المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

عدنان جاموس والادب الروسي

كانت هناك مجموعة في نهاية الخمسينيات من القرن العشرين تضم ستة طلاب من الجمهورية العربية المتحدة، واحد من مصر وهو ابو بكر يوسف وخمسة من سوريا وهم احمد الشيخ وعدنان جاموس وعماد حاتم وفؤاد مرعي ويوسف حلاق (حسب تسلسل الحروف العربية)، وعندما التحقت مجموعة من الطلبة العراقيين للدراسة في كلية الاداب بجامعة موسكو للعام الدراسي 1960/1961 (وكنت أنا من ضمنهم)، كانت تلك المجموعة السورية – المصرية قد انتقلت من الصف الاول الى الصف الثاني في تلك الكلية، وكان من الطبيعي ان نصبح اصدقاء، خصوصا واننا كنا نسكن ايضا في نفس القسم الداخلي للطلبة، وقد اصبح الدكتور ابو بكر يوسف علما من أعلام الادب الروسي كما هو معروف (انظر مقالتي بعنوان – ابوبكر يوسف والادب الروسي)، واود في هذه المقالة ان اتحدث عن الاستاذ عدنان جاموس ونشاطه الثقافي، واتمنى ان تسنح لي الفرصة للتحدث عن بقية هؤلاء الزملاء والتعريف بهم وبدورهم في مجال الادب الروسي ونشره في العالم العربي، اذ ان كل واحد منهم قد أسهم فعلا في حركة الترجمة عن الروسية الى العربية في مجالات ثقافية مختلفة ومنها طبعا الادب الروسي.

كان عدنان جاموس اكثرنا تواضعا وعمقا ولم تكن الابتسامة تفارق شفتيه، وكان يحب الهدوء والصمت والقراءة، لهذا كان محبوبا من قبل الجميع، ويبدو ان تلك الصفات رافقته طوال حياته، اذ انني عندما زرت دمشق عام 2007 وسألت في مقر الجمعية السورية لخريجي الجامعات الروسية - (هل تعرفون الاستاذ عدنان جاموس ؟) أجابني الجميع – نعم نعرفه بالطبع، واتصلوا به هاتفيا رأسا، وتحدثت معه رغم اننا لم نلتق اكثر من اربعين سنة، وكان هذا الحديث من القلب الى القلب كما يقال ، وفهمت من طبيعة حديثه انه لم يتغير، وكان وقتي آنذاك محدودا جدا ولم استطع رؤيته مع الاسف، ولكني أخبرته هاتفيا بمتابعتي لنشاطه الابداعي الكبير وكيف اني افتخر بذلك، ولا يمكن لي في هذا العرض السريع لشخصية عدنان جاموس الا ان أتوقف – اولا - عند تلك الكلمات الدقيقة والموضوعية، التي كتبها الدكتور ابو بكر يوسف عنه في مقالته المشهورة عن نجيب سرور بعنوان – (نجيب سرور ..مأساة العقل)، اذ كتب قائلا – (زميلي السوري عدنان جاموس، وكان أنضجنا خبرة وأكثرنا معرفة بشؤون الحياة والادب ...) حيث كان يتحدث ابو بكر كيف ان عدنان جاموس قاده الى نجيب سرور وعرٌفه به في موسكو .

يرتبط اسم الاستاذ عدنان جاموس قبل كل شئ بكتاب مهم جدا في مسيرة الترجمة عن اللغة الروسية بشكل خاص ومسيرة الثقافة العربية بشكل عام وهو بعنوان – (الجمالي والفني) تأليف الباحث السوفيتي بوسبيلوف، والذي اصدرته وزارة الثقافة السورية في حينها، وهو كتاب فلسفي عميق وصعب جدا على الترجمة الى العربية لانه يتناول اسس نظرية الادب وعلم الجمال وفلسفة الفن من وجهة نظر العلماء السوفيت في ذلك المجال آنذاك، ومؤلفه – غينادي نيقولايفتش بوسبيلوف (1899-1992) هو استاذنا في جامعة موسكو عندما كنا طلبة هناك في ستينيات القرن العشرين، وهو حاصل على شهادة دكتور علوم (دوكتور ناووك) في الآداب (وهي كانت اعلى شهادة علمية في روسيا ولا زالت كذلك لحد الان) واصبح بروفيسورا في جامعة موسكو منذ عام 1938، ولديه مؤلفات عديدة في تاريخ الادب الروسي للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر (كتابه حول تاريخ الادب الروسي في القرن التاسع عشر كان من جملة الكتب المنهجية المقررة آنذاك في كليتنا) اضافة الى مؤلفاته ومقالاته في نظرية الادب وعلم الجمال وجوهر الفن، ويعد كتابه (الجمالي والفني) الذي ترجمه عدنان جاموس من ضمن كتبه الاساسية المعتمدة آنذاك في عموم الاتحاد السوفيتي، وقد اصدره بوسبيلوف عام 1965 ويقع ب 360 صفحة من القطع المتوسط، ولم يفقد هذا الكتاب اهميته وقيمته لحد الان، رغم كل التغيرات التي طرأت في تاريخ روسيا ومسيرتها الفكرية، وقد اطلعت قبل فترة قصيرة جدا على مقالة بهذا الشأن حول ذلك، حيث يشير كاتبها الى ان النظرة المعمقة لبسبيلوف حول الجمالي والفني لا زالت مهمة وضرورية للباحثين في الوقت الحاضر في روسيا،بغض النظر عن الاطار الايديولوجي المعروف الذي كان سائدا آنذاك في هذا الكتاب نتيجة الوضع السياسي طبعا، اما من وجهة النظر العربية، فان هذا الكتاب لازال ايضا يمتلك قيمته واهميته وضرورته، لان الاستاذ عدنان جاموس حاول – وبدقة واخلاص – ان يجد ويصيغ المصطلح العربي الملائم والمناسب لكل تلك المصطلحات الروسية التي جاءت في ذلك الكتاب الفلسفي حول تلك المواضيع الجديدة نسبيا بالنسبة للغة العربية، وكم اتمنى ان يتناول هذا الكتاب طالب دراسات عليا عربي في احدى اقسام اللغة الروسية في عالمنا العربي ويقوم بدراسة مقارنة لهذه الترجمة مع النص الروسي للكتاب وباشراف استاذ عربي مختص في ذلك القسم، ويستخلص – بالتالي - من تلك الترجمة قائمة من المصطلحات العربية وما يقابلها من المصطلحات الروسية حول تلك المواضيع لازلنا – نحن العرب - بحاجة اليها لحد اليوم ضمن موضوع المصطلحات العربية – الروسية والروسية – العربية في علم المصطلحات الادبية .

اضافة الى هذا الكتاب قدٌم عدنان جاموس للمكتبة العربية عدة كتب مترجمة اخرى عن الروسية منها كتابا عنوانه – (السهب وقصص مبكرة) يضم عدة قصص لتشيخوف، وقصة (السهب) هذه – كما هو معروف - هي واحدة من أشهر قصص تشيخوف وتعد بداية لمرحلة جديدة في مسيرة تشيخوف الابداعية، وهناك كتاب آخر لتشيخوف ترجمه عدنان جاموس ضمن سلسلة كتب للفتيان عنوانه – (نصر لا لزوم له) وهو قصة منسية لتشيخوف كتبها عام 1882 عندما كان طالبا شابا في كلية الطب بجامعة موسكو، والتي نشرها في المجلات الفكاهية الروسية آنذاك، محاولا محاكاة قصص المغامرات التي كانت سائدة في ذلك الوقت لاحد المؤلفين الهنغاريين، وقد حاول تشيخوف ان يكتب مثله ونجح نجاحا ساطعا في محاولته تلك،وعدا هذا فقد صدرت لعدنان جاموس ترجمة لمسرحيات بوشكين الصغيرة بعنوان – (المآسي الصغيرة) وقد سبق لنا ان اشرنا اليها (انظر مقالتنا – مسرحية بوشكين الشعرية موتسارت وساليري)، وترجم كتابا مهما جدا في تاريخ الترجمة من الروسية الى العربية للاديب الروسي الكبير كوبرين، وهي رواية له عنوانها – (الحفرة)، وكوبرين كما هو معروف هو احد الادباء الروس الكبار في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والذي كان مرشحا لنيل جائزة نوبل، التي حصل عليها بونين في ما بعد (انظر مقالتنا – بونين يتسلم جائزة نوبل للاداب) .

ختاما لهذه السطور السريعة اود ان اشير الى ان عدنان جاموس كان أحقنا بالحصول على شهادة الدكتوراه بعد تخرجنا، ولكنه لم يحصل عليها بل ولم يحاول ذلك اصلا، فقد عاد رأسا الى سوريا وبدأ بالعمل على وفق قوانينا العربية الساذجة والبدائية والعقيمة، واصبح مترجما (لانه يعرف اللغة الروسية !) في مشروع بناء سد الفرات الذي كان ينفذه الاتحاد السوفيتي آنذاك، واضطر ان يترك الادب الروسي الذي درسه في عقر داره كما يقال، اي في موسكو نفسها، واضطر ان يستبدل بوشكين وتشيخوف وفطاحل الادب الروسي العظيم بالسمنت وترجمة عقود العمال والمفاوضات بين مهندسي الجانبين ومشاكل العمل اليومي في ذلك السد، ولم يشعر المسؤولون المحترمون انهم اضاعوا على الثقافة العربية موهبة كبيرة كان يجب ان يكرس جهده لاغناء الثقافة العربية بترجماته للادب الروسي شبه المجهول للقراء العرب ، ولا اريد الاستطراد بالحديث عن هذا الموضوع الذي عانينا منه في عالمنا العربي جميعا ولا زلنا لحد اليوم ، لأن هؤلاء ال... لا يفهمون معنى الترجمة واهميتها وقيمتها ودورها في المجتمع والنهوض به ولا يفقهون طبعا معنى الثقافة ومعنى الحضارة ومعنى التفاهم والتعايش بين ثقافات الشعوب وضرورتها، واكرر ان هذا المشهد التراجيدي يتكرر لحد الان في عالمنا العربي .

تحية لعدنان جاموس الذي لا اعرف مصيره ولا اين هو الان، والذي أجبر هؤلاء ال ... ان يصبح رئيسا لتحرير مجلة تدرس وتتناول الادب العالمي، وان يكتب خلاصات علمية رائعة حول الادباء الروس في الموسوعة العربية، وان يكون علما من اعلام المثقفين العرب بين خريجي الجامعات الروسية، وان يعبٌد الطريق لهؤلاء الذين سيأتون من بعده .

 

 

الله يا آمال لا أعرفُ سرَّ هذهِ الدّراساتِ لقصائدِك .. أُغبِّطُكِ على ذكاءِ علاقاتِك!

amal awadaهذه الكلمات وردتني من إحدى الكاتباتِ في رسالة مقتضَبةٍ، وبصيغةٍ لم أُدْرِكْ حقيقةَ كُنهِها، أهو مبعَثُ فرحٍ وغِبطةٍ، أم ......؟

دارتْ برأسي الصّغيرِ احتمالاتٌ عدّةٌ، ولم أعرفْ بمَ أُجيبُ، رغم أنّني كنتُ قد كتبتُ لموقعِ المُثقّف العربيّ في أستراليا، ملفًّا واسعًا وبإسهاب، حولَ عمليّاتِ النّقدِ والتّقييم الذّكوريّ والموضوعيّ، ولكن حينَ صَبَّ السُّؤالُ في مِياهي، شَرَقَ بَحْري، ودَارَ بلبلُ الاحتمالاتِ في حَلقةِ الـ ربّما المُفرَغة، وتاهتْ بيَ الإجابات؛

أربّما هو سُؤالٌ بريءٌ حقًّا، وتُريدُ السائلةُ أنْ تُغبّطَني بكلِّ ما في الغبطةِ مِن معنًى؟ أربّما هو سؤالٌ مُبطّنٌ، يحملُ ما يحملُ في مُتونِهِ؟

جالت الاحتمالاتُ اللاتنتهي، وظلَّ السّؤالُ يَشدُّني إلى معرفةِ ما وراءِ الأكمةِ، وحين ضاقَ بيَ فضاءُ المَعنى واستجلاءِ الحقيقةِ، كانَ همّي أنْ أُنصِفَ السائلةَ وأُنصِفَني، وأُنصِفَ كلَّ مَن كتبَ عنّي مِنَ النّقّاد، أو مَنِ استحسنَ حرفي برسالة أو بمكالمةٍ هاتفيّة!

أخيرًا؛

حطّ فِكري على مَطارِ النّقّادِ مَن كتبوا عن قصائدي، وارتأيتُ أنْ أُجيبَها بأَلْسِنَتِهمْ هُم لا بلساني! ومن خلالِ ردٍّ صريحٍ أنشرُهُ عبرَ مَواقعِ النتّ، فقد يكون جوابًا عامًّا لسؤالٍ يجولُ في خواطرِ الكثيرين منّا، ولا بدَّ أنّ لكلّ ناقدٍ سرُّهُ. لذا سارعتُ إلى نسخ السّؤالِ، وتوْجيهِهِ إلى بعض مَنْ توفّرَتْ لديَّ عناوينُهم مِنَ النّقادِ الّذينَ كتبوا عن قصائدي:

(مساؤُكَ نورٌ وعفو.. أودُّ أنْ تُجيبَ إنْ أمكنكَ وبمُنتهى الصّدقِ، على سؤالٍ وَرَدَني مِن إحدى الكاتبات تقولُ: والله يا آمال، لا أعرفُ سِرَّ هذهِ الدّراساتِ لقصائدِكِ! أُغبِّطُكِ على ذكاءِ علاقاتِكِ! تحيّاتي).

كانَ ردُّ رياض الشرايطي/ من سوسة تونس الخضراء: كلامٌ ملغومٌ وغيرُ بَريءٍ.

فالجملةُ الأولى: "لا أعرفُ سرُّ هذهِ الدّراساتِ لقصائدِك"؟.. يوحي بتشكيكٍ في شاعريّتِكِ.

والجملةُ الثانيةُ: "أُغبِّطُكِ على ذكاءِ علاقاتِك!"، جملةٌ مَحشوّةٌ بالحسَدِ والاستنقاص مِنْ قيمتِكِ!

وجاءَ في ردّ الشاعر وهيب نديم وهبة/ فلسطين: لو عرفنا سِرَّ سِحرِ الوردِ وعِطرِهِ، لعرَفنا تفسيرَ الكوْنِ. هكذا هي آمال، وكأنّها القصيدة!

أمّا ردُّ النّاقدِ عبد المجيد عامر اطميزة/ مِن الخليل فلسطين: تحيّاتي أستاذة آمال عوّاد رضوان، وبوركتِ يا العميقة، وسأجيبُ السّائلةَ وبصِدقٍ. أنا حلّلتُ أعمالَ آمال عوّاد رضوان لسَببيْن؛

السّببُ الأوّلُ: عُمقُ كتاباتِكِ، وقوّةُ تراكيبِها، وما تَحمِلُهُ مِنْ صُورٍ فنّيّةٍ عذبةٍ، ومَضامينَ كبيرة. باختصارٍ، وَجدْتُ في شِعرِكِ ما يَستحقُّ الدّراسة.

والسّببُ الثّاني: بحاسّتي اكتشفْتُ صِدْقَكِ ومُروءَتَكِ. بوركتِ ووفّقكِ اللهُ.. معَ وافرِ التحايا.

وجاءَ في ردّ الأديب والناقد العراقي علوان السلمان: تحيّةً طيّبةً.. أسعدَ اللهُ وُجودَكِ، وأنزلَ غضبَهُ على تلكَ الأفواهِ الحَسودةِ الكاشفةِ عن ظنونٍ غبيّةٍ. عزيزتي، الحسدُ قائمٌ في كلِّ مَكانٍ، وهذا رِفعةٌ لشأنِكِ.

أمّا الاهتمامُ بالنّصّ الشّعريّ الّذي تكتبُهُ آمال عوّاد رضوان، فيأتي مِن كوْنِها تكتبُ بوعيٍ شِعريٍّ، يَكشفُ عن مدى امْتلاكِها لأدواتِها الشّعريّةِ، فضلًا، عن أنّها تعكسُ الهَمَّ الإنسانيَّ في نصوصِها، ممّا يُوفّرُ شرْطَ انعكاسِ الصّورةِ الذاتيّةِ، وذوبانِها في الذّاتِ الآخَر.

أمّا ردّ الناقد والأديب إبراهيم جادالله/ من القاهرة جمهوريّة مصر العربية: إبراهيم جادالله معروفٌ عربيًّا بنزاهتِهِ وحِياديّتِهِ، فأهمُّ كُتبي الصّادر في حيفا، هو عن أسماءٍ لا أعرفُ أصحابَها بالمَرّة، وكلُّ مَواقفي النقديّةِ تعتمدُ مِعيارًا واحدًا معَ مَنْ أعرفُهُ، ومعَ مَن لم أعرفْهُ.   لا علاقةَ لي شخصيًّا إلّا بالكُتّاب الجادّين، وإنّني مُمتَنٌّ للإخراج الفنّيِّ لكتابِكِ النقديّ الصّادر عام 2014 "حتفي يَترامى على حُدودِ نزفي"، الصّادر به بعضُ دراساتي عنكِ، وعن أدواتِكِ الشّعريّةِ، وعن نَصِّكِ ومَوقِعِهِ في حركيّةِ النصّ الشّعريّ الفلسطينيّ، ومِن أسَفي، أنّني اكتشفتُ أنّ أدائي فى دراستي عن بعضِ قصائدك، لم يكنْ بالمستوى الطبيعيّ لرؤيتي النقديّةِ الثّابتةِ، ولم تكنْ مُتوازيةً معَ بعضِ الدّراساتِ المُمنهَجةِ، والجديرةِ بالاحترامِ عن دواوينِكِ وقصائدِكِ، وكانت الوثائقُ العابرةُ الّتي التقيتُكِ بها، كفيلةً بأنْ تُؤكّدَ لي، أنّ نصَّكِ الشّعريَّ الباذخَ لا يَتعارضُ في مَناخاتِهِ معَ تكوينِكِ الإنسانيِّ البليغ وجسارةِ الوعي، والشّغوفِ بالمُنجَزِ الشّعريِّ العربيِّ والعالميِّ الحديث. هذا الأمرُ يَبدو جَليًّا فى نصوصِكِ، إنْ مِن حيثُ التّناولِ، أو مِن جهةِ الرّؤيةِ القافزةِ على عوائقِ التّكلُّسِ الشّعريّ، الّذي يُصيبُ القصيدةَ العربيّةَ، أو التّقليدَ المُتغابي لبعض التجارب. أتمنى عزيزتي أن ألقاك فى معرض رام الله القادم، لأهديكِ ما صدرَ لي أخيرًا من كُتب، وأهمّها كتاب (كنت هناك)، و(ليسَ مَن شاهدَ كمَن سمِع)، عن رحلتي الأولى لفلسطين.

أمّا د. جمال سلسع فقد كتب: مساءُ الخير يا آمال.. وجدتُ في كتاباتِكِ لغةً جديدةً تحتاجُ إلى الرّعايةِ والاهتمام، خاصّةً جرأتكِ في تجسيدِ الصّورةِ الشّعريّة، وعندما تناولتُ قصائدَكِ، أشرتُ إلى المواقفِ الإيجابيّةِ، كما إلى بعضِ المَواقفِ السّلبيّةِ!

وردّت الرّوائيّة فاطمة ذياب/ فلسطين: عزيزتي الشاعرة آمال عوّاد رضوان.. باختصارٍ شديدٍ، استوقفتْني ضراوةُ حُروفِكِ، ورائحةُ مِدادِ حِبرِكِ الّذي يُعربدُ في مَملكة الشّعر، ورأيتُكِ كما الغوّاص الماهر بعُدّتِهِ وعِتادِهِ، تَغوصين بصِدقٍ وبإنسانيّة، قلّما نجدُها في هذا الزمنِ الغادر، وعرفتُكِ مِن خلال حَرفِكِ شفّافةً، تَنتقينَ الأعذبَ والأجمل، وتحيكينَ بخيوطِكِ الماسيّةِ كلَّ أصنافِ الوجعِ الخاصّ والعام. نعم؛ كانتْ لغتُكِ عصيّةً مُتمنّعةً، فقرّرتُ المواجهة وهكذا كان، ومِن هنا جاءَ تناوُلي الأوّلُ لكتابكِ (رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقود)، حتى قبلَ أن تربطنا أيّةَ علاقةٍ خاصّة.

قلتها وأقولها لكِ، يا مَن تحتَ فيءِ اهتمامِكِ تستظلُّ الشّاعراتُ الواعدات.

نعم أيّتها الشاعرة الإنسانة. أنتِ وحُروفُكِ مُترادفان.. ولا بأس! فلا تُرجَمُ إلّا الأشجارُ المُثمرةُ! تابعي ولا تلتفتي لصغار النفوس، فما طالَكِ الأقزامُ ولن يَطالوكِ! لكن من حقّنا أن نَعلَمَ مَن صاحب هذا الرأي، ومِن حَقّكِ ألّا تقولي، لكن الأهمّ، أنّكِ تستحقّينَ وبصِدق، كلّ ما كُتبَ عنكِ يا مائيّةَ الحروفِ والنّبضات.

أما ردّ شيخنا الشاعر محمّد سمحان- عمّان الأردن فجاء فيه: لقد رأيتُ في لغتِكِ وصُورِكِ الشّعريّةِ، وفي مَجازاتِكِ وأسلوبِكِ، ما يُميّزُكِ عن سِواكِ، فانتبهتُ لكِ.

وفي رد د. إبراهيم سعد الدين- القاهرة جمهورية مصر العربية: أسعدَ اللهُ مساءَكِ بكلّ الخير.. أرجو أن توافيني بعنوان هذه الكاتبة، لأردّ عليها بنفسي قائلًا: إنّه في عالم النقد لا يمكنُ أن يَصحَّ إلّا الصّحيح.. وأنّ أيّة علاقاتٍ شخصيّةٍ لا تَرفعُ عملًا أدبيًّا قَيْد أنْملة في ميزان النقدِ الأدبيّ، وبالنسبة لي، كان اطّلاعي على قصائدِكِ المنشورة بموقع (الكلمة نغم) مفاجأةً كبيرة، ودون سابق معرفة.

لقد كان لي موقفٌ مُتحفظ مِن تجارب (قصيدة النثر) في بواكيرها الأولى، التي حفلت بالصّالحِ والطّالح والحابل والنابل. أقولُ كانَ شِعرُكَ المَنشورُ مفاجأةً لي، لأنه أكّدَ لي بما لا يَدَعُ مجالًا للشّكّ، أنّ تجربة (قصيدة النثر) تحتوي على أعمالٍ جادّةٍ وأصيلة، وأنّ مثلَ ما فيها من حصًى وشوائب كثيرة، فإنّ فيها أيضًا الجوهرَ الثمين. فكان أنْ كتبتُ أولى مطالعاتي لشِعرِكِ (سحر الكلمات) عام 2004 بعنوان (سحر الكلمات.. عصفورةُ النّارِ ومُهرةُ الشّعر الأصيلة)، سجّلتُ بها انطباعاتي الأولى عن قصائدِكِ المنشورة بالموقع الإلكتروني، والّتي لم تكن قد نُشرتْ بَعْدُ في كتاب.

كان هذا قبلَ أنْ أتعرّفَ على شخصِكِ الكريم (آمال عوّاد رضوان). ثُمّ أتبعتُ ذلكَ بكتابةِ تقديمٍ لديوانِكِ الثاني: سلامي لك مطرًا. بالنسبة لي لا أخلطُ مُطلقًا بينَ العلاقاتِ الشّخصيّةِ وبينَ النقد. ودليلُ ذلك، أنّ لي أصدقاء كثيرون من كبار المبدعين، ولم أكتب عن أعمالهم، وبعضهم عاتبٌ عليّ، والبعضُ الآخرُ تأثرت صداقتي له بسبب ذلك. لا بأس. لأنّهُ في النهاية لا يصحّ إلاّ الصحيح.

وفي ردّ الشاعر والناقد العراقيّ حسين الهاشمي: لا تُتعِبي نفسَكِ أو تُشغِلي وقتَكِ بالبحثِ عن إجاباتٍ لأسئلةٍ نسائيّةٍ، لا يَعنيها الجانب الفنّيّ، قدْرَ ما يَعنيها الجانب الشّخصيّ ! ومَن يُريدُ أنْ يَعرفَ رُؤيتي، فقدْ دوّنتُها في كتاباتي النقديّةِ عن نُصوصِكِ، وغيرُ هذا يُعتبرُ تسطيحًا للموْضوعِ كلّهِ! لا تستغربي، فهذه ضريبةٌ، لأنّكِ جميلةٌ ومُبدعةٌ ومشهورةٌ، وتلكَ (غيرة نسوان) أو (غيرة الوسط)، وللأسف، هي مُنتشرةٌ ولو بشكلٍ سِرِّيٍّ وغيرِ مُعلَنٍ!

"لا أعرفُ سرُّ هذهِ الدّراساتِ لقصائدِك"؟! ليسَ هناكَ سرٌّ في الموضوع، إنّما هناكَ نصٌّ وقراءةٌ ومزاجٌ وفرصةٌ مُهيّأةٌ للكتابة، ولا يَعني ذلك بالضرورة، أنّ تناوُلَ النّصّ نقديًّا، هو تفوُّقُ هذا النصِّ أو ذاك، وصدارتُهُ فنّيًّا على باقي النّصوص، بقدر ما يعني توفّرَ الفرصة للاطلاع والاكتشافِ والرّؤية، إضافة إلى وجودِ المُبرّراتِ الفنيّةِ، وحُبّ العمل والقدرة على الإقناع.

ولكن المشكلة الحقيقيّة، أنّ الكتابة عن شاعرةٍ ما، سواء كانت معروفة أو غير معروفة، قد تُثيرُ لدى بعض الوسط الأدبيّ والثقافيّ تساؤلاتٍ وشكوكًا، وربّما تثيرُ بعضَ (الغيرة) هنا أو هناك، وهو ما يُدعى بـ (غيرة الوسط)، وهو موضوعٌ شخصيٌّ ونفسيٌّ، أكثرَ ممّا هو فنّيٌّ أو ثقافيّ. والنقاد أو الكُتّاب غيرُ مَعنيّين بهذا المستوى من التّداول السّطحيّ، لأنّ العمليّة النقديّة أو الثقافيّة عمومًا، هي أبعد من الأهداف ومن الأغراض السطحيّةِ غير الدّاخلة في العُمق القيميّ والفنّيّ للأشياء، وهو نوعٌ مِن التّجاوُز أيضًا، يعني أن تكتشفَ ما لا يراهُ الآخرون، أو يَجهلونَهُ في هذا العالم، وهذه مُهمّةٌ صعبة، تحتاجُ إلى مواجهةِ الكثير من التّشكيكِ والتّهم، وحتّى الإساءات ربّما، لأنّ الفنّ عمومًا يحتاجُ حياةً كاملةً، وليسَ جزءًا منها فحسْب، وهذا سِرُّ نجاحِكِ! وطز بكلّ المُشكّكينَ والسّطحيّينَ، فحتى أنّ (نازك الملائكة) رائدةَ الشّعر الحديث تعرّضتْ في زمنِها للتّشكيكِ والهجَمات!

وجاء في ردّ أديبنا البروفيسور فاروق مواسي: هناك عددٌ مِن الأسباب. أنا مثلًا أتناولُ حسبَ المحورِ المطلوب لمجّلةٍ، أو لمؤتمرٍ، أو لدَواعٍ سياسيّةٍ أو اجتماعيّةٍ، أريدُ أن أؤكّدَ عليها، أو لفكرةٍ أدبيّةٍ أريدُ أنْ أعرِضَها، فالكتابةُ انتقائيّةٌ، وليست لسَواد عيون فلان أو نكاية بفلان. وهناك أسبابٌ أخرى تتعلقُ بالظرف، فكتابتي اليوميّةُ في صفحتي تتعلّقُ بالرّاهن أو الحدَث، ومَن كتبتُ فيهِ شِعرًا أو قصّة أو نقدًا، لاحظت أنّني أُقانصُ المُناسباتِ والأحداث، وأعرضُ ما كنتُ كتبتُ فيها، ويومَ أنِ احتفيْنا بكتابِكِ الأوّل (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ) في مطلع عام 2006، في الصّالون الثقافيّ في الناصرة، كانت لي ملاحظاتٌ في الطّاقةِ اللّغويّةِ، الّتي كانتْ مَثارَ التّساؤُلِ، وتتّسمُ بجرأتها وجدّتها.

وأنا لا أسألُ عن الشخص أبدًا، إنّما تهمّني الفكرةُ أو الظاهرةُ أو الموضوع. وعندما كتبتُ قصيدة وشاعر، عندها اهتممتُ بستة عشر شخصًا، فاخترتُ لكلٍّ منهم قصيدةً، وتناولتُها بشكلٍ موضوعيّ، وانتقيتُ الشعراءَ بسابقِ اطّلاعٍ وخبرةٍ دقيقةٍ وموضوعيّة. وكثير يرجونَ أنْ أكتب عنهم، وعمري ما فعلتها.

وقريبا سأقدّمُ دراسةً عن شِعركِ لجامعة جدارا، وعندها سأرسلُ لكِ الدّراسة!

أما الشاعر العراقيّ جوتيار تمر صديق فجاءض في ردِّه: الجوابُ لا يكونُ قطعيًّا في هكذا سؤالٍ، فالمسألةُ ليستْ حظوظًا وعلاقاتٍ، إنّما هناك ما يَجذبُ الأنظارَ، ويُجبرُ النّاقدَ على الانقيادِ لروحِ النّقدِ تجاهَ النّصّ، فيتّخذُهُ مَسلكًا لدراستهِ، وهناكَ ما يجذبُ نظرَ الناقدِ ليقرأ، ولكن لا يُجبرُهُ أن يَكتبَ دراسةً، وأنتِ لديكِ إحساسٌ ومصداقيّةٌ في كتاباتِكِ، تجعلُ المُتلقي يعيشُ وقعَها، وتجعلُ الناقدَ يبحثُ عن حيثيّاتِها، فتُلزمُهُ بالكتابة!

لكن واقعَنا الحاليّ يَفرضُ أحيانًا نوعيّةً من هذه العلاقاتِ، وبعيدًا عن تلكَ المِثاليّةِ الموضوعيّة، ومع أنّنا نحاولُ تجاوزَهُ، لكن يبقى الأمرُ بنظرِ الكثيرينَ مَرهونًا بالعلاقاتِ، فالواقعُ الأدبيُّ بعيدًا عن المثاليّة التي ربّما نحن قليلونَ جدًّا مَن نؤمنُ بها، فواقعُنا يَعيشُ حالة تَرَدٍّ غيرَ ما هو مفروض، فيهتمُّ بالكاتب، وإذا لم يكن الكاتبُ موجودًا، فلا داعٍ للنّصّ، ولهذا نعيشُ فتورًا في اختيارِ النّصوصِ والأدباء، ونعيش واقعًا متردّيًا، حتى في العلاقاتِ بين الأدباء، حيث الاستغلال، وحيث بعض المسائل الأخرى التي طفَتْ، وجعلتْ أسماءَ كثيرةً تسقطُ في وحلِ الواقع المُتردّي!

وأخيرًا جاء في ردّ الأديب كتب فريد شاكر حسن/ فلسطين: برأيي المتواضع، أنّ أسبابَ هذا الاهتمامِ والتّناوُلِ يَكمنُ في: نشاطِكِ الأدبيّ والثقافيّ، وغزارةِ نِتاجِكِ، وفي عطائِكِ المُتواصلِ، وإبداعِكِ المُميّزِ، وجَماليّاتِ قصيدتِكِ النثريّة، عدا عن موضوعاتِكِ الإنسانيّةِ، وتركيزِكِ على الأنثى وجسدِها ومُعاناتِها وأحاسيسِها، وكذلك الإيجازِ اللّفظيّ، والتّوهُّجِ الإشراقيّ، والجمالِ الفنّيّ النصّيّ البارز في قصائدِك، ويُضافُ إلى كلِّ ذلكَ أنوثتك، وسِحرك، وجاذبيّتك الخاصّة، وعلاقاتك الإنسانيّة الحميمة، والمُتعدّدة مع أصحاب القلم ومتعاطي الكلمة .

الأعمال الروتينية للأدباء ومشاهير الكتاب في العالم / ماريا بوبوفا

"الكاتب الذي ينتظر الظروف المثالية للكتابة سيموت دون أن يخط على بياض الورق أي كلمة"

التحديثات: هنالك العديد من الأعمال الروتينية قد تكيفت مع حب العمل وخيال الكاتب حتى النوم أحيانا يبعث على النتاج الأدبي.

نشرت كورت فيرغن مؤخرا مقالا عن الأعمال الروتينية التي يقوم بها بعض من كتابنا المحبوبين والطريقة التي ينظمون بها أيامهم وكتاباهم. فقد انتخبت مجموعة من المقابلات القديمة من مختلف اليوميات المحفوظة في أرشيف مجلة باريس _ وقمت باستسقاء حفنة من الأعمال الروتينية لبعض كتابي المفضلين. أتمنى أن تتمتعوا بالاطلاع عليها.

• راي برادبري: من دعاة العمل على مدى الحياة وربطه بالفرح.. كاتبنا هذا بطل متعطش للمكتبات العامة، هزلي، يتحدى مسألة الروتين كما قال في مقابلة نشرت عام 2010.:-

"في كل يوم من حياتي ذلك ومنذ أن كنت في الثانية عشر من عمري يقودني شغفي إلى الآلة الكاتبة وبنفس الوتيرة. لذا فلم اهتم كثيرا حول المواعيد.هنالك دائما أشياء وكتابات جديدة تتفجر بحياتي وتجدولني وفق حضورها لذلك لا جدولة لحياتي أو انجازاتي. دائما ما تدعوني الآلة الكاتبة لمداعبة حروفها وإنهاء فكرة انبثقت من مكان ما.

يمكنني العمل في أي مكان. لقد كتبت في غرف النوم وغرفة المعيشة في صباي حيث كنت اقطن مع أهلي في بيت صغير في لوس انجلوس. كنت أكتب على الآلة الطابعة في حين كان الراديو وأمي وأبي وأخي جميعهم يتحدثون في نفس الوقت. لاحقا وعندما بدأت بكتابة (451 فهرنهايت) ذهبت إلى جامعة كاليفورنيا حيث وجدت في طابقها السفلي غرفة للطباعة وكان من الممكن ان تشتري ثلاثين دقيقة طباعة من الوقت بإضافة عشر سنتات إلى الآلة الكاتبة.

• أما جوان ديديون /فأنها خلقت لنفسها فترة من حضانة الأفكار وذلك حسب ما بينت في مقابلة لها سنه 1968:

" أحتاج إلى ساعة انفرد بها مع كأس من المشروب لكي أعيد بذهني ما أنجزته ذلك اليوم. لا استطيع أن اقوم بهذا الأمر في وقت متأخر من الظهر لأني سأكون بعد ونوعا ما قريبه من الحدث، أما المشروب فهو يساعدني على محو بعض من تلك الأوراق. لذلك اقضي هذه الساعة أحذف بعض السطور وأضيف أخر ودواليك بالأيام القادمة في كل ليلة أعيد ترتيب هذه الملاحظات مساءا. عندما أكون منغمسة بالعمل لا أحبذ الخروج أو دعوة احدهم على العشاء لأني حينها سأفقد ساعة.إذا كنت خسرت الساعة وبدأت يومي مع مجرد بعض صفحات سيئة وبدون نقطة البدء فمع كل هذه الفوضى سأكون بكل تأكيد في أسوأ حالاتي المعنوية.شيء آخر علي القيام به خاصة عندما أكون قريبة من نهاية كتابي هو النوم وبنفس الغرفة مع أوراقي. وهذه من أهم الأسباب التي تدفعني للذهاب إلى سكرامنتو لإنهاء الأمور.أؤمن انه وبطريقة ما "إن الكتاب لا يغادرك حين تكون نائما بالقرب منه".في سكرامنتو لا احد يهتم إذا ما خرجت من منزلي ا لا، لذا يمكنني النهوض والبدء بالكتابة.

*أما (E. B. Whitefih) فقد ذكر في عين المقابلة الرائعة التي أوضحت لنا إن بصيرة الكاتب لا يحدها زمن وكذا دوره ومسؤوليته،مركزا على العلاقة بين الصوت والنهايات المذكرة ليردد بذلك وصايا تشايكوفسكي بالتركيز على أخلاقيات العمل :

لا أستمع أطلاقا الى الموسيقى حين اكتب.. ليست لدي هذه النزعة ولا أحبها على الإطلاق. الا إني قادر على العمل والكتابة على نحو جيد في خضم العديد من الانحرافات العادية. يحوي منزلي على غرفة معيشة وهي كمركز لكل شيء، فهي ممر الى القبو والى المطبخ كمالا بد ان يمر بها من يريد استخدام الهاتف وبالنتيجة فهي دائما ما تكون ضاجة بازدحام مروري خانق !.لكنها بالنسبة إلي غرفة مشرقة مليئة بالحياة والبهجة، لذا فغالبا ما أستخدمها كغرفة لكتابتي على الرغم من الكرنفال الذي تجري أحداثة من حولي. فمثلا غالبا ما تدفع فتاة التنظيف بمكنسة السجاد تحت الطاولة التي تقبع فوقها الآلة الكاتبة برغم كل ما تحدثه من ضجيج إلا أنها لا تشكل إزعاج او تشتت لذهني او تركيزي في العمل الا حين تكون تلك المنظفة جميلة بشكل خارق او غبية حمقاء بشكل غير عادي ! كما إن زوجتي، والحمد لله، لم تقم بمساندتي كما قيل لي أن بعض زوجات الكتاب تفعل. على النقيض من ذلك، فأفراد أسرتي لم يكن لهم أدنى اهتمام بكوني " كاتب "، فهي لا تمانع بالضجة وتسمح لهم ان يشاغبوا كما يحلو لهم. وإذا ما قدر و مرضت من جراء ذلك وأنزعجت فالجواب واحد-" لدي الكثير من الأماكن التي استطيع ان اقصدها للكتابة... " فالكاتب الذي ينتظر الظروف المثالية التي بموجبها يبدع بعمله سوف يموت دون وضع كلمة على الورق".

أما جاك كيرواك (Jack Kerouac) فيصف طقوسه والخرافات التي تحيط بها في مقابلة سنه 1968:

أقوم بإضاءة شمعة واحدة مرة واحدة بالمساء واكتب على نورها وأقوم بأطفاءها عندما انتهي من ليلتي. كما إني أركع للصلاة قبل البدء بالكتابة (لقد تأثرت بفلم فرنسي يتحدث عن George Frideric Handel – جورج فردريك هاندل).. ولكني وببساطه الآن اكره ان اكتب. الخرافات ببلدي، لقد بت اشك حتى في اكتمال القمر، كما تعلقت بالرقم تسعة على الرغم من اني من مواليد برج الحوت ورقم حظي هو السبعة. أحاول ان المس الأرض تسع مرات ذلك حين أكون في الحمام فأكون واقف على رأسي الذي يلا مس ا لنعال بشرط ان يلامس إبهام قدمي الأرض تسع مرات كذلك وأكون في وضعية متوازنة. هذا الفعل يعتبر أكثر وأقسى من اليوغا فهو انجاز رياضي فذ. فهل من المعقول بعد كل هذا ان تسميني ب " غير المتوازن !". بصراحة مطلقة وأحيانا أحس إن عقلي بدأ يتلاشى!. فلذا أمارس" طقسا "آخر كما تسمونه.. ذلك بأن ادعو المسيح كي يساعدني بالمحافظة على سلامة عقلي وطاقتي لكي ادعم عائلتي (أمي المشلولة وزوجتي وقططي الجميلة.حسنا ؟

وبعد فترة تأمل اضاف حول اوقت والزمان الأكثر تلاما للكتابة:

مكتبة بقرب السرير مع ضوء جيد و تناجي الورق من منتصف الليل وحتى بزوغ اول خيط للشمس، وكأس من الشراب حين تتعب.. ستكون الكتابة رائعه بمنزلك ! ولكن ان لم تملك منزل خاص وتقطن بغرفة في فندق أو حتى لو تكتب على وسادة : نوع من السلام !

• أما سوزان سونتاغ (Susan Sontag) فقد دونت في مذكرتها سنه 1977، أضافة الى مجموعه من الحكم التي أطلقتها عن الكتابة تقول :

أبدأ بالغد – إن لم يكن اليوم موعد انطلاقك !

أصحو من نومي في موعد لا يتجاوز الثامنة صباحا. (وأستطيع كسر هذه القاعدة مرة واحده بالأسبوع)،وأتناول غدائي فقط مع روجر.. (لا أخرج للغداء إلا مرة واحدة فقط كل أسبوعين).

أقوم بتدوين ملا حظاتي بشكل يومي (مثلا : كتبي عن يشتنبرغ الغربية).

أطلب من المحيطين بي من أصدقاء او معارف ان لا يتصلوا بي في الصباح لأني لن ارد على اتصالاتهم.

سأحاول ان احصر قراءتي للمساء فقط (فقد قرأت كثيرا- محاوله مني للهرب من الكتابة)

سأرد على الرسائل مرة أسبوعيا (أما عن الجمعة ! – على العموم سأكون مضطرة للذهاب الى المستشفى).

ثم، وفي مقابلة ثانية وبعد عقدين من الزمن مع احد المحررين في مجلة باريس تحدثت عن التفاصيل الروتينية التي تقوم بها عند الكتابة:

أكتب باستخدام قلم ذو طرف من اللباد وأحيانا قلم رصاص على ظهر أوراق الملاحظات القانونية الصفراء او البيضاء تلك التي كان الكتاب الأمريكان مولعين بها، كما اني أحب الكتابة اليديويه واكتب ببطء شديد ثم أقوم بطباعتها وتوثيقها على الاله الكاتبة حتى اني اقوم بإعادة الطباعة أو حتى إجراء التصحيحات اللازمة يدويا او مباشره باستخدام أزرار الإله الكاتبة حتى أصل لقناعة خالصة ان ليس بمقدور النص ان يكون افضل. هكذا كان الحال منذ خمس سنوات خلت.. بعدها ظهر الحاسوب في حياتي. بعد المسودة الثانية او الثالثة سأقوم بحفظها على الكومبيوتر خاصتي ومن غير الممكن ان أعيد مخطوطة كاملة بعد الان رغم هذا أقوم بالاستمرار بالمراجعة على مسودات ورقية اسحبها من الحاسوب

].....{

تأتيني نوبة الكتابة بصوره فجائية. أكتب حين أحس ان هنالك ضغط كبير يتنامى بنفسي و اشعر بتلك الثقة التي تخبرني ان فكرة ما نضجت في رأسي وان الأوان حان لقطافها. ولكن ما ان ابدأ بالكتابة حينها لا أحبالقيام بأي عمل آخر.. فأل قابعة بمنزلي وفي أغلب الأحيان أنسى تناول الطعام وحتى نومي يكون لساعات قليلة.أعلم إنها طريقة غير منضبطة للعمل وهي تؤثر سلبا على غزارة أنتاجي ولكنها تجعلني اهتم بأشياء أخرى كثيرة.

• في عام 1932 وتحت عنوان الروتين اليومي (Henry Miller- هنري ميلر) همّش وصاياه الإحدى عشر للكتابة بخطة رائعة للإنتاج والإلهام والصحة النفسية :

صباحا : ان كنت أحس بالدوار فأطبع ملاحظات أوزعها كنوع من التحفيز.

أما أن كنت بحالة جيدة، فأكتب.

في الظهيرة :

أعمل على انجاز القسم الذي في متناول اليد متتبعا بذلك خطة الجزء بدقة. لا هروب أو تسرب......أكتب حتى الانتهاء من الجزء بالوقت المناسب من اجل الخير للجميع.

المساء :

رؤية الأصدقاء و القراءة في المقاهي.

استكشاف أمور غير مألوفة بالسير على الأقدام ان كان الجو رطبا وركوب الدراجة الهوائية ان كان جاف.

إذا كنت بمزاج يساعد على الكتابة،حينها احرص ان تكون ضمن اطر أو برامج قليلة.

أرسم ا ن لم يواتيك الإلهام او كنت تحس بالتعب.

أكتب ملاحظات، او مخططات توضيحية أو يمكن رؤؤس أقلام او حتى تصحيحات لما قد انتهى من مواد.

- ملاحظة: تمتع بوقت كافي خلال النهار للتمتع بزيارة المتاحف او معرض رسوم او حتى مسابقات ركوب الدراجات في بعض الأحيان. أرسم مخططات في المقاهي والشوارع. قلل او اقطع الأفلام ! استعن بالمكاتب للمراجع ولو مرة بالأسبوع.

• أما في هذه المقابلة التي أجريت عام 1965 (Simone de Beauvoir –سيمون دي بفوار) ساهم في تبديد " تعذيب – عبقرية " أسطورة الكتابة حيث قال :

أنا دائما في عجلة من أمري للتقدم رغم إني بصورة عامة لا أحب بداية اليوم. أبتدئ يومي بتناول الشاي ثم وفي حوالي العاشرة أشرع بالعمل حتى الساعة الواحدة. حينها أتمتع بصحبة أصدقائي وفي حوالي الخامسة أعاود الكتابة حتى التاسعة مساءا. لا أواجه صعوبة تذكر بالتقاط الخيط المحيط بالأمور حتى في فترة الظهيرة. عند مغادرتهم سأقرأ الورق أو ربما قد أذهب للتسوق. أنها متعة الكتابة هي المسيطرة في معظم الأحيان.

[……]

أذا كان العمل يسير على ما يرام، فأني حتما سأقضي ربع او نصف ساعة بمراجعة ما كتبته في اليوم السابق، وأقوم ببعض التعديلات ان لزم الأمر ثم أواصل الكتابة من تلك النقطة. لكي أصوغ الأمور بطريقة صحيحة. إذ لا بد لي من قراءة ما قمت ببث الروح فيه.

• إرنست همنغواي (Ernest Hemingway) الذي كتب رائعته المشهورة الوقوف 0 (كان همنغواي يقف عند ما يكتب على زوج من جلد البقرة الوحشية البالية – وكانت الالة الطابعة ومكتب القراءة يصل الى أعلى صدره) رغم ذلك ترك نهجه الواضح وصياغته المميزة بشكل متعادل مع موهبته الشعرية والبراغماتية الفذتين. فذكر أنه :

كنت احرص دائما حين أشرع بالعمل على كتاب او قصة ان ابتدأ مع الضياء الأول للنهار كلما كان ممكنا حيث لا يوجد من يزعجك وتتمتع بالسكينة وذلك البرد الجميل الذي يتلاشى بدفء ما تكتب. تقرأ وتراجع ما قد كتبته وتقف هنيهة حين تعلم ما لذي سيحدث لاحقا !ستبدأ من تلك الحالة. ستكتب حتى تصل لمكان لا يزال موجود به عصيرك الخاص وتعلم ما سيحدث بعدها لكنك ستتريث قليلا تقف لتعيش الأحداث مع حروفك حتى اليوم التالي حين تعاود الكتابة ثانية. عليك النهوض والبدء مبكرا ولنقل من الساعة السادسة صباحا،حتى الظهيرة أو قليلا قبل ذلك. تقف عن الكتابة حين تحس انك فارغ من المشاعر وبنفس الوقت مشاعر العالم تمليك كما هو الحال حين تقدم الحب مع شخص تعشقه. حينها لا شيء يمكن ان يسوؤك لاشيء يمكن أن يحدث ولا شيء يعني لك حتى اليوم التالي حين تقارب كتابك مرة أخرى. الانتظار حتى اليوم التالي هو من أصعب العقبات التي لا بد نحياها.

• أما الرائع (Don DeLillo- دون ديليلو) استعرض في مجلة باريس سنه 1993 حول هذا الموضوع :

أبدأ يومي بالكتابة طول فترة الصباح على الاله الكاتبة ولمدة أربع ساعات ثم أمارس رياضة الركض، هذا للمساعدة بالتخلص من بقايا عالم الكتابة والولوج في عالمي الحقيقي. الأشجار والطيور ورذاذا الهواء يشكل نوع من فاصلة لطيفة تشجعني على العمل مرة أخرى في وقت لا حق من الظهيرة لمدة ساعتين او ثلاث. بالعودة الى وقت الكتاب فأنه يمضي بشفافية وكأنه نسمة رقيقة لا أتناول به اي وجبة خفيفة او قهوة ولا حتى سجائر لقد أقلعت عن التدخين منذ زمن طويل. الفضاء حولي نظيف والمنزل هادئ. وقال (دين ديليلو- Don DeLillo) ان الكاتب يقوم بتدابير كثيرة لتأمين عزلته ومن ثم يبحث عن طرق أكثر لتبديدها. ينظر من النافذة يقرأ مقالات عشوائية في القاموس ولكسر التعويذة (حسب الكاتب) أنظرالى صورة (بورخيس – Borges)، صورة كبيرة أهدانياها الكاتب الايرلندي ( Colm Tóín – كولم) حيث يظهر وجه بورخيس على خلفية داكنة ليظهر بجلاء تلك النظرة الشرسة العمياء وفتحة منخاره وتقرنات جلدة المشدود وذلك الفم الذي يكتنز حياة بصورة مثيرة للدهشة وكأنه قد رسم. يبدو لي كأنه شامان رسم عن طريق الرؤى. كل ملامح ذلك الوجه تبدو كأنها تحظى بنشوة الفولاذ. لقد قرأت لبورخيس بكل تأكيد لكن ليس كل أعماله، كما إني لا اعلم عن الكيفية التي يجدولها للكتابة، ولكن تلك الصورة تظهره ككاتب لم يضيع وقته بالنظر إلى النافذة او أي مكان آخر. لذا حاولت جهدي ان اجعل منه رمزي المبدد للخمول والانحراف، دليلي الى عالم السحر والفن وقراءة القادم.

• أما( بنجامين فرانكلين - Benjamin Franklin)، ذلك المهووس بالإنتاج، فقد كان له جدول يومي روتيني صارم لما يقوم به :

• (Haruki Murakami- هاروكي موراكامي) يؤمن بالاتصال بين العقل والجسم لدى بعض المبدعين على مر التاريخ :

عندما أكون في مزاج جيد للرواية، انهض الساعة الرابعة صباحا، أعمل على مدى خمس لست ساعات. أما في فترة ما بعد الظهر فأركض حوالي عشر كيلومترات أو أسبح ل (1500 متر)،أو ممكن أقوم بكل من الأمرين معا، بعدها اقرأ قليلا أو استمع لبعض الموسيقى. أذهب الى الفراش في الساعة التاسعة مساءا. أظل على هذا الروتين كل يم دون تغيير، التكرار نفسه يصبح الشيء المهم،أنها شكل من أشكا ل الاستمرارية." أنا ابهر نفسي لأصل الى أعمق حال من الوعي ".

• (William Gibson- وليام جيبسون) يروي لمجلة باريس في عام 2011:

أستيقظ في السابعة صباحا وعندها ابدأ بالكتابة. أتفقد بريدي الكتروني وأقوم بجلة في الانترنت كما هي عادة هذه الأيام. أتناول كوب من القهوة. ولثلاثة أيام اقصد" بيلاتيس "وأرجع المنزل في العاشرة ا الحادية عشر. بعدها أجلس محاولا الكتابة أما اذا لم يحدث شيء على الإطلاق سأسمح لنفسي بتشذيب العشب. ولكن عموما، مجرد الجلوس والمحاولة الحقيقية ستمنحني البداية. أرتاح قليلا في فترة الغداء، لأعاود بعدها لكتاباتي. ثم قيلولة. والقيلولة شيء مهم وأساسي لعملية الكتابة، لا أحلام طبعا، لكن تلك الحالة من النوم حيث العقل ينشط للعمل والاستيقاظ.

]........[

وكلما تعمقت أكثر بالكتاب فأنه يصبح أكثر تطلبا.. في البداية، اعمل لخمس أيام أسبوعيا، بمعدل خمس إلى عشر ساعات عمل مع استراحة للغداء والقيلولة. أما حين تحل النهاية فالكتابة ستكون لسبع أيام أسبوعيا وبمعدل اثني عشر ساعة من العمل المتواصل.

في نهاية الكتاب، حالة الانتهاء تكون معقدة جدا مثل معادلة كيميائية ستزول وتنتهي تفاعلاته إذا لم أرفدها بما تحتاجه وهو ببساطة ان اكتب بشكل متواصل وبكل وقت. الفجر أفضل من مجرد النوم ببساطة يصبح مشكلة، ودائما ما أكون سعيد بعودة الفجر من جديد.

• ( Maya Angelou – مايا أنجيلو) شاركت يومها مع مجلة باريس في لقاء أجرته عام 1990 :

أكتب صباحا ثم أعاود الى منزلي حوالي منتصف اليوم للاستحمام،لأن الكتابة كما تعلمون فعل شاق جدا، لذا عليك القيام بجهد مضاعف. بعدها اذهب إلى المتجر - لأني طباخه ماهرة جدا – أتظاهر اني طبيعية كالآخرين. العب دوما دور الإنسان العاقل لأردد هذه العبارات (صباح الخير- جيد، شكرا وأنت ؟).أرجع الى منزلي أحضر لنفسي العشاء اما اذا صادف ان قصدني بعض الضيوف حينها أقد الشموع والموسيقى الجميلة ستملأ البيت، وبعد نقل جميع الأطباق، أراجع ما كنت قد كتبته في ذلك الصباح. وأغلب الأحيان اكون قد كتبت تسع صفحات ولكن بعد ألمراجعه والتمحيص سأكون قادرة على إنقاذ صفحتين ونصف او على الأكثر ثلاث، وهذا بالضبط أقسى وقت، حين تضطر ان تعترف ان هذا لم يعد يجدي وأن عليك ان تحبر ما كتبت. عندما انتهي من قراءة خمسين صفحة - خمسين صفحة مقبولة طبعا - فهذا ليس سيئا. لقد كان لي نفس المحرر ومنذ عام 1967، دائما ما يقول لي أو يسألني وعلى طول كل هذه السنوات (لما ذا استخدم فاصلة منقوطة بدلا من الفراغ ؟ وكانت أجوبتي وعلى مدى الأعوام المنصرمة - أني لن أكلمك ثانية الى الأبد.- أو – شكرا جزيلا، وأغادر، هذا فقط.!. بعدها اقرأ التصحيحات وأراجع قصتي لأفكر باقتراحاته. حينها أرسل له برقية تقول " حسنا لقد كنت محقا، وماذا في ذلك ؟ لا تذكر هذا لي مرة أخرى لأني حينها لن أكلمك ثانية. أتذكر وقبل عامين كنت أزوره وزوجته في هامبتونز.كنت اجلس للعشاء في نهاية طاوله محاطة بأربع عشر شخصا،، قلت لشخص قريب مني " لقد أرسلت وعلى مر السنين برقيات، فأجابني من الجهة المقابلة " ولقد احتفظت بكل واحدة من تلك البرقيات الغاشمة ! ولكن التحرير، ووجهة نظر المحرر بالكتابات هو الأكثر أهمية !

• (Anaïs Nin – أنيس نين) لاحظت ببساطة، في تعليقها بين قوسين في عام 1941، ذلك في المجلد الثالث من مذكراتها :

(أكتب قصصي صباحا، ومذكراتي خلال الليل)

كما أضافت في المجلد الخامس سنه 1948 :

(أنا اكتب كل يوم.. أفضل أعمالي كانت في الصباح)

وأخيرا فأن روتين the Kurt Vonnegut – كورت فونيغوت كان ملهما للجميع حيث سجّل في رسالة الى زوجته عام 1965:

في مثل حياتي المبعثرة، النوم والجوع والعمل ينظمون أنفسهم بأنفسهم دون استشارتي. أحس بالسعادة ان مثل هذه الأفعال لا يشاوروني بتلك التفاصيل المملة !. لقد جدولوا أنفسهم كما يلي : الاستيقاظ في تمام الخامسة والنصف والعمل حتى الثامنة أتناول إفطاري بالمنزل ثم العمل للعاشرة صباحا، المشي لعدة أمتار الى المدينة بلا مهمات تذكر. انتقل الى المسبح المجاور وأتفرغ لنصف ساعة من السباحة ثم العودة إلى الديار. في الساعة الحادية عشره وخمس وأربعون دقيقة أقرأ بريدي الالكتروني، أتناول غدائي بالظهيرة، أقوم بأداء واجباتي المدرسية أما تعلم او إعداد. ارجع من المدرسة حالي الخامسة والنصف اقصد إحدى الحانات. أعد العشاء وأقرأ وأصغي الى موسيقى الجاز (الكثير من الموسيقى الجيدة تبث من الراديو هنا).أنزلق إلى النوم في العاشرة. أقوم بالبوشوبس وأظل جالسا طوال الوقت، أحس كما لو إني امر بفترة عجاف، وممكن أكون مخطأ !. الليلة الفائتة الوقت وجسدي قررا أن يأخذاني الى احد دور السينما. شاهدت (مظلات شيربورج _ The Umbrellas of Cherbourg) كانت وتيرتها صعبة علي. لرجل بلا قرار او حس بمتوسط العمر مثلي، كان يأسى لها القلب.. لا يهم، فأنا أحب ان يكون قلبي مكسور !

 

بقلم ماريا بوبوفا

ترجمة سميرة سلمان عبد الرسول

 

شاكر السماوي .. سكون الألم المضيء

thamer ameenملف عن رحيل المناضل والشاعر الرائد "شاكر السماوي"

فجر يوم الثلاثاء الموافق الخامس والعشرون من شهر تشرين الثاني2014 غيّب الموت في منفاه السويدي المناضل والشاعر الرائد (شاكر السماوي) الذي يعد رمزاً ثقافيا عراقيا وركناً مهما من أركان الشعر الشعبي العراقي، حيث كان واحداً من الشعراء الذين رسخّوا مفهوم الحداثة الشعرية في القصيدة الشعبية الى جانب حياته النضالية الغنية بالعطاء والتضحيات. وفاءً وتكريماً لمنجزه الشعري وتاريخه النضالي نضع هذا الملف بين يدي القراء .

طفولته ونشأته:

في منطقة الفرات الأوسط وتحدبدا في مدينة الديوانية التي ولد فيها عام 1935 عاش الشاعر(شاكر السماوي) طفولة شاقة ومريرة، فقد عانا من قسوة الأب ـ المتحدر من الريف ـ الذي كان ذا نزعة صارمة، الأمر الذي جعله يلوذ بالكتب التي غدت ملاذه الروحي الى درجة صارت (رئته الثالثة) ـ كما يحلو له أن يصفها ـ وأول درس تلقاه في العنف عندما قام والده باخراجه من المدرسة لكي يتفرغ لإدارة دكان العطارة وبسبب هذا الاجحاف بحق طفولته بالتعلم مثل باقي اقرانه فقد قام بحرق دكان والده ويستذكر هذا الحادث الذي شكل لديه بدايات الرفض للظلم والوقوف بشدة ضد الاستغلال فيقول (عاقبني أبي بكي يدي اليمنى حين أحرقت دكانه للعطارة الذي أخرجني بسببه من مدرستي لأديره له) هكذا واجه العنف وهو مايزال صغيرا وهوالأمرالذي جعله ـ فيما بعد ـ يضيق بكل سلطة تشبه الأب ًوأولها الضيق بالحكومة ورجال السياسة والدين والمال لكنه لم يستسلم انما عاد الى مدرسته حيث قضى الابتدائية والاعدادية في الديوانية، وكانت فيها بدايات تفتحته على الافكار والثقافات فقد اصدر في خريف 1953 نشرته الجدارية (الصرخة) وكان حينها يترأس فرع اتحاد الطلبة في الديوانية وااتخذ منها وسيلة لنشر موضوعات الوطنية والحرية والتحريض الثوري وأداة للتنوير والتثقيف، وكانت تستصرخ الطلبة لكي يرفضوا الخنوع بكل أشكاله ومصادره وتحثهم على التمرد، ولكن حينما اكتشفت المدرسة دوره التنظيمي في الأنشطة الطلابية واستقطابه لعدد من الطلبة قامت بفصله وثم مطاردته . ونتيجة الخبرة التي تحصلت له في (الصرخة) فقد قام بإصدار كراسين فيهما طموح مبكر للتنظير .

 

سيرته النضالية:

خاض (السماوي) غمار الإلتزام بالعمل الوطني من خلال انتمائه الى صفوف الحزب الشيوعي العراقي في خمسينيات القرن الماضي وكان أهلا لكل مهمة نضالية يكلف بها وبسبب نشاطه الفاعل وتفانيه واخلاصه لمبادئه التي عرفته عليه جماهير الشامية والفرات الأوسط، فقد دخل السجن ثماني مرات وهو لم يبلغ الثالثة والعشرين بعد، حيث تفرغ للعمل الحزبي وأخذت تتقاذفه بعد ذلك السجون والتشرد الى ان جاءت ثورة تموز 1958 التي حررته بعد 7 أيام من قيامها عندما كان يقضي فترة الحكم بالابعاد لعامين بمدينة الناصرية، وكتب عن سيرته النضالية الاستاذ ذياب آل غلام يقول (عّرفني عليه ابن عمي ورفيقه في النضال الوجيه والشخصية الوطنية في الفرات الأوسط والشامية عبد الواحد حبيب غلام قال لي هذا الشاكر الذي فتحنا له قلوبنا وبيوتنا لكونه كان ربيب الحزب ومن قادته في العلن والسر في شاميتنا والديوانية، وله خطوات لاتنسى في الأرياف، تعرفه فاختة النخيل والشواطيء والصفصاف في ريف جنوب الشامية كان يعيد مع رفاقه ترميم الصرح الشيوعي بعد هجمة الحكم الملكي المباد، كان شاكر ورفاقه معاصرين لقيادة الشهيد سلام عادل تلك سنوات الحب والعشق والجمر والنضال وسنوات الطريق لشعب سعيد وعمل دؤوب لوطن حر)، وحتى بعد خروجه من الحزب واستقالته عام 1958 فان تلك الاستقالة لم تطوح به صوب الشواطيء المعادية لولائه الأول انما ظل مزهواً بانتمائه الى الفقراء والمظلومين وشهداء الحركة الوطنية وهو ما تشير له قصائده التي كتبها في السبعينيات حيث جاءت لتؤكد قبضة الشاعر على بوصلته الروحية وقيميه الضميرية ومنها قصيدة (نعم .. أنا يساري):

يمكن أجهل شكل الخوف ابگلبي، او انسى طعم الحقد

او أهمل عمدا لون الغيرة، ولا اتذكر وين تصير

نكهة كل لحظه من الحب

لكن ما أنسى ولا أجهل

ـ مثل اجروحي اليسارية ـ

گلبي انحط، وعاش، او يبقى:

ايدگ ويرف ..

ابعشه المبني بين اضلوعي اللي ع اليسرى .

 

ببلوغرافيا:

* شاكر عبد سماوي

*تولد الديوانية 1935

* 1966 هاجر للمرة الاولى الى بغداد الشعر والضوء والحرية وأكمل دراسته الجامعية البكالوريوس في قسم اللغة الانكليزية ولكي يسد متطلبات الحياة الصعبة فقد مارس العمل الصحفي الى جانب التدريس الثانوي .

* بدأ كتابة الشعر عام 1966

* بعد الهجمة الدكتاتورية على القوى التقدمية عام 1979 هاجر الى الجزائر وعمل فيها مدرسا بين 1979 ـ 1983 .

* 1983 استقر في سوريا

* أيلول 1989 استقر في السويد

* 1990 عضو اتحاد الادباء السويدي

* 1993 عضو اتحاد المسرحيين السويدي .

 

إصدارته:

في الشعر .

احجاية جرح / شعر شعبي عراقي 1970ـ رسايل من باجر / شعر شعبي عراقي 1975ـ نشيد الناس / شعر شعبي عراقي 1982 ـ العشك والموت وبنادم / شعر شعبي عراقي 1984 ـ تقاسيم / شعر شعبي عراقي 1989 ـ نعم أنا يساري / شعر شعبي عراقي 1999 .

وعلى مستوى المسرح لديه:

خبز وكرامة، بشرى الثورة، بقايا تحتضر، صوت النخل، رقصة الاقنعة، سفرة بلا سفر، كوميديا الدم، القضية .

وفي الفكر والثقافة له:

مقامات الغضب: خواطر سياسية

اللاديمقراطية عربيا ـ ج1: فكر سياسي

اللاديمقراطية عربيا ج2: في الثقافة

 

ثقافته:

تبلورت ثقافة السماوي من خلال علاقته المبكرة بالكتب وساهمت هذه العلاقة في اعلاء واثراء مسارات نموه العقلي والنفسي في تجربته الابداعية حيث تجد بداياته الشعرية مشحونة بايقاعات وجماليات الدراما، فقد قرأ اللغة والتاريخ والاسطورة واللاهوت، وكان يقرأ الدواوين الشعرية والقصص الاجنبية بلغتها الأم، عشق شكسبير وجوسر والمتنبي ودستوفسكي ولهذا جاءت قصائده متأثرة بقراءاته الانكليزية، وتميز شعره بنسيج لغوي خاص وانماط من الصور الفنية المركبة، كما تظهر فيه وفرة من الرموز التي استخدمها باتجاه توسيع وتعميق مسارات مضامين قصائده الشعرية فأنت تقرأ فيها اور، بابل، آشور، نفر، سومر، الحسين، جيفارا، حيث وظفها في شعره واعطاها أبعد من مداها، وفي الستينيات عندما سئل الشاعر الكبير مظفر النواب عن متابعته للجديد من تجارب ونماذج الشعر الشعبي العراقي قال (انني اقرأ شعر شاكر السماوي فيستهويني) يذكر ان السماوي التقى النواب مرات متباعدة في اواسط الستينيات في سجن القلعة في الحلة حين كان يزور شقيقه الناقد الدكتور سعدي السماوي . كما انه لاينسى فضل السويد على ثقافته فيقر لها بتطوير ثقافته وحماية حريته وتوفير فسح التفرغ للابداع والعطاء .

 

السماوي مسرحياً:

السماوي شاعر ثوري في رؤيته وفي تفاعله مع التجربة والمعاناة وقد عبر عن ذلك بأجناس أدبية متعددة منها المسرح الى جانب الشعر فهو الى جانب كتابته للشعر كتب عشرات المسرحيات ومثلت في العراق وسوريا واليمن والجزائر وظل هذان الرافدان (الشعر ـ المسرحية) زاخران بالعطاء في تجربته الابداعية فقد قرأ المسرح وعاشر المسرحيين وتعلم منهم وخلص في تجربة كتابته للقصيدة والمسرحية الى ان (أرقى مايسمو اليه الشعر هو حين يمتلء دراما، وان أرقى مايحظى به المسرح هو حين يشعشع الشعر على جوانبه واعماقه) . وعندما عرضت مسرحيته (رقصة الاقنعة) على المسرح في بغداد عام 1979 كتب عنها الدكتور علي جواد الطاهر (لو كان بيدي أمر لألقيت بالمؤلف في مسارح العالم لينهل التجارب من ينابيعها حين ذلك سيجني البلد ثمرة ناضجة من شجرة ناضجة، اذ لايتهيأ لنا شاكر السماوي في كل حين) وقد أوصى السماوي ان تنقش هذه الوقفة التقيمية على شاهدة قبره لاعتزازه بوزن الطاهر الثقافي والاكاديمي، ولاندري هل ستنفذ وصيته التي لم تفتح لغاية اعدادي هذا الملف .

من أشعاره:

(الألم المضيء) مرثية كتبها عام 2008 لشقيقه ورفيق دربه الفكري والشعري الشاعر (عزيز السماوي) وهي لوحة من الابداع الموغل في الحزن، نختار منها:

اجيتك ارد اسامر بيك روحي واسهر وياك

كل ليلك هذاك البيك يمتد

بحدوده الماتعرف الحد

يلن بيّ الحنين اتلفّت الذكراك

او ماگدرت صبوته عن خاطره ترتد

اشتهيت انعيك ...

بالنعي التگوله الناس ع الناس

بس بيّ الشعر بإسمه طلب ينعيك

............

من رباعيته المعنونه (شاكر) نختار هذه الصورة التي تلمس فيها براعة الخلق الشعري:

هرش، اومايه ايشگ له اجروحة

حلم اتدولب ... بين الدنيه، اوگلبه، اوروحه .

ناي ابچوله ايطش انغامه،

هلبت بالرمله اتطگ دوحه

نسمه وكل ريه اتمر بيها

تشفيها، اوتطلع مذبوحه !!

..........................

(ياحزبنه) قصيدة تتغنى بالحزب كتبها في 12/12/1979 عندما كان في الجزائر نختار منها:

هلا ابحزب الشدّايد والشهاده

هلا ابتاريخ مجدك والضماير والولادة

هلا ابحلمك

هلا ابعلمك

هلا ابزلمك

هلا ابشعب الذي انطاك الرياده

حزبنه

ياحزبنه

ياحزب كل زين تمتحنه التجاريب

ياحزب المعامل والمناجل والمراجل ...

والصدگ والطيب

تعلمنه الشهامه منك وبيك

اوتعلمنه الشعب تفديه اويفديك

اوتعلمنه العصر تهديه اويهديك

اوتعلمنه الوطن:

بس بيك ينطيه السياده

نحبك تنجرح تجرح

يلن غيرك وفي ماصح

اويلن حبك يدلينه

على السجه التجي منهه السعادة

..........................

ومن قصيدة (أشجان عراقية) المكتوبة في الجزائربتاريخ 1/7/1980 حيث يظهر فيها الحنين الى مرابع طفولته والى ضياءه الاول، نختار:

يابيتي البعيد اهناك .. يل بيك

تنزفني الجروج اجروح تنبيك

ـ عيني ابكل ضوه يعبر على الباب

اوگلبي ابلا زعل متروس بعتاب

او روحي امساهره لساع ...

مابين السطور ابذاك الكتاب

……………………………

 

يدك كلبي

قصيدة الشاعر: مقداد جاسم جمعه

مهداة الى الشاعر شاكر السماوي

 

يدك كلبي الك دكات ليليه

أحط إذني على الشريان أسمع كل غناوية

يترجملي النبض جلمات .. تاخذني وتفر بيّه

وهيس الروح ماهيه

تطوف ابدنيتك وسماك تتعبها وترد ليه

تسولفلي .. تذكرني بسوالف موش منسيه

على اطراف اللسن هيه

تظل بيهه التعرفك زين تتشايم

يلن اربات زهدي وبيك صافي الدم

ياصخرة وعليهه الروج يتلاطم

يل صدرك وسيع وضاع بيك الهم

يافلتت زمان بصورة ابنادم

يا .... مدري شكول الوصف مايلتم

لاجنها ياشاعري هذي سواني الدهر

ويّاك أبد مانصف داس الضمير وعبر

خلاّك شجره ابكهف محرومه شوف الشمس

وحتى الهوه المحصور بالحيطان شميته من امس

وحتى الشته والصيف بحسابك سوه

عندك سوه باجر وامس

وعندك الموت اليرهب ابنادم دفو

حنّه وعرس

كلها والوادم تناست

والسبب من الحمامة الماتحس

ذبتك ريشه وتظن عكبك تطير وماتحس

وكل جنح ينفض سبابيكه يطيح

وكل حجي مدغوش عنّك يظل راعيه قبيح

والحجي ايمض بيك .. هيله

الحجي بإذنك يمر اخيال جيله

والسبب كلبك جبير .. وكلبك ابيض

والضمير البيك يسمر بيرغ ابيض

والهوى المر بيك عذري اواعديته

وانت كوكب ماسهه وتيه مداره ومانسيته

ابشهكت الريّه شريته .. وانت شاعر

والشريف ايبيع ريته وماهو حاير

انته دنيه ودنيتك هالة مشاعر

انته جلماتك تلف داير مداير

انته جلماتك ضوه فوك المناير

انته جلماتك لعد كلبي جرح

انته جلماتك لعد جرحي جرح

وانته انته

انته ابو (احجاية جرح) انته (ابو حجاية جرح))

...........................

رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي (2)

استلمت رسائل عديدة حول مقالتي عن رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي، والتي نشرتها قبل فترة قصيرة، ولعل اهمها تلك الملاحظات التفصيلية الدقيقة من الصديق المهندس ضياء العكيلي – صاحب الفكرة بالكتابة عن الرابطة كما اشرت في تلك المقالة، واحاول في هذه الحلقة ان اتناول واحدة من النقاط التي اثارتها تلك الرسائل وحسب معلوماتي المتواضعة طبعا، واتمنى ان يساهم جميع الزملاء بهذا المشروع الجميل والمهم والحيوي فعلا حول كتابة تاريخ رابطة الطلبة العراقيين و الحركة الطلابية في الاتحاد السوفيتي آنذاك بشكل عام، والتي يمكن اعتباره بلا شك جزءا لا يتجزأ من تاريخ العراق المعاصرفي النصف الثاني من القرن العشرين.

...................

 

النقطة التي اريد التوقف عندها في هذه الحلقة هو الاجتماع الذي حدث عام 1962 مع الدكتور محمد المشاط – مدير دائرة البعثات في وزارة المعارف العراقية آنذاك، وهو المسؤول الاول عندها عن الطلبة العراقيين في الخارج كما هو معروف، وقد اشرت في مقالتي الاولى عن الرابطة الى هذا الحدث واهميته في مسيرة الرابطة وتاريخها عندئذ . لقد وصل الدكتور المشاط الى موسكو في زيارة رسمية لحسم قضايا الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي آنذاك، وفي مقدمتها طبعا قضية تعادل الشهادات السوفيتية في العراق والتي كانت تثير قلق الطلبة العراقيين بلا شك بعد اكثر من ثلاث سنوات من الدراسة في الجامعات والمعاهد السوفيتية، وكان من الواضح ان الموقف الرسمي العراقي تجاه تلك الشهادات كان سلبيا بكل معنى الكلمة، اذ انه كان ينطلق من مواقف سياسية بحتة مضادة للاتحاد السوفيتي بشكل عام ولنهج التقارب والتعاون المتبادل معه سياسيا وثقافيا، بعد ان استطاعت القوى السياسية العراقية المعنية، بالتنسيق مع القوى الاجنبية المعروفة طبعا، استعادة السيطرة على الوضع السياسي العراقي وايقاف ذلك المدٌ الوطني الذي كان سائدا في الساحة العراقية في اعوام 1959 – 1961، هذا الموقف الذي أدٌى في نهاية المطاف – كما هو معروف - الى انقلاب 8 شباط 1963 الاسود والدموي . لقد تحدٌى، بل واستفزٌ الدكتور المشاط بتصرفاته في موسكو مشاعر الطلبة العراقيين ورابطتهم، التي لم يعترف بها اصلا، وحاول ان يجتمع مع الطلبة العراقيين دون الاخذ بنظر الاعتبار وجود منظمة للطلبة او حتى الاستماع الى رأيها بالموضوع، واتصل بالملحقية الثقافية وطلب منها ترتيب هذا الاجتماع مباشرة، ولكن الطلبة اعلنوا انهم لن يجتمعوا به ما لم تنظٌم الرابطة هذا الاجتماع وبالتنسيق معها، وبعد اتصالات شبه علنية هنا وهناك بين الملحقية والرابطة (يعرف تفاصيلها الصديق ضياء العكيلي نفسه الذي شارك فيها، اذ كان آنذاك رئيسا للرابطة)، لم يستطع الدكتور المشاط ولا الملحقية الثقافية ترتيب هذا الاجتماع، وقد اضطر المشاط اخيرا، بعد ان فهم ان الملحقية لا تقدر ان تتحدى الرابطة وارادتها، ان يطلب من الرابطة تنظيم هذا الاجتماع، وهكذا جرى ترتيب الاجتماع مع الطلبة العراقيين في احدى قاعات جامعة موسكو، وقد كانت قيادة الرابطة جنبا لجنب معه في قيادة ذلك الاجتماع العاصف، والذي أعلن فيه المشاط – وبوقاحته وغروره - ان الجانب العراقي لا يعترف بشهادة الكانديدات السوفيتية على انها معادلة لشهادة دكتوراه فلسفة، وانما هي شهادة ماجستير ليس الا، وكانت حجته الوحيدة في كل ذلك تكمن في انه بحث عن كلمة ( كانديدات ) الروسية في القاموس الروسي – العربي ووجد ان معناها هو – (مرشح)، وبالتالي، فان الشخص الذي يحوز على تلك الشهادة – على وفق القاموس - يعني انه – (مرشح) للحصول على شهادة الدكتوراه ليس الا، بغض النظر عن ان هذا الشخص قد أنهى الكلية في العراق وانه تم ارساله للدراسات العليا والحصول على شهادة الدكتوراه، وان مدة الدراسة هذه تستغرق خمس سنوات باكملها بعد الحصول على شهادة البكالوريوس وانجاز اطروحة ضمن المواصفات العلمية العالمية ، بل ان بعض المبعوثين كانوا أصلا من الحاصلين على شهادة الماجستير من الجامعات الغربية، ودون مراعاة طبعا للموقف الدولي المعروف والمعلن تجاه هذه الدرجة العلمية المتميزة ، والذي يعترف بها باعتبارها شهادة دكتوراه – فلسفة بكل ما تعني هذه الشهادة العلمية المرموقة من معنى، وان كلمة ال (كانديدات) تلك ليست سوى تسمية تاريخية ترتبط بمسيرة التعليم العالي الروسي منذ بدايته وان موقعها في القاموس الروسي – العربي لا يمكن ان تحسم موضوع تعادل الشهادات...الخ . قابل الاجتماع هذه الافكار بالاستنكار الشديد، وتكلم بعض الطلبة حول ذلك، الا ان الدكتور المشاط لم يرغب بالاستماع الى منطق العقل والبحث العلمي الرصين، بل لم يأخذ كل ذلك بنظر الاعتبار، وحاول البعض ان يتحدث عن حقوق الطلبة التي رفضتها الملحقية ومنها مخصصات شراء المصادر العلمية مثلا، الا ان كل هذا الاراء ضاعت وسط الجو المتوتر الذي فرضه الدكتور المشاط على الاجتماع وردود فعل الطلبة على ذلك، بما فيها تصرفات غير لائقة فعلا جاءت من قبل الطلبة انفسهم (أطلق أحد الطلبة مثلا هلهولة مدوية أثارت الضحك بين الحاضرين)، وهكذا انتهى هذا الاجتماع دون اي نتيجة تذكر، بل سادته فوضى في نهاية المطاف، الا ان المشاط قد فهم (وهذا كان هدفا مهمٌا للاجتماع ) ان افكاره لن تمر، وان الطلبة لن يستمعوا اليه والى تهديداته الفارغة والعقيمة .

لقد كان هذا الاجتماع اول تجربة كبيرة واقعيا تخوضها الرابطة مع الجانب العراقي الرسمي والحكومي آنذاك، وعلى الرغم من ان الرابطة استطاعت ان تثبت وجودها وارادتها امام الملحقية الثقافية ومدير البعثات في وزارة المعارف شخصيا، الا ان هذا الاجتماع واقعيا لم يحقق مطالب الطلبة عموما ولم يمنحهم أي مكسب، وبالتالي لم يكن مفيدا لهم، وكان يجب التحضير لهذا الاجتماع بشكل محدد ودقيق وتقديم مطالب الطلبة تحريريا الى دائرة البعثات بشكل منسٌق وعلمي يستند الى الوقائع الموضوعية والتعليمات الرسمية التي تم ارسال الطلبة على اساسها، وكان يجب الاستعانة – مثلا - ببعض الحاصلين على شهادة الماجستير من الجامعات الغربية (الذين أشرت اليهم أعلاه) للحديث امام الاجتماع حول شهادة الكانديدات السوفيتية وخصائصها ومتطلباتها العلمية ومستواها من امتحانات وتقارير ومناقشات ومشاركات وبحوث مشتركة مع المشرف العلمي تنشر في مجلات مركزية مرموقة ومحكمة وخاضعة لمتطلبات علمية رصينة والاستماع الى سلسلة محاضرات في الاختصاص ..الخ، ولكن حماس الشباب واندفاعاته العفوية وعدم وجود الخبرة والتجربة و الروح العلمية والموضوعية بالتعامل مع الرأي الآخر و كذلك المستوى الفكري والثقافي العام للرابطة قيادة وقاعدة (وهذه مسألة مهمة ومركزية لكل منظمة جماهيرية بلا شك)، اضافة الى تصرفات الدكتور المشاط وعنجهيته وعدائيته طبعا حالت دون ذلك . لقد كان هذا الاجتماع – الضوء الاحمر الاول في المسيرة الصعبة اللاحقة لخريجي الجامعات السوفيتية والروسية في عراقنا الحبيب – منذ احتلال الجنرال مود وتبعاته الى احتلال الرئيس بوش وتبعاته...

سنوات العمر الهاربة

abdulrazaq alghalibiتتهامس الاسارير وتستبشر الاعضاء حين تعود ذاكرتي فرحة تقلب صفحات من سنوات العمر الهاربة اتجاه الاعماق، تتسع مساحات الابتسام و السعادة وتخطو ذاكرتي نحو ايام العز والخير فيتجمد الاحساس فوق وسادة الزمن النائم في احضان الماضي وهو ينظر اعجابا ويفرد اصابعه معي ليعد دقائق ايام نابضة بالحب والخير والعرى الثقيلة التي مسحت من عصر الانهيار المصبوغ بلون مساكنيه وطباعهم المتقلبة، فيحمر تارة نحو الدم ويصفر اخرى نحو زعاف السم، اقتضب سفري في النزول حين لمحت مخيلتي صفحة عند قاع الذكريات معلمة بخصوصية مفرطة اثارت الحفيظة في جميع مكونات عقلي المنغلق عليها بحرص شديد في زاوية خاصة من زوايا هذا السجل العملاق، تغطي فترة خضراء من عمر تخطى ركام الستين، توقف الزمن عندها باحترام وصمت في محراب استهلال العمر، صفحة بيضاء نقية من شروطه وهذاره المقيت، استثار ذاكرتي حماس مخضر بالنشاط و حيوية التحليق بدقائقها من جديد بعيون مفتوحة انبهارا وبحثا في صفحاتها المشرقة عن ومضة من سعادة هنا وهناك و نكزتني واحدة بوقاحة...!

ترتدي دوما مدينتي سماء زرقاء تعاند صفحة الفرات الصافية الطافحة بالخير، لوحة متخمة بالوان زاهية تحاكي الطبيعة جمالا، تتراقص صفوف النخيل عليها وكأنها مغروسة فوق وجه الماء المزجج، انعكاس حي لجمال نشط مشرئب الاعناق بريشة رسام بارع لا زال يضع اللمسات الاخيرة من الوان الطبيعة الضاحكة والمثقلة بالبهجة حين يخلطها ببراعة والفرح والسعادة و الانبهار معا ليسرق العقول بلون اسطوري جذاب يؤطر تلك اللوحة السرمدية، يهرع ابناء المحلة ليحتل كل مكانه منها اي مساء وبتحرك كورنيش الفرات الرطب كرطوبة الرطب البرحي وحلاوة الكنطار الجنوبي مع امل مؤكد بصيد وفير من سمك طازج، بني وكطان وشبوط تتطلع اليه مواقيد النار المنتظرة صبرا وتوقا في بيوت الاهل السعيدة، عشاءا يطرد الشر والهم والكرب وتعب الكفاح اليومي ويبهج الاسارير تحت نسمات الغروب المتجه نحو الليل المضيء ببشارات اللذة الذائبة في الافواه المحملة بالانغام و الشعر وعسل الكلام ومذاق الطعام اللذيذ فوق مائدة الله...!!

ارادها الله قلوبا عامرة بالحب فهو يشاركها البهجة بكرمه اللامحدود حين يقذف الرزق نحوها بشكل عفوي غير محسوب من صنارة او شبك صيد او ثمر نخلة او حقل بعيدا عن السواد في الكسب، قوت يوم يكفي ويزيد حين كانت القناعة فينا كنزا لا يفنى ولا ينضب، وتقبل الكفوف وجها وقفا، اخطو نحو السابعة في طرق الخمسينات، وانا ارافق اخي الكبير احمل صنارة الصيد وسلة من خوص نخلة منزلنا الباسقة وهي لا تزال شامخة، فسائلها ورثت بستانا عامرا بالبواسق يظلل محلتنا حد الساعة، اضع فيها صيد رزقنا المنتظر والمؤكد بطيبة النفس وصفاء السريرة، نأخذ مكانا منزويا فوق لوحة الفرات العامرة بالحركة المعطرة بعبق الرزق الزكي ومتعة الصيد الحلال بين نسمات المساء الفراتية الهادئة حين تتعشق مع الصدور النظيفة والمترعة بالحب تحت ضوء القمر، يقال والعهدة على الراوي، ان السمك يعشق ضوء القمر فيتكاتف في بقع الضوء الفضية ويسهل صيده في الايام المقمرة وخصوصا وقت العشاء وفي الساعات الاولى من الليل,,,!؟ وتهز السمكة الاولى صنارتنا وتهتز معها قلوبنا فرحا وغبطة، طفلة سمك، صغيرة الحجم لا تتحمل نار الشواء ولا تسد رمق، افلتها من الصنارة واقذفها في النهر تحت ضحكات محملة بالسعادة والرجاء بصيد جديد، وتأتي الاخرى بعد دقائق وكأننا ننتقي صيدنا من حوض جاهز مليء بالسمك، هذه المرة كبيرة تغطي العشاء لعائلتنا وحصة الجيران وتفيض عنها ويحضر الرضى الموقف ونتجه نحو المنزل بقناعة الغنى ونحن نعوم بموجات من الفرح والغبطة...!؟

وتبدأ رحلة امي وتنورها، الشخصية الطينية الشامخة بكبرياء في زاوية خاصة من ساحة البيت الوسطى، منصب مرموق ومكانة راقية تحسده عليها جميع قطع الاثاث في البيت وتنظر اليه بعين الغضب والغيرة، وتبدأ رائحة الخبز والشواء وعبق الرزق وصوت غناء التنور مع صفق الارغفة بين يديها الخيرتين وكأنها تصفق فرحا لهدف مدريدي ....!؟ ويتناغم مرأى دخان الشاي ورائحه خدره الجسرة في ساحة البيت المفتوحة مباشرة نحو السماء الصافية، يبدا العشاء في هذا المشهد البهي تحت ضوء الفانوس والقمر والنجوم التي نعدها انا واخوتي بعد العشاء مباشرة، ايهما يعد اكثر نجوما هو الفائز، وتستمر تلك اللعبة حتى يغفو اخر طفل فينا، تحمله امي نحو فراشه في جو عذري هادئ رطب خال من دخان العجلات واصوات المراوح واجهزة التبريد، حياة هانئة مختزلة مبسطة بحب الله والناس، تملأها العفوية والصدق والبراءة والعلائق الراقية.....وشتان ما بين الامس واليوم....!؟

هيفاء الأمين .. وجه مشرق وقسوة صراع

khahtan alseadiمنذ ان بدأت الحملة المضادة للنيل من السيدة هيفاء الأمين وانا اترقب التحليل ولوائح الدفاع والطروحات المضادة وقسوة الصراع ... وقد أحزنني مناشدة الأخ مثال الالوسي وقيادات الحزب الشيوعي والكثير من الشخصيات الوطنية لمخاطبتهم السلطة المحلية التنفيذية في المحافظة لكبح جماح الهجمة الشرسة على هيفاء الأمين .. وبذلك يسجل الجميع خللا في قراءة واقع الحال لمدينة الناصرية وكيف تدار الحياة من قبل منظومة احزاب الاسلام السياسي حتى بات مهاجمة الخصوم المدنيين والعلمانيين بمبدأ ميكافيلي يجيز استخدامهم كافة الأدوات اللاخلاقية خارج سياق ثوابت العمل السياسي.

اعود لهيفاء الأمين ...

كان أباها صديقا عزيزا دافئا لم يفارق زيارة مكتبي للمحاماة سنين على الرغم من فارق العمر والتعليم .. كان لطيفا حين يحدثني بشغف عن رفعة ابنته هيفاء متباهيًا بها وبانتمائها الى الحزب الشيوعي وعن ثقافتها ودربها النضالي وامومتها وحياتها في البلد الإسكندنافي البعيد ورغم قساوة الغربة والبعاد لا يشغلها شاغل عن تفقدها لعائلتها.

اما الهجمة الشرسة التي طالت هيفاء الأمين بواسطة أدوات احزاب السلطة واستخدام شخصا من عائلتها دون وعي لما يقوم به وتحت مؤثرات سحر عباءة الأفيون المقدس لاحزاب الاسلام السياسي من تأثير وحبكّ المؤامرات لجميع القيادات الرائدة حملة بيرق المشروع المدني للعراق .. دعونا نذّكر لمن لم يسعفه الحظ في قراءة تاريخ الناصرية جيدا.. ان من وقف عام ١٩٦٣ في الجوامع والحسينيات لمدينة الناصرية يؤلب الراي العام لابناء المدينة تحت شعار "الشيوعية كفر والحاد" ويدفع أبنائها بالترغيب والترهيب الديني للانتماء للحرس القومي .. هم امتداد لتلك الخلية التي تلاحق هيفاء الأمين وكل النواة النقية الطيبة من الوسط النخبوي وتفتك بالخصوم بطرق شتى لتوفر الارضيّة لسلالتها تولي المناصب والمسؤوليات بلا منازع.

اقول للجميع .. اذا كان عفاف هيفاء الأمين لديكم مخدوشا لعدم ارتدائها الحجاب .. فأنا أتشرف بهيفاء الأمين أختا وبنت اخ طاب ثراه .. حيث لسيرتها وتاريخها النضالي المشرف ترفع الجباه .. ويبتسم "عكد الهوى" لهيفاء شرفا لصباها وزهوا لرجوعها وهي تحمل وجع الغربة والاغتراب وتشمر عن ساعداها في بناء وطن صادرته مافيا الوجوه الكالحة تحت عباءة المقدس.

خروشوف والفنان نيئزفيستني

نيكيتا سرغييفتش خروشوف (1894 – 1971) – هو الامين العام للحزب الشيوعي السوفيتي بعد وفاة الشخصية العالمية المعروفة - ستالين عام 1953، و اصبح بعدئذ رئيسا لمجلس وزراء الاتحاد السوفيتي عام 1958 اضافة الى موقعه الحزبي، اي انه – باختصار - الشخص الاول في الاتحاد السوفيتي آنذاك والى حين اقالته بالقوة من كل مناصبه التي كان يشغلها بأمر جماعي متفق عليه من قبل قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي والدولة السوفيتية عام 1964 كما هو معروف للقراء المتابعين لهذا الموضوع طبعا، أما ارنست يوسيفوفيتش نيئزفيستني فهو نحات سوفيتي (ثم حصل على الجنسية الامريكية و اصبح مواطنا امريكيا بعد هجرته الى هناك عام 1977)، ولد عام 1925 في مدينة سفيردلوفسك بالاتحاد السوفيتي ولا زال لحد الوقت الحاضر على قيد الحياة ويعيش في مدينة نيويورك بامريكا وهو استاذ في جامعة كولومبيا ولحد الان، وغالبا ما يزور روسيا، واحتفل بعيد ميلاده الثمانيني عام 2005 في موسكو، بل ان روسيا الاتحادية قد منحته عام 1995 وساما روسيا عاليا تقديرا لمجمل خدماته في مجال الفنون و كذلك وسام الشرف عام 1996 لخدماته امام الوطن، وقصة اللقاء الغريب والعفوي الذي حدث بين هذين الشخصين (اي خروشوف ونيئزفيستني) دخلت في تاريخ الفن التشكيلي السوفيتي ومسيرة الثقافة في الاتحاد السوفيتي بشكل عام، بل، ويمكن القول حتى في تاريخ الدولة السوفيتية برمتها اذ انعكست ابعاد هذه القصة في تعليقات المحللين السياسيين عالميا، بما فيهم الصحفيين والمعلقين العرب، حول قيادة الاتحاد السوفيتي ومستواها الفكري، وموقفها الثقافي و الحضاري بشكل عام ، وتأثير ذلك على المسيرة السياسية بالذات في الاتحاد السوفيتي، بل وانعكاس كل ذلك في مجمل السياسة الدولية في العالم، وهذا ما سنحاول عرضه في مقالتنا الوجيزة هذه .

حدث ذلك اللقاء المذكور اعلاه في الاول من كانون الاول / ديسمبر عام 1962 في قاعة المعارض المركزية التي تقع في ساحة مانيش المعروفة في وسط مدينة موسكو ، وهي الساحة المجاورة للساحة الحمراء الشهيرة، حيث كان هناك معرض فني كبير للفنانين الطليعيين من رسم ونحت لمناسبة الذكرى الثلاثين لتأسيس فرع اتحاد الفنانين التشكيليين في موسكو وتحت عنوان – (الواقع الجديد)، وقد زار المعرض الامين العام للحزب الشيوعي السوفيتي ورئيس مجلس الوزراء خروشوف نفسه و بمرافقة بقية قادة الاتحاد السوفيتي عندها مثل بريجنيف (الذي اصبح امينا عاما للحزب الشيوعي السوفيتي بعد خروشوف وبقي في هذا المنصب الخطير الى نهاية حياته) وكوسيغين وسوسلوف وميكويان ووزيرة الثقافة فورتسفا وغيرهم من الاسماء الرسمية المشهورة آنذاك، وبحضور مجموعة كبيرة من ابرز الفنانين التشكيليين والنحاتين السوفيت طبعا، و لم ينل المعرض اعجاب خروشوف بتاتا، و عندما وصل والقادة الذين كانوا يرافقونه عند اعمال نيئزفيستني، انتبه اليها و توقف عندها وابدى امتعاضه الشديد من تلك النتاجات الفنية، واستدعى هذا الفنان وأخذ يتكلم معه بشكل انتقادي صارم وحاد حول ذلك، بل حتى بدأ يوبخه مستخدما كلمات سوقية مثل (لوطي)، وان اعماله ليست سوى (غائظ كلاب)، وتكلم خروشوف بشكل عام عن الفن التشكيلي التجريدي المعاصر آنذاك وقال، انه اذا نغمس ذيل الحمار بالالوان فانه سيرسم مثل هذه اللوحات التي تشبه طفلا يلوث بيديه غائظه دون ان يفقه اي شئ ....الى آخر تلك الجمل البذيئة بكل معنى الكلمة، وكل ذلك امام جميع القادة والفنانين والصحفيين وبقية الضيوف وزوار المعرض، وقد صرح الفنان نيئزفيستني للصحفيين - في فترة لاحقة بعد هذه الحادثة طبعا - انه لم يقابل في حياته مثل تلك البذاءة والانحطاط في الكلام، ومثل هذا المستوى الهابط والرهيب من التعبير عن اختلاف الرأي في شؤون الفن بشكل عام، وقد اضطر الفنان التشكيلي نيئزفيستني ان يجيب عندما اعلن خروشوف انه (لوطي) قائلا – اعتذر من السيدة فورتسفا وزيرة الثقافة السوفيتية الموجودة امامي ولكني لست لوطيا ، وقد اشتهر هذا الخطاب في تاريخ الاتحاد السوفيتي بتسميته الغريبة والمعيبة طبعا في النقد الفني وهي – (خطاب عن اللوطية في الفن)، وعندما قال نيئزفيستني لخروشوف ان الكثير من شيوعيي العالم معجبين باعماله الفنية، واعطاه بعض الاسماء من شيوعيي ايطاليا وغيرها مثلا، فسأله خروشوف – هل يهمك رأيهم لانهم شيوعيون ؟ فأجابه – نعم، فقال له خروشوف – اذن استمع الى رأيٌ لاني الشيوعي الاهمٌ في العالم .

لقد كنت انا شخصيا في تلك الفترة طالبا في كلية الاداب بجامعة موسكو، وسمعت طبعا بهذه الحادثة رأسا في اوساط الطلبة واستمعت – مثل الطلبة الروس والاجانب آنذاك – الى نشرة الاخبار المركزية في راديو موسكو باللغة الروسية الى هذا الخبر، واطلعت في اليوم الثاني على النص الذي نشرته وكالات الانباء السوفيتية حول ذلك اللقاء والذي نشرته الصحف السوفيتية كافة كما كانت تسير الامور عندها في الاعلام المركزي، وقد تم بالطبع تشذيب كلام خروشوف بشكل او باخر، و تم حذف كل تلك الكلمات البذيئة التي اشرنا اليها (والتي لم نستطع ولم نرغب ان نشير اليها ايضا!) اعلاه، ولكن الموضوع – رغم ذلك - بقي في نفس اطاره طبعا، وتم التاكيد على قضية (ذيل الحمار!) الذي يستطيع ان يرسم مثل تلك اللوحات التشكيلية، والتي تنتمي الى الفن التشيكيلي التجريدي المعاصر في حينها، وقد اثارت تلك التعليقات الغريبة والساذجة والباهتة والبعيدة كل البعد عن المنطق العلمي والنظرة الموضوعية ردود فعل سلبية بين اوساط الطلبة الروس والاساتذة طبعا واستهجانهم، ولكنهم لم يحاولوا التعبير عن انطباعاتهم حول ذلك بشكل تفصيلي وعلني ، خصوصا امامنا – نحن الطلبة الاجانب، ولكننا شعرنا بموقفهم السلبي بشأن هذا الحدث وعدم ارتياحهم لتلك التصرفات المتسرعة هذه، و الشتائم الغاضبة، وغير المعقولة بتاتا تجاه الاعمال الفنية المعروضة آنذاك، و حتى سخريتهم المريرة منها، وقد اشار احد المؤرخين الروس قبل فترة الى ان هذا الخطاب يعد الاسوأ بين خطابات خروشوف كافة، ولا يمكن مقارنته حتى بخطابه و موقفه المعروف في منظمة الامم المتحدة، عندما نزع الحذاء وأخذ يدق به على المنصة ويلوٌح به امام وفود الدول الاعضاء في تلك المنظمة الدولية، وقد تم الاشارة الى كل ذلك – بما فيها ذلك الخطاب - بشكل غير مباشر حتى في الاعلان الرسمي الذي تم نشره آنذاك عن تنحيته من مناصبه عام 1964 .

ختاما لمقالتنا هذه نود ان نشير الى ان اقرباء خروشوف طلبوا من النحات نيئزفيستني ان ينحت تمثالا على قبره، وقد قام فعلا بنحت رأس خروشوف وتم وضعه على القبر، وهو لا زال موجودا لحد الان، ويعد من افضل الاعمال الفنية، التي استطاعت ان تجسٌد الحيوية التي كان يتميز بها خروشوف . اما النحات نيئزفيستني نفسه فقد اصبح الان واحدا من أشهر النحاتين في العالم، واقتنى بابا الفاتيكان بعض اعماله وادخلها في متحف الفاتيكان للفنون، وتم افتتاح متحف خاص له وباسمه في مدينة يكاتيرنبورغ الروسية في الذكرى ال88 لميلاده، ويضم المتحف اعماله النحتية التي أهداها لهم شخصيا وكذلك بعض الاعمال الاخرى التي حصل عليها المتحف من مصادر اخرى .

أ. م. العالمة الأديبة الناشطة نجلاء حسون انتصاراً للمرأة العربية (2)

karem merzaعربية النّجل، متسعة العقل، إنسانية المثل، جميلة الشكل !!

 

1 - المقدمة: " يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ "

زعموا ما زعموا عن العرب وتاريخهم وغزواتهم ومعاركهم وجواريهم وألف ليلتهم وليلتهم، وعلي بابا وأربعين حراميهم، كأن تاريخهم منفصل تماماً عن تاريخ العالم وأممه بفظائعهم، وحروبهم واغتصاباتهم وانتهاكاتهم، ومحاكم تفتيتشهم، واستعمارهم واستعبادهم وتمايزهم العنصري، وحروبهم الأهلية، وإباداتهم الجماعية، وآخر ما شهدنا من العالم المجنون الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهذا ليس تبريراً للوجه السلبي المظلم الظالم من تاريخنا، فالإنسان هو الإنسان من أيام قابيل وهابيل حتى أيام الأرستقراطيين وأبناء السبيل !! وهذه الأيام يحاول من زعم ما زعم، أن يزوّرتاريخنا وحضاراتنا الممتدة لآلاف السنوات على أيادٍ رخيصة، آثمة، أو ممن غرّر بها جهلاً وحقداً لتستحي نساءنا، وتقتل أبناءنا، وتستبيح بيضتنا، وتزوّر تاريخنا لتعكس الوجه المظلم منه، وتسقطه علينا جميعاً، لتقول هكذا كان ماضيكم بأكمله، وعليه حاضركم مثله، فكونوا فرقاً شيعاً متصارعين متنازعين، ليهلك بعضكم بعضاً، ويأكل الأخ منكم لحم أخيه ميتاً، أما ماضيكم المجيد التليد المضيء النير، فنحن أصحابه وأهله !! حتى أصبح الجهلاء والسفهاء منا يلعنون أمتهم، ويتنصلون منها، ولكن إرادة الأمة، وصلابة رجالها، وعبقرية أفذاذها بالمرصاد لما يُحاك لها، والدنيا دول " وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ" .

 

2 - المرأة في الشعر العربي لماماً:

ونحن ننتصر للمرأة العربية نذكركم و نذكرهم مرّة ثانية لنقول منذ جاهليتنا الأولى كما زعمتم جهلاً بجاهليتها، ويزعمون فسقاً باستحيائها، نقول نسيتم قول امرئ القيس الشاعر الأول في تاريخنا وشغله الشاغل بفاطمته حتى الاستذلال، وقوله مثلاً عابراً :

أفاطِـمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّـلِ ***وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي

أغَـرَّكِ مِنِّـي أنَّ حُبَّـكِ قَاتِلِـي *******وأنَّـكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَـلِ

وهل نسيتم ونسوا - رحمكم الله جميعاً - ما ذكرت عن معاصره الصعلوك الحكيم العفيف العزيز العدّاء : كيف كان يجلّ زوجه؟وكيف كانت منزلة المرأة في المجتمع، ودورها الفاعل ؟ لنعرّج لمحة على قصيدته التائية بحق زوجه، ولك أن تقرأها كاملة في ديوانه (1)، وتتفكر في مدى احترامه لحقوق المرأة وعفتها، القصيدة التي عدّها الأصمعي أحسن ما قيل في خفر النساء وعفتهن :

ألا أم عمرو أجمعتْ فاســـتقلتِ *** وما ودّعتْ جيرانها إذ ْ تولـّتِ

وقد سبقتنا أم عمرو بأمــــرهـا *** وكانتْ بأعنــــاق المطي أظلـّتِ

بعيني ما أمستْ فباتتْ فأصبحتْ ***فقضّتْ أموراً فاســــتقلتْ فولّتِ

فوا كبدا على أميمةَ َبعدمــــــــا *** طمعتُ فهبها نعمةَ َالعيشِ زلّتِ

لقد أعجبتني لا سقوطاً قناعهــا *** إذا مـــــا مشت ولا بذاتِ تلفّتِ

زوجه (أميمة) هجرته ورحلت دون أن تخبر أي أحد حتى جيرانها، الرجل لم يغضب، ولم يسخط، ولم تأخذه الحمية الجاهلية أبان جاهليتها، بل كافأها بأروع رائعة، وأرق الكلمات ..(بعيني) ... (فواكبدا )، ثم (لقدأعجبتني) ...أعجبته بماذا؟ إنها لا تسقط قناعها تعمداً لإبداء حسنها، ولاتتلفت لكي لا تجلب الريبة لعفتها وخدرها.

وهل تصدق ما يذهب إليه بعض الرواة، وتلاقف رواياتهم من هبّ ودب دون تعقّل أوتأمّل أوتمعّن من أنّ حرب البسوس بين بكر وتغلب ومقتل الملك كليب على يد جسّاس بن مرة، واستمرت أربعين عاماً - في عصر الشاعرين امرئ القيس والشنفرى نفسهما - كانت بسبب ناقة ؟!! ما قيمة الناقة بالنسبة لهؤلاء الأمراء الكبار الذين يملكون آلاف النوق والأغنام، ويذبحون المئات منها في أتراحهم وأفراحهم وأعيادهم، و بقى اسمهم خالداً من يومهم حتى يومنا، والله عجيب أمر هذا الناس!! والأعجب منه يطلقون على الحرب (حرب البسوس)، ويتمسكون بالناقة !! قارئي الكريم السبب الرئيسي والوحيد بسبب امرأة اسمها البسوس بنت المنقذ بن سلمان المنقذي، وهي خالة جساس، وكان للجليلة بنت مرة زوجة كليب وأخت جساس ٍسبب خفي آخر، كان للمرأة أثر كبير ومعزة عالية وقيمة كبرى في المجتمع،

وبعد مقتل الملك الكليب بحوالي ثلاثين عاماً يتكرر مقتل ملك آخر في الحيرة وهو عمرو بن هند - وفي أيام حكمه ولد النبي الكريم (ص)عام 570 م -على يد الشاعرالشهير صاحب المعلقة الخالدة :

ألا هبّي بصحنك فاصبحينا *** ولا تبقي خمور الأندرينا

والسبب أيضاً امرأة، وهي أم الشاعر التي حاول هذا الملك الغرور أن ينال من كرامتها ويذلّهاعن طريق أمه، ولهذا ذهب الشاعر مخاطبا هذا ابن الهند! :

تَهَـدَّدُنَـا وَتُوْعِـدُنَا رُوَيْـداً * ** مَتَـى كُـنَّا لأُمِّـكَ مَقْتَوِيْنَـا

ثم هذا عنترة وعبلته :

يا دار عبلة بالجواء تكلّمي *** وعمّي صباحاً دار عبلة و اسلمي

وجرير يرثي زوجته بأروع رثاء :

لولا الحياء لهاجني استــعبارُ *** ولزرت قبركِ والحـبيبُ يزارُ

وأنت الأدرى مني بهؤلاء العاشقين العذريين لشهرتهم حتى جزر الواق واق !! لا جميل إلاّ ببثينته، ولا كثير إلاّ بعزّته، ولا قيس دون ليلاه .

وناهيك عن أبي العتاهية وعتبته :

ألا ما لسيدتي ما لها *** أدلّا فأحملُ إذلالها

ودعبل وسلمته :

لا تعجبي يا سلم من رجلٍ *** ضحك المشيب برأسه فبكى

و أبي نواس و جنانه التي تبكي على ميت في مأتم :

فقلت لا تبك قتيلا مضى ... وابك قتيلا لك بالبابِ

تجاوز العصر العباسي الأول، وادخل عصره الثاني، وهذا المتنبي يرثي جدته :

ولو لم تكوني بنت أكرم والدٍ *** لكان أباك الضخم كونك لي أمّا

ويرثي خولة أخت سيف الدولة، وما كان بحلبٍ ليتملق إلى أخيها الأمير، وإنما كان بكوفة العراق، وقال فيها ما قال :

طَوى الجَزيرَةَ حَتّى جاءَني خَبَرٌ **** فَزِعتُ فيهِ بِآمالي إِلى الكَذِبِ

حَتّى إِذا لَم يَدَع لي صِدقُهُ أَمَلاً ** شَرِقتُ بِالدَمعِ حَتّى كادَ يَشرَقُ بي

وهذا الشريف الرضي يرثي أمه بهمزية من أروع قصائد الرثاء العربي:

فَارَقْتُ فِيكِ تَماسُكي وَتَجَمّلي *** ونسيت فيك تعززي وإبائي

والمعري مثله في رثاء أمّه:

وأمّتني الى الأجداث أمٌ *** يعزُّ عليَّ أنْ سارت أمامي

هذا قليل من كثير كثير مما قاله العرب في حق المرأة الأم، الأخت، الزوجة، الحبيبة، والصديقة منذ حامل اللواء الضليل الأمير حتى حامل الفكر الضرير البصير، فما ضاقت الدنيا برجل حتى وجد في صدر المرأة متسعا، فكل هذا من أجل هذه، لعلكم تتفكرون !!

 

3 - صفحات التواصل الاجتماعي (الفيس بوك) مجالٌ للتعارف المليح والقبيح، وشعري الارتجالي الزاخر !!:

من طبعي، ولك أن تقول تطبّعي، فالأمر بين بين، بعد البحوث أوكتابة المقالات، أو نظم عقد الفرائد، ومتاعبها الفكرية والنفسية والعضوية اللذيذة، أو قل بعد نشوة الانتصار والإصرار، تدفعني كلّ هذه للانطلاق إلى مجال آخر جديد، ولكل جيد لذة، فأتصفح صفحة تواصلي الاجتماعي العامة لأرد على تعليقات ومداخلات الأصدقاء والصديقات على منشوراتي، ثم أتجه للخاص بي، وما ينزله الأصدقاء والصديقات من منشورات تجمع الغث بالسمين، والظريف الطريف الخفيف، بالثقيل الممل السخيف، والبليغ الفصيح، بالشعبي وما يتيح، وصور الجميلات والورود والخضراء، كأنك في حديقة غناء، وأسير وذهني معي وإلهامي وأناملي، وأرتجل أحياناً من الشعر تلطفاً ومتعة، وأحياناً تحرشاً بريئاً، والناس أجناس، والقلوب سواقٍ، فمعظمهم يأخذ الأمر على اللطافة والصداقة والبساطة، .

ومن صديقاتي الراقيات المتزنات البليغات العالمات الأديبات اللواتي توثقت علاقاتي بهن وتعارفت عليهن لفترة طويلة على الفيسبوك السيدة نجلاء نجلاء حسون، وما زالت - كما تعارفت على الدكتورة أنوار الخطيب من قبل على صفحة تواصلي الاجتماعي - لكثرة ما تعلق عليها ببلاغة أدبية ملفتة، ورصانة علمية متزنة، تعرف ما أقول، وتزن ما تقول، وعندما أمرّ على صفحة تواصلها، وأرتجل بعض الأبيات مما تجيش به خواطري من غزل عفيف بريء لتلطيف الأجواء، لم أجد منها امتعاضاً، أو هروباً من ساحتي، بل كانت تتفهم الأمر، وتتفهمني تماماً، وتميّز بذكائها الحاد، وعقلها الكبير الخط الرفيع الفاصل بين الجد والمزاح، والأسود والأبيض، فتوثقت العلاقات على الصفحات، وارتجلت العديد من الأبيات الشعرية على صفحة تواصلها حسب ما تنشر من منشورات، إليك القليل منها، مما نشرته أخيراً، لأن هذه ليست هدفاّ لمقالتي :

أهلا بكم في رقّةٍ وتأودِ *** ولدَ الصباحُ، فيا لهُ من مولدِ

نعْمَ المغاني في بلادي جمعها * وجميعها صلّتْ لواحدِ أوحدِ

ومنها :

كل الورود لكِ يا وردة البان ِ *** من حقل ذاكرةٍ تاريخها الباني

وارتجالا الآن لأجل الياسمين، وكان الموضوع عن الياسمين :

يا يا سمين بغرب الدار من داري *** لو تعلمين بما داريتُ أنهاري

لو تعلمين بأن الجار يلهمني *** **درّاً يفيضُ، ودمعاً للهوى جاري

فترد مثلاً على شعري الارتجالي بقولها : شكرا لشعرك وارتجالك .. شكرا لحرفك الذي تخص صفحتي به....شكرا لروحك ومساؤك ياسمين صديقي الشاعر الجميل كريم مرزة .

 

4 - من هي العالمة الأديبة الإعلامية الناشطة نجلاء حسون:

تكلمنا في الحلقة الأولى من انتصارنا للمرأة العربية عن الدكتورة الطبيبة أنوار الخطيب، واليوم نتناول شخصية رائعة من حرائرنا اللامعات علماً وأدباً وعقلاً، وخلقاً وأخلاقاً وأناقة ونشاطاً وجمالاً، ألا وهي صديقتي الصدوقة السيدة الفاضلة نجلاء حسون من أردننا العربي الغالي .

نجلاؤنا بالرغم من علمها الغزير، وبلاغتها الرفيعة، وخبرتها الصحفية، ونضالها على سبيل تحرير المرأة العربية من غياهب الجهل أو الانحراف القسري، أو من التقاليد الاجتماعية البالية، وخدماتها الجليلة في ميادين عدّة ترفض بإباء وعقل أكاديمي أن تتجاوز الكلمات التي أفضيها عليها حدودها المتعارف عليها عند أهل العلم والأدب المتضلعين، فعندما أطلق عليها لقب الدكتورة اعتزازاً بها، تقول أنا لدي ماستر، لا أحمل الدكتوراه، وبابتسامة إتعقب : ادعو لي بتحصيلها !!لكترونية والحقيقة كما أعلم الماستر (الماجستير) في النظام التعليمي دكتوراه من الدرجة الثالثة، وحتى من يحمل شهاداة الدكتوراه من الأتحاد السوفيتس القديم، ما هي بدكتوراه، وإنما لها تسمية أخرى، المهم وعندما أقدمها كشاعرة، وهي تكتب (الومضات) تلطفاً - وأنا العنيد جدا بالالتزام بالوزن، واعتبره الركن الأساسي لمفهوم الشعر - والومضات نوع من أنواع نصوص قصيدة النثر، ثم ما أكثر من يضفي على نفسه هذا اللقب الذي لصق بالمتنبي العظيم والمعري والبحتري والجواهري .. حتى أن الأستاذ العقاد وصديقه المازني رفضا أن يطلقاه على أمير الشعراء أحمد شوقي، أقول يضفيه على نفسه ممن لا يعرف أبسط قواعد وأسس اللغة والصرف والبلاغة، ناهيك عن علم العروض والقوافي والضرائر الشعرية، والنجلاء تجيبني برسالة، عندما أعلمتها بنيتي للكتابة عنها قائلة : " يسعدني طبعا ان تفكر بي بهذه الطريقة الجميلة....ولكنني لست شاعرة ولا اكتب القصيدة ...انا اكتب القصة القصيرة والومضات التي تقرؤها والرواية والبحث . وسأزودك بكل ما تطلبه مني ويشرفني نشر اي شيء لي في صفحتك علامتنا الكبير."

 

5 - شهاداتها ...عملها:

حصلت على البكالوريوس في الإعلام سنة 1985 م وبدرجة جيد جدا، أما الماستر ( الماجستير) ففي الأثار والأنثروبولوجيا، وقد حصلت علية في عام 1998 م وبدرجة ممتاز وكانت الأولى على دفعتها، بالرغم من أعباء الزوجية والأمومة، وكان موضوع رسالتها (الدور الإعلامي للنقود في العصر الأموي)

عملت في الإعلام في عدة صحف اردنية بعد تخرجها مثل الدستور وصوت الشعب والرأي وغيرها، وشغلت منصب مديرة تحريرلصحيفة اربيلا سنة 1986 - 1988 ثم عملت مديرة برامج وعلاقات عامة في الاتحاد النسائي الأردني العام من 1988 إلى 1992، وكذلك عملت في مجلات متخصصة في الطفل مثل مجلة وسام ومجلة براعم عمان .

ثم عملت مديرة للبرامج والعلاقات العامة في الإتحاد النسائي الأردني العام لمدة ست سنوات . وكانت خلال هذه الفترة تكتب الأبحاث وتعقد الدورات من خلال الإنترنت على طريقة التعليم عن بعد ...وكل ذلك في مجال الصحافة والإعلام وبعد حصولها على درجة الماجستير بامتياز عملت في دائرة الآثار الأردنية ( 1998 - 2002 م ) كباحثة تدرس اللقى الأثرية التي تستخرجها من خلال الحفريات الأثرية وتخصصت في المسكوكات . وأصبحت تكتب الأبحاث في كل العلوم الإنسانية تقريبا إضافة الى الإعلام . ومن الجدبر ذكره عملت في ألمانيا عندما سافرت مع زوجها ( أ . د . محمد الطراونة ) لحصوله على درجة الدكتوراه، إذ كانت تدرس اللغة العربية للأطفال المولودين من أب عربي وام اجنبية .\l

والآن هي متفرغة لكتاباتها وأبحاثها إلى جانب الأعمال التطوعية .

أما كتابة الأدب فقد بدأت تكتب القصة والخاطرة وأحيانا الشعر غير الموزون و هي طالبة في المدرسة، واتضحت موهبتها في الجامعة خلال دراستها الإعلام فقد كانت تكتب وتنشر في صحيفة الجامعة .

خلال عملها في الإتحاد النسائي، قامت بعملين إنسانين جريئين، وهما زيارتها مع وفد نسائي الى سجن النساء وقضاء يوم كامل معهن، والتعرف على ظروفهن ومساعدتهن مادياً ومعنوياً من أجل مستقبل أفضل، وحياة أسعد .

والثاني زيارتها لمركز الأحداث للتعرف على مشاكلهم وأسباب انحرافهم ومساعدتهم قدر الإمكان، وقد خرجتْ ببحث من هذه الزيارة ونشرته في عدة مجلات آنذاك .

الآن هي تكتب في مجال القصة القصيرة والكتابة للأطفال والرواية والومضات النثرية وتحاول ان تكون بلغة شعرية، ولو أنها لم تتعلم الوزن وبحور الشعر والتقطيع في المدرسة حيث كانت في القسم العلمي خلال دراستها الثانوية .

6 - مؤلفاتها:

أ - المنشورة:

1 - نعامة السلطان ...مجموعة قصصية للأطفال.

2 - أصدقاء وانتماء...رواية للفتيان .

3 - كنعان اليبوسي....رواية تاريخية عن القدس في ال 3500 قبل الميلاد .

4 - الموت الأنيق....مجموعة قصصية...تحتوي 18 قصة كل قصة تحكي حكاية امرأة :

المرأة المناضلة، المرأة المقموعة، المرأة المكافحة، المرأة العاشقة، المرأة العانس، المرأة غير الجميلة، المرأة المراهقة، المرأة المتمردة، المرأة الأنانية، المرأة المعطاءة

5 - ثوب وردي....مجموعة قصصية....اهتمت بالإنسان بشكل عام وبالوطن ومفهومه ومشاكل مجتمعاتنا الحالية من فقر وحروب وقمع .

6 - الدور الإعلامي للنقود في الفترة الأموية والثورة العباسية....دراسة تقع في كتاب يتألف من حوالي 400 صفحة .

ب - وتحت النشر :

1 - مجموعتين قصصتين للأطفال ....عملت فيهما على عصرنة التراث القديم بلغة اطفال هذا اليوم كي ترسخ قيم تراثنا في عقولهم .

2 - بعض نبض الياسمين.....كتاب ومضات نثرية

وقد نشرت في مجلات عديدة...مثل مجلة افكار التابعة لوزارة الإعلام الأردنية .

ومجلة تايكي التابعة لإتحاد المرأة .

ومجلة دبي الثقافية .

ومجلة الوطن السعودية .

7 - عضويتها ومشاركاتها :

والسيد النجلاء :

- عضو رابطة الكتاب الأردنيين،

- عضو هيئة ادارية في فرع الرابطة في اربد .

- عضو في فرقة مسرح الفن .

- رئيسة اللجنة الثقافية في جمعية معاً جمعية تعني بحقوق الطفل والمرأة والإنسان .

- لها مشاركات ادبية عديدة في عدة مهرجانات والعديد من الأمسيات الأدبية .

.- هناك مجلات خليجية واردنية قامت بعمل لقاءات معها حول أعمالها وأرائها

8 - من مقطوعاتها الأدبية و ومضاتها :\l

الومضة الأولى : أنا موزعة في الماء ....

أنا موزعة في الماء.....

أجيء مع سحابة وسيمة.....

أصحو على خد ياسمينة.....

حبة ندى بهية........

أنا لا أعرف الجفاف.......

لكنني أُصاب بالعطش واليباس.....

إذا رأيتُ طفلاً جريحاً.........

يزحف نحو ابريق فارغ ......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لوحة الحرية أوسمتها أنا لحروفها الآتية !!:

أمامي لوحة دون إطار.......

في اللوحة كان.........

شاعرٌ يسوق الغيم.......

الى عطش الصحراء........

امرأةٌ ترسم في دفتر الأرض......

أشجاراً وعصافير.........

طفلةٌ تسابق نحلة.........

كلهم غابوا...........

حين غاب الإطار

لو كنت أملك حرية......

تفيض عن حاجتي.......

أو قدَر حاجتي.......

أو أقلّ قليلاً.........

لتقاسمت مع الأسير......

رغيف الحرية .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حروفها للوطن :

حروفي يانعة.......

تزداد ألقاً حين أكتبها.......

تأخذني إلى إيقاع بياض الورقة.........

أعزفها................

وأكمل سيمفونية عشقي للوطن ......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقى لي يا قارئي الكريم أن أنقل لك هذه المقطوعة الإنسانية السامية سمو الفكر الراقي، والمتفتحة تفتح العقل المتحضر النير من نجلائنا العربية العريقة التي يراد لها - ولأمثالها - أن توسم عنوة وقسراً بالتخلف، وتكفير الآخرين

لنكن نبلاء في إيماننا......

بأن نحترم إيمان الآخرين......

ومذهبهم ومعتقدهم...........

فلم يكن هناك يوماً........

دينٌ سيء.........

بل هناك فقط.........

بشرٌ سيئون ....

 

..............

هذا نحن أمة تحترم الإنسان ومعتقده في فكرها، وترعى الطفولة بحنانها وعقلها، وتواسي الخطيئة - إذ زلّت - من روحها روحاً، ومن مالها سعادة وأملاّ، في يدها غصن زيتون، وقي الأخرى قلم تكتب للوطن والحرية، ومن قبل ذلك لها أثر و إعلام، وأناقة، ولطف، وجمال، وعلى الدنيا الشلام .

كريم مرزة الأسدي

 

زياد أبو عين وثلاثيته الأثيرة

abdulhusan shaabanحين سمعت خبر اغتيال الوزير الفلسطيني زياد أبو عين عدت إلى ذاكرتي محاولاً استنفار ما اختزنته بخصوص هذا الاسم الذي كان رنينه عالياً منذ اعتقاله في أواخر العام 1979 في الولايات المتحدة، وتسليمه لاحقاً إلى "إسرائيل" بتهمة مشاركته في عملية فدائية في طبريا، أدّت إلى مقتل إثنين من المستوطنين يومها . وعاد اسم زياد أبو عين ليملأ الأسماع والشاشات التلفازية ومواقع الإنترنت حين أقدمت السلطات "الإسرائيلية" على ضربه حتى الموت وهو يحاول غرس شجرة زيتون في أرض قرية فلسطينية يريد الاحتلال استيطانها. وقالت مصادر الطب العدلي إن سبب الوفاة هو عمليات الضرب الشديدة التي تعرّض لها ففارق الحياة .

يومها حوكم زياد أبو عين في شيكاغو وتقرر ترحيله، وكان عمره آنذاك لم يتجاوز ال 19 عاماً على الرغم من مناشدات ومطالبات عربية ودولية حقوقية كي لا يسلّم إلى "إسرائيل"، ولكن كل تلك الاحتجاجات والمخاطبات ذهبت أدراج الرياح، حين أقدمت الولايات المتحدة على تسليمه وتشكلت حينها لجنة للدفاع عنه، وهو ما أعاد استذكاره داوود عمر داوود مراسل صحيفة "الرأي" الأردنية آنذاك، الذي كان على اتصال به في السجن قبل ترحيله وأجرى مقابلات معه وكتب عنه .

كان زياد أبو عين قد اضطرّ إلى مغادرة رام الله وتوجّه إلى عمّان ومنها سافر إلى الولايات المتحدة، لكن القدر كان بانتظاره هناك، حين اكتشفت سلطات الاحتلال انخراطه في عمل مقاوم في طبريا، فقامت بملاحقته بعد معرفة مكانه . كان للجنة الدفاع عنه فاعلية كبيرة حيث وصلت أخبار أنشطتها وفاعليات التضامن مع زياد أبو عين إلى بلدان المنطقة، فتحركت قوى فلسطينية وعربية بالاتجاه ذاته، ورفعت الصوت عالياً للدفاع عنه، وبحكم روابطي الفلسطينية الوثيقة، كتبت مقالة للدفاع عن زياد أبو عين نشرتها في حينها في صحيفة "14 أكتوبر" اليمنية، في العام ،1980 وفيها إضاءة قانونية دولية حول موضوع تسليم المجرمين وما ينطبق ولا ينطبق على حالة زياد أبو عين، مذكّراً بحق المقاومة المشروع باستخدام جميع الوسائل لطرد الاحتلال ومن أجل حق تقرير المصير .

كانت المطالبات العربية والمناشدات الحقوقية تنصب بالدرجة الأساسية على عدم تسليم زياد أبو عين إلى "إسرائيل" خصوصاً أن قضيته كانت منظورة أمام القضاء الأمريكي، حيث سلكت جميع خطوات التقاضي المعروفة، لحين صدور الحكم بتسليمه، وعند تسليمه أودعته سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" السجن، بعد صدور حكم بحقه بالمؤبد، وهو ما كانت تخشاه الجهات الفلسطينية والعربية والدولية الحقوقية، لأنها تدرك قسوة الاحتلال وردود فعله وكيديته .

وكان من المؤمل الإفراج عن زياد أبو عين في العام 1983 في عملية تبادل للأسرى، وكان اسمه فعلاً على قائمة "فتح" ضمن لوائح التبادل، وقد وصل فعلاً إلى مطار اللد ولكن "إسرائيل" حاولت خداع الصليب الأحمر الدولي الذي اعتقد أنه غادر مع المغادرين من الأسرى إلى القاهرة في طريقهم إلى الجزائر، واتضح أن السلطات المحتلة أعادت "اختطاف" زياد أبو عين في غفلة من اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي لم تفلح جميع جهودها في الإفراج عنه . ولكن أطلق سراحه لاحقاً في عملية تبادل الأسرى التي تمت في العام ،1989 بعد أن قضى في السجن نحو عشر سنوات، ليبدأ مرحلة جديدة في نضاله السلمي والمدني ضد الاحتلال والاستيطان وبشكل خاص ضد جدار الفصل العنصري .

جدير بالذكر أن قيام زياد أبو عين بعملية طبريا لم يتم الكشف عنه الاّ بعد بضعة أشهر، وذلك حين غادر إلى الولايات المتحدة، حيث جرت ملاحقته، فقام بتسليم نفسه . واستطاع زياد أن يحوّل المحاكمة إلى مقاضاة للاحتلال، خصوصاً وهو يتحدث الانجليزية بطلاقة كبيرة وباللهجة الأمريكية، لأنه مولود في الولايات المتحدة، ولكن الجهود جميعها لم تفلح في منع السلطات الأمريكية من تسليم زياد أبو عين إلى سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" بضغوط واسعة قام بها اللوبي الصهيوني، حيث تحوّلت القضية إلى مسألة سياسية .

لقد صمم زياد أبو عين على مواصلة كفاحه السلمي بعد خروجه من السجن وقبل استيزاره من جانب السلطة الوطنية الفلسطينية مجسّداً الثلاثية الفلسطينية المتمثلة في الهوّية والمكان وشجرة الزيتون، ذلك أن تمسّكه بالهوّية يعني مقاومته محاولات طمسها أو تذويبها، كما أن تمسّكه بأرضه يعني مقاومته لمحاولات الاستيطان وتزوير التاريخ، مثلما أن تمسكه بشجرة الزيتون يعني مقاومته محاولات التجريف والاستيطان، وهو ما كان الرئيس ياسر عرفات يعبّر عنه في خطابه إلى العالم، لاسيّما وهو يدخل إلى الأمم المتحدة وبيده غصن الزيتون من دون أن ينسى بالتذكير بأن في يده الأخرى بندقية .

إن محاولات "المحتل الإسرائيلي" محو الهوّية وإجلاء سكان البلاد الأصليين وتجريف أرضهم، إنما هو إدراك منه، بأن الفلسطيني مثل زياد أبو عين حتى حين يموت يحمل معه غصن زيتون، ويرفع يده عالياً ملوّحاً ب "إشارة النصر"، ولا ينسى أن يحمل معه علماً فلسطينياً ومفتاحاً صغيراً في سلسلة، ليقول إنه من فلسطين وعائد إليها . هكذا يتمسّك الفلسطينيون بحق العودة، وبالقرار 194 لعام ،1948 مثلما يتمسكون بالقدس عاصمة لدولتهم الوطنية المنشودة وفقاً لحق تقرير المصير .

وإذا كان استهداف هذه الثلاثية الفلسطينية الأثيرة من جانب الصهيونية باحتلال الأرض والسوق والعمل منذ العشرينات، فإنها اتّخذت شكل مصادرة الأرض وإجلاء سكانها الأصليين ومحاولة اقتلاع ما تبقى منهم، لاسيّما بمشروع الدولة اليهودية النقية، في محاولة لإرغام العرب على خيارات أبسطها يكاد يكون مستحيلاً .

إن اغتيال زياد أبو عين الوزير والأسير والقدير، إنما هو استهداف لهذه الثلاثية، فقد كان أبو عين يريد أن يعلن للعالم أجمع كيف يمكن للإنسان أن يتمسّك بأرضه ورمزها الزيتون وبهوّيته العربية ودلالتها الأساسية اللغة والدين لا من باب الاعتباط أو الزعم، بل لأنها تمثل كينونة وجوده، وصيرورة كيانيته ومستقبله بكل تجلّياته الإنسانية .

ومثلما حمل زياد أبو عين روحه وطاف بها من سجن إلى سجن وصولاً إلى استشهاده، فإن هذه الروح أزهرت أشجار زيتون حتى في سجنها، وتفرّعت أغصانه، حبّاً وجمالاً ومقاومة ومستقبلاً، في بلاده الولاّدة، التي لا يتورّع المغتصب عن تزوير كل ما فيها، حتى برتقال يافا ظل يختمه بماركة مزيفة، ويستولي على الأزقة العتيقة في القدس، في محاولة لتغيير تركيبها الديموغرافي وآثارها وتراثها، ويستمر في أعمال الحفر تحت وحول المسجد الأقصى وملحقاته، ويخترع القصص والأساطير، بل وينسج الحكايات التي بعضها من صنع الخيال، حول الأحقية التاريخية .

حين سقط زياد أبو عين مضرجاً بدمائه اختار المكان، "البئر الأولى" حسب جبرا ابراهيم جبرا، أرض قريته، وهو يحمل غصن الزيتون الرمز الأخضر لبلاد خضراء ومزاج أخضر وعين لا تعرف الاّ الأخضر، اللون العروبي الأصيل . في البئر الأولى يتم التشكّل الأول للذاكرة وما استقر فيها من تفاصيل ولم يكن من الممكن محوها أو التجاوز عليها فقد حفرت في القاع .

زياد أبو عين الذي اجترح العذابات كلّها لأنه لا يريد أن يغادر المكان، إذْ إن فلسطين بالنسبة إليه هي النور الذي لا يريد له أن ينطفئ حتى لو أطفئت روحه . إن ذلك، صيحة ضد الاغتصاب والاقتلاع والمصادرة والاستيطان . ولعلّ ذلك ما تخشاه قوى التعصب الصهيوني، لأنها أدركت مدى تمسّكه بالأرض والهوّية ورمز فلسطين ومقاومته بناء الجدار العنصري، الذي أدانته ودعت إلى هدمه محكمة العدل الدولية في فتواها الاستشارية .

الهوّية تتوحّد أحياناً مع رمزية المكان في إطار هارموني متناسق، وهو ما استهدفه المحتل عند اغتيال زياد أبو عين، وهو اغتيال داخل المكان، مثلما يمثل الترحيل والإجلاء الاغتيال خارج المكان، بالتجريف والإبعاد وقطع الجذور الأولى ومصادرة الحقوق بالاستيطان والإلغاء، ولعلّ ذلك كان عنوان كتاب مهم لمثقف مهم ومناضل مهم هو إدوارد سعيد الذي أدركت الصهيونية خطره عليها منذ كتابه "الاستشراق" الذي صدر في العام 1978 .

زياد أبو عين كان نموذجاً لثلاثية لا يمكن فصم عراها: الهوّية والزيتون والمكان، وهي الثلاثية الأثيرة التي ظلّ إدوارد سعيد متشبثاً بها حتى الرمق الأخير .

 

 

رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي

يخطط صديقي المهندس ضياء العكيلي لاصدار كتاب في بغداد عن رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي، والذي كان هو أحد ابرز قياداتها في الستينات من القرن الماضي، وقد استجاب الكثير من زملاء الدراسة في الاتحاد السوفيتي آنذاك (وأنا واحد منهم) الى هذا النداء الذي وجهه لنا صديقنا العكيلي، واحاول في هذه السطور ان اكتب بعض الافكار حول هذه المبادرة الجميلة والرائدة .

ولدت هذه الرابطة عام 1960 في موسكو نتيجة للاتفاقية الثقافية العراقية – السوفيتية، التي تم توقيعها بين البلدين بعد 14 تموز 1958 طبعا، والتي فتحت المجال لمئات من الطلبة العراقيين للدراسة في الجامعات السوفيتية، وقد وصل العدد التقريبي للطلبة في العام الدراسي 59 / 60 حوالي 1500، وهو عدد لم يتوقعه المخططون السوفيت انفسهم، اذ انهم أعدٌوا بنايتين من خمسة طوابق لهم – وبشكل مستعجل جدا وغير متكامل من حيث المواصفات الضرورية - تابعة لجامعة موسكو، الاولى تضم الكلية التحضيرية ومطعمها وبعض الطوابق للسكن، والثانية للسكن فقط، ولم تستوعب تلك الاعداد، واضطروا لايجاد مخارج اخرى في جامعات اخرى بموسكو، ثم أخذوا يوزعون الطلبة على مدن اخرى في السنتين الثانية والثالثة (60 / 61 و 61 / 62)، اذ بلغت اعداد الطلبة حوالي 5000 تقريبا، وكان العراق (عدد السكان 7 مليون عندها تقريبا ) يشغل المكان الثاني بعد الصين (عدد السكان تقريبا حوالي المليار عندها) في مجال المجموع الاجمالي للطلبة الاجانب الدارسين في الاتحاد السوفيتي آنذاك (ولا مجال للتعليق حول ذلك في اطار هذه المقالة طبعا!)، وكان من الطبيعي ان تتكوٌن وسط هذه الاعداد الكبيرة من الطلبة العراقيين الحاجة الى تاسيس رابطة للطلبة، خصوصا وان معظم هؤلاء الشباب كانوا متقاربين سياسيا و فكريا في ذلك الوقت، الذي كان الشارع العراقي – كما هو معروف – يتعاطف بقوة وحماس مع التيارات اليسارية بشكل عام و مع الحزب الشيوعي العراقي بشكل خاص، وهكذا وباشراف ومساهمة عناصر من الحزب الشيوعي و من الطلبة اليساريين

تم تشكيل اللجان التحضيرية، التي خططت للمؤتمر الاول لتاسيس رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي، والذي انعقد في القاعة الكبرى لجامعة موسكو واقر النظام الداخلي لها وانتخب اللجنة التنفيذية برئاسة المرحوم الدكتور محمد علي عبد الكريم الماشطة، وساهمت الرابطة وبشكل واسع في النشاطات الطلابية المختلفة في شتى المجالات، وعقدت المؤتمر الثاني وتم انتخاب لجنة تنفيذية جديدة برئاسة المرحوم الدكتور وجدي شوكت سري ، وجاء المؤتمر الثالث ولجنته الجديدة برئاسة ضياء العكيلي، ثم المؤتمر الرابع برئاسة المرحوم الدكتور الشهيد خليل الجزائري ...الخ. لقد توقف بالطبع تدفق الطلبة العراقيين بعد انقلاب 8 شباط الدموي الاسود عام 1963، لكن الرابطة لم تتأثر بذلك، اذ انها اصبحت منظمة واسعة وراسخة وتمتلك الفروع في العديد من المدن السوفيتية وكانت منظمة معتمدة ومعترف بها رسميا من السلطات السوفيتية، وكانت مؤتمراتها تعد حدثا مهما جدا في جامعة موسكو، حيث يستمر المؤتمر لثلاثة ايام باكملها وينتهي بحفل فني كبير في القاعة الكبرى، التي تستوعب 1500 شخصا، واذكر مرة قال لي فيها مسؤول الطلبة الاجانب ايفان بافلوفيتش بارمين متعجبا ومبتسما - ان المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي السوفيتي استغرق يومين فقط، بينما مؤتمر رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي يستغرق ثلاثة ايام باكملها .

ان رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي جزء لا يتجزأ من تاريخ الحركة الطلابية العراقية في النصف الثاني من القرن العشرين، وبالتالي من تاريخ العراق لتلك الفترة بغض النظر عن كونها تأسست خارج الوطن، وهذه الرابطة لا زالت موجودة لحد الان في روسيا الاتحادية، ولكنها بالطبع ليست كما كانت في بداياتها وشموليتها واهميتها، ولكن كتابة تاريخها ومسيرتها وتقديم تسجيل امين ودقيق للاجيال القادمة حولها يستحق بلا شك بذل كل الجهود، اذ ان الرابطة هذه   كانت صورة مصغٌرة لاوضاع العراق آنذاك، وقد تفاعلت مع كل احداث العراق في حينه وكانت الصوت المدوي للحركة اليسارية العراقية بكل معنى الكلمة في الساحة السوفيتية. ان كتابة تاريخ الرابطة يقتضي – قبل كل شئ – وضع خطة علمية دقيقة من قبل مجموعة من الزملاء الذين عاصروا احداثها منذ البداية وساهموا في مؤتمراتها وقياداتها و نشاطاتها، ومن المحتمل انهم لا يزالون يحتفظون ببعض الوثائق الخاصة بها، وكم اتمنى ان يضم هذا الكتاب فصولا خاصة تفصيلية بالمؤتمرات التي تم عقدها آنذاك وفصلا خاصا حول مساهمة المرأة العراقية في اعمال الرابطة والنجاحات التي حققتها المرأة العراقية الشجاعة (انظر مقالتي بعنوان – عن بعض العراقيات اللواتي مررن بجامعة موسكو) وفصلا خاصا بالراحلين من الاعضاء وتعريفا بهم وباهميتهم للمجتمع العراقي (انظر مقالتي بعنوان – قبور عراقية في موسكو) وفصلا خاصا بالاجتماع الذي عقدته الرابطة مع مدير دائرة البعثات في حينها الدكتور محمد المشاط والذي اجبرته الرابطة على الاعتراف بمكانتها واهميتها ووزنها الحقيقي وتمثيلها الصادق للطلبة العراقيين امام غروره المشهور به وتعجرفه الفارغ وغطرسته الباهتة وعدائه العلني لكل ما هو سوفيتي بغض النظر عن مصلحة العراق وعن المعايير العلمية الموضوعية لتعادل الشهادات، ويجب ان يتناول هذا الكتاب – من وجهة نظرنا - كل الجوانب الايجابية والسلبية ايضا لهذا التنظيم ، اذ كان هناك طلبة ضد الرابطة (وهم اقلية فعلا ولكنهم كانوا يرفعون صوتهم بعض الاحيان) وكان هناك ايضا طلبة لا يستحقون الشهادات التي حصلوا عليها وكان هناك طلبة غير جديرين بان يشغلوا مواقع قيادية في الرابطة وغيرها من الامور السلبية الاخرى التي رافقتنا اثناء دراستنا، ويجب ايضا ان يكون هناك فصل (او بالاحرى فصول) لمتابعة الخريجيين من اعضاء الرابطة والنجاحات العلمية والمهنية التي حققوها في مجالات عملهم لاحقا سواء في داخل العراق او خارجه، اذ توجد الان شخصيات بارزة من بين هؤلاء الخريجيين في مختلف المجالات ويشار اليهم بالبنان كما يقول التعبير الشائع مثل (الاسماء هنا حسب حروف الهجاء العربية طبعا) – الدكتور جلال الماشطة سفير جامعة الدول العربية في موسكو، والشاعر والمترجم الشهير حسب الشيخ جعفر، والدكتورة المرحومة حياة شرارة ابرز المترجمات والكتٌاب حول الادب الروسي في العراق والروائية الرائدة، والدكتور خالد السلطاني مؤرخ ومنظٌر الهندسة المعمارية العالمي للعمارة العراقية، والدكتور سامي النصراوي الروائي العراقي في المغرب الذي تم ترجمة رواياته الى الفرنسية والروسية، والدكتورة سلوى زكو رئيسة تحرير جريدة المدى سابقا و التي لا زال صوتها الاعلامي مسموعا في مسيرة الاحداث السياسية العراقية لحد اليوم، والمرحوم الشهيد الفنان التشكيلي الدكتور شمس الدين فارس صاحب الجداريات الجميلة التي لازالت شاخصة في بغداد وموسكو، والمرحوم الشهيد الدكتور عبد الرزاق مسلم الذي وضع اول معجم للمصطلحات الفلسفية العربية في العراق، والدكتور عز الدين مصطفى رسول الاديب والباحث العراقي الكبير و رئيس اتحاد الادباء في كردستان العراق، والموسيقار العراقي العالمي المرحوم فريد الله ويردي الذي وضع اول سمفونية عراقية ، والفنان المسرحي الرائد الكبير المرحوم قاسم محمد، ومدير مكتب رئيس جمهورية العراق ا لسابق الصحفي والمترجم كامران قره داغي، والمؤرخ والعالم العراقي الكبير الدكتور كمال مظهر احمد، والفنان التشكيلي العراقي الكبير ماهود احمد، والصحفي العراقي والعربي اللامع محمد كامل عارف، والفنان التشكيلي العراقي المبدع المرحوم محمد عارف، والمرحوم الدكتور هادي عوض رئيس جامعة صلاح الدين ورئيس هيئة الطاقة الذرية في العراق، وغيرهم وغيرهم من الاسماء اللامعة الاخرى والتي لا يمكن لي – وبمفردي - وانا في العقد الثامن من عمري ان اتذكرهم جميعا .  

بنيان صالح .. رحلة الحياة والمسرح

jasim alayffفي السيرة الحياتية والثقافية للكاتب والناقد والمخرج المسرحي الرائد (بنيان صالح) الكثير من المواقف التي تعكس حضوره كإنسان وكاتب ومثقف، ما يجعلنا نتوقف عندها، ففي بداية شبابه عام 1951 دفعته الظروف المعيشية القاهرة للعمل بصفة عامل مؤقت (في شركة نفط البصرة)، وكان حينها تحت السن القانونية للتعيين الدائم، وشهد إضراب عمال الشركة عام 1953 للمطالبة برفع رفع الأجور وتحديد ساعات العمل مع تعديل شروطه، وكيف تم مواجهتهم من قبل الأجهزة الأمنية بقسوة، وسالت دماء بعض العمال واعتقل الكثير منهم، ما دفعه لكتابة مقطوعة شعرية، متضامناً مع العمال، ونشرها باسمه في جريدة كانت تصدر في البصرة. بعد بلوغه السن القانونية تم تعيينه في مديرية ( شركة نفط البصرة) بصفة (موظف بريد) وكان يعمل معه في ذات البناية القاص والروائي الراحل (مهدي عيسى الصقر) وسمع، بنيان صالح، بأن ثمة مَنْ يسأل عن مسكن (الصقر) وأين يقع؟!. فخمن أنهم من شرطة الأمن، وسيقومون بالإغارة عليه في وقت قريب لتفتيشه فربما سيتم العثور في المسكن على ما يعد (وسائل وشواهد) جرمية أهمها الكتب والمطبوعات المعارضة، التي تعد محرمة وممنوعة وتوقع الحائز عليها تحت طائلة القانون وتدفع به للاعتقال والسجن والفصل من العمل، فسارع، وكتب ورقة صغيرة للـ (صقر) شرح فيها هذا الأمر، وبحكم العمل وضعها بين يديه بسرية. بعد أيام اعلمه (الصقر) برسالة، أيضاً، تضمنت شكره وتقديره، وانه احتاط لهذا الشأن، إذ تم فعلاً مداهمة بيته ليلاً، بشكل فظ، لكنه تمكن قبلهم، في ضوء رسالته الصغيرة- الكبيرة، الاحتياط للأمر، ولم يتم العثور في مسكن (الصقر)على ما يستوجب الاعتقال.زاوج الرائد المسرحي (بنيان صالح) في حياته بين ثلاثة أمور هي: العمل نهاراً والدراسة مساءً والانكباب على التثقيف المسرحي بتواصل. بعد إكمال دراسته توجه للعمل في التعليم، ما منحه الوقت المناسب لإشباع رغباته الثقافية المسرحية الجادة التي اعتبرها (مصيرية) ولم يحد عنها نهائياً فكتب عشرات المقالات النقدية عن العروض المسرحية التي قدمت في البصرة وبغداد وبعض المحافظات، كما نشر الكثير من الدراسات عن المسرح البصري- العراقي، وبعض المسرحيات العربية والعالمية، في الدوريات والمجلات العربية وأهما مجلة (الآداب) اللبنانية، وكانت حينها من أهم المجلات الثقافية في الوطن العربي ولم يكن النشر فيها سهلاً، إذ كانت تضع شروطاً للنشر على صفحاتها تأميناً على مستواها الثقافي - الأدبي الرفيع، وقد أثارت المقالات التي نشرها على صفحاتها، ومنها "يوسف العاني..العودة إلى النبع". ودراسة مطولة عن مسرحية "مارا صاد " للكاتب المسرحي العالمي" بيتر فايس" اهتمام وثناء النقاد العرب الذين ثمنوا قدرته النقدية والتحليلية المسرحية . في الستينات كانت مدينة البصرة تعج بفرق الهواة المسرحية ومنها:فرق مسرحية مدرسية، وفرق مسرحية عمالية، وفرق أسسها مثقفون اتخذوا المسرح مجالاً لعكس رؤاهم الفنية، إلى جانب فرقتين مسرحيتين رسميتين. وكانت العروض المسرحية تقدم على مسارح متواضعة، في النوادي الاجتماعية والرياضية ومقرات النقابات والمدارس وعلى قاعة (التربية)-عتبة بن غزوان- حالياً، كما سَرَتْ (عدوى) هذه النشاطات المتواصلة إلى بعض أقضية البصرة ونواحيها، فبرزت فيها فرق مسرحية طلابية وأهلية شابة لنشر ثقافة المسرح بعروض متواصلة، وكانت اغلب الفرق الأهلية، تعتمد على مواردها الخاصة وتزج عوائلها في تلك العروض. بداية السبعينات سعى بنيان في البصرة بتشكيل جماعة يكون همها الأساس (المسرح) لمناقشة أفكاره ورؤاه وأساليبه التطبيقية، وساهم معه الناقد والكاتب المسرحي الراحل حميد مجيد مال الله وكاظم عيدان لازم وعبد الوهاب النعمة وعبد الصاحب إبراهيم، بتأسيس جماعة (كتابات مسرحية) التي أعلنت بيانها الأول المعنون (نحو مسرح عراقي متطور وجاد) ونشر حينها في بعض وسائل الإعلام، واتخذت (الجماعة) من ( نادي الفنون) مقراً لها وأسست كذلك فرقتها المسرحية الخاصة، بعيداً عن هيمنة السلطة وتوجهاتها الفكرية، وقدمت الجماعة عروضاً مسرحية عدة على حدائق نادي الفنون وقاعة التربية، وساهمت في الاحتفالات والمناسبات الوطنية، والاحتفال المتميز كل عام (بيوم المسرح العالمي). كما عملت الجماعة على تفعيل حوارات هادفة وعقد ندوات تثقيفية عامة، وشهدت أروقة نادي الفنون جدالات حية خلاقة مع الجمهور حول العروض المسرحية التي تقدم في قاعته أو حدائقه، أو حتى خارجه، وكان ( بنيان)، مع زملائه، يسعى لأن تغدو زيارات قاعات العروض المسرحية من التقاليد الراسخة لدى العوائل البصرية، وتم تقديم بعض العروض المسرحية الخاصة بفرقة (جماعة كتابات مسرحية) في بعض المحافظات ومنها بغداد. بقيت الجماعة تواصل نشاطها المسرحي من خلال عروضها المسرحية المتعددة، على حدائق نادي الفنون ومنها مسرحية (هو الذي يتحدثون عنه كثيراً) والتي أخرجها (بنيان) وكتبها الكاتب المسرحي (عبد الصاحب إبراهيم) الذي اضطرته السلطة إلى هجر وطنه العراق بحجة (التبعية)، وعروض أخرى منها: (دوائر اللهب) تأليف حميد مجيد مال الله وأخراج بنيان صالح، ومسرحية (طوفان الفرح) تأليف جبار صبري العطية وإخراج حميد مجيد مال الله، ومسرحية (يبحر العراق) تأليف بنيان صالح وإخراج جبار صبري العطية، وقدمت جميعها في الشهر الثامن عام 1974 . كما اعد واخرج مسرحية (تألق جواكان موريتا ومصرعه) من تأليف الشاعر (بابلو نيرودا)، وقدمت بالتزامن مع الانقلاب الدموي الذي قاده الدكتاتور (بينوشت) ضد الرئيس التشيلي الشرعي (سلفادور الليندي) وكان مفتتحها قصيدة ( تشيلي في القلب) للشاعر (عبد الكريم كاصد) التي ألقاها بصوته من خلف ستارة العرض المسرحي، وقدمت على مسرح قاعة نادي الفنون، في مهرجان ثقافي - فني، استمر سبعة أيام في نادي الفنون، قبل ختمه بالشمع (الأسود) من قبل (سراكيل) الثقافة السلطوية، التي ألحقت ضرراً فادحاً بالثقافة العراقية. منتصف عام 1979تعرض (بنيان صالح) لتعسف النظام المنهار، إذ تم اعتقاله وتعذيبه والاعتداء عليه بقسوة بالغة، كغيره من المثقفين والأدباء والفنانين البصريين والعراقيين الذين رفضوا مغريات السلطة الفاشية والانضمام لحزبها، ولم يعرف عن (صالح) إي تزلف للنظام المنهار والمؤسسات الثقافية السلطوية وخطاباتها الرثة المتخلفة، وبقي ينشد في مسيرته الفنية وكتاباته المسرحية المتعددة الجمال والفرح والمحبة والسلام والحق والحرية التي لا أسوار أو حدود لها بالترافق مع العدالة الاجتماعية- الإنسانية، مسلطاً الأضواء فيها، من دون خطابات مباشرة، على القهر الإنساني والقبح والتردي والظلام أينما كان ومن أي جهة أتى أو قناع ارتدى، معرياً برؤى فنية عالية قوى القهر والاستلاب المدججة بقوة السلطة والمال والإعلام والمخبرين والمتزلفين وخونة الضمير الإنساني، وبذا يشكل (بنيان صالح) مع بعض زملائه صفحة مضيئة في التاريخ المسرحي في البصرة والعراق. وقد كتب وأعد ونشر واخرج العديد من المسرحيات طوال مسيرته الفنية ومنها: (الجنين الأشقر المحبوب)مخطوطة كتبت عام1966، ، (دراما تورج) نشرت عام 1972، (آل يانكي) نشرت عام 1972 وتم عرضها في البصرة وثم في بغداد من قبل فرقة (كتابات مسرحية) ومن إخراجه، مخطوط كبير عن (الحركة المسرحية في البصرة)عام 1973، (سيرة - أس) نشرت عام 1974، ( يبحر العراق) مخطوطة عام 1974، (النوارس لم تهاجر) مخطوطة كتبت عام 1985، (العمة الزرقاء) نشرت عام 1990، (الحلمانين) قدمتها فرقة البصرة للتمثيل في بغداد وأخرجها المخرج المسرحي الراحل (طالب جبار) عام 1992، ( حذاء الراقصة) نشرت عام 1992، (النبوءة والدينونة) مخطوطة 1992، أوبريت (أوقات) مخطوطة 1994، ( المتمرد) مخطوطة 2007، (حتى متى) مخطوطة عام 2010، وقدمت (فرقة إبراهيم جلال- البصرية) موندراما (مانيكان) بإخراج الأستاذ خالد السلطان على قاعة (عتبة بن غزوان) في البصرة نهاية عام 2009، وأعادت تقديمها في بغداد، وشاركت فيها عام 2010 مع كلية الفنون بجامعة البصرة في (مهرجان المسرح التجريبي بالقاهرة) وقدم الممثل ( نور الشريف) للفرقة درع الإبداع والتميز مع شهادة تقديرية عن التأليف والإخراج والتمثيل، وتم توزيع بعض نصوص (مانيكان) على عدد من المخرجين العرب الذين تواجدوا في المهرجان، بناءً على طلبهم، تمهيداً لتقديمها في بلدانهم. حول آلية إخراج موندراما (مانيكان) والمهيمنات التي حاول إبرازها في فضاء العرض المسرحي وضمن مسعاه عند تقديمها في البصرة وبغداد والقاهرة، يذكر الأستاذ (السلطان)، في حوارٍ لي معه ما يلي:" إن أي نص، يتكون من عدة بُنّى، ولكل بنية عدة وحدات صغرى ظاهرة أو مضمرة. وبالتالي فتحويل النص الدرامي الأدبي إلى عرض مسرحي معناه إننا بصدد عمل آخر، يؤكد مرجعيته النصية بدلالة مفارقتها. فالنص الإشكالي متعدد التبديات بتعدد قراءاته وتأويلاته".ويضيف السلطان:" في نص موندراما (مانيكان) وردت ملاحظة للمؤلف- الأستاذ بنيان صالح- تفيد بسماع صوت إيقاعات طبول ( النوبان)، وهو نوع من طقس الرقص الأفريقي الشعبي، ويتم استخدامه من قبل (الزنج)، تحديداً، في البصرة، هذه الوحدة الصغرى جداً في النص تحولت في ضوء قراءتي لنص مونودراما (مانيكان)، إلى مهيمنة لاشتغال خطاب وفضاء العرض المسرحي، إي تحويل العرض المسرحي إلى ما يقارب طقس (النوبان). وفي ضوء ذلك تم تفكيك نمطية الصوت الموندرامي عبر إضافة أصوات/ حيوات / أخرى، كما تم تفعيل دمية المانيكان في نهاية العرض بعد تماهي المرأة بها، كما هي الحال في طقس النوبان الفعلي حيث يتماهى الراقص الممسوس بقرينه، إي الروح الخيرة أو الشريرة.كما أدت تلك المهيمنة إلى تحويل حوار المرأة من اللسان الفصيح إلى (اللهجي)، وانطلاقاً أيضاً من إن المرأة (مهنياً) مجرد عاملة ( خياطة) منزلية. كما تم الاستفادة من الترانيم الخاصة بطقس النوبان والمتضافرة مع الحالات السيكولوجية والاسترجاعية التي تعاني المرأة منها". وعن اختلاف وتباين رؤى الإخراج المسرحي الذي قدم في البصرة وبغداد عن العرض الذي قدم في القاهرة؟. ذكر المخرج (السلطان):" إن إعادة إي عمل مسرحي بعد مرور عام على عرضه الأول، تولد بداهةً التغيير، الإزاحة والإضافة وإجراء مراجعات لابد منها، في وسائل ونمط الإخراج وفضاء الحرية المتاح، وهذا ما حصل في ( (القاهرة) وأُعدّ عرض (القاهرة) هو الأفضل، إذ تحررت الممثلة الدكتورة (ثورة يوسف يعقوب)، الأستاذة في كلية الفنون بجامعة البصرة، من مشروطيات المنع و (التابو) الاجتماعي لإشكالية المرأة الايروسية، كما تم دمج الكورس الثلاثي بشخصية واحدة، إضافة لسعة فضاء المسرح وتقنياته الضوئية المتقدمة جداً على مثيلاتها في البصرة وبغداد، وبراعة الممثلة المصرية التي تم الاستعانة بها في (القاهرة) لتمثيل دور (دمية المانيكان) رغم قصر فترة تدربها مع الفرقة والتي لم تتجاوز ثلاثة أيام". صدر لـ (بنيان صالح) عام 2010- دمشق دار الينابيع، وضمن منشورات اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة، كتاب ضم (أربع) مسرحيات من تأليفه هي: (دراما تورج، بندورا، موندراما مانيكان، حذاء الراقصة). من السمات المميزة لنصوصه المسرحية تماسها وتشابكها مع الواقع العراقي، وتعكس رؤيته الدرامية المكثفة للصراعات الاجتماعية في الواقع العراقي من خلال الشخصيات المسرحية المتميزة بحدة وعيها وفعلها بالترافق مع توجهاتها الإنسانية المفعمة بالأمل في تجاوز محنها المحددة زمنياً ومكانياً، وأساليبه وخطاباته الدرامية في كتابتها تتطور، تبعاً لكل مرحلة زمنية، وما تفرزه الظروف من صراعات ومهيمنات اجتماعية وتطورات فنية عالمية - محلية، فهو في نصوصه المسرحية دائم التجديد، ففي مسرحية (آل يانكي) يعتمد التجريبية وآفاقها الفنية، بينما في مسرحية (سيرة آس) يذهب إلى المنحى والمنهج التغريبي (البريختي)، كما يتخذ من الرمز أسلوباً في البناء المسرحي وخاصة من ناحية الحبكة والشخوص المسرحية، وفي مسرحية (النوارس لم تهاجر) التي تعالج نتائج وانعكاسات الحرب العراقية- الإيرانية على المجتمع والشخصية العراقية، يعتمد الأسلوب الشعبي الواقعي- فنياً- في رسم الشخصيات والأجواء المسرحية العامة، وقد سعى لدمج كل تلك التنويعات المنهجية والفضاءات المسرحية التي عمل عليها سابقاً في مسرحيته المهمة المعنونة (النبوءة والدينونة)، واعتمد التوجه (الرؤيوي) في مسرحيات (العمة الزرقاء والبندورا والمانيكان). تناول العديد من نقاد المسرح في العراق مسرحيات (بنيان صالح ) بالدراسة والتحليل ومنهم والناقدة (نازك الاعرجي) والمسرحي (عزيز الساعدي)، الذي خصه بكتاب أصدره اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في البصرة عام 2010، وبعنوان (الحلم في المسرح- دراسة في مسرحيات بنيان صالح) دار الينابيع - دمشق، وحميد مجيد مال الله وجبار صبري العطية وجاسم العايف وغيرهم. الدكتور) عباس الجميلي)، الأستاذ في قسم المسرح- كلية الفنون الجميلة- جامعة البصرة- يرى في كتابه المعنون" بنيان صالح.. والوثائقية الفكرية" تقديم د. سلمان كاصد - ومن المؤمل صدوره هذا العام في دمشق- وأطلعنا على مخطوطته- وقد تناول فيها بالتحليل والدراسة السيرة المسرحية لـ (بنيان صالح) ككاتب ومخرج مسرحي، وعَدَ (د.الجميلي)أن:" بنيان صالح وسيرته الفنية والثقافية جزءاً مهماً من المنجز المسرحي العراقي، وانه خط لنفسه تجربة واعية في مسار الحركة المسرحية العراقية، لكنه لم يأخذ نصيبه من الانتشار المطلوب لمبدع مثله". ويعيد د.الجميلي ذلك إلى:" كون الواقع العراقي الثقافي والفني، ارتبط بشكل قوي بوضع البلد السياسي وتقلباته الصاخبة وهي صفة عامة تنطبق على اغلب الفنانين من ذوي المواقف الفكرية، إذ باتت النخب الثقافية صريعة السلطة ومشاريعها" ويذهب د. الجميلي في كتابه:" إلى أن النص المسرحي لدى (بنيان) يمثل مشروعاً ثقافياً وليس ظلالاً فكرية تقرأ الواقع التاريخي وتستسلم إليه، بل عملية اندماج يجمع بين التاريخ والفن، بمعنى أنها عملية اندماج في الوصول لشكل مسرحي متطور فنياً، يجمع التاريخ والفن، وان الهم السياسي- الاجتماعي وسلطة الفكر تجده متبلور لدى ( بنيان) بصيغة مقنعة، وبنسب عالية التقدير من خلال رؤى فنية تكمن خلفها عين حادة واسعة ودقيقة تراقب أحداث الواقع وتحولاته بشكل دقيق ويومي وهذا من السمات التي ميزت ( الفكر الدرامي) أو البناء الدرامي لنصوصه المسرحية التي كتبها أو تلك التي أخرجها".عام 1974قدمت "فرقة المسرح الشعبي" في بغداد، ، مسرحيته (سيرة أس) أخرجها الفنان (أديب القليجي)، وقد سجلت تلفزيونياً، لكنها منعت من العرض، كما أجرى المخرج المسرحي الرائد الراحل (إبراهيم جلال) تدريبات متواصلة عليها لتقديمها في بغداد ضمن فعاليات (يوم المسرح العالمي)، ذات العام، ولم تحصل الموافقة على عرضها كذلك. في الإعمال المسرحية التي أخرجها (صالح) وفي مداخلاته وكتاباته عن المسرح اهتم كثيراً بتطوير قدرات الممثل المحلي، ولم يتجاهل درس (ستانسلافسكي) في أن : فن التمثيل مرحلة شبيهة بمرحلة تكوين الجنين التي يبدأ بها الخلق البشري، كما أن فترة الحمل في التمثيل بالدور مساوية على الأقل للفترة اللازمة لنضوج الجنين البشري، بل ربما فاقتها طولاً في كثير من الأحيان، وعلى الممثل أن يلجأ بفعاليةٍ إلى أدواته الروحية والجسمانية الخلاقة، وأن يستثير العقل والإرادة بجزئيات دوره المسرحي الحية، مقتنعاً، بأن ما يحدث على خشبة المسرح شيء (ممكن).

تَعَرَضتُ على الهواءِ للسَبِ والقَذفِ والتَكفيرِ وإهدَارِ الدم لَمُجَرَد إِبدَاء رَأيِى

mustafa rashidخلال زيارتى القصيرة لمصر فى ديسمبر المنقضى لحضور مؤتمر الأزهر (ضد الإرهاب) إستضافنى المحاور الأستاذ \ محمد الغيطى فى برنامجه صح النوم على فضائية قناة التحرير المصرية يوم 5\12\2014، وكنت متوقع منه الحديث عن الجالية المصرية فى إستراليا ونيوزيلاندا بصفتى منسق لرابطة الجالية المسجلة رسمياً، وعن الموقف السياسى الراهن للوطن والأنتخابات البرلمانية لمجلس النواب القادم وعملى كسفير للسلام العالمى، وأشياء من هذا القبيل، لكن ذكاء المحاور ومقدم الحلقة لتقديم حلقة ساخنة، جعلته يركز على ماسبق وطرحناه من رأى وفتوى فى كتبنا وعلى موقعنا على الإنترنت، مثل عدم وجود كتاب إسمه صحيح البخارى لعدم وجود مخطوطة بهذا الأسم أو نَسخ لها، وأن مايوجد فى المكتبة الإسلامية هى مجرد كتب كتبت عن كتاب صحيح البخارى الغير موجود أصلاً، ايضا عن فتوانا المسجلة بكتاب منذ عشر سنوات بعدم وجود حجاب فى الإسلام بالأدلة القاطعة التى لم يستطع أحد أن ينقضها، ايضا عن رأينا بعدم وجود عذاب فى القبر، ايضاً فتوانا بعدم وجود حد للردة أولشارب الخمر أو رجم الزانية فى الإسلام، وايضاً فتوانا بأن الخمر كمادة غير محرمة فى الإسلام بل مكروهة وإنما التحريم يقع على السكر ولا توجد آية تحرم الخمر ودللنا على ذلك بالأدلة القاطعة المانعة، كما طالبنا بتصحيح وتنقية التراث الإسلامى من الأكاذيب الواضحة الساطعة التى يتعلمها المسلم على أنها مسلمات ومن أصول الإسلام،مما جعلنا أمة العنف والإرهاب، ومن يقل بغير ذلك هو يكذب على نفسه وعلى الناس وعلى الله، وقلنا أننا على إستعداد للعمل تطوعاً مع لجنة من الأزهر الذى أتشرف بالإنتماء له، لإنجاز هذا العمل لإنقاذ مستقبل المسلمين من الدجل والتخلف والكذب، الذى جعلَ الأمة الإسلامية فى ذيل قائمة العالم علمياً وحضارياً وإنسانياً ورقياً، إلا أننى فوجئت بدواعش مصر تثور علينا وتتهمنا بالكفر وتهدر دمنا،ومنهم المدعو خالد الجندى الذى يمتلك للأسف قناة فضائية سماها أزهرى، يخرج على قناة الحياة المصرية وقناة النهار المصرية وغيرهم من القنوات ليكفرنى ويدعو ويحرض على الإنتقام منى،ويرمينى بالسب والقذف ويكذب على لسانى على الهواء، ولا يناقش ويرد على ماقلناة بالأدلة من مواضيع كثيرة ويتلاعب فقط بموضوع الخمر ويوهم الناس بأنى أُحلل شرب الخمر، دون أن يذكر تحريمنا للسكر ويكذب أكثر من مرة، ويقول أننى لم أقرأ آية واحدة صحيحة ويحلف بالله كذباً، وعنما تحدثت أنا فى حلقة أخرى مع الغيطى وطلبت أن يذكر لى الآية التى لم أقرئها صحيحة، قال الجندى أنا أقصد عدم قرائته للآيات كاملة، كما قال عنى نصاب ومخادع ثم عاد يقول بعد أن حررت محضر ضدة برقم 4237 لسنة 2014 عوارض محامى عام الأسكندرية، وتسَاءَلت على الهواء كيف يقول الجندى بذلك وأنا لم يشكونى أحد مجرد شكوى طيلة حياتى 55 عاماً، فتراجع فوراً وتلاعب كعادته على الهواء، وقال أنا أقصد أنه نصاب ومخادع فى العلم، وعندما طلبت مناظرته رفض ذلك وأعلنه على قناة الحياة يوم 6\12\2014 فى برنامج الدين والحياة مع مذيعة لا تقل عنه جهلاً، إلا أننى فوجئت به فى الحلقة الثانية لى مع الأستاذ الغيطى يوم 12\12\2014 يدخل يناظرنى من خلف الميكرفون عبر إتصاله بالبرنامج ليقرأ لنا من ورقة أعدها ويستغل عدم سماعى جيداً له،-- لكننا أثبتنا جهله على الهواء عندما عجز عن الرد على سؤالنا: - وهو مَن أول مَن أمر بصيام رمضان وفى أى عام وهى معلومة بسيطة، وايضا عدم إجابته على سؤالنا أين توجد مخطوطة صحيح البخارى أو نسختها، كى ندعى بوجود كتاب إسمه صحيح البخارى ونقدسه، ولم يستطع الإجابة، مما يثبت أن خالد الجندى يجهل أكثر مما يعلم ويحتاج أن يُكمل تعليمه ويُهذب أخلاقه ويتعلم أدب الحوار العلمى وأن يتوقف عن المتاجرة بالدين هو وأمثاله، وهو مايجعلنا نتساءل بعد مرور 25 يوماً --- أين الدولة الجديدة الوليدة من هذا التخلف والسب والقذف والكذب العلنى على الهواء،أين الرئيس السيسى والرئيس محلب الذين سيرنا المظاهرات بالخارج لتأيدهم، ولماذ لم يُحال للتحقيق حتى الأن رغم تقديمنا للأدلة ضده مدعمة بسيديهات عليها الفيديوهات التى تحمل قمامة ألفاظه وأسلوبه السوقى --، فهل القانون بمصر لا يقترب من الأغنياء والمشاهير وسريع فقط مع الفقراء والبسطاء؟؟؟

هذا وعلى الله قصدُ السبيل وإبتغاءِ رِضَاه

 

طنجة

ibrahim alkayatفي الطوفان، يروى أن سفينة "نوح" ضلت اتجاهها نحو اليابسة، ولكن عندما حطت حمامة على السفينة وفي رجليها وحل ـ ساعتها ـ صاح آباؤنا الراكبون، وصيحاتهم هي عبارة عن كلمتين يُفهم منهما: "طين" و"جاء".. فكانت "طنجة" التي منها ابتدأ "ابن بطوطة" رحلته الشهيرة..

هي مدينة عادية في النهار ولكنها تصحو وتشتعل في الليل، ويحج اليها المغاربة حتى نعتوها "عروس الشمال"، فيها كورنيش هائل، وساحات باذخة، وأسوار عالية، وأسواق نادرة، منها "السوق الداخلي" الذي خصّه "محمد شكري" صاحب "الخبز الحافي" بنص روائي.

ورغم أن الفقر مبذول في شوارعها بهيأة متسولين لكنها تعدّ مدينة أوربية، ولا تغالي اذا ما قلتَ أنها أجمل من نصف العواصم العربية وزيادة، وسحرها ليس في طلتها على قارتين وعلى بحر ومحيط، أو في اختيارها ميدانا لمغامرات المستر (007)، بل لأن فيها مغارة "هرقل" وهي كهف يعود لـ 3000 ق.م، وفيها مسرح "سرفانتس" الذي يعدّ تحفة معمارية اسبانية، وقد بني عام 1913 ويسع لألفي متفرج تقريبا، وفيها مقهى "الحافة"، وهذا المقهى أفتتح عام 1921 وبقي بسيطا في شكله. من رواده "محمد شكري" ذاته وكان من مجالسيه "جان جينيه" و"تينسي وليامز"، فيما كان يتردد على المقهى الممثل "شين كونري" والرسام "ماتيس" والكاتب "خوان كويتسولو"، ويقال أن "تشرشل" قد زار المقهى وألقى نظرة امبريالية على مضيق "جبل طارق".

ونرى أن معالم المدينة ترتبط باسم "محمد شكري" القاص والروائي الآتي من قريته "بني شكير" التي ينتسب اليها اسما، فهو "محمد شكيري" وذاع صيته بـ "محمد شكري" فاستأنس للتصحيف، ولكن الغريب أن لاتشاهد في طول "طنجة" وعرضها ما يدل عليه سوى (ميني مطعم) يحمل اسم عمله العالمي "الخبز الحافي"، وربما كان الخبز هو المحفز للمطعمجي، ولو أن الاغرب والاعجب هو خلو ساحات "المغرب" بأجمعها من أي تمثال أو نصب لرمز أو مأثرة أو حتى زعيم.

لقد سحرتني هذه الأخاذة التي طفت فيها بقية نهار ومستهل ليل، ولم اتخذها مستقرا لرحلتي المغربية اذ قتلت اسبوعين في "الرباط"، ورغم اني انتشيت بلقاء الشاعر الأثير "جواد وادي"، ولكن نصف يوم في "طنجة" كان أوقع على العين والقلب والقلم.

هنا، كان "بهلول" يتلصص على ما أكتب، فبادرني:

ـ اذا انته صدك رايح للمغرب، شنو اسم سوقهم اللي يشبه "شارع النهر" عدنه أيام زمان؟

فأجبته، أن اسمه "السويقة" ويقع عند سور "باب الاحد" في "الرباط". فلم يرق له جوابي ليبادرني ثانية:

ـ زين، شنهيه الاكلة الوطنية مالتهم؟

فأدرت وجهي عنه، مبهوتا لا عُرف لديّ ولا نـُكر، اذ اني تناولت هذه الاكلة الشهيرة التي تغطي كل موائد أيام الجمع هناك، ولكن كيف أخبر بهلولا بإسمها؟

الصالونات الأدبية من مي زيادة إلى زهرة زيراوي ولطيفة حليم .. أحتفاء ً بالجمال والثقافة المغربية

forate asbarما بين ماضٍ وحاضر نرى تقلبات الأحوال وألازمان، مابين جيل وجيل تظهر لنا المرأة بصورٍ متعددة الاشكال والألوان من العطاء والبهاء.

رغم كل الأراء ووجهات النظر التي تتضارب حول تاريخ المرأة عبر وجودها إلانساني والمعرفي من مدح وهجاء وذم وتحقير وتقديح، واشهار أو تغيباً لها، تبقى المرأة مشرقة في هذا الوجود،مهما اصابها من كره ٍطائش ٍ، ستبقى هي الوجه الاكثر إشراقا، انسانيا وعمليا ومعرفيا في كل جوانب الحياة ..

شغفتُ بمي زيادة، كانت تسحرني بهذا الحب العاصف الذي جمعها بجبران خليل جبران وكان كتاب الرسائل من أجمل الكتب التي كنت احتفظ بها وأحبها وأحفظها غيباً . فيها ما يجمع من سحر اللغة ورهافتها إلى حب ٍ ساحر ومسحور عبر المحيطات بين جبران ومي تتلاقى فيه الانسانية والحب باجمل ضوء عرفته البشرية .

كنت دائما اسمع عن الصالونات الادبية واقرأ عنها وخاصة صالون مي زيادة الثقافي الذي ارتادة كبار الشعراء والنقاد في عصرها .

وبالنسبة لي كان الحضور الادبي والصالون الحقيقي الذي حملته مخزونا في داخلي وذاكرتي وما زال يرفدني بكل طاقاتي هو بيت أهلي " الذي كان عابقا بالكتب والضيوف . كان الحديث يدور لساعات وساعات من الفلسفة إلى الشعر إلى السياسة إلى الكثير من الجمال وكان أكثر ما يحزن والدي ويؤكد عليه أن على من يستعير الكتاب عليه أن يعيده .

في سورية لم أتمكن أن أ رتاد أي صالون أدبي، كنت اسمع بكولييت خوري وحنان نجمة وغيرهن ولكن لم يكن عندي ادنى فكرة عن هذه الصالونات حتى أنها كانت مخصصة لشخصيات وصداقات محدودة .

هذا التطور في تاريخ المرأة والذي جعل منها رائدة تنافس الرجال في مواقعهم وما تركه قاسم أمين ومحمد عبده من أثر في تاريخ المرأة والدعوة إلى تحررها من مصر إلى سورية كان له دوراً هاما في صقل جوانب كبيرة من حياة المراة بشكل عام .

أن الحديث عن مجالس أدبية لم نحضرها،وتوثق بعين زائرٍ او معجب ٍاو باحث ٍ يختلف هذا من شخص إلى شخص و من صالون إلى صالو ن ومن زمن إلى زمن .

 

الصالون حسب التعريف الأدبي:

هو مكان يستضيف فيه شخصٌ بارزٌ أو مهتم مجموعة من الناس إما للمتعة أو لصقل الذوق العام وتبادل المعارف والسجالات والمماحكات والحوارات، على منوال الحكمة الشهيرة التي أطلقها هوراس حين عرّف الشعر قائلاً "إما للمتعة أو للتأدب"، وغالباً ما ترتبط الصالونات بالحركات الأدبية والفلسفية والفكرية الفرنسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر على الرغم من أنّ منشأها الأصلي يعود لولادة حركة النهضة في إيطاليا في القرن السادس عشر، ويرى بعض الباحثين أن أول هذه المنتديات بدأت في الأندلس حتى امتد تاثيرها على العالم العربي والاسلامي وهكذا بدأت تأخذ شهرتها اليوم.

من هنا سوف اوثق ما شاهدته برحلتي الطويلة إلى بلاد المغرب فلقد قطعت المحيط الهادي إلى الاطلسي برحلة استغرقت ثلاثين ساعة من أجل كلمة تسمى الشعر، فهل يستحق الشعر هذا العناء من السفر الطويل؟

إليس الشعرُ ترميما للاراوح المتكسرة؟

نعم أني اشهد على قيامة روحي بسفر زاده الشعر والاصدقاء .!

كان وصولي الاول إلى الدار البيضاء ، هذه الدار التي تفوح بعطر محبيها , سيدة فنانة راقية اصرت على استقبالي في بيتها العامر بالفن والحياة

وهي الفنانة التشكيلة والشاعرة صاحبة الصالون الادبي الراقي الذي دأبت عليه منذ أكثر من عشرين سنه

ولابد من تقديم تعريف يليق بها الفنانة المبدعة زهرة زيراوي

تخرجت من دار المعلمين

عينت أستاذة بمركز تكوين المعلمين بالبيضاء

اتجهت إلى الصحافة. وضمن هيئة الكتاب المساهمين بمجلة الزمان الجديد اللندنية

عضو اتحاد كتاب المغرب

رئيسة ملتقى الفن بالدار البيضاء

تكتب الشعر والقصة والمقالة الأدبية وتمارس التشكيل والنقد الفني

جعلت بيتها صالونا أدبيا منذ عام 1990 ينظم لقاءات مفتوحة وقراءات شعرية للشباب تهدف لخصوصية ثقافية و تفجير الطاقات المحلية

تحضر ندوات النادي جنسيات عربية وأوربية واستضاف النادي أسماء من العالم العربي لها دورها التفعيلي.

صــدر لهــــا

الذي كان! مجموعة قصصية عن مطبعة النجاح الدار البيضاء 1994

نصف يوم يكفي مجموعة قصصية عن دار النشر المعرفة 2000

مجرد حكاية مجموعة قصصية 2002

ليس إلا! قصائد شعرية عن دار مريت – القاهرة

حنيــــــــــــن مجموعة قصصية دار النجاح الجديدة /2004 الدار البيضاء

التشكيل في الوطن العربي / مقامات أولى / وهو عبارة عن سلسلة من لقاءات مع فنانين من مختلف أنحاء الوطن العربي : مصر سورية العراق الجزائر تونس المغرب

الفردوس البعيد / صدر الفصل الأول منها بمجلة المدى السورية

نساء على خط منكسر / مجموعة قصص قصيرة جدا

الأرض برتقالة زرقاء / ما الكتابة، وأية خصوصية للإبداع.

التشكيل في الوطن العربي / مقامات ثانية

شاركت في العديد من المعارض الجماعية بمجموعة من أعمالها التشكيلية في جهات عدة من العالم

فيينا / إيطاليا / بروكسيل، و بكثير من القاعات الفنية بالمدن المغربية . ..

وكان لي اللقاء الاول مع شاعرة وفنانة مغريبة كبيرة بحجم زهرة زيراوي لقد حفل الصالون بشخصيات ثقافية كبيرة من المغرب وأدار اللقاء الشاعر المغربي ايوب المليجي , وعبرت زهرة زيراوي عن سرورها الكبير في هذا اللقاء الذي يجمع بين الشرق والغرب ويقرب المسافات بين الكتاب والشعراء ومقاومة ما يعاني منه المثقف المغربي الجاد وهذا ما أكدته أيضا ًالصحفية ليلى بارع التي كانت حاضرها بذكائها الصحفي البراق التي تجبرك على البكاء بأسئلتها التي تذكرنا بعمق الوطن وجراحاته .

حضرتُ اللقاء في الصالون الأدبي والذي كان لي شرف الحضور بالتعرف على شاعرات وكتابات وباحثات مغربيات ومنهن الاستاذة الكبيرة فاطمة الحبابي والقاصة ربيعة ريحان، سعاد مسكين صاحبة كتاب خزانة شهرزاد و الانواع السردية في الف ليلة وليلة والشاعرة عزيزة يحضية عمر والشاعرة الكندية فيروز فوزي ورشيدة فقري والكثير من الاسماء الراقية من الفنانين والعازفين للغناء الاندلسي الراقي ودار هناك الكثير من السجالات والنقاشات حول الأبداع الأدبي ودور الصالونات الأدبية في الترويج للأدب الجاد وتعميق ُ لصلة الوصل بين الجهات الثقافية على مختلف مشاربها .

حضرت اسماء شعرية متميزة من المغرب كان لا بد من الغناء الاندلسي المتميز بعزف وغناء اصيل تجلى في المجموعة الموسيقية الراقية التي كان لنا شرف حضورها وسماعها ..

تؤكد الشاعرة والفنانة زهرة زيراوي عبر صالونها الأدبي الرفيع على تمازج الثقافات بين الشعوب وتسعى لردم الهوات التي يصنعها كبار الأسماء المتوهمة والتي تعبتر نفسها هي صاحبة الريادة والاهلية .

لقد استضافت على مدى تاريخ تأسيس صالونها الأدبي شعراء من سورية والعراق وغيرها من جميع الدول،إلى مشروعها الرائد في بلجيكا والتي تستضيف فيه شعراء من مختلف أنحاء العالم أحتفاء بالفن والادب واذ بدوري أشعر بهذا التواصل الروحي والثقافي مما تقدمه زهرة زيراوي للشعر والشعراء كان لا بد من تحيتها تحية تليق بهذه الفنانة المغربية الرائعة التي تساهم في ربط جسور الثقافات في العالم العربي .

في صالون زهرة زيراوي الأدبي ، الجمال لا ينتهي، تغرفُ العذوبة ولا ترتوي من العزف الأندلسي إلى دمعتي التي سقطت عبر اسئلة الصحفية والشاعرة "ليلى بارع "عن سورية التي مزقتها الذئاب، ليلى تضع يدها على كتفي تسدني من ألم كبير ولكنها تفهم هذه الغصة حين يكون الموت وطنا ً..

التقيت بصديقات لاول مرة ولكنني كنت اشعر بانني اعرفهن لعمر طويل ولزمن اطول، ليلى بارع، سلمي العلالي الفنانة التشكيلية الرائعة،الدكتورة فاطمة الحبابي والناقدة سعاد مسكين ورشيدة فقري الشاعرة الجميلة والكثير من الاسماء التي اعتذر عن نسيانها وكأنني اصبحت عجوزا تنسى اسماء محبيها . ايوب المليجي الذي رافقته في القطار ولآول مرة في الدار البيضاء كانت رحلة جميلة لصديق قديم " لا يطيع الشمس.!

ومن الدار البيضاء إلى الرباط، حملنا القطار باحلامنا لنلتقي في صالون الدكتورة لطيفة حليم والتي تجمعني بها صداقة طويلة عبر مشروعها التدريسي في جامعة محمد الخامس في الرباط وقد كان من المفترض إقامة أمسية شعرية في الجامعة ولكن للأسف صادف يوم زيارتي أن الجامعة في عطلة، اذ عملت لطيفة حليم على تدريس ديواني "زهرة الجبال العارية" إلى طلابها في الجامعة وكانت قصائد الديوان بحثا لتخرج الطلبة تحت بحث بعنوان" شاعرات المهجر وما بعد جبران "

الدكتورة المغربية لطيفة حليم، حاصلة على الدكتوراة في الأدب العربي عام 2003 في موضوع (شاعرات ما بعد جبران)، وهي أستاذة في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس، الرباط . قدّمت محاضرات في كندا والولايات المتحدة حول الأدب العربي النسائي، ولها قيد النشر (الشعر العربي النسائي في أمريكا) وروايتان دنيا جات ونهاران وتقوم بعملها التدريسي في جامعة محمد الخامس في الرباط

في تجربة متميزة وخلاقة تعمل الدكتورة لطيفة حليم على كسر ِ حدود الجفرافيا عبر التواصل الكوني شعريا

تعمل لطيفة حليم عبر مشروعها التدريسي في جامعة محمد الخامس في الرباط وهي إستاذة الأدب الحديث إلى خلق تواصل تعليمي ومعرفي عبرمشروعها التدريسي لطلابها في الجامعة لتعريفهم بالأدب العربي في المهجر والذي أطلقت عليه مصطلح" شاعرات ما بعد جبران "وذلك عبر تواصل كونيّ بقراءات شعرية من قبل طلابها، لشاعرات عربيات مقميات في أماكن متفرقة من العالم في كندا ونيوزلندة وأمريكا وغيرها من الدول

وهي بالاضافة إلى عملها التدريسي، قاصة وروائية

لم أكن اتوقع يوما ًما أن ألتقيها بسبب البعد والجغرافيا وإلى ما هنالك من مشاغل الحياة ولكن على ما يبدو أن الشعر يفتح الأبواب المغلقة، وتشاء الصدف ان التقي صديقتي الرائعة التي أضاءت جوانب مشعة من تجربتي الشعرية لطلابها في الجامعة حيث كانت مجموعتي الشعرية الثالثة " زهرة الجبال العارية " مشروع بحث شعري لطلابها في جامعة محمد الخامس بالرباط "كما ذكرت أعلاه " .

السفر تجربة ومتعة . شاءت الظروف أن أسافر إلى المغرب بدعوة إلى مهرجان اسفي الدولي للشعر كان ذلك اشراقة كبيرة من التفاؤل كي التقي صديقاتي المغربيات اللواتي جمعني بهن الجمال والحب والشعر.

التقيت لطيفة حليم استاذة الادب العربي في جامعة محمد الخامس في الرباط كان بيني وبينها لقاء وكلام .صداقتنا امتد ت لعشر سنوات ما بين مونتريال ونيوزلندة تتقاطع محاداثتنا عبر التلفون او عبر طلابها الذي حفظوا الشعر وتغنوا به، علمتهم أهمية الكلمة والشعر وكيف يسافر الشاعر في عيون محبيه وكيف يكون ا لشاعر أخرسا بدون محبيه.!.

كان لقائي بطلابها فتحا ًجديدا ً لحياتي وقصيدتي التي اتكأتُ عليها من تعب ٍ ومن حنين، حاربت بها اشد اعدائي قوة وهو" يأسي " فغلبته وشفيت

التقيتٌ لطيفة حليم التي جاءت على جناح غيمة ٍ شعريةٍ من الرباط إلى الدار البيضاء لنلتقي في صالون زهرة زيرواي التي تحتاج إلى نهر من الكلمات لنكتب عنها ومما حملناه في ذاكرتنا من كرمها المغربي وعلمها وفنها الراقي

نعبر،أنا وأجمل قصائدي "ابنتي رهام "إلى الرباط نعرج على حسان ونقرأ شعرا ً ونغني.!! .!

في صالون لطيفة حليم الأدبي فاح عطر الحب و الجمال عطر البرتقال المغربي والشعر والغناء والنقاشات الشعرية والأدبية من باحثات وأديبات مغربيا ت يشرقن كالنجوم في العالم العربي وحتى الفرنسي.

لطيفة حليم، زوجها حسن العلوي باحث ٌومفكر يكتب باللغة الفرنسية كم تمنيت ان أجيد اللغة الفرنسية لآقرأ الكتاب الذي قدمه لي هدية اعتز بها من كاتب مغربي كبير.

في صالون لطيفة حليم الأدبي اجتمعت الباحثات والكاتبات من جامعة محمد الخامس وكانت جلسة للشعر والجمال بحضور ربيعة ريحان واكرام عبدي تعانقنا وضحكنا وقلنا هذا حلم لم يكن ليتحقق لولا لطيفة حليم وايضا حضرت اسماء كبيرة من الباحثات المغربيات :

 

ثريا الليهي،مينة المغاري، رجاء النازي،غزلان العلوي،رشيدة أفيلال

ثريا خلدون،امينة اليملاحي مليكة نجيب وغيرهن الكثير من الاسماء الادبية والفكرية في المغرب .!وهن من النساء المغربيات المبدعات على الصعيدين الادبي والعلمي

دارت نقاشات ومحاورات حول الادب والشعر والسياسة .

المرأة تصنع الجمال أين ما تحل مثل عطر يفوح في أرجاء المعمورة

قرأنا شعرا أنا وأكرام عبدي وتحاورنا وكانت الباحثات في جدل ونقاش حول مفهوم الشعر وكيف ُينظر إلى المرأة الشاعرة في عالم يهمين عليه الرجل .

أكدت القاصة ربيعة ريحان أن تواصل الصالونات الادبية هو رغبة في خلق عالم معرفي ما بين المغرب وباقي الدول الاخرى ليحقق التواصل على الصعيدين المعرفي والثقافي وأكدت على ان صالون زهرة زيراوي ولطيفة حليم هو النموذج .

لم ينتهي الموضع عند قراءة الشعر وكان لا بد من الرحلات الجميلة داخل الرباط العظيمة لنكتشف سحر هذه المدينة التي تجمع التاريخ والخضارة في احضانها فمن زيارة البحر في هرهورة إلى ا لقصبة وحسان وسالا إلى ماهناك مما كتب التاريخ على جبين هذه البلاد العامرة بالجمال والحب .

في الأطلسي رأيتُ المتوسط والأمواج َالعاتية التي تعلو شبابيك بيتنا في ليالي الشتاء،كانت متعة الحياة أن أنام على صوت الموج والرياح وكنت أدفن الشعر في ذاكرتي حتى تحول إلى حديقة من الكتب أراها اليوم جسرا أعبر من خلاله إلى اصدقائي.!

أنجبت ُ من الزهر والعطر والكلمات ما يكفي لصنع شاطئ من الاصدقاء ها انا اليوم التقيهم جميعا

. يا الهي مدنهمٌ تشبه مدينتي وكرمهمٌ يشبه أهلى وقلوبهم ٌهي كلماتي

عبد الحق ميفراني صاحب الصورت الرخيم يقول

"جاءت شاعرة من اقصى الأرض" فتفرط دمعة من عنقود الدمع، كأني ارى اهلي يرحبون بي بعد غياب طويل..

.! قرأت لهم أشواقي وقصائدي وحزني العابر للقارات

بكيتُ بلادي التي قتلتها داعش، قتلها كل من أحبها بطريقته سواء قتلا ً او خنقا او بالسم.

وقبل أن أعبر إلى أسفي إلى" مصب النهر " عبرتُ إلى مدن أ خرى كان للتاريخ فيها حكاية، حكاية شعر وصداقة سارويها في سفر آخر، سفرا في الجمال المغربي من مصب النهر آسفي حيث السماء تقبل الأرض، حيث الاصدقاء الذين يشعون كالنور "دامي عمر وبلحها الحلو المر وخاتم الفضة الذي يلمع كحجر مغربي يعكس حب الارض وتاريخها الذي خطته.

سافرة والسجناء

ibrahim alkayatفي العراق أديبات مبدعات كثيرات، منهن سافرة جميل حافظ التي ولدت أوائل ثلاثينات القرن الراحل، وتخرجت في قسم اللغة العربية ـ كلية الاداب عام 1956 وكان معها من الطلبة مظفر النواب، غائب طعمة فرمان، مدني صالح وسليم البصري، وكان تخرجها بعد ست سنوات من الدراسة لأنها حكمت بالسجن وفصلوها لاشتراكها في انتفاضة 52 المجيدة، ولم تتعين لأن ليس لديها شهادة (حسن سلوك) اذ سلوكها معارض للنظام، ومن خلال مشاركتها في الانتفاضة ومن خلال سجنها تعرفت على الحزب الشيوعي فانتمت اليه والى الرابطة الزاهرة.

ولأنها لم تتعين فقد امتهنت الصحافة في جريدتي "الاخبار" والبلاد"، وفي "الاخبار" نشرت عام 1957 أول قصة لها وإسمها (دمى وأطفال)، وما ان أشرقت شمس 14 تموز 1958 الغامرة حتى صارت سكرتيرة عامة لرابطة المرأة التي كانت رئيستها ـ آنذاك ـ د. نزيهة الدليمي.

وفي شباط 1963، عندما غطت سماءنا غيوم سود قاتمة حابسة، اعتقل الغرباء في سادس يوم من أيام المحنة، القاصة سافرة مع زوجها البطل الشعبي "محمد حسين أبو العيس"، ليكون مقامها تعذيبا في سطح قصر النهاية فيما اودع زوجها في سراديب القصر ذاته، وبين فينة وأخرى كان السادة الجلادون يأتون بالزوج "أبو العيس" ويعذبونه أمام زوجته "سافرة" عسى أن ينهار أحدهما، وعندما يستشهد ابن المعتقلة الحامل "أم فاضل" يجيئون بسافرة ويربطونها مع الميت، ترى من يستطيع النظر الى الميت، أي ميت، ناهيك عن ربطه معه؟

ومن قصر النهاية تؤخذ سافرة الى ملعب الكرخ الذي صار معتقلا بفضل الحرس القومي الشهم، ومن هناك تسمع مع رفيقاتها بحركة البطل الاسطوري "حسن سريع"، ثم ينقلونها الى الملعب الاولمبي، ياه، أهذه كلها ملاعب أم مدافن؟ ويتدخل الزعيم السوفيتي "خروتشوف" فيخفف حكم الاعدام عن "سافرة" الى السجن ليودعوها سجن النساء، وكان لوالدتها الحاجة "عائشة عبد الفتاح" دور تحملته اذ وقفت عاما ولم تجلس الا وابنتها معها في البيت باقامة اجبارية ضافية.

سافرة جميل حافظ، الان في قيادة اتحاد أدباء العراق، ولم أتعجب أن أحد زملائنا لم يختر لها قصة في كتابه (مختارات من القصة العراقية الحديثة)، مع اختياره نصين لنفسه ولشقيقه. لم أتعجب، ولكني تعجبت واستغربت من مؤسسة السجناء السياسيين التي تنتظر دليلا من هذه السافرة بالسيرة المجيدة والتاريخ المشرف والاسم اللطيف حتى تثبت أنها من ضحايا 1963، على الرغم من أن الجواهري دوّن اعتقالها، فهل لواحد أو لواحدة من السجناء كلهمو شهادة كالتي لها، اذ قال عنها في خريدته "سلاماً .. إلى أطياف الشهداء الخالدين"، التي مطلعها:

سلاماً وفي يقظتي والمنام ... وفي كل ساع ٍ وفي كل عام ِ

حتى يقول، وهو شاعر العرب الاكبر:

و"سافرة" ستربِّ النسورا   ... توفي أبا "العيس" فيهم نذورا

كل عام و دموعنا بألف خير

hashem mosawiتزحلق الزمن .. ومرّ علينا عامٌ، ليس ككل الأعوام، كان كالذبحة الصدرية التي قطعت أنفاسنا .. وسيأتي القادم المجهول، ملفعا بعتمة الإبهام، وبآمال باهتة، قابعة في دهاليز المستقبل المظلم .. وبعد أن خسرنا ما خسرنا طوال أحد عشر عام، فهل نختلس الفرح، لنتبادل كلمات التهاني بعد أن مرّ علينا عقد من الزمن لا يستحق منا سوى الإشمئزاز؟. لكن حلفاؤنا (دعاة الديمقرطية الجديدة في العالم) بشرونا بأن لا خوف علينا ولا هم يحزنون، وبأن السموم التي زرقوها في أوردة وطننا المُحنّط، ستزول بمشيئة البيت الأبيض، بعد ثلاث سنوات . وبعد أن يكون الوشم الذي إسمه العراق قد أزيل من خارطة العالم .. آنذاك سوف لا نشعر بأي ألم، لأننا أساسا سوف لا نكون موجودون، فطوبى للُمبشرِين والمُبشًرَين .

أما أنا فإعذروني أيها الأحبة، أريد أن أفتح صدري و أريكم ما تكدس به من ألم، وأرجو ألاّ تحرموني من البوح .. فأنا بهذا العمر لم أجد نفسي قادرا على الخوف، ولا الإسراف في التأويل .. ولم أعد قلقا على شئ، فقد تعودت على الخسارة، وليس لدي ما سأخسره لاحقا . نعم أنا الذي كنت دائما مرفوع الهامة، ومتفاخرا بهيبة قاتلة . ورغم كل الإنكسارات المتوالية، كنت أعاود، وأدخل في صراع غير متكافئ مع الزمن، باحثا عن مساحة صغيرة لفرحٍ، حتى ولو كان عابراً ... كانت الأعوام تهرول أمامي وتجرني وراءها مثل خروف منذور لا يدري متى سَيُذبح، أيكون ذلك في مناسبة حزنٍ أو فرح ْ .. ولأني كنت دائما أكره الإنتظار .. وأتصور دائما بأن لا وقت لدي.. تأبطت قدماي وأتيت للوطن، باحثا فيه عن مساحة للحلم، متوخيا إنعاش ذكريات باهتة أخاف عليها أن تموت .. أردت أن أكون هنا، وأرى بأم عيني، وكي لا أكون كمشاهدِ لمسرحية يقص عليّ ممثليها أحداثها ... نعم كنت أريد و أريد أن أتأكد بأن كل ما راودني طوال العمر المستباح، هو محض حقيقة، أم أنه ظلّ حلما بعيد المنال ... لقد قامرتُ وغامرتُ بتصوفي الشهواني، علني أجد المسقبل الأفضل الذي رسمته في مخيلتي، مذ كان يحدوني أملاً بأن الجنة الموعودة في السماء، ربما تستطيع دماؤنا و دموعنا أن تأتي بها الى الأرض .. إني أتيت الى هنا بلا معطفٍ طائفي أو قومي أو حزبي أو عشائري، لا يستر عورتي سوى رداء إنسانيتي الشفاف . ويا وليني مما وجدت ..

إسمحوا لي أن أقول لكم بأني وجدت نفسي غريبا في وطني (الذي ظل قابعا بقلبي طوال سبع عقود) ...

العام الجديد على الأبواب، والقدر الآتي من خلف السحاب , آتٍ، آتٍ لا ريب، أخاف أن يخطف الموت في هذا الشتاء القلة الباقية من أصدقائي و أحبائي، قبل أن يدثرني الثلج فلا أحس بدفء الجنوب يتسرب الى عظامي، آنذاك سأنسى إسمي و أنسى أن لي وطناً كان وكان ...

أرجو ألا أكون قد عكرت عليكم، نشوة إنتظاركم للعام الجديد ... معذرة لكم ... ولإحلامي التي قَبَرَتها إنبطاحات سياسي آخر الزمان .

دمعة وذكريات عن إ. د محمد حسين الأعرجي. . إحياء لذكرى رحيله الرابعة

وكما يصادف غريق ناجٍ من سفينة محطّمة غريقا ناجيا مثله، صادفت صديقي الدكتور محمد حسين الأعرجيّ في مدينة الرباط المغربية عام 1979م. وما كنت أظن أني سأصادفه، ولكن صدق الشاعر حين قال: " وقد يجمع الله الشتيتينِ بعدما*** يظنانِ كلَّ الظنّ أنْ لا تلاقيا ".

وبعد هذا اللقاء بعقدين من الزمن ــ فيهما الوصل والقطع ــ أقام هو في مدينة بوزنان البولندية قادماً من ليبيا، وأقمت أنا قبله ببضع سنوات في مدينة أوتاوا الكندية قادماً من المغرب. ومالبثت أن اكتشفت مقامه بواسطة الدكتور غانم حمدون ــ زاد فضله ــ صدفة. فأخذنا نتهاتف تارة، ونتكاتب تارة أخرى: ومما دار بيننا في أول مهاتفة بعد انقطاع أن خاطبته بكنيته (أبوعلي) التي اعتدت أن أخاطبه بها يوم كان أعزب. ففاجأني قائلا: (أبوعلي) صار (أبوهاشم) اليوم. فسرّني أنه تأهل. وشعرت بأنّ بذرة الحياة الإنسانية لن يميتها طاغية، ولن يواريها منفى. لقد أورق وأفرع وأثمر رغم رياح اليأس التي أسقطت كل ما لليسار العراقي السياسي من أمنيات خضر إلا أمنية واحدة أبت أن تسقط من غصن أحلام صديقي أبي هاشم:هي ألا يموت قبل أن يموت الطاغية في العراق. ومما كتب لي عن أمنيته هذه من بوزنان في6/6/1999م قوله:"... إنّ لي رجاء عندالله ــ وأرجو ألا يكون أميّا على حد تعبير الماغوط ــ هو ألا أموت قبل أن أرى مصير (الطاغية) وأمثاله من الطغاة السفلة وقديما قال الشاعر الجاهلي: "وإن حياة المرء بعد عدوّه *** ولو ساعة من عمره لكثير".

وقبيل أن يستجيب الله لرجائه هذا بمدة قصيرة، كتب لي ــ وكنت معلولاً بين الميت والحي ــ من مغتربه في بولندا في4/3/2003م واصفاً قلقه إزاء "الكارثة المقبلة" على وطننا العراق. وكتب لي من بوزنان مرّة أخرى كذلك في 12/12/2003م قائلا:      

"... أمل حبيب إلى نفسي أن نلتقي في العراق، وأن نذرع شوارع النجف... "

وكانت هذه الرسالة هي آخر ماكتب لي ثم ضاع مع ما ضاع مني من كنوز عراقية نفيسة. وشاءت الأقدار ألا أصادفه ثانية كما صادفته في المغرب الأقصى من قبل، وألا أكتشفه ثانية كما أكتشفته في بولندا من قبل، مشيئة أبدية مطلقة. ولم تمضِ إلا سنون قصار كطيف في منام، إذا رسالة مقتضبة جداً من صاحبي الأقدم الأستاذ خالد جواد شبيل في28/12/2010م يقول فيها:" أخي أبا نوفل. يعزّ عليّ أن أنعى محمد حسين الأعرجي. لقد أفجعني رحيله. بكيته بحرقة. البقاء في حياتك. خالد. " بدأ خبر رحيله صغيراً صغر رصاصة تخترق القلب، ثم راح يكبر شيئاً فشيئاً، كسرطان في الروح لا الجسد. هكذا تأتي الأخبار الموجعة إلى الغرباء عن أوطانهم. تبدأ ولا تكاد تنتهي. هذه هي أحدى أحوال الغربة المكانية التي كابدها صديقي الراحل خلال ربع قرن. وماذا كان يطلب جسمه الضئيل من أرض البترول والنهرين العظمين، لكي تضيق به كل ذلك الضيق فيتغرب ويتشرّد مثقلاً بعلمه وأدبه ؟. . وعن تغربه وتشرده ، كتب لي من بوزنان في 24/2/2003م يقول:"... أنا أبحث الآن عن ملجأ آخر. لاأعرف أين سيكون؟وعليّ أن أبيع شقتي بأي ثمن، وأن أشحن كتبي بأي ثمن ولكن إلى أين؟ لاأدري... ومع هذه النعمة السنية أراني أستطيع أن أضحك وأن أفرح وأن أداعب. وأرفق لك دليلا على ما أزعم أرجوزة... لتضحك مما أنا فيه لاأكثر... " هذا وصف بعض غربته الخارجية. ولئن كانت تهدّد وجوده البشري حقاً، فإنه ظلّ يسخر منها، لأنها لاتمثل إلا الوجه الظاهر لغربته الداخلية العميقة التي لايشاركه فيها غريب ولا يخففها عنه مكان حتى إذا كان الوطن. فهي في روحه. وقد عبر عنها مرة كاتبا لي في6/10/1999م:

" أما احجار الغربة التي تسكن الروح فقد ظننت أنها موشكة أن تحجّر روحي لكنني مازلت أقاوم. " وعبر عنها مرة أخرى في قصيدته ــ الى ولدي سامر ــ قائلا:

"سامر يامنفى جديدا حين ألقى بلدي"

***

لم ينقطع صوت الناعي، كنزيف جرح في أغوار النفس: "... محمد حسين الأعرجي... البقاء في حياتك... "كبر خبر رحيله في أعماقي بسرعة. ولم يعد كما بدأ. واستباحني صمت وحزن وظلام رغم صخب موسيقى أعياد الميلاد وأفراحها ومصابيحها التي أضاءت كل مكان موحش إلا روحي. بكيته بعمق وبكيته. وأجهشت ببكاء غير مسموع وبدموع غير مرئية. واستغربت من الموت الذي لم يمهله بعد أن تشوهت أمنيته الجميلة بالغزو والإحتلال. وكدت أحتج كطفل على الموت الذي طالما قبلت يده التي تكنس وسخ الطغاة من الأرض حين تعجز الشعوب عن تنظيفها. وكمن يستفيق من غيبوبة، عدت كلاً إلى نفسي المجزأة كهشيم الزجاج، وجمعتها حتى أمست مجتمعة كصخرة بقناعاتي القديمة التي شرعت أرددها وأؤكدها لنفسي من جديد:"إن الكائن البشري ياعبدالإله لايميته سقوطه الجسدي من شجرة الحياة وانما يميته سقوطه الفكري. لأن قيمته الحياتية وجوهره يكمن في فكره لاجسده. وما موت الجسد إلا صورة وهمية للموت. وشر الموتى هم الذين تنازلوا عن أفكارهم ذلا وخنوعا وتطفلوا على الحياة بأجسادهم المتحركة كالأشباح... ". ولله دره حين قال:

"شرف القرد أن يرقّص حرّا***وأولاء يرقّصون عبيدا".

شعرت بشئ من الراحة فجأة بعد معاناة ذاتية شديدة. وجلوت مرآة الحقيقة لأرى فيها بوضوح أن ما يربطني بصديقي الراحل أبي هاشم ليس المكان (المدينه و... ) ولا الزمان (الطفولة و...) ولا ماشابههما من المفاهيم التقليدية السائدة بين الناس. إن ما يربطني به هو موضوع الإنسان: ما يتجاوز حب الذات الى حب الآخر إيثاراً لتحقيق المعنى الإنساني الخالد. أن تكون إنسانا هو أن تخرج من حب ذاتك إلى حب غيرك. ولقد أحب أبو هاشم غيره حباً جماً وما كاد" يبقى عليه منه شيئا " ــ كما تقول الصوفية ــ : أحب أسرته، وأحب أصدقاءه، وأحب أساتذته، وأحب وطنه وشعبه، وأحب الأرض وانسانها وعبّر عن ذلك الحب كله شعرا ونثرا:أحبّ أسرته. ومن أمثلة حبه إياها أنه بكى ولده سامر، مفجوعاً مكلوماً بأبيات مؤلمة. يحسبه القارئ قد أسرف وبالغ، إذا لم يقف على حقيقة عاطفته الأبوية، ودرجة عمقها. إذ أن " سامر" هذا قد مات قبل أن تكتمل أشهر الحمل، ويولد. ولتقرأ معي هذين البيتين من مرثيته"الى ولدي سامر":

"ياغصة في كبدي *** تبقى بقـاء الأبـد

إني أردت سـامراً*** سمير يومي وغدي"

وأنه غنى ولده البكر"هاشم" فرحاً بعبثه الطفولي، وتخريبه البرئ بأبيات، يكاد يقدسه ويعبده فيها شغفا وحدبا. وإليك هذين البيتين من قصيدته"أنت نسكي":

أُداعب هاشماً وأخاف مني *** عليـه أن يؤذيه الدعاب

ويعبث بي ويؤذيني فيندى *** له قلبي وينبعث الشباب"

ومن أمثلة حبه أصدقاءه، وقد جعلهم جيشا يتغلب به على العدو- الغربة، ما كتب لي في12/11/2000م:"... أفرأيت إلى إي حدّ يمكن أن تطولنا لعنة الغربة؟ على أنني اتغلب في العادة على هذه اللعنة بمثل هذه العلاقات الحميمة بيني وبين أصدقائي الرائعين القدامى... "

ومن أمثلة حبه أساتذته أنه كان يتفانى في إجلالهم وإكبارهم، وكان يضحي بوقته وبصحته في خدمتهم وإرضائهم. ولم تكن هذه الصفة خاصة بهذا أو ذاك منهم وانما كانت عامة إنطلاقا من مبدأ: "من علمني حرفاً صيرني عبداً ". ورسائله تشهد على ما أزعم. ومنها أنه كتب لي من بوزنان في 2/4/2001م قائلا:"... انشغلت عن الكتابة إليك بأكثر من أمر. منها تصحيح كتابي أستاذينا: الدكتور ابراهيم السامرائي وهو عن" المتنبي" والدكتور زهير غازي زاهد في جمع وتحقيق "ديوان ابن لنكك البصري"... وأنا مشغول الآن بتصحيح تجربة طبع كتاب استاذي العلامة الدكتور الطاهر"درة التاج في المختار من شعر ابن الحجاج"... ". وماهذا، لعمري، بقليل ولا بيسير. ومن أمثلة حبه شعبه قبيل الغزو الإمريكي أنه كتب لي من بوزنان في4/2/2003م:"... ويزيد من أرقي الكارثة المقبلة التي أرجو ألا يكون أهلنا من ضحاياها. فهل ينفع الرجاء؟... "ولم يكن حبه هذا مقصورا على قوم دون قوم، بل كان يحب العراقيين جميعا. ومما كتب لي ذات يوم في12/11/2000م وهو الفتى العربي:

"... وكانت المئوية (يقصد مئوية ميلاد الجواهري التي أقامتها حكومة كردستان) بكل مفرداتها جميلة تدل على وفاء الكرد وطيبتهم... من محاسن هذه المئوية أن عدلت المثل العربي الجاهلي القائل: أوفى من السموأل. فقد عدلته بأن أقول بعد هذا اليوم: أوفى من كردي. . "

وأما حبه الأرض وشعوبها، فيتجلى خير تجلّ في هجائه"بوش" ذا القوة العظمى المستكبرة والمهيمنة عالميا في قصيدته "تلبية القرن الأمريكي القادم" المنشورة في جريدة الديوان ــ العدد1 ــ 2000م. ولأقتطف للقارئ بعضا من أبياتها:

"لبيـك فالعالـم لـكْ *** وحدك لاشـريك لكْ

فنحن من قد حمل الـ*** عرش وربّاً جعلـكْ

يابـوش ياإلـه كـلّ *** مالـكٍ ومـا ملـكْ

ومـن بخنصر اليسـ *** ـرى يصرّف الفلك

فاغفـر لنـا ذنوبنـا *** وارحم ضعيفاً نازلكْ

إِلهنـا مـا أعـدلـك*** إِلهنـا مـا أكملـكْ

تفٍّ لعصـر موحـش ***على الرقاب حملـكْ"

هذا... ولولا حرصي على تجنب الإطالة والإملال، لفصلت وتوسعت أكثر. غير أني آثرت الإيجاز قاصراً حديثي على ذكرياتي عن غربته ومحبته، ولم أتطرق الى موضوعي طرافته الشخصية وسخريته الشعرية. وهما من أبرز خصائصه السلوكية والأدبية. إذ أرجئت المقال عنهما إلى مقام آخر أذكر فيه صديقي الراحل أبا هاشم الدكتور محمد حسين الأعرجي الذي سأل الله أن يحقق له أمنيتين: الاولى ألا يموت قبل أن يرى موت طاغية العراق، والثانية أن نلتقي في العراق، وأن نذرع معا شوارع الطفولة والصبا والشباب في مدينة النجف. ولقد استجاب له ربه في تحقيق الأولى، وامتنع عن تحقيق الثانية بل استبدلها بسرير من الرمل في مقبرة النجف الكبرى لكي ينام فيه جسده المتعب بسلام إلى الأبد، مستريحاً من عناء السفرين: سفر الهجرة وسفر العودة. ولكي يبقى ذكره الطيب خالداً رغم الفناء...

 

دمعة وذكريات عن الأعرجي: عبدالإله الياسري

 

من ينقذ حياة رئيس اتحاد الادباء التركمان الشاعر حسن كوثر؟

منذ اسابيع ورئيس اتحاد الادباء التركمان وأحد ابرز مبدعي مدينة كركوك، الشاعر الكبير حسن كوثر يرقد في بيته المتواضع طريح الفراش، يصارع المرض الذي ينخر بعظام عموده الفقري بشدة، والذي يتطلب علاجه خارج العراق، وهو المبدع الزاهد الذي يحمل يراعه بيد ويحمل بالاخرى عزة النفس والاباء مواجها وجعه بصبر جميل، مرميا في غياهب النسيان ولم يعد يسأل عنه الا القليل من الأصدقاء‍!

588-torkmanهذا المربي والشاعر والكاتب والقاص والناقد والمترجم والصحفي الذي بلغ نتاجه الشعري المطبوع اكثر من عشر اصدارات باللغة التركمانية الى جانب نتاجاته الابداعية الاخرى التي تقدر بمئات من المقالات الادبية والنقدية والفكرية والثقافية والفولكلورية والفنية باللغتين العربية والتركمانية المنشورة في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية المعروفة .

حسن كوثر اديب عراقي ملتزم، ولد في رحم المعاناة الانسانية العراقية ونشأ بين أحياء تسعين السليبة التي تحكي قصص النضال والجهاد ضد الاستبداد والشمولية وترعرع في قلب المظالم التركمانية .

صاحب قلم شريف طالما تغنى بالوطن وانشد للعراق دون أن يركع للطاغية، وآثر أن يغادر وظيفته بعد اصدار اعدام وسجن اقربائه في 1995مفضلا شظف العيش على مدح الديكتاتور في الزمن الشمولي الغابر، الذي يمكن وصفه بالوريث الشرعي والامتداد لفطاحل الشعر الصوفي التركماني الذين لم يكن بيت في تسعين يخلو من دواوينهم، فكان منذ العاشرة من عمره يحفظ قصائد وأشعار فضولي البغدادي ونسيمي البغدادي والشاعر خطائي عن ظهر قلب .

للآسف لم يحظ باهتمام يذكر من قبل اتحاد الادباء والكتاب العراقيين ولم تلتفت لعلاجه وزارة الثقافة لحد الساعة على الرغم من عودة الوعي اليها مع الوزير الجديد مؤخرا.

اما الساسة فلا شأن لهم بالثقافة على ما يبدو‍! فهم غائبون عن درس الثقافة الوطنية على طول الخط ولا شأن لهم بالمبدع العراقي سواء اعاش او هلك لآنهم مشغولون بأمور اخرى‍!

صرخة عراقية مدوية نطلقها لاسماع أصحاب القرار ومن يهمه الأمر لانقاذ حياة هذا المبدع العراقي المتنوع المواهب والتكفل بعلاجه خارج العراق، قبل فوات الآوان .. اللهم اشهد اني بلغت ..

 

سيرة تعريفية بالشاعر حسن كوثر في سطور

- ولد في تسعين بكركوك عام 1944

- سكرتير تحرير جريدة ومجلة كركوك الصادرتان عن اتحاد الأدباء التركمان .

- مدير تحرير جريدة توركمن إيلى منذ سنة 2005م .

- محرر القسم العربي في مجلة توركمن إيلى

- مدير تحرير مجلة افاق كركوك التربوية.

- عضو في نقابة الصحفيين العراقيين .

- عضو اتحاد الصحفيين العرب .

- عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق .

- نائب رئيس المجلس الاستشاري لتسعين .

- نائب رئيس اتحاد الادباء في العراق / فرع كركوك.

- رئيس اتحاد الادباء التركمان

مشاركاته المحلية

- فاز بالجائزة الثانية من بين 42 شاعرا عام 1971 في كركوك .

- فاز بالجائزة الاولى من بين 32شاعرا عام 1996في كركوك .

- فاز بالجائزة الاولى من بين 37شاعرا عام 1998في كركوك .

- فاز بالجائزة الاولى من بين 45شاعرا عام 1999 لجريدة الوطن (يورد).

- فاز بالجائزة الثانية في المسابقة الكبرى التي نظمتها مجلة الكوثر عام 2001 .

- له اكثر من خمس مشاركات في مهرجانات المربد الشعرية .

- شارك في مهرجان فضولي البغدادي الذي اقامته وزارة الشباب في ( كربلاء المقدسة) عام 2009 ببحثه الموسوم ( الحداثة والدراما في شعر فضولي) .

مشاركاته الخارجية

- فاز بالجائزة الثانية من بين 600 شاعرا من الناطقين بالتركية في المسابقة الدولية لمهرجان فضولي الشعري الثاني) في اسطنبول التركية عام 2004 .

- فاز بالجائزة الثانية للمهرجان الشعري الرضوي التركي الخامس عام 2010 من بين مئة شاعر من الناطقين بالتركية في اورميا بايران .

 

  

في وداع شاكر السماوي

khadom almosawiليس يسيرا قبول كلمة وداع بعد كل الوداع الذي قلناه وعشناه، سواء في الوطن او المغتربات. حتى باتت الكلمة اقسى من الحجر في ضربه الراس او اصعب من الفأس. ولكن ما العمل امام الاقدار التي تأتي بقدميها .. تجرجرها وتجر من تريد معها ولها؟!.. هكذا اذن تجري الامور، وهذه هي سنة الحياة تنتهي عند هذا الحد، على كل ابن انثى وان طالت سلامته.. وتتبع بعدها كلمة الوداع لتعمق في الالم وتزيد في الوداع ذاته. لم تعد الكلمة حاملة لهمها بقدر ما تعنيه في رتابة الموقف او انصباب الدمع لحاله في تعبيرات الاحزان والمصائب.

ودعنا احبة كثرا، يكاد ان نقول مرارا كثيرة. نحزن ونبكي او نتألم وتأخذنا الايام حسب مجرياتها ومشاغلها فيمتدح النسيان او تعب الذاكرة في الكثير من الاحيان. لا تغني الكلمات عن الخسارات او الفقدان ولا تصيب جراحاتها.

شاكر السماوي (1936- 25/11/2014) شاعر وأديب، وناشط وكاتب سياسي، ابدع في نصوصه وعاش زمنه، مهاجرا ومغتربا، داخل الوطن وخارجه، له نص يسأل فيه الشاعر محمد مهدي الجواهري عند عودته من براغ الى الوطن في السبعينات عن موقفه من الغريب في داره. وظلت عيونه ترنو الى الوطن وهو خارجه، في مغتربات عدة، عربية وأجنبية، ليختمها في ارض غريبة، لكنه ارتضاها مستقرا وإقامة ابدية، في الحياة والممات. هكذا انتهت السنوات الطويلة لأبي طلعت. بعد ان قص حكاية جرحه، اول مجموعة شعرية شعبية له، وسجل رسائل من باجر(الغد)، الى من يرى بعد ذلك ما توصل له السماوي وأبقاه لابنه طلعت وأخوته ولمن تعرف عليه وصادقه، اتفق معه او اختلف في المواقف السياسية والإبداعية. ولكنه سار معه في نشيد الناس او في تقاسيم، العشق والموت وبنادم. (عناوين مجموعات شعرية صدرت له).

تعارفنا في بغداد مطلع السبعينات عند هجرته اليها من الديوانية التي ولد في مدينة قريبة لها وتابعة لها اداريا وعاش فيها سنواته الاولى ومشاريعه وأحلامه وخيباته، في شارع ابي نواس ومقاهيه المنتشرة على شاطئ دجلة بين جسر الجمهورية وحتى المعلق. كانت المساءات فيها مشهدا وشاهدا لصحوة ثقافية عراقية وانطلاقة لصبوات حالمة وواعدة. واستمرينا في المهاجر ايضا، والتقينا وتوزعتنا المنافي، حتى البلد الاثير، الاخير، السويد. انتج ابداعا متميزا وطليعيا في الشعر الشعبي وعُد من رواد التجديد فيه، الى جانب الشعراء، مظفر النواب وعريان السيد خلف وشقيقه عزيز وكاظم اسماعيل القاطع وكريم العراقي وآخرين، ظلت نصوصهم شاهدة عليهم. كما ابدع في المسرح وأنتج الكثير الذي عرفته المسارح. وكان السماوي راضيا ومتمردا على ذاته في الوقت عينه، يرنو الى جديد حقيقي وتغيير فعلي على مختلف المستويات. لم يهادن حتى نفسه. لم يرتح لما يراه في مسارات ومآلات ما حدث في الوطن او المغتربات. كان دائم الهم والقلق ولكنه قادر على الصبر وتحمل البلوى. همه الكبير الوطن والشعب وحزنه ان من عوّل عليه ان ينهض بأحلامه لم يكن بمستواها. هَجر ولم يترك العمل السياسي التنظيمي. جرّب ومارس واكتوى بعواقبه، سجونا ومشقة ومكابدات.. ابتعد واقترب وظلت نجمته في سماء العراق والعرب ورؤيته في فضاءات المستقبل. حين تتذكره تنهال عليك صور غضبه ومعاناته وحسه الشعبي وحدسه السياسي ونصاعة فكره التغييري والصادم للواقع الراكد.

احترم مكوثه على ارض السويد، في مدينة غوتنبرغ ( يوتوبوري) ونال منه ما لم ينله في وطنه. كرمه اتحاد الادباء والمسرحيون والإعلاميون السويديون. منحه اتحاد الادباء تفرغا للإبداع الثقافي ووفر له اتحاد المسرحيين فرص اللقاء مع مبدعين اخرين في عواصم اخرى وإمكانات للتواصل والقراءة والتعبير عن مكنوناته، نصوصا ولقاءات صحفية وندوات وأعمالا مسرحية. وظل وفيا لها وله. وهو الوفي لأصدقائه ومن وجد فيه ما يريحه في همومه او يشاطره اياها في زحمة الانكسارات والانشطارات والانهيارات في القيم والسلوك والروابط الانسانية. كتب في اهدائه لكتابه الفكري: اللا ديمقراطية عربيا، الكلمات التالية: "ايها الواهب، الحي في ذاكرة كل شريف، رفيقي الراحل حسين سلطان، لذكراك الرافلة بالصدق والعطاء أهدي هذه الباقة من الصبوات المطرزة/ بالجراح وتلاوين الحلم الذي غادرنا/ ورفضنا ان نغادره./ انها شارة عرفان ووفاء في زمن يلتف على الروح كالانشوطة اذ استشرى فيه/ العقوق وصدأت الذمم."

قدمته مجلة التصدي في مقابلة اجرتها معه في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1986 ونشرتها في عددها السابع من سنتها الاولى، وأعاد هو نشرها في كتابه المذكور سابقا، أي انه موافق عليها، اذ ذكرت: "شاكر السماوي اديب عراقي، شاعر شعبي ومسرحي، يعيش ويمارس نشاطاته الادبية خارج العراق بسبب مطاردة السلطات الفاشية له. فقد قضى زمنا في الجزائر، ويقيم الان بدمشق. يساهم في النشاط المسرحي، حيث قدمت له منذ فترة على مسرح القباني مسرحيته "سفرة بلا سفر" اضافة الى كتابة النقد المسرحي. يكتب المقالات عن الشعر والثقافة. وعدا عن اربع مجموعات شعرية شعبية (...) له خمس مسرحيات قدمت في العراق بين عامي 1958- 1979. وعلى مر هذا التاريخ الثقافي كانت له نشاطات متقدمة وثورية رسخت لديه قناعات انسانية وخبرات سياسية. نستطيع تلمس مفاصلها الحادة في هذا اللقاء ....". هذا التقديم الذي قبله السماوي كان ملخصا عنه للحقبة الزمنية التي انتهت عند النشر، اما ما بعدها فله قصص اخرى. وله معناه في حياته وإبداعه، سيما وهو في منفى بعيد وفي بلاد غريبة، جمعت له غربته واغترابه ولكنها اعطته من الصبوات ما توقف عنده وعندها بتألم وتأمل وانتظار.

اختار ان يدفن في منفاه في السويد بعيدا عن البدايات والذكريات، وعن الثرى الذي تربى عليه وانسكبت اولى العبرات فيه وعليه.. ظلت حسرته كامنة، وانتهت قصته.. لكن المبدعين دائما لا يموتون ولا ينتهون.. تظل صورهم وإبداعاتهم شهادات للتاريخ وتبقى الذكرى لهم متجددة مع مرور السنوات والقراءات لنصوصهم وما تركوه من اثار لا تمل ولا تنسى.

 

محمد أبو القاسم حاج حمد .. مثال للمفكر الإسلامي السوداني الذي يبتكر نموذجه الإجتهادي الخاص

abduljabar alrifaiإحياء لذكرى صديقي المفكر السوداني المرحوم محمد أبو القاسم حاج حمد، بمناسبة مرور عشرة أعوام على رحيله إلى الملكوت الأعلى.

السودان بلد أنهكته الحروب الأهلية، والفقر، وفشلت حكوماته المتعاقبة في إستغلال ثرواته الطبيعية، واستثمار أرضه ومياهه، في تأمين سلة حبوب ومحصولات زراعية تؤمن حاجاته الغذائية، وحاجات بلدان أخرى، لكن السودان ليست فقيرة عقليا، مثلما هي فقيرة إقتصاديا.

إجترح التفكير الديني في السودان لنفسه مسارا نقديا إجتهاديا، تجاوز فيه تقليد أفكار ومواقف الجماعة الاسلامية في باكستان، أو الاخوان المسلمين في مصر، أو حزب التحرير في القدس.كذلك لم يستنسخ المفكر المسلم في السودان أدبيات تلك الجماعات، وانما حاول ان يتأمل الدين في فضاء بيئته المحلية، ويخلص الى رؤى ومقولات يتجاوز فيها اسلوب التعليقات والشروح والتوضيحات، التي تحيل على مرجعيات مستعارة من مفاهيم:"الحاكمية الإلهية، جاهلية القرن العشرين، الهجرة، العزلة الشعورية..."، وغير ذلك من أحكام لاهوتية وقيمية وشرعية، عمّمها جماعة من منظّري الحركة الإسلامية، منذ منتصف القرن الماضي على المجتمعات المسلمة، مثل: أبو الأعلى المودودي، وسيد قطب، ومحمد قطب، وتقي الدين النبهاني...، حتى الاخوان المسلمون في السودان، لاتخلو مواقفهم من واقعيته، بعد تلوّن تفكيرهم بتجربتهم المحلية، فقد وصفوا حركتهم ب"الجبهة الإسلامية القومية" حسب تسميتهم. وهو توصيف يشي بعبورهم الترسيمات المغلقة للعقل الاخواني الأممي الرومانسي، الذي توقف عند سيد قطب، ولم يشأ عبوره حتى بعد هيمنتهم على السلطة، وتنصيب محمد مرسي رئيسا لمصر.

إجتهد حسن الترابي في سياق اسلامي سوداني، فأنجز مراجعات نقدية لأدبيات الاخوان، وحاول أن يصوغ منظورا بديلا للحركة الاسلامية في السودان. بقطع النظر عن موقفنا الناقد لآرائه وسلوكه السياسي، لكن نود أن ننبه الى أن التأويل المختلف للنصوص الدينية، ونمط الفهم المتميز لسياق الاجتماع الاسلامي السوداني، الذي نعثر على شئ من سماته في كتابات الترابي، بوسعنا التعرف على ملامحه، وصيغته المغايرة، وتأويله الخاص، في آثار محمود محمد طه، ومحمد أبو القاسم حاج حمد. ذلك التأويل الذي قاد محمود طه الى حبل المشنقة، بعمر ستة وسبعين عاما، بعد الحكم عليه بالإرتداد، وإمتناعه عن الإعتذار من معتقداته، عندما خيّره القاضي بين التوبة والإعدام، فإختار الذهاب الى الإعدام، لإعتقاده بصواب إجتهاده.

ما زال محمود طه غير معروف خارج السودان، إلا بحدود ضيقة جدا، مع ان فكره "الخلافي، الإشكالي، الخارج على الأنساق اللاهوتية والفقهية المعروفة"، يتطلب الكثير من المراجعة والتحليل والغربلة والنقد، والمقارنة مع آراء مفكري الإسلام في هذا العصر، وإكتشاف الأطر الاجتماعية لتفكيره، ومنابع إلهامه، ومنهجه في إستيعاب ودمج عناصر تنتمي الى مرجعيات مختلفة، مثل: تراث المتصوفة، وشرعة الحقوق والحريات، والعدالة الإجتماعية الحديثة، وتلوين النص القرآني بواسطتها.

أما محمد أبو القاسم حاج حمد فهو الأوضح تعبيرا عن السياقات الدينية الثقافية للإجتماع السوداني، إن من حيث إستلهامه لميراث ابن عربي والمتصوفة، أو عبوره للنفق الذي غرق فيه منظرو الجماعات الإسلامية، وعدم سقوطه في الفوبيا المعرفية"الخوف"، التي أقعدتهم عن التعاطي مع المكاسب الحديثة والراهنة للمعرفة الغربية. إستطاع حاج حمد أن يتغلب على كل هذه الحساسيات، ويستوعب معطيات المعارف والعلوم الإنسانية، ويصوغ رؤيته للنصوص والتراث والواقع في ضوئها.

لم يعبأ حاج حمد كثيرا بأدبيات الجماعات الإسلامية ومفاهيمها، ولم يرضخ لأفق إنتظارها في التفسير، ولم ينخرط في همومها الآنية في الصراع مع الأنظمة على إستلام السلطة، واختصار كل شئ في الاسلام في أيديولوجيا تعبوية نضالية. وهكذا تحرر من مواقفها المناهضة للميراث العقلي والفلسفي والروحي في الإسلام، وإشتق لنفسه نهجا ينفتح على عناصر متنوعة من المحرمات والمحضورات المعرفية، حسب آراء وفتاوى بعض الفقهاء.

أشاد حاج حمد مرتكزات "نظام معرفي قرآني"، تبعا لما إنتهت اليه تأويلاته لآيات القرآن الكريم، وظل على الدوام في تفكيره مفارقا للسائد، وجسورا في عبور مقولات الإسلام السياسي، فلم يتحدث عن دولة دينية، أو "حاكمية إلهية"، ولم يدعُ الى تطبيق الحدود والقصاص والديات. بل تحدث عن "دولة علمانية ومجتمع مسلم"، وميّز بين "الحاكمية الإلهية المباشرة"، و"حاكمية الكتاب"، فإعتبر الأولى ترتبط بالتدخل الإلهي المباشر، أي ما يمكن التعبير عنه ب"الولاية التكوينية"، وهي تختص بالتدخل الإلهي في عصر النبي موسى، ولا علاقة لها بنمط الحكم في الإسلام. وهكذا قدّم تأويلا بديلا لمفهوم النسخ، فذهب الى ان العقوبات البدنية الواردة في القرآن، هي حكاية عن أحكام وعقوبات منسوخة تختص بالمجتمع الموسوي، تتميز بها "شريعة الأصر والأغلال" التوراتية، وهي لا تنسجم مع "شريعة التخفيف والرحمة" القرآنية. وهكذا قدّم حاج حمد فهما للجهاد و"شرعة السيف" حسب تعبيره، إعتبره فيه خاصا بتطهير "الأرض المحرمة" من الوثنية والشرك... كذلك خرج في موارد متعددة أخرى على مشهور وإجماع الفقهاء، وتجاوز آراء معظم المفسرين، في ضوء ما رسمه من "نظام معرفي قرآني"، وكيفية التعامل مع الكتاب الكريم، بنحو أفضى به ذلك الى مواقف خلافية، لا تتطابق مع فتاوى وأحكام المدونة الفقهية.

"المنهجية المعرفية القرآنية: أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والانسانية" كتاب ألفه حاج حمد إستجابة الى دعوة كريمة من صديقه الدكتور طه جابر العلواني، عندما كان رئيسا للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، فأقام في واشنطن ضيفا على المعهد سنة 1991، وتفرّغ لتدوين الكتاب، وبعد فراغه منه تم استنساخه في طبعة "محدودة التداول"، وُزّعت على نخبة من الأمناء والمستشارين والخبراء في المعهد. ولما كانت رؤية المؤلف في الكتاب تتخطى الحدود المغلقة المتعارفة في تفكير جماعة "إسلامية المعرفة"، فقد فوجئوا بإجتهاداته الجريئة، وارتابوا من طروحاته، وانزعجوا من عبوره المعايير والأسس التي وضعها المعهد للتفكير الاسلامي. وهذا ما جعلهم يهملون طباعة الكتاب ونشره وتوزيعه. وفي 11/3/1992 أقام المعهد ندوة موسعة في القاهرة لمناقشة ألأفكار الواردة في الكتاب بحضور المؤلف، إشترك فيها عشرون مفكرا وباحثا تقريبا، بضمنهم الشيخ محمد الغزالي. وأعرب بعض المشاركين عن عدم فهمه لما جاء في الكتاب، فيما رفض آخرون آراءه، ولم يتفهمه ويتضامن معه سوى عدد محدود جدا من المساهمين.

لبث كتاب "المنهجية المعرفية القرآنية" اثنا عشر عاما منسيا، وبعد أن علمت به طفقت أفتش عنه، قبل لقائي المؤلف في بيروت سنة 2003، فبعث لي الصديق الدكتور محمد همام بنسخته المصورة بالرونيو عبر البريد، من المغرب "أغادير"، وعند استلامي الكتاب طالعته مباشرة، فتحمست لنشره، واستأذنت الصديق الدكتور طه جابر العلواني هاتفيا، فأجاز لي طباعته وتوزيعه.

في صيف 2003 صدر الكتاب عن: "مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد بالتعاون مع دار الهادي في بيروت"، في "سلسلة كتاب مجلة قضايا إسلامية معاصرة". وقتئذ كنت في بيروت، نمضي ساعات طويلة أنا والمرحوم حاج حمد في منزله ب"الشويفات"، كنت أصغي له وهو يحكي منعطفات حياته، وتكوينه الثقافي، ونشأته المشبعة بالمعنى، والإيحاء الروحي، ومناخات التصوف في السودان. وعلاقة والده بمحمود محمد طه، وكيف كان الأخير يزورهم الى المنزل، ويمضي وقتا في الحوار مع والده. يصف حاج حمد محمود طه بقوله: "كان متصوفا، ذا تنسك روحي، زاهدا، بسيطا، حيويا، جذابا، مؤثرا، يحتفي بالغير، يفيض دفئا ومحبة، يؤثر العفو والمغفرة لمن يسئ اليه، يرتدي ملابس بيضاء بسيطة، يعيش في كوخ، مع ان دخله جيد بإعتباره مهندسا معروفا...".

استضافنا أكثر من مرة، في منزله الصيفي في "دير كيفا"جنوب لبنان، صديقنا المشترك السيد محمد حسن الأمين، كنا نمضي الليل في حوارات لذيذة، وعادة ما نواصل حوارنا بعد صلاة الفجر. أتذكر ناقشته أحد المرات في رأيه بحجاب المرأة وغيره، طبقا لأصول الفقه ومناهج الاستنباط الفقهي المعروفة، فكان يجيبني: "يا عبدالجبار الرفاعي، ان مشكلتك أنت وغيرك من فقهاء الشريعة ودارسي الفقه، انكم لا تستطيعون التفكير خارج العقل الأصولي، لديكم مجموعة من القواعد المغروسة في أذهانكم، هي الأفق الذي تنظرون به ومن خلاله للقرآن، عقولكم لا تغادر تلك الأسس، إنها مسجونة في داخلها...".كنا نستغرق في النقاش، ربما صدمتني وجهات نظره، فأغضب وأمضي في رفضها، ومحاججتها، لكنه يتعاطى معي بأدلته المقابلة، وهكذا يتواصل حوارنا، من دون أن نتفق على رأي مشترك أحيانا، لكن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية عند حاج حمد.

احتفل حاج حمد بصدور كتابه، بعد ان لبث سنوات طويلة مغيبا في الظلام. نشرتُ له مؤلفاته الأخرى غير المطبوعة، في "سلسلة فلسفة الدين والكلام الجديد". ظل يردد: "يا أخي لك دين في عنقي لن أنساه ما دمت حيا، لأنك أقدمت بشجاعة على طباعة كتبي التي إمتنع الغير عن إصدارها".

لم يرغب الأصدقاء في "المعهد العالمي للفكر الإسلامي"، بنشر كتاب "المنهجية المعرفية القرآنية"، ونما الى علمي ان بعضهم حاول شراء كافة النسخ المطبوعة وحجبها عن التوزيع. لا أعرف كيف تسوّغ جماعة، تدّعي انها تسعى لتجديد الفكر الاسلامي، حضر وحجب تفكير إجتهادي في قضية إسلامية المعرفة، لأنه لا يكرر آراءها في هذه القضية الإشكالية.

أنا شخصيا لا أتفق مع الصديق حاج حمد في الكثير من أفكاره، ولدي ملاحظات نقدية على مقدماته المنهجية، والنتائج التي تفضي اليها. خاصة كتابه هذا، الذي يتأوّل فيه النصوص ويلوّنها، بشكل يطمح فيه أن يكتشف منهجا معرفيا بديلا، مشتقا من القرآن، وموازيا للمناهج المعروفة في فلسفة العلم. بالتوكؤ على مفاهيم مستعارة من ابن عربي وغيره من المتصوفة، مضافا الى مفاهيم مدرسة فرانكفورت وحلقة فينا. ومزج التصوف بفلسفة العلم والعلوم الإنسانية.

انها محاولة لا أشك بجديتها وجرأتها، ومغامرتها بالحراثة في أرض غير محروثة، لكنها تخلط بين عناصر تنتمي الى شبكات مفاهيمية متباينة، وتكرّس مطامح وأحلام الخصوصية والهوية والذاتية، ببناء يبدو فلسفيا قرآنيا منسجما، لكن تحليله منطقيا وتفكيكه يشي بتهجين مفاهيمه وتناشزها. ليس هنا محل بحث رأيي في إسلامية المعرفة، فقد تناولتها بالنقد والتحليل، في فصل خاص من كتابي الجديد "إنقاذ النزعة الإنسانية في الإسلام"، تحت عنوان: "إسلامية المعرفة قضية أيديولوجية من دون مضمون معرفي".

مع كل هذه الملاحظات وسواها على المنجز المعرفي للمرحوم حاج حمد، غير أني حرصت على رعاية إنتاجه الفكري ونشره ودعم صاحبه، ذلك ان هذا الإنتاج يعبّر عن محاولة جادة لتحديث التفكير الديني في الاسلام، وانه إجتهاد في مجتمع لا يألف الرأي الجديد، بل يمارس على الدوام الإضراب عن التفكير. والمعرفة في مختلف أنواعها لا تتكامل باستمرار، إلا من خلال العبور من الخطأ الى الصواب، أي ان "الديناميكية العلمية لاتسير بحسب نمط تراكمي، بل هي سلسلة لامتناهية من التكذيبات المتتالية، الى درجة ان تاريخ العلم يغدو: مقبرة نظريات علمية"، كما يقول كارل بوبر.

حاج حمد لا يقتصر في إجتهاده على إنتاج رأي جديد، وبناء مفاهيم مختلفة، وانما يسود كتاباته ثراء لغوي، وتتميز بمعجم إصطلاحي يختص به، يتألف من مصطلحات نحتها هو، أو إستقاها من غيره، ودمجها كعناصر تكوينية في بنية النظام المعرفي الذي صاغه. نتمنى أن يتناول الباحثون جهوده بالدراسة والتحليل والنقد، فآثاره تتسم بأنها: غنية، مكثفة، تركيبية، جريئة، وهي خصائص تفتقر اليها الكثير من آثار بعض المفكرين، التي تدرسها عشرات البحوث والرسائل الجامعية.

 

معجم حاج حمد الإصطلاحي

وفيما يلي نموذج من معجمه الإصطلاحي، وشئ من ثنائياته المتقابلة، استقيناها من بعض مؤلفاته، بغية إكتشاف مفاتيح النظام المعرفي الذي يبشّر به: (العالمية الاسلامية الثانية، جدلية الغيب والانسان والطبيعة، الجدلية الثلاثية، التفاعل الجدلي، المنطق الجدلي، جدل الغيب، جدل الإنسان، جدل الطبيعة، علاقة جدلية، علاقة تداخل، علاقة حلول، علاقة تضاد، عالمية الاسلام، الرؤية الكونية التوحيدية، كونية القرآن، عالمية القرآن، الجمع بين القراءتين، القرآن معرفة معادلة للوجود الكوني، منهجية القرآن المعرفية، اطلاقية القرآن، الإسترجاع القرآني النقدي التحليلي للمورث الديني، الدلالات الوسيطة في اللغة القرآنية، البنائية القرآنية، البناء الكوني اللامتناهي للقرآن، الوحدة العضوية للقرآن، المنهجية الضابطة للقرآن، الحفر الألسني، الإستيعاب"التصديق"، التجاوز"الهيمنة"، منهجية الخلق، منهجية التشيؤ، التشيؤ الطبيعي، الحاكمية الإلهية المباشرة، حاكمية الكتاب، حاكمية الإستخلاف، أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والانسانية، الفكر الديني التاريخي، قراءة تركيبة، الدينونة، الأمة الوسط، فكر المقارنات، فكر المقاربات، التوفيقية، الإنتقائية، التلفيقية، النسق الخاص، الكتاب الكوني المطلق، التدافع العربي ـ الإسرائيلي، المناهج والأنساق الحضارية، خارطة الأنساق الحضارية، الإرادة الإلهية، عالم الأمر والنهي، الإستلاب، الهيمنة، التجاوز، الإستيعاب المزدوج، العقلية النافذة، الغاية التكوينية للخلق الكوني، المشيئة، الفعل المنهجي، المعالجة النقدية، النسق المعرفي، الحفر المعرفي، التحرر المعرفي، المتغير النوعي، القطيعة المعرفية، التفكيك التاريخاني والتراثي، لاهوت غيبي جبري، مادية طبيعية جبرية، طريق التنزل، طريق التطلع، تاريخانية النص، اللحظة الجدلية، الناظم الكلي، الثنائية المتقابلة، المنطق التفكيكي الأبستمولوجي، المنطق اللاهوتي، المنطق الوضعي، الجدلية الثلاثية، التطور التفكيكي، استلاب الانسان، التاريخانية توظيف علمي تفكيكي، الجعل الآدمي، التعددية، المسكوت عنه دينيا وتاريخيا، النصرة الإلهية، التدخل الإلهي، التدخل الإلهي الموسوي/ الحسي، التدخل الإلهي المحمدي/الغيبي، الأمة الوسط، الفشل الحضاري، الغاية الكونية، الوعي الكوني، التحييد العقلي، الإرتباك النفسي، الإنفصام الذهني، أزمة فراغ روحي، الصيرورة، الجدل، الإحتمالية النسبية، الإستيعاب المزدوج، الأنساق الحضارية، دراسات توفيقية، دراسات تلفيقية، دراسات وسطية، دراسات إستعارية، دراسات تأصيلية، النهايات المادية، الوجودية الوضعية التائهة، عالم الأمر المطلق، عالم الإرادة النسبي، عالم المشيئة الموضوعي، الحضور الإلهي، القيومية الدائمة، مجمع البحرين، مستويات الفعل الإلهي، الجبرية اللاهوتية، ثنائية العقل والتجربة، الإصطفاء الإلهي، الإصطفاء البشري، الإصطفاء المكاني، منطق التعارف، عالمية الخطاب، شرعة التخفيف والرحمة، شرعة الأصر والأغلال، الإنغلاق العصبوي، التوريث، تاريخانية التفاسير، التجديد النوعي، الإجتهاد الكمي التراكمي، الإجتهاد النوعي المعرفي المنهجي المعاصر، إشكاليات النظر التقليدي، النبي الأمي، الحقبة النبوية، النصرة الإلهية، التدخل الغيبي، عالمية الأميين غير الكتابيين، الأرض المحرمة، عالمية الخطاب، الخطاب الإصطفائي الحصري، الخطاب العالمي، التصور الإبراهيمي، التأسيس الإسلامي الإبراهيمي، الطور العقلي الأول" الإحيائية"، الطور العقلي الثاني"الثنائيات المتقابلة"، الطور العقلي الثالث"وحدة القوانين الطبيعية والانسانية"، الأرض المقدسة، الأرض المحرمة، شرعة السيف، الخطاب الإلهي الحصري الإصطفائي، الخطاب الإلهي العالمي، الأسلمة التعسفية، الأسلمة المفتعلة، الحق، الخلق، النفي).

لائحة المصطلحات هذه تستوعب عناصر تحيل بعضها الى تراث التصوف، فيما يحيل بعضها الآخر الى فلسفة العلم، وفلسفة التاريخ، وفلسفة اللغة، ومختلف العلوم الانسانية. وهي نموذج للمعجم الإصطلاحي لحاج حمد، الذي يدلل على موهبته العقلية في إبداع لغته وبيانه الخاص، والتحرر من وصايات أدبيات الجماعات الإسلامية، وآرائها ومقولاتها: الوعظية، الشفاهية، المبسطة، الهشة.

رحم الله الصديق محمد أبو القاسم حاج حمد، العصامي، الذي علّم نفسه بنفسه، الكائن البشري الجميل الروح والقلب، الذي يفيض رقة ودفئا، ومشاعر وعواطف بريئة، ذا الوعي المتوهج، والعقل المضئ، المفكر المستنير، المثال الرائع للإجتماع الاسلامي السوداني، هذا الإجتماع الذي يبتكر على الدوام نموذجه الإجتهادي الخاص.

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب  

 

د. عبدالجبار الرفاعي

..............

توفي المرحوم حاج حمد في 20 نوفمبر 2004. وهذا نص مقدمة الطبعة الجديدة الصادرة عن دار الساقي لكتابه: المنهجية المعرفية القرآنية.                                                              

عُرس العاشق الفرد .. انتقالُ مولانا جلال الدّين الرّوميّ

لا تبحث عن قبرنا في التربة بعدما نموت

بل ابحث عنّا في قلوب العاشقين

أهلُ كلِّ دين محبون صادقون له، وأناسُ كلّ ملّة عاشقون له، كلّ من رآه تُيّم به، وكل من سمعه فُتن به، وما استطاع حزن كتم حزنه عند وقوع هزة الأرض العنيفة، فشق جيبه وأهال التراب فوق رأسه حزنًا على انتقال (نور الرسول) الكلّ أخذ في الصراخ والتأوه النصارى واليهود والمسلمون، عينُ حسدٍ أصابت الخلق فاحترقت الأرواح من صدمة ذلك البرق، وعندما اصفرّ وجه شمس الظّاهر، ومالت إلى الغروب، نزعت شمس العرفان تلك شعاعَ العناية من القالب الجسماني، وانتقلت من هذه الدُنيا الدنية إلى عالم الغيب.

روى سلطان ولد شعرًا وفاة مولانا جلال الدين الرّومي محددًا التاريخ بالخامس من جمادى الثانية من عام 672م الموافق للسابع عشر من كانون الأول من عام 1273م، وهو نفسه التاريخ المكتوب على مرقده الشريف.

يُقال إنه في الليلة الأخيرة التي اشتد فيها مرض مولانا اضطرب المحيطون به اضطرابًا عظيمًا وكان سلطان ولد ابن مولانا يأتي في كلّ لحظةٍ إلى عند رأس والده وعندما لا يتحمّل هذه الحالة كان يخرج من الحجرة. وقد نظم مولانا غزلاً في ذلك الوقت، وهو آخر ما نظمه:

امض وضع رأسك على الوسادة واتركني وحدي

اتركني متعبًا ساهرًا مُبْتلى

نحن وموجُ العشق وحيدين من الليل إلى النهار

فإن شئت فتعال من فضلك، وإن شئت فامضِ

الليلة الماضيةُ في المنام رأيتُ شيخًا في محلة العشق

أشار بيده قائلاً: ارحل إلينا

ويروي الأفلاكي أن زوجة مولانا قالت له في ذلك الوقت: مدّ الله عمر مولانا إلى أربع مئة سنة لكي يملأ العالم بالحقائق والمعارف، فقال مولانا: هل أنا فرعون؟ هل أنا النمرود؟ نحن لم نجي إلى عالم التراب من أجل البقاء، نحن محبوسون في حبس الدنيا أرجو أن نصل قريبًا إلى مأدبة الحبيب، ولولا إصلاحُ الفقراء وإرشادهم لما اخترتُ لحظة واحدة الإقامة في مستقر التراب.

يوم وفاتي عندما يكون تابوتي منطلقًا

لا تظن أنني متألمٌ من أجل هذه الدنيا

لا تبكِ عليّ ولا تقُل وآ أسفاه وا أسفاه!

تقع في حبائل الشيطان حين يأتي منك هذا التأسف

وعندما ترى جنازتي لا تقل: فراقٌ .. فراق

فذلك الزمان هو زمانُ الوصال واللقاء عندي

وإذا ما أودعتني القبر، فلا تقل وداعًا وداعا

ذلك لأن القبر سرٌّ لاجتماع الجنان

إذا رأيت النزول فانظر إلى الصعود

فلماذا يكون الغروب إيذاءً للشمس والقمر؟!

وأيّة بذرة دُفنت في الأرض ولم تنمُ

فلماذا يكون لديك هذا التشكيك في بذرة الإنسان

يتراءى لك أنني دُفنت في التراب

إن تحت قدمي هذه السماوات السبع

لم يكن مولانا جلال الدين الرّومي منزعجًا من الموت أو مستغرقًا في الانشغال به، فما الموت إلا خطوة للانتقال إلى لقاء المحبوب.

يروي الجامي في نفحات الأنس أنه عندما انتشر خبرُ مرض مولانا في قونيه أخذ الناس يأتون لزيارته والاطمئنان على صحته، وجاء الشيخُ صدرُ الدنيا وقال له: شفاك الله شفاءً عاجلاً، ويكون لك رفع درجات، آملُ أن يصحَّ بدنُك، لأن حضرة مولانا روحُ العالم. فقال مولانا: بعد هذا شفاء الله لكم، فما بقي بين العاشق والمعشوق إلاّ قميصٌ من الشعر، ألا تريدون أن يتصل النورُ بالنور!

ويندهش سبهسالار المؤرخ لحياة مولانا من فرح الرّومي وترحيبه بالموت الذي تجسده أشعاره وكلماته، ويتعجّب من أن يكون مخلوقًا قبله أو بعده ضارع كلامه في هذا الشأن.

يقول مولانا في بعض أشعاره:

يا من تطيرُ من هذا القفص الضيق وتشدُ الرحال إلى ما فوق الفلك

انظر إلى الحياة الجديدة بعد هذا إلى متى تتحمل حمق هذه الدنيا

إن لباس هذا الجسم من شأن الغلمان فارتد قميص العظمة

الموتُ حياةٌ وهذه الحياة موتٌ لكن نظر الكافر يُظهر العكس

إن جملة الأرواح التي غادرت هذا الجسد حيّة ومتواريةٌ الآن مثل الملائكة

فإن تهدّم منزلُ الجسمِ فلا تتألم واعلم أيّها السيدُ أنها مجرد باب للسجن

وعندما تخرج من السجن ومن غيابة الجُبِّ تكونُ مثل يوسف المصري ملكًا ورئيسًا.

عند غروب شمس يوم الأحد السابع من كانون الأول/ديسمبر من عام 1273 حُمل نعشُ مولانا بإجلال تام واكتظت شوارع المدينة بحشود من الناس من كافة طبقات الحياة، رجالا ونساء وأطفالاً وعامة وخاصة، ونصارى ويهود وروم وعرب وترك وغيرهم، ويذكر محمود مثنوي خان الذي روى قصة حضور أهل الأديان للجنازة أن أحد المسلمين سأل النصارى واليهود : ما علاقتكم بمولانا؟ فقالوا: إذا كان لدى المسلمين في منزلة مُحمّد، فقد كان لنا بمنزلة موسى وعيسى، وإذا كان لكم إمامًا ومُقتدى فإنه يُعدُّ عندنا قلبنا وفؤادنا.

ويعبّر عن ذلك سلطان ولد قائلاً: جعله النصارى معبودًا لهم، ورآه اليهودُ رائعًا مثل هود، قال قومُ عيسى: إنه عيسانا، وقال قوم موسى: إنه موسانا، وقال المسلمون: إنه خلاصة الرسول ونوره. قالوا: إنه بحرٌ عظيمٌ وعميق.. واستمر الأمرُ هكذا لأربعين يومًا، لم تخبُ لحظة الأشواق والحُرق، ثم بعد أربعين يومًا مضوا إلى منازلهم، صاروا جميعًا منشغلين بهذه الحكاية، كان حديثهم كلهم ليلاً ونهارًا: إن ذلك الكنز غدا دفينًا تحت التراب، وذِكر أحواله وحياته، وذكر أقواله وكلامه الشبيه بالدُّر.

صار مقام مولانا قبلة للعاشقين والمحبين، ومما عُلق على هذا المقام الشريف بلسان أحد العاشقين:

هذا المقامُ بمثابة كعبة للعُشّاقِ

من أتاه ناقصًا رجع كاملاً مكتملا.

 

بقلم: خالد محمد عبده

...............

المصادر:

- فرانكلين د. لويس: الرومي ماضيًا وحاضرًا، حياة جلال الدين الرومي وتعاليمه وشعره. ترجمه إلى العربية وراجع أصوله الفارسية وقدّم له: أ.د. عيسى علي العاكوب، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب.

- بديع الزمان فروزانفر: من بلخ إلى قونيه، سيرة حياة مولانا جلال الدين الرومي، ترجمة: د.عيسى علي العاكوب، دار الفكر، سوريا.

- جيهان أوقويوجو: مولانا جلال الدين الرومي، دار النيل، مصر.

- أنّا ماري شيمل: الشمس المنتصرة، دراسة آثار الشاعر الإسلامي الكبير جلال الدين الرومي، ترجمه عن الإنكليزية وقدّم له وراجع مادته الفارسية الدكتور عيسى علي العاكوب، مؤسسة الطباعة والنشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، إيران.

 

جعفر حسن والميادين

katrin michaelإستمعتُ الى مقابلة الفنان العراقي جعفر حسن على شاشة الميادين عبر برنامج بيت القصيد، تمتعتُ بالحديث وقلمي يُدون ماسمعته وهذه ملاحظاتي:

الفنان جعفر حسن يتمتع بتشخصية الفنان المثقف المناضل المتواضع ذكر في المقابلة مرتْ علي ايام ولم يكن لي طعام ولا مصروف لوجبة طعام عاني من الغربة والغبن والاضطهاد والتشرد على يد النظام الدكتاتور صدام .

غنى (لاتسألتي عن عنواني، لي عنوان في كل مكان، تنبأ بمستقبله وأصبح له عنوان في كل مكان كونه دخل الى بيوت كثيرة في العالم من خلال لحنه وغنائه)، وإكتوى بمرض الغربة

جعفر حسن قارئاً ممتازاً لجماهيره، ومتحدِّثاً لبقاً، ومتابعاً لشؤون حياة المواطن في البلد الذي يعيشه وقد تعلَّم من تجارب الفنانين الآخرين، فهو يحمل هموم المجتمع الذي يعيشه على كتفه ليرتقي به إلى الأفضل غنى للمرأة للفلاح للعامل للطلبة غنى متضامننا مع الشعوب المنكوبة وفي مقدمتها الشعب العراقي الفلسطيني افريقيا وامريكا اللاتينية. أجاد غناء الاغنية السياسية إستطاع ان يحظن الالام السياسيون .

يحترم من يجادلهُ ويتعلم منه، و يُميز بين الأفكار والاتجاهات المختلفة، يشعر بمسؤولية كبيرة تجاه وطنه وتجاه الشعوب المظلومة . هدفه وضع كل امكانياته في خدمة الشعب العراقي المذبوح ويستمد قوته من ثقافة وتاريخ شعبه .

لم تستطع الحكومات السابقة والحالية المتتالية تقييم المثقف والفنان السياسي،حيث يحمل هموم الناس ويضعها امام السياسي ويتمعن بامور السياسة، وله وظيفة تشخيص اخطاء السياسيين وفق وجهة نظره ممكن ان تكون صحيحة او بالعكس والفنان هو جزء من هذه الشريحة الذي يحس مهمته تمثيل أراء جمهوره للدولة والجمهور وهي عملية تثقيفية وتوعية صحيحة في كل المجتمعات المتطورة .

السياسة القمعية للانظمة الدكتاورية اثرت تأثيرا سلبيا على تطوير ومحاربة المثقف العراقي وكان الفنان المعارض هو في المقدمة فوقع لاجئا الي الدول الجارة هاربا من جحيم النظام الديكتاتوري الصدامي وكان جعفر حسن أحدهم .

كانت الحكومات السابقة في العراق تُقيمْ الكاتب او الفنان وحتى الاكاديمي وفق نهجه السياسي في عمله وليس وفق امكانياته المهنية . هذا مما فقد الشعب العراقي طاقات هائلة واكبر مثال على فقدان العراق أحد فنانه جعفر حسن وأصبح لاجئا في اليمن وأصبح يُلحن ويُغني للعراق لليمن لسوريا لفلسطين، الامارات .

أثبت إنه يُبدع بفن الممكنات ويُخرجها بقالب يتقبلها جمهوره وهذا جاء على لسانه إنه يتفنن بالشعر كي يتماشى مع لحن الاغنية وهذا روعة في الابداع الفني .

إنه الفنان الذي يُرشد الناس بلحنه وغنائه وإختيار كلماته بأسلوب يراه مناسبا ليدخل السلام والطمأنينة الى قلوب جمهوره الذين يعيش بينهم حيث يتعلم ويأخذ منهم ويعطي لهم. يُساهم لبناء البنية الاجماعية السليمة بعيدة عن الطائفية بعيدة عن الطائفية والقومية المتعصبة في بلده العراق .

 

ماذا نطلب من الفن والفنانين والدولة

الشعب العراقي اليوم يحتاج المثقف والفنان العراقي لتوعية الشعب والجمهور والدولة لبناء عراق يسوده روح التسامح والاخوة ونبذ سياسة العنف التي تشجعها بعض الاطراف داخل وخارج العراق.  

يتطلب من المثقفين نبذ سياسة المحاصصة في التنصيب الوزاري والحكم . نحن المثقفون تهمنا الوزرارات التالية (التعليم – التربية – الثقافة والاعلام – الهجرة والمهجرين –المجتمع المدني –العدل –شؤون المرأة الاقتصاد) نطالب ان تكون بعيدة عن المحاصصة الطائفية والحزبية الموجودة الان .

جمع الفنانيين الحاضرين والمغيبين حاليا عن العراق وعن الساحة السياسية بمؤتمر يناقش كيف يمكن لهؤلاء الفنانين ان يعملو مرشدين للحكومة الحالية الضعيفة ومرشدين للمجتمع بنتاجاتهم البعيدة عن المحاصصة والطائفية والعنف كلها تهلك عراقنا الذي نبكي عليه ونحن ممزقين. بمعنى اخر زج الفنانين لتعميروإصلاح وبناء العملية السياسية . الكثير من المراكز الثقافية ومؤسسات الدولة في الخارج جاءت على اساس المحاصصة والمحسوبية الحزبية وليس الكفاءات العراقية الموجودة في الخارج .

الحفاظ على المثقفين والفنانين والمفكرين والاكاديميين من سيف الارهاب القاتل والزام الحكومة الحالية لتوفير الاجواء اللازمة ليوظفو إمكانياتهم لخدمة الشعب والبلد .

ابراز الحضارة العراقية القديمة وبما فيها حضارة وادي الرافدين العريقة التي يمجدها الغرب وليس العراقيين انفسهم .والتوسع بالكتابة كيف كان الموزاييك العراقي يتعايش دون تدخل الاحزاب الطائفية من خلال الفن والنحت والادب والشعر .

توضيح لرجال الدين المتعصبين المثقفون والفنانون ليسوا اعدائهم بل هم دعم لهم وممكن ان يلتقي رجال الدين المعتدليين الداعيين الى السلام والفنانون الذين بشكل عام يطالبون بوقف سياسة العنف القاتلة والجلوس على طاولة المفاوضات . الفنانون العلمانيون اليوم هم اكثر الناس الدعاة للسلام وهذا يتفق مع تعاليم الديانات السماوية، اذن لماذا لم نلتقي؟

أنهي مقالتي برجاء للعزيز جعفر حسن ان تُغتي عن مذبحة سنجار والموصل وسمي القوميات المغبونة حيث غنيتَ سابقا للمرأة، الان السبايا والاطفال ومن قتلن دون ذنب يرتكبوه.

 

12/17/2014


 

يوسف الصائغ وحكاية تعيينه مديراً عاماً..!

zayd alheliيوم 15 كانون اول من عام 2005، احتشد عدد من العراقيين وانا منهم في دمشق، لوداع الشاعر، متعدد الابداعات يوسف الصائغ بعد صراع مرير مع المرض، أكل من الصائغ وسامته وألقه، وحوله الى حجم ضئيل جداً، اضاع ملامحه، وكلما التقيته، كان يقول لي : لقد انتهيت، فكنت اجيبه بكلمات فيها من التشجيع والثقة بالنفس، ما يسعده للحظات ..

كان يردد على مسامع زائريه على الدوام، حكاية طريفة، كنت بطلها .. فماهي هذه الحكاية ؟

..............................

في العام 1986، ظهر ببغداد عمود صحفي يومي في محليات جريدة (الثورة) اهتم بمناقشة قضايا اجتماعية عامة، بأسلوب جديد، أثار اهتماما كبيراً لدي قراء الصحيفة بسبب جرأة الموضوعات التي يتناولها، وأسلوب كتابته، حيث العبارة الوجيزة ذات النفس الشعري الرشيق، ووضوح الفكرة وتسمية الأشياء بمسمياتها.. العمود المذكور، كان غوصاً في الشعور وفي أعماق الأشياء وكانت سطوره تكتظ بتفاصيل الحياة اليومية!

ومما زاد من اهتمام القراء، عدم معرفتهم بالاسم الصريح لكاتب العمود، حيث كان يذيل بتوقيع (جهينة)... وقد بقي اسم الكاتب مجهولاً لعدة أشهر .. ومع استمرار ظهور العمود اليومي، ازدادت رقعة التساؤلات لمعرفة اسم الكاتب... فالقارئ، مجبول على معرفة اسم من يقرأ له.. ولم يكن يعرف الاسم الحقيقي الا عدد محدود من المحررين فقد اعتاد (جهينة) عند الانتهاء من كتابة عموده، تسليمه الي رئيس التحرير الشاعر حميد سعيد، الذي كان يكتب عموداً يومياً أيضاً علي أخيرة (الثورة) بتوقيع (ح) .. وهو الحرف الأول من اسمه .

استمر كاتب عمود (جهينة ) متخفياً تحت هذا التوقيع، لدرجة ان قراء الجريدة كانوا يبعثون برسائل تتضمن ما يريدون مناقشته من موضوعات، ويلحون في الوقت نفسه علي معرفة اسم الكاتب... وكان في ظنهم أن الكاتب هو رئيس التحرير نفسه !

وفي احدى زياراتي لمبني الجريدة وكنت منسباً منها لرئاسة تحرير مجلة (وعي العمال) التقيت بالكاتب المكنى (جهينة) وهو بالمناسبة صديق قديم لي وكان جالساً وراء مكتبه المتواضع في احدى غرف رواق رئاسة التحرير في الطابق الثاني من المبنى.. وبعد حديث ونقاش، سألته لماذا اختار اسم (جهينة) لتوقيع عموده الناجح في حين أن من المعروف لدينا نحن الصحفيين أن الصديق جليل العطية كان يكتب بهذا الاسم موضوعات عامة، مثيرة، في صحيفة (صوت العرب) البغدادية غير أن اجابته، لم تقنعني، بقوله : أن الاسم (شائع) وهو مثل معروف وليس هناك ضرر من استخدامه باعتباره دلالة ورمزاً .. (وعند جهينة الخبر اليقين)، وقبل أن أغادره، متوجهاً الى الشاعر حميد سعيد، للسلام عليه، قال (جهينة): عند الانتهاء من لقاء (أبو بادية) ويقصد رئيس التحرير ستجد مقالاً بتوقيع (جهينة: هدية مني لمجلة (وعي العمال) فشكرته سلفاً وكان عند وعده !

وخرجت من الجريدة حاملاً مقالاً من صفحتين مذيلاً باسم (جهينة) مع تأكيد بقصاصة مرفق بهما بأنه سيستمر بالكتابة للمجلة !

ونشرتُ الموضوع في أخيرة (وعي العمال) مع تنويه في الغلاف الأول بأن (جهينة) أصبح أحد كتاب المجلة .. وقد كتبت سطوراً في اطار بمقدمة الكلمة .. هذا نصها (يبدأ الشاعر المبدع يوسف الصائغ بكتابة زاوية في كل عدد من وعي العمال) بتوقيعه المعروف (جهينة) ... علماً أن الصائغ مستمر في كتابة عموده اليومي الشهير في الزميلة جريدة الثورة الغراء).

لقد عرف الناس من تلك اللحظة أن (جهينة) هو الشاعر الصائغ .... وللأمانة أقول: إن الصائغ اتصل بيّ بعد صدور العدد وقد امتد به الغضب قائلاً: سوف لن اكتب عندك ...!

ولم يمض على صدور العدد الذي حمل كلمة الصائغ (جهينة) يوم واحد، حتى رن الهاتف في مكتبي ... كان المتكلم شخص من المكتب الصحفي في رئاسة الجمهورية، راجياً تزويده بالاسم الكامل للشاعر يوسف الصائغ ... لم أكن على دراية باسمه الثلاثي، فاعتذرت مشيراً عليه الاتصال بجريدة (الثورة) للحصول على ما يريد ... فشكرني الرجل وفي اليوم التالي علمت أن موظف الرئاسة لم يحصل على مبتغاه، لأن الصائغ لم يكن موظفاً في جريدة الثورة ... وليس لديه اضبارة في الجريدة .... وأغلب الظن أن رئيس التحرير، وهو صديق محب للصائغ هو الآخر لا يعرف!

ولم يستغرق الوقت طويلاً، حتى كان الاسم الكامل للشاعر الصائغ على طاولة رئاسة الجمهورية ليصدر أمر تعيينه مديراً عاماً في وزارة الاعلام!

اذاً، كان عمود (جهينة) متابعاً لدى المسؤولين في هرم الدولة... غير انهم لم يكونوا يعرفون أن الصائغ هو (جهينة)!

اتصلت مهنئاً بالصائغ، وقلت له مازحاً (رب ضارة نافعة) فأجابني بصوته المعروف، شكراً وقهقه فرحاً وأضاف قائلاً بصوت يشوبه العرفان بالجميل: ستصلك قصيدة مني عنك، .... وقد فعل، وهي موجودة لديّ بخط يد الصائغ نفسه، وسأنشرها بكتاب مذكراتي بجزئه الثاني الذي أوشكت علي الانتهاء منه ..

رحم الله الصائغ، المحب للعراق والجمال والنساء!

 

 

 

بعض ما كتب عن المؤرخ زبير بلال اسماعيل

jawdat hoshyarحظي المؤرخ زبير بلال اسماعيل (1938 –1998م) بأهتمام العديد من المؤرخين والكتاب والباحثين والشعراء، الذين أشادوا بدوره الكبير في أستجلاء تأريخ الكرد وكردستان وخاصة مدينته العريقة " أربيل " الحضارة والمبدعين الكبار في شتى ميادين العلم والأدب والتأريخ والثقافة، وقيموا عاليا مؤلفاته الريادية، التي فتحت أبوابا واسعة أمام المؤرخين الآخرين من جيله و الجيل اللاحق ويمكن القول أن معظم من كتب عن التأريخ الكردي القديم والثورات الكردية والمعاهدات الدولية المتعلقة بالقضية الكردية عموما وتأريخ أربيل خصوصا في العقود الأربعة الماضية قد نهل من مؤلفات مؤرخنا الشيء الكثير .

كرس العديد من الباحثين والكتاب دراسات ومقالات عن أعماله العلمية، كما كتب بعض الشعراء قصائد في الثناء عليه وسنتطرق في ما يلي لبعض ما كتب عن المؤرخ الراحل:

 

1 – الشاعر الشهيد مهدي خوشناو

كتب الشاعر الشهيد " مهدي خوشناو " مقالا رائعا ومؤثرا عن المؤرخ الراحل في جريدة " خبات " بعددها الصادر في 16-12-1998 أي في اليوم التالي لوفاته، يقول فيه انه كان احد الطلاب الذين درّسهم المؤرخ الراحل مادة (التأريخ) في معهد المعلمين في أربيل، ويتحدث عن مناقب الفقيد ومآثره واخلاقه السامية و تواضعه الجم، هذه الصفة الحميدة التي هي صفة كل عالم حقيقي، وقال ان أربيل وزبير بلال اسماعيل تؤمان لا ينفصلان، واننا عندما نذكر مدينة أربيل نذكر معها دائما مؤرخها الكبير زبير بلال أسماعيل .

وفي عام 2001 نشرالشاعر الشهيد، ملحمة شعرية تحت عنوان " "هه ولبره كه م" أي " هوليري " في جريدة " خبات " الغراء، تحدث فيها عن عراقة أربيل وحضارتها في أوج ازدهارها ودورها الكبير في الحركة التحررية الكردية، وقد رسم الشاعر في هذه الملحمة صورة قلمية مؤثرة للمؤرخ الراحل ووطنيته الصادقة والخدمات التي قدمها لأربيل والحركة التحررية الكردية بأستجلاء تأريخ الكرد وكردستان .

 

2 – د.زينب جابي

كتبت د. زينب جلبي عدة دراسات مهمة عن المؤرخ الراحل، منها :

- لمحات عن حياة و مؤلفات المؤرخ الكبير زبير بلال أسماعيل

- المؤرخ زبير بلال إسماعيل: رحلة العطاء والتعب

- المؤرخ زبير بلال اسماعيل فى ذكرى متجددة

- المؤرخ زبير بلال اسماعيل : الرائد الأول والأبرز في تدوين تأريخ أربيل

- أربيل فى أدوارها التأريخية " نقطة أنعطاف فى دراسة التأريخ الكردى "

وتقول د. جلبي في الدراسة الأخيرة:

مصائر الكتب مثل مصائر البشر، حيث لا تقاس أهمية أى مفكر أو مؤرخ أو عالم بكثرة مؤلفاته القيمة فحسب، بل بمدى تأثيره فى جيله والأثر الذى يتركه بعد رحيله . ومؤرخ الكرد وكردستان الكبير زبير بلال أسماغيل (1938- 1998) م أحد أبرز رواد كتابة التأريخ الكردى فى النصف الثانى من القرن العشرين، كان له أبلغ الأثر فى تحديد مسار كتابة تأريخ الكرد وكردستان الحافل بالأحداث الجسام .. وفتحت مؤلفاته آفاقا جديدة للمؤرخين من جيله والأجيال اللاحقة . كان الراحل العظيم يخوض فى بحر من المجهول، حيث ان تأريخ الكرد وكردستان ، كان يكتنفه الغموض الى حد كبير . وما دونه (المؤرخون) العرب عن الشعب الكردى -عن بعد - كان مجرد أوهام وخرافات لا يصدقها أى عاقل . ولم يكتبوا شيئاً ذا قيمة، أضافة الى ان تلك الكتابات كانت ملاحظات عابرة ومشتتة فى ثنايا مؤلفاتهم المكرسة أصلا لتأريخ شعوب أخرى

 

3 – د.جواد كاظم البيضاني

الدكتورالبيضاني باحث عراقي جاد يتسم اسلوبه بالموضوعية والرصانة العلمية، وقد أولى اهتماما ملحوظا يالثقافة الكردية والنتاج الفكري الكردي . وكتب دراسة قيمة تحت عنوان " زبير بلال اسماعيل أول مؤرخ كردي يهتم بدراسة التاريخ القديم "

تحدث البيضاني في هذه الدراسة القيمة عن السيرة الحياتية والعلمية للمؤرخ الراحل وأهم مؤلفاته ومنهجه التأريخي . يقول البيضاني " سلك المؤرخ زبير بلال منهج الاثاريين في تدوين التاريخ فهو يعتقد ان الآثار الملموسة والوثيقة هي الوسيلة التي تمكن المؤرخ من الوصول الى غايته،والحقيقة فأن هذا المنهج في التصنيف عمل به كبار المؤرخين العراقيين امثال طه باقر، وجواد علي، وفاضل عبد الواحد وآخرون وكان اول كتبه التي صنفها بهذا الاسلوب العلمي الرصين كتاب (اربيل في ادوارها التاريخية) والذي جمع فيه بين منهج المؤرخ في التدوين واسلوب وطريقة الاثاري بالاستقصاء في البحث والاستسقاء، والحقيقة ان هذا الكتاب مثل تحولا كبيرا في كتابة التاريخ الكردي، فقد جمع مؤرخ هذا لكتاب تاريخ مدينة اربيل لفترة اربعة الاف عام أي من المرحلة الاكدية وحتى الاحتلال الانجليزي وهي فترة طويلة .

هذه المزايا دفعت البعض للاعتقاد ان كتاب (اربيل في ادوارها التاريخية) هو افضل ما كتب عن تاريخ هذه المدينة . يقع الكتاب في (382)صفحة وقد صدرت طبعته الاولى عام 1971 م . ويبدو ان فترة العشر سنوات التي قضاها بين تخرجه وصدور هذا الكتاب قضاها في تاليف هذا المصنف المهم، فأي باحث يتناول تاريخ هذه المدينة لابد من اعتماده كمصدر ضمن قائمته فهو بحق موسوعة لتاريخ اربيل جمع فيه من المعلومات ما لم نجدها في كتاب اخرسبقه .

وفي عام 1984 صدرت له دراسة تحدث خلالها عن علماء اربيل واثرهم في التاريخ الاسلامي . وما يؤسف له ان هناك كتابا له لا يزال مخطوطا يتحدث فيه عن علماء اربيل واعلامها اضافة الى اعلام الكرد يقع هذا المخطوط في ثلاثة اجزاء . كما ان له كتابا اخر تحدث خلاله عن مدينة اربيل حمل عنوان (تاريخ اربيل) صدر هذا الكتاب في عام 1999 اما كتاب (اربيل بين الماضي والحاضر) والذي صدر عام 1987 فهو لا يقل اهمية عن باقي كتبه التي تحدثت عن مدينة اربيل

لقد تميزت كتب المؤرخ زبير بلال الخاصة بمدينة اربيل بالاعتماد على الوثائق التاريخية والآثار والشواهد المادية وهو بذلك يبتعد عن منهج معظم المؤرخين القائم على اساس الاخبار والروايات ولعل سبب ذلك يعود الى الغموض بالكتابه التاريخية في بعض المراحل خاصة غير المدونه منها وهذا لايعني ان هذا المؤرخ ابتعد عن الموروث الكتابي .

بيد انه قام بتتبع حلقات الخبر والرواية التاريخية لاكتساب منهجية اكثر دقة ورصانه في التدوين

 

4- محمد مصطفي الصفار

- زبير بلال اسماعيل .. مؤرخ مدينة اربيل حياته ونتاجه الفكري

- المؤرخ زبير بلال اسماعيل و دوره فى تدوين تأريخ الكرد وكردستان

 

5 - كريم شارزا

المؤرخ والباحث الآثاري الكوردي زبير بلال اسماعل

يتحدث الكاتب في هذا المقال الذي نشر اولاً في جريدة " خبات " ثم في صحف ومجلات ورقية ومواقع الكترونية ومنها موقع (ويكيبيديا) الشهير، عن دور مؤرخنا في أحياء التأريخ الكردي وعن مؤلفاته والمخطوطات التي تركها بعد رحيله . وقد استند الأستاذ كريم شارزا في مقاله الى معلومات موثقة وشهادات بعض المثقفين من زملاء المؤرخ الراحل .

 

6 - صبحي ساله يى

زبير بلال اسماعيل

كتب الكاتب والصحفي الكردي المعروف الأستاذ صبحي ساله يي مقالاً مركزاً وجميلاً عن مؤرخنا يقول فيها : تذكرت الاستاذ الذي علمني اكثر من حرف، تذكرت الاستاذ الذي رحل في الخامس عشر من شهر كانون الثاني 1998 والذي كرس حياته من أجل تدوين تأريخ أمتي ووطني على أسس علمية دقيقة.

تذكرت الراحل زبير بلال اسماعيل الذي فاجأ الاوساط الثقافية الكوردستانية والعراقية في عام 1971 عندما اصدر (اربيل في ادوارها التأريخية) والذي اعتبره البعض في حينه موسوعة تأريخية. كما تذكرت كتابه الشهير (تأريخ اللغة الكوردية) و(علماء ومدارس في أربيل) الذي ضم تراجم لعدد كبير من علماء اربيل واشهر مدارسها، ولعل من المفيد هنا ان نذكر بأن وزارة الثقافة في حكومة أقليم كوردستان اصدرت قبيل وفاة استاذنا كتابه القيم (تأريخ اربيل)، ذلك الكتاب الجديد في المضمون والمختلف عن بقية كتب التاريخ.. وحيث كانت القضية الكوردية والحركة التحررية الكوردستانية من أولى اهتمامات مؤرخنا العلمية والتأريخية، فقد نشر العشرات من الدراسات وصدر له وبعد وفاته بوقت قصير كتاب (ثورات بارزان) الذي تناول فيه وبالتفصيل وبكل دقة وحيادية تأريخ تلك الثورات.

وذاعت شهرته في الاوساط الاستشراقية حتى اصبح مرجعاً للكثير من طلبة الدراسات العليا والباحثين في مجالات التأريخ الكوردي، ويشهد الجميع على وقفة الراحل بكل صلابة امام الذين حاولوا المساس بقلعة اربيل التأريخية، حينما اراد عملاء النظام الصدامي هدم بيوت قلعة اربيل حيث ارسل، مع عدد اخر من المثقفين، برقية الى السلطات يطالب فيها بوقف فوري لعملية الهدم والتخريب

 

7 - د. محسن محمد حسين

- حول قلعة اربيل ـ وفاءً للراحل الكبير زبير بلال اسماعيل

كتب د. حسين مقدمة جميلة للدراسة العلمية التي كتبها المؤرخ زبير بلال اسماعيل عن قلعة أربيل وقدمت الى السلطات المختصة في اقليم كردستان عام 1996 بأسم " هيئة انقاذ قلعة أربيل " التي كان مؤرخنا عضواً فيها، عندما فكرت بعض الجهات في استقطاع جزء من بدن القلعة لأنشاء دكاكين ومحلات تجارية على حساب أهم أثر تأريخي في كردستان، حيث بين المؤرخ الراحل في دراسته أهمية الحفاظ على القلعة كاملة ومصانة وعدم التفكير في المساس بها بأي شكل من الأشكال . ونتيجة لهذه الدراسة الرصينة والمقنعة صرفت السلطات النظر عن المشروع المطروح آنذاك لأستقطاع جزء من جسم القاعة .

 

8 - شيرزاد هيني

كتب الروائي الكردي المعروف شيرزاد هيني رواية تحت عنوان " هولير - ابن المستوفي " جعل من مؤرخنا أحد أبطالها الرئيسيين، ويذكر الروائي على لسان أحد شخوص الرواية انه كان الأجدر وضع تمثال للمؤرخ زبير بلال أسماعيل في باب قلعة أربيل لأنه جدير بذلك، ربما أكثر من أبن المستوفي .

 

9–أدرجت جامعة بغداد ضمن خطتها البحثية لعام 2013 بحثاً لـ(أ . د. نداء نجم الدين احمد) تحت عنوان (من علماء اربيل العالم والمؤرخ والاثاري زبير بلال اسماعيل)

11- كتبت عشرات الدراسات و المقالات عن مؤلفات المؤرخ الراحل منها :

11/ 1- 1مقال آزاد عبيد صالح

- حول كتاب " تأريخ اربيل)، مجلة رامان، العدد50، 5أغسطس 2000

                                                                                    

11 / 2 - جريدة عراقنا اليوم

زبير بلال اسماعيل : الأختام الاسطوانية .. تراث عراقي قديم

11/3- روست نوزاد

12- معالم من مدينة أربيل ..جامع الشيخ جولي .. مركز ديني خيري وثقافي

13- تم اعتماد مؤلفات مؤرخنا كمصادر رصينة عن التأريخ الكردي في العديد من الرسائل العلمية في داخل العراق وخارجه وكذلك في البحوث والدراسات والمقالات التي تتناول التأريخ الكردي وخاصة تأريخ مدينة أربيل ومعالمها وآثارها التأريخية وعلماءها ودور العلم والعبادة فيها .

 

رضوى عاشور في الظلام

mohamad alialtaieفي يوم كدر، اطفئ الظلام قبس النور الذي اضاء الوجوه وصفحات الكتب، ليختفي ذلك الضياء الرحب في غياهب العتمة، رضوى عاشور رحلت، القامة الادبية الكبيرة تغرق في الظلام، مخلفة وراءها حزن عرم وكدر لا ينقضي . تقف الاقلام مشدوهة وتحجم الالسنة عن النطق ازاء هذا المصاب الجلل .

لقد جف حبر قلمي وانا اكتب كلماتي هذه فوجدتني املأ قلمي بدمعي لأرثي .. ارثي من ياترى ؟ أأرثي نفسي .. ام ارثي هذا العالم بفقدان هذا الطود العظيم ؟ ام ارثي مكتبتي الحزينة بعد ان كفت عن استقبال كلمات صاحبة ( ثلاثية غرناطة) و (اطياف) و (الطنطورية) .. وغيرها من الانهار والجداول التي شقتها رضوى عاشور بقلمها لتوصل لنا الكلمة البناءة والاحساس الدافئ مع كل خطوة يخطوها قلمها فوق السطور ليشكّل لنا حياةً بأسرها .

حسب كل امرء بعد رحيله ان يخلّف ورائه بصمة يُذكر بها، فكيف بـ (بصمات) رضوى عاشور ! تركت ارثا عظيما .. تركت صفحات ملؤها الغنى، صفحات قرأها الاعمى وسمعها من به صمم، فرضوى عاشور لم تمت .. ولن تموت، سيبقى ماكتبت نُصب اعيننا .. في قلوبنا ماحيينا، فالعظماء لا يموتون ابداً بل يبقى ماانجزوا وماصنعوا يحوم حول الارض ليرعاها ويمنحها الصدق والدفء .

تغمد الله الكاتبة الكبيرة رضوى عاشور بواسع رحمته والهم زوجها الشاعر الكبير مريد البرغوثي وولدها الشاعر المبدع تميم البرغوثي الصبر والسلوان مع مالديهما من الفخر بالأم والكاتبة والسيدة المصرية رضوى عاشور .

 

بقلم محمد علي الطائي

الاربعاء 3 / 12 / 2014 م

مـحـمـد مـكيـة .. مئة عام من الزُهد والإبداع

hashem mosawiفي هذا العام بلغ شيخ المعماريين العراقيين محمد مكية عامه المائة، متعه الله بالصحة والعافية، وأعطاه طيلة العمر. وهو يعتبر رائد الحداثة في العراق وواحد من أبرز رواد الحداثة في مجال الهندسة المعمارية إن لم يكن من أبرزهم على الإطلاق.

وُلد الدكتور محمد صالح مكية في الرابع من نيسان سنة 1914م، في محلة صبابيغ الآل المجاورة لجامع الخلفاء ومنارته الشهيرة بمنارة سوق الغزل في بغداد. واصل دراسته الإبتدائية والمتوسطة والإعدادية فيها، وسافر سنة 1935م في بعثة لوزارة المعارف العراقية (التربية حالياً) إلى بريطانيا والتحق بجامعة ليفيربول، ودرس الهندسة المعمارية فيها وحصل على شهادة البكالوريوس سنة 1941م، وحصل على الدبلوم في التصميم المعماري من الجامعة نفسها، أما الدكتوراه فقد حصل عليها عام 1946م من كلية (كينغز/جامعة كامبردج/بريطانيا)، وكان موضوع أطروحته (تأثير المناخ في تطور العمارة في منطقة البحر المتوسط). وعاد إلى بغداد في العام نفسه، وأنشأ (شركاء مكية للاستشارات المعمارية والتخطيط (وبعدها أُقيمت شركات مكية في كل من البحرين، وعُمان، ولندن، والكويت، والدوحة، وأبو ظبي ، ودبي، أنتُخِبَ عام 1952م خبيراً في الأمم المتحدة، وأنتُخِبَ رئيساً لجمعية التشكيليين العراقيين في بغداد عام 1955م، وأنتُخِبَ عام 1967م عضواً للمجلس الدولي للنُصب التذكارية في روما، وفي 2003م حصلَ على جائزة أفضل إنجاز مدى الحياة في مدينة دبي، وهو الذي أسس ديوان الكوفة في لندن عام 1987م، وشارك في فعاليات مؤتمر بغداد عاصمة الثقافة العربية عام 2013م برعاية جامعة بغداد والمعهد الفرنسي للشرق الأدنى ومكتب منظمة اليونسكوفي العراق، ولايزال الدكتور مكية رغم بلوغه المائة عام متوقّد الذهن متابعاً جيداً للأحداث ولايزال يطمح للأستفادة من منجزاتهِ الإبداعيّة.

 

579-hashim

أسس الدكتور محمد مكية قسم الهندسة المعمارية في كلية الهندسة بجامعة بغداد عام 1959م، وكذلك صمم جامع الخلفاء عام 1960م ثم أضاف التوسع إليه عام 1980م وكان هذا التصميم المبتكر قد أحتوى على التراث الذي أضفى فيه الطابع الإقليمي على الشكل.

كَتَبَ عنه (محمد أركون) أستاذ تاريخ الفكر الإسلامي في جامعة السوربون: أن محمد مكية قد نفخ حياة جديدة في العمارة الإسلامية بدمج تراثها الفني بأفضل ما في الثقافة والتكنولوجيا الحديثة.

وقال المهندس (شارل كوريا) المخطط المعماري: أن محمد مكية مهندس معماري ذو أهمية عظيمة في العالم الإسلامي، وعملهُ يثير منافذ ذات اهتمام حيوي للمحترفين.

وقال السير (هيو كاسون) الرئيس السابق لأكاديمية الفنون الملكية في أنكلترا: أن أعمال محمد مكية تستحق أن تثير اهتماماً أوسع في العالم الإسلامي والعربي.

ومن المعروف عن هذا الرائد في العِمارة العراقية الحديثة بأنه لم يكتفِ بتتبع خُطى العِمارة القديمة أو مجرد محاكاتها بل حاول إحياءها وفقاً لموهبتهِ الشخصية، وتطعيمها بالأشكال الحديثة. وقد هُيئَ له تطوير أساليب العِمارة التقليدية وتحويلها إلى أسلوب يلاءم هذا العصر. ولمكية مشاركة في تأليف كتاب (بغداد) الذي نشرته نقابة المهندسين العراقيين ثم ظهرت له عن دار الساقي في لندن طبعة جديدة.

صمم بنايات كثيرة على مستوى العالم، ففي العراق، فضلاً عن جامع الخلفاء، صمم بناية جامعة الكوفة (1969 ولم يُنفذ)، وفي البحرين صمم بوابة مدينة عيسى وفي الكويت صمم المسجد الكبير، وفي إسلام آباد في الباكستان صمم جامع إسلام آباد، وفي مسقط بعُمان صمم جامع السلطان قابوس الكبير، وفي تكساس بالولايات المتحدة صمم جامع تكساس، وفي روما صمم جامع روما، هذا فضلاً عن عشرات البنايات التي صممها منذ الستينات وحتى التسعينات من القرن الماضي في بغداد والبصرة وكربلاء وغيرها ومنها بنايات لمصرف الرافدين ولجوامع ولدواوين حكومية ولمكتبات ولبيوت وشخصيات منها بيت الدكتور فاضل الجمالي (رئيس الوزراء العراقي الأسبق) في الأعظمية ببغداد ودار الأميرات في المنصور، ومبنى المستوصف العام على ساحة السباع 1949م، ومبنى بلدية الحلة 1951م، وفندق ريجنت بالاس بشارع الرشيد 1954م. وكانت تصاميمه تحظى –باستمرار- بالتقدير والتكريم، وتفوز عن طريق لجان التحكيم.

صدرت عن دار الساقي في لندن مذكراته وبعنوان (خواطر السنين). كما أن تصاميمه تنتشر على طول العالم وعرضه .. من بغداد فالبحرين فالكويت فالرياض بالسعودية، فإسلام آباد بالباكستان فروما في إيطاليا فتكساس في الولايات المتحدة الأمريكية.

لقد طرز تصاميمه بالريازة العباسية، واستخدم الخط العربي، واستفاد من التقنيات الحديثة.. ويقف جامع الخلفاء ببغداد 1961م، والذي يُعد آية في الفن المعمالري الإسلامي، وبناية مصرف الرافدين في شارع البنوك ببغداد مثالاً بارزاً لمنجزات محمد مكية المعمارية.

وفي مقالةٍ له عن (تطور فن العِمارة في بغداد) نُشرت في عام 1968م، قَدم لنا مكية عرضاً تاريخياً شاملاً لتطور فن العِمارة في بغداد، مستخلصاً أبرز الخصائص المعمارية التي تميزت بها عمائر هذه المدينة، بالاعتماد على ما سجله المؤرخون البلدانيون حول معالمها العِمرانية من معلومات، وما ورد في كتب الأدب والرحلات من نصوص وتحريات بلغات عدة. وحسب هذا المعماري الرائد لم يكن هناك فن للعِمارة الإسلامية، تتجسد فيه كل الخصائص الجديدة، "قد ظهر للوجود، قبل أن تتولى بغداد تكوينه وإبداعه". فالتمدن الإسلامي في هذه البقعة من العالم القديم، أوجد حاضرة تولت مسؤولية تمدن سريع نَجَمَ عنه نشاط حضاري في كافة الميادين، مما جعل منها حاضرة العالم الإسلامي ودار الخلافة العباسيةومركزاً تجارياً هاماً جمع إليه الناس من كل الأقطار والأمصار، حتى أصبحت كما قيل "الدنيا بادية وبغداد حاضرتها". إذ أنه يعتبر أن فن العِمارة قبل قيام بغداد، "لم تتوفر له الفرص والإمكانات ليهيمن على تكوين منشآتها الجديدة أكثر من أن يحاول تحقيق مسقفات واسعة كانت تجمع بين عناصر الفن الأغريقي والروماني والهلنستي، تلك التي ظهرت معالمها واضحة في الإنجازات المعمارية التي تحققت في بلاد الشام إبان الحكم الأموي. فقبة الصخرة والجامع الأموي بعد تجريدهما من زخارف التكسية السطحية هما معالم تاريخية أكثر من كونهما معالم لمنجزات في فن العِمارة الإسلامية الخالصة".

وأسوء ما تعرض له محمد مكية من حزن، هو عندما أعد تصميماً لجامعة الكوفة في العامين 1967-1968م وحصلت الموافقة من رئيس الوزراء في حينه (طاهر يحيى)(توفي 1986)، وكان معه أكاديميون وعلماء كلٌّ في اختصاصه، وبينهم العلامة (علي الوردي) (توفي 1995)، على أن تكون شبيهة بالجامعات الدُّولية الكبرى، فالكوفة دار حضارة قديمة، وتقع على الفرات أو ملتقى الطرق، حسب تعبير مكية نفسه، لكن إنقلاب 17 تموز 1968م قضى على مشروع الجامعة الأهلية الأولى من طرازها، من حيث الإتساع في المهام، وما أقيم بهذا الاسم، فيما بعد، ليس له صلة لا من بعيد ولا من قريب بذلك المشروع. ولأن الفكرة ضلت تراود مكية، استقر بلندن وأنشأ ما سماه بديوان الكوفة (1986-2006م)، كان ملتقىً للثقافات والمثقفين. عشرون عاماً كم استضافت صالته من ندوات ومحاضرات ومعارض تشكيلية، والبداية كانت كمكتب هندسي، آخر الجوائز (1994م) التي فازت بها تصاميم محمد مكية تصميم بيت العدل بالرِّياض، أو مجمع المحاكم، بعد منافسة مع مكاتب دولية، وهو مازال يسأل هل السُّوق الشَّعبي ظل يجاور البناء؟ وكان له قصد فيه، وهي فكرة عميقة الدلالة، فالعدل يهم الناس فيكون البناء نابعاً بينهم متواضعاً لهم. وظَل تصميمه الأشهر ببغداد فهو جامع الخلفاء (افتتح 1963م)، الذي شُيِّد على بناء الجامع العباسي القديم.

واخيراً أود أن أدون وصيته إلى العراقيين: (( أيها الأعزاء والأحباء في بغداد الروح والوجدان والمعاني الكبيرة – بغداد أيها الأحباء جوهرة من جواهر العصر، ربما تمرض، وربما تتعب وتئن – لكنها لا تشيخ فزمن المدن العظيمة مغاير لتفسيرنا للزمن. بغداد عزيزة وغالية عندنا غادرناها مضطرين، عرفنا أن شيئاً من تراثنا علق هناك على ضفاف دجلة – في الأزقة – في المقاهي – والشناشيل – والساحات، من المؤسف أن بغداد تتعرض إلى تشويه لذاتها وصفاتها منذ عقود – من المؤسف أن العمايرة لم تكن تفشي إلى تلك العلاقة الأصيلة مع النهر والضفة والروح الساكنة بينها – أوصيكم ببغداد – استمعوا إليها – أصغوا إلى صوتها كثيراص ستكتشفون في حركة الشجر والنخيل – وفي دفق ماء النهر – في الضحكات الصافية – تأملوا لونها تجدونهُ في الطابوق في الخشب – في زرقة الماء – في سمرة الأهل، ديوان الكوفة ينتمي إلى بغداد بكلِ إرثهِ وتراثهِ التاريخي لذلك أطالب إلى إعادته إلى مكانه الطبيعي في بغداد، أيها الأصدقاء والأبناء والأحفاد لكم مني كل المحبة والعرفان – اعتنوا ببغداد لتعتني بكم، اعتنوا بالعراق الذي منحنا الكثير رغم الأوجاع)).

وفي زمن الخذلان حيث شاءت الأقدار أن يعيش أكثر الباحثين عن التنوير في العراق بأن يعيشوا خارج وطنهم، لازال هذا الرجل وفي هذا العمر بعد أن أتعبته السنون بإعادة إعمار بغداد التي دمرها الإحتلال وهو يتحدث عن شارع المتنبي والحيدرخانه والباب الشرقي وشارع الرشيد وأبو نؤاس. وهو يعيش بأحلام نابضة بالآمال، متوقد المشاعر، وبنشاط ذهني متميز يدعو إلى حماية البيئة من خطر التلوث الذي أصبح يُطبِق على كافة مُدننا العراقية.

جميلة زنير في مملكة الرياحين

fatimaalzahraa bolaarasكانت جميلة جدا هذه الأمسية الهادئة الحميمية .. أمسية قضيتها رفقة الكاتبة الكبيرة جميلة زنير فتحت لي فيها قلبها قبل بيتها ..

ثلاث ساعات تمنيتُ أن تمتد لثلاثة أيام بلياليها كي أشبع فضولي من هذه الكاتبة التي لن تشبع فضول .. أحد .. لا لأنها تتكتم على سر ما ولكن لأنها امرأة في صفاء البلور ولا تخفي سرا ..

هنا في بيتها بوسط مدينة جيجل في أحد الأمكنة الأكثر حميمية كان اللقاء وكان الحديث الذي جرى بلا أسئلة وبلا استفسارات .. لقاء بلا فواصل .. ولا نقاط استفهام أو نهاية .. أو حتى نظام تكلمتْ جميلة على سجيتها .. رحبت بي في بيتها وفي مدينتها هي القادمة من مكان آخر .. فأحسستُ أنني أنا من كنتُ غائبة عن جيجل كل هذه السنوات .. كيف لا وبيتُها الجيجلي العريق عاد بي إلى أحضان أمي وجدّتي ولم أعرف كيف أخرج من عبق المكان والحنين إلى الزمن الجميل في(حجيرة غولة) و(باب السور) ..

أمكنة لها سحرُ الطفولة والحضور والذكرى والشوق الذي لا ينتهي .. بلهجة جيجلية طعّمتها جميلة ببعض الكلمات من هنا وهناك بعضها من سكيكدة .. وبعضها الآخر من عنابة وقسنطينة فتحتْ قلبها وتحدثت عن هموم بلدها وعن الثقافة وعن نظرتها للحياة في هدوء وثقة ..

لا تعرف جميلة كيف تُزخرف كلامها إنها تطلقه على عواهنه صادقا وبسيطا لكنه عميق وموغل في الانتماء وكأنه قادم على متن سفينة من الزمن الفينيقي المملوء بحكايا البحر و مغامراته التي لا تنتهي ..

ومع ذلك فلم أستطع أن أشبّهها بالبحر وهي ابنته القادمة منه إليه رغم أنه جميل ومعطاء .. لم أستطع لأنني أعرف أنه متقلب وغدار وجميلة ليست كذالك ..

هي امرأة تشبه النخلة السامقة وإن كانت لا تعرف الصحراء .. تشبهها في شموخها وفي عطائها وصبرها وصمودها في وجه الحر اللاهب والزمن الذي لايرحم

امرأة بحجم مدينة تلك التي كنتُ أتكلم عنها دائما وأبحث عنها كلما سألني أحدهم عن المرأة ..

امرأة بحجم وطن يحتاج إلى حضن امرأة لم تغادره إلا لتختفي في أحضانه بكل ضعفها .. بكل حميميتها .. بكل عشقها له وذوبانها في ذرات ترابه التي تود احتضانها لا دوسها ..

لم يكن موضوع الحديث محددا لكنه كان شيقا ..

قالت جميلة أن الأمور الثقافية بجيجل تغيرت وأنها لم تكن تفكر يوما أن تصل إلى ما هي عليه وأنها لو كانت تعلم ذلك لما غادرتها وهاجرت( بدعوتها الأدبية) إلى غيرها .. مع أنها فعلت ذلك لأسباب أخرى ومع ذلك فلم أجد عند جميلة ما يدل على ابتعادها عن جيجل لا في شخصها ولا في كلامها ولا في كتاباتها ..

امرأة تكتب من عمق الصمت في مدينتها التي تملأ أنفها وصدرها برائحة(السّردين) الذي يعرف (الجواجلة) جيدا ما معنى أن تتعطر جيجل بعطر البحر وما معنى أن تتغذى على خيراته .. وأن تحلم بكنوزه التي لا تنتهي.

تلك التي تنام شتاء على هديره المخيف وتسهر صيفا على وشوشات أمواجه التي تتلاعب على ..

شواطئها الجميلة ..

تلك المدينة التي تتكلم الصمت تعلمتْ منها جميلة كيف تحترف الكتابة على وقعه المهيب ..

هكذا أكدت لي نظرات جميلة وحركاتها وابتسامتها التي لم تفارقها لكنها كانت تتغير بحسب كلامها فقد كانت تنفرج أساريرها أحيانا حتى تكاد تسترجع طفولتها لكنها تنحسر شيئا فشيئا لتقف على شفتيها الحزينتين. أحيانا أخرى .. لتنتقل بعدها بالكلام إلى مواضيع أخرى لا تخلو هي الأخرى من مرارة ..

جميلة زنير امرأة مسئولة وتحس بثقل هذه المسئولية هي عضو في لجنة القراءة بوزارة الثقافة وعضو في لجان تحكيم لجوائز القصة القصيرة ورئيسة لجنة في بعض مسابقات القصة ولكنها لا تبدي ذلك إلا إذا اتصل به موضوع الحديث ..

إنها لا ترى في ذلك فخرا بقدر ما تراه واجبا تحرص على أدائه ..

هي تحفظُ مواضيع القصص التي نالت جوائز تحت إشرافها وتذكر ذلك ببعض التفاصيل وتحدد بدقة ما هو السبب الذي جعل هذه القصة أو تلك تحصل على الجائزة باعتبارها مسئولة عن القصة وتحدد أيضا ما الذي جعل أخرى لا تحصل على ذلك .. لكنها لا تذكر الأسماء لأنها تنساها من كثرة تعلقها بالنصوص ..

تتحدث عن تلك النصوص الجميلة التي أعجبتها ثم تقول وهي تبتسم نسيت اسم الكاتب (الكاتبة) سأخبرك به عندما أتذكره .. وبعد أن ننتقل إلى موضوع آخر تقطع كلامها لتقول أنها تذكرت اسم ذلك الكاتب أو تلك الكاتبة وهكذا تجعلك تعرف أنها لم تنس اسمه وأن الأمر كله يحتاج فقط إلى مجرد نقطة نظام ..

لا تخفي جميلة امتعاضها من بعض الأمور الثقافية لكنها لا تريد التفصيل ولا التصنيف ولا أن تحمّل أحدا المسؤولية

لمْ تتطاول على أي كاتب أو كاتبة وتحتفظ برأيها بين قوسين دائما ليس لأنها بعيدة عن فهم وسطها المملوء بالمطبّات و الالتواءات ولكن لأنها امرأة خُلقت للكتابة والكتابة فقط ..

مخزونها من الكلام الجميل لا ينتهي ولن ينتهي .. ومع ذلك فلن تسخّره في مهاجمة فلان أو فلانة بل تبسطه لتلتقط به الأساطير وتهدهد به الأطفال في حكاياتها الجميلة كي يناموا على همسها البرئ* .. تتزاحم الأفكار في رأسها لكنها لا تنسى حديثا بدأته وستعود بك إلى نهايته حتى لو صرفت نظرك عنه .. لعله الإحساس بالمسئولية التي تعلمتها من عملها كأستاذة ..

و ككل أم ومربية تعلن أنها تحسّ بالتقصير نحو أبنائها الذين قد يكونون افتقدوا حنانها في زحمة انشغالها بتلاميذها أو أن يكون تلاميذها قد حرموا من ساعة عطاء تربوي أو معرفي كانت فيه مشغولة بأحد أطفالها الذي كان مريضا ..

صراع ينتاب كل ذات ضمير يخاطب أمومتها لهؤلاء وهؤلاء معا .. تقول عن جيلها أنه جيل عصامي تحدى كل الظروف التي كانت كلها قاسية وسعى إلى تطوير نفسه وبلده ولازال يفعل أو على الأقل لازالت هي تفعل ذلك بقناعة راسخة وأنها لو عادت إلى الوراء فستفعل نفس الشئ وربما أكثر من أجل وطنها .. الذي تتفانى في حبه وتعتقد أنه مازال لم يحقق أهدافه الكبرى خاصة في الميدان الثقافي رغم توفره على أدباء كبار ..

تتحدث عن البعض بوفاء شديد كالروائيين الراحلين عبد الحميد بن هدوقة والطاهر وطار .. تتحدث عن المؤسسين الأوائل لكل الاتحادات الثقافية الموجودة وكيف أنها كانت الوحيدة الموجودة من بين الحاضرين امرأة ..

ستقدّر تضحية هذه المرأة الجيجلية عندما تعرف أن لا واحدة (جيجلية) لها تلك الشجاعة كي تخاطر الآن وتحضر مؤتمرا من مثل هذا النوع وبعد مرور كل هذا الزمن فما بالك قبل أربعين سنة من الآن؟ وستعرف أيضا أي إلهام كان يربطها بالكلمة وأي تمائم أحاطت بعنقها كي تتحدى هذا المجتمع الكتوم .. الموغل في الصمت .. الصارخ بأعلى صوتها ..

هذا المجتمع الصغير الكثير الشك .. الذي لا يتورع عن كيل الاتهامات لهذه وتلك دون دليل هذه الاتهامات التي هي في عرفه إدانة دامغة فلا أحد يتعب نفسه هنا في معرفة القاعدة القانونية التي تقول أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته .. وله قاعدة أخرى لم يجتهد في معناها وهي أن المتهم مدان ولن أحقق في براءته ..

وستعجب بهذه الصبيّة التي كان يصطحبها والدها إلى الملتقيات والمؤتمرات والذي يظل يراقبها .. و يذوذ عنها الكاميرات وآلات التصوير؟؟؟

وستترحّم على روحه لأنه كان أبا فاضلا ومؤمنا بموهبة ابنته التي لا تشبه الأخريات ولكنه حافظ في ذات الوقت على احترام أعراف القبيلة الجيجلية المحافظة ..

لن تتفاجأ أن جميلة زنير كانت من أوائل المؤسسين لكتابة للقصة في جزائر ما بعد الاستقلال وربما كانت سابقة لكثير من الأسماء الأولى خاصة بالنسبة للكتابة النسوية مع أنني أكره هذا المصطلح الذي يكرّس الهيمنة والحصر أكثر مما يؤسس للتخصيص والأهمية ..

قصصها كانت تقرأ على أمواج الأثير في البرامج الأدبية في السبعينات استمعت أنا نفسي إلى إحداها بعنوان (لن يطلع القمر) .. وكنت لا أزال تلميذة في المدرسة المتوسطة

تقول جميلة أنها تحتفظ بعشر منها على الأقل .. طبع البعض منها وتفكر في طبع الأخرى لكنها لم تجد الوقت لذلك وربما ستتركها للباحثين في الأدب وطُلاّبه ..

جميلة زنير أكدت لي وللمرة الثالثة (إذ كانت فعلت ذلك في مكالماتها الهاتفية معي) إعجابها بالكتابات الحديثة أو كتابات الشباب .. تقول أن أسلوبهم جميل جدا ومشوق وبعيد عن الأسلوب المباشر الذي كان سائدا قيل أربعين سنة ..

المواضيع التي يكتب فيها الشباب جديدة ومتفتحة على الآخر وعلى الإنسان بصورة أوسع .. ربما يعود هذا إلى تفتح هؤلاء على عوالم الأنترناث .. ومواقع التواصل الاجتماعي والعولمة .. ذكرتني ملاحظتها بكاتبة أخرى اتصلت بي في نفس اليوم لتعلق على موضوع زميل لنا نشر في جريدة وطنية وكانت تنتقد أسلوبه التقريري الممل حسب قولها وبعده عن الأدب والإبداع. ولكي أهوّن عليها سألتها (ولم أكن قد قرأت النص)

هل كان النص بلغة الخشب؟ فأجابت ..

لا كان بلغة (ذهب عمر إلى المدرسة*)

قلت لها: احمدي الله أنه لم يُكتب بلغة (ذهبت أمي إلى السوق) أو (نورة تحلب البقرة) تصوري كيف كنت ستغرقين في فوضى السوق أو كيف كان الحليب سينسكب على كل أوراقك ويبللها ..

ضحكنا وانقطعت المكالمة ..

جميلة ليست مثل زميلتي تلك التي تثور وتنتقد بشدة .. لكن يهمها جدا. أن يكتب الجميع أو على الأقل .. كل من يحس بموهبة تدفعه للكتابة لكنها ترى أن الموهبة تفرض نفسها مهما طال الزمن ومهما حدث من التباس أو تدليس أو إقصاء أو تهميش ..

أ لم تصبر هي لأكثر من ثلاثين سنة كي ترى موهبتها النور؟ ألا تفعل كاتبتنا شيئا من أجل ألا تعاني الأخريات ما عانت ؟

بلى هي تشجّع الأخريات والآخرين أيضا بطريقتها .. ترفض أحيانا أن تتحدث عن ذلك لأنه تعتبر إخراج المواهب إلى النور من صميم إبداعاتها ومن أوجب واجباتها ..

تلمس عند الكاتبة جميلة زنير الكثير من التميز إنك لا تستطيع مقارنتها لا بزهور ونيسي ولا بزوليخا السعودي ولا حتى بأحلام مستغامي فهي لا تشبه إلا جميلة زنير سواء في أسلوبها أو في مواضيعها ولا حتى في شخوصها وهل كانت جميلة إلا لأنها لا تشبه إلا نفسها؟؟ ..

لا تجد عند جميلة أي نوع من التقارب الأدبي حتى مع زوجها الأستاذ إدريس بوذيبة حيث تلاحظ أنها نقشت اسمها بعيدا عن قلمه وإن كان قد تعرض بالنقد لبعض نصوصها ..

قد يكون هناك تقارب من نوع ما لكن لا أحد يجعلك تدركه لا من ناحيتها ولا من ناحية الأستاذ بوذيبة ..

.لن تندهش أبدا فهذه الكاتبة بدأت تنحت في صخر التقاليد و الحواجز قبل ذلك بكثير معتمدة على موهبتها لا غير .. قد تكون محظوظة قليلا حين ارتبطت برجل يعرف هذا الميدان جيدا ..

تؤمن جميلة بالتغيير لكنها لا تبحث كثيرا في ملفات الإيديولوجيا .. هى امرأة وسط كما بلدها كما مدينتها كما أهلها تعرف بسيماها لا بسمات غيرها ..

تنسحب من أية معركة غير متكافئة السّلاح لتترك الفرصة لقلمها ينوب عنها في توصيل رسالتها وتقول عن نفسها أنه ليست محاورة جيدة وأفكارها تهرب منها وتتلعثم أمام محاورها ولو على أبسط الأشياء ..

لا يدهشك هذا فالمرأة قليلة الكلام كثيرة التفكير .. رأيها صريح وواضح ولا يحتمل التأويل وقد يكون حادا ولكنه صادقا أو على الأقل في تلك اللحظة التي أعلنت عنه فيها ..

في بيتها الصغير في حي (لازوين*) وضعت ُلجميلة عدة افتراضات إلى أين ستتجه وهي تخرج من الحي الشعبي المعروف وفي أي اتجاه ستطلق قدميها في مملكة الرياحين جيجل كما أسمتها هل ستعرج وهي تتجه إلى الأمام على أحد الأحياء الشهيرة الذي طغى اسمه الشعبي (طريق الشورى) على اسمه الرسمي (العقيد لطفي) ..

حيّ أثير أخذ اسمه من مهمته حيث كانت (ولازالت) تشتري منه العرائس جهازهن قبل أن تقام المدينة الجديدة في الأعالي في حي الفرسان وتنافسه أحياؤها في هذه المهمة النبيلة .. أم تنطلق مباشرة باتجاه المسجد الكبير الذي يحمل اسم أحد فقهاء المدينة الشيخ محمد الطاهر ساحلي لتتذكر بكثير من الوفاء جهده وجهاده مع الرعيل الأول في الحفاظ على هوية جيجل العربية المسلمة ..

هذا (الخطابي) الأصيل ثبت مع من ثبت لا يلوي على طريقة إلا اتبعها من أجل دينه ومدينته بغض النظر عن أشياء أخرى .. وستذكر وهي ترى اسم الشيخ أخته (لالة الزهرة) وهي من المعلمات الأوائل في مدرسة (الحياة للبنات) التي كانت تابعة لجمعية العلماء والذي كان الشيخ من ناشطيها. (جمعية العلماء). وكانت جميلة من تلميذاتها (مدرسة الحياة للبنات) ..

ربما لن تذكرها جدران هذه المدرسة التي لازالت شامخة وسط المدينة ولو كانت قد تركت فيها قلبها ذات انكسار ..

وسوف لن تتعرف جميلة على اسمها الذي تحول إلى بومعزة رشيد .. ورغم أنها تقدس الشهداء وتتفانى في الاعتراف بتضحياتهم التي لا تُضاهى إلا أن التغيير سيصدمها لأنها لم تستفق بعد من الصدمات الأخرى التي تلقتها جراء التغيير الكبير الذي طال مدينة الذكريات هذه عبر سنوات حلّها وترحالها منها وإليها ..

هل ستواصل جميلة في اجتياز منعرجها حتى تصل باب السور لتلتفت إلى بيتها العائلي الكبير بكثير من الشوق والحنين وهل سيسرقها الشوق فتهرع باتجاه المقبرة حيث ينام الأجداد بسلام مقابلين (حي بومارشي) القديم الجديد؟؟ أم أنها ستمضي لتتخطى (بين النصارى) لتصل إلى الشاطئ وتتمشى على الكورنيش الجميل .. ؟؟؟

هذا الكورنيش الذي لم تمش عليه أي من الجيجليات لأسباب (محلية) لا تفهمها سواهن وسوف لن تفعل الجيجليات الحاليات ذلك لأسباب أخرى لا علاقة لها بالمحلية ولا بتلك الأسباب التي كانت قبل عقود ..

لكنني أعرف أن جميلة ستتجول في المدينة بقلبها المملوء بالحنين والذكرى .. لن تترك فيها زاوية ولا يبتا ولا (زنقة) أولم تفعل؟

بلى وهل تكتب جميلة سوى من وحي المدينة المقدسّة جيجل مملكة الرياحين؟

غادرتُ بيت جميلة وأنا محمّلة بكثير مما يقال .. وكثير مما يُدون كتبتُ ما كتبتُ وسأعود لأكتب مرة أخرى كلما هطل على ذاكرتي فيض من غيث هذه الزيارة التي كانت كما توقعتها في عمق هذه الكاتبة المتواضعة جدا وفي مثل صدقها ..

قد أكون نسيت بعض التفاصيل لامتزاج اللقاء باضطرابات العواطف واختناقات الدموع لكنني متأكدة أنني سأعود لاستذكاره كلما حدث ما يذكرني به .. وقبل ذلك سأعترف بما لم أستطع أن أنتزعه من جميلة هو الحديث عن (أنيس) الروح حتى عندما أردت أن أفعل ذلك بطريقة غير مباشرة اختنقت ابتسامتها .. وانتقلت إلى موضوع آخر فاحترمتُ حزنَها الشامخ الذي بثته في كتابها ذاك بوشائج الروح و فتيت الفؤاد ..

ولم أتجرأ على العودة إلى الذكرى الأليمة .. تقديرا لصبرها الأثير وفضلتُ أن أعود محتفظة بصورتها وهي تفتح لي الباب محملة بابتسامتها ووعدها بلقاء آخر قد يكون في مكان آخر لا تخنقه دموع الذكريات ..

 

فاطمة الزهراء بولعراس

يوميات نصراوي: أوراق قديمة لسالم جبران

nabe  odaتحل الذكرى الثالثة لرحيل الشاعر والمفكر والإعلامي سالم جبران في أواسط كانون أول الجاري.

لفت سالم جبران الانتباه والاهتمام بشعره قبل ان ينتقل للعمل الإعلامي والسياسي مناضلا ومثقفا ثوريا.

كان سالم سياسيا مجربا تمرس في النضال اليومي والنشاط الحزبي السياسي والإعلامي والتنظيمي، ترأّس تحرير مجلة الشباب "الغد"، ومجلة "الجديد" الثقافية، وصحيفة "الاتحاد".

في بداية 2000 استلم سالم جبران رئاسة تحرير جريدة "الأهالي" المستقلة التي صدرت في البداية كصحيفة أسبوعية ثم ثلاث مرات في الأسبوع، وقد عملت معه نائبا لرئيس التحرير، وكانت تلك جامعتي الفكرية والإعلامية، وأغلقت تلك التجربة عام 2005 لأسباب مادية.

المعروف ان سالم ترك الشعر وغرق بكل فكره وطاقاته بالنشاط الإعلامي، لكن الحقيقة ان سالم كان "يقمع" روحه الشعرية.. ربما من شعوره انه "تخلّف" عن ركب رفيق عمره محمود درويش، ولقناعته أن النشاط السياسي والإعلامي بات ضرورة ماسّة لا تقل أهمية عن التفرغ للشعر.

هل حقا ترك سالم الشعر؟

صداقتي مع سالم سبقت العمل في "الأهالي" واستمرت بعد "الأهالي"، بدأت صداقتنا منذ كنت طالبا ثانويا في مدرسة اورط في الناصرة، حيث جاء سالم جبران، محرر مجلة "الغد" وقتها، ليغطي إضرابا كنا قد أعلنّاه احتجاجا على النقص في التجهيزات التعليمية، عرفني من قصة قصيرة كنت قد نشرتها في مجلة "الجديد" (ربما عام 1962)، وحثّني ان انضمّ للشبيبة الشيوعية وان يضمّني لهيئة تحرير مجلة "الغد". طبعا تحمّست وشعرت اني أسبح في الفضاء.. يومها جنّدت عددا من الطلاب (8 أو 9) لنلتقي أسبوعيا مع سالم جبران في نادي الشبيبة الشيوعية في الناصرة، قدّم لنا سالم جبران محاضرات عديدة، ثقافية، فكرية وسياسية. بدأنا نتعرف على الفكر الشيوعي ومفاهيم الإشتركية، ثم شارك في المحاضرات لفريقنا الصغير قادة حزبيون، كان منهم المرحوم د. إميل توما، والمرحوم نمر مرقص سكرتير منطقة الناصرة للشبيبة الشيوعية في ذلك الوقت.

استمرت تلك المحاضرات لمجموعتنا أكثر من ستة أشهر قبل ان ننضم كلنا إلى صفوف الشبيبة الشيوعية. انا شخصيا كنت قد بدأت أنشط في هيئة تحرير مجلة "الغد"، كتبت ريبورتاجات وتقارير فنية، دفعني سالم لاستعراض بعض الكتب، طبعا مررت بتجربة مثيرة كثيرا ما اضطرني سالم ان أعيد الصياغة كلها أو مقاطع منها لتكون لغتي متماسكة واضحة، استطيع القول ان نشاطي في "الغد"، إلى جانب تطوير لغتي الصحفية ومفاهيمي الإعلامية، فتحت أمامي آفاقا حدودها السماء، لم أتوقف عن الكتابة بكل أشكالها حتى وأنا أعمل في مجال الحدادة، بعد ان فشلت في الحصول على وظيفة مناسبة.

حين استلم سالم رئاسة تحرير جريدة "الأهالي" كنت قد تقاعدت من الحدادة إثر إصابة عمل، وكانت "الأهالي" تبحث عن محرر آخر فتقدمت بطلب للعمل في "الأهالي"، كانت هناك أسماء صحفية بارزة، لم أتوقع ان يصر سالم على صاحب الجريدة السيد علي دغيم بأن يختارني من بين أكثر من خمسة صحفيين لهم تجربة لا يستهان بها.

تجربتي في الأهالي إلى جانب سالم أحدثت انقلابا في تفكيري ونشاطي الإعلامي، بعد فترة قصيرة سُمّيت رسميا كنائب لرئيس التحرير، رغم اني عمليا كنت نائب رئيس التحرير من اليوم الأول، واستلمت رئاسة تحرير مجلة "طلاب الأهالي".

قربي من سالم يجعلني اشهد ان سالم لم يخن الشعر. لكنه لم ينشر ما كان يكتب. كنت أحاول إقناعه ولسبب لا أفهمه يصر على الرفض. اعرف شيئا آخر، لسالم نصوص شعرية نثرية كتبها بين (2003 – 2004) فقدناها، تشكل ديوانا كاملا. ما زلت آمل ان نجدها.. قرأها لي ولعدد من الأصدقاء بينهم شاعر العامية سيمون عيلوطي.

في فترة عملنا أعطاني لأقرأ قصيدتين.. لشاعر اسمه رفيق الشريف.. هذا اسم مستعار استعمله سالم في مجلة "الغد". سألته لماذا لا ينشرهما باسمه؟ لا أتذكر جوابه.. أعطيت القصيدتين للطباعة. كنت أنوي نشرهما بدون إذنه حتى باسم رفيق الشريف لأني اعتقد ان أكثرية القراء كانوا يعرفون من هو رفيق الشريف. لكني كنت مضطرا ان أعطيه نسخة ليصححها.. قال بطريقة أغلق فيها النقاش: لا أريد نشرهما!!

يبدو ان نسخة مسوّدة ظلّت بين أوراقي. قبل فترة قصيرة تفاجأت وانا ارتب مكتبتي بالقصيدتين بين أوراقي. راجعت ديوانه الكامل فلم أجدهما. طبعا سأنشرهما.. لكني أخاف ان تكون أخطاء ما لم تصحَّح وأردت ان أتأكد مرة أخرى ان رفيق الشريف هو سالم جبران.

المرجع الأفضل لذلك هو البروفسور سليمان جبران رئيس كرسي اللغة العربية بجامعة تل أبيب سابقا، باحث لغوي وناقد، وأخ سالم جبران. راجع القصيدتين وأخبرني بالطبع هذه روح سالم وأسلوبه واسمه المستعار. صحح القصيدتين وأرجعهما لي وها انا أقدمهما للقراء بمناسبة الذكرى الثالثة لرحيله.

أوراق قديمة لسالم جبران:

1)      عتــاب

أتهجرني...

وتترك قلبي الراعفْ

بلا كفنِ؟!

ولا تسألْ

كأنكَ لست تعرفني

ويُغضبني

ويُلهب كلّ أعصابي

وجومك حين تلمحني

وكانت بسمة جذلى

تنير ظلام أيّامي

وتجعلني أحبّ الناس، كلّ الناسِ

في وطني وفي الكونِ

فما ذنبي لتتركني

وحيدا أقطع الدربا

وأحزاني

نصال تقطع القلبا

         ***

أنا ماشٍ على دربي

كئيبا يائسا تعِبا

ولكنّي

سأبقى رغم أحزاني

طوال العمر مرتقبا!

********

2)      لهــا ولا ذنـــب لهـــــا

لها حبّ كأطراف المساميرِ

ولي قلب كأوراق الأزاهير، وأهواها..

وكم تقسو ولا تأسو

وكم أرضى ولا أقسو

وأسلو عن خطاياها

فيا وجدا برى جسدي

وخلاني

جريحا نازفا كبدي

ويا شوقا يسهّدني

ويُجهدني

كفاني ظلم أيامي

ويكفيني

الذي ألقاه في وطني

من الآلام والمحنِ!

 

 

تماثيل دستويفسكي

توفي الكاتب الروسي الكبير فيودور ميخايلوفيتش دستويفسكي عام 1881 في مدينة بطرسبورغ بروسيا ولم يكن هناك اي تمثال له اثناء حياته طبعا مثل كل الكبار والعظام من المفكرين والعلماء والفنانين والادباء ...الخ في كل زمان ومكان، فالتماثيل تقام فقط لمن يقف على رأس السلطة الحاكمة اثناء حياتهم وحكمهم، اما للاخرين من الذين يستحقون ذلك فعلا فان التماثيل تقام بعد مرور وقت طويل جدا من رحيلهم الابدي، ولكن عملية نصب التماثيل لهم تستمر بعد رحيلهم حسب مسيرة عملية انتشار مجدهم بعد الموت وحسب قيمة موقعهم الفكري وتأثيرهم في مسيرة مجتمعاتهم وطبيعة تلك المجتمعات وسلطاتها الحاكمة ومستوى ثقافتها طبعا، واول تمثال اقيم لدستويفسكي في موسكو كان في عام 1918 (اي بعد 37 سنة من وفاته)، واستمرت عملية اقامة التماثيل له في روسيا(وخارجها ايضا) ولحد الان، وآخر تمثال اقيم له كان في عام 2010 في مدينة توبولسك الروسية (اي بعد 129 سنة من وفاته)، ونتناول في مقالتنا هذه قصة تلك التماثيل لمؤلف روايات الجريمة والعقاب والاخوة كارامازوف والابله وبقية الروائع الادبية المعروفة في بلده روسيا وفي العالم اجمع .

نتوقف قليلا عند التمثال الاول لدستويفسكي في روسيا، والذي تم تدشينه عام 1918 ويجسٌد دستويفسكي واقفا ومنحني الظهر قليلا وعلامات المعاناة والآلام بادية على وجهه، ويبدو – خصوصا من بعيد - وكأنه عجوز متقدم جدا بالعمر. من المعروف ان الامبراطورية الروسية اشتركت رسميا وفعليا في الحرب العالمية الاولى (1914 – 1918)، وان ثورة اكتوبر الاشتراكية حدثت عام 1917، والتي أدٌت فيما بعد الى انهيار الامبراطورية الروسية وانسحابها من تلك الحرب طبعا بعد انهيارها وتاسيس دولة الاتحاد السوفيتي، ولهذا فان اقامة وتدشين تمثال دستويفسكي عام 1918 يثير تساؤلات عديدة جدا في تلك الفترة التاريخية الحرجة والصعبة والانتقالية والتي تمتلك خصوصية جدا في تاريخ روسيا ومسيرة احداثها، اذ ان تاسيس الاتحاد السوفيتي وما رافق ذلك من احداث قد ادٌى الى الحرب الاهلية بين (البيض) و(الحمر) اي بين انصار الجيش الامبراطوري الروسي الذي بقي مواليا للقيصر (الجيش الابيض) وبين انصار(الجيش الاحمر) الذي تم تشكيله من انصار الثورة الاشتراكية كما هو معروف، ويبدو من المؤكد ان قرار اقامة وافتتاح تمثال لدستويفسكي قد تم قبل فترة من تلك الاحداث الجسام، وتم تنفيذه ليس الا في ذلك التاريخ (اي عام 1918)، علما ان افكار دستويفسكي وفلسفته – كما هو معروف - لم تكن تنسجم ابدا وروحية الثورة الاشتراكية التي حدثت آنذاك ولا مع افكارها واهدافها، ولكن التمثال – على الاغلب - تم تدشينه فعلا لعدم استقرار الوضع العام في ذلك الحين وعدم حسم قضية السلطة، وهكذا – وبعد استقرار الوضع في روسيا – قررت السلطة السوفيتية عام 1936 نقل هذا التمثال من موقعه في شارع من الشوارع الكبيرة والمهمة بموسكو ووضعه امام بناية المستشفى التي كان يعمل بها والد دستويفسكي، والذي كان يسكن مع عائلته في شقة للاطباء تابع للمستشفى، وهناك في تلك الشقة ولد فيودور دستويفسكي وعاش طفولته وصباه الى ان بلغ عمره 16 سنة، وعليه فقد وجدت السلطة السوفيتية التبريرات المنطقية المناسبة لنقل التمثال الى هناك، حيث ولد وعاش دستويفسكي، وكان هذا هو التمثال الوحيد في موسكو لدستويفسكي طوال تلك الفترة غير القصيرة في تاريخ روسيا (واذكر ان احد النقاد الروس قد كتب يقول ان دستويفسكي قد هاجر من روسيا بعد الثورة الاشتراكية كما هو حال معظم الادباء الروس آنذاك رغم انه توفي عام 1881 !)، اما التمثال الثاني فقد تم تدشينه في عام 1993 اي بعد سنتين من انهيار الاتحاد السوفيتي، وقد تبرع بتكاليفه احد المواطنين الروس واقامه في ضيعة بين الحقول والازهار وكتب على قاعدة التمثال كلمات – (الى رسول الوطن)، ورغم اهمية هذا الحدث ورمزيته الا ان التمثال الثاني الحقيقي والرسمي له تم تدشينه في عام 1997 بموسكو (اي بعد 116 سنة من وفاة دستويفسكي وبعد 75 سنة من اقامة التمثال الاول له !) وذلك قبيل الاحتفالات بالذكرى ال 850 سنة على تاسيس موسكو، وقد تم نصبه امام المكتبة المركزية (مكتبة لينين سابقا) قرب مركز مدينة موسكو، وهو تمثال ضخم جدا ومتميز فعلا، ويجسٌد دستويفسكي جالسا على كرسي وهو يحدٌق بتأمل وحزن دفين في الساحة المحيطة به، ويشعر الشخص الواقف امامه وكأن الكاتب يحدق في عينيه اينما يدور حول التمثال (وهو الانطباع الموجود عند النظر الى لوحة الموناليزا الشهيرة في متحف اللوفر الباريسي)، وقد تم نصب نفس هذا التمثال في عام 2006 في مدينة دريسدن الالمانية وافتتحه آنذاك الرئيس الروسي بوتين مع مستشارة المانيا السيدة ميركيل، وبما اننا نتحدث عن المانيا فيجب الاشارة حتما الى انه يوجد تمثال آخر لدستويفسكي في المانيا تم افتتاحه عام 2004 بمدينة بادن بادن، حيث خسر دستويفسكي كل امواله في صالات المقامرة هناك، والتمثال هذا فريد من نوعه بكل معنى الكلمة، اذ انه يجسٌد الكاتب وهو يرتدي معطفا ضيقا ومبعجا ويقف حافي القدمين على نموذج مصغٌر من الكرة الارضية، وتقف الكرة الارضية هذه على صحن كبير مسطح، وهو التمثال الوحيد بالعالم الذي يصور دستويفسكي حافي القدمين، ورمزيته واضحة المعالم جدا، اذ انها تشير الى خسارته لكل شئ في القمار عندها، وهي قصة معروفة للجميع، ولكنه – مع ذلك – يقف على كل الكرة الارضية شامخا رغم انه حافي القدمين . ونعود الى قصة تماثيل دستويفسكي في روسيا، ونشير الى تمثال اقيم له في بطرسبورغ في نفس ذلك العام الذي افتتح فيه تمثاله في موسكو، اي عام 1997، وقد تم تدشينه قرب شقته التي كان يسكن فيها في بطرسبورغ (والتي توفي فيها، وهي في نفس الوقت ليست بعيدة عن تلك الكنيسة التي كان يزورها دائما، والتي تم الصلاة على جثمانه فيها، وقد تحولت الشقة الان الى متحف يزوروه الكثيرون من المعجبين به لحد الان)، هذا التمثال يجسٌد دستويفسكي جالسا على كرسي وهو في حالة تأمل، ومن الطريف ان نشير هنا الى ان هذا التمثال غالبا ما تكون الورود الطبيعية موجودة بين يدي دستويفسكي، وهي ورود يقدمها المعجبون به ولحد الوقت الحاضر. اما التماثيل الاخرى له، فيجب الاشارة حتما الى تمثال اقاموه له في مدينة اومسك بسيبيريا عام 2001 (وهو ثاني تمثال له في تلك المدينة)، حيث كان يقضي سنوات سجنه في تلك المدينة السيبيرية، وهذا التمثال متميز جدا، اذ انه يجسٌد دستويفسكي وهو واقف ومكبٌل بالسلاسل الحديدية، والتي ترمز بالطبع الى كونه كان سجينا هناك.

ان قصة تماثيل دستويفسكي ترتبط طبعا بمسيرة حياته ومواقف المجتمع الروسي تجاه هذا الكاتب الكبير وابداعه، والاطلاع على قصة هذه التماثيل تمنحنا نموذجا (واكاد ان اقول درسا) لما يمكن لنا ان نعمله نحن مع مبدعينا المظلومين اثناء حياتهم وبعد رحيلهم الابدي .