شهادات ومذكرات

الاديب الروسي المعاصر ماركاريان

اسمه الكامل أرشاك تير – ماركاريان، وهو أرمني كما يبين اسمه، وقد التقينا في احتفالية داغستان بالذكرى التسعينية لميلاد الشاعر الكبير رسول حمزاتوف في مدينة محج قلعه الداغستانية. عندما تعارفنا قلت له اني ساتذكر اسمه ببساطة، لأن اكبر وأشهر مصوري العراق في جيلنا كان اسمه أرشاك ايضا وهو مصور الملوك والرؤساء العراقيين، فضحك وقال انا ارشاك ايضا ولكني اصور الواقع الروسي من حولي وان كامرتي التي استخدمها هي اللغة الروسية، وهكذا وجدنا لغتنا المشتركة معا، وهكذا بدأنا بالحوار والدردشة معا طوال ايام الاحتفالية تلك، ثم التقينا - بعد فترة قصيرة - مرة اخرى اثناء انعقاد المؤتمر الرابع عشر لاتحاد ادباء روسيا في مدينة كالوغا الروسية، واستمرينا بالحواروالاحاديث المتنوعة حول مختلف شؤون الادب والحياة في كواليس ذلك المؤتمر وفترات استراحاته، وقد أهدى لي مجموعة من اصداراته، و تبين انه شاعر وجداني رقيق وكاتب مقالات وخواطر صغيرة ودقيقة وطريفة وممتعة جدا مثل التخطيطات في الفن التشكيلي، يرسم فيها بالكلمات صورا قلمية مدهشة الجمال لظواهر وشخصيات ادبية واجتماعية مختلفة وتكاد تذكٌر بمفهوم القصص القصيرة جدا وبنيتها الفنية، وتبين ايضا انه أحد مسؤولي صفحة الادب (والشعر بالذات) في جريدة (برافدا) – لسان حال الحزب الشيوعي الروسي، وهي استمرار لنفس تلك الجريدة العتيدة التي بدأت بالصدور عام 1912 ولم تتوقف لحد الان، رغم انها طبعا لم تعد جريدة الحزب الحاكم كما كانت في الاتحاد السوفيتي ولم تعد تطبع سبعة ملايين نسخة كما كان الحال عندها آنذاك، وتبين ايضا انه ستاليني الفكر قلبا وقالبا كما يقال لدرجة انه لم يتقبل كل التغيرات الجذرية التي حدثت بعد وفاة ستالين في الاتحاد السوفيتي عام 1953، والتي أدٌت الى ما أدٌت اليه من وقائع معروفة في مسيرة الحياة السوفيتية بشكل عام و الروسية بشكل خاص، و التي لا يزال يرفضها ولا يعترف بها لحد الان بغض النظر عن كل شئ، وهو موقف فكري غريب فعلا في اطار عصرنا الحالي وسماته وطبيعته ومفاهيمه، وقد قلت له ضاحكا – كيف لي ان اقدمك للقارئ العربي ونحن في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ؟، فانت ارمني القومية وروسي الجنسية وعضو ناشط في الحزب الشيوعي الروسي وستاليني قح وصحفي محترف معروف وشاعر وجداني وناقد ادبي صارم ومؤرخ للادب الروسي المعاصر؟، فقال مبتسما - قدمني كما تراني وكما تشاء، فقلت له – ساقدمك شاعرا قبل كل شئ، لانه يكفي انك كتبت هذا المقطع الرائع الجمال في احدى قصائدك لعام 2011 –

انتظرك مثل حقل ينتظر المطر..

ومثل جندي جريح ينتظر من حبيبته خبر..

فقال ان شولوخوف قد لاحظ ذلك قبل حوالي خمسين سنة - (عندما كنت شابا ولا زلت في بدايات مسيرتي الادبية و تمنى لي عام 1964 ان اكون في الشعر ناجحا ومقداما ....)، وقد ثبٌت أرشاك قول شولوخوف هذا اعتزازا به على الغلاف الاخير للجزء الثالث من مؤلفاته المختارة باربعة اجزاء، وهو الجزء الصادر في موسكو عام 2013 عن دار نشر – (غولس – بريس)، وقد عرض لي فعلا ذلك الغلاف، واود هنا – استكمالا للتعريف بصورته وانجازاته الشعرية -   ان أقوم بالقاء نظرة سريعة ليس الا على مجموعة من قصائده . هذه مثلا قصيدته عن عاصمة ارمينيا – يرفان .

يرفان                                  

عبر الزوابع و العواصف الرعدية

تتناقشين مع الزمان،

انت وردة صخرية

على سفوح الجبال.

وهذا مقطع في مستهل قصيدة له مهداة الى الشاعر الروسي الكبير يسينين-

تبكي السماء عند الكنيسة

بمرارة، بمرارة ...

وتعالوا نقرأ كيف (دفن الحب !!!) في قصيدة صغيرة تقطٌر ألما –

لم أقل أي كلمة لامي ..

ولقد صليٌت..

وحفرة حفرت ..

كي أدفن حبي .

الشاعر أرشاك تير- ماركريان يحتاج بلا شك الى فضاءات اوسع ومساحات اكبرمن هذا العرض السريع كي نتعرف بعمق على عوالمه الشعرية، وهذا ما نخطط له لاحقا، اما الان، فاننا نود ان نقدم مقاطع من نماذج ليس الا من تلك الصور القلمية التي يرسمها في مقالاته القصيرة والمليئة بالافكار الممتعة والطريفة و المبتكرة والاصيلة بكل معنى الكلمة، واليكم بعض سطورها –

حدود النضوج –

الابناء ينضجون رأسا بعد وفاة الوالدين. قبل هذا يعتبرون انفسهم اطفالا .

الحياة –

انها الوجه الآخر الجميل للموت .

وهناك تعليق طريف كتبه بعد ان فاز الرئيس الامريكي اوباما (ذو الاصول الافريقية) في ولايته الاولى قال فيه ان روسيا سبقت امريكا في هذا المجال، اذ ان (بوشكين ذو الاصول الافريقية كان شمس الشعر الروسي قبل اوباما بقرنين من الزمان).

ختاما لهذه السطور نظن انه من الضروري ان نشير الى بعض النقاط البارزة في مسيرته الابداعية، فقد انهى ماركاريان معهد غوركي للادب عام 1973، وهو واحد من القلائل جدا الذين حصلوا على عضوية اتحاد الادباء السوفيت آنذاك عندما كان لا يزال طالبا في الصف الثالث بالمعهد المذكور، واصدر لحد الان 35 كتابا ادبيا في موسكو ويريفان وصوفيا (بلغاريا) ومدن اخرى، وهو حائز على مداليات شولوخوف وليرمنتوف وتشيخوف وسيمونوف الذهبية وكذلك على وسام ستالين.

مع الجواهري بعيدا عن السياسة والادب !! (9)

rawaa jasani... وهذه هي حلقة جديدة- وآمل ان لا تملّوا- عن بعض يوميات الجواهري، وخصوصياته، علّها تضيف جديدا في التعريف بذلكم الشاعر والرمز العراقي العظيم، في القرن العشرين على الاقل ...

 

38- لقاء مع خامنئي في طهران

في سعي لتغيير الاجواء، ومحاولة التهرب من"الارق" بل والقلق الذي أبعد عنه النوم الهادئ، وبخاصة بعد رحيل زوجته"أمونة" يُستضاف الجواهري، عام 1992 في الجمهورية الايرانية، بدعوة الامام خامنئي، ولفترة مفتوحة. وتلبى الدعوة، وقد كتب عن بعض شؤونها، السيد مدين الموسوي من زوايا شخصية، لم يكن فيها منصفاً، على أقل وصف. خاصة وان المجالس- ان وجدت- فهي أمانات، وقد قلت له ذلك علناً...

... المهم، يغادر الجواهري الى طهران، ومدن ايرانية اخرى، وقد رافقه في مقامه هناك ابنه "نجاح" فترة من الزمن. ويبدو ان ذلكم التغيير لم يكن العلاج الشافي لارق الشاعر الخالد، وقلقه، فعاد من ايران الى مستقره الدمشقي، بعد اشهر معدودات .... ومن ابرز ما شهده " برنامج" الزيارة، اللقاء بالسيد خامنئي، المرشد الاعلى للجمهورية الايرانية، المحب، والحافظ للكثير من شعر الجواهري، الذي كتب له ابيات شكر، ومجاملة سجلها على الصفحة الأولى من كتابه ( ذكرياتي) واهداها له ومن بينها:

لَكَ أهلٌ فَوقَ الذّرى وَمَحَلُ، لَكَ بَعدَ المكرُمات وَقَبلُ

فإغتَفِر لي ما جاءَ في ذِكرياتي، يا عَطوفاً عَلى خُطى مَن يَزِل

ونقل لي "نجاح" ان والده كان متعبا ً خلال الزيارة، ولم يكن برنامجه حيوياً، وكان طوال الفترة معتكف في دار الضيافة المتميزة التي خصصت له في طهران، باستثناء بعض الفترات القصيرة، للتجوال في متنزهات "شمرانات".. كما ولم يلتق الكثير من الذين كانوا يودون اللقاء معه، أو زيارته وباستثناءات محدودة ايضا...

 

39- الجواهــــري عن أخته نبيهــة

ترددت في كتابة هذه المحطة والتأرخة، لاسباب خاصة، وإن كانت معروفة للكثيرين. وكان المفترض ان اتوسع بها، ولكن، ولتلكم الاسباب ذاتها، سأوجز هنا، مع وعد بتوثيق أشمل لاحقاً، وأزعم – كعادتي- أن يكون ذلكم التوثيق جديدا وغير مطروق، كما هي هذه المحطات واليوميات، السابقات، واللاحقات منها.

والتأرخة التي اعني هنا، هي عن علاقة الشاعر الخالد بأخته، نبيهة، وهي الوحيدة في العائلة بين اربع اشقاء، هم: عبد العزيز، محمد مهدي، عبد الهادي، و"محمد" جعفر، شهيد وثبة كانون الثاني 1948.. وهي – نبيهة- الرابعة في التسلسل، وكانت مدللة الجميع، وأولهم "محمد مهدي" الجواهري، والذي ينقل نجله "نجاح" انه استمع منه، وبكل صراحة: انها الاشبه الي في كل شي.

لقد أصر الجواهري على زواج أخته، نبيهة، من صديقه، السيد النجفي، جواد "العريضي" الجصاني، بعد"نهوة" عليها من ابن خالها عام 1935 وللقارئ ان يقدر من تلكم الحال كيف كانت مواقف الشاعر الخالد بالضد من التقاليد البالية، ومنذ عقوده الاولى. وثمة تفاصيل عن تلكم "النهوة" في الجزء الاول من ذكريات الجواهري الصادرة عام 1989.

ولكي لا نطيل عن شواهد ووقائع، يومية، عن العلاقات الحميمة والوثيقة، وربما الاستثنائية، بين الجواهري وأختــه، نشير لثلاث لقطات من الديوان العامر، وأولها في قصيدته الشهيرة عام 1948 ومطلعها المعروف "أتعلمُ، أم انتَ لا تعلمُ" حين وصف اجواء الحزن البيتي على استشهاد جعفر فقال:

"وأختٌ تشق عليك الجيوب، ويُغرز في صدرها معصمُ" .

اما اللقطة الثانية فجاءت في اربعة أبيات أهدى بها الجواهرى ديوانه لنبيهة،عام 1974 وتحت عنوان "يا فرحة العمر" ومن بينها البيتان:

سلمتِ، أختيّ، أذ لم يبقِ لي زمني، أخاً سواها ولا اختاً، تناغيني ...

حسبي وحسبك عن بعد وعن كثبٍ، أني أناجيك في هذه الدواوينِ

اما اللقطة الثالثة، فهي ابيات مؤثرة القاها الجواهري، باكياُ، امام ضريح أخته، وهي توارى الثرى في متربة السيدة زينب، بدمشق في تموز1987 ومنها:

"نبيهــة" ان الحياة ملعبه... ونحن فيها "طابة" ومضربه

رهن الليالي حيثما دارت بنا، كعقرب الساعة تحت الذبذبة....

حبيبتي"نبيهـــة" سنلتقي، عما قريب عند هذه المتربة !!

ثمّ، وبعد عشرة اعوام تماماً، وفي شهر تموز- ايضا- عام 1997

يرحل الجواهري ويواري الثرى على بعد امتار من ضريحي زوجته"أمونة" وشقيقته "نبيهة".

 

40- مع نجاح العطار، وعنها ..

قبل ان تكون وزيرة للثقافة في سوريا، خلال الثمانينات الماضية، عُرفت نجاح العطار، اديبة ومثقفة متميزة، دعوا عنكم حصولها على دكتواراه الادب من جامعة السوربون الشهيرة. ومن هنا توطدت علاقتها بالجواهري، وعلاقته معها: احتراماً ومحبة وتقديرا. وإذ يُقام احتفاء فخم بالشاعر الخالد في دمشق عام 1980 تشارك العطار بمداخلة بهية شيقة، جمعت التقييم والتأرخة وباسلوب ادبي انيق. .. وما كان من الجواهري الا ان يردّ التحية بمثلها، ولربما باجمل منها حتى، عبر قصيدة أنيقة، ومن ابياتها مخاطبا العطار:

وعجتِ علي فاكهة ونبعاً، وما أنا بالأكول ولا الشروبِ

وقد بالغت بالالطاف حتى، كأنك تحرصين على هروبي

ومما اسجله هنا مثالاً واحدا معبرا عن مدى اعتزاز وتقدير تلكم المثقفة الباهرة، للشاعر الرمز، أنه كلمها هاتفيا ذات نهار دمشقي عبق، ربيع عام 1988 ليطلب موعداً يزورها في مكتبها الرسمي، فما كان منها إلا أن تفاجئنا وتأتي بعد نحو نصف ساعة لصالون الجواهري في بيته، وهي تقول بصوت عال: الجواهري هو الذي يُزار... وكانت ساعة لقاء ثقافي أدبي حميم، ملئ بزهو الحيوية والمحبة.

 

41- إدمان على "لعــب الــورق"

أكاد أجزم بأن لا أحبّ للجواهري من "لعب الورق" مع الاهل والاصدقاء، تسلية، ويومياَ لو سمحت له الظروف. وكم وكم مدح مخترعها، أو مكتشفها، ولا أدري اي التعبيرين أصح!. وأظن انها كانت الطريقة المجربة الوحيدة بالنسبة له لكي يبتعد قدر ما يستطيع عما يتوقد به ذهنه من رؤى وآراء وأفكار، وعلى مدار الساعة، ان لم اكن مبالغاً... وقد رافقـــت تلكم اللعبة "البيتيـــة" في الغالب الاعم، الشاعـــر الخالد على مدى عقود حياته الطوال، فلم يكلَّ أو يملَّ منها، أو تكلّ وتملّ منه، يوماً ما.

.... وقد لايصدق البعض ان الجواهري ما كان يكاد ان يودع الزوار والاصدقاء الرسميين، مساء، في صالونه الدمشقي، إلا ونادى باعلى صوته: هاتوا "البطانية" والتي تفرش على المائدة لتبتدأ فترة "لعب الورق" مع من هو موجود من أهل البيت، وكذلك من الاصدقاء المقربين الذين يستبقيهم للمشاركة في التسلي، ومن بينهم حتى سياسيون بارزون !!... ولكي لا يذهب "البعض" فيتصور ان الهدف هو المقامرة الممقوتة، أقول: ان "الارباح" و"الخسائر" في الليلة الواحدة كانت محدودة جدا جدا، وربما لا تتجاوز ما قيمته العشرة دولارات، كحد أقصى. ومع ذلك فقد كان- الجواهري- يغضب ويتوتر، ويشتم، ويتهم، حين لا يربح، وأكيد لانه يريد، وكما هو في مناحي حياته كلها: التميز، والانتشاء، وليس للكسب المادي.

 

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

 

في مثل هذا اليوم سنة 1941 ولد محمود درويش

faroq mawasiتحاول هذه الدراسة أن تستقرئ أسباب شهرة محمود درويش حتى أصبج المثقف والعادي يتغنى به، فهل هو وطني بشكل لا يضاهى؟

وهل هو مبدع شعريًا بحيث لا يجارى؟

وهل؟ وهل؟

هذه الدراسة إذا قرأتها في سطورها وبين سطورها وما وراءها فستجد أن هناك أسبابًا مجتمعة لا انفصام لها أوصلته إلى هذه السيرورة والشهرة، وجعلتنا جلنا إن لم يكن كلنا نعتبره (مالئ الدنيا وشاغل الناس) ،

المالئ الجديد للدنيا والشاغل للناس

محمود درويش – المتنبي الآخر

 

مع صحبتي له ولشعره- صحبتي له في بضعة لقاءات لا تتجاوز أصابع يد، وصحبتي المتواصلة لكتابته مع حروف له أو عنه- كنت أتساءل من قبل ومن بعد:

ما سر هذا التألق؟ هذه الشعبية؟ هذا الاستقبال الحقيقي والمجازي؟

كيف تسنى للكلمة أن تجد لها من يضفي عليها طابع القداسة- مع تباين في مستويات المتلقين وتأويلاتهم؟

يوم أن شاركت في جنازة الشاعر المَهيبة شاهدت بأم عيني دموعي ودموع الناس، وساعة أن حملوا جثمانه تمنيت أن يحمله الشعراء وأرباب الحروف، ولحظة كان صوته المسجل يقرأ كان خشوع، وكنا وكأن على الرؤوس طيور الحزن، تتلو بصمت قصائده.

تابعت ما ينشر عبر الإعلام الورقي والصوتي والمشهدي والألكتروني، تصفحت أو شاهدت أو أنصتّ لجل ما قيل في الغائب الحاضر: آلافًا مؤلفة من النصوص بصدقها وأصالتها أحيانًا، وبتدبيجاتها وبغلوها أحيانًا كثيرة. وندر بين الأدباء من لم يدل بدلوه – من المحيط إلى الخليج- ، ليعبر كل بأسلوبه عن فداحة الرحيل، وتنافس الشعراء والكتاب والسياسيون في تلاوة آيات الأسى والشجن.

سألني من سأل:

ماذا؟ ولماذا؟ وما سر هذا التيار الهادر في محبة هذا الشاعر؟

هل هو تقدير للشعر؟

إن كان ذلك كذلك فمعنى هذا أن شعبنا يقرأ، ومجتمعنا مثقف، ويحب الشعر ويستمع إليه، ويتابع النصوص، وهذه الألوف المؤلفة يوم جنازته تقدر الشعر في شخص الشاعر المميز.

هل هو تقدير للوطن؟

إن كان ذلك كذلك فمعنى هذا أن الناس وطنيون، شغلهم الشاغل الأرض وفلسطين، وهذه الألوف المؤلفة تتلاقى عند وطنيته، وذلك في ظل تخوينها لبعضها البعض، فلدى درويش القول الفصل وطنيًا وموقفيًا، والناس يرون فيه العنوان، وأشعاره حتى وإن تحفظ هو من إضفاء صبغة عليها فهي شاء أم لم يشأ الفلسطينية الهوية، والمعبرة عن الصوت الجمعي. وسيظل هو الشاعر الوطني حتى لو دفع شعراء آخرون ثمنًا أبهظ لوطنيتهم سجنًا واعتقالاً وموتًا.

 

أجبت:

محمود درويش مالئ الدنيا بعد المتنبي وشاغل الناس، وثمة أكثر من سبب لذلك، تتوافى معًا، وتؤلف كلاً واحدًا، وسأجتهد في بيان ذلك:

 

تحرر محمود من المواقف السياسية:

انتسب محمود في مطلع شبابه، وفي فترة محدودة للشيوعية، وهي الفترة التي ساهمت في انتشار شعره والتعريف به أسوة بكل الشعراء الماركسيين العالميين، وذلك عبر الترجمات والمهرجانات المحلية والدولية. من هنا نبدأ .

لكن محمودًا بعد أن قرر أن يهاجر لم يلتزم طويلاً لحزب أو لتيار سياسي عربي، وهذا ينبع لديه من موقف أدبي وفكري متعال، ولذلك رأيناه يعزف عن المناصب، فهو في الداخل وليس فيه، وهو ضد أوسلو ويعود إلى الوطن باتفاقياتها، هو مع عرفات وشاعره، ويتحفظ من اتفاقياته بحدة، ويدفع ثمنًا لذلك. هو يكتب وثيقة الاستقلال، ومع ذلك لا يريد البقاء في المجلس الوطني الفلسطيني، إزاء ذلك، وبسبب التباين الموقفي نجد أن كل حزب يجد أبياته

وأدبياته في شعر درويش، ويفسرها وفق منظوره. يعزز ذلك ما يلي

 

عدم تقيد محمود بالتيارات الشعرية:

هو شاعر متجدد، شعره فيه السهل، وفيه الصعب المرتقى، فيه مراحل ومستويات وفي فترات، ويختلف القراء والنقاد حول أيها أجود، غير منكرين حق الشاعر في التعبير عن نفسه بطريقته، فإذا لم تعجبك" أنا يوسف يا أبي" مثلاُ، فما يعجبك من قصائده عشرات غيرها. وهذا التباين في كتابات الشاعر أدى إلى تباين في التلقي، وهذا التباين أدى إلى منافسة بين القراء وبين النقاد.

لم يعاد محمود أي تيار شعري، فهو مع كل تجديد، ويتحفظ أحيانًا من خلو شعر النثر من الموسيقا، مع أنه يصادق شعراء قصيدة النثر، بل ينشر في الكرمل – مجلته - ما يختلف عن منظوره الشعري؛ وهو من جهة أخرى مع الحداثة ومع الكلاسية والرومانتية والواقعية والسريالية على اختلافها، وصولاً إلى النثرية الفنية.

هو يقف بعيدًا عن المعارك الأدبية رغم أنه يصاب كثيرًا من رشاشها ومن التطاول عليه، لكنه يظل أنوفًا من الرد وكيل الصاع أضعافًا. ويظل رأيه في أن هذا الاختلاف نابع من إيمانه بالشعر وحده، فاعطني شعرًا، ولا يهمني كيف؟

يعزز ذلك تحليه بـ (الكاريزما).

 

الكاريزما أو الجاذبية:

لا يستطيع الفاحص أن يتبين تمامًا سر هذه المهابة البالغة التي تُضفى على سياسي مثلاً، فينسى الناس معايبه وأخطاءه، ويتركزون على كل صغيرة في حياته ينسجون منها أروع ما يحبون قولاً وفعلاً وصلاة . هل هي حاجة متأصلة لدى الناس يبحثون لهم بين الفترة والأخرى عن سياسي أو فنان أو بطل لينشدوا له أجمل التراتيل.

سأترك دواعي ذلك لعلماء الاجتماع ولخبراء علم النفس الاجتماعي، ولكني موقن أن الفرد لا يستطيع أن يجاهر برأيه إذا كان مخالفًا لجماعة متعصبة، فإما أن يسكت، وإما أن يخفف من حدة رأيه حتى يسلم. وحكاية الأعرابي الذي زار حاتمًا ولم يكرمه معروفة، فاضطرار الأعرابي لأن يقول إن حاتمًا أكرم وفادته هي كحكاية دكتور للأدب العربي في جامعة بير زيت الذي استمع إلى قصائد للشاعر، فاضطر إلى الحديث عنها بإعجاب متناه، بعد أن كان يتعسر منها، لئلا يتهم في ذكائه وفي تذوقه للشعر.

استطاع محمود أن يصل إلى القلوب لشخصيته التقبلية الحميمة، فهو قريب وبعيد في نفس الآن، وإذا طلب على قلة ما يطلب تحس كأنك مسؤول عن تلبية طلبه، وإذا دمعت عيناه أبكاك أكثر، فهل هذا بسبب الغربة؟

 

الغربة وتأثيرها:

ترك محمود وطنه وهو في ريعان شبابه، وقبل ذلك هُجّر من بروته وهو صبي. تنقل من منفى إلى منفى، وعانى ما عانى، وحفظ الناس روايته، فرأى الناس أنهم أمام حزن ومعاناة، بل مأساة، تجسمت في أوجها لدى رحيله الفاجع. وتوازت أو تماهت قضيته بقضية الوطن، فكانت كتابته تعبيرًا مباشرًا أو غير مباشر عن هذه القضية، فحضوره إذن تمثيل للوطن، حتى لو أراد هو لشعره أن يُنظر إليه مستقلاً، وبمعايير الشعر الفني فقط.

ومع ذلك فليس كل غريب عن وطنه يجد هذه الأصداء المتجاوبة، ولكن محمودًا وجدها بسبب خُلقه وخَلقه.

 

الخَــلق والخُـــلق:

هو جميل ووسيم في حضوره، فيه هدوء الصخب، وصخب الهدوء، وفيه تواضع بكبرياء وكبرياء بتواضع.

هو أنيق في ملبسه ووسيم في شكله، شاب في روحه، لا يعرف معنى للتعصب، يحب الحياة، وبعيد عن الحقد، بل يترفع عن الرد على الكيد.

وكما ذكرت فهو قريب وبعيد معًا. من هنا كان له محبون أكثر. وقد ترك الحوار حوله وحول شعره للآخرين دون أن يتدخل. لذا وجدت هناك من يحبه، بل من تعشقه، ومن يعشق سلوكه وطيبته. يضاف إلى ذلك أداؤه الشعري المميز.

 

الأداء الشعري:

يظل إلقاء محمود لشعره مؤثرًا، وتظل شخصيته مثيرة جدًا لدى المتلقي، فالشاعر يعرف كيف يحاور الكلمة ويداورها نغمًا وتوقيعًا وأثرًا- حتى لو لم تكن مفهومة لدى المتلقي، فهي تعبر عن صدق ملموس يمطر به مطرًا ناعمًا في جو ثقافي، أو فكري أو نفسي متواصل. يتواصل بموسيقا يجدها كل متلق وفق ذوقه. وقد خلب إلقاؤه ألباب السياسيين أيضًا على قلة اهتمامهم بالثقافة والشعر، فكنت تجد بعضهم في الصف الأول لسماعه.

 

اهتمام السياسيين بشعره:

ليس هناك من شاعر حرص السياسيون في السلطة الفلسطينية وفي العالم العربي أن يستمعوا إليه يماثل درويش، بل إن هذه الجنازة، وبمن شارك فيها، وهذه الحفلات التأبينية، والإصرار على إخراج الوفاة وكأنها جزء من نشاط وطني فلسطيني، وبمشاركة فعالة على جميع الأصعدة- في جميع مواقع الفلسطينيين جعلت الشاعر وكأنه جزء لا يتجزأ من فعاليات الأحزاب أو السلطة. ويبدو أن محمودًا في السنوات الأخيرة كان قريبًا من جميع أصحاب النفوذ في العالم العربي ولدى الفلسطينيين، فلم ينشر في دواوينه ما يمكن أن يُفهم منه أنه هاجم به نظامًا من أنظمة الحكم العربي، مع أنك تجد هنا وهناك غمزًا لذا أو لذاك. وكانت علاقاته بقادة العرب في الداخل جيدة على اختلافات بينهم، فوجد كل منهم في الشاعر صوته وصوت منهجه السياسي والحزبي، بل رأى اليسار الإسرائيلي أنه شاعر إنساني وليس عدائيًا، وليس أدل على ذلك من بعض قصائده التي أثارت أكثر من نقاش.

كل هذه الأسباب معًا جعلت محمودًا مالئ الدنيا كجده المتنبي وشاغلاً للناس، وهذا لا ينفي مقولة من يرى أن السبب كامن في شاعريته فقط، أو في تمثيله للقضية، أو... لكني أرى أن الشاعر سطر اسمه في تاريخ الأدب بسبب هذه كلها معًا.

إننا نذكر اليوم المتنبي بعد ألف عام ونيف يومًا بعد يوم، وستذكره أجيال لاحقة جيلاً بعد جيل، بل إن الشعراء قديمًا وحديثًا يختلفون فيما بينهم في مقاييس الشعر ومعناه، لكنهم يتفقون أن المتنبي هو الشاعر الأبرز. وهكذا سيرفع الأدب لدرويش ذِكره، ففي تقديري أن درويش سيُدون في أنصع صفحات الأدب العربي إلى ما بعد ألف عام، وستذكره أجيال لاحقة جيلاً بعد جيل، فنان صياغة، وعاشق أرض، وصاحب رؤيا، وفي تقديري أنه سيتفق الشعراء والنقاد عليه حتى لو تفرقت بينهم السبل.

 

(صالح الكواز) الحلي شاعر السليقة والارتجال

hamid-gayedقرأت موضوعة عن شاعر الحلة الفيحاء (صالح الكواز الحلي) ووجدت سوقَ معلومة أجدها منافية لما قيل فيها عن الشاعر (الكواز)، والمعلومة تقول أن (الكواز) ضليع باللغة العربية ونحوها، ولأن (أهل مكة أدرى بشعابها) لذلك نقول ما عرفناه ووثقناه من متداول ورواة شعره، وما عرف عن هذا الشاعر وأخيه الأصغر (حمادي الكواز)، فلم يكن (الكوازان) على دراية وخبرة بعلوم اللغة ونحوها وصرفها وربما الكتابة فيها، ودليلي لذلك ما تحفظه الذاكرة الحلية عن الشيخ (صالح الكواز)، وتقول الرواية أن الشاعر (الكواز) كان يرتاد مجلس السادة (القزاونة) ويقرأ شعره عندهم، وكانوا يريدون إيجاد خطأ نحوي بشعره ولم يتمكنوا من ذلك، وفي أحدى القصائد التي كتبها للصديقة الزهراء عليها السلام يقول:

مـا كـان نـاقة صـــالحٍ و فصيلها * بــــــالفضلِ عند الله إلا دونـــــي

وحين قراءة القصيدة أستوقفه أحدهم قائلا، منذ مدة ونحن نرقب خطأ نحوي بقصائدك وها أنت اليوم وقعت في الخطأ يا شيخنا الجليل؟، قال له (الكواز) وما هو الخطأ الذي وقعت فيه، قال المتتبع للقصيدة أنت تقول (ما كان ناقة صالح)، وبما أن الناقة مؤنثة لذلك وجب عليك أن تؤنث الفعل الماضي الناقص ليكون (ما كانت ناقة صالح)، ولا علاقة لي باختلال الوزن لأني لست معنيا بذلك؟، أجابه (الكواز) قائلا هكذا يقول لساني، قالوا له لنتفحص علماء اللغة فيما أثبتوه وعلنا نجد عذرا لك وتعال لنا صباح الغد، في اليوم الثاني جاء (الكواز) لمجلسهم وقالوا له جميعا (صدق لسانك يا شيخنا الكواز)، قال أحدهم ذهبنا الى (سيبويه) ووجدنا عنده ما يتلاءم مع قولك، لأن الفعل الماضي الناقص لو دخل على المذكر أو المؤنث العاقل يجب أن يذكر أو يؤنث تبعا لذلك، وأن دخل على المذكر أو المؤنث غير العاقل فمن حقك تأنيث الفعل أو تذكيره وفق ما تريد، ولم يكن الرجل عارفا بما وجدوه له من عذر، وهذا بزعمي دليل على رد من يقول أن (الكواز) على دراية بعلوم اللغة وأسرارها.

وقبالة ذلك كان (الكواز) على دراية وحفظ ومعرفة لشعراء الجاهلية، وصدر الإسلام، والشعراء الأمويين والعباسيين، ويحفظ الكثير من المراثي لآل البيت الأطهار عليهم السلام .

ولد الشاعر أبو المهدي بن الحاج حمزه عام 1233 هـ في مدينة الحلة الفيحاء وهو من أصل عربي من عشيرة (الخضيرات) أحدى قبائل شمر، وتوفي في الحلة الفيحاء عام 1290 هـ ودفن في النجف الأشرف ونعاه علماء الدين وخطباء المنابر ورثاه الشاعر السيد (حيدر الحلي) بقصيدة يقول في مطلعها:

كل يوم يسومني الدهر ثكلا * ويريني الخطوب شكلا فشكلا

ومن طريف شعره هذا البيت الذي أرتجل ويقول فيه:

ما وشوش الكوز إلا من تألمه * يشكو الى الماء ما لاقى من النار

وفي رواية أخرى ما قاسى من النار، وحديث هذا البيت أن (الكواز) كان يعمل بصناعة الفخار (الجرار)، وما شابهها من صناعات فخارية يدوية ، و (الجرة) عبارة عن وعاء فخاري مصنوع من الطين لحفظ الماء وتبريده أيام الصيف القائظ، ، ويطلق على صاحب هذه الصنعة (الكواز) الذي يصنع (الأكواز) .

وقفت امرأة جميلة على دكان (الكواز) طالبة منه بيع (جرة) لها، واتفقا على السعر وأخذت (جرتها) وذهبت لبيتها، في اليوم التالي عادت الحسناء قائلة له حين وضعت الماء في الجرة أصدرت صوتا غريبا يشبه الوشوشة، وبدأ الماء ينساب من مسامات الجرة، قال لها خروج الماء بقطرات قليلة شئ طبيعي وسنعالجه وسينقطع انسياب الماء شيئا فشيئا، وأما الصوت الذي سمع فتلك شكوى من الجرة الى الماء، بقدر ما لاقت من النار عند فخارها، وفي حديث الكواز تورية واضحة، وحقيقة الصوت هو دخول الماء الى مسامات الجرة وطرد الهواء من تلك المسامات مطلقا تلك الوشوشة التي ذكرها (الكواز) في بيته الشعري .

وطريفة أخرى تناقلها شيوخ الحلة عن شاعرهم (الكواز)، ومفادها ان الشاعر (الكواز) كان على علاقة مع أحد وجهاء مدينة (الكاظمية) المقدسة ومن وجهاء (آل كبه)، وكان الوجيه ينزل بدار (الكواز) في الحلة أثناء مروره الى النجف الأشرف لزيارة أمير المؤمنين علي (ع)، أو لزيارة كربلاء المقدسة، وكثيرا ما كان يوجه الدعوة لصديقه (الكواز) لزيارة الإمامين الكاظمين (ع)، وربما تستغرق السفرة أكثر من نصف شهر ذهابا وإيابا بسبب عدم وجود وسائط النقل الحديثة آنذاك، وكانت سفراتهم على شكل مجاميع يستخدمون فيها الحيوانات للتنقل، في أيام رمضان كان (الكواز) ضيفا على صديقه الكاظمي، وصادف أن وجَهَ الشاعر المعروف (عبد الباقي العمري) دعوة أيام رمضان لحضور مجلسه الثقافي لذلك الوجيه البغدادي، وألح البغدادي الكاظمي على (الكواز) لحضور ذلك المجلس الذي يعقده (العمري) بمدينة الأعظمية، لم يقتنع (الكواز) بالذهاب لمجلس العمري لأنه لا يعرفه أولا، ولم تقدم له الدعوة مباشرة ثانيا، وثالثا وهي الأهم أن (الكواز) كان قد ندد بشعر (العمري) وشاعر آخر هو (عبد الغفار الأخرس) ببيت شعر ذكرهما سوية يقول فيه

أخرستُ أخرس بغداد وناطقها * وما بقيت لباقي الشعر من باقي

والتورية واضحة في البيت، وأخيرا أجبر (الكواز) على الذهاب لديوان ومجلس الشاعر عبد الباقي العمري، ومعلوم أن ديوان العمري يؤمه وجهاء البلد من ساسة وتجار ومثقفين، و(الكواز) رجل فقير الحال لا يملك من دنياه إلا ساعده الذي يعيل به عائلته، نظر الشاعر عبد الباقي العمري للقادم الجديد مع مجمل المدعوين، وربما لم تعجبه ملابس الشاعر (الكواز) المتواضعة، و(الكواز) يرتدي العباءة العربية والعقال والكوفية (اليشماغ)، وربما سمع (الكواز) أطراف حديث الشاعر عبد الباقي العمري مع مضيّف الكواز الكاظمي واستهجان قدومه وملابسه البسيطة، فقال (الكواز) قاطعا حديثهما بهذا البيت من الشعر:

لو كان ثوبي قدر شعري لأصبحت * تحاك ثيابي من جناح الملائك

نهض الشاعر عبد الباقي العمري من مكان جلوسه مسرعا نحو جلوس قائل البيت وصاح به صوتا يسمعه الجميع والله أنك (صالح الكواز الحلي).

 

ابو بكر يوسف يكتب عن غائب طعمه فرمان

هذه صورة قلمية في غاية الجمال والرشاقة والروعة والدقة والموضوعية رسمتها أنامل المترجم المصري الكبير الدكتور ابو بكر يوسف لغائب طعمه فرمان، والتي عكس فيها علاقات صداقة حميمة وزمالة امدها اكثر من ربع قرن من العمل الترجمي والجيرة معا في موسكو، والذي وجد فيه (حلاوة تمر العراق وحزن نخيله) . لقد كتب ابو بكر يوسف هذه الكلمة بعد وفاة المرحوم غائب طعمه فرمان عام 1990 وتم نشرها في مجلة – (رمال) التي كان يصدرها آنذاك الاستاذ الدكتور ميثم الجنابي والدكتور جلال الماشطة وزملاء لهم في موسكو باعداد قليلة وتوزيع محدود، وقد توقفت المجلة بعدئذ عن الصدور مع الاسف بعد ان اصدرت عدة اعداد ليس الا نتيجة صعوبات مالية، وقد أخبرني الدكتور ابو بكر ان جريدة (أخبار الادب) المصرية ونشرة جمعية ثقافية في كندا كان يصدرها الدكتورالسوري المعروف نوفل نيوف اعادت نشرها في حينها ايضا، وعلى الرغم من ذلك وفي كل الاحوال فاننا نرى ان هذه المقالة المهمة جدا حول الاديب والمترجم العراقي الكبير المرحوم غائب طعمه فرمان لم تشغل مكانها المناسب واللائق بها و الذي تستحقه فعلا في مجمل الدراسات التي صدرت حوله، خصوصا في العراق،بل حتى يمكن القول انها تكاد ان تكون مجهولة تقريبا للقارئ العراقي المهتم بابداع غائب ومكانته الكبيرة في مسيرة الادب والفكر في العراق، لهذا ارتأينا ان نعيد نشرها لاهميتها وقيمتها التوثيقية والعلمية والفنية، علما ان الدكتور ابو بكر يوسف قد وافق - وبكل سرور وامتنان – على اعادة نشرها بعد تنقيحها اعتزازا بغائب طعمه فرمان وابداعه الادبي والترجمي كما اخبرني شخصيا.

 

غائب طعمه فرمان ...قاهر الغربة

 

الدكتور ابو بكر يوسف

يا لحياة المنفى من مهنة شاقة

ناظم حكمت

تعرفت بغائب طعمه فرمان منذ اكثر من اربعين عاما، وعلى وجه التحديد في صيف عام 1969، وها قد مر عشرون عاما على رحيله المفجع، وبذلك اكون قد عاصرته وعايشته زهاء عشرين عاما في موسكو، وقد توافقت الظروف واراد القدر ان يسعدني مرتين بالعيش الى جوار هذه الشخصية الرائعة.. مرة بمجاورته في السكن، ومرة بزمالته في العمل. لقد شاءت محاسن الصدف ان يكون مسكني فوق مسكنه لعدة سنوات في عمارة تقع قرب مترو الجامعة، وشاءت الصدف ايضا ان التحق بالعمل في دار (التقدم) للنشر حيث كان يعمل غائب، ثم انقسمت دار (التقدم) الى دارين، فظهرت دار (رادوغا) لنشر الكتب الادبية، وانتقلنا معا ومع بعض الزملاء الى الدار الجديدة. التقيت غائب طعمه فرمان اول مرة امام مصعد العمارة، وكنت لا اعرف ولا اتوقع ان يسكن في هذه العمارة الروسية البحتة اجنبي غيري.. فقد كان من المتبع في ذلك العهد في الاتحاد السوفيتي ان يكدس الاجانب في احدى العمارات، وربما في مدخل واحد لغرض لا يخفى على أحد، ولكن، وكما اتضح فيما بعد، كانت دار التقدم تمتلك شقة واحدة في هذه العمارة، وكان يقطنها غائب، بينما تمتلك صحيفة (انباء موسكو) التي بدأت بالصدور شقة اخرى، هي التي اعطيت لي. بجوار المصعد وقف شخص صغير الجسم، قصير القامة، اول ما يلفت النظر فيه نظارته ذات العدسات السميكة التي تظهر من تحتها، مكبرة، عينان واسعتان (ربما بفعل الانكسار الضوئي للعدسات)، وما ان تتراخى قليلا شدة الجذب الى العينين المكبرتين حتى يشدك سحر ابتسامة طيبة، طبيعية، متواضعة، آسرة..تقول لك على الفور ان صاحبها شخص طيب، سمح، لا يمكن ان يصدر عنه ما يؤذي الشعور او يهين الكرامة، بل كانت الابتسامة دعوة صريحة وبسيطة للتعارف والتواصل لا تقاوم. لاحظ تفرسي وانشدادي الى وجهه فازدادت ابتسامته طيبة ورقٌة وسأل / - الاخ عربي ؟ / - نعم / - من اين؟/ - من مصر /، هنا شع وجهه كله ابتساما، كأنما التقى صديقا قديما او تلقٌى نبأ سارا . (أنا درست في مصر ..في القاهرة) .. ومضى يتحدث عن مصر وكلية الاداب ومدرسيه واصدقائه.. بلهجة مصرية محببة، ليست بالمصرية الخالصة، بل تخالطها كلمات باللهجة العراقية، محورة كي تبدو مصرية..وسرني ذلك التودد من جانبه..الاشبه بتضييفك شخصا عزيزا طعاما يحبه. عرفت فيما بعد انه تعرٌف في مصر على كبار كتابها ونقادها، وكان من رواد ندوة الخميس التي كان يقيمها نجيب محفوظ، وربطته مشاعر صداقة حميمة بمحمود امين العالم وعبد العظيم انيس وغيرهما من المثقفين اليساريين المصريين .. نسينا المصعد الذي كان قد وصل وتوقف امامنا في الطابق الاول منتظرا، فقد انهالت الاسئلة مني وتدفقت الاجابات منه، دون ان ننتبه الى اننا يمكن ان نصعد لنواصل الحديث عنده او عندي، بعد ان عرفنا اننا جيران، هو في الطابق الرابع وانا في الطابق الخامس، ولكن يبدو ان معرفتنا بهذه الحقيقة كانت هي السبب في اننا افترقنا آنذاك دون ان أذهب اليه او يأتي الي . ان القرب الشديد يفعل احيانا، بل كثيرا، فعله السئ . فانت تعيش في موسكو مثلا سنوات، دون ان تذهب الى مسرح البولشوي القريب منك، او تعيش في القاهرة، بل ربما في الجيزة، طويلا، دون ان تزور الاهرام وهي على بعد خطوات.. ويأتي الغريب الى موسكو او الى القاهرة لايام معدودة، فيدخل البولشوي ويزور الاهرام والقلعة وخان الخليلي . القرب يجعلك تطمئن الى ديمومة الاشياء والاشخاص القريبين وتنسى انه لا شئ يدوم . وما زلت حتى بعد رحيل غائب بسنين طويلة اندم على ركوني المطمئن الى وجوده قربي، فلم ازره كثيرا .. لاغترف من هذا المنهل الشفاف العذب.

منذ ان تعرفت بغائب في ذلك النهار الصيفي من عام 69 الى ان وضعت كتفي تحت النعش الذي شيعناه فيه الى مثواه الاخير، ايضا في يوم صيفي من عام 1990، لم يفارقني الاحساس برهافة هذا الانسان وهشاشته، كان يخيل اليٌ ان هذا الجسم الصغير لا يزن شيئا، وضاعف من هذا الاحساس تواضع غائب الذي لا مثيل له لدى اصحاب المواهب والمبدعين، الذين كثيرا ما يعانون من تضخم (الانا) وتضخيم الذات . كان يتحاشى الحديث عن رواياته ولا يسألك رأيك في آخر أعماله، كما يفعل الادباء عادة، وعموما كان يعمل في صمت، بعيدا عن الاضواء، حتى انني كنت أستغرب وادهش حقيقة عندما أقرأ روايته الجديدة، ولا أكاد أصدق ان هذا الانسان الذي تراه في الطريق فلا يثير انتباهك ولا يشدك فيه شئ بارز، هو الذي أبدع هذا العمل الادبي الاصيل، هذه التحفة الفنية الثمينة ! وازددت حبا لغائب واشفاقا عليه عندما علمت بمرضه، الذي لم يترك في صدره الا بعض رئة، وتعمق الاحساس في قلبي بهشاشته وتضاعف الخوف واللهفة عليه، كما تخشى من تيار الهواء على مريض عليل او على ولد صغير يركض ويتعثر وهو مهدد بالسقوط في كل لحظة . لم أسأله مرة عن مرضه ولم يتحدث هو ابدا عن ذلك، لكننا كنا نعوده عندما ينزل المستشفى، فنتحدث ونضحك وننكت، وكأنما جئنا نزور شخصا معافى في داره..هذا الضعف الجسدي البالغ، هذه الهشاشة الخارجية الواهية .. ايٌ قوة روحية كانت تخفي وراءها، وايٌ حب للناس والحياة والفن !

كانت صحيفة (انباء موسكو) السوفيتية قد بدأت تصدر في موسكو في تلك الايام باللغة العربية، وقد حاولنا نحن المجموعة العربية الصغيرة العاملة بها – سعيد حورانية وجيلي عبد الرحمن وسعيد مراد ورشيد رشدي وانا - ان نبتعد بها عن النسخة الروسية الرسمية الكئيبة ونجعل منها شيئا مقروءا، فسعينا الى استكتاب الادباء العرب المقيمين في موسكو او الزائرين لها، ورحب غائب بالفكرة، ونشر مقالتين او ثلاثا ثم انقطع عن الكتابة منزويا في تواضع، دون مشاحنات او عتاب، وعلمت فيما بعد ان سوء الادارة وجهل المحرر الروسي باولويات عمل الصحيفة حزاٌ في نفس غائب، فتوقف عن الكتابة في صمت، وأذكر ان احدى المقالات كانت عن الطفولة، بمناسبة يوم الطفل العالمي، ولم أكن قد قرأت مقالات لغائب حتى ذلك الحين، رغم اني كنت على علم بماضيه الصحفي، حين كان يكتب لصحيفة (الاهالي) العراقية، ولكني أشهد واؤكد ان هذه المقالة القصيرة، التي لم تشغل في الصحيفة أكثر من عمودين، تركت في نفسي أعمق انطباع، وادهشني بهذا التركيز وتلك السلاسة وقوة العرض والعاطفة التي طبعت كل سطر فيها .. أذكر مناسبة اخرى أذهلتني فيها قدرة غائب طعمه فرمان الفائقة على كتابة المقال او الصورة الصحفية الادبية، ذلك النوع من الكتابة الذي لا استطيع ان أجد لوصفه مصطلحا عربيا يماثل المصطلح الروسي (اوتشيرك) (بالمناسبة استخدم الناقد الادبي المعروف الدكتور محمد مندور هذه الكلمة الروسية ايضا) . كان ذلك خلال حفل أقامه (الملتقى الثقافي العربي) في السفارة الفلسطينية بمناسبة الذكرى الثانية لانتفاضة الحجارة، وقد ألقى غائب طعمه فرمان كلمة مكتوبة عن فلسطين ترقى الى مرتبة الشعر، وكان أروع ما فيها روحها، ذلك السحر الخاص الذي يميٌز الكاتب المبدع عن المدعي والسطحي، ويضفي على الكلمات مسحة خاصة صعبة المنال الا لمن اوتي كلمة السر الالهية – الموهبة ! كانت تلك الروح هي بالضبط (الشاعرية) التي عناها سعيد حورانية عندما كتب عن الفرق بين الشاعرية والغنائية فقال – (ان الشاعرية هي موقف تجاه الحياة، اما الغنائية فهي نوع من اللعب اللفظي الذي يبحث عن قطعة تعطيه جرسا، أكثر مما تعكس واقع الحياة وتغنيه).

اما الشئ الاكثر مدعاة للدهشة، بل وللذهول، فهو – كيف استطاع غائب، بهذا الجسد الضئيل العليل، وفي طقس موسكو القارس البرودة، وفي وحشة اجوائها على الغريب وضيقها بالاماكن المفتوحة واحكامها اغلاق الابواب على ساكنيها لاكثر من نصف السنة .. كيف استطاع ان يواصل الكتابة بانتظام مثير، ويوالي اصدار الروايات، وفي الوقت نفسه يترجم اكثر من خمسين رواية من عيون الادب الروسي و السوفيتي ؟! كيف استطاع غائب ان يعيش بجسده في الغربة وروحه في العراق، ويكتب من الذاكرة عن ابناء العراق البعيدين عنه وكأنه يعيش بينهم . لقد قاوم غائب طويلا هذه الغربة الطويلة، وظل كالغاطس تحت الماء يستهلك ببطء مخزون الاوكسجين حتى نفذ، وعندئذ استخدم الهواء الاصطناعي المضغوط فكتب (المرتجى والمؤجل) عن ابناء العراق في الغربة لا في الوطن..ولكن هل نلومه ؟ ألم يكتب قبلها النخلة والجيران / و / خمسة أصوات / و / المخاض / و / القربان / و / ظلال على النافذة / وغيرها ؟ أنا أزعم ان اصرار غائب على الكتابة عن العراق وهو في الغربة هي الرابطة الروحية لغائب بالوطن، القناة التي يتنفس منها تحت الماء وينفس بها عن الحنين المكتوم في الصدر الى ذلك الوطن البعيد، الذي تمثله بغداد .. (في الليل كانت بغداد تنقلب الى جنة..كانت مثل فتاة ريفية حسناء قضت نهارها في حقل لاهب، وفي المساء نضت ثيابها على الشاطئ، واستحمت ساعة في نهر دجلة، ثم خرجت طرية ناعمة، واستلقت على الشاطئ تمشط شعرها، وتزين نحرها ومعصميها بالخرز الملونة، وتتملى في صفحة الماء).

سألته ذات مرة، كيف يستطيع التوفيق بين عمله الذي يأكل منه خبزه – الترجمة – وابداعه الروائي المنتظم، واين يجد الوقت لهذا وذاك، وفي نفس الحين للترفيه عن نفسه وحضور حفلات الجالية العراقية التي لا تنتهي ! ضحك ضحكته المتواضعة المحببة، وقد أدرك مغزى الشطر الاخير من السؤال، ولكنه أجاب بصراحته المعهودة وببساطة متناهية – أنا استيقظ في الخامسة صباحا، أعدٌ فنجان قهوة واجلس الى المكتب حتى الثامنة اكتب الرواية..صفحة ..صفحتين.. احيانا اكثر، ثم أفطر، وفي حوالي التاسعة اجلس لاترجم حتى الساعة الثانية عشرة او الواحدة، بعد ذلك أنا حر تماما، أذهب حيث أشاء وأسهر اين أشاء، ولكني حتما أعود الى البيت لاكون في الفراش قبل الثانية عشرة ! سألته – وهل تكفيك خمس ساعات نوم ؟ فأجاب – تكفي، ولكني احيانا أنام قليلا بعد الغداء . لا أدري ان كان غائب سار على هذا النظام الصارم طوال وجوده في موسكو ام لا .. ولكن الثابت من اصداره لهذا العدد الكبير من الروايات وترجمته الغزيرة من الادب الروسي انه كان يتبع نظاما دقيقا الى حد كبير، خاصة اذا راعينا ظروف مرضه الذي كان يعوقه عند الكد المنتظم . ومن الادباء الذين عرفتهم او تابعتهم لم أجد أحدا يتقيد بالنظام اليومي الدقيق سوى غائب طعمه فرمان ونجيب محفوظ، وقد حطمت هذه الحقيقة الجديدة تصوري السابق الساذج عن الادباء والفنانين كقوم بوهيمين، يسهرون الليل وينامون النهار، ولا يدري أحد متى يبدعون . يقول بطل احدى قصص الروائي المصري بهاء طاهر عما تفعله الغربة بالانسان – (اظن ان الانسان لا يكون له بالفعل اصدقاء خارج بلده . لا يكون الانسان هو نفسه خارج بلده ليصادق كما يجب، او ليحب كما يجب . تتغير المشاعر..تأتي الاحزان ثقيلة، وتذهب الافراح بسرعة) ..ولكن غائب ذوٌب في مرارة كأس الغربة قطعا من السكر المصفى..هي رواياته، التي انتصر بها على قدره، كما كان الانسان الاول يرسم على جدران الكهوف صور الوحوش والحيوانات ليقهر بفنه البدائي خوفه منها، وينتصر عليها..ولو بتلك الخطوط البسيطة المعبرة، والتي بقيت لنا كشواهد على تلك المواجهات الجنونية المرعبة مع الوحوش التي روعت اجدادنا العزل الا من هراوات وقطع احجار . واذا كان غائب قد اتخذ من فنه سلاحا يقهر به غربته، فلا شك ان مأثرته الابداعية تتجاوز هذا الهدف بكثير، فعلاوة على قيمتها الفنية المستقلة بذاتها، فانها تقدم لنا، وللاجيال القادمة بصفة خاصة، صورا ومشاهد حيٌة معبٌرة عن هموم الاجيال الماضية من ابناء العراق وافكارهم..انتصاراتهم وهزائمهم، وستبقى روايات غائب شهادات تاريخية أقوى دلالة من المستندات والاحصائيات والتسجيلات مهما كانت دقيقة، فاذا كانت الاجيال التي عاصرت غائب طعمه فرمان تجد نفسها في هذه الشخصية او تلك من رواياته، فان الاجيال التالية والقادمة، التي لم تشهد تلك الاحداث، لن تجد نفسها في هذه الاعمال، لكنها ستجد فيها التسجيل الحي والدراما الواقعية لتلك السنوات، وستغرف منها من المعرفة اكثر بكثير مما ستاخذ من كتب التاريخ..وهذا هو الاعجاز الفني الشامخ للمبدع الراحل..وتلك هي المأثرة التي اجترحها غائب باعصابه المشدودة، وروحه المعذبة، وجسمه السقيم..المأثرة التي ستعبر الزمن وتبقى مع الايام !

اريد ان استعير عبارة كتبها الاديب مكسيم غوركي عن انطون تشيخوف لاقولها عن غائب – (يخيٌل اليٌ ان اي شخص احتك به كان يشعر لا اراديا بالرغبة في ان يبدو أبسط وأصدق و أقرب الى حقيقته) . قد أكون قدمت صورة شخصية جدا عن غائب، ولعل لدى الآخرين الذين عاصروه واحتكوا به عن قرب صورا اخرى، ربما كانت مختلفة، لا بأس، فلكل رؤيته واحاسيسه، بيد اني على يقين من ان كل من عرفوا غائب طعمه فرمان عن قرب سيجمعهم في ذكرياتهم قاسم مشترك أعظم – ان غائب كان تجسيدا للرقة والتواضع والصدق، لم يكن فيه من الزيف ذرة، وكان شفافا صافيا كالغدير، فيه حلاوة تمر العراق وحزن نخيله المطرق، وعندما نرى الصرح الذي خلٌفه غائب في الادب العربي المعاصر، برواياته وقصصه الرائعة، نشعر نحن الذين عايشناه وحادثناه ورأيناه رأي العين، ان القدر قد اصطفانا بهذه النعمة وحبانا هذا الامتياز، فشكرا للاقدار، وشكرا لغائب الحاضر دائما في قلوبنا وذاكرتنا، الباقي ابدا في ذاكرة شعبه وامته .

 

سالم علوان الجلبي .. ومجرى الاوشال (2)

jasim alayffثمة تجاهل لمن حرثوا وغرسوا وبنو بعض اللبنات الأولى، وهذا التجاهل يكاد يكون علامة مشهدنا الأدبي- الثقافي والاجتماعي، ولا يحدث هذا الإهمال إلا ضمن هذا الجانب والتوجه العراقي، والبصري بالذات والذي يتسم باللاموضوعية العامة والرسمية. من هنا نرى أن نسهم بقدر ما نستطيع للوقوف بوجه النسيان في هذا الجانب، لعلنا نتمكن من متابعة بعض الشخصيات الثقافية - الاجتماعية والتي يتسم بها تاريخ (البصرة) بالذات، وعلى وفق ما نستطيع*. ينتمي الراحل الشاعر والكاتب والمثقف (سالم علوان الجلبي) إلى أسرة عريقة، موطنها في قضاء القرنة وعُرفت بإخلاصها ومواقفها الوطنية وبوقوف بعض شخصياتها بوجه الأطماع الأجنبية التي تناوشت العراق. ومنذ تمكن الشعر منه وهو في نهاية الدراسة الابتدائية لم يعرف عنه الكتابة مدحاً لأي مسئول في الدولة وأي حاكم ما، ونأى بنفسه على وفق تربيته وشخصيته الرصينة التكسب عن أي مطمع رخيص، لكنه انحاز فقط في شعره كما يذكر هو بالذات إلى مدح الرسول الكريم محمد (ص) وآل بيته (ع) دون تعصب أو نزوع طائفي، كما كتب عن بعض الشخصيات المعروفة بمواقفها الوطنية العراقية الأصيلة. ولد الراحل سالم علون الجلبي عام1912 في مدينة القرنة والتي يقول عنها" أنها شبه جزيرة تقترن فيها انهر ثلاثة تقوم على ضفافها باسقات النخيل تحرس اله الماء وربة الخصب" ومن خلال مدينته أحب الشعر حتى انه قال في حوار معه" ليس غريباً أن يولد شاعر في القرنة ولكن الغريب ألا يكون كلّ أهلها شعراء". بعد إكماله الدراسة المتوسطة توجه إلى الدراسة في دار المعلمين الابتدائية في العام الدراسي 1928 - 1929. نتيجة لتوجهاته الثقافية الجدية حظي باهتمام (جمعية الثقافة العربية) في دار المعلمين الابتدائية، وبالذات من قبل مدير الدار الدكتور (متي عقراوي) الذي شخص فيه اهتماماته الثقافية- الأدبية وعمل على تنميتها. وبعد تخرجه بتفوق عين معلماً في مدرسة القرنة الابتدائية. لم تنحصر التوجهات الثقافية للراحل في حدود الدراسة المنهجية بل توجه لتمتين ثقافته من خلال دراسته الحرة و إشباع رغبته الخاصة في التوسع و الدراسة المنفتحة على العلوم اللغوية والأدبية والدينية وكذلك اطلاعاته الواسعة على كتب الأدب والتراث الشعري العربي القديم وانفتاحه على تيارات التجديد الأدبي- الثقافي حينها، كما اطلع على العلوم الفلسفية والتاريخية. وعمد على إقامة صلة شخصية ومراسلات مع بعض الأدباء العرب والعراقيين وكذلك الشخصيات الاجتماعية، ومنهم ميخائيل نعيمة والدكتور احمد زكي أبو شادي والشاعران الياس و زكي قنصل والأساتذة مصطفى علي وهلال ناجي ومحمد سعيد الجلبي وألبير أديب وأحمد حسن الزيات وغيرهم. كما درس (القران الكريم) لإثراء ثروته اللغوية والفكرية، وحفظ الكثير من سوره وآياته واطلع على بعض التفسيرات الفقهية المتعددة التي تناولته، معتمداً عليه بصفته مصدراً من مصادر ثقافته الأصلية وخاصة ما يتعلق بألفاظه ومعانيه ومراميه. وهو يؤكد بأنه يقول الشعر لا على احتراف، بل متى ما جاش في خاطره.وقد ساهم بشعره في الاحتفالات والمناسبات المختلفة الدينية والوطنية والتي كانت تقام من قبل"نادي المهلب بن أبي صفرة" وكذلك" النادي الملكي" في البصرة، ومشاركته المتواصلة في لجان تحكيم الشعر في الفعاليات الأدبية- الثقافية بين طلبة المدارس في البصرة، أوفد ليكون مديراً للمدرسة العربية في (الاحواز) فوضع منهجاً لتدريس اللغة العربية فيها على وفق مدرسة النحو البصرية، وتم اعتماد هذا المنهج رسمياً من قبل وزارة التربية العراقية، كما ألغى عطلة يوم السبت الدراسية واستعاض عنها بيوم الجمعة. نشر الكثير من شعره ومقالاته الأدبية والاجتماعية في مجلات"ابولو" لصاحبها احمد زكي أبو شادي،و "الرسالة والرواية" لصاحبهما" احمد حسن الزيات" و"العلوم" لصاحبها"منير البعلبكي"و"الأديب" لصاحبها"ألبير أديب" وكذلك مجلات " الأدب والمثقف العربي والثقافة". كما نشر نتاجاته المتنوعة في الصحف العراقية المعروفة ومنها البلاد لرفائيل بطي والاتحاد لناجي العبيدي واليقظة والحرية والهاتف لجعفر الخليلي والدستور والجمهورية، واغلب الصحف والمجلات التي صدرت في البصرة ومنها" الناس والبصرة والثمرات والخبر وصوت الفيحاء".وقد أشاد بثقافته المتنوعة ومكانته الأدبية عدد من الباحثين كما وردت ترجمة لشعره وشخصه في عدد من الكتب منها" شعراء العراق المعاصرون" لغازي حميد الكنين، و"دراسات أدبية" لغالب الناهي، وقد خصه رفائيل بطي بمقال مطول حول كتابه "مجرى الاوشال" الذي عارض فيه بعض طروحات وأفكار الشاعر جميل صدقي الزهاوي، فكتب عنه (بطي) في جريدة البلاد وبعددها المرقم 4442 عام 1955 ما يلي:" يمكنني أن اعد كتاب" مجرى الاوشال" بارقة تجلٍ في جو أدبي جديد تطلع كواكبه في سماء العراق وننتظر من المؤلف الشاب أن يواصل أعماله الأدبية بهذه العقلية وهذه الصراحة ولديه من أدوات الناقد: العلم والذوق والإحساس ما يضمن له النجاح" . وفي عدد جريدة اليقظة المرقم 2608 الصادر عام 1956 كتب عنه عبد المجيد الدجيلي ما يلي:" الأستاذ (الجلبي) من عشاق الأدب عامة، والزهاوي خاصة، يمتاز بالأسلوب السهل المنبسط والخيال المتسامي والعواطف الجياشة.. وهو فوق ذلك شاعر متدفق الشعور ثائر الإحساس حتى في قصائده الاستعراضية أو الوصفية".كما كتب عنه و أشار إلى أثاره الأدبية وشعره كل من عبد الرزاق النجفي ومحمد ناجي طاهر ومتعب مناف. وأورد المؤلف والمخرج المسرحي الراحل جبار صبري العطية في موندراما " تحت المطر" ذكره و كتابه "مجرى الاوشال" كأحد العلامات الثقافية البصرية. اصدر الراحل المؤلفات التالية" أحاسيس ثائرة" عام 1956 وهي مجموعته الشعرية الأولى، كما اصدر قصيدة (روعة الذكرى) مكرسة لمدح الرسول محمد.واصدر كتابه النقدي "مجرى الاوشال" بطبعتين الأولى 1954 والثانية 1955 تناول فيه شعر الشاعر الزهاوي وديوانه" الاوشال". وقد تم الاهتمام عربياً وعراقياً في كتابه هذا، فكتب عنه "ميخائيل نعمة":" نقع في كتاب (مجرى الاوشال) على ناقد استقامت مقاييسه الفنية، استقامة نيته وذوقه وهو لا يحرق البخور جزافاً زلفى". وأضاف: انه في نقده للزهاوي في اوشاله يكشف عن ذوق رفيع وتمنى على الله أن يزيده نوراً ونشاطاً. عام 1972 أصدر كتابه " المسافر والدليل" وهو دراسة بحثية لديوان الشاعر"رزوق فرج رزوق" وقد صمم غلافه الفنان التشكيلي، المقيم في هولندا حالياً، "علي طالب" الذي كان مدرساً للفن في معهد المعلمين المركزي في البصرة. في صباح السابع من أيلول عام 1996 رحل المربي والمثقف الوطني والشاعر والكاتب" سالم علوان الجلبي" فشيعه عدد كبير من معارفه، ودفن في مقبرة وادي السلام بمحافظة النجف.ونعته الأوساط الاجتماعية والثقافية العراقية، كما خصه اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في البصرة بجلسة خاصة في اربعينيته، ساهم فيها بعض زملائه، و طلبته و الذين أصبحوا من الأدباء والكتاب وأساتذة في المدارس الثانوية البصرية وكذلك جامعتها، وبعض الجامعات العراقية والعربية والعالمية .عام 2000 تقدم الطالب "صبار شبوط طلاع" برسالة ماجستير إلى كلية التربية/ قسم اللغة العربية / جامعة البصرة، بعنوان: "شعر سالم علوان الجلبي- دراسة موضوعية وفنية"، وقد تم قبول الرسالة بدرجة جيد جداً، لكنها لم تنشر حتى الآن. وقد كرمنا بالاطلاع عليها، نجله أستاذنا الفاضل المربي " ا.د. قصي سالم علوان الجلبي" و نؤكد استفادتنا منها، في بعض ما ورد أعلاه، ونؤكد إن في بعضها معلومات غير دقيقة، خاصةً عن نشاط الراحل الثقافي، وهو ما أفادنا به أستاذنا (ا.د. قصي). في الصفحتين الأخيرتين من ديوانه الشعري "أحاسيس ثائرة" الصادر عام 1956 عن مطبعة الأديب-البصرة، يذكر الراحل"سالم علوان الجلبي" انه سيصدر له قريباً المؤلفات التالية: "بالمناسبة" شعر، و" ثورة في الجحيم" دراسات أدبية، و "بائعة الأعراض" قصص، و" فيض الخاطر" مقالات، و"الدكتور أبو شادي في ديوانه- من السماء" دراسة تحليلية، ولكنها لم تصدر!!. ولا نعلم بالظروف التي كانت خلف ذلك!؟.

 

...........................

* من كتاب معد للطبع بعنوان (تلك المدينة..)، و يتألف من ثلاثة أقسام: الأول (الفيصلية..) والثاني:(مقهى الدَّكة..فضاء ثقافي.. وزمن سبعيني..) والثالث(بصريون..). وكانت الحلقة الأولى بعنوان (فؤاد الخليل.. الذي لا يصلح للخصومة).

 

بورتريت بريشة الفنان فائق حسن

qassim salihyفي العام 1987 كنت القي محاضرات في كلية الفنون الجميلة .. كانت ايامها تزهو بكبار الفنانين: ابراهيم جلال، جعفر السعدي، اسماعيل الشيخلي، محمد غني حكمت .. غير الكبار الأحياء الذين غادروها الى بلدان الشتات.

وكنت خططت الى ان اصدر كتابا بعنوان (في سيكولوجيا الفن التشكيلي) .. طبع منه الجزء الأول وفيه تحليل لشخصية واعمال الفنان جواد سليم، وأن يضم الجزء الثاني منه فائق حسن وليلى العطار.

تعرفت على فنانا الراحل فائق وكنت احضر احيانا داخل القاعة التي يحاضر فيها على طلبة المرحلة الرابعة بقسم الفنون التشكيلية .. وأصبحنا اصدقاء .. وطلبت منه ان يرسمني .. فنظر الى وجهي وكأنه يتفحصني .. وهز رأسه .. وأجابني بما معناه .. ليس الآن.

تساءلت مع نفسي: لماذا ليس الآن؟ .. مشغول؟ لو ما مقتنع بي؟ لو ما عجبه وجهي؟

في اليوم الثاني التقينا في ساحة الكلية .. لم اعد عليه الطلب .. لكنه وضع يده بيدي وأخذني الى قاعته .. اجلسني على كرسي .. واحضر ادواته .. وجلس على بعد اقل من متر.

كان احيانا يطيل النظر، واحيانا بلمح البصر .. وكان بداخلي شعور يمتزج فيه الفرح بشيء من خوف .. وترقب كيف سيكون البورتريت! .. فكان الذي تشاهدونه الآن.

 334-qasim

يشبهني أم لا يشبهني؟.ما الذي اراد ان يبرزه في تضاريس وجهي .. وعلى ماذا تدل؟. ام ياترى فعل معي ما فعله ماتيس الذي رسم بورتريت لأمرأة ولما انتهى منه قال له صديقه الذي كان معهما:(انه لا يشبهها) فاجابه:(هذه لوحة وليست صورة المرأة التي تراها).

اترك لحضراتكم ما ترونه انتم في البورتريت .. الذي هو اعز ما امتلكه في بيتي من لوحات وصور .. وفيه استذكار لفنان عراقي عبر بفنه التشكيلي حدوده الجغرافية الى العالم .. ومات غريبا عن وطنه تاركا حماماته بساحة التحرير مرعوبة من هول ما يجري .. مع انه ارادها ان تشيع المحبة والسلام بين الناس.

               محبتي.

 

مع الجواهري بعيدا عن السياسة والادب (6)

rawaa jasani... ونستمر كما هي الحال في الحلقات الخمس الماضيات، لنوثق جوانب ويوميات، وخصوصيات عن الجواهري الخالد، ونجهد ان تكون جديدة في محتوياتها، وبعيدة عن السياسة والادب(!) جهد المستطاع...

 

24- زيارة الى عمان، وتحية للملك حسين

بضيافة ملكية متميزة، يحل الجواهري عام 1992 في عمان، قادما اليها من القاهرة، ، ويلقي لاميته الشهيرة " يا سيدي أسعف فمي ليقولا .." في احتفال خاص، بحضور العاهل الاردني حسين بن طلال، والذي نزل من منصته، في سابقة أولى، ليشكر الشاعر الخالد بكل تقدير واعتزاز ... ولاننا بعيدون عن السياسة والادب، في هذه المحطات، فسنرد بايجاز على متقولين، ومن بينهم "متأدبون" ايضاً، ونؤكد ان كل الذي أدعوا به ، أو نسجوه من خيالاتهم، بعيد عن اية حقيقة، فلم تكن هناك اية جائزة مالية اختلقتها أوهامهم، بل وسام ملكي، وحسب، وتكريم رمزي يليق بمكانة ورفعة شاعر العرب الاكبر، ومنجزه الفكري والثقافي ...

   وأذ لم تتح لي ظروف العمل في حينها، المشاركة في تلكم "المقامة" الاردنية، فقد الححت بمتابعة شؤونها، عبر عدد من "اهل البيت" الذين كانوا مع الجواهري، ورافقوه، وأولهم نجله كفاح، والذي ربما سيتحدث يوماً عن تفاصيل وظروف الزيارة، ومناسبتها ... كما لنا عودة في تأرخة لاحقة عن بعض شؤون "اللامية" التي غنيت" أوبريتـاً" صيف العام ذاته، باجواء موسيقية وفنية أنيقة، تألقت فيها المطربة التونسية، صوفية صادق، والعازفون وفرقة الكورال.

 

25- مثقفات متميزات يحاورن الجواهري

في اواسط الثمانينات الماضية، جاءت الصحفية اللبنانية هدى المر، الى براغ، لتجري مع الجواهري سلسلة لقاءات مطولة. وقد بُهر الشاعر الخالد بسماتها وشخصيتها المتميزة.. ومن بين "ممازحاته" معها، انه ما كان قد اباح لها بذلكم الكمِّ من المحطات التاريخية والشعرية، لو لم تكن هي من قام بتلك المهمة ... وأضاف: لقد عرفوا من يختارون، أنا الضعيف امامكن... وقد كان ما نُشر من حورات، حقاً، اكثر من جديد وحيوي.

.... واستذكر بهذا السياق، واعني به اللقاءات التي اجرتها مع الجواهري، صحفيات وكاتبات لامعات، ومن بينهن المثقفة الكويتية ليلى العثمان، في تلفزيون بلادها، عام 1979 وأظنه كان على الهواء مباشرة، وقد انطلق فيه الشاعر الخالد، وبمزاج استثنائي، وكشف فيه العديد والعديد من المحطات التاريخية، والمواقف. وهكذا الحال نفسه مع الكاتبة السورية، إعتدال رافع، في حوار بثلث كاسيتات تسجيل، ونشرته في عدد من وسائل الاعلام العربية، اواسط الثمانينات الاخيرة .

... ومن "مداهراتي" معه، قلت للجواهري في امسية ببراغ: انك تنطلق في مثل تلكم الحوارات" النسوية" بشكل واضح. فأجاب دون تردد: ومع من تريدني ان أنطلق، مع "المشوربين" الذين يشبهونك!!

 

26- عن لقائين مع مصطفى جمال الدين

   من بين الزوار البارزين لصالون الجواهري في دمشق، ولا سيما في النصف الثاني من الثمانينات الماضية، كان الشاعر والسياسي، السيد، مصطفى جمال الدين.. وقد صُودف ان اكون حاضرا لمرتين، خلال زياراته لذلكم الصالون.. وكان بصحبته في المرة الاولى كل من حسن العلوي، وهاني الفكيكي، إذ الثلاثة مزمعون على اطلاق مشروع اطار سياسي جديد باسم"المتحد العراقي" وعرضوا بيانه الاول على الجواهري الكبير، للاستئناس برأيه في الظاهر، وطموحا بأن يدخل ذلك "المعمان" أو يباركه على الاقل. وفي النتيجة لم يتحقق اي من ذينك الشأنين ...

اما المرة الثانية فقد كانت جلسة عائلية، وكانت مع جمال الدين، عقيلته، ومن جملة ما تطرقت اليه الاحاديث، بالطبع: الشعر والسياسة وما بينهما. كما كان لابد ان يستمع، الحاضرون في تلك الجلسة، وكالمعتاد، للجواهري في بعض جديده – القديم. وقد كرر السيد الضيف كما هو معهود، الاستحسان والاشادة مرات عديدة . واذ بالشاعر الخالد يلتفت ليقول له مازحاً، مع مناكدة مقصودة: هل تسستحسن فقط! هل لك ان تأتي ببعض يشابه ما ماسمعت؟؟ واضاف:" والله ذبحتنا، بجميلك الشعري الستيني: بغداد ما أشتبكت عليك الاعصرُ، ألا ذوت، ووريق عودك أخضرُ" ... ثم وبعد توديع الضيوف، وحلا السهر والسمر، قال لي الجواهري: تزعم انك "أديــب" ترى بماذا يذكرك ذلك البيت والقصيدة، الجميلة للسيد مصطفى؟ فقلت بعد لحظات: انها على وزن وقافية ورويّ رائيتك عام 1951: يا مصر تستبق الدهور وتعثرُ، والنيل يزخر، والمسلة تزهرُ" ... فانتشى، مع تعليق: والله حزرتها !!!!

 

27- الجواهري يغني: حرامات العمر من"ينكضي بساع" !!!

   من المعروف، أو يكاد، ان الجواهري لم يكن يحب اغاني المطربات، والمطربين كثيرا، خلاف"أغاني" ابي الفرج الاصفهاني، طبعاً!! واعني هنا بالتحديد في سبعيناته وثمانيناته وتسعيناته، أما قبل ذلك فلربما كان. وباستثناء اللقطة التي ساتحدث عنها، لم اسمع الشاعر الخالـــد يترنم او"يدندن" يومــــاً ما، وعلى مدى ثلاثة عقود، سوى بخمس كلمات من اغنية "يا نجوى" الشهيــــرة، من الحان محسن فرحان، واداء سعدون جابر، ونصّها: "حرامات العمر من ينكضي بساع" يعقب ذلك تنهد "أيه دنيا" وهي لازمته المعتادة.. ولعل تلكم الجملة الغنائية تناغمت في مخيلته بهذا القــــدر أو ذاك مع معنى بيت شعره القائل: "واركبُ الهوْلَ فـي ريعانِ مأمنَةٍ، حبّ الحياةِ بحبّ الموتِ يُغريني".

ولكي تكتمل الصورة المقصودة أقول: في اواسط الثمانينات، وفي مستقره بالعاصمة السورية، طلب الجواهري من المساعد المكلف برعايته" أبــو رامي" ان يشتري له من سوق "الحميدية" نسختين من شريط كاسيت يحوي الاغنية ذاتها.. الاول لتشغيله في السيارة التي يستخدمها بدمشق، والثاني لكي أحمله معي الى براغ... ولا تنسوا ان الشاعر الخالد كان آنذاك في اواسط ثمانيناته، ولم يبرح مردداً"حرامات العمر من ينكضى بساع "!!!

 

28- الف دولار لاطلاق "بابيلون"

احتجت عام 1990 مبلغاً قدره الف دولار، لاطلاق مؤسسة "بابيلون" للثقافة والاعلام، من براغ، بالتشارك مع عبد الاله النعيمي، وكان ذلك المبلغ يشكل ثلث راسمال "المشروع" أو يكاد.. ولم يكن لي من سبيل اقرب، وانزه، غير الجواهري لاستدين منه، وذلك ماجرى، وقد وافق على الفور، ولكن مع بعض "مدح" لاذع، خلاصته: ان كل "حسابي" و"ثروتي" لديك، منذ سنوات، وأنت المخول الوحيد بالسحب والصرف، فلمَ تسألني إذن؟ .. مع التنويه الضروري هنا الى أن ذلك "الحساب" وتلك"الثروة" لشاعر العراق والعرب الاكبر لم تتجاوز سوى باضعاف، قليلة، المبلغ الذي استدنته، وأعدته بعد عام ..

   وللحديث صلة، في الحلقة السابعة

 

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

مرحباً بأيقونة النضال جميلة بوحيرد

shaker faredhasanمن المقرر ان تزور المناضلة والثائرة الجزائرية العريقة جميلة بوحيرد، في الثامن من آذار الجاري، قطاع غزة، على رأس وفد نسائي عربي وأجنبي، للاحتفال بعيد المرأة العالمي، ولدعم النضال الوطني الفلسطيني التحرري، ولأجل رفع الحصار الاحتلالي الخانق عن غزة هاشم .

ولا شك أن هذه الزيارة التضامنية هي زيارة تاريخية هامة ولها أبعاد ودلالات سياسية عميقة، وخاصة أن التي ستطأ أقدامها أرض الوطن وتراب فلسطين هي أيقونة النضال والكفاح الجزائرية جميلة بوحيرد، التي حققت ونالت شهرة واسعة، واستحوذت على اهتمام الشعراء العرب الفلسطينيين في حينه، حيث كانت الجماهير العربية على طول وامتداد الوطن العربي ترى فيها رمزاً لثورة الجزائر ولنضال وتضحيات الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، منتصف القرن الماضي، عندما كان للنضال معنى، وكان الثائر يدفع ثمن مواقفه وانتمائه، اعتقالاً أو نفياً خارج الوطن أو استشهاداً على أرض المعركة في الخنادق تحت البنادق ، وليس كنضال اليوم، نضال المكاتب المكيفة .

ولا ننسى قصائد شاعر الوطن والمأساة الفلسطينية الراحل راشد حسين، الذي أطلق على جميلة لقب " لبوة الأوراس"، وشبهها بخولة بنت الأزور، كأنها بعثت في الأرض حية . وأمام هذه البطلة الأسطورة والمناضلة المقاتلة، المنافحة ضد القهر والظلم والاضطهاد تجيش نفس راشد بروح الثورة والكفاح، فيتمنى أن يكون ثائراً مع الثوار، وغرسة زيتون على أرض الجزائر . ويرنو إليها كنموذج لكفاح المرأة ودورها في حياة الوطن، السياسية والاجتماعية والنضالية، فيقول في قصيدته "إلى جميلة" :

عصًبي بالمجد يا أختاه تاريخ الجزائر

وأقيمي جلوة التحرير في أرض البشائر

إن عرس الدم مستلق على معصم ثائر

 

جميلة بوحيرد امرأة عظيمة من مناضلات الزمن الغابر، تجرعت آلام السجون والزنازين، واكتوت بنيران الظلم والقهر والمعاناة القاسية، تصدت بجسدها وصدرها لقوى الاحتلال والاستعمار الفرنسي، وتحولت إلى رمز للمقاومة والبطولة والتضحية، وهي من الرموز النسائية العربية اللواتي لعبن دوراً هاماً في مسيرة كفاح شعوبهن لأجل الحرية والانعتاق، وفي سبيل الغد المشرق والمستقبل الباسم السعيد .

إننا نرحب بزيارة جميلة بوحيرد والوفد النسائي لغزة، ونقول لها وللوفد أهلاً وسهلاً ومرحباً في أرض فلسطين، التي لا تزال تخضع للاحتلال وتحلم بالتحرير والاستقلال . وستظل جميلة اسماً خالداً في أذهاننا، وإن عاشت بعيدة عن الأضواء والأنظار، وسيبقى اسمها محفوراً ومنقوشاً على صفحات التاريخ وفي أعماق ذاكرة شعب الجزائر والشعوب العربية المناضلة في سبيل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسلم الأهلي، كواحدة من أبطال المقاومة وكملهمة للمقاتلين المناضلين ضد الاستعمار والاحتلال .

عاشت جميلة بوحيرد، عنواناً للصمود والعزة والنضال، وعاشت الجزائر بلد المليون ونصف شهيد منارة للثوار وملاذاً للأحرار .

 

شهادة بحق شاعر فلسطين الشعبي أبو عرب في ميزان نضاله الطويل

كما ابن قريتك وتوأم روحك الشهيد ناجي العلي، ظللت تشدو لفلسطين مسقط رأسك و قلبك حتى النفس الأخير، لِتُطِلّ عليها، فناجي العلي كذلك ظل يرسم حتى الطلقة الأخيرة.لِيُطل من خلال رسمه التحريضي على فلسطين.

كم كنت تعصر ذهنك، وتجهد قلبك المتعب، عندما تحلوّلِكّ اليالي وتصعب الدروب، لتشدو لنا لنبقى قابضين على جمر حبّ فلسطين، علّك تصل يوما إلى الشجرة، التي تبعد رفّة عين عن الناصرة.مدينة الفلسطينين الأهم تاريخيا في وعيهم الفردي والجمعي.

ايها الذاكرة الحيّة، الحاضر دوما، من خلال صوتك، في وجدان شعبك، من الصعب علينا نحن الفلسطينيون والعرب أن نذكر الثورة الفلسطينية المعاصرة بدون أن نذكرك فورا، كيف لا وأنت الزجّال المحرّض على حب فلسطين، وأنا هنا لا أقول هذا من باب التعصّب، فالفلسطينة ليست جنسيّة، بل هوية نضالية تختزل الهوية القومية كلها، فمن هنا يا شيخنا كنت القادر على أن تشتقّ مفرداتك الغنائية الفذّة، من ذاكرة الوطن وآلآم المشوار والمقاومة.

غنّيت فلسطين بكل تفاصيلها، مدناً وبلدات وقرى، غنّيتها جبالاً وسهولاً وودياناً، غنّيت للصبروللزيتون وللبئر وللأرض، أيها المعطّر بزهر فلسطين، والمزركش بعصافيرها، والمسكون بعبق ترابها

ايها القومي بإمتياز، من هنا سأتلو شهادة تدل على قوميتك العربية، ذات الفضاء الوطني المتنوّر عندما زجلت للبطل القومي العربي السوري جول جمال عندما أغرق المدمرة الفرتسية في قناة السويس أثناء العدوان الثلاثي على مصر العروبة عام 1956

طربيدك ياجول

بيّن قوّة أمتنا

مال الغرب علينا مال

ارتدّ بقوّة ضربتنا

فلم ينسى لك أبو الياس القومي السوري الإجتماعي، مختار قربة عين حرشا البقاع الغربي، عندما عندما قام بموارة ابنك معِن ورفاقه في قير جماعي عام 1982 اثناء الاجتياح الصهيوني للبنان، الذي كان ومال يزال الممر إلى فلسطين، ليقرأ على روحه وأرواحهم، الفاتحة، وأبانا الذي في السموات

فلكل امرئ من اسمه نصيب يا ابا عرب.

يوسف العاني توأم المسرح العراقي

mothana khadomsadiqضمن سيروته التاريخية أصبح دليلاً للمسرح العراقي، وكيف لا؟ إذا كان يوم 24 / 2 / 1944 يوم ميلاده الفني في مسرحيته (القمرجية) وهو في السابعة عشرة من عمره، إذ كان لامعاً منذ ميلاده الفني تأليفاً وتمثيلاً وإخراجاً، حيث لا مسرح في العراق آنئذ سوى المسرح المدرسي !! ولعل العاني حينها، قد أفاد من السينما من ناحية السيناريو وحركات الممثلين فيها في بداياته ؛ لأنه لم يكن قد درس الفن المسرحي بعد، ومن هذا اليوم بدأت مثاقفته مع المصادر التي تتحدث عن هذا الفن الرفيع ؛ فضلاً عن التقاطاته العميقة واستيعاب ما هو محلي؛ مما أضفت ـ المثاقفة ـ على المسرح العراقي طور التفاعل مع المجتمع، ولاسيما أن العاني غالباً ما يمم وجهه نحو الهم الاجتماعي العراقي فجعله ذلك يوظف الأغنية الفلكلورية والشعبية والجملة المتداولة في نصه المسرحي (مسرحية راس الشليلة) مثالاً إذ تبرز علاقته المتوازية بين التأليف والتمثيل والإخراج حتى أصبح مبدعا فيها . في أعمال العاني ينصهر الفكري والشعبي في آن واحد ؛ بغية علاج أوضاع اجتماعية تسود المجتمع، ومن خلال تجربته المسرحية الرائدة نطلع على ذاته الإبداعية الثرة التي تركت أثراً داخل دائرة المقاربة بين صناعة النص، وتجسيده على المسرح ضمن إمبراطوريته الفنية التي تمتد نحو سبعين عاماً من العطاء ... أقول إمبراطورية ولا تأخذني الغلواء هنا ؛ لأن العاني لم يمتد إبداعه إلى المسرح فحسب، وإنما قد امتد إلى التلفاز والسينما وأبدع فيهما أيضاً أيما إبداع , لكن الترابط بينه وبين المسرح ظل متواشجاً، فللمسرح مقام أول عنده لا ينازعه مقام، وفي مقام المسرح الطويل تمتد قامة العاني متوازية معه، فهو صنوه حتى أصبح العاني ثبتاً مرجعياً صار بمقتضاه أحد أساطين المسرح العراقي، فلا نكاد اليوم نقلب مصدراً يتحدث عن المسرح العراقي، حتى يبرز اسم العاني فيه، فقد زود المسرح العراقي من جواهر تأليفه وألق تمثيله ووهج إخراجه حتى صار نسيج وحده، يسعى المسرح بين يديه . يرتبط النص المسرحي عند العاني بالرؤية والمنهج من خلال الاجتذاب المحلي لنصوصه، ولاسيما أن المسارات اليسارية كانت مؤثرة على إبداعه ؛ إذ إنه قد زار الاتحاد السوفيتي وألمانيا بعد خروجه من معتقل (معسكر سعدية الشط) مما جعله يطلع على مسرح (بريخت) فضلاً عن تأثره بالرحابنة عند زيارته لبنان بعد اعتقاله الثاني مطلع الستينيات، فيما يخص توظيفهم للأغاني الفلوكلورية الشعبية فأفاد من الشعبي في سياق نصوصه على صعيد معالجة سلبيات المجتمع كما في مسرحيته (المفتاح). كما كانت قضية فقدانه الأم مبكراً أثراً فيما بعد على أعماله فقد قال ذات لقاء ما نصه: (إنني لم أظهر يوماً في مسرحية من مسرحياتي أماً سيئة أبداً .. وإذا حدث وإن جاءت الأم سيئة، لا أظهرها على خشبة المسرح، إنما يأتي ذكرها عرضاً) . العاني صاحب أسلوب وطريقة في جلب المتلقي لاعماله حتى لو كان العمل أجنبياً، فهو يستطيع أن يطوعه بما يناسب المتلقي العراقي أو العربي . كما أن المصادر تشير أن الفنان يوسف العاني هو أول من كتب المونودراما (مسرحية ذات ممثل واحد) ذلك في عام 1949 في مسرحيته (مجنون يتحدى القدر) ولم يعلم وقتها أن ثمة فناً مسرحياً بهذا الشكل وله تسمية خاصة به!! وهي علامة فارقة من علامات موهبته المبدعة. وضمن عملية استغوار الهم العراقي من سياق النص والشخصيات كتب مسرحية (الجومة) التي منعت من العرض بعدما وصلت إلي مرحلتها النهائية ؛ لأن الرقابة قد تأولت بين شخصيتها (الوالي الإمبراطوري الملكي) وبين شخصية الحاكم وقتذاك إبان تولي (طارق عزيز) وزارة الثقافة، لأن العاني لم يكن يكتب للنخبة السياسية، بل كان مسرحه للجماهير كما نلحظ أن الشخصيات في مسرحياته تنهض بالاتجاه إلى الداخل فتنبش أعماقها لتجعل المتلقي يرى أزماتها ويتفاعل معها ؛ لأنه قد يرى ذاته في إحداها، وهنا مكمن الإبداع الذي يستحق إن ينهض نحو العالمية فطوبى للفنان يوسف العاني .  

 

يرحل عنا بعيداً

shaker faredhasanفقدت الحياة الثقافية والغنائية الفنان والشاعر الشعبي الفلسطيني إبراهيم محمد صالح المعروف بـ"أبو عرب"، أحد ثوار الكلمة الذي أحب الناس والوطن حتى درجة العشق، وكان قريباً من الهموم والجراح والعذابات الفلسطينية، الذي ارتحل أمس في مدينة حمص السورية، بعيداً عن وطنه ، بعد صراع مع المرض .

أبو عرب هو شاعر الحنين والوطن والثورة والمخيم الفلسطيني، وصاحب الصوت الجهوري الرخيم والحنون، الذي طالما شنّف آذاننا بأهازيجه الشعبية والوطنية والثورية وأغانيه التراثية والفولكلورية ذات النكهة الفلسطينية الصميمية المحببة..تلك الأغاني والأهازيج والمواويل والعتابا والشعبيات، التي رددتها الحناجر الفلسطينية في المناسبات الوطنية والكفاحية وأيام الغضب الساطع والانتفاضات الشعبية الفلسطينية والأعراس العامة.

وأبو عرب اللاجئ الفلسطيني، عانق ضوء الحياة في قرية (الشجرة) المهجّرة، التي ولد فيها ايضاّ صديقه وابن عمته رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهير (ناجي العلي)، وشرد منها وهو في السابعة عشرة من عمره الغض إلى لبنان ثم إلى سوريا، حيث استقر وأقام وعاش في مخيمات الفقر واللجوء والبؤس والشقاء الفلسطيني، وذاق طعم الغربة والبعد عن وطنه، واستعر فؤاده بنيران وحرارة الشوق العاصف والحنين الملتهب لتراب وثرى فلسطين الغالي والمقدس، وعبّر عن هذا الوجد والجوى والحنين وألم الغربة والاشتياق في أغانيه الشعبية، التي انتشرت على ألسنة الفلسطينيين في المخيمات والمنافي القسرية.

منذ صغره عشق أبو عرب الغناء وسكنته الكلمة، فغنى وأنشد للثورة والصمود والعودة، وللوطن السليب بكل تجلياته، وهتف للانتفاضة وثورة الحجر، وللشهداء والمخيم، ولغزة هاشم ورام اللـه وكل موقع ومكان في ارض فلسطين . ومن أشهر أغانيه: "سلم على فلسطين "و"راجع ع بلادي"و"لو طال العمر لاجئ" و"ما نسيتك يا دار أهلي" و"ظريف الطول "و"جفرا"والكثير الكثير .

أغاني أبو عرب بمجملها ذات طابع وطني وسياسي وثوري وطبقي إنساني ، ومفعمة بروح الحنين للوطن، وروح النضال والتحدي والغضب الثوري، وتحمل بذرة المقاومة، وانطلقت من المأساة الإنسانية الفلسطينية والتجربة النضالية والكفاحية والثورية لشعبنا الفلسطيني .

وما يميز أبو عرب هو عشقه وتعلقه بالأرض الفلسطينية السليبة، بترابها وجبالها ووديانها وصخورها وأشجارها، وتقديسها إلى حد التدله . انه صوت غنائي دائم الاشتعال، مفعم بالحب والإيمان والتحدي والعشق الوطني . فجّر مواهبه وإبداعاته على امتداد الساحة الغنائية والشعبية الفلسطينية، وغنى للكفاح والثورة، فأجاد وجعل القلوب والعيون تبكي وتتطلع إليه، وتذوب وجداً وعشقاً وهياماً وحنينا للجذور، وعندما كان ينساب صوته شجياً صادحاً مليئاً بالشجن والحزن ورنة الأسى، كان يستولى على النفوس ويحتل الأفئدة والعقول.

في العام 2011 وصل أبو عرب ربوع وطنه، الذي احتضنه وعانقه، ووطئت قدماه أرض فلسطين لأول مرة بعد غياب دام 63 عاماً .عاد زائراً ليستنشق رائحة التراب والزعتر والزوفا الفلسطينية، ووقف على أطلال قريته المهجرة ومسقط رأسه "الشجرة"، وتجول في جبال الجليل، وغني على المسرح في رام اللـه وجنين أمام أبناء المناطق الفلسطينية، الذين استقبلوه بالترحاب، وفاضت عيونهم وهم يستمعون إلى أغانيه ومواويله، التي لامست شغاف القلب والروح، ودغدغت المشاعر الفلسطينية.

رحل أبو عرب، ورحلت مع ابتسامته ووداعته، وأبقى وراءه إرثاً غنائياً سيظل خالداً في التاريخ والذاكرة الحية الفلسطينية . فسلاماً عليك يا شاعر المخيم ومنشد الثورة، والرحمة على روحك الطاهرة، التي ستظل تحن وتشتاق لثرى الجليل وزيتون وبرتقال فلسطين .

 

 

النمسا تودع فنانها الكبير حامل الأوسكار (ماكسيميليان شيل) بحزن

badal raffowوارت جنازة الفنان النمساوي العالمي (ماكسيميليان شيل) الثرى يوم السبت المصادف الثامن من شباط بعد ان ودع الحياة يوم الاول من شباط عن عمر ناهز 83 عاماً وتوفي بعد عملية جراحية اجريت له ولكن قلبه الكبير والنابض بعشق الفن لم يقدر على النبض ثانية وتوقف بصمت وبضجة وحزن الشارع النمساوي.

يعد الفنان النمساوي(ماكسيميليان شيل) اول ممثل ناطق بالالمانية يتم تكريمه بجائزة الاوسكار بعد الحرب العالمية الثانية عن فلمه (محاكمة نورنبيرغ). لقد كانت جنازة الممثل الراحل جنازة رسمية في اقليم كيرنتن حيث يقع بيت العائلة وذلك الطائر المهاجر عبر الاسوار والبلدان والمحيطات والبحار يرجع الى موطنه ميتاً كي يوارى الثرى هذه المرة وقد كانت دعوة لاصدقائه ومحبيه وعشاق فنه والممثلين بانه في الساعة 11 قبل الظهر ستلقى النظرة الاخيرة على جثمانه وتتخللها القاء الخطب والكلمات من لدن عائلته واصدقائه ورفاق دربه ودائرة معارفه.

ولد الفنان (شيل)عام 1930 في فيننا وعاش اواخر ايامه مع زوجته الشابة التي تبلغ 47 عاماً في بيته الجبلي في (براتينغ).هرب الفنان مع والديه حيث كان والده الكاتب السويسري(فرديناند شيل)ووالدته الممثلة النمساوية(مارغريت نوي فون نوردبيرغ)الى سويسرا بعد ان تم ضم النمسا الى المانيا عام 1938.

لقد ظهرت موهبة وابداع الفنان ( شيل) في وقت مبكر من حياته وبعد اعماله وادائه للادوار الرئيسية في السينما والمسرح يشد الرحال الى هوليود وقال بانه في عام 1958 وقف مع الفنان الكبير (مارلون بروندو) اما الكاميرا.

330-badalانطلاقة الفنان الراحل الحقيقية والتي القيت الاضواء عليها بصورة كبيرة كانت عام 1961 حين ادى دوره كمحام للدفاع في فلم (محاكمة نورنبيرغ) والذي سلط الاضواء على محاكمات جرائم الحرب في المانيا وفاز الفلم بجائزة افضل ممثل وافضل فلم .

بعد هذا العمل كانت الشهرة تلاحق الفنان المهاجر من النمسا الى هوليود وبعدها عمل سلسلة كبيرة من الافلام الجميلة والتي كانت السبب في شهرته اكثر في هوليود ومنها الفلم الامريكي(توب كابي ـ1964)، (نداء الى ميت ـ 1967)،والشهرة الكبيرة ودوره الرائع في فلم (الرجل في الصندوق الزجاجي ـ 1975) واما فلم(يوليا ـ 1977)لقد كان مرشحاً لجائزة الاوسكار و(كولدن كلوب).

اعمال وافلام وانتاجات هوليود السينمائية ترتبط لغاية اليوم باسم(شيل)ارتباطاً وثيقاً واما الابداع ونقطة الانطلاقة التي يتذكرها النمساويون والاعلام النمساوي حين ركز الاعلام على مبدع نمساوي يبلغ من العمر 23 عاماً ويعيش في مدينة بازل ويعمل مخرجاً مسرحياً وممثلاً دراماتيكياً في مسرح مدينة بازل وبعد ذلك ينتقل الى ميونيخ الالمانية..وكلما خطفته السينما والشهرة يرجع ثانية الى المسرح لان عشق المسرح لا يضاهيه عشق كما يقول (شيل).

عمل في المسرح اسطورة المسرح (كوستاف)عام 1959 في مسرح مدينة هامبورغ الالمانية واحتفل (شيل) وقال بانه هاملت الحقيقي.لقد ادرك الفنان الراحل بانه ليس فقط الممثل في المسرح ولذلك كان الحافز بانه قام باول تجربة له في الاخراج بفلم (الحب الاول) وحصل على جائزة اوسكار للفلم الاجنبي،تلتها سلسلة افلام ولاقت رواجا ونجاحاً كبيراً منها (الراجل ـ1974) وكان الفلم من اخراجه وانتاجه ومن قصته ايضا ولاقى الفلم نجاحا وتلاه فلم الحاكم والجلاد عن قصة الكاتب (فردريك دورن مات)، وكذلك عمل في الافلام الوثائقية من خلال فلم (مارليني).

يحتل الفنان (شيل) منذ التسعينييات واعماله مكانة كبيرة في دائرة الناطقين بالالمانية فقد عرضت في الفترة الاخيرة قناة (ز د ف) الالمانية الرسمية مسلسلاً تلفزيونياً له وكذلك الفلم السينمائي (ملكة الوردـ2007).

لقد عاش الفنان في الفترة الاخيرة في بيت العائلة والذي يقع على الحدود ما بين اقليم كيرنتن وشتايامارك النمساويين ويحمل كذلك الجنسيتين النمساوية والسويسرية وكذلك يعد هوليود وطنه الثاني ايضا لانه قضى فترات طويلة من عمره في تلك البلاد بالاضافة الى شهرته في عالم السينما وقد تم تكريمه في الولايات المتحدة بانه قلب النمسا النابض ولكن هل سيتوقف قلب النمسا في السينما وقد حصد فنانو النمسا جوائز الاوسكار وكان مثل المخرج (ميخائيل هانيكي عن فلمه الحب والممثل النمساوي (كريستوف فالس) عن فلمه جانكو وشهرة (ارنولد شفارتز نيغر) والممثل (كارل ماركوفيتش) عن فلمه المزيف .في نهاية الشهر الاول من هذا العام انشغل الاعلام وقلق محبو الفنان شيل حول صحته وروجت وسائل الاعلام بانه مريض بالتهاب الرئتين وهو راقد في مشفى في تيرول الجبلية ولكن مديرة اعماله صرحت بان الفنان النمساوي الكبير(شيل) ودع الحياة وبهذا انطوت صفحة كبيرة ومثيرة من حياة مبدع كبير وهب شعبه وبلاده زبدة حياته واعماله في خدمة النمسا والعالم.

بورتريه عالم الاجتماع المغربي الدكتور عبد الرحيم العطري

maylud alalwaniهو عالم الاجتماع الرحالة المغوار بين دروب الاجتماع والإناسة، رائد السوسيولوجيا القروية، الوريث الشرعي للدرس الباسكوني – الجسوسي، الباحث الجاد عن المعنى في زمن غاب فيه المعنى، إنه مؤرق القلم، معذب الورق بنقشه المعان بحروف المعدن الثمين، مفجر السؤال العريض والشقي، محرك القضايا السوسيولوجية الآسنة، والمنقب القوي في ثنايا الطابوهاتية داخل مجتمع مركب يتأرجح بين السعي الحثيث وراء الانفلات من قيود البنية التقليدية تارة، والحفاظ على الموروث تارة أخرى، إنه الخبير السوسيولوجي بالسليقة، المتخذ من المكتبة مزارا والكتاب خير أنيس وجليس، إنه الدارس لتورين وبورديو وباسكون، فهو خريج المدرسة الجسوسية، بكلية المعنى محمد الخامس –الرباط العاصمة، الذي غار على وسائل الاعلام المسموعة والمرئية، فهو الضيف صاحب الدار المحبوب في "برنامج بدون حرج"على قناة (مي دي 1 تي في)، و"برنامج تحت الصفر"على أمواج إذاعة (ام اف ام).

إنه الدكتور عبد الرحيم العطري الذي كرس قلمه لتدوين المعنى المختزن بالمغرب القروي، فهو الذي قال في حقه عالم الاجتماع المغربي الخبير في قضايا التربية والثقافة والتنمية الدكتور المقتدر مصطفى محسن خلال تقديمه للمولود المعنون ب (تحولات المغرب القروي): "مناسبة هذا الحديث هي أننا ارتأينا أن نستهل به تقديمنا لكتاب السوسيولوجي المغربي الواعد عبد الرحيم العطري، وهو مصنف يضم مجموعة دراسات ذات جوانب وابعاد نظرية تحليلية وتطبيقية معا، عالج فيها الباحث/ المؤلف من منظور علم الاجتماع، بعض قضايا ومكونات "المجتمع القروي" وذلك مثل:الأشكال العقارية والمخزن والجماعة والأعيان والعائلة والهجرة، والمجتمع الفلاحي...، مستنجدا في المقاربة والتفسير والتأويل وجمع البيانات الكمية والنوعية، بمرجعيات نظرية ومنهجية وبتقنيات وأدوات بحث متعددة، ولم يكتف المؤلف في البحث والتحليل والاستنتاج، بمجرد عرض معلوماتي للمعطيات والأرقام والمضامين بل اجتهد في تقديمها عبر منظور نقدي...".

ان هذه الشهادة القيمة من قبل منارة سوسيولوجية لدليل قطعي عن مهارة الرجل العالم، الانسان، الأستاذ والمربي، في اعتصار المعنى واخراجه إلى المتلقي بطرائق بهية ورقيقة ناطقة بلغة العصر، وهذا أمر من البداهة لا لشيء إلا لموسوعية الرجل العابرة لمختلف القارات المعرفية، فهو القاص، والكاتب الصحفي، والأستاذ المدرس للشقاء بعاصمة العلم - فاس المجيدة - جامعة محمد بن عبد الله، قبلها معقل ابن طفيل، كلية الآداب والعلوم الإنسانية - القنيطرة -، التي تلقيت فيها الدرس السوسيولوجي على يديه مقتنصا منه حبة فهم وتجاوزت بمعية باقي طلابه السياسة التضبيعية التي تنتهجها أطراف لا معدودة، وبالتالي فالرجل يستحق لقب دينامو السوسيولوجيا الراهنة، وذلك لانشغالاته اللامتناهية، والمتمثلة في عضويته داخل معقل المجلس الاداري للجمعية المغربية لعلم الاجتماع، واتحاد كتاب المغرب، كما لم يفوت فرصة الانخراط الفعلي في فضاءات العالم الافتراضي، إذ أنه عضو كذلك في اتحاد كتاب الانترنيت العرب، وذلك لنشر ما يفيض به قلمه من تحاليل اكلينيكية لظواهر سوسيولوجية، كما يعتبر عضوا فعالا داخل المنظمة الشقية، كتاب بلا حدود، وعضو هيئة تحرير المجلة العابرة لتراب المغرب، والتي تختص بتناول مختلف القضايا الشائكة بمغرب المتناقضات، مجلة وجهة نظر، كما يشغل عضوية هيئة تحرير مجلة فكر، وكاتب رأي باحث عن المعنى بأسبوعية الشروق المغربية.

الدكتور عبد الرحيم العطري، الأب والصديق لأحمد نسيم وملاك، وله مواليد من نوع آخر كثيرة وقيمة تختزن بين صفحاتها جزالة اللفظ والمعنى الكافي لتنوير الأذهان وغرس تيمة الانهجاس بقضايا المغرب وخاصة فيما تعلق بالشق القروي منه، بحكم أن الرجل انهجس بالبحث في تفاصيل التفاصيل، بداية من ملكية الأرض، مرورا بمؤسسة المخزن، فمؤسسة اجماعة، ثم الأعيان والعائلة، وكذا التحولات والهجرة بذات "العالم" أي القروي، ومن ضمن هذه المواليد نجد:"كتاب دفاعا عن السوسيولوجيا" الذي أخرج إلى الوجود مع مطلع العام 2000، والذي يتضح من خلاله الحب العذري الذي يكنه أستاذنا لمدرسة الشقاء وغيرته الزائدة عليها، ودفاعه المستميت عنها بقوة كافية لمجابهة الذين يسعون إلى تضييق الخناق على السوسيولوجيا سالفا والآن ظلما وعسافا، ظنا منهم أنها تنجب العاق من البنين، وبعد مضي خمس سنوات من البحث والتقصي العميقين حول ما يختزنه الواقع والزمان للشباب اعتصر منه مؤلفا جديدا أسماه "سوسيولوجيا الشباب المغربي"، ومع مطلع العام 2005 خطت يداه المتمرستان كتابا جديدا رقن عليه عنوان"المؤسسة العقابية بالمغرب"، وفي سنة 2006 تمت طباعة ونشر مؤلف "صناعة النخبة بالمغرب"، وفي ذات العام، أخرج إلى الوجود المجموعة القصصية "الليل العاري، قصص من أجل ياسمين والذي تمسك فيها بمقومات المتفحص بالعين السوسيولوجية لوقائع اليومي العسير، وما يختزنه الليل الطويل من تناقض.

و في العام 2008، تمت طباعة ونشر مؤلفا جديدا يعالج قضية الحراك الاجتماعي تحت عنوان"الحركات الاحتجاجية بالمغرب"، وهو من ضمن المراجع الهامة المحللة لواقع الظاهرة الاحتجاجية بمغرب "الحريات وحقوق الانسان " لكنه لم يتوقف عند هذا الحد بل أخرج القارة السابعة في نفس العام، ونظرا لانشغال الرجل بهاجس ثقافة الاعتراف والاحتفاء بالأنا الآخر الحي، وضدا منه على الثقافة النقيض أي الاحتفاء بالشخص بعد المراسيم الجنائزية، فإنه خط مؤلفا يحتفي ويعرف من خلاله بثلة من آل السوسيولوجيا المغربية، من قبيل الدكتور الميت الحي، السي محمد جسوس، والدكاترة المحترمين (مصطفى محسن ادريس بنسعيد، المختار الهراس، عبد الكبير الخطيبي، عبد الجليل حليم،، رحمة بورقية، فاطمة المرنيسي،، أحمد شراك...الخ).

و هو الكتاب الذي قدم له الدكتور شراك القائل في حقه:"إنها بورتريهات تتجاوز التصوير بالكلمات، إلى الحفر في الخطابات انطلاقا من ثقافتين متداخلتين، ثقافة التتبع والمعرفة، وثقافة الاعتراف لترسم في النهاية الحدود الجغرافية الوارفة للتدخل السوسيولوجي، الذي يشكل مساحة سبوعية في المشهد العلمي والثقافي بالمغرب هنا والآن".

وفي سنة 2009 أخرج إلى السوق العلمية كتابه القيم "تحولات المغرب القروي"، الذي ضمنه المعنى من خلال استخدامه لآلة التصوير السوسيولوجية راصدا التحولات التي شهدها المغرب القروي، مدققا في تفاصيل التفاصيل، وفي ذات السياق دائما وأبدا، فقد اختار أستاذنا الرجوع إلى الأصل من خلال مصنفه "الرحامنة:القبيلة بين الزاوية والمخزن، كما أن الرغبة الجامحة لأستاذنا في اكتشاف أغوار السوسيو أنثروبولوجيا القرية فإنه عالج إحدى القضايا المتجدرة في المتخيل القروي، إنها قضية البركة المبتغاة من السلف الصالح أو الأولياء، من خلال كتابه الجديد"بركة ألأولياء(بحث في المقدس الضرائحي).و الذي قدمه مؤخرا بالمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء - المغرب.

في مختتم مستهل القول لا يسعنا إلا الإشادة بجهود دينامو وهرم السوسيولوجيا المغربية الدكتور عبد الرحيم العطري، الذي أفاض قلمه بحبر كله معان من الذهب الخالص، خلال معالجته للقضايا السوسيو أنثروبولوجية، من داخل مجتمعنا المركب، ولعل اقتناصه جائزة المغرب للكتاب دورة 2013، صنف العلوم الاجتماعية إلى جانب الدكتور أحمد شراك لخير دليل على كل ما سبق ذكره، وإن كنت مقصرا في حقه، بحكم ما يمتاز به الرجل من فضيلة وإنسانية، فهو الأستاذ، الانسان، المؤطر، المرشد والمربي الذي يعصف بذهن الطالب من خلال تساؤلاته الشقية والمقلقة، التي تدفع المتلقي إلى ضرورة إعادة طرح السؤال لإنتاج ضرب من المعنى في ظل زمان غياب المعنى، والوصول إلى "درس الدرس"كما يقول دائما، وفي المنتهى نقول أن السوسيولوجيا في حاجة ملحة إلى أمثال هذا الرجل القائل:"ليس أمام السوسيولوجيا إذا، وحفاظا على مكانتها المعرفية ومشروعيتها العلمية خصوصا في المجتمع المغربي، إلا أن تتساءل وتسائل المسكوت عنه، لتمارس "الفضيحة"، مع سبق الاصرار والترصد، إنه الرهان السوسيولوجي في هذا الآن المتغير، لتأسيس فعل سوسيولوجي، ملتزم لا يعرف التواطؤ ولا التلاعب.

في الأخير، وبغاية التكريس لثقافة الاعتراف والاحتفاء بالإنسان المنتج للمعنى قيد الحياة لا بعد رحيله إلى اللامتناه، نقدم هذه المساهمة البسيطة لشخص أستاذنا ومربينا على ثقافة الاعتراف والاحتفاء، الدكتور عبد الرحيم العطري وكلنا أمل أن نكون قد أصبنا الهدف وكلنا رغبة في أن يتقبلها، فهنيئا لنا بهذا العطري الجسوسي- الباسكوني، ودام لحقل السوسيولوجيا باحثا منتجا لمعنى المعنى دائما وأبدا.

 

ميلود العلواني/ باحث في الفلسفة وعلم الاجتماع

 

مع الجواهري بعيدا عن السياسة والادب (4)

rawaa jasani... وهذه حلقة رابعة من "السياحة" مع بعض خصوصيات ويوميات الجواهري الكبير، وهي برغم التعمد بأن تكون سريعة و"خفيفة " كما نزعم، الا أنها، وكما نزعم ثانية، تؤشر لجوانب من مواقف ورؤى جواهرية، بهذا الشكل او ذاك، لمسارات من حياته المفعمة بالكثير والكثير...

 

16- عن جائزة نوبل ونجيب محفوظ

اتصل الكاتب والباحث محمد كامل عارف، من لندن، عام 1988 على هاتف شقة الجواهري في براغ، ليسأل لو تفضل الشاعر الكبير باي تعليق- لصحيفة الحياة- كما أتذكر- بمناسبة الاعلان عن منح جائزة نوبل للاداب، في تلك الليلة الى نجيب محفوظ... فطُلبَ منه ان يعاودَ الاتصال بعد نصف ساعة، وهكذا فعلاً أتصل الرجل من جديد، فأُعلم بالاعتذارعن تلبية المطلوب، لظروف خاصة..وقد كان ذلك، طبعاً، بحسب رغبة الجواهري، الذي كان مبتهجاً بنيل كاتب وروائي مصري جليل، تلكم الجائزة، ولكنّ له موقف من لجنة "نوبل" واسلوب اختياراتها، وطرائق عملها، ولربما، بالأساس، تأخرها عن منح جائزتها له – للجواهري، الذي علق على الاتصال الهاتفي بما معناه: كنت افترض ان "محمد كامل" يحبني، ولا "يتحرش" بي هكذا !!!!

 

17- ابيات غاضبة، جزاء، وعقوبة

ألح الجواهري عليّ في احد ايام 1987 للقاء، وكنت في مهمة سياسية لا استطيع تأجيلها، وكان هو ذا مزاج مأزوم . ولم ينفع الحاحه، فضرب الموعد وأكد انه سيكون بأنتظاري في كل الاحوال... وألا !! وحاولت فعلا ان اكون في الموعد المضروب، ولكن لم أفلح، فكان ما كان من عقوبة وجزاء ..

ففي صبيحة اليوم التالي، وباكراً على غير العادة، رنّ الهاتف، وإذ بالجواهري يتصنع اللطف، ويقول: طالبتني من فترة بان اكتب لك ابيات شعر، لتتباهى بها، فهاكها. ورحت اكتب، وانا بين مصدق ومكذب:

"رُواءُ" ايا قدوة المقتدي، بلحسِ"........" ولثمِ الردي

تمنعْ، ودعْ خالكَ السلسبيل، ضميئاً، بعيداً عن الموردِ

وكن ولدي سيد الطيّعين، وإلا فما أنـــتَ بـ"السيـــد" !

.... و"السيد" اعلاه تورية باني من السادة الحسينيين. كما تلت تلكم الابيات الثلاثة المنشورة في السطور السابقة، ثلاثة أخرى، وأشدّ تهكماَ، ومناكدة، لا أجرأ على كتابتها، وشملت حتى زوجتي " نسرين وصفي طاهر" التي كان يحبها الجواهري بتميز. وواضح للمتابع ان الابيات الستة المعنية هي تناصُ، وتحوير لبعض ابيات من قصيدته"عبادة الشر" الشهيرة .. ثم، وبعد ان قدرتُ مدى هضيمته، صالحته بطريقة لم يستطع ردّها، ولا اقدر ان اكتب عنها هنا، فليس كل ما "يحصل" يمكن البوح به!!!!

 

18- الجواهري .. شاعر هندي

في براغ اوائل الثمانينات الماضية، ضرب الجواهري موعدا مع الضيف القادم من بغداد، قدري عبد الرحمن، الشخصية العراقية المعروفة، لكي يلتقيا فى مقهى فندق "إسبيلنادا" وسط المدينة، بحسب الجواهري .. وفي مقهى فندق"سبلنديد" القريب ايضا من المقهى الاول، كما ظنَ الضيف. وبعد ان مرت نصف ساعة على الموعد، انتبه "قـــدري" بأن شيئا ما قد حدث، لأن الشاعر الخالد لم يصل، وهو الجد دقيق في مواعيده. ثم نقل لنا ما يلي:

حدستُ الخطأ، فهرولت مسرعاً الى "اسبيلنادا" الذي كان الجواهري قد غادره، ممتعضاً، بعد انتظار ممل، كما تبين لاحقاً. وصادفت هناك سائحاً عربياً متزناً، فسألته: ألم تلحظ الجواهري هنا ؟ فأجاب السائح: نعم، قبل دقائق، كما أعتقد، ولكني سألته: هل انت الشاعر العربي الكبير؟ فأجابني : كلا، أنا شاعر هندي. فما كان مني- والحديث لا يزال لقدري عبد الرحمن - إلا ان أُجيبه: إذن أنه الجواهري لا غيره، وهرولت مستعجلاً، لأعثر عليه، بعد مسافة قصيرة، وهو يتفجر غاضبا.

 

19- حوار متميز مع الجواهري .. وكارثة

عشية مغادرته الاخيرة لبراغ، خريف عام 1991 أجبرتُ الجواهري، ان أجري حوارا معه، وألا لن ارتب له بعض الشؤون، فوافق، بعد تمنع طبعا. وكان بحق حوارا متميزا حول مذكراته التي كان طبعها ونشرها قد اكتمل في تلكم الفترة.. وجاءت الاسئلة، كما والاجابات، وعلى مدى ساعة كاملة، أقرب لاستكمال بعض ما لم تشمله تلكم الذكريات، ذات الجزأين. .. وكان الهدف من ذلك الحوار، فضلا عن التوثيق، خطوة اخرى على طريق ترسيخ مكانة مؤسسة "بابيلون" للثقافة والاعلام التي أطلقت نشاطها من براغ اواخر العام 1990 مع عبد الاله النعيمي ..

وهكذا ولانشغالاتي، كلفتُ احد المتعاونين في عمل المؤسسة، وهو يحمل شهادة الماجستير، لكي يفرغ الشريط الصوتي على الورق، واكدت له باني سأحسب له ثلاث ساعات عمل مقابل ذلك، على ان يأتيني بالمطلوب في الصباح... وجاء الرجل فعلا، هاشاً باشاً، في الموعد المحدد، وليسلمني الشريط، قائلا ان تفريغه لم يستغرق منه سوى دقائق. وقد صعقت من الاجابة، لأني فهمت الامرعلى الفور، ومع ذلك صبرت قليلا، وسألته: واين الاوراق؟ فقال بكل بلاهة: لقد فهمت انك تريد ان افرغ الكاسيت، اي امسحه، وليس تفريغه على الورق !!! .. وأحترازا مما لا تحمد عقباه، تركت المكتب دون ان أجيب، ورحت هائماً، لاتصل تليفونياً، وأطلبُ من احد المسؤولين في المكتب: الرجاء ابلاغ المعني بانه ممنوح أجازة مفتوحة "تقديراً" لعبقريته .

 

وللحديث صلة، في الحلقة الخامسة

 

تمثال نصفي لغائب طعمه فرمان في موسكو .. 70 عاما على العلاقات العراقية – الروسية

غائب طعمه فرمان – علم من أعلام العراق، فهو قاص وروائي ومترجم وصحفي ومناضل كبير في مسيرة الحياة العراقية في القرن العشرين، ولا يوجد اسم آخر ملائم في دنيا الادب والفكر في العراق يمكن ان يكون رمزا للعلاقات العراقية – الروسية عدا غائب طعمه فرمان، فقد عاش في روسيا طوال النصف الثاني من حياته، وعمل ثلاثين سنة مترجما في دور النشر السوفيتية، وكتب كل رواياته الرائدة اثناء حياته في موسكو، وترجم في هذه الفترة اكثر من ثمانين كتابا الى العربية، ومن المعروف انه توفي في روسيا وتم دفنه في ثرى موسكو، وهو الكاتب العراقي الوحيد الذي عندما نشير الى اسمه الان و نضع سنين حياته ومماته، فاننا نكتب ذلك هكذا - (1927 بغداد – 1990 موسكو)، اي انه يوحد بغداد وموسكو حتى عند الاشارة الى اسمه و سنين حياته .

لقد جرى الحديث عن اقامة تمثال نصفي لغائب طعمه فرمان بموسكو في الاجتماع الذي نظمته جمعية المقيمين العراقيين في روسيا بالتعاون مع رابطة الطلبة العراقيين في الذكرى العشرين لوفاته عام 2010، وهو الاجتماع الذي عقد في احدى قاعات الجامعة الروسية لصداقة الشعوب بموسكو، وكانت فكرة اقامة التمثال باقتراح من الجمعية العراقية لخريجي الجامعات السوفيتية والروسية، وقد وافق الحاضرون في ذلك الاجتماع على هذه الفكرة، بل وتقبلوها بحماس، بما فيهم سفير جمهورية العراق في روسيا الاتحادية آنذاك الاستاذ فايق نيروه يي الذي كان حاضرا مع مجموعة كبيرة من موظفي السفارة، الا ان الفكرة بقيت دون متابعة وتنفيذ مع الاسف، وهكذا آلت الى النسيان، واليوم عندما سيحتفل العراق وروسيا رسميا وشعبيا بمناسبة الذكرى السبعين لاقامة العلاقات بين البلدين في ايلول / سبتمبر المقبل من هذا العام، نرى انه من المناسب جدا العودة الى هذه الفكرة وتنفيذها، علما ان الزملاء المصريين قد أقاموا تمثالا نصفيا لاستاذ اللغة العربية الطنطاوي في جامعة بطرسبورغ قبل فترة، عندما

احتفلوا بالذكرى السبعين للعلاقات المصرية – الروسية باعتباره رمزا لهذه العلاقات (اضافة الى تمثال نصفي لطه حسين في موسكو وآخر لابن خلدون بتمويل الاستاذ عبد الله حبه ولجايكوفسكي في القاهرة).

انني أتوجه بهذا المقترح قبل كل شئ الى السفارة العراقية في موسكو، وبالذات الى سيادة السفير الدكتور اسماعيل شفيق محسن   شخصيا، والى سيادة سفير الجامعة العربية في موسكو الدكتور جلال الماشطة، وهو واحد من أقرب أصدقاء المرحوم غائب طعمه فرمان والذي رافقه في موسكو لسنين طويلة، والى كافة العراقيين في روسيا افرادا ومنظمات . لنتعاون جميعا – ايها الاصدقاء - من أجل تنفيذ هذا المقترح الرمزي الجميل باسم كل العراق في هذه المناسبة الكبيرة، اذ انها مناسبة تستحق فعلا الاحتفاء بها، وغائب طعمه فرمان يستحق فعلا وبكل جدارة ان يكون رمزا لها، واتمنى ان نتمكن من تدشين هذا التمثال النصفي له في ايلول / سبتمبرالقادم، في الذكرى السبعين لاقامة العلاقات العراقية – الروسية، علما ان ميلاد غائب طعمه فرمان يصادف ايضا في ذلك الشهر، ويبدو ان ذلك ليس بمصادفة !

 

أنسي الحاج وقدس الأقداس

abas alimoradصال وجال في ملاعب اللغة، واليوم تفتقده هذه اللغة التي غزل من كلماتها نثره وشعره، وطرّز قصائده بألوان الجمال وعمد أبياتها بصلابة الموقف الذي ارتفع به ودافع عنه، اللغة التي حارب بها وحارب من أجلها حتى تبقى المنارة المُضيئة التي تحاكي قدسية الحرية والإنسانية التي تؤمّن الاستقلالية عن التبعية، اللغة التي ظل ينام  في سريرها وتفتح له أحضانها وتبوح له بأسرارها حتى الرمق الأخير من جسده لا من قلمه الذي ما زال يختزن حبر الصدق والطهارة لو أطال الله بعمره، فكانت هي الشروق والغروب، المطر والجفاف، المرأة والحب، الأمل بلا يأس، العنفوان والتحدي الذي كان يطـّل من على صفحات "النهار"اللبنانية التي أمن لديكها صياحاً من "كلمات كلمات كلمات" لسنواب قبل أن يتركها حتى يفوز بحريته كما نقل عنه الكاتب ورئيس التحرير التنفيذي السابق لجريدة النهار اللبنانية ادمون صعب في مقالة وداعية له يرثي بها رفيق دربه بعنوان "وداعاً يا ملاك الحرية" جريدة الأخبار العدد 2229 السبت 22/شباط/2014، "أنا هنا لأودعك غير آسف، لأن كرامة الحرية أغلى عليّ من أي مال، وقد أعدت ما لقيصر لقيصر، ومشيت مع حريتي الى باب الله، لقد فزت بحريتي، وهذا يكفيني".

لكن الراحل واصل ولم يهدأ قلمه، فإنتقل الى جريدة الأخبار حيث كان يقيم كل سبتٍ من خلال مقالته الأسبوعية وزاويتة "خواتم" قداساً ثقافياً، إجتماعياً، سياسياً، وطنياً، إنسانياً في العشق في الحياة، في الموت، في الحرية، في الكرامة... في التآخي الذي قال عنه: في مبدأ التآخي لا مقدس فوق التآخي، لأجله تُخفض الأصوات وتَلين الطباع (من مقالة له بعنوان نهاية الحقيقة نهاية الفكرة) والتي يتحدث بها ايضاً عن الحرية قائلاً:  لذلك تتعاظم حاجتنا الى الهواءويصبح  قدس الأقداس كلّ ذرّة حريّة نستطيع اختراعها.

هذا أنسي الحاج الذي بقيت رايته خفاقة وستبقى كتاباته منارة مستقبلية لذا عندما تودِعوا جسده في الأرض التي أحبها، الأرض التي عشقها كجسد المرأة، لا تنكسوا راية الشعر لأنها تحررنا من ربقة وثقل الماضي والحاضر وتفتح باب المستقبل، هذا ما أراده أنسي الحاج.

 

عباس علي مراد

سدني استراليا

 

حركة الأنصار الفاشلة (6) .. لم تكن الأنفال هي النهاية

كما كان الدخول الى كردستان محفوفا بمخاطر مميتة كذلك كانت الخاتمة والخروج من الشريط الحدودي الذي رسمته لنا قيادة سياسية هدفها الأساسي هو تصفية المتبقي من رفاق الحزب وبتدبير مقصود وبالتعاون مع الحلفاء الكردستانيين . وبالنظر الى تداخل الخطأ التكتيكي مع الفهم الأستراتيجي العام لطبيعة القيادة السياسية والعسكرية لذلك سيكون لي الحق في إختيار أيهما كان هو الأصح لأني أمتلك حقي كضحية في فهم مأساتي وإن كان الغموض يحيط بما كان قد حصل فالأحداث اللاحقة تفسر هذا الغموض وخاصة موقف هذه القيادة من الأحتلال والعملية السياسية وممارساتها في هذه العملية السياسية وتعمدها إضاعة الأطار الجماهيري للحزب وإتخاذ مواقف أقل ما يقال عنها إنها لا قيمة لها ... أو الأصح تصفويّة النهج والسلوك وإمتداد طبيعي لتصفيتنا الجسدية والمعنوية في حركة الأنصار .

كنا نتابع تطورات الحرب العراقية – الأيرانية  في فصيل الدوشكا في الفوج الثالث  قاطع بهدنان حيث نقلنا هناك ولا نعرف لماذا لان الضحايا هم آخر من يعرف سبب التضحية بهم .. كانت الأخبار تتناقل آخر تطورات المفاوضات لأيقاف الحرب .. وكانت بوادر وقف إطلاق النار تلوح في الأفق .. أتذكر مشاعري المليئة بالفرح لنهاية مأساة شعبنا التي دامت أكثر من  ثماني سنوات وتسببت بفقدان مئات الآلاف من شبيبة العراق وأحبته ولم تكن هناك مشاعر أخرى لدى بقية الرفاق .. ولكن طالما إنني أكتب هذه السطور وأتحدث عن المشاعر لذلك الأفضل والأصح أن أتحدث عن نفسي فقط.

لقد كان فرحا مشوبا بالقلق من المستقبل .. لقد شاركنا شعبنا بالفرح وقد كنا نسمع بأحتفالاته في الشوارع منذ لحظة إذاعة نبأ أيقاف إطلاق النار ولأيام متتالية وكنا نتمنى أن نكون معهم ونشاركهم هذه الفرحة ..

لقد كذبت قيادة الحزب على الرفاق بأنه كانت هناك خطة طواريء لمواجهة المستجدات بعد إيقاف الحرب العراقية الأيرانية وعودة القوات المسلحة والتي كانت متوقعة من قبل جميع الأحزاب والسكان . وفي نفس الوقت كنا نرصد الآليات العسكرية المدرعة التي وصلت الى الشارع الذي يربط مدينة زاخو بقصبة كاني ماسي وهذا الشارع هو ما يحيط بنا فأن تمت السيطرة عليه فهذا يعني إننا وقعنا في الكماشة و تعرضنا الى الأبادة المحتمة .. لقد إنسحبت جميع الأحزاب والقوى الكردستانية وعلى رأسهم الحزب الديمقراطي الكردستاني دون إبلاغ قادة حزبنا وإنسحبت معهم عشرات الآلاف من العوائل من سكنة القرى (الأطار الأمني الطبيعي لحركة الأنصار ومصدر تغذيتهم ومعلوماتهم ومجسات الخطر الطبيعية) بمن فيهم عوائل رفاقنا في هذه القرى حيث غادروها مع الآخرين .. جائني الأمر العسكري بعد التأكد من تقدم الجيش على مقراتنا بأن أنسحب (مع زوجتي) بأتجاه هذه القرى ونلتحق مع العوائل فيها وعند ذهابنا هناك تفاجئنا بخلو هذه القرى من البشر والحيوانات ولم تكن هناك إمكانية للعودة ثانية الى المقرات فقد كان تسارع الأحداث والقصف المركز على الطرق يفرض علينا البحث عن منافذ خارج إطار الطوق والحصار العسكري وأصبحنا في وضع يحتم علينا إتخاذ القرار المناسب الذي يحفظ حياتنا وتجنب المواجهة المسلحة التي سوف لن تكون متكافئة في جميع الحالات .

وعندما حل المساء جاء أثنان من رفاقنا (أبو روزا وملازم نعمان) لمساعدتنا و مسلحين آخرين وعائلتين مع مجموعة لا أتذكر عددها من الأطفال ووجدنا هذه المنافذ وأستطعنا التسلل الى الجانب الآخر من الشارع.

الهدف كان التوجه نحو الحدود التركية واللجوء الى تركيا لتكون هذه هي نهاية الحركة المسلحة (أي نهاية القيم الكبيرة التي كانوا يكذبون علينا بها في أهمية العمليات العسكرية  والغنائم من السلاح والعتاد في العمليات الكبيرة  كتحرير مانكيش أو مطار بامرني أو غيرها) لقد هربوا بمجرد عودة الجيش العراقي الى مواقعه والمعركة لم تبتدأ بعد ..!! والنتيجة  النهائية كانت إن سلاح الدمار الشامل كنا نحن ضحاياه أيضا وليس الشعب الكردي وحده .. ساحته كانت كردستان ولكننا كنا نحن ضحاياه .. وأنا كاتب هذه السطور العراقي العربي من مواليد بغداد كانت رئتي متورمة من آثار السلاح الكيمياوي والغازات السامة وليس فقط المواطن الكردي الذي يسكن في مناطقنا المحظورة عسكريا ..

كانت أقسى ثلاثة أيام في حياتنا هي المسافة بين شارع كاني ماسي والوصول الى الحدود التركية لقد هرب مقاتلوا الحزب الديمقراطي الكردستاني وتركوا العشرات من العوائل دون مساعدة تذكر .. كنت أحيانا أحمل على كتفي طفلين مع السلاح و بعض الماء الذي إستهلكه الأطفال بعد ساعة من السير سوية.  كنا في أقسى الظروف لم نستغني عن إنسانيتنا ولم نخل بمبادئنا و أمضينا ليلتنا الأولى في العراء وكنا في المساء قد التقينا أحدى العوائل المسيحية من رفاقنا وقد أبدى أحدهم وبألحاح على مساعدتنا بأن يحمل حقائب الظهر التي كنا نحملها على الأكتاف على حيوانه الخاص ولم يكن فيها سوى مستلزمات المقاتلين البسيطة (فرش الأسنان والمشط وبلوزة صوفية وكسرة خبز يابسة وملعقتين سكر في كيس نايلون وأقلام رسم لزوجتي وحاجيات أخرى بسيطة ومهمة في نفس الوقت) يبدوا إنه كان يعتقد إمتلاكنا مبالغ أو ذهب في هذه الحقائب فقد سرق حقائبنا وقال لنا في مساء نفس اليوم بأنه رماها في الطريق وأدار وجهه وغادرنا ..(أقذر إنسان واجهته في حياتي!!)  كنت أستطيع حينها أن أفرغ إطلاقات بندقيتي في رأسه دون أن يحاسبني أحد .. بدلا من تحمل مواجهته طيلة أشهر تواجدنا المشترك في معسكرات اللجوء في تركيا .. بعد فقدان حقائبنا عانينا كثيرا من البرد وخاصة في الليل فلم نرتد على جلودنا سوى قمصان خفيفة .. وأمضينا أصعب ثلاثة أيام بلياليها وأياما أخرى حتى وصولنا الى المدن التركية وتمكننا ما يقينا من البرد .

تصرف هذا الشخص وسرقته لحاجياتنا البسيطة دون إستخدامها هي مثار إستغرابنا حتى هذه اللحظة ..

كيف يمكن لشخص أن يسرق من أجل أذية الآخر وليس بسبب الحاجة .. وهو بحساباتنا رب لأسرة من العوائل الشيوعية ... وهو من ألح وتوسل الينا لمساعدتنا في حمل حقائبنا بعد إن وصلت الأم التي ساعدناها في حمل أطفالها وأمتدحتنا أمام الجميع  .. كان يحمل على حيواناته فراشا وأغطية وصحون ..الخ ولكنه رمى بحقائبنا أو أضاعها ...

بحكم تطبعنا بحرب العصابات والعمل السري فقد إبتعدنا عن مواكب العوائل الهاربة فلم يزل السلاح بأيدينا ولم نزل في الأراضي العراقية ولم نزل مقاتلين وعلينا البحث عن الطعام والشراب والمخبأ الأمين .. لم نذق الطعام منذ يوم أمس وليس في جعبتنا ماء للشرب فتوجهنا في طريق على يسار الممر العام وحيث القرى المهجرة والتي تتعرض للقصف والطيران .. عسى أن نحصل على بعض مما يسد من جوعنا أو عطشنا .. دخلنا قرية مهجورة وبحثنا في بيوتها الفارغة عن خبز أو أي شيء يؤكل فلم نجد شيئا تركناها على الفور وما إن إبتعدنا بضعة أمتار عن أخر بيت إلا وكانت السمتيات العسكرية تحتنا وليست فوقنا حيث كنا أكثر إرتفاعا منها ولو كنا بقينا في القرية لتعرضنا الى نيرانهم التي بدأ تطلق حممها على البيوت الفارغة في القرية وتمشط الطرق التي تصلها من الشارع العام الذي سلكناه يوم أمس. إحتمينا خلف الصخور حتى غادرت وأستمرينا في المسير دون هدف واضح فقد إختفى كل شيء (بعد زيارة السمتيات !!..)  وخير إتجاه كان هو قمة الجبل وبموازات الطريق الوعرة  التي لا نعرف الى أين تقودنا .

لقد نسيت أن أشير الى إن قيادتنا العسكرية في الفوج الثالث كانت تريد إرسال زوجتي لوحدها للذهاب بهذا الطريق وأبقى أنا لمواجهة الأنفال ..!! .

وقد رفضت حينها ترك زوجتي للمجهول وللمخاطر التي كنا نرصدها من موقعنا في مقر الدوشكا .. كانوا أنفسهم لا يعرفوا كيف  يتصرفوا  ولم يكن يعرفوا بعد إنهم لوحدهم في ميدان معركة لن تكون في صالحهم أبدا .. ولم يكن يعرفوا بعد إن جميع القوى الكردستانية قد وصلت الحدود التركية قبل يومين.. ومن كان يتحدث بغير ذلك فقد كان ولم يزل أهدافه تصفوية  ولا تهمه حياة الرفاق.. وهؤلاء كانوا أول الهاربين وبأيسر الطرق.

في اليوم الثاني حصلنا على الماء من بركة كانت نظيفة بالصدفة وبعدها بخطوات وجدنا تفاحة نصفها تالفا وقد كنا في حالة من الأرهاق لا يمكن وصفها بكلمات قليلة وقد أمضينا ليلتين باردتين دون أن يغمض لنا جفن بسبب البرد والجوع والعطش والقلق  رغم الأرهاق والتعب .. وقد كان صباح اليوم الثالث جميلا لأننا شاهدنا عن بعد بعض الأشخاص في الطريق نحو قمة الجبل متوجهين الى الضفة الأخرى .. توجهنا بأتجاههم وكانت عيني ترصد ماحولي والطريق الذي كنت أعتقد إنه من المحتمل أن يكون ملغّما .. وقبل أن تغيب الشمس وصلنا الى قمة الجبل وسلكنا الطريق الجبلي وعلى الضفة الأخرى صعقنا بآلاف العوائل تفترش مساحة كبيرة من الحدود .. وما أن شاهدونا عن بعد حتى تسارع العشرات أو المئات الينا .. لمساعدتنا وللأستفسار عن الأوضاع في مناطقهم وعن مفقوديهم وإحتمال لقائنا بهم وكانوا نموذجا للطيبة الكردية التي عهدناها بهم وقد سارعوا الينا بالماء رغم ندرته .. وأستضافنا الرفيق

آزاد بامرني طيب الذكر وقاسَمنا لقمة الخبز التي كان قد جلبها لعائلته وأطفاله ووفر لنا البعض الآخر ماءا ومكانا للأستحمام وإحساس بفرح الجميع لسلامتنا .... عدا واحدة ... هي الرفيقة الدكتورة سعاد (كاترين ميخائيل) قمارة كما كان يسميها المرحوم الرفيق أبوعادل الشايب .. حيث شقت جموع المحتفين وبدون تحية وحمدا لله على السلامة .. وجهت نقدها لنا (زوجتي الرقيقة وأنا الخشن!!) وبصوت عال وبصفاقة لم نعتدها بعلاقتنا الشكلية معها .. صرخت :

(لماذا تركتوا الوطن .. وجئتم الى هناااااااا؟؟؟؟؟؟؟)

 

في الحلقات القادمة .. حزبنا الشيوعي بقيادة المافيا .. إحذروا حملاتهم الأنتخابية

24.02.2014

 

أطوار بهجت تستحق دمعة

hadi  jalumreiللمرة الأخيرة كانت تمر من قرب كنيسة النجاة في الكرادة، أطوار بهجت الصحفية العراقية، تقاسمت النتيجة مع الكنيسة، كلاهما كانتا عرضة لهجوم الشر من قبل متطرفين، حتى القناة الفضائية التي تعمل فيها دمرت من قبل المتطرفين، وقفنا جميعنا عند شواهد الدمار، دمار أصاب حياة أطوار بهجت الجميلة وأنهاها بعنف، ولاحقها حتى المقبرة حيث كان المشيعون يوارون جسدها الممزق الثرى، بعد رحيلها بسنوات دمر القتلة مبنى القناة التي كانت تعمل لحسابها، بعدها قتلوا المصلين في الكنيسة التي مرت الى جوارها يوما قبل أن ترحل الى حيث كان الباحثون عن الصيد الثمين ينتظرون، وفي كل عام نحتفل بذكرى رحيلها المفجع ونشعر بالعار، فكأننا نتفرج على مشهد مسرحي، أو تمثيلية مأساوية دون أن نبالي، ثم نترك المكان لانفكر في شئ، وقد نكون راغبين بأمور أخرى غير فجيعة أطوار.

أطوارنا تغيرت كثيرا، لكن أطوار الشهيدة لم تتغير، ولم تتأثر بالمعنى الذي ذهب إليه إسمها، وربما يكون العذر لنا إننا في كل يوم نعيش الفجيعة حيث يموت الناس بالمجان، ويقتل الصحفيون دون وجع قلب، ودون أن نمسك بالقاتل ونحاكمه ونعرف من يعاضده في المهمة القذرة التي دمرت الحياة وتركتنا نهبا للوجع والخوف والبكاء، فالضحايا يتكررون كل يوم بأشكال وأسماء مختلفة، لكنهم جميعا أطوار واحدة، ونوع واحد، وحزن واحد لايتغير ولايتبدل حتى مع تغير وتبدل أساليب القتلة وفنونهم التي يستخدمونها في تنفيذ جرائمهم.

ننعى في كل عام زميلتنا أطوار بهجت ، وقد نكتب، إننا إذ نستذكر أطوار بهجت الصحفية الشابة التي لم تحصل من الدنيا على شئ بإستثناء العذابات فإننا نمنحها كلمات لاتغني شيئا، بل هي عذر لنا نتلافى به حرج التقصير تجاه أنفسنا وزملائنا الذين يتعرضون للتهديد دون أن نتمكن من مساعدتهم، ونصف الأحياء منهم بالضحايا المحتملين الذين ينتظرون في الدور مصيرا مشابها قد يكون مشابها، أو مختلفا لكنه في النهاية يمثل جوهر المأساة التي نجتمع عليها بذهول وحيرة ولانستطيع شيئا سوى الجري خلف مصالحنا الشخصية لنكمل حياتنا الرتيبة بلا أدنى خجل متجاهلين وجودها بيننا.

في تلك الأيام كانت الفجيعة قائمة ومتاحة للجميع فالدماء تسيل في أماكن عدة في طول البلاد وعرضها، ولم يكن الصحفيون لوحدهم عرضة للموت، فالفوضى هي الحاكمة والمحظوظ من تجنب الأمكنة الخطرة، والبعض كان القدر يسحبه بعنف ليكون في الكمين المعد له لننعاه بحزن ونترك على قبره بعض الورد، ثم سرعان ماتضربه شمس الصيف الحارقة فييبس، ومعه تيبس أحلامنا بلقاء، وتجف دموعنا، ولانعود نعيش سوى لحظات إنتظار لنعرف من هي الضحية التالية التي يتحتم عليها الذهاب الى كمين مشابه.

أطوار تستحق دمعة، وكل الصحفيين من الشابات والشبان الذين قتلوا يستحقون دمعة ودمعات، وأن تضاء لهم الشموع كل ليلة حتى لو كانت تضاء بعنوان مختلف.

 

هادي جلو مرعي

رئيس مركز القرار السياسي للدراسات

 

مع الجواهري بعيدا عن السياسة والادب!! (3)

rawaa jasaniها هي إضمامة اخرى من يوميات خاصة وشخصية، ومعايشات مع الجواهري على مدى سنوات مديدة، نوثقها هنا دون تكلف او تزويق، ولعلها تَشي أيضا ببعض رؤى وآراء الشاعر العظيم ...

 

11- عتاب ساخن مع ياسر عرفات

سألني الجواهري مساء يوم في براغ، اواسط الثمانينات، وبعصبية ظاهرة ان كنت قد قرأت ما نشره عنه، كاتب في صحيفة "فلسطين الثورة" لسان حال منظمة التحرير الفلسطينية، وكانت تصدر من قبرص آنذاك، وحين اجبت بنعم، غضب وعاتب، لاخفائي تلكم الامور عنه، والتي اوصلها له"محب- كاره"... ثم اختصر الجلسة في مقهى "سلافيا" حيث موعدنا شبه اليومي، واوصلته الى شقته، وكان يسميها بالـ "شقيقة" لمحدودية مساحتها. ثم ليتصل بي ليلاً ويطلب رقم هاتف صديقنا عبد الاله النعيمي، المتميز المعروف باللغة الانجليزية، ثم لأعلم لاحقا ان الجواهري قد اتصل به، واتفقا على موعد صباحي مبكر، ليترجم له سطرين عاجلين، ساخنين، أبرقهما، معاتبا ومغاضباً، الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، باعتباره المسؤول الاول، الاعتباري، عن مجلة "فلسطين الثورة". وقد اختتم ذينك السطرين الساخنين بعبارة" والبقية تأتي" ... ولنا وقفة اخرى عن تلكم "البقية" الاكثر غضبا ، والتي نشرتها صحيفة السفير البيروتية، وفي موقع متميز.

 

12- الجواهري يصفق، لي، واقفاً

في حفل افتتاح مؤتمرعام لممثلي طلبة العراق الديمقراطيين في الخارج، عُقد صيف 1983 في مدينة قرب براغ، شارك الجواهري في الحضور، متصدرا لجمع من شخصيات سياسية وثقافية عديدة دُعيت لتلكم الفعالية. وكانت الكلمة الاولى لي، بحكم مهمتي آنذاك في ادارة العمل الطلابي، الديقراطي، العراقي خارج البلاد .. واذ اخذنا الحماس، وتزامنا مع نشيد موطني، وقف الحضور جميعا: ضيوفاً ومندوبين، ليصفقوا، وبينهم الجواهري، الذي عاد بعد بضعة ايام، ليشتم الدنيا، ولكن للمناكدة، لانه اضطر للوقوف والتصفيق لرواء الجصاني !!!!!

 

13- نمـــر احلى من نســـر

قلت للجواهري ذات نهار، متحرشاً: لو كنت مكانك لاخترت كلمة " نمر" بدلا من "نسر" في بيت لك ضمن رائيتك عام 1975 ونصّهُ: "عندي وداع حمامةٍ، فإذا استثرتُ، فجوعُ نسرِ" .. فضحك وردّ ببديهية جواهرية : وأنا لست مثلك، أنا استطعم اللحوم الطازجة .. في تنويه الى ان النسر ينقض على فرائسه وهي حيةً.

 

14- مع عامر عبد الله وشهادات الدكتوراه

في احدى الجلسات الودية، وما اكثرها، بين الجواهري والشخصية الوطنية والشيوعية العراقية البارزة، عامر عبد الله العاني، في براغ اواخر الثمانينات الماضية، اعتذرت عن البقاء معهما، لالتزامي بموعد مسبق مع "الدكتور فلان".. وذلك ما اثار الشاعر الخالد، ليقول، مُستفزَاً : وهل سيادة "الدكتور" اهم من هذه الجلسة؟ ... ثم التفتَ الى ضيفه قائلاً: يبدو- ابو عبد الله- اننا أقل مستوى من جماعة "الدكتوراه" ولذلك لا احد مكننا منها، ولا نحن نستحقها. ولم يقصر عامـــر فردّ: هكذا الدنيــــا - ابو فرات- ولسنا وحدنا من لا نستحقها، بل ولا زكي خيرى ولا محمود صبري ولا هادي العلوي، ولا " فلان وفلان وفلان " فنحن لسنا بمقامات وكفاءات "فلان وفلان وفلان ...." .

... أما انا فأعتذر هنا عن التصريح بالاسماء التي جاء ذكرها، فللمجالس أمانات كما تعودنا .

 

15- اسمــــاء وأسمـــاء وأسمــــاء

في العديد من المرات، يختلط الامرعند البعض، فيتصورون ان اسم"رواء" مؤنث وحسب. وقد صادف ذلك معي في مناسبات عدة، ومن الطفها ان حُجز لي في احدى كابينات النوم بقطار بغداد- البصرة، مع احدى المهندسات المسافرات، وذلك في كابينة واحدة، وقد عُولج الامر في حينها دون "تعقيدات"... وحدثتُ الجواهري عن تلكم الواقعة، فأستلطفها!! وحملته المسؤولية عن تلك المفارقات التي تحدث معي، لان اختيار ذلكم الاسم، لي، أقترن ببيت من قصيدة "أتعلمُ ام أنتَ لا تعلمُ" الشهيرة، ونصه:" أخي جعفراً يا "رُواء" الربيعِ، الى عفنٍ بارد يسلمُ"... فالقصيدة نُظمت عام 1948 كما هو معروف، وجاءت ولادتي بعد ذلك بنحو عامين، وكانت اجواء الحزن ما برحت تلازم العائلة ...

ولأن الشئ بالشئ يذكر كما يقال، أشير الى ان العديد من اسماء بنات واولاد الجواهري الخالد، جاءت أوائل، ومتفردة، كما ازعم، ومنها: فرات، كفاح، خيال، ظلال، وكذلكم أحفاده وحفيداته، بل وحتى اسباطه، ومنها: رائد وأيسر، وبان ومحسد، وهيام، وزهراء وفرزدق، وديباج... وجميعها من اختيارات الجواهري، أو موحياته على الاقل.

 

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

 

سامراء مدينتي الغالية!!

مدينة العزة والشموخ العربي الإسلامي، الذي بسط أجنحة النور فوق هامات الأجيال البشرية، الجارية في نهر الدوران الأرضي الدفاق بأمواج السرمد.

مدينة المعتصم والواثق والمتوكل وما بعدهم من الخلفاء العباسيين الذين أسهموا في رفع راية الوجود الحضاري المعرفي، ورسموا خارطة التفاعل ما بين أبناء الدنيا في زمنهم الذي تسيّدوا فيه وتحققوا وتوقدوا، فقدموا ما قدموا، وأخفقوا ونجحوا وربما إنحرفوا، لكنهم أسسوا لمنطلق الركب الحضاري الدفاق المتنامي.

سامراء أكبر حاضرة تأريخية أثرية على أديم البطحاء، ففيها من الآثار ما لا تحويه أية مدينة أخرى في الدنيا، فأصبحت كنزا تراثيا للبشرية جمعاء.

وهي المدينة التي إحتضنت الشاعر العربي أبو تمام، والذي أنشد فيها قصيدته الخالدة التي مطلعها

" السيف أصدق أنباءً من الكتب   في حده الحد بين الجد واللعب"، وكذلك الشاعر البحتري، الذي وصف بُركتها الحسناء وكاد أن يُقضى عليه في ليلة إغتيال المتوكل.

وفيها ولد الشاعر الخليفة (إبن المعتز) الذي بدأ شعره في أروقة قصورها ومتنزهاتها، وعلى ضفاف مياهها الرقراقة، ومعظم ما كتبه كان في سامراء، وقد تعلق بها كثيرا وزارها مرارا بعد أن هجرها العباسيون إلى بغداد فأصابها الخراب، وقد وصف ذلك في أبيات شعر مشحونة بالعاطفة والألم.

وسامراء مدينة الإمام علي الهادي وإبنه الحسن العسكري (ع) وكذلك الغيبة، التي تشير إلى الإمام الثاني عشر (ع).

ولازالت سامراء تتكلم عن قيمتها الحضارية والمعرفية والروحية والسياسية في الحياة، وكأنها تمتلك دورا إنسانيا لا يمكنه أن يخبو أو ينطفئ.

وكانت المدينة في الربع الأول من القرن العشرين مصيفا للجواهري الذي قال فيها عددا من القصائد، وكذلك الشاعرة نازك الملائكة التي كانت لها معها تفاعلات وتأملات، وعدد من الشعراء العرب الآخرين.

وتحتضن المدينة أصواتا شجية متميزة في أنواع القراءات القرآنية والموشحات الدينية، وكانت مآذنها تصدح بتلك الأصوات التي تبعث السكينة والخشوع والدعة في أعماق النفس والروح.

وفيها العديد من الفنانين خصوصا في الرسم والنحت، ومن الأدباء والشعراء والكتاب والصحفيين والمفكرين والعلماء والأطباء، ومنهم مَن إنتشر في أصقاع الدنيا وتألق على صفحات وجودها المعاصر.

فالمدينة حاضنة فكرية ثقافية حضارية تأريخية، متميزة بقدرات توليدها للطاقات المعرفية والعلمية والدينية والأدبية والفنية، وفي هذا الزمن المتجدد عليها أن ترعى أعلامها وتوثق دورها الحضاري بالجد والإجتهاد والعمل المتفاعل، فتعتني بكل ما يدل عليها ويشير إلى قيمتها وشخصيتها المعاصرة، لأن في ذلك مستقبلها وصيرورتها الإنسانية المتألقة، التي تمنحها الرفاهية والقدرة على الرقي والتواصل مع الدنيا.

فسامراء أهلٌ لتكون مدينة عالمية، فهي تمتلك عناصر ومميزات المدينة العالمية التي عليها أن تكون حيةً في قلب العالم.

وهذا يلقي على أجيالها الصاعدة مسؤولية معرفة مدينتهم واكتشافها وتعريف الدنيا بها، وأن تتظافر الجهود لإنشاء المعالم العمرانية العتيدة المعبرة عن معاني سامراء الأثرية، كالمكتبات والمتاحف والمتنزهات والمهرجانات، والفعاليات الفنية والأفلام، التي تعرض تأريخها ودورها وأثرها في مسيرة الحياة الإنسانية.

فلا يمكن إغفال مدينة بحجم سامراء، وتقليل أهميتها وفعاليتها، وإنما من الواجب الوطني والأخلاقي والإنساني، أن تنال أعلى درجات الإهتمام والتقدير والتعمير، إحتراما لتأريخها وتأثيرها الروحي والحضاري، وتقديرا لرجالاتها الذين يتوسدون ثراها، من الأئمة والخلفاء والعلماء والأتقياء والصالحين.

بسامراء يا وطني ُولِدنا

                               وفيها ضوع تأريخٍ رعانا

ومِنها كلّ رائعةٍ تساقتْ

                                وعنّا ما نأتْ تبقى سُقانا

فطِفنا في مدى أرضٍ تناهتْ

                               ودامتْ عندنا وهَجا مُبانا

بها الأشواقُ والروحُ اسْتهامتْ

                             فما كسبَ البعادُ بها الرهانا

مَواطننا وإن حَسُنتْ وراقتْ

                                كأنّ التوقَ من ألمٍ غشانا

هيَ الدنيا بما وهَبتْ وجادتْ

                        هيَ الأمجاد ما شمختْ عُلانا

تحية لسامراء المحبة والأخوة والألفة والتفاعل الروحي والثقافي الزاهر.

تحية لمدينتي بملويتها الشماء وقصورها العلياء وقببها العسجدية السناء، ونهرها الفياض، ومساءاتها الساحرة المتناغمة الأمواج.

تحية لمدينة "وامعتصماه"، فما أحوجنا لتلك الغيرة العربية العزيزة الأبية، التي أكدت أن الإرادة والعزم أصدق ألف مرة ومرة من القول المستكين، وأن القوة بالعمل والإقدام والإجتهاد والتحدي والشموخ، والإنجذال بضفيرة إنسانية ذات طاقات توثب نحو آفاق الكون المطلق.

تحية لسامراء الأبية الأمينة الصادقة المِضيافة، التي تذود عن قيمها وثوابتها ومرتكزاتها المنيرة المتأصلة بعروق أبنائها الأوفياء.

 

وتدوم سامراء زاهية مزهوة مزدهرة متألقة وهّاجة القيم والأفكار والمعاني، والمساهمات الإنسانية الفياضة بالروعة والبهجة والسرور الجزيل.

ويبقى "الحقّ أفصحُ إبْلاغا من الكَذِبِ     في صَوتهِ الحدّ بينَ الفِعْل والسَبَبِ"

 

د-صادق السامرائي

الحزين الذي لم تفارقه الإبتسامة

abdulhusan shaabanلا يقابلك إلاّ بابتسامة عريضة، وهو الرجل الذي يقارب على انتهاء عقده التاسع، فعلى الرغم من مسحة الحزن التي تتجمّع خلف عينيه الذكيتين اللامعتين، إلاّ أنه سرعان ما يبدّدها، فيبدو بشوشاً مثل طفل، متطّهراً من كل ما يخدش براءته.

على مدى سنوات الخمسينيات والستينيات شغل أرقى المواقع الرسمية والمدنية في العراق، خبيراً اقتصادياً ونفطياً ووزيراً، وقبل ذلك سياسياً من الطراز الرفيع، امتاز بالاعتدال والوسطية ولم يكن ميّالاً للعنف والقسوة، وكانت العروبة هي رابطته الإنسانية الحقوقية وهويته مع بني قومه، فكان عروبي الهوى والمشاعر، عراقي الانتماء والتكوين، إنساني النزعة.

ارتبط خلال تلك السنوات بعلاقات متميّزة مع أهم الشخصيات العراقية والعربية، وكان محطّ ثقتها اتفق أو اختلف معها: جمال عبد الناصر وكامل الجادرجي وعبد الرحمن البزاز وخير الدين حسيب ومحمد مهدي كبّة وصدّيق شنشل ومحمد حديد وعبد اللطيف الشواف وحسين جميل وعبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف وناجي طالب وجلال الطالباني ومسعود البارزاني وعبد الفتاح ابراهيم ومحمد بحر العلوم ومحمد حسين فضل الله وسليم الحص وعبد الرحمن اليوسفي وأحمد بن بلّه وحافظ الأسد وعشرات من الأسماء والشخصيات الثقافية والفكرية اللامعة.

دخل الوزارة وخرج منها وعاد إليها وتركها، وتحالف وانقلب، واتفق واختلف وأصاب وأخطأ وعرف حياة السجن ، مثلما حصد المنفى نحو نصف عمره، وعاش العمل الميداني المدني ورئس منظمات وجمعيات ونقابات واتحادات عراقية وعربية، مثلما كان له شأن كبير وباع طويل في العمل الدولي، سواءً في الأمم المتحدة وهيئاتها أم في المنظمات الدولية المدنية، وفي كل تلك المجالات ترك بصمة واضحة، وكان نظيف الكف وعفيف اللسان، وخلافه حضارياً ولغته وقورة، وسيلته لخوض الصراع تنسجم مع غاياته الشريفة، لا يردّ الإساءة بمثلها، ويكاد أن يصبح رمزاً للتسامح والخلق الرفيع، في مجتمع تنتشر فيه ثقافة اللاتسامح والثأر، هكذا يأتيك شفيفاً مثل الريح الخفيفة التي تسبق المطر.

لم تترك فيه حياة السجن التي عاشها لعام وشهر أية ندوب نفسية أو حقد أو كراهية أو رغبة في الانتقام، حتى إزاء سجانيه، وكثيراً ما كان يبدي عطفاً عليهم، فقد امتلك روحاً رياضية عالية، وهو من القلائل الذين عرفتهم من كان يحمل هذا القدر من الغفران، باعتباره أحد المثل العليا التي يؤمن بها. ولم يدع ردّ الفعل أو التشفي يتسلل إلى قلبه، بل قابل حتى المسيئين بالتسامح، دون نسيان، إذ لا بدّ لدائرة الضوء أن تكون واسعة لا بقدر ما يتعلق الأمر به، بل إزاء كل انتهاكات وتجاوزات تنتقص من إنسانية الإنسان.

لقد دفعه سجنه إلى التفكير بتأسيس منظمة عربية مهنية تدافع عن حقوق الإنسان وتنشر ثقافته، وعلى هامش اجتماعات مركز دراسات الوحدة العربية وندوة أزمة الديمقراطية في العالم العربي في ليماسول (قبرص العام 1983)، إلتأمت المنظمة العربية لحقوق الإنسان وأصبح نائباً للرئيس وبعد ذلك رئيس لما يزيد عن عقد من السنين.

وحينما شعر أن أداء المنظمة التي ساهم في تأسيسها أخذ بالتراجع متجهاً نحو الشخصنة والانفراد، أعلن من على منبرها في الرباط في مؤتمرها الرابع في العام 1997 استقالته وعدم ترشيح نفسه، واضعاً حدّاً بين المهني والسياسي، وبين العمل الجماعي والفردي، خصوصاً وقد تفاقمت قضية الاختفاء القسري لمنصور الكيخيا في القاهرة العام 1993، وعلى الرغم من صداقته المديدة مع محمد فايق الذي قضى عشرة أعوام في السجن، فقد أعلن ما كان يؤمن به على الملأ منسحباً بكبرياء فارس وأخلاق نبيل، واستمر في صداقته الحميمة، وفي دعمه للمنظمة، ولاسيّما في المحافل الدولية، حيث يعيش بالقرب من المقر الأوربي للأمم المتحدة، وبذلك ميّز بين الاختلاف والمبادئ وبين الصداقة والمهنية. كان يأمل أن يتم التخلّص من حكم الاستبداد في العراق بتعاون وطني واسع، وفكّر بحاجات العراق في الميادين المختلفة، لاسيّما بعد أن بدأ الحصار يفعل فعله، فدعا نخبة من الاختصاصيين لتأسيس هيئة استشارية وعقدت عدداً من الاجتماعات طبع بعضها في كراسات، وحين دعي للانضمام إلى قيادة المعارضة كان يمثل الصوت العقلاني، فوقف ضد الحصار وضد ضرب العراق وضد القرارات الدولية المجحفة. وحينما دعاه السيد محمد بحر العلوم لإلقاء محاضرة في لندن في مركز آل البيت العام 1992، خاطب الجمع المتحفّز للانقضاض على السلطة لقضمها: لم يبقَ لصدام حسين حلفاء، فلا حلفاء عرب ولا دوليين، غربيين وشرقيين، مثل العام 1980 إبان الحرب العراقية – الإيرانية، والحصار بدأ يفعل فعله، وشبكة الأتباع والمريدين الداخليين والعرب بدأت تشحّ بحكم شحّ المال، وإعلامه أصبح غير مؤثر وبلا صدقية، وسلاحه متقادم وغير كاف، وحزبه أصبح ضعيفاً ومتآكلاً وجيشه غير مضمون وباستثناء بقاء جهاز المخابرات مرعباً ومخيفاً على المستوى الداخلي، وهو الآخر تسرّبت إليه الكثير من الشكوك ، لكن له حليف جديد وهو “المعارضة العراقية” بخطابها الذي يصبّ في خدمته، ولاسيّما “المجموعات” التي تؤيد استمرار الحصار الدولي وتدعو الأمم المتحدة إلى تشديده، وتدافع عن استخدام القوة ضده وتطالب الغرب بالمزيد من القرارات الدولية المجحفة، الأمر الذي سيؤدي إلى استمرار حال البؤس والمديونية والفوضى حتى بعد الإطاحة بالنظام.كان جريئاً وواضحاً ويتحدث بعفوية وجدانية وبحرارة مناضل مسؤول، قلبه يكاد يُدمى على ما أصاب العراق من خور وتمزّق، مثلما كان يعرف بخبرته ومعرفته ماذا يعني استمرار الحكم الدكتاتوري، وعندما تقرر عقد اجتماع تمهيدي في فيينا لاختيار رئاسة ثلاثية كان هو الأول فيها، إضافة إلى مسعود البارزاني الذي التقاه على أمل عقد اجتماع موسّع ولجنة تحضيرية للتهيئة لذلك بكتابة بيان، لكن تلك المحاولات تم صرف النظر عنها، ولاسيّما بعد تسريبات مسيئة لحملة خفية ضده في الصحافة العالمية.

إنه المهندس، بل نقيب المهندسين الأسبق الذي علّمه علم الهندسة أن السياسة تحتاج إلى بناء قوي، مثلما تحتاج إلى أدوات ووسائل، خصوصاً وكان الوصول إلى الهدف يقتضي استخدام جميع الامكانات مباشرة أو بصورة غير مباشرة، فحاول استثمار علاقاته الدولية والعربية وصلاته الدبلوماسية عشية الاحتلال، ونظّم مع عدد من زملائه زيارات إلى أمير الكويت وملك الأردن ورئيس مصر لشرح وجهات نظر جزء من المعارضة التي تسعى للتغيير على أساس مشروع وطني، وعندما أطيح بالنظام بفعل الاحتلال. ونصّبت قوات التحالف بول بريمر حاكماً مدنياً للعراق، شعر بالخديعة التي دفعته إلى الخيبة، وامتلأ حلقه بالمرارة، ولم يتوانَ بعد زيارة بائسة إلى بغداد لم تدم أكثر من عشرة أيام، إلى العودة من حيث أتى، فكيف لوطني عروبي أن تكون مرجعيته السياسية بول بريمر الذي يأمر ويُطاع بلا حدود، فانسحب بصمت في حين راح الآخرون بالابل. لعلّه نموذج نادر للأصالة وعزّة النفس الوطنية الصادقة بلا رتوش أو مزاعم، وظلّ يملّح كل مواقفه بابتسامة شفيفة فيها طرف من الحزن العميق والألم الممض.

قبل عقدين من الزمان زرنا بصحبة د. خير الدين حسيب والحزين الذي لا تفارقه الابتسامة، محمد حديد في دار للعجزة في لندن، وتجاذبنا أطراف الحديث معه، ولاسيّما الإسراع في كتابة مذكراته، وكان هو ينتظر أيامه الأخيرة، ودّعناه على أمل اللقاء، وعند الباب إلتفت إليّ قائلاً هذا هو مصيرنا، وكأنه يتنبأ بما سيؤول إليه وضعه، حين فارقته رفيقة عمره، وانكفأ هو يلوك أحزانه ويمضغ وحدته، مفضلاً العزلة بعد احتلال بلده، وهكذا أراد له القدر أن يقضي أيامه الأخيرة في دار للعجزة، في مواجهة جبل شاهق مكسواً بالثلج الأبيض مثل قلبه، خصوصاً وقد انمسحت ذاكرته ونسي التفاصيل، وعاد من جديد طفلاً جميلاً ينتظر أن تزوره الحقيقة الوحيدة المطلقة، وما عداها كل شيء نسبي!

إنه الحزين الذي لا تفارقه الابتسامة !؟

إنه أديب الجادر

 

مفكر وأكاديمي

أنسي الحاج .. لا يموت

madona askarالشّاعر لا يموت بل يعود ويرتفع إلى وطن الوحي من حيث فاض علينا. إنّه الطّائر المحلّق في فضاءات أرواحنا يوقظ فيها سنابل الحبّ تتمايل مع نفحات عطوره الشّجيّة. فكيف لأنسي الحاج أن يموت وهو نبض الحبّ وشعاع الشّعر في سماء لبنان ورقصات الدّموع على وريقات الورود لحظة انبلاج النّور.

ما الموت أمام عظمة الحبّ، وما أثره في حبّة حنطة تدفن في التّراب غير أنّها ستزهر مئات الحبّات. إنّ أنسي الحاج، نبض حبّ يجوز أعتاب السّماء حتّى يدخل الحياة وينثر علينا آلاف البراعم من الحبّ لتزهر في قلوبنا قصائد مقدّسة تحيي أرواحنا. هو نبض لبنان الحبّ والجمال المنبعث من قلب الله، والمسترسل على أكمّات خضراء تنضح بهاء وجلالاً. وهل للبنان أن يموت؟

قاس هو الموت بسلطته وحقيقته، ومؤلم عندما يرخي ستاره على الأجساد، لكنّه لا يقوى على فيضان الحبّ

وسلطته. وهل قوي على أنفاس جبران ونعيمة والرّيحاني...؟ وهل قدر أن يمحو ملامح ناديا تويني وميّ زيادة...؟ إنّهم لبنان، إنّهم الوطن الّذي لا يموت، الوطن الّذي ننتمي إليه، إنّهم الرّبيع المتفتّح أبداً، والمشرق، متحدّياً همجيّة الخوف والظّلمة.

أنسي الحاج لم يمت، إنّه هناك في ملامح امرأة صاعدة، وروح شاعر " اعتاد الحياة وسوف يعتاد الموت ولم ينجح في اعتياد الحبّ". غاب خلف الشّفق الأرجوانيّ ليشرق في عالم الحبّ المطلق، أسدل أهدابه مع احتجاب الشّمس حتّى تزهر بكائره في موطن الجمال والشّعراء. أُعتق من هذا المنفى ليولد في المجد.

 

إليك أنسي الحاج، امتدّت يد الحبّ، تهلّل: هلمّ وادخل فرح سيّدك الأبديّ لأنّك لمّا امتلكت وهج الحبّ أنرت به النفوس. إليك، باقات ياسمين أبيض، تُنثر أمامك وأنت تسير نحو النّور الأزلي، ونسيمات صلاة ترنّم ولادتك في حضن الحبّ المطلق، وبشائر فرح وسرور لروحك العذبة، لأنّك الشّاعر.

إليك عبرات حزن ستشتاق وتفتقد لقلم أغرق لبنان والشّرق بروحانية العشق والهيام، وبسمات تتألّم في قلب يعتصر وهو يسمعك تردّد:

" لن أكون بينكم

لأن ريشةً من عصفور في اللّطيف الرّبيع

ستكلّل رأسي

وشجر البرد سيكويني

وامرأة باقية بعيداً ستبكيني

وبكاؤها كحياتي جميل."

أنسي الحاج... ليكن ذكرك مؤبّداً.

 

 

حركة الأنصار الفاشلة (5): الوطنية والقومية وحميد مجيد

(كنت وطنيا قبل أن أكون شيوعيا .. وعندما أصبحت شيوعيا صرت أشعر بمسؤولية أكثر تجاه وطني) .. الرفيق فهد

طيلة تاريخ الحركة لم نستطع تحرير شبر واحد من الأرض.. وماذا يعني تحرير الأرض؟ (هي مفردة قومية كردية) لا تعنينا نحن العراقيين والشيوعيين خصوصا .. إذ لم يكن لدينا محتل لنحررها منه .. كان لنا هدف واضح ناضلت من أجله قاعدة الحزب لأقراره وهو إسقاط النظام الديكتاتوري ولم ترد كلمة أو مصطلح التحرير في أي فقرة برنامجية .

هي مفردات أبتعدت فينا عن واقعنا كمطاردين سياسيين الى متاهات الفهم التحرري لأقطاعيي الأقلية و ملاكيها الذين يعتبرون هذه الأرض ملكهم هم وحدهم وليس لنا فيها شيء ونحن هناك ضيوفهم لنخدمهم فقط في أن نحررها لهم من المحتلين (العراقيين) وجاءت هذه المفردة في العشرات من الأدبيات الحزبية وصحافة الحزب طوال فترة الحركة وسنينها العجاف .. حتى أصبحنا نحن أيضا ننتظر التحرير ونطمح ونعمل من أجل التحرير !! ....

كان عداء الحركة القومية الكردية لنا عداءا قوميا بحتا رغم مشاركتنا أياهم الجوع والتشرد والرصاص والدم ورغم رؤيتنا لبعضهم وهم ينهزمون في المعارك بعد إن كانوا يوصفونا بدجاج المصلحة (تسمية تطلق على الجبناء الذين لايجيدون القتال مثلهم !!) .. كنا نقاتل حتى أخر إطلاقة وعند الانسحاب بعد إنتهاء المعارك نجدهم مختبئين في جحور بعيدة عن الميدان ليعودوا بعد ذلك الى قواعدهم كأبطال خاضوا غمار المعارك !.. هؤلاء كانوا حلفائنا في الجبهة (جود وجودة وجوقد ومرقد !!).

كل ما قامت به هذه الأحزاب لا يساوي عملا بطوليا واحدا من عمليات مفرزة الشهيد خضر كاكيلي ولا موقفا من مواقف الشهيد خضر حسين الذي قال مرة : إن مسدسي الصغير والصديء هذا أشرف من هذه ..) وكان يشير الى بندقيتين كلاشينكوف تبرع بها أوك الى بعض القياديين في ناوزنك بداية 1980م .

كانت ولم تزل هناك مشكلة لدى القيادة في تفسير المفاهيم القومية والأممية و الوطنية .. فقد كانت تفسّر القومية بالمقارنة مع الأممية وليس مع الوطنية وكانت تشوّه المفاهيم الى الدرجة التي تجعل الجميع يعتقد بأن لدينا قضية قومية شائكة أو عصيبة .. بينما تم التجاوز على القضايا الوطنية وتفاصيل موضوعاتها قبل وبعد الحرب العراقية الأيرانية ... ان القومية هي قضية كردية ليس للعراقيين شأن بها .. بل كانت وما زالت قضية إقليمية وعالمية .. كان العكس هو الصحيح فالعراق كان الأفضل قانونيا وفي تآلفه القومي من بقية دول المنطقة وكنا نشترك سوية في معاناتنا من الديكتاتورية وعملاء الديكتاتورية من العرب والأكراد .. كنا في مواجهة دموية مع التطرف القومي العربي للبعث الحاكم وكانت العامل الأستراتيجي لمجمل سياسته الداخلية والخارجية والتي تتناقض مع التوجه الوطني في التركيز على التنمية و سياسة التعايش السلمي مع المحيط العربي والأقليمي .

كان التطرف القومي والتوجه نحو الحرب ضد إيران ضمن مخطط أمريكي صهيوني – خليجي واضح المعالم والتوجه الوطني الطبيعي كان يكمن في العمل على تجنب السقوط نحو هاوية الحرب بين البلدين ... ولكن قيادة الحزب كانت قد إستبدلت قومية صدام حسين المتطرفة بقومية الحركة الكردية الأكثر تطرفا والتي تستهدفنا نحن العراقيين العرب بكل توجهاتهم بمن فيهم البيشمركة العرب حيث تم طعنهم بخنجر الخيانة القومية الكردية ...

لكن قيادة عزيز محمد نجحت في التفاوض بين الأكراد ثانية وثالثة وعاشرة (رغم الخسائر في الأرواح التي منينا بها نحن الشيوعيين العرب وليس لنا في تطرفهم القومي الشوفيني لا ناقة ولا صخل!!) ويعتبر ذلك نجاحا وطنيا وخدمة لتوحيد الصف الوطني ! كما كانوا يصرحون به وقد كانت بحقيقة الأمر خدمة للتطرف القومي الكردي الموحد ضد التوجه الوطني العراقي ...

القوميون المتطرفون سواء كانوا عربا أم أكراد يربطهم مشتركات عديدة أولها هو الخيانة الوطنية، إذ تكون الحسابات الوطنية ومصالح الوطن والشعب ليست من أولويات الأهتمام بقدر بقاء المتنفذين في مركز القرار، بل العكس تسخر المصالح الوطنية لخدمة المصالح القومية الضيقة والديكتاتوريات الصغيرة ..ويكون العامل المساعد الأجنبي أكثر أهمية من المصالح الحيوية للوطن والشعب .

وثانيهما إسترخاص الخسائر البشرية أمام تحقيق أهداف قومية خيالية (طوباوية)، وبحقيقة الأمر هي أهداف ليست لها علاقة بالواقع بل هي واجهة لتحقيق الأهداف الأستعمارية و أحلام مرضى الزعامات من عملاء الأستعمار.

وثالثهما هو تسخير المؤسسات السياسية كالأحزاب والأعلام والنقابات وغيرها لتحقيق هذا التوجه وخلق الكادر البديل لهذه المؤسسات ..

التوجه نحو القومية هو توجه إستراتيجي وليس تكتيكا مرحليا .. حيث يكون بعد ذلك قاعدة مادية لتحويل العمل الوطني والحزبي والأعلامي وغيرها لخدمة الأهداف القومية وليس العكس .. ومابعد الأحتلال 2003 تحولت هذه الأهداف والطموحات نحو الفيدرالية (المبهمة الوجهة والأهداف والقوانين .. التي تحولت بفضل دستور الأحتلال من طريقة في إدارة الدولة الى شكل من أشكال السيطرة الأستعمارية عبر التجزئة والتبعية الأقتصادية وسيطرة الشركات النفطية الأحتكارية) ومع تطور الأحداث تحولت الأهداف القومية شيئا فشيئا نحو تقسيم الوطن وإستبدال العراق الموحد عبر التاريخ الى كانتونات صغيرة تابعة لا مستقبل لها .

رابعهما وأهم حلقة فيهما هو خلق النخب والكادر الأحتياط الذي يضمن ديمومة تنفيذ هذه الأستراتيجية ومابعدها. وهنا تكمن خطورة ونتائج المؤتمر الوطني الرابع للحزب الذي ضمن التوجه الأستراتيجي اللاوطني لبقية مؤتمرات الحزب و قادته .

في المؤتمر الرابع تمت إعادة إنتخاب عزيز محمد وكان حميد مجيد عضوا في المكتب السياسي والقائم بأعمال السكرتير (فترة إعداد وظيفي !) لأن السكرتير مقيما في الخارج بشكل دائم و دخوله كردستان كان مؤقتا على الدوام .. وقبل تاريخ المؤتمر كان يشار الى حميد مجيد بأعتباره السكرتير العام الجديد .. لذلك فأن حميد مجيد كان المنفذ الفعلي لمهمات السكرتير العام حتى المؤتمر الخامس الفاقد للشرعية بسبب تجاوزه المدة القانونية المنصوص عليها في النظام الداخلي للحزب .. وقد كتب أحد أتباعه في ويكيبيديا الموسوعة الحرة التعريف بكون:

(حميد مجيد موسى أو أبو داود سكرتير اللجنة المركزية لـ الحزب الشيوعي العراقي أحد الكوادر الطلابية للحزب الشيوعي العراقي ترأس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي منذ المؤتمر الخامس مؤتمر التجديد والديمقراطية عام 1993 والذي عقد في كردستان العراق وتم فيه اعتماد مبدأ الديمقراطية كمبدأ أساس في الجسم والتنظيم الحزبي أعيد أنتخابه في المؤتمر السادس عام 1997 الذي عقد في كردستان العراق والسابع عام 2001 الذي عقد في كرستان العراق أيضا وفي المؤتمر الثامن 2007 الذي عقد في بغداد بعد تحرير العراق.) *.

عدا علاقة هذا الشخص بعصابة عزيز محمد وفخري كريم والجهات الأجنبية المرتبطين بها فأن هذا الشخص لا يمتلك ما يؤهله لمنصب السكرتير العام ولا حتى للجنة المركزية .. وفقا للمقاييس

(المفقودة) في التدرج الحزبي والقدرة التنظيمية أوالقدرات الجماهيرية وكذلك المكانة الجماهيرية أو التميز الفكري والأبداع بربط النظرية بالواقع ... لقد جاءوا به من الخارج ليكون سكرتيرا عاما وقد تلقى تدريبه هناك ومارس تطبيقه بعد المؤتمر الوطني الرابع .

ولكي لا نضيع البوصلة في تحليلنا المتواضع هذا وهو القومية والأممية والوطنية فأن تعيين حميد مجيد لهذا المنصب هو ضمن الأجراءات لتقسيم الحزب بعد إن تم تثبيت عملية التأسيس لفصيل الأقليم في ناوزنك منذ عام 1982 وكان مستقلا تماما عن الحزب .. و مبهما في شخوصه ومهامه التي تبدوا وكأنها تعني بتنظيم الداخل الكردستاني ولكنه لم يكن كذلك .. فقد كان لتأسيس حزب شيوعي كردستاني مخطط لها منذ سنوات من إعلانه وكان حميد مجيد مكلفا بتأسيس القسم العربي للحزب الشيوعي العراقي وبناء عصابة جديدة تكون مهمتها تصفية الحزب وإنهاء دوره السياسي والأقتصادي ..

وقد تم إنتقاء مجموعة من العناصر الأنصارية والتي كانت مهمشة طيلة وجودها في كردستان بعضها نظيفة المقاصد ولكنها سهلة الأنقياد وضعيفة الأرادة.. المهم أن تكون عراقية عربية ... لينهي التطرف القومي الكردي داخل الحزب بالبتر والأنفصال .. وهو ما كان يقصد به بالتجديد .. التجديد كان عبارة عن الأعلان عن التخلي عن المباديء الماركسية والموقف الطبقي والأممي و الوطني دون أن يأتوا ببدائل بل وضعوا الحزب في موضع لا يمتلك فيه أي رأي يميزه أو يميز شيوعيته أو حتى يساريته ..

أما الديمقراطية فهي مودة العصر الجديد .. تزين الخطابات دون أن يكون لها وجود على أرض الواقع ... وأبو داود بفضل هذه الديمقراطية كان منذ 1985 أو حتى 1993 سكرتيرا عاما للحزب .. وسيرفع سمعة الحزب عاليا بدخوله القريب موسوعة غينيس للأرقام القياسية بمدة الرئاسة ..!!

 

وللموضوع بقية

17.02.2014

..............................

* من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

أنسي الحاج .. شاعر الليل يترجل ويعانق الموت

shaker faredhasanرحل عن دنيانا اليوم الشاعر الرشيق والكاتب العظيم أنسي الحاج، صاحب الباع الطويل في النهضة الشعرية والأدبية اللبنانية والعربية المعاصرة، بعد صراع قاس ومرير مع المرض .

وأنسي شاعر رومانطيقي حاد، عنيف، رقيق، نقي، وغامض، ظلت جذوة الثورة الملتهبة والمتجددة في قصائده النثرية، كأنه في العشرينات من عمره . عاش أحياته في العقود الأخيرة بعزلة تامة ..عزلة الأنقياء ـ كما يسميها عبده وازن ـ فكان ينام في النهار بعيداً عن الصخب وضوضاء الشوارع، ويسهر في الليل إلى أن يطلع الفجر وتزقزق العصافير، يقرأ ويكتب ما يعانيه من آلام ومشاعر وأفكار وأحلام ويقدم نمطاً شعرياً غير مسبوق، رافضاً التسويق الإعلامي والمساومة في سوق النخاسة الشعرية والمشاركة في الندوات الشعرية والأدبية والأمسيات الثقافية.

أنسي الحاج من مؤسسي الحداثة الشعرية مع بداية ستينيات القرن الماضي، شارك مع كوكبة مضيئة من الشعراء والمبدعين العرب، وفي طليعتهم :"علي احمد سعيد (أدونيس) ويوسف الخال وشوقي أبي شقرا "وغيرهم، في احداث ثورة في اللغة الشعرية باختيار قصيدة النثر كتعبير عن الحداثة الشعرية بعد أن كان نظام التفعيلة الذي فرض نفسه على أيدي بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري، وشكل ثورة الحداثة الشعرية.

أنسي الحاج وريث المدرسة السوريالية، وظّف جمالياتها في سياق قصيدته وجعل منها أساس معماره الشعري الذي بقي يتجدد ويعلو يوماً بعد يوم منذ ديوانه "لن" ومروراً بـ"الرأس المقطوع" و"ماضي الأيام الاتية"و"ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة" ثم أخذت هذه النبرة تخفت شيئاً فشيئاً في "الرسولة بشعرها الطويل" حتى شهدت انحساراً واضحاً في "الوليمة" التي جاءت بعد انقطاع شعري دام أكثر من عشر سنوات، فنراه في هذا الديوان يميل الى الاختزال واستخدام تعبيرات ذات مسحة رومانطيقية معطوفة على لغة نثرية واضحة وجلية.

أنسي الحاج شاعر بلا خطيئة، بنقاوة البلور وطهر العذارى، وشاعر الحب بامتياز، جعل المرأة كياناً يختزن البعد الإنساني بأكمله، ويرى فيها مصدراً للوحي ومؤشراً للبقاء،وعلامة الديمومة،تحتفظ بنبض الكون وشرارته، المثال والنموذج، الميلاد والطهارة، الرغبة والعفة، وتجسيداً للعبث الناتج عن جدلية الموت والحياة.. فيقول:

كما أنا جذورك أنت حريتي

وكما أنا الذاكرة

أنت موقظة الكلمات في كهوف الذاكرة

وكما أن الصقيع نارك، النار صقيعك

ناديت لاعناً جمالك

وها أنا أغرق فيه

ألوت بي ابتسامتك

كما يلوي البرق في السحاب

الدهر انزاح عني

كل الاعمار لهذه الأنفس

ولا عمر لها

ميثاق الوهم ميثاقي

طيري بي ولا تلقيني

نظرتك تفصل بين حياتي وموتي.

 

أنسي الحاج يتدفق بالوهج العاطفي ويعطي القصيدة ثراءها وخصوبتها، ويحفر في اللغة بأزميل كلماته الغاضبة الثائرة المتمردة، وشماً ونقوشاً من لهب ونار، والشعر في نظره بمثابة المقدس الذي لا يمكن تدنيسه. ومنذ صدور ديوانه الأول"لن" وهو مصلوب على صلبان حبه وكده وأمله وحلمه فوق كتفيه وفوق الرق واليراع متسائلاً في نهاية ديوانه" الوليمة":

تريدون شعراً،

ومتى كان الشاعر يكتب شعراً

تريدونه في سره في تأليفه

تريدون تلك الظلال، وذلك التجديد

وتريدون الرموز والاشكال!

والموسيقى والصور!

اذهبوا اخرجوا من هذه الغرفة

كان شعر، ولم تكن عفوية

وكانت عفوية، ولم يكن شعر

وكان الشعر والعفوية فظل مكان

مكان اللا الامام

جائع

جائع

جائع تسمعون جائع

واصبحت الطعام

أصبحت طعام الحب.

 

انسي الحاج شاعر امتلك المكان وأطل على الوجود وكتب قصيدة النثر كتعبير عن نوازع القلب البشري الانساني، وسعى دائماً الى تقطير لغته وتنقيتها كي يغدو أكثر ألقاً وعمقاً وأبعد أثراً، وهو ذلك الصوت النادر الذي انبثق من"لن" ليزيح ركاماً هائلاً من الأصوات الشعرية المستنفذة التي أنست الى السليقة والتلقائية، فأحببنا قصيدته التي يضفي عليها نوعاً من الغرابة والدهشة والحيرة واللذة، وتتسم بالتدفق العاطفي والإضافات الفنية التي أغنت تجربته الرائدة، فله الوداع وسلاماً على روحه .

 

شاعر يغرد خارج السرب

عندما تقرأ شعر محمود درويش وتسبح في بحوره يخيل إليك أن الرجل يحنّ إلى وطنه كلما ضاق به الأمر واشتد وحينما يعبّر عن ذلك الشعور بكلمات توهم الآخرين أن الرجل يعيش حالة الفلسطيني المضطهد المحتل، تزداد سخريتي من قامة من قوائم الشعر العربي، وتزيدني قناعة أنه لم يكن يوما يدافع عن القضية الفلسطينية بعمق وإخلاص، قال قصيدته المشهورة التي يرددها كل من تعرض وطنه للاحتلال والابتزاز من المستعمر والمحتل، وطني يعلّمني حديد سلاسلي عنف النسور ورقة المتفائل ويصف فيها معاناة الأسرى الفلسطينيين الذين يقبعون وراء القضبان مكبّلين بالسلاسل والأغلال وهم يبتسمون في الحياة، تلك الصورة أحرجت إسرائيل وغاضتها كثيرا لأنها تعبّر عن الصمود والتحدي.

لكن قصائد محمود درويش حينما نقرؤها تبعث في أنفسنا الحماس وتحرك في جوانحنا نوازع التصدي والتحدي والصمود وكأننا نعيش تجربة الفلسطيني المحاط بحفنة من الجنود اليهود وهم يتكالبون على ضربه وتعصيب عينيه وتكبيل يديه وربما رجليه لئلا تصدر منه أي حركة فهو بطل بين مجموعة من الخفافيش تخاف من ظلها ومرتعبة من قوة الرجل أو الطفل الذي يحمل حجارة ليصوبها نحو سيارة جيب عسكرية مضادة للرصاص لا للحجر فقط بينما أفواه البنادق والرشاشات مفتوحة في صدور الفلسطينيين، وأيدي اليهود اللعينة على الزناد لا تتورع عن الضغط عليه في أي وقت تريده لإزهاق روح بريئة كما فعلت بالشهيد البطل المغوار محمد الدرة والكل يتذكره كيف استشهد في حضن أبيه وهو ينزف دما حتى فاضت روحه وانتقل لجوار ربه والعرب يتفرجون عليه في الشاشات ولم يحركوا ساكنا آنذاك فابتلاهم ربهم على صنيعهم بأنواع البلايا والامتحانات.

سقت هذه المقدمة لأعبر عن مدى حزني لما يحصل للفلسطيني الإنسان من انتهاك صارخ لحقوقه واعتداء سافر على ممتلكاته ولا مبالاة من منظمات حقوق الإنسان التي لا تنبش الا في الحرام ولا تجري الا وراء سراب، فالشاعر الكبير محمود درويش عاش فترة من عمره كالملوك يأكل أطيب وأشهى المأكولات ويبيت في أفخر البيوت ويدثر بأنواع الحرير ويلبس أفخر الثياب ولا يمكن أن تقابله إلا بموعد مسبق وقد يرفض في أي وقت، حاول أحد الصحفيين إجراء حوار معه وهو في بلده جاء زائرا، رفض لقاءه ولم يعره اهتماما بل قال إن وقته ثمين، ثم إن التكبر باد على وجهه حينما تراه لا يجلس الا مع من يريد، ومن يعطيه ومن معه مصلحة، ذلك هوشأنه في الحياة فكيف سيشعر بآلام الفلسطينيين؟ وما شعره إلا وظيفة اتخذها ليدخر الملايين، فهو يركب أفخم السيارات ويتجول بحرية في بقاع العالم ويعقد الصفقات والأمسيات، ولا أدري ما يجري في الكواليس، من يشعر بمعاناة شعبه لا يفعل ذلك في حياته احتراما لهذا الشعب الأبي الذي يذرف الدموع كل يوم أسى وحسرة لأنه لا يجد ما يأكله، ولا ما يشربه أو يلبسه، وإنما يتمظهر أمام العالمين أنه شاعر الملايين المعذبين ولكن حقيقته وحياته أثبتت انه متورط في كثير من الأحايين، ترك وطنه وشعبه يتألم ويعاني الأمرين يتلظى بنار الفقر والجوع والقنابل المدوية فوق رأسه وهو ينام بكل هدوء حتى لا يخطئ في حرف من قصيدته.

هناك فرق بين من يعيش الألم ويبدع وبين من يبدع ويغرد خارج وطنه وكأن الأمر لا يعنيه فانظروا إلى الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي كيف عاش التجربة وناضل من أجلها، جاء شعره مدويا، قويا بارعا، تحدث عن كل شيء وتغنى بكل شيء وعاش معاناة التونسيين أيام الاحتلال الفرنسي وأعلن تحديه للمستعمر عندما قال ألا أيها الظلم المستبد حبيب الظلام عدوّ الحياة

سخرت بأنّات شعب ضعيف وكفك مخضوبة من دماه

وسرت تشوه سحر الوجود وتبذر شوك الأسى في رباه

أفمن كانت كلماته من القلب إلى القلب، لها معاني استنهاض الهمم وأصحاب العزائم لتقف في وجه العدو المحتل الغاصب كمن كانت كلماته لا تعدو أن تكون مطية لفائدة أعم.

 

أستاذي وعالم الاجتماع: الجيلالي اليابس

moamar habarمقدمة التلميذ: "نقول: نحن علماء الاجتماع". بهذه العبارة المدوّية، يبدأ محاضرته في علم الاجتماع، ويردّدها من حين لآخر، بل ظلّ يردّدها على مسامع طلبته طيلة السنوات 1986 – 1990، وما بعدها .. إنّه أستاذي وعالم الاجتماع: الجيلالي اليابس، رحمة الله عليه.

1. كمال الجسم.. من تمام العلم

كان طويل القامة، تزيده وقفته بهاءً وجمالا، متناسق الجسم، وكأنّه رُسم رسما. لايعرف الانحناء ، إذا تحدّثت معه، عليك أن تظلّ رافعا بصرك إليه، خاصة إذا كنت من ذوي متوسط القامة.

 

2. من حَسُنت هَيأته .. حَسُن علمُهُ

طيلة أربع سنوات ، لم يأت مساءً بملابس الصباح، ولم يأت غدا بملابس اليوم. فكان يغيّر طيلة هذه المدة، ملابسه ومحفظته، وحذاءه، صباح مساء. فكان وهو الأستاذ: يتفوّق على الشباب في الرشاقة والأناقة، لِمَا أوتي من جسم متناغم، وبراعة في مزج ألوان وأشكال اللباس.

 

3. فن إلقاء المراجع

يبدأ دائما محاضراته، بتقديم المراجع الخاصّة بالمحاضرة المعنيّة بالإلقاء، دون غيرها من المحاضرات. وميزة هذه الطريقة، تكمن في كونها يستوعب الطالب مراجع المحاضرة، ويستطيع أن يعود إليها في حينها. وبإلقاء المحاضرات، يتحصّل الطالب على مجموعة هائلة من المراجع. فكانت طريقة أستاذي، أفضل من حيث ترسيخ المراجع، وتشويق الطالب إليه، ودفعه للبحث عنها وقراءتها، وتلخيصها، ونسخها.

بينما أساتذة آخرون كانوا يقدّمون مراجع السّنة في أوّل محاضرة، فلا يستطيع الطالب استيعاب المراجع، إما ينساها لأوّل مرة، أو يسأم من البحث عن الكم الذي قدّم له، بل حتى الأستاذ الذي قدّمها لن تبقى في ذاكرته.

 

4. لغة أستاذي .. و لغة مالك بن نبي

الأستاذ الجيلالي اليابس، أبدع في اللّغة الفرنسية، نطقا وتأليفا، ولا يضاهيه أحد في هذا الجانب. ولكن رغم ذلك، كان يبذل أقصى ماعنده ليقدّم المحاضرة باللّغة العربية الفصحى، وكانت يومها المحاضرات تقدّم أغلبها باللّغة الفرنسية. وأبدع في خلق مصطلحات عربية فصحى، تُنسب إليه وحده، ويعجز المعرّبون عن الإتيان مثلها. فكان ينطق المصطلحات باللّغة العربية الفصحى، وينطقها نطقا سليما، ثم يترجمها إلى اللّغة الفرنسية، فينطقها بنطق يأسر قلب صاحب الضاد ، التي مازال رنينها يراقص الأذن إلى اليوم.

 

ولم أجد مثالا يضاهيه في هذا الشأن إلا الأستاذ مالك بن نبي، رحمة الله عليه. كان بن نبي، آية في اللغة الفرنسية، تفوّق على أهلها وأصحابها، تفوقا لاينازعه فيه أحد. وكانت كتبه الأولى باللّغة الفرنسية، ثم تُرجمت إلى اللّغة العربية. ولكن بعد استرجاع السيادة الوطنية، عزم أن يكتب باللّغة العربية، فكان أوّل كتاب له باللغة العربية، هو: "الصراع الفكري في البلاد المستعمرة". وتكاد تجزم حينما تقرأ الكتاب لأول مرة أنّ الكتاب مترجم، وما هو بمترجم، لكن الجهد الكبير الذي بذله بن نبي في ميدان اللّغة العربية، هو الذي جعل كتبه التي كتبها باللّغة العربية، لاتقلّ شأناً ودقّةً وجمالا عن الكتب التي ترجمت له.

ونفس المسار ينطبق على الأستاذ: الجيلالي اليابس، فقد أبدع في اللّغة العربية، وفي نحت المصطلحات، حتى أمسى مدرسة تنسب إليه مصطلحاته. وهو المفرنس حتى النّخاع، والمتقن للّغة الفرنسية إلى حد الكمال والإبداع.

 

5. الوطني الحاضر .. والمحلي الغائب في الأستاذ

محاضرة الأستاذ هي بين لغة عربية فصحى عالية المستوى من حيث المصطلحات العلمية الدقيقة، وبعض المصطلحات باللّغة الفرنسية الرفيعة جدا، والتي تحتاج إلى تركيز شديد لفهمها وهضمها. ولا يتحدّث العامية، التي تميّزه من ناحية المنطقة.

فلو درست عنده أربع سنوات، لاتستطيع أن تعرف من أيّ منطقة جزائرية هو، ويكفي في ذلك متابعة هذه القصّة التي مازالت راسخة رسوخ الجبال، رغم مرور 28 سنة ..

طلبت من الأستاذ أن يعيرني كتاب، سبق أن ذكره ضمن المراجع، التي يقدّمها في بداية أيّة محاضرة. وبعد أن قرأت الكتاب، حاولت أن أعيده للأستاذ، فلم أجده. وبعد اللّقاء بالأستاذ قلت له: أحضرت لك الكتاب في المرّة السابقة، ولم أجدك. فقال ، بلهجة وهرانية: وَاهْ .

فعلمت حينها، وحينها فقط، أنّه من الغرب الجزائري، ولولا هذه الحادثة لما عرفت أنّه من المنطقة الفلانية أو تلك. والسبب في ذلك: أنّ حديثه إما باللّغة العربية الفصحى، أو اللغة الفرنسية العالية المستوى. فأنت مجبر، أن ترفع مستواك إلى القدر الذي تستطيع، لكي تنال منه ماتستطيع، ولو كنت معه على قارعة الطريق.

 

6. الأستاذ الوزير

عيّن الأستاذ الجيلالي اليابس وزيرا للتعليم العالي، أثناء التسعينيات. وكانت فترة التسعينيات: فترة عصيبة مرّت بها الجزائر، زهقت فيها أرواح، وانتهكت أعراض، وخرّبت بيوت، وهجّرت عائلات، وأحرقت مباني ومزارع.

وتشاء حكمة ربّك، أن يُغتال غدرا، وتفقد الجزائر والأمة العربية جمعاء، شمعة كان من المفروض أن تبقى تضيء الكون ، وتحميه من الظلمات، وتخرجه إلى النور. ولكنه الغدر والهوان، حينما يسفك دماء، من قدّموا دماءهم لهذا الوطن العزيز.

 

7. كلمة حق

هذه كلمات صادقة، حان وقت بعثها، وإخراجها من سجن الصدور، ذكرها تلميذ، ظلّ معجب بأستاذه، طيلة أربع سنوات. ويرى لزاما عليه، أن يكتب أسطرا في حقّ أستاذه، لعلّه يكفّر بذلك عن ما فرّطه في جنب من تعلّم عنه، أدب العلم، وعلم الأدب.

رحم الله ، أستاذي وعالم الاجتماع: الجيلالي اليابس. وأسكنه الفردوس الأعلى. ونفعنا بعلمه، وغفر لنا فيما قصّرنا في جنبه.

 

من باريس الى سجون صدام

faeq robeiذكرى انتصارٍ ورحلةِ كفاحٍ وجهادٍ امتدت على مدى ثلاثة عقود حينما كان د. فوزي حمزة في باريس معارضاً سياسياً لنظام صدام المقبور، وفي مثل هذا اليوم السادس عشر من شباط 1986 قامت السلطات الفرنسية بإعتقاله لمدة أسبوع، وكانت سابقة خطيرة وغير مسبوقة في التاريخ الفرنسي، أن تقوم الحكومة الفرنسية بإعتقال وتسليم معارضاً عراقياً الى نظام صدام المقبور، ولقد تعرض في حينها إلى أشدّ أنواع التعذيب النفسي والجسدي من أجل النيل من عزيمته وثباته وبتالي النيل من ثبات وعزيمة المعارضة الأسلامية العراقية، فكان صموده اسطورياً في مواجهة جلاديه، مما أعطى فرصة كبيرة للمعارضة العراقية للتحرك على المستويات كافة عراقياً وعربياً وعالمياً، من أجل تحريره وإطلاق سراحه من مخالب السلطة الدكتاتورية ووحشيتها وسجونها، وبالفعل جرت جهود كبيرة وإستنائية، قامت بها منظمات الدفاع عن حقوق الانسان ومنظمات دولية وحقوقية اخرى، تعاونت بمجموعها بالتسيق والعمل مع قوى المعارضة العراقية من أجل أطلاق سراحه وعودته إلى باريس، وبالفعل تحقق ذلك الحلم المستحيل، ولأول مرة يسجل إنجازاً وإنتصاراً للمعارضة العراقية على دكتاتورية وتسلط النظام المقبور، فكان أطلاق سراحه وإعادته إلى باريس، فرحة عارمة للشعب العراقي، تجلّت حرارتها في تبادل التهاني ولكن بعيداً عن أعين السلطة، وكان ذلك تقديراً من الشعب العراقي   لقيمة هكذا إنتصار، وفي الوقت الذي امضى د. فوزي حمزة أكثر من سته أشهر من التعذيب والتنكيل في سجون صدام ، والتي طالت بمجموعها أغلب أفراد اسرته وأبناء عمومته وأفراد عشيرته، وتجلت من خلال الفصل من دوائر الدوله أو الإعتقال والسجن، ومعه هذا كله استمر د . فوزي حمزة على نهجه وثباته و اصراره في العمل الدؤوب من أجل أسقاط الدكتاتورية وخلاص الشعب ليكون الشعب العراقي سيد نفسه، وحراً في اختيار ممثليه من الكفاءات الوطنية والعلمية، والمشهود لها بذلك حرصاً وتفانياً ونزاهة ًوأخلاصاً من أجل بناء دولة المواطنة الصالحة وتأصيل أرادة التغير، وتمر علينا هذه الذكرى ونحن بأمس الحاجة لليدِ البيضاء الأمينة على العراق أرضاً وشعباً لتكون المثال في النزاهة والاخلاص لوطنها وشعبها، ومرشحنا لهذه المهمة د . فوزي حمزة عن محافظة واسط، والذي باركت ترشيحه كل شرائح أبناء محافظته واقضيتها من النعمانية والصويرة والحي والعزيزة وكذلك النواحي والقصبات، والمتمثلة بالنخب المثقفة والوطنية والسياسية والفنية والمستقلة وكذلك العمال والفلاحين والكسبة وكل أبناء العشائر والقبائل الكرام، من ربيعة، وزبيد،وشمر، وكل الغيارى من أبناء مجتمعنا العرقي الأصيل، ونحن نتضرع لله عزوجل دعاءاً له بالتوفيق والسداد .

 

فائق الربيعي

16/ 2/

 

عن بعض العراقيين الذين مرٌوا بموسكو (2) .. 70 عاما على العلاقات العراقية – الروسية

استمرارا للحلقة الاولى من مقالتي – (عن بعض العراقيين، الذين مرٌوا بموسكو...)، اتوقف هنا - في الحلقة الثانية - عند سياسيين شغلا اماكن حساسة ومهمة في تاريخ العراق المعاصر، وارتبطت طبيعة اعمالهما تلك بموسكو، واظن ان التوقف عندهما في الذكرى السبعين لاقامة العلاقات العراقية – الروسية شئ مفيد ويستحق التأمل وربما يمكن ان يضيف شيئا – ما الى معرفتنا وذاكرتنا، والاسمان حسب تسلسل الحروف العربية هما – صالح مهدي عماش و عبد الوهاب محمود .

ض. ن.

 

صالح مهدي عماش – واحد من الاسماء السلبية والسيئة في تاريخ العراق الحديث. ولد في بغداد عام 1924 وفي بعض المصادر 1925 وتوفي في هلسنكي بفنلندا عام 1985 عندما كان سفيرا هناك وفي ظروف غامضة. لا تهدف مقالتنا دراسة مسيرة هذا الشخص بشكل عام وما أداه من ادوار سلبية وما ارتكبه من اعمال رهيبة منذ 14 تموز 1958 و خصوصا عندما شغل منصب وزير الداخلية في انقلاب 8 شباط الاسود 1963 وصولا الى منصب وزير الدفاع بعد 17 تموز 1968 الى حين نقل خدماته (تخلصا منه وابعادا له !!!)الى وزارة الخارجية سفيرا للعراق في موسكو من عام 1971 ولغاية 1974، ونتوقف قليلا هنا بالطبع ارتباطا بموضوعنا . النقطة الاساسية التي نريد التحدث بشأنها، ان عماش اصدر خلال هذه الفترة الزمنية كتابا بعنوان – (موسكو عاصمة الثلوج)، وهو السفير العراقي الوحيد في موسكو الذي وضع كتابا عن هذه المدينة، وقد اصدرته وزارة الاعلام العراقية ضمن منشوراتها. يتضمن الكتاب معلومات كثيرة وغنية وايجابية عن موسكو والاتحاد السوفيتي بشكل عام . من المعروف ان عماش كان نظريا وتطبيقيا من اشد المعادين للافكار الماركسية، لهذا فقد أثار كتابه هذا الكثير من الاسئلة لدى القراء، اذ لا يمكن لشخص بهذه المسيرة والعقلية ان يتحول من معاداة الشيوعية وافكارها قلبا وقالبا كما يقولون الى نصير وداعية لها ومؤيد لما قامت به الدولة السوفيتية من انجازات، وقد التقيت عام 2006 بالدكتور خليل عبد العزيز في اربيل، والذي عمل فترة في سكرتارية الاكاديمي السوفيتي غفوروف – رئيس معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم السوفيتية والشخصية السياسية المعروفة بعلاقاتها القريبة مع احمد حسن البكر شخصيا والذي زار العراق عدة مرات، وقال لي د. خليل ان عماش تقدم بكتابه هذا الى غفوروف ليطلع عليه ويبين رأيه بشأنه، وقد اخبره غفوروف ان الكتا ب بحاجة الى تعديلات واضافات وان عماش وافق على ذلك، وهكذا تم تشكيل لجنة في المعهد اعادت كتابته من جديد وادخلت كل الافكار والارقام السوفيتية الرسمية بشان مسيرة الاتحاد السوفيتي ومنجزاته، وعندما سألته وكيف وافق عماش على كل تلك الاضافات، اجاب انه لا يعرف التفاصيل، ولكن الكتاب ظهر في بغداد فعلا كما تم اعداده في معهد الاستشراق السوفيتي، وروى لي د . خليل، انه سمع في اوساط معهد الاستشراق اقاويل تشير، الى ان عماش اراد ان تطبع وزارة الاعلام العراقية هذا الكتاب طبعة ثانية نتيجة نفاذ الطبعة الاولى ولكن طارق عزيز وزير الاعلام آنذاك قال لعماش انه لم يطلع على الكتاب في حينه ووافق على طباعته رأسا احتراما لعماش و ان صدام حسين اطلع على الكتاب ولام ، بل وانٌب طارق عزيز على نشره لكتاب يحمل دعاية هائلة للافكار السوفيتية، ولهذا لم يوافق طارق عزيز على اعادة طبع الكتاب. ولا ادري (وكذلك الدكتور خليل لا يدري) صحة كل هذه الاقاويل ولا دقٌتها، ولكني اؤيد ان مضمون الكتاب جاء فعلا مقاربا لما كانت تكتب المصادر السوفيتية حول الاتحاد السوفيتي، وان هذا المضمون لا يتناسب مطلقا لا من قريب ولا من بعيد مع افكار عماش وعقليته ومسيرته السياسية ولا حتى مع مستوى معرفته ومعلوماته وثقافته، ولم يكتب عماش اي كتاب آخر عن باريس التي كان فيها سفيرا بعد موسكو لمدة سنتين (1974 و 1975) ولا عن هلسنكي التي كان فيها سفيرا للفترة من 1975 ولغاية وفاته عام 1985

...................

 

عبد الوهاب محمود – اول سفير عراقي في موسكو، اذ تم تعينه بعد 14 تموز 1958، بعد ان كانت العلاقات العراقية – السوفيتية تكاد ان تكون شكلية تقريبا، اذ انها من المؤكد قد قامت نتيجة تنسيق عراقي – بريطاني عام 1944 نتيجة لمسيرة الحرب العالمية الثانية، ثم خضعت لسياسة الحرب الباردة، ووصلت الى حد قطع العلاقات بعد قيام حلف بغداد، ولم يكن هناك سفير عراقي في موسكو طوال تلك الفترة بل قائم باعمال، اي من 1944 لغاية 1958، وهكذا اصبح عبد الوهاب محمود اول سفير للجمهورية العراقية في الاتحاد السوفيتي للفترة من 1959 الى 1962 . لقد اختار عبد الكريم قاسم كما يقال شخصيا عبد الوهاب محمود ليكون سفيرا في موسكو نظرا لاهمية هذا الموقع الدبلوماسي الحساس للعراق الجمهوري في تلك الفترة، وكان عبد الوهاب محمود متفرغا طوال حياته للمحاماة (اصبح وزيرا في حكومة توفيق السويدي عام 1946)، وقد انتخبوه نقيبا للمحامين عدة مرات، اذ كان النقيب العاشر (1950 – 1953) ثم الثالث عشر (1958) وهكذا تم تعيينه سفيرا في موسكو بموجب عقد عمل لمدة ثلاث سنوات، وهو اول سفير يتم تعيينه بهذه الطريقة حسب علمي المتواضع، وقد رفض عبد الوهاب محمود تمديد ذلك العقد بعد انتهاء فترته رغم محاولة اقناعه بالتمديد، ورجع الى بغداد حيث انتخبوه نقيبا للمحامين (النقيب السادس عشر) من عام 1968 لغاية 1971 . لقد نجح عبد الوهاب محمود في عمله سفيرا وكانت العلاقات العراقية – السوفيتية مزدهرة جدا، وقد ساهم بشكل فعال بكافة المفاوضات وتوقيع الاتفاقيات بين الدولتين، وتعلم اللغة الروسية، ولا زال اسمه موجودا في الكثير من الوثائق العراقية – الروسية وغالبا ما يذكره الباحثون والمؤرخون للعلاقات بين الدولتين وبكل احترام، ويمكن القول انه كان واحدا من أبرز السفراء العراقيين في موسكو عبر تاريخ العلاقات العراقية – الروسية بشكل عام، بل ان نجاحه هذا قد ادٌى الى التفكير بتعينه وزيرا للخارجية من قبل عبد الكريم قاسم الا ان اعتراض امريكا وبريطانيا حال دون ذلك (انظر مقالتي المنشورة في عدة مواقع بعنوان – حوار مع هاشم جواد).

 

 

حركة الأنصار الفاشلة (4): أرهاب القيادة وبداية التهيئات لمؤتمر الحزب الوطني الرابع

لم أعط في الجزء السابق بما يكفيه رغم أهميته لأن الكثير منه يتعلق برفاق كانوا قد أستشهدوا وعندما أتحدث عن الأنتهاكات فأن ذلك يتطلب الأدلة والأثباتات .. لذلك سأبقى في الأطار العمومي للتحليل مع أخذ البعض من الوقائع المعروفة .. فقد كانت مخططات التصفية في بشتاشان وتهيئة النزوح الجماعي الكبير للقاعدة الحزبية، وحملة الأعتقال وممارسة التعذيب الجسدي والتحقيقات البوليسية الشاملة كانت أرضية مناسبة للتحضير لشرعنتها وتوطيد نفوذ العصابة القيادية وتوابعها في مؤتمر وطني تكون الغلبة فيه لهم وحدهم ... خاصة إن المندوبين لم يكونوا إلا من العناصر المختارة من القيادة فقط والبقية تم إحضارهم لأعلان تنحيتهم من هناك.

وقد جاء في وثيقة تقييم حركة الأنصار (في هذه المرحلة ايضاً برزت جملة ظواهر اثرت سلباً على حركتنا الانصارية. فقد اخذت تظهر عواقب احداث بشت اشان بالاقتران مع انتقال (اوك) الى خندق النظام الدكتاتوري، في الخلافات وتصاعد الصراع داخل قيادة الحزب، وبدأت نشاطات مؤذية من جانب تكتلات معينة، انسلخت في وقت لاحق: (بهاء ومجموعته) و( باقر ابراهيم ومجموعته)* في هذا التحليل كان الأتهام واضحا للمعارضة الداخلية ووضعها بنفس الدرجة الخيانية لأوك ولكنهم لم يضعوا كريم أحمد الداود بهذه الدرجة بتوقيعه إتفاقا مع أوك وهو في الأسر!! ولا يعرف رفاق الحزب من هم جماعة باقر أبراهيم ؟ فقد كان الرفيق باقر إبراهيم يقود التنظيم المركزي للحزب ولم تكن له جماعة .. لقد كان إرسالي لمهمتي الحزبية في الداخل بقيادة الرفيق أبو خولة (باقر إبراهيم) وكان الأكثر حرصا وإنضباطا ممن خلفه في هذه المهمة .. وأين هي الجماعة اليوم؟ لأذهب اليها وأنتمي اليها بدلا من عصابة عزيز وحميد وكريم أحمد وغيرهم.

وفي مكان آخر من الوثيقة التقييمية وفي تقييم الوضع ما بعد بشتاشان جاء (بعد الانتكاسة التي اصابت الحركة الانصارية في بشت اشان الاولى والثانية، حلت فترة مؤقتة قصية نسبياً من التراجع والارتباك جراء الاضرار الجسيمة التي لحقت بالحركة مادياً ومعنوياً، بدأ الانصار خلالها باعادة تنظيم انفسهم وحركتهم من جديد بما توفر لديهم من امكانات مادية وبشرية قليلة وبنكران ذات منقطع النظير وايمان بعدالة القضية التي حملوا من اجلها السلاح. وتواصل نشاطهم رغم همجية النظام والحصار المضروب حول مناطق الانصارحتى بدات الحركة بالانتعاش من جديد، فساهم الانصار في دعم واسناد الانتفاضة الطلابية في اربيل والسليمانية عام 1984 ولعبوا دورهم في حماية المؤتمر الوطني الرابع للحزب عام 1985) وبعد تعداد المعارك البطولية تنتهي الجملة ب (.. وحدث ذلك بعد رجوع اوك الى خندق المعارضة والذي ترك اثرا ايجابيا على مجمل الوضع والنضال الذي تخوضه حركة الانصارية)*

أي إن الأنتكاسة الحزبية وفقدان كوادر الحزب في بشتاشان تم تعويضها بخوض المعارك والحصول على الغنائم العسكرية ولكن أي ثمن بخس هذا ؟ وأية نتائج لهذه المعارك ؟ وأنا شخصيا ساهمت بجميع المعارك المذكورة في قاطع بهدنان وكانت عبارة عن تكرار للأستهتار بأرواح الرفاق .. ماذا تعني السيطرة على مطار بامرني ورباياه أمام فقدان أبو كريم مثلا ؟ من كان فرحا من الرفاق بهذا النصر؟ أو تحرير مانكيش حيث أستبيحت مساكن الأهالي وسرقت أموالهم وأثاث بيوتهم من قبل بيشمركة القوى الحليفة التي تحرص قيادة الحزب التعاون معها والتنسيق معها .. بل الخضوع لها . نزول المفارز القتالية للحزب الى مناطقها وخوض المعارك من جديد ضد السلطة هو نجاح كردي لم يكن له أفق عراقي و زيادة القوة التفاوضبة مع أوك تزكية لأوك وتفسير الأحداث بكونها أخطاء متبادلة (عسكرية) والنجاحات في المعارك وإزدياد العمليات العسكرية لم تصنع خلية حزبية صغيرة في أي مدينة عراقية بما فيها مدن كردستان نفسها .. أما إسناد الأنتفاضة في أربيل والسليمانية عام 1984 فهو مجرد كذب فقد كان من أهم أسباب فشل الأنتفاضة هو عدم مساندتها من قبل القوى الكردية المسلحة التي لا تؤمن بالعمل الجماهيري بتاتا ... وهو نفس تفكير القيادة الكردية الشيوعية حيث تبنت عملية حصر الحزب في الشريط الحدودي الكردستاني وفي النشاط الكردستاني العسكري .. لذلك فأنها لا تعتبر المجزرة في بشتاشان إلا خسارة بالأرقام وعدد المقاتلين أو عدد المسلحين وليست خسارة حزبية في عدد الكوادر الشيوعية العراقية .. فالخسارة في حساباتهم هي بشرية أثرت سلبا على نشاط المفارز القتالية !.

هذه المقارنة ذات طابع قومي ليست لها علاقة بقدرات الحزب الجماهيرية ومكانته .. فقد كانت نجاحات عسكرية في الشريط الحدودي وبسبب إنشغال الجيش وأنسحابه من هناك فقط.. وعند تعدد النتائج المطروحة يجري الحديث عن عودة أوك وأهمية أوك في الوقت الذي كان من المفترض إنهاءه بالكامل بعد إن لفضه النظام وبداية إنهياره الداخلي .. لا إنقاذ قياداته الفاشية .. كانت قيادة عزيز محمد حريصة على أوك أكثر من حرصها على الحزب .

وحريصة على الأجندات القومية الضيقة على حساب وجود ومستقبل الحزب ورفاقه .. كان أوك يستطيع تعويض خسائره بأيام قليلة من الملتحقين الجدد .. لكن هل كان الحزب الشيوعي يستطيع تعويض خسارته من الكوادر بسنوات وبمثل هذه القيادة؟

إن الجمل في وثيقة التقييم كانت قد حشرت حشرا .. لكي تصل الى إن المنجز رغم الأنتكاسات كانت عقد المؤتمر الوطني الرابع .. أي إعطاء الشرعية للقيادة الجديدة التي أكملت الأنتكاسات السابقة .. وقادته نحو التقسيم والتبعية المطلقة للقوى والأحزاب القومية الكردية. والسؤال كان ولم يزل من أين جاءت هذه القيادة ؟ ومن هو حميد مجيد الذي دخل الى كردستان قادما من أوروبا والكل يشير اليه بالسكرتير العام الجديد قبل عقد المؤتمر وقبل عملية الأنتخاب المزعومة .. وقبل ذلك كان يقيم المحاظرات عن البيرسترويكا والتحول الديمقراطي الجديد في الأتحاد السوفيتي ولم يفهم أحد منه شيئا !! هل هو مع أو ضد؟ لأننا كنا في عزلة عن العالم .. ولم نعرف إن الأتحاد السوفيتي قد تم الأستيلاء عليه من قبل الغرب والأمريكان ووكالة مخابراتها المركزية وما كورباشوف إلا أحد أدواتها وعملاءها .. وتم الألتفاف والسيطرة على مجمل العلاقات الدولية للأتحاد السوفيتي بما فيها علاقاته مع الأحزاب الشيوعية العالمية .. فهل كان حزبنا بمعزل عن هذه المؤثرات وهذه السيطرة الجديدة ؟ هل كانت قيادة الحزب تمتلك الأستقلالية عن توجهات الحزب الشيوعي السوفيتي ؟ هذه الأسئلة لم يتم الأجابة عنها حتى هذه اللحظة.

وهل كان الموساد مكتوف الأيدي ومتفرجا إزاء هذه المتغيرات وهو الذي كان ومازال يصول ويجول في كل الأحوال والمتغيرات سواء كان في دول أوروبا الشرقية أو في كردستان العراق .؟

سر العلاقة التي تربط عزيز محمد و كريم أحمد الداود وغيرهم من القادة الشيوعيين الأكراد بأوك هي روابطهم الخارجية المشتركة أكثر من علاقاتهم الوطنية أو القومية .. بينما تعامل أوك مع الحزب بروح قومية مفعمة بالحقد والكراهية وخاصة تجاه الرفاق العرب وحتى هذه اللحظة . أعوانهم في الخارج اليوم يعملون سوية وبشكل منظّم مع المنظمات الصهيونية لأثارة الكراهية ضد الجاليات العربية والعراقية وأستهداف البعض في عملهم وأرزاقهم أو تشويه سمعتهم .

.. وسيستمرون كذلك طالما لم يتقدم أحد بتقديم مجرمي بشتاشان الى المحاكم ولم يلقوا القصاص العادل.

بل بالعكس فالزيارات بين الأحبة القادة على خير ما يرام وكأن شيئا لم يكن ومجزرة لم تحصل .

إن النشوة بالنجاحات العسكرية لم تدم طويلا ومازال الحزب والقوى الكردستانية مجتمعة قبل نهاية الحرب العراقية – الأيرانية لم يحصلوا على أرض محررة وحتى الأراضي التي كانت على الشريط الحدودي لم تكن محررة أبدا ..

إن روح الأستهتار بحياة الرفاق وصل الى الحد الذي جعل مناطق تواجدنا عبارة عن ساحات قتال جبهوية وأصبحنا أهداف لهجمات النظام بالأسلحة الكيمياوية التي يجهزها له الغرب والشرق وأصبح رفاق الحزب مختبر تجارب لهذه الأسلحة المحرمة دوليا .. وكان رفاق الحزب هدف السلطة الأول في 5 حزيران عام 1987 تم قصف مقر الحزب في كلي زيوة قرب العمادية أي قبل حلبجة بأشهر حيث كان يتواجد في مقر قاطع بهدنان أكثر من 150 رفيق شيوعي .. كان قد تم تجميعهم في مكان واحد .. وكانت السلطة تعرف جميع تفاصيل حياتنا اليومية عبر عملائها المتواجدين بين ظهرانينا وكانوا يعرفون إن العشاء يبدء في ساعة محددة ويتم تناوله في مكان محدد وعلى ضوء هذه المعلومات تم توجيه ضربة جوية بالغازات السامة .. اصابت أهدافها بكل دقة .. الصدفة وحدها التي أنقذت رفاق الحزب .. وقد كانت مبارات كرة القدم وتجمع أغلب الرفاق في الساحة كمشجعين وتم تمديد المباراة ليتجاوز موعد العشاء وهو موعد وصول الطائرات و القصف الشامل وهو ما أنقذ الرفاق من مجزرة محققة .. كانت الخسائر شهيد واحد (أبو فؤاد) وبعد ذلك إستشهد (الرفيق رزكار) والأثنين كانوا من تنظيم الداخل و أصيب أكثر من 120 رفيق بحروق خفيفة وعمى مؤقت وثلاثة كانت جروحنا ثقيلة، أبو الطيب و أبو تغريد وأنا .

ويلاحظ إن الضربات التي توجه الى رفاق الحزب لم تكن طبيعية ووفق مجريات طبيعية لأعمال عسكرية بل تبغي دائما الأبادة الشاملة .. الطائرات التي وجهت الضربة كانت قادمة من تركيا .. رغم الأشارات المسموعة في الأجهزة اللاسلكية كانت باللهجة العراقية .. في اليوم التالي تم تسليم طيارين أنواط الشجاعة لطيارين في القاطع الشمالي من قبل صدام حسين .. وهي عملية أشبه باليومية ولا تدل على إثبات لشيء .. ولكن المؤكد هو التنسيق المشترك بين الأمريكان (في تركيا) والنظام العراقي في تحديد الأهداف وتوقيتها أيضا .. ماذا يعني الخامس من حزيران (ذكرى الأنتكاسة) مع قصف مقر الحزب الشيوعي العراقي؟ هل هو من أجل تبرئة ساحة الموساد في هذه العملية؟ أم كان لدى النظام البائد معلومات مخابراتية بعلاقة هذا المكان بالقضية الفلسطينية؟ لماذا لم تسع قيادة الحزب الى إستحصال المعلومات بهذا الصدد عند محاكمة صدام حسين؟ .. ولماذا لم تطالب المحكمة بذلك؟..

ومن جاء بالرفيقة سعاد (كاترين ميخائيل) لتكون شاهدة على الضربة الكيمياوية في محاكمة صدام حسين؟ وهي لم تكن موجودة في المقر حينذاك ولم تكن مصابة حتى وإن كانت موجودة فلم يكن لها أي دور يذكر في مساعدة الجرحى والمصابين كما لبقية الرفيقات من أدوار بطولية في هذا الحدث .. ومعلوماتها أيضا كانت خاطئة

وحتى إسمي كمصاب ذكرته بشكل خاطيء !! ..

 

وللموضوع بقية

11.02.2014

* http://al-nnas.com/BIBLTEK/ANSAR.htm

 

معلومات إضافية