المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

الكاتب محمد كمال جبر نورس فلسطيني آخر يودع الدنيا

shaker faredhasanفقدت الأوساط الأدبية والثقافية الفلسطينية، هذا الأسبوع، الكاتب محمد كمال جبر، احد نوارس الأدب والمسرح والكتابة للطفل في الوطن المحتل، ومن الأسماء البارزة في حقول الإبداع، الذي غيبه الموت اثر عارض صحي لم يمهله طويلا .

ينتمي محمد كمال جبر إلى الجيل الأدبي الفلسطيني الذي ظهر على الساحة بعد الاحتلال عام 1967، وساهم في تأسيس وبلورة حركة ثقافية وأدبية ملتزمة مقاومة وملتحمة بحركة الجماهير، جيل علي الخليلي واسعد الأسعد وجمال بنورة وأكرم هنيه وعادل الاسطة واحمد رفيق عوض وفخري صالح واحمد حرب وسامي الكيلاني وغيرهم الكثير .

عرفنا الراحل محمد كمال جبر من خلال نصوصه المسرحية التي كان ينشرها في المجلات الثقافية والملاحق الأدبية الأسبوعية الفلسطينية كالبيادر والفجر الأدبي والكاتب والشعب والطليعة، ومن خلال أعماله التي أصدرتها دور النشر الفلسطينية ومنها الكاتب ودار الأسوار العكية .

محمد كمال جبر من مواليد العام 1948 في كفر سابا، نزح مع عائلته وهو طفل إلى مخيم بلاطه بنابلس، فعاش تجربة المخيم، وعاني ما يعانيه أبناء المخيمات من بؤس وشقاء وقهر وفقر مدقع، وفيه أتم دراسته الابتدائية ثم أنهى الثانوية العامة في نابلس، وبعد ذلك التحق بالجامعة الأردنية وتخصص في الرياضيات، عاد بعدها للضفة الغربية ومارس التدريس في مدارس وكالة الغوث، وأسس بعد عودته مع مجموعة من مثقفي نابلس أول تجمع مسرحي فيها هو "مسرح الزيتون"، ووظف الفن المسرحي في خدمة القضايا الوطنية وخصوصاً في مرحلة الانتفاضة الأولى، ولكن المسرح أغلق من قبل سلطات الاحتلال بعد فترة وجيزة .

كان محمد كمال جبر من مؤسسي الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وبعد مجيء السلطة الوطنية الفلسطينية التحق باللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم وبقي يعمل فيها حتى تقاعده قبل سنوات .

عرف جبر بغزارة إنتاجه المسرحي وخاصة للأطفال والفتيان، وبعد تقاعده تولى رئاسة تحرير مجلة "وعد" الصادرة عن حركة التحرير الوطني الفلسطينية والمتخصصة بشؤون الأطفال .

صدر لمحمد كمال جبر مجموعة مسرحيات وقصص قصيرة للأطفال والكبار وهي: "لا بد أن ينزل المطر"، محاكمة الكبار، الذئاب والمدينة " – عن دار الكاتب في القدس عام 1978، و"شوال طحين " (مجموعة قصصية 1980)، و"زياد والعصافير" (قصة للأطفال 1980)، و"نعمة الحياة "، و"رقصة خلد" و"سقوط القلعة "، و"التحدي" و"فاطمه والقطة" (قصص للأطفال)، و"على باب السلطان " (مسرحية للأطفال) و"حريق الفصول" . وله أيضاً مجموعة شعرية بعنوان "حريق الفصول " صادرة عن منشورات اتحادات الكتاب العرب 1999، وكتاب "المثل الشعبي الفلسطيني " الصادر عن دار الجندي في القدس، الذي يقول عنه : " لا أنكر أن المثل الشعبي قد فتح نافذة للمعرفة عندي، فوجدتني أقرأ ما يقع بين يدي، من كتب حوله، وقد وجدت فيما قرأت نقصاً في الأمثال الواردة فيها، أو لنقل أن كثيراً من الأمثال التي كنت أحفظها لم تكن موجودة فيها، إضافة إلى أن بعضها كان يحتوي على أقوال، أو حكم، أو أحاديث دينية أو آيات من القرآن أو أسفار من الإنجيل . اعتقد أن هذا الكتاب استوفى معظم الأمثال الشعبية الفلسطينية الناجمة عن التجربة الجمعية الحياتية، وليس كلها فالمجتمع مليء بالأمثال الشعبية التي تحتاج إلى باحثين آخرين يكملون المسيرة كما كنت آمل بمشروعي الثاني الاستزادة في البحث وجمع قصة كل مثل " .

تتميز كتابات محمد كمال جبر بتنوع موضوعاتها وبغنى مضامينها، وارتباطها بالحياة الفلسطينية اليومية في ظل الاحتلال الجاثم، وتجسيد لها، وترتفع إلى مستوى المأساة فتلامس الجرح الكبير وتعكس الهم الوطني بفنية راقية . وشخصيات قصصه ومسرحياته مسحوبة من أرضية الواقع وتتلاءم مع الحدث وتنسجم معه .

محمد كمال جبر كاتب أصيل وملتزم مسكون بالهم والحلم والوطن الفلسطيني، ترك أثره المميز في حصيلة الفن المسرحي والكتابة للأطفال . كانت حياته قصيرة إذا قيست بعمر الزمن، غير أنها ضجت بعمق التجربة النضالية والتحررية الفلسطينية بغزارتها وثرائها، وحفلت بالعطاء الغزير والنشاط الثقافي والإبداع الأدبي .

رحمك اللـه يا أبا حسن، فالكل يشهد أنك كنت إنساناً نبيلاً وصادقاً ناكراً للذات، ووفاتك خسارة للحركة الأدبية الفلسطينية، وسنفتقدك في هذه الأيام الصعبة التي يمر فيها شعبنا، شعب الجبارين . نم قرير العين مرتاح البال، فالغد قادم وليل الاحتلال لا بد أن ينقشع ويزول ويبزغ فجر الحرية .

 

 

الى بلاد العم سام (3)

sahar alameriانتقلنا بسفينة صغيرة أخرى من جزيرة الحرية الى جزيرة إيليس "Illis Island" التي لا تبعد عنها كثيرا، وعلى الجزيرة هذه ينتصب بناء ضخم يذكر بقلاع القرون الوسطى، والبناء هذا هو متحف الهجرة الذي شيد من الخشب عام 1882م، كمحطة يعبر من خلالها المهاجرين الجدد القادمين الى الولايات المتحدة، ففيها تدون أسماؤهم، مثلما تجرى لهم فحوص طيبة كذلك، ولكن هذه المحطة احترقت تماما في 15 حزيران عام 1897م، ثم أعيد بناؤها من جديد، وعلى هيئته الحالية، وافتتحت في 17 كانون الأول " ديسمبر "عام 1900م.

ليس في المتحف من أثار تذكر سوى بعض الحقائب، والملابس، وجوازات السفر وغير ذلك، مما تركه القادمون وراءهم في محطة التفتيش هذه، ويضاف الى ذلك الكثير من الصور التي يعود تاريخها للأيام الأولى التي هبط فيها المستكشفون الأوائل على الأراضي الأمريكية، وأول هذه الصورة التي جلبت انتباهي، هي صورة كريستوف كولومبوس Christophorus Columbus المولود في31 تشرين الأول " أكتوبر " سنة 1451 م والمتوفي في 20 مايس " مايو " سنة   1506م وهو رحالة إيطالي مشهور، ويعد من أوائل المستكشفين للقارة الأمريكية، لكن اكتشافه لأمريكا الشمالية كان في رحلته الثانية عام 1498م .

ومع ذلك يعتقد أن (أبوبكر الثاني) إمبراطور مالي الأفريقية، التي كانت ذات ثراء فاحش بسبب من كثرة مناجم الذهب فيها، هو من سبق كريستوف كولومبوس في رحلته الى القارة الأمريكية، وذلك حين تخلى عن العرش لأخيه عام 1311م، وقام برحلة عبر فيها المحيط الأطلسي بعد أن جهز نحو 200 سفينة يصاحبها نحو 2000 زورق إضافي، وعلى هذا يكون أبو بكر الثاني قد سبق كولمبوس برحلته بنحو 200 عام، وقد أكد كولمبوس تلك الرحلة بمخطوطة كتبها بيده ذكر فيها أن الأفارقة سبقوه في الوصول إلى القارة الأميركية بدليل أن السكان الأصليين تعلموا كيفية صهر الذهب ومزجه بالمعادن الأخرى، وأضاف كولومبوس : إن تلك طريقة إفريقية خالصة، ومن غير المعقول أن يكون سكان أميركا تعلموها مصادفة . ويضاف الى ذلك أن كولمبوس قد ذكر كذلك أنه عندما وصل إلى العالم الجديد وجد أناساً يشبهون الأفارقة في أشكالهم وهيئتهم.

في العودة بسفينة صغيرة أخرى من جزيرة إيليس " Illis Island " الى محطة ساوث فري " South Ferry " نظرت الى ماء البحر الذي هو ماء خليج نيويورك وجدته داكنا، مغبر اللون على خلاف زرقة البحار المعهودة، وتيقنت أن هذا اللون يعود الى تلوث الماء في هذا الخليج، وقد يكون هذا التلوث سببا من أسباب قتل الأحياء المائية فيه، وهو سبب كاف ٍ، حسب اعتقادي، في عدم وجود أي طائر يحلق في سماء هذا الخليج، حتى تلك الطيور التي اعتدنا أن نراها دائما حاطة أو محلقة عند سواحل البحار مثل طائر النورس أو الغراب الأسود، ولكنني رأيت بعضا من العصافير على شجر التكي في حديقة صغيرة من الحي الصيني، كانت محل جلوس لأبناء الجالية الصينية من كبار السن نساءً ورجالا، يصرفون فيها ساعات من يومهم في لعب النرد أو الشطرنج، وقد ذكرني هؤلاء بكبار السن في العاصمة بكين، أولئك الذين يجلسون على ضفاف نهر صغير في منطقة ديامين من تلك العاصمة، ويصرفون وقتهم بلعبة من اللعب التي ذكرتها آنفا .

ومن الحدائق الأخرى التي زرتها هي حديقة براينت بارك " Bryant Park" التي حملت اسم الشاعر الأمريكي، ويليام كولين براينت " William Cullen Bryant، منذ سنة 1884م، والتي تقع ما بين الشارع 40 والشارع 42 في الوسط من مانهاتن، والشاعر المذكور ولد في 3 تشرين الثاني " نوفمبر " سنة 1794م، وتوفي في 12 حزيران " يونيو" سنة 1887م، وقد عرف عنه أنه كان مدافعا قويا عن المهاجرين الجدد، كما دافع عن العمال، وطالب باحترام حقوقهم في تشكيل نقابات عمالية تخصهم.

في الحديقة تلك شاهدت عرضا مسرحيا حديثا، يؤدي فيه الممثلون والممثلات حركات إيمائية، وهم صامتون دون أن ينبسوا بكلمة واحدة، بينما افترش جمهور كبير من المشاهدين أرض تلك الحديقة المعشوشبة كي يستمتع بهذه المشاهد، ويبدو أنها من تجارب المسرح الحديثة، فحركة كل ممثل وممثلة تجبرك على أن تفكر بما يريد هؤلاء الشبان والشابات أن يقولوه لك ولغيرك، وبلغة جديدة، والظريف في الأمر أن الجمهور كله كان يصفق لهؤلاء بحماسة شديدة، فهل كان الجمهور هذا قد فهم كل ما قاله هؤلاء الممثلون عبر اللغة الإيمائية التي عبروا فيها عن مضامين نصوص عروضهم؟ تساءلت أنا معي نفسي، وكنت جالسا في المقدمة منهم، وعلى الأرض مثلهم .

والحديقة الثالثة التي زرتها كذلك هي الحديقة التي قامت مكان برج مركز التجارة العالمي الجنوبي الذي دمر في هجوم الحادي عشر من شهر أيلول " سبتمبر " سنة 2001م، وهو البرج الذي يفضي له شارع المال الشهير، الوول ستريت " Wall Street"، وسعة الشارع وطوله لا يصلان الى الشهرة الكبيرة التي حظي بها، ولكن المنطقة التي يقع فيها تعد من أنظف المناطق في مدينة نيويوك، كما تصعد فيها بنايات وأبراج عالية على خلاف من المناطق الأخرى، يضاف الى ذلك أن شوارعها قد اكتست ببلاط حديث، جيد الصنعة والشكل، بل حتى عربات بيع وجبات الأكل السريعة تميزت بنظافتها عن بقية العربات التي تماثلها والمنتشرة في شوارع مانهاتن، والتي يقدر عددها في مدينة نيويورك بأربعة آلاف عربة تقف عند أرصفة الشوارع، أو عند الحدائق، وأغلب العاملين فيها، مثلما تبين لي من كلام أصحابها، هم من المصريين المهاجرين، هذا في الوقت الذي لم أشاهد فيه كناس شوارع في منطقة الشارع المذكور، ولكنني شاهدته في مناطق أخرى من مانهاتن، وهذا يدل على أن المهن القذرة، كما يسميها السويديون، والتي اختفت عندهم، لازال لها وجود في أكبر دولة رأسمالية في العالم .

في وسط الحديقة المذكورة، وبحدود مساحة البرج المدمر، على ما أظن، صنعوا بركة مستطيلة الشكل، وبعمق يزيد على أكثر من مترين، تتدفق من حواشيها مياه تصب في قاعة البركة، ثم سرعان ما تختفي، ويلف تلك الحواشي طوق من حديد مميز، كتبت عليه أسماء الضحايا الذين قتلوا في ذلك الهجوم، وكانت من بين تلك الأسماء أسماء لعرب كان أصحابها قد قضوا في ذلك الهجوم الرهيب الذي لا يعادله أي هجوم شن على الولايات المتحدة من قبل، حتى ذلك الهجوم الذي شنته الطائرات اليابانية على السفن الحربية الامريكية الراسية في الموانئ الأمريكية أبان الحرب العالمية الثانية.

المنطقة الأخرى التي زرتها بعد مانهاتن هي منطقة بروكلين " Breukelen " التي أخذت اسمها من مدينة هولندية بهذا الاسم، وذلك لأن المستعمرين الهولنديين هم من أسس هذه المستعمرة سنة 1646م، ولكنها دمجت في سنة 1898م مع نيويورك، وتعتبر ثاني أكبر مناطق نيويورك من حيث المساحة، ويقطنها حوالي مليون ونصف نسمة، ينحدرون من أصول مختلفة، حتى أنني وجدت حضورا عربيا واضحا فيها، فقد تناولت وجبة طعام شرقية في مطعم لبناني اسمه " طرابلس " فصاحب المطعم يرد في أصله الى مدينة طرابلس في شمال لبنان، وقد رحب بنا الرجل، بي أنا ومن معي، ترحيبا حارا، وحين قدم عمه الى المطعم أصر على أن يقدم لنا طبقا من حلويات لبنانية مجانا، وهذا على خلاف رجل عراقي صاحب حانوت باعنا ليفتين من تلك التي يستخدمها العراقيون في غسل أجسادهم في الحمام بسعر مبالغ فيه، هو خمسة عشر دولارا لليفتين، واللتين لا تستحقان من السعر غير دولارين اثنين لا أكثر .

حدثني واحد من الذين يرافقونني بأن الجرائم تكثر في هذه المنطقة، وقد أشار بيده الى سجن يتألف من طوابق متعددة، وهذه المرة الأولى التي أشاهد بها سجنا على هذه الشاكلة، ولهذا حرصت على تصويره بكامرتي التي أحملها معي، وبعد أن فرغت من التصوير انطلق صوت سيارة شرطة سرية كانت تطارد سيارة مشبوهة مع أن الليل كان في أوله، وصوت السيارة هذه دفع بالشخص الذي يرافقني الى القول : " الشرطة هنا يتركون سياراتهم في عدة نقاط من هذه المنطقة، ومن دون أن يكون أحد فيها، والهدف من ذلك هو إيهام اللصوص والمجرمين بأنهم يتواجدون على مقربة منهم .

ختمت رحلتي هذه بعد عدة أيام في العودة الى السويد من مطار جون إف كينيدي الدولي " John F. Kennedy International Airport " الذي يقع في مقاطعة كوينز " Queens" وهي واحدة من المقاطعات الخمسة التي تتكون منها ولاية نيويورك مثلما مر علينا ذلك من قبل، وكنت متجها هذه المرة الى مدينة فرانكفورت الألمانية بدلا من مدينة ميونخ كما في رحلة الذهاب.

الطريق الى المطار كان عكرا، وقد أثار تعجبي كثرة المطبات فيه، مثلما أثار تعجبي من قبل قلة ما يتقاضاه عمال المطاعم من راتب، فقد سألت أحدهم عن راتبه وراتب الآخرين الذين يعملون معه في المطعم ذاته، فأجاب أن الاجور هنا تتراوح بين 70 الى 90 دولارا لساعة واحدة، وبذلك يتراوح الراتب الشهري لهؤلاء العمال بين 1500 الى 2000 دولار شهريا، وهو راتب متواضع قياسا لمستوى الأسعار في نيويورك وفي ظل فجوة كبيرة من التفاوت الطبقي ما بين الفقراء والأغنياء رغم محاولات الرئيس باراك أوباما الخائبة في ردم تلك الفجوة من خلال منح الحكومة الأمريكية دورا في إدارة دفة الاقتصاد الأمريكي، وكأنه يريد من وراء ذلك الاقتراب من نظم حكم الاشتراكيين الديمقراطيين في بعض دول أوربا، ولهذا فقد شرع هو قانون صحي جديد " Obama Care " واستبدل التدخل العسكري في شؤون البلدان الأخرى بـ "مبدأ القيادة من خلف " مثلما عمل على تشجيع السياحة، وفرض ضرائب تصاعدية على أصحاب الدخول الكبيرة، وتشجيع الهجرة الى الولايات المتحدة، مع منح الجنسية الأمريكية للمقيمين في أمريكا بشكل غير شرعي، وغير ذلك مما يلاقي معارضة شديدة من قبل الكثيرين من زعامات الحزب الجمهوري الذين يشكلون الأغلبية في الكونغرس " البرلمان " الأمريكي .

 

رحل اموري

mohamad thamerرحل وكان يظن انه لن يرحل، كان يغمس اللحن في الفراتين فيخرج اللحن منتشيا ملبسا بالحزن والكبرياء، وكان يرجع الوتر في دواوين النخيل فينقلب الى النهايات مكتئبا متوحدا يرنو نحو البقاء مثل كلكامش.

ما عرفت أنامله الا الوتر زحفت عليه زحفا فحصدته في اوانه وانهال منها غير مكترثا معطرا برائحة الطلع والبردي وآلاف الاميال من الشط لا تعرف الى اين سياخذك ولكنك تدرك انك عراقيا في لحنه وتظل عراقيا وان باعدك الحزن او تجنبتك الكلمات تبقى حتى في طربك عراقيا ترقص مثل القصب واقفا شامخا،لاتدرك رقصه من جزعه واميمه من طبقات صمته المتعثرة بين جدران البوح في اقصى الارض.

رحل اموري وما ترك حنجرة في الفراتين الا وصعقها واستنفرها وخبرها وخبر راعيها فما ان تساله عن مطرب حتى يأتيك الرد سيفا قاطعا لا يلهيه قربه منه او اداؤه له كأنما تلمس كل هذه الحناجر مثلما تتلمس الريح وجه النهر .

رحل اموري وكان صوته مثل لحنه عراقيا شجيا يبحث عن الحزن ويقتفيه فان استدل عليه ساقه لك منغمسا فيك فلا تشك للحظة انك امام لحنا غير اللحن او وترا غير الوتر بل هو الوتر المنشود في لوحات الطين المدفون مع شبعاد قبل ان ينضج غدها.

رحل اموري سيد اللحن والكلمات وبقيت الحانه وبقيت اوتاره تندبه وبقى صوته يؤذن بالحزن كلما راق للحزن ان ينتشي وكلما زحف الفجر بجيل جديد وكلما تراصت الكلمات منحدرة صوب الفرات هناك حيث تموت وهناك تبعث من جديد وهناك يقال ان العصافير تتلتهم اللحن والوتر وتشيع الحزن حيث لاسبيل اليه.

 

عن بعض العراقيين الذين مروا بموسكو (9) .. 70 عاما على اقامة العلاقات العراقية – الروسية

هذه حلقة جديدة في سلسلة مقالاتي لمناسبة مرور 70 عاما على اقامة العلاقات العراقية – الروسية، وهي الحلقة التاسعة، وستكون مكرسة للمرحوم الدكتور عدنان شفيق الزبيدي احد خريجي الجامعات السوفيتية في ستينيات القرن العشرين، والذي توفي اثر حادث مؤسف حدث في عام 2005 عندما كان يقود سيارته الخاصة صباحا قرب بيته في بغداد .

 

المرحوم الدكتور عدنان شفيق الزبيدي: خريج كلية الزراعة في جامعة بغداد، وسافر الى الاتحاد السوفيتي في بداية ستينيات القرن الماضي، والتحق طالبا في قسم الدراسات العليا باكاديمية تيميريازوف الزراعية بموسكو وانهى دراسته هناك وناقش اطروحته بشكل ناجح و باهر، وهناك نكتة كان يحكيها العراقيون الذين حضروا مناقشته للدكتوراه، وهي لم تكن في الواقع نكتة بل حقيقة، اذ كان احد الاساتذة الروس الكبار في السن منبهرا من مستواه العلمي الجيد اثناء المناقشة فقال في كلمته اثناء تلك المناقشة وهو يمدحه، ان الزبيدي يجب ان يحصل ليس فقط على شهادة الكانديدات السوفيتية المعروفة والتي تعادل دكتوراه الفلسفة طبعا، بل وحتى على شهادة الماجستير، وذلك لان اسم شهادة الماجستير الاجنبية كانت – بالنسبة له - تمتلك رنٌة اجنبية باللغة الروسية وبالتالي كان لها نكهة خاصة ومتميزة بالنسبة للجيل السوفيتي القديم من هؤلاء المتخصصين السوفييت في ستينيات القرن الماضي، ولهذا اعتبرها اعلى من شهادة الكانديدات السوفيتية . عاد الدكتور الزبيدي الى بغداد وعمل في مجال اختصاصه وبشكل مبدع، وبرز في عمله، وتم ترشيحه للعمل في عدة منظمات عالمية باوربا في مجال اختصاصه، وشغل عدة مواقع متميزة في العراق، يرتبط قسم منها في زراعة النخيل، ثم احيل الى التقاعد لبلوغه السن القانونية، ولكنه استمر بعمله واختصاصه رغم ذلك، وارتبط بمؤسسة خاصة تهتم بزراعة المناطق الصحراوية، وقد كان متحمسا لهذه الفكرة، بل وحتى تم ايفاده الى فرنسا من قبل هذه المؤسسة لمتابعة هذه الافكار المتميزة بزراعة الصحراء، وكنت انا التقيه كثيرا في هذه الفترة في بغداد، وكتبت عنه في الصفحة الاخيرة من جريدة الجمهورية البغدادية، حيث كنت انشر بعض الاحيان في عمود صحفي يومي عنوانه (مدارات) والتي كانت تشرف عليه في حينها الصحفية العراقية المبدعة السيدة مريم السناطي، وكان عنوان مقالتي الصغيرة تلك هو – (بساتين في الصحراء)، وكانت هذه المقالة في عدة سطور ليس الا في نهاية الصفحة الاخيرة من تلك الجريدة، وتحدثت فيها عن عالم عراقي (لم أذكر اسمه طبعا)، يحلم بزراعة الصحراء ويتكلم عن ذلك الحلم دائما، ويريد ان يحول الصحراء الى بساتين مزدهرة ومزروعة و تنتج كذا الف من الباذنجان والطماطم والخيار والقثاء وبقية الخضراوات الاخرى و كذا الف من مختلف انواع الفواكه من مشمش وتين وكمثرى وبقية انواع الفواكه وكذا الف من البيض و لحم الدجاج والالبان بانواعها ووو...الخ هذه المنتجات الغذائية، وأشرت – وبشكل ما – الى ان بلدنا بحاجة ماسة الى تبني هذه المشاريع رغم انها تحمل روحا حالمة، او شئ- ما من هذا القبيل في زمن الحصار آنذاك في تسعينات القرن العشرين، وقد اطلع الدكتور عدنان الزبيدي بالطبع على تلك المقالة القصيرة جدا وكان معجبا بها وبروحها المرحة جدا والاشادة به شخصيا رغم عدم الاشارة الى اسمه، وفوجئت في اليوم التالي لصدور المقالة تلك بهاتف من جريدة الجمهورية الى كلية اللغات يطلب حضوري الى رئاسة الجمهورية شخصيا، وكنت آنذاك معاون عميد كلية اللغات، فطلبت من العميد ان يحاول الغاء ذلك لصعوبة الذهاب الى هناك واجراء المقابلة، وقد حاول العميد فعلا – وامامي - ان يتصل هاتفيا باحد المسؤولين الذين يعرفهم في الرئاسة لالغاء ذلك، ولكن الشخص الذي تحدث معه قال له انه ينصحه بعدم طلب ذلك، وان عدم الذهاب الى هناك يمتلك محاذير شديدة، وانه (ينصحه) ان يذهب هذا الشخص (اي انا) الى هذه المقابلة الضرورية على ما يبدو لأن الشخص الذي يطلبني للمقابلة مهم جدا . اضطررت للذهاب الى هناك وفي سيارة الكلية وليس بسيارتي الخاصة لمحاذير ذلك (وهذا ما نصحني به الاخرون من حولي)، وبعد اجراءات طويلة وعريضة ومعقدة جدا وصلت الى مدير الدائرة الزراعية في رئاسة الجمهورية – وهو وزير زراعة سابق -، وقد استقبلني سكرتيره الشخصي وسألني هل انت الدكتور الذي كتب المقالة تلك؟ فاجبته – نعم انا الذي كتبت المقالة، فقال لي – (لماذا ورٌطت نفسك بذلك؟) فلم افهم سؤاله وقلت له – باي شئ ورطت نفسي؟ فاجاب – ان الرئيس صدام حسين شخصيا قرأ المقالة وكتب بخط يده جملة – (من هو هذا العراقي؟) وعليه فانني يجب ان اجيب عن سؤال الرئيس هذا، وفي ذلك تكمن ورطتي، بل انه حتى تألم بشأني ومصيري، وعندما دخلت الى مكتب المدير العام استقبلني وكانت الجريدة بيده وطرح عليٌ نفس السؤال طبعا، فقلت له ان هذا الشخص موجود وهو خريج الجامعات السوفيتية ومتخصص في علم الزراعة ومتقاعد الان واسمه الدكتور عدنان الزبيدي ومستعد للعمل وتحقيق حلمه بزراعة الصحراء بواسطة حفر الآبار فيها وسقي المزروعات بواسطة الري بالتنقيط وفق حسابات علمية محددة ودقيقة يعرفها ويشرف عليها هو باعتباره متخصصا بذلك، ومستعد لتنفيذها، فسألني – هل تعرفه؟ فقلت له انني اعرفه حق المعرفة وهو صديقي، فطلب مني اسمه وعنوانه، فاعطيته الجواب بكل ثقة . خرجت من هذه المحنة الغريبة والعجيبة واتصلت رأسا بالدكتور عدنان الزبيدي واخبرته طبعا و بالتفصيل الدقيق بكل الذي جرى لي بسبب تلك المقالة، ففرح فرحا شديدا جدا، وقال انه مستعد للعمل من اجل تنفيذ ذلك المشروع . وفعلا، اتصلت به بعدئذ ادارة جريدة الجمهورية، وطلبت منه اجراء مقابلة صحفية تفصيلية معه حول ذلك، وتمت هذه المقابلة وتم نشرها في تلك الجريدة وبصفحة كاملة تقريبا ، ولكن الحاقدين على تلك المشاريع الرائدة والعلمية الكبيرة والمفيدة للبلد كانوا (ولا يزالون ومع الاسف) هم الاكثرية، ولم يسمحوا – طبعا – بنجاح تلك الافكارالتي تأتي من خريجي تلك الجامعات، وقد شعرت انا رأسا اثناء مقابلتي في دائرة الزراعة آنذاك بهذه الروحية، اذ أشار المدير العام بشكل غير مباشر طبعا ولكن واضح، الى ان دائرتهم بالذات هي الي يجب ان تقوم بتقديم هذه الافكار الى الرئاسة وليس (بعض المتقاعدين الحالمين من خريجي روسيا او دول اخرى)، وكان واضحا موقفه من كل ذلك الكلام، اذ المهم بالنسبة له انه هو وليس غيره من يقدم هذه المقترحات، بغض النظر عن مصلحة العراق طبعا و اهمية تلك المقترحات وقيمتها للشعب العراقي ومستقبله . وهكذا تم التسويف على كل تلك الافكار في حينها، ولم يستطع الدكتور المرحوم عدنان الزبيدي ان يحقق مشروعه الرائد ذاك .

في ذكرى غسان كنفاني .. عاشق البرتقال الحزين

shaker faredhasanتحيي جماهير شعبنا الفلسطيني وقواه السياسية والفكرية والأدبية والأوساط الثقافية التقدمية العالمية في الثامن من تموز من كل عام ذكرى استشهاد الكاتب والمبدع الفلسطيني غسان كنفاني، الذي اغتالته قوى الشر والظلام المعادية لحرية الإنسان وللفكر الثوري والطبقي التحرري، وتطرح هذه الجريمة النكراء قضية دور الأدب المقاتل في معارك الشعوب ضد الظلم والقهر والقمع ومن اجل التحرر الاجتماعي والاستقلال الوطني، إذ أن غسان كنفاني أرعب أعداء القضية والإنسانية بكتاباته السياسية والأدبية وبفكره الخلاق النيّر، وقد جاء اغتياله ليغيّب الفكر الوطني الديمقراطي الذي كان يؤمن به، وإخماد صوته الفلسطيني الصادق،

كان غسان كنفاني شخصية متعددة المواهب فكان صحافيا وقصاصا وروائيا ورساما وداعية سياسة وكاتبا للأطفال، وحياته لم تعرف الفصل بين القول والفعل، فكان كاتبا ملتزما بقضايا شعبه الوطنية والقومية والطبقية، ومناضلا سياسيا، ومدافعا عن حق شعبه الفلسطيني في الحرية والاستقلال، كذلك كان غسان مسكونا بالهاجس الفلسطيني، وقد عاش المأساة الفلسطينية وحمل جراح شعبه وآلامه وهمومه اليومية في أعماق قلبه وسكبها في قوالب فنية جميلة وأصيلة جاءت تجسيدا صادقا لواقع البؤس والشقاء والحرمان والظلم والقهر الاجتماعي الذي يعيشه الفلسطيني المشرد والمطارد في المخيمات الفلسطينية وفي جميع أصقاع العالم،

لقد أحب غسان الحياة حتى العبادة وعشق الأرض والوطن الفلسطيني، بسهوله وهضابه ووديانه وبرتقاله وزيتونه ورمانه ومدنه الثابتة،

وكان غسان كاتبا ثوريا بارزا مسلحا بالفكر العلمي الاشتراكي، ماقتاُ الشعارات الجوفاء الخالية من المضامين الثورية الحقيقية، مهاجما الانتهازية والانتهازيين، مقاوما الوصوليين والنفعيين ومتصديا للمرتزقة والمرتدين عن الخط الثوري اليساري، ولذلك أحبته الجماهير الشعبية الفلسطينية وحظي بتقدير رفاقه وشعبه وتياراته السياسية واتجاهاته الفكرية،

إن إبداعات غسان كنفاني لها طعم ونكهة خاصة وهي التعبير الأجمل والأشمل عن حياة ونضال وبطولات وتضحيات الشعب الفلسطيني ضد المحتل الغاصب، وشكلت القضية الفلسطينية المحور الأساسي في جميع كتاباته، ووقف غسان إلى جانب المسحوقين وأعلن انحيازه التام للطبقة الكادحة الثورية التي ستغير وجه التاريخ البشري،

وغسان كنفاني أول باحث يحصل على نماذج من الشعر الفلسطيني الرافض والمقاوم الذي أبدعته الأقلام الفلسطينية داخل الحصار، وقد اصدر دراسة شاملة حول الشعر المقاوم في أسرائيل مؤكدا فيها "أن أدب المقاومة يرتبط إلى بعد اجتماعي ويطرح ولاءه للطبقة الكادحة التي على أكتافها تعلن المقاومة بنادقها ومصيرها "،

إننا في ذكرى غسان كنفاني مدعوون إلى اعادة قراءة التراث الأدبي والفكري والروائي الذي خلّفه لنا والاستفادة منه، فهذا خير تكريم لهذا الإنسان الذي ضحى بدمه ووهب حياته لأقدس وأسمى قضية، قضية الاستقلال الوطني والتحرر الاجتماعي،

إن أعداء الكلمة مخطئون إذا كانوا يعتقدون بان اغتيال جسد غسان سيغيب فكره، فغسان كنفاني أول من قرع جدران الخزان وسيبقى في الذاكرة الشعبية الفلسطينية رمزا ومثالا يحتذى في المقاومة والصلابة والعطاء والإبداع الثقافي،

 

في الذكرى الثالثة عشر لرحيل شهيد الغربة الشاعر "عزيز السماوي" .. قصتي مع (أغاني الدرويش)

thamer ameenفي الثامن من حزيران عام 2001 رحل الشاعر العراقي "عزيز السماوي" الذي يعد واحداً من أبرز الشعراء المجددين في بنية القصيدة الشعبية العراقية ومناضلا تميزت سيرته النضالية بالصلابة والعناد المؤسس على اليقين، وترك لنا إرثاً مفعماً بالخلق والابداع والجمال، وقد كانت لنا مع الراحل محطات مازالت عالقة في الذاكرة تعكس رقة هذا الشاعر وطيبته، نتوقف عند جانب منها وفاءاً لذكراه الثالثة عشر .

في عام 1972 شارك الشاعر "عزيز السماوي " مع نخبة من كبار الشعراء العراقيين والعرب في مهرجان السماوة للشعر الشعبي الذي كان مقررا عقده في الديوانية ولظروف سياسية تم نقله الى مدينة السماوة، وفي ذلك المهرجان أنشد " السماوي " ولأول مرة قصيدته الذائعة الصيت " أغاني الدرويش " التي كانت مفاجئة لجمهور الشعر عندما تخلل القاء القصيدة بكاء الشاعر بشكل ملفت للنظر حيث كنت حاضراً تلك اللحظات وشهدت تفاعل الجمهور وتعاطفه مع محنة الشاعر في الرموز التي انطوت عليها قصيدته، وبعد اشهر قليلة من ذلك الحدث وتحديداً مطلع عام 1973 أصدر الشاعر ديوانه البكر وتوج عنوانه بإسم القصيدة المذكورة (أغاني الدرويش)، وقد كلفني الصديق الشاعر " السماوي " بتصريفـــ (10) نسخ من الديوان في المدرسة، حيث كنت حينها طالبا في إعدادية الديوانية ، وفي نفس اليوم انهيت المهمة بنجاح حيث سارعت الى توزيع النسخ على أصدقائي الطلبة واستيفاء اثمانها بسرية تامة اشبه بتوزيع المنشور السري، لكنني في اليوم الثاني فوجئت برئيس االلجنة الاتحادية ـ واجهة الحزب الحاكم ـ في الاعدادية وعدد من اعضائها يدخل الصف وبيده نسخة من " اغاني الدرويش "، ولسوء حظي فان أحد الطلبة ومن الاصدقاء الذين اقتنوا الديوان قبل ان يعرف الغرض من دخول هذا المسؤول الى الصف ومعه الديوان استعجل وانبرى قائلا (مانحتاج كلنا اشترينا الديوان) معتقدا انه جاء لبيعه مرة ثانية، في حين كان هذا ينوي معرفة المصدر الذي سرّب الديوان الى الاعدادية، وعندما سأله رئيس اللجنة الطلابية عن الشخص الذي باعه الديوان، أشار ـ بحسن نية طبعا ـ الي ّ، عندها طلب مني المسؤول مرافقته الى اللجنة وهناك جرى ماجرى وانتهت الجولة بفصلي اسبوع من المدرسة جراء قيامي ببيع ديوان" أغاني الدرويش " . ولماّ علم الشاعر " عزيز السماوي " بما جرى لي أبدى أسفه وتأثره الكبيرين وظل يشعر بالذنب مما لحق بي ومهتما بآثار العقوبة التي طالتني، وهو ما يعكس انسانيته العالية وشعوره المرهف بالظلم الذي يقع على الاخرين، لقد جسد "السماوي"في الكثير من أشعاره صدق مشاعره ونقاء سريرته :

روحي الك أصفه نهر .. وبمايه أسيسّ لك شمع

ياريت أعاشركم عمر ... حبكم بساتين وزرع

وكان بحق النهر الصافي الذي حملت امواجه مراكب ذكرياتنا الجميلة .

 

جليل كمال الدين وداعا ايها العبقري الذي لم يعرف قيمة نفسه

طلب مني المرحوم الاستاذ الدكتور جليل كمال الدين قبل حوالي عشر سنوات في بغداد ان اساهم بكلمة في حفل تكريم اقامته له وزارة الثقافة، فاشترطت عليه ان اتكلم عن جوانبه الايجابية والسلبية معا، فقهقه واجابني ضاحكا بانه يسحب طلبه هذا، واكتب اليوم هذه السطور ليس فقط بسبب طلب من صديقي الصحفي الاستاذ علاء المفرجي، ولا انطلاقا من القول الكريم المعروف – اذكروا محاسن موتاكم، بل اكتبها ايضا و فعلا من كل قلبي، لان جليل كمال الدين (1930 – 2014) كان جزءا لا يتجزأ طوال اكثر من خمسين سنة الماضية من مسيرة حياتي، منذ ان قرأت له مقالة في مجلة الاداب البيروتية المعروفة في الخمسينات، وذلك ايام العراق الملكي – عندما كنت انا تلميذا في المدرسة - عن معرض الفن العراقي الحديث و تحليلاته و اهمية لوحات جواد سليم وقيمتها وبقية الفنانين التشكيليين العراقيين الكبار في مدرسة بغداد الفنية، وعبر برقيته الشهيرة، التي اذيعت في صبيحة 14 تموز 1958 من اذاعة بغداد بتوقيعه وتوقيع رشدي العامل تأييدا لثورة تموز آنذاك وباسم ادباء العراق وقد استمعت اليها شخصيا عندها ولا زالت ترن في اذني، ثم نشاطه الثقافي الانفجاري الهائل والكبير بعد ذلك ومقالاته المتنوعة في الصحف والمجلات العراقية اليسارية واصداره – اظن مع ناظم توفيق – ترجمته عن الانكليزية لكتاب ماوتسي تونغ حول تفتح مئة زهرة، وعن ترجمته فئران ورجال رواية الكاتب الامريكي شتاينبك، ثم جاءت قضية اعتقاله من قبل سلطات عبد الكريم قاسم، وغضب الجواهري – رئيس اتحاد الادباء عندها - على قاسم نفسه وخصامه ومناقشته الحامية الوطيس كما يقال مع عبد الكريم قاسم وهو في اوج عظمته وتوهجه نتيجة اعتقال الكاتب جليل كمال الدين الذي اراد ان يقول في مقالاته بضرورة اعدام هؤلاء الذين يقفون ضد قاسم، وبقية الاحداث المعروفة لذلك الجيل المعاصر لتلك الايام ... وعندما سافرت من العراق عام 1959 للدراسة في الاتحاد السوفيتي، كان جليل كمال الدين الذي لم اتعرف اليه شخصيا – اسطورة ثقافية بالنسبة لي ليس الا، وقابلته في جامعة موسكو اوائل الستينات، وكنت عندها طالبا في الدراسات الاولية وكان هو طالبا في نفس الكلية ولكن في قسم الدراسات العليا، وهكذا بدأ تعارفنا واستمرت علاقات الزمالة والصداقة في قسم اللغة الروسية بكلية الاداب في جامعة بغداد ثم في كلية اللغات، ثم في منطقة سكننا المشترك في حي الكفاءات ببغداد والى حين افتراقنا قبل سنوات قليلة ليس الا، عند سفري الى روسيا عام 2006، وقد حاولت الاتصال به هاتفيا عندما علمت بمرضه في السنوات الاخيرة، وتحدثنا قليلا، ولكنه لم يستطع الكلام بشكل طبيعي آنذاك، وتابعت أخباره، وعلمت بوفاته وحزنت جدا لذلك . ان الكتابة عن جليل كمال الدين تتطلب التوقف عند محطات متعددة جدا ومتشعبة في الفكر العراقي المعاصر والاحداث السياسية التي مرت في بلادنا، منذ اعتقال شاكر خصباك في الحلة لان الشرطة اعتبرته جليل كمال الدين الذي كان لولب المظاهرات آنذاك، وعبر طرده من جامعة بغداد وسجنه لاسباب سياسية، ثم رجوعه للجامعة وتخرجه من قسم اللغة الانكليزية ثم سفره الى موسكو للدراسة والتي بقي فيها عشر سنوات ورجوعه مرة اخرى الى جامعة بغداد للتدريس فيها ثم دخوله السجن مرة اخرى ثم عودته للتدريس في الجامعة، وصولا الى رواية الاستاذة الدكتورة حياة شرارة (اذا الايام أغسقت) والذي كان جليل كمال الدين احد ابطالها السلبيين، هذه المسيرة الحياتية الغريبة جعلت من جليل كمال الدين شخصية غريبة ايضا وبكل معنى الكلمة، لا يمكن ان تخضع للمقاييس النمطية في مجتمعنا ابدا، والذي أدٌت به ان يكون غريبا في نفس مجتمعه، ومتفردا في سلوكه وتصرفاته، وموسوعيا في كتاباته . ان الكلام عن جليل كمال الدين يعني الحديث عن الادب العربي وشخصياته المعاصرة مثل السياب والبياتي، ويعني الحديث عن الاتحاد السوفيتي والفكر الماركسي والادب الروسي مثل غوركي وغوغول وايتماتوف، ويعني الحديث عن الادب الامريكي مثل شتاينبك وفوكنر، ويعني الحديث عن الادب الانكليزي مثل شكسبيروتاثير الفكر العربي عليه وانعكاسه في ادبه، ويعني الحديث عن تاريخ بغداد والتراث العربي، ويعني الحديث عن الفلكلور العالمي ودور الامثال والحكم فيه ومواضيع اخرى مختلفة جدا . لقد قال احدهم له مرة، انه لو كان الامر بيديه لحبسه في غرفة مريحة تتوفر فيها كل مقومات الحياة الطبيعية شريطة ان يستلم منه شهريا كتابا او بحثا في موضوع فكري يحدده هو وينفذه جليل كمال الدين، ويمكن القول بانه فعلا عاش في الربع الاخير من حياته هكذا، منعزلا في مكتبته الخاصة الغنية جدا بالمصادر العربية والروسية (هي اكبر مكتبة شخصية باللغة الروسية في العراق) والانكليزية متنقلا بين زواياها الفكرية المختلفة، وقد دخلت عليه مرة وهو هناك وكان مشغولا جدا بوضع فهرس لعناوين جريدة الثورة – لسان حال حزب البعث - في سجل خاص، فتعجبت من هذا العمل وقلت له ان هذه الجريدة تطبع ربع مليون نسخة ويجري توزيعها في كل مكان في العراق وحتى خارجه، فمن الذي يحتاج الى عملك هذا ؟ فلم يتفق معي وقال انه لا يعرف شخصا يقوم بهذا العمل الارشيفي التاريخي الذي سيحتاجه المؤرخون يوما ما، اما عن مذكراته اليومية والتي بدأ يكتبها منذ ايام دراسته في موسكو واستمر مواظبا عليها طوال حياته، فانها بحد ذاتها تصلح ان تكون مادة ثرة للدراسة، اذ انه كان يسجل فيها كل التفاصيل التي كانت تحيط به وماذا قرأ وماذا سمع وما الذي قال له فلان وفستان وماذا أذاع راديو بغداد ومحطة البي بي سي من لندن ووو كل هذه التفاصيل يوميا، ولم يكن يسمح لاي شخص الاطلاع عليها بتاتا، ويمكن القول ان هذه اليوميات كانت صديقه الوحيد الذي يتحدث معه بصراحة يوميا ويأتمنه ويسليه ويعكس مزاجه اليومي، وكم طلبت منه ان اطلع على بعض سطورها ولكنه رفض رفضا قاطعا . ان الحديث عن جليل كمال الدين يعني الحديث عن مأساة المثقف العراقي المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين الذي اضطرته الظروف الاجتماعية والسياسية للعراق ان يعاني الكثير الكثير ويصل بعض الاحيان الى حد انفصام الشخصية والانحدار الى قاع مظلم ومرعب من الكذب والخداع والنفاق والتظاهر بالاقتناع بما لا يؤمن به بتاتا والازدواجية والانشطار الذي يجلد الروح بسياط التعذيب النفسي، بل وحتى كتابة التقارير عن الاخرين . لقد كنت شاهدا على ما اقول الان، ورأيت كيف كان جليل يضحك ويرقص وكيف كان يبكي وكيف كان ينزوي بعيدا عن الاخرين ويتجنبهم . واخيرا اود ان اقدم للقارئ بعض المواضيع التي سجلتها في مسوداتي والتي اخطط لكتابتها عنه مستقبلا وهي - / جليل كمال الدين وغوركي / جليل كمال الدين والنقد الادبي الروسي في القرن التاسع عشر / جليل كمال الدين وغوغول / جليل كمال الدين وآيتماتوف / جليل كمال الدين والادب الروسي في العراق / جليل كمال الدين مترجما / رسائل الماجستير التي اشرف عليها جليل كمال الدين في قسم اللغة الروسية / وربما ستبرز مواضيع اخرى اثناء تنفيذ كل ذلك . وداعا يا جليل، ايها العبقري الذي لم يكن يعرف قدر نفسه ولا قيمتها، والذي كان يمكن ان يكون - كما قال الاستاذ الدكتور كمال مظهر احمد – شخصية فكرية موسوعية في العراق مثل سلامه موسى او العقاد في مصر، لو عرف كيف يتصرف ...

 

سيرة ذاتية لطارق نجم العبدالله .. المُرشّح لرئاسة مجلس الوزراء العراقي خلفاً للسيد المالكي

ما أن بدأ تسريب الخبر عن ان الدكتور طارق نجم العبدالله هو المرشح الى رئاسة الوزراء بديلا عن السيد المالكي حتى بدأت المواقع المجندة بالخوض في عملية التحريف والتسقيط المبرمج بحقه فأخذت تسرد الكثير من الاكاذيب، والمؤسف أكثر ان موسوعة الويكيبيديا تستقي المعلومات المغلوطة من هذه المواقع، وأتمنى على أصحاب المواقع مراجعة معلوماتهم بشكل جيد، لأنهم نشروا الكثير من المعلومات الخاطئة عن الرجل وعن شخصيته .

 

سيرته الذاتية المؤكدة . . .

- طارق نجم العبدالله السعداوي

- مولود في تموز من عام 1945 في إحدى قرى قضاء الشطرة في محافظة ذي قار في العراق .

- ينتسب إلى عشيرة السعداوي إحدى أكبر عشائر الشطرة .

- والده نجم العبدالله شيخ العشيرة وآلت المشيخة من بعده إلى أخيه موحان العبدالله شيخ العشيرة الحالي .

- أكمل دراسته الجامعية في كلية أصول الدين في بغداد التي أسسها السيد مرتضى العسكري .

- أشرف على بحثه للتخرج المرحوم الشهيد آية الله السيد محمد باقر الحكيم .

- انتمى في سنين دراسته إلى حزب الدعوة الإسلامية في نهاية الستينيات .

- غادر العراق سنة 1976 إلى مصر بعد حملة الاعتقالات والاعدامات التي طالت أعضاء الحزب .

- نال شهادتي الماجستير والدكتوراة من جامعة الأزهر في اللغة العربية .

- عمل في قسم اللغة العربية بجامعة الملك عبد العزيز في جدة في المملكة العربية السعودية من عام 1981 ولغاية عام 1986 .

- انتقل إلى جامعة الإمارات ليُدرّس فيها إلى سنة 1991. التي غادرها إثر إنهاء الإمارات لتعاقدها مع الأساتذة العراقيين بسبب غزو صدام للكويت متوجها إلى اليمن .

- عمل في كلية الآداب بجامعة صنعاء حتى عام 2001 وكانت تلك الفترة حافلة بنشاطه السياسي والاجتماعي للعمل ضد النظام السابق نظام صدام وحزب البعث ما دفع السفارة العراقية آنذاك في اليمن الى مضايقته وقد تعرض على إثرها الى محاولات اغتيال مارسها ضده نظام بغداد ومخابراته في الفترة التي تواجد فيها في اليمن .

- له عدد من البحوث والمؤلفات المنشورة في مجال اختصاصه وفي الفكر الإسلامي .

- أشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه وساهم في تأسيس عدد من الكليات والأقسام في جامعات مختلفة.

- حصل على درجة الأستاذية (بروفسور) في تخصصه سنة 1996.

- لايحمل أي جنسية أخرى غير العراقية كونه وصل الى بريطانيا في العام 2001 ولا يمكن بحال من الأحوال ان يحصل المرء على الجنسية قبل مرور ما يقارب خمسة الى ستة سنوات من تواجده على الاراضي البريطانية .

- ابنه منتظر عملا على المتاجرة بالنفط ولااعرف أن لأبنه منصبا غير وظيفته في احدى الشركات البريطانية كمهندس مدني ولم يعمل في العراق ولا في أي مؤسسة عراقية على الإطلاق .

- لم يتم إتهامه بأي ملف فساد من أي نوع ومن أي حزب او كتلة، أثناء توليه إدارة مكتب رئيس مجلس الوزراء

زكي الكرمي .. وجه في الذاكرة !

shaker faredhasanالمرحوم الأستاذ زكي الكرمي هو أحد عناقيد الدالية الثقافية الفلسطينية، حمل الشعلة، وتألق بحدته ووضوحه الفكري ومنطقه العقلاني. تمتع بفكر متوقد وثقافة عالية وبصيرة نافذة، وكان شاهداً على العصر. أضاء أمامنا الطريق الحالكة الى عالم الأدب الواسع والكتب التراثية والأدبية والفكرية والسياسية، وحثنّا على قراءتها والغوص في أعماقها لتوسيع آفاقنا المعرفية والثقافية وتطوير ذائقتنا الأدبية .

ينحدر زكي الكرمي من عائلة عريقة في طولكرم والضفة الغربية، هي عائلة الشاعر الفلسطيني الكبير عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، وكنا تعرفنا عليه في حانوته لبيع الأحذية بحي الميدان في أم الفحم، الذي تحول الى منتدى ثقافي وفكري وسياسي، ومجمع للخلان وغير الخلان، وشكل حاضنة لجميع ألوان الطيف السياسي والاجتماعي والثقافي .  وكان يلتقي في هذا الحانوت أهل الثقافة والأدب والفكر والعمل الوطني والسياسي وعشاق الكلمة والتراث، فيتجادلون ويتحاورون ويغوصون في بحور المعرفة والثقافة المختلفة، ويقضون اوقاتاً في النقاش وتبادل الأفكار ووجهات النظر وطرح المواقف ازاء القضايا الوطنية والاجتماعية والثقافية والمسائل الدينية، وكنا نستمتع ونحن نصغي الى احاديثه وأفكاره ومعتقداته الجريئة الشجاعة، دون أن يخشى لومة لائم .

 كانت المرة الاولى التي رأيت فيها المرحوم زكي الكرمي يوم الذكرى الأربعين لشاعر الوطن والبرتقال الحزين، ابن مصمص، راشد حسين، عندما وقف وقفته الشماء على المنصة ليؤبن راشداً، مستهلاً كلمته قائلاً : " ما أكثر الذين سألوني في ذلك اليوم المشهود قائلين : لم لم ترث راشداً ؟ . وأنا العليم بأن رثاء الحر على الاحرار حق ودين، فكنت أجيب وكيف تطلبون رثاء من لم يمت وما فارق ناظري طرفة عين . ها أنا قد جئت اليوم وجاء "راشد" معي ليسمع ما أقول، وليكون شاهدي على التزام الصدق في ما أقول. واني لاعترف سلفاً بأن حديثي ومعه كل الحديث لا يزيد مكانة راشد لأن الحديث عن العظماء لا بد وأن يترك التاريخ ولأبناء الاجيال، فكلمة الفصل من حق التاريخ وحده هو الذي يزن اعمال العظماء بميزان العدل والإنصاف وبعدئذ يكون من الواجب المحتوم على أبناء الأجيال التزام السير على الدرب التي سار عليها العظماء " .

ثم رأيته  واستمعت اليه في المهرجان التأبيني الضخم للشاعر أبو سلمى، زيتونة فلسطين، الذي أقيم في ناصرة الجليل يوم 22 تشرين أول عام 1980، وشارك فيه حشد واسع من أبناء شعبنا وادبائه وشعرائه ومثقفيه . وقد اعتلى المنصة ليقدم كلمة شكر باسم عائلة الفقيد، ومما قاله : " لقد كنت اعتقد وما زلت اعتقد بان كل شعب من الشعوب حين نراه يقدر جهود العاملين المخلصين من أبنائه وحين نراه يفيهم حقهم أحياءاً وأمواتاً فانه يقيم الدليل القاطع، على انه جدير بالحياة . ولقد رأيت خلال سيري الطويل على درب الحياة وها انا قد رأيت الكثير من جديد فكان كل ما رأيته أصدق دليل على ان الشعب الفلسطيني قد كان ولا يزال في طليعة الشعوب الجديرة بالحياة. وأضاف قائلاً : "ان الشاعر الكبير "أبا سلمى" قد نذر حياته للشعب الفلسطيني وللشعوب العربية في جميع اقطارها، فهو ابن هذا الشعب، وهو ابن الامة العربية المجيدة . لهذا كان لزاماً علي أن أقول ان نصيب كل واحد من الاحرار في هذه الامة بكاملها من الافراح، وفي المآسي والأحزان على السواء . أقول في الأفراح! لأن الشاعر العظيم الذي ملأ اسمه اسماع الاحرار في العالم كله، وهو الذي حمل علم الثورة في دنيا العرب قد غدا مع الخالدين وهذا من دواعي الفحر والاعتزاز. وقلت في المآسي والأحزان لان نهاية هذا الشاعر الثائر كانت خسارة أصابت الامة العربية بكاملها ".

زكي الكرمي شخصية اجتماعية وسياسية ووطنيه ونضالية، حفلت حياته بالمواقف الوطنية الجذرية الصلبة وخدمة قضية شعبه العادلة . كان له اهتمام بالكتابة،  ونشر بعضاً من كتاباته في مجلة "الفجر" المحتجبة عن الصدور منذ زمن بعيد، التي كان يحررها الشاعر الراحل راشد حسين . وهو من جيل عاني القهر والاحباط، ومع ذلك ظل قابضاً على المبدأ والموقف الوطني، مناضلاً بدون زيف وادعاء، صامداً بدون جعجعة وصخب ودعاية، انتزع الحياة من البؤس والفقر والموت . قضى نحبه منذ سنوات طوال دون أن يتذكره أحد، ولذلك فمن الضروري والواجب ان نستحضر ذكراه، ونستذكر كل الوجوه الفلسطينية  التي اكتسبت بعداً جماهيرياً وشعبياً وثقافياً، وساهمت في مسيرة نضال شعبنا وحركته الوطنية التخررية المكللة بالعطاء والتضحيات الجسام .

 

المفاوضات العراقية – السوفيتية حول تعادل الشهادات الجامعية .. 70 عاما على اقامة العلاقات العراقية – الروسية

هذه هي الحلقة الثامنة من سلسلة مقالاتي عن تاريخ العلاقات العراقية – السوفيتية لمناسبة الذكرى السبعين على اقامتها .                        

حدث ذلك في اواسط سبعينيات القرن العشرين في بغداد، حيث استدعاني عميد كلية الاداب في جامعة بغداد المرحوم الاستاذ الدكتورنوري القيسي واخبرني بان العمادة رشحتني لترجمة المفاوضات العراقية – السوفيتية، والتي ستجري في بناية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ولم استطع التخلص من هذه المهمة الصعبة رغم محاولتي الاعتذار عن القيام بها، وهكذا التحقت بالوزارة المذكورة، وكان رئيس الوفد العراقي الدكتور فوزي محمد سامي وهو المدير العام في الوزارة المذكورة، اما رئيس الوفد السوفيتي فكان السفير السوفيتي نفسه آنذاك، وكان الوفد العراقي يضم عدة اعضاء منهم الدكتور تحسين معلة الشخصية البعثية المعروفة (وكان آنذاك عميدا لكلية الطب في جامعة بغداد ويحل بمكان رئيس الجامعة عند غيابه)، اما الوفد السوفيتي فكان ايضا يضم عدة اعضاء ابرزهم السيد سوخين مدير عام في وزارة التعليم العالي السوفيتية ومسؤول دراسة الاجانب في الاتحاد السوفيتي آنذاك، وهو شخصية معروفة للعراقيين الذين درسوا في الاتحاد السوفيتي منذ الستينيات، واذكر ان بعض اعضاء الوفد العراقي كانوا يتهامسون فيما بينهم وهم يشيرون خفية اليه.

ابتدأت المفاوضات حول بعض الامور الروتينية ووصلت الى موضوع تعادل الشهادات السوفيتية في العراق، وهنا انبرى الحاج خميس العاني عضو الوفد العراقي ومندوب وزارة التربية العراقية وقال انه لا يعترف بمعادلة الشهادة الثانوية السوفيتية في العراق ويعتبرها اقل من الثانوية العراقية، لأن الفترة التي يقضيها التلميذ السوفيتي هي 11 سنة دراسية بينما يقضي التلميذ العراقي 12 سنة، وعليه فانه يقترح ان يكون التلميذ الروسي طالبا في الصف الاول من الجامعة كي يعترف بشهادته الثانوية وكونها معادلة في العراق للثانوية العراقية،و خلق هذا الطرح من قبل الحاج خميس العاني جوا متلبدا ومكهربا في مسيرة المفاوضات، واعترض سوخين على هذا الطرح، وقال انه من المعروف ان المدرسة السوفيتية تبدأ الدراسة وبانتظام منذ الاول من ايلول / سبتمبر، وحتى اواسط حزيران / يونيو وان ايام العطل اقل بكثير من ايام العطل العراقية وان العد النهائي للزمن الذي يدرس فيه التلميذ السوفيتي في نهاية المطاف يكون حتى في صالح المدرسة السوفيتية وليس العراقية، وان هذه المقارنة الساذجة تتعارض مع مبدأ التعادل العلمي الصحيح، الذي يجب ان يعتمد على المناهج المعتمدة قبل كل شئ، وبشكل عام فان مدارس معظم دول العالم معادلة بعضها للبعض بغض النظر عن هذه التفاصيل الصغيرة هنا وهناك . اقتنع الوفد العراقي بمنطق الجانب السوفيتي الذي طرحه سوخين، الا ان الحاج خميس العاني رفض ذلك رفضا قاطعا وأصر على موقفه السابق، وقد حاول اعضاء الوفد العراقي اقناعه ولكن دون جدوى، مما اثار سخرية الحاضرين من العراقيين والسوفيت بشكل عام، وهكذا وافق الجانب العراقي – رغم موقف الحاج خميس العاني – على معادلة الشهادتين، ولكن كل هذه الطروحات والمناقشات قد خلقت اجواء متوترة بالطبع، ثم انتقل المجتمعون الى النقطة الاساسية لكل هذه المفاوضات وهي معادلة الشهادات السوفيتية للدراسات الاولية، والتي كانت تمتد خمس سنوات او اكثر – حسب الاختصاصات – بعد السنة التحضيرية الخاصة بدراسة اللغة الروسية، اي ان مدة الدراسة تكون ست سنوات او اكثر، وكانت الجامعات السوفيتية تمنح شهادة الماجستير للمتخرجين الاجانب كافة، بما فيهم بالطبع العراقيين، الا ان الجانب العراقي رفض الاعتراف بهذه الشهادات باعتبارها شهادة ماجستير واعتبرها شهادة اولية جامعية ليس الا، اي بكالوريوس وليس ماجستير، واعتبر شهادة الكانديدات السوفيتية هي الماجستير وليس شهادة دكتوراه، وقد خاض العراقيون من حملة تلك الشهادة نضالا طويلا ومريرا جدا من اجل الاعتراف بشهادتهم هذه باعتبارها معادلة للدكتوراه عالميا، وقد استطاعوا فعلا معادلتها بعد جهد جهيد كما يقال، وعلى هذا الاساس، انطلق الوفد السوفيتي من موقفه لمعادلة الشهادة السوفيتية الاولية بالماجستير، ولكن الجانب العراقي رفض الطرح السوفيتي حول ذلك رفضا قاطعا، و تصدى الدكتور تحسين معلة للوفد السوفيتي ولسوخين بالذات، وطرح موقف الجانب العراقي حول ذلك، وبما ان الدكتور معلة كان طبيبا، فانه بدأ بالتهجم الشديد على الدراسات الطبية في الاتحاد السوفيتي، وقارنها بالدراسات الطبية الاخرى، بما فيها العراق، واعتبر ان مستواها اوطأ، وقد ادى هذا الكلام بالطبع الى توتر اشد في اجواء المفاوضات، وهنا اجاب سوخين، ان العالم الغربي يعترف بذلك، فكيف يرفض العراق الاعتراف، فاجابه معلة، ان العراق لن يعترف بذلك حتى اذا اعترف الغرب بهذا، وهنا اخذ سوخين يتكلم عن المستوى الصحي في الاتحاد السوفيتي، وقال ان هذا المستوى المعروف قد جاء نتيجة لمستوى التعليم الطبي في الاتحاد السوفيتي، وان المستوى الصحي في العراق معروف ايضا، وهو ايضا نتيجة المستوى العلمي في العراق، وان الفرق الشاسع بين المستويين هو الذي يشير الى مستوى الدراسات في البلدين . توتر جو المفاوضات جدا، واعتبر الدكتور معلة ان سوخين يهين التعليم العالي في العراق، واعلن رئيس الوفد العراقي ان العراق لن يوقع اتفاقية تعادل الشهادات بين الجانبين، وهكذا انتهت المفاوضات باصدار محضر جلسة ليس الا عن تلك الجلسات الطويلة من المناقشات بين الجانبين، وفعلا اوصل الدكتور معلة هذه المعلومات الى الجهات العليا العراقية، اذ لم يمر وقت طويل، واذا بالحكومة السوفيتية تنقل سوخين الى منصب آخر، وكلفته بتاسيس معهد خاص باللغة الروسية (وهو المعهد المعروف الان باسم معهد بوشكين للغة الروسية )، ويقولون، والعهدة على الراوي كما يقال، ان تحسين معلة اوصل تلك الاخبار الى الرئيس العراقي احمد حسن البكر،الذي كانت له علاقة قريبة معه، وقد اشار د. معلة فعلا الى رغبته بذلك بعد الجلسة تلك، وان احمد حسن البكر طلب من عزيز محمد سكرتير الحزب الشيوعي العراقي (كان حليف حزب البعث آنذاك) ايصال هذه المعلومة الى الجانب السوفيتي وعلى اعلى المستويات، وان هذا الجانب قرر- بعد ان اوصل عزيز محمد تلك الشكوى - نقل سوخين واخراجه من منصبه الذي شغله لفترة طويلة وكان ناجحا فيه وذلك في محاولة لتسوية الخلافات مع العراق، والتي حدثت اثناء تلك المفاوضات، وان الجانب العراقي كان راضيا على هذا الاجراء السوفيتي ولم يطرح موضوع اهانة التعليم العالي العراقي كما طرح الموضوع الدكتور معلة آنذاك وانما اغلق الموضوع ليس الا . هذا وقد التقيت السيد سوخين مرة في موسكو عندما كنت في زيارة لمعهد بوشكين للغة الروسية، ولكني لم اسأله بالطبع عن اسباب نقله لان الموضوع حساس جدا، واذكر انه سألني عن اخبار الدكتور فوزي رئيس الوفد العراقي آنذاك، فاجبته بانه بروفيسورمعروف في جامعة بغداد، وتأسفت بعدئذ– خصوصا عندما سمعت بخبر وفاة سوخين - لاني لم اسأله حول ذلك، اذ كان من المحتمل معرفة الاسباب الحقيقية لنقله .

حينما يختطف المنون فرحة ساري العبد الله يبقى تاج العنقاء للفنان طلحت حمدي

mohamad rashedمسلسل ساري العبد الله الذي جسد دور البطولة فيه الفنان القدير الخالد الذكر طلحت حمدي حقق نجاحات كبيرة ولما صدر قرار تكريم الفنان القدير حمدي توجهت إلى دمشق والتقيته أول مرة في فندق الشام يوم الاثنين 9/1/2006 وتحدثنا عن طبيعة التكريم واتفقنا معا لكتابة السيناريو له وكان فرحا واتفقنا في المرة القادمة نحقق احتفالية تليق ومنجزه الكبير وطلب أن تكون شبيهة باحتفالية الخالد الذكر سعد الله ونوس التي أقيمت يوم الاثنين 21/2/2005 في نادي غسان كنفاني/ مخيم اليرموك كون الخالد الذكر ونوس كان يحب هذا المكان. والتقينا مرة ثانية في دمشق أيضا يوم الخميس 5/7/2007 وكان برفقته شقيقه وكان يشبهه كثيرا وتحاورنا وعرفت منه أن والده ينتمي لقبيلة عراقية ومن أصل كوردي ، وسألته عن الفنانة أصالة نصري وتحدث لي عنها كونه صديق والدها الروحي وفي نهاية الجلسة اخبرني ان الوضع في سوريا فيه نوع من الحساسية وكان يخشى ان يحدث شيء ما خارج التوقعات.والمرة الأخيرة التي التقيته كان لقاء حميمي أكثر من كل مرة حيث اصر ان يدعوني الى احد الأمكنة التراثية في منطقة الشام القديمة مع إسرته زوجته وولده وابنته وكان يوم الأحد 6/5/2007 واخبرني بأنه وعائلته سعداء جدا بجائزة العنقاء سيما ان هذا التكريم جاء من العراق وكان من الأجدر أن يكرمه بلده ومن خلال أحاديثنا تم الاتفاق على أن تبدل نوع الجائزة من (قلادة العنقاء) التي تمنح عادة للمبدعين اللذين هم فوق سن الأربعين إلى (تاج العنقاء) كونه من (الرواد المتميزين)والمؤثرين في مجال الفن وان تاج العنقاء يمنح للرواد المتميزين حصرا ووعدني في المرة القادمة تكون الاحتفالية بحضور نخبة من أصدقاءه في المجال الفني لكن يد المنون خطفت الفرحة اعني فرحة التكريم التي خططنا لها سوية ، لكن الالتزام الثقافي والأخلاقي يدعوني أن التقي مجددا بعائلته لنحيي ذكراه وتكريم اسمه ضمن احتفالية تليق بمقامه كفنان متميز قدم للفن الشيء الكثير والمثمر .

قصة ساري العبد الله تتلخص بان الشيخ عبد الله الفاضل ينتمي لقبيلة الحسنه من المنابهة من عنزة وهو ابن الشيخ فاضل المزيد وهو أخ الشيخ مهنا الفاضل من مواليد شبه الجزيرة العربية عام 1200 هجرية وحينما ترأس والده الشيخ فاضل قبائل الحسنه والمنابهة في هجرتها إلى بادية بلاد الشام كان عبد الله الفاضل الملقب (ساري العبد الله) في مقتبل العمر فارسا لا يهاب شيء خصوصا انه ينتمي لقبيلة قوية وقيادة حكيمة وواعية لوالده وقد شهد بأم عينه قبيلته وهي تكتسح القبائل من طريقها بعد معارك دامية لصالحها دائما حتى تمكنوا من فرض سيادتهم على بادية الشام بأكملها وكان له دور قيادي كونه فارس قبيلته وابن شيخها الشجاع لكن في لحظه ما ينقلب كل شيء فيحصل ما لم يكن في الحسبان كونه أصيب بمرض خبيث ومخيف يدعى (الجدري) كان علاجه أشبه بالمستحيل لأنه يؤدي بصاحبه إلى الموت وكانت القبائل لشدة خوفهم من هذا المرض الخطير يبنون لمن يصاب به بيتا على أطراف مضاربهم ويعتزله الناس حتى أهله خوفا من العدوى ويختارون شخصا ممن اكتسب مناعة من هذا المرض ليعتني به ويحضر له الطعام والشراب حتى يوافيه القدر المحتوم وهذا ما حصل مع   ساري العبد الله فبنى له اهله بيت على مسافة من ديرته واعتزله أهله وبقية القبائل فراح يصارع المرض والوحدة والألم، ويأس الكل من شفاءه وبعدها اضطرت القبائل إلى الرحيل بحثا عن الماء والعشب وكان ساري في غيبوبه التي لا تسمح له بالانتقال معهم مما اقترح البعض عليهم بإبقاء خادم له يعينه على مصيبته وكلبه الوفي (شير) الذي كان يرافقه في رحلات الصيد ولكن الخادم لم يطق البقاء بجانبه وحيدا في وسط الصحراء وسرعان ما لحق قبيلته واخبرهم بأن ساري مات . وهكذا مضت الليالي عليه وحيدا كلما أفاق من غيبوبته تذكر نكران أهله وتركهم إياه فيزداد أنينه فينفجر الشعر على لسانه ومما ينسب إليه مخاطبته كلبه الوفي شير قائلا (هلي شالو على مكحول ياشير ... وخلو لك عظام الحيل ياشير ... يلتبكي وتهل الدمع ياشير ... هلي ماعاد لي منهم رجا).

وفي ليلة ظلماء هجمت عليهم الذئاب وأرادت أن تفترسه الا أن كلبه الوفي شير ضحى بحياته من اجل سيده ساري وجاءه مضرج بالدماء وجراحه البليغة التي انتهت بموته في حضن سيده مما ازداد اساه بموت رفيقه الوفي وراح وحيدا في الصحراء يتصارع مع مرضه الخبيث وآلامه التي تزداد يوما بعد يوم وغربته فانشد قائلا (هلي بالدار خلوني وشالوا ... وخلوني جعود بطن شالو ... على حدب الظهور اليوم شالو ... وحايل دونهم كور وسراب) ومرة ينشد (هلي بالدار خلوني رميماي ... مثل حيد معقل برميماي ... يا محي العظام وهي رميماي ... توصلني على حي الأحباب)

وبينما هو يصارع الموت والوحدة أرسل الله له رجل عابر سبيل له خبره بعلاج الإعشاب فعالجه وبدأت حالته تتحسن شيئا فشيئا حتى شفي من مرضه ولكن الجدري ترك أثره على وجهه مما تغيرت ملامحه بالكامل وقرر أن يعطي بيته والمؤن للرجل الذي عالجه وحمل ربابته وانطلق عاقدا العزم على عدم العودة إلى أهله أبدا واخذ يتجول بين القبائل على انه شاعر ساعده على ذلك تغير ملامح وجهه من اثر الجدري فلم يتعرف عليه احد وكان ممن وفد عليهم شيخ يدعى تمر باش فأقام ساري عنده فتره من الزمن متخفيا على انه شاعر يعزف على الربابة ولكن اعتزازه بنفسه وأهله كان قد اخذ منه كل مأخذ فانفجر الشعر على لسانه في إحدى الليالي بعد أن سمع كلاما لا يروق له ومما ينسب إليه من العتابا قوله مخاطبا الشيخ تمر باش ومفاخرا بأهله (هلي المالبسو خادم سملهم ... وبجبود العدا بايت سم لهم ... ان كان اهلك نجم اهلي سما لهم ... جثير من النجم علا وغاب).

هنالك مقولة دائما ارددها (أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد) لقد التقينا وخططنا ورسمنا أشياء جميلة خلال لقاءات ثلاث اعتبرها تاريخية ومثمرة وأتمنى أن تتم احتفاليته وسط أهله ومحبيه لأنني اشعر بـ(دين) أثقل كاهلي مؤكد سوف ينزاح عني بعدما اسلم جائزته لعائلته كونه التزام أخلاقي وثقافي علينا أن نفي به بحق فنان أكثر من مبدع وإنسان ملتزم لديه سلوك راقي ومتحضر ذكرني الفنان حمدي بلقاءات سابقة لي مع الروائي التركي يشار كمال والروائي الإيراني محمود دولت آبادي والفنان يوسف العاني والموسيقار غانم حداد والموسيقار فرات كزلتو والدكتور شيرزاد النجار والقاص جليل القيسي والكاتب جاسم المطير والقاص محمد خضير والقاص فرج ياسين واللبناني حبيب صادق ، هؤلاء المثمرون حينما تلتقيهم تشعر انك في حضرة قديسين وعندما يتحدثون تمطر السماء زهورا وعنادل وفراشات.

الى بلاد العم سام* (1)

sahar alameriفي اليوم السادس عشر من الشهر السادس من سنتنا هذه حملتني أجنحة الطائرة الألمانية "اللوفتهانزا" الى الضفاف الأخرى من المحيط الأطلسي، وقد كانت نقطة الانطلاق الى تلك الضفاف هي مطار مدينة ميونخ الألمانية الذي نزلته قادما إليه من مطار العاصمة الدانماركية، كوبنهاجن .

حطت بنا الطائرة بعد طيران متواصل، أخذ مساء ألمانيا وصباح وعصر نيويورك، على أرض مطار نيوآرك ليبرتي الدولي (Newark Liberty International Airport) وبحساب الساعات تقدر رحلة الطيران المتواصلة هذه بتسع ساعات قد تقل أو قد تكثر، يضاف لها بعض من الوقت، يتوقف فيه زائر تلك المدينة في حاجز جوازات المطار المذكور، وهو الحاجز الذي لم أطل أنا الوقوف فيه سوى دقائق معدودة .

من السويد كنت قد قمت بحجز سيارة إجرة، وغرفة في فندق كارتر (Hotel Carter) وحال وصولي الى ذلك المطار حملتني تلك السيارة الى الفندق المذكور الذي يقع بالقرب من ساحة تايمز سكوير "Times square" وهي ساحة تقع في مانهاتن الذي يعد من أشهر المناطق الخمسة التي تتكون منها مدينة نيويورك، والساحة تلك تقع عند تقاطع شارع برودواي "   Broadway" والشارع السابع. وقد سميت بالتايمز سكوير لوجود مبنى مكاتب جريدة النيويورك تايمز فيها سابقا.

أنا الآن في وسط ذلك الحي من تلك المدينة التي حملت اسم مدينة يورك البريطانية التي تقع إلى الشمال الغربي من انكلترا، وذلك بعد قيام تشارلز الثاني ملك انكلترا بمنح الأراضي فيها لأخيه، دوق يورك بعيد الاستيلاء عليها من قبل قوات الملك المذكور في أكتوبر من سنة 1664 حين طردت تلك القوات الهولنديين منها، بعد ذلك بدل الانجليز اسمها من " نيو امستردام " إلى "نيويورك"، ولقد كانت المدينة في الأصل موطنا لقبيلتين من الهنود الحمر هما : الجونغيان، الأروكيوس قبل الاستعمار الهولندي لها عام 1624م، ثم الاستعمار الانجليزي عام 1664م، وكان هدف هذين الاستعمارين يتجسد في الاتجار بثروات المستعمرة من الفراء والجلود. ولكن بعد ذلك ازداد عدد سكان المدينة نتيجة للموجات البشرية المهاجرة من أصقاع بعيدة عنها، فصار البعض من المهاجرين يقوم بإنشاء حي خاص به، فظهرت أحياء مثل المدينة الصينية، أو ايطاليا الصغيرة .

قبل وصولي الى نيويورك كنت قد قررت زيارة المدينة الصينية، وكذلك جزيرة الحرية التي ينتصب بها تمثال الحرية الشهير، وعلى عادتي قمت بشراء تذكرة تصلح لركوب قطارات الانفاق والحافلات لمدة اسبوع واحد من أقرب محطة قطار انفاق التي تسمى هناك بـ (Subway )، وقد دفعت لقاء ذلك واحدا وثلاثين دولار، وهي قيمة تلك التذكرة وللفرد الواحد .

في صباح اليوم التالي من وصولنا توجهت أنا وزوجتي من الفندق الى مطعم قريب، تناولنا فيه فطورا كلفنا عشر دولارات، ثم بعدها ركبنا قطار انفاق من ساحة التايمز الى شارع يدعى قنال ستريت (Canal Street) وهو الشارع الرئيس الذي يخترق الحي الصيني الذي يبدو لمن زار الصين من قبل أنه شارع من شوارع مدينة صينية، وليس شارع من شوارع نيويورك، فالبشر الذين يقطنون هذه الحي غالبيتهم، إن لم يكن كلهم، هم من أصل صيني، حتى لكأنهم حملوا قطعة أرض صينية بما فيها من حوانيت وأسواق وبيوت، وعبروا فيها المحيطات من ضفاف مغارب الأرض ثم الى ضفاف مشارقها، والعجيب في الأمر أن هذا الحي يكاد يخلو من البناء الشاهق مثلما جرت العادة عليه في الأبنية الصينية التي لا ترتفع كثيرا في الفضاء، وهذه العادة درج عليها ملوك الصين القدماء الذين حرموا على مواطنيهم بناء دور عالية تعلو على بيوتهم التي تتكون في العادة من طابق أرضي واحد في الأغلب، والذي يزور المدينة المحرمة في بكين العاصمة يلمس هذه الحقيقة لمس اليد.

كل ما تريده وتطلبه من صناعة صينية تجده في هذا الحي، بل زد على ذلك كل المواد الغذائية الصينية متوفرة فيه، وهي رخيصة السعر، فوجبة الفطور المتكون من الخبز والبيض وقدحين من الشاي التي كلفتنا عشرة دولارات عند ساحة التايمز كلفتنا في الحي الصيني ثلاثة دولارات ونصف الدولار، وكأن هذا الحال يشير الى عالمين : عالم الرأسمالية حيث التايمز سكوير، وعالم الاشتراكية حيث قنال ستريت، رغم أن هذين العالمين لا يفصلها عن بعضهما البعض سوى خمس محطات لقطار الانفاق الذي يحمل رقم واحد في الأغلب الأعم، وعلى الخط الملون باللون الأحمر على خارطة أنفاق مدينة نيويورك. وعلى ذلك يمكنني القول أن المدينة الصينية في مانهاتن من نيويورك ما هي إلا قطعة أرض حملت من الصين وحطت بالولايات المتحدة الأمريكية، وهذه الحقيقة عبرت عنها بائعة صينية حين ساومتها على شراء قميصا، طالبا منها تخفيض ثمنه فما كان منها إلا أن قالت لي : الأسعار هنا رخيصة جدا، فأنت الآن في السوق الصينية وليس في السوق الأمريكية !

هذه هي الحقيقة التي تبين بوضوح أن أمريكا ما هي إلا بلد مهاجرين جاءوا الى هذه الأرض من أصقاع قريبة وبعيدة عنها، وقد شكل هؤلاء المهاجرون قوة عمل عظيمة صعدت بها الرأسمالية الأمريكية على أرضها في بادئ الأمر، ثم عبرت بها كقوة امبريالية البحار والمحيطات، حتى صارت بوارجها وسفنها الحربية تجوب سواحل الأرض شرقا وغربا. كما أفرزت قوة العمل تلك علاقات اجتماعية بين مجتمع المهاجرين هذا لا تقوم على أساس من دين أو مذهب أو قومية، وإنما على أساس العمل ذاته، وما يفرزه من علاقات اجتماعية يكون السيد فيها المال والثروة، ويكون النقيض الكدح والفقر والتسول، فأنا نفسي ما شاهدت إلا كنيسة قديمة واحدة في زقاق ضيق على مقربة من شارع المال" Wall street " هي كنيسة " Trinity Church " مثلما شاهدت جامعا صغيرا يقع على قارعة الطريق الذاهب الى مطار جون كندي، ومثل ذلك لا يمكن لك أن تنافس الآخرين في مجتمع المهاجرين هذا على أساس قومي فتقول : أنا عربي ! ويقول الآخر : أنا تركي أو جرماني . فالمجتمع الأمريكي لم ينشأ من تكوين قبلي كما هي الحال في آسيا أو أوربا، وإنما كانت نشأته قد قامت على تجمعات زراعية أو عمالية، فلقد انصهرت الأعراق، والديانات، والمذاهب في مشروع زراعي أو في مشروع لمد سكة حديدية، وعلى هذا الاساس صارت نشأة مجتمع المهاجرين هؤلاء على أساس من علاقات العمل، وعلى أي طرف تقف أنت من علاقة العملية الانتاجية .

حدثني مهاجر لبناني هو واحد من مجتمع المهاجرين هذا قال : إنني أعجب من أن الناس في الشرق، وفي المنطقة العربية تتقاتل على أساس مذهبي، هذا شيعي وذاك سني، أليست هذه مهزلة ؟ تساءل هو ثم أضاف : انظر الى الناس هنا ! الكل متجه نحو العمل والانتاج، حتى أنهم يسخرون منا حين يسمعون من أننا نتقاتل بدوافع طائفية.

ثم في حانوت آخر سألني صاحباه المهاجران من المغرب العربي بعد أن عرفا أنني قادم من الشرق مثلما اعتقدا : ما الشيعة ؟ وما السنة ؟ لماذا هذا القتل المستمر عندكم ؟ لقد رأينا رؤوسا تقطع، وبيوتا تدكها الطائرات على رؤوس ساكنيها ؟

على بساطة التكوين الثقافي للمتسائلين خرجت بتصور هو أن هؤلاء الناس المهاجرين قد تخلصوا من أدران الشرق نتيجة لتواجدهم في مجتمع نشأ بصورة تختلف كلية عن نشأة مجتمعاتنا الشرقية التي قامت على أساس قبلي ثم بعد ذلك تغطت كل واحدة من تلك القبائل أو أفخاذ منها بخرقة من هذا المذهب أو ذاك . لكن سيظل التمايز الطبقي وليس العنصري هو المشكلة التي يعاني منها مجتمع المهاجرين هذا، فاذا كان شارع القناة المار الذكر يعكس واحدة من صور الفقر في هذا المجتمع، فإنك ترى صورة الغنى واضحة في شارع المال أو الوول ستريت ( Wall Street) والذي لا يبعد كثيرا عن الحي الصيني أو شارع القناة المذكور، والذي ترد تسميته الى الحائط الذي قام على أكتاف الزنوج الأفارقة حين أراد الهولنديون من وراء بنائه صد هجوم للقوات البريطانية وقت أن كانت نيويورك مستعمرة هولندية. ورغم أن الجيش البريطاني أزال هذا الحائط بعد انتصاره عام 1699م إلا أن الشارع ظل محتفظا باسمه.

 

................................

* العم سام : يعود اسم العم سام إلى بداية القرن التاسع عشر، وتحديدا إلى حرب سنة 1812م التي دارت بين أمريكا من جهة وبين بريطانيا وإيرلندا وكندا من جهة أخرى، وقد أخذ الاسم من اسم جزار محلي أميركي يدعى صموئيل ويلسون Samuel Wilson. وقد كان هذا الجزار يزود القوات الأميركية المتواجدة بقاعدة عسكرية بمدينة تروي الواقعة بولاية نيويورك، بلحم البقر، وكان يطبع براميل هذا اللحم بحرفي (U.S) أي الولايات المتحدة) إشارة إلى أنها ملك الدولة. فأطلقوا لقب العم سام على التاجر. فحرف U يرمز إلى   Uncle اي العم و S إلى Sam أي سام..

 

المهدي المنجرة .. أبدا اعتذاركم إليه لن يصل

mobarak abaeziمات المهدي المنجرة، مات حسرة على وطن جروحه استعصت على الاندمال، مات ميتة المثقفين، ميتة تلك المخلوقات الآدمية التي تعطي دون أن تنتظر مقابلا، مات كما يموت كل رجل عظيم، شامخا، وكبيرا، وبكثير من الصمت، وبقليل من الضجيج والفقاعات التي يحاط بها السياسيون عادة.

مات الرجل دون أن تصدر منه أنة استنجاد، فقد كان يعرف أنه أقوى، تماما كما كان في زمن قوته وقدرته، من كل غواية، ومن كل أشكال الإغراء، لأنه كان سيد المواقف التي لا تتململ، وصاحب المبادئ التي لا تشيخ، ورغم أن ذلك جلب عليه الكثير من الويلات، من قبيل منعه المتكرر من إلقاء محاضراته كما يذكر في كتابه "الإهانة في عهد الميغا إمبريالية"، وغيرها من المضايقات، إلا أنه كان كسائر المثقفين الجادين، مقاوما شرسا للضغوطات.

كان الرجل يفكر بكثير من الجدية في سبل إخراج بلدان العالم الثالث من التخلف الذي نخر بقايا الخلايا المتبقية من عقلية أبت إلا أن تداري قبحها بمساحيق زائلة، لكنه أدرك أن الأمر يحتاج إلى أكثر من قلم، وأكثر من حرب. ولابد أن تأخر بلدان العالم الثالث اقتصاديا هو من الأسباب الكبرى التي تجعل أي اجتهاد جديد، مهما كانت قيمته، يصبح غير ذي قيمة، تماما كما حصل معه عندما تحدث عن صدام الحضارات ولم ينتبه إليه أحد، فحتى عندما أفصح "صمويل هنتغتون" عن نظريته، أصبح الجميع يتشدق شرقا وغربا بهذا الفتح العلمي الجديد، متناسين أن رجلا فذا يتواجد بينهم، كان قد تحدث عن الأمر برصانة كبيرة، ولحسن حظه أنْ اعترف له هنتغتون بالسبق في مؤلفه "صدام الحضارات".

في حياته المهنية، كان يرفض تقلد المناصب السياسية، لأنه يعتقد أن ولوجها سيغير من شخصه كما حدث مع الكثير من أصدقاء النضال والطموحات الكبرى، لهذا بقي قابعا في الظل، رافضا لكل أشكال الظهور الإعلامي، بسبب من عدم استقلاليته التامة، فالقناة الثانية، تابعة لفرنسا، وتمول من قبلها لترويج نمط من السلوك وتسويغ أفكار معينة ونشر ثقافة ذات طابع خاص. وفي فترات كثيرة من حياته عرضت عليه مناصب سياسية كثيرة ورفضها، وكان يصرح في لقاءاته الصحفية بامتناعه عن الظهور في أية قناة مغربية حتى يتأكد من تمام استقلاليتها، وقد قال ذات حوار: «سبق لي أن شغلت مديرا للإذاعة والتلفزة المغربية، لكن القناة الأولى حاليا تابعة لوزارة الداخلية، وأنا أرفض المشاركة في أي برنامج فيها ما لم تكن مستقلة، والقناة الثانية محطة للدفاع عن الاستعمار الثقافي الحضاري بالخصوص، وفي شكل غير مباشر هي للدفاع عن بعض الأغراض. لم أتعامل مع القناتين ولا قنوات الخليج أيضا، و"دول البترودولار" وأرفض التعامل معها أو حتى زيارتها، أعرف جيدا خبايا الإعلام المغربي وما سيأتي مستقبلا «أكفس» مما سمي بالإصلاح أو التغيير».

وفي مسيرته الفكرية، كتب المنجرة مؤلفات عديدة، منها: "قيمة القيم"، و"الإهانة"، و"الحرب الحضارية الأولى"، و"حوار التواصل"، و"عولمة العولمة"، و"انتفاضات في زمن الذلقراطية"، وغيرها من المؤلفات ذات القيمة العلمية الكبيرة.

مات المنجرة وكل ما فكرت فيه أثناء نعيه، أن الوطن مهما اعتذر إليه، فحتما اعتذاره لن يصل إليه، ومهما أرسل من رسالات التعازي، فليس عليه إلا أن يعزي نفسه على فقده لقامة فكرية عظيمة. إن أوطاننا المأسوف عليها لا تتذكر مثقفيها إلا حين يغادرون للمرة الأخيرة، وآنذاك فقط تقول إنهم كانوا.. وكانوا.. دون مجيب.

 

عادل الهاشمي التواصل والتواضع .. دروس في الأخلاق والإبداع

mohamad rashedالكاتب الموسيقي والأب الروحي عادل الهاشمي عرفته من خلال متابعتي له من خلال عموده في نقد الموسيقى التي كانت تنشره جريدة الجمهورية على صفحتها الأخيرة التقيت معه بداية عام (2000) بعد افتتاح دار القصة العراقية وكان ضمن الشخصيات التي خططنا لتكريمها آنذاك بجائزة (قلادة الإبداع) التي كانت تمنحها دار القصة العراقية للمبدعين العراقيين، الشيء الذي أحببني فيه هو (خلقه العالي) و(إنسانيته المتميزة) كذلك سلوكه الدافئ الذي يسير جنبا إلى جنب مع إبداعه وهذه الميزة نادرا ما نجدها عند المبدعين الحقيقيين والتقيت معه مرة ثانية عام 2002 قرب مبنى أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد واتفقنا سوية على موعد تكريمه نهاية عام 2002 في بغداد واخبرني بأنه معجب جدا بهذه الجائزة وهذا الانتقاء الذي تحدث عنه الوسط الثقافي بفخر واعتزاز كون الجائزة منحت ضمن احتفاليات مهيبة إلى (المسرحي محي الدين زنكه نه والقاص جاسم عاصي والروائي عبد الخالق الركابي والقاص فرج ياسين والناقد سليمان البكري والقاص احمد خلف) وغيرهم وأعطاني رقم هاتف منزله الأرضي للتواصل ولكن شاء القدر وأصحاب الأقلام (؟؟؟) أن ينتهي الأمر بإغلاق دار القصة العراقية يوم 1/9/2002 بأمر من الحكومة العراقية وتحريض وتنفيذ من قبل الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق وانتهى الأمر حينها، بعد أحداث 2003 أعيد افتتاح دار القصة العراقية واستمرت فعالياتها واستمرت اتصالاتي بالكاتب المبدع عادل الهاشمي والشيء المبهر الذي تعلمته منه هو تواضعه وسعة صدره، مرة سمعت صوته الأبوي الحنون من خلال الموبايل في صباح احد الأيام يهنئني بعيد الأضحى المبارك سعدت جدا ولكني خجلت كونه اكبر مني سنا وأفضل مني منزلة حتى إني تلعثمت حينما كلمته وحينما انتهى الاتصال جلست بين عائلتي وأخبرتهم بوقع هذه التهنئة على قلبي من قبله، وأنا اسرد لأولادي رحت ارتجف خجلا وتعرقت وقتها جبهتي، لقد تعلمت وأنا صغير من عائلتي والمجتمع أن الصغير هو من يبدأ التحية للكبير وهو من يقدم الاعتذار وهو من يفعل كل شيء احتراما وتقديرا لكبر سنه لكن الأب الهاشمي غمرني باحترامه وعطفه وحبه، أخبرته مرة كان عائد من مهرجان المربد (البصرة) هو ونقيب الفنانين السابق حسين البصري والكاتب ناظم السعود وشرفني بحضوره إلى دار القصة العراقية في العمارة حيث كانت محطة استراحة لهما واستقبلته مع صديقي الوفي الفنان جميل جبار نقيب الفنانين في ميسان وجمعتنا جلسة حوارية كانت من أجمل الجلسات في حياتي لانها صادقة وحميمة، قلت للأستاذ الهاشمي :- أستاذنا الكبير أنا اخجل جدا حينما تبدأ بتهنئتي في المناسبات واشعر بحرج.

فأخبرني:- أنت إنسان كبير تستحق كل الاحترام والتقدير كونك حققت للثقافة العراقية منجزات كبيرة وشجاعة وانكم حينما تدعون المبدعين تضعهم في ميزانهم الحقيقي ليس كباقي المؤسسات والمهرجانات التي سفهت الثقافة وقللت من قيمة وشأن المبدعين واعتقد هذا ليس رأيي فقط بل رأي عدد كبير من المثقفين العراقيين .

كنت أتمنى أن يطول اللقاء لكن ودعنا بعضنا واتفقنا على أن يكون تكريمه بجائزة العنقاء مع الكاتب ناظم السعود يوم الاحد25/3/2007 وحينما رتبنا كل شيء للاحتفاء برمز كبير من رموز العراق والوطن العربي حدث ما لم يكن في الحسبان وللأسف الشديد وهو قادم من بغداد وقبل أن يصلنا بساعتين اخبرني بأنه تلقى اتصال من البيت أن أخيه توفي ولا بد له أن يعود إلى بغداد، حزنت جدا لمصابه وكوننا لم نتشرف بحضوره لكننا تحدثنا عن إبداعه وتجربته الفريدة في الاحتفالية التي أعددناها له واستلم جائزته صديقه الوفي الكاتب ناظم السعود في (قاعة دار القصة العراقية/العمارة) بحضور الفنان حسين البصري نقيب الفنانين والفنان جميل جبار وعدد من المثقفين من مدينة العمارة .

لقد تعلمت من الرمز المثمر الخالد الذكر عادل الهاشمي أشياء مهمة في الحياة منها أن أبدء السلام وأقدم التهاني والتعازي على الصغير والكبير معا لان الإنسان المثمر حينما يبادر بالمعروف تسجل له منزلتين الأولى التواصل والثانية التواضع

أنحراف نظام القذافي عن مبادئ ثورة الفاتح !

abdulrazaq mohamadjafarارجو من القارئ تصفح المقالات السابقة عن ليبيا،في المثقف الغراء، من أجل أن تكتمل لديه الصورة التي تبين هفوات نظام القذافي منذ ولادته في الفاتح من سبتمبر، والأنحراف الذي انتابه في كافة جوانب الحياة الليبية، وان ما كتبته ليس نكاية بشخص القذافي أو أي فئة من الشعب الليبي، فقد أحتكر رأس النظام كل المخططات والأوامر بشكل خفي، الا ان تلك التصرفات كانت واضحة لجماهير الطبقة المثقفة، كما ان عزوف رفاق الثورة بأبداء اي حماس امام الجماهير،.. جعل الناس تدرك ان القذافي سـوف يستبد بالسلطة تدريجياً!

خلال عملي كأستاذ في الجامعة الليبية واختلاطي بالكادر العلمي وكافة العاملين من الليبين، لم اسمع اي شخص يذم او يمجد او ينتقد نظام القذافي، ومعظم الأحاديث المتبادلة فيما بينهم تدور حول ما تنشره وسائل الأعلام!..ولم اسمع اي سجال سياسي عنيف لمواطن مع اي مسؤل بسبب عدم انجاز معاملته، فالعرف لا يسمح بنشر الغسيل الوسخ امام المغترب (المزركي)! ..وهذه نقطة ايجابية، فمن غير اللائق ان يـُشَرح ابناء الوطن الواحد بعظهم البعض!، أو كما يقال باللهجة المصرية "ينشرون غســـيلهم الوســـخ!" .

 413-jafar

الفراشية / اللباس الشعبي للمرأة الليبية

 عند قيام ثورة الفاتح من سبتمبر 1969 كان الضباط الوحدويون صغار السن، وكان اكبرهم القذافي (27 سنة)، ولا يمكن ان تفرق فيما بينهم، وقد شاهدتهم في مناسبات عديدة في الأيام الأولى للثورة في برامج تلفزيونية، يتناقشون كزملاء من دون ان تشعر بفوارق فردية فيما بينهم البته!، ولقد شاهدت معمر القذافي وعبدالسلام جلود عن كثب، فقد علمت في احد الأيام، بالصدفة

 في منتصف السبعينيات عن زيارة يقوم بها العقيد القذافي لألقاء محاضرة على طلبة كلية العلوم بسيدي المصري في طرابلس، وطلب مني احد طلبتي الحضور معهم، فوافقت على الفور، وما ان دخل العقيد حتى دوَت القاعة بالتصفيق ووقف الجميع مرحبين به، ويهتفون بكلمة،..الفاتح،..

الفاتح،..الفاتح،.. الفاتح..، ويكررون ذلك لحين ان يرفع لهم القائد عصا التبختر معلناً أمتنانه)،  وبعد استراحة قصيرة ومداعبة حميمة مع المحيطين به من الطلبة، يبدأ بألقاء محاضرته ولقد تطرق في تلك المحاضرة الى أهتمام ثورة الفاتح بأمور الدين، وعدم التزمت في بعض الآيات،..

وضرب مثلاً في تفسير الآية : ( السارق والسارقة فأقطعوا أيديهم)، .. وراح يفسر معنى القطع

وقال: ليس كلمة القطع تعني ان نأتي بالموس، اي (السكين)، ونقص يد السارق، وانما يقصد بالقطع منع السارق من السرقة بأي وسيلة اخرى!، وهنا ضجت القاعة بالصياح والأحتجاج وقام احد الطلبة وقال: أيـش َفـهمك بالدين؟، قطع،.. يعني،..قطع، خليك بأختصاصك ياعقيد! فصفق له الطلبة وابتسم العقيد (وهو الأسم المحبب للقذافي)، وصفق معهم،ثم اكمل محاضرته، وغادر القاعة محاطاً بالطلبة من الجنسين، ولم يكن معه حارسه الشخصي، ولربما كان محاطاً بحراس من قادة طلبة الجامعة، و كان في غاية السرور والكل يبادلونه الحديث ويجيبهم بمرح، ثم افترش الأرض وراح يوقع في مذكرة احد الطلبة!، فذهلت ورحت اقارن بما كان يجري في بغداد عند زيارة احد المسؤلين الكبار، وكيف كان الحراس يحيطون به، اضافة الى الشرطة السرية بزي الطلبة!

  المجتمع الليبي قبل تفرد العقيد بحكمه بالأسلوب الجديد، لم يجد من الطبقة المثقفة في الجامعة وحتى في المهن الحرة اي اندفاع او فرحة او انزعاج لما يجري في البلد من تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية، وكانت فقط فئة معينة من الموظفين تعمل كبوق دعاية لأفكارالقذافي الداعية الى التغيير في كافة اساليب الحكم الرجعية في العالم، وهكذا تمكن من الغاء جميع المصطلحات العالمية السائدة في العالم المتحضر، آملاً أنتشار افكاره الجديدة الى كافة بقاع العالم، فقد اطلق على ثورته اسم النظرية الثالثة، على اساس الرأسمالية هي النظرية الأولى والشيوعية هي النظرية الثانية وثورة الفاتح هي النظرية الثالثة التي ستسود العالم لا محال،ولكن والى يومنا هذا لم تعترف بنظريته اي دولة !

لغاية منتصف السبعينيات لم تتأثر القيم التي كانت سائدة في المجتمع الليبي منذ العهد الملكي، بالنظام الجديد، الا ان القذافي خلق من الجيل الجديد دمى تلهث بأسمه، واحاطت به زمرة من السذج والبسطاء والمنتفعين من عامة الشعب الليبي، فصدقوا شعارات الرفاه القادمة اليهم وفق النظرية الثالثة التي لم يسير على نهجها اياً من الدول الى يومنا هذا بالرغم من الأغراءات!

كانت النظم في الجامعة ثابته، ولم يجد المغترب اي فوارق مادية او معنوية مع زملائه من الليبين، الا ان العلاقات الأجتماعية مختلفة عما متعارف عليه في مصر او الشام او العراق، فالليبيون لا يتبادلون الزيارات العائلية فيما بينهم،. .فما بالك مع المغتربين الأجانب او العرب، فالليبي لا يدخل الزائر الى داخل داره،بل يكلمه امام الباب الرئيـس حتى لو كان من المقربين منه، ..وما ان ينجز كلامه معه ويهم بالوداع، يقول صاحب الدار لزائره: مابتشـرب الشـاهي ؟، فيرد الضيف : مره ثانيه انشا الله !

من الأمور التي كنت امجدها لدى الأدارة في الجامعة هو عدم وجود فوارق تشعر بها بين عميد كلية او ساسي (فراش) في الكلية، ..فترى الفراش جالس (امكعمز)، على كرسيه في ركن من غرفة السكرتير، واذا طلب العميد منه انجاز عمل ما فلا يقف له، بل يصغي لما يقول،..ثم يأخذ الأوراق من يـد العميد ويقول له: باهي اي (حاضر)!

 وحتى الأساتذه من غير الليبيين يجدون احتراماً منقطع النظير من كافة الموظفين، الا ان الموظف المتجه له، تلقي عليه التحية وتمد له يدك ويصافحك ولا يتزحزح عن الكرسي ولو لبضعة سنتمترات!.. ولقد تألمت لتلك الحالة الى ان تعودت عليها !

يمتاز الشعب الليبي بالبداوة وان اهل البدو اقرب الى الخير والشجاعة من اهل الحضر، والفرد الليبي بصورة عامة عزيز النفس ويفتخر بأجداده،..ولذا نجد لقب القبيلة يتصدر اسم الأب او الجد، وقد نسيت معظم اسماء الزملاء الدكاترة من الليبيين في القسم، ولكني ما زلت اذكر ألقابهم مثل،..الشكشوكي، المسلاتي،الهنيدي، الشنطه، المهرك، التريكي، النيهوم، وغيرها من الألقاب المشابهة للألقاب العراقية مثل: البغدادي، والبدري، والعبيدي وغيرها .

 اطلعت على عادات الزواج والوفاة، حيث تختلف عما هو سائد في اقطار المشرق العربي، فأذا حدثت وفاة، فلا تسمع غير صرخة واحدة من دار المتوفي، ثم يحضر الأهل والأقارب لنقل المتوفي بالسيارة الى احد المساجد للصلاة عليه، ثم ترفع الجنازة على الأكتاف الى أقرب مقبرة القبيلة القريبة من المسجد عادة، ويسير خلفها المآت من المشيعين، وما ان تتم مراسم الدفن حتى يصطف أهل المتوفي حسب قرابتهم للمرحوم، ولم يتخلف عن ذلك اي فرد له صلة مهما كانت بسيطة بالمتوفي، وعلى المعزي ان يصافح المآت فرداً فرداً،.. وفي اليوم التالي يجتمع المقربون للأسرة ويقدم لهم الأكلة المميزة (الكسكسي)، وهي عبارة عن برغل ناعم يطبخ بقدر خاص،..

 وعند التقديم توضع ( قصعة) تكفي لأربعة افراد ويسلم لكل فرد ملعقة، وتوضع اربعة قطع من اللحم فوق الكسكسي المشبع بالمرق الحاوي على انواع من الخضرة مثل الكوسة والطماطم والبصل، وهناك أكلة خرى تسمى (البازين)، تصنع من العجين والبيض والزيت!

اما الأعراس، فلها طقوسها، واغرب ما يميزها الغلو في المهر، وبعض الحالات تكون اقرب الى البيع والشراء، فقد سمعت ان الأب او ولي العهد يتصرف كالبائع، وفي بعض العوائل يستحوذ ذلك الأب على جزء كبير من المهر على اساس ثمن ما صرفه في تربية البنت، ومعظم التزاوج يحدث بين الأقارب، ولقد لفت نظري حالة غريبة، حيث دعاني احد طلبة السنة النهائية في الجامعة سنة 1970على حضور حفلة زواجه، فباركت زواجه وسألته ان كانت الزوجة هي التي تعمل بمعيته تجارب الكيمياء؟

فأستغرب ونفى ذلك، وتعجبت لأنفعاله وقال لي هذه الطالبة فاسده!، وسألته كيف يسمح لها بالدراسة ان كانت فاسده ؟!، فضحك وفهم ما اقصده وقال: لا يادكتور آني مانتزوج وحده بتتكلم مع الصبيان، البنت اللي اتزوجها لازم عمرها ما حكت مع راجل غريب!، ألا أن بقاء الحال من المحال،.. فقد تغير كل شيئ في التسعينات،.. وأزداد عدد الطالبات عشرات المرات عما كان عليه قي السبعينيات، ألا أن ذلك لم يغير من العادات الموروثة في الزواج بالرغم من مساهمة رجال الدين والمثقفين بحث العوائل بقبول المهر البسيط ورفعوا شعار أقلهن مهراً أكثرهن بركة،.. وقد دفع الغلو في المهر الى الزيادة بالعنوستة!

 

للاطلاع

http://almothaqaf.com/index.php?option=com_users&Itemid=585&id=4342&lang=ar&view=articles

 

أنسي الحاج .. شاعر الليل يترجل ويعانق الموت

shaker faredhasanرحل عن دنيانا اليوم الشاعر الرشيق والكاتب العظيم أنسي الحاج، صاحب الباع الطويل في النهضة الشعرية والأدبية اللبنانية والعربية المعاصرة، بعد صراع قاس ومرير مع المرض .

وأنسي شاعر رومانطيقي حاد، عنيف، رقيق، نقي، وغامض، ظلت جذوة الثورة الملتهبة والمتجددة في قصائده النثرية، كأنه في العشرينات من عمره . عاش أحياته في العقود الأخيرة بعزلة تامة ..عزلة الأنقياء ـ كما يسميها عبده وازن ـ فكان ينام في النهار بعيداً عن الصخب وضوضاء الشوارع، ويسهر في الليل إلى أن يطلع الفجر وتزقزق العصافير، يقرأ ويكتب ما يعانيه من آلام ومشاعر وأفكار وأحلام ويقدم نمطاً شعرياً غير مسبوق، رافضاً التسويق الإعلامي والمساومة في سوق النخاسة الشعرية والمشاركة في الندوات الشعرية والأدبية والأمسيات الثقافية.

أنسي الحاج من مؤسسي الحداثة الشعرية مع بداية ستينيات القرن الماضي، شارك مع كوكبة مضيئة من الشعراء والمبدعين العرب، وفي طليعتهم :"علي احمد سعيد (أدونيس) ويوسف الخال وشوقي أبي شقرا "وغيرهم، في احداث ثورة في اللغة الشعرية باختيار قصيدة النثر كتعبير عن الحداثة الشعرية بعد أن كان نظام التفعيلة الذي فرض نفسه على أيدي بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري، وشكل ثورة الحداثة الشعرية.

أنسي الحاج وريث المدرسة السوريالية، وظّف جمالياتها في سياق قصيدته وجعل منها أساس معماره الشعري الذي بقي يتجدد ويعلو يوماً بعد يوم منذ ديوانه "لن" ومروراً بـ"الرأس المقطوع" و"ماضي الأيام الاتية"و"ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة" ثم أخذت هذه النبرة تخفت شيئاً فشيئاً في "الرسولة بشعرها الطويل" حتى شهدت انحساراً واضحاً في "الوليمة" التي جاءت بعد انقطاع شعري دام أكثر من عشر سنوات، فنراه في هذا الديوان يميل الى الاختزال واستخدام تعبيرات ذات مسحة رومانطيقية معطوفة على لغة نثرية واضحة وجلية.

أنسي الحاج شاعر بلا خطيئة، بنقاوة البلور وطهر العذارى، وشاعر الحب بامتياز، جعل المرأة كياناً يختزن البعد الإنساني بأكمله، ويرى فيها مصدراً للوحي ومؤشراً للبقاء،وعلامة الديمومة،تحتفظ بنبض الكون وشرارته، المثال والنموذج، الميلاد والطهارة، الرغبة والعفة، وتجسيداً للعبث الناتج عن جدلية الموت والحياة.. فيقول:

كما أنا جذورك أنت حريتي

وكما أنا الذاكرة

أنت موقظة الكلمات في كهوف الذاكرة

وكما أن الصقيع نارك، النار صقيعك

ناديت لاعناً جمالك

وها أنا أغرق فيه

ألوت بي ابتسامتك

كما يلوي البرق في السحاب

الدهر انزاح عني

كل الاعمار لهذه الأنفس

ولا عمر لها

ميثاق الوهم ميثاقي

طيري بي ولا تلقيني

نظرتك تفصل بين حياتي وموتي.

 

أنسي الحاج يتدفق بالوهج العاطفي ويعطي القصيدة ثراءها وخصوبتها، ويحفر في اللغة بأزميل كلماته الغاضبة الثائرة المتمردة، وشماً ونقوشاً من لهب ونار، والشعر في نظره بمثابة المقدس الذي لا يمكن تدنيسه. ومنذ صدور ديوانه الأول"لن" وهو مصلوب على صلبان حبه وكده وأمله وحلمه فوق كتفيه وفوق الرق واليراع متسائلاً في نهاية ديوانه" الوليمة":

تريدون شعراً،

ومتى كان الشاعر يكتب شعراً

تريدونه في سره في تأليفه

تريدون تلك الظلال، وذلك التجديد

وتريدون الرموز والاشكال!

والموسيقى والصور!

اذهبوا اخرجوا من هذه الغرفة

كان شعر، ولم تكن عفوية

وكانت عفوية، ولم يكن شعر

وكان الشعر والعفوية فظل مكان

مكان اللا الامام

جائع

جائع

جائع تسمعون جائع

واصبحت الطعام

أصبحت طعام الحب.

 

انسي الحاج شاعر امتلك المكان وأطل على الوجود وكتب قصيدة النثر كتعبير عن نوازع القلب البشري الانساني، وسعى دائماً الى تقطير لغته وتنقيتها كي يغدو أكثر ألقاً وعمقاً وأبعد أثراً، وهو ذلك الصوت النادر الذي انبثق من"لن" ليزيح ركاماً هائلاً من الأصوات الشعرية المستنفذة التي أنست الى السليقة والتلقائية، فأحببنا قصيدته التي يضفي عليها نوعاً من الغرابة والدهشة والحيرة واللذة، وتتسم بالتدفق العاطفي والإضافات الفنية التي أغنت تجربته الرائدة، فله الوداع وسلاماً على روحه .

 

المفكر الإسلامي عبد الجبار الرفاعي خرج من مخاضنا التربوي التعلمي .. صورة تستحق التقدير والعرفان

ibraheem alwaeliمسيرتنا التربوية التعليمية التي سبرنا أغوارها سنين طوال تمخضت عن لوحة فنية معرفية فكرية فريدة يتقدمها نموذج عراقي رائع ولقية موسوعية تعد بأصابع اليد طالما رفدت المكتبة الدينية الحديثة بهالة تحديثية دينية كبيرة تصاهر الزمن الحاضر في تشوق واشتياق حيث مل الجميع الركود والسكون ويأس الولادة والتوليد التحديثي فجاءت القامة الموسوعية الدينية من الجنوب تضفي عنوانا تحديثيا طال مخاضه تجسد ذلك في شخص الدكتور الفاضل عبد الجبار الرفاعي الذي بحق وحقيقة خرج عن مألوف الانجذاب الديني المعروف والمتعارف علية ويعتبر طفرة وراثية تجديدية معرفية تنهل منها الأجيال القادمة معينا معرفيا لاينضب بل أنها شوق واشتياق ولبنة يهتدي بها الذين يناغون التطوير الديني والأخذ بهذا الجهد المقدس نحو أفاق جديدة متجدد مخلفين وراء ظهورنا الوقوف والتوقف السكون البحثي الذي مرت عليه قرون وسنين لم يتمكن الكثيرون الخروج من فلكه المضني إلى حد العجز والدوران المكرور في الحفظ والاحتفاظ المعرفي المعاد الذي شاح الكثيرون عنه نتيجة التكرار الملل بسبب التطور الأكاديمي في الدراسات والأطروحات التي أصبحت تقليعة حضارية يومية يقبل عليها الدارسون بنهم ولهفة علاوة على استلاب أساليب معرفية جديدة تساير الحاضر سريع ومتسارع و متطور مثل تطور واتساع الحضارة الحديثة والتكنولوجيا السريعة والبحث الحزين المختزن—مفخرتنا العلمية التي جاءت في سردنا المقالي هذا هو فضيلة الدكتور عبد الجبار الرفاعي الموسوعة الدينية والبحثية الذي عشنا وتعايشنا معها سنين طوال حيث كنت نواة الجهد المعرفي له في المدرسة الابتدائية بمدرسة المتنبي الابتدائية التي تأسست للتو بعد ثورة14 تموز التي قاد أوارها المرحوم بن العراق البار الزعيم عبد الكريم قاسم وولادتها عام 1961 وما يعني هذا التاريخ من حيث عدد نفوس العراق البالغ7 ملايين نسمة علاوة على التخلف والجهل والجهالة وكانت المدرسة تمثل رهبة وخوف ومكسب ما بعده من مكسب وقد بذل المرحوم الشيخ كاظم الجازع من خلال ذلك الكثير حتى تكللت جهوده المضنية بالنجاح والتوفيق وكانت بحق مثار تندر وسرد قصصي يثير القرف--- البناء من الطين والذهاب على الإقدام للتدريس أو ركوب الدراجات الهوائية أو الخيول التي يتكرم بها آهل الخير بإيصال المعلمين من والى المدرسة إثناء هطول الإمطار والمعاناة من عدم سير البايسكلات (الدراجة الهوائية) عند تساقط الثلوج والإمطار أنها أيام مخاض عسير وجهد شاق علاوة على عبور الأنهر والجداول من ضفة إلى أخرى ويتم العبور بواسطة لوحة خشبية تتدلى بين الضفتين والويل لمن تزل قدمه ويسقط في النهر وخصوصا في أيام الشتاء البارد وسقوط الصقيع لكن حلاوة العمل والتدريس لذيذة طعم بنشوة العمل والتعليم لأننا نفور وطنية و نهيم في حب الوطن والعراق كنا مبدعين نحن المعلمون وطلبتنا عباقرة واعدون فالمصهر التعليمي والمعرفي في مدرستنا المباركة يتجسد في مديرها ومعلميها-- كنت المجاهد والمجتهد في مهنتي المقدسة التعليم التي أنتجت المفكر العبقري الرفاعي وجيش متعلم وقادة وتربويون ومهندسون من أبناء مدرسة المتنبي الرائعة فألف تحية إلى ترابها وألف قبلة للنهر المجاور لها وإجلالا لحاضرتها قرية إل ابوحمزة والى العائلة التي أنجبت الرفاعي الرضوان والرحمة والى المعلمين الذين شاركوا واشتركوا في بث النواة المعرفية في الوطن وأصبحوا قامات تخدم العراق في الكثير من المسارب -- التقدير والعرفان إلى كل الذين جاهدوا واجتهدوا في إرساء هذا الحصن التعليمي والى قامتنا التفكيرية الرفاعي قبلاتنا الحارة - والى المعلم الأول للرفاعي إبراهيم الوائلي الذي لامس بحرفه تطلعاته الأولى جبين الطالب والمفكر الرفاعي **** في الحقيقة إن الذي دفعني بالعودة إلى مفكرنا الرفاعي هو المقال الذي جاء به الناقد والكاتب الأستاذ توفيق التميمي في جريدة الصباح الغراء والذي تناول الرفاعي عبر الدراسات والأطروحات والإصدارات التي دفع بها الرفاعي والتي تعتبر خروج عن المألوف الدراسي الأكاديمي المعتاد والذي اقتفى به الرفاعي التحديث الديني والخروج عن ما اعتاد به الآخرون بل هي مسايرة علمية تناغي الجهد الدراسي الأوربي والعالمي الذي جعل ماكتب سابقا ظاهرة انتهى دورها وولجنا عصرا دينينا محدثا في الدراسة والمناجاة العلمية والمعرفية --- فإذا سبر أغوار مفكرنا الرفاعي الأستاذ التميمي دراسيا فأنني استرجع أيامي مع المفكر خلال الأيام الأولى من حياته المعرفية حيث اللبنات الأولى في مشروع الرفاعي الفكري والعلمي ولولا الأرضية الخصبة التي نهل منها الرفاعي وهي المربض الذي لها الفضل في إرساء يراعه الأولى وتكوين فكره المبدع فان التميمي تناول المفكر اصداريا ونقديا متماهيا في سرده لأرثه المعرفي الديني - طول العمر للرفاعي وتحية إكبار للاستاذ التميمي وهو يتناول قامتنا في إبحارها في شواطئ الإرث الديني المطور والابتعاد عما متعارف عليه ومزيدا من العطاء

إبراهيم الوائلي

ذي قار/قلعة سكر

27/12/2013

 

ادباء العراق يحيلون (ابو حالوب) على التقاعد بقرار "عدم الوفاء"!!

zayd alheliدعوني اعترف، اننا نعيش في زمن ضاعت فيه، أساسيات الوفاء، وبات بعض الناس يشتقون الظاهر من الجوهري، فنراهم يتنقلون في الدنيا مثل (دولاب الهوا) يحاولون مرة ومرات النفاذ من أفعال البشر إلي عقولهم .. ومن الشظايا إلى الغبار!

ولاحظت ان رقعة هذه الظاهرة اتسعت في الوسط الثقافي، فأنت عزيز، ومهم، ومحط رعاية، حين تكون في موقع وظيفي تبسط يديك من خلاله، وتقدم خدماتك عن طيبة خاطر، لكن، عندما تدلهم ظروفك، بفعل خارج عن ذاتك او تواجهك طوارئ، فأنت منس، لا احد يتذكرك، ومن كان يهاتفك في اليوم مرات، كي تنشر له خبرا، او يتوسطك لنشر مقالة له، او متابعة شأناً يخصه غير قادر على انجازه، يشعرك بأنه الغى رقم هاتفك من جهازه النقال، وما عاد يتذكرك، وهو السابح السابق بأسمك، والساعي لكسب ودك، طامحاً بأبتسامة منك!

ماهي مناسبة، فتح هذا الجرح، الذي اصبح ظاهرة، لاسيما ضمن وسطنا الثقافي؟ حسناً، سأدخل صلب الموضوع، فأقول:

منذ تسعينيات القرن المنصرم وحتى بداية عام 2012، كان المثقفون العراقيون، يتوجهون صوب مقهى الروضة في دمشق الشام .. منهم من استوطن الشام، واتخذها دارا دائمة لعقود من الزمن (الجواهري، البياتي، هادي العلوي، مظفر النواب وغيرهم) ومنهم من استهوتهم الغربة في اوربا الشرقية او الغربية، ومنهم من مثقفي الداخل الذين كسروا طوق العزلة، فتوجهوا فرادا ومجموعات الى الشام، للقاء زملائهم من الذين آثروا الاستقرار في خارج وطنهم، بفعل هذا الظرف او ذاك .. كان راعي تجمّع الثقافة العراقية، في شكلها الذي وصفته، شخصية لها فرادتها في السلوك، ونكرات الذات، وحب العراق هو (ابو حالوب) الذي بات اشهر اسم ثقافي في عند المثقفين العراقيين والعرب .. إنه نقطة جذب والتقاء لكافة المثقفين الذين يفدون الى الشام، وهل هناك مثقف لم يزر الشام في تلك السنوات؟

 كثيرا ما حضرتُ، صدفة او على موعد، لقاءات بعض اصحاب دور نشرسورية معروفة، لأستمالة (ابو حالوب) في اقناع المؤلفين العراقيين في طبع مؤلفاتهم في هذه الدار او تلك، فكان يجيبهم بأن الشرط الاساس هو نوعية المطبوع وانخفاض الثمن، لذلك كان الادباء العراقيون يتوسطون (ابو حالوب) لأنجاز مطبوعاتهم ومتابعتها، وبوجود (ابو حالوب) فأن الكتاب الذي يُنجز في بغداد او عمان او القاهرة بـخمسمائة دولار يُنجز وبمواصفات أعلى بنصف هذا الثمن .. والى جانب هذه الجزئية المهمة في حياة المبدعين العراقيين واصدارتهم، فأن لأبي حالوب فضل جمع المثقفين على طاولته، وتمت عشرات من حالات التعارف من خلاله، فهو بحق (مختارالمثقفين).

 131-zayd

عاشق من طرف واحد ..

طيلة ثلاثة عقود ونيف، كان (ابو حاوب) ولا زال، عاشقا للثقافة العراقية، لكن هل كان مثقفونا على مستوى هذا العشق؟ لا اظن !!

قبل ايام كنتُ في زيارة سريعة الى دمشق، وهل تكتمل زيارتي دون المرور على (ابو حالوب) .. بحثت عنه في حي (دويلعة) بريف دمشق، حيث يسكن، في شقة هي والتواضع صنوان لصيقان، فقيل انه انتقل الى مكان مجهول بسبب الاحداث المعروفة .. فعزمت على التوجه الى مقهى (الروضة) وكلي ظن، بأنني لن اجده، فليس هناك شعراء وادباء عراقيون وافدون الى هذه الارض التي فرشت جناحها للجميع، لكني حينما ولجت المقهى، تسمرت عيناي عند الطاولة والركن المفضل لأبي حالوب .. كان جالسا، بجسد فقد الكثير من الوزن، حتى كدتُ لا ادركه، كأنه بأنتظاراحد على موعد وأياه، لكني كنت واهما، فـ (أبو حالوب) لم يكن ينتظر احدا معيناً كان يرنو الى لقاء اي عراقي ليشمه ويتعطر به، يالعظمتك اخي ابو حالوب، محبتك العراقية، تذهلني وانت الذي لم تحظى برعاية عراقية من اي مرفق ثقافي، لاسيما من الذين مددت يدك لهم، بالرغم من كونك سفيرا فوق العادة للثقافة والمثقفين العراقيين، وأسمك أصبح كنية لرجل يجمع الكل على طاولة حب الوطن، فإيمانك بأن للأدب صوت عال، يتخطى الابعاد، ويحرك القلوب، ويثير العواطف والهمم، إيمان حقيقي راسخ، لذلك لم أرك تنحاز لحساب هذا الاديب او ذاك طبقا لنظرية السياسيين في وطني الذين تسعدهم الفرقة في حين انك تُسعد بالّمة والوداد، فأين منك السياسيون ومن نفسك الوطني الجامع..اين ؟

فهل اصبح،عدم الوفاء والمثقفون العراقيون، مساران متوازيان، متساويان؟ ربما لا ابالغ ان اجبت بنعم، رغم وجود أستثناءات على ارض الواقع، فأذناي تسمع دوماً عبارات من بعض الذين ألتقيهم عن نماذج شعارهم (عدم الوفاء) وسلوكهم لا يتعدي التملق، وكثيراً ما لمستُ من الذين صدموا بعديمي الوفاء، حاجة خرساء على البكاء!!

وعديمو الوفاء، تصبح الأشياء عندهم متساوية، فلا يفرقون بين الأيام والساعات ولا بين الضوء والعتمة والحركة والسكون أو النهيق وتغريد البلابل!

 

 عينان عاتبتان

وأنا أودع (ابو حالوب) بعد لقاء كانت سمته عيون عاتبة حد البكاء لمستها من مضيفي،، تيقنّت بأن الرجل الصالح ليس لقلبه حدود، وبمقدوره أن يعامل الصلاح بالصلاح ويعامل الطالح بالصلاح أيضا.. كما تيقنت بحاجتنا الى الأمانة العقلية والى انتزاع الحق من جوف الأشياء .. وكلما كان الإدراك أعمق، كان تفسيره أصعب وكلما تعمق إحساسنا بالأشياء، كان تحليلنا أقرب إلى .. المنطق !

وتعلمت إن كلمات الحق، تخنق " الآخرين " وكلمات المجاملة، هي الزيف بعينه .. وترسخت عندي القناعة بأن الرجال الصالحين لا يخاصمون ولا يجادلون وإنني كثيرا، ما وجدت نبتة طيبة في أرض " سبخة " وأيضا وجدت نبتة فاسدة في ارض " طيبة " وعلمتني الحياة إن الإنسان الذكي لا يركض وراء سراب يلمع في صحراء المخيلة.. وإن الحب يمنح الإنسان المنعة.. والكره يمنح الإنسان الامتعاض والتعاسة .. وإن الحرية هي التي تربي الأمم وهي التي تتيح الفرصة للكفوئين.. وهي تسد الطريق أمام كل دسّاس.. ماكر!

إن الذين فقدوا حسنة (الوفاء) ترى روحهم علوقة بالتمرد والنكران فهم يحبذون السفر إلي الموائد بغض النظر، عما تحتويه من مأكولات، ويغادرونها على حين غرة، عندما تقل (اللحمة) من فوق الأرز.. أو يقل ما يحبذون من أنواع الطعام.. يتسابقون في الخروج من مضيّفهم قبل أن يحتسوا شاي الختام!

كم هو محظوظ، الإنسان الذي يتولي قيادة الأشياء، بدلاً من أن يتولي (عديمو الوفاء) قيادته.. فهم يقودون في الظلام بدلاً من ضياء الشمس، ويثّرون عن طريق (الربح الحرام) أياً كان.. متناسين أن للأكذوبة.. أرجل وأن للفضيحة أجنحة!

 

الجواهري في ابيات محبة

 ما آلمني شئ، قدر ما آلمني وضع (ابو حالوب) هذا الانسان الذي، يسعده ان يكنى بهذا الأسم فقط، وبات لا يود ان يُعرّف بإسمه الحقيقي (أسمه لبيد بن رشيد بن بكتاش وأصله من سوريا لكنه عاش الشطر الأكبر من عمره في العراق، فأصبح لا يصدق ان اصوله سورية ويصر على عراقيته في الوجد والهوا).. إنه وضع انساني، يتطلب وقفة لمحاكمة واقعنا الثقافي، محاكمة جدلية لمعرفة سبب تغيير مفهوم كلمة (الصداقة) في زماننا الى كلمة لها مدلول آخريسمى صداقة المصالح .. فما اوحش الحياة دون صداقة (حقيقية) وهنا أقول لمختار الثقافة العراقية، جميل ان آراك تحمل عتابك على كتفيك، لكني اقول لك لا تبتئس من حالة فقدانك صداقة نابعة من وجدان صادق، فمهما كان كان ألم الوحدة قاسيا، فأن عالم التواصل أجمل من كل تفاهات الود الزائف والتملق والزلفى .. دع الحياة تأخذ مداها، فغداً يوم جديد، ويكفيك ان الجواهري الكبير اهداك ابياتاً من شعره الذهبي:

 

(ألبيدُ عشتَ الدَّهرَ عُمرَ لبيدِ

غضَّ الصِّبا ألِقَاً طريَّ العُودِ

أهديكَ مِنْ شعري أعزَّ وليدةٍ

زُفَّتْ اليكَ وأنتَ خيرُ وليدِ

ألبيدُ نحنُ الأسبقونَ معابراً

لممرِّ جيلٍ من ذويك جديدِ)

 

و(ابو حالوب) الذي خصّه الجواهري بأبيات رائعة، مثقف ومطالع جيد، يمتلك ذاكرة عجيبة في تتبع الشأن الثقافي العراقي، ولا أظن ان اديبا عراقيا اصدر كتابا، في مشرق الأرض ومغربها، إلا وكان عند (ابو حالوب) علم به، وعندما يقع نظره على مشهد جدلي يناقش الثقافة العراقية، تهيج عنده مكامن قراءاته المحبة للعراق، وخلفيته الثقاقية، وهو لايحمل على النقاش حملاً، ولا يدفع اليه دفعا، إنما احساسه الداخلي يستثيره و يثيره، يستفزه ويستحثه، فتراه يندفع الى نقاش غني بالمعلومات، فيكون عطاؤه الفكري عند ذاك نابع من ضميره غير منساق اليه من احد، إنه رجل عفوي يغذي العفوية ويتغذى منها، وهو يذوب في العفوية، ويستحم برمضائها ويستنير بلالئها، ويهتدي بهديها ويعيش في رياضها وصحاريها .

لكن، ادباء العراق لم يكونوا بمستوى، مشاعر ومحبة (ابو حالوب)، فكان حبه من طرف واحد .. مع الاسف !

 

الصداقة الحقة

والحق ان الصداقة، النبيلة منجم صغير الحجم، فيه الكثير من المعادن المنقاة، التي لا تنتظر إلاّ من يتأملها .. ودائما ما أسترحت الى اصدقاء، نتبادل الهمّ والفرح، فالصداقة عندي، هي ظل ظليل، وهواء بليل وراحة من عناء العمل وضجة المسؤوليات ..

 وكثيرا ما أحدث نفسي قائلاً ان الماء إذا ما سكن، اصبحت صفحته كالمرآة يرتسم فيها كل شئ وكذلك الصداقة العميقة، لا تصفو ولاترتسم الاشياء في صفحتها، واضحة إلاّ اذا هدأت النفوس وسكنت .. الصداقة مرآة النفوس الرقيقة ..

واذا حظي المرء بصديق، صدوق، فأن الحياة تكون امامه جميلة حتى لو أعتراه خطب او ألم او معاناة، فالصديق الحق لا يجعل نفسك تهرب الى الظلام لتحاكيها خلسة، بل ستجده معك تحاوره ويحاورك، وتلك اهم ميزات الحياة الجميلة، وسترى كيف ان ابتسامتك ستخرج من الاعماق طاردة اليأس والظلامية، فالصديق المخلص هو الذي تكون معه، كما تكون وحدك، فما أتعس الأنسان حين يحيا مثل صمت القبور .. بلا صديق مخلص، غير ان اصدقاء السوء هم كالناريحـرق بعـضـهم بـعـضاً وهؤلاء ان فعلت الخير لهم، فأنك مثل الذي يلقى ماءالورد في البحر، لأنهم من ناكري الجميل ..

لقد وصف (الصداقة) ادباء كثيرون، وعلماء نفس كثيرون، لكن لم يمنح مفهوم (الصداقة) كحياة، إلاّ قليلون، أما الذين منحوها (حياة) نحبها وتحبنا، ونعطف عليها وتعطف علينا، ونناجيها وتناجينا، فأقل من القليل، واصبح جرح الذين ابتلوا بعديمي الوفاء، كـ (ابو حالوب) باتساع البحر.. فلا يلمهم أحد.. إن عاتبوا في الليل الحزين.. دنياهم .

تحياتي (ابو حالوب)..

 

الرابع عشر من تموز .. الثورة المغدورة!

alaa allamiتعيد ذكرى التغيير الثوري في الرابع عشر من تموز 1958 فتح ملفات مهمة تأبى أن تتلاشى من ذاكرة العراقيين ليس لأنها موضع خلاف حزبي أو أيديولوجي كما يعتقد البعض، بل لأنها ما تزال تثير جمر الأسئلة ذاتها التي تتناوش حاضرنا.

يركز البعض نيران نقدهم على بشاعة ما حدث صباح الثورة، وأقصد تحديدا الحادث المأساوي في قصر الرحاب والذي ذهب الملك الشاب فيصل الثاني وجدته الملكة نفيسة وعمته الأميرة عابدية ضحايا له، وهو حدث مأساوي وإجرامي ولا مبرر له، وقد دعوت قبل عدة أعوام إلى إعادة الاعتبار للملك الشاب وجدته وعمته من قبل الدولة العراقية. ولكن تركيز النيران على هذا الحدث ما هو إلا محاولة لاختصار ذلك التغيير الثوري الهائل والذي هزَّ العالم، بما فيها بريطانيا العجوز حينها لدرجة أن كبرى الصحف البريطانية وصفته بالقول (لقد هرب أفضل الجياد من حظيرة الخيل الملكية صباح الرابع عشر من رمضان، لقد خسرنا العراق). إن البعض يريد القفز من هذا الحدث وبواسطته إلى محاولة تبرئة الحكم الملكي التابع لبريطانيا من جرائمه بحق العراق والعراقيين، ليقفز ثانية من هذا الزعم إلى القول بأن (ثورة 14 تموز 1958 أكلت نفسها وثوارها وأطلقت سيل الدماء الجاري في العراق حتى الآن) إنَّ كلَّ مَن في رأسه عقل و له ضمير حي يدرك أنَّ الثورة لم تأكل نفسها، بل أكلها أعداؤها وغدروا بها وبأهلها، فعبد الكريم قاسم لم تأكله الثورة أو ينتحر بالرصاص، بل أُعدم في قاعة الموسيقيين في مبنى الإذاعة وهو صائم من قبل الانقلابيين البعثيين الذين أعطوه الأمان ليسلم نفسه ثم غدروا به.. ثم أن سيل الدم لم يبدأ مع ثورة 14 تموز، بل بدأ قبلها في "مذبحة الجسر" خلال انتفاضة كانون 1948 ضد المعاهدة الاستعمارية التي عقدها النظام الهاشمي التابع مع بريطانيا المتبوعة و "مجزرة السجن المركزي" سنة 1953 ضد السجناء اليساريين، وإعدام القادة الثوريين فهد وحازم وصارم و العقداء الأربعة الذين حاولوا إنهاء التبعية لبريطانيا وقصف قرى الفرات الأوسط بالطيران وتدميرها سنة 1935، ومجزرة سميل ضد الآشوريين سنة 1933 وغير ذلك وفير.

وبعض آخر يكرر دون سأم أنها ليست ثورة أساسا، بل انقلاب عسكري فالثورة - من وجهة نظر هذا البعض - هي التي يساهم بها الشعب كله. وفي الواقع فلا توجد ثورة يقوم بها الجميع أو الشعب كله في تاريخ البشرية؛ لا الثورة الفرنسية التي حدثت في اليوم العراقي نفسه 14 تموز سنة 1789 التي قامت بها فئات محددة لا تشكل أكثر من عشرة بالمائة من السكان، ولا الثورة الروسية البلشفية سنة 1917 التي سجلها بعض المؤرخين كأسحق دويتشر، وهو ماركسي، كانقلاب من حيث المبدأ مع انها كانت مدنية، حيث قام بها الحزب البلشفي وحلفاؤه عبر انتفاضة مسلحة.

أما بالنسبة لثورة 14 تموز العراقية فقد بدأت كانقلاب عسكري فعلا، تحول ومنذ يومه الأول تغيير ثوري عميق، بل و ثورة حقيقية من حيث إنجازاتها كما يرى الباحثون التقدميون والوطنيون، أما الرجعيون واليمينيون من أصدقاء بريطانيا، و كذلك اللبراليون القشريون في زماننا، فقد اعتبروها انقلابا دمويا مجرما "بحق الأسرة المالكة الهاشمية."

وهناك من يحاول جعل العهد الملكي نموذجا في الديموقراطية والحريات الفردية والسياسية وهذا خلاف الواقع السياسي آنذاك، وخصوصا قبل ثورة 14 تموز بسنتين أو ثلاث. لقد كان الحكم في غاية التعفن والتحلل السياسي والاجتماعي وكان البرلمان وعملية الحكم الفعلية أشبه بالسيرك المضحك الذي يشرف عليه السفير البريطاني والمخابرات الأجنبية. لقد كانت هناك أحزاب فعلا لكنها كانت أساسا - مع بعض الاستثناءات – دكاكين سياسية لعلية القوم من إقطاعيين وأغوات وشيوخ ومحدثي نعمة تتداول الحكم المحدود السيادة أي رئاسة الوزراء بينهما، في مرات نادرة وصل شخص مستقل الى رئاسة الوزارة كما حدث حين عُين السيد محمد الصدر رئيسا للوزراء في محاولة لامتصاص غضب العراقيين بعد المجزرة التي ارتكبها النظام الهاشمي في وثبة كانون 1948 بحق المتظاهرين العزل.

بمنظور التاريخ الحي، وفي عيون الغالبية العراقية الساحقة، كانت 14 تموز العراقية ثورة فعلية، لكنها ثورة مغدورة، وستبقى بحاجة إلى الدراسات العلمية الجادة والرصينة التي ستجلو عنها صدأ الخطاب الأيديولوجي المتحزب وشقيقه الإنشائي النرجسي لبعض "المثقفين" المتذاكين.

 

كاتب عراقي

...................

*الثورة المغدورة ، أيضا، عنوان كتاب لليون تروتسكي حول ثورة أكتوبر الروسية البلشفية 1917.

 

المسرحي محمد جاسم عيسى: الدُرُ النفيس

jasim alayff"الأشياء تحدث .. لكن لا أحد يجيء "صموئيل بكيت" .. في انتظار غودو

أتجاوز مرارات، عقد كامل مزقَ، وأتلفَ حياة جيلي وحياتي. كنت قادماً من سجن الحلة الذي أبتلع ثلاث سنوات كاملة من شبابي وآمالي وتطلعاتي الإنسانية و البسيطة، دلفت إلى منطقة "السِيّف" في "البصرة القديمة"، بعد منتصف ستينيات القرن المنصرم، لأصل مقهى "هاتف"، ثمة أصدقاء قُدامى، جرحى الأرواح والأجساد، بسبب خصومات الأيديولوجيات المتزمتة المتناحرة ومصالحها ومعاركها وساحاتها العراق كله. بين مَنْ كان في المقهى: المفصول من التعليم الناقد جميل الشبيبي، والشاعر عبد الكريم كاصد، والكاتب الراحل خليل المياح، والصحفي، الراقد في صوفيا، جعفر موسى علي، والروائي إسماعيل فهد إسماعيل، الذي رحل وأسرته إلى الكويت، والشاعر مصطفى عبد الله النائم في إحدى مقابر القنيطرة بالمغرب، والقاص والروائي علي جاسم شبيب، والشاعر محمد طالب محمد، المقتول غدراً برصاصة واحدة أطلقها على رأسه أحد أعضاء الحركة السلفية في الجزائر، والمثقف البصري اللامع عبد المحسن براك (أبو براك)، الذي يصلنا مساءً قادماً من قضاء الزبير، والثاوي حالياً في مقابر غرباء عمان، والقاص، الفتى حينها، سلمان كاصد، الدكتور في اللغة العربية بعد ثلاثة عقود، والشاعر شاكر العاشور، وعبد الحليم كاصد، الدكتور في الاقتصاد في ما بعد، والمقيم حالياً في موسكو، واسعد احمد الباقر المتخصص باللغة الألمانية، والمعلم الأنيق جداً جعفر موسى عزيز (أبو هشام)، وغيرهم من الأصدقاء، لا تسعفني الذاكرة حالياً على تذكرهم جميعاً فمعذرة أخوية لحضرتهم، ومحمد جاسم عيسى الطالب في كلية الحقوق، والذي قادني نحو المكتبة (الأهلية) لصاحبها ومؤسسها في البصرة عام 1928 الحاج المرحوم " "فيصل حمود" أبو غازي، وتعرفت فيها على الشاعرين حسين عبد اللطيف ومحمد صالح عبد الرضا والقاص والروائي الراحل كاظم الأحمدي، كل أولئك الأصدقاء كانوا من المحسوبين، بهذا الشكل أو ذاك، على اليسار العراقي، المهضوم ومثخن الجراح حينها.محمد لنحوله الشديد وطرافته التي لا حد لها وكونه يشع حباً وسخاء روح كان القاسم المشترك في جلساتنا بالمقهى التي تحولت زاوية منها، وكانت لصق حائطها الأخير لما يشبه (الملتقى الثقافي) لنا. (محمد) كان يكتب الشعر بتأثر واضح بمظفر النواب ونزار قباني، وكنا ننبهه إلى ذلك فيرد: أقبل هذا!!. لروحه الطلقة وسماحته ودعاباته البريئة وإخلاصه ووفائه الذي لا حد له لكل مَنْ يعرفه كنا نسميه (محمد .. الدُرُ النفيس) لكن اسعد احمد الباقر بروحه الفكهة، قَلبهُ إلى (محمد دَرّنَفيس) وبقي هذا الوصف ملتصقاً به ولم يشكل أي عقدة له بل تبناه كعلامة مميزة له. بعد أن طبع الروائي إسماعيل فهد إسماعيل روايته الأولى" كانت السماء زرقاء"/ دار العودة في بيروت/ وقدم لها الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور، زارنا حاملا الرواية وأهداها لنا، في المقهى، وكتب على نسخة منها ما يلي:" اعترف بان أول مَنْ قرأ هذه الرواية مخطوطة هو محمد جاسم عيسى ثم جميل الشبيبي وحاوراني حولها كثيراً وأعدت كتابة بعض فصولها على ضوء حواراتهما الغنية معي، و محمد أحد أبطالها الأساسين وهو الذي عرفني على أصدقائي الأدباء والمثقفين في المقهى". ووقع عليها، فتناولها الناقد جميل الشبيبي وكتب أسفل كتابة إسماعيل فهد إسماعيل ما يلي:"أشهد بهذا.." ووقع عليها كذلك، وقدمها إسماعيل بحضورنا إلى محمد. محمد جاسم عيسى كان عضواً وممثلاً في فرق بصرية مسرحية عدة، أسسها رواد الحركة المسرحية في المدينة، وأورد ذلك الناقد بنيان صالح في مخطوطة كبيرة كتبها عن تاريخ (الحركة المسرحية في البصرة)، لم ينشرها، لكني اطلعت عليها، وكذلك يورد اسمه الأستاذ احسان وفيق السامرائي في كتابه(لوحات من البصرة.. عبير التوابل والمدن البعيدة) / ص 332/ ضمن نشطاء العمل المسرحي الشباب، في مرحلة الستينيات.كتب محمد عدداً من المسرحيات وأسس مع بعض زملائه الفرقة المسرحية في جامعة البصرة، وأخرج بعض مسرحياته التي كتبها للفرقة كذلك، كما كتب السيناريوهات السينمائية وعرضها على المخرج قاسم حول، والذي طلب منه أن يحتفظ بها إلى الوقت المناسب.بعد مجيء البعث للحكم ثانية تعرض محمد وبعض زملائه في كلية الحقوق لضغوط من قبل الأمن الطلابي التابع لحزب القتلة وتم الاعتداء عليهم بشدة وقسوة، وعندما زرته في بيته، الواقع في منطقة الأصمعي القديم (الومبي)، شاهدت آثارها على عينيه ووجهه وجسده النحيل.بعد تخرجه انتسب لنقابة المحامين وعند ممارسته المحاماة اكتشف التواطؤ والالتفاف على القوانين لصالح سلطة قذرة ومؤيديها، وتلمس الانتهاك الإنساني في أروقة المحكمة والموجه بالذات ضد فقراء البشر، فترك المحاكم وظل يردد ما قاله(جوزيف.ك) بطل رواية (المحاكمة) لفرانز كافكا:"كلما اقتربُ من بناية المحكمة..أشمُ رائحة عفونة القوانين". ذات شتاء ما قرر محمد السفر إلى (إيران) فاستعار معطفي الثمين، والذي أرسله ليّ من الكويت أحد الأصدقاء.بعد جولة في بعض مناطق إيران، وعند وصوله إلى (عبادان) أفلس محمد تماماً، ولم يعد يملك حتى أجرة عودته إلى البصرة، فباع معطفي لتمشية أموره، وذكر لنا في المقهى:" انه يثق بأني لن أطالبه بالمعطف أو ثمنه نهائياً، لكنه كان يواجه البرد الشديد ويرى المعطف، خلال تجواله في عبادان معلقاً في المتجر ويتحسر على دفئه الذي كان يتمتع به".عندها التقط القاص سلمان كاصد هذه الحكاية وكتب عنها قصة قصيرة بعنوان (معطف السائح المعلق في سوق عبادان) ونشرها في جريدة (الفكر الجديد)، وأعاد نشرها في أحدى المجلات اللبنانية، ربما (الآداب) أو(الطريق). غادر محمد جاسم عيسى بصحبة القاص خالد الخميسي إلى الكويت، وبعد انتهاء مدة زيارتهما، وعدم رغبتهما العودة إلى العراق، وإفلاسهما، تكفل الصديق الروائي إسماعيل فهد إسماعيل، كعادته وبيده الناصعة البيضاء الدائمة، بتقديم العون والمساعدة المتواصلة إلى الأصدقاء، وقام بحجز تذاكر السفر جواً لهما، وعلى نفقته الخاصة، نحو بيروت، مع رسالة تزكية لا يرقى إليها الشك لبعض خلص أصدقائه ومعارفه فيها، وقُبل تطوعهما، نتيجة ذلك في"منظمة التحرير الفلسطينية" وعملا في الفرع الإعلامي فيها. نسب (محمد جاسم عيسى) للعمل مع المخرج قاسم حول في دمشق، والذي كان يعد لفلم تسجيلي عن حادثة واقعية قام بها شاب فلسطيني يتسلل ليلاً منفرداً نحو بلده حاملاً ما استطاع من سلاح و يُكتشف من قبل دوريات الجيش الصهيوني فيصطدمَ بها ويقتلَ بعض إفرادها لكنهم يجهزون عليه ويمثلون بجثته، ثم يرمونها على الحدود. وروى محمد لي ما يلي: صباح يوم ما في دمشق" قاسم حول" يحمل كامرته وحقيبته وإنا احمل دفتراً كبيراً يحتوي على سيناريو فيلم (اليد) والذي كتبه قاسم ويستعد لإخراجه بتكليف من المؤسسة السورية للإخراج السينمائي، طلب قاسم مني أن انتظره في كافتيريا وترك معي ما يحمله.ثم عاد بعد فترةٍ طويلةٍ ومعه كيس مغلق جيداً و لم اعرف محتوياته، طلب قاسم مني حمله، ذهبنا وتغدينا معاً والكيس إلى جانبي، وعدت إلى غرفتي فوضعت الكيس مجاور فراشي.غادرنا عصراً للبدء بتصوير الفيلم، والكيس معي.طلب مني قاسم، في الأستوديو، فتح الكيس وما أن فتحته حتى أصبت بالرعب والذهول وكدت انهار، كان في الكيس الذي كنتُ احمله طيلة النهار (يـدٌ) بشرية مُجمدة و مقطوعة من الكتف حصل عليها قاسم من فرع التشريح بكلية الطب في جامعة دمشق لغرض استخدامها في الفيلم، وكنت كل ذلك الوقت احمله ولم يعلمني قاسم بمحتوياته.عاد محمد بعد عام (1973 ) إلى البصرة، ثم عين عن طريق مجلس الخدمة العامة ملاحظاً بمديرية التعاون في الموصل وأوفد إلى (ألمانيا الشرقية) للحصول على دبلوم تعاون وبقي سنة كاملة هناك، وهزه الحنين للعراق فعاد تاركاً الدراسة وتزوج من فتاة (موصلية) كونه عراقياً ولا يعبأ بما يفرق العراقيين ألان، وأنتقل معها إلى البصرة خلال أواخر الثمانينيات، وفُرض عليه مجدداً بالإكراه الانتماء لحزب القتلة فرفض ذلك، واعتقل أكثر من ثلاثة أسابيع في مديرية " أمن البصرة" بتهمةٍ ملفقةٍ، وبعد إطلاق سراحه، عاد إلى الموصل ومعه أسرته الصغيرة.أتلف (محمد جاسم عيسى) كلَ ما كتبَ لسبب لم أعرفه ولم يتطرق له أمامي نهائياً، لكنه ترك فقط كتاباً مخطوطاً كبيراً بعنوان (قدرات الدماغ البشري الفائقة) وهو دراسة (بارسكولوجية) تكشف عن ثقافة غنية حديثة و عميقة ومتجددة في معرفة النفس البشرية وخفاياها، وصار عضواً في جمعية (البارسكلوجين العراقيين) بعد أن ألقى بعض المحاضرات فيها، ونشرتُ له قسماً منها في مجلة (مرايا) الشهرية البصرية والتي كنت اعمل فيها.في عموده الأسبوعي بجريدة الصباح (العدد2764) كتب القاص والروائي حميد المختار مقالاً بعنوان ( أبو إيفان)، وهو الاسم الذي أطلقه (محمد) على ولده البكر، جاء فيه:" محمد ابن عمي وقد رأيته في حداثة سني وحين كان يزورنا في مدينة الثورة في الستينيات، يقص علينا قصصه الغرائبية عن الموتى وحكاياتهم المخيفة فكان أول مَنْ غرس في داخلي حب القصص السحرية ذات المنحى الغرائبي الادهاشي".ذكر لي القاص والروائي والمخرج المسرحي (نصيف فلك)، وهو ابن عمه أيضاً:" انه أول مَنْ حبب المسرح لي خلال زياراته تلك".عاد محمد إلى البصرة، بعد سقوط النظام، وإحالته على التقاعد لبلوغه السن القانونية، وأخبرني انه في الموصل، في فترة ما، كان ضمن خلية أعضاء في الحزب الشيوعي العراقي، ومعه في الخلية والد السيدة المناضلة الشجاعة الدكتورة "كاترين ميخائيل". في العام الماضي ألقى محمد قصيدة في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في الحفل الذي إقامته "محلية الحزب في البصرة". في هذا العام بدأ بكتابة قصيدة عن الشهيد"سلام عادل"، أسمعني بعضاً منها، وقرر المشاركة فيها بعد إكمالها في حفل"محلية البصرة" بمناسبة الذكرى الـ (79) لتأسيس الحزب في 31 آذار. صباح الخامس والعشرين من شباط هذا العام، كنت انتظره ليزورني ويطرد الوحشة عنيَّ بعد أسبوعين على رحيل زوجتي أم (ودّْ)و (وضاح)، والتي تجلهُ وزوجته جداً.لم يصل ذلك اليوم إلى مسكني(الدُرُ النفيس..).. ولم أعلم منه هل أكمل قصيدته عن (سلام عادل) أم لا؟. فقد انقض طائر الموت عليه صباحاً.. وهو يستعد لزيارتي.

 

معلومات إضافية