المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

إسلاميو السلطة (106): هل حقاً أن مقتدى الصدر آخر من يعلم؟

salim alhasani2لا يوجد قائد سياسي ينافس السيد مقتدى الصدر بقوة قاعدته الجماهيرية واتساعها، وهذا ما يتضح ميدانياً من خلال التظاهرات الميدانية، فاذا ما دعا الصدر الى تظاهرة أو المشاركة في تظاهرة فأن حجمها سيكون واسعاً في بغداد والعديد من المحافظات الجنوبية.

لكن هذه الجماهير العريضة لم يصنعها السيد مقتدى الصدر، إنما هي جماهير والده المرجع الشهيد الصدر الثاني، إنها نتاج حركته الواعية على مدى السنوات الصعبة المتحدية في وجه أعتى الأنظمة الدكتاتورية القمعية في العالم المعاصر.. إنها النتيجة الطبيعية التي أفرزها نزف السيد محمد الصدر قدس سره في النجف الأشرف برصاص الغدر البعثي. وكل هذا يجعل من مقتدى الصدر أمام المسؤولية وليس أمام التكريم، وسيكون من الواجب على الجميع تكريمه والمناداة به قائداً فيما لو تصدى للفساد بالجدية المطلوبة، فيكشف الفاسدين في تياره من الوزراء والنواب والمسؤولين، وبذلك ستلتف حوله جماهير العراق، بعد أن خلت الساحة من القادة الذين يتميزون بالنزاهة والشرف والحرص على المال العام.

وفي حال بقي السيد مقتدى الصدر يدور في نطاق الكلمات والادانات وشجب الفساد، فانه سيكون نسخة مكررة لقادة الكتل الأخرى، وسيواجه بالتأكيد بعد فترة من الزمن إنفضاض مؤيديه وأنصاره، بعد ان ينتهي زخم العاطفة بوطأة الجوع، وبعد أن تبرز أسئلة الوعي وهي تقارن في صوت مسموع بينه وبين الآخرين.

...

ما الذي اختلف فيه السيد مقتدى الصدر عن غيره من قادة الكتل السياسية؟ إنه مثلهم يشجب الفساد ويدعو الى كشف المفسدين، ويلقي باللوم على الحكومة وعلى القضاء وعلى البرلمان وعلى الهيئات المختصة بمكافحة الفساد، وغير ذلك مما يفعله قادة الكتل الأخرى، بل هو نفس الكلام الذي يكرره الوزراء والنواب الفاسدون او المتهمون بالفساد في صياغات مملة سئمها المواطن العراقي.

لم نجد للسيد مقتدى الصدر موقفاً جاداً يبدأ بمحاسبة المفسدين الكبار في التيار الصدري، ثم ينتهي بكشفهم واحالتهم الى القضاء.

لم يُسجّل لوزرائه في الحكومة ولا لنوابه في البرلمان، موقف عملي يكشف الفاسدين في وزاراتهم ويواجه مجلس الوزراء بالصفقات والسرقات التي تضرب كافة مرافق ومؤسسات ودوائر الدولة. ولم يكن لنوابه الكثر في البرلمان وعلى رأس لجان مهمة أي دور في فضح الفاسدين والمرتشين والسارقين، إنما هي استعراضات إعلامية شأنهم في ذلك شأن غيرهم من المسؤولين. وكان المتوقع أن نجد السيد مقتدى الصدر وقد أوقفهم موقف المحاسبة ليضعهم أمام تقصيرهم في هذا المجال، إن لم نقل أمام تورطهم في السرقة والتستر والإرتشاء وغير ذلك من مظاهر الفساد.

لقد شغل التيار الصدري 12 وزارة و104 مقاعد برلمانية حتى الآن، أي أن مشاركته كانت فاعلة ومؤثرة في الحكومة والبرلمان، وبدل أن يسهم هذا الحضور الحكومي والبرلماني في كشف الفساد، فانه كان مشتركاً فيه ضمن التورط المباشر لكبار المسؤولين الصدريين، وكذلك في التستر على ملفات الفساد ضمن القاعدة السارية بين المسؤولين، أي السكوت المتبادل على فساد بعضهم البعض.

...

لم يفعل السيد مقتدى الصدر شيئاً من ذلك، ولم تسفر خطاباته وقصاصاته وكلماته الساخنة عن كشف فاسد كبير في كتلته من الوزراء والنواب والمسؤولين، بحيث يتم استرجاع ما سرقه واحالته الى القضاء لينال جزاءه.

إن خصوصية القيادة الصدرية تفرض على السيد مقتدى الصدر أن يكون بمستوى الانتماء للشهيدين الكبيرين الصدر الأول والثاني، وان يفرض نفسه القائد الذي يخدم الشعب ويحفظ ثروته ويأتي اليه بحقوقه.

وأمام هذا المسؤولية التي تقف أمام السيد مقتدى الصدر، وعندما يدور الكلام عن فساد وزرائه ونوابه، فان بعض أنصاره يدافعون عنه بالقول أن السيد يحتاج الى أدلة قاطعة حول فسادهم، أو أنه لم يصل بعد الى إدانات مباشرة بفسادهم. وكأن أنصاره يريدون القول: إن السيد مقتدى الصدر آخر من يعلم.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

"بابيلـون" للثقافة والاعلام في يوبيلها الفضي

rawaa jasaniفي اواخر عام 2010 نشرنا تأرخة حملت عنوان "بألف دولار من الجواهري، وبريشة محمود صبري، أبحرت "بابيلون" من براغ، قبل عشرين عاما ".. وها هي خمسة اخرى من الاعوام تمر ليصير الحصاد ربع قرن، يوبيلاً فضياً، لأول وأخر مؤسسة عربية في بلاد التشيك، تفردت بشؤون الثقافة والاعلام، وما حولهما وبينهما كثير من الرحاب..

... وأما مبلغ الألف دولار، ولا غير، فهو قرض من الجواهري الخالد، مثّل ثلث "الرأسمال" المطلوب لبدء العمل.. واما ريشة المبدع الكبير محمود صبري، فهي التي طرزت الاصدارات الأولى لـ"بابيلون" فضلاً عن توجيهاته ورعايته الشاملة. وهكذا صدر العدد "صفر" من النشرة الاخبارية الأولى اوائل عام 1991 لتسجل ريادة أولى على الصعيد الثقافي والاعلامي في براغ، ولتترى بعد ذلك، وإلى اليوم، مطبوعات ونشريات وفعاليات متنوعة الاهداف والاشكال، ولكن بسمات واحدة نزعم أن خلاصتها: الموضــوعيــة والتميـــز... ومعـــروف ما هو مردود ذلك - دعوا عنكم الجوانب الإيجابية - من غيظ وحسد، ولانزيد...

... وأذ تتوالى الأعوام الخمسة والعشرون، تستمر "المغامرة" في "طلب مروم"، لو بُذل قســـط بسيط مما استنزفه من جهد مثابر في مشروع آخر - غير ثقافي أو اعلامي بالطبع - لتحققت مقابل ذلك عوائد وفوائد جمة من نوع آخر، ما كانت، ولم تكن، من توجهات "بابيلون" أو طموحاتها... فالمتناقضان لا يجتمعان في مستقر واحد، كما ينبئ التاريخ، ويسجله بحرص... وقد كُفيّ المؤمنون شر "الأرباح" المادية، ليستعاض عنه بشارات تميّز، وحصاد فخر.

لقد تبوأت "بابيلون" للاعلام والثقافة والنشر ما تبوأته من مكانة، في المساهمة بمجـــالات التنويـــر والاعــلام، ولتصــــبح بشـــهــادات "متربصـــين" قبل زملاء واحباء، مَعلمـــاً ثقافياً واجتماعياً، ولاسيما في بلاد التشــــيك ولدى أهلها، مواطنين وجاليـــات عربيـــة، وغيرها، وخاصة من عُنيّ منهم بشؤون التبادل المعرفي، والتأرخة والتوثيق، وما إلى ذلك من قياسات ومقاييس...

...ان التوقف عند مناســـبة اليوبيل الفضي لانطلاقة "بابيلون" بمثـــل هذه السطور، الموجــــزة، لا تدع لنا فرصة واسعة لـ "تقييم" المكاسب والخسائر، ولا عرض "حسابات" الحقـــل والبيــــدر: امتنـــاناً للأصحاب، أو انتقــــاداً للآخرين... وبمباشرة أكثر صراحة: لمن "حرص" على استمرار "بابيلون" في النشاط والعطاء، ولمن "حرص" على "مواجهتها" بهذا الشكل أو غيره، لأسباب معروفة في بعضها، وأخرى في "نفس يعقوب"!... ولكن كل ما نبتغي قوله، وعلى عُجالة: ان النجاح الأصيل هو ذلكم الذي يتحقق مع الصعوبات، لا بدونها، وإلا لأصبح الأمر ترفاً ومجالاً يسرح به القادرون وغيرهم، على حد سواء، ولعل ذلك ما لا يستحق التوقف عنده...

ان الكتابة لكم تعسر حين يراد بها أن تعبّر، وتوجز في آن.. ولاسيما في محاور ومجالات تتنوع رغبات التوقف عندها، بين الاستعراض والتقييم، وما بينهما...

ونستذكر البدايات، وتلكم الأيام الأول، وساعات العمل التي امتدت احياناً من السادسة صباحاً، وحتى منتصف الليل... وللأوائل هنا موقع متميز: عبد الاله النعيمي" الشريك" المؤسس، وذات الانامل والطبائع الذهبية : نسرين وصفي طاهر، الى جانب جهود: صادق توما توماس و ياسر رزق وجمال الجواهري ويحيى زكي خيري...

... ثم تصدر "النشرة العربية".. الوليد البكر، الرائدة في شكلها ومضمونها، التي شهدتها براغ، باللغة العربية، كل يوم، ولنحو سبعة أعوام 1991-1997...

وتتنوع الاصدارات. متتالية : فمن أسبوعية "الاقتصادية" وشهرية "أهلاً" الموجهة للجالية، وفصلية "الحياة التشيكية" السياسية الثقافية الجامعة... إلى الكاتلوج التجاري السنوي، ثم "بانوراما عربية" باللغة التشيكية هذه المرة، وما تلكم سوى بعض الحصيلة الاولى... وتستمر "بابيلون" في اصداراتها الجديدة، والمتجددة وفقاً للحاجة والظروف... اضافة لاصدارها العديد من الكتب والنشريات المتميزة، وبلغات متعددة ومنها عن: الجواهري، نزار قباني، محمود درويش، محمد الشرفي، وكذلك عن شؤون وقضايا يمنية وليبية وسورية وعراقية... وغيرها.

... ونتباهى هنا : ان "بابيلون" قد التقت وحاورت في مقابلات صحفية العشرات من المسؤولين الرسميين والسياسيين والشخصيات العامة، وفي المقدمة: رؤساء جمهوريات وحكومات، ووزراء خارجية، وبرلمانيون، عرباً، وتشيك... وقد يطول التعداد، ونحن عازمون على الإيجاز والتأشير، فقط.... كما ونتباهى أيضاً - ولم لا ؟؟- بان جمعا حاشدا لمسؤولين وسياسيين وسفراء ودبلوماسيين ونخباً ثقافية: عربية وتشيكية وأجنبية، قد زاروا مكاتب "بابيلون" للتعارف والاطلاع وتبادل الآراء وغيرها من الشؤون العامة... ولعلنا قادرين في قريب قادم على اصدار "البوم" مصور عن تلكم الزيارات التي نعتز بتوثيقها، لما فيها من تارخة ومغازٍ عديدة...

ان من غير المقبول تماماً، ان نتابع مسارات "بابيلون" في أعوامها العشرين، دون وقفة وفاء لراحلين أعزاء عملوا معها، وتحملوا بعض أعباء نشاطاتها، وخاصة في البدايات: السودانيان د. فتح الرحمن احمد هاشم، ود. عبد الرحمن احمد... والعراقيان أمل محمود بهجت، وزكي خضر، وكذلك المستعرب التشيكي فلاديمير هايسكي، فلهم جميعا نفثة وفاء وذكرى طيبة دائماً...

... كما لا يجوز هنا إلا ونتوقف لنؤشر جهود ومشاركات أكثر من خمسين اعلامياً وكاتباً ومحرراً ومترجماً وادارياً وفنياً: مصرياً وعراقياً وسورياً وفلسطينياً ويمنياً وسودانياً وعرباً آخرين، إلى جانب التشيك، من الذين ساهموا وبهذا القدر أو ذاك في انطلاقة "بابيلون"، وديمومتها، وتطوير عملها... منوهين بهذا الشأن الى مشاركات متميزة، ولفترات طالت او قصرت، لنخبة من المثقفين الذين تعاونوا مع بابيلون في مجالات الكتابة اوالتحرير او الترجمة، وفي مقدمتهم : د. مجيد الراضي ومفيد الجزائري ويحيى بابان ( جيان ) و د. عدنان الاعسم... وعذرا لمن شطحت - او تقصدت ؟- الذاكرة عن البوح باسمائهم...

لقد تعدت حدود ومهام "بابيلون" الاعلامية، لتتحول إلى منبر ثقافي واجتماعي عام: ندوات ودراسات واستشارات ومساهمات في فعاليات عربية ودولية... مبرزين بهذا السياق جهودها التي ما برحت قائمة في التقريب بين أبناء الجاليات العربية في تشيكيا وبقدر المستطاع، وضمن الامكانيات المتاحة....

واذا كان كل ذلك الذي وثقنا له، وبمنتهى الإيجاز، قد تحقق بجهود مثابرة وحثيثة، برغم محدودية الموارد والامكانيات المادية – وعسى ان تكرهوا شيئاً... - فلابد من القول ان مشاريع طموحة عديدة أخرى كانت - وما فتئت ـ في "أجندة" بل "أجندات" بابيلون، ولكن: ما كل ما يتمنى المرء يدركه، وسنبقى نردد بيت الجواهري العظيم، مع تغير كلمة واحدة وحسب :

ذهب الناس من الدنيا بمال ونعيم، وذهبنا نحن بـ"التاريخ" والذوق السليم

مع تحيات"بابيلون" للثقافة والاعلام

www.babylon90.com

 

رواء الجصاني

 

تلك هي حقيقة التشيع

mohamad tawfiqalawiحدثت هذه الحادثة في أوائل الستينات من القرن السابق في مدينة صور جنوب لبنان، وقد نقلها لي الحاج محمد فتني الذي لا يزال على قيد الحياة حتى يومنا هذا، حيث كان عمره في ذلك الحين بحدود الثلاثة عشر سنة، وكان والده المرحوم الحاج حسن فتني مؤذناً ومشرفاً على جامع السيد عبد الحسين شرف الدين، وقد قدم السيد موسى الصدر للإقامة في مدينة صور وإماماً في جامع السيد شرف الدين في أوائل الستينات، حيث كان الفقراء من مدينة صور يأتون إلى الجامع يوم الجمعة يتسولون من المصلين بعد الصلاة، وكان هذا المنظر يؤذي السيد موسى الصدر، لذلك طلب من الشيخ محمد عقيل رئيس جمعية البر والإحسان التي أسسها السيد عبد الحسين شرف الدين بجلب قائمة بأسماء هؤلاء المتسولين فضلاً عن أسماء جميع العوائل الفقيرة في مدينة صور، فتم جرد أسماء الفقراء وقدمت قائمة بأسمائهم إلى السيد موسى الصدر، وعندما إطلع السيد موسى الصدر على الأسماء خاطب الشيخ محمد عقيل متسائلاً إن كانت القائمة تتضمن أسماء الفقراء من الشيعة فقط، فأجاب الشيخ أنهم فقط من الشيعة، فقام السيد الصدر بتمزيق القائمة متسائلاً (أليس هناك فقراء من السنة في صور؟ أليس هناك فقراء من المسيحيين في صور؟) فكان جواب الشيخ له بالإيجاب، فقال السيد (لا يجوز التفريق بين الفقير الشيعي والفقير السني، ولا يجوز التفريق بين الفقير المسلم والفقير المسيحي، وإني لا أقبل بهذه القائمة، وأريد قائمة جديدة تتضمن أسماء كافة الفقراء من مدينة صور من الشيعة والسنة ومن المسلميين والمسيحيين) فتم على أثرها ترتيب قوائم جديدة تتضمن أسماء كافة الفقراء شيعة وسنة، مسلمين ومسيحيين، حيث تم الإتصال في ذلك الوقت بالمطران يوحنا حداد المقيم في حارة المسيحيين لتزويدهم بأسماء العوائل الفقيرة من المسيحيين.

لقد عين محدثي الحاج محمد فتني في عمره الصغير مسؤول مع مجموعة من الأولاد في عمره عن توزيع المساعدات العينية لهذه العوائل الفقيرة حيث كان يزود بأكياس تتضمن المساعدات العينية من سكر ورز وشاي وحليب مجفف ومعلبات وأنواع الحبوب، وكان الحاج محمد فتني يعرف عناوين المسلمين من الشيعة والسنة، وبدأ يستدل على بيوت المسيحيين من أصحاب البقاليات في حارة المسيحيين، وعلى أثر ذلك توثقت العلاقة بشكل كبير بين السيد موسى الصدر وبين المطران يوحنا الحداد….

هذا هو منهج أهل بيت النبوة، المنهج الإسلامي الصحيح، وهو خلاف منهج الطائفيين من الشيعة والسنة وخلاف منهج خوارج العصر من داعش ومن لف لفهم الذين إستباحوا أموال المسيحيين وأستباحوا دماء من خالفهم الرأي من الشيعة أو السنة وغيرهم من الطوائف وألأديان.

يجب أن لا ننسى مقولة آية الله السيد السيستاني في نفس هذا لتوجه (لا تقولوا اخواننا السنة، بل السنة هم أنفسنا)، كم من الشيعة يطبقون هذا المنهج، منهج أهل البيت (ع)؟ وكم منهم يطبق المنهج الأموي الذي كان قائماً على العنصرية وعلى الولاءات؟ وكم من السنة يطبقون المنهج الإسلامي الصحيح في التآخي بين جميع المسلمين؟ وكم منهم يطبق منهج خوارج العصر في تعميق الطائفية وتكفير الآخر؟

 

محمد توفيق علاوي

 

إسلاميو السلطة (105): مسؤولية مقتدى الصدر في الحفاظ على سمعة والده

salim alhasaniعندما يرشح السيد مقتدى الصدر مسؤولاً أو وزيراً أو نائباً، فان معنى ذلك أنه يوافق أن يكون هذا الشخص هو نموذج التيار والخط والمدرسة الصدرية في المسؤولية.

لقد استلمت كتلة الاحرار 12 وزارة منذ 2005 لحد الان هي وزارات: السياحة والاثار، الزراعة، الصحة، الموارد المائية، الاسكان والاعمار، البلديات والاشغال العامة، التخطيط، المالية بالوكالة، الصناعة والمعادن، وزارة دولة، النقل لدورتين، كما ان كتلة الاحرار تولت منصب المحافظ في بغداد والعمارة، كما استلمت منصب نائب رئيس الوزراء، ولديها 104 نواب خلال ثلاث دورات برلمانية.

فهل كانت هذه المواقع خلوا من الفساد؟ وماذا كان موقف السيد من انصاره وممثلي تياره فيها؟

هل حاسبهم؟ هل تبرأ منهم؟ هل سلمهم الى القضاء؟ هل استعاد منهم المال الحرام؟ ولمن سلّمه؟

وهل هؤلاء هم النماذج التي قدمّها السيد للامة كمسؤولين يتبعون سماحته ويقتدون بالشهيد العظيم السيد محمد الصدر؟

...

إن مجموعات الأسئلة تبقى بحاجة الى إجابات مسموعة من قبل السيد مقتدى الصدر ومكتبه، فعندما أقدم على محاسبة وزير الإسكان السابق ووزير الصناعة الحالي محمد صاحب الدراجي، فان التعتيم لا يزال مخيماً على هذه الواقعة، والتي اعتبرناها في البداية مؤشراً على جدية زعيم التيار في مكافحة الفساد. وهذا يحتاج الى جواب.

كما أن رئيس لجنة النزاهة البرلمانية في الحكومة السابقة كان من قادة التيار الصدري وهو السيد بهاء الأعرجي، فكيف لم يكشف أي ملف عن الوزير الدراجي طوال السنوات الماضية وهي الفترة التي تمادى فيها في عقد صفقات الفساد مع شركاته وشركائه؟.

ألا يُشكل ذلك نقطة مهمة تستدعي المتابعة من قبل السيد مقتدى الصدر؟ خصوصاً وأن الجو السياسي العراقي يتحدث عن عمولات ورشاوى وأتاوات كان يستلمها بهاء الأعرجي بملايين الدولارات مقابل التستر على الفاسدين وعدم إحالة ملفاتهم الى القضاء، وهذا أمر يمكن التحقق منه بسهولة فيما لو تعامل مكتب السيد مقتدى الصدر ومساعدوه بجدية وصدق وإخلاص، حرصاً منهم على سمعة السيد وسمعة الشهيد الصدر الثاني وسمعة آل الصدر.

ويزداد الموضوع أهمية ومساساً بسمعة السيد مقتدى الصدر، لأن ما يردده الأعرجي هو ان هذه العمولات يُسلمها للتيار الصدري، فكيف يغفل السيد عن ادعاء بهذا الحجم من الخطورة يمسه شخصياً؟

...

ويصل الأمر الى النائب حاكم الزاملي رئيس لجنة الأمن والدفاع البرلمانية، فقد اصدر السيد مقتدى الصدر في العام الماضي أمراً بتجميده لمحاسبته، ثم رفع عنه أمر التجميد، مع أن قضايا الزاملي لا تزاله مفتوحة قائمة في المحاكم الرسمية بتهم الاختطاف والقتل. والسيد نفسه ابدى امتعاضه عندما رشحه التيار الصدري لانتخابات البرلمان عام 2014، بقوله: كيف ترشحون هذا الشخص وهو عليه شبهات؟

ألا يدفع ذلك المواطن العراقي الى التساؤل عن السبب الذي يمنع مساعدي السيد الصدر من الاستفسار من المحاكم المختصة لمعرفة حقيقة الأمر، وهو اجراء بسيط جداً، وبذلك يقدمون خدمة لقائدهم بوضع الحقائق امامه، لكيلا يكون السيد مقتدى الصدر عرضةّ للطعن والتشكيك والاتهام بانه يحمي الفاسدين؟

...

لا يمكن للقائد أن يقول إنه لا يعلم وأن مساعديه لم يزودوه بالمعلومات المطلوبة وبالصورة الدقيقة، فذلك يعني أنه ليس أهلاً لهذا الموقع، فالقائد هو الذي يعرف كيف يختار فريقه، وكيف يتابع دقائق الأمور، فيكتشف المفسدين منذ البداية، ويحاسبهم بأسرع وقت، ليحافظ على سمعة المبادئ التي ينادي بها، وتزداد المسؤولية اضعافاً مضاعفة عندما يكون القائد منتمياً الى الشهيد الصدر الثاني قدس سره، بما يمتلكه من منزلة مقدسة في نفوس الملايين.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

كلام من زمن فات له شجون وذكريات

shakir karimalkaysiبعد مرور السنين الطويلة وابتعادنا عن الكثير من الاصدقاء، تجعلنا الايام نلتقي بأحدهم، وتعود بنا الذاكرة الى الوراء من اجل التذكير بأحلام وايام الطفولة والشباب وما اجمل ان يحظى الانسان بصديق، من شدة وفائه يعني له كل الاصدقاء.

في الاسبوع الماضي واجهت احد الأصدقاء القدامى وعادت بنا الذاكرة كثيرا لمراتع الطفولة والصبا، وتذكرت معه البساطة التي كانت تحيط بحياتنا، في الحي الذي كنا نسكنه فهو من مذهب وانا من مذهب اخر وتذكرنا كيف كنا أنقياء لا هم لنا ولا مشاكل حولنا، لانعرف معنى الطائفية ولا الاثنية ولا العرقية ولا مجلس نواب يعمل من اجل جيوب نوابه وسعادتهم .! تذكرنا كيف كنا نأخذ من اليوم أوقاتا للعب وللتسلية، وتذكرنا كيف تمر الأيام بنا دون ان نعرف عن التفجيرات والقتل والموت بالحروب الداخلية او الخارجية. من قتل أو تفجر،ومن مات في حرب او تهجر، ولا من افسد وسرق.

غالبا ما كنا نستمع للراديو او جهاز التسجيل ابو( الكاسيت) لأغاني داخل حسن وزهور حسين وعبادي العماري وياس خضر ونستمع من الاذاعة لاغاني فيروز في كل صباح و لاغاني ام كلثوم في المساء ونشاهد التلفزيون الاسود والابيض وافلام عراقية ومسلسلات رغم بساطتها لكنها كانت قمة في الروعة والانبهار والمتابعة. لأنها تعالج مشاكل اجتماعية طاغية في المجتمع آنذاك مثل (النهوة والنهبية والثأر والمحطة وفلم الحارس وانعيمة وغيرها). ليس مثل افلام ومسلسلات اليوم.

كنا لا نعرف اجهزة الموبايل، بموديلاتها لا ابو الطابوكة ولا الكلاكسي، الذي يستخدمه احفادي مصطفى وسجاد اليوم، في حين اجهل انا استخدامه.! ولا الفضائيات واقمارها الاوربية والعربية،ولا شرائط الأخبار التي نقرأها الآن حتى في احلامنا، كنا لا نعرف الحروب والاحتلالات التي تدمر الشعوب والبلدان،ولا القنابل والكواتم ولا سقوط الناس بالمفخخات ولا نفهم، لم تقام الحروب وتفرض الحصارات وتنتشر المجاعات؟ لانعرف غير الهجوم النووي الذي شنته راعية (الديمقراطية) الولايات المتحدة الامريكية على هيروشيما وناجازاكي ضد الإمبراطورية اليابانية في نهاية الحرب العالمية الثانية. قتلت القنابل ما يصل إلى 140,000 شخص في هيروشيما، و80,000 في ناغازاكي!! تذكرنا الهدوء في الحياة،وتذكرنا اننا لا نعرف امراض الضغط او السكر ولا السرطانات .! وتذكرنا عند ما يموت شيخ مسن في الحي ننبهر.! ونقول الله يرحمه،كيف توفى بالأمس كان جالس في باب داره يستمع للراديو، ونساهم نحن ابناء الحي رجالا ونساء بتشييع جنازته وحضور مجلس العزاء والمساهمة بمصاريف (الفاتحة) وما ان تنتهي الايام السبعة حتى يتسارع ابناء الحي على دعوة اولاد واخوان المرحوم الى وليمة طعام وحلاقة ذقونهم والتخفيف عن ما اصابهم .! في حين اليوم الجار لايعرف اسم جاره ولم يشاركه بافراحه واتراحه.! تذكرنا الأمانة والصدق والنية الصادقة الـــتي كانت بين الناس، وتذكرنا كـــذلك الوفاء وتذكرنا شوارعنا في ابي نؤاس والسعدون و الرشيد من حيث النظافة وجمالية محلاتها بما تعرض. وليس ماهي عليه اليوم من خراب في خراب وفوضى ما بعدها فوضى. شوارع مقطعة ومحفرة، وحواجز تفتيش، ازدحاما مروريا، صفارات انذار، لسيارات الاسعاف وللهمرات،ولسيارات الشرطة وحمايات المسؤولين، هذه الفوضى التي تخترق تضحيات المواطنين، في سبيل الحرية، وتفرغها من شحنات الأمل الضرورية، يجلس القادة في كراسيهم، لا كي يتدبروا شؤون مواطنيهم، بل من أجل إدارة شؤونهم وعوائلهم واحزابهم بإحكام لا رجعة عنها. وتذكرنا مقاهي الشابندر وام كلثوم والبرلمان والخلود وابراهيم عرب والعزاوي. ودور السينما التي اصبحت اليوم مخازن لملابس اللكنات والمواد الكاسدة والفاسدة وكل يوم ينشب فيها حريق.! وتذكرنا زياراتنا للائمة الاطهار، موسى الكاظم وابي حنيفة و الشيخ الكيلاني،وخاصة في ذكرى المولد النبوي الشريف. مسيرات مليونية اولها قرب الامام ابي حنيفه واخرها في الباب المعظم وهي تنشد (طلع البدر علينا).! تشم روائح العطور والبخور، من صواني الشموع والياس والحلوى. ولم يحصل ما يعكر الفرحة والبهجة.!

تبدل كل شيء، تعولمنا وأصبحنا نعيش عصر السرعة في كل شيء من خلال ما غزت به العولمة بيوتنا واخلاقنا وعاداتنا، من خلال الفضائيات والانترنت، وبات الريمــــوت كنترول هو الصديق، وازراره تنــقلنا من مأساة الى أخرى في هذا العالم المضطرب، وأصبحـــت الكوارث والنكبات والحروب، التي حلت على العباد في هذه الأيام تزاحم الذاكرة وتحتل المكان الأكبر منها، ولن يبقى لدينا من وقت لمحو كل جميل مما تبقي من ذاكرتنا.! رغم انهم يحاولون إزالة ومحو هذه الآثار من منها.!؟ ورحم الله الشاعر ابو العتاهية على قصيدته:

بكيْتُ على الشّبابِ بدمعِ عيني فلم يُغنِ البُكاءُ ولا النّحيبُ

فَيا أسَفاً أسِفْتُ على شَبابٍ نعاه الشيب والرّأسُ الخَضِيبُ

عريتُ منَ الشّبابِ وكنتُ غضاً كمَا يَعرَى منَ الوَرَقِ القَضيبُ

فيَا لَيتَ الشّبابَ يَعُودُ يَوْماً فأُخبرَهُ بمَا فَعَلَ المَشيبُ

 

د. شاكر كريم القيسي

 

إسلاميو السلطة (104): هل يواصل مقتدى الصدر، تطهير تياره أم يتراجع؟

salim alhasani2لن تكون خطوة السيد مقتدى الصورة كاملة مع وزير الصناعة محمد الدراجي، ما لم يعقبها بسلسلة من الإجراءات الجادة في تطهير تياره من العناصر الفاسدة، لا سيما وأن ثراء قادة التيار الصدري السريع، وجلوسهم على مقاعد الإمبراطوريات المالية في العراق، صار أمراً معروفاً، مما يسئ الى سمعة قائده ووالده الشهيد الصدر الثاني إضافة الى سمعة (آل الصدر) وهو ما يحرص السيد مقتدى الصدر على ترديده في مناسبات عديدة.

إن سفر (أو هروب) وزير الصناعة السيد محمد صاحب الدراجي الى خارج العراق، رغم وضع اليد على فساده وسرقاته من قبل زعيم التيار، يثير الشكوك حول طبيعية الخطوة التي ظهرت في بدايتها نقطة إيجابية كبيرة لصالح السيد مقتدى الصدر، لكن عدم إحالته الى القضاء، وعدم اصدار بيان رسمي من التيار الصدري لكشف تفاصيل ذلك، يُقلل من طبيعة الإجراء، بل يفتح المجال أمام تساؤلات لها قدر كبير من المعقولية، عن التساهل في خروجه من العراق، وعدم إبلاغ الجهات المختصة لمنعه من السفر.

...

لا يمكن لملف وزير الصناعة، ان ينتهي عند هذا الحد، خصوصاً وأنه شغل من قبل منصب وزير الإسكان، وهي الفترة التي تراكمت عليه الكثير من ملفات الفساد، وبأموال لم يتم الكشف عنها حتى الآن.

كما لا يمكن أن يكون الوزير الدراجي هو الملف الوحيد الذي يقدمه السيد مقتدى الصدر لجماهيره، فهناك العديد من الوزراء والمسؤولين والنواب في الحكومة، وبعضهم تحيط به تُهم الفساد في دوائر واسعة.

ففي منتصف العام الماضي 2015، طلب السيد مقتدى الصدر من نائب رئيس الوزراء السيد بهاء الأعرجي عدم السفر خارج العراق، لكن ذلك لم يكن حقيقياً، إنما جرى تداوله إعلامياً فقط، فقد سافر الأعرجي بعد إعلان الصدر بأيام قليلة، وتكررت سفراته خارج العراق، فيما تتحدث وسائل الإعلام التابعة للتيار الصدري، عكس ذلك. وهو أمر بعث على استغراب الكثيرين الذين عرفوا بسفرات ورحلات بهاء الأعرجي، ونظروا اليها على أن تعليمات السيد مقتدى الصدر لم تكن جادة.

...

وعندما يصل الكلام الى السيد بهاء الأعرجي وعن ثرائه الفاحش، فانه يتناول إمبراطورية مالية واسعة المساحة داخل العراق وخارجه، نشأت بسرعة خاطفة، وضربت عمقها في مفاصل تجارية ومالية كبيرة وخطيرة.

كما يجري الحديث عن عمولات بعشرات الملايين من الدولارات مقابل إغلاق ملف واحد من ملفات الفساد الكثيرة التي تصل الى لجنة النزاهة البرلمانية. والى ملايين أخرى تحت عنوان تقديم تسهيلات رسمية لرجال الأعمال، وأن هذه الملايين من الدولارات تذهب الى التيار الصدري لتمشية شؤونه. وهذه كلها يجب أن يفتحها السيد مقتدى الصدر، وأن يعطي رأيه فيها أمام جماهيره.

فإما أن يكون بهاء الأعرجي نزيهاً، فليصدر السيد مقتدى الصدر بياناً ينصره على ما يتعرض له من تشويه، وإذا كان فاسداً فليتخذ بحقه الإجراء الشرعي والقانوني بطرده من التيار وكشف ملفاته واحالته الى القضاء. وهذا ما ينتظره المواطن العراقي من السيد زعيم التيار الصدر، في حين أن وقوفه في الوسط لا هذا ولا ذاك، فهو ما يتعارض مع منهج الشهيدين الكبيرين الصدر الأول والصدر الثاني قدس سرهما.

...

لا ندخل في نطاق اللوم على تأخر السيد مقتدى الصدر في محاسبة الفاسدين في تياره، فخطوته مع الوزير الدراجي تشكل بداية جيدة، ويجب ان ننتظر منه ان يستكمل المشوار في هذا الاتجاه.

إننا نريد من السيد مقتدى الصدر أن يجعلنا نقول لباقي القادة السياسيين:

ـ لقد كشف السيد مقتدى الصدر الفاسدين في كيانه، فما الذي يمنعكم من الاقتداء بمقتدى الصدر؟

نريد ان نقول لهم:

ـ إن كل قادة الكتل فاسدون ما عدا السيد مقتدى الصدر، ولمن يريد أن يثبت نزاهته عليه أن يكشف الفساد في كتلته.

ننتظر مواقف تكميلية ينجزها زعيم التيار الصدري، في وقت قصير وبوتيرة متصاعدة، ليقدّم النموذج الشاخص الجدير بزعامة هذا التيار الذي يحمل أكبر الأسماء في الوجدان الشيعي المعاصر.

وبذلك سيتسع نفوذه ليكون نموذجاً عاماً، فيما يضع بقية القادة السياسيين واحزابهم وكتلهم أمام حقيقتهم في التستر على الفساد ونهب أموال الشعب المسكين. فهل سيفعلها السيد مقتدى الصدر؟

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

عبد الرحمن القيسي: المسرح شعلة النور التي لم تنطفئ في ذاكرته

fahad aldokhiمازال يحتفظ بكل الأوراق التي تثبت عائديته الى مدن المنافي، يؤرقه وجع الإغتراب ويقلقه سؤالا ساذجا ظل ينقر في رأسه، حتى صار جزءا من تكوينه،وكما هو الآن يبحث في أسطر التاريخ عن إجابة تريحه وترخي عصبه النابض، كمسرح فرغ توا من ضجيج إبتلعه القرف حد الهذيان،وذاكرته الممتلئة، وهويحاول لفظ السنين المرة خارج مدى الجنون ليستعيد أنفاسه مرة واحدة في حياته،ليجد خشبة يعتليها يشكي لها كل همومه، وفي سره لايصدق أن تزامن وجعه الذي رافقه منذ الأزل مع غطرسة شكلت همه الأول، ورغم جور الأيام وآلامها والتي لم تلوث وحدته وروحه ترف المقاهي وسحرها الدافئ،يرتمي بين أحضان زمن جعله يغادر مرغما سنوات البساطة والكهولة الى منازل، كان الحلم قد أودعها عند محطته التي رسم فيها كل جنونه (الصالحية) وسط العاصمة بغداد،إذ تشهد له كنزيلا إرستقراطيا، وكان من أولويات وجعه والذي لم يجد حرجا للبوح به، هو أن يعثرعلى خشبة يعتليها يصاحبها،يرمي اليها كل أسئلته، يجعلها عنوانا ليرى أحبته من خلالها،إذن هي شعلة النور التي لم تنطفئ في ذاكرته، وكلما تتوقد في آفاقه أوداج الحلم يتعثر عند حافة المرمى،لينهض مجددا ليعيد ترتيب فصول مسرحيته ك (شكسبير) عصره. عبد الرحمن القيسي وهو يقول: (شاعرتائه بين الجد والهزل، بين الضحك والبكاء) ..من أشراقته الأولى هو عنوان الكتاب الذي دون فيه ثلاث مسرحيات .. على التوالي (الإشراقة الأولى، قاضي أوراق، حب في آخر الليل) الصادر عن دار الأبداع للتصميم والطباعة والنشر في تكريت للعام2013،تصميم الغلاف للفنان والاديب الصديق أسامه محمد صادق، ولوحة الغلاف للفنان ماهر الآلوسي..

منذ أن وصلني هذا الكتاب في آواخر العام2013، وقد تسنى لي أن أقرأه قراءة عابرة،أول الأمر كما جرت عليه العادة عندما يهدى الي كتاب، ثم أعود لأتصفحه جيدا وبراحة بال،وقد وجدت من الإنصاف أن أقول كلمة حق في طريق القيسي، المسرحي، الشاعر، القاص،وقبلها أخرج للكاتب والاستاذ الكبير جمال نوري مسرحية (أحزان مضحكة) و(حين تحلق الطيور) للكاتب نفسه وأعمال أخرى مسرحية..

*طبول تحت الوسادة..تأليف وإخراج وتمثيل

* رقصة مع الذات.

* في سبيل الحقيقة.

*مملكة النفايات.

سمفونية التحرير تاليف وتمثيل.

حاصل على أفضل نص مسرحي في مهرجان المسرح الفقير،بغداد المسرح الوطني للعام2004..

ماتيسر لي على اقل تقدير هذا الأثر الفني المسرحي، وطالما تمنيت أن اكتشف من خلاله سر توارد خواطر القيسي وهو يجوب الدروب المتعرجة ليخرج منتصرا وليحقق الظفر على قامات كان لها السبق في الشهرة والمعرفة، في بغداد عاصمة الرشيد عندما كانت منارة للجمال والترف والبهجة،ورغم أنه لم يقع في يدي غير هذا الكتاب من أعمال القيسي،إلا أنني أعرفه منذ عقدين من الزمان تقريبا، عرفته من خلال صديقي واخي الكبير الدكتور عادل طالب القيسي شقيقه، الذي رسم لي صورة صادقة وواقعية عن جنوحه الى عالم الفن والكتابة، حتى كنت قد أسست لقاعدة بيانات تهم هذا الرجل الذي حمل أدواته مبكرا من أحدى قرى سامراء المتحفة بالخضرة وبساتين النخيل ليحل طالبا في أكاديمية الفنون الجميلة وينسف كل عثرات البيئة التي أعدته وإحتضنته، ليتمرد عليها وليعلن استقلاله عنها دون خسارة تذكر، الأمر الذي جعله يوظف كل الأفكار النيرة التي نشأ عليها وتفاخر بها بين زملاءه في حدائق كلية الفنون الجميلة، وفي قاعات العرض المسرحي في بناية الإذاعة والتلفزيون، في أعوام التسعينيات من القرن المرتحل،حتى ميزته هذه الإلفة عن سواه بينه وبين دفاتر الأيام التي تملئ جعبته بشتى الألوان والصورعن مكارم الأهل في الديار ودواوين الضيافة وسعة الصدر، والقصائد العابقة برائحة الفخر والعرفان ببطولات الأجداد والعتابا والزهيري، وكل الرموز التي ساعدته ليكون نجما يسطع في سماء بغداد، متسلحا بلغة ممزوجة بين إرث زاخر ومهارة في التهذيب..

في كتابه، (الإشراقة الأولى) هذا، مدار بحثنا والذي وثق فيه كل عناصر القص الحديث، بأسلوبه المسرحي الجميل، ولغته الباذخة الممتعة، وحالما تتوغل بين الأحداث التي صنعها حتى تجد نفسك منهكا من فرط الغزارة في الجمل وروعة الحوار، والشد الذي يوصلك أن تتجاذب أطراف الحديث مع أبطال العمل المسرحي، حتى يوحى اليك أنك أحدهم،إذ تترامى أنفاسك على صفحات الكتاب وأنت تبحر في عالم وصفه في الصفحة (2) ..

(آه.. ايتها المدينة الموغلة في القدم ... كنت تستقبلين الفجر مثل عروس عذراء، وتشرق الشمس من تحت جناحيك لتمنحنا الدفء والطمأنينة..)

وجدت في سرده والحوارات المكتنزة بالعبارات والحكم والأفكار لأحداث مسرحياته والتي شدتني بوثاق محكم ألا أغادر ساحة العرض،ليس لأنني اردت أن اوصل رسالة تميزه فحسب وإنما الوقائع التي دونت وتنوع الأماكن والقدرة على تغيير البنى الإجتماعية حتى تراه يتنقل بين هذا الحدث وذاك، ويخلط بين مزاج النخبة والنظرة الدقيقة لصناعة الحدث وبين المتعة التي حرص ان يوفرها للمتلقي في ضوء خبرته الطويلة في رسم معالم السيناريو المسرحي وبين رسالته المهنية والجدوى من توظيفها،كأمانة أخلاقية ومهنية ينبغي أن تكون مدوية وفاعلة وحتى لا تتقاطع مع من يصنع التاريخ وفي الصفحة16 نسلط الضوء على هذا الحوار بين رجل وإمرأة..

(المرأة:إنك لاتجيد سوى الكلام..والكلام لايجدي نفعا في هذا الزمان الأحمق..

الرجل:بل أتقن القبل الملطخة بالدموع!!!

المرأة:وهل نأكل قبل ونشرب دموع..؟

الرجل: أشهى طبق إفطار قبلة طويلة عميقة خرساء، وأجمل وجبة عشاء إحتضان صدر مليء بالهموم..

المرأة:وهل خلق الله الرجال للحضن والتقبيل فقط..

الرجل:للقتال والحرب والعمل..

المرأة: الضرب على الأشياء يثمر،إضرب بمعولك على الارض تثمر قمحا،وورود،واضرب المطرقة على المسمار تصنع بابا..)

في لغة الحوار التي اوردناها،إستغل الكاتب دفقة الشحن والتعاطف الغريزي المتأصلة بين الرجل والمرأة ومنحهما حرية البوح بسلاسة عما يجول في الفضاء الأنساني من تفاعل حيوي أخاذ وقد أسهم في بلورة مفاهيم التأثيث لهذا الحوار بمزيج من الرمزية والواقعية وتجلت الوقائع من خلال مايضمره الرجل للمرأة وإستبداد الرغبة الذكورية بالسيادة،دائما وحالما تقترب أفكار المرأة الناضجة من هذيان الطرف الآخر فإن النتيجة سنقرأها بهزيمة منكرة للحظة الآنية التي تغطى على ثقافته، والقصد واضح هنا..

لم يبحر الكاتب والمسرحي عبد الرحمن القيسي بعيدا عن الوسط الذي تعلم منه دروس الحياة، الحرب، ونقيضها الكلمة نفسها ولكن ينقصها حرف الراء ،والسؤال هو كيف يتوائم الحرب والحب في مسار مشترك؟؟

غيرأن مارسمه من اشكال تدفع بنا لنقول،إن الكاتب هو إنسان أولا ومن الطبيعي أن الموهبة تحفزه ليصور الاحداث بعقل المبدع المثابر والمتابع، حتى تكتمل رؤاه، ليسجل الوقائع ويوثقها لتصبح فيما بعد جزءا فاعلا ومؤثرا في التاريخ.. في الصفحة64 نطالع..

(أنا إنسان ينطوي أنصياعا لأمر حبيبته، ينحني أمام طلعتها البهية،يموت شامخا وليس متقوقعا في جسده،ويتسائل.. لمن هذا الجسد الذي حل في؟؟

وتأتيه الإجابة واضحة (أكيد إنه لإحدهم، هم كثيرون الذين دخلوا في سماء الحرب انا لست منهم، لم اكن اريد الحرب، أنا حرب بلا راء، انا حب)

الجدير بذكره في هذا العرض المتواضع،هوالدقة في الوصف ورسم معالم البيئة التي يقول عنها المسرح عندما يرفع الستار ليلتقط صورة ملونة لمكونات المشهد القصصي المسرحي.. (مكان في أحد شوارع المدينة،مصاطب إنتظار كانه مقهى أوماشابه ذلك...الوقت فجرا، يدل المكان على الخواء،كأنه مهجور، شاب يجلس على إحد المصاطب يرتدي ملابس شتائية واضعا لفافة حول عنقه، وقبعة سوداء، مضطرب جدا... الرياح تئن... ينهض الشاب ويدور حول المكان..يدخن سيجارة..ينظر..هنا وهناك...كانه يبحث عن شيء ما..يطفيء السيجارة يجلس وينهض..ثم يجلس على المصطبة الأخرى...) .

عندما رمى بجسده على المصطبة الأخرى فإن الكاتب قد أجاد لعبة الوصف وانتهى بالرجل للعبور الى فكرة أخرى، هي اشراقة وجه المرأة التي طرد عتمة الليل ليجعلها زائرا منتظرا ليرشدنا لنقرأ حاجة الرجل الى المرأة مهما طافت به سنين العمر..

وهنالك الكثير الذي يقال عن هذه المسرحيات التي وثقت جانبا مهما من حياتنا،إذلم تبتعد عن آمالنا وآلامنا وأحلامنا،حتى أنعشت فينا تأويل الأحداث بنفس نقدي موضوعي بعيدا عن الأستهلاك الصحافي والمجاهرة السطحية الفارغة،وترسخت القناعة أكثر بأن القيسي الذي تفوق بمغامرته الفنية والشعرية والقصصية والتي لم تأت من فراغ، بل ولدت من تجارب عميقة وثقافة مسرحية جديرة بأن نقرأها ونعرضها مجددا على قارعة إهتمام النخب الثقافية، لتقول كلمة أخرى عنها...

 

فهد عنتر الدوخي

إسلاميو السلطة (103): الوزير الدراجي نموذج الفساد الثاني في التيار الصدري

salim alhasaniتحدثت الأخبار: أصيب الوزير السيد محمد الدراجي بأزمة قلبية.. الوزير الدراجي يرقد في المستشفى.. رئيس البرلمان السيد سليم الجبوري يزور الدراجي للإطمئنان على صحته.. الوزير الدراجي يتماثل للشفاء.

هذا ما تناقله وسائل الإعلام، لكن للحقيقة جانبها الآخر في قضية وزير الإسكان السابق ووزير الصناعة الحالي السيد محمد الدراجي أحد القياديين البارزين في التيار الصدري.

...

يتعامل الدراجي مع عدد من رجال الأعمال عبر مجموعة من الشركات التابعة له، والمسجلة بأسماء اشخاص وثيقي العلاقة به، شأنه في ذلك شأن معظم رجال الحكم والسياسة في العراق.

وجد الدراجي خلال فترة توليه وزارة الإسكان أن السرقة أمراً ميسوراً في هذا البلد المستباح مالياً وأمنياً، فعرف مداخل الفساد ومخارجه، واكتسب خبرة جيدة في هذا المجال، استطاع ان يجني ثروته الحرام من خلال منح شركاته العقود الضخمة وبتسهيلات استثنائية، ولا يحتاج الأمر لأكثر من ترديد شعارات وطنية وزيارة الأربعين، وتوجيه النقد للدستور والمحاصصة، لكي يدخل نادي الحصانة الذي يضم كافة مسؤولي الدولة.

تمادى الدراجي في سرقاته وصفقاته وجمع الثروة، بالتنسيق مع رجال أعمال منهم (علي جيجان)، وهؤلاء يتحدثون بطبيعة الحال باسم التيار الصدري وحرصهم على توفير المساعدات المالية للتيار.

...

قرر السيد مقتدى الصدر وضع حد للفساد المتفشي في تياره، والذي يقوده كبار المسؤولين الذين منحهم ثقته ودعمه فوصلوا الى البرلمان والوزارات والمناصب المهمة، وقد كانت خطوته العملية الأولى مع وزير الصناعة محمد صاحب الدراجي، حيث اتصل به مكتب الصدر يُخبره بأن وفداً سيأتي الى منزله في مجمع القادسية للقائه.

دخل مجموعة من أنصار السيد مقتدى الصدر ولديهم تعليمات محددة بتفتيش منزل الدراجي، فعثروا على مبلغ (750) ألف دولار أميركي، ثم أخذوا أجهزة الكومبيوتر والايباد الشخصي، وطلبوا منه مرافقتهم، لكن الدراجي رفض ذلك، فتعرضوا له بالقوة لأخذه خارج المنزل، وهنا أدرك الوزير أنه سيواجه الحساب المباشر أمام السيد مقتدى الصدر، وسيضطر الى الخضوع للاستجواب وكشف كل سرقاته وصفقاته مع رجل الأعمال الذين تعامل معهم، فلجأ الى التظاهر باصابته بنوبة قلبية لكي يفلت من قبضتهم.

...

اصطحب الفريق المكلف من قبل السيد مقتدى الصدر، مرافق الدراجي وهو احد اقربائه ومورد اعتماده وثقته، وعند التحقيق معه، اعترف بالكثير من الأموال والصفقات والعقارات التي يملكها الدراجي والتي سجلها بأسماء اشخاص يعتمد عليهم، وكشف لهم أنه سجل باسمه لوحده قصرين كبيرين في منطقة الجادرية.

حاول الدراجي الاتصال ببعض المسؤولين الكبار للتوسط له عند زعيم التيار الصدري، لكن الوساطات فشلت كلها، واكتشف أنه أمام موقف صعب سيواجه فيه الفضيحة الكبرى على سرقاته، وربما سيتم إحالته الى القضاء، فقرر الهرب الى بريطانيا على وجه السرعة، تاركاً منصبه كوزير للصناعة ومهامه وشؤونه الرسمية ومتعلقاته وراء ظهره لينجو بنفسه.

...

خطوة السيد مقتدى الصدر جديرة بالتقدير والتثمين، رغم كونها جاءت متأخرة لعدة سنوات، لكنها تبقى خطوة مهمة في مجال مكافحة الفساد، فيما لو تبعتها الحلقات الجادة في كشف كافة ما سرقه الوزير الدراجي واستعادة الأموال المسروقة. وكذلك عدم الاكتفاء بها، بل مواصلتها لمحاسبة الفاسدين الآخرين في التيار الصدري، وفيهم من سرق أضعاف ما سرقه محمد صاحب الدراجي.

تشير التحقيقات الأولية الى ان الدراجي مارس نشاطه التجاري الفاسد عبر شركاته، في مجالات الصناعة والزراعة والاتصالات والنقل، مما يعني أنها شبكة فساد واسعة تشمل أهم الوزارات الخدمية في العراق، كما أن التوقف عند تفاصيلها ستكشف طبيعة الأشخاص المتورطين من الكتل الأخرى معه.

 

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

إسلاميو السلطة (102): نماذج مشبوهة في التيار الصدري

salim alhasaniطرح الحاكم الأميركي بول بريمر على عدد من أعضاء مجلس الحكم سؤالاً مباشراً:

ـ ماذا يريد السيد مقتدى الصدر؟

وكان يقصد بسؤاله أن القيادة الأميركية في العراق لم تستطع أن تعرف على نحو الدقة توجهات السيد مقتدى الصدر، من حيث التحالفات والمواقف والأهداف؟

لم يحصل بريمر على جواب من المجتمعين. ولم يكن السبب سوى أنهم يجهلون بالفعل توجهات زعيم التيار الصدري الذي برز اسمه لامعاً خلال فترة وجيزة، واستند الى قاعدة جماهيرية بعدة ملايين من المناطق الفقيرة مستميتين في الولاء له.

...

كان توجه السيد مقتدى الصدر واضحاً في رفض الاحتلال الأميركي، وضرورة خروج القوات الأميركية من العراق. وقد بقي ثابتاً على هذا الموقف، في تسجيل رائع لموقف شيعي وطني يسعى الى تأكيد الاستقلال والسيادة العراقية. وهو بذلك أعاد صورة النضال الشيعي الذي طبع أهم فترات التاريخ العراقي والإسلامي في العصر الحديث. حيث كانت الحوزة العلمية والمرجعيات الدينية في النجف وكربلاء وسامراء والكاظمية سبّاقة في رفض الغزو الخارجي، والتصدي للظاهرة الإستعمارية بكل قوة.

لكن توجهه في تفاصيل العملية السياسية وكيفية تحديد المواقف لم يكن واضحاً عند السيد مقتدى الصدر. كما أن قدرته على ضبط تياره لم تكن بالشكل المطلوب، خصوصاً في مرحلة تحول كانت تستدعي الدقة والتقدير الدقيق والتشخيص العميق للمواقف والأشخاص.

ففي فترة واحدة خرج ثلاثة أشخاص من التيار الصدري إدعوا المرجعية، وهم الشيخ اليعقوبي والسيد الصرخي والشيخ قاسم الطائي، واستطاعوا ان يجمعوا حولهم الاتباع والمريدين، وهي حالة غريبة لم تحدث من قبل في طول التاريخ الشيعي والحوزات العلمية. فالثلاثة لم يحصلوا على إجازة اجتهاد من استاذهم الشهيد، والثلاثة انفصلوا عن التيار بعد سقوط النظام الصدامي، والثلاثة ادعوا المرجعية في فترة واحدة وفي قفزة مباشرة خارجة عن ضوابط وسياقات وأعراف الحوزات العلمية الشيعية عبر التاريخ.

...

في المقابل انضم الى التيار الصدري مجموعات من الأشخاص من ذوي التاريخ السيء، ففيهم رجال أمن وعناصر من حزب البعث وأصحاب جرائم وسوابق، أرادوا حماية أنفسهم في زمن التغيير، فانضموا الى التيار الصدري الذي وفّر لهم غطاء الحماية ضمن تشكيلاته الواسعة والمتعددة.

كما عرف مجموعة من الأشخاص كيف يمكن التسلل الى مواقع التيار القيادية وحجز مقاعد متقدمة، وهذا ما حصل مع السيد (بهاء الأعرجي) الذي فتح له شقيقه السيد علاء الأعرجي بوابة الدخول الى التيار، فوصل الى مواقع مهمة، واستطاع ان يجني ثروات هائلة يتحدث بها الناس في الطرقات والمقاهي وارصفة الشوارع، وقد اتسعت ثروته من خلال عمله رئيسا لهيئة النزاهة، حيث كانت اطلالته العريضة على ابتزاز المتورطين في الفساد، مقابل غلق ملفاتهم، وكان يُخبر المتعاملين معه بانه يُعطي هذه الأموال للتيار الصدري.

...

وشهد التيار الصدري ظهور اشخاص استغلوا كيانه لخدمة مصالحهم بطريقة بشعة، مستخدمين الجريمة والسلاح والتزوير، مثلما هو الحال مع النائب ورئيس لجنة الأمن والدفاع (حاكم الزاملي). فلقد شغل الزاملي في حكومة المالكي الأولى منصب وكيل وزير الصحة، وقام في تلك الفترة بعمليات اختطاف وقتل، ولا يزال متهماً بهذه الجرائم لكن لا القضاء ولا هيئة النزاهة تستطيع ان تقترب منه.

وأبرز نموذج على ذلك، إدانته بعمليتي اختطاف لا تزالان على طاولة القضاء، الأولى اختطاف وقتل (السيد عمار الصفار) والثانية اختطاف وقتل مدير صحة ديالى (علي المهداوي).

وفي هاتين القضيتين مثل الزاملي امام المحكمة، وكان المحامي الذي تولى الدفاع عنه القيادي في التيار الصدري (النائب أمير الكناني)، وقبل موعد المحاكمة تم اختطاف أحد أقرباء القاضي، وتوجيه تهديد مباشر له بأن مصير المخطوف سيكون القتل في حال إدانة الزاملي، فلم يستطيع القاضي توجيه الإدانة، وترك القضية معلقة، ولا تزال القضية من دون حسم، فكلما تم إحالتها الى قاض، تلقى هذا القاضي المكلف التهديد الصريح.

وتكثر النماذج في التيار الصدري وتتعدد، مما يضع السيد مقتدى الصدر أمام المسؤولية باعتباره هو زعيمه الأول. ورغم انه أظهر امتعاضه من ترشيح حاكم الزاملي لانتخابات البرلمان الأخيرة، إلا ان ذلك لا يكفي، فبإمكانه ان يطلب منه الاستقالة من البرلمان، بدل أن يضم تياره شخصاً أو اشخاصاً من هذه الشاكلة.

 

يتبع

  

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (101): التيار الصدري من الكوفة الى الواجهة السياسية

salim alhasaniفي منتصف التسعينات برزت في العراق ظاهرة حملت اسم المرجع الديني محمد الصدر قدس سره. لم يكن وقتها بمقدور أي طرف أن يتنبأ بأن لهذه الظاهرة موعد مع المستقبل تكون فيه الأكثر تأثيرا على الساحة العراقية.

لم تكن علاقة المرجع السيد الصدر الثاني الذي لمع من خلال منبر الجمعة، جيدة مع غيره من مراجع الدين في العراق. لقد كان ينتهج طريقة خاصة في التعامل مع الجماهير، ويستخدم نبرة غير مألوفة في خطبه التي يحضرها الملايين من مناطق الجنوب والوسط الى مسجد الكوفة التاريخي.

وفي أجواء التنافس التقليدي بين مراجع الدين، فان السيد الشهيد الصدر واجه معارضة وتشكيكا من قبل المجلس الأعلى بزعامة المرحوم السيد محمد باقر الحكيم. كما أن الوسط الإيراني لم يرحب ببروز هذه الظاهرة، وبادلها التشكيك. بل أن الأجهزة الإيرانية أقدمت على خطوة أثارت استياء العراقيين عندما تعاملت بطريقة غير لائقة مع ممثله آنذاك السيد جعفر الصدر (نجل الإمام الشهيد محمد باقر الصدر)، والذي أوفده ليقيم في مدينة قم ممثلا عنه. لكن المخابرات الإيرانية اقتحمت منزله بطريقة استفزازية.

في العام 1999 أقدم الطاغية صدام حسين على جريمة اغتيال السيد محمد الصدر (قدس سره) واثنين من أبنائه في النجف. وشن حملة مطاردة لأنصاره ومريديه، فلجأ الآلاف منهم الى إيران، في ظروف معيشية صعبة، وبات يُنظر إليهم على أنهم فلول متناثرة لا أهمية لها. وقد كانت علاقتهم متأزمة مع المجلس الأعلى وآل الحكيم تحديدا، لكن قدرا من العلاقة الطيبة ربطتهم بحزب الدعوة بحكم الموروث التاريخي بينهم وبين مؤسس الحزب الامام الشهيد محمد باقر الصدر.

...

تعاملت إيران بطريقة غير مريحة، من الناحية القانونية والإدارية، مع العراقيين المقيمين على أراضيها، وخصوصا أنصار الشهيد الصدر الثاني. كانت تنظر إليهم على أنهم عناصر غير منضبطة. ولم يكن لهؤلاء جهة ترعاهم، فقادة المعارضة الإسلامية نأوا بأنفسهم عن احتضانهم، إما بسبب حسابات الولاء المرجعي، أو بسبب الإرهاق لطول فترة المعارضة. كانت ثمة علاقة بسيطة بين السيد جعفر الصدر وبعض قياديي وأفراد حزب الدعوة. وكانت هناك رعاية بسيطة محدودة لبعض أنصار الشهيد الصدر الثاني، لكنها لم تصل الى مستوى التبني والاحتضان. أما المجلس الأعلى فقد حسم أمره برفضهم والنظر إليهم نظرة الخصومة. وطوال خمس سنوات ظلت هذه الجماهير الواسعة في الداخل والخارج مخفية عن المرصد السياسي، لا تدخل في اعتبارات المساومات والتخطيط، فيما كانت الأيام تختزن لهم مستقبلا يُسهم في صناعة الحدث والموقف والمسار.

...

بسقوط نظام صدام تجمع التيار الصدري خلف قيادة السيد مقتدى الصدر، وكان ذلك حالة طبيعية، نتيجة الإنشداد الوثيق بين الجماهير وبين مرجعها السيد الشهيد محمد الصدر، فنقلت ولاءها عاطفياً الى نجله الذي استطاع أن يعطي لهذه الجماهير صفة التيار المرتبط به شخصياً، كما حدد اتجاهه السياسي برفض الاحتلال الأميركي كموقف مبدئي غير قابل للمساومة.

كانت ثقة السيد مقتدى الصدر بنفسه كبيرة ، وهذا ما جعله يكتفي بالأشخاص الذين يعتمد عليهم ولم يظهر من بينهم من يمتلك الخبرة السياسية، وتعقيدات التعامل مع رجال الكيانات الحزبية الذين قضوا فترة طويلة في المعارضة في صراع وتنافس ومكائد متلاحقة ومستمرة. وهو في هذه النقطة لم يختلف عن غيره من السياسيين في الاستغناء عن الخبرات الاكاديمية والطاقات التخصصية في المجالات التي تحتاج بطبيعتها الى خبراء، خصوصاً بعد توليهم مسؤوليات كبيرة في الوزارات والبرلمان ومجالس المحافظات بل وحتى المكاتب والمؤسسات التابعة لهم.

كما أنه لم يعتمد على الغطاء المرجعي بشكل مباشر ليضفي على تياره الحماية المرجعية وهي نقطة مهمة وأساسية في الحياة الشيعية، وحتى رجوعه الى السيد كاظم الحائري، كان شكلياً لم يصل الى مستوى الإرتباط الشاخص، وهذا ما شكل ثغرة في كيانه، ومن خلال هذه الثغرة تسلل الشيخ محمد اليعقوبي ليقتطع جزءً من التيار الصدري، ويحوله الى اتباع باسم حزب الفضيلة يدعون الى مرجعيته، رغم عدم بلوغه درجة الاجتهاد.

...

لم يحظ التيار الصدري باهتمام النخب السياسية العائدة الى العراق من ساحات الهجرة. فقد انشغلت هذه القوى بتنظيم شؤونها الداخلية، وبدأت تبحث عن موطئ قدم في العراق الجديد، يدفعها التنافس الى النظر صوب القرار الأميركي والحاكم المدني العام، فيما كان التيار الصدري يجمع أنصاره ويهتم ببناء قواعده بعيدا عن تنافس السياسيين وحساباتهم الخاصة. بدأ يسير ببوصلة خاصة تؤشر على عكس اتجاههم. وقد كان لدعوته «خروج المحتل وترك الشعب يقرر مصيره» أثرها في تخويف الكتل السياسية من التقرب منه، حتى لا يزعجوا واشنطن.

لقد وضعت الكتل السياسية التيار الصدري في تصنيف خاص، فمن جهة أرادت أن تقيم معه علاقة محدودة للاستفادة من سعته الجماهيرية. ومن جهة ثانية كانت تخشى التقرب منه مراعاة للموقف الأميركي. أما فكرة التحالف معه فقد بدت صعبة تنطوي على مخاطر كثيرة، خصوصا بعد أن برزت أزمات حادة بين التيار الصدري والمجلس الأعلى وصلت الى حد الاقتتال المسلح. وتوسعت الأزمة لتنفجر بين الصدريين والمرجعية العليا بزعامة السيد علي السيستاني. وكان التطور الأخير بمثابة رسالة الى الكيانات الإسلامية لتلتزم الحذر من الصدريين.

...

وسط هذه المواقف، فاجأ السيد مقتدى الصدر الجميع بالإعلان عن تشكيل «جيش المهدي»، وحدد هدفه بـ «تحرير العراق من الاحتلال». وفي غضون أيام قليلة انخرط عشرات الآلاف في هذا الجيش، ليتحول الى قوة مسلحة مؤثرة، فلم يكونوا بحاجة الى تدريب، بعد أن تكفلت الحروب المتتالية في زمن الطاغية صدام بذلك.

ومع القوة الجماهيرية للتيار الصدري فأن رجال السياسة حتى تلك الفترة وهي عام 2004، لم يتنبهوا الى مستقبل هذا التيار وأوراقه الرابحة. فقد خضعت حكومة إياد علاوي لقرار القيادة الأميركية بمهاجمة النجف لسحق جيش المهدي، في معركة طويلة خرج منها الصدر مجروحا عسكريا لكنه انتصر سياسيا، وكان بمقدوره أن يكون أكثر قوة وتأثيراً فيما لو أحسن التصرف في الخطوات التالية.

يتبع

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (100): قادة الشيعة انسجام مع مخططات المحور الإقليمي

salim alhasani2يعلم قادة الكتل الشيعية أن السيد حيدر العبادي يخضع للمخطط العميق الذي تتولاه (السعودية، قطر، تركيا) بدعم وتوجيه من الولايات المتحدة. فلقد تكشفت خطوط هذه الصورة ولم تعد ملفاً سرياً كما بدأت أول مرة. فالعبادي صار عنواناً مكتوباً بأكبر الحروف على أنه أداة المشروع الأميركي ـ الإقليمي في تفتيت العراق وتقسيمه وصولاً الى توجيه الضربة القاصمة للشيعة.

يعرف ذلك السيد مقتدى الصدر والسيد عمار الحكيم والشيخ محمد اليعقوبي، الى جانب قيادة حزب الدعوة ومنظمة بدر وكتلة المستقلين. لكن تعقيدات الكيان الشيعي وتقاطع مصالح قادته هو الذي يحملهم على قبول العبادي مستمراً في موقعه رئيساً للوزراء.

...

فالسيد عمار الحكيم يعيش أفضل ظروفه مع هذه الحكومة، لأن العبادي لن يقترب من ملفات الفساد التي تملأ ممارسات المجلس الأعلى ووزرائه.

ويعرف السيد مقتدى الصدر ضعف العبادي ويعرف انسياقه وراء الأميركان، لكنه يجده ساكتاً عن وزراء التيار الصدري ومسؤوليه فلا يزعجهم بحساب وكتاب ومراقبة رغم تضخم أموالهم وكثرة ملفات الفساد التي تلاحقهم.

ونفس الأمر يسري على كتلة المستقلين، فالسيد حسين الشهرستاني المتورط في ركام من الفساد أبرزه جولات التراخيص لشركات النفط الأجنبية، متأكد بأن العبادي لن يلاحقه أبداً، وكيف يلاحقه وهو يتمتع بصلاحيات مفتوحة في التمني؟، والعبادي يتعامل مع أمنياته على أنها أوامر واجبة الطاعة والتنفيذ.

ليس في الأمر مبالغة، عندما يعلم المواطن العراقي أن مهام الشهرستاني أكثر من وزارة التعليم العالي، فهو يتولى مسؤوليات مركزية في الحكومة مثل لجنة الطاقة ولجنة اللاجئين ومهام أخرى، وعندما تتصاعد الشكاوى ضد الشهرستاني وما أكثرها بحكم تورطه في ملفات فساد وسوء إدارته، فان العبادي يواجه أصحاب الشكاوى بقوله: أنه لا يستطيع محاسبة الشهرستاني لأنه (سيزعل)، نعم بهذه الكلمة (سيزعل) يبرر السيد رئيس الوزراء سكوته على أخطاء الشهرستاني وخطوات الفشل التي يصنعها في وزارة التعليم والمناصب الأخرى التي يتولاها.

...

وكذلك الحال بالنسبة لحزب الفضيلة الذي اطمئن كل الاطمئنان، بان تاريخه الغارق في الفساد والسرقات، سيبقى مقفلاً على عهد العبادي، ولن يقترب منه القضاء ولجان التحقيق وهيئات النزاهة.

أما الكتل السنية والكردية، فهي على نفس الشاكلة وأكثر، فهي المستفيدة بالدرجة الأكبر من المشروع الإقليمي ـ الأميركي، وعليه فان بقاء العبادي في السلطة يمثل لها قضية صميمية، فمن خلاله ستصل الى ما تريد، وستأتيها النتائج المطلوبة بكل إرتياح وهدوء.

...

المؤسف أن كل هذا يعرفه قادة حزب الدعوة، لكنهم لن يعترضوا على العبادي بكلمة واحدة، فأغلبهم وجد في ضعفه وحيرته وتردده، باب الربح الكبير لمزيد من الامتيازات والمكاسب، فكيف يُفرطون بشخص مثله يضيع في الكلام والنقاش، ليبتعد عن الموقف والقرار والعمل؟

وربما سأكتب عن القياديين المقربين من العبادي في حلقات قادمة.

...

هذا هو الواقع العراقي حالياً، وهذه هي صورة الكتل الشيعية في تعاملها مع المخطط المضاد الذي يزحف بسرعة على البلد، والذي سيكون الشيعة ضحيته الأولى، وسيكون قادتهم لوحدهم القلة الناجية بما حصلوا عليه من ثروات ذات ارقام فلكية.

لن يعارض السيد حيدر العبادي ما يصله من تعليمات من السفارة الأميركية ولن يقف بوجه أي مشروع مضاد، فلقد تعلّق بالسلطة، ولن يُفلتها بموقف لمصلحة المواطن والوطن، كما لن يضغط عليه أي قائد من قادة العملية السياسية لإتخاذ موقف يحفظ وحدة العراق أو يدفع الضرر عن شعبه. إنها صورة مؤلمة مخيفة، لكنها الحقيقة التي تحكم المشهد العراقي.

.....

لن يخرج السيد العبادي عن الإرادة الأميركية أبداً، والسبب أنه يعرف أن مستقبله ارتبط بها، فهي التي تمسك بأهم نقاط القوة حالياً، كما أن واشنطن لن تُفرّط في الوقت الراهن بالعبادي، إنما ستبقيه في السلطة لحين الإنتهاء من اضعاف النفوذ الإيراني في العراق، وحين ذاك ستستبدله بشخص آخر، وبمقاسات جديدة تستطيع من خلاله استكمال حلقة أخرى من مشروعها، وذلك بتقويض النفوذ الشيعي من الأساس، وسيكون أمراً محتوماً إنهاء بقايا القوة الإيرانية في العراق، لتبدأ حقبة المشروع الطائفي الذي يستنزف الشيعة بالقتل والتهميش والمشاكل الداخلية المتجددة.

لا نريد للعراق أن يتقوى بإيران، لكن المنطقة قد دخلت صراع المحاور، مما يفرض على شيعة العراق حماية انفسهم بحكومة قوية حريصة على المصلحة الوطنية، وفي نفس الوقت قادرة على منع المخطط الإقليمي من التوغل أكثر في الحياة السياسية العراقية، ومن ثم تفتيته وتفجير المنطقة بصراعات طائفية إقليمية، يكون الخاسر الأكبر فيها المواطن العراقي والشيعي على وجه التحديد.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (99): كيف خدعوا الشيعة وجاءوا بالعبادي؟

salim alhasaniمنذ بداية الاحتلال الأميركي وتشكيل مجلس الحكم، كانت الأجهزة الأميركية المختصة، تتداول بالبحث والتقصي الشخصيات العراقية، لتعرف توجهاتها وقابلياتها، ولتصل الى نتائج واضحة بشأنها، فتنيط بها المهام المطلوبة، أو تفتح لها الطريق للوصول الى ما تريده السياسة الأميركية.

فبعد نهاية حكم بول بريمر، عينت الولايات المتحدة (جون نيغروبونتي) سفيراً لها في بغداد، وهو شخصية استخبارية شغل منصب مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية، وكان يُعرف برجل المهمات السوداء. وقد كان يجري لقاءات مستمرة مع مختلف السياسيين، ويتابع تصريحاتهم ومواقفهم واهتماماتهم، وكان من ضمن النتائج التي توصل اليها، أن السيد (عادل عبد المهدي) يمكن أن نضعه في حساباتنا كرئيس لوزراء العراق لأن ميوله لصالح القيادات الكردية تغلب على ميوله الأخرى.

...

وعندما خلفه بعد ذلك زلماي خليلزاد في السفارة الأميركية، كان يقوم بنفس المهمة ايضاً، وقد كان في فترة حكومة السيد إبراهيم الجعفري، يعقد اجتماعات مطولة مع الوزراء والشخصيات الشيعية للغرض ذاته. والملفت أنه بعد أن اجتمع ذات مرة بالدكتور (عبد الفلاح السوداني) وكان يشغل وقتها منصب وزير التربية، توصل الى انه يصلح لأن يكون رئيساً لوزراء العراق، وقد عبّر زلماي خليلزاد للسوداني بذلك بطريقة حذرة، لكن السوداني أبلغه بأنه لا يرغب في هذه المهمة الصعبة. وهذه من المفارقات الغريبة في حياة الأشخاص، فلقد كان زاهداً في رئاسة الوزراء، لكنه لم يمنع نفسه من الفساد في وزارة التجارة.

وقيّمت السفارة الأميركية الدكتور (حسين الشهرستاني) بأنه يمتلك طموحات واسعة في السلطة، وانه على استعداد لفعل أي شيء من اجل الوصول لتطلعاته اللامحدودة رغم عدم امتلاكه قدرات قيادية او إدارية.

كما وقع اختيار السفارة الأميركية على السيد (رافع العيساوي) عندما كان مديراً لمستشفى الفلوجة، ووجدت فيه مناسباً لشغل مناصب متقدمة في السلطة، وبالفعل فتحت له الطريق فوصل الى منصب نائب رئيس الوزراء. وكتعبير عن الرعاية الأميركية له فان السفير الأميركي أعطاه قصره في المنطقة الخضراء، وذلك في الفترة التي كان يطلق فيها العيساوي تصريحاته النارية ضد الوجود العسكري الأميركي في العراق، وكان يعمل على تشكيل مجموعات مسلحة باسم (حركة حماس في العراق).

وقد وصفت السفارة السيد نوري المالكي بأنه يُصعب التفاهم معه وصاحب نبرة قوية. وقالت عن السيد الجعفري بأنه كثير الكلام غير واقعي لا يُحسن اختيار فريق عمله.

وبشكل عام فان السفارة الأميركية كانت على طول الخط، تقيّم الأشخاص في العملية السياسية مهما كانت مواقعهم في الحكومة والبرلمان او داخل الكتل والأحزاب. فلا بد أن تكون على بينة من أمرها وهي توجه حركة السياسة في العراق.

...

ومع أن هذه المقدمة الطويلة معروفة وشائعة، فالولايات المتحدة هي دولة المخابرات الأولى في العالم، وتعرف كيف تتعامل مع الأشخاص والاحداث، فتُضعف هذا وتقوي ذاك، وتُقصي سياسي لتستبدله بآخر، إلا أنها رغم ذلك تستطيع تمرير مخططاتها بسهولة، حتى على الجهات المستهدفة نفسها. وموضوعنا المقصود في هذه الحلقة هو العراق وشيعته على وجه الخصوص.

فبعد سيطرة تنظيم داعش على مساحات شاسعة من سوريا، وجد محور الشرّ (السعودية، قطر، تركيا) أن الخطوة التالية والأهم يجب أن تُنفّذ في العراق، وذلك من خلال إخضاع المناطق السنية لتنظيم داعش، والتوغل في العمق العراقي على تخوم محافظات الوسط والجنوب وحزام بغداد.

لقد كان المشروع العميق يتمثل بفرض كيان سني إقليمي يمتد على سوريا والعراق، وبذلك يتغير شكل المنطقة، ويتحقق مشروع الشرق الأوسط الكبير، عبر الفوضى الخلاقة التي بشرّت بها الولايات المتحدة.

...

كان التوقيت في غاية الدقة، فلقد أراده المحور الإقليمي ـ الدولي أن يحدث بعد الانتخابات البرلمانية 2014، وهذه نقطة مفصلية بالغة الأهمية في مسار الأحداث. حيث وضع محور الشرّ احتمال تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر من كيانات شيعية وسنية، وبذلك يمكن شق الصف الشيعي، واختيار رئيس وزراء حسب المقاسات المطلوبة. ولعل الكثير من العراقيين المتابعين يتذكرون الكلام الكثير الذي كان يتردد حول مفاوضات وتفاهمات تجري بين الكيانات الشيعية وتحديداً المجلس الأعلى والتيار الصدري وبين القائمة العراقية بزعامة الدكتور اياد علاوي.

لكن نتائج الانتخابات لم تأت بالشكل المُشجّع، فقد حصلت كتلة السيد المالكي على أعلى الأصوات، وقام هو بدوره بعملية تمييع مدروسة لمواقف الكتل الأخرى، من خلال التفاهم مع الائتلاف الوطني لتشكيل التحالف الوطني، لكنه أبقى الأمور في اطارها الإعلامي من دون ان تأخذ صفتها الرسمية، لحين انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان وحضور كتلته فيها باعتبارها الكتلة الأكبر التي يضمن لها الدستور اختيار رئيس الوزراء.

...

أصبح المالكي على مقربة من رئاسة الوزراء في ولاية ثالثة، وهنا وجد محور الشرّ نفسه (وبدعم وتوجيه أميركي بطبيعة الحال) أن مخططه العميق على شفا الإنهيار، وأن احتلال الموصل وصلاح الدين والانبار لن يكون مضمون البقاء، لا سيما بعد إصدار المرجعية العليا فتوى الجهاد الكفائي في حزيران 2014، والتي تغيرت فيها المعادلة الميدانية حيث أصبح الحشد الشعبي الذي شكلته الحكومة في آذار 2014 القوة العسكرية الفاعلة في الساحة.

ومع ان فتوى المرجعية العليا أوقفت حالة الانهيار الخطيرة، وحفظت محافظات الوسط والجنوب من تهديدات تنظيم داعش، إلا أن الجانب السياسي من المخطط العميق استطاع ان يمرّ على الشيعة، وذلك من خلال الإصرار على منع المالكي من الولاية الثالثة، والبحث عن مرشح جديد.

صحيح أن فرصة السيد نوري المالكي كانت ضعيفة جداً في الحصول على ثقة البرلمان، لكن التخلي عنه بالشكل الذي حصل كان خطءاً فادحاً. فقد كان بالإمكان ان يبحث قادة الشيعة خيارات أخرى، قبل أن يلجئوا الى رفض المالكي بهذه الحدة القاطعة. ويتحمل قادة حزب الدعوة النصيب الأكبر من صناعة الخطأ، عندما ساهموا في عملية الالتفاف على المالكي، ورشحوا السيد حيدر العبادي في تجاوز صارخ للكتلة الأكبر، وحتى هذه اللحظة فان دستورية حكومة العبادي لم يحسمها القضاء بناءاً على دعوى الكتلة الأكبر.

(سبق ان كتبت عدة مقالات عن هذا الموضوع، ويمكن أن أقدم ملخصاً لما جرى، فيما لو طلب الأخوة القرّاء ذلك).

...

هذا التلخيص للمشهد العراقي، يفرض علينا العودة الى ظروف تكليف السيد حيدر العبادي برئاسة الوزراء، وتظاهرة التأييد الملفتة للنظر التي كانت غريبة وخارجة حتى عن السياقات الدبلوماسية الدولية، بحيث جاء التأييد الإقليمي والدولي بعد ساعات من تكليفه، في حين جرت العادة أن يأتي التأييد والتبريك بعد تشكيل الحكومة واكتسابها الصفة الدستورية. كما أنه يعود بنا الى تذكّر واقعة بسيطة مرت بشكل خاطف على الأحداث، وهي تمسك العبادي بالتكليف الذي حصل عليه من الرئيس فؤاد معصوم، ورفضه مقترحاً مهماً بأن يتنازل عن ذلك مقابل تنازل السيد المالكي عن موقفه ايضاً واختيار مرشح ثالث يتولى تشكيل الحكومة. وهذا يعني ان التبريك والتأييد الدولي كان سريعاً من أجل قطع الطريق على أي محاولة لإبعاد العبادي عن السلطة، وتشجيعه على التمسك بالتكليف، فقد وجدت فيه القوى الإقليمية والدولية الشخص الذي تريده لتحقيق مخططها العميق في العراق.

للحديث صلة

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

بروكسل عاصمة اوروبا واشهر مدن العالم في صناعة الحلوى

jamal alkersanاشهر ما عرف عن بروكسل انها عاصمة الاتحاد الاوروبي، فهناك المفوضية الاوروبية والبرلمان الاوروبي وحيثما كانت هناك ازمة في العالم على مختلف الاصعدة وجهت الانظار الى بروكسل مدينة المحطات السياسية مع سبق الاصرار والترصد. لكن من غير المشهور كثيرا ان بروكسل مدينة اوروبية فيها من الغنى والتنوع الثقافي والتاريخي ما يسر الباحثين عن الجمال، مدينة الثنائية التي تتكرر بشكل او بآخر في مختلف مدن اوروبا، حيث المباني التاريخية ذات الطراز الباروكي والقروسطي وكذلك المباني الزجاجية الحديثة.

بروكسل مدينة الحلوى والشكولاته، مدينة الرسوم المتحركة ومن اشهرها رائعة الرسام البلجيكي "بيير كوليفورد" مسلسل "السنافر". العاصمة البلجيكية مدينة الصبي "المانيكان بيس" وتمثاله البرونزي الشهير الذي حيكت حوله مجموعة من القصص الخرافية التي ترتبط بتاريخ بروكسل القديم.

الصراع الخفي والمعلن على هوية بروكسل بين الثقافة واللغة الهولندية من جهة وبين الثقافة واللغة الفرنسية من جهة من جهة اخرى وبدرجة اقل الثقافة الالمانية لم يمنع من تمظهر ذلك التنوع الثقافي بأشكال وقوالب ابداعية تثري الهوية البلجيكية المهجنّة والذي يعتقد بعضهم انها نتاج أب هولندي وام فرنسية، البلجيكيون استطاعوا تضييق نطاع ذلك الخلاف وحصره الى حد كبير في المجال السياسي.

ازقة بروكسل الضيقة والانيقة خصوصا بالقرب من قلب المدينة ساحة Grand-Place، تشبه كثيرا نظيراتها في المدن الاوروبية الاخرى، كذلك القصور التاريخية والكنائس المزخرفة بطريقة مذهلة. لكن بروكسل تمتاز عن غيرها بجملة من المعالم التي ارتبطت بشخصية المدينة وهويتها، كما هو الحال مع معلم "Atomium"، وهو عبارة عن مبنى هندسي فضي الشكل يتكون من تسع كرات تربطها مع بعضها اذرع متشابكة بطريقة فنية جميلة بني عام 1958 لكي يحاكي عصر الذرة، ومنذ ذلك التاريخ حتى الان تحوّل الى معلم تاريخي يقصده الزوار ويستمتعون بنظرته البانورامية حول بروكسل من خلال اطلالة توفرها اعلى كراته. قرب ذلك المعلم جملة من المعالم الاخرى التي يظمها متنزه "هيزل" المترامي الاطراف، فهناك اوروبا المصغرة Mini europa التي تضم اهم معالم المدن الاوروبية يتجول بينها السائح في برهة من الزمن. في ذات المتنزه ايضا معلم رياضي شهد كارثة رياضية عام 1985، ففي ملعب King Baudouin تدافع مشجعو ناديي يوفنتوس وليفربول في نهائي دوري ابطال اوروبا مما ادى الى مقتل العشرات واصابة المئات.

بروكسل اكثر العواصم الاوروبية اهتماما بالخضرة، لذلك تنتشر فيها المساحات الخضراء بشكل مبالغ فيه، حدائقها ومتنزهاتها اكثر من ان تحصى، وفي كل متنزه هناك معلم تاريخي، جمالي او منحوتة جميلة تخلّد حدثا، شخصية او وقفة جمالية ما. ولا تقتصر تلك الاعمال على تخليد فنانين من بلجيكا، ففي حديقة بروكسل على سبيل المثال يمكن مشاهدة نصب صغير يخلّد الموسيقار الفنلندي جان سيبيليوس بمناسبة مرور 150 عاما على ولادته. بلدية بروكسل اخذت شجرة البتولا "القضبان" من بيت سيبليوس الواقع في منطقة "اينولا" التي قضى فيها المشوار الاخير من حياته، واخذت بمعية الشجرة صخرة غرانيت من مدينة هامينلينّا المدينة التي ولد فيها سيبيليوس. وهناك متنزه "بوا دي لا كامبر" الكبير الذي يعتبر غابة بحد ذاته والذي يحتوي على معالم طبيعية جميلة. متنزه الاقواس الثلاثة "Cinquantenaire" وهو من المعالم البارزة في بروكسل، حيث يضم قوسا اشبه بقوس النصر في باريس بني عام 1880 بمناسبة مرور خمسين عاما على استقلال بلجيكا، وتضم الى جنبه جملة من المتاحف بينها متحف شهير للسيارات. اضافة لعشرات الحدائق والمتنزهات الاخرى.

مما يميز بروكسل ارتباطها مع محيطها من المدن الاوروبية الاخرى بشبكة من سكك الحديد تمكن المسافرين من الانتقال منها واليها بسهولة، فمن بروكسل، يمكن السفر للعديد من المدن الفرنسية، الهولندية، الالمانية وكذلك الى لندن في غضون ساعات قليلة.

بروكسل تحتضن العديد من الجاليات القادمة من مختلف ارجاء العالم، من بينها الجالية الاسلامية التي تشكل ربع سكان المدينة، حيث يتواجد هناك آلاف المسلمين. حي مولمبيك الذي يكثر فيه تواجد العرب والمسلمين تحوّل مؤخرا الى محطة سياحية للكثير من الوافدين خصوصا بعد احداث باريس. الجميع يريد معرفة طبيعة سكان تلك المنطقة التي مر بها معظم الارهابيين الذين دبروا عمليات ارهابية في اوروبا.

 

بروكسل- جمال الخرسان

 

إسلاميو السلطة (98): قرار الإنقاذ الصعب والرأي للمرجعية العليا

salim alhasaniلقضية إبعاد السيد المالكي عن الحكم، والمجيئ بالسيد العبادي، بُعد آخر كشفته الأحداث بسرعة غير متوقعة. فعادة ما تكون المشاريع العميقة، بعيدة عن الرصد اليومي حتى يمضي وقت طويل، حيث يتوقف المحللون عندها كحدث تاريخي يحاولون اكتشاف حلقاته بربط بعضها ببعض. لكنه في حالة (المالكي العبادي) اختلف الأمر، والسبب يعود الى تسارع الأحداث في المنطقة، فكثرة الأطراف وتداخلها، جاء بتطورات مفاجئة ساهمت في انكشاف الأمور ووضعتها أمام انظار المختصين.

...

كانت الولايات المتحدة تريد أن يتشكل التحالف الدولي لمحاربة داعش، وأن تشترك فيه على وجه التحديد تركيا وقطر والسعودية، وما عدا ذلك من دول لا يعني لها شيئاً.

وكانت تريد أن تبقى القوات العراقية على شكلها بعد سقوط الموصل، أي جيش يرتبط كبار ضباطه وقياداته بالسفارة الأميركية يتلقون منها الأوامر، مع ضمانات بالاقامة الدائمة في اميركا بعد انتهاء المهام الموكلة اليهم أو في حالة حدوث طارئ.

لكن متغيراً مفاجئاً لم تتوقعه الولايات المتحدة، برز على المشهد، ذلك هو الحشد الشعبي الذي تشكل في آذار 2014 وخاض معارك ديالى، ثم حصل بعد فتوى المرجعية العليا في حزيران على زخمه الكبير المؤثر وفرض قدرته على صد تهديد داعش على بغداد وسامراء وبقية مناطق الوسط والجنوب، مما جعل وجوده جزءاً من المؤسسة العسكرية أمراً مفروضاً. لكن هذه النقطة هي التي أزعجت الولايات المتحدة كما أثارت مخاوف محور الشرّ (السعودية ـ قطر ـ تركيا)، لأن معنى ذلك أن تنظيم داعش أصبح أمام معارك حقيقية، وليس كما كان مخططاً له بخوض معارك شكلية تحدد القيادة العسكرية الاميركية مسارها ومجرياتها وساحتها ونتيجتها.

...

شكل الحشد الشعبي مشكلة مشتركة لكل من محور الشر والولايات المتحدة وقيادات الكتل السنية، وتنحصر المشكلة في أن المعركة التي سيخوضها الحشد ضد تنظيم داعش في أي منطقة، سيجعل الأرض المحررة تابعة لسلطة الحكومة المركزية، في حين كان يقضي المخطط العميق، بأن تنسحب منها قوات داعش عبر ممرات آمنة الى مناطق أخرى، ثم تكون هذه المناطق المحررة خاضعة للقوات الأميركية وللكتل السنية، تمهيداً لإخراجها من سلطة الحكومة المركزية في بغداد، ومن ثم تقرير مستقبلها فيما اذا ستكون ضمن إقليم سني أو دولة سنية إقليمية.

ترتبط بهذه النقطة مسألة الوجود العسكري الأميركي، وهي نقطة غامضة حتى الآن، فالمسؤولون الأميركان يزعمون أنهم عقدوا اتفاقاً مع الحكومة العراقية تسمح بموجبه السماح لقواتهم البرية بالتواجد في المناطق الساخنة في العراق، فيما تقول الحكومة أن العسكريين الأميركان يتواجدون باعداد قليلة وان مهامهم استشارية وليست قتالية. أما الأخبار الميدانية فتشير الى وجود قوات برية أكثر بكثير مما تعلنه الحكومة، وقد قامت بعمليات انتشار في مناطق الحويجة والشرقاط وبعشيقة والحبانية وغيرها، إضافة الى تواجد ملحوظ في مناطق كردستان.

وبحسب ما صار واضحاً فان السيد حيدر العبادي حدد موقفه برفض الدعم الروسي للعراق، وكذلك التضييق على الحشد الشعبي، أي انه قرر الاستجابة للمطالب الأميركية، وهي نفسها ما تريده دول محور الشرّ (السعودية ـ قطر ـ تركيا) الى جانب القوى السنية.

...

شعر السيد حيدر العبادي بانه ضمن لمستقبله البقاء في السلطة، فما قام به هو الاستجابة المطلوبة وعلى أحسن وجه لكل من الأكراد والقيادات السنية ومحور الشرّ الإقليمي والولايات المتحدة، وعليه فلم يبق أمامه سوى إيران التي يتجه هذا المشروع ضدها بشكل مباشر. وهذا ما جعله يتصل بالجنرال قاسم سليماني في تشرين أول 2014 يستفسر منه فيما اذا كانت إيران تخطط لإبعاده عن السلطة، فجاءه جواب سليماني بأن (مثل هذا الأمر غير مطروح حالياً). لكن العبادي لم يطمئن لجواب سليماني، فتحدث مع السيد فؤاد معصوم الذي صرح بأن (استبدال العبادي سيخلق أزمة كبيرة في العراق).

ومن خلال مؤشرات الواقع الحالي، وتطورات الأحداث، فأن قدرة إيران على تحديد مستقبل العبادي آخذة في التراجع، بل أن دور إيران سيصبح هامشياً فيما لو استمرت وتيرة الأحداث على نسقها الحالي. وسأتحدث عن ذلك ان شاء الله في مقال قادم.

...

إن السيد حيدر العبادي حالياً هو الخيار الأفضل لكافة الأطراف المعادية لوحدة العراق وللشيعة على وجه الخصوص، وعليه فان تغييره لن يحدث في هذه الظروف، وستبذل القوى السنية في الحكومة والبرلمان، كل ما في وسعها من أجل إبقائه في موقعه، حتى يتم استكمال الإجراءات المطلوبة للإنفصال الكردي وللإقليم السني أو الدولة السنية، وعند ذاك تنتفي الحاجة اليه، وسيجد نفسه محاطاً بالخصوم الذين ظنّ أنهم أنصاره، وستجري ازالته عن السلطة بسهولة.

هذا الواقع الخطير، بما يمثله من تعقيدات ومخاطر، يضع قيادة حزب الدعوة أمام عبارة صريحة: إن العبادي هو أداة المشروع الإقليمي الأميركي في العراق، وأن عليهم التدقيق في التطورات وقراءتها جيداً، لأن ما يتهدد العراق وشيعته على وجه الخصوص أكثر خطورة مما يتحرك على السطح.

...

بحسب التجربة، لن يتخذ معظم أعضاء قيادة الدعوة خطوة مسؤولة في هذا الاتجاه، لكنهم سيتحركون بالتأكيد عندما يجدون ان العبادي انتهت مهمته وان تغييره بات أمراً محتوماً، عندها سيعيدون صياغة الموقف نفسه الذي فعلوه مع المالكي. إنها المصالح الذاتية التي تسيطر على القسم الأكبر منهم.

ولأن هذا هو وضع قيادة الدعوة، فان الكلمة تتجه الى المرجعية العليا، لتأخذ دورها كما هو شأنها في المنعطفات الحساسة والخطيرة، وهذا هو المتوقع منها حالياً.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

حكاية غير مسموعة في عيد الجيش العراقي!

zayd alheliفي مساء بغدادي جميل، وفي نشرة أخبار السادسة، من احد أيام عام 1966 أذيع بيان عسكري، شديد اللهجة بما يشبه النفير العام، بتوقيع عبد العزيز العقيلي وزير الدفاع، كانت آنذاك من ضمن فقراته، دعوة كل من تجاوز الثامنة عشرة من العمر ولم يكمل دراسته النظامية الالتحاق فورا بتجانيدهم لغرض السوق...كانت حرب الشمال في العراق، طاحنة ومعقدة.... فأصيب الناس بالهلع.. فالبيان انف الذكر، كان غير مسبوق في لهجته وسرعته... وامتلأت الشوارع بـجنود الانضباط العسكري (الانضباطية) ولم يعد، غريبا، مشاهدة حافلات الجيش المعروفة بـ (الإيفا) وهي مكتظة بالشباب الذين القيّ القبض عليهم، لأنهم لا يحملون هوية الأحوال المدنية، او لأن هوياتهم تقرأ كونهم، تجاوزوا الثامنة عشرة....عاما!

والذين عايشوا الأجواء التي سبقت ذلك البيان، يدركون بلا شك، فسحة الحرية الصحفية المتميزة والمشوبة بقلق الولادات، الأدبية الجديدة : شعرا وصحافة وقصة وتشكيلا ومسرحا، لابد يعرفون أن العديد من الصحفيين وأنا منهم كانوا يواصلون دراستهم (بين سطر وأخر) حيث أخذتهم نشوة الكتابة والشهرة وانشغالاتهم في ممارسة مهنتهم المحببة، فركنوا الى كسل لذيذ جعلهم يؤجلون سنوات الدراسة سنة بعد ثانية..وهكذا.

وبين ذلك الخدر، في المواصلة الدراسية وبين بيان (العقيلي) حدثت هزة في الوسط الصحفي، كان من نتيجتها أن عدد الزملاء الذين يتوجب عليهم تأدية (الخدمة العسكرية) ضمن سياق ذلك البيان اكثر من ثلاثين صحفيا وهذا يعني أن الصحف ستعاني من نقص كبير في كوادرها، بل ربما تهوي بها الى قاع التوقف، إذا ما عرفنا إن الصحف آنذاك كانت، تعتمد في إصدارها على خمسة او ستة صحفيين فقط موزعين على أقسامها.

وحزم الاستاذ عبد العزيز بركات، نقيب الصحفيين (طيب الله ثراه) أمره بقلب يملأه الحس المهني وتوجّه الى القصر الجمهوري حاملا الى الرئيس عبد السلام محمد عارف، أسماء الصحفيين الذين شملهم بيان السيد العقيلي .. كان يوما عصيبا، على الصحف ورؤساء تحريرها..

عاد الزميل بركات ومعه قرار رئيس الجمهورية: (يلتحق الصحفيون بمديرية ــ التوجيه المعنوي ــ ويعملون في إذاعة القوات المسلحة ومجلة الجندي)..

وبدلا من النكوص والمنام، داخل أروقة الصحف، متوسدين الورق، خوفا من رجال الانضباط العسكري، دب النشاط فينا .. وبدأنا بمراجعة دوائر التجنيد وكل منا بيده (أمر الرئيس) وسط دهشة، وحسد العاملين في تلك الدوائر.. وخلال أيام كنّا في إذاعة القوات المسلحة ومجلة الجندي .

ومن الصحفيين الذين اختيروا للعمل في مجلة الجندي وفي الإذاعة في آن واحد، العبد لله، فيما اختير للعمل في الإذاعة الزملاء: قيس لفته مراد، مظهر عارف، لطفي الخياط، حسام الساموك، زكي السعدون، أموري الرماحي، خالد الحلي، نعمان سيرت وطاهر الهاشمي، ثم لحق بهم الفنانون: راسم الجميلي، عمانوئيل رسام، روميو يوسف، فاضل خليل، قائد النعماني، مقداد عبد الرضا، سامي قفطان وسمير القاضي وعبد الجليل علي وكامل جبوري الشهير بشخصية "ام ستوري" والمطربون: داود القيسي وحسين السعدي وجاسم الخياط والشعراء كاظم عبد الجبار وجودت التميمي وكاظم الركابي وغيرهم ..وأسف إن راح القلم، يسطّر ما تمليه الذاكرة من أسماء، فيما هناك أسماء أخرى بقيت عصية عليه.

باشرنا العمل ... جنوداً، بملابس مدنية، وكان هذا خارجاً عن السياقات المعروفة والصارمة في الجيش العراقي، غير ان العقلية المتفتحة لمدير " التوجيه المعنوي" وهي الجهة المسؤولة عن الإذاعة والمجلة، العسكري النابه اللواء " فيصل شرهان العرس" كانت وراء القرار الاستثنائي ..

بعض الزملاء "أستهوتهم" الحالة الجديدة والبعض الأخر "أستثقلها".. وكنت ممن أستهواهم العمل في الفضاء الإذاعي فأحببته، انه الوجه الثاني للصحافة . بل هو الصحافة المسموعة بعينها، إن للإذاعة فضاءاتها الفسيحة الممتدة "مجانا"ً الى ملايين المستمعين فيما تمتد اّذرع الصحافة لعشرات الآلاف من القراء الراغبين بشراء هذه الصحيفة او تلك وليس في ما اقوله انتقاصاً من الصحافة الورقية، التي هي، هواي ومستقري وكياني ... وكل من عاش تلك الفترة، يتذكر بالتأكيد برنامج "شارع الصحافة" الذي كانت تقدمه "إذاعة القاهرة " عصر كل يوم، كان برنامجا يختصر كل ما جاء في الصحف المصرية بربع ساعة فقط بسلاسة وذكاء مهني رائع ... كان وجبة صحفية لذيذة، كنا على موعد يومي معها ... ففكرت بإعداد برنامج شبيه له لإذاعة القوات المسلحة ... فقدمت طلباً بذلك، وسرعان ما حصلت الموافقة عليه..

ولأن الشئ بالشئ يذكر، لابد من القول إن إذاعة بغداد، كانت تقدم في حينه برنامجا عن الصحافة بعنوان " قالت صحف اليوم " تعده " وكالة الإنباء العراقية " وهو برنامج يعتمد على افتتاحيات "بعض" الصحف الصادرة آنذاك وترسله على شكل وريقات مطبوعة ومسحوبة على "الرونيو" ظهر كل يوم، ليقرأه المذيع المتواجد في ستوديو الإذاعة في تلك اللحظات على الهواء مباشرة كأي خبر او تعليق ... كان برنامجا رتيباً، مملاً، لم تصاحبه الموسيقى او المؤثرات المطلوبة.. إنه باختصار، إسقاط فرض ومجاملة لـ " بعض " أصحاب الصحف .

وتم إعداد البرنامج الجديد المنوع، المتنوع وقُدم باسم "شريط الصحافة". ... وبثت الحلقة الأولى منه، وكانت خالية من افتتاحيات الصحف وقريبة من "المانشيتات" السريعة وأتذكر انني أكثرت من إذاعة ما حفلت به الصحف من الأخبار المنوعة: رياضية، فنية، أدبية وعلمية، وأنهيت الحلقة بإذاعة خبر عن " ام كلثوم " مازجا معه مقطعا من أشهر أغانيها في ذلك الوقت ... كان وقت تقديم البرنامج الساعة الخامسة والنصف مساء ... وما أن أذيعت، حتى كلمني مدير الإذاعة النقيب "ابراهيم جاسم" فرحاً بالبرنامج، وهو العسكري الذي كنا " نستنطق " منه البسمة، دون جدوى !!

واصلت أعداد هذا البرنامج، وسط ترحيب زملائي الصحفيين في مختلف الصحف، لأنني حرصت على ذكر أسمائهم في المواضيع التي ينشرونها في البرنامج، وتلك كانت المرة الأولى التي يسمع فيها الصحفيون أسماءهم عبر المذياع، مما ساعد على شهرة الكثير منهم حيث تجذًرت تلك الأسماء في ذاكرة المستمعين لعقود من الزمن ... وكان أسمي بينهم .. ألست انا المعد؟!

كما كلفت في لاحق الأيام بإعداد برامج أخرى مثل برنامج حمل اسم (بدون عنوان) وكان من أخراج الاخ الصديق "على الأنصاري" قبل ان يتوجه للإخراج التلفازي وهو منوع وكان يذاع كل ليلة ثلاثاء أسبوعياً ثم يعاد الجمعة ... وبرنامج " طبيب الجندي " وهو جديد في فكرته حينها في تلك الفترة، إذ يعتمد على رسائل المستمعين وخاصة العسكريين، المتضمنة أسألتهم الصحية التي كان يجيب عليها أطباء أختصاصيون.. وتوسّع البرنامج، ليشمل عوائل المتصلين من غير العسكريين، وكنت أستضيف لهذا الغرض، طبيبات استشاريات في الأمراض النسائية ..

وكل 6 كانون الثاني وانتم بخير

 

زيد الحلي

 

إسلاميو السلطة (97): رئيس ووزير ضعيفان في مواجهة الدبلوماسية الوهابية

salim alhasaniفي محاضرة لوزير الخارجية الأشهر في العالم (هنري كيسنجر)، عن رؤيته للسياسة الخارجية، وكيف ترسم الدولة سياستها في التعامل مع محيطها الإقليمي ومع المجتمع الدولي، قال: (الدبلوماسية ليست عملاً تبشيرياً)، وقد قصد كيسنجر بالعمل التبشيري، محاولة إقناع الآخرين بالشعارات الجميلة، من قبيل السلم والتعاون وحسن الجوار وما الى ذلك. فهذه كلها عناوين يجري تسويقها إعلامياً في المؤتمرات الصحفية، لأنها تلقى إحتراماً عاماً من الجميع، لكن الوصول اليها لا يتم من خلال طرحها على الدول الأخرى، لأنها بالمقابل تتداولها وربما أكثر منا في وسائل الإعلام، فلا توجد دولة في العالم تدعو الى الإرهاب والقتل والعدوان.

 إن المهمة الحقيقية للسياسة الخارجية، هو كيف تضمن الدولة لنفسها الحصول على الأمن والسلام والتعاون من خلال علاقاتها الخارجية، بمعنى كيف تفرض على الأطراف الإقليمية أن تلتزم بهذه المبادئ العامة، وكيف تمنع عن نفسها عدوان الدول الأخرى؟

 ...

 في علاقة العراق مع السعودية، يظهر حتى الآن أن الاتجاه في التعامل متأثر الى حد كبير بالجانب التبشيري وبالتصريحات الإعلامية، فقد طرحت الحكومة العراقية في سياستها الخارجية، فكرة (الصفحة الجديدة) مع السعودية بعد أقل من أسبوع من تشكيلها، ودعت لضرورة الانطلاق في مرحلة جديدة، وإحترام علاقات الجوار، ومواجهة التهديدات الإرهابية المتمثلة بتنظيم داعش، وقائمة طويلة من العناوين المتفق عليها، والتي تكررها السعودية بدورها كل يوم وتضيف عليها مفردات اكثر مما طرحته الخارجية العراقية نفسها، وكأن العراق هو الذي تسبب للسعودية كل هذا القتل والدمار والتآمر وليس العكس.

وكان وزير الخارجية العراقي السيد إبراهيم الجعفري يكرر في مؤتمراته وخطاباته أن الإرهاب الداعشي يهدد السعودية وقطر والامارات وتركيا والاردن، ويصر على تكرار هذه الفكرة التي تخالف حقائق الميدان ومعلومات المؤسسات البحثية والسياسية والإعلامية. وهو يتصور أن كلماته الخطابية ستغير منهج السعودية في دعم الإرهاب.

ما الذي يفرض على السعودية تغيير مواقفها من العراق، وتتحول الى صديق مخلص يحترم تقاليد الجوار وحرمة الدم وحقوق الإنسان؟.

هل شكلت زيارة السيد الجعفري بعد يومين فقط من تشكيل حكومة العبادي، هزة عنيفة للقرار السعودي، فلفتت أنظار حكومة الرياض الى أهمية الجوار والأمن والسلام والصفحة الجديدة؟.

هل كانت السعودية تنتظر مبادرة من الحكومة العراقية، لتغسل عقلها السياسي وتوجهاتها العدائية التي صرفت عليها مئات المليارات، فلما جاءها الجعفري من بغداد قررت حلّ لجان المخابرات وغرف العمليات ومراكز التخطيط وخلايا الإرتباط التي مضى عليها سنوات عديدة في التخطيط والعمل لإشعال المشهد العراقي بالأزمات والإحتراب الطائفي والتفجيرات الدموية؟.

...

 إن مشكلة بسيطة تتعلق بتأشيرات الدخول تأخذ حيزاً كبيراً في العلاقات بين الدول، وبرنامج تلفزيوني يبقى مؤثراً في علاقاتها عدة سنوات، فكيف نتوقع ان تنتهي حقبة من التآمر والتخطيط والدعم المالي والتفجيرات والموت وتعمّد تخفيض اسعار النفط، بزيارة او زيارتين؟

لقد سلكت السياسة العراقية مع حكومة الرياض الطريق الخطأ لسببين:

الأول: ان حكومة السيد العبادي كانت في بدايتها، وكان عليها ان تنتظر المبادرة من السعودية، فالعراق هو المتضرر من التأجيج الطائفي الذي تضخه السعودية في العراق.

 والثاني: أن العراق هو محور الإهتمام الدولي في مواجهة إرهاب تنظيم داعش، بمعنى أن من لا يدعم العراق سيكون في دائرة الإتهام، وهذه نقطة قوة كان على حكومة العبادي ووزارة الخارجية أن تتوقف عندها بدقة، فمن خلالها يمكن صناعة وضع إقليمي رصين للعراق، الى جانب كبح جماح الدول الإقليمية الداعمة للإرهاب.

إن دخول الولايات المتحدة على خط المواجهة ضد تنظيم داعش، أتاح للحكومة العراقية فرصة نادرة لتعزيز أمن العراق الإقليمي، وكان يكفيها لو انها التزمت التحفظ في العلاقة مع السعودية، عند ذاك ستضطر حكومة الرياض الى إيقاف مساعيها المعادية خوفاً من تعرضها لإتهام تطلقه الحكومة الجديدة ضدها، مما يضعها في دائرة حرجة.

لكن المؤسف ان الحكومة العراقي راحت تبحث عن ترطيب الأجواء مع السعودية، وتتوسل اليها بفتح سفارتها في بغداد، وتمتدح دخولها في التحالف الدولي لحرب داعش، بل ذهبت الى ابعد من ذلك عندما وقعت على إعلان مؤتمر جدة، وفيها أعطت براءة السعودية من الفكر التكفيري.

 إن مهمة السياسة الخارجية أن تعكس قوة الدولة (كدور) في احداث المنطقة، وهذا هو مقياس نجاحها وهو في نفس الوقت مقياس كفاءة وزير الخارجية من عدمه، وهذا للأسف لم يحدث حتى الآن، ولن يحدث طالما بقي السيد إبراهيم الجعفري في منصبه، فهو يواجه التحديات والمخاطر والسياسات العميقة، بعقلية الواعظ الديني والخطيب الإرشادي، إضافة الى دوافعه الشخصية في الحفاظ على علاقاته الشخصية مع الدول الخليجية وخصوصاً الكويت والإمارات.

 أمام السيد رئيس الوزراء، فلقد جربه العراقيون، فهو لا يمكنه أن يكون صاحب الرأي القوي أو الموقف المحدد، وهذا ما يجعل العراق في مواجهة قوى إقليمية تخطط وتزحف عليه بحرية وراحة تستهدف أمنه من خلال تنظيم داعش وتحت ستار التحالف الدولي، فيما ينشغل العبادي بقضية واحدة فقط، وهي كيف يُرضي السعودية والولايات المتحدة واطراف محور الشر، من أجل ان يبقى في سلطته.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

محاضرة "الغَزَل والنسيب"

jawadkadom gloomلم أنسَ ذلك اليوم الربيعي الجميل في اوائل سبعينيات القرن الفائت عند اول عتَبتي في دراستي الجامعية اثناء دخولي كلية الآداب / جامعة بغداد طالبا نازحا من النجف دارسا في قسم اللغة العربية

دخلت محاضرةً كان عنوانها "الغزَل والنسيب في العصر العباسي" تلقيها الدكتورة البارعة والشاعرة المتميزة عاتكة وهبي الخزرجي بصوتها السوناتيّ الناعم الجرْس مثل موجة هادئة تتحرش بالأذن وتغازله فيصل الى شغاف الروح ويلامسها وقدراتها الفريدة على شدّ انتباه الطلبة ولفت أنظار وأسماع الحاضرين المأخوذين بكلّ ما تقوله وتنشده من عذب الكلام ورقّة الشعر وحسن الإلقاء وكأنّ زقزقة عصفورة عاشقة تحنو الى أليفها، حقا كانت هذه الشاعرة المبدعة مغرمة الى حدّ الوله بالشاعر العباسي أبي الفضل العباس بن الأحنف الهائم بمعشوقته التي يسميها "فوْز" دون ان يصرّح باسمها الحقيقي صونا لعفّتها وهو الشاعر غير الماجن، الطاهر السريرة الى حدّ العذريّة وأتذكر فيما قالت من شعره فما زلت أحفظه ومازال خدشه في ذاكرتي منذ أول استماعي دون ان أقرأ وأراجع ديوانه الذي حقّقته بنفسها ونالت شهادة دكتوراه الدولة من السوربون عن هذا الشاعر العالق شعره في روحها الشفيفة:

أرعى المودّة بالزيارة والتعهّد بالسلام

بأبي وأمي من شقيتُ بحبّها دون الانام

ولقد جذلتُ اذا تبدّت باستتار واحتشام

كالشمس لمّا ان بدت للناس من خلل الغمام

وقول ابن الاحنف على لسان وترانيم تلك الاستاذة التي يقشعر حتى الصخر من فرط جمالية بوحها الشعري وهي تنشد:

أتـأذنـونَ لِصـبٍّ فـي زيـارتـكــمْ ---- وعندكم شهوات السمعِ والبصَرِ؟

لايضمرُ السوء ان طال الجلوس بهِ --- عفّ الضمير ولكن فاسق النظر

كانت السيدة الدكتورة عاتكة اضافة الى شاعريتها الدافقة ذات جاذبية ساحرة فهي امرأة تعتني كثيرا بإناقتها المفرطة وكانت تترقب دور الازياء الباريسية على الاخصّ وتختار اجمل ماتطرحه من موديلات الازياء التي تناسبها حتى انها غالبا ماتظهر لنا نحن طلبتها مثل دمية متوردة الخدود باهرة الجمال ولم تطلع علينا يوما الاّ ولبست حُلّة جديدة وخلبت ألبابنا بطلعتها الساحرة وحديثها الشجيّ في كاريزما انثوية كلها سحر وانجذاب

خرجتُ من المحاضرة منتشيا مشبعا الى حدّ الرواء والمتعة العالية من سحر ماقالته وجاذبية إلقائهِا وثراء علمها حتى أثقلت مسيري القصائد العذبة التي ألقتها على مسامعنا وكأني امتلأت خدَرا وأنا اتجه الى غرفتي البائسة المستأجرة في محلة العيواضية وسط بغداد

وقبيل أن أصل الى مسكني؛ مررت على الرصيف القريب من البيت وكان مفروشا بالكتب والمجلات ولمحتْ عيني مجلة بعنوان بارز ارتسمت في غلافها عبارة "الغزل والنسيب" او هكذا خُيّل لي فاقتنيتها على الفور دون ان اتصفّحها كعادتي عند شراء المطبوعات وكأنّ الغفلة والعماء أطبقا تماما على عينيّ

وحالما وصلتُ واسترخيت على فراشي وأمعنت النظر في عنوان المجلة فإذا به "الغزل والنسيج" وهي مجلة مهنية بحتة كانت تصدرها نقابة عمال الغزل والنسيج العراقية وقتذاك، وكم كانت صدمتي مؤثرة اذ لم ألحظ تلك الجيم اللعينة في آخر العنوان فحسبتُ النسيجَ نسيبا؛ ويبدو ان هذا الحرف كان خافيا بلونه الخفيف الباهت أو مغطّى ببقية اوراق الصحف الاخرى المجاورة وعميت ابصاري نظرا لحالة الخدر العائمة فيّ وتأثير محاضرة استاذتي الدكتورة عاتكة

قلت في سرّي لاضير من قراءتها مادامت هي الان في حوزتي، تصفحتها فاذا بي ادهش من جمالية ماانتقت من شعر رائع في صفحاتها الادبية من عيّنات غزليات مجنون ليلى ومجنون بثينة وبعض الشوقيّات منها "ياجارة الوادي" و"مضناك جفاه مرقده"؛ ياللمفارقة الغريبة، هل كان حدسي في مكانه؟؟ وقد أخذتني متعة القراءة ايّ مأخذ وكأنها امتداد لما سمعت من محاضرة أسعدت سريرتي وأبهجت قلبي وعقلي معا

لم يجانب صوابا من قال ان الشعر في العراق يبقى مبثوثا في ارجائنا كلها من زاخو العليا الى جنوب الفاو حتى في نسيجنا العراقيّ وتكويننا الحضاري المتفرّد وغَـزْلنا الروحيّ الناعم وفي عقول وقلوب عمّالنا المثقفين الاوَل، فمثل هذا الذوق الرفيع لم يعد مقتصرا على حلقات الدرس ومقاعد المحاضرات والشعراء والنخبة الثقافية؛ فمحبّو الشعر والادب وقائلوه بعدد نخيل بلادنا ووفره مياه رافدينا وسعة صدور أبنائنا ورحابة أرواحنا المفعمة بالذوق الادبي والفني السليم الذي يزخر به أهلنا العراقيون بمختلف طبقاتهم وشرائحهم وهل ننسى مجلة "وعي العمال" التي رأسَ تحريرها مثقفنا وكاتبنا الكبير البارز عزيز السيّد جاسم وهي تحفل بالزاخر من المواضيع الادبية الراقية ابداعا وتجديدا .. واذا كان هذا الكمّ الشعري قد اختلط غثّه مع سمينه والمثقل بالعافية والناحل بسفاسف الكلام وهزالة المبنى والمعنى وتخالط السامي بالسافل هذه الايام ؛ فهناك من رجع الصدى من يُعيدنا الى تذكّر سلاسة وجمالية وعنفوان ما كنّا قرأناه وسمعناه لنهزج له طربا ونصغي ابتهاجا وتؤنس أسماعنا وأرواحنا ماصدحت حناجر شعرائنا المتميزين الفائقين واساتذتنا العارفين الكبار مثلما وخزني صوت استاذتي الشاعرة الخزرجي وأيقظني من غفلتي حتى قلت فيها:

ياصوتَ عاتكة الذي أتسمّعُ ----- غاب الشّجى والرّجعُ باقٍ ممتعُ

لست ممن يعلق بالماضي ويمسك بتلابيبه واعرف ان هذا الحنوّ المفرط اليه هو تعطيلٌ لطاقة الانسان الحاضرة وعجزٌ عن ترتيب حاضر مبعثر واستكانةٌ عن تخطيط مقبل زاهٍ للاجيال اللاحقة وربما اشبّه الماضي كالليل الحالك السواد ولكن ياله من ليل مرصّع بالنجوم وكم من الصحارى الجرداء القاحلة المقفرة أنبتت وأينعت ورودا بريّة غاية في الجمال شكلا، باعثةً اعطر الرحيق في الأنفاس والأرواح البشرية

أجل هناك نسائم ساحرة توسع الصدر بهجة وحبورا فليس كل الماضي خانقا ولا كل الصحاري والبوادي رياحا سموما حارقة  

 

جواد غلوم

 

إسلاميو السلطة (96): حزب الدعوة من المعارضة الى الحكم

salim alhasani2في بداية عام 1984 قرر حزب الدعوة تشكيل لجنة ثلاثية لجمع تاريخه وتراثه من قياداته والشخصيات التي انتمت اليه، سواء استمرت معه في التنظيم أو انفصلت عنه.

كان العضوان الآخران في هذا المشروع المرحوم الأستاذ صالح محمد الأديب أحد مؤسسي حزب الدعوة، والاستاذ الكبير السيد حسن شبر حفظه الله. وقد استفدت من تلك التجربة الكثير، ولا أزال أشعر بفضلهما عليّ في فتح أبواب مقطع مهم وحساس من تاريخ العراق، كاد أن يلفه النسيان، كما أن طبيعة العمل والاطلاع على خصوصيات مهمة، ووثائق نادرة، وأحاديث سرية، ومواقف غير معلنة، وغير ذلك من شؤون الحدث التاريخي، تعد تجربة نادرة لمن يهتم بالتاريخ.

خُطط للمشروع أن يبدأ نشره حالما تسمح الظروف السياسية، وقد بادر الاستاذ حسن شبر بالكتابة ونشر عدة أجزاء عن تاريخ حزب الدعوة.

...

لقد فرضت المهمة لقاء شخصيات لم يتحدثوا من قبل عن وقائع التأسيس وظروفه وما تلاه، وبقوا صامتين يختزنون تجربة كبيرة بداخلهم، يحرصون على تفاصيلها الدقيقة، ويشعرون بالخوف عليها من الضياع، لكن الظروف لم تكن تسمح بالبوح بها أو نشرها في وسائل الإعلام، ففي أواسط الثمانينات كان نظام صدام على أشده في القوة والقمع، وكان لا يزال في العراق رجال من الرعيل الأول يكتمون انتماءهم للدعوة، ويتخفون عن الانظار، مما جعل مجرد التفكير بالنشر يتلاشى كلياً بمجرد تذكر اصدقاء الأمس.

لم يكن الحصول على تلك المعلومات النادرة، من أفواه أصحابها، عملية سهلة لهذه الاعتبارات ولأسباب شخصية أخرى تتعلق بهم، لكن السيد حسن شبر والمرحوم الحاج الأديب بذلا أكبر الجهود لإقناع الشهود على التاريخ بالحديث، وهذا ما كان.

...

مضت الشهور والسنوات، والمعلومات تتجمع بشكل تصاعدي، تتطلب السفر والتنقل والسهر، وكان الاستاذ شبر حيوياً نشطاً لا يتعب، ولا يتكاسل، بل كنت أشعر في أوقات كثيرة أنه أكثر نشاطا مني وأنا الشاب يومذاك.

عندما رحل عنا الحاج الأديب بعد مرض لم يمهله طويلاً، شعرنا بوحشة كبيرة، إنه الركن الثالث والأول في المشروع، إنه الروح الطيبة الندية التي تمسح بكلماتها العذبة على أحاسيس التعب، فتفجر القوة بأقصى مدياتها.. إنه القلب الكبير الذي يستوعب الاخرين دون أن يضيق بهم، بل كانوا يضيعون في فسحة صدره الرحب.. إنه الإنسان الفياض تواضعاً وأدباً، يتصرف كداعية ينتمي لحزب الدعوة وليس أحد مؤسسيه.

ذات مرة شكوت له شخصا التقيته ليزودني معلومات عن مقطع من تاريخ الدعوة، وقد نال من بعض قدماء الدعوة، فأطفأ حرارة الشكوى بحكمته التلقائية: "هذه طبيعة البشر، بعض الناس تكون ردة فعله قاسية، وبعض الناس يمتص ردة الفعل، أنا أقول لك أن قسماً من الحق معه وهذا من حرصه، ولكن عليه أن يغير من نفسه فلا يقسو على أخوته، وأرجو في المرة القادمة حين تلتقي به أن تخبره بأن أخوته يكنون له التقدير والاحترام).. كلمات صادقة كان يلتزم بها قبل أن يقولها.. كان يجسدها في سنوات عمره الطويل، فخرجت واضحة مقنعة. ثم أنهى كلامه بالقول: (نحن أمامنا مهمة جمع التاريخ، أما المشاعر فهي خاصة بأصحابها، ونحاول ان ننصح ونصحح الخطأ اثناء هذه المهمة). وقد علمت بعدها، أن الحاج صالح الأديب قام بالفعل بزيارة ذلك الشخص وأعاد التواصل معه.

...

أيام وشهور وسنوات، كنت أسجل وأدون أحاديثه عن تاريخه في حزب الدعوة، يذكر الوقائع بتفصيل مذهل كأنه يقرأها أمامه، كأنها حدثت قبل لحظات، بدقة وأمانة علمية، حتى انه أحياناً يستدرك فيغير كلمة مما يقول، مع ان المعنى هو واحد، لكنه يريد أن يذكر نص ما سمع قدر الإمكان.

في كل مرة، كنت أشعر بأن الجلسة معه قصيرة جداً، لكن عقارب الساعة تخذل المشاعر، فاقترح عليه أن نواصل الحديث في يوم آخر، فيبادر بأدبه الجم المعروف عنه: (لقد أطلت عليك، لم أقصد أن أتعبك) فاعتذر اليه بأني لا أريد إرهاقه أكثر. ويواصل حديثه حتى أشعر ان الوقت تأخر به، وأن أمامه 45 كيلومترا يجب أن يقطعها في طريق عودته لمنزله في هذه الساعة المتأخرة من الليل.

كنت أحاول في مرات كثيرة أن أضرب معه موعداً مبكراً، حتى يمكنه العودة لمدينة (كرج) قرب (طهران) قبل مغيب الشمس، أو أزوره في مسكنه، لكنه يرفض ذلك، مراعياً عملي كرئيس تحرير لجريدة الجهاد وساعات الدوام، وكان يقول: "هذا عمل مهم وذاك عمل مهم، ولا ينبغي أن ننجز عملاً على حساب آخر"، وقد اقنعته بزيارة منزله أيام الجمع، لكنه عاد بعد فترة وأصر على عقد اللقاءات في مكتب جريدة الجهاد في طهران، لأنه شعر بأن الاستاذ حسن شبر لديه التزاماته الكثيرة وان طول الطريق يؤثر على جدوله المزدحم.

لم أكن أسجل من الأستاذ المرحوم صالح الأديب سيرته الشخصية، بل هي سيرة حزب، الى جانب سلسلة دقيقة الانتظام من القيم والأخلاق النادرة.

...

أيام وشهور وسنوات بين كبيرين في خصائص كثيرة (شبر والأديب) أقضي ساعات طويلة، وأحياناً النهار بطوله وشطراً من الليل، تتلوها المكالمات التلفونية مع الاستاذ شبر، حول جدول المواعيد واللقاءات والأسفار، وحول تنظيم هذه المجموعة من المعلومات وتلك، ومستجدات أخرى.

أوراق وأشرطة تسجيل ووثائق.. تحكي قصة مسيرة حركية انبعثت من عتمة الزمن، من ركام ثقيل من الجمود والإحباطات.. من قناعة سائدة بأن الإسلام طقوس مجالها مساجد باردة، وكتب تتحدث عن سيرة الماضين دون اكتشاف دلالاتها، وتفاسير قديمة للقرآن تعيد ما كتبه السابقون.

من تلك الضواغط الكابحة، ومض ضوء في الظلام، كان بريقاً لامعاً، تحول في غضون سنوات قليلة الى حركة تزيل الجمود، الى تيار يصنع تاريخاً جديداً، اسمه حزب الدعوة الاسلامية.

...

لكن الصورة المشرقة لعقود من النضال والكفاح والتضحية والإخلاص، ضاعت بعد عام 2003، فتشوهت مواقف المضحين في السجون والقبور والميادبن، على يد مجموعة قليلة العدد، فقدت توازنها أمام المكاسب والامتيازات والسقوط في الفساد، فصار اسم الدعوة سُبة وللأسف، لأن الناس لا يهمهم الماضي والمفهوم والنظرية، إنما يحكمون على ما يرون أمامهم، ولهم الحق الى حد كبير. وكانت النتيجة أن الصفحات الوضّاحة احترقت على يد أشخاص كشفتهم الأيام سريعاً في أول تجربة مع الإغراء السلطوي. والأكثر مرارة أن هؤلاء لا يريدون أن يطفئوا النار المشتعلة وهي تلتهم بقايا صفحات حزب الدعوة.

...

لا يعرف سوى عدد قليل من الأشخاص، أن حزب الله في لبنان كان جزءاً من حزب الدعوة الاسلامية، ثم انفصل عنه، حيث أصبح أعضاء لجنته في لبنان والمكونة من خمسة أشخاص هم قادة حزب الله في أول انطلاقته، بقيادة الأمين العام الأول الشيخ صبحي الطفيلي وعضوية الأستاذ محمد رعد والشيخ نعيم قاسم والأستاذ محمود القماطي والأستاذ محمد الخنسا.

وربما لا يعرف القسم الأكبر من الجيل الحالي أن شخصيات بارزة وعلماءً كباراً ومراجع دين كانوا في فترة من الفترات أعضاء في هذا الحزب منهم آية الله السيد كاظم الحائري والمرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله والمرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين والعلامة الكبير مرتضى العسكري رحمه الله وأمثالهم من أعلام الفكر.

...

يتناقل الدعاة روايات كثيرة عن بطولات نادرة لأبناء الدعوة في سجون النظام الصدامي، فقد كان بعض الدعاة يوصي بقية اخوانه المعتقلين، بأن يدلوا باعترافات وهمية ضده، ويقولوا للجلادين، بانه هو مسؤولهم التنظيمي، وانه هو الذي يعرف كل شئ، لينقذوا بهذه الاعترافات الوهمية أسرار الدعوة. فمثلاً كان الشهداء الخمسة (الشيخ عارف البصري ورفاقه) قد رتبوا اعترافاتهم بحيث تتجمع عند الشيخ البصري الذي يتحمل كامل المسؤولية، وكان الشيخ رحمه الله بدوره قد اتفق قبل اعتقاله مع الدكتور فخري مشكور وخلال زيارة له في بيروت بعد عودته من آخر حجة له عام 1974، أن يدعي بأن إرتباطه به فيما لو تم اعتقاله، وبذلك تنقطع خيوط المتابعة على أجهزة الأمن.

وعشرات ومئات الحكايات عن أمثال هذه التضحية والايثار والصمود، بحيث أن أي محاولة لوصف صمود أولئك الرساليين، لن تكون وافية، ولم نقرأ في كتب السيرة والتاريخ، مواقف بهذه الدرجة العالية من الصمود والشجاعة والاخلاص، لدرجة أن يتبرعوا بالتورط بقضايا لم يفعلوها، من أجل التخفيف عن عذاب داعية آخر، ومن ثم حفظ الدعوة من خسارة بعض الخطوط التنظيمية. وكانت مثل هذه المواقف تعني المزيد من التعذيب ومن ثم الموت.

...

بعد السقوط عام 2003، تغير الحال كثيراً، صرنا نتحدث عن تلك التجارب وكأنها لأناس آخرين ليسوا من حزب الدعوة الموجود في السلطة، بل نُسيت أسماؤهم فلم يعد لهم ذكر على ألسنة القادة أو في التثقيف التنظيمي، وكأنهم لم يكن لهم وجود، فما الذي حدث لتتغير المواقف وتنقلب الموازين؟

يتصور البعض أن السلطة هي المفسدة الكبرى، وان تلك الرموز الصامدة ما كانت لتبقى كما هي لو انها عاشت هذه الفترة، لكنه رأي يظلم التاريخ والحقائق والرموز التي لم تتغير بعد السقوط.

فالحقيقة الميدانية تشهد بأن الكثير من الدعاة بعيدون عن مواقع السلطة والمراكز الحكومية، وهم يفضلون البقاء بعيداً عنها متمسكين بمواقفهم، لكن صمتهم هو الذي يحجب الناس عنهم، فهناك عشرات الأسماء النزيهة التي تمارس العمل بصمت، ومئات المجاهدين المضحين الأبطال من قوات الشهيد الصدر.

...

إن القيادة التي تتصدى لحزب الدعوة اليوم، ليست هي التي تحمل مسؤولية التاريخ الدعوتي وهمومه وتطلعاته، إنها في دائرة الاتهام، لأنها رضيت أن تحوّل الدعوة الى جسر عبور، وهي تسمع وترى النظرة العامة التي يبادلها الناس للحزب، فلا هي تنتفض على نفسها لتحسّن الصورة من خلال كشف الفاسدين والمفسدين، فتبعدهم عن الحزب، ولا هي تختار اسماً آخر تعمل به في السياسة، لصون التاريخ وسمعته وتجربته الكبيرة.

ستكون الصورة صادمة أمام القارئ الكريم، عندما يعلم أن معظم أعضاء القيادة، كانوا في اجتماعات الحزب، يمسكون ملفاتهم ليقدموها للسيد نوري المالكي حتى يوقّع لهم طلباتهم الشخصية، وكيف كانت همومهم محصورة في محاولة كسب رضاه بأي ثمن، وعندما أدبرت السلطة عنه، هرعوا صوب العبادي يمنحونه الولاء والطاعة. دورة متكررة من الولاء والانصياع لصاحب السلطة.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

 

مالك بن نبي.. إحترامه لابن باديس

moamar habarكتاب "ابن باديس حياته وآثاره"، للأستاذ عمار طالبي، الجزء الثاني، طبعة 2009، دار الامة، الجزائر، من 534 صفحة..

إحتوى على رسالة للمفكر مالك بن نبي باللغة الفرنسية ومن 06 صفحات، حول الشيخ ابن باديس رحمة الله عليه. وبعد قراءتها كانت هذه الملاحظات..

كتبت الرسالة بتاريخ 08/04/1966، أي 26 سنة بعد وفاة ابن باديس، و07 سنوات قبل وفاة مالك بن نبي، و04 سنوات بعد إسترجاع السيادة الوطنية، وكان عمر مالك ب نبي 61 سنة أثناء كتابته للرسالة.

يتضح من خلال ذكر هذه الأرقام، أن بن نبي كان في كامل نضجه العقلي، ومسؤول عن كلامه وموقفه من ابن باديس، بالإضافة إلى كونه كان في 07 سنواته الأخيرة، بعد أن إنتهى من كتابة جل كتبه، خاصة تلك التي رسمت حياته، كـ..

"الظاهرة القرآنية" و"لبيك"، و"الفكرة الإفريقية الآسيوية"، و"شروط النهضة"، و"وجهة العالم الإسلامي"، و "بين الرشاد والتيه"، و "ميلاد مجتمع"، و"الصراع الفكري في البلاد المستعمرة"، ناهيك عن المذكرات التي كتبت ضمن هذه الفترة.

ولم يبقى غير كتب "المسلم في عالم الاقتصاد"، و"مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي"، و"دور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين".

الرسالة تعبّر بوضوح عن التواصل بين الطالب عمار طالبي وأستاذه مالك بن نبي، وأن جهد بن نبي لم يذهب سدى، واتضحت آثاره الطيبة في الإنتاج العلمي لتلميذه عمار طالبي، والكتاب "ابن باديس حياته وآثاره"، ثمرة من تلك الثمرات، ناهيك عن مقالات أخرى سبق للقارئ المتتبع أن اطلع عليها.

يتضح من الرسالة إعجاب بن نبي الشديد بابن باديس، وهو يعلم أن الذين عايشوا المرحلة مازالوا أحياء، مؤكدا على أنه يتفق مع بعض جوانب المرحلة ويختلف في بعض جوانبها.

يمر على مؤتمر 1936 عن غير عادته ويثني على ابن باديس، لأنه في نظره ابن باديس قاوم صاحب مقالة "أنا فرنسا". فكان يومها رجل سلم واستطاع أن يعيد الهدوء، لكنه لم يقبل تشويه اليهود لمسجد.

يثني على مجهوده الشعري ويصفه بالشاعر الملهم، حين ألف أشعاره التي تعيد للشعب الجزائري أبعاده الحقيقية في التاريخ الاسلامي، في وقت كان الاستدمار الفرنسي يلقن لصغار الجزائريين نشيد « nos ancêtres les gaulois »

يصف ابن باديس بأنه كان معلما، مؤمنا، وصبورا، وطبيبا وهو يعود للأصول ويحاول الربط بين أصله ومصادره التي ضاعت في أواخر الفكر الإسلامي.

وبن نبي يقارن ابن باديس بابن تومرت، حين يقول.. كان المجدد ومهندس تاريخ هذا الوطن، وكان المجدد الذي أعاد وجهة العالم الاسلامي، كما كان من قبل ابن تومرت في إفريقيا الشمالية، لأن ابن تومرت كان ضد الفكر الضيق للفقيه، لذلك استطاع أن يعيد الوعي الاسلامي إلى القرآن والسنة.

ويعترف بن نبي أن ابن باديس لاقى صعوبات كبيرة في تحرير العقول، حين واجه الاستدمار والقابلية للاستدمار، التي أفسدت المجتمع وجعلت من مهمة المصلح في غاية الصعوبة.

ويرى أن الاصلاح الجزائري الممثل في ابن باديس يعتمد على قوله تعالى" إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم"، ويعترف أن هناك صعوبة في التطبيق الحرفي لدى النشاط السياسي. والذي يقرأ تراث بن نبي، يدرك جيدا لماذا ذكر هذه الملاحظة بالذات، لأنه ظل يعيب على السياسيين تقديم الحقوق على الواجبات، وكان ينصحهم دوما، أن مشكلتنا في القابلية للاستدمار، وإذا عولجت تم طرد الاستدمار.

ويعترف بن نبي وهو يعيد قراءة تراث ابن باديس ويستحضر أيامه، فيقول .. لايمكن محاكمة المصلح ابن باديس حسب القواعد العلمية الصارمة التي تعتمد على الافتراضات وتضع الافتراضات في مواجهة قواي التاريخ والمجتمع. وكأنه يريد أن يقول أن ابن باديس كغيره من الرجال، يصيب ويخطئ، وينظر إليه ضمن ظروف عامة، تراعي الظروف التي عاشها.

ويرى أن ابن باديس جاء في فترة سيطرة الدراويش الذين جددوا دورة الموحدين، والتي لم يعتمدون فيها على الفقه والرباط. لذلك تجده يقارنه بان تومرت، باعتباره عاش في فترة سيطر فيها الدراويش على المجتمع.

ثم يقول.. وبالاضافة الى دوره لدى الراي العام، كذلك ساهم ابن باديس في تكوين جيل من المتعلمين تعليم حر وكذا شعرائنا من أمثال حمة العيد.

وطالب بن نبي بضرورة إعادة قراءة وتحليل دروس ابن باديس، المتمثلة في مجالس التذكير، لما امتازت من حرية وفكر. وقد نقل عينة من شرح ابن باديس عبر آية 15-16 من سورة المائدة، موضحا خلالها أن ابن باديس لم يعتمد على التفسير الحرفي للآية، بل يظهر من خلال تفسيره، ذلك المدافع عن دينه والناقد، والباحث، والمصلح، والصوفي الذي يتحدث باستمرار وباحترام.

يختم رسالته بقوله.. على القارئ أن يدرك جيدا أن ابن باديس كذلك مفكر يعيش غبنا في مجتمعه وحضارته بطريقته الخاصة، وأن ابن باديس أعاد نشر كتاب "العواصم من القواصم"، لابن العربي بأمواله الخاصة رغم مافي الكتاب، مايدل على أنه شخصية متفاعلة مع تاريخ الحضارة.

ومن الملاحظات الشخصية التي يبديها القارئ، وهو يقرأ رسالة مالك بن نبي حول ابن باديس، هي..

مجهودات ابن باديس كانت تصب في التحضير للثورة الجزائرية.

يشبه ابن باديس بابن تومرت، لان كلاهما عاش في فترة الانحطاط، وكلاهما جدد الدين معتمدا على الكتاب والسنة.

رغم إختلاف بن نبي مع ابن باديس خاصة في المواقف السياسية تجاه الاستدمار الفرنسي، ومنها مشاركة جمعية العلماء في مؤتمر باريس 1936، والاستنكار الشديد الذي أبداه في مذكراته وكتبه السابقة، إلا أن بن نبي ومن خلال هذه الرسالة التي كتبها سنة 1966، يبدو أنه كان رحيما مع ابن باديس ومحبا له، ويرفض محاكمته وفق القوانين العلمية الصارمة. وهذه الملاحظة في غاية الأهمية، لمن وقف على كتب بن نبي، واستطاع أن يقارن بينها وبين هذه الرسالة.

يبدو واضحا من خلال الرسالة، أن بن نبي يبدي إحتراما كبيرا وتقديرا جليا، لابن باديس، رحمة الله عليهما جميعا.

المطلوب من المجتمع الجزائري إحياء تفسير ابن باديس والمعروف بمجالس التذكير، عبر المساجد، والدروس، والمحاضرات، والمقالات، والكتب، والشرح المناسب.

 

معمر حبار

 

إسلاميو السلطة (95): قيادات السنة والشيعة والأكراد .. هكذا تجري الأمور

salim alhasaniقام الكيان السياسي للشيعة على تجمع غير متآلف من المكونات السياسية، وقد ظلت الفوارق بين توجهاتها، أحد الأسباب المهمة في عدم قدرته على صياغة مشروع عمل سياسي موحد، وعدم امكانيته في الاتفاق على منهج عمل ضمن الدائرة الشيعة.

إن النظرة التفكيكية لمكونات التحالف الوطني تعطينا نتائج مهمة حول صعوبة انسجامه، فلقد تأسس بعنوان شيعي شكلي، وليس من واقع الهموم الشيعية التي تفرض على المتصدين تحقيق العدالة وتوظيف الثروة الوطنية لخدمة الشعب، لا سيما وأن الظلامة الشيعية على مدى التاريخ، يُفترض أن تشكل الدافع القوي لتقديم البديل الناجح سياسياً واجتماعياً.

كما أن ارتباطه بالمرجعية العليا لم يستند الى علاقة دقيقة تعتمد الآليات والشروط والأسس المحددة، إنما علاقة الكيان السياسي بالجهة الداعمة، وبعبارة أدق علاقة حاجة من صاحب المصلحة بجسر العبور. وهذه نقطة خلل كبيرة لأنها متحركة مرنة، وليس فيها ضوابط قاطعة تُلزم الأطراف بالعودة الى المرجعية في حالة نشوب أي خلاف داخلي.

وقد وافقت مكوناته على هذه الصيغة من أجل كسب الأصوات الانتخابية، كمعبر نحو رئاسة الوزراء، أو مراكز السلطة المهمة.

فكرة التحالف الوطني كانت رخوة وفق اعتبارات العمل السياسي. وقد جاءت ردة فعل لحالة الفرز الطائفي التي حكمت الواقع العراقي، مثلما انضوى السنة في تحالفات كبيرة تحت نفس السبب. أما الأكراد فقد كان تحالفهم هو الوحيد الذي تقترب مكوناته من بعضها البعض في التوجهات والاهداف، فمكنها ذلك من توحيد مواقفها الى حد كبير، وفي حصر خلافاتها الداخلية ضمن اطارها الإقليمي.

كان الكيان السياسي الشيعي منذ تأسيسه في انتخابات الجمعية الوطنية باسم الإئتلاف الوطني، ومن ثم تحوله الى التحالف الوطني، يحمل بداخله عناصر التضارب الحاد، ولم يفكر قادته بوحدة الموقف وبتماسك الكيان، فبعد تحوله الى كتلة سياسية كبيرة، راح يتصرف كل كيان وفق مصالحه السياسية، وليس بتوجيه المرجعية.

...

فالمجلس الأعلى كان يمتلك مشروعه الخاص، فقد تحول الى كيان عائلي قبل سقوط نظام صدام، وتقبل قادته هذا الواقع، ورضوا ان يكون ولاءهم لأي شخص من آل الحكيم وبعبارة أدق الولاء لشخص باسم أسرة الحكيم، فانحصرت اهداف قادة المجلس في تدعيم وكسب رضا الشخص الذي ادّعى تمثيل العائلة الحكيمية، بينما سائر عائلة الحكيم لا تقره على زعامته ولا على مسلكه، وهي مسألة يتم التعتيم المتعمد عليها من قبل قيادات المجلس، لضمان هذه القيادات حصولها على المكاسب الحكومية بصورة شخصية.

...

وحزب الفضيلة تشكل من أجل هدف واحد هو المساهمة في صناعة مرجعية الشيخ محمد اليعقوبي المتمردة أساساً على النظام المرجعي في الحوزة العلمية من حيث الاعتبارات والسياقات التاريخية والعلمية التي درجت عليها عبر عقود طويلة من الزمن. فتحدد هدف الحزب من العملية السياسية بالبحث عن أفضل الطرق لجني المكاسب من أجل تثبيت مرجعية اليعقوبي مالياً. وهذا يعني أنه يسعى الى تقوية نفوذه من أجل أن يتمكن اليعقوبي من منافسة المرجعيات القائمة، ليأخذ مكانه وسطها مستقبلاً، أي أن مشاركة حزب الفضيلة في العملية السياسية، هي وسيلة لتمكين اليعقوبي من المرجعية.

...

أما منظمة بدر فقد نشأت بقرار إيراني، وبقيت محافظة على ارتباطها بالقرار الإيراني، بمعنى أنها لا تملك هدفها الواضح، ولا يمكن لها ان تبلور هدفها، فهي تخوض العملية السياسية لتكون مجموعة عددية في البرلمان، ثم تنتظر توجيهات القيادة الإيرانية في حسم الموازنات لهذا الطرف أو ذاك.

...

التيار الصدري حالة خاصة قائمة بذاتها، فهو تجمع جماهيري إرتبط بالشهيد الصدر الثاني وانتمى الى خطه، وبعد سقوط نظام الدكتاتورية، أعلن عن ارتباطه بنجله السيد مقتدى الصدر، محتفظاً بولائه لمدرسة والده الشهيد، فسار عاطفياً تحت قياده نجله. وقد تعرض لعدة انشقاقات بسبب تحول الولاء العاطفي من السيد مقتدى الصدر الى غيره، أبرزهم حتى الآن الشيخ اليعقوبي من خلال حزب الفضيلة، والشيخ قيس الخزعلي من خلال عصائب أهل الحق. وقد يتعرض التيار الصدري الى انفصالات أخرى إذا بقي رهان قائده على الجانب العاطفي فقط. كما تتهدده مخاطر أخرى وهي تعاظم نفوذ عدد من أعضائه بعد أن جمعوا ثروات طائلة باسم التيار الصدري، استغلوا فيها مناصبهم الحكومية والبرلمانية، مما يمكّنهم من الانفصال عن التيار لتكوين كياناتهم الخاصة، أو اضعاف قائده تحت ضغط عامل المال الضخم والمؤثر في مثل هذه الحالات.

...

وإذا كان حزب الفضيلة قد تنبه الى أهمية الجانب المالي في تدعيم كيانه، أي استغلال السياسة للحصول على المال، فان عصائب أهل الحق أرادت أن تستنسخ تجربة منظمة بدر بالارتباط التام بإيران، وهذا ما يجعلها تتمكن من القوة من دون الحاجة الى الاعتماد على آليات العملية السياسية. وهذا ما يجعلها أقل درجة من حيث القوة مقارنة مع منظمة بدر التي تتمول مالياً من خلال العملية السياسية.

....

كتلة المستقلين في التحالف الوطني، هي الكذبة التي مرت على الكثيرين، وقد كان بطلها الدكتور حسين الشهرستاني الذي حصل على دعمها في البداية، باعتباره سيتولى تشكيلها من دون الترشيح في البرلمان، لكنه سرعان ما نقض وعده، وتخلى عن التزامه، ودخل البرلمان ثم حصل على المناصب العليا، وواصل طموحاته الشخصية لتولي رئاسة الوزراء، رغم بساطته السياسية والإدارية وأكوام الملفات من الفساد التي تتجمع وراء ظهره. وبعضها - وليس ابرزها- مشروعه بتصدير الكهرباء الى دول الجوار عام 2013، وعقود النفط التي يعاني العراق من عواقبها اليوم.

...

ثم نصل الى حزب الدعوة، بتاريخه الكبير وسمعته العريضة، لكن مشكلته أنه دخل الى العملية السياسية دخولاً معوجاً، وكأنه غير الحزب الذي قضى عقود الزمن في التنظيم والالتزام بالثوابت والمبادئ. فانقسم أعضاؤه الى قسمين: دعاة السلطة وهم الأقلية العددية لكنهم الأقوى وأصحاب القرار، ودعاة الحركة وهم الأكثرية لكن تأثيرهم معدوم على مستوى القرار.

ومن خلال ممارسات دعاة السلطة، فقد الحزب سمعته الجماهيرية ومكانته الاجتماعية، وضاع تاريخه واحترقت صفحات ماضية. فهذه القلة تولت المناصب والمراكز الحكومية، فانجرفوا وراء تيار الامتيازات والمكاسب، وغرق الكثير منهم في الفساد، وسلطوا ألسنتهم على النصائح والملاحظات التي كان يسديها لهم اخوتهم من دعاة الحركة.

...

في مقابل هذه الوجودات الشيعية، فان التحالف الكردستاني ضمن لنفسه القوة المالية والسياسية من خلال ممرين واسعين الأول فيدرالية الإقليم، والثاني نسبة ثابتة من الموازنة المركزية، وهذا هو الذي جعل إقليم كردستان ينجح في تحقيق إنجازات أمنية وعمرانية، لأن عمليات الفساد مهما كانت عظيمة وكبيرة لكبار مسؤوليه، فأنها لا تؤثر على الموارد المالية الثابتة التي تحصل عليها حكومة الإقليم.

كما حصّن الإقليم حدوده من التهديدات الخارجية من خلال ارتباطه مع الولايات المتحدة، وعلاقاته الوطيدة مع إسرائيل، وبذلك صار المنطقة الآمنة وسط ساحة متفجرة من الأزمات، وملتقى الشخصيات والمسؤولين والأجهزة المخابراتية التي تكيد بالعراق.

...

أما المكون السني فحاله لا يختلف عن المكون الشيعي، حيث برع قادته في تكوين التحالفات والقوائم الانتخابية وخاضوا صفقات السياسة للفوز بالمكاسب المالية، لكن الذي أبعدهم عن عيون الرقباء أنهم حظوا بمساندة الدول العربية لهم مالياً وسياسياً وإعلامياً، وذلك من خلال التظلم باسم التهميش والاقصاء.

لقد عقد قادة الكتل السنية اتفاقاتهم الإقليمية، وخاضوا مجال الفساد في أعمق مناطقه، من خلال المناصب الحكومية والبرلمان، والدعم الخليجي، لكنهم تركوا جماهيرهم في مواجهة المشاكل اليومية، وجعلوهم مسرحاً لنشاط تنظيم داعش.

...

بين هذه المكونات السياسية (السنة والشيعة والأكراد) تجري اتفاقات من نوع آخر، هي أكثر من اعتبارات الدين والوطن والإنسان، إنها الصفقات المالية، فعادة ما يشترك في ملف الفساد الواحد اشخاص من هذه المكونات.. وغالباً ما يلجأ المسؤول الكبير الى عقد صفقته بالاعتماد على رجال اعمال من المكونين الاخرين، وبذلك تمضي الأمور تحت حماية المحاصصة التي تغطي سلطات الدولة القضائية والتنفيذية والتشريعية.

على هذا النحو سارت العملية السياسية، وعلى هذه الشاكلة تسير حالياً، فيما يقف في الطريق مشروع كبير يهدف الى تحقيق أغراضه في تفتيت العراق وتوجيه أكبر الضربات على يد محور الشر (قطر ـ السعودية ـ تركيا).

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (94): مستقبل العراق تحت حكم العبادي

salim alhasani2تسارعٌ مرعب للأحداث في المنطقة، والعراق يقف في قلبها، فيما يجري في العواصم الإقليمية والدولية صناعة القرارات والمواقف، وفق رؤى استراتيجية عميقة.

ميدان هذا النشاط الدولي هو العراق وسوريا، حيث يُراد خلق كيان سني إقليمي من قبل محور الشر (قطر ـ تركيا ـ السعودية) وبتوجيه واسناد من الولايات المتحدة وإسرائيل.

ونحو هذا المخطط العميق، تتجه الأمور في العراق وحوله، وتتوزع المواقف الدولية في غلبة عددية كاسحة داعمة لمحور الشر، في مواجهة الكيان المستهدف وهو العراق وشعبه، والأكثر استهدافاً هم شيعته في الوسط والجنوب.

...

من الطبيعي أن يخاف العراقيون على مستقبلهم، عندما لا يرون استراتيجية واضحة تقوم عليها حكومتهم، ويزداد الخوف عندما ندرك أنها عاجزة عن وضع رؤية استراتيجية، فالسيد حيدر العبادي بحكم تاريخه وعمله السابق، لم يجرب خوض مجال السياسة بمعناها الحقيقي، فبناؤه الثقافي قائم على أساس ثقافة دينية ومفاهيم إسلامية عامة.

أما وزير خارجيته السيد إبراهيم الجعفري، فحاله معروف للعراقيين، ومع الأسف فان وضعه الكلامي يزداد سوءاً بمرور الأيام، وهو يدير الدبلوماسية العراقية بطريقة المواعظ والخطب الارشادية لتهذيب النفس وتربية الذات.

...

إن الحكومة المركزية في بغداد، تعيش حالة الشلل شبه الكامل في صناعة القرار، وسيكون الحديث تكراراً مملاً في هذا المجال، فلقد صار الأمر في غاية الوضوح للمواطن العراقي، بحيث ان السيد رئيس الوزراء، مضى عليه ما يقرب من سنة وهو متردد في توقيع كتاب تعيين مدير المخابرات العراقية، مع أنه اختار الشخص وهو الناشط السياسي (مصطفى الكاظمي). وسبب تردد العبادي حيرته في موقع الكاظمي، هل يعيّنه بديلا للسيد (محمد عبد الجبار الشبوط) في شبكة الإعلام العراقي، أم مديراً لجهاز المخابرات؟ ويبدو أن العبادي لا يجد فرقاً مهماً بين المنصبين والمهمتين والمجالين، أي الإعلام والمخابرات!.

...

ومشكلة أخرى تقف أمام السيد العبادي، ولا يجد لها حلاً حتى الآن، وهي القاعة الكبرى التي بناها رئيس المجلس الأعلى السيد عمار الحكيم والمطلة على نهر دجلة، فهذه القاعة هي تجاوز على الشارع العام، وقد وعد العبادي بأنه سيزيل التجاوزات ويفتح الشوارع المغلقة، لكنه اصطدم بمعضلة قاعة عمار الحكيم، فكيف السبيل لحل هذه المشكلة المعقدة؟

حتى الآن يُقلّب السيد رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، الخيارات من أجل أن يُقنع عمار الحكيم بإزالتها، فإذا ما طلب منه مباشرة إزالتها فقد يرفض رئيس المجلس الأعلى وقد يصل الرفض الى درجة العناد وهذا ما لا يريده العبادي. وإذا أزالها بدون الحصول على رضاه فانه سيثير غضب عمار الحكيم، وبذلك يدخل في أزمة سياسية حادة مع أحد مكونات العملية السياسية!.

...

مخططات ومشاريع وتفكير عميق وإجراءات صارمة يتخذها أعداء العراق، في محور الشر (قطر ـ تركيا ـ السعودية). يقابلها السيد حيدر العبادي بمواقفه هذه. فكيف سيكون عليه شكل العراق تحت حكم العبادي؟

الأخطر من ذلك أن السيد العبادي منسجم مع المشروع الأميركي ـ بعلم أو بدون علم ـ بما يرمي اليه المخطط العميق.

القرار خارج يد العبادي، فلا يمكن أن نتوقع انه سيقدم استقالته، لكن المسؤولية تقف امام قيادات الشيعة وامام المرجعية الدينية، فالعراق امام الخطر.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (93): سؤال للقيادات الشيعية: لماذا تسمحون للعبادي بتفتيت العراق؟

salim alhasaniيتلخص المشروع الأميركي في المنطقة بإقامة دولة إقليمية سنية على المناطق التي تحتلها داعش في سوريا والعراق. وقد تم التعجيل بهذا المشروع بعد أن دخلت روسيا بشكل قوي في سوريا من خلال ضرباتها الصاروخية والجوية مما ساهم في تقدم الجيش العربي السوري في مناطق مهمة كانت تحت سيطرة تنظيم داعش.

إن هذا التطور دفع الولايات المتحدة الى تقديم جدولها الزمني، بان يُصار الى تحرير المناطق العراقية بواسطة القوات الأميركية والجيش العراقي، ومنع قوات الحشد الشعبي من الاقتراب منها، وهذا ما حدث في معركة الرمادي التي تحررت لكنها ستكون خارج نطاق السيطرة الحكومية المركزية.

وسيتكرر المشهد نفسه في الموصل أيضاً. حيث تم الاتفاق بين أنقرة وواشطن على هذا الجهد المشترك بموافقة رئيس إقليم كردستان السيد مسعود البارزاني. أما دور قطر فيكون هو الدعم المالي لهذه الدولة السنية.

...

يعلم الدكتور حيدر العبادي بهذا المشروع وشكله القادم، لكنه لا يستطيع أن يقف ضده، كما لا يستطيع ان يصارح الشعب العراقي به، لأنه يُدرك خطورة ذلك، كما انه سيجازف بمستقبله السياسي فيما لو أقدم على خطوة بهذه الجرأة، وهو رجل ينشد السلامة قدر الإمكان، ويبتعد عن مناطق الاحتكاك، وينأى بنفسه عن المواقف الصعبة.

...

الى جانب هذه الصورة، يمكن أن ينظر المواطن العراقي الى جانبها الآخر، حيث يقف قادة الكتل السنية، وقد تعاملوا مع هذه التطورات والأحداث بأقل قدر من الاهتمام، حتى عندما تحررت الرمادي، فانهم لم يُظهروا الاهتمام المطلوب، مع أن الحدث له أهميته وأبعاده الكبيرة.

ويمكن للمواطن العراقي أن يتابع حركتهم في الأشهر الأخيرة وقد خفت حدتها وتراجع نشاطها. ويعود السبب في ذلك الى انهم قد تلقوا الضمانات الأميركية والخليجية بأن الأمور تجري في سياقها الطبيعي، وأنهم سيجنون المكاسب جاهزة على أحسن وجه. وكل ما عليهم هو عدم خلق المشاكل لرئيس الوزراء حيدر العبادي، وتركه وشأنه وكأنهم على انسجام تام معه. كما تلقى الزعماء الأكراد نفس التوصية بضرورة عدم إثارة المشاكل مع العبادي، وقد سبق السيد فؤاد معصوم الوقائع عندما أعلن في تشرين أول الماضي أن استبدال العبادي سيُدخل البلاد في أزمة خطيرة، مع أن مثل هذا القضية لم تطرح بين الكتل، لكنه أراد أن يقطع الطريق على أي محاولة من هذا القبيل، أمام الرجل الذي لا يعترض، وإن اعترض فانها كلمة عابرة سرعان ما يتراجع عنها.

...

يصل الكلام هنا الى قادة الكتل الشيعية، حيث يعلم أعضاؤها بطريقة العبادي وطبيعته الشخصية، وأنه منساق وراء مشروع أميركا والحكومات الإقليمية. وهذا ما يدفعنا الى توجيه السؤال التالي الى هذه القيادات:

ـ ما الذي يمنعكم من إفشال المخطط الأميركي ـ الإقليمي عن طريق استبدال العبادي بأي شخصية أخرى قادرة على الوقوف بوجه مشروع تدمير العراق وتفتيته؟

ليس هذا سؤالاً عابراً حتى يمكن لقيادات الشيعة تجاوزه أو إهماله، إنما هي قضية مصيرية لها أبعادها التي تمس الوحدة العراقية ومصير الشعب والكيان الشيعي،

إن قادة الكتل الشيعية يعلمون ان العبادي هو الجسر الضروري لعبور المخطط الأميركي ـ الإقليمي لتدمير العراق، فلماذا لا يُغيّرونه بأي بديل يقف بوجه هذا المخطط؟

إن عدم تغيير العبادي في هذه الظروف الحرجة والمتسارعة، يضع قادة الكتل الشيعية أمام أحد أمرين:

إما أنهم لا يعرفون بالمخطط واعتماده على نموذج العبادي.

أو انهم مستفيدون من المخطط وسكوتهم مُشترى.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

يونس بحري إسطورة الإعلام العراقي

nabil alrobaeiيُعتبر يونس بحري أحد الإعلاميين الذين ذاع صيتهم مطلع أربعينات القرن الماضي بعد انقلاب مايس عام 1941م، فهو كاتب وصحفي ومذيع ومغامر وسائح، كانت إبداعاته مرتجلة بسبب نبوغه وطموحه، جاب أوروبا وآسيا، سافر لعدة مدن منها افغانستان وإيران والهند وجاوة وحضرموت وليبيا وتونس وباريس الذي سجن فيها، ثم عاد إلى العراق عام 1933م وكتب قصصاً عن أسفاره تصلح حديثاً للمجالس.

ولد الإعلامي يونس صالح أغا الجبوري عام 1897م أو 1900م (كما تذكر بعض المصادر)(1) في مدينة الموصل / محلة السوق لأسره كادحة، فوالده صالح أغا عمل يوزباشي في الجيش العثماني يقوم بتأمين البريد بين استنبول مركز الدولة العثمانية وولاية الموصل.

درسّ في طفولته لدى الكتّاب بمدينة الموصل، وبعد ذلك التحق بالمدارس الرسمية حيث أكمل الدراسة الابتدائية والمتوسطة ثم التحق بدار المعلمين الابتدائية في بغداد عام 1921م، حيث ذاق ذرعاً بهذا الدار من مديره، لكنه طرد منه بعد مرور شهرين أو ثلاثة لمجادلته مدير الدار، وتوجه نحو الوظيفة وتعين كاتباً في وزارة المالية عام 1923م، ومثلما لم تسعه مدينته الموصل، لم يعد العراق يسعه، فغادر العراق عام 1923م إلى استنبول وانخرط فيها لدراسة العلوم البحرية، ولكن الظروف الصعبة التي عاشتها تركيا العثمانية بعد الحرب الأولى ومخاض تركيا في حرب الاستقلال جعلته يرجع ثانية إلى العراق، ثم قرر السفر خارج العراق سائحاً في عدد من الدول الأوروبية والآسيوية ولم يكن يمتلك الكثير من المال فعمل باعمال بسيطة ثم عاد إلى الموصل عام 1925م(2).

في 29/2/1929 التقى لأول مرة بفتاة هولندية في مدينة نيس بفرنسا، والحسناء الهولندية تنتمي لأسرة ارستقراطية وأمها بارونة المانية ثرية، ووقعت بينهما رابطة حميميه من الحب والغرام وكانت رغبته بالزواج منها عارمة جداً، إلا أنها كانت عازمة على الاستقرار بينما كان صاحبنا في أوج جموحه وطموحه والسعي وراء ملاكماته الصحفية ومغامراته في تحقيق بعض المآرب المادية التي كان يسعى إليها (3).

تزوج يونس بحري لأول مرّة من امرأة موصلية اسمها (مديحة) فأنجبت له ولدان وبنت هما (الأدميرال رعد يونس بحري قائد الاسطول الفلبيني .د. لؤي بحري، استاذ الحقوق الدولية في جامعة بغداد، د. سعدي يونس، الفنان الاكاديمي المسرحي لهُ الفضل في ادخال فن التمثيل النيتومايم إلى العراق في الستينات من القرن الماضي، د. منى بحري، الاستاذة في جامعة بغداد كلية التربية قسم علم النفس)، لكن هؤلاء الابناء تبنت تربيتهم جدتهم لأمهم (مريم خانم) بسبب اهمال والدهم لهم، كانت جدتهم تمتلك مدرسة لتعليم فن الخياطة في الموصل، اهمل يونس بحري عائلته بسبب رحلاته المكوكية في البلدان الاوروبية والآسيوية، تعلم من خلال رحلاته اكثر من ستة عشر لغة عالمية اساسية قراءة وكتابة عدا اللهجات المحلية، كان بحري مزواجاً فتعددت زيجاته حتى وصلت إلى اكثر من اربعين، فكان يتباهى بهنَّ أمام أصدقاءه قائلاً : بدأت بشهريار الإيرانية وانتهيت بشهرزاد السورية .

893-YOUNSعام 1925م عاد إلى العراق باسم (السائح العراقي)، عاد مثقفاً بلغات ومعلومات واسعة، نشر مقالات انتقد فيها ساطع الحصري انتقاداً مريراً وشتمه لسوء تصرفه في مؤسسة المعارف العراقية، غادر العراق عام 1929م إلى الكويت ومنها إلى السعودية كان مغامراً حتى وصل اليمن والتقى الإمام يحيى بن حميد الدين زعيم اليمن فأكرم وفادته، كما عبر البحر الأحمر نحو أفريقيا واخترق أرتيريا والحبشة والسودان الشرقي ومن ثم السودان الغربي وعبر الصحراء الكبرى مشياً على الإقدام لوحده، وصل بعد 48 يوماً إلى جبال الأطلس، ووجد نفسه في المغرب، فزار فاس ومكناس ومراكش وكازابلانكا والرباط وطنجة، ثم عبر إلى أوروبا نحو اسبانيا ووصل فرنسا والمانيا وبلجيكا وابحر إلى انكلترا، وصلها منتصف الثلاثينات حتى شارك مع سباحو العالم لعبور بحر المانش باسم العراق وفاز بالمركز الأول مسجلاً سابقة لا مثيل لها فأطلق عليه تسمية يونس بحري ومنح جواز سفر دبلوماسي ألماني بهذا الاسم ولأول مرة .

ذكر البروفسور إبراهيم العلاف في حلقة لقناة الموصل المتلفزة حول حياة يونس بحري، إذ قال: كان رجلاً عجائبياً حقاً، ففي فترة من حياته في الهند كان يعمل كراهب في النهار وراقص في ملهى بالليل، ويجد مع ذلك وقتاً ليقوم بعمل إضافي مراسل لأحدى الصحف الهندية، وفي وقت آخر أصبح مفتي في اندونيسيا ومره جاءه أحد سكان الجزيرة المعروفين مصطحباً معهُ فتاة في منتهى الجمال يريد منه أن يعقد قرانه عليها .. فأستحسفها يونس لأن الرجل كان مُسناً ودميماً وافهمه أنه لا يجوز شرعاً عقد قرانه عليها، فصدقه الرجل لأنه (مفتي) وترك الفتاة فتزوجها المفتي".

عام 1930م اشترك يونس بحري مع الأديب الكويتي الشيخ عبد العزيز الرشيد بإصدار مجلة في اندونيسيا باسم (الكويت والعراق)، كما أصدر مجلة أخرى بعنوان (الحق والإسلام)، كما أكد الأستاذ قاسم الخطاط إذ قال: في عام 1931م عاد يونس بحري إلى العراق فأصدر جريدة باسم (الميثاق)، وعندما وقعت حادثة اصطدام سيارة الملك غازي ملك العراق بعمود الكهرباء أدت بوفاته (4)، صدرت جريدة الميثاق وبصفحتها الأولى كلها مجللة بالسواد تحت عنوان (مقتل الملك غازي) والإشارة في المقالة إلى وجود أصابع انجليزية وراء الحادث للتخلص من الملك الوطني الشاب الذي كان يدعو إلى التخلص من الاستعمار، وبدأ يوزعه في بغداد فجراً وهو على دراجته النارية، متهماً الانكليز وعملائهم الأمير عبد الإله ونوري السعيد بقتل الملك، مما تسبب ذلك في مظاهرات صاخبة نجم عنها هجوم المتظاهرين على القنصلية البريطانية في الموصل، وحين خرج القنصل البريطاني مونك ميسن قتله عدد من المهاجرين، مما دعا الشرطة إلى الذهاب لبيت يونس بحري لإلقاء القبض عليه وتقديمه إلى المحاكمة، لكن بحري هرع إلى السفارة الألمانية يحتمي بالسفير غروبا الذي قام بوضع خطة لتسفيره خفية عام 1939م إلى ألمانيا قبل اندلاع الحرب الثانية، وذلك من خلال التمويه، إذ جعله عضواً ضمن أعضاء وفد صحفي وصل بغداد على متن طائرة خاصة حشر بحري نفسه فيها ضمن أعضاء الوفد، فوصل برلين.

 

يونس بحري وإذاعة قصر الزهور

قبل مغادرة بحري العراق عام 1939م عمل كمذيع أول في إذاعة قصر الزهور التي أقامها الملك غازي، وجد فيه الملك غازي إنساناً يؤدي من خلاله أغراضه السياسية وخصوصاً بعد أن نصب بحري أول مذيع في الإذاعة العراقية عام 1936م، وهو أول من نطق على موجات الأثير (هنا بغداد .. إذاعة المملكة العراقية) بصوته الجهوري.

في رحلة بحري إلى ألمانيا عام 1939م عمل مذيعاً في محطة برلين العربية الإذاعية مع المذيع تقي الدين الهلالي، وقد أشار على ادولف هتلر على ضرورة افتتاح وقت الإذاعة الأول بسور من القرآن الكريم لجذب المستمعين العرب لمتابعة الإذاعة، يبدأ يونس بحري خطاباته بـ(هنا برلين، حي العرب)، من خلال دعوته لتحرير البلاد العربية من الاحتلالين البريطاني والفرنسي، كانت لبحري علاقات متميزة بالحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين ورشيد عالي الكيلاني، كانا حلفاء للألمان ضد الانكليز، وبعد اندحار ألمانيا توجه إلى أمارة شرق الأردن التي وصلها بما يشبه المعجزة، وهناك التجأ إلى الملك عبد الله أمير شرقي الأردن، وقد طبع بحري خطاباته عام 1956م في بيروت تحت عنوان (هنا برلين) بثمان أجزاء.

 

يونس بحري إماماً لجامع في باريس

ارتبط اسم يونس بحري بإذاعة برلين، حيث أكد عبد السلام العجيلي في مذكراته قال: بأحداث كثيرة، وحكايات غريبة، مثيرة تارة ومضحكة تارات، من تلك مثلاً حكايته في جامع باريس الذي بني في العشرينات من هذا القرن، وكان يحوي، إلى جانب المسجد والسوق والحمامات العربية، مطعماً مغربياً وملهى ليلياً. كان يونس يؤذن للصلوات الخمس في مئذنة المسجد بصوته العريض، ويتولى الإمامة بالمصلين عند الحاجة، وفي الليل كان يرأس تخت الموسيقى في الملهى، فيعزف على العود، ويغني الأدوار التي كان يجيدها تمام الإجادة، ولا يتأخر عن المشاركة في الرقص الشرقي مقلداً أشهر العوالم في شارع عماد الدين في القاهرة، ويروون أن فيصل بن الحسين، ملك العراق، حين زار باريس في إحدى السنين، وصلًى الجمعة في مسجدها لاحظ أن خطيب الجمعة كان يلقي خطبته البليغة المؤثرة بلهجة عراقية بينة، وحين أثبت تحت عمامة الإمام الضخمة وجه يونس بحري لم يملك نفسه عن الضحك وهو يقول : هكذا جامع يحتاج إلى هكذا خطيب (5).

 

يونس بحري يسبح مع التماسيح

قبل أن تستقل جزر الميلانو ويصبح اسمها اندونيسيا، وهي مشهورة بنهرها الكبير الذي يتجنب الناس السباحة فيه لكثرة تماسيحه وخطرها على كل من يغمس قدمه في مائه. وجد يونس نفسه ذات يوم في تلك الجزيرة خالي الوفاض، فتفتق ذهنه عن طريقة طريفة يملأ بها جيبه الخالي، أعلن في الجرائد المحلية أن السائح العراقي المشهور يونس بحري سيقطع ذلك النهر الخطر سباحة، متحدياً التماسيح الشرسة المفترسة، وأن على من يرغب في مشاهدة هذا التحدي أن يحضر إلى ضفة النهر في مكان معين، وفي اليوم الفلاني والساعة الفلانية بشرط أن يدفع سلفاً ثمن تذكرة المشاهدة.

وسرى هذا النبأ سريان الهشيم في أنحاء الجزيرة، فتقاطر الناس متزاحمين على شراء التذاكر حتى تحصل منها مبلغ كبير . وقبل الموعد المضروب بيومين دسّ يونس بحري إلى الحاكم الهولندي في الجزيرة من يقول لهُ بأن هناك أجنبياً مجنوناً يعتزم أن يقطع النهر المخيف سباحة على يديه، ملقياً نفسه في فكوك التماسيح الفتاكة، مما لا نجاة له فيه من الهلاك، وأن هذا الأجنبي من بلد تحكمه بريطانيا العظمى فلا يبعد أن يتسبب هلاكه بأزمة سياسية بين بريطانيا وهو لندا!! عند هذا... وزيادة في الاطمئنان أمر بأن يقف على باب الفندق الذي يقيم فيه ذلك الأجنبي المجنون حارسان مسلحان يحظران عليه الخروج إلى أن ينتهي الموعد المعلن عنه، وهكذا خرج يونس بحري من هذه العملية ببضع مئات من الجنيهات قبرَ بها إفلاسه (6).

 

يونس بحري مؤسس حزب التراخي العراقي

ذكر السيد سعيد علي في يوم كان في النجف الأشرف كان ذلك قبل ثمان وعشرين سنة، كان في مكتبة الشيخ محمد كاظم الكتبي في قيصرية علي أغا في سوق الحويش من النجف، وكان في المكتبة الكتبي والعلامة محمد صادق بحر العلوم والشاعر الشيخ عبد الغني الخضري والمحامي محمد رضا السيد سلمان، وما هي إلا دقائق حتى جاء الأستاذ على الخاقاني صاحب كتاب (شعراء الغري) ومجلة (البيان) مصحوباً... برئيس حزب التراخي يونس بحري! فعجبنا كيف اهتدى الخاقاني إلى يونس بحري وكيف أدرك بحري الخاقاني، وكيف جاء يونس بحري النجف الأشرف ليكون في مجلسنا يقعد متربعاً كما نفعل...واني لأذكر أن صاحب المكتبة الشيخ محمد كاظم الكتبي قد سأله عن حزبه التراخي الذي يرأسه فقال يونس بحري : إنه لا مناص لي من البداية فأقول إنه قبل عقدين من السنين أنشأت بألماني جريدة عربية لقبتها بـ(جريدة التراخي) وفسرتها بأنها صوت حزب التراخي بالعراق وجعلت أرسل بها إلى مشاهير العراق كنوري السعيد، وتوفيق السويدي، وبهجة العطية، وأحمد مختار بابان، وفاضل الجمالي، والسيد محمد أبي طبيخ، والسيد محمد الصدر، وسعد صالح، وصالح جب، وأرشد العمري، وغيرهم من الحاكمين في ذلك الزمان، وأدعوهم في صحائفها إلى الانضمام إلى حزب التراخي هي ثوب عليهم وبطش بهم، وسعى إلى انقلاب واجتهاد في دينونة وحساب فيأمر نوري السعيد مدير الأمن العام بهجة العطية بالتحري والتفتيش، فيتراكم في مكتب العطية من أوراق العيون وآذان والجواسيس والمخبرين، ما كان تلاً من الحدس والتخمين، وما فسر هذا التل من الأوراق ولا وضّح شيئاً من أسرار الحزب وأهدافه، وبعد سنين قصدت بغداد . والكلام ما زال ليونس بحري. لأزور الربوع فإذا بالشرطة يعتقلوني في المطار ويقودونني إلى بهجة العطية مكبلاً بالقيود الحديدية، وإذا بمدير الأمن العام بهجة العطية يسألني البوح والإفشاء، والاعتراف لأن نوري السعيد الملقب بأبي صباح يريد أن يكتشف حقيقة حزب التراخي، فقلت لهُ: لئن جمعتني نوري به فسوف أبوح له بكل أسرار الحزب، ولأن بهجة العطية كان يريد أن يحظى من نوري السعيد وأجلسني الأخير عن يساره، وهو يسألني بلهجة من أخذ بتلابيب الكابوس، وقد كنت كابوسه أن أفضل الكلام عن حزب التراخي: ما مرماه، ومن هم أعضاؤه؟ فقلت لهم مستريحاً مطمئناً، لا تفصيل ولا برطيل حزب التراخي أعضاؤه من أمثالكم فمن التراخي عضوه دخل في حزب التراخي.. وما إن سمعنا هذا حتى أغرقنا في الضحك، وسأله الخاقاني عن مآل نوري السعيد بعد أن سمع عبارته النابية؟ فقال يونس بحري:إن نوري السعيد كاد يموت من الضحك (7).

انتقل يونس بحري إلى بيروت في الخمسينات، وكان اسمه ذائع الصيت، فيحتفى به ويوثق البعض علاقته به، ويقيم في بيروت زمناً، وكان صديقه الصحفي الكبير جبران تويني (ابو غسان) صاحب صحيفة (النهار) صديقه المفضل، ومن بيروت زار سوريا والأردن، وزار مصر بطلب من القيادة المصرية الجديدة واحتفى به الرئيس جمال عبد الناصر وأنور السادات .

لما وصلت أخبار يونس بحري في مصر إلى العراق ولقاءاته بالقادة المصريين، خشي الهاشميون في العراق والأردن، وبالأخص نوري السعيد أن يكون ليونس بحري دوره الإعلامي في مصر ضد كل من نظامي الحكم في العراق والأردن، فوجد كل من عبد الإله والملك عبد الله في الأردن أن يرسلا بطلبه، وأن يصفحا عنه أن اعتذر لهما، فما كان منه إلا أن يعتذر فيصفحا عن كل ما ارتكبه بحقهما، وما كاله ضدهما من شتائم مقذعة .

وفي مصر، تعرف من خلال صديقه الفنان الموصلي الأصل نجيب الريحاني بالراقصة جمالات، فشبكها حباً وهياماً .. ومن خلالها أيضاً تعرّف على الفنانة المطربة هدى سلطان معرفة عميقة وهام بها وهامت به وقد أهداها خاتماً نادراً من الماس، يؤكد الدكتور عبد الرحمن بدوي في لقاء مع د. إبراهيم العلاف حين ألتقاه عام 1982م في باريس، أن الدكتور بدوي كان يعرف يونس بحري منذ أيام باريس، وانهُ التقى به في القاهرة ابان الخمسينات، وكانت أغنية المطربة المصرية هدى سلطان المشهورة ( من بحري ونحبوه) كانت بحق يونس بحري الذي " شبك جمالات وشبكها"، كان صديقة الشاعر فتحي قورة قد كتب كلمات تلك الأغنية الشهيرة، لا نعرف مدى مصداقية هذه المعلومة.

عام 1956 أثناء وجود يونس بحري في مصر، توصل نوري السعيد إلى سحبه من ترسانة الرئيس جمال عبد الناصر وشبكته الإعلامية، فوصل يونس بحري إلى العراق واحتفى به، كما اتفق معه أن يكون مسؤولاً في الرد على إذاعة صوت العرب من القاهرة، كي يلقن عبد الناصر دروساً لا ينساها، فوافق يونس ودون أن يعلم أن القدر له ولكل النظام الملكي في العراق بالمرصاد.

 

عودة يونس بحري قبل ثورة تموز1958 إلى العراق

قبل ثورة تموز 1958م عاد يونس بحري إلى بغداد، فأرسل في طلبه نوري السعيد، وطلب منه أن يذيع مقالاته ضد عبد الناصر ففعل، فاعتبر بعد ثورة 14 تموز 1958 كأحد أنصار نوري السعيد، بعد ساعات من ثورة تموز القي القبض على صديقه اللبناني صلحي الطرابلسي الذي اعلم الجهات المسؤولة عن مكانه، فاعتقل يونس بحري وكان ثاني المعتقلين بعد سعيد قزاز وزير الداخلية في الموقف العام، كان معه في السجن وفي قاعة واحدة توفيق السويدي وكلاهما يُكنى (بأبي لؤي)، وفي يوم جاء ضابط السجن منادياً : من (أبو لؤي) .. فخاف السويدي لأنه توقع أن يكون وراءه شراً ولم يجب .. وأجابه يونس بحري وكانت المفاجأة أن الضابط أحضر مظروفاً يحوي مائة دينار فوقع بحري واستلمها .. وبعد ايام جاءت رسالة إلى توفيق السويدي تقول : هل استلمت المائة دينار؟

اعتقل بحري لفترة تقارب السبعة أشهر واطلق سراحه دون محاكمة لعدم كفاية الأدلة، وبوساطات من زعماء وقادة عرب وأجانب، وقد تعرف أثناء اعتقاله إلى رئيس عرفاء السجن (رسن) فقال له مرة: لماذا لا تقوم بانقلاب وتستولي على السلطة؟

فأجاب: كيف وأنا رئيس عرفاء؟

فقال: وكيف استطاع رئيس عرفاء دولة افريقية القيام بثورة ... وحين سمع عبد الكريم قاسم هذه المحادثة أرسل في طلبه وقال له: أتريد أن تفسد عليّ جنودي؟

بعد إطلاق سراحه أفتتح عام 1959م في منطقة الكرادة ببغداد مطعم (بوران) في شارع الرشيد، وأخذ يرتاده كبار الشخصيات السياسية والفكرية والسفراء، فكان أشبه بمنتدى، وكان يونس يقوم بطبخ الأكلات المختلفة التي تعلمها أثناء سفراته، وهناك صادف مرور عبد الكريم قاسم الذي تسبب بهروبه مرة أخرى من العراق وسافر إلى لبنان، كان يتصل بشخصيات عسكرية معادية لثورة تموز ويحضر بعض لقاءاتهم لتغيير نظام عبد الكريم قاسم بسبب تفرده بالحكم.

عاد يونس بحري إلى بغداد في سبعينات القرن الماضي بعد أن أدركته الشيخوخة حتى توفى عام 1979م يصفه البعض بأسطورة الأرض باعتباره مؤسس لـ(16) إذاعة واتقنَّ 16 لغة، وحمل 15 جنسية، يونس بحري من تباينت الناس في تقيمها لهُ، فثمة من وصفه بأقذع التهم، وثمة من انصفه ومنحه الحق المشروع لحريته التي مارسها سياسياً وثقافياً وإعلامياً، وصف من البعض بالدعارة والتجسس وانعدام الأخلاق، ووصف من البعض الآخر بصفات العظمة الخارقة .

كان يتصف يونس بحري بسرعة الإقناع والجاذبية والسحر وسرعة البديهية والنكتة، فهو جهوري الصوت، يتقن التقليد والتمثيل ببراعة، لا يهمه نقد الآخرين أو شتائمهم أو مدحهم له، فلسفته في الحياة (الحياة لحظة زمنية لا فرق فيها بين كبيرة وصغيرة)، لهُ القدرة الخارقة للاتصال بالملوك والزعماء والوصول إلى صناع القرار، عمل مستشاراً لرؤساء وملوك، ومحرراً ورئيس تحرير، أصدر عدة صحف، وبائع كتب متجول، وموزع صحف، وكاتباً ومؤلفاً، عمل مذيعاً ومدير إذاعة ومعلقاً رياضياً وسباحاً ورحالة.

ليونس بحري مؤلفات كثيرة، وأول كتاب أصدره كان تحت عنوان (العراق اليوم) عام 1924، ويؤكد البروفسور إبراهيم العلاف أن الكتاب محفوظ في مكتبة الأوقاف في الموصل، ومن كتبه المنشورة ما يلي :

1- صوت الشباب في سبيل فلسطين الدامية والبلاد العربية المضامنة . 1933 .

2- العراق اليوم (بيروت 1936)

3- تاريخ السودان . القاهرة 1937.

4- هنا بغداد . بغداد 1938.

5- الجامعة الإسلامية . باريس 1948.

6- دماء في المغرب العربي . بيروت 1955.

7- الحرب مع إسرائيل وحلفائها. بيروت 1955.

8- تونس . بيروت 1955.

9- الجزائر. بيروت 1956.

10- ليبيا. بيروت 1956.

11- المغرب . بيروت 1956.

12- هنا برلين : حي العرب (8 أجزاء). بيروت 1956.

13- سبعة أشهر في سجون بغداد . بيروت 1960.

14- موريتانيا الإسلامية . بيروت 1961.

15- ليالي باريس (باريس 1965)

16- محاكمة المهداوي . 1961.

17- وحدة أم اتحاد . 3 سنوات تخلق أقداراً جديدة . 1963.

18- العرب في المهجر . بيروت 1964.

19- العرب في أفريقيا.

20- أسرار ثورة مايس 1941 . بغداد 1968.

21- ثورة 14 رمضان المباركة . بيروت 1963.

 

أكد البروفسور إبراهيم العلاف انه : صاحب شخصية نادرة، مثل يونس بحري ما كان له الطبع ولا الرغبة في أن يقضي وقته مع عائلته، فهو صاحب نفسيه قلقة مهاجرة، وسايكولوجية غير مستقرة لا تهجع أبداً، فهو إنسان غير غادي، قادر على أن يكون شخصية قيادية له كاريزما ساحرة في لحظة تاريخية معينة، لكن سيرة حياة بحري بحاجة إلى دراسة وتحقيق وفحص دقيق، لأن هناك جملة أسرار لم يكشف عنها حتى اليوم، لكن تعتبر مؤلفاته مصادر أساسية لسيرته الشخصية والإعلامية والأدبية، لكن المؤرخ معن عبد القادر آل زكريا يستعد لنشر كتاب يتحدث عن حياة السائح بحري يتضمن أكثر من 1000 صفحة وأكثر من 500 صورة ووثيقة تخص بحري، حيث ابتدأ آل زكريا مشروع كتابه سنة 1990، ومن المحتمل أن ينشر الكتاب في لندن .

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

................

المصادر

1- هناك من يرى أن ولادته عام 1900 أو 1904 في نص التقارير الصادرة من السفارة الهولندية حول سيرة يونس بحري . المصدر مجلة الموسم . العدد3. السنة 2013 . ص256.

2- مير بصري. اعلام السياسة والأدب في العراق. ص288/289.

3- مجلة الموسم . العدد3. السنة 2013 .ص256 .

4- مجلة الموسم . العدد3. السنة 2013. ص256 .

5- د. عبد السلام العجيلي . حفنة من الذكريات. ص184/186.

6- د. عبد السلام العجيلي. في كل واد عصا. ص119. دار الحوار. اللاذقية. ط1. 1984

7- مجلة الموسم. العدد. السنة 2013. ص273/274.

 

سر رابعة العدوية عاشقة الله معشوقة النساء

mulehim almalaekaرابعة العدوية شهيدة العشق الالهي، بدأت حياتها مغنية في سوق العبيد بالبصرة، وتدرجت من قينة يمر بها الرجال لبضع دراهم حتى تفرغت للعشق الالهي واعتزلت عالم الرجال لدرجة انها رفضت الزواج حتى مماتها، لكنها احتمت بعالم النساء ووجدت في عشرة المسترجلات منهن ملاذا. لست باحثا في تاريخ التصوف والعشق الإلهي، لكن الصدفة ساقت لي بضع وريقات من مخطوطة باريس فكتبت هذا الكشف.

لماذا رفضت رابعة (أم الخير) اسماعيل العدوية الزواج وهي الجميلة الساحرة؟ لمن غنت رابعة ومن سرقها وكيف بيعت في سوق النخاسين؟ ما علاقتها بعبيد أل معتوق " آل عيتك او عتيك كما تختلف الانساب لهم" بالبصرة؟ ومن انفق عليها في ربيع عمرها، ولمن غنت بصوتها الشجي ولمن رقصت بجسدها المثير المغناج؟

ولدت في السيبة بالبصرة اولا وانتقلت مضطرة بعد وفاة ابيها وامها الى حي عُرف فيما بعد بحي بشار بالبصرة القديمة، وسميت رابعة لأنها البنت الرابعة لأب يعمل صيادا في شط العرب (نهر العرب كما كان يسمى)، وأم كانت تحيك الحصران كما هو شائع في قرى البصرة.

وكما تنقل الموسوعة الشعبية ويكيبيديا فقد كانت رابعة تخرج لتعمل مكان أبيها المريض بقاربه عبر نهر أبو فلوس جنوب البصرة ثم تعود بعد عناء تهون عن نفسها بالغناء، وبعد وفاة والديها غادرت رابعة مع أخواتها (الاربع) البيت بعد أن دب في البصرة جفاف وقحط أو وباء وصل إلى حد المجاعة ثم فرّق الزمن بينها وبين أخواتها، وبذلك أصبحت رابعة وحيدة مشردة، وأدت المجاعة إلى انتشار اللصوص وقُطَّاع الطرق، فخُطفت رابعة من قبل أحد اللصوص وباعها بستة دراهم لأحد التجار القساة من قبيلة آل عتيق البصرية، وأذاقها التاجر سوء العذاب، ولم تتفق آراء الباحثين على تحديد هوية رابعة فالبعض يرون أن آل عتيق هم بني عدوة ولذا تسمى العدوية.

 

فصول غريبة في حياة أم الخير

في تاريخ حياتها غموض كبير. كتاب "الصبابة والأغاني بحياة الغلمان والغواني" للإمام أحمد بن سليمان بن كمال باشا والذي قام بتأليفه بتكليف من السلطان سليم الأول فرغ من كتابته في عام 905 للهجرة، لم يُنشر بل بقي مخطوطة انفردت بنشر فصول غير معروفة عن حياتها. والمخطوطة يعرضها متحف صغير في باريس وتوجد نسخ مصورة منها للباحثين، وقد نقل عنها محقق الكتاب نجيب نجيب الله الافغاني المستعرب الذي رافق الشيخ محمد عبده حله وترحاله الفصول الاغرب عن حياة أم الخير، ولمن يرغب في متابعة شأن رابعة يمكن العودة الى المخطوطة في متحف الرسائل والمخطوطات بباريس Museum of Letters and Manuscripts.

الجأها الفقر بعد وفاة والديها الى امتهان الغناء، وكان فنا شائعا في احياء البصرة القديمة التي عرفت كمناطق للهو والطرب وممارسة الدعارة، وكانت البصرة تنأى بنفسها عن احياء "العبيد" فيها، والتي انتشرت في مناطق السيبة، وما عرف ببشار واطراف ما عرف فيما بعد بالزبير.

كانت تغني وهي جالسة خلف خمار يخفي عن الاعين سحرها الأخاذ، واحيانا كانت تغني من غرفة قريبة اسدل على مدخلها ستار كثيف يمنع الجُلاس من رؤية وجه المغنية. رابعة العدوية كان يمكن ان تصبح غانية لو شاءت، الا أن ظروفها منعتها، وربما كان لبيئة البصرة الظالمة دور في اخفائها.

وما كان لمسلمة في القرن الثاني للهجرة ان تغني، وما كان لامرأة ان تظهر بين الرجال وتجالسهم، ولكن رابعة حسب مخطوطة "الصبابة والأغاني بحياة الغلمان و الغواني" فعلت ذلك معتمدة على رغبة جامحة في التحرر انتابتها بعد وفاة اهلها. رابعة كانت تكره الرجال، وينقل الإمام أحمد بن سليمان بن كمال باشا انها كانت تعاشر نسوة بعينهن معاشرة الانثى حين تهب نفسها للذكر، أي انها كانت تساحق المستفحلات من النساء و يالكثرتهن في البصرة القديمة آنذاك.

 

عاشقة الله، عشيقة المحاربة ام عمير!

ولعل في هذا الخبر تفسير لعزوفها المستمر عن الزواج، وفي نفس الوقت هو يسلط الضوء على مساحة الحرية التي استطاعت ان تنفذ اليها رابعة العدوية من خلال النسوة المستفحلات، وينقل نفس المصدر أن أم عمير البصرية التي شاركت في معارك وغزوات عدة وغنمت دروعا وسيوفا وخيلا من رجال قتلتهم، هذه السيدة المقاتلة هي التي كانت عشيق(ة) رابعة وحاميتها، فقد اوقفت جاريتين لمساعدتها في مهنة الغناء، وكان الغناء صوفيا في عصر لم يفهم الناس فيه الصوفية بعد، ففسروا - خلال سنوات القرن الثاني للهجرة - عبارات العشق والغرام والهيام التي فيه على انها معالم ابتذال دنيوي وبات الرجال ينفقون دراهمهم في بيت رابعة طمعا في سماع الكلمات الساحرة ولاستراق نظرة من سيدة الحسن السمراء المفعمة بالحيوية والاثارة.

عشقت رابعة حبيبا خياليا، وبهذا كان تحقق العشق محالا، فوجدت في عشق النساء بديلا قد يشبع الروح والجسد، عشق النساء يستلزم المصاحبة، وتلامس الاجساد وانسحاق الشفاه تحت الشفاه، ومرور الاصابع فوق الاكام وتحسس الهضاب وانسياق الانامل في سياحة مسام الجسد دون سراع ودون عجالة بل حسب ما يشتهي العصب الموجوع بحثا عن تكامل اللذة .

 

ما الذي جاء بقبرها الى بيت المقدس؟

وبقيت رابعة في كنف أم عمير، معشوقة مكرّمة تخدمها الوصائف والجواري، ويغسلن كل ليلة جسدها الخمري اللون بماء الورد لتكون حاضرة لبعلتها أم عمير فتقضي الليل معها دون إثم ودون فضيحة، فالمجتمع لا يلتفت الى عشرة النساء ببعضهن، كما لا يلفت الى عشرة الرجال ببعضهم– كما نقل عن صبيان البطحة بعدها، وعن غلمان أم الزبير أو الزبير في بصرة العراق حاليا الذين عشقوا بعضهم فتلوّن حبهم، وخافوا حدود الاسلام الصعبة، فاعلنوا زهدهم وتمشيخهم ودروشتهم ملتصقين غالبا بمن هاجروا من آسيا الوسطى من الدراويش. ولكن لم يكن لأحد ان يُعلن حقيقة الامر، فالدراويش آنذاك باحثون عن لذة خارقة مع الله، وهي لذة لا تتحقق، فيحيدون عنها الى ما يشبهها في التلذذ بعالم الذكور الذي لا خطر من انكشافه ولا خطر في ملاحظته ولا تجلب عشرته العيون والرقباء كما تفعل عشرة الرجال بالنساء.

مثل هذا شائع في الكنائس والأديرة، فالمثلية (بلغة يومنا هذا) شائعة بين الراهبات كما انها شائعة بين القساوسة والرهبان.

ماتت رابعة في بيت المقدس بعد ان سافرت اليها مع زرافات المتصوفة الذين قدموا الى المدينة المقدسة منذ مطلع القرن الثاني للهجرة مبتعدين عن بيئة مكة والمدينة الصحراوية المحافظة. ونقلا عن صحيفة القبس الكويتية "في القرن الثاني للهجرة قدم عدد كبير من الصوفية إلى الديار المقدسة، وفي مقدمة هؤلاء أم الخير رابعة بنت اسماعيل العدوية، وبشر الحافي، وذو النون الحصري، وإبراهيم بن أدهم، والسري بن المفلس السقطي".

وذهب المؤرخ العراقي رشيد الخيون في مقال نُشر في صحيفة الاتحاد الاماراتية بتاريخ (31.08.2013) الى أن المؤرخين اختلفوا حول شخصية رابعة مؤكدا أنّ " اخبار العدوية البصرية تداخلت مع رابعة الشَّامية ابنة إسماعيل وزوجة ابن أبي الحواري الكاتب (ت 230 هـ). ورد التداخل في أهم مصدر عن رابعة «صفوة الصَّفوة» لابن الجوزي (ت 597 هـ)، الذي جعل قبر الشَّامية قبراً للبصرية بالقدس، يقول الحموي (ت 626 هـ): قد اشتبه على الناس فقبر البصرية بالبصرة وهذا قبر الشَّامية (معجم البلدان). ولكم القياس كم ضريحاً صار ضريحاً لغير صاحبه المشهور به، بل كم ضريحاً لا وجود لرفات فيه إلا في المخيلة! وكم دماء سفكت حوله. وأقول: أيتهما صاحبة المسجد الذي صار مكاناً للاحتجاج: الشَّامية أم البصرية؟ وهذا الذهبي (ت 748 هـ) في «تاريخ الإسلام» يذكر توهم ابن الجوزي، في حياة الرابعتين، وكذلك توهم ابن خلكان (ت 681 هـ) بين الرابعتين (وفيات الأعيان).

وجد المقدسي (ت 380 هـ) قبرها بالبصرة (أحسن التقاسيم)، أما الجاحظ (ت 255 هـ) فيذكرها في «الحيوان» و«البيان والتَّبيين» برابعة القيسية، ولا يأتي بخوارق لها، فعلى ما يبدو أن ما نُسب إليها وضعه المتأخرون. ولوفاة العدوية تاريخان (135 هـ) و(185 هـ).

عُرفت رابعة بالعشق الإلهي، ولا نعلم أيهما الشَّامية أم البصرية، ما سماه ابن عربي (ت 638 هـ) بـ«الحب المعلول»: «قول المرأة المُحبة، يُقال إن هذا القول لرابعة العدوية المشهورة» (الفتوحات المكية)، ومِن هذا صاغوا عبارة العشق الإلهي." انتهى ما ذهب اليه رشيد الخيون بشأن ام الخير آل معتوق التي نجهل عنها كل شيء تقريبا.

 

ملهم الملائكة

 

في رثاء صديقي المرحوم فزاع الحسون .. لا شئ يستحق التضحية بالحياة إلاّ الحياة بكرامة

892-fazaaيؤسفني أن معظم ضحايا صدام اليوم في السلطة في العراق، نسوا الأيدي الرحيمة التي آوتنا في تشردنا وغربتنا الموجعة، ومن أبرز هؤلاء المرحوم الحاج فزاع الحسون، الذي تعرفت عليه عبر أخي شريف القحطاني (أبو عادل) في الأيام الأولى لوصولي الكويت ربيع 1980. وكنت قبل ذلك أسمع ثناء أخي أبي عادل عليه منذ سنوات، وهو لا يكف عن تبجيل سجاياه الانسانية، وشهامته، وتدفق عواطفه، وغيرته، ونبله. ويدلل على أنه من الشخصيات الفذة في الشجاعة والتضحية والتفاني في العمل التطوعي لإسعاف العراقيين المشردين في الكويت، ممن يعرفهم ولا يعرفهم. رغم أنه لم يكن محتاجاً لهم، كان يغامر بمصالحه وممتلكاته، وأمنه الشخصي والأسري، بل وحياته، من أجل إيوائهم، وتيسير سبل هروبهم الى الكويت، حتى أصبحت مزرعته في المنطقة الحدودية في العبدلي بجوار صفوان محطة عبور للكثير من العراقيين الفارين من جحيم فاشية صدام، ومنهم أنا. وتلك مجازفة مرعبة، يمكن أن تكون ضريبتها وقتئذ مصادرة المزرعة، وكل ثرواته، مضافا الى اعتقاله، لكنه ظل يغامر، ولم يكترث بكل ما من شأنه تهديد حياته وأمنه.

892-fazaaفي رحلة الضياع العراقي صارت داره ملاذاً لمجموعات من الشباب العراقيين، يوفر لهم المأوى، وكل متطلبات العيش الكريم، ولا يتردد في بناء شبكة علاقات اجتماعية كريمة لهم، مع مجموعات من أصدقائه ومحبيه، ممن يشتركون في السهرات الجميلة في ديوانيته. وطالما وجدته ينوه بمكارمهم وتضحياتهم وثقافتهم. أحياناً أخجل لفرط ثقته واحترامه وتكريمه لي حين يعرفني على صديق له. وهكذا كان يفعل مع كل الأصدقاء المشردين منا في الكويت. كنا نشعر مع الكثير من الكويتين بمسافة يصعب علينا عبورها، تعكسها برودة مشاعرهم، وسلبيتهم، لكن فزاع الحسون ظل من القلائل الذين يحرصون على محو كل أشكال المسافات والحدود معنا، بلا تمييز بين شخص وآخر.كان يحتفي بكل مشرد جديد، فأراه يبتهج، كأنه في حفلة مسرات، أنصت لصوت ضميره يتغنى بأنه استطاع إنقاذ كائن جميل آخر من طاحونة الموت العبثي في العراق، ومقصلة صدام الشريرة. إنه من أولئك الذين كانت سعادتهم تتلخص في إسعاد الآخرين.

لا أتذكر أني عرضت عليه مشكلة لأحد الأصدقاء ولم يسخّر كل امكاناته لحلها أو تذليلها. عيشنا في الكويت كان سلسلة مزمنة من المواجع والمفاجئات، إذ كان دخولنا للبلد غير قانوني، وهكذا كانت اقامتنا، وسفارة صدام لا تكف عن التلصص على حركاتنا وعلاقاتنا وأنشطتنا، ولا تتردد في مطاردتنا، واختطاف بعض أحبتنا، سنوات الحرب المجنونة في الثمانينات. لحظة يلتحق بنا أحد الناجين من حرائق صدام نحرص على تأمين المتطلبات الضرورية لإقامته، والتشبث بكل ما يشي بأن وجوده في البلد شبه قانوني، كنا نتذرع بوصفه يعمل في احدى الشركات الكويتية، وليس معارضاً للنظام ببغداد، ولم تكن لدينا وسيلة لتأمين بطاقة عمل سوى "شركة الحسون"، التي تصدر لنا مثل هذه البطاقات، نعم هي لا تعد وثيقة حكومية، ولا تغني عن الإقامة الرسمية في جواز السفر، لكنها تعمل على بث شئ من الطمأنينة في قلوبنا، حين تشعرنا بتضامن أهل هذا البلد معنا، واستعدادهم لحمايتنا، والتضحية من أجلنا. الحسون رحمه الله كان همه دعمنا ورعايتنا، وحماية أمننا، وتأمين كافة ما يمكنه تأمينه من وسائل استقرارنا.

أدرك الحسون ألا شئ يستحق التضحية بالحياة إلا الحياة بكرامة، فمن دون الاستعداد للتضحية بالحياة سيتنازل الكائن البشري عن كرامته وحريته وانسانيته، وينخرط في قطعان العبودية الطوعية، ممن تمسي وظيفتهم تقديم فروض الطاعة والمهانة لكل متسلط مستبد. وهو ما كان يعلنه بصراحة، ويقوله سلوكه، وتحكيه مواقفه. وذلك سر ما كان يعلنه صوت ضميره، ويعكسه شعوره العميق بالمسؤولية الانسانية الأخلاقية حيال العراقيين المعارضين لصدام، لأنه يعرف جيداً توحش صدام وفاشيته.

ما كنا نرغب بدعوة الحاج فزاع للانضمام الى حزب الدعوة، الذي كنت أحد أعضاء لجنته في الكويت، قبل أكثر من ثلاثين عاماً. ولم يكن يعرف هو الكثير من التفاصيل الجزئية لنشاطاتنا ضد صدام، لكنه كان يعلم أن كل ما نقوم به لا علاقة له بالكويت حكومة وشعباً، كل جهودنا مكرسة لإنقاذ وطننا العراق، لذلك لم يمتنع من الاستجابة لأية حاجات ملحة تخص عملنا، وإن كانت تنطوي على مجازفة. فمثلاً كنا في حيرة لتأمين محل لجهاز استنساخ حديث، نُكثّر به بعض بياناتنا ومنشوراتنا وأدبياتنا الخاصة المناهضة لنظام صدام، فتحدثنا معه حول ذلك، بلا أن نضعه في صورة ما نروم فعله، ونوع ما نستنسخه في الجهاز، فوافق بلا تردد، وبالفعل أودعنا جهاز الاستنساخ لديه مدة وجيزة، ريثما استأجرنا شقة في منطقة خيطان، تضم كافة الممنوعات بحوزتنا، مما هو ضروري لعملنا ضد صدام. وتعاهدنا كل أعضاء اللجنة ألا نعرف محل هذا الوكر، ما خلا الأخ الذي أوكلنا اليه هذه المهمة، وهو رجل معروف بكتمانه وصرامته.

رحم الله الصديق النبيل الحاج فزاع الحسون، ورفع مقامه في الصديقين، الذي كان قلبه وطناً يوم غربتنا، وبيته ملاذاً يوم تشردنا، وماله زاداً يوم فاقتنا، وارادته الحرة مصدر طاقتنا يوم خوفنا، وتضحياته وقوداً يوم ضعفنا، وأحلامه بالغد ملهمة يوم يأسنا.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

...................

توفي في الكويت يوم 27 ديسمبر 2015.

صحفيون برتغاليون في الذاكرة.. رؤول براغا نموذجا

faysal roshdiيبدو أن بلد البرتغال هو بلد غائب عن ثقافتنا العربية، فعندما يرتبط الحديث بهذا البلد فإننا نقف عند خمس شخصيات، أربعة في الرياضة وشخصية واحدة في الأدب. فأبرز الوجوه الرياضة المعروفة هناك: أوريزبيو، لويش فيكو، كريستيانو رونالدو، جوزي مورينو. أما في الأدب فهناك جوزي ساراماغو الحاصل على جائزة نوبل للأدب عام 2010، وكأن هذا البلد لم ينجب سوى هؤلاء. ماذا عن الصحافة البرتغالية؟ لماذا لا نسمع بها في عالمنا العربي؟ ومن هم أهم الصحفيين البرتغاليين؟

هذه الأسئلة تقودنا إلى بحث عميق، فالصحافة البرتغالية، تقتصر على الشأن البرتغالي بالدرجة الأولى ثم يلي ذلك الشأن الأوربي، ثم الشأن العالمي. إلا أن أحداث الربيع العربي جعلت البرتغال تهتم بالشأن العربي، لأن منطقة الشرق الأوسط منطقة توتر. ولا ننكر أن العرب لم يهتموا بالشأن البرتغالي وهذا راجع إلى عائق اللغة، وكذلك المترجمين المهتمين بالشأن البرتغالي الذين يعدون على رؤوس الأصابع .

فبالعودة إلى مسألة أساسية، وهي اهتمام الإعلام البرتغالي بالشأن العربي، فقد أصبحت أهم النقاشات في البرامج التلفزيونية البرتغالية تخص الشأن العربي، من خلال تسليط الضوء على دول الربيع العربي: تونس، مصر، ليبيا، سوريا، اليمن. وهنا برز الصحفي البرتغالي اللامع رؤول براغا بيرش raul braga pires في تحليل أحداث التي تقع في هذه الدول، من خلال تحليل دقيق ونظرة ثاقبة في تحليل الأحداث. لم يكتفي رؤول بالشأن السياسي بل حتى مجالات أخرى تطرق اليها وهي كالتالي : ثقافية، اجتماعية، ورياضة.

رؤول براغا هو خريج المعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية، المعروف باسم iscsp بالعاصمة البرتغالية لشبونة، بالموازاة مع دراسته في المعهد، اطلع على الثقافة العربية الإسلامية، جعلته يهتم بها أكثر فأكثر بهذه الثقافة . لم تكن الدراسة هي التي جعلته يحب العرب، بل هو حب قديم ارتبط به براغا حينما كان يدرس التاريخ العربي في الأندلس.

سافر رؤول الى المغرب من أجل التعرف أكثر على الثقافة العربية، فدرس هناك واحتك بالمجتمع المغربي وعرف خصوصيات الثقافة العربية الاسلامية، المبنية على التسامح والاحترام الآخرين، فأعجب بهذه الثقافة، فبدأ رؤول في تعلم اللغة العربية التي اعتبرها من أجمل لغات العالم.

بالموازاة مع عمله أستاذا في الجامعة، عرف العالم العربي ما يطلق عليه بالربيع العربي، فكتب كتابا حول هذا الربيع بعنوان" الربيع العربي في المشرق و المغرب" وهو كتاب يحلل فيه براغا الأسباب التي قادت إلى ثورات بهذه الدول.

عودته إلى البرتغال، كانت عودة لابد منها، إذ أصبح من أهم الصحفيين، قدمت له عروض كبيرة جدا من طرف قنوات تلفزيونية، فلبى رغبة الانضمام إلى التلفزيون sic، الذي قدم فيه برنامجه الشهير مختارات رؤول براغا بيرش. رصد فيه كل ما يتعلق بالشؤون العربية وكذلك الإفريقية، وأصبح أشهر صحفي في البرتغال.

برنامج براغا هو بمثابة نافذة برتغالية على العالم العربي، استطاع صاحبه أن يصبح من أفضل الصحفيين البرتغاليين، فهذا الاسم رؤول براغا بيريش هو مفخرة البرتغال في العالم.

 

فيصل رشدي، باحث من المغرب

 

إسلاميو السلطة (92): العبادي يقيل المجاهد أبو مهدي المهندس

salim alhasani2العبادي أداة المشروع الأميركي في تفتيت العراق

وضعت الإدارة الأميركية عينها على الدكتور حيدر العبادي ليتولى الحكم في العراق، بعد أن حسمت أمرها بإبعاد السيد نوري المالكي عن الولاية الثالثة. وقد وجدتها فرصة نادرة عندما أجمعت القوى العراقية على رفض بقائه في السلطة، وكانت حريصة كل الحرص على إخفاء معالم مشروعها بشأن العراق عن المرجعية العليا، لأن الولايات المتحدة تعلم أن المرجعية لو اكتشفت ما تبيته للعراق، فانها بالتأكيد ستتصرف بطريقة أخرى غير التي حصلت.

لقد كانت السفارة الأميركية تعرف تماماً أن السيد العبادي يسعى لتولي منصب رئاسة الوزراء منذ عام 2006، فعندما تعرض السيد إبراهيم الجعفري الى معارضة القوى السياسية، نشط العبادي في اتصالاته ليكون بديلاً عن الجعفري، لكنه لم يستطع أن يحقق أمنيته، فلقد كان ثانوياً في صفوف القيادة، ولم يكن له حضوره في المشهد السياسي، وقد حاول أن يعتمد على دعم المجلس الأعلى، لكنه لم ينجح، حيث حسمها السيد الجعفري باختيار السيد المالكي للمنصب.

كما رصدت السفارة الأميركية، أن السيد العبادي كان يسعى أن يتولى رئاسة الوزراء، بعد المعارضة التي واجهها المالكي من قبل التيار الصدري في ولايته الثانية. وقد أجرى العبادي اتصالاته الفردية مع بعض الأطراف لدعمه، لكنه لم ينجح في ذلك، والسبب يكمن في طريقته البسيطة وتردده، وكذلك خوفه من المالكي. ففي تلك الفترة نشرتُ خبراً في موقع (الوسط) عن حديث جرى بينه وبين أحد الوزراء السابقين يسأل رأيه بالانضمام الى حكومته فيما لو وقع الاختيار عليه كبديل للمالكي. وقد شعر العبادي بالقلق من انتشار الخبر، فتأخر بالتكذيب عدة أيام. ويومها دار حديث هاتفي بيني وبين الشيخ عبد الحليم الزهيري حول الموضوع، يسألني عن دقة الخبر، فأكدت له ذلك وأنني على معرفة بالوزير السابق، لكني امتنعت عن ذكر اسمه. فسألني الزهيري عن سبب تأخر العبادي في النفي، أجبته: إنه في مثل هذه الحالات يكون النفي بمثابة انسحاب من المنافسة، هكذا ستفهمه أميركا وإيران، فكل منهما تريد شخصية قوية واثقة من نفسها.

وأضفت له: لكني لا أتوقع أن العبادي سيبقى صامتاً وأنه سيلجأ الى التكذيب نتيجة خوفه من المالكي. وبالفعل بعد أيام قليلة صدر تكذيب من العبادي، وقد نشرت التكذيب في موقع الوسط، مع إشارة بأن الوسط متأكد من صحة الخبر.

...

إن أجهزة المخابرات المحترفة ترصد هذه النقاط البسيطة، وتضع تقييمها للأشخاص في خزينها المعلوماتي، من أجل توظيف حركتهم في اللحظات الحاسمة، وهذا ما لمسته في العبادي.

علينا ان نتوقف هنا عند نقطة مهمة، وهي أن الإدارة الأميركية لا تتحكم في مثل هذه المواقف بطريقة شطرنجية، بحيث تزيل هذا الرئيس وتضع مكانه آخر، إنما تصنع الأجواء بما يُمهد الطريق لهذا ويغلقه على ذاك. فعندما أرادت أن تزيل الجعفري عن رئاسة الوزراء، دفعت القيادات السنية وكذلك المجلس الأعلى الى معارضة تشكيله الحكومة مع أنه الفائز بانتخابات الإئتلاف الوطني. وبذلك استطاعت أن تخلق الجو الضاغط الذي حال بينه وبين رئاسة الوزراء.

ولو أن الاختيار وقع على مرشح آخر غير العبادي كخليفة للمالكي، لربما فعلت أميركا ما فعلته مع الجعفري.

...

حينما تم ترشيح العبادي بالشكل الذي تحدثت عنه سابقاً ـ وسأتحدث عنه في حلقات قادمة بطريقة أخرى وبمعلومات إضافية ـ كان الأمر مكشوفاً بأن أميركا حصلت على فرصتها، وأنها كانت قد أعدت لرجلها الأجواء مسبقاً وذلك من خلال التأييد الدولي السريع والمكثف بعد ساعات قليلة من بث خبر تكليفه من قبل الرئيس فؤاد معصوم، وهو مشهد لم يحدث من قبل، فالتأييد والمباركة عادة تكون بعد التصويت على الحكومة، وليس بمجرد التكليف، لأن الشخص المكلف قد ينجح أو يفشل في الحصول على ثقة البرلمان.

لقد أرادت الولايات المتحدة أن تنفخ في العبادي روح الشجاعة والثقة حتى يتمسك بالمنصب، من خلال التحشيد الإعلامي الرسمي دولياً وإقليمياً، وهو ما أعطى مفعوله، إذ رفض بعد ساعات قليلة من الإعلان مقترح تنازله عن التكليف والاتفاق على مرشح ثالث.

...

بعد تشكيل حكومة العبادي، بدأ خطوات المشروع الأميركي باتجاه الدولة السنية الإقليمية، وكان ذلك يتطلب تشكيل التحالف الدولي لإشراك الدول الخليجية في الشأن العراقي، وسرعان ما وافقت الحكومة العراقية على ذلك، مع ان أبرز أعضاء التحالف أي الحكومات الخليجية هي صانعة الجماعات الإرهابية وداعمة الأعمال التخريبية في المنطقة. وقد وضعت الولايات المتحدة إضافة جديدة لهذا التحالف تحدث ايضاً لأول مرة، حين أعلنت أنها ستشرك شخصيات وكيانات سنية عراقية فيه. ولم تعترض الحكومة الجديدة، بل أنها أبدت تفاعلها مع هذا التوجه، وصار السيد إبراهيم الجعفري صوته المروج له، من خلال حضوره عدة مؤتمرات يدافع عن السعودية وقطر والامارات والمنظومة الخليجية كلها بانها مهددة من قبل الإرهاب، وتوسّل الجعفري الى السعودية لفتح سفارتها بالعراق.

...

كان مخططاً أن تسقط محافظة الانبار بكاملها مع سقوط الموصل، لكن ذلك لم يحدث لعاملين أساسيين: الأول بطولات الحشد الشعبي التي استعادت السيطرة على تداعيات انهيار الجيش. والثاني قوة الفرقة الذهبية التي كانت تتولى حماية الانبار بقيادة الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي الذي كان يتعرض لتهجم شديد من قبل قادة الكتل السنية وخصوصاً قيادات الإعتصام.

وقد قام العبادي بعد فترة وجيزة من توليه الحكم، استبداله باللواء فاضل البرواري وهو ضابط كردي على علاقة وثيقة بالقيادة الأميركية وأحد رجال السيد مسعود البارزاني.

في تلك الفترة كانت الإدارة الأميركية قد بدأت بأرسال قواتها تحت اسم المستشارين العسكريين، وسط تضارب شديد في أعدادهم ومهامهم.

وفي أيار 2015 وبشكل مفاجئ سقطت مدينة الرمادي مركز محافظة الانبار، وقد تزامن سقوطها مع سقوط مدينة تدمر في سوريا. وكان سقوطها مفضوح الأسباب فقد انسحب اللواء برواري من دون خوض أي معركة، بل وحتى من دون تعرض قواته الى هجوم من قبل تنظيم داعش، وقد جاء ذلك تنفيذاً لتعليمات اصدرها رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني الى (برواري) بناءاً على توجيهات من القيادة العسكرية الأميركية.

ورغم أن الخبراء العسكريين والصحافة الدولية تحدثت عن عدم وجود أي مبرر لهذا الانسحاب، فان السيد العبادي اكتفى بالتصريح أنه سيشكل لجنة تحقيقية، ثم لجأ الى إهمال ذلك، كما ترك محاسبة اللواء برواري بعد أن علم أن الأمر جاء من الأميركان.

...

إن ما تريد الولايات المتحدة هو إعادة توزيع القوى في المناطق السنية، بحيث تكون تحت سيطرة تنظيم داعش، ومن ثم يجري تحريرها بيد القوات الأميركية والجيش العراقي، وبعد ذلك يتم إبعاد الجيش العراقي عنها، ووضعها تحت سلطة القوات السنية التي يجري تشكيلها باسم الحرس الوطني أو العشائر السنية، وبذلك تخرج عن سيطرة الحكومة المركزية.

وتبدو الصورة واضحة من خلال، رفض القيادة الأميركية والقيادات السنية تحرير الرمادي بقوات الحشد الشعبي، وقد دفع أهالي الرمادي ومناطق الانبار ضريبة هذا التخطيط عندما اضطروا الى النزوح في ظروف سيئة، وسط صمت قياداتهم السياسية، لأنهم تلقوا تعليمات من الأميركان بأن هذا هو الطريق المؤدي نحو الدولة السنية.

وتظهر الصورة بوضوح أكبر من خلال إصرار القيادة الأميركية على أن تحرير الرمادي يحتاج الى مزيد من الوقت والترتيب، فقد كانت استعدادات تشكيل الدولة السنية غير مكتملة، ولا يزال أمامها بعض الوقت لإنجاح هذا المخطط.

...

في هذه الأيام الأخيرة من عام 2015، قررت الإدارة الأميركية تنفيذ خطوة أخرى من مخططها وذلك باضعاف الحشد الشعبي، وتفكيك قواته وقياداته، وقد استجاب العبادي لذلك، حيث طلب من المجاهد الكبير (أبو مهدي المهندس) نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي والقائد الفعلي له، بترك مهامه ومسؤولياته في الحشد. وبذلك يكون الدكتور حيدر العبادي الأداة المناسبة للقرار الأميركي في تنفيذ المشروع الأخطر في إضعاف الشيعة وتفتيت العراق.

ستكون المفاجأة أكبر من كل ما سبق، فيما لو قلت للقارئ الكريم: لا تستغرب أن العبادي نفسه لا يدري ما وراء ذلك، فهو ينفذ التعليمات ظناً منه أنه يؤدي مسؤولياته على أحسن وجه.

لمن لا يعرف العبادي سيستغرب.. لمن يعرف العبادي شخصياً يرى الأمر كما هو على حقيقته.

....

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (91): السرّ الخفي وراء اختيار العبادي لرئاسة الوزراء

salim alhasaniكانت الإدارة الأميركية قد توصلت الى أن فكرة الإقليم السني غير مجدية، وأنها لن تكون فاعلة في التأثير على خارطة المنطقة، فالمطلوب هو حاجز جغرافي قوي يفصل التواصل الشيعي من ايران والعراق الى سوريا ولبنان. ولن يكون الإقليم هو الحاجز المطلوب إنما الدولة السنية.

وقد أدركت الولايات المتحدة أن الإقليم السني يحتاج الى مداولات ومسار دستوري يأخذ زمناً طويلاً، وحتى اذا تحقق ذلك فأن التعقيدات السياسية في العراق ستجعله ضعيفاً لا يمكن الركون اليه في تحقيق ما تريده من تقسيم جذري للمنطقة. وهذا ما جعلها ترفض فكرة الإقليم، وتتبنى فكرة الدولة السنية.

بدأت واشنطن بتهيئة الساحة الإقليمية لتقبل واقع الدولة السنية الممتدة بين سوريا والعراق. وكان ذلك يجري على العلن وبالمكشوف، لكن الإستغراق الشيعي في مشاكله الخاصة وفي همومه البسيطة حال دون اطلاع قادتهم على ما يجري. بينما كان قادة الكتل السنية على دراية كافية بهذا المخطط الدقيق، وقد شعروا بالامتنان من الإدارة الأميركية التي تعهدت لهم بتحقيق كيان على الأرض يخدمهم ويخدم الأكراد ويخدم الحكومات الإقليمية، ولا ننسى المحصلة النهائية وهي حصول إسرائيل على المكسب التاريخي الذي تنتظره في تفكيك المحور الشيعي (إيران ـ العراق ـ سوريا ـ حزب الله).

...

كان السيد مسعود البارزاني هو الوحيد من بين القادة السياسيين على إطلاع تام بما تريده الولايات المتحدة، وذلك بحكم علاقاته المفتوحة مع المسؤولين الأميركان، والأهم من ذلك علاقاته الخاصة مع إسرائيل، من خلال الزيارات المتبادلة والرسائل المستمرة بين أربيل وتل أبيب.

وقد حاول البارزاني استعجال الخطوات، والاعلان عن انفصال كردستان في دولة مستقلة، وهو ما عبّر عنه بالمفاجأة السارة الى الشعب الكردي بمناسبة التحضير لأعياد النوروز في آذار 2014، لكن الولايات المتحدة منعته من الإعلان عن خطوته، لعدم استكمال بعض الخطوات الضرورية، وكان أبرزها وأهمها إسقاط عدة محافظات بيد تنظيم داعش في عملية عسكرية واسعة تمتد على كل المناطق السنية من الحدود الإيرانية وحتى الحدود السورية، بمعنى أنها ستشمل احتلال محافظات ديالى ونينوى وصلاح الدين والانبار.

وفي تلك الأيام وتحديداً في 29 آذار 2014، زار الرئيس الأميركي السعودية وعقد سلسلة اجتماعات مع الملك عبد الله وكبار المسؤولين السعوديين، وقد رشح عن الزيارة أنها كانت الأهم وانها حددت مستقبل المنطقة فيما عُرف بـ (الحلف القوي)، وقد ظلت هذه التسمية موضع استفهام عدد من الخبراء، فقد رآها البعض انها تعني التحالف القوي بين السعودية والولايات المتحدة، فيما فسرها بعضهم الآخر على أنها تعني إشارة الى تغييرات مقبلة ستشهدها المنطقة، وان (الحلف القوي) هو العنوان المرن لمنظومة إقليمية تشترك في مخطط صادم ستشهده المنطقة.

...

تشددت تركيا في تلك الأيام في مطلبها بإقامة منطقة عازلة شمال سوريا، وكانت تريد بذلك اقتطاع شمال سوريا والتحكم فيها عسكريا، لتدعيم موقفها في التحول الجديد الذي سيشهده العراق. فقد كانت تركيا على معرفة تامة، بل وعلى تنسيق مباشر مع الولايات المتحدة حول المخطط القادم. حيث كانت المهمة التركية محددة في فتح المزيد من الحدود أمام عناصر تنظيم داعش، كما تم تكليف القنصل التركي في الموصل بالتنسيق مع الأكراد ومع محافظ نينوى (أثيل النجيفي) لتصعيد الأجواء الشعبية ضد القوات العراقية الموجودة في الموصل، وتهيئة الأجواء لاستقبال المدينة لمقاتلي داعش.

(إن هذه المعلومة التي أذكرها هنا هي مما ورد في لجنة التحقيق بسقوط الموصل، لكن تم التعتيم عليها بصفقة سياسية قوية بين رئيس اللجنة حاكم الزاملي ومجلس القضاء ورئيس إقليم كردستان وعدد من القيادات السنية).

...

كان المالكي في تلك الأيام أي آذار 2014، قد حصل على معلومات بهذا المخطط، ورصدت أجهزته الاستخبارية وصول مسلحي داعش وانتشارهم في مناطق من محافظة ديالى، فعقد اجتماعاً مع السيد هادي العامري رئيس منظمة بدر لمناقشة التطورات المتسارعة، وتم الاتفاق على تشكيل قوات شعبية (الحشد الشعبي) تتولى مهمة الدفاع عن محافظة ديالى من السقوط بيد داعش، وبالفعل استطاع العامري من تحشيد قوات الحشد الشعبي الى جانب مقاتلي منظمة بدر، وخوض معارك متفرقة في مناطق وقرى ديالى.

وفي نفس الوقت بعث المالكي بقوات إضافية لحماية سامراء من السقوط، وكانت مدعومة ايضاً بقوات الحشد الشعبي.

من الضروري الإشارة هنا، ان تسمية هذه القوات (الحشد الشعبي) لم تأخذ سمعتها في وسائل الإعلام، لكونها كانت تحت قيادة العامري مما جعلها تبدو وكأنها قوات بدر، كما كان قسماً منها تحت قيادة الشيخ الخزعلي فبدت وكأنها من قوات عصائب أهل الحق. ولم تأخذ هذه التسمية سمعتها وصفتها الرسمية إلا بعد صدور فتوى المرجعية في حزيران 2014.

...

وقع المالكي في خطأ كبير عندما أهمل الجانب الإعلامي، وأبقى الكثير من هذه التطورات طي الكتمان، وربما لجأ الى ذلك تحت ضغط المعركة الانتخابية التي جرت في نيسان 2014. ثم وقع في خطأ أكثر فداحة عندما أبقى الأمر بعد الانتخابات مخفياً عن المرجعية الدينية، وكان عليه أن يُطلعها على التفاصيل بحكم موقعها الديني ورعايتها العامة للأمة. فقد أهمل هذا الجانب متأثراً بأزمة العلاقة بينه وبين مكتب السيد السيستاني. وقد كان بإمكان المالكي أن يخرج على الشعب العراقي بخطاب يشرح فيه هذه التفاصيل ويصارح الشعب العراقي بما يجري.

...

في التاسع من حزيران كانت مجموعات من داعش قد دخلت الموصل، ودارت اشتباكات محدودة، وقد استطلع المالكي الأوضاع باتصالات هاتفية مع القيادات العسكرية، فكان الجواب يأتيه بأن الوضع مسيطر عليه، وكان للفريق الركن مهدي الغراوي قائد عمليات الموصل دوره في تضليل المالكي، فقد وعده بأن المعركة لو اندلعت فانها ستكون مقبرة داعش.

(وقد سبق أن أشرت في حلقة سابقة من هذه السلسلة، أن السفارة الأميركية لها علاقات خاصة مع كبار الضباط في الجيش العراقي، وانها تعهدت لهم بمنحهم إقامة دائمة في الولايات المتحدة، بعد انتهاء خدمتهم أو في حال تعرضهم لأي ظرف طارئ، بمعنى أن ولاءهم الحقيقي للقيادات والاوامر الأميركية)

كان المالكي قد بعث قائد القوات البرية الفريق أول ركن علي غيدان ونائب رئيس اركان الجيش الفريق أول ركن عبود كنبر لقيادة العمليات، وقد واجها الارباك في القطعات العسكرية، كما أنهما لم يتصرفا بالمسؤولية المطلوبة في مثل هذه الظروف.

...

في منتصف ليلة 9/10 حزيران 2014، وصلت الأوامر الصارمة من قبل مسعود البارزاني الى قائدي الفرقتين الثالثة والرابعة بالانسحاب من الموصل وصلاح الدين، وكانت الأوامر صارمة بحيث جرى تهديد قائديهما الكرديين (هدايت عبد الرحيم ونذير عاصم) بالقتل في حال تأخرهما بالانسحاب. وكان ذلك يعني تمهيد الطريق لدخول تنظيمات داعش، وإحداث إرباك شامل في القطعات العسكرية في الموصل وصلاح الدين.

وفي نفس الليلة أجرت القيادات الكردية اتصالاً مع بغداد تعرض على المالكي تدخل قوات البيشمركة لحماية الموصل، لكنه رفض ذلك.

اتصل الفريق أول ركن علي غيدان بالمالكي يسأله عن موقفه من عرض القيادة الكردية، فأجابه المالكي: كيف تثق بمسعود البارزاني، إنه يريد اقتطاع الموصل وضمها الى كردستان.

بعد سقوط الموصل بيومين، صرح رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني بأن قضية (كركوك) قد أصبحت من التاريخ وهي الآن جزء من كردستان.

...

تمت بذلك المرحلة الأولى من المشروع الأميركي في إقامة الدولة السنية، وبدأت المرحلة الثانية، بالبحث عن خليفة للمالكي، شريطة أن يكون ضعيفاً.

في الحلقة القادمة: العبادي أداة المشروع الأميركي في تفتيت العراق

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

 

إسلاميو السلطة (90): عقدة الضعف عند الجعفري وقادة الكتل الشيعية تجاه السعودية

salim alhasaniفي موسم الحج من عام 1987 قامت قوات الأمن السعودية بارتكاب مجزرة وحشية بحق الحجاج الشيعة، وكانت تستهدف بالدرجة الأولى الحجاج الإيرانيين الذين اعتادوا على تنظيم مسيرة سلمية باسم (مسيرة البراءة) ضد إسرائيل وأميركا، ويشارك فيها الشيعة من البلدان الأخرى.

خلّفت المجزرة آلاف الضحايا من الشهداء والجرحى، وكان من بينهم العديد من العراقيين منهم الشهيدة زوجة القيادي الكبير المرحوم مهدي عبد المهدي، والشهيدة زوجة الشيخ رياض الناصري ووالدة الإعلامي ضياء الناصري. كما تم إعتقال العشرات وتعذيبهم في السجون السعودية.

...

كان السيد إبراهيم الجعفري في ذلك الموسم ضيفاً على الحكومة السعودية في موسم الحج الى جانب عدد من أعضاء المجلس الأعلى. وعندما حدثت المجزرة، وانجلت غبرتها الحمراء وبشاعة الجريمة، طلبت عدد من الشخصيات الإسلامية من الجعفري أن يعلن احتجاجه على السلطات السعودية، وأن يتخذ موقفاً يدين به المجزرة باعتباره كان رئيس الوفد، لكن الجعفري امتنع عن ذلك بحجة أنه يمثل وفداً رسمياً بالتنسيق مع المجلس الأعلى ولا بد ان يلتزم بتعليمات رئاسة المجلس.

تدخل عدد من الشخصيات الدينية لإقناعه بضرورة أن يصدر عنه أي موقف احتجاجي، مهما كان بسيطاً، وذلك لإظهار أن الوفد يحتج على ما حصل، وأنه يخشى على العراقيين المعارضين من تعرضهم للاعتقال وربما تسليمهم الى السلطات الصدامية، واقترحوا عليه أن ينقل اقامته من الضيافة السعودية، الى مقرات الحجاج العراقيين المهاجرين، فرفض الجعفري هذا المقترح، وأصر على مواصلة إقامته في الضيافة السعودية.

...

انتهى موسم الحج وعاد الجعفري الى اقامته في إيران، وقد تعرض الى نقد شديد من الأوساط العراقية، لكنه كان يبرر ذلك بأنه كان يسعى الى تهدئة الأمور.

وقد حفظت السعودية للجعفري هذا الموقف، فبعد الانتفاضة الشعبانية، وانعقاد مؤتمر المعارضة في بيروت في عام 1991، كان الجعفري يحظى بترحيب الحكومة السعودية في زيارات متتالية.

لم يكن الجعفري على علاقة تنسيق مع الحكومة السعودية، فهو ليس من هذا النوع، لكنه الضعف الذي يجده في نفسه أمام قوة إقليمية يراها مؤثرة وصاحبة قرار ودور في المنطقة، مما يجعله يبتعد عن أي موقف يتسبب في إزعاجها، مع أنه يعلم تمام العلم أنها تقف وراء الإرهاب وتشارك في تدمير العراق وقتل ناسه.

...

يعلم الجعفري وكذلك السيد حيدر العبادي أن ما فعلته السعودية وقطر وتركيا بالعراق، هو أكثر من حرب عسكرية في مواقع حدودية، كان حرب إبادة تستهدف الأبرياء، وكان تآمراً بأبشع أشكاله لإشعال الحرب الطائفية داخل العراق، وكان تدميراً لمحاولات بناء البلد.. كان منهج تخريب شامل استخدمت فيه تلك الدول الفتاوى والمال والسلاح والسياسة والاعلام وغير ذلك من وسائل التبني والدعم على مدى سنوات ما بعد سقوط صدام، ولا تزال تخطط وتنفذ وتسعى لبلوغ الهدف نفسه.

مثل هذا التاريخ العدواني لا يمكن شطبه من سجلات الواقع بكلمة (صفحة جديدة) أو برغبة مخادعة في محاربة تنظيم داعش الذي أنشأته ومدته بعناصر البقاء والاستمرار.

 

يعلم كافة قادة الكتل بذلك، لكنه الضعف تجاه السعودية، وعقدة الضعف هذه تشمل كافة قادة الكتل الشيعية وشخصياتهم السياسية، بما فيهم السيد مقتدى الصدر والسيد عمار الحكيم والشيخ محمد اليعقوبي.

...

منذ أكثر من قرن من الزمن حدثت مجزرة الأرمن في الدولة العثمانية، ورغم عدم وجود أدلة قاطعة على تورط السلطان العثماني آنذاك، ورغم تغير العالم وخارطته وتلاشي الدولة العثمانية، إلا ان الحكومة الأرمنية لا تزال تلاحق تركيا بتلك المجزرة، وترفض كل محاولات الإعتذار التركية. فما أغرب حالنا مقارنة بموقف الأرمن وبقية الشعوب والدول.. ما أسرعنا الى رغبة التناسي، وما اسهل تنازلنا عن قضية الإنسان المفجوع بأبنه واخيه وزوجه وابيه وأمه.

لم يعترض أحد من قادة الكتل الشيعية على فتح السفارة السعودية في العراق، مع أن هذه الخطوة تمثل تبرئة رسمية لكل التاريخ العدواني والاجرامي لآل سعود بحق الشعب العراقي. لا يعترض أحد منهم، ولا يدعو الى القيام بتظاهرات أو اصدار بيان احتجاج كأضعف الإيمان.

والسبب في هذا الضعف، هو أن قادة الكتل يشعرون ان مصلحتهم مع الوضع الإقليمي، مع السعودية ومع تركيا ومع قطر. وهذا ما لاحظه المواطن العراقي من خلال البرود مع العدوان التركي على العراق، فلم نسمع إلا تصريحات لا تضر ولا تنفع، أما المواقف الجادة من قبيل التظاهر والاعتصام وغلق السفارة التركية، وما الى ذلك، فلم يُقدم عليه أحد، لأن الجميع لهم مصالح تجارية مع شركات ورجال اعمال أتراك. وعند هذه النقطة، تصبح مشاعر الناس لا قيمة لها، لأن الاستجابة لصرخة المظلوم والغيرة على السيادة العراقية، يقابلها تفريط في مكسب مالي وفير وتجارة دنيوية رابحة.

 

د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html

إسلاميو السلطة (89): العبادي بطل مسرحية الفنان محمد صبحي

salim alhasaniعندما سيطرت أزمة التوغل العسكري التركي في شمال العراق، على المشهد العراقي، لم يكن بمقدور الكتّاب العراقيين العودة الى تصريحات السيد حيدر العبادي في مؤتمراته الصحفية وفيها يتحدث عن طلب الدعم والسلاح والتدريب من تركيا، وكان السبب في إحجام الكتّاب ـ ومنهم كاتب المقال ـ أن ذلك سيُفهم على أنه إضعاف للموقف العراقي في مقابل العدوان التركي الصارخ.

لقد أجبرتنا ـ ولا تزال ـ اللحظة التي نعيشها على غض النظر عن أخطاء العبادي، لتركيز الضوء على الموقف التركي في انتهاك السيادة العراقية، وفي تنفيذ مخطط تقسيم العراق. لكن المشكلة أن العبادي سيكرر هذا الخطأ مستقبلاً، هذا إذا لم يكن قد أعطى وعوداً وتعهدات وتنازلات لأطراف عديدة بطريقته الشفهية.

...

لا يعرف الكثير من العراقيين أن الدكتور حيدر العبادي لا يعتمد على التوثيق والكتابة والتسجيل، وحين باشر مهامه رئيساً للوزراء، كان يلتقي بمفرده مع السفير الأميركي ومع الوفود السياسية الخارجية ومع الكيانات العراقية من دون تسجيل محضر الاجتماعات.

يتذكر المتابع، أن العبادي اجتمع بوفد من مجلس محافظة الأنبار وشيوخ عشائرها في بدايات ولايته، وحين عرضوا عليه فكرة زيارة الولايات المتحدة، أعطاهم موافقته، فزاروا واشنطن واجتمعوا بكبار المسؤولين في البيت الأبيض، في سابقة لم تحدث من قبل، لأنهم عقدوا اتفاقاتهم بالحصول على السلاح والدعم العسكري والتدريب بشكل مباشر.

إن السيد حيدر العبادي يمارس مهمته في إدارة الدولة، بنفس الطريقة التي درج عليها في حياته الشخصية، فكلامه ومباحثاته مع رؤساء الدول وقادة الأحزاب والمسؤولين، لا يختلف عن كلامه مع صديق أو شخص يلتقيه في جلسة أو مناسبة.

ففي اللقطة التي تداولتها الفضائيات بكثرة في حديقة قصر (ألماو) خلال اجتماع قمة السبعة الكبار في المانيا، تعامل العبادي مع الموقف بكل بساطة، لقد وجد الرئيس الأميركي باراك أوباما جالساً، وعليه فهي فرصة مناسبة لأن يتحدث معه بشأن العراق ويطلب منه دعماً عسكرياً لضرب تنظيم داعش وتنتهي المشكلة!. ولم يخطر بباله أن حركته تلك مستهجنة في العرف الدبلوماسي.. العبادي لا يراها تختلف عن الجلوس في حديقة عامة مع اشخاص آخرين.

...

عاتبني العبادي ذات يوم على نشري خبراً في موقع (الوسط) عن سعيه للحصول على رئاسة الوزراء خلال فترة المفاوضات الطويلة التي سبقت تشكيل حكومة المالكي الثانية، وكان قد مرّ ما يقرب من عامين على الخبر. ولأنه حاول أن يُظهر لي بأنه غير مكترث بالقضية، فقد سلك طريقاً ملتوياً، لقد تصوره ملتوياً، أما بالنسبة لي فقط كان واضحاً مكشوفاً.

قال لي: إنك نشرت خلال فترة المفاوضات على حكومة المالكي الثانية، خبرين عني، وقد كذبتهما ببيانين، لكنك بقيت تُصر على الخبر الثاني.

قلت له: اذا كنت تقصد خبر لقائك برئيس جهاز الاستخبارات السعودية مقرن بن عبد العزيز، فقد نشرت تكذيبك على موقع الوسط.

قال: لا، ليس خبر مقرن بن عبد العزيز، إنما الخبر الثاني، لكني لا أتذكره.

بعبارته هذه تعززت عندي أكثر بساطة الدكتور حيدر العبادي التي أعرفها من قبل. فهو يعاتبني على نشري خبرين عنه، ويعرف الخبر الأول وليس هو الخبر المقصود، إنما الذي يثيره الخبر الثاني، ومع ذلك فهو لا يتذكره!.

كان يحاول ان يُظهر لي بأنه لا يولي الحادثة أهمية، مع أن أساس حديثه كان منصباً عليها.

وقد بقيت صامتاً فترة من الوقت، فيما يتلوى هو بالكلمات، فأشفقت عليه وأنقذته من معاناته بالقول:

ـ تقصد خبر سعيك لمنافسة المالكي على رئاسة الوزراء؟

فهتف بلهفة طفل: نعم نعم.

...

تذكرني هذه الواقعة بمسرحية (لعبة الست) للفنان المصري المبدع (محمد صبحي) حين أراد صاحب العمل أن يمتدحه فقال له: أنت أمامك مستقبل (...) ونسي الصفة، وظل يفكر بالكلمة التي يريد قولها. فعرض عليه محمد صبحي مجموعة صفات، لكنه كان يقول له: لا، هي كلمة من أربعة حروف لكني نسيتها.. وبعد جهد قال (كبير).

 

  د. سليم الحسني

...................

للاطلاع على جميع مقالات: إسلاميو السلطة للدكتور سليم الحسني

http://almothaqaf.com/index.php/special/895570.html