شهادات ومذكرات

تجربتي مع النص الأول

abdah haqiكيف نأتي إلى فخاخ الكتابة أوكيف تأتي غواية الكتابة إلينا ..؟ يحيرني هذا السؤال الوجودي المبهم والغامض .. من يشد رحاله إلى عوالم الآخر، أهي الذات إلى الكتابة أم الكتابة إلى الذات ..؟ هل الكتابة تشبه تلك السيدة الساحرة التي تقتنص عشاقها المصطفين على أرصفة الصدفة ، مثلما كان شهرياريختارمن جواريه كل ليلة واحدة لتحكي له على حافة السريرحكاية تحمله إلى ضفة الغفوة اللذيذة..؟

الكتابة ليست مطرا عاصفا يبلل كل العابرين في شارع الحياة العامة.. هي ليست شمسا تشع على كل من تعلق بأهذاب أشعتها العذبة .. هي ليست كذلك بحرا نمضي إليه عراة عن طواعيتنا لكي نغطس عميقا مع كائناته الصموتة في الخلجان والأغوارالملغزة .. الكتابة ليست طوفانا لامرئيا قد يأتي إلينا في يوم ما فجأة ليطوح بنا بعيدا في غياهبها وتبعاتها .. أفراحها وأحزانها .. أصفادها وحريتها ... الكتابة أخيرا ليست كل هذا في رأيي ، لكنها قد تكون كل هذا في رأي كاتبات وكتاب آخرين .. هكذا أتخيل الكتابة الآن على بعد 30 سنة خلت من تورطي في تجربة النص الأول ...

كل فخاخ هذا السيناريووأحابيله الماكرة كان القدرقد جهزها في الخفاء وفي العلن أيضا .. في الغيب كما في الوجود .. هي حزمة مواثيق مع القدروجدتها جاهزة على طاولة مفاوضاتي العسيرة مع النص الأول .. منها ما بصمت عليها بأصابعي العشر، وبعينين جاحظتين ووعي وقاد ، ومنها ماكانت علي قدرا جبريا لامفرمنه ...

كيف حدث ذلك في أحد أيام صيف سنة 1976 ؟ أذكرتلك التفاصيل العامة جيدا كما لوأنها تحدث أمامي الآن ... فبعد أن لقنني أحد أقران الثانوية النجباء الذي قلب فيما بعد 'المعطف' أعني بالعرنسية (الفيستا) من شاعرشاب واعد كان ينشرقصائده في المجلات العراقية (الأقلام ـ الطليعة الأدبية ..الثورة .. الفنون .. إلخ) التي كان سعرها زمنئذ لايتعدى 2 درهم مغربي في عهد الثورة النفطية السبعينية ، فجأة تحول هذا الشاعرالواعد إلى شاب سلفي ملتح أواسط الثمانينات منقلبا ب 180 درجة من قبلة الإبداع الشعري الدافق إلى قبلة الكعبة المشرفة شرقا .. إنه بكل تأكيد من يرجع له الفضل في تلقيني لعبة تقطيع الأبيات الشعرية العمودية إلى حركات وسكنات وقوافي وأقفال .. إلخ ، حتى بات هذا التقطيع في أوقات فراغ يومياتي لعبة مسلية تشبه إلى حد ما لعبة من لعب الذكاء عند الأطفال التي تعتمد على تفكيك ثم تجميع جهازاللعبة .. بعد ذلك شرعت أنشئ أبياتا قليلة على أوزان البحورالسهلة مثل الرجزوالبسيط والرمل ... وفي لحظة ما وجدتني منقطعا لفترة غير يسيرة عن العالم الخارجي .. منعزلا في خلوة "صوفية" ومنكبا بنهم على كتاب ''ميزان الذهب" لخليل ابن أحمد الفراهيدي الذي أعارني إياه أستاذ مادة اللغة العربية في الفصل الأول من التعليم الثانوي بمؤسسة عمربن الخطاب ، ثم فيما بعد قادتني طريقي الشعرية الإستكشافية هاته إلى قراءة العديد من الدواوين الشعرية لمحمد الفيتوري ونازك الملائكة وبدرشاكرالسياب وأدونيس ومحمود درويش ووأحمد دحبوروغيرهم من رواد الحداثة الشعرية العربية ولعل أهم تلك الدواوين تأثيرا في حياتي الإبداعية الأدبية في تلك المرحلة ، كان مجلد الأعمال الشعرية الكاملة للشاعرالسوري نزارقباني الذي استعرته لعدة شهورمن المكتبة العامة بالجامع الكبيربحومة قبة السوق.

لقد كان هذا المجلد يضم مجموعة من الدواوين المتوسطة حجما مثل (أنت لي ، سامبا ، الشعرقنديل أخضر، قصائد متوحشة ..إلخ) ومن كثرة ما سحرتني شعريته وقاموس لغته الحداثية وموضوعاته الحميمية .. الجريئة والمنسجمة وقتئذ مع أحاسيس مرحلتي الشبابية ، صرت مدمنا على قراءته حتى ألفيتني أقطع كل يوم مسافة نصف ساعة مشيا على الأقدام من بيتنا إلى حومة قبة السوق بالمدينة العتيقة لألتحق بمكتبة الجامع الكبيرإلى درجة أصبح الأستاذ الجليل عبدالسلام البراق متعهد المكتبة وقتئذ كلما لمحني مشرئبا برأسي من أعلى الأدراج حتى ينصرف إلى مستودع المخطوطات والمجلدات والكتب المتواري عن قاعة المطالعة ويأتيني بخفة ظله المعهودة بمجلد نزارقباني من دون أن أكون في حاجة إلى تعبئة مطبوع الزيارة مثل باقي الرواد والزوارمن الأساتذة وطلبة الجامعة والعشاق الباحثين عن رسائل تلين قلوب حبيباتهم ... وقبل هذا وذاك كنت أيضا في أواسط الستينات حفاظا بارعا ومتذوقا ممسوسا بأشهرالأغاني المغربية والعربية المطولة والقصيرة من أشعارمحمد الطنجاوي والخمارالكنوني والمهدي زريوح ولعلني أذكرالآن بالخصوص أغنيتي الأطلال للسيدة أم كلثوم والقمرالأحمر للموسيقارعبد السلام عامرهاتان الأغنيتان اللتان كانت آلة ''المانييتوفون'' في بيتنا والتي تشبه حقيبة يديوية رمادية ثقيلة لاتتوقف عن الشذوبهما طوال النهاروخصوصا في أيام الآحاد حيث تكون الدارالكبيرة صاخبة ورافلة في رغد "الويكاند" وحيث يلتئم بين حيطانها الأنيسة والدافئة كل أفراد العائلة بعد أسبوع من العمل عند الكباروالدراسة عند الصغار...

وفي غفلة مني كانت تربة الكتابة تختمرسرا شيئا فشيئا في أعماق نفسي وتهيئ وحيها القادم إلى يوم الخلق الموعود .. وحدث ماكان لابد أن يحدث في سيرتي كما لوأن هذا المساركان يستلهم صيرورته وتحولاته من قانون النشوء والإرتقاء والتطورالطبيعي لجميع الأحياء على أديم الأرض مادام الأمرهنا يتعلق أيضا بكائن حي له روح وجسد وأنفاس إنه "النص الأدبي" ...

وفي ليلة من ليالي صيفنا المكناسي القائظ من سنة 1976 بعد أن تمكنت من لعبة التقطيع العروضي فكرت فجأة أن أجرب حظي في زرع أول بذرة في حدائق الشعر.. لايتعلق الأمربقرارلحظي يحتمل ضمن مايحتمل شروط اليقظة والوعي .. وإنما كما قلت هو إرتقاء من الطقس الجواني الجاف المحتقن إلى فصل الأمطاروالعواصف والرياح المخصبة .

أذكرأنه أصابني أرق حاد في تلك الليلة القائظة .. أطفأت نورالمصباح الكهربائي وفي عتمة الغرفة ولتجزية وقت السهاد واجتذاب غفوة النوم عدت إلى لعبة التقطيع ذهنيا هذه المرة وطفقت أنظم أبياتا عمودية على وزن البحرالطويل (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن ... فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن ) حتى بت كلما نظمت بيتا أحفظه عن ظهرقلب ثم أعيد اللعبة من جديد لنظم البيت الموالي ... بت مثل عنكبوت أومثل دودة القزأروح وأغدو على رقعة القماش في عملية نسج جيئة وذهابا طيلة الليلة ، كانت عملية ممتعة ومرهقة ذهنيا وتقنيا أيضا نظرا لاقتعاد نظم القصيدة العمودية بالأساس على احترام قواعد الوزن من حركات وسكنات وقافية وتناسق الصوروالأخيلة في الصدركما في العجزبشكل دقيق .

لم تسعفني هذه اللعبة في أن أنعم بوسنة لذيذة وإنما أذكت نار أرقي أكثر فأكثر، ووجدتني مستغرقا في مغامرتي النظمية اللذيذة حتى مطلع الفجرمن دون أن أعلم بأي مصيرأو أي شاطئ ينتظرزورق قصيدتي الهائمة في انسيابها التلقائي وحتى من دون أن أحدد أفق إنتظاريرسم ملامحها الأولى والتي أعتقد الآن أنها أتت إلي مداهمة كنوبة صرع مفاجئ .. وأتخيل اليوم بكل تأكيد أنني لم أمضي إليها مستكشفا .. جسورا ومتطفلا إطلاقا .. كانت القصيدة الأولى ضربا من الإلهام ووحيا في الهزيع الأخير هابطا من عتمة السهاد ... كل ما أستطيع أن أجزم بوعي وجوده في تلك اللحظة هوأن كل شروط الخلق النفسية والثقافية والإجتماعية كانت جاهزة ومساعدة بسخاء أكثرعلى تفجيرإعتمالات ذاتي في بنية إبداعية هلامية إنصهرت ثم إنفجرت في ليلة ما من ليالي العمرعلى هيأة قصيدة عمودية من ثمانية عشربيتا ـ ليس إلا ـ وهذا كل مااستطعت واكتفيت به كهدية في صندوق الأرق وهوإنجازبدا لي وقتئذ خارقا في بدايات سيرتي الأدبية لن أنساه مدى العمر..

ماتزال تلك الصورالشعرية التلقائية .. المفعمة براءة تعبرقافلتها أمامي الآن .. هلامية أحيانا مثل خيوط دخان قزحية وأحيانا أخرى مثل لوحات رسام شاب حالم لم تسعفها جدارة اليقظة والوعي على التحقق في الزمان والمكان ...

وأذكرفي صباح ذلك اليوم التاريخي الموعود .. قمت وحررت قصيدتي التي عنونتها ب''همسات اللقاء'' على ورق دفتروحلقت بها كعصفورمرح ، نشوان بشذوه إلى رفيقي الشاعروأطلعته على باكورتي الشعرية الأولى .. وما أسعدني في تلك اللحظة أنني لمحت في قسماته إنبهارا وإعجابا وهويقرأ ويعيد قراءة قصيدتي البكرفي صمت وتأمل ..

وباقتراح منه قمت في نفس اليوم وبعثت بقصيدتي هاته إلى البرنامج الإذاعي ''ناشئة الأدب '' الذي كان يشرف على إعداده الشاعرالأصيل المرحوم إدريس الجاي'' .. لاأذكرماذا كتبت في التقديم ولا أية عبارات شكر إنتقيتها ونثرتها في خاتمة الرسالة ، كلما أذكره الآن هوأنني صرت أستعجل يوم بث البرنامج في يوم الإربعاء القادم ..

مر الأسبوع الأول خاطفا وبطيئا في نفس الوقت .. لست أدري كيف مرت غيمته الحبلى ، وفي يوم الأربعاء من الأسبوع الثاني تسمرت مساءا قرب المذياع الوحيد في بيتنا وتحلق من حولي أفراد أسرتي وصديقي الشاعرأيضا وكم كانت المفاجأة مثل الرجة العذبة أومثل أجمل الزلازل الجوانية التي تهدم عوالم الدواخل لتبدأ فتنة خلقها من جديد وأنا أستمع إلى صوت المذيعة وهي تنبس باسمي وعنوان قصيدتي ''همسات اللقاء'' ثم شرعت تتدفق نغمات السمفونية المرافقة مشفوعة بصوتها الرخيم الصادح بتلك الأبيات الغريبة التي تفتقت في عمق الظلام .. كنت مخذرا .. مبنجا ومرفوعا على صهوة الموج الجموح .. قشعريرة تسري في كل أوصالي .. وتياركهربائي يلسعني في كل زوايا جسمي .. صدري ممتلؤ ببالون من أنفاس غريبة ومصطخبة .. لم أصدق أن إسمي المغمور.. النكرة سيدخل مبنى دارالإذاعة المركزية من أوسع باب .. لم أصدق أن شاعرا في هذا البيت بل في هذه الحارة السفلى قد ولد تلك الليلة من رحم العتمة ومخاض الأرق .. كانت إذن تلك هي بداية غوايتي الشعرية وورطتي الأدبية وهوسي الثقافي بشكل عام ، وإلى الآن ماأزال أطرح السؤال: لو لم تنشرقصيدتي الأولى ''همسات اللقاء'' على أمواج الإذاعة المركزية في تلك الأمسية من سنة 1976 ولولم يكن هناك أبا عطوفا على زمرة الشعراء الشباب من جيلي مثل محمد الطوبي ورشيد اليحياوي وغيرهما هوالفقيد إدريس الجاي ، هل كنت سأكون ما أنا على صورته اليوم ككاتب فاشل أوكاتب ناجح أوكاتب دخيل أوكاتب لقيط ثقافيا .. لاتهمني اليوم كل الأوصاف والنعوت الجميلة منها أوالعدوانية .. ولاالنياشين على الصدرأوالصفعات على قفاي بعد أكثرمن ثلاثين سنة .. أفخركثيرا أنني كاتب مقل جدا جدا .. في رصيدي اليوم رواية ومجموعتين قصصيتين وبعض قصائد وعشرات المقالات في الترجمة والنقد الأدبي والإعلام والأدب الرقمي وبرفقتي قلة من الأصدقاء المبدعين الجميلين والجواب هو: لست أدري ! ياليتني كنت نسيا منسيا .. جاهلا أنعم في شقاوتي لربما أفضل من كوني كاتبا أشقى في نعيم الكتابة في أمة "إقرء" لكنها لاتقرأ ...

قاص وروائي مديرموقع إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة

شيخ الليبراليين الجدد الدكتور شاكر النابلسي يترجل عن صهوة الحياة

shaker faredhasanغاب عن دنيانا قبل أيام الكاتب والأديب والباحث والمفكر والأكاديمي المعروف الدكتور شاكر النابلسي، أحد أبرز المثقفين العرب والليبراليين الجدد المنظرين للفكر العلماني، والمشتغلين بقضايا النقد والإبداع والفكر والحداثة والتنوير والعلمانية والأصوليات الدينية الإسلامية .

شاكر النابلسي هو كاتب من أصل أردني، ولد سنة 1940، عاش ردحاً من الزمن في الأردن ثم أقام في السعودية زهاء ربع قرن، بعد ذلك سافر إلى أمريكا واستقر فيها بعد نيله شهادة الدكتوراه من إحدى جامعاتها . تعددت اهتماماته ومشاغله التنويرية ما بين النقد الأدبي ومسائل الإصلاح ومقومات النهوض العربي ونقد المقدس وتفكيك القضايا التي يعيشها الفكر العربي . انطوت كتاباته وطروحاته الفكرية على نزوع ديمقراطي تقدمي علماني،  متأثراً كمعظم أبنا جيله بالمفكر الايطالي انطونيو غرامشي، متبنياً نهجاً ليبرالياً حراً صادم فيه الكثير، وأثارت كتاباته جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والثقافية العربية .

اتصف شاكر النابلسي بروحه الدائبة للبحث، وحرصه على متابعة ومواكبة كل ما هو جديد وحداثي في وعاء الفكر العربي،متتبعاً إسهامات المحدثين والمجدين العرب، ومتبيناً قضايا التنوير والإصلاح، متفائلاً بنظرته نحو العلمانية وانتصارها الحتمي في المجتمعات العربية .

حارب شاكر النابلسي الركود والخمول واللامبالاة، وساهم في نشر ثقافة التنوير والعقلانية والإصلاح والديمقراطية وأفكار المجتمع المدني، ودعم حرية التعبير والتفكير والاختلاف بالرأي، فضلاً عن دفاعه القومي عن حق الشعوب في منطقتنا بالحرية والتنمية والتقدم .

تفرغ النابلسي للبحث العلمي والتأليف، وترك وراءه ثروة فكرية غنية من المؤلفات والأبحاث والدراسات والمقالات بلغت نحو 60 كتاباً في مجالات النقد والتاريخ والاجتماع والفكر السياسي آخرها "الجنسانية العربية"، ومن أبرز أعماله ومؤلفاته : العرب بين الليبرالية والأصولية الدينية، الليبرالية السعودية بين الوهم والحقيقة، أسئلة الحمقى في السياسة والإسلام السياسي، الفكر العربي في القرن العشرين، الحداثة والليبرالية، معاً على الطريق، النظام العربي الجديد، الفكر العربي في القرن العشرين " وغيرها الكثير .

في كتابه "الفكر العربي في القرن العشرين " يوضح د. شاكر النابلسي النظرة العلمانية وأهميتها للمجتمع العربي، مؤكداً  بكل يقين بان التيار العلماني هو الذي سيتغلب في النهاية . أما في كتابه "تهافت الأصولية " فيتطرق إلى الأصوليات الدينية الإسلامية ويرى خطرها على الحاضر والمستقبل العربي، وهذا الخطر يتمثل في الأيمان المطلق بالحقائق المطلقة، ومنع النقاش، والجدل، والإبداع الفكري، وفي هذا تكبيل تام للنشاط الفكري، والاجتهاد، وازدهار الرأي الآخر، لأن الحقيقة المطلقة - كما يقول- مرتبطة دائماً بالعقائد الدينية، وليست بالأفكار . فالأفكار تتغير، أما العقائد الدينية فهي عابرة للتاريخ، لا تتغير ولا تتبدل، مشيراً أن هذا الخطر يتمثل في ارتباط ظاهرة الإرهاب بالسلفية / الأصولية الدينية .

وحين منع المفكر المصري الراحل د. نصر حامد أبو زيد من دخول الكويت للمشاركة في عدد من الندوات الثقافية، انشأ د. شاكر النابلسي مقالاً بعنوان "الغول نصر حامد أبو زيد" ومما جاء فيه: " أفهم تماماً أن تمنع الكويت إرهابياً من دخول أراضيها . وأفهم لأن تمنع الكويت من دخول أراضيها لصاً أو مهرّباً، أو تاجر مخدرات، أو قواداً، أو نخّاساً، أو مجرماً يهدد استقلال الكويت وأمنه . أفهم أن تمنع الكويت داعية دجّال، يتقاضى في الليلة الواحدة عشرة آلاف دينار كويتي لكي يقيم (show) ديني في مكان ما . أفهم أن تمنع الكويت أولئك الدعاة الدجّالين الذين يتاجرون بالدين كتجارة الآخرين الأشقياء بالمخدرات، والذين يثيرون غرائز الجمهور الدينية، ويدفعونه إلى اللطم والبكاء، أكثر مما يثيرون عقول جمهورهم، ويدفعونه إلى التفكير وإعادة التفكير والعمل .

ويضيف قائلاً : "أفهم أن تمنع الكويت مغنية ساقطة، أو راقصة رخيصة، أو عاهرة فاجرة، أو جاسوسة يهودية . ولكني لا أفهم أبداً أن تمنع الكويت الديمقراطية الجميلة، ومشعل الثقافة الخليجية والعربية بكتبها، وإصداراتها، ومسرحها، ومجلاتها، وصحافتها الحرة، أكاديمياً وعالماً إسلامياً في مطلع الألفية الثالثة، يحمل هموم الإسلام ليلاً نهاراً، ويدافع عنه، وعن قيمه الأخلاقية الجميلة، لا بالدجل، ولا بالشعوذة، ولا بإطلاق اللحية، وصبغها بالحناء، وتضمينها بالمسك والعنبر، وحمل المسواك، ولبس الثوب القصير، والشماغ، أو الغترة، والبست، أو العباءة، أو المشلح، وتعفير جسمه بالطيب والعود والبخور، ولكن بالعلم الغزير، والثقافة المنفتحة الواسعة على كل جهات الأرض، والمعرفة العميقة، والعقل السلطان..!

هذا هو الدكتور شاكر النابلسي، المفكر الحر الشريف، والمثقف العضوي، والمفكر الليبرالي التنويري المثير للجدل، الذي مات بعد رحلة عطاء وإبداع فكري خصب، وستظل ذكراه حية بأعماله ومؤلفاته ومنجزاته البحثية وأفكاره النيرة .

 

في الحنين إلى الوطن العراقي .. إحتفاءً بمئوية المعمار الدكتور محمد مكية

ali thwayniالحنين أعمق من الشوق وهو صلب العاطفة وموئل الذكرى، وهو حلم مرهف وخيال مجنح وإملاء لامناص ومهرب من سطوته، ومثاله المجسد في الحنين للأوطان والشغف بذكرى المكان وعشق الزمان التي دعي في الغرب (نوستالجيا). وسمي بالعربية (الأبابة). والابابة شعور خيالي يوِّلد الإحساس بالألم نتيجة الخوف من عدم الرجوع الى الوطن ورؤيته ثانية. وقد ارتبط في الحقب التاريخية الماضية بظاهرة الرومانسية المعروفة. وهو يأخذ صورًا شتى من مشاعر الألم الممتزج بالنشوة احيانًا. وقد يفجر تلك المشاعر لدى الانسان تذكّر حادثة معينة او مشاهدة منظر او الإستماع الى قصة او قراءة سيرة او مقال او شعر، او الإستماع الى أغنية او موسيقى، او شم عطر او غيرها من مسببات تكون للآب بمثابة الصاعق.وقال حكماء التراث عن تلك الظاهرة الإنسانية: الحنين من رقة القلب، ورقة القلب من الرِّعاية، والرِّعاية من الرَّحمة، والرَّحمة من كرم الفطرة، وكرم الفطرة من طهارة الرَّشدة، وطهارة الرَّشدة من كرم المحتد.

والحنين صفة لاتقترن بجنس بشري دون غيره فهي فطرة وسليقة في أعماق الخلق. وثمة إختلاف بين معاشر الشعوب في مدى حنينها لأوطانها،أو الشغف بالعودة لها، فمنها المهاجر بالفطرة أو (السليقة التأريخية) ومنها الثابث المتشبث. وعلى العموم ودون تعميم فإن جل الشعوب الطينية راسخة والرملية مهاجرة، والعراقيون طينيون، لايبرحون وطنهم إلا مكرهين. وقدحدث الأمر عند الإنعطافات الكبرى في التاريخ، ومنها سقوط نامات سومر على يد البداة المهاجمين من الشرق،وسقوط آشور عام 605 ق.م، وبابل عام 539ق.م، والدولة الأموية 745م، حيث رحل العراقيون بعيدها زرافات من الموالين للأمويين إلى المغرب والأندلس.وحدث الهزيع حين سقطت بغداد العباسية عام 1258م حيث رحل الكثيرون لمصر والمغرب وفارس، حتى (الخلفاء) العباسيين وجدوا لهم موقع قدم في القاهرة.وبعد حلول الخروفين الآسيويين (الأبيض والاسود)، ثم العثمانيين، رحل العراقيون إلى الهند،ونقلوا معهم ميراثهم، حتى لنجد أن (اسطة) تاج محل أسمه واجد البغدادي، ونجد أن كثير من مخطوطات بغداد، قد رحلت معهم.

ونجد من شعوب الأرض تواقين للهجرة مثل أهل جنوب الجزيرة العربية نحو صوبي أفريقيا وآسيا، و سكان حوض البحر المتوسط منذ الأتروسكيين(سومريون سكنوا إيطاليا قبل الرومان منذ 1000ق.م) والفينيقيين، والذين جهابذة البحر الذين وصلوا حتى العالم الجديد، والأمر نافذ عند أهل دول الشمال هروباً من الصقيع الى الدفئ والشمس في الجنوب، وهجرة أهل شرق أوربا الى غربها.وأهم مايهمنا هو توق من سكن الهضبتين الفارسية والعربية للولوج الى الوادي العراقي الأخضر، وهو مصدر كل أحداث تأريخه.

والحنين للأوطان الشاخصة صفة طينية تعني الثبات بالأرض كونها تدر الغلة وتديم البقاء وتستديم.

النوع، وتقع على نقيض العقلية الرملية التي لم تعبأ بالمكان،كونه مجدب ومكبل ومحبط وعنى الفاقة والموت جوعا،بما حركه هذا الهاجس في الفطرة البشرية من شجون.وثمة بون بين الحنين لأهل وأطلال كما عند البدوي وحنين لأوطان ومكان عند الحضري، لذا فإن الحنين للأوطان مكاني يجد في العاطفة مسراه ومعيار دفقه،والذاكرة موئله ومخزنه والتفريغ التعبيري بالفن والشعر والقول والأدب متنفسه .

وحتى لو كان الحضريَّ قد ورد من أرض أقل خصباً، وتغرب في بلادٍ أكثر ثراءا وغلة، فإنه لابد أن يحن إلى وطنه ومستقرِّه.وللأعراب حنين إلى الجدْب، والمحلِّ القفر، والحجر الصَّلْد، ووخمة الرِّيف، حتَّى قال بعضهم:

أتجلين في الجالين أم تتصبَّري … على ضيق عيشٍ والكريمُ صبورُ

فبالمصر بُرغوثٌ وحُمّى وحصْبةٌ …... ومُوم وطاعونٌ وكلُّ شُرورُ

وبالبيد جوعٌ لا يزالُ كأنَّه …........... رُكامٌ بأطراف الإكام يمورُ

وذكر عن الإمام علي (ع) قولة عن المهاجر: ( ليس بلد بأحق بك من بلد خير البلاد ما حملك)وتعني كلمة حملك: أعزك وأطعمك واواك. وقال الخليفة الراشد عمر (رض): (عَمَّر الله البُلدان بحبِّ الأوطان ) . وكان يقال: لولا حبُّ الناس الأوطان لخسرت البُلدان.وقال عبد الحميد الكاتب، وذكر الدُّنيا: ( نفتنا عن الأوطان، وقطعتنا عن الإخوان).وقالت الحكماء في الإغتراب: أكرم الخيل أجزعُها من السَّوط، وأكيس الصِّبيان أبغضُهم للكُتَّاب، وأكرم الصَّفايا أشدُّها ولهاً إلى أولادها، وأكرم الإبل أشدُّها حنيناً إلى أوطانها، وأكرم المهارة أشدُّها ملازمةً لأمِّها، وخير الناس آلفُهم للناس.وقال آخر: من إمارات العاقل برُّه لإخوانه، وحنينه لأوطانه، ومداراته لأهل زمانه. وقال بعض الفلاسفة اليونان: فطرة الرجل معجونةٌ بحبِّ الوطن.و قال بُقراط: يُداوى كلُّ عليلٍ بعقاقير أرضه؛ فإنَّ الطبيعة تتطلَّع لهوائها، وتنزع إلى غذائها.وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنجع أدويتها. وقال جالينُوس: يتروّح العليل بنسيم أرضه، كما تنبت الحبة ببلِّ القطْر. وقالت العرب: حماك أحمى لك، وأهلك أحفى بك.

وشبَّهت الحكماء الغريب باليتيم اللَّطيم الذي ثكل أبويه، فلا أُمَّ ترأمه، ولا أبَ يحدب عليه.ولنا تجربة في الجزائر حينما حاولو تقديم لي (صدقة) مشيا على موقف في الفقه المالكي الذي يصنف الغريب كما إبن السبيل وتحل عليه، حتى لو كان ثرياً مرفها مثلي. وقيل: الغُربة كُربة، والقلّة ذلة. وقال الشاعر:

لا ترغبوا اخوتي في غربة أبداً … إنّ الغريب ذليلٌ حيثما كانا

وقال آخر: لا تنهض من وكرك فتنقُصك الغُربة، وتضيمك الوحدة. وقال آخر: لا تجفُ أرضاً بها قوا بلك، ولا تشكُ بلداً فيه قبائلك.وقال أصحاب القيافة: إذا أحسَّت النفس بمولدها تفتَّحتْ مسامُّها فعرفت النَّسيم.وقال آخر: يحنُّ اللبيب إلى وطنه، كما يحنُّ النَّجيبُ إلى عطنه.وقال: كما أنَّ لحاضنتك حقَّ لبنها، كذلك لأرضك حرمة وطنها.

ونجد في التراث مثل الجاحظ يفصل بين حنين العرب عن العجم والهنود ويذكر ما قالته "العجم" في الحنين: من علامة الرُّشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها توّاقة. أما عند الهنود فجاء ضمن التراث العربي مقولة: حرمة بلدك عليك مثل حرمة أبويك؛ لأن غذاءك منهما، وغذاءهما منه.وقال آخر: احفظ بلداً رشّحك غذاؤه، وارع حمىً أكنّك فناؤه. وأولى البلدان بصبابتك إليه بلدٌ رضعت ماءه، وطعمت غذاءه.وجاء في التراث كذلك: أرض الرجل ظئره، وداره مهده. والغريب النائي عن بلده، المتنحّي عن أهله، كالثور النادِّ عن وطنه، الذي هو لكلِّ رامٍ قنيصة.وقال آخر: الكريم يحنُّ إلى جنابه، كما يحنُّ الأسد إلى غابه.وقال آخر: الجالي عن مسقط رأسه ومحلِّ رضاعه، كالعير الناشط عن بلده، الذي هو لكل سبعٍ قنيصة، ولكل رامٍ دريئة.وقال آخر: تربة الصبا تغرس في القلب حرمة وحلاوة، كما تغرس الولادة في القلب رقَّةً وحفاوة.وقال آخر: أحقُّ البلدان بنزاعك إليه بلدٌ أمصَّك حلب رضاعه.وقال آخر: إذا كان الطائر يحنُّ إلى أوكاره، فالإنسان أحقُّ بالحنين إلى أوطانه.وقال آخر: ميلك إلى مولدك من كرم محتدك.وقال آخر: عسرك في دارك أعز لك من يُسرك في غربتك.وقال آخر: الغريب كالغرس الذي زايل أرضه، فقد شربه، فهو ذاوٍ لا يثمر، وذابلٌ لا ينضر. يقال أن الناس بأوطانهم أقنع منهم بأرزاقهم.ولذلك قال ابن الزُّبير: " لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما اشتكى عبدٌ الرِّزق " . وقالت أعرابية: إذا كنت في غير أهلك فلا تنسَ نصيبك من الذلّ. وأترع الشعر العربي بنفحات رومانسية، حيث قال الشاعر:

إذا ما ذكرت الثَّغر فاضت مدامعي … وأضحى فؤادي نُهبةً للهماهمِ

حنيناً إلى أرضٍ بها اخضرَّ شاربي … وحُلَّت بها عنِّي عقود التمائمِ

وألطف قومٍ بالفتى أهل أرضه … وأرعاهم للمرء حقَّ التقادمِ

وقال آخر:

يقرُّ بعيني أن أرى من مكانه … ذرى عقدات الأبرق المتقاودِ

وأن أرد الماء الذي شربت به … سليمى وقد ملّ السُّرى كلُّ واخدِ

وألصق أحشائي بيرد ترابها … وإن كان مخلوطاً بسم الأساودِ

وقال آخر

لقربُ الدار في الإقتار خيرٌ … من العيش الموسَّع في اغترابِ

وقال آخر:

لعمري لرهطُ المرء خيرٌ بقيَّةً … عليه وإن عالوْا به كلَّ مركبِ

إذا كنت في قومٍ عدىً لست منهم … فكُلْ ما عُلفت من خبيثٍ وطيِّبِ

ونجد في التراث العراقي القديم نصوص عن الهجرة،ولاسيما من المدن التي تداهم مثل أوروك وبابل. لكن التراث العربى تناول كتب الحنين عن الوطن بغزارة، ومنها: " حنين الإبل إلى الأوطان " لربيعة البصري، " حب الوطن " لعمرو بن بحر، لا الشوق إلى الأوطان" لأبي حاتم سهل بن محمد السجستاني، "حب الأوطان " لأبى الفضل بن أبي طاهر، " الحنين إلى الأوطان " لموسى بن عيسى الكسروي، " الحنين إلى الأوطان " لأبي الطيب محمد بن أحمد بن إسحق الوشاء، " الحنين إلى الأوطان " للحسن بن عبد الرحمن ابن خلاد الرامهزي، " أدب الغرباء " لأبي الفرج علي ابن الحسن الأصفهاني، " الحنين إلى الأوطان " لأبي حيان علي بن محمد بن العباس التوحيدي، " النزوع إلى الأوطان " لأبي سعد عبد الكريم بن محمد ابن السمعاني.

ومن أكثر ما وجدناه أهمية في رصد تلك الظاهرة هو مؤلف (حنين الأوطان) للعراقي أبومنصور محمد بن سهل بن المرزباني الكرخي البغدادي، ويقال عنه إنه من علماء النصف الثاني من القرن الثالث والثلث الأول من القرن الرابع الهجري، وتعد هذه الفترة من أزهى الفترات التي وطأتها الحضارة في بغداد، وكان أحد آئمة الأدب والبلاغة البارعين وأحد الفصحاء البلغاء.ويبدو أنه قد آثر الابتعاد في خدمة الخلفاء ودواوين الدولة، لذا مكث في الظل رغم براعته الفكرية والبيانية.وهذا ديدن الثقافة في كل زمان ومكان.

الباب الأول من الكتاب عنوانه: " ما جاء في حب الوطن "، وهو يبدأ بالقرآن الكريم، قال تبارك وتعالى في سورة " النساء " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم، وهكذا قرن الحق الجلاء عن الوطن بالقتل، وقال النبي (ص): الخروج من الوطن عقوبة، وكان يقال: " بحب الأوطان عمرت البلدان "، " والحنين من رقة القلب ورقة القلب من الرعاية والرعاية من الرحمة، والرحمة من كرم الفطرة، وكرم الفطرة من طهارة الرشد ".وقال جالينوس: يتروح العليل بنسيم أرضه، كما تتروح الأرض الجدبة ببل القطر، وقال أبوقراط: يداوى العليل بحشائش أرضه، فإن الطبيعة تنزع إلى غذائها، وأنشد الطائي:

كم منزل في الأرض يألفه الفتى.....وحنينه أبداً لأول منزل

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى.....ما الحب إلا للحبيب الأول

والباب الثالث من الكتاب عنوانه: " من اختار الوطن على الثروة "، قال بعض الأدباء: عسرك في بلدك، خير من يسرك في غربتك، وقال رجل لابنه: اخرج إلى الهند في تجارة فأبى، وقال: لا متصرف في الطلب خوف العطب، بل الحاجة أشد من الإعواز، والحاجة في عز الأمن خير من الغنى في ذل الخوف.وقيل لأعرابي: ما الغبطة؟، قال: الكفاية مع لزوم الأوطان والجلوس مع الإخوان.

قيل: فما الذلة؟، قال: التنقل في البلدان والتنحي عن الأوطان.

والباب الرابع عنوانه: " من اختار الثروة على الوطن "، قال أبوتمام حبيب بن أوس الطائي:

فأوبة مشتاق بغير دراهم...إلى أهله من أعظم الحدثان

وقال علي بن عبيدة:الإكثار: وطن الغريب، والعسر: غربة الوطن وقال آخر:

الفقر في أوطاننا غربة.....والمال في الغربة أوطان

والأرض شيء كله واحد....ويخلف الجيران جيران

وأنشد آخر:

لعمرك ما الغريب بعيد دار....عن الأهلين وهو جميل حال

ولكن الغريب قريب دار.....من الأهلين وهو قليل مال

والباب الخامس من الكتاب عنوانه: " ذل الغربة".، حيث قال بعض الأدباء: الغربة ذلة، فإن أردفتها قلة، وأعقبتها علة، فهي نفس مضمحلة.وقال آخر: الغربة كربة والكربة ذلة والذلة قلة.وقالت العرب: لا تنهض عن وكرك. فتنقصك الغربة وتضيمك الوحدة.وشبهت الحكماء الغريب باليتيم الذي ثكل أبويه، فلا أم ترأف به ولا أب يحدب عليه. وكان يقال: الجالي عن مسقط رأسه كالعير الناشز عن موضعه، الذي هو لكل سبع فريسة، ولكل كلب قنيصة ولكل رام رمية.وكان يقال: المغترب عن وطنه ومحل رضاعه كالعير الذي زايل أرضه وفقد سربه، فهو زاو لا يثمر وذابل لا ينضر .

وقال بعض الأعراب: إذا كنت في غير أهلك ....فلا تنس نصيبك من الذل.

وقال الشاعر:

إن الغريب له استكانة مذنب....وخضوع مديون وذل غريب

فإذا تكلم في المجالس مبرم.....وإذا أصاب يقال غير مصيب

فإذا الغريب رأيته متحيراً......فارحم تحيره لفقد حبيب

والباب السادس في كتاب الكرخي مخصص لما قيل في نوح الحمام، مر بشار الأعمى بباب الطاق(باب الشيخ اليوم) فسمع صياح قمرية، فقال لغلامه: انطلق، فإن وجدت هذه القمرية بجناحها فاشترها ولو بوزنها ذهباً، فوجدها بجناحها فاشتراها بثلاثة دنانير، فلمسها بيده ثم قال:ناحت مطوقة بباب الطاق.....فجرت سوابق دمعك المهراق

طربت إلى أرض الحجاز بحرقة......فشجت فؤاد الهائم المشتاق

وقال آخر:أحقا ياحمامة بطن واد......بهذا الوجد إنك تصدقينا

غلبتك بالبكاء لأن شوقي......أكاتمه وشوقك تغلبينا

ويقول مؤلف الكتاب البغدادي : أخبرني من سمع أعرابيا يقول: إذا ترنمت هتوف الضحى بين الغصون أدت الشجون مياهها إلى العيون، فمن ذاد عن البكاء عينا أورث قلبه حزنا.

والباب السابع في الكتاب عنوانه: من تداولته الغربة. حيث قال أبوتمام حبيب بن أوس الطائي:

ما اليوم أول توديعي ولا الثاني.....البين هيج لي شوقي وأحزاني

دع الفراق فإن الدهر ساعده......فصار أولع من روحي بجسماني

وقال آخر:

نساعد بالوصال ودهرنا......يومان يوم نوى ويوم صدود

وقال آخر:

حتى متى أنا في حل وترحال....وطول هم بإدبار وإقبال

أكابد الدهر، لا أنفك مغتربا....عن الأحبة لا يدرون ما حالي

في مشرق الأرض طوراً ثم مغربها.....لا يخرج الموت من ذكرى على بالي

والباب التاسع وصف الوطن بالطيب والنزهة، والباب العاشر ما قيل في الأشجار والضياء والبروق وغير ذلك، والباب الحادي عشر ما قيل في حنين الإبل، والباب الثاني عشر في المساءلة عن الحنين.وعودة إلى الباب الثامن من كتاب البغدادي وعنوانه: من جسمه بأرض وقلبه بأخرى،ونجد فيه مطابقه مع معاناة ملايين المهاجرين من العراقيين الذين كانوا مجبورين على المكوث بأوطان أخرى ومجبولين على حنين مجنح لوطنهم.فسرحت متأملا كيف ومتى تحين ساعة العودة لهؤلاء،مع يقيينا أنهم فقدوا الكثير في الوطن والمهاجر، فأسراب الطيور المهاجرة تفقد ثلثها في طريق العودة الى الوطن .

عادة ما أقرا بالحدس مصيري من سير من سبقني في الغربة وأمتلئ بالحسرة، فقرات إبن بطوطة وأنا صغير (11 عام)، وشغفت بسيرته وغربته،وكاني أقرأ مستقبلي، ثم شدني سيرة (الصاعد البغدادي) الذي مكث أربعون عاما كما هي غربتي اليوم، متنقلا في الأندلس، ليقرر أخيرا العودة، لكن الفلك الذي نقله من الساحل الشرقي لميورقه ثم صقلية، كان آخر المطاف، فمات دون أن يعود لبغداد.

ثم شغفت بشخصية وسيرة الدكتور المعمار (محمد صالح مكية: مولود في بغداد 1914)،و الذي أنجزت كتابي تحليلي عن حياته وفكره ومنجزه، والذي صدر ببغداد العام المنصرم، حيث جمعتني به المناف والصداقة والإنتماء العراقي والصنف المعماري، وربما يوم ميلادنا الذي يقع اليوم 15 يناير\كانون الثاني . بيد أن الاسى يملئني وانا أفكر بأن قامة ثقافية مثل مكية وهو اليوم يجتاز عمر القرن(مئة عام) يعيش منفاه الإختياري في لندن ومنسي من العراق الغافل والنخب النائمة والسلطات المخدرة والمنشغله بواه الأمور. ففي الوقت الذي ادعوا الله لأن يمد بعمره ويديم ظله، أمني النفس أن نستدرك ما يمكن إستدراكه، ونعتني برموز ثقافتنا وشواخص مبدعينا مثل مكية وأمثاله،قبل فوات الأوان، كي لا يؤرقنا الندم، أو يلومنا من يرد بعدنا على تقاعسنا. وذلك ويؤجج الحنين للوطن العراقي المبتلى، ويثير فينا الاسى.

لقد أكرمني الله أن أدفن جثامين أمي وابي في وسط غابات ستوكهولم الندية حتى أمسى حنيني مشتت بين بغداد موئلي وقدس روحي، ووادي السلام التي ضمت في ثراها من أحب، وستوكهولم لأحرس قبور أهلي آخر الأصقاع. سألني الإعلامي الرائع مؤمل مجيد مقدم برنامج (خط الحياة) في التلفزيون العراقي آخر سؤال، وفحواه: إذا مت، فاين يطيب لك ان تدفن؟، فأجبته من سجيتي، بأن ارض الله كلها طاهرة، ثم تذكرت في لحضة تجلي قبر والدي هناك الذي تمنى أن يكون دفين وادي السلام، فبكيت، متذكرا أن ما أصابنا في العراق، كان يجب ان لايكون قدرنا، فلم نقترف الخطايا التي تقابل تلك العذابات، وتشظي بين الأرواح والأجساد. كان (مؤمل) حاذق، ورغم أنه واعدني بقطع تلك اللقطة(بالمونتاج)، لكنه وظفها في الديباجة، أتذكر أنها كانت مشوبه بنشيج من الروح تمتمت فيها : العراق ما يستاهل اللي د يصير بيه اليوم!.

 

عندما يغني الطبيب ..!!

rafed alkozaiاليوم في العيادة راجعني مريض عمره 25 سنة استئصلت خصيته اليمنى بعملية جراحية قبل سنتين نتيجة اصابتها بورم سيمنانوا وهو ورم يصيب الخلايا منتجات للحيامن وعلاجه الفعال هو استئصال الخصية والمتابعة السريرية والمختبرية باجراء فحوصات لعلامات الورم المختبرية (tumor markers) ووظائف الكبد وفحوصات شعاعية مقطعية او رنين مغناطيسي للصدر والدماغ والرئة والعظام وسونار متابعة كل اربعة اشهر من خلالها تبين وجود غدد لمفاوية متعددة مجاورة للشريان الابهر البطني وقد اجرى له فريق هندي عراقي في مستشفى الجادرية الاهلي عملية استكشافية للغدد اللمفاوية والتجويف البطني مع رفع الغدد لغرض ارسالها للمختبر للتحليل النسيجي ..

قلت له علينا الانتظار حتى نعرف نتيجة التحليل لان يمكن قصة الغدد غير قصة الورم الاول ولا نستعجل بالحكم حتى نكتشف التاكيد من الفحص النسيجي حتى نخطو الخطوة الاخرى من العلاج ..

ضحك المريض وقال دكتور لو العراقيين يفكرون بنفس طريقتك قبل اطلاق الاحكام السريعة والتهم جزافا ومعرفة العدو الحقيقي جان عشنا بخير وأمان..

ضحكت من اجل اغير قلقه المتنامي وخوفه من متابعة العلاج وقلت ستعيش 25 سنة اخرى ويمكنك الزواج والانجاب لعراقيين جدد تربيهم على طريقنك ويمكن ترى عراقيين غير ماتراهم الان ..

نزلت دمعه من عينه وهو ينظر لاخيه الوحيد قال حقا يا اخي ساعيش 25 سنة اخرى..

قلت له مادام الله والامل والعلاج موجود ستعيش.. ان معركتك الان هي معركة مناعة وشجاعة من اجل ايقاف استشراء الورم في جسدك عبر البوابات المختلفة من انتشار مباشر او خلوي عبر الدم او اللمف الى حواظن اخرى والمناعة تعتمد على العلاج اللصيق والراحة والشعور بالامان والامل والشفاء والتغذية الغنية بالتمر والخضروات والبروتين وهكذا نستطيع مع التطور الطبي الدوائي في الحصول على الشفاء باذن الله ..

ودندنت له .. حرامات سنيني حرامات يگضن نغم عالعود سنيني حرامات. .. .سلامات حبك سلامات يبقى نغم و ورود حبك سلامات ..

فما كان من اخيه ان دندن معي بصوت رائع .. وهو يحاول مسح دمعات اخيه .. زززويراه مبتسما .. المناديل نهز المناديل بجيتك ياماي العين نهز المناديل ..

قلت له وهذا اخيك يتدرب بالغناء على الجوبي من الان استحضارا لعرسك المرتقب ..

ضحك المريض وقال دكتور عود ليش انطيتني عمرا 25 سنة مو عشرينسنة ..

قلت له والله ماجا نت عندي خردة مال اسنين واحنا الاطباء متعودين على الخمسة وعشرين ..

وبعد توديعي لهم اتصل اخيه بي بالموبايل بعد ساعتين وقال لي دكتور الف رحمة على البطن اللي نكلتك والله اخوي طلع من يمك فرحان ومنتشي رجع ضرب (اكل) نفرين كباب يم مطعم كباب البدوي وهو يضحك ويقول ساقاتل الورم بقوة وساخضع للعلاج واحقق امنية دكتور رافد بالعيش 25 سنة اخرى علما انه لم ياكل منذ يوميين وهو مكتئب عود ليش ماتعلمون الطلاب مال الطبية اغاني واشعار حتى المرضى يرتاحون اذا مو بالعلاج على الاقل بالاغاني وزرع الامل ..

 

الدكتور رافد علاء الخزاعي

 

د. صــابر .. قصة واقعية لا تنقصها الصراحة

abdulrazaq mohamadjafarنـشَـرت لي قبل أيام مجلة المثقف الغراء قصة واقعية تنقصها الصراحة،..وعلى الفور استلمت من صديق عزيز مقيم في المهجرسؤالاً في غاية الذكاء،..فهو على دراية تامة بسيرة حياتي بين ماض من الزمان وآت، .. وقال:

منو الصكر ومنو اليمامه؟

فأجبته على الفور:

(تشخيصكم يدل على معرفتكم التامة بذهنية الكاتب وانتم

على صواب، فتوجيهات الأهل جعلتنا حمام الكاظم!،...

ففي، ولم ندرك ذلك،.. ولم نتعلم، بل ولا نريد أن نتغير

مسرحية عراقية شاهدتها في السبعينيات، فيها يسيريوسف العاني بأستقامه،.. ويصطدم بالحائط فيقول له صديقه:

جان أخذت يمنه لو يسره،.. فيقول:

مو أهلنه علمونه نمشي عدل !

وهكذا طفحت على السطح قصة اخرى عشتها في نهاية التسعينيات في بلد عربي تحرر من العديد من الأعراف القديمة وساير الثقافة الأوربية الحديثة بصراع مرير مع عاداته وخاصة في المدن الكبرى

وفيما يلي قصة من الواقع المريربين التحرر والألتزام لا تنقصها الصراحة،..فلعلها تجيب عن سؤال زميلي المغترب لكي يعرف من هو الصقر ومن هو اليمامه، أذا ما قرأ بأمعان القصةالآتية :

وجه صابر سؤالا الى ذوي الاختصاص عن أسباب عدم توفيق شخص ما في عمله أو ما يسمى (بالنحس) الذي يلازمه بشكل مزري ومستمر، مسببا له الإحباط المؤدي الى الكآبة !، إلا أنه لم يجد الجواب الشافي، ولم يستطع استنباط الحقائق، وهكذا عاش كغيره من ملايين البشر في شقاء دائم، أو كما قال المتنبي :

ذو العقل يشــقى قي النعيم بعقله   وأخو الجهالة في الشـقاوة ينعمُ

لا يسـلم الشــرف الرفيع من الأذى   حتى يراق على جوانبه الدمُ

قررصابر كتابة هذه القصة وهو في أشد سنين حياته عُـتمة،... ليطرح آلامه في كل حرف يكتبه،...لا للتسلية،....بل لكسب العبرة و تجنب الانزلاق في مستنقع الحياة وغطرسة حثالة المستبدين !

استعان صابر بما يبدو متناثرا ولا تربطه أي رابطة في الحياة اليومية، لـسـرد قصصاً جميل من خلال التجارب التي تحدث أمام أعينه متحدياً العوائق التي تبرز بغيرتوقع،والتي نطلق عليها أسم (مطبات) او(النحس)، وهي على درجات متفاوتة من الضرر!

قدم الدكتور صابر استقالته من الجامعة التي يعمل فيها، في احد الأقطار العربية، بعد خدمة ستة عشرعاما ليلتحق بعائلته المهاجره منذ عدة سنوات في دولة اوربية، الا انه فشل في الحصول على تأشيرة دخول( الفيزه)، لآسباب عدة لا مجال للخوض فيها !، ولم يوفق في العودة الى عمله السابق وفق القوانين المعمول بها في تلك الجامعة!، ولذا توجه إلى قطر عربي آخر، للبحث عن عمل في احدى جامعاته، بناء على نصيحة زميل له.

وصل صابر إلى تلك الجامعة وتعرف على دكتور بنفس اختصاصه الضيق، و رحب به وأخذه إلى مكتبه في القسم الذي يعمل فيه واطلع على جميع وثائقه الثبوتية، و وعده بمواجهة المسئولين و تقديم كل ما في استطاعته من مساعدة لتحقيق رغبته، وبعد جلسة مسامره، اقله بسيارته الى وسط المدينة، ثم حجز له حجرة في فندق ممتاز يتعامل مع الجامعة بأسعار مخفضة، ثم ودع صابرعلى أن يتم استدعائه عندما يتضح قرارالعمادة ورئاسة الجامعة .

تعرف صابر صباح اليوم التالي على استاذة جامعية في مقتبل العمر في بهو الفندق، حيث قدمت من مدينة اخرى لحضور مؤتمر علمي، وسرعان ما تعرف بها، وأعجبت به،... بسبب حبها للعراق و تالمها على الأحداث الجارية فيه منذ غزوه للكويت، وفرض الحصار الجائر عليه!

وبعد أستنفاذ ما في جعبة كل منهما من أسئلة لمعرفة المزيد عن خلجات كلاً منهما،..وفي لحظة صمت، أستغلتها،.. ثم دَعتهُ إلى التنزه بشوارع المدينة، وهكذا ولأول مرة شعر الدكتور براحة نفسية وهو يحدث امرأة غمرته بمودة لم يعهد بمثلها، وهام بها، وسرح في حلم من احلام اليقظة!، (لأنه لم يتعود على مثل هذه الجرأة، حيث كان يعتبر مثل هذا التصرف، شيئا مشينا بسبب ما اكتسبه من حشمة منذ الصغر!)،.. وهكذا أمضيا الزميلان يوما ممتعا، وتبادلا شتى انواع الأحاديث ثم اتفقا على تحديد موعد جديد للقاء، وتم الفراق ، إلا أنها لم تف بوعدها وغادرت من غير كلمة وداع!

انفعل صابر، لاعنا حظه الذي ما إن ينفرج حتى ينتكس ويهوى مرة أخرى!، وهذا هو حكم القدر المؤمن به،... وطارت الأحلام في مهب الريح، بعد أن ذاق " طعم العواطف المتأججه ".

بدأ الدكتور صابر الاستعداد للأختبار العلمي غير المباشر من اجل معرفة قدراته العلمية، وكلف بإلقاء محاضرة في مجال تخصصه، وقد كتب لتلك الخطوة النجاح حيث استمع الجميع ولأول مرة محاضرة في الكمياء باللغة العربية !، وبعد الانتهاء قابل صابر عميد الكلية، ولمس لديه ترحابا حارا أشاع البهجة التي افتقدها منذ خروجه من العراق حيث بدأ يشعر بقيمته العلمية.

زاول صابر عمله بقسم الكيمياء وكلف بالاشراف على بحث علمي وفق اختصاصه مع طالبة دكتوراه وسار العمل معها متعثرا لعدم توفر أدوات العمل، ثم انقطع عن الحضور لعدم صدور أمر رسمي بعمله مع تلك الطالبة، كما أن إقامته كانت غير قانونية، وبصعوبة جمة كتبت له العمادة رسالة إلى دائرة الهجرة تعلمهم فيها بحاجتها لعمل الدكتور صابر في البحث العلمي والتدريس باللغة العربية لطلبة السنة الأخيرة بعد تعريب الدولة للدروس العلمية فيالمدارس الثانوية.

تمكن صابر من تأجير شقة مؤثثة، فقد ضجر من السكن في الفنادق و تناول الغذاء في المطاعم ووجد الترحاب من مالك الشقة و عائلته، وغمروه بالمودة، و تبادل الزيارات معهم كل مساء !

وفي تلك الآونة تعرف صابرعلى صديقة صاحبة الدار التي يسكنها، وهي شابة فاشلة في حياتها، حيث طلقت بعد سنة واحدة من زواجها، ووجد في هذه العلاقة الجديدة بعض السلوى، لأنها تملك سيارة ومن عائلة متفتحه، إضافة لعلاقتها الوثيقة بزوجة مالك الدار،.. حيث سهلت دخولها وخروجها من داره!

تكرر لقاء صابر مع زميلته الجديده وسهرا معا عدة مرات في مقاهي"المدينة" الا أنه لم يستسغ علاقتها مع اصدقائها،... فما إن يجلس معها في اي منتزه و يتبادل معها عبارات الأعجاب او قل الغزل المهذب !، حتى يطوق بثلاث أو أربع فتيان تقدمهم له على أساس زملائها في العمل. ولم يكن ذلك مهم بالنسبة له، حيث مازال معها بحالة استقصاء قصوى او كما يقال في المثل الشعبي العراقي (يابسه و تمن)، لأن كل المؤشرات تدل على عدم صلاحيتها كرفيقة، بل هي تخطط للحصول على زوج كبديل لزوجها الذي نفر منها وطلقها، لأسباب بدت واضحة الآن، فهي على علاقة حب مع أحد أفراد " الشلة " إلا انه لا يرغب بالزواج منها مكتفياً بتأدية الواجب الغرامي والذي كان سبباً في طلاقها!

تقزز صابر من هذه العلائق البعيدة كل البعد عن كل الأعراف التي تطبع عليها، وقد تكون هذه ظاهرة فردية، لأنه لم يطلع بعد وبشكل واسع على كافة مرافق المجتمع في هذا البلد، وبطبيعة الحال ليس هناك تعميم، ففي كل بلد أو قطر تجد شتى الأختلافات في العلائق، (ومافيش حد أحسن من حد) كما في المثل المصري، ... ومن هذا المنطلق دب عندي البرود بعد كل لقاء معها بالرغم من أنها تمتاز بمؤهلات يتمناها أي رجل، لقوامها الرشيق وحركاتها المغرية، عدا بعض (الحول) في عينها، أجادت اخفائه عند التحدث، وخاصة عندما تغمضها لكي تموه الناظر لها ... وبالرغم من كل ذلك رضى صابر بتلك الزمالة لتحطيم الفراغ في حياته و للمتعة التي أحسها عند تواجد أنثى بمعيته وهي في أبهج هنداما وتحدثه في غنج، وتجعله يعود لأيام الشباب،... وتلتهمها عيونه قبل فمه!، وكان في حينها يسرح بخياله عندما يركز النظر في تقاسيم مفاتن جسمها ونظارة بشرتها و وجهها المتدفق حيوية وكانها كالدلفين. فقد كانت في منتصف العتبة الرابعة من عمرها، والناظر لها لا يمكن أن يمنحها أكثر من عشرين سنة !... وخاصة عندما تضع المكياج

على وجهها فتزداد نظارة وبهجة تسرالناظرلها ويكاد يفقد توازنه إن لم يسيطرعلى عواطفه الجياشة ويروضها ولا يجعلها تمرح وتسرح في مفاتن وتضاريس جسمها اليانع !

لم يتمالك صابر القدرة على تحمل الاِتزان وضبط الأعصاب مع تلك الحورية، ولا يدري كيف السبيل إلى ترويضها، فهي مازالت هائجة، لأنها لم تجد بعد من يروي ينبوع أو قل ينابيع عواطفها، إنها عطشى وما من أحد يفهمها، ... ولم يجد منها أي تجاوب لتعميق علاقته معها،ولذا ترك لها حرية زيارته وقت ما تشاء، وكم من مرة، سمع صوتها عند صديقتها، إلا أنه لم يبادر بالسؤال عنها، فهي على علم بوجوده، وأراد أن تبادره بالزيارة إن كانت راغبة بتطويرعلاقتها إلا أنها لم تفعل، وهو متقمص ثوبه القديم!

عاش صابر تلك الأيام من عمره وهو بكنف خريف العمر،..فقد علموه الأهل منذ الصغراخلاقا معينة تختلف بعض الشيء عما هو جار في الوقت الحاضر، وقد تركزت تلك التعاليم على العلاقه بين الجنسين!، فمثلا إذا وقعت أنظار رجل ما على وجه امرأة جميل ومشرق فيجب عدم تكرار ذلك، فالشرع لا يسمح بالنظر إلا مرة واحدة فقط ! ... وهكذا التزم صابر وكل أبناء جيله بمثل تلك الاخلاق والعادات التي يراد بها كبح جماح الشباب وعدم التمادي بغرائزهم العاطفية، ولذا صارعلى كل من يسير في الطريق ان يركزعيونه على الرصيف !، وكأنه يبحث عن شيء ضائع لكي لا يتهم بسوء الأدب!، وهكذاعاش صابر على ذلك النمط كشيخ مفعم بقساوة الزمن، بالرغم من أنه لا يؤمن بصحة تلك الآراء.

لعب الحظ او قل القدر ليستقر الدكتور صابر موقتا في ذلك البلد العربي والذي تطبع لحد ما بواقعية متزنة، فشعر بالإنتعاش والدفئ لدماء الشباب المطمورة، .. فنمت عنده الأحاسيس من جديد كنمو زهرة في الشتاء، أو قل كما تنبت شجرة الصبير في الصحراء، فأخضرت نفسه من دون قناع ولم يتهمه أحدا " بقلة الأدب"!،.. وتمكن خلال فترة قصيرة أن يصادق العديد من نساء المجتمع المثقفات و بحدود اللياقة والأدب، وتجول معهن في شتى المرافق العامة في المدينة وتبادل دعوات الأفطارمع عدة عوائل عريقة،.. وبادل إحدى زميلات المهنة مشاعراً لم تقترب لشاطئ " الغرام "

فقد كان إعجاباً، ولما اقتربت منها سفينته عند المرسى،..طلبت منه أن يبتعد عنها حتى لا يغرق في مســتنقع الحب المحرم !

ياحبيبي كل شيئ بقضاء = ما بأيدينا خلقنا تعساء

ربما .. تجمعنا ..أقدارنا = ذات يوم بعدما عز اللقاء

فأذا ... أنكر خل ...خله =   وتلاقينا لقاء الغرباء

ومضى كل الى غايته   =   لا تقل شأنا فأن الحظ شاء

 

الدكتور عبدالرزاق محمد جعفر

أستاذ جامعات بغداد والفاتح وطرابلس / سابقاً

 

 

هيهات تنشف دمعتي / إلاّ تبيّن حوبتي .. من نبوءات الفنان الخالد سيف الدين ولائي

adnan aldhahirأتحف الشاعر سيف الدين ولائي فن الغناء العراقي بأروع الأغاني والأكثرها شهرة وعلى مدى عقود وعهود ومنذ أربعينيات القرن الماضي وحتى جريمة تهجيره من وطنه العراق من قبل مجرمي البعث الفاشست.

تمَّ تهجيره مع آلاف العراقيين المؤلّفة إلى إيران لكنه لم يُطِقْ هناك صبراً فآثر الهجرةَ إلى سوريا ليكون نزيلاً وجاراً للسيدة زينب ليس بعيداً عن العاصمة دمشق. عاش هناك زاهداً مكتفياً متشبثاً بأمل الرجوع للعراق والموت فيه وأنْ يكون مضجعه الأبدي تحت ثراه. لكنْ يأبى القدر الأعمى إلاّ أنْ يكونَ رحيله في سوريا وأنْ يكونَ مدفنه بجوار السيّدة زينب. رحل الفقيد ولم يرَ العراق ومنزله في الكاظمية الذي صادره البعثيون البُغاة القتلة.

شَهُرت أشعاره المُغناة بأصوات خيرة مطربي ومطربات العراق وأحببت منذُ أوائل شبابي بعضها حبّاً جمّاً دون أدنى معرفة بصاحب هذه الأشعار أذكرُ منها في أوائل وأواسط خمسينيات القرن الماضي: سمر سمار ياسمر بصوت رضا علي وأغنية يابة يابة شلون عيون عندك يابةْ غنتها نهاوند من ألحان رضا علي . وغنّت أشعاره الكثيرات من المطربات العراقيات وغير العراقيات مثل زهور حسين وعفيفة إسكندر ونرجس شوقي وفائزة أحمد ومَلك وراوية ولا يحضرني الكثير من الأسماء لأنني غبت عن العراق لسنينَ وعقود وفقدت اتصالي بالطرب العراقي.

سأُركّز في مقالي القصير هذا على أغنيتين فقط أحببتهما ولم أفارقهما طوال حياتي وحيثما وكيفما كنتُ هما أغنية [جيرانكم يا اهل الدار / والجار حقّه عللجارْ] ثم أغنية [حركت الروح لمن فاركتهم].

 

1ـ أغنية جيرانكم يا اهل الدار

نبوءة الفنان سيف الدين ولائي في هذه الأغنية:

في المقطع الأخير لهذه الأغنية نسمع شعر الفقيد بصوت فائزة أحمد [أفضل منها بصوت ملحّنها رضا علي]:

يا ظالم اللي عقبْ ظُلمهْ سِلمْ / يا اهل الدار

هيهات تنشفْ دمعتي / يا اهل الدارْ

إلاّ تبيّنْ حوبتي / يا اهل الدارْ

جيرانكم يا اهل الدارْ

...

من هو الظالم الذي عناه الفنان المظلوم سيف الدين ولائي ومن هم الجيران الذين خاطبهم وهل حفظ الجيران حقه؟

ليس عسيراً على العراقيين الأسوياء معرفة أجوبة هذه الأسئلة. كشفهم تاريخ العراق منذ أوائل ستينيات القرن الماضي حتى سقوط صدام ونظام حكمه تحت بساطيل الغُزاة في نيسان من عام 2003 . الظالم معروف ومكشوف لكنَّ الجيران توزعوا بين ساكت عن الحق عاجز عن النطق والإحتجاج أو متورط في الظلم مُشارك القاتل في جريمته أو منتفع منها بالإستيلاء ومصادرة دور الجيران المُهجّرين.

هيهات تنشفْ دمعتي / إلاّ تبيّن حوبتي

وقد بانت الحوبة ونال الكثير من الظلّمَة والقتلة جزاءهم وعلى رأسهم القاتل والمجرم الأكبر صدام حسين وبعض أفراد عائلته وأقرب المقربين منه.

نعم يا ابن العراق الأصيل أيها الشاعر والفنان الخالد، نعم، أردد معك ذات سؤالك : يا ظالم اللي عقب ظُلمهْ سِلمْ ؟

فليسمعْ العراقيون هذه الأغنية خاصة بصوت المطربة السورية الأصل فائزة أحمد.

 

2ـ أغنية حركت الروح لمنْ فارقتهمْ

أغلب الأغنيات التي لحّنها الفنان رضا علي لغيره من المطربات غنّاها بعدهن وهذا ما اقتضته العقود المبرمة بينه وبينهنَّ على ما يبدو. أي انه لا يتنازل عن حقه في أداء هذه الأغاني بصوته بعد تأديتهنَّ لها. باستثناء أغنية واحدة لم يغنها رضا علي أبداً على حد علمي هي أغنية (حركت الروحْ لمن فارقتهم) من شعر الخالد سيف الدين ولائي. لحّنها وغنّتها عفيفة إسكندر ونالت من الشهرة ما نالت حتى غنّاها في الآونة الأخيرة العديد من المغنين والمغنيات عراقيين وغير عراقيين حتى إني سمعتها بصوت سيّدة نرويجية أو سويدية لكنْ تبقى هذه الأغنية المتفردّة بصوت عفيفة إسكندر.

أحببتُ هذه الأغنية وجرّتني وأوقعتني في حبّها مقدّمتها شعراً ثم لحناً. فقد جمع شاعر الأغنية الأستاذ سيف الدين ولائي بحسّه الفني الغنائي العالي بين لفظتين متتاليتين تشتركان بحرفين هما الراء والحاء، أقصد : حركت الروح ... لكنّ الأكثر طرافةً في هذا الجمع هو تغيّر السياق الزمني لهذين الحرفين في كلمة الروح . إذ جاء حرف الراء سابقاً لحرف الحاء وهو مُخالف لسياقهما في كلمة حركت . يُذكّرني هذا بشعر شعبي معروف في العراق على ما أحسب يبدأ بعتاب غاية في الرقة والإنسانية يقول : وهنا يمنْ جنّا وجنّتْ /نشفعْ لَعِدْ غاياتهْ. المقصود الفعلين كُنّا (جِنّا) وكنت (جِنِتْ). أُصغي للكلمتين فيتناهى إلى سمعي صوت قرع الصنوج (جمبارات) الغجر .. جنّا وجنّتْ .. جن جن جن جن. حرف الجيم هنا هو الصوت الإنكليزي: CH

أُضيف أخيراً أنَّ الشاعر لم يقل قتلت الروح لمّنْ فارقتهم كما هو المألوف في العراق (كتلتْ روحي) بل فضّل عليه قوله حرقت الروح وهو قول أكثر بلاغةً وأقرب للنفس وأعمق أثراً وتلكم خصائص لا يمتلكها إلاّ المبدعون.

رغم ولعي وتولّعي بهذه الأغنية ومنذ أواخر خمسينيات القرن الماضي لي على بعض شعرها ملاحظة إذْ أني أحسب في هذا البعض ضعفاً أو تناقضاً وأعجب كيف فات على فطنة وموهبة الفنان الفقيد سيف الدين ولائي. أقصد البيت الذي يقول فيه

[أودّعهم وعُذّالي يشوفوني / إجو لا للشماتة ولا يلوموني

إجو بفراق أحبابي يسلّوني / عذولي صار لي سلوة بجفاهم ..]

أجلْ، هنا إعتراضي وصعوبة قبولي بمنطق ومنطوق كلمات هذه الأسطر لأني أرى فيها تناقضات منها كيف يكون العاذل مُسليّاً ومواسيّاً؟

العاذل يلومُ ويشمت ولا يُخفف مُصيبة المُصاب كما نعلم وكما تقول لنا لغتنا فهل أنا مُخطئ في فهمي لهذه السطور ؟ من يُجيب ؟

للفنان الخالد نجلٌ في السويد هو الأستاذ جاسم سيف الدين ولائي وهو خير من يفهم شعر والده وهو كذلك شاعر كأبيه لذا أرجو منه ـ إنْ قرأ كلمتي هذه ـ أنْ يُلقي بعض الضوء على هذا اللَبَس في كلمات هذه الأغنية التي أبدع رضا علي في صياغة لحنها.

هناك بالطبع أغانْ أخرى كثيرة كتب كلماتها الفنان الراحل المرحوم سيف الدين ولائي لكني ذكرت فقط الأغاني التي أثّرتْ فيَّ ووجدت لها عندي أصداء خاصة لأنها جاءت في ظروف معيّنة كنتُ فيها مستعداً للتجاوب مع كلمات هذه الأغاني ولتسلسل الزمن أحكام على البشر.

كلمة أخيرة لا بدَّ من قولها: هناك في سفر الأغاني العراقية أغنية معروفة غنّاها ياس خضر في كلماتها تفرّد وإبداع وقد كتبها شاعرها فجعلها برأس بدأ به قصيدته وأنهاها بخاتمة فيها فجيعة فهي قصة كاملة في قصيدة واحدة. أعني قصيدة " المكيّر: مشيتْ وياه للمكير أودعّنهْ...

ثم أنهاها نهاية تنضح بالدموع الحارة جرّاء فراق الحبيب : ورد للناصرية ردودْ / مخنوق بألف عَبرةْ.

نعم يا عراق، ورد للناصرية ردود مخنوك بألف عبرة،

في ظني أنَّ شاعرها هو زامل سعيد فتّاح أو عريان السيّد خلف،

 

عدنان الظاهر

10.01.2014

 

مع المفكر الناقد محمود أمين العالم

faroq mawasiفي مثل هذا اليوم العاشر من كانون الثاني وقبل خمس سنوات (2009) رحل عنا الناقد المفكر الدمث د. محمود أمين العالم عن عمر يناهز السابعة والثمانين.

بدأت شهرة العالم بكتابه المشترك مع د. عبد العظيم أنيس- (في الثقافة المصرية)، وختم نشاطه بتحرير مجلة جادة مهمة هي " قضايا فكرية".

عرف عن العالم أنه كان يساريًا، ومن أشد أنصار الشعب الفلسطيني، وقد سجن أكثر من مرة، وله عشرات الكتب النقدية التي تنطلق من توجهات ماركسية ديالكتيكية.

تسنى لي أن ألتقي الكاتب في معرض الكتاب سنة 1991، وقد دعاني كما دعا ب. محمود غنايم لوجبة غداء في مطعم المعرض، وكانت بصحبته الدكتورة ماجدة الطهطاوي- حفيدة رفاعة الطهطاوي- الشخصية المعروفة في تاريخ مصر الحديث، وقد حدثنا فيما حدّث عن فترة سجنه القاسية في سجن طرة وسواه، وكيف كان يحمل الصخور أسوة بالسجناء غير السياسيين.

حرصت أن أحضر ندواته في المعرض، وأصدقكم أنني كنت منبهرًا بتعابيره وثقافته وحضوره، وذلك بسبب تيسيره للطروحات الفلسفية التي يعالجها.

في 8 كانون الثاني 2005 دعيت إلى القاهرة لحضور حفل توزيع جوائز القصة التي أعلن عنها موقع (ديوان العرب)، حيث كنت عضو لجنة التحكيم فيها، وكان معي د. أحمد زياد المحبك من سورية، و د. صلاح السروي من مصر.

اقترحت على الصديق عادل سالم- صاحب المؤسسة أن أدعو د. محمود أمين العالم، ليكون ضيف شرف على الحفل، كما اقترحنا يومها أعلامًا آخرين أذكر منهم فريدة النقاش وأحمد مستجير وبهاء طاهر، وبالفعل فقد اتصلت به من بيت مضيفنا الفلسطيني عبد القادر ياسين، فأبدى استعداده خاصة وقد علم أن القائمين على المشروع هم فلسطينيون. وكان بصحبتنا يومئذ الكاتب الفلسطيني الصديق سليمان نزال الذي حضر من الدانمرك لهذا اللقاء.

وهكذا التقينا في الحفل الرائع الراقي، فوزعت الدروع التقديرية، ومنها درع له، ودرع لي، واحتفينا جميعًا بالفائزين الثلاثة الذين وزعت عليهم جوائز مالية.

في حديث بيننا تطرقنا إلى تدريس النحو، فأخبرته عن محاولاتنا في المنهج الجديد لتدريس القواعد، وعن تأليفنا الكتب التدريسية المبنية على الاستقراء، فأبدى إعجابه الشديد بالفكرة، وطلب مني أن أحضر الكتب في زيارتي القادمة، فهذا الموضوع كان يشغله- كما ذكر لي.

فيما بعد وفي أعقاب مرض الكاتب اتصلت به هاتفيًا لأطمئن عن صحته، فأبدى لي مرة تلو المرة قلقه على المآل المتردي الذي حاق بالفلسطينيين آنذاك.

بعد رحيله اتصلت بعائلته لأعزيهم بفقدان هذا الرجل العظيم- المنارة الثقافية الساطعة- هذه الشخصية التي فقدناها جسدًا لا أثرًا، فلاقيت كلماتي لديهم اهتمامًا كبيرًا، خاصة وقد أتت التعزية من فلسطين- التي تشرّب العالم حبها.

 

(صفحات من سيرتي التي لم تنشر)

ذكريات مصلاوية

tara ibrahimعبارة قرأتهاعلى شبكات الإجتماعية قادتني الى كتابة هذا المقال، العبارة تقول: "وطن المرء ليس مكان ولادته، ولكنه المكان الذي تنتهي إليه كل محاولاته للهروب"، البعد المعنوي لهذه العبارة قد يكون تجريديا للبعض وواقعيا للبعض الآخر، كل شيء نسبي يعتمد على وجهة نظر الشخص وفلسفته التي يعتمدها في حياته، ولكن في بعض الأحيان يجدر بنا التوقف عند بعض من محطات الحياة كي ننبه أنفسنا لأمور لم نكن نؤمن بها في يوم من الأيام.

مدينة الموصل الحدباء * التي نشأت فيها وترعرعت لم تحاول إحتوائي في زمن ما أو أن تغمرني بدفء أحضانها، المدينة أصبحت كحلم قصيرأستيقظت منه لأتذكر القليل من أحداثه، ذكرياتي فيها إرتبطت ببعض الامور التي مازالت عالقة بذهني، أما التعلق الأبدي الذي يتكلم عنه الناس بمسقط رأسهم، فلم أشعربه ابدا.

أحلى الفصول كان لدي هو فصل الخريف، عندما كانت الشمس تغمر باحة منزلنا الكبيرلتختلط خيوطها مع نسيمات الهواء المنعشة وهى تبعثر أوراق الكروم هنا وهناك، كان لدي موعد أزلي مع هذا الفصل مرتبط بالمدرسة التي كانت تفتح لنا أبوابها مع بدايته، وفي الحقيقة موعدي كان مع (العسلية) التي كان يبيعها رجل عجوزمتجول يدفع عربة أمام باب المدرسة ليبيعنا الحمص بالكراميل ما أزال اذكر نكهتها اللذيذة، كان يقطعها قطعا و يناولنا إياها في أوراق دفترعتيق يمزقه لذلك الغرض.

موعدي الاخر كان مع جدي العزيز وذكراه التي ما زالت ترافقني منذ صغري ولا اظنها ستتركني حتى الممات، كنا أصدقاء نتشارك حبنا للقراءة معا، عندما أقترب موعد ولادتي قال لأمي "لقد رأيت سيدتنا مريم العذراء في منامي، ستصبحين أما لفتاة صالحة "، جدي العالم الديني الذي كان يتقن كتابة الشعر بعدة لغات بالإضافة الى علم الفلك والفقه والفلسفة، كان يعشق القراءة بلا حدود وعندما أجريت له عملية في عينيه، كنت أنا عيناه وكنت أقرأ له الكتب، وكم كان يتسلى عندما كنت أرتكب أخطاء في التلفظ، ولكنه كان يصححها لي ويعلمني معنى الكلمات...

وفي الخريف نفسه وبعد مرورأكثر من 18عاما، كان موعدي التالي مع قدري،إذ كنا في المركز الطلابي لجامعة الموصل ذات ظهيرة لتناول شطيرة (لفة) الفلافل التي كان مذاقها يختلف إن لم نأكلها على أنغام أغنيات أم كلثوم، كنت مع مجموعة من الصديقات،لدى خروجنا من المركز،إقترب منا شاب أتذكر ملامحه كأنني التقيته بالأمس، شاب طويل القامة ذو بشرة بيضاء شفافيتها تلفت الأنظار، ومن بين جميع الفتيات إقترب مني وسألني عن الوقت، فأخبرته، وإذ نظرت الى عينيه أحسست أن بؤبؤيهما يدوران، شكرني وقال لي بعفوية تتسم بشيء من الجدية "الساعات تدور والأيام تدور وأنت ستذهبين الى فرنسا"، ضحكت وضحكت جميع الفتيات ساخرات منه أو مني، لا أدري، ونسيت الموضوع وأهملته تماما ..

كيف نحس بالانتماء الى مدينة أحضانها باردة كالصقيع، (حينا) الصغير خيم عليه شبح الموت، وأصبحت المآسي تطرق الأبواب بابا بابا كي لاتنسى أحدا. (نكتل) الصغير الذي كان يزورنا مع والدته، كان يمسك بذيل ثيابها لخجله الشديد، أصابه السرطان واصبح طيرا من طيور الجنة كما يقال، أما أخاه (وعد) فاصابه الجنون وانتحر..جارنا القريب منا سقط في النار التي أوقدها بنفسه كي يموت حرقا، روناك التي لم يتجاوز عمرها ال 18 ربيعا ترملت بعد أن قتل زوجها الشاب على أيدي المسلحين، أما (وليد) الطفل الصغير الذي ما زلت أذكره يلعب الكرة في المحلة، قطع الأرهابيون رأسه كضحية العيد ورموه أمام باب داره، وجارنا الاخر، كانت غلطته أنه يعمل شرطي مرور، لتخترق جسده رصاصات ساخنه ويترك وراءه عائلة وطفلا رضيعا، والكثير الكثير من الناس الطيبين من محلتنا طالتهم يد الموت والمرض والفقر والبؤس .    

مدينة الموصل باتت طي النسيان ولم يتبق منها شيء في مخيلتي سوى اسمها المسجل في شهادة ميلادي وهويتي، تبعثرت الذكريات هنا وهناك، وتلاشت صور الناس الذين اعرفهم، وقدرها بات في مهب الريح تلعب به كما تشاء، كأنه "البزونة"* التي كانت تتطاير في فصل الخريف لنتلقطها بأيدينا ونردد في أثرها "يا بزونة جيبيلي حنطة وشعير".. رحلت البزونة وأضحينا بلا حنطة أوشعير..      

  

............................  

*هذه المدينة الجميلة والرائعة من اجمل مدن العراق اصبحت الحياة فيها غير طبيعية وهى إنعكاس لاحداث مرت بالبلاد من مآسي ونكبات ما زالت تأكل ابناءها او تشردهم ..              

*البزونة هنا تعني نوعا من النباتات البرية ذي زهيرات كروية بيضاء تتطاير في الهواء لخفتها، وعلميا يطلق عليها زهيرات الأمل  

عبد الجبار الرفاعي المفكر الإنسان .. انطباعات عن شخصيته وعلمه

288-rifaeiالحديث في شهادتي بحق هذا المفكر الإنسان، بكل ما تعنيه كلمتا مفكر و إنسان، لابد أن تشير إلى هذا المعنى بوضوح، وهذا ما أحاول تقديمه في هذه الشهادة المقتضبة، وقبل شروعي في تقديمها أقول إن هناك مشتركات بين كاتب هذه السطور، وبين من قيلت في حقه:

أولها: اشتهار كل منهما بنسبته إلى الرفاعي،

وثانيها، منّة الله تعالى عليهما، بأن شرح صدريهما، ويسّر أمرهما، و أشرب في قلبيهما حباً للعلم ورغبةً في تحصيله و مدارسته، ولم يكن ذلك مجرد حب عادي، أو رغبة عابرة، لذلك فإنهما عقدا العزم على مواصلة السير للاغتراف من منابعه الكبرى، فكان السبق والابتداء من نصيبي، فهاجرت من موطني إلى مدينة العلم ( النجف الأشرف ) عام 1370هجرية المصادف 1951 م . أما صاحبي فبعد أن اشتد عوده وعزيمته وقويت الرغبة في نفسه لطلب العلم، سلك الطريق الذي سلكته من قبل، بمقدار ما يسّر الله تعالى له، فشرع حال وصوله مدينة العلم عام 1978 م بلانخراط في حوزتها العلمية، مبتدئاً الدراسة بالطريقة والمنهاج نفسهما المعمول بهما أثناء المشروع الحوزوي لكل محصل جديد في الحوزة الدينية في النجف أو غيرها من بلاد الشيعة، وقد أراد هذا المنحدر من قرى ريف الغراف أن يكون مبدعاً وذا بصمة خاصة، فكان له ما أراد، بعد أن اندفع بولع وحب لتعزيز تحصيله إلى حوزة النجف العلمية، ليجعلها طريقاً إلى طريق أوسع من المعرفة. وقد اختار فأحسن الاختيار، فخصوبة ذهنه وطموحه إلى جمال العلم وسموّه، جعلاه لا يقف عند حدود دراسته الأكاديمية الأولية، فانطلق في حوزة النجف بمساعدة بعض شيوخه الذين حضر عليهم، وارتبط معهم روحياً، لتحقيق المزيد وعدم الوقوف عند حد .

إن للحوزة العلمية التقليدية شروطاً وقواعد صارمة على صعيد الدرس والمنهج والتفكير، قد لا تبدو متلائمة مع متغيرات العصر، بالقدر الذي يتيح التطور والتفاعل مع العصر بما يؤدي إلى التجديد السريع .

روى المرحوم العلامة الشيخ قاسم محيي الدين، نقلاً عن الأستاذ محمد علي الحوماني، انه تحدث مع المرجع الأعلى للشيعة في عصره المرحوم السيد أبي الحسن الأصفهاني حول تنظيم الدراسة في حوزة النجف الدينية، والأخذ بالمناهج الحديثة المعمول بها، فكان جواب المرجع الأعلى، على حد قول الأستاذ الحوماني: ( نظامنا لا نظام ).

كما سمعت من الأخ العلامة الشيخ محمد حسن آل ياسين في مقولة أخرى للمرحوم السيد الأصفهاني هي: ( ما انتظم تبعثر وما تبعثر انتظم ).

وهذا كلام غريب، قد لا يمكن فهمه بخصوص تنظيم الدرس الحوزوي وتحديث المناهج، ومع هذا فللزمن أحكامه ومتطلباته، إذ طوّر بعض منتسبي الحوزة العلمية نوعية الدرس وطرق الأداء، وأخذوا طريقهم إلى التنظيم والتجديد، ابتداءً بمشروع "مؤسسة منتدى النشر"، الذي نهض به شيخنا العَلَم سماحة الحجة الشيخ محمد رضا المظفر ورفاقه، منهم أستاذنا العَلَم الشامخ السيد محمد تقي الحكيم .

لقد أملت الظروف على هؤلاء المجددين، بما تمتعوا به من وعي وتفكير أن ينهضوا بمهماتهم الإصلاحية بقدر عالٍ من الكفاءة، ولم تدرك الأغلبية من معاصريهم قيمة أفكارهم وعطائهم الزاخر، إلاّ بعد رحيلهم عن هذه الدنيا. غير أن تأثيرهم و ظهور شخصيات أخرى ذات كفاءات عالية، مثل الشهيد السيد محمد باقر الصدر، حفّزت منتسبي الحوزات العلمية، و الأكاديميين منهم خاصة، لحمل هموم التجديد و السير في مجاله. ولعل صاحبنا الدكتور عبد الجبار الرفاعي هو أبرز الشخصيات فيما أعلم، على صعيد المقدرة في المزج والموازنة بين التفكير والأداء الحوزوي والأكاديمي، دون أن ينكفئ على التقليدي، أو ينبهر بالجديد، فكتب في الأصالة والمعاصرة، وقدّم رؤية ثرية من شأنها أن تساهم بنهوض الفكر الديني وعصرنته، ليتقدم و يقود.

ولأن عبد الجبار الرفاعي حمل عقلية منفتحة فإن دراسته الأكاديمية الرفيعة لم تمنعه من التعامل مع التراث بواقعية، وإدراك قيمته العلمية، وما بذله المؤسسون الأولون من جهود، وما قدموه من عطاء ثرّ، يعد مفخرة في مجال الفقه والأصول والفلسفة والعقائد وغيرها. ولعل القارئ لكتاباته يدرك بسهولة اعتداده وإعجابه بالتراث الشيعي منذ التأسيس وحتى اليوم، هذا التراث المنفتح على الحياة وواقعها و متغيراتها.

لقد بذل جهداً واسعاً للنهوض بمستوى طالب الدرس الحوزوي، ليتمكن من الحصول على العلوم و المعارف الدينية، بطريقة توفر له الوقت والجهد، وتنتشله من غمار الكتب الكثيرة، التي لم تعد كافية لتزويده بالمعرفة، ولكن لاستهلاك وقته وجهده.

الشيخ عبد الجبار الرفاعي، هكذا قرأت اسمه في مجلة التوحيد، هو مدرس الفلسفة والأصول في الحوزة العلمية، ورئيس تحرير مجلة قضايا إسلامية معاصرة . مقالته التي قرأتها في ( التوحيد ) عنوانها ( الاتجاهات الجديدة في علم الكلام )، وقد علمت أن عنوان هذا البحث مأخوذ من كتابه الذي اطلعت عليه فيما بعد وهو: ( تحديث الدرس الكلامي و الفلسفي في الحوزة العلمية )، وهو عبارة عن: "دراسة في نشأة و تطور دراسة علم الكلام و الفلسفة عند الشيعة ودور محمد باقر الصدر في تحديث التفكير الكلامي ومحمد حسين الطباطبائي في تحديث التفكير الفلسفي"، وقد خصّ الفصل الرابع من الكتاب بالحديث عن "المنحى الإصلاحي عند محمد باقر الصدر".

كما تحدّث في الفصل الخامس عن دور الصدر في تحديث التفكير الكلامي، ص 119- 143 .

يقول انه تناول في كتابه هذا بصورة خاصة ما أنجزه محمد باقر الصدر، من خلال إرساء مرتكزات منهاجية معرفية بديلة فيما اصطلح عليه المذهب الذاتي في المعرفة، ومحاولته وصل العقيدة بالحياة واكتشاف المضمون الاجتماعي لأصول الدين.

ولعل ما حصل من تغيير واستعداد لمواصلة وانتهاج الدروس الحوزوية لم يكن أمراً مفاجئا أو ناتجاً عن قرار دفعي في آن أو لحظة واحدة، بل كانت إرهاصات ومقدمات، ومر بمراحل، غير أن الثوابت لديه هي التي دفعته لذلك، ومنها انتماؤه لحزب الدعوة الإسلامية، وإيمانه بالفكر الإصلاحي التغييري، فهذا الانتماء جعله يتحرك في محور دائرته الاعتقادية بعد نوع من الفكر الحركي، وربما اكتشف من خلاله المعالم الجوهرية في فكر الشهيد الصدر، ذلك المفكر العملاق، الذي التصق به صاحبنا الرفاعي، وارتبط به ارتباط اللازم بالملزوم، وقد أصبح لهذا المفكر موقعاً هاماً في نفسه، وصل به إلى حد العشق و الفناء، ولعل ذلك من أعمق الروابط التي شدته علميا وفلسفياً ووجدانياً بهذا المفكر الكبير.

توجهات الدكتور الرفاعي، التي استلهمها من فكر الشهيد الصدر، ودخوله منظومة العمل الحركي، هي تحقيق المجتمع الإسلامي الواعي المفكر. وقد بذل في سبيل ذلك جهوداً كبيرة، ووظّف إمكاناته العلمية و الثقافية ووعيه المتقدم، من أجل بناء ذلك المجتمع، الذي يقوم على حركة فكرية طلائعية، ويكون المفكرون النابهون المعتدلون سدنته، ورواده لبناء أمة إسلامية تقوم على قيم العدل والعلم والحرية والانفتاح الفكري على الآخر، مع نوايا حسنة، وقلوب وعقول منفتحة، بعيدة عن التعصب والعنصرية والاستهانة بأقدار المفكرين الآخرين الذين ربما لا يحملون توجهاته نفسها.

هذا ما ترسّخ في وجدان الرفاعي وعقله، فانطلق من ذلك الوعي الذي ترسب في أعماقه، من تراث الماضي ومعارف الحاضر، بمختلف أشكالها ومضامينها وآلياتها العلمية والفكرية والثقافية، فهو قد استوعب تراث الماضي، لامتلاك العدة التي تمكنه من مواجهة الحاضر والمستقبل.

يمكن القول إن الرفاعي قد سبق الكثيرين من أقرانه وزملائه في الدرس الحوزوي، سواء في النجف أو في قم، لأنه جعل العلم والتحصيل هاجسه الأول، فكأنه يمارس هوايته المفضلة، التي آثر هو ممارستها، انطلاقا من توجهه الإنساني، الذي تدفعه إليه قيم الدين الحنيف. وذلك ما نجده واضحاً في طبيعة موضوعات إنتاجه، فهو يتحرك في فضاء واسع من المعرفة والفكر، والتطلع إلى فضاء أرحب، يريد للجميع أن يتحركوا فيه. إن وعيه واطلاعه على الأفكار ومعطيات العلوم الإنسانية المعاصرة، يجعله في مقدمة رواد الكتابة الحديثة، بعيداً عن الإطار والأسلوب التقليدي المتعارف. كتب في موضوعات متعددة، وكان ناجحاً في كل ما تطرق إليه وبحث فيه. لقد اغترف من معارف وثقافات عديدة، سواء بالدرس أو المطالعة، فكان لذلك تأثيرٌ كبيرٌ في فكره ووجدانه وأصبح في مقدمة المفكرين، صاحب فكر ثاقب مضيء، يحمله وجدان شفاف وبصيرة نقية.

ولو أن الدارسين الآخرين حملوا رؤيته الإسلامية المتوازنة، وربطوها بالاتجاهات الحديثة ومعطياتها المعرفية، ودرسوا الإسلام بالطريقة التي سلكها، لأدركوا صواب المنهج الذي اتبعه، واقتربوا كثيراً من طرحه الجديد للقضايا الإسلامية.

الدكتور عبد الجبار الرفاعي مفكر شجاع، مخلص لمبادئه، منفتح على الآخر، بعيد النظر، حكيم، يتحرى الحقيقة، يقولها ويدعو إليها، ويرى ذلك من صميم واجبه. وهذا ما نهجه في مجلته "قضايا إسلامية معاصرة"، لا يطلب عليه جزاءً أو شكوراً، أو منصباً أو وظيفة مرموقة. وطوال حياته لم يكن أسيراً للتطلعات أو الطموحات الذاتية البحتة.

هذا هو في شرفه ونبله، وكفاءته العلمية، وثورته على التخلف والجمود الفكري. ومن يقرأ ما كتبه ومشاركاته العلمية والثقافية، وما وثّقه في معاجمه المعرفية ستتضح له حقيقة ذلك.

عبد الجبار الرفاعي نموذج الشخصية الإسلامية التي لم تنفصل عن جذورها، لكنه لا يتعامل مع كل المألوف المعروف، من عادات وتقاليد ومفاهيم اجتماعية مغلوطة من الإرث والجذور الطبيعية، بل يعتبرها مجرد إرث جاهلي، لها مظاهر وحشية، كالثأر، والنهوة، والتمايز بين الناس، لذلك فإنه يشجبها ويحاربها، عن طريق نشر الحلول والأفكار الإسلامية. هو لا يتفاعل ولا يستجيب إلاّ للأفكار والقيم البناءة، القائمة على السلام والتسامح والتعايش، بدلاً من التعصب والكراهية والعنف، تحت ستار الانتصار للدين أو المذهب، مما من شأنه أن يفكّك عرى الأخوّة الإسلامية والقيم الإنسانية.

إنك تجد في صراحته وجرأته صراحة القرية وبساطتها، وسيرة أهلها العفوية، وبيئتها البسيطة، التي أدمنت شظف العيش، وقلة المتطلبات الشخصية، وكانت تتفاعل مع ترانيم الدعاء من فم الأم الرؤوم، بعد صلاة الصبح، وهي تبتهل إلى الله تعالى، ليديم نعمة الإيمان، وييسر المصاعب ويزيلها. إن وقع تلك الأدعية والابتهالات لا تزال ترن في أذنيه، بعد أن تركت بصماتها الأولى على شخصيته، ولعل الاستجابة لها من قبل الخالق القدير هي التي فتحت الأبواب أمامه، ويسرت له سلوك سبيل العلم والمعرفة، والحرص والمواظبة على التحصيل والاستزادة منه، فقد ظلت مغروسة بعمق في وجدانه، وحافزاً للتعلق الدائم بالقيم الدينية العليا، وخصوصية العلاقة بالله تعالى، وبالنور الرباني المحمدي .

لقد تعرفت إلى الدكتور عبد الجبار قبل أن ألتقيه، فقد اطلعت على جهوده التوثيقية، التي ناهزت ثلاثين مجلدا، في: "سيرة النبي وآل بيته عليهم الصلاة السلام"، و"مصادر النظام الإسلامي"، و"الدراسات القرآنية"...ولما كان لي شرف المساهمة في هذه الدراسات، في رسالتي للماجستير عن: "أسلوب التوكيد في القرآن الكريم"، فإني لم أعثر على إشارة لذلك في معجمه التوثيقي، وقد وجدت له العذر آنذاك، بسبب عدم اطلاعه على الرسالة التي قدمت في جامعة القاهرة، وبعد ذلك أخبرني في أول لقاء معه: بأنه اطلع على الرسالة، وكتب عنها، وكان هذا لقائي الأول معه في قم عام 2006 م، عندما بادر بالحضور إلى الفندق الذي أقيم فيه، وتوقعت عندما أخبرني عن اسمه؛ أني سأجد أمامي شيخاً معمماً ملتحياً، غير أني وجدته أمامي يرتدي زياً عصرياً. وعندما أبديت استغرابي من ذلك، أجابني: ها أنا ذا أمامك بصورتي الحقيقية، و لك أن تفكر بشأني وبزيي كما تشاء، ثم بعد أن استقر به المجلس زاره اثنان من أصحاب العمائم، فلما استطلعت منه الخبر، قال: هؤلاء تلاميذي في الماجستير، وهذا موعد لقائهم الدوري بي. وقد أخبرت بعضهم بمكان وجودي هنا، فجاءوا لأجل ذلك. وراحوا يلقون بأسئلتهم عليه، وهو يجيبهم. فرحتي كانت عظيمة وأنا أراه أستاذا مرموقاً... وأسأل الله له السداد و الموفقية في هذه المسيرة العامرة الحافلة بالعطاء .

وختاماً أقول سيظل الأستاذ عبد الجبار الرفاعي علماً بين التنويريين الإسلاميين المعاصرين، رغم انه بدأ الدرس في حوزتي النجف وقم التقليديتين، وفي تصوري أن هذا الدرس الحوزوي قد أعطاه عمقاً وأصالةً فكرية، جعلتاه يتمسك تمسكًا شديدًا بثوابته الإسلامية. وهذا يكاد أن يكون مفقوداً لدى كثيرين ممن عرفوا واشتهروا بالكتابة التنويرية المعاصرة في المشرق العربي ومغربه وغيرهما في البلاد الإسلامية. وللتوسع و المقارنة مجال لا تتسع له هذه الشهادة.

هذه انطباعاتي التي سجّلتها على عجل عن هذه الشخصية الكريمة، التي تشاركني النسب إلى العلم، وجغرافية المدينة.

 

السيد د. طالب الرفاعي

 

ماجد الغرباوي .. قراءة في معالم شخصيته الفكرية والأخلاقية

safaa alhindiرغم الغربة والمرارة والحنين واللوعة، وأنين الجسد وآلامه، وذكريات الوطن والأمنيات وشوقه ودموعه وأحلامه .. ورغم بُعد المسافات وترامي الحدود، ما زال نجمه لامعاً يتجدد كل يوم في سماء العلم والفكر والمعرفة .. لم تقف قريحته الفذة عند حد، ولم يبخل على طلابه وقرّائه من فيض عطائه. كما لم يمنعنا بُعد مهجره أن ننهل من وحي علمه وفكره المعطاء، ولم يتوان كرمه بدرس او نُصحٍ او ارشاد .. وهذا ما عهدناه من خلال متابعتنا وتواصلنا معه عبر الأثير، أنه استاذي الباحث المفكر القدير ماجد الغرباوي، الذي نبقى نتطلع لرؤيته ولقائه شخصياً، والتزود من فكره وعلمه ومواهبه وعطائه ذات يوم.

 

الغرباوي .. الاكتشاف

لسنا بصدد استعراض ومناقشة مشاريع الاستاذ الغرباوي وما يتمتع به من آفاق علمية وثقافة واسعة ومواهب فكرية وأدبية عالية بقدر ما نحاول إعطاء صورة ولو تقريبية من وجهة نظر "قارئ" يحاول اكتشاف معالم شخصيته، والتعرّف على ملامح فكره وعلمه، لاننا نعتقد انه ما زال يكتنز في صدره أكثر مما ظهر في نتاجاته، وأبعد مدى مما طرحه في الساحة الثقافية. ورغم اسلوبه الواضح في مناقشاته ومعالجاته، إلا أن القارئ المتفحّص بامعان يستطيع ان يلحظ ويلمس، ان هناك مشروعاً آخر لم ير النور. وهناك فكر، وفلسفات، وعلم، ومعارف، واخلاق. هناك أفكار ومشاريع، واشياء كثيرة لا تزال مختزلة في روحه وعقله، لم يُفصِح عنها بعد ! .

ما يشدنا أكثر الى متابعته هو:

فضلاً عن الذكاء والفطنة والبصيرة وبُعد النظر وسرعة استيعاب الرؤية وأحتوائها، هناك الشفافية وعمق التجربة الذاتية وحضور البديهة المثقفة والواعية التي يمتاز بها في رهاناته. اضافة الى قدرته الفائقة على ادارة الحوار، وهي صفة تعكس خصائصه التربوية والاجتماعية، ثم قدرته على حسم الموقف وارضاء الجميع بنفس الوقت.

ومن ذلك الحضور الواثق كدليل بسيط على مستوى فهمه ووعيه المتوقد والمُتجدِد هي ردوده على قرّائه، حيث يتجاوز فيها الصراعات التقليدية والكلاسيكية المعروفة لدى الوعي العام والسائد. وايضا فان استجاباته ومناقشاته تعد تجسيدا بارزا وحيا لاخلاقه الرائدة وفهمه المتطور الخلّاق. ففي ردوده الشفافة والرائعة على من يتعاطى بعاطفة وتشنج وعصبية وأنفعال زائد مع القراءات المخالفة لآرائهم او إعتقاداتهم او أفكارهم، تجد اجابات علمية، فكرية، ثقافية، اسلامية، واجتماعية تنطوي على عشرات الأسئلة المُختزلة "الآنيَّة والمستقبلية"، كل ذلك يطرحه باسلوبه الحضاري وروحه المتفتحه المعهودة بدقَّة وعمق وقوَّة موضوعية وشمولية عادلة وصالحة.

فمثلا، كتب مقالا حول أهمية السؤال كرد على مجموعة من التعليقات، جاء فيه:

(أسس القرآن الكريم منهجا، حالت رمزيته العالية دون ادراك ابعاده، وظل المسلم يعيد قراءة آياته، وهو لا يفقه من معانيه شيئا .

فتحدث القرآن عن حوار دار بين ابليس وبين الباري - تعالى -، ليؤكد لنا ثمة اسئلة مشروعة، من اي جهة صدرت، يجب الاجابة عليها (ولو كان الرب جل وعلا).

كما نقل لنا القرآن الكريم حوارا دار بين الخالق وملائكته، وهم كائنات صالحة دأبها الطاعة، لكن هواجس خلق الانسان استبدت بها، فكانت هناك اسئلة طرحها القرآن الكريم ورد عليها، دون اي قمع او اضطهاد او تهديد، كل ما في الامر أجّل الاجابة بالنسبة لسؤال الملائكة، لان طبيعة الجواب تحتاج الى تجربة عملية .

ثم طرح القرآن الكريم أخطر الشبهات، التي تهدد رسالته، وهي التوحيد، دون اي اكتراث، ونقل لنا اسئلة المشككين، والكافرين والملحدين، والناكرين، وناقشها علنا. قال هكذا كانت اشكالاتهم، وهذه اجوبتنا .

فهل هناك اخطر من مسألة وجود الله بالنسبة للاديان جميعا؟ وما قيمة ما عداها لو اهتز الايمان بوجود الله - سبحانه - او توحيده؟ فلماذا لا يستفز الانبياء من اسئلة المنكرين، والجاحدين؟ وكيف وضعهم القرآن وجها لوجه امام تلك التساؤلات؟ .

لماذا لم يعترض النبي ويقول له يارب، لقد اخطأت التوقيت، انها ستضعف دعوتي، وانا في بدايتها؟ لماذا تقبلها واعلنها على الملأ بكل ثقة ومسؤولية، ورد عليها، وفند حججها .

اذن المنهج القرآني يقوم على شرعية السؤال، وحق الرد، ومنهجه قائم على طرح الاسئلة بشكل شفاف علني، كي يتحمل المسلم مسؤوليته امام اي عمل يقوم به، ويكون مسؤولا تجاه اي رأي يطرحه، لاستحالة قمع الاسئلة، ولا بد من متنفس تطفو من خلاله بحثا عن اجوبة مقنعة . ولولا السؤال لما تطورت الحضارة)1.

 

لم أقرأ له سوى كِتابَين من مؤلَّفاته: "أشكاليات التجديد" و"التسامح ومنابع اللاتسامح". وانا بصدد إقتناء وقراءة كل نتاجاته الأخرى، وكل ما رفد به المكتبة الثقافية والاسلامية ان شاء الله تعالى. لكني تابعت وإطلعت على كتاباته ونقاشاته ومعالجاته وحواراته من خلال مقالاته في أرشيف صحيفة المثقف الألكترونية2 وغيرها من المواقع والصحف.

بكل تجرد وإنصاف: يجد القارئ نفسه وهو يطلع على تراث هذا الرجل امام امكانيات معرفية ثرّة، ومكنونات فكرية اسلامية واجتماعية وأدبية غزيرة تتجدد على الدوام، ويلحظ سيطرته التامة على المطالب المتناولة فكريا وعلميا مع مواكبة متطورة وعصرية. يُلحَظ ذلك في مقالاته وبحوثه ومعالجاته الفكرية والثقافية، بل وغيرها مما يتناوله في نقاشاته او التي يحللها بكتاباته ..

وبحوث الغرباوي تتصف ايضا بالاستقراء الموضوعي الصحيح، وتعدد القراءات لكل حادثة وواقعة يتناولها، والاستيعاب المدرك، والفهم المعرفي الدقيق ضمن ثقافته التخصصية والعامة. وحيادية واخلاقية وموضوعية تامة، وقدرة على بحث ودراسة اي قضية من جيمع جوانبها ومداخلاتها واستنطاقها، وثم المفاضلة في تقييم التنوّع والاشكال وحل الملابسات ودفع السلبيات والمؤاخذات وملاحقة الايجابيات وبلورتها وتبسيطها بصور تتماهى جذرياً او تأسيسياً مع متطلبات المرحلة "الآنية" برؤية مستقبلية، فضلا عن ثقافته التي تتصف بسلاسة الاسلوب، ومرونة في دراسة الحالة او الظاهرة مهما كانت ابعادها شائكة، وتذليلها بدلالات واسعة لايضيق على القارئ أستيعابها وفهمها. فمثلا في بحوثه الاسلامية عندما يقدم الاسلام كنظام يجمع بين التأصيل الشرعي والوعي الواقعي والثقافي بتاريخ الأمة وحاضرها ومستقبلها، يدرس الغرباوي منهج الإسلام من حيث هو كلي مترابط في القيم والنظم والفكر.

ثم روعة الارتكاز العلمي المؤسس وأدواته المنطقية في الأستقراء والسلوك والفهم تتجلى بوضوح في كل عمليات المعالجة والتشريح المعرفي على طاولة المُفكر الاسلامي المتمرس والاجتماعي المتبحِّر والخبير . كما ان الأسس المنطقية والأدوات الفنيّة والعقلية المنفتحة التي يعتمدها اسلوبه الكتابي النقدي ومعالجاته الثقافية والفكرية، تُعد من أهم ركائز وأوليات الاستنتاج "المُبدع والمُبتكر".

 

الوطن في روح الغرباوي وإيمانه:

ان شعور الانتماء للوطن يتجلى في افكار الاستاذ ماجد الغرباوي وهو يناقش حالات القلق الحاصل على ارض الوطن. وكان حب الوطن حافزه، من واقع المسؤولية الثقافية والوطنية، في التعاطي بمرونة في نتاجه الفكري. فمن اسهاماته الوطنية الكثيرة التي رفد بها الساحة السياسية والأجتماعية، ثقافة الوعي للجماهير وما تحتاجه لاعادة النظر في سلوكياتها وقيمها الكلاسيكية ومورثاتها المؤججة. وهو يدعو دائما لعدم الانجرار وراء صراعات قبلية وسياسية واجتماعية لاطائل منها سوى زيادة الشحناء والمأساة. ويرى أن هناك دائما ثمة حوار واخلاق وسلوكيات بديلة اكثر قيمة مدنية وحضارية كفيلة باحلال السلام بين الجميع، تعزز لغة الأنسجام واعادة النظر في الصراعات القائمة برمتها. كل ذلك من أجل العمل على ايجاد تسوية دائمة وشاملة تحقق الأمن والسلام، وهي دعوة توكد على حرص وتمسك الغرباوي بالسلام الوطني والاجتماعي كخيار استراتيجى ومنطلق اساسي للتعايش السلمي بين كل اديان واطياف المجتمع على ارض الوطن .

ويحس القارئ ان الخبرة الحياتية والعلمية والاجتماعية موظَّفة بصورة واضحة في طاقات الغرباوي وبرامجه وعطاءاته الفكرية والانتاجية. يتجسد ذلك من خلال دعوته لتوفير ارضية سليمة للتواصل مع هموم المجتمع وأزماته المتراكمة. ودعوته لايجاد حلول قِيَمية مُثلى، من خلال:

- دراسة الواقع السياسي والاجتماعي والديني بصورة جذرية.

- الاسهام في ترجمة الموروث الديني والاجتماعي وفق رؤية اكثر تطورا وانفتاحا.

- البحث عن كل الخيارات المتاحة من اجل توفير فرص للتعايش السلمي والحضاري بين الثقافات والأديان.

وليس من صورة واضحة لتلك المشاعر الوطنية اكثر من خطابه في كتابه "التسامح ومنابع اللاتسامح". حيث يتميّز هذا الخطاب بصلاحيته لكل المجتمعات التي تمر بنفس ما يمر به مجتمعنا العراقي من أزمات. ووفقا لهذا الخطاب، كما يرى الغرباوي، يجب البحث عن سُبل بديلة وخلق وأبتكار أجواء تسامحيَّة جديدة، وبرمجتها معرفياً وحركياً في فضاءات المجتمع، من أجل البقاء وديمومة التعايش السلمي ضمن حياتنا المجتمعية.

 

الغرباوي مفكرا:

في كتابه التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الأديان والثقافات .. يقول الغرباوي:

(ان ما نشاهده اليوم من صراع محتدم بين القوميات والأديان والمذاهب يكشف عن رخاوة الأسس التي يقوم عليها مفهوم التسامح او غيابه، فهو في نظر الأوساط المتصارعة لا يعدو كونه قيمة اخلاقية تتحكم به المؤثرات الاجتماعية والسياسية، وهو في رأيها منّة وتفضيل مشروط . قد ينقلب الى ضده اذا فقد رصيده الاخلاقي، وما نحتاجه فعلاً لتوطيد العلاقة بين الطوائف والقوميات مفهوم يرتكز الى أسس متينة، تتفادى الأحتكاك على خطوط التماس .. لتكريس مفهوم التسامح وفق حاجاته الاجتماعية بعيداً عن المنّة والتفضل والتكرم، فالتسامح هنا حق لجميع الافراد على أساس الاعتراف بالآخر، وحماية لحقوقه، حق تفرضه الحقوق المشروعة لكل انسان في الحرية الشخصية، وحرية الأعتقاد، وحرية التعبير)3.

اذا فهو يدعو الى زرع وبث روح التعايش السلمي بين الأفراد والمكونات، وفق قراءات وأسس متينة جديدة، خلافاً لما هو سائد في الوضع الجاري، كي تتفاعل من خلالها جميع مكونات المجتمع بصورة حضارية اكثر انفتاحا واكثر ديمقراطية.

كما يدعو في خطابه الى غرس حس ثقافي يهدف إلى وعي أمني شامل في نفس وفكر جميع مكونات المجتمع على حد سواء. أي يهدف الى تكوين قاعدة بشرية كبرى من التعاون المدني والاجتماعي، بحيث يسهم ذلك بشكل ايجابي وفعال في تحقيق العملية الأمنية والتعايش السلمي المستقبلي بين الأفراد والمكونات والأديان. وفي هذا المشروع محاولات دؤوبة لانقاذ المجتمع من العزلة والمصير المجهول .

لقد كشف الغرباوي بنظرته حجم المعاناة التي ما زالت تعيشها وترزح تحتها مجتمعاتنا العربية. لذا فالامر بنظره يستدعي تقديم قراءة متأنية لأسس التسامح السائدة في واقعنا المُزري .. قراءة مبنية على دراسة نوعية تشكل قفزة في اخراج المجتمع من أزماته المُتراكمة.

ان بلورة جديدة لتلك الأسس الرخوة وبنائها بانسجام وحذر ستساهم في خلق مجتمع متناغم بمكوناته ونسيجه، يحتقر ماضيه المُخجل ويداوي جروحه بحماس ويلملم شتاته بهمَّة، ويتطلع نحو مستقبل أفضل .

راحت البحوث العلمية والسياسية للغرباوي تسبر الأدبيات والقيم الاجتماعية وتفرزها بموضوعية وتحدد عناصر الأهمية والخطورة والفائدة لهذا الجانب من ذاك في حياة الإنسان والمجتمع . وكان يحذر المجتمعات التي تعيش سباقا محموما في لا وعيها كي لا تجازف في خلق ازمات جديدة، تسلب المجتمع راحته ورفاهيته وقوته ونفوذه.

كما دأب الغرباوي في بحوثه على تقصي الحقائق التي تعين الإنسان والمجتمع في التغلب على مشاكله، التي هي كالأمراض فتكا بالشعوب، ودعا في بحوثه الى ضرورة فهم الظواهر المتأزمة والمرتبكة ومحاولة تفسيرها ومعالجتها من خلال التعميمات والقوانين الكلية الشرعية والاجتماعية العامة، وايجاد حلول لمشكلات حياة الإنسان والمجتمع وانتشالهما من هذا الواقع الذي يعيشان فيه. والاستفادة من التجارب البشرية، وتحري الموضوعية التي ترفع من مستواه السلوكي نوعاً وكماً، وهو ما يساعد على تطور فكر الأفراد، وتزيد من نسب النجاح التي يتوخاها المجتمع .

لقد أولى الغرباوي البحوث العلمية اهتماماً بالغاً، واعتبرها عاملا استراتيجيا لضمان وديمومة قوة المجتمع والدولة وبقائها فاعلة بين غيرها من الدول. إن الأمثلة على اهتمامات الغرباوي وباقي الشريحة المثقفة والواعية بالتقدم العلمي والبحثي أكثر من أن تحصى، ولكن منذ أن ساءت الظروف وغُيِّب الفكر والمفكرين عن ساحة المجتمع بدأ التراجع في مختلف المجالات وأصبحت الهوَّة بعيدة والفجوة عميقة بين الناس ومجتمعهم .

 

مشروع الغرباوي الحركي والتجديدي:

التسامح ومنابع اللاتسمح، الضد النوعي للاستبداد، تحديات العنف، و.. ألخ، ليست مجرد مؤلفات شاء تخصص الكاتب تأليفها بدوافع مادية او شخصية او دعائية، وإن كان ذلك من حقه .. ولكن بقدر ما يراها القارئ هي بحوث إنبثقت ضمن مشروع وهدف أعمق وأبعد من مجرد الكتابة. فهناك تأسيس .. وهناك تخطيط .. وهناك برنامج موضوع مُسبق .. وهناك هدف اكبر وأسمى من الآن .. هناك سعي حثيث ملموس . أي أن ما يلمسه القارئ أن هناك شيئا لايستطيع القارئ معرفة ماهيته تحديداً، اكثر من كونه مشروعا ثقافيا حضاريا مؤسسا حتى يأخذ مكانه التربوي في الساحة الاجتماعية والوطنية ودوره الطبيعي في ساحات العلم والفكر والمعرفة، وتساهم في خلق تطور ثقافي جديد بكل المجالات الوطنية والاجتماعية والدينية.

فضلاً عما تقدم يجب ان ننوه بكتاب: "الشيخ محمد حسين النائيني منظِّر الحركة الدستورية " والذي صدر بطبعته الثانية حديثا، حيث اطلعت على توطئته. ففي هذا الكتاب يبين الغرباوي معالم مشروعه الأصلاحي ضمن سلسلة "رواد الأصلاح". وهي سلسلة دورية تعنى بدراسة مشاريع الاصلاح التي نهض بها الروّاد المسلمون، والتي كان الاستاذ الغرباوي يرأس تحريرها وأصدر منها خمسة كتب على نفقته الخاصة، إلا أن هجرته من الشرق الاوسط الى الشرق الأقصى – كما يقول- حالت دون الأستمرار بصدورها. لكن بدأ وهو في مهجره باعادة اصدار ما صدر منها مجددا، حيث صدر منها لحد الان كتابان، نأمل ان يوفق في اعادة اصدار ما تبقى منها.

وقد درس الباحث في هذا الكتاب حياة الشيخ محمد حسين النائيني باعتباره اول فقيه ينظّر للحركة الدستورية والديمقراطية، وينتقد الاستبداد السياسي والديني بعنف. وبما ان حياة النائيني زاخرة بالاحداث والمواقف، لذا اهتم الاستاذ ماجد الغرباوي بشخصيته ومواقفه وفكره فكان هذا الكتاب، الذي قدم رؤية مغايره لما كتب عن الشيخ النائيني، وهي رؤية نقدية صارمة، من أجل الوقوف على الحقيقة في خضم الاحداث التي رافقت النائيني.

نأمل ان يشكل هذا الكتاب رافدا وباعثا حركيا للأصلاح والاستفادة من معينه الفكري. وان يكون مصدرا للطلاب والباحثين على السواء، أسوة بباقي بحوث ونتاجات الاستاذ الغرباوي التي أغنى بها الساحة الثقافية والاجتماعية والاسلامية والسياسية .

ان افكار الكتاب كما هو واضح من موضوعه وعنوانه وما قرأت عنه، تعد افكارا اصلاحية، وتعكس وجهة نظره ورؤيته بالحاضر والمستقبل وما بينهما من احداث. ان مشروع الغرباوي الاصلاحي اذا ما كتب له النجاح سيساهم في رفد الساحة الثقافية والفكرية، ويقدم معالجات عملية للمشاكل التي تحيط بالمجتمع بسبب الثقافة والفكر والمواقف الخاطئة، خاصة مواقف بعض رجال الدين.

وقبل ان اختم مقالي لا بد ان انوه بجهد الاستاذ ماجد الغرباوي الاعلامي من خلال صحيفة المثقف، التي تركت صدى اعلاميا واسعا بفضل ما ينشر فيها من بحوث ودراسات ومقالات فكرية واجتماعية ونفسية وادبية وسياسية وثقافية. وايضا يجب ان انوه بمؤسسة المثقف، التي كانت رائدة في تكريم الاحياء من الرموز الفكرية والادبية، والرائدة في تكريم كتّابها وكاتباتها. كما لا ننسى مساهمات المؤسسة في طباعة ونشر الكتب، ولعلها المؤسسة الاولى التي نجحت في هذا المجال بفضل جهود الاستاذ الغرباوي حتى اصدرت لحد الان ما يقارب 30 كتابا.

 

....................

1- الرد مقتبس من مشاركة للاستاذ الغرباوي في صحيفة المثقف بعنوان: المثقف وتحديات السؤال

http://almothaqaf.com/index.php/araaa/41398.html

2- http://almothaqaf.com/

3- التسامح واللاتسامح .. فرص التعايش بين الاديان والثقافات، دار العارف، بيروت لبنان، ط 2008، ص

11

جليل السنيد مدير متوسطة وإعدادية سوق الشيوخ أيام زمان

akeel alabodألمشرف التربوي الأستاذ جليل عبد الحسن السنيد مدير اعدادية سوق الشيوخ أبان السبعينات والمميز نهاية الستينات والمراقب العام للإرشاد التربوي عهد الثمانينيات والمتقاعد على أعقاب عصر أصيبت فيه الموازين بوباء العفن، ليصير طريحا في فراش وحدته التي لم تفقد شموخها رغم عنجهية الكهولة والمرض. ليس مُدرِسّا للغة العربية وقواعد النحو والشعر فحسب، بل إداريا بامتياز، عاصر حقب من الزمان تفاوتت في معانيها وأحداثها وصورها مذ عبد الكريم قاسم وما تلاه، ليحكي قصة عصر تزاحمت فيه لغة الأضداد، فتنافس الأصلاء، لعلها قافية العلم تحيا في قلوبهم، فيفوز الوطن بوسام أسمه المحبة.

ألثمانينيات أنذاك موضوعة لحرب طائشة، والطيبون محاصرون من قبل ذوي البزات الخضر والأمن وصور "القائد والمؤسس" بيد أنه لم تطئطيء رأسه وجوههم المصفرة، ليبقى شامخا هكذا بنظراته التي تنبعث من زرقة عينيه الحادتين كراية تتبعها ألوان بشرة حمراء وخصلات شعر وقور، لترسم ملامح واحدا من الشخصيات التربوية البارزة.

ألحقبة نفسها انذاك مسافة من الزمان لملامح ما انفكت تحكي قصة رجال تجمعهم فطرة تربوية، ترعرعت بطريقة عفوية مع أقصى نفوسهم، لتنمو مع مكونات عبقرية تجاوزت بعلوها خبرة الدكتوراه أيام العفة ، لهذا وبلا تردد تراها تتباهى بشرف وقارها الأكاديمي تلك الشخصيات، لتحكي شهادة عصر ينبض بالكبرياء. هي تلك الملامح نفسها شهادة لمسيرة تربوية تفاوتت في أبجدياتها، لتعلن إنعقاد جلسة حافلة لضمائر لم تشوبها لغة الفساد. هي نفسها تلك الحقبة من الزمان محطة تزهو بحكايات نخب من المخلصين. هنا إمتدادا لذلك المد من الطيبين، لم يكن مختصا بموضوعة النحو وقواعد اللغة فحسب، بل أستاذا بآداب السلوك والقيم، التي تنتمي الى هوية مجتمع سوي.هو هكذا بقي حريصا على تطبيق قاموس المعاييرالإجتماعية المرتبطة مع تاريخ العائلة العراقية قوي الشخصية مع أفراد عائلته التي تضم أولاده وزجته التي هي الأخرى حفيدة لمسيرة خالدة باعتبارها المديرة الأقدم لإحدى المدارس الإبتدائية في مدينة الناصرية ، يوم كانت التربية لا تنفصل عن التعليم ويوم كان التعليم لا ينفصل عن أساليب المنهج التربوي لبناء الشخصية العراقية بأبعادها الإجتماعية والثقافية والعلمية. لقد بقيت عامرة تحكي مسيرة رجل تأبى أن تفارقه القيم تلك الحكايا، حينما كان بدقة وبحرص بالغين يحمل أسئلة الإمتحانات الوزارية الملصقة بالشمع الأحمر والخاصة بجميع فروع اعداديات محافظة ذي قار بقلبه المثقل بأمانة تلك القدسية التي تفرض على حاملها عبء مسؤولية ثقيلة. هنا هو في القلب نفسه ما انفك يمسك بعصا مشروعه التربوي حتى مع أولاده وذويه.

الصقر واليمامة!

abdulrazaq mohamadjafarلا أريد أن أسرد عليكم كل ما أعرفه عن (الصقر) و(اليمامة) حتى لا أتهم بالمبالغة ولذا ذكرت بعدعنوان القصة عبارة:

" تنقصها الصراحة"،فليس كل صحيح يقال وليس كلما يقال صحيح!، فالكثيرمن المطبات التي اجتازها الصقر، لم أتطرق لها حتى أتجنب

الأطناب!، وقد أعترف لي بسذاجته وعدم تعلمه من هفوات الحياة، فالمعلم يموت وما يتعلم، (مثل شعبي مصري)، وكان دائما يسبح ضد التيار كي يدرك الحقيقة ويصل إلى شاطئ الأمان، حتى أنهكه التعب وانهارت صحته واسـتسـلم للقدر. وعلى أية حال، أن بعض الأمور المعقدة كانت تفرج في لحظتها الأخيرة، ويجد من يمد له يد العون ويردد بعضا من أبيات قصيدة الأمام أبي حنيفة (رض) :

ضاقت ولما استحكمت حلقاتها فرجت و كنت اظنها لن تفرجي

تراكمت على الصقر الهموم وهو في خريف العمر، أو قل بداية جفاف العواطف وسبات الغرائز لأسباب عديدة، يرجع معظمها لحياة الوحدة او قل الغربة التي عاشها بعيدا عن الأهل والوطن في المهجر، إضافة إلى قساوة المجتمع الشـرقي ونظرته القاسية للذي يعاشرامرأة حتى على مستوى الزمالة، لأعتبارهم أية خلوة لرجل وامرأة، لا بد وأن يكون الشيطان ثالثهما!

كما أن الكثيرات من بنات حواء لا يرغـبـن بعلاقة عابرة سوى بائعات" الهوى" .. اللاتي يتقززالصقرمعاشـرتهن منذعهد الشباب، فما بالك اليوم وهو بهذا المستوى العلمي والإجتماعي، فمن المحال إن يسمح لنفسه بأية علاقة عابرة،اضافة الى درايته بكل الأمراض التي

تنتقل عن طريقهن، وقانا الله وإياكم من هكذا طريق.

كان القدر بالمرصاد للصقر، حينماصادفه مطبا جديدا، لا يعلم غير الله مخاطره، فقد لفتت نظره أمرأة في عنفوان شبابها هزت عواطفه بشـكل لم يسـبـق له مثيل في أي مرحلة من مراحل حياته!

إنها هـزة من نوع جديد، ولربما هي بداية لقصة "حب" جديدة، ولذا استسلم لهذا الطارق، واندفع خلفه من غير وعي في طريق شائك ومظلم او قل: هو السـراب بعينه !

راح الصقر يـتـمعـن بـواقـع حـالـه، وهل هوفي حلم اليقظة؟! .. الى أن اخذت هذه العلاقة تتطور يوما بعد يوم، وصار أكثررغبة للسـير في هذا الطريق الوعر، لأنه لم يصادف أي معوق يحول دونه، فهذا هو قدره الذي دفعه دفعا، ولا يهم ان ادى ذلك إلى أي نوع من أنواع العلائق العاطفية التي لاطاقة لتحملها!

من المؤسف أن أعمى البصيرة لا يدرك القوة المغناطيسية التي تواجهه .. فهو الآن أمام صبية طلــسم، لم يرى مثلها في البلاد!،فقد ايقظت كل عواطفه المطمورة، وأنســته بعضاً من مشاكله الماضية. وهكذا ودع آلامه الدفـينة، و زج نفسه في قصة بلا عنوان، كما قال نزار قباني : ما اصعب ان تـحـب امـرأة بلا عـنـوان!

قـد تكون مشـاعره نوعاً من الأعجاب او "الحب" من طرف واحد، وراح يكلم نفسـه كالـمعـتـوه متسائلا :

" من تكون هذه الفتاة (المبهمة) التي وضعها القدر في طريقي؟"

انها امرأة محنكة وذات خبرة، فقد حدس كل ما في ذهنها، إلا أنها كانت أكثر منه حنكة، فقد هيمنت على كل أفكاره وشـلتها كما يشل العنكبوت فريسته!

واجه الصقرالأمرالواقع وراح يسـتجيب لمباهج الحياة وشـعر بنشـوة المرأة الجميلة، وكاد يتوهح ذاتيا، لكبح عواطفه التي اسـتفاقت بعد سـبات طال أمـده، وما من أحد يـشـعربه، بالرغم من كنز معلوماته حول ما هو الحلال والحرام، الا انه لم يسـتطع التمردعلى مفاهيمه عندما توفرت لديه بعض ما يغري ليشـبع عواطفه، فأزداد شبقا، ثم ردد مع نفسه بعد ان دب عنده اليأس " لا .. لا .. ، بليا ها أحسن"، أي أنه اذا لم يدنـس نفسـه بما هو مُحرم شَـرعاً، أفضل واسلم عاقبة!

ومضت الأيام، و بدات رياح الشـوق تعصف ثانية بالصقر، و رمى نفـسه على كل من تحمل لقـب امراة ! .. .و لم يوفق، وكاد يتمرد على كل القيم الاجتماعية التي ردعته عن ممارسـة احاسـيسـه العاطفية، و لكن مـن دون جـدوى!

ومرة سـألني ما العمل؟، فقلت له : لسـت أدري،ولن تجد من يجيبك، حتى فطاحل علماء النفس والأجتماع .. الزمن وحده كفيل

بحل أعقد المشاكل،وهكذا بدأت قواه العقلية والبدنية تنهار رويداً

يوماً بعد يوم، وصار يتحدث مع نفسه بصوت عال قائلا:

العمر يا ناس فان، وما فيش عُمرثاني، فما العمل فقد فقدتُ الأمل؟

.. .. .. .. .. .. .. .. .

شـاء القدر أن يسـتقر الصقر في بلد عربي وجد فيه عملاً يتلائم مع اختصاصه المهني، فقررالبقاء لحين ألعثورعلى مكان أفضل، ورمى خلفه آلام الماضي السحيق!، وشعربالأستقرارفي مجتمع متطورلحد ما .. بالمقارنة مع بلدان أخرى. وهكذا واصل سـيره بطريق مبهم، معتقدا بتعويض ما فاته من كبت لعواطفه المطمورة أوقُل الراقدة كما ترقد الضفادع والزواحف في فصـل الشـتاء، ونسـى أو تناسـى كونه في خريف العمر، وشتاء العمراوالمراهقة الثالثة على الأبواب!

تدهورت صـحة الصقر، وتفجرت الهموم، وراح يحدث نفسه وانشد بيتا للشاعرالعراقي شفيق الكمالي:

مشيناها خطا كتبت علينا ومن كتبت عليه خطا مشاها

هكذا انقاد الصقرخلف عواطفه و سار في نهج مُظلم، فاقداً ارادته، مقتحما سـور الغباء اوالسراب بعينه! .. .وبعد اشـهرفاق من ذلك الحلمالجميل وتلاشى كل شيء بعد علمه بعدم قدرته بتحقيق مأربه! وراح يردد مع أم كلثوم أغنية الأطلال من كلمات ابراهيم ناجي:

يافؤادي لاتسل اين الهوى كان صرحا من خيالي فهوى

اسقني واشرب على اطلاله واروي عني طالما الدمع روى

كيف ذاك الحب امسى خبرا وحديثا من احاديث الجوى؟

 

الرجل السوي، يرى الأحداث بوضوح، إلا أنه من غير الممكن أن يلم بجميع جوانبها لعدة عوامل منها " درجة البصيرة "! .. حيث

انها تختلف عند البشـر، أو حتى عند الشخص نفســه، وفق الظروف النفسية التي يعيـشـها، ولذا لم يستطع الصقر أن يطور بصيرته .. بالرغم من خبرته الطويلة، وطالما سـائل نفسـه عن ســبب ذلك،

وهل سببه " الثقة العمياء " أم " سوء التقدير" أم (الغباء) ؟!

مر الصقر في مرحلة الشباب بالعديد من التجارب الآجتماعية في بعض الأقطار الأوربية، و لذا فليس من المعقول ان لا يوفق الآن بعد تحرره من آلام الماضي البغيض التي عصفت به.

صـمم الصقرعلى السـير بنهج السعادة وراحة البال، وفق مايشتهي لتعويض ما حرم منه في الماضـي، وليـس من المعقول أن يـسـتمر بالحزن على سراب امرأة ولديه كل مقومات الحياة .

هدأ الصقر بعض الشيء عندما تعرف على تلك إلأنسانة، فقد وجد لديها استجابة منقطعة النظير وشعر بنشـوة لإستجابتها، وهكذا سارت

الأمور بشكل مرضي وأكثر مما كان متوقعا، إلا أن حليفه " النحـس" طارده مرة أخرى، وعادت المطبات متلاحقة من جديد !

يأس الصقر من النجاح، فهو لم يطمع بأكثر من صداقة أو(صحبة ) كما يطلق عليها في هذا البلد، لتخفف عنه آلام الغربة وتعيد له بهجة الحياة فقد ملَ من الوحدة،وراح يردد قصبدة من فلم سلامه :

 

ياناس أني بشـر مثلكم = وفاطري ربكم الفاطرُ

ويحاور فكره، ويسأله: لم هذا " النحس"؟، فجاءه الجواب :

النحـس وانت منبعهما واحد، أوأنتما وجهان لعملة واحدة !

سـار الصقر مع هذه المرأة بلا وعي أو ارادة، فقد أثارته بأناقتها ا وسحر عيونها وعذوبة منطقها عندما أشــترت مجلة من مكتبة في

مركز المدينة، واسـتمتع بتلك اللحظات بمحاورتها صاحب المكتبة.

ســرح الصقر مع أحلام اليقظة،ولام نفسـه على تصرفه كمراهق، يوم وقف خلفها يراقب قوامها عن كثب، إلى أن اِنتهت من الشراء،وما أن همت بالمغادرة حتى اشترى جريدة ولحق بها، الى أن أدركها ! ..

مهلا أيها القارئ لا تحكم على الصقربأحكام جائرة!

فقد ســرد لنا الحقيقية التي رأى بها تلك المرأة،لأنه لم يكن بوعيه ولم يراها بعينه المجردة .. بل أحـس بجمالها وكأنه هالة من شـعاع غير مرئي يحرق ولا يحترق، كغاز الأكسجين!

لا أريد أن أسبب ألما لأي شخص قد يلمس صدقا في سـرد ما عاناه الصقر من متاعب عندما سـارخلف تلك المخلوقة التي حسبها الهناء المنتظر، ولم يشـك في حينها، ولكن ما رآه سراباً، أو بعيون أعمى البصيرة،سيكون ثمنه باهظا بسبب وهمه بالهناء .. يوم سـار وراء عواطفه بتشـجيع منها، وقادته من سـيئ إلى أسـوء، متصوراً أنه سـيكسب الرهان إذا ما بذخ عليها المال والهدايا بسـخاء، لذا روضها على نار هادئة .. . فخسر المال والوقت لأنها امرأة ذات خبرة معمقة وليس كما تظاهرت بعدم ملكيتها لأي إحساس عاطفي، وانها لن ولا تسـمح لأي مخلوق أن يمـسها قبل موافقتها على الزواج منه !

ومرت الأيام،فبان المستخبي والمستور!، فقد وصل علمه ارتباطها منذ سنوات بشاب اصغر منها بسنتين، حيث كان زميلها في الجامعة وتوطدت بينهما العلاقة بعد التخرج .

وبعد اشهر من تخرجها عملت اليمامة سكرتيرة في شركة تجارية وتمكنت من أستأجر شقة صغيرة، واشتغل زميلها بمدينة بعيدة عن سكنها .. وراح يتردد عليها ويبيت عندها كل سبت وأحد والعطل!

توثقت علاقة الصقر باليمامه، ولم تخبره عن علائقها الخاصة، وفي احد الأيام عرضت عليه استأجار شقة في نفس العمارة التي تسكنها، وبسبب مكانتها لدى مدير الشركة والذي يملك العمارة، استأجر الصقر شقة في الطابق الأرضي، وكانت تترددعليها عدة مرات وتكرمه بالأكلات الوطنية وتساعده في تنظيف الشقة وغسل

ملابسه،كما أنه لم يبخل عليها فقد أغدق عليها بكل ما يتطلبه المطبخ الشرقي من المواد وأنواع الفواكه والخضروات.وفي أحد الأيام خرج مبكراً لشراء السمك وكان ذلك صباح يوم الأحد، واراد ان يعمل لها مفاجئة .. فتوجه نحو شقتها، وما أن طرق الباب حتى فتحها سي السيد زميلها وهو بملابس النوم !، وقال له: أنها تستحم في الحمام! .. فسلمه السمك وهبط الى شقته ( مكسور بألف عَبرَه)،وبعد ساعة جاءت وهي في حالة مزرية، غصت العبارات في فمها!، فما الذي ستقوله ؟، ولم يكترث الصقر،وسألها من الذي رأيته في شقتك وهل كان نائماً عندك فقالت له نعم .. انه خطيبي !،ولكنه نام في الصالون على الأرض، ولم اسمح له بالأقتراب مني !

صمت الصقر، ولم يستطع قول شيئ لأنه لا يملك الحق في ذلك .. وبعد لحظات قال لها: لا أريد أن أرى وجهك بعد الآن، وصرخ بها لكي تخرج .. فلبت النداء وراحت تركض كالمسعورة والدموع تنهمر بغزارة من عينيها!

 

ترك الصقر شقته، وفي اليوم التالي واجه بواب العمارة وسلمه الشقة والأجرة الشهرية،وقص الصقر ما حدث .. فقال له البواب:أنه خطيبها منذ اربعة سنوات يأتي كل سبت وأحد لينام عندها حتى الصباح!

فاق الصقر من الصدمة وعاد لرشده .. وقال حظي مثل أمحيسن!

وهكذا صـغرت تلك المرأة في عينه، وراح بين مصدق و مكذب لما سـمع و رأى، وترك الحقيقة للزمن، وخســر اليمامه، وكســب الذكريات ليدونها كعظة لمن يتعض بالأخطاء قبل فوات الأوان!

 

الدكتور عبدالرزاق محمد جعفر

أستاذ جامعات بغداد والفاتح وصفاقس /سابقاً

 

عبد الحميد العلوجي .. مسيرة عطاء وشهادات بعطر الذاكرة

asmaa mohamadmustafaبين رحلته القرائية منذ طفولته، وبتشجيع من والده، الى عوالم الإعراب في "الاجرومية" للشيخ خالد الأزهري وكتب طه حسين، وإطلاعه على القاموس المنجد وإعجابه بكتابات الجاحظ وأبي حيان التوحيدي، ووفاته تاركا حلمه باستكمال مشروع كتاب ضخم يحمل عنوان الخزانة القرآنية او موسوعة الدراسات القرآنية، ثمة محطات كثيرة في حياته ترك عبرها آثارا أدبية تعتز بها المكتبة العربية .

هو العلوجي عبد الحميد .. الباحث الموسوعي، المولود في كرخ بغداد ـ منطقة الجعيفر سنة 1924 . تخرج في كلية الحقوق، ولم يعمل في حقل اختصاصه الأكاديمي . من مؤسسي مجلتي المورد والتراث الشعبي . بلغت مؤلفاته 41 كتاباً، وشغل مناصب عدة كان آخرها مديرا عاما للمكتبة الوطنية في ثمانينيات القرن الفائت ومن ثم مديرا عاما لدار الكتب والوثائق بعد دمج المكتبة الوطنية والمركز الوطني للوثائق معا، حتى تقاعده في سنة 1993 .

أثرّ عليه الحصار الاقتصادي في التسعينيات سلبا كما أثر على سواه من العراقيين، فاضطر الى بيع مكتبته الشخصية التي احتوت على أكثر من 17 ألف كتاب ومجلد من خيرة المراجع، ليسد بثمنها قوته وقوت عائلته . مكتبته تلك احتوت كتبا نفيسة كما أكد في حوار له ـ سنعرضه لاحقاً في هذا الموضوع ـ، ومنها: كتاب الساق على الساق لأحمد فارس الشدياق الذي طبع في منتصف القرن التاسع عشر - طبعة باريس -، والكتاب عبارة عن رحلة قام بها المؤلف وزوجته الى أوربا، والملاحظات التي تراها زوجته يعقب هو عليها وقد عاش الشدياق في زمن السلطان عبد الحميد الثاني .

مكتبته العامرة .. كُتِب عنها:

" أنت لم تشاهد مكتبة العلوجي .. أنت لا تعرف نصف الدنيا " ـ لنا وقفة لاحقة معها في هذا الموضوع .

لقبه العلوجي جاء من عمله في علوة والده عشر سنوات، فقلبها الى مكتبة، إذ كان يتسوق الكتب بدلاً عن الحنطة والشعير والدهن، وأدى ذلك الى خسارة والده رأس المال .

وذات مرة حين كان العامل يزن الحنطة في العلوة، انشغل العلوجي بقضية إعرابية .

قال إنه من دعاة إلغاء الإعراب مفضلا الاستغناء عنه ببعض القواعد الأساسية .

من آرائه: إنّ العلاقة بين التأريخ والاسطورة مثل علاقة التوابل بالأطعمة، التأريخ اسطورة كبيرة لكنها تدعو الى الثقة والإيمان .

ومن آرائه أيضا: إنّ الحكايات الشعبية انعكاس لطقوس وخوف من الغيبيات والماورائيات، وإن الحكايات الشعبية ظلمت المرأة .

امتلك روح النكتة، وهوى الزراعة وصيد السمك، وربى القطط، وصادق عنكبوتا وكان يطعمه ذبابا يصطاده له .

رحل عن عالمنا سنة 1995، لكنه ترك في ذمة الذاكرة الثقافية سيرته ومؤلفاته التي نعرضها هنا من خلال ماأطلعنا عليه وماقاله وكتبه الآخرون بحقه .

 

العلوجي في موسوعة أعلام العراق

 (باحث موسوعي بغدادي، مارس التعليم مدة، وبلغت مؤلفاته 41 كتابا، خاض معارك جدلية مع الدكتور محسن جمال الدين حول الاستشراق الروسي، ومعركة مع فؤاد جميل حول كتاب (في بلاد الرافدين) ومعركة مع المجمع العلمي العراقي حول الطب العراقي، كتب عنه حسين نصار والمستشرق البريطاني بيرسون، حصل على وسام المؤرخ العربي وشارة جمال الدين الأفغاني وشارة الفارابي وشارة بغداد والكندي). (1)

 

مؤلفات العلوجي

وقبل أن نعرض ماكتبه وقاله الآخرون، نشير الى عدد من مؤلفات العلوجي التي وجدناها في فهارس دار الكتب والوثائق الوطنية * في بغداد ومصادر أخرى:

حكومات بغداد منذ تأسيسها حتى عصرها الجمهوري، 1962

الزوج المربوط، 1964

المواسم الادبية عند العرب، 1965

مؤلفات ابن الجوزي، 1965

من تراثنا الشعبي، 1966

عطر وحبر، 1967

تأريخ الطب العراقي، 1967

الشيخ ضاري قاتل الكولونيل لجمن في خان النقطة، بالاشتراك مع عزيز جاسم الحجية، 1968

رائد الموسيقى العربية، 1969

الهجرة الصهيونية الى فلسطين، 1969

كتاب الوزارات مخطوط جليل يحسن دراسته، 1970

أيام في المربد، 1971

الأصول التأريخية للنفط العراقي، بالاشتراك مع خضير عباس اللامي، 1973

النتاج النسوي في العراق، 1974 ـ 1975

المرشد الى النتاج الموسيقي، 1975

الفارابي في العراق، 1975

المتحف البغدادي، 1975

عقبة بن نافع رجل البيت والقومية، 1975

المثنى بن حارثة الشيباني، 1980

القعقاع بن عمرو التميمي، 1980

المربد مواسم ومعطيات، 1986

آثار حنين بن إسحاق، بالاشتراك مع عامر رشيد السامرائي

جمهرة المراجع البغدادية، فهرست شامل بما كتب عن بغداد منذ تأسيسها حتى الآن، بالاشتراك مع كوركيس عواد .

 

شهادات بحق العلوجي

شهادة خصنا بها المؤرخ إبراهيم العلاف في لقاء لنا معه

المؤرخ الدكتور إبراهيم العلاف، الأستاذ المتمرس في جامعة الموصل، عمل مع العلوجي ضمن مشاريع متخصصة في التأريخ والحضارة، وقد حدثنا في لقاء لنا معه عن العلوجي إذ كتب شهادته على أوراقنا:

ـ الأستاذ عبد الحميد العلوجي باحث متميز وإداري ناجح وإنسان متواضع . لم أعرف باحثا دؤوبا مدققا محققا مثله .. ولم أرَ كاتبا متنوع الاهتمامات مثله ولم أر إنسانا متواضعا بسيطا مثله .. أنا شخصيا كنت استغرب منه وهو المدير العام للمكتبة الوطنية ودار الكتب أن يكون بهذه البساطة وهذا الاسترسال مع الناس ومع طلبة الدراسات العليا ...شكا لي مرة بأن ورثة الأستاذ الدكتور محمد صديق الجليلي تبرعوا بمكتبته الغنية الى ديوان الرئاسة التي أمرت بإيداعها المكتبة الوطنية فقال إنها من حق الموصل ومن حق مكتباتها ولكن ما العمل؟

عملت معه ومع عدد من الأساتذة ضمن مشاريع وزارة الثقافة والإعلام في مشاريعها " العراق في التأريخ " وموسوعة "حضارة العراق " 13 مجلدا و" العراق في مواجهة التحديات " ثلاثة مجلدات وكان هو منسق كل هذه الكتب ومحررها . كنا نكتب الفصول ونعطيها للأستاذ العلوجي لنراها تظهر وكأنها بقلم مؤلف واحد . كان يعمل بلا كلل ولا ملل . كان وطنيا عراقيا أصيلا، والوطنية عنده هو العمل الجاد الدؤوب المخلص الذي يمكث في الأرض .

أمر واحد كنت استغربه فيه هو كثرة التدخين، ومرة قلت له أن يخفف التدخين فقال "بعد ما يفيد " ..

ومرة قال: إنني علوجي وأنت علاف والعلوجي والعلاف كلاهما يطلقان على من يبيع الحنطة والشعير ....لكن في بغداد يُعرف بالعلوجي أي صاحب العلوة وفي الموصل علاف . رحمك الله صديقي الغالي الأستاذ العلوجي .

 

العلاف في شهادة سابقة:

العلوجي عالم جليل وباحث متميز وإنسان فاضل يعترف بجهود الآخرين

وسبق للعلاف أن كتب عن العلوجي شهادة ساردا فيها حدثاً قصد من وراء ذكره التوقف عند أخلاق العلماء والمبدعين، وقد أرسلها لكاتبة هذا الموضوع قائلا: " لاحظي طريقة رده واعتذاره وأسفه ولومه لنفسه " .

كتب العلاف:

" ارتبطت مع الباحث التراثي الموسوعي الأستاذ عبد الحميد العلوجي (1924ـ 1995) بعلاقة صداقة إمتدت الى أكثر من ربع قرن .. وكان رحمه الله يعبر باستمرار عن إعجابه بكتابتي وقد أعرب مرة عن أسفه لانتقال مكتبة الأستاذ الدكتور محمد صديق الجليلي رحمه الله إلى بغداد بعد تبرع ابنه بها وقال لي بالحرف الواحد (إن الموصل هي المكان الطبيعي لهذه المكتبة).

وعبد الحميد العلوجي، ولد في بغداد سنة 1924، وعمل في التعليم وتخرج في كلية الحقوق، ولكنه انصرف إلى الصحافة والكتابة، وكان له دور فاعل في إصدار (مجلة المورد) وفي كل الموسوعات التي أصدرتها وزارة الثقافة والإعلام في الثمانينيات من القرن الفائت ومنها حضارة العراق (13) مجلدا، والعراق في مواجهة التحديات (3) مجلدات، والجيش والسلاح في العراق (4) مجلدات، وألفّ كتبا عديدة لعل من أبرزها كتابه (تأريخ الطب العراقي) وقد إهتم بالتراث الشعبي العراقي وكتب عنه وحرر الكثير من المقالات في هذا الميدان ..

كتب عنه الأستاذ حميد المطبعي في "موسوعة أعلام وعلماء العراق "، فقال: إنه باحث موسوعي وإن مؤلفاته بلغت 41 كتابا منها:"مؤتمر الموسيقى العربية 1964 " والمد الصهيوني والهجرة المضادة " 1970 و "الأصول التأريخية للنفط العراقي " 1973 ألفه بالاشتراك وهو كتاب وثائقي كتب عنه المستشرق البريطاني بيرسون وقد حصل على وسام المؤرخ العربي من إتحاد المؤرخين العرب . في 28 آب 1991 أجرت معه الصحافية هدى جاسم حواراً حول (الحكايات الشعبية العراقية) نشر في جريدة الجمهورية . وقد ذكر في الحوار أن الأب انستاس الكرملي أول من جمع الحكايات الشعبية من أفواه النساء في بغداد سنة 1911، وأن الليدي دراور ليست أول من قام بجمع هذه الحكايات، واستطرد العلوجي للحديث عن مجهودات من قام بتوثيق هذا اللون من الأدب العراقي، وللأسف، فإنه لم يتطرق إلى جهود أستاذنا المؤرخ والكاتب الموصلي المرحوم أحمد علي الصوفي (1897 ـ 1982) م في مجال توثيق عدد كبير من حكايات الموصل الشعبية في كتابه الذي ألفه سنة 1953 حينما كان يعمل مدرسا للتأريخ في متوسطة المثنى في الموصل، ولم يتح لهذا الكتاب الظهور إلا في سنة 1962 وقد صدر بعنوان: (حكايات الموصل الشعبية)، وفي هذا الكتاب جمع الصوفي (22) حكاية من الحكايات المتداولة وهي حكايات ذات بعد أخلاقي وتربوي بالدرجة الأولى، كما إنها تتناول شتى مناحي الحياة، ومن أبرز هذه الحكايات: حكاية المطلقات السبع، وحكاية ابن الملك والبنات الثلاث، وحكاية الخنفساء، حكاية حديدان مع الدامية، حكاية السعلوة وابنها مع النساجين، وتعالج بعض هذه الحكايات مواضيع فساد نظام الحكم، وسيادة الرشوة، وعاقبة الظلم والجور، وخيانة العهد، ونبذ الكسل، والدعوة الى العمل، والتأكيد على الإخلاص والشجاعة.

كتبت مقالة في جريدة الجمهورية في عددها الصادر يوم 14 من أيلول 1991 وقلت إن أستاذنا العلوجي أغفل، كمعظم من أرخ للحكايات الشعبية، جهود الأستاذ أحمد الصوفي، وفي عدد الجمهورية الصادر يوم 24 من أيلول 1991 نشر الأستاذ عبد الحميد العلوجي رسالة بعثها الى محرر جريدة الجمهورية قال فيها بالحرف " قرأ ت صباح يوم 14 أيلول بين " شؤون الناس" في جريدتنا "الجمهورية"، ما يستقيم عقوقا جارحا في رسالة الصديق المؤرخ الدكتور إبراهيم خليل أحمد من جامعة الموصل .. وقد أسعدني أن أجد رسالته تضج بالعتاب على أمثالي ممن أساغوا لأنفسهم العقوق وحجب الريادة في مواجهة الجهد اللامع الذي غرسه المرحوم أحمد علي الصوفي في مضمار الحكايات الشعبية " . وأضاف العلوجي الى كلامه يقول: (والدكتور إبراهيم في هذا العتاب معه الحق، ولايزعجني الاعتراف بجدارة المرحوم الصوفي على ذلكم الصعيد، وأنا أعجب لقلمي يجتاز الصوفي بصمت على الرغم من الروابط التي كانت تشدني به يوم غادر الموصل الى بغداد ليبثني همومه التراثية) .

وختم العلوجي رسالته وهو يردد " دفعا لعقوقي غير المقصود سأقدم لمؤرخي الحكاية الشعبية ماأحسبه كفارة قادرة على تشريد الغبن وعقيدتي أن هذه الكفارة تستحق أن تكون المعلومة كما للباحثين في الموروث الشعبي " . وكانت المعلومة كما ألخصها الآن تتضمن خبرا عن كتاب صدر في السويد سنة 1965 ألفته امرأة مستشرقة دانماركية دخلت الإسلام وأطلقت على نفسها (سامية الأزهرية) بعنوان Arab Rakonti وفي هذا الكتاب حللت بعض الحكايات التي ذكرها الصوفي في كتابه وهي حكاية حديدان وهذا يدل على أن المرحوم الصوفي اقتحم العالم الأرحب، وقال العلوجي (إنني بعد ذلك أجدني في غاية القناعة بأنني عاقبت ضميري بما يدين الغفلة التي صرفته عن التغني بريادة أحمد علي الصوفي أسوة بالأب انستاس الكرملي) .

سردت هذه الواقعة لأذكر بأن أخلاق العلماء والمبدعين ينبغي لها أن تكون هكذا .. فالعلوجي كان بحق عالما جليلاً، وباحثا متميزا، وإنسانا فاضلاً يعترف بجهود الآخرين ويعتذر عندما يغفل عن ذكر ذوي الفضل، وخاصة أولئك الذين خدموا التراث الشعبي العراقي من أجل إحيائه وفي مقدمتهم الأستاذ أحمد علي الصوفي ." (2)

 

الحكاية الشعبية كما رآها العلوجي

وبشأن الحوار الصحافي الذي ذكره الأستاذ الدكتور إبراهيم العلاف في شهادته وأرسل على اثره رسالة الى العلوجي مشيرا الى إغفال الأخير ذكر جهود المؤرخ أحمد الصوفي في توثيق الحكايات الشعبية الموصلية والى الرد الراقي للعلوجي عليه والذي أشاد به العلاف.

نقول، بشأن ذلك الحوار الصحافي، نضع أمام القارئ بعضا مما ورد فيه، وقد نشر في الصفحة قبل الأخيرة من جريدة الجمهورية، في عددها 7969، الصادر في 28 من آب 1991، وهو بعنوان: عبد الحميد العلوجي يتحدث عن الحكاية الشعبية، مَن هو اول من نقل وجمع الحكاية الشعبية العراقية، وأجرته معه الصحافية هدى جاسم .

وفي مايأتي اقتباسات لبعض مماورد في أجابات عبد الحميد العلوجي على أسئلة الصحافية هدى جاسم، وبتصرف بسيط منا في الصياغات لغرض الاختصار، لا أكثر:

الحكاية الشعبية هي انعكاس لطقوس وخوف من الغيبيات الماورائيات او الميتافزيقيا، وضعها أجدادنا المجهولون وعن طريقهم انتقلت من جيل الى آخر وبصورة شفاهية، وكانت تهدف الى سلوك ونهج أخلاقي الغاية منه إبراز أخلاقيات تجنبنا خيانة الصديق او النفاق وأعمال المؤامرات ضد أخواننا، أو أن مغزاها أخلاقي صادق ... وليس للحكاية الشعبية مؤلفون معروفون وتظهر قيمتها الفلكلورية في مجهولية واصفها وإلا خرجت عن مضمار القلوب . وقصاصو هذا النوع من الحكايات، وهم ماكانوا يعرفون بـ "القصخون "، انقرضوا من المقاهي، أما الآن فنجد الحكاية عند العجائز من الجيل الماضي وهذه مع الزمن سوف تنطفئ إذا لم نفعل فعل الأخوين كرم فقد جمعا كل الحكايات الشعبية في ألمانيا .. وعزا العلوجي إهمال الكبار سرد الحكاية الى تعقيدات الحياة والمتطلبات الاقتصادية والتطور التكنولوجي والسينما والتلفاز، مشيرا الى أن الأفلام المتحركة خدمت الحكاية الشعبية الى حد ما مثل حكاية " علي بابا ".

وعن سؤال هدى جاسم عن سبب رفض الحكاية الشعبية الهزائم وعدم اعترافها بها ضمن سردها  حوادث التأريخ، أجاب العلوجي أن واضعي تلك الحكايات يفعلون ذلك لكي لاتثبط همم الجماهير ولبث روح الإقدام والانتخاء فيهم وبالإتجاه الحياتي الصحيح، والمعروف حينها وحتى الآن أن الهزيمة تجعل الإنسان يعيش على الإتكالية ولاينتظر سوى الموت وكان يسمى (التمبل خانة) .

وأشار العلوجي الى أن العلاقة بين التأريخ والاسطورة مثل علاقة التوابل بالأطعمة، التأريخ اسطورة كبيرة لكنها تدعو الى الثقة والإيمان .

وتضمن الحوار إشارة العلوجي الى أن أول من إهتم بالحكاية الشعبية العراقية هو الأب انستاس ماري الكرملي والليدي دروار التي جاءت في فترة الإحتلال الإنكليزي وكتبت عن السعلوة وموضوعات شعبية كثيرة وتقاليد الصابئة في العراق، ولكن الأب انستاس هو اول من جمع الحكايا الشعبية وكان ذلك سنة 1911 من أفواه النساء المسيحيات في جانب الرصافة . وهناك سيل كبير ممن نقلوا بعض هذه الحكايات من العراقيين ومنهم عزيز الحجية .

وذكر العلوجي أيضا أنه كان يعرف امرأة في الكرخ اسمها رديفة بنت خضير سجل لها طبيب   قلب (الدملوجي) الكثير من حكاياها على شريط (كاسيت) ليكون مادة أساسية تفيده في البحث عن الحكاية الشعبية .

وختم العلوجي حديثه بالقول إن أكثر من ظُلِم في الحكايات الشعبية هي المرأة فقد كانت العجوز منها خصوصا تأخذ دور الكيد والسحر، أما العلاقات الغرامية فنرى فيها التضحية والصبر على المكارة وتبرز بطولتها في هذا الجانب فقط . **

 

شهادة:

عبد الحميد العلوجي .. كاتباً وباحثاً ومحققاً

كانت لنا وقفة عند السيد جمال عبد المجيد العلوجي الذي يشغل الآن منصب معاون المدير العام لدار الكتب والوثائق الوطنية، ليحدثنا عن محطات في حياة خاله عبد الحميد العلوجي . وقد عمل العلوجي جمال مديرا للعلاقات حين كان العلوجي عبد الحميد المدير العام لدار الكتب والوثائق .

قال العلوجي جمال عن خاله إنه:

كاتب وباحث موسوعي .. ولد في بغداد في الأول من كانون الثاني سنة 1924 .

انضم الى صفوف الحزب الشيوعي أواخر سنة 1950 حينما كان معلما في إحدى مدارس بغداد . دخل السجن لاشتراكه بنقاشات حادة ومشاجرات مع آخرين لدفاعه عن أفكار الحزب ومفاهيمه . وبعد خروجه من السجن واصل دراسته فتخرج في كلية الحقوق سنة 1962 .

بلغت مؤلفاته أكثر من أربعين كتابا كان أبرزها رائد الموسيقى العربية 1964، وتأريخ الطب العراقي1967، والمد الصهيوني بين الهجرة والهجرة المضادة1970، والأصول التأريخية للنفط العراقي1973 .

وهو عضو إتحاد المؤرخين العرب وإتحاد الحقوقيين العرب، حضر مؤتمر الموسيقى العربية 1964 والمؤتمر الانثولوجي 1967 ومهرجان جمال الدين الأفغاني في كابل 1977.

مؤسس ورئيس تحرير مجلة المورد التراثية . خاض معارك جدلية مع الدكتور محسن جمال الدين حول الاستشراق الروسي، ومعركة مع فؤاد جميل حول كتاب (في بلاد الرافدين)، ومعركة مع المجمع العلمي العراقي حول الطب العراقي . كتب عنه الدكتور حسين نصار والمستشرق البريطاني بيرسون ..

حاصل على وسام المؤرخ العربي، وعلى شارة جمال الدين الأفغاني وشارة الفارابي وشارة بغداد والكندي .

اشترك مع آخرين بتأليف العديد من الكتب والمصادر التراثية، أبرزها المعجم المساعد للأب انستاس الكرملي، وجمهرة المراجع البغدادية، وآثار حنين بن اسحق، والمدخل الى الفلكلور العراقي، والشيخ ضاري قاتل الكولونيل لجمن، وله أكثر من 300 مقالة في الصحافة العراقية والعربية . عين مديرالمتحف الأزياء ثم مدير التأليف والترجمة والنشر في وزارة الإعلام ورئيس قسم الدراسات الشعبية في المركز الفلكلوري، واخيرا مديرا عاما لدار الكتب والوثائق حتى تقاعده في العام 1993 لبلوغه السن القانونية .

كان أحد الرواد الذي واكبوا الحركة الفكرية منذ الخمسينيات وله من العطاء الكثير بالرغم من المرض ومتاعب السنين التي شغلته، فقد ترك اثرا كبيرا كان أمله الذي عاش معه مذ كان معلما إلا أن وفاته حالت دون تحقيق ذلك الأمل، وهو الشروع في نشر سفر عظيم أسماه (الخزانة القرآنية) يتناول فيه تفسيرا معاصرا للآيات القرآنية، ولا يزال محفوظا على شكل قصاصات ورقية في مسكنه.

وقبل وفاته في 25 من كانون الاول 1995 بدأ ببيع أهم ركن في حياته كان قد أنشأه منذ صباه وهو مكتبته الشخصية ليواجه بثمنها معاناته الاقتصادية والحياتية في ظل الحصار الاقتصادي ..

وهكذا رحل علم من أعلام العراق كان قد أسهم في إغناء المكتبة العربية بمؤلفاته في الادب والتراث والتأريخ، فكان خير كاتب وخير باحث.

 

روح النكتة

في لقائنا معه، أشار العلوجي جمال عبد المجيد الى أن خاله عبد الحميد العلوجي كان يتمتع بروح النكتة . ومن المواقف الظريفة التي حدثنا عنها، إن الباحث الراحل عمل وصديقه الباحث سالم الآلوسي مدة في لجنة تقويم (تقييم) المطبوعات في دار الكتب والوثائق لغرض شرائها، وذات مرة أرسل وزير الثقافة والإعلام شخصا من طرفه، كان قادما توا من أميركا ومعه مجموعة كبيرة من الكتب، عرضها للبيع بالدولار، استقبله العلوجي والآلوسي وطلبا منه إحضار الكتب لتقويمها ماديا، فجلبها لهما في أكياس جنفاص، فقاما بتوزيع الكتب بين ثلاث أقيام وعلى وفق حجم الكتاب، مجموعة بـ 5 دنانير للكتاب الواحد، ومجموعة بـ 10 دنانير للكتاب، ومجموعة بـ 15 دينارا للكتاب الواحد، فكان هذا التوزيع أشبه بالنكتة من قبلهما، ولأنهما محددان بميزانية مالية معينة، وحين عاد صاحب الكتب في اليوم التالي صدمته الأسعار، فقال لهما: (قابل دا ابيع لكم رقي) !!

وذات مرة جاء الى المكتبة شخص عرض بيع صورة فوتوغرافية نادرة تمثل الملك غازي في مطار بغداد، وبمبلغ باهظ جدا، ففوجئ العلوجي بارتفاع السعر الذي يطلبه صاحب الصورة فقال: (شنو؟! قابل هي صورة الإمام علي حتى ندفع بيها هيج سعر)؟ !!

 

شهادة:

أيّام وليال في ضيافة العلوجي

نعرض أيضا ماكتبه الكاتب الصحافي رباح آل جعفر بحق العلوجي .. مبتدئاً مقاله بـ:

" أنت لم تشاهد مكتبة العلوجي .. أنت لا تعرف نصف الدنيا " .

ليكمل قائلا:

" وأشهد أن المؤرخ والباحث والموسوعي الراحل الأستاذ عبد الحميد العلوجي أعطاني مفاتيح كثيرة للمعرفة في السنوات التي عرفته، وأن أغلب الذخائر والنفائس والفرائد من الكتب، التي قرأتها في تلك الفترة استعرتها من عنده، برغم أن ابن الخشاب البغدادي كان إذا استعار من أحد كتاباً وطالبه به، قال: دخل بين الكتب فلا أقدر على ردّه !.

وما أسهل عليك أن تستعين بالعلوجي بما تريد أن تستعين من أمور الحواشي والمذيّلات في الكتب المطوية وتصانيف الفقهاء والأدباء، فهو أشبه الى حدّ ما بأبي عمرو بن العلاء الذي نقل عنه ياقوت الحموي، أن دفاتره كانت ملء بيته إلى السقف .

وكنت كلّما زرت العلوجي في بيته، قصدت مدخل المكتبة الشهيرة، وتطلّعت إلى دائرتها الواسعة، وأدوارها الشاهقة، وهي تحمل على رفوفها خمسة عشر ألف مجلد، وأخذت ورقة وقلماً ومضيت أدوّن عناوين بعض الكتب، وأنا اتجوّل في ممرات العرض، واتوقف بين حين وآخر أرى ما حولي من تحف فكرية باهرة ورائعة تكاد تذوب من الرقة والجلال في آنٍ معاً، ثمّ أبقى ساكناً لعدة دقائق كأنني أقف في محراب للنور !.

صحبت الأستاذ العلوجي أياماً، فوجدته الرائي الذي رأى كل شيء كما جاء في مقدمة ملحمة كلكامش، واكتشفت أن أروع جوانب شخصيته وأحلاها، تلك اللغة الساخرة، التي كانت تتدفق من لسانه عفو الخاطر بلا رقيب، ومن دون تحفّظ، وبلا أي تكلّف .

والعلوجي يعرف كيف يكون الأديب ساخراً ومحترماً؟! .. وكان هذا الجدّ العلوجي يثير الأسئلة المشاكسة التي لا طاقة للفتيان بها . أذكر أني سألته مرة عن أعزّ مؤلفاته؟ فكان جوابه: (مؤلفات ابن الجوزي) لأنه سدّد عني دين الحدّاد الذي صنع أربعة شبابيك لإحدى غرف بيتي، و (الزوج المربوط) لأنه أبكاني مع الباكين على رجولتهم، و (تأريخ الطب العراقي) لأن المجمع العلمي العراقي عامل هذا الكتاب كما عومل حذاء أبي القاسم الطنبوري في ليلة من ليالي شهرزاد !.

وعرفت العلوجي مؤمناً بالمثل القائل: (الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما)، لذلك فإنه كان يعمل ليل نهار والى أقصى حدّ يمكن أن تتحمله الطاقة البشرية .

كان يستيقظ مبكراً في الساعة الخامسة فجراً ليبدأ يومه بالتدخين قبل كلّ شيء، ثمّ يذهب الى أوراقه، التي كتبها قبل خلوده إلى النوم، وكان من عادته إذا كتب فإنه لا يراجع مسوداته، يخرج بعدها إلى حديقة المنزل ليدخّن مرة أخرى، وهو يستنشق الأنسام باردة عذبة ـ كان أبو غسان مفرطاً في التدخين ـ ثم يعود فيجلس الى الكتابة بعيداً عن الضوضاء، وعند الساعة السابعة والنصف صباحاً يتناول فطوره، ويتجه الى عمله الرسمي، وكان هذا البرنامج من الحياة اليومية للعلوجي يتكرّر بتفاصيله كلّ يوم .

والعلوجي ليس من الطراز الذي يهرب من ماضيه او حاضره، فهو متفق مع الفيلسوف اليوناني انكسارغوس بأنه (لا يوجد شيء من العدم)، وكان يقول يقول: إنه من مواليد اليوم الأول من كانون الثاني سنة 1924 في أسرة لم تجتمع على مذهب فقهي واحد، ونشأ في محلّة (الجعيفر) في جانب الكرخ من بغداد، ولم يعرف منها سوى مسجدها ومقهاها، وتعلّم في الخامسة من عمره على يد والده (الملاّ) عبد الكريم، الذي كان يتقن التحدث بالتركية والإنكليزية والفرنسية، وإن ذاكرته لا تستطيع نسيان أفاضل الذين علّموه في مدرسة الكرخ الابتدائية كالأستاذ ميخائيل عواد، والفنان حافظ الدروبي، وعندما أصبح طالباً في المرحلة الثانوية شاء والده برغبة قاهرة، أن يمارس التجارة في (علوة) ومن يومها اشتهر عبد الحميد بلقب (العلوجي) .

لقد كانت حياة صعبة تلك التي أعدّتها الأقدار للعلوجي، وكانت أكثر صعوبة من كل رواية حاول هو أن يرويها بنفسه .. ووسط أهوال الحياة ومتاعبها وجد لنفسه مكاناً حطَّ فيه رحله، وحصّن موقعه، فأصدر نحو (42) كتاباً ضمن (34) عنواناً، وكانت تجربته في الحياة أطول بكثير من سنوات حياته التي انتهت سنة 1995، وأعرض بكثير من حياة الآخرين .

روى لي: أنه أيام كان (علوجياً) أخذ يبدّد رأس مال العلوة وأرباحها في شراء الكتب، حتى تنامت في العلوة ـ ومع الأيام ـ مكتبة هائلة، وكان حريصاً أن يكسو من هذا المال عدداّ من الفقراء والمحتاجين، وفي البدايات كتب الشعر ثمّ هجره، وامتدح الشيخ جلال الحنفي بقصيدة عصماء لم يشفعها الحنفي بردّ، وقال لي: إنه انتخب سنة 1984 عضواً في المجمع العلمي الأميركي، لكنه رفض قبول هذه العضوية احتجاجاً على مواقف الولايات المتحدة من قضايا العرب .

وأسرّني العلوجي يوماً، وكان الأجل يدنو منه، أنه ترك بين يدي ولده (غسان) مذكراته (ذكريات ومطارحات) بـ (600) صفحة من الحجم المتوسط، وأوصاه بعدم نشرها نظراً لما تحوي من صراحة متناهية قد تحرج الآخرين ولعلها تجرحهم، وأنه كان يتمنى لو وجد من يرعى مشروعه الضخم (الموسوعة القرآنية) الذي شرع بكتابته منذ سنة 1952، بدلاً من أن يبقى محفوظاً في صناديق مقفلة، فلكي تستطيع البذرة أن تكون شجرة باسقة وارفة الظلال، فإنها تحتاج ليس فقط الى شمس وماء، وإنما تحتاج أيضاً إلى عناية ورعاية، وتلك على أي حال أمنية للعلوجي لم تتحقق .

كان يومها قد دخل في العقد السابع من عمره، وقد بدأت الأمراض تنهش من جسده، وأخذت صحته بالتدهور، وإن بقيت روحه خصبة متوهجة، فقد أصيبت عيناه بنوع من التقوّس، ودمه بالسكر والضغط، وكذلك أذنه بثقل في السمع، ودبّت في أطرافه الرعشة، وفمه بسقوط الأسنان، وكان العلوجي يقول عن نفسه: إنه صار يماثل خراب البصرة بعد عدوان الزنج، وإنه ينتظر رحلته الأبدية الى عالم الغيب، التي كان يعتقد أنها لن تكون مخيفة أو مفزعة، لأن ما زرعه العلوجي في دنياه سيجني ثمره مثوىً كريماً تحت سدرة المنتهى في أقصى الجنة . (3)

 

شهادة:

العلوجي المثقف الحريص على التجديد والتطور والعصرنة

 

كتب خالد القشطيني عن العلوجي، وقد ذكره في بعض فقراته بكنية (أبو غسان)، وغسان هو الابن البكر للعلوجي:

" طالما قيل إن المصريين يكتبون، واللبنانيين ينشرون، والعراقيين يقرأون . ولهذا نجد أن الناشرين ينظرون أولاً هل سيقبل العراقيون على الكتاب قبل نشره . يصدق هذا حتى في الوقت الحاضر حين راح العراقيون يواجهون كل هذه المصاعب الاقتصادية والأمنية. لقد ظل حرصهم على المطالعة والتزود بالثقافة والمعلومات شغلهم الشاغل.

كان سوق السراي، سوق الكتب في بغداد، من أكثر أسواقها نشاطا. وبالإضافة اليه انتشرت مكتبات شعبية صغيرة في شتى المحلات. اعتاد من لم تسعفه حاله على شراء الكتب، استئجارها منها بأربعة فلسات . يأخذ المشترك الكتاب الى البيت فيقرأه هو وأولاده وأصحابه قبل أن يعيده للمكتبة، وكله بأربعة فلسات .

حرص آخرون من المتمكنين على إقامة مكتباتهم الخاصة في بيوتهم . اشتهر منهم الحاج عبد الحميد العلوجي . اكتسب هذا اللقب لأن والده كان يملك علوة. وفيها قضى عبد الحميد شبابه يتعامل مع الحنطة والشعير والطحين، ونحو ذلك من بضائع العلوات. ولكنه أظهر إهتماما كبيرا بالأدب ودأب على اقتناء الكتب . وبعد أن توفي والده أخذ يكرس وقته للقراءة ولمكتبته الخاصة، بما أدى الى إفلاس العلوة التي راحت الكتب تبتلع أرباحها.

كان أبو غسان يمثل الشخصية العراقية في نزوعها الى العصرنة والتطور. فجل ما احتوته مكتبته كان من الكتب المترجمة عن الأدب العالمي . كان يقول إن الروايات العربية لا تثير في نفسه غير القرف. بل كان يمقت حتى قراءة نجيب محفوظ . ولم يحز في نفسه شيء كجهله بمعرفة اللغات الأجنبية ليقرأ هذه الكتب بلسانها الأصلي . أخيرا جمع ما في نفسه من شجاعة فانتمى الى المعهد الفرنسي، لتعلم لغة فكتور هيغو وبلزاك، بيد أن المحاولة لم تثمر عن شيء فانقطع عن المعهد والألم يحز في نفسه .

كان مثالا للمثقف الحريص على التجديد . حرص على استيعاب الموسيقى الغربية وحضور حفلاتها. يقتطع من طعامه ليشتري بطاقاتها الغالية . يروي صديقه أنور الناصري أنه عندما قدمت فرقة غربية حفلة في قاعة الشعب، لم يكن بيده ما يشتري به بطاقة وكان فرات الجواهري قد حصل على بطاقة شرف . فأغراه أبو غسان على لعبة "دومنة" يكون فيها الرهان على تلك البطاقة. وكان بارعا فيها ففاز بها وتوجه الى الحفلة . نظر اليه والى حذائه الممزق مفتش التذاكر، فقال له: " لو اشتريت لك قندرة بثمن البطاقة، مو أحسن لك؟ " . وفي نهاية الحفلة، تقدمت فتاة لجمع التبرعات فقدمت له وردة . لم يكن في جيبه غير درهم واحد فاعطاه لها، ولكنها أدركت أن هذا كان كل ما عنده، فأعادته له وقالت، لا. أنت تحتاج الدرهم أكثر من الوردة !

كان من أبناء ذلك الجيل المؤمن بحرية الفكر والحداثة . ومن سخريات القدر أن عينوه أخيرا رقيبا على المطبوعات . وصله كتاب ثوري لعبد الله القصيمي . وأصبح عليه كرقيب أن يمنعه . ففعل، ولكنه بادر بعين الوقت الى تقديم استقالته " . (4)

 284-ASMAA

وفاته

توفي سنة 1995 تاركا وراءه آثاره الادبية وظلال ملامحه في قلوب من عرفوه عن قرب .. لاسيما من تواصلوا معه في أيامه الأخيرة ..

يقول الكاتب مهدي شاكر العبيدي الذي وصف العلوجي بأنه مجبول على البساطة والتواضع:

" صادفتُ العلوجي ضحى يوم قائظٍ في مسرح الرشيد في أخريات أيَّام حياته، وفي غضون عام 1994م، فتفرَّسْتُ في ملامحه وأمارات وجهه وتبيَّنَ ليفيها آثار الجهد والكلال، ما ينبي عن شعوره بالضياع والمتاهة في دنيا الأحياء بعد أنْ نفر منه أكثرهم وبانوا، وصار مجانِبا للضُرِّ والنفع، لكن نائيا فيالوقت ذاته ومستريحا عن سماع اللغو والثرثرة والادِّعاء، والطريف أو المؤسي أنـَّه دأب بعد تقاعده عن مسؤوليَّاته على زيارة رفقائه وأصدقائه في دوائروظائفهم ليُحَادثهم في شؤون الفكر والأدب والثقافة، مختتما حديثه بإبلاغهم أنـَّه سيرحل قريبا، بعد أنْ عاش وديعا مسالما منطويا على الخير والحبِّ، مادايد العون للجميع من معارفه ومعاشره، وكأنـَّه المعنيُّ بوصية عبد الحميد الكاتب للأدباء بأنْ يتعاونوا ويتعاضدوا وينبذوا التناحُر والشِقاق، هذا إلى جانب ماألفته من ظرفه وميله للفكاهة التي لا يصطنعها عامدا، بل هي لصيقة به وسمة من سماته، ومزيَّة يروض بها خلقه وطبعه على الجلاد والتحمُّل ومغالبةالأوصاب والأنكاد التي تعرض له في ميدان عمله ". (5)

وأشار العبيدي الى أن الباحث الأستاذ طلال سالم الحديثي أهدى كتابه: مراجع في الفلولكلور، الى روح الأستاذ عبد الحميد العلوجي، وروح صنويه لطفي الخوري وعزيز الحجية، ضارباً بذلك المثل الأروع في الوفاء والعرفان ـ وفقا لتعبير العبيدي .

 

المحطة الأخيرة لهذه الجولة حوار قديم

توفي العلوجي تاركا وراءه أمنيته باستكمال مشروعه الخزانة او الموسوعة القرآنية، التي أشار اليها مثلما أشار الى أمور أخرى في حوار معه نشرته مجلة ألف باء في ثمانينيات القرن الفائت، توزع بين خمس صفحات، أجرته معه الصحافية وداد الجوراني حين كان مديرا عاما للمكتبة الوطنية، وهو حوار يكشف عن نواحٍ عديدة من شخصية العلوجي وأفكاره . وقد أعلن فيه العلوجي عن خشيته من أن يترك وراءه ألف " حتى " قاصدا بذلك خشيته من أن يغادر الدنيا قبل أن ينهي مشاريعه، كما قال الناس عن أحد النحاة " غادر وفي نفسه شيء من حتى "، وكشف عن شعوره بالغثيان أزاء القصة العربية نظرا لاعتياده قراءة القصص الغربية مايجعله يقارن بينهما، وقال إن البستة عربية الأصل، وجاءت من البسطة، على رأي الفارابي، وأشار الى قيام صاحب الاسم المستعار السيد شحاته في مجلة المجالس بوصفه بحرامي بغداد !! وكشفه عن دافعه من وراء هذا الإتهام .

نترك لكم الإطلاع على النص الكامل للحوار، وكما نُشِر، ليكون محطتنا الأخيرة التي نختتم بها هذا الموضوع المكرس لشخصية فرضت حضورها خلال حياتها وبعد رحيلها أيضا بما خلفته من ذكرى وآثار:

 

نص الحوار***:

" حديثه ذو شجون .. واستطراداته أشبه ببستان متنوع الشجر والثمر والخضرة، وهو إذ يذكر الوقائع بذكرها وكأنها صورة الأمس القريب .. بأسلوب يجري به على السجية دون تكلف او مبالغة او شطط يعينه على ذلك ذاكرة متوقدة مختزلة بأحاديث ذات نكهة بغدادية في الثقافة والتراث وملأئ بذكريات 64 عاما لا تتأثر بعوامل الزمن بل تحفظ الأرقام والأسماء والهوامش بكل تفاصيلها الزمانية والمكانية .

بدأت رحلته مع الكتاب وهو مايزال صغيرا على حمله، فقد قرأ الاجرومية لخالد الأزهري وقرأ لطه حسين وهو في المرحلة الابتدائية، يوجهه الى ذلك والده الذي يقول عنه:

إن من وجهني الى الكتاب هو أبي، وأذكر أنني كنت في الاول الابتدائي أدخل غرفته في قيلولة الظهيرة، فأجده منطرحا على الفراش وهو يطالع القاموس المنجد (الطبعة الاولى لسنة 1912) فيحملني من الأرض ويجلسني الى جانبه مؤشرا لي على صور المنجد وذاكرا مفرداتها العربية يكررها لي ثم يسألني عنها .. وكان والدي يعمل مدير مكتب كتاب لتعليم الأطفال في أحد جوامع بغداد . واستغرقتني القراءة عن سواها، فكنت اطالع يوميا بحدود (800) صفحة على ضوء القمر، لأن الكهرباء غير موجودة في البيت، وكدت - في وقتها - أحفظ كتب الجاحظ على الغيب لأني أحب كتاباته التي سيطرت عليّ وأثرت بي كثيرا كما أثر بي تلميذ مدرسته أبوحيان التوحيدي واستفدت من المطالعة كثيرا، ولذلك أجد أن عقلي الآن أشبه بالكومبيوتر وتتصل بي جهات رسمية عديدة حول موضوع معين فأزودهم بأسماء المصادر وبسرعة . وأكثر من ذلك فإن والدي كان يحرمني من (يوميتي) التي لا تزيد على الفلسين فقط ولكنه سخي كل السخاء معي في شراء الكتب وأقسم أنه في إحدى المرات جاءني بثلاثة حمالين يحملون الكثير من المجلدات وبضمنها معجم الأدباء.

• هل حفظت القرآن الكريم؟

ـ قرأت القرآن عشرات المرات ولم أحفظه، وقرأت تفاسيره الكثيرة لأنها عبارة عن موسوعات او هي وعاء للغة والادب والتأريخ والمعرفة، وبعض هذه التفاسير يقع في ثلاثين مجلدا.

• وهل جوّدت القرآن؟

ـ أعرف أغلب أسسه وضوابطه التجويدية ولكني لم أجرب تجويده لأن الله لم يزودني بنعمة الصوت الجميل، والتجويد كما تعلمين يحتاج الى تنغيم وصوت جميل .

• هذا يعني أنك لم تجرب الغناء أيضا؟

ـ أغني بصمت لنفسي فقط، لأني أخاف سخرية أولادي من صوتي .

 

مكتبة قصصية وروائية عامرة

 

• لابد أن لديك مكتبة غنية وأنت القارئ الغني؟

ـ في مكتبتي (17) ألف كتاب ومجلد من خيرة المراجع وتتضمن كل فروع المعرفة الإنسانية من زراعة وهندسة وكتب التراث والموسوعات العالمية والعربية وحتى كتب الفضاء لها جناح في مكتبتي . إضافة الى كتب النوادر القديمة فأنا من هواة النوادر القديمة.

• ماهو أنفس كتاب في هذه المكتبة؟

ـ كتاب الساق على الساق لأحمد فارس الشدياق الذي طبع في منتصف القرن التاسع عشر - طبعة باريس - التي أعتز بها، والكتاب عبارة عن رحلة قام بها المؤلف وزوجته الى أوربا، والملاحظات التي تراها زوجته يعقب هو عليها وقد عاش الشدياق في زمن السلطان عبد الحميد الثاني .

• ماأجمل قصة قرأتها؟

ـ لدي أوفر مكتبة قصصية روائية ولا اعتقد أن هناك قاصا عراقيا يملك منها ماأملك ولا أقرأ ماقرأت لكني يأخذني الغثيان حين أقرأ قصة عراقية او عربية، لما تعودته من قراءة القصص العالمية التي تشعرني بضحالة قصصنا وسطحيتها، ورغم أن نجيب محفوظ قد لطف جو القصة بعض الشيء إلا أني لا أزال على رأيي .

• وهل تذكر لنا بعض الأسماء تحديدا؟

ـ أشعر بالحرج أزاء الأسماء ونحن كعراقيين نضيق بالنقد .

• أنت عراقي أيضا .. وتضيق أيضا بالنقد كما سمعنا عنك؟

ـ لا أنا أفرح حين يُصحح لي وهم او خطأ، أرحب بالنقد ولكن ماسمعتموه هو أني نشرت في مجلة الأقلام بحثا عن الكاتب الفرنسي هنري دي موتنرلان صاحب "الموبوءات" والغثيان، التي بسببها قبل في الاكاديمية، فأثارت كتابتي حفيظة أحد الشباب فكتب عني في مجلة المجالس الكويتية مقالة تحت عنوان حرامي جديد في بغداد يسرق تراث الآخرين، شتمني فيها الكاتب السيد شحاته، وهو اسم مستعار ـ علنا واستهدف سمعتي .

• وكيف علمت أنه اسم مستعار؟

ـ صادفني أحدهم وهو صديق عزيز يعمل مراسلا لمجلة المجالس الكويتية، وسألني عما إذا قرأت المقالة، وحرضني على أن اكتب الرد مبديا استعداده لنشره واشترطت عليه أن يكون الرد قاسيا فقبل . ففعلت وكتبت الرد في حلقتين وعلمت أن شكي في موضعه، فقد كان هذا الصديق هو نفسه السيد شحاته .. وإنه بهذا الأسلوب قد أثارتي كي أكتب لمجلة المجالس الكويتية، ولكنه طبعا ليس أسلوبا سليما بالتأكيد !.

• شاعرك المفضل؟

ـ الشاعر أيا كانت هويته وأيا كان انتماؤه، لا يقوى على الاستئثار بإهتمامي، ولكن الشعر هازاً ومتألقا هو الذي يملك مشاعري سواء أكان قائله عطارا في الشورجة أم صياد سمك، ولا عبرة بكثرة الشعراء وحسبي من شعرهم ماقيل في الوطن والحياة والمرأة، أنا أريد شعرا اتعاطف معه ولا أريد شاعرا يستجدي التصفيق .

 

علوجي أم مطيري

• ماذا عن لقب العلوجي .. من أين جاءك؟

ـ العلوجي لقب مهنوي كالقبانجي والقهوجي وغيرهما، وهذه الألقاب المثقلة باللاحقة التركية (جي) استغرقت البائعين والصناع في أغلب المهن العراقية طوال الغزو العثماني وعلى مدى أربعة قرون تقريبا.

• وهل في تراثنا العربي مايفيد معنى العلوجي؟

ـ نعم فهناك في القرن الثامن الهجرية من اشتهر بلقب (القماح) نسبة الى بيع القمح .

• يقول أصدقاؤك إنك "مطيري" منحدر من قبيلة مطير، فلماذا استغنيت عن هذا النسب العشائري بلقب العلوجي؟ وهل لهذه الازدواجية نظير في تراثنا العربي؟

ـ الحق هو إنني مطيري، وقد أخبرني المرحوم (حلبوص) في ثلاثينيات هذا القرن وكان من المعمرين - إذ عاش مائة وخمسة أعوام - بأن أباه (حسين) كان نجديا مطيريا وأنه هاجر الى العراق قبل منتصف القرن التاسع عشر يوم كان فيصل بن نايف الدويش في قمة مشيخته على قبيلة مطير.. ولكنني رغم هذا النسب القاطع تمسكت بلقب العلوجي احتراما لرغبة فقراء الوشاش والجعيفر فهم قبل كل شيء كانوا زبائني وقد اعتادوا أن يشتروا مني الحنطة والشعير والتمن والدهن، بعد ذلك أطلقوا عليّ لقب العلوجي .

• وهل يصح أن تظل علوجيا في العلانية ومطيريا في السر؟

ـ أنا لست بدعا في هذه الازدواجية، فتراثنا العربي يخبرنا بأن المؤرخ المصري علي بن الحسين المتوفى سنة 352هـ اكتفى بلقب (الفراء - بائع الفراء) بينما كان من وجوه قبيلة (عبس)، وأن الفقيه المفسر محمد بن احمد المتوفى سنة 741هـ استكفى بلقب (الفصاح - بائع القمح) عن نسبه القرشي، وأن محمد بن عبدالواحد (احد رواة الحديث النبوي، المتوفى سنة533هـ اشتهر بلقب (القزاز- بائع القز) في حين أنه كان من بني شيبان، وأن الفقيه احمد بن محمد المتوفى سنة 415هـ كان لصيقا بلقب (المحاملي - صانع المحامل التي تحمل الناس في أسفارهم) بينما كان خبياً في انتمائه العشائري، وأن الفقيه عيسى بن عمر المتوفى سنة711هـ غلب عليه لقب (الخشاب - بائع الخشب) بينما كان مخزوميا، وأمثال هؤلاء كثيرون والذي يريد الاستزادة، عليه بالرجوع الى كتاب (اللباب) لابن الأثير.

 

• هل ترجو لهذه الازدواجية نهاية؟

ـ الواقع إنني رغم أصالة نسبي العشائري أعتز وسأبقى معتزا بلقب العلوجي الذي طارت به شهرتي في الأوساط التراثية هنا في وطني وهناك في أرجاء الوطن العربي والعالم، ولكن أخوتي وأولادي وأحفادي يكرهون هذا اللقب . وقد عاد أكثرهم الى العشيرة عند انتسابهم وهم منذ عشرة أعوام ومايزالون يحاولون أن يقهروني على العودة الى نسبي، ولكنني أرى من الصعوبة أن أنبذ"العلوجي"بطلاق لا رجعة فيه دونما جريرة وبلا ذنب، وحسبهم جميعا أن أكون مطيريا أولاً وعلوجيا ثانياً.

 

• وهل ترتاح لاسم جدك "حلبوص" الذي ابتعد كثيرا عن حداثة الأسماء؟

ـ إنني احترم بلا تحفظ هذا الاسم الجليل، وإن كان الجيل الطالع من عائلتي الكبيرة إناثا وذكورا يتضايقون منه او يتبرمون به، وقد غاب عنهم حفظهم الله أن "حلبوص" كلمة بدوية محرفة عن "حلبسٌ ضم الباء"وهي لفظة عربية فصيحة تعني "الشجاع" او "الملازم" للشيء لا يفارقه، وهذا ثابت في صحاح الجوهري .

 

طفل مدلل

• طفولتك المبكرة، ماذا تذكر عنها؟

ـ ولادتي كانت في محلة الجعيفر في بغداد / الكرخ سنة 1924 وليس في سنة 1928 كما مسجل في هوية الأحوال المدنية، لأني عثرت على بيان ولادة بالإنكليزية والعربية موقع من مدير الصحة العام في بغداد الميجر هيكر، ولو أقمت الآن دعوى لأصبح عمري (64) عاما . تحدثني والدتي بأني كنت مدللا وأذكر أن عمتي أخذتني معها الى سامراء لزيارة أحد المراقد الدينية - وعمري لا يزيد عن خمس سنوات . وكان في المرقد مكان لذبح القرابين والنذور فتسللت اليه وسرقت بعض قطع اللحم ولففتها بقطعة ورق .. وما أن ذهبت الى عمتي التي كانت جالسة في الإيوان بانتظاري حتى هويت على الأرض ولم استطع النهوض نهائيا . ولحد الآن لا أعرف كيف أعلل هذا. وذهب أبي بي الى عدة اطباء اختصاصيين، والاختصاص في ذلك الوقت قليل في بغداد، أغلبهم دجالون من الأوربيين المقيمين ومن اليهود الذين لم يكونوا يؤدون الخدمات التي يحتاجها المريض . وحين استعصى الأمر، حملتني عمتي على كتفها وعبرت بي من الكرخ الى الرصافة قاصدة الشيخ كَمر ووجدت نفسي أمام شيخ وقور بلحية بيضاء، ذكرت له عمتي تفاصيل قضيتي فأتى بخيزرانة ونظر الي شزرا وقال لي بصوت عال جدا انهض فأخذني نوع من الرعب فنهضت ومشيت، ولا أدري كيف وبأي دافع.. ولذلك أجد نفسي الآن أني أقرأ مائة "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" حين أريد صرف ثمن "مكناسة" للمكتبة الوطنية التي أنا مديرها العام .

• أرى أنك تذكر عمتك .. ولا تذكر والدتك؟

ـ لأن عمتي كانت متعلقة بي كثيرا تعويضا عن طفليها اللذين غرقا في نهر دجلة حيث كان بيتنا وبيتها .

 

العلوة التي تحولت الى مكتبة

• ماذا عن تحصيلك الدراسي؟

ـ أنا خريج كلية الحقوق، ولكن لا علاقة لي بالحقوق لا من قريب ولا من بعيد، وضوابط القبول في وقتها هي التي ألجأتني ومنها المعدل.

• تخرجت متأخرا عن عمرك، في سنة 1962.. لماذا؟

ـ لأني عملت عشر سنوات في علوة أبي، لذلك لقبت "العلوجي" وكان قصده أن أكسب الرزق الحلال من التجارة لاعتقاده أن الراتب ملوث وحرام، لذلك احتجزني عشر سنوات في علوة قلبتها الى مكتبة فكنت اتسوق الكتب بدلا من الحنطة والشعير والدهن وأقفل عليها بالمفتاح في غرفة أدعي لوالدي أنها للمخزونات والحاجات اليومية من قدور وصحون فخسر أبي رأس المال .

• وماذا ربحت أنت؟

ـ المطالعة فقط .. العامل يزن الحنطة . وأنا مستغرق في قضية إعرابية أثارها ابن هشام الانصاري، وخاصة تلك المعضلة التي وردت في شاهد نحوي يقول:

سلام الله يامطرا عليها:

وليس عليكم يامطر السلام

الى أن يقول: وإن نكاحها مطر حرام بالرفع او مطرا حرام بالنصب او مطر حرام بالجر، وغير ذلك من المشاكل الفارغة التي كنا نقضي بها العمر.

أنا اعتقد أنه لا جدوى منها، أنا من دعاة إلغاء الاعراب فرغم أن الإعراب يؤدي الى تحديد المعنى، ولكن يستطيع أحدنا أن يستغني عنه ببعض القواعد الأساسية.

• هل تجرؤ أن تعلن هذا الرأي أمام المجمعيين؟

ـ لا أجرؤ لأن الرد سيكون عاطفيا وليس علميا ويستحيل على الرأي أن يكون حرا أمام التزمت، والقدماء كانوا يعجلون ذلك بقسوة كما حدث لطه حسين في الجامع الأزهر حيث ضرب بقسوة بسبب الادب الجاهلي، وأنا أرى المجمع العلمي العراقي متزمتاً.

• بعد التخرج، أين عملت؟

ـ قبل تخرجي من كلية الحقوق كنت أعمل معلما في مدرسة النجابة الابتدائية في الكرخ – المشاهدة، ومن طلابي الذين اذكرهم المغني فاضل عواد . ثم نقلت من التعليم الى وزارة الإرشاد - لأن الوزير في وقتها - كان يتابع مقالاتي التي أنشرها عن التراث وعن "السعلوة" وغيرها من المواضيع التراثية التي أتهمنا بسببها بأن لنا علاقات مع الاستعمار وأننا نروج للخرافات والدجل، وأن من يتعامل مع التراث له علاقة بالاستعمار . وعملت في فترة ما سكرتير تحرير مجلة الأقلام وتبنينا أنا وزملائي إبراهيم داقوقي ولطفي الخولي مشروعا على نطاق أهلي فأصدرنا مجلة"التراث الشعبي" وكنت مدير تحريرها ونوزعها بواسطة الأصدقاء، إلا أن مشروعنا خسر ماديا فعرض علينا وزير الثقافة والفنون أن تكون المجلة رسمية تابعة للوزارة، فوجدنا في ذلك بارقة ضوء أخضر خاصة وإننا كنا مدينين حتى ببدل الإيجار الذي تعهد لنا الوزير تسديده، وبقيت المجلة تصدر حتى الآن علما إننا أصدرنا مجلدين منها.

 

المغامرة الأولى

• هل ارتبطت فترة شبابك بمغامرات عاطفية؟

ـ مغامرة واحدة كانت الأولى والأخيرة في حياتي، حينها كنت مراهقا وقد أعجبتني فتاة تسكن في محلتنا، فكتبت لها رسالة رقيقة وبعثتها بيد صديقي، واختبأت في مكان قريب اراقب ملامح وجهها التي تغيرت، ثم ذهبت الى البيت، وعند العصر طرقت علينا الباب مهددة إياي بأنها ستعطي الرسالة الى والدها الذي كان متنفذا، أخذني الخوف من هذه الورطة، فالتجأت الى القوة السحرية في كتاب اسمه "شمس المعارف الكبرى" ووجدت فيه حرزا قرأته على نهر دجلة وقت الغروب مع بعض البخور التي ابتعتها من عطار المحلة، وعند الليل جاءت الفتاة وسلمت الرسالة لي .. فأقسمتُ أن لا أكرر ذلك أبدا.

• وذكرياتك في مجلة المورد؟

ـ عملت لمدة 12 سنة في مجلة المورد . وكنت لا ابتئس ولا اتألم عندما اعتذر عن نشر بحث لأحد الأساتذة ولكني ألجأ الى أسلوب الضيافة فحين يأتيني أدعوه الى شرب القهوة او الشاي واحادثه وكأننا في مجلس الفاتحة.

 

ذكريات

• ذكرياتك عن فترة الاحتلال البريطاني للعراق؟

ـ في أعقاب الحرب العالمية الثانية بعد أن انهارت حركة رشيد عالي الكيلاني اثر معركة "سن الذبان" قرب الحبانية انتشرت معسكرات الإنكليز في الصالحية . كنا وقتها طلابا في المتوسطة، وكانت سينما الحمراء الشتوي جديدة في بغداد، والمجندون الإنكليز يتعمدون ارتيادها لغرض دراسة الأفلام العربية .. حدث أن ذهبت لمشاهدة أحد الأفلام مع صديقي رحمه الله شاكر خضر الذي كان يحسن اللغة الإنكليزية والى جانبنا جلس ضابطان انكليزيان انتبه أحدهما وهو طبيب عسكري الى سبحة في يدي من الكهرب التجاري كنت أسبح بها بتقسيم الخرز بشكل منتظم، فسأل الضابط ما فائدة هذه السبحة فأجابه صديقي عني بأنها تقضي على شرب السكائر فعرض علي أن أبيعها له فقلت سأقدمها هدية لك، فعجب لكرمي وأعلمني عن عنوانهم في فندق "زيا" .. وأصر على إرجاع الفضل .. وعندما ذهبنا اليهم وجدنا أنهم قد هيأوا لنا زنبيلا بالحلوى والسكائر واللبان . وقبل تسليمه لنا سألوني عن السبحة السوداء مافائدتها فاختلقت لهم حكايات أخر وقلت إنها تتغلب على النرجيلة ولم يكونوا يعرفونها فرسمت النرجيلة لهم ... وشكروني على ماأسديناه من فضل لهم .

ماأذكر أيضا عن تلك الفترة هو إن الاستعمار قد سلط علينا المجندات البولونيات بلباسهن الخاكي وكن ينتمين الى حركة بولونيا الحرة ضد النازية ومقرها لندن... أذكر أنه كانت هناك في الصالحية ساقية انقطع عنها الماء وكان الطين طريا فيها وأنا جالس قربها اطالع كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان فباغتتني إحدى المجندات البولونيات وهي سكرى وأصرت على عناقي، ولم استطع التخلص منها فوقعنا في طين الساقية معاً .. والأمر من ذلك أن كتاب ابن خلكان وقع أيضا ولم أدركه، ولايزال الطين عليه لحد الآن .

أما المجندون الهنود الذين رافقوا الاحتلال البريطاني والذين أوكلت اليهم حماية المنشآت واغلب الدوائر الرسمية فقد كان الإنكليز يتعمدون أن يبعثوا السيخ والكوركة الى الكرخ ولايبعثون الذين يتكلمون الأوردية (وهم مسلمون) كي لا يتعاطفوا معنا ضدهم، لذلك كنا نشكل مجاميع منا نحن المراهقون ونختبئ لهم قرب أماكن تواجدهم ونشبعهم ضربا.

 

مشاريع العمر

• أكثر من مرة .. نسمع أن العلوجي أحيل على المعاش كي يتفرغ لمشاريع العمر هذه؟

ـ أول هذه المشاريع هو كتاب موسوعة الدراسات القرآنية، وقد بدأت به سنة 1952 واواصل العمل فيه حتى الآن ليلا ونهارا، ولولا انشغالي به لكان لي الآن مؤلفات تسد مكتبة بكاملها . وتناولت في هذا الكتاب جميع الدراسات التي قامت حول القرآن الكريم من ناسخ ومنسوخ إضافة الى القراءات الاصلية، بدءا بالقراءة الأولى التي هي قراءة النبي (ص) ثم تعددت القراءات في الكوفة والبصرة ودمشق، وتناولت أيضا المترجمات القرآنية الى لغات العالم، وإتهام القرآن بالتحريف والردود عليها واستطعت أن أعثر على شواهد بسور كاملة مصنوعة موضوعة مثل سورة الديك وسورة الدجاجة حصلت عليها من شمال افريقيا ومن الهند وناقشتها بلاغيا، وقد لعبت الشعوبية دورا في هذا الصدد.

أخذت أحكام القرآن، إعرابه، وكل علومه وأعطي نبذة تأريخية وفنية عن كل علم بالتفصيل، ثم أذكر الآثار المخطوطة حوله ومواطن وجودها في خزائن العالم إضافة الى المطبوعات القرآنية مع إشارة للمفقود منها مع ذكر من أشار اليها.

• إنه عمل كبير ومجهد حقا...

ـ نعم إنه عمل مذهل لا نستطيع أن تنهض به الدول الإسلامية مجتمعة، إلا أنني مجنون .. لأن هذا العمل يعتمد كل لغات العالم حتى السنسكريتية . واعتقد أنه سيكون جواز سفر لي أدخل به الى الجنة، رغم أني حاج لبيت الله الحرام وأرحم الفقراء إلا أنني لا أصوم مثلا، لضرورات صحية، وآمل أن يكون هذا العمل مبررا للرحمة وللتخفيف من ظلمة القبر وزبانية جهنم .

• إذا كان المشروع الأول على هذه الشاكلة، فمتى ستتفرغ للمشروع الثاني؟

ـ من أين آتي بالتفرغ كي أنجز هذين المشروعين الكبيرين بنفسي لو استثمر فيهما طاقتي قبل أن يقضي العمر، أنا لا أفكر بالموت ولست خائفا منه إلا أنني لا أريد أن أموت كما يقال عن أحد النحاة .. " مات وفي نفسه شيء من "حتى" .. أنا سأترك ورائي ألف حتى .

• منذ متى بدأت بالمشروع الثاني؟

ـ إنه متزامن مع المشروع الأول فمن خلال مطالعتي لمواد المشروع الأول كنت أسجل الملاحظات التي تمر بي فيما يخص رحلة الكلمة في التأريخ ولم اهتدِ لعنوان معين له لحد الآن وهو يتعلق بحرية الفكر في التأريخ شرقا وغربا منذ أقدم الحضارات الى يومنا هذا، وجمعت فيه عن كل الأشخاص الذين تسببت كلمتهم في مقتلهم طبقا للمثل القائل،"مقتل الرجل بين فكيه".. من وضع كلمة واحدة فقط وأدت الى قتله، او بيتا من الشعر قتل صاحبه .. او كتابا ألفه وحكم عليه بالإعدام بسببه .. بالحرق مثلاً كما حدث في القرون الوسطى حين حرقوا الفلاسفة . هذا الكتاب سيكون أعجوبة وأنا واثق أنه سيقرأ من الغلاف الى الغلاف.. ولكن أعود فأقول أين التفرغ !!

• وكيف حصلت على كل هذه المعلومات؟

ـ أنا ألح كثيرا، ولدي أصدقاء كثيرون في كل مكان من العالم وحصلت على الوثائق مما لا يقف عليها القارئ العربي الآن وفي المستقبل، حتى محاضر الفاتيكان حصلت عليها، سيل من الشواهد من الشرق ومن الغرب: مدام بوفاري ومحاكمة مؤلفها فلوبير، الحلاج ومحاكمته.

• هل لك أن تذكرنا لنا شاهدا معينا؟

ـ أذكر محاكمة الفيلسوف اليوناني العظيم سقراط مثلا .. فالذين حاكموه هم السماكون وأصحاب المهن ممن لا علاقة لهم بالقانون، وحكموا عليه أن يشرب السم، حتى إن زوجته حين ذهبت تزوره في السجن قبل أن يتجرع السم بكته فقال لها: لماذا تبكين؟ قالت: لأنك ستذهب مظلوما فقال لها، وهل تريدينني أن أذهب ظالما؟!

• وما هي أطرف حادثة من هذا القبيل؟

ـ ماحدث للسهروردي حين كان يركض في شوارع بغداد والدنيا تمطر، فسألوه الى أين؟ فقال

إني هارب من رحمة الله (ويقصد المطر) فأكل ماأكل جزاء ماقال لأنه لا يعقل أن يكون الهرب من المطر الذي هو رحمه للناس .

• وهل حوكم؟

ـ كلا، ذهب ضحية الغوغاء .

• لم لا تستعين (بسكرتير او سكرتيرة) تساعدك في عملك الواسع هذا؟

ـ والله قد جربت ولكن المثل يقول (ماحك جلدك مثل ظفرك)، أنا مشهور بسلامة عملي وبالدقة المتناهية ولا استطيع أن اعتمد على أحد إلا إذا كان من وزني . المفكر الأمريكي صاحب كتاب قصة الحضارة لديه سكرتيرة لكنها بدرجة (بروفسور) .

• ليكن أحد أولادك مثلا؟

ـ أنا في وادٍ، وأولادي في وادٍ آخر . إحدى البنات اختارت الطب، والأخرى اختارت الزراعة والثالثة مشغولة بالترجمة بينما اختار ولدي الوحيد أن يكون نحاتا ورساما من الطراز الأول .

• والزوجة؟

ـ زوجتي تحرم علي أن أدخل أحدا غريبا الى الدار، وخاصة الجنس اللطيف، وأنا أيضا حريص على أن لا أخدش صفو حياتنا الزوجية .

• هل تراها جميلة؟

ـ كانت جميلة، ولكن العمر لم يدعها جميلة ولا أنا جميل إلا أنني وبتأثير منها وبولعها بالأحلام وبتفسير الأحلام أصبحت لدي مكتبة كاملة لكتب الأحلام تشمل حتى النوادر والمخطوطات، ولذلك كان في نيتي تأليف موسوعة شاملة لكل الأحلام لأن القدماء كابن سيرين وابن شاهين الظاهري والشيخ عبدالغني النابلسي كانوا من مفسري التعبير بحدود المفردات الموجودة في زمانهم، وبرجوعي الى فرويد النمساوي وجدت أنه أضاف المفردات الحديثة كالمظلة الشمسية والسيارة والقطار مما لم يكن موجودا في زمانهم، ورحت الى البابليين والإغريق القدماء فصار لدي من المعلومات ما لا نظير له ولكن .. أين التفرغ؟

• هل اكتشفت شيئا جديدا في مجال الأحلام؟

ـ اعتقد أن النظرة العلمية في تفسير الأحلام قد سبقت فرويد عند ابن شاهين الظاهري أحد العلماء السوريين في عهد المماليك، ومقدمته كانت موضوعية جدا وهو القائل: مانؤوله في مجتمع قد لا يصلح تأويله في مجتمع آخر، وهذا يعني أن القضية الأخلاقية نسبية عنده .

• هل تحب السفر؟

ـ أحب السفر على أن لا أكون لوحدي لأنني أشعر كالسجين هناك .. زرت كثيرا من المدن مثل افغانستان ولندن والإتحاد السوفيتي، ومن المفارقات التي حدثت أني رأيت في مدينة بخارى في جمهورية اوزبكستان السوفيتية، أن أهل بخارى يشبهون أهل بغداد كثيرا في ملابسهم وعاداتهم ونومهم فوق السطوح في الصيف وقمريات العنب عندهم ورأيت هناك قبر محمد بن اسماعيل البخاري صاحب كتاب الصحاح وقرأت الفاتحة على روحه ووجدت أن 25% من سكان مدينة بخارى وهم من اليهود الذين يتعمدون تشويه الفكر والحضارة الإسلاميتين، فنصبت نفسي واعظا في مقاهي المدينة أصحح الأوهام التي يدسونها، وقد طال مكوثي هناك أربعة اشهر ونصف.

• أي البلدان ارتحت له أكثر من غيره؟

ـ كلها ارتاح لها، فإذا كانت أوربية فعلاقاتي مع المستشرقين ممن يتكلمون العربية، فنتبادل المعلومات حول المخطوطات والفهرسة، وأزودهم بأسماء المصادر وأذكر أني نفعت المستشرقين في أحد الأكاديميات حين اكتشفت لهم مخطوطا ناقصا في أوله ومن آخره فأوجدت لهم النقص واعتبروا ذلك فتحا ثقافيا بعد أن بعثوا برقية الى ليينغراد وتبين أن ماقلته مطابق عندهم ونشروا ذلك في جريدة أزفستيا السوفيتية، ولا أزال احتفظ بتلك الجريدة . والشيء الطريف الذي لاحظته عندما أوفدتني الوزارة الى افغانستان لاشارك في احتفالاتهم العالمية بذكرى جمال الدين الأفغاني، وكنت مكلفا بإلقاء محاضرة عن حياة الأفغاني فترة وجوده في بغداد، وترجمت المحاضرة الى البشتو (والبشتو خليط من الفارسية والتركية والهندية والأوردية والعربية) وكان يمثل إيران في هذا المهرجان سفيرها في كابل واسمه تقي زاده، يحسن اللغة العربية، وكان بابياً (من المذهب البابي) فناقشني وهاجم جمال الدين الأفغاني حول قضية تأريخية تتعلق بتأريخ ناصر الدين شاه الإيراني .. ولكن أيدني كل الحاضرين وصفقوا لي وانتخبوني رئيسا للمهرجان أدير كل الجلسات ...

• ماعلاقتك بالسياسة؟

ـ بصراحة أنا لا أحب السياسة، ولكن مادام التراث هو الركيزة القومية المهمة، وأنا من أوائل الذين خدموا التراث فبهذا أكون من أوائل السياسيين .

• كم عدد مؤلفاتك؟

ـ أنا منتج، ولم يقتصر إنتاجي على موضوع معين إلا أن جميع مؤلفاتي على أهميتها موجهة لقطاع معين من القراء والباحثين وتبلغ حوالي 33 كتابا و600 دراسة ومقالة وهي ليست بمستوى رضائي، لأن أغلبها يخدم حاجة آنية .

• وماذا تذكر عن بغداد القديمة؟

ـ أذكر سور بغداد القديمة الذي يحادد الآن منطقة الرحمانية في الكرخ، ويستمر الى مقبرة الشيخ معروف وحين أذكره تتداعى كل الذكريات لأنه بموازاة السور كانت تقوم المكاسرة بين شباب أكثر من محلة وهي موسمية في الربيع فقط، ومن ورائها الاستعمار الذي يشجع على التناطح فيما بين البغداديين أنفسهم فيموت البعض ويجرح البعض الآخر، وأذكر آخر مكاسرة حدثت أوائل الأربعينيات ثم اختفت بعد ذلك .

• مارأيك في العمارة الحديثة؟

ـ أريدها أن تعكس مرافق العمارة . القديمة وأشكالها بمواد إنشائية جديدة . وأغلب ماهدم من بيوت بغداد القديمة لا يعد تراثا لأنها تعود الى العهد العثماني، متهرئة وتكثر فيها العقارب .. وقد لدغتني إحدى هذه العقارب فعالجتها أمي بوضع النفط عليها .

 

يربي القطط .. ويصادق عنكبوتاً

• هوايات العلوجي .. ماهي؟

ـ ربيت القطط وأسميتها بأسماء خاصة اناديها بها فتأتيني، وقد جنيت على أحدهم وكان اسمه شمعون ناديته باسمه فأتاني مسرعا فتسببت في دهسه ولكن العجيب أنه أوى الى تنور في دارنا وامتنع عن الطعام والشرب مدة اسبوع تقريبا خرج بعدها سليما ومعافى وعلمت أنه داوى جروحه بلعابه .

وصادقت أيضا عنكبوتا فترة عملي في علوة أبي، كان شيخا عاجزا لا يستطيع إطعام نفسه فاصطاد له في كل يوم ذبابة وأقدمها له لينسج حولها جوعه ثم يأكلها، فتعود على ذلك وأصبح ينزل من نسيجه الذي في أعلى السقف ويأتي أمامي عندما أدخل العلوة.

أنا أيضا من صيادي السمك الماهرين لا يفلت مني الشبوط او الجري أبدا وهذه حسنات البيت إذا كان قريبا من النهر نهر دجلة طبعا.

• هواياتك الأخرى؟

ـ أنا من هواة الزروع أزرع وأقلم وأطعم وكانت في حديقة البيت القديم قبل استملاكه شجرة تحمل البرتقال والليمون الحامض والنارنج واللالنكي مرة واحدة وكذلك بالنسبة للورد والجوري فالشتلة الواحدة تعطي ألوان الورد المتعددة . كما إنني أهوى الموسيقى ولدي رأي في قضية (البستة) التي يقولون إن أصولها غير عربية، وجدت عند الفيلسوف العربي الفارابي في كتابه "الموسيقي الكبير" أنه يتحدث عن نوع من الأغنية الخفيفة التي تريح الأعصاب وسماها (البسطي) والبستة تحريف عن البسطي، ولكن لم يدرك أحد ذلك .

• السينما...هل لك رأي فيها؟

ـ لم أذهب الى السينما منذ أربعين سنة، وحين يقال إن التلفزيون يؤثر على السينما فهذا صحيح، وأنا أحد مواد الاختبار التطبيقية، فالتلفزيون أغناني عن السينما كي أبقى مع أولادي وزوجتي . ".

 

.................

الهوامش:

(1) حميد المطبعي، موسوعة أعلام العراق، 2011، باب العين، ص 476 .

(2) أ. د إبراهيم خليل العلاف، مع عبد الحميد العلوجي وحديث حول حكايات الموصل الشعبية، المدونة الشخصية للعلاف، 29 من كانون الأول 2009 م .

(3) رباح آل جعفر، أيّام وليال في ضيافة العلوجي، صحيفة الحوار المتمدن، 17 من كانون الثاني 2011 م .

(4) خالد القشطيني، روح العصرنة، جريدة الشرق الأوسط، العدد 10369، 19 من نيسان 2007 م .

(5) مهدي شاكر العبيدي، عبد الحميد العلوجي الكاتب الموسوعي المجبول على البساطة والتواضع، مجلة الموروث الثقافية الألكترونية، تصدر عن دار الكتب والوثائق الوطنية، بغداد، العدد 44، تشرين الأول 2011م .

*أرشيف دار الكتب والوثائق الوطنية، بغداد .

** عبد الحميد العلوجي يتحدث عن الحكاية الشعبية .. مَن هو اول من نقل وجمع الحكاية الشعبية العراقية؟، هدى جاسم، جريدة الجمهورية، العدد 7969 , 28 من آب 1991 م، الصفحة قبل الأخيرة .

*** عبد الحميد العلوجي: أخشى أن أترك ورائي ألف " حتى "!!، حوار: وداد الجوراني، مجلة ألف باء، الصفحات من 48 ــ 52 .

 

التاريخ يعيد فتح صفحاته .. عامر عبد الله والحزب الشيوعي العراقي

zayd alheliقليل من تجلس معهم، ويضيفوا اليك معلومة ثقافية او سياسية او اجتماعية، ومن القلة التي لفتت انتباهي، حين جالستهم، وخرجت بأنطباع شبيه بضياء الفجر، هو الصديق العزيز المفكر د. عبد الحسين شعبان .. فهذا الانسان النابه، اتابع احاديثه، لاسيما استذكاراته كالبحر، موجة وراء موجة..

وليس مثل البعض، يتحدثون في مواضيع، هي نسخ مكررة .. أشباح وظلال لأصوات الآخرين والكثير من كلماتهم التي نسمعها او نقرأها، هي سطور مسلوبة الروح والجسد !

وتأكدت من خلال صداقتي ونقاشاتي مع اخي د. شعبان، ان الكاتب لا يُعطى الحرية، بل يأخذها، وهو حين اكتشف قوانين الحرية، ازداد حرية ..

نعم، لقد نسيّ، بعضنا (كتاب وقراء) اننا كالحبر والورق .. فلولا سواد الحبر لكان البياض أصم، ولولا بياض الورقة، لكان سواد الحبر .. اعمى، فالحبر والورق، صنوان في الصدق، والصدق صنو الحرية !

اعتدت في جلساتي ولقاءاتي مع ابي ياسر د. شعبان، سواء في اروقة المؤتمرات التي نشترك فيها محليا او خارجياً، او الجلسات الخاصة، ان احفز ذاكرته على استذكار بعض ما يستهويني من محطات سياسية مر بها العراق، لاسيما ان الرجل يتحدث بلغة الأرقام المغمسة بالأسماء، ولا تحتاج كلماته مني إلى خرائط خاصة لفك رموزها أو حل الغازها وتفسير إيماءاتها المدهشة !

 

حديث اللحظة ..عامر عبد الله

وقد يعجب القارئ الكريم، حين اقص عليه، حكاية ما سيطالعه عن رجل، حَمل جسده المنهك بالأوجاع والألم والفقد والغياب على كاهل الحزب الشيوعي العراقي حتى الاستغراب ... إنه القيادي الشيوعي البارز عامر عبد الله .. ففي جلسة عادية، ضمتني مع د. شعبان حضرها شقيقه صديقي حيدر شعبان في صالة الاستقبال بفندق الميرديان في 15 من الشهر الماضي، وكان في ذهني ان اللقاء لن يطول، لاسيما ان للدكتور في اليوم التالي على لقائنا مشاركة مهمة في المؤتمر الذي يقيمه مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، حول واقع العنف والإرهاب في العراق، وله فيها محاضرة بعنوان (ثقافة اللاعنف: آلة التدمير وآفاق التغيير) لكن، مسار الحديث المتشعب، دار مثل، خيط دخان، دون انذار، ليكون المحور "عامر عبد الله" وانثالت الذاكرة الحبيبة لأبي ياسر لتحلق في فضاء الذكريات .

يقول د. شعبان: تعرفت مباشرة على عامر عبد الله بعد أن أصبح وزيراً بنحو أسبوعين (نيسان 1972) وكان قد قام بزيارة إلى براغ، وكنت حينها رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين (عندما كنت أحضّر للدكتوراه) ونظّمنا له فرصة لقاء بالطلبة العرب وبعض العاملين في براغ، ويومها حضر ممثلون رسميون عن السفارة العراقية لأول مرّة وكان اللقاء مثيراً حقاً.

كنت في صراع مع نفسي: كيف سأقدم أحد أقطاب اليمين إلى الجمهور، هل سيكون تقديمي بصفته الحزبية أي عضويته في اللجنة المركزية بالحزب الشيوعي العراقي رغم أنه كان خارجها أو أعيد احتياطاً إليها أم بصفته الوزارية (وزيراً للدولة) أم بصفته النضالية (المناضل)، وأخيراً حسمت أمري حين اخترت الصفة الأكثر انطباقاً على عامر عبد الله، وهي صفة المفكر الماركسي، وكنت رغم تحفظاتي المسبقة أشعر ان عامر عبد الله من خلال كل ما قرأت عنه وسمعت حوله، هو مجتهد حتى وإن اختلفت معه، أو بالأحرى اختلفت مع ما أشيع حوله، ولذلك اخترت صفة المفكر، وهو بحق أحد أبرز المفكرين الماركسيين العراقيين والعرب.

واستمر متحدثاً عن صديقه ورفيقه عامر عبد الله، بحزن شفيف، فما انبل القلب الحزين الذي لا يمنعه حزنه من ان ينشد أغنية مع القلوب الفرحة التي تنبض بمحبة التاريخ الصادق .. وتحدث عن حالة غريبة في حياة عامر عبد الله، جديرة بالاشارة، وهي : " بعد وصول عامر عبد الله إلى لندن قدّم طلباً للحصول على اللجوء السياسي، وكنت قد كتبت له رسالة باسم المنظمة العربية لحقوق الإنسان، التي كنت رئيسها في لندن، وكان أخي حيدر شعبان هو من ذهب معه الى وزارة الداخلية في منطقة كرويدن، وجاءه الرد من وزارة الداخلية Home office بالموافقة، وأُرخت الرسالة يوم 14 تموز (يوليو)، وكان (أبو عبد الله) يتندّر عندما يذكر هذا التاريخ بالقول يريدون أن يذكرونني بهذا اليوم على طريقتهم، ولعلها مفارقة أن تضطر الظروف من هيأ لثورة 14 تموز (يوليو) 1958 أن يتقدم بطلب لجوء إلى الدولة التي فك العراق ارتباطه بها وثار الشعب ضد التبعية لها.

لعل تلك واحدة من مرارات عامر عبد الله التي كنت أدركها وأعرف ما تعني بالنسبة إليه، وبغض النظر عن مواقفه «اللندنية» والمتعلقة بشأن تسفيه فكرة السيادة وتبرير القرارات الدولية المجحفة والمذلّة، لاسيما استمرار الحصار الدولي الجائر والتعويل على العامل الخارجي، فقد تميّز عامر عبد الله على أقرانه بنزعته العروبية، وبمواقفه من القضية الفلسطينية"

 

رجل مختلف عليه

واستمرت استذكارات شعبان عن صديقه الذي سبقته شهرته، وقبل أن يتعرّف عليه الكثيرون كانوا قد سمعوا عنه أو قرأوا له أو جاءوا على ذكره في إحدى المناسبات، فهو الحاضر دائماً الذي لا يملأ المكان حسب، بل يفيض عليه، نظراً لما يتركه حضوره من إشكاليات وجدل واختلاف وعدائية «مستترة» أحياناً.

ويقول د. شعبان " لم أجد شخصاً اختلف حوله رفاقه قبل خصومه مثلما هو عامر عبد الله الشيوعي العراقي المخضرم، الذي ملأ الأسماع مثلما شغل أوساطاً واسعة من الشيوعيين وأعدائهم، وهو المثقف الماركسي البارز الذي تعود أصوله إلى مدينة عانة المستلقية على نهر الفرات غرب العراق، وكان قد ولد في العام 1924 لأسرة متدينة ومُعدمة، وهو ما يرويه بتندّر شديد وألم كبير، لاسيما حالة الفقر وسوء التغذية والتراخوما، خصوصاً بعد أن تركهم والده الحاج عبد الله ليقرر الرحيل لجوار قبر الرسول في مكّة "

 

حكايات الغيرة والحسد

وفي اثناء حديثه الممتع، اشار د. شعبان الى ان عامر عبد الله لم يسلم من الحسد والغيرة التي شنّها ضده رفاقه أولاً، بل نسجوا حوله حكايات لها أول وليس لها آخر، رغم أن بعضهم كان يتملّق له، لاسيما عندما أصبح وزيراً في العام 1972، ورغم أن مواقفه بحاجة إلى نقد وتقييم موضوعي، بما لها وما عليها، إلاّ أن قصصاً كثيرة بعضها من صنع الخيال رافقت مسيرته كشائعة زواجه من البلغارية وحفل الاستقبال الذي أقامه بهذه المناسبة في بغداد، تلك التي كانت «فاكهة الشتاء» في بعض المجالس، حيث يتم تغذيتها يوماً بيوم بل ساعة بساعة كي لا تنطفئ وهكذا سرت تلك الإشاعة مثل النار في الهشيم.

ولم يكن يمرّ يوم إلاّ وتسمع مثل تلك الدعايات السوداء عن البذخ والحفلات والعبث، تلك التي التقطها الأعداء والخصوم، ليؤلفوا منها قصصاً وحكايا أكثر خبثاً عن علاقات سرية مع أجهزة ومخابرات دولية، مشككين كيف كان عامر عبد الله يستطيع الإفلات من قبضة الأجهزة الأمنية طيلة حياته، في حين كان رفاقه يزجّون بالسجون والمعتقلات لسنوات طويلة، وهو يغادر العراق سرًّا ويعود إليها سرًّا، ويسافر ويلتقي مسؤولين وكأنه يلبس طاقية الإخفاء.

ولعل هناك من نسب إليه إصدار «تعليمات» بقتل حفصة العمري وتعليقها على عمود الكهرباء في الموصل خلال أحداثها المأسوية العام 1959 .... وهو خبر كان قد شاع عشية قبوله عضوية المجلس التنفيذي للمؤتمر الوطني العراقي في لندن، ممثلاً عن «السنّة»، كما تمّ تداوله في حينها!

 

زيارة الأيام الخمسة

ولأن صديقي د. عبد الحسين شعبان، يدرك ضرورة مغادرتي الفندق لظرف خاص بيّ، قال إنه سيرسل لي ما يكفي شهيتي من ذكريات عن صديقه عامر عبد الله، فودعني على آمل حضوري صباح اليوم التالي للمؤتمر آنف الذكر، ويأتي الغد، لأهاتفه معتذرا لعدم حضوري المؤتمر، وبعد يومين يُشارك طلبة الصحافة "المرحلة الثالثة" بكلية الاعلام بدعوة من استاذهم الدكتور احمد عبد المجيد، في ندوة حوارية كان سعيدا بها .. وبأنتهاء الندوة، يغادر مساء الى بيروت بعد خمسة ايام من زيارة لبغداد، ومن هناك يهاتفني ليلا، ليجدني طريح الفراش نتيجة انفلونزا حلت ضيفة ثقيلة عليّ، فيتحدث مع زوجتي، متمنيا الشفاء، واصفاً علاجا طبيعيا كان قد جربه !

وبعد يوم على مهاتفته عائلتي، فتحت بريدي الالكتروني، وانا كسل، فوجدت رسالة من ابي ياسر، فيها من السطور ما يبهج، ويزيح المرض، وفيها تنفيذ وعد للوليمة التي تكفي شهيتي، وتزيد .. كانت تتضمن فصلا مهما، من كتاب عن " عامر عبد الله " والحركة الشيوعية العراقية، اظنه سيحدث جدلاً في الاوساط السياسية لاسيما في صفوف وكوادر الحزب الشيوعي العراقي لما فيه من اسرار وخفايا، استطاع د. شعبان الحصول عليها، وتثبيتها بأمانة نادرة ..

وحتى لا افسد متعة قراءة الاصدار الجديد، الذي سيرى النور قريبا، اشير الى مقتطفات سريعة، لا تخل في جوهر الكتاب، وكم المعلومات فيه ..

كان عامر عبد الله متفوقاً دراسياً ما مكنّه من دخول كلية الملك فيصل العام 1941 في عهد الدكتور محمد فاضل الجمالي وزير المعارف في حينها، وكان مرشحاً في العام 1943 للقبول في جامعة كامبريدج، لكن مشاركته في الإضراب مع مجموعة من زملائه أدّى إلى طردهم وإلغاء سفرهم كما يذكر.

انتسب إلى كلية الحقوق في القاهرة وساكن طلعت الشيباني (الوزير بعد الثورة) وأكمل دراسته بعد أن انتقل في السنة الثانية إلى بغداد، ومارس المحاماة والصحافة لفترة قصيرة ومتقطعة، منذ أواسط الأربعينات، حتى اضطّر للعمل السري بقرار من الحزب في العام 1952، ويقول بمرارة عن سنوات اختفائه التي دامت بمجموعها 11 عاماً، كانت سنوات حرمان وفقر.

قرّر عامر عبد الله الانتماء إلى الحزب الشيوعي أواخر العام 1949 عقب إعدام أمين عام الحزب الشيوعي فهد (يوسف سلمان) ورفاقه حازم وصارم (حسين محمد الشبيبي، ومحمد زكي بسيم) في 13/14 شباط (فبراير) 1949، بعد جولة أجراها في بعض البلدان العربية، التقى فيها عدداً من الماركسيين والشيوعيين، وواصل رحلته إلى باريس متطلعاً إلى أفق إنساني لأممية ماركسية إنسانية رحبة، لكنه اصطدم هناك بالبيروقراطية كما يقول، لأنه لم يكن بعد قد انتمى إلى الحزب.

لعل الدور القيادي والمؤهلات الريّادية الشخصية لعامر عبد الله جعلته مبرّزاً بين أقرانه ورفاقه أينما عمل وحيثما كان، لدرجة أنه حتى عندما كان يُستبعد أو يُقال من مواقعه القيادية، كان الآخرون يحسبونه القائد الفعلي للحزب الشيوعي ومنظّره، نظراً لما تركه من تأثير فكري وسياسي على مجمل عمل الحزب، صاغ عامر عبد الله لنحو 3 عقود أهم وثائقه النظرية وقد يعود السبب في ذلك أيضاً إلى أنه تجاوز الحقل الحزبي ليشتغل بالفضاء السياسي بعد أن تعرف على عدد من الشخصيات السياسية العراقية.

مقال في " البرافدا "

  وكتب عامر عبد الله، قبيل ثورة 14 تموز (يوليو) ببضعة أشهر في جريدة البرافدا، السوفيتية الشهيرة (وهو امتياز لم يسبقه إليه أحد من شيوعيي العراق ولم يلحقه إليه أحد من الشيوعيين العرب إلاّ على نحو محدود) مقالتين باسم خالد محمد، فيهما إشارات تحليلية إلى أن الخيار العنفي هو الغالب، ملمّحاً للتحضير للثورة، لاسيما بعد أن غيّر الحزب توجّهه السلمي الذي تبنّاه في الكونغرس الحزبي الثاني في العام 1956 بعد توحيده، مقدّماً خياراً جديداً وتاكتيكات نضالية جديدة.

 وقد كانت أهم وثيقة صدرت عن الكونفرنس الثاني للحزب الشيوعي العراقي التقرير الذي كان قد كتبه عامر عبد الله حول «مهماتنا في التحرر الوطني والقومي في ضوء المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي»، والذي يتلخّص استنتاجه الأساس بالنضال السلمي الجماهيري، في حين أن سلطات العهد الملكي بقيادة نوري السعيد، كانت قد أغرقت التظاهرات السلمية المناصرة للشقيقة مصر والمندّدة بالعدوان الثلاثي الانكلو- فرنسي – الإسرائيلي، بالدم، وهو الأمر الذي استوجب تغيير تاكتيكات الحزب بشأن وجهة النضال وأسلوبه الرئيس، حيث تبنّى الأسلوب العنفي، طالما أن السلطات الرجعية هي التي اختارت هذا الأسلوب، غالقة جميع الأبواب أمام أساليب النضال السلمية، لاسيما بعد قيام حلف بغداد واستخدام أنيابه للتضييق على الحريات وإصدار عدد من القوانين تحت باب مكافحة الأفكار الهدّامة، ومن ثم قمع الانتفاضة الجماهيرية الشعبية السلمية، الأمر الذي اقتضى الاستعداد لكل الطوارئ وحشد كل الإمكانات لمنازلات كبرى.

وتنفيذاً لخط الحزب الجديد، الذي رجّح الخيار العنفي أشرف سلام عادل (حسين أحمد الرضي) الأمين العام للحزب بنفسه على تنظيم الخط العسكري وتنظيم الخلايا للضباط وضباط الصف والجنود، كما أفرد بعض الحلقات لقيادة مجموعات الضباط الأحرار، وأصدر نشرة حزبية موجهة للجنود والضباط تحثهم على الوقوف صفاً واحداً لإنقاذ البلاد وتطهيرها من ربقة المستعمرين وأتباعهم.

يقول د. شعبان : سألتُ عامر عبد الله خلال مطارحتي معه في الثمانينات، إضافة إلى مقابلات لم تنشر بعد، عمّا إذا كان اختيار الأسلوب الكفاحي العنفي قد تمخّض عن مؤتمر أو كونفرنس ((Conference، علماً بأن الكونفرنس الثاني الذي عقد العام 1956 كان قد أتخذ قراراً بالخيار السلمي، فأجاب؛ كانت الأمور أقلّ تعقيداً والثقة عالية وظروف العمل السري لا تسمح كثيراً بعقد مؤتمر أو اجتماع موسع لأخذ رأي القيادات والكوادر، بل إنني كنت قد كتبت رأياً بهذا الخصوص وعرضته على سلام عادل، فأبدى تأييداً وحماسةً واقترح أن يتم تعميمه، ليصبح هذا الرأي بمثابة رأي الحزب وتوجيهاً للرفاق، وقد سعينا إلى تثقيف كادر الحزب الأساس وملاكاته المهمة بضرورة الاستعداد لكل طارئ جديد، وكانت انتفاضة العام 1956 التي شارك الحزب بقيادتها بروفة جديدة لقياس استعداداتنا، لاسيما الجماهيرية للنزول إلى الشوارع وقطع الطريق على القوى الرجعية فيما إذا تحرك الجيش، وهو ما حصل يوم 14 تموز (يوليو) العام 1958، حيث كانت الكتل البشرية الهائلة، صمام الأمان لانتصار الثورة، وكان الحزب قد أصدر تعميماً داخلياً لكوادره للاستعداد للطوارئ يوم 12 تموز (يوليو) أي قبل يومين من اندلاع الثورة.

 

عامر وعبدالكريم قاسم

ويقول د. شعبان : ترسّخ في أذهان جيلنا منذ أواخر الخمسينات اسم عامر عبد الله باعتباره رمزاً للاتجاه اليميني المساوم، والأكثر من ذلك شاع اعتقاد مفاده بأنه كان يسرّب أسرار الحزب إلى الزعيم عبد الكريم قاسم، لاسيما وأنه كان يحمل بطاقة خاصة تسمح له بالدخول إلى وزارة الدفاع ساعة يشاء، حيث كان من أشد الداعمين لسلطة قاسم داعياً إلى لبس قفازات الحرير الدبلوماسية عند نقدها، كما أشيع في وقتها، ولذلك ركّزت عليه دعاية القيادة المركزية في هجومها بالقول أن كبيرهم علّمهم السحر، أي «سحر الدبلوماسية».

ويقول عامر عبد الله عن علاقته بعبد الكريم قاسم: « كان مولعاً بالسهر مما دفعني للتعود عليه أيضاً، لاسيما خلال فترات الاختفاء الطويلة، وهكذا كنّا نلتقي ليلاً ونتسامر ونتبادل الأحاديث حتى وجه الصباح (انبلاج الفجر)، خصوصاً في قضايا الاقتصاد والنفط والعلاقات الدولية».

 تناقل الكثيرون روايات مفادها أن عامر عبد الله وبعض من رفاقه وقفوا حجر عثرة في طريق الاتجاه اليساري أو «الثوري» الذي كان يعمل على إزاحة قاسم من السلطة، لاسيما بعد محاولة اغتياله الفاشلة التي قام بها حزب البعث العام 1959. وأتذكّر حواراً كان قد جرى في دمشق بين صالح دكله (سكرتير لجنة الحزب في بغداد) وعامر عبد الله عضو المكتب السياسي (آنذاك)، بشأن خطة السيطرة على بغداد، والتي كان قد خطط لها سلام عادل وجمال الحيدري، حيث أبلغ دكله بتنفيذها (ويبدو أنها كانت بمعزل عن المكتب السياسي أو دون معرفة بعض أعضائه، إضافة إلى بعض أعضاء اللجنة المركزية).

واقتضت «الخطة»: النزول إلى الشارع والسيطرة على المرافق العامة، وهو ما ألمح له صالح دكله في مذكراته، لكن عامر عبد الله أنكر ذلك وكثيراً ما جادل في أصل الرواية، لاسيما في ندوة أقيمت له في النصف الأول من التسعينات في الكوفة كاليري في لندن، في حين أن دكله يقول: «أن عبد الكريم قاسم أرسل عامر عبد الله ليستوضح الأمر ويحول دون تنفيذ الخطة – إن وجدت – وذلك بعد علمه بمحاولة «الانقلاب» والسعي لتسلّم السلطة وجعل الأمر الواقع واقعاً "، وباحتشاد الجماهير في الشوارع الذي استمر حتى ساعات الفجر الأولى، وتحرك بعض القطعات العسكرية واستنفار عدد من الضباط والجنود.

وكان عامر عبد الله يبحث كما يقول صالح دكله عن سلام عادل الذي بقي متوارياًُ عن الأنظار في عكَد (زقاق) الأكراد، حيث كان يرسل توجيهاته إلى لجنة بغداد من هناك، وعندما سألت عامر عبد الله عن الواقعة تساءل ساخراً: «إذاً لماذا لم يفعلها(الثوريون اليساريون)؟!»، لكن جواب الطرف الآخر كان مُبرراً أيضاً.

يبدو أن ثمة أسباب موضوعية وأخرى ذاتية دفعت سلام عادل إلى التخلي عن خطته «الانقلابية». وكنت قد سمعت عن خطة لم أتوثق منها بعد، قدمتها اللجنة العسكرية تقضي بإنزال تظاهرات حاشدة في باب الشيخ، فيرسل قاسم قوات عسكرية لقمعها، وعندها تتحرك القطعات إلى وزارة الدفاع لإلقاء القبض عليه، وتستولي على الإذاعة لتعلن خبر القضاء على المؤامرة الرجعية (المزعومة)، ويكون الحزب قد ظهر بصفة المدافع عن النظام واستلم السلطة بعد تنحية قاسم، وبصورة سلمية!!

وإذا كان خبر نزول الجماهير إلى الشارع صحيحاً، فهل رواية صالح دكله صحيحة أم نفي عامر عبد الله؟ قد يكون سبب نزول جماهير الحزب الشيوعي إلى الشارع وبقائهم فيه إلى مطلع الفجر حيث وجهت إليهم التعليمات بالانسحاب هو لإحراج عبد الكريم قاسم الذي دلت مؤشرات كثيرة على تراجعه، لاسيما بعد أحداث الموصل، وعشية أحداث كركوك العنفية المأساوية التي اتهم قاسم الحزب بارتكابها، في محاولة غزل لأطراف الصراع الأخرى، خصوصاً بعد خطاب كنيسة مار يوسف (لاحقاً).

كما يمكن أن تكون رغبة الاستيلاء على السلطة قد خامرت سلام عادل أو داعبت مخيلته باستذكار نموذج كيرنسكي، لكن الأصح أن الحزب لم يكن لديه أية خطة لذلك، وأن إستراتيجيته حتى بعد أن انتقد نفسه وتراجع لم تبدِ أية ردود فعل كبيرة إزاء هجوم قاسم ضده واستمر شعاره: «كفاح، تضامن، كفاح» وهو شعار عائم ودون أي معنى سياسي. وعندما اندلعت الحرب ضد الشعب الكردي بضرب مناطق البارزانيين في أيلول (سبتمبر) 1961 رفع الحزب شعار «السلم في كردستان» وهو شعار بلا معنى وبلا مضمون، لغياب نقطة واضحة لتوجهاته المستقبلية وبالأخص في تحديد الموقف من حقوق الشعب الكردي.

وأغلب الظن أن نزول الجماهير إلى الشارع في التظاهرة المليونية الشهيرة كان يهدف إلى إبراز قوة الحزب الشيوعي وإظهار عضلاته على أمل الحصول على المزيد من المكاسب، لاسيما بعد ارتياب قاسم من رفع الحزب الشيوعي في 1 أيار (مايو) 1959 شعار المطالبة بالمشاركة في الحكم.

وكان اجتماع اللجنة المركزية لعام 1959 قد خطّأ سياسة الحزب، لاسيما مطالبة عبد الكريم قاسم بإشراك الحزب بالسلطة، ورفع بعض الشعارات المتياسرة، وهو الاتجاه الذي قاده عامر عبد الله وزكي خيري وبهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس وآخرون.

طالب عامر عبد الله في الاجتماع الموسع الذي عقد في (أيلول/سبتمبر) 1959 بإجراء النقد الذاتي وإعادة تصحيح العلاقة مع قاسم واستعادة العلاقات الايجابية مع القوى والأحزاب الأخرى، ولم يعترض أحد على ذلك، ثم حرر الوثيقة التي سمّيت بوثيقة «الجلد الذاتي» بالتعاون مع سلام عادل.

 

العبودية الفكرية ..

ونُسجت قصصاً أخرى حول يمينية عامر عبد الله، لاسيما بعد تنحيته وإرساله إلى موسكو للدراسة الحزبية العام 1962 ومعه ثابت حبيب العاني الذي كان الأقرب في توجهه إلى عامر عبد الله، وقد تم توصيفه في أحد التقارير الحزبية «بالعبودية الفكرية» لعامر عبد الله، وكذلك أرسل بهاء الدين نوري للدراسة الحزبية في موسكو، في حين عوقب زكي خيري بنفيه إلى ريف الشامية لإعادة تثقيفه وتقويته بعد أن قدّم نقداً ذاتياً أكثر فيه من الجلد الذاتي والإدانة لشخصه، ولعل هذا النقد هو الأبشع في تاريخ النقد الحزبي للنفس في العراق، كما أثرت في كتابي «تحطيم المرايا: الماركسية والاختلاف».

وتكثر المعلومات، لتسد شهية ملايين المتلهفين الى معرفة اخطر المراحل السياسية في العراق، مثل علاقة عبد الوهاب الشواف وناظم الطبقجلي بالحزب الشيوعي العراقي، واحداث الموصل وكركوك والعلاقة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب البعث العربي الاشتراكي واحمد حسن البكر وصدام حسين ..

كلنا بأنتظار كتاب " عامر عبد الله ... الحزب الشيوعي العراقي "

 

ناصر خان وكتيبته الهندسية المينائية

khadom finjanعرفناه مديراً لقسم الشؤون الهندسية في الزمن الذي كان فيه هذا القسم يحتل الجناح الأهدأ من أجنحة البناية التي صممها والده، وأشرف على مراحل بنائها بنفسه.

في هذا الجناح يبسط الهدوء سلطته المطلقة على الأروقة المشغولة بمتابعة تنفيذ المشاريع المينائية الثقيلة، بينما تتوزع الدوائر الأخرى التابعة للقسم بين (أم قصر) و(خور الزبير)، و(الفاو)، و(الجبيلة)، و(الموانئ النفطية)، حيث ينتشر المهندسون في كل المحاور الميدانية.

كان رئيس المهندسين (ناصر خان) هو المايسترو المختص بقيادة الكتيبة الهندسية الساهرة على توفير الدعم والإسناد لكل العمليات المينائية والملاحية في قاطع الموانئ العراقية.

 

جودة الأعمال تفصح عن الأصالة

تعود جذور والد الأستاذ (ناصر خان) إلى إقليم البنجاب في الهند، فوالده هو رئيس المهندسين (محمد خان) من مواليد إقليم البنجاب في الهند عام 1901، من أسرة معروفة بالتزامها الديني، وتوجهاتها العلمية والفقهية، وهو ابن السيد (محمد علي خان) المولود في الهند عام 1881، وهو بريطاني الجنسية، من أشهر تجار السكر في البنجاب. متزوج من الأميرة (سرور) أحدى بنات الوالي البنجابي وتحمل الجنسية البريطانية أيضاً.

ولهذه الأسرة تفرعات واسعة، موزعة على الرقعة الجغرافية الممتدة من البنجاب إلى أفغانستان، حتى تصل إلى عربستان، وديالى في العراق.

كان الجد الأكبر (محمد علي خان) يريد من أبنه (محمد خان) التفرغ لدراسة الفقه، لكن الابن اختار الدراسات الهندسية التطبيقية، التي كان مهووساً بها، فشد الرحال إلى لندن، عاقداً العزم على نيل أرفع الدرجات العلمية في هذا المضمار، واستطاع بصبره ومثابرته أن يحقق رغباته الدراسية معتمداً على مواهبه الرياضية، وما أن حُسمت الحرب العالمية الأولى لصالح الحلفاء، حتى كان المهندس الشاب (محمد خان) أول الوافدين على العراق، وفي طليعة المهندسين العاملين في الشركات البريطانية المكلفة بمد خطوط السكك الحديدية بين بغداد وتركيا، فاتخذ من مدينة (كركوك) محطة مؤقتة لإقامته.

ارتبط هناك بصداقة وثيقة مع (الملا علي أخوان) صاحب أول صيدلية في كركوك، وهو الذي قام بتزويجه من ابنة الدفتردار التركماني (علي أفندي)، فعقد قرانه على الآنسة (خيرية)، ورزقا في كركوك بابنهما البكر (مصطفى كمال)، ثم انتقل مع أسرته الصغيرة إلى جنوب العراق حيث المشاريع الهندسية والمعمارية الجديدة.

 سافر بعدها إلى عربستان، وحط الرحال في مدينة الناصرية ( ونعني بها ناصرية الأحواز المناظرة لناصرية العراق)، فتعمقت علاقاته بأمراء قبيلة كعب، وكان من المرحب بهم في بلاط الشيخ خزعل، وقيل انه كان يرتبط به بوشائج القربى البعيدة، إلا أننا لا نعرف حتى الآن صلة القربة بينهما.

رًزق (محمد خان) في الرابع عشر من شهر شباط (فبراير) عام 1931 بابنه الثاني (ناصر)، الذي حمل أسم (الناصرية)، لكن محل ولادته مسجل رسميا في محلة القشلة بالبصرة، ورُزق فيها بابنته البكر (بدرية).

غادر الأحواز بعد مقتل الشيخ خزعل، فعاد إلى البصرة، وأستقر في بداية الأمر في المنازل القريبة من سوق (بن دانيال) اليهودي، والذي يطلق عليه عامة الناس (سوق بندانير) القريب من مدرسة (المربد) الابتدائية في العشار.

سافر (محمد) إلى إمارة البحرين تلبية لدعوة خاصة من حاكمها الشيخ (حمد بن عيسى بن علي آل خليفة)، لوضع اللمسات الحضارية لأول مطار في البحرين، فخصص له الشيخ جواداً يتنقل على صهوته في موقع المشروع. 

كافأته الحكومة العراقية، فأصدرت مرسوماً ملكياً بمنحه الجنسية العراقية في الثامن من شهر شباط (فبراير) عام 1942 تقديراً لخدماته الجليلة في أرض الرافدين، وكان من خيرة المهندسين الرواد الذين أسهموا في نهضة الموانئ العراقية، وفي تشييد مقرها الجديد في المعقل، وكانت له إسهامات أخرى في بناء المساجد والجوامع التي ظلت شاخصة في منطقة المعقل حتى يومنا هذا.

اجتمع به مدير عام الموانئ في عصرها الذهبي (الأستاذ مزهر الشاوي)، وطلب منه استنفار جهوده الهندسية وتوظيفها في تنفيذ مشروع ميناء (أم قصر) بأرصفته وسقائفه ومعداته، وتعبيد الطرق المؤدية إليه، في الزمن الذي كانت فيه هذه المنطقة عبارة عن صحراء جرداء مهجورة. يحاصرها البحر من شرقها وجنوبها، ويطوقها البر من غربها وشمالها، فكان رئيس المهندسين (محمد خان) أول من خيم  هناك ليفتتح نافذة جديدة للعراق على بحار الله الواسعة.

أكتمل مشروعه على الوجه الأكمل، لكنه لم يكن متواجداً في اليوم المقرر لافتتاحه على يد الزعيم عبد الكريم قاسم، فقد توفاه الله، وكان الميناء الجديد خاتمة أعماله الجليلة، فحزنت البصرة على فراقه، وودعته إلى مقبرة الحسن البصري في موكب مهيب شارك فيه وجهاء المدينة، وشاءت الأقدر أن يأتي من بعده أبنه (ناصر خان) ليكمل مسيرته المينائية في بناء الأرصفة الشمالية.

أما أولاده وبناته فهم: مصطفى كمال، الذي توفاه الله في طفولته، ثم الأستاذ ناصر، ثم الأستاذة بدرية، وهي من المربيات الفاضلات، وزوجة الأستاذ علي التميمي ومديرة لمدرسة ابتدائية، ثم الأستاذ قاسم، الذي كان مديراً لإدارة شركة نفط البصرة، ثم الأستاذة فوزية، وهي زوجة المهندس عادل الشاطي، ومديرة لمدرسة ابتدائية، ثم اللاعب العراقي الدولي والمدرب الوطني الكفء في ملاعب كرة السلة الأستاذ (علي خان)، ثم خبير المعادن والسباكة الفنان (أكرم خان).

 

 

على خطى والده

عاش (ناصر بن محمد بن محمد علي خان) في البصرة ودرس في مدارسها الابتدائية والثانوية، ثم التحق بجامعة بغداد، وأكمل دراسته الجامعية في كليتها الهندسية عام 1952، ثم سار على خطى والده في المسارات العلمية الشاقة، متغرباً في المملكة المتحدة لإكمال دراسته العليا في الهندسة.

حصل على شهادة الماجستير، والدبلوم من جامعة (أمبيريل) في لندن عام 1955، متخصصاً في أعمال الأرصفة البحرية، ثم باشر عمله كمهندس أعلى بالموانئ العراقية عام 1956. عمل تحت إشراف والده في بناء الأرصفة التجارية  لميناء أم قصر عام 1961، وهو المشروع الأول والأخير الذي اشترك فيه الأب والابن في مضمار واحد. ارتقى بعد اكتمال ميناء أم قصر إلى درجة (رئيس مهندسين)، وحصل على الزمالة العليا (FICE) من نقابة المهندسين البريطانيين عام 1975.

أصبح في العام نفسه عضواً أصيلاً في مجلس إدارة الموانئ، ومديراً عاماُ لخدماتها المهنية، فتحمل مسؤولية تنفيذ التصاميم الهندسية، والمشاريع المينائية بكل تفاصيلها المرتبطة بالاتصالات السلكية واللاسلكية، وأعمال صيانة السفن والمعدات الآلية، وإصلاح عطلات الرافعات المينائية، ومعدات المناولة والأجهزة الالكترونية، وإصلاح السقائف والمخازن وواقيات الأرصفة وأنظمة الحماية الكاثودية، وبناء أبراج الاتصالات وأبراج السيطرة الملاحية، ثم أصبح مديراً لدائرة الشؤون الهندسية بكل أقسامها وشعبها وتفرعاتها، وظل في منصبه العالي حتى عام 1992 عندما أُحيل إلى التقاعد بناءً على رغبته الشخصية، ثم غادر العراق عام 1996، واستقر مع أولاده (محمد وفراس) في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية.

 

بصماته في الموانئ العراقية والعربية

ترك الراحل ناصر خان بصماته الهندسية على واجهات الموانئ العراقية والعربية، والتي ظلت شاهدة على براعته الهندسية حتى يومنا هذا، نذكر منها تصاميمه الذكية لمشروع الأرصفة العشرة في ميناء أم قصر، وتصاميمه لأرصفة الحاويات، وتنفيذه لمشاريع محطات تحلية المياه، وشبكات مياه الشرب، ومجاري الصرف الصحي، ناهيك عن مجموعة كبيرة من المباني الحكومية والمدرسية والمراكز الخدمية.

شارك أيضاً في تصميم الأرصفة التخصصية لميناء خور الزبير، وترك لمساته الهندسية على منظومات الأحزمة الناقلة لحبيبات الحديد الأسفنجي، وأكياس اليوريا والأسمدة الكيماوية، ومواد الفوسفات والكبريت الصب، وهو الذي صمم المنطقة الحرة بمكوناتها الهندسية المرتبطة بالأرصفة.

أما أعماله في الموانئ العربية فقد أبتدئها بتأسيس مكتب (المربد) الهندسي في عمان، وقام بإعداد دراسة لتطوير حوض بناء السفن في ميناء عدن، ودراسة الجدوى الاقتصادية لتعميق المسارات الملاحية المؤدية إلى الأرصفة العدنية، وإنشاء الحواجز البحرية في الميناء، وبناء صوامع الغلال في المنطقة الحرة بعدن بتكليف من شركة سعودية، واشترك بمجموعة من الأعمال والمشاريع الهندسي لبعض الموانئ العربية والأجنبية تميزت بدقتها وموسوعيتها.

 

أنشطته العلمية والتطويرية

شارك الراحل في معظم المؤتمرات الهندسية والبحرية المقامة في العراق، وأنجز مجموعة كبيرة من البحوث والدراسات، نذكر منها مؤتمر مكافحة التلوث البحري المنعقد عام 1971 في الدانمارك، والمؤتمر الدولي حول إدارة الموانئ والمرافئ المنعقد في اليابان عام 1980، والمؤتمر المينائي الدولي المنعقد عام 1997 في أمستردام هولندا، أما دراساته المكتوبة باللغة الانجليزية فهي:

•        An Experimental Investigation of Shear  Strength of Plastic hinge in Reinforce Concrete 1955

•        Port Management and Cargo Handling 1986

•        Design High Strength Concrete  1990

 

طلائع الكتيبة الهندسية الثالثة

لقد قاد المهندس الجد (محمد خان) كتيبته الهندسية الأولى في الربع الأول من القرن الماضي، وجاء من بعده المهندس الأب (ناصر خان) ليكمل المسيرة الإبداعية ابتداءً من منتصف القرن الماضي وحتى نهايته، ثم جاء المهندسون (محمد خان)، و(فراس خان) ليواصلوا السير في الألفية الثالثة على النهج الذي خطه الأجداد والآباء.

أسرة نموذجية أسسها الراحل (ناصر) في البصرة بزواجه الموفق من بنات إحدى العوائل الكريمة في الرابع والعشرين من الشهر الأول عام 1959.

رزقه الله بابنه الأكبر (محمد)، الذي درس الهندسة في جامعة (ساوث هامبتون)، يعمل حالياً في السعودية، ثم أبنه الثاني (فراس)، الذي درس الهندسة أيضاً في جامعة البترول والمعادن بالظهران، ثم التوأمان (بان وأحمد)، اللذان اختارا دراسة الطب، فتخرجا في جامعة البصرة، وأكملا دراستهما في أمريكا.

انتقل الأستاذ الكبير (ناصر خان) إلى رحمة الله في الثامن عشر من تموز (يوليو) من عام 2006، وكانت وفاته بمدينة جدة في السعودية، وبموته انطفأت شعلة أخرى من مصابيح فناراتنا المشرقة التي أضاءت أبراج الموانئ العراقية ردحاً من الزمن.

 

المفكر الإسلامي عبد الجبار الرفاعي خرج من مخاضنا التربوي التعلمي .. صورة تستحق التقدير والعرفان

ibraheem alwaeliمسيرتنا التربوية التعليمية التي سبرنا أغوارها سنين طوال تمخضت عن لوحة فنية معرفية فكرية فريدة يتقدمها نموذج عراقي رائع ولقية موسوعية تعد بأصابع اليد طالما رفدت المكتبة الدينية الحديثة بهالة تحديثية دينية كبيرة تصاهر الزمن الحاضر في تشوق واشتياق حيث مل الجميع الركود والسكون ويأس الولادة والتوليد التحديثي فجاءت القامة الموسوعية الدينية من الجنوب تضفي عنوانا تحديثيا طال مخاضه تجسد ذلك في شخص الدكتور الفاضل عبد الجبار الرفاعي الذي بحق وحقيقة خرج عن مألوف الانجذاب الديني المعروف والمتعارف علية ويعتبر طفرة وراثية تجديدية معرفية تنهل منها الأجيال القادمة معينا معرفيا لاينضب بل أنها شوق واشتياق ولبنة يهتدي بها الذين يناغون التطوير الديني والأخذ بهذا الجهد المقدس نحو أفاق جديدة متجدد مخلفين وراء ظهورنا الوقوف والتوقف السكون البحثي الذي مرت عليه قرون وسنين لم يتمكن الكثيرون الخروج من فلكه المضني إلى حد العجز والدوران المكرور في الحفظ والاحتفاظ المعرفي المعاد الذي شاح الكثيرون عنه نتيجة التكرار الملل بسبب التطور الأكاديمي في الدراسات والأطروحات التي أصبحت تقليعة حضارية يومية يقبل عليها الدارسون بنهم ولهفة علاوة على استلاب أساليب معرفية جديدة تساير الحاضر سريع ومتسارع و متطور مثل تطور واتساع الحضارة الحديثة والتكنولوجيا السريعة والبحث الحزين المختزن—مفخرتنا العلمية التي جاءت في سردنا المقالي هذا هو فضيلة الدكتور عبد الجبار الرفاعي الموسوعة الدينية والبحثية الذي عشنا وتعايشنا معها سنين طوال حيث كنت نواة الجهد المعرفي له في المدرسة الابتدائية بمدرسة المتنبي الابتدائية التي تأسست للتو بعد ثورة14 تموز التي قاد أوارها المرحوم بن العراق البار الزعيم عبد الكريم قاسم وولادتها عام 1961 وما يعني هذا التاريخ من حيث عدد نفوس العراق البالغ7 ملايين نسمة علاوة على التخلف والجهل والجهالة وكانت المدرسة تمثل رهبة وخوف ومكسب ما بعده من مكسب وقد بذل المرحوم الشيخ كاظم الجازع من خلال ذلك الكثير حتى تكللت جهوده المضنية بالنجاح والتوفيق وكانت بحق مثار تندر وسرد قصصي يثير القرف--- البناء من الطين والذهاب على الإقدام للتدريس أو ركوب الدراجات الهوائية أو الخيول التي يتكرم بها آهل الخير بإيصال المعلمين من والى المدرسة إثناء هطول الإمطار والمعاناة من عدم سير البايسكلات (الدراجة الهوائية) عند تساقط الثلوج والإمطار أنها أيام مخاض عسير وجهد شاق علاوة على عبور الأنهر والجداول من ضفة إلى أخرى ويتم العبور بواسطة لوحة خشبية تتدلى بين الضفتين والويل لمن تزل قدمه ويسقط في النهر وخصوصا في أيام الشتاء البارد وسقوط الصقيع لكن حلاوة العمل والتدريس لذيذة طعم بنشوة العمل والتعليم لأننا نفور وطنية و نهيم في حب الوطن والعراق كنا مبدعين نحن المعلمون وطلبتنا عباقرة واعدون فالمصهر التعليمي والمعرفي في مدرستنا المباركة يتجسد في مديرها ومعلميها-- كنت المجاهد والمجتهد في مهنتي المقدسة التعليم التي أنتجت المفكر العبقري الرفاعي وجيش متعلم وقادة وتربويون ومهندسون من أبناء مدرسة المتنبي الرائعة فألف تحية إلى ترابها وألف قبلة للنهر المجاور لها وإجلالا لحاضرتها قرية إل ابوحمزة والى العائلة التي أنجبت الرفاعي الرضوان والرحمة والى المعلمين الذين شاركوا واشتركوا في بث النواة المعرفية في الوطن وأصبحوا قامات تخدم العراق في الكثير من المسارب -- التقدير والعرفان إلى كل الذين جاهدوا واجتهدوا في إرساء هذا الحصن التعليمي والى قامتنا التفكيرية الرفاعي قبلاتنا الحارة - والى المعلم الأول للرفاعي إبراهيم الوائلي الذي لامس بحرفه تطلعاته الأولى جبين الطالب والمفكر الرفاعي **** في الحقيقة إن الذي دفعني بالعودة إلى مفكرنا الرفاعي هو المقال الذي جاء به الناقد والكاتب الأستاذ توفيق التميمي في جريدة الصباح الغراء والذي تناول الرفاعي عبر الدراسات والأطروحات والإصدارات التي دفع بها الرفاعي والتي تعتبر خروج عن المألوف الدراسي الأكاديمي المعتاد والذي اقتفى به الرفاعي التحديث الديني والخروج عن ما اعتاد به الآخرون بل هي مسايرة علمية تناغي الجهد الدراسي الأوربي والعالمي الذي جعل ماكتب سابقا ظاهرة انتهى دورها وولجنا عصرا دينينا محدثا في الدراسة والمناجاة العلمية والمعرفية --- فإذا سبر أغوار مفكرنا الرفاعي الأستاذ التميمي دراسيا فأنني استرجع أيامي مع المفكر خلال الأيام الأولى من حياته المعرفية حيث اللبنات الأولى في مشروع الرفاعي الفكري والعلمي ولولا الأرضية الخصبة التي نهل منها الرفاعي وهي المربض الذي لها الفضل في إرساء يراعه الأولى وتكوين فكره المبدع فان التميمي تناول المفكر اصداريا ونقديا متماهيا في سرده لأرثه المعرفي الديني - طول العمر للرفاعي وتحية إكبار للاستاذ التميمي وهو يتناول قامتنا في إبحارها في شواطئ الإرث الديني المطور والابتعاد عما متعارف عليه ومزيدا من العطاء

إبراهيم الوائلي

ذي قار/قلعة سكر

27/12/2013

 

نجدت كوتاني

في عصر التطور وعولمته، وصراع الحضارات ووحشيته، واغتراب الإنسان وتيهه، تأتي حياة الشرفاء حاملة لنا شيئا من العزاء .. فإنسان نيتشة الأخير كما يقول عبد الخالق الركابي "لا يزال يملك مشاعر تشبه مشاعرنا، وأحاسيس لا تختلف كثيرا عن أحاسيسنا فهو يحن ويعطف ويتألم ويؤرقه مصير الآخر" فالإنسان الذي يفني عمره يُعلم الآخرين معنى الوجود الإنساني، ويعلمهم كيـــــــف يكون إنسانيين .. حري بنا أن نتخذه قدوة لنا . أناس اخلصوا للإنسانية وتفانوا وضحوا من اجل الإنسان وتركوا لنا نتاجهم المعرفي البسيط والمعقد لنستخلص منه التجارب المفيدة . نستذكر حياتهم ومواقفهم لنستقراء العبر والمواعظ الكبيرة ونضعها دروس لحياتنا. فلهذا كنت ولازلت استمتع بالقراءة عن حياة مثل هولاء الناس واستمتع كثيرا بسماع الأخبار والحكايات عنهم، والدافع وراء كل هذا حبي الكبير للإنسان المطلق .. ومن هولاء (نجدت كوتاني) عراقي مسيحي تنطبق عليه كلمة إنسان بكل ما تحمل الكلمة من أبعاد، عاش حياته بكل تفاصيلها، حَب، تًزوج، سافر، اغتنا، افتقر، مارس الأديان بطقوسها، تعلم العديد من اللغات، باع (الدوندرمة) بأشد الدول برودة . اقتنع بالحياة كما هي دون تعقيد، تردد عليه الشعراء وألادباء وعمال الحرف، صاحَب الفقراء والأغنياء، المسلم والصابئي والملحد والمتدين،، كان بيته يتسع للكل كما قلبه يضم العالم اجمع .. علاقاته واسعة ومتشعبة عرف اليساريين والبعثيين والمعارضين والمؤيدين لم يعترض سوى للخير. وكانت قصة زواجه الأغرب، ونقطة التحول الرائعة والكبيرة في حياته التي لخصت واحتوت ما كان يؤمن به .. أحب فتاة مسلمة وقرر أن يتزوجها لكنها أخبرته بالموانع وان أهلها سيرفضون هذا الزواج لأنه مسيحي، وبكل بساطة قرر.

- إذا كان الدخول إلى الإسلام سيكون هو الذي يجمعنا ويجعلنا معنا إلى الأبد فانا مسلم من هذا اللحظة.

تزوج حبيبته لأنه كان على قناعة كبيرة بالذي يفعله .. لان الدين والمعتقد بالنسبة إليه السعادة والجمال بعينه، جمال الروح جمال الإنسان جمال الوطن جمال الكون .. أتسائل أين نجدت داخلنا؟ لماذا تاه الإنسان وسط أنانيته ومعتقداته البالية.. أليس المفروض أن يرتقي كلما مر عليه الزمن وفق منظور التطور، هل هذا فشل الإنسان أم فشل مبادئه؟ سؤال اتركه مطروح للجواب عليه. من اجل العراق، والقادم من الأيام.

رحلتا الربيع والشتاء (من أويا إلى موروكو)

السماء ملبّدة بالغيوم، والمطر مهيأ للسقوط، البرق والرعد يملآن الفضاء، الساعة تشير إلى الثالثة بعد الظهر، الطائرة تستعدّ للإقلاع،متّجهة من طرابلس الغرب إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء. في البداية كان الأمر مُخيفاً بالنسبة لي على الأقل، فهذه أول مرة أسافر في جو ممطر كهذا، لكني هدأتُ مع هدوء الجو واستسلمت لرحلة من أجمل الرحلات التي قمت بها .

جواز سفري يحمل العديد من أختام الدخول والخروج، حتى انه في مرة قال لي أحد الموظفين بمطار إندونيسيا (أنت كثيرة السفر مدام)، قلت: نعم صحيح فطبيعة عملي تحتم علي المشاركة في ملتقيات علمية في دول متعددة، وكوني مغرمة بالبحث والترحال زادني الأمر تنقلاً .

عندما هبطت الطائرة في المطار لم يكن أمامي إلا أن أستقلّ القطار للتوجه إلى مدينة مكناس حيث وجهت لي الدعوة للمشاركة في ندوة الثقافة المغاربية بين الخصوصية والكونية، وذلك بكلية الآداب ـ جامعة مولاي إسماعيل . في القطار تصادق أناساً لم تكن لك بهم سابق معرفة، أعمار مختلفة، أجناس مختلفة، مجرد صداقة  قطارية عابرة تنتهي بوقوف القطار في كل محطة .

العتمة بدأت تلف رداءها حول المدن المار بها القطار، لم أقاوم النوم، جفوني بدأت تذبل لتستسلم لنوم متقطع، وبعد أربع ساعات أُعلن عن وصول القطار إلى مدينة الزيتون (مكناس)، توقف القطار ونزلت في فندق بالقرب من المحطة، فقد كانت الساعة متأخرة نسبياً .

ما إن ظهر أول شعاع للشمس حتى استيقظت المدينة ومعها شجيرات الزيتون حاملة معها عبقا زيتونياّ، أينما حللت في هذه المدينة استقبلك أريج الزيتون الأخضر الناعس .

مكناس تلك الشعلة المتوهجة بالحياة، الذائبة في نهر من العسل المصفّى، عندما تشم رائحة زيت الزيتون لا تعرف إن كنت قابعاً داخل معصرة عتيقة تقوم برحي كل الزيتون المندس بين أغصان الأشجار العملاقة، أم أنك تلبس عباءة زيتية تتسع داخلها ذاتك . وما أن تطأ المدينة حتى تعرف أن مولاي إسماعيل هو الذي أقام فيها وبناها، وجعلها عاصمة لمملكته .

حفاوة الاستقبال تلاحظها منذ هبوطك من الطائرة في المطار، حيث الكل يُبدي استعداده لمساعدة سيدة تحمل حقيبة مثقلة بملابس شتوية، ومجموعة من الكتب أحضرتها معها من بلادها لتكون همزة وصل بين ثقافتين مغاربيتين، إحداهما تقع في بداية الصف المغاربي، والأخرى قبيل منتهاه، وكلتاهما تنعم بإطلالة بهية على الحوض المتوسطي، وتتدلل باكسسوارات أعماقه السحيقة .

المغرب موعودة بالأسوار، والفتنة، وأنت تتجول فيها لا تعرف هل وقعت في حبها أم هي التي عشقتك، الطريق إليها تبتلع حكايا كثيرة، وشم الزمن مطبوع فوق خاصرتها .

الموسيقى الأندلسية تلحق سمعك أينما يممت، والهواء النقي يبعث على الصفاء والطهر . في الرباط أثناء رحلتي الربيعية القصيرة جداً في شهر إبريل من العام 2013، تشكيلة من المياه العابثة تتلاعب بك لا تعرف من أين تبدأ، ولا أين تنتهي، تتواعد بين ظهرانيها مياه المتوسط مع مياه الأطلسي لترتشف قهوة الصباح على الساحل الرباطي العتيق .

جبال الأطلس تتبختر مزهوة بعرشها الذي اختاره لها الله، قدرها أن تكون محمية بعناية إلهية، في الصباح الباكر تتأنق لتعانق ضوء الشمس القادم من الشرق، ليلقي تحيته الصباحية ويقبل وجهها النائر المخلّد، عنوان مغربي لا يحمل رقما بريديا لكن الساعي إليه لا يتوه في الطريق، من حسن حظ سكان تلك السلسلة من الجبال أن ينعموا بمغازلة جبالهم في الصباح والعشي، وأن تكون ماشيتهم أسعد حالاً من أي ماشية في مكان آخر من العالم .

القهوة الكحلة، والشاي الأخضر المنعنع يأتي به النادل بعد وجبة الكسكس المعتاد تقديمها يوم الجمعة، بمشاركة صحون السلطة المغربية، وصحون الفواكه على الغذاء،  أما الحريرة والطاجين المغربي بأنواعه فتتربع على مائدة العشاء، وأما عصير الأفوكادو فهو ملك العصائر المغربية بدون منازع مضافا إليه القليل من الحليب.

في طريق العودة من مكناس إلى الدار البيضاء تحيط الأشجار بالقطار من جانبيه ليشعرك بأنك داخل غابة متنقلة .

تلك حكايتي مع مكناس والرباط وجبال أطلس اللامتناهية الارتفاع والشموخ .

 

في كازابلانكا

أما حكايتي مع كازابلانكا فتلك قصة أخرى، يرويها باب مراكش الواقف بثبات أما السوق الشعبي المزدحم بالباعة والمارة . وشارع للا ياقوت .

من مدينتي البيضاء إلى مدينتي الناصعة البياض .. البياض يدثرني بعباءته الكشميرية الدافئة، حتى وأنا في عمق الليل الحالك .. الدار البيضاء مذ دخلتها وأنا استشعر دفء الضياء داخل شراييني، وحتى الشعيرات الدموية صارت أقل دموية، واعتكفت تصلي من أجل سلام بيضاوي لعروس بحرها المتوسط تلك هي دُرّتي التي عانقتني عناقاً طويلاً، وحمّلتني سلاماً ومحبة لمدينتي التي تلونت باللون القرمزي الغامق .

اليوم الأخير في كازا كما يحب أن يدللها أهلها وأنا .. غداً انطلق إلى مطار محمد الخامس، وفي جعبتي حنين ويقين بأني سأعود .. البيضاء اليوم تغتسل من الصباح الباكر، وتتعطر برائحة المطر من رأسها وحتى أخمص قدميها .. هي تستعد لوداعي .. سماؤها تبكي لفراقي .. اعتادت على تسكعي في شوارعها .. سأذهب لأقابل بيضائي الأخرى التي تركتها في انتظاري ..

مطر .. مطر .. مطر

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

 

هكذا أنشد السيّاب لموطنه العراق .. لكنّ بيضائي لم ينأى عن عينيها القمر .. بل عيناها هما الشمس والقمر معاً .

سأذهب .. أيتها المدينة الشامخة بتاريخك .. بأسوارك .. بأمطارك .. بأطفالك الذين تنظر عيونهم إلى الأمام .

سأذهب،، وأترك فيك بعضاً مني .

في الدار البيضاء لا تحتاج أن تفتش عن الحب .. فهي تعطي الحب دون انتظار مقابل .

هي مدينة قانعة وصابرة، تُلهم زائريها الشعر والخواطر .

مدينة تختفي فيها كل الأعراق لتكوّن عالماً إنسانياً بامتياز .

مدينة تغازل الإنسان وحده غير عابئة بأصوله، أو عرقه، أو جنسه، أو دينه .

مدينة تسعى إلى الكمال الإنساني .. وها هو يأتيها من بين يديها ومن خلفها

أسمع صوت بيضائي وهي تهمس لي سراً : عودي إليّ  .. وكأني أسمع نجاة الصغيرة وهي تصدح برائعة نزار قباني:

ارجع إليّ .. ارجع إليّ

فإن الأرض واقفة .. كأنما الأرض فرّت من ثوانيها

ارجع إليّ .. ارجع إليّ

فبعدك لا عقد أُعلقه

و لا لمست عطوري في أوانيها

 

الرجل المغربي يحب المرأة يساعدها، ويأخذ بيدها، هذا ما لمسته على الأقل خلال رحلتين إلى المملكة المغربية، خلال هذا العام، الرجل المغربي  أكثر اهتماماً بالمرأة من غيره.. يقدم لها المساعدة في كل شيء .. يشعر بمسئوليته نحوها .. وحسبي أن أقول إن المرأة إذا حلّت في المغرب ستكون محاطة بالعناية والاهتمام .

أما المرأة المغربية فهي امرأة جذابة، وسلسة تمتلك شخصية قوية، وندّيّة، حضورها فاعل ومتفاعل دون انتظار إطراء .. قيمتها من قيمة الوطن .. وقيمة الوطن من قيمتها .. تشعر وأنت تقابلها بأن عليها مسئوليات جسام .. لكنها تستطيع إنجازها بيسر، وثقة من تثق بإمكانياتها .. الغاية عندها لا تبرر الوسيلة بقدر ما الوسائل عندها تنعجن لتصل إلى الغاية .

في السوق الشعبي عند باب مراكش أول ما ينتبه إليه الزائر هو سماع صوت القرآن يخرج عبر أبواب المحال التجارية، وعندما تدلف إلى داخل السوق تجد المساجد والزوايا في انتظارك، من مثل الزاوية القادرية البودشيشية، وغيرها الكثير، تتصاعد رائحة البخور النفاذة منها .

اعترضت طريقي امرأة في العقد السادس على ما يبدو .. اقتربت مني أكثر .. وضعت يدها على كتفي، وقالت بأن حياتي سيكون فيها الكثير من الحظوظ السعيدة .. أخفيت ابتسامة لأني لا أُريد جرح مشاعرها .. تلك المرأة المسكينة لا تعرف أني ناقدة في الأدب وأن دراسة الأدب والنقد تفتح آفاقنا على كثير من الأمور، وأن دراسة الأفكار الماركسية، واليسارية والاشتراكية والبنيوية والتفكيكية، وغيرها أفسدت الكثير من فطرتنا .. فالدراسة أحيانا تفسد طباع الإنسان الفطرية .. أعطيتها ما كتّب الله كما نقول بالدارجة الليبية .. رسمت قبلة على رأسي .. ودعت الله أن يهبني ما أتمناه .. شعرت بالأسى حيالها، لأن الحياة لا يمكن أن ترتهن لقبلة على الرأس، أو اكتناه الحظ للآخرين .. تساءلت من منا على صواب المرأة المتكهنة التي رابطت في السوق تقرأ مستقبل زائريه، وامتهنت تقبيل الروؤس .. أم ناقدة عرفت نظريات الأدب وتأويلاته ..

الجواب لا يكمن في تحديد الصواب عدمه من .. وإنما في عملية الارتياح .. فقد توسمت في تلك المرأة الراحة والرضا .. ربما هي القناعة بأننا لا نختار مصائرنا

اليوم أحزم حقيبتي للتوجه إلى المطار .. أطفالي الثلاثة ينتظرونني .. فقد غبت أسبوعاً كاملاً عنهم .. أتلهف لرؤيتهم .. ابتعت لهم بعض الأغراض التي يرغبونها وهي عبارة عن دسكات تحتوي على ألعاب (x box) تخص فيصل ومبشر .. أما صغيرتي نورهان فابتعت لها حقيبة جلدية  جميلة .. الصناعة الجلدية في المغرب على أعلى مستوى .. ومن يطأ أرض المغرب لن يقاوم شراء شيئا مصنوعاً من الجلد الطبيعي .

كما حطّت بنا الطائرة قبل ستة أيام .. ها هي تعود لتقلع من جديد عابرة السحب والفضاءات لتتجه إلى مطار طرابلس الدولي .. محمّلة بالحلويات المغربية التي يبتاعها المسافرون الليبيون عادة أثناء عودتهم لتقديمها هدايا لأحبائهم وأصدقائهم .. كما أنها محمّلة بالذكريات المليئة الفرح، والبهجة. .

 

د . فريدة المصري

طرابلس – ليبيا

  

فؤاد سالم استحق لقب فنان الشعب العراقي

kamil almalikiحينما اطل علينا ذلك الشاب الجنوبي في سبعينات القرن الماضي عبر الشاشة الصغيرة بوسامته الطاغية وصوته العذب المنساب مع روجات نهر المشرح في ميسان وهو يترنم بعذوبة جمال معشوقته على درب الشوق حيث البصرة التي ولد فيها وارتوى من ينابيعها وتفيا بأفياء نخيلها المعطاء، اصبحنا على يقين بان غصنا  من اغصان الفراهيدي بدأ يشق عذوبة النغم الراقي ليبدا مشواره نحو الابداع والتألق وهكذا كان. انه الفنان الجميل فالح حسن بريج او فؤاد سالم بعد ان احتضنه في بداية الامر عازف القانون الشهير الاستاذ سالم حسين ولحن له اول اغنية هي (اسوار الذهب) واعطاه هذا الاسم الفني الذي عرف به، اضافة الى اهله الطريفات من قبائل بني مالك الذين رفضوا توجهه نحو الفن لاسيما وانهم كانوا من اعيان البصرة وناحيتها التنومة، وذكر لي والدي يوما بان الحكومة في ذلك الوقت حينما يزداد لديها الضيوف تستعين بمضايف بيت بريج الطريفات لاستضافتهم، وهكذا رحل الفنان بعيدا عن عائلته ليبدا أول خطواته في الغربة ولكن داخل وطنه، لايملك شيئا سوى عذوبة صوته وعشقه للفن واسعاد الاخرين، ولما بدأ غصنه الفني يقوى ويتألق كانت بوادره اول اوبريت عراقي هو اوبريت (بيادر خير) ثم تبعه اوبريت المطرقة حيث احدث هذان الاوبريتان ضجة فنية وسياسية كبيرة اشرت توجه الفنان نحو هموم الشعب وكادحيه، ما جعله عرضة للرصد واحيانا المطاردة من الاجهزة القمعية للنظام السابق،  فتم فصله من معهد الفنون الجميلة ومنع من الغناء في الاماكن العامة ومنع من دخول الاذاعة والتلفزيون ووصل بهم الامر الى الاعتداء عليه بعد خروجه من احدى الحفلات وضربه باعقاب المسدسات حتى سالت دماؤه على الارض ، وبعد هذه الحادثة قرر الرحيل عن العراق وغادره فعلا الى الكويت عام 1982 لتبدا خطوته الثانية في غربة مريرة مع اصرار على النضال من اجل ابناء شعبه بالكلمة والنغم، وهنا بدأت اغانيه التي تذاع ضد النظام ورأسه القاتل عبر اذاعات المعارضة لتهز اركان النظام وتقض مضاجعه وهوبذلك اول فنان عراقي يستخدم صوته الجميل لمحاربة النظام دون ان يعير اي اهتمام للمخاطر التي قد تواجهه خاصة وان اجهزة النظام ومخابراته تستطيع بما تمتلك من امكانات ان تصل الى اعدائها بجميع الطرق الخسيسة، ولما لم تفلح مع فؤاد سالم الذي وجدته صوت الشعب الاكثر خطورة عليها حتى من القنابل والرصاص، لجأت للضغط على الدول التي تستضيف بعض اذاعات المعارضة مثل اذاعةالعراق الحرالتي تبث من جيكوسوفاكيا السابقة، ولذلك كنت تجده كثير الانتفال فمن دول الخليج في اسيا الى لندن في اوربا وقبلها ديترويت في امريكا قبل ان يستقر في الشام ويرحل من هناك على وسادة الغربة، لكنه ظل وفيا لشعبه وكانت آخر اغانيه انشودة للعراق وكان يحلم ان يعود الى وطنه  ليجد سقفا ياويه وعائلته الصغيرة المكونة من زوجته ابنة عمه واولاده حسن وجمانة وحيدر، وهو الذي ساهم مع كل الخيرين في فضح النظام ومن ثم هزيمته وانتصار ارادة الشعب، فلم يحصل على ضالته لكنه بلا شك قد حصل على اعلى وسام  استحقه بجدارة  رغم الجفاء الحكومي انه فنان الشعب العراقي

 

عندما يموت المبدع متجمداً من البرد والصقيع ..!

shaker faredhasanمحمد حسين بهنيس شاعر وروائي وفنان تشكيلي سوداني، عرفته الحياة السودانية انساناً صاحب قيم واخلاق عليا، متعدد المواهب، يتميز بالحيوية والنشاط والابداع المتجدد والانتماء للأدب الانساني الواقعي الملتزم . وكنا عرفناه نحن القراء على امتداد الوطن العربي، من خلال أشعاره البسيطة الصادقة، النابعة من صميم القلب والوجدان، المرتبطة بالهم الشعبي والواقع السوداني القهري المر، والمنتقدة للاوضاع السياسية والاجتماعية العربية، وعبر منجزه الروائي الابداعي "رحيل"، الذي حاز على اعجاب النقاد، ووصفوه بأنه "ولادة جديدة لطيب صالح جديد"، وكذلك من خلال رسوماته ولوحاته الفنية التشكيلية التي عرضت في أكثر من مكان في السودان وخارج حدوده .

عانق بهنيس ضوء الحياة في ام درمان بالسودان عام 1972، وينتمي لعائلة سودانية كادحة . شب وترعرع وسط الفقر والجوع والبؤس، ورغم ذلك انهى دراسته الثانوية والتحق بجامعة الخرطوم، وبرزت مواهبه الادبية والفنية وهو على مقاعد الدراسة، ومنذ ان كان طالباً بدأ بنشر كتاباته والمشاركة في المعارض الفنية في بلده وفي عديد من دول العالم كفرنسا والمانيا واثيوبيا .

مع بداية الالفية الثانية سافر بهنيس الى فرنساً وهناك تزوج من ابنة حاكم احد الولايات الفرنسية وانجب طفلاً، وسرعان ما نشبت بينهما الخلافات الزوجية فطلقها وتم طرده وترحيله قسراً من فرنسا . وهذه الحادثة كان لها الوقع البالغ على وضعه النفسي فأثرت فيه وجعلته يعاني ويقاسي الاضطرابات النفسية، وازدادت هذه المعاناة بعد أن ماتت والدته دون أن يعلم بوفاتها الا بعد ثلاث سنوات من وفاتها، فاصيب بعزلة ووحدة قاتلة طويلة . وقبل حوالي العامين تلقى دعوة للمشاركة باحد المعارض الفنية التشكيلية في القاهرة فلبى الدعوة وجاء الى قاهرة المعز الفاطمي وقرر البقاء فيها وعدم العودة للخرطوم، واقام في بيت مستأجر في حي العتبة ولم يتمكن من دفع المستحقات لصاحب البيت، بعد أن ضاقت به الحياة وتدهورة احواله النفسية واوضاعه الاقتصادية والمالية، نتيجة الفقر والفاقة والتشرد والغربة والاحباط والضيق والاكتئاب النفسي، فلجأ الى احد ارصفة ميدان التحرير وسط القاهرة واتحذ منها مأوى ومناماً وغطاءً حتى تجمد من البرد والصقيع خلال موجة البرد الأخيرة، التي ضربت مصر والشرق الاوسط . وبذلك انتهت حياة بهنيس بموت تراجيدي وفاجعة انسانية، تكشف وتمثل مأساة المبدع والمثقف العربي الذي لا يجد الاهتمام من المؤسسات الثقافية والدوائر الحكومية، التي لا توفر مبلغاً من المال له ليتمكن من العيش بشرف وكرامة فيعيش حياته فقيراً جائعاُ مشرداً مكلوماً ومكتئباً لا يجد القوت في بيته، ولا ثمن فنجان سبريسو في جيبه .

انه الواقع العربي المحزن والمؤلم الذي يعيشه المبدع والمثقف في ظل انظمة القهر والفساد والعهر الاستبدادية القمعية الاضهادية، التي لا تحترم مثقفيها ولا تقدر مبدعيها، ولا تضع قضية الابداع والثقافة على رأس سلم اولوايتها . وهو حال كل المثقفين الشرفاء والانقياء الذين لا يجيدون النفاق والضرب بسيف السلطان، ويرفضون الاغواء والتدجين والسقوط في مستنقع ووحل المؤسسة والسلطة الحاكمة .

ان تاريحنا الثقافي العربي حافل بالعديد من الامثلة التي تدل على عمق معاناة ومأساة المثقفين والمبدعين من انقياء الكلمة الملتزمين بقضايا شعوبهم ونضالهم، الذين يسبحون ضد التيار، ويهتفون للشعب والمقاومة، ويقفون مع الضحية ضد الجلاد . ولعل خير مثال على ذلك الشاعر العراقي الكبير والمتمرد صاحب الوتريات الليلية مظفر النواب، والشاعر الفلسطيني علي الخليلي الذي مات بالسرطان قبل مدة وجيزة، وقضى ايامه الأخيرة على الفراش دون تقديم المساعدة له من قبل وزارة الثقافة الفلسطينية ..!

فيا لعار الانظمة العاهرة والمؤسسات الثقافية العربية التي تركت بهنيس يتضور جوعاً، ويسوح في الشوارع، وينام على الارصفة، حتى تجمد من برد الشتاء ومات على قارعة الطريق . وكم من بهنيس لا يزال بيننا وفي عالمنا العربي الكبير الواسع ينتظر المصير نفسه ..!

  

حفيظ البدري دينامـــو الفعل الثقافي بمدينة الناظور

jamil hamdaouiتوطئــــة: عرفت مدينة الناظور، على الصعيد الثقافي، مجموعة من المراحل الثقافية منها: مرحلة التغريب في عهد الحماية الإسبانية، ومرحلة الركود والتهميش بعد الاستقلال مباشرة، ومرحلة الانطلاقة الثقافية الأولى مع تأسيس جمعية الانطلاقة الثقافية سنة 1978م، ومرحلة الركود في سنوات الثمانين، ومرحلة الانطلاقة الثقافية الثانية في سنوات التسعين من القرن الماضي، ومرحلة البناء الثقافي مع السيد لحسن الشرفي وبناء المركبات الثقافية بالمدينة.

بيد أن أهم مرحلة ثقافية عرفتها المدينة هي مرحلة النضج والازدهار والانتعاش مع بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة. وقد تحققت نتائج هذه المرحلة مع مندوب وزارة الثقافة بالمدينة السيد حفيظ البدري الذي يعد، بكل حياد وموضوعية، من أهم الإداريين والفنانين الفاعلين في المجال الثقافي بالمنطقة تسييرا وتدبيرا وتخطيطا وتتبعا وتقويما. إذاً، ما أهم المنجزات الجبارة التي تحققت في مدينة الناظور بصفة خاصة، ومنطقة الريف بصفة عامة، بفضل السياسة الثقافية السديدة التي قام بها السيد المندوب الثقافي حفيظ البدري؟ هذا ما سوف نعرضه في ورقتنا هاته.

 

حفيظ البدري ومرحلة الازدهـــار الثقافــي:

تتزامن مرحلة النضج والازدهار الثقافي، في منطقة الريف، مع بداية العقد الثاني من سنوات الألفية الثالثة.أي: مع تعيين المندوب الجديد؛ الفنان المسرحي المتميز (حفيظ بدري)، بعد انتهاء مرحلة المندوب السابق (لحسن الشرفي) الذي كانت فترته فترة بناء وتوطئة وتشييد للفعل الثقافي. ومن ثم، لم تعرف الثقافة انتعاشها الملحوظ، في منطقة الريف، إلا مع الفنان والمبدع (حفيظ بدري) الذي شهدت فترته زخما كبيرا من المهرجانات والملتقيات والندوات والمؤتمرات المحلية والجهوية والوطنية والدولية، منها: المهرجان العربي للقصة القصيرة جدا، والمهرجان المتوسطي، ومهرجان مسرح الطفل لحركة الطفولة الشعبية، ومهرجان الأيام المسرحية، ومهرجان الشعر الأمازيغي، ومهرجان السينما الدولي، بله عن العديد من الأنشطة الثقافية والأدبية والفنية والورشات التكوينية والمعارض التشكيلية التي لا يمكن عدها وحصرها، إلى أن أصبحت مدينة الناظور مركزا ثقافيا وطنيا لا يستهان به، بل أصبحت المنطقة عاصمة للقصة القصيرة جدا، ومقرا دائما للرابطة العربية للقصة القصيرة جدا، وقبلة فنية لمسرح الطفل، وذاكرة تاريخية للسينما، وعاصمة للمسرح الأمازيغي، ومدرسة نقدية متميزة في المغرب والوطن العربي مع كل من: جميل حمداوي، ونجيب العوفي، وعبد الله شريق، ومحمد أقضاض، وبشير القمري، وأحمد أعراب الطريسي، ومحمد الولي، وفريد أمعظشو، وجمال الدين الخضيري، وميمون حرش، وعيسى الدودي، ونور الدين الفيلالي، وعلي الصديقي، ونور الدين أعراب الطريسي، وأحمد الكبداني، وأمحمد أمحور، وحسن بنعقية...

 

حفيظ البدري رائـــد الفعل المسرحي بالمدينة:

يعد حفيظ البدري أول مندوب بمدينة الناظور يؤسس الفعل المسرحي تدبيرا، وتكوينا، وتوجيها، وتشجيعا، وتأهيلا. وقد نجح أيما نجاح في تقريب فن المسرح إلى الجماهير الشعبية، بتنظيم مهرجان سنوي متميز هو (الأيام المسرحية لمدينة الناظور). ويتضمن هذا المهرجان عروضا ومسرحيات محلية وجهوية ووطنية، وتقديم ورشات تكوينية لفائدة شباب المدينة، وإرفاقها بندوات نقدية رفيعة المستوى في مجال المسرح، يشارك فيها نقاد بارزون من المدينة وخارجها.

 علاوة على هذا، فقد أخرج حفيظ البدري مسرحيات أمازيغية لقيت نجاحا كبيرا على مستوى التلقي والرصد والتقبل النقدي والفني والجمالي، وقد عرضت بأمازيغية الريف. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على مدى اقترابه من المبدعين والفنانين والنقاد والجماهير والمجتمع المدني. وبالتالي، فهو دائما في تواصل فعال وحيوي مع الجمعيات الثقافية، و متجدد في عطائه المستمر والمثمر إدارة وإبداعا ومشاركة وحضورا.

وينضاف إلى هذا، أنه استقدم مجموعة من العروض المسرحية المحلية والجهوية والوطنية والدولية، والهدف من ذلك هو تعريف أبناء المنطقة بالفعل المسرحي تمثيلا وتأثيثا وإخراجا وتأليفا.

كما يعد حاليا، بتنسيق مع جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون، مهرجانا دوليا متميزا يهتم بالمنودراما أو المسرح الفردي، يعنى بتطوير التجربة المنودرامية العربية تشخيصا وسينوغرافيا وإخراجا وتقنية، عبر تقديم مجموعة من العروض المسرحية، تعقبها ورشات علمية ومعرفية تأهيلية، وندوات نقدية تكوينية وتأطيرية وتوجيهية.

 

حفيظ البدري المؤسس الفعلي لمهرجان القصة القصيرة جدا:

يعد حفيظ البدري المؤسس الفعلي الحقيقي لمهرجان القصة القصيرة جدا في مدينة الناظور، وقد ساهم ماديا ومعنويا في تثبيت أركان هذا المهرجان سنويا، وتدعيم ركائزه الإدارية والثقافية والإشعاعية بتفان وإخلاص، حتى أصبحت المدينة عاصمة ثقافية للقصة القصيرة جدا على صعيد الوطن العربي، بل أصبحت هذه المدينة مقرا دائما للرابطة العربية للقصة القصيرة جدا، بفضل الجهود الكبيرة التي قام بها السيد المندوب محليا وجهويا ومركزيا.

 

حفيظ البدري المنعش الحقيقي لفني التشكيل والسينما:

لا أحد ينكر ما قام به السيد المندوب الثقافي، حفيظ البدري، من مجهودات قيمة لصالح الفن التشكيلي. إذ نشط التشكيل، في عهده، بكل تياراته واتجاهاته ومدارسه الفنية، وانتعش فنيا وجماليا وجماهيريا. والدليل على ذلك تلك المعارض الكثيرة التي عرضت بأروقة المركب الثقافي بالمدينة وخارجه في الشوارع والممرات والأزقة، كما هو حال مهرجان فن المركبات (Installations).

 ومن جهة أخرى، فقد دافع السيد المندوب الثقافي بكل شراسة واستماتة من أجل بناء متحف راق للفنون التشكيلية في مدينتنا الثقافية الصاعدة، تعرض في أروقته لوحات فنية للمبدعين التشكيليين محليا وجهويا ووطنيا وعالميا. والآتي، أن هذا المعرض سيكون – بلا ريب- معلمة فنية زاهية، ينمي أذواق الجماهير الزائرة بما يعرض أمامها من أعمال فنية وجمالية متميزة في مختلف المدارس والاتجاهات التشكيلية.

كما شهدت السينما، في عهده، انتعاشا ملحوظا بفضل سياسته التدبيرية المنفتحة على كل الجمعيات الثقافية بالمدينة دون إقصاء أو استثناء أو تهميش، بشرط أن يكون لها - فعلا - هدف ثقافي تنويري أو إضافة فعلية إلى المشهد الثقافي بالمدينة من ناحية، وتكون الإمكانات المادية التي تعدها وزارة الثقافة لهذا النوع من الأنشطة متوفرة بشكل كاف من ناحية أخرى.

 

خاتمــــة:

وخلاصة القول، سيبقى الفنان حفيظ البدري، مندوب وزارة الثقافة بالناظور، شخصية إدارية وثقافية بارزة في ذاكرة المدينة، لا يمكن طمس معالمها أو نسيان تقاسيمها بسهولة؛ نظرا لما قامت به من أعمال ثقافية جبارة ومثمرة وخالدة لصالح ساكنة المدينة.

 ومن ثم، فهو الفنان والإداري الوحيد الذي أعطى دينامكية للفعل الثقافي في المدينة، حيث أخرج الإدارة من بعدها البيروقراطي إلى ساحة الميدان ممارسة ومشاركة وتنفيذا وتفعيلا، بعد أن كان هذا الفعل الثقافي - سابقا- شأنا إداريا محضا، ولم يكن ممارسة فعلية داخل الميدان، أو حضورا حقيقيا عبر المشاركة الفعلية للمبدعين والفنانين والنقاد والمثقفين جنبا إلى جنب.

ويكفي السيد المندوب الثقافي فخرا أن جعل مدينة الناظور عاصمة للثقافة الفعلية في الجهة الشرقية بدون منازع، وجعل منها قبلة للمثقفين المغاربة والعرب والأجانب قصد المشاركة في أنشطتها المختلفة على جميع الأصعدة والمستويات. ويكفيه تقديرا وسموا وثناء أن عرفت مدينة الناظور، في عهده، ازدهارا ونشاطا وانتعاشا ثقافيا قل نظيره على الصعيد الوطني والعربي. والدليل على ذلك تلك المهرجانات الدولية المتميزة المرتبطة بالقصة القصيرة جدا، والمسرح، والمونودراما، والشعر العربي و الأمازيغي، والكتابة الشذرية، وفن التشكيل، والسينما، والموسيقى، بله عن دفاعه المستميت عن الآثار التاريخية والمنشآت الثقافية، ووقوفه الأخوي الحميم بجانب جميع الفنانين والمبدعين والجمعيات الثقافية بالتشجيع المادي والمعنوي، ولا ينكر فضله وحقه إلا جاحد أو حاقد أو حاسد..

 

الدكتور جميل حمداوي

رئيس الرابطة العربية للقصة القصيرة جدا

 

الحركة الوطنية الجزائرية عند أبو القاسم سعد الله

moamar habarمقدمة لابد منها: كان من المفروض أن أقدّم ورقة حول قراءاتي البسيطة، لبعض مواقف شيخ المؤرخين، أبو القاسم سعد الله، رحمة الله، لكن تذكرت أسطرا كتبتها بخط اليد في التسعينات من القرن الماضي، أي منذ 25 سنة، ثم أعدت نقلها عبر الحاسوب، ولم أغيّر فيها شيئا، بما فيها العنوان، رغم مرور ثلاثة عقود على كتابتها، ولأول مرّة يكتب لها النشر بإذنه تعالى.

 

التعليق الأصلي: بعدما ينتهي القارئ من قراءة " الحركة الوطنية الجزائرية " الجزء الأول، القسم الأول لأبوالقاسم سعد الله، سيقف على الملاحظات التالية:

خيانة الترك المتمثلة في بايات الجزائر، ساعدت وبقوة الفرنسيين لكي يحتلوا الجزائر وقد اتضحت هذه الخيانة في النقاط التالية :

لم يقوموا بأدنى مقاومة تذكر .

سلموا مفاتيح المدينة في آخر لحظة .

اهتموا بأنفسهم وأموالهم وما شيتهم وأهاليهم، ولم يفعلوا ذلك مع الجزائريين .

القلة القليلة التي بقيت ولم تهاجر، ظلت تدافع عن الإستعمار وتساعده في قمع الجزائريين، كي تنال بذلك لقبا، أو دنيا عارضة، ولو كان ذلك على حساب دماء الجزائريين .

 

"ملوك" العثمانيين لم يفعلوا أي شيء لاسترداد الجزائر، بل بالعكس:

خيبوا ظن الامير، ولم يقدموا له يد المساعدة حينما طلب منهم ذلك .  

تعاهدوا مع فرنسا، أن الجزائر ملك فرنسا، ويحق لها أن تفعل بها ما  تشاء .

حاربوا الأمير حينما رفع لواء الجهاد، بدعوى أنه يهدد ملكهم !! وينافسهم في مكانتهم.

إن الخائن الموجود الآن هو نفسه الذي خان أمته يوم استعمرت الجزائر، وخان المقاومة يوم انتفضت، وخان الثورة الجزائرية يوم إندلعت، وخانها يوم سطا على إرادة المجتمع  سطو قطاع الطرق .

و لا عجب إذا استدعيت الأقدام السوداء وعضوا على اتفاقية إفييان بالتواجذ، وتجنسوا بالجنسية الفرنسية وغيرها .

إن حثالات باريس كما يسميها سعد الله، هي التي استعمرت الجزائر . معنى هذا أن فرنسا لم تكن أكثر مالا، ولا أعز نفرا، ولا أقوى جيشا.

إن الحالة التي كان عليها الجيش الفرنسي يوم أستعمرت الجزائر، تشبه الحالات التي كان عليها  الصليبيون يوم  دمروا بيت المقدس، ويكفي أنهم كانوا حفاة عراة، لم يجدوا ما يحملون عليه أمتعتهم سوى الخنازير، ومن شدة الجوع أكلوا الجيف، فإذا كان هذا هو حال المنتصر فكيف يكون حال المنهزم .

واضح أن العقلية القبائلية، بما فيها من صراع وتناحر وتأثر، أثرت سلبا على نجاح المقاومة واستمرارها. ففرنسا كانت تستعمر باسم فرنسا، بينما المقاومة قامت باسم أشخاص أو قبائل وبشكل مبعثر، لذلك لم تؤت أكلها .

إن الأوضاع الداخلية هي التي أثرت سلبا على المقاومة وليس الاستعمار وقد تمثل ذلك في:

الخيانة الشريعة والتلقائية

محاربة رؤساء القبائل والشيوخ للأمير عبد القادر .

صراع الزعماء.

الجهل بالتنظيم العسكري .

  

طَلّقتُ المذاهب كلها .. د. مصطفى جواد .. ذكرى مرور44 عاما على رحيله

atef aleziفى وثيقة بخط يده يرجع تأريخها الى عام 1949 ذكر فقيد العراق العلامة الدكتور مصطفى جواد المؤرخ الفذ، فيلسوف اللغة العربية ما يلى:

"أصلى من قره تبه واجدادى تركمان متشيعون غلاة فى التشيع ، وانتقل جدى الى بغداد فصار شيعيا إماميا وكذلك والدى ، وانا نشأت على ذلك ، ثم طلقت المذاهب كلها من دون استثناء الى غير رجعة".

إختلف الباحثون فى تأريخ ميلاده ، ولكن المرجح أنه ولد فى عام 1906 فى محلة عقد القشل بالقرب من جامع المصلوب فى الجانب الشرقي من بغداد ، وتوفي فى 17/12/1969 مخلفا وراءه المئات من المؤلفات المطبوعة والمخطوطة فى اللغة والتأريخ والأدب.  ونعته وزارة الثقافة والاعلام ببيان جاء فيه: "رزىء العراق بوفاة العلامة والمربي الكبير الاستاذ مصطفى جواد الذى عرفته الأوساط الفكرية والأدبية والتربوية علما من الأعلام، متفانيا ودؤوبا ومخلصا ، أضاء بعلمه وأدبه أجيالا عديدة من أبناء العراق والوطن العربي".  وتقدم أحمد حسن البكر -رئيس الجمهورية آنذاك- جموع المشيعين ومن ضمنهم صالح مهدى عماش وغيره من القادة البعثيين ، ومعظمهم لا شأن لهم بالأدب والعلم والثقافة ولكنهم كانوا فى ذلك الوقت بحاجة الى التظاهر بتقديرهم للعلم والعلماء وكل ما قد يرفع من شأنهم فى أعين أبناء شعب العراق الذى دمروه منذ انقلابهم الدموي فى 8 شباط/فبراير 1963.

 

فى منتصف عام 1960 استدعى الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم الدكتور مصطفى جواد والدكتور أحمد سوسة والاستاذ محمود فهمى درويش وطلب منهم تأليف دليل للجمهورية العراقية الفتية، وأن يباشروا بذلك فورا ، ووعدهم بمساندته الكاملة لهم فى هذا المشروع الوطني.  ويُذكر أن الدكتور جواد تقدم برجاء الى الزعيم فى ذلك الاجتماع أن يضم حرف الجيم فى كلمة (جمهورية) بدلا من فتحه كما كان يفعل الزعيم فى خطبه ، فضحك الزعيم وقال انه سيفعل ذلك إذا ما شرح له الدكتور جواد السبب . فكان جواب الدكتور أن أصل الكلمة هى (جُمهور) وليس (جَمهور) .  وتم العمل بالدليل وقدم المؤلفون نسخة منه الى الزعيم فى يوم 14 تموز/يوليو 1961. ومن هنا بدأ التقاعس من المسئولين فى صرف المبالغ التى تكبدوها المؤلفون، وتألم الدكتور جواد لذلك خاصة وانه كان قد اقترض حصته من الكلفة من أصدقائه . وامتدت المماطلة الى ما بعد الانقلاب البعثي فى سنة 1963 حيث دخلت المسألة فى طي النسيان وطغت عليها الحوادث الجسام التى رزح تحتها العراق ابتداءا من انقلاب عبد السلام عارف على أصحابه البعثيين ثم انقلاب البعثيين الثاني فى سنة 1968 على اخيه عبد الرحمن عارف وامتد حكمهم الجائرالى 9 نيسان/ابريل 2003.

لم تكن طفولة الدكتور جواد سعيدة خاصة بعد أن أصيب والده الذى كان خياطا فى سوق الخياطين ببغداد بالعمى، واضطر الى بيع ممتلكاته ببغداد والنزوح بعائلته الى ناحية دلتاوة (الخالص حاليا) واشترى هناك أملاكا ليعيشوا من مواردها.  أدخله والده فى (الكتاتيب) حيث درس حروف الهجاء وقراءة القرآن الكريم، ثم نقله الى مدرسة دلتاوة الابتدائية.  فى شتاء 1917 وبعد وفاة والده بقليل، دخل الجيش البريطاني دلتاوة  متعقبا الجيش العثماني المنهزم نحو الشمال ، وأغلقت المدرسة وانصرف الدكتور الى رعاية البساتين التى خلفها والده. وبعد عقد الهدنة بين الانكليز والعثمانيين استتبت الأمور وفتحت مدرسة دلتاوة، وحصل نزاع بين والدته وأخيه الأكبر حول إرث والده ، فنقله أخوه الى بغداد وأدخله المدرسة الجعفرية الأهلية.  ثم قصّر أخوه فى تسديد أجرة المدرسة فانتقل الى مدرسة باب الشيخ الابتدائية.  وقاسى الكثير من شظف العيش والعوز بسبب النزاع العائلي حتى حلت سنة 1920 فعاد الى دلتاوة لينتفع بحصصه فى البساتين هناك. ثم عاد الى مدرسة دلتاوة، ولما نجح الى الصف الخامس قرر الذهاب الى بغداد وداوم فى دار المعلمين الابتدائية بعد نجاحه فى امتحان القبول، وتخرج سنة 1924 معلما ابتدائيا وعُين فى مدرسة الناصرية الابتدائية.  وتزوج سنة 1928 عندما كان معلما فى الكاظمية .  تعلم مبادىء اللغة الفرنسية فى القاهرة ، ثم دخل كلية السوربون فى باريس سنة 1934 وأكمل رسالة الدكتوراه وقُبلت وأعلنت الحرب فلم يتهيأ له مناقشتها ولا طبعها.  ولما بدأ هجوم الألمان الجوي أيقن أن الحرب ستطول فعاد الى العراق بالقطار ووصل الى بغداد وعُين فى دار المعلمين العالية –التى سُميت فيما بعد (كلية التربية) وذلك سنة 1939.  وفى سنة 1942 دعي لتعليم الملك الصغير فيصل الثاني اللغة العربية من القراءة الخلدونية فى السنة السابعة من عمره.  وفى ذلك كتب الدكتور فى سيرته فى مجلة الجندي:

"وكنت أود أن أجعله ملكا يشبه الملوك الذين قرأت سيرهم فى التأريخ الاسلامي، الا أن أهليه لم يسمحوا لى فى ذلك ، فقد كانت المسكنة تظهر عليه حتى فى طلب حاجاته المدرسية ، وكان يشكو من ذلك، فقلت له ذات مرة أنت ملك فقل لهم هاتوا كذا وكذا فلا يستطيعون رفضا، فلما قال لهم ذلك بلهجة الأمر، قالوا: ليس هذا اسلوب كلامك فمن علمك هذا النوع من الطلب، بعد ان حاول التخلي عن الضعف والاستقلال بنفسه قال لهم : الذى علمنى ذلك مصطفى جواد، فحقودها علي واعادونى الى التدريس فى دار المعلمين ، خوفا من تربيتى روح الاستقلال فى نفسه، وطلبت أن أنقل الى مديرية الآثار ، وبعد أن رأيت سوء الادارة فيها عدت الى دار المعلمين".

ويقول الدكتور نافع عبد الجبار العلوان فى كتابه "الدكتور مصطفى جواد: حياته وآثاره"  المطبوع فى 1/9/1970 : " بعد جهاد طويل فى الحياة مع الكتب والأقلام والمحابر فى الخالص وبغداد ودمشق والقاهرة وباريس أغنى فيه دورالعلم والأدب والمجامع الأدبية ببحوث لم يتوفر عليها غيره من فطاحل المؤرخين وأساتذة الأدب وشيوخ الفقه . وبعد جهاد طويل فى المنابر التى يرتاح لها السامع تستحوذ على الألباب لعمق المضمون ثم بعد جهاد طويل مع الأمراض نزلت بالناطقين بالضاد الفجيعة بوفاته. وفاة العلم الشامخ الدكتور مصطفى جواد.  والذى يعزّي ويقلّل الخطب الجلل أن فقيدنا الخالد خلّف لنا وراءه تراثا واسعا هيهات أن تأتى عليه الأيام والأعوام .. فى اللغة والمفردات والأساليب والاشتقاقات والتاريخ وشوارد تأريخ البلدان والديارات .  رحم الله المعجم الخالد والسفر الخالد رحم الله الدكتور مصطفى جواد وجزل له الثواب على قدر ما أسدى من جهاد طويل فى خدمة لغة القرآن.

 

وقال عنه الراحل الدكتور صفاء خلوصي عميد الأدب العراقي: 

"ان الدكتور مصطفى جواد مفخرة لكل العراقيين و كان اعجوبة الدهر ومعجزة الزمان في التاريخ واللغة وكانت احواله اللغوية احيانا شبيهة بالغيبيات وكان مجتهدا في الصياغه اللغوية يصيب ولا يخطيء ومصححا اخطاء القدماء والمحدثين ، وكان دائرة معارف متنقلة تمشي على أرجل بما حفظ ووعى من دقائق الأشياء، وله القدرة على الإجابة عن أي سؤال يوجه له في أي وقت، وكنت اشاركه في برنامجه الشيق: قل ولا تقل ، وكان يعرف اسماء جميع احياء بغداد في العصر العباسي و مواقع بيوت الخلفاء والوزراء حتى مدراء الشرطه وكنا معا نقدم برنامجا باسم خطط بغداد. وقد كان حياديا فى فكره التأريخي، إذ سما فوق الأهواء حين قال: "لقد طلقت المذاهب كلها من دون استثناءالى غير رجعة" ومع ذلك فان هذا لم يجرده من حبه لآل البيت الذى هو نهج المذاهب فى جوهرها جميعا، و مهيع كل من يرى ويفسر المذاهب تفسيرا صحيحا، فحبه لآل البيت هو الذى جعله يختار الخليفة الناصر لدين الله المحب لآل البيت مثلا أعلى له وقد كتب فيه وفى عصره موضوع رسالته للدكتوراه تلك الرسالة لتى لم يتح لها مجال المناقشة بسبب قيام الحرب العالمية الثانية".

 

ومن مؤلفات الدكتور مصطفى جواد:

"الحوادث الجامعة" أول كتاب صدر له 1932

"سيدات البلاط العباسي" 1950

"سيرة أبي جعفر النقيب" 1950

"المباحث اللغوية في العراق" 1960

"خارطة بغداد قديما وحديثا" (مع الدكتور أحمد سوسة وأحمد حامد الصراف)

"دليل خارطة بغداد" (مع الدكتور أحمد سوسة)

"دليل الجمهورية العراقية" لسنة (1960) (مع محمود فهمي درويش وأحمد سوسة)

"الأساس في الأدب" (مع بهجت الأثري وكمال إبراهيم)

"دراسات في فلسفة النحو والصرف واللغة والرسم" 1968

"قل ولا تقل" 1969

"دليل خارطة بغداد المفصل" (مع الدكتور أحمد سوسة) مطبعة المجمع العلمي العراقي 1958

رسائل في النحو واللغة" آخر كتاب طبعه 1969)"

وترجم :

"قصة الأمير خلف" (مترجمة عن الفرنسية)

"بغداد مدينة السلام" تأليف البريطاني ريتشارد كوك، علق عليها الدكتور وشارك فى الترجمة الأستاذ فؤاد جميل (جزءان) 1962 و 1967.

 

قبل الختام أود أن اذكر ما قاله الراحل الجليل فى مسألة "تعدى الفعل" ولزومه فى اللغة العربية:  اننا ندرس فى فقه اللغة ان الأصل فى الأفعال أن تكون متعدية ، "لان الحياة الانسانية فضلا عن الحيوانية قائمة على الافتراس والعدوان على اختلاف ضروبه وأنواعه".  وانى أتساءل عما اذا كان الدكتور يتنبأ بما سيحصل بعده فى العراق من "افتراس وعدوان" بين سياسييه ومشايخه ، وهو ما يحصل الآن ونلمسه فى كل يوم من أيامنا هذه.  فان كانت نبوءة فقد صدقت.

 

عاطف العزي

..........................

المصادر:

من الذاكرة

من كتب وخطب ونشرات السادة:

الأستاذ وحيد الدين بهاء الدين

الاستاذ حسين أمين

الاستاذ سالم الألوسي

الاستاذ صفاء خلوصي

الاستاذ محمد عبد المطلب البكاء

الاستاذ نافع عبد الجبار العلوان

الاستاذ عبد المطلب صالح

وغيرهم من الأساتذة الأفاضل الذين غابت أسماؤهم عن ذاكرتى

 

مع الشاعر والمناضل الفلسطيني محمد علي صالح

shaker faredhasanمحمد علي صالح (أبو عكرمة) من الأسماء المهمة في التاريخ الوطني والنضالي والثقافي الفلسطيني التي لم تأخذ حقها من الشهرة والنجومية، فظل بعيداً عن دائرة الضوء ولم ينل حقه من التركيز الاعلامي على انتاجه، رغم انه من رعيل وجيل الشعراء الفلسطيني الاوائل الذين أسسوا لدعائم وركائز الشعر الوطني والسياسي المقاوم في فلسطين التاريخية، أمثال : ابراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وعبد الكريم الكرمي(أبو سلمى)، وانه كان على صلة وثيقة باقطاب السياسة والأدب في فلسطين كمحمد عزة دروزة وفؤاد نصار ويعقوب الغصين وبهجت أبو غريبة وفرحان السعدي وسامي طه واحمد الشقيري وحمدي الحسيني وأكرم زعيتر، وسواهم من قادة العمل الوطني والنقابي والثقافي في فلسطين قبل العام 1948.

يقول المرحوم محمد علي صالح في كلمة التأبين التي صاغها يوم رحيل رفيق دربه وأخيه في الرضاعة الشاعر (أبو سلمى) مستحضراً أيام الصبا والشباب : " أذكر أيام صبانا في طولكرم حينما كنا نحاول أن نشدو بالشعر، نشدو ببواكير الشعر . كنا نسرق من ساعات اللهو من اترابنا ولاننا من الاولاد، مرجعنا ديوان "تغريبة بني هلال " وننتحي جانباً في كروم البلدة، وفي الكرم "القريب" على التخصيص لنقرأ سوية في ديوان التغريبة هذه، تقرأ انت مرة وأقرأ أنا مرة أخرى، وكنا نحاول أن نحفظ الأشعار التي في ذلك الديوان، على ركاكتها وعدم جدوى ما فيها، وفي احيان كثيرة كنا نقلد تلك الأشعار وننسج على منوالها، ومضى على ذلك وقت ليس بالقصير وكنت أنت المجلي دائماً، وكنت أنا احذو حذوك واقلد ما كنت تنظم، وامشي على أثر خطواتك، ثم انتقلنا الى قصة "عنترة بن شداد " فقرأناها وحفظنا أكثر ما فيها من الأشعار . وكانت تلك الأشعار، اصح وزناَ، واقوم سبيلاً من أشعار التغريبة .

ويضيف قائلاً : " من هنا، من هذا المنطلق صرنا نتذوق الشعر شيئاً فشيئاً اكتسبنا ملكة النظم، ثم اننا فيما أذكر انتقلنا الى الصحافة، نرسل اليها ما نصوغه من أبيات وقصائد قصيرة متواضعة، وكان دأبنا أن تنقد أنت ما أكتب، وأعود أنا بدوري انقد ما ترسله أنت . وطال بنا الامر على ذلك بضع سنين فصرنا أكثر جراة وأشد مراساً، هكذا أيها العزيز بدأنا رحلة الشعر، بداناها مترافقين وجلين، وأظن بل أذكر انك أشرت الى ذلك في احد احاديثك من راديو دمشق ".

محمد علي صالح هو والد الشاعر الفلسطيني المعروف عبد الناصر صالح، أحد الاعلام الشعرية المضيئة في المشهد الثقافي والفكري الفلسطيني، ولد سنة 1907 في مدينة طولكرم، ودرس في الكلية الاسلامية بالقدس وتخرج منها سنة 1927 . انخرط في النضال الوطني والسياسي منذ شبابه المبكر، واعتقل أكثر من 6 مرات وزج في السجن ابان ثورة 1936 وعرف كأحد المكافحين ضد الانتداب والاستعمار البريطاني، وكاحد المثقفين الذين أناروا الطريق وساهموا في النهضة الثقافية والفكرية والتربوية والعلمية الفلسطينية، وصياغة الوعي الوطني التقدمي الثوري وتذويته ونشره بين أجيال الغد والمستقبل، الفلسطينية والعربية، والمشاركة في تشكيل وتأسيس "التجمع الطلاب الفلسطيني " الذي انتخب رئيساً له .

أشغل المرحوم محمد علي صالح ريئساً لتحرير صحيفة "صدى العرب" التي كانت تصدر في شرقي الاردن وتوقفت عن الصدور سنة 1928 بأمر من الأمير عبد اللـه بن الحسين، وعمل في سلك التربية والتعليم كمدير لمدرسة نور الدين زنكي في طولكرم حتى احالته على التقاعد سنة 1971، ومنذ سنوات الخمسينات انتخب عضواً في المجلس البلدي بمدينة طولكرم أكثر من مرة . وفي العاشر من آذار العام 1989 وافته المنية بعد حياة حافلة بالتضحيات وزااخرة بالنضال والعطاء والمواقف الوطنية الجذرية الصلبة . وقد أبقى وراءه مجموعة من القصائد التي لم تصدر في ديوان، كان قد كتبها وقالها في المناسبات القومية والوطنية، ونحس فيها بطغيان الشعور القومي والوطني والانساني في نفسه، وباندفاعه القومي .

كان محمد علي صالح واضح الرؤى، كتب قصائده باسلوب سلس قريب من ذائقة الناس والعامة ونبض الشارع فاستساغوه، وعبّر بابسط الكلمات واوقعها حساً وتاثيراً في النفس، عن الهم الفلسطيني والانساني، وعن معاناة شعبنا الرازح تحت نير الظلم والقهر والاحتلال، التواق والمتعطش للحرية والاستقلال ونور الشمس والفرح الدائم . انه من الشعراء الغر الميامين الذين نبغوا في قول الشعر المقفى الموزون، وامتاز شعره بالصدق والامانة والفخر وطيب الكلمة وزخم العبارة والمعنى ووطنية النفس الطويل وجمال المركبات اللغوية ورشاقة الالفاظ الموحية .

عرف باشعاره الوطنية المناهضة للاستعمار والانتداب، والداعية الى الانغراس والانزراع في الارض والوطن وعدم التفريط بحبة تراب، والى تصعيد الثورة ومواصلة النضال والمواجهة لطرد المستعمرين . واشتهر بالرثاء، ومن جميل رثائاته قصيدة "كيف ارثيك يا أبا سلمى " التي فاضت بها روحه الحزينة الباكية غداة رحيل صنو روحه العزيزة، الشاعر عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، التي يقول فيها :

يا أبا سلمى ويا خير الصحاب

 حسبي اللـه فقد جل المصاب

لست ادري بعد ان فارقتنا

 كيف ارثيك ودمعي في انسكاب

كيف ارثي الشاعر الفذ الذي

 ملأت أخباره كل رحاب

كيف ؟ هل استطيع أن ارثي فتى

 طاولت اشعاره كل سحاب

كان صنو الروح في عهد الصبا

كان يرعاني اذا لاقيته

 ولكم يسأل عني في الغياب

كم شربت الود في صحبته

 صافياً لذ على قلبي وطاب

وانتشينا من لبانات الهوى

 وكرهنا بعده كل شراب

يا أخا روحي لقد خلفتني

 نضو هم وانين وعذاب

اقفرت بعدك آفاقي وقد

 خانني الشعر وجافاني الصواب

وحرمت النوم الا غفوة

 كلها ذعر ولوم وعتاب

وتولى خافقي الحزن وكم

 خشع القلب أسيفاًواناب

موقفي صعب، وكم من موقف

 لي قد حفت به كل الصعاب

وعندما فجعت فلسطين باستشهاد المجاهد عز الدين القسام كتب محمد علي صالح في ذكراه مطولة شعرية رائعة، نقتطف منها :

افتتح بالفدا والآلام

منهج الحق يا دم القسام

ومر القوم ان يكفوا عن القول

فلم ننفع بصوغ الكلام

كيف ابطلت في انصبابك

للحق، زكياً عبادة الأصنام

يا دماً لم يرق على سرر

الذل ولكن اهريق في الآجام

قد طويت القرون حتى شهدنا

بك عهد النبي والاسلام

محمد علي صالح من رجالات النضال والثورة والشعر الذين ساهموا في الحياة الثقافية والادبية والنضالية الفلسطينية، ولعبوا دوراً هاماً في مسيرة شعبنا الفلسطيني التحررية . والواجب الوطني يتطلب تعريف الاجيال الفلسطينية الجديدة والقادمة بهم، واستذكارهم في الندوات والحلقات الادبية والمواسم الثقافية، وذلك وفاءً وتقديراً لعطاءاتهم وجهودهم ودورهم كشعراء ومناضلين كرسوا وافنوا حياتهم دفاعاً عن القضايا الوطنية والحق الفلسطيني . والمطلوب من وزارة الثقافة الفلسطينية والمؤسسات الثقافية في الاراضي المحتلة العمل على تجميع كتابات محمد علي صالح في مجالات الشعر والأدب والسياسة ونشرها في كتاب صيانة لارثه الثقافي والأدبي وتاريخنا الوطني .

 

من أوراقي المطوية: (أنانا) أول أوبرا عراقية ظلت قيد الكلمة والموسيقى

muoed aljaboriجمعتني وأخي الشاعر عبد الوهاب اسماعيل، تجربة كتابة مشتركة في الدراما الغنائية، أسفرت عن خمسة نصوص جرى تلحينها وتقديمها على مسارح نينوى والعديد من المحافظات، منها على سبيل المثال (القرية المسحورة) التي كتبناها عام 1979 فوضع ألحانها كل من الفنانَين: سمير كلو وأيوب حسين، وأخرجها الفنان راكان العلاف. ويوم قدمت في المهرجان القطري لمديريات النشاط المدرسي الذي أقيم عام 1980 في محافظة المثنى (السماوة) حصدت الجائزة الأولى دون منافس، وأبدى رئيس لجنة التحكيم الفنان الكبير جعفر السعدي حينها إعجابا وانبهارا بالعمل، وبنص العمل بشكل خاص، ثم نُشر النص في مجلة الطليعة الأدبية عام 1980. فأعقبناه بنصوص مسرحية غنائية أخرى مثل (سفر الأمواج) و(عرس الأقمار)  وأصدرنا بعدها نصوص تلك التجربة المشتركة في كتاب عام 1987 تحت عنوان (مسرحيات غنائية).

من بين تلك النصوص لم تزل تقدح في الذاكرة محاولتنا الأولى في هذا الاتجاه، يوم استضافنا ذات مساء من عام 1975 صديقنا الفنان الموسيقي الملحن وعازف الكمان موفق الجبوري في منزله وتداول معنا حول إمكانية كتابة (أوبريت) خارج إطار الأعمال الشائعة آنذاك والتي تعتمد الموروث الشعبي الموصلي، فدارت في مخيلتي ومخيلة عبد الوهاب صور كثيرة، فاستقر رأينا على أسطورة (أنانا) في أدب وادي الرافدين، وفي الليلة الثانية في المنزل نفسه، فرشنا الأوراق وبدأنا، وفي أواخر الليل كنا قد أنهينا مسرحيتنا الغنائية وبتنا في المنزل.

ونص (خطبة أنانا) كأسطورة يعتبر أول مناظرة شعرية في أدب العراق القديم بين (دموزي) الراعي و(أنكمدو) الفلاح، فكل منهما يريد أنانا زوجة له ويعرض أمامها مؤهلاته، أما أنانا فكانت تفضل أنكمدو لأنه كما ترى هو المستقِر والأغنى والأقدر على إعالتها. وبعد صراع بينهما وحوار يستطيع دموزي ببلاغته إقناع أنانا التي يحبها بتفضيله على الفلاح، ثم تدخل شِياهُ دموزي حقلَ أنكمدو وينتهي الصراع بأن يضحي الفلاح أنكمدو برغبته وتكون أنانا من حصة الراعي دموزي.

لقد اعتمدنا في نصنا الخطوط العامة للأسطورة بإضافة شخوص وحوادث وأبعاد أخرى للصراع، لقراءة الحاضر بعيون الماضي.

271-maadيوم قدم النشاط المدرسي عرض أوبريت أنانا، في مهرجان الربيع بالموصل عام 1976 من ألحان موفق الجبوري وإخراج علي احسان الجراح، كنتُ في الصومال، وفي العام نفسه نَشرتْ مجلة (الطليعة الأدبية) النص كمسرحية غنائية.

وفي عام 1977 كانت فنانة موسيقية عراقية مغتربة تُدعى (سلوى شاميليان) قد عادت إلى العراق بعد غياب طويل، وهي تحلم بإنتاج أوبرا عراقية، وحين عثرت على النص في الطليعة الأدبية، صاحت: (وجدتها) واتصلت بي من بغداد مبدية رغبتها بتقديم (أنانا) كأول أوبرا عراقية، فوافقنا أنا وعبد الوهاب بفرح، وبعد أيام حاورتني هاتفيا حول إمكانية استجابتي إلى طلب أي لمسات على النص، من شأنها تعزيز التناغم بين الكلمة والموسيقى والألحان، فأبلغتها بترحيبنا نحن الاثنين بما تطلب.

ثم قدمت مجلة الإذاعة والتلفزيون تحقيقاً ولقاءاً مع الفنانة سلوى شاميليان (العدد 242 في 17-11-1977) واتخذت من صورتها وتصريحها مادة للغلاف الأول من ذلك العدد. وأبرزت على الغلاف العبارة التالية (أول أوبرا عراقية في طريقها إليكم). وقد جاء في التحقيق أن شاميليان (أمسكت بالطرف الأول من الخيط ووجدت أن الفرصة قادمة وإذا ما ضاعت فإن التصاريح تبقى مجرد أمنيات .. وجلست سلوى إلى آلة البيانو تلحن وتعزف وتدون، زادها ما اكتسبت من خبرة في التأليف الموسيقي وما تعلمته من فن الأوبرا الصعب، حتى انتهت منها: أول أوبرا عراقية تأليفا وتلحينا وأداء.)

لقد أنجزت سلوى شاميليان أوبرا أنانا، لكن طريقها إلينا كان محفوفا بالعراقيل والمطبات فلم تشهد النور.

وضاعت الفرصة وهي بعدُ في مهدِها، وطوت الخيبةُ أوراقَ شاميليان وألقتْ بها على رفِّ النسيان.

بعدها لَمْ نرَ الفنانة أو نسمع عنها أي خبر حتى هذا اليوم، فقد غادرت العراق منذ أن خابت أحلامُها في تلك السنين الخوالي.        

**

 

مانديلا وثلاثيته الأثيرة

abdulhusan shaabanهذا الأسود الأشدّ بياضاً في هذا العالم رحل أخيراً بهدوء، فقد أعلن رئيس جنوب إفريقيا جاكوب زوما عن وفاة الزعيم التاريخي لجنوب إفريقيا نيلسون مانديلا، وأول رئيس لها بعد القضاء على نظام الفصل العنصري (الأبرتايد)، عن عمر يناهز ال 95 عاماً، قضى منها 27 في السجن .

ويعد مانديلا من أهم الزعماء الكبار الذين آمنوا باللاعنف، إضافة إلى المهاتما غاندي ومارتن لوثر كنغ والأديب الروسي ليو تولستوي، وهو أحد مصادر الإلهام والإبداع الإنسانيين على هذا الصعيد، لاسيّما كفاحه من أجل الحرية والعدالة والمساواة، وإيمانه بالتسامح وقد أكسب بلاده سمعة كبيرة، خصوصاً عندما تحوّلت من نظام الفصل العنصري إلى نظام التداولية السلمية الديمقراطية، من خلال صندوق الإقتراع والانتخابات للجميع دون عزل أو تمييز على أساس عرقي أو إثني أو سلالي أو ديني أو جنسي، أو بسبب المنشأ الاجتماعي أو غير ذلك .

وقد كانت تجربة جنوب إفريقيا في ميدان العدالة الانتقالية متميّزة ومثيرة وهي مصدر دراسة نظرية وعملية على الصعيد العالمي، ليس بهدف التقليد أو الاستنساخ، بل لغرض الإفادة منها تجربةً إنسانيةً متميّزةً، ولاسيّما في القيم والمبادئ التي استندت إليها، وكان لمانديلا الدور الأكبر في ذلك، وهو ما حاول أن يؤسس له من سجنه بدعواته المتكررة لتنظيم حملات سلمية ومدنية ضد التمييز العنصري، ورفضه الاستجابة إلى العنف ودعوته إلى اللاعنف والتسامح، وفيما بعد للمصالحة وإعادة بناء الدولة والمجتمع على قيم الحرية والمساواة وعدم الثأر أو الانتقام أو الكيدية أو روح الكراهية .

ولد مانديلا في 18 يوليو/تموز 1918 في ترانسكي بجنوب إفريقيا لقبيلة كبيرة ومؤثرة، وتخرّج في الجامعة (كلية الحقوق) 1942، وانخرط في العمل السياسي في وقت مبكر وأصبح رئيساً للمؤتمر الوطني الإفريقي في وقت لاحق . واختار الكفاح المسلح في عام 1961 ضد سياسات التمييز العنصري كمرحلة للكفاح، لكنه عاد وتبنّى فلسفة اللاعنف والمقاومة السلمية المدنية التي شعر أنها الأكثر مضاءً وتأثيراً، والأنجع لتحقيق أهدافه الإنسانية، وقد ألقي القبض عليه في عام 1962 وحكم عليه لمدّة خمس سنوات . وفي عام 1964 حكم عليه بمدى الحياة بتهمة التخريب والخيانة .

تحت ضغط الرأي العام أفرج عنه في 20 شباط (فبراير) عام 1990 وفي عام 1993 حاز جائزة نوبل للسلام وأصبح رئيساً لجنوب إفريقيا، حينما انتخب في 29 نيسان (ابريل) ،1994 وبعد خمس سنوات (في عام 1999) قرّر الاعتزال والتقاعد الطوعي، فاسحاً في المجال للتناوب على السلطة وللتداول السلمي للمسؤولية .

لقد نجح مانديلا في أن يحوّل بلداً ممزقاً ومتصارعاً ويسوده العنف إلى بلد موحّد ومنسجم ومتسامح ويسوده السلام، وبدلاً من العنصرية والتمييز والانقسام، أصبح البلد المتعدّد الأعراق والإثنيات والسلالات مصدر قوة ووحدة، لاسيّما عندما سادت فيه المصالحة الوطنية، وبما أن العدالة الاجتماعية وهو ما كان يطمح إليه عملية معقّدة وطويلة، فقد ظلّت بعيدة المنال، لاسيّما بتجريد ملايين من سكان جنوب إفريقيا السود من أراضيهم لمصلحة البيض، ولم يرغب مانديلا في إجراءات حادّة من شأنها أن توّلد ردود فعل حادّة، ولا سيّما بخصوص التفاوت الطبقي والاجتماعي الذي ظلّ صارخاً بفعل الأوضاع التاريخية .

أقدم مانديلا على تأسيس لجنة الحقيقة والمصالحة التي عُدّت إحدى التجارب العالمية المهمة، على الرغم من عدم مثاليتها، لكن جلسات الاستماع التي شهدتها بالمئات كان له وقع كبير على الضحايا، مثلما تمكّنت من تطهير الكثير من نفوس الذين أجبرتهم الظروف السابقة على الارتكاب . وقد عبّر فريدريك دي كليرك آخر رئيس أبيض لجنوب إفريقيا، والحائز جائزة نوبل مناصفة مع مانديلا، في مقابلة مع محطة تلفزيون "سي أن أن" الأمريكية: إن أكبر انجازات مانديلا كانت توحيد جنوب إفريقيا والسعي إلى المصالحة بين السود والبيض في عهد ما بعد سياسات العزل العنصري .

وقف مانديلا بشجاعة لا نظير لها ليعلن أن بلدنا هو للجميع، وللسود والبيض على حد سواء، وعلينا أن ننظر إلى المستقبل ولا نغرق في الماضي، وذلك تأسيساً لتجاوز قرون من التمييز العنصري وحروب الإبادة اللاإنسانية ضد السكان الأصليين من الأفارقة أصحاب البلاد الشرعيين .

وكانت جرأة مانديلا وحزمه وعوامل أخرى هي التي وقفت ضد احتمال ارتكاب مجازر ثأرية وعمليات انتقامية بحق السكان البيض، ولو كانت شرارتها قد اندلعت لكانت الحرب الأهلية قد أكلت الأخضر واليابس، وهي حرب ستكون شاملة بين الأفارقة والسكان البيض، لكن إنسانية مانديلا وشجاعته وشعوره العالي بالمسؤولية ونظرته الحضارية الإنسانية، هي التي حالت دون انزلاق جنوب إفريقيا في طريق العنف والاحتراب الداخلي والنزاع المسلح .

لهذا بادر مانديلا بوعي وبُعد نظر إلى تأسيس لجنة الحقيقة والمصالحة، وأوكل مهمة رئاستها إلى القس الجنوب إفريقي ديزموند توتو المعروف بنضاله ضد العنصرية، وأعطى لهذه اللجنة صلاحيات كبيرة بما فيها إصدار العفو عمن قاموا بارتكابات في السابق، بعد اعتذارهم لضحاياهم والاستماع إليهم في جلسات علنية، بغية إحداث الأثر الملموس من جانب الضحايا وذويهم من جهة، أو من جانب المذنبين الذين تقودهم لحظة الصفاء والاعتراف تلك إلى التطهّر الروحي والنفسي والتخلّص من آثار الماضي من جهة أخرى، فضلاً عن إعادة اللحمة الاجتماعية والمصالحة الحقيقية .

لقد عملت تلك الإجراءات والتدابير الحازمة على تفويت الفرصة على بعض العنصريين البيض الذين أرادوا إشعال الحرب الأهلية، لاسيما باغتيال الشخصية الشيوعية المعروفة كريس هاني، وذلك بفضل يقظة مانديلا وحزم حزب المؤتمر الوطني، اللذين أضاعا على العنصريين الفرصة، مقدّمين تجربة مهمة على صعيد المصالحة الوطنية .

لقد أنشأت لجنة الحقيقة والمصالحة بموجب قانون هدفه تعزيز الوحدة الوطنية وإنجاز المصالحة الوطنية، وحمل القانون الرقم 34 لعام 1995 وأعطيت بموجبه صلاحيات واسعة واستثنائية للجنة . وبخصوص العفو العام فقد ثار جدل في تطبيقاته، في حين كان العفو الخاص يشمل اعتراف المرتكب في طلب يقدّم للحصول على العفو وفي جلسة علنية، ويتم ابلاغ الضحية أو أحد أقربائه بتاريخ الجلسة ومكانها، ويحق له الإدلاء بشهادته او تقديم أدلة أو أي شيء يؤخذ في الحسبان . . وعلى المرتكب كشف الحقيقة وإن طلبه لنيل العفو يعني أن ما حصل كان مرتبطاً بأوضاع سياسية ونزاعات سابقة تخص الماضي .

وإذا كان العالم يتذكّر اليوم مانديلا بوداعه المهيب إلى مثواه الأخير، فذلك لأنه علّم أمّة منقسمة كيف تتوحد وقادها إلى كشف الحقيقة والمصالحة والوحدة الوطنية، مثلما علّم الإنسانية جمعاء معنى الصبر والعطاء بلا حدود، حين قبع 27 عاماً في السجن وخرج ليعلن أن لا سبيل لبناء جنوب إفريقيا غير التسامح، وهكذا حمل جلاّده على التفاوض والاعتراف، وقبول إجراء انتخابات على أساس التعددية وصوت واحد لإنسان واحد .

وحينما فاز في أول انتخابات ديمقراطية رئيساً شرعياً ومعترفاً به من جانب خصومه وأعدائه، سلك سبيل التسامح واللاعنف وعدم الانتقام أو الثأر، لأنه أدرك أنه لا يمكن بناء جنوب إفريقيا جديدة الاّ بالتعايش بين الزنوج والبيض . وكان ذلك درساً آخر في السلام المجتمعي والأهلي، بدلاً من الاحتراب الداخلي والحرب الأهلية التي كان الكثير من المراقبين يرجّحون احتمالات اندلاعها، نظراً لما عاناه سكان جنوب إفريقيا السود، من اضطهاد وعسف واستعمار استيطاني دام ثلاثة قرون ونيّف .

لقد كان تحرير السود يعني ضمناً تحرير البيض، ولاسيّما في ظل دولة أقرت مبادئ المساواة والحرية، وكان رمز ذلك التحرر وقلبه الأبيض هو ذلك الأسود الذي أصبح إحدى أيقونات عصرنا!

 

فدوى طوقان

faroq mawasiفي مثل هذا اليوم 13 كانون الأول  سنة 2003 رحلت عنا الشاعرة الملهمة فدوى طوقان، وقد ارتأيت اليوم أن أقدم لكم صفحات عنها وكما عرفتها.

مع  فدوى طوقان

كانت قراءتي الأولى لفدوى كتاب "أخي إبراهيم" وأنا في الصف الثامن، لم يكن يهمني يومها إلا هذا الحب الحنون الذي توليه لأخيها إبراهيم. وإبراهيم أعرفه، أليس هو صاحب قصيدة "ملائكة الرحمة" التي أحفظها؟

وقرأتها ثانية في "وحدي مع الأيام" وقد نشرته دار نشر في يافا أخذت تعيد طباعة بعض الكتب الصادرة في العالم العربي، وذلك في أواسط الخمسينيات. أذكر أنني انتبهت للشكل المقطوعي:

"حياتي دموع

وقلب ولوع

وشوق وديوان شعر وعود"

إذن هكذا هي فدوى: حزينة ومتلهفة وفنانة. وجذب نظري أنها كانت تهرب إلى سنابل القمح لتناجي وحدتها- كما في ديوانها- فهربها كان مثار تساؤلي في مخيلتي، ولكن: لماذا تفعل ذلك وهي فتاة؟

ظلت قصائدها تصل بين الحين والحين، نحفظها مرة، أو ندونها في دفاترنا مرات.

بعد أن أصابنا الدُّوار سنة سبع وستين (وأي دوار!!!) أخذت فدوى تنشر قصائدها الوطنية الملتزمة في صحيفة "الاتحاد" ومنها: "مدينتي الحزينة"، "الطاعون"، "وحمزة" وهذه القصيدة تقول فيها:

"هذه الأرض امرأة

في الأخاديد وفي الأرحام

سر الخصب واحد"

إنها قصيدة أشبه بـ "البالاد" التي تذكرني بقصيدة ص. عبد الصبور "شنق زهران".

ظللت مشوقًا للتعرف إليها عن كثب... إننا عندما نتعرف على الكبار نحقق ذواتنا ونزهو، فلماذا لا أفعل؟

وهكذا قمت أنا وصديقي نواف عبد حسن – وهو صنوي في الأدب- بزيارة إلى نابلس، ولم نسأل عن كنافة المدينة، فهناك شاعرة نتوق لرؤيتها وسماعها.

جئنا أولا إلى بيتها القديم حيث أرشدونا، فإذا هو قائم في السوق وعليه سور ضخم، وله باب حديدي أمامه شخص- أرشدنا إلى أنها تسكن في بيت خالتها غربي المدينة.

استقبلتنا فدوى ببشاشة وأنس، كنت أنظر إليها وأنا أترنم بأبياتها:

"نادني من آخر الدنيا ألبي

كل درب لك يفضي فهو دربي

يا حبيبي أنت تحيا لتنادي

يا حبيبي أنا أحيا لألبي

...

كلما ناديتني جئت إليك

بكنوزي كلها ملك يديك

بينابيعي بأثماري بخصبي"

تجاذبنا أطراف حديث الفكر والأدب والسياسة. واطلعنا على مكتبتها، وفيها هذه الكتب التي كنا نحلم أن نراها. حدثتها عن رحلتنا الأولى إلى القدس للصلاة في محراب المحتسِب، وكيف نقعنا الغلة أو عثرنا على الكنز، كنا نجمع بين نقيضين – الاعتزاز بهذه الروائع،  والمذلة لهذا الوضع.

انفعلت بهذه الزيارة فنشرت قصيدتي "حلم السلام" وهي من قصائدي المنشورة الأولى، قلت فيها:

فدوى فداؤك مهجتي وعزيمتي              شأني الوفا تأبى سواه شريعتي

والعهد يا فدوى يراودنا   إلى                     حلم السلام لشعبنا المتشتت

والصبر يا خنساء     مر علقم                     لكنه   مفتاحنا       للجنة

يا صوتك السحري يجمد مدمعي                 يا سحرك الناري يرفد لوعتي

هذي الخطوب أتت لتنحت جانبي              الجن في جوفي،        لم أتفتت

فلقاؤنا وكلامنا      وجراحنا                     أوحت إلي لأن أقول قصيدتي

وكثرت رسائلنا، وكانت رسالتها الأولى بخطها المنمنم الجميل موضع اعتزازي وبهجتي، فعلى المغلف: "إلى الشاعر الرقيق.."

إذن أنا رقيق بشهادة شاعرة كبيرة .. فماذا يهمني بعدها ما يقول الآخرون؟

وعلى ذكر هذه الشهادة فقد توجت كتابي "الجنى في الشعر الحديث" بمقتطفات من رسالة لها موجهة إلـي:

"استأثر بإعجابي –بحق- تناولك لأصول الصناعة اللفظية ومظاهر هذه المهارة الفنية التي تشكل أهم وسائل الشاعر لبلوغ غايته المتمثلة في خلق عمل فني متكامل.  إن تناولك الذكي للقصائد المختارة ينم عن جهد كبير واجتهاد موفق استخدمت فيه كل ما تملك من حواس، ولا عجب وأنت الشاعر...". سأجعل هنا علامة الاكتفاء  ....

ومع ذلك فعندما قرأها أحدهم ممن لا يعجبه العجب علّق قائلا: "إن فاروق هو الذي كتبها.."، فسامحه الله!.

كنت أرسل لها قصائدها المترجمة إلى العبرية والمقابلات التي كانت تجريها الصحف، وأحيانًا أعيد لها صياغة الجمل إلى العربية حتى توازن بين ما قالته وبين ما نشر، وبذلك تفحص مدى أمانة الترجمة. وقد راقت لي هذه الفكرة حقًا- أي الترجمة المعاكسة- لفحص الأمانة/الخيانة في الترجمة.

ثم دعتني فدوى دعوة خاصة – النّقرى- لحضور قراءاتها الشعرية في مكتبة بلدية نابلس. وكانت هذه هي المرة الأولى –كما قالت لي- تشارك في لقاء أدبي جماهيري في مدينتها.

قالت: شاركت في مدارس البنات بدعوة من هذه المعلمة أو تلك، ولكني اليوم أقف أمام حشد من أهلي الطيبين.

كانت قراءاتها ممتعة شجية، ومتدفقة بالشاعرية، ها صوتها يتوتر في "نبوءة العرافة":

"لكنما الرياح في هبوبها

تقول حاذري

إخوتك السبعة

تقول حاذري

إخوتك السبعة

تقول حاذري

إخوتك السبعة."

كانت الدمعة تجول في المآقي وهي تقرأ "وقفة عند جسر اللنبي":

"ليت للبراق عينا

آه يا ذل الأسار

حقدي رهيب موغل حتى القرار

صخرة قلبي وكبريت وفوارة نار

ألف هند تحت جلدي

أذكر أن هذا السطر الأخير جعل القيامة تقوم في الصحافة العبرية – وذلك بعيد نشرها، حتى أن ديان سألها عن هذا المعنى الذي شرحه له مستشاروه.

أهدتني فدوى نسخًا من كتبها، كما أهدتني صورة جميلة لها على بطاقة لتظل صورة مصاحبة للكلمات.

ثم حضرت فدوى إلى حيفا، وأجرت لها "الاتحاد" استقبالا حضره لفيف من أدبائنا.

قرأت أمامنا "لن أبكي"، حيث وصفت فيها يافا:

"وفي فوضى حطام الدور

بين الردم والشوك

وقفت وقلت للعينين: يا عيني

قفا نبك."

وفي هذه القصيدة غصّت قلوبنا بالأحزان عندما خاطبت شعراءنا في الداخل:

"وها أنا يا أحبائي هنا معكم

لأقبس منكم جمرة

لآخذ يا مصابيح الدجى

من زيتكم قطرة

.....

وكيف أمامكم أبكي

يمينا بعد هذا اليوم لن أبكي"

وكان لا بد أن يجيبها صوت محمود درويش المتفائل رغم عمق المأساة والجرح:

"نحن في حل من التذكار فالكرمل فينا

وعلى أهدابنا عشب الجليل

لا تقولي: ليتنا نركض كالنهر إليها

لا تقولي...

نحن في لحم بلادي وهي فينا."

***

تناولت شعر فدوى في دراسة لي تحت عنوان "قصائد سياسية- قصائد غنائية" وقد صدّرت الدراسة بما قاله درويش في القصيدة نفسها:

"عندما كنت تغنين رأيت الشرفات

تهجر الجدران والساحة ترتد إلى حضن الجبل

لم نكن نسمع موسيقى ولا نبصر لون الكلمات

كان  في الغرفة مليون بطل".

وفي الدراسة رأيت أن شعرها تعبر عنه ضمن لوحة، ومنها ما هو قصصي – وليس بالضرورة فيها تقيد بقواعد القصة في مفهومها المألوف – ورأيت أن الغنائية التي كانت تلجأ إليها كانت وسيلة اعترافية تنقل فيها مشاعرها الوطنية إلى القارئ، وذلك بأساليب الترابط والتكرار والإيقاع وتردد موتيفات "القمر" و"الطير" و"الزهر".. في إطار نماذج كلاسيكية ذات شحنات موسيقية. (الرؤيا والإشعاع، 1984، ص23)

كنت بذلك أعبر أيضًا عن تحفظي من رأي الأستاذ س. سوميخ الذي عبر عنه في مجلة "قيشت" بأن الشاعرة رومانتية بطبعها، وهذا هو الأصل.

***

ولما أن كنت من الفعالين في تغيير مناهج الأدب العربي في مدارسنا فقد كان لاختيار قصيدة فدوى "صلاة إلى العام الجديد" من مجموعة "أعطنا حبًا" قبول لدى معلمينا وطلابنا – رغم تحفظ بعضهم من شعر التفعيلة.

فكان أن ألقيت أضواء على هذه القصيدة في كتابي المعد للطلاب "الجنى في الشعر الحديث"، وتوقفت بشكل خاص على التطور في بناء القصيدة والاتساق المتواصل وتراتيبية القصيدة. فهي تبدأ بالمقدمة وبطلب الحب، ثم تأتي الأجنحة، فالنور حتى تصل الذروة، أو أن الترتيب يتعلق بالمكان: الأرض، بين الأرض والسماء، ما فوق السماء،..

وتركت أسئلة للنقاش حول القضية التي دارت الشاعرة في فلكها – ولا بد من ذلك في كل قصيدة حديثة، إذا لم تكن هذيانًا: هل هي الوطن؟ المرأة؟ الإنسان العربي في فترة المد القومي؟ (كتبت القصيدة ليلة رأس السنة 1958).

ولا بد لي من أن أسوق رأيًا لها أسمعتنا إياه في إحدى زياراتنا.

قالت: "أحلم أن يكون في كل قرية من الوطن العربي الكبير من هو منكم ممن تعمد بالمعاناة وأخلص للقضية.."

ولأني كنت أردد اسمها في مجالسي فقد حلا لبعضهم أن يشيع بأنني سأخطب الشاعرة، وقد نسي أنها ولدت هي وأمي في نفس السنة، ويبدو أن الذي يريد أن يشيع شائعة لا يهمه مدى إعمال المنطق قبلها.

أذكر ذلك لأدل بمدى المعزة التي نكنها للشاعرة.. ولا بد من الاعتراف في كتابة كل سيرة.

في زيارة أخرى قرأت لنا صفحات من سيرتها "رحلة جبلية رحلة صعبة"، وكانت متهيبة من نشرها. لكني أخِـذت بصدق الأداء وملكة التعبير وبعمق الثقافة التي تشع في ثنايا النص، فأظهرت إعجابي المتناهي بنصوصها، بل هو إعجاب أكثر مما هو من شعرها.

يومها صاحبني أحد الأصدقاء، وقد استعار من مكتبتها كتاب جبرا "الحرية والطوفان"، وكان هذا الكتاب مفقودًا في الأسواق – غضبت فدوى- فيما بعد- لأن الكتاب لم يعد أدراجه، وعبرت عن غضبها في كتابها "الرحلة الأصعب" (ص27-28) ناسية أننا جميعًا نفقد كتبًا من مكتباتنا، وقد لا نعيد كتبًا أخرى لأصدقائنا – سنَّة الله في أدبائه.

وقد أشار إلى هذه الحادثة كذلك جبرا في كتابه "معايشة النمر وأوراق أخرى" (ص51)، وذلك في معرض حديثه عن استحصال الأدباء للكتاب، ولكن جبرا كان كريمًا، فقال مخاطبًا الشخص الذي "لطش" كتابه:

"فليهنأ به إذن سارقي".

في أواسط التسعينيات كثيرًا ما كنا ندعى للقاءات ومهرجانات أدبية فلسطينية، فكان أن التقينا فدوى في أكثر من لقاء- من أجملها سهرة ممتعة قضيناها بصحبة الأديب الدمث يحيى يخلف.

وفي لقاء آخر للجنة المبدعين العرب واليهود (30 تموز 1994) جمعنا إميل حبيبي ويورام كانيوك في لقاء سلامي يدعو إلى إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وكان ذلك في نابلس، يومها كنت مترجمًا في أكثر من محضر، وما زلت أذكر لقاء الشاعرتين فدوى ودالية رابيكوفتش، وكيف تحفظت فدوى من بعض أقوال الشاعرة اليهودية رغم مشاعرها الإنسانية المشاركة لقضيتنا ومعاناتنا.

كنت أترجم، فإذا تعبت كانت اللغة الإنجليزية تحاول أن تجمع بينهما.

***

دعتني جامعة النجاح في 18/11/1998 لحضور حفل تكريمها بالدكتوراه الفخرية (وذلك بعد بضعة أشهر من حفل آخر حصلت فيه الشاعرة على جائزة فلسطين في الشعر).

اشترطت أن ألقي كلمة في تكريمها لما لها من مكانة في نفسي.

ارتجلت كلمتي، وقرأت من شعرها ومن شعري، وكيف رسخت في ذهني. وكانت فدوى تنظر إلي، وعيناها مغرورقتان بالدمع.

بعد أن أنهيت كلمتي قبلتها على وجنتيها وغالبًا ما أفعل ذلك كلما التقيتها- لأنني أحس بهذا القرب البريء الرائق الرقيق.

دعينا لتناول الغداء جلسنا معًا، وكان ابن أخيها جعفر إبراهيم طوقان يجالسنا.

قلت لجعفر: "عندما تلقي كلمتك كنت أغمض عيني، أتدري لماذا"؟

قال: لا.

قلت: "إن أكثر الأبناء يحملون في أصواتهم صوت الأب".

ويبقى أن نسأل فدوى عن مدى التشابه بين الصوتين.

قالت:"قد تستغرب أن الصوت شبيه إلى حد بعيد، وكأنه هو- هذا ما أذكره من صوته المسجل في غرامافون قديم".

قلت لها: لقد جمع المتوكل طه كتابات لإبراهيم في كتابه "الكنوز- مؤسسة الأسوار 1998" ضمنها قصائد وتعليقات من آثار الشاعر وجدها بخط يد في منزلك بين أوراقه وأشيائه وصوره، ولكنه لم يحو قصة إبراهيم "متى الوفاء؟"

قالت: أنى لك هذه؟

قلت: لدي عدد قديم من مجلة "الأمالي" البيروتية سنة 1940، ويظهر لي أن تصويبات القصة كانت بخط يده.

قالت: أرجوك أن تزودني بها. وأنا بالانتظار.

بعد أن أرسلت الأصل لها، وصورة عنه للمتوكل – خدمة للناحية العلمية- وردتني رسالة فدوى المؤرخة في 4/1/1999م:

" أحييك وأشتاقك، وأتقدم إليك بأصدق مشاعر التقديم والامتنان إذ وافيتني بقصة إبراهيم، وقد تساءلت: أين ذهبت يا ترى؟!

كم أسعدني حضورك الاحتفال، وكم كان يبهجني لو أنك أرفقت برسالتك نسخة من الكلمة التي شرفتني بها، فهل تفعل؟ أرجو ذلك...

أشكرك وأشكرك وأشكرك!

مع محبتي

فدوى طوقان

وأخيرًا

يا عزيزتي فدوى

لعل هذه الصفحات تشرفني أنا، وأنا أكتب سيرتي لا سيرتك، فأرجو أن تجدي فيها محبتي كذلك!

ملاحظة : اطلعت فدوى على هذه الرحلة معها،  فكتبت لي بعد أن قرأتها:

" فرحت بالمقال كثيرًا، وسأظل أعتز به كثيرًا. أشكرك وأشكرك أيها الإنسان الجميل النبيل.... "

27 / 5 / 1999

وعذراً من القارئ  الذي ألِف مني  تواضعًا أكثر.

 

الحقيقة التي أعرفها واشهد بها على المدعوا محمد علي الشهرستاني

ali thwayniعرض تلفويون الحكومة (الشبكة) العراقية بالامس شريطا وثائقيا لمدة ساعة عن شخصية ملتبسه ومدعاة ريبة يدعى محمد علي الشهرستاني، كان يدعي بأنه دكتور بخلطة عجيبة من العمارة والهندسة والفقه الإسلامي والفلسفة والتعليم، وعد نفسه استاذ جامعي وأكاديمي نحرير. و كنت قد تعرفت على الرجل حينما عملت مندوبا عن منظمة اليونسكو في مشروع ترميم قبة الإمامين العسكريين في سامراء خلال موسم (2008-09)، وتسنى لي مقابلته ومتابعة حيثيات دعاويه، وكشف الكثير مما أدغم بصدد سيرته، بما يفرض علينا الأمانة في الإدلاء والشهادة بشأنه للتأريخ والحقيقة، بعدما أترع الرجل بالألقاب والشهادات وأطنب بعضهم في المناقب دون طرق المثالب. ونجد منهم من أسبغ عليه لقب (شيخ العمارة الإسلامية) أو (رائد العمارة) أو (شيخ المهندسين) . فلم نكن نسمع عن تلك الشخصية"المعمارية الفذة" قبل العام 2003، والإنقلابات التي حصلت على بنية المجتمع العراقي، حد طفوح أسماء "وصولية"، لم نسمع بها وعن منجزها على حساب عملية دغم وتحجيم وتغييب لأصحاب الشأن والباع ورموز الثقافة الحقيقيين.

 ولد محمد علي الشهرستاني في كربلاء عام 1932، و أنتقل إلى ربه يوم الاثنين 28/2/2011 في إحدى مستشفيات طهران. وبدى لي خلال فترة تواجدي معه بأنه إيراني الهوى والروح، وماله من عراقيته سوى إتقانه اللهجة العراقية التي يلفظها على الطريقة (الآخونية) الفارسية.وقد لمست إندفاعه وهواه وتفانيه وهو يرافق الشخصية السياسية الإيرانية هاشمي رفسنجاني الى سامراء، ويتودده ويترجم له. ويلتبس لدى البعض لقب الرجل متداخلا مع حسين شهرستاني وزير النفط السابق ونائب رئيس الوزراء الحالي، رغم إدعاءه أنه قريبه، لكن يبدو أنه محض توارد أسماء، فحسين الشهرستاني وبحسب مايعرفه الناس لايهمه قريب ولا يقرب أحد من عائلته. و سألنا بهذا الصدد الدكتور أكبر زركاري الذي عمل معنا خبيرا في اليونسكو، وهو عميد كلية العمارة في جامعة بهشتي بطهران عن حيثيات اللقب في المجتمع الإيراني، فأجابنا بأنه مجهول وعام وأنه لقب يطلق على كل شخص يرد من القرية (شهر)، اي القروي، ولا علاقة له ببيوتات بعينها.

 وبدى لي الرجل منذ ان قابلته أول مرة غريب الأطوار، رغم تقدمه بالسن، وما يفترض انه يحمل من الحكمة والرزانة والكياسة، بما يستدعي تقديم طقوس الإحترام له بسبب سنه، أو التعاطف معه بسبب مرضه . وعموما فالرجل محل جدل وموضع شك لم يظهره الشريط الذي عرض بالأمس، ولاسيما أنه لايحمل أي شهادة هندسية، وملكته جاءت من خلال عمله الطويل في المقاولات ومتابعة ورش البناء، فهو في راينا مقاول جيد ومنفذ مطلع، وربما يعرف بحساب الكميات (quantity surveying) بسبب تجربته كمقاول ويعرف شئ في المناقصات مع حبه الجم للكسب، أكثر من كونه مهندس مدني او معماري. وقد تابعنا شخصيا ملفه من خلال إرسال مندوب إلى كلية الهندسة في جامعة بغداد، وتبين أنه لم يتخرج منها من خلال أرشيف الجامعة، كما هو وارد في سيرته الذاتية. وكان ينتفخ زهوا بقيادته لشركة هلامية تدعى (شركة الابحاث الهندسية العالمية)، التي لم نسمع عنها أو نجد لها طريق للتعريف بها او منجز لها، وربما عنت منجزه الشخصي.

لقد كان يمثل الجهات العراقية، وينسق العمل مع منظمة اليونسكو ولم يكن يوما منتدبا من اليونسكو كخبير البته، بل جاء الأمر إحتراما لبروتوكول التعاون مع الدولة العراقية التي عينته ضمن طاقم (اللجنة الفنية) المشرفة التي تبعت ديوان رئاسة الوزراء، ثم أختلف معهم وشق عصى الطاعة عن علاقة بدأت وطيدة مع الوقف الشيعي، ثم وصلت إلى تآمر وضغائن وإستقطاب أحرج العمل وأخر تنفيذ المشروع. وقد كان يمثل الوقف الشيعي مهندسا معماريا مخضرما خبيرا عمل في الكويت طويلا، يدعى زهير الأنصاري، الذي ابدى إمتعاضه من طريقة الشهرستاني، ثم وصلت حد القطيعة بينهما.وحينما حضرنا مؤتمر الأمانة في آذار 2010 في بغداد قادما من عمان، وجدته حاضرا، وقد جاءه نوري المالكي بعد أن ألقى كلمته، وسلم عليه شخصيا متسائلا (شلونك سيدنا). وقد كان يشيع في جلساته بأنه صديق حميم للسيد السيستاني وهو مزكى من طرفه، ولم نطلع على بيان أو وثيقة أو شهادة بهذا الخصوص، ربما بسبب الطبيعة الصامته والمتكتمة للسيد السيستاني، الذي لم ينبس ببيان أو يصرع للعيان بصدد الكثير من الأمور. و مكث الشهرستاني يغطي عيوب ونقص حيلته بمسوغ علاقاته بأشخاص مرموقين في الدولة والمجتمع العراقي.

269-aliومن تجربتي مع الشهرستاني بأنه لايفقه بالعَمارة شئ، وهو مقاول كما أسلفت، ويعتمد على عناصر رائعة ومتفانية من الفنيين العراقيين.وكانت مشكلتنا الكبرى معه، أنه ينفذ قبل أن يصمم (أي منهجه الهندسي يسير بالمقلوب)، وقد حصلت لي معه سجالات تتعلق بآلية العمل وطرائقها كجهتين متعاونتين على تسيير شؤون مشروع في غاية الاهمية، ويتعلق بسياقات المصالحة الوطنية وإخماد لضى الحرب الأهلية التي أشعل نارها تفجير القبة العسكرية الآثم عام 2005، والذي تعددت الجهات صاحبة المصلحة فيه، خارجية وداخلية، وتآمر حتى المحتل الأمريكي.

كل ذلك خلق لنا في اليونسكو إشكالية حقيقية، كون الشهرستاني يمثل الجهات الرسمية ألعُراقية في المشروع، ويسبب كل مرة إحراج حقيقي لزملائه المنسبين . وكان دائب المطالبة بإتعابة على قصاصات ورق لاتنفع بشهادة خبراء في الهندسة، وحينما يحرج في النقاش يقحم الأمر في "المقدس"، ويبدأ ينظر للأمر بالغيب، بالرغم من أن النقاش علمي، و مادي محظ. وحدث معي ذات مرة أن أرسل لي إبنه(الدكتور إحسان) المختص بالكهرباء، ليخبرني بأن الإمام المهدي المنظر (ع) جاء لأبيه في عالم المنام، وأطرى على طريقته في العمل وأوعز له بالإستمرار وأنه (يريدها من أيده)!. فضحكت ملئ اشداقي، وأخبرت إبنه إحسان أن الأمر لايتعلق بحضرة المهدي ورؤيا منام (السيد)، بل بمنهجية عمل تعلمناها في مدارس العمارة، ومارسناها في العمل، ولايمكن ان نغير طرائقها دون حجة مادية منطقية، بعيدا عن الروحانيات والغيبيات، مع الإحترام الجم لنفحات إيمانه. والأمر الأهم في ذلك السجال، بأن لايمكنني أن أخبر(اليونسكو) "بمنام السيد الوالد"، كي لا أحرج معهم كممثل هندسي محلف من طرفهم ومدفوع الأجر.ونفس الامر ما مارسه في السجال الذي دار بينه وبين الدكتور خالد السلطاني على صفحات جريدة (المدى)، فأقحم الأمر في المقدس، وعير السلطاني بأنه "غير مؤمن"، بما يطابق مقولة الدكتور علي الوردي(المقدس يلغي العقل وإلغاء العقل خراب الدنيا)!.

لقد خصصت اليونسكو مبلغ ثلاثمائة وخمسون ألف دولار للدراسات الهندسية، والسيد الشهرستاني كان طامع ومتطلع لها. فلا ضير بالأمر، على أن يحضر لنا الملفات الإنشائية التي اعتمدها في التنفيذ"حتى ولو بعد التنفيذ"، فأتى لنا بسبعة صفحات بائسة بحسابات بسيطة وغير مهنية البته، وقدمها لنا، ويستعجلنا الدفع . ومن أجل أن نبرر موقفنا ونبرهن على صلاحية الملف، رفعنا نسخة منها الى جامعة بغداد-كلية الهندسة المدنية كجهة حيادية للمعاينة والقرار، والتي ردت علينا بان الدراسات غير مستوفية للشروط، وهي بعيدة عن صيغة الملف الهندسي المتكامل والمقنع.وكان الشهرستاني يخشى اللقاء مع الجهات الهندسية او لجان اليونسكو الزائرة، وكان يوفد إبنه الدكتور إحسان للقاءات بيروت الدورية مع لجان اليونسكو، وكأن الأمر عائلي وليس علمي وهندسي ويتبع منظومة العلاقة مع منظمة عالمية.

أما بصدد بناء القبة في سامراء، فلا تنطبق عليها لوائح اليونسكو بالترميم وإعادة الاثر إلى أصله، وأستعمل الحديد في هيكلها، الذي لايتماشى مع تلك اللوائح، ونفذت الهياكل الحديدية في القبة بقطعها وتركيبها وغرسها في الخرسانة وإسنادها دون معيارية (standard) أو حساب هندسي، وصنعت بشكل بدائي وبمغالطات فادحة، فكان القطع أكبر من اللازم في القبة الداخلية، وأصغر من اللازم والمقاس في القبة الخارجية، وأحتاج الأمر الى ترقيع أو تشذيب في الموضع، مما حمل فرقة العمل من الحدادين (على رأسهم الفورمن باسم ابو علي)، جهود كبيرة وتفاني ونكران ذات أشهد عليه، حينما أصلحوا النواقص بحرفية عالية وبحماس روحي منقطع النظير .

ولا أريد أن أتذكر شطحاته "الهندسية" اللامعقولة. فقد أقترح أن يملئ الفضاء الواسع بين القبتين الداخلية والخارجية بالرمل، وعذره الخشية من قصفها القبة بمدافع الهاون ثانية، وهو امر بعيد عن المنطق، حيث ان الرمل سوف يحمل المبنى أحمالا وبذلك عزوم لاتطيقه، بالرغم من وجود أكتاف ضخمة حاملة ترفد هيكل المبنى المحمول، والذي رام هو أساسا أن يخففه من خلال أستعمال الهياكل الحديدية المثبته في طنبور(رقبة) القبة.

 لقد شكت اليونسكو الحال منه، فقد أجملت شخصياً في تقاريري التي كنت أرفعها يوميا واسبوعيا وشهريا وتقرير إجمالي بعد نهاية مهامي، خلصت بها إلى أن عملية الترميم برمتها غير كفوءة، ولا يمكن قبولها ولاتنطبق عليها لا اللوائح الهندسية ولا (مرسوم البندقية لعام 1965)، وبذلك أعلنت عن عدم مسؤوليتي الشخصية عما بناه الشهرستاني، وهذا ما جعل اليونسكو تعلن قبل اسابيع من اليوم عن عدم شملها الروضة العسكرية بأن تكون ضمن قائمتها ومسؤوليتها، وأكتفت بالموقع التاريخي لسامراء الإسلامية، التي لم يبت بها بعد، رغم أننا نبهنا من بدايات كارثية كان قد بدأها صدام حسين لإعادة بناء المسجد الجامع فيها، والذي كان له الحظ حينما حصل التغيير في نيسان 2003، وتوقف العمل به.وعلى العموم فإن موقف اليونسكو صحيح وصريح، ونحن نتفق معه بأن ترميم القبة العسكرية فيها من الأخطاء الشئ الكثير.

إن مشكلة السيد الشهرستاني تغطيه جهله بأمور العمارة بإفتعال عصبية رعناء، وربما كانت قد أدت الى شلله الرعاشي، وهذا ما جعله أكثر تزمتاً بمواقفه، وإستخفافا بالمهنة وأهلها، وإبداءه من الخيلاء والغرور ونأيه الكبير عن تواضع العلماء والورعين، ولاسيما من المعماريين البنائين. ومن مشاكلنا التي لاقيناها معه أنه بعيد عن الحس الأكاديمي، ويرتجل قبل أن يستشير، وكان يستأنس تفاني وسكوت الفريق الذي يسخره، فهم صاغرين ممتثلين ولم يعترضوا عليه البته، وأحاط نفسه بهالة إستثنائية، واسبغ على قراراته حد القدسية الذي يستوجب عدم مراجعتها، وكانوا يرددون دائما حين سؤالهم عن السبب: (هكذا أراد السيد).

وقد أثير اللغط بصدد الشهرستاني وبدأ الحديث عنه يتسع ولاسيما بين المعماريين، خلال مشروع التسقيف (الكارثي) للحضرة الحسينة المطهرة في كربلاء، التي لم يسبق ان أقدم عليها أحد، لخطورتها وتشويهها للمعلم التأريخي منذ التأسيس الأول له، إبان الحقبة الصفوية التي تصاعد بها غلواء العَمارة الصرحية وتوسعيع البحور الإنشائية، التي تبارى لها المعماريون على مر العصور، لكنهم لم يسقفوها بسبب روحي وعرفي بنائي يمتد حتى سومر التي جعلت المعبد وسط الصحن وجعلت حوله فراغ سماوي للطواف، وهذا ما أنتقل لطقوس الحج في الحضر(معبد شحيرو) ثم مكة، وأنتقل بسلاسة ضمن الثابت المعماري الى العتبات المقدسة، التي أحتفظ الضريح بها بهيئته المكعبة التي تعلوها القبة، في شوط تطوري يمتد من تاج محل في الهند بتأثير عراقي حتى العتبات المقدسة.

وأكبر ما سجله التأريخ بهذا الصدد التي عدّت في حينها (نكبة عمرانية!)، جاءت بسبب هدم متصرف كربلاء عام(1948) الصحن الصغير، القائم منذ العهد البويهي في القرن الحادي عشر الميلادي، ومن قبله ضد مَنْ هدم منارة العبد عام (1935)، التي أقامها الخواجه مرجان الشهير ببغداد بمجمعه في الخان والمدرسة والمسجد، وذلك عام(767هـ\1365م)، وتُعد الثانية قواماً وضخامةً بعد ملوية سامراء. وقد كتب إبن سادن الروضة عبد الجواد الكليدار في تأريخ كربلاء(ت 1959): (لم يبق لهما من أثر إلا في أعماق النفوس الحريصة على الآثار الفنية القديمة.. وكان لنا أمثالها ولم نُقدرها).

وحينما سافرت إلى لندن والتقيت الدكتور محمد صالح مكّية(م: 1914 بغداد)، وسألته عن حقيقة شخصية الشهرستاني الذي لم اسمع عنه من قبل، أخبرني بأنه كان تقني مساح أراضي، لايحمل حتى شهادة أولية وربما إبتدائية فقط، وعمل عنده في خمسينات القرن المنصرم، وبسبب جنسيته الإيرانية سفر في السبعينات من قبل السلطة البعثية، ثم أقام في لندن، وفتح جامعة أهلية يحيطها الشك دعاها (الجامعة الإسلامية العالمية) التي هي وأمثالها تبيع في العادة الشهادات على من يرغب ويدفع، وتستأجر مكتباً صغيراً في منطقة (كريكل وود) شمال لندن. ثم فتح له قناة فضائية دعاها(القائم) مدعيا بأنها قناة للبحوث الإسلامية الرصينة و تيمنا بالإمام المهدي(ع) (قائم آل محمد). وساهم في بداية الثمانينيات من القرن الماضي في المشاركة في تأسيس مركز اهل البيت الاسلامي في بريطانيا، وكان من المؤسسين لمهرجانات الغدير التي عقدت في بريطانيا عام 1990.

وعلمنا من أخيه الذي ألتقيناه في سامراء بأنهما يملكان مصنع للحديد والصلب في إيران، لم تطاله تأميمات السلطان الإيرانية بعد الثورة الإسلامية، وهكذا كان يبيع الحديد المنتج من مصنعه في إيران على ألعُراق بأغلى الأثمان، متبرقعاً بورع وحمية دينية(شيعية). وهذا وراء مغامرته في تسقيف الروضة الحسينية لأسباب تجارية محظة، و غابت في حيثياتها حمية مكافئة من السلطة السياسية والإدارية المؤتمنة على التراث ألعُراقي. وكان الأجدر أن توكل للجنة من الخبراء لتداول الأمر قبل تركها بيد السيد الشهرستاني، وهذا ما لم يحدث حتى في إيران التي قدم يحمل عقليتها ومنظوماتها الإدارية.

وخلال متابعتنا لما نشره الشهرستاني بصدد التسقيف المشوه الذي ضنه عمل إعجازي وحل مثالي، وبدى لنا أنه مفعم بالسطحية و المغالطات الذي يعكس الهبوط العام في المنظومات البنائية في العراق التي ورثتها من نكوص عم إبان سلطة البعث . وهذا ما يحدونا للتسائل: كيف أرتضت حكومة منتخبة "ديمقراطياً" و"بالرغم من قلة تجربتهم" على مشروع ليس له سند محاججة مهنية، وتراتبية إداريه، التي كان يجب أن يبت فيها من خلال إستشارة أهل الباع. فكان القرار إرتجاليا متسرعا وخالف حتى رأي الإمام علي (ع) الذي يدعون إقتداءه، حينما تمنى أن يكون لديه رقبة جمل ليطول أمد إتخاذ القرار والبت بالأمور، ولاسيما الصعبة والمحورية مثل فعل الشهرستاني الذي كان يحتاج الى الحكمة.

شاهدت قبل يومين شريط أرشيفي يبين حملة قادها مفتشي وزارة الصحة وقاموا من خلالها بالكشف عن طبيب مزور يقوم حتى بعمليات جراحية ولايحمل أي شهادة وتأهيل علمي طبي، مثلما السيد الشهرستاني، فما كان منهم إلا أن يهينوه ويودعوه السجن، ولا نعلم مصيره، رغم أنه لم يؤذي إلا نفر قليل من المراجعين، وربما كان أفدح خطأ له هو موت مريضه. بيد ان السيد الشهرستاني بأفعالة "الهندسية"، قد سبب الأذى للكثيرين، وذلك من خلال تحريف وإنتهاك لحرمة الثقافة والتراث، وجريمته سوف تخلد لقرون، وتأثيرها مؤرق،  دون أن نجد من يعتقله أحد، او يحاسبه مثل الطبيب"المسكين"، أو يناقشوا الأمر في الشريط المتلفز من خلال رصد كل الآراء المتعلقه المتفقة والمضادة. نتمنى الرحمة للدكتور الشهرستاني من جراء "تفانيه" في "نصرة أهل البيت (ع)"، ولكن كان الأجدر به أن يقتدي بقيمهم وأخلاقهم وليس يتصنع ورعا وإيمانا شكليا ويتاجر بهم .

 

ماديبا .. الحب المطلق

ahmad alkinaniفي كوخ صغير وسط القرية الهادئة كونو نشأ ماديبا في بيئة قاسية وسط ضغوط نفسية هائلة كان يعاني منها مع بقية اقرانه نتيجة لبشرتهم السوداء،والظروف الاجتماعية كانت تضغط بالاتجاه المعاكس لطموحاتهم في العيش بكرامة، كما ان ممارسة سياسة التمييز العنصري من قبل الرجل الابيض كانت تعصف بالبلد منذرة بالانقسام العرقي والاقتتال الداخلي، كل هذا وذاك وضع ماديبا في موقع المقاوم الشرس عن الحرية واحقاق الحقوق، وكان ثمنهما باهضا كلَفه عشرين وسبعا من السنين العجاف قضاها في غياهب السجون .. كل هذه المعطيات النفسية والاجتماعية تؤشر الى بلورة شخصية ماديبا العدائية والمبغضة للاخر مهما كان لونه، وهي النتيجة الطبيعية للمعاناة القاسية التي يعيشها الانسان مع ضده، لكن في ماديبا يختلف الامر تماما،فكل هذه التعقيدات والاضداد صاغت منه شخصية قوية تعيش الحب المطلق للانسان والحياة .

هذه الحقيقة اكدتها تصريحات بعض ممن التقوا مانديلا او كما يطلقون عليه محبوه " ماديبا" حيث وجدوا امامهم انسانا محبا للاخر من دون سبب، حب غير مشروط،و هذا هو السر الذي جعل من نلسن مانديلا مثلا اعلى يحتذى به، اذ يقف سكان الارض اليوم باسرهم اجلالا للقيمة الانسانية العليا التي حملها مانديلا مقاوما وسجينا وزعيما، لانها تنتمي الى عالم المثل المطلقة وغير المحددة باطر الحدود البشرية، ولهذا عاش مانديلا طليقا من قيود الانانية والبغض وهو قعر السجون، وعاش طليقا وهو في قمة هرم السلطة ولم تؤثر في نفسه الكبيرة اغراءات السلطة والزعامة، وهي المحك التي من خلالها يكرم المرء او يهان ومن خلالها يحكم على المقاوم بمقدار نبله ورفعته، هرم السلطة يمثل للمقاومين الاختبار العسير لمدى الصدق للمبادئ التي كان ينادي بها قبل تربعه على سنام الزعامة، والسجل الحافل للمقاومين عندما تتكلل جهودهم بالظفر يشهد على مدى السقوط السحيق الى حضيض الفساد والرذيلة حتى يصل الحال بالمقاوم المقدس الى مبدع في التخطيط للفتك بالمنافسين والمعارضين وافتراسهم بدل التخطيط لرفع شأن بلده وامته، والعجب انك لا تستثني احدا مجاهدا دينيا او مناظلا قوميا .

 ولننظر الى ماديبا ماذا فعلت السلطة به؟

 لقد لفظها وهي لقمة سائغة دون ان يتلذذ بطعمها، وهكذا تكون شيم كبار النفوس

كونو وماديبا رمز الحب المطلق، تلك القرية الهادئة ستحتضن رفاة نلسن مانديلا والى الابد ليشكلا معا مركزا مشعا لنبذ التطرف والبغض ونشر المحبة والسلام، ودعوة صادقة لدعاة الكره والتعصب من رجال الدين والدنيا ان يقتدوا بمانديلا الانسان ولينشروا القيم العليا للانسان ليعيدوا الى الحياة توازنها .. لقد طفح الكيل .

 

نيلسون مانديلا .. الأسود الأكثر نصاعة

abdulhusan shaabanحين زرت ديربن (جنوب أفريقيا) لحضور المؤتمر الدولي لمناهضة العنصرية العام 2001 توقفت عند عدد من الظواهر المثيرة، أولاها هي قدرة نيلسون مانديلا على اجتراح عذابات لا حدود لها وهو قابع في سجنه لمدة 27 عاماً، وثانيتها حين ارتبط كفاح رجل بالإيذان بنهاية نظام الفصل العنصري "الأبرتايد" الذي حكم جنوب أفريقيا ثلاثة قرون ونيّف من الزمان، وثالثتها هي قدرة هذا الشعب المتعدد الأعراق والأجناس والإثنيات على التعايش والتسامح وطي صفحة الماضي.

كل شيء بدا وكأنه مرسوم على شفتي مانديلا، فعلى الرغم من المرارة والألم، لم تفارقه الابتسامة الشفيفة، في بلد متنوّع وجميل ومتناقض في الآن ذاته، حيث الغنى الفاحش والفقر المدقع، لاسيّما لأبناء القارة السوداء وسكان البلاد الأصليين من السود.

مانديلا اعلن نهاية للتمييز ولبناء دولة جديدة على أساس المساواة والمواطنة، وقد عرف كيف يحوّل زمن قيوده إلى زمن حريته

حينما رأيت الفيلل والقصور والمنتجعات وكلّها للسكان البيض، وبجوارها الغيتوات والأحياء المغلقة وبيوت الصفيح والقهر والإذلال والعنصرية، دهشت حدّ الصعقة، فتذكرت يومها ما كتبه لينين لدى مكوثه في لندن وهو يشاهد التفاوت الطبقي والاجتماعي الحاد، حينها هتف: أمّتان، وقصد بذلك مجازاً: أمّة الغنى وأمّة الفقر، ولكنني أدركت أي قوة روحية هائلة جعلت رئيس المؤتمر الوطني الأفريقي مانديلا بعد كل العذاب أن يعلن عن رغبته في المصالحة، ويتولى شخصياً متابعة قضايا لجنة الحقيقة والمصالحة، لأنه كان يعرف بعمق أنه لا يمكن بناء مجتمع جديد والتخلص من آثار الماضي وآلامه، الاّ بالتسامح ونبذ الأحقاد والنظر إلى المستقبل وليس العيش في الماضي، وهذا هو بالضبط ما فعله مانديلا، خصوصاً وقد ربط المصالحة الوطنية بالعدالة الانتقالية.

وهذه الأخيرة تعني كشف الحقيقة كاملة لكل ما جرى وكيف ولماذا ومن قام بالارتكاب، ومن ثم المساءلة، خصوصاً بحضور روح التسامح، ولكن مع إبقاء الذاكرة حيّة ودون نسيان، وفي الوقت نفسه من دون كيدية أو ثأر أو انتقام، وبعد ذلك لا بدّ من تعويض الضحايا والأهم جبر الضرر المعنوي والمادي، ولكي لا يتكرّر ما حصل لا بدّ من طائفة من الاصلاحات الدستورية والقانونية والأمنية، ولجميع الأنظمة والأجهزة التنفيذية الخاصة بإنفاذ القانون، وذلك هو السبيل الذي تبنّاه مانديلا لتحقيق مصالحة حقيقية وإعادة بناء دولة على أساس المشاركة والمساءلة والعدالة، وكما عبّر عن ذلك صوت واحد لإنسان واحد في إطار التنوّع والتعددية العرقية والإثنية والسلالية.

في مؤتمر ديربن العالمي حول العنصرية العام 2001 وهو المؤتمر الدولي الثالث حول العنصرية، كان ثمة عمل سبق ذلك، خصوصاً بانعقاد لمؤتمرين، الأول في العام 1978 والثاني في العام 1983، ولكن لمؤتمر ديربن رمزية خاصة، أولاً لأنه جاء تتويجاً لعمل دولي طويل ومعقد ومضن، حيث اتسعت جبهة العداء للعنصرية، وثانياً لأنه ينعقد بعد القضاء على نظام جنوب أفريقيا العنصري، حين جرت أول انتخابات لجميع الأعراق والأجناس والإثنيات العام 1994، وثالثاً لأن مانديلا كان قد تحرّر من سجنه في العام 1990 وهو دليل حرّية المناضلين ضد العنصرية، ورابعاً لأنه ينعقد في بلد خرج من العنصرية إلى اللاعنصرية ومن العنف إلى اللاعنف، وهي طريق طويلة ومضنية لا تزال آثارها المأساوية قائمة حتى الآن.

وخامساً لأننا كعرب كنّا نحمل قضيتنا معنا وفي قلوبنا وفوق رؤوسنا ونعني بها القضية الفلسطينية، وقد نجحنا بجهد تحضيري في انتزاع قرارات لدمغ الممارسات الصهيونية الإسرائيلية بالعنصرية في سابقة دولية خطيرة، حيث صوّت لصالح تلك القرارات نحو 3000 منظمة دولية وسط ذهول وحيرة من جانب المنظمات الصهيونية والمتعاطفين معها والذين أُحرجوا وهدّدوا وأنذروا، وقد أعلنت واشنطن أنها ستنسحب من المؤتمر وتقاطعه، وهو ما حضّرت له مع " إسرائيل" وكندا وعدد من منظمات "المجتمع المدني" الموالية أيضاً لاحقاً.

لم يكن ما تحقّق بمعزل عن رمزية انعقاد المؤتمر في جنوب أفريقيا، وهو ما ساعد في اتخاذ قرارات ضد الممارسات العنصرية في "إسرائيل" باعتبارها البلد الوحيد في العالم الذي تعود نشأته إلى الاستعمار الاستيطاني الإجلائي، سواء إزاء السكان العرب الذين يطلق عليهم عرب الـ 48 أي سكان البلاد الأصليين أو فلسطينيي الداخل، فيما يتعلق بالصحة والتعليم والسكن والخدمات، وخصوصاً لبعض القرى النائية، إضافة إلى الاستيطان والجنسية وحقوق المواطنة الأخرى، أو إزاء هدر حقوق الشعب العربي الفلسطيني، ولاسيّما التنكّر لحقه في تقرير المصير وإقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس.

كان السؤال الذي ظلّت "إسرائيل" تخشى منه، يتعلق بمستقبل ممارساتها العنصرية المطبوعة بالابرتايد

كان السؤال الذي ظلّت "إسرائيل" تخشى منه، يتعلق بمستقبل ممارساتها العنصرية المطبوعة بالابرتايد. ولهذا عندما اضطر الفريق الإسرائيلي الذي حضر إلى ديربن الى مغادرة القاعة والانسحاب بعد قرار الإدانة وبعد محاولات إلتفاف لتشكيل فوكس مناصر، كانت الأصوات تلاحقه "go out" "out" وهو يدرك أية علاقة بين ممارسات إسرائيل والعنصرية.

ولعل نشوة الشعور بالنصر قد تلاشت للأسف الشديد بعد بضعة أيام عندما أصبح العرب والمسلمون متهمين بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية، الإجرامية، التي سرقت الأضواء من مؤتمر ديربن ومن ملاحقة العنصرية الإسرائيلية، لينكفئ الكثير من الجهود ويختفي العديد من الأصوات، ولتتحول من الهجوم غير المنتظر الذي قادته منظمات المجتمع المدني العربية، إلى دفاع وتراجع وتنازل.

إن ما تحقق في ديربن كان بفعل الوهج الذي أعطاه مانديلا لحركة التحرّر والحرية والتسامح واللاعنف والسلام والمصالحة، الأساس لبناء دولة حديثة تقوم على مبادئ الديمقراطية وتسعى لتأمين العدالة في إطار عملية تنموية شاملة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وقانونياً وتربوياً من خلال التعددية والتنوّع والاعتراف بالآخر.

هل يمكن تصوّر أن مانديلا قضى عشرة آلاف يوم كاملة في السجن، وعندما انتقل إلى عالم الحرية كان عمره قد أصبح 71 عاماً، ليقود دولة لم يسبق لها أن سارت في الطريق الجديدة الذي اختاره. خرج من السجن وهو مفعم بالأمل لبناء مجتمع جديد بعيداً عن الكراهية والحقد والثأر والتمييز. ومثلما نجح في السجن فقد نجح في أجواء الحرية في إبقاء إلتماعة الهوّية الإنسانية غالبة عليه وعلى سلوكه وتصرفاته، وعلى الدولة وقوانينها التي تشكل انتصاراً على العنصرية التاريخية التي عانى منها شعب جنوب أفريقيا، لاسيّما من الأقلية البيضاء.

وبدلاً من الاقصاء والاستئصال والتهميش، الذي كان سائداً على يد الأقلية البيضاء، فقد تصرّف على العكس من ذلك، ليعلن نهاية للتمييز ولبناء دولة جديدة على أساس المساواة والمواطنة، وقد عرف كيف يحوّل زمن قيوده إلى زمن حريته، وأن يحوّل مكان زنزانته إلى عالم فسيح يتدفق بفيض لا حدود له من المثل والقيم الإنسانية، ليس على جنوب أفريقيا فحسب، بل على العالم أجمع، واستحقت تجربة جنوب أفريقيا حول المصالحة والعدالة دراسات خاصة، لاسيّما بعد التغييرات التي حصلت في العديد من البلدان العربية، لا بهدف الاستنساخ أو التقليد، بقدر ما يمكن الإفادة منها كتجربة إنسانية متميّزة.

خرج من السجن وهو مفعم بالأمل لبناء مجتمع جديد بعيداً عن الكراهية والحقد والثأر والتمييز، ومثلما نجح في السجن فقد نجح في أجواء الحرية في إبقاء إلتماعة الهوّية الإنسانية غالبة عليه

لقد احتوى ميثاق المؤتمر الوطني الأفريقي على مبادئ المساواة وعدم التمييز، وأعلن مانديلا جنوب أفريقيا بلداً لجميع من يعيشون فيه (الزنوج والبيض معاً)، وعندما انتخب رئيساً كان قد وضع ما آمن به موضع التطبيق، لاسيّما ثلاثيته الأثيرة: الحرية والتسامح والعدالة، جاعلاً من اللاعنف وسيلة نضالية أساسية لمواجهة العنف مكتشفاً القوة الكامنة في فلسفة اللاعنف ساعياً لتعميمها، ولأنه يؤمن بالتداولية والتناوبية، فقد انسحب من الرئاسة في العام 1999 وتقاعد طواعية، ضارباً مثلاً يحتذى به، منتصراً على ذاته فاتحاً أفقاً واسعاً لعلاقات إنسانية جديدة.

ارتبط مانديلا بالعالم العربي بصورة وثيقة كجزء من ارتباطه بقضية التحرّر العالمية، ولاسيّما بالقضية الفلسطينية التي كان أحد أبرز قادة العالم المناصرين لها والتقى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وزار المغرب وليبيا، مثلما كان لقاؤه بمصر قديماً ومتميّزاً، ويعود للعام 1962، حين اتفق مع المسؤول المصري لحركة التحرر الأفريقية على لقاء جديد بعد عودته من جنوب أفريقيا، لكنه اعتقل وحكم عليه ولم يتحقق اللقاء. ومن المفارقة أنه بعد إطلاق سراحه في العام 1990 زار القاهرة ثانية، وأول ما فعله هو الاتصال بالمسؤول السابق ووزير الاعلام الأسبق محمد فائق معتذراً له من أنه تأخر مضطراً لمدة 28 عاماً عن الموعد، وهذا ما أخبرني به فائق بعد لقائه بمانديلا.

لم يحرّر نيلسون مانديلا السود وحدهم، بل حرّر البيض معهم أيضاً، وتلك سمة القائد الجامع، المعبّر عن طموح أمة لديها التوق للحرية والعدالة.

 

*باحث ومفكر عربي

  

معلومات إضافية