شهادات ومذكرات

أستاذي وعالم الاجتماع: الجيلالي اليابس

moamar habarمقدمة التلميذ: "نقول: نحن علماء الاجتماع". بهذه العبارة المدوّية، يبدأ محاضرته في علم الاجتماع، ويردّدها من حين لآخر، بل ظلّ يردّدها على مسامع طلبته طيلة السنوات 1986 – 1990، وما بعدها .. إنّه أستاذي وعالم الاجتماع: الجيلالي اليابس، رحمة الله عليه.

1. كمال الجسم.. من تمام العلم

كان طويل القامة، تزيده وقفته بهاءً وجمالا، متناسق الجسم، وكأنّه رُسم رسما. لايعرف الانحناء ، إذا تحدّثت معه، عليك أن تظلّ رافعا بصرك إليه، خاصة إذا كنت من ذوي متوسط القامة.

 

2. من حَسُنت هَيأته .. حَسُن علمُهُ

طيلة أربع سنوات ، لم يأت مساءً بملابس الصباح، ولم يأت غدا بملابس اليوم. فكان يغيّر طيلة هذه المدة، ملابسه ومحفظته، وحذاءه، صباح مساء. فكان وهو الأستاذ: يتفوّق على الشباب في الرشاقة والأناقة، لِمَا أوتي من جسم متناغم، وبراعة في مزج ألوان وأشكال اللباس.

 

3. فن إلقاء المراجع

يبدأ دائما محاضراته، بتقديم المراجع الخاصّة بالمحاضرة المعنيّة بالإلقاء، دون غيرها من المحاضرات. وميزة هذه الطريقة، تكمن في كونها يستوعب الطالب مراجع المحاضرة، ويستطيع أن يعود إليها في حينها. وبإلقاء المحاضرات، يتحصّل الطالب على مجموعة هائلة من المراجع. فكانت طريقة أستاذي، أفضل من حيث ترسيخ المراجع، وتشويق الطالب إليه، ودفعه للبحث عنها وقراءتها، وتلخيصها، ونسخها.

بينما أساتذة آخرون كانوا يقدّمون مراجع السّنة في أوّل محاضرة، فلا يستطيع الطالب استيعاب المراجع، إما ينساها لأوّل مرة، أو يسأم من البحث عن الكم الذي قدّم له، بل حتى الأستاذ الذي قدّمها لن تبقى في ذاكرته.

 

4. لغة أستاذي .. و لغة مالك بن نبي

الأستاذ الجيلالي اليابس، أبدع في اللّغة الفرنسية، نطقا وتأليفا، ولا يضاهيه أحد في هذا الجانب. ولكن رغم ذلك، كان يبذل أقصى ماعنده ليقدّم المحاضرة باللّغة العربية الفصحى، وكانت يومها المحاضرات تقدّم أغلبها باللّغة الفرنسية. وأبدع في خلق مصطلحات عربية فصحى، تُنسب إليه وحده، ويعجز المعرّبون عن الإتيان مثلها. فكان ينطق المصطلحات باللّغة العربية الفصحى، وينطقها نطقا سليما، ثم يترجمها إلى اللّغة الفرنسية، فينطقها بنطق يأسر قلب صاحب الضاد ، التي مازال رنينها يراقص الأذن إلى اليوم.

 

ولم أجد مثالا يضاهيه في هذا الشأن إلا الأستاذ مالك بن نبي، رحمة الله عليه. كان بن نبي، آية في اللغة الفرنسية، تفوّق على أهلها وأصحابها، تفوقا لاينازعه فيه أحد. وكانت كتبه الأولى باللّغة الفرنسية، ثم تُرجمت إلى اللّغة العربية. ولكن بعد استرجاع السيادة الوطنية، عزم أن يكتب باللّغة العربية، فكان أوّل كتاب له باللغة العربية، هو: "الصراع الفكري في البلاد المستعمرة". وتكاد تجزم حينما تقرأ الكتاب لأول مرة أنّ الكتاب مترجم، وما هو بمترجم، لكن الجهد الكبير الذي بذله بن نبي في ميدان اللّغة العربية، هو الذي جعل كتبه التي كتبها باللّغة العربية، لاتقلّ شأناً ودقّةً وجمالا عن الكتب التي ترجمت له.

ونفس المسار ينطبق على الأستاذ: الجيلالي اليابس، فقد أبدع في اللّغة العربية، وفي نحت المصطلحات، حتى أمسى مدرسة تنسب إليه مصطلحاته. وهو المفرنس حتى النّخاع، والمتقن للّغة الفرنسية إلى حد الكمال والإبداع.

 

5. الوطني الحاضر .. والمحلي الغائب في الأستاذ

محاضرة الأستاذ هي بين لغة عربية فصحى عالية المستوى من حيث المصطلحات العلمية الدقيقة، وبعض المصطلحات باللّغة الفرنسية الرفيعة جدا، والتي تحتاج إلى تركيز شديد لفهمها وهضمها. ولا يتحدّث العامية، التي تميّزه من ناحية المنطقة.

فلو درست عنده أربع سنوات، لاتستطيع أن تعرف من أيّ منطقة جزائرية هو، ويكفي في ذلك متابعة هذه القصّة التي مازالت راسخة رسوخ الجبال، رغم مرور 28 سنة ..

طلبت من الأستاذ أن يعيرني كتاب، سبق أن ذكره ضمن المراجع، التي يقدّمها في بداية أيّة محاضرة. وبعد أن قرأت الكتاب، حاولت أن أعيده للأستاذ، فلم أجده. وبعد اللّقاء بالأستاذ قلت له: أحضرت لك الكتاب في المرّة السابقة، ولم أجدك. فقال ، بلهجة وهرانية: وَاهْ .

فعلمت حينها، وحينها فقط، أنّه من الغرب الجزائري، ولولا هذه الحادثة لما عرفت أنّه من المنطقة الفلانية أو تلك. والسبب في ذلك: أنّ حديثه إما باللّغة العربية الفصحى، أو اللغة الفرنسية العالية المستوى. فأنت مجبر، أن ترفع مستواك إلى القدر الذي تستطيع، لكي تنال منه ماتستطيع، ولو كنت معه على قارعة الطريق.

 

6. الأستاذ الوزير

عيّن الأستاذ الجيلالي اليابس وزيرا للتعليم العالي، أثناء التسعينيات. وكانت فترة التسعينيات: فترة عصيبة مرّت بها الجزائر، زهقت فيها أرواح، وانتهكت أعراض، وخرّبت بيوت، وهجّرت عائلات، وأحرقت مباني ومزارع.

وتشاء حكمة ربّك، أن يُغتال غدرا، وتفقد الجزائر والأمة العربية جمعاء، شمعة كان من المفروض أن تبقى تضيء الكون ، وتحميه من الظلمات، وتخرجه إلى النور. ولكنه الغدر والهوان، حينما يسفك دماء، من قدّموا دماءهم لهذا الوطن العزيز.

 

7. كلمة حق

هذه كلمات صادقة، حان وقت بعثها، وإخراجها من سجن الصدور، ذكرها تلميذ، ظلّ معجب بأستاذه، طيلة أربع سنوات. ويرى لزاما عليه، أن يكتب أسطرا في حقّ أستاذه، لعلّه يكفّر بذلك عن ما فرّطه في جنب من تعلّم عنه، أدب العلم، وعلم الأدب.

رحم الله ، أستاذي وعالم الاجتماع: الجيلالي اليابس. وأسكنه الفردوس الأعلى. ونفعنا بعلمه، وغفر لنا فيما قصّرنا في جنبه.

 

من باريس الى سجون صدام

faeq robeiذكرى انتصارٍ ورحلةِ كفاحٍ وجهادٍ امتدت على مدى ثلاثة عقود حينما كان د. فوزي حمزة في باريس معارضاً سياسياً لنظام صدام المقبور، وفي مثل هذا اليوم السادس عشر من شباط 1986 قامت السلطات الفرنسية بإعتقاله لمدة أسبوع، وكانت سابقة خطيرة وغير مسبوقة في التاريخ الفرنسي، أن تقوم الحكومة الفرنسية بإعتقال وتسليم معارضاً عراقياً الى نظام صدام المقبور، ولقد تعرض في حينها إلى أشدّ أنواع التعذيب النفسي والجسدي من أجل النيل من عزيمته وثباته وبتالي النيل من ثبات وعزيمة المعارضة الأسلامية العراقية، فكان صموده اسطورياً في مواجهة جلاديه، مما أعطى فرصة كبيرة للمعارضة العراقية للتحرك على المستويات كافة عراقياً وعربياً وعالمياً، من أجل تحريره وإطلاق سراحه من مخالب السلطة الدكتاتورية ووحشيتها وسجونها، وبالفعل جرت جهود كبيرة وإستنائية، قامت بها منظمات الدفاع عن حقوق الانسان ومنظمات دولية وحقوقية اخرى، تعاونت بمجموعها بالتسيق والعمل مع قوى المعارضة العراقية من أجل أطلاق سراحه وعودته إلى باريس، وبالفعل تحقق ذلك الحلم المستحيل، ولأول مرة يسجل إنجازاً وإنتصاراً للمعارضة العراقية على دكتاتورية وتسلط النظام المقبور، فكان أطلاق سراحه وإعادته إلى باريس، فرحة عارمة للشعب العراقي، تجلّت حرارتها في تبادل التهاني ولكن بعيداً عن أعين السلطة، وكان ذلك تقديراً من الشعب العراقي   لقيمة هكذا إنتصار، وفي الوقت الذي امضى د. فوزي حمزة أكثر من سته أشهر من التعذيب والتنكيل في سجون صدام ، والتي طالت بمجموعها أغلب أفراد اسرته وأبناء عمومته وأفراد عشيرته، وتجلت من خلال الفصل من دوائر الدوله أو الإعتقال والسجن، ومعه هذا كله استمر د . فوزي حمزة على نهجه وثباته و اصراره في العمل الدؤوب من أجل أسقاط الدكتاتورية وخلاص الشعب ليكون الشعب العراقي سيد نفسه، وحراً في اختيار ممثليه من الكفاءات الوطنية والعلمية، والمشهود لها بذلك حرصاً وتفانياً ونزاهة ًوأخلاصاً من أجل بناء دولة المواطنة الصالحة وتأصيل أرادة التغير، وتمر علينا هذه الذكرى ونحن بأمس الحاجة لليدِ البيضاء الأمينة على العراق أرضاً وشعباً لتكون المثال في النزاهة والاخلاص لوطنها وشعبها، ومرشحنا لهذه المهمة د . فوزي حمزة عن محافظة واسط، والذي باركت ترشيحه كل شرائح أبناء محافظته واقضيتها من النعمانية والصويرة والحي والعزيزة وكذلك النواحي والقصبات، والمتمثلة بالنخب المثقفة والوطنية والسياسية والفنية والمستقلة وكذلك العمال والفلاحين والكسبة وكل أبناء العشائر والقبائل الكرام، من ربيعة، وزبيد،وشمر، وكل الغيارى من أبناء مجتمعنا العرقي الأصيل، ونحن نتضرع لله عزوجل دعاءاً له بالتوفيق والسداد .

 

فائق الربيعي

16/ 2/

 

عن بعض العراقيين الذين مرٌوا بموسكو (2) .. 70 عاما على العلاقات العراقية – الروسية

استمرارا للحلقة الاولى من مقالتي – (عن بعض العراقيين، الذين مرٌوا بموسكو...)، اتوقف هنا - في الحلقة الثانية - عند سياسيين شغلا اماكن حساسة ومهمة في تاريخ العراق المعاصر، وارتبطت طبيعة اعمالهما تلك بموسكو، واظن ان التوقف عندهما في الذكرى السبعين لاقامة العلاقات العراقية – الروسية شئ مفيد ويستحق التأمل وربما يمكن ان يضيف شيئا – ما الى معرفتنا وذاكرتنا، والاسمان حسب تسلسل الحروف العربية هما – صالح مهدي عماش و عبد الوهاب محمود .

ض. ن.

 

صالح مهدي عماش – واحد من الاسماء السلبية والسيئة في تاريخ العراق الحديث. ولد في بغداد عام 1924 وفي بعض المصادر 1925 وتوفي في هلسنكي بفنلندا عام 1985 عندما كان سفيرا هناك وفي ظروف غامضة. لا تهدف مقالتنا دراسة مسيرة هذا الشخص بشكل عام وما أداه من ادوار سلبية وما ارتكبه من اعمال رهيبة منذ 14 تموز 1958 و خصوصا عندما شغل منصب وزير الداخلية في انقلاب 8 شباط الاسود 1963 وصولا الى منصب وزير الدفاع بعد 17 تموز 1968 الى حين نقل خدماته (تخلصا منه وابعادا له !!!)الى وزارة الخارجية سفيرا للعراق في موسكو من عام 1971 ولغاية 1974، ونتوقف قليلا هنا بالطبع ارتباطا بموضوعنا . النقطة الاساسية التي نريد التحدث بشأنها، ان عماش اصدر خلال هذه الفترة الزمنية كتابا بعنوان – (موسكو عاصمة الثلوج)، وهو السفير العراقي الوحيد في موسكو الذي وضع كتابا عن هذه المدينة، وقد اصدرته وزارة الاعلام العراقية ضمن منشوراتها. يتضمن الكتاب معلومات كثيرة وغنية وايجابية عن موسكو والاتحاد السوفيتي بشكل عام . من المعروف ان عماش كان نظريا وتطبيقيا من اشد المعادين للافكار الماركسية، لهذا فقد أثار كتابه هذا الكثير من الاسئلة لدى القراء، اذ لا يمكن لشخص بهذه المسيرة والعقلية ان يتحول من معاداة الشيوعية وافكارها قلبا وقالبا كما يقولون الى نصير وداعية لها ومؤيد لما قامت به الدولة السوفيتية من انجازات، وقد التقيت عام 2006 بالدكتور خليل عبد العزيز في اربيل، والذي عمل فترة في سكرتارية الاكاديمي السوفيتي غفوروف – رئيس معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم السوفيتية والشخصية السياسية المعروفة بعلاقاتها القريبة مع احمد حسن البكر شخصيا والذي زار العراق عدة مرات، وقال لي د. خليل ان عماش تقدم بكتابه هذا الى غفوروف ليطلع عليه ويبين رأيه بشأنه، وقد اخبره غفوروف ان الكتا ب بحاجة الى تعديلات واضافات وان عماش وافق على ذلك، وهكذا تم تشكيل لجنة في المعهد اعادت كتابته من جديد وادخلت كل الافكار والارقام السوفيتية الرسمية بشان مسيرة الاتحاد السوفيتي ومنجزاته، وعندما سألته وكيف وافق عماش على كل تلك الاضافات، اجاب انه لا يعرف التفاصيل، ولكن الكتاب ظهر في بغداد فعلا كما تم اعداده في معهد الاستشراق السوفيتي، وروى لي د . خليل، انه سمع في اوساط معهد الاستشراق اقاويل تشير، الى ان عماش اراد ان تطبع وزارة الاعلام العراقية هذا الكتاب طبعة ثانية نتيجة نفاذ الطبعة الاولى ولكن طارق عزيز وزير الاعلام آنذاك قال لعماش انه لم يطلع على الكتاب في حينه ووافق على طباعته رأسا احتراما لعماش و ان صدام حسين اطلع على الكتاب ولام ، بل وانٌب طارق عزيز على نشره لكتاب يحمل دعاية هائلة للافكار السوفيتية، ولهذا لم يوافق طارق عزيز على اعادة طبع الكتاب. ولا ادري (وكذلك الدكتور خليل لا يدري) صحة كل هذه الاقاويل ولا دقٌتها، ولكني اؤيد ان مضمون الكتاب جاء فعلا مقاربا لما كانت تكتب المصادر السوفيتية حول الاتحاد السوفيتي، وان هذا المضمون لا يتناسب مطلقا لا من قريب ولا من بعيد مع افكار عماش وعقليته ومسيرته السياسية ولا حتى مع مستوى معرفته ومعلوماته وثقافته، ولم يكتب عماش اي كتاب آخر عن باريس التي كان فيها سفيرا بعد موسكو لمدة سنتين (1974 و 1975) ولا عن هلسنكي التي كان فيها سفيرا للفترة من 1975 ولغاية وفاته عام 1985

...................

 

عبد الوهاب محمود – اول سفير عراقي في موسكو، اذ تم تعينه بعد 14 تموز 1958، بعد ان كانت العلاقات العراقية – السوفيتية تكاد ان تكون شكلية تقريبا، اذ انها من المؤكد قد قامت نتيجة تنسيق عراقي – بريطاني عام 1944 نتيجة لمسيرة الحرب العالمية الثانية، ثم خضعت لسياسة الحرب الباردة، ووصلت الى حد قطع العلاقات بعد قيام حلف بغداد، ولم يكن هناك سفير عراقي في موسكو طوال تلك الفترة بل قائم باعمال، اي من 1944 لغاية 1958، وهكذا اصبح عبد الوهاب محمود اول سفير للجمهورية العراقية في الاتحاد السوفيتي للفترة من 1959 الى 1962 . لقد اختار عبد الكريم قاسم كما يقال شخصيا عبد الوهاب محمود ليكون سفيرا في موسكو نظرا لاهمية هذا الموقع الدبلوماسي الحساس للعراق الجمهوري في تلك الفترة، وكان عبد الوهاب محمود متفرغا طوال حياته للمحاماة (اصبح وزيرا في حكومة توفيق السويدي عام 1946)، وقد انتخبوه نقيبا للمحامين عدة مرات، اذ كان النقيب العاشر (1950 – 1953) ثم الثالث عشر (1958) وهكذا تم تعيينه سفيرا في موسكو بموجب عقد عمل لمدة ثلاث سنوات، وهو اول سفير يتم تعيينه بهذه الطريقة حسب علمي المتواضع، وقد رفض عبد الوهاب محمود تمديد ذلك العقد بعد انتهاء فترته رغم محاولة اقناعه بالتمديد، ورجع الى بغداد حيث انتخبوه نقيبا للمحامين (النقيب السادس عشر) من عام 1968 لغاية 1971 . لقد نجح عبد الوهاب محمود في عمله سفيرا وكانت العلاقات العراقية – السوفيتية مزدهرة جدا، وقد ساهم بشكل فعال بكافة المفاوضات وتوقيع الاتفاقيات بين الدولتين، وتعلم اللغة الروسية، ولا زال اسمه موجودا في الكثير من الوثائق العراقية – الروسية وغالبا ما يذكره الباحثون والمؤرخون للعلاقات بين الدولتين وبكل احترام، ويمكن القول انه كان واحدا من أبرز السفراء العراقيين في موسكو عبر تاريخ العلاقات العراقية – الروسية بشكل عام، بل ان نجاحه هذا قد ادٌى الى التفكير بتعينه وزيرا للخارجية من قبل عبد الكريم قاسم الا ان اعتراض امريكا وبريطانيا حال دون ذلك (انظر مقالتي المنشورة في عدة مواقع بعنوان – حوار مع هاشم جواد).

 

 

حركة الأنصار الفاشلة (4): أرهاب القيادة وبداية التهيئات لمؤتمر الحزب الوطني الرابع

لم أعط في الجزء السابق بما يكفيه رغم أهميته لأن الكثير منه يتعلق برفاق كانوا قد أستشهدوا وعندما أتحدث عن الأنتهاكات فأن ذلك يتطلب الأدلة والأثباتات .. لذلك سأبقى في الأطار العمومي للتحليل مع أخذ البعض من الوقائع المعروفة .. فقد كانت مخططات التصفية في بشتاشان وتهيئة النزوح الجماعي الكبير للقاعدة الحزبية، وحملة الأعتقال وممارسة التعذيب الجسدي والتحقيقات البوليسية الشاملة كانت أرضية مناسبة للتحضير لشرعنتها وتوطيد نفوذ العصابة القيادية وتوابعها في مؤتمر وطني تكون الغلبة فيه لهم وحدهم ... خاصة إن المندوبين لم يكونوا إلا من العناصر المختارة من القيادة فقط والبقية تم إحضارهم لأعلان تنحيتهم من هناك.

وقد جاء في وثيقة تقييم حركة الأنصار (في هذه المرحلة ايضاً برزت جملة ظواهر اثرت سلباً على حركتنا الانصارية. فقد اخذت تظهر عواقب احداث بشت اشان بالاقتران مع انتقال (اوك) الى خندق النظام الدكتاتوري، في الخلافات وتصاعد الصراع داخل قيادة الحزب، وبدأت نشاطات مؤذية من جانب تكتلات معينة، انسلخت في وقت لاحق: (بهاء ومجموعته) و( باقر ابراهيم ومجموعته)* في هذا التحليل كان الأتهام واضحا للمعارضة الداخلية ووضعها بنفس الدرجة الخيانية لأوك ولكنهم لم يضعوا كريم أحمد الداود بهذه الدرجة بتوقيعه إتفاقا مع أوك وهو في الأسر!! ولا يعرف رفاق الحزب من هم جماعة باقر أبراهيم ؟ فقد كان الرفيق باقر إبراهيم يقود التنظيم المركزي للحزب ولم تكن له جماعة .. لقد كان إرسالي لمهمتي الحزبية في الداخل بقيادة الرفيق أبو خولة (باقر إبراهيم) وكان الأكثر حرصا وإنضباطا ممن خلفه في هذه المهمة .. وأين هي الجماعة اليوم؟ لأذهب اليها وأنتمي اليها بدلا من عصابة عزيز وحميد وكريم أحمد وغيرهم.

وفي مكان آخر من الوثيقة التقييمية وفي تقييم الوضع ما بعد بشتاشان جاء (بعد الانتكاسة التي اصابت الحركة الانصارية في بشت اشان الاولى والثانية، حلت فترة مؤقتة قصية نسبياً من التراجع والارتباك جراء الاضرار الجسيمة التي لحقت بالحركة مادياً ومعنوياً، بدأ الانصار خلالها باعادة تنظيم انفسهم وحركتهم من جديد بما توفر لديهم من امكانات مادية وبشرية قليلة وبنكران ذات منقطع النظير وايمان بعدالة القضية التي حملوا من اجلها السلاح. وتواصل نشاطهم رغم همجية النظام والحصار المضروب حول مناطق الانصارحتى بدات الحركة بالانتعاش من جديد، فساهم الانصار في دعم واسناد الانتفاضة الطلابية في اربيل والسليمانية عام 1984 ولعبوا دورهم في حماية المؤتمر الوطني الرابع للحزب عام 1985) وبعد تعداد المعارك البطولية تنتهي الجملة ب (.. وحدث ذلك بعد رجوع اوك الى خندق المعارضة والذي ترك اثرا ايجابيا على مجمل الوضع والنضال الذي تخوضه حركة الانصارية)*

أي إن الأنتكاسة الحزبية وفقدان كوادر الحزب في بشتاشان تم تعويضها بخوض المعارك والحصول على الغنائم العسكرية ولكن أي ثمن بخس هذا ؟ وأية نتائج لهذه المعارك ؟ وأنا شخصيا ساهمت بجميع المعارك المذكورة في قاطع بهدنان وكانت عبارة عن تكرار للأستهتار بأرواح الرفاق .. ماذا تعني السيطرة على مطار بامرني ورباياه أمام فقدان أبو كريم مثلا ؟ من كان فرحا من الرفاق بهذا النصر؟ أو تحرير مانكيش حيث أستبيحت مساكن الأهالي وسرقت أموالهم وأثاث بيوتهم من قبل بيشمركة القوى الحليفة التي تحرص قيادة الحزب التعاون معها والتنسيق معها .. بل الخضوع لها . نزول المفارز القتالية للحزب الى مناطقها وخوض المعارك من جديد ضد السلطة هو نجاح كردي لم يكن له أفق عراقي و زيادة القوة التفاوضبة مع أوك تزكية لأوك وتفسير الأحداث بكونها أخطاء متبادلة (عسكرية) والنجاحات في المعارك وإزدياد العمليات العسكرية لم تصنع خلية حزبية صغيرة في أي مدينة عراقية بما فيها مدن كردستان نفسها .. أما إسناد الأنتفاضة في أربيل والسليمانية عام 1984 فهو مجرد كذب فقد كان من أهم أسباب فشل الأنتفاضة هو عدم مساندتها من قبل القوى الكردية المسلحة التي لا تؤمن بالعمل الجماهيري بتاتا ... وهو نفس تفكير القيادة الكردية الشيوعية حيث تبنت عملية حصر الحزب في الشريط الحدودي الكردستاني وفي النشاط الكردستاني العسكري .. لذلك فأنها لا تعتبر المجزرة في بشتاشان إلا خسارة بالأرقام وعدد المقاتلين أو عدد المسلحين وليست خسارة حزبية في عدد الكوادر الشيوعية العراقية .. فالخسارة في حساباتهم هي بشرية أثرت سلبا على نشاط المفارز القتالية !.

هذه المقارنة ذات طابع قومي ليست لها علاقة بقدرات الحزب الجماهيرية ومكانته .. فقد كانت نجاحات عسكرية في الشريط الحدودي وبسبب إنشغال الجيش وأنسحابه من هناك فقط.. وعند تعدد النتائج المطروحة يجري الحديث عن عودة أوك وأهمية أوك في الوقت الذي كان من المفترض إنهاءه بالكامل بعد إن لفضه النظام وبداية إنهياره الداخلي .. لا إنقاذ قياداته الفاشية .. كانت قيادة عزيز محمد حريصة على أوك أكثر من حرصها على الحزب .

وحريصة على الأجندات القومية الضيقة على حساب وجود ومستقبل الحزب ورفاقه .. كان أوك يستطيع تعويض خسائره بأيام قليلة من الملتحقين الجدد .. لكن هل كان الحزب الشيوعي يستطيع تعويض خسارته من الكوادر بسنوات وبمثل هذه القيادة؟

إن الجمل في وثيقة التقييم كانت قد حشرت حشرا .. لكي تصل الى إن المنجز رغم الأنتكاسات كانت عقد المؤتمر الوطني الرابع .. أي إعطاء الشرعية للقيادة الجديدة التي أكملت الأنتكاسات السابقة .. وقادته نحو التقسيم والتبعية المطلقة للقوى والأحزاب القومية الكردية. والسؤال كان ولم يزل من أين جاءت هذه القيادة ؟ ومن هو حميد مجيد الذي دخل الى كردستان قادما من أوروبا والكل يشير اليه بالسكرتير العام الجديد قبل عقد المؤتمر وقبل عملية الأنتخاب المزعومة .. وقبل ذلك كان يقيم المحاظرات عن البيرسترويكا والتحول الديمقراطي الجديد في الأتحاد السوفيتي ولم يفهم أحد منه شيئا !! هل هو مع أو ضد؟ لأننا كنا في عزلة عن العالم .. ولم نعرف إن الأتحاد السوفيتي قد تم الأستيلاء عليه من قبل الغرب والأمريكان ووكالة مخابراتها المركزية وما كورباشوف إلا أحد أدواتها وعملاءها .. وتم الألتفاف والسيطرة على مجمل العلاقات الدولية للأتحاد السوفيتي بما فيها علاقاته مع الأحزاب الشيوعية العالمية .. فهل كان حزبنا بمعزل عن هذه المؤثرات وهذه السيطرة الجديدة ؟ هل كانت قيادة الحزب تمتلك الأستقلالية عن توجهات الحزب الشيوعي السوفيتي ؟ هذه الأسئلة لم يتم الأجابة عنها حتى هذه اللحظة.

وهل كان الموساد مكتوف الأيدي ومتفرجا إزاء هذه المتغيرات وهو الذي كان ومازال يصول ويجول في كل الأحوال والمتغيرات سواء كان في دول أوروبا الشرقية أو في كردستان العراق .؟

سر العلاقة التي تربط عزيز محمد و كريم أحمد الداود وغيرهم من القادة الشيوعيين الأكراد بأوك هي روابطهم الخارجية المشتركة أكثر من علاقاتهم الوطنية أو القومية .. بينما تعامل أوك مع الحزب بروح قومية مفعمة بالحقد والكراهية وخاصة تجاه الرفاق العرب وحتى هذه اللحظة . أعوانهم في الخارج اليوم يعملون سوية وبشكل منظّم مع المنظمات الصهيونية لأثارة الكراهية ضد الجاليات العربية والعراقية وأستهداف البعض في عملهم وأرزاقهم أو تشويه سمعتهم .

.. وسيستمرون كذلك طالما لم يتقدم أحد بتقديم مجرمي بشتاشان الى المحاكم ولم يلقوا القصاص العادل.

بل بالعكس فالزيارات بين الأحبة القادة على خير ما يرام وكأن شيئا لم يكن ومجزرة لم تحصل .

إن النشوة بالنجاحات العسكرية لم تدم طويلا ومازال الحزب والقوى الكردستانية مجتمعة قبل نهاية الحرب العراقية – الأيرانية لم يحصلوا على أرض محررة وحتى الأراضي التي كانت على الشريط الحدودي لم تكن محررة أبدا ..

إن روح الأستهتار بحياة الرفاق وصل الى الحد الذي جعل مناطق تواجدنا عبارة عن ساحات قتال جبهوية وأصبحنا أهداف لهجمات النظام بالأسلحة الكيمياوية التي يجهزها له الغرب والشرق وأصبح رفاق الحزب مختبر تجارب لهذه الأسلحة المحرمة دوليا .. وكان رفاق الحزب هدف السلطة الأول في 5 حزيران عام 1987 تم قصف مقر الحزب في كلي زيوة قرب العمادية أي قبل حلبجة بأشهر حيث كان يتواجد في مقر قاطع بهدنان أكثر من 150 رفيق شيوعي .. كان قد تم تجميعهم في مكان واحد .. وكانت السلطة تعرف جميع تفاصيل حياتنا اليومية عبر عملائها المتواجدين بين ظهرانينا وكانوا يعرفون إن العشاء يبدء في ساعة محددة ويتم تناوله في مكان محدد وعلى ضوء هذه المعلومات تم توجيه ضربة جوية بالغازات السامة .. اصابت أهدافها بكل دقة .. الصدفة وحدها التي أنقذت رفاق الحزب .. وقد كانت مبارات كرة القدم وتجمع أغلب الرفاق في الساحة كمشجعين وتم تمديد المباراة ليتجاوز موعد العشاء وهو موعد وصول الطائرات و القصف الشامل وهو ما أنقذ الرفاق من مجزرة محققة .. كانت الخسائر شهيد واحد (أبو فؤاد) وبعد ذلك إستشهد (الرفيق رزكار) والأثنين كانوا من تنظيم الداخل و أصيب أكثر من 120 رفيق بحروق خفيفة وعمى مؤقت وثلاثة كانت جروحنا ثقيلة، أبو الطيب و أبو تغريد وأنا .

ويلاحظ إن الضربات التي توجه الى رفاق الحزب لم تكن طبيعية ووفق مجريات طبيعية لأعمال عسكرية بل تبغي دائما الأبادة الشاملة .. الطائرات التي وجهت الضربة كانت قادمة من تركيا .. رغم الأشارات المسموعة في الأجهزة اللاسلكية كانت باللهجة العراقية .. في اليوم التالي تم تسليم طيارين أنواط الشجاعة لطيارين في القاطع الشمالي من قبل صدام حسين .. وهي عملية أشبه باليومية ولا تدل على إثبات لشيء .. ولكن المؤكد هو التنسيق المشترك بين الأمريكان (في تركيا) والنظام العراقي في تحديد الأهداف وتوقيتها أيضا .. ماذا يعني الخامس من حزيران (ذكرى الأنتكاسة) مع قصف مقر الحزب الشيوعي العراقي؟ هل هو من أجل تبرئة ساحة الموساد في هذه العملية؟ أم كان لدى النظام البائد معلومات مخابراتية بعلاقة هذا المكان بالقضية الفلسطينية؟ لماذا لم تسع قيادة الحزب الى إستحصال المعلومات بهذا الصدد عند محاكمة صدام حسين؟ .. ولماذا لم تطالب المحكمة بذلك؟..

ومن جاء بالرفيقة سعاد (كاترين ميخائيل) لتكون شاهدة على الضربة الكيمياوية في محاكمة صدام حسين؟ وهي لم تكن موجودة في المقر حينذاك ولم تكن مصابة حتى وإن كانت موجودة فلم يكن لها أي دور يذكر في مساعدة الجرحى والمصابين كما لبقية الرفيقات من أدوار بطولية في هذا الحدث .. ومعلوماتها أيضا كانت خاطئة

وحتى إسمي كمصاب ذكرته بشكل خاطيء !! ..

 

وللموضوع بقية

11.02.2014

* http://al-nnas.com/BIBLTEK/ANSAR.htm

 

معلمي الأول في فقه الحرية

mariam haidariعلمني كيف أحب، وكيف لا أحب؛ أن أرفض التشيع الصفوي والتحجر والتعصب والسكون، أن تكون “عقيدتي” مصونة من “العُقد”

هذه الأيام تصادف ذكرى ميلاد المفكر الإيراني الدكتور علي شريعتي (1933-1977)، وأراها ذريعة جميلة لأعود إليه وأتذكره بعد مرور سنوات طويلة على قراءتي لكتاباته. حينذاك، وفي الثالثة عشرة من عمري، تعرفت إلى كتبه التي كانت شحيحة وشبه ممنوعة في إيران، وبدأت أقرأها بنهم وأبحث عن أي مكان وأي شخص يكون في حوزته كتاب له، محاولة فهم كل ما كان في طيات تلك الكتب، ورغم أني لم أفهم الكثير، في حينه، من القضايا الفلسفية والاجتماعية التي كان يطرحها في كتبه المؤلفة والخطابات التي تحوّلت إلى كتب، إلا أنني وجدت في كلامه ما يغذي روحي ويفتح عيني على آفاق مختلفة حول الدين والتراث الصوفي والأدب.

علمني أن هناك خبايا وزوايا مغطاة وراء كل من هذه الأمور يجب أن أكشفها، وأن لا أقبل كل شيء كما هو، وفي نظرة أولى، أو كما يلقى إليّ.

ورغم أن بعض المدرسات حين كن يجدنني أبحث عن كتبه في مكتبة المدرسة، يحاولن أن يثنينني عن ولهي بقراءته بحجة أنني صغيرة، وأنه يحرف وجهة نظري عن الإسلام، إلا أن شغفي به كان أكثر عنادا وإلحاحا. فبأناقته في الكتابة والكلام والشكل والفكر، أصبح علي شريعتي من أهم أبطال حياتي القلائل في سنيّ المراهقة.

منذ الكتاب الأول الذي قرأته له أي “الصحراء”، شعرت أنه الكاتب والمفكر والأديب الذي يجب أن أقرأ له. قلمه وألمه ورؤاه، كانت أليفة جدا وجذابة ومختلفة عما كنت قرأت ورأيت.

و”الصحراء” هو من بين الكتب القليلة التي ألفها إبان حياته (عام 1958)، يتحدث من خلاله عن رحلة عينية وروحية في الصحراء التي ولد فيها، عن الحب، عن تجارب نفسية سامية عاشها خلال وجوده في إيران وفرنسا، وعن تأثير الموروثين الأدبي والصوفي عليه. قرأت الكتاب أكثر من مرة، وأعدت قراءته خلال سنوات لاحقة، وفي كل مرة كنت كمن يبصر فيه شيئا جديدا. والآن، وبعد هذه السنوات، وعلى رغم أن أشياء كثيرة تغيّرت لديّ، ومنها وجهة نظري نحو الدين والمذاهب والقضايا الأخرى، إلا أنني ما زلت أدين له بتعليمي كيف أنظر.

كان شريعتي معلمي الأول في الحياة، لم يعلمني الخضوع للدروس بل علمني الحرية والرفض والرد وإزالة الحجاب عن الأمور التي يؤمن بها معظم الناس من حولي؛ علمني كيف أحاول أن أفهم، ونبّهني بأن هناك من يخشى هذا الفهم. علمني كيف أحب، وكيف لا أحب؛ أن أرفض التشيع الصفوي والتحجر والتعصب والسكون، أن تكون “عقيدتي” مصونة من “العُقد” وأن أقوى على احتمال الرأي المخالف -كما كان يردد دائما-. وعلمني ألا أجلس بل أسير، إذ كانت حياته تعبيرا عن تلك المقولة التي قالها يوما أحد أبطال الأفلام: “أفضل أن أركب دراجتي وأفكر في الله، على أن أكون في الكنيسة وأفكر في درّاجتي”!

 

تحية احترام وامتنان لهذا المعلم بعد طول السنين، وقبلة لروحه الطيبة التي لم تعرف الهدوء يوما ولم تطلبه.

 

* شاعرة ومترجمة من إيران

شموس أنصارية مندائية

yousif abolfawzايها الملاك برياويس .. اليردنا العظيم للماء الحي

طهرنا أيدينا بالحق، وشفاهنا بالايمان

وتكلمنا بكلمات الضوء

والافكار استطابت بعقيدة النور

(دعاء مندائي)

الشعب المندائي، شعب الرافدين الاول في ارض العراق، مثلما قدم لنا اسماء لامعة في عالم الفكر والثقافة والسياسة، قدم لنا اسماء لامعة في النضال والكفاح من اجل مستقبل مشرق للعراق. واذ نورد في كتاباتنا ونشاطاتنا اسماء بهية مثل العالم الفذ عبد الجبار عبد الله، والمبدعة لميعة عباس عمارة، والباحث عزيز سباهي، والقائمة هنا تطول والاسماء هي مجرد امثلة، فنحن لا يمكن الا ان نتوقف ونورد وبأعتزاز وفخر اسماء مثل المناضلين الشهداء ستار خضير و صبيح سباهي، وحميد شلتاغ، وهنا ايضا القائمة تطول ! فالشعب المندائي ساهم في رسم تاريخ هذا الوطن، ومثلما عرفت ميادين الثقافة والفن والعلم اسماءا مندائية بارزة تركت بصماتها الاثيرة، عرفت سوح النضال، ولا زالت، اسماء بهية وعبقة، نذرت جهدها وابداعها من اجل قضايا الانسان في السعي نحو الحرية والعدالة الاجتماعية، وفيها عمد ابناء الشعب المندائي بدمائهم طريق المسير نحو عراق ديمقراطي فيدرالي .

ولو توفرت ارقام واحصاءات دقيقة عن شهداء الحركة الوطنية من ابناء الطائفة المندائية، لوجدنا انها نسبة عالية قياسا بعدد ابناء الطائفة المندائية ونسبتهم إلى بقية المكونات الاثنية والطوائف العراقية. ان الحديث عن المناضلين والشهداء من ابناء الشعب المندائي اراه شخصيا يحتاج الى جهد توثيقي واعلامي مؤسساتي، وان لا يكون اسير مبادرات فردية او نشاطات موسمية لهذه الجمعية او ذاك الكاتب، وذلك لابرازهذا التأريخ المجيد وتقديمه بكل فخر ليطلع عليه كل ابناء الشعب العراقي. فالشهداء المندائيون هم شهداء الشعب والوطن، وليعلم البعض ممن يحاول غمط حق الاخرين في العيش والعمل تحت سماء هذا الوطن المعطاء،بأن هذا الوطن له تاريخه الناصع، الذي لا يغفل الصفحات المشرقة للشهداء المندائيين، وليكون هذا التاريخ المكتوب والموثق سلاحا في التصدي لكل من يحاول عامدا أن يطمس ويتنكر لحقوق الصابئة المندائيين وليقصيهم بشكل ما عن تأريخ وحضارة وتراث العراق فهم كانوا وما زالوا ومن الاف السنين، أبناءه الأصليين،الذين يحملون راية النقاء والنور والمحبة والتسامح والسلام.

ان الحديث عن الشهداء فيه مشقة وفيه حزن، اذ ان فيه جروحا تنكأ، فعذرا عن ذلك، ولكني هنا، سأختار شهداء من الاسماء التي عرفتها وعاشرتها عن قرب، وتركت بصماتها فى روحي. سأتوقف عندها كأمثلة لعطاءات الشعب المندائي، واورد شيئا عنها بحكم معرفتي الشخصية، فهم من اصدقائي ورفاقي في النضال. بعد مغادرة الوطن اضطرارا جمعتنا سماء المنفى الاول، وساحات النضال المسلح في كوردستان الابية، وكان رحيلهم مؤثرا لكل من عرفهم ...

      الشهيدة عميدة عذبي حالوب الخميسي (أحلام)

الشهيدة احلام،عميدة عذبي حالوب الخميسي . مواليد سوق الشيوخ 1954، تربت في عائلة معروفة، وعاشت في منطقة الكرخ في بغداد في منطقة شعبية حيث كانت محل احترام معارفها، وعرفت بنشاطها الطلابي والنسوي حين كانت طالبة كلية الزراعة جامعة بغداد، واضطرت لقطع دراستها ومغادرة العراق مع الحملة الإرهابية 1978 والموجهة ضد القوى اليسارية والديمقراطية، فتوجهت الى بلغاريا، ومن هناك الى اليمن الديمقراطية (الجنوبية)، وبعدها الى كوردستان حيث التحقت بفصائل الانصارللمشاركة في الكفاح المسلح ضد النظام الديكتاتوري البغيض.

من العراق احمل للشهيدة احلام ذكريات طيبة خلال لقاءاتنا في نشاطات طلابية، وبقي اسمها من ذلك الحين محفورا في بالي كأمراة متزنة ولبقة في الحديث وتذود بجرأة عن مبادئها وتفخر باصولها المندائية. في اليمن تعمقت معرفتي بها اكثر . كان زوجها صديقي وثم زميلي في دورة دراسية خاصة ضمن استعدادنا قبل الالتحاق بفصائل الانصار، وكنا نسكن غرفة واحدة، فساهمت علاقتي مع زوج الشهيدة احلام بتعميق تعارفي اكثر مع الشهيدة التي تركت في روحي لمسات شفافة كأخت حنون . تركنا عدن في نفس الايام من ربيع 1982، وفي الاوراق اليمنية التي حملناها، وفي لحظة عزيزة، سميناها لحظة عبث ملأنا الاستمارات بمعلومات جعلتنا اقرباء، ابن وابنة خالة . وفي دمشق، في طريقنا الى كوردستان، ساعدتنا هذه "القرابة " في تجاوز اشكالات بيروقراطية امام الاجهزة الامنية المعنية، وفي نفس الايام توجهنا الى كردستان، وكان التحاقنا بفصائل الانصار في يوم واحد وذلك في مطلع شهر ايار 1982 . استشهدت احلام في الاول من ايار 1983 في احداث جريمة بشت اشان الغادرة .

      النصير الشهيد سلام عبد الرزاق الحيدر (أبو تانيا)

الدكتور الشهيد ابو تانيا رحل وفقدناه في 22 كانون الثاني في 2004 في المنفى، واقول هنا الشهيد لاكثر من سبب، ومن ذلك ان الانصارالشيوعيين، من يرحل لهم من الرفاق الانصار في المنفى وتقديرا لتضحياته ونضاله وتاريخه ولما قدمه لشعبه وقضية الوطن، يسموه ويعتبروه شهيدا .

والشهيد ابو تانيا الذي التقيته تحت سماء اليمن الديمقراطي عام 1980، في صحرائها، على اعتاب صحراء الربع الخالي، في منطقة "شبوة"، هناك حيث كان اهل البلاد يرفضون التطوع والعمل، ولكن مناضلين اشداء، من ابناء العراق، مثل الدكتور ابو تانيا، تحملوا كل قساوة الطبيعة، وظروف الحياة الصعبة، حيث شحة المياه، والحرارة الشديدة وانعدام مظاهر المدنية واحيانا المخاطر الامنية، وعملوا بكل نكران ذات لخدمة المجتمع اليمني الذي فتح لنا ذراعيه بعد اوجعنا النظام العفلقي الديكتاتوري في حملته الارهابية عام 1978، وعلى مشارف الربع الخالي، كان ابو تانيا يبذل قصارى جهده، ومع رفاقه لخدمة تجربة اليمن الديمقراطي . وعرفه رفاقه بصبره وحنيته المتميزة ورعايته الطيبة لمن يصغره او يكبره من الرفاق، فمن خلال مسؤلياته الادارية ومتابعته لشؤنهم الصحية كانوا يلمسون فيه روح التواضع وصفات الانسان المحب للاخرين. لا اذكر ان ابو تانيا في تلك الفترة اختصم يوما مع احد وعلا صوته بشكل ما، رغم تلك الظروف الصعبة التي تجعل الانسان يفقد توازنه احيانا . افترقنا وقد ترك ابو تانيا في قلوب رفاقه اثرا طيبا، والتقينا ثانية في كوردستان، وكان مكان عمله في واحد من اهم القواعد الانصارية، الا وهو موقع فصيل الاعلام المركزي، والتقيته بالذات في موقع يسمى "دراو "، حيث كان مقرا لاستقبال وتسفير الانصارالمرضى والمجازين ومن لديهم مراجعات الى قيادة منظمة الانصار حول امور مختلفة . وكان الرفاق في فصيل مقر "دراو" عليهم التعامل بروح سمحة وديمقراطية وصبر عال في التعامل مع مختلف الامزجه . في شهر تموز 1985، كنت عائدا من رحلة علاج الى ايران حيث اجريت عملية جراحية لساقي، فترة بقائي في المنطقة وفي الموقع حتى التحاقي بوحدتي الانصارية، جعلتني اتابع وعن قرب جهود ونشاط العزيز ابو تانيا في رعاية المرضى وتخفيف حالات التوتر واحتواءها عند من لم يحصل على جواب ايجابي في الموافقة على رحلة علاج او اجازة . وكان يعمل بصمت وروح تواضع مثيرتين وتستحقان الاشادة بهما. ومن يطلع على مذكراته المنشورة على مواقع الانترنيت سيلمس أي روح رقيقة وشفافة، واي محبة يحمل هذا الانسان لرفاقه واصدقائه، ففي اوراقه تحدث باسهاب عن الجميع ولم يتحدث عن نفسه الا القليل . في الشهور الاخيرة، التي سبقت رحيله المحزن، كان مقررا ان ازوره الى محل اقامته في المانيا لنلتقي، وكنت اطمح لتسجيل شيئا من ذكرياته عن اسماء معينة عرفناها وعايشناها معا، ولكن الموت الغادر سبقني ...!

 

الزهاوي والحكومة

ibrahim alkayatجميل صدقي الزهاوي، شاعر عراقي كبير، ولد عام 1863 ببغداد، عين مدرسا وهو شاب ثم عضوا في مجلس المعارف، ثم مديرا لمطبعة الولاية فمحررا بجريدة الزوراء، وبعدها عضوا في محكمة استئناف بغداد.

عام 1896 سافر إلى إستانبول، فأعجب برجالها ومفكريها وتأثر بالنمط الغربي، وبعد ثورة الدستور عام 1908 أصبح استاذا للفلسفة الإسلامية بإستانبول ولما عاد لبغداد عين استاذا في مدرسة الحقوق، وانضم إلى حزب الاتحاديين فانتخب عضوا في (مجلس المبعوثان) مرتين، وعند تأسيس الحكومة العراقية صار عينا بمجلس الأعيان.

نظم الشعر منذ صغره فأجاد واشتهر به، وكانت له مجالس عدة، أحدها في مقهى الشط وله آخر يقيمه عصر كل يوم بمقهى رشيد حميد في الباب الشرقي، واتخذ في آخر أيامه مجلسا في مقهى أمين بشارع الرشيد الذي عرف فيما بعد بمقهى الزهاوي، وكانت مجالسه تحفل بأهل العلم والأدب منهم معروف الرصافي وإبراهيم صالح شكر، وما خلت مرة من مساجلات أو مداعبات شعرية، وكانت له كلمة الفصل عند كل مناقشة ومناظرة، وحاز معرفة بالعلوم كلها كالفلسفة والفلك والجاذبية والتشريح مما أثار ضجة كادت تودي بحياته، على قول العلامة الشاعر وليد الأعظمي.

ودافع الزهاوي عن حقوق المرأة وطالبها بترك الحجاب:

أسفري فالحجاب يا ابنة فـــهر          هو داء في الاجتماع وخيم

كل شيء إلى التجدد مــــــاض          فلماذا يقرّ هــــــــذا القديم؟

أسفري فالسفورللناس صــبح زاهر والحجـــاب ليل بهيم

أسفري فالسفور فيه صـــلاح للفريقـــــــين ثم نفع عميم

زعموا ان في السفور انثلاما   كذبوا فالسفور طهر سـليم

لايقـــــي عفة الفتاة حجــــاب بل يقيها تثقيفها والعلـــوم

وقال أيضا:

مزقي يا ابنة العراق الحجابا   أسفري فالحياة تبغي انقلابا

مزقيـــه واحرقيـــه بلا ريث   فقد كان حارســـــــــــا كذابا

عام 1936 رحل الزهاوي ودفن بمشهد حافل في مقبرة الخيزران بالأعظمية، ودفن ـ فيما بعد ـ على مقربة منه علامة العراق الشيخ أمجد الزهاوي وهو ابن أخيه، وكان يبغضه، ولم يخرج في جنازته.

وحق علينا ذكر انتصاره لحرية التعبير والصحافة أثناء مناقشة قانون المطبوعات، اذ قال:

ـ أثبت تاريخ الامم أنه كلما اشتد تضييق الخناق على حملة الأقلام والافكار كان الانفجار عظيما.

وطبعا ـ يومها ـ لم يكن وريد لكاوه كرمياني قد ذبح، ولا مذكرة قبض قد "حررت" بحق سرمد الطائي.    

 

غربة واحدة لا تكفي ... !!

في مطار ميامي .. ثمة من تأبط ذراعي .. لا ادري من هو !!! .. سحلني بالاكراه ناحية البوابة الفرعية .. كان ذو صوت أجش .. طويل القامة .. يشبه لحد ما شخصية ذاك (الطنطل) الذي كانت جدتي تصفه لنا في حكاياتها المرعبة. توقف عند البوابة .. صاح بي: لطالما هزك الشوق للذي كان وراح .. حين أفنيناه أنسا ومراحا .. ثم أدخلني الى قاعة ذات رواق قصير يؤدي الى باب مغلق .. توقفت عنده موظفة شابة .. تمعن النظر بعجوز جالسة على الأرض .. بدت لي انها عراقية كانت تعتمر (العصابة والعباية العراقية) .. يحتمي خلفها صبي لم يبلغ الحلم وفتاة شابه تهيأ لي وكأنها عادت توا من دفن عزيز لم تصدق موته . ابتسم لي الرجل الطنطل .. همس في أذني: اسعد الأوقات يا عزيزي .. ومن ثم اختفى ... !!! .

في الغرفة المخصصة لي في أحدى فنادق ميامي الجميلة .. انتابتني رغبة شديدة للكتابة.. قبل أن يسحلني الطنطل بليلة كارثية طويلة لتلك البوابة اللعينة.. والتي كانت باكورة موسم حصاد غزير من المخاوف والوساويس .. اعرف بعضا من مصادرها .. والبعض الآخر غدت وكأنها أحجية محيرة استقرت في ذهني المشوش .. هي رغبة ملحة لاعادة التوازن النفسي واختبار منظومات الحماية والدفاع الذاتية . لكن تلك الليلة المهمة لم تحضى حتى بحرف واحد ... لا اعلم لماذا .....!! , بل ظلت السحب التراكمية تجول في رأسي .. دون قطرة مطر تبشر بليلة انفراج مريحة .. تزيل من كياني ذاك الهم الثقيل .

اعرف أن الكتابة احتجاج .. هروب .. وربما تكون سيناريو جديدا لمواجهات قديمة حديثة ولكن بلباس تنكري مختلف . لم يكن الوطن خارج دائرة الصراع .. بل كان المحور الرئيسي وان اعتراضاتي وهروبي والسيناريوهات بصنوفها ما هي سوى (ضرطة ابسوق الصفافير) .. كنت أتمنى أن تكون ضربة مطرقة .. لا أن تكون كما هي عليه بالأمس . ما أسعدني في تلك الليلة .. هو أناقة الفراش والهدوء الذي يعم المكان .. مما بعث في دواخلي رغبة جامحة للنوم بعد ليالي طويلة من التعب والسهر .. منتظرا الغد الجميل المبهج بلهفة .. ولتذهب الكتابة واحتجاجاتها المخصية عرض المحيط .

لم أر في حياتي طائرة تنثر حقائب من على متنها في الفضاء مثلما رأيتها في منامي .. تناثرت محتوياتها في سماء المدينة كحبات كيس حلوى أم صباح حينما دخلت المدرسة أول مرة . لا احد من المارة يكترث للحقائب المتساقطة.. في حين اكتفى البعض منهم برفع شارة النصر.. معبرا عن سعادته وغبطته الغامرة . توقفت مندهشا .. أتطلع الى السماء الصافية .. ابحث عن اجابة واحدة تضعني في مأمن من الهلوسة والشكوك .. في ذات الوقت لاحت فجأة طائرة كبيرة أخرى في السماء وهي تمطر حقائب راكبيها .. فوق شوارع ومباني المدينة .

اعلم أن حقائبي مودعة في الفندق .. وهي الآن في الصون والحفظ .. بعد أن ميزتها بأشرطة حمراء براقة . حامت الطائرة فوق أشجار الحديقة الساحرة .. حيث أقف .. وأسقطت بعضا من حمولتها .. كانت من بينها حقائب ترفرف من حولها أشرطة حمراء .. !!! .

اندفعت بحزم نحو الشارع المجاور الطويل .. اركض مذعورا دون وجهة .. اهتدي بصوت الطائرة ودويها العالي .. محاولا انقاذ حقائبي من السقوط والتمزق .. حتى اصطدمت بسياج حديدي يعزل المدينة عن المحيط .. خلعت قضبانه نصف حذائي . حينها شاهدت حقائبي تطوف متبخترة بأشرطتها الحمراء حول المدينة الغناء .. تطوف .. تطوف .... تعوم .. ومن ثم اتجهت نحو المحيط ...... !.

أثار صراخي الرعب في قلب نزلاء الفندق وموظفة الاستعلامات والتي أخذت بدورها تطرق الباب بعنف .. استيقظت مذعورا .. وقدمت اعتذارا سخيفا .. ادعيت فيه وفاة والدتي في بغداد .......! .

اقتربت من دائرة العجوز .. تحملاني ساقان ترتجفان .. وكأنني عثرت على مومياء لملكة سومرية .. دبر تهريبها بنهار حالك السواد.

ولكن متى تتفوق اللغة على الصورة .. ومتى يحدث العكس ؟؟ هذا اللغط داهمني بالأمس .. وبعد أن تشكلت صورة العجوز وعلقت في مخيلتي ..قلت محاورا نفسي .. اذا توفر الشعور الحسي والانسجام التام ما بين المشاهد وبين مضمون الصورة .. يبقى مفهوم اللغة هنا ثانويا والتعبيرعنها ربما يكون هزيل .. أوغير دقيق .. لكنه حتما انتصارا أوليا على الصورة بمجرد الادراك والفهم المبدئي .. ويمكن الدفع بوسائل أخرى أو استعارة أساليب مبتكرة تعوض عن عجز اللغة .. كأجراء مرحلي تكتيكي .. يمكن اللجوء أليه بوعي أو دون وعي . ومن تلك الأساليب البكاء والصراخ مثلا .. اللطم على الخدود والرأس .. اللف والدوران حول المكان وعدم الاستقرار .. والكثير من النباح والمواء والصهيل والسباب والشتيمة............. !!! .

اما الصمت فهو انتصار فاضح للصورة على اللغة .. هو تغييب كلي لوسائل التعبير ..لا يمكن أن يكون حياديا .. ويكون كذلك في حالة القصور الغبي في فهم الصورة .. ويتذرع البعض ويلوذ هاربا بمفهوم (الصدمة) ..علها تهبه مبررا مقنعا لصمته .... وهناك ما يسمى بالصمت البليغ ..... !

الصورة:

عجوز تجاوزت العقد السادس من مأساتها .. تجلس مستندة على كومة أنقاض تسمى رسميا (بالحقائب) .. تضع على عينيها نظارة .. صنعت في مصانع الحروب الباردة .. لا حاجة للعجوز على ما يبدو لخدماتها .. فكل شيء واضح المعالم وبالألوان..الرؤيا هناك (ثلاثية الأبعاد) وعيناها قاموس عتاب .......!!

المكان :

مطار ميامي المحترم ....

الزمان :

قبيل ذكرى اغتيال الزعيم بشتاء عربي واحد ....

لغة النص :

صمت ثائر بليغ – سباب وشتيمة

كان بيني وبين العجوز عشرة أمتار لا غير .. تتعطل الحواس فجأة .. شلل تام واضح .. تتموج الصورة في عيني .. تختفي ....... !!! .

تظهر أمي على الشاشة .. تحمل صينية عشائي بين يديها .. تضعها أمامي بصمت ودون دعاء .

* يمه اشبيچ ..؟؟ , اشو لا حس ولا نفس !! .

* يمه مريضة .... !! .. مابيه قوة .

* آخذچ للطبيب ... ؟ .

* لا يمه خلي افلوسك .. الطبيب ما ينفع .. هيه واصله !! .

* يمه راح أجيب الحصة التموينية وآخذچ للطبيب .

* الله وياك بعد روحي يمه.............!! .

(بعد عودتي .. وجدت امي متكئة على حقيبة أغراضها وقد فارقت الحياة دون أن أودعها ...) .

ولكن كيف وصلت أمي اليوم الى ميامي .. أنا دفنتها بيدي .. شيدت لها قبرا واسعا كما أرادت هي .. أعطيت الدفان مبلغا مغريا حتى يقوم بذلك .

ربما.. هربها أو قذف بها خارج المقبرة .. بعد أن ضاق تراب المقبرة بالزبائن الجدد ... ربما .

أيقظتني كلمة (yes) الانكليزية المتكررة على لسان الشابة المرافقة للعجوز .. أعادت الي الصورة من جديد .. تقدمت بخطى متخاذلة نحو العجوز .

*يمه شلونچ ..؟؟ .

*صمت .. صمت احتجاجي ثائر ... ينبعث من عينين غائرتين .. استقرتا بين حضني محجرين واسعين .. وكأنهما لمومياء سومرية نادرة .

(حاولت استنطاقها .. لكن صمتها المدوي أغتال الحروف بين شفتيها .. مستعيضة عن ذلك بقاموس من عتاب جارح اخرس .. يشبه قاموس شتائمي الناطق والذي بات هنا الوضع مثاليا للاستفادة من مواهبه وخبراته الواسعة) .

*اختي شنو المشكلة .. انتم وين رايحين .... ؟؟ .

(اغرورقت عينا البنت بالدموع واتجهت نحوي) .

*عمي والله ما ادري ....!! .

(عمي هذي الموظفة لا تسمح بصعود الحقائب الى الطائرة .. تقول أنها قديمة وممزقة).

*نعم انها قديمة وممزقة .. ممزقة .. ولكن من مزقها ومزق الوطن ؟؟ .

أولاد المومسات من أباح لكم تقطيع أوصال الوطن وتحويله الى حقائب ممزقة تتجول في مطارات العالم .. كيف تمكنتم من أعادة صياغة جمال بيوتنا وتراثنا بهذا الشكل الرث المذل ..! وكيف ستتمكنون من تعويضنا عن كل ذرة تراب هرست كي تتحول الى حقيبة مسافرة .. لتكون بديلة عن البيت والحقل والمدرسة .. وهل لكم القدرة على تعويض ما أصاب أدمغتنا وأولادنا من تلف وتصحر .. تفتقرون انتم ادراكه بسبب الضحالة والجهل القابع في عقولكم المريضة والملوثة بكل لوث الكون .

اولاد اللقطاء متى تتحررون من آثامكم وتعيدون الينا بيوتنا وحاراتنا وتأريخنا ومستقبل أولادنا وابتسامات أطفالنا . حقائبنا هي المسافرة .. هي الممزقة .. اما أرواحنا وقلوبنا فما زالت تحوم حول الأطلال .. حول قبور أحبائنا وفوق بيوتهم الصدئة .. تسبح عامرة في فضاء العراق تحاور شمسه ونجومه وقمره .. تنسج قصائدا وأناشيدا لرافديه وللأهوار .. لبساتين تثمر اشجارها كل يوم صراخا وتحديا ورفضا .. ومدارس ينشد طلابها كل صباح موطني .. موطني . سيأتي اليوم الذي تسلخ فيه جلودكم ويصنع منها حقائبا وأحذية .. نصدرها لكل شعوب العالم وبالمجان .

*yes.. yes ..ok ...NO...OK.... استيقظت من غيبوبتي .. تحدثت مع الموظفة والتي رفضت بدورها مساعدتنا .. واقترحت تغليفها بالأشرطة اللاصقة واخفاء عيوبها .. حيث بدت بعد التغليف وكأنها عينات لصخور عادت بها توا مركبة فضائية من كوكب المريخ .. تتوسطها العجوز وهي تنشد بصمت وألم :

(غريبة من بعد عينچ يا يمه .. يا يمه .. يا يمه .. محتاره ابزماني ...هذي حصتي من الوطن ........ غربة واحدة لا تكفي ......!!) .

 

           مهدي الشمسي

           12-2-2014

       هيوستن – الولايات المتحدة الأمريكية

انطفأ نجم لبنان جوزيف حرب شاعر "شجرة الأكاسيا"

shaker faredhasanفقد لبنان والعالم العربي قبل أيام الشاعر المعروف جوزيف حرب، أحد أبرز عنادل الشعر الغنائي، الذي غنت من كلماته وقصائده سفيرة لبنان إلى النجوم فيروز، إضافة إلى رائد الأغنية السياسية والوطنية الملتزمة مارسيل خليفة، مخلفاً وراءه إرثاً شعرياً ونثرياً وغنائياً لن تمحوه الذاكرة، ولن ينسى أبداً، وسيظل خالداً  في سجل وخزانة الثقافة والحركة الأدبية اللبنانية والعربية .

جوزيف حرب شاعر أنيق، رقيق المعنى، مزج بين الفصحى والعامية، وترك بصمة واضحة في زوايا الحالة الشعرية اللبنانية المعاصرة، وعرف عنه تعامله القاسي مع نصوصه، فكان يشتغل عليها كثيراً لكي تخرج محبوكة كخيوط الحرير ومصفاة كماء الشلال .

جوزيف حرب من مواليد العام 1944 في بلدة المعمرية في الجنوب اللبناني، أنهى دراسته الأكاديمية في الأدب العربي في الجامعة اللبنانية، ثم اشتغل معلماً فمذيعاً ومقدماً للعديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية . ترأس اتحاد الكتاب اللبنانيين بين السنوات 1998- 2002، وحصد جوائز تقديرية وتكريمية، منها جائزة الإبداع الأدبي من مؤسسة الفكر العربي، وجائزة الأدب اللبناني من دولة الإمارات العربية .

اشتهر حرب من خلال أعماله الشعرية والنثرية والفكرية وقصائده الغنائية، التي غنتها بصوتها الملائكي الحريري فيروز، أشهرها : "حبيتك تنسيت النوم، يا خوفي تنساني، ولما عالباب، اسامينا، لبيروت، ورقو الأصفر، إسوارة العروس " وكثير غيرها .

صدر لحرب العديد من الكتب والمجموعات الشعرية والروائع الخالدة، نذكر منها : شجرة الأكاسيا، مملكة الخبز والورد، الخصر والمزمار، السيدة البيضاء في شهوتها الكحلية، شيخ الغيم وعكازة الريح، المحبرة، رخام الماء، كلك عندي إلا أنت، أجمل ما في الأرض أن أبقى عليها، دواة المسك، كم قديم غداً، مقص الحبر، طالع ع بالي فل " وغير ذلك .

اكتوى جوزيف بجمرات الحب والحزن والشجن والجوى والرحيل، وقدم للناس قصائد وجدانية ورومانسية وإنسانية تنبض بالدفء والحرارة والصدق والشفافية ، وجاءنا بأشعاره العذبة المتميزة بالنضارة والصفاء والبهاء والجزالة ومتانة الحبك والسبك والمعاني الجميلة وبراعة التصوير التعبيري والصور الشعرية الشفافة الخلابة المشبوبة بالأحاسيس الجياشة والعواطف المتوهجة .

 صمت بلبل لبنان الغريد وسكت شاعر "شجرة الأكاسيا"إلى الأبد، وبغيابه يخسر لبنان قامة شعرية راقية متميزة أسهمت في إثراء الحياة الأدبية والثقافية بإبداعاته المشرقة في روض الشعر، ذات الطابع الوجداني الزاخرة بالمعاني الغنائية والفلسفية والفكر الناصع والحس المرهف والإشراق الساطع المفعم بالحب والإخلاص لتراب الوطن الغالي . فوداعاً يا نجم لبنان، وستبقى خالداً في ذاكرة التاريخ والشعب بأعمالك وارثك الشعري وسيرتك الرائعة .

 

مع حسن البنا في ذكراه

abdulaziz khaylكلّما حلّت ذكرى استشهاده في 12 – 2 – 1949 تجاهلتها الحكومات العربية الدكتاتورية، ولم يُلقِ لها الإعلام الموبوء بأمراض العلمانية المتطرّفة تماما مثل الأوساط " الاسلامية " التي غلبت عليها الدروشة والخرافة والتعصّب الأعمى، لكنّ ملايين المسلمين المحبّين لدينهم المهمومين بحال أمّتهم لا تفوتهم ذكرى ذلك الشابّ الرباني الذي أسّس جماعة ليست كالجماعات، أعادت للمسلمين الثقة في دينهم وأنفسهم وسلكت بالدعوة طرقا موصلة إلى القلوب، كلّها محبة واعتدال ونفَس طويل، لا تقبل بأقلّ من عودة مجد الإسلام وعزّة الأمة التي ضيّعتها أحقاب الغياب الحضاري وسياسات الأنظمة غير الشرعية التي نصّبها الاستعمار قبل رحيله ومؤامرات غلاة العلمانيّين الذين لا دين لهم سوى النموذج الغربي.

لم يمت حسن البنا حتى بنى فأحسن البناء وأقام صرح جماعة ربانية المرجعية والمنهج تستعصي على الإفناء مهما كاد لها الكائدون، لأنها تحمل رسالة إيمانية تفهم حقيقة التدافع الاجتماعي والحضاري، يتحسّن أداؤها بمكابدة الواقع على جميع المستويات وبالآلام التي ما فتئت تصاحب مسيرتها تماشيا مع سنن الله في عباده الصالحين، وهي اليوم تحمل مشعل الدعوة والتغيير والإصلاح في مشارق الأرض ومغاربها، تنشئ كعادتها الإنسان الصالح والبيت الصالح والمجتمع الصالح استنادا إلى قوة الايمان والعقيدة وقوّة الأخوّة والوحدة وقوّة الساعد والسلاح في وجه الصهاينة والاستعمار، وهي اليوم مثل يومها الأول ربانية عالمية، يرميها من يرميها بالحجر فتهديه أطايب الثمر، تهتمّ بتزكية النفوس وتطهير القلوب واستقامة السلوك كشروط أساسية لخوض معركة التدافع، فإذا خاضت غمار العمل السياسي خاضته بأصحاب الأيادي المتوضئة الذين يحرصون على سلامة الوسيلة حرصهم على قدسية الغاية، لذلك كانت محلّ ثقة الجماهير العربية كلما أتيح لها أن تعبّر عن اختيارها الحرّ، حدث ذلك في الأردن والمغرب وتونس وفلسطين وليبيا ومصر وغيرها، ومؤسساتها هي الأقوى حضورا ونشاطا في الأوساط الاسلامية بين الجاليات الاسلامية في وأوروبا وأمريكا وغيرهما، بفضل اعتمادها الدائم للمنهج الوسطي المعتدل وثباتها على المبادئ وتحرّيها مواطن الاخلاص والعمل الدؤوب وتسلّحها بالصبر واليقين في كلّ الظروف، مازالت دعوتها غضّة طرية تؤسّس للحضور الفاعل في ميادين السياسة والاقتصاد والتربية والتوجيه والإحياء الحضاري.

إنّ الامام الشهيد حسن البنا رحمه الله ترك جماعة " لا حلّ لها " كما أثبتت الأيام، لن تزيدها التجارب والمحن سوى رسوخ وثبات على منهجها، ولن تزيد الجماهير المؤمنة سوى إعجاب بها وإقبال على دعوتها لخدمة دين الله ورعاية مصالح الأمة حتى تتبوّأ منصب الشهود الحضاري، فهل يظنّ الواهمون حقّا أن المعتقلات والتقتيل ستصيبها بالوهن ؟ وهل يظنّ العلمانيّون اللادينيّون أنّ عداوتهم لها ستجلب لهم أصوات الناخبين أو أن الغرب سيرضى عنهم أكثر كلّما لجّوا في عداوتها وتآمرت عليها وحاربوها بأخسّ الأساليب وأقذرها؟

إن حسن البنا ليس مغامرا كما انّ دعوته أبعد ما تكون عن نهج المغامرين بل هي قدَر الله، ينصر بها المشروع الاسلامي ويردع أعداء الدين والأمة بالاستثمار القويّ في الدعوة المسالمة المتسامحة الصابرة المحتسبة التي تحسن الفعل لا ردّ الفعل لأنها تملك تصوّرا شاملا متكاملا لاستراتيجية الاصلاح والتغيير وفق سنن الله في الاجتماع البشري .

و حسن البنا لم ينشأ الجماعة لتكون رقما ضعيفا في سلسلة دينية كثيرة العدد قليلة الجدوى وإنما أراد لها أن تكون رمزا لانبعاث الاسلام من جديد لاستعادة مجده على أيدي رجال ونساء ربانيّين يجمعون بين الأصالة والحداثة، وبين رقّة القلب واتّقاد الذهن، وبين همّ الدنيا وهمّ الآخرة، وكذلك هي اليوم وغدا ودائما بإذن الله، وما تكالبَ عليها المتكالبون إلاّ لهذا السبب بينما يتغاضون عن الدراويش والذين يراوحون مكانهم على هامش الحياة ويتركون الخلق للخالق والملك للمالك كما يقولون، أمّا العراقيل التي تعترض المسيرة فهي من صميم سنن الحياة، والذين ينجحون هم الذين يكافحون ويبرعون في تحويل النقم إلى نعم والضربات الموجعة إلى منبّهات ثمينة، فقد اغتيل الإمام الشهيد فلم تمتْ دعوته بل ازدادت الجماعة قوّة، وقتل الطواغيت رؤوسا كبيرة قيادية بأعلى هرمها لإنهاكها ومحوها من الوجود فقام عشرات غيرهم في مثل كفاءتهم وأخلاقهم واصلوا السير الحثيث، ومن البنا إلى بديع يبقى الإخوان بناء شامخا متجدّدا معطاء حتى تقوم دولة الحرية والعدل والحق التي تُسعد الناس بشرع الله تعالى.

 

عبد العزيز كحيل

فؤاد الخليل .. الذي لا يصلح للخصومة

jasim alayff"مهملين،

نذوي كما تذوي السنابل في التراب،

غرباء، يا وطني نموت،

وقطارنا أبداً يفوت."عبد الوهاب البياتي

 

لم أكن قد تشرفت بمعرفته، وهذا لا يعني أنني لم أسمع باسمه، إذ كان يُردد في الأوساط الصحفية والإعلامية، والتي اعرف بعضها في بغداد والبصرة. يُردد اسمه كأحد الصحفيين الذين يتمتعون بمهنية وإخلاص وتفان وحيادية.بعد أن استنفدت البصرة طاقاته وطموحاته الصحفية-الإعلامية، الغنية الرحبة، قرر الذهاب إلى العاصمة، بصفتها مركز القرار السياسي والإداري وحراكه. ذهب، بعد 14 تموز 1958 إلى بغداد متسلحاً بإمكانياته وطموحاته الخاصة في العمل الصحفي، وهناك شق طريقه دون أن يتعكز على احدٍ أو فئةٍ أو حزبٍ ما، غير انضباطه الوظيفي وإخلاصه لمهنيته وعمله الصحفي- الإعلامي المتميز.من المؤكد أن اسمه قد وصل قبله إلى بغداد، فاختير للعمل في المكتب الصحفي للزعيم عبد الكريم قاسم منذ بداية عام 1959، وكان مرافقاً له في جولاته الميدانية، الليلية المتواصلة، وسجل بعض أحاديثه مع المواطنين ولقاءاته مع الوفود الشعبية التي كانت تزوره. بعد 8شباط 1963 هرب من بغداد إلى البصرة واختبأ في مزرعة للأسرة في قضاء شط العرب، ولم يغادرها إلا بعد سقوط نظام القتلة، وعاد لعمله في بغداد. ثم أصبح مديراً لـمكتب(و.ا.ع) في الكويت، و تنسب ليكون في المكتب الصحفي لرئيس الوزراء العراقي الراحل الدكتور عبد الرحمن البزاز، ورافقه في مفاوضاته مع القيادة الكردية ومع الراحل الملا( مصطفى البرزاني) شخصياً، و قام بتغطية اتفاق 29 حزيران. واجرى حوارات متعددة مع شخصيات معروفة في القيادة الكردية، وكذلك العربية ونشرها جميعاً عقب الاتفاق. ثم نقل إلى المكتب الصحفي للرئيس الراحل عبد السلام عارف، ورافقه في بعض جولاته خارج وداخل العراق، ومنها جولته الأخيرة في منطقة الـ(نشوة) في البصرة، وبعد إقلاع طائرته، كان في الطريق إلى الطائرة الثانية، فشاهد احتراق وسقوط طائرة (الهليوكوبتر) الرئاسية، وهو أول مَنْ حرر خبر سقوطها ومقتل ركابها جميعاً، وبضمنهم الرئيس، وبث الخبر حينها إلى العالم باسمه، ويؤكد بصفته شاهد عيان: إن سقوط الطائرة لم يكن مدبراً، بل اجتاحت المنطقة مع إقلاعها عاصفة ترابية كثيفة بالترافق مع رياح شديدة ما حول الطائرة إلى ورقة تتلاعب بها الريح وانفجرت الطائرة في السماء و سقطت قريباً من منطقة جزر(مجنون). ثم عمل مع المكتب الصحفي التابع للرئيس الراحل عبد الرحمن عارف، ورافقه في جميع جولاته الداخلية والعربية والأجنبية. بعد17 - 30 تموز أعيد إلى وكالة الأنباء العراقية، وعمل مديراً لمكتبها في (عمان) وخلال معارك (أيلول الأسود) بين الفدائيين الفلسطينيين والجيش الأردني، غطى إخبار المجازر التي جرت للفلسطينيين، وعدته الحكومة الأردنية تجاوزاً عليها، فأُعتقل لمدة شهر في عمان، و بعد ختم جوازه بعدم السماح بعودته إلى الأردن ثانيةً، القي به على الحدود السورية-الأردنية، تعمداً، فتم اعتقاله في سوريا مجدداً، بسبب سؤ العلاقة العراقية-السورية، وتعرض للتحقيق المترافق مع التعذيب الشديد لمدة أسبوعين. وعاد إلى البصرة للعمل مديراً لمكتب(و.ا.ع.) فيها وواجه حقداً وتعنتاً من المسئولين الحكوميين والحزبيين كونه لم يعمل على تبييض صورهم، من خلال الأخبار والتحقيقات الصحفية التي يشرف على إرسالها الى بغداد ووصل الأمر حد العداوة والبغضاء تجاهه لكنه لم يهتم للأمر. ما أن تسلم الدكتاتور (صدام) الحكم في 17 تموز عام 1979، تأكد ببصيرته الحادة الخراب الذي سيحيط بالحياة العراقية، اجتماعياً وسياسياً وإعلامياً، فأحال نفسه، برغبته الشخصية، على التقاعد، بموجب قانون(تقاعد الصحفيين العراقيين).وابتعد عن العمل نهائياً بأية وسيلة إعلامية محلية و عربية ودولية، رغم كل المغريات المادية التي تم تقديمها إليه. بعد سقوط النظام و في مقهى الأدباء، كنت أرى مَنْ يأتي بصحبة أستاذي القاص الرائد محمود عبد الوهاب مساءً.على رأسه قلنسوة وماسكاً عصاه بيده، يجلس متزناً ويتحدث همساً وبرقة وتهذيب عاليين، و غالباً ماً يستغرق، مع ضجيج المقهى، في عالمه الخاص؟.سألت مرة أخي الأستاذ (خالد السلطان)، مَنْ يكون هذا الوجه الطلق الأليف؟. فقال لي: فؤاد الخليل..وأراد أن يضيف.إلا أنني بادرته: هو مَنْ ابحث عنه؟.استغرب أخي خالد قائلاً: لماذا؟.كنت حينها أقوم بتنسيق الجلسات الثقافية لاتحاد أدباء وكتاب البصرة، والتي تعقد صباح كل يوم جمعة في المقهى. قلت لأخي خالد: أريده ضيفنا للتحدث عن تجربته الصحفية-الإعلامية الغنية؟.ابتسم خالد وعلق:لن تفلحَ معه؟!.تعرفت عليه جيداً وحدثته عن ما اعرفه عن نشاطه الصحفي- الإعلامي، وطلبت منه، استضافته ليفتح خزين ذاكرته أمامنا عن سنوات كان فيها قريباً جداً من مصادر القرار الرسمي الأول في العراق بصفته المهنية والشخصية، إلا انه امتنع بحجج شتى، منها: انه لا يمكن له أن يدلي بشهادة عن أشخاص رحلوا وأصبحوا في ذمة ورحمة الله، ولا يمكن لهم تصحيح أو محاورة مَنْ يتحدث عنهم، فلربما تخونه الذاكرة، ويُعتبر ما سيتحدث به عنهم إساءة لهم!. ألححت عليه كثيراً.. ففشلت.الآن احسد أخي(خالد السلطان) على فوزه بعد جهد ومشقة بمقابلة طويلة معه ونشرها في صحيفة "الأخبار" البصرية الأسبوعية، وكان في إجاباته وحديثه متحفظاً جداً، ودقيقاً ونزيهاً وأميناً على ما يعرف من أسرار شخصية، عن مَنْ ساقته مهنته لمقابلتهم والقرب منهم وظيفياً، وكانوا من كبار المسئولين ذات زمن ما في العراق.خلال الحفل الذي أقامته"جامعة لاهاي العالمية للصحافة والإعلام"، على حدائق نادي الرازي، مساء 9 / مايس/ 2009، لمنح (13) صحفياً وإعلامياً بصرياً، كنتُ ضمنهم، شهادة تقديرية تؤكد فيها الجامعة:" على الدور المتميز للممنوح شهادتها التقديرية له في خدمة الصحافة والإعلام، وعلى إبداعاته المتميزة والمتواصلة في الأدب والثقافة في البصرة " مع ميدالية الجامعة، التي حملها إلى البصرة الأستاذ (ذياب فهد الطائي)، نودي عليه ضمن الوجبة الأولى، ولم يكن حاضراً، بسبب مرضه، فاقترحت على احد الزملاء تسلمها، على أن أُسلمها له بعد ذلك. ليلاً اتصلت به وأخبرته، فاستغرب جداً وقال بأسى ومرارة وبصوت منهك:" في هولندا وفي لاهاي، هناك مَنْ يتذكرني.."!!. ثم صمت ببلاغة ولم يضف شيئاً ما إطلاقاً؟!.اتفقت معه على أن يحضر لتسلمهما. مساءً و في الموعد المحدد وجدته جالساً في مكانه المعتاد، في مقهى أدباء البصرة، شاحب الوجه وعلائم المرض والإنهاك باديتين عليه. وبحضور عدد كبير من الأدباء والكتاب والصحفيين والمثقفين، قمت بوضع الميدالية الموشحة بالعلم الهولندي في رقبته، وعندما سلمته الشهادة قبلتُ يده أمام الجميعَ، فرفض ذلك بود وحياء وتمنع. لكني لمحت في عينيه دمعتين، لعله أطبق جفنيه، لحظة رحيله عليهما، لإحساسه بالخذلان والمرارة والفجيعة، جراء عدم الاهتمام بوضعه الصحي الحرج جداً، من قبل المؤسسات الصحفية والإعلامية الرسمية والمدنية، في بلد لا حد لثرائه المادي الطائل الهائل، والذي تناهبه واستولى عليه سقط المتاع، ومنعه الاعتزاز بكرامته الشخصية طلب الشفاعة من أي كان، فلم يُعرف عنه أحناء رأسه والاسترحام. بعد رحيله في منتصف كانون الأول عام 2009 خصته جريدة( الأخبار) الأسبوعية التي تصدر في البصرة عن شبكة الإعلام العراقي، بملف ضمن عددها المرقم(274 ) الصادر بتاريخ 11 كانون الثاني عام2010، احتوى على شهادات عنه لكل من أستاذنا محمود عبد الوهاب، والشاعر كاظم الحجاج، والمحامي موفق جاسم شوقي، والكاتب قاسم علوان، والكاتب جاسم العايف، والصحفي صباح الجزائري والصحفي عبد الأمير الديراوي، وكان الملف معززاً بصور نادرة له منها: جلوسه، بعد شهر على قيام ثورة 14 تموز 1958، على عرش الملك فيصل الثاني، و صورة له الى جانب الزعيم قاسم يسجل ما يتحدث به للمواطنين، وكذلك مع الملا مصطفى البرزاني ود. عبد الرحمن البزاز، وأخرى مع الرئيس عبد الرحمن عارف، وغيرها. (فؤاد الخليل) على درجة عالية من الوسامة والدماثة والترفع، والثقافة العالية باللغتين العربية والانكليزية. ذكر أستاذنا (محمود عبد الوهاب) في حوار أجراه معه الزميل(خالد السلطان) ونشر في الملف المذكور، و من خلال علاقته به التي تتجاوز أكثر من نصف قرن، وسفراتهما المشتركة لبعض الدول العربية والأوربية أن:".. اهتمام( فؤاد الخليل) بالشعر وشغفه بحفظه معروفاً..يمكنك أن تقول عنه انه احد رواة شعر الجواهري الكبير. كنت أحيناً حينما تلتبس عليّ بعض أبيات الجواهري، التجأ إليه، كان يقرأ القصيدة بطلاقة لا يلحن أبداً، تحسّ، وهو يقرأ القصيدة كأنه يتذوق أبياتها بلسانه.. كان يعرف كيف يكسب الأصدقاء، ولا يبلغ خلافه معهم حد الشقاق أبداً.. (فؤاد).. هو الرجل الذي لا يصلح للخصومة". ينحدر( فؤاد الخليل) من أسرة معروفة في البصرة وعلى درجة عالية من الثراء المادي، إذ كان جده "عبد الله الخليل" رئيساً لغرفة تجارة البصرة، ثم (عيناً) في مجلس الأعيان الملكي، أكمل( فؤاد) دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية في البصرة، ثم في لندن، وبعد ان عاد الى البصرة، زمن النظام الملكي، اضطر الى الهرب منها الى الكويت بعيداً عن ملاحقات الأجهزة الأمنية كونه كان نشطاً في الحركة الطلابية التقدمية في لندن، و مصنفاً ضمن حملة الفكر الوطني والديمقراطي التقدمي اليساري، مع عدم انتمائه الحزبي.عن الراحل الصحفي والإعلامي البصري- العراقي الرائد(فؤاد الخليل) أقول: يا سيدي طوال عمرك..لا لمنفعة سّعيتَ .. ولا لأموالٍ وعيال..و ضميرك أبداً لم يتَقرَبْ مِنَ الأوباش والأسمال.

 

......................................

* من كتاب معد للطبع باسم(تلك المدينة..) يحتوي ثلاثة أقسام، الأول بعنوان(الفيصلية..) والثاني(مقهى الدّكة..فضاء ثقافي.. وزمن سبعيني) والثالث(بصريون..).                                                                                    

            

حركة الأنصار الفاشلة (3): أرهاب القيادة الشيوعية في مواجهة القاعدة الحزبية

أحد أهم الأسباب التي دفعت بالشيوعيين العراقيين للألتجاء الى الجبل وإعلان المقاومة .. كان بسبب إرهاب الدولة الديكتاتورية وهمجية سلطات البعث التي لم تدع أي مجال للحياد أو الوسطية ..

أما أن تكون شيوعيا حتى الشهادة أو تهرب الى خارج البلاد أو تتعاون مع أجهزة الأمن العامة .. لأعضاء الحزب وكوادره لم تتوفر حلولا وسطية والأدعاء بعدم إنتماء و مستقل وما شابه ذلك .. وكانت كرامتهم وعزة أنفسهم تدفعهم الى المزيد من التحد والصمود وعدم التنازل والخضوع .. ومن هؤلاء الشيوعيين قادة ميامين .. يكفي ذكر أسماءهم أن تكون شرفا ورفعة لعوائلهم وأهاليهم و أبناء مدنهم وقراهم .. من أمثال عايدة ياسين وصباح الدرة ومحمود عسكر وقاسم موزان وخليل تعبان وصفاء الحافظ و قاسم حسين وسميرة جواد وتغريد خوري والآلاف من الشهداء الأصدقاء والمرشحين والأعضاء والكوادر والقياديين ..

في هذه الأجواء التي لا تدع مجالا للتراخي والتساهل يخرج قياديون عبر مطار بغداد .. وفخري كريم يلتقي وفودا في مقر الجريدة ويتوعد بقيادة عمل الداخل من خارج العراق !! (فخري كريم - الثقافة الجديدة العدد – 273- 1996 ص - 78-) وكمال شاكر يخرج من المعتقل ويتم إيصاله الى كردستان .. وتمنح له صلاحيات التحقيق مع الرفاق الجدد الملتحقين من الداخل عام 1979 وكان حريصا على مطالبتهم بالأسماء والعناوين وبدقة .. رفض البعض وقبل البعض الآخر ..

وبعد سنوات دخل العشرات من القياديين الى كردستان وتذاكر العودة في جيوبهم .. البعض منهم كانوا أشبه بالسواح أو رحالة أجانب .. تم تجهيز أحسن ما يمكن لهم وللضيوف من غرف نظيفة مفروشة بأحسن فراش و أدفأ الأغطية .. وتم تسليمهم الصولجانات مباشرة ليقوموا بدورهم كقياديين لمرحلة جديدة ..

وقبل ذلك كان الصولجان بيد جماعة ملا علي و أبو آسوس وبهاء الدين نوري ومن كان عريفا في الزمن (العصملي ) أصبح ضابط أركان والآمر الناهي . .. وبقينا نحن خريجي الجامعات (المدنية) والفنانين والعمال واصحاب الحرف جنودا حتى إنهيار الحركة. نحن الجنود المجهولين وهم الأبطال في العلن، نحن المتقاعدون وجيش البطالة الآن وهم الآن الضباط والوزراء ووكلاء الوزراء .. لقد مارسوا الأرهاب ضدنا وضد قناعاتنا وأمضينا في مواجهته وأرهاب سلطة البعث أجمل وأغلى سنوات الشباب .. والآن هم يقفون مع الأرهاب في العراق سواء كان مع المحتل أو مع أذنابه من داعش والقاعدة ..

الأرهاب هوأن يجبر الأنسان أن يمارس سلوكية دون إرادته بأستخدام القوة .. فقد كانت كردستان العراقية في أسوأ حالاتها أفضل من السجون والمعتقلات في الأمن العامة والمخابرات ..

الألتحاق بالأنصار كان مقبولا شرط أن لا تناقش بروح نقدية الوضع الذي كان قائما والوضع الذي كان ومستقبل الوضع القائم بل بروح الثقة العمياء بما كان مهيأ من مسؤولين وقادة ونظام وهو ما لم يتناسب مع رفاق الداخل وهو مانتج عنه سريعا قادة حزبيين وعسكريين مع شرطتهم وكتاب تقاريرهم ومخابراتهم وهم على الغالب الأكثر حظا في التدرج الحزبي والأستفادة من الأمتيازات والعلاج والزمالات وغيرها وكانوا أين ما يحلون تأتي معهم تزكيتهم الخاصة وعلى الجانب الآخر رفاق معارضين لا يمتلكون سوى مبادئهم ولا يهمهم من يواجهوا بها ..( بعد إن تعدوا عقبة تحدي نظام البعث وهمجيته وخرجوا منها سالمين ) كانوا يعتمدون على معلوماتهم الخاصة وكانوا يعمموهاعلى جميع الرفاق وفي جميع القواعد عبر شبكة غير منظمة .. كان قد أطلق عليها قادة الحزب بـ (الليبرالية والتسييب) والمعارضون أصبحوا ليبراليين في نظر قيادة الحزب أو ممثليهم القياديين في قواعد الأنصار .. في قاعدة ناوزنك تركز المعارضون في الفصيل الرابع وكان إسمه قبل ذلك فصيل بغداد وبعد ذلك تم تجميعهم في فصيل المدفعية (في هذا الفصيل رفض الرفاق تعيين عميل السلطة أبو هيمن مستشارا سياسيا لهم وبدلا منه تم تعيين أبو طه وآمر الفصيل العسكري كان الشهيد أبو فيروز وأنا كنت الأداري بعد إن كلف الرفيق سعيد – الفنان مكي حسين- بمهمة أخرى) .. وقد كان لرفاق المعارضة كتابهم وفنانيهم ومسرحهم وتم تدوين بعضا منه في صحافة الحزب الرسمية الحالية ومواقعه الألكترونية ولكنهم يحاولون إلغاء الآخر – الشيوعي المعارض - ونتاجاته وإبداعاته.. حتى أصبح شرطتهم وأتباعهم هم الأدباء والصحفيين و الفنانين وقادة العمل الثقافي الأنصاري الوحيدين . وكأن لا أحد سواهم .. هل قرأ أحد عن موسيقى وأغاني الأنصار؟؟ .. لا أحد .. والسبب يكمن في كون أولى فرق الأنصار كانت لها أغان تسخر من قيادة الحزب وشرطتها وتوطد وحدة الرفاق وتماسكهم وكانت إحتفالات الرفاق الأنصار صاخبة وممتعة بأغانيهم .. كانت قيثارة الرفيق رائد (حنتاو) تعزف بأجمل وأدق ما يكون ويصاحبها أيقاعات وصوت (أبو الصوف) صفاء العتابي .. وجئتهم أنا بعد ذلك مصطحبا معي قيثارتي التي كانت ترافقني في القسم الداخلي في الجامعة .. وفي عام 1982 جاءنا الفنان كوكب حمزة وحمودي شربة وتم تأسيس فصيل الفنانين وكانت لنا أغانينا الخاصة وتألق الشهيد (شهيد عبد الرضا) بمسرحياته الجميلة والتشكيليين بمعارضهم . وعلى أرض كردستان تم أصدار طريق الشعب بأيدي هؤلاء الرفاق .. لقد كتب عن العديد من البطولات الزائفة لأشخاص كذابين إدعوا دورهم في إصدار الجريدة في كردستان .. ولكنهم نسوا الأبطال الحقيقيين (عبوسي - عبد الكريم متي- ورزوقي – جابر سفر - وأبو الصوف – صفاء العتابي - .. وغيرهم ) فقط لأنهم ليسوا ضمن عصاباتهم البوليسية ..

لا تمتلك قيادة الحزب الشيوعي العراقي أي قاعدة ثقافية .. بل لقد كانت تريد المثقفين وتعظم من شأنهم وتعطي للبعض أكثر من حجمه لأنها كانت بحاجة اليهم وفي وقت كان التنافس على أشده بين الأحزاب المتنافسة وهي تمتلك القدرة على الأستغناء عنهم عندما تنتفي حاجتهم ويجري البحث عن بدائل ليست بالضرورة ثقافية .. كما هو الحال بعد 2003 فقد إنتهت الثقافة ومؤثراتها لان الأحتلال قد أوجد ثقافته البديلة وبرعاية وزير ثقافة شيوعي وأوجد أعدادا هائلة من المحطات التلفزيونية والأذاعية ، أفضل كوادرها الأعلامية كان ومازال دون الهابط .. كانت شرطة قيادة الحزب اول العاملين فيها و المرتزقين من أموالها كما كان البعض منهم وكلاء وزارات الأحتلال دون أن نجد أحدا من هؤلاء من الفريق المعارض (الليبرالي سابقا !!) في أي وظيفة تذكر .

والغيت ثقافة الحزب بالكامل كما الغيت إلتزاماته الأيديولوجية و إنتماءه الطبقي في الوقت الذي لم يستغني عدونا الطبقي عن أيديولوجيته وثقافته بل عولمها و فرضها في دستور الأحتلال وكان من ضمن كتبة دستور بريمر (شرطة) ومثقفي قيادة الحزب ..

وفي العودة الى المعارضة الشيوعية داخل قواعد الأنصار تم تطور العلاقة الى درجة التخطيط المسبق لعملية تصفية الشيوعيين الجسدية .. فكان إختيار موقع بشتاشان خاطئا وساقطا عسكريا وأختيار القيادات العسكرية متعمدا وعندما جد الجد وجدوا أنفسهم أيضا في نفس المأزق .. ولأجل أن لا أخوض في تفصيلات مجزرة بشتاشان ونترك لها مواضيعا مستقلة تليق بها وبأهمية أحداثها ولكنني سأتناول موضوعة مهمة وهي الأرهاب التي مارسته قيادة عزيز محمد و كاظم حبيب وكريم أحمد بحق رفاق الحزب وقاعدته وشبيبته المتمردة على القيادة الخائنة والمتورطة في الجريمة .

كانت النتيجة الطبيعية لإسترخاص الدم الشيوعي من قبل هذه القيادة ومساهمتها الشخصية في الجريمة والأتفاق مع المجرمين وعقد الأتفاقات معهم وأستهداف الشيوعيين العرب دون أخوتهم ورفاقهم الأكراد .. هو تفاقم الخلافات والفجوات القديمة والتركمات التاريخية ولكنها لم تصل حد عزل هذه القيادة بالقوة وكانت القاعدة الحزبية قادرة على ذلك وكان عليها القيام بذلك حينذاك .. ولكن المبدئية العالية والالتزام العالي بأهمية وحدة الحزب وتجنب الأنجرار الى حرب داخلية الخاسر الوحيد فيها سيكون الحزب ومستقبله رفض الجميع الأنجرار بهذا الأتجاه .. لقد كانت قيادة الحزب وشرطتها و كوادرها التابعة بأضعف حال والأكثر إنهيارا وهزيمة .. وكان الجميع بأنتظار تغييرات حاسمة وسريعة .. وبدلا من ذلك إبتدأ النزوح الجماعي لرفاق القاعدة وبعد فترة قصيرة وفر الفرصة للقيادة بأنتهاج الأساليب الأرهابية والتحقيقات الجنائية وكما هو معتاد في التكتيك السياسي تم إستغلال حادثة قتل رفيق من قبل رفيق آخر موتور ومريض نفسيا، لتفسر بأعتبارها جريمة قتل منظمة تقودها مجموعة إنشقاقية تريد (الأطاحة بالقيادة .. بالقوة) وبنفس الوقت تم تعميم الأساءة الى الرفاق في جميع القواعد بكون هناك قوة من متطرفين ومتهورين يسيئون الى وحدة الحزب وقيادته تم إعتقالها والتحقيق معها .. لذلك كانت سمعة رفاق أربيل من العرب في بهدنان سيئة وبدأ التعامل مع الضيوف القادمون من هناك بأسوء ما يكون عليه التعامل والضيافة بين الرفاق ..

لقد جرى إعتقال مجموعة الشهيد منتصر في يوم 31 – 1 – 1984، من قبل قيادة الحزب، وتعرضوا للتعذيب حتى إستشهد منتصر (الشهيد مشتاق جابر عبدالله) في آذار تحت التعذيب، بينما إستمر إعتقال الرفاق الباقين حتى 30 حزيران 1684، بعدها جرى إبعادهم تحت الحراسة المشددة الى الأراضي الإيرانية، بغرض تسليمهم الى السلطات الإيرانية، بواسطة مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني في مدينة نقده الإيرانية .

الشهيد منتصرهو من مواليد بغداد / مدينة الثورة عام 1958، أستشهد في آذار 1984 في منطقة بارزان على أيدي لجنة التحقيق والتعذيب التابعة لقيادة الحزب الشيوعي العراقي، ولايزال قبره مجهولاً لحد الآن، ولم يعلن أي موقف رسمي من قبل الحزب عن الجريمة وعن تاريخ وقوعها وأسبابها ومنفذيها حتى هذه اللحظة .

أما الرفاق أمين (أحمد الناصري) وسامي حركات (الشهيد ستار غانم ) فقد تم إبعادهم الى أيران .. ومن هناك توجهوا ثانية الى العراق وتوجه الرفيق ستار غانم (سامي حركات) الى بغداد قبل أعتقاله كنت قد التقيته في بهدنان وطرح علي فكرة النزول الى بغداد وقد زودته بما كان لدي من هويات ودفتر خدمة مزور قد تفيده عند توجهه الى الداخل .. ولا أعرف ما حصل للوثائق بعد إعتقاله من قبل (الرفاق)

وقد إنقطعت أخباره ويقال إنه تم أعتقاله من قبل سلطات النظام البائد وتم تصفيته ولا يعرف له أثرا حتى لحظة كتابة هذه السطور . أما الرفيق أمين (أحمد الناصري) فما زال حيا يرزق وأتمنى له الصحة والعافية .. وهو الأقدر على كتابة المزيد من تفاصيل عملية الأعتقال هذه و الممارسات الأرهابية للقيادة الشيوعية وشرطتها الخاصة وكوادرها التابعة .

لقد أخضعوا جميع الرفاق للتحقيق من قبل هيئة ليست لها علاقة بالقانون ولا حتى الشرطة المسلكية ولا حتى الثقافة السياسية أو الحزبية .. حدثني الشهيد مؤيد وهو رسام وله لوحات جميلة سألوه بما يعنيه في أحدى اللوحات من حركة سقوط لشخص مازال يمسك بالراية ؟ والشهيد أبو تغريد (باسل الطائي) عما يعنيه في إحدى نكاته وتعليقاته اليومية الساخرة .. وتحولت الأحاديث اليومية والنقاشات السياسية المعتادة الى أحاديث سرية ..

والبعض قال عن تواجده في كردستان بـ (كمين العمر) .. حيث تم إغلاق جميع الطرق أمام الرفاق لترك القواعد وحياة الأنصار وغلق المنافذ أمام الرفاق المعارضين من المرضى والمتعبين وذوي القناعات الجديدة في جدوى التواجد في كردستان والمستقيلين وتاركي الأنتماء الحزبي والأنصاري .

 

وللموضوع بقية

08.02.2014

 

حجي .. دواؤك الزواج ..

rafed alkozaiقبل شهر من الزمن في العيادة دخل مريض ستيني العمر نحيف الجسم رسم الزمن على وجهه تجاعيد اسى الحزن ولكن ترك خلف عينيه احلام وهموم وصحة وافرة ........

برفقة جاره وهو احد مرضاي الذي تشافى على يدي قبل فترة وقد كسبته وعائلته كمراجعين دائمين وهنا تحققت مقولتي التي تربيت عليها وبنيت استتراتجيتي العملية (المريض المعافى يجلب لك عشرة مرضى اخرين) وهكذا الصديق المحب يعرفك على عشر اصدقاء محبين وهكذا في متوالية التعامل مع الناس .......

المهم انا صدحت في عقلي الباطن همومه والافكار التي تراوده ......

فقلت له بعد التحية والله بالخير وبحسجة فراتية ها عمي كم وحدة متزوج ......

فضحك جيرانه ومرافقه وكانه عرف ما اردت قوله ... قائلا دكتور شبسرعة لكفتها زوجته توفيت منذ خمسة عشر سنة وبقى وحيدا حتى زوج اخر بناته قبل شهر .......

وقلت له كم لديك من الابناء .....

قال المريض اثنان من الاولاد متزوجان ويسكنان معي في البيت والبنات كلهن تزوجن .......

وماهي المشكلة التي تعاني منها قال ضيق النفس والتعب .....

هل لديك ضغط سكر امراض اخرى عمليات .. قال لا

هل تدخن او تشرب الكحول طبيعة عملك ....

قال انا اسطة بناء ونعم كنت ادخن لثلاثين سنة وتركت التدخين قبل ثلاث سنوات ولم اشرب الكحول مطلقا في حياتي .......

وبعد الفحص السريري تبين ان لديه انكماش بالرئة نتيجة التدخين السابق وهذا علاجه بسيط وهي تمارين لتقوية الرئة والتغذية الجيدة مع بعض العلاجات البسيطة ....

قال دكتور ولكن هاي الوصفات السابقة وتشخيصات الاطباء قلت ان ما تعانيه هو الوسواس المرضي الذي زرعه الاطباء وابناؤك وانت صدقته لكي تتمم مهمتك في تربية وتمشية امور عائلتك الكبيرة بعد وفاة عمود بيتك وزوجتك وتبقى بدون زواج .

والان عليك بالزواج ايها العم انه تجديد للعمر ويعطيك ربيع الصحة المتجد لما بقى من حياتك .........

بعد اشهر من العلاج دخل الحجي وهو صابغ شعره الابيض بالون الاسود البراق ابو اللمعة وشاربيه المحددين بدقة متناهية ومهتم بمنظره من حسن هندام والابتسامة على محياه وهو يقول نعم ان علاجك سحري والزواج غير حياتي واعطاني بعدا اخر لحياتي ولكن اسالك دكتور بالله عليك هل علموكم في كلية الطب ان الزواج يعيد الحياة وتكتبوه بوصفاتكم الطبية .......

قلت له اجلس ياعم ان الكلية تعطينا مبادى الطب والحياة والتجربة تعطينا المهارة كما انت في البناء تبدا عاملا وتصبح اسطة ثم تحاول ان تجدد تفوقك في التصميم والتخطيط للبناء وهذا ياتي من خلال عملك الكثير وهكذا نحن الاطباء تعلمنا التجارب مع المرضى

فانا عندما كنت طالبا في الرابع كلية الطب 1985توفيت احدى جيراننا وكما تعرف ان العراقيين سابقا يكنون لطالب الطبية احترام ويعاملوه مثل الطبيب فتمرض زوج المتوفاة ابو نعمة الدلال وكان ستيني العمر وهو عسكري متقاعد ولديه مكتب للعقارات في المنطقة وقد كان معلما في الكلية العسكرية وذو لياقة بدنية عالية محافظا على شبابه واصيب بنزلة شعبية التهاب قصبات حاد ولكن الاسى على زوجته جعل من مرضه يبدوا بصورة اخرى من تعبه وخموله وكان ابنه صديقي ترجاني وطلب مني ان اذهب معهم للطبيب في بغداد الجديدة .....

واول ما دخل المريض للعيدة تلقاه الطبيب المستعجل هاي شنو حجي انت كلششششششششش تعبان ومنتهي وتبعه قبل ان يحط سماعته وان ياخذ تاريخه المرضي بقائمة طويلة من تخطيط للقلب واشعة وتحاليل وهو يقول له انت تعبان حجي وحالتك حرجة ....

وبعد ان طلعت التحاليل نظيفة والتخطيط طبيعي والاشعة تبدو طبيعية وضع السماعة باستعجال مع فحص الضغط والمريض جالس وكتب قائمة من الادوية وبعدها قال منو ابن المريض وانا اراقب دون التعريف اني طالب طبية قال له صديقي نعم دكتور بشر

قال له الطبيب المستعجل ابوك حالته خطرة ويمكن مايطول ستة اشهر وعليكم بمراجعتي اسبوعيا لمتابعة حالته ..........

انا هنا انبريت له دكتور وشنو الدايكونسز (التشخيص باللغة الانكليزية)

ظل الطبيب المستعجل يتمتم نيومنيا وهارت فيلر (ذات الرئة وعجز القلب) وقلت له دكتور اني صدك بعدني طالب طبية بس هو اللي عنده هارت فيلر (عجز القلب) يصعد درج عيادتك ذو العشرين درجة والعالي جدا وضحكت وطلعنا والطبيب بقى مشدوها وهو يقول (يطلع من ط .. ويعلمك الطيران) وكان الموقف يحتم علي ان لا ارد عليه .. فقال مريضنا عمو رفودي مالك علاقة به انت دارس حالة الالتهاب وانطيني الدواء اللي تعرفه .......

واعطيت للمريض مضاد حيوي وقتها الاكمنتين (الاموكسكلاف وهو خليط بين البنسلين ووالكلفانك اسد) كان علاجا حديثا وقتها في العراق وحتى عندما طلبته من الصيدلي قال لي متعجبا انه علاج حديث صارله شهرين دخل للعراق وقلت له اريد شراب مقشع وخافض للحرارة وبعد ثلاثة ايام تحسنت حالة مريضنا ابو نعمة الدلال وانا وقتها سافرت وقتها الى محافظة اربيل لانقضاء العطلة لنصف السنة والتحاقي لاكمال دراستي في كلية طب صلاح الدين (هولير) وبعد شهر من عودتي سالت عن ابو نعمة الدلال وحاله ....

قالت لي امي انه تزوج من فتاة عمرها 19 سنة يتيمة وهو يصرف على اهلها وتبنى اخوتها واخواتها وعندما شاهدني ابو نعمة الدلال كانت حالته متغيرة كثيرا والالق يملا وجهه قال لي عمي رافد تعلم من عمك وصفة مجانية الزواج يجدد العمر ويشفي الامراض وهكذا بقى ابو نعمة الدلال الى سنة 2008 حيث توفي بعد ان انجبت زوجته الثانية ثلاثة اولاد وبنتان وقتها التقيت بالدكتور المستعجل وقلت له ان مريضنا لازال سليما وتزوج ولو انه اخذ علاجك ونصيحتك وقتها لبقى يعيش وهم المرض والخوف من الموت الذي بشرته به وهكذا ياعم ترحم لابي نعمة الدلال الذي علمنا الدرس ........

قال لي المريض معاتبا دكتور وين كنت منذ 15 سنة عني وانا اعيش الخوف من الوهم والمرض .......

قلت له ايها العم لا زال في العمر بقية فتمتع بحياتك وعشها كما تريد .......

رباط السالفة .. هل الشعب يبقى يعيش المرض والوهم والخوف من المستقبل المظلم مع الحكومات التي تزرع فينا اليأس من الاصلاح ووهم الارهاب المزيف والفساد والتخلف ام يبحث الشعب عن عريس في يوم الانتخابات يعيد له الحياة كما اعادها لابي نعمة الدلال

 

الدكتور رافد علاء الخزاعي

 

عبد الله حبه والادب الروسي

عبد الله حبه – اسم معروف في دنيا الادب الروسي ومسيرته في عالمنا العربي، اذ ترتبط بهذا الاسم ترجمات نصوص ادبية روسية متميزة من اللغة الروسية الى العربية اولا، وترتبط باسمه ثانيا دراسات نقدية وتحليلية كثيرة ايضا حول الادباء الروس وسماتهم وخصائصهم من وجهة نظر باحث عربي يعرف بعمق وقائع حياتهم واهمية نتاجاتهم وقيمتها الفنية والابداعية، ويعرف بمهارة كيف يربط تلك النتاجات بالظواهر الاجتماعية والفكرية للحياة الروسية .

ولد عبد الله حبه في بغداد ودرس في معهد الفنون الجميلة / قسم التمثيل، وبعد تخرجه وحصوله عل الشهادة الجامعية سافر الى موسكو عام 1960 لدراسة المسرح الروسي في معهد الفن المسرحي – (غيتيس) الشهير، بعد مساهماته الكثيرة والمتنوعة في عالم المسرح العراقي آنذاك والحركة الفنية العراقية بشكل عام، ومنذ ذلك الحين والى حد الان، اي لمدة اكثر من نصف قرن، بقي عبد الله حبه في موسكو، ورغم انه يعيش في موسكو ضعف سنوات عمره في العراق الا انه كان ولا يزال يحمل العراق في قلبه وعقله طوال هذه الفترة الطويلة من الزمن، مؤكدا صحة المثل العربي المعروف – (ما الحب الا للحبيب الاول)، وينعكس هذا الحب – قبل كل شئ – في اغناء المكتبة العربية بالمصادر الجديدة حول الادب الروسي في مجال الترجمة من الروسية الى العربية وكذلك في مجال الدراسات العميقة والموضوعية حول هذا الادب، ويؤسفني عدم امتلاكي لقائمة الكتب التي ترجمها عبد الله حبه عن الروسية والتي اخبرني هو نفسه مرة انها تقارب الاربعين، وكم اتمنى ان يضعها ويرتبها هو نفسه وعلى وفق تسلسلها الزمني تسهيلا للباحثين اولا، الذين يتابعون ويدرسون موضوعة الادب الروسي في العراق خصوصا والعالم العربي عموما، وتسجيلا لجهوده الكبيرة في هذا المجال الفكري المهم ثانيا، وبودي هنا ان اتحدث واتوقف قليلا عند كتابين معروفين ومهمين ليس الا، اذ لا يمكن ان اتناول في اطار هذه المقالة الوجيزة اكثر من ذلك، والكتاب الاول هو – مجموعة اقاصيص لبونين، والثاني – مسرحيات مختارة لاستروفسكي، وكلاهما صدرا في الاتحاد السوفيتي عن دار نشر – رادوغا(قوس قزح) السوفيتية. صدر كتاب (الدروب الظليلة) عام 1987     ، وهو عمل ترجمي رائد لكاتب لا يعرفه القارئ العربي جيدا ولا يفقه اهميته الكبيرة في تاريخ الادب الروسي والعالمي وهو – ايفان بونين (1870 – 1953)، اول اديب روسي حاز على جائزة نوبل للاداب عام 1933، والذي يعد آخر العنقود في قائمة الادباء الروس الكبار منذ بداية القرن التاسع عشر، وربما يعود سبب عدم معرفة القراء العرب له بعمق هو الموقف الرسمي السوفيتي تجاهه، اذ ان بونين لم يتقبل ثورة اكتوبر 1917 وهاجر من روسيا السوفيتية احتجاجا وبالتالي كانت نتاجاته الابداعية شبه ممنوعة في الاتحاد السوفيتي، ومن المؤكد ان لجنة جائزة نوبل اخذت ذلك بنظر الاعتبار عندما منحته الجائزة، ومن المؤكد ايضا ان هذا الموقف قد انعكس – بشكل او بآخر - في عدم تقديمه للقراء العرب، على الرغم من ان بونين استمر بعد الهجرة بالكتابة الابداعية بنفس اسلوبه الرقراق والجميل، والدليل واضح في كتابه الذي قدمه لنا عبد الله حبه وحاول ان يحافظ على اسلوب بونين هذا، واذكر انه قال لي مرة بانه بدأ بقراءة الادب الوجداني العربي ابتداءا من البحتري قبل ان يترجم هذه القصص، ويجب الاشارة فعلا الى نجاحه في ترجمة روحية النص الروسي الى العربية، ويمكن القول انه حتى عنوان القصص تلك خضع لهذا الاجتهاد، فالترجمة الحرفية لعنوان الكتاب هي – الدروب المعتمة، ولكن عبد الله حبه حولها الى – الدروب الظليلة، وما اجمل هذا العنوان وما اروع هذا الاجتهاد!!

الكتاب الثاني الذي نود التوقف عنده قليلا هو – (أستروفسكي – مسرحيات مختارة) الصادر عام 1989 ويتضمن مجموعة من   مسرحيات لم يسبق للقارئ العربي ان اطلع عليها مترجمة عن الروسية، وقد سبق لنا ان تحدثنا قليلا عن ذلك في مقالتنا بعنوان – (أستروفسكي – شكسبير روسيا) المنشورة في عد ة صحف ومواقع، واشرنا فيها الى ان طالب الماجستير آنذاك ميثاق محمد (والدكتور التدريسي حاليا في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد) قد انجز اول اطروحة ماجستير في العراق حول مسرح استروفسكي بترجمة عبد الله حبه وكانت باقتراحي وباشرافي العلمي . ومن الواضح ان عبد الله حبه قد اختار هذا الكتاب بالذات لترجمته لانه يرتبط بشكل مباشر باختصاصه وهو المسرح، ويجب الاشارة حتما الى ان هذين الكتابين قد اعيد طبعهما مرة اخرى في العالم العربي لاهميتهما اولا ولاقبال القراء العرب عليهما ثانيا. وختاما لهذه المقالة الوجيزة عن عبد الله حبه والادب الروسي يجب حتما التوقف عند سلسلة مقالاته حول الادباء الروس، والتي نشرها في الفترة الاخيرة، ومنها مقالة واسعة عن تولستوي حاول فيها ان يرسم صورة متكاملة لخصائص هذا الاديب الروسي العملاق، وهي محاولة شجاعة ولكنها لا يمكن بالطبع ان تكون شاملة كما ارادها عبد الله حبه لهذا الكاتب الذي تقع مؤلفاته الكاملة في تسعين جزءا، وهناك مقالة رائعة عن غوركي كتبها تحت عنوان - (مأساة غوركي .. ايقونة البروليتاريا)، وانا معجب جدا بعنوانها المبتكر والاصيل فعلا، والذي استطاع فيه ان يلخص ويجسد بشكل فني وصحيح وجميل اهمية غوركي وقيمته الابداعية، فالايقونة هي رمز الارثذوكسية المسيحية التي يعتنقها الروس وهي جزء من حياتهم اليومية، وتوحيدها مع مفردة البروليتاريا في عنوان مقالة عبد الله حبه عن غوركي جاء موفقا جدا للتعبير عن مكانة هذا الكاتب في تاريخ روسيا الادبي والفكري . ونريد الاشارة والاشادة ايضا بمقالتين في غاية الاهمية من وجهة نظرنا وهما - (بلاتونوف – كافكا الروسي ومحنة الانتلجينتسيا الثورية الروسية) و(لغز بولغاكوف..صراع خفي بين الاديب والسلطان)، وتكمن اهمية المقالتين في كونهما يتناولان موضوعين جديدين بكل معنى الكلمة للقارئ العربي، ويتحدثان عن اسمين كبيرين ومتميزين في عالم الادب الروسي الحديث والمعاصر، ظهرا في القرن العشرين وأثارا ضجة هائلة في مسيرة الادب الروسي الحديث، ولكن القارئ العربي كان بمعزل عن ذلك مع الاسف الشديد، رغم ان رواية بولغاكوف الشهيرة – (المعلم ومرغريتا) قد تم ترجمتها من قبل يوسف حلاق وبمراجعة عبد الله حبه وصدرت عن دار نشر (رادوغا) في موسكو عام 1990، وتعد من اواخر اصدارات تلك الدار. لقد وضع عبد الله حبه في مقالتيه المذكورتين عن بلاتونوف وبولغاكوف النقاط على الحروف كما يقولون، واصبحت المقالتان مصدرا مهما جدا لدارسي الادب الروسي ومتابعيه في العالم العربي بلا أدنى شك.

والخلاصة - ان موضوعة عبد الله حبه والادب الروسي تنتظر فارسها العراقي او العربي .

 

الجواهـــري .. عشية وخلال كارثة شباط الاسود عام 1963

rawaa jasaniقبل ان يطول اغتراب الجواهري إلى براغ كثيراً، حتى حلت كارثة شباط عام 1963 بكل مآسيها التي طالت "أهلاً وصحاباً وديارا" وفي شتى أرجاء البلاد العراقية .. وكان لابدّ لشاعر الوطن أن يتخذ موقفاً، فاتخذ، برغم خلافاته ومواقفه العامة والخاصة التي كانت سائدة في حينها من قيادة السلطة التي طالها الانقلاب، وزعيمها عبد الكريم قاسم، وكذلك من والاه دون تحفظ .. وقد وثق الشاعر الكبير عن بعض ذلك في رائيته الموسومة "يا غريب الدار" عام 1962ومن أبياتها:

من لهمّ لا يجارى ولآهات حيارى

ولمطوي على الجمر سراراً وجهارا

من لناء عاف اهلاً وصحاباً وديارا

تخذ الغربة داراً، إذ رأى الذل اسارا

وإذ تنادى الالاف من معارضي الانقلاب، سياسيين وأكاديميين، ودارسين وغيرهم، في الخارج، للانتصار إلى أهلهم وبلادهم ضد القمع والارهاب، أفلحت جهودهم في اطلاق لجنة عليا للدفاع عن الشعب العراقي، وليتم اختيار الجواهري رمزاً وطنياً، وثقافياً، أولَ، وبالاجماع، لرئاستها، وقد اتخذت من العاصمة التشيكية براغ مقراً مركزياً لها، وذلك بعيّد فترة وجيزة من طوفان الدم الذي تسببه الانقلاب البعثي المشؤوم.

وضمت قيادة تلكم "اللجنة العليا" شخصيات وطنية جليلة كان من أبرزها فيصل السامر ونزيهة الدليمي وذنون أيوب ومحمود صبري وصلاح خالص ، وايضا :جلال طالباني لفترة محدودة... ذلك إلى جانب ممثلي وتشكيلات اللجنة في عدد من عواصم ومدن أوروبا بشكل خاص.

وفي ظلّ رئاسة الجواهري نظمت اللجنة العليا للدفاع عن الشعب العراقي، التي امتد نشاطها – عملياً – حتى مطلع 1965 العديد من النشاطات المهمة كالمؤتمرات والندوات واصدار البيانات وتنظيم حملات ومهرجانات التضامن في بعض البلدان الأوربية، الرأسمالية منها، والاشتراكية آنئذٍ... كما أصدرت اللجنة مجلة فكرية سياسية عامة باسم "الغـــد" لتتولى مهمات توثيق الاحداث وكشف الحقائق ومحاولة صياغة البدائل، لانقاذ البلاد، ووقف نزيف الدماء.

وخلال تلكم الفترة، كتب الشاعر الكبير قصيدته الذائعة الصيت عن بغداد "دارة المجد، ودار السلام" وما حلّ بها من دمار وانتهاكات وسيول دماء غزيرة، وقد كان لتلك الميمية الهادرة، بحسب المتابعين والمؤرخين، أصداء واسعة في المعتقلات والسجون ولدى عموم الجماهير التي اكتوت بمجازر الانقلاب المشؤوم ... وهكذا جاءت أيضاً، وفي خضم تلكم الأحداث ميميته، الاخرى، التأريخية الثائرة عن نضال الشعب الكردي "قلبي لكردستان".

يا موطن الأبطال بثٌ مؤلم، وألذ اطراف الحديث المؤلمُ

سلّم على الجبل الأشم وعنده من ابجديات الضحايا معجمُ

سفرٌ يضم المجد من اطرافه، ألقاً كما ضم السبائك منجمُ

يا موطن الأبطال حيث تناثرت قصص الكفاح حديثُها والاقدمُ

حيث انبرى مجدٌ لمجد ٍ والتقى ، جيلٌ بآخر زاحف يتسلمُ

كما نظم الجواهري في الفترة ذاتها عديداً آخر من القصائد الوطنية و"المقاوِمة" والانسانية... ومنها ملحمته "إلى أطياف الشهداء الخالدين" والتي جاء فيها:

سلاماً وفي يقظتي والمنام، وفي كل ساع ٍ وفي كل عام ِ

تهادي طيوف الهداة الضخام، تطايح هاماً على اثر هام ِ

ودقت مسامير خجلى عطاشى، بكف ِ المسيح فطارت رشاشا

بقايا دم للعصور التوالي تخضب بالمجد هامَ الرجال..

حماة الحمى والليالي تعودُ، وخلف الشتاء ربيع جديدُ

سيورق غصنٌ، ويخضر عودُ، ويستنهض الجيل منكم عميدُ

ومما نذكره للتأرخة هنا ان تلكم القصائد التي أشرنا لها، ضمها إلى جانب شقيقات أخريات ديوان خاص حمل اسم "بريد الغربة" أشرفت على طباعته وتوزيعه لجنة الدفاع عن الشعب العراقي، ذاتها، وقد تبرع الجواهري بكامل ريع الديوان للتضامن مع أهل البلاد، الجاثمة تحت وطأة الانقلابيين وجرائمهم التي أدانتها كل قوى الخير في العالم.

وإذ لا يتحمل الحديث الموجز هنا، لتفاصيل أخرى عديدة، نعد أن يتم السعيّ لتوثيق مفصل عن تلكم "اللجنة" ودور الجواهري في رئاستها، فضلاً عن تجربتها ونشاطاتها ، وكذلك عن التعقيدات التي رافقت عملها، ونأمل أن يتحقق ذلك في فترة قريبة قادمة...

 

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

 

يوم إحتراق بغداد !!

سقطت بغداد عاصمة الإمبراطورية العربية الإسلامية لعدة قرون، وهّاجة بالعز والقوة والكبرياء والإبداع الفكري والثقافي والعمراني والعلمي والأدبي الفياض، الذي فتح أبوابا مغلقةً في مسيرة البشرية، وأطلق ما فيها من قدرات إبتكارية وعلمية لا محدودة.

سقطت بغداد يوم الثامن من شباط عام ألف ومئتين وثمانٍ وخمسين (8\2\1258) على يد هولاكو، أي قبل 756 عام وفي مثل هذا اليوم.

بل أنها إحترقت وذُبحَ أهلها عن بكرة أبيهم، بأفظع جريمة إبادة جماعية عرفتها البشرية على مر العصور!!

جوهرة عمرانية وثقافية أرضية تحولت إلى ركام ودخان وأشلاء متناثرة، تفوح في أرجائها عفونة الجثث والدماء المراقة بعدوانية الوحوش الفائقة الفتك والإهلاك.

إنطفأت شمس الكرة الأرضية الحقيقية، فارتجت البلاد الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها، وحسب الناس أن الدنيا قد أشرفت على نهايتها، وأن القارعة واقعة لا محالة.

هولاكو حفيد جنكيز خان مؤسس الإمبراطورية المغولية، والذي عاش ثمانية وأربعين عاما فقط، صنع فيها الأهوال، فكان أعتى قوة شر ذات زوبعة عدوانية مروعة الإكتساح والدمار والخراب.

وقبل أن يهاجم بغداد تبادل رسائل التهديد والوعيد مع الخليفة العباسي المستعصم بالله، وهذه مقتطفات منها كما جاء في كتاب (جوامع التواريخ للهمداني) :

 

هولاكو:

ومهما تكن أسرتك عريقة وبيتك ذا مجد تليد، فأن لمعان القمر قد يبلغ درجة يخفي معها نور الشمس الساطعة.

فسوف أنزلك من الفلك الدوار، وسألقيك من عليائك إلى أسفل كالأسد، ولن أدع جيشا في مملكتك

وسأجعل مدينتك وأقليمك وأراضيك طعما للنار.

 

المستعصم بالله:

كيف يمكن أن تتحكم بالنجم، وتقيده بالرأي والجيش والسلاح.

فلا تتوان لحظة ولا تعتذر، إذا استقر رأيك على الحرب، إنّ لي ألوفا مؤلفة من الفرسان والرجالة

وهم متأهبون للقتال، وإنهم ليثيرون الغبار من ماء البحر وقت الحرب والطعان.

 

هولاكو:

لقد فتنك حب الجاه والمال والعجب والغرور بالدولة الفانية، بحيث لم يعد يؤثر فيك نصح الناصحين بالخير. وإن في أذنيك وقرا فلا تسمع نصح المشفقين، ولقد إنحرفتَ عن طريق آبائك وأجدادك، وإذن فعليك أن تكون مستعدا للحرب والقتال، فإني متوجه إلى بغداد بجيش كالنمل والجراد، ولو جرى سير الفلك على شاكلة أخرى فتلك مشيئة الله العظيم.

 

المستعصم بالله:

لو غاب عن الملك فله أن يسأل المطلعين على الأحوال، إذ كل ملك – حتى هذا العهد – قصد اسرة بني العباس ودار السلام بغداد كانت عاقبته وخيمة.

ومهما قصدتم ذوو السطوة والملوك وأصحاب الشوكة من السلاطين، فإن هذا البيت محكم للغاية، وسيبقى إلى يوم القيامة.

...........

فليس من المصلحة أن يفكر الملك بقصد أسرة العباسيين، فاحذر عين السوء من الزمان الغادر.

 

هولاكو:

إذا كان الخليفة قد أطاع فليخرج وإلا فليتأهب للقتال.

 

المستعصم بالله:

(الرسالة النهائية بعد أن أيقن بالبوار بعد هزيمة جيشه وبدء بغداد بالسقوط في يد هولاكو)

إن الملك قد أمر أن أبعث إليه بالوزير، ها أنذا قد لبيت طلبه فينبغي أن يكون الملك عند كلمته.

 

هولاكو:

إن هذا الشرط قد طلبته وأنا على باب همدان، أما الآن فنحن على باب بغداد، وقد ثار بحر الإضطراب والفتنة، فكيف أقنع بواحد، ينبغي أن ترسل هؤلاء الثلاثة (الدواتردار وسليمان شاه والوزير).

 

ومن رسالة هولاكو إلى الناصر الأيوبي صاحب حلب بعد سقوط بغداد:

أما بعد: فقد نزلنا بغداد سنة ستة وخمسين وستمائة فساء صباح المُنذَرين، فدعونا ملكها فأبى فحق عليه القول فأخذناه أخذا وبيلا.

وقد هزمته مصر العربية الإسلامية في معركة (عين جالوت) يوم (14-8-1260)(15 رمضان 658)، بقيادة الملك المظفر سيف الدين قطز المعزي، أي بعد سنتين وستة أشهر وستة أيام من إحتراق بغداد.

 

ومن هذه الرسائل يبدو:

- أن "الخليفة اظهر جهلا بالقوى التي يواجهها ويحاربها، كما أظهر غرورا وعجزا كبيرين. .. فقد وصف الخليفة هولاكو بالشاب الحدث المتمني قصر العمر...."

- "إستشهد بحوادث التأريخ ليثبت لهولاكو أن بني العباس مكللون بالعناية الإلهية، وإن كل من قصدهم بأذية لا بد أن يُقصم. وأن العناية الإلهية تحرسه وتحرس أسرة العباس: فليس من المصلحة أن يفكر الملك في قصد العباسيين، فاحذر عين السوء من الزمان الغادر".

- "يبدو أن الخليفة كان معتقدا حقا بحماية إلهية له ولأسرته، ولذلك تصرف بهذا الشكل الإعتباطي، ولكنه كان واهما في ذلك، ودفع ثمن هذا الوهم حياته وعرشه وسلالته كلها".

- "أدرك الخليفة بعد فوات الوقت، أن تهديدات هولاكو في محلها، وأن لا شيئ ينقذه من مخالبه، فحاول الصلح وتلبية قسم من طلبات هولاكو، ولكن هذا رفض وشن الحرب على بغداد والخليفة حتى أوصلها إلى نتيجتها الحتمية وهي غحتلال بغداد وتدميرها".

وفي هذه الرسائل دروس وعِبر سياسية ذات قيمة معرفية، فهل نعتبر أم أن العِبَر ما أكثرها، والإسْتعبار ما أقله وأندره؟!!

 

د-صادق السامرائي

 

بلبل لقلق .. (طاحظ) عفلق

ahmad alhiliاعتاد العراقيون، وربما معهم شعوبٌ أخرى، أن يقرنوا شهر شباط ببعض الظواهر البايلوجية مثل تصاعد وتيرة الشبق لدى القطط . وكذلك ظهور أولى البشائر لانكسار حدة فصل الشتاء .

بيد أن هناك أحداثاً أخرى، أكثر جسامةً وإيلاماً وقسوة ما تزال تعشعش في ذاكرة العراقيين تحديداً حول هذا الشهر، وأعني بها أحداث 8 شباط في العام 1963 الكارثية، والتي سُمّيت عنوةً وقسراً فيما بعد وإبان هيمنة سلطة البعث الفاشية على مقدرات بلادنا في العام 1968 وما تلاه بـ (عروس الثورات)، والتي هي وفق كل مقاييس العدالة والإنسانية أعتى جريمة يمكن أن ترتكب بحق شعب من الشعوب

ما زال بوسعي أن أتذكر، أنني كنت في تلك الأيام الحالكات طفلاً أدرس في مرحلة الثاني الابتدائي، حين وقعت الواقعة .

وبطبيعة الحال، وبحكم عامل السن، فلم نكن نفقه كثيراً في شؤون السياسة ومجريات ما يحدث، ومع ذلك، ما زال بوسعي أن أتذكر، أننا وبالرغم من أعوامنا الغضة القليلة، أن جميع الناس من حولنا كان ينتابهم قدرٌ كبيرٌ من الكدر والقلق والقهر، وهو ناجم بطبيعة الحال عن تأثيرات الوسط العائلي والمجتمعي الذي كان يحوط بنا، حيث كان غالبية الناس من حولنا متعاطفين بالضرورة ومتضامنين شعورياً ولا شعورياً مع زعيمهم عبد الكريم قاسم، لما كان يمثله في أذهانهم ووجدانهم من فرصة ذهبية للخروج من ربقة الفقر والمرض والجهل .

ما زال بوسعي أن أتذكر أنه كان ثمة تمثال للزعيم الراحل وضعته إدارة المدرسة عند مدخلها، وكان الذي قام بنحته على نفقته الخاصة معلم مادة الرسم ذاته، الذي اعتنى به كثيراً حتى يخرجه إلى النور على شكل تحفة فنية، وحتى بدا وكأنه الزعيم بكل أناقته وأبهته ونضارته، وقد تعوّدنا، نحن التلاميذ على إلقاء التحية على زعيمنا من خلال مصافحة يده الممدودة للمصافحة عند دخولنا إلى المدرسة وكذلك عند خروجنا منها .

ما يزال هذا المشهد يحمل طراوته الحميمية في أعماقي، فعند وقوع الواقعة، كان ثمة إحساس بالخوف والوجل كان ينتابنا كلما مررنا بالقرب من التمثال، كنا نخشى الاقتراب منه وفي قلوبنا حسرة ولوعة، كنا نحاول الاقتراب لتأدية الطقوس التي اعتدناها، بيد أننا كنا نحس أن ثمة أعيناً كان تتربص بنا وتتلصص علينا، كنا نحس أن ثمة قوى مغرقة في قسوتها ووحشيتها هي التي باتت تهيمن على كل شئ في البلاد، ويزداد المشهد قسوة وإيلاماً، حين يتم يطلب بعض المعلمين من بعض التلاميذ، بل ويأمرونهم بالبصاق على التمثال في دخولهم إلى المدرسة وخروجهم منها، بل كنا نشاهد قلة قليلة من التلاميذ وقد استهوتهم رعونتهم تحت تأثير وتشجيع بعض المعلمين يبادرون إلى مصافحة يد الزعيم بوضع أصابعهم الوسطى في يد الزعيم، وأخيراً رأينا فرّاش المدرسة وهو يهوي بفأسه على رأس التمثال .

مثلما مازال بوسعي أن أتذكر، أن إدارة المدرسة، كانوا يحذروننا من النطق بالأهزوجة المحببة التي كنا ننطق بها بعد قراءتنا لـجملة (بلبل لقلق) في القراءة الخلدونية، حيث كنا نهتف بعدها مباشرة بجذل، (طاحظ عفلق)، وإذا كانت إدارة المدرسة قد استطاعت حرماننا من أداء فروض الواجب تجاه تمثال زعيمنا، فإن أحداً لم يستطع قط منعنا من الهتاف بعد النطق بـ مفردتيْ، ( بلبل لقلق) بالعبارة التي أصبحت أثيرة لدينا حتى ونحن ندخل في طور الشباب وما بعده وإن كانت شفاهنا تنطق بها بصوت خافت، كان يساورنا إحساسٌ آنذاك أن العبارة موجودة داخل كتاب القراءة نفسها، وبعد أن يئسنا من العثور عليها، سألنا معلمنا إن كانت العبارة موجودة داخل كتابنا المدرسي أم لا، فأخبرنا أنها ليست موجودة في الكتاب، ولكنها بكل تأكيد موجودة داخل قلوبنا وأنفسنا .

مرّت سنواتٌ ثلاث بعد فاجعة الثامن من شباط، وبينما أنا في الطريق إلى مدرستي وكنت قد صرت الآن في الصف الخامس الابتدائي، رأيت وجوه الناس وقد علاها الانشراح وبدت عليها علائم البهجة، كان شيئاً ما كبيراً قد حدث لم أفهم كنهه، وجدت حلقة من الصبية ممن هم أكبر سناً مني يشكلون حلقةً حول أحد رجال الشرطة وهم يهتفون بفرح وجذل، "صعد لحم نزل فحم"، لم يفعل الشرطي شيئاً سوى أنه كان يبتسم مشاركاً فرحتهم .

فهمت بعد ذلك أن طائرة الرئيس عبد السلام، خصم زعيمنا اللدود وأحد أبرز قاتليه قد سقطت به أثناء جولة له في المنطقة الجنوبية .

النداء الأخير

مثلما يتأهب العاشقُ

للقاء حبيبته

بعد غيابٍ طال

وقف عبد الكريم قاسم

أمام المرآة وقفتَه الأخيرة

كان ضوءُ الغرفة خافتاً جداً

إلا أن ثمة ضوءً ساطعاً

كان يندلع من عمق المرآة

ويغمر الأشياءَ من حوله

أمسك الزعيمُ بماكنةِ الحلاقة

وعلى عجلٍ شرع بحلق لحيته

التي طالتْ أكثرَ مما يجب

تأكد من أن هندامَه

وقيافتَه العسكرية

كانتا على ما يرام

أمسك بجهاز راديو الترانسستر

كما لو كان لو كان

يُمسك بقارورةٍ سحرية

خاطب ثلّة الجنودِ الذين كانوا

يتأهبون لأخذه بثقةٍ واحترام،

" هيا يا أبنائي، لنذهب إليهِ،

بوسعي الآنَ

أن ألتقيه " !

 

سكرة عاشق

rafed alkozaiاليوم في العيادة جاء شباب قلقون يتعاتبون فيما بينهم همسا دافعين صاحبهم وهو متمددا على السدية المتحركة فاقدا للوعي

بعد فحص علاماته الحيويه وتاكدت انها طبيعية اشتممت رائحة الخمر المغشوش من فمه وحسب ذاكرتي الشمية وحدسي تيقنت انها الفودكا

ونظرت للشباب فشاهدتهم بين السكر والصحو درجات........

فتذكرت شعرا من اشعار ابؤ نواس وانطلق لساني به .............

وبُح بإسمِ من تهوى ودَعني من الكِنى

           ….. فلا خيرٌ في اللذاتِ مِن دونِها سِترُ

فعيشُ الفتى في سكرةٍ بعد سُكرة

                 ….. فإن طال هذا عندهُ، قصر العمرُ

وما الغُبنُ إلا أن تراني صاحياً

             ….. وما الغُنمُ إلا أن يُتعتعني السُكرُ

قلت لهم ومالكم وشرب القيل............

انبرى احدهم قائلا والله دكتور ماشربنا القيل فقط شربنا البيرة وهو شرب الفودكا مع البيرة..........

قلت لهم ان القَيل: شرب نصف النهار وهذا لا يمارسه او يتلذذ به الا محبطا او مضروب بوري........

ضحك احدهم وقال دكتور مال بوري لا عاب حلكك يوري شلون بوري معدل اليوم صاحبنا هذا صارح (باح) طالبة بالكلية صار راسم عليها منذ ثلاث سنوات وهو حائر لما فعل من اجل جذب نظرها واهتمامها نحوه من اختياره لملابسه وتبديل سيارته كل ثلاث اشهر وبذخه على الطلبة وزميلاتها ورغم مافعله رفضته شر رفضة هذا اليوم وهي تقول له انتم تستطيعون شراء الناس باموالكم ولكنكم لاتستطيعون شراء قلوبنا.. فمها تغيرت احوالكم واموركم تبقون صغار في نظرنا وعقولنا ..

فترك الكلية وهو غاضبا وقال هلموا معي تحضروا مصيبتي وتواسوني وشحط سيارته الجارجر واتى بنا الى احدى مطاعم العرصات وجلسنا نحن وحدنا وطلينا من النادل قواطي بيرة وجرازت وحمص بطحينة وسلطة خس

وهو قال للنادل بعد ان دس في جيبه عشرة الاف دينار اريد مشروبا ينسيني الحب وهمومه .........

فاشار النادل عليه بالفودكا الروسي ليدفئه في هذا البرد ويجعل من قلبه يعيش خيالاته مع اجمل شقراوات موسكو وبرلين.......

فأستراقت له الفكرة وبدا يشرب القدح تلو القدح وهو يتذكر كلماتها الجارحة وهو يغني بكلمات حافضها.......

(( نعم إني شربتُ الحبَ خمراً

           واغواني واخلفتُ المسارا

وصار بيَ الزمانُ زمان قيسٍ

         (وليلى) بغيتي دون العذارى

أموت لأجلها ضيماً وحزناً

         وتسكنني كمن سكن الديارا

أغنيها على لحنٍ شجيٍ

         وترقص في مخيلتي جهارا

مضيت بحبها عاماً وعاماً

           وعامٌ ينقضي والحول دارا

وروحي تنتهي شيئاً فشيئاً

         (وليلى) لم احققها انتصارا

وليلٌ بينما قلبي يغنّي

     على لحن المحبينَ السهارى

صحيتُ من الحماقةِ حين قالوا

     "يموت الحب من كيد الصِغارا"

عَلِمتُ بكيدها وربطت جأشي

       عن الدُنيا.. واسدلتُ الستارا

ونحن نقول له ان الحياة امامه بعدها مسرح كبير ومنها ستحصل على الاجمل منها حتى ثمل وفقد الوعي وهو يهذي باسمها وهذا حاله يادكتور فما العلاج بنظرك..........

قلت لهم انها صدمة عصبية مع تسمم كحولي بسيط سيصحو بعد ثمان ساعات وفعلا ما قالت ليى صاحبكم ان المال لا يجلب الحب ولا يصنعه وهو اختار الطريق السهل لكسب ودها وهو ابهارها بامواله واموال عائلته وهذا ناجم من غنى سريع اصابهم ولو اصطنع شيء اخر لكان كسب قلبها بعد مراقبة ميولها وتصرفتها فلكل منا مفتاح يبهرنا ويكسب ودنا وودها وانا اردد لهم..........

ليت شعري .......

ما يثير الشعر قوما يشترون الحب بالمال .. !!

.. سُكارى ..

نعم ليبقوا سكارى يحلمون بالعذارى...........

وهما بعد وهما..............

فيا للعار ان القلب اقدس من يشترى بالمال...........

قال احدهم دكتور اتركنا من الحب واقواله وانظر مانفعل لمريضنا هذا........

كتبت وصفة وقلت لهم لما يصحى اعطوها ليقراها وكتبت فيها.......

مِن تشرب عرك لازم تِقيسة

           ….. لا تِكَع بين الناس مثل الفطيسة

ترى اللي رفضتك تشمت بيك

           .........وتخليك بحلوك صاحباتها عليجة

مو عبالك العشق سهل دوم

           ..........ترى السكران يوكع بحضن نطيحة

ولكن اخلاقي الطبية والانسانية منعتني من اعطائهم هذه الوصفة واحتفظت بها في جرارة مكتبي وكتبت له بعض المغذيات المحاليل الوردية السكرية وفيتامين ب 1 ووامرت المضمد بوضع فولي خارجي للادرار ومدرارت من اجل الاسراع في خفظ نسبة الكحول في الدم وبعد ان بدا يصحو كتبت له المقويات والحبوب مفرجة الهم وطلبت منهم العودة بعد اربعة اياما حتى نكمل العلاج ومتابعة حالته العشقية.........

وعند خروجي من العيادة وضعت قرص اغنية الاطلال الشهيرة للرائعة كوكب الشرق ام كلثوم حتى اعرف الفرق بين سكارى ابراهيم ناجي وسكارى الاجيال الجديدة واي الحالين افضل.........

هل رأى الحب سكارى مثلنا كم بنينا

من خيال حولنا ومشينا في طريق مقمراً

يا فؤادي، رحم الله الهوى

     .... كان صرحا من خيال فهوى

اسقني واشرب على أطلاله

         .... وارو عني، طالما الدمع روى

كيف ذاك الحب أمسى خبراً

               .... وحديثاً من أحاديث الجوى

وبساطاً من ندامى حلم

             .... هم تواروا أبداً، وهو انطوى

*************

يا رياحاً، ليس يهدا عصفها

             ... نضب الزيت ومصباحي انطفا

وأنا أقتات من وهم عفا

               ....وأفي العمر لناس ما وفى

كم تقلبت على خنجر

           ... هلا الهوى مال، ولا الجفن غفا

وإذا القلب - على غفرانه -

                   ... كلما غار به النصل عفا

*************

لست أنساك وقد ناديتني

         .... بفم عذب المناداة رقيق

ويد تمتد نحوي، كيد

             .... من خلال الموج مدت لغريق

آه يا قبلة أقدامي، إذا

         .... شكت الأقدام أشواك الطريق

وبريقاً يظمأ الساري له ....

                     أين في عينينك ذياك البريق ؟

نعم ان للحب مفاتيح وللقلوب مفاتيح تبدا من سحر العيون وهمسات الالسن ونبضات القلوب وعشق الارواح قبل الاجساد انه الحب الذي يقول عنه العراقي ببساطته المعهودة الحب جتال صاحبه ..........ومن الحب ماقتل وجعل من العاشق فطيسة يحمل على اكتاف اصدقائه...............

الدكتور رافد علاء الخزاعي

د. عادل الشاهر حكاية لوجع سومري

akeel alabodالمدخل: الى طبيب الأطفال والباطنية، الأخصائي الذي وافته المنية مع زوجته ذات يوم اثر حادث دهس مروع في دولة عربية. لم يكن بارعا في الطب فحسب، بل أن براعته اشتملت موضوعات أخرى كالهندسة والتراث وتذوق الشعر والثقافة، لذلك تراها شخصيته تم استحضارها أسوة بقافلة المتميزين، ليحتفى بها أبان عصر أحرقته لغة السياسات الموبؤة بالخيبة والخذلان، ولعلها تلك الصفات تبقى معيارا للمقارنة بين حيوات هؤلاء الذين أثرتهم كراسي العروش فشحت لغة المروءات فيهم ، وبين اولئك الذين قدموا عروشهم ثمنا لتلك المروءات لتبقى آثارهم حية تنبض بالمحبة. لم يكن طبيبا للأطفال والباطنية فحسب، بل معلما يجيد لغة التعامل مع مفردات الفضيلة، وصاحب ذوق رفيع في تعاطيه مع الفن والنحت، أنيقا حتى في إختيار الزوجة التي أبت إلا أن تموت معه، لترحل هي الأخرى مؤازرة له في عالمه الذي إستطاع ببراعة أن يشيده، ليبقى هكذا شاهد عيان لهرم يحمل في روعته تلك البصمات، التي عبرها يدنو الإنسان صوب مراتب العلو لعله يتعلم معنى الخلود. الدكتور عادل الشاهر الرجل الذي بقي مبتسما للعامل والفلاح ومنظف الشارع والصغير والكبير، كما أسرته وأولاده الذين تعلموا ذلك وفقا لأعراف التواضع واحترام انسانية الإنسان. هو هكذا ببساطته المعهودة يقف مع الفقراء يصغي وبدقة إلى حكاياتهم بشتاءاتها وخريفاتها وصيفها، يبحث عن منفذ لمساعدتهم، يمد لهم يد العون دون ان يعلم به أحد، يعالج أطفالهم مجانا، يبقى معهم متواصلا، لكأنه تتلمذ على أيدي الفضلاء فتعلمّ طبائعهم، تلك التي تعاضدت وتوحدت مع حقيقة إنتمائه لخارطة التراث التي ارتبطت هي الأخرى مع عبق التاريخ والثقافة عبر موضوعات تكاد لا تخلو من ذائقة فنان أومهندس معماري. جلس ذات يوم يحاكي تأملاته عبر نافذة إطلالته على وطن الحضارة والفكر .العراق أنذاك قلب يخفق بالروعة والجمال، يدلك أويأخذ بخطاك من سومر أومدينة عشتار الى آشور ونينوى، هنالك حيث تلك البقعة من الضمير، إذ بينما السبعينات مطلع لمشاهد عامرة وحس جميل وخضرة وارفة، الثمانينات والتسعينات تراها إمتدادا لمشاهد وسيناريوهات تلك الحقبة من الزمان، لذلك عبر تلك النافذة تحديدا، تبرز تلك الإطلالة على شاكلة قلعة ربما سومرية أوآشورية، تمتد حكايتها إلى عراقة أولئك الذين أرادوا بناء الحياة فدونوا لنا روعة آثارها القديمة. هنالك عند اطراف مدينة جنوبية تنبض برائحة أور يطل عليك شاهقا بمظهره العامر بيته السومري، ذلك الذي لم يتم بنائه على شاكلة قصور هؤلاء الذين باعوا ضمائرهم اكراما لتلك المظاهر، بل على شاكلة أولئك الذين أرادوا أن ينعشوا انفاس الحياة بزخرفة لها علاقة بنشيد ماض عريق، لذلك بقت جذوره عامرة ذلك البيت الذي لم يزل يحيا على نبضات رصيف جنوبي ما زالت اطرافه تتشح بالسواد حزنا على صاحبه الذي فارق الحياة ثمنا وضحية لزمن ودعه الطيبون.

 

في رحيل الفنانة التشكيلية المقدسية ريما أبو غريبة

shaker faredhasanغيب الموت الفنانة التشكيلية المقدسية الشابة ريما أبو غريبة وهي في قمة عطائها وزهرة شبابها، اثر مرض لم يمهلها طويلاً، بعد رحلة حياة قصيرة لكنها حافلة بالمعرفة والإبداع والتوهج والعطاء والانجاز الفني .

ريما أبو غريبة من مواليد زهرة المدائن، القدس، عشقت الفن والرسم بالألوان منذ نعومة إظفارها، ولفتت الانتباه بعد أن اشتركت بمسابقة للرسم عن طريق المدرسة، ونالت حينها الجائزة الأولى عن رسوماتها . وفي العام 2000 حصلت على منحة لنيل شهادة البكالوريوس الدولية من كلية "لي بوتش" في هونكونغ، ثم تخصصت في مجال الفنون التشكيلية إيماناً منها بأهمية الفن ودوره في نضال الأمم والشعوب المستضعفة من أجل الاستقلال والتحرر الوطني، فالتحقت بجامعة النجاح الوطنية بنابلس وحصلت على بكالوريوس في الفنون الجميلة .

شاركت ريما أبو غريبة في العديد من المعارض الفنية الجماعية في القدس ورام اللـه، وفي الثاني من تشرين أول العام 2013 تحقق حلمها بإقامة أول معرض فني تشكيلي خاص برسوماتها تحت عنوان "أصل الحكاية "في مركز يبوس الثقافي في شارع الزهراء بالقدس، استقطب جمهوراً واسعاً من القدس والمناطق المجاورة .

لوحات ورسومات ريما أبو غريبة مستمدة من عالمها الذاتي ومن واقع الأحداث العام، ومستوحاة من صميم الواقع الفلسطيني – السياسي والاجتماعي والثقافي، ونجد فيها تجسيداً حياً وصادقاً للوجع الفلسطيني والمعاناة اليومية التي يعيشها أبناء شعبنا في المخيم وفي ظل الاحتلال والحصار القهري، وتصور ملامح مدينتها الحزينة الباكية بأسوارها ومساجدها وكنائسها وأسواقها القديمة .

وفي هذه اللوحات تستخدم ريما مواد خام متنوعة كالزيت والاكريليك والرصاص والحبر الجاف وغير ذلك .

برحيل ريما أبو غريبة تفقد الحياة الفنية الفلسطينية فنانة مميزة وقديرة، وإنسانة معطاءة قديرة قدمت فناً فلسطينياً ملتزماً مجسداً القضايا الإنسانية بأبعادها المختلفة بصورة تعبيرية مميزة .

فرحمة اللـه على ريما أبو غريبة، التي خطفها الموت سريعاً قبل أن يكتمل مشروعها الفني الإبداعي التشكيلي، وستظل في ذاكرة شعبنا وتاريخه الثقافي وسجل حركته الفنية .

آلوندرا دي لا بارا وآرتورو ماركيز .. قيثارتان مِن بلاد السِحر والجَمال

المايسترو سنيورا "ألوندرا دي لا بارا / Alondra de la Parra" هي أميرة فاتِنة في الـ33 مِن عُمرها، تعشَق الموسيقى وتعزفها بمَهارة وتحمِل شَهادة الماجستير في مَجال قيادة الفرق السمفونية، تقيم حالياً في الولايات المُتحدة الأمريكية، لكن جذورها مِن المَكسيك تلك البلاد التي لطالما سَحَرتني بعَظمة حَضارتِها وجَمالها وطيبة شَعبها. رَغم صُغر سِنّها إلا أنها اليوم واحِدة مِن أشهَر قادة الفرق السمفونية،ومِن أجمَل مَن حَمَلت أنامِله عِصي قيادتها، ولديها اليوم فِرقتها الخاصة التي قامَت بتأسيسِها عام 2004 لدَعم المَواهِب الموسيقية الشابة بالقارة الأمريكية، أسمَتها أوركسترا الأمريكتين السمفونية ومَقرّها نيويورك. قبل أشهُر إستضافتها أوركسترا برلين السمفونية لقيادَتِها بحَفلة سمفونية عُزفت فيها 6 مَقطوعات لمُؤلفين موسيقيين مِن أمريكا اللاتينية حالفني الحَظ لحُضورها والإستمتاع بها. تجربة نادِرة لاتتكرّر يَومياً سَعُدت وإستمتعت بها، إمرأة تقود بحِرفية وإقتِدار وبلمسَة أنثوية فرقة سمفونية تعزف مَقطوعات تجمَع بَين موسيقى أمريكا اللاتينية بخصوصِيّتها التراثية المَعروفة وبَين البناء السمفوني الأوركسترالي.

مِن المَقطوعات التي عُزفت بالحَفل كانَت"أل تروبيكو" للموسيقار المَكسيكي كارلوس شافيز، و"تانغازو" للموسيقار الأرجنتيني آستور بيازولا، و"هابانغو" للموسيقار المَكسيكي خوسيه بابلو مونكايو، لكن أبرَزها وأجمَلها كانت مَقطوعة "دانزون رقم 2 / Danzón no. 2" للموسيقار المَكسيكي "آرتورو ماركيز / Arturo Márquez" التي ترَكت في نفسي كما في نفوس أغلب الحاضرين أثراً جَميلاً دَعانا للتصفيق مُطالبين بإعادة جُزء مِنها في نهاية الحَفل، والتي أحبَبت أن أتحَدّث عَنها في هذا المَقال.

(دانزون رقم 2) مَقطوعة ضَخمة كتبَت للأوركسترا بمُرافقة البيانو ويَستغرق عَزفها قرابة 10 دقائق، ألفها عام1994 الموسيقار المَكسيكي آرتورو ماركيز الذي ولد سَنة 1950 ولايزال على قيد الحياة، والذي إمتاز باستخدامه للموسيقى المَحلية المَكسيكية وتطويعَها في قالب أوركسترالي، وعَزفتها لأول مَرة بنفس السَنة أوركسترا المَكسيك السمفونية بقيادة فرانسيسكو سافين، وترافق ذلك مَع انتفاضة حَركة باتِستا ضِد الحُكومة المَكسيكية. هي حَتى الآن المَقطوعة الأشهَر لماركيز مِن ضِمن8 مَقطوعات دانزون، فمُنذ عزفِها لأول مَرة قبل 20 عاماً أصبَحَت واحِدة مِن أشهَر المُؤلفات العالمية سَماعاً وعَزفاً بالحفلات الموسيقية الى جانِب أشهَر مُؤلفات أساطين الموسيقى العالمية، ليسَ فقط بالمَكسيك حَيث تعتبر النشيد الوطني الثاني بَل في كل العالم، وهو أمر سَنفهَمُه ونحسِّه إذا إستمَعنا للمَعزوفة بتركيز وإمعان، فهذه المَقطوعة هي خلطة سِحرية وتجسيد رائِع للموسيقى المَكسيكية التي لا يُمكن مُقاومة أنغامَها المُثيرة الراقِصة عِند سَماعِها ولكن في قالب سمفوني رَصين وبناء أوركسترالي أخّاذ.

لابُد مِن الإشارة الى أن موسيقى الدانزون هي بالأساس مُوسيقى راقِصة كوبية الجذور ولها أيضاً شَعبيّتها في المَكسيك وبورتو ريكو، وهي تعتبر في دُول أمريكا اللاتينية كالفالتز Waltz في الدول الأوروبية، وقد كان آرتورو ماركيز مُبدعاً وفذاً في تجسيد طَبيعة هذه الموسيقى بمَقطوعتِه الرائِعة "دانزون رقم 2". تبدأ المَقطوعة بلحن رَئيسي أول هاديء بطيء على الكلارنيت والأوبو يَأخـذ بالإسراع شَيئاً فشَيئاً بمُشارَكة الوَتريات، ثم يَتوقف هذا اللحن بدُخول البيانو مُنفرداً مُمَهداً لصُعود كل الأوركسترا وبداية عَزفها للحن الرَئيسي الثاني القوي السَريع الذي يُجَسّد روح الرَقص اللاتيني إلى أن يَصِل للذروة، بَعدَها يَنخفِض أيقاع العَزف مُجَدداً ليُعيدنا للحن الرئيسي الأول تدريجياً مَع البيانو وكمان مُنفرد يَتبَعَهُما دُخول مَهيب شاعِري للوَتريات ثم الهَوائيّات يَنتهي بوقفة تمَهّد صُعود الأوركسترا كامِلة في تسارُع لحني مُتقن البناء يُختتم بإعادة عَزف للحن الرَئيسي الثاني بقوة وسُرعة راقِصة وتناغُم ساحِر حَتى يَصل الى ذروة تنتهي بخاتِمة انفِعالية مُفعَمة بالعَواطف تليق بمِثل هكذا عَمَل يَبدوا أن مُؤلفه قد قرّر له مُسبقاً أن يَتخلد.

هي مِن وجهة نظري المُتواضِعة عَمَل رائِع ومُتكامِل يَستحِق الإستِماع والإستِمتاع بتوليفة أنغامِه الفريدة، وفي الرابط أدناه تسجيل لأوركسترا الأمريكتين السمفونية وهي تعزف مَقطوعة دانزون رقم 2 بقيادة مُؤسّسَتها المايسترو الوندرا دي لا بارا :

http://www.youtube.com/watch?v=onB1-1xt8Ic

 

مصطفى القرة داغي

زكي الجابر مات مرتين .. عالم في الإعلام والشعر والتواضع !

zayd alheliاشارة: نشرتُ في العام الفائت، في صحيفة (الزمان) الدولية، لمناسبة الذكرى الثانية لوفاة د. زكي الجابر، مقالة اعتبرتها مجلة (حروف) الجزائرية، المقالة الأهم عن شخصية د. الجابر .. وقد وجدتُ، من المناسب اعادة نشرها، في الذكرى الثالثة لوفاة الرجل الكبير زكي الجابر، ليتسنى لمن لم يقرأها، قراءتها، لاسيما انني لم انشرها في وقتها بالمواقع الالكترونية .. واتمنى ان تكون المقالة بمستوى وصف مجلة (حروف). مع تحياتي ..

 

زكي الجابر مات مرتين .. عالم في الإعلام والشعر والتواضع !

 

311-zakiأعتدتُ فتح بريدي الألكتروني فجرأ، حيث صفاء الفكر وهدوء الجو، فأبدأ بالرد على رسائل الأصدقاء مع أرتشاف فنجان القهوة، وبعد ذلك أخلد الى النوم ، لكن الصديق الدكتور مليح صالح شكر فاجأني في سكون الليل وهزيعه الأخير، برسالة حملت عنواناً، صادما، مخيفاً هو (الى رحمة الله) فدارت بي الدوائر، لم ينفع فيها استعجالي في فتح الرسالة .. قلقت جدا، ترى ما الشئ المهم الذي دعا الصديق مليح الى وضع هذاالعنوان لرسالته .. هل هي طريقة في المزاح ؟ كلا، فمليح، كما أعرفه يحمل الجدة في سلوكه وفي نمط حياته .. وبعد لحظات عرفتُ ان رسالة مليح تحمل خبر رحيل الدكتور زكي الجابر .. كان ذلك يوم الأحد 29 كانون الثاني 2012.

ومن لا يعرف الدكتور الجابر، فهو ليس أعلامياً !

نعم، أقولها بالفم المليان، فالرجل قامة كبيرة، بل كبرى في خارطة الإعلام العراقي والعربي، ولستُ بمبالغ ان قلت ان د.الجابر له بصمة عالمية في رؤاه وثقافته وشاعريته ، وطلبته الذين تتلمذوا على يديه سواء في جامعة بغداد من خلال قسم الصحافة قبل ان يتحول الى كلية، وكلية الفنون الجميلة في أواسط ستينيات القرن المنصرم او طلبته في جامعات القاهرة والرباط وجده، او من خلال أشرافه على دراسات أكاديمية في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بتونس حين توليه موقع المسؤولية الاعلامية فيها ..

ولاتغيب صورته عني، عند زياراته المتكررة لجريدة الثورة في العام 1970 لاسيّما في موقعها بشارع ابي نؤاس ببغداد، حيث كان يحرص بأستمرار على زيارة صديقه وأبن مدينته البصرة الزميل الصحفي المعروف (ضياء حسن) حين توليه سكرتارية تحرير مجلة (الغد) التي صدرت عن جريدة " الثورة" لمدة وجيزة .. كان الجابر وكيلاً لوزارة الثقافة والاعلام غير ان بساطته، وحلو لقياه وبساطته، تنسيك موقعه ..

وتجذرت صورته وأنسانيته في ذهني، وكنت أترقب زيارته لأسأله عن دراسته في " دار المعلمين العالية " وصداقته للسياب، وزمالته للشاعر سعدي يوسف ودراستهما في ثانوية البصرة وبعد ذلك في دار المعلمين العالية، فكان يفيض بالحديث ووصل بذلك الفيض الى ذكر تفاصيل مرحلة صباه، وجلساته المحببة في مقهى قديم انشأت في الاربعينيات أسمها (السيمر) وقد حدد موقعها وكأنه لا زال يرتادها وأتذكر انه قال بأن المقهى تقع مقابل ثانوية البصرة للبنات والمحكمة المركزية، وذكر اسماء من يرتادها امثال الاديب محمود عبدالوهاب، والشخصية المعروفة صبري افندي الذي شاع صيته بأغنية (صندوق امين البصرة)

ثم، غادر الوطن الى العمل في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تونس وبعد ذلك ساح في الغربة ليتجول بين السعودية والقاهرة والرباط .... مرة أستاذا ومرة باحثا، حتى أستقر به المقام لاجئاً في امريكا ليلبي نداء ربه، وعينه ترنو الى العراق الذي كان بأشد الشوق اليه والى مدينته .. البصرة التي قال فيها عندما ودعها مرغماً:

 

(وداعا.. أيها البصرة

يا اطياف براءتنا الأولي

وأحلامنا الطائشة..

طائراتنا الورقية،

كراتنا المحشوة بالخرق البالية

قراءتنا الخلدونية

جدول الضرب

ومسطرة المعلم

وداعا.)

وفي قصيدة وداع أخرى أسمها (جف نهر الخندق) وهو نهر معروف لأهالي الجنوب وللبصريين خصوصاً لأنه يسقي مئات من بساتين نخيل (البرحي) وانواع النخيل الأخرى قال فيها :

 

(وداعا يا من ذبحت ألف مرة

وبعثت من قاع الموت ألف مرة

أنت يا من تولدين من جديد

مع كل صباح جديد

نخلة باسقة

ترتدي قميص الشعر

وتنثر جدائل السعف للغضب

والريح

والثورة الدائمة

أتلك أشرعة سفائن السندباد

يعود من رحلته السابعة

أم رايات أميرك " الخزعلي " الجميل

ترف عليها أجنحة النوارس التائهة

ما بين نخيل " المحمرة " وضفاف الكارون

وأرياف " أبي الخصيب"

وتلك جنة عدن

أم سرير الماء

يحتضن عليه " الفرات" دجلة

في عناق الأبد

بين تراتيل " الهلاهل "

وأضواء الشموس

وتدفق الحليب من الأثداء النافرة

علي سمرة شفاه أطفال " القرنة "

وداعا.. لكل من غني إليك

وغنيت إليه

وداعا لكل من احتضن العود وغني

ولم يكن لديه من خيار إلا ان يغني

لوعات " أبوذية"

" ولا تعاشر البذات والماله تالي "

وداعا لكل شاعر كتب معلقاته

علي " كرب " النخيل

وقصبات البردي

وينشدها موقعة علي ضربات الدفوف

وتراجيع اليمامات الضائعة

وداعا يا قبة " أبن الجوزي"

ويا تلك السعفات المطلة علي نهر "خوز"

ويا تلك العرائش السكري برحيق العنب

وحليب " البرحي "

وداعا يا جسر " الملح "

علي حصاك دماء الزنج

ورسوم الأقدام العارية

والمسامير المنثلمة

تنقل الآهات عليك

تكسرات الغناء علي شفتي " محيي الدين الرفاعي "

سكران في آخر الليل

يلعن الجوع والأغبياء

وفتاحي الفال

ومهربي السجائر

تصك أذنيه الأصوات الوحشية

تركب الهواء الشرقي

عابرة " جسر العبيد " إلي مقام الإمام ")

 

الجابر يكتب شعراً بعد .. رحليه !!

لقد مرت على الجابرمواقف عديدة، كان فيها معلما بارزا دون ان تهزه ريح، وعانى الكثير من المضايقات فخرج منها منتصرا، لكن من الطريف و المحزن في آن واحد ان هذا الرجل، قرأ مرة " نبأ " رحيله في الصحف ومواقع الانترنت .. كان ذلك في عام 2001 فلم يصب بالهلع، بل طالع بهدوء انطباعات عن رحيله بأقلام زملائه ومحبيه، دون ان يسعى لتكذيب (نبأ) وفاته، ويذكر الاستاذ فيصل عبد الحسن الذي رافقه في غربته الطويلة في المغرب، إن د.الجابر كتب شعراً هازئاً بخبر نعيه قال فيه :

(يقولون مات في غربته

بعيدا عن الأهل والنخل

عن بصرته !

وقبل أوان الرحيل

تساءل في وحشته

من الحي فينا وفي سجنه الأنفرادي

مات العراق !

ولم يبكه من احد

وهل يعرف الميتون البكاء ؟

 

وللشاعر الدكتور الجابر قصيدة، شديدة العمق بحب الوطن، لا يمكن للمرء عند قراءتها إلأ الانحناء أمام عظمة العراق وتاريخه، حملت عنوان (عائدون اليك ايها الوطن) كتبها في غربته في المغرب صوّر فيها معاناته حيث عاش وضعا معاشياً صعباً نتيجة قلة ما يحصل عليه من أتعاب في عمله الجامعي ، مما أضطره الى تقديم طاب الى المفوضية العليا للاجئين في الرباط .. :

 

( نحن الباكون بلا دموع

العاشقون بلا عشق

المتكلمون بلا ألسنة

والمستمعون بلا سمع !!

لقد استعاد جيش قيصر عرش امريء القيس

ليجلس عليه قيصر

ولم ننل الملك فنفخر

ولم تطونا اجنحة الموت، فنعذر !!

فلم نكن نجباء

حين تركنا السياط تمزق الظهور الممزقة

وحبال المشانق تلتف علي الأفكار والرقاب

وأتخمنا بطوننا

بطعام وكالات الأغاثة

وسمرنا أقدامنا

علي بوابات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين !!)

 

 

وعند الحديث عن الدكتور زكي الجابر، تتوسع امامي رقعة رؤاي لتلك اللحظة التي صدح فيها صوت احد اصدقاء د. زكي الجابر ليشدوا قصيدة، كان كتبها الشاعر يحيى السماوي بحق صديقه ا د. الجابر في ما مضى من السنين .. قصيدة آخاذة، أستولت على مشاعر سامعيها، لاسيّما لمن يعرف الجابر، ومن شدة الاعجاب بالقصيدة، طلب الحضور أستنساخها، لتكون قصيدة لكل أصدقاء الدكتور الجابر .. اسمها (خلّيِكَ في منفاك) وهو عنوان مؤثر لقصيدة مؤثرة .. القصيدة اهداها السماوي بهذه الكلمات (إلى أخي وأستاذي الشاعر الدكتور زكي الجابر) قال فيها :

 

لا تَنْشر ِ الأشرعة َ البحر ُ بلا موج ٍ ولا ريح سوى الآهات ِ ... أَم تُراك صَدَّقْت َ خطابات ِ الدراويش ِ عن الكرامة ِ ... الحرية ِ ... العدالة ِ ... الوئامْ ؟

مررت ُ بالبصرة ِ لكن لم أَجِدْها فَقَفَلت ُ هاربا ً ولم أُبَلِّغْ أحداً سلامَك َ الحميم َ خفت ُ أنْ يصادر َ الغزاة ُ صُرَّة َ التراب ِ ألقيت ُ بها وضعت ُ في الزحام ْ

لا "الحسن ُ البصري ُّ" في مسجِدِه ِ ولا "الفراهيديُّ" في مجلسِه ِ ولا الفتى "عليُّ" في المقام ْ ...

خَلِّيك َ في منفاك َ ... لو كان يجيد ُ الهرب َ التراب ُ ما أقام ْ

في الوطن المحكوم ِ بالإعدام

كل ُّ الذئاب ِ اتَّحَدَت ْ واختلفَت ْ ما بينها الأنعام ْ

على بقايا الزاد ِ في مائدة ِ اللئام ْ

دماؤها مهدورة ٌ فمرَّة ً تُذْبَح ُ باسم ِ جَنَّة ِ السلام ْ ومرَّة ً باسم فتاوى حُجَّة ِ الإسلام ْ

ومرَّة ً تُسْلَخ ُ تنفيذا ً لما رآه في منامِه ِ سماحة ُ المفتي وما فَسَّرَه ُ وكيلُه ُ الغلام ْ ..

ومرَّة ً لأنها ترفض ُ أَن ْ تُهادن َ المحتل َّ أو تكفر ُ بالحرية ِ التي بها بَشَّرَنا مستعبد الشعوب ... جاحد الهدى ... موزع الأرزاق في بيادر الأجرام

ومرَّة ً لأنها تكفر ُ بالحاشية ِ المخصيَّة ِ الإرادة ِ .. الدمى التي شُدَّت ْ خيوطُها إلى فضيلة "الحاخام ْ"

*** يحدث ُ أّن ْ يُقتَل َ عصفور ٌ لأن َّ ريشَه ُ ليس بلون ِ جُبَّة ِ الإمام ْ يحدث ُ أّن يُصْفَع َ ظبي ٌ في الطريق العام ْ لأنه لم يُطِل ِ اللحية َ ... أَن ْ تُطْرَد ً من ملعبِها غزالة ٌلأنها لا ترتدي عباءة ً طويلة َ الأكمام ْ يحدث ُ أّن يُدَكَّ حي ٌّ كامل ٌ وربما مدينة ٌ كاملة ٌ بِمِعْول ِ انتقام ْ بزعم ِ أن َّ مارقا ً أقام َ في بيت ٍ من البيوت ِ قبل عام ْ هل دولة ٌ تلك التي تُقاد ُ من سفارة ٍ إن ْ عَطَس َ السفير ُ في مَخْبئِه ِ أُصيبَت البلاد ُ بالزكام ْ ! خَلِّيك َ في منفاك َ ... حتى ينجلي الظلام ْ ..

رحم الله، الانسان الكبير المتواضع د. زكي الجابر

 

سورين كركيغارد

تناولت مجلة "قضايا اسلامية معاصرة" في عدد خاص بعنوان: "الايمان الوجودي وديانة الضمير الفردي"، الفيلسوف الدنماركي المؤمن (سورين كيركغارد)..

لقد أتاح لي التعرف على استاذي العلامة الدكتور عبد الجبار الرفاعي، منذ أن درست المنطق والعلوم العقلية على يديه ـ ولا زلت أفتخر حتى الآن بكوني من تلاميذ مدرسته المعرفية والأخلاقية والروحية ـ فرصاً كثيرة، وفتح أمامي الكثير من النوافذ التي ساعدتني على استشراف المستقبل من موقعي الراهن مستعيناً بوهج الماضي..

ومن بين الشخصيات الفلسفية واللاهوتية التي كان لي شرف التعرف عليها بفضل إرشادات سماحة الدكتور الرفاعي وتوجيهاته، شخصية الفيلسوف الدنماركي (سورين كيركغارد).. فقد وفرت لي مجموع المقالات التي زودني بها سماحته مادة كبيرة للإحاطة بالتجربة العرفانية والروحية التي عاشها كيركغارد في حياته الشخصية. والتي استوعبها العدد الجديد من مجلة استاذي الرفاعي "قضايا اسلامية معاصرة" في عدد خاص بعنوان: "الايمان الوجودي وديانة الضمير الفردي"، صدر في 428 صفحة هذا الاسبوع ببيروت، بمناسبة مرور 200 سنة على ولادة (سورين كيركغارد)..

وقد وجدت في بعض أفكار هذا الفيلسوف المؤمن المتصوف الدنماركي الرائع تشابهاً كبيراً مع ما ورد في نصوصنا الروائية المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام، ولكن قبل التطرق إلى هذه المواطن أرى من الضروري أن نقدم صورة عن حياته الشخصية لما لها من التأثير الكبير على بلورة أفكاره اللاهوتية.

ولد سورين آبييه كيركيغارد في الخامس من شهر مايو عام 1813 في مدينة كوبنهاغن في الدنمارك. وكان هو الولد السابع والأخير لوالده (مايكل بيدرسون كيركيغارد) وأمه (آنا كيركيغارد). وكانت أسرته ـ وخاصة والده ـ شديدة التدين، وقد ترك ذلك تأثيراً عميقاً على أفكار سورين كيركيغارد. وقد أشار كيركيغارد نفسه إلى هذا التأثير في بعض مذكراته اليومية. وقال ذات مرة: لقد تمّ تذكيره مراراً عندما كان صغيراً: (إن كل شخص مسيحي ـ والشخص هنا يعني الحقيقة ـ قد بصق في وجه المسيح، وقال له: العار عليك)! يقول كيركيغارد: لقد حفظت هذه العبارة في أعماق فؤادي، واستحوذت هذه الفكرة على حياتي. وقد فهم من هذه العبارة أن الحقيقة ممزوجة على الدوام بالعقد، وأنها لن ترى الطمأنينة وهدوء البال أبداً.

كما كان تأثير والده عليه هو السبب في أن يجعل من الإيمان هو الموضوع الرئيس لكتاباته الفلسفية، بحيث شكل هذا الموضوع الهاجس الأساس بالنسبة له. بيد أن هذا التأثير لا ينحصر في طريقة تربيته فقط. فقد كان هناك عنصر آخر في حياة الأب، لم يترك تأثيره على حياته فحسب، بل انتقل إلى جميع أفراد الأسرة، وخاصة سورين كيركيغارد. فقد اطلع كيركيغارد في عام 1835 ـ أي قبل رحيل والده بثلاثة أعوام ـ على سر هام من أسرار والده. فقد كان والد كيركيغارد تاجراً ثرياً في كوبنهاجن، إلا أنه قبل أن يصبح تاجراً ثرياً، كان صبياً يرعى الماشية في مقاطعة (يوتلاند)، وكان يعاني الفقر والشقاء، وذات يوم حيث كان يرعى الماشية كعادته، انهار أمام وطأة الجوع والفقر والألم، فوقف على تل مرتفع من الأرض وبدأ يجدف على الله. وقد كان وقع هذه الحادثة على الأب من العمق بحيث لم يتمكن من التخلص منه ونسيانه إلى آخر لحظة من حياته وقد بلغ الثانية والثمانين من العمر. وبعد فترة من صدور هذا التجديف منه، تم نقله إلى كوبنهاجن ليقيم عند عمه، حيث شعر هناك برغد العيش وتخلص من سطوة الفقر والألم وبدأت حياته تشهد تقدما نحو الازدهار. إلا أنه لم ير السعادة في هذا الازدهار، ولم يفسره على أنه لطف من الله، بل رأى فيه نقمة إلهية حلت به وبأسرته. فقد اعتقد بأن تجديفه على الله جعله مستحقا لحلول نقمة الله، ولذلك كان معتقداً بأن جميع أولاده سيموتون قبل بلوغ الرابعة والثلاثين من أعمارهم ـ وهو العمر الذي يعتقد المسيحيون أن السيد المسيح (على نبينا وآله وعليه السلام) كان قد بلغه عندما رفع على الصليب ـ وقد صدق هذا الاعتقاد بالنسبة إلى خمسة من إخوة كيركيغارد، حيث أدركتهم المنية قبل بلوغ الرابعة والثلاثين، ولم يستثن من ذلك سوى كيركيغارد وأخوه الأكبر، حيث تجاوزا الرابعة والثلاثين من عمرهما، رغم أن كيركيغارد نفسه لم يعمر طويلاً، حيث وافته المنية في مستهل عقده الخامس عن اثنين وأربعين عاماً. إن تجديف الأب على الله جعله يغرق في حزن سرى وانتقل إلى جميع أفراد أسرته. وقد عبر كيركيغارد عن استحواذ الحزن عليه قائلاً:

(لقد كنت أسير الكمد منذ الصغر ... وكان من بين مشاعري العذبة أن لم يكن بمقدور أحد إدراك حجم البؤس الذي أشعر به وأكابده).

وعلاوة على اكتساب سورين كيركيغارد لهذا الكمد غير الطبيعي بفعل تربيته الأسرية، فقد ورث القدرة على كتمان هذا الكمد عن أبيه أيضا؛ فقد كتم والده سر حزنه ـ الناشئ من ذلك التجديف ـ طوال حياته، ولم يفصح عنه إلا قبيل وفاته بثلاث سنوات.

التقى كيركيغارد بخطيبته ريجين أولسن للمرة الأولى في عام 1837، ولم يتقدم إلى خطبتها رسميا إلا عام 1840. غير أن هذه الخطبة لم تستمر لأكثر من عام واحد فقط، حيث عمد كيركيغارد إلى فسخها في عام 1841. وقد كان هناك سببان وراء فسخ هذه الخطوبة، السبب الأول: أن كيركيغارد كان يعاني من كآبة حادة، ويرى أن هذه الكآبة لا تنسجم مع رغبته في إسعاد خطيبته ريجين أولسن. والسبب الثاني: أن ظاهرة وفاة إخوته وكذلك أمه التي وقعت تباعا وفي فواصل زمنية متقاربة (وكان سورين كيركيغارد يراها ناشئة عن النقمة الإلهية التي حاقت بجميع أفراد الأسرة) من جهة، وشكواه من اعتلال صحته من جهة أخرى، كل ذلك جعله يؤمن بأنه سيفارق الحياة عما قريب، وأن ذلك سيعرض أولسن إلى الكثير من المشاكل.

إن هذه الأسباب التي ذكرناها لفسخ كيركيغارد لخطبته وانفصاله عن ريجين أولسن، تعكس بوضوح عمق تأثير الخصائص الروحية لكيركيغارد. كما أن الطريقة التي قطع بها كيركيغارد علاقته بأولسن توضح هذه الخصائص على نحو أشد. فإن فسخ الخطوبة غالبا ما يدمغ الفتاة بوصمة عار لا سبيل إلى محوها. ولكي لا تتعرض ريجين لمثل هذا العار، فقد قام سورين كيركيغارد بالتضحية بنفسه على طريقته الخاصة، حيث تظاهر بشكل يتحمل معه جميع تبعات فسخ الخطوبة، ولا يلقى أي لوم عليها، فتصرف بلامبالاة واستهتار، ليثبت للناس أن السبب في فسخ خطوبته من محبوبته يعود إلى تهتكه واستهتاره بالقيم والأخلاق. وعلى كل حال فقد واصل كيركيغارد حياته بما هو عليه من الخصوصيات الروحية، حتى وافته المنية في الحادي عشر من نوفمبر من عام 1855 في مسقط رأسه كوبنهاجن.

ويجدر بنا أن نتحدث قليلا عن دراسته ومعتقداته ومؤلفاته وأعماله أيضا. ففي عام 1831 قبل كيركيغارد في فرع اللاهوت من جامعة كوبنهاجن. وقد كان المناخ الفكري ـ الفلسفي السائد في عصره، هو المناخ الهيجلي. وعلى الرغم من أن كيركيغارد لم يكن على معرفة مباشرة بأفكار هيجل وأعماله، إلا أنه قد تعرف إليها من خلال كتابات هانس لاسين مارتنسن. وقد كان مارتنسن لاهوتيا سعى إلى رفع التناقض المتبادل بين الديانة المسيحية والنزعة العقلانية التي سادت في عصر التنوير، وذلك من خلال التأمل الهيجلي. وبعبارة أخرى: إنه كان يسعى إلى توظيف أفكار هيجل لحل التعارض القائم بين العقل والوحي. بيد أن روبرت هورن قد أظهر بالأدلة القاطعة أن التفكير الهيجلي عند مارتنسن لا يعكس أفكار هيجل بشكل كامل، وإنما هي مجرد فهم وقراءة لأفكار هيجل لا أكثر. ومن هنا ندرك أن كيركيغارد لم يكن على اطلاع كامل بأفكار هيجل. ولكنه كان على كل حال يعيش الأجواء الفكرية لهيجل، ويتجلى ذلك بوضوح من خلال الانتقاد الذي يورده على الأدلة الآفاقية. وسوف نشير إلى النزعة الإيمانية عند كيركيغارد لاحقاً.

لقد بدأ كيركيغارد كتابة أفكاره في مؤلفات زاخرة وكثيرة منذ عام 1834 واستمر في الكتابة إلى عام 1855 حيث فارق الحياة في تلك السنة، وبذلك يكون عطاؤه العلمي قد استمر لأكثر من عشرين سنة. وقد كتب أهم أعماله ما بين عامي 1843 و1836، وكان في الغالب يستخدم حينها اسما مستعارا هو (يوهانس كليماكوس). وإن من بين أهم الأعمال التي كتبها في تلك الفترة، يمكن لنا أن نذكر العناوين الآتية: (هذا أو ذلك)، (الخوف والفزع)، (التكرار)، (ثلاثة حوارات بناءة)، (شذرات فلسفية)، (تعليقة نهائية غير علمية على شذرات فلسفية).

وبطبيعة الحال فإن لمؤلفات كيركيغارد التي كتبها في السنة الأخيرة من حياتها أهمية كبيرة أيضاً. وقد بدأ يصب جام انتقاداته على المسيحية الرسمية في الدنمارك في تلك السنة. لقد كانت الكنيسة الدنماركية في عهد كيركيغارد كنيسة لوثرية، وكانت ولادة طفل تعني عضويته في تلك الكنيسة وانتسابه إليها بوصفه مسيحياً لوثرياً. لم يكن كيركيغارد معارضاً للمسيحية كما هي معروضة في الكتاب المقدس، ولكنه كان يعتقد بأن بين المسيحية الرسمية والمسيحية كما هي في الكتب المقدسة بوناً شاسعاً، وإن الهوة بينهما لا يمكن ردمها بمجرد إجراء الإصلاحات عليها، بل كان يرى ضرورة تقويضها وإعادة هيكلتها وبنائها من جديد. إن هجوم كيركغارد على الكنيسة كان هجوماً غير مألوف إلى حد ما، لأنه إنما عمد إلى مهاجمتها بوصفه فرداً مؤمناً ومعتقداً بالمسيحية. وإن من بين الأعمال والكتب التي ألفها في السنة الأخيرة من حياته، وتعرض فيها بالهجوم على المسيحية الرسمية ونقدها، عبارة عن: (الوطن) ، و(يجب لهذا أن يقال فاسمحوا له بأن يقال الآن) ، و(كيف يحكم المسيح بشأن المسيحية الرسمية؟)، و(اللحظة). وقد كان مؤمناً إيماناً كاملاً بانتقاداته للمسيحية الرسمية، بحيث أنه طوال الأربعين يوماً التي لازم فيها المستشفى بسبب تأزم حالته الصحية وتفاقم المرض ـ الذي أدى إلى وفاته ـ لم يسمح لأخيه (بيتر) ـ الذي كان منخرطا في سلك القساوسة ـ بزيارته. وإن الشخص الوحيد الذي أذن له بزيارته يومياً هو صديقه (باستور بويسن). وقد جهد بويسن في إقناعه بأداء طقوس العشاء الرباني، إلا أنه رفض ذلك. وقد احتوت مخطوطات بويسن على كلام لكيركيغارد قاله أثناء مرضه الأخير، ومما جاء فيه: (إن الكنيسة اللوثرية التي يتعرض فيها الله للسخرية، يجب التخلي عنها). كما نجد عبارة أخرى لكيركيغارد يقول فيها: (إن القساوسة هم مجرد أدوات بيد السلطة، ولا ربط لأدوات السلطة بالمسيحية.

يشكل الإيمان المحور الرئيس لأبحاث كيركيغارد. وقد ذكر في كتابه (زاوية عملي بوصفي كاتبا) أنه كان هناك نوع من الهيمنة الإلهية على حياته. وقد بين في هذا الكتاب صلة مؤلفاته إلى حين كتابة هذا الكتاب ـ في عام 1848 ـ بحياته. ونحن أيضاً بصدد بحث هذا المحور الرئيس في تفكير كركيغارد، إذ نسعى إلى الإجابة عن هذا السؤال القائل: هل يمكن التوصل إلى الإيمان من طريق الأدلة الآفاقية أم لا؟

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}(فصلت/53.

بيد أن كيركيغارد وانطلاقاً من بيئته وتربيته التي صاغت متبنياته الفكرية أنكر إمكانية التوصل إلى إثبات الله بالأدلة العقلية والآفاقية، وقد صبّ كل اهتمامه على الأدلة الأنفسية. وقد رصد كركيغارد ثلاث مراحل في حياة الفرد وإن الفرد يتخذ في كل مرحلة من هذه المراحل إلهاً يعبده، وإن تلك المراحل هي: مرحلة الأنا، ومرحلة الأخلاق، ومرحلة العشق المطلق. وهذه المراحل تمثل الأسفار الثلاثة الأولى للفرد في إنطلاقته وذهابه إلى المطلق، وهي مراحل يعتبرها كيركغارد تكاملية، وإن لم تكن عنده تراتبية بالضرورة، بمعنى أنه قد يرزح الفرد في المرحلة الأولى إلى الأبد فلا ينتقل إلى المرحلة الثانية أبداً، وإذا كتب له النجاح وتحرر من قيود المرحلة الأولى، وطار بجناحية إلى القفص الأوسع المتمثل بالمرحلة الثانية، قد يبقى رازحاً فيه إلى الأبد، ولا ينجح في الانطلاق إلى المرحلة الثالثة، فلا يتذوق متعة العشق المطلق، وهناك من يكتب له النجاح في بلوغ المرحلة الثالثة والأخيرة التي تتمثل بالعشق المطلق.

يرى كركيغارد أن مرحلة الأنا هي مرحلة حياة الفرد من أجل نفسه. والمرحلة الثانية (مرحلة الأخلاق) هي مرحلة حياة الفرد من أجل الآخرين. والمرحلة الثالثة (مرحلة العشق المطلق) هي مرحلة حياة الفرد من أجل الله. والمعيار في مرحلة الأنا هو الحصول على اللذة والمتعة على المستوى الفردي. والمعيار في مرحلة الأخلاق هو الشعور بالمسؤولية التي يفرضها المرء على نفسه تجاه الآخرين. والمعيار في مرحلة العشق المطلق هو ما يأمر به الله سبحانه وتعالى.

1 ـ مرحلة الأنا:

إن الحياة من أجل اللذات، تمثل المفهوم الحقيقي للأنا. فاللذات هي وحدها التي يؤصلها الفرد في مرحلة الأنا. فليس هناك توقف أو كبح جماح تجاه أي شخص أو أي شيء أو أية رؤية أو فكرة. إن الهدف الوحيد من الحياة هو الحصول على اللذة فقط. وإن المثال البارز على مرحلة الأنا في حياة الإنسان يتجلى في العشق الذي يقوم بين رجل وامرأة والذي يزول بعد فترة قصيرة ويميل كل واحد منهما إلى اتخاذ شريك آخر. يصوغ الفرد في مرحلة الأنا إلها لنفسه، ويكون هذا الإله هو ذاته ونفسه.

2 ـ مرحلة الأخلاق:

يرى كيركيغارد أن الاستهزاء عنصر محرك للعبور من مرحلة الأنا إلى مرحلة الأخلاق. إن أرواحنا وأنفسنا لم تخلق بحيث تستطيع العيش في بحبوحة السعادة باستمرار. فإن تكرار اللذات المتشابهة يدعو إلى السأم. وعليه فإن مرحلة الأنا تشكل نمطاً من الحياة محكوم عليه بالفشل، وهي حياة تحمل بذرة فنائها في أحشائها. وإن هذه الطبيعة الجدلية تؤدي بلذة الإنسان إلى عدم المبالاة وسيفضي ذلك إلى الإحباط وانعدام الأمل.

إن الحياة المقرونة بالشعور بالمسؤولية هو عنوان المرحلة الأخلاقية. وإنما تكتسب الحياة معناها ومفهومها إذا تكفل الفرد بإنجاز مسؤوليته ومهمته. إن الفرد الأخلاقي هو قبل كل شيء ملتزم بالتكليف الذي اختاره بإرادته. بمعنى أنه لم يلتزم بالواجبات والمحظورات الأخلاقية بسبب القيود الخارجية، بل إنما اختار هذا الالتزام بملء إرادته. إن المرحلة الأخلاقية عبارة عن مجموعة من القوانين المتناغمة لإقامة الخير في المجتمع، فعلى الفرد أن ينسجم مع المجتمع، وأن يقدم مصلحة المجتمع على مصلحته الخاصة. قد تشتمل الأمور الأخلاقية على لذة ومتعة، إلا أنه لا يختارها لأجل ما تشتمل عليه من اللذة، وإنما يختارها لقواعد وأصول أسمى.

يمثل كيريغارد للحياة الأخلاقية بالزواج في مقابل السفاح والعلاقات العابرة. فالذي يتزوج إنما يختار الحياة الأخلاقية. إن المحبة الكامنة في الزواج مسؤولية قائمة على أساس ميثاق مقدس. وإن العشق التذوقي والعابر لا يمكن أن يكون أخلاقيا قطعاً، مهما كان مقروناً بالشعر والخيال، لأنه لا يكون مصحوباً بالمسؤولية والشعور بالتكليف.

3 ـ مرحلة العشق المطلق:

يجد المرء أن الهدف من الحياة ومفهومها يكمن في تكامل الشخصية الأخلاقية والاجتماعية وبناء الأسرة. ولكن هل تعد هذه الأمور هي الهدف النهائي من الحياة. إنه يضحك على هذه الحالة من كل قلبه، ويضحك من نفسه إذ يعتبر هذه الأمور هي غاية الحياة. إن هذه السخرية تؤدي به إلى الإحباط والملل والسأم، وكأنه مهما بذل من الجهود لن يصل إلى غاية الحياة. فهل امتثل كل ما يستطيع فعله أم لا يزال هناك من المهام التي لم يقم بها. وعليه لكي لا يصل به هذا الإحباط وانعدام الأمل إلى شفير الموت، فإنه يشعر بأن عليه البحث عن هدف الحياة في الخلود والأبدية، وبذلك يدخل في مرحلة العشق الإلهي المطلق.

ليس هناك في هذه الحياة العابرة ما يحتوي على معنى إلا إذا ارتبط بالله. إن سعادة الفرد في الحياة تكمن في الإيمان بالله والتفاؤل بالخلود والأبدية. وإن عابد الجمال إنما يعيش لهذه الغاية، وإن الشخص الأخلاقي يعيش على طول الزمان، بينما يعيش المتدين من أجل الخلود والأبدية.

وفي هذه المرحلة يرى كيركغارد أن إبراهيم × هو الأفضل على الاطلاق. ولكن كيف يمكن اعتبار ما قام به أخلاقيا؟ فهو لا يمتلك الحد الوسط الذي يمتلكه أبطال التراجيديا لكي يكون ما قام به قابلا للفهم! إذ لم يكن في قتل ولده أي خير لعامة الناس. وعليه لا يمكن فهمه لأي أحد، ولن يكون ممدوحا من قبل أي أحد، ولن يكون بإمكان شخص أن يعمل على مواساته بسبب ما قام به. إنه بشكل عام يخرج عن دائرة الحسن والقبح الأخلاقي، ويقف في مواجهتهما. فكيف يكون ما قام به أخلاقيا؟

يقول كيركغارد: إن لدى إبراهيم خارج الدائرة الأخلاقية غاية يعلق الأخلاق بإزائها، وهي أمر المطلق أو أمر الله، وفي الحقيقة فإن الأخلاق بالنسبة إلى الآخرين هي الله، وأما بالنسبة إلى إبراهيم فإن الله هو الأخلاق. وإن إطاعته وامتثاله لأمر الله يجعل من فعله عين الأخلاق.

ربما كان السبب في أهمية العشق بالنسبة إلى كيركيغارد يعود إلى تأثير أبيه عليه في فترة الطفولة والشباب. فقد صرّح قائلاً: (إنني مدين منذ البداية لأبي في كل شيء، كان إذا رآني مكتئبا يقول لي: عليك أن لا تنسى أن تعشق عيسى المسيح) من هنا يعمد كيركيغارد إلى توظيف العشق بوصفه عنصراً هاماً في الإيمان وفي الأخلاق أيضاً. إن اللحظة التي يتجلى فيها حبّ الله هي لحظة الإيمان، وإثر ذلك يسعى الفرد المؤمن والعاشق إلى طلب أمر الله أو المعشوق. إن حب الله ومرحلة الإيمان تؤدي إلى إطاعة أمر الله في مرحلة الأخلاق، ومن ثم يأمر الله بالحب، فيأمر بحب نفسه وحب الآخرين.

يقترح كيركيغارد ارتباطاً وجودياً بالله، ويقول إن الطريق الوحيد إلى هذا الارتباط هو العشق. فإذا افتقرنا إلى العشق فإن نظرتنا إلى المسيحية مهما كانت مثالية ستكون نظرة غريبة وفاقدة للمعنى. وإن عشق الله يطيح بجميع القوانين الأخلاقية الصائبة والخاطئة مرة واحدة، ويغدو الشيء الصحيح والحسن هو أمر المعشوق فقط.

ولكن لكي تعشق الله، لا بد قبل ذلك من معرفته وإثباته، وهناك طريقان لإثبات الله، الأول من طريق البراهين العقلية والآفاقية، والثاني من طريق البراهين الوجدانية والأنفسية، ويذهب كيركغارد إلى تأصيل البراهين الأنفسية وتقديمها على البراهين الآفاقية كما تقدم أن ذكرنا. حيث تلعب العواطف والمشاعر دوراً معرفياً كبيراً في مفهوم الإيمان عند كيركيغارد. وبذلك يغدو الجميع عند كيركغارد بحاجة إلى الوحي والانكشاف الخاص. يضاف إلى ذلك أن المعرفة الأخلاقية من طريق الخلق لا تأتي إلا بعون من الله، بل هي نوع من الإلهام والانكشاف العام. إن هذه المعرفة الطبيعية لا تأتي من طريق العقل، وإنما تأتي من طريق القلب والفؤاد. بل إن البحث عن البراهين العقلية عند كيركغارد قد يبعدك عن القصد، ويشط بك عن الطريق. وقد نجد لهذا المعنى جذوراً في كلمات الإمام الحسين × في دعاء عرفة إذ يقول: >تردّدي في الآثار يوجب بعد المزار .. كيف يُستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟! أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟! متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟.

وفيما يتعلق بإخلاص العمل للمعشوق المطلق يقول كيركغارد: >إن رجاء الثواب والخوف من العقاب، والآمال الواهية في الحصول على المكافأة والخلاص من عواصف جهنم، إنما هي أمور تؤدي إلى الضلال. إنما يجب علينا إرادة الله لذاته<. وقد شبه كيركغارد من يروم المكافأة من وراء عبادة الله بالعاشق الذي يعلن عن حبه لامرأة طمعاً بالفوز بثروتها، وعليه لا يكون مخلصا ومستقرا في حبه. وهذا يشبه القول المأثور عن الإمام علي × إذ يقول: >إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأَحْرَارِ.

وفي الختام أجدد شكري ﻷستاذي الرائع سماحة الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وأسأل الله له مزيدا من التوفيق والتألق والنجاح.

 

..............

* [1] أديب ومترجم.

 

لمياء الربيعي .. شاعرة عراقية شابة تنحت صخر القصيد أحرفا تمتزج دمعا وألم

ahmad fadelكان الإحتفاء بمنجز الشاعر العراقي فلاح حسن الشابندر الأخير "سطر .. الشارع" فرصة للتعرف على صوت شعري شاب من الجنس الناعم لم يكن لنا لقاء سابق معها لولا أن جمعتنا بها تلك اللحظات في قاعة الراحل خالد الذكر الدكتور علي الوردي في البيت الثقافي البغدادي بشارع المتنبي وسط بغداد والتي كانت تغرق وسط غمام جميل أشاع بهجة من يطلق عشرات الحمامات البيضاء في سمائها .

 لمياء الربيعي هي هذا الصوت الشعري الشاب جلست بخجل العراقية العربية تنصت معنا إلى قصائد الشابندر الذي راح يجلجل بصوته الآخاذ أركان القاعة الوردية فالتفتُ إليها قائلا:

- هذا الذي يلقيه على أسماعنا من ديوانه الأخير " سطر .. الشارع " الذي توج به تجربته الشعرية التي ابتدأها ب " فحم وطباشير " اللذان سيكونان بين يديك بعد قليل، سكتُ برهة حتى لا أشوش على الحضور وعدت أسألها:

- وأنت، هل تكتبين الشعر أيضا ؟

قالت:

- نعم ..

- جميل مع أني لم أقرأ لك .

أخرجت من حقيبتها قصيدتان قالت عنهما:

- أرجو أن يحوزا رضاك ..

ومع أن المرأة الشاعرة دائما ما أنحني أمام إبداعها اللامحدود، فهي عندي صوت قد يتفطر الحجر لسمعه مذ وقفت الخنساء ترثي أخاها صخر:

قذى بعينيك أم بالعين عوار

أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار

كأن عيني لذكراه إذا خطرت

فيض يسيل على الخدين مدرار

أو تشيع البهجة في القلوب المتعبة كقول عاتكة الخزرجي:

تفديك روحي ألف مرة

لله بعدك ما أمره

إني أكاد أجن فيك

فهل إليك اليوم نظرة

إني ليفزعني الفراق

وأتقي في الحب شره

وأعوذ من صرف الزمان

ولست آمن منه مكره

كيف السبيل وبيننا

قدر يهاب القلب أمره

ومتى نعود، متى أراك

ونلتقي في الله مرة ..

ومع أن ألف ونيف من السنوات تفصل لمياء عن الخنساء، وعقود أخرى عن الخزرجي، فإن شاعرتنا الشابة في قصيدتيها " حبلى بالنعوش " التي سنتوقف عندها طويلا  والقصيدة الثانية " لذة خيبة " تحملان بعضا مما حملته أخت صخر، وشاعرة الرقة والعذوبة عاتكة، وهكذا هن شاعراتنا العراقيات والعربيات لم أقرأ لهن الفرح إلا وهو ممزوج بالدموع .

ويقينا أن تجربة الربيعي الشعرية لاتتجاوز بأي حال من الأحوال من سبقنها تجربة وإبداعا وعمرا لن أتطرق إلى الرائدات منهن لأنني أحببت أن تكون الربيعي قريبة من وفاء عبد الرزاق، د . هناء القاضي، ريم قيس كبة، فرح دوسكي، رفيف الفارس، سمرقند الجابري وغيرهن من جيل ما بعد التسعينيات التي تحاول فيه أن تكون هي ومجايلات لها ترك بصمة قد لاتشبه ما تركته عبد الرزاق والجابري، فهي من خلال قصيدتها " حبلى بالنعوش " نتذوق طبقا شعريا معمولا بعناية، مقاديره: الرمزية والتكثيف والصورة الشعرية التي تقترب فيها من الحبيب، الوطن، الألم الدفين الذي لم ينتظر السكوت فراح يبوح بالنزف، ثيمات راحت تشتغل عليهن الشاعرة الشابة لتصنع منهن طبقها الشعري المغمس بكل تلك الفواجع:

نفق الوقت بطرائق الأنفاس

وهن على سرير الغفوة

شيعها وهي تحتشد

على باب الزفير

الهتك بالأضلع كان قدرا

أطبق حجته على الفم

فسكت الوريد وراح يصغي

لعنيد يحتل الغياب بقسوة

وقرين أخفق صحبتي

قدري .. أن ينهض الكذب برئتي

أن أدرج كل الصباحات بموعد واحد

أن أرقص مع الشمس بذراع مبتور

وأتقوس كالمدار حول النار

اشتعل بكل صغائري التي

خلفت كبائر خطاياك !

هنا نجد لدى الشاعرة أيضا فيضا من دلالات شعرية وجملا موحية قصيرة متقطعة هي الأكثر بروزا في شعريتها، تجمعت كل تلك الإشتغالات أو التقنيات في نص شعري إستعار من السرد القصي ما يمكن أن يكون مزجا بينهما ما أعطى قوة وجمالا للنثر الشعري تمكنت الربيعي من خلاله أن تبوح بقدرها تجاه من أحبت، أو يمكن أن تكون هذه الأبيات محكيات مرت بنساء غيرها تشابهن معها باللوعة والألم .

من ميزة القصيدة النثرية أنها تحتفي بقول ( الجملة) لا بقول (الكلمة) كما يقول الناقد المصري عبد الله السمطي وهذه هي إحدى ميزات شاعرتنا لمياء الربيعي التي نكمل معها بقية قصيدتها:

قدري ..

أن أتحول نصفا

يصغي لغابة الذات

يتفوق على الآخر

بصمت يثرثر بالأفكار

وهي تغادر الذاكرة

أين هم .. اولئك الذين

أعادوك مجددا لجسدي

الأماكن والساعات القصيرة

حماقة الشك والغيرة

وفناجين العرافات

الجرائد التي

افرغت كل البطالة

في جيب تخيلاتنا

النزف يزداد انحدارا مخترقا الذكريات مارا بصور ليس للفرح فيها مكانا ما تزداد فيها قتامة البوح:

أينها .. لذة الليالي

وهي تسرج خيول الشهقات

تفض اشتباكنا خلف أبواب الحيلة

ومكر الحكايات

تشاكس الخجل

ولا تحفل بدوائر العمر الذي

أبدا لم يكن حائلا بيننا

قرأت في هذه الأبيات محاولة لفهرسة الألم والعاطفة العنيفة وهاجس الخوف من الآتي المجهول ما ذكرتني بالشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث (1932 - 1963) التي لاتزال كثرة من الشاعرات هناك ينسجن من تجربتها الشعرية قصائد تحاكيها في القبض على الشعور المسرف والتي كانت ترسم لها بوضوح حدود الواقع والمأمول، كتبت بلاث تقول:

يبدو الأمر كما لو أن حياتي

كانت

تدار بطريقة سحرية

من قبل اثنين

إيجابي ويأس،

أيهما يعمل في وقتي الراهن

يهيمن على حياتي

نعود لنكمل قراءة القصيدة التي تصل حد التساؤل، وهو عندي قمة العنف الشعوري حيث تقول:

أينها ..ابتسامة الحنان

في وجه قصيدتي البكر

وأخرى شرعت للقادمة

أميالا من الكلمات

أين أنا .. أين أنت ؟

بت أخاف المرايا

في ليلة موحشة

أشعر بالضيق في غرفة عارية

أسكب قهوتي على فساتين العزلة

التساؤل هنا قد يكون موجها لها كتعنيف شخصي منها لأنها باتت تخاف المرايا وهن صاحبات المرأة حتى في سريرها، تخافها لأنها وبسبب فقدانها أملها المرتجى لم تعد تتذكر ملامح سعادتها:

لا أشتري صحيفة ولا كتبا

أكتفي بحديث العرافة بخلوتي

أشتت المواعيد وأرتب التجاعيد

أصافحني كل صباح

لا أجدك بقربي

فمذ أن اقفلت عينيك

لم أعد أتذكر ملامح السعادة

نفق الوقت على يدي

حين صاح الموت بإسمك أولا !

عزائي صمت جميل .. وبعض دقائق حبلى بنعوش الأخريات

الفراق هذا النكد الأزلي المستحكم بقوة بيننا لامفر منه وأصعب ما يكون عند الأحبة، فكيف إذا كانت المرأة جزءا منه .

"حبلى بالنعوش " مرثية لإمرأة شاعرة يكاد شبابها يذوي ألما كما ذوى من قبل شباب شاعرات كثر، لمياء الربيعي ليست الأخيرة بينهن، لكن تجربتها الشعرية تحمل نكهة أخرى مغمسة بالذكرى، بالفراق، بالألم، وقد نعود مرة اخرى إليها في قادم الأيام كي نقرأ فرحا يغمر أبياتها لننسى ولو لمرة واحدة ذلك الكدر .

 

أحمد فاضل

 

خاطرة من ماض الزمان قبل أن يطمرها النسـيان

abdulrazaq mohamadjafarاســتلم عبدالكريم قاســم تقريراً من شبكة الإعلام الخاصة به، تحذره من وجود مؤامرة، مما حدى به إلى أن يصـدر أوامره بتوقيف أعضاء من حزب البعث البارزين. وأذاعت الحكومة في بغداد عبر تلفزيون بغداد نبأ الانقلاب وهاجت جماهير غفيرة من الشــعب، وحرك الحزب الشــيوعي الآلاف من كوادره، للدفاع عن نظام عبدالكريم قاســم.

من الصــدف النادرة التي حدثت معي، أن أكون صــباح يوم الثامن من شـباط أحد المغادرين جواً من بغداد إلى موســـكو، بعد قضـاء العطلة الربيعية في ربوع الوطن !

وفي مســاء ذلك اليوم، وما أن انتهيت من الإجراءات الروتينية عند شــراء تذكرة الســفر من شــركة طيران امريكية اســمها "بان امريكان"، قال لي مدير المبيعات العراقي:

(إن الطيارة التي ستقلك ســتصل صــباحاً في حدود الســاعة التاســعة من طهران، ولربما ســتتأخر!!، عندئذ نســفرك على طائرة خطوط جوية اخرى!).

لم أعر تلك الملاحظة من بائع التذاكر أية أهمية، واعتبرتها أمراً اعتيادياً تحدث من باب الاحتراس.

وعلى أية حال، توجهت يوم السفر برفقة أخي الأكبر والموظف في المطار المدني، وعلى الفور أكملوا له معاملة إجراءات الســفر قبل الســاعة التاســعة،.. وبدأت بتوديع المرافقين، وفي تمام الســاعة التاســعة ســمعنا مكبر الصــوت في صــالة الانتظار بالمطار، يعلن:

غلق المطار ومنع مغادرة أية طائرة!

امتثل الجميع إلى الأمر المعلن، وبدأ المســؤولون والأمن العســكري في المطار بحَث الأهالي بالمغادرة، والكل يتســائل عن الســبب، وســمعت من يقول، انقلاب عســكري ..عبد الكريم قاسـم قتلَ، .. وغير ذلك من الأقوال ... فأسرع أخي وأعاد الحقائب وتوجهنا نحو سيارته للعودة الى داره وكذلك خرج جميع المسافرين والمودعين من بناية المطار.

لقد شاهد الجميع في تلك اللحظة طائرة عســكرية تحوم فوق بناية وزارة الدفاع، مقرعمل وســكن الزعيم عبدالكريم قاســم وتلى ذلك انفجار مدوٍ، وبهذا لم يبقى امامنا ســوى العودة للبيت بأســرع مايمكن!.

وفي طريق العودة الذي يخترق الأعظمية، وبالقرب من الجســر الحديدي اعترضتنا مظاهرة لبضع مئات من الشــباب وفي يد بعضـهم غـدارة، وهم يرددون هتافات مدوية، ضـد نظام قاســم، وقد كانت وجهتهم نحو وزارة الدفاع الواقعة في باب المعظم، في بداية شــارع الرشــيد، الذي يعتبر من أشــهر واقدم شــوارع العاصــمة بغداد.

وعند وصـولنا دار أخي، شــاهدنا تلفزيون بغداد واســتمعنا إلى محطات عربية وعالمية متعددة، وبدأنا نعلم عما حدث ويحدث فوراً، وهكذا علمنا:

أن الزعيم عبدالكريم قاســم ما زال حياً يرزق .. ولقد كان ذلك اليوم هو الجمعة، وهو يوم العطلة الرسـمية في العراق. وبعد وقت قصــير من اندلاع الأحداث، فأن معظم أتباع النظام القاســمي جلهم من الحماية للزعيم، والفلاحين والعمال و الحرفيين، وهم في مظاهرة صــاخبة، وهم على أتم الأســتعداد للمواجهة والقتال من إجل حماية الزعيم قاســم!

لم يرى أي أحد النوم تلك الليلة في بغداد أو المدن العراقية الكبرى.

وفي يوم الســبت، الموافق، للتاســع من شــهر شــباط (فبراير)، وعند الســاعة 12.30 بعد الظهر، كان قد ألقي القبـض على عبد الكريم قاســم،وكافة المسـؤولين في نظامه، واقتيدوا إلى دار التلفزيون الحكومي في بغداد الصــالحية، وأدخلوا إلى قاعة الموســيقى، حيث خضـعوا لمحاكمة صـورية وســريعة وحكموا على عبد الكريم قاســم ورفاقه بالموت وقد فارقوا الحياة،

ومن المؤلم ووفق الخلق العربي الإســلامي، أن نرى جندياً يمسـك قاســم من شــعر رأســه ويســحبه إلى الخلف بحركة مشــينة، وقد ســمعت بعد سـنين معاقبة ذلك الشـخص عائلياً.

تكون نظام الحكم الجديد، من المجلس الوطني لقيادة الثورة، السـلطة فيه موزعة بين العسـكريين وقيادة حزب البعث وتم التوافق على تعيين العقيد عبدالسـلام عارف رئيــساً للجمهورية، وأحمد حــسن البكر رئيسأً للوزراء.

وبعد اســتتباب الوضـع الجديد، تكونت لجان خاصة تضـم بعض المئات من البعثيين في منطقة الأعظمية، أطلق عليها اســم ، الحرس القومي، من أجل الدفاع عن النظام الجديد ضـد أي احتمال لتهديده، وبحدود بضـعة

أســابيع تم القضـاء على أعداد كبيرة من المؤيدين للنظام السابق ومن الذين

يشــكلون تهديداً للنظام الجديد ، وفي العاشــر من حزيران (جون)، 1963 أدى تمرد الكرد الى مهاجمة الحكم االبعثي لهم!

انقســم حزب البعث إلى عدة تيارات، منها اليســاري، ومعظمه من الشــــيعة، وآخر يـميني، يشــــمل كلتي الطائفتين، وأما التيار الثالث،.. فقد ترأسـه السيد أحمد حســن البكرمع زمرة من رفاقه، معظمهم من السٌــنة.

وفي الثامـن عشــرمن تشــرين الأول (أكتوبر)، 1963، قامت مجموعة من ضــباط الجيــش، مع بعض البعثيين المتمردين على الحزب، تصـحبهم الدبابات لحراســة المناطق الاســتراتيجية في بغداد. ثم أطلقوا الصــواريخ باتجاه مركز قيادة الحرس القومي التابع لحزب البعث.، وصـدرت الأوامر للجنود لتطويق المقر وألقاء القبض على قادة حزب البعث. إن تلك الحركة العسكرية أدت إلى إقصــاء البعثيين من الحكومة، وصـارالنظام الجديد تحت حكم عبدالســلام عارف وحده.

بدأ التفكير عند القادة الجدد بصــدد الوحدة مع العالم العربي، وهل من الأفضل إعلانه الآن أم وضــعه جانباً في القوت الحاضــر.

إلا أن هشــاشـة النظام الجديد وضعفه، أوحى إلى البعثيين في ايلول (سـبتمبر)، 1964 ، بمهاجمة مواطن القوة للنظام في عملية انقلابية أخرى، حيث تأجج الخلاف العقائدي بين عبدالسـلام عارف وبين قادة حزب البعث، أدى إلى التصــادم المســلح بينهما، وقد أســفر ذلك التناحر عن زعزة النظام الجديد، وهكذا نشــطت المعارضة من القوى المناوئة التي كانت تســاند نظام عبدالكريم قاسـم، وتوحدت مع بعض الأحزاب التقدمية للإطاحة بالنظام العارفي.

توفى عبدالســلام عارف نتيجة لتحطم الطائرة العمودية التي كان يســتقلها في رحلة داخلية في جنوب العراق، بســبب عاصــفة رملية.

ولم تدع أية جهة المســؤولية، بالرغم من توجيه أصــابع الاتهام للبعثيين،

وفي الحال حل محله شــقيقه عبدالرحمن عارف.

 

بقلم الدكتور عبدالرزاق محمد جعفر

استاذ جامعة بغداد / سـابقاً

 

 

عن بعض العراقيين، الذين مروٌا بموسكو .. 70 عاما على العلاقات العراقية – الروسية

منذ حوالي العشرين سنة الماضية وانا اتحدث مع الاصدقاء والزملاء عن كتاب عنوانه – (عراقيون في روسيا وروس في العراق)، وهو كتاب أحلم ان انجزه وانشره ويتناول شخصيات اعتيادية عراقية وروسية ارتبطت مسيرتهم الحياتية بروسيا والعراق، اذ اني اؤمن ان التاريخ يصنعه الناس جميعا، وتجمعت لدي مواد كثيرة حول ذلك، ولكن الظروف الشخصية والعامة مع الاسف حالت دون انجاز هذا الكتاب، الذي اظن انه ضروري ومهم لتدوين العلاقات العراقية – الروسية وتاريخها، واذكر ان صديقي الحبيب المهندس صلاح الماشطة قال لي مرة منفجرا – (متى ستنجز هذا الكتاب الذي تتحدث عنه طوال عشر سنوات ؟؟؟؟؟)، فقلت له ضاحكا اني احتاج الى عشر سنوات اخرى . لقد نشرت بعض فصول هذا الكتاب هنا وهناك، وبودي هنا ان اقدم خلاصات مركٌزة فيما يأتي لرؤوس نقاط ليس الا حول اشخاص يرتبطون بشكل او بآخر بموسكو (وجميعهم من الراحلين) لمناسبة الذكرى السبعين لاقامة العلاقات العراقية – الروسية في ايلول / سبتمبر من هذا العام 2014

والاسماء هنا مرتبة حسب الحروف العربية .

ض. ن .

 

حياة شرارة: ولدت في النجف عام 1935 وتوفيت منتحرة في بغداد عام 1997، وهي اول عراقية حصلت على درجة الاستاذية (بروفيسور) في الادب الروسي بجامعة بغداد . التقينا في كلية الاداب بجامعة موسكو في بداية الستينيات من القرن العشرين وعملنا معا في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد منذ بداية السبعينات الى حين رحيلها المفجع، عندما جاءت ابنتها زينب الى غرفتي في كلية اللغات واخبرتني بالنبأ الرهيب وقالت لي انها غالبا ما كانت تذكرك ولهذا فانها قررت ان تهدي مكتبتها الروسية لي، فاجبتها عبر دموعي باني اتقبل هذه الهدية واقدمها راسا هدية باسمها الى مكتبة قسم اللغة الروسية، وهذا ما تحقق فعلا بعد ان القيت نظرة فاحصة على تلك المجموعة الهائلة من الكتب الروسية وكانت في حدود الف كتاب، ومنها كتب روسية صادرة في الغرب وفي لندن بالذات، واحتفظت لنفسي بعدة اوراق بخط يدها للذكرى، وكان من بينها رسالة من نزار الملائكة الى حياة تقع في عشر صفحات بعثها من لندن، وقد اطلعت عليها ووجدتها تمتلك قيمة ادبية وتاريخية، اذ يتحدث فيها عن اخته نازك الملائكة ويقلل من شاعريتها ويتناول مساهماته في الشعر ويستشهد ببيت من قصيدته التي اذيعت من البي بي سي في حينها ويتكلم عن اللغات واهميتها ومنها اليونانية والروسية ...الخ، وقررت ان هذه الرسالة - الوثيقة تستحق النشر فعلا، لأنها لا تتناول الامور الشخصية . لقد احترقت مكتبة قسم اللغة الروسية عام 2003 ضمن ما تم تدميره ونهبه بعد الحرب، وهكذا احترقت تلك الكتب ايضا، اما الاوراق التي احتفظت بها فقد ضاعت ايضا ضمن ما فقدته فيما بعد. ان حياة شرارة تجسد المرأة العراقية التي تبلورت ونضجت علميا في جامعة موسكو، عندما كانت تدرس فيها حيث انجزت اطروحة الدكتوراه عن تولستوي، ونشرتها في بغداد بعنوان – ( تولستوي فنانا )،وهو اول الكتب التي اصدرتها بعد عودتها من موسكو، ولا زال هذا الكتاب مهما في المكتبة العراقية والعربية عموما ضمن موضوعة الادب الروسي في العراق خصوصا والعالم العربي بشكل عام، وضمن الدراسات العربية حول تولستوي طبعا، علما ان هذا الكتاب صدر لحد الان بعدة طبعات .

 

عبد الرزاق مسلم: درس عبد الرزاق مسلم في قسم الدراسات العليا بكلية الفلسفة في جامعة موسكو في بداية ستينيات القرن العشرين، وكان موضوع اطروحته حول فلسفة ابن خلدون، والتي انجزها بنجاح. كان شخصا هادئا ومتواضعا ومرحا ويتقن الروسية بشكل جيد جدا وعلاقاته واسعة مع الجميع، ولم نكن – نحن الطلبة العراقيين الاعتياديين آنذاك – نعرف ان هذا الشخص المتواضع والبسيط هو سياسي متميز وكبير في الحركة اليسارية العراقية عموما والحزب الشيوعي العراقي خصوصا، وعندما عرفنا بذلك ازداد احترامنا له، اذ بدأنا نقارنه ببعض الذين كانوا حوله وهم يتباهون ويتبجحون، وحتى يستغلون هذه المواقع لمصلحتهم الخاصة ومنافعهم الذاتية. لم يحاول عبد الرزاق مسلم البقاء في موسكو بعد انهاء دراسته كما حاول بعض هؤلاء، وترك الاتحاد السوفيتي، وعاد الى العراق وبدأ العمل بعد فترة في جامعة البصرة، وسمعنا انه كان يوما يتمشى في شوارع البصرة مع الشخصية الايرانية الدكتور موسى الموسوي،وهو معارض ايراني كان استاذا للفلسفة في جامعة بغداد وحتى مرشحا فيما بعد لمنصب رئيس جمهورية ايران، وتم اطلاق النار عليهما واصابت الاطلاقات عبد الرزاق مسلم واردته قتيلا . من الواضح ان الذي قام بهذه الجريمة القذرة يرتبط بجهة سياسية محددة وان هذا الاغتيال جاء لتصفية حسابات سياسية بلا ادنى شك. لقد اصدر الدكتور عبد الرزاق مسلم كتابا مهما جدا في بيروت لا اتذكر عنوانه بالضبط ولكنه يحتوي على مجموعة كبيرة من المصطلحات الفلسفية والسياسية على شكل معجم متوسط الحجم، وهو من ترجمته واعداده وترتيبه، ويعد هذا الكتاب محاولة علمية رائدة في مجال علم المصطلحات، وقد اعتمد بالطبع على المصادر الروسية، وقد وجدت هذا الكتاب مرة في احدى مخازن الكتب القديمة في بغداد واقترحت على الجمعية العراقية لخريجي الجامعات الروسية عام 2005 اعادة طبع هذا الكتاب باسم الجمعية لاهميته العلمية اولا، ولانه نتاج احد خريجي الجامعات الروسية ثانيا، وقد حظي المقترح بتأييد الجمعية، الا ان الحصول على موافقة ورثته كان عائقا امام تنفيذ ذلك، وهكذا اهمل المقترح، رغم اني سمعت فيما بعد ان ارملته التي تسكن في احدى الدول الاوربية قد وافقت على ذلك، وكم اتمنى ان تتابع الجمعية بقيادتها الشابة الجديدة هذا الموضوع الحيوي الجميل وفاء لذكرى واحد من ابناء عراقنا المثقفين الكبار، وستكون هذه خطوة لنشر كتب اخرى لاعضاء هذه الجمعية العلمية .

 

معروف خزندار: ولد في اربيل عام 1930 وتوفي هناك ايضا عام 2010، ودرس في لينينغراد ( بطرسبورغ حاليا) منذ عام 1960 الى 1968 وحصل على شهادة الدكتوراه من معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم السوفيتية، وكان موضوع اطروحته – (تاريخ الادب الكردي الحديث)، وقد ارتبط هذا الموضوع بحياته العلمية طوال مسيرته الاكاديمية، اذ استمر بمتابعته والعمل الدؤوب لانجازه، وهكذا اصدر سبعة اجزاء منه طوال حياته، وهو بذلك قد حقق فتحا كبيرا في الادب الكردي الحديث،وخطوة علمية لم يسبق لاحد ان قام بها قبله، ولا اعرف مثلا تكرر بهذا الشكل في التطبيق العملي للبحث العلمي ابدا، اذ ان الباحث عادة يبقى في اطار تخصصه العام والواسع او يركز نشاطه في اطار اختصاصه الدقيق، اما معروف خزندار فقد استمر في طريق البحث العلمي مطورا وموسعا ومتعمقا في موضوع اطروحته بالذات، وهو تاريخ الادب الكردي الحديث، دون ان يهمل النشاط العلمي والبحثي في مجالات الاختصاص العام الاخرى، وقد قدم للمكتبة العربية ترجمات رائعة عن اللغة الروسية، والتي اصبحت مصادر مهمة وهي – (الاكراد) تأليف مينورسكي والذي صدر في بغداد عام 1968، و(الرحالة الروس في الشرق الاوسط ) تأليف دانتسينغ والذي صدر في بغداد وبيروت عام 1981، و(تاريخ الاستشراق والدراسات العربية والكردية في المتحف الاسيوي ومعهد الدراسات الشرقية في لينينغراد) والذي صدر في بغداد عام 1980، هذا وقد اصدر ايضا كتابين باللغة الروسية، الاول – اطروحته نفسها (تاريخ الادب الكردي الحديث) والذي اصدرته دار نشر اكاديمية العلوم السوفيتية عام 1967، والثاني – مجموعة قصص كردية قصيرة تضم ست عشرة قصة والتي صدرت في موسكو عام 1968، اضافة الى العديد من الكتب باللغة الكردية والتي تشير بعض المصادر الى انها قد تجاوزت الستين كتابا، منها مذكراته في خمسة أجزاء بعنوان – (أيامي).

حركة الأنصار الفاشلة (2) .. مذبحة تنظيم الداخل على يد القيادة والأندساس

الحركات الثورية في العالم تولد قادتها الثوريين كضرورة تاريخية تفرضها الحاجة الجديدة للحركة .. ولكن الأنصار الشيوعيين لم يكونوا حركة بل تنظيمات حزبية هاربة من بطش الديكتاتورية .. وكل عضو فيها هو كادر حزبي وكان توسع الحركة مبني على تجمع المزيد من الكوادر ومن جميع أنحاء العالم .. أي إن الحركة لم تكن حركة جماهيرية بالمرة حتى بعد إلتحاق بعض الهاربين من جحيم الحرب العراقية الأيرانية .. وقد توفرت الفرصة التاريخية لرفاق الحزب للعيش المشترك مع بعض من قيادات الحزب ومجالسة أسماء كان يجري تلميعها لنا نحن الشبيبة لسنوات عديدة حتى أصبحت وكأنها شخصيات أسطورية.

وإذا بها تنكشف أمام أعيننا تفاهاتها وضحالتها الفكرية والأخلاقية وعنصرية بعضها القومية وزيف مكانتها الجماهيرية .. وعلاقاتهم المشبوهة بالنظام البائد .. لقد إبتدأ التواجد ومشروع لحركة ثورية جديدة بقيادة أثبتت فشلها وهزيمتها وخيانتها في الصمود في الصراع مع السلطة وخوض المعترك السياسي وفي الحفاظ على قدراتها الجماهيرية وسكرتيرها العام يسكن موسكو والدول الأشتراكية الأخرى وكذلك بقية أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية. بنيت القواعد الأولى ومعاناة التأسيس تحمل أعباءها رفاق الداخل الأوائل وبعض ممن جاءوا مبكرا من خارج الوطن..

أحد الرفاق القدامى (سعيد) قال إن الحركة إبتدأها بهاء الدين نوري وملا علي من السليمانية بالتعاون مع أوك بقصد الأستيلاء على الحزب وقيادته وكان رأي القيادة الكردية حينذاك ضد الكفاح المسلح بل كانوا يسمونه التواجد المسلح وهو حال التواجد المسلح للحزبين الكرديين الأساسيين .. وقد خشيت القيادات الكردية الشيوعية من نوايا بهاء وملا علي فسارعت بأرسال الكوادر الحزبية و تهريب الأسلحة عبر الحدود السورية – التركية وإرسال الكوادر التي تأتمنها الى كردستان .. وبقيت مقولة كريم أحمد الداود وفخري كريم (لو تلحق الطلقة الأخيرة أو لا تلحق ..!!) لا تزال عالقة في ذاكرة العشرات من الرفاق في اليمن وبيروت ودمشق ... وكان دخول السلاح والكوادر الى كردستان قد سحب البساط من تحت أقدام بهاء الدين نوري وملا علي .. مقابل عصابة عزيز محمد وفخري كريم وكريم أحمد الداود .

إن القيادات العليا للحزب كانت فوق الشبهات وعلاقاتها المشبوهة سواء كانت بالنظام السابق أو الجهات الأجنبية لا تجري أمام أعين الرفاق .. ومايجري أمام أعين الرفاق كان سقوط القيادات الحزبية الوسطية .. فالسقوط لم يكن مؤسساتيا أو شبكيا أو تنظيميا بل كان شخصيا .

كان أحد مرشحي اللجنة المركزية للحزب في السليمانية قد أبهرنا في قدرته على إختراق الخطوط السرية للعدو وكنا نراه يجالس الفلاحين في القرى و المدن القريبة على المركز ... وأتضح بعد حين علاقته المباشرة بدوائر الأمن العامة والمخابرات العسكرية للنظام .

وعضو اللجنة المركزية (أبو حكمت) كان ينسق مع النظام بشكل أشبه الى العلنية عبر الجحش ممو و هو من قتل الشهيد عادل سليم وسلم 32 رفيقا الى السلطات تم إعدام 12 رفيق منهم .

ومتسبب في قتل شهيد من كوستا عبر أحد المنحرفين جنسيا و كانت له علاقات جنسية مشبوهة به وقد قاده شخصيا الى القاعدة وتم تهريبه الى أفغانستان ومن ثم الى السويد...

ومن مساهمات أبو حكمت هذا (ولا أعرف أين هو الآن) تسليم الطبيب حبيب المالح من عينكاوة الى السلطات وقتله بطريقة غريبة وبشعة من خلال سحب دمه حتى الموت .

وكانت تربطه ب ر.ش (حيدر) مراسل الحزب الى إيران حينذاك علاقات وطيدة كان هذا الأخير لايبخل عليه بالهدايا من كرزات وقمصان ومشروبات روحية.. وعلاقاته بالنظام كانت عبر عصابات عبد الرحمن قاسملو رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الأيراني الذي تربطه علاقات وطيدة مع النظام العراقي حينذاك وأكثر الضن كان ر. ش مراسل هذه العلاقة ومحورها .. و من خلال ر. ش أيضا مع قوى خارجية غير معروفة .. أي إن دائرة الأندساس من قبل القيادة لها طابع مزدوج داخلي وخارجي وفي أطاره يدور العديد من خونة الحزب حتى أصبحوا مافيات متوزعة في كل مكان من أماكن تواجد الحزب .

وكانت هناك علاقات أقرب الى هذه من قبل ر. ش مع كمال شاكر (سكرتير الحزب الشيوعي الكردستاني العراقي ) الذي كان معتقلا لدى النظام وتم إطلاق سراحه عام 1979وهو (غير ممكن دون تعاونه مع النظام آنذاك).. البعض يتهمه بكونه متسببا بأعدام 31 من العسكريين الشيوعيين.. وقد تم تهريبه من كردستان من قبل ر. ش بحجة العلاج دون علم القيادة حينذاك وقد أحدث خبر هروبه ضجة في القاعدة (ناوزنك).

ومرشح آخر للجنة المركزية (أبو هيمن ) نجى بأعجوبة من هجوم عسكري على رفاقنا في قرية قزلر إستشهد فيها خمسة من رفاق المفرزة ومنهم الشهيد الرسام معتصم عبد الكريم ... أتضح فيما بعد تعاون هذا العميل مع مخابرات النظام البائد ... وتم إرساله الى العمل ثانية في الداخل لتصفية من يستطيع الوصول اليه وتم أكتشافه بعد سنوات وأستدعائه لحظور المؤتمر الوطني الرابع وتم إلقاء القبض عليه ولكنه هددهم (كما كانوا يدعون ) بأعتقال العوائل الشيوعية ليتم إطلاق سراحه ثانية خشية على هذه العوائل من الأعتقال والتنكيل. أبو هيمن هذا يعيش الآن في السويد تحت حماية إستثنائية من قبل الشرطة السويدية.

مرشح آخر للجنة المركزية كان يقود تنظيمات بغداد .. حدود معرفتي به إنه كان مكلفا بتمهيد الطريق لنا للنزول الى بغداد .. لم أكن أثق فيه مطلقا .. وقد حسمت عدم الثقة هذه عندما أخبرني قبل نزولي في أحد المرات الى بغداد بأن رسالة لي جاءت من المكتب السياسي للحزب وفيها أسماء رفاق معتقلين ولكنه كان قد حرقها (بالخطأَ ) ولم يتبقى من الرسالة سوى أسمين من الصعوبة قرائتها .. وبها أنهيت الشك باليقين وتيقنت تماما بعدم نزاهة (أبو طالب) وهو آمر الفوج الثالث في قاطع بهدنان .. وقد كانت لي تجربة سابقة معه في محاولة منه للكشف عن تنظيماتنا الحزبية وأسماء وعناوين الرفاق في بغداد وكانت صيغة الطلب (إن المكتب السياسي يريد هذه المعلومات وعلي تسليمها له ) وبعد الرفض أرسل لي عميلا آخر (أبو شروق – النقابي !!) ليحاول إقناعي وبعدها أرسل ( أبو أثير – فوج الثالث) لأقناعي وحتى هذه اللحظة لم أعرف ما مصلحة هؤلاء في الكشف عن أسماء رفاق العمل السري في بغداد وما هو سر علاقتهم ب (أبو طالب) ... وقد عرفت لاحقا إن المكتب السياسي لم يطلب منهم التحدث معي حول هذه المعلومات وهذا المكتب السياسي أيضا لم يحاسبهم على طلباتهم تلك .

وقد عرقل حينها إرسالنا الى المقر العام (القاطع) وبعدها تم إرسالنا بطريقة كادت تؤدي بحياة زوجتي الحامل حينذاك لا مجال لطرح تفصيلاتها في هذه السطور ..

ولعلم من لا يعرف عن (أبو طالب) فأنه حسب رواية الحزب إنه تم الكشف عن إرتباطه بمخابرات النظام من خلال أحد عناصر أوك في شقلاوة عام 1992- كان حينها يتنقل بسيارة تويوتا مع الشهيد سعدون- وهذا الشخص الذي كشفه يقال إنه من اللذين كانوا معتقلين في سجون النظام البائد وكان (أبو طالب) يشرف على عمليات تعذيبهم والحصول على المعلومات .. تمت محاكمته وتنفيذ حكم الأعدام به من قبل الحزب بعد إعترافه بالأدلة حسب ما يقال.

الروايات عديدة عن دور (أبو طالب) في الايقاع بالقيادة الحزبية مع مخابرات النظام البائد .. فقد تم ( حسب الروايات !!) تصوير أبو فاروق (عمر الشيخ) في أماكن كانوا يعتقدون إنها أوكار سرّية أمينة بكامرات الفيديو وكانت خطة أبو طالب حينذاك والأمن العام تتلخص في إستدراج ونقل حميد مجيد وتسليمه للأمن العامة كي يعرض على شاشة التلفزيون.. أي إنهم كانوا قاب قوسين أو أدنى في قبضة النظام !! حينذاك .

والروايات هذه لا تتحدث عن إحتمالات لقاءات مع النظام أو أي تفاهمات بين الطرفين خاصة مع عمر الشيخ وأنا على قناعة تامة بهذا الأمر لأن شخص كعمر الشيخ ليس شخصية عادية ساذجة تطرق مسامعه شكوكا ب (أبو طالب ) (على الأقل المرة التي تحدث أنا معه بالأمر ) ويذهب معه برجليه للوقوع في كمين التصوير .... على الحزب أن يكشف نتائج التحقيق مع المجرم أبو طالب التي بقيت طي الكتمان حتى هذه اللحظة وعلاقته لا مع النظام فقط بل مع عمر الشيخ أيضا.

أنا شخصيا تحدثت مع عمر الشيخ عن شكوكي ب (أبو طالب) قبل ذلك وقدمت أدلتي حينذاك ومحاولاته تسليمي الى أجهزة الأمن سواء كان في طريقة النزول الى بغداد أو في المواعيد الحزبية المسبقة الملغومة والتي تخلصنا منها بسبب حذرنا الشديد وشكوكنا المسبقة بهذه النماذج .

فبعد مغادرتنا المقر والحماية قررنا تغيير وجهتنا وهوياتنا وملابسنا التي يعرفها أبو طالب ومن أرسله معنا وبدلا من النصف ساعة التي تصلنا الى الشارع العام وحيث المجهول الذي كان يهيئه لنا طريق أبو طالب سرنا بطريق كلفنا يومين بلياليها وبدلا من زاخو وصلنا الى أطراف الموصل ومن هناك الى بغداد .. وفي بغداد تم إستطلاع مكان الموعد الحزبي في نهاية جسر الجمهورية .. وإذا به ملغوما بعشرات من رجال الأمن والسيارات الحكومية والمسلحين موزعين في كل متر مربع ..

كل هذه المعلومات تم إيصالها الى قيادة الحزب لاحقا دون أي إجراء يذكر بل بالعكس تم التغطية على ممارسات هذا المجرم والتستر عليه.

لقد كانت نسبة تدمير التنظيم من قبل نظام صدام مئة بالمئة عدا من تسلل وأختفى على حسابه وبطريقته (مثلنا) أو من تركه الأمن للتمويه ... كان يتم إلقاء القبض على الرفاق في السيطرات وفي أماكن يتم الأتفاق عليها مع القيادة مسبقا . كنا في عملنا في الداخل لا نتخفى عن أنظار السلطة فحسب بل وعن القيادات الحزبية التي تشاركنا تسهيل مهامنا في الطريق والتنقل والأختفاء.

لقد تم تنحية عمر الشيخ من المكتب السياسي بسبب عدم قدراته على مجاراة تطور الأحداث !!! أو شيئا من هذا القبيل ... في أحد مؤتمرات الحزب في التسعينات من القرن الماضي.

بعد إن إستنفذنا قدراتنا على العمل في الداخل .. جاءنا رفيق مرسل من المكتب السياسي ليعرض علينا راتبا شهريا لقاء الرجوع الى بغداد مرة أخرى ( وكأننا مرتزقة !! ) رفضنا هذا العرض ... وقبل بدء المؤتمر الوطني الرابع تم تحويل علاقتنا من تنظيم الداخل الى تنظيم الأنصار ..لتأخذ مكاننا زوجة حميد مجيد القادمة من أوروبا لتمثل تنظيم بغداد في المؤتمر طبعا إضافة الى أبو طالب (وأبو بهاء وابو هيمن !!!!).

إن تصفية تنظيمات الداخل كانت عملية نظامية إشتركت فيها العديد من الجهات وعلى رأسها قيادة عزيز محمد و حميد مجيد وعمر الشيخ ومن خارج العراق كانت مساهمة مميزة لفخري كريم وعصابته الحزبية في بيروت ودمشق واليمن في إرسال عناصر مخابراتية الى كردستان والداخل لتصفية ماكان متبقيا من تنظيمات سرّية والتنسيق المشترك بين هذه القيادات و أجهزة النظام البائد وهذه جميعها إضافة الى جهات أجنبية لها مصالح إستراتيجية في عملية التصفية هذه.

وللحقيقة يجب أن لا أغبن حق العديد من العناصر القيادية النظيفة ولا أضعها بنفس الدرجة من التقييم .. مع العناصر التي كانت تمتلك القرار السياسي ... وأخص بالذكر المرحوم أبو صباح والشهيد أبو نصير

وعبد الرحمن القصاب وأبو علي وأبو عامل والمرحوم توما توماس والمرحوم ثابت حبيب العاني وباقر أبراهيم (أبو خولة) وأبو يوسف رغم أخطائهم وخلافاتنا معهم و قائمة طويلة بأسماء كوادر الحزب الوسطية ومناضليه التي تعرضت هي الأخرى للغبن والأضطهاد والعداء و الأبعاد عن مراكز القرار والمئات عن التنظيم الحزبي والتواصل مع الحزب.

لقد كان المبدأ الأساسي للقيادة الجديدة هو عدم تجديد ورفد القيادة بكوادر جديدة قادرة فكريا وسياسيا على خوض النضال في المستقبل أو منافستها في الموقع القيادي .. لذلك كان العمل منصبا على إستغباء القاعدة ووضع القيادة في الموقع العلوي الذي لا يستطيع أحد الوصول اليه عبر صراع الأفكار والأجتهاد في المواقف بعد إن تم إبعاد الحزب عن المحك الجماهيري في التقييم . وأصبح هدف العصابة القيادية إيجاد إطار قيادي دون مقاييس الكفاءة والنزاهة والجماهيرية والتميز الفكري والقدرة على التضحية .. وتم إلغاء الزمالات الحزبية التي كانت تمنحها الدول الأشتراكية وإعطاءها هدية للطالبانيين والبارزانيين والبعثيين الأكراد من أقارب القادة الأكراد ليستفيدوا من الوثائق للسفر واللجوء الى الدول الأسكندنافية وحرمان الشبيبة الشيوعية منها .. سماها البعض بقطع النسل و إنهاء العمل بالماركسية ومتاعبها الأيديولوجية !!

إيجاد الأطار القيادي هذا هو في الحقيقة خلق عناصر تمتلك القدرة على سرقة نضال الآخرين والمساهمة بوعي أم بدونه في تصفية الحزب الشيوعي العراقي ..أو مباديء الحزب التاريخية في بناء الأشتراكية والشيوعية أو حتى إستبدالها بمسميات أخرى كمجتمع العدالة والضمان الأجتماعي وقيادة الدولة لعملية التنمية الأقتصادية .

قيادة لا تمتلك شيئا تناقشه ولا تمتلك القدرة على التحليل وإيجاد البدائل في السياسة أو الأقتصاد أو القانون بعد فقدان البوصلة الماركسية والموقف الطبقي , بل وتحول العديد منهم الى تجار ومضاربين ومالكي شركات وعقارات وحمايات خاصة .. ويدعون الى الخصخصة و تصفية قطاع الدولة و التوجه الليبرالي الجديد والسفسطة في التحليل والأستنتاج والأهداف مثل (من أجل دولة عصرية مدنية بعيدة عن المحاصصات ...الخ) دون ذكر ما هية طبيعة هذه الدولة و عناصرها وما هي مؤهلات قادتها الجدد . تحالف مدني ديمقراطي يحتضن متصهينين كمثال الآلوسي وعملاء الدرجة الثانية للأحتلال.

إنهم يسعون الى تصفية الحزب وبنفس الوقت خلق بدائل سياسية بديلة لهم كأشخاص لا كقادة شيوعيين .. ولا أحد يعرف كيف يمكن خلق بدائل سياسية كالتجمع المدني الديمقراطي من خلال عناصر لا يستطيع المرء تقييمها إلا بكونها عناصر ساقطة .

 

وللموضوع بقية

31.01.2014

 

حركة الأنصار الفاشلة (1)

هل كانت حركة الأنصار تجربة ناجحة؟ الجواب سوف لن يكن موحدا .. بغض النظر عن عواطف ومشاعر اللذين تكبدوا معاناة التجربة ومرارتها وأنا أحدهم .. لكن تقييم التجربة بشكلها العاطفي هو غيره بشكله السياسي والأستراتيجي .

قياس التجربة يتم عبر الأهداف التي بنيت عليها وأسباب ولادتها من جهة والنتائج الكارثية التي وصلت اليها من جهة أخرى . وتفسير التجربة مرتبطة بشرعية أهداف  القائمين بها من جهة وتحديد العدو وطبيعته من جهة أخرى أيضا وبين هذه وتلك أهلية القيادة التي خرجت فاشلة من تجربة التحالف مع البعث ومنكسرة في قيادة تجربة خطرة هي تجربة الكفاح المسلح و خوض معركة سلاحها الرئيسي كان العمود الفقري للحزب أي تنظيمه الحزبي الأساسي و هذا يعني إن فشل التجربة كانت تعني المغامرة بالحزب كله وتصفيته (وهو ما لم يكن ممكنا بسبب تمسك رفاق الحزب بوحدة الحزب وإمكانية مواجهة القيادة التصفوية عبر القواعد الحزبية الأصولية ).. ولكن كانت هناك قوى خفية تساندها قوى أجنبية واضحة التوجه هدفها تصفية الحزب وهو ما سعت اليه قيادة الحزب نفسها ونفذته بالفعل عبر التعاون مع صدام حسين (الحليف ) في حملة 1978 – 1979 وجلال طالباني و حزبه الفاشي في مجزرة بشتاشان وما بعد ذلك في إنهاء قدرات الرفاق على الحدود البعيدة المنسية التي تعرضت هي الأخرى للأبادة بالأسلحة الكيمياوية و القصف الجوي والمدفعي المتكرر وزج الرفاق الحزبيين في معارك لا تساوي في أحسن نجاحاتها قطرة دم واحدة من هؤلاء الرفاق شهداء كانوا أم جرحى وأخيرا وليس آخرا تركهم تحت رحمة الأنفال وأخيرا التشرد في جميع أنحاء العالم.

ولم ينجو تنظيم الداخل من هذه القيادة وخيباتها (إن تجنبنا إتهامها بالخيانة الحزبية والوطنية) . رغم إنني على قناعة بضرورة تقديمهم الى العدالة بتهم المساهمة في تصفية رفاق الحزب سواء إن كانوا في الداخل أم الأنصار في كردستان أو تصفيتهم سياسيا في الخارج .

التجربة الأنصارية هي ليست التحطيب و بناء القواعد والحراسات الليلية وإتقان اللغة البعيدة عن القواعد والعفوية في بناءها القواعدي  وغيرها بقدر ماهي كانت ممكن أن تكون بالنسبة للرفاق ملجأ يأويهم من بطش الديكتاتورية (خاصة الرفاق اللذين إلتحقوا من الداخل ) ومطاردة شرطتها السرية  في حملة عام 1978 – 1979 التي خرجت فيه قيادة الحزب معززة مكرمة وبجوازات سفر رسمية من مطار بغداد وكانت مستحيلة على رفاق الحزب في القاعدة التي تعرضت الى التنكيل والمطاردة والأبادة في المعتقلات وأقبية التعذيب الفاشية .

وقد كان طموح القاعدة الحزبية أن يكون إعلان الكفاح المسلح بشكل عراقي يبتدأ في الشمال ويمتد نحو بقية مناطق العراق وبطبيعة طبقية واضحة وتحديد دقيق للمؤسسات المعادية  أي إعادة توجه الحزب بشكل ثوري وحاسم لا رجعة فيه نحو عمل ثوري  ستسيل منه الدماء وكان هذا يتطلب بناء قيادة ثورية حاسمة لا قيادة تدور حولها شبهات التصفية المتعمدة والتآمر على وجود الحزب وتوجهه الطبقي والوطني .

لقد كان الكفاح المسلح قد فرضته قاعدة الحزب على القيادة وليس العكس وكان ضرورة تاريخية بحاجة الى عواملها الذاتية وقيادتها الثورية لا قيادات مشكوك في ولاءها الوطني وإنتماءاتها الطبقية وصلابتها المبدئية .. وهذا ليس رأيا شخصيا بل هو حقيقة عشت صراعات أفكارها منذ عام 1979 وحتى إقرارها برنامجيا وكانت الصراعات الفكرية تدور حول الشعار الأساسي لتوجه الحزب في أن يكون من أجل إنهاء أم إسقاط الديكتاتورية . وبالحقيقة فأن التوجهين حينذاك كانت خاطئة وغير مدروسة وأبعد ما تكون عن الواقعية وذلك في كون الحزب فقد قاعدته الجماهيرية نتيجة أخطاءه في التحالف مع البعث وإبتعاده عن الجماهير بعد الحملة الفاشية ضد قواعد الحزب وبعد تصفية كوادره وتنظيماته الحزبية وقبل ذلك تصفية المنظمات الجماهيرية .. فلم يبق للحزب ما يستند اليه سوى عوائل الرفاق أنفسهم وحتى هؤلاء كانوا يعانون من صعوبات  ومخاطر بسبب إنتماء أبناءهم للحزب والطبيعة الفاشية والأجرامية للنظام البائد. أي إن القرار يعني زج هذه العوائل في أتون حربا ضارية في مواجهة النظام الفاشي البائد .. بينما تستمتع عوائل القياديين في منتجعات الدول الأشتراكية .

الصعوبات الأولى للأنصار كانت في بناء القواعد وتهيئة الظروف الأساسية للمعيشة  وعملية الأنتقال من الحياة المدنية الطبيعية الى أقصى درجات التخلف والعودة الأنسانية الى فترة ماقبل التاريخ  (كما كان يسميها الرفاق مازحين آنذاك), الفرق الوحيد هو إننا بدلا من أن نكون صيادين أو مزارعين كنا نشتري هذه المواد الغذائية ونقوم بعجنها وخبزها وطبخها . ولم تكن حينذاك سفرة سياحية لنحتمل متاعبها ليومين أو إسبوعين بل كان علينا أن نجهز قدراتنا على البقاء سنوات طويلة لا نعرف تطوراتها وليست لأي نصير منا أي تصور لما ستأول اليه الأمور مستقبلا .

كنا نحلم بالثورة أكثر من قدراتنا على صناعتها وكنا نحلم بالتغيير رغم قناعتنا بأننا لم نزل نختبيء في الشريط الحدودي وعشرات الكيلومترات من المناطق المحرمة المليئة بالربايا العسكرية والثكنات التي يرابط فيها إخوتنا الجنود وليس أعدائنا السياسيين التي بنينا أحلامنا الثورية على مواجهتهم وهو ما يجب أن نختلف به عن الحركة القومية الكردية التي تعتبر القوات المسلحة هناك قوات إحتلال ووضعها كأهداف عسكرية مشروعة وطيلة سنوات التواجد الأنصاري حاولت القيادة الكردية للحزب جر الحزب الى أحضان الحركة القومية الكردية وتبني سياستها القومية ولم تكن هناك أفكار أخرى ولم يطلع الأنصار الى الأفكار الأخرى لقياديين آخرين تمت إقالتهم  من المكتب السياسي للحزب وخاصة العرب منهم وكان التثقيف المركزي حينذاك يصب في كون هؤلاء هم اليمين في قيادة الحزب ..

الديمقراطية  وحرية الرأي كانت معدومة  وغائبة تماما , وحتى لحظة كتابة هذه السطور لم أعرف بعد الرأي الآخر لهؤلاء القادة كما لم  يطلع الأنصار على طبيعة المفاوضات بين النظام السابق والحزب  , السريّة المطلقة للعمل الحزبي والغير مبررة في التواجد العلني لتنظيم الأنصار وتنظيمات الخارج فسح في المجال للقيادة الجديدة بعد المؤتمر الوطني الرابع بأتخاذ القرارات دون أي عودة الى القاعدة الحزبية ودون أي إستفتاء أو إحترام للرأي الجماعي وقد جرى بالفعل الألتفاف على التمثيل الحقيقي لممثلي المنظمات الحزبية في مؤتمرات الحزب و إنتخاب الهيئات القيادية والتحول التدريجي الى حزب المافيات القيادية التي نعيش نتائجها المأساوية حتى هذه اللحظة بهزيمة الحزب في أي إنتخابات عراقية بعد عام 2003 . وطوفات العناصر المتصهينة والأحتلالية في قيادة الحزب. وتسارع العناصر النفعية والأنتهازية لتمثل الحزب في الأنتخابات وهو ذروة السقوط الأخلاقي والمبدئي في إختيار ممثلي (الشعب) وإختبار قدراتهم.

إن إعادة دراسة التجربة الأنصارية هو ضرورة تاريخية من أجل بناء جديد لحياة حزبية تسودها المصداقية والألتزام بالقواعد الحزبية والديمقراطية السليمة وإحترام حقوق قاعدة الحزب وقيادته في آن معا وإعادة ثقة الجماهير بالحزب.. وهذا غير ممكنا في ضل بقاء هذه القيادات وسيطرتها الغير مشروعة على مقرات الحزب وجريدته الرسمية  وبحماية قوات الأحتلال الأمريكي .

وقبل كل شيء يجب الأعتراف بفشل التجربة وليس نجاحها .. ماكان ناجحا هو للبعض الذي حقق منافع من هذا الفشل .. أما الخسائر فهي كبيرة وتتعدى عدد الشهداء والجرحى والمؤثرات النفسية السلبية على عدد لا يستهان به من الأنصار الشيوعيين و فقدان تنظيم الداخل بالكامل الى خسارة الحزب لجماهيره و إبتعاده الكامل عن أجيال من المواطنين العراقيين اللذين كبروا دون أي معرفة بشيء إسمه الحزب الشيوعي العراقي وللأجيال التي سبقتهم كان تأثير إعلام النظام الديكتاتوري البائد تجاه الحزب الشيوعي أقوى من قدراتهم الفردية في تجاوز هذه المفاهيم و التشويهات الفكرية التي كان تمارسها ماكنة الأعلام البعثي الفاشي .

ولو كان الحزب حاضرا لما وصلت عليه الحال كما هو الآن حيث يختبيء الحزب خلف أياد علاوي (عميل لأكثر من إثنى عشرة  منظمة مخابراتية أجنبية ) ولما وقعت القيادة بأحضان بريمر بكون الحزب أحد أركان المكوّن الشيعي (وليس الشيوعي) ولم تكن العملية تشابه كلمتي الشيوعي والشيعي بل كان إذعان قيادة الحزب لوجهة التقسيم الطائفي الذي جاء به الأحتلال.. و كان شرط الدخول الى العملية السياسية هو تحويل وجهة الحزب من الصراع الطبقي على المستويين الوطني والعالمي الى الوجهة الطائفية والصراع الطائفي ومن النضال من أجل الأشتراكية والشيوعية  الى ما يسمونه بالدولة المدنية.

إن إخضاع الحزب لقيادة أياد علاوي ليست لها علاقة في مواجهة المد الديني لأن الحزب لم يكن يعاني من التوجه الأسلامي ولم يوجه أي من ماكنته الأعلامية والفكرية في مواجهة المد الأسلامي ولم يكن في طروحاته الفكرية مواجهة المد الديني .. وحتى المد الطائفي والديني لم يكن موجها ضد الحزب الشيوعي والشيوعيين ... بينما كان يتناغم موقف قيادة الحزب من التوجه الأمريكي في تقسيم العراق و مساندة عميلهم أياد علاوي والقوى الأقطاعية والتابعة في الحركة الكردية وفي إعلان تقاعد الحزب وأنصاره و رشوة قيادته بالرواتب الوزارية المجزية  وأختيار أكثر العناصر ضعفا و أقلهم تأثيرا على المجتمع كممثلين للحزب.

وكانت مهمة قيادة الحزب المتصهينة بعد الأحتلال تتركز في إبعاد الشيوعيين عن المراكز الثقافية الرسمية عن طريق وزير الثقافة السابق مفيد الجزائري الذي رفض توظيف الشيوعيين في دوائر الوزارة بحجة النزاهة (الشخصية) رغم إن البعض منهم كان قد أبعد من وزارة الأعلام بسبب إنتماءه للحزب الشيوعي  في الوقت الذي فتحت بقية الوزارات لتوظيف عناصر أحزابها هناك مما أضعف الحزب ومكانته الأجتماعية وأهميته في الحياة السياسية .. لا أحد يريد البقاء عاطلا عن العمل بسبب إنتماءه الشيوعي .. إن التهديد بفقدان العمل بسبب الأنتماء كان قد مارسه النظام السابق ويمارسه الأمريكان والغرب الرأسمالي ضد كل من ينتمي الى اليسار والشيوعية وهي سابقة في التاريخ الحديث أن يساهم قيادي في الحزب الشيوعي في هذا الموقف وهذه الأجراءات ليقول إننا نزهاء ولا نستغل توزيرنا لتوظيف عناصرنا .. ولكنه لا يستطيع الأستغناء عن تقاعده كبرلماني ورواتبه المليونية و جوازه الدبلوماسي وأمتيازاته الأخرى ( نزاهته كانت ومازالت على حساب الشيوعيين و مستقبلهم الوظيفي الذي أغلقه عليهم صدام حسين و وزارات المحاصصة الطائفية ).

وقد ساهم هذا المتصهين في تكريس ثقافة الأحتلال و خصخصة التوجه الثقافي والفني والأدبي أي عمليا في إنهاءه عبر دوامة الربح والخسارة ... لقد إنتهت في زمانه الموسيقى والشعر والنتاجات التلفزيونية وغيرها بحجة إنها في إنتظار المستثمر !! وليس الدولة .

والوزير الآخر رائد فهمي في وزارة العلوم والتكنولوجيا فقد كانت مهمته تحويل التصنيع العسكري نحو الخصخصة .. كعنوان غير ظاهر ..والحقيقة هي في نهب القطاع العام وإلغاءه .. وهو (نزيها شريفا !) كسابقه وزير الثقافة لم يعين ويوظف شيوعيا في وزارته. ولهذا المتصهين دوره المعروف في مسألة كركوك.

لبعض الشيوعيين المتقدمين للعمل والتوظيف كان يشترط العمر دون الخامسة والثلاثون ولديه شهادة جامعية وخبرة عمل لا تقل عن خمس سنوات  .. وغيرها من الشروط التعجيزية على رفاق الحزب اللذين أمضوا حياتهم وشبابهم مطاردين ومحرومين من جامعاتهم ووظائفهم ...

الهدف كان ولم يزل إبعاد الشيوعيين عن المواقع الأدارية والوظيفية والأجتماعية بعد إبعادهم عن حياتهم السياسية والحزبية وإعلان تقاعدهم الجماعي .

ونفس الموقف نجده لدى (النزهاء !) لبيد عباوي وكيل وزير الخارجية  وكذلك د. صبحي الجميلي وكيل وزارة الزراعة  (تقدمت شخصيا له للتوسط لتوظيف أحدى شقيقات رفاق الداخل وهي طبيبة بيطرية وليس لديها دوائر أخرى للتوظيف سوى وزارة الزراعة والعائلة كانت تمر بظروف إقتصادية صعبة.. كنت أعرف مسبقا موقفه من هذا الأمر ولكني حاولت التنازل عن بعض من كبريائي ردا لجميل موقف هذه العوائل من حمايتنا في عملنا الحزبي في أصعب ظروف العمل السري والموقف المشرف لهم الذي لن يستطيع أن يقوم به مثل هؤلاء العملاء) .

ليس هناك قوة سياسية في العالم أجمع تعادي عناصرها ورفاقها كقيادة الحزب الشيوعي العراقي .. ولم يخلق التاريخ العراقي قوة مخادعة ومعادية للوطن كقيادة الحزب الشيوعي العراقي الحالية التي قسّمت الحزب قبل تقسيم الوطن والتزمت الفيدرالية دون إرادة شعبية ولا إرادة حزبية ..ولم يخلق التاريخ العراقي بعد قوة نفعية وتصفوية للحزب الشيوعي كالقيادة الحالية للحزب ولم يخلق تاريخ الحركة الشيوعية العالمية قوة معادية للشيوعية والأشتراكية والديمقراطية كقيادة الحزب الشيوعي العراقي الحالية ...

هذه القيادة تم تنصيبها من أجل خدمة الأحتلال الذي كان مخططا له منذ سنوات عديدة و قد تخلت عن المباديء دون أن تستبدلها بشيء آخر ورأي آخر .. تخلت عن مصالح العمال والفلاحين ولم تعد تمثل سوى مصالحها الضيقة ورواتب عناصرها القيادية ... وهي لا تمتلك أي رأي في أي قضية من القضايا الوطنية و العالمية المصيرية .... وبعد تخليها عن الموقف الطبقي لم تتبنى موقفا طبقيا آخرا بل بقيت صامتة لا تعرف الى أي جهة تتجه ... لا هي يسار ولا هي يمين .. ولا تستطيع على ضوء ذلك أن تتوجه نحو وحدة كيانها لأنها بلا كيان و تفقد يوما بعد آخر مرتكزاتها ... ليس هناك جماهير لحزب يعاديها .. حتى الذين يرتبطون بالحزب بروابط عاطفية فقد تم تقطيعها من قبل قيادة الحزب الحالية و تسخيفها والتخلي عن مصالحها و قبل كل شيء التخلي عن شهداء الحزب أنفسهم والتخلي عن كامل التراث الوطني والثوري للحزب .

حركة الأنصار كانت حركة فاشلة وكانت إمتداد لحملة تصفية الحزب كأفراد وفكر ووطنية وثقافة ثورية. كانت تجمعا لرفاق مبعدين عن صنع القرار السياسي ومن كان مرشحا للمشاركة في القرار عليه التخلي عن المباديء والقيم و الخضوع لأرادة عليا لا يعرفها شخصيا ... ويعرف عن قادة ما بعد المؤتمر الوطني الرابع إنها قرّبت العناصر التي لا تمتلك رأيا مغايرا ولا رأيا يذكر و لا يحلل ولا يناقش ولا يفهم شيئا من الماركسية ولا اليسار ولا حتى الديمقراطية .

لم يكن الأنصار على معرفة بالمؤامرات الصهيونية على الحركة و لم يعوا إن قياداتهم كانت على صلة مباشرة بهذه المؤامرات ولم نكن نعرف إن حركتنا كانت جزءا من الحركة الكردية وأصبحت بعد حين تحت نفوذها .. أي إننا كنا جزءا من مؤامرة إستعمارية تولد الحاجة لقادة موالين لها ومؤتمرين بأمرها .. وأضاف الأحتلال لهذه القيادة صفة الصفاقة في تبرير الخيانة الوطنية وأستمرارها رغم فشلها في قيادة الحزب .

 

للموضوع بقية

29.01.2014

 

الشاعر معد الجبوري .. وجدل التوحد مع درة المدن ام الربيعين

muoed aljaboriاحتل المكان بشتى صوره، مكانة رمزية كبيرة في ذاكرة الشعراء.ولا غرابة في ذلك،فالانسان منذ الصغر يتعلق بكائنات فضاءات بيئته المحيطة به،ويتفاعل وجدانيا مع حيزها الحاضن له بشكل مباشر، باعتبارها واقعا رمزيا محسوسا متساكنا في اعماق ذاته. لذلك يبقى عنصر المكان مهما في ثقافة التراث الشعري،بل ويأتي في سياق الثقافة الطللية للموروث العربي،شعرا، ونثرا، وغناءا، وأمثالا،كما تعارف على ذلك الباحثون، والنقاد.

وفي اطار ذات السياق تأتي قصيدة الشاعر معد الجبوري(ام الربيعين)، نابضة بكل معاني التواشج الوجداني مع مدينته الموصل الحدباء:

           يا نينوى الموصل الحدباء، يا ألَقِي

                             ونبضَ صوتيَ في سَهْلٍ  وفي حَزَنِ

 فتتدفق صورا شعرية مدهشة حينما نجد قريضه فيها يتناغم مع (توحد سوائي) بين عين المدينة، وذات الشاعر، في جدلية متواشجة،مزدانة بومضات موحية شفافة في مثل قوله في بيت من تلك القصيدة، يسكنه هذا التوحد العجيب، حيث يتخذ المكان بعده المركزي في ذاكرته الشعرية،باعتباره بؤرة إنتاج الصورة الرمزية المستجيبة لانثيالات الذاكرة عن المكان،فيتجلى عنده احساس بالسوائية المطلقة، متخطيا بذلك كل حواجز التحايث المألوفة بين الذات والموضوع:

             سِيَّان: أسكُنُ في عينيكِ ،  مُتَّشِحاً

                                  بِزهوِ عينيكِ ،  أو عيناكِ  تَسكُنُنِي

وكيف لا يتناغم هذا الشاعر المبدع مع هذا الجو التعبيري من التوحد المتساكن عضويا ذاتا وموضوعا، وهو من ظلت أم الربيعين تسكنه في أعماقه، وتتجسد في نتاجه الشعري الأدبي،رموزا، وبوابات،وامجادا:

               أسـوارُها  قِمَمٌ    ،   أحجارُهـا  رُقُمٌ

                                ظلت تشـعُّ   ،   وما آلَتْ إلى دِمَنِ

 ورغم تداعيات الزمن المتسارعة ، التي تعمل على تنحية الكثير من تجليات التوحد المتساكن مع بيئة الانسان في الحياة المعاصرة،  التي كانت يوما ما مبعث استلهام في تفريغ هموم ناسها..الا انها عجزت عن طمس تلك الومضات في ضمير الشاعر معد الجبوري،حيث ما برحت تلك التجليات متدفقة بوضوح في وجدانيات شعره عندما يتغنى بها بشجن جلي:

                 لو غِبتِ عني فروحي نَوْحُ صادِحَةٍ

                                  تظلُّ تشهقُ مِنْ شَجوٍ  ومِنْ شَجَنِ

  في اشارة  صريحة الى حضور الموصل الدائم في ضميره.ولا يخفى كم هو موحي،ومؤثر هكذا مشهد في مشاعرمتفاعلة عاطفيا مع عنصر المكان، ومتوحدة عضويا معه..مع ان الكثير منها اليوم شأنها شأن عناصر التراث الأخرى طالها العبث،والمسخ، والإقصاء لأسباب كثيرة،ولكنه وهو من عاش تلك الصورة بتفاعلاتها الحسية البدئية، لا زال يسترجعه بعاطفة وجدانية تنبثق من قعر ذاكرة امسه، لتتواصل مع راهن حاضره..حيث يجد نفسه حاضرا في كل منعطفات فضاءات مدينته الساحرة،منذ ان  ارتبط مكانها في مخياله بالأحداث، والوقائع،والمعاناة، المتصلة بتجربته الشخصية اتصالا عضويا لا تنفصم عراه:

                           في كُلِّ مُنعطَفٍ، لي منكِ بحر هوًى

                                    تجري بما تشـتهي في لُجِّهِ ، سُفُني

فلم يفلح توالي السنين،ولا ارهاصات الظروف الضاغطة في ابعاد مدينته عن حسه،ولا ابعاد ذاته عنها:

               دارَ الزَّمانُ، ومَنْ داسُوا على كَبِدِي

                            ظنُّوا بِأنَّ جراحي  ،   عنكِ  تُبعِدُني

ولعل اللقطات المتعددة من المشاهد،والصور المتراكمة في ذاكرته المرهفة الحس، تجمعها معه اصرة فضاء مدينته في مشهد تكوين تدفقات منثالاته التي حوتها بنية قصيدته،وهو ما جعل المكان متجسدا بمدينته فضاءا روحيا حركيا، وجماليا حسيا،يسكن دواخله برمزية درّية:

                 تضمُّ وجهَكِ أضلاعي  ،  وقَدْ نَثَرَتْ

                                دُرَّ الحَنايا  لَهُ   ،    يا دُرَّةَ  المُدُنِ

 ويأتي حرصه الشديد على سلامة مدينته الموصل الحدباء، ورفضه العبث بكيانها، والمس بمقدراتها، انعكاسا بينا لامتعاضه من محاولات تقطيع أوصال مدينته، بأراجيف، وأطماع، وفتن عاصفة، بدوافع شتى، لا تنطلي على لبيب:

                حَصَّنْتُ وجهَكِ بِاسمِ اللهِ  مِنْ حَسَدٍ

                           و مِنْ أراجِيفِ  أطمَاعٍ  ،  ومِنْ فِتَنِ

وخلاصة القول فان الشاعر معد الجبوري بما يمتلك من موهبة فطرية متوقدة، وخيالا خصبا،وتجربة غنية،تمكن من استيلاد هذه القصيدة الابداعية في لحظة انقداح ومضة حسه المرهف عن مدينته في اخاديد وجدانه،فنقل أحاسيسه المرهفة التي عاشها في تلك اللحظة عبر هذه القصيدة، الى وسطه من المتلقين، لكي يجعلهم يعيشوا معه تلك المشاعر التي عبّر عنها بتفاعل وجداني،باعتبار انه لا يكتب لنفسه فقط، بل وللآخرين في نفس الوقت.ولاشك ان ما تفتقت به قريحته من صور وجدانية عن مدينته الموصل الحدباء التي نعتها بدرة المدن،تظل فيضا من مخياله المبدع، المتفاعل بحس وجداني تلقائي مع مدينته على الدوام.   

 

التسعينات تداعيات لحقيبة سفر متهرئة

akeel alabodألمدخل: ألتاريخ مساحات لأزمنة يقطعها اللامكان،والتسعينات موضوعة لمجازر سبقتها ضحايا قنبلة موقوتة.

يوم فارقت أهلي وأصحابي،تركت دفترا يحمل بين وريقاته حلما يسكن خلف طيات قلب أتعبه الخوف.

هنالك مع زخات مطر متعب،وفي يوم مكتظ بالحزن والسحاب،

حملت حقائب تلك المحطات،

لأغادر بصحبة جواز سفر كتب بجانب طلعته هوية صاحبه،

الذي ترك وظيفته مذعنا لإملاءات مدير إدارته الذي ساومه على الإستقالة ومغادرة الوطن بلا حقوق.

العراق أنذاك بقعة من الأوجاع،أغارت عليها الأزمات وأنهكتها أحكام السياسات المختبئة خلف ستراتيجات الموت

ألألم،أشبه بامرأة داهمها الوجع،لتلفظ أنفاس محطتها الأخيرة.

الخريف منشغل يقلب أوجاع هم مطلق،

يومئذٍ بصحبة ذات المكان،سياقات لمشهد متكرر،

طريبيل علامة فارقة لمركزحدودي يقف عند بوابته ضابط لا يجيد إلا لغة الإستفزاز،ونقطة التفتيش مفرزة يشبه طاقمها سيطرات الإنضباط المزروعة عند مفارق الطرق العامة بين بغداد والمحافظات،أبان سنوات الخدمة الإلزامية والحرب مع ايران أنذاك حيث تحترق السنابل وتغادر العصافير،تودع الأرض أشلاء ضحاياها،والطاغوت مقدمة تالية لحقبة تحكي عن أيام التعبئة الخاصة للطلاب المتقدمين الى دائرة البعثات التي كانت تشرف عليها السفارة العراقية بخارجيتها، لتصفية من يتم التخطيط لقتلهم تباعا عبرالتنسيق مع ملحقياتها في الخارج ذلك أبان فترة سبعينية امتدت باخطبوطها، لتخلف صدى نزعتها المخيفة تجاه من بقوا أحياء على ذمة التحقيق.

هنا باعتباري واحدا من الناجين،

كان علي ان استكمل مشروع صمتي المؤجل لعام 1976.

لذلك وعلى غرار تداعيات ماض حرج،

بقيت هكذا شاهد عيان لمقبرة أصداء استغاثاتها ما انفكت

تحكي أصوات اولئك الذين كنت أسمع صيحات موتهم لإكتم استنكاري بعيدا عن الجند وقاعات العسكر،

معسكر تدريب المحاويل ابان قمع الانتفاضة،طريق ترابي تم تخصيص أكثر قاعاته لضحايا شعب مكبل.

والحكاية ما زالت تحكي أحداث قصة لمذكرات رجل لم يحك لحظات قتله،التي تزامنت مع ولادة زوجته التي أطلق عليها الرصاص لحظة المخاض.

 
 

معلومات إضافية