سكرتارية تحرير مجلة (الغد) التي صدرت عن جريدة " الثورة" لمدة وجيزة .. كان الجابر وكيلاً لوزارة الثقافة والاعلام غير ان بساطته، وحلو لقياه وبساطته، تنسيك موقعه ..

وتجذرت صورته وأنسانيته في ذهني، وكنت أترقب زيارته لأسأله عن دراسته في " دار المعلمين العالية " وصداقته للسياب، وزمالته للشاعر سعدي يوسف ودراستهما في ثانوية البصرة وبعد ذلك في دار المعلمين العالية، فكان يفيض بالحديث ووصل بذلك الفيض الى ذكر تفاصيل مرحلة صباه، وجلساته المحببة في مقهى قديم انشأت في الاربعينيات أسمها (السيمر) وقد حدد موقعها وكأنه لا زال يرتادها وأتذكر انه قال بأن المقهى تقع مقابل ثانوية البصرة للبنات والمحكمة المركزية، وذكر اسماء من يرتادها امثال الاديب محمود عبدالوهاب، والشخصية المعروفة صبري افندي الذي شاع صيته بأغنية (صندوق امين البصرة)

ثم، غادر الوطن الى العمل في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تونس وبعد ذلك ساح في الغربة ليتجول بين السعودية والقاهرة والرباط .... مرة أستاذا ومرة باحثا، حتى أستقر به المقام لاجئاً في امريكا ليلبي نداء ربه، وعينه ترنو الى العراق الذي كان بأشد الشوق اليه والى مدينته .. البصرة التي قال فيها عندما ودعها مرغماً:

 

(وداعا.. أيها البصرة

يا اطياف براءتنا الأولي

وأحلامنا الطائشة..

طائراتنا الورقية،

كراتنا المحشوة بالخرق البالية

قراءتنا الخلدونية

جدول الضرب

ومسطرة المعلم

وداعا.)

وفي قصيدة وداع أخرى أسمها (جف نهر الخندق) وهو نهر معروف لأهالي الجنوب وللبصريين خصوصاً لأنه يسقي مئات من بساتين نخيل (البرحي) وانواع النخيل الأخرى قال فيها :

 

(وداعا يا من ذبحت ألف مرة

وبعثت من قاع الموت ألف مرة

أنت يا من تولدين من جديد

مع كل صباح جديد

نخلة باسقة

ترتدي قميص الشعر

وتنثر جدائل السعف للغضب

والريح

والثورة الدائمة

أتلك أشرعة سفائن السندباد

يعود من رحلته السابعة

أم رايات أميرك " الخزعلي " الجميل

ترف عليها أجنحة النوارس التائهة

ما بين نخيل " المحمرة " وضفاف الكارون

وأرياف " أبي الخصيب"

وتلك جنة عدن

أم سرير الماء

يحتضن عليه " الفرات" دجلة

في عناق الأبد

بين تراتيل " الهلاهل "

وأضواء الشموس

وتدفق الحليب من الأثداء النافرة

علي سمرة شفاه أطفال " القرنة "

وداعا.. لكل من غني إليك

وغنيت إليه

وداعا لكل من احتضن العود وغني

ولم يكن لديه من خيار إلا ان يغني

لوعات " أبوذية"

" ولا تعاشر البذات والماله تالي "

وداعا لكل شاعر كتب معلقاته

علي " كرب " النخيل

وقصبات البردي

وينشدها موقعة علي ضربات الدفوف

وتراجيع اليمامات الضائعة

وداعا يا قبة " أبن الجوزي"

ويا تلك السعفات المطلة علي نهر "خوز"

ويا تلك العرائش السكري برحيق العنب

وحليب " البرحي "

وداعا يا جسر " الملح "

علي حصاك دماء الزنج

ورسوم الأقدام العارية

والمسامير المنثلمة

تنقل الآهات عليك

تكسرات الغناء علي شفتي " محيي الدين الرفاعي "

سكران في آخر الليل

يلعن الجوع والأغبياء

وفتاحي الفال

ومهربي السجائر

تصك أذنيه الأصوات الوحشية

تركب الهواء الشرقي

عابرة " جسر العبيد " إلي مقام الإمام ")

 

الجابر يكتب شعراً بعد .. رحليه !!

لقد مرت على الجابرمواقف عديدة، كان فيها معلما بارزا دون ان تهزه ريح، وعانى الكثير من المضايقات فخرج منها منتصرا، لكن من الطريف و المحزن في آن واحد ان هذا الرجل، قرأ مرة " نبأ " رحيله في الصحف ومواقع الانترنت .. كان ذلك في عام 2001 فلم يصب بالهلع، بل طالع بهدوء انطباعات عن رحيله بأقلام زملائه ومحبيه، دون ان يسعى لتكذيب (نبأ) وفاته، ويذكر الاستاذ فيصل عبد الحسن الذي رافقه في غربته الطويلة في المغرب، إن د.الجابر كتب شعراً هازئاً بخبر نعيه قال فيه :

(يقولون مات في غربته

بعيدا عن الأهل والنخل

عن بصرته !

وقبل أوان الرحيل

تساءل في وحشته

من الحي فينا وفي سجنه الأنفرادي

مات العراق !

ولم يبكه من احد

وهل يعرف الميتون البكاء ؟

 

وللشاعر الدكتور الجابر قصيدة، شديدة العمق بحب الوطن، لا يمكن للمرء عند قراءتها إلأ الانحناء أمام عظمة العراق وتاريخه، حملت عنوان (عائدون اليك ايها الوطن) كتبها في غربته في المغرب صوّر فيها معاناته حيث عاش وضعا معاشياً صعباً نتيجة قلة ما يحصل عليه من أتعاب في عمله الجامعي ، مما أضطره الى تقديم طاب الى المفوضية العليا للاجئين في الرباط .. :

 

( نحن الباكون بلا دموع

العاشقون بلا عشق

المتكلمون بلا ألسنة

والمستمعون بلا سمع !!

لقد استعاد جيش قيصر عرش امريء القيس

ليجلس عليه قيصر

ولم ننل الملك فنفخر

ولم تطونا اجنحة الموت، فنعذر !!

فلم نكن نجباء

حين تركنا السياط تمزق الظهور الممزقة

وحبال المشانق تلتف علي الأفكار والرقاب

وأتخمنا بطوننا

بطعام وكالات الأغاثة

وسمرنا أقدامنا

علي بوابات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين !!)

 

 

وعند الحديث عن الدكتور زكي الجابر، تتوسع امامي رقعة رؤاي لتلك اللحظة التي صدح فيها صوت احد اصدقاء د. زكي الجابر ليشدوا قصيدة، كان كتبها الشاعر يحيى السماوي بحق صديقه ا د. الجابر في ما مضى من السنين .. قصيدة آخاذة، أستولت على مشاعر سامعيها، لاسيّما لمن يعرف الجابر، ومن شدة الاعجاب بالقصيدة، طلب الحضور أستنساخها، لتكون قصيدة لكل أصدقاء الدكتور الجابر .. اسمها (خلّيِكَ في منفاك) وهو عنوان مؤثر لقصيدة مؤثرة .. القصيدة اهداها السماوي بهذه الكلمات (إلى أخي وأستاذي الشاعر الدكتور زكي الجابر) قال فيها :

 

لا تَنْشر ِ الأشرعة َ البحر ُ بلا موج ٍ ولا ريح سوى الآهات ِ ... أَم تُراك صَدَّقْت َ خطابات ِ الدراويش ِ عن الكرامة ِ ... الحرية ِ ... العدالة ِ ... الوئامْ ؟

مررت ُ بالبصرة ِ لكن لم أَجِدْها فَقَفَلت ُ هاربا ً ولم أُبَلِّغْ أحداً سلامَك َ الحميم َ خفت ُ أنْ يصادر َ الغزاة ُ صُرَّة َ التراب ِ ألقيت ُ بها وضعت ُ في الزحام ْ

لا "الحسن ُ البصري ُّ" في مسجِدِه ِ ولا "الفراهيديُّ" في مجلسِه ِ ولا الفتى "عليُّ" في المقام ْ ...

خَلِّيك َ في منفاك َ ... لو كان يجيد ُ الهرب َ التراب ُ ما أقام ْ

في الوطن المحكوم ِ بالإعدام

كل ُّ الذئاب ِ اتَّحَدَت ْ واختلفَت ْ ما بينها الأنعام ْ

على بقايا الزاد ِ في مائدة ِ اللئام ْ

دماؤها مهدورة ٌ فمرَّة ً تُذْبَح ُ باسم ِ جَنَّة ِ السلام ْ ومرَّة ً باسم فتاوى حُجَّة ِ الإسلام ْ

ومرَّة ً تُسْلَخ ُ تنفيذا ً لما رآه في منامِه ِ سماحة ُ المفتي وما فَسَّرَه ُ وكيلُه ُ الغلام ْ ..

ومرَّة ً لأنها ترفض ُ أَن ْ تُهادن َ المحتل َّ أو تكفر ُ بالحرية ِ التي بها بَشَّرَنا مستعبد الشعوب ... جاحد الهدى ... موزع الأرزاق في بيادر الأجرام

ومرَّة ً لأنها تكفر ُ بالحاشية ِ المخصيَّة ِ الإرادة ِ .. الدمى التي شُدَّت ْ خيوطُها إلى فضيلة "الحاخام ْ"

*** يحدث ُ أّن ْ يُقتَل َ عصفور ٌ لأن َّ ريشَه ُ ليس بلون ِ جُبَّة ِ الإمام ْ يحدث ُ أّن يُصْفَع َ ظبي ٌ في الطريق العام ْ لأنه لم يُطِل ِ اللحية َ ... أَن ْ تُطْرَد ً من ملعبِها غزالة ٌلأنها لا ترتدي عباءة ً طويلة َ الأكمام ْ يحدث ُ أّن يُدَكَّ حي ٌّ كامل ٌ وربما مدينة ٌ كاملة ٌ بِمِعْول ِ انتقام ْ بزعم ِ أن َّ مارقا ً أقام َ في بيت ٍ من البيوت ِ قبل عام ْ هل دولة ٌ تلك التي تُقاد ُ من سفارة ٍ إن ْ عَطَس َ السفير ُ في مَخْبئِه ِ أُصيبَت البلاد ُ بالزكام ْ ! خَلِّيك َ في منفاك َ ... حتى ينجلي الظلام ْ ..

رحم الله، الانسان الكبير المتواضع د. زكي الجابر

 

سورين كركيغارد

تناولت مجلة "قضايا اسلامية معاصرة" في عدد خاص بعنوان: "الايمان الوجودي وديانة الضمير الفردي"، الفيلسوف الدنماركي المؤمن (سورين كيركغارد)..

لقد أتاح لي التعرف على استاذي العلامة الدكتور عبد الجبار الرفاعي، منذ أن درست المنطق والعلوم العقلية على يديه ـ ولا زلت أفتخر حتى الآن بكوني من تلاميذ مدرسته المعرفية والأخلاقية والروحية ـ فرصاً كثيرة، وفتح أمامي الكثير من النوافذ التي ساعدتني على استشراف المستقبل من موقعي الراهن مستعيناً بوهج الماضي..

ومن بين الشخصيات الفلسفية واللاهوتية التي كان لي شرف التعرف عليها بفضل إرشادات سماحة الدكتور الرفاعي وتوجيهاته، شخصية الفيلسوف الدنماركي (سورين كيركغارد).. فقد وفرت لي مجموع المقالات التي زودني بها سماحته مادة كبيرة للإحاطة بالتجربة العرفانية والروحية التي عاشها كيركغارد في حياته الشخصية. والتي استوعبها العدد الجديد من مجلة استاذي الرفاعي "قضايا اسلامية معاصرة" في عدد خاص بعنوان: "الايمان الوجودي وديانة الضمير الفردي"، صدر في 428 صفحة هذا الاسبوع ببيروت، بمناسبة مرور 200 سنة على ولادة (سورين كيركغارد)..

وقد وجدت في بعض أفكار هذا الفيلسوف المؤمن المتصوف الدنماركي الرائع تشابهاً كبيراً مع ما ورد في نصوصنا الروائية المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام، ولكن قبل التطرق إلى هذه المواطن أرى من الضروري أن نقدم صورة عن حياته الشخصية لما لها من التأثير الكبير على بلورة أفكاره اللاهوتية.

ولد سورين آبييه كيركيغارد في الخامس من شهر مايو عام 1813 في مدينة كوبنهاغن في الدنمارك. وكان هو الولد السابع والأخير لوالده (مايكل بيدرسون كيركيغارد) وأمه (آنا كيركيغارد). وكانت أسرته ـ وخاصة والده ـ شديدة التدين، وقد ترك ذلك تأثيراً عميقاً على أفكار سورين كيركيغارد. وقد أشار كيركيغارد نفسه إلى هذا التأثير في بعض مذكراته اليومية. وقال ذات مرة: لقد تمّ تذكيره مراراً عندما كان صغيراً: (إن كل شخص مسيحي ـ والشخص هنا يعني الحقيقة ـ قد بصق في وجه المسيح، وقال له: العار عليك)! يقول كيركيغارد: لقد حفظت هذه العبارة في أعماق فؤادي، واستحوذت هذه الفكرة على حياتي. وقد فهم من هذه العبارة أن الحقيقة ممزوجة على الدوام بالعقد، وأنها لن ترى الطمأنينة وهدوء البال أبداً.

كما كان تأثير والده عليه هو السبب في أن يجعل من الإيمان هو الموضوع الرئيس لكتاباته الفلسفية، بحيث شكل هذا الموضوع الهاجس الأساس بالنسبة له. بيد أن هذا التأثير لا ينحصر في طريقة تربيته فقط. فقد كان هناك عنصر آخر في حياة الأب، لم يترك تأثيره على حياته فحسب، بل انتقل إلى جميع أفراد الأسرة، وخاصة سورين كيركيغارد. فقد اطلع كيركيغارد في عام 1835 ـ أي قبل رحيل والده بثلاثة أعوام ـ على سر هام من أسرار والده. فقد كان والد كيركيغارد تاجراً ثرياً في كوبنهاجن، إلا أنه قبل أن يصبح تاجراً ثرياً، كان صبياً يرعى الماشية في مقاطعة (يوتلاند)، وكان يعاني الفقر والشقاء، وذات يوم حيث كان يرعى الماشية كعادته، انهار أمام وطأة الجوع والفقر والألم، فوقف على تل مرتفع من الأرض وبدأ يجدف على الله. وقد كان وقع هذه الحادثة على الأب من العمق بحيث لم يتمكن من التخلص منه ونسيانه إلى آخر لحظة من حياته وقد بلغ الثانية والثمانين من العمر. وبعد فترة من صدور هذا التجديف منه، تم نقله إلى كوبنهاجن ليقيم عند عمه، حيث شعر هناك برغد العيش وتخلص من سطوة الفقر والألم وبدأت حياته تشهد تقدما نحو الازدهار. إلا أنه لم ير السعادة في هذا الازدهار، ولم يفسره على أنه لطف من الله، بل رأى فيه نقمة إلهية حلت به وبأسرته. فقد اعتقد بأن تجديفه على الله جعله مستحقا لحلول نقمة الله، ولذلك كان معتقداً بأن جميع أولاده سيموتون قبل بلوغ الرابعة والثلاثين من أعمارهم ـ وهو العمر الذي يعتقد المسيحيون أن السيد المسيح (على نبينا وآله وعليه السلام) كان قد بلغه عندما رفع على الصليب ـ وقد صدق هذا الاعتقاد بالنسبة إلى خمسة من إخوة كيركيغارد، حيث أدركتهم المنية قبل بلوغ الرابعة والثلاثين، ولم يستثن من ذلك سوى كيركيغارد وأخوه الأكبر، حيث تجاوزا الرابعة والثلاثين من عمرهما، رغم أن كيركيغارد نفسه لم يعمر طويلاً، حيث وافته المنية في مستهل عقده الخامس عن اثنين وأربعين عاماً. إن تجديف الأب على الله جعله يغرق في حزن سرى وانتقل إلى جميع أفراد أسرته. وقد عبر كيركيغارد عن استحواذ الحزن عليه قائلاً:

(لقد كنت أسير الكمد منذ الصغر ... وكان من بين مشاعري العذبة أن لم يكن بمقدور أحد إدراك حجم البؤس الذي أشعر به وأكابده).

وعلاوة على اكتساب سورين كيركيغارد لهذا الكمد غير الطبيعي بفعل تربيته الأسرية، فقد ورث القدرة على كتمان هذا الكمد عن أبيه أيضا؛ فقد كتم والده سر حزنه ـ الناشئ من ذلك التجديف ـ طوال حياته، ولم يفصح عنه إلا قبيل وفاته بثلاث سنوات.

التقى كيركيغارد بخطيبته ريجين أولسن للمرة الأولى في عام 1837، ولم يتقدم إلى خطبتها رسميا إلا عام 1840. غير أن هذه الخطبة لم تستمر لأكثر من عام واحد فقط، حيث عمد كيركيغارد إلى فسخها في عام 1841. وقد كان هناك سببان وراء فسخ هذه الخطوبة، السبب الأول: أن كيركيغارد كان يعاني من كآبة حادة، ويرى أن هذه الكآبة لا تنسجم مع رغبته في إسعاد خطيبته ريجين أولسن. والسبب الثاني: أن ظاهرة وفاة إخوته وكذلك أمه التي وقعت تباعا وفي فواصل زمنية متقاربة (وكان سورين كيركيغارد يراها ناشئة عن النقمة الإلهية التي حاقت بجميع أفراد الأسرة) من جهة، وشكواه من اعتلال صحته من جهة أخرى، كل ذلك جعله يؤمن بأنه سيفارق الحياة عما قريب، وأن ذلك سيعرض أولسن إلى الكثير من المشاكل.

إن هذه الأسباب التي ذكرناها لفسخ كيركيغارد لخطبته وانفصاله عن ريجين أولسن، تعكس بوضوح عمق تأثير الخصائص الروحية لكيركيغارد. كما أن الطريقة التي قطع بها كيركيغارد علاقته بأولسن توضح هذه الخصائص على نحو أشد. فإن فسخ الخطوبة غالبا ما يدمغ الفتاة بوصمة عار لا سبيل إلى محوها. ولكي لا تتعرض ريجين لمثل هذا العار، فقد قام سورين كيركيغارد بالتضحية بنفسه على طريقته الخاصة، حيث تظاهر بشكل يتحمل معه جميع تبعات فسخ الخطوبة، ولا يلقى أي لوم عليها، فتصرف بلامبالاة واستهتار، ليثبت للناس أن السبب في فسخ خطوبته من محبوبته يعود إلى تهتكه واستهتاره بالقيم والأخلاق. وعلى كل حال فقد واصل كيركيغارد حياته بما هو عليه من الخصوصيات الروحية، حتى وافته المنية في الحادي عشر من نوفمبر من عام 1855 في مسقط رأسه كوبنهاجن.

ويجدر بنا أن نتحدث قليلا عن دراسته ومعتقداته ومؤلفاته وأعماله أيضا. ففي عام 1831 قبل كيركيغارد في فرع اللاهوت من جامعة كوبنهاجن. وقد كان المناخ الفكري ـ الفلسفي السائد في عصره، هو المناخ الهيجلي. وعلى الرغم من أن كيركيغارد لم يكن على معرفة مباشرة بأفكار هيجل وأعماله، إلا أنه قد تعرف إليها من خلال كتابات هانس لاسين مارتنسن. وقد كان مارتنسن لاهوتيا سعى إلى رفع التناقض المتبادل بين الديانة المسيحية والنزعة العقلانية التي سادت في عصر التنوير، وذلك من خلال التأمل الهيجلي. وبعبارة أخرى: إنه كان يسعى إلى توظيف أفكار هيجل لحل التعارض القائم بين العقل والوحي. بيد أن روبرت هورن قد أظهر بالأدلة القاطعة أن التفكير الهيجلي عند مارتنسن لا يعكس أفكار هيجل بشكل كامل، وإنما هي مجرد فهم وقراءة لأفكار هيجل لا أكثر. ومن هنا ندرك أن كيركيغارد لم يكن على اطلاع كامل بأفكار هيجل. ولكنه كان على كل حال يعيش الأجواء الفكرية لهيجل، ويتجلى ذلك بوضوح من خلال الانتقاد الذي يورده على الأدلة الآفاقية. وسوف نشير إلى النزعة الإيمانية عند كيركيغارد لاحقاً.

لقد بدأ كيركيغارد كتابة أفكاره في مؤلفات زاخرة وكثيرة منذ عام 1834 واستمر في الكتابة إلى عام 1855 حيث فارق الحياة في تلك السنة، وبذلك يكون عطاؤه العلمي قد استمر لأكثر من عشرين سنة. وقد كتب أهم أعماله ما بين عامي 1843 و1836، وكان في الغالب يستخدم حينها اسما مستعارا هو (يوهانس كليماكوس). وإن من بين أهم الأعمال التي كتبها في تلك الفترة، يمكن لنا أن نذكر العناوين الآتية: (هذا أو ذلك)، (الخوف والفزع)، (التكرار)، (ثلاثة حوارات بناءة)، (شذرات فلسفية)، (تعليقة نهائية غير علمية على شذرات فلسفية).

وبطبيعة الحال فإن لمؤلفات كيركيغارد التي كتبها في السنة الأخيرة من حياتها أهمية كبيرة أيضاً. وقد بدأ يصب جام انتقاداته على المسيحية الرسمية في الدنمارك في تلك السنة. لقد كانت الكنيسة الدنماركية في عهد كيركيغارد كنيسة لوثرية، وكانت ولادة طفل تعني عضويته في تلك الكنيسة وانتسابه إليها بوصفه مسيحياً لوثرياً. لم يكن كيركيغارد معارضاً للمسيحية كما هي معروضة في الكتاب المقدس، ولكنه كان يعتقد بأن بين المسيحية الرسمية والمسيحية كما هي في الكتب المقدسة بوناً شاسعاً، وإن الهوة بينهما لا يمكن ردمها بمجرد إجراء الإصلاحات عليها، بل كان يرى ضرورة تقويضها وإعادة هيكلتها وبنائها من جديد. إن هجوم كيركغارد على الكنيسة كان هجوماً غير مألوف إلى حد ما، لأنه إنما عمد إلى مهاجمتها بوصفه فرداً مؤمناً ومعتقداً بالمسيحية. وإن من بين الأعمال والكتب التي ألفها في السنة الأخيرة من حياته، وتعرض فيها بالهجوم على المسيحية الرسمية ونقدها، عبارة عن: (الوطن) ، و(يجب لهذا أن يقال فاسمحوا له بأن يقال الآن) ، و(كيف يحكم المسيح بشأن المسيحية الرسمية؟)، و(اللحظة). وقد كان مؤمناً إيماناً كاملاً بانتقاداته للمسيحية الرسمية، بحيث أنه طوال الأربعين يوماً التي لازم فيها المستشفى بسبب تأزم حالته الصحية وتفاقم المرض ـ الذي أدى إلى وفاته ـ لم يسمح لأخيه (بيتر) ـ الذي كان منخرطا في سلك القساوسة ـ بزيارته. وإن الشخص الوحيد الذي أذن له بزيارته يومياً هو صديقه (باستور بويسن). وقد جهد بويسن في إقناعه بأداء طقوس العشاء الرباني، إلا أنه رفض ذلك. وقد احتوت مخطوطات بويسن على كلام لكيركيغارد قاله أثناء مرضه الأخير، ومما جاء فيه: (إن الكنيسة اللوثرية التي يتعرض فيها الله للسخرية، يجب التخلي عنها). كما نجد عبارة أخرى لكيركيغارد يقول فيها: (إن القساوسة هم مجرد أدوات بيد السلطة، ولا ربط لأدوات السلطة بالمسيحية.

يشكل الإيمان المحور الرئيس لأبحاث كيركيغارد. وقد ذكر في كتابه (زاوية عملي بوصفي كاتبا) أنه كان هناك نوع من الهيمنة الإلهية على حياته. وقد بين في هذا الكتاب صلة مؤلفاته إلى حين كتابة هذا الكتاب ـ في عام 1848 ـ بحياته. ونحن أيضاً بصدد بحث هذا المحور الرئيس في تفكير كركيغارد، إذ نسعى إلى الإجابة عن هذا السؤال القائل: هل يمكن التوصل إلى الإيمان من طريق الأدلة الآفاقية أم لا؟

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}(فصلت/53.

بيد أن كيركيغارد وانطلاقاً من بيئته وتربيته التي صاغت متبنياته الفكرية أنكر إمكانية التوصل إلى إثبات الله بالأدلة العقلية والآفاقية، وقد صبّ كل اهتمامه على الأدلة الأنفسية. وقد رصد كركيغارد ثلاث مراحل في حياة الفرد وإن الفرد يتخذ في كل مرحلة من هذه المراحل إلهاً يعبده، وإن تلك المراحل هي: مرحلة الأنا، ومرحلة الأخلاق، ومرحلة العشق المطلق. وهذه المراحل تمثل الأسفار الثلاثة الأولى للفرد في إنطلاقته وذهابه إلى المطلق، وهي مراحل يعتبرها كيركغارد تكاملية، وإن لم تكن عنده تراتبية بالضرورة، بمعنى أنه قد يرزح الفرد في المرحلة الأولى إلى الأبد فلا ينتقل إلى المرحلة الثانية أبداً، وإذا كتب له النجاح وتحرر من قيود المرحلة الأولى، وطار بجناحية إلى القفص الأوسع المتمثل بالمرحلة الثانية، قد يبقى رازحاً فيه إلى الأبد، ولا ينجح في الانطلاق إلى المرحلة الثالثة، فلا يتذوق متعة العشق المطلق، وهناك من يكتب له النجاح في بلوغ المرحلة الثالثة والأخيرة التي تتمثل بالعشق المطلق.

يرى كركيغارد أن مرحلة الأنا هي مرحلة حياة الفرد من أجل نفسه. والمرحلة الثانية (مرحلة الأخلاق) هي مرحلة حياة الفرد من أجل الآخرين. والمرحلة الثالثة (مرحلة العشق المطلق) هي مرحلة حياة الفرد من أجل الله. والمعيار في مرحلة الأنا هو الحصول على اللذة والمتعة على المستوى الفردي. والمعيار في مرحلة الأخلاق هو الشعور بالمسؤولية التي يفرضها المرء على نفسه تجاه الآخرين. والمعيار في مرحلة العشق المطلق هو ما يأمر به الله سبحانه وتعالى.

1 ـ مرحلة الأنا:

إن الحياة من أجل اللذات، تمثل المفهوم الحقيقي للأنا. فاللذات هي وحدها التي يؤصلها الفرد في مرحلة الأنا. فليس هناك توقف أو كبح جماح تجاه أي شخص أو أي شيء أو أية رؤية أو فكرة. إن الهدف الوحيد من الحياة هو الحصول على اللذة فقط. وإن المثال البارز على مرحلة الأنا في حياة الإنسان يتجلى في العشق الذي يقوم بين رجل وامرأة والذي يزول بعد فترة قصيرة ويميل كل واحد منهما إلى اتخاذ شريك آخر. يصوغ الفرد في مرحلة الأنا إلها لنفسه، ويكون هذا الإله هو ذاته ونفسه.

2 ـ مرحلة الأخلاق:

يرى كيركيغارد أن الاستهزاء عنصر محرك للعبور من مرحلة الأنا إلى مرحلة الأخلاق. إن أرواحنا وأنفسنا لم تخلق بحيث تستطيع العيش في بحبوحة السعادة باستمرار. فإن تكرار اللذات المتشابهة يدعو إلى السأم. وعليه فإن مرحلة الأنا تشكل نمطاً من الحياة محكوم عليه بالفشل، وهي حياة تحمل بذرة فنائها في أحشائها. وإن هذه الطبيعة الجدلية تؤدي بلذة الإنسان إلى عدم المبالاة وسيفضي ذلك إلى الإحباط وانعدام الأمل.

إن الحياة المقرونة بالشعور بالمسؤولية هو عنوان المرحلة الأخلاقية. وإنما تكتسب الحياة معناها ومفهومها إذا تكفل الفرد بإنجاز مسؤوليته ومهمته. إن الفرد الأخلاقي هو قبل كل شيء ملتزم بالتكليف الذي اختاره بإرادته. بمعنى أنه لم يلتزم بالواجبات والمحظورات الأخلاقية بسبب القيود الخارجية، بل إنما اختار هذا الالتزام بملء إرادته. إن المرحلة الأخلاقية عبارة عن مجموعة من القوانين المتناغمة لإقامة الخير في المجتمع، فعلى الفرد أن ينسجم مع المجتمع، وأن يقدم مصلحة المجتمع على مصلحته الخاصة. قد تشتمل الأمور الأخلاقية على لذة ومتعة، إلا أنه لا يختارها لأجل ما تشتمل عليه من اللذة، وإنما يختارها لقواعد وأصول أسمى.

يمثل كيريغارد للحياة الأخلاقية بالزواج في مقابل السفاح والعلاقات العابرة. فالذي يتزوج إنما يختار الحياة الأخلاقية. إن المحبة الكامنة في الزواج مسؤولية قائمة على أساس ميثاق مقدس. وإن العشق التذوقي والعابر لا يمكن أن يكون أخلاقيا قطعاً، مهما كان مقروناً بالشعر والخيال، لأنه لا يكون مصحوباً بالمسؤولية والشعور بالتكليف.

3 ـ مرحلة العشق المطلق:

يجد المرء أن الهدف من الحياة ومفهومها يكمن في تكامل الشخصية الأخلاقية والاجتماعية وبناء الأسرة. ولكن هل تعد هذه الأمور هي الهدف النهائي من الحياة. إنه يضحك على هذه الحالة من كل قلبه، ويضحك من نفسه إذ يعتبر هذه الأمور هي غاية الحياة. إن هذه السخرية تؤدي به إلى الإحباط والملل والسأم، وكأنه مهما بذل من الجهود لن يصل إلى غاية الحياة. فهل امتثل كل ما يستطيع فعله أم لا يزال هناك من المهام التي لم يقم بها. وعليه لكي لا يصل به هذا الإحباط وانعدام الأمل إلى شفير الموت، فإنه يشعر بأن عليه البحث عن هدف الحياة في الخلود والأبدية، وبذلك يدخل في مرحلة العشق الإلهي المطلق.

ليس هناك في هذه الحياة العابرة ما يحتوي على معنى إلا إذا ارتبط بالله. إن سعادة الفرد في الحياة تكمن في الإيمان بالله والتفاؤل بالخلود والأبدية. وإن عابد الجمال إنما يعيش لهذه الغاية، وإن الشخص الأخلاقي يعيش على طول الزمان، بينما يعيش المتدين من أجل الخلود والأبدية.

وفي هذه المرحلة يرى كيركغارد أن إبراهيم × هو الأفضل على الاطلاق. ولكن كيف يمكن اعتبار ما قام به أخلاقيا؟ فهو لا يمتلك الحد الوسط الذي يمتلكه أبطال التراجيديا لكي يكون ما قام به قابلا للفهم! إذ لم يكن في قتل ولده أي خير لعامة الناس. وعليه لا يمكن فهمه لأي أحد، ولن يكون ممدوحا من قبل أي أحد، ولن يكون بإمكان شخص أن يعمل على مواساته بسبب ما قام به. إنه بشكل عام يخرج عن دائرة الحسن والقبح الأخلاقي، ويقف في مواجهتهما. فكيف يكون ما قام به أخلاقيا؟

يقول كيركغارد: إن لدى إبراهيم خارج الدائرة الأخلاقية غاية يعلق الأخلاق بإزائها، وهي أمر المطلق أو أمر الله، وفي الحقيقة فإن الأخلاق بالنسبة إلى الآخرين هي الله، وأما بالنسبة إلى إبراهيم فإن الله هو الأخلاق. وإن إطاعته وامتثاله لأمر الله يجعل من فعله عين الأخلاق.

ربما كان السبب في أهمية العشق بالنسبة إلى كيركيغارد يعود إلى تأثير أبيه عليه في فترة الطفولة والشباب. فقد صرّح قائلاً: (إنني مدين منذ البداية لأبي في كل شيء، كان إذا رآني مكتئبا يقول لي: عليك أن لا تنسى أن تعشق عيسى المسيح) من هنا يعمد كيركيغارد إلى توظيف العشق بوصفه عنصراً هاماً في الإيمان وفي الأخلاق أيضاً. إن اللحظة التي يتجلى فيها حبّ الله هي لحظة الإيمان، وإثر ذلك يسعى الفرد المؤمن والعاشق إلى طلب أمر الله أو المعشوق. إن حب الله ومرحلة الإيمان تؤدي إلى إطاعة أمر الله في مرحلة الأخلاق، ومن ثم يأمر الله بالحب، فيأمر بحب نفسه وحب الآخرين.

يقترح كيركيغارد ارتباطاً وجودياً بالله، ويقول إن الطريق الوحيد إلى هذا الارتباط هو العشق. فإذا افتقرنا إلى العشق فإن نظرتنا إلى المسيحية مهما كانت مثالية ستكون نظرة غريبة وفاقدة للمعنى. وإن عشق الله يطيح بجميع القوانين الأخلاقية الصائبة والخاطئة مرة واحدة، ويغدو الشيء الصحيح والحسن هو أمر المعشوق فقط.

ولكن لكي تعشق الله، لا بد قبل ذلك من معرفته وإثباته، وهناك طريقان لإثبات الله، الأول من طريق البراهين العقلية والآفاقية، والثاني من طريق البراهين الوجدانية والأنفسية، ويذهب كيركغارد إلى تأصيل البراهين الأنفسية وتقديمها على البراهين الآفاقية كما تقدم أن ذكرنا. حيث تلعب العواطف والمشاعر دوراً معرفياً كبيراً في مفهوم الإيمان عند كيركيغارد. وبذلك يغدو الجميع عند كيركغارد بحاجة إلى الوحي والانكشاف الخاص. يضاف إلى ذلك أن المعرفة الأخلاقية من طريق الخلق لا تأتي إلا بعون من الله، بل هي نوع من الإلهام والانكشاف العام. إن هذه المعرفة الطبيعية لا تأتي من طريق العقل، وإنما تأتي من طريق القلب والفؤاد. بل إن البحث عن البراهين العقلية عند كيركغارد قد يبعدك عن القصد، ويشط بك عن الطريق. وقد نجد لهذا المعنى جذوراً في كلمات الإمام الحسين × في دعاء عرفة إذ يقول: >تردّدي في الآثار يوجب بعد المزار .. كيف يُستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟! أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟! متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟.

وفيما يتعلق بإخلاص العمل للمعشوق المطلق يقول كيركغارد: >إن رجاء الثواب والخوف من العقاب، والآمال الواهية في الحصول على المكافأة والخلاص من عواصف جهنم، إنما هي أمور تؤدي إلى الضلال. إنما يجب علينا إرادة الله لذاته<. وقد شبه كيركغارد من يروم المكافأة من وراء عبادة الله بالعاشق الذي يعلن عن حبه لامرأة طمعاً بالفوز بثروتها، وعليه لا يكون مخلصا ومستقرا في حبه. وهذا يشبه القول المأثور عن الإمام علي × إذ يقول: >إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأَحْرَارِ.

وفي الختام أجدد شكري ﻷستاذي الرائع سماحة الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وأسأل الله له مزيدا من التوفيق والتألق والنجاح.

 

..............

* [1] أديب ومترجم.

 

لمياء الربيعي .. شاعرة عراقية شابة تنحت صخر القصيد أحرفا تمتزج دمعا وألم

ahmad fadelكان الإحتفاء بمنجز الشاعر العراقي فلاح حسن الشابندر الأخير "سطر .. الشارع" فرصة للتعرف على صوت شعري شاب من الجنس الناعم لم يكن لنا لقاء سابق معها لولا أن جمعتنا بها تلك اللحظات في قاعة الراحل خالد الذكر الدكتور علي الوردي في البيت الثقافي البغدادي بشارع المتنبي وسط بغداد والتي كانت تغرق وسط غمام جميل أشاع بهجة من يطلق عشرات الحمامات البيضاء في سمائها .

 لمياء الربيعي هي هذا الصوت الشعري الشاب جلست بخجل العراقية العربية تنصت معنا إلى قصائد الشابندر الذي راح يجلجل بصوته الآخاذ أركان القاعة الوردية فالتفتُ إليها قائلا:

- هذا الذي يلقيه على أسماعنا من ديوانه الأخير " سطر .. الشارع " الذي توج به تجربته الشعرية التي ابتدأها ب " فحم وطباشير " اللذان سيكونان بين يديك بعد قليل، سكتُ برهة حتى لا أشوش على الحضور وعدت أسألها:

- وأنت، هل تكتبين الشعر أيضا ؟

قالت:

- نعم ..

- جميل مع أني لم أقرأ لك .

أخرجت من حقيبتها قصيدتان قالت عنهما:

- أرجو أن يحوزا رضاك ..

ومع أن المرأة الشاعرة دائما ما أنحني أمام إبداعها اللامحدود، فهي عندي صوت قد يتفطر الحجر لسمعه مذ وقفت الخنساء ترثي أخاها صخر:

قذى بعينيك أم بالعين عوار

أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار

كأن عيني لذكراه إذا خطرت

فيض يسيل على الخدين مدرار

أو تشيع البهجة في القلوب المتعبة كقول عاتكة الخزرجي:

تفديك روحي ألف مرة

لله بعدك ما أمره

إني أكاد أجن فيك

فهل إليك اليوم نظرة

إني ليفزعني الفراق

وأتقي في الحب شره

وأعوذ من صرف الزمان

ولست آمن منه مكره

كيف السبيل وبيننا

قدر يهاب القلب أمره

ومتى نعود، متى أراك

ونلتقي في الله مرة ..

ومع أن ألف ونيف من السنوات تفصل لمياء عن الخنساء، وعقود أخرى عن الخزرجي، فإن شاعرتنا الشابة في قصيدتيها " حبلى بالنعوش " التي سنتوقف عندها طويلا  والقصيدة الثانية " لذة خيبة " تحملان بعضا مما حملته أخت صخر، وشاعرة الرقة والعذوبة عاتكة، وهكذا هن شاعراتنا العراقيات والعربيات لم أقرأ لهن الفرح إلا وهو ممزوج بالدموع .

ويقينا أن تجربة الربيعي الشعرية لاتتجاوز بأي حال من الأحوال من سبقنها تجربة وإبداعا وعمرا لن أتطرق إلى الرائدات منهن لأنني أحببت أن تكون الربيعي قريبة من وفاء عبد الرزاق، د . هناء القاضي، ريم قيس كبة، فرح دوسكي، رفيف الفارس، سمرقند الجابري وغيرهن من جيل ما بعد التسعينيات التي تحاول فيه أن تكون هي ومجايلات لها ترك بصمة قد لاتشبه ما تركته عبد الرزاق والجابري، فهي من خلال قصيدتها " حبلى بالنعوش " نتذوق طبقا شعريا معمولا بعناية، مقاديره: الرمزية والتكثيف والصورة الشعرية التي تقترب فيها من الحبيب، الوطن، الألم الدفين الذي لم ينتظر السكوت فراح يبوح بالنزف، ثيمات راحت تشتغل عليهن الشاعرة الشابة لتصنع منهن طبقها الشعري المغمس بكل تلك الفواجع:

نفق الوقت بطرائق الأنفاس

وهن على سرير الغفوة

شيعها وهي تحتشد

على باب الزفير

الهتك بالأضلع كان قدرا

أطبق حجته على الفم

فسكت الوريد وراح يصغي

لعنيد يحتل الغياب بقسوة

وقرين أخفق صحبتي

قدري .. أن ينهض الكذب برئتي

أن أدرج كل الصباحات بموعد واحد

أن أرقص مع الشمس بذراع مبتور

وأتقوس كالمدار حول النار

اشتعل بكل صغائري التي

خلفت كبائر خطاياك !

هنا نجد لدى الشاعرة أيضا فيضا من دلالات شعرية وجملا موحية قصيرة متقطعة هي الأكثر بروزا في شعريتها، تجمعت كل تلك الإشتغالات أو التقنيات في نص شعري إستعار من السرد القصي ما يمكن أن يكون مزجا بينهما ما أعطى قوة وجمالا للنثر الشعري تمكنت الربيعي من خلاله أن تبوح بقدرها تجاه من أحبت، أو يمكن أن تكون هذه الأبيات محكيات مرت بنساء غيرها تشابهن معها باللوعة والألم .

من ميزة القصيدة النثرية أنها تحتفي بقول ( الجملة) لا بقول (الكلمة) كما يقول الناقد المصري عبد الله السمطي وهذه هي إحدى ميزات شاعرتنا لمياء الربيعي التي نكمل معها بقية قصيدتها:

قدري ..

أن أتحول نصفا

يصغي لغابة الذات

يتفوق على الآخر

بصمت يثرثر بالأفكار

وهي تغادر الذاكرة

أين هم .. اولئك الذين

أعادوك مجددا لجسدي

الأماكن والساعات القصيرة

حماقة الشك والغيرة

وفناجين العرافات

الجرائد التي

افرغت كل البطالة

في جيب تخيلاتنا

النزف يزداد انحدارا مخترقا الذكريات مارا بصور ليس للفرح فيها مكانا ما تزداد فيها قتامة البوح:

أينها .. لذة الليالي

وهي تسرج خيول الشهقات

تفض اشتباكنا خلف أبواب الحيلة

ومكر الحكايات

تشاكس الخجل

ولا تحفل بدوائر العمر الذي

أبدا لم يكن حائلا بيننا

قرأت في هذه الأبيات محاولة لفهرسة الألم والعاطفة العنيفة وهاجس الخوف من الآتي المجهول ما ذكرتني بالشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث (1932 - 1963) التي لاتزال كثرة من الشاعرات هناك ينسجن من تجربتها الشعرية قصائد تحاكيها في القبض على الشعور المسرف والتي كانت ترسم لها بوضوح حدود الواقع والمأمول، كتبت بلاث تقول:

يبدو الأمر كما لو أن حياتي

كانت

تدار بطريقة سحرية

من قبل اثنين

إيجابي ويأس،

أيهما يعمل في وقتي الراهن

يهيمن على حياتي

نعود لنكمل قراءة القصيدة التي تصل حد التساؤل، وهو عندي قمة العنف الشعوري حيث تقول:

أينها ..ابتسامة الحنان

في وجه قصيدتي البكر

وأخرى شرعت للقادمة

أميالا من الكلمات

أين أنا .. أين أنت ؟

بت أخاف المرايا

في ليلة موحشة

أشعر بالضيق في غرفة عارية

أسكب قهوتي على فساتين العزلة

التساؤل هنا قد يكون موجها لها كتعنيف شخصي منها لأنها باتت تخاف المرايا وهن صاحبات المرأة حتى في سريرها، تخافها لأنها وبسبب فقدانها أملها المرتجى لم تعد تتذكر ملامح سعادتها:

لا أشتري صحيفة ولا كتبا

أكتفي بحديث العرافة بخلوتي

أشتت المواعيد وأرتب التجاعيد

أصافحني كل صباح

لا أجدك بقربي

فمذ أن اقفلت عينيك

لم أعد أتذكر ملامح السعادة

نفق الوقت على يدي

حين صاح الموت بإسمك أولا !

عزائي صمت جميل .. وبعض دقائق حبلى بنعوش الأخريات

الفراق هذا النكد الأزلي المستحكم بقوة بيننا لامفر منه وأصعب ما يكون عند الأحبة، فكيف إذا كانت المرأة جزءا منه .

"حبلى بالنعوش " مرثية لإمرأة شاعرة يكاد شبابها يذوي ألما كما ذوى من قبل شباب شاعرات كثر، لمياء الربيعي ليست الأخيرة بينهن، لكن تجربتها الشعرية تحمل نكهة أخرى مغمسة بالذكرى، بالفراق، بالألم، وقد نعود مرة اخرى إليها في قادم الأيام كي نقرأ فرحا يغمر أبياتها لننسى ولو لمرة واحدة ذلك الكدر .

 

أحمد فاضل

 

خاطرة من ماض الزمان قبل أن يطمرها النسـيان

abdulrazaq mohamadjafarاســتلم عبدالكريم قاســم تقريراً من شبكة الإعلام الخاصة به، تحذره من وجود مؤامرة، مما حدى به إلى أن يصـدر أوامره بتوقيف أعضاء من حزب البعث البارزين. وأذاعت الحكومة في بغداد عبر تلفزيون بغداد نبأ الانقلاب وهاجت جماهير غفيرة من الشــعب، وحرك الحزب الشــيوعي الآلاف من كوادره، للدفاع عن نظام عبدالكريم قاســم.

من الصــدف النادرة التي حدثت معي، أن أكون صــباح يوم الثامن من شـباط أحد المغادرين جواً من بغداد إلى موســـكو، بعد قضـاء العطلة الربيعية في ربوع الوطن !

وفي مســاء ذلك اليوم، وما أن انتهيت من الإجراءات الروتينية عند شــراء تذكرة الســفر من شــركة طيران امريكية اســمها "بان امريكان"، قال لي مدير المبيعات العراقي:

(إن الطيارة التي ستقلك ســتصل صــباحاً في حدود الســاعة التاســعة من طهران، ولربما ســتتأخر!!، عندئذ نســفرك على طائرة خطوط جوية اخرى!).

لم أعر تلك الملاحظة من بائع التذاكر أية أهمية، واعتبرتها أمراً اعتيادياً تحدث من باب الاحتراس.

وعلى أية حال، توجهت يوم السفر برفقة أخي الأكبر والموظف في المطار المدني، وعلى الفور أكملوا له معاملة إجراءات الســفر قبل الســاعة التاســعة،.. وبدأت بتوديع المرافقين، وفي تمام الســاعة التاســعة ســمعنا مكبر الصــوت في صــالة الانتظار بالمطار، يعلن:

غلق المطار ومنع مغادرة أية طائرة!

امتثل الجميع إلى الأمر المعلن، وبدأ المســؤولون والأمن العســكري في المطار بحَث الأهالي بالمغادرة، والكل يتســائل عن الســبب، وســمعت من يقول، انقلاب عســكري ..عبد الكريم قاسـم قتلَ، .. وغير ذلك من الأقوال ... فأسرع أخي وأعاد الحقائب وتوجهنا نحو سيارته للعودة الى داره وكذلك خرج جميع المسافرين والمودعين من بناية المطار.

لقد شاهد الجميع في تلك اللحظة طائرة عســكرية تحوم فوق بناية وزارة الدفاع، مقرعمل وســكن الزعيم عبدالكريم قاســم وتلى ذلك انفجار مدوٍ، وبهذا لم يبقى امامنا ســوى العودة للبيت بأســرع مايمكن!.

وفي طريق العودة الذي يخترق الأعظمية، وبالقرب من الجســر الحديدي اعترضتنا مظاهرة لبضع مئات من الشــباب وفي يد بعضـهم غـدارة، وهم يرددون هتافات مدوية، ضـد نظام قاســم، وقد كانت وجهتهم نحو وزارة الدفاع الواقعة في باب المعظم، في بداية شــارع الرشــيد، الذي يعتبر من أشــهر واقدم شــوارع العاصــمة بغداد.

وعند وصـولنا دار أخي، شــاهدنا تلفزيون بغداد واســتمعنا إلى محطات عربية وعالمية متعددة، وبدأنا نعلم عما حدث ويحدث فوراً، وهكذا علمنا:

أن الزعيم عبدالكريم قاســم ما زال حياً يرزق .. ولقد كان ذلك اليوم هو الجمعة، وهو يوم العطلة الرسـمية في العراق. وبعد وقت قصــير من اندلاع الأحداث، فأن معظم أتباع النظام القاســمي جلهم من الحماية للزعيم، والفلاحين والعمال و الحرفيين، وهم في مظاهرة صــاخبة، وهم على أتم الأســتعداد للمواجهة والقتال من إجل حماية الزعيم قاســم!

لم يرى أي أحد النوم تلك الليلة في بغداد أو المدن العراقية الكبرى.

وفي يوم الســبت، الموافق، للتاســع من شــهر شــباط (فبراير)، وعند الســاعة 12.30 بعد الظهر، كان قد ألقي القبـض على عبد الكريم قاســم،وكافة المسـؤولين في نظامه، واقتيدوا إلى دار التلفزيون الحكومي في بغداد الصــالحية، وأدخلوا إلى قاعة الموســيقى، حيث خضـعوا لمحاكمة صـورية وســريعة وحكموا على عبد الكريم قاســم ورفاقه بالموت وقد فارقوا الحياة،

ومن المؤلم ووفق الخلق العربي الإســلامي، أن نرى جندياً يمسـك قاســم من شــعر رأســه ويســحبه إلى الخلف بحركة مشــينة، وقد ســمعت بعد سـنين معاقبة ذلك الشـخص عائلياً.

تكون نظام الحكم الجديد، من المجلس الوطني لقيادة الثورة، السـلطة فيه موزعة بين العسـكريين وقيادة حزب البعث وتم التوافق على تعيين العقيد عبدالسـلام عارف رئيــساً للجمهورية، وأحمد حــسن البكر رئيسأً للوزراء.

وبعد اســتتباب الوضـع الجديد، تكونت لجان خاصة تضـم بعض المئات من البعثيين في منطقة الأعظمية، أطلق عليها اســم ، الحرس القومي، من أجل الدفاع عن النظام الجديد ضـد أي احتمال لتهديده، وبحدود بضـعة

أســابيع تم القضـاء على أعداد كبيرة من المؤيدين للنظام السابق ومن الذين

يشــكلون تهديداً للنظام الجديد ، وفي العاشــر من حزيران (جون)، 1963 أدى تمرد الكرد الى مهاجمة الحكم االبعثي لهم!

انقســم حزب البعث إلى عدة تيارات، منها اليســاري، ومعظمه من الشــــيعة، وآخر يـميني، يشــــمل كلتي الطائفتين، وأما التيار الثالث،.. فقد ترأسـه السيد أحمد حســن البكرمع زمرة من رفاقه، معظمهم من السٌــنة.

وفي الثامـن عشــرمن تشــرين الأول (أكتوبر)، 1963، قامت مجموعة من ضــباط الجيــش، مع بعض البعثيين المتمردين على الحزب، تصـحبهم الدبابات لحراســة المناطق الاســتراتيجية في بغداد. ثم أطلقوا الصــواريخ باتجاه مركز قيادة الحرس القومي التابع لحزب البعث.، وصـدرت الأوامر للجنود لتطويق المقر وألقاء القبض على قادة حزب البعث. إن تلك الحركة العسكرية أدت إلى إقصــاء البعثيين من الحكومة، وصـارالنظام الجديد تحت حكم عبدالســلام عارف وحده.

بدأ التفكير عند القادة الجدد بصــدد الوحدة مع العالم العربي، وهل من الأفضل إعلانه الآن أم وضــعه جانباً في القوت الحاضــر.

إلا أن هشــاشـة النظام الجديد وضعفه، أوحى إلى البعثيين في ايلول (سـبتمبر)، 1964 ، بمهاجمة مواطن القوة للنظام في عملية انقلابية أخرى، حيث تأجج الخلاف العقائدي بين عبدالسـلام عارف وبين قادة حزب البعث، أدى إلى التصــادم المســلح بينهما، وقد أســفر ذلك التناحر عن زعزة النظام الجديد، وهكذا نشــطت المعارضة من القوى المناوئة التي كانت تســاند نظام عبدالكريم قاسـم، وتوحدت مع بعض الأحزاب التقدمية للإطاحة بالنظام العارفي.

توفى عبدالســلام عارف نتيجة لتحطم الطائرة العمودية التي كان يســتقلها في رحلة داخلية في جنوب العراق، بســبب عاصــفة رملية.

ولم تدع أية جهة المســؤولية، بالرغم من توجيه أصــابع الاتهام للبعثيين،

وفي الحال حل محله شــقيقه عبدالرحمن عارف.

 

بقلم الدكتور عبدالرزاق محمد جعفر

استاذ جامعة بغداد / سـابقاً

 

 

عن بعض العراقيين، الذين مروٌا بموسكو .. 70 عاما على العلاقات العراقية – الروسية

منذ حوالي العشرين سنة الماضية وانا اتحدث مع الاصدقاء والزملاء عن كتاب عنوانه – (عراقيون في روسيا وروس في العراق)، وهو كتاب أحلم ان انجزه وانشره ويتناول شخصيات اعتيادية عراقية وروسية ارتبطت مسيرتهم الحياتية بروسيا والعراق، اذ اني اؤمن ان التاريخ يصنعه الناس جميعا، وتجمعت لدي مواد كثيرة حول ذلك، ولكن الظروف الشخصية والعامة مع الاسف حالت دون انجاز هذا الكتاب، الذي اظن انه ضروري ومهم لتدوين العلاقات العراقية – الروسية وتاريخها، واذكر ان صديقي الحبيب المهندس صلاح الماشطة قال لي مرة منفجرا – (متى ستنجز هذا الكتاب الذي تتحدث عنه طوال عشر سنوات ؟؟؟؟؟)، فقلت له ضاحكا اني احتاج الى عشر سنوات اخرى . لقد نشرت بعض فصول هذا الكتاب هنا وهناك، وبودي هنا ان اقدم خلاصات مركٌزة فيما يأتي لرؤوس نقاط ليس الا حول اشخاص يرتبطون بشكل او بآخر بموسكو (وجميعهم من الراحلين) لمناسبة الذكرى السبعين لاقامة العلاقات العراقية – الروسية في ايلول / سبتمبر من هذا العام 2014

والاسماء هنا مرتبة حسب الحروف العربية .

ض. ن .

 

حياة شرارة: ولدت في النجف عام 1935 وتوفيت منتحرة في بغداد عام 1997، وهي اول عراقية حصلت على درجة الاستاذية (بروفيسور) في الادب الروسي بجامعة بغداد . التقينا في كلية الاداب بجامعة موسكو في بداية الستينيات من القرن العشرين وعملنا معا في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد منذ بداية السبعينات الى حين رحيلها المفجع، عندما جاءت ابنتها زينب الى غرفتي في كلية اللغات واخبرتني بالنبأ الرهيب وقالت لي انها غالبا ما كانت تذكرك ولهذا فانها قررت ان تهدي مكتبتها الروسية لي، فاجبتها عبر دموعي باني اتقبل هذه الهدية واقدمها راسا هدية باسمها الى مكتبة قسم اللغة الروسية، وهذا ما تحقق فعلا بعد ان القيت نظرة فاحصة على تلك المجموعة الهائلة من الكتب الروسية وكانت في حدود الف كتاب، ومنها كتب روسية صادرة في الغرب وفي لندن بالذات، واحتفظت لنفسي بعدة اوراق بخط يدها للذكرى، وكان من بينها رسالة من نزار الملائكة الى حياة تقع في عشر صفحات بعثها من لندن، وقد اطلعت عليها ووجدتها تمتلك قيمة ادبية وتاريخية، اذ يتحدث فيها عن اخته نازك الملائكة ويقلل من شاعريتها ويتناول مساهماته في الشعر ويستشهد ببيت من قصيدته التي اذيعت من البي بي سي في حينها ويتكلم عن اللغات واهميتها ومنها اليونانية والروسية ...الخ، وقررت ان هذه الرسالة - الوثيقة تستحق النشر فعلا، لأنها لا تتناول الامور الشخصية . لقد احترقت مكتبة قسم اللغة الروسية عام 2003 ضمن ما تم تدميره ونهبه بعد الحرب، وهكذا احترقت تلك الكتب ايضا، اما الاوراق التي احتفظت بها فقد ضاعت ايضا ضمن ما فقدته فيما بعد. ان حياة شرارة تجسد المرأة العراقية التي تبلورت ونضجت علميا في جامعة موسكو، عندما كانت تدرس فيها حيث انجزت اطروحة الدكتوراه عن تولستوي، ونشرتها في بغداد بعنوان – ( تولستوي فنانا )،وهو اول الكتب التي اصدرتها بعد عودتها من موسكو، ولا زال هذا الكتاب مهما في المكتبة العراقية والعربية عموما ضمن موضوعة الادب الروسي في العراق خصوصا والعالم العربي بشكل عام، وضمن الدراسات العربية حول تولستوي طبعا، علما ان هذا الكتاب صدر لحد الان بعدة طبعات .

 

عبد الرزاق مسلم: درس عبد الرزاق مسلم في قسم الدراسات العليا بكلية الفلسفة في جامعة موسكو في بداية ستينيات القرن العشرين، وكان موضوع اطروحته حول فلسفة ابن خلدون، والتي انجزها بنجاح. كان شخصا هادئا ومتواضعا ومرحا ويتقن الروسية بشكل جيد جدا وعلاقاته واسعة مع الجميع، ولم نكن – نحن الطلبة العراقيين الاعتياديين آنذاك – نعرف ان هذا الشخص المتواضع والبسيط هو سياسي متميز وكبير في الحركة اليسارية العراقية عموما والحزب الشيوعي العراقي خصوصا، وعندما عرفنا بذلك ازداد احترامنا له، اذ بدأنا نقارنه ببعض الذين كانوا حوله وهم يتباهون ويتبجحون، وحتى يستغلون هذه المواقع لمصلحتهم الخاصة ومنافعهم الذاتية. لم يحاول عبد الرزاق مسلم البقاء في موسكو بعد انهاء دراسته كما حاول بعض هؤلاء، وترك الاتحاد السوفيتي، وعاد الى العراق وبدأ العمل بعد فترة في جامعة البصرة، وسمعنا انه كان يوما يتمشى في شوارع البصرة مع الشخصية الايرانية الدكتور موسى الموسوي،وهو معارض ايراني كان استاذا للفلسفة في جامعة بغداد وحتى مرشحا فيما بعد لمنصب رئيس جمهورية ايران، وتم اطلاق النار عليهما واصابت الاطلاقات عبد الرزاق مسلم واردته قتيلا . من الواضح ان الذي قام بهذه الجريمة القذرة يرتبط بجهة سياسية محددة وان هذا الاغتيال جاء لتصفية حسابات سياسية بلا ادنى شك. لقد اصدر الدكتور عبد الرزاق مسلم كتابا مهما جدا في بيروت لا اتذكر عنوانه بالضبط ولكنه يحتوي على مجموعة كبيرة من المصطلحات الفلسفية والسياسية على شكل معجم متوسط الحجم، وهو من ترجمته واعداده وترتيبه، ويعد هذا الكتاب محاولة علمية رائدة في مجال علم المصطلحات، وقد اعتمد بالطبع على المصادر الروسية، وقد وجدت هذا الكتاب مرة في احدى مخازن الكتب القديمة في بغداد واقترحت على الجمعية العراقية لخريجي الجامعات الروسية عام 2005 اعادة طبع هذا الكتاب باسم الجمعية لاهميته العلمية اولا، ولانه نتاج احد خريجي الجامعات الروسية ثانيا، وقد حظي المقترح بتأييد الجمعية، الا ان الحصول على موافقة ورثته كان عائقا امام تنفيذ ذلك، وهكذا اهمل المقترح، رغم اني سمعت فيما بعد ان ارملته التي تسكن في احدى الدول الاوربية قد وافقت على ذلك، وكم اتمنى ان تتابع الجمعية بقيادتها الشابة الجديدة هذا الموضوع الحيوي الجميل وفاء لذكرى واحد من ابناء عراقنا المثقفين الكبار، وستكون هذه خطوة لنشر كتب اخرى لاعضاء هذه الجمعية العلمية .

 

معروف خزندار: ولد في اربيل عام 1930 وتوفي هناك ايضا عام 2010، ودرس في لينينغراد ( بطرسبورغ حاليا) منذ عام 1960 الى 1968 وحصل على شهادة الدكتوراه من معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم السوفيتية، وكان موضوع اطروحته – (تاريخ الادب الكردي الحديث)، وقد ارتبط هذا الموضوع بحياته العلمية طوال مسيرته الاكاديمية، اذ استمر بمتابعته والعمل الدؤوب لانجازه، وهكذا اصدر سبعة اجزاء منه طوال حياته، وهو بذلك قد حقق فتحا كبيرا في الادب الكردي الحديث،وخطوة علمية لم يسبق لاحد ان قام بها قبله، ولا اعرف مثلا تكرر بهذا الشكل في التطبيق العملي للبحث العلمي ابدا، اذ ان الباحث عادة يبقى في اطار تخصصه العام والواسع او يركز نشاطه في اطار اختصاصه الدقيق، اما معروف خزندار فقد استمر في طريق البحث العلمي مطورا وموسعا ومتعمقا في موضوع اطروحته بالذات، وهو تاريخ الادب الكردي الحديث، دون ان يهمل النشاط العلمي والبحثي في مجالات الاختصاص العام الاخرى، وقد قدم للمكتبة العربية ترجمات رائعة عن اللغة الروسية، والتي اصبحت مصادر مهمة وهي – (الاكراد) تأليف مينورسكي والذي صدر في بغداد عام 1968، و(الرحالة الروس في الشرق الاوسط ) تأليف دانتسينغ والذي صدر في بغداد وبيروت عام 1981، و(تاريخ الاستشراق والدراسات العربية والكردية في المتحف الاسيوي ومعهد الدراسات الشرقية في لينينغراد) والذي صدر في بغداد عام 1980، هذا وقد اصدر ايضا كتابين باللغة الروسية، الاول – اطروحته نفسها (تاريخ الادب الكردي الحديث) والذي اصدرته دار نشر اكاديمية العلوم السوفيتية عام 1967، والثاني – مجموعة قصص كردية قصيرة تضم ست عشرة قصة والتي صدرت في موسكو عام 1968، اضافة الى العديد من الكتب باللغة الكردية والتي تشير بعض المصادر الى انها قد تجاوزت الستين كتابا، منها مذكراته في خمسة أجزاء بعنوان – (أيامي).

حركة الأنصار الفاشلة (2) .. مذبحة تنظيم الداخل على يد القيادة والأندساس

الحركات الثورية في العالم تولد قادتها الثوريين كضرورة تاريخية تفرضها الحاجة الجديدة للحركة .. ولكن الأنصار الشيوعيين لم يكونوا حركة بل تنظيمات حزبية هاربة من بطش الديكتاتورية .. وكل عضو فيها هو كادر حزبي وكان توسع الحركة مبني على تجمع المزيد من الكوادر ومن جميع أنحاء العالم .. أي إن الحركة لم تكن حركة جماهيرية بالمرة حتى بعد إلتحاق بعض الهاربين من جحيم الحرب العراقية الأيرانية .. وقد توفرت الفرصة التاريخية لرفاق الحزب للعيش المشترك مع بعض من قيادات الحزب ومجالسة أسماء كان يجري تلميعها لنا نحن الشبيبة لسنوات عديدة حتى أصبحت وكأنها شخصيات أسطورية.

وإذا بها تنكشف أمام أعيننا تفاهاتها وضحالتها الفكرية والأخلاقية وعنصرية بعضها القومية وزيف مكانتها الجماهيرية .. وعلاقاتهم المشبوهة بالنظام البائد .. لقد إبتدأ التواجد ومشروع لحركة ثورية جديدة بقيادة أثبتت فشلها وهزيمتها وخيانتها في الصمود في الصراع مع السلطة وخوض المعترك السياسي وفي الحفاظ على قدراتها الجماهيرية وسكرتيرها العام يسكن موسكو والدول الأشتراكية الأخرى وكذلك بقية أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية. بنيت القواعد الأولى ومعاناة التأسيس تحمل أعباءها رفاق الداخل الأوائل وبعض ممن جاءوا مبكرا من خارج الوطن..

أحد الرفاق القدامى (سعيد) قال إن الحركة إبتدأها بهاء الدين نوري وملا علي من السليمانية بالتعاون مع أوك بقصد الأستيلاء على الحزب وقيادته وكان رأي القيادة الكردية حينذاك ضد الكفاح المسلح بل كانوا يسمونه التواجد المسلح وهو حال التواجد المسلح للحزبين الكرديين الأساسيين .. وقد خشيت القيادات الكردية الشيوعية من نوايا بهاء وملا علي فسارعت بأرسال الكوادر الحزبية و تهريب الأسلحة عبر الحدود السورية – التركية وإرسال الكوادر التي تأتمنها الى كردستان .. وبقيت مقولة كريم أحمد الداود وفخري كريم (لو تلحق الطلقة الأخيرة أو لا تلحق ..!!) لا تزال عالقة في ذاكرة العشرات من الرفاق في اليمن وبيروت ودمشق ... وكان دخول السلاح والكوادر الى كردستان قد سحب البساط من تحت أقدام بهاء الدين نوري وملا علي .. مقابل عصابة عزيز محمد وفخري كريم وكريم أحمد الداود .

إن القيادات العليا للحزب كانت فوق الشبهات وعلاقاتها المشبوهة سواء كانت بالنظام السابق أو الجهات الأجنبية لا تجري أمام أعين الرفاق .. ومايجري أمام أعين الرفاق كان سقوط القيادات الحزبية الوسطية .. فالسقوط لم يكن مؤسساتيا أو شبكيا أو تنظيميا بل كان شخصيا .

كان أحد مرشحي اللجنة المركزية للحزب في السليمانية قد أبهرنا في قدرته على إختراق الخطوط السرية للعدو وكنا نراه يجالس الفلاحين في القرى و المدن القريبة على المركز ... وأتضح بعد حين علاقته المباشرة بدوائر الأمن العامة والمخابرات العسكرية للنظام .

وعضو اللجنة المركزية (أبو حكمت) كان ينسق مع النظام بشكل أشبه الى العلنية عبر الجحش ممو و هو من قتل الشهيد عادل سليم وسلم 32 رفيقا الى السلطات تم إعدام 12 رفيق منهم .

ومتسبب في قتل شهيد من كوستا عبر أحد المنحرفين جنسيا و كانت له علاقات جنسية مشبوهة به وقد قاده شخصيا الى القاعدة وتم تهريبه الى أفغانستان ومن ثم الى السويد...

ومن مساهمات أبو حكمت هذا (ولا أعرف أين هو الآن) تسليم الطبيب حبيب المالح من عينكاوة الى السلطات وقتله بطريقة غريبة وبشعة من خلال سحب دمه حتى الموت .

وكانت تربطه ب ر.ش (حيدر) مراسل الحزب الى إيران حينذاك علاقات وطيدة كان هذا الأخير لايبخل عليه بالهدايا من كرزات وقمصان ومشروبات روحية.. وعلاقاته بالنظام كانت عبر عصابات عبد الرحمن قاسملو رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الأيراني الذي تربطه علاقات وطيدة مع النظام العراقي حينذاك وأكثر الضن كان ر. ش مراسل هذه العلاقة ومحورها .. و من خلال ر. ش أيضا مع قوى خارجية غير معروفة .. أي إن دائرة الأندساس من قبل القيادة لها طابع مزدوج داخلي وخارجي وفي أطاره يدور العديد من خونة الحزب حتى أصبحوا مافيات متوزعة في كل مكان من أماكن تواجد الحزب .

وكانت هناك علاقات أقرب الى هذه من قبل ر. ش مع كمال شاكر (سكرتير الحزب الشيوعي الكردستاني العراقي ) الذي كان معتقلا لدى النظام وتم إطلاق سراحه عام 1979وهو (غير ممكن دون تعاونه مع النظام آنذاك).. البعض يتهمه بكونه متسببا بأعدام 31 من العسكريين الشيوعيين.. وقد تم تهريبه من كردستان من قبل ر. ش بحجة العلاج دون علم القيادة حينذاك وقد أحدث خبر هروبه ضجة في القاعدة (ناوزنك).

ومرشح آخر للجنة المركزية (أبو هيمن ) نجى بأعجوبة من هجوم عسكري على رفاقنا في قرية قزلر إستشهد فيها خمسة من رفاق المفرزة ومنهم الشهيد الرسام معتصم عبد الكريم ... أتضح فيما بعد تعاون هذا العميل مع مخابرات النظام البائد ... وتم إرساله الى العمل ثانية في الداخل لتصفية من يستطيع الوصول اليه وتم أكتشافه بعد سنوات وأستدعائه لحظور المؤتمر الوطني الرابع وتم إلقاء القبض عليه ولكنه هددهم (كما كانوا يدعون ) بأعتقال العوائل الشيوعية ليتم إطلاق سراحه ثانية خشية على هذه العوائل من الأعتقال والتنكيل. أبو هيمن هذا يعيش الآن في السويد تحت حماية إستثنائية من قبل الشرطة السويدية.

مرشح آخر للجنة المركزية كان يقود تنظيمات بغداد .. حدود معرفتي به إنه كان مكلفا بتمهيد الطريق لنا للنزول الى بغداد .. لم أكن أثق فيه مطلقا .. وقد حسمت عدم الثقة هذه عندما أخبرني قبل نزولي في أحد المرات الى بغداد بأن رسالة لي جاءت من المكتب السياسي للحزب وفيها أسماء رفاق معتقلين ولكنه كان قد حرقها (بالخطأَ ) ولم يتبقى من الرسالة سوى أسمين من الصعوبة قرائتها .. وبها أنهيت الشك باليقين وتيقنت تماما بعدم نزاهة (أبو طالب) وهو آمر الفوج الثالث في قاطع بهدنان .. وقد كانت لي تجربة سابقة معه في محاولة منه للكشف عن تنظيماتنا الحزبية وأسماء وعناوين الرفاق في بغداد وكانت صيغة الطلب (إن المكتب السياسي يريد هذه المعلومات وعلي تسليمها له ) وبعد الرفض أرسل لي عميلا آخر (أبو شروق – النقابي !!) ليحاول إقناعي وبعدها أرسل ( أبو أثير – فوج الثالث) لأقناعي وحتى هذه اللحظة لم أعرف ما مصلحة هؤلاء في الكشف عن أسماء رفاق العمل السري في بغداد وما هو سر علاقتهم ب (أبو طالب) ... وقد عرفت لاحقا إن المكتب السياسي لم يطلب منهم التحدث معي حول هذه المعلومات وهذا المكتب السياسي أيضا لم يحاسبهم على طلباتهم تلك .

وقد عرقل حينها إرسالنا الى المقر العام (القاطع) وبعدها تم إرسالنا بطريقة كادت تؤدي بحياة زوجتي الحامل حينذاك لا مجال لطرح تفصيلاتها في هذه السطور ..

ولعلم من لا يعرف عن (أبو طالب) فأنه حسب رواية الحزب إنه تم الكشف عن إرتباطه بمخابرات النظام من خلال أحد عناصر أوك في شقلاوة عام 1992- كان حينها يتنقل بسيارة تويوتا مع الشهيد سعدون- وهذا الشخص الذي كشفه يقال إنه من اللذين كانوا معتقلين في سجون النظام البائد وكان (أبو طالب) يشرف على عمليات تعذيبهم والحصول على المعلومات .. تمت محاكمته وتنفيذ حكم الأعدام به من قبل الحزب بعد إعترافه بالأدلة حسب ما يقال.

الروايات عديدة عن دور (أبو طالب) في الايقاع بالقيادة الحزبية مع مخابرات النظام البائد .. فقد تم ( حسب الروايات !!) تصوير أبو فاروق (عمر الشيخ) في أماكن كانوا يعتقدون إنها أوكار سرّية أمينة بكامرات الفيديو وكانت خطة أبو طالب حينذاك والأمن العام تتلخص في إستدراج ونقل حميد مجيد وتسليمه للأمن العامة كي يعرض على شاشة التلفزيون.. أي إنهم كانوا قاب قوسين أو أدنى في قبضة النظام !! حينذاك .

والروايات هذه لا تتحدث عن إحتمالات لقاءات مع النظام أو أي تفاهمات بين الطرفين خاصة مع عمر الشيخ وأنا على قناعة تامة بهذا الأمر لأن شخص كعمر الشيخ ليس شخصية عادية ساذجة تطرق مسامعه شكوكا ب (أبو طالب ) (على الأقل المرة التي تحدث أنا معه بالأمر ) ويذهب معه برجليه للوقوع في كمين التصوير .... على الحزب أن يكشف نتائج التحقيق مع المجرم أبو طالب التي بقيت طي الكتمان حتى هذه اللحظة وعلاقته لا مع النظام فقط بل مع عمر الشيخ أيضا.

أنا شخصيا تحدثت مع عمر الشيخ عن شكوكي ب (أبو طالب) قبل ذلك وقدمت أدلتي حينذاك ومحاولاته تسليمي الى أجهزة الأمن سواء كان في طريقة النزول الى بغداد أو في المواعيد الحزبية المسبقة الملغومة والتي تخلصنا منها بسبب حذرنا الشديد وشكوكنا المسبقة بهذه النماذج .

فبعد مغادرتنا المقر والحماية قررنا تغيير وجهتنا وهوياتنا وملابسنا التي يعرفها أبو طالب ومن أرسله معنا وبدلا من النصف ساعة التي تصلنا الى الشارع العام وحيث المجهول الذي كان يهيئه لنا طريق أبو طالب سرنا بطريق كلفنا يومين بلياليها وبدلا من زاخو وصلنا الى أطراف الموصل ومن هناك الى بغداد .. وفي بغداد تم إستطلاع مكان الموعد الحزبي في نهاية جسر الجمهورية .. وإذا به ملغوما بعشرات من رجال الأمن والسيارات الحكومية والمسلحين موزعين في كل متر مربع ..

كل هذه المعلومات تم إيصالها الى قيادة الحزب لاحقا دون أي إجراء يذكر بل بالعكس تم التغطية على ممارسات هذا المجرم والتستر عليه.

لقد كانت نسبة تدمير التنظيم من قبل نظام صدام مئة بالمئة عدا من تسلل وأختفى على حسابه وبطريقته (مثلنا) أو من تركه الأمن للتمويه ... كان يتم إلقاء القبض على الرفاق في السيطرات وفي أماكن يتم الأتفاق عليها مع القيادة مسبقا . كنا في عملنا في الداخل لا نتخفى عن أنظار السلطة فحسب بل وعن القيادات الحزبية التي تشاركنا تسهيل مهامنا في الطريق والتنقل والأختفاء.

لقد تم تنحية عمر الشيخ من المكتب السياسي بسبب عدم قدراته على مجاراة تطور الأحداث !!! أو شيئا من هذا القبيل ... في أحد مؤتمرات الحزب في التسعينات من القرن الماضي.

بعد إن إستنفذنا قدراتنا على العمل في الداخل .. جاءنا رفيق مرسل من المكتب السياسي ليعرض علينا راتبا شهريا لقاء الرجوع الى بغداد مرة أخرى ( وكأننا مرتزقة !! ) رفضنا هذا العرض ... وقبل بدء المؤتمر الوطني الرابع تم تحويل علاقتنا من تنظيم الداخل الى تنظيم الأنصار ..لتأخذ مكاننا زوجة حميد مجيد القادمة من أوروبا لتمثل تنظيم بغداد في المؤتمر طبعا إضافة الى أبو طالب (وأبو بهاء وابو هيمن !!!!).

إن تصفية تنظيمات الداخل كانت عملية نظامية إشتركت فيها العديد من الجهات وعلى رأسها قيادة عزيز محمد و حميد مجيد وعمر الشيخ ومن خارج العراق كانت مساهمة مميزة لفخري كريم وعصابته الحزبية في بيروت ودمشق واليمن في إرسال عناصر مخابراتية الى كردستان والداخل لتصفية ماكان متبقيا من تنظيمات سرّية والتنسيق المشترك بين هذه القيادات و أجهزة النظام البائد وهذه جميعها إضافة الى جهات أجنبية لها مصالح إستراتيجية في عملية التصفية هذه.

وللحقيقة يجب أن لا أغبن حق العديد من العناصر القيادية النظيفة ولا أضعها بنفس الدرجة من التقييم .. مع العناصر التي كانت تمتلك القرار السياسي ... وأخص بالذكر المرحوم أبو صباح والشهيد أبو نصير

وعبد الرحمن القصاب وأبو علي وأبو عامل والمرحوم توما توماس والمرحوم ثابت حبيب العاني وباقر أبراهيم (أبو خولة) وأبو يوسف رغم أخطائهم وخلافاتنا معهم و قائمة طويلة بأسماء كوادر الحزب الوسطية ومناضليه التي تعرضت هي الأخرى للغبن والأضطهاد والعداء و الأبعاد عن مراكز القرار والمئات عن التنظيم الحزبي والتواصل مع الحزب.

لقد كان المبدأ الأساسي للقيادة الجديدة هو عدم تجديد ورفد القيادة بكوادر جديدة قادرة فكريا وسياسيا على خوض النضال في المستقبل أو منافستها في الموقع القيادي .. لذلك كان العمل منصبا على إستغباء القاعدة ووضع القيادة في الموقع العلوي الذي لا يستطيع أحد الوصول اليه عبر صراع الأفكار والأجتهاد في المواقف بعد إن تم إبعاد الحزب عن المحك الجماهيري في التقييم . وأصبح هدف العصابة القيادية إيجاد إطار قيادي دون مقاييس الكفاءة والنزاهة والجماهيرية والتميز الفكري والقدرة على التضحية .. وتم إلغاء الزمالات الحزبية التي كانت تمنحها الدول الأشتراكية وإعطاءها هدية للطالبانيين والبارزانيين والبعثيين الأكراد من أقارب القادة الأكراد ليستفيدوا من الوثائق للسفر واللجوء الى الدول الأسكندنافية وحرمان الشبيبة الشيوعية منها .. سماها البعض بقطع النسل و إنهاء العمل بالماركسية ومتاعبها الأيديولوجية !!

إيجاد الأطار القيادي هذا هو في الحقيقة خلق عناصر تمتلك القدرة على سرقة نضال الآخرين والمساهمة بوعي أم بدونه في تصفية الحزب الشيوعي العراقي ..أو مباديء الحزب التاريخية في بناء الأشتراكية والشيوعية أو حتى إستبدالها بمسميات أخرى كمجتمع العدالة والضمان الأجتماعي وقيادة الدولة لعملية التنمية الأقتصادية .

قيادة لا تمتلك شيئا تناقشه ولا تمتلك القدرة على التحليل وإيجاد البدائل في السياسة أو الأقتصاد أو القانون بعد فقدان البوصلة الماركسية والموقف الطبقي , بل وتحول العديد منهم الى تجار ومضاربين ومالكي شركات وعقارات وحمايات خاصة .. ويدعون الى الخصخصة و تصفية قطاع الدولة و التوجه الليبرالي الجديد والسفسطة في التحليل والأستنتاج والأهداف مثل (من أجل دولة عصرية مدنية بعيدة عن المحاصصات ...الخ) دون ذكر ما هية طبيعة هذه الدولة و عناصرها وما هي مؤهلات قادتها الجدد . تحالف مدني ديمقراطي يحتضن متصهينين كمثال الآلوسي وعملاء الدرجة الثانية للأحتلال.

إنهم يسعون الى تصفية الحزب وبنفس الوقت خلق بدائل سياسية بديلة لهم كأشخاص لا كقادة شيوعيين .. ولا أحد يعرف كيف يمكن خلق بدائل سياسية كالتجمع المدني الديمقراطي من خلال عناصر لا يستطيع المرء تقييمها إلا بكونها عناصر ساقطة .

 

وللموضوع بقية

31.01.2014

 

حركة الأنصار الفاشلة (1)

هل كانت حركة الأنصار تجربة ناجحة؟ الجواب سوف لن يكن موحدا .. بغض النظر عن عواطف ومشاعر اللذين تكبدوا معاناة التجربة ومرارتها وأنا أحدهم .. لكن تقييم التجربة بشكلها العاطفي هو غيره بشكله السياسي والأستراتيجي .

قياس التجربة يتم عبر الأهداف التي بنيت عليها وأسباب ولادتها من جهة والنتائج الكارثية التي وصلت اليها من جهة أخرى . وتفسير التجربة مرتبطة بشرعية أهداف  القائمين بها من جهة وتحديد العدو وطبيعته من جهة أخرى أيضا وبين هذه وتلك أهلية القيادة التي خرجت فاشلة من تجربة التحالف مع البعث ومنكسرة في قيادة تجربة خطرة هي تجربة الكفاح المسلح و خوض معركة سلاحها الرئيسي كان العمود الفقري للحزب أي تنظيمه الحزبي الأساسي و هذا يعني إن فشل التجربة كانت تعني المغامرة بالحزب كله وتصفيته (وهو ما لم يكن ممكنا بسبب تمسك رفاق الحزب بوحدة الحزب وإمكانية مواجهة القيادة التصفوية عبر القواعد الحزبية الأصولية ).. ولكن كانت هناك قوى خفية تساندها قوى أجنبية واضحة التوجه هدفها تصفية الحزب وهو ما سعت اليه قيادة الحزب نفسها ونفذته بالفعل عبر التعاون مع صدام حسين (الحليف ) في حملة 1978 – 1979 وجلال طالباني و حزبه الفاشي في مجزرة بشتاشان وما بعد ذلك في إنهاء قدرات الرفاق على الحدود البعيدة المنسية التي تعرضت هي الأخرى للأبادة بالأسلحة الكيمياوية و القصف الجوي والمدفعي المتكرر وزج الرفاق الحزبيين في معارك لا تساوي في أحسن نجاحاتها قطرة دم واحدة من هؤلاء الرفاق شهداء كانوا أم جرحى وأخيرا وليس آخرا تركهم تحت رحمة الأنفال وأخيرا التشرد في جميع أنحاء العالم.

ولم ينجو تنظيم الداخل من هذه القيادة وخيباتها (إن تجنبنا إتهامها بالخيانة الحزبية والوطنية) . رغم إنني على قناعة بضرورة تقديمهم الى العدالة بتهم المساهمة في تصفية رفاق الحزب سواء إن كانوا في الداخل أم الأنصار في كردستان أو تصفيتهم سياسيا في الخارج .

التجربة الأنصارية هي ليست التحطيب و بناء القواعد والحراسات الليلية وإتقان اللغة البعيدة عن القواعد والعفوية في بناءها القواعدي  وغيرها بقدر ماهي كانت ممكن أن تكون بالنسبة للرفاق ملجأ يأويهم من بطش الديكتاتورية (خاصة الرفاق اللذين إلتحقوا من الداخل ) ومطاردة شرطتها السرية  في حملة عام 1978 – 1979 التي خرجت فيه قيادة الحزب معززة مكرمة وبجوازات سفر رسمية من مطار بغداد وكانت مستحيلة على رفاق الحزب في القاعدة التي تعرضت الى التنكيل والمطاردة والأبادة في المعتقلات وأقبية التعذيب الفاشية .

وقد كان طموح القاعدة الحزبية أن يكون إعلان الكفاح المسلح بشكل عراقي يبتدأ في الشمال ويمتد نحو بقية مناطق العراق وبطبيعة طبقية واضحة وتحديد دقيق للمؤسسات المعادية  أي إعادة توجه الحزب بشكل ثوري وحاسم لا رجعة فيه نحو عمل ثوري  ستسيل منه الدماء وكان هذا يتطلب بناء قيادة ثورية حاسمة لا قيادة تدور حولها شبهات التصفية المتعمدة والتآمر على وجود الحزب وتوجهه الطبقي والوطني .

لقد كان الكفاح المسلح قد فرضته قاعدة الحزب على القيادة وليس العكس وكان ضرورة تاريخية بحاجة الى عواملها الذاتية وقيادتها الثورية لا قيادات مشكوك في ولاءها الوطني وإنتماءاتها الطبقية وصلابتها المبدئية .. وهذا ليس رأيا شخصيا بل هو حقيقة عشت صراعات أفكارها منذ عام 1979 وحتى إقرارها برنامجيا وكانت الصراعات الفكرية تدور حول الشعار الأساسي لتوجه الحزب في أن يكون من أجل إنهاء أم إسقاط الديكتاتورية . وبالحقيقة فأن التوجهين حينذاك كانت خاطئة وغير مدروسة وأبعد ما تكون عن الواقعية وذلك في كون الحزب فقد قاعدته الجماهيرية نتيجة أخطاءه في التحالف مع البعث وإبتعاده عن الجماهير بعد الحملة الفاشية ضد قواعد الحزب وبعد تصفية كوادره وتنظيماته الحزبية وقبل ذلك تصفية المنظمات الجماهيرية .. فلم يبق للحزب ما يستند اليه سوى عوائل الرفاق أنفسهم وحتى هؤلاء كانوا يعانون من صعوبات  ومخاطر بسبب إنتماء أبناءهم للحزب والطبيعة الفاشية والأجرامية للنظام البائد. أي إن القرار يعني زج هذه العوائل في أتون حربا ضارية في مواجهة النظام الفاشي البائد .. بينما تستمتع عوائل القياديين في منتجعات الدول الأشتراكية .

الصعوبات الأولى للأنصار كانت في بناء القواعد وتهيئة الظروف الأساسية للمعيشة  وعملية الأنتقال من الحياة المدنية الطبيعية الى أقصى درجات التخلف والعودة الأنسانية الى فترة ماقبل التاريخ  (كما كان يسميها الرفاق مازحين آنذاك), الفرق الوحيد هو إننا بدلا من أن نكون صيادين أو مزارعين كنا نشتري هذه المواد الغذائية ونقوم بعجنها وخبزها وطبخها . ولم تكن حينذاك سفرة سياحية لنحتمل متاعبها ليومين أو إسبوعين بل كان علينا أن نجهز قدراتنا على البقاء سنوات طويلة لا نعرف تطوراتها وليست لأي نصير منا أي تصور لما ستأول اليه الأمور مستقبلا .

كنا نحلم بالثورة أكثر من قدراتنا على صناعتها وكنا نحلم بالتغيير رغم قناعتنا بأننا لم نزل نختبيء في الشريط الحدودي وعشرات الكيلومترات من المناطق المحرمة المليئة بالربايا العسكرية والثكنات التي يرابط فيها إخوتنا الجنود وليس أعدائنا السياسيين التي بنينا أحلامنا الثورية على مواجهتهم وهو ما يجب أن نختلف به عن الحركة القومية الكردية التي تعتبر القوات المسلحة هناك قوات إحتلال ووضعها كأهداف عسكرية مشروعة وطيلة سنوات التواجد الأنصاري حاولت القيادة الكردية للحزب جر الحزب الى أحضان الحركة القومية الكردية وتبني سياستها القومية ولم تكن هناك أفكار أخرى ولم يطلع الأنصار الى الأفكار الأخرى لقياديين آخرين تمت إقالتهم  من المكتب السياسي للحزب وخاصة العرب منهم وكان التثقيف المركزي حينذاك يصب في كون هؤلاء هم اليمين في قيادة الحزب ..

الديمقراطية  وحرية الرأي كانت معدومة  وغائبة تماما , وحتى لحظة كتابة هذه السطور لم أعرف بعد الرأي الآخر لهؤلاء القادة كما لم  يطلع الأنصار على طبيعة المفاوضات بين النظام السابق والحزب  , السريّة المطلقة للعمل الحزبي والغير مبررة في التواجد العلني لتنظيم الأنصار وتنظيمات الخارج فسح في المجال للقيادة الجديدة بعد المؤتمر الوطني الرابع بأتخاذ القرارات دون أي عودة الى القاعدة الحزبية ودون أي إستفتاء أو إحترام للرأي الجماعي وقد جرى بالفعل الألتفاف على التمثيل الحقيقي لممثلي المنظمات الحزبية في مؤتمرات الحزب و إنتخاب الهيئات القيادية والتحول التدريجي الى حزب المافيات القيادية التي نعيش نتائجها المأساوية حتى هذه اللحظة بهزيمة الحزب في أي إنتخابات عراقية بعد عام 2003 . وطوفات العناصر المتصهينة والأحتلالية في قيادة الحزب. وتسارع العناصر النفعية والأنتهازية لتمثل الحزب في الأنتخابات وهو ذروة السقوط الأخلاقي والمبدئي في إختيار ممثلي (الشعب) وإختبار قدراتهم.

إن إعادة دراسة التجربة الأنصارية هو ضرورة تاريخية من أجل بناء جديد لحياة حزبية تسودها المصداقية والألتزام بالقواعد الحزبية والديمقراطية السليمة وإحترام حقوق قاعدة الحزب وقيادته في آن معا وإعادة ثقة الجماهير بالحزب.. وهذا غير ممكنا في ضل بقاء هذه القيادات وسيطرتها الغير مشروعة على مقرات الحزب وجريدته الرسمية  وبحماية قوات الأحتلال الأمريكي .

وقبل كل شيء يجب الأعتراف بفشل التجربة وليس نجاحها .. ماكان ناجحا هو للبعض الذي حقق منافع من هذا الفشل .. أما الخسائر فهي كبيرة وتتعدى عدد الشهداء والجرحى والمؤثرات النفسية السلبية على عدد لا يستهان به من الأنصار الشيوعيين و فقدان تنظيم الداخل بالكامل الى خسارة الحزب لجماهيره و إبتعاده الكامل عن أجيال من المواطنين العراقيين اللذين كبروا دون أي معرفة بشيء إسمه الحزب الشيوعي العراقي وللأجيال التي سبقتهم كان تأثير إعلام النظام الديكتاتوري البائد تجاه الحزب الشيوعي أقوى من قدراتهم الفردية في تجاوز هذه المفاهيم و التشويهات الفكرية التي كان تمارسها ماكنة الأعلام البعثي الفاشي .

ولو كان الحزب حاضرا لما وصلت عليه الحال كما هو الآن حيث يختبيء الحزب خلف أياد علاوي (عميل لأكثر من إثنى عشرة  منظمة مخابراتية أجنبية ) ولما وقعت القيادة بأحضان بريمر بكون الحزب أحد أركان المكوّن الشيعي (وليس الشيوعي) ولم تكن العملية تشابه كلمتي الشيوعي والشيعي بل كان إذعان قيادة الحزب لوجهة التقسيم الطائفي الذي جاء به الأحتلال.. و كان شرط الدخول الى العملية السياسية هو تحويل وجهة الحزب من الصراع الطبقي على المستويين الوطني والعالمي الى الوجهة الطائفية والصراع الطائفي ومن النضال من أجل الأشتراكية والشيوعية  الى ما يسمونه بالدولة المدنية.

إن إخضاع الحزب لقيادة أياد علاوي ليست لها علاقة في مواجهة المد الديني لأن الحزب لم يكن يعاني من التوجه الأسلامي ولم يوجه أي من ماكنته الأعلامية والفكرية في مواجهة المد الأسلامي ولم يكن في طروحاته الفكرية مواجهة المد الديني .. وحتى المد الطائفي والديني لم يكن موجها ضد الحزب الشيوعي والشيوعيين ... بينما كان يتناغم موقف قيادة الحزب من التوجه الأمريكي في تقسيم العراق و مساندة عميلهم أياد علاوي والقوى الأقطاعية والتابعة في الحركة الكردية وفي إعلان تقاعد الحزب وأنصاره و رشوة قيادته بالرواتب الوزارية المجزية  وأختيار أكثر العناصر ضعفا و أقلهم تأثيرا على المجتمع كممثلين للحزب.

وكانت مهمة قيادة الحزب المتصهينة بعد الأحتلال تتركز في إبعاد الشيوعيين عن المراكز الثقافية الرسمية عن طريق وزير الثقافة السابق مفيد الجزائري الذي رفض توظيف الشيوعيين في دوائر الوزارة بحجة النزاهة (الشخصية) رغم إن البعض منهم كان قد أبعد من وزارة الأعلام بسبب إنتماءه للحزب الشيوعي  في الوقت الذي فتحت بقية الوزارات لتوظيف عناصر أحزابها هناك مما أضعف الحزب ومكانته الأجتماعية وأهميته في الحياة السياسية .. لا أحد يريد البقاء عاطلا عن العمل بسبب إنتماءه الشيوعي .. إن التهديد بفقدان العمل بسبب الأنتماء كان قد مارسه النظام السابق ويمارسه الأمريكان والغرب الرأسمالي ضد كل من ينتمي الى اليسار والشيوعية وهي سابقة في التاريخ الحديث أن يساهم قيادي في الحزب الشيوعي في هذا الموقف وهذه الأجراءات ليقول إننا نزهاء ولا نستغل توزيرنا لتوظيف عناصرنا .. ولكنه لا يستطيع الأستغناء عن تقاعده كبرلماني ورواتبه المليونية و جوازه الدبلوماسي وأمتيازاته الأخرى ( نزاهته كانت ومازالت على حساب الشيوعيين و مستقبلهم الوظيفي الذي أغلقه عليهم صدام حسين و وزارات المحاصصة الطائفية ).

وقد ساهم هذا المتصهين في تكريس ثقافة الأحتلال و خصخصة التوجه الثقافي والفني والأدبي أي عمليا في إنهاءه عبر دوامة الربح والخسارة ... لقد إنتهت في زمانه الموسيقى والشعر والنتاجات التلفزيونية وغيرها بحجة إنها في إنتظار المستثمر !! وليس الدولة .

والوزير الآخر رائد فهمي في وزارة العلوم والتكنولوجيا فقد كانت مهمته تحويل التصنيع العسكري نحو الخصخصة .. كعنوان غير ظاهر ..والحقيقة هي في نهب القطاع العام وإلغاءه .. وهو (نزيها شريفا !) كسابقه وزير الثقافة لم يعين ويوظف شيوعيا في وزارته. ولهذا المتصهين دوره المعروف في مسألة كركوك.

لبعض الشيوعيين المتقدمين للعمل والتوظيف كان يشترط العمر دون الخامسة والثلاثون ولديه شهادة جامعية وخبرة عمل لا تقل عن خمس سنوات  .. وغيرها من الشروط التعجيزية على رفاق الحزب اللذين أمضوا حياتهم وشبابهم مطاردين ومحرومين من جامعاتهم ووظائفهم ...

الهدف كان ولم يزل إبعاد الشيوعيين عن المواقع الأدارية والوظيفية والأجتماعية بعد إبعادهم عن حياتهم السياسية والحزبية وإعلان تقاعدهم الجماعي .

ونفس الموقف نجده لدى (النزهاء !) لبيد عباوي وكيل وزير الخارجية  وكذلك د. صبحي الجميلي وكيل وزارة الزراعة  (تقدمت شخصيا له للتوسط لتوظيف أحدى شقيقات رفاق الداخل وهي طبيبة بيطرية وليس لديها دوائر أخرى للتوظيف سوى وزارة الزراعة والعائلة كانت تمر بظروف إقتصادية صعبة.. كنت أعرف مسبقا موقفه من هذا الأمر ولكني حاولت التنازل عن بعض من كبريائي ردا لجميل موقف هذه العوائل من حمايتنا في عملنا الحزبي في أصعب ظروف العمل السري والموقف المشرف لهم الذي لن يستطيع أن يقوم به مثل هؤلاء العملاء) .

ليس هناك قوة سياسية في العالم أجمع تعادي عناصرها ورفاقها كقيادة الحزب الشيوعي العراقي .. ولم يخلق التاريخ العراقي قوة مخادعة ومعادية للوطن كقيادة الحزب الشيوعي العراقي الحالية التي قسّمت الحزب قبل تقسيم الوطن والتزمت الفيدرالية دون إرادة شعبية ولا إرادة حزبية ..ولم يخلق التاريخ العراقي بعد قوة نفعية وتصفوية للحزب الشيوعي كالقيادة الحالية للحزب ولم يخلق تاريخ الحركة الشيوعية العالمية قوة معادية للشيوعية والأشتراكية والديمقراطية كقيادة الحزب الشيوعي العراقي الحالية ...

هذه القيادة تم تنصيبها من أجل خدمة الأحتلال الذي كان مخططا له منذ سنوات عديدة و قد تخلت عن المباديء دون أن تستبدلها بشيء آخر ورأي آخر .. تخلت عن مصالح العمال والفلاحين ولم تعد تمثل سوى مصالحها الضيقة ورواتب عناصرها القيادية ... وهي لا تمتلك أي رأي في أي قضية من القضايا الوطنية و العالمية المصيرية .... وبعد تخليها عن الموقف الطبقي لم تتبنى موقفا طبقيا آخرا بل بقيت صامتة لا تعرف الى أي جهة تتجه ... لا هي يسار ولا هي يمين .. ولا تستطيع على ضوء ذلك أن تتوجه نحو وحدة كيانها لأنها بلا كيان و تفقد يوما بعد آخر مرتكزاتها ... ليس هناك جماهير لحزب يعاديها .. حتى الذين يرتبطون بالحزب بروابط عاطفية فقد تم تقطيعها من قبل قيادة الحزب الحالية و تسخيفها والتخلي عن مصالحها و قبل كل شيء التخلي عن شهداء الحزب أنفسهم والتخلي عن كامل التراث الوطني والثوري للحزب .

حركة الأنصار كانت حركة فاشلة وكانت إمتداد لحملة تصفية الحزب كأفراد وفكر ووطنية وثقافة ثورية. كانت تجمعا لرفاق مبعدين عن صنع القرار السياسي ومن كان مرشحا للمشاركة في القرار عليه التخلي عن المباديء والقيم و الخضوع لأرادة عليا لا يعرفها شخصيا ... ويعرف عن قادة ما بعد المؤتمر الوطني الرابع إنها قرّبت العناصر التي لا تمتلك رأيا مغايرا ولا رأيا يذكر و لا يحلل ولا يناقش ولا يفهم شيئا من الماركسية ولا اليسار ولا حتى الديمقراطية .

لم يكن الأنصار على معرفة بالمؤامرات الصهيونية على الحركة و لم يعوا إن قياداتهم كانت على صلة مباشرة بهذه المؤامرات ولم نكن نعرف إن حركتنا كانت جزءا من الحركة الكردية وأصبحت بعد حين تحت نفوذها .. أي إننا كنا جزءا من مؤامرة إستعمارية تولد الحاجة لقادة موالين لها ومؤتمرين بأمرها .. وأضاف الأحتلال لهذه القيادة صفة الصفاقة في تبرير الخيانة الوطنية وأستمرارها رغم فشلها في قيادة الحزب .

 

للموضوع بقية

29.01.2014

 

الشاعر معد الجبوري .. وجدل التوحد مع درة المدن ام الربيعين

muoed aljaboriاحتل المكان بشتى صوره، مكانة رمزية كبيرة في ذاكرة الشعراء.ولا غرابة في ذلك،فالانسان منذ الصغر يتعلق بكائنات فضاءات بيئته المحيطة به،ويتفاعل وجدانيا مع حيزها الحاضن له بشكل مباشر، باعتبارها واقعا رمزيا محسوسا متساكنا في اعماق ذاته. لذلك يبقى عنصر المكان مهما في ثقافة التراث الشعري،بل ويأتي في سياق الثقافة الطللية للموروث العربي،شعرا، ونثرا، وغناءا، وأمثالا،كما تعارف على ذلك الباحثون، والنقاد.

وفي اطار ذات السياق تأتي قصيدة الشاعر معد الجبوري(ام الربيعين)، نابضة بكل معاني التواشج الوجداني مع مدينته الموصل الحدباء:

           يا نينوى الموصل الحدباء، يا ألَقِي

                             ونبضَ صوتيَ في سَهْلٍ  وفي حَزَنِ

 فتتدفق صورا شعرية مدهشة حينما نجد قريضه فيها يتناغم مع (توحد سوائي) بين عين المدينة، وذات الشاعر، في جدلية متواشجة،مزدانة بومضات موحية شفافة في مثل قوله في بيت من تلك القصيدة، يسكنه هذا التوحد العجيب، حيث يتخذ المكان بعده المركزي في ذاكرته الشعرية،باعتباره بؤرة إنتاج الصورة الرمزية المستجيبة لانثيالات الذاكرة عن المكان،فيتجلى عنده احساس بالسوائية المطلقة، متخطيا بذلك كل حواجز التحايث المألوفة بين الذات والموضوع:

             سِيَّان: أسكُنُ في عينيكِ ،  مُتَّشِحاً

                                  بِزهوِ عينيكِ ،  أو عيناكِ  تَسكُنُنِي

وكيف لا يتناغم هذا الشاعر المبدع مع هذا الجو التعبيري من التوحد المتساكن عضويا ذاتا وموضوعا، وهو من ظلت أم الربيعين تسكنه في أعماقه، وتتجسد في نتاجه الشعري الأدبي،رموزا، وبوابات،وامجادا:

               أسـوارُها  قِمَمٌ    ،   أحجارُهـا  رُقُمٌ

                                ظلت تشـعُّ   ،   وما آلَتْ إلى دِمَنِ

 ورغم تداعيات الزمن المتسارعة ، التي تعمل على تنحية الكثير من تجليات التوحد المتساكن مع بيئة الانسان في الحياة المعاصرة،  التي كانت يوما ما مبعث استلهام في تفريغ هموم ناسها..الا انها عجزت عن طمس تلك الومضات في ضمير الشاعر معد الجبوري،حيث ما برحت تلك التجليات متدفقة بوضوح في وجدانيات شعره عندما يتغنى بها بشجن جلي:

                 لو غِبتِ عني فروحي نَوْحُ صادِحَةٍ

                                  تظلُّ تشهقُ مِنْ شَجوٍ  ومِنْ شَجَنِ

  في اشارة  صريحة الى حضور الموصل الدائم في ضميره.ولا يخفى كم هو موحي،ومؤثر هكذا مشهد في مشاعرمتفاعلة عاطفيا مع عنصر المكان، ومتوحدة عضويا معه..مع ان الكثير منها اليوم شأنها شأن عناصر التراث الأخرى طالها العبث،والمسخ، والإقصاء لأسباب كثيرة،ولكنه وهو من عاش تلك الصورة بتفاعلاتها الحسية البدئية، لا زال يسترجعه بعاطفة وجدانية تنبثق من قعر ذاكرة امسه، لتتواصل مع راهن حاضره..حيث يجد نفسه حاضرا في كل منعطفات فضاءات مدينته الساحرة،منذ ان  ارتبط مكانها في مخياله بالأحداث، والوقائع،والمعاناة، المتصلة بتجربته الشخصية اتصالا عضويا لا تنفصم عراه:

                           في كُلِّ مُنعطَفٍ، لي منكِ بحر هوًى

                                    تجري بما تشـتهي في لُجِّهِ ، سُفُني

فلم يفلح توالي السنين،ولا ارهاصات الظروف الضاغطة في ابعاد مدينته عن حسه،ولا ابعاد ذاته عنها:

               دارَ الزَّمانُ، ومَنْ داسُوا على كَبِدِي

                            ظنُّوا بِأنَّ جراحي  ،   عنكِ  تُبعِدُني

ولعل اللقطات المتعددة من المشاهد،والصور المتراكمة في ذاكرته المرهفة الحس، تجمعها معه اصرة فضاء مدينته في مشهد تكوين تدفقات منثالاته التي حوتها بنية قصيدته،وهو ما جعل المكان متجسدا بمدينته فضاءا روحيا حركيا، وجماليا حسيا،يسكن دواخله برمزية درّية:

                 تضمُّ وجهَكِ أضلاعي  ،  وقَدْ نَثَرَتْ

                                دُرَّ الحَنايا  لَهُ   ،    يا دُرَّةَ  المُدُنِ

 ويأتي حرصه الشديد على سلامة مدينته الموصل الحدباء، ورفضه العبث بكيانها، والمس بمقدراتها، انعكاسا بينا لامتعاضه من محاولات تقطيع أوصال مدينته، بأراجيف، وأطماع، وفتن عاصفة، بدوافع شتى، لا تنطلي على لبيب:

                حَصَّنْتُ وجهَكِ بِاسمِ اللهِ  مِنْ حَسَدٍ

                           و مِنْ أراجِيفِ  أطمَاعٍ  ،  ومِنْ فِتَنِ

وخلاصة القول فان الشاعر معد الجبوري بما يمتلك من موهبة فطرية متوقدة، وخيالا خصبا،وتجربة غنية،تمكن من استيلاد هذه القصيدة الابداعية في لحظة انقداح ومضة حسه المرهف عن مدينته في اخاديد وجدانه،فنقل أحاسيسه المرهفة التي عاشها في تلك اللحظة عبر هذه القصيدة، الى وسطه من المتلقين، لكي يجعلهم يعيشوا معه تلك المشاعر التي عبّر عنها بتفاعل وجداني،باعتبار انه لا يكتب لنفسه فقط، بل وللآخرين في نفس الوقت.ولاشك ان ما تفتقت به قريحته من صور وجدانية عن مدينته الموصل الحدباء التي نعتها بدرة المدن،تظل فيضا من مخياله المبدع، المتفاعل بحس وجداني تلقائي مع مدينته على الدوام.   

 

التسعينات تداعيات لحقيبة سفر متهرئة

akeel alabodألمدخل: ألتاريخ مساحات لأزمنة يقطعها اللامكان،والتسعينات موضوعة لمجازر سبقتها ضحايا قنبلة موقوتة.

يوم فارقت أهلي وأصحابي،تركت دفترا يحمل بين وريقاته حلما يسكن خلف طيات قلب أتعبه الخوف.

هنالك مع زخات مطر متعب،وفي يوم مكتظ بالحزن والسحاب،

حملت حقائب تلك المحطات،

لأغادر بصحبة جواز سفر كتب بجانب طلعته هوية صاحبه،

الذي ترك وظيفته مذعنا لإملاءات مدير إدارته الذي ساومه على الإستقالة ومغادرة الوطن بلا حقوق.

العراق أنذاك بقعة من الأوجاع،أغارت عليها الأزمات وأنهكتها أحكام السياسات المختبئة خلف ستراتيجات الموت

ألألم،أشبه بامرأة داهمها الوجع،لتلفظ أنفاس محطتها الأخيرة.

الخريف منشغل يقلب أوجاع هم مطلق،

يومئذٍ بصحبة ذات المكان،سياقات لمشهد متكرر،

طريبيل علامة فارقة لمركزحدودي يقف عند بوابته ضابط لا يجيد إلا لغة الإستفزاز،ونقطة التفتيش مفرزة يشبه طاقمها سيطرات الإنضباط المزروعة عند مفارق الطرق العامة بين بغداد والمحافظات،أبان سنوات الخدمة الإلزامية والحرب مع ايران أنذاك حيث تحترق السنابل وتغادر العصافير،تودع الأرض أشلاء ضحاياها،والطاغوت مقدمة تالية لحقبة تحكي عن أيام التعبئة الخاصة للطلاب المتقدمين الى دائرة البعثات التي كانت تشرف عليها السفارة العراقية بخارجيتها، لتصفية من يتم التخطيط لقتلهم تباعا عبرالتنسيق مع ملحقياتها في الخارج ذلك أبان فترة سبعينية امتدت باخطبوطها، لتخلف صدى نزعتها المخيفة تجاه من بقوا أحياء على ذمة التحقيق.

هنا باعتباري واحدا من الناجين،

كان علي ان استكمل مشروع صمتي المؤجل لعام 1976.

لذلك وعلى غرار تداعيات ماض حرج،

بقيت هكذا شاهد عيان لمقبرة أصداء استغاثاتها ما انفكت

تحكي أصوات اولئك الذين كنت أسمع صيحات موتهم لإكتم استنكاري بعيدا عن الجند وقاعات العسكر،

معسكر تدريب المحاويل ابان قمع الانتفاضة،طريق ترابي تم تخصيص أكثر قاعاته لضحايا شعب مكبل.

والحكاية ما زالت تحكي أحداث قصة لمذكرات رجل لم يحك لحظات قتله،التي تزامنت مع ولادة زوجته التي أطلق عليها الرصاص لحظة المخاض.

 
 

في الذكرى الثانية لرحيل زكي الجابر

297-zakialjabirأكاديمي مرموق وشاعر متألق لم ننصفه في حياته  وبعد رحيله..!

"حين تضيّعنا الأوطان وتضيع منا، ولا يلمّنا شتات المنافي، يتبقى لنا الحب، ينير دواخلنا حين يُعتم الخارج، ويدفئ أرواحنا حين تجمّدها شتاءات الغربة والترحال. وفي البدء كان الحب، ثم كانت الكلمة!"

بهذه الكلمات اختتمت الدكتورة حياة جاسم محمد، موضوعا نشرته بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل زوجها الدكتور زكي الجابر، الذي غادر دنيانا في التاسع والعشرين من شهر كانون الثاني "يناير" عام 2012، ونشرت ضمنه  باقة من قصائد كثيرة له أطلق عليها عنوان "عراقيات"، وخص مدينته البصرة بالعديد منها، وغنّى في عمومها لـ "العراق كلّه من جباله وغاباته شمالاً حتى شطه واهواره جنوباً، وامتزج بتأريخه وتراثه الشعبي".

لقد قرأت موضوع الدكتورة حياة، في الوقت الذي كنت أفكر فيه بالكتابة عن الذكرى الثانية لرحيل الدكتور الجابر، فوجدت أن خير ما يمكن أن أبدأ به كتابتي، هو ما اختتمت به تقديمها لما اختارته من مقاطع مكثفة عميقة التعبير والتأثير من قصائده "عراقيات".... التي مازلنا نتمنى أن تقوم بنشرها وزارة الثقافة في العراق ضمن مشروع لنشر اعماله الكاملة المنشورة وغير المنشورة.

وإذا كانت الدكتورة حياة هي خير من يمكن أن يتحدث عن الفقيد، أجد من المناسب أن أعود إلى بعض ما ذكرته في موضوعها، حيث أكدت أن الراحل الكبير كان قد " تنازعه علم التواصل الجماهيري والشعر، دون أن يفلح أحدهما في الاستئثار به، فظل حتى نهاية حياته موزعاً بينهما. مارس التواصل الجماهيري تدريساً وبحثاً وإدارة، ولكن لم يقوَ ذلك كله على طمس وهج الشعر في قلبه، فخلّف بعد رحيله شعراً كثيراً، لا سيّما في أعوام المنفى الأمريكي في أقصى جنوبه، وقد نشرَ بعض هذا الشعر في حياته، ولمّا يُنشر بعضه الآخر".

كما تؤكد ان زكي "رأى الشعر فيض عاطفة، يتدفق عفوياً دون بحثٍ عن رمز متكلّف وأسطورة مفروضة، ودون اللجوء إلى تعقيد متعمّد، إلا ما اقتضاه النصّ والتجربة. وهذا التوجه في الشعر قديم قدم الشعر نفسه، عربياً وعالمياً، منذ جرير الذي يغرف من بحر مقابل الفرزدق الذي ينحت من صخر، ومنذ ووردزورث مقابل كولردج، وغيرهم".

وتواصل الدكتور حياة حديثها قائلة: " وكما توزّع زكي بين الإعلامي والشاعر توزّع شعره بين الهم العام، هم الوطن، وتجربته العاطفية. حمل زكي معه العراق عبر المنافي المتعددة، وغنّى فيه الوطن الممكن بكل إشراقاته وتجلياته، وبكى فيه الوطن الكائن بكل انهزاماته وخيباته.

وقبل أن تختتم التقديم تقول: " وكما لم يستأثر الإعلام به دون الشعر، لم يستأثر به شعر الوطن دون شعر الحب، حب المرأة. ليست المرأة في شعره جسداً يُشتهى لا غير، ولا هي رمز لوطن مفقود أو موجود فحسب، وإنما هي كيان متكامل الأبعاد، جسداً وروحاً وفكراً، تُقصد لذاتها ولِما هي، بل هي في علاقة جدلية مع الرجل، تغتني بها تجربة الحب وتكتمل. وستُنشر بعض هذه القصائد تحت عنوان "قصائد للحب".

وأنا أنتهي من قراءة كلمات الدكتورة حياة، أجد نفسي مع حلول الذكرى الثانية لرحيل زكي الجابر، أتحرق بمرارة قاسية وأنا أتذكر كيف ان هذا الإنسان المتألق والمتميز إعلاميا وأكاديميا وشعريا، لم يلق الاهتمام الذي يستحقه من قبل الجهات الرسمية، أو المنظمات الأدبية، أو النقاد والباحثين الأفراد، سواء في حياته أو بعد رحيله. وهكذا أجد نفسي إزاء ما أشعر به من حزن عميق، مضطرا إلى استعادة ما نشرته في ذكرى رحيله الأولى، والذي تضمن مقترحات مازال الواجب يحتم العمل على تحقيقها، وعسى أن يكون في التذكير منفعة أو إيقاظا او فائدة ..!

لقد اماتوا الشاعر عندما كان حيا، وتناسوا إنصافه ومنحه ما يستحق عندما غادرنا إلى العالم الآخر . ففي أوائل عام 2001 وصلني عدد من جريدة عراقية كانت تصدر في لندن، وهو يحمل خبرا عن رحيل "أستاذ الإعلام العراقي والشاعر الكبير الدكتور زكي محمد الجابر عن عمر ناهز التاسعة والستين أثر مرض عضال".

هزني الخبر بعنف، وغمرني بأسى عميق، وسرعان ما وجدت نفسي اتصل برقم هاتفه لأتأكد من الخبر وأعزي زوجته الدكتورة حياة جاسم محمد و ابنهما محمد، اللذين كانا يقيمان معه في إحدى ضواحي مدينة دالاس بولاية تكساس. ولكن ما فاجأني وأفرحني في آن، هو ان من رد على مكالمتي كان زكي الجابر نفسه، و بعد أن سلمت عليه بصوت اظن انه لم يكن خاليا من بعض الاستغراب، بادرني – وهو يضحك مازحا - بالقول : يبدو انك قد سمعت بخبر وفاتي ..!

ولكن الشاعر الجابر فارق الحياة بالفعل، بعد مرور أحد عشر عاما، على موته الأول "المزعوم"، و مما يؤسف له أسفا ممضا بحق هو أن راحلنا الكبير لم يلق بعد "الموتين"، الاهتمام الذي يستحقه شاعرا رائدا جميلا، وباحثا وأكاديميا مرموقا.

لقد كان الشاعر الجابر الذي ولد في البصرة عام 1931 من الشعراء العراقيين  الرواد، وقد ربطته علاقات صداقة وزمالة مع بدر شاكر السياب، ومحمود البريكان، وسعدي يوسف، و هناك قصيدة جميلة ضمن المجموعة الكاملة لسعدي اشترك في كتابتها زكي الجابر خلال الخمسينات. كما انه كان أكاديميا وإعلاميا مرموقا، وقد رأس قسم الإعلام بكلية الآداب في جامعة بغداد، وتولى منصب إدارة الإعلام في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بتونس. كما درّس الإعلام في جامعة الملك سعود في الرياض، والمعهد العالي للصحافة في الرباط، وحاضر في العديد من الدول العربية. وكان الفقيد قد أبعد من مناصبه بسبب معارضته لنظام صدام في العراق.

ومن هنا فان خبرا مثل خبر رحيله كان يجب أن يترك صداه، ولكن يبدو أن رغبته الشخصية بالابتعاد عن الأضواء، وتمسكه بالاستقلالية السياسية خارج تأثير هذا الحزب أو ذاك، وعدم ارتباطه بشلة ثقافية أو إعلامية ما، من الأمور التي غمطت حقه كثيرا، حتى ليبدو وكأنه أصبح شاعرا مجهولا أو مغمورا بالنسبة لكثيرين...!

ولكن لا بد من الإشارة هنا إلى أن جريدة "الرياض" السعودية، كانت قد نشرت في عددها الصادر بتاريخ 9/12/2010 أي بعد رحيله المزعوم بتسع سنوات، وقبل رحيله الحقيقي بما يقارب الأربعة عشر شهرا، موضوعا بعنوان "لا تنسوا من ترك أثراً بكم!!" كتبته الأديبة والإعلامية السعودية شريفة الشملان، التي كانت قد تتلمذت عليه  في قسم الصحافة بجامعة بغداد، أواخر ستينيات القرن المنصرم

تروي الشملان في بداية موضوعها، كيف أنها لا تدري أي شيء ذهب بيدها لمؤشر البحث "غوغول"، لتكتب اسم د. زكي الجابر أستاذ الإعلام السابق، فتفجع عندما تقرأ خبرا قديما بعض الشيء نشر عن رحيله. وفي غمرة حزنها تكتب قائلة: لقد كان شاعرا وإنسانا بمعنى الكلمة، وهو عندما درس طلبته علوم الإعلام، علّمهم فيما علّمهم كيف تكون للمناقشة والحوار والبحث طرق للوصول إلى الحقيقة وللوصول إلى الوضوح ..

ونحن نتحدث عن رحيله "المزعوم"، تقفز إلى الذاكرة أبيات من قصيدة كتبها بعد أن سمع بخبر وفاته وهو لا يزال حيا قال فيها:

يقولون مات في غربته

بعيدا عن الأهل والنخل

عن بصرته

وقبل أوان الرحيل تساءل في وحشته

من الحي فينا

وفي سجنه الانفرادي مات العراق

ولم يبكه احد وهل يعرف الميتون البكاء !

ولعله من المؤلم حقا، ان الرحيل الفعلي للجابر، في التاسع والعشرين من شهر كانون الثاني عام 2012، قد قوبل أيضا بالعقوق والإجحاف. ونحن إذ لا نغفل ان الدكتور مليح صالح شكر الذي كان أحد تلاميذه  قد نشر رثاء له في اليوم السادس من رحيله، وان حفلين تأبينيين قد أقيما له بمناسبة أربعينيته في كل من كلية الإعلام بجامعة بغداد، وجمعية الرافدين العراقية في المغرب، نجد أن وزارة الثقافة العراقية والاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، قد مر خبر رحيل الجابر بهما وكأن شيئاً لم يكن، كما أن مهرجان المربد الذي كان هو أحد رواده، والذي يقام في مدينته البصرة، قد انعقدت دورتان له بعد رحيل الشاعر الجابر دون أن يرد أي ذكر له فيهما.

ونحن بهذه المناسبة نتمنى على الوزارة والاتحاد أن ينسقا بينهما لإحياء ذكرى الشاعر زكي الجابر، والعمل على نشر قصائده التي لم تصدر في ديوان بعد، مع مجموعتيه "الوقوف في المحطات التي فارقها القطار" الصادرة عام 1972، و "أعرف البصرة في ثوب المطر" الصادرة عام 1987، في إصدار يضم أعماله الشعرية الكاملة. كما نتمنى على اللجنة العليا لمهرجان المربد أن تخصص حيزا من برنامج دورته المقبلة لإحياء ذكراه

وإذا كان الشاعر قد وضع اسم مدينته البصرة في عنوان مجموعته الشعرية الثانية، فان ولهه وعشقه لهذه المدينة كان يفيض بعذوبة وصفاء، في قصائده، وفي كتاباته، وفي أحاديثه خلال لقاءاتنا الثنائية أو مع أصدقاء آخرين، في المغرب اواخر ثمانينيات القرن المنصرم. وقد شاءت الظروف ان انتقل أنا الى العيش في استراليا، ويغادر هو إلى أمريكا بعد إحالته على التقاعد في العام 1998، ولكننا بقينا نتراسل حتى وفاته، وبقي اسم البصرة يتردد كثيرا في رسائله وقصائده. ولكن ما يشجيني كثيرا، هو انني فقدت ما بعث به إلي من رسائل وقصائد بخطه، نتيجة تعرض محل سكني إلى فيضان فقدت بسببه الكثير من المطبوعات والأوراق التي كنت أعتز بها، إلا انني ولحسن الحظ عثرت في إحدى حقائبي على قصيدتين سليمتين بخط يده، حملت الأولى عنوان "وداعا .. أيها البصرة" وجاءت الثانية بعنوان "إيه ذات الخمار"، ورسالة واحدة فقط بست صفحات كتبها بتاريخ 5 شباط "فبراير" عام 2005، أي قبل رحيله بسبع سنوات، وقد حملها الكثير من همومه ومشاغله وتطلعاته، وبعض نفثات الهم العراقي الذي كان يحمله معه أينما رحل، وكان مما ذكره لي فيها" .. هذه هي الرسالة الثانية اكتبها إليك.. أما الأولى فقد مزقتها لأنها حافلة بالأسى .. أسى على هبوط الصحة، وأسى بدافع الإحباط، وأسى من تفاعل الثورة والثورة المضادة داخل النفس. ماذا سنخلّف وراءنا غير نثار من هشيم الورق .. وغير قبض الريح!". ولكن الشاعر الراحل ترك وراءه الكثير مما يدفع إلى الاعتزاز، ومن ذلك ابداعه الجميل وعطاؤه البحثي الإعلامي المتميز، وقبل ذلك وبعده ذكره الطيب، ومواقفه النبيلة التي عرف بها.

وقد اتجه الشاعر خلال سنواته الأخير إلى كتابة قصيدة الومضة المركزة، فكتب مجموعة غير قليلة منها، اختار لها عنوانا عاما هو "عراقيات". وبعض هذه القصائد يتألف من شطر أو ثلاثة أشطر، ومنها قصيدة له بعنوان: لم يحمله الوطن

فحمله ..

وسار !!

وجاء نص قصيدة أخرى مشابهة بعنوان "شتات" كالتالي:

لم يجمع شملنا الوطن

فكيف تلم شملنا المنافي ..؟!

وهكذا جاءت معظم قصائده الأخيرة مكتوية بحزن عميق، ومتشربة بمشاعر الإحباط والخيبة. ومع حنينه الدائم لمدينته البصرة التي مات بعيدا عنها بعد فراق عقود، نجده يقول في قصيدة بعنوان "نجمة الصبح":

في البصرة

لن يصدقوك حين تقول النجوم بعيدة

فنجمة الصبح تنساب تحت غطائك

لتلتفّ بك

خشية لسعة البرد

وإذا كان الحديث عن الشاعر الراحل يطول ويطول، لا أجد ما أختتم به هذا الموضوع غير تجديد الدعوة إلى أن تكرّم الدورة المقبلة لمهرجان المربد الشعري شاعرنا الراحل، وأن تبادر وزارة الثقافة إلى جمع القصائد التي تركها وإصدارها مع مجموعتيه الصادرتين عامي 1972 و 1987 كأعمال شعرية كاملة.

 

خالد الحلي

ملبورن

 

عبد الجبار الرفاعي .. صفحات من صحبة فلسفية

295-abahفي نهاية السبعينيات؛ وكنت ما زلت طالباً في الثانوية أتلقى دروسي الأولى في الفلسفة، وصل إلى يدي كتاب "فلسفتنا" للمفكر والعلامة العراقي "محمد باقر الصدر"، وقد أغرمت بالكتاب، ووجدت فيه فتحاً مبيناً لطالب مبتدئ يستكشف طريقه في مباحث وعرة، وتنتابه الشكوك وهواجس القلق في مواجهة إشكالات عصية تتجاوز قدراته العقلية والمعرفية.

بعد سنوت قليلة من هذا التاريخ بدأت كتابات المفكر الإيراني "علي شريعتي " الذي توفي قبيل الثورة الإيرانية تصل إلى أيدينا ، وقد بدت في أوانها شديدة الأهمية والجاذبية لطالب مثلي تعوّد قراءة نصوص وآداب التيار الوجودي، و أعمال الفيلسوف الفرنسي المتأثر بالماركسية "جان بول سارتر" خاصة ، التي وجدت اصداءها حاضرة في نَفَس إسلامي أخاذ في رسائل شريعتي، التي بدأت تفد بوتيرة متسارعة في ترجماتها العربية إلى قريتنا الصغيرة .

لم أكن طيلة تلك المدة أعرف "عبدالجبار الرفاعي"؛ ذلك الشاب العراقي الوديع، المنحدر من جنوب العراق، المتشبع بثقافة النجف وعبقها العلمي والتاريخي، حيث الحوزة العريقة، التي حافظت على الدرس الفلسفي والتجربة العرفانية العميقة.كان الشاب في أوانها قد تعلم على أيدي كبار علماء النجف، وصحب العلامة السيد محمد باقر الصدر، ومسّه ما مسّ الكثير من تلامذته وأحبائه بعد محنته الكربلائية الأليمة، على يد زبانية حاكم العراق المستبد صدام حسين.

هاجر الشاب إلى قم، وانخرط في حوزتها، وبعد مرحلة قصيرة من العمل السياسي، انتشله قلق السؤال الفلسفي من وحل النشاط النضالي، فاتجه يستكشف آفاقاً فكرية رحبة، لم تكن في أوانها معروفة لنا نحن المنشغلين من العرب بالفكر الإسلامي، الذين لم يكن اطلاعنا يتجاوز رسائل شريعتي القصيرة، التي حاول من خلالها بناء أيديولوجيا إسلامية؛ على غرار لاهوت التحرير المسيحي في أمريكا الجنوبية. لم تعد وقتذاك كتابات شريعتي، على جمالية أسلوبها الغنائي ونسيجها الرمزي الغني، تثير إعجابي، وقد قطعت أشواطاً في الدرس الفلسفي على يد أساتذتي التونسيين والغربيين.

كنت اعتقد أن مشروع استئناف النظر الفلسفي في التقليد الإسلامي قد توقف مع محاولة محمد إقبال اليتيمة، رغم اهتمامي بكتابات المفكر المصري حسن حنفي، التي كانت تنم عن ثقافة فلسفية واسعة، وروح نضالية ملتزمة؛ لكن البعد الأيديولوجي التعبوي ظل غالباً عليها، في الوقت الذي تعمق فيه الاعتقاد لدي إن كتابات مفكري الإسلام السياسي هزيلة ضعيفة البناء النظري والعلمي.

في مطلع سنة الألفين، وكنت على عادتي في مكتب صديقي الأعز "رضوان السيد" في مجلة الاجتهاد ببيروت، غير بعيد عن الفندق الصغير الذي تعودت الإقامة فيه، اطلعت على أعداد متراصة من مجلة فكرية لم أكن قد اطلعت عليها من قبل؛ هي مجلة "قضايا إسلامية معاصرة"، التي امتدحها الصديق العزيز، وكان يرى فيها نفساً تجديدياً رصيناً، ومادة معرفية صلبة.

منحني رضوان بعضا من أعداد المجلة التي تلقفتها بسرعة وبادرت قراءة مواضيعها دون انتظار، ومن خلالها بدا اطلاعي على الفكر النقدي الإيراني الجديد، الذي لم أكن قد عرفت عنه شيئا من قبل، باستثناء كتيب صغير صدر بالانجليزية عن الفيلسوف الإيراني البارز عبد الكريم سروش.

في مجلة قضايا إسلامية معاصرة تعرفت الى أبرز الأسماء اللامعة في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد في ايران، مثل؛ مصطفى ملكيان ومحمد مجتهد سبشتري...وفيها تابعت محاولات جريئة غير مألوفة عربيا في بناء حقل هرمنيوطيقي إسلامي، وتمديد الإشكاليات المتعلقة بالتعددية الدينية والمنظومات القيمية إلى واجهة الاهتمام الفلسفي الإسلامي.

شغلني وقتها الجدل الواسع الذي فجرته نظرية سروش في "القبض والبسط"، التي بلور لها عدة مفهومية، تجمع بين إبستمولوجيا كارل بوبر وعرفانية الإمام الأكبر محي الدين بن عربي، وقد كتبت عن النظرية التي بدت لي طريفة وجريئة.

عرفت من الصديق رضوان السيد أن المشرف على المجلة هو شخصية فكرية عراقية مرموقة؛ تسمى عبد الجبار الرفاعي، تقيم في مدينة قم، وتنتقل ما بينها ودمشق وبيروت، وكم كنت حريصاً أشد الحرص على التعرف على هذه الشخصية، التي اضطلعت بهذا الجهد النادر بوسائل محدودة، ودون عون من أية دولة أو مؤسسة.

وكم كانت فرحتي حين أخبرني الصديق السعودي الفاضل أبو بكر باقادر إن صاحب المجلة سيكون ضيفاً على موسم الحج وندوته، التي يشرف عليها الوزير الألمعي المثقف إياد مدني وزير الحج السعودي، الذي حوّل ندوة الحج إلى إحدى أهم المناسبات الثقافية في العالم العربي، إذ يحضرها أبرز وجوه الفكر والأدب والثقافة دون إقصاء أو تمييز.

حضرت ندوة وزارة الحج مرات متتالية دوما بصحبة الرفاعي؛ الذي تحول منذ اليوم الأول للقائنا في مكة المكرمة إلى أحد أعز وأقرب الأصدقاء. شدّني الى الرفاعي عقله القلق اليقظ، الذي لا يغطي عليه نفسه الإيماني العرفاني الصادق والعميق، كما شدني اليه خلقه الدمث التلقائي الذي لا تصنّع فيه ولا تزلّف، وجذبتني اليه ثقافته الواسعة وفكره النقدي النيّر الذي لا حدّ لاستقصائه وفصوله.

أذكر أمسيات مكة المكرمة ومنى والمدينة المنورة، ومقاهي جدة مع ضيوف وزارة الحج واصدقائنا من مساعدي الوزير اللبق، مثل؛ باقادر وحسين بافقيه...واذكر كيف يمتد النقاش إلى ساعات الصباح الأولى، التي نقيضها غالباً في رحاب أول بيت وضع للناس في زاويتنا الاعتيادية، إذ يتشعب الحوار لشتى الموضوعات الفلسفية والفكرية دون ملل أو كلل. وكم كانت مداخلات الرفاعي في ندوة الحج غنية مفيدة، تستثير النقاش الجدي وتترك أثرها الواسع في الحضور.

سمحت لي صحبة عبد الجبار الرفاعي أن اطلع بشكل أوضح وأشمل على الفكر الإيراني الجديد؛ من خلال الكتب القيمة التي ألّفها أو نشرها في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد وأصول الفقه، ومن خلال المجلة التي اتسعت اهتماماتها لتشمل مناحٍ كثيرة من الفكر الفلسفي والديني المعاصر، بما فيه أحدث إصدارات الفكر الغربي.

تعددت لقاءاتي وانتظمت مع الصديق العزيز عبد الجبار الرفاعي في مدن عدة؛ كتونس الخضراء والرباط وعمان..وفي كل مرة كنت ابتهج لمقابلة هذا الرجل، الذي لا يمكن إلا أن يسحرك بخصاله المعرفية والإنسانية الرفيعة، ونزعته المتسامحة المرنة والمنفتحة، التي ظهرت بقوة في سنوات الدمار والفتنة الحالية، فكان أحد الأصوات القوية الرافضة لمنطق التعصب المذهبي والطائفي، وعقلية الضغينة والحقد التي أحرقت البلاد والعباد.

تعرفت في صحبة عبد الجبار الى عائلته الكريمة التي أصبحت أحد أفرادها، جلست إلى عقيلته الفاضلة أم محمد التي كانت ترافقه في موسم الحج؛ وهي من هي كرم نفس وإشراق روح وعرفت أولادهما وبناتهما دون ان أقابلهما، كما تعرفت على أفراد الأسرة الكبيرة، وكلهم من النبع ذاته علما وخلقا وفضلا.

في الأيام الأخيرة من سنة ٢٠١٣ اشتركت مع عبد الجبار في ندوة علمية بعمان، وكانت فرصة ثمينة لتجديد العهد، واستئناف حوار فلسفي وفكري شيق، لم ينقطع منذ ما يزيد على عقد، وتعاهدنا على عاداتنا في مواصلة النقاش في قابل الأيام، دون أن يتملكنا اليأس رغم دواعي الإحباط والقلق.

 

................

مفكر موريتاني، أستاذ الفلسفة في جامعة نواكشوط.

وداعــــا أمـــيـــري بـــركــــــة (1934-2014)

294-amiri1الشاعر والمسرحي والناشط السياسي الذي شكّك في تفجيرات 11 سبتمبر، وألهم أفواجاً من الأمريكيين السود للدفاع عن قضيّتهم

 

سيبقى أميري بركة شاعراً قوي الحضور بالرغم من الموت الذي اختطفه فجأة، لأنّه وقف باستمرار ضد كل أنواع الاضطهاد الاجتماعي والعرقي والسياسي من خلال تبنّيه لموقف واضح منذ بداية حياته الأدبية إلى آخر رمق. وسيخلد اسم أميري بركة في المشهد الثقافي الدولي بدون شرط، بفضل الأعداد الهائلة من المضطهدين الذين استبشروا بقوة عزمه التي لا يلين. إن أميري بركة وُهِب عقلاً لا يني يستكشف الحقيقة ويحتفظ بها بعناد، حتى ضرب به مثلاً في الصمود والنضال. إنّه رجل عنيد الرأي ولا يستشعر أدنى خوف من الثورة على الممثلين السياسيين القذرين وعملائهم المتلصصين. ما تزال ذاكرتي تحف بصور التقطها أصدقائي لأميري بمدرسة جاك كيرواك للشعر الصيف الماضي، وهو يلقي آخر محاضراته ويقرأ قصائده بجامعة ناروبا بمدينة بولدر بولاية كولورادو. كنتُ أمل في اللقاء بأميري بركة، غير أن ظروفاً تسارعت لم ترتّب لقائي به، قبل أن يختطفه الموت يوم الخميس 9 يناير من العام الجاري، بعد صراعه الطويل مع مرض السكري وتحت تأثير مضاعفات الجراحة الأخيرة التي أجراها قبل نحو شهر.

يرجع اهتمامي بشعر وكتابات أميري بركة إلى انكبابي على دراسة و ترجمة الشعر الأمريكي المناهض للخطاب الثقافي السائد بعد الحرب العالمية الثانية. يستحيل على القارئ تجاهل مساهمة أميري بركة في بلورة حركة الجيل المهزوم (أو جيل الإيقاع) على الجبهة الأمريكية السوداء بأي حال من الأحوال. وغالباً ما كان الموقف السياسي لأميري يتسم بالتغير، وبالتالي يمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى تتعلق بانتمائه إلى الطليعة الأدبية خلال الخمسينيات حيث كان يكتب باسم لروي جونز مع شعراء "جيل البيت "(جيل الإيقاع) من أمثال ألن غينسبرغ وجاك كيرواك، ومرحلة الستينيات حيث انتقل إلى مقاطعة هارلم بولاية نيويورك وأصبح يدافع عن مبادئ القومية الزنجية، ثم فترة السبعينيات حيث أصبح يهتم بحركات التحرر في بلدان العالم الثالث من وجهة نظر ماركسية. وقد كان أميري محطَّ جدل طوال مسيرته؛ ففي الوقت الذي يُمتدح فيه بوقوفه ضد أشكال القمع، يتمّ اتهامه كذلك بنشر خطاب الكراهية. ويرى المتتبع انقساماً محرجاً في الآراء بين أولئك الذين يوافقون على أن عرق أميري بركة الأسود ولحظته التاريخية هما اللتان خلقتا شهرته، وبين أولئك الذين يعتقدون بأنّه يعتبر من أهم كتاب القرن العشرين. ولعل أهم دليل على أهميته هو ذكر اسمه في لائحة أعدها أرنولد رامرساد لـ"مجلة كتاب أمريكا" الى جانب فيليس ويتلي، وفريدريك دوغلاس، وبول لورنس دنبار، ولانغستون هيوز، وزورا نيل هورستون، وريتشارد رايت، ورالف إليسون، باعتباره واحداً من الشخصيات الثمانية التي أثرت بشكل كبير على مسار الثقافة الأدبية الأميركية الأفريقية.

ولد لروي ايفرت جونز في مدينة نيوارك بولاية نيو جيرسي في وسط اجتماعي وصفه بـ" البرجوازية السوداء" يوم 7 من أكتوبر عام 1934. وقد كان والده كويت ليفيريت جونز يعمل مشرفاً على البريد ومشغلا للمصعد، بينما اشتغلت والدته آنا لويس مساعدة اجتماعية. درس لروي جونس بثانوية بريندجر بنيوارك، قبل أن يلتحق بجامعات مختلفة منها جامعة روتجرز وهوارد وكولومبيا حيث درس الفلسفة وعلم الأديان دون أن يحصل على شهادة التخرج. وفي سنة 1954 التحق أميري بالقوات الجوية الأمريكية حيث سيقضي ثلاث سنوات، ويحصل على رتبة رقيب قبل أن يطرد بسبب رسالة مجهولة تلقاها ملازمه تتهم أميري بالانتماء للشيوعية وامتلاك مجلات وكتب لها صلة بتوجهه. وكان لسنوات الخدمة المدنية التي قضاها في القوات الجوية الأمريكية (1954-1957) الفضل الكبير في إدراك لروي جونز لمكانة الأدب في حياة الإنسان حيث يقول في سيرته الذاتية واصفاً حبه المفاجئ لجويس ودوستويفسكي (1984): "سطع في محياي شيء ما مثل مصباح كهربائي كبير نزل على رأسي".

وبعد طرده من السلاح الجوي الأمريكي توجه لروي جونس إلى غرينتش فيلادج بمانهاتن، وبدأ يعمل في متجر للموسيقى، الشيء الذي سيغذي حماسه وإعجابه بموسيقى الجاز والبلوز، كما انه قام ببناء صداقات على الساحة الأدبية مع مجموعة من الكتاب والفنانين والموسيقيين الذين اتخذوا غرينتش فيلاج مركزا ثقافيا للبحث عن الشهرة. وفي غرينتش فيلاج سيطلع لروي جونس على مجلة (افرغرين) الشهرية، ويتعرف على ناشرها غروف برس، كما سيتعرف على كتاب من جيل الإيقاع ومدرسة الجبل الأسود ومدرسة نيويورك. وفي عام 1958 تزوج لروي جونز بهيتي كوهين التي التقى بها في متجر الاسطوانات الذي يعمل به، وكانت هيتي تعمل لمجلة بارتزن اليسارية، مما تسبب في طردها من البيت العائلي. مثلما توّجت العلاقة الزوجية بولادة كل من ليزا وكيلي جونز، فقد أثمرت مجموعة من المجلات الأدبية مثل المجلة الطلائعية (يوغن)، ومجلة (الفلوتين بير) التي حررها مع الكاتبة ديان دي بريما، كما أثمرت مطبعة (الطوطم) التي أصدرت كتيبات شعرية ونثرية لكتاب ينتمون إلى حركة جيل الإيقاع ومدرسة الجبل الأسود من أمثال جاك كيرواك وتشارلز أولسون وغاري سنايدر. هذا ويعتبر كل من ألن غينسبرغ، وإدوارد دورن، وفرانك أوهارا من اقرب الأصدقاء والشعراء إلى لروي جونز خلال هذه الفترة.

نشر لروي جونس المجلد الأول من ديوانه الشعري "مقدمة إلى ملاحظة انتحار من عشرون مجلدا" عام 1961. وتنعكس عدوانية وعدم ثقة لروي جونز المتزايدة تجاه المجتمع الأبيض في مسرحيتين، هما: "العبد" و"المرحاض"، كتبهما عام 1962، إلا أن شهرته ككاتب مسرحي لم تكتمل إلا عند نشره لمسرحيته المثيرة للجدل "الرجل الهولندي" التي تحكي قصة امرأة بيضاء ورجل أسود على متن التراموي يظهر كلاهما مدى كراهيته للعرق الآخر. وقد تم عرضها في مسرح (لين شيري) في نيويورك يوم 24 مارس 1964. وفي عام 1963 نشر كتابه "شعب موسيقى البلوز: موسيقى زنجية في أمريكا بيضاء"، كما تولى تحرير وتقديم "أنطولوجيا الحداثيين: الشعر الجديد بأمريكا". ومع بروز حركة الحقوق المدنية بدأت الإنتاجات الأدبية لروي جونز تعكس تحوّلاً في لهجته التي أصبحت أكثر تشددا، وقد نتج عن رحلته إلى كوبا عام 1960-حيث التقى كتّاباً وفنانين من دول العالم الثالث- تحوّلاً آخر في حياته دفعه إلى التفكير في دوره ككاتب، والغرض من الفن، ومدى استحقاق الوعي العرقي أن يكون موضوعاً لكتاباته. ساهمت رحلته إلى كوبا في اتساع دائرة اهتمامه بمواضيع كونية تشمل مكافحة الفقر والمجاعة والحكومات القمعية والمخاوف السياسية، وقد سجل انطباعاته في مقاله المشهور "كوبا حرة". كما ساهم في كتابة بيان ضمير لمساندة حكم فيديل كاسترو. ويذكر أن الشاعر المكسيكي جيم شيلي واجه أميري بركة إبان زيارته لكوبا قائلاً له بنبرة تحدٍّ: "تريد أن تثقف روحك في ذاك القبح الذي تعيش فيه؟ حسناً، لدينا الملايين من الناس يتضورون جوعاً، وذلك أمر كاف ليؤثر على عواطفي ويجعلني أكتب قصائد". وهكذا سرعان ما انضم لروي جونز إلى كتاب العالم الثالث واتحد مع أشكالهم النضالية، وبدأ يكتب قصائد ذات رسائل سياسية قوية محاولا أن يدافع عن نفسه ضد اتهامات الانغماس الذاتي من خلال كتابه "مقالات اجتماعية (1966)".

294-amiri2وفي عام 1965، في أعقاب اغتيال الزعيم مالكوم إكس، انسلخ لروي جونز عن حياته السابقة، ووضع حدّاً لزواجه بهيتي اليهودية وترك ابنتيه، ثم انتقل بعد ذلك إلى هارلم حيث أسس مسرح الفنون الزنجية الذي أنتج مسرحيات كانت في كثير من الأحيان تندد بتسلط الإنسان الأبيض، قبل أن يتم إغلاقه عام 1966 عندما وجدت الشرطة مخبأ للأسلحة داخل المبنى. وفي عام 1967 انتقل لروي جونز إلى نيوارك بنيوجرسي، وتزوج بالشاعرة سيلفيا روبنسون (التي تعرف الآن باسم أمينة بركة)، وفي نفس السنة أسس "ممثلي دار الروح" التي أنتجت أعمالا مسرحية من بينها مسرحيتين لروي جونز تعالجان موضوع وحشية الشرطة، ويعتقد أنها من أسباب أحداث الشغب التي عرفتها مدينة نيووارك بنيوجرسي. وفي عام 1968 شارك في تحرير "النار السوداء: مختارات انطولوجيا الكتاب الأمريكيين السود" مع لاري نيل، وتمّ تمثيل مسرحيته المشهورة "منزل على الضيعة" لفائدة حزب الفهود السود، كما نشر مسرحيته الشهيرة "سفينة العبيد". وفي ذلك العام نفسه اعتنق لروي جونز الإسلام وغير اسمه إلى امامو أميري براكا (امامو لفظة سواحيلية من أصل عربي تعني الزعيم الروحي)، وتولى قيادة منظمته كويدا للزنوج المسلمين. و خلال الفترة الممتدة بين 1968 و1975 ترأس أميري براكا اللجنة الموحدة لنيوارك، كما أسس وترأس مؤتمر الشعب الأفريقي، وهي منظمة وطنية للاتحاد الإفريقي بفروعه في 15 مدينة، وكان أحد منظمي المؤتمر السياسي الوطني للزنوج. وهكذا أصبح أميري براكا يدافع عن "القومية الثقافية للزنوج"، وقطع علاقته مع جماعة "جيل الإيقاع" التي رأى أن غالبية أعضائها من الجنس الأبيض، وأصبح ينتقد بشكل محرج للغاية دعاة السلام وحركة الحقوق المدنية الداعية للاندماج. ويلاحظ القارئ أن شعر أميري الثوري أصبح أكثر إثارة للجدل في هذه الفترة، فقصيدته "الفن الأسود" (1965) مثلا - حسب الناقد ليرنر سولورز من جامعة هارفارد- تدعو إلى ارتكاب كل أفعال العنف المطلوبة "لتأسيس عالم الزنوج". وسرعان ما أصبحت قصيدة "الفن الأسود" تمثل البيان الشعري الرئيس لحركة الفنون الأدبية للزنوج، ويقول فيها أميري: "نريد قصائد تقتل"، وهي قصيدة تزامنت كذلك مع ارتفاع الدعوة إلى الدفاع المسلح وشعارات من قبيل "سلح نفسك وإلا آذيت نفسك"، وكانت تروج لمواجهة جهاز السلطة البيضاء. وقد ميز هذا التغيير توجها جديدا في حياة أميري، فبدلاً من استخدام الشعر كأداة للتملص من دوره، رأى أن الشعر سلاح يمكن أن يستخدم بشكل عملي، ولذلك كان يطالب بالعنف ضد هؤلاء الذين يشعر أنهم مسؤولون عن أشكال الظلم واللاعدالة في المجتمع الإنساني.

في بداية 1970 بدأ أميري يبتعد عن حركة الفنون السوداء عندما رأى أن بعض الكتاب الزنوج كانوا ضد الحركة التي أسسها، و لاحظ أن أولئك الذين لا يرغبون في تعزيز أشكال التعبير الفني الزنجي هم الذين كانوا يعينون في مناصب القيادة للإساءة إلى الحركة. وهكذا بدأ ىركة ينأى بنفسه منذ 1974 عن حركة القومية الزنجية، و اعتنق الماركسية اللينينية وأصبح مؤيدا أكثر لحركات التحرر في دول العالم الثالث. و يعترف بركة في وقت لاحق بأنه أصبح من الصعب الوصول إلى الجمهور حيث يقول: "عندما كنت أقول" "ليذهب الشعب الأبيض إلى الجحيم" لم يصعب علي العثور على ناشر، ولكن عندما كنت أقول ليتحد الإنسان الأبيض والأسود لمحاربة وتدمير الرأسمالية يصبح كلامك غير معقول". وقد أصدر أميري مجموعة من الدواوين الشعرية والمسرحيات المهمة ذات الطابع الماركسي خلال هذه الفترة، وهي تعكس بشكل واضح أهدافه السياسية الرهينة. وبالرغم أن بعض النقاد يعتبرون أعمال أميري الحديثة، مثل المقالات التي تم جمعها في "الخناجر والرماح (1984)"، تفتقر إلى القوة العاطفية مقارنة بالأعمال التي أصدرها خلال فترته القومية الزنجية، إلا أن جو ويكسلمان يحذر في كتابه "أميري براكا: المشعل المتلون" من الميل إلى تصنيف بركة المتطرف بدلاً من تحليله قائلا: "على أقل تقدير، أن تتخذ موقفا ضد شخص معين بسبب لقب معين لا يعبر عن مستوى البحث العلمي المرضي. بداية فسمعة بركة ككاتب ومفكر مستمدة من الاعتراف بالمواهب التي يتميز بها شخصه والاعتداءات اللاحقة عليها مستمدة في كثير من الحالات من مخاوف لا علاقة لها بالنقد المطلع".

294-amiriفي السنوات الأخيرة ثم الاعتراف بتأثير أميري بركة على الثقافة الأميركية في أواخر القرن 20 بإعادة نشر العديد من أعماله المختارة. ويقدم كتاب "لروي جونز / أميري بركة" (1999) لمحة شاملة عن كتاباته ويغطي الفترة الممتدة بين 1957 -1983، كما يعرض المؤلف لكتابات مختارة من أربع فترات مختلفة من حياة براكا ويركز بالضرورة على الأعمال الأقل شهرة. وقد وصف دانييل غيلوري كتاباً يضم قصائد مختارة لأميري براكة/ لروي جونز (1961-1995)، الذي نشر في عام 1995، بأنه عمل "بالغ الأهمية" على الساحة الثقافية الحديثة. وفي عام 2002 حصل أميري على جائزة شاعر ولاية نيوجرسي من الحاكم ماكغريفي، وتولى هذا المنصب لسنة قبل أن يضطر إلى التنحي عنه تحت ضغط الاحتجاج الشعبي الكبير والاتهامات بمعاداة السامية بسبب قراءته لقصيدته المثيرة للجدل "شخص ما فجر أمريكا" في فعاليات مهرجان الشعر بمدينة ستانهوب بنيوجرسي. وقد أدرجت نفس القصيدة في ديوان أميري" شخص ما فجر أمريكا وقصائد أخرى 2004"، ووصفه كامو براثويت بأنه "علامة مميزة تضاف إلى الإصلاح الثقافي الثوري والراديكالية الزنجية الحديثة". وتنتقد قصيدة "شخص ما فجر أمريكا" أحداث 11 من سبتمبر2001، وتلمح إلى حقيقة أن معلومات حول الانفجار كانت منتشرة في الأوساط الحكومية، وأن إسرائيل متورطة ولها يد في الانفجار.

وقد تم الاعتراف بأهمية أعمال أميري من خلال مجموعة من الجوائز التي حصل عليها، ومن بينها جائزة PEN / فولكنر وجائزة مؤسسة روكفلر للدراما، وجائزة هيوز انغستون من كلية مدينة نيويورك. كما أنه حصل كذلك على منح وأوسمة من مؤسسة غوغنهايم والصندوق الوطني للفنون وجائزة من قبل مؤسسة كولومبوس، وتقلد أميري مناصب عديدة كمدرس للشعر بكل من المدرسة الجديدة للأبحاث الاجتماعية في نيويورك، ودرس الأدب في جامعة بوفالو، والدراما في جامعة كولومبيا وجامعة ولاية سان فرانسيسكو، وجامعة ييل وجامعة جورج واشنطن. ومنذ عام 1985 تقلد منصب أستاذ الدراسات الأفريقية بجامعة ولاية نيويورك في ستوني بروك، كما كان يدير بتعاون مع زوجته مركز كيمكو لشعب البلوز.

 

مقدمة إلى رسالة انتحار في عشرين مجلدا

في الآونة الأخيرة، تعودت على الكيفية

التي تنفرج بها الأرض وتغشيني

في كل مرة آخذ الكلب في نزهة.

أو الموسيقى السخيفة والبذيئة التي تصدرها الريح

عندما أركض باتجاه الحافلة ...

 

بلغت الأمور ذلك

والآن وأنا أعد النجوم كل ليلة.

أحصل على نفس العدد كل ليلة.

وعندما ترفض أن تبرز كي أعدها،

أعد الثقوب التي تخلفها وراءها.

 

لم يعد أحد يغني

ثم في الليلة الماضية تسللت

إلى غرفة ابنتي وسمعتها

تتحدث مع شخص ما، وعندما فتحت

الباب، لم يكن هناك أحد ما...

فقط هي جاثية على ركبتيها تسترق النظر

إلى يديها المشبوكتين.

 

شـخـــصٌ مـــــا فـــجّـــر أمـــريــكــا (مقتطفات)

يقولون فعلها إرهابي ما،

عربي

همجي،

في أفغانستان

لم يكن الأمر يتعلق بإرهابيين أمريكيين

ولم يكن الأمر يتعلق " بالكلان" أو أعضاء "السكينهيد"

أو هؤلاء الذين يفجرون كنائس السود

أو يعيدون تجسيد روحنا في قسم المحكوم عليهم بالاعدام

لم يكن الأمر يتعلق بترينت لوت

أو ديفيد ديوك أو جولياني

أوشندلر أو هلمز وهو يحال على المعاش

 

لم يكن الأمر يتعلق:

بالسيلان في بذلة

بأمراض الورقة البيضاء

التي قتلت السود

التي أرهبت العقل والسلامة

ومعظم البشر كما يحلو لهم أن يقولوا

 

يقولون (من الذي يقول؟)

من الذي يقوم بفعل القول؟

من هؤلاء الذين يقولون؟

من يقول الأكاذيب

من الذي يتنكر

من الذي كان يملك العبيد

من الذي حصل على النقود من الباكز

 

من الذي ازدادت دهونه من المزارع

من الذي أباد الهنود الحمر

من الذي حاول أن يتخلص من شعب السود

 

(...)

من هو الشيطان في حقيقة الأمر

من الذي اغتنى من الإبادة الجماعية للأرمينيين

 

من هو أكبر إرهابي

من الذي يزور الكتاب المقدس

من الذي قتل معظم الناس

من الذي يرتكب معظم الشر

من الذي لا يقلق بشأن البقاء

 

من الذي يمتلك المستعمرات

من الذي استولى على معظم الأراضي

من الذي يحكم العالم

من الذي يقول بأنه يحب الخير ولكن لا يقوم إلا بالشر

من هم أكبر الجلادين

 

مـــــــــن؟ مــــــــــن؟ مـــــــــن؟

 

(...)

من الذي اغتنى من الجزائر وليبيا وهايتي،

وإيران، والعراق، والسعودية، والكويت، ولبنان،

وسوريا، ومصر، والأردن، وفلسطين،

 

من الذي قطع أيدي الناس في الكونغو

من الذي اخترع الايدز

من الذي وضع الجراثيم

في بطانيات الهنود

درب الدموع""من الذي اخترع فكرة

(...)

من الذي كان يعرف أن مركز التجارة العالمي سيفجر

من الذي قال لأربعة ألاف عامل إسرائيلي

في برجي مركز التجارة العالمي

أن يبقوا في المنازل في ذلك اليوم

لماذا بــقـي شــارون بعيدا ؟

 

من؟ من؟ من؟

 

تقديم وترجمة: الحبيب الواعي

 

أيام في الذاكرة: لقطتان من المشهد الدامي

muoed aljabori(أين كنت أيام القصف المعادي؟) سألني صديق يعد تحقيقا صحفيا تحت هذا العنوان أيام الهجوم الذي تعرض له العراق في 17-1-1991 والذي استغرق (45) يوما.

وحين فكرت بإجابة موجزة تنطوي على ما يستدعيه مثل هذا العنوان من تفاصيل شتى، لم أجد أبلغ وأشد إيجازا من أن أقول: (لقد كنت في العراق).

أجل فالأمر لم يكن ليختلف ما دمت في العراق، سيان في أي بقعة منه بدلا من البقعة التي أنا عليها، ذلك أن طائرات العدوان كانت تملأ سماء العراق كله، فقد آثر من أرسلوها أن تكون مثلهم تماما عمياء حمقاء لا تميز بين بشر وحجر وموقع دبابات وروضة أطفال.

لقد دمر ذلك العدوان حتى معامل الحليب والسكَّر والطحين والمنازل والمدارس وسواها، بكل أنواع الأسلحة المحرمة وغير المجربة، وبقصف صاروخي وجوي لم تشهد له البشرية مثيلا منذ الحرب العالمية الثانية.

آنذاك شهدتُ بعينيَّ ما يعتصر القلب أسى ويملؤه غضبا.. فقد كان المشهد داميا. وهاتان لقطتان مما يكتظ في الذاكرة من عشرات الصور التي ضمها ذلك المشهد:

 

* الحي العتيق: قصيدة لم أكتبها

كان بإمكاني أن أقدّر موقع إحدى الضربات العنيفة وأنا أنظر من مبنى المجمع الإذاعي والتلفزيوني الكائن في مدخل أول شارع في الساحل الأيسر على الجهة اليسرى من جسر الحربة بمدينة الموصل ، حين ارتجت الأرض وتصاعد الدخان والتراب من موقع في الجانب الأيمن للجسر العتيق.

كان الوقت ضحَى يومٍ من الأيام الأولى للعدوان عام 1991.. وبحدس من تسكنه مدينته شممت رائحة ملاعب الصِّبا القديمة وانتشرت حولي أنفاس الأزقة والبيوت وصور الطفولة .. بعد دقائق كان معي في السيارة أحد مصوري الدائرة مع كاميرا تلفزيونية، وكنا هناك.

ماذا أرى! أحقا أن مبنى تلك المدرسة العريقة، مدرسة الطاهرة الابتدائية، وكل ما حولها من بيوت موصلية قديمة ودكاكين وأزقة في ذلك الحي العتيق، أصبح هدفا (استراتيجيا) لأكثر من ثلاثين دولة تقودها أميركا؟!.. وبين روائح البارود الأميركي الزنخ وما يتصاعد من عبق المرمر الموصلي، كانت الكاميرا تدور وعشرات الصور تدور في الذاكرة .. كانت جثث الأطفال في خفقاتها الأخيرة بين الأنقاض، وصيحات (الله أكبر) تتعالى بين أبناء المنطقة الذين تجمعوا هناك لإخلاء الجثث وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من (طيور الجنة) بين ما تذرفه العيون من دموع وما تطلقه الأفواه من صيحات غضب ولعنات.. وكنت مشدودا إلى تلك الصيحات التي تملأ الجسد قشعريرة ورهبة، وأنا أتحسس ما يترقرق بين مقلتيَّ من دموع. مصرا في الوقت نفسه على ألا تفلت منا لقطة نادرة قد تضطرنا تلك المشاعر لتجاوزها.. ومع أن صافرة الإنذار لم تكن قد أعلنت عن انتهاء الغارة، إلا أن ذلك الحي العتيق كان قد اكتظ بأبنائه عند موقع الضربة وهم يتصايحون أمام الكاميرا.

يا لهول ذلك اليوم! لقد أبصرت فيه الأطفال الرضَّع يطبقون أعينهم على حلم بعيد وأجسادهم ما تزال دافئة طرية وخيوط الدم فوق وجوههم وأجسادهم الغضَّة وكان التراب والدم يخضب تلك الضفائر الطويلة وهي تتدلى بين الأيدي.. ضفائر صبيات موصليات كانت سقوف البيوت والصفوف قد أطبقت عليهن، فتناثرت الأجساد كما تناثرت السبورات والرحلات وأثاث المنازل وأسرارها وأحلامها الجميلة.

يومها تذكرت قصيدتي (قوس لبلاط الشهداء) التي كتبتها بعد تعرض تلك المدرسة للصواريخ المعادية عام 1987 دون أن أعايش تلك الحالة ميدانيا، كما عشتها هنا في الحي العتيق، بين أحشاء البيوت المبعثرة وركام مدرسة الطاهرة .. لقد ظل التلفزيون فيما بعد يعرض لسنوات عدة، لقطةً مؤثرة من ذلك الجو لرجل ينتشل طفلة من تحت الأنقاض وقد تدلى رأسها بين ذراعيه وهو يعدو وقد أجهش ببكاء مر.. وعلي الآن أن أعترف بأن ما رأيته وعشته لم يجد له كلمة بمستواه، وبقي أكبر من قصيدة لم أكتبها.

 

* رحلة تحت القصف

ما أن دخلت بيجي، مع زملاء لي بسيارة الدائرة، بعد ضرب مصافي النفط فيها، حتى هالني ما رأيت.. كان الدخان الأسود الثقيل يتدفق باتجاه السماء ويسد الأفق مشكلا نفقا هائلا من العتمة، مما اضطرنا، ونحن في وضح النهار أن نشغِّل مصابيح السيارة محاولين أن نبعد عن أنفسنا الشعور بالاختناق والضيق.

خلال تلك الرحلة كنت أحث الخطى لرؤية (الحارث) ولدي العسكري الذي كنت لم أره ولم تره والدته التي قلقت عليه إلى أقصى حد، منذ خمسين يوما وكنت علمت أنه في موضع قرب الحبانية، ولكي أصل هناك كان عليَّ أن أواصل رحلتي العجيبة التي رأيت خلالها بعينيَّ هاتين كيف يًكشِّرُ الشر عن أنيابه، ويترك في كل مكان صورة لوجه النظام الأميركي القبيح.

المنشآت التي مررت بها، كلها كانت مدمرة، وكانت أنقاض المساجد والمعامل والمدارس والبيوت على جوانب الطريق هي الشواهد الحية على مدى الهمجية والحقد.

في الفلوجة عبرنا جسرا ما، فالجسر الآخر كان قد تعرض لضربة جوية، وبعد أن عثرت على ولدي في موقع رحَّب فيه الآمر بي فقد كان لحسن الحظ يعرفني كشاعر، عدت به مجازا بضعة أيام، وفي سوق الفلوجة توقفنا قليلا ، وجلبت له علبة سجائر فقد كان لا يدخن أمامي، ففتحتها وناولته سيجارة منها، وحين غادرنا المدينة علمنا أن الجسر الذي اجتزناه قد تعرض لأبشع الضربات الوحشية وأن الجسر الحديدي كان قد استُهدف أيضا.

بعد مسافة قصيرة افترشنا الأرض عند ظل شجيرة وناولنا حارث بنطلونا مدنيا وقميصا ليرتديهما فقد قال لنا أن بنطلونه العسكري يمكن أن ينتصب وحده واقفا لأنه قد تيبس مما تراكم من عرق جسده عليه، وحين انتبه إلى أننا ننظر إليه بدهشة وهو يتناول الطعام بنهم شديد، قال لنا: لا تستغربوا فإن كل ما كان وزعوه علينا من أرزاق هو الطحين الذي نعجنه ولا نجرؤ على إيقاد النار، فنلصقه على أي عمود حديدي ساخن لكي ينضج فنتناوله، وأحيانا نتسلل خلسة إلى أقرب قرية ليأخذ كل منا حفنة من التمر يزدردها مع ذلك الخبز العجيب.

طيلة الطريق في عودتنا للموصل كانت الغارات مستمرة، وحين داهمَنا الليل فوجئنا بضربات كثيفة موجهة لمنطقة (القيارة) وكنا قريبين منها، فترجلنا من السيارة بعد أن أطفأنا مصابيحها وابتعدنا عنها.

في منزلنا بعد أن رأى ولدي ما رأى في الطريق، وفي منطقة سكننا متمعنا بالسواقي قرب مداخل البيوت وماء أسود داكن يجري فيها، قال لي: صدقني أنني أشعر الآن أن الموقع العسكري الذي كنت فيه لا يختلف عن أي بقعة مررنا بها في الطريق، بل انه أكثر أمانا من موقع منزلنا هذا.

قلت: إنهم يستهدفون الأمان العراقي حقا، ويضعون كل ما أبدعه العراقيون في قائمة الخراب والدمار التي أعدوها في دهاليز الهيمنة والكراهية.

*

 

د. صباح نوري المرزوك .. في ذمة الخلود

salam kadomfarajانتقل إلى رحمة الله صبيحة يوم الجمعة الاستاذ الدكتور صباح نوري المرزوك / شيخ المفهرسين العراقيين والباحث الكبير/ إثر حادث مروري مؤسف في مدينة الحلة/ وللدكتور المرزوك مؤلفات عديدة أغنت المكتبة العربية / اهمها (معجم المؤلفين والكتاب العراقيين)/ في ثمانية أجزاء .. وله ايضا دراسة قيمة نشرت في مجلة الاقلام عام 1974 تتناول كل مؤلفات الدكتور طه حسين من كتب ومقالات ودراسات ومقابلات صحفية / كذلك تضمنت الدراسة كل ما كتب عن طه حسين من مقالات ودراسات وبحوث وأطروحات جامعية/

ومن مؤلفات الدكتور الفقيد كتابه الشهير شعراء الحلة/ وتكملة شعراء الحلة / الذي يغطي فترات زمنية مختلفة للشعر الحلي والبابلي..

ويوثق في كتابه الاخير (هؤلاء في حياتي..) لجمهرة من الادباء والمثقفين الذين تعرف عليهم خلال مسيرته العلمية//

والاستاذ الدكتور صباح نوري المرزوك تربوي من الطراز الاول تخرج على يديه المئات من طلبة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه (في الأدب العربي) يشهدون له بالروح الانسانية الفذة وتعامله الابوي معهم وصبره وحرصه على إيصال كل مالديه من خبرات اليهم..

رحم الله الفقيد العزيز الاستاذ الدكتور صباح نوري المرزوك/ ولعائلته الكريمة ولطلبته ومحبيه الصبر/

شاكر النابلسي في ذمة الخلود

abdulkhaik husanببالغ الحزن والأسى توفي في الولايات المتحدة الأمريكية في 14 كانون الثاني (يناير) 2014، وبعد معاناة طويلة من المرض، قطب من أقطاب الليبراليين العرب، بل عميدهم، الصديق العزيز الدكتور شاكر النابلسي، وقد ناهز الثالثة والسبعين من العمر وهو مازال في أوج عطائه الفكري التنويري.

كان فقيدنا نجماً لامعاً في المؤتمرات واللقاءات الفكرية التي تقام عبر القارات من أجل نشر الحداثة والفكر الليبرالي، ولمحاربة الجهل والتخلف في العالم العربي. كان حاملاً هموم كل العرب دون استثناء، ويتألم بعمق، حتى وهن قلبه وارتفع ضغطه، فكان يحمل معه كيساً من الأدوية في حله وترحاله. وكما قيل (لا مكان لنبي في وطنه)، اضطر النابلسي مغادرة وطنه الأردن ليسلم بجلده، وليقيم في كولارادو / أمريكا مع عائلته الكريمة مكرماً ومعززاً في بلاد "الكفار". ومن هناك، وبعد أن ضمن سلامته من ملاحقة الذئاب له، قام بمواصلة رسالته التنويرية، فنشر أكثر من ستين كتاباً، وعدة آلاف من المقالات والبحوث في الصحف العربية ومواقع الانترنت، إضافة إلى حضوره العديد من المؤتمرات والندوات، وعشرات اللقاءات التلفزيونية والإذاعية رغم متاعبه الصحية.

كرس النابلسي حياته للإصلاح السياسي والديني والاجتماعي في البلاد العربية، والقضايا الإسلامية، بالإضافة إلى كونه باحث ليبرالي في الفكر العربي، ويصنف بـ"الليبراليين الجدد" في المنطقة العربية، كما وصف البعض أفكاره بـ"الراديكالية" و"المتطرفة"، وهو لم يكن كذلك، بل كان في غاية الإعتدال، وقد عارض الكثير من الكتاب الذين كانوا ينتقدون الإسلام بعنف، ويمسون معتقدات المؤمنين، مؤكداً لهم أن هذه السياسة تؤدي إلى المزيد من التخندق والتشدد من قبل المؤمنين، ويخدم الإسلاميين المتطرفين. وكان متفائلاً بمستقبل العرب، وحتى بالوضع السعودي، ففي كثير من المرات كنا نتحاور عبر الهاتف، فيؤكد لي أن النظام السعودي يحث الخطى نحو الحداثة، ولكن بالتدريج ودون خلق هزات عنيفة وردود أفعال قوية من القوى الرجعية وعلى رأسها شيوخ الوهابية.

وهو أحد المفكرين الأربعة الذين قدموا دعوى إلى الأمم المتحدة لملاحقة كل رجل دين يفتي بقتل المثقفين العرب بسبب الاختلافات الفكرية. كما وكان أحد المؤسسين والموقعين على إعلان سان بطرسبرج عام 2007 الذي دعى المجتمعات الإسلامية لمعارضة حكم الشريعة الإسلامية لأنها لا تلائم المرحلة.

إن أهم ما يميز فكر النابلسي هو التفاؤل في نظرته نحو العلمانية في العالم العربي فقد رأى أن انتصارها هو نتيجة حتمية، إذ قال في صفحته على الويكيبيديا:» ونحن نتصور بأن يستمر تجاذب الأطراف على هذا النحو طيلة القرن الحادي والعشرين بين دعاة الدولة الدينية ودعاة الدولة العلمانية، مع يقيننا بأن التيار العلماني هو الذي سيتغلب في النهاية، ولنا في ذلك أسبابنا التالية: إلغاء المحاكم الشرعية في معظم الدول العربية وإنشاء المحاكم المدنية بقوانين وضعية، وفي بعض الدول بقيت المحاكم الشرعية ولكن قُلصت صلاحياتها بحيث اقتصرت على النظر في القضايا التي لها علاقة بالدين كالزواج والطلاق والإرث ومسائل الوقف وخلاف ذلك - إلغاء إقامة الحدود والعقوبات الشرعية من رجم وجلد وتعزير وقطع رقبة في معظم البلدان العربية، واستبدالها بعقوبات مدنية موضوعة - زوال العهد العثماني رمز الدولة الدينية، وزوال الاستعمار الغربي الذي من أجله حوربت الدولة العلمانية - وأخيراً، فإن سقوط الاتحاد السوفياتي وانمحائه من الخارطة السياسية العالمية وانفراد أمريكا –والغرب العلماني إلى جانبها- في قيادة العالم والتأثير عليه سياسياً وعلمياً واقتصادياً، ووقوف أمريكا ضد الدولة الدينية..، كذلك محاربتها ومعاقبتها ومطاردتها للجماعات الإسلامية في الشرق الأوسط والأقصى قد شدَّ من ساعد التيار العلماني في الوطن العربي، وسوف يشدُّ من ساعده أكثر فأكثر في القرن الحادي والعشرين ويشجع الدولة العربية الحديثة على المزيد من التطبيقات العلمانية«.

كباحث قدير، أهتم النابلسي بتاريخ العرب قبل وبعد الإسلام، وفي هذا السياق يلوم ما حصل للمصادر التاريخية لمرحلة ما قبل الإسلام من تلف متعمد، فقد رأى النابلسي أنهم تعرضوا للظلم والحيف بسبب أن الإسلام قام بتعمية ذلك التاريخ وأغلق دونه حجاباً، فيقول في هذا الخصوص» من الصعوبات التي يواجهها الباحث في هذا الشأن، إشكالية أنه قد تمَّ التعتيم على تاريخ ما قبل البعثة المحمدية تعتيماً يكاد يكون تاماً على اعتبار "أن الإسلام يجبُّ ما قبله"، أي أن الإسلام يُلغي ما قبله، ولم يكُ بين أيدينا غير شعر ما قبل الإسلام (ق.س)، وبعض روايات الإخباريين، وهذا هو حال صراع الأيديولوجيات في التاريخ، فكلما جاءت أيديولوجيا ألغت سابقتها، ورمتها بالجهل والتخلف والانحلال، وتصدرت هي واجهة التاريخ وحدها، وكان كل ما سبقها جهلاً وجهالة وسفهاً وسفاهة، ومن العهود البائدة، والأزمنة الفاقدة«.

قبل أشهر خسرنا علَماً من أعلام الليبراليين، وهو العفيف الأخضر، وقبله حامد نصر أبو زيد، ومحمد أركون، واليوم نخسر علماً شامخاً آخر وهو شاكر النابلسي، لا شك إن في رحيله خسارة كبيرة للعرب لا تعوض، وبالأخص لنا نحن الإصلاحيين والليبراليين، ولكن تبقى أفكارهم تنير الدرب للجيل الصاعد والأجيال القادمة.

كان النابلسي إصلاحياً بكل معنى الكلمة، ولم يكتف بالجانب النظري بنشر الأفكار التنويرية ودفاعه عن الديمقراطية والحرية وحرية التعبير فحسب، بل وكان نصيراً للأقليات القومية والدينية المضطهدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولترجمة ذلك إلى عمل، حضر العديد من المؤتمرات التي أعدها الأخوة الأقباط في تنظيم (أقباط متحدون) بقيادة المناضل الراحل المهندس عدلي أبادير يوسف. وقد تشرفتُ بحضور مؤتمرين منها، الأول في واشنطن عام 2005، حيث حظيتُ بلقاء الصديق العزيز النابلسي لأول مرة رغم أننا كنا متعارفين فكرياً وعن بعد عبر قراءة مقالات بعضنا البعض، ومن ذلك اللقاء توطدت الصداقة بيننا.

ثم أسعفني الحظ ثانية بلقاء الصديق الكبير في آذار/مارس 2007، فكان لي شرف الحضور مؤتمر الأقليات في الشرق الأوسط في زيورخ، والذي نظمته منظمة (الأقباط متحدون) أيضاً برئاسة الصديق الراحل عدلي أبادير يوسف، حيث ألقيتُ مداخلة بعنوان (محنة الأقليات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، وتوصل المؤتمر إلى تأسيس منظمة (الدفاع عن حقوق الأقليات والمرأة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) برئاسة الفقيد النابلسي. كما وحضر فقيدنا مؤتمراً للأكراد في كردستان العراق والتقى بالرئيس العراقي والزعيم الكردي السيد جلال طالباني.

ثم التقينا ثالثة في مؤتمر روما لٌلإصلاح الذي نظمته مؤسسة (المصلح) برئاسة الصديق الأكاديمي الدكتور ستيفن أولف، في كانون الأول/ديسمبر 2011.

لا شك أن رحيل الدكتور النابلسي خسارة كبيرة للحركة الإصلاحية والليبرالية، ولنا نحن من قرائه ومحبيه وأصدقائه، ولي شخصياً كصديق عزيز، سأفتقده كثيراً إذ كنت أتجاذب معه أطراف الحديث وتبادل الأفكار عبر الهاتف بين حين وآخر، أسعد بأحاديثه الشيقة والمفيدة واستمتع بضحكاته العميقة. وبهذه المناسبة نقدم عزاءنا الحار لعائلته الكريمة وكافة محبيه، نرجو لهم الصبر والسلوان، ولفقيدنا العزيز الذكر الطيب.

 

...........................

أرشيف مقالات الدكتور شاكر النابلسي على موقع (الحوار المتمدن)

http://www.ahewar.org/m.asp?i=171

رابط مقالات المرحوم شاكر النابلسي المنشورة في "الأخبار"

http://akhbaar.org/home/for-the-author/?auid=6

تجربتي مع النص الأول

abdah haqiكيف نأتي إلى فخاخ الكتابة أوكيف تأتي غواية الكتابة إلينا ..؟ يحيرني هذا السؤال الوجودي المبهم والغامض .. من يشد رحاله إلى عوالم الآخر، أهي الذات إلى الكتابة أم الكتابة إلى الذات ..؟ هل الكتابة تشبه تلك السيدة الساحرة التي تقتنص عشاقها المصطفين على أرصفة الصدفة ، مثلما كان شهرياريختارمن جواريه كل ليلة واحدة لتحكي له على حافة السريرحكاية تحمله إلى ضفة الغفوة اللذيذة..؟

الكتابة ليست مطرا عاصفا يبلل كل العابرين في شارع الحياة العامة.. هي ليست شمسا تشع على كل من تعلق بأهذاب أشعتها العذبة .. هي ليست كذلك بحرا نمضي إليه عراة عن طواعيتنا لكي نغطس عميقا مع كائناته الصموتة في الخلجان والأغوارالملغزة .. الكتابة ليست طوفانا لامرئيا قد يأتي إلينا في يوم ما فجأة ليطوح بنا بعيدا في غياهبها وتبعاتها .. أفراحها وأحزانها .. أصفادها وحريتها ... الكتابة أخيرا ليست كل هذا في رأيي ، لكنها قد تكون كل هذا في رأي كاتبات وكتاب آخرين .. هكذا أتخيل الكتابة الآن على بعد 30 سنة خلت من تورطي في تجربة النص الأول ...

كل فخاخ هذا السيناريووأحابيله الماكرة كان القدرقد جهزها في الخفاء وفي العلن أيضا .. في الغيب كما في الوجود .. هي حزمة مواثيق مع القدروجدتها جاهزة على طاولة مفاوضاتي العسيرة مع النص الأول .. منها ما بصمت عليها بأصابعي العشر، وبعينين جاحظتين ووعي وقاد ، ومنها ماكانت علي قدرا جبريا لامفرمنه ...

كيف حدث ذلك في أحد أيام صيف سنة 1976 ؟ أذكرتلك التفاصيل العامة جيدا كما لوأنها تحدث أمامي الآن ... فبعد أن لقنني أحد أقران الثانوية النجباء الذي قلب فيما بعد 'المعطف' أعني بالعرنسية (الفيستا) من شاعرشاب واعد كان ينشرقصائده في المجلات العراقية (الأقلام ـ الطليعة الأدبية ..الثورة .. الفنون .. إلخ) التي كان سعرها زمنئذ لايتعدى 2 درهم مغربي في عهد الثورة النفطية السبعينية ، فجأة تحول هذا الشاعرالواعد إلى شاب سلفي ملتح أواسط الثمانينات منقلبا ب 180 درجة من قبلة الإبداع الشعري الدافق إلى قبلة الكعبة المشرفة شرقا .. إنه بكل تأكيد من يرجع له الفضل في تلقيني لعبة تقطيع الأبيات الشعرية العمودية إلى حركات وسكنات وقوافي وأقفال .. إلخ ، حتى بات هذا التقطيع في أوقات فراغ يومياتي لعبة مسلية تشبه إلى حد ما لعبة من لعب الذكاء عند الأطفال التي تعتمد على تفكيك ثم تجميع جهازاللعبة .. بعد ذلك شرعت أنشئ أبياتا قليلة على أوزان البحورالسهلة مثل الرجزوالبسيط والرمل ... وفي لحظة ما وجدتني منقطعا لفترة غير يسيرة عن العالم الخارجي .. منعزلا في خلوة "صوفية" ومنكبا بنهم على كتاب ''ميزان الذهب" لخليل ابن أحمد الفراهيدي الذي أعارني إياه أستاذ مادة اللغة العربية في الفصل الأول من التعليم الثانوي بمؤسسة عمربن الخطاب ، ثم فيما بعد قادتني طريقي الشعرية الإستكشافية هاته إلى قراءة العديد من الدواوين الشعرية لمحمد الفيتوري ونازك الملائكة وبدرشاكرالسياب وأدونيس ومحمود درويش ووأحمد دحبوروغيرهم من رواد الحداثة الشعرية العربية ولعل أهم تلك الدواوين تأثيرا في حياتي الإبداعية الأدبية في تلك المرحلة ، كان مجلد الأعمال الشعرية الكاملة للشاعرالسوري نزارقباني الذي استعرته لعدة شهورمن المكتبة العامة بالجامع الكبيربحومة قبة السوق.

لقد كان هذا المجلد يضم مجموعة من الدواوين المتوسطة حجما مثل (أنت لي ، سامبا ، الشعرقنديل أخضر، قصائد متوحشة ..إلخ) ومن كثرة ما سحرتني شعريته وقاموس لغته الحداثية وموضوعاته الحميمية .. الجريئة والمنسجمة وقتئذ مع أحاسيس مرحلتي الشبابية ، صرت مدمنا على قراءته حتى ألفيتني أقطع كل يوم مسافة نصف ساعة مشيا على الأقدام من بيتنا إلى حومة قبة السوق بالمدينة العتيقة لألتحق بمكتبة الجامع الكبيرإلى درجة أصبح الأستاذ الجليل عبدالسلام البراق متعهد المكتبة وقتئذ كلما لمحني مشرئبا برأسي من أعلى الأدراج حتى ينصرف إلى مستودع المخطوطات والمجلدات والكتب المتواري عن قاعة المطالعة ويأتيني بخفة ظله المعهودة بمجلد نزارقباني من دون أن أكون في حاجة إلى تعبئة مطبوع الزيارة مثل باقي الرواد والزوارمن الأساتذة وطلبة الجامعة والعشاق الباحثين عن رسائل تلين قلوب حبيباتهم ... وقبل هذا وذاك كنت أيضا في أواسط الستينات حفاظا بارعا ومتذوقا ممسوسا بأشهرالأغاني المغربية والعربية المطولة والقصيرة من أشعارمحمد الطنجاوي والخمارالكنوني والمهدي زريوح ولعلني أذكرالآن بالخصوص أغنيتي الأطلال للسيدة أم كلثوم والقمرالأحمر للموسيقارعبد السلام عامرهاتان الأغنيتان اللتان كانت آلة ''المانييتوفون'' في بيتنا والتي تشبه حقيبة يديوية رمادية ثقيلة لاتتوقف عن الشذوبهما طوال النهاروخصوصا في أيام الآحاد حيث تكون الدارالكبيرة صاخبة ورافلة في رغد "الويكاند" وحيث يلتئم بين حيطانها الأنيسة والدافئة كل أفراد العائلة بعد أسبوع من العمل عند الكباروالدراسة عند الصغار...

وفي غفلة مني كانت تربة الكتابة تختمرسرا شيئا فشيئا في أعماق نفسي وتهيئ وحيها القادم إلى يوم الخلق الموعود .. وحدث ماكان لابد أن يحدث في سيرتي كما لوأن هذا المساركان يستلهم صيرورته وتحولاته من قانون النشوء والإرتقاء والتطورالطبيعي لجميع الأحياء على أديم الأرض مادام الأمرهنا يتعلق أيضا بكائن حي له روح وجسد وأنفاس إنه "النص الأدبي" ...

وفي ليلة من ليالي صيفنا المكناسي القائظ من سنة 1976 بعد أن تمكنت من لعبة التقطيع العروضي فكرت فجأة أن أجرب حظي في زرع أول بذرة في حدائق الشعر.. لايتعلق الأمربقرارلحظي يحتمل ضمن مايحتمل شروط اليقظة والوعي .. وإنما كما قلت هو إرتقاء من الطقس الجواني الجاف المحتقن إلى فصل الأمطاروالعواصف والرياح المخصبة .

أذكرأنه أصابني أرق حاد في تلك الليلة القائظة .. أطفأت نورالمصباح الكهربائي وفي عتمة الغرفة ولتجزية وقت السهاد واجتذاب غفوة النوم عدت إلى لعبة التقطيع ذهنيا هذه المرة وطفقت أنظم أبياتا عمودية على وزن البحرالطويل (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن ... فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن ) حتى بت كلما نظمت بيتا أحفظه عن ظهرقلب ثم أعيد اللعبة من جديد لنظم البيت الموالي ... بت مثل عنكبوت أومثل دودة القزأروح وأغدو على رقعة القماش في عملية نسج جيئة وذهابا طيلة الليلة ، كانت عملية ممتعة ومرهقة ذهنيا وتقنيا أيضا نظرا لاقتعاد نظم القصيدة العمودية بالأساس على احترام قواعد الوزن من حركات وسكنات وقافية وتناسق الصوروالأخيلة في الصدركما في العجزبشكل دقيق .

لم تسعفني هذه اللعبة في أن أنعم بوسنة لذيذة وإنما أذكت نار أرقي أكثر فأكثر، ووجدتني مستغرقا في مغامرتي النظمية اللذيذة حتى مطلع الفجرمن دون أن أعلم بأي مصيرأو أي شاطئ ينتظرزورق قصيدتي الهائمة في انسيابها التلقائي وحتى من دون أن أحدد أفق إنتظاريرسم ملامحها الأولى والتي أعتقد الآن أنها أتت إلي مداهمة كنوبة صرع مفاجئ .. وأتخيل اليوم بكل تأكيد أنني لم أمضي إليها مستكشفا .. جسورا ومتطفلا إطلاقا .. كانت القصيدة الأولى ضربا من الإلهام ووحيا في الهزيع الأخير هابطا من عتمة السهاد ... كل ما أستطيع أن أجزم بوعي وجوده في تلك اللحظة هوأن كل شروط الخلق النفسية والثقافية والإجتماعية كانت جاهزة ومساعدة بسخاء أكثرعلى تفجيرإعتمالات ذاتي في بنية إبداعية هلامية إنصهرت ثم إنفجرت في ليلة ما من ليالي العمرعلى هيأة قصيدة عمودية من ثمانية عشربيتا ـ ليس إلا ـ وهذا كل مااستطعت واكتفيت به كهدية في صندوق الأرق وهوإنجازبدا لي وقتئذ خارقا في بدايات سيرتي الأدبية لن أنساه مدى العمر..

ماتزال تلك الصورالشعرية التلقائية .. المفعمة براءة تعبرقافلتها أمامي الآن .. هلامية أحيانا مثل خيوط دخان قزحية وأحيانا أخرى مثل لوحات رسام شاب حالم لم تسعفها جدارة اليقظة والوعي على التحقق في الزمان والمكان ...

وأذكرفي صباح ذلك اليوم التاريخي الموعود .. قمت وحررت قصيدتي التي عنونتها ب''همسات اللقاء'' على ورق دفتروحلقت بها كعصفورمرح ، نشوان بشذوه إلى رفيقي الشاعروأطلعته على باكورتي الشعرية الأولى .. وما أسعدني في تلك اللحظة أنني لمحت في قسماته إنبهارا وإعجابا وهويقرأ ويعيد قراءة قصيدتي البكرفي صمت وتأمل ..

وباقتراح منه قمت في نفس اليوم وبعثت بقصيدتي هاته إلى البرنامج الإذاعي ''ناشئة الأدب '' الذي كان يشرف على إعداده الشاعرالأصيل المرحوم إدريس الجاي'' .. لاأذكرماذا كتبت في التقديم ولا أية عبارات شكر إنتقيتها ونثرتها في خاتمة الرسالة ، كلما أذكره الآن هوأنني صرت أستعجل يوم بث البرنامج في يوم الإربعاء القادم ..

مر الأسبوع الأول خاطفا وبطيئا في نفس الوقت .. لست أدري كيف مرت غيمته الحبلى ، وفي يوم الأربعاء من الأسبوع الثاني تسمرت مساءا قرب المذياع الوحيد في بيتنا وتحلق من حولي أفراد أسرتي وصديقي الشاعرأيضا وكم كانت المفاجأة مثل الرجة العذبة أومثل أجمل الزلازل الجوانية التي تهدم عوالم الدواخل لتبدأ فتنة خلقها من جديد وأنا أستمع إلى صوت المذيعة وهي تنبس باسمي وعنوان قصيدتي ''همسات اللقاء'' ثم شرعت تتدفق نغمات السمفونية المرافقة مشفوعة بصوتها الرخيم الصادح بتلك الأبيات الغريبة التي تفتقت في عمق الظلام .. كنت مخذرا .. مبنجا ومرفوعا على صهوة الموج الجموح .. قشعريرة تسري في كل أوصالي .. وتياركهربائي يلسعني في كل زوايا جسمي .. صدري ممتلؤ ببالون من أنفاس غريبة ومصطخبة .. لم أصدق أن إسمي المغمور.. النكرة سيدخل مبنى دارالإذاعة المركزية من أوسع باب .. لم أصدق أن شاعرا في هذا البيت بل في هذه الحارة السفلى قد ولد تلك الليلة من رحم العتمة ومخاض الأرق .. كانت إذن تلك هي بداية غوايتي الشعرية وورطتي الأدبية وهوسي الثقافي بشكل عام ، وإلى الآن ماأزال أطرح السؤال: لو لم تنشرقصيدتي الأولى ''همسات اللقاء'' على أمواج الإذاعة المركزية في تلك الأمسية من سنة 1976 ولولم يكن هناك أبا عطوفا على زمرة الشعراء الشباب من جيلي مثل محمد الطوبي ورشيد اليحياوي وغيرهما هوالفقيد إدريس الجاي ، هل كنت سأكون ما أنا على صورته اليوم ككاتب فاشل أوكاتب ناجح أوكاتب دخيل أوكاتب لقيط ثقافيا .. لاتهمني اليوم كل الأوصاف والنعوت الجميلة منها أوالعدوانية .. ولاالنياشين على الصدرأوالصفعات على قفاي بعد أكثرمن ثلاثين سنة .. أفخركثيرا أنني كاتب مقل جدا جدا .. في رصيدي اليوم رواية ومجموعتين قصصيتين وبعض قصائد وعشرات المقالات في الترجمة والنقد الأدبي والإعلام والأدب الرقمي وبرفقتي قلة من الأصدقاء المبدعين الجميلين والجواب هو: لست أدري ! ياليتني كنت نسيا منسيا .. جاهلا أنعم في شقاوتي لربما أفضل من كوني كاتبا أشقى في نعيم الكتابة في أمة "إقرء" لكنها لاتقرأ ...

قاص وروائي مديرموقع إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

شيخ الليبراليين الجدد الدكتور شاكر النابلسي يترجل عن صهوة الحياة

shaker faredhasanغاب عن دنيانا قبل أيام الكاتب والأديب والباحث والمفكر والأكاديمي المعروف الدكتور شاكر النابلسي، أحد أبرز المثقفين العرب والليبراليين الجدد المنظرين للفكر العلماني، والمشتغلين بقضايا النقد والإبداع والفكر والحداثة والتنوير والعلمانية والأصوليات الدينية الإسلامية .

شاكر النابلسي هو كاتب من أصل أردني، ولد سنة 1940، عاش ردحاً من الزمن في الأردن ثم أقام في السعودية زهاء ربع قرن، بعد ذلك سافر إلى أمريكا واستقر فيها بعد نيله شهادة الدكتوراه من إحدى جامعاتها . تعددت اهتماماته ومشاغله التنويرية ما بين النقد الأدبي ومسائل الإصلاح ومقومات النهوض العربي ونقد المقدس وتفكيك القضايا التي يعيشها الفكر العربي . انطوت كتاباته وطروحاته الفكرية على نزوع ديمقراطي تقدمي علماني،  متأثراً كمعظم أبنا جيله بالمفكر الايطالي انطونيو غرامشي، متبنياً نهجاً ليبرالياً حراً صادم فيه الكثير، وأثارت كتاباته جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والثقافية العربية .

اتصف شاكر النابلسي بروحه الدائبة للبحث، وحرصه على متابعة ومواكبة كل ما هو جديد وحداثي في وعاء الفكر العربي،متتبعاً إسهامات المحدثين والمجدين العرب، ومتبيناً قضايا التنوير والإصلاح، متفائلاً بنظرته نحو العلمانية وانتصارها الحتمي في المجتمعات العربية .

حارب شاكر النابلسي الركود والخمول واللامبالاة، وساهم في نشر ثقافة التنوير والعقلانية والإصلاح والديمقراطية وأفكار المجتمع المدني، ودعم حرية التعبير والتفكير والاختلاف بالرأي، فضلاً عن دفاعه القومي عن حق الشعوب في منطقتنا بالحرية والتنمية والتقدم .

تفرغ النابلسي للبحث العلمي والتأليف، وترك وراءه ثروة فكرية غنية من المؤلفات والأبحاث والدراسات والمقالات بلغت نحو 60 كتاباً في مجالات النقد والتاريخ والاجتماع والفكر السياسي آخرها "الجنسانية العربية"، ومن أبرز أعماله ومؤلفاته : العرب بين الليبرالية والأصولية الدينية، الليبرالية السعودية بين الوهم والحقيقة، أسئلة الحمقى في السياسة والإسلام السياسي، الفكر العربي في القرن العشرين، الحداثة والليبرالية، معاً على الطريق، النظام العربي الجديد، الفكر العربي في القرن العشرين " وغيرها الكثير .

في كتابه "الفكر العربي في القرن العشرين " يوضح د. شاكر النابلسي النظرة العلمانية وأهميتها للمجتمع العربي، مؤكداً  بكل يقين بان التيار العلماني هو الذي سيتغلب في النهاية . أما في كتابه "تهافت الأصولية " فيتطرق إلى الأصوليات الدينية الإسلامية ويرى خطرها على الحاضر والمستقبل العربي، وهذا الخطر يتمثل في الأيمان المطلق بالحقائق المطلقة، ومنع النقاش، والجدل، والإبداع الفكري، وفي هذا تكبيل تام للنشاط الفكري، والاجتهاد، وازدهار الرأي الآخر، لأن الحقيقة المطلقة - كما يقول- مرتبطة دائماً بالعقائد الدينية، وليست بالأفكار . فالأفكار تتغير، أما العقائد الدينية فهي عابرة للتاريخ، لا تتغير ولا تتبدل، مشيراً أن هذا الخطر يتمثل في ارتباط ظاهرة الإرهاب بالسلفية / الأصولية الدينية .

وحين منع المفكر المصري الراحل د. نصر حامد أبو زيد من دخول الكويت للمشاركة في عدد من الندوات الثقافية، انشأ د. شاكر النابلسي مقالاً بعنوان "الغول نصر حامد أبو زيد" ومما جاء فيه: " أفهم تماماً أن تمنع الكويت إرهابياً من دخول أراضيها . وأفهم لأن تمنع الكويت من دخول أراضيها لصاً أو مهرّباً، أو تاجر مخدرات، أو قواداً، أو نخّاساً، أو مجرماً يهدد استقلال الكويت وأمنه . أفهم أن تمنع الكويت داعية دجّال، يتقاضى في الليلة الواحدة عشرة آلاف دينار كويتي لكي يقيم (show) ديني في مكان ما . أفهم أن تمنع الكويت أولئك الدعاة الدجّالين الذين يتاجرون بالدين كتجارة الآخرين الأشقياء بالمخدرات، والذين يثيرون غرائز الجمهور الدينية، ويدفعونه إلى اللطم والبكاء، أكثر مما يثيرون عقول جمهورهم، ويدفعونه إلى التفكير وإعادة التفكير والعمل .

ويضيف قائلاً : "أفهم أن تمنع الكويت مغنية ساقطة، أو راقصة رخيصة، أو عاهرة فاجرة، أو جاسوسة يهودية . ولكني لا أفهم أبداً أن تمنع الكويت الديمقراطية الجميلة، ومشعل الثقافة الخليجية والعربية بكتبها، وإصداراتها، ومسرحها، ومجلاتها، وصحافتها الحرة، أكاديمياً وعالماً إسلامياً في مطلع الألفية الثالثة، يحمل هموم الإسلام ليلاً نهاراً، ويدافع عنه، وعن قيمه الأخلاقية الجميلة، لا بالدجل، ولا بالشعوذة، ولا بإطلاق اللحية، وصبغها بالحناء، وتضمينها بالمسك والعنبر، وحمل المسواك، ولبس الثوب القصير، والشماغ، أو الغترة، والبست، أو العباءة، أو المشلح، وتعفير جسمه بالطيب والعود والبخور، ولكن بالعلم الغزير، والثقافة المنفتحة الواسعة على كل جهات الأرض، والمعرفة العميقة، والعقل السلطان..!

هذا هو الدكتور شاكر النابلسي، المفكر الحر الشريف، والمثقف العضوي، والمفكر الليبرالي التنويري المثير للجدل، الذي مات بعد رحلة عطاء وإبداع فكري خصب، وستظل ذكراه حية بأعماله ومؤلفاته ومنجزاته البحثية وأفكاره النيرة .

 

في الحنين إلى الوطن العراقي .. إحتفاءً بمئوية المعمار الدكتور محمد مكية

ali thwayniالحنين أعمق من الشوق وهو صلب العاطفة وموئل الذكرى، وهو حلم مرهف وخيال مجنح وإملاء لامناص ومهرب من سطوته، ومثاله المجسد في الحنين للأوطان والشغف بذكرى المكان وعشق الزمان التي دعي في الغرب (نوستالجيا). وسمي بالعربية (الأبابة). والابابة شعور خيالي يوِّلد الإحساس بالألم نتيجة الخوف من عدم الرجوع الى الوطن ورؤيته ثانية. وقد ارتبط في الحقب التاريخية الماضية بظاهرة الرومانسية المعروفة. وهو يأخذ صورًا شتى من مشاعر الألم الممتزج بالنشوة احيانًا. وقد يفجر تلك المشاعر لدى الانسان تذكّر حادثة معينة او مشاهدة منظر او الإستماع الى قصة او قراءة سيرة او مقال او شعر، او الإستماع الى أغنية او موسيقى، او شم عطر او غيرها من مسببات تكون للآب بمثابة الصاعق.وقال حكماء التراث عن تلك الظاهرة الإنسانية: الحنين من رقة القلب، ورقة القلب من الرِّعاية، والرِّعاية من الرَّحمة، والرَّحمة من كرم الفطرة، وكرم الفطرة من طهارة الرَّشدة، وطهارة الرَّشدة من كرم المحتد.

والحنين صفة لاتقترن بجنس بشري دون غيره فهي فطرة وسليقة في أعماق الخلق. وثمة إختلاف بين معاشر الشعوب في مدى حنينها لأوطانها،أو الشغف بالعودة لها، فمنها المهاجر بالفطرة أو (السليقة التأريخية) ومنها الثابث المتشبث. وعلى العموم ودون تعميم فإن جل الشعوب الطينية راسخة والرملية مهاجرة، والعراقيون طينيون، لايبرحون وطنهم إلا مكرهين. وقدحدث الأمر عند الإنعطافات الكبرى في التاريخ، ومنها سقوط نامات سومر على يد البداة المهاجمين من الشرق،وسقوط آشور عام 605 ق.م، وبابل عام 539ق.م، والدولة الأموية 745م، حيث رحل العراقيون بعيدها زرافات من الموالين للأمويين إلى المغرب والأندلس.وحدث الهزيع حين سقطت بغداد العباسية عام 1258م حيث رحل الكثيرون لمصر والمغرب وفارس، حتى (الخلفاء) العباسيين وجدوا لهم موقع قدم في القاهرة.وبعد حلول الخروفين الآسيويين (الأبيض والاسود)، ثم العثمانيين، رحل العراقيون إلى الهند،ونقلوا معهم ميراثهم، حتى لنجد أن (اسطة) تاج محل أسمه واجد البغدادي، ونجد أن كثير من مخطوطات بغداد، قد رحلت معهم.

ونجد من شعوب الأرض تواقين للهجرة مثل أهل جنوب الجزيرة العربية نحو صوبي أفريقيا وآسيا، و سكان حوض البحر المتوسط منذ الأتروسكيين(سومريون سكنوا إيطاليا قبل الرومان منذ 1000ق.م) والفينيقيين، والذين جهابذة البحر الذين وصلوا حتى العالم الجديد، والأمر نافذ عند أهل دول الشمال هروباً من الصقيع الى الدفئ والشمس في الجنوب، وهجرة أهل شرق أوربا الى غربها.وأهم مايهمنا هو توق من سكن الهضبتين الفارسية والعربية للولوج الى الوادي العراقي الأخضر، وهو مصدر كل أحداث تأريخه.

والحنين للأوطان الشاخصة صفة طينية تعني الثبات بالأرض كونها تدر الغلة وتديم البقاء وتستديم.

النوع، وتقع على نقيض العقلية الرملية التي لم تعبأ بالمكان،كونه مجدب ومكبل ومحبط وعنى الفاقة والموت جوعا،بما حركه هذا الهاجس في الفطرة البشرية من شجون.وثمة بون بين الحنين لأهل وأطلال كما عند البدوي وحنين لأوطان ومكان عند الحضري، لذا فإن الحنين للأوطان مكاني يجد في العاطفة مسراه ومعيار دفقه،والذاكرة موئله ومخزنه والتفريغ التعبيري بالفن والشعر والقول والأدب متنفسه .

وحتى لو كان الحضريَّ قد ورد من أرض أقل خصباً، وتغرب في بلادٍ أكثر ثراءا وغلة، فإنه لابد أن يحن إلى وطنه ومستقرِّه.وللأعراب حنين إلى الجدْب، والمحلِّ القفر، والحجر الصَّلْد، ووخمة الرِّيف، حتَّى قال بعضهم:

أتجلين في الجالين أم تتصبَّري … على ضيق عيشٍ والكريمُ صبورُ

فبالمصر بُرغوثٌ وحُمّى وحصْبةٌ …... ومُوم وطاعونٌ وكلُّ شُرورُ

وبالبيد جوعٌ لا يزالُ كأنَّه …........... رُكامٌ بأطراف الإكام يمورُ

وذكر عن الإمام علي (ع) قولة عن المهاجر: ( ليس بلد بأحق بك من بلد خير البلاد ما حملك)وتعني كلمة حملك: أعزك وأطعمك واواك. وقال الخليفة الراشد عمر (رض): (عَمَّر الله البُلدان بحبِّ الأوطان ) . وكان يقال: لولا حبُّ الناس الأوطان لخسرت البُلدان.وقال عبد الحميد الكاتب، وذكر الدُّنيا: ( نفتنا عن الأوطان، وقطعتنا عن الإخوان).وقالت الحكماء في الإغتراب: أكرم الخيل أجزعُها من السَّوط، وأكيس الصِّبيان أبغضُهم للكُتَّاب، وأكرم الصَّفايا أشدُّها ولهاً إلى أولادها، وأكرم الإبل أشدُّها حنيناً إلى أوطانها، وأكرم المهارة أشدُّها ملازمةً لأمِّها، وخير الناس آلفُهم للناس.وقال آخر: من إمارات العاقل برُّه لإخوانه، وحنينه لأوطانه، ومداراته لأهل زمانه. وقال بعض الفلاسفة اليونان: فطرة الرجل معجونةٌ بحبِّ الوطن.و قال بُقراط: يُداوى كلُّ عليلٍ بعقاقير أرضه؛ فإنَّ الطبيعة تتطلَّع لهوائها، وتنزع إلى غذائها.وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنجع أدويتها. وقال جالينُوس: يتروّح العليل بنسيم أرضه، كما تنبت الحبة ببلِّ القطْر. وقالت العرب: حماك أحمى لك، وأهلك أحفى بك.

وشبَّهت الحكماء الغريب باليتيم اللَّطيم الذي ثكل أبويه، فلا أُمَّ ترأمه، ولا أبَ يحدب عليه.ولنا تجربة في الجزائر حينما حاولو تقديم لي (صدقة) مشيا على موقف في الفقه المالكي الذي يصنف الغريب كما إبن السبيل وتحل عليه، حتى لو كان ثرياً مرفها مثلي. وقيل: الغُربة كُربة، والقلّة ذلة. وقال الشاعر:

لا ترغبوا اخوتي في غربة أبداً … إنّ الغريب ذليلٌ حيثما كانا

وقال آخر: لا تنهض من وكرك فتنقُصك الغُربة، وتضيمك الوحدة. وقال آخر: لا تجفُ أرضاً بها قوا بلك، ولا تشكُ بلداً فيه قبائلك.وقال أصحاب القيافة: إذا أحسَّت النفس بمولدها تفتَّحتْ مسامُّها فعرفت النَّسيم.وقال آخر: يحنُّ اللبيب إلى وطنه، كما يحنُّ النَّجيبُ إلى عطنه.وقال: كما أنَّ لحاضنتك حقَّ لبنها، كذلك لأرضك حرمة وطنها.

ونجد في التراث مثل الجاحظ يفصل بين حنين العرب عن العجم والهنود ويذكر ما قالته "العجم" في الحنين: من علامة الرُّشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها توّاقة. أما عند الهنود فجاء ضمن التراث العربي مقولة: حرمة بلدك عليك مثل حرمة أبويك؛ لأن غذاءك منهما، وغذاءهما منه.وقال آخر: احفظ بلداً رشّحك غذاؤه، وارع حمىً أكنّك فناؤه. وأولى البلدان بصبابتك إليه بلدٌ رضعت ماءه، وطعمت غذاءه.وجاء في التراث كذلك: أرض الرجل ظئره، وداره مهده. والغريب النائي عن بلده، المتنحّي عن أهله، كالثور النادِّ عن وطنه، الذي هو لكلِّ رامٍ قنيصة.وقال آخر: الكريم يحنُّ إلى جنابه، كما يحنُّ الأسد إلى غابه.وقال آخر: الجالي عن مسقط رأسه ومحلِّ رضاعه، كالعير الناشط عن بلده، الذي هو لكل سبعٍ قنيصة، ولكل رامٍ دريئة.وقال آخر: تربة الصبا تغرس في القلب حرمة وحلاوة، كما تغرس الولادة في القلب رقَّةً وحفاوة.وقال آخر: أحقُّ البلدان بنزاعك إليه بلدٌ أمصَّك حلب رضاعه.وقال آخر: إذا كان الطائر يحنُّ إلى أوكاره، فالإنسان أحقُّ بالحنين إلى أوطانه.وقال آخر: ميلك إلى مولدك من كرم محتدك.وقال آخر: عسرك في دارك أعز لك من يُسرك في غربتك.وقال آخر: الغريب كالغرس الذي زايل أرضه، فقد شربه، فهو ذاوٍ لا يثمر، وذابلٌ لا ينضر. يقال أن الناس بأوطانهم أقنع منهم بأرزاقهم.ولذلك قال ابن الزُّبير: " لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما اشتكى عبدٌ الرِّزق " . وقالت أعرابية: إذا كنت في غير أهلك فلا تنسَ نصيبك من الذلّ. وأترع الشعر العربي بنفحات رومانسية، حيث قال الشاعر:

إذا ما ذكرت الثَّغر فاضت مدامعي … وأضحى فؤادي نُهبةً للهماهمِ

حنيناً إلى أرضٍ بها اخضرَّ شاربي … وحُلَّت بها عنِّي عقود التمائمِ

وألطف قومٍ بالفتى أهل أرضه … وأرعاهم للمرء حقَّ التقادمِ

وقال آخر:

يقرُّ بعيني أن أرى من مكانه … ذرى عقدات الأبرق المتقاودِ

وأن أرد الماء الذي شربت به … سليمى وقد ملّ السُّرى كلُّ واخدِ

وألصق أحشائي بيرد ترابها … وإن كان مخلوطاً بسم الأساودِ

وقال آخر

لقربُ الدار في الإقتار خيرٌ … من العيش الموسَّع في اغترابِ

وقال آخر:

لعمري لرهطُ المرء خيرٌ بقيَّةً … عليه وإن عالوْا به كلَّ مركبِ

إذا كنت في قومٍ عدىً لست منهم … فكُلْ ما عُلفت من خبيثٍ وطيِّبِ

ونجد في التراث العراقي القديم نصوص عن الهجرة،ولاسيما من المدن التي تداهم مثل أوروك وبابل. لكن التراث العربى تناول كتب الحنين عن الوطن بغزارة، ومنها: " حنين الإبل إلى الأوطان " لربيعة البصري، " حب الوطن " لعمرو بن بحر، لا الشوق إلى الأوطان" لأبي حاتم سهل بن محمد السجستاني، "حب الأوطان " لأبى الفضل بن أبي طاهر، " الحنين إلى الأوطان " لموسى بن عيسى الكسروي، " الحنين إلى الأوطان " لأبي الطيب محمد بن أحمد بن إسحق الوشاء، " الحنين إلى الأوطان " للحسن بن عبد الرحمن ابن خلاد الرامهزي، " أدب الغرباء " لأبي الفرج علي ابن الحسن الأصفهاني، " الحنين إلى الأوطان " لأبي حيان علي بن محمد بن العباس التوحيدي، " النزوع إلى الأوطان " لأبي سعد عبد الكريم بن محمد ابن السمعاني.

ومن أكثر ما وجدناه أهمية في رصد تلك الظاهرة هو مؤلف (حنين الأوطان) للعراقي أبومنصور محمد بن سهل بن المرزباني الكرخي البغدادي، ويقال عنه إنه من علماء النصف الثاني من القرن الثالث والثلث الأول من القرن الرابع الهجري، وتعد هذه الفترة من أزهى الفترات التي وطأتها الحضارة في بغداد، وكان أحد آئمة الأدب والبلاغة البارعين وأحد الفصحاء البلغاء.ويبدو أنه قد آثر الابتعاد في خدمة الخلفاء ودواوين الدولة، لذا مكث في الظل رغم براعته الفكرية والبيانية.وهذا ديدن الثقافة في كل زمان ومكان.

الباب الأول من الكتاب عنوانه: " ما جاء في حب الوطن "، وهو يبدأ بالقرآن الكريم، قال تبارك وتعالى في سورة " النساء " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم، وهكذا قرن الحق الجلاء عن الوطن بالقتل، وقال النبي (ص): الخروج من الوطن عقوبة، وكان يقال: " بحب الأوطان عمرت البلدان "، " والحنين من رقة القلب ورقة القلب من الرعاية والرعاية من الرحمة، والرحمة من كرم الفطرة، وكرم الفطرة من طهارة الرشد ".وقال جالينوس: يتروح العليل بنسيم أرضه، كما تتروح الأرض الجدبة ببل القطر، وقال أبوقراط: يداوى العليل بحشائش أرضه، فإن الطبيعة تنزع إلى غذائها، وأنشد الطائي:

كم منزل في الأرض يألفه الفتى.....وحنينه أبداً لأول منزل

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى.....ما الحب إلا للحبيب الأول

والباب الثالث من الكتاب عنوانه: " من اختار الوطن على الثروة "، قال بعض الأدباء: عسرك في بلدك، خير من يسرك في غربتك، وقال رجل لابنه: اخرج إلى الهند في تجارة فأبى، وقال: لا متصرف في الطلب خوف العطب، بل الحاجة أشد من الإعواز، والحاجة في عز الأمن خير من الغنى في ذل الخوف.وقيل لأعرابي: ما الغبطة؟، قال: الكفاية مع لزوم الأوطان والجلوس مع الإخوان.

قيل: فما الذلة؟، قال: التنقل في البلدان والتنحي عن الأوطان.

والباب الرابع عنوانه: " من اختار الثروة على الوطن "، قال أبوتمام حبيب بن أوس الطائي:

فأوبة مشتاق بغير دراهم...إلى أهله من أعظم الحدثان

وقال علي بن عبيدة:الإكثار: وطن الغريب، والعسر: غربة الوطن وقال آخر:

الفقر في أوطاننا غربة.....والمال في الغربة أوطان

والأرض شيء كله واحد....ويخلف الجيران جيران

وأنشد آخر:

لعمرك ما الغريب بعيد دار....عن الأهلين وهو جميل حال

ولكن الغريب قريب دار.....من الأهلين وهو قليل مال

والباب الخامس من الكتاب عنوانه: " ذل الغربة".، حيث قال بعض الأدباء: الغربة ذلة، فإن أردفتها قلة، وأعقبتها علة، فهي نفس مضمحلة.وقال آخر: الغربة كربة والكربة ذلة والذلة قلة.وقالت العرب: لا تنهض عن وكرك. فتنقصك الغربة وتضيمك الوحدة.وشبهت الحكماء الغريب باليتيم الذي ثكل أبويه، فلا أم ترأف به ولا أب يحدب عليه. وكان يقال: الجالي عن مسقط رأسه كالعير الناشز عن موضعه، الذي هو لكل سبع فريسة، ولكل كلب قنيصة ولكل رام رمية.وكان يقال: المغترب عن وطنه ومحل رضاعه كالعير الذي زايل أرضه وفقد سربه، فهو زاو لا يثمر وذابل لا ينضر .

وقال بعض الأعراب: إذا كنت في غير أهلك ....فلا تنس نصيبك من الذل.

وقال الشاعر:

إن الغريب له استكانة مذنب....وخضوع مديون وذل غريب

فإذا تكلم في المجالس مبرم.....وإذا أصاب يقال غير مصيب

فإذا الغريب رأيته متحيراً......فارحم تحيره لفقد حبيب

والباب السادس في كتاب الكرخي مخصص لما قيل في نوح الحمام، مر بشار الأعمى بباب الطاق(باب الشيخ اليوم) فسمع صياح قمرية، فقال لغلامه: انطلق، فإن وجدت هذه القمرية بجناحها فاشترها ولو بوزنها ذهباً، فوجدها بجناحها فاشتراها بثلاثة دنانير، فلمسها بيده ثم قال:ناحت مطوقة بباب الطاق.....فجرت سوابق دمعك المهراق

طربت إلى أرض الحجاز بحرقة......فشجت فؤاد الهائم المشتاق

وقال آخر:أحقا ياحمامة بطن واد......بهذا الوجد إنك تصدقينا

غلبتك بالبكاء لأن شوقي......أكاتمه وشوقك تغلبينا

ويقول مؤلف الكتاب البغدادي : أخبرني من سمع أعرابيا يقول: إذا ترنمت هتوف الضحى بين الغصون أدت الشجون مياهها إلى العيون، فمن ذاد عن البكاء عينا أورث قلبه حزنا.

والباب السابع في الكتاب عنوانه: من تداولته الغربة. حيث قال أبوتمام حبيب بن أوس الطائي:

ما اليوم أول توديعي ولا الثاني.....البين هيج لي شوقي وأحزاني

دع الفراق فإن الدهر ساعده......فصار أولع من روحي بجسماني

وقال آخر:

نساعد بالوصال ودهرنا......يومان يوم نوى ويوم صدود

وقال آخر:

حتى متى أنا في حل وترحال....وطول هم بإدبار وإقبال

أكابد الدهر، لا أنفك مغتربا....عن الأحبة لا يدرون ما حالي

في مشرق الأرض طوراً ثم مغربها.....لا يخرج الموت من ذكرى على بالي

والباب التاسع وصف الوطن بالطيب والنزهة، والباب العاشر ما قيل في الأشجار والضياء والبروق وغير ذلك، والباب الحادي عشر ما قيل في حنين الإبل، والباب الثاني عشر في المساءلة عن الحنين.وعودة إلى الباب الثامن من كتاب البغدادي وعنوانه: من جسمه بأرض وقلبه بأخرى،ونجد فيه مطابقه مع معاناة ملايين المهاجرين من العراقيين الذين كانوا مجبورين على المكوث بأوطان أخرى ومجبولين على حنين مجنح لوطنهم.فسرحت متأملا كيف ومتى تحين ساعة العودة لهؤلاء،مع يقيينا أنهم فقدوا الكثير في الوطن والمهاجر، فأسراب الطيور المهاجرة تفقد ثلثها في طريق العودة الى الوطن .

عادة ما أقرا بالحدس مصيري من سير من سبقني في الغربة وأمتلئ بالحسرة، فقرات إبن بطوطة وأنا صغير (11 عام)، وشغفت بسيرته وغربته،وكاني أقرأ مستقبلي، ثم شدني سيرة (الصاعد البغدادي) الذي مكث أربعون عاما كما هي غربتي اليوم، متنقلا في الأندلس، ليقرر أخيرا العودة، لكن الفلك الذي نقله من الساحل الشرقي لميورقه ثم صقلية، كان آخر المطاف، فمات دون أن يعود لبغداد.

ثم شغفت بشخصية وسيرة الدكتور المعمار (محمد صالح مكية: مولود في بغداد 1914)،و الذي أنجزت كتابي تحليلي عن حياته وفكره ومنجزه، والذي صدر ببغداد العام المنصرم، حيث جمعتني به المناف والصداقة والإنتماء العراقي والصنف المعماري، وربما يوم ميلادنا الذي يقع اليوم 15 يناير\كانون الثاني . بيد أن الاسى يملئني وانا أفكر بأن قامة ثقافية مثل مكية وهو اليوم يجتاز عمر القرن(مئة عام) يعيش منفاه الإختياري في لندن ومنسي من العراق الغافل والنخب النائمة والسلطات المخدرة والمنشغله بواه الأمور. ففي الوقت الذي ادعوا الله لأن يمد بعمره ويديم ظله، أمني النفس أن نستدرك ما يمكن إستدراكه، ونعتني برموز ثقافتنا وشواخص مبدعينا مثل مكية وأمثاله،قبل فوات الأوان، كي لا يؤرقنا الندم، أو يلومنا من يرد بعدنا على تقاعسنا. وذلك ويؤجج الحنين للوطن العراقي المبتلى، ويثير فينا الاسى.

لقد أكرمني الله أن أدفن جثامين أمي وابي في وسط غابات ستوكهولم الندية حتى أمسى حنيني مشتت بين بغداد موئلي وقدس روحي، ووادي السلام التي ضمت في ثراها من أحب، وستوكهولم لأحرس قبور أهلي آخر الأصقاع. سألني الإعلامي الرائع مؤمل مجيد مقدم برنامج (خط الحياة) في التلفزيون العراقي آخر سؤال، وفحواه: إذا مت، فاين يطيب لك ان تدفن؟، فأجبته من سجيتي، بأن ارض الله كلها طاهرة، ثم تذكرت في لحضة تجلي قبر والدي هناك الذي تمنى أن يكون دفين وادي السلام، فبكيت، متذكرا أن ما أصابنا في العراق، كان يجب ان لايكون قدرنا، فلم نقترف الخطايا التي تقابل تلك العذابات، وتشظي بين الأرواح والأجساد. كان (مؤمل) حاذق، ورغم أنه واعدني بقطع تلك اللقطة(بالمونتاج)، لكنه وظفها في الديباجة، أتذكر أنها كانت مشوبه بنشيج من الروح تمتمت فيها : العراق ما يستاهل اللي د يصير بيه اليوم!.

 

عندما يغني الطبيب ..!!

rafed alkozaiاليوم في العيادة راجعني مريض عمره 25 سنة استئصلت خصيته اليمنى بعملية جراحية قبل سنتين نتيجة اصابتها بورم سيمنانوا وهو ورم يصيب الخلايا منتجات للحيامن وعلاجه الفعال هو استئصال الخصية والمتابعة السريرية والمختبرية باجراء فحوصات لعلامات الورم المختبرية (tumor markers) ووظائف الكبد وفحوصات شعاعية مقطعية او رنين مغناطيسي للصدر والدماغ والرئة والعظام وسونار متابعة كل اربعة اشهر من خلالها تبين وجود غدد لمفاوية متعددة مجاورة للشريان الابهر البطني وقد اجرى له فريق هندي عراقي في مستشفى الجادرية الاهلي عملية استكشافية للغدد اللمفاوية والتجويف البطني مع رفع الغدد لغرض ارسالها للمختبر للتحليل النسيجي ..

قلت له علينا الانتظار حتى نعرف نتيجة التحليل لان يمكن قصة الغدد غير قصة الورم الاول ولا نستعجل بالحكم حتى نكتشف التاكيد من الفحص النسيجي حتى نخطو الخطوة الاخرى من العلاج ..

ضحك المريض وقال دكتور لو العراقيين يفكرون بنفس طريقتك قبل اطلاق الاحكام السريعة والتهم جزافا ومعرفة العدو الحقيقي جان عشنا بخير وأمان..

ضحكت من اجل اغير قلقه المتنامي وخوفه من متابعة العلاج وقلت ستعيش 25 سنة اخرى ويمكنك الزواج والانجاب لعراقيين جدد تربيهم على طريقنك ويمكن ترى عراقيين غير ماتراهم الان ..

نزلت دمعه من عينه وهو ينظر لاخيه الوحيد قال حقا يا اخي ساعيش 25 سنة اخرى..

قلت له مادام الله والامل والعلاج موجود ستعيش.. ان معركتك الان هي معركة مناعة وشجاعة من اجل ايقاف استشراء الورم في جسدك عبر البوابات المختلفة من انتشار مباشر او خلوي عبر الدم او اللمف الى حواظن اخرى والمناعة تعتمد على العلاج اللصيق والراحة والشعور بالامان والامل والشفاء والتغذية الغنية بالتمر والخضروات والبروتين وهكذا نستطيع مع التطور الطبي الدوائي في الحصول على الشفاء باذن الله ..

ودندنت له .. حرامات سنيني حرامات يگضن نغم عالعود سنيني حرامات. .. .سلامات حبك سلامات يبقى نغم و ورود حبك سلامات ..

فما كان من اخيه ان دندن معي بصوت رائع .. وهو يحاول مسح دمعات اخيه .. زززويراه مبتسما .. المناديل نهز المناديل بجيتك ياماي العين نهز المناديل ..

قلت له وهذا اخيك يتدرب بالغناء على الجوبي من الان استحضارا لعرسك المرتقب ..

ضحك المريض وقال دكتور عود ليش انطيتني عمرا 25 سنة مو عشرينسنة ..

قلت له والله ماجا نت عندي خردة مال اسنين واحنا الاطباء متعودين على الخمسة وعشرين ..

وبعد توديعي لهم اتصل اخيه بي بالموبايل بعد ساعتين وقال لي دكتور الف رحمة على البطن اللي نكلتك والله اخوي طلع من يمك فرحان ومنتشي رجع ضرب (اكل) نفرين كباب يم مطعم كباب البدوي وهو يضحك ويقول ساقاتل الورم بقوة وساخضع للعلاج واحقق امنية دكتور رافد بالعيش 25 سنة اخرى علما انه لم ياكل منذ يوميين وهو مكتئب عود ليش ماتعلمون الطلاب مال الطبية اغاني واشعار حتى المرضى يرتاحون اذا مو بالعلاج على الاقل بالاغاني وزرع الامل ..

 

الدكتور رافد علاء الخزاعي

 

د. صــابر .. قصة واقعية لا تنقصها الصراحة

abdulrazaq mohamadjafarنـشَـرت لي قبل أيام مجلة المثقف الغراء قصة واقعية تنقصها الصراحة،..وعلى الفور استلمت من صديق عزيز مقيم في المهجرسؤالاً في غاية الذكاء،..فهو على دراية تامة بسيرة حياتي بين ماض من الزمان وآت، .. وقال:

منو الصكر ومنو اليمامه؟

فأجبته على الفور:

(تشخيصكم يدل على معرفتكم التامة بذهنية الكاتب وانتم

على صواب، فتوجيهات الأهل جعلتنا حمام الكاظم!،...

ففي، ولم ندرك ذلك،.. ولم نتعلم، بل ولا نريد أن نتغير

مسرحية عراقية شاهدتها في السبعينيات، فيها يسيريوسف العاني بأستقامه،.. ويصطدم بالحائط فيقول له صديقه:

جان أخذت يمنه لو يسره،.. فيقول:

مو أهلنه علمونه نمشي عدل !

وهكذا طفحت على السطح قصة اخرى عشتها في نهاية التسعينيات في بلد عربي تحرر من العديد من الأعراف القديمة وساير الثقافة الأوربية الحديثة بصراع مرير مع عاداته وخاصة في المدن الكبرى

وفيما يلي قصة من الواقع المريربين التحرر والألتزام لا تنقصها الصراحة،..فلعلها تجيب عن سؤال زميلي المغترب لكي يعرف من هو الصقر ومن هو اليمامه، أذا ما قرأ بأمعان القصةالآتية :

وجه صابر سؤالا الى ذوي الاختصاص عن أسباب عدم توفيق شخص ما في عمله أو ما يسمى (بالنحس) الذي يلازمه بشكل مزري ومستمر، مسببا له الإحباط المؤدي الى الكآبة !، إلا أنه لم يجد الجواب الشافي، ولم يستطع استنباط الحقائق، وهكذا عاش كغيره من ملايين البشر في شقاء دائم، أو كما قال المتنبي :

ذو العقل يشــقى قي النعيم بعقله   وأخو الجهالة في الشـقاوة ينعمُ

لا يسـلم الشــرف الرفيع من الأذى   حتى يراق على جوانبه الدمُ

قررصابر كتابة هذه القصة وهو في أشد سنين حياته عُـتمة،... ليطرح آلامه في كل حرف يكتبه،...لا للتسلية،....بل لكسب العبرة و تجنب الانزلاق في مستنقع الحياة وغطرسة حثالة المستبدين !

استعان صابر بما يبدو متناثرا ولا تربطه أي رابطة في الحياة اليومية، لـسـرد قصصاً جميل من خلال التجارب التي تحدث أمام أعينه متحدياً العوائق التي تبرز بغيرتوقع،والتي نطلق عليها أسم (مطبات) او(النحس)، وهي على درجات متفاوتة من الضرر!

قدم الدكتور صابر استقالته من الجامعة التي يعمل فيها، في احد الأقطار العربية، بعد خدمة ستة عشرعاما ليلتحق بعائلته المهاجره منذ عدة سنوات في دولة اوربية، الا انه فشل في الحصول على تأشيرة دخول( الفيزه)، لآسباب عدة لا مجال للخوض فيها !، ولم يوفق في العودة الى عمله السابق وفق القوانين المعمول بها في تلك الجامعة!، ولذا توجه إلى قطر عربي آخر، للبحث عن عمل في احدى جامعاته، بناء على نصيحة زميل له.

وصل صابر إلى تلك الجامعة وتعرف على دكتور بنفس اختصاصه الضيق، و رحب به وأخذه إلى مكتبه في القسم الذي يعمل فيه واطلع على جميع وثائقه الثبوتية، و وعده بمواجهة المسئولين و تقديم كل ما في استطاعته من مساعدة لتحقيق رغبته، وبعد جلسة مسامره، اقله بسيارته الى وسط المدينة، ثم حجز له حجرة في فندق ممتاز يتعامل مع الجامعة بأسعار مخفضة، ثم ودع صابرعلى أن يتم استدعائه عندما يتضح قرارالعمادة ورئاسة الجامعة .

تعرف صابر صباح اليوم التالي على استاذة جامعية في مقتبل العمر في بهو الفندق، حيث قدمت من مدينة اخرى لحضور مؤتمر علمي، وسرعان ما تعرف بها، وأعجبت به،... بسبب حبها للعراق و تالمها على الأحداث الجارية فيه منذ غزوه للكويت، وفرض الحصار الجائر عليه!

وبعد أستنفاذ ما في جعبة كل منهما من أسئلة لمعرفة المزيد عن خلجات كلاً منهما،..وفي لحظة صمت، أستغلتها،.. ثم دَعتهُ إلى التنزه بشوارع المدينة، وهكذا ولأول مرة شعر الدكتور براحة نفسية وهو يحدث امرأة غمرته بمودة لم يعهد بمثلها، وهام بها، وسرح في حلم من احلام اليقظة!، (لأنه لم يتعود على مثل هذه الجرأة، حيث كان يعتبر مثل هذا التصرف، شيئا مشينا بسبب ما اكتسبه من حشمة منذ الصغر!)،.. وهكذا أمضيا الزميلان يوما ممتعا، وتبادلا شتى انواع الأحاديث ثم اتفقا على تحديد موعد جديد للقاء، وتم الفراق ، إلا أنها لم تف بوعدها وغادرت من غير كلمة وداع!

انفعل صابر، لاعنا حظه الذي ما إن ينفرج حتى ينتكس ويهوى مرة أخرى!، وهذا هو حكم القدر المؤمن به،... وطارت الأحلام في مهب الريح، بعد أن ذاق " طعم العواطف المتأججه ".

بدأ الدكتور صابر الاستعداد للأختبار العلمي غير المباشر من اجل معرفة قدراته العلمية، وكلف بإلقاء محاضرة في مجال تخصصه، وقد كتب لتلك الخطوة النجاح حيث استمع الجميع ولأول مرة محاضرة في الكمياء باللغة العربية !، وبعد الانتهاء قابل صابر عميد الكلية، ولمس لديه ترحابا حارا أشاع البهجة التي افتقدها منذ خروجه من العراق حيث بدأ يشعر بقيمته العلمية.

زاول صابر عمله بقسم الكيمياء وكلف بالاشراف على بحث علمي وفق اختصاصه مع طالبة دكتوراه وسار العمل معها متعثرا لعدم توفر أدوات العمل، ثم انقطع عن الحضور لعدم صدور أمر رسمي بعمله مع تلك الطالبة، كما أن إقامته كانت غير قانونية، وبصعوبة جمة كتبت له العمادة رسالة إلى دائرة الهجرة تعلمهم فيها بحاجتها لعمل الدكتور صابر في البحث العلمي والتدريس باللغة العربية لطلبة السنة الأخيرة بعد تعريب الدولة للدروس العلمية فيالمدارس الثانوية.

تمكن صابر من تأجير شقة مؤثثة، فقد ضجر من السكن في الفنادق و تناول الغذاء في المطاعم ووجد الترحاب من مالك الشقة و عائلته، وغمروه بالمودة، و تبادل الزيارات معهم كل مساء !

وفي تلك الآونة تعرف صابرعلى صديقة صاحبة الدار التي يسكنها، وهي شابة فاشلة في حياتها، حيث طلقت بعد سنة واحدة من زواجها، ووجد في هذه العلاقة الجديدة بعض السلوى، لأنها تملك سيارة ومن عائلة متفتحه، إضافة لعلاقتها الوثيقة بزوجة مالك الدار،.. حيث سهلت دخولها وخروجها من داره!

تكرر لقاء صابر مع زميلته الجديده وسهرا معا عدة مرات في مقاهي"المدينة" الا أنه لم يستسغ علاقتها مع اصدقائها،... فما إن يجلس معها في اي منتزه و يتبادل معها عبارات الأعجاب او قل الغزل المهذب !، حتى يطوق بثلاث أو أربع فتيان تقدمهم له على أساس زملائها في العمل. ولم يكن ذلك مهم بالنسبة له، حيث مازال معها بحالة استقصاء قصوى او كما يقال في المثل الشعبي العراقي (يابسه و تمن)، لأن كل المؤشرات تدل على عدم صلاحيتها كرفيقة، بل هي تخطط للحصول على زوج كبديل لزوجها الذي نفر منها وطلقها، لأسباب بدت واضحة الآن، فهي على علاقة حب مع أحد أفراد " الشلة " إلا انه لا يرغب بالزواج منها مكتفياً بتأدية الواجب الغرامي والذي كان سبباً في طلاقها!

تقزز صابر من هذه العلائق البعيدة كل البعد عن كل الأعراف التي تطبع عليها، وقد تكون هذه ظاهرة فردية، لأنه لم يطلع بعد وبشكل واسع على كافة مرافق المجتمع في هذا البلد، وبطبيعة الحال ليس هناك تعميم، ففي كل بلد أو قطر تجد شتى الأختلافات في العلائق، (ومافيش حد أحسن من حد) كما في المثل المصري، ... ومن هذا المنطلق دب عندي البرود بعد كل لقاء معها بالرغم من أنها تمتاز بمؤهلات يتمناها أي رجل، لقوامها الرشيق وحركاتها المغرية، عدا بعض (الحول) في عينها، أجادت اخفائه عند التحدث، وخاصة عندما تغمضها لكي تموه الناظر لها ... وبالرغم من كل ذلك رضى صابر بتلك الزمالة لتحطيم الفراغ في حياته و للمتعة التي أحسها عند تواجد أنثى بمعيته وهي في أبهج هنداما وتحدثه في غنج، وتجعله يعود لأيام الشباب،... وتلتهمها عيونه قبل فمه!، وكان في حينها يسرح بخياله عندما يركز النظر في تقاسيم مفاتن جسمها ونظارة بشرتها و وجهها المتدفق حيوية وكانها كالدلفين. فقد كانت في منتصف العتبة الرابعة من عمرها، والناظر لها لا يمكن أن يمنحها أكثر من عشرين سنة !... وخاصة عندما تضع المكياج

على وجهها فتزداد نظارة وبهجة تسرالناظرلها ويكاد يفقد توازنه إن لم يسيطرعلى عواطفه الجياشة ويروضها ولا يجعلها تمرح وتسرح في مفاتن وتضاريس جسمها اليانع !

لم يتمالك صابر القدرة على تحمل الاِتزان وضبط الأعصاب مع تلك الحورية، ولا يدري كيف السبيل إلى ترويضها، فهي مازالت هائجة، لأنها لم تجد بعد من يروي ينبوع أو قل ينابيع عواطفها، إنها عطشى وما من أحد يفهمها، ... ولم يجد منها أي تجاوب لتعميق علاقته معها،ولذا ترك لها حرية زيارته وقت ما تشاء، وكم من مرة، سمع صوتها عند صديقتها، إلا أنه لم يبادر بالسؤال عنها، فهي على علم بوجوده، وأراد أن تبادره بالزيارة إن كانت راغبة بتطويرعلاقتها إلا أنها لم تفعل، وهو متقمص ثوبه القديم!

عاش صابر تلك الأيام من عمره وهو بكنف خريف العمر،..فقد علموه الأهل منذ الصغراخلاقا معينة تختلف بعض الشيء عما هو جار في الوقت الحاضر، وقد تركزت تلك التعاليم على العلاقه بين الجنسين!، فمثلا إذا وقعت أنظار رجل ما على وجه امرأة جميل ومشرق فيجب عدم تكرار ذلك، فالشرع لا يسمح بالنظر إلا مرة واحدة فقط ! ... وهكذا التزم صابر وكل أبناء جيله بمثل تلك الاخلاق والعادات التي يراد بها كبح جماح الشباب وعدم التمادي بغرائزهم العاطفية، ولذا صارعلى كل من يسير في الطريق ان يركزعيونه على الرصيف !، وكأنه يبحث عن شيء ضائع لكي لا يتهم بسوء الأدب!، وهكذاعاش صابر على ذلك النمط كشيخ مفعم بقساوة الزمن، بالرغم من أنه لا يؤمن بصحة تلك الآراء.

لعب الحظ او قل القدر ليستقر الدكتور صابر موقتا في ذلك البلد العربي والذي تطبع لحد ما بواقعية متزنة، فشعر بالإنتعاش والدفئ لدماء الشباب المطمورة، .. فنمت عنده الأحاسيس من جديد كنمو زهرة في الشتاء، أو قل كما تنبت شجرة الصبير في الصحراء، فأخضرت نفسه من دون قناع ولم يتهمه أحدا " بقلة الأدب"!،.. وتمكن خلال فترة قصيرة أن يصادق العديد من نساء المجتمع المثقفات و بحدود اللياقة والأدب، وتجول معهن في شتى المرافق العامة في المدينة وتبادل دعوات الأفطارمع عدة عوائل عريقة،.. وبادل إحدى زميلات المهنة مشاعراً لم تقترب لشاطئ " الغرام "

فقد كان إعجاباً، ولما اقتربت منها سفينته عند المرسى،..طلبت منه أن يبتعد عنها حتى لا يغرق في مســتنقع الحب المحرم !

ياحبيبي كل شيئ بقضاء = ما بأيدينا خلقنا تعساء

ربما .. تجمعنا ..أقدارنا = ذات يوم بعدما عز اللقاء

فأذا ... أنكر خل ...خله =   وتلاقينا لقاء الغرباء

ومضى كل الى غايته   =   لا تقل شأنا فأن الحظ شاء

 

الدكتور عبدالرزاق محمد جعفر

أستاذ جامعات بغداد والفاتح وطرابلس / سابقاً

 

 

هيهات تنشف دمعتي / إلاّ تبيّن حوبتي .. من نبوءات الفنان الخالد سيف الدين ولائي

adnan aldhahirأتحف الشاعر سيف الدين ولائي فن الغناء العراقي بأروع الأغاني والأكثرها شهرة وعلى مدى عقود وعهود ومنذ أربعينيات القرن الماضي وحتى جريمة تهجيره من وطنه العراق من قبل مجرمي البعث الفاشست.

تمَّ تهجيره مع آلاف العراقيين المؤلّفة إلى إيران لكنه لم يُطِقْ هناك صبراً فآثر الهجرةَ إلى سوريا ليكون نزيلاً وجاراً للسيدة زينب ليس بعيداً عن العاصمة دمشق. عاش هناك زاهداً مكتفياً متشبثاً بأمل الرجوع للعراق والموت فيه وأنْ يكون مضجعه الأبدي تحت ثراه. لكنْ يأبى القدر الأعمى إلاّ أنْ يكونَ رحيله في سوريا وأنْ يكونَ مدفنه بجوار السيّدة زينب. رحل الفقيد ولم يرَ العراق ومنزله في الكاظمية الذي صادره البعثيون البُغاة القتلة.

شَهُرت أشعاره المُغناة بأصوات خيرة مطربي ومطربات العراق وأحببت منذُ أوائل شبابي بعضها حبّاً جمّاً دون أدنى معرفة بصاحب هذه الأشعار أذكرُ منها في أوائل وأواسط خمسينيات القرن الماضي: سمر سمار ياسمر بصوت رضا علي وأغنية يابة يابة شلون عيون عندك يابةْ غنتها نهاوند من ألحان رضا علي . وغنّت أشعاره الكثيرات من المطربات العراقيات وغير العراقيات مثل زهور حسين وعفيفة إسكندر ونرجس شوقي وفائزة أحمد ومَلك وراوية ولا يحضرني الكثير من الأسماء لأنني غبت عن العراق لسنينَ وعقود وفقدت اتصالي بالطرب العراقي.

سأُركّز في مقالي القصير هذا على أغنيتين فقط أحببتهما ولم أفارقهما طوال حياتي وحيثما وكيفما كنتُ هما أغنية [جيرانكم يا اهل الدار / والجار حقّه عللجارْ] ثم أغنية [حركت الروح لمن فاركتهم].

 

1ـ أغنية جيرانكم يا اهل الدار

نبوءة الفنان سيف الدين ولائي في هذه الأغنية:

في المقطع الأخير لهذه الأغنية نسمع شعر الفقيد بصوت فائزة أحمد [أفضل منها بصوت ملحّنها رضا علي]:

يا ظالم اللي عقبْ ظُلمهْ سِلمْ / يا اهل الدار

هيهات تنشفْ دمعتي / يا اهل الدارْ

إلاّ تبيّنْ حوبتي / يا اهل الدارْ

جيرانكم يا اهل الدارْ

...

من هو الظالم الذي عناه الفنان المظلوم سيف الدين ولائي ومن هم الجيران الذين خاطبهم وهل حفظ الجيران حقه؟

ليس عسيراً على العراقيين الأسوياء معرفة أجوبة هذه الأسئلة. كشفهم تاريخ العراق منذ أوائل ستينيات القرن الماضي حتى سقوط صدام ونظام حكمه تحت بساطيل الغُزاة في نيسان من عام 2003 . الظالم معروف ومكشوف لكنَّ الجيران توزعوا بين ساكت عن الحق عاجز عن النطق والإحتجاج أو متورط في الظلم مُشارك القاتل في جريمته أو منتفع منها بالإستيلاء ومصادرة دور الجيران المُهجّرين.

هيهات تنشفْ دمعتي / إلاّ تبيّن حوبتي

وقد بانت الحوبة ونال الكثير من الظلّمَة والقتلة جزاءهم وعلى رأسهم القاتل والمجرم الأكبر صدام حسين وبعض أفراد عائلته وأقرب المقربين منه.

نعم يا ابن العراق الأصيل أيها الشاعر والفنان الخالد، نعم، أردد معك ذات سؤالك : يا ظالم اللي عقب ظُلمهْ سِلمْ ؟

فليسمعْ العراقيون هذه الأغنية خاصة بصوت المطربة السورية الأصل فائزة أحمد.

 

2ـ أغنية حركت الروح لمنْ فارقتهمْ

أغلب الأغنيات التي لحّنها الفنان رضا علي لغيره من المطربات غنّاها بعدهن وهذا ما اقتضته العقود المبرمة بينه وبينهنَّ على ما يبدو. أي انه لا يتنازل عن حقه في أداء هذه الأغاني بصوته بعد تأديتهنَّ لها. باستثناء أغنية واحدة لم يغنها رضا علي أبداً على حد علمي هي أغنية (حركت الروحْ لمن فارقتهم) من شعر الخالد سيف الدين ولائي. لحّنها وغنّتها عفيفة إسكندر ونالت من الشهرة ما نالت حتى غنّاها في الآونة الأخيرة العديد من المغنين والمغنيات عراقيين وغير عراقيين حتى إني سمعتها بصوت سيّدة نرويجية أو سويدية لكنْ تبقى هذه الأغنية المتفردّة بصوت عفيفة إسكندر.

أحببتُ هذه الأغنية وجرّتني وأوقعتني في حبّها مقدّمتها شعراً ثم لحناً. فقد جمع شاعر الأغنية الأستاذ سيف الدين ولائي بحسّه الفني الغنائي العالي بين لفظتين متتاليتين تشتركان بحرفين هما الراء والحاء، أقصد : حركت الروح ... لكنّ الأكثر طرافةً في هذا الجمع هو تغيّر السياق الزمني لهذين الحرفين في كلمة الروح . إذ جاء حرف الراء سابقاً لحرف الحاء وهو مُخالف لسياقهما في كلمة حركت . يُذكّرني هذا بشعر شعبي معروف في العراق على ما أحسب يبدأ بعتاب غاية في الرقة والإنسانية يقول : وهنا يمنْ جنّا وجنّتْ /نشفعْ لَعِدْ غاياتهْ. المقصود الفعلين كُنّا (جِنّا) وكنت (جِنِتْ). أُصغي للكلمتين فيتناهى إلى سمعي صوت قرع الصنوج (جمبارات) الغجر .. جنّا وجنّتْ .. جن جن جن جن. حرف الجيم هنا هو الصوت الإنكليزي: CH

أُضيف أخيراً أنَّ الشاعر لم يقل قتلت الروح لمّنْ فارقتهم كما هو المألوف في العراق (كتلتْ روحي) بل فضّل عليه قوله حرقت الروح وهو قول أكثر بلاغةً وأقرب للنفس وأعمق أثراً وتلكم خصائص لا يمتلكها إلاّ المبدعون.

رغم ولعي وتولّعي بهذه الأغنية ومنذ أواخر خمسينيات القرن الماضي لي على بعض شعرها ملاحظة إذْ أني أحسب في هذا البعض ضعفاً أو تناقضاً وأعجب كيف فات على فطنة وموهبة الفنان الفقيد سيف الدين ولائي. أقصد البيت الذي يقول فيه

[أودّعهم وعُذّالي يشوفوني / إجو لا للشماتة ولا يلوموني

إجو بفراق أحبابي يسلّوني / عذولي صار لي سلوة بجفاهم ..]

أجلْ، هنا إعتراضي وصعوبة قبولي بمنطق ومنطوق كلمات هذه الأسطر لأني أرى فيها تناقضات منها كيف يكون العاذل مُسليّاً ومواسيّاً؟

العاذل يلومُ ويشمت ولا يُخفف مُصيبة المُصاب كما نعلم وكما تقول لنا لغتنا فهل أنا مُخطئ في فهمي لهذه السطور ؟ من يُجيب ؟

للفنان الخالد نجلٌ في السويد هو الأستاذ جاسم سيف الدين ولائي وهو خير من يفهم شعر والده وهو كذلك شاعر كأبيه لذا أرجو منه ـ إنْ قرأ كلمتي هذه ـ أنْ يُلقي بعض الضوء على هذا اللَبَس في كلمات هذه الأغنية التي أبدع رضا علي في صياغة لحنها.

هناك بالطبع أغانْ أخرى كثيرة كتب كلماتها الفنان الراحل المرحوم سيف الدين ولائي لكني ذكرت فقط الأغاني التي أثّرتْ فيَّ ووجدت لها عندي أصداء خاصة لأنها جاءت في ظروف معيّنة كنتُ فيها مستعداً للتجاوب مع كلمات هذه الأغاني ولتسلسل الزمن أحكام على البشر.

كلمة أخيرة لا بدَّ من قولها: هناك في سفر الأغاني العراقية أغنية معروفة غنّاها ياس خضر في كلماتها تفرّد وإبداع وقد كتبها شاعرها فجعلها برأس بدأ به قصيدته وأنهاها بخاتمة فيها فجيعة فهي قصة كاملة في قصيدة واحدة. أعني قصيدة " المكيّر: مشيتْ وياه للمكير أودعّنهْ...

ثم أنهاها نهاية تنضح بالدموع الحارة جرّاء فراق الحبيب : ورد للناصرية ردودْ / مخنوق بألف عَبرةْ.

نعم يا عراق، ورد للناصرية ردود مخنوك بألف عبرة،

في ظني أنَّ شاعرها هو زامل سعيد فتّاح أو عريان السيّد خلف،

 

عدنان الظاهر

10.01.2014

 

مع المفكر الناقد محمود أمين العالم

faroq mawasiفي مثل هذا اليوم العاشر من كانون الثاني وقبل خمس سنوات (2009) رحل عنا الناقد المفكر الدمث د. محمود أمين العالم عن عمر يناهز السابعة والثمانين.

بدأت شهرة العالم بكتابه المشترك مع د. عبد العظيم أنيس- (في الثقافة المصرية)، وختم نشاطه بتحرير مجلة جادة مهمة هي " قضايا فكرية".

عرف عن العالم أنه كان يساريًا، ومن أشد أنصار الشعب الفلسطيني، وقد سجن أكثر من مرة، وله عشرات الكتب النقدية التي تنطلق من توجهات ماركسية ديالكتيكية.

تسنى لي أن ألتقي الكاتب في معرض الكتاب سنة 1991، وقد دعاني كما دعا ب. محمود غنايم لوجبة غداء في مطعم المعرض، وكانت بصحبته الدكتورة ماجدة الطهطاوي- حفيدة رفاعة الطهطاوي- الشخصية المعروفة في تاريخ مصر الحديث، وقد حدثنا فيما حدّث عن فترة سجنه القاسية في سجن طرة وسواه، وكيف كان يحمل الصخور أسوة بالسجناء غير السياسيين.

حرصت أن أحضر ندواته في المعرض، وأصدقكم أنني كنت منبهرًا بتعابيره وثقافته وحضوره، وذلك بسبب تيسيره للطروحات الفلسفية التي يعالجها.

في 8 كانون الثاني 2005 دعيت إلى القاهرة لحضور حفل توزيع جوائز القصة التي أعلن عنها موقع (ديوان العرب)، حيث كنت عضو لجنة التحكيم فيها، وكان معي د. أحمد زياد المحبك من سورية، و د. صلاح السروي من مصر.

اقترحت على الصديق عادل سالم- صاحب المؤسسة أن أدعو د. محمود أمين العالم، ليكون ضيف شرف على الحفل، كما اقترحنا يومها أعلامًا آخرين أذكر منهم فريدة النقاش وأحمد مستجير وبهاء طاهر، وبالفعل فقد اتصلت به من بيت مضيفنا الفلسطيني عبد القادر ياسين، فأبدى استعداده خاصة وقد علم أن القائمين على المشروع هم فلسطينيون. وكان بصحبتنا يومئذ الكاتب الفلسطيني الصديق سليمان نزال الذي حضر من الدانمرك لهذا اللقاء.

وهكذا التقينا في الحفل الرائع الراقي، فوزعت الدروع التقديرية، ومنها درع له، ودرع لي، واحتفينا جميعًا بالفائزين الثلاثة الذين وزعت عليهم جوائز مالية.

في حديث بيننا تطرقنا إلى تدريس النحو، فأخبرته عن محاولاتنا في المنهج الجديد لتدريس القواعد، وعن تأليفنا الكتب التدريسية المبنية على الاستقراء، فأبدى إعجابه الشديد بالفكرة، وطلب مني أن أحضر الكتب في زيارتي القادمة، فهذا الموضوع كان يشغله- كما ذكر لي.

فيما بعد وفي أعقاب مرض الكاتب اتصلت به هاتفيًا لأطمئن عن صحته، فأبدى لي مرة تلو المرة قلقه على المآل المتردي الذي حاق بالفلسطينيين آنذاك.

بعد رحيله اتصلت بعائلته لأعزيهم بفقدان هذا الرجل العظيم- المنارة الثقافية الساطعة- هذه الشخصية التي فقدناها جسدًا لا أثرًا، فلاقيت كلماتي لديهم اهتمامًا كبيرًا، خاصة وقد أتت التعزية من فلسطين- التي تشرّب العالم حبها.

 

(صفحات من سيرتي التي لم تنشر)

ذكريات مصلاوية

tara ibrahimعبارة قرأتهاعلى شبكات الإجتماعية قادتني الى كتابة هذا المقال، العبارة تقول: "وطن المرء ليس مكان ولادته، ولكنه المكان الذي تنتهي إليه كل محاولاته للهروب"، البعد المعنوي لهذه العبارة قد يكون تجريديا للبعض وواقعيا للبعض الآخر، كل شيء نسبي يعتمد على وجهة نظر الشخص وفلسفته التي يعتمدها في حياته، ولكن في بعض الأحيان يجدر بنا التوقف عند بعض من محطات الحياة كي ننبه أنفسنا لأمور لم نكن نؤمن بها في يوم من الأيام.

مدينة الموصل الحدباء * التي نشأت فيها وترعرعت لم تحاول إحتوائي في زمن ما أو أن تغمرني بدفء أحضانها، المدينة أصبحت كحلم قصيرأستيقظت منه لأتذكر القليل من أحداثه، ذكرياتي فيها إرتبطت ببعض الامور التي مازالت عالقة بذهني، أما التعلق الأبدي الذي يتكلم عنه الناس بمسقط رأسهم، فلم أشعربه ابدا.

أحلى الفصول كان لدي هو فصل الخريف، عندما كانت الشمس تغمر باحة منزلنا الكبيرلتختلط خيوطها مع نسيمات الهواء المنعشة وهى تبعثر أوراق الكروم هنا وهناك، كان لدي موعد أزلي مع هذا الفصل مرتبط بالمدرسة التي كانت تفتح لنا أبوابها مع بدايته، وفي الحقيقة موعدي كان مع (العسلية) التي كان يبيعها رجل عجوزمتجول يدفع عربة أمام باب المدرسة ليبيعنا الحمص بالكراميل ما أزال اذكر نكهتها اللذيذة، كان يقطعها قطعا و يناولنا إياها في أوراق دفترعتيق يمزقه لذلك الغرض.

موعدي الاخر كان مع جدي العزيز وذكراه التي ما زالت ترافقني منذ صغري ولا اظنها ستتركني حتى الممات، كنا أصدقاء نتشارك حبنا للقراءة معا، عندما أقترب موعد ولادتي قال لأمي "لقد رأيت سيدتنا مريم العذراء في منامي، ستصبحين أما لفتاة صالحة "، جدي العالم الديني الذي كان يتقن كتابة الشعر بعدة لغات بالإضافة الى علم الفلك والفقه والفلسفة، كان يعشق القراءة بلا حدود وعندما أجريت له عملية في عينيه، كنت أنا عيناه وكنت أقرأ له الكتب، وكم كان يتسلى عندما كنت أرتكب أخطاء في التلفظ، ولكنه كان يصححها لي ويعلمني معنى الكلمات...

وفي الخريف نفسه وبعد مرورأكثر من 18عاما، كان موعدي التالي مع قدري،إذ كنا في المركز الطلابي لجامعة الموصل ذات ظهيرة لتناول شطيرة (لفة) الفلافل التي كان مذاقها يختلف إن لم نأكلها على أنغام أغنيات أم كلثوم، كنت مع مجموعة من الصديقات،لدى خروجنا من المركز،إقترب منا شاب أتذكر ملامحه كأنني التقيته بالأمس، شاب طويل القامة ذو بشرة بيضاء شفافيتها تلفت الأنظار، ومن بين جميع الفتيات إقترب مني وسألني عن الوقت، فأخبرته، وإذ نظرت الى عينيه أحسست أن بؤبؤيهما يدوران، شكرني وقال لي بعفوية تتسم بشيء من الجدية "الساعات تدور والأيام تدور وأنت ستذهبين الى فرنسا"، ضحكت وضحكت جميع الفتيات ساخرات منه أو مني، لا أدري، ونسيت الموضوع وأهملته تماما ..

كيف نحس بالانتماء الى مدينة أحضانها باردة كالصقيع، (حينا) الصغير خيم عليه شبح الموت، وأصبحت المآسي تطرق الأبواب بابا بابا كي لاتنسى أحدا. (نكتل) الصغير الذي كان يزورنا مع والدته، كان يمسك بذيل ثيابها لخجله الشديد، أصابه السرطان واصبح طيرا من طيور الجنة كما يقال، أما أخاه (وعد) فاصابه الجنون وانتحر..جارنا القريب منا سقط في النار التي أوقدها بنفسه كي يموت حرقا، روناك التي لم يتجاوز عمرها ال 18 ربيعا ترملت بعد أن قتل زوجها الشاب على أيدي المسلحين، أما (وليد) الطفل الصغير الذي ما زلت أذكره يلعب الكرة في المحلة، قطع الأرهابيون رأسه كضحية العيد ورموه أمام باب داره، وجارنا الاخر، كانت غلطته أنه يعمل شرطي مرور، لتخترق جسده رصاصات ساخنه ويترك وراءه عائلة وطفلا رضيعا، والكثير الكثير من الناس الطيبين من محلتنا طالتهم يد الموت والمرض والفقر والبؤس .    

مدينة الموصل باتت طي النسيان ولم يتبق منها شيء في مخيلتي سوى اسمها المسجل في شهادة ميلادي وهويتي، تبعثرت الذكريات هنا وهناك، وتلاشت صور الناس الذين اعرفهم، وقدرها بات في مهب الريح تلعب به كما تشاء، كأنه "البزونة"* التي كانت تتطاير في فصل الخريف لنتلقطها بأيدينا ونردد في أثرها "يا بزونة جيبيلي حنطة وشعير".. رحلت البزونة وأضحينا بلا حنطة أوشعير..      

  

............................  

*هذه المدينة الجميلة والرائعة من اجمل مدن العراق اصبحت الحياة فيها غير طبيعية وهى إنعكاس لاحداث مرت بالبلاد من مآسي ونكبات ما زالت تأكل ابناءها او تشردهم ..              

*البزونة هنا تعني نوعا من النباتات البرية ذي زهيرات كروية بيضاء تتطاير في الهواء لخفتها، وعلميا يطلق عليها زهيرات الأمل  

عبد الجبار الرفاعي المفكر الإنسان .. انطباعات عن شخصيته وعلمه

288-rifaeiالحديث في شهادتي بحق هذا المفكر الإنسان، بكل ما تعنيه كلمتا مفكر و إنسان، لابد أن تشير إلى هذا المعنى بوضوح، وهذا ما أحاول تقديمه في هذه الشهادة المقتضبة، وقبل شروعي في تقديمها أقول إن هناك مشتركات بين كاتب هذه السطور، وبين من قيلت في حقه:

أولها: اشتهار كل منهما بنسبته إلى الرفاعي،

وثانيها، منّة الله تعالى عليهما، بأن شرح صدريهما، ويسّر أمرهما، و أشرب في قلبيهما حباً للعلم ورغبةً في تحصيله و مدارسته، ولم يكن ذلك مجرد حب عادي، أو رغبة عابرة، لذلك فإنهما عقدا العزم على مواصلة السير للاغتراف من منابعه الكبرى، فكان السبق والابتداء من نصيبي، فهاجرت من موطني إلى مدينة العلم ( النجف الأشرف ) عام 1370هجرية المصادف 1951 م . أما صاحبي فبعد أن اشتد عوده وعزيمته وقويت الرغبة في نفسه لطلب العلم، سلك الطريق الذي سلكته من قبل، بمقدار ما يسّر الله تعالى له، فشرع حال وصوله مدينة العلم عام 1978 م بلانخراط في حوزتها العلمية، مبتدئاً الدراسة بالطريقة والمنهاج نفسهما المعمول بهما أثناء المشروع الحوزوي لكل محصل جديد في الحوزة الدينية في النجف أو غيرها من بلاد الشيعة، وقد أراد هذا المنحدر من قرى ريف الغراف أن يكون مبدعاً وذا بصمة خاصة، فكان له ما أراد، بعد أن اندفع بولع وحب لتعزيز تحصيله إلى حوزة النجف العلمية، ليجعلها طريقاً إلى طريق أوسع من المعرفة. وقد اختار فأحسن الاختيار، فخصوبة ذهنه وطموحه إلى جمال العلم وسموّه، جعلاه لا يقف عند حدود دراسته الأكاديمية الأولية، فانطلق في حوزة النجف بمساعدة بعض شيوخه الذين حضر عليهم، وارتبط معهم روحياً، لتحقيق المزيد وعدم الوقوف عند حد .

إن للحوزة العلمية التقليدية شروطاً وقواعد صارمة على صعيد الدرس والمنهج والتفكير، قد لا تبدو متلائمة مع متغيرات العصر، بالقدر الذي يتيح التطور والتفاعل مع العصر بما يؤدي إلى التجديد السريع .

روى المرحوم العلامة الشيخ قاسم محيي الدين، نقلاً عن الأستاذ محمد علي الحوماني، انه تحدث مع المرجع الأعلى للشيعة في عصره المرحوم السيد أبي الحسن الأصفهاني حول تنظيم الدراسة في حوزة النجف الدينية، والأخذ بالمناهج الحديثة المعمول بها، فكان جواب المرجع الأعلى، على حد قول الأستاذ الحوماني: ( نظامنا لا نظام ).

كما سمعت من الأخ العلامة الشيخ محمد حسن آل ياسين في مقولة أخرى للمرحوم السيد الأصفهاني هي: ( ما انتظم تبعثر وما تبعثر انتظم ).

وهذا كلام غريب، قد لا يمكن فهمه بخصوص تنظيم الدرس الحوزوي وتحديث المناهج، ومع هذا فللزمن أحكامه ومتطلباته، إذ طوّر بعض منتسبي الحوزة العلمية نوعية الدرس وطرق الأداء، وأخذوا طريقهم إلى التنظيم والتجديد، ابتداءً بمشروع "مؤسسة منتدى النشر"، الذي نهض به شيخنا العَلَم سماحة الحجة الشيخ محمد رضا المظفر ورفاقه، منهم أستاذنا العَلَم الشامخ السيد محمد تقي الحكيم .

لقد أملت الظروف على هؤلاء المجددين، بما تمتعوا به من وعي وتفكير أن ينهضوا بمهماتهم الإصلاحية بقدر عالٍ من الكفاءة، ولم تدرك الأغلبية من معاصريهم قيمة أفكارهم وعطائهم الزاخر، إلاّ بعد رحيلهم عن هذه الدنيا. غير أن تأثيرهم و ظهور شخصيات أخرى ذات كفاءات عالية، مثل الشهيد السيد محمد باقر الصدر، حفّزت منتسبي الحوزات العلمية، و الأكاديميين منهم خاصة، لحمل هموم التجديد و السير في مجاله. ولعل صاحبنا الدكتور عبد الجبار الرفاعي هو أبرز الشخصيات فيما أعلم، على صعيد المقدرة في المزج والموازنة بين التفكير والأداء الحوزوي والأكاديمي، دون أن ينكفئ على التقليدي، أو ينبهر بالجديد، فكتب في الأصالة والمعاصرة، وقدّم رؤية ثرية من شأنها أن تساهم بنهوض الفكر الديني وعصرنته، ليتقدم و يقود.

ولأن عبد الجبار الرفاعي حمل عقلية منفتحة فإن دراسته الأكاديمية الرفيعة لم تمنعه من التعامل مع التراث بواقعية، وإدراك قيمته العلمية، وما بذله المؤسسون الأولون من جهود، وما قدموه من عطاء ثرّ، يعد مفخرة في مجال الفقه والأصول والفلسفة والعقائد وغيرها. ولعل القارئ لكتاباته يدرك بسهولة اعتداده وإعجابه بالتراث الشيعي منذ التأسيس وحتى اليوم، هذا التراث المنفتح على الحياة وواقعها و متغيراتها.

لقد بذل جهداً واسعاً للنهوض بمستوى طالب الدرس الحوزوي، ليتمكن من الحصول على العلوم و المعارف الدينية، بطريقة توفر له الوقت والجهد، وتنتشله من غمار الكتب الكثيرة، التي لم تعد كافية لتزويده بالمعرفة، ولكن لاستهلاك وقته وجهده.

الشيخ عبد الجبار الرفاعي، هكذا قرأت اسمه في مجلة التوحيد، هو مدرس الفلسفة والأصول في الحوزة العلمية، ورئيس تحرير مجلة قضايا إسلامية معاصرة . مقالته التي قرأتها في ( التوحيد ) عنوانها ( الاتجاهات الجديدة في علم الكلام )، وقد علمت أن عنوان هذا البحث مأخوذ من كتابه الذي اطلعت عليه فيما بعد وهو: ( تحديث الدرس الكلامي و الفلسفي في الحوزة العلمية )، وهو عبارة عن: "دراسة في نشأة و تطور دراسة علم الكلام و الفلسفة عند الشيعة ودور محمد باقر الصدر في تحديث التفكير الكلامي ومحمد حسين الطباطبائي في تحديث التفكير الفلسفي"، وقد خصّ الفصل الرابع من الكتاب بالحديث عن "المنحى الإصلاحي عند محمد باقر الصدر".

كما تحدّث في الفصل الخامس عن دور الصدر في تحديث التفكير الكلامي، ص 119- 143 .

يقول انه تناول في كتابه هذا بصورة خاصة ما أنجزه محمد باقر الصدر، من خلال إرساء مرتكزات منهاجية معرفية بديلة فيما اصطلح عليه المذهب الذاتي في المعرفة، ومحاولته وصل العقيدة بالحياة واكتشاف المضمون الاجتماعي لأصول الدين.

ولعل ما حصل من تغيير واستعداد لمواصلة وانتهاج الدروس الحوزوية لم يكن أمراً مفاجئا أو ناتجاً عن قرار دفعي في آن أو لحظة واحدة، بل كانت إرهاصات ومقدمات، ومر بمراحل، غير أن الثوابت لديه هي التي دفعته لذلك، ومنها انتماؤه لحزب الدعوة الإسلامية، وإيمانه بالفكر الإصلاحي التغييري، فهذا الانتماء جعله يتحرك في محور دائرته الاعتقادية بعد نوع من الفكر الحركي، وربما اكتشف من خلاله المعالم الجوهرية في فكر الشهيد الصدر، ذلك المفكر العملاق، الذي التصق به صاحبنا الرفاعي، وارتبط به ارتباط اللازم بالملزوم، وقد أصبح لهذا المفكر موقعاً هاماً في نفسه، وصل به إلى حد العشق و الفناء، ولعل ذلك من أعمق الروابط التي شدته علميا وفلسفياً ووجدانياً بهذا المفكر الكبير.

توجهات الدكتور الرفاعي، التي استلهمها من فكر الشهيد الصدر، ودخوله منظومة العمل الحركي، هي تحقيق المجتمع الإسلامي الواعي المفكر. وقد بذل في سبيل ذلك جهوداً كبيرة، ووظّف إمكاناته العلمية و الثقافية ووعيه المتقدم، من أجل بناء ذلك المجتمع، الذي يقوم على حركة فكرية طلائعية، ويكون المفكرون النابهون المعتدلون سدنته، ورواده لبناء أمة إسلامية تقوم على قيم العدل والعلم والحرية والانفتاح الفكري على الآخر، مع نوايا حسنة، وقلوب وعقول منفتحة، بعيدة عن التعصب والعنصرية والاستهانة بأقدار المفكرين الآخرين الذين ربما لا يحملون توجهاته نفسها.

هذا ما ترسّخ في وجدان الرفاعي وعقله، فانطلق من ذلك الوعي الذي ترسب في أعماقه، من تراث الماضي ومعارف الحاضر، بمختلف أشكالها ومضامينها وآلياتها العلمية والفكرية والثقافية، فهو قد استوعب تراث الماضي، لامتلاك العدة التي تمكنه من مواجهة الحاضر والمستقبل.

يمكن القول إن الرفاعي قد سبق الكثيرين من أقرانه وزملائه في الدرس الحوزوي، سواء في النجف أو في قم، لأنه جعل العلم والتحصيل هاجسه الأول، فكأنه يمارس هوايته المفضلة، التي آثر هو ممارستها، انطلاقا من توجهه الإنساني، الذي تدفعه إليه قيم الدين الحنيف. وذلك ما نجده واضحاً في طبيعة موضوعات إنتاجه، فهو يتحرك في فضاء واسع من المعرفة والفكر، والتطلع إلى فضاء أرحب، يريد للجميع أن يتحركوا فيه. إن وعيه واطلاعه على الأفكار ومعطيات العلوم الإنسانية المعاصرة، يجعله في مقدمة رواد الكتابة الحديثة، بعيداً عن الإطار والأسلوب التقليدي المتعارف. كتب في موضوعات متعددة، وكان ناجحاً في كل ما تطرق إليه وبحث فيه. لقد اغترف من معارف وثقافات عديدة، سواء بالدرس أو المطالعة، فكان لذلك تأثيرٌ كبيرٌ في فكره ووجدانه وأصبح في مقدمة المفكرين، صاحب فكر ثاقب مضيء، يحمله وجدان شفاف وبصيرة نقية.

ولو أن الدارسين الآخرين حملوا رؤيته الإسلامية المتوازنة، وربطوها بالاتجاهات الحديثة ومعطياتها المعرفية، ودرسوا الإسلام بالطريقة التي سلكها، لأدركوا صواب المنهج الذي اتبعه، واقتربوا كثيراً من طرحه الجديد للقضايا الإسلامية.

الدكتور عبد الجبار الرفاعي مفكر شجاع، مخلص لمبادئه، منفتح على الآخر، بعيد النظر، حكيم، يتحرى الحقيقة، يقولها ويدعو إليها، ويرى ذلك من صميم واجبه. وهذا ما نهجه في مجلته "قضايا إسلامية معاصرة"، لا يطلب عليه جزاءً أو شكوراً، أو منصباً أو وظيفة مرموقة. وطوال حياته لم يكن أسيراً للتطلعات أو الطموحات الذاتية البحتة.

هذا هو في شرفه ونبله، وكفاءته العلمية، وثورته على التخلف والجمود الفكري. ومن يقرأ ما كتبه ومشاركاته العلمية والثقافية، وما وثّقه في معاجمه المعرفية ستتضح له حقيقة ذلك.

عبد الجبار الرفاعي نموذج الشخصية الإسلامية التي لم تنفصل عن جذورها، لكنه لا يتعامل مع كل المألوف المعروف، من عادات وتقاليد ومفاهيم اجتماعية مغلوطة من الإرث والجذور الطبيعية، بل يعتبرها مجرد إرث جاهلي، لها مظاهر وحشية، كالثأر، والنهوة، والتمايز بين الناس، لذلك فإنه يشجبها ويحاربها، عن طريق نشر الحلول والأفكار الإسلامية. هو لا يتفاعل ولا يستجيب إلاّ للأفكار والقيم البناءة، القائمة على السلام والتسامح والتعايش، بدلاً من التعصب والكراهية والعنف، تحت ستار الانتصار للدين أو المذهب، مما من شأنه أن يفكّك عرى الأخوّة الإسلامية والقيم الإنسانية.

إنك تجد في صراحته وجرأته صراحة القرية وبساطتها، وسيرة أهلها العفوية، وبيئتها البسيطة، التي أدمنت شظف العيش، وقلة المتطلبات الشخصية، وكانت تتفاعل مع ترانيم الدعاء من فم الأم الرؤوم، بعد صلاة الصبح، وهي تبتهل إلى الله تعالى، ليديم نعمة الإيمان، وييسر المصاعب ويزيلها. إن وقع تلك الأدعية والابتهالات لا تزال ترن في أذنيه، بعد أن تركت بصماتها الأولى على شخصيته، ولعل الاستجابة لها من قبل الخالق القدير هي التي فتحت الأبواب أمامه، ويسرت له سلوك سبيل العلم والمعرفة، والحرص والمواظبة على التحصيل والاستزادة منه، فقد ظلت مغروسة بعمق في وجدانه، وحافزاً للتعلق الدائم بالقيم الدينية العليا، وخصوصية العلاقة بالله تعالى، وبالنور الرباني المحمدي .

لقد تعرفت إلى الدكتور عبد الجبار قبل أن ألتقيه، فقد اطلعت على جهوده التوثيقية، التي ناهزت ثلاثين مجلدا، في: "سيرة النبي وآل بيته عليهم الصلاة السلام"، و"مصادر النظام الإسلامي"، و"الدراسات القرآنية"...ولما كان لي شرف المساهمة في هذه الدراسات، في رسالتي للماجستير عن: "أسلوب التوكيد في القرآن الكريم"، فإني لم أعثر على إشارة لذلك في معجمه التوثيقي، وقد وجدت له العذر آنذاك، بسبب عدم اطلاعه على الرسالة التي قدمت في جامعة القاهرة، وبعد ذلك أخبرني في أول لقاء معه: بأنه اطلع على الرسالة، وكتب عنها، وكان هذا لقائي الأول معه في قم عام 2006 م، عندما بادر بالحضور إلى الفندق الذي أقيم فيه، وتوقعت عندما أخبرني عن اسمه؛ أني سأجد أمامي شيخاً معمماً ملتحياً، غير أني وجدته أمامي يرتدي زياً عصرياً. وعندما أبديت استغرابي من ذلك، أجابني: ها أنا ذا أمامك بصورتي الحقيقية، و لك أن تفكر بشأني وبزيي كما تشاء، ثم بعد أن استقر به المجلس زاره اثنان من أصحاب العمائم، فلما استطلعت منه الخبر، قال: هؤلاء تلاميذي في الماجستير، وهذا موعد لقائهم الدوري بي. وقد أخبرت بعضهم بمكان وجودي هنا، فجاءوا لأجل ذلك. وراحوا يلقون بأسئلتهم عليه، وهو يجيبهم. فرحتي كانت عظيمة وأنا أراه أستاذا مرموقاً... وأسأل الله له السداد و الموفقية في هذه المسيرة العامرة الحافلة بالعطاء .

وختاماً أقول سيظل الأستاذ عبد الجبار الرفاعي علماً بين التنويريين الإسلاميين المعاصرين، رغم انه بدأ الدرس في حوزتي النجف وقم التقليديتين، وفي تصوري أن هذا الدرس الحوزوي قد أعطاه عمقاً وأصالةً فكرية، جعلتاه يتمسك تمسكًا شديدًا بثوابته الإسلامية. وهذا يكاد أن يكون مفقوداً لدى كثيرين ممن عرفوا واشتهروا بالكتابة التنويرية المعاصرة في المشرق العربي ومغربه وغيرهما في البلاد الإسلامية. وللتوسع و المقارنة مجال لا تتسع له هذه الشهادة.

هذه انطباعاتي التي سجّلتها على عجل عن هذه الشخصية الكريمة، التي تشاركني النسب إلى العلم، وجغرافية المدينة.

 

السيد د. طالب الرفاعي

 

ماجد الغرباوي .. قراءة في معالم شخصيته الفكرية والأخلاقية

safaa alhindiرغم الغربة والمرارة والحنين واللوعة، وأنين الجسد وآلامه، وذكريات الوطن والأمنيات وشوقه ودموعه وأحلامه .. ورغم بُعد المسافات وترامي الحدود، ما زال نجمه لامعاً يتجدد كل يوم في سماء العلم والفكر والمعرفة .. لم تقف قريحته الفذة عند حد، ولم يبخل على طلابه وقرّائه من فيض عطائه. كما لم يمنعنا بُعد مهجره أن ننهل من وحي علمه وفكره المعطاء، ولم يتوان كرمه بدرس او نُصحٍ او ارشاد .. وهذا ما عهدناه من خلال متابعتنا وتواصلنا معه عبر الأثير، أنه استاذي الباحث المفكر القدير ماجد الغرباوي، الذي نبقى نتطلع لرؤيته ولقائه شخصياً، والتزود من فكره وعلمه ومواهبه وعطائه ذات يوم.

 

الغرباوي .. الاكتشاف

لسنا بصدد استعراض ومناقشة مشاريع الاستاذ الغرباوي وما يتمتع به من آفاق علمية وثقافة واسعة ومواهب فكرية وأدبية عالية بقدر ما نحاول إعطاء صورة ولو تقريبية من وجهة نظر "قارئ" يحاول اكتشاف معالم شخصيته، والتعرّف على ملامح فكره وعلمه، لاننا نعتقد انه ما زال يكتنز في صدره أكثر مما ظهر في نتاجاته، وأبعد مدى مما طرحه في الساحة الثقافية. ورغم اسلوبه الواضح في مناقشاته ومعالجاته، إلا أن القارئ المتفحّص بامعان يستطيع ان يلحظ ويلمس، ان هناك مشروعاً آخر لم ير النور. وهناك فكر، وفلسفات، وعلم، ومعارف، واخلاق. هناك أفكار ومشاريع، واشياء كثيرة لا تزال مختزلة في روحه وعقله، لم يُفصِح عنها بعد ! .

ما يشدنا أكثر الى متابعته هو:

فضلاً عن الذكاء والفطنة والبصيرة وبُعد النظر وسرعة استيعاب الرؤية وأحتوائها، هناك الشفافية وعمق التجربة الذاتية وحضور البديهة المثقفة والواعية التي يمتاز بها في رهاناته. اضافة الى قدرته الفائقة على ادارة الحوار، وهي صفة تعكس خصائصه التربوية والاجتماعية، ثم قدرته على حسم الموقف وارضاء الجميع بنفس الوقت.

ومن ذلك الحضور الواثق كدليل بسيط على مستوى فهمه ووعيه المتوقد والمُتجدِد هي ردوده على قرّائه، حيث يتجاوز فيها الصراعات التقليدية والكلاسيكية المعروفة لدى الوعي العام والسائد. وايضا فان استجاباته ومناقشاته تعد تجسيدا بارزا وحيا لاخلاقه الرائدة وفهمه المتطور الخلّاق. ففي ردوده الشفافة والرائعة على من يتعاطى بعاطفة وتشنج وعصبية وأنفعال زائد مع القراءات المخالفة لآرائهم او إعتقاداتهم او أفكارهم، تجد اجابات علمية، فكرية، ثقافية، اسلامية، واجتماعية تنطوي على عشرات الأسئلة المُختزلة "الآنيَّة والمستقبلية"، كل ذلك يطرحه باسلوبه الحضاري وروحه المتفتحه المعهودة بدقَّة وعمق وقوَّة موضوعية وشمولية عادلة وصالحة.

فمثلا، كتب مقالا حول أهمية السؤال كرد على مجموعة من التعليقات، جاء فيه:

(أسس القرآن الكريم منهجا، حالت رمزيته العالية دون ادراك ابعاده، وظل المسلم يعيد قراءة آياته، وهو لا يفقه من معانيه شيئا .

فتحدث القرآن عن حوار دار بين ابليس وبين الباري - تعالى -، ليؤكد لنا ثمة اسئلة مشروعة، من اي جهة صدرت، يجب الاجابة عليها (ولو كان الرب جل وعلا).

كما نقل لنا القرآن الكريم حوارا دار بين الخالق وملائكته، وهم كائنات صالحة دأبها الطاعة، لكن هواجس خلق الانسان استبدت بها، فكانت هناك اسئلة طرحها القرآن الكريم ورد عليها، دون اي قمع او اضطهاد او تهديد، كل ما في الامر أجّل الاجابة بالنسبة لسؤال الملائكة، لان طبيعة الجواب تحتاج الى تجربة عملية .

ثم طرح القرآن الكريم أخطر الشبهات، التي تهدد رسالته، وهي التوحيد، دون اي اكتراث، ونقل لنا اسئلة المشككين، والكافرين والملحدين، والناكرين، وناقشها علنا. قال هكذا كانت اشكالاتهم، وهذه اجوبتنا .

فهل هناك اخطر من مسألة وجود الله بالنسبة للاديان جميعا؟ وما قيمة ما عداها لو اهتز الايمان بوجود الله - سبحانه - او توحيده؟ فلماذا لا يستفز الانبياء من اسئلة المنكرين، والجاحدين؟ وكيف وضعهم القرآن وجها لوجه امام تلك التساؤلات؟ .

لماذا لم يعترض النبي ويقول له يارب، لقد اخطأت التوقيت، انها ستضعف دعوتي، وانا في بدايتها؟ لماذا تقبلها واعلنها على الملأ بكل ثقة ومسؤولية، ورد عليها، وفند حججها .

اذن المنهج القرآني يقوم على شرعية السؤال، وحق الرد، ومنهجه قائم على طرح الاسئلة بشكل شفاف علني، كي يتحمل المسلم مسؤوليته امام اي عمل يقوم به، ويكون مسؤولا تجاه اي رأي يطرحه، لاستحالة قمع الاسئلة، ولا بد من متنفس تطفو من خلاله بحثا عن اجوبة مقنعة . ولولا السؤال لما تطورت الحضارة)1.

 

لم أقرأ له سوى كِتابَين من مؤلَّفاته: "أشكاليات التجديد" و"التسامح ومنابع اللاتسامح". وانا بصدد إقتناء وقراءة كل نتاجاته الأخرى، وكل ما رفد به المكتبة الثقافية والاسلامية ان شاء الله تعالى. لكني تابعت وإطلعت على كتاباته ونقاشاته ومعالجاته وحواراته من خلال مقالاته في أرشيف صحيفة المثقف الألكترونية2 وغيرها من المواقع والصحف.

بكل تجرد وإنصاف: يجد القارئ نفسه وهو يطلع على تراث هذا الرجل امام امكانيات معرفية ثرّة، ومكنونات فكرية اسلامية واجتماعية وأدبية غزيرة تتجدد على الدوام، ويلحظ سيطرته التامة على المطالب المتناولة فكريا وعلميا مع مواكبة متطورة وعصرية. يُلحَظ ذلك في مقالاته وبحوثه ومعالجاته الفكرية والثقافية، بل وغيرها مما يتناوله في نقاشاته او التي يحللها بكتاباته ..

وبحوث الغرباوي تتصف ايضا بالاستقراء الموضوعي الصحيح، وتعدد القراءات لكل حادثة وواقعة يتناولها، والاستيعاب المدرك، والفهم المعرفي الدقيق ضمن ثقافته التخصصية والعامة. وحيادية واخلاقية وموضوعية تامة، وقدرة على بحث ودراسة اي قضية من جيمع جوانبها ومداخلاتها واستنطاقها، وثم المفاضلة في تقييم التنوّع والاشكال وحل الملابسات ودفع السلبيات والمؤاخذات وملاحقة الايجابيات وبلورتها وتبسيطها بصور تتماهى جذرياً او تأسيسياً مع متطلبات المرحلة "الآنية" برؤية مستقبلية، فضلا عن ثقافته التي تتصف بسلاسة الاسلوب، ومرونة في دراسة الحالة او الظاهرة مهما كانت ابعادها شائكة، وتذليلها بدلالات واسعة لايضيق على القارئ أستيعابها وفهمها. فمثلا في بحوثه الاسلامية عندما يقدم الاسلام كنظام يجمع بين التأصيل الشرعي والوعي الواقعي والثقافي بتاريخ الأمة وحاضرها ومستقبلها، يدرس الغرباوي منهج الإسلام من حيث هو كلي مترابط في القيم والنظم والفكر.

ثم روعة الارتكاز العلمي المؤسس وأدواته المنطقية في الأستقراء والسلوك والفهم تتجلى بوضوح في كل عمليات المعالجة والتشريح المعرفي على طاولة المُفكر الاسلامي المتمرس والاجتماعي المتبحِّر والخبير . كما ان الأسس المنطقية والأدوات الفنيّة والعقلية المنفتحة التي يعتمدها اسلوبه الكتابي النقدي ومعالجاته الثقافية والفكرية، تُعد من أهم ركائز وأوليات الاستنتاج "المُبدع والمُبتكر".

 

الوطن في روح الغرباوي وإيمانه:

ان شعور الانتماء للوطن يتجلى في افكار الاستاذ ماجد الغرباوي وهو يناقش حالات القلق الحاصل على ارض الوطن. وكان حب الوطن حافزه، من واقع المسؤولية الثقافية والوطنية، في التعاطي بمرونة في نتاجه الفكري. فمن اسهاماته الوطنية الكثيرة التي رفد بها الساحة السياسية والأجتماعية، ثقافة الوعي للجماهير وما تحتاجه لاعادة النظر في سلوكياتها وقيمها الكلاسيكية ومورثاتها المؤججة. وهو يدعو دائما لعدم الانجرار وراء صراعات قبلية وسياسية واجتماعية لاطائل منها سوى زيادة الشحناء والمأساة. ويرى أن هناك دائما ثمة حوار واخلاق وسلوكيات بديلة اكثر قيمة مدنية وحضارية كفيلة باحلال السلام بين الجميع، تعزز لغة الأنسجام واعادة النظر في الصراعات القائمة برمتها. كل ذلك من أجل العمل على ايجاد تسوية دائمة وشاملة تحقق الأمن والسلام، وهي دعوة توكد على حرص وتمسك الغرباوي بالسلام الوطني والاجتماعي كخيار استراتيجى ومنطلق اساسي للتعايش السلمي بين كل اديان واطياف المجتمع على ارض الوطن .

ويحس القارئ ان الخبرة الحياتية والعلمية والاجتماعية موظَّفة بصورة واضحة في طاقات الغرباوي وبرامجه وعطاءاته الفكرية والانتاجية. يتجسد ذلك من خلال دعوته لتوفير ارضية سليمة للتواصل مع هموم المجتمع وأزماته المتراكمة. ودعوته لايجاد حلول قِيَمية مُثلى، من خلال:

- دراسة الواقع السياسي والاجتماعي والديني بصورة جذرية.

- الاسهام في ترجمة الموروث الديني والاجتماعي وفق رؤية اكثر تطورا وانفتاحا.

- البحث عن كل الخيارات المتاحة من اجل توفير فرص للتعايش السلمي والحضاري بين الثقافات والأديان.

وليس من صورة واضحة لتلك المشاعر الوطنية اكثر من خطابه في كتابه "التسامح ومنابع اللاتسامح". حيث يتميّز هذا الخطاب بصلاحيته لكل المجتمعات التي تمر بنفس ما يمر به مجتمعنا العراقي من أزمات. ووفقا لهذا الخطاب، كما يرى الغرباوي، يجب البحث عن سُبل بديلة وخلق وأبتكار أجواء تسامحيَّة جديدة، وبرمجتها معرفياً وحركياً في فضاءات المجتمع، من أجل البقاء وديمومة التعايش السلمي ضمن حياتنا المجتمعية.

 

الغرباوي مفكرا:

في كتابه التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الأديان والثقافات .. يقول الغرباوي:

(ان ما نشاهده اليوم من صراع محتدم بين القوميات والأديان والمذاهب يكشف عن رخاوة الأسس التي يقوم عليها مفهوم التسامح او غيابه، فهو في نظر الأوساط المتصارعة لا يعدو كونه قيمة اخلاقية تتحكم به المؤثرات الاجتماعية والسياسية، وهو في رأيها منّة وتفضيل مشروط . قد ينقلب الى ضده اذا فقد رصيده الاخلاقي، وما نحتاجه فعلاً لتوطيد العلاقة بين الطوائف والقوميات مفهوم يرتكز الى أسس متينة، تتفادى الأحتكاك على خطوط التماس .. لتكريس مفهوم التسامح وفق حاجاته الاجتماعية بعيداً عن المنّة والتفضل والتكرم، فالتسامح هنا حق لجميع الافراد على أساس الاعتراف بالآخر، وحماية لحقوقه، حق تفرضه الحقوق المشروعة لكل انسان في الحرية الشخصية، وحرية الأعتقاد، وحرية التعبير)3.

اذا فهو يدعو الى زرع وبث روح التعايش السلمي بين الأفراد والمكونات، وفق قراءات وأسس متينة جديدة، خلافاً لما هو سائد في الوضع الجاري، كي تتفاعل من خلالها جميع مكونات المجتمع بصورة حضارية اكثر انفتاحا واكثر ديمقراطية.

كما يدعو في خطابه الى غرس حس ثقافي يهدف إلى وعي أمني شامل في نفس وفكر جميع مكونات المجتمع على حد سواء. أي يهدف الى تكوين قاعدة بشرية كبرى من التعاون المدني والاجتماعي، بحيث يسهم ذلك بشكل ايجابي وفعال في تحقيق العملية الأمنية والتعايش السلمي المستقبلي بين الأفراد والمكونات والأديان. وفي هذا المشروع محاولات دؤوبة لانقاذ المجتمع من العزلة والمصير المجهول .

لقد كشف الغرباوي بنظرته حجم المعاناة التي ما زالت تعيشها وترزح تحتها مجتمعاتنا العربية. لذا فالامر بنظره يستدعي تقديم قراءة متأنية لأسس التسامح السائدة في واقعنا المُزري .. قراءة مبنية على دراسة نوعية تشكل قفزة في اخراج المجتمع من أزماته المُتراكمة.

ان بلورة جديدة لتلك الأسس الرخوة وبنائها بانسجام وحذر ستساهم في خلق مجتمع متناغم بمكوناته ونسيجه، يحتقر ماضيه المُخجل ويداوي جروحه بحماس ويلملم شتاته بهمَّة، ويتطلع نحو مستقبل أفضل .

راحت البحوث العلمية والسياسية للغرباوي تسبر الأدبيات والقيم الاجتماعية وتفرزها بموضوعية وتحدد عناصر الأهمية والخطورة والفائدة لهذا الجانب من ذاك في حياة الإنسان والمجتمع . وكان يحذر المجتمعات التي تعيش سباقا محموما في لا وعيها كي لا تجازف في خلق ازمات جديدة، تسلب المجتمع راحته ورفاهيته وقوته ونفوذه.

كما دأب الغرباوي في بحوثه على تقصي الحقائق التي تعين الإنسان والمجتمع في التغلب على مشاكله، التي هي كالأمراض فتكا بالشعوب، ودعا في بحوثه الى ضرورة فهم الظواهر المتأزمة والمرتبكة ومحاولة تفسيرها ومعالجتها من خلال التعميمات والقوانين الكلية الشرعية والاجتماعية العامة، وايجاد حلول لمشكلات حياة الإنسان والمجتمع وانتشالهما من هذا الواقع الذي يعيشان فيه. والاستفادة من التجارب البشرية، وتحري الموضوعية التي ترفع من مستواه السلوكي نوعاً وكماً، وهو ما يساعد على تطور فكر الأفراد، وتزيد من نسب النجاح التي يتوخاها المجتمع .

لقد أولى الغرباوي البحوث العلمية اهتماماً بالغاً، واعتبرها عاملا استراتيجيا لضمان وديمومة قوة المجتمع والدولة وبقائها فاعلة بين غيرها من الدول. إن الأمثلة على اهتمامات الغرباوي وباقي الشريحة المثقفة والواعية بالتقدم العلمي والبحثي أكثر من أن تحصى، ولكن منذ أن ساءت الظروف وغُيِّب الفكر والمفكرين عن ساحة المجتمع بدأ التراجع في مختلف المجالات وأصبحت الهوَّة بعيدة والفجوة عميقة بين الناس ومجتمعهم .

 

مشروع الغرباوي الحركي والتجديدي:

التسامح ومنابع اللاتسمح، الضد النوعي للاستبداد، تحديات العنف، و.. ألخ، ليست مجرد مؤلفات شاء تخصص الكاتب تأليفها بدوافع مادية او شخصية او دعائية، وإن كان ذلك من حقه .. ولكن بقدر ما يراها القارئ هي بحوث إنبثقت ضمن مشروع وهدف أعمق وأبعد من مجرد الكتابة. فهناك تأسيس .. وهناك تخطيط .. وهناك برنامج موضوع مُسبق .. وهناك هدف اكبر وأسمى من الآن .. هناك سعي حثيث ملموس . أي أن ما يلمسه القارئ أن هناك شيئا لايستطيع القارئ معرفة ماهيته تحديداً، اكثر من كونه مشروعا ثقافيا حضاريا مؤسسا حتى يأخذ مكانه التربوي في الساحة الاجتماعية والوطنية ودوره الطبيعي في ساحات العلم والفكر والمعرفة، وتساهم في خلق تطور ثقافي جديد بكل المجالات الوطنية والاجتماعية والدينية.

فضلاً عما تقدم يجب ان ننوه بكتاب: "الشيخ محمد حسين النائيني منظِّر الحركة الدستورية " والذي صدر بطبعته الثانية حديثا، حيث اطلعت على توطئته. ففي هذا الكتاب يبين الغرباوي معالم مشروعه الأصلاحي ضمن سلسلة "رواد الأصلاح". وهي سلسلة دورية تعنى بدراسة مشاريع الاصلاح التي نهض بها الروّاد المسلمون، والتي كان الاستاذ الغرباوي يرأس تحريرها وأصدر منها خمسة كتب على نفقته الخاصة، إلا أن هجرته من الشرق الاوسط الى الشرق الأقصى – كما يقول- حالت دون الأستمرار بصدورها. لكن بدأ وهو في مهجره باعادة اصدار ما صدر منها مجددا، حيث صدر منها لحد الان كتابان، نأمل ان يوفق في اعادة اصدار ما تبقى منها.

وقد درس الباحث في هذا الكتاب حياة الشيخ محمد حسين النائيني باعتباره اول فقيه ينظّر للحركة الدستورية والديمقراطية، وينتقد الاستبداد السياسي والديني بعنف. وبما ان حياة النائيني زاخرة بالاحداث والمواقف، لذا اهتم الاستاذ ماجد الغرباوي بشخصيته ومواقفه وفكره فكان هذا الكتاب، الذي قدم رؤية مغايره لما كتب عن الشيخ النائيني، وهي رؤية نقدية صارمة، من أجل الوقوف على الحقيقة في خضم الاحداث التي رافقت النائيني.

نأمل ان يشكل هذا الكتاب رافدا وباعثا حركيا للأصلاح والاستفادة من معينه الفكري. وان يكون مصدرا للطلاب والباحثين على السواء، أسوة بباقي بحوث ونتاجات الاستاذ الغرباوي التي أغنى بها الساحة الثقافية والاجتماعية والاسلامية والسياسية .

ان افكار الكتاب كما هو واضح من موضوعه وعنوانه وما قرأت عنه، تعد افكارا اصلاحية، وتعكس وجهة نظره ورؤيته بالحاضر والمستقبل وما بينهما من احداث. ان مشروع الغرباوي الاصلاحي اذا ما كتب له النجاح سيساهم في رفد الساحة الثقافية والفكرية، ويقدم معالجات عملية للمشاكل التي تحيط بالمجتمع بسبب الثقافة والفكر والمواقف الخاطئة، خاصة مواقف بعض رجال الدين.

وقبل ان اختم مقالي لا بد ان انوه بجهد الاستاذ ماجد الغرباوي الاعلامي من خلال صحيفة المثقف، التي تركت صدى اعلاميا واسعا بفضل ما ينشر فيها من بحوث ودراسات ومقالات فكرية واجتماعية ونفسية وادبية وسياسية وثقافية. وايضا يجب ان انوه بمؤسسة المثقف، التي كانت رائدة في تكريم الاحياء من الرموز الفكرية والادبية، والرائدة في تكريم كتّابها وكاتباتها. كما لا ننسى مساهمات المؤسسة في طباعة ونشر الكتب، ولعلها المؤسسة الاولى التي نجحت في هذا المجال بفضل جهود الاستاذ الغرباوي حتى اصدرت لحد الان ما يقارب 30 كتابا.

 

....................

1- الرد مقتبس من مشاركة للاستاذ الغرباوي في صحيفة المثقف بعنوان: المثقف وتحديات السؤال

http://almothaqaf.com/index.php/araaa/41398.html

2- http://almothaqaf.com/

3- التسامح واللاتسامح .. فرص التعايش بين الاديان والثقافات، دار العارف، بيروت لبنان، ط 2008، ص

11

جليل السنيد مدير متوسطة وإعدادية سوق الشيوخ أيام زمان

akeel alabodألمشرف التربوي الأستاذ جليل عبد الحسن السنيد مدير اعدادية سوق الشيوخ أبان السبعينات والمميز نهاية الستينات والمراقب العام للإرشاد التربوي عهد الثمانينيات والمتقاعد على أعقاب عصر أصيبت فيه الموازين بوباء العفن، ليصير طريحا في فراش وحدته التي لم تفقد شموخها رغم عنجهية الكهولة والمرض. ليس مُدرِسّا للغة العربية وقواعد النحو والشعر فحسب، بل إداريا بامتياز، عاصر حقب من الزمان تفاوتت في معانيها وأحداثها وصورها مذ عبد الكريم قاسم وما تلاه، ليحكي قصة عصر تزاحمت فيه لغة الأضداد، فتنافس الأصلاء، لعلها قافية العلم تحيا في قلوبهم، فيفوز الوطن بوسام أسمه المحبة.

ألثمانينيات أنذاك موضوعة لحرب طائشة، والطيبون محاصرون من قبل ذوي البزات الخضر والأمن وصور "القائد والمؤسس" بيد أنه لم تطئطيء رأسه وجوههم المصفرة، ليبقى شامخا هكذا بنظراته التي تنبعث من زرقة عينيه الحادتين كراية تتبعها ألوان بشرة حمراء وخصلات شعر وقور، لترسم ملامح واحدا من الشخصيات التربوية البارزة.

ألحقبة نفسها انذاك مسافة من الزمان لملامح ما انفكت تحكي قصة رجال تجمعهم فطرة تربوية، ترعرعت بطريقة عفوية مع أقصى نفوسهم، لتنمو مع مكونات عبقرية تجاوزت بعلوها خبرة الدكتوراه أيام العفة ، لهذا وبلا تردد تراها تتباهى بشرف وقارها الأكاديمي تلك الشخصيات، لتحكي شهادة عصر ينبض بالكبرياء. هي تلك الملامح نفسها شهادة لمسيرة تربوية تفاوتت في أبجدياتها، لتعلن إنعقاد جلسة حافلة لضمائر لم تشوبها لغة الفساد. هي نفسها تلك الحقبة من الزمان محطة تزهو بحكايات نخب من المخلصين. هنا إمتدادا لذلك المد من الطيبين، لم يكن مختصا بموضوعة النحو وقواعد اللغة فحسب، بل أستاذا بآداب السلوك والقيم، التي تنتمي الى هوية مجتمع سوي.هو هكذا بقي حريصا على تطبيق قاموس المعاييرالإجتماعية المرتبطة مع تاريخ العائلة العراقية قوي الشخصية مع أفراد عائلته التي تضم أولاده وزجته التي هي الأخرى حفيدة لمسيرة خالدة باعتبارها المديرة الأقدم لإحدى المدارس الإبتدائية في مدينة الناصرية ، يوم كانت التربية لا تنفصل عن التعليم ويوم كان التعليم لا ينفصل عن أساليب المنهج التربوي لبناء الشخصية العراقية بأبعادها الإجتماعية والثقافية والعلمية. لقد بقيت عامرة تحكي مسيرة رجل تأبى أن تفارقه القيم تلك الحكايا، حينما كان بدقة وبحرص بالغين يحمل أسئلة الإمتحانات الوزارية الملصقة بالشمع الأحمر والخاصة بجميع فروع اعداديات محافظة ذي قار بقلبه المثقل بأمانة تلك القدسية التي تفرض على حاملها عبء مسؤولية ثقيلة. هنا هو في القلب نفسه ما انفك يمسك بعصا مشروعه التربوي حتى مع أولاده وذويه.

الصقر واليمامة!

abdulrazaq mohamadjafarلا أريد أن أسرد عليكم كل ما أعرفه عن (الصقر) و(اليمامة) حتى لا أتهم بالمبالغة ولذا ذكرت بعدعنوان القصة عبارة:

" تنقصها الصراحة"،فليس كل صحيح يقال وليس كلما يقال صحيح!، فالكثيرمن المطبات التي اجتازها الصقر، لم أتطرق لها حتى أتجنب

الأطناب!، وقد أعترف لي بسذاجته وعدم تعلمه من هفوات الحياة، فالمعلم يموت وما يتعلم، (مثل شعبي مصري)، وكان دائما يسبح ضد التيار كي يدرك الحقيقة ويصل إلى شاطئ الأمان، حتى أنهكه التعب وانهارت صحته واسـتسـلم للقدر. وعلى أية حال، أن بعض الأمور المعقدة كانت تفرج في لحظتها الأخيرة، ويجد من يمد له يد العون ويردد بعضا من أبيات قصيدة الأمام أبي حنيفة (رض) :

ضاقت ولما استحكمت حلقاتها فرجت و كنت اظنها لن تفرجي

تراكمت على الصقر الهموم وهو في خريف العمر، أو قل بداية جفاف العواطف وسبات الغرائز لأسباب عديدة، يرجع معظمها لحياة الوحدة او قل الغربة التي عاشها بعيدا عن الأهل والوطن في المهجر، إضافة إلى قساوة المجتمع الشـرقي ونظرته القاسية للذي يعاشرامرأة حتى على مستوى الزمالة، لأعتبارهم أية خلوة لرجل وامرأة، لا بد وأن يكون الشيطان ثالثهما!

كما أن الكثيرات من بنات حواء لا يرغـبـن بعلاقة عابرة سوى بائعات" الهوى" .. اللاتي يتقززالصقرمعاشـرتهن منذعهد الشباب، فما بالك اليوم وهو بهذا المستوى العلمي والإجتماعي، فمن المحال إن يسمح لنفسه بأية علاقة عابرة،اضافة الى درايته بكل الأمراض التي

تنتقل عن طريقهن، وقانا الله وإياكم من هكذا طريق.

كان القدر بالمرصاد للصقر، حينماصادفه مطبا جديدا، لا يعلم غير الله مخاطره، فقد لفتت نظره أمرأة في عنفوان شبابها هزت عواطفه بشـكل لم يسـبـق له مثيل في أي مرحلة من مراحل حياته!

إنها هـزة من نوع جديد، ولربما هي بداية لقصة "حب" جديدة، ولذا استسلم لهذا الطارق، واندفع خلفه من غير وعي في طريق شائك ومظلم او قل: هو السـراب بعينه !

راح الصقر يـتـمعـن بـواقـع حـالـه، وهل هوفي حلم اليقظة؟! .. الى أن اخذت هذه العلاقة تتطور يوما بعد يوم، وصار أكثررغبة للسـير في هذا الطريق الوعر، لأنه لم يصادف أي معوق يحول دونه، فهذا هو قدره الذي دفعه دفعا، ولا يهم ان ادى ذلك إلى أي نوع من أنواع العلائق العاطفية التي لاطاقة لتحملها!

من المؤسف أن أعمى البصيرة لا يدرك القوة المغناطيسية التي تواجهه .. فهو الآن أمام صبية طلــسم، لم يرى مثلها في البلاد!،فقد ايقظت كل عواطفه المطمورة، وأنســته بعضاً من مشاكله الماضية. وهكذا ودع آلامه الدفـينة، و زج نفسه في قصة بلا عنوان، كما قال نزار قباني : ما اصعب ان تـحـب امـرأة بلا عـنـوان!

قـد تكون مشـاعره نوعاً من الأعجاب او "الحب" من طرف واحد، وراح يكلم نفسـه كالـمعـتـوه متسائلا :

" من تكون هذه الفتاة (المبهمة) التي وضعها القدر في طريقي؟"

انها امرأة محنكة وذات خبرة، فقد حدس كل ما في ذهنها، إلا أنها كانت أكثر منه حنكة، فقد هيمنت على كل أفكاره وشـلتها كما يشل العنكبوت فريسته!

واجه الصقرالأمرالواقع وراح يسـتجيب لمباهج الحياة وشـعر بنشـوة المرأة الجميلة، وكاد يتوهح ذاتيا، لكبح عواطفه التي اسـتفاقت بعد سـبات طال أمـده، وما من أحد يـشـعربه، بالرغم من كنز معلوماته حول ما هو الحلال والحرام، الا انه لم يسـتطع التمردعلى مفاهيمه عندما توفرت لديه بعض ما يغري ليشـبع عواطفه، فأزداد شبقا، ثم ردد مع نفسه بعد ان دب عنده اليأس " لا .. لا .. ، بليا ها أحسن"، أي أنه اذا لم يدنـس نفسـه بما هو مُحرم شَـرعاً، أفضل واسلم عاقبة!

ومضت الأيام، و بدات رياح الشـوق تعصف ثانية بالصقر، و رمى نفـسه على كل من تحمل لقـب امراة ! .. .و لم يوفق، وكاد يتمرد على كل القيم الاجتماعية التي ردعته عن ممارسـة احاسـيسـه العاطفية، و لكن مـن دون جـدوى!

ومرة سـألني ما العمل؟، فقلت له : لسـت أدري،ولن تجد من يجيبك، حتى فطاحل علماء النفس والأجتماع .. الزمن وحده كفيل

بحل أعقد المشاكل،وهكذا بدأت قواه العقلية والبدنية تنهار رويداً

يوماً بعد يوم، وصار يتحدث مع نفسه بصوت عال قائلا:

العمر يا ناس فان، وما فيش عُمرثاني، فما العمل فقد فقدتُ الأمل؟

.. .. .. .. .. .. .. .. .

شـاء القدر أن يسـتقر الصقر في بلد عربي وجد فيه عملاً يتلائم مع اختصاصه المهني، فقررالبقاء لحين ألعثورعلى مكان أفضل، ورمى خلفه آلام الماضي السحيق!، وشعربالأستقرارفي مجتمع متطورلحد ما .. بالمقارنة مع بلدان أخرى. وهكذا واصل سـيره بطريق مبهم، معتقدا بتعويض ما فاته من كبت لعواطفه المطمورة أوقُل الراقدة كما ترقد الضفادع والزواحف في فصـل الشـتاء، ونسـى أو تناسـى كونه في خريف العمر، وشتاء العمراوالمراهقة الثالثة على الأبواب!

تدهورت صـحة الصقر، وتفجرت الهموم، وراح يحدث نفسه وانشد بيتا للشاعرالعراقي شفيق الكمالي:

مشيناها خطا كتبت علينا ومن كتبت عليه خطا مشاها

هكذا انقاد الصقرخلف عواطفه و سار في نهج مُظلم، فاقداً ارادته، مقتحما سـور الغباء اوالسراب بعينه! .. .وبعد اشـهرفاق من ذلك الحلمالجميل وتلاشى كل شيء بعد علمه بعدم قدرته بتحقيق مأربه! وراح يردد مع أم كلثوم أغنية الأطلال من كلمات ابراهيم ناجي:

يافؤادي لاتسل اين الهوى كان صرحا من خيالي فهوى

اسقني واشرب على اطلاله واروي عني طالما الدمع روى

كيف ذاك الحب امسى خبرا وحديثا من احاديث الجوى؟

 

الرجل السوي، يرى الأحداث بوضوح، إلا أنه من غير الممكن أن يلم بجميع جوانبها لعدة عوامل منها " درجة البصيرة "! .. حيث

انها تختلف عند البشـر، أو حتى عند الشخص نفســه، وفق الظروف النفسية التي يعيـشـها، ولذا لم يستطع الصقر أن يطور بصيرته .. بالرغم من خبرته الطويلة، وطالما سـائل نفسـه عن ســبب ذلك،

وهل سببه " الثقة العمياء " أم " سوء التقدير" أم (الغباء) ؟!

مر الصقر في مرحلة الشباب بالعديد من التجارب الآجتماعية في بعض الأقطار الأوربية، و لذا فليس من المعقول ان لا يوفق الآن بعد تحرره من آلام الماضي البغيض التي عصفت به.

صـمم الصقرعلى السـير بنهج السعادة وراحة البال، وفق مايشتهي لتعويض ما حرم منه في الماضـي، وليـس من المعقول أن يـسـتمر بالحزن على سراب امرأة ولديه كل مقومات الحياة .

هدأ الصقر بعض الشيء عندما تعرف على تلك إلأنسانة، فقد وجد لديها استجابة منقطعة النظير وشعر بنشـوة لإستجابتها، وهكذا سارت

الأمور بشكل مرضي وأكثر مما كان متوقعا، إلا أن حليفه " النحـس" طارده مرة أخرى، وعادت المطبات متلاحقة من جديد !

يأس الصقر من النجاح، فهو لم يطمع بأكثر من صداقة أو(صحبة ) كما يطلق عليها في هذا البلد، لتخفف عنه آلام الغربة وتعيد له بهجة الحياة فقد ملَ من الوحدة،وراح يردد قصبدة من فلم سلامه :

 

ياناس أني بشـر مثلكم = وفاطري ربكم الفاطرُ

ويحاور فكره، ويسأله: لم هذا " النحس"؟، فجاءه الجواب :

النحـس وانت منبعهما واحد، أوأنتما وجهان لعملة واحدة !

سـار الصقر مع هذه المرأة بلا وعي أو ارادة، فقد أثارته بأناقتها ا وسحر عيونها وعذوبة منطقها عندما أشــترت مجلة من مكتبة في

مركز المدينة، واسـتمتع بتلك اللحظات بمحاورتها صاحب المكتبة.

ســرح الصقر مع أحلام اليقظة،ولام نفسـه على تصرفه كمراهق، يوم وقف خلفها يراقب قوامها عن كثب، إلى أن اِنتهت من الشراء،وما أن همت بالمغادرة حتى اشترى جريدة ولحق بها، الى أن أدركها ! ..

مهلا أيها القارئ لا تحكم على الصقربأحكام جائرة!

فقد ســرد لنا الحقيقية التي رأى بها تلك المرأة،لأنه لم يكن بوعيه ولم يراها بعينه المجردة .. بل أحـس بجمالها وكأنه هالة من شـعاع غير مرئي يحرق ولا يحترق، كغاز الأكسجين!

لا أريد أن أسبب ألما لأي شخص قد يلمس صدقا في سـرد ما عاناه الصقر من متاعب عندما سـارخلف تلك المخلوقة التي حسبها الهناء المنتظر، ولم يشـك في حينها، ولكن ما رآه سراباً، أو بعيون أعمى البصيرة،سيكون ثمنه باهظا بسبب وهمه بالهناء .. يوم سـار وراء عواطفه بتشـجيع منها، وقادته من سـيئ إلى أسـوء، متصوراً أنه سـيكسب الرهان إذا ما بذخ عليها المال والهدايا بسـخاء، لذا روضها على نار هادئة .. . فخسر المال والوقت لأنها امرأة ذات خبرة معمقة وليس كما تظاهرت بعدم ملكيتها لأي إحساس عاطفي، وانها لن ولا تسـمح لأي مخلوق أن يمـسها قبل موافقتها على الزواج منه !

ومرت الأيام،فبان المستخبي والمستور!، فقد وصل علمه ارتباطها منذ سنوات بشاب اصغر منها بسنتين، حيث كان زميلها في الجامعة وتوطدت بينهما العلاقة بعد التخرج .

وبعد اشهر من تخرجها عملت اليمامة سكرتيرة في شركة تجارية وتمكنت من أستأجر شقة صغيرة، واشتغل زميلها بمدينة بعيدة عن سكنها .. وراح يتردد عليها ويبيت عندها كل سبت وأحد والعطل!

توثقت علاقة الصقر باليمامه، ولم تخبره عن علائقها الخاصة، وفي احد الأيام عرضت عليه استأجار شقة في نفس العمارة التي تسكنها، وبسبب مكانتها لدى مدير الشركة والذي يملك العمارة، استأجر الصقر شقة في الطابق الأرضي، وكانت تترددعليها عدة مرات وتكرمه بالأكلات الوطنية وتساعده في تنظيف الشقة وغسل

ملابسه،كما أنه لم يبخل عليها فقد أغدق عليها بكل ما يتطلبه المطبخ الشرقي من المواد وأنواع الفواكه والخضروات.وفي أحد الأيام خرج مبكراً لشراء السمك وكان ذلك صباح يوم الأحد، واراد ان يعمل لها مفاجئة .. فتوجه نحو شقتها، وما أن طرق الباب حتى فتحها سي السيد زميلها وهو بملابس النوم !، وقال له: أنها تستحم في الحمام! .. فسلمه السمك وهبط الى شقته ( مكسور بألف عَبرَه)،وبعد ساعة جاءت وهي في حالة مزرية، غصت العبارات في فمها!، فما الذي ستقوله ؟، ولم يكترث الصقر،وسألها من الذي رأيته في شقتك وهل كان نائماً عندك فقالت له نعم .. انه خطيبي !،ولكنه نام في الصالون على الأرض، ولم اسمح له بالأقتراب مني !

صمت الصقر، ولم يستطع قول شيئ لأنه لا يملك الحق في ذلك .. وبعد لحظات قال لها: لا أريد أن أرى وجهك بعد الآن، وصرخ بها لكي تخرج .. فلبت النداء وراحت تركض كالمسعورة والدموع تنهمر بغزارة من عينيها!

 

ترك الصقر شقته، وفي اليوم التالي واجه بواب العمارة وسلمه الشقة والأجرة الشهرية،وقص الصقر ما حدث .. فقال له البواب:أنه خطيبها منذ اربعة سنوات يأتي كل سبت وأحد لينام عندها حتى الصباح!

فاق الصقر من الصدمة وعاد لرشده .. وقال حظي مثل أمحيسن!

وهكذا صـغرت تلك المرأة في عينه، وراح بين مصدق و مكذب لما سـمع و رأى، وترك الحقيقة للزمن، وخســر اليمامه، وكســب الذكريات ليدونها كعظة لمن يتعض بالأخطاء قبل فوات الأوان!

 

الدكتور عبدالرزاق محمد جعفر

أستاذ جامعات بغداد والفاتح وصفاقس /سابقاً

 

عبد الحميد العلوجي .. مسيرة عطاء وشهادات بعطر الذاكرة

asmaa mohamadmustafaبين رحلته القرائية منذ طفولته، وبتشجيع من والده، الى عوالم الإعراب في "الاجرومية" للشيخ خالد الأزهري وكتب طه حسين، وإطلاعه على القاموس المنجد وإعجابه بكتابات الجاحظ وأبي حيان التوحيدي، ووفاته تاركا حلمه باستكمال مشروع كتاب ضخم يحمل عنوان الخزانة القرآنية او موسوعة الدراسات القرآنية، ثمة محطات كثيرة في حياته ترك عبرها آثارا أدبية تعتز بها المكتبة العربية .

هو العلوجي عبد الحميد .. الباحث الموسوعي، المولود في كرخ بغداد ـ منطقة الجعيفر سنة 1924 . تخرج في كلية الحقوق، ولم يعمل في حقل اختصاصه الأكاديمي . من مؤسسي مجلتي المورد والتراث الشعبي . بلغت مؤلفاته 41 كتاباً، وشغل مناصب عدة كان آخرها مديرا عاما للمكتبة الوطنية في ثمانينيات القرن الفائت ومن ثم مديرا عاما لدار الكتب والوثائق بعد دمج المكتبة الوطنية والمركز الوطني للوثائق معا، حتى تقاعده في سنة 1993 .

أثرّ عليه الحصار الاقتصادي في التسعينيات سلبا كما أثر على سواه من العراقيين، فاضطر الى بيع مكتبته الشخصية التي احتوت على أكثر من 17 ألف كتاب ومجلد من خيرة المراجع، ليسد بثمنها قوته وقوت عائلته . مكتبته تلك احتوت كتبا نفيسة كما أكد في حوار له ـ سنعرضه لاحقاً في هذا الموضوع ـ، ومنها: كتاب الساق على الساق لأحمد فارس الشدياق الذي طبع في منتصف القرن التاسع عشر - طبعة باريس -، والكتاب عبارة عن رحلة قام بها المؤلف وزوجته الى أوربا، والملاحظات التي تراها زوجته يعقب هو عليها وقد عاش الشدياق في زمن السلطان عبد الحميد الثاني .

مكتبته العامرة .. كُتِب عنها:

" أنت لم تشاهد مكتبة العلوجي .. أنت لا تعرف نصف الدنيا " ـ لنا وقفة لاحقة معها في هذا الموضوع .

لقبه العلوجي جاء من عمله في علوة والده عشر سنوات، فقلبها الى مكتبة، إذ كان يتسوق الكتب بدلاً عن الحنطة والشعير والدهن، وأدى ذلك الى خسارة والده رأس المال .

وذات مرة حين كان العامل يزن الحنطة في العلوة، انشغل العلوجي بقضية إعرابية .

قال إنه من دعاة إلغاء الإعراب مفضلا الاستغناء عنه ببعض القواعد الأساسية .

من آرائه: إنّ العلاقة بين التأريخ والاسطورة مثل علاقة التوابل بالأطعمة، التأريخ اسطورة كبيرة لكنها تدعو الى الثقة والإيمان .

ومن آرائه أيضا: إنّ الحكايات الشعبية انعكاس لطقوس وخوف من الغيبيات والماورائيات، وإن الحكايات الشعبية ظلمت المرأة .

امتلك روح النكتة، وهوى الزراعة وصيد السمك، وربى القطط، وصادق عنكبوتا وكان يطعمه ذبابا يصطاده له .

رحل عن عالمنا سنة 1995، لكنه ترك في ذمة الذاكرة الثقافية سيرته ومؤلفاته التي نعرضها هنا من خلال ماأطلعنا عليه وماقاله وكتبه الآخرون بحقه .

 

العلوجي في موسوعة أعلام العراق

 (باحث موسوعي بغدادي، مارس التعليم مدة، وبلغت مؤلفاته 41 كتابا، خاض معارك جدلية مع الدكتور محسن جمال الدين حول الاستشراق الروسي، ومعركة مع فؤاد جميل حول كتاب (في بلاد الرافدين) ومعركة مع المجمع العلمي العراقي حول الطب العراقي، كتب عنه حسين نصار والمستشرق البريطاني بيرسون، حصل على وسام المؤرخ العربي وشارة جمال الدين الأفغاني وشارة الفارابي وشارة بغداد والكندي). (1)

 

مؤلفات العلوجي

وقبل أن نعرض ماكتبه وقاله الآخرون، نشير الى عدد من مؤلفات العلوجي التي وجدناها في فهارس دار الكتب والوثائق الوطنية * في بغداد ومصادر أخرى:

حكومات بغداد منذ تأسيسها حتى عصرها الجمهوري، 1962

الزوج المربوط، 1964

المواسم الادبية عند العرب، 1965

مؤلفات ابن الجوزي، 1965

من تراثنا الشعبي، 1966

عطر وحبر، 1967

تأريخ الطب العراقي، 1967

الشيخ ضاري قاتل الكولونيل لجمن في خان النقطة، بالاشتراك مع عزيز جاسم الحجية، 1968

رائد الموسيقى العربية، 1969

الهجرة الصهيونية الى فلسطين، 1969

كتاب الوزارات مخطوط جليل يحسن دراسته، 1970

أيام في المربد، 1971

الأصول التأريخية للنفط العراقي، بالاشتراك مع خضير عباس اللامي، 1973

النتاج النسوي في العراق، 1974 ـ 1975

المرشد الى النتاج الموسيقي، 1975

الفارابي في العراق، 1975

المتحف البغدادي، 1975

عقبة بن نافع رجل البيت والقومية، 1975

المثنى بن حارثة الشيباني، 1980

القعقاع بن عمرو التميمي، 1980

المربد مواسم ومعطيات، 1986

آثار حنين بن إسحاق، بالاشتراك مع عامر رشيد السامرائي

جمهرة المراجع البغدادية، فهرست شامل بما كتب عن بغداد منذ تأسيسها حتى الآن، بالاشتراك مع كوركيس عواد .

 

شهادات بحق العلوجي

شهادة خصنا بها المؤرخ إبراهيم العلاف في لقاء لنا معه

المؤرخ الدكتور إبراهيم العلاف، الأستاذ المتمرس في جامعة الموصل، عمل مع العلوجي ضمن مشاريع متخصصة في التأريخ والحضارة، وقد حدثنا في لقاء لنا معه عن العلوجي إذ كتب شهادته على أوراقنا:

ـ الأستاذ عبد الحميد العلوجي باحث متميز وإداري ناجح وإنسان متواضع . لم أعرف باحثا دؤوبا مدققا محققا مثله .. ولم أرَ كاتبا متنوع الاهتمامات مثله ولم أر إنسانا متواضعا بسيطا مثله .. أنا شخصيا كنت استغرب منه وهو المدير العام للمكتبة الوطنية ودار الكتب أن يكون بهذه البساطة وهذا الاسترسال مع الناس ومع طلبة الدراسات العليا ...شكا لي مرة بأن ورثة الأستاذ الدكتور محمد صديق الجليلي تبرعوا بمكتبته الغنية الى ديوان الرئاسة التي أمرت بإيداعها المكتبة الوطنية فقال إنها من حق الموصل ومن حق مكتباتها ولكن ما العمل؟

عملت معه ومع عدد من الأساتذة ضمن مشاريع وزارة الثقافة والإعلام في مشاريعها " العراق في التأريخ " وموسوعة "حضارة العراق " 13 مجلدا و" العراق في مواجهة التحديات " ثلاثة مجلدات وكان هو منسق كل هذه الكتب ومحررها . كنا نكتب الفصول ونعطيها للأستاذ العلوجي لنراها تظهر وكأنها بقلم مؤلف واحد . كان يعمل بلا كلل ولا ملل . كان وطنيا عراقيا أصيلا، والوطنية عنده هو العمل الجاد الدؤوب المخلص الذي يمكث في الأرض .

أمر واحد كنت استغربه فيه هو كثرة التدخين، ومرة قلت له أن يخفف التدخين فقال "بعد ما يفيد " ..

ومرة قال: إنني علوجي وأنت علاف والعلوجي والعلاف كلاهما يطلقان على من يبيع الحنطة والشعير ....لكن في بغداد يُعرف بالعلوجي أي صاحب العلوة وفي الموصل علاف . رحمك الله صديقي الغالي الأستاذ العلوجي .

 

العلاف في شهادة سابقة:

العلوجي عالم جليل وباحث متميز وإنسان فاضل يعترف بجهود الآخرين

وسبق للعلاف أن كتب عن العلوجي شهادة ساردا فيها حدثاً قصد من وراء ذكره التوقف عند أخلاق العلماء والمبدعين، وقد أرسلها لكاتبة هذا الموضوع قائلا: " لاحظي طريقة رده واعتذاره وأسفه ولومه لنفسه " .

كتب العلاف:

" ارتبطت مع الباحث التراثي الموسوعي الأستاذ عبد الحميد العلوجي (1924ـ 1995) بعلاقة صداقة إمتدت الى أكثر من ربع قرن .. وكان رحمه الله يعبر باستمرار عن إعجابه بكتابتي وقد أعرب مرة عن أسفه لانتقال مكتبة الأستاذ الدكتور محمد صديق الجليلي رحمه الله إلى بغداد بعد تبرع ابنه بها وقال لي بالحرف الواحد (إن الموصل هي المكان الطبيعي لهذه المكتبة).

وعبد الحميد العلوجي، ولد في بغداد سنة 1924، وعمل في التعليم وتخرج في كلية الحقوق، ولكنه انصرف إلى الصحافة والكتابة، وكان له دور فاعل في إصدار (مجلة المورد) وفي كل الموسوعات التي أصدرتها وزارة الثقافة والإعلام في الثمانينيات من القرن الفائت ومنها حضارة العراق (13) مجلدا، والعراق في مواجهة التحديات (3) مجلدات، والجيش والسلاح في العراق (4) مجلدات، وألفّ كتبا عديدة لعل من أبرزها كتابه (تأريخ الطب العراقي) وقد إهتم بالتراث الشعبي العراقي وكتب عنه وحرر الكثير من المقالات في هذا الميدان ..

كتب عنه الأستاذ حميد المطبعي في "موسوعة أعلام وعلماء العراق "، فقال: إنه باحث موسوعي وإن مؤلفاته بلغت 41 كتابا منها:"مؤتمر الموسيقى العربية 1964 " والمد الصهيوني والهجرة المضادة " 1970 و "الأصول التأريخية للنفط العراقي " 1973 ألفه بالاشتراك وهو كتاب وثائقي كتب عنه المستشرق البريطاني بيرسون وقد حصل على وسام المؤرخ العربي من إتحاد المؤرخين العرب . في 28 آب 1991 أجرت معه الصحافية هدى جاسم حواراً حول (الحكايات الشعبية العراقية) نشر في جريدة الجمهورية . وقد ذكر في الحوار أن الأب انستاس الكرملي أول من جمع الحكايات الشعبية من أفواه النساء في بغداد سنة 1911، وأن الليدي دراور ليست أول من قام بجمع هذه الحكايات، واستطرد العلوجي للحديث عن مجهودات من قام بتوثيق هذا اللون من الأدب العراقي، وللأسف، فإنه لم يتطرق إلى جهود أستاذنا المؤرخ والكاتب الموصلي المرحوم أحمد علي الصوفي (1897 ـ 1982) م في مجال توثيق عدد كبير من حكايات الموصل الشعبية في كتابه الذي ألفه سنة 1953 حينما كان يعمل مدرسا للتأريخ في متوسطة المثنى في الموصل، ولم يتح لهذا الكتاب الظهور إلا في سنة 1962 وقد صدر بعنوان: (حكايات الموصل الشعبية)، وفي هذا الكتاب جمع الصوفي (22) حكاية من الحكايات المتداولة وهي حكايات ذات بعد أخلاقي وتربوي بالدرجة الأولى، كما إنها تتناول شتى مناحي الحياة، ومن أبرز هذه الحكايات: حكاية المطلقات السبع، وحكاية ابن الملك والبنات الثلاث، وحكاية الخنفساء، حكاية حديدان مع الدامية، حكاية السعلوة وابنها مع النساجين، وتعالج بعض هذه الحكايات مواضيع فساد نظام الحكم، وسيادة الرشوة، وعاقبة الظلم والجور، وخيانة العهد، ونبذ الكسل، والدعوة الى العمل، والتأكيد على الإخلاص والشجاعة.

كتبت مقالة في جريدة الجمهورية في عددها الصادر يوم 14 من أيلول 1991 وقلت إن أستاذنا العلوجي أغفل، كمعظم من أرخ للحكايات الشعبية، جهود الأستاذ أحمد الصوفي، وفي عدد الجمهورية الصادر يوم 24 من أيلول 1991 نشر الأستاذ عبد الحميد العلوجي رسالة بعثها الى محرر جريدة الجمهورية قال فيها بالحرف " قرأ ت صباح يوم 14 أيلول بين " شؤون الناس" في جريدتنا "الجمهورية"، ما يستقيم عقوقا جارحا في رسالة الصديق المؤرخ الدكتور إبراهيم خليل أحمد من جامعة الموصل .. وقد أسعدني أن أجد رسالته تضج بالعتاب على أمثالي ممن أساغوا لأنفسهم العقوق وحجب الريادة في مواجهة الجهد اللامع الذي غرسه المرحوم أحمد علي الصوفي في مضمار الحكايات الشعبية " . وأضاف العلوجي الى كلامه يقول: (والدكتور إبراهيم في هذا العتاب معه الحق، ولايزعجني الاعتراف بجدارة المرحوم الصوفي على ذلكم الصعيد، وأنا أعجب لقلمي يجتاز الصوفي بصمت على الرغم من الروابط التي كانت تشدني به يوم غادر الموصل الى بغداد ليبثني همومه التراثية) .

وختم العلوجي رسالته وهو يردد " دفعا لعقوقي غير المقصود سأقدم لمؤرخي الحكاية الشعبية ماأحسبه كفارة قادرة على تشريد الغبن وعقيدتي أن هذه الكفارة تستحق أن تكون المعلومة كما للباحثين في الموروث الشعبي " . وكانت المعلومة كما ألخصها الآن تتضمن خبرا عن كتاب صدر في السويد سنة 1965 ألفته امرأة مستشرقة دانماركية دخلت الإسلام وأطلقت على نفسها (سامية الأزهرية) بعنوان Arab Rakonti وفي هذا الكتاب حللت بعض الحكايات التي ذكرها الصوفي في كتابه وهي حكاية حديدان وهذا يدل على أن المرحوم الصوفي اقتحم العالم الأرحب، وقال العلوجي (إنني بعد ذلك أجدني في غاية القناعة بأنني عاقبت ضميري بما يدين الغفلة التي صرفته عن التغني بريادة أحمد علي الصوفي أسوة بالأب انستاس الكرملي) .

سردت هذه الواقعة لأذكر بأن أخلاق العلماء والمبدعين ينبغي لها أن تكون هكذا .. فالعلوجي كان بحق عالما جليلاً، وباحثا متميزا، وإنسانا فاضلاً يعترف بجهود الآخرين ويعتذر عندما يغفل عن ذكر ذوي الفضل، وخاصة أولئك الذين خدموا التراث الشعبي العراقي من أجل إحيائه وفي مقدمتهم الأستاذ أحمد علي الصوفي ." (2)

 

الحكاية الشعبية كما رآها العلوجي

وبشأن الحوار الصحافي الذي ذكره الأستاذ الدكتور إبراهيم العلاف في شهادته وأرسل على اثره رسالة الى العلوجي مشيرا الى إغفال الأخير ذكر جهود المؤرخ أحمد الصوفي في توثيق الحكايات الشعبية الموصلية والى الرد الراقي للعلوجي عليه والذي أشاد به العلاف.

نقول، بشأن ذلك الحوار الصحافي، نضع أمام القارئ بعضا مما ورد فيه، وقد نشر في الصفحة قبل الأخيرة من جريدة الجمهورية، في عددها 7969، الصادر في 28 من آب 1991، وهو بعنوان: عبد الحميد العلوجي يتحدث عن الحكاية الشعبية، مَن هو اول من نقل وجمع الحكاية الشعبية العراقية، وأجرته معه الصحافية هدى جاسم .

وفي مايأتي اقتباسات لبعض مماورد في أجابات عبد الحميد العلوجي على أسئلة الصحافية هدى جاسم، وبتصرف بسيط منا في الصياغات لغرض الاختصار، لا أكثر:

الحكاية الشعبية هي انعكاس لطقوس وخوف من الغيبيات الماورائيات او الميتافزيقيا، وضعها أجدادنا المجهولون وعن طريقهم انتقلت من جيل الى آخر وبصورة شفاهية، وكانت تهدف الى سلوك ونهج أخلاقي الغاية منه إبراز أخلاقيات تجنبنا خيانة الصديق او النفاق وأعمال المؤامرات ضد أخواننا، أو أن مغزاها أخلاقي صادق ... وليس للحكاية الشعبية مؤلفون معروفون وتظهر قيمتها الفلكلورية في مجهولية واصفها وإلا خرجت عن مضمار القلوب . وقصاصو هذا النوع من الحكايات، وهم ماكانوا يعرفون بـ "القصخون "، انقرضوا من المقاهي، أما الآن فنجد الحكاية عند العجائز من الجيل الماضي وهذه مع الزمن سوف تنطفئ إذا لم نفعل فعل الأخوين كرم فقد جمعا كل الحكايات الشعبية في ألمانيا .. وعزا العلوجي إهمال الكبار سرد الحكاية الى تعقيدات الحياة والمتطلبات الاقتصادية والتطور التكنولوجي والسينما والتلفاز، مشيرا الى أن الأفلام المتحركة خدمت الحكاية الشعبية الى حد ما مثل حكاية " علي بابا ".

وعن سؤال هدى جاسم عن سبب رفض الحكاية الشعبية الهزائم وعدم اعترافها بها ضمن سردها  حوادث التأريخ، أجاب العلوجي أن واضعي تلك الحكايات يفعلون ذلك لكي لاتثبط همم الجماهير ولبث روح الإقدام والانتخاء فيهم وبالإتجاه الحياتي الصحيح، والمعروف حينها وحتى الآن أن الهزيمة تجعل الإنسان يعيش على الإتكالية ولاينتظر سوى الموت وكان يسمى (التمبل خانة) .

وأشار العلوجي الى أن العلاقة بين التأريخ والاسطورة مثل علاقة التوابل بالأطعمة، التأريخ اسطورة كبيرة لكنها تدعو الى الثقة والإيمان .

وتضمن الحوار إشارة العلوجي الى أن أول من إهتم بالحكاية الشعبية العراقية هو الأب انستاس ماري الكرملي والليدي دروار التي جاءت في فترة الإحتلال الإنكليزي وكتبت عن السعلوة وموضوعات شعبية كثيرة وتقاليد الصابئة في العراق، ولكن الأب انستاس هو اول من جمع الحكايا الشعبية وكان ذلك سنة 1911 من أفواه النساء المسيحيات في جانب الرصافة . وهناك سيل كبير ممن نقلوا بعض هذه الحكايات من العراقيين ومنهم عزيز الحجية .

وذكر العلوجي أيضا أنه كان يعرف امرأة في الكرخ اسمها رديفة بنت خضير سجل لها طبيب   قلب (الدملوجي) الكثير من حكاياها على شريط (كاسيت) ليكون مادة أساسية تفيده في البحث عن الحكاية الشعبية .

وختم العلوجي حديثه بالقول إن أكثر من ظُلِم في الحكايات الشعبية هي المرأة فقد كانت العجوز منها خصوصا تأخذ دور الكيد والسحر، أما العلاقات الغرامية فنرى فيها التضحية والصبر على المكارة وتبرز بطولتها في هذا الجانب فقط . **

 

شهادة:

عبد الحميد العلوجي .. كاتباً وباحثاً ومحققاً

كانت لنا وقفة عند السيد جمال عبد المجيد العلوجي الذي يشغل الآن منصب معاون المدير العام لدار الكتب والوثائق الوطنية، ليحدثنا عن محطات في حياة خاله عبد الحميد العلوجي . وقد عمل العلوجي جمال مديرا للعلاقات حين كان العلوجي عبد الحميد المدير العام لدار الكتب والوثائق .

قال العلوجي جمال عن خاله إنه:

كاتب وباحث موسوعي .. ولد في بغداد في الأول من كانون الثاني سنة 1924 .

انضم الى صفوف الحزب الشيوعي أواخر سنة 1950 حينما كان معلما في إحدى مدارس بغداد . دخل السجن لاشتراكه بنقاشات حادة ومشاجرات مع آخرين لدفاعه عن أفكار الحزب ومفاهيمه . وبعد خروجه من السجن واصل دراسته فتخرج في كلية الحقوق سنة 1962 .

بلغت مؤلفاته أكثر من أربعين كتابا كان أبرزها رائد الموسيقى العربية 1964، وتأريخ الطب العراقي1967، والمد الصهيوني بين الهجرة والهجرة المضادة1970، والأصول التأريخية للنفط العراقي1973 .

وهو عضو إتحاد المؤرخين العرب وإتحاد الحقوقيين العرب، حضر مؤتمر الموسيقى العربية 1964 والمؤتمر الانثولوجي 1967 ومهرجان جمال الدين الأفغاني في كابل 1977.

مؤسس ورئيس تحرير مجلة المورد التراثية . خاض معارك جدلية مع الدكتور محسن جمال الدين حول الاستشراق الروسي، ومعركة مع فؤاد جميل حول كتاب (في بلاد الرافدين)، ومعركة مع المجمع العلمي العراقي حول الطب العراقي . كتب عنه الدكتور حسين نصار والمستشرق البريطاني بيرسون ..

حاصل على وسام المؤرخ العربي، وعلى شارة جمال الدين الأفغاني وشارة الفارابي وشارة بغداد والكندي .

اشترك مع آخرين بتأليف العديد من الكتب والمصادر التراثية، أبرزها المعجم المساعد للأب انستاس الكرملي، وجمهرة المراجع البغدادية، وآثار حنين بن اسحق، والمدخل الى الفلكلور العراقي، والشيخ ضاري قاتل الكولونيل لجمن، وله أكثر من 300 مقالة في الصحافة العراقية والعربية . عين مديرالمتحف الأزياء ثم مدير التأليف والترجمة والنشر في وزارة الإعلام ورئيس قسم الدراسات الشعبية في المركز الفلكلوري، واخيرا مديرا عاما لدار الكتب والوثائق حتى تقاعده في العام 1993 لبلوغه السن القانونية .

كان أحد الرواد الذي واكبوا الحركة الفكرية منذ الخمسينيات وله من العطاء الكثير بالرغم من المرض ومتاعب السنين التي شغلته، فقد ترك اثرا كبيرا كان أمله الذي عاش معه مذ كان معلما إلا أن وفاته حالت دون تحقيق ذلك الأمل، وهو الشروع في نشر سفر عظيم أسماه (الخزانة القرآنية) يتناول فيه تفسيرا معاصرا للآيات القرآنية، ولا يزال محفوظا على شكل قصاصات ورقية في مسكنه.

وقبل وفاته في 25 من كانون الاول 1995 بدأ ببيع أهم ركن في حياته كان قد أنشأه منذ صباه وهو مكتبته الشخصية ليواجه بثمنها معاناته الاقتصادية والحياتية في ظل الحصار الاقتصادي ..

وهكذا رحل علم من أعلام العراق كان قد أسهم في إغناء المكتبة العربية بمؤلفاته في الادب والتراث والتأريخ، فكان خير كاتب وخير باحث.

 

روح النكتة

في لقائنا معه، أشار العلوجي جمال عبد المجيد الى أن خاله عبد الحميد العلوجي كان يتمتع بروح النكتة . ومن المواقف الظريفة التي حدثنا عنها، إن الباحث الراحل عمل وصديقه الباحث سالم الآلوسي مدة في لجنة تقويم (تقييم) المطبوعات في دار الكتب والوثائق لغرض شرائها، وذات مرة أرسل وزير الثقافة والإعلام شخصا من طرفه، كان قادما توا من أميركا ومعه مجموعة كبيرة من الكتب، عرضها للبيع بالدولار، استقبله العلوجي والآلوسي وطلبا منه إحضار الكتب لتقويمها ماديا، فجلبها لهما في أكياس جنفاص، فقاما بتوزيع الكتب بين ثلاث أقيام وعلى وفق حجم الكتاب، مجموعة بـ 5 دنانير للكتاب الواحد، ومجموعة بـ 10 دنانير للكتاب، ومجموعة بـ 15 دينارا للكتاب الواحد، فكان هذا التوزيع أشبه بالنكتة من قبلهما، ولأنهما محددان بميزانية مالية معينة، وحين عاد صاحب الكتب في اليوم التالي صدمته الأسعار، فقال لهما: (قابل دا ابيع لكم رقي) !!

وذات مرة جاء الى المكتبة شخص عرض بيع صورة فوتوغرافية نادرة تمثل الملك غازي في مطار بغداد، وبمبلغ باهظ جدا، ففوجئ العلوجي بارتفاع السعر الذي يطلبه صاحب الصورة فقال: (شنو؟! قابل هي صورة الإمام علي حتى ندفع بيها هيج سعر)؟ !!

 

شهادة:

أيّام وليال في ضيافة العلوجي

نعرض أيضا ماكتبه الكاتب الصحافي رباح آل جعفر بحق العلوجي .. مبتدئاً مقاله بـ:

" أنت لم تشاهد مكتبة العلوجي .. أنت لا تعرف نصف الدنيا " .

ليكمل قائلا:

" وأشهد أن المؤرخ والباحث والموسوعي الراحل الأستاذ عبد الحميد العلوجي أعطاني مفاتيح كثيرة للمعرفة في السنوات التي عرفته، وأن أغلب الذخائر والنفائس والفرائد من الكتب، التي قرأتها في تلك الفترة استعرتها من عنده، برغم أن ابن الخشاب البغدادي كان إذا استعار من أحد كتاباً وطالبه به، قال: دخل بين الكتب فلا أقدر على ردّه !.

وما أسهل عليك أن تستعين بالعلوجي بما تريد أن تستعين من أمور الحواشي والمذيّلات في الكتب المطوية وتصانيف الفقهاء والأدباء، فهو أشبه الى حدّ ما بأبي عمرو بن العلاء الذي نقل عنه ياقوت الحموي، أن دفاتره كانت ملء بيته إلى السقف .

وكنت كلّما زرت العلوجي في بيته، قصدت مدخل المكتبة الشهيرة، وتطلّعت إلى دائرتها الواسعة، وأدوارها الشاهقة، وهي تحمل على رفوفها خمسة عشر ألف مجلد، وأخذت ورقة وقلماً ومضيت أدوّن عناوين بعض الكتب، وأنا اتجوّل في ممرات العرض، واتوقف بين حين وآخر أرى ما حولي من تحف فكرية باهرة ورائعة تكاد تذوب من الرقة والجلال في آنٍ معاً، ثمّ أبقى ساكناً لعدة دقائق كأنني أقف في محراب للنور !.

صحبت الأستاذ العلوجي أياماً، فوجدته الرائي الذي رأى كل شيء كما جاء في مقدمة ملحمة كلكامش، واكتشفت أن أروع جوانب شخصيته وأحلاها، تلك اللغة الساخرة، التي كانت تتدفق من لسانه عفو الخاطر بلا رقيب، ومن دون تحفّظ، وبلا أي تكلّف .

والعلوجي يعرف كيف يكون الأديب ساخراً ومحترماً؟! .. وكان هذا الجدّ العلوجي يثير الأسئلة المشاكسة التي لا طاقة للفتيان بها . أذكر أني سألته مرة عن أعزّ مؤلفاته؟ فكان جوابه: (مؤلفات ابن الجوزي) لأنه سدّد عني دين الحدّاد الذي صنع أربعة شبابيك لإحدى غرف بيتي، و (الزوج المربوط) لأنه أبكاني مع الباكين على رجولتهم، و (تأريخ الطب العراقي) لأن المجمع العلمي العراقي عامل هذا الكتاب كما عومل حذاء أبي القاسم الطنبوري في ليلة من ليالي شهرزاد !.

وعرفت العلوجي مؤمناً بالمثل القائل: (الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما)، لذلك فإنه كان يعمل ليل نهار والى أقصى حدّ يمكن أن تتحمله الطاقة البشرية .

كان يستيقظ مبكراً في الساعة الخامسة فجراً ليبدأ يومه بالتدخين قبل كلّ شيء، ثمّ يذهب الى أوراقه، التي كتبها قبل خلوده إلى النوم، وكان من عادته إذا كتب فإنه لا يراجع مسوداته، يخرج بعدها إلى حديقة المنزل ليدخّن مرة أخرى، وهو يستنشق الأنسام باردة عذبة ـ كان أبو غسان مفرطاً في التدخين ـ ثم يعود فيجلس الى الكتابة بعيداً عن الضوضاء، وعند الساعة السابعة والنصف صباحاً يتناول فطوره، ويتجه الى عمله الرسمي، وكان هذا البرنامج من الحياة اليومية للعلوجي يتكرّر بتفاصيله كلّ يوم .

والعلوجي ليس من الطراز الذي يهرب من ماضيه او حاضره، فهو متفق مع الفيلسوف اليوناني انكسارغوس بأنه (لا يوجد شيء من العدم)، وكان يقول يقول: إنه من مواليد اليوم الأول من كانون الثاني سنة 1924 في أسرة لم تجتمع على مذهب فقهي واحد، ونشأ في محلّة (الجعيفر) في جانب الكرخ من بغداد، ولم يعرف منها سوى مسجدها ومقهاها، وتعلّم في الخامسة من عمره على يد والده (الملاّ) عبد الكريم، الذي كان يتقن التحدث بالتركية والإنكليزية والفرنسية، وإن ذاكرته لا تستطيع نسيان أفاضل الذين علّموه في مدرسة الكرخ الابتدائية كالأستاذ ميخائيل عواد، والفنان حافظ الدروبي، وعندما أصبح طالباً في المرحلة الثانوية شاء والده برغبة قاهرة، أن يمارس التجارة في (علوة) ومن يومها اشتهر عبد الحميد بلقب (العلوجي) .

لقد كانت حياة صعبة تلك التي أعدّتها الأقدار للعلوجي، وكانت أكثر صعوبة من كل رواية حاول هو أن يرويها بنفسه .. ووسط أهوال الحياة ومتاعبها وجد لنفسه مكاناً حطَّ فيه رحله، وحصّن موقعه، فأصدر نحو (42) كتاباً ضمن (34) عنواناً، وكانت تجربته في الحياة أطول بكثير من سنوات حياته التي انتهت سنة 1995، وأعرض بكثير من حياة الآخرين .

روى لي: أنه أيام كان (علوجياً) أخذ يبدّد رأس مال العلوة وأرباحها في شراء الكتب، حتى تنامت في العلوة ـ ومع الأيام ـ مكتبة هائلة، وكان حريصاً أن يكسو من هذا المال عدداّ من الفقراء والمحتاجين، وفي البدايات كتب الشعر ثمّ هجره، وامتدح الشيخ جلال الحنفي بقصيدة عصماء لم يشفعها الحنفي بردّ، وقال لي: إنه انتخب سنة 1984 عضواً في المجمع العلمي الأميركي، لكنه رفض قبول هذه العضوية احتجاجاً على مواقف الولايات المتحدة من قضايا العرب .

وأسرّني العلوجي يوماً، وكان الأجل يدنو منه، أنه ترك بين يدي ولده (غسان) مذكراته (ذكريات ومطارحات) بـ (600) صفحة من الحجم المتوسط، وأوصاه بعدم نشرها نظراً لما تحوي من صراحة متناهية قد تحرج الآخرين ولعلها تجرحهم، وأنه كان يتمنى لو وجد من يرعى مشروعه الضخم (الموسوعة القرآنية) الذي شرع بكتابته منذ سنة 1952، بدلاً من أن يبقى محفوظاً في صناديق مقفلة، فلكي تستطيع البذرة أن تكون شجرة باسقة وارفة الظلال، فإنها تحتاج ليس فقط الى شمس وماء، وإنما تحتاج أيضاً إلى عناية ورعاية، وتلك على أي حال أمنية للعلوجي لم تتحقق .

كان يومها قد دخل في العقد السابع من عمره، وقد بدأت الأمراض تنهش من جسده، وأخذت صحته بالتدهور، وإن بقيت روحه خصبة متوهجة، فقد أصيبت عيناه بنوع من التقوّس، ودمه بالسكر والضغط، وكذلك أذنه بثقل في السمع، ودبّت في أطرافه الرعشة، وفمه بسقوط الأسنان، وكان العلوجي يقول عن نفسه: إنه صار يماثل خراب البصرة بعد عدوان الزنج، وإنه ينتظر رحلته الأبدية الى عالم الغيب، التي كان يعتقد أنها لن تكون مخيفة أو مفزعة، لأن ما زرعه العلوجي في دنياه سيجني ثمره مثوىً كريماً تحت سدرة المنتهى في أقصى الجنة . (3)

 

شهادة:

العلوجي المثقف الحريص على التجديد والتطور والعصرنة

 

كتب خالد القشطيني عن العلوجي، وقد ذكره في بعض فقراته بكنية (أبو غسان)، وغسان هو الابن البكر للعلوجي:

" طالما قيل إن المصريين يكتبون، واللبنانيين ينشرون، والعراقيين يقرأون . ولهذا نجد أن الناشرين ينظرون أولاً هل سيقبل العراقيون على الكتاب قبل نشره . يصدق هذا حتى في الوقت الحاضر حين راح العراقيون يواجهون كل هذه المصاعب الاقتصادية والأمنية. لقد ظل حرصهم على المطالعة والتزود بالثقافة والمعلومات شغلهم الشاغل.

كان سوق السراي، سوق الكتب في بغداد، من أكثر أسواقها نشاطا. وبالإضافة اليه انتشرت مكتبات شعبية صغيرة في شتى المحلات. اعتاد من لم تسعفه حاله على شراء الكتب، استئجارها منها بأربعة فلسات . يأخذ المشترك الكتاب الى البيت فيقرأه هو وأولاده وأصحابه قبل أن يعيده للمكتبة، وكله بأربعة فلسات .

حرص آخرون من المتمكنين على إقامة مكتباتهم الخاصة في بيوتهم . اشتهر منهم الحاج عبد الحميد العلوجي . اكتسب هذا اللقب لأن والده كان يملك علوة. وفيها قضى عبد الحميد شبابه يتعامل مع الحنطة والشعير والطحين، ونحو ذلك من بضائع العلوات. ولكنه أظهر إهتماما كبيرا بالأدب ودأب على اقتناء الكتب . وبعد أن توفي والده أخذ يكرس وقته للقراءة ولمكتبته الخاصة، بما أدى الى إفلاس العلوة التي راحت الكتب تبتلع أرباحها.

كان أبو غسان يمثل الشخصية العراقية في نزوعها الى العصرنة والتطور. فجل ما احتوته مكتبته كان من الكتب المترجمة عن الأدب العالمي . كان يقول إن الروايات العربية لا تثير في نفسه غير القرف. بل كان يمقت حتى قراءة نجيب محفوظ . ولم يحز في نفسه شيء كجهله بمعرفة اللغات الأجنبية ليقرأ هذه الكتب بلسانها الأصلي . أخيرا جمع ما في نفسه من شجاعة فانتمى الى المعهد الفرنسي، لتعلم لغة فكتور هيغو وبلزاك، بيد أن المحاولة لم تثمر عن شيء فانقطع عن المعهد والألم يحز في نفسه .

كان مثالا للمثقف الحريص على التجديد . حرص على استيعاب الموسيقى الغربية وحضور حفلاتها. يقتطع من طعامه ليشتري بطاقاتها الغالية . يروي صديقه أنور الناصري أنه عندما قدمت فرقة غربية حفلة في قاعة الشعب، لم يكن بيده ما يشتري به بطاقة وكان فرات الجواهري قد حصل على بطاقة شرف . فأغراه أبو غسان على لعبة "دومنة" يكون فيها الرهان على تلك البطاقة. وكان بارعا فيها ففاز بها وتوجه الى الحفلة . نظر اليه والى حذائه الممزق مفتش التذاكر، فقال له: " لو اشتريت لك قندرة بثمن البطاقة، مو أحسن لك؟ " . وفي نهاية الحفلة، تقدمت فتاة لجمع التبرعات فقدمت له وردة . لم يكن في جيبه غير درهم واحد فاعطاه لها، ولكنها أدركت أن هذا كان كل ما عنده، فأعادته له وقالت، لا. أنت تحتاج الدرهم أكثر من الوردة !

كان من أبناء ذلك الجيل المؤمن بحرية الفكر والحداثة . ومن سخريات القدر أن عينوه أخيرا رقيبا على المطبوعات . وصله كتاب ثوري لعبد الله القصيمي . وأصبح عليه كرقيب أن يمنعه . ففعل، ولكنه بادر بعين الوقت الى تقديم استقالته " . (4)

 284-ASMAA

وفاته

توفي سنة 1995 تاركا وراءه آثاره الادبية وظلال ملامحه في قلوب من عرفوه عن قرب .. لاسيما من تواصلوا معه في أيامه الأخيرة ..

يقول الكاتب مهدي شاكر العبيدي الذي وصف العلوجي بأنه مجبول على البساطة والتواضع:

" صادفتُ العلوجي ضحى يوم قائظٍ في مسرح الرشيد في أخريات أيَّام حياته، وفي غضون عام 1994م، فتفرَّسْتُ في ملامحه وأمارات وجهه وتبيَّنَ ليفيها آثار الجهد والكلال، ما ينبي عن شعوره بالضياع والمتاهة في دنيا الأحياء بعد أنْ نفر منه أكثرهم وبانوا، وصار مجانِبا للضُرِّ والنفع، لكن نائيا فيالوقت ذاته ومستريحا عن سماع اللغو والثرثرة والادِّعاء، والطريف أو المؤسي أنـَّه دأب بعد تقاعده عن مسؤوليَّاته على زيارة رفقائه وأصدقائه في دوائروظائفهم ليُحَادثهم في شؤون الفكر والأدب والثقافة، مختتما حديثه بإبلاغهم أنـَّه سيرحل قريبا، بعد أنْ عاش وديعا مسالما منطويا على الخير والحبِّ، مادايد العون للجميع من معارفه ومعاشره، وكأنـَّه المعنيُّ بوصية عبد الحميد الكاتب للأدباء بأنْ يتعاونوا ويتعاضدوا وينبذوا التناحُر والشِقاق، هذا إلى جانب ماألفته من ظرفه وميله للفكاهة التي لا يصطنعها عامدا، بل هي لصيقة به وسمة من سماته، ومزيَّة يروض بها خلقه وطبعه على الجلاد والتحمُّل ومغالبةالأوصاب والأنكاد التي تعرض له في ميدان عمله ". (5)

وأشار العبيدي الى أن الباحث الأستاذ طلال سالم الحديثي أهدى كتابه: مراجع في الفلولكلور، الى روح الأستاذ عبد الحميد العلوجي، وروح صنويه لطفي الخوري وعزيز الحجية، ضارباً بذلك المثل الأروع في الوفاء والعرفان ـ وفقا لتعبير العبيدي .

 

المحطة الأخيرة لهذه الجولة حوار قديم

توفي العلوجي تاركا وراءه أمنيته باستكمال مشروعه الخزانة او الموسوعة القرآنية، التي أشار اليها مثلما أشار الى أمور أخرى في حوار معه نشرته مجلة ألف باء في ثمانينيات القرن الفائت، توزع بين خمس صفحات، أجرته معه الصحافية وداد الجوراني حين كان مديرا عاما للمكتبة الوطنية، وهو حوار يكشف عن نواحٍ عديدة من شخصية العلوجي وأفكاره . وقد أعلن فيه العلوجي عن خشيته من أن يترك وراءه ألف " حتى " قاصدا بذلك خشيته من أن يغادر الدنيا قبل أن ينهي مشاريعه، كما قال الناس عن أحد النحاة " غادر وفي نفسه شيء من حتى "، وكشف عن شعوره بالغثيان أزاء القصة العربية نظرا لاعتياده قراءة القصص الغربية مايجعله يقارن بينهما، وقال إن البستة عربية الأصل، وجاءت من البسطة، على رأي الفارابي، وأشار الى قيام صاحب الاسم المستعار السيد شحاته في مجلة المجالس بوصفه بحرامي بغداد !! وكشفه عن دافعه من وراء هذا الإتهام .

نترك لكم الإطلاع على النص الكامل للحوار، وكما نُشِر، ليكون محطتنا الأخيرة التي نختتم بها هذا الموضوع المكرس لشخصية فرضت حضورها خلال حياتها وبعد رحيلها أيضا بما خلفته من ذكرى وآثار:

 

نص الحوار***:

" حديثه ذو شجون .. واستطراداته أشبه ببستان متنوع الشجر والثمر والخضرة، وهو إذ يذكر الوقائع بذكرها وكأنها صورة الأمس القريب .. بأسلوب يجري به على السجية دون تكلف او مبالغة او شطط يعينه على ذلك ذاكرة متوقدة مختزلة بأحاديث ذات نكهة بغدادية في الثقافة والتراث وملأئ بذكريات 64 عاما لا تتأثر بعوامل الزمن بل تحفظ الأرقام والأسماء والهوامش بكل تفاصيلها الزمانية والمكانية .

بدأت رحلته مع الكتاب وهو مايزال صغيرا على حمله، فقد قرأ الاجرومية لخالد الأزهري وقرأ لطه حسين وهو في المرحلة الابتدائية، يوجهه الى ذلك والده الذي يقول عنه:

إن من وجهني الى الكتاب هو أبي، وأذكر أنني كنت في الاول الابتدائي أدخل غرفته في قيلولة الظهيرة، فأجده منطرحا على الفراش وهو يطالع القاموس المنجد (الطبعة الاولى لسنة 1912) فيحملني من الأرض ويجلسني الى جانبه مؤشرا لي على صور المنجد وذاكرا مفرداتها العربية يكررها لي ثم يسألني عنها .. وكان والدي يعمل مدير مكتب كتاب لتعليم الأطفال في أحد جوامع بغداد . واستغرقتني القراءة عن سواها، فكنت اطالع يوميا بحدود (800) صفحة على ضوء القمر، لأن الكهرباء غير موجودة في البيت، وكدت - في وقتها - أحفظ كتب الجاحظ على الغيب لأني أحب كتاباته التي سيطرت عليّ وأثرت بي كثيرا كما أثر بي تلميذ مدرسته أبوحيان التوحيدي واستفدت من المطالعة كثيرا، ولذلك أجد أن عقلي الآن أشبه بالكومبيوتر وتتصل بي جهات رسمية عديدة حول موضوع معين فأزودهم بأسماء المصادر وبسرعة . وأكثر من ذلك فإن والدي كان يحرمني من (يوميتي) التي لا تزيد على الفلسين فقط ولكنه سخي كل السخاء معي في شراء الكتب وأقسم أنه في إحدى المرات جاءني بثلاثة حمالين يحملون الكثير من المجلدات وبضمنها معجم الأدباء.

• هل حفظت القرآن الكريم؟

ـ قرأت القرآن عشرات المرات ولم أحفظه، وقرأت تفاسيره الكثيرة لأنها عبارة عن موسوعات او هي وعاء للغة والادب والتأريخ والمعرفة، وبعض هذه التفاسير يقع في ثلاثين مجلدا.

• وهل جوّدت القرآن؟

ـ أعرف أغلب أسسه وضوابطه التجويدية ولكني لم أجرب تجويده لأن الله لم يزودني بنعمة الصوت الجميل، والتجويد كما تعلمين يحتاج الى تنغيم وصوت جميل .

• هذا يعني أنك لم تجرب الغناء أيضا؟

ـ أغني بصمت لنفسي فقط، لأني أخاف سخرية أولادي من صوتي .

 

مكتبة قصصية وروائية عامرة

 

• لابد أن لديك مكتبة غنية وأنت القارئ الغني؟

ـ في مكتبتي (17) ألف كتاب ومجلد من خيرة المراجع وتتضمن كل فروع المعرفة الإنسانية من زراعة وهندسة وكتب التراث والموسوعات العالمية والعربية وحتى كتب الفضاء لها جناح في مكتبتي . إضافة الى كتب النوادر القديمة فأنا من هواة النوادر القديمة.

• ماهو أنفس كتاب في هذه المكتبة؟

ـ كتاب الساق على الساق لأحمد فارس الشدياق الذي طبع في منتصف القرن التاسع عشر - طبعة باريس - التي أعتز بها، والكتاب عبارة عن رحلة قام بها المؤلف وزوجته الى أوربا، والملاحظات التي تراها زوجته يعقب هو عليها وقد عاش الشدياق في زمن السلطان عبد الحميد الثاني .

• ماأجمل قصة قرأتها؟

ـ لدي أوفر مكتبة قصصية روائية ولا اعتقد أن هناك قاصا عراقيا يملك منها ماأملك ولا أقرأ ماقرأت لكني يأخذني الغثيان حين أقرأ قصة عراقية او عربية، لما تعودته من قراءة القصص العالمية التي تشعرني بضحالة قصصنا وسطحيتها، ورغم أن نجيب محفوظ قد لطف جو القصة بعض الشيء إلا أني لا أزال على رأيي .

• وهل تذكر لنا بعض الأسماء تحديدا؟

ـ أشعر بالحرج أزاء الأسماء ونحن كعراقيين نضيق بالنقد .

• أنت عراقي أيضا .. وتضيق أيضا بالنقد كما سمعنا عنك؟

ـ لا أنا أفرح حين يُصحح لي وهم او خطأ، أرحب بالنقد ولكن ماسمعتموه هو أني نشرت في مجلة الأقلام بحثا عن الكاتب الفرنسي هنري دي موتنرلان صاحب "الموبوءات" والغثيان، التي بسببها قبل في الاكاديمية، فأثارت كتابتي حفيظة أحد الشباب فكتب عني في مجلة المجالس الكويتية مقالة تحت عنوان حرامي جديد في بغداد يسرق تراث الآخرين، شتمني فيها الكاتب السيد شحاته، وهو اسم مستعار ـ علنا واستهدف سمعتي .

• وكيف علمت أنه اسم مستعار؟

ـ صادفني أحدهم وهو صديق عزيز يعمل مراسلا لمجلة المجالس الكويتية، وسألني عما إذا قرأت المقالة، وحرضني على أن اكتب الرد مبديا استعداده لنشره واشترطت عليه أن يكون الرد قاسيا فقبل . ففعلت وكتبت الرد في حلقتين وعلمت أن شكي في موضعه، فقد كان هذا الصديق هو نفسه السيد شحاته .. وإنه بهذا الأسلوب قد أثارتي كي أكتب لمجلة المجالس الكويتية، ولكنه طبعا ليس أسلوبا سليما بالتأكيد !.

• شاعرك المفضل؟

ـ الشاعر أيا كانت هويته وأيا كان انتماؤه، لا يقوى على الاستئثار بإهتمامي، ولكن الشعر هازاً ومتألقا هو الذي يملك مشاعري سواء أكان قائله عطارا في الشورجة أم صياد سمك، ولا عبرة بكثرة الشعراء وحسبي من شعرهم ماقيل في الوطن والحياة والمرأة، أنا أريد شعرا اتعاطف معه ولا أريد شاعرا يستجدي التصفيق .

 

علوجي أم مطيري

• ماذا عن لقب العلوجي .. من أين جاءك؟

ـ العلوجي لقب مهنوي كالقبانجي والقهوجي وغيرهما، وهذه الألقاب المثقلة باللاحقة التركية (جي) استغرقت البائعين والصناع في أغلب المهن العراقية طوال الغزو العثماني وعلى مدى أربعة قرون تقريبا.

• وهل في تراثنا العربي مايفيد معنى العلوجي؟

ـ نعم فهناك في القرن الثامن الهجرية من اشتهر بلقب (القماح) نسبة الى بيع القمح .

• يقول أصدقاؤك إنك "مطيري" منحدر من قبيلة مطير، فلماذا استغنيت عن هذا النسب العشائري بلقب العلوجي؟ وهل لهذه الازدواجية نظير في تراثنا العربي؟

ـ الحق هو إنني مطيري، وقد أخبرني المرحوم (حلبوص) في ثلاثينيات هذا القرن وكان من المعمرين - إذ عاش مائة وخمسة أعوام - بأن أباه (حسين) كان نجديا مطيريا وأنه هاجر الى العراق قبل منتصف القرن التاسع عشر يوم كان فيصل بن نايف الدويش في قمة مشيخته على قبيلة مطير.. ولكنني رغم هذا النسب القاطع تمسكت بلقب العلوجي احتراما لرغبة فقراء الوشاش والجعيفر فهم قبل كل شيء كانوا زبائني وقد اعتادوا أن يشتروا مني الحنطة والشعير والتمن والدهن، بعد ذلك أطلقوا عليّ لقب العلوجي .

• وهل يصح أن تظل علوجيا في العلانية ومطيريا في السر؟

ـ أنا لست بدعا في هذه الازدواجية، فتراثنا العربي يخبرنا بأن المؤرخ المصري علي بن الحسين المتوفى سنة 352هـ اكتفى بلقب (الفراء - بائع الفراء) بينما كان من وجوه قبيلة (عبس)، وأن الفقيه المفسر محمد بن احمد المتوفى سنة 741هـ استكفى بلقب (الفصاح - بائع القمح) عن نسبه القرشي، وأن محمد بن عبدالواحد (احد رواة الحديث النبوي، المتوفى سنة533هـ اشتهر بلقب (القزاز- بائع القز) في حين أنه كان من بني شيبان، وأن الفقيه احمد بن محمد المتوفى سنة 415هـ كان لصيقا بلقب (المحاملي - صانع المحامل التي تحمل الناس في أسفارهم) بينما كان خبياً في انتمائه العشائري، وأن الفقيه عيسى بن عمر المتوفى سنة711هـ غلب عليه لقب (الخشاب - بائع الخشب) بينما كان مخزوميا، وأمثال هؤلاء كثيرون والذي يريد الاستزادة، عليه بالرجوع الى كتاب (اللباب) لابن الأثير.

 

• هل ترجو لهذه الازدواجية نهاية؟

ـ الواقع إنني رغم أصالة نسبي العشائري أعتز وسأبقى معتزا بلقب العلوجي الذي طارت به شهرتي في الأوساط التراثية هنا في وطني وهناك في أرجاء الوطن العربي والعالم، ولكن أخوتي وأولادي وأحفادي يكرهون هذا اللقب . وقد عاد أكثرهم الى العشيرة عند انتسابهم وهم منذ عشرة أعوام ومايزالون يحاولون أن يقهروني على العودة الى نسبي، ولكنني أرى من الصعوبة أن أنبذ"العلوجي"بطلاق لا رجعة فيه دونما جريرة وبلا ذنب، وحسبهم جميعا أن أكون مطيريا أولاً وعلوجيا ثانياً.

 

• وهل ترتاح لاسم جدك "حلبوص" الذي ابتعد كثيرا عن حداثة الأسماء؟

ـ إنني احترم بلا تحفظ هذا الاسم الجليل، وإن كان الجيل الطالع من عائلتي الكبيرة إناثا وذكورا يتضايقون منه او يتبرمون به، وقد غاب عنهم حفظهم الله أن "حلبوص" كلمة بدوية محرفة عن "حلبسٌ ضم الباء"وهي لفظة عربية فصيحة تعني "الشجاع" او "الملازم" للشيء لا يفارقه، وهذا ثابت في صحاح الجوهري .

 

طفل مدلل

• طفولتك المبكرة، ماذا تذكر عنها؟

ـ ولادتي كانت في محلة الجعيفر في بغداد / الكرخ سنة 1924 وليس في سنة 1928 كما مسجل في هوية الأحوال المدنية، لأني عثرت على بيان ولادة بالإنكليزية والعربية موقع من مدير الصحة العام في بغداد الميجر هيكر، ولو أقمت الآن دعوى لأصبح عمري (64) عاما . تحدثني والدتي بأني كنت مدللا وأذكر أن عمتي أخذتني معها الى سامراء لزيارة أحد المراقد الدينية - وعمري لا يزيد عن خمس سنوات . وكان في المرقد مكان لذبح القرابين والنذور فتسللت اليه وسرقت بعض قطع اللحم ولففتها بقطعة ورق .. وما أن ذهبت الى عمتي التي كانت جالسة في الإيوان بانتظاري حتى هويت على الأرض ولم استطع النهوض نهائيا . ولحد الآن لا أعرف كيف أعلل هذا. وذهب أبي بي الى عدة اطباء اختصاصيين، والاختصاص في ذلك الوقت قليل في بغداد، أغلبهم دجالون من الأوربيين المقيمين ومن اليهود الذين لم يكونوا يؤدون الخدمات التي يحتاجها المريض . وحين استعصى الأمر، حملتني عمتي على كتفها وعبرت بي من الكرخ الى الرصافة قاصدة الشيخ كَمر ووجدت نفسي أمام شيخ وقور بلحية بيضاء، ذكرت له عمتي تفاصيل قضيتي فأتى بخيزرانة ونظر الي شزرا وقال لي بصوت عال جدا انهض فأخذني نوع من الرعب فنهضت ومشيت، ولا أدري كيف وبأي دافع.. ولذلك أجد نفسي الآن أني أقرأ مائة "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" حين أريد صرف ثمن "مكناسة" للمكتبة الوطنية التي أنا مديرها العام .

• أرى أنك تذكر عمتك .. ولا تذكر والدتك؟

ـ لأن عمتي كانت متعلقة بي كثيرا تعويضا عن طفليها اللذين غرقا في نهر دجلة حيث كان بيتنا وبيتها .

 

العلوة التي تحولت الى مكتبة

• ماذا عن تحصيلك الدراسي؟

ـ أنا خريج كلية الحقوق، ولكن لا علاقة لي بالحقوق لا من قريب ولا من بعيد، وضوابط القبول في وقتها هي التي ألجأتني ومنها المعدل.

• تخرجت متأخرا عن عمرك، في سنة 1962.. لماذا؟

ـ لأني عملت عشر سنوات في علوة أبي، لذلك لقبت "العلوجي" وكان قصده أن أكسب الرزق الحلال من التجارة لاعتقاده أن الراتب ملوث وحرام، لذلك احتجزني عشر سنوات في علوة قلبتها الى مكتبة فكنت اتسوق الكتب بدلا من الحنطة والشعير والدهن وأقفل عليها بالمفتاح في غرفة أدعي لوالدي أنها للمخزونات والحاجات اليومية من قدور وصحون فخسر أبي رأس المال .

• وماذا ربحت أنت؟

ـ المطالعة فقط .. العامل يزن الحنطة . وأنا مستغرق في قضية إعرابية أثارها ابن هشام الانصاري، وخاصة تلك المعضلة التي وردت في شاهد نحوي يقول:

سلام الله يامطرا عليها:

وليس عليكم يامطر السلام

الى أن يقول: وإن نكاحها مطر حرام بالرفع او مطرا حرام بالنصب او مطر حرام بالجر، وغير ذلك من المشاكل الفارغة التي كنا نقضي بها العمر.

أنا اعتقد أنه لا جدوى منها، أنا من دعاة إلغاء الاعراب فرغم أن الإعراب يؤدي الى تحديد المعنى، ولكن يستطيع أحدنا أن يستغني عنه ببعض القواعد الأساسية.

• هل تجرؤ أن تعلن هذا الرأي أمام المجمعيين؟

ـ لا أجرؤ لأن الرد سيكون عاطفيا وليس علميا ويستحيل على الرأي أن يكون حرا أمام التزمت، والقدماء كانوا يعجلون ذلك بقسوة كما حدث لطه حسين في الجامع الأزهر حيث ضرب بقسوة بسبب الادب الجاهلي، وأنا أرى المجمع العلمي العراقي متزمتاً.

• بعد التخرج، أين عملت؟

ـ قبل تخرجي من كلية الحقوق كنت أعمل معلما في مدرسة النجابة الابتدائية في الكرخ – المشاهدة، ومن طلابي الذين اذكرهم المغني فاضل عواد . ثم نقلت من التعليم الى وزارة الإرشاد - لأن الوزير في وقتها - كان يتابع مقالاتي التي أنشرها عن التراث وعن "السعلوة" وغيرها من المواضيع التراثية التي أتهمنا بسببها بأن لنا علاقات مع الاستعمار وأننا نروج للخرافات والدجل، وأن من يتعامل مع التراث له علاقة بالاستعمار . وعملت في فترة ما سكرتير تحرير مجلة الأقلام وتبنينا أنا وزملائي إبراهيم داقوقي ولطفي الخولي مشروعا على نطاق أهلي فأصدرنا مجلة"التراث الشعبي" وكنت مدير تحريرها ونوزعها بواسطة الأصدقاء، إلا أن مشروعنا خسر ماديا فعرض علينا وزير الثقافة والفنون أن تكون المجلة رسمية تابعة للوزارة، فوجدنا في ذلك بارقة ضوء أخضر خاصة وإننا كنا مدينين حتى ببدل الإيجار الذي تعهد لنا الوزير تسديده، وبقيت المجلة تصدر حتى الآن علما إننا أصدرنا مجلدين منها.

 

المغامرة الأولى

• هل ارتبطت فترة شبابك بمغامرات عاطفية؟

ـ مغامرة واحدة كانت الأولى والأخيرة في حياتي، حينها كنت مراهقا وقد أعجبتني فتاة تسكن في محلتنا، فكتبت لها رسالة رقيقة وبعثتها بيد صديقي، واختبأت في مكان قريب اراقب ملامح وجهها التي تغيرت، ثم ذهبت الى البيت، وعند العصر طرقت علينا الباب مهددة إياي بأنها ستعطي الرسالة الى والدها الذي كان متنفذا، أخذني الخوف من هذه الورطة، فالتجأت الى القوة السحرية في كتاب اسمه "شمس المعارف الكبرى" ووجدت فيه حرزا قرأته على نهر دجلة وقت الغروب مع بعض البخور التي ابتعتها من عطار المحلة، وعند الليل جاءت الفتاة وسلمت الرسالة لي .. فأقسمتُ أن لا أكرر ذلك أبدا.

• وذكرياتك في مجلة المورد؟

ـ عملت لمدة 12 سنة في مجلة المورد . وكنت لا ابتئس ولا اتألم عندما اعتذر عن نشر بحث لأحد الأساتذة ولكني ألجأ الى أسلوب الضيافة فحين يأتيني أدعوه الى شرب القهوة او الشاي واحادثه وكأننا في مجلس الفاتحة.

 

ذكريات

• ذكرياتك عن فترة الاحتلال البريطاني للعراق؟

ـ في أعقاب الحرب العالمية الثانية بعد أن انهارت حركة رشيد عالي الكيلاني اثر معركة "سن الذبان" قرب الحبانية انتشرت معسكرات الإنكليز في الصالحية . كنا وقتها طلابا في المتوسطة، وكانت سينما الحمراء الشتوي جديدة في بغداد، والمجندون الإنكليز يتعمدون ارتيادها لغرض دراسة الأفلام العربية .. حدث أن ذهبت لمشاهدة أحد الأفلام مع صديقي رحمه الله شاكر خضر الذي كان يحسن اللغة الإنكليزية والى جانبنا جلس ضابطان انكليزيان انتبه أحدهما وهو طبيب عسكري الى سبحة في يدي من الكهرب التجاري كنت أسبح بها بتقسيم الخرز بشكل منتظم، فسأل الضابط ما فائدة هذه السبحة فأجابه صديقي عني بأنها تقضي على شرب السكائر فعرض علي أن أبيعها له فقلت سأقدمها هدية لك، فعجب لكرمي وأعلمني عن عنوانهم في فندق "زيا" .. وأصر على إرجاع الفضل .. وعندما ذهبنا اليهم وجدنا أنهم قد هيأوا لنا زنبيلا بالحلوى والسكائر واللبان . وقبل تسليمه لنا سألوني عن السبحة السوداء مافائدتها فاختلقت لهم حكايات أخر وقلت إنها تتغلب على النرجيلة ولم يكونوا يعرفونها فرسمت النرجيلة لهم ... وشكروني على ماأسديناه من فضل لهم .

ماأذكر أيضا عن تلك الفترة هو إن الاستعمار قد سلط علينا المجندات البولونيات بلباسهن الخاكي وكن ينتمين الى حركة بولونيا الحرة ضد النازية ومقرها لندن... أذكر أنه كانت هناك في الصالحية ساقية انقطع عنها الماء وكان الطين طريا فيها وأنا جالس قربها اطالع كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان فباغتتني إحدى المجندات البولونيات وهي سكرى وأصرت على عناقي، ولم استطع التخلص منها فوقعنا في طين الساقية معاً .. والأمر من ذلك أن كتاب ابن خلكان وقع أيضا ولم أدركه، ولايزال الطين عليه لحد الآن .

أما المجندون الهنود الذين رافقوا الاحتلال البريطاني والذين أوكلت اليهم حماية المنشآت واغلب الدوائر الرسمية فقد كان الإنكليز يتعمدون أن يبعثوا السيخ والكوركة الى الكرخ ولايبعثون الذين يتكلمون الأوردية (وهم مسلمون) كي لا يتعاطفوا معنا ضدهم، لذلك كنا نشكل مجاميع منا نحن المراهقون ونختبئ لهم قرب أماكن تواجدهم ونشبعهم ضربا.

 

مشاريع العمر

• أكثر من مرة .. نسمع أن العلوجي أحيل على المعاش كي يتفرغ لمشاريع العمر هذه؟

ـ أول هذه المشاريع هو كتاب موسوعة الدراسات القرآنية، وقد بدأت به سنة 1952 واواصل العمل فيه حتى الآن ليلا ونهارا، ولولا انشغالي به لكان لي الآن مؤلفات تسد مكتبة بكاملها . وتناولت في هذا الكتاب جميع الدراسات التي قامت حول القرآن الكريم من ناسخ ومنسوخ إضافة الى القراءات الاصلية، بدءا بالقراءة الأولى التي هي قراءة النبي (ص) ثم تعددت القراءات في الكوفة والبصرة ودمشق، وتناولت أيضا المترجمات القرآنية الى لغات العالم، وإتهام القرآن بالتحريف والردود عليها واستطعت أن أعثر على شواهد بسور كاملة مصنوعة موضوعة مثل سورة الديك وسورة الدجاجة حصلت عليها من شمال افريقيا ومن الهند وناقشتها بلاغيا، وقد لعبت الشعوبية دورا في هذا الصدد.

أخذت أحكام القرآن، إعرابه، وكل علومه وأعطي نبذة تأريخية وفنية عن كل علم بالتفصيل، ثم أذكر الآثار المخطوطة حوله ومواطن وجودها في خزائن العالم إضافة الى المطبوعات القرآنية مع إشارة للمفقود منها مع ذكر من أشار اليها.

• إنه عمل كبير ومجهد حقا...

ـ نعم إنه عمل مذهل لا نستطيع أن تنهض به الدول الإسلامية مجتمعة، إلا أنني مجنون .. لأن هذا العمل يعتمد كل لغات العالم حتى السنسكريتية . واعتقد أنه سيكون جواز سفر لي أدخل به الى الجنة، رغم أني حاج لبيت الله الحرام وأرحم الفقراء إلا أنني لا أصوم مثلا، لضرورات صحية، وآمل أن يكون هذا العمل مبررا للرحمة وللتخفيف من ظلمة القبر وزبانية جهنم .

• إذا كان المشروع الأول على هذه الشاكلة، فمتى ستتفرغ للمشروع الثاني؟

ـ من أين آتي بالتفرغ كي أنجز هذين المشروعين الكبيرين بنفسي لو استثمر فيهما طاقتي قبل أن يقضي العمر، أنا لا أفكر بالموت ولست خائفا منه إلا أنني لا أريد أن أموت كما يقال عن أحد النحاة .. " مات وفي نفسه شيء من "حتى" .. أنا سأترك ورائي ألف حتى .

• منذ متى بدأت بالمشروع الثاني؟

ـ إنه متزامن مع المشروع الأول فمن خلال مطالعتي لمواد المشروع الأول كنت أسجل الملاحظات التي تمر بي فيما يخص رحلة الكلمة في التأريخ ولم اهتدِ لعنوان معين له لحد الآن وهو يتعلق بحرية الفكر في التأريخ شرقا وغربا منذ أقدم الحضارات الى يومنا هذا، وجمعت فيه عن كل الأشخاص الذين تسببت كلمتهم في مقتلهم طبقا للمثل القائل،"مقتل الرجل بين فكيه".. من وضع كلمة واحدة فقط وأدت الى قتله، او بيتا من الشعر قتل صاحبه .. او كتابا ألفه وحكم عليه بالإعدام بسببه .. بالحرق مثلاً كما حدث في القرون الوسطى حين حرقوا الفلاسفة . هذا الكتاب سيكون أعجوبة وأنا واثق أنه سيقرأ من الغلاف الى الغلاف.. ولكن أعود فأقول أين التفرغ !!

• وكيف حصلت على كل هذه المعلومات؟

ـ أنا ألح كثيرا، ولدي أصدقاء كثيرون في كل مكان من العالم وحصلت على الوثائق مما لا يقف عليها القارئ العربي الآن وفي المستقبل، حتى محاضر الفاتيكان حصلت عليها، سيل من الشواهد من الشرق ومن الغرب: مدام بوفاري ومحاكمة مؤلفها فلوبير، الحلاج ومحاكمته.

• هل لك أن تذكرنا لنا شاهدا معينا؟

ـ أذكر محاكمة الفيلسوف اليوناني العظيم سقراط مثلا .. فالذين حاكموه هم السماكون وأصحاب المهن ممن لا علاقة لهم بالقانون، وحكموا عليه أن يشرب السم، حتى إن زوجته حين ذهبت تزوره في السجن قبل أن يتجرع السم بكته فقال لها: لماذا تبكين؟ قالت: لأنك ستذهب مظلوما فقال لها، وهل تريدينني أن أذهب ظالما؟!

• وما هي أطرف حادثة من هذا القبيل؟

ـ ماحدث للسهروردي حين كان يركض في شوارع بغداد والدنيا تمطر، فسألوه الى أين؟ فقال

إني هارب من رحمة الله (ويقصد المطر) فأكل ماأكل جزاء ماقال لأنه لا يعقل أن يكون الهرب من المطر الذي هو رحمه للناس .

• وهل حوكم؟

ـ كلا، ذهب ضحية الغوغاء .

• لم لا تستعين (بسكرتير او سكرتيرة) تساعدك في عملك الواسع هذا؟

ـ والله قد جربت ولكن المثل يقول (ماحك جلدك مثل ظفرك)، أنا مشهور بسلامة عملي وبالدقة المتناهية ولا استطيع أن اعتمد على أحد إلا إذا كان من وزني . المفكر الأمريكي صاحب كتاب قصة الحضارة لديه سكرتيرة لكنها بدرجة (بروفسور) .

• ليكن أحد أولادك مثلا؟

ـ أنا في وادٍ، وأولادي في وادٍ آخر . إحدى البنات اختارت الطب، والأخرى اختارت الزراعة والثالثة مشغولة بالترجمة بينما اختار ولدي الوحيد أن يكون نحاتا ورساما من الطراز الأول .

• والزوجة؟

ـ زوجتي تحرم علي أن أدخل أحدا غريبا الى الدار، وخاصة الجنس اللطيف، وأنا أيضا حريص على أن لا أخدش صفو حياتنا الزوجية .

• هل تراها جميلة؟

ـ كانت جميلة، ولكن العمر لم يدعها جميلة ولا أنا جميل إلا أنني وبتأثير منها وبولعها بالأحلام وبتفسير الأحلام أصبحت لدي مكتبة كاملة لكتب الأحلام تشمل حتى النوادر والمخطوطات، ولذلك كان في نيتي تأليف موسوعة شاملة لكل الأحلام لأن القدماء كابن سيرين وابن شاهين الظاهري والشيخ عبدالغني النابلسي كانوا من مفسري التعبير بحدود المفردات الموجودة في زمانهم، وبرجوعي الى فرويد النمساوي وجدت أنه أضاف المفردات الحديثة كالمظلة الشمسية والسيارة والقطار مما لم يكن موجودا في زمانهم، ورحت الى البابليين والإغريق القدماء فصار لدي من المعلومات ما لا نظير له ولكن .. أين التفرغ؟

• هل اكتشفت شيئا جديدا في مجال الأحلام؟

ـ اعتقد أن النظرة العلمية في تفسير الأحلام قد سبقت فرويد عند ابن شاهين الظاهري أحد العلماء السوريين في عهد المماليك، ومقدمته كانت موضوعية جدا وهو القائل: مانؤوله في مجتمع قد لا يصلح تأويله في مجتمع آخر، وهذا يعني أن القضية الأخلاقية نسبية عنده .

• هل تحب السفر؟

ـ أحب السفر على أن لا أكون لوحدي لأنني أشعر كالسجين هناك .. زرت كثيرا من المدن مثل افغانستان ولندن والإتحاد السوفيتي، ومن المفارقات التي حدثت أني رأيت في مدينة بخارى في جمهورية اوزبكستان السوفيتية، أن أهل بخارى يشبهون أهل بغداد كثيرا في ملابسهم وعاداتهم ونومهم فوق السطوح في الصيف وقمريات العنب عندهم ورأيت هناك قبر محمد بن اسماعيل البخاري صاحب كتاب الصحاح وقرأت الفاتحة على روحه ووجدت أن 25% من سكان مدينة بخارى وهم من اليهود الذين يتعمدون تشويه الفكر والحضارة الإسلاميتين، فنصبت نفسي واعظا في مقاهي المدينة أصحح الأوهام التي يدسونها، وقد طال مكوثي هناك أربعة اشهر ونصف.

• أي البلدان ارتحت له أكثر من غيره؟

ـ كلها ارتاح لها، فإذا كانت أوربية فعلاقاتي مع المستشرقين ممن يتكلمون العربية، فنتبادل المعلومات حول المخطوطات والفهرسة، وأزودهم بأسماء المصادر وأذكر أني نفعت المستشرقين في أحد الأكاديميات حين اكتشفت لهم مخطوطا ناقصا في أوله ومن آخره فأوجدت لهم النقص واعتبروا ذلك فتحا ثقافيا بعد أن بعثوا برقية الى ليينغراد وتبين أن ماقلته مطابق عندهم ونشروا ذلك في جريدة أزفستيا السوفيتية، ولا أزال احتفظ بتلك الجريدة . والشيء الطريف الذي لاحظته عندما أوفدتني الوزارة الى افغانستان لاشارك في احتفالاتهم العالمية بذكرى جمال الدين الأفغاني، وكنت مكلفا بإلقاء محاضرة عن حياة الأفغاني فترة وجوده في بغداد، وترجمت المحاضرة الى البشتو (والبشتو خليط من الفارسية والتركية والهندية والأوردية والعربية) وكان يمثل إيران في هذا المهرجان سفيرها في كابل واسمه تقي زاده، يحسن اللغة العربية، وكان بابياً (من المذهب البابي) فناقشني وهاجم جمال الدين الأفغاني حول قضية تأريخية تتعلق بتأريخ ناصر الدين شاه الإيراني .. ولكن أيدني كل الحاضرين وصفقوا لي وانتخبوني رئيسا للمهرجان أدير كل الجلسات ...

• ماعلاقتك بالسياسة؟

ـ بصراحة أنا لا أحب السياسة، ولكن مادام التراث هو الركيزة القومية المهمة، وأنا من أوائل الذين خدموا التراث فبهذا أكون من أوائل السياسيين .

• كم عدد مؤلفاتك؟

ـ أنا منتج، ولم يقتصر إنتاجي على موضوع معين إلا أن جميع مؤلفاتي على أهميتها موجهة لقطاع معين من القراء والباحثين وتبلغ حوالي 33 كتابا و600 دراسة ومقالة وهي ليست بمستوى رضائي، لأن أغلبها يخدم حاجة آنية .

• وماذا تذكر عن بغداد القديمة؟

ـ أذكر سور بغداد القديمة الذي يحادد الآن منطقة الرحمانية في الكرخ، ويستمر الى مقبرة الشيخ معروف وحين أذكره تتداعى كل الذكريات لأنه بموازاة السور كانت تقوم المكاسرة بين شباب أكثر من محلة وهي موسمية في الربيع فقط، ومن ورائها الاستعمار الذي يشجع على التناطح فيما بين البغداديين أنفسهم فيموت البعض ويجرح البعض الآخر، وأذكر آخر مكاسرة حدثت أوائل الأربعينيات ثم اختفت بعد ذلك .

• مارأيك في العمارة الحديثة؟

ـ أريدها أن تعكس مرافق العمارة . القديمة وأشكالها بمواد إنشائية جديدة . وأغلب ماهدم من بيوت بغداد القديمة لا يعد تراثا لأنها تعود الى العهد العثماني، متهرئة وتكثر فيها العقارب .. وقد لدغتني إحدى هذه العقارب فعالجتها أمي بوضع النفط عليها .

 

يربي القطط .. ويصادق عنكبوتاً

• هوايات العلوجي .. ماهي؟

ـ ربيت القطط وأسميتها بأسماء خاصة اناديها بها فتأتيني، وقد جنيت على أحدهم وكان اسمه شمعون ناديته باسمه فأتاني مسرعا فتسببت في دهسه ولكن العجيب أنه أوى الى تنور في دارنا وامتنع عن الطعام والشرب مدة اسبوع تقريبا خرج بعدها سليما ومعافى وعلمت أنه داوى جروحه بلعابه .

وصادقت أيضا عنكبوتا فترة عملي في علوة أبي، كان شيخا عاجزا لا يستطيع إطعام نفسه فاصطاد له في كل يوم ذبابة وأقدمها له لينسج حولها جوعه ثم يأكلها، فتعود على ذلك وأصبح ينزل من نسيجه الذي في أعلى السقف ويأتي أمامي عندما أدخل العلوة.

أنا أيضا من صيادي السمك الماهرين لا يفلت مني الشبوط او الجري أبدا وهذه حسنات البيت إذا كان قريبا من النهر نهر دجلة طبعا.

• هواياتك الأخرى؟

ـ أنا من هواة الزروع أزرع وأقلم وأطعم وكانت في حديقة البيت القديم قبل استملاكه شجرة تحمل البرتقال والليمون الحامض والنارنج واللالنكي مرة واحدة وكذلك بالنسبة للورد والجوري فالشتلة الواحدة تعطي ألوان الورد المتعددة . كما إنني أهوى الموسيقى ولدي رأي في قضية (البستة) التي يقولون إن أصولها غير عربية، وجدت عند الفيلسوف العربي الفارابي في كتابه "الموسيقي الكبير" أنه يتحدث عن نوع من الأغنية الخفيفة التي تريح الأعصاب وسماها (البسطي) والبستة تحريف عن البسطي، ولكن لم يدرك أحد ذلك .

• السينما...هل لك رأي فيها؟

ـ لم أذهب الى السينما منذ أربعين سنة، وحين يقال إن التلفزيون يؤثر على السينما فهذا صحيح، وأنا أحد مواد الاختبار التطبيقية، فالتلفزيون أغناني عن السينما كي أبقى مع أولادي وزوجتي . ".

 

.................

الهوامش:

(1) حميد المطبعي، موسوعة أعلام العراق، 2011، باب العين، ص 476 .

(2) أ. د إبراهيم خليل العلاف، مع عبد الحميد العلوجي وحديث حول حكايات الموصل الشعبية، المدونة الشخصية للعلاف، 29 من كانون الأول 2009 م .

(3) رباح آل جعفر، أيّام وليال في ضيافة العلوجي، صحيفة الحوار المتمدن، 17 من كانون الثاني 2011 م .

(4) خالد القشطيني، روح العصرنة، جريدة الشرق الأوسط، العدد 10369، 19 من نيسان 2007 م .

(5) مهدي شاكر العبيدي، عبد الحميد العلوجي الكاتب الموسوعي المجبول على البساطة والتواضع، مجلة الموروث الثقافية الألكترونية، تصدر عن دار الكتب والوثائق الوطنية، بغداد، العدد 44، تشرين الأول 2011م .

*أرشيف دار الكتب والوثائق الوطنية، بغداد .

** عبد الحميد العلوجي يتحدث عن الحكاية الشعبية .. مَن هو اول من نقل وجمع الحكاية الشعبية العراقية؟، هدى جاسم، جريدة الجمهورية، العدد 7969 , 28 من آب 1991 م، الصفحة قبل الأخيرة .

*** عبد الحميد العلوجي: أخشى أن أترك ورائي ألف " حتى "!!، حوار: وداد الجوراني، مجلة ألف باء، الصفحات من 48 ــ 52 .

 

التاريخ يعيد فتح صفحاته .. عامر عبد الله والحزب الشيوعي العراقي

zayd alheliقليل من تجلس معهم، ويضيفوا اليك معلومة ثقافية او سياسية او اجتماعية، ومن القلة التي لفتت انتباهي، حين جالستهم، وخرجت بأنطباع شبيه بضياء الفجر، هو الصديق العزيز المفكر د. عبد الحسين شعبان .. فهذا الانسان النابه، اتابع احاديثه، لاسيما استذكاراته كالبحر، موجة وراء موجة..

وليس مثل البعض، يتحدثون في مواضيع، هي نسخ مكررة .. أشباح وظلال لأصوات الآخرين والكثير من كلماتهم التي نسمعها او نقرأها، هي سطور مسلوبة الروح والجسد !

وتأكدت من خلال صداقتي ونقاشاتي مع اخي د. شعبان، ان الكاتب لا يُعطى الحرية، بل يأخذها، وهو حين اكتشف قوانين الحرية، ازداد حرية ..

نعم، لقد نسيّ، بعضنا (كتاب وقراء) اننا كالحبر والورق .. فلولا سواد الحبر لكان البياض أصم، ولولا بياض الورقة، لكان سواد الحبر .. اعمى، فالحبر والورق، صنوان في الصدق، والصدق صنو الحرية !

اعتدت في جلساتي ولقاءاتي مع ابي ياسر د. شعبان، سواء في اروقة المؤتمرات التي نشترك فيها محليا او خارجياً، او الجلسات الخاصة، ان احفز ذاكرته على استذكار بعض ما يستهويني من محطات سياسية مر بها العراق، لاسيما ان الرجل يتحدث بلغة الأرقام المغمسة بالأسماء، ولا تحتاج كلماته مني إلى خرائط خاصة لفك رموزها أو حل الغازها وتفسير إيماءاتها المدهشة !

 

حديث اللحظة ..عامر عبد الله

وقد يعجب القارئ الكريم، حين اقص عليه، حكاية ما سيطالعه عن رجل، حَمل جسده المنهك بالأوجاع والألم والفقد والغياب على كاهل الحزب الشيوعي العراقي حتى الاستغراب ... إنه القيادي الشيوعي البارز عامر عبد الله .. ففي جلسة عادية، ضمتني مع د. شعبان حضرها شقيقه صديقي حيدر شعبان في صالة الاستقبال بفندق الميرديان في 15 من الشهر الماضي، وكان في ذهني ان اللقاء لن يطول، لاسيما ان للدكتور في اليوم التالي على لقائنا مشاركة مهمة في المؤتمر الذي يقيمه مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، حول واقع العنف والإرهاب في العراق، وله فيها محاضرة بعنوان (ثقافة اللاعنف: آلة التدمير وآفاق التغيير) لكن، مسار الحديث المتشعب، دار مثل، خيط دخان، دون انذار، ليكون المحور "عامر عبد الله" وانثالت الذاكرة الحبيبة لأبي ياسر لتحلق في فضاء الذكريات .

يقول د. شعبان: تعرفت مباشرة على عامر عبد الله بعد أن أصبح وزيراً بنحو أسبوعين (نيسان 1972) وكان قد قام بزيارة إلى براغ، وكنت حينها رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين (عندما كنت أحضّر للدكتوراه) ونظّمنا له فرصة لقاء بالطلبة العرب وبعض العاملين في براغ، ويومها حضر ممثلون رسميون عن السفارة العراقية لأول مرّة وكان اللقاء مثيراً حقاً.

كنت في صراع مع نفسي: كيف سأقدم أحد أقطاب اليمين إلى الجمهور، هل سيكون تقديمي بصفته الحزبية أي عضويته في اللجنة المركزية بالحزب الشيوعي العراقي رغم أنه كان خارجها أو أعيد احتياطاً إليها أم بصفته الوزارية (وزيراً للدولة) أم بصفته النضالية (المناضل)، وأخيراً حسمت أمري حين اخترت الصفة الأكثر انطباقاً على عامر عبد الله، وهي صفة المفكر الماركسي، وكنت رغم تحفظاتي المسبقة أشعر ان عامر عبد الله من خلال كل ما قرأت عنه وسمعت حوله، هو مجتهد حتى وإن اختلفت معه، أو بالأحرى اختلفت مع ما أشيع حوله، ولذلك اخترت صفة المفكر، وهو بحق أحد أبرز المفكرين الماركسيين العراقيين والعرب.

واستمر متحدثاً عن صديقه ورفيقه عامر عبد الله، بحزن شفيف، فما انبل القلب الحزين الذي لا يمنعه حزنه من ان ينشد أغنية مع القلوب الفرحة التي تنبض بمحبة التاريخ الصادق .. وتحدث عن حالة غريبة في حياة عامر عبد الله، جديرة بالاشارة، وهي : " بعد وصول عامر عبد الله إلى لندن قدّم طلباً للحصول على اللجوء السياسي، وكنت قد كتبت له رسالة باسم المنظمة العربية لحقوق الإنسان، التي كنت رئيسها في لندن، وكان أخي حيدر شعبان هو من ذهب معه الى وزارة الداخلية في منطقة كرويدن، وجاءه الرد من وزارة الداخلية Home office بالموافقة، وأُرخت الرسالة يوم 14 تموز (يوليو)، وكان (أبو عبد الله) يتندّر عندما يذكر هذا التاريخ بالقول يريدون أن يذكرونني بهذا اليوم على طريقتهم، ولعلها مفارقة أن تضطر الظروف من هيأ لثورة 14 تموز (يوليو) 1958 أن يتقدم بطلب لجوء إلى الدولة التي فك العراق ارتباطه بها وثار الشعب ضد التبعية لها.

لعل تلك واحدة من مرارات عامر عبد الله التي كنت أدركها وأعرف ما تعني بالنسبة إليه، وبغض النظر عن مواقفه «اللندنية» والمتعلقة بشأن تسفيه فكرة السيادة وتبرير القرارات الدولية المجحفة والمذلّة، لاسيما استمرار الحصار الدولي الجائر والتعويل على العامل الخارجي، فقد تميّز عامر عبد الله على أقرانه بنزعته العروبية، وبمواقفه من القضية الفلسطينية"

 

رجل مختلف عليه

واستمرت استذكارات شعبان عن صديقه الذي سبقته شهرته، وقبل أن يتعرّف عليه الكثيرون كانوا قد سمعوا عنه أو قرأوا له أو جاءوا على ذكره في إحدى المناسبات، فهو الحاضر دائماً الذي لا يملأ المكان حسب، بل يفيض عليه، نظراً لما يتركه حضوره من إشكاليات وجدل واختلاف وعدائية «مستترة» أحياناً.

ويقول د. شعبان " لم أجد شخصاً اختلف حوله رفاقه قبل خصومه مثلما هو عامر عبد الله الشيوعي العراقي المخضرم، الذي ملأ الأسماع مثلما شغل أوساطاً واسعة من الشيوعيين وأعدائهم، وهو المثقف الماركسي البارز الذي تعود أصوله إلى مدينة عانة المستلقية على نهر الفرات غرب العراق، وكان قد ولد في العام 1924 لأسرة متدينة ومُعدمة، وهو ما يرويه بتندّر شديد وألم كبير، لاسيما حالة الفقر وسوء التغذية والتراخوما، خصوصاً بعد أن تركهم والده الحاج عبد الله ليقرر الرحيل لجوار قبر الرسول في مكّة "

 

حكايات الغيرة والحسد

وفي اثناء حديثه الممتع، اشار د. شعبان الى ان عامر عبد الله لم يسلم من الحسد والغيرة التي شنّها ضده رفاقه أولاً، بل نسجوا حوله حكايات لها أول وليس لها آخر، رغم أن بعضهم كان يتملّق له، لاسيما عندما أصبح وزيراً في العام 1972، ورغم أن مواقفه بحاجة إلى نقد وتقييم موضوعي، بما لها وما عليها، إلاّ أن قصصاً كثيرة بعضها من صنع الخيال رافقت مسيرته كشائعة زواجه من البلغارية وحفل الاستقبال الذي أقامه بهذه المناسبة في بغداد، تلك التي كانت «فاكهة الشتاء» في بعض المجالس، حيث يتم تغذيتها يوماً بيوم بل ساعة بساعة كي لا تنطفئ وهكذا سرت تلك الإشاعة مثل النار في الهشيم.

ولم يكن يمرّ يوم إلاّ وتسمع مثل تلك الدعايات السوداء عن البذخ والحفلات والعبث، تلك التي التقطها الأعداء والخصوم، ليؤلفوا منها قصصاً وحكايا أكثر خبثاً عن علاقات سرية مع أجهزة ومخابرات دولية، مشككين كيف كان عامر عبد الله يستطيع الإفلات من قبضة الأجهزة الأمنية طيلة حياته، في حين كان رفاقه يزجّون بالسجون والمعتقلات لسنوات طويلة، وهو يغادر العراق سرًّا ويعود إليها سرًّا، ويسافر ويلتقي مسؤولين وكأنه يلبس طاقية الإخفاء.

ولعل هناك من نسب إليه إصدار «تعليمات» بقتل حفصة العمري وتعليقها على عمود الكهرباء في الموصل خلال أحداثها المأسوية العام 1959 .... وهو خبر كان قد شاع عشية قبوله عضوية المجلس التنفيذي للمؤتمر الوطني العراقي في لندن، ممثلاً عن «السنّة»، كما تمّ تداوله في حينها!

 

زيارة الأيام الخمسة

ولأن صديقي د. عبد الحسين شعبان، يدرك ضرورة مغادرتي الفندق لظرف خاص بيّ، قال إنه سيرسل لي ما يكفي شهيتي من ذكريات عن صديقه عامر عبد الله، فودعني على آمل حضوري صباح اليوم التالي للمؤتمر آنف الذكر، ويأتي الغد، لأهاتفه معتذرا لعدم حضوري المؤتمر، وبعد يومين يُشارك طلبة الصحافة "المرحلة الثالثة" بكلية الاعلام بدعوة من استاذهم الدكتور احمد عبد المجيد، في ندوة حوارية كان سعيدا بها .. وبأنتهاء الندوة، يغادر مساء الى بيروت بعد خمسة ايام من زيارة لبغداد، ومن هناك يهاتفني ليلا، ليجدني طريح الفراش نتيجة انفلونزا حلت ضيفة ثقيلة عليّ، فيتحدث مع زوجتي، متمنيا الشفاء، واصفاً علاجا طبيعيا كان قد جربه !

وبعد يوم على مهاتفته عائلتي، فتحت بريدي الالكتروني، وانا كسل، فوجدت رسالة من ابي ياسر، فيها من السطور ما يبهج، ويزيح المرض، وفيها تنفيذ وعد للوليمة التي تكفي شهيتي، وتزيد .. كانت تتضمن فصلا مهما، من كتاب عن " عامر عبد الله " والحركة الشيوعية العراقية، اظنه سيحدث جدلاً في الاوساط السياسية لاسيما في صفوف وكوادر الحزب الشيوعي العراقي لما فيه من اسرار وخفايا، استطاع د. شعبان الحصول عليها، وتثبيتها بأمانة نادرة ..

وحتى لا افسد متعة قراءة الاصدار الجديد، الذي سيرى النور قريبا، اشير الى مقتطفات سريعة، لا تخل في جوهر الكتاب، وكم المعلومات فيه ..

كان عامر عبد الله متفوقاً دراسياً ما مكنّه من دخول كلية الملك فيصل العام 1941 في عهد الدكتور محمد فاضل الجمالي وزير المعارف في حينها، وكان مرشحاً في العام 1943 للقبول في جامعة كامبريدج، لكن مشاركته في الإضراب مع مجموعة من زملائه أدّى إلى طردهم وإلغاء سفرهم كما يذكر.

انتسب إلى كلية الحقوق في القاهرة وساكن طلعت الشيباني (الوزير بعد الثورة) وأكمل دراسته بعد أن انتقل في السنة الثانية إلى بغداد، ومارس المحاماة والصحافة لفترة قصيرة ومتقطعة، منذ أواسط الأربعينات، حتى اضطّر للعمل السري بقرار من الحزب في العام 1952، ويقول بمرارة عن سنوات اختفائه التي دامت بمجموعها 11 عاماً، كانت سنوات حرمان وفقر.

قرّر عامر عبد الله الانتماء إلى الحزب الشيوعي أواخر العام 1949 عقب إعدام أمين عام الحزب الشيوعي فهد (يوسف سلمان) ورفاقه حازم وصارم (حسين محمد الشبيبي، ومحمد زكي بسيم) في 13/14 شباط (فبراير) 1949، بعد جولة أجراها في بعض البلدان العربية، التقى فيها عدداً من الماركسيين والشيوعيين، وواصل رحلته إلى باريس متطلعاً إلى أفق إنساني لأممية ماركسية إنسانية رحبة، لكنه اصطدم هناك بالبيروقراطية كما يقول، لأنه لم يكن بعد قد انتمى إلى الحزب.

لعل الدور القيادي والمؤهلات الريّادية الشخصية لعامر عبد الله جعلته مبرّزاً بين أقرانه ورفاقه أينما عمل وحيثما كان، لدرجة أنه حتى عندما كان يُستبعد أو يُقال من مواقعه القيادية، كان الآخرون يحسبونه القائد الفعلي للحزب الشيوعي ومنظّره، نظراً لما تركه من تأثير فكري وسياسي على مجمل عمل الحزب، صاغ عامر عبد الله لنحو 3 عقود أهم وثائقه النظرية وقد يعود السبب في ذلك أيضاً إلى أنه تجاوز الحقل الحزبي ليشتغل بالفضاء السياسي بعد أن تعرف على عدد من الشخصيات السياسية العراقية.

مقال في " البرافدا "

  وكتب عامر عبد الله، قبيل ثورة 14 تموز (يوليو) ببضعة أشهر في جريدة البرافدا، السوفيتية الشهيرة (وهو امتياز لم يسبقه إليه أحد من شيوعيي العراق ولم يلحقه إليه أحد من الشيوعيين العرب إلاّ على نحو محدود) مقالتين باسم خالد محمد، فيهما إشارات تحليلية إلى أن الخيار العنفي هو الغالب، ملمّحاً للتحضير للثورة، لاسيما بعد أن غيّر الحزب توجّهه السلمي الذي تبنّاه في الكونغرس الحزبي الثاني في العام 1956 بعد توحيده، مقدّماً خياراً جديداً وتاكتيكات نضالية جديدة.

 وقد كانت أهم وثيقة صدرت عن الكونفرنس الثاني للحزب الشيوعي العراقي التقرير الذي كان قد كتبه عامر عبد الله حول «مهماتنا في التحرر الوطني والقومي في ضوء المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي»، والذي يتلخّص استنتاجه الأساس بالنضال السلمي الجماهيري، في حين أن سلطات العهد الملكي بقيادة نوري السعيد، كانت قد أغرقت التظاهرات السلمية المناصرة للشقيقة مصر والمندّدة بالعدوان الثلاثي الانكلو- فرنسي – الإسرائيلي، بالدم، وهو الأمر الذي استوجب تغيير تاكتيكات الحزب بشأن وجهة النضال وأسلوبه الرئيس، حيث تبنّى الأسلوب العنفي، طالما أن السلطات الرجعية هي التي اختارت هذا الأسلوب، غالقة جميع الأبواب أمام أساليب النضال السلمية، لاسيما بعد قيام حلف بغداد واستخدام أنيابه للتضييق على الحريات وإصدار عدد من القوانين تحت باب مكافحة الأفكار الهدّامة، ومن ثم قمع الانتفاضة الجماهيرية الشعبية السلمية، الأمر الذي اقتضى الاستعداد لكل الطوارئ وحشد كل الإمكانات لمنازلات كبرى.

وتنفيذاً لخط الحزب الجديد، الذي رجّح الخيار العنفي أشرف سلام عادل (حسين أحمد الرضي) الأمين العام للحزب بنفسه على تنظيم الخط العسكري وتنظيم الخلايا للضباط وضباط الصف والجنود، كما أفرد بعض الحلقات لقيادة مجموعات الضباط الأحرار، وأصدر نشرة حزبية موجهة للجنود والضباط تحثهم على الوقوف صفاً واحداً لإنقاذ البلاد وتطهيرها من ربقة المستعمرين وأتباعهم.

يقول د. شعبان : سألتُ عامر عبد الله خلال مطارحتي معه في الثمانينات، إضافة إلى مقابلات لم تنشر بعد، عمّا إذا كان اختيار الأسلوب الكفاحي العنفي قد تمخّض عن مؤتمر أو كونفرنس ((Conference، علماً بأن الكونفرنس الثاني الذي عقد العام 1956 كان قد أتخذ قراراً بالخيار السلمي، فأجاب؛ كانت الأمور أقلّ تعقيداً والثقة عالية وظروف العمل السري لا تسمح كثيراً بعقد مؤتمر أو اجتماع موسع لأخذ رأي القيادات والكوادر، بل إنني كنت قد كتبت رأياً بهذا الخصوص وعرضته على سلام عادل، فأبدى تأييداً وحماسةً واقترح أن يتم تعميمه، ليصبح هذا الرأي بمثابة رأي الحزب وتوجيهاً للرفاق، وقد سعينا إلى تثقيف كادر الحزب الأساس وملاكاته المهمة بضرورة الاستعداد لكل طارئ جديد، وكانت انتفاضة العام 1956 التي شارك الحزب بقيادتها بروفة جديدة لقياس استعداداتنا، لاسيما الجماهيرية للنزول إلى الشوارع وقطع الطريق على القوى الرجعية فيما إذا تحرك الجيش، وهو ما حصل يوم 14 تموز (يوليو) العام 1958، حيث كانت الكتل البشرية الهائلة، صمام الأمان لانتصار الثورة، وكان الحزب قد أصدر تعميماً داخلياً لكوادره للاستعداد للطوارئ يوم 12 تموز (يوليو) أي قبل يومين من اندلاع الثورة.

 

عامر وعبدالكريم قاسم

ويقول د. شعبان : ترسّخ في أذهان جيلنا منذ أواخر الخمسينات اسم عامر عبد الله باعتباره رمزاً للاتجاه اليميني المساوم، والأكثر من ذلك شاع اعتقاد مفاده بأنه كان يسرّب أسرار الحزب إلى الزعيم عبد الكريم قاسم، لاسيما وأنه كان يحمل بطاقة خاصة تسمح له بالدخول إلى وزارة الدفاع ساعة يشاء، حيث كان من أشد الداعمين لسلطة قاسم داعياً إلى لبس قفازات الحرير الدبلوماسية عند نقدها، كما أشيع في وقتها، ولذلك ركّزت عليه دعاية القيادة المركزية في هجومها بالقول أن كبيرهم علّمهم السحر، أي «سحر الدبلوماسية».

ويقول عامر عبد الله عن علاقته بعبد الكريم قاسم: « كان مولعاً بالسهر مما دفعني للتعود عليه أيضاً، لاسيما خلال فترات الاختفاء الطويلة، وهكذا كنّا نلتقي ليلاً ونتسامر ونتبادل الأحاديث حتى وجه الصباح (انبلاج الفجر)، خصوصاً في قضايا الاقتصاد والنفط والعلاقات الدولية».

 تناقل الكثيرون روايات مفادها أن عامر عبد الله وبعض من رفاقه وقفوا حجر عثرة في طريق الاتجاه اليساري أو «الثوري» الذي كان يعمل على إزاحة قاسم من السلطة، لاسيما بعد محاولة اغتياله الفاشلة التي قام بها حزب البعث العام 1959. وأتذكّر حواراً كان قد جرى في دمشق بين صالح دكله (سكرتير لجنة الحزب في بغداد) وعامر عبد الله عضو المكتب السياسي (آنذاك)، بشأن خطة السيطرة على بغداد، والتي كان قد خطط لها سلام عادل وجمال الحيدري، حيث أبلغ دكله بتنفيذها (ويبدو أنها كانت بمعزل عن المكتب السياسي أو دون معرفة بعض أعضائه، إضافة إلى بعض أعضاء اللجنة المركزية).

واقتضت «الخطة»: النزول إلى الشارع والسيطرة على المرافق العامة، وهو ما ألمح له صالح دكله في مذكراته، لكن عامر عبد الله أنكر ذلك وكثيراً ما جادل في أصل الرواية، لاسيما في ندوة أقيمت له في النصف الأول من التسعينات في الكوفة كاليري في لندن، في حين أن دكله يقول: «أن عبد الكريم قاسم أرسل عامر عبد الله ليستوضح الأمر ويحول دون تنفيذ الخطة – إن وجدت – وذلك بعد علمه بمحاولة «الانقلاب» والسعي لتسلّم السلطة وجعل الأمر الواقع واقعاً "، وباحتشاد الجماهير في الشوارع الذي استمر حتى ساعات الفجر الأولى، وتحرك بعض القطعات العسكرية واستنفار عدد من الضباط والجنود.

وكان عامر عبد الله يبحث كما يقول صالح دكله عن سلام عادل الذي بقي متوارياًُ عن الأنظار في عكَد (زقاق) الأكراد، حيث كان يرسل توجيهاته إلى لجنة بغداد من هناك، وعندما سألت عامر عبد الله عن الواقعة تساءل ساخراً: «إذاً لماذا لم يفعلها(الثوريون اليساريون)؟!»، لكن جواب الطرف الآخر كان مُبرراً أيضاً.

يبدو أن ثمة أسباب موضوعية وأخرى ذاتية دفعت سلام عادل إلى التخلي عن خطته «الانقلابية». وكنت قد سمعت عن خطة لم أتوثق منها بعد، قدمتها اللجنة العسكرية تقضي بإنزال تظاهرات حاشدة في باب الشيخ، فيرسل قاسم قوات عسكرية لقمعها، وعندها تتحرك القطعات إلى وزارة الدفاع لإلقاء القبض عليه، وتستولي على الإذاعة لتعلن خبر القضاء على المؤامرة الرجعية (المزعومة)، ويكون الحزب قد ظهر بصفة المدافع عن النظام واستلم السلطة بعد تنحية قاسم، وبصورة سلمية!!

وإذا كان خبر نزول الجماهير إلى الشارع صحيحاً، فهل رواية صالح دكله صحيحة أم نفي عامر عبد الله؟ قد يكون سبب نزول جماهير الحزب الشيوعي إلى الشارع وبقائهم فيه إلى مطلع الفجر حيث وجهت إليهم التعليمات بالانسحاب هو لإحراج عبد الكريم قاسم الذي دلت مؤشرات كثيرة على تراجعه، لاسيما بعد أحداث الموصل، وعشية أحداث كركوك العنفية المأساوية التي اتهم قاسم الحزب بارتكابها، في محاولة غزل لأطراف الصراع الأخرى، خصوصاً بعد خطاب كنيسة مار يوسف (لاحقاً).

كما يمكن أن تكون رغبة الاستيلاء على السلطة قد خامرت سلام عادل أو داعبت مخيلته باستذكار نموذج كيرنسكي، لكن الأصح أن الحزب لم يكن لديه أية خطة لذلك، وأن إستراتيجيته حتى بعد أن انتقد نفسه وتراجع لم تبدِ أية ردود فعل كبيرة إزاء هجوم قاسم ضده واستمر شعاره: «كفاح، تضامن، كفاح» وهو شعار عائم ودون أي معنى سياسي. وعندما اندلعت الحرب ضد الشعب الكردي بضرب مناطق البارزانيين في أيلول (سبتمبر) 1961 رفع الحزب شعار «السلم في كردستان» وهو شعار بلا معنى وبلا مضمون، لغياب نقطة واضحة لتوجهاته المستقبلية وبالأخص في تحديد الموقف من حقوق الشعب الكردي.

وأغلب الظن أن نزول الجماهير إلى الشارع في التظاهرة المليونية الشهيرة كان يهدف إلى إبراز قوة الحزب الشيوعي وإظهار عضلاته على أمل الحصول على المزيد من المكاسب، لاسيما بعد ارتياب قاسم من رفع الحزب الشيوعي في 1 أيار (مايو) 1959 شعار المطالبة بالمشاركة في الحكم.

وكان اجتماع اللجنة المركزية لعام 1959 قد خطّأ سياسة الحزب، لاسيما مطالبة عبد الكريم قاسم بإشراك الحزب بالسلطة، ورفع بعض الشعارات المتياسرة، وهو الاتجاه الذي قاده عامر عبد الله وزكي خيري وبهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس وآخرون.

طالب عامر عبد الله في الاجتماع الموسع الذي عقد في (أيلول/سبتمبر) 1959 بإجراء النقد الذاتي وإعادة تصحيح العلاقة مع قاسم واستعادة العلاقات الايجابية مع القوى والأحزاب الأخرى، ولم يعترض أحد على ذلك، ثم حرر الوثيقة التي سمّيت بوثيقة «الجلد الذاتي» بالتعاون مع سلام عادل.

 

العبودية الفكرية ..

ونُسجت قصصاً أخرى حول يمينية عامر عبد الله، لاسيما بعد تنحيته وإرساله إلى موسكو للدراسة الحزبية العام 1962 ومعه ثابت حبيب العاني الذي كان الأقرب في توجهه إلى عامر عبد الله، وقد تم توصيفه في أحد التقارير الحزبية «بالعبودية الفكرية» لعامر عبد الله، وكذلك أرسل بهاء الدين نوري للدراسة الحزبية في موسكو، في حين عوقب زكي خيري بنفيه إلى ريف الشامية لإعادة تثقيفه وتقويته بعد أن قدّم نقداً ذاتياً أكثر فيه من الجلد الذاتي والإدانة لشخصه، ولعل هذا النقد هو الأبشع في تاريخ النقد الحزبي للنفس في العراق، كما أثرت في كتابي «تحطيم المرايا: الماركسية والاختلاف».

وتكثر المعلومات، لتسد شهية ملايين المتلهفين الى معرفة اخطر المراحل السياسية في العراق، مثل علاقة عبد الوهاب الشواف وناظم الطبقجلي بالحزب الشيوعي العراقي، واحداث الموصل وكركوك والعلاقة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب البعث العربي الاشتراكي واحمد حسن البكر وصدام حسين ..

كلنا بأنتظار كتاب " عامر عبد الله ... الحزب الشيوعي العراقي "

 

معلومات إضافية